1
2
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين و صلى الله على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.
كتاب الصلاة
و فيه أبواب
(الباب الأول) في المقدمات:
المقدمة الاولى في فضل الصلوات اليومية
و انها أفضل الأعمال الدينية و ان قبول سائر الأعمال موقوف على قبولها و انه لا يقبل منها إلا ما اقبل عليه بقلبه و انه يجب المحافظة عليها في أوائل أوقاتها و الإتيان بحدودها و ان من استخف بها كان في حكم التدارك لها، و ينتظم ذلك في فصول:
(فصل)
روى ثقة الإسلام و الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربهم و أحب ذلك الى الله تعالى ما هو؟ فقال ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى ان العبد الصالح عيسى بن مريم قال «وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ» (2) و زاد في الكافي «وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أعداد الفرائض.
(2) سورة مريم، الآية 32.
3
و روى المشايخ الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربهم؟ فقال ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من الصلاة».
بيان: في هذا الخبر الشريف فوائد يحسن التنبيه عليها و التعرض إليها لأن كتابنا هذا كما يبحث عن الأحكام الفقهية يبحث ايضا عن تحقيق معاني الأخبار المعصومية:
(الفائدة الأولى)
- يحتمل ان يكون المراد بالمعرفة في الخبر معرفة الله عز و جل و يحتمل الحمل على معرفة الإمام (عليه السلام) فان هذا المعنى مما شاع في الاخبار كما تكاثر في أخبارهم من إطلاق العارف على ما قابل المخالف. و يحتمل الأعم منهما بل و من سائر المعارف الدينية و الأصول اليقينية و الأول يستلزم الأخيرين غالبا،
و في كتاب الفقه الرضوي (2) «و اعلم ان أفضل الفرائض بعد معرفة الله عز و جل الصلوات الخمس».
و هو ظاهر في تأييد المعنى الأول، و المراد بالصلوات هي اليومية و الإشارة بهذه انما هو إليها لأنها الفرد المتعارف المتكرر المنساق الى الذهن عند الإطلاق، و في العدول إلى الإشارة عن التسمية تنبيه على مزيد التعظيم و تمييز بذلك لهذا الفرد أكمل تمييز كما قرر في محله من علم المعاني.
[الفائدة] (الثانية)
- ظاهر الخبر يقتضي نفي أفضلية غير الصلاة عليها و المطلوب ثبوت أفضليتها على غيرها و أحدهما غير الآخر فان نفى وجود الأفضل منها لا يمنع المساواة و معها لا يتم المطلوب، قال شيخنا البهائي زاده الله بهاء و شرفا في كتاب الحبل المتين:
ما قصده (عليه السلام) من أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال و ان لم يدل عليه منطوق الكلام إلا ان المفهوم منه بحسب العرف ذلك كما يفهم من قولنا ليس بين أهل البلد أفضل من زيد أفضليته عليهم و ان كان منطوقه نفى أفضليتهم عليه و هو لا يمنع المساواة. انتهى. أقول: و يؤيده ان السؤال في الخبر عن أفضلية ما يتقرب به العبد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أعداد الفرائض.
(2) ص 6.
4
و أحبه الى الله عز و جل فلو لم يحمل على المعنى الذي ذكره شيخنا المشار اليه للزم عدم مطابقة الجواب للسؤال.
[الفائدة] (الثالثة)
- ظاهر الخبر ان الصلاة أفضل مطلقا سواء كانت في أول وقتها أو في وقت الاجزاء إلا انه
روى عنه (صلى الله عليه و آله) (1) «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها».
فيجب ان يقيد به إطلاق هذا الخبر عملا بقاعدة وجوب حمل المطلق على المقيد و على هذا لا يتم المدعى. و أجيب بأن الخبر الأول دل على انها أفضل مطلقا وقعت في أول الوقت أو آخره و الخبر الآخر دل على كونها في أول الوقت أفضل الأعمال و لا منافاة بينهما ليحتاج الى الحمل المذكور فإن الصلاة مطلقا إذا كانت أفضل من غيرها من العبادات كان الفرد الكامل منها أفضل الأعمال قطعا بالنسبة إلى باقي إفرادها و الى غيره.
[الفائدة] (الرابعة)
- قال بعض مشايخنا (قدس سره) في جعله (عليه السلام) قول عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) «وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ. الآية» (2) مؤيدا لافضلية الصلاة بعد المعرفة على غيرها نوع خفاء، و لعل وجهه ما يستفاد من تقديمه (عليه السلام) ما هو من قبيل الاعتقادات في مفتح كلامه ثم إردافه ذلك بالأعمال البدنية و المالية و تصديره لها بالصلاة مقدما لها على الزكاة، و لا يبعد ان يكون التأييد لمجرد تفضيل الصلاة على غيرها من الأعمال من غير ملاحظة تفضيل المعرفة عليها و يؤيده عدم إيراده (عليه السلام) صدر الآية في صدر التأييد، و الآية هكذا «قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا» (3) انتهى كلامه زيد مقامه.
و روى في الكافي عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
____________
(1) رواه السيوطي في الجامع الصغير ج 1 ص 48.
(2) سورة مريم، الآية 32.
(3) سورة مريم، الآية 32.
(4) رواه في الوسائل في الباب 10 من أعداد الفرائض.
5
«سمعته يقول أحب الأعمال الى الله تعالى الصلاة و هي آخر وصايا الأنبياء فما أحسن من الرجل ان يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحى حيث لا يراه أنيس فيشرف عليه و هو راكع أو ساجد، ان العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس يا ويله أطاع و عصيت و سجد و أبيت».
و رواه في الفقيه مرسلا (1) قال في الوافي في بعض نسخ الكافي «إبليس» مكان «أنيس» و هو تصحيف و في بعض نسخ الفقيه «انسى» و في بعض نسخه «فيشرف الله عليه» بإثبات لفظ الجلالة و لكل وجه و ان كان إثبات الجلالة و الانسي أوجه و المستتر في «يشرف» بدون الجلالة يعود إلى الانسي أو الأنيس، و الغرض على التقادير البعد عن شائبة الرياء.
و روى في الكافي عن الوشاء (2) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول:
«أقرب ما يكون العبد من الله عز و جل و هو ساجد و ذلك قوله: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» (3).
و عن يزيد بن خليفة (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا قام المصلي إلى الصلاة نزل عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض و حفت به الملائكة و ناداه ملك لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل».
و عن أبي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر الله اليه أو قال اقبل الله عليه حتى ينصرف و أظلته الرحمة من فوق رأسه الى أفق السماء و الملائكة تحفه من حوله إلى أفق السماء و وكل الله به ملكا قائما على رأسه يقول له أيها المصلي لو تعلم من ينظر إليك و من تناجي ما التفت و لا زلت من موضعك ابدا».
____________
(1) رواه عنه في الوسائل في الباب 10 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 23 من أبواب السجود.
(3) سورة العلق، الآية 19.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
6
و روى المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«صلاة فريضة خير من عشرين حجة و حجة خير من بيت مملوء ذهبا يتصدق منه حتى يفنى».
و في بعضها خال من قوله «مملوء» و في بعض «حتى لا يبقى منه شيء» عوض «يفنى» بيان: الحجة المرة من الحج بالكسر على غير قياس و الجمع حجج كسدرة و سدر، قال ثعلب قياسه الفتح و لم يسمع من العرب.
أقول: و هذا الخبر بحسب ظاهر لا يخلو من إشكالات: منها- ان الحجة مشتملة على صلاة فريضة و هي ركعتا الطواف و ان كانت الحجة ندبة فإن الصلاة فيها واجبة فيلزم تفضيل الشيء على نفسه بمراتب. و منها-
انه قد ورد «ان الحج أفضل من الصلاة» (2).
و منها-
انه قد ورد «أفضل الأعمال أحمزها» (3).
و قد أجيب عن ذلك بوجوه أظهرها ثلاثة (أحدها) ان تحمل الفريضة على اليومية لأنها الفرد المتبادر كما تقدم في الحديث الأول و يحمل حديث أفضلية الحج على الصلاة على غير اليومية و حديث «أفضل الأعمال أحمزها» على ما عدا الصلاة اليومية أو على ان المراد أفضل كل نوع من الأعمال احمزه اي أحمز ذلك النوع، مثلا- الوضوء في الحر و البرد و الحج ماشيا و راكبا و الصوم و الصلاة في الصيف و الشتاء و نحو ذلك.
و (ثانيها)- ان يراد بالفريضة اليومية كما تقدم و ان يراد بالحج المتطوع به دون حجة الإسلام إذ لا تعدد فيها حتى يوزن متعددها بشيء و الصلاة التي في الحج المتطوع به ليست بفريضة حيث لم يفرضها الله تعالى عليه ابتداء و انما جعلها المكلف على نفسه بإحرامه للحج فصارت شرطا لصحة حجه، و على هذا فيكون الغرض من الحديث الحث على المحافظة على الصلوات المفروضة في طريق الحج بالإتيان بها بشروطها و حدودها
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب وجوب الحج.
(3) و هو حديث ابن عباس كما في نهاية ابن الأثير و مجمع البحرين مادة (حمز).
7
و حفظ مواقيتها، فان كثيرا من الحاج يضيعون فرائضهم اليومية في طريقهم الى الحج اما بتفويت أوقاتها أو بأدائها على المركب أو في المحمل أو بالتيمم أو مع عدم الطهارة في الثوب أو البدن أو نحو ذلك تهاونا بها و استخفافا بشأنها، و الثواب انما يترتب للحاج على حجته المندوبة مع عدم الإخلال بشيء من صلواته اليومية و إلا فالصلاة المفروضة التامة في الجماعة بل في البيت أفضل من حجة يتطوع بها.
و (ثالثها)- انه يحتمل ان يكون ذلك مختلفا باختلاف الأحوال و مقتضيات الحال في الأشخاص
كما روى انه (صلى الله عليه و آله) (1) «سئل أي الأعمال أفضل؟
فقال الصلاة لأول وقتها».
و سئل ايضا مرة أخرى «أي الأعمال أفضل؟ فقال بر الوالدين».
و سئل أيضا «أي الأعمال أفضل؟ فقال حج مبرور».
فخص كل سائل بما يليق بحاله من الأعمال، فيقال ان السائل الأول كان عاجزا عن الحج و لم يكن له والدان فكان الأفضل بحسب حاله الصلاة و الثاني كان له والدان محتاجان فجعل الأفضل له برهما و هكذا الثالث.
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن ابى بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو كان على باب دار أحدكم نهر فاغتسل منه في كل يوم خمس مرات كان يبقى في جسده شيء من الدرن؟ قلنا لا. قال فان مثل الصلاة كمثل النهر الجاري كلما صلى صلاة كفرت ما بينهما من الذنوب».
و روى الصدوق (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) ما من عبد من شيعتنا يقوم إلى الصلاة إلا اكتنفته بعدد من خالفه ملائكة يصلون خلفه و يدعون الله تعالى له حتى يفرغ من صلاته».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من مواقيت الصلاة و لكن الثالث (الجهاد في سبيل الله).
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) الفقيه ج 1 ص 134.
8
(فصل)
روى الشيخان في الكافي و التهذيب مسندا عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الصدوق مرسلا قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الاطناب و الأوتاد و الغشاء و إذا انكسر العمود لم ينفع طنب و لا وتد و لا غشاء».
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن علي (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان عمود الدين الصلاة و هي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فان صحت نظر في عمله و ان لم تصح لم ينظر في بقية عمله».
و روى في الكافي و مثله في التهذيب عن ابي بصير (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كل سهو في الصلاة يطرح منها غير ان الله تعالى يتم بالنوافل، ان أول ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها، ان الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت الى صاحبها و هي بيضاء مشرقة تقول حفظتني حفظك الله و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت الى صاحبها و هي سوداء مظلمة تقول ضيعتني ضيعك الله».
بيان: قوله: كل سهو الى قوله بالنوافل في الكافي خاصة و المعنى ان ما ذهل عنه في صلاته و لم يقبل عليه بقلبه فهو لا يرفع له و لا يحسب منها غير ان الله سبحانه يتمه بالنوافل.
و روى الشيخان ثقة الإسلام و شيخ الطائفة عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «بينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال (صلى الله عليه و آله) نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتن على غير ديني».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
9
و روى في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا تتهاون بصلاتك فإن النبي (صلى الله عليه و آله) قال عند موته ليس مني من استخف بصلاته ليس مني من شرب مسكرا لا يرد علي الحوض لا و الله».
و روى في الفقيه و الكافي عنه (صلى الله عليه و آله) (2) قال: «لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته لا يرد علي الحوض لا و الله».
و روى في الكافي (3) قال: «قال أبو الحسن الأول (عليه السلام) لما حضر أبي الوفاة قال لي يا بني لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة».
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن العيص عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «و الله انه ليأتي على الرجل خمسون سنة ما قبل الله منه صلاة واحدة فأي شيء أشد من هذا و الله انكم لتعرفون من جيرانكم و أصحابكم من لو كان يصلي لبعضكم ما قبلها منه لاستخفافه بها ان الله عز و جل لا يقبل إلا الحسن فكيف يقبل ما يستخف به؟».
و روى في الكافي في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا أدى الرجل صلاة واحدة تامة قبلت جميع صلواته و ان كن غير تامات و ان أفسدها كلها لم يقبل منه شيء منها و لم تحسب له نافلة و لا فريضة و انما تقبل النافلة بعد قبول الفريضة و إذا لم يؤد الرجل الفريضة لم تقبل منه النافلة و انما جعلت النافلة ليتم بها ما أفسد من الفريضة».
و روى في الكافي (6) في الصحيح عن ابان بن تغلب قال: «صليت خلف ابي عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة، الى ان قال ثم التفت الي فقال يا ابان هذه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوافي في باب المحافظة على الصلاة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 6 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 6 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أعداد الفرائض.
(6) ج 1 ص 74 و في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
10
الصلوات الخمس المفروضات من أقامهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنة و من لم يصلهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهن فذلك اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذبه».
و في الحسن عن هارون بن خارجة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«الصلاة وكل بها ملك ليس له عمل غيرها فإذا فرغ منها قبضها ثم صعد بها فان كانت مما تقبل قبلت و ان كانت مما لا تقبل قيل له ردها على عبدي فينزل بها حتى يضرب بها وجهه ثم يقول له أف لك ما يزال لك عمل يعييني».
و روى في الفقيه بسنده عن مسعدة بن صدقة (2) انه قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ما بال الزاني لا تسميه كافرا و تارك الصلاة تسميه كافرا و ما الحجة في ذلك؟ فقال لأن الزاني و ما أشبهه إنما يفعل ذلك لمكان الشهوة لأنها تغلبه و تارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها، و ذلك لأنك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلا و هو مستلذ بإتيانه إياها قاصدا إليها و كل من ترك الصلاة قاصدا لتركها فليس يكون قصده لتركها اللذة فإذا نفيت اللذة وقع الاستخفاف و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر».
بيان: في هذه الاخبار الشريفة جملة من النكات الطريفة و الفوائد المنيفة يحسن التعرض لذكرها و التوجه لنشرها و ذلك يقع في مقامات:
[المقام] (الأول) [إتمام الفرائض بالنوافل]
- ما دل عليه
حديث ابي بصير المتقدم من قوله (عليه السلام):
برواية صاحب الكافي «كل سهو في الصلاة يطرح منها غير ان الله تعالى يتم بالنوافل».
قد ورد نحوه في جملة من الاخبار: منها-
رواية علي بن أبي حمزة عن ابي بصير (3) قال: «قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام) و انا اسمع جعلت فداك اني كثير السهو في الصلاة؟
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
(3) الفروع ج 1 ص 101 و في الوسائل في الباب 17 من أعداد الفرائض.
11
فقال و هل يسلم منه أحد؟ فقلت ما أظن أحدا أكثر سهوا مني فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا محمد ان العبد يرفع له ثلث صلاته و نصفها و ثلاثة أرباعها و أقل و أكثر على قدر سهوه فيها لكنه يتم له من النوافل. فقال له أبو بصير ما ارى النوافل ينبغي ان تترك على حال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أجل لا».
و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ان العبد ليرفع له من صلاته نصفها أو ثلثها أو ربعها أو خمسها فما يرفع له إلا ما اقبل عليه منها بقلبه و انما أمروا بالنافلة ليتم لهم بها ما نقصوا من الفريضة».
و في معناها أخبار أخر.
قال شيخنا الشهيد الثاني- في شرح الرسالة النفلية عند ذكر المصنف بعض الاخبار المشار إليها- ما صورته: و اعلم ان ظاهر الخبر يقتضي أن النوافل تكمل ما فات من الفريضة بسبب ترك الإقبال بها و ان لم يقبل بالنوافل بل متى كانت صحيحة إذ لو لا ذلك لاحتاجت النوافل حينئذ إلى مكمل آخر و يتسلسل و يبقى حينئذ حكم النافلة التي لم يقبل بها عدم قبولها في نفسها و عدم ترتب الثواب أو كثيرة عليها و ان حصل بصحيحها جبر الفريضة مع الثواب الجزيل عليها و لو أقل بها تضاعف الثواب و تم القرب و الزلفى. انتهى كلامه زيد مقامه.
و عندي انه محل نظر نشأ من الغفلة و عدم التأمل في الأخبار الواردة في المقام و ذلك فان الظاهر منها ان ذلك انما هو على جهة التوسعة للمكلف لو أخل بالإقبال في صلاته فإنه يمكن تدارك ذلك بالنوافل، و المستفاد من الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض ان لهذا التدارك مراتب أولها ان يتدارك ما سهى به في الركعة الاولى و أخل به من الإقبال فيها كلا أو بعضها في الركعة الثانية و ان فاته ذلك فإنه يتدارك في الركعتين الأخيرتين و ان فاته ذلك فإنه يتدارك ذلك بالإقبال على النوافل، يدلك على ما ذكرنا ما رواه
الصدوق في كتابي العلل و العيون في حديث علل الفضل بن شاذان المروية عن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أعداد الفرائض.
12
الرضا (عليه السلام) (1) حيث قال: «انما جعل أصل الصلاة ركعتين و زيد على بعضها ركعة و على بعضها ركعتان و لم يزد على بعضها شيء لأن أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة لأن أصل العدد واحد فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة فعلم الله عز و جل ان العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها و تمامها و الإقبال عليها فقرن إليها ركعة أخرى ليتم بالثانية ما نقص من الاولى ففرض الله عز و جل أصل الصلاة ركعتين فعلم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به و كماله فضم الى الظهر و العصر و العشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون بهما تمام الركعتين الأوليين. الحديث».
ثم ذكر (عليه السلام) ضم ركعة للمغرب و عدم ضم شيء لصلاة الصبح. و الاخبار بضم الركعات الزائدة على الثنتين الأوليين لذلك غير هذا الخبر كثيرة، و أنت إذا ضممت هذه الاخبار الى اخبار هذا المقام وجدت الحاصل منها ما ذكرناه من ارادة التوسعة على العباد في تدارك ما يحصل منهم من السهو و الغفلة و حينئذ فإذا أهملوا التدارك في جميع هذه المراتب فقد قصروا في حق أنفسهم و صاروا حقيقين بالرد و عدم القبول إذ لا أعظم من هذه التوسعة، لا ان المراد ما توهمه (قدس سره) من ترتب التكميل على كل نقص في العبادات فكل ناقص منها يحتاج الى مكمل فيلزم التسلسل لو لم يلتزم ما ذكره. ثم انه لا يخفى ان الغرض من التكميل انما هو متى كانت الفريضة كلا أو بعضا لم يقبل عليها فإنه لا يثاب عليها على الأول و يثاب على ما اقبل عليه منها على الثاني، و التكميل انما يحصل بشيء فيه ثواب يسد هذا النقص في جميع الفريضة أو بعضها، و النصوص قد دلت على ان ما لا يقبل عليه من العبادة فريضة أو نافلة فلا ثواب عليه و بذلك قد اعترف ايضا (قدس سره) في كلامه المذكور فكيف يعقل من النافلة التي لم يقبل فيها و لا قبول لها ان تكون مكملة للفريضة؟ فإنه لا ثواب عليها على هذا التقدير ليكمل به ناقص الفريضة و لا يعقل للتكميل معنى غير ما ذكرناه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
13
و يدلك على ما ذكرنا
صحيحة زرارة الثانية (1) و قوله فيها «و ان أفسدها كلها- يعني الفريضة و النافلة بعدم الإقبال فيهما- لم يقبل منه شيء منها و لم تحسب له نافلة و لا فريضة.
الحديث» و بالجملة فكلام شيخنا المذكور (نور الله ضريحه) لا يخلو من الغفلة عن ملاحظة الأدلة في المقام.
[المقام] (الثاني) [معنى عدم قبول الصلاة]
- ان ما دلت عليه هذه الاخبار من عدم قبول صلاة من لا يقبل بقلبه عليها و انه لا يقبل منها إلا ما اقبل عليه بقلبه هل المراد به القبول الكامل أو عدم القبول بالمرة بحيث يعود العمل الى مصدره؟ و نحوه ايضا ما ورد من عدم قبول صلاة شارب الخمر إلى أربعين يوما و عدم قبول صلاة الآبق حتى يرجع الى مولاه و الناشز حتى ترجع الى زوجها و نحو ذلك مما وردت به الاخبار، المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) الأول و هو الظاهر و قيل بالثاني، و لا خلاف بين الجميع في صحة صلاتهم و انها مجزئة و مبرءة للذمة ما لم يعرض لها مبطل من خارج اتفاقا و نصا و فتوى، و انما الكلام كما عرفت في القبول المنفي هل المراد منه القبول الكامل فيصير النفي متوجها الى القيد خاصة و ان كانت موجبة للقبول و ترتب الثواب في الجملة بناء على استلزام الاجزاء للثواب كما هو القول المشهور و المؤيد المنصور أو ان المراد به القبول بالكلية بان لا يترتب عليها ثواب بالكلية و ان كانت مجزئة بناء على ان قبول العبادة أمر مغاير للاجزاء و انه لا تلازم بينهما فقد تكون صحيحة مجزئة و ان لم تكن مقبولة كما هو مرتضى المرتضى (رضي الله عنه) و اليه يميل كلام شيخنا البهائي في كتاب الأربعين.
و الأظهر عندي هو الأول و لنا عليه وجوه: (الأول)- ان الصحة المعبر عنها بالاجزاء اما ان تفسر بما هو المشهور من انها عبارة عن موافقة الأمر و امتثاله و حينئذ فلا ريب في ان ذلك موجب للثواب و على هذا فالصحة مستلزمة للقبول، و اما ان تفسر بما أسقط القضاء كما هو المرتضى عند المرتضى و عليه بنى ما ذهب إليه في المسألة. و فيه
____________
(1) ص 9.
14
انه يلزم القول بترتب القضاء على الأداء و هو خلاف ما يستفاد من الاخبار و خلاف ما صرح به غير واحد من محققي علمائنا الأبرار من ان القضاء يتوقف على أمر جديد و لا ترتب له على الأداء.
(الثاني)- الظاهر انه لا خلاف بين كافة العقلاء في ان السيد إذا أمره عبده أمر إيجابيا بعمل من الأعمال و وعده الأجر على ذلك العمل فامتثل العبد ما امره به مولاه و أتى به فإنه يجب على السيد قبوله منه و الوفاء بما وعده فلو رده عليه و منعه الأجر الذي وعده مع انه لم يخالف في شيء مما امره به فإنهم لا يختلفون في لوم السيد و نسبته الى خلاف العدل سيما إذا كان السيد ممن يتمدح بالعدل و الإكرام و الفضل و الانعام، و ما نحن فيه من هذا القبيل فإن الأوامر الإيجابية قد اتى بها كما هو المفروض و الإخلال بالإقبال الذي هو روح العبادة كما ورد أو الإخلال بأمر خارج عن العبادة كما في الأمثلة الأخر لا يوجب الرد، اما الأول فلان الأمر به انما هو أمر استحبابي و قضيته ثبوت الكمال في العمل و الكلام مبني على الأمر الإيجابي فلا منافاة، و اما الثاني فلأنه خارج كما هو المفروض و لو ترتب قبول العبادة على عدم الإخلال بواجب أو عدم فعل معصية لم تقبل إلا صلاة المعصومين.
(الثالث)- انه لا خلاف بين أصحاب القولين المذكورين في ان هذه العبادة المتصفة بالصحة و الاجزاء مسقطة للعقاب المترتب على ترك العبادة و مع فرض عدم القبول بالكلية بحيث يعود العمل الى مصدره كما كان قبل الفعل فكأنه لم يفعل شيئا بالمرة و لا يعقل إسقاطها العقاب، إذ إرجاع العمل عليه على الوجه المذكور مما يوجب بقاءه تحت عهدة التكليف فكيف يتصور سقوط العقاب حينئذ؟ و اللازم من ذلك ان سقوط العقاب انما يترتب على القبول كما هو ظاهر لذوي العقول و حينئذ فيستلزم الثواب البتة.
و من أراد تحقيق المسألة زيادة على ما ذكرنا فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية فإنه قد أحاط بأطراف الكلام زيادة على ما ذكرناه في هذا المقام.
15
(المقام الثالث) [كفر تارك الصلاة]
- ما دل عليه خبر مسعدة بن صدقة من كفر تارك الصلاة تهاونا و استخفافا قد ورد في جملة من الاخبار ايضا: منها-
ما رواه في الكافي عن عبيد ابن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكبائر فقال هن في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر بالله و قتل النفس و عقوق الوالدين و أكل الربا بعد البينة و أكل مال اليتيم ظلما، الى ان قال قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال ترك الصلاة. قلت فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ فقال اي شيء أول ما قلت لك؟ قال قلت الكفر بالله. قال فان تارك الصلاة كافر يعني من غير علة».
و منها-
ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الأعمال و البرقي في المحاسن بسندهما عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما بين المسلم و بين ان يكفر إلا ان يترك الصلاة الفريضة متعمدا أو يتهاون بها فلا يصليها».
و روى ايضا في كتاب ثواب الأعمال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) عن جابر قال «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما بين الكفر و الايمان إلا ترك الصلاة».
و المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) حمل الكفر هنا على غير المعنى المشهور المتبادر منه و ذلك فان للكفر في الاخبار إطلاقات عديدة:
(الأول)- كفر الجحود و هذا مما لا خلاف في إيجابه للقتل و ثبوت الارتداد به عن الدين.
(الثاني)- كفر النعمة و عدم الشكر عليها و منه قوله عز و جل حكاية عن سليمان على نبينا و آله و (عليه السلام) «لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» (4) و قوله تعالى:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 46 من جهاد النفس.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
(4) سورة النمل، الآية 40.
16
«لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ» (1) و غيرهما من الآيات.
(الثالث)- كفر البراءة كقوله سبحانه حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) «كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ» (2) يعني تبرأنا منكم، و قوله تعالى حكاية عن إبليس و تبرؤه من أوليائه في الآخرة «إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ» (3).
(الرابع)- الكفر بترك ما أمر الله تعالى من كبار الفرائض و ارتكاب ما نهى عنه من كبار المعاصي كترك الزكاة و الحج و الزنا، و قد استفاضت الروايات بهذا الفرد.
و الكفر بهذا المعنى يقابله الإيمان الذي هو الإقرار باللسان و الاعتقاد بالجنان و العمل بالأركان، و الكافر بهذا المعنى و ان أطلق عليه الكفر إلا انه مسلم تجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا و اما في الآخرة فهو من المرجئين لأمر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم، هذا على ما اخترناه وفاقا لجملة من متقدمي أصحابنا كالصدوق و الشيخ المفيد و اما على المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) من عدم أخذ الأعمال في الايمان فإنه عندهم مؤمن و ان كان يعذب في الآخرة ثم يدخل الجنة و تناله الشفاعة.
و من الأخبار الصريحة فيما ذهبنا اليه
ما رواه في الكافي (4) عن عبد الرحيم القصير قال: «كتبت مع عبد الملك بن أعين الى ابي عبد الله (عليه السلام) اسأله عن الايمان ما هو؟
فكتب الي مع عبد الملك سألت رحمك الله عن الايمان و الايمان هو الإقرار باللسان و عقد في القلب و عمل بالأركان و الايمان بعضه من بعض، و هو دار و كذلك الإسلام دار و الكفر دار فقد يكون العبد مسلما قبل ان يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما فالإسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان فإذا اتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر
____________
(1) سورة إبراهيم، الآية 7.
(2) سورة الممتحنة، الآية 4.
(3) سورة إبراهيم، الآية 27.
(4) الأصول ج 2 ص 27 و في الوسائل بعضه في الباب 2 من مقدمة العبادات.
17
المعاصي التي نهى الله عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان و ثابتا عليه اسم الإسلام فإن تاب و استغفر عاد الى دار الايمان، و لا يخرجه الى الكفر إلا الجحود و الاستحلال، ان يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك فعندها يكون خارجا من الايمان و الإسلام داخلا في الكفر و كان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثا فاخرج من الكعبة و الحرم و ضربت عنقه و صار الى النار».
و أصرح من ذلك دلالة على ان مرتكب الكبائر إنما يخرج من الايمان الى الإسلام دون ان يكون كافرا بالمعنى المتبادر
صحيحة ابن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت هل يخرجه ذلك من الإسلام و ان عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة و انقطاع؟ فقال من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم انها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذب أشد العذاب و ان كان معترفا انه ذنب و مات عليه أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه أهون من عذاب الأول».
قال شيخنا العلامة (قدس سره) في كتاب المنتهى: ان تارك الصلاة مستحلا كافر إجماعا و ان من تركها معتقدا لوجوبها لم يكفر و ان استحق القتل بعد ثلاث صلوات و التعزير فيهن، و قال أحمد في رواية يقتل لا حدا بل لكفره (2) ثم قال في المنتهى و لا يقتل عندنا في أول مرة و لا إذا ترك الصلاة و لم يعزر و انما يجب القتل إذا تركها مرة فعزر ثم تركها ثانية فعزر ثم تركها ثالثة فعزر فإذا تركها رابعة فإنه يقتل و ان تاب، و قال بعض الجمهور يقتل أول مرة (3).
و قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل ذلك عن العلامة و نقل خبر
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 2 من مقدمة العبادات.
(2) كما في المغني ج 2 ص 442.
(3) كما في المغني ج 2 ص 442.
18
مسعدة و غيره: و حمل تلك الاخبار على الاستحلال بعيد إذ لا فرق حينئذ بين ترك الصلاة و فعل الزنا بل الظاهر انه محمول على أحد معاني الكفر التي مضت في كتاب الايمان و الكفر و هو مقابل للايمان الذي لا يصدر معه من المؤمن ترك الفرائض و فعل الكبائر بدون داع قوى، و هذا الكفر لا يترتب عليه وجوب القتل و لا النجاسة و لا استحقاق خلود النار بل استحقاق الحد و التعزير في الدنيا و العقوبة الشديدة في الآخرة، و قد يطلق على فعل مطلق الكبائر و ترك مطلق الفرائض و على هذا المعنى لا فرق بين ترك الصلاة و فعل الزنا. انتهى.
أقول: لقائل أن يقول انه و ان أطلق الكفر على أصحاب الكبائر بهذا المعنى المذكور و ترك الصلاة من جملتها إلا انه من المحتمل قريبا تخصيص الصلاة بهذا الحكم و هو كون تركها موجبا للكفر الحقيقي فإنه ظاهر الاخبار الواردة في المقام حيث انه في خبر مسعدة (1) سئل عن الحجة في تخصيص تارك الصلاة باسم الكفر دون الزاني، و نحوه ايضا خبر آخر له نقله في الكافي
و نقله شيخنا المجلسي في البحار عن كتاب قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة (2) قال: «قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) ما فرق بين من نظر الى امرأة فزنى بها أو خمر فشربها و بين من ترك الصلاة حتى لا يكون الزاني و شارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلاة و ما الحجة في ذلك و ما العلة التي تفرق بينهما؟ قال الحجة ان كل ما أدخلت أنت نفسك فيه لم يدعك اليه داع و لم يغلبك عليه غالب شهوة مثل الزنا و شرب الخمر، و أنت دعوت نفسك الى ترك الصلاة و ليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه و هذا فرق ما بينهما».
و يشير الى ذلك حديث عبيد بن زرارة المتقدم حيث انه (عليه السلام) عد الكفر أولا في الكبائر و المتبادر منه هو المعنى المشهور ثم لما اعترضه السائل بأنه لم يذكر ترك الصلاة في الكبائر احاله على الكفر الذي ذكره في صدر الخبر و ان تارك الصلاة داخل فيه مع عده في الخبر جملة من الكبائر الموجبة لصحة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
19
إطلاق الكفر بالمعنى الذي ذكروه على فاعلها و قد اخرج (عليه السلام) ترك الصلاة عنها و اضافه الى الكفر الحقيقي كما هو ظاهر، و يؤيده أيضا ما تقدم في الاخبار من ان الصلاة عمود الدين و انه لا يقبل شيء من الأعمال و ان كانت سالمة من المبطلات إلا بقبول الصلاة و نحو ذلك مما دل على ان الشفاعة لا تنال تاركها و لا يرد عليه الحوض،
و في حديث القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال يا رسول الله أوصني فقال لا تدع الصلاة متعمدا فان من تركها متعمدا فقد برئت منه ملة الإسلام».
و نحو ذلك مما يشير الى زوال الايمان من أصله بتركها و كون تاركها كافرا كفرا حقيقيا فتكون مختصة من بين سائر الكبائر بذلك لما عرفت، و مقابلة ذلك بمجرد الاستبعاد مع ظهور الاخبار فيه خروج عن نهج السداد، و لعله لما ذكرناه مال المحدث الحر العاملي إلى حمل الكفر هنا على الكفر الحقيقي حيث قال في كتاب الوسائل: «باب ثبوت الكفر و الارتداد بترك الصلاة الواجبة جحودا لها و استخفافا» (2) إلا انه ايضا من المحتمل قريبا ان المراد بذلك هو المبالغة في حق الصلاة و التنويه بشأنها و ان مرتبتها فوق مرتبة سائر الفرائض، و يشير الى ذلك
ما رواه في الكافي عن عبيد بن زرارة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (4) قال ترك العمل الذي أقر به من ذلك ان يترك الصلاة من غير سقم و لا شغل».
و عن عبيد بن زرارة أيضا في الموثق (5) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تعالى «وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (6) قال من ترك العمل الذي أقر به. قلت فما موضع ترك العمل حتى يدعه اجمع؟ قال منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من سكر و لا من علة».
و التقريب فيهما انه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أعداد الفرائض.
(2) الباب 11 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من مقدمة العبادات.
(4) سورة المائدة، الآية 7.
(5) رواه في الوسائل في الباب 2 من مقدمة العبادات.
(6) سورة المائدة، الآية 7.
20
فسر الكفر هنا بكفر الترك و عد منه ترك الصلاة متعمدا لا من علة، و العمل في الخبرين و ان كان أعم من المدعى إلا انه يجب تقييده بالأخبار الدالة على ان موجب الكفر انما هو ترك كبائر العبادات و ارتكاب كبائر المعاصي، و كيف كان فالظاهر قوة ما ذكرناه أولا من اختصاص ترك الصلاة بهذا الحكم دون سائر كبائر الطاعات إلا ان الخطب يعظم في المسامع و يتسع الخرق على الراقع لاستلزام كفر جمهور الناس إذ لا فرق بين تارك الصلاة بالكلية و بين من صلى صلاة باطلة و لا يخفى ان الصلاة الصحيحة في عامة الناس أعز من الكبريت الأحمر، نسأل الله سبحانه العفو عن الزلات و اقالة الخطيئات. و الله العالم.
(المقام الرابع) [المواقيت المأمور بالمحافظة فيهن]
- ما دل عليه صحيح ابان بن تغلب و حديث ابي بصير (1)- من الحث على المحافظة على الصلوات في أوقاتها و انها إذا صلاها لغير وقتها رجعت اليه تدعو عليه- مما يدل على مذهب الشيخين في ان الوقت الثاني انما هو لأصحاب الاعذار و اما من ليس كذلك فوقته انما هو الأول، و المراد بالمواقيت المأمور بالمحافظة فيهن هي أوائل الأوقات التي هي على المشهور وقت فضيلة و الوقت الثاني وقت اجزاء و على مذهب الشيخين الأول وقت الاختيار و الثاني وقت الاضطرار و أصحاب الاعذار، و سيأتي مزيد بسط ان شاء الله تعالى في بيان صحة ما قلناه و حيث إن له محلا أليق أخرنا الكلام فيه اليه.
(فصل) [الصلوات اليومية و الصلاة الوسطى]
-
روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة بن أعين (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عما فرض الله تعالى من الصلوات قال خمس صلوات في الليل و النهار. قلت هل سماهن الله و بينهن في كتابه؟ قال نعم قال الله عز و جل لنبيه «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (3) و دلوكها زوالها
____________
(1) ص 8 و 9.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
21
ففي ما بين دلوك الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سماهن لله و بينهن و وقتهن و غسق الليل انتصافه، ثم قال: «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» (1) فهذه الخامسة، و قال في ذلك «أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ» (2) طرفاه المغرب و الغداة «وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» (3) و هي صلاة العشاء الآخرة، و قال: «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» (4) و هي صلاة الظهر و هي أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة و صلاة العصر، و قال في بعض القراءة «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى صلاة العصر و قوموا لله قانتين في الصلاة الوسطى» قال و أنزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سفر فقنت فيها و تركها على حالها في السفر و الحضر و أضاف للمقيم ركعتين و انما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي (صلى الله عليه و آله) يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها اربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام».
بيان: قد وقع الخلاف في المراد بالوسطى من الخمس المذكورة و للعامة فيها أقوال متعددة قال بكل من الفرائض الخمس قائل و علله بعلة تناسبه (5) إلا ان المذكور في.
إلا ان المذكور في
____________
(1) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(2) سورة هود، الآية 116.
(3) سورة هود، الآية 116.
(4) سورة البقرة، الآية 239.
(5) انهى الشوكانى في نيل الأوطار ج 1 ص 271 المحتملات في الصلاة الوسطى إلى سبعة عشر: «1» العصر «2» الظهر «3» الصبح «4» المغرب «5» العشاء «6» الجمعة في يوم الجمعة و الظهر في سائر الأيام «7» إحدى الخمس مبهمة «8» جميع الصلوات الخمس «9» العشاء و الصبح «10» الصبح و العصر «11» صلاة الجمعة «12» صلاة الخوف «13» صلاة الوتر «14» صلاة عيد الأضحى «15» صلاة عيد الفطر «16» الجمعة فقط «17» صلاة الضحى و ذكر الزرقانى احتمالا «18» انها الصلاة على محمد (ص) و «19» انها الخشوع و الإقبال بالقلب لان الوسطى بمعنى الفضلى اي الأفضل و المراد منه التوجه الى المولى سبحانه بقلبه و في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 378 انها صلاة العصر في قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي (ص). و في الدر المختار للحصفكي الحنفي ج 1 ص 75 في وقت العصر انها هي الوسطى على المذهب. و في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 53 انها الصبح. و في شرح الزرقانى المالكي على مختصر ابى الضياء أنها صلاة الصبح على المشهور و هو قول مالك و علماء المدينة و ابن عباس و ابن عمر.
22
كلام أصحابنا و المروي في أخبارنا منحصر في قولين (أحدهما) أنها الظهر و هذا هو المشهور و المؤيد المنصور. و (ثانيهما) ما نقل عن المرتضى (رضي الله عنه) و جماعة انها العصر و يدل على ما هو المشهور الصحيحة المذكورة
و ما رواه الصدوق (طاب ثراه) في كتاب معاني الاخبار في الصحيح عن ابي بصير يعني ليث المرادي (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ صلاة الظهر و هي أول صلاة أنزل الله على نبيه».
و روى الطبرسي في مجمع البيان عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) في الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ «أنها صلاة الظهر» (2).
و عن علي (عليه السلام) (3) «انها الجمعة يوم الجمعة و الظهر في سائر الأيام».
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (4) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) «انه قرأ حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين. الحديث».
و روى العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال:
«قلت له الصلاة الوسطى؟ فقال حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين، و الوسطى هي الظهر و كذلك كان يقرأها رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و وجه التسمية على هذا القول ظاهر مما ذكره (عليه السلام) في الخبر و قيل لأنها وسط النهار و غير ذلك، و المعتمد ما دل عليه الخبر المذكور.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 5 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 5 من أعداد الفرائض.
(4) ص 69.
(5) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 5 من أعداد الفرائض.
23
و مما يدل على ما ذهب اليه المرتضى ما ذكره
في الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) «قال العالم الصلاة الوسطى العصر».
و يشير اليه
ما في الفقيه في باب علة وجوب خمس صلوات في خمسة مواقيت في حديث نفر من اليهود سألوا النبي (صلى الله عليه و آله) عن مسائل كان من جملتها السؤال عن فرض الصلوات الخمس في هذه المواقيت الخمسة (2) حيث قال (صلى الله عليه و آله): «و اما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله تعالى من الجنة فأمر الله عز و جل ذريته بهذه الصلاة الى يوم القيامة و اختارها لأمتي فهي من أحب الصلوات الى الله عز و جل و أوصاني أن احفظها من بين الصلوات. الحديث».
هذا ما وقفت عليه مما يصلح ان يكون حجة له، و لا يخفى ما فيه في مقابلة تلك الاخبار، و الأظهر حمل خبر كتاب الفقه على التقية، و اما الخبر الآخر فهو غير ظاهر في المنافاة لأن الأمر بالمحافظة عليها لا يستلزم ان تكون هي الوسطى المأمور بها في تلك الآية بل يجوز ان تكون منضمة إليها في المحافظة كما دلت عليه القراءة المذكورة في صحيح عبد الله بن سنان و رواية محمد بن مسلم المرويتين في تفسيري علي بن إبراهيم و العياشي، قوله في الخبر المذكور (3) «و قال في بعض القراءة» يحتمل ان يكون من كلام الامام (عليه السلام) و هو الأقرب و يحتمل ان يكون من كلام الراوي.
ثم ان نسخ الاخبار المروي فيها هذا الخبر (4) قد اختلفت في ذكر الواو و عدمه في هذه القراءة المنقولة قبل لفظ صلاة العصر، ففي الفقيه كما عرفت و كذا في العلل و الكافي بدون الواو و يلزم على ذلك تفسير الوسطى بصلاة العصر كما ذهب اليه المرتضى (رضي الله عنه) و الذي في التهذيب هو عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى، و بما ذكرنا صرح المحقق الحسن في كتاب المنتقى ايضا فقال: ان نسخ الكتاب اختلفت في إثبات
____________
(1) البحار ج 18 ص 27.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) و هو صحيح زرارة المتقدم ص 20.
(4) و هو صحيح زرارة المتقدم ص 20.
24
الواو مع صلاة العصر في حكاية القراءة ففي بعضها بالواو و في بعضها بدونها. انتهى.
أقول: و الأظهر عندي حمل حذف الواو و إسقاطها من تلك الكتب اما على السهو من قلم المصنفين أو النساخ من أول الأمر ثم جرى عليه النقل، و الدليل على ذلك استفاضة الاخبار من طرق الخاصة و العامة الدالة على نقل هذه القراءة بنقل الواو فيها غير هذا الخبر، فمن ذلك ما قدمناه من صحيحة عبد الله بن سنان و رواية محمد بن مسلم المنقولتين عن تفسيري علي بن إبراهيم و العياشي، و من ذلك
ما نقله السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل (1) قال (قدس سره): رويت عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «كتبت امرأة الحسن بن علي (عليهما السلام) مصحفا فقال الحسن للكاتب لما بلغ هذه الآية حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين».
و رويت من كتاب إبراهيم الخزاز عن ابي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين».
قال و رواه الحاكم النيسابوري في الجزء الثاني من تاريخ نيسابور من طريقهم في ترجمة أحمد بن يوسف السلمي بإسناده الى ابن عمر قال: «أمرت حفصة بنت عمران يكتب لها مصحف فقالت للكاتب إذا أتيت على آية الصلاة فآذني حتى آمرك ان تكتبه كما سمعته من رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما آذنها امرته ان يكتب «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر».
و روى أبو جعفر بن بابويه في كتاب معاني الاخبار (2) في باب معنى الصلاة الوسطى مثل هذا الحديث عن عائشة. انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: و قد نقل الصدوق في كتاب معاني الأخبار اخبارا عديدة من طرق القوم بهذه الكيفية، و من جميع هذه الاخبار يظهر ايضا ان المراد بالصلاة الوسطى صلاة الظهر، و المفهوم منها ايضا ان هذه القراءة قد أسقطها أصحاب الصدر الأول حين جمعوا
____________
(1) حكاه عنه في البحار ج 18 ص 27.
(2) ص 94.
25
القرآن و لهذا ان هؤلاء المذكورين يتلافون نقلها في مصاحفهم لعلمهم بثبوتها عنه (صلى الله عليه و آله) و قد عرفت من روايتي علي بن إبراهيم و العياشي ان تلك القراءة أيضا ثابتة عن أهل البيت (عليهم السلام) لدلالة الأولى على ان الصادق (عليه السلام) كان هكذا يقرأها و دلالة الثانية على ان الرسول (صلى الله عليه و آله) كان هكذا يقرأها
قوله (عليه السلام) (1) «أنزلت هذه الآية يوم الجمعة. الى آخره».
الظاهر ان الغرض من هذا بيان ان القنوت إنما أمر به في ذلك الوقت في الصلاة الوسطى في الركعتين الأوليين اللتين صلاهما يوم الجمعة و هو في السفر كما يدل عليه قوله (عليه السلام) «و قوموا لله قانتين في صلاة الوسطى» و اما قوله
«و تركها على حالها في السفر و الحضر».
اي ترك هاتين الركعتين في ذلك الوقت من هذا اليوم على حالهما في السفر من غير زيادة لوجوب القصر في السفر و في الحضر لأنها تصلى جمعة و أضاف للمقيم الغير المصلي للجمعة أو المقيم يعني في غير الجمعة ركعتين، و الأول أظهر كما يشعر به تتمة الخبر، ثم علل وضع الركعتين عن المقيم المصلي جمعة بالنسبة إلى المقيم الغير المصلي جمعة بان الخطبتين قائمة مقامهما، و حينئذ فما توهمه بعض الأفاضل من الإشكال في هذا المجال ناشىء من عدم التأمل في أطراف المقال.
ثم ان ظاهر الخبر مما يدل على وجوب القنوت في الصلاة الوسطى خاصة فالاستدلال بالآية على وجوب القنوت مطلقا كما نقل عن الصدوق و من تبعه ليس في محله، و تقريب الاستدلال بعدم القائل بالفصل فيطرد في غير الوسطى مردود عندنا بعدم الاعتماد على الإجماع بسيطا كان أو مركبا، و سيأتي تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى.
و عن محمد بن الفضيل (2) قال: «سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ» (3) قال هو التضييع».
____________
(1) في صحيح زرارة ص 20.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(3) سورة الماعون، الآية 5.
26
و عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس فإذا ضيعهن تجرأ عليه فأدخله في العظائم».
و عن الفضيل في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ» (3) قال هي الفريضة. قلت «الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ دٰائِمُونَ» (4) قال هي النافلة».
و عن داود بن فرقد (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» (6) قال كتابا ثابتا و ليس ان عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع تلك الإضاعة فإن الله عز و جل يقول لقوم: أَضٰاعُوا الصَّلٰاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» (7).
و روى الصدوق في كتاب عيون الاخبار بسنده عن الرضا عن أبيه (عليهما السلام) (8) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شيء يسأل عنه الصلاة فإن جاء بها تامة و إلا زخ في النار» قال: «و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون و هامان و كان حقا على الله ان يدخله النار مع المنافقين فالويل لمن لم يحافظ على صلاته و أداء سنة نبيه».
بيان: قد تقدم ان من جملة التضييع التأخير إلى الوقت الثاني من غير علة و لا عذر كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله من الأوقات.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(3) سورة المعارج، الآية 34.
(4) سورة المعارج، الآية 23.
(5) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(6) سورة النساء، الآية 104.
(7) سورة مريم، الآية 60.
(8) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
27
المقدمة الثانية في أعداد الصلوات اليومية و نوافلها
و ما يتبع ذلك من الأحكام،
روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة: منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة و النافلة أربع و ثلاثون ركعة».
و بهذا الاسناد عن الفضيل و البقباق و بكير (2) قالوا: «سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي من التطوع مثلي الفريضة و يصوم من التطوع مثلي الفريضة».
و روى في الكافي و التهذيب عن ابن ابي عمير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنة من الصلاة قال تمام الخمسين».
و روى في الكافي و التهذيب عن حنان (4) قال: «سأل عمرو بن حريث أبا عبد الله (عليه السلام) و انا جالس فقال له جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال كان النبي يصلي ثماني ركعات الزوال و أربعا الاولى و ثماني بعدها و أربعا العصر و ثلاثا المغرب و أربعا بعد المغرب و العشاء الآخرة أربعا و ثماني صلاة الليل و ثلاثا الوتر و ركعتي الفجر و صلاة الغداة ركعتين. قلت جعلت فداك فان كنت أقوى على أكثر من هذا يعذبني الله على كثرة الصلاة؟ فقال لا و لكن يعذب على ترك السنة».
و روى في الفقيه عن الصيقل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «اني لأمقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيقول أزيد كأنه يرى ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قصر في شيء، و انى لأمقت الرجل قد قرأ
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(5) ج 1 ص 303.
28
القرآن ثم يستيقظ من الليل فلا يقوم حتى إذا كان عند الصبح قام يبادر بصلاته».
بيان: الظاهر ان مقت الأول لما يفهم من كلامه من انه بزيادته في الصلاة على ما كان يأتي به (صلى الله عليه و آله) كأنه يريد ان يفوقه و يعلو عليه بالزيادة و هو ان لم يكن كفرا فهو جهل محض لأن العبرة ليس بكثرة الصلاة بل بالإقبال عليها الذي هو روح العبادة و الإتيان بها على أكمل وجوهها، و من ذا الذي يروم بلوغه في المقام الأول؟
و كذا في المقام الثاني حتى
انه روى (1) «انه كان يقوم في الصلاة على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه اجهادا لنفسه في العبادة حتى عاتبه الله تعالى على ذلك رأفة به فقال: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» (2).
«و كان يقسم الليل انصافا فيقوم في صلاة الليل بطوال السور و كان إذا ركع يقال لا يدرى متى يرفع و إذا سجد يقال لا يدرى متى يرفع» (3).
و نحو ذلك. و الظاهر ان مقت الثاني لمزيد الكسل عن صلاة الليل إذا كان ممن يقرأ القرآن و يحفظ سورة و تلاوتها ينتبه في وقت صلاة الليل فلا يقوم إليها حتى إذا فجأه الصبح قام مبادرا بها يصليها بعجل و قلة توجه و إقبال أو يزاحم بها الفريضة في وقتها.
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شيء؟ قال لا غير اني أصلي بعدها ركعتين و لست أحسبهما من صلاة الليل».
بيان: الظاهر ان الاستفهام عن توظيف شيء من النوافل قبل أو بعد مثل سائر النوافل الموظفة فأجاب ب«لا» و ذلك لان العلة كما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى ان هاتين الركعتين انما زيدتا على الموظف في اليوم و الليلة لإحدى جهتين يأتي ذكرهما ان شاء الله، و في قوله: «و لست أحسبهما من صلاة الليل» رد على ما ذهب إليه العامة من جواز تقديم الوتر الموظف آخر الليل في أوله
____________
(1) تفسير البرهان ج 2 ص 670.
(2) سورة طه، الآية 1 و 2.
(3) الوسائل في الباب 53 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 27 من أعداد الفرائض.
29
فإن استيقظوا آخر الليل اعادوه و صلوا وترين في ليلة (1).
و روى الشيخ في التهذيب في الحسن عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا تصل أقل من اربع و أربعين ركعة. قال و رأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات».
بيان: قال في الوافي أما الأربع ركعات فلعلها كانت غير الرواتب أو قضاء لها. انتهى.
و روى الشيخان المذكوران في الكتابين عن احمد بن محمد بن ابى نصر (3) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ان أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع: بعضهم يصلي أربعا و أربعين و بعضهم يصلي خمسين فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو حتى اعمل بمثله؟ فقال أصلي واحدة و خمسين ركعة ثم قال أمسك- و عقد بيده- الزوال ثمانية و أربعا بعد الظهر و أربعا قبل العصر و ركعتين بعد المغرب و ركعتين قبل العشاء الآخرة و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدان بركعة من قيام و ثمان صلاة الليل و الوتر ثلاثا و ركعتي الفجر و الفرائض سبع عشرة فذلك احدى و خمسون ركعة».
و روى في الكافي في الصحيح عن حماد بن عثمان (4) قال: «سألته عن التطوع بالنهار فذكر انه يصلي ثماني ركعات قبل الظهر و ثماني بعدها».
و عن الحارث بن المغيرة في الصحيح (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) في المغني ج 2 ص 163 «من أوتر من الليل ثم قام للتهجد فالمستحب ان يصلى مثنى مثنى و لا ينقض وتره» و في ص 164 قال: «سئل أحمد عن من أوتر يصلى بعدها مثنى مثنى قال نعم و لكن يكون الوتر بعد ضجعة، و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 292 «عند المالكية إذا قدم الوتر عقب صلاة العشاء ثم استيقظ آخر الليل و تنفل كره له ان يعيد الوتر».
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 24 من أعداد الفرائض.
30
أربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في حضر و لا سفر».
و نحوه
في خبر آخر عنه (عليه السلام) ايضا (1) و زاد فيه «و ان طلبتك الخيل».
و روى الشيخ في التهذيب عن زرارة (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زالت قدر نصف إصبع صلى ثماني ركعات فإذا فاء الفيء ذراعا صلى الظهر ثم صلى بعد الظهر ركعتين و يصلي قبل وقت العصر ركعتين فإذا فاء الفيء ذراعين صلى العصر و صلى المغرب حين تغيب الشمس فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء و أخر وقت المغرب إياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء و آخر وقت العشاء ثلث الليل، و كان لا يصلي بعد العشاء حتى ينتصف الليل ثم يصلي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر قبل الغداة فإذا طلع الفجر و أضاء صلى الغداة».
و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زالت صلى ثماني ركعات و هي صلاة الأوابين تفتح في تلك الساعة أبواب السماء و يستجاب الدعاء و تهب الريح و ينظر الله الى خلقه فإذا فاء الفيء ذراعا صلى الظهر أربعا و صلى بعد الظهر ركعتين ثم صلى ركعتين أخراوين ثم صلى العصر أربعا إذا فاء الفيء ذراعا ثم لا يصلي بعد العصر شيئا حتى تؤوب الشمس فإذا آبت و هو ان تغيب صلى المغرب ثلاثا و بعد المغرب أربعا ثم لا يصلي شيئا حتى يسقط الشفق فإذا سقط الشفق صلى العشاء ثم أوى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى فراشه و لم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل فإذا زال نصف الليل صلى ثماني ركعات و أوتر في الربع الأخير من الليل بثلاث ركعات
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
31
فقرأ فيهن فاتحة الكتاب و قل هو الله أحد و يفصل بين الثلاث بتسليمة و يتكلم و يأمر بالحاجة و لا يخرج من مصلاه حتى يصلي الثالثة التي يوتر فيها و يقنت فيها قبل الركوع ثم يسلم و يصلي ركعتي الفجر قبل الفجر و عنده و بعيده ثم يصلي ركعتي الصبح و هو الفجر إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا، فهذه صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) التي قبضه الله عز و جل عليها».
و روى في التهذيب عن يحيى بن حبيب (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد الى الله تعالى من الصلاة؟ قال ست و أربعون ركعة فرائضه و نوافله قلت: هذه رواية زرارة؟ قال أو ترى أحدا كان اصدع بالحق منه؟».
و عن ابى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التطوع بالليل و النهار فقال الذي يستحب ان لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس و بعد الظهر ركعتان و قبل العصر ركعتان و بعد المغرب ركعتان و قبل العتمة ركعتان و من السحر ثمان ركعات ثم يوتر و الوتر ثلاث ركعات مفصولة ثم ركعتان قبل صلاة الفجر، و أحب صلاة الليل إليهم آخر الليل».
بيان: من المحتمل قريبا ان يكون قوله في آخر الخبر «و أحب صلاة الليل إليهم» من كلام ابي بصير و المراد بضمير «إليهم» الأئمة (عليهم السلام) و يحتمل ان يكون من قول الامام (عليه السلام) و يكون الضمير راجعا الى الآمرين بها و هم الرسول و الأئمة (صلوات الله عليهم).
و روى الشيخ في الموثق عن زرارة (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما جرت به السنة في الصلاة؟ قال ثمان ركعات الزوال و ركعتان بعد الظهر و ركعتان قبل العصر و ركعتان بعد المغرب و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر و ركعتا الفجر. قلت فهذا جميع ما جرت به السنة؟ قال نعم. فقال أبو الخطاب أفرأيت ان قوي فزاد؟ قال فجلس و كان متكئا قال ان قويت فصلها كما كانت تصلى و كما ليست في ساعة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
32
من النهار فليست في ساعة من الليل ان الله عز و جل يقول: وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ» (1).
بيان: هذا الخبر مؤيد لما قدمناه في بيان مقت الصادق (عليه السلام) لمن سأل عن عمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيقول أزيد، و حاصل كلامه (عليه السلام) ان هذا العدد و ان قل في النظر إلا انه صعب من حيث أخذ الإقبال و الخشوع فيه و تفريقه في الساعات المذكورة و المداومة عليه و نحو ذلك مما تقدم.
و روى الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) انى رجل تاجر اختلف و اتجر فكيف لي بالزوال و المحافظة على صلاة الزوال و كم أصلي؟
قال تصلي ثماني ركعات إذا زالت الشمس و ركعتين بعد الظهر و ركعتين قبل العصر فهذه اثنتا عشرة ركعة، و تصلي بعد المغرب ركعتين و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر و ذلك سبع و عشرون ركعة سوى الفريضة، و انما هذا كله تطوع و ليس بمفروض، ان تارك الفريضة كافر و ان تارك هذه ليس بكافر و لكنها معصية لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه».
و روى في الكافي عن الفضل بن أبي قرة رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن الخمسين و الواحدة ركعة فقال ان ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة و ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة و من طلوع الفجر الى طلوع الشمس ساعة غير ساعات الليل و النهار و من غروب الشمس الى غروب الشفق غسق فلكل ساعة ركعتان و للغسق ركعة».
و روى الشيخ في التهذيب عن الحجال عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «انه كان يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية و لا يحتسب بهما و ركعتين و هو جالس
____________
(1) سورة طه، الآية 130.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 44 من أبواب المواقيت.
33
يقرأ فيهما بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون فان استيقظ من الليل صلى صلاة الليل و أوتر و ان لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعة فصارت شفعا و احتسب بالركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا».
و في بعض نسخ الحديث «صلى ركعتين فصارت شفعا» و في بعضها «فصارت سبعا» و الظاهر ان الأخير تصحيف.
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «اعلم يرحمك الله ان الفريضة و النافلة في اليوم و الليلة احدى و خمسون ركعة، الفرض منها سبع عشرة ركعة فريضة و أربعة و ثلاثون ركعة سنة: الظهر اربع ركعات و العصر اربع ركعات و المغرب ثلاث ركعات و العشاء الآخرة أربع ركعات و الغداة ركعتان فهذه فريضة الحضر، و صلاة السفر الفريضة إحدى عشرة ركعة: الظهر ركعتان و العصر ركعتان و المغرب ثلاث ركعات و العشاء الآخرة ركعتان و الغداة ركعتان، و النوافل في الحضر مثلا الفريضة لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فرض علي ربي سبع عشرة ركعة ففرضت على نفسي و أهل بيتي و شيعتي بإزاء كل ركعة ركعتين ليتم بذلك الفرائض ما يلحقه من التقصير و الثلم: منها- ثمان ركعات قبل زوال الشمس و هي صلاة الأوابين و ثمان بعد الظهر و هي صلاة الخاشعين و اربع ركعات بين المغرب و العشاء الآخرة و هي صلاة الذاكرين و ركعتان عند صلاة العشاء الآخرة من جلوس تحسب بركعة من قيام و هي صلاة الشاكرين و ثمان ركعات صلاة الليل و هي صلاة الخائفين و ثلاث ركعات الوتر و هي صلاة الراغبين و ركعتان بعد الفجر و هي صلاة الحامدين، و النوافل في السفر اربع ركعات بعد المغرب و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس و ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل مع ركعتي الفجر، و ان لم يقدر بالليل قضاها بالنهار أو من قابله في وقت صلاة الليل أو من أول الليل».
أقول: في هذه الاخبار الجليلة عدة طرائف نبيلة و جملة لطائف جميلة:
[الطريفة] (الاولى) [عدد النوافل اليومية]
- اختلفت هذه الاخبار في عدد النافلة الموظفة في اليوم و الليلة،
____________
(1) ص 6.
34
فمنها ما دل على انها اربع و ثلاثون و هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل الشيخ فيه الإجماع، و منها ما دل على انها ثلاث و ثلاثون بإسقاط الوتيرة بعد العشاء، و منها ما دل على انها تسع و عشرون بإسقاط أربع قبل العصر مضافة إلى الوتيرة، و منها ما دل على انها سبع و عشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب زيادة على ما ذكر، و الوجه في الجمع بينها في ذلك- كما ذكره جملة من أصحابنا- ان يحمل الفرد الأقل على ما كان أوكد استحبابا إذ الأمر بالأقل لا يوجب نفي استحباب الأكثر، نعم ربما أوهم صحيح زرارة المتقدم- لقوله فيه
«أخبرني عما جرت به السنة في الصلاة».
فأجابه بأن جميع ما جرت به السنة ما عده و هو سبع و عشرون- خلاف ذلك فان الظاهر نفى السنة و التوظيف عما عدا السبع و العشرين، و الشيخ (قدس سره) قد حمل الرواية المذكورة على انه سوغ ذلك لزرارة لعذر كان فيه. و لا يخلو من بعد بل الأظهر الحمل على السنة المؤكدة التي لا مرتبة بعدها في النقصان، و يشير الى ذلك
رواية ابن ابي عمير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنة من الصلاة؟ فقال تمام الخمسين».
و التقريب فيها ان النوافل منها بعد إخراج الفرائض ثلاث و ثلاثون بإسقاط الوتيرة لأنها ليست من الرواتب و انما زيدت عليها ليتم بها عدد النوافل بان يكون بإزاء كل ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة، فهذه هي المرتبة العليا في الفضل و ان جاز النقصان فيها من حيث التوظيف منتهيا الى السبع و العشرين التي هي السنة المؤكدة لا مرتبة دونها.
بقي الإشكال هنا في موضعين: (الأول) ان أكثر الأخبار دل على انه (صلى الله عليه و آله) لم يكن يصلي الوتيرة التي بعد العشاء و انه كان بعد صلاة العشاء يأوي إلى فراشه الى نصف الليل. و أظهر منها
ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث في الوتيرة «قال فقلت هل صلى رسول الله
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أعداد الفرائض.
35
(صلى الله عليه و آله) هاتين الركعتين؟ قال لا. قلت و لم؟ قال لان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يأتيه الوحي و كان يعلم انه هل يموت في هذه الليلة أم لا و غيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلهما و أمر بهما».
مع ان رواية الفضيل و البقباق و بكير و هي الثانية من الروايات المتقدمة دلت على انه (صلى الله عليه و آله) يصلي من التطوع مثلي الفريضة و هذا لا يكون إلا بضم الوتيرة حتى تتم المماثلة و ان يكون بإزاء كل ركعة من الفريضة ركعتان من النافلة. و اما ما أجاب به في الوافي- من حمل أخبار انه كان بعد صلاة العشاء يأوي إلى فراشه على ان المراد بالعشاء نافلتها- ففيه انه و ان تم له في هذه الاخبار مع بعده إلا انه لا يتم في خبر العلل الذي ذكرناه. و ما أجاب به في الوسائل أيضا- من الجمع بينها بأنه كان يصليها تارة و يترك تارة- في غاية البعد و لا سيما من خبر العلل كما لا يخفى.
(الثاني) ما تضمنه خبر زرارة في وصف صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الاقتصار على تسع و عشرين بترك الوتيرة و اربع ركعات من الثمان التي بعد الظهر و كذلك مرسلة الفقيه التي بعدها و دلالة المرسلة المذكورة على انه هذه صلاته التي قبض عليها، مع ان جملة الأخبار الواردة في وصف صلاته انما اختلفت في الوتيرة خاصة فأكثرها دال على عدمها و اما ما عداها فلا و منها الرواية الثانية من الروايات التي قدمناها و الرابعة و هي رواية حنان و رواية كتاب الفقه الرضوي. فإنها قد اشتركت في الدلالة على صلاة ثمان بعد الظهر كما استفاضت به الاخبار. و حمل الخبرين الدالين على السقوط على كون ذلك في آخر عمره كما احتمله البعض لا يخلو من الإشكال لأنه ان كان عن نسخ فكيف استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بفعلها و ان كان عن ضعف و علة بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله) فبعده أظهر من ان ينكر.
(الطريفة الثانية) [توجيه ما دل على التعذيب بترك السنة]
- ما دل عليه
قوله (عليه السلام) في آخر خبر حنان «و لكن يعذب على ترك السنة».
ربما أشكل بحسب ظاهره حيث ان المستحب مما يجوز تركه شرعا
36
فكيف يترتب على تركه العذاب؟ و لهذا قال المحدث الكاشاني ذيل هذا الخبر: يعني ان السنة في الصلاة ذلك فمن زاد عليه و جعل الزائد سنة فقد أبدع و ترك سنة النبي (صلى الله عليه و آله) و بدلها بسنته التي ابدعها فيعذبه الله على ذلك لا على كثرة الصلاة من غير ان يجعلها بدعة مرسومة و يعتقدها سنة قائمة
لما ورد من ان الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر و من شاء استقل (1).
انتهى.
أقول: لا يخفى انه قد ورد في الأخبار ما هو ظاهر التأييد لما دل عليه ظاهر هذا الخبر مثل قوله (عليه السلام) «معصية» في صحيحة زرارة المذكورة في المقام من الدلالة على كون ذلك معصية و ان كان مستحبا و متى ثبت كونه معصية حسن ترتب العذاب عليه، و يؤيد ذلك استفاضة الاخبار بان تارك صلاة الجماعة من غير علة مستحق لان يحرق عليه بيته (2) مع ان صلاة الجماعة ليست بواجبة، و كذلك ما ورد من انه لو أصر أهل مصر على ترك الأذان لقاتلهم الامام (3).
نعم يبقى الإشكال في انه قد ورد أيضا في جملة من الاخبار ان العبد إذا لقي الله عز و جل بصلاة الفريضة لم يسأله عما سواها، و من تلك الاخبار حديث عائذ الأحمسي المروي بعدة أسانيد و متون مختلفة: منها-
ما رواه في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج عن عائذ الأحمسي قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) و انا أريد أن أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال و عليك السلام اي و الله انا لولده و ما نحن بذوي قرابته، ثلاث مرات
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 42 من أحكام المساجد و في المستدرك في الباب 10 و 12 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من صلاة الجماعة.
(3) لم نعثر عليه في مظانه نعم ورد ذلك بنحو الفتوى في كلام بعض كما في البحر الرائق ج 1 ص 255.
(4) الفروع ج 1 ص 137 و في الوسائل في الباب 17 من أعداد الفرائض.
37
قالها ثم قال من غير ان أسأله إذا لقيت الله بالخمس المفروضات لم يسألك عما سوى ذلك».
و روى في الفقيه مرسلا عن معمر بن يحيى (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا جئت بالخمس الصلوات لم تسأل عن صلاة و إذا جئت بصوم شهر رمضان لم تسأل عن صوم».
و بهذا المضمون أخبار عديدة قد تضمن بعضها ايضا عدم السؤال عن الصدقة إذا أدى الزكاة الواجبة.
أقول: و وجه الجمع بين هذه الاخبار و الاخبار المتقدمة محتمل بأحد وجهين:
(الأول) حمل عدم السؤال في هذه الاخبار على الإتيان بالفرائض كاملة صحيحة مقبولة لا تحتاج الى تكميل حيث ان النوافل انما وضعت لتكميل الفرائض كما عرفت فيما تقدم و حينئذ فإذا اتى بها على الوجه المذكور لم يحتج الى النوافل و لم يسأل عنها.
(الثاني)- ان يحمل الترك الموجب للعذاب و المؤاخذة في الاخبار الأولة على ترك يكون على جهة الاستخفاف بالدين و التهاون بكلام سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله) و عدم المبالاة بكمالات الشرع المبين و بذلك لا يبعد ترتب العقاب على ذلك كما يشير الى ذلك
قوله (عليه السلام) في بعض تلك الاخبار في تارك النافلة (2) «لقي الله مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
[الطريفة] (الثالثة) [أفضل النوافل اليومية]
- قال الصدوق (قدس سره): أفضل هذه الرواتب ركعتا الفجر ثم ركعة الوتر ثم ركعتا الزوال ثم نافلة المغرب ثم تمام صلاة الليل ثم تمام نوافل النهار. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و لم نقف له على دليل يعتد به. أقول: ستعرف دليله ان شاء الله تعالى في المقام. و نقل عن ابن ابي عقيل لما عد النوافل و ثماني عشرة ركعة بالليل منها نافلة المغرب و العشاء ثم قال بعضها أوكد من بعض و أوكدها الصلوات التي تكون بالليل لا رخصة في تركها في سفر و لا حضر. و قال في المعتبر ركعتا الفجر أفضل من الوتر ثم
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أعداد الفرائض.
38
نافلة المغرب ثم صلاة الليل، و ذكر روايات تدل على فضل هذه الصلوات. و قال في الذكرى بعد نقلها- و نعم ما قال- هذه المتمسكات غايتها الفضيلة اما الأفضلية فلا دلالة فيها عليها. انتهى. و منه يظهر ايضا ما في كلام صاحب المدارك هنا حيث انه قال أفضل الرواتب صلاة الليل لكثرة ما ورد فيها من الثواب
و لقول النبي (صلى الله عليه و آله) في وصيته لعلي (عليه السلام) (1) «و عليك بصلاة الليل، ثلاثا».
رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) ثم صلاة الزوال لقوله (صلى الله عليه و آله) في الوصية (2) بعد ذلك «و عليك بصلاة الزوال، ثلاثا».
ثم نافلة المغرب
لقوله (عليه السلام) في رواية الحارث بن المغيرة (3) «أربع ركعات لا تدعهن في حضر و لا في سفر».
ثم ركعتا الفجر.
أقول: لم أقف لهذه الأقوال على مستند من الاخبار زيادة على ما عرفت سوى ما ذكره في الفقيه فإنه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على ما عرفت سابقا و ستعرف
قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (4) «و اعلم ان أفضل النوافل ركعتا الفجر و بعدها ركعة الوتر و بعدها ركعتا الزوال و بعدها نوافل المغرب و بعدها صلاة الليل و بعدها نوافل النهار».
انتهى. و به يظهر لك مستند الصدوق (قدس سره) فيما ذكره إلا ان الكتاب لم يصل الى نظر المتأخرين فكثيرا ما يعترضون عليه و على أبيه في مثل ذلك مما مستنده مثل هذا الكتاب كما تقدم في غير موضع و يأتي أمثاله ان شاء الله تعالى
[الطريفة] (الرابعة) [الموظف من القنوت في الوتر]
- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و تبعهم المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني و المحقق الفاضل الشيخ احمد بن إسماعيل الجزائري المجاور في النجف الأشرف حيا و ميتا بان في الوتر التي هي عبارة عن الركعات الثلاث المشهورة في كلام الأصحاب بركعتي الشفع و مفردة الوتر قنوتات ثلاثة أحدها في ركعتي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 25 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من أعداد الفرائض.
(3) المروية في الوسائل في الباب 24 من أعداد الفرائض.
(4) ص 13.
39
الشفع و الثاني في مفردة الوتر قبل الركوع و الثالث فيها ايضا بعد الركوع. و المستفاد من الاخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة انه ليس فيها إلا قنوت واحد في الركعة التي سموها مفردة الوتر قبل الركوع. و استدلوا على استحباب القنوت في ركعتي الشفع بإطلاق الأخبار الدالة على ان القنوت في كل ركعتين من الفريضة و النافلة في الركعة الثانية (1) و في بعضها أيضا بزيادة قبل الركوع و ستأتي ان شاء الله في باب القنوت. أقول: و يدل على ذلك خصوص
ما رواه في كتاب عيون الاخبار عن رجاء بن ابي الضحاك الذي حمل الرضا (عليه السلام) الى خراسان في حديث وصف صلاته (عليه السلام) (2) قال:
«فيصلي ركعتي الشفع يقرأ في كل ركعة منهما الحمد و قل هو الله أحد ثلاث مرات و يقنت في الثانية. الحديث».
و صرح شيخنا البهائي (قدس سره) في حواشي كتاب مفتاح الفلاح بان القنوت في الوتر التي هي عبارة عن الثلاث انما هو في الثالثة و ان الأوليين المسماتين بركعتي الشفع لا قنوت فيهما، و استدل على ذلك
بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «القنوت في المغرب في الركعة الثانية و في العشاء و الغداة مثل ذلك و في الوتر في الركعة الثالثة».
ثم قال (قدس سره) و هذه الفائدة لم يتنبه عليها علماؤنا، انتهى. و ظاهر كلامه شهرة القول باستحباب القنوت في ركعتي الشفع حتى انه لم يحصل فيه مخالف قبله، و هو كذلك إلا انه قد سبقه الى ما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك و الظاهر انه لم يقف عليه حيث قال في أول كتاب الصلاة في الفوائد التي قدمها: الثامنة- يستحب القنوت في الوتر في الركعة الثالثة. انتهى.
و قد ذكر في الفائدة السابعة الركعتين الأوليين من الوتر و ذكر القراءة فيهما و لم يتعرض للقنوت ثم ذكره في الثامنة التي بعدها كما نقلناه و هو ظاهر في تخصيصه القنوت بالثالثة من الثلاث، و جرى على منواله الفاضل الخراساني في الذخيرة، و هو الأظهر
____________
(1) الوسائل الباب 3 من القنوت.
(2) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.
(3) الوسائل الباب 3 من القنوت.
40
عندي و عليه اعمل.
و لشيخنا المعاصر الفاضل الشيخ أحمد الجزائري المتقدم ذكره (طاب ثراه) هنا كلام قد انتصر فيه للقول المشهور و طعن فيما خالفه بالقصور لا بأس بنقله و بيان ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه و خافية، قال في جواب من سأله عن صلاة الشفع هل فيها قنوت أم لا؟
فأجاب باستحباب القنوت فيها و استدل بنحو ما قدمناه دليلا للقول المشهور، الى ان قال:
و اما صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: القنوت ثم ساق الرواية كما قدمنا، ثم قال و قد تراءى لبعض الفضلاء عدم الاستحباب و لعله من جهة ما ورد من صحة إطلاق الوتر على الثلاث و تعريف المبتدأ باللام يشعر باختصاص القنوت في المواضع الأربعة و قد ذكر انه في الركعة الثالثة فيدل على ان الثانية ليس فيها قنوت.
و هذا باطل و رأى فاسد بالإجماع و دلالة الاخبار على استحباب القنوت فيما عدا الأربعة المذكورة من الفرائض و النوافل كما هو واضح بلا شك و لا شبهة فتعين المصير الى حملها على تأكد الاستحباب في الأربعة المذكورة لا نفيه عما سواها، مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة لأنه فرد خفي لأنها مفردة مفصولة و قد اشتهر ان القنوت انما يكون في كل ركعتين لا انه لا يستحب في ثانية الشفع، أو لجواز حملها على ما إذا صلى الوتر موصولة و لو على ضرب من التقية كما ورد في بعض الاخبار فلا تنافي استحبابه في الشفع عند صلاتها مفصولة. انتهى كلامه زيد مقامه.
و هو محل نظر من وجوه: (الأول) قوله: «و لعله من جهة ما ورد من صحة إطلاق الوتر على الثلاث» فإنه يؤذن بندور هذا الإطلاق و انه مجاز لا حقيقة و ان الوتر حقيقة انما يطلق على هذه المفردة و ان الإطلاق الشائع في الأخبار و أعصار الأئمة الأبرار (صلوات الله عليهم) انما هو التعبير بركعتي الشفع و مفردة الوتر كما عبر به كثير من الأصحاب، و هو غلط محض بل الأمر بالعكس كما لا يخفى على الممارس للاخبار و المتلجلج في تيار تلك البحار فإن الذي استفاضت به الاخبار هو إطلاق الوتر على الثلاث و لم
41
يوجد فيها ما يخالف ذلك سوى رواية رجاء بن ابي الضحاك المتقدمة (1) و به صرح السيد السند في المدارك ايضا فقال: ان المستفاد من الروايات الصحيحة المستفيضة ان الوتر اسم للركعات الثلاث لا الركعة الواحدة الواقعة بعد الشفع كما يوجد في عبارات المتأخرين. انتهى و هو كذلك فإن جملة من الاخبار الواردة في أحكام صلاة الوتر و انها مفصولة أو موصولة و ما يقرأ فيها و نحو ذلك قد اشتملت على إطلاقها على الثلاث و قد حضرني منها ما يقرب من ثلاثة عشر حديثا: منها- الأحاديث المتقدمة في المقام و لو لا انها تأتي ان شاء الله تعالى في محلها لسردناها في هذا المقام، و لم أقف على خلاف ذلك إلا في الرواية المذكورة و هي لشذوذها و ضعفها لا تبلغ قوة في معارضة خبر واحد من هذه الاخبار.
و (ثانيها)- قوله: و تعريف المبتدإ إلى آخر ما يتعلق به، فان فيه ان الاستدلال بالخبر المذكور على كون القنوت في ثالثة الوتر لا الثانية لا توقف له على هذا الكلام حتى انه يسجل عليه بأنه كلام باطل و رأى فاسد بالإجماع و دلالة الاخبار و نحو ذلك مما أطال به. فإن أحدا لم يدع من الرواية المذكورة اختصاص القنوت بهذه المواضع الأربعة فلا وجه للتطويل به بالكلية، بل وجه الاستدلال انما هو ما سلمه و وافق عليه من دلالة هذه الاخبار على استحباب القنوت و تأكده في هذه الفرائض الثلاث و النافلة، فإن مقتضاه انه هو الموظف شرعا في هذه المواضع المذكورة في الخبر و متى ثبت توظيفه في هذه المواضع من الفرائض المذكورة و النافلة فغيره يحتاج الى دليل، فكما انه لا دليل على غير الثانية من الفرائض كذلك لا دليل على غير الثالثة من الوتر إلا ما يتراءى من إطلاق الاخبار المشار إليها آنفا و رواية عيون الأخبار، فاما إطلاق الاخبار فيقيد بهذه الرواية لأنها
____________
(1) لا يخفى ما في هذا الكلام من الدلالة على عدم الاطلاع على القواعد الأصولية فإن غاية ما يستفاد من الاخبار و ان كانت شائعة هو إطلاقه عليها و هو لا يستلزم كونه حقيقة فيها فإن الإطلاق أعم من الحقيقة سيما مع وجود أمارات الحقيقة من التبادر و غيره في خلافها. السيد على (قدس سره).
42
ظاهرة في تخصيص القنوت في الوتر بالثالثة. و مما يؤكد ذلك بأوضح تأكيد و يؤيده بأظهر تأييد بناء على ما عرفت من ان الوتر في الأخبار الدالة على ان ذلك في عرفهم (عليهم السلام) عبارة عن الثلاث جملة وافرة من الاخبار الدالة على انه يدعو في قنوت الوتر بكذا و يستغفر كذا و كذا مرة و يستحب فيه كذا و يدعو بعد رفع رأسه منه بكذا و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدعو في قنوت الوتر بكذا و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يدعو في قنوت الوتر بكذا و أمثال ذلك، فإنه متى كان الوتر اسما للثلاث كما ذكرنا انه المستفاد من الاخبار فلو كان فيها قنوتان كما يدعيه الخصم لم يحسن هذا الإطلاق في جملة هذه الاخبار و لكان ينبغي ان يقيد و لو في بعضها بالقنوت الثاني. و اما رواية كتاب العيون فهي ضعيفة قاصرة عن معارضة هذه الصحيحة المؤيدة بهذه الأخبار المشار إليها. على ان التحقيق ان يقال- و هو الأقرب من الخبر المذكور و اليه يشير كلام المعترض إلا انه لم يأته من وجهه- ان المراد انما هو الاخبار عن ان القنوت موضعه الركعة الثانية من هذه الفرائض و الثالثة من الوتر فيصير قوله: «في الركعة الثانية» هو الخبر عن المبتدأ و كذا قوله «في الركعة الثالثة» بالنسبة إلى الوتر و قوله «في المغرب» ظرف لغو و كذا في ما عطف عليه، فيصير الخبر دالا على حصر القنوت في ثانية الفرائض المذكورة و ثالثة الوتر و هو حصر إضافي بالنسبة الى غير هذه الركعات بمعنى ان القنوت في الثانية لا الاولى و لا الثالثة و كذا في الوتر في الثالثة لا في الاولى و لا في الثانية لأن الحصر حقيقي على الوجه الذي ذكره ليتم ما سجل به و أكثر من التشنيع فإنه مبني على جعل خبر المبتدأ قوله «في المغرب» و هكذا في باقي الأفراد المذكورة و ان يكون حصرا حقيقيا فإنه باطل كما أشرنا إليه آنفا و بينا صحة الاستدلال على ذلك التقدير و ما ذكرناه من هذا الوجه أظهر في الاستدلال بالخبر المذكور لانه من حيث الحصر يتضمن النفي لغير هذه المواضع المذكورة.
و (ثالثها)- قوله: مع انه يمكن ان يكون التنصيص على الثالثة. إلخ، فإن
43
فيه انه مع الإغماض عما فيه من التكلف و البعد يتم لو انحصر الدليل في هذه الرواية و قد عرفت مما قدمنا انه ظاهر جملة من الاخبار بل هو مشتهر فيها غاية الاشتهار، و ما عداه فهو فيها على العكس من الاستتار و ان اشتهر في كلام علمائنا الأبرار إلا انه من قبيل رب مشهور لا أصل له و رب متأصل غير مشهور. و أبعد من ذلك حمله ايضا الخبر على ما إذا صلى الوتر موصولة و لو على ضرب من التقية فإنه بمحل من التكلف البعيد و التمحل الشديد، و ما أدرى ما الحامل على هذه التكلفات المتعسفة و التمحلات المتصلفة مع ظهور الخبر في المراد؟ و غفلة الأصحاب عن الحكم المذكور و عدم تنبههم له و حكمهم بخلافه لا يوجب ذلك، فكم لهم من غفلة عن الأحكام المودعة في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.
و الظاهر ان منشأ الشبهة في المقام هو دلالة الاخبار على فصل الركعتين الأوليين من الوتر و جواز وقوع المبطلات قبل الثالثة فجعلوهما بهذا التقريب صلاة منفصلة يحكم عليهما بما يحكم على سائر النوافل، و لهذا استدلوا على استحباب القنوت فيهما بما دل على القنوت في كل ركعتين من النوافل، و المفهوم من الاخبار ان الثلاث صلاة واحدة مسماة بالوتر كما سميت الفرائض كل باسم مثل الظهر و العصر و نحوهما، غاية الأمر ان الشارع جوز الفصل فيها و الإنسان مخير بين الفصل و الوصل كما هو مقتضى الجمع بين أخبار المسألة و متى ثبت كونها صلاة واحدة فليس فيها إلا قنوت واحد كسائر الصلوات و ان جعل محله في الثالثة منها. هذا.
و اما ما ذكروه من القنوت الثالث الذي بعد الرفع من الركوع فالذي دل عليه الخبر الوارد بذلك انما هو استحباب الدعاء بعد رفع الرأس من الركوع الثالث بهذا الدعاء الموظف
كما رواه في الكافي (1) بسنده قال: «كان أبو الحسن (عليه السلام) إذا رفع رأسه في آخر ركعة من الوتر قال: هذا مقام من حسناته نعمة منك و سيئاته بعمله
____________
(1) الفروع ج 1 ص 325 الطبع الحديث.
44
الدعاء الى آخره».
فإن أرادوا أنه يطلق على الدعاء كذلك انه قنوت فلا مشاحة في الاصطلاح و ان أرادوا أنه قنوت شرعي يستحب فيه ما يستحب في القنوت من رفع اليدين قبال الوجه فالخبر المذكور لا دلالة له عليه و ليس غيره في الباب، مع ان المستفاد من الاخبار المتكاثرة ان قنوت الوتر انما هو قبل الركوع عموما في كثير منها و خصوصا
في صحيحة معاوية بن عمار (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت في الوتر؟ قال قبل الركوع. قال فان نسيت اقنت إذا رفعت رأسي؟ قال لا».
و في هذا الخبر أيضا إشارة الى ما قدمنا البحث فيه من عدم القنوت في الركعتين الأوليين بتقريب ما قدمناه من ان الوتر اسم للركعات الثلاث حيث انه انما أمر فيها بقنوت واحد قبل الركوع، و لا جائز ان يحمل على القنوت في الركعتين الأوليين لكونه خلاف الإجماع نصا و فتوى فإن القائل به يجعله ثانيا لا انه يخصه به. و بالجملة فإني لا اعرف لهذا القنوت الثالث وجها إلا الحمل على التجوز في تسمية الدعاء قنوتا و فيه ما لا يخفى. و الله العالم.
[الطريفة] (الخامسة) [الدعاء لأربعين مؤمنا في قنوت الوتر]
- قد اشتهر في كلام الأصحاب استحباب الدعاء لأربعين من إخوانه في قنوت الوتر، قال في المدارك بعد الكلام في استحباب الاستغفار في قنوت الوتر سبعين مرة: و يستحب الدعاء فيه لإخوانه المؤمنين بأسمائهم و أقلهم أربعون،
فروى الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «دعاء المرأ لأخيه بظهر الغيب يدر الرزق و يدفع المكروه».
و في الحسن عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من قدم أربعين من المؤمنين ثم دعا استجيب له».
أقول: لا ريب في استحباب الدعاء للإخوان و كذا الأربعين من الاخوان كما ورد في عدة أخبار زيادة على ما ذكره إلا انها لا تقييد فيها بوقت
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب القنوت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 41 من أبواب الدعاء.
(3) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب الدعاء.
45
مخصوص من صلاة أو غيرها، و اما الروايات الواردة في قنوت الوتر على تعددها و كثرتها فلم ينهض شيء منها على استحباب الدعاء للأربعين بل و لا الاخوان بقول مطلق و لعل من ذكر ذلك من أصحابنا نظر الى كون هذا الوقت من أفضل الأوقات و انه مظنة للإجابة فذكر هذا الحكم فيه و إلا فلا اعرف لذكره في خصوص الموضع وجها مع خلو الأخبار عنه، و كيف كان فالعمل بذلك بقصد ما ذكرناه لا بأس به. و اما ما نقل عن بعض مشايخنا المعاصرين من المبالغة في الدعاء للأربعين في هذا القنوت حتى انه يأتي به بعد الفراغ من الركعة لو أخل به فالظاهر انه وهم من الناقل لما عرفت.
[الطريفة] (السادسة) [سقوط النوافل في السفر]
- لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في سقوط نافلة الظهرين في السفر و عليه تدل الاخبار: منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب».
و عن حذيفة بن منصور في الصحيح عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (2) انهما قالا «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء».
و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب فان بعدها اربع ركعات لا تدعهن في حضر و لا سفر».
و عن أبي يحيى الحناط (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».
و انما الخلاف في ركعتي الوتيرة فالمشهور بين الأصحاب سقوطها ايضا و نقل ابن إدريس فيه الإجماع و نقل عن الشيخ في النهاية انه قال يجوز فعلها، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و ربما كان مستنده
ما رواه ابن بابويه عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (5) انه قال: «انما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنها
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 21 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 21 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
46
زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع».
و قواه في الذكرى قال: لانه خاص و معلل و ما تقدم خال منهما إلا ان ينعقد الإجماع على خلافه.
و هو جيد لو صح السند لكن في الطريق عبد الواحد بن عبدوس و علي بن محمد القتيبي و لم يثبت توثيقهما فالتمسك بعمومات الأخبار المستفيضة الدالة على السقوط اولى.
انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: الأظهر عندي هو القول بما صرح به في النهاية من بقاء استحبابها في السفر كما في الحضر لعدة من الاخبار زيادة على الخبر المذكور: منها-
ما رواه الصدوق في كتاب العلل و الأحكام بسنده عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يبيتن إلا بوتر. قال قلت تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال نعم فإنهما تعدان بركعة فمن صلاها ثم حدث به حدث الموت مات على وتر و ان لم يحدث به حدث الموت صلى الوتر في آخر الليل».
و روى في الكتاب المذكور عن زرارة بن أعين في الصحيح (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر».
و روى هذه الرواية أيضا الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عنه (عليه السلام) (3) و روي في كتاب العلل ايضا بسند ليس في رجاله من ربما يتوقف فيه إلا محمد بن عيسى المشترك بين العبيدي
و الأشعري عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يبيتن الرجل و عليه وتر».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم في باب التفويض الى رسول الله و الأئمة (صلوات الله عليهم) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث طويل قال فيه «الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة تعدان بركعة مكان الوتر».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
47
و التقريب في هذه الاخبار انها قد دلت بأظهر تأكيد و أصح تشديد على الحث على الإتيان بهاتين الركعتين حتى نسب التارك لهما الى عدم الايمان بالله و اليوم الآخر، و لفظ الوتر في أكثر هذه الاخبار لا يخلو من إجمال إلا أن رواية أبي بصير و هي الأولى قد أوضحت و صرحت بكون المراد بهما الوتيرة التي بعد صلاة العشاء الآخرة، و إطلاقها المؤيد بما ذكرنا من هذا التأكيد الذي ليس عليه مزيد ظاهر في شمول الحضر و السفر فإنها قد تضمنت انه لا يتبين إلا على وتر أعم من ان يكون في سفر أو حضر، و يؤكده أيضا حديث ابي بصير و الحديث الأخير الدالان على ان العلة فيها انها تقوم مكان الوتر التي تستحب في آخر الليل لو مات في ليلته و لا يخفى ان استحباب الوتر ثابت سفرا و حضرا، و أظهر من جميع ما ذكر عبارة الفقه الرضوي المتقدمة و قوله فيها «و النوافل في السفر اربع ركعات، الى ان قال و ركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس. الحديث» و بالجملة فالأخبار المذكورة ظاهرة في الاستحباب مطلقا أتم الظهور لا يعتريها نقص و لا قصور.
و بذلك يظهر ما في كلام السيد السند، و فيه زيادة على ما عرفت بالنسبة إلى طعنه في الرواية التي نقلها في المقام انه قال- في كتاب الصوم في مسألة الإفطار على محرم و بيان الخلاف في وجوب كفارة واحدة أو ثلاث بعد ان نقل الرواية التي استدل بها الصدوق على الثلاث عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري عن علي بن محمد بن قتيبة و نقل عن العلامة في المختلف ان عبد الواحد بن عبدوس لا يحضرني الآن حاله فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها- ما صورته: أقول عبد الواحد بن عبدوس و ان لم يوثق صريحا لكنه من مشايخ الصدوق (قدس سره) المعتبرين الذين أخذ عنهم الحديث فلا يبعد الاعتماد على روايته لكن في طريق هذه الرواية علي بن محمد بن قتيبة و هو غير موثق بل و لا ممدوح مدحا يعتد به. انتهى.
أقول: ما ذكره في عبد الواحد بن عبدوس من الاعتماد على حديثه حيث انه من مشايخ الإجازة هو المشهور بين أصحاب هذا الاصطلاح، فإنهم صرحوا بان مشايخ
48
الإجازة يعد حديثهم في الصحيح و ان لم ينقل توثيقهم في كتب الرجال لان اعتماد المشايخ المتقدمين على النقل عنهم و أخذ الاخبار منهم و التلمذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال «فلان ثقة» و قد ناقض كلامه هنا بالطعن في عبد الواحد المذكور فقال انه لم يثبت توثيقه. و اما ما ذكره في علي بن محمد بن قتيبة فإن الكلام فيه ليس كذلك فان المفهوم من الكشي في كتاب الرجال انه من مشايخه الذين أكثر النقل عنهم، و لهذا كتب بعض مشايخنا المعاصرين على كلام السيد في هذا المقام ما صورته: صحح العلامة في الخلاصة في ترجمة يونس بن عبد الرحمن طريقين فيهما علي بن محمد بن قتيبة و أكثر الكشي الرواية عنه في كتابه المشهور في الرجال، فلا يبعد الاعتماد على حديثه لانه من مشايخه المعتبرين الذين أخذ الحديث عنهم، و الفرق بينه و بين عبد الواحد بن عبدوس تحكم لا يخفى، و سؤال الفرق متجه بل هذا اولى بالاعتماد لإيراد العلامة له في القسم الأول من الخلاصة و تصحيحه حديثه في ترجمة يونس فتأمل و أنصف. انتهى. أقول: و يؤيد ما ذكره شيخنا المذكور ان العلامة في المختلف بعد ذكره حديث الإفطار على محرم لم يذكره التوقف في صحة الحديث إلا من حيث عبد الواحد بن عبدوس و قال انه كان ثقة و الحديث صحيح. و هو يدل على توثيقه لعلي بن محمد بن قتيبة حيث انه مذكور معه في السند كما لا يخفى.
تنبيه
قد وقع لجملة من الاعلام في هذا المقام أوهام ناشئة عن عدم الوقوف على ما نقلناه من اخبارهم (عليهم السلام): منهم- المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى و ابنه الفاضل الشيخ محمد في شرحه على الفقيه، و لا بأس بذكر كلامهما و بيان ما فيه لتطلع على ما في الزوايا من الخبايا:
فاما المحقق المذكور فإنه قال في كتاب المنتقى- بعد نقل صحيحة زرارة المتقدمة برواية الشيخ لها في التهذيب- ما صورته: قلت هذا الخبر محمول على المبالغة في كراهة
49
ترك الوتر في كل ليلة، و فهم منه بعض الأصحاب إرادة التقديم في أول الليل كما قد ورد في جملة من الاخبار- و ستأتي في بابها- فحمله على الضرورة، و فيه تكلف ظاهر مع عدم الحاجة إليه فإن المبيت بغير وتر صالح لإرادة أخلاء الليل من الوتر و لو مجازا فان بابه واسع، و القرينة على ارادة هذا المعنى من الكلام واضحة و ان استبعد ذلك بالنظر الى ظاهر اللفظ، فالوجه حينئذ حمله على التقية كما احتمله بعض الأصحاب. انتهى.
أقول: ظاهر كلامهم يعطي انهم حملوا الوتر في الخبر المذكور على الوتر المضاف إلى صلاة الليل، و لما كان وقته آخر الليل و هذا الخبر يدل بظاهره على تقديمه أول الليل اضطروا إلى تأويله و اضطربوا في التفصي عن ذلك، فبين من حمل تقديمه في أول الليل على الضرورة بالنظر الى ما ورد من جواز تقديم صلاة الليل لذوي الاعذار، و بين من حمله على التقية، و بين من حمله- كما اختاره المحقق المذكور- على ان المراد الإتيان به في جزء من الليل و ان كان في آخره و ان معنى المبيت عليه ان لا ينقضي الليل إلا و فيه وتر. و الكل كما عرفت تكلف ناشىء عن عدم الوقوف على رواية أبي بصير الكاشفة عن هذا الإجمال.
و اما الفاضل الشيخ محمد ابن المحقق المذكور فإنه قال في شرح قول الصدوق في الفقيه (1) «و اما الركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس فإنهما تعدان بركعة فإن أصاب الرجل حدث قبل ان يدرك آخر الليل و يصلى الوتر يكون قد مات على الوتر و إذا أدرك آخر الليل صلى الوتر بعد صلاة الليل، و قال النبي (صلى الله عليه و آله): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر» فكتب الفاضل المذكور على صدر العبارة:
كأن المصنف أراد بيان معنى الحديث الوارد بعد هذا الكلام و هو قول النبي (صلى الله عليه و آله) «مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يبيتن إلا بوتر» و حاصل كلامه ظاهر غير انه بعيد المناسبة لسياق الحديث كما لا يخفى على المتأمل، و يخطر بالبال ان يكون المراد
____________
(1) ج 1 ص 128.
50
بقوله «فلا يبيتن إلا بوتر» صلاة العشاء لأنها الخامسة و هي وتر بالنسبة إلى العدد و قد ورد في روايات كثيرة تسمية العشاء بالوتر. انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ما فيه من النظر الظاهر و القصور بعد مما عرفت مما ذكرناه و أظهرناه غاية الظهور، و كأن منشأ الاستبعاد عنده في حمل الوتر في الحديث النبوي- على قائله و آله أفضل الصلاة و السلام- على الركعتين بعد العشاء المذكورتين في كلام المصنف هو دلالة الخبر بحسب ظاهره على كفر تاركه فاستبعد انطباق الخبر على الركعتين المذكورتين و تمحل لحمله على صلاة العشاء و لم يتفطن (قدس سره) الى ان هذه العبارة و أمثالها كثيرا ما يذكرونها (عليهم السلام) في المستحبات لمزيد التأكيد عليها
كما ورد (1) من انه «لا يحل لامرأة تؤمن بالله و اليوم الآخر ان تدع عانتها زيادة على عشرين يوما».
و ورد لعن من بات على سطح غير محجر (2).
و من سافر وحده (3).
و من بات في بيت وحده (4).
و نحو ذلك، و أعجب من ذلك دعواه كثرة الروايات بتسمية العشاء وترا فانا لم نقف بعد التتبع على إشارة الى ذلك في رواية واحدة فضلا عن وجود الروايات الكثيرة و لم ينقله ناقل غيره. و الله العالم.
[الطريفة] (السابعة) [ترك النافلة لعذر]
- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ترك النافلة لعذر و منه الهم و الغم، و استدلوا على ذلك
برواية علي بن أسباط عن عدة من أصحابنا (5) «ان أبا الحسن موسى (عليه السلام) كان إذا اهتم ترك النافلة».
و عن معمر بن خلاد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (6) «ان أبا الحسن (عليه السلام) كان إذا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 86 من آداب الحمام.
(2) البحار ج 16 باب (أنواع النوم) و لكن لم نعثر على اللعن فيه و انما هو بلفظ النهى و الكراهة و انه برئت منه الذمة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من آداب السفر.
(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من آداب السفر.
(5) رواه في الوسائل في الباب 16 من أعداد الفرائض.
(6) رواه في الوسائل في الباب 16 من أعداد الفرائض.
51
اغتم ترك الخمسين».
قال في التهذيب: يريد به تمام الخمسين لأن الفرائض لا يجوز تركها على حال.
و اعترضهم في المدارك بان في الروايتين قصورا من حيث السند، قال و الاولى ان لا تترك النافلة بحال للحث الأكيد عليها في النصوص المعتمدة
و قول ابي جعفر الصادق (عليه السلام) (1) «و ان تارك هذا ليس بكافر- يعني النافلة- و لكنها معصية لأنه يستحب إذا عمل الرجل عملا من الخير ان يدوم عليه».
و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان الواردة في من فاته شيء من النوافل (2) «ان كان شغله في طلب معيشة لا بد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه و ان كان شغله لدنيا يتشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء و إلا لقي الله عز و جل مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
أقول: فيه (أولا) ان ما طعن به في الخبرين المذكورين فهو لا يقوم حجة على المتقدمين كما سلف بيانه في غير موضع.
و (ثانيا)- انه مما يؤيد هذين الخبرين ايضا
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله) ان للقلوب إقبالا و إدبارا فإذا أقبلت فتنفلوا و إذا أدبرت فعليكم بالفريضة».
و مثله
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة (4) قال: «ان للقلوب إقبالا و إدبارا فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل و ان أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض».
و لا ريب أن الهم و الغم موجبان لادبارها.
و (ثالثا)- ان ما ذكره من الخبرين معارض بما تكاثر في الاخبار من ان
«من لقي الله عز و جل بالفرائض الخمس لم يسأله عما سواهن».
و قد تقدم الكلام في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(2) التهذيب ج 1 ص 136 و في الوسائل في الباب 18 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أعداد الفرائض.
52
ذلك قريبا و ذكرنا وجه الجمع بين الاخبار بأحد وجهين، و نزيد هنا وجها ثالثا و لعله الأقرب و هو حمل اخبار جواز ترك النافلة على ظاهرها و حمل اخبار الذم و جعلها معصية يستحق عليها العذاب على مجرد التأكيد، فإنه لا يخفى على من أحاط خبرا بأخبارهم (عليهم السلام) انهم كثيرا ما يؤكدون في المستحبات على وجه يكاد يلحقها بالواجبات و في النهي عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيز المحرمات، و يؤيد هذا التوجيه سوق الصلاة في قرن الصوم الواجب و الزكاة الواجبة في تلك الأخبار الدالة على الجواز مع ان تارك الصوم المستحب و الزكاة المستحبة بأي نحو كان لا يكون مؤاخذا فإنه لم يرد فيهما ما يدل على ان تركهما معصية أو يكون موجبا لاستحقاق العقاب و حينئذ فذكر ذلك في الصلاة دونهما محمول على مجرد التأكيد و الحث على النوافل. و الله العالم.
[الطريفة] (الثامنة) [تقسيم النوافل على الساعات]
- ما تضمنته مرفوعة الفضل بن أبي قرة من تقسيم الإحدى و خمسين ركعة على الساعات المذكورة في الخبر
قد روى الصدوق في كتاب العلل عن ابي هاشم الخادم (1) قال: «قلت لأبي الحسن الماضي (عليه السلام) لم جعلت صلاة الفريضة و النافلة خمسين ركعة لا يزاد فيها و لا ينقص منها؟ قال لان ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة و ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ساعة و ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة فجعل لكل ساعة ركعتين و ما بين سقوط الشمس الى سقوط الشفق غسق فجعل للغسق ركعة».
و هذا الخبر و ان تضمن السؤال عن الخمسين إلا ان الجواب- كما ترى- يشتمل على احدى و خمسين فيشبه ان يكون قد وقع فيه سهو بإسقاط «احدى» من السؤال من المصنف أو أحد الرواة، و يحتمل ان السؤال انما كان كذلك فأجاب بما ذكر و فيه تنبيه للسائل على انه كان الاولى ان يسأل عن احدى و خمسين، إلا ان الصدوق في الخصال قد روى هذا الخبر بغير قوله «فجعل للغسق ركعة» و حينئذ فيكون الجواب موافقا للسؤال، إلا انه يبقى الاختلاف بين هذا الخبر على هذه الرواية و بين مرفوعة الفضل المتقدمة،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
53
و الصدوق في الفقيه عبر بمضمون هذه الرواية التي ذكرها في الخصال فقال «و انما صارت خمسين ركعة لأن ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة و ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة و ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ساعة» قال شيخنا المجلسي (طاب ثراه)- في كتاب بحار الأنوار بعد نقل خبر ابي هاشم الخادم من كتابي العلل و الخصال- ما صورته:
بيان- هذا اصطلاح شرعي للساعات و هي مختلفة باختلاف الاصطلاحات فمنها مستوية و منها معوجة و الركعة التي جعلت للغسق لعلها ركعتا الوتيرة فإنهما تعدان بركعة. انتهى.
أقول: و في هذين الخبرين اشكال لم أر من تنبه له في هذا المجال و هو انهما يشعران بان ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس ليس من ساعات الليل و لا من ساعات النهار و الإجماع نصا و فتوى إلا ما يظهر من هذين الخبرين على ان هذه الساعة من ساعات النهار و لهذا ان صلاة الفجر من صلاة النهار فتوى و رواية.
و قد ورد نظير هذين الخبرين فيما رواه جملة من أصحابنا: منهم-
السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب الأمان من إخطار الاسفار و الأزمان (1) في حديث الامام الباقر (عليه السلام) مع قسيس النصارى حيث قال له القسيس «أخبرني عن ساعة ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار فقال (عليه السلام) هي ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى و يرقد فيها الساهر و يفيق فيها المغمى عليه جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين و في الآخرة للعاملين لها دليلا واضحا و حجابا مانعا على الجاحدين المتكبرين التاركين لها. الحديث».
و شيخنا البهائي (قدس سره) قد أجاب عن هذا الخبر في صدر كتاب مفتاح الفلاح بعد ذكر نحو ما ذكرناه من اتفاق الأصحاب (رضي الله عليهم) على عد هذه الساعة من النهار بأنه يمكن التفصي عن الاشكال فيها بأنه لعل الامام (عليه السلام) أجاب السائل على ما يوافق عرفه و اعتقاده حيث انه سأله عن مسائل لم تكن معروفة
____________
(1) ص 56.
54
إلا بين أكابر علمائهم و هذه المسألة من جملتها. و أنت خبير بان جوابه هذا انما ينطبق على هذا الخبر خاصة، و كأنه غفل عن الخبرين المتقدمين أو لم يطلع عليهما في البين فالإشكال فيهما باق على حاله.
و قال المحقق الفيلسوف العماد مير محمد باقر الداماد (طيب الله تعالى مرقده) في هذا المقام: و اما إخراج ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس من الليل و النهار و اعتبار زمانه على حياله ساعة فقد ورد به بعض الاخبار عنهم (عليهم السلام) و من ذلك
ما رواه جماعة من مشيخة علمائنا عن مولانا الصادق (عليه السلام) «ان مطران النصراني سأل أباه الباقر (عليه السلام) عن مسائل عديدة عويصة: منها- الساعة التي ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار آية ساعة هي؟ فقال هي الساعة التي بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس».
فاستشكل ذلك من باعه في تتبع العلوم و تعرف المذاهب قاصر زاعما ان هذا أمر لم ينعقد عليه اصطلاح و لم يذهب اليه ذاهب أصلا، الى ان قال أ ليس هذا الاصطلاح منقولا في كتب أعاظم علماء الهيئة من حكماء الهند و أ ليس الأستاذ أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي ذكر ان براهمة الهند ذهبوا الى ان ما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس و كذلك ما بين غروب الشمس و غروب الشفق غير داخل في شيء من الليل و النهار و ان ذلك بمنزلة الفصل المشترك بينهما، و أورد ذلك الفاضل البيرجندي في شرح الزيج الجديد و في شرح التذكرة. ثم ان ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين (عليهم السلام) و ما عليه العمل عند أصحابنا (رضوان الله عليهم) إجماعا هو ان زمان ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس من النهار و معدود من ساعاته، و كذلك زمان غروب الشمس الى ذهاب الحمرة من جانب المشرق فان ذلك امارة غروبها في أفق المغرب، و النهار الشرعي في باب الصلاة و الصوم و في سائر الأبواب من طلوع الفجر المستطير الى ذهاب الحمرة المشرقية، و هذا هو المعتبر و المعول عليه عند أساطين الإلهيين و الرياضيين من حكماء اليونان، الى ان قال و اما أصحاب الأحكام من المنجمين فالنهار
55
عندهم محدود في طرفي المبدأ و المنتهى بطلوع مركز الشمس من أفق المشرق و غروبه في أفق المغرب، و زمان ظهور جرم الشمس الى طلوع مركزها محسوب عندهم من الليل و زمان غروب المركز الى اختفاء الجرم ايضا كذلك فليعرف. انتهى.
أقول: أنت خبير بأن غاية ما افاده كلامه هو ثبوت الاصطلاح بذلك ردا على من أنكر القول به و انه لم يذهب اليه ذاهب. و اما الجواب عن الخبرين المذكورين و كذا خبر النصراني فلم يتعرض له. و يقرب عندي- و الله سبحانه و أولياؤه اعلم- ان هذه الساعة و ان كانت من النهار كما عرفت إلا انها لما كانت أشرف ساعاته كما يستفاد من كلام الباقر (عليه السلام) في جواب النصراني و يدل عليه الأمر بالتعقيب و الاشتغال بالدعاء فيها و كراهة النوم فيها كراهة مؤكدة و نحو ذلك جعلت مفصولة مستقلة و أفردت بالذكر على حدة تنويها بشأنها و علو رتبتها على غيرها من الساعات. و الله العالم.
[الطريفة] (التاسعة) [خلاف ابن الجنيد في نافلة العصر]
- المشهور بين الأصحاب ان نافلة الظهر ثمان ركعات قبلها و نافلة العصر ثمان ركعات قبلها، و قال ابن الجنيد تصلى قبل الظهر ثمان ركعات و ثمان ركعات بعدها منها ركعتان نافلة العصر. و مقتضاه ان الزائد على الركعتين ليس للعصر، قيل و ربما كان مستنده
رواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر و ست ركعات بعد الظهر و ركعتان قبل العصر».
و هي لا تعطي كون الست للظهر مع انه قد تقدم في رواية البزنطي (2) انه يصلي أربعا بعد الظهر و أربعا قبل العصر، و بالجملة فالمفهوم من كلامه اضافة هذه النوافل التي قبل الظهر إليها و كذا التي قبل العصر الى العصر و التي بعد المغرب الى المغرب و الاخبار لا تنهض بذلك إلا ان كان بنوع اشارة و إلا فلا ظهور لها فيه و ان قرنت بالقبلية لها و البعدية، و يؤيده ان الشارع قد حد لها وقتا معينا من القدم و القدمين و الذراع و الذراعين و نحوهما كما سيأتي ان شاء الله تعالى. و حينئذ فالأولى في نيتها الاقتصار على ملاحظة الامتثال بها خاصة
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(2) ص 29.
56
من دون إضافتها إلى الفرائض.
قيل: و تظهر فائدة الخلاف في اعتبار إيقاع الست قبل القدمين أو المثل ان جعلناها للظهر، و في ما إذا نذر نافلة العصر فان الواجب الثمان على المشهور و ركعتان على قول ابن الجنيد. قال في المدارك و يمكن المناقشة في الموضعين (اما الأول) فبان مقتضى النصوص اعتبار إيقاع الثمان التي قبل الظهر قبل القدمين أو المثل و الثمان التي بعدها قبل الأربعة أو المثلين سواء جعلنا الست منها للظهر أم للعصر. و (اما الثاني) فلان النذر يتبع قصد الناذر فان قصد الثماني أو الركعتين وجب و ان قصد ما وظفه الشارع للعصر أمكن التوقف في صحة هذا النذر لعدم ثبوت الاختصاص كما بيناه. انتهى. و هو جيد إلا انه ينقدح عليه مناقشة أخرى و هي ان ظاهر قوله «مقتضى النصوص اعتبار إيقاع الثمان التي قبل الظهر قبل القدمين أو المثل. إلخ» يدل على وجود روايات تدل على كون المثل وقتا لنافلة الظهر و المثلين وقتا لنافلة العصر، و ليس كذلك و ان قيل به بل ربما كان هو المشهور فانا لم نقف في الاخبار على ما يدل عليه، و بذلك اعترف هو أيضا في رده لكلام المحقق فيما ذكره في شرح قوله في الشرائع «وقت النوافل اليومية للظهر. إلخ» حيث ذكر الرواية التي استدلوا بها على اعتبار المثل و طعن فيها بعدم الدلالة على ذلك و ان المراد من القامة فيها قامة الإنسان. و ليس غيرها في الباب كما سيأتي تحقيقها ان شاء الله تعالى في موضعه فكيف يسند المثل هنا الى النصوص و هي عارية عن ذلك على العموم و الخصوص؟ و الله العالم.
[الطريفة] (العاشرة) [كراهة الكلام بين المغرب و نافلتها]
- قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة الكلام بين المغرب و نافلتها
لرواية أبي العلاء الخفاف عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) قال: «من صلى المغرب ثم عقب و لم يتكلم حتى يصلي ركعتين كتبتا له في عليين فان صلى اربع ركعات كتبت له حجة مبرورة».
و استدل على ذلك في المدارك ايضا
بما رواه الشيخ
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 30 من أبواب التعقيب.
57
عن ابي الفوارس (1) قال: «نهاني أبو عبد الله (عليه السلام) ان أتكلم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب».
قال: و كراهة الكلام بين الأربع يقتضي كراهة الكلام بينها و بين المغرب بطريق أولى. أقول: و أنت خبير بأنه لا وجه لهذه الأولوية في المقام إذ من الجائز اختصاص الكراهة بالكلام بين الأربع و ان جاز الكلام بينها و بين المغرب بان تجعل الأربع مرتبطة بعضها ببعض كأنها صلاة واحدة، و هذا الحكم لم يذكره الأصحاب مع ان الرواية المذكورة صريحة فيه و ان كان في الأولى أيضا نوع اشارة اليه فإن قوله (عليه السلام) «فان صلى أربعا» داخل تحت حيز «ثم عقب و لم يتكلم» يعني ان صلى ركعتين مع عدم الفصل بالكلام كان له كذا و ان صلى أربعا كان له كذا.
و ظاهر رواية الخفاف استحباب تقديم التعقيب على صلاة النافلة، و نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة ان الاولى القيام إلى نافلة المغرب عند الفراغ منها قبل التعقيب و تأخيره الى ان يفرغ من النافلة، و احتج له في التهذيب بهذه الرواية و هي كما عرفت بالدلالة على خلافه أشبه. و قال السيد السند في المدارك- بعد ان نقل عن الشيخ المفيد في المقنعة و الشيخ في التهذيب ما قدمناه- ما صورته: و قال الشهيد في الذكرى الأفضل المبادرة بها- يعني نافلة المغرب- قبل كل شيء سوى التسبيح و نقل عن المفيد مثله. و استدل عليه بان
النبي (صلى الله عليه و آله) فعلها كذلك فإنه لما بشر بالحسن (عليه السلام) صلى ركعتين بعد المغرب شكرا فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين و لم يعقب حتى فرغ منها (2).
و مقتضى هذه الرواية أولوية فعلها قبل التسبيح أيضا إلا انها مجهولة السند و معارضة بالأخبار الصحيحة المتضمنة للأمر بتسبيح الزهراء (عليها السلام) قبل ان يثني المصلي رجليه من صلاة الفريضة (3) انتهى أقول: ظاهر قوله «و استدل عليه»
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من أبواب التعقيب.
(2) رواه في الوسائل في الباب 24 من أعداد الفرائض.
(3) رواها في الوسائل في الباب 7 من أبواب التعقيب.
58
ان المستدل هو الشهيد و ليس كذلك بل ظاهر الذكرى ان المستدل انما هو الشيخ المفيد (قدس سره) و اختيار الذكرى الذي نقله عنه مؤخر عن هذا النقل و الاستدلال، و ذلك فإنه في الذكرى صرح أولا بأن وقت نافلة المغرب بعدها حتى يذهب الشفق المغربي قاله الشيخ (قدس سره) في النهاية ثم نقل احتجاج المعتبر على ذلك، الى ان قال و قال المفيد تفعل بعد التسبيح و قبل التعقيب كما فعلها النبي (صلى الله عليه و آله) لما بشر بالحسن (عليه السلام) فإنه صلى ركعتين شكرا فلما بشر بالحسين (عليه السلام) صلى ركعتين و لم يعقب حتى فرغ منهما، و ابن الجنيد لا يستحب الكلام و لا عمل شيء بينها و بين المغرب، و بالجملة التوقيت بما ذكره الشيخ (قدس سره) لم نقف عليه، الى ان قال و لو قيل بامتداد وقتها بوقت المغرب أمكن لأنها تابعة لها و ان كان الأفضل المبادرة بها قبل كل شيء سوى التسبيح. انتهى. و بذلك يظهر ما في نقل السيد (قدس سره) من الإجمال الموجب للوقوع في الاشكال.
ثم انه لا يخفى ان الرواية الواردة في تعليل النوافل بولادة الحسنين (عليهما السلام) لا اشعار فيها بهذه الزيادة التي ذكرها و هي قوله: «و لم يعقب حتى فرغ منها» و بدونها لا يتم ما ذكره، و هذه صورة الخبر على ما نقل في كتب الأخبار برواية الصدوق و الشيخ عنه (1) و نقله في الذكرى ايضا متقدما على هذا الموضع
«و سئل الصادق (عليه السلام) لم صارت المغرب ثلاث ركعات و أربعا بعدها ليس فيها تقصير في حضر و لا سفر؟
فقال ان الله تبارك و تعالى انزل على نبيه كل صلاة ركعتين فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله) لكل صلاة ركعتين في الحضر و قصر فيها في السفر إلا المغرب و الغداة فلما صلى المغرب بلغه مولد فاطمة (عليها السلام) فأضاف إليها ركعة شكرا لله عز و جل فلما ان ولد الحسن (عليه السلام) أضاف إليها ركعتين شكرا لله عز و جل فلما ان ولد الحسين (عليه السلام) أضاف إليها ركعتين شكرا لله عز و جل فقال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 24 من أعداد الفرائض.
59
«لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1) فتركها على حالها في الحضر و السفر».
هذا صورة ما روى من الخبر و ليس فيه اشعار فضلا عن الدلالة على كون النافلة متقدمة على التعقيب أو متأخرة عنه إذ غايته الدلالة على صلاة هذه الركعات بعد المغرب.
و اما ما أجاب به في المدارك بناء على ثبوت هذه الزيادة فهو محل نظر ايضا (اما أولا) فلان الطعن فيها بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين كما عرفت، مع انه انما استند في حكمه بكراهة الكلام بين المغرب و نافلتها الى خبر ضعيف ايضا و لم يطعن فيه بالضعف و لكنهم لا قاعدة لهم يقفون عليها كما عرفت في غير موضع مما تقدم و (اما ثانيا) فانا لم نقف في شيء من الاخبار على ان الرسول (صلى الله عليه و آله) كان يسبح بعد الصلاة هذا التسبيح الذي علمه فاطمة (عليها السلام) و اشتهر بتسبيحها و ترادفت النصوص بفضله و استحبابه بعد الصلاة، و بالجملة فغاية ما يفهم من الاخبار انه بعد أمره لفاطمة (عليها السلام) بذلك شاع استحبابه و اما انه (صلى الله عليه و آله) فعله فغير معلوم من الاخبار، نعم ما ذكره جيد بالنسبة إلى غيره لاستفاضة الاخبار بما ذكره من استحبابه قبل ان يثني المصلي رجليه من جلوسه للتشهد.
[الطريفة] (الحادية عشرة) [سجود الشكر في المغرب بعد الفريضة أو بعد النافلة؟]
- قال في المنتهى: سجود الشكر في المغرب ينبغي ان يكون بعد نافلتها
لما رواه الشيخ عن حفص الجوهري (2) قال: «صلى بنا أبو الحسن (عليه السلام) صلاة المغرب فسجد سجدة الشكر بعد السابعة فقلت له كان آباؤك يسجدون بعد الثالثة فقال ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السابعة».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و في السند ضعف مع انه
روى جهم بن ابي جهم (3) قال: «رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) و قد سجد بعد الثلاث الركعات من المغرب فقلت له جعلت فداك رأيتك سجدت بعد الثلاث فقال و رأيتني؟ فقلت نعم. قال
____________
(1) سورة النساء، الآية 12.
(2) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب التعقيب.
(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب التعقيب.
60
فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب».
و الظاهر ان المراد به سجدة الشكر و الكل حسن ان شاء الله تعالى. انتهى.
و ظاهر كلامه أخيرا هو التخيير بين الأمرين، و بذلك صرح في الذكرى ايضا فقال: في موضع سجدتي الشكر بعد المغرب روايتان يجوز العمل بهما إحداهما رواية حفص الجوهري و الثانية رواية جهم.
أقول: لا يخفى ان القول بالتخيير هنا لا يخلو من الاشكال حيث ان ظاهر كل من الخبرين يدفع الآخر فان ظاهر الأول استحباب السجود بعد السابعة و انه هو الموظف خاصة لفعله (عليه السلام) ذلك و لإنكاره على الراوي بأنه لم يسجد أحد من آبائي إلا بعد السابعة، و المراد بابي الحسن هنا هو الهادي (عليه السلام) كما صرح به في التهذيب و ظاهر الخبر الثاني- حيث رآه سجد بعد الثالثة و قوله (عليه السلام): فلا تدعها فان الدعاء فيها مستجاب- هو كون ذلك هو السنة الموظفة فكيف يتم القول بالتخيير فيهما كما ذكروه؟
و الأظهر عندي وفاقا للمحدث الكاشاني في الوافي هو حمل الرواية الأولى على التقية كما يشعر به قول الكاظم (عليه السلام) «و رأيتني» و كأنه يستخفي بذلك، و يؤيده ما ورد في توقيعات صاحب الأمر (عجل الله نصره و ظهوره) من انها بعد الفريضة أفضل،
روى الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) (1) «انه كتب إليه يسأله عن سجدة الشكر بعد الفريضة فإن بعض أصحابنا ذكر أنها بدعة فهل يجوز ان يسجدها الرجل بعد الفريضة فإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟ فأجاب (عليه السلام) سجدة الشكر من الزم السنن و أوجبها.
و لم يقل ان هذه السجدة بدعة إلا من أراد ان يحدث في دين الله بدعة. و اما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب و الاختلاف في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أبواب التعقيب.
61
انها بعد الثلاث أو بعد الأربع فإن فضل الدعاء و التسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعد النوافل كفضل الفرائض على النوافل و السجدة دعاء و تسبيح فالأفضل ان يكون بعد الفرض و ان جعلت بعد النوافل ايضا جاز» انتهى.
و جمع بعض الأصحاب بين الخبرين بحمل الأول الدال على انها بعد السبع على الجواز و الثاني على الأفضل و يدل عليه خبر التوقيع المذكور، و الظاهر انه لم يطلع عليه و ليته كان حيا فاهديه اليه، إلا انك قد عرفت ان الخبر الأول لا يخلو من منافرة لذلك حيث انه (عليه السلام) مع فعله ذلك أنكر ان أحدا من آبائه لم يسجد إلا بعد السبع و لا يبعد ملاحظة التقية في التجويز بعد السبع في التوقيع المذكور. و الله هو العالم.
[الطريفة] (الثانية عشرة) [هل الجلوس في الوتيرة أفضل من القيام؟]
- ذكر جمع من الأصحاب ان الجلوس في الركعتين اللتين بعد العشاء أفضل من القيام لورود جملة من النصوص بالجلوس فيهما، و منها صحيحة الفضيل بن يسار أو حسنته و هي الرواية الاولى من الروايات المتقدمة صدر المقدمة (1) و رواية أحمد بن محمد بن ابي نصر و رواية كتاب الفقه الرضوي،
و روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابي عبد الله القزويني (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) لأي علة تصلى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال لان الله فرض سبع عشرة ركعة فأضاف إليها رسول الله (صلى الله عليه و آله) مثليها فصارت احدى و خمسين ركعة فتعد هاتان الركعتان من جلوس بركعة».
و عن المفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت أصلي العشاء الآخرة فإذا صليت صليت ركعتين و انا جالس فقال اما أنهما واحدة و لو متّ متّ على وتر».
و روى الكشي في كتاب الرجال عن هشام المشرقي عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «ان أهل البصرة سألوني فقالوا يونس يقول من السنة ان يصلي الإنسان ركعتين و هو جالس فقلت صدق يونس».
إلا انه
قد روى الشيخ في الموثق عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) ص 27.
(2) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
62
في حديث (1) قال: «و ركعتان بعد العشاء الآخرة يقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا و القيام أفضل و لا تعدهما من الخمسين».
و هو صريح في أفضلية القيام، و يقرب منه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحارث بن المغيرة النصري (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار، الى ان قال و ركعتان بعد العشاء الآخرة كان ابي يصليهما و هو قاعد و انا أصليهما و انا قائم. الحديث».
و التقريب فيه مواظبته (عليه السلام) على القيام فيهما و حمل صلاة أبيه (عليه السلام) و هو قاعد على كونه ثقيل البدن يشق عليه القيام
كما ورد عنه (عليه السلام) في خبر حنان بن سدير عن أبيه (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ تصلي النوافل و أنت قاعد؟ قال ما أصليها إلا و انا قاعد منذ حملت هذا اللحم و بلغت هذا السن».
و بذلك يظهر ما في الحكم بأفضلية الجلوس كما قدمنا نقله عن جملة من الأصحاب و الجمع بين أخبار المسألة لا يخلو من اشكال، و اما ما ذكره في الذكرى- في الجمع بين الاخبار بجوازها من قعود و من قيام- ففيه ان محل البحث و تصادم الاخبار في الأفضل لا في أصل الجواز. و رجح في المدارك العمل بالخبرين الأولين و طعن في سند الخبرين الأخيرين. و هو متجه بناء على نقله صحيح ابن المغيرة عن الكافي فإن سنده فيه ضعيف و اما في التهذيب فهو صحيح لانه رواه فيه عن احمد بن محمد بن عيسى عن علي بن حديد عن علي بن النعمان عن الحارث النصري. و يمكن ترجيح الأخبار الأولة بأوفقية البدلية لأن الركعتين من جلوس تعدان بركعة قائما بخلاف صلاتهما قائما فإنه ربما حصلت الزيادة على العدد، و يؤيد ذلك ما رواه في العلل عن ابي عبد الله القزويني إلا انه يتوقف على وجود محمل للخبرين المذكورين و لا يحضرني الآن محمل يحملان عليه. و الله العالم.
[الطريفة] (الثالثة عشرة) [جواز الجلوس في النافلة اختيارا]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز الجلوس في النافلة اختيارا بل قال في المعتبر و هو اطباق العلماء. و قال في المنتهى انه لا يعرف
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب القيام.
63
فيه خلافا. و نقل الشهيد (قدس سره) في الذكرى عن ابن إدريس انه منع من جواز النافلة جالسا مع الاختيار إلا الوتيرة و نسب الجواز الى الشيخ (قدس سره) في النهاية و الى رواية شاذة، قال و اعترض على نفسه بجواز النافلة على الراحلة مختارا سفرا و حضرا و أجاب بان ذلك خرج بالإجماع، ثم قال في الذكرى قلت دعوى الشذوذ هنا مع الاشتهار عجيبة و المجوزون للنافلة على الراحلة هم المجوزون لفعلها جالسا و ذكر النهاية هنا و الشيخ يشعر بالخصوصية مع انه قال في المبسوط يجوز ان يصلي النوافل جالسا مع القدرة على القيام و قد روى انه يصلي بدل كل ركعة ركعتين و روى انه ركعة بركعة، و هما جميعا جائزان. و قد ذكره ايضا المفيد (قدس سره) فإنه قال و كذلك من أتعبه القيام في النوافل كلها و أحب ان يصليها جالسا للترفه فليفعل ذلك و ليجعل كل ركعتين ركعة. انتهى ما ذكره في الذكرى. و هو جيد.
و من الاخبار
ما رواه في الكافي و الفقيه عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له انا نتحدث نقول من صلى و هو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة و سجدتين بسجدة؟ فقال ليس هو هكذا هي تامة لكم».
و روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن معاوية بن ميسرة (2) «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أو سئل أ يصلي الرجل و هو جالس متربعا أو مبسوط الرجلين فقال لا بأس».
و روى في الكافي عن معاوية بن ميسرة (3) «أن سنانا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه و هو جالس قال لا بأس و لا أراه إلا قال في المعتل و المريض».
قال في الكافي (4) و في حديث آخر «يصلي متربعا و مادا رجليه كل ذلك واسع».
و في التهذيب عن محمد بن سهل عن أبيه و في الفقيه عن أبيه (5)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب القيام.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب القيام.
(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب القيام.
(4) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب القيام.
(5) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب القيام.
64
«انه سأل أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يصلي النافلة قاعدا و ليست به علة في سفر أو حضر قال لا بأس به».
و روى في الكافي في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت الرجل يصلي و هو قاعد فيقرأ السورة فإذا أراد ان يختمها قام فركع بآخرها، قال صلاته صلاة القائم».
و في الصحيح عن حماد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يصلي و هو جالس فقال إذا أردت ان تصلي و أنت جالس و تكتب لك صلاة القائم فاقرأ و أنت جالس فإذا كنت في آخر السورة فقم فأتمها و اركع فتلك تحسب لك بصلاة القائم».
و روى في الفقيه عن حماد بن عثمان (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قد يشتد علي القيام في الصلاة؟
فقال إذا أردت أن تدرك صلاة القائم فاقرأ و أنت جالس فإذا بقي من السورة آيتان فقم و أتم ما بقي و اركع و اسجد فذلك صلاة القائم».
و روى في التهذيب عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا؟ قال يضعف ركعتين بركعة».
و عن الصيقل (5) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صلى الرجل جالسا و هو يستطيع القيام فليضعف».
أقول: قد اتفقت هذه الاخبار في رد ما ذكره ابن إدريس من منع جواز النافلة جالسا مع الاختيار و نسبة الرواية الدالة على ذلك الى الشذوذ.
بقي الكلام في ان الروايتين الأخيرتين قد دلتا على استحباب التضعيف متى صلى جالسا و على ذلك حملهما الشيخ و من تبعه من الأصحاب و به صرح الشيخ المفيد فيما قدمناه من عبارته المنقولة عنه في الذكرى. و أنت خبير بأن رواية أبي بصير قد تضمنت بعد الاخبار عما دلت عليه هاتان الروايتان من نقصان الصلاة من جلوس الموجب في تحصيل إتمامها إلى التضعيف ان الصلاة من جلوس تامة لكم يعني ثوابها تام لا يحتاج
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب القيام.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب القيام.
(3) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب القيام.
(4) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب القيام.
(5) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب القيام.
65
الى التضعيف، و هو بظاهره مدافع لما دل عليه الخبران المذكوران، و لم أقف على من تعرض لوجه الجواب عن ذلك مع ظهور التدافع كما عرفت، و لا يحضرني الآن وجه للجواب عن ذلك الا بان يحمل تمامها على القيام فيها في آخر السورة ثم الركوع عن قيام كما دل عليه صحاح حماد و زرارة لما دلت عليه من انه من صلاها على هذا الوجه حسب له ثواب صلاة القائم و اما لو صلاها لا كذلك فإن الأفضل التضعيف.
و قال في المدارك: و في جواز الاضطجاع و الاستلقاء مع القدرة على القيام قولان أظهرهما العدم لتوقف العبادة على النقل و عدم ثبوت التعبد به. و قيل بالجواز لأن الكيفية تابعة للأصل فلا تجب كالأصل. و ضعفه ظاهر لان الوجوب هنا بمعنى الشرط كالطهارة في النافلة و ترتيب الأفعال فيها. انتهى. و هو جيد. و الله العالم.
[الطريفة] (الرابعة عشرة) [استحباب التضعيف في النافلة من جلوس]
- قد صرح جملة من الأصحاب بأن الأفضل في الصلاة جالسا ان يكون متربعا، قال في المنتهى و اما استحباب التربيع في حال الجلوس فهو قول علمائنا و الشافعي و مالك و الثوري و احمد و إسحاق و روى عن ابن عمر و ابن سيرين و مجاهد و سعيد بن جبير خلافا لأبي حنيفة (1) ثم قال: لنا
ما رواه الجمهور عن أنس (2) «انه صلى متربعا فلما ركع ثنى رجليه».
و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن حمران بن أعين عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «كان ابي إذا صلى جالسا تربع فإذا ركع ثنى رجليه».
انتهى و لم يفسر التربيع الذي ذكره و لم يبين كيفيته و لم أقف على من بين كيفيته إلا على كلام لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروضة في الفصل الرابع في بيان مستحبات الصلاة حيث قال بعد قول المصنف: «و تربع المصلى قاعدا» ما لفظه: لعجز أو لكونها نافلة بأن يجلس على ألييه و ينصب ساقيه و وركيه كما تجلس المرأة للتشهد. انتهى و لم أقف في شيء من الاخبار على ما يدل على هذه الكيفية في صلاة القاعد نعم فيها كما
____________
(1) المغني ج 2 ص 142.
(2) المغني ج 2 ص 142.
(3) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب القيام.
66
عرفت من رواية حمران استحباب التربع و لكن لم تبين كيفيته.
و في المقام اشكال لم أر من تنبه له و لا نبه عليه و هو ان معنى رواية حمران المذكورة استحباب التربع في الصلاة من جلوس و قد عرفت دعوى العلامة اتفاق علمائنا و أكثر العامة على ذلك، مع ان هنا جملة من الاخبار قد وردت بكراهة ذلك و إطلاقها شامل للصلاة و غيرها، و منها
ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد و لا يضع احدى رجليه على الأخرى و لا يتربع فإنها جلسة يبغضها الله تعالى و يبغض صاحبها».
و في بعض الاخبار (2) «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجلس ثلاثا: القرفصاء و على ركبتيه و كان يثنى رجلا واحدة و يبسط عليها الأخرى، و لم ير متربعا قط».
و ظاهر هذين الخبرين- كما ترى- عموم الكراهة في جميع الحالات من صلاة و غيرها، إلا انه قد ورد بإزاء هذين الخبرين ايضا ما يدل على الجواز
كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي ابن أبي شعبة (3) «أنه رأى أبا عبد الله (عليه السلام) متربعا. الحديث».
و روى الصدوق عن حماد بن عثمان عن عمر بن أذينة عن ابي سعيد (4) «انه رأى أبا عبد الله (عليه السلام) يأكل متربعا».
قال الشيخ الفاضل الزاهد العابد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي (قدس سره) في كتاب مجمع البحرين بعد نقل الحديث النبوي «و لم ير متربعا قط»: التربع عبارة عن ان يقعد على وركيه و يمد ركبته اليمنى الى جانب يمينه و قدمه الى جانب شماله و اليسرى بالعكس، ثم قال قاله في المجمع، ثم حمل خبر أكل الصادق (عليه السلام) متربعا على الضرورة أو بيان الجواز، و حينئذ فإن كان التربع عبارة عن هيئة واحدة- كما هو ظاهر الشيخ فخر الدين حيث حمل حديث الصادق (عليه السلام) على الضرورة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب المائدة.
(2) الوسائل الباب 74 من أحكام العشرة.
(3) الوسائل الباب 6 من آداب المائدة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 9 من آداب المائدة.
67
أو الجواز، و مثله الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل حيث ان ظاهر كلامه بعد حكمه بكراهة التربع حمل الحديث المذكور على بيان الجواز- أشكل الحكم في الجميع بين هذه الاخبار فإن الاستحباب و الكراهة حكمان متقابلان لا يتصف بهما أمر واحد، و احتمال الاستحباب و الكراهة بالنظر الى حالتي الصلاة و الأكل فيستحب في حال الصلاة و يكره في الجلوس للأكل يدفعه عموم أخبار الكراهة من قوله: «لم ير متربعا قط» و قوله «إنها جلسة يبغضها الله تعالى و يبغض صاحبها» و ان كان له كيفيات متعددة- كما يظهر من عبارة القاموس حيث قال: «و تربع في جلوسه خلاف جثى و أفعى» و ظاهره صدق التربع على جميع هيئات الجلوس إلا الجلوس جائيا و مقعيا- زال الإشكال، إلا اني لم أقف على دليل واضح من الاخبار لبيان هيئة من هيئاته. نعم
روى الكشي (1) في ترجمة جعفر بن عيسى في حديث عن ابي الحسن (عليه السلام) قال فيه: «و كان جالسا الى جنب رجل و هو متربع رجلا على رجل».
و يمكن ان يحمل خبر ابي بصير المتقدم و قوله فيه: «و لا يضع احدى رجليه على الأخرى و لا يتربع» على ان التربع هو وضع احدى الرجلين على الأخرى كما دل عليه خبر الكشي فيكون قوله «و لا يتربع» عطفا تفسيريا و هو الأوفق بقوله «فإنها جلسة يبغضها الله تعالى» بان يكون وضع احدى الرجلين على الأخرى هو التربع الذي يبغضه الله تعالى، و الكلام في جلوسه (عليه السلام) متربعا يحمل على ما حملت عليه الاخبار المتقدمة من الضرورة أو بيان الجواز أو تعدد الهيئات. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال إلا ان المقام مقام استحباب أو كراهة.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد ذكر جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية ركوع القاعد حالتين (إحداهما) ان ينحني بحيث يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب كالراكع القائم بالنسبة إلى القائم. و (ثانيتهما) أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده
____________
(1) ص 310.
68
و أدناه أن ينحني بحيث تصل جهته الى قدام ركبتيه، و أكمل ركوع القائم أن يستوي ظهره و عنقه و هو يستلزم محاذاة الجبهة موضع السجود. و الظاهر ان كلا منهما محصل ليقين البراءة لكن المنقول عن الشهيد (قدس سره) في بعض كتبه انه أوجب رفع الفخذين من الأرض استنادا إلى انه واجب حال القيام و الأصل بقاؤه. و اعترض عليه بان ذلك غير مقصود حال القيام بل انما جعل تبعا للهيئة الواجبة في تلك الحالة و هي منتفية ههنا و انه ينتقض بإلصاق البطن فإنه يحصل في حال القعود أكثر مما يحصل في حال القيام و لم يحكم باعتبار التجافي. و الله العالم.
[الطريفة] (الخامسة عشرة) [استحباب ركعتي الغفيلة]
- قد تكاثرت الاخبار باستحباب صلاة ركعتين بين المغرب و العشاء و تسمى ركعتي الغفيلة و ركعتي الغفلة و ركعتي ساعة الغفلة، و من ذلك
ما رواه الشيخ في كتاب المصباح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«من صلى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الأولى الحمد و قوله تعالى «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً. الى وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ» (2) و في الثانية الحمد و قوله تعالى «وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ. الى آخر الآية» (3) فإذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت ان تصلي على محمد و آل محمد و ان تفعل بي كذا و كذا، و يقول اللهم أنت ولي نعمتي و القادر على طلبتي تعلم حاجتي فأسألك بمحمد و آله (عليهم السلام) لما قضيتها لي، و سأل الله حاجته أعطاه الله تعالى ما سأل».
و رواه السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بإسناده عن هشام بن سالم مثله (4) و زاد «فإن النبي (صلى الله عليه و آله) قال لا تتركوا ركعتي الغفلة و هما ما بين العشاءين».
و منها
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: قال رسول الله (صلى الله
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة.
(2) سورة الأنبياء، الآية 87.
(3) سورة الانعام، الآية 59.
(4) البحار ج 18 ص 544.
(5) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة.
69
عليه و آله) و في كتاب العلل مسندا في الموثق عن سماعة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) تنفلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين فإنهما تورثان دار الكرامة» قال: و في خبر آخر «دار السلام و هي الجنة».
و ساعة الغفلة ما بين المغرب و العشاء الآخرة.
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن وهب أو السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) تنفلوا. الحديث الى قوله دار الكرامة» ثم زاد «قيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ما ساعة الغفلة؟ قال ما بين المغرب و العشاء».
و روى هذه الرواية أيضا ابن طاوس في كتاب فلاح السائل (3) و زاد «قيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ما معنى خفيفتين؟ قال تقرأ فيهما الحمد وحدها. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فمتى أصليها؟ قال ما بين المغرب و العشاء».
و روى الصدوق في الفقيه عن الباقر (عليه السلام) (4) «ان إبليس إنما يبث جنوده جنود الليل من حين تغيب الشمس. الى مغيب الشفق و يبث جنود النهار من حين طلوع الفجر الى طلوع الشمس و ذكر ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يقول: أكثروا ذكر الله تعالى في هاتين الساعتين و تعوذوا بالله عز و جل من شر إبليس و جنوده و عوذوا صغاركم في هاتين الساعتين فإنهما ساعتا غفلة».
أقول: و في المقام فوائد
[الفائدة] (الأولى) [وقت ركعتي الغفيلة]
- ظاهر الاخبار المذكورة ان محل الصلاة المذكورة بين صلاتي المغرب و العشاء متى صليتا في وقت فضيلتهما، و ظاهر شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح ان وقتهما من غروب الشمس الى غروب الشفق المغربي، قال في الكتاب المذكور- بعد ذكر حديث السكوني أو وهب المنقول برواية الشيخ في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من الصلوات المندوبة.
(3) البحار ج 18 ص 545.
(4) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب التعقيب.
70
التهذيب و قوله فيه «ما بين المغرب و العشاء» ما لفظه: و لا يخفى ان المراد ما بين وقت المغرب و وقت العشاء اعني ما بين غروب الشمس إلى غيبوبة الشفق كما يرشدك اليه الحديث السابق لا ما بين الصلاتين، و قد
ورد في الأحاديث الصحيحة ان أول وقت العشاء غيبوبة الشفق (1).
و من هذا يستفاد ان وقت أداء ركعتي الغفيلة ما بين الغروب و ذهاب الشفق فان خرج صارت قضاء. انتهى. أقول: أشار بالحديث السابق الى ما نقلناه أخيرا من حديث بث إبليس جنوده من حين تغيب الشمس الى مغيب الشفق.
و أنت خبير بأن غاية ما يدل عليه الخبر المذكور ان ابتداء البث من ذلك الوقت و لا دلالة فيه على كون الصلاة من ذلك الوقت، و مجرد كون هذه الصلاة تصلى في ساعة الغفلة لا يستلزم جواز تقديمها على الفريضة سيما مع استفاضة النصوص بالمنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محلها، على انها بين الفرضين واقعة في الساعة المذكورة متى صلى الفرضين في وقت فضيلتهما، و رواية هشام بن سالم صريحة في كونها بين الفرضين و كذا المرسلة المنقولة في كتاب فلاح السائل عن النبي (صلى الله عليه و آله) و نحوهما المرسلة الثانية. و بالجملة فالظاهر من الاخبار ان وقتها انما هو بين الصلاتين و ان كانت ساعة الغفلة ممتدة من غروب الشمس، و لعل السر في تخصيصها بما ذكرناه من حيث الاخبار المانعة من التطوع بعد دخول وقت الفريضة.
[الفائدة] (الثانية) [هل تقضى ركعتا الغفيلة؟]
- المفهوم من الاخبار اختصاص القضاء بالرواتب اليومية بعد فوات أوقاتها، و صريح شيخنا المتقدم ان هاتين الركعتين تقضيان بعد فوات وقتهما، و لم أقف له على دليل بل و لا قائل سواه (قدس سره) و لعل منشأ ما ذهب اليه من حيث التوقيت إلا ان مجرد ذلك لا يوجب القضاء فإنه كما يتوقف الإتيان بها في ذلك الوقت على دليل كذلك يتوقف القضاء على الدليل على الأشهر الأظهر، و مجرد فوات الأداء لا يستلزم القضاء كما عليه المحققون من أصحابنا (رضوان الله عليهم).
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 23 من المواقيت.
71
[الفائدة] (الثالثة)
- ذهب بعض مشايخنا المعاصرين- على ما نقل عنه- إلى انه يكفي في أداء هذه الوظيفة الإتيان بنافلتي المغرب. و لعله نظر الى الأمر بالتنفل في ساعة الغفلة بقول مطلق، و هو و ان أمكن احتماله إلا ان ورود الخبر بتعيين صلاة معينة بقراءة خاصة و كيفية تفارق بها كيفية نافلتي المغرب الموظفة يعطي تقييد ذلك الإطلاق بهذه الصلاة الخاصة الزائدة على نافلتي المغرب، و لا ريب ان الاحتياط في تحصيل هذه الوظيفة انما يتم بما ذكرنا، و هو ظاهر الأصحاب أيضا حيث انهم ذكروا في هذا المقام هذه الصلاة المخصوصة زيادة على نافلتي المغرب.
[الفائدة] (الرابعة)
- ما ورد في الرواية المنقولة من كتاب فلاح السائل من تفسير الخفيفتين بالاقتصار على الحمد وحدها مع ما عرفت من رواية هشام بن سالم من استحباب قراءة الآيتين المذكورتين لعله محمول على ضيق الوقت أو الاستعجال لحاجة و نحو ذلك، و ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى ان هاتين الركعتين في هذه الرواية غير ركعتي الغفيلة المذكورة في رواية هشام بن سالم حيث قال: يستحب ركعتان ساعة الغفلة و قد رواهما الشيخ، ثم نقل الرواية المشتملة على الركعتين الخفيفتين ثم قال و يستحب ايضا بين المغرب و العشاء ركعتان يقرأ في الأولى بعد الحمد: و ذا النون إذ ذهب مغاضبا. إلخ، الى ان قال فان الله تعالى يعطيه ما يشاء. و الظاهر عندي ان الركعتين المذكورتين في الروايتين انما هما صلاة واحدة و ان اختلفت العبارتان كما ذكرنا.
[الفائدة] (الخامسة)
- نقل الشيخ الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابن عباس في تفسير قوله سبحانه حكاية عن موسى على نبينا و آله و (عليه السلام) «وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهٰا» (1) ان دخوله كان فيما بين المغرب و العشاء. انتهى. و فيه إشارة الى ما دلت عليه هذه الاخبار ان ثبت النقل المذكور.
[الفائدة] (السادسة)
- قوله في الدعاء المذكور في القنوت «لما قضيتها لي» يجوز
____________
(1) سورة القصص، الآية 15.
72
قراءته بالتشديد و التخفيف فعلى تقدير التشديد يكون «لما» بمعنى «إلا» يعني «إلا قضيتها لي» و على تقدير التخفيف تجعل «ما» زائدة للتأكيد و اللام فيها جواب القسم و التقدير «لتقضيها لي» كذا في كتاب مجمع البيان.
(تذنيب) [استحباب صلاة الوصية]
من المستحب في هذه الساعة أيضا صلاة ركعتين يقرأ في الأولى بعد الحمد سورة الزلزلة ثلاث عشرة مرة و في الثانية بعد الحمد التوحيد خمس عشرة مرة.
روى الشيخ (طاب ثراه) في كتاب المصباح عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «أوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد و إذا زلزلت ثلاث عشرة مرة و في الثانية الحمد و قل هو الله أحد خمس عشرة مرة فإنه من فعل ذلك كل شهر كان من الموقنين، فان فعل ذلك في كل سنة كان من المحسنين، فان فعل ذلك في كل جمعة كان من المخلصين، فان فعل ذلك كل ليلة زاحمني في الجنة و لم يحص ثوابه إلا الله تعالى».
[الطريفة] (السادسة عشرة) [هل يجوز تقديم الشفع في أول الليل؟]
- ما تضمنه خبر الحجال- من صلاة الصادق (عليه السلام) الركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية ثم ركعتين من جلوس و انه متى لم يدرك صلاة الليل و الوتر في آخره أضاف إليها ركعة كما في بعض الاخبار أو ركعتين كما في الرواية الأخرى و احتسب بها مع ما قدمه وترا (2)- لا يخلو من الاشكال.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى- بعد نقل الخبر المذكور بالرواية المشتملة على لفظ الركعة- ما صورته: و فيه إيماء إلى جواز تقديم الشفع في أول الليل و هو خلاف المشهور، نعم في خبر
زرارة عنه (عليه السلام) (3) «مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يبيتن حتى يوتر».
و هذا يمكن حمله على الضرورة، و في المصباح يستحب ان يصلي بعد ركعتي الوتيرة ركعتين من قيام، و أنكرهما ابن إدريس استسلافا لان الوتيرة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من الصلوات المندوبة.
(2) ص 32.
(3) رواه في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
73
خاتمة النوافل كما صرح به الشيخان في المقنعة و النهاية حتى في نافلة شهر رمضان و هو مشهور بين الأصحاب، و الذي
في رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك».
و لكنه في سياق الوتر لا الوتيرة. و نسب ابن إدريس الرواية بالركعتين الى الشذوذ، و في المختلف لا مشاحة في التقديم و التأخير لصلاحية الوقت للنافلة.
أقول: ما ذكره من ان في الخبر إيماء إلى جواز تقديم الشفع و انه خلاف المشهور صحيح و لكنه بهذا التقريب يجب حمله على التقية، لأن المنقول عن العامة أنهم يستحبون تقديم الوتر في أول الليل فان انتبهوا في آخر الليل صلوا صلاة الليل و أوتروا فصلوا وترين في ليلة و إلا احتسبوا بما قدموه (2) و الاخبار قد نفت عليهم فعل وترين في ليلة واحدة إلا ان يكون أحدهما قضاء (3) و مما يشير الى ذلك
ما في صحيحة الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شيء؟ قال لا غير اني أصلي بعدها ركعتين و لست أحسبهما من صلاة الليل».
قال في الوافي: فيه رد على العامة فإنهم أبدعوا وترا بعد صلاة العشاء يحسبونه من صلاة الليل إذا لم يستيقظوا آخر الليل فان استيقظوا أعادوها فيصلون وترين في ليلة. انتهى. و اما ما ذكره- من دلالة خبر زرارة على ذلك ايضا حتى انه تأوله بحمله على الضرورة- فقد تقدم الكلام فيه منقحا و بينا ان المراد بالوتر هنا انما هي الوتيرة التي تستحب بعد العشاء فلا إشكال في الخبر المذكور. و اما ما نقله عن ابن إدريس- من إنكاره لما ذكره الشيخ و نسبة الرواية إلى الشذوذ- ففيه ان ما دل على الصلاة بعد الوتيرة ليس منحصرا في رواية الشيخ المذكورة بل هو مدلول الخبر الذي هو محل البحث و صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في صدر المقدمة (5) إلا ان ظاهر
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 42 من الصلوات المندوبة.
(2) راجع التعليقة 1 ص 29.
(3) رواها في الوسائل في الباب 42 من الصلوات المندوبة.
(4) المروية في الوسائل في الباب 27 من أعداد الفرائض.
(5) ص 29.
74
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة أو حسنته المشار إليها في كلامه «و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك» هو ان خاتم صلاة تلك الليلة الوتيرة، و استبعاد إطلاق الوتر على الوتيرة كما يفهم من كلامه مدفوع بما تقدم في الفائدة السادسة من الاخبار الدالة على صحة هذا الإطلاق و ان كان سياق الخبر انما هو في الوتر الذي في آخر الليل و الكلام في قضائه إلا انه لا منافاة في ذلك، و بالجملة فالكلام في المسألة غير خال من شوب الاشكال لما عرفت.
و قال المحدث الكاشاني في الوافي ذيل الخبر المشار اليه: لعل المراد انه صلى ركعة فصارت مع اللتين صلاهما جالسا شفعا فتصيران نافلة الفجر فقوله «و احتسب بالركعتين» بيان لعدهما واحدة لتصيرا مع هذه شفعا، و في بعض النسخ «صلى ركعتين» فيكون المراد فصارت صلاته هذه شفعا و هي مع اللتين صلاهما جالسا تحتسب بصلاة الوتر لأنهما تعدان بواحدة و ربما يوجد «سبعا» مكان «شفعا» و كأنه تصحيف انتهى.
و لا يخلو من اضطراب و تناقض.
و الذي يقرب عندي في معنى الخبر المذكور ان الركعتين اللتين صلاهما (عليه السلام) بعد العشاء بلا فصل و قرأ فيهما مائة آية هما ركعتا الوتيرة بقرينة قراءة مائة آية التي قد ورد في غير هذا الخبر استحبابها فيها و قرينة قوله «و لا يحتسب بهما» يعني من صلاة الليل كما تقدم ذكره، و اما الركعتان من جلوس اللتان بعدهما فان الغرض منهما انه متى لم يستيقظ حتى يطلع الفجر فإنه يضيف إليهما ركعة من قيام كما في إحدى الروايتين أو ركعتين يعني من جلوس كما في الرواية الأخرى و يحتسب بذلك عن صلاة الفجر، و اما قوله «و احتسب بالركعتين» فهو راجع الى الوتيرة بقرينة قوله «اللتين صلاهما بعد العشاء» فإنهما اللتان يحتسب بهما عن الوتر لما عرفت من ان من جملة التعليلات في الوتيرة هو قيامها مقام الوتر في آخر الليل لو مات و لم يوتر، و مورد ذلك الخبر و ان كان الموت إلا ان ظاهر هذا الخبر فوات الوقت ايضا، و كيف كان فالحكمان المذكوران
75
لا يخلوان من غرابة و لعل ذلك من جملة الرخص الواردة في الشريعة.
و مما يؤيد هذا الخبر باعتبار دلالته على الزيادة على الوتيرة بعد العشاء الآخرة ما تقدم
في حسنة عبد الله بن سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) الى ان قال و رأيته يصلي بعد العتمة أربع ركعات».
و قد تقدم النقل عن صاحب الوافي أنه حملها على غير الرواتب أو انها قضاء لها و الظاهر حملها على ما دل عليه هذا الخبر، و كذلك الخبر الذي نقله في الذكرى عن الشيخ في المصباح إلا ان خبر المصباح تضمن الركعتين من قيام و الخبر الذي نحن فيه من جلوس و خبر ابن سنان مجمل.
[الطريفة] (السابعة عشرة) [موضع السلام في الوتر و صلاة الأعرابي]
-
روى الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «من قال في آخر سجدة من النافلة بعد المغرب ليلة الجمعة- و ان قال كل ليلة فهو أفضل-: اللهم إني أسألك بوجهك الكريم و اسمك العظيم ان تصلي على محمد و آل محمد و ان تغفر لي ذنبي العظيم- سبع مرات انصرف و قد غفر له».
و ظاهر الشهيد في الذكرى ان محل هذا الدعاء السجدة الواقعة بعد السبع حيث قال بعد ذكر الخلاف في موضع سجدتي الشكر بعد المغرب و ذكر روايتي حفص الجوهري و جهم المتقدمتين في الفائدة الحادية عشرة: و يستحب ان يقال في السجدة بعد السبع ليلة الجمعة: اللهم إني أسألك، و ساق الدعاء الى آخره، و هو وهم منه (قدس سره) لما عرفت من الرواية المذكورة التي هي المستند في هذا الحكم.
[الطريفة] (الثامنة عشرة) [النوافل يسلم فيها على الركعتين]
- المعروف من مذهب الأصحاب- و به صرح جملة منهم- ان كل النوافل يسلم فيها على الركعتين إلا مفردة الوتر و صلاة الأعرابي بل نقل عن الشيخ في الخلاف و ابن إدريس دعوى الإجماع عليه.
قال في الذكرى: و منع في المبسوط من الزيادة على ركعتين اقتصارا على ما نقل
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 46 من صلاة الجمعة.
76
عن النبي (صلى الله عليه و آله) و أهل بيته، و قال في الخلاف ان فعل خالف السنة و احتج بإجماعنا
و بما رواه ابن عمر (1) «ان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الليل فقال صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى».
ثم نقل عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه و آله) (2) قال: «صلاة الليل و النهار مثنى مثنى».
ثم قال فدل على ان ما زاد على مثنى لا يجوز. و ظاهر كلامه في الكتابين عدم شرعيته و انعقاده. و هل يجوز الركعة الواحدة في غير الوتر؟ منع منه في الخلاف و المعتبر اقتصارا على المتفق عليه من فعل النبي (صلى الله عليه و آله)
و لرواية ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «انه نهى عن البتراء يعني الركعة الواحدة».
و قد ذكر الشيخ في المصباح (4) عن زيد بن ثابت صلاة الأعرابي عند ارتفاع نهار الجمعة عشر ركعات يقرأ في الركعتين الأوليين الحمد مرة و الفلق سبعا و في الثانية بعد الحمد الناس سبعا و يسلم و يقرأ آية الكرسي سبعا ثم يصلي ثمان ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة و النصر مرة و الإخلاص خمسا و عشرين مرة ثم يدعو بالمرسوم، و لم يذكر سندها و لا وقفت لها على سند من طريق الأصحاب قال ابن إدريس قد روى رواية في صلاة الأعرابي فإن صحت لا تعدى لأن الإجماع على ركعتين بتسليمة.
انتهى ما ذكره في الذكرى.
أقول: الأظهر في الاستدلال على الحكم المذكور هو ما أشاروا إليه مما ملخصه ان العبادات توقيفية متلقاة من صاحب الشرع و الذي ثبت و صح عنه ان كل ركعتين بتسليمة خرج منها ركعة الوتر بالنصوص المستفيضة، و يزيده تأكيدا
ما رواه عبد الله بن
____________
(1) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 280 و سنن البيهقي ج 2 ص 486.
(2) كما في سنن البيهقي ج 2 ص 487.
(3) نقل الشوكانى في نيل الأوطار ج 3 ص 28 عن الحنفية الإيتار بثلاث و استدلوا عليه ب
ما رواه محمد بن كعب القرظي «ان النبي (ص) نهى عن البتيراء».
. (4) ص 222.
77
جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلي النافلة أ يصلح له ان يصلي اربع ركعات لا يسلم بينهن؟ قال لا إلا ان يسلم بين كل ركعتين».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن كتاب حريز بن عبد الله عن ابي بصير (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: و افصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم».
و اما صلاة الأعرابي فلم يثبت طريقها من روايات الأصحاب كما اعترف به شيخنا المذكور و غيره و الخبر الوارد بها عامي لا يمكن تخصيص الاخبار به. و الله العالم.
[الطريفة] (التاسعة عشرة) [صلاة الضحى بدعة]
- اتفق أصحابنا (رضوان الله عليهم) على ان صلاة الضحى بدعة. قال الشيخ في الخلاف صلاة الضحى بدعة لا يجوز فعلها و خالف جميع الفقهاء في ذلك فقالوا انها سنة (3) ثم قال دليلنا إجماع الفرقة ثم نقل بعض الروايات الدالة على ذلك من طرقهم. و قال العلامة في المنتهى صلاة الضحى بدعة عند علمائنا خلافا للجمهور فإنهم أطبقوا على استحبابها.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أعداد الفرائض.
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من أعداد الفرائض.
(3) في نيل الأوطار للشوكانى ج 3 ص 53 ان ابن القيم جمع الأقوال في صلاة الضحى فبلغت إلى ستة «الأول» أنها سنة «الثاني» لا تشرع إلا بسبب فإن النبي (ص) صلاها يوم الفتح بسبب الفتح و الأمراء يسمونها صلاة الفتح «الثالث» انها لا تستحب «الرابع» يستحب فعلها تارة و تركها اخرى «الخامس» يستحب المحافظة عليها في البيوت «السادس» أنها بدعة. و في زاد المعاد لابن القيم على هامش شرح الزرقانى على المواهب ج 1 ص 343 عن أبي هريرة انه لم ير النبي (ص) صلى صلاة الضحى إلا يوما واحدا.
و عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ان أبا بكر رأى ناسا يصلون الضحى فقال انكم تصلون صلاة ما صلاها رسول الله (ص) و لا عامة أصحابه. و عن مجاهد انه و عروة بن الزبير دخل المسجد و ابن عمر فيه و الناس يصلون الضحى فسألناه عنها فقال بدعة و نعمت البدعة.
و في الموطأ لمالك ج 1 ص 167 عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله (ص) يصلى سبحة الضحى قط. و في شرح السيوطي عليه ما يؤيده و كذا في صحيح البخاري أبواب التطوع.
78
و استدل في المنتهى على ذلك
بما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل (1) قالوا: «سألناهما (عليهما السلام) عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا ان النبي (صلى الله عليه و آله) قام على منبره فحمد الله و اثنى عليه ثم قال ايها الناس ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة و صلاة الضحى بدعة أ لا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل و لا تصلوا صلاة الضحى فان ذلك معصية أ لا و ان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار، ثم نزل و هو يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة».
أقول: و يدل على ذلك ايضا
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الضحى قط. قال فقلت له أ لم تخبرني انه كان يصلي في صدر النهار اربع ركعات؟ فقال بلى انه كان يجعلها من الثمان التي بعد الظهر».
أقول سيأتي الكلام ان شاء الله تعالى في تقديم نافلة الزوال في صدر النهار، و المراد بقوله «بعد الظهر» يعني بعد وقت الظهر و هو الزوال لا الصلاة.
و عن بكير بن أعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «ما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الضحى قط».
و عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن صلاة الضحى قال أول من صلاها قومك انهم كانوا من الغافلين فيصلونها و لم يصلها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قال ان عليا (عليه السلام) مر على رجل و هو يصليها فقال ما هذه الصلاة؟ قال أدعها يا أمير المؤمنين؟
فقال علي (عليه السلام) أكون أنهى عبدا إذا صلى».
و روى الصدوق في كتاب عيون الاخبار في حديث رجاء بن ابي الضحاك الذي صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى خراسان (5) قال: «ما رأيته صلى الضحى في سفر و لا حضر».
و روى في الكافي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان.
(2) رواه في الوسائل في الباب 31 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 31 من أعداد الفرائض.
(4) رواه في الوسائل في الباب 31 من أعداد الفرائض.
(5) رواه في الوسائل في الباب 31 من أعداد الفرائض.
79
في الصحيح عن سيف بن عميرة رفعه (1) قال: «مر أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل يصلي الضحى في مسجد الكوفة فغمز جنبه بالدرة و قال نحرت صلاة الأوابين تحرك الله. قال فأتركها؟ قال فقال: «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهىٰ عَبْداً إِذٰا صَلّٰى» (2) فقال أبو عبد الله (عليه السلام) و كفى بإنكار علي (عليه السلام) نهيا».
و اما ما رواه في الكافي عن معاوية بن وهب- (3) قال: «لما كان يوم فتح مكة ضربت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) خيمة سوداء من شعر بالأبطح ثم أفاض عليه الماء من جفنة يرى فيها اثر العجين ثم تحرى القبلة ضحى فركع ثماني ركعات لم يركعها رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل ذلك و لا بعد».
- فحمله في الوافي على ما دل عليه صحيح زرارة المتقدم من كون ذلك من نافلة الظهر التي يجوز تقديمها صدر النهار.
و فيه انه (صلى الله عليه و آله) كان مسافرا فرضه التقصير فكيف يصلي نوافل الظهر؟
و الأظهر عندي حمل هذه الصلاة على الشكر لله سبحانه في التوفيق للفتح كما يشير اليه قوله «لم يركعها قبل ذلك و لا بعد».
و اما ما رواه في كتاب البحار (4) عن كتاب الاختصاص في الموثق عن يونس ابن يعقوب- قال: «دخل عيسى بن عبد الله القمي على ابي عبد الله (عليه السلام) فلما انصرف قال لخادمه ادعه فانصرف اليه فأوصاه بأشياء ثم قال يا عيسى بن عبد الله ان الله تعالى يقول «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلٰاةِ» (5) و انك منا أهل البيت فإذا كانت الشمس من ههنا بمقدارها من ههنا من العصر فصل ست ركعات، قال ثم ودعه و قبل ما بين عيني عيسى و انصرف، قال يونس بن يعقوب فما تركت الست ركعات منذ سمعت أبا عبد الله
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 31 من أعداد الفرائض.
(2) سورة العلق، الآية 10.
(3) رواه في الوسائل في الباب 37 من أبواب المواقيت.
(4) ج 18 الصلاة ص 83.
(5) سورة طه، الآية 132.
80
(عليه السلام) يقول ذلك لعيسى بن عبد الله».
- فالظاهر حمله على التقية أو الاتقاء على الرجل المذكور لئلا يتضرر بترك ذلك. و على ذلك يحمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهىٰ عَبْداً إِذٰا صَلّٰى» (1) فإنه (عليه السلام) غير متمكن حسب الواقع من زجرهم عن بدع الثلاثة المتقدمين و ربما احتجوا عليه بالآية المذكورة، و يشير الى ما ذكرنا
قول ابي عبد الله (عليه السلام) في مرفوعة سيف بن عميرة «و كفى بإنكار علي (عليه السلام) نهيا».
فإنه ظاهر في ان إنشاده (عليه السلام) الآية ليس للتجويز و انما هو لما ذكرناه، و بالجملة فإن غمزه (عليه السلام) للرجل بالدرة و دعاءه بان ينحره الله تعالى يعني يذبحه ظاهر في التحريم و لكنه لما كان الرجل جاهلا غيبا أو معاندا شقيا راجع في السؤال مرة ثانية فلم ير (عليه السلام) المصلحة في إظهار ذلك له زيادة على ما قدمه. و المراد بصلاة الأوابين هي نافلة الزوال كما تقدم نقله عن عبارة الفقه الرضوي، و نحرها عبارة عن اختزال هذه الصلاة منها و قطعها فكأنهم نحروها، و صلاة الضحى عند العامة أقلها ركعتان و أكثرها ثمان ركعات و فعلها وقت اشتداد الحر كذا ذكره في المنتهى.
(فان قيل) انه لا ريب في استحباب الصلاة و انها خير موضوع من شاء استقل و من شاء استكثر (2) و يؤيده قوله سبحانه «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهىٰ. الآية» فكيف صارت هذه الصلاة بدعة؟
(قلنا)- لا ريب في ان الصلاة خير موضوع الا انه متى اعتقد المكلف في ذلك أمرا زائدا على ما دلت عليه هذه الدلالة من عدد مخصوص و زمان مخصوص أو كيفية خاصة و نحو ذلك مما لم يقم عليه دليل في الشريعة فإنه يكون محرما و تكون عبادته بدعة، و البدعية ليست من حيث الصلاة و انما هي من حيث هذا التوظيف الذي أعتقده في هذا الوقت و العدد و الكيفية من غير ان يرد عليه دليل فمن أجل ذلك ترادفت الاخبار بالإنكار عليهم في
____________
(1) سورة العلق، الآية 10.
(2) راجع التعليقة 1 ص 36.
81
ذلك و التصريح بكونها بدعة و ضلالة.
[الطريفة] (العشرون) [ما يستحب قراءته في النوافل اليومية]
- قد ورد في جملة من الاخبار تعيين ما يستحب قراءته في النوافل اليومية:
روى ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاذ بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تدع أن تقرأ بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر و ركعتي الزوال و ركعتين بعد المغرب و ركعتين من أول صلاة الليل و ركعتي الإحرام و الفجر إذا أصبحت بها و ركعتي الطواف».
و رواه في الفقيه مرسلا مقطوعا (2)
قال في الكافي و نحوه في التهذيب (3): و في رواية اخرى «انه يبدأ في هذا كله بقل هو الله أحد و في الركعة الثانية بقل يا ايها الكافرون إلا في الركعتين قبل الفجر فإنه يبدأ بقل يا ايها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله أحد».
و عن صفوان الجمال (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة الأوابين الخمسون كلها بقل هو الله أحد».
بيان: قد تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي ان صلاة الأوابين هي نافلة الزوال و به صرح في الفقيه و بذلك صرحت ايضا مرفوعة سيف بن عميرة المتقدمة قريبا و قوله فيها «نحرت صلاة الأوابين تحرك الله» و مثله
في رواية محمد بن مسلم (5) «و انما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من أجل صلاة الأوابين».
و ظاهر هذا الخبر يدل على ان صلاة الأوابين مجموع الخمسين نوافلها و فرائضها و هو غريب لم يسمع به في غيره من الأخبار و لا في كلام الأصحاب، قيل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب القراءة في الصلاة.
(2) ج 1 ص 314.
(3) رواه في الوسائل في الباب 15 من أبواب القراءة في الصلاة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب القراءة في الصلاة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 36 من أبواب المواقيت.
82
و لعل المراد بالأوابين الذين يصلون الخمسين فان من يصلي الزوال يبعد ان لا يصلي البواقي. و المراد بالحديث اما استحباب قراءة هذه السورة في كل ركعة من الخمسين أو في كل صلاة منها و لو في إحدى الركعتين، و لعل الثاني أقرب لئلا ينافي توظيف جملة من السور في الفرائض و النوافل.
و روى في الكافي عن ابي هارون المكفوف (1) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر كم اقرأ في الزوال؟ فقال ثمانين آية فخرج الرجل فقال يا أبا هارون هل رأيت شيخنا أعجب من هذا سألني عن شيء فأخبرته و لم يسألني عن تفسيره؟ هذا الذي يزعم أهل العراق انه عاقلهم، يا أبا هارون ان الحمد سبع آيات و قل هو الله أحد ثلاث آيات فهذه عشر آيات و الزوال ثماني ركعات فهذه ثمانون آية».
بيان: في هذا الخبر دلالة على انه يجب الرجوع إليهم (عليهم السلام) في مجملات الاخبار و متشابهاتها و لا يجوز الاعتماد في فهم معانيها على ما يتسارع الى الفهم بل يجب مع عدم إمكان السؤال و الفحص و الوقوف على جادة الاحتياط.
و روى الشيخ في التهذيب عن محسن الميثمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يقرأ في صلاة الزوال في الركعة الأولى الحمد و قل هو الله أحد و في الركعة الثانية الحمد و قل يا ايها الكافرون و في الركعة الثالثة الحمد و قل هو الله أحد و آية الكرسي و في الركعة الرابعة الحمد و قل هو الله أحد و آخر البقرة «آمَنَ الرَّسُولُ. الى آخرها» و في الركعة الخامسة الحمد و قل هو الله أحد و الخمس آيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إلى قوله إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ» (3) و في الركعة السادسة الحمد و قل هو الله أحد و ثلاث آيات السخرة «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ إلى قوله
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب القراءة في الصلاة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من أبواب القراءة في الصلاة.
(3) الآية 187 الى 192.
83
إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (1) و في الركعة السابعة الحمد و قل هو الله أحد و الآيات من سورة الانعام «وَ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ الْجِنَّ الى قوله وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (2) و في الركعة الثامنة الحمد و قل هو الله أحد و آخر سورة الحشر من قوله «لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ إلى آخرها» فإذا فرغت قلت: اللهم مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك و لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني و هب لي من لدنك رحمة انك أنت الوهاب، سبع مرات ثم تقرأ أستجير بالله من النار سبع مرات».
و عن عبد الخالق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه كان يقرأ في الركعتين بعد العتمة بالواقعة و قل هو الله أحد».
و رواه بطريق آخر في الصحيح عن ابن ابي عمير (4) قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقرأ. الحديث».
و روى الصدوق في كتاب المجالس عن أبيه عن الحسن بن أحمد المالكي عن منصور بن العباس عن محمد بن ابي عمير عن هشام بن سالم عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «من قرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الليل ستين مرة قل هو الله أحد في كل ركعة ثلاثين مرة انفتل و ليس بينه و بين الله عز و جل ذنب».
و روى في التهذيب مرسلا (6) قال: «روى ان من قرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الليل في كل ركعة منهما الحمد مرة و قل هو الله أحد ثلاثين مرة انفتل و ليس بينه و بين الله ذنب إلا غفر له».
و كذا نقله في الفقيه (7) بلفظ «و روى».
و روى الشيخ في المصباح مرسلا (8) قال: «روى انه يقرأ في الركعة الأولى
____________
(1) الأعراف، الآية 52 الى 54.
(2) الآية 100 إلى 103.
(3) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب القراءة في الصلاة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب القراءة في الصلاة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب القراءة في الصلاة.
(6) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب القراءة في الصلاة.
(7) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب القراءة في الصلاة.
(8) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب القراءة في الصلاة.
84
من نافلة المغرب سورة الجحد و في الثانية سورة الإخلاص و في ما عداه ما اختار».
قال: «و روى ان أبا الحسن العسكري (عليه السلام) كان يقرأ في الركعة الثالثة الحمد و أول الحديد الى قوله وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ و في الرابعة الحمد و آخر الحشر».
و روى في الكافي عن ابن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوتر ما يقرأ فيهن جميعا؟ قال ب قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ. قلت في ثلاثتهن؟ قال نعم».
و قال في الفقيه (2): «و روى ان من قرأ في الوتر بالمعوذتين و قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ قيل له أبشر يا عبد الله فقد قبل الله و ترك».
و روى في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن يقطين (3) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن القراءة في الوتر و قلت ان بعضا روى قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ في الثلاث و بعضا روى المعوذتين و في الثالثة قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ؟ فقال اعمل بالمعوذتين و قل هو الله أحد».
و عن الحارث بن المغيرة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «كان ابي يقول قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن و كان يحب ان يجمعها في الوتر ليكون القرآن كله».
و روى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «اقرأ في ركعتي الفجر أي سورتين أحببت، و قال اما انا فأحب ان اقرأ فيهما ب قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ».
و عن يعقوب بن سالم البزاز (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلهما بعد الفجر و اقرأ فيهما في الأولى قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ و في الثانية قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ».
بيان: توضيح الكلام في ما يستفاد من هذه الاخبار يقع في مواضع:
[الموضع] (الأول)- في حكم صلاة الزوال
و قد دلت رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة التي بعدها على حكم الركعتين الأوليين منها و ان السنة فيها ان يقرأ في الركعة الأولى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب القراءة في الصلاة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب القراءة في الصلاة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب القراءة في الصلاة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب القراءة في الصلاة.
(5) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب القراءة في الصلاة.
(6) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب القراءة في الصلاة.
85
بالتوحيد و الثانية بالجحد، و دلت رواية أبي هارون المكفوف على التوحيد في الجميع و دلت رواية الميثمي بالنسبة إلى الأوليين على ما دلت عليه رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة المذكورة بعدها و بالنسبة إلى الباقي منها على زيادة الآيات المذكورة على التوحيد، و لا منافاة فإن رواية أبي هارون محمولة على الجواز و الروايتين الأخريين على الفضل و الاستحباب، و يؤيده أيضا قوله (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر صلاة الليل: «و اقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد و في الثانية بقل يا ايها الكافرون و كذلك في ركعتي الزوال و في الباقي ما أحببت».
[الموضع] (الثاني)- في حكم نافلة المغرب
و قد دلت رواية معاذ بن مسلم مع المرسلة المذكورة التي على أثرها على التوحيد في الركعة الاولى و الجحد في الثانية و المرسلة التي ذكرها الشيخ في المصباح على العكس و المرسلة التي نقلها عن العسكري (عليه السلام) على الآيتين بعد الحمد في الركعتين الأخيرتين، و الأقرب في الركعتين الأوليين هو الأول و الظاهر ترجيحه بعمل الأصحاب على الرواية المذكورة في جميع ما تضمنته مضافا الى أنها مسندة صحيحة أو حسنة نقلها الأكثر منهم و ضعف ما عارضها بالإرسال و قلة الناقل لها. و ذكر شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح انه يقرأ في الأوليين بعد الحمد التوحيد ثلاثا في الاولى و القدر في الثانية، قال: و ان شئت قرأت في الأولى الجحد و في الثانية التوحيد. و الأول لم أقف له على مستند و الثاني مستنده المرسلة المشار إليها
[الموضع] (الثالث)- في حكم الوتيرة
و قد عرفت دلالة الروايتين المتقدمتين على قراءة الواقعة فيهما مع التوحيد، و في بعض الاخبار المتقدمة يقرأ فيهما مائة آية و يمكن حمله على الروايتين المذكورتين.
[الموضع] (الرابع)- حكم الركعتين الأوليين من صلاة الليل
و قد اختلف في ذلك كلام أصحابنا، فنقل شيخنا في الذكرى عن الرسالة و النهاية انه يقرأ في أوليي صلاة
____________
(1) ص 13.
86
الليل في الأولى التوحيد و في الثانية الجحد، قال و في موضع آخر منهما قدم الجحد و روى العكس و كذا في المبسوط، و نقل في الكتاب المذكور عن الشيخ المفيد و ابن البراج في أولاهما ثلاثون مرة التوحيد و في الثانية ثلاثون مرة الجحد، و ابن إدريس في كل ركعة منهما بعد الحمد ثلاثون مرة التوحيد، قال و قد روى ان في الثانية الجحد و الأول أظهر، قال في الذكرى بعد نقل ما ذكرناه: قلت الكل حسن و البحث في الأفضلية و ينبغي للمتهجد ان يعمل بجميع الأقوال في مختلف الأحوال. انتهى.
أقول: قد عرفت ان الذي وردت به الاخبار في المقام هو سورة التوحيد و الجحد مرة مرة بتقديم التوحيد كما في المرسلة المتقدم نقلها عن الكافي و التهذيب ذيل رواية معاذ بن مسلم و عبارة كتاب الفقه الرضوي، أو سورة التوحيد ثلاثين مرة في كل من الركعتين كما تقدم في رواية كتاب المجالس و مرسلة الشيخ و الصدوق، و اما القول بالثلاثين في الجحد في الركعة الثانية- كما نقله عن الشيخ المفيد أو مرة مع التوحيد ثلاثين مرة في الأولى كما ذكره شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح فلم نقف له على دليل، قال الصدوق في الفقيه في باب صلاة الليل: ثم صل ركعتين تقرأ في الأولى الحمد و قل هو الله أحد و في الثانية الحمد و قل يا ايها الكافرون و تقرأ في الست ركعات ما أحببت ان شئت طولت و ان شئت قصرت، و روى ان من قرأ في الركعتين الأوليين ثم، ساق المرسلة المتقدم نقلها عن الشيخ و عنه، و حينئذ فالتعارض واقع بين هاتين الروايتين في المقام، و ظاهر كلامه في الذكرى حمل رواية الثلاثين على سعة الوقت و رواية التوحيد و الجحد على ضيقه كما يشير اليه قوله مختلف الأحوال. و هو جيد.
[الموضع] (الخامس)- في حكم الوتر
و فيها روايات: الاولى التوحيد في الثلاث.
و الثانية المعوذتين في الأوليين و التوحيد في الثالثة و قد تقدم في الاخبار. و الثالثة
ما رواه في التهذيب عن ابي الجارود عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول كان علي (عليه
____________
(1) رواه في الوافي في باب (ما يقرأ في النوافل).
87
السلام) يوتر بتسع سور».
قيل لعل المراد انه (عليه السلام) كان يقرأ في كل من الثلاث بكل من الثلاث و الرابعة
ما ذكره الشيخ في المصباح (1) قال: «روى ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي الثلاث ركعات بتسع سور في الأولى ألهيكم التكاثر و انا أنزلناه و إذا زلزلت و في الثانية الحمد و العصر و إذا جاء نصر الله و انا أعطيناك الكوثر و في المفردة من الوتر قل يا ايها الكافرون و تبت و قل هو الله أحد».
أقول: يمكن حمل رواية أبي الجارود على هذه الرواية ان ثبت كونها من طرقنا و حينئذ فترجع الروايتان إلى رواية واحدة. و الخامسة ما ذكره (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: «و تقرأ في ركعتي الشفع سبح اسم ربك و في الثانية قل يا ايها الكافرون و في الوتر قل هو الله أحد».
و أكثر الاخبار على الرواية الاولى ثم الرواية الثانية و باقي الروايات لا تخلو من الشذوذ، و تحقيق المقام كما ينبغي يأتي ان شاء الله تعالى.
المقدمة الثالثة في المواقيت
و الكلام فيها يقع في مقاصد أربعة
[المقصد] (الأول) في مواقيت الفرائض الخمس
، و تفصيل البحث فيه يقع في مسائل:
[المسألة] (الاولى) [عدم جواز التقدم على الوقت و لا التأخر عنه]
- اجمع المسلمون على ان كل صلاة من الصلوات الخمس موقتة بوقت لا يجوز التقدم عليه و لا التأخر عنه، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل كاد ان يكون إجماعا ان لكل صلاة وقتين أولا و آخرا سواء في ذلك المغرب و غيرها و قد وقع الخلاف هنا في موضعين
[الموضع] (الأول) [هل للمغرب وقت واحد أو وقتان؟]
ما نقله في المختلف عن ابن البراج انه قال و في أصحابنا من ذهب الى انه لا وقت للمغرب إلا واحد و هو غروب القرص في أفق المغرب. أقول: و لعل المستند لهذا القول هو
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت المغرب فقال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 56 من أبواب القراءة في الصلاة.
(2) ص 13.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
88
ان جبرئيل اتى النبي (صلى الله عليه و آله) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فان وقتها واحد و وقتها وجوبها».
أقول: يعني سقوطها كقوله سبحانه «فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا» (1) و الضمير راجع الى الشمس بقرينة المقام.
و عن أديم بن الحر في الصحيح (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان جبرئيل أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين غير المغرب فإنه جعل لها وقتا واحدا».
و روي في الكافي في الصحيح عن زرارة و الفضيل (3) قالا: «قال أبو جعفر (عليه السلام) ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد و وقتها وجوبها و وقت فوتها سقوط الشفق».
قال في الكافي (4): «و روى ايضا ان لها وقتين آخر وقتها سقوط الشفق».
ثم قال:
و ليس هذا مما يخالف الحديث الأول ان لها وقتا واحدا لان الشفق هو الحمرة و ليس بين غيبوبة الشمس و بين غيبوبة الحمرة إلا شيء يسير، و ذلك ان علامة غيبوبة الشمس بلوغ الحمرة القبلة و ليس بين بلوغ الحمرة القبلة و بين غيبوبتها إلا قدر ما يصلي الإنسان صلاة المغرب و نوافلها إذا صلاها على تؤيده و سكون و قد تفقدت ذلك غير مرة و لذلك صار وقت المغرب ضيقا. انتهى. و مثله الشيخ في التهذيب و قال انما نفى بالخبرين سعة الوقت أقول: و مما يدل على الامتداد الى غروب الشفق
رواية إسماعيل بن مهران (5) قال:
«كتبت الى الرضا (عليه السلام) الى ان قال فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها الى البياض في أفق المغرب».
و روى الشيخ عن ابن سنان- يعني عبد الله- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث قال:
«وقت المغرب حين تجب الشمس الى ان تشتبك النجوم».
و في رواية ذريح عن ابي عبد الله
____________
(1) سورة الحج، الآية 37.
(2) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
89
(عليه السلام) (1) «ان جبرئيل اتى النبي (صلى الله عليه و آله) في الوقت الثاني في المغرب قبل سقوط الشفق».
و عن إسماعيل بن جابر في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن وقت المغرب قال ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق».
و حمل أصحابنا (رضوان الله عليهم) الأخبار الأولة على أفضلية الإسراع بها في أول الوقت. و قال في كتاب الوافي بعد نقل كلام صاحب الكافي: أقول: و الذي يظهر لي من مجموع الاخبار و التوفيق بينها ان مجموع هذا الوقت هو الوقت الأول للمغرب و اما الوقت الثاني لها فهو من سقوط الشفق الى ان يقي مقدار اربع ركعات الى انتصاف الليل و انما ورد نفى وقتها الثاني في بعض الاخبار لشدة التأكيد و الترغيب في فعلها في الوقت الأول زيادة على الصلوات الأخر حتى كأن وقتها الثاني ليس وقتا لها إلا في الاسفار و للمضطرين و ذوي الأعذار. انتهى. و هو جيد و يرجع بالأخرة الى ما ذكره الأصحاب
[الموضع] (الثاني) [هل الوقتان للفضيلة و الإجزاء أو للاختيار و الاضطرار؟]
- ان المشهور بين المتأخرين من المحقق و العلامة و من تأخر عنهما و هو المنقول عن المرتضى و ابن إدريس في الوقتين اللذين لكل فريضة ان الأول للفضيلة و الثاني للاجزاء، و ذهب الشيخان و ابن ابي عقيل و أبو الصلاح و ابن البراج و من متأخري المتأخرين المحدث الكاشاني ان الوقت الأول للمختار و الثاني للمضطرين و ذوي الأعذار قال في المبسوط و العذر أربعة: السفر و المطر و المرض و شغل يضر تركه بدينه أو دنياه، و الضرورة خمسة: الكافر يسلم و الصبي يبلغ و الحائض تطهر و المجنون يفيق و المغمى عليه يفيق. قال في المدارك: و اختلف الأصحاب في الوقتين فذهب الأكثر و منهم المرتضى و ابن الجنيد و ابن إدريس و سائر المتأخرين إلى أن الأول للفضيلة و الآخر للاجزاء، و قال الشيخان الأول للمختار و الآخر للمعذور و المضطر، و الأصح الأول
لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (3) «و أول الوقتين أفضلهما».
و المفاضلة تقتضي الرجحان
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
90
مع التساوي في الجواز.
أقول: لا يخفى على من اعطى التأمل حقه في الاخبار و التدبر قسطه من النظر فيها بعين التفكر و الاعتبار و أحاط علما بما جرى في هذا المضمار ان الأصح من القولين المذكورين هو الثاني، و حيث ان المسألة المذكورة لم يعطها أحد من الأصحاب حقها من التحقيق و لم يلج أحد منهم في لجج هذا المضيق فحري بنا ان نرخي عنان القلم في ساحة هذا المضمار و نذكر جميع ما وقفنا عليه من الاخبار و نميز القشر فيها من اللباب و نحقق ما هو الحق فيها و الصواب بتوفيق الملك الوهاب:
فنقول: من الاخبار الدالة على القول المختار
ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول لكل صلاة وقتان و أول الوقت أفضله و ليس لأحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا في عذر من غير علة».
قال في الوافي قوله: «من غير علة» بدل من قوله «إلا في عذر».
و منها-
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) أول الوقت رضوان الله و آخره عفو الله و العفو لا يكون إلا عن ذنب».
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ربعي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «انا لنقدم و نؤخر و ليس كما يقال من أخطأ وقت الصلاة فقد هلك و انما الرخصة للناسي و المريض و المدنف و المسافر و النائم في تأخيرها».
أقول: ذكر هذه المعدودات خرج مخرج التمثيل لا الحصر فلا ينافي ما تقدم في كلام الشيخ.
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب أيضا في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 7 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 26 من أبواب المواقيت.
91
و وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسي أو سها أو نام، و وقت المغرب حين تجب الشمس الى ان تشتبك النجوم و ليس لأحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر أو علة».
و ما رواه ايضا عن إبراهيم الكرخي (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) متى يدخل وقت الظهر؟ و ساق الخبر كما سيأتي ان شاء الله تعالى بتمامه في موضعه الى ان قال: متى يخرج وقت العصر؟ فقال وقت العصر الى ان تغرب الشمس و ذلك من علة و هو تضييع. فقلت له لو ان رجلا صلى الظهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام أ كان عندك غير مؤد لها؟ فقال ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت لم تقبل منه كما لو ان رجلا أخر العصر الى قرب ان تغرب الشمس متعمدا من غير علة لم تقبل منه ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) وقت للصلوات المفروضات أوقاتا و حد لها حدودا في سنته للناس فمن رغب عن سنة من سننه الموجبات كان كمن رغب عن فرائض الله تعالى».
و منها-
ما رواه في الكافي عن داود بن فرقد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوله تعالى «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» (3) قال كتابا ثابتا، و ليس ان عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع تلك الإضاعة فإن الله عز و جل يقوم لقوم: أَضٰاعُوا الصَّلٰاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَوٰاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» (4).
قال بعض المحدثين أريد التعجيل و التأخير اللذان يكونان في طول أوقات الفضيلة و الاختيار لا اللذان يكونان خارج الوقت و أريد بالإضاعة التأخير عن وقت الفضيلة بلا عذر. انتهى. و هو جيد.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(3) سورة النساء، الآية 104.
(4) سورة مريم، الآية 60.
92
و منها-
ما رواه في التهذيب عن ابى بصير في الموثق (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الموتور اهله و ماله من ضيع صلاة العصر. قلت و ما الموتور؟
قال لا يكون له أهل و مال في الجنة. قلت و ما تضييعها؟ قال يدعها حتى تصفر أو تغيب».
و مثله روى في الفقيه عن ابي بصير (2).
و منها-
ما في كتاب الفقه الرضوي (3) قال: «اعلم ان لكل صلاة وقتين أول و آخر فأول الوقت رضوان الله و آخره عفو الله، و يروى ان لكل صلاة ثلاثة أوقات أول و وسط و آخر فأول الوقت رضوان الله و وسطه عفو الله و آخره غفران الله و أول الوقت أفضله، و ليس لأحد ان يتخذ آخر الوقت وقتا انما جعل آخر الوقت للمريض و المعتل و المسافر».
و قال فيه ايضا بعد ذلك بعد ان ذكر صلاة الظهر في استقبال القدم الثالث و العصر في استقبال القدم الخامس «فإذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلاة و هو قاض بعد الوقت»
و قال أيضا في الباب المذكور بعد ذلك «ان لكل صلاة وقتين أولا و آخرا كما ذكرنا في أول الباب و أول الوقت أفضلهما و انما جعل آخر الوقت للمعلول فصار آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته و نفسه و ماله. الى آخره».
و قال في موضع آخر ايضا بعد ما ذكر التحديد بالقدمين و الأربعة: «و قد رخص للعليل و المسافر منها الى ان يبلغ ستة أقدام و للمضطر الى مغيب الشمس».
فهذه جملة من الاخبار العلية المنار واضحة الظهور على القول المذكور و لم نقف في الاخبار على ما يعارضها صريحا، و غاية ما ربما يتوهم منه المنافاة إطلاق بعض الاخبار القابل للتقييد بهذه الأخبار كاخبار امتداد وقتي الظهرين الى الغروب كما سيأتي ان شاء الله تعالى إيضاحه. و اما ما ذكروه في المدارك و قبله غيره من الاحتجاج على ما ذهبوا إليه بالأخبار الدالة على أفضلية أول الوقتين فلا منافاة فيها كما أوضحه المحدث الكاشاني في كتاب الوافي حيث قال بعد نقل صحيحة عبد الله بن سنان- و نعم ما قال-: و المستفاد
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(3) ص 2.
93
من هذا الخبر و ما في معناه ان الوقت الأول للمختار و الثاني للمضطر كما فهمه صاحب التهذيب و شيخه المفيد. و يؤيده أخبار أخر يأتي ذكرها، و لا ينافي ذلك كون الأول أفضل و كون الثاني وقتا لان ما يفعله المختار أفضل مما يفعله المضطر ابدا و كما ان العبد يقدر التقصير متعرض للمقت من مولاه كذلك بقدر حرمانه عن الفضائل مستوجب للبعد عنه، نعم إذا كان الله هو الذي عرضه للحرمان فلا يعاتبه عليه لان ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر، فالوقت الثاني أداء للمضطر و وقت له و في حقه بل المضطر ان كان ناسيا أو نائما فالوقت في حقه حين يتفطن أو يذكر و ذلك لانه غير مخاطب بتلك الصلاة في حال النوم و النسيان فان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها. الى آخره.
أقول: و مما يؤيد ما ذكرناه و يؤكد ما سطرناه ما ورد بطريقين- أحدهما
ما رواه في الكافي في الصحيح و الآخر بسند فيه العبيدي عن يونس- عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يا ابان هذه الصلوات الخمس المفروضات من اقام حدودهن و حافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنة و من لم يصلهن لمواقيتهن و لم يحافظ عليهن فذاك اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذبه».
و ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: «دخل رسول الله (صلى الله عليه و آله) المسجد و فيه ناس من أصحابه فقال أ تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله و رسوله اعلم. فقال ان ربكم جل جلاله يقول ان هذه الصلوات الخمس المفروضات من صلاهن لوقتهن و حافظ عليهن لقيني يوم القيامة و له عندي عهد ادخله به الجنة و من لم يصلهن لوقتهن و لم يحافظ عليهن فذاك الي ان شئت عذبته و ان شئت غفرت له».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «ان الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت الى صاحبها و هي بيضاء مشرقة تقول
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
94
حفظتني حفظك الله و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت الى صاحبها و هي سوداء مظلمة تقول ضيعتني ضيعك الله».
و التقريب في هذه الاخبار ان المراد بهذه المواقيت المأمور بالمحافظة عليها هي الأوقات الأوائل و هي أوقات الفضائل بلا ريب و لا اشكال و هي التي تتصف فيها الصلاة بمزيد الشرف و الكمال و القبول من حضرة ذي الجلال، و ان الأوقات الأخيرة متى لم يكن التأخير إليها ناشئا عن عذر من تلك الأعذار المذكورة جملة منها في الاخبار فصاحبها مستوجب لمزيد البعد منه سبحانه كما دلت عليه هذه الاخبار و انه داخل تحت المشيئة بمعنى انه ليس ممن يستحق بعمله ذلك الجزاء بالثواب و ما أعده الله تعالى على تلك العبادة من الأجر الذي لا تحيط به الألباب بل هو من المرجئين لأمر الله ان شاء عذبه بتقصيره و تأخيره الصلاة عن ذلك الوقت الأول و ان شاء عفى عن تقصيره بكرمه و رحمته، و هذا ما تضمنه حديث الفقيه المتقدم من ان «آخر الوقت عفو الله و العفو لا يكون إلا عن ذنب» و لا جائز ان يحمل هذا الوقت الأخير الذي جعل صاحبه تحت المشيئة على خارج الوقت الذي هو المشهور عندهم و هو ما بعد غروب الشمس بالنسبة إلى الظهرين مثلا كما ربما يتوهمه بعض معكوسي الأذهان و من ليس من فرسان هذا الميدان، فإنه لو كان كذلك لم يحكم على صاحبه بأنه تحت المشيئة بل يجب الحكم عليه بالفسق بل الكفر كما دلت عليه الاخبار المتقدمة (1) من ان
«تارك الصلاة عمدا كافر».
فهو مستحق لمزيد النكال و العذاب كما لا يخفى على ذوي الألباب.
و مما يزيد ذلك تأييدا و يعليه تشييدا الأخبار الواردة في وضع الأوقات و اشارة جبرئيل بها على النبي (صلى الله عليه و آله) فإنها إنما تضمنت أوائل الأوقات خاصة دون أواخرها،
ففي موثقة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه أتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر ثم
____________
(1) ص 15.
(2) المروية في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
95
أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم أتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء ثم أتاه حين طلوع الفجر فأمره فصلى الصبح ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثم أتاه حين زاد من الظل قامتان فأمره فصلى العصر ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم أتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء ثم أتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح ثم قال ما بينهما وقت».
و نحو هذه الرواية غيرها ايضا، و الظاهر ان وضع هذه الأوقات في أول الأمر للمكلفين ثم حصلت الرخصة لذوي الاعذار و الاضطرار بالوقت الثاني بعد ذلك كما سيأتي بيانه ان شاء الله، تعالى، و بذلك يجمع بين هذه الاخبار و بين الاخبار الدالة على الوقتين بحمل ما دل على الثاني على ذوي الاعذار و الاضطرار و تخرج الأخبار المتقدمة شاهدا على ذلك.
قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل الأخبار المتقدمة: بيان- انما اقتصر في هذه الاخبار على بيان أوائل الأوقات و لم يتعرض لبيان أواخرها لان أواخر الأوقات الأوائل تعرف من أوائل الأوقات الأواخر و أواخر الأواخر كانت معلومة من غيرها، أو نقول لم يؤت للأوقات الأواخر بتحديد تام لأنها ليست بأوقات حقيقة و انما هي رخص لذوي الأعذار كخارج الأوقات لبعضهم و انما اتى بأوائلها ليتبين بها أواخر الأوائل التي كان بيانها من المهمات و أهمل أواخرها لأنها تضييع للصلاة، و على الثاني لا خفاء في قوله:
«ما بينهما وقت» في الحديث الأول و قوله «ما بين هذين الوقتين وقت» في الحديث الأخير، و اما على الأول فلا بد لهما من تأويل بأن يقال يعني بذلك ان ما بينهما و بين نهايتهما وقت، و بالجملة لا تستقيم هذه الاخبار إلا بتأويل.
و أنت خبير بما فيه فان ما ذكره من الاحتمال بأن أواخر الأواخر كانت معلومة من غيرها ممنوع لان هذه الاخبار دالة على ان ذلك بعد وضع الأوقات للصلوات و مقتضاه انه قبل ذلك الوقت لم يتعين شيء من الأوقات لها فمن اين تكون أواخر الأواخر معلومة يومئذ؟ بل الوجه في معنى الأخبار المذكورة و الجمع بينها و بين تلك
96
الأخبار الدالة على الامتداد الى آخر الوقت الثاني انما هو ما ذكرناه ثانيا و هو وجه وجيه لا يداخله الشك و لا يعتريه، و حينئذ فلا يحتاج الى ما تكلفه أخيرا من التطبيق و التشديد بناء على ما ذكره من الاحتمال الأول فإنه كما عرفت بعيد و غير سديد.
و من الاخبار الدالة على ما اخترناه أيضا جملة من الاخبار الصحاح الدالة على ان وقت الظهر من زوال الشمس الى ان يذهب الظل قامة و وقت العصر الى ان يذهب قامتين (1) و الأصحاب و ان حملوها على أوقات الفضيلة جمعا بينها و بين ما دل على ان لكل صلاة وقتين (2) و الاخبار الدالة على امتداد الوقتين الى الغروب (3) فليس بأولى من حملنا لها على المختار و حمل ما عارضها على ذوي الاعذار و الاضطرار، بل ما ذكرناه هو الأولى لتأيده بما عرفت من الاخبار و لا سيما روايات وضع الأوقات و روايات دخول أصحاب الوقت الثاني تحت المشيئة (4).
و اما ما أجاب به جملة من أصحابنا: منهم- شيخنا الشهيد في الذكرى
عما رواه الصدوق من قوله (عليه السلام) «أول الوقت رضوان الله و آخره عفو الله».
- من جواز توجيه العفو بترك الاولى مثل «عفى الله عنك» (5) و زاد الفاضل الخراساني انه يمكن الجواب أيضا بأنه يجوز ان يكون المراد الصلاة في آخر الوقت توجب غفران الذنوب و العفو عنها- ففيه (أولا) ان تتمة الخبر تنادي بأن العفو لا يكون إلا عن ذنب و هو صريح في كون التأخير موجبا للتأثيم فكيف يحمل العفو على ترك الاولى؟ و قياس الخبر على الآية قياس مع الفارق لظهور قرينة المجاز في الآية من حيث عصمته (صلى الله عليه و آله) و صراحة الخبر فيما ذكرناه باعتبار تتمته، و أبعد من ذلك الاحتمال الثاني فإنه مما لا ينبغي ان يصغى اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه. و (ثانيا)- الأخبار التي قدمناها الدالة على ان من لم يحافظ على ذلك
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 8 و 10 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
(4) ص 93 و 94.
(5) سورة التوبة، الآية 43.
97
الوقت كان لله فيه المشيئة ان شاء غفر له و ان شاء عذبه بتقصيره في التأخير إلى الوقت الأخير فإنه صريح في استحقاق العقوبة بالتأخير لغير عذر إلى الأوقات الأخيرة.
و من الاخبار الدالة على الحث على الوقت الأول أيضا زيادة على ما قدمناه و ان التأخير عنه الى الثاني لغير عذر موجب للتضييع
ما رواه الصدوق في كتاب المجالس في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من صلى الصلوات المفروضات في أول وقتها فأقام حدودها رفعها الملك الى السماء بيضاء نقية و هي تهتف به حفظك الله كما حفظتني فأستودعك الله كما استودعتني ملكا كريما، و من صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة و هي تهتف به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني و لا رعاك الله كما لم ترعني. الحديث».
و روى الشيخ أبو علي في المجالس و غيره في غيره و نحوه في كتاب نهج البلاغة أيضا فيما كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحمد بن ابي بكر (رضي الله عنه) (2) «ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها و لا تعجل بها قبله لفراغ و لا تؤخرها عنه لشغل فان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن أوقات الصلاة فقال أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن ثم أتاني وقت العصر فكان ظل كل شيء مثله ثم صلى المغرب حين غربت الشمس ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق ثم صلى الصبح فأغلس بها و النجوم مشتبكة، فصل لهذه الأوقات و الزم السنة المعروفة و الطريق الواضح، الى ان قال و اعلم ان لكل شيء من عملك تبع لصلاتك فمن ضيع الصلاة كان لغيرها أضيع».
و روى في كتاب ثواب الأعمال (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لفضل الوقت الأول على الأخير خير للمؤمن من ولده و ماله».
و قال في حديث آخر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
98
قال الصادق (عليه السلام) (1) «فضل الوقت الأول على الأخير كفضل الآخرة على الدنيا».
و في صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك».
أقول: المراد بغير وقتها يعني غير وقت الفضيلة و هو الوقت الأول لأن السفر أحد الأعذار كما تقدم، و يظهر من جملة من الاخبار ما ذكر في المقام و ما لم يذكر و لا سيما الخبر الأخير ان أكثر إطلاق لفظ الوقت انما هو على هذا المعنى اعني الوقت الأول خاصة إلا مع القرينة الصارفة عنه.
و قد استفيد من الاخبار المذكورة في المقام بضم بعضها الى بعض ان المراد بالوقت المرغب فيه و هو الذي يكون للعبد فيه عهد عند الله سبحانه بإيقاع الصلاة فيه انما هو الوقت الأول و ان ترتب الفضل فيه أيضا أولا فأولا و هو الوقت الذي أول ما فرض و ان كان الثاني وقتا في الجملة، و ان التأخير الى الثاني ان كان لضرورة أو عذر فلا اشكال و لا ريب في كونه وقتا له و انه غير مؤاخذ بالتأخير و ان كان فضله أقل و ثوابه انقص، و ان كان لا كذلك فهو تضييع للصلاة و ان وقعت فيه أداء و أسقطت القضاء إلا ان صاحبها تحت المشيئة بسبب تقصيره في التأخير فإن شاء الله عفى عنه و قبل منه و ان شاء عذبه، و ملخصه أن وقتية هذا الوقت الثاني أولا و بالذات انما هي لأصحاب الاعذار و الاضطرار و رخصة لهم من حيث ذلك و ان أجزأت لغيرهم مع استحقاقهم البعد و المؤاخذة من الله سبحانه إلا ان يعفو بفضله و كرمه، و الى ما ذكرنا يشير كلام الرضا (عليه السلام)
في كتاب الفقه (3) حيث قال: «و انما جعل آخر الوقت للمعلول فصار آخر الوقت رخصة للضعيف لحال علته و نفسه و ماله و هي رحمة للقوى الفارغ لعلة الضعيف و المعلول».
ثم أطال بذكر بعض النظائر و مرجعه الى ما ذكرناه، و بذلك يظهر لك قوة ما اخترناه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 13 من أبواب المواقيت.
(3) ص 2.
99
و ان كان خلاف المشهور لظهوره من الاخبار كالنور على الطور.
و مما حققناه في المقام يعلم الوجه فيما نقل عن شيخنا مفيد الطائفة المحقة و رئيس الفرقة الحقة (قدس سره) و أعلى في جوار أئمته مقعده) في كتاب المقنعة حيث حكم انه لو مات قبل أدائها في الوقت كان مضيعا لها و ان بقي حتى يؤديها في آخر الوقت أو ما بين الأول و الآخر عفى عن ذنبه. و الأصحاب بهذه العبارة نسبوا اليه وجوب المبادرة في أول الوقت و جعلوه مخالفا لما هو المشهور عندهم من الاستحباب حيث ان الصلاة من الواجبات الموسعة. أقول: و صورة عبارته لا تحضرني الآن إلا ان الظاهر ان بناء كلامه انما هو على ما نحن فيه من ان الوقت الشرعي للمختار انما هو الوقت الأول و الثاني انما هو من قبيل الرخص لأصحاب الاعذار و هو تضييع بالنسبة إلى غيرهم و من أجل ذلك أوجب الصلاة في ذلك الوقت الذي هو الوقت الشرعي له غاية الأمر أنه ان بقي إلى الوقت الثاني و أداها فيه عفى عن ذنبه، و كلامه هذا و ان كان خلاف ما هو المشهور بينهم إلا انه هو الموافق لمذهبه في المسألة و المطابق لما ذكرناه و حققناه من الاخبار كما عرفت و اما ما ذكره الشيخ في التهذيب في شرح هذا الموضع- مما يشعر بان الخلاف بينه و بين الأصحاب لفظي حيث استدل له بالأخبار الدالة على فضل الوقت الأول و حمل الوجوب في كلامه على ما يستحق به اللوم و العتاب دون ما يستحق به العقاب- فهو من غفلاته الناشئة عن استعجاله في التأليف فإن الأدلة- كما عرفت- ظاهرة منطبقة على كلامه (قدس سره) كالمرسلة المروية من الفقيه و صحيحة أبان بن تغلب و الروايات التي بعدها لا ما أورده من الروايات الدالة على مجرد أفضلية الوقت الأول، و سيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة آخر وقت الظهر ما فيه مزيد تأكيد لما ذكرناه و تشييد لما أسسناه.
تتمة
وجدت في بعض الكتب المشتملة على جملة من رسائل شيخنا الشهيد الثاني و جملة
100
من الأسئلة و أجوبتها و الظاهر ايضا انها له (قدس سره) على صورة سؤال و جواب بهذه الكيفية: مسألة- قيل ان تأخير الصلاة الى آخر الوقت لا يجوز إلا لذوي الأعذار فهل يأثم غيرهم على هذا القول فيجتمع الأداء و الإثم أم لا؟ فان كان الأول فقد اجتمعا و ان كان الثاني
فقد ورد «أول الوقت رضوان الله و أخره عفو الله».
فعلى ما يحمل الخبر؟
الجواب: المشهور بين المتأخرين اشتراك وقت الفرضين على الوجه الذي فصلوه جمعا بين الاخبار و ان دل بعضها على ذلك و بعضها على اختصاص كل واحدة بوقت مع الاختيار بحمل هذه على الفضيلة، و خالف جماعة فحكموا باختصاص جواز التأخير بذوي الاعذار، و عليه فمن أخر لا لعذر اثم و يبقى أداء ما دام وقت الاضطرار باقيا، و الخبر الذي ذكرتموه ظاهر في هذا القول لان العفو يقتضي حصول الذنب و أصحاب القول الأول حملوه على المبالغة في الكراهة و نقصان الثواب. انتهى.
(المسألة الثانية) [هل يشترك الفرضان في الوقت من أوله إلى آخره؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) اختصاص الظهر من أول الوقت بمقدار أدائها ثم اشتراك الوقت بين الفرضين الى ان يبقى مقدار أداء العصر قبل الغروب فيختص به العصر، و هكذا في المغرب و العشاء يختص المغرب من اوله بثلاث ركعات ثم يشترك الوقتان الى ان يبقى من الانتصاف قدر صلاة العشاء فتختص به. و نقل عن الصدوق في الفقيه القول باشتراك الوقتين من أول الوقت الى آخره لنقله الأخبار الدالة على الاشتراك من أول الوقت الى آخره و عدم نقل ما يخالفها و إلا فإنه لم يصرح بذلك في الكتاب و لو بالإشارة، و غاية ما يمكن التعلق به في هذه النسبة هو ما ذكرناه و هو لا يخلو من اشكال، حيث انهم نقلوا عنه الاشتراك من أول الوقت الى آخره كما هو ظاهر الاخبار المذكورة مع ان كلامه في الفقيه كما سيأتي نقله ان شاء الله تعالى صريح في اختصاص آخر الوقت بالفريضة الأخيرة كما هو القول المشهور و نقله المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية عن الأصحاب، حيث قال: يختص أصحابنا بأنهم يقولون إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا الا ان الظهر قبل العصر، قال و تحقيق هذا الموضع انه إذا
101
زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدى أربع ركعات فإذا خرج هذا المقدار اشترك الوقتان و معنى ذلك انه يصح ان يؤدى في هذا الوقت المشترك الظهر و العصر بطوله و الظهر مقدمة ثم إذا بقي للغروب مقدار اربع ركعات خرج وقت الظهر و خلص للعصر. قال العلامة في المختلف و على هذا التفسير الذي ذكره السيد يزول الخلاف.
[الأخبار الواردة في المسألة]
و كيف كان فالواجب هو بسط الأخبار الواردة في المسألة و نقل ما ذكروه و بيان ما فيه من صحة أو فساد و تحقيق ما هو الحق المطابق للسداد:
فنقول من الاخبار الدالة على ما نسبوه الى الصدوق
ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر فإذا غابت الشمس فقد دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة».
و عن عبيد بن زرارة في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر و العصر فقال إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين الظهر و العصر جميعا إلا ان هذه قبل هذه ثم أنت في وقت منهما جميعا حتى تغيب الشمس».
و روى الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في قوله تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (4) قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات أول وقتها زوال الشمس الى انتصاف الليل: منها- صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس الى غروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه، و منها- صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه».
و روى العياشي في تفسيره عن عبيد بن زرارة مثله (5).
و روى الشيخان في الكافي و التهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(4) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(5) المستدرك الباب 4 من المواقيت.
102
السلام) (1) قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان هذه قبل هذه».
و روى في التهذيب عن الصباح بن سيابة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».
و عن مالك الجهني (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».
و روى في الفقيه (4) قال: «سأل مالك الجهني أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين فإذا فرغت من سبحتك فصل الظهر متى ما بدا لك».
و روى في الكافي عن إسماعيل بن مهران (5) قال: «كتبت الى الرضا (عليه السلام) ذكر أصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة إلا ان هذه قبل هذه في السفر و الحضر و إن وقت المغرب الى ربع الليل؟ فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق. الحديث».
و روى في التهذيب عن سفيان بن السمط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».
و عن منصور بن يونس عن العبد الصالح (عليه السلام) (7) قال: «سمعته يقول إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين».
هذا ما حضرني من الاخبار الدالة على القول المذكور و هي ظاهرة الدلالة متعاضدة المقالة في الاشتراك من أول الوقت الى آخره.
[الوجوه التي استدل بها للقول بالاختصاص]
و اما ما يدل على القول المشهور مما اشتمل عليه كلامهم في المقام من البحث في
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 5 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(7) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
103
المسألة بإبرام النقض و نقض الإبرام فوجوه:
(الأول)-
رواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي اربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس، و إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل».
(الثاني)- ما ذكره السيد السند في المدارك من انه لا معنى لوقت الفريضة إلا ما جاز إيقاعها فيه و لو على بعض الوجوه و لا ريب ان إيقاع العصر عند الزوال على سبيل العمد ممتنع و كذا مع النسيان على الأظهر لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه و انتفاء ما يدل على الصحة مع المخالفة و إذا امتنع وقوع العصر عند الزوال مطلقا انتفى كون ذلك وقتا لها، ثم قال و يؤيده رواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا ثم ساق من الرواية ما يتعلق بالظهرين.
(الثالث) ما ذكره في المختلف و ملخصه ان القول باشتراك الوقت حين الزوال بين الصلاتين مستلزم لأحد الباطلين اما تكليف ما لا يطاق أو خرق الإجماع فيكون باطلا، بيان الاستلزام ان التكليف حين الزوال اما ان يقع بالعبادتين معا أو بإحداهما لا بعينها أو بواحدة معينة و الثالث خلاف فرض الاشتراك فتعين أحد الأولين، على ان المعينة ان كانت هي الظهر ثبت المطلوب و ان كانت هي العصر لزم خرق الإجماع، و على الاحتمال الأول يلزم تكليف ما لا يطاق و على الثاني يلزم خرق الإجماع إذ لا خلاف
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 4 و 17 من أبواب المواقيت.
104
في ان الظهر مرادة بعينها حين الزوال لا لأنها أحد الفعلين.
(الرابع)-
رواية الحلبي (1) «في من نسي الظهر و العصر ثم ذكر عند غروب الشمس؟ قال (عليه السلام) ان كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصل الظهر ثم ليصل العصر و ان هو خاف ان تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا».
و في معناها أخبار أخر تأتي ان شاء الله تعالى في موضعها.
(الخامس)- ما ذكره المحقق في المعتبر حيث انه نقل عن ابن إدريس انه نقل عن بعض الأصحاب و بعض الكتب انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر إلا ان هذه قبل هذه ثم أنكره و جعله ضد الصواب، فاعترضه المحقق و بالغ في إنكار كلامه و التشنيع عليه استنادا الى ما قدمناه من الاخبار، قال لان ذلك مروي عن الأئمة (عليهم السلام) في اخبار متعددة، على ان فضلاء الأصحاب رووا ذلك و أفتوا به فيجب الاعتناء بالتأويل لا الاقدام بالطعن، ثم قال و يمكن ان يتأول ذلك من وجوه: (أحدها) ان الحديث تضمن «إلا ان هذه قبل هذه» و ذلك يدل على ان المراد بالاشتراك ما بعد وقت الاختصاص (الثاني) انه لما لم يكن للظهر وقت مقدر بل اي وقت فرض وقوعها فيه أمكن فرض وقوعها في ما هو أقل منه حتى لو كانت الظهر تسبيحة كصلاة شدة الخوف كانت العصر بعدها، و لانه لو ظن الزوال و صلى ثم دخل الوقت قبل إكمالها بلحظة أمكن وقوع العصر في أول الوقت إلا ذلك القدر فلقلة الوقت و عدم ضبطه كان التعبير عنه بما ذكر في الرواية من الخص العبارات و أحسنها (الثالث) ان هذا الإطلاق مقيد برواية داود بن فرقد، و اخبار الأئمة (عليهم السلام) و ان تعددت في حكم الخبر الواحد. انتهى.
و قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل بعض الاخبار المتقدمة ما لفظه: و فهم بعض من هذه الاخبار اشتراك الوقتين و بمضمونها عبر ابنا بابويه و نقله المرتضى في الناصرية
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
105
عن الأصحاب حيث قال: يختص أصحابنا بأنهم يقولون إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر معا إلا ان الظهر قبل العصر، قال و تحقيقه، ثم نقل كلام المرتضى كما قدمناه و نقل قول العلامة بعده انه على هذا يزول الخلاف ثم نقل تأويل المحقق الذي ذكرناه و قال بعده: قلت و لانه يطابق مدلول الآية في قوله تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (1) و ضرورة الترتيب تقتضي الاختصاص مع دلالة رواية داود بن فرقد المرسلة ثم ساق الرواية كما قدمناه.
[رد الوجوه المستدل بها على الاختصاص]
أقول: هذا ما وقفت عليه من كلامهم (رضوان الله عليهم) المتضمن لاستدلالهم على القول المشهور بينهم، و أنت خبير بما في هذا الكلام كما قدمنا نقله عنهم من الدلالة على شهرة القول بالاشتراك في الصدر الأول استنادا الى هذه الاخبار سيما عبارة المرتضى في الناصرية حيث أسنده إلى أصحابنا و ان تأوله بما ذكره.
و لا يخفى عليك ان جميع ما ذكروه في تشييد القول المشهور لا يخلو في نظري القاصر من الضعف و القصور:
أما الرواية فإنه لا يخفى على من أحاط خبرا بقواعدهم و اصطلاحاتهم التي بنوا عليها الكلام في جميع الأحكام ان الاستناد الى هذه الرواية غير جيد في المقام لان من قواعدهم تنويع الروايات إلى الأنواع الأربعة المشهورة و طرحهم قسم الضعيف من البين بل الموثق عند جملة منهم ايضا كما لا يخفى و قضية ذلك طرح هذه الرواية لضعفها، و من قواعدهم انه متى تعارضت الاخبار عملوا على الصحيح منها و رموا الضعيف أو تأولوه تفاديا من الرمي بالكلية فالتأويل انما يكون في جانب المرجوح فكيف خرجوا عن هاتين القاعدتين في المقام من غير صارف و لا موجب كما لا يخفى على ذوي الأفهام؟
و يمكن الجواب عن الرواية المذكورة بما ذكره بعض المحققين من متأخري المتأخرين من ان المراد بوقت الظهر في قوله: «فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار أربع
____________
(1) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
106
ركعات» الوقت المختص بالظهر عند التذكر لا مطلقا و كذا بالنسبة إلى العصر، قال و الإضافة لا تقتضي أكثر من ذلك. و هذا الجواب لا يخلو من بعد إلا انه في مقام الجمع لا بأس به و هو أقرب الى هذا الخبر مما تأولوا به الاخبار المتقدمة الدالة على القول الآخر و اما ما ذكره في المدارك فإنه مدخول بأن قضية الاشتراك من أول الوقت على القول به جار على مقتضى الاشتراك المتفق عليه و هو بعد مضي قدر الأربع فبعين ما يقال ثمة يقال في ما نحن فيه، و لا ريب ان الوقت المتفق على اشتراكه لا يجوز تقديم العصر فيه عمدا فلو قدمها بطلت البتة اما لو قدمها نسيانا أو بناء على انه صلى الظهر فإنها تقع صحيحة اتفاقا فكذا في ما نحن فيه، فقوله «انه يمتنع وقوع العصر و لو نسيانا» لا يخلو من مصادرة و لهذا ان جملة من الأصحاب قد فرعوا على الخلاف المذكور فروعا: منها- ما لو صلى العصر ناسيا في أول الوقت. و منها- لو كان الوقت مشتبها لغيم و نحوه فصلى الظهر و العصر ثم انكشف له ان صلاة العصر كانت في أول الوقت فإنها تصح في الصورتين المذكورتين على قول الصدوق و من معه و تبطل على المشهور بينهم.
و اما ما ذكره في المختلف فإنه مدخول أيضا بأن غاية ما يلزم منه وجوب الإتيان بالظهر دون العصر بالنسبة إلى الذاكر و هو غير مستلزم للاختصاص، فإن القائل بالاشتراك لا يخالف في ذلك في صورة التذكر و انما مطرح الخلاف و مظهر الفائدة في صورة النسيان و الاشتباه كما قدمنا ذكره فإنها تقع صحيحة على هذا القول، و هذا هو المراد بالاشتراك في الوقت بعين ما قرروه و اتفقوا عليه في ما بعد مضي قدر الظهر الى ما قبل قدر العصر من الغروب، و لو صح ما ذكره للزم ان لا يكون شيء من الوقت مشتركا أصلا لأنه في كل جزء من الوقت ان لم يأت بالظهر سابقا يلزم اختصاصه بالظهر لعين الدليل المذكور و ان اتى بها سابقا فالوقت مختص بالعصر، و هو (قدس سره) قد استشعر هذا الجواب عما ذكره حيث انه اعترض على نفسه به ثم أجاب عن ذلك بما ملخصه ان الاشتراك على ما فسرتموه فرع وقوع التكليف بالفعل و نحن قد بينا عدم تعلق التكليف.
107
و فيه نظر لأنه ان أراد عدم التكليف مع التذكر فمسلم و لا ضرر فيه، و ان أراد و لو في الصور التي قدمناها فهو ممنوع لأنا لا نسلم عدم تعلق التكليف في ذلك الوقت و لم يلزم ذلك من دليله الذي ذكره فإنه غير آت عليه كما عرفت. و بالجملة فالأمر هنا جار على قياس الوقت المشترك فيه اتفاقا كما ذكرنا.
و اما ما ذكره في المعتبر من التأويل لتلك الاخبار فمع الإغماض عما فيه لا ريب انه خروج عن الظاهر و هو انما يكون عند وجود معارض أقوى يجب ترجيحه و تقديمه في العمل ليتجه إرجاع ما سواه اليه، و ما ذكروه من الأدلة في المقام قد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه و خافية، و الاستناد في الاختصاص الى قوله «إلا ان هذه قبل هذه» مردود (أولا) بأن غاية ما تدل عليه هذه العبارة وجوب الترتيب و هو مما لا خلاف فيه إلا انه انما ينصرف الى الذاكر بعين ما قالوا في الوقت الذي اتفقوا على اشتراكه. و (ثانيا) بأنه لو كان ذلك منافيا للاشتراك المطلق للزم اختصاص الوقت بالظهر ما لم يؤدها و لا اختصاص له بمقدار أدائها.
و اما ما ذكره في الذكرى من الاستدلال بالآية ففيه ان الآية بالدلالة على خلاف ما رامه أشبه، و لهذا ان العلامة في المختلف جعلها من أدلة الصدوق على القول بالاشتراك من أول الوقت و ذلك لان غاية ما تدل عليه الآية المذكورة التكليف بالصلاتين أو الصلوات الأربع في ذلك الوقت المحدود و لا يلزم من ذلك وجوب الترتيب بل الترتيب انما قام بدليل من الخارج و هو انما ينصرف الى الذاكر كما عرفت فعند عدم التذكر يبقى إطلاق الآية على حاله.
و اما ما استدلوا به من رواية الحلبي و نحوها ففيه انه و ان اشتهر في كلامهم نسبة القول بالاشتراك من أول الوقت الى آخره الى الصدوق و فرعوا على ذلك جملة من الفروع كما مضى و سيأتي إلا ان معلومية ذلك من كلام الصدوق غير ظاهر حيث انه لم يصرح بهذا القول و انما نسبوه اليه باعتبار نقله جملة من الروايات المتقدمة، و صريح كلامه بالنسبة إلى آخر الوقت يوافق كلام الأصحاب فإنه قال في باب أحكام السهو في
108
الصلاة ما صورته: و ان نسيت الظهر و العصر ثم ذكرتهما عند غروب الشمس فصل الظهر ثم صل العصر ان كنت لا تخاف فوت إحداهما و ان خفت ان تفوتك إحداهما فابدأ بالعصر و لا تأخرها فيكون قد فاتتاك جميعا ثم صل الاولى بعد ذلك على أثرها. انتهى و حينئذ فالخلاف لو سلم انما هو في أول الوقت خاصة. بقي الكلام بالنسبة الى من نقل عنه القول بذلك غيره فهل هو على حسب ما ذكرناه عن الصدوق أو مطلقا؟ كل محتمل.
نعم يبقى الإشكال في الاخبار حيث ان ظاهر الاخبار التي قدمناها امتداد الاشتراك الى آخر الوقت و بموجبه انه لو لم يبق من الوقت إلا بقدر اربع ركعات فإنه يختص بالظهر و رواية الحلبي المذكورة و نحوها تدفعه، و ربما صارت هذه الاخبار قرينة على ارتكاب التأويل في أول الوقت في تلك الأخبار الدالة على الاشتراك مطلقا فإنها و ان كانت لا معارض لها بالنسبة إلى أول الوقت إلا ان المعارض بالنسبة الى آخره موجود كما عرفت.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال فإن الخروج عما عليه جل الأصحاب مع تأيده بما عرفت مشكل و القول بتخصيص الاشتراك بأول الوقت دون آخره كما هو المفهوم من الاخبار بالتقريب الذي ذكرناه مع عدم ذهاب أحد إليه فيما اعلم أشكل و الاحتياط بحمد الله سبحانه واضح.
(تنبيه) [الفروع التي فرعوها على الخلاف في الاختصاص و الاشتراك]
اعلم ان جماعة من الأصحاب قد فرعوا على الخلاف المتقدم في المسألة فروعا: (منها)- ما قدمناه من صلاة العصر في الوقت المختص بالظهر ساهيا و ما لو صلى الظهرين بناء على ظن دخول الوقت ثم ظهر وقوع العصر في الوقت المختص بالظهر، فعلى القول بالاشتراك تصح العصر و يصلي الظهر بعدها لان غايته الإخلال بواجب و هو الترتيب سهوا أو بناء على ما جوزه الشارع من العمل بالظن و لا ضير فيه، و على القول بالاختصاص تبطل العصر و يجب أداؤها بعد الظهر.
و (منها)- ان من ظن ضيق الوقت إلا عن أداء العصر فإنه يتعين عليه
109
الإتيان بالعصر فلو صلى ثم تبين الخطأ و لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة مثلا فحينئذ يجب عليه الإتيان بالظهر أداء على القول بالاشتراك حسب، كذا ذكره بعض الأصحاب و لا يخلو من شوب الارتياب فان من ظن ضيق الوقت إلا عن أداء أربع ركعات أو تيقن ذلك فإنه على القول بالاشتراك فالواجب عليه الإتيان بالظهر لقولهم (عليهم السلام) «إلا ان هذه قبل هذه» و اما على القول بالاختصاص فالواجب الإتيان بالعصر كما دلت عليه رواية الحلبي المتقدمة، و كذا لو لم يبق من الوقت إلا بقدر أداء ركعة فإنها تختص بالظهر أداء على القول بالاشتراك و بالعصر على القول بالاختصاص.
و (منها)- ان من أدرك أربع ركعات من آخر وقت العشاءين فإنه يجب عليه الإتيان بالمغرب أولا ثم العشاء و ان لم يدرك منها إلا ركعة على القول بالاشتراك و تتعين العشاء على القول بالاختصاص.
و (منها)- ان من صلى الظهر ظانا سعة الوقت ثم تبين الخطأ و وقوعها في الوقت المختص بالعصر على القول المشهور فإنه يجب قضاء العصر خاصة على القول بالاشتراك و قضاؤهما معا بناء على الاختصاص. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [أول وقت الظهر و آخره]
- لا خلاف بين الأصحاب في ان أول وقت الظهر زوال الشمس الذي هو عبارة عن ميلها و انحرافها عن دائرة نصف النهار و قد نقل الإجماع على ذلك في المعتبر و المنتهى، و الأصل فيه الآية و الأخبار قال الله عز و جل «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (1) و الدلوك هو الزوال كما نص عليه أهل اللغة و دل عليه
صحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «قال الله عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و آله) أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (3) و دلوكها زوالها. الحديث».
و قد تقدم بتمامه مع البحث في ذيله عن معناه منقحا في فصول المقدمة الاولى (4)
و روى
____________
(1) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(4) ص 20.
110
الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر و إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة».
الى غير ذلك من الأخبار المستفيضة التي تقدم كثير منها في سابق هذه المسألة و ربما يتوهم دلالة بعض الأخبار على ما ينافي ذلك
كصحيحة إسماعيل بن عبد الخالق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر قال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول».
و عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس؟
فقال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة فإن وقتها إذا زالت».
و نحوهما غيرهما، فإنها محمولة على وقت المتنفل و الوقت الأول لغيره كما سيأتي توضيحه ان شاء الله تعالى في محله مفصلا، و بالجملة فالتحديد بالزوال لاولية وقت الظهر مما وقع الاتفاق عليه نصا و فتوى.
و انما الخلاف بينهم في آخر وقتها و قد اختلفت فيه أقوالهم، قال العلامة في المختلف: اختلف علماؤنا في آخر وقت الظهر فقال السيد المرتضى (رضي الله عنه) إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر فإذا مضى مقدار صلاة أربع ركعات اشتركت الصلاتان الظهر و العصر في الوقت الى ان يبقى الى مغيب الشمس مقدار اربع ركعات فيخرج وقت الظهر و يبقى وقت العصر و بالغروب ينقضي وقت العصر و هو اختيار ابن الجنيد و سلار و ابن إدريس و ابن زهرة، و قال الشيخ في المبسوط إذا زالت الشمس دخل وقت الفريضة و يختص به مقدار ما يصلى فيه اربع ركعات ثم يشترك الوقت بعده بينه و بين العصر الى ان يصير ظل كل شيء مثله، و روى حتى يصير الظل أربعة أقدام و هو أربعة أسباع الشاخص المنتصب ثم يختص بعد ذلك بوقت العصر الى ان يصير ظل كل شيء مثليه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 4 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
111
فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر، هذا وقت الاختيار و اما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه الى ان يبقى من النهار مقدار ما يصلى فيه اربع ركعات فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر الى ان تغرب الشمس، و في أصحابنا من قال ان هذا ايضا وقت الاختيار الا ان الأول أفضل، و افتى في الخلاف بمثل ذلك و كذلك في الجمل، و قال في النهاية آخر وقت الظهر لمن لا عذر له إذا صارت الشمس على أربعة أقدام، و قال في الاقتصاد آخره إذا زاد الفيء أربعة أسباع الشاخص أو يصير ظل كل شيء مثله و هو اختياره في المصباح و قال في عمل يوم و ليلة إذا زاد الفيء أربعة أسباع الشاخص، و قد جعل في المبسوط أربعة أسباع الشاخص رواية و لم يتعرض لهذه الرواية في الخلاف و الجمل و افتى في النهاية و عمل يوم و ليلة بهذه الرواية و لم يتعرض للظل المماثل و افتى في الاقتصاد بأحدهما لا بعينه و قال المفيد وقت الظهر بعد زوال الشمس الى ان يرجع الفيء سبعي الشاخص. و قال ابن ابي عقيل أول وقت الظهر زوال الشمس الى ان ينتهي الظل ذراعا واحدا أو قدمين من ظل قامته بعد الزوال فإذا جاوز ذلك فقد دخل الوقت الآخر، مع انه حكم ان الوقت الآخر لذوي الأعذار فإن أخر المختار الصلاة من غير عذر الى آخر الوقت فقد ضيع صلاته و بطل عمله و كان عند آل محمد (عليهم السلام) إذا صلاها في آخر وقتها قاضيا لا مؤديا للفرض في وقته. و قال ابن البراج آخر الوقت ان يصير ظل كل شيء مثله، و قال أبو الصلاح آخر وقت المختار الأفضل ان يبلغ الظل سبعي القائم و آخر وقت الاجزاء ان يبلغ الظل أربعة أسباعه و آخر وقت المضطر ان يصير الظل مثله. و للشيخ في التهذيب قول آخر و هو ان وقت الظهر أربعة أقدام و هي أربعة أسباع الشاخص و به قال السيد المرتضى في المصباح. ثم قال في المختلف، و الذي نذهب اليه نحن ما اختاره السيد المرتضى أولا.
أقول: و ما ذهب اليه (قدس سره) هو المشهور بين المتأخرين و متأخريهم و استدلوا عليه كما ذكره العلامة في المختلف و السيد في المدارك و غيرهما بقوله عز و جل
112
«أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (1) و المعنى- و الله اعلم- أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس ممتدا ذلك الى غسق الليل فتكون أوقاتها موسعة،
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ففي ما بين الزوال الى غسق الليل اربع صلوات سماهن و بينهن و وقتهن».
و قال في المدارك و مقتضى ذلك امتداد وقت الظهرين أو العصر خاصة إلى الغروب ليتحقق كون الوقت المذكور ظرفا للصلوات الأربع بمعنى ان كل جزء من اجزائه ظرف لشيء منها. و قال في المنتهى و كل من قال بان وقت العصر يمتد الى غروب الشمس فهو قائل بامتداد الظهر الى ما قبل ذلك.
ثم روى في المدارك عن احمد بن محمد ابن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الضحاك بن زيد عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (4) قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس الى انتصاف الليل: منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس الى غروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه، و منها- صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه».
قال: و ليس في طريق هذه الرواية من قد يتوقف في شأنه إلا الضحاك بن زيد فإنه غير مذكور في كتب الرجال بهذا العنوان لكن الظاهر انه أبو مالك الثقة كما يستفاد من النجاشي فيكون السند صحيحا و متنها صريح في المطلوب، ثم قال في المدارك و يشهد لهذا القول ايضا روايتا داود بن فرقد و الحلبي المتقدمتان
و رواية زرارة (5) قال:
«قال أبو جعفر (عليه السلام) أحب الوقت الى الله عز و جل حين يدخل وقت
____________
(1) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(4) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(5) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
113
الصلاة فصل الفريضة فان لم تفعل فإنك في وقت منها حتى تغيب الشمس».
ثم نقل موثقة عبد الله بن سنان (1) الدالة على ان الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر و ان طهرت في آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء ثم صحيحة زرارة (2) الدالة على ان من الأمور أمورا مضيقة و أمورا موسعة و ان الوقت وقتان و الصلاة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ربما أخر. الحديث، الى ان قال:
و اما انتهاء وقت الفضيلة بصيرورة ظل كل شيء مثله فيدل عليه
صحيحة أحمد بن عمر عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن وقت الظهر و العصر فقال وقت الظهر إذا زالت الشمس الى ان يذهب الظل قامة و وقت العصر قامة و نصف الى قامتين».
و صحيحة أحمد بن محمد (4) قال: «سألته عن وقت صلاة الظهر و العصر فكتب قامة للظهر و قامة للعصر».
قال و انما حملناهما على وقت الفضيلة لأن اجراءهما على ظاهرهما اعني كون ذلك آخر الوقت مطلقا ممتنع إجماعا فلا بد من حملهما اما على وقت الفضيلة أو الاختيار و لا ريب في رجحان الأول لمطابقته لظاهر القرآن و لصراحة الأخبار المتقدمة في امتداد وقت الاجزاء الى الغروب
و لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (5) «لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما».
انتهى.
أقول و به سبحانه الثقة لإدراك المأمول-: انا قدمنا البحث في المقام بما أزال عنه غشاوة اللبس و الإبهام و نقول هنا أيضا في الكلام على كلامه (قدس سره) في هذا المقام ان فيه نظرا من وجوه:
(أحدها) انه لا مدفع لدلالة الآية و الاخبار المذكورة على الامتداد في الجملة و كون
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.
(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة.
(3) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(5) المروية في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
114
ذلك وقتا في الجملة إنما البحث في تخصيص ذوي الأعذار به أو عمومه لهم و لذوي الاختيار و هذه الأدلة كلها لا تصريح و لا ظاهرية فيها بكون الامتداد الى الغروب و الى الانتصاف وقتا للمختار كما هو المطلوب بالاستدلال و انما تدل على كونه وقتا في الجملة و يكفي في صدقه كونه وقتا لذوي الاعذار و الاضطرار، و مما يؤيد ما ذكرنا ما صرح به شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين حيث نقل عن العلامة الاحتجاج للقول المشهور بالآية و انها تدل على التخيير في إيقاع الصلاة بين هذين الوقتين، ثم قال (قدس سره) و اما الآية فلا تدل على ان ما بين الدلوك و الغسق وقت للمختار و انما تدل على ان ما بينهما وقت في الجملة و هذا لا ينافي كون البعض وقتا للمختار و البعض الآخر وقتا للمعذور. انتهى. و قد وفق الله سبحانه للاطلاع عليه بعد خطور ما ذكرناه بالبال أولا فهو من قبيل توارد الخاطر.
و (ثانيها)- ان ما ذكره (قدس سره) في الرواية المشتملة على الضحاك بن زيد- من ان الظاهر انه أبو مالك الثقة كما يستفاد من النجاشي فيكون السند صحيحا لا اعرف له وجه استقامة و لا لهذه الظاهرية وجه ظهور، فان مجرد ذكر النجاشي للضحاك و انه أبو مالك الحضرمي و انه ثقة لا يقتضي حمله على الرجل المذكور في الرواية المعبر عنه بالضحاك بن زيد، و مجرد الاشتراك في الاسم أو الطبقة لا يقتضي حمل أحدهما على الآخر، و الذي يستفاد من النجاشي توثيق الرجل الذي ذكره و اما كونه هو هذا المذكور في الخبر فلا يستفاد من كلامه بوجه من الوجوه، و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من عجب من مثله كما ترى، و أعجب من ذلك قوله ايضا «و متنها صريح في المطلوب» و أي صراحة في الدلالة على الامتداد بالنسبة إلى المختار كما هو المدعى و محل البحث؟ و انما غايتها- كما عرفت- الدلالة على ما دلت عليه الآية و الاخبار الباقية من كونه وقتا في الجملة.
و (ثالثها)- قوله بعد ذكر صحيحتي الاحمدين الدالتين على التحديد بالقامة و القامتين من ان الأظهر حملهما على الفضيلة دون الاختيار لظاهر القرآن و صراحة
115
الأخبار المتقدمة في امتداد وقت الاجزاء الى الغروب، فان فيه انه لا ريب ان هاتين الصحيحتين من جملة الصحاح التي أشرنا سابقا الى دلالتها على ما اخترناه من ان الوقت الأول هو الوقت الأصلي لجملة الفرائض و ان الثاني انما وقع رخصة لذوي الاعذار و الاضطرار و ان من أخر اليه مختارا فهو مستحق للمؤاخذة إلا ان يعفو الله عز و جل.
و منها- زيادة على الخبرين المذكورين
ما رواه في الكافي عن يزيد بن خليفة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا. قلت ذكر انك قلت ان أول صلاة افترضها الله عز و جل على نبيه الظهر و هو قول الله تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» (2) فإذا زالت الشمس لم يمنعك إلا سبحتك ثم لا تزال في وقت الظهر الى ان يصير الظل قامة و هو آخر الوقت فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر فلم تزل في وقت العصر حتى يصير الظل قامتين و ذلك المساء؟ قال صدق».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن حكيم (3) قال: «سمعت العبد الصالح (عليه السلام) و هو يقول ان أول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة من الزوال و أول وقت العصر قامة و آخر وقتها قامتان.
قلت في الشتاء و الصيف سواء؟ قال نعم».
و منها- موثقة معاوية بن وهب المتقدمة (4) في المسألة الأولى الدالة على نزول جبرئيل بالأوقات على النبي (صلى الله عليه و آله). إلا انه يبقى الإشكال في هذه الاخبار من حيث الدلالة على امتداد الفضيلة أو الاختيار إلى صيرورة ظل كل شيء مثله فإنه مبني على حمل القامة على قامة الإنسان، و فيه ما سيأتي تحقيقه في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى.
و اما ما ذكره هنا من حمل هذا الوقت على وقت الفضيلة فقد عرفت انه مجرد دعوى لا دليل عليها و استنادهم الى الآية و الاخبار قد عرفت ما فيه إذ محل البحث في المسألة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
(2) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) ص 94.
116
وقت المختار و لا دلالة في الآية عليه و لا في شيء من تلك الاخبار، و بالجملة فإنا لا نمنع دلالة الآية و هذه الاخبار على انه وقت في الجملة و اما كونه وقتا للمختار كما هو المدعى فلا فإن قضية الجمع بينها و بين ما قدمناه من الأخبار الدالة على كون الوقت الثاني انما هو لذوي الاعذار و انه بالنسبة إلى غيرهم تضييع و انه موجب لوقوف عمله عن القبول و بقائه تحت المشيئة هو حمل هذه الأخبار على ما ذكرناه، و اما على ما ذهبوا إليه فإنه لا مناص لهم عن طرح تلك الاخبار مع ما هي عليه من الاستفاضة و الكثرة و الصحة في كثير منها و الصراحة.
و مما يزيدها تأكيدا زيادة على ما قدمناه
ما رواه الصدوق في كتاب العيون عن الرضا (عليه السلام) و في كتاب المجالس و ثواب الأعمال عن الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن- و في بعضها هائبا لابن آدم ذعرا منه- ما حافظ على الصلوات الخمس فإذا ضيعهن اجترأ عليه و أوقعه في العظائم».
و روى في كتاب العيون عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون و هامان و كان حقا على الله تعالى ان يدخله النار مع المنافقين فالويل لمن لم يحافظ على صلاته و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله)».
و روى الصدوق في كتاب المجالس بسند صحيح عن خالد بن جرير عن ابي الربيع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا ينال شفاعتي غدا من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها».
و روى في الخصال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس عمل أحب الى الله عز و جل من الصلاة فلا يشغلنكم عن أوقاتها شيء من أمور الدنيا فان الله عز و جل ذم أقواما فقال: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ (5) يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها».
و روى
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 7 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(5) سورة الماعون، الآية 4 و 5.
117
الطبرسي في مجمع البيان عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «هذه الفريضة من صلاها لوقتها عارفا بحقها لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه و من صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها فان ذلك اليه ان شاء غفر له و ان شاء عذبه».
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم (2) في تفسير قوله تعالى «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ» (3) قال: عنى به تاركون لان كل أحد يسهو في الصلاة.
و عن ابي عبد الله (عليه السلام) «تأخير الصلاة عن أول وقتها لغير عذر».
و في كتاب المجمع هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها عن ابن عباس و روى ذلك مرفوعا.
و في تفسير العياشي في تفسير الآية المذكورة عن يونس بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«سألته عن قوله تعالى «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ» أ هي وسوسة الشيطان؟ قال لا كل أحد يصيبه هذا و لكن ان يغفلها و يدع ان يصلي في أول وقتها».
و عن أبي أسامة زيد الشحام (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى «الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ» قال هو الترك لها و التواني عنها».
و عن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (عليه السلام) (6) «هو التضييع لها».
أقول: انظر أيدك الله تعالى بعين الاعتبار في هذه الاخبار و أمثالها مما قدمناه مما هو صريح الدلالة واضح المقالة في ان التأخير عن الوقت الأول تضييع و ان المراد بالوقت في جميع هذه الاخبار السابقة و اللاحقة هو الوقت الأول فربما أطلق في بعضها و ربما قيد بأول الوقت من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف اي الوقت الأول و ان التأخير عنه تضييع للصلاة غير مستحق للقبول بل مستحق للعقاب و الحشر مع قارون و هامان و انه لا تناله الشفاعة إلا ان يعفو الله بكرمه، و كيف يلائم هذا كله القول بأنه وقت شرعي للمختار يجوز له التأخير إليه في حال الاختيار؟
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(2) ص 740.
(3) سورة الماعون، الآية 4 و 5.
(4) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 1 من أبواب المواقيت.
118
و (رابعها)- ان ما ادعاه- من صراحة الأخبار المتقدمة و امتداد وقت الاجزاء- ففيه ان تلك الاخبار لم يصرح في شيء منها بكونه وقت اجزاء و لا غيره و هذه التسمية إنما وقعت في كلامهم باعتبار حملهم الوقت الأول على وقت الفضيلة فسموا الوقت الثاني وقت اجزاء. و غاية ما دلت عليه الأخبار المتقدمة ان الوقت يمتد الى غروب الشمس
لقوله (عليه السلام) في بعضها (1) «أنت في وقت حتى تغيب الشمس».
و لكن مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار الدالة على التحديد بالقامة و القامتين يدل على ان ما بعد القامة في الظهر و القامتين في العصر وقت مرجوح مفضول ليس كالوقت الأول إلا انهم سموه باعتبار حملهم اخبار القامة و القامتين على الفضيلة وقت اجزاء و الآخرون خصوه بأصحاب الضرورات و الاعذار و ان أسقط القضاء عن غيرهم أيضا إلا انه على الحال التي عرفت من الأخبار المتقدمة. و هذا هو الأرجح و الأظهر للأخبار المذكورة كما عرفت.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من الأصحاب قد نقلوا عن الشيخ في الخلاف الاحتجاج على ما ذهب اليه من انتهاء وقت الاختيار بصيروة ظل كل شيء مثله بأن الإجماع منعقد على ان ذلك وقت للظهر و ليس على ما زاد عليه دليل،
و بما رواه عن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني فلما ان كان بعد ذلك قال لعمر و بن سعيد بن هلال ان زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فخرجت من ذلك فاقرأه مني السلام و قل له إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر و إذا كان ظلك مثليك فصل العصر».
و بصحيحتي أحمد بن عمر و احمد بن محمد المتقدمتين.
و أجاب عن ذلك في المدارك قال: و الجواب عن الأول انا قد بينا الدلالة
____________
(1) كما في الحديث رقم «5» و رقم «22» من الباب 4 من مواقيت الوسائل.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
119
على كون الزائد وقتا للظهر و عن الرواية الأولى بمنع الدلالة على المدعى بل هي بالدلالة على نقيضه أشبه لأن أمره (عليه السلام) بالصلاة بعد المثل يدل على عدم خروجه به.
و عن الروايتين الأخيرتين بالحمل على وقت الفضيلة كما بيناه. انتهى.
و فيه ما عرفت و نزيده هنا ان الشيخ (قدس سره) انما احتج هنا على انتهاء وقت الاختيار لا انتهاء الوقت مطلقا و الذي أشار إليه من الأدلة ليس فيها ما يدل على كون الزائد وقتا للمختار و انما غايتها- كما عرفت- الدلالة على كونه وقتا في الجملة فكلام الشيخ في محله لا يندفع بما ذكره. و اما استدلال الشيخ برواية زرارة فهو ليس في محله و الظاهر حملها على الإبراد المأمور به كما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضعه. و اما الصحيحان الآخران فهما من أوضح الأدلة على ما ادعاه و الحمل على وقت الفضيلة قد عرفت ما فيه.
و اما ما افتى به الشيخ في بعض كتبه و نسبه الى الرواية في بعض آخر- من انتهاء الوقت بأربعة أقدام و هو أربعة أسباع الشاخص لمن لا عذر له و اما من له عذر فهو في فسحة إلى آخر النهار- فاستدل عليه في التهذيب
بما رواه عن إبراهيم الكرخي (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) متى يدخل وقت الظهر؟ قال إذا زالت الشمس. فقلت متى يخرج وقتها؟ فقال من بعد ما يمضي من زوالها أربعة أقدام ان وقت الظهر ضيق ليس كغيره. قلت فمتى يدخل وقت العصر؟ قال ان آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر. قلت فمتى يخرج وقت العصر؟ فقال وقت العصر الى ان تغرب الشمس و ذلك من علة و هو تضييع. فقلت له لو ان رجلا صلى الظهر من بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام أ كان عندك غير مؤد لها؟ فقال ان كان تعمد ذلك ليخالف السنة و الوقت لم تقبل منه كما لو ان رجلا أخر العصر الى قرب ان تغرب الشمس متعمدا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
120
من غير علة لم تقبل منه».
و عن الفضل بن يونس (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) قلت المرأة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة؟ قال إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام فلا تصل إلا العصر لان وقت الظهر دخل عليها و هي في الدم و خرج عنها الوقت و هي في الدم.».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و الجواب عن الروايتين بالطعن في السند (أما الأولى) فبجهالة إبراهيم الكرخي مع ان فيها ما أجمع الأصحاب على خلافه و هو قوله «ان آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر» و من المعلوم ان أوله عند الفراغ منها لا بعد مضى أربعة أقدام. و (اما الثانية) فبالفضل بن يونس فإنه واقفي مع انها معارضة بموثقة عبد الله بن سنان المتقدمة عن الصادق (عليه السلام) و هي أوضح سندا من هذه الرواية إذ ليس في طريقها من يتوقف فيه الا على بن الحسن بن فضال و قال النجاشي في تعريفه انه كان فقيه أصحابنا بالكوفة و وجههم و ثقتهم و عارفهم بالحديث و المسموع قوله فيه فإنه سمع منه شيئا كثيرا و لم يعثر له على زلة فيه. انتهى.
أقول: اما الطعن في السند فقد عرفت في غير موضع مما تقدم انه لا يقوم حجة على المتقدمين و لا على من لا يرى هذا الاصطلاح. و اما ما طعن به في متنها من دلالتها على ان أول وقت العصر هو آخر وقت الظهر و الحال ان أول وقتها انما هو الفراغ من الظهر فيمكن الجواب عنه بان المراد بالوقت هنا هو أول وقت الفضيلة كما ذهب إليه جملة من الأصحاب من استحباب تأخير العصر الى بعد مضى المثل أو الإقدام كما سيأتي نقله عن الشيخ المفيد و ابن الجنيد في المسألة الآتية لا ان المراد الوقت الحقيقي، و مثل ذلك أيضا يأتي ان شاء الله تعالى في أول وقت العشاء فان الشيخين ذهبا إلى انه انما يدخل بذهاب الحمرة المغربية و عليه يدل بعض النصوص و الأصحاب حملوها على أول وقت الفضيلة، فليكن ما اشتمل عليه هذا الخبر من ذلك القبيل و به يندفع الطعن المذكور.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.
121
و اما طعنه في الرواية الثانية بالفضل بن يونس و انه واقفي ففيه انه و ان كان واقفيا كما ذكره الشيخ إلا انه ثقة كما ذكره النجاشي و لم يذكر كونه واقفيا، و يأتي على ما يختاره البعض من تقديم قول النجاشي لأنه أضبط و اثبت الحكم بصحة الرواية، و مع التنزل و العمل بقول الشيخ فيكون من قسم الموثق فلا معنى لترجيح موثقة عبد الله بن سنان عليها. و اما ما سجل به من ترجيح موثقة عبد الله بن سنان بعد أوصاف علي بن الحسن ابن فضال ففيه انه قد رد روايته في غير موضع من شرحه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى فيما يأتي.
نعم يبقى الكلام في الرواية المذكورة من حيث دلالتها على خروج وقت الظهر في الحيض بعد الأربعة أقدام و العلامة (قدس سره) قد ادعى الإجماع على ان آخر وقت الظهر للمعذور الى قبل الغروب بمقدار العصر و به طعن في هذه الرواية، و تنظر فيه بعضهم بان الشيخ (قدس سره) صرح في التهذيب و الاستبصار بأن الحائض إذا طهرت بعد ما يمضي من الوقت أربعة أقدام لم يجب عليها صلاة الظهر فادعاء الإجماع على خلافه مع مخالفة الشيخ محل تأمل.
أقول: و مما يدل على ما دلت عليه الرواية المذكورة من الحكم المذكور
حسنة معمر بن يحيى (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحائض تطهر بعد العصر تصلي الاولى؟ قال لا انما تصلي الصلاة التي تطهر عندها».
و موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «قلت المرأة ترى الطهر عند الظهر فتشتغل في شأنها حتى يدخل وقت العصر؟ قال تصلي العصر وحدها فان ضيعت فعليها صلاتان».
إلا انه يمكن حمل هاتين الروايتين على الوقت المختص بالعصر فلا يكون سبيلها سبيل تلك الرواية.
و بالجملة فإن رواية الكرخي لا اشكال فيها لما عرفت و انما الإشكال في رواية
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.
(2) المروية في الوسائل في الباب 49 من أبواب الحيض.
122
الفضل بن يونس بما دلت عليه من ان وقت الظهر انما هو الى مضي الأربعة أقدام و بعده يخرج حتى بالنسبة إلى ذوي الأعذار كالحيض، و لا يحضرني في ذلك محمل غير التقية و به صرح الفاضل الخراساني في الذخيرة و زاد مع ذلك احتمال حمل رواية ابن سنان على الاستحباب، و الأظهر هو العمل برواية ابن سنان لاعتضادها بالأخبار المستفيضة الدالة على وجوب الصلاة و امتداد الوقت سيما لذوي الأعذار إلى الغروب و حمل تلك الرواية على التقية و ان لم يعلم بها الآن قائل منهم لما قدمناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب من انه لا يشترط في الحمل عليها وجود قائل منهم، و لما علم من الأخبار من انه لا منشأ للاختلاف في أخبارنا إلا التقية، و لما تطابقت فتوى علمائنا و تظافرت أخبارنا بما دلت عليه رواية ابن سنان وجب حمل ما يخالفها على ذلك. و اما ما ذهب اليه الشيخ مما قدمنا نقله عنه من العمل بالرواية المذكورة فهو مما لا يلتفت إليه في معارضة الأخبار المشار إليها المعتضدة بعمل الطائفة المحقة قديما و حديثا و منهم الشيخ في غير الكتابين المذكورين. نعم ما دلت عليه رواية ابن سنان من امتداد وقت العشاءين الى آخر الليل محمول عندي على التقية لما تقدم تحقيقه في باب التيمم و يأتي مزيد كلام فيه ان شاء الله تعالى في باب قضاء الصلاة.
و اما ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره)- من ان وقت الظهر بعد زوال الشمس الى ان يرجع الفيء سبعي الشاخص- فاستدل له
العلامة في المختلف بما رواه ابن بابويه و الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار و زرارة بن أعين و بكير بن أعين و محمد ابن مسلم و بريد بن معاوية العجلي عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما قالا: «وقت الظهر بعد الزوال قدمان و وقت العصر بعد ذلك قدمان و هذا أول الوقت الى ان يمضي أربعة أقدام للعصر».
و ما رواه الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس و وقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس».
قال في المدارك- و نعم ما قال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
123
هنا-: و الجواب منع دلالة الروايتين على خروج وقت الظهر بذلك بل مقتضى صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) استحباب تأخير الظهر الى ان يصير الفيء على قدمين من الزوال
فإنه (عليه السلام) قال (1) «ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة و كان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان قلت لم جعل ذلك؟ قال لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يمضي الفيء ذراعا فإذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
و الظاهر ان ذلك هو مراد المفيد (قدس سره) و ان كانت عبارته مجملة و هو الذي فهمه منه الشيخ في التهذيب، فإنه قال بعد نقل كلامه: وقت الظهر على ثلاثة أضرب: من لم يصل شيئا من النوافل فوقته حين تزول الشمس بلا تأخير، و من صلى النافلة فوقتها حين صارت على قدمين أو سبعين أو ما أشبه ذلك، و وقت المضطر ممتد الى اصفرار الشمس، ثم استدل على الضرب الثاني برواية زرارة و ما في معناها. و بالجملة فالقول بخروج وقت الظهر بصيرورة الفيء على قدمين مقطوع بفساده. انتهى. و هو جيد و اما ما نقل عن ابن ابي عقيل فاحتج له في المختلف برواية زرارة المتقدمة في ما استدل به للشيخ المفيد
و رواية محمد بن حكيم (2) قال: «سمعت العبد الصالح (عليه السلام) يقول ان أول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة من الزوال».
قال و قد روى علي بن أبي حمزة (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول القامة هي الذراع».
و قال له أبو بصير (4): «كم القامة؟ فقال ذراع ان قامة رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت ذراعا».
و أجاب عنه بما يرجع الى ما قدمناه نقله عن صاحب المدارك في الجواب عن كلام الشيخ المفيد (قدس سره). و بالجملة فالمعتمد من هذه الأقوال ما قدمنا لك تحقيقه و أوسعنا مضيقة في هذا المجال. و الله العالم.
(المسألة الرابعة) [أول الوقت للظهرين]
- المشهور في كلام الأصحاب ان الوقت الأول للظهر و هو
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
124
وقت الفضيلة أو الاختيار على الخلاف المتقدم من الزوال الى مضى مثل الشاخص و للعصر الى مضي مثليه، قال في المعتبر آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله ثم يمتد وقت الاجزاء حتى يبقى للغروب مقدار اربع ركعات فيختص الوقت بالعصر، و اليه ذهب علم الهدى و ابن الجنيد. و قد نقل في المدارك ايضا عن السيد المرتضى انه يمتد وقت الفضيلة في الظهر الى ان يصير ظل كل شيء مثله و وقت الاجزاء الى ان يبقي للغروب قدر اربع ركعات فيختص بالعصر. و قد تقدم في صدر المسألة الثالثة كلام الشيخ بنحو ذلك.
و المشهور في كلام المتأخرين أفضلية تأخير العصر الى أول المثل الثاني، قال في الذكرى يمتد وقت الفضيلة للظهر أو الاختيار الى ان يصير الظل الحادث بعد الزوال مماثلا للشاخص في المشهور، ثم نقل خلاف المشهور التقدير بالاقدام الأربعة لرواية إبراهيم الكرخي، ثم قال في موضع آخر بعد البحث في المقام: نعم الأقرب استحباب تأخير العصر الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر اما المقدر بالنافلتين و الظهر و اما المقدر بما سلف من المثل و الاقدام و غيرهما.
و قد تقدم في سابق هذه المسألة تصريح صاحب المدارك بما ذكرنا أولا من امتداد وقت فضيلة الظهر الى تمام مثل الشاخص و استدلاله على ذلك بصحيحتي أحمد بن عمر و احمد بن محمد المشتملتين على التحديد بالقامة و ان وقت الظهر قامة و وقت العصر قامة و في معناهما روايات أخر قدمنا ذكرها ايضا. و في الاستدلال بها عندي إشكال حيث ان مبنى الاستدلال بها على حمل القامة على قامة الشاخص و المفهوم من الاخبار ان لفظ القامة الوارد فيها انما هو بمعنى الذراع و القامتين بمعنى الذراعين، فمن ذلك
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال له: «كم القامة؟ فقال ذراع ان قامة رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت ذراعا».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
125
و عن علي بن أبي حمزة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول القامة هي الذراع».
و عن علي بن حنظلة (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) القامة و القامتين الذراع و الذراعين في كتاب علي (عليه السلام)».
قال في الوافي: نصبهما بالحكاية.
و عن علي بن حنظلة (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) القامة ذراع و القامتان ذراعان».
قال في الوافي: تفسير القامة بالذراع انما يصح إذا كان قامة الشاخص ذراعا فيعبر عن أحدهما بالآخر كما دل عليه حديث ابي بصير لا مطلقا كما زعمه صاحب التهذيب أو أريد به في زمان يكون فيه الظل الباقي بعد نقصانه ذراعا و يراد بالقامة قامة الظل الباقي لا قامة الشاخص كما دل عليه حديث أول الباب. انتهى. أقول: من المحتمل قريبا بل الظاهر ان المراد باللام في القامة و القامتين في هذه الاخبار العهد و تكون إشارة الى ما قدمنا من الاخبار الدالة على تحديد وقت الظهر بالقامة و وقت العصر بالقامتين بمعنى ان القامة الواردة في تلك الاخبار المراد منها الذراع لا قامة الشاخص، و به يظهر ان حمل القامة في تلك الاخبار على قامة الشاخص ليكون دليلا على امتداد وقت الفضيلة بامتداد المثل و المثلين لا وجه له.
و اما ما ذكره من استحباب تأخير العصر الى أول المثل الثاني فاستدلوا عليه برواية زرارة المتقدمة المتضمنة لسؤاله أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر في القيظ و قد تقدمت في سابق هذه المسألة (4) و هي مع كونها أخص من المدعى و مع اشتمالها على خلاف المدعى ايضا حيث دلت على الصلاة بعد نقص المثل محمولة على الإيراد كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في محله. نعم يدل على ذلك ما قدمنا
من رواية الشيخ في كتاب المجالس مما كتبه الأمير (عليه السلام) لمحمد بن ابي بكر حين ولاه مصر (5) حيث قال في الحديث «فان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن أوقات الصلاة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) ص 118.
(5) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
126
فقال أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن ثم أراني وقت العصر فكان ظل كل شيء مثله. الحديث».
و هو مع ضعفه معارض بالأخبار المستفيضة كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى، و منها اخبار نزول جبرئيل بالأوقات (1) و يمكن حمله على التقية حيث انه هو المعمول عليه عند العامة قديما و حديثا (2) و يؤيد ما ذكرنا ما صرح به شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار حيث قال- و نعم ما قال- ثم انه لما كان المشهور بين المخالفين تأخير الظهرين عن أول الوقت بالمثل و المثلين فلذا اختلفت الاخبار في ذلك ففي بعضها
«إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر و إذا صار ظلك مثليك فصل العصر» (3).
و في بعضها
«ان آخر وقت الظهر المثل و آخر وقت العصر المثلان».
كما ذهب إليه أكثر المتأخرين من أصحابنا، و في بعضها
«ان وقت نافلة الزوال قدمان و وقت الظهر و نافلة العصر بعدهما قدمان».
و وقت فضيلة العصر أربعة اقدام في بعض الاخبار و في بعضها قدمان و نصف و في كثير منها
«لا يمنعك من الفريضة إلا سبحنك إن شئت طولت و ان شئت قصرت» (4).
و الذي ظهر لي من جميعها ان المثل و المثلين انما وردا تقية لاشتهارهما بين المخالفين، و قد أولهما في بعض الاخبار بالذراع و الذراعين تحرجا من الكذب، أو المثل و المثلان وقت الفضيلة بعد الذراع و الذراعين و الأربع أي إذا أخروا الظهر عن أربعة أقدام فينبغي ان لا يؤخروها
____________
(1) ص 127.
(2) في عمدة القارئ ج 2 ص 540 «آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيء مثليه فيخرج وقت الظهر و يدخل وقت العصر، و عند ابى يوسف و محمد إذا صار ظل كل شيء مثله يخرج وقت الظهر و يدخل وقت العصر و هي رواية الحسن بن زياد و به قال مالك و الشافعي و احمد و الثوري و إسحاق لكن عند الشافعي آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر و اما أصحاب العذر فآخر وقتها لهم غروب الشمس. و قال القرطبي خالف الناس كلهم أبا حنيفة فيما قاله حتى أصحابه».
(3) ص 118.
(4) ص 136.
127
عن السبعة و هي المثل و إذا أخروا العصر عن الثمانية فينبغي ان لا يؤخروها عن الأربعة عشر اعني المثلين، فالأفضل في الأوقات الاقدام لكن لا بمعنى ان الظهر لا يقدم على القدمين بل بمعنى ان النافلة لا توقع بعد القدمين و كذا نافلة العصر لا يؤتى بها بعد الأربعة أقدام فاما العصر فيجوز تقديمها قبل مضي الأربعة ان فرغ من النافلة قبلها بل التقديم فيهما أفضل، و اما آخر وقت فضيلة العصر فله مراتب الأولى ستة أقدام و الثانية ستة أقدام و نصف و الثالثة ثمانية أقدام و الرابعة المثلان على احتمال، فإذا رجعت الى الاخبار الواردة في هذا الباب لا يبقى لك ريب في تعين هذا الوجه في الجمع بينها. انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: لم أقف فيما حضرني من الاخبار على ما يدل على المثل و المثلين سوى الخبرين اللذين ذكرتهما (1) و قد عرفت الوجه فيهما، و ظني ان ما تكلفه زيادة على ذلك لا وجه له إذ التقية في ذلك أظهر ظاهر في المقام فلا ضرورة في ارتكاب ما ذكره (طيب الله مرقده).
و الواجب هو بسط الأخبار المتعلقة بالمسألة كما هي عادتنا في الكتاب ليظهر بذلك تحقيق الحق بغير شك و لا ارتياب فأقول: ان جملة من الأخبار قد وردت في نزول جبرئيل بالأوقات:
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «اتى جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه و آله) بمواقيت الصلاة فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر ثم أتاه حين زاد من الظل قامة فأمره فصلى العصر ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم أتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء ثم أتاه حين طلوع الفجر فأمره فصلى الصبح ثم أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فصلى الظهر ثم أتاه حين زاد من الظل قامتان فأمره فصلى العصر ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم أتاه حين ذهب ثلث الليل
____________
(1) ص 125 رقم 4 و 5.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
128
فأمره فصلى العشاء ثم أتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح و قال ما بينهما وقت».
و عن معاوية بن ميسرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: اتى جبرئيل و ساق الخبر مثل السابق إلا انه قال بدل القامة و القامتين ذراع و ذراعين.
و عن
المفضل بن عمر (2) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ساق الخبر كالأول إلا انه ذكر بدل القامة و القامتين قدمين و أربعة أقدام.
أقول: و هذه الاخبار بانضمام بعضها الى بعض ظاهرة الدلالة في ان الوقت الأول للظهرين هو الذراع و الذراعان و القدمان و الأربعة أقدام لان القامة في الخبر الأول كما عرفت بمعنى الذراع إلا انها ظاهرة الاختصاص بغير المتنفل و كأن النوافل و تحديدها بالذراع و الذراعين انما وقع بعد ذلك، و حينئذ فيكون هذا الوقت وقت فضيلة بالنسبة الى غير المتنفل و على ذلك تحمل الأخبار المتقدمة أيضا كصحيحتي الاحمدين و رواية محمد ابن حكيم، و اما رواية يزيد بن خليفة فالظاهر حمل القامة فيها على قامة الشاخص حيث قال في آخرها:
«و وقت العصر حتى يصير الظل قامتين و ذلك المساء».
فان المساء انما يترتب على قامة الشاخص دون الذراعين كما لا يخفى إلا ان يحمل على المبالغة و هو بعيد بل الظاهر هو حملها على التقية، و يؤيده دلالتها على عدم دخول وقت العصر حتى يصير الظل قامة الشاخص يعني وقت فضيلتها و هو مذهب العامة حيث انهم يؤخرون العصر الى ذلك الوقت (3) و لعل من هذا الخبر و نحوه حكم المتأخرون باستحباب تأخير العصر الى أول المثل الثاني كما قدمنا نقله عن الذكرى و الحق فيه ما عرفت، و يمكن ان يجعل هذا الخبر دليلا لما قدمناه عن المشهور بين الأصحاب من امتداد فضيلة الظهر الى المثل و العصر الى المثلين حيث قال فيه: «ثم لا تزال في وقت الظهر الى ان يصير الظل قامة» و قد عرفت ان المراد بالقامة هنا قامة الإنسان، قوله «و هو آخر الوقت» اي وقت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من أبواب المواقيت.
(3) راجع التعليقة 2 ص 126.
129
الفضيلة و قوله: «فإذا صار الظل قامة دخل وقت العصر» اى الوقت المختص فضله بالعصر بحيث لا يشاركه الظهر فيه لان ما قبل ذلك وقت فضيلة لهما معا كما دلت عليه الاخبار من ان كل ما قرب من أول الوقت فهو أفضل و انه لا يمنعه إلا السبحة أو الذراع و الذراعان، و حينئذ فإذا بلغ الظل المثل الثاني اختصت الفضيلة بالعصر الى تمام المثل الثاني، و هذا المعنى و ان كان محتملا إلا انه لا يخلو من تكلف و لعل حمل الخبر على الخروج مخرج التقية أظهر كما ذكرنا.
و جملة من الاخبار قد دلت على التحديد بالذراع و الذراعين و القدم و القدمين و الأربعة و نحو ذلك، و منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس و وقت العصر ذراع من وقت الظهر فذلك أربعة أقدام من زوال الشمس، و قال زرارة قال لي أبو جعفر (عليه السلام) حين سألته عن ذلك: ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة فكان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت لم جعل ذلك؟ قال لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يمضي الفيء ذراعا فإذا بلغ فيؤك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة و إذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
قال في التهذيبين: قال ابن مسكان حدثني بالذراع و الذراعين سليمان بن خالد و أبو بصير المرادي و حسين صاحب الفلانس و ابن ابي يعفور و من لا أحصيه منهم. أقول القامة في هذا الخبر مراد بها قامة الإنسان و كذا في الذي بعده.
و عن زرارة في الموثق (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قامة فإذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
130
و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟
قلت لا. قال من أجل الفريضة إذا دخل وقت الذراع و الذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
أقول: حيث انه قد دلت الاخبار على انه لا تطوع في وقت فريضة بل أكثر الأخبار الدالة على هذا المعنى إنما أريد بها هذا المقام حيث ان الشارع قد عين للنافلة من أول الوقت هذا المقدار من الذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة فمتى خرج هذا الوقت و لم يأت بالنافلة وجبت البدأة بالفريضة و اما لو فرغ من النافلة قبل هذا المقدار فإنه يجوز بل يستحب مزاحمة الفريضة لها في هذا المقدار كما سيأتيك ان شاء الله تعالى ذكره في الاخبار
و عن إسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان فيء الجدار ذراعا صلى الظهر و إذا كان ذراعين صلى العصر. قال قلت ان الجدران تختلف بعضها قصير و بعضها طويل، فقال كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يومئذ قامة».
و عن إسحاق بن عمار مثله سندا و متنا (2) و زاد «و انما جعل الذراع و الذراعان لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة».
و عن إسماعيل الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قال: قلت لم؟ قال لمكان الفريضة لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه».
و عن زرارة في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قال قلت لم؟ قال لمكان الفريضة لك ان تتنفل من زوال الشمس
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت. و هذا الحديث يرويه إسحاق بن عمار عن إسماعيل الجعفي أيضا إلا ان الراوي عن إسحاق هو صفوان بن يحيى في الأول و الحسن بن عديس في الثاني.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
131
الى ان يبلغ ذراعا فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
و عن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «وقت الظهر على ذراع».
و عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن صلاة الظهر فقال إذا كان الفيء ذراعا. قلت ذراعا من أي شيء؟ قال ذراعا من فيئك. قلت فالعصر؟ قال الشطر من ذلك. الحديث».
و عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي الظهر على ذراع و العصر على نحو ذلك».
و عن عبيد بن زرارة في الموثق (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل وقت الظهر قال ذراع بعد الزوال. قال: قلت في الشتاء و الصيف سواء؟
قال نعم».
و روى في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن الفضيل و زرارة و بكير و محمد بن مسلم و بريد (5) قالوا: «قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليهما السلام) وقت الظهر بعد الزوال قدمان و وقت العصر بعد ذلك قدمان و هذا أول الوقت الى ان يمضي أربعة أقدام للعصر».
أقول: ربما سبق الى بعض الأوهام كما وقع فيه بعض الاعلام ان المراد من هذا الخبر انما هو تحديد وقت فضيلة الظهر أو الاختيار بمعنى ان الأفضل إيقاعها في هذا المقدار و كذلك العصر فيكون منافيا لما دل على التحديد بالقامة و القامتين و المثل و المثلين و من أجل ذلك حكم بطرح اخبار المثل و المثلين لصحة هذا الخبر. و أنت خبير بان ظاهر الصحيحة المذكورة و ان أوهم ذلك في بادئ النظر الا ان الظاهر ان المراد انما هو التحديد بما بعد القدمين و الأربعة، فمعنى قوله (عليه السلام):
«وقت الظهر بعد الزوال قدمان»
يعني مضي قدمين و هكذا وقت العصر، كما وقع نظيره في موثقة زرارة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
132
المتقدمة حيث قال:
«إذا دخل وقت الذراع و الذراعين بدأت بالفريضة».
فإن ظاهر وقت الذراع يعني أول الذراع مع ان المراد انما هو مضي الذراع كما هو صريح صدر الرواية، و قد وقع مثل ذلك في صدر صحيحة زرارة التي في صدر هذه الجملة حيث قال فيها «سألته عن وقت الظهر فقال ذراع من زوال الشمس و وقت العصر ذراع من وقت الظهر» فان المراد بعد ذراع كما تنادي به تتمة الرواية و قوله فيها
«ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة فكان إذا مضي من فيئه ذراع صلى الظهر و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر. الخبر».
و روى في التهذيب عن عبد الله بن محمد (1) قال: «كتبت اليه جعلت فداك روى أصحابنا عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) انهما قالا إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان بين يديها سبحة إن شئت طولت و ان شئت قصرت.
و روى بعض مواليك عنهما ان الظهر على قدمين من الزوال و وقت العصر على أربعة أقدام من الزوال فان صليت قبل ذلك لم يجزئك، و بعضهم يقول يجزئ و لكن الفضل في انتظار القدمين و الأربعة أقدام، و قد أحببت جعلت فداك ان أعرف موضع الفضل في الوقت؟ فكتب (عليه السلام) القدمان و الأربعة أقدام صواب جميعا».
أقول: ظاهر هذه الرواية كما ترى ان جملة من معاصري الأئمة (عليهم السلام) قد فهموا الاختلاف بين روايات التقدير بالنافلة كما يأتي في المقام ان شاء الله تعالى و بين روايات التحديد بالاقدام و الأذرع، و رجح بعضهم العمل بروايات الاقدام على روايات التحديد بالنافلة حتى بالغ بعضهم و أوجب تأخير الفريضة إلى مضي المقدار المذكور و حكم بعدم اجزائها قبله و لا ريب ان التأخير ظاهر منها كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى. ثم انه لا يخفى ما في الجواب من الإجمال و عدم الانطباق على السؤال و صاحبه اعرف بتحقيق الحال و لعله قد سقط الشيء من البين و ربما كان فيه اشعار و إيماء إلى ترجيح العمل بروايات الاقدام.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
133
و منها-
موثقة سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس؟ فقال بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في السفر أو يوم الجمعة فإن وقتها إذا زالت».
و روى الصدوق في الفقيه في باب صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى يزول النهار فإذا زال صلى ثماني ركعات و هي صلاة الأوابين تفتح في تلك الساعة أبواب السماء و يستجاب الدعاء و تهب الرياح و ينظر الله الى خلقه، فإذا فاء ألفي ذراعا صلى الظهر أربعا و صلى بعد الظهر ركعتين و صلى ركعتين أخراوين ثم صلى العصر أربعا إذا فاء الفيء ذراعين».
و في خبر آخر رواه الكليني بطريقين أحدهما صحيح أو حسن بإبراهيم بن هاشم في باب بناء مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) (3) قال: «و كان جداره قبل ان يظلل قامة فكان إذا كان الفيء ذراعا و هو قدر مربض عنز صلى الظهر و إذا كان ضعف ذلك صلى العصر».
و روى محمد بن الفرج (4) قال: «كتبت اسأله عن أوقات الصلاة فأجاب إذا زالت الشمس فصل سبحتك و أحب ان يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين ثم صل سبحتك و أحب ان يكون فراغك من العصر و الشمس على أربعة أقدام. الحديث».
و قد تقدمت رواية إبراهيم الكرخي (5) الدالة على خروج وقت الظهر بعد ما يمضي من الزوال أربعة أقدام و ان أول وقت العصر هو آخر وقت الظهر و ان آخر وقت العصر حتى تغرب الشمس. و هو محمول على خروج وقت الفضيلة يمضي الأربعة أقدام للظهر.
و رواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «العصر على
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
(6) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
134
ذراعين فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك التضييع».
و عن ابي بصير (1) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) صل العصر يوم الجمعة على ستة أقدام».
و عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «صل العصر على أربعة أقدام».
و عن سليمان بن جعفر (3) قال: «قال الفقيه (عليه السلام) آخر وقت العصر ستة أقدام و نصف».
و عن صفوان الجمال عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت العصر متى أصليها إذا كنت في غير سفر؟ قال على قدر ثلثي قدم بعد الظهر».
و في كتاب الفقه الرضوي (5) قال: «وقت الظهر زوال الشمس و آخره ان يبلغ الظل ذراعا أو قدمين من زوال الشمس في كل زمان، و وقت العصر بعد القدمين الأولين إلى قدمين آخرين و ذراعين لمن كان مريضا أو معتلا أو مقصرا فصار قدمان للظهر و قدمان للعصر، فان لم يكن معتلا من مرض أو من غيره و لا مقصرا و لا يريد ان يطيل التنفل فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و ليس يمنعه منهما إلا السبحة بينهما و الثمان ركعات قبل الفريضة و الثمان بعدها فان شاء طول الى قدمين و ان شاء قصر، الى ان قال فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاة و له مهلة في التنفل و القضاء و النوم و الشغل الى ان يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال فإذا بلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال فقد وجب عليه ان يصلي الظهر في استقبال القدم الثالث، و كذلك يصلي العصر إذا صلى في آخر الوقت في استقبال القدم الخامس و إذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلاة و هو قاض للصلاة بعد الوقت».
أقول: قوله «و له مهلة في التنفل و القضاء و النوم و الشغل الى ان يبلغ ظل قامته قدمين» الظاهر ان معناه بيان اتساع الوقت الى الحد المذكور بمعنى ان وقت الظهر من الزوال إلى أول القدم الثالث فهو في هذه المدة مرخص في اشتغاله بنافلة أو نوم أو شغل
____________
(1) الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(3) الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(4) الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(5) ص 2.
135
أو نحو ذلك لاتساع الوقت في هذه المدة فإذا كان أول القدم الثالث تعين إيقاع الظهر فيه و ليس له سعة في الاشتغال بنافلة و لا غيرها، و هكذا بالنسبة إلى العصر الى أول القدم الخامس فهو في سعة منها الى الحد المذكور فلو أخرها عن الحد المذكور مختارا كان مضيعا و هو قاض اي آت و فاعل للصلاة بعد الوقت المعين لها اختيارا لا ان المراد بالقضاء فعل الشيء خارج وقته، و هو مفسر و مبين لجملة من الاخبار المتقدمة و موضح لها و دال بأظهر دلالة على ان الوقت الأول للظهر من الزوال الى مضي القدمين أو الذراع و للعصر الى مضي الأربعة اقدام أو الذراعين و انه مع الاشتغال بالنافلة يزاحم بفريضة الظهر القدم الثالث و بفريضة العصر القدم الخامس و انه بعد ذلك يخرج الوقت الأول لكل منهما و يدخل الوقت الثاني الذي نسبه الى التضييع.
ثم قال (عليه السلام): «و قد جاءت أحاديث مختلفة في الأوقات و لكل حديث معنى و تفسير. ان أول وقت الظهر زوال الشمس و آخر وقتها قامة رجل، قدم و قدمان، و جاء على النصف من ذلك و هو أحب الي، و جاء آخر وقتها إذا تم قامتين، و جاء أول وقت العصر إذا تم الظل قدمين و آخر وقتها إذا تم أربعة أقدام، و جاء أول وقت العصر إذا تم الظل ذراعا و آخر وقتها إذا تم ذراعين، و جاء لهما جميعا وقت واحد مرسل قوله: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين. و جاء ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر ثم العشاء و العتمة من غير سفر و لا مرض.
و جاء ان لكل صلاة وقتين أول و آخر كما ذكرنا في أول الباب و أول الوقت أفضلهما و انما جعل آخر الوقت للمعلول. الى آخره».
و هذه الاخبار التي نقلها (عليه السلام) كلها تدور على التحديد بالاقدام زيادة و نقيصة و ليس في شيء ما يدل على المثل و المثلين كما هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم).
فهذه جملة وافرة من الاخبار التي تضمنت تحديد الوقت بالاقدام و الأذرع و هي ظاهرة في ان الفضل في هذا المقدار و لا سيما كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و ان ما خرج
136
عن هذا المقدار فهو المراد بالوقت الثاني و هو المفضول المعين لأصحاب الاعذار و الضرورات و جملة من الاخبار قد تضمنت التحديد بالنافلة، و منها رواية يزيد بن خليفة و قد تقدم الكلام فيها (1).
و ما رواه في الكافي عن ذريح في الحسن (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متى أصلي الظهر؟ قال صل الزوال ثمانية ثم صل الظهر ثم صل سبحتك طالت أو قصرت ثم صل العصر».
و عن عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا ان بين يديها سبحة و ذلك إليك ان شئت طولت و ان شئت قصرت».
و عن ابن ابي عمير (4) قال: «إذا صليت الظهر فقد دخل وقت العصر إلا ان بين يديها سبحة و ذلك إليك ان شئت طولت و ان شئت قصرت».
و في الصحيح عن الحارث بن المغيرة و عمر بن حنظلة و منصور بن حازم (5) قالوا: «كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع فقال أبو عبد الله (عليه السلام) الا أنبئكم بابين من هذا؟ إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر إلا ان بين يديها سبحة و ذلك إليك ان شئت طولت و ان شئت قصرت».
و رواه في التهذيب عن
الحارث و عمر و منصور مثله (6) و فيه «إليك فإن أنت خفت سبحتك فحين تفرغ من سبحتك و ان أنت طولت فحين تفرغ من سبحتك».
و روى الشيخ في التهذيب عن الحسن عن عيسى بن ابي منصور (7) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت الشمس فصليت سبحتك فقد دخل وقت الظهر».
و عن سماعة في الموثق (8) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت
____________
(1) ص 115 و 128.
(2) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 5 من المواقيت، و الراوي في كتب الحديث مسمع بن عبد الملك.
(5) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
(8) الوسائل الباب 5 من المواقيت.
137
الشمس فصل ثماني ركعات ثم صل الفريضة أربعا فإذا فرغت من سبحتك قصرت أو طولت فصل العصر».
و روى في الفقيه (1) قال: «سأل مالك الجهني أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين فإذا فرغت من سبحتك فصل الظهر متى ما بدا لك».
و روى في التهذيب عن محمد بن احمد بن يحيى (2) قال: «كتب بعض أصحابنا الى ابي الحسن (عليه السلام) روى عن آبائك القدم و القدمين و الأربع و القامة و القامتين و ظل مثلك و الذراع و الذراعين؟ فكتب (عليه السلام) لا القدم و لا القدمين إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين و بين يديها سبحة و هي ثمان ركعات فإن شئت طولت و ان شئت قصرت ثم صل الظهر فإذا فرغت كان بين الظهر و العصر سبحة و هي ثمان ركعات إن شئت طولت و ان شئت قصرت ثم صل العصر».
فهذه جملة من الاخبار المتعلقة بالمسألة و كلها ظاهرة الدلالة متطابقة المقالة في ان فضيلة الظهر و الوقت الأول لها من أول الزوال الى انتهاء الاقدام أو الأذرع المذكورة في الاخبار و ان الأفضل من ذلك هو تقديم الفريضتين قبل بلوغ ذلك الحد بالإسراع في النافلة لو كان ممن يتنفل كما يدل عليه
قوله: (عليه السلام) في رواية أبي بصير (3) قال: «ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) أول الوقت و فضله فقلت كيف اصنع بالثمان ركعات؟ قال خفف ما استطعت».
و جملة من أصحابنا- كما تقدم في كلام صاحب المدارك و مثله المحدث الكاشاني- قد استدلوا على القول المشهور و هو امتداد وقت فضيلة الظهرين بالمثل و المثلين بصحيحتي الاحمدين المتقدمتين بحمل القامة فيهما على قامة الإنسان و مثلهما رواية يزيد بن خليفة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 5 من المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 3 و 15 من أبواب المواقيت.
138
و محمد بن حكيم المتقدم جميع ذلك، و هو و ان احتمل إلا ان احتمال حمل القامة فيها على الذراع قائم إلا في رواية يزيد بن خليفة كما تقدم. و بالجملة فإني لم أقف للقول بالمثل و المثلين كما هو المشهور على دليل تطمئن به النفس سيما مع ما عرفت من احتمال التقية و اشتهار القول بذلك بين العامة فالخروج عن مقتضى هذه الاخبار المستفيضة التي سردناها بمجرد ذلك مشكل.
بقي هنا شيئان يجب التنبيه عليهما في المقام: (أحدهما) ان ظاهر الاخبار المتقدمة مما دل على التحديد بالاقدام و الأذرع و الاخبار الدالة على التحديد بالنافلة لا يخلو من تدافع، و ذلك فان مقتضى الأخبار الدالة على التحديد بالنافلة هو ان الأفضل إيقاع الفريضة بعد الفراغ من النافلة و ان كان قبل بلوغ القدمين و الأربعة و الذراع و الذراعين و مقتضى أخبار الاقدام و الأذرع هو تأخير الفريضة إلى تمام القدمين و الأربعة و الذراع و الذراعين و ان كان قد فرغ من النافلة قبل ذلك، و الجمع بينهما لا يخلو من الاشكال و القصور إذ كل من اخبار الطرفين ظاهر فيما ذكرنا تمام الظهور.
و ظاهر المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى الميل الى العمل باخبار التحديد بالاقدام و الأذرع و ان الأفضل عنده تأخير الفريضة و ان أتم النافلة إلى القدم الثالث و الخامس و الذراع الثاني و الثالث، قال (عطر الله مرقده) في الكتاب المذكور بعد ذكر الاخبار المشار إليها: إذا تبين ان المراد من التقدير بالذراع و الذراعين ما قد علم و كذا من القدمين و الأربعة في الخبر الأول فيرد عليهما مع سائر ما في معناهما ان الاخبار الكثيرة المتضمنة لدخول الوقت بزوال الشمس تعارضها و خصوصا حديث محمد بن احمد ابن يحيى السابق حيث نفى فيه اعتبار القدم و القدمين و كذلك الأخبار الدالة على ترجيح أول الوقت مطلقا، و يجاب بان المراد من الوقت الداخل بزوال الشمس وقت الاجزاء و مما بعد القدمين و الأربعة وقت الفضيلة في الجملة و قد وقع التصريح بهذا في بعض الاخبار السابقة، و إذا ثبت ذلك حملنا الأخبار الواردة برجحان أول الوقت على إرادة الأول
139
مما بعد وقت الفضيلة لا من ابتداء الوقت، و يبقى الكلام في الخبر النافي لاعتبار القدم و القدمين و قد ذكر الشيخ (قدس سره) انه انما نفى ذلك فيه لئلا يظن انه وقت لا يجوز غيره، و هو متجه، و يحتمل ايضا ان يكون واردا على جهة التقية لما هو معروف من حال أكثر أهل الخلاف في إنكار ذلك و العمل بخلافه. انتهى كلامه زيد مقامه.
و بعض أفاضل متأخري المتأخرين قد رجح العمل بالأخبار الأخر الدالة على التحديد بالنافلة و تأول الأخبار الأخر الدالة على التحديد بالاقدام و الأذرع فحمل جملة أخبار رسول الله (صلى الله عليه و آله) الدالة ظاهرا على تأخيره الصلاة الى مضي القدر المذكور في تلك الاخبار على استيعاب الوقت بالنافلة و الإطالة فيها لغرض حصول الجماعة أو انه يفرغ قبل ذلك و لكنه ينتظر اجتماع الناس بهذا المقدار أو ينتظر فراغ الجماعة من النوافل بهذا المقدار.
أقول: و عندي في ما ذكره كل من هذين الفاضلين (قدس سرهما) نظر، اما ما ذكره الشيخ حسن فوجه النظر المتطرق اليه ان ما ادعاه- من ان الوقت الداخل بالزوال انما هو وقت الاجزاء لا الفضيلة و انما وقت الفضيلة بعد مضي الذراع و الذراعين و جملة الأخبار الدالة على رجحان أول الوقت و أفضليته على إرادة الأول مما بعد دخول وقت الفضيلة عنده لا من ابتداء الوقت و الزوال- مما يجب القطع بفساده:
(أما أولا) فلبعده غاية البعد عن سياق الأخبار الدالة على ان لكل صلاة وقتين و أول الوقتين أفضلهما، فإنه انما عنى بالوقت الأول للظهرين ما بعد الزوال لا ما بعد الذراع.
و (اما ثانيا) فللأخبار الكثيرة الدالة على استحباب مزاحمة الفريضة للنافلة في الذراع و الذراعين، و منها
ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الفرج (1) قال:
«كتبت اسأله عن أوقات الصلاة فأجاب إذا زالت الشمس فصل سبحتك و أحب ان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
140
يكون فراغك من الفريضة و الشمس على قدمين ثم صل سبحتك و أحب ان يكون فراغك من العصر و الشمس على أربعة أقدام».
و ما رواه في الموثق عن ذريح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سأله أناس و انا حاضر فقال إذا زالت الشمس فهو وقت لا يحبسك منه إلا سبحتك تطيلها أو تقصرها. فقال بعض القوم انا نصلي الأولى إذا كانت على قدمين و العصر على أربعة أقدام؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) النصف من ذلك أحب الي».
و رواية صفوان الجمال المروية في التهذيب ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت العصر متى أصليها إذا كنت في غير سفر؟ فقال على قدر ثلثي قدم بعد الظهر».
الى غير ذلك من الاخبار الدالة على المزاحمة و أفضلية ما قرب من الزوال،
و في رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) أول الوقت و فضله فقلت كيف اصنع بالثمان ركعات؟ قال خفف ما استطعت».
و (اما ثالثا)
فلما رواه الشيخ في الصحيح الى سعيد بن الحسن (4) قال:
«قال أبو جعفر (عليه السلام) أول الوقت زوال الشمس و هو وقت الله الأول و هو أفضلهما».
و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5)
و في الصحيح عن محمد بن مسلم (6) قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخل وقت الصلاة فتحت أبواب السماء لصعود الأعمال فما أحب ان يصعد عمل أول من عملي و لا يكتب في الصحيفة أحد أول مني».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (7) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء و أبواب الجنان و استجيب الدعاء فطوبى لمن رفع
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 5 و 8 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
(7) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
141
له عند ذلك عمل صالح».
و من ذلك رواية
الصدوق المتقدم نقلها (1) في باب صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قوله: «فإذا زال صلى ثماني ركعات و هي صلاة الأوابين تفتح في تلك الساعة أبواب السماء و يستجاب الدعاء و تهب الرياح و ينظر الله الى خلقه».
الى غير ذلك من الاخبار الصريحة في ان أول الزوال هو المخصوص بالفضل لا انه وقت الاجزاء و الفضل انما هو بعده كما توهمه (قدس سره).
و (اما رابعا) فان ما نقله عن الشيخ في معنى رواية محمد بن احمد بن يحيى و استوجهه فهو بعيد غاية البعد و انما المعنى فيها و المراد منها هو انه لما كان سؤال السائل يعطي انه فهم من هذه الاخبار كما فهمه هذا المحقق و غيره ممن تقدم ايضا كما أشارت إليه رواية عبد الله بن محمد المتقدمة من ان أول وقت فضيلة الظهر انما هو بعد مضي المدة المذكورة كما ينادي به ظاهر تلك الاخبار نفاه (عليه السلام) في هذا الخبر و جعل الفضيلة بعد الفراغ من النافلة طالت أو قصرت، و فيه إشارة إلى انه ليس الغرض من التحديد بالذراع و الذراعين ما توهمه السائل مما ذكرناه و انما الغرض من ذلك ما ذكروه (عليهم السلام) في جملة من الاخبار من بيان الوقت الذي تختص به النافلة بحيث لا يجوز الإتيان بها بعده، هذا هو ظاهر معنى الرواية المذكورة.
و (اما خامسا) فان ما احتمله- من الحمل على التقية باعتبار ان العامة لا يقولون بالاقدام- ففيه ايضا ان العامة لا يقولون بما افتى به (عليه السلام) في الرواية من تعجيل الصلاتين في أقل من مقدار الاقدام المذكورة فإنهم يعتبرون التفريق بين الفرضين في المثل و المثلين كما هو الآن معمول عليه بينهم (2).
و اما ما ذكره الفاضل الآخر (ففيه أولا) انه على تقدير تمامه انما يتمشى في الظهر خاصة اما العصر الواقعة بعد اجتماع الناس فلا يجرى فيها ما ذكره مع ان الاخبار قد دلت على التأخير فيها ايضا بذلك المقدار، اللهم إلا ان يقال انه يفرق بين الوقتين
____________
(1) ص 133.
(2) راجع التعليقة 2 ص 126 و المغني ج 2 ص 271 و 274 و 278 و بداية المجتهد ج 1 ص 159.
142
بالمثل و المثلين فلا يصليهما في وقت واحد. إلا ان فيه مع الإغماض عن المناقشة فيه كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى ان الحكم لا يتم حينئذ كليا لانه ربما فرق و ربما جمع.
و (ثانيا) انه يستفاد من بعض الاخبار ان المسارعة بالفريضة في أول وقتها أفضل من انتظار الاجتماع، و هو
ما رواه القطب الرواندي في كتاب الخرائج و الجرائح بسنده عن إبراهيم بن موسى القزاز (1) قال «خرج الرضا (عليه السلام) يستقبل بعض الطالبيين و جاء وقت الصلاة فمال الى قصر هناك فنزل تحت صخرة فقال اذن فقلت ننتظر يلحق بنا أصحابنا فقال غفر الله لك لا تؤخرن صلاة عن أول وقتها الى آخر وقتها من غير علة عليك أبدا بأول الوقت فأذنت فصلينا».
قال شيخنا المجلسي (طاب ثراه» في كتاب البحار ذيل هذا الخبر: يدل على انه لا ينبغي التأخير عن أول الوقت لانتظار الرفقة للجماعة أيضا. انتهى.
و (ثالثا) ان التطويل في النافلة على وجه يستوعب ذلك المقدار ترده الأخبار المتقدمة الدالة على أفضلية التخفيف في النافلة و مزاحمة الفريضة لها في ذلك المقدار، و نحوها الأخبار الدالة على أفضلية ما قرب من الزوال. و بالجملة فإن فضل أول الوقت مما لا اشكال فيه لاستفاضة الاخبار به و استحباب التأخير لانتظار الجماعة مما لم يقم عليه دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل.
ثم انه (قدس سره) تأول باقي الأخبار بتأويلات عديدة إلا انها تكلفات سخيفة بعيدة.
و الأظهر عندي ان منشأ هذا الاختلاف في الاخبار انما هو التقية التي هي أصل كل محنة في الدين و بلية كما يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح- على الظاهر- عن سالم ابي خديجة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سأله إنسان و انا حاضر فقال ربما دخلت المسجد و بعض أصحابنا يصلي العصر و بعضهم يصلي الظهر؟ فقال انا أمرتهم بهذا لو
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 51.
(2) الوسائل الباب 7 من المواقيت.
143
صلوا في وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم».
و ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج بسنده فيه عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت انه ليس شيء أشد علي من اختلاف أصحابنا قال ذلك من قبلي».
و ما رواه الشيخ في كتاب العدة (2) عن الصادق (عليه السلام) مرسلا «انه سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت فقال انا خالفت بينهم».
و ما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار عن الخزاز عن من حدثه عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «اختلاف أصحابي لكم رحمة و قال اني إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد. و سئل عن اختلاف أصحابنا فقال انا فعلت بكم ذلك و لو اتفقتم على أمر واحد لأخذ برقابكم».
الى غير ذلك من الاخبار الدالة بعمومها أو خصوصها على المراد، و المستفاد من هذه الاخبار و نحوها ان إيقاعهم الاختلاف في الأحكام لا يتوقف على القول بالحكم المخالف من العامة و لا على حضور أحد منهم في مجلس الفتوى كما تقدم تحقيقه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، و المسألة هنا من مسائل الأوقات التي دلت على إيقاع الاختلاف فيها تقية جل هذه الروايات بل لو ادعى ان هذه الاخبار انما خرجت في هذه المسألة لم يكن بعيدا لأنا لم نقف في مسائل الأوقات على مسألة انتشرت فيها الاخبار من الطرفين و تصادمت من الجانبين ما بلغ في هذه المسألة كما عرفت مما شرحناه و نقلناه، و تشير الى ذلك رواية عبد الله بن محمد المتقدمة (4) الدالة على وقوع هذا الاختلاف في عصر الأئمة (عليهم السلام) و اختلاف أصحابهم يومئذ في ذلك حتى ان منهم من يوجب تأخير الظهرين عن ذينك المقدارين و منهم من يحمل ذلك على وجه الأفضلية.
بقي الكلام في ان التقية في أي الطرفين في هذه الاخبار و لعل الأقرب كونها في اخبار التحديد بالاقدام و الأذرع، و ذلك (أولا) من حيث اعتضاد اخبار التحديد بالنافلة بعمل الأصحاب قديما و حديثا و لم نقف على قائل بظاهر ترجيح أخبار الاقدام
____________
(1) راجع التعليقة 2 و 3 ص 7 ج 1.
(2) ص 53.
(3) راجع التعليقة 2 و 3 ص 7 ج 1.
(4) ص 132.
144
سوى المحقق المذكور. و (ثانيا) من حيث اعتضادها باخبار استحباب تخفيف النافلة و اخبار أفضلية ما قرب من أول الوقت. و (ثالثا) انه الأقرب الى جادة الاحتياط و قد عرفت ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل بذلك من العامة و ان اشتهر بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) تخصيص الحمل على التقية بذلك إلا ان ظاهر اخبارهم يرده فان المستفاد من الاخبار المذكورة في المقام و كذا نحوها مما تقدم ذكره في المقدمة الأولى ان منشأ التقية انما هو من حيث ان اتفاقهم على أمر واحد و اجتماع كلمتهم على ذلك يوجب الأخذ برقابهم و دخول الضرر عليهم و إذا كانت كلمتهم متفرقة و تقولهم عن الامام (عليه السلام) مختلفة هانوا في نظر العدو و نسبوهم الى عدم الدين و المذهب فلم يعبأوا بهم و لا بمذهبهم. هذا ما ادى اليه الفكر القاصر في المقام و الله سبحانه و أولياؤه اعلم بالأحكام.
و (ثانيهما) قد عرفت في ما تقدم ان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) امتداد وقت فضيلة الظهر من الزوال الى تمام مثل الشاخص و كذا وقت فضيلة العصر الى مثليه، و المماثلة المعتبرة انما هي بين ظل الشاخص الحادث من الزوال و بين قامة الشاخص، قال في المعتبر و هو الأظهر لأنه المستفاد من الروايات الدالة على المماثلة كرواية
زرارة عن الصادق (عليه السلام) (1) المتضمنة لأمره عمرو بن سعيد بن هلال ان يقول لزرارة «إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر و إذا صار ظلك مثليك فصل العصر».
و روايات القامة كما تقدم في صحيحتي الاحمدين بناء على حمل القامة فيها على قامة الشاخص كما ذكروه، و رواية يزيد بن خليفة الظاهرة في ذلك كما تقدم. أقول: و مثلها رواية كتاب المجالس المتقدمة أيضا و ذهب الشيخ في التهذيب و مثله المحقق في الشرائع إلى أن المماثلة انما هي بين الفيء الزائد بعد الزوال و الظل الأول و هو الباقي منه عند الزوال لا الشاخص.
و استدل على ذلك
بما رواه عن صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عما جاء في الحديث
____________
(1) ص 118.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
145
ان صل الظهر إذا كانت الشمس قامة و قامتين و ذراعا و ذراعين و قدما و قدمين من هذا و من هذا، فمتى هذا و كيف هذا و قد يكون الظل في بعض الأوقات نصف قدم؟ قال انما قال ظل القامة و لم يقل قامة الظل و ذلك ان ظل القامة يختلف مرة يكثر و مرة يقل و القامة قامة أبدا لا تختلف، ثم قال ذراع و ذراعان و قدم و قدمان فصار ذراع و ذراعان تفسير القامة و القامتين في الزمان الذي يكون فيه ظل القامة ذراعا و ظل القامتين ذراعين فيكون ظل القامة و القامتين و الذراع و الذراعين متفقين في كل زمان معروفين مفسرا أحدهما بالآخر مسددا به فإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة و كانت القامة ذراعا من الظل و إذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين، فهذا تفسير القامة و القامتين و الذراع و الذراعين».
و قد رد هذا الخبر جملة من المتأخرين و متأخريهم بضعف الاسناد و الدلالة كما ذكره في الذكرى مع المعارضة بالأخبار المتقدمة و لزوم اختلاف الوقت بالطول و القصر بحسب الأزمنة و الأمكنة بخلاف الشاخص.
قال في المدارك بعد ذكر الخبر المذكور: و هذه الرواية ضعيفة بالإرسال و جهالة صالح بن سعيد و متنها متهافت مضطرب لا يدل على المطلوب، و أيضا فإن قدر الظل الأول غير منضبط و قد ينعدم في بعض الأوقات فلو نيط الوقت به لزم التكليف بعبادة موقتة في غير وقت أو في وقت يقصر عنها و هو معلوم البطلان.
و جملة من متأخري المتأخرين قد تصدوا لتصحيح معناه و تكلفوا لتشييد مبناه كالمحدث الكاشاني في الوافي، و لا بأس بنقل كلامه في المقام فإنه جيد ينجلي به غشاوة الإبهام عن بعض مواضع الخبر و ان بقي الباقي في الأكمام.
قال (قدس الله سره و نور ضريحه) بعد ذكر الخبر المذكور: لا بد في هذا المقام من تمهيد مقدمة ينكشف بها نقاب الارتياب من هذا الحديث و من سائر الأحاديث التي نتلوها عليك في هذا الباب و ما بعده من الأبواب ان شاء الله تعالى فنقول- و بالله التوفيق- ان
146
الشمس إذا طلعت كان ظلها طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول فإذا زالت زاد، ثم قد تقرر ان قامة كل إنسان سبعة أقدام بإقدامه و ثلاث اذرع و نصف بذراعه و الذراع قدمان فلذلك يعبر عن السبع بالقدم و عن طول الشاخص الذي يقاس به الوقت بالقامة و ان كان في غير الإنسان، و قد جرت العادة بأن يكون قامة الشاخص الذي يجعل مقياسا لمعرفة الوقت ذراعا كما تأتي الإشارة إليه في حديث تعريف الزوال، و كان رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) الذي كان يقيس به الوقت ايضا ذراعا، فلأجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع و عن الذراع بالقامة، و ربما يعبر عن الظل الباقي عند الزوال من الشاخص بالقامة أيضا و كأنه كان اصطلاحا معهودا و بناء على هذا الحديث على ارادة هذا المعنى كما ستطلع عليه. ثم ان كلا من هذه الألفاظ قد يستعمل لتعريف أول وقتي فضيلة الفريضتين كما في هذا الحديث و قد يستعمل لتعريف آخر وقتي فضيلتهما كما يأتي في الاخبار الأخر، فكل ما يستعمل لتعريف الأول فالمراد به مقدار سبعي الشاخص و كل ما يستعمل لتعريف الآخر فالمراد به مقدار تمام الشاخص ففي الأول يراد بالقامة الذراع و في الثاني بالعكس، و ربما يستعمل لتعريف الآخر لفظة «ظل مثلك و ظل مثليك» و يراد بالمثل القامة، و الظل قد يطلق على ما يبقى عند الزوال خاصة و قد يطلق على ما يزيد بعد ذلك فحسب الذي يقال له الفيء من «فاء يفيء إذا رجع» لانه كان أولا موجودا ثم عدم ثم رجع و قد يطلق على مجموع الأمرين. ثم ان اشتراك هذه الألفاظ بين هذه المعاني صار سببا لاشتباه الأمر في هذا المقام حتى ان كثيرا من أصحابنا عدوا هذا الحديث مشكلا لا ينحل و طائفة منهم عدوه متهافتا ذا خلل و أنت بعد اطلاعك على ما أسلفناه لا أحسبك تستريب في معناه، إلا انه لما صار على الفحول خافيا فلا بأس ان نشرحه شرحا شافيا نقابل به ألفاظه و عباراته و نكشف به عن رموزه و إشاراته، فنقول- و الهداية من الله- تفسير الحديث على وجهه- و الله اعلم- ان يقال ان مراد السائل انه ما معنى ما جاء في الحديث من تحديد أول وقت فريضة الظهر و أول وقت فريضة العصر تارة بصيرورة
147
الظل قامة و قامتين و اخرى بصيرورته ذراعا و ذراعين و اخرى قدما و قدمين و جاء من هذا القبيل من التحديد مرة و من هذا اخرى فمتى هذا الوقت الذي يعبر عنه بألفاظ متباينة المعاني و كيف يصح التعبير عن شيء واحد بمعاني متعددة مع ان الظل الباقي عند الزوال قد لا يزيد على نصف القدم؟ فلا بد من مضي مدة مديدة حتى يصير مثل قامة الشخص فكيف يصح تحديد أول الوقت بمضي مثل هذه المدة الطويلة من الزوال؟ فأجاب (عليه السلام) بان المراد بالقامة التي يحد بها أول الوقت التي هي بإزاء الذراع ليس قامة الشاخص الذي هو شيء ثابت غير مختلف بل المراد به مقدار ظلها الذي يبقى على الأرض عند الزوال الذي يعبر عنه بظل القامة و هو يختلف بحسب الأزمنة و البلاد مرة يكثر و مرة يقل و انما يطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعا فإذا زاد الفيء أعني الذي يزيد من الظل بعد الزوال بمقدار ذراع حتى صار مساويا للظل فهو أول الوقت للظهر و إذا زاد ذراعين فهو أول الوقت للعصر. و اما قوله (عليه السلام): «فإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين» فمعناه ان الوقت انما ينضبط حينئذ بالذراع و الذراعين خاصة دون القامة و القامتين. و اما التحديد بالقدم فأكثر ما جاء في الحديث فإنما جاء بالقدمين و الأربعة أقدام و هو مساو للتحديد بالذراع و الذراعين و ما جاء نادرا بالقدم و القدمين فإنما أريد بذلك تخفيف النافلة و تعجيل الفريضة طلبا لفضل أول الوقت فالأول و لعل الامام (عليه السلام) انما لم يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب و تبيينه لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك و انه انما كان أكثر اهتمامه بتفسير القامة و طلب العلة في تأخير أول الوقت الى ذلك المقدار، و في التهذيب فسر القامة في هذا الخبر بما يبقى عند الزوال من الظل سواء كان ذراعا أو أقل أو أكثر و جعل التحديد بصيرورة الفيء الزائد مثل الظل الثاني كائنا ما كان و اعترض عليه بعض مشايخنا (طاب ثراهم) بأنه يقتضي اختلافا فاحشا في الوقت بل يقتضي التكليف بعبادة يقصر عنها الوقت كما إذا كان الباقي شيئا يسيرا جدا بل يستلزم الخلو من التوقيت في اليوم الذي تسامت فيه الشمس رأس
148
الشاخص لانعدام الظل الأول حينئذ، و نعني بالعبادة النافلة لأن هذا التأخير عن الزوال انما هو للإتيان بها كما ستقف عليه. أقول: اما الاختلاف الفاحش فغير لازم و ذلك لان كل بلد أو زمان يكون الظل الباقي فيه شيئا يسيرا فإنما يزيد الفيء فيه في زمان طويل لبطئه حينئذ في التزايد، و كل بلد أو زمان يكون الظل الباقي فيه كثيرا فإنما يزيد الفيء فيه في زمان يسير لسرعته في التزايد حينئذ فلا يتفاوت الأمر في ذلك، و اما انعدام الظل فهو أمر نادر لا يكون إلا في قليل من البلاد و في يوم تكون الشمس فيه مسامتة لرؤوس اهله لا غير و لا عبرة بالنادر. نعم يرد على تفسير صاحب التهذيب أمران (أحدهما) انه غير موافق لقوله (عليه السلام):
«فإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع و الذراعين»
لانه على تفسيره يكون دائما محصورا بمقدار ظل القامة كائنا ما كان و (الثاني) انه غير موافق للتحديد الوارد في سائر الأخبار المعتبرة المستفيضة كما يأتي ذكرها بل يخالفه مخالفة شديدة كما يظهر عند الاطلاع عليها و التأمل فيها، و على المعنى الذي فهمناه من الحديث لا يرد عليه شيء من هذه المؤاخذات إلا انه يصير جزئيا مختصا بزمان خاص و مخاطب مخصوص و لا بأس بذلك. (ان قيل) اختلاف وقتي النافلة في الطول و القصر بحسب الأزمنة و البلاد و تفاوت حد أول وقتي الفريضتين التابع لذلك لازم على اي التقادير و لما ذكرت من سرعة تزايد الفيء تارة و بطوئه اخرى فكيف ذلك؟ (قلنا) نعم ذلك كذلك و لا بأس بذلك لانه لطول اليوم و قصره كسائر الأوقات في الأيام و الليالي. انتهى كلامه زيد إكرامه.
أقول: و يقرب مما دل عليه هذا الخبر ما ذكره (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه آنفا في هذه المسألة ما صورته: «و انما سمي ظل القامة قامة لان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة انسان فسمي ظل الحائط ظل قامة و ظل قامتين و ظل قدم و ظل قدمين و ظل أربعة أقدام و ذراع، و ذلك
____________
(1) ص 3.
149
انه إذا مسح بالقدمين كان قدمين و إذا مسح بالذراع كان ذراعا و إذا مسح بالذراعين كان ذراعين و إذا مسح بالقامة كان قامة أي هو ظل القامة و ليس هو بطول القامة سواء مثله لان ظل القامة ربما كان قدما و ربما كان قدمين ظل مختلف على قدر الأزمنة و اختلافها لان الظل قد يطول و ينقص لاختلاف الأزمنة و الحائط المنسوب إلى قامة الإنسان قائم معه غير مختلف و لا زائد و لا ناقص، فلثبوت الحائط المقيم المنسوب إلى القامة كان الظل منسوبا اليه ممسوحا به طال الظل أم قصر».
انتهى.
و يتلخص من الخبرين ان المعتبر في ذلك انما هو الذراع و الذراعان كما في سائر الاخبار و ان وقت الظهر بعد الأول و العصر بعد الثاني و هو لا يختلف باختلاف الأزمان و الأحوال، و ان التقدير بالقامة انما هو لما كان جدار مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قامة إنسان، قال في وقت كان ظل ذلك الجدار المتخلف عند الزوال ذراعا إذا كان الفيء مثل ظل القامة فصلوا الظهر و إذا كان مثليه فصلوا العصر، و قال مثل القامة و غرضه ظل القامة لقيام القرينة بذلك فلم يفهم المخالفون ذلك و توهموا ان المراد بالقامة قامة الجدار فجعلوا للظهر قامة و للعصر قامتين و هما المعبر عنهما بالمثل و المثلين و انما مراده مثل الظل في ذلك الوقت و هو الذراع و مرجعه إلى زيادة الظل ذراعا من الزوال من قامة الإنسان، و بهذا يتم قوله (عليه السلام)
«فيكون ظل القامة و القامتين و الذراع و الذراعين متفقين في كل زمان»
يعني به انا لما فسرنا القامة أو ظل القامة بالظل الحاصل في الزمان المخصوص الذي صدر فيه الحكم عن النبي (صلى الله عليه و آله) و كان في ذلك الوقت ذراعا فلا يختلف الحكم باختلاف البلاد و الفصول و كان اللفظان مفادهما واحدا مفسرا أحدهما أي ظل القامة بالآخر اي الذراع. و اما التحديد بالاقدام فأكثر ما جاء في الاخبار بالقدمين و الأربعة و مرجعه الى الذراع و الذراعين. و اما ما نقص عن ذلك فقد عرفت وجهه من كلام المحدث الكاشاني. و الله العالم.
(المسألة الخامسة) [أول وقت العصر]
الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان أول وقت العصر
150
الفراغ من الظهر و لو تقديرا و قد تقدم القول في تحقيق الاشتراك من أول الوقت و عدمه و ادعى في المعتبر و المنتهى الإجماع على ان وقتها بعد الفراغ من الظهر، و الاخبار بذلك مستفيضة: منها- الأخبار الدالة على انه إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان إلا ان هذه قبل هذه (1) و الاخبار المتكاثرة الدالة في كل من الظهرين انه لا يمنعك إلا سبحتك طولت أو قصرت (2) و يزيده تأكيدا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (3) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) بين الظهر و العصر حد معروف؟ فقال لا».
بقي الكلام في الفضل و الاستحباب فهل الأفضل تعجيل العصر بعد الظهر لغير المتنفل و بعد النافلة أو مضي الذراعين لغيره على الخلاف المتقدم أو ان الأفضل تأخيرها إلى مضي المثل الأول؟ الأشهر الأول و نقل في المدارك عن جمع من الأصحاب انهم ذهبوا الى استحباب تأخير العصر الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر و هو المثل أو الإقدام، قال و ممن صرح بذلك المفيد في المقنعة فإنه قال في باب عمل الجمعة:
و التفريق بين الصلاتين في سائر الأيام مع الاختيار و عدم العوارض أفضل و قد ثبتت السنة به إلا في يوم الجمعة فإن الجمع بينهما أفضل. انتهى. و قريب من ذلك عبارة ابن الجنيد فإنه قال: لا نختار أن يأتي الحاضر بالعصر عقيب الظهر التي صلاها مع الزوال إلا مسافرا أو عليلا أو خائفا ما يقطعه عنها بل الاستحباب للحاضر ان يقدم بعد الزوال و قبل فريضة الظهر شيئا من التطوع الى ان تزول الشمس قدمين أو ذراعا من وقت زوالها ثم يأتي بالظهر و يعقبها بالتطوع من التسبيح و الصلاة ليصير الفيء أربعة اقدام أو ذراعين ثم يصلي العصر. هذا كلامه و هو مضمون رواية زرارة إلا ان أكثر الروايات تقتضي استحباب المبادرة بالعصر عقيب نافلتها من غير اعتبار للإقدام و الأذرع. انتهى ما ذكره في المدارك.
أقول: الظاهر من عبارتي الشيخ المفيد و ابن الجنيد انما هو استحباب التفريق (عليه السلام)
____________
(1) ص 101.
(2) ص 136.
(3) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
151
بين الفرضين بالنافلة كما هو المتفق عليه نصا و فتوى لا التفريق بتأخير العصر الى أول المثل الثاني، و اما تأخير العصر الى مضي الاقدام الأربعة أو النافلة طالت أم قصرت فهي مسألة أخرى قد تقدم الكلام فيها، نعم من يخص وقت فضيلة الظهر بالقدمين من الزوال و الذراع و قدر الفريضة و فضيلة العصر بالأربعة و الذراعين و الفريضة كما هو القول الأظهر من الاخبار فإنه يتجه فيه ما ذكره، إنما الإشكال في من يقول بامتداد وقت فضيلة الظهر إلى أول الثاني و فضيلة العصر بأول المثل الثاني إلى تمام المثل فهل يستحب له تأخير العصر الى مضي وقت فضيلة الظهر؟ قد تقدم في صدر المسألة الرابعة تصريح شيخنا الشهيد في الذكرى بأن الأقرب استحباب تأخير العصر الى ان يخرج وقت فضيلة الظهر اما المقدر بالنافلتين و الظهر و اما المقدر بالمثل و الاقدام، و قد عرفت ان التأخير في المواضع المذكورة في كلامه مما لا إشكال في شيء منها لوروده في الاخبار المتفق عليها إلا في التأخير إلى مضي المثل فإنه لم يدل عليه إلا رواية زرارة المتضمنة لسؤاله عن وقت الظهر في القيظ و رواية كتاب المجالس (1) و قد تقدم الكلام فيهما و بينا الوجه في ما تضمناه.
و بالجملة فإن المستفاد من الاخبار التي عليها الاعتماد و المدار في الإيراد و الإصدار هو ان الأفضل المبادرة بالعصر بعد الظهر لمن لا يتنفل أو كان في سفر أو يوم جمعة و بعد النافلة لمن يتنفل أو بعد مضي الذراع على الخلاف المتقدم، و التفريق الموجب للأذان للثانية يحصل بالفصل بالنافلة و لا يتوقف على بلوغ المثل الثاني.
قال في الذكرى: لا خلاف عندنا في جواز الجمع بين الظهر و العصر حضرا و سفرا للمختار و غيره و قد رواه العامة عن علي (عليه السلام) (2) الى ان قال و بالجملة كما علم من مذهب الإمامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقا علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص و المصنفات بذلك. و أورد على المحقق نجم الدين تلميذه
____________
(1) ص 118 و 97.
(2) كما في المبسوط ج 1 ص 150.
152
جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المشغري و كان ايضا تلميذ السيد ابن طاوس ان النبي (صلى الله عليه و آله) ان كان يجمع بين الصلاتين فلا حاجة الى الأذان الثاني إذ هو للاعلام و للخبر المتضمن انه عند الجمع بين الصلاتين يسقط الأذان، و ان كان يفرق فلم ندبتم الى الجمع و جعلتموه أفضل؟ فأجابه المحقق ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يجمع تارة و يفرق اخرى، ثم ذكر الروايات كما ذكرنا و قال انما استحببنا الجمع في الوقت الواحد إذا اتى بالنوافل و الفرضين فيه لأنه مبادرة إلى تفريغ الذمة من الفرض حيث ثبت دخول وقت الصلاتين، ثم ذكر خبر
عمرو بن حريث المتقدم عن الصادق (عليه السلام) المتضمن انه سأله عن صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله) يصلي ثمان ركعات الزوال ثم يصلي أربعا الاولى و ثماني بعدها و أربعا للعصر و ثلاثا للمغرب و أربعا بعدها. الحديث الى آخره».
و قد تقدم (1).
أقول: لا يخفى ان كلا من السؤال و الجواب لا يخلو من الإجمال بل الإشكال في هذا الباب.
اما السؤال فإن ظاهره ان الجمع الموجب لسقوط الأذان هو جمع الصلاتين في وقت واحد و هو المثل الأول بناء على القول المشهور من ان المثل الأول للظهر و ان فصل بالنافلة حيث علله بأن الأذان للثانية للإعلام و مع اجتماع الناس للأولى فلا يحتاج إلى الاعلام، و للخبر ان الجمع بين الصلاتين موجب لسقوط الأذان يعني الجمع بينهما في وقت واحد و التفريق انما هو عبارة عن جعل العصر في أول المثل الثاني كما هو المشهور من انه وقت فضيلة العصر، و على الثاني فكيف ندبتم الى الجمع و قلتم انه أفضل؟ هذا حاصل كلامه، و وجه الاشكال فيه ان الجمع و التفريق و ان حصل بما ذكره إلا ان المستفاد من الروايات ان الجمع و التفريق المترتب عليه سقوط الأذان و عدمه انما هو باعتبار الإتيان بالنافلة و عدمه و لو في وقت واحد فالأول يسمى تفريقا و الثاني جمعا كما
____________
(1) ص 27.
153
سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في بحث الأذان، و تعليله سقوط الأذان في صورة الجمع في وقت واحد و ان فصل بالنافلة كما يظهر من كلامه- بأن الأذان للإعلام و هو غير محتاج إليه في الصورة المذكورة فإنه مع اجتماع الناس للأولى لا معنى للاعلام حينئذ- مردود بان المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل الإنكار ان الأذان كما يستحب في أوائل الأوقات بأن يأتي به المؤذن على المنارة للاعلام إذا دخل وقت الظهر أو دخل وقت العصر و هو أول المثل الثاني كما يدعونه و كذا في غروب الشمس لصلاة المغرب و زوال الحمرة المغربية للعشاء و هذا الأذان ليس من محل البحث في شيء، كذلك يستفاد منها ما وقع عليه الاتفاق نصا و فتوى من انه يستحب لكل مصل منفردا كان أو جامعا ذكرا كان أو أنثى ان يأتي في أول صلاته بأذان و اقامة في أول الوقت كان أو في آخره و هذا الأذان هو الذي يسقط بالجمع بين الصلاتين و عدم الفصل بالنافلة كما في ما نحن فيه و في عصر عرفة و عشاء المزدلفة و عصري الجمعة و السفر و نحو ذلك و اما مع الإتيان بالنافلة فإنه يحصل التفريق و لا يسقط هذا الأذان و ان كان في وقت واحد و مقام واحد، على ان ما ادعاه من انه (صلى الله عليه و آله) ان كان يفرق باعتبار تأخير العصر الى المثل الثاني مثلا و وافقه عليه المحقق في جوابه لم يرد به دليل يعتمد عليه و ان اشتهر ذلك في كلامهم، و لو ورد ثمة دليل كان سبيله الحمل على التقية لما عرفت من الاخبار المتقدمة سابق هذه المسألة و استفاضة الاخبار عنه (صلى الله عليه و آله) في ما كان يفعله و عن أهل بيته في ما فعلوه و أمروا به انما هو التفريق بالنافلة و ان العصر بعد صلاة النافلة أو الإقدام الأربعة و نحوها خاصة دون المثل و ان العمل بما ذكر انما هو مذهب العامة كما هو الآن معلوم. هذا ما في السؤال المذكور.
و اما الجواب فظاهره موافقة السائل فيما ذكره من معنى الجمع و التفريق و انه باعتبار الأوقات و ظاهره انه مع الفصل بالنافلة في الوقت الواحد فلا أذان، و هو غلط محض لمخالفته الروايات المتكاثرة الدالة على ما قدمناه من ان الجمع و التفريق انما هو باعتبار
154
الفصل بالنافلة و عدمه، و ملخص كلامه هو ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يجمع بين الصلاتين في وقت واحد تارة و يفرق في وقتين تارة، و نحن انما استحببنا الجمع في وقت و ندبنا اليه بالإتيان بالفرضين و النوافل كملا دون التفريق و هو التأخير إلى المثل الثاني لما ثبت من دخول الوقتين بالزوال فصارت الذمة مشغولة بهما، و المبادرة إلى تفريغ الذمة من الواجب أمر مندوب اليه و محثوث عليه. و هو مشعر بموافقته السائل في سقوط الأذان في الصورة المذكورة حيث جعله جمعا لا تفريقا و من شأن الجمع سقوط الأذان فيه كما ذكره السائل، و فيه ما عرفت. و العجب ان شيخنا الشهيد في الذكرى جرى على ذلك من غير تنبيه على ما ذكرنا و أهمل السبب فيه من حيث قوله بتحديد الوقت بالمثل و المثلين لفضيلتي الظهر و العصر كما تقدم نقله عنه إلا ان الكلام في سقوط الأذان مع الإتيان بالنوافل كما يشعر به كلامهما متى جمع الفرضين في وقت واحد فإن الأخبار دالة على ثبوت الأذان في الصورة المذكورة، و قد تنبه لذلك السيد السند في المدارك حيث قال بعد ان نقل عن الذكرى ملخص ما ذكرناه ما صورته: قلت ما ذكره (قدس سره) جيد و الأذان إنما يسقط مع الجمع بين الفرضين إذا لم يأت المكلف بالنافلة بينهما اما مع الإتيان بها فيستحب الأذان للثانية كما سيجيء بيانه ان شاء الله تعالى. انتهى.
(المسألة السادسة) [آخر وقت العصر]
- اختلف الأصحاب في آخر وقت العصر فذهب السيد المرتضى في الجمل و في جواب المسائل الناصرية إلى أنه غروب الشمس و هو اختيار ابن الجنيد و ابن إدريس و ابن زهرة. و قال المفيد يمتد وقتها الى ان يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب و للمضطر و الناسي إلى مغيبها. و قال الشيخ في الخلاف آخره إذا صار ظل كل شيء مثليه. و قال في المبسوط آخره إذا صار ظل كل شيء مثليه فإذا صار كذلك فقد فات وقت العصر. هذا وقت الاختيار فاما وقت الضرورة فهما مشتركان فيه الى ان يبقى من النهار بمقدار ما يصلي فيه اربع ركعات فإذا صار كذلك اختص بوقت العصر الى ان تغرب الشمس، و اختاره ابن البراج و ابن حمزة و أبو الصلاح و هو
155
الظاهر من كلام سلار. و قال ابن ابي عقيل الى ان ينتهي الظل ذراعين بعد زوال الشمس فإذا جاوز ذلك فقد دخل في الوقت الآخر، كذا نقل عن العلامة في المختلف ثم قال: و الحق عندي قول السيد المرتضى. و نقله في المدارك عن عامة المتأخرين و نقل فيه عن المرتضى في بعض كتبه انه يمتد حتى يصير الظل بعد الزيادة ستة أسباعه للمختار ثم اختار ما ذهب اليه المرتضى أولا.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بالمقام
رواية سليمان بن جعفر (1) قال: «قال الفقيه (عليه السلام) آخر وقت العصر ستة أقدام و نصف».
و هذه الرواية نقلها في المختلف حجة للشيخ المفيد، قال و احتج المفيد بما رواه سليمان بن جعفر في الصحيح ثم ساق الرواية ثم قال و هو إشارة إلى الاصفرار لان الظل الى آخر النهار يقسم سبعة أقدام.
أقول: الظاهر ان المراد بالستة أقدام و نصف هنا يعني بعد المثل الأول ليتحقق ما ذكره من الاصفرار ثم حمله في المختلف على ان ذلك وقت الفضيلة، و هو متجه بناء على ما ذكروه من ان وقت فضيلة العصر في المثل الثاني الى آخره، و قد تقدم في كلام الشيخ ان وقت الاختيار الى مضي المثلين.
و رواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «العصر على ذراعين فمن تركها حتى تصير على ستة أقدام فذلك المضيع».
و هو محمول على ان وقت الفضيلة أو الاختيار بعد الذراعين و تركها الى ان يمضي ستة أقدام وقت الاجزاء على المشهور و الاضطرار على القول الآخر.
و بالجملة فإنه لا ريب ان المفهوم من الاخبار هو الامتداد الى الغروب و لكن هل ذلك مخصوص بأصحاب الاعذار و الاضطرار كما هو أحد القولين المتقدمين أو محمول على الاجزاء كما هو المشهور؟ و اما ما قبله من وقت الاختيار أو الفضيلة فقد تقدم الكلام فيه من انه المثل كما هو المشهور أو الأربعة اقدام مع الفريضة أو الستة و نصف. و الكل مروي إلا
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 9 من أبواب المواقيت.
156
انك قد عرفت ما في روايات المثل و المثلين. و الله العالم.
(المسألة السابعة) [طرق معرفة الزوال]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) لمعرفة الزوال طرقا: منها-
زيادة الظل بعد انتهاء نقصانه أو حدوثه بعد عدمه
، قالوا و المراد بالظل هو المبسوط المأخوذ من المقاييس القائمة على سطح الأفق لا الظل المنكوس و هو المأخوذ من المقاييس الموازية للأفق، و توضيح ذلك ان الشمس إذا طلعت وقع لكل شاخص قائم على سطح الأرض بحيث يكون عمودا على سطح الأفق ظل طويل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص كلما ارتفعت الشمس حتى تبلغ كبد السماء و تصل إلى دائرة نصف النهار، و هي دائرة عظيمة موهومة تفصل بين المشرق و المغرب تقاطع دائرة الأفق على نقطتين هما نقطتا الجنوب و الشمال و قطباها منتصف النصف الشرقي و منتصف النصف الغربي من الأفق و هما نقطتا الشرق و الغرب، و حينئذ فيكون ظل الشاخص المذكور واقعا على خط نصف النهار و هو الخط الواصل بين نقطتي الجنوب و الشمال، و هناك ينتهي نقصان الظل المذكور و قد لا يبقى للشاخص ظل أصلا في بعض البلاد، و إذا بقي الظل فمقداره مختلف باختلاف البلاد و الفصول فكلما كان بعد الشمس عن مسامتة رؤوس أهل البلاد أكثر كان الظل فيها أطول، فإذا مالت الشمس عن وسط السماء و انحرفت عن دائرة نصف النهار الى المغرب فان لم يكن بقي الظل حدث حينئذ في جانب المشرق و كان ذلك علامة الزوال و ان كان قد بقي أخذ في الزيادة حينئذ فيكون ذلك علامة الزوال ايضا. و الذي ورد في الاخبار و كذا في جملة من عبارات الأصحاب هو الثاني خاصة و هو مبني على الغالب بالنسبة إلى البلاد و الزمان، و طريق استعلام ذلك ان ينصب مقياسا و يقدر ظله عند قرب الشمس من الاستواء ثم يصبر قليلا و يقدر فان كان دون الأول أو بقدره فالى الآن لم تزل و ان زاد فقد زالت.
و قد ورد هذا الاعتبار في جملة من الاخبار: منها-
رواية سماعة (1) قال:
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 11 من أبواب المواقيت.
157
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك متى وقت الصلاة؟ فأقبل يلتفت يمينا و شمالا كأنه يطلب شيئا فلما رأيت ذلك تناولت عودا فقلت هذا تطلب؟ قال نعم فأخذ العود فنصبه بحيال الشمس ثم قال ان الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلا ثم لا يزال ينقص حتى تزول الشمس فإذا زالت زاد فإذا استبنت الزيادة فصل الظهر ثم تمهل قدر ذراع و صل العصر».
و عن علي بن أبي حمزة (1) قال: «ذكر عند ابي عبد الله (عليه السلام) زوال الشمس فقال أبو عبد الله (عليه السلام) تأخذون عودا طوله ثلاثة أشبار و ان زاد فهو أبين فيقام فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) تبيان زوال الشمس ان تأخذ عودا طوله ذراع و اربع أصابع فتجعل أربع أصابع في الأرض فإذا نقص الظل حتى يبلغ غايته ثم زاد فقد زالت الشمس و تفتح أبواب السماء و تهب الرياح و تقضى الحوائج العظام».
و هذا الطريق عام النفع للعالم و العامي إلا انه انما يعلم به زوال الشمس بعد زمان طويل كما لا يخفى و به صرح في الروض ايضا.
و المفهوم من هذه الاخبار و به صرح جملة من علمائنا الأبرار- ان الاعتبار في العلم بالزوال بظهور الزيادة بعد النقص كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في رواية سماعة
«فإذا استبنت الزيادة فصل الظهر»
و كذا قوله (عليه السلام) في رواية علي بن أبي حمزة
«فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت»
و نحوه في مرسلة الفقيه و ربما ظهر من كلام العلامة في المنتهى الاكتفاء بعدم النقص، قال والدي (قدس سره) في حاشيته على شرح اللمعة:
و جعل العلامة (طاب ثراه) في المنتهى عدم نقص الظل علامة للزوال، و هو كما ترى فان الظل عند قرب الزوال جدا ربما لا يحس بنقصانه و يرى مكانه واقفا لا يزيد و لا ينقص فلا يعلم حينئذ عدم نقصه ليعلم به الزوال، و عدم ظهور النقص غير كاف في الحكم به
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب المواقيت.
158
لانه يجامع حصول النقص كما عرفت. انتهى كلامه زيد مقامه. أقول: و من أظهر الأدلة في بطلان ذلك
ما رواه الصدوق في الفقيه (1) قال: «روى حريز بن عبد الله انه قال: «كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل فقال جعلت فداك ان الشمس تنقض ثم تركد ساعة من قبل ان تزول؟ فقال انها تؤامر أ تزول أو لا تزول».
و روى في الكتاب المذكور (2) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن الشمس كيف تركد كل يوم و لا يكون لها يوم الجمعة ركود؟ قال لان الله عز و جل جعل يوم الجمعة أضيق الأيام. فقيل له و لم جعله أضيق الأيام؟ قال لانه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده».
و روى في الكافي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «قلت له بلغني ان يوم الجمعة أقصر الأيام؟ قال كذلك هو. قلت جعلت فداك كيف ذاك؟ قال ان الله تعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس فإذا ركدت عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود يرفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود».
و قد دلت هذه الاخبار على ان الشمس بوصولها إلى دائرة نصف النهار يحصل لها ركود و وقوف عن الجريان و هو غاية نقصان الظل و ان الزوال انما يحصل بعد ذلك و هو ميلها عن الدائرة إلى جهة المغرب، فكيف يصح ما ذكره من الاكتفاء في ثبوت الزوال بعدم النقص؟
و في هذه الاخبار أبحاث شريفة وشحناها بها في شرحنا على كتاب من لا يحضره الفقيه
و منها-
استعلام ذلك بالاقدام
روى ذلك الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم و في النصف من تموز على قدم و نصف و في النصف
____________
(1) ج 1 ص 146.
(2) ج 1 ص 145.
(3) الفروع ج 1 ص 116 و في الوسائل في الباب 40 من صلاة الجمعة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 11 من أبواب المواقيت.
159
من آب على قدمين و نصف و في النصف من أيلول على ثلاثة أقدام و نصف و في النصف من تشرين الأول على خمسة أقدام و نصف و في النصف من تشرين الآخر على سبعة أقدام و نصف و في النصف من كانون الأول على تسعة أقدام و نصف و في النصف من كانون الآخر على سبعة و نصف و في النصف من شباط على خمسة و نصف و في النصف من آذار على ثلاثة و نصف و في النصف من نيسان على قدمين و نصف و في النصف من أيار على قدم و نصف و في النصف من حزيران على نصف قدم».
أقول: قد اشتمل هذا الخبر على بيان اختلاف الظل الباقي عند الزوال بحسب اختلاف الأزمنة إلا ان جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم): منهم- العلامة في المنتهى و شيخنا البهائي ذكروا ان هذه الرواية مختصة بالعراق و ما قاربها لان عرض البلاد العراقية يناسب ذلك، و لأن الراوي لهذا الحديث و هو عبد الله بن سنان عراقي فالظاهر انه (عليه السلام) بين له علامة الزوال بما يناسب بلاده. و ما ذكروه مما لا محيص من الحمل عليه إذ لا ريب ان ما كان عرضه مساويا للميل الكلي ينعدم فيه الظل يوما واحدا حقيقة و بحسب الحس أياما و ما كان عرضه أقل ينعدم فيه الظل يومين حقيقة و أياما حسا فهذا انما يتم في ما يكون عرضه أكثر من الميل الكلي، و المناسب له من البلدان الكثيرة العروض ولاية العراق، و القدم- على ما ذكره أصحابنا و عليه تدل ظواهر الاخبار- سبع الشاخص بناء على ان قامة الإنسان المستوي الخلقة سبعة أقدام بقدمه، و النصف من حزيران- على ما ذكره بعض محققي أصحابنا- من أوائل السرطان و النصف من تموز في أوائل الأسد و النصف من آب في أوائل السنبلة و النصف من أيلول في أوائل الميزان و النصف من تشرين الأول في أوائل العقرب و النصف من تشرين الآخر أول القوس تقريبا و النصف من كانون الأول أول الجدي تقريبا و النصف من كانون الآخر أول الدلو تقريبا و النصف من شباط أول الحوت تقريبا و النصف من آذار في أوائل الحمل و النصف من نيسان في أوائل الثور و النصف من أيار في أوائل الجوزاء
160
بقي الكلام ان في الحديث اشكالا ظاهرا يمنع من الاعتماد عليه في المقام و ان كان قد غفل عنه جملة من علمائنا الاعلام، و ذلك انه من المعلوم المشاهد بالوجدان و المستغني بالعيان عن البيان ان ظل الزوال يتزايد من أول السرطان الذي هو أول الرجوع من انتهاء الميل الكلي إلى آخر القوس و ينقص من أول الجدي إلى آخر الجوزاء يوما فيوما و شهرا فشهرا على سبيل التزايد في كل من النقيصة و الزيادة، بمعنى ان زيادته و انتقاصه في اليوم الثاني و الشهر الثاني أزيد منه في اليوم الأول و الشهر الأول و هكذا في الثالث بالنسبة الى الثاني و في الرابع بالنسبة الى الثالث حتى ينتهي إلى غاية الزيادة و النقصان، و من هذا القبيل حال ازدياد الساعات و انتقاصها في أيام السنة و لياليها و هذا ظاهر للناقد البصير و لا ينبئك مثل خبير، فكيف يكون ازدياد الظل في ثلاثة أشهر قدما قدما و في الثلاثة الأخرى قدمين قدمين كما في الرواية المذكورة؟ فإنه خلاف ما يحكم به المشاهدة و الوجدان. و الله سبحانه و قائله أعلم.
و منها-
ميل الشمس الى الحاجب الأيمن لمن يستقبل قبلة العراق
كما ذكروه، و الظاهر انها انما تتم بالنسبة إلى أطراف العراق الغربية كالموصل و ما والاها ممن تكون قبلتهم نقطة الجنوب إذ تكون دائرة نصف النهار حينئذ بين العينين فإذا زالت الشمس عن دائرة نصف النهار نحو المغرب مالت بالضرورة إلى الحاجب الأيمن، و اما أطراف العراق الشرقية و ما والاها من أواسطها ممن تميل قبلتهم عن الجنوب نحو المغرب على تفاوت في ذلك زيادة و نقيصة فعند ميل الشمس الى الحاجب الأيمن يكون قد مضى من الزوال مقدار غير قليل لانحراف قبلتهم نحو المغرب و ان كان ذلك في أواسط العراق أقل لقلة انحرافهم نحو المغرب بالنسبة إلى الأطراف الشرقية، قال والدي (قدس سره) بعد ذكر نحو ما قلناه: و اما ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره)- من ان ذلك يمكن جعله علامة للزوال في أواسط العراق ايضا كالكوفة و ما والاها لانه عند ميل الشمس الى الحاجب الأيمن لمن يستقبل قبلتهم لا يكون مضى من الزوال قدر معتد به-
161
فبعيد جدا لان انحراف أوساط العراق نحو المغرب- كما ذكره شيخنا الشهيد الثاني- أزيد من انحراف الشامي نحو المشرق، و من المقرر ان انحراف الشامي نحو المشرق قدر ثلث قوس ما بين نقطتي الجنوب و المشرق كما ذكره في شرح الألفية، و من المعلوم ان من انحرف قدر ثلث القوس المذكور فضلا عما زاد عنها نحو المغرب يكون عند ميل الشمس الى حاجبه الأيمن قد مضى من الزوال قدر معتد به فتدبر. انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
أقول: و مما يدل على هذه العلامة من الاخبار ما تقدم في حديث كتاب مجالس الشيخ المذكور في المسألة الرابعة من
قوله (صلى الله عليه و آله): «أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الأيمن».
و كيف كان فالظاهر ايضا ان الكلام في معلومية الزوال بهذه العلامة كما تقدم في العلامة الاولى من حصول الزوال قبل ذلك بمدة، قال شيخنا الشهيد الثاني (طاب ثراه) في كتاب روض الجنان بعد ذكر المصنف العلامة المذكورة ما لفظه: و هذه العلامة لا يعلم بها الزوال إلا بعد مضي زمان كثير لاتساع جهة القبلة بالنسبة إلى البعيد و من ثم قيدها المصنف في النهاية و المنتهى بمن كان بمكة إذا استقبل الركن العراقي ليضيق المجال و يتحقق الحال و الأمر باق بحاله فإن الشمس لا تصير على الحاجب الأيمن لمستقبل الركن العراقي إلا بعد زمان كثير بل ربما أمكن استخراجه للبعيد في زمان أقل منه لمستقبل الركن، و التحقيق انه لا حاجة الى التقييد بالركن لما ذكرناه و لان البعيد إذا استخرج نقطة الجنوب بإخراج نصف النهار صار المشرق و المغرب على يمينه و يساره كما هو أحد علامات العراقي و ان كان في هذه العلامة بحث تقف عليه في محله ان شاء الله تعالى فإذا وقف الإنسان على ما سمت هذا الخط ظهر له ميل الشمس إذا مالت في زمان قصير يقرب من زيادة الظل بعد نقصه، و اما إذا اعتبر البعيد قبلة العراقي بغير هذه العلامة خصوصا بالنظر الدقيق الذي يخرج به سمت القبلة فإن الزوال لا يظهر حينئذ إلا بعد
162
مضي ساعات من وقت الظهر كما لا يخفى على من امتحن ذلك، و قريب من ذلك اعتباره باستقبال الركن العراقي فإنه ليس موضوعا على حد الشمال حتى يكون استقباله موجبا لاستقبال نقطة الجنوب و الوقوف على خط نصف النهار و انما هو بين المشرق و الشمال فوصول الشمس اليه يوجب زيادة ميل عن خط نصف النهار كما لا يخفى. انتهى كلامه زيد مقامه.
و منها-
الدائرة الهندية
و قد ذكرها الشيخ المفيد و العلامة و غيرهما، و دلالتها على ذلك بميل الظل عن خط نصف النهار الى جانب المشرق فان الظل يقابل الشمس دائما فإذا كانت الشمس في جهة المشرق كان ظل الشاخص في جهة المغرب و بالعكس و إذا كانت في وسط السماء على دائرة نصف النهار كان ظل الشاخص على خط نصف النهار من الشمال أو الجنوب ان كان له ظل فإذا زالت الشمس بان مالت عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب مال ظل الشاخص الى جانب المشرق ان كان له ظل أو حدث من ذلك الجانب ان لم يكن، و طريق استخراج خط نصف النهار بالدائرة الهندية ليعلم منها ما ذكرناه- على ما ذكره جملة من الأصحاب- ان تسوى موضعا من الأرض تسوية صحيحة بحيث تخلو من الانخفاض و الارتفاع ثم يدار عليها بدائرة بأي بعد كان و كلما كانت الدائرة أوسع كانت المعرفة أسهل، و تنصب على مركزها مقياسا مخروطا محدد الرأس يكون طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريبا نصبا مستقيما بحيث تحدث من جوانبه زوايا قوائم و تعلم ذلك بان تقدر ما بين رأس المقياس و محيط الدائرة بمقدار واحد من ثلاثة مواضع أو أكثر فإن تساوت الابعاد فهو عمود، ثم ترصد ظل المقياس قبيل الزوال حين يكون خارجا من محيط الدائرة نحو المغرب فإذا انتهى رأس الظل الى محيط الدائرة يريد الدخول فيه فعلم عليه علامة ثم ترصده بعد الزوال قبل خروج الظل من الدائرة فإذا أراد الخروج عنه فعلم عليه علامة و تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم و تنصف ذلك الخط و تصل ما بين مركز الدائرة و منتصف الخط بخط و هو خط نصف النهار، فإذا ألقى
163
المقياس ظله على هذا الخط الذي هو خط نصف النهار كانت الشمس في وسط السماء لم تزل و إذا ابتدأ رأس الظل يخرج عنه فقد زالت الشمس، و بذلك تعرف القبلة أيضا، و لو نصفت القوسين الحادثين من قطع خط نصف النهار للدائرة و وصلت بينهما بخط يقاطع خط نصف النهار على اربع زوايا قوائم كل منها ربع المحيط كان ذلك الخط خط المشرق و المغرب فيتصل أحد طرفيه بنقطة مشرق الاعتدال و الآخر بنقطة مغربه، و هذه صورة الدائرة المذكورة:
(المسألة الثامنة) [ما يتحقق به الغروب]
- لا خلاف بين الأصحاب في ان أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس قال في المعتبر و هو إجماع العلماء، و انما الخلاف في ما به يتحقق الغروب فالمشهور- و هو الذي عليه الأكثر من المتقدمين و المتأخرين- انه انما يعلم بزوال الحمرة المشرقية عن قمة الرأس إلى ناحية المغرب، و قيل انه عبارة عن غيبوبة القرص عن العين في الأفق مع عدم الحائل، و نقل عن الشيخ في المبسوط و المرتضى و ابن الجنيد و به صرح الصدوق في كتاب العلل و هو ظاهره في كتاب من لا يحضره الفقيه حيث
164
اقتصر فيه على الاخبار الموافقة لهذا القول و لم يتعرض لشيء من اخبار القول الآخر.
و منشأ ذلك هو اختلاف الأخبار الواردة في المسألة و الذي ظهر لي من الاخبار هو القول المشهور، فالواجب هو بسط أخبار المسألة و الكلام فيها و بيان رجحان ما ذهب اليه المشهور منها و ضعف القول الآخر:
[الأخبار الدالة على تحديد الغروب بزوال الحمرة المشرقية]
فأقول- و بالله سبحانه الثقة لبلوغ المأمول- من الاخبار الدالة على القول المختار
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابن ابي عمير عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار ان تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص».
و ما رواه بطريقين عن القاسم بن عروة و الشيخ في التهذيب بطريقين آخرين عنه ايضا عن بريد بن معاوية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني من المشرق- فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها».
و ما رواه في الكافي عن احمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، و تدري كيف ذاك؟ قلت لا. قال لان المشرق مطل على المغرب هكذا- و رفع يمينه فوق يساره- فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن علي (4) قال: «صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد».
و عن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5): «إنما أمرت أبا الخطاب ان يصلي المغرب حين زالت الحمرة فجعل هو الحمرة من قبل المغرب».
و منها- الأخبار الواردة في الإفاضة من عرفات المحدودة بغروب الشمس أيضا
ففي
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
165
موثقة يونس بن يعقوب المروية في الكافي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متى الإفاضة من عرفات؟ قال إذا ذهبت الحمرة يعني من الجانب الشرقي».
و روى في التهذيب عن يونس المذكور في الموثق ايضا (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متى تفيض من عرفات؟ فقال إذا ذهبت الحمرة من ههنا، و أشار بيده الى المشرق و الى مطلع الشمس».
و ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (3) حيث قال: «و أول وقت المغرب سقوط القرص و علامة سقوطه ان يسود أفق المشرق و آخر وقتها غروب الشفق».
و قال في موضع آخر: «وقت المغرب سقوط القرص الى مغيب الشفق، الى ان قال و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق و في الغيم سواد المحاجر و قد كثرت الروايات في وقت المغرب و سقوط القرص و العمل من ذلك على سواد المشرق الى حد الرأس».
انتهى. و الظاهر ان المراد بسواد المحاجر في عبارته (عليه السلام) سواد الأفق من جميع جهاته.
هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على القول المشهور و وضوحها في الدلالة غاية في الظهور لا يعتريها قصور و لا فتور.
[الأخبار التي استدل بها على تحديد الغروب بغيبوبة القرص]
و اما ما استدل به للقول الآخر فمنها
ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سمعته يقول وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها».
و عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة».
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 22 من الوقوف بعرفات.
(2) المروية في الوسائل في الباب 22 من الوقوف بعرفات.
(3) ص 2 و 7.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 4 و 17 من أبواب المواقيت.
166
و هاتان الروايتان مما استدل به في المدارك للقول المذكور و هي غير واضحة الظهور، و ذلك لان غاية ما دلتا عليه هو كون وقت المغرب عبارة عن غيبوبة الشمس و غروبها و قد عرفت ان هذا مما لا خلاف فيه و انما الخلاف- كما قدمنا و به اعترف في المدارك في صدر البحث- في ما به يتحقق الغروب من مجرد استتار القرص عن النظر مع عدم الحائل أو يتوقف على زوال الحمرة المشرقية و ميلها الى المغرب، و بذلك يظهر لك انه لا دلالة للخبرين المذكورين على ما ادعاه و ان صح سندهما بل هما مجملان، و بذلك يظهر الجواب عن ما استدلوا به من
رواية يزيد بن خليفة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت؟ قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا. قلت قال وقت المغرب إذا غاب القرص إلا ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان إذا جدّ به السير أخر المغرب و يجمع بينها و بين العشاء؟ فقال صدق. الحديث».
و ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص».
و بالجملة فإن غيبوبة القرص و غروب الشمس و نحو ذلك من هذه العبارات مجملة قابلة للحمل على كل من القولين إذ لفظ القرص و لفظ الشمس بمعنى واحد و لفظ الغيبوبة و لفظ الغروب بمعنى واحد كما لا يخفى، و قد عرفت من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد ان عبر بسقوط القرص انه جعل علامته ان يسود أفق المشرق، و نحوه في مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة.
و استدل في المدارك لهذا القول
بصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكف عن الطعام ان كنت أصبت منه شيئا».
و موثقة أبي أسامة زيد الشحام (4) قال: «قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام) أؤخر المغرب حتى تستبين
____________
(1) الفروع ج 1 ص 78 و في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 16 من المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 18 من المواقيت.
167
النجوم؟ فقال خطابية ان جبرئيل نزل بها على محمد (صلى الله عليه و آله) حين سقط القرص».
و فيه ان ظاهر سياق صحيحة زرارة المذكورة انها انما وردت في مقام الاشتباه لغيم و نحوه و البناء في دخول الوقت على الظن فكأنه قال: «وقت المغرب إذا حصل لك ظن بغيبوبة القرص فإن رأيته بعد ذلك. الى آخر الخبر» و حينئذ فليست من محل البحث في شيء، و لو كان المراد بغيبوبة القرص فيها غيبوبته عن النظر مع عدم الحائل فكيف تتصور الرؤية بعد ذلك؟ و لو استند في الاستدلال بها الى مجرد التعبير بغيبوبة القرص قياسا على الخبرين المذكورين في كلامه لكان الجواب عنها بما عرفت، و به يعلم الجواب ايضا عن موثقة زيد الشحام المذكورة فإن غاية ما تدل عليه النهي عن التأخير الى ان تستبين النجوم و العمل على سقوط القرص و قد عرفت من روايتي ابن ابي عمير و كتاب الفقه ان سقوط القرص انما يتحقق بزوال الحمرة إلى ناحية المغرب، هذا غاية ما استدل به في المدارك على القول المذكور و قد ظهر لك صحة ما ادعيناه من عدم دلالتها على المراد و تطرق البحث إليها و الإيراد.
و مثل هذه الاخبار جملة أخرى بهذا المضمون أعرضنا عن التطويل بنقلها لما عرفت.
و منها-
رواية الصدوق في الموثق عن سماعة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في المغرب انا ربما صلينا و نحن نخاف ان تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل؟ فقال ليس عليك صعود الجبل».
و ما رواه فيه ايضا عن زيد الشحام (2) قال: «صعدت مرة جبل ابي قبيس و الناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب و انما توارت خلف الجبل عن الناس فلقيت أبا عبد الله (عليه السلام) فأخبرته بذلك فقال لي و لم فعلت ذلك؟ بئس ما صنعت انما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها فإنما عليك مشرقك و مغربك و ليس على الناس ان يبحثوا».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 20 من أبواب المواقيت.
168
أقول: لا يخفى ان هذين الخبرين لا ينطبقان على شيء من القولين، اما القول المشهور فظاهر و اما القول الآخر فلانه لا خلاف بين أصحاب هذا القول- كما صرح به غير واحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم)- في انه لا بد في سقوط القرص الذي يجعل وقتا للغروب على هذا القول من انتفاء الحائل بين الناظر و بين موضع غروب الشمس من أفق تلك البلاد و لا ريب في ان جبل ابي قبيس حائل، و بالجملة فإن الاستدلال من صاحب الفقيه بهذين الخبرين- كما ذكره في الفقيه و مثله في كتاب المجالس و غيرهما على هذا القول حيث اختاره- من أعجب العجائب لما عرفت من الإشكال الذي ليس عنه ثمة جواب.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد ذكر هذين الخبرين: ظاهر هذا الخبر و الخبر المتقدم الاكتفاء بغيبوبة الشمس خلف الجبل و ان لم تغرب عن الأفق و لعله لم يقل به أحد و ان كان ظاهر الصدوق القول به لكنه لم ينسب اليه هذا القول و يمكن حمله على ما إذا غابت عن الأفق الحسي لكن يبقى ضوؤها على رؤوس الجبال كما نقلنا عن الشيخ في المبسوط و لعل الشيخ حملهما على هذا الوجه و ليس ببعيد جدا و الاولى الحمل على التقية. قال الوالد (قدس سره) في الخبر الأول الظاهر ان ذمه على صعود الجبل لانه كان غرضه منه إثارة الفتنة بأن يقول انهم يفطرون و يصلون و الشمس لم تغب بعد و كان مظنة أن يصل الضرر اليه و الى غيره فنهاه (عليه السلام) لذلك. و يمكن ان يكون المراد بقوله: «فإنما عليك مشرقك و مغربك» انك لا تحتاج الى صعود الجبل فإنه يمكن استعلام الطلوع و الغروب بظهور الحمرة و ذهابها في المشرق للغروب و عكسه للطلوع. و هذا الوجه جار في الخبر الأخير أيضا. انتهى كلامه. و ما ذكره من حمل خبر سماعة على التقية هو الوجه الوجيه، و ما نقله عن والده في معنى خبر الشحام جيد لا ريب فيه.
و منها- و هو أصرحها في الدلالة على القول المذكور لظهوره في ذلك تمام الظهور و كان ينبغي لمن قال بذلك القول ان يستند اليه و يعول في ذلك عليه-
ما رواه الشيخ
169
في التهذيب عن علي بن الحكم عن من حدثه عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «انه سئل عن وقت المغرب فقال إذا غاب كرسيها. قلت و ما كرسيها؟ قال قرصها. فقلت متى يغيب قرصها؟
قال إذا نظرت اليه فلم تره».
و ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن ابان بن تغلب و الربيع بن سليمان و ابان بن أرقم و غيرهم (2) قالوا: «أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الأجفر إذا نحن برجل يصلي و نحن ننظر الى شعاع الشمس فوجدنا في أنفسنا فجعل يصلي و نحن ندعو عليه حتى صلى ركعة و نحن ندعو عليه و نقول هذا من شباب أهل المدينة فلما أتيناه فإذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فنزلنا فصلينا معه و قد فأتتنا ركعة فلما قضينا الصلاة قمنا اليه فقلنا له جعلنا فداك هذه الساعة تصلي؟ فقال إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت».
و ما رواه في الكتاب المذكور عن محمد بن يحيى الخثعمي (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي المغرب و يصلي معه حي من الأنصار يقال لهم بنو سلمة منازلهم على نصف ميل فيصلون معه ثم ينصرفون الى منازلهم و هم يرون مواضع نبلهم».
[الجمع بين أخبار المسألة]
هذا ما يدل على هذا القول صريحا، و الجواب عنه بالحمل على التقية كما هو أحد القواعد المنصوصة عن أهل البيت (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار من العرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافهم، و اتفاق المخالفين قديما و حديثا على هذا القول مما لا سبيل إلى إنكاره (4) بل ورد في جملة من الاخبار الأمر بعرض الاخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه و ان لم يكن في مقام الاختلاف (5) بل ورد ما هو أعظم من ذلك و هو انه إذا لم يكن في البلد من تستفتيه في الحكم فاستفت قاضي العامة و اعمل على خلافه (6)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 18 من المواقيت.
(4) كما في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 157 و المغني ج 1 ص 389.
(5) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(6) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
170
و حينئذ فإذا كانت النصوص عنهم (عليهم السلام) بلغت هذا المبلغ في الأمر بمخالفتهم فالواجب هو طرح هذه الاخبار من البين لظهور موافقتها لهم برأي العين، و بالجملة فأخبار هذا القول و ان كثرت فمنها ما هو غير صريح بل و لا ظاهر في المدعى كما عرفت و منها ما هو صريح و يتعين حمله على التقية.
و اما ما صار اليه بعض من حمل اخبار القول المشهور على الاستحباب فليس بالوجه الوجيه لما ذكرنا من التنبيه و التوجيه، و يزيد ذلك بيانا في رد هذا الحمل المذكور و بيان ما فيه من القصور استفاضة الأخبار الدالة على أفضلية أول الوقت (1) و الاخبار الدالة على النهي عن تأخير المغرب طلبا لفضلها (2) و لو كان مجرد توارى القرص عن النظر هو الوقت الشرعي لها كان الأفضل هو المسارعة بها في ذلك الوقت عملا بالأخبار الاولى و كان تأخيرها طلبا لفضلها موجبا للدخول تحت النهي في الاخبار الثانية.
و العجب منهم (رضوان الله عليهم) حيث الغوا العمل بالقواعد المنصوصة عن الأئمة (عليهم السلام) في مقام اختلاف الاخبار و استنبطوا لأنفسهم قواعد بنوا عليها بمجرد الاعتبار، و خبر محمد بن يحيى الخثعمي المذكور قد ورد نحوه من طريق المخالفين
كما نقله شيخنا صاحب البحار (قدس سره) (3) حيث رووا عن جابر و غيره قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي (صلى الله عليه و آله) ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة فننظر الى مواضع النبل من الاسفار».
و فيه تأييد لما ذكرنا من الحمل على التقية.
و بما حققناه في المقام و كشفنا عنه نقاب الإبهام يظهر لك ما في كلام جملة من متأخري المتأخرين الاعلام:
منهم- السيد السند في المدارك حيث ان ظاهره الميل الى القول بما قدمنا نقله عن الصدوق و المرتضى و غيرهما، فإنه قال بعد نقل أدلة المسألة و منها الصحاح التي ذكرها كما قدمنا نقله فيه
____________
(1) ص 90.
(2) الوسائل الباب 18 من المواقيت.
(3) ج 18 الصلاة ص 60.
171
و طعنه في روايات القول المشهور بضعف الأسانيد: انه لا يخلو من قوة، و جعل ما قابله أحوط.
و هو يشعر بالتوقف مع الميل الى القول المذكور. و فيه ما عرفت من ان الصحاح التي استند إليها غير ظاهرة في المدعى كما أوضحناه، و الطعن بضعف السند غير مرضي عندنا بل و لا عند كافة الأصحاب سيما المتقدمين و لا معتمد، اما المتقدمون فلعدم عملهم على هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب منه الى الصلاة، و اما المتأخرون فلان هذه الأخبار عندهم مجبورة بالشهرة.
و منهم- المحدث الكاشاني في الوافي و هو أعجب حيث قال بعد نقل اخبار القول المشهور المذكورة في الكافي و التهذيب و آخرها حديث ابن أشيم ما صورته: الاطلال بالمهملة الإشراف، الى ان قال بقي الكلام في الحمرة المشرقية السماوية و الاخبار في اعتبار ذهابها مختلفة، فمنها ما يدل على اعتباره و جعله علامة لغروب الشمس كهذه الاخبار و منها ما يدل على ان ذهاب القرص عن النظر كاف في تحقق الغروب كالاخبار التي مضت، و المستفاد من مجموعها و الجمع بينها ان اعتباره في وقتي صلاة المغرب و الإفطار أحوط و أفضل و ان كفى استتار القرص في تحقق الوقت كما يظهر لمن تأمل فيها و وفق للتوفيق بينها و بين الاخبار التي نتلوها عليك في الباب الآتي ان شاء الله تعالى. انتهى.
أقول: العجب منه (قدس سره) و هو من أكابر المحدثين كيف الغى القاعدة المنصوصة في الباب تبعا لغيره من المجتهدين الذين قد أكثر من التشنيع عليهم في الخروج عن جادة العمل بالأخبار في جملة من كتبه، و أشار بالأخبار التي مضت الى ما قدمه في سابق هذا الباب من الاخبار التي قدمنا نقلها، و قد عرفت ان أكثرها غير ظاهر الدلالة و لا واضح المقالة في ما ادعاه منها تبعا لصاحب المدارك، و عمدة الشبهة عنده من الاخبار التي ذكرها في تالي هذا الباب كما أشار إليه بقوله جمعا بينها و بين الاخبار التي نتلوها عليك في الباب الآتي، و ها نحن بتوفيق الله تعالى نبين لك ما يكشف عن إشكالها نقاب الإبهام و نبين ما هو الحق فيها لذوي الأفهام و ضعف ما سبق الى خلافه من الأوهام:
172
[الأخبار الدالة على تأخير المغرب عن استتار القرص]
فنقول- و بالله سبحانه التوفيق لبلوغ المأمول و نيل المسؤول اعلم ان ههنا جملة من الاخبار قد اضطربت فيها الأفكار من جملة من أصحابنا الأبرار (رفع الله تعالى أقدارهم في دار القرار) و قد عنون لها في الوافي بابا سماه باب «تأخير المغرب عن استتار القرص للاحتياط»:
منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال لي مسوا بالمغرب قليلا فان الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا».
و عن عبد الله بن وضاح (2) قال: «كتبت الى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص و يقبل الليل ثم يزيد الليل ارتفاعا و تستتر عنا الشمس و ترتفع فوق الجبل حمرة و يؤذن عندنا المؤذنون أ فأصلي و أفطر إن كنت صائما أو انتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب الي أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك».
و روى في الكافي عن جارود (3) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا جارود ينصحون فلا يقبلون و إذا سمعوا بشيء نادوا به أو حدثوا بشيء أذاعوه، قلت لهم مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم فانا الآن أصليها إذا سقط القرص».
و روى في التهذيب بسندين أحدهما في الحسن و الآخر في الموثق عن ذريح (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أناسا من أصحاب أبي الخطاب يمسون بالمغرب حتى تشتبك النجوم، فقال أبرأ الى الله ممن فعل ذلك متعمدا».
و عن شهاب بن عبد ربه في الحسن (5) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا شهاب اني أحب إذا صليت المغرب ان أرى في السماء كوكبا».
و عن بكر بن محمد الأزدي في الصحيح و رواه في الفقيه عن الأزدي أيضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سأله سائل عن وقت المغرب قال ان الله يقول
____________
(1) الوسائل الباب 16 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 16 من أبواب المواقيت.
(3) الوسائل الباب 16 من أبواب المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(5) الوسائل الباب 16 من أبواب المواقيت.
(6) الوسائل الباب 16 من أبواب المواقيت.
173
في كتابه لإبراهيم «فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً» (1) فهذا أول الوقت و آخر ذلك غيبوبة الشفق و أول وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها الى غسق الليل يعني نصف الليل».
و روى في التهذيب في الصحيح عن زرارة (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن وقت إفطار الصائم قال حين يبدو ثلاثة أنجم».
و روى في الفقيه عن ابان عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:
«يحل لك الإفطار إذا بدت لك ثلاثة أنجم و هي تطلع مع غروب الشمس».
[توجيه هذه الأخبار]
هذا جملة ما وقفت عليه من الاخبار و قد عرفت ما حملها عليه صاحب الوافي و من حذا حذوه، و قال في المدارك: و قد ورد في بعض الاخبار اعتبار رؤية النجوم كصحيحة بكر بن محمد ثم ساق الخبر الى ان قال: و حملها الشيخ (قدس سره) على حال الضرورة أو على مدها حتى تظهر النجوم فيكون فراغه منها عند ذلك. و هو بعيد جدا و يمكن حملها على وقت الاشتباه كما تشعر به
رواية علي بن الريان (4) قال: «كتبت اليه: الرجل يكون في الدار تمنعه حيطانها النظر إلى حمرة المغرب و معرفة مغيب الشفق و وقت صلاة العشاء الآخرة متى يصليها و كيف يصنع؟ فوقع (عليه السلام) يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم و العشاء عند اشتباكها و بياض مغيب الشفق».
و ذكر الشيخ في التهذيب ان معنى قصر النجوم بيانها. و يمكن حملها ايضا على ان المراد بها بيان وقت الفضيلة كما تشعر به
صحيحة إسماعيل بن همام (5) قال: «رأيت الرضا (عليه السلام) و كنا عنده لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم فقام فصلى بنا على باب دار ابن ابي محمود».
____________
(1) سورة الانعام، الآية 76.
(2) رواه في الوسائل في الباب 52 من ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
(3) رواه في الوسائل في الباب 52 من ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
(4) المروية في الوسائل في الباب 24 من أبواب المواقيت.
(5) المروية في الوسائل في الباب 19 من أبواب المواقيت.
174
و رواية شهاب بن عبد ربه، ثم ساق الرواية ثم قال: و لا ريب ان الاحتياط للدين يقتضي اعتبار ذهاب الحمرة أو ظهور النجوم و ان كان الاكتفاء بغروب الشمس لا يخلو من قوة. انتهى.
أقول: لا ريب في بعد هذه المحامل كلها، و الذي ظهر لي من معنى هذه الاخبار و رزقني الله سبحانه فهمه منها ببركة الأئمة الأبرار (عليهم السلام) هو انه لما كان وقت المغرب عند العامة جميعا في جميع الأمصار و جملة الأعصار و الأدوار عبارة عن مجرد غيبوبة القرص عن النظر مع عدم الحائل و كان الوقت عندهم (عليهم السلام) انما هو عبارة عن زوال الحمرة المشرقية كما عليه جل شيعتهم قديما و حديثا، فربما أفتوا بما يوافق العامة صريحا كالاخبار التي قدمناها صريحة في ذلك و ربما أفتوا بما يوافق مذهبهم (عليهم السلام) صريحا كالاخبار التي قدمنا صريحة في القول المشهور، و ربما عبروا بعبارات مجملة تحتمل الأمرين كالاخبار الصحاح التي قدمنا نقلها عن المدارك و نحوها مع ما ورد في بعض اخبارهم (عليهم السلام) من تفسير الغيبوبة الكاشف عن هذا الإجمال كما عرفت، و ربما عبروا عن مذهبهم بعبارات تشير اليه و ان كانت غير ظاهرة الدلالة عليه كما تضمنته هذه الاخبار الأخيرة مثل الأمر بالأخذ بالاحتياط في رواية عبد الله بن وضاح و مثل التعليل في رواية يعقوب بن شعيب بعد الأمر بالتسمية بأن الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا و انما العلة الحقيقية هي انتظار زوال الحمرة المشرقية، و ربما عللوه بانتظار ظهور كوكب أو ثلاث كواكب كما في روايتي شهاب بن عبد ربه و بكر بن محمد و روايتي زرارة. فهذه العلل كلها انما خرجت مخرج التقية للتحاشي عن التصريح بمخالفة القوم باعتبار ما تضمنته المقامات و الأوقات حيث انها لا تقتضي إظهار مذهبهم (عليهم السلام) الواقعي فيجعلونه في هذه القوالب التي لا يستنكرها المخالف لو سمعها، و يزيدك بيانا لما ذكرناه خبر جارود و شكايته (عليه السلام) من أولئك القوم أنه أسر إليهم و نصحهم في الباطن ان يمسوا بالمغرب يعني انتظار زوال الحمرة دون العمل على مجرد غيبوبة القرص فأذاعوا سره و حدثوا به حتى افرطوا في التسمية و أخروها
175
الى اشتباك النجوم فلما عرف (عليه السلام) ظهور ذلك منهم لا علاج انه أظهر مخالفة ما أمرهم به أولا سرا فصار يصلي على خلاف ما أمرهم ليعلم الناس كذبهم عليه، و منه يظهر الوجه في حديث الجماعة الذين رأوه في طريق مكة يصلي و هم ينظرون الى شعاع الشمس كما تقدم (1) فإنه لهذا السبب فعل ذلك و أمر به، هذا هو الوجه الوجيه في هذه الاخبار كما لا يخفى على من نظره بعين الفكر و الاعتبار.
و اما ما ذكره في المدارك فقد عرفت ما فيه آنفا و نزيده هنا أيضا بان ما ذكره من حمل رواية بكر بن محمد الدالة على رؤية النجوم مستندا إلى صحيحة إسماعيل بن همام المتقدمة و قوله بعد ذلك «و الاحتياط للدين يقتضي ذهاب الحمرة أو ظهور النجوم» ففيه ان ما اشتملت عليه صحيحة إسماعيل بن همام المذكورة مما ترده جملة الأخبار الدالة على أفضلية أول الوقت و لا سيما في المغرب الدالة على انه ليس لها إلا وقت واحد و هو وقت وجوب الشمس و ما دل على ذم تأخيرها إلى ظهور النجوم طلب فضلها
كقول الصادق (عليه السلام) في مرفوعة محمد بن أبي حمزة (2) «ملعون ملعون من أخر المغرب طلب فضلها.
و قيل له ان أهل العراق يؤخرون المغرب حتى تشتبك النجوم؟ قال هذا من عمل عدو الله ابي الخطاب».
و نحوها من الاخبار، و الرواية المذكورة غير معمول بها على ظاهرها فلا بد من تأويلها بالعذر. و اما ما اشتملت عليه صحيحة بكر بن محمد و رواية شهاب من ظهور نجم و روايتا زرارة من ظهور ثلاثة أنجم فقد عرفت الوجه فيه و في الغالب انه بزوال الحمرة يرى بعض النجوم لبعض الناظرين. و الله العالم.
(المسألة التاسعة) [آخر وقت المغرب]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في آخر وقت المغرب، فالمشهور أنه الى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار أداء العشاء، و هو اختيار السيد المرتضى في الجمل و ابن الجنيد و ابن زهرة و ابن إدريس و المحقق و ابن عمه نجيب الدين و سائر المتأخرين، و قال الشيخ في أكثر كتبه آخره غيبوبة الشفق المغربي للمختار و ربع
____________
(1) ص 169.
(2) المروية في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
176
الليل مع الاضطرار و به قال ابن حمزة و أبو الصلاح، و قال في الخلاف آخره غيبوبة الشفق و أطلق و به قال ابن البراج، و قال الشيخ المفيد آخر وقتها غيبوبة الشفق و هو الحمرة في المغرب و المسافر إذا جدّ به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيره إلى ربع الليل، و هو كقول الشيخ المتقدم. و قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة و روى ربع الليل و حكم بعض أصحابنا ان وقتها يمتد الى نصف الليل.
و قال ابن ابي عقيل أول وقت المغرب سقوط القرص و علامته ان يسود أفق السماء من المشرق و ذلك إقبال الليل و تقوية الظلمة في الجو و اشتباك النجوم و ان جاوز ذلك بأقل قليل حتى يغيب الشفق فقد دخل في الوقت الآخر. و قال ابن بابويه وقت المغرب ان كان في طلب المنزل في سفر الى ربع الليل و كذا المفيض من عرفات الى جمع. و قال سلار يمتد وقت العشاء الأول الى ان يبقى لغياب الشفق الأحمر مقدار أداء ثلاث ركعات. و نقل عن المبسوط انه حكى عن بعض علمائنا قولا بامتداد وقت المغرب و العشاء الى طلوع الفجر. و قال في المدارك: و المعتمد امتداد وقت الفضيلة إلى ذهاب الشفق و الاجزاء للمختار الى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء و للمضطر الى ان يبقى قدر ذلك من الليل و هو اختيار المصنف في المعتبر. أقول: الظاهر ان أول من ذهب صريحا الى امتداد العشاءين الى طلوع الفجر للمضطر هو المحقق في المعتبر و تبعه صاحب المدارك و شيده، و قد تبعه في هذا القول جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا.
[الأخبار الواردة في المقام]
أقول: و السبب في اختلاف هذه الأقوال اختلاف الأخبار الواردة في المقام و اختلاف ما أدت اليه الأفكار فيها و الافهام، و نحن نبسط الأخبار أولا كما هي قاعدتنا في الكتاب ثم نردفها بما يزيل عنها ان شاء الله تعالى نقاب الارتياب:
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الى نصف
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
177
الليل إلا ان هذه قبل هذه».
و عن داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل».
و عن إسماعيل بن مهران (2) قال: «كتبت الى الرضا (عليه السلام) ذكر أصحابنا انه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة إلا ان هذه قبل هذه في السفر و الحضر و ان وقت المغرب الى ربع الليل؟ فكتب كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق و آخر وقتها ذهاب الحمرة و مصيرها الى البياض في أفق المغرب».
و المراد- و الله سبحانه و قائله اعلم- ان وقت المختار ضيق و اما المضطر و المسافر فموسع كما يظهر من غيره.
و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «وقت المغرب حين تغيب الشمس» و عن إسماعيل بن جابر في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن وقت المغرب قال ما بين غروب الشمس الى سقوط الشفق».
و قد تقدم قريبا (5)
في صحيحة بكر بن محمد الأزدي تحديد أول الوقت برؤية الكوكب ثم قال (عليه السلام): «هذا أول الوقت و آخر ذلك غيبوبة الشفق. الحديث».
و في صحيحة زرارة و الفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) «و وقت فوتها سقوط الشفق».
و في رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) «و آخر وقت
____________
(1) الوسائل الباب 17 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 17 و 18 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
(5) ص 172.
(6) الوسائل الباب 18 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
178
المغرب إياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء».
و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «وقت المغرب من حين تغيب الشمس الى ان تشتبك النجوم».
و عن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «وقت المغرب في السفر الى ربع الليل».
و نحوه مروي في الكافي أيضا بسند غير نقي.
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن عمر بن يزيد (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) وقت المغرب في السفر الى ثلث الليل».
قال في الكافي: و روى ايضا «الى نصف الليل».
و ما رواه في التهذيب في الموثق عن ابي بصير و رواه في الفقيه عن ابي بصير (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) أنت في وقت من المغرب في السفر إلى خمسة أميال من بعد غروب الشمس».
و عن محمد بن علي الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«لا بأس ان تؤخر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق، و لا بأس ان تعجل العتمة في السفر قبل ان يغيب الشفق».
و عن إسماعيل بن جابر (6) قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) حتى إذا بلغنا بين العشاءين قال يا إسماعيل امض مع الثقل و العيال حتى ألحقك و كان ذلك عند سقوط الشمس فكرهت ان انزل و أصلي و ادع العيال و قد أمرني ان أكون معهم فسرت ثم لحقني أبو عبد الله (عليه السلام) فقال يا إسماعيل هل صليت المغرب بعد؟ فقلت لا. فنزل عن دابته فاذن و اقام و صلى المغرب و صليت معه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 22 من المواقيت. و الراوي عنه (عليه السلام) هو عبيد الله و محمد يروي عنه.
(6) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
179
و كان من الموضع الذي فارقته فيه الى الموضع الذي لحقني ستة أميال».
و عن القاسم بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ذكر أبو الخطاب فلعنه ثم قال انه لم يكن يحفظ شيئا، حدثته ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) غابت له الشمس في مكان كذا و كذا و صلى المغرب بالشجرة و بينهما ستة أميال فأخبرته بذلك في السفر فوضعه في الحضر».
و عن علي بن يقطين في الصحيح (2) قال: «سألته عن الرجل تدركه صلاة المغرب في الطريق أ يؤخرها الى ان يغيب الشفق؟ قال لا بأس بذلك في السفر فاما في الحضر فدون ذلك شيئا».
أقول: يعني قبل غيبوبة الشفق بقليل.
و عن جميل بن دراج في الموثق (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصلي المغرب بعد ما يسقط الشفق؟ فقال لعلة لا بأس قلت فالعشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق؟ فقال لعلة لا بأس».
و عن عمر بن يزيد (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أكون مع هؤلاء و انصرف من عندهم عند المغرب فأمر بالمساجد فأقيمت الصلاة فإن أنا نزلت أصلي معهم لم استمكن من الأذان و الإقامة و افتتاح الصلاة؟ فقال ائت منزلك و انزع ثيابك و ان أردت أن تتوضأ فتوضأ و صل فإنك في وقت الى ربع الليل».
و عن عمر بن يزيد في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أكون في جانب المصر فتحضر المغرب و انا أريد المنزل فإن أخرت الصلاة حتى أصلي في المنزل كان أمكن لي و أدركني المساء فأصلي في بعض المساجد؟
فقال صل في منزلك».
و عن عمر بن يزيد (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 18 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 19 من المواقيت.
180
المغرب؟ فقال إذا كان ارفق بك و أمكن لك في صلاتك و كنت في حوائجك فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل. فقال قال لي و هو شاهد في بلده».
و عن داود الصرمي (1) قال: «كنت عند ابي الحسن الثالث (عليه السلام) فجلس يحدث حتى غابت الشمس ثم دعا بشمع و هو جالس يتحدث فلما خرجت من البيت نظرت و قد غاب الشفق قبل ان يصلي المغرب ثم دعا بالماء فتوضأ و صلى».
أقول: قد تقدم قريبا نحوه في حديث إسماعيل بن همام انه رأى الرضا (عليه السلام) كذلك، و قد حملها الشيخ في التهذيب على حال الضرورة و استند الى اخبار عمر بن يزيد المذكورة، و هو جيد في مقام الجمع و ان كان فيه نوع بعد.
و عن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن صلاة المغرب إذا حضرت هل يجوز ان تؤخر ساعة؟ قال لا بأس ان كان صائما أفطر و ان كانت له حاجة قضاها ثم صلى».
فهذه جملة من الاخبار الواردة في هذا المضمار و المفهوم منها ان الوقت بالنسبة إلى المغرب ثلاثة أقسام: الأول إلى مغيب الشفق و الثاني إلى ربع الليل أو ثلثه و الثالث الى ما قبل الانتصاف بقدر العشاء، و الجمع بينها يقتضي حمل الوقت الأول على الفضيلة أو الاختيار على الخلاف المتقدم، و قد عرفت ان الثاني هو الظاهر من الاخبار و اليه أيضا تشير اخبار هذه المسألة كما لا يخفى على المتأمل في مضامينها، و الوقت الثاني على الاجزاء كما هو المشهور أو الاضطرار كما هو المختار، و الثالث كسابقه إلا انه للأشد ضرورة كنوم و نسيان و حيض و نحوها على المختار أو الاجزاء و ان كان تضييعا على القول الآخر إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد السند (قدس سره) في المدارك- بعد ان ذكر القول الذي قدمنا نقله عنه و اختاره من امتداد وقت الفضيلة إلى ذهاب الشفق و الاجزاء للمختار الى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء و للمضطر الى ان يبقى قدر ذلك من
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 19 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 19 من المواقيت.
181
الليل- استدل عليه فقال: لنا على الحكم الأول صحيحة إسماعيل بن جابر ثم ذكر موثقة إسماعيل التي قدمناها- و وصفه لها بالصحة الظاهر انه سهو منه (قدس سره) فان في طريقها الحسن بن محمد بن سماعة كما لا يخفى على من راجع التهذيب- ثم صحيحة علي بن يقطين المتقدمة، ثم قال: و هما محمولان اما على وقت الفضيلة أو الاختيار إذ لا قائل بان ذلك آخر الوقت مطلقا، و الدليل على إرادة الفضيلة
قوله (عليه السلام) (1) في صحيحة ابن سنان «لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما».
و ظهور تناول الروايات المتضمنة لامتداد الوقت الى الانتصاف للمختار و غيره، و امتداد وقت المضطر الى آخر الليل على ما سنبينه فلا يمكن حمل روايات الانتصاف عليه. و لنا على الحكم الثاني أعني امتداد وقت الاجزاء للمختار الى ان يبقى للانتصاف قدر العشاء
قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) «ففي ما بين زوال الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سماهن الله تعالى و بينهن و وقتهن و غسق الليل انتصافه».
ثم نقل صحيحة عبيد بن زرارة و مرسلة داود بن فرقد، الى ان قال: و لنا على الحكم الثالث اعني امتداد وقتها للمضطر الى ان يبقى من الليل قدر العشاء
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان نام رجل أو نسي ان يصلي المغرب و العشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما فان خاف ان تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس».
و أجاب العلامة (قدس سره) في المنتهى عن هذه الرواية بحمل القبلية على ما قبل الانتصاف، و هو بعيد جدا و لكن لو قيل باختصاص هذا الوقت بالنائم و الناسي كما هو مورد الخبر كان وجها قويا. انتهى.
أقول: فيه (أولا) ان ما ذكره دليلا على إرادة الفضيلة دون الاختيار من
____________
(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 2 من أعداد الفرائض.
(3) رواه في الوسائل في الباب 62 من أبواب المواقيت.
182
الصحيحتين المذكورتين مردود بما قدمنا تحقيقه من عدم ظهورهما في الدلالة، و لا يخفى على المتأمل في ما قدمناه من الأخبار ظهور دلالتها على ان التأخير عن غيبوبة الشفق انما هو في مقام العذر كالسفر و الحوائج و نحوهما، و منها صحيحة علي بن يقطين التي ذكرها فإنها دلت على نفي البأس في السفر المؤذن بثبوته في الحضر كما أشار إليه ذيل الخبر المذكور و قوله في موثقة جميل بعد قول السائل: يصلي المغرب بعد سقوط الشفق؟ «لعلة لا بأس» و نحوهما غيرهما مما تقدم.
و (ثانيا)- ان ما استدل به على الحكم الثاني من قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة «ففي ما بين زوال الشمس. الى آخره» فقد اعترضه الفاضل الخراساني في الذخيرة- مع انه من التابعين له في هذه المسألة و غيرها غالبا- بما صورته:
و فيه نظر لانه لا يمكن حمل الخبر على ان مجموع الوقت وقت لمجموع الصلوات الأربع إلا بارتكاب التخصيص و ليس الحمل على ان المجموع وقت للمجموع و لو على سبيل التوزيع أبعد منه. انتهى.
و (ثالثا)- ان ما استدل به على الحكم الثالث من صحيحة عبد الله بن سنان فإنه محل نظر كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
و ينبغي ان يعلم أولا ان الاخبار الدالة على هذا القول ليست منحصرة في الصحيحة التي ذكرها كما ربما يتوهم بل هنا أخبار عديدة إلا انها مشتركة في ضعف السند باصطلاحه، و لعله لهذه العلة اقتصر على هذه الرواية لصحة سندها أو انه لم يطلع على تلك الاخبار وقت التأليف و إلا لعدها من المؤيدات كما هي قاعدته في غير موضع و لعله الأقرب.
و من الاخبار المشار إليها
رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 10 من المواقيت.
183
و لا صلاة الليل حتى يطلع الفجر و لا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس».
و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان نام الرجل و لم يصل صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما و ان خشي ان تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة. الحديث».
و رواية عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (2) قال: «إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر و ان طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب و العشاء».
و رواية داود الزجاجي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا كانت المرأة حائضا فطهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر و العصر و ان طهرت من آخر الليل صلت المغرب و العشاء الآخرة».
و رواية عمر بن حنظلة عن الشيخ (عليه السلام) (4) قال: «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر».
و رواية أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء و ان طهرت قبل ان تغيب الشمس صلت الظهر و العصر».
هذا ما وقفت عليه من الاخبار التي تصلح لان تكون مستندا لهذا القول، و الظاهر عندي ان هذه الاخبار انما خرجت مخرج التقية فلا تصلح للاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي، و لي على ذلك وجوه:
(الأول) قوله عز شأنه «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ» (6) وجه الدلالة ما ورد عن أصحاب البيت الذي نزل ذلك القرآن فيه فهم
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 62 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 49 من الحيض.
(3) الوسائل الباب 49 من الحيض.
(4) الوسائل الباب 49 من الحيض.
(5) الوسائل الباب 49 من الحيض.
(6) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
184
اعرف الناس بظاهره و خافية من ان هذه الآية قد جمعت الأوقات كلها
فروى المشايخ الثلاثة و العياشي في تفسيره بأسانيدهم الصحيحة عن الباقر (عليه السلام) (1) «انه سئل عما فرض الله من الصلوات فقال خمس صلوات بالليل و النهار. فقيل هل سماهن الله تعالى و بينهن في كتابه؟ قال نعم قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه و آله) «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» و دلوكها زوالها ففي ما بين دلوك الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سماهن الله تعالى و بينهن و وقتهن و غسق الليل انتصافه، ثم قال و قرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا. فهذه الخامسة».
و في رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ. قال ان الله تعالى افترض اربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس الى انتصاف الليل، الى ان قال و منها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه».
و روى العياشي عنهما (عليهما السلام) (3) «ان هذه الآية جمعت الصلوات كلها و دلوك الشمس زوالها و غسق الليل انتصافه، و قال انه ينادي مناد من السماء كل ليلة إذا انتصف الليل: من رقد عن صلاة العشاء في هذه الساعة فلا نامت عيناه. الحديث».
و من ذلك يعلم ان الوقت الزائد على هذا المقدار المذكور في الآية للعشاءين خارج عن الأوقات المحدودة في القرآن و كل ما خالف القرآن يضرب به عرض الحائط كما استفاضت به اخبارهم (عليهم السلام) من عرض الاخبار على القرآن فيؤخذ بما وافقه و ما خالفه يضرب به عرض الحائط (4).
(الثاني) ان الاخبار الواردة في الأوقات على تعددها و انتشارها لم يتضمن شيء منها الإشارة الى هذا الوقت فضلا عن التصريح به و قد عرفت و ستعرف اشتمالها
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أعداد الفرائض.
(2) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(3) المستدرك الباب 14 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
185
على جملة الأوقات اختياريها و ضروريها، و غاية ما دلت عليه بالنسبة إلى العشاءين امتدادهما الى الانتصاف و هو غاية الاضطرار أو الأجزاء، فلو كان هنا وقت آخر لأشير إليه في شيء منها.
(الثالث) انه من القواعد المقررة و الضوابط المأثورة المعتبرة عن أهل البيت (عليهم السلام) عرض الاخبار عند الاختلاف بل مطلقا على مذهب العامة و الأخذ بخلافه (1) و الاخبار التي قدمناها مع مخالفتها لظاهر القرآن كما عرفت موافقة لمذهب العامة لأن ذلك مذهب أئمتهم الأربعة على اختلاف بينهم في ذلك، فبعض منهم جعل هذا الوقت وقتا للمضطر كما ذهب اليه المحقق و السيد السند و من تبعهما، و حكى هذا القول في المعتبر عن الشافعي و احمد (2) و بعضهم جعله وقتا للمختار، و نقله في المعتبر عن أبي حنيفة و مالك (3) و نظير هذه الروايات التي أسلفناها في الحائض قد ورد ايضا من طريقهم من امتداد وقتها الى قبل الغروب بيسير جدا بالنسبة إلى الظهرين و الى قبل الفجر بيسير بالنسبة إلى العشاءين، قال في المعتبر: قال الشافعي و مالك و احمد إذا طهرت قبل الغروب لزمها الفريضتان، و لو طهرت قبل الفجر لزمها المغرب و العشاء، لما رواه الأثرم و ابن المنذر بإسنادهما عن عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن عباس انهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلي المغرب و العشاء و إذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر و العصر جميعا. و عن احمد ان القدر الذي يتعلق به الوجوب إدراك تكبيرة
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(2) كما في الوجيز للغزالى الشافعي ج 1 ص 20 و المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 384.
(3) في البدائع فقه الحنفية ج 1 ص 124 «آخر العشاء حين يطلع الفجر عندنا و اوله حين يغيب الشفق و هو البياض» و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 157 «عند المالكية أول العشاء الاختياري حين يغيب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل و الضروري بعد ذلك الى ان يبقى من طلوع الشمس ما لا يسع إلا ركعتي الصبح».
186
الإحرام، و عن الشافعي قدر ركعة لأنه القدر الذي روى عن عبد الرحمن و ابن عباس (1) ثم استدل في المعتبر على بطلان ما ذهبوا اليه و أطال، الى ان قال: و ما ذكره الجمهور من قصة عبد الرحمن و ابن عباس لا حجة فيه لجواز ان يكون ما قالاه اجتهادا، على انا نحمل ذلك على الاستحباب و قد روى في اخبار أهل البيت (عليهم السلام) ما يماثله، ثم نقل رواية أبي الصباح و رواية عبيد بن زرارة (2) و رواية عمر بن حنظلة. و ظاهره كما ترى حمل هذه الروايات على الاستحباب تفصيا من الاشكال الوارد في المقام و هو التكليف بعبادة في وقت لا يسعها كما ذهب إليه العامة، هذا كلامه في مبحث الحيض، و في مبحث الأوقات استند إليها في الدلالة على امتداد وقت المضطر الى قبل الفجر و اتخذه مذهبا مع مخالفة رواياته- كما عرفت- لجملة روايات الأوقات الواردة في الباب و مضادتها لآيات الكتاب و موافقتها للعامة كما كشفنا عنه نقاب الإبهام و الارتياب. و بالجملة فإن كلامه في مبحث الحيض مخالف لكلامه في مبحث الأوقات، و ظهور التقية في الاخبار المذكورة و مخالفة ظاهر الكتاب مما لا مجال لإنكاره فلا وجه للاعتماد عليها. و العجب كل العجب منهم (قدس الله أرواحهم و نور أشباحهم) انه مع استفاضة الأخبار بهاتين القاعدتين كيف ألغوهما في جميع أبواب الفقه و عكفوا في مقابلتهما على قواعد لم يرد بها سنة و لا كتاب؟
و لا سيما ما تكرر في كلامهم من الجمع بين الاخبار بالحمل على الكراهة و الاستحباب، و لم أر من تنبه الى بعض ما ذكرناه في هذا المقام سوى شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان حيث قال بعد نقل الخلاف في المسألة: و للأصحاب أن يحملوا الروايات الدالة على الامتداد الى الفجر على التقية لإطباق الفقهاء الأربعة عليه و ان اختلفوا في كونه آخر وقت الاختيار أو الاضطرار (3) و هو محمل حسن في الخبرين المتعارضين إذا أمكن حمل أحدهما عليها كما ورد به النص عنهم (عليهم السلام) (4).
____________
(1) كما في المغني ج 1 ص 396.
(2) الصحيح (عبد الله بن سنان).
(3) التعلية 2 و 3 ص 185.
(4) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
187
(الرابع)- الأخبار الدالة على ذم النائم عن صلاة العتمة إلى الانتصاف و امره بالقضاء بعد الانتصاف و امره بصيام ذلك اليوم عقوبة و امره بالاستغفار، فمن ذلك الخبر المتقدم نقله عن العياشي في الوجه الأول، و منها
ما رواه الصدوق مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ملك موكل يقول من بات عن العشاء الآخرة الى نصف الليل فلا أنام الله عينه».
و رواه في كتاب العلل مسندا في الصحيح عندي عن صفوان ابن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) إلا ان فيه «من نام عن العشاء».
و هو أظهر.
و روى الشيخ بسنده الى ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «و أنت في رخصة الى نصف الليل و هو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان: من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل و هو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان: من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل و هو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان: من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه».
و نحوه في كتاب المجالس و كتاب المحاسن.
و في الموثق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «العتمة إلى ثلث الليل أو الى نصف الليل و ذلك التضييع».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: «و روى في من نام عن العشاء الآخرة الى نصف الليل انه يقضي و يصبح صائما عقوبة و انما وجب ذلك لنومه عنها الى نصف الليل».
قال المحدث الكاشاني في أبواب الأوقات من الوافي: ستأتي هذه الرواية مسندة في كتاب الصيام (6)
و في الصحيح عن عبد الله بن مسكان رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «من نام قبل ان يصلي العتمة فلم يستيقظ حتى يمضي نصف الليل فليقض صلاته و يستغفر الله».
و في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) «في رجل نام عن العتمة فلم يقم إلا بعد انتصاف الليل؟ قال يصليها و يصبح صائما».
و قد ذهب الى وجوب الصوم هنا المرتضى (رضي الله عنه) مدعيا الإجماع عليه
____________
(1) الوسائل الباب 29 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 29 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 21 و 17 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 17 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 29 من المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 29 من أبواب المواقيت.
(7) الوسائل الباب 29 من المواقيت.
(8) الوسائل الباب 29 من المواقيت.
188
و تبعه العلامة، و هو الظاهر من الصدوق في الفقيه حيث رواه و ذكر وجوب ذلك، و هو اما من كلامه فيكون صريحا في كونه مذهبا له أو يكون من الرواية فيكون ظاهره ذلك و لم أقف على من نسب ذلك اليه مع ان الكلام على كلا الوجهين ظاهر الدلالة عليه، و من ذلك يظهر لك انه لو كان الوقت ممتدا شرعا بالنسبة إلى المضطر الى طلوع الفجر و ان الصحيحة التي اعتمدها في المدارك و أمثالها من الاخبار التي ذكرناها كذلك انما خرجت هذا المخرج لم يترتب على النائم عنها الى الانتصاف ما تضمنته هذه الاخبار من الذم و الدعاء عليه و القضاء الذي هو شرعا عبارة عن فعل الشيء خارج وقته و الصوم عقوبة و الاستغفار سيما ان النائم غير مخاطب حال النوم، فكيف يترتب عليه ما ذكر و وقته ممتد الى الفجر لمكان العذر؟ و بما ذكرناه من هذه الوجوه الظاهرة البيان الساطعة البرهان يظهر لك ما في كلام أولئك الأعيان من النظر الناشئ عن عدم التأمل حقه في الاخبار و الخروج عن القواعد المقررة عن الأئمة الأطهار الأبرار (صلوات الله عليهم) آناء الليل و أطراف النهار) و الله العالم.
(الخامس)- ان مقتضى ما ذكروه- كما قدمنا نقله عن المدارك- ان للمغرب أوقاتا ثلاثة: وقت الفضيلة و هو الى ذهاب الشفق و وقت الاجزاء الى انتصاف الليل و وقت المضطر الى الفجر، و الروايات قد استفاضت بان لكل صلاة وقتين و أول الوقتين أفضلهما كما تقدم شطر منها، و هذان الوقتان- بناء على المشهور كما تقدم تحقيقه- الأول منهما للفضيلة و الثاني للاجزاء و على القول الآخر الأول للمختار و الثاني لأصحاب الاعذار و الاضطرار، و هذا- بحمد الله سبحانه- ظاهر من الاخبار و كلام علمائنا الأبرار لا يقبل الإنكار فالقول بالوقت الثالث خارج عن ذلك، و جعل الثاني للاجزاء و الثالث للاضطرار خارج عما تقرر في الاخبار في سائر الأوقات، إذ وصف الثاني بكونه وقت اجزاء كما هو المشهور أو وقت اضطرار كما هو القول الآخر يرجع الى أمر واحد و التغاير انما هو بالاعتبار لا انهما وقتان متعددان. و بالجملة فما ذكروه مجرد تخريج لما توهموه من العمل بظواهر
189
هذه الأخبار و سموه بهذه التسمية. و الله العالم.
(المسألة العاشرة) [أول وقت العشاء]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان أول وقت العشاء إذا مضى من غروب الشمس قدر ثلاث ركعات و اليه ذهب السيد المرتضى و الشيخ في الاستبصار و الجمل و ابن بابويه و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة و ابن إدريس و من تأخر عنه، و نسبه العلامة في المنتهى الى ابن ابي عقيل ايضا مع انه في المختلف نسب اليه القول الآتي، و قال الشيخان أول وقتها غيبوبة الشفق و نسبه في المختلف الى ابن ابي عقيل و سلار، و هو أحد قولي المرتضى على ما نقله بعض الأصحاب أيضا احتجاج جملة من الأصحاب على القول المشهور بجملة من الاخبار: منها-
ما رواه الصدوق في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و منها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل إلا ان هذه قبل هذه».
و عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان هذه قبل هذه».
و عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الى نصف الليل إلا ان هذه قبل هذه».
و ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام) إذا غابت الشمس حل الإفطار و وجبت الصلاة و إذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل».
____________
(1) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 17 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
190
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت الى الرضا (عليه السلام) و قد تقدمت في صدر المسألة السابقة، و رواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) و قد تقدمت ثمة أيضا.
و ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر و أبا عبد الله (عليهما السلام) عن الرجل يصلي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق؟ فقال لا بأس به».
و استدل في المدارك ايضا على ذلك
بما رواه الشيخ في الموثق عن عبيد الله و عمران ابني علي الحلبي (2) قالا «كنا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق و كان منا من يضيق بذلك صدره فدخلنا على ابي عبد الله (عليه السلام) فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقال لا بأس بذلك».
و في الصحيح عن ابي عبيدة (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كانت ليلة مظلمة و ريح و مطر صلى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفل الناس ثم أقام مؤذنه ثم صلى العشاء ثم انصرفوا».
و عن عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس ان تؤخر المغرب في السفر حتى يغيب الشفق، و لا بأس بأن تعجل العتمة في السفر قبل ان يغيب الشفق».
أقول: و من هذا القبيل ما تقدم
في موثقة جميل بن دراج (5) من قوله: «قلت فالعشاء الآخرة قبل ان يسقط الشفق؟ فقال لعلة لا بأس».
ثم قال في المدارك: وجه الدلالة انه لو لا دخول وقت العشاء قبل ذهاب الشفق لما جاز تقديمها عليه مطلقا كما لا يجوز تقديم المغرب على الغروب.
احتج الشيخان- على ما نقله في المدارك و المختلف-
بصحيحة الحلبي (6) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) متى تجب العتمة؟ قال إذا غاب الشفق و الشفق الحمرة».
____________
(1) الوسائل الباب 22 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 22 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 22 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 22 من المواقيت.
(5) ص 179.
(6) الوسائل الباب 23 من المواقيت.
191
و صحيحة بكر بن محمد عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قد تقدم (1) قال فيه «و أول وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها الى غسق الليل يعني نصف الليل».
و زاد في المختلف نقلا عنهما، و لأن الإجماع واقع على ان ما بعد الشفق وقت العشاء و لا إجماع على ما قبله فوجب الاحتياط لئلا يصلى قبل دخول الوقت، و لأنها عبادة موقتة فلا بد لها من ابتداء مضبوط و إلا لزم تكليف ما لا يطاق و أداء المغرب غير منضبط فلا يناط به وقت العبادة. انتهى.
أقول: ظاهر كلاميهما و لا سيما مع ما ذكره هنا من الاحتجاج في المختلف ان مراد الشيخين (طاب ثراهما) بما نقل عنهما ان غيبوبة الشفق هو الوقت الحقيقي للعشاء و ان صلاتها قبله كصلاة المغرب قبل الغروب و الظهر قبل الزوال.
و هو عندي محل نظر من وجوه: (اما أولا) فمن البعيد بل المقطوع ببطلانه عدم اطلاع الشيخين على الاخبار المتقدمة المستفيضة الدالة على دخول الوقتين بغروب الشمس إلا ان هذه قبل هذه و نحوها مما دل على جواز صلاة العشاء قبل غيبوبة الشفق، و أبعد منه و أشد بطلانا اطراحها و إلغاؤها بالكلية بعد الوقوف عليها و لا محمل لها على تقدير هذا القول بالمرة.
(و اما ثانيا) فلان الشيخ في النهاية قد جوز تقديم العشاء قبل غيبوبة الشفق في السفر و عند الاعذار، حيث قال بعد ان ذكر ان وقت العشاء الآخرة سقوط الشفق و آخره ثلث الليل: و يجوز تقديم العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق في السفر و عند الاعذار و لا يجوز ذلك مع الاختيار. و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و لا بأس بان يصلي العشاء الآخرة قبل مغيب الشفق عند الضرورات. و جوز في التهذيب تقديمها إذا علم أو ظن انه ان لم يصل في هذا الوقت لم يتمكن منها بعده. و كلامه هذا يدل على كون هذا الوقت الذي نقل عنه في هذه المسألة انما أريد به الوقت الموظف لذوي الاختيار دون
____________
(1) ص 172.
192
ذوي الاعذار و هذا هو الذي تنطبق عليه الأخبار الجارية في هذا المضمار، فمرجع كلاميهما الى ان هذا الوقت الموظف لهم ليس لهم التقديم عليه إلا لعذر، و حينئذ فلا يرد عليه الاستدلال بما نقلناه عن المدارك من الأخبار فإنها صريحة في أصحاب الاعذار.
و اما ما ذكره العلامة في المختلف من الأدلة الاعتبارية فالظاهر انها من كلامه (قدس سره) كما هي قاعدته في الكتاب المذكور بناء على فهمه من كلام الشيخين المعنى الذي أشرنا إلى بطلانه و قد عرفت انه مما يجب القطع ببطلانه لما ذكرنا، غاية الأمران للعشاء دون غيرها وقتين اضطراريين أحدهما باعتبار المبدأ و الآخر باعتبار المنتهى كما يأتي في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى.
ثم انه على تقدير ما ذكرناه من حمل كلام الشيخين على ان المراد بكون غيبوبة الشفق أول وقت العشاء الآخرة يعني وقت فضيلتها و انه لا تقدم على ذلك إلا لعذر كالسفر و نحوه فيجب حمل الأخبار التي استند إليها مما قدمنا ذكره على ذلك أيضا، إلا انه قد ورد في الأخبار ما يدل على الجواز من غير عذر و لا علة مثل موثقة زرارة المتقدمة هنا،
و ما رواه الشيخ في الموثق الذي هو كالصحيح عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس في جماعة، من غير علة و صلى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة و انما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليتسع الوقت على أمته».
و عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) يجمع بين المغرب و العشاء في الحضر قبل ان يغيب الشفق من غير علة؟
قال لا بأس».
و ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين و جمع بين المغرب و العشاء في الحضر من غير علة بأذان و إقامتين».
و يؤيده
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 32 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 32 من المواقيت.
193
إطلاق
ما رواه في التهذيب في الصحيح عن رهط: منهم- الفضيل و زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر و كذلك المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين».
و الظاهر حمل هذه الروايات على الرخصة كما يشير اليه قوله (عليه السلام) «و انما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله). الى آخره» و ان كان الأفضل الانتظار إلى غيبوبة الشفق و انه لا يقدم قبل ذلك إلا مع العذر كما تقدم في جملة من الأخبار، و تطرق احتمال الحمل على التقية إلى روايات الشيخين قائم فإن التأخير الى هذا الوقت و عدم الصلاة قبله مذهب العامة قديما و حديثا كما لا يخفى (2) و الله العالم.
(المسألة الحادية عشرة) [آخر وقت العشاء]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان وقت العشاء الآخرة يمتد الى نصف الليل و هو اختيار السيد المرتضى و ابن الجنيد و سلار و ابن زهرة و ابن إدريس و جمهور المتأخرين، و قال الشيخ المفيد آخره ثلث الليل و هو قول الشيخ في النهاية و الجمل و الخلاف و الاقتصاد، و قال في المبسوط آخره ثلث الليل للمختار و للمضطر نصف الليل، و جعل في الخلاف و الاقتصاد نصف الليل رواية، و في النهاية آخره ثلث الليل و لا يجوز تأخيره إلى آخر الوقت إلا لعذر و قد رويت رواية ان آخر وقت العشاء الآخرة ممتد الى نصف الليل و الأحوط ما قدمناه. قال في المختلف بعد نقل ذلك: و هذا يدل على ان وقت المضطر عنده ثلث الليل. و قال ابن حمزة كقوله في المبسوط و قال ابن ابي عقيل أول وقت العشاء الآخرة مغيب الشفق و الشفق الحمرة لا البياض فان جاوز ذلك حتى دخل ربع الليل فقد دخل في الوقت الأخير و قد روى الى نصف الليل و قال ابن البراج كقول المفيد، و نقل الشيخ في المبسوط عن بعض علمائنا ان آخره للمضطر طلوع الفجر، و نقل عنه انه قال في موضع من كتاب الخلاف لا خلاف بين أهل
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 32 من أبواب المواقيت.
(2) كما في البدائع ج 1 ص 124 و الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 157.
194
العلم في ان أصحاب الأعذار إذا أدرك أحدهم قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة انه يلزمه العشاء الآخرة، و قد تقدم في المسألة التاسعة اختيار المحقق و صاحب المدارك لهذا القول و تبعهما جملة من متأخري المتأخرين. و الأظهر عندي هو امتداد وقت المضطر و المعذور الى نصف الليل و غيرهما الى ثلث الليل أو ربعه.
و من اخبار المسألة صحيحة زرارة و رواية عبيد بن زرارة المتضمنتان لتفسير الآية و قد تقدمنا في الوجه الأول من الوجوه المتقدمة في المسألة التاسعة، و منها- رواية عبيد بن زرارة و مرسلة داود بن فرقد المتقدمتان أيضا في صدر المسألة المذكورة. و منها-
صحيحة بكر بن محمد و قد تقدمت في المسألة الثامنة و فيها: «و أول وقت العشاء ذهاب الحمرة و آخر وقتها الى غسق الليل يعني نصف الليل».
و ما رواه في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام) و قد تقدمت في روايات المسألة العاشرة و فيها «و إذا صليت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل».
و روى في التهذيب عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «آخر وقت العتمة نصف الليل».
و في كتاب الفقه الرضوي (2) «و آخر وقت العتمة نصف الليل و هو زوال الليل».
و هذه الأخبار كلها دالة على الامتداد الى نصف الليل مطلقا.
و منها- الروايات الواردة في نزول جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) بتحديد الأوقات و هي موثقة معاوية بن وهب و رواية معاوية بن ميسرة و رواية المفضل ابن عمر و رواية ذريح (3) و قد اشترك الجميع في الدلالة على انه أتاه في اليوم الأول في وقت العشاء حين سقط الشفق و في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل ثم قال له: «ما بين هذين الوقتين وقت»
و في رواية ذريح (4) «و أفضل الوقت اوله، ثم قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو لا اني اكره أن أشق على أمتي لأخرتها الى نصف الليل».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب المواقيت.
(2) ص 2.
(3) ص 127.
(4) التهذيب ج 1 ص 208 و في الوسائل الباب 10 من المواقيت.
195
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أخر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليلة من الليالي العشاء الآخرة ما شاء الله فجاء عمر فدق الباب فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) نام النساء نام الصبيان فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال ليس لكم ان تؤذوني و لا تأمروني إنما عليكم ان تسمعوا و تطيعوا».
و عن ابي بصير في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو لا اني أخاف ان أشق على أمتي لأخرت العتمة إلى ثلث الليل، و أنت في رخصة الى نصف الليل و هو غسق الليل فإذا مضى الغسق نادى ملكان من رقد عن صلاة المكتوبة بعد نصف الليل فلا رقدت عيناه».
و رواه في الكافي عن ابي بصير (3) الى قوله «ثلث الليل» ثم قال الكليني «و روى الى ربع الليل».
و روى الصدوق بإسناده في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) في رواية «ان وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل».
قال الصدوق: و كأن الثلث هو الأوسط و النصف هو آخر الوقت.
و روى في كتاب العلل عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال:
«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو لا ان أشق على أمتي لأخرت العشاء الى نصف الليل».
و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو لا نوم الصبي و علة الضعيف لأخرت العتمة إلى ثلث الليل».
و روى الشيخ في التهذيب في الموثق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «العتمة إلى ثلث الليل أو الى نصف الليل و ذلك التضييع».
____________
(1) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(3) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(4) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(5) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(6) الوسائل الباب 21 من أبواب المواقيت.
(7) رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب المواقيت.
196
و عن زرارة (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس، الى ان قال و يصلي المغرب حين تغيب الشمس فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء و آخر وقت المغرب إياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء و آخر وقت العشاء ثلث الليل. الحديث».
و في كتاب نهج البلاغة (2) في كتاب كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) الى أمراء البلاد، الى ان قال: «و صلوا بهم العشاء الآخرة حين يتوارى الشفق الى ثلث الليل».
و روى الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام) إذا غابت الشمس فقد حل الإفطار و وجبت الصلاة و وقت المغرب أضيق الأوقات و هو الى حين غيبوبة الشفق و وقت العشاء من غيبوبة الشفق الى ثلث الليل».
و في موضع آخر من كتاب الفقه الرضوي (4) غير الموضع الذي قدمناه «و وقت العشاء الآخرة الفراغ من المغرب ثم الى ربع الليل و قد رخص للعليل و المسافر فيهما الى انتصاف الليل و للمضطر الى قبل طلوع الفجر».
هذا ما حضرني من الأخبار المتعلقة بالمسألة و هي- كما ترى- دائرة بين وقتين أحدهما ذهاب ثلث الليل و ثانيهما الى نصف الليل، و طريق الجمع ما تقدم في غيرهما من الأوقات من جعل الأول للفضيلة كما هو المشهور أو الاختيار كما هو القول الآخر و الثاني للإجزاء أو لأصحاب الاعذار و الاضطرار كما هو ظاهر من سياق هذه الأخبار.
تنبيهان:
(الأول) [كلام المجلسي في المقام و دفعه]
- قال شيخنا صاحب بحار الأنوار في الكتاب المذكور بعد نقل جملة من أقوال المسألة كما قدمناه: و لعل الأقوى امتداد وقت الفضيلة إلى ثلث الليل و وقت الاجزاء للمختار الى نصف الليل و وقت المضطر الى طلوع الفجر فإن أخر
____________
(1) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(2) شرح ابن ابى الحديد ج 4 ص 116.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 60.
(4) ص 7.
197
المختار عن نصف الليل اثم و لكنه يجب عليه الإتيان بالعشاءين قبل طلوع الفجر أداء، الى ان قال (فان قيل) ظاهر الآية انتهاء وقت العشاءين بانتصاف الليل و إذا اختلفت الأخبار يجب العمل بما يوافق القرآن (قلنا) إذا أمكننا الجمع بين ظاهر القرآن و الأخبار المتنافية ظاهرا فهو اولى من طرح بعض الأخبار، و حمل الآية على المختارين الذين هم جل المخاطبين و عمدتهم يوجب الجمع بينها و عدم طرح شيء منها. و اما حمل أخبار التوسعة على التقية كما فعله الشهيد الثاني (قدس سره)، ثم نقل كلامه الذي قدمناه ثم قال فهو غير بعيد لكن أقوالهم لم تكن منحصرة في أقوال الفقهاء الأربعة و عندهم في ذلك أقوال منتشرة، و الحمل على التقية انما يكون في ما إذا لم يكن محمل آخر ظاهر به يجمع بين الأخبار و ما ذكرناه جامع بينها. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من اشكال و الأحوط عدم التأخير عن تتمة الليل بعد التجاوز عن النصف و عدم التعرض للأداء و القضاء. انتهى ملخصا.
أقول: فيه (أولا) ان ما ذكره- من الحمل و جمع به بين ظاهر الآية و الأخبار المنافية- ان سلم له في الآية بالنظر الى ظاهرها لكنه لا يتم بالنظر الى الأخبار الواردة بتفسيرها كما تلوناها عليك آنفا فان ظاهرها انحصار أوقات هذه الصلوات الأربع لجميع المكلفين من مختارين و مضطرين في ما بين الدلوك الى الغسق سيما ما اشتمل عليه ذيل رواية العياشي من قوله: «و قال انه ينادي مناد من السماء. الى آخره» فإنه ظاهر في خروج الوقت بالانتصاف حتى بالنسبة إلى النائم و أصحاب الاضطرار عنده كالنائم و شبهه و هذه صورة الحال فيهم كما ترى و لو كان لهذا الوقت اثر لأشير إليه في شيء منها، و ايضا لا ريب في ان الامتداد الى الغسق بالنسبة إلى العشاءين انما جرى على الامتداد الى الغروب في الظهرين و ان وقع مطويا في الآية إلا ان اخبار تفسيرها نبهت عليه و الامتداد الأول انما هو للاجزاء و الاضطرار و الاعذار على القولين المتقدمين و هكذا الثاني فتخصيصه بالاجزاء كما ادعاه دون الاضطرار نظرا الى تلك الأخبار غير جيد، نعم يدل على ما ذكره ما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي إلا
198
ان الواجب حمل قوله: «و للمضطر الى قبل طلوع الفجر» على ما حملت عليه تلك الأخبار المتقدمة لما عرفت، على ان حكمه (عليه السلام) بالترخيص للعليل و المسافر في التأخير إلى انتصاف الليل لا يوافق ما ذكروه فإنهم جعلوا التحديد الى نصف الليل للمختار و حملوه على الاجزاء كما عرفت و جعلوا وقت الامتداد الى الفجر وقتا لأصحاب الاعذار و الاضطرار فكلامه (عليه السلام) لا ينطبق على شيء من القولين كما ترى.
و (ثانيا) ما عرفت في ما تقدم من استفاضة الأخبار ان لكل صلاة وقتين و مقتضى ما ذكروه ان لكل من صلاتي العشاءين ثلاثة أوقات و الأخبار بما ذكرناه مستفيضة و (ثالثا) ان ما اشتملت عليه الأخبار التي ذكرناها في الوجه الرابع كما أوضحناه ثمة لا يجامع القول بهذا الوقت الذي توهموه.
و (رابعا) ان اخبار العرض على مذهب العامة في مقام اختلاف الأخبار مطلقة و تخصيصها بما ذكره هنا و كذا ما اشتهر من تقديم الجمع بين الأخبار بالحمل على الاستحباب أو الكراهة يحتاج الى دليل و ليس فليس، و ما ادعاه من انتشار مذهب العامة ان صح فالأكثر و الجمهور انما هو على القول بالامتداد الى الفجر كما عرفت من كلام المحقق في المعتبر و مثله العلامة في المنتهى و ان اختلفوا في التخصيص بذوي الأعذار أو شمول ذلك لذوي الاختيار، و قد ورد عنهم (عليهم السلام) انه مع اختلافهم تعرض الأخبار على ما عليه جمهورهم و يؤخذ بخلافه. و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) تبعا لأولئك القائلين و تزيينه بما ذكره لا يخفى ما فيه كما لا يخفى على المتأمل النبيه.
(الثاني) [كلام صاحب المدارك في المقام و رده]
- قال في المدارك و ربما ظهر من بعض الروايات عدم استحباب المبادرة بالعشاء بعد ذهاب الشفق كرواية
أبي بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو لا انى أخاف ان أشق على أمتي. الخبر».
و قد تقدم، ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة المتضمنة لمجيء عمر و دق الباب. و فيه عندي
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 21 من أبواب المواقيت.
199
نظر و ان كان قد تقدمه في ذلك الشهيد في الذكرى، و الوجه في ذلك ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى انه (صلى الله عليه و آله) أخبر انه لو لا خوف المشقة على أمته لجعل فضيلة العشاء في التأخير إلى مضي ثلث الليل لكن لما كان فيه مشقة عليهم لم يفعله و لم يأمر به، لان «لو لا» تدل على انتفاء الشيء الذي هو الجزاء لثبوت غيره الذي هو الشرط، و هذا لا يدل على استحباب التأخير الى ذلك المقدار حتى يكون منافيا لما دل على أفضلية أول الوقت، بل هو بالدلالة على خلافه أشبه لانه (صلى الله عليه و آله) لم يشرعه و لم يأمر به و انما هو مجرد خبر أراد به إظهار الشفقة عليهم و بيان سعة الشريعة و انها مبنية على السهولة و السماحة، و لو استلزم هذا الكلام ما ذكره للزم على رواية نصف الليل كما تقدم في رواية العلل استحباب تأخير العشاء الى بعد الانتصاف الذي قد استفاضت الأخبار بخروج الوقت به، و بالجملة فإن الغرض من الخبر انما هو ما ذكرنا فلا دلالة فيه على استحباب التأخير ان لم يكن فيه دلالة على العدم، نعم آخر الثلث هو آخر وقت الفضيلة أو الاختيار على القولين المتقدمين و ما بعده الى الانتصاف هو وقت الاجزاء على المشهور أو ذوي الأعذار على المختار، و اما الرواية الثانية فالظاهر ان تأخيره (صلى الله عليه و آله) تلك الليلة بخصوصها دون سائر الليالي انما كان لعذر و يشير الى ذلك قوله (عليه السلام) «ليلة من الليالي» لا ان ذلك كان مستمرا منه (صلى الله عليه و آله) حتى يتوهم منه ما ذكره، و ربما كان التفاتهم فيما فهموه من الخبر الأول إلى انه لو لا خوف المشقة لأوجب التأخير و جعل ذلك فرضا واجبا عليهم و لكنه لأجل الرأفة بهم لم يوجبه و هو يومئ الى استحباب ذلك. و فيه ان حمل الخبر على الوجوب بعيد غاية البعد عن مفاد الأخبار المستفيضة المتكاثرة المتقدمة الصريحة الدلالة في خروج وقتها بعد مضي قدر الثلث و لا سيما اخبار نزول جبرئيل بالأوقات الدالة على ان أول وقتها غيبوبة الشفق و آخره حين يذهب ثلث الليل» (1) إلا ان يقال انه كان يريد نسخ ذلك في هذه الفريضة بخصوصها
____________
(1) ص 127.
200
و الأقرب انه انما أراد جعل ذلك وقت فضيلة لها لا وقت وجوب و لكنه للعلة المذكورة لم يجعله. و الله العالم.
(المسألة الثانية عشرة) [أول وقت صلاة الصبح و آخره]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل كافة العلماء في ان أول وقت صلاة الصبح هو طلوع الفجر الثاني و هو المستطير في الأفق اي المنتشر فيه الذي لا يزال في زيادة، و يقابله الفجر الأول و هو الذي يبدو كذنب السرحان مستدقا مستطيلا الى فوق، و يسمى هذا الكاذب لعدم دلالته على الصبح واقعا و ذلك يسمى الصادق لصدقه عن الصبح.
و المستند في ما ذكرناه الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن مهزيار (1) قال: «كتب أبو الحسن بن الحصين الى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) معي: جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأفق و استبان و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحده لي و كيف اصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه حتى يحمر و يصبح و كيف اصنع مع الغيم و ما حد ذلك في السفر و الحضر فعلت ان شاء الله تعالى؟ فكتب بخطه و قرأته: الفجر يرحمك الله هو الخيط الأبيض المعترض ليس هو الأبيض صعدا فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تتبينه فان الله تعالى لم يجعل خلفه في شبهة من هذا فقال: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.» (2) فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل و الشرب في الصوم و كذلك هو الذي توجب به الصلاة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب المواقيت.
(2) سورة البقرة، الآية 183.
(3) رواه في الوسائل في الباب 27 من أبواب المواقيت.
201
قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي ركعتي الصبح و هي الفجر إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا».
و عن علي بن عطية في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الصبح هو الذي إذا رأيته معترضا كأنه بياض سورى».
و عن هاشم بن الهذيل عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن وقت صلاة الفجر فقال حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سورى».
و عن يزيد بن خليفة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «وقت الفجر حين يبدو حتى يضيء».
الى غير ذلك من الأخبار الآتي جملة منها ان شاء الله تعالى في المقام.
و بالجملة فإنه لا خلاف في الحكم المذكور نصا و فتوى و انما الخلاف في آخره فالمشهور ان آخره طلوع الشمس و به قال السيد المرتضى و ابن الجنيد و الشيخ المفيد و سلار و ابن البراج و أبو الصلاح و ابن زهرة و ابن إدريس و عليه جمهور المتأخرين، و قال ابن ابي عقيل آخره للمختار طلوع الحمرة المشرقية و للمضطر طلوع الشمس و هو اختيار ابن حمزة، و للشيخ قولان: أحدهما كالقول الأول ذهب إليه في الجمل و الاقتصاد، و الثاني كمذهب ابن ابي عقيل اختاره في المبسوط و الخلاف.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه الشيخ عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «وقت صلاة الغداء ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس».
و عن عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل إذا غلبته عيناه أو عاقه أمر ان يصلي المكتوبة من الفجر ما بين ان يطلع الفجر الى
____________
(1) الوسائل الباب 27 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 27 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 26 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 26 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 26 و 30 من المواقيت.
202
ان تطلع الشمس و ذلك في المكتوبة خاصة فإن صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم و قد جازت صلاته».
و عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة، الى ان قال و لا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «وقت الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسي أو نام».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما و وقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا لكنه وقت لمن شغل أو نسي أو سها أو نام. الحديث».
و ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح أو الحسن عن عاصم بن حميد عن ابي بصير ليث المرادي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت متى يحرم الطعام و الشراب على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر. قلت أ فلسنا في وقت الى ان يطلع شعاع الشمس؟ قال هيهات اين يذهب بك؟ تلك صلاة الصبيان».
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير المكفوف (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم متى يحرم عليه الطعام؟ فقال إذا كان الفجر كالقبطية البيضاء. قلت فمتى تحل الصلاة؟ فقال إذا كان كذلك. فقلت أ لست في وقت من تلك الساعة الى ان تطلع الشمس؟ فقال لا انما نعدها
____________
(1) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 26 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 26 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 27 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 28 من المواقيت.
203
صلاة الصبيان، ثم قال انه لم يكن يحمد الرجل ان يصلي في المسجد ثم يرجع فينبه اهله و صبيانه».
و في كتاب الفقه الرضوي (1) قال (عليه السلام): «أول وقت الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق و هو بياض كبياض النهار و آخر وقت الفجر ان تبدو الحمرة في أفق المغرب و قد رخص للعليل و المسافر و المضطر الى قبل طلوع الشمس».
و في كتاب دعائم الإسلام (2) و عنه- يعني عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)- قال: «أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في أفق المشرق و آخر وقتها ان يحمر أفق المغرب و ذلك قبل ان يبدو قرن الشمس من أفق المشرق بشيء و لا ينبغي تأخيرها الى هذا الوقت لغير عذر و أول الوقت أفضل».
هذا ما حضرني من الأخبار الواردة في المسألة، و أنت خبير بان مقتضى الجمع بينها بضم مطلقها الى مقيدها هو ان الحكم في هذه الصلاة كغيرها من الصلوات المتقدمة في ان لها وقتين فعلى المشهور الوقت الأول للفضيلة و الثاني للاجزاء و على القول الآخر الوقت الأول للمختار و الثاني لأصحاب الاعذار و الاضطرار، و هذا هو الذي تنادي به عبارات هذه الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و التقط من لذيذ هذه الثمار.
و اما ما ذكره في المدارك بناء على اختياره القول المشهور و تبعه من تبعه عليه- حيث قال بعد نقل القولين: و المعتمد الأول، لنا- أصالة عدم تضيق الواجب قبل طلوع الشمس و ما رواه الشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة، ثم أورد موثقته المتقدمة الدالة على الامتداد الى طلوع الشمس ثم رواية زرارة المتقدمة الدالة على ذلك ايضا ثم قال
و عن الأصبغ بن نباتة (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة».
و يمكن ايضا ان يستدل
بصحيحة علي بن يقطين (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلي الغداة حتى يسفر و تظهر
____________
(1) ص 2.
(2) المستدرك الباب 20 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 30 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 51 من المواقيت.
204
الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخرهما؟ قال يؤخرهما».
وجه الدلالة ان ظاهر هذا الخبر امتداد الوقت الى ما بعد الاسفار و ظهور الحمرة و كل من قال بذلك قال بامتداده الى طلوع الشمس، ثم قال احتج الشيخ (قدس سره) على انتهائه للمختار بالإسفار بما رواه في الحسن عن الحلبي، ثم ساق الرواية كما قدمناه ثم أردفها بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة، ثم قال و الجواب منع دلالة الروايتين على خروج وقت الاختيار بذلك فان لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة، و جعل ما بعد الاسفار لمن شغل يقتضي عدم فوات وقت الاختيار بذلك فان الشغل أعم من الضروري، و بالجملة فأقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة بذلك لا وقت الاختيار. انتهى- ففيه نظر من وجوه: (الأول) ان مرجع الأصل الذي تمسك به على عدم تضيق الواجب قبل طلوع الشمس الى عموم الدليل الدال على ان وقت الصبح من الفجر الثاني إلى طلوع الشمس و هي الروايات التي استند إليها. و فيه ان من منع من الامتداد الى طلوع الشمس و جعل نهاية وقته الاسفار و ظهور الحمرة كما دلت عليه إخباره التي استند إليها لا يرد عليه هذا الكلام، لأن الأوقات الشرعية لما كانت محدودة بحدود مقررة فكل من ثبت عنده حد معين لا يجوز تجاوزه و وجب عليه القول به و الانتهاء اليه و الثابت عند أصحاب هذا القول هو التحديد بالإسفار و انتشار الصبح، و حينئذ فلا وجه لهذه الأصالة و هل هي إلا نوع مصادرة؟ على ان غاية ما تدل عليه الأخبار المذكورة هو كون ذلك وقتا في الجملة كما تقدم بيانه و يكفي في صدق ذلك كونه وقتا لذوي الأعذار كما صرحت به الأخبار، و بالجملة فالأخبار في المسألة ما بين مطلق و مقيد و طريق الجمع الواضحة حمل مطلقا على مقيدها.
(الثاني) ان ما استند اليه من الأخبار التي ذكرها و اعتمد في الاستدلال عليها كلها ضعيفة السند باصطلاحه و هو يردها لو كانت من طريق الخصم كما هو المعلوم من عادته بل يرد الأخبار الحسنة فضلا عن الموثقة فكيف يسوغ منه الاستدلال بها
205
و الاعتماد عليها؟ مع ان ما قابلها أصح سندا كما اعترف به و أوضح دلالة و ما طعن به في دلالتها فسيظهر لك ما فيه، على ان وصفه رواية عبيد بن زرارة بأنها موثقة- و ان تبعه في ذلك شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين- غفلة منه (قدس سره) و ممن تبعه حيث ان في طريقها علي بن يعقوب الهاشمي و هو غير موثق.
(الثالث)- ان ما أورده من رواية الأصبغ بن نباتة و صحيحة علي بن يقطين في المقام مدخول بأن الأولى ظاهرة في ذوي الأعذار إذ التأخر الى ان يفوت الوقت حتى لم يبق إلا قدر ركعة لا يكون إلا لذلك فالرواية ليست من محل البحث في شيء، و اما الثانية فمع الإغماض عن حملها على ذوي الأعذار فإن الاستدلال بها مبني على حجية هذا الإجماع المتناقل في كلامهم و المتداول على رؤوس أقلامهم مركبا أو بسيطا، و هو من جملة من طعن فيه في غير موضع من تحقيقاته بل ذكر في صدر كتابه انه صنف في ذلك رسالة فكيف يحتج به ههنا؟ و لكنه جار على احتجاجه بالروايات الضعيفة كما ذكرناه و كل ذلك مجازفة ظاهرة. و مع الإغماض عن جميع ذلك فالظاهر- كما تقدم تحقيقه سابقا- ان هؤلاء القائلين بكون الوقت الأول وقتا للمختار دون غيره لا يريدون به انه لو خرج وجب الإتيان بالصلاة قضاء كما لو طلعت الشمس اتفاقا و انما يريدون به استحقاق المؤاخذة من الله تعالى و كونه تحت المشيئة ان شاء الله سبحانه قبل صلاته بفضله و رحمته و ان شاء ردها عليه و هذا لا ينافي كون الوقت الباقي وقتا له ايضا على النحو المذكور، نعم هو وقت حقيقي لذوي الاعذار لا يستحقون المؤاخذة على التأخير إليه بسبب العذر. و بذلك يظهر لك ايضا ما في كلام شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين من ترجيحه القول المشهور و قوله: و الحديث السابع نص فيه، و أشار به الى رواية عبيد بن زرارة التي عدها موثقة تبعا لصاحب المدارك و ايدها برواية زرارة و رواية الأصبغ بالتقريب الذي ذكره في المدارك. و فيه ما عرفت.
(الرابع)- ان ما طعن به على صحيحتي الحلبي و عبد الله بن سنان- و ان
206
وصف الاولى بكونها حسنة فإن ذلك انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي قد عرفت ان عد حديثه في الصحيح كما عليه جملة من محققي متأخري المتأخرين هو الصحيح- باعتبار لفظ «لا ينبغي» بأنه ظاهر في الكراهة فمردود بما تقدم تحقيقه في غير مقام من ان هذا الظهور انما هو باعتبار عرف الناس و اما باعتبار عرف الأئمة (عليهم السلام) و ما وردت به اخبارهم فاستعمال هذا اللفظ في التحريم كما ان استعمال «ينبغي» في الوجوب أكثر من ان يحصى كما انه ربما استعمل أيضا في المعنى المشهور. و التحقيق ان الحمل على أحد المعنيين يحتاج إلى قرينة في البين لان اللفظ من الألفاظ المشتركية في كلامهم (عليهم السلام) و القرينة في الحمل على المعنى الذي ندعيه ظاهرة من الأخبار الآخر كصحيحة أبي بصير برواية الفقيه و موثقته برواية التهذيب و موثقة عمار المتقدم ذلك كله، فان الجميع ظاهر في ان الامتداد الى طلوع الشمس انما هو لأصحاب الأعذار دون أصحاب الاختيار و عليها تحمل الصحيحتان المذكورتان. و اما ما ذكره من حمل الشغل على ما هو أعم من الضروري ففيه ان المفهوم من الأخبار- و به صرح المحدث الكاشاني في الوافي ايضا- ان الشغل الذي هو من جملة الاعذار لا يختص بالضروري حتى انه بالحمل على غير الضروري يجامع الاختيار، فان المستفاد منها انه يكفي في الشغل الذي يكون عذرا في التأخير إلى الوقت الثاني عدم حصول التوجه و الإقبال على الصلاة لو صلى في الوقت الأول كما في روايات عمر بن يزيد الثلاث المتقدمة في وقت المغرب (1).
(الخامس)- قوله: «و بالجملة فأقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة» فإنه مما يقضى منه العجب حيث انه (عليه السلام) قد صرح في هذين الخبرين بان هذا الوقت الأخير انما هو لهؤلاء المعدودين و هم أصحاب الاعذار و مثلهما روايات ابي بصير و عمار، و الجميع ظاهر في انه ليس وقتا لغيرهم من أصحاب الاختيار، فكيف يتم ما ادعاه من ان أقصى ما تدلان عليه خروج وقت الفضيلة؟ و أي مجال هنا
____________
(1) ص 179.
207
لذكر الفضيلة و الاجزاء الذي ذهبوا اليه، و أي اشارة فضلا عن الظهور في الدلالة عليه؟
و بذلك يظهر لك ما في كلامه (قدس سره) من المجازفة في المقام و الخروج عن جادة التحقيق الظاهر لذوي الأفهام.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على أمور
(الأول) [هل الأفضل التغليس بصلاة الصبح أو تأخيرها]
اعلم انه قد تضمن جملة من الأخبار استحباب تأخير صلاة الصبح إلى الاسفار و الإضاءة من الفجر لا بمعنى الأسفار الذي تقدم كونه وقتا لذوي الاعذار و هو ان يتجلل الصبح السماء بل بمعنى الإضاءة في الجملة المقابل للتغليس
كقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير «إذا اعترض فكان كالقبطية البيضاء».
و نحوه في موثقته و قوله
في صحيحة زرارة المتقدمة «إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا».
و في حسنة علي بن عطية «معترضا كأنه بياض سورى».
و روى في كتاب الهداية مرسلا (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) حين سئل عن وقت الصبح فقال حين يعترض الفجر و يضيء حسنا».
و روى في البحار (2) عن كتاب العروس بإسناده عن الرضا (عليه السلام) قال: «صل صلاة الغداة إذا طلع الفجر و أضاء حسنا».
و جملة أخرى تتضمن استحباب التغليس بها مثل
رواية إسحاق بن عمار (3) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر فقال مع طلوع الفجر ان الله يقول «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» (4) يعني صلاة الفجر يشهدها ملائكة الليل و ملائكة النهار فإذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرتين أثبتها ملائكة الليل و ملائكة النهار».
و ما رواه الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق الخلقاني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «انه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو قبل ان يستعرض و كان يقول وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً، ان ملائكة الليل تصعد و ملائكة النهار تنزل عند طلوع
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 64.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 64.
(3) الوسائل الباب 28 من المواقيت.
(4) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(5) الوسائل الباب 28 من المواقيت.
208
الفجر فأنا أحب ان تشهد ملائكة الليل و ملائكة النهار صلاتي».
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «سأل يحيى بن أكثم القاضي أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة و هي من صلوات النهار و انما يجهر في صلاة الليل؟ فقال لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يغلس بها فقربها من الليل».
و نقل في الذكرى انه روى «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلي الصبح فينصرف النساء و هن متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس» (2).
أقول: لعل هذه الرواية من طريق العامة فإني لم أقف عليها في أخبارنا بعد الفحص من البحار و غيره.
و لعل وجه الجمع بين هذه الأخبار هو ان الأفضل ما دلت عليه هذه الأخبار الأخيرة من التغليس للعلة المذكورة في بعضها و لما دل على فضل أول الوقت، و يحتمل حمل الأخبار الأول على استحباب التأخير لمن لا يدرك الفرق بين الفجرين إلا بذلك و يشتبه عليه الحال في مبدأ الأمر، لكن ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على انه (صلى الله عليه و آله) كان يصلي ركعتي الصبح إذا اعترض الفجر فأضاء حسنا ربما نافر ذلك إلا ان يخص ببعض الأوقات التي يحصل فيها الاشتباه لا دائما.
و جمع في المنتقى بين الأخبار المذكورة بحمل مطلق الأخبار على مقيدها، قال و الذي تقتضيه القواعد هنا حمل الأخبار المطلقة على المقيدة. أقول: فيه ان ما ذكره جيد بالنسبة الى ما عدا حديث المجالس حيث تضمن أول ما يبدو قبل ان يستعرض و لكن العذر له (قدس سره) واضح حيث لم يطلع عليه، ثم قال و لو لا التصريح في بعض اخبار التقييد بأن أفضل الوقت مع طلوع الفجر لاتجه حمل اخبار الطلوع و الانشقاق على ارادة وقت الاجزاء و اخبار الإضاءة على الفضيلة بنحو ما ذكر في سائر الفرائض و نفى البأس في صحيحة محمد بن مسلم يشعر بهذا المعنى ايضا، و لو اقتصرنا في العمل على الصحيح الواضح و قطعنا النظر عما سواه كان الجمع بهذا الوجه متعينا. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 25 من القراءة.
(2) صحيح مسلم ج 1 ص 239 و 240.
209
أقول: ما ذكره (قدس سره) من هذا الحمل لو لا تصريح الخبر المشار اليه بما ذكره مردود بما أوضحنا سابقا في المسألة الرابعة بكلامنا على كلامه و نقض إبرامه و هو الذي أشار إليه هنا بقوله: «بنحو ما ذكر في سائر الفرائض» و أشار بالصحيح الواضح إلى صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة على ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يصلي ركعتي الصبح إذا اعترض الفجر و أضاء حسنا. و كيف كان فما دلت عليه هذه الصحيحة من صلاته (صلى الله عليه و آله) في هذا الوقت المذكور فيها لا يخلو من مدافعة لما دلت عليه مرسلة الفقيه المتقدمة إلا ان يحمل ذلك على بعض الأوقات دون بعض.
(الثاني) [تميز أبي بصير في الحديث المتقدم]
لا يخفى ان خبر ابي بصير المتقدم قد قيده في الفقيه بكونه ليث المرادي و الشيخ قيده بكونه المكفوف و الكليني في الكافي قد رواه في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير و أطلق و ساق الحديث بنحو ما ذكره الصدوق إلا انه قال:
«متى يحرم الطعام و الشراب» و قال في آخره: «اين تذهب تلك صلاة الصبيان» و صاحب المنتقى قد جعل اختلاف المشايخ الثلاثة في أبي بصير بالإطلاق من بعض و التقييد بالثقة من آخر و بالضعيف عندهم من ثالث- موجبا للعلة في الخبر المذكور فقال انه لا وثوق مع هذا الاختلاف بصحة ما في كتاب من لا يحضره الفقيه من التفسير ليتم حسنه. انتهى. أقول: قد اشتهر في كلام جماعة من المحدثين تعيين ابي بصير مع الإطلاق و تفسيره بليث المرادي متى كان الراوي عنه عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان، و بمقتضى ذلك يجب ان يحمل ما ذكره الكليني من الإطلاق على المرادي الثقة و يترجح به كلام صاحب الفقيه، مضافا الى ما علم من الشيخ من السهو الزائد في متون الأخبار و أسانيدها و حينئذ فيقوى الاعتماد على الخبر المذكور و تزول العلة و المحذور.
(الثالث) [تفسير كلمات وردت في تمييز الفجر]
- قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين في شرح قوله (عليه السلام) في حسنة علي بن عطية «كأنه بياض سورى»: و سورى على وزن بشرى موضع بالعراق من أرض بابل و المراد ببياضها نهرها كما في رواية هشام
210
ابن الهذيل عن الكاظم (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. و قال في حاشية الكتاب:
النباض بالنون و الباء الموحدة و آخره ضاد معجمة أصله من «نبض الماء إذا سال» و ربما قرى بالباء الموحدة و الياء المثناة من تحت. انتهى. أقول: و قد نسب جملة من علماء الإجازة الى هذه القرية كما ذكر في الإجازات و يشير إليها حديث جويرية بن مسهر في رد الشمس على أمير المؤمنين (عليه السلام) لما رجع من قتال الخوارج (1) و ظاهر كلام شيخنا المذكور ان الرواية المشهورة بين المحدثين بالنون و الباء. و قال (قدس سره) في الكتاب المذكور:
و القبطية بكسر القاف و إسكان الباء الموحدة و تشديد الياء منسوبة إلى القبط ثياب تتخذ بمصر. انتهى: و قال في كتاب المصباح المنير: القبط بالكسر نصارى مصر الواحد قبطى على غير القياس، و القبطي بالضم ثوب من كتان رقيق يعمل بمصر نسبة الى القبط على غير القياس فرقا بين الإنسان و الثوب و ثياب قبطية بالضم ايضا و جبة قبطية و الجمع قباطي. انتهى. و قال في كتاب مجمع البحرين: في الحديث «الفجر الصادق هو المعترض كالقباطي» بفتح القاف و تخفيف الموحدة قبل الالف و تشديد الياء بعد الطاء المهملة:
ثياب بيض رقيقة تجلب من مصر واحدها قبطي بضم القاف نسبة الى القبط بكسر القاف و هم أهل مصر، و التغيير في النسبة هنا للاختصاص كما في الدهري بالضم نسبة الى الدهر بالفتح، و هذا التغيير انما اعتبر في الثياب فرقا بين الإنسان و غيره فاما في الناس فيبني على اعتبار الأصل فيقال رجل قبطي و جماعة قبطية بالكسر لا غير. انتهى.
(الرابع) [تحقيق الفجر الكاذب و الصادق]
- قال شيخنا العلامة (قدس سره) في كتاب المنتهى: اعلم ان ضوء النهار من ضياء الشمس و انما يستضيء بها ما كان كمدا في نفسه كثيفا في جوهره كالأرض و القمر و اجزاء الأرض المتصلة و المنفصلة، و كل ما يستضيء من جهة الشمس فإنه يقع له ظل من ورائه، و قد قدر الله تعالى بلطيف حكمته دوران الشمس حول الأرض فإذا كانت تحتها وقع ظلها فوق الأرض على شكل مخروط و يكون الهواء المستضيء بضياء
____________
(1) البحار ج 9 ص 550.
211
الشمس محيطا بجوانب ذلك المخروط فيستضيء نهايات الظل بذلك الهواء المضيء، لكن ضوء الهواء ضعيف إذ هو مستعار فلا ينفذ كثيرا في اجزاء المخروط بل كلما ازداد بعدا ازداد ضعفا فاذن متى يكون في وسط المخروط يكون في أشد الظلام، فإذا قربت الشمس من الأفق الشرقي مال مخروط الظل عن سمت الرأس و قربت الأجزاء المستضيئة من حواشي الظل بضياء الهواء من البصر و فيه أدنى قوة فيدركه البصر عند قرب الصباح، و على هذا كلما ازدادت الشمس قربا من الأفق ازداد ضوء نهايات الظل قربا من البصر الى ان تطلع الشمس، و أول ما يظهر الضوء عند الصباح يظهر مستدقا مستطيلا كالعمود و يسمى الصبح الكاذب و الأول و يشبه بذنب السرحان لدقته و استطالته، و يسمى الأول لسبقه على الثاني و الكاذب لكون الأفق مظلما اي لو كان يصدق انه نور الشمس لكان المنير مما يلي الشمس دون ما يبعد منه و يكون ضعيفا دقيقا و يبقى وجه الأرض على ظلامه بظل الأرض، ثم يزداد هذا الضوء الى ان يأخذ طولا و عرضا فينبسط في عرض الأفق كنصف دائرة و هو الفجر الثاني الصادق لانه صدقك عن الصبح و بينه لك و الصبح ما جمع بياضا و حمرة، ثم يزداد الضوء الى ان يحمر الأفق ثم تطلع الشمس. انتهى كلامه زيد إكرامه. و جميع ما ذكره (قدس سره) مبني على قواعد علماء الهيئة و الفلك، و قد أوضح بعض ما فيه شيخنا البهائي (طاب ثراه) في كتاب الحبل المتين. إلا ان اخبار أهل البيت (عليهم السلام) ترده كما لا يخفى على من أحاط بها خبرا من مظانها و لا سيما بالنسبة الى ما يدعونه من ان السماء محيطة بهذه الأرض التي نحن عليها و انها كالكرة في بطنها و الشمس تجري في السماء من تحتنا و ان نور القمر مستفاد من نور الشمس و نحو ذلك، و لتحقيق المقام محل أليق. و هذا البحث و ان لم يكن من شأن الفقيه و لا تعلق له بالفقه إلا أنا جرينا في نقل هذا الكلام على ما ذكره شيخنا المشار اليه و من تبعه من الاعلام.
(المقصد الثاني)- في مواقيت الرواتب
و فيه مسائل
[المسألة] (الأولى) [آخر وقت نافلة الظهرين]
- اختلف
212
الأصحاب (رضوان الله عليهم) في آخر وقت نافلة الظهرين، فقيل ان آخره ان يبلغ زيادة الظل من الزوال قدمين الذي هو عبارة عن سبعي الشاخص للظهر و للعصر إلى أربعة أقدام. و هو مذهب الشيخ في النهاية و جمع من الأصحاب، و هو الأصح كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى. و قيل يمتد بامتداد المثل و هو مذهب الشيخ في الجمل و المبسوط و ابن إدريس و المحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة، قال الشيخ في الجمل و كذا في المبسوط و الخلاف وقت نافلة الظهر من الزوال الى ان يبقى لصيرورة الفيء مثل الشاخص بمقدار ما يصلي فيه فريضة الظهر، و العصر بعد الفراغ من الظهر الى ان يبقى لصيرورة الفيء مثليه مقدار ما يصلى العصر. و قال ابن إدريس إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت النافلة و قيل انه يمتد وقتها بامتداد وقت الفريضة، حكاه في الشرائع بلفظ «قيل» و هو مجهول القائل، قال في المدارك و لم ينقله في المعتبر و لا نقله غيره في ما اعلم و هو مجهول القائل.
و لعله أراد بعدم نقل غيره له يعني من المتقدمين و إلا فقد نقله جده في الروض و قبله المحقق الشيخ علي في شرح القواعد.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان القول الأول هو المستفاد من الأخبار المتكاثرة، و منها
صحيحة زرارة بنقل الصدوق عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة و كان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر، ثم قال أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟
قلت لم جعل ذلك؟ قال لمكان النافلة لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يمضي ذراع فإذا بلغ فيؤك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة و إذا بلغ فيؤك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
الى غير ذلك من الأخبار المتقدمة في المسألة الرابعة من المقصد المتقدم فإنها متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على جعل مقدار الذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة أقدام وقتا للنافلة فإذا مضى هذا المقدار اختص الوقت بالفريضة و لا يجوز مزاحمة النافلة لها فيه.
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من أبواب المواقيت.
213
و استدل في المعتبر على ما ذهب اليه من الامتداد بامتداد المثل بصحيحة زرارة المذكورة حيث قال بعد ذكرها: و هذا يدل على بلوغ المثل و المثلين لان التقدير ان الحائط ذراع، فحينئذ ما روى من القامة و القامتين جار هذا المجرى و يدل عليه ما روى علي بن حنظلة. ثم أورد الرواية كما قدمناه و هي مقتضية لتفسير القامة بالذراع و نحوها غيرها كما تقدم ذكره، قال و بهذا الاعتبار يعود اختلاف كلام الشيخ لفظيا. انتهى.
و فيه انه و ان دلت الأخبار المذكورة على تفسير القامة بالذراع الا انه لا يصح حمل القامة في الصحيحة المذكورة على ذلك لقوله (عليه السلام) فيها تفصيلا لإجمال الكلام المتقدم
«فإذا بلغ فيؤك ذراعا و إذا بلغ فيؤك ذراعين»
فإنه صريح في ان الذراع المعتبر انما هو من قامة الإنسان و هو زيادة فيئه بعد الزوال الى الذراع و الذراعين، فالقامة المذكورة في الخبر انما أريد بها قامة الإنسان لا الذراع ليتم له ما توهمه من عود اختلاف كلام الشيخ لفظيا. و يزيدك إيضاحا لما ذكرناه من ان المراد بالقامة في جدار مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) قامة الإنسان ما قدمناه في آخر المسألة الرابعة من المقصد المتقدم من عبارة كتاب الفقه الرضوي حيث قال فيها
«و انما سمى ظل القامة قامة لان حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قامة إنسان.
إلى آخر ما تقدم مشروحا موضحا» و بذلك يظهر ضعف القول المذكور.
و استدل على القول الثالث بظواهر جملة من الأخبار المتضمنة لاستحباب هذه النوافل قبل الفريضة بقول مطلق كقولهم (عليهم السلام) فيما قدمناه من الأخبار (1)
«فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا ان بين يديها سبحة و هي ثمان ركعات إن شئت طولت و ان شئت قصرت».
و فيه ان الأخبار الدالة على التحديد بالذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة أقدام توجب تقييد إطلاق هذه الأخبار كما تقدم ذكره.
و اما ما جنح اليه صاحب الذخيرة- من حمل روايات التحديد على الأفضلية
____________
(1) ص 136.
214
و روايات التوسعة على الجواز- فبعيد و كيف لا و قد صرحت جملة من اخبار التحديد بان الغرض منه هو ان لا تزاحم النافلة وقت الفريضة مثل
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة «فإذا بلغ فيؤك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة. إلى آخرها».
و في موثقته ايضا «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت لا. قال من أجل الفريضة إذا دخل وقت الذراع و القدمين بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
و سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق الكلام في ان الأخبار الواردة بتحريم النافلة و المنع منها في وقت الفريضة (1) إنما أريد بها هذا الموضع، و بذلك اعترف هو أيضا في تلك المسألة حيث قال- بعد ذكر الأخبار الدالة على انه إذا دخل وقت الفريضة فلا صلاة نافلة- ما صورته: و من تتبع الأحاديث و نظر في الأخبار يعلم ان مرادهم (عليهم السلام) بقولهم: «دخل وقت الفريضة أو أدركت الصلاة أو حضر وقتها» في أكثر الأوقات حضور الوقت المقرر لها على جهة الفضيلة فحمل هذه الأخبار على هذا غير بعيد. الى آخر كلامه زيد في مقامه و بالجملة فإن ظاهر الأخبار المذكورة تعين إيقاع الفريضة بعد ذهاب الذراع و الذراعين، و حمل ذلك على ما ذكره من الأفضلية ترده الأخبار الدالة على انه لا تطوع في وقت فريضة.
و ربما استدل لهذا القول أيضا بالأخبار الدالة على ان صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى اتى بها قبلت (2) و سيأتي البحث فيها و بيان عدم الدلالة على ما ذكروه ان شاء الله تعالى
[تنبيهات]
و تنقيح البحث في المسألة يتوقف على بيان أمور
(الأول) [هل يستثني قدر إيقاع الفريضة من المثل و المثلين للنافلة]
- ظاهر عبارة الشيخ المتقدم نقلها عن الجمل و المبسوط و الخلاف استثناء قدر إيقاع الفريضة من المثل و المثلين.
و اعترضه في الذكرى و كذا في المدارك بأن الأخبار لا تساعده فان ظاهرها استئثار النافلة بجميع المثل و المثلين. أقول: قد عرفت انه ليس في الأخبار ما يدل على توقيت النافلة بالمثل و المثلين و انما الموجود فيها التوقيت بالذراع و الذراعين و القدمين و الأربعة أقدام
____________
(1) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
215
فقولهما ان ظاهر الأخبار استئثار النافلة بجميع المثل و المثلين فرع وجود الأخبار المذكورة نعم هو ظاهر اخبار الذراع و الذراعين فان ظاهرها انه لو لم يصل النافلة حتى بقي من الوقت المذكور قدر الفريضة فإنه يصلي فيه النافلة دون الفريضة و ان وقت الفريضة انما هو بعد مضي هذا المقدار.
(الثاني) [لو خرج وقت النافلة و لم يأت بها أو قد تلبس بها]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)- بل الظاهر انه لا خلاف فيه- انه لو خرج الوقت الموظف للنافلة و لم يأت بها قدم الفريضة ثم قضى النافلة و ان تلبس بالنافلة و لو بركعة منها ثم خرج الوقت أتمها مخففة و زاحم بها الفريضة.
و يدل على الحكمين المذكورين
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «للرجل ان يصلي الزوال ما بين زوال الشمس الى ان يمضي قدمان، فان كان قد بقي من الزوال ركعة واحدة أو قبل ان يضمي قدمان أتم الصلاة حتى يصلي تمام الركعات، و ان مضى قدمان قبل ان يصلي ركعة بدأ بالأولى و لم يصل الزوال إلا بعد ذلك. و للرجل ان يصلي من نوافل العصر ما بين الاولى الى أن يمضي أربعة أقدام فإن مضت الأربعة أقدام و لم يصل من النوافل شيئا فلا يصل النوافل، و ان كان قد صلى ركعة فليتم النوافل حتى يفرغ منها ثم يصلي العصر».
و هو صريح في المراد. و لا ينافي ذلك ما تقدم في صحيحة زرارة من الدلالة على وجوب تقديم الفريضة بعد الذراع و الذراعين فإنه محمول بسبب هذه الرواية على عدم التلبس بالنافلة بالكلية.
قال المحقق في المعتبر بعد ذكر الرواية المذكورة: و هذه الرواية سندها جماعة من الفطحية لكن يعضدها أنه محافظة على سنة لم يتضيق وقت فريضتها. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو جيد و يعضدها ايضا ان مضمونها موافق للإطلاقات المعلومة و ليس لها معارض يعتد به فلا بأس بالعمل بها ان شاء الله تعالى.
أقول: لا يخفى ما في هذا التستر بهذا العذر الواهي الذي هو لبيت العنكبوت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 40 من أبواب المواقيت.
216
- و انه لاضعف البيوت- مشابه و مضاهي من مخالفة اصطلاحهم المعمول عليه بينهم، و ذلك فإنه متى كان الحديث الضعيف بزعمهم و ان كان موثقا ليس بدليل شرعي كما هو مقتضى ردهم له في غير مقام من الأحكام فوجوده كعدمه، و ما ذكروه من هذه التأييدات لا تفيد فائدة و لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية سيما مع استفاضة الأخبار بتحريم النافلة في وقت الفريضة و صدق ذلك على ما نحن فيه، و لكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح أوجب انحلال زمامهم و اختلال نظامهم، و لو انهم التجأوا الى جبر ضعفه بالشهرة لكان اولى لهم و ان ورد عليه ما ورد. و قوله في المعتبر: «انه محافظة على سنة لم يتضيق وقت فريضتها» مردود بأنه إذا كان المعلوم من الشارع تحديد وقت النافلة و الفريضة بحدين و قد منع من إدخال أحدهما في الآخر فكيف تحصل المحافظة على السنة و قد خرج وقتها و صارت محرمة بالأخبار الدالة على تحريم النافلة في وقت الفريضة؟ و قوله في المدارك:
«انه لا معارض لهذا الخبر» مردود بما أشرنا إليه من الروايات الدالة على تحريم النافلة في وقت الفريضة و كذا الروايات الدالة على انه بعد الذراع و الذراعين يجب تقديم الفريضة، فإنها بإطلاقها دالة على التحريم تلبس بشيء من النافلة أم لا، لكننا انما خصصناها بالخبر المذكور لكونه دليلا شرعيا عندنا و اما من لم يجعله دليلا شرعيا بل وجوده كعدمه فلا معارض للأخبار المذكورة. و بذلك يظهر ضعف البناء على هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد- كما عرفت- أقرب منه الى الصلاح.
ثم ان جملة من الأصحاب صرحوا بأنه مع دخول الوقت عليه بعد التلبس بركعة يتمها مخففة، و ذكروا ان المراد بتخفيفها الاقتصار على أقل ما يجزئ فيها كالقراءة بالحمد وحدها و الاقتصار على تسبيحة واحدة في الركوع و السجود حتى قال بعض المتأخرين انه لو تأدى التخفيف بالصلاة جالسا آثره على القيام لإطلاق الأمر بالتخفيف. و أنت خبير بان النص المذكور خال من قيد التخفيف إلا ان الظاهر انه لا بأس بما ذكروه محافظة على المسارعة إلى فضيلة وقت الفريضة فإنه كلما قرب من أول الوقت كان أفضل.
217
-
(الثالث) [هل يجوز تقديم نوافل الظهر على الزوال؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز تقديم شيء من هذه النوافل على الزوال إلا في يوم الجمعة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجمعة، و استدل على ذلك بان الصلاة وظيفة شرعية يتوقف شرعيتها على ثبوت ذلك عن الشارع و الذي ثبت عنه هو كونها بعد الزوال في غير اليوم المشار إليه.
أقول: و من الأخبار الدالة على ذلك ما تقدم من الأخبار المستفيضة الدالة على ان للنافلة المذكورة وقتا محدودا معينا و ان اختلف في تقديره من الذراع و الذراعين فما دونهما.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أذينة عن عدة (1) «انهم سمعوا أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلي من النهار حتى تزول الشمس و لا من الليل بعد ما يصلي العشاء حتى ينتصف الليل».
و عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان علي (عليه السلام) لا يصلي من الليل شيئا إذا صلى العتمة حتى ينتصف الليل و لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس».
و عن زرارة (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس فإذا زال النهار قدر نصف إصبع صلى ثماني ركعات. الحديث».
و روى في الفقيه مرسلا قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله). الحديث كما تقدم».
إذا عرفت هذا فاعلم انه قد ورد في مقابلة ما ذكرنا من هذه الأخبار جملة منها أيضا دالة على خلاف ما دلت عليه الأخبار المذكورة:
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشتغل عن الزوال أ يعجل من أول النهار؟ فقال نعم إذا علم انه يشتغل فيجعلها في صدر النهار كلها».
____________
(1) الوسائل الباب 36 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 36 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 36 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
218
و روى في الكافي عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«اعلم ان النافلة بمنزلة الهدية متى ما اتى بها قبلت».
و روى الشيخ في التهذيب في الحسن عن محمد بن عذافر (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى ما اتى بها قبلت فقدم منها ما شئت و أخر ما شئت».
و عن علي بن الحكم عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال لي صلاة النهار ست عشرة ركعة صلها اي النهار شئت ان شئت في اوله و ان شئت في وسطه و ان شئت في آخره».
و عن سيف بن عبد الأعلى (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نافلة النهار؟ قال ست عشرة ركعة متى ما نشطت، ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كانت له ساعات من النهار يصلي فيها فإذا شغله ضيعة أو سلطان قضاها، إنما النافلة مثل الهدية متى ما اتى بها قبلت».
و عن القاسم بن الوليد الغساني (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال ست عشرة في أي ساعات النهار شئت ان تصليها صليتها إلا انك إذا صليتها في مواقيتها أفضل».
و عن إسماعيل بن جابر في الصحيح (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني اشتغل؟ قال فاصنع كما نصنع: صل ست ركعات إذا كانت الشمس في مثل موضعها صلاة العصر يعني ارتفاع الضحى الأكبر و اعتد بها من الزوال».
و عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) انه قال: «ما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الضحى قط. قال قلت له أ لم تخبرني انه كان يصلي في صدر النهار اربع ركعات؟ قال بلى انه كان يجعلها من الثمان التي بعد الظهر».
هذا ما وقفت عليه من هذه الأخبار و الشيخ (قدس سره) قد حملها على الرخصة
____________
(1) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 37 من المواقيت.
219
لمن علم من حاله انه إذا لم يقدمها اشتغل عنها و لم يتمكن من قضائها، قال فاما مع عدم العذر فلا يجوز تقديمها، و استدل على ذلك بصحيحة إسماعيل بن جابر المذكورة و رواية محمد ابن مسلم المتقدمة في صدر هذه الأخبار.
قال في الذكرى بعد ذكر روايات التحديد بالاقدام و الأذرع: ثم هنا روايات غير مشهورة في العمل كرواية القاسم بن الوليد، ثم ساق جملة من هذه الأخبار ثم ذكر حمل الشيخ المذكورة لها و ذكر ان الشيخ اعتمد في المنع من التقديم على اخبار التوقيت و على ما رواه ابن أذينة ثم ذكر صحيحة ابن أذينة المتقدمة و رواية زرارة، ثم قال قلت قد اعترف الشيخ (قدس سره) بجواز تقديمها عند الضرورة، و لو قيل بجوازه مطلقا كما دلت عليه هذه الأخبار غاية ما في الباب انه مرجوح كان وجها. انتهى. و الى ما ذكره مال جمع من متأخري المتأخرين: منهم- المحدث الكاشاني في الوافي و الفاضل الخراساني في الذخيرة و هو ظاهر المدارك ايضا.
و الأظهر عندي ما ذكره الشيخ لاخبار التحديد بالأذرع و الاقدام فإنها صحيحة مستفيضة صريحة في ان للنافلة وقتا معينا محدودا لا تقدم عليه و لا تؤخر عنه إلا ان يكون على جهة القضاء، و الترجيح- لو ثبت التعارض- لهذه الأخبار لما ذكرنا من صحتها و استفاضتها و صراحتها و اعتضادها بعمل الطائفة قديما و حديثا حيث انه لم يقل بظاهر هذه الأخبار المخالفة قائل و لم يذهب اليه ذاهب، و اعتضادها أيضا بصحيحة ابن أذينة و روايتي زرارة المتقدمات، و حينئذ فيجب ارتكاب التأويل في ما عارضها بان يحمل التقديم على الرخصة في مقام العذر كما ذكره الشيخ. و اما قولهم (عليهم السلام) «انها بمنزلة الهدية متى ما اتى بها قبلت» فلا يلزم منه انها تكون أداء مطلقا بل الظاهر ان المراد انما هو بيان ان قبولها لا يختص بالإتيان بها في أوقاتها المحدودة حتى انها لو وقعت في غيرها لم تقبل بل يجوز تقديمها رخصة مع العذر و قضاؤها بعد فوات وقتها و هي مقبولة في جميع هذه الأوقات، و ربما يستأنس لذلك برواية سيف بن عبد الأعلى المتقدمة و تعليله القضاء
220
فيها بكونها مثل الهدية. و اما حسنة محمد بن عذافر و نحوها فيجب تقييد إطلاقها بما ذكرناه من الأخبار المشتملة على التحديد، و بذلك أجاب عنها في المدارك في مسألة وقت نافلة الظهرين حيث نقل الاستدلال بها على امتداد وقت النافلة بامتداد وقت الفريضة ثم أجاب عنها بان هذه الروايات مطلقة و رواياتنا مفصلة و المطلق يحمل على المفصل.
و العجب منه (قدس سره) انه بعد ان ذكر ذلك في المسألة المذكورة ناقض نفسه في المسألة التي نحن فيها فقال بعد ذكر رواية القاسم بن الوليد الغساني و رواية سيف بن عبد الأعلى ما صورته: و يستفاد من هاتين الروايتين جواز التقديم مطلقا و ان كان مرجوحا بالنسبة إلى إيقاعها بعد الزوال و يدل عليه أيضا حسنة محمد بن عذافر المتقدمة و صحيحة زرارة، ثم ساق الرواية و هي المذكورة آخر الروايات. انتهى. و وجه التناقض ظاهر فإن الحسنة المذكورة متى قيدت بما ذكره في تلك المسألة فلا دلالة لها على ما ادعاه هنا بوجه و المعصوم من عصمه الله تعالى، و من هذا الكلام يفهم ميله الى ما قدمنا نقله عنه.
و اما صحيحة زرارة التي اعتضد بها هنا فهي معارضة برواية زرارة المتقدمة الدالة على انه كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس و قضية الجمع بينهما حمل هذه الأربع ركعات في الصحيحة المذكورة على موضع عذر في بعض الأوقات. و الله العالم.
(المسألة الثانية) [وقت نافلة المغرب]
- المشهور بين الأصحاب- بل قال في المعتبر انه مذهب علمائنا و قال في المدارك ان هذا مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا- ان وقت نافلة المغرب بعدها الى ذهاب الحمرة المغربية.
قال في المعتبر: و يدل عليه انه وقت يستحب فيه تأخير العشاء فكان الإقبال على النافلة حسنا و عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض فلا يصلح للنافلة، و يؤيد ذلك
ما رواه عمرو بن حريث عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان النبي
____________
(1) ص 27 و في الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.
221
(صلى الله عليه و آله) يصلي ثلاثا المغرب و أربعا بعدها».
و يدل على ان آخر وقتها ذهاب الحمرة ما روى من منع النافلة وقت الفريضة، روى ذلك جماعة: منهم-
محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخل وقت الفريضة فلا تطوع».
انتهى و اعترضه في المدارك فقال بعد نقل ذلك: و فيه نظر لان من المعلوم ان النهي عن التطوع وقت الفريضة انما يتوجه الى غير الراتبة للقطع باستحبابها في أوقات الفرائض و إلا لم تشرع نافلة المغرب عند من قال بدخول وقت العشاء بعد مضي مقدار ثلاث ركعات من أول وقت المغرب و لا نافلة الظهرين عند الجميع، و قوله: «انه عند ذهاب الحمرة يقع الاشتغال بالفرض فلا يصلح للنافلة» دعوى خالية من الدليل مع ان الاشتغال بالفرض قد وقع قبل ذلك عند المصنف و من قال بمقالته، و مجرد استحباب تأخير العشاء عن أول وقتها الى ذهاب الحمرة المغربية لا يصلح للفرق. انتهى.
أقول ما ذكره (قدس سره) جيد إلا ان قوله: «لان من المعلوم ان النهي عن التطوع وقت الفريضة انما يتوجه الى غير الراتبة» على إطلاقه محل نظر لما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى ان النهي في أكثر تلك الأخبار انما توجه إلى الراتبة. قوله «للقطع باستحبابها في أوقات الفرائض» على إطلاقه ممنوع لأن الأخبار كما قد استفاضت (2) بأنه
«إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلا ان هذه قبل هذه».
كذلك قد استفاضت بان وقت الظهر انما هو بعد ذراع أو قدمين و وقت العصر انما هو بعد ذراعين أو أربعة أقدام و قد تقدمت (3) و قد جمع الشيخ (قدس سره) و من تأخر عنه بين هذه الأخبار بسبب ما يتراءى من الاختلاف بينها بحمل الأخبار الأولة على من لا يأتي بالنافلة فان وقته من أول الزوال و الثانية على من يعتادها و يأتي بها فان وقته بعد مضي هذا المقدار من الزوال، و من ذلك يعلم ان لكل من الظهر و العصر وقتين باعتبار
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 35 من أبواب المواقيت.
(2) ص 101.
(3) ص 129.
222
المتنفل و غيره، و قد شاع في الأخبار إطلاق الوقت على كل من المعنيين، و جل الأخبار المانعة من إيقاع النافلة في وقت الفريضة إنما أريد بها الراتبة بالنسبة إلى الوقت الذي بعد الاقدام أو الأذرع فلا يزاحم بها الفريضة في هذا الوقت الموظف لها، و بالجملة فإن الأخبار و ان دلت على ان وقت الظهر و العصر من أول الزوال مرتبا إلا انها دلت على اقتطاع قطعة من اوله للمتنفل محدودة بالأذرع أو الاقدام و قد جعل وقت الفريضة بعد ذلك، و قد مر
في رواية إسحاق بن عمار (1) انه لا يجوز التطوع بالنافلة بعد مضي الذراع و الذراعين حيث قال (عليه السلام) «و انما جعل الذراع و الذراعان لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة».
و علله في رواية إسماعيل الجعفي «لئلا يؤخذ من وقت هذه و يدخل في وقت هذه» و هو ظاهر فيما قلناه، نعم هذا انما يجري و يتمشى بالنسبة إلى الظهرين حيث ان الأخبار قد عينت للنافلة وقتا محدودا و للفريضة وقتا محدودا اما مثل المغرب و العشاء فلا، و مجرد استحباب الإتيان بالعشاء في وقت مغيب الشفق لا يقتضي منع النافلة، و منه يعلم ان كلام السيد السند (قدس سره) في المقام على إطلاقه غير جيد فلو قصر الكلام على نافلة المغرب التي هي محل البحث لتم ما ذكره بغير إشكال.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان أكثر المتأخرين إنما اعتمدوا في منع النافلة بعد مغيب الشفق المغربي على الإجماع المدعى في المنتهى و المعتبر، و لا يخفى ما فيه. و ظاهر الشهيد في الذكرى الميل الى امتداد وقتها بوقت الفريضة حيث قال بعد البحث في المسألة: و لو قيل بامتداد وقتها بوقت المغرب أمكن لأنها تابعة لها. و الى ذلك مال جملة من متأخري المتأخرين جازمين به أولهم فيما اعلم السيد السند في المدارك، قال و يشهد له
صحيحة أبان ابن تغلب (2) قال: «صليت خلف ابى عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة و لم يركع بينهما ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات ثم قام فصلى العشاء الآخرة».
____________
(1) ص 130.
(2) المروية في الوسائل في الباب 33 من أبواب المواقيت.
223
أقول: و الأظهر في الاستدلال على ما اختاره ما ورد في الأخبار من الحث و التأكيد على نافلة المغرب و انها تصلى سفرا و حضرا مع ما ورد في الأخبار من امتداد وقت المغرب في السفر الى ثلث الليل و نحوه كما تقدم جميع ذلك، فإنه يظهر من ضم هذه الأخبار بعضها الى بعض ان النافلة تمتد بامتداد الفريضة، على انه يكفينا في الدلالة على الامتداد إطلاق الأخبار الدالة على استحباب هذه النافلة بعد المغرب و عدم دليل على التوقيت و التحديد بغروب الشفق سوى الإجماع الذي ادعوه، مع إمكان المناقشة في دلالة الإجماع المذكور أيضا فإن غايته الدلالة على ان ما قبل ذهاب الحمرة وقت للنافلة و لا دلالة فيه على ان ما بعد ذهاب الحمرة ليس بوقت، و بالجملة فالأظهر عندي هو القول بالامتداد لما عرفت، و الاعتماد على مثل هذه الإجماعات لا يخلو من مجازفة في الأحكام الشرعية. و الله العالم.
و يتفرع على القول المشهور انه لو زالت الحمرة المغربية و لم يأت بشيء من النافلة اشتغل بالفريضة و حرم عليه الإتيان بالنافلة إلا ان يكون في أثناء ركعتين منها فيتم الركعتين سواء كانتا الأوليين أو الأخيرتين، قالوا للنهي عن إبطال العمل (1) و لأن الصلاة على ما افتتحت عليه (2) و حكى الشهيد في الذكرى عن ابن إدريس انه ان كان قد شرع في الأربع أتمها و ان ذهب الشفق. هذا بالنسبة إلى نافلة المغرب.
و اما الوتيرة فظاهرهم الإجماع على امتداد وقتها بامتداد وقت العشاء، قال في المعتبر:
و ركعتا الوتيرة يمتد بامتداد وقت العشاء و عليه علماؤنا لأنها نافلة للعشاء فتكون مقدرة بوقتها. و نحوه في المنتهى و غيره.
أقول: ما ذكره من ان الوتيرة نافلة للعشاء لم أقف له على دليل و المفهوم من الأخبار كما تقدم ان أصل مشروعيتها انما هو لإتمام عدد النوافل بان تكون في مقابلة
____________
(1) قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» سورة محمد، الآية 35.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من نية الصلاة.
224
كل ركعة من الفرائض ركعتان من النافلة. و في بعض الأخبار المتقدمة أيضا التعليل بقيامها مقام وتر آخر الليل لو مات قبل ان يدركه و انه يموت على وتر (1) غاية الأمر ان الشارع جعل محلها بعد صلاة العشاء التي هي ختام الصلاة في ذلك اليوم، و يشير الى ما ذكرنا
حسنة الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة أو بعدها شيء؟ قال لا غير اني أصلي بعدها ركعتين و لست أحسبهما من صلاة الليل».
و التقريب فيها هو ان الظاهر ان مراد السائل المذكور السؤال عن انه هل صلاة العشاء من قبيل الصلوات السابقة عليها في ان لها نوافل مرتبة تصلى قبلها أو بعدها؟
فقال (عليه السلام) لا غير اني أصلي بعدها هاتين الركعتين لا من حيث التوظيف بل من حيث ان الشارع جعل محلها في هذا الموضع لتكون ختاما لصلاة ذلك اليوم و لينام على وتر كما يستفاد من الأخبار الآخر، و لهذا ان الشيخ في النهاية و نحوه الشيخ المفيد في المقنعة صرحا باستحباب ان تجعل خاتمة النوافل التي يريد ان يصليها تلك الليلة، و يؤيده ما تقدم في الفائدة السادسة عشرة من المقدمة الثانية من مقدمات هذا الكتاب (3) من
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة أو حسنته «و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك».
و المراد بالوتر هنا الوتيرة كما تقدم بيانه في الفائدة المشار إليها و هو ظاهر فيما ذكره الشيخان و من تبعهما من الأصحاب من استحباب جعلها خاتمة نوافل تلك الليلة، و قوله في المدارك- انه لا يدل على المدعى- الظاهر ان منشأه حمل لفظ الوتر في الرواية على غير الوتيرة و هو توهم قد وقع فيه غيره ايضا كما تقدم بيانه في الموضع المشار اليه. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [وقت صلاة الليل]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان وقت صلاة الليل بعد انتصافه و انه كلما قرب من الفجر فهو أفضل، قال في المعتبر و عليه علماؤنا اجمع و في المنتهى ذهب إليه علماؤنا أجمع.
أقول: اما ما يدل على الحكم الأول فالأخبار المستفيضة، و منها-
صحيحة فضيل
____________
(1) ص 46.
(2) الوسائل الباب 27 من أعداد الفرائض.
(3) ص 72.
225
عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يصلي بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة».
و روى الصدوق في الفقيه عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى العشاء أوى إلى فراشه فلم يصل شيئا حتى ينتصف الليل».
قال و قال أبو جعفر (عليه السلام): «وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل الى آخره».
و عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى العشاء الآخرة أوى إلى فراشه فلا يصلي شيئا إلا بعد انتصاف الليل لا في شهر رمضان و لا في غيره».
و عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) في صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) (4) «و كان لا يصلي بعد العشاء حتى ينتصف الليل ثم يصلي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر قبل الغداة فإذا طلع الفجر و أضاء صلى الغداة».
و روى الصدوق مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) في صفة صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) (5) «ثم أوى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى فراشه و لم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل فإذا زال نصف الليل صلى ثماني ركعات و أوتر في الربع الأخير من الليل بثلاث ركعات فقرأ فيهن بفاتحة الكتاب و قل هو الله أحد و يفصل بين الثلاث بتسليمة و يتكلم و يأمر بالحاجة و لا يخرج من مصلاه حتى يصلي الثالثة التي يوتر فيها و يقنت فيها قبل الركوع ثم يسلم».
و قد تقدم ما يدل على ذلك أيضا في صحيحة ابن أذينة و رواية زرارة المذكورتين في آخر المسألة الاولى (6) الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
____________
(1) الوسائل الباب 43 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 43 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 43 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض.
(6) ص 217.
226
و اما الحكم الثاني فاستدل عليه بالإجماع المتقدم نقله عن المعتبر و المنتهى أولا و استدل في المعتبر ايضا بقوله تعالى «وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (1) و قوله:
«وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحٰارِ» (2) و السحر ما قبل الفجر على ما نص عليه أهل اللغة.
و استدل أيضا
برواية إسماعيل بن سعد الأشعري (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ساعات الوتر قال أحبها الي الفجر الأول. و سألته عن أفضل ساعات الليل قال الثلث الباقي. و سألته عن الوتر بعد الصبح قال نعم قد كان ابي ربما أوتر بعد ما انفجر الصبح».
و عن مرازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت متى أصلي صلاة الليل؟ قال صلها آخر الليل. قال فقلت فاني لا أستنبه؟ فقال تستنبه مرة فتصليها و تنام فتقضيها فإذا اهتممت بقضائها في النهار استنبهت».
أقول: و من الأخبار الدالة على ذلك ايضا
ما رواه الشيخ في التهذيب عن شعيب عن ابي بصير في الموثق أو الضعيف (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التطوع بالليل و النهار؟ فقال الذي يستحب ان لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس الى ان قال و من السحر ثمان ركعات ثم يوتر، الى ان قال في آخر الخبر: و أحب صلاة الليل إليهم آخر الليل».
و في الموثق بابن بكير عن زرارة (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما جرت به السنة في الصلاة؟ فقال ثمان ركعات الزوال، الى ان قال و ثلاث عشرة ركعة آخر الليل».
____________
(1) سورة الذاريات، الآية 18.
(2) سورة آل عمران، الآية 15.
(3) الوسائل الباب 48 و 54 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 45 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
(6) رواه في الوسائل في الباب 14 من أعداد الفرائض.
227
و عن سليمان بن خالد في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، الى ان قال و ثمان ركعات من آخر الليل. الحديث».
و روى في كتاب عيون الأخبار بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون (2) قال: «و صلاة الظهر اربع ركعات، الى ان قال و ثمان ركعات في السحر و الشفع و الوتر ثلاث ركعات. الحديث».
و روى في كتاب الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين (3) قال فيه «و ثمان ركعات في السحر و هي صلاة الليل و الشفع ركعتان و الوتر ركعة. الحديث».
الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع.
و على هذه الأخبار اعتمد الأصحاب فيما ذكروه من أفضلية ما قرب من الفجر، و لا تنافيها الأخبار الأولة لأن غاية ما تدل عليه دخول الوقت بالانتصاف، إلا انه ربما جعلت المنافاة باعتبار ما دل منها على ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عليا (عليه السلام) كانا يصليان بعد الانتصاف و يبعد ان يكون خلاف الأفضل، و يؤيده أيضا
ما رواه عمر بن يزيد في الصحيح (4) «انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان في الليلة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي و يدعو الله فيها إلا استجاب له في كل ليلة. قلت أصلحك الله و أي ساعة من الليل؟ قال إذا مضى نصف الليل الى الثلث الباقي».
و نقل عن ابن الجنيد انه قال: يستحب الإتيان بصلاة الليل في ثلاثة أوقات لقوله تعالى «وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ» (5).
و يعضده
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (6) قال: «سمعت
____________
(1) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.
(2) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.
(3) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.
(4) الوسائل الباب 26 من الدعاء.
(5) سورة طه، الآية 130.
(6) رواه في الوسائل في الباب 53 من المواقيت.
228
أبا عبد الله (عليه السلام) يقول، و ذكر صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) قال كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه و يوضع سواكه تحت فراشه ثم ينام ما شاء الله تعالى فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ.» ثم يستن و يتطهر ثم يقوم الى المسجد فيركع اربع ركعات على قدر قراءته ركوعه و سجوده على قدر ركوعه يركع حتى يقال متى يرفع رأسه و يسجد حتى يقال متى يرفع رأسه؟ ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء الله ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد فيصلي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء الله ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين ثم يخرج إلى الصلاة».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان إذا صلى العشاء الآخرة أمر بوضوئه و سواكه يوضع عند رأسه مخمرا فيرقد ما شاء الله تعالى ثم يقوم فيستاك و يتوضأ و يصلى اربع ركعات ثم يرقد فيقوم فيستاك و يتوضأ و يصلى اربع ركعات ثم يرقد حتى إذا كان في وجه الصبح قام فأوتر ثم صلى الركعتين، ثم قال «لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (2) قلت متى يقوم؟ قال بعد ثلث الليل» و قال في حديث آخر «بعد نصف الليل».
و قال في الكافي (3) و في رواية أخرى «يكون قيامه و ركوعه و سجوده سواء و يستاك في كل مرة قام من نومه و يقرأ الآيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إلى قوله إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ».
و يمكن الجمع بين هذه الأخبار باستحباب التأخير إلى آخر الليل لمن أراد ان
____________
(1) الوسائل الباب 53 من المواقيت.
(2) سورة الأحزاب، الآية 21.
(3) الوسائل الباب 53 من المواقيت.
229
يصليها في مقام واحد و استحباب الابتداء من نصف الليل لمن أراد التفريق كما كان يفعله (صلى الله عليه و آله) و على هذين الخبرين يحمل إجمال ما دل على انه (صلى الله عليه و آله) و عليا (عليه السلام) كانا يصليان بعد الانتصاف، و على ذلك تجتمع الأخبار.
[تنبيهات]
بقي الكلام هنا في مواضع
(الأول) [موارد جواز تقديم صلاة الليل]
المشهور بين الأصحاب جواز تقديم صلاة الليل في أوله للشاب الذي تمنعه رطوبة دماغه من الانتباه و المسافر الذي يمنعه جد السير و نقل عن زرارة بن أعين المنع من تقديمها على انتصاف الليل مطلقا و انه قال: كيف تقضى صلاة قبل وقتها ان وقتها بعد انتصاف الليل. و سيأتي ذلك في رواية محمد بن مسلم، و اختاره ابن إدريس على ما نقله في المختلف و اليه مال في المختلف ايضا و نقل فيه عن ابن ابي عقيل انه وافق الشيخ في المسافر خاصة.
و الظاهر هو القول المشهور للأخبار الكثيرة الدالة عليه، و منها
ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن ليث المرادي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار صلاة الليل في أول الليل؟ فقال نعم نعم ما رأيت و نعم ما صنعت».
و زاد في الفقيه (2) «يعني في السفر» قال: «و سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو في البرد فيعجل صلاة الليل و الوتر في أول الليل؟ فقال نعم».
و روى في الفقيه عن ابي جرير القمي عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: «صل صلاة الليل في السفر من أول الليل في المحمل و الوتر و ركعتي الفجر».
و روى في الكافي و التهذيب عن الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الليل و الوتر في أول الليل في السفر إذا تخوفت البرد أو كانت علة؟
قال لا بأس أنا افعل ذلك».
و روى في الكافي عن يعقوب بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
230
«سألته عن الرجل يخاف الجنابة في السفر أو البرد أ يعجل صلاة الليل و الوتر في أول الليل؟ قال نعم».
و عن محمد بن حمران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن صلاة الليل أصليها أول الليل؟ قال نعم إني لأفعل ذلك فإذا أعجلني الجمال صليتها في المحمل».
و عن ابي بصير في الموثق أو الضعيف عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«إذا خشيت ان لا تقوم آخر الليل أو كانت بك علة أو أصابك برد فصل صلاتك و أوتر من أول الليل».
و رواه في التهذيب في موضع آخر في الصحيح
و كذا الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (3) إلا انه قال: «و كانت بك علة» و زاد في آخره «في السفر».
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة الليل في السفر؟ فقال من حين تصلي العتمة الى ان ينفجر الصبح».
و في الصحيح عن ليث (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الصيف في الليالي القصار أصلي في أول الليل؟ قال نعم».
و عن يعقوب الأحمر في الصحيح (6) قال: «سألته عن صلاة الليل في الصيف في الليالي القصار في أول الليل؟ فقال نعم ما رأيت و نعم ما صنعت، ثم قال ان الشاب يكثر النوم فانا آمرك به».
و عن علي بن سعيد (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الليل و الوتر في السفر من أول الليل إذا لم يستطع ان يصلي في آخره؟ قال نعم».
و رواه في الفقيه عن علي بن سعيد مثله (8) إلا انه أسقط «إذا لم يستطع ان يصلي آخر الليل».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(7) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
(8) رواه في الوسائل في الباب 44 من المواقيت.
231
و عن الحسين بن علي بن بلال (1) قال: «كتبت إليه في وقت صلاة الليل فكتب عند زوال الليل- و هو نصفه- أفضل و ان فات فأوله و آخره جائز».
و روى الشهيد في الذكرى (2) قال: «روى محمد بن أبي قرة بإسناده إلى إبراهيم بن سيابة قال كتب بعض أهل بيتي الى ابي محمد (عليه السلام) في صلاة المسافر أول الليل صلاة الليل فكتب فضل صلاة المسافر من أول الليل كفضل صلاة المقيم في الحضر من آخر الليل».
و روى في الكافي و التهذيب عن ابان بن تغلب في الصحيح (3) قال:
«خرجت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة و المدينة و كان يقول اما أنتم فشباب تؤخرون و اما انا فشيخ اعجل، و كان يصلي صلاة الليل أول الليل».
و عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس بصلاة الليل من أول الليل الى آخره إلا ان أفضل ذلك إذا انتصف الليل».
و ظاهر هذه الرواية جواز التقديم مطلقا، و نحوها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن عيسى (5) قال:
«كتبت إليه أسأله يا سيدي روى عن جدك انه قال لا بأس بان يصلي الرجل صلاة الليل في أول الليل؟ فكتب في أي وقت صلى فهو جائز ان شاء الله تعالى».
و الظاهر تقييد إطلاقها بالروايات المذكورة الدالة على العذر.
و قد صرح الأصحاب بأنه إذا دار الأمر بين التقديم و القضاء فالقضاء أفضل، و يدل عليه
ما رواه معاوية بن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «قلت له ان رجلا من مواليك من صلحائهم شكى الي ما يلقى من النوم و قال اني أريد القيام إلى الصلاة بالليل فيغلبني النوم حتى أصبح فربما قضيت صلاتي الشهر المتتابع و الشهرين اصبر على ثقله؟ فقال قرة عين له و الله، و لم يرخص له في الصلاة في أول الليل و قال القضاء بالنهار أفضل. قلت فان من نسائنا أبكار الجارية تحب الخير و اهله و تحرص
____________
(1) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 45 من أبواب المواقيت.
232
على الصلاة فيغلبها النوم حتى ربما قضت و ربما ضعفت عن قضائه و هي تقوى عليه في أول الليل؟ فرخص لهن في الصلاة أول الليل إذا ضعفن و ضيعن القضاء».
و عن محمد- و هو ابن مسلم- في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال:
«قلت له الرجل من امره القيام بالليل تمضى عليه الليلة و الليلتان و الثلاث لا يقوم فيقضي أحب إليك أم يعجل الوتر أول الليل؟ قال لا بل يقضي و ان كان ثلاثين ليلة».
و عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألته عن الرجل لا يستيقظ من آخر الليل حتى يمضي لذلك العشرة و الخمس عشرة فيصلي أول الليل أحب إليك أم يقضي؟ قال لا بل يقضي أحب إلي إني اكره أن يتخذ ذلك خلقا، و كان زرارة يقول كيف تصلى صلاة لم يدخل وقتها إنما وقتها بعد نصف الليل».
احتج العلامة في المختلف على ما ذهب اليه مما قدمنا نقله عنه بأنها عبادة موقتة فلا تفعل قبل وقتها لعذر و غيره كغيرها، و بصدر صحيحة معاوية بن وهب المذكورة ثم نقل عن الشيخ الاحتجاج بأنه معذور فجاز تقديمها من أول الليل محافظة على السنن، و بعجز صحيحة معاوية المذكورة حيث رخص (عليه السلام) للجارية التقديم و الترخيص للمرأة مستلزم لغيرها من المسافر و الشاب للاشتراك في العذر و المحافظة على فعل السنن. ثم أجاب بأن المحافظة على السنن تحصل مع القضاء و الرواية لا تدل على المطلوب لاختصاصها بمن لا يتمكن من الانتباه و القضاء.
أقول: ما ذكره (قدس سره) بالنسبة الى هذه الرواية من الاحتجاج بصدرها و الجواب عن عجزها جيد، إلا ان دليل الشيخ غير منحصر في هذه الرواية لما عرفت من الأخبار التي تلوناها عليك فإنه لا مجال إلى إنكار دلالتها على الجواز. نعم ظاهر الصدوق اختصاص الرخصة بالمسافر حيث قال: كل ما روى من الإطلاق في صلاة الليل من أول الليل فإنما هو في السفر لان المفسر من الأخبار يحكم على المجمل. و نحوه قال الشيخ في التهذيبين
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 45 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 45 من المواقيت.
233
و زاد: و في وقت يغلب على الظن انه ان لم يصلها في أول الليل فاتته إذا شق عليه القيام آخر الليل و لا يتمكن من القضاء فحينئذ يجوز له تقديمها. أقول: ما ذكره الشيخ (قدس سره) هنا جيد، اما بالنسبة إلى المسافر فلما عرفت من الأخبار الكثيرة المتقدمة بالتقريب الذي ذكره الصدوق (طاب ثراه) و اما بالنسبة الى من لا يتمكن من الأداء و القضاء فعجز صحيحة معاوية بن وهب و عليه تحمل صحيحة محمد بن مسلم، و اما صدر صحيحة معاوية فهو محمول على غير الفردين المذكورين، و على ذلك تجتمع الأخبار المذكورة
(الثاني) [آخر وقت صلاة الليل]
- المشهور بين الأصحاب ان آخر وقت صلاة الليل طلوع الفجر الثاني فلو طلع الفجر الثاني و لم يكن تلبس بأربع منها بدأ بالفريضة أو ركعتي الفجر على الخلاف الآتي ان شاء الله تعالى. و نقل عن المرتضى (قدس سره) ان آخر وقتها الفجر الأول، قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و لعله نظر الى جواز ركعتي الفجر حينئذ و الغالب ان دخول وقت صلاة يكون بعد خروج وقت اخرى. و يندفع بوجوه:
منها- الشهرة بالفجر الثاني بين الأصحاب. و منها-
ان إسماعيل بن سعد الأشعري (1) «سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن أفضل ساعات الليل فقال الثلث الباقي».
و منها- ما مر من الأخبار. انتهى. أقول: ضعف ما ذكره السيد (رضي الله عنه) أظهر من ان يحتاج الى البيان لما سيجيء من الأخبار النيرة البرهان.
(الثالث) [لو طلع الفجر و قد تلبس بأربع ركعات من صلاة الليل]
- لو طلع الفجر فان كان قد تلبس بأربع منها أتمها مخففة و الا أخرها و يدل على الحكم الأول
ما رواه الشيخ في التهذيب عن مؤمن الطاق (2) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كنت صليت اربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع أو لم يطلع».
و في كتاب الفقه الرضوي «إن كنت صليت من صلاة الليل اربع ركعات قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع الفجر أو لم يطلع».
____________
(1) الوسائل الباب 54 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 47 من المواقيت.
234
إلا انه
قد روى الشيخ ايضا عن يعقوب البزاز (1) قال: «قلت له أقوم قبل الفجر بقليل فأصلي أربع ركعات ثم أتخوف أن ينفجر الفجر ابدأ بالوتر أو أتم الركعات؟ قال لا بل أوتر و أخر الركعات حتى تقضيها في صدر النهار».
و قد جمع الشيخ و من تأخر عنه بين الخبرين بحمل هذه الرواية على الأفضلية.
أقول: من المحتمل قريبا اختصاص الخبر الأول بما إذا طلع الفجر بعد تمام التلبس بالأربع كما هو مورد الخبر و محل المسألة، و اما الثاني فظاهره انه بعد صلاة الأربع إنما تخوف ان ينفجر الفجر لقربه لا انه انفجر بالفعل فصار الأمر متعارضا عنده بين إتمام الثمان ركعات و بين الوتر بمعنى ان الوقت لا يسع إلا أحدهما فأمره (عليه السلام) بتقديم الوتر و تأخير الركعات حتى يقضيها، و هذا ليس من محل المسألة في شيء حتى يحتاج الى الجمع بما ذكروه، فإنه قد دلت الأخبار- و به صرح الأصحاب ايضا- على انه لو لم يبق من الوقت ما يسع صلاة الليل كاملة قدم الوتر فإنه يكتب له بها ثواب صلاة الليل و قضى الصلاة بعد الصبح،
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل و هو يخشى ان يفجأه الصبح أ يبدأ بالوتر أو يصلي الصلاة على وجهها حتى يكون الوتر آخر ذلك؟ قال بل يبدأ بالوتر، و قال انا كنت فاعلا ذلك».
و صحيحة معاوية بن وهب (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول أ ما يرضى أحدكم ان يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلي ركعتي الفجر و يكتب له بصلاة الليل؟».
و هذا الخبر من هذا القبيل و لا فرق بين ما دل عليه هذان الخبران و الخبر المذكور إلا باعتبار دلالة ذلك الخبر على تلبسه بأربع ركعات، و هو لا يصلح للفرق لان ظاهر هذين الخبرين ان الأفضل المحافظة على الوتر و تقديمها في هذا الوقت و ترجيحها على صلاة الليل فيه. و بالجملة فإن ظاهر هذه الأخبار انه متى كان الوقت الثاني لا يسع إلا الثمان مخففة أو الوتر كاملة فإن الأفضل تقديم الوتر سواء صلى شيئا من الثمان أم لا.
____________
(1) الوسائل الباب 47 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 46 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 46 من المواقيت.
235
و اما الحكم الثاني و هو ما لو طلع الفجر و لم يتلبس بأربع ركعات فلا يخلو اما ان يكون قد تلبس بما دون الأربع أو لم يتلبس بشيء بالكلية:
و ظاهرهم في الأول الاتفاق على البدأة بالفريضة، قال في المعتبر: و لو طلع الفجر و لما يكمل أربعا بدأ بالفريضة و هو مذهب علمائنا.
و اما الثاني فتدل عليه
صحيحة إسماعيل بن جابر (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أوتر بعد ما يطلع الفجر؟ قال لا».
و التقريب انه إذا امتنع الوتر بعد الفجر امتنع ما قبله بطريق أولى.
إلا انه قد ورد بإزاء هذا الخبر أخبار كثيرة دالة على جواز صلاة الليل بعد الفجر و ان لم يتلبس منها بشيء:
و منها-
صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن صلاة الليل و الوتر بعد طلوع الفجر فقال صلها بعد الفجر حتى تكون في وقت تصلي الغداة في آخر وقتها و لا تعمد ذلك في كل ليلة، و قال أوتر أيضا بعد فراغك منها».
و صحيحة عمر بن يزيد ايضا (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم و قد طلع الفجر فإن أنا بدأت بالفجر صليتها في أول وقتها و ان بدأت في صلاة الليل و الوتر صليت الفجر في وقت هؤلاء؟ فقال ابدأ بصلاة الليل و الوتر و لا تجعل ذلك عادة».
و صحيحة سليمان بن خالد (4) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) ربما قمت و قد طلع الفجر فأصلي صلاة الليل و الوتر و الركعتين قبل الفجر ثم أصلي الفجر. قال قلت أفعل أنا ذا؟ قال نعم و لا يكون منك عادة».
و رواية إسحاق بن عمار (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم و قد طلع الفجر و لم أصل صلاة الليل؟ فقال صل صلاة الليل و أوتر و صل ركعتي الفجر».
و أجاب الشيخ عن هذه الأخبار بحملها على الرخصة، قال هذه رخصة لمن أخر
____________
(1) الوسائل الباب 46 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 48 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 48 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 48 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 48 من المواقيت.
236
لاشتغاله بشيء من العبادات و قال المحقق في المعتبر- بعد ان ذكر ان فيه روايتين إحداهما يتم النافلة مزاحما بها الفريضة و الأخرى يبدأ بالفجر- ان اختلاف الفتوى دليل التخيير، يعني بين فعلها بعد الفجر قبل الفرض و بعده. و استحسنه جملة ممن تأخر عنه: منهم- السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة.
و الأظهر عندي حمل النهي في صحيحة إسماعيل بن جابر على اتخاذ ذلك عادة و جعله جائزا في جملة الأوقات فإنه ليس كذلك لما سيأتي ان شاء الله تعالى من الأخبار الدالة على تحريم النافلة في وقت الفريضة، و لما سيأتي ايضا ان شاء الله تعالى من النهي عن صلاة ركعتي الفجر بعد طلوع الفجر و وجوب تقديم الفريضة. و اما الأخبار الأخيرة فهي محمولة على الرخصة لو اتفق له ذلك في بعض الأوقات و لهذا قد صرحت بأنه لا يجعل ذلك عادة و لا يتعمد ذلك في كل ليلة، و الرخص في مقام التحريم كثيرة و هذا منها.
و العجب ان صاحب المعتبر بعد ان استدل على تقديم النافلة على الفريضة في المسألة بصحيحة عمر بن يزيد الثانية استدل على تقديم الفريضة على النافلة بصحيحته الاولى و كأنه حمل قوله «صلها بعد الفجر» يعني بعد صلاة الفجر. و هو سهو ظاهر، بل الظاهر ان الرواية انما هي من قبيل روايته الثانية و المراد بالفجر فيها انما هو أول الصبح و انه يصلي النافلة أولا و ان أخر الغداة إلى آخر وقتها كما ينادي به الخبر، و يعضده قوله «و لا تعمد ذلك في كل ليلة» كما وقع مثله في روايته الثانية و صحيحة سليمان بن خالد.
و أعجب من ذلك انه حكم في هذه المسألة أعني لو طلع الفجر و لم يتلبس بشيء من النافلة بالتخيير بين تقديم الفريضة و الإتيان بالنافلة و فيما لو تلبس بما دون الأربع بوجوب البدأة بالفريضة كما تقدم نقله عنه.
(الرابع) [أفضل أوقات الوتر]
- المفهوم من الأخبار- و به صرح جملة من الأصحاب- ان أفضل أوقات الوتر ما بين الفجر الأول الى الثاني:
روى الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن سعد الأشعري (1) قال: «سألت
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 54 من أبواب المواقيت.
237
أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ساعات الوتر فقال أحبها الي الفجر الأول».
و عن معاوية بن وهب في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ساعات الوتر فقال الفجر أول ذلك».
و روى الشهيد في الذكرى (2) قال: «روى ابن أبي قرة عن زرارة ان رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الوتر أول الليل فلم يجبه فلما كان بين الصبحين خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) الى المسجد فنادى أين السائل عن الوتر؟ (ثلاث مرات) نعم ساعة الوتر هذه ثم قام و أوتر».
و روى ثقة الإسلام في الكافي عن ابان بن تغلب (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) آية ساعة كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوتر؟ فقال مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب».
قال في الذكرى: و قد سلفت رواية الحجال عن الصادق (عليه السلام) (4) في تقديم ركعتين من أول الليل فان استيقظ صلى صلاة الليل و أوتر و إلا صلى ركعة و احتسب بالركعتين شفعا، و عليه تحمل
رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) «مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يبيتن إلا بوتر».
و يجوز حملها على التقية لأن عندهم وقت الوتر ما بين العشاء الى الفجر (6)
و يروون عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «الوتر جعله الله لكم ما بين صلاة العشاء الى طلوع الفجر» (7).
ثم أجاب عما ذهب إليه العامة.
أقول: اما ما ذكره من رواية الحجال فقد تقدم الكلام فيها مستوفى في الفائدة السادسة عشرة من فوائد المقدمة الثانية و بينا المعنى المراد منها. و اما رواية زرارة فقد
____________
(1) الوسائل الباب 54 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 54 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 54 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 44 من المواقيت.
(5) المروية في الوسائل في الباب 29 من أعداد الفرائض.
(6) المغني ج 2 ص 161.
(7) سنن البيهقي ج 2 ص 478.
238
تقدم الكلام فيها موضحا منقحا في الفائدة السادسة من الفوائد المشار إليها و بينا ان المراد بالوتر فيها انما هو الوتيرة فلا ضرورة الى ما ذكره هو و غيره من التأويلات البعيدة و الاحتمالات الغير السديدة.
(الخامس) [لو قدم الوتر و ركعتي الفجر ثم انكشف بقاء الليل]
- قد تقدمت الأخبار الدالة على انه متى ضاق الوقت إلا عن الوتر و ركعتي الفجر خاصة فإن الأفضل له ان يقدم ذلك على صلاة الليل، اما لو فعل ذلك ثم انكشف بقاء الليل فقال في الدروس و نحوه في الذكرى انه يضيف الى ما صلى ستا و يعيد ركعة الوتر و ركعتي الفجر، ثم نسبه الى الشيخ المفيد ثم نقل في الكتابين عن الشيخ علي بن بابويه انه يعيد ركعتي الفجر لا غير. أقول: ظاهر كلام الشيخين المذكورين ان الحكم في هذه المسألة هو اضافة ست ركعات الى ما صلاه بنقل ركعتي الفجر إلى صلاة الليل و زيادة ست ركعات عليها لتكمل ثمان ركعات ثم إعادتها بعد ذلك و انما اختلف كلامهما في إعادة مفردة الوتر فظاهر الشيخ علي بن بابويه عدم إعادتها و ظاهر الشيخ المفيد إعادتها. و قال في الذكرى بعد ذكر ذلك- ثم نقل عن الشيخ في المبسوط انه لو نسي ركعتين من صلاة الليل ثم ذكر بعد ان أوتر قضاهما و أعاد الوتر- ما لفظه: و كأن الشيخين نظرا الى ان الوتر خاتمة النوافل ليوترها.
و الذي وقفت عليه من الأخبار مما يتعلق بهذه المسألة
ما رواه الشيخ عن علي بن عبد العزيز (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم و انا أتخوف الفجر؟ قال فأوتر. قلت فانظر فإذا علي ليل؟ قال فصل صلاة الليل».
و عن إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض أصحابنا- و أظنه إسحاق بن غالب- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا قام الرجل من الليل فظن ان الصبح قد أضاء فأوتر ثم نظر فرأى ان عليه ليلا؟ قال يضيف الى الوتر ركعة ثم يستقبل صلاة الليل ثم يوتر بعده».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 46 من أبواب المواقيت.
239
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «و ان كنت صليت الوتر و ركعتي الفجر و لم يكن طلع الفجر فأضف إليها ست ركعات و أعد ركعتي الفجر و قد مضى الوتر بما فيه».
و أنت خبير بان الظاهر من الوتر في هذه الأخبار هو مجموع الركعات الثلاث كما استفاض إطلاقه عليها في الأخبار و قد تقدم بيانه في المقدمة الثانية، و حينئذ فقوله في الخبر الأول «فصل صلاة الليل» يحتمل حمله على الركعات الثمان خاصة كما وقع إطلاقه عليها في الأخبار و ان أطلق في بعض على ما يدخل فيه الوتر، و يحتمل حمله على الأعم و يحتمل- على بعد- البناء على ما صلى كما ذكره الشيخ المفيد من اضافة الست، و حينئذ فمعنى قوله «فصل صلاة الليل» أي أتم صلاة الليل، و كيف كان فالخبر المذكور لا يخلو من الإجمال.
و اما الرواية الثانية فظاهرها انه يعتد بما فعله من ركعات الوتر من صلاة الليل و يضيف إلى المفردة أخرى ليتم بها عدد اربع ركعات ثم يتم الثمان صلاة الليل و يوتر. و لم أقف على قائل به. و اما عبارة كتاب الفقه فالظاهر انه معتمد الشيخين المتقدمين فيما قدمنا إيضاحه من كلاميهما و ان كان الشيخ المفيد صرح بإعادة مفردة الوتر بعد ذلك ايضا بالتقريب الذي ذكره في الذكرى. و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت من تصادم هذه الأخبار، و الاحتياط لا يخفى.
(السادس) [العدول من نافلة الصبح إلى الوتر]
-
روى الشيخ في التهذيب عن علي بن عبد الله بن عمران عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت في صلاة الفجر فخرجت و رأيت الصبح فزد ركعة إلى الركعتين اللتين صليتهما قبل و اجعله وترا».
قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى بعد ذكر هذا الخبر: و فيه تصريح بجواز العدول من النفل الى النفل لكن ظاهره انه بعد الفراغ كما ذكر مثله في الفريضة، و يمكن حمل الخروج على رؤية الفجر في أثناء الصلاة كما حمل الشيخ الفراغ في الفريضة على مقارنة الفراغ.
____________
(1) ص 13.
(2) الوسائل الباب 46 من المواقيت.
240
أقول: اما ما ذكره من تصريح الخبر بجواز العدول حسبما ذكره فقد تقدم في سابق هذا الموضع ما يؤيده أيضا و يؤكده. و اما ما ذكره في تأويل الخروج حيث ان ظاهر الخبر الخروج في أثناء الصلاة فالظاهر بعده، و الأقرب حمل الكلام على التجوز و ان المراد بالكون في صلاة الفجر الإتيان بركعتي الفجر، و يحمل الخبر على ما إذا كان الوقت ضيقا فصلى صلاة الفجر لعدم اتساعه لأزيد منها فأمره (عليه السلام) بأن الأفضل تقديم الوتر و ان ينقل ما صلاة إلى ركعتي الوتر و يضيف إليهما ثالثة، و باب التجوز في أمثال ذلك غير عزيز.
و المحدث الكاشاني لما نقل الخبر المذكور في الوافي قال: هكذا في النسخ التي رأيناها و الصواب «الليل» مكان «الفجر» يعني إذا كنت قد صليت من صلاة الليل ركعتين فرأيت الصبح فاجعله وترا. و هو في حد ذاته معنى جيد لكن حمل الأخبار على ذلك لا يخلو من اشكال. و الله العالم.
(المسألة الرابعة) [وقت ركعتي الفجر]
- المشهور بين الأصحاب ان أول وقت ركعتي الفجر الفراغ من صلاة الليل و الوتر و ان كان ذلك قبل الفجر الأول، لكن قال في المعتبر ان تأخيرهما حتى يطلع الفجر الأول أفضل. و قيل ان أول وقتهما بعد طلوع الفجر الأول، و نقل عن السيد المرتضى و الشيخ في المبسوط و به صرح العلامة في الإرشاد.
و اما آخر وقتهما فالمشهور انه يمتد الى طلوع الحمرة فإن طلعت و لم يصلهما بدأ بالفريضة. و قيل بامتداد وقتهما الى الفجر الثاني و هو المنقول عن ابن الجنيد و اختاره الشيخ في كتابي الأخبار، قال ابن الجنيد على ما نقل عنه: وقت صلاة الليل و الوتر و الركعتين من حين انتصاف الليل الى طلوع الفجر على الترتيب.
و الأظهر عندي ان وقتهما بعد صلاة الليل و ان كان الأفضل تأخيرهما الى بعد الفجر الأول و ان وقتهما ينتهى بطلوع الفجر الثاني فلو طلع و لم يصلهما بدأ بالفريضة.
لنا على الحكم الأول- الأخبار الدالة على جعلهما مع صلاة الليل كائنة ما كانت:
241
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر (1) قال:
«سألت الرضا (عليه السلام) عن ركعتي الفجر فقال احشو بهما صلاة الليل».
و في الصحيح عن ابن ابي نصر ايضا (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ركعتي الفجر أصليهما قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال قال أبو جعفر (عليه السلام) احش بهما صلاة الليل و صلهما قبل الفجر».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول صل ركعتي الفجر قبل الفجر و بعده و عنده».
و في الصحيح عن ابن ابي يعفور (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ركعتي الفجر متى أصليهما؟ فقال قبل الفجر و معه و بعده».
و المراد بالفجر في هذه الأخبار هو الفجر الأول كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله.
و في الموثق بابن بكير عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال:
«انما على أحدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة ثم ان شاء جلس فدعا و ان شاء نام و ان شاء ذهب حيث شاء».
و في الموثق بابن بكير ايضا عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث «و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل منها الوتر و ركعتا الفجر».
و في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) «و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر».
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي يقف عليها المتتبع، و منها
صحيحة زرارة الآتية و قوله فيها «انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 50 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 50 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 52 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 52 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 35 من التعقيب.
(6) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض.
(7) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض.
242
و اما على الحكم الثاني فما قدمناه من الأخبار الدالة على ان أفضل أوقات الوتر بعد طلوع الفجر الأول و من المعلوم ان ركعتي الفجر مرتبة على الوتر لا تصلي إلا بعده.
و اما ما استدل به في المدارك على ذلك- حيث انه اختار ما ذكرناه من ان التأخير الى ان يطلع الفجر الأول أفضل حيث قال: و يدل على ان الأفضل تأخيرهما حتى يطلع الفجر الأول
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلهما بعد ما يطلع الفجر».
و انما حملنا لفظ الفجر على الأول ليناسب الأخبار السالفة، و لعل هذه الرواية مستند الشيخ و المرتضى في جعلهما ذلك أول الوقت و الجواب المعارضة بالأخبار المستفيضة المتضمنة للأمر بفعلهما مع صلاة الليل من غير تقييد بطلوع الفجر الأول، مع إمكان القدح في هذه الرواية بعدم وضوح مرجع الضمير. انتهى- فهو غير واضح في كون المراد الفجر الأول كما اعترف به و ما ذكرناه من الدليل أظهر في المراد.
أقول: و مثل هذه الرواية التي ذكرها
صحيحة يعقوب بن سالم البزاز (2) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلهما بعد الفجر و اقرأ فيهما في الأولى قل يا ايها الكافرون و في الثانية قل هو الله أحد».
و اما ما ذكره من الإيراد عليهما بالأخبار المتقدمة فلهما ان يجيبا بحمل ذلك على الرخصة في التقديم و الدس في صلاة الليل و ان كان الوقت الموظف هو ما بعد الفجر الأول للروايات المتقدمة المعتضدة بظاهر هاتين الروايتين.
و لنا على الحكم الثالث ما دل من الأخبار على عدم جواز النافلة بعد دخول وقت الفريضة (3) كما سيأتي ان شاء الله تعالى، خرج ما خرج بدليل و بقي ما بقي.
و خصوص
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4)
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 51 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 51 من أبواب المواقيت.
(3) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 50 من المواقيت.
243
قال: «سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل أ تريد ان تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».
و حسنة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما؟ قال قبل طلوع الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة».
و عن زرارة أيضا عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في وصف صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و فيها «ثم يصلى ثلاث عشرة ركعة: منها الوتر و منها ركعتا الفجر قبل الغداة فإذا طلع الفجر و أضاء صلى الغداة».
و يؤيد هذه الأخبار تأييدا ظاهرا الأخبار المتقدمة في إدخالها في صلاة الليل بل دلالة جملة منها على انها من صلاة الليل التي لا خلاف في ان وقتها قبل الفجر الثاني:
و في موثقة أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت ركعتا الفجر من صلاة الليل هي؟ قال نعم».
و رواية محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أول وقت ركعتي الفجر فقال سدس الليل الباقي».
و قوله في صحيحة زرارة المذكورة «انهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل».
و روى الشيخ في التهذيب عن المفضل بن عمر (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم و انا أشك في الفجر؟ فقال صل على شكك فإذا طلع الفجر فأوتر و صل الركعتين فإذا أنت قمت و قد طلع الفجر فابدأ بالفريضة و لا تصل غيرها فإذا فرغت فاقض مكانك. الخبر».
و هو ظاهر الدلالة واضح المقالة لظاهر الأمر بالبدأة بالفريضة الدال على الوجوب و النهي عن صلاة غيرها الدال على التحريم. و اما صدر الخبر فمحمول
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب المواقيت.
(2) الوسائل الباب 10 من المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 50 من أبواب المواقيت.
(5) الوسائل الباب 48 من المواقيت.
244
على من صلى بشكه في الوقت ثم تبين الوقت بعد تمام صلاة الليل فإنه يتمها بالوتر و ركعتي الفجر كما تقدم في الأخبار فلا منافاة.
و استدل السيد السند (قدس سره) للقول المشهور
بقول الصادق (عليه السلام) (1) «صلهما قبل الفجر و معه و بعده».
قال: و البعدية تستمر الى ما بعد الاسفار و طلوع الحمرة، قال و يدل على انتهاء الوقت بذلك
صحيحة علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلى الغداة حتى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخرهما؟ قال يؤخرهما».
ثم نقل استدلال الشيخ (قدس سره) على ما نقل عنه من الانتهاء بطلوع الفجر الثاني بصحيحة زرارة المتقدمة، ثم قال و يمكن التوفيق بين الروايات اما بحمل لفظ الفجر في الروايات السابقة على الأول و يراد بما بعد الفجر ما بعد الأول و قبل الثاني أو بحمل الأمر في هذه الرواية على الاستحباب، و لعل الثاني أرجح. انتهى.
أقول: لا يخفى ان دلالة صحيحة علي بن يقطين على ما ذكره انما هو بالمفهوم الضعيف و اخبار «صلهما قبل الفجر و معه و بعده» مجملة قابلة للاحتمال على الفجر الأول و مثل هذا لا يقابل به ما ذكرناه من الأخبار و لا سيما صحيحة زرارة الأولى لما هي عليه من الصراحة على أبلغ وجه و قريب منها حسنته ايضا.
و ههنا أخبار دالة على القول المشهور أوضح مما نقله و لكنها ضعيفة السند و الظاهر انه لأجل ذلك اعرض عن نقلها و اعتمد على ما نقله لصحة سنده و أغمض النظر عن ضعف دلالته كما هي عادته من دورانه مدار الأسانيد و ان اشتملت المتون على عدة من العلل فمما يدل على القول المشهور بدلالة واضحة الظهور
رواية إسحاق بن عمار عن من أخبره عنه (عليه السلام) (3) قال: «صل الركعتين ما بينك و بين ان يكون الضوء حذاء رأسك فإن كان بعد ذلك فابدأ بالفجر».
____________
(1) الوسائل الباب 52 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 51 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 51 من المواقيت.
245
و رواية الحسين بن ابي العلاء (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يقوم و قد نور بالغداة؟ قال فليصل السجدتين اللتين قبل الغداة ثم ليصل الغداة».
و رواية أبي بكر الحضرمي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال حين يعترض الفجر و هو الذي تسميه العرب الصديع».
و هذه الأخبار كما ترى صريحة في مخالفة الأخبار التي قدمناها فالواجب الرجوع الى المرجحات، و من القواعد المنصوص عليها في مقام اختلاف الأخبار و ان اعرض عن العمل بها جملة من علمائنا الأبرار (رفع الله تعالى منازلهم في دار القرار) هو عرضها على مذهب العامة و الأخذ بخلافه.
و قد نقل جملة من مشايخنا (رضوان الله عليهم) ان جمهور العامة- كما ذكره شيخنا المجلسي في البحار- على ان هاتين الركعتين لا تصليان الا بعد طلوع الفجر الثاني، و من أخبارهم المنقولة في ذلك ما نقله في المنتهى
مما رواه الجمهور عن حفصة (3) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان إذا أذن المؤذن و طلع الفجر يصلي الركعتين».
و حينئذ فالواجب حمل هذه الأخبار على التقية، و يوضح ذلك بأي إيضاح
رواية أبي بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متى أصلي ركعتي الفجر؟ قال فقال لي بعد طلوع الفجر. قلت له ان أبا جعفر (عليه السلام) أمرني أن أصليهما قبل طلوع الفجر؟ فقال لي يا أبا محمد ان الشيعة أتوا أبي مسترشدين فأفتاهم بمر الحق و أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية».
و ممن وافقنا في هذا المقام شيخنا البهائي (عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين فقال: و المراد بالفجر فيما تضمنه الحديث السابع و التاسع من صلاة ركعتي الفجر
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 51 من المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 51 من المواقيت.
(3) المهذب للشيرازي ج 1 ص 82 و سنن البيهقي ج 2 ص 471.
(4) المروية في الوسائل في الباب 50 من المواقيت.
246
قبله و بعده و عنده الفجر الأول كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الثامن (1) «احشو بهما صلاة الليل» إذ المراد صلاتهما في وقتها و الحديث الحادي عشر و التاسع عشر صريحان في ان وقتهما قبل الفجر. انتهى. و أشار بالحادي عشر إلى صحيحة زرارة المتقدمة (2) و بالتاسع عشر الى حسنته المذكورة بعدها.
و اما ما ذكره المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بعد نقله لصحيحة زرارة المشار إليها- حيث قال: قلت ينبغي ان يعلم ان الغرض في هذا الحديث من ذكر التطوع بالصوم لمن عليه شيء من قضاء شهر رمضان معارضة ما علمه (عليه السلام) من زرارة و هو محاولة قياس ركعتي الفجر على غيرهما من النوافل المتعلقة بالفرائض حيث ان الوقت فيها متحد مع وقت الفريضة فيكون وقت ركعتي الفجر بعد طلوع الفجر و دخول وقت الفريضة، و حاصل المعارضة أن اشتغال الذمة بالصوم الواجب مانع من التطوع به فيقاس عليه حكم ركعتي الفجر و يقال ان دخول وقت الفريضة بطلوع الفجر يمنع من الاشتغال بالتطوع فلا مساغ لفعلهما بعد الفجر، و المطلوب بهذه المعارضة بيان فساد القياس لا التنبيه على الوجه الصحيح فيه فان الأخبار الكثيرة الدالة على جواز فعلهما بعد الفجر تنافيه و سنوردها، و احتمالها التقية كما ذكره الشيخ (قدس سره) في جملة وجوه تأويلها غير كاف في المصير الى تعين التقديم مع عدم صراحة أخباره فيه. إذ هي محتملة لإرادة ارجحيته على التأخير و لذلك شواهد ايضا تأتي، فيكون الجمع بين الأخبار بالحمل على التخيير مع رجحان التقديم اولى، و حينئذ يتعين حمل المعارضة الواقعة في هذا الخبر على المعنى الذي ذكرناه. انتهى كلامه زيد مقامه- ففيه نظر من وجوه (الأول) ان ما زعمه من حمل سؤال زرارة في هذا الخبر على المعنى الذي ذكره في المقام انما هو من قبيل المعمى و الألغاز الواقعين في شذوذ الكلام إذ لا قرينة و لا شاهد يؤذن به كما لا يخفى على ذوي الأفهام، و ليس السؤال في
____________
(1) صحيح احمد بن محمد بن ابى نصر ص 241.
(2) ص 243.
247
هذا الخبر إلا مثل اسئلته في جميع الأحكام، على ان ما ذكره من ان زرارة ظن قياس ركعتي الفجر على غيرهما من النوافل المتعلقة بالفرائض حيث ان الوقت فيها متحد ممنوع بان اتحاد الوقت في فريضتي الظهرين مع نوافلهما و فريضة المغرب مع نافلتها ظاهر لدلالة الأخبار على دخول وقت الظهرين بالزوال الى الغروب مع دلالتها على وقوع نافلتهما في جزء من هذا الوقت و كذا المغرب، اما هذه النافلة فلا لأن الأخبار دلت على ان وقت الفريضة من طلوع الفجر الثاني و دلت على ان النافلة انما تصلى قبل ذلك داخلة في صلاة الليل و انها من جملة صلاة الليل مع قطع النظر عن الروايات المانعة من إيقاعها بعد الفجر الثاني، فكيف يتوهم زرارة ما ذكره و توهمه من اتحاد الوقت في هذه النافلة مع فريضة الصبح كاتحاد نافلة الظهرين مع فريضتهما؟ ما هذا إلا عجيب من مثل هذا المحقق المذكور و لا اعرف له مستندا في هذا الوهم- ان كان- إلا قوله (عليه السلام) «أ تريد ان تقايس. الى آخره» و فيه ان الأظهر في معناه هو ما ذكره شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين، حيث قال: قوله (عليه السلام) في الحديث الحادي عشر «أ تريد ان تقايس؟» بالبناء للمفعول اي أ تريد ان يستدل لك بالقياس؟. و لعله (عليه السلام) لما علم ان زرارة كثيرا ما يبحث مع المخالفين و يبحثون معه في أمثال هذه المسائل أراد ان يعلمه طريق إلزامهم حيث انهم قائلون بالقياس، أو ان غرضه (عليه السلام) تنبيه زرارة على اتحاد حكم المسألتين و تمثيل مسألة لم يكن يعرفها بمسألة هو عالم بها و مثل ذلك قد يسمى قياسا و ليس مقصوده (عليه السلام) القياس المصطلح. انتهى.
أقول: و مما يعضد ما ذكره شيخنا المذكور (توجه الله تعالى بتاج من النور) ما سيأتي قريبا من
صحيحة زرارة المروية في المدارك (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلي نافلة و علي فريضة أو في وقت فريضة؟ قال لا انه لا تصلى نافلة في وقت
____________
(1) سيأتي منه «(قدس سره)» في المسألة الثانية من المقصد الثالث عدم وجود هذه الصحيحة في الوافي و الوسائل.
248
فريضة أ رأيت لو كان عليك صوم من شهر رمضان أ كان لك ان تتطوع حتى تقضيه؟
قلت لا. قال فكذلك الصلاة. قال فقايسني و ما كان يقايسني».
و هذه الرواية نظير تلك الرواية في انه ليس الغرض إلا السؤال عن الحكم المذكور و لا مجال فيها لما توهمه (قدس سره) ثمة من الوهم الذي هو في غاية القصور، و هي دالة بإطلاقها على ما ادعيناه في هذه المسألة خرج منها ما خرج و بقي الباقي تحت الإطلاق.
و مثل ذلك
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل رمى صيدا في الحل فمضى برميته حتى دخل الحرم فمات أ عليه جزاؤه؟ قال لا ليس عليه جزاؤه لأنه رمى حيث رمى و هو له حلال انما مثل ذلك مثل رجل نصب شركا في الحل الى جانب الحرم فوقع فيه صيد فاضطرب الصيد حتى دخل الحرم فليس عليه جزاؤه لأنه كان بعد ذلك شيء. فقلت له هذا القياس عند الناس؟ فقال انما شبهت لك شيئا بشيء».
و نحوه صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الصيد ايضا (2) حسبما دل عليه هذا الخبر.
و هذان الخبران ظاهران في المعنى الثاني الذي ذكره شيخنا المذكور من ان غرضه (عليه السلام) في ذلك الخبر التنظير و التمثيل.
و بذلك يظهر لك ان ما ذكره المحقق المذكور و تكلفه في الخبر المشار اليه تكلف بعيد و تمحل غير سديد، و لو تطرق مثل هذا التأويل البعيد للاخبار لم يبق دليل يمكن به الاستدلال إلا و للقائل فيه مقال و بذلك ينسد باب الاستدلال بالكلية. و الحق ان الخبر المذكور صريح الدلالة واضح المقالة فيما قلناه لا يعتريه القصور و لا يداخله الفتور.
(الثاني)- قوله: «فإن الأخبار الكثيرة الدالة على جواز فعلهما بعد الفجر تنافيه» فإنه أشار بالأخبار المذكورة الى الأخبار المشتملة على
قوله (عليه السلام):
«صل ركعتي الفجر قبله و بعده و عنده»
لان هذه الأخبار هي الأخبار الصحيحة كما عرفت،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من كفارات الصيد.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من كفارات الصيد.
249
و أصحاب هذا الاصطلاح و لا سيما هذا المحقق الذي قد زاد على الاصطلاح في كتابه المذكور اصطلاحا آخر مبالغة في الصحيحة انما يدورون مدار صحة الأسانيد و الا فالأخبار التي قدمناها صريحة في هذا القول كلها لكنها لضعف أسانيدها لم يعملوا بها و لم يذكروها و أنت قد عرفت قيام الاحتمال في متون هذه الأخبار بحمل الفجر فيها على الفجر الأول بل هو الراجح الذي عليه المعول لانه به يحصل جمعها مع الأخبار المتقدمة الدالة على انها من صلاة الليل و ان وقتها بعد صلاة الليل كما عرفت من الأخبار المتكاثرة، و الى ذلك أشار شيخنا البهائي (قدس سره) فيما قدمناه من كلامه، و حينئذ فكيف تحصل المعارضة بها لما هو صريح الدلالة واضح المقالة؟ سيما بعد ما عرفت من بطلان توهمه الذي تكلفه و زعمه الذي تصلفه، و قد اشتهر في كلامهم و تداول على رؤوس أقلامهم انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.
(الثالث)- ما طعن به في الحمل على التقية- من انه غير كاف في المصير الى تعين التقديم مع عدم صراحة أخباره فيه- فان فيه ان الأخبار التي قدمناها ما بين صريح في ذلك و ما بين ظاهر تمام الظهور، اما صحيحة زرارة التي كشفنا عنها نقاب الالتباس بما لا يخفى على عوام الناس فصراحتها أظهر من ان ينكر، و نحوها حسنته المذكورة بعدها الدالة على السؤال عن وقت الركعتين بقوله «اين موضعهما؟ فقال قبل الفجر فإذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة» و الأخبار المستفيضة بالأمر بجعلهما في صلاة الليل و الأخبار الدالة على انهما من جملة صلاة الليل التي قد علم ان وقتها من الانتصاف الى طلوع الفجر الثاني، و يعضدها الأخبار الدالة على فعل النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) لها قبل الفجر، و يؤكدها الأخبار الدالة على المنع من النافلة في وقت الفريضة.
و بالجملة فإن هذه الأخبار كملا قد اشتملت على ان الوقت الموظف لهاتين الركعتين قبل الفجر فيجب الوقوف على ما وظفته و عدم الخروج عنه لان العبادات الشرعية توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة، و لم يعارضها بزعمهم إلا تلك الأخبار
250
المجملة القابلة للحمل على هذه الأخبار بحمل الفجر فيها على الفجر الأول و متى حملناها على هذا المحمل لم يحتج فيها للحمل على التقية، نعم ذلك انما هو في الأخبار الصريحة في هذا القول و هي الأخبار الضعيفة باصطلاحهم كما تقدمت، و بذلك يظهر لك ان دعواه صارت مقلوبة عليه كما عرفته من هذا التحقيق الذي لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه فان عدم الصراحة انما هي في اخباره لا في أخبارنا.
(الرابع)- ما ذكره- من الجمع بين الأخبار بالتخيير مع أفضلية التقديم كما تقدمه فيه السيد السند في المدارك فيما قدمنا من كلامه- فان فيه انه يا لله و العجب العجاب من هؤلاء الأجلاء الأطياب انه إذا كان الحال عندهم في جميع الأحكام متى تعارضت فيها الأخبار انما يجمع بينها بحمل النهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب كما عرفته من طريقتهم في جميع الأبواب فليت شعري أي وجه و اي غرض و علة في وضع الأئمة هذه القواعد التي استفاضت بها اخبارهم؟ و لمن خرجت و من خوطب بها؟ و اين الأخبار المختلفة التي تجري فيها هذه القواعد إذا كان علمهم في جميع أبواب الفقه و أحكامه انما هو على هذه القاعدة التي ابتدعوها و الطريقة التي اخترعوها؟ و هل هذا إلا إعراض عما أسسه لهم أئمتهم الأطياب و مقابلة بالاجتهاد الصرف الذي لم يرد به سنة و لا كتاب؟
هذا مع ما عرفت في غير موضع من بطلان هذه القاعدة في حد ذاتها و فسادها في نفسها.
و الله الهادي لمن يشاء.
و منشأ معظم الشبهة في جواز صلاتهما بعد الفجر الثاني بعد الأخبار الدالة على الجواز هو الأخبار الدالة على إتمام صلاة الليل بعد التلبس منها بأربع ركعات و الأخبار الدالة على جواز صلاة الليل كملا و لما يتلبس بشيء منها. و أنت خبير بأنك إذا رجعت الى ما ذكرناه من الأخبار و استدللنا به في المقام بالتقريب الذي ذكرناه في الوجه الثالث من وجوه النظر في كلام المحقق المذكور يظهر لك ان الظاهر هو العمل على ما ذكرناه و ان التأويل يجب ان يكون في هذه الأخبار الباقية بحمل ما ظهر منها في جواز التقديم على التقية و حمل اخبار التقديم
251
مطلقا على ما قدمناه من الرخصة في بعض الأوقات و كذلك اخبار التلبس بأربع ركعات لان الرخص في مقام المنع و التحريم كثيرة في الشريعة.
[تنبيهات]
بقي في المقام فوائد يجب التنبيه عليها
(الاولى) [النظر في كلام المجلسي و الشهيد في خبر أبي بصير في المقام]
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار- بعد ذكر خبر ابي بصير الذي قدمناه مستندا للحمل على التقية بعد ان ذكر ان جمهور العامة ذهبوا الى أنهما تصليان بعد الفجر الثاني و انه أيد بما رواه أبو بصير ثم ساق الرواية- ما لفظه: و يمكن حمل هذا الخبر ايضا على أفضلية التقديم و التقية كانت فيما يوهمه ظاهر كلامه (عليه السلام) من تعين التأخير. انتهى. و الظاهر انه اعتمد في ذلك على ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى حيث انه- بعد ان نقل عن الشيخ (قدس سره) حمل تلك الأخبار على التقية و الاستدلال عليه برواية أبي بصير المذكورة- قال بعد ذكر الرواية: و هذا الخبر يدل على ان تقديمهما أفضل لا على ان ذلك هو الوقت المخصوص. انتهى. و كأنه نظر الى ان الرواية إنما اشتملت على السؤال عن إيقاعهما قبل الفجر أو بعده لا على السؤال عن الوقت المعين لهما و انه قبل الفجر أو بعده، و حينئذ فغاية ما تدل عليه أفضلية التقديم و ان أمر الباقر (عليه السلام) بذلك انما هو على جهة الفضل و الاستحباب فلا ينافيه جواز الإيقاع بعد الفجر، و على هذا فأمر الصادق (عليه السلام) بالتأخير بعد طلوع الفجر بمعنى تعين التأخير و عدم جواز التقديم محمول على التقية كما ذكره (عليه السلام) حيث ان العامة يوجبون التأخير و لا يجوزون التقديم، و هذا لا يمنع من جواز التأخير و لا يستلزم ان يكون جواز التأخير محمولا على التقية. فلا دلالة في الخبر حينئذ على ما ذكروه من التأييد للحمل على التقية. و لا يخفى ما فيه من التكلف الشديد و البعد عن ظاهر السياق بما لا نهاية عليه و لا مزيد فان الظاهر المتبادر من ظاهر سياق الخبر انما هو السؤال عن وقت الركعتين المذكورتين الذي تصليان فيه فأجاب الباقر (عليه السلام) بأنه قبل طلوع الفجر و أجاب الصادق (عليه السلام) بأنه بعده فالسائل استغرب ذلك و استبعده لان هذا جعل وقتا معينا و الآخر جعل لها وقتا آخر غيره ففحص و سأل
252
عن ذلك فأخبره الصادق (عليه السلام) ان الوقت الشرعي انما هو ما افتى به أبوه (عليه السلام) و اما الوقت الذي افتى هو به فإنما هو على جهة التقية. هذا مقتضى سياق الخبر و لو كان الأمر كما زعموه من المعنى الذي ذكرناه لم يكن لمراجعة أبي بصير و سؤاله مرة أخرى معنى يعول عليه. و الحق ان الخبر المذكور ظاهر في الاستشهاد كما ذكره الشيخ و ارتكاب ما ذكروه تكلف بعيد عن سياق الخبر. و الله العالم.
(الثانية) [دفع توهم امتداد وقت ركعتي الفجر بامتداد الفريضة]
- نقل بعض الأصحاب عن الشهيد (قدس سره) في الذكرى الميل الى القول بامتداد وقت الفجر بامتداد الفريضة
لرواية سليمان بن خالد عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الركعتين قبل الفجر قال تركعهما حين تركع الغداة انهما قبل الغداة».
و حمل صحيحة علي بن يقطين المتقدمة الدالة على التأخير إلى الاسفار و ظهور الحمرة على الفضيلة، و نفى عنه البعد المحدث الكاشاني في كتابه المعتصم بعد ان اختار مذهب الأكثر. و أنت خبير بان قوله (عليه السلام) في رواية سليمان بن خالد المذكورة «تركعهما حين تركع الغداة» لو حمل على الخبر كما ادعوه و جعلوه محل الاستدلال للزم منه المنافاة لقوله «انهما قبل الغداة» بل الظاهر انه في مقام الاستفهام الإنكاري ليلائم قوله «انهما قبل الغداة» مؤكدا ب«ان» و إلا فأي ملازمة بين الأمر بفعلهما حين الغداة و بين ما بعده من الكلام المؤكد الدال على انهما قبل الغداة، و يؤيد ما قلناه ان الشيخ في الاستبصار نظم هذه الرواية في سلك ما اختاره من الروايات الدالة على انتهاء الوقت بطلوع الفجر الثاني، و حينئذ فالرواية المذكورة من جملة أدلة القول الذي اخترناه.
(الثالثة) [هل يستحب إعادة ركعتي الفجر بعد الفجر الأول لو صلاهما قبله؟]
- قد نقل عن الشيخ و جماعة من الأصحاب استحباب اعادة الركعتين المذكورتين بعد الفجر الأول لو صلاهما قبله استنادا إلى
صحيحة حماد بن عثمان (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) ربما صليتهما و علي ليل فان نمت و لم يطلع
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 51 من المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 51 من المواقيت.
253
الفجر أعدتهما».
و في بعض النسخ «فان قمت» بالقاف مكان النون.
و عن زرارة في الموثق بابن بكير (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول اني لأصلي صلاة الليل فأفرغ من صلاتي و أصلي الركعتين فأنام ما شاء الله قبل ان يطلع الفجر فان استيقظت عند الفجر أعدتهما».
و ظاهر الخبرين كما ترى تخصيص الإعادة بالنوم بعدهما لا مطلقا كما هو المدعى.
و ظاهر هذين الخبرين عدم كراهة النوم بعد صلاة الليل و قبل الصبح، و فيه رد لما ذكره الشيخ و جملة من الأصحاب من الحكم بالكراهة استنادا الى
ما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي (2) قال: «قال أبو الحسن الأخير (عليه السلام) إياك و النوم بين صلاة الليل و الفجر و لكن ضجعة بلا نوم فان صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته».
و مما يؤيد الخبرين الأولين
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الموثق عن ابن بكير (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما كان يجهد الرجل ان يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة ثم ينام أو يذهب».
اي ان ذلك لا يشق عليه بل هو سهل يسير، و في بعض النسخ «يحمد» مكان «يجهد» و به تنتفي دلالته على ذلك.
و عن زرارة في الموثق عن ابن بكير عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال:
«انما على أحدكم إذا انتصف الليل ان يقوم فيصلي صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة ثم ان شاء جلس فدعا و ان شاء نام و ان شاء ذهب حيث شاء».
و الذي يقرب عندي ان ما نقل عن الشيخ و الجماعة من الحكم المذكور انما استندوا فيه الى الخروج عن خلاف المرتضى و الشيخ في المبسوط القائلين بأن وقت هاتين الركعتين انما هو بعد الفجر الأول و اخبارهم التي استدلوا بها على ذلك، و ما ذكروه من استنادهم إلى صحيحة حماد بن عثمان و موثقة زرارة المذكورتين انما هو تكلف ممن نقل ذلك عنهم
____________
(1) الوسائل الباب 51 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 35 من التعقيب.
(3) رواه في الوسائل في الباب 53 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 35 من التعقيب.
254
حيث لم يروا لهم دليلا ظاهرا غير هاتين الروايتين فذكروهما مستندا لهم و أوردوا عليهما ما ذكرناه.
نعم بقي الكلام في اختلاف هذه الأخبار في كراهة النوم بعد الركعتين و عدمها و لعل الترجيح لاخبار الجواز لفعل الإمامين الهمامين (عليهما السلام) ذلك مؤيدا بالخبرين الأخيرين. و يمكن الجمع بحمل خبر المروزي على اتخاذ ذلك عادة و الأخبار الآخر على وقوعه أحيانا. و يمكن ايضا ان يقال انه لا منافاة بين الجواز و الكراهة فيحمل ما دل على الجواز على كون ذلك جائزا و ان كره و فعل الامام (عليه السلام) يحمل على بيان الجواز كما في جملة من الأحكام المكروهة التي نقل عنهم (عليهم السلام) فعلها فإن الأصحاب حملوها على بيان الجواز، و نحوها كثير من المستحبات التي ورد عنهم (عليهم السلام) تركها لبيان الجواز ايضا. و بالجملة فإنهم إنما فعلوا ذلك في المقام لئلا يتوهم الناس التحريم في ذلك المكروه من حيث ورود النواهي و الوجوب من حيث ورود الأوامر تعليما و تفهيما و توقيفا على بيان الحكمين المشار إليهما. و الله العالم.
(المقصد الثالث)- في الأحكام
و فيه أيضا مسائل
[المسألة] (الأولى) [وجوب الصلاة في الأوقات المحدودة هل هو موسع أو مضيق؟]
المشهور بين الأصحاب وجوب الصلاة في الأوقات المحدودة في الأخبار المتقدمة وجوبا موسعا من أول الوقت الى آخره لا يتضيق إلا بظن الوفاة، و نقل في المنتهى عن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قال: ان أخرها ثم اخترم في الوقت قبل ان يؤديها كان مضيعا لها و ان بقي حتى يؤديها في آخر الوقت أو فيما بين الأول و الآخر عفى عن ذنبه. قال في المنتهى و فيه تعريض بالتضيق ثم نقل عنه انه قال في موضع آخر: ان أخرها لغير عذر كان عاصيا و يسقط عقابه لو فعلها في بقية الوقت. و نقل في المختلف عن الشيخ انه قال الصلاة تجب في أول الوقت وجوبا موسعا و الأفضل تقديمها في أول الوقت، قال و من أصحابنا من قال تجب بأول الوقت وجوبا موسعا و الأفضل تقديمها في أول الوقت، قال و من أصحابنا من قال تجب بأول الوقت وجوبا موسعا و الأفضل تقديمها في أول الوقت، قال و من أصحابنا من قال تجب بأول الوقت وجوبا مضيقا الا أنه متى لم يفعله لم يؤاخذ به عفوا من الله تعالى و الأول أبين في المذهب. ثم نقل في المختلف ايضا عن الشيخ المفيد ما نقله عنه أولا
255
في المنتهى ثم قال و هو يشعر بالتضيق، ثم نقل عن ابن ابي عقيل انه قال ان أخر الصحيح السليم الذي لا علة به من مرض و لا غيره و لا هو مصل سنة صلاته عامدا من غير عذر الى آخر الوقت فقد ضيع صلاته و بطل عمله و كان عندهم إذا صلاها في آخر وقتها قاضيا لا مؤديا للفرض في وقته. ثم نقل في المختلف عن الشيخ المفيد انه احتج
بما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لكل صلاة وقتان و أول الوقت أفضله و ليس لأحد ان يجعل آخر الوقتين وقتا إلا من عذر».
ثم قال: و الجواب ان الحديث يدل على ان التقديم من باب الاولى لا انه واجب وجوبا مضيقا. انتهى.
أقول: لا يخفى انه قد تقدم منا ما هو التحقيق في المقام و بيان ما فيه من إبرام النقض و نقض الإبرام، و قد ذكرنا ان ما نسبوه للشيخ المفيد من القول بالتضيق ليس في محله و انما كلامه (قدس سره) وقع على نهج الأخبار المستفيضة في المسألة من ان لكل صلاة وقتين و ان الوقت الثاني انما هو لذوي الاعذار و الاضطرار و ان من أخر الصلاة اليه و لم يكن كذلك كان تحت المشيئة لا يجب على الله تعالى قبول عمله ان شاء عذبه و ان شاء عفى عنه. و هو ظاهر في حصول العصيان بالتأخير و ان وقعت الصلاة أداء. و نحوه كلام ابن ابي عقيل إلا انه بالغ في ذلك بنسبته إلى إبطال العمل و كونه قاضيا للفرض لا مؤديا. و بالجملة فإن ما ذكره شيخنا المفيد هو الذي تكاثرت به الأخبار المتقدمة كما أوضحناه بما لا مزيد عليه، و مراده بأول الوقت يعني الوقت الأول من الوقتين اللذين دلت الأخبار عليهما بالنسبة الى كل صلاة.
(المسألة الثانية) [هل تجوز النافلة بعد دخول وقت الفريضة؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه هل يجوز صلاة النافلة مبتدأة أو قضاء عن راتبة بعد دخول وقت الفريضة أم لا؟ جزم الشيخان بالمنع و به صرح المحقق في المعتبر و أسنده إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه،
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من أبواب المواقيت.
256
و اختاره العلامة في جملة من كتبه، و صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض بأنه المشهور بين المتأخرين. و اختار شيخنا الشهيد في الذكرى الجواز و هو ظاهر الشهيد الثاني في الروض و تبعهما عليه جملة من متأخري المتأخرين: منهم- السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهم. و المعتمد هو القول الأول.
و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
صحيحة زرارة المتقدمة قريبا (1) و قوله (عليه السلام) فيها «أ تريد ان تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».
و صحيحته الثانية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها؟ فقال يقضيها إذا ذكرها، الى ان قال (عليه السلام) و لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها».
و صحيحة ثالثة له ايضا رواها في الذكرى و سيأتي نقلها كملا ان شاء الله في المسألة الآتية (3) و فيها «إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة».
و صحيحة رابعة له نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض (4) و السيد السند في المدارك و شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين و لم أقف عليها بعد التتبع في كتاب الوافي الذي جمع فيه الكتب الأربعة و لا كتاب الوسائل الذي زاد فيه على ما في الكتب الأربعة و لكن كفى بالناقلين المذكورين حجة، و الظاهر ان من تأخر عن شيخنا الشهيد الثاني انما أخذها عنه، و هي
ما رواه زرارة في الصحيح قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلي نافلة و على فريضة أو في وقت فريضة؟ قال لا انه لا تصلى نافلة في وقت فريضة أ رأيت لو كان عليك من شهر رمضان أ كان لك ان تتطوع حتى تقضيه؟ قال قلت لا.
____________
(1) ص 243.
(2) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(4) ص 184 و في الوافي في باب (كراهة التطوع في وقت الفريضة) عن الحبل المتين.
257
قال فكذلك الصلاة. قال فقايسني و ما كان يقايسني».
و رواية زياد بن ابي عتاب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرك ان تترك ما قبلها من النافلة».
و حسنة نجية (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) تدركني الصلاة أو يدخل وقتها علي فأبدأ بالنافلة؟ قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) لا و لكن ابدأ بالمكتوبة و اقض النافلة».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة- و الرواية كما ترى صحيحة- عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «لا تصل من النافلة شيئا في وقت الفريضة فإنه لا تقضى نافلة في وقت فريضة فإذا دخل وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».
و ما رواه الصدوق في كتاب الخصال بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة (4) قال: «لا يصلي الرجل نافلة في وقت الفريضة إلا من عذر و لكن يقضي بعد ذلك إذا أمكنه القضاء قال الله تعالى «الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ دٰائِمُونَ» (5) الى ان قال لا يقضي النافلة في وقت الفريضة ابدأ بالفريضة ثم صل ما بدا لك».
و رواية أبي بكر الحضرمي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (6) قال: «إذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوع».
و رواية أديم بن الحر (7) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا يتنفل الرجل إذا دخل وقت الفريضة. قال و قال إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها».
و موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (8) قال: «قال لي رجل من أهل المدينة يا أبا جعفر ما لي لا أراك تتطوع بين الأذان و الإقامة كما يصنع
____________
(1) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(5) سورة المعارج، الآية 23.
(6) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(8) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
258
الناس؟ فقلت انا إذا أردنا أن نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة فإذا دخلت الفريضة فلا تطوع».
هذا ما حضرني من الأخبار التي تصلي لأن تكون مستندا لهذا القول المذكور و هي ظاهرة الدلالة عليه تمام الظهور و جملة منها صحيح باصطلاحهم المشهور.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ان نقل هذا القول قال: و استدلوا عليه
برواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي رجل من أهل المدينة.
إلى آخر الخبر كما قدمناه ثم ذكر بعدها روايتي أبي بكر الحضرمي و أديم بن الحر المذكورتين، ثم قال و في الجميع قصور من حيث السند باشتمال سند الرواية الاولى و الأخيرة على الطاطري و عبد الله بن جبلة و هما واقفيان و عدم ثبوت توثيق ابي بكر الحضرمي، نعم روى زرارة في الصحيح، ثم ساق صحيحته الرابعة التي نقلناها عن الروض و قال بعدها: و يمكن حمل هذه الروايات على الأفضلية كما تدل عليه
حسنة محمد بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو ابدأ بالفريضة؟ فقال ان الفضل ان تبدأ بالفريضة و انما أخرت الظهر ذراعا من عند الزوال من أجل صلاة الأوابين».
و موثقة سماعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و قد صلى اهله أ يبدأ بالمكتوبة أو يتطوع؟ فقال ان كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة و ان خاف فوت الوقت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة و هو حق الله تعالى ثم ليتطوع بما شاء».
ثم قال و يمكن الجمع بينها ايضا بتخصيص النهي الواقع عن التنفل بعد دخول وقت الفريضة بما إذا كان المقيم قد شرع في الإقامة كما تدل عليه
صحيحة عمر بن يزيد (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي ان يتطوع في وقت
____________
(1) الوسائل الباب 36 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
259
فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال إذا أخذ المقيم في الإقامة. فقال له الناس يختلفون في الإقامة؟
قال المقيم الذي تصلي معه».
انتهى.
و استدل في الذكرى لما اختاره من القول الثاني بموثقة سماعة المذكورة،
و ما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت أصلي في وقت فريضة نافلة؟ قال نعم في أول الوقت إذا كنت مع امام تقتدي به فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة».
و عن محمد بن مسلم، ثم ساق روايته المتقدمة الدالة على ان الفضل ان تبدأ بالفريضة، ثم نقل عن المانعين انهم احتجوابرواية أبي بكر الحضرمي
و رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها».
و ما روى عنهم (عليهم السلام) (3) «لا صلاة لمن عليه صلاة».
ثم قال: و الجواب لما تعارضت الروايات وجب الجمع بالحمل على الكراهة في هذا النهي و بنفي الصلاة الكاملة في الخبر الثاني، و قد ذكر فيما تقدم التصريح بأن قاضي الفريضة يصلي امامها نافلة ركعتين و ان النبي (صلى الله عليه و آله) فعل ذلك، قال الكليني و الصدوق (قدس سرهما): الله أنام النبي (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح رحمة للأمة. انتهى.
و في الروض استدل للقول المشهور
بقول النبي (صلى الله عليه و آله) «لا صلاة لمن عليه صلاة».
و بخبر زرارة الذي ذكره في الذكرى، ثم استدل لما اختاره من الجواز برواية سماعة و رواية إسحاق بن عمار المتقدم ذكرهما عن الذكرى
و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس فقال يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة».
و عن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (5) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس فركع ركعتين ثم صلى الصبح».
ثم ذكر صحيحة زرارة التي قدمنا نقلها
____________
(1) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(3) رواه في مستدرك الوسائل في الباب 46 من المواقيت عن النبي (ص).
(4) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
260
عنه آنفا، ثم حمل أخبار النهي على الكراهة جمعا.
أقول- و بالله الثقة- لا يخفى عليك بعد ما تلوناه من اخبار القول المشهور ما في كلامهم في المقام من القصور و ذلك من وجوه:
(الأول)- انه من القواعد المتكررة في كلامهم و المتداولة على رؤوس أقلامهم انهم لا يجمعون بين الأخبار إلا مع التكافؤ في الأسانيد و إلا فتراهم يطرحون الضعيف و يعملون على الصحيح، و من قواعدهم ايضا انه مع حصول الترجيح في أحد الجانبين فإنهم يعملون بالراجح و يجعلون التأويل في جانب المرجوح، و مقتضى هاتين القاعدتين هو العمل بما ذكرناه من الأخبار الدالة على القول المشهور لصحة كثير منها كما عرفت و كثرتها و صراحتها و ضعف ما قابلها سندا و عددا و دلالة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى و لكنهم (رضوان الله عليهم) لجمودهم على ما حضرهم من الأخبار و عدم التتبع لروايات المسألة كما هو حقه عكسوا القضية في الموضعين، و العجب من صاحب المدارك انه يطعن على روايتي محمد بن مسلم و أديم بن الحر باشتمالها على الطاطري و عبد الله بن جبلة مع انهما ثقتان فحديثهما معدود في الموثق و ان كان الموثق عنده من قسم الضعيف ثم يستدل بموثقة سماعة و يصفها بكونها موثقة مع ذكره تلك الروايتين بعنوان رواية فلان إيذانا بضعفهما و سؤال الفرق متجه، مع ان رواية سماعة قد اشتمل طريقها على عثمان بن عيسى الذي قد علم من طريقته عد حديثه في الضعيف زيادة على سماعة، فإن كان الخبر الموثق يصلح دليلا شرعيا فلا معنى لرده الخبرين المذكورين و إلا فلا معنى لتعلقه بخبر سماعة، و لكن أصحاب هذا الاصطلاح لضيق الخناق و لا سيما السيد المذكور لا يقفون على قاعدة و لا ضابطة (الوجه الثاني)- ما عرفت في غير مقام مما تقدم من ان ما اصطلحوا عليه في الجمع بين الأخبار بحمل النهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب قاعدة لم يرد بها نص و لا كتاب و ان اتخذوها قاعدة كلية في جميع الأبواب، و كيف لا و قد صرحوا في الأصول بأن النهي حقيقة في التحريم و الأمر حقيقة في الوجوب، فحمل كل منهما
261
على خلاف ذلك مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز، و أيضا فإن الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل النص أو الظاهر في ذلك كغيره من الوجوب و التحريم و إلا لكان قولا على الله تعالى بغير دليل، و مجرد وجود المعارض ليس بدليل على ذلك إذ يمكن ان يكون له معنى آخر لا ينافي التحريم و الوجوب من التقية و نحوها أو معنى غير ما فهموه كما سيظهر لك في اخبار هذا المقام.
(الثالث)- ان الأخبار التي استندوا إليها في الدلالة لا ظهور لها فيما ذكروه و لا وضوح فيها لما اعتبروه.
و تحقيق الكلام في المقام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم الصلاة و السلام) و به يرتفع التنافي بين الأخبار على وجه واضح المنار ان نقول يجب ان يعلم:
(أولا)- انه لا يخفى ان المستفاد من الأخبار التي قدمناها هو المنع من النافلة مطلقا و ان كانت راتبة متى خرج وقتها الموظف لها شرعا و دخل وقت فريضتها، و جل الروايات الواردة بهذا المعنى عند التأمل في مضامينها انما وردت بالنسبة إلى الراتبة و جواز مزاحمة الفريضة بها و عدمه و ان استفيد من ظاهرها العموم، و ذلك فإن الراتبة في الظهرين لها جزء معلوم من وقت الفريضة بخروجه يمتنع أداؤها و يتحتم تقديم الفريضة و هو الذراع و الذراعان أو القدمان و الأربعة أقدام كما تقدم بيانه موضحا مشروحا، و ان الإشارة في بعض الروايات بوقت الفريضة الممنوع من التطوع فيه انما هو الى ما بعد ذلك الجزء الذي تختص به النافلة، و من ذلك يعلم ان المراد بالتطوع الممنوع منه في أمثال ذلك انما هو النافلة الراتبة و امتناع غيرها يكون بطريق اولى، و جملة منها عامة دالة بعمومها على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة راتبة أو غيرها.
و (ثانيا)- انه لا يخفى ان إطلاق وقت الظهر على هذا الوقت المختزل منه قدر النافلة قد صار شائعا في الأخبار كما
في موثقة سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه
262
السلام) (1) قال: «سألته عن وقت الظهر أ هو إذا زالت الشمس؟ فقال بعد الزوال بقدم.».
و نحوها موثقة إسماعيل بن عبد الخالق و غيرها من الروايات الكثيرة المتقدمة في القصد الأول و قد دلت الأخبار ايضا على ان هذا الوقت المختزل انما هو للنافلة
كقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) «أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان؟ قلت لم؟ قال لمكان الفريضة لك ان تتنفل من زوال الشمس الى ان يبلغ الفيء ذراعا فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة».
و في معناها أخبار عديدة قد تقدمت. هذا بالنسبة إلى المتنفل و اما من لا يتنفل فإن الأفضل له المبادرة بالفريضة في أول الزوال و لا يستحب له التأخير الى ذلك الوقت و عليه تدل الأخبار ايضا، و حينئذ فالوقت بالنسبة إلى المتنفل غيره بالنسبة الى من لا يتنفل.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان استدلال صاحب المدارك على حمل روايات المنع على الأفضلية بصحيحة محمد بن مسلم مبني على انه فهم من قوله (عليه السلام) «الفضل ان تبدأ بالفريضة» جواز البدأة بالنافلة و ان كان خلاف الأفضل بناء على ان قول السائل «إذا دخل وقت الفريضة. إلخ» هو أول الوقت الحقيقي. و ليس الأمر كما فهمه (قدس سره) بل المراد بالوقت المسؤول عنه هنا و المفروض دخوله انما هو الوقت المعين للفريضة بعد مضي وقت النافلة كما أشرنا اليه، و هذا الإطلاق كان شائعا كما يستفاد من الأخبار التي أشرنا إليها، و حينئذ فمعنى الرواية- و الله سبحانه و أولياؤه اعلم- ان السائل إنما سأل انه إذا دخل هذا الوقت المذكور فهل يجوز لي ان أتنفل أم لا؟ فقال (عليه السلام) الفضل ان تبدأ بالفريضة لأنه أول وقت فضيلتها و النافلة هنا لا فضل فيها لخروج وقتها و متى كانت لا فضل فيها فلا يشرع الإتيان بها لأنها عبادة، فإذا انتفى الفضل فيها دل على عدم صحتها نظير ما تقدم تحقيقه في مسألة الغسلة الثانية في
____________
(1) الوسائل الباب 8 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 8 من المواقيت.
263
الوضوء
من قولهم (عليهم السلام) (1) «و من توضأ مرتين لا يؤجر».
و قد نسبوا الى الصدوق القول بتحريم الثانية للخبر المذكور، قالوا لان العبادات لا مباح فيها و هي اما واجبة أو مندوبة و كلاهما محصل للأجر، صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان، نعم ربما يحتمل ما ذكره لو قال (عليه السلام) «الأفضل» بصيغة افعل التفصيل الدال على حصول فضل في الابتداء بالنافلة لكن العبارة ليست كذلك، و يوضح ما قلناه قوله (عليه السلام): «و انما أخرت الظهر ذراعا. إلخ» أي إنما أخرت الظهر الى هذا الوقت المسؤول عنه من أجل صلاة الأوابين فمتى خرج وقتها الموظف لها فلا تضايق بها الفريضة بل الفضل في البدأة بالفريضة. هذا معنى الخبر المذكور بما لا يتطرق اليه الوهن و لا القصور. و العجب منه (قدس سره) انه يتوهم ان النافلة المسؤول عنها في الخبر النافلة الغير الراتبة كما يعطيه سياق استدلاله و هو مطرح كلامه و خياله مع انه لا يلائم قوله (عليه السلام) في الرواية «و انما أخرت الظهر ذراعا. إلخ» كما لا يخفى و انما يتلائم الكلام أولا و آخرا على ما ذكرناه.
و اما موثقة سماعة على الوجه الذي نقله في المدارك فهي المروية في الفقيه و هي مروية في الكافي و التهذيب ايضا (2) و فيها زيادة على ما نقله «الأمر موسع ان يصلى الإنسان في أول دخول وقت الفريضة النوافل إلا ان يخاف فوت الفريضة، و الفضل إذا صلى الإنسان وحده ان يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أول الوقت للفريضة و ليس بمحظور عليه ان يصلي النوافل من أول الوقت الى قريب من آخر الوقت، و حاصل معنى الرواية المذكورة بناء على ما ذكرناه- و الله سبحانه و قائلها اعلم- ان الراوي سأله عن من يأتي المسجد و قد صلى أهله المكتوبة في أول وقتها و كأنه ليس بين مجيئه و صلاة أهل المسجد الا يسير فكأن بعض وقت النافلة كان باقيا فسأله عن التطوع بالراتبة أ يتطوع بها في ذلك الوقت أم يبتدئ بالمكتوبة؟ إذ لا جائز ان يحمل التطوع هنا على غير
____________
(1) الوسائل الباب 31 من الوضوء.
(2) الوسائل الباب 35 من المواقيت.
264
الراتبة لأنه إذا كانت الراتبة بزوال وقتها الموظف لها في تلك الأخبار لا يجوز مزاحمة الفريضة بها فلان يمتنع مزاحمة غيرها بطريق اولى، و إمعان النظر في معنى الرواية و سياقها صريح في إرادة الراتبة خاصة، فأجاب (عليه السلام) بأنه ان كان إتيانه في وقت حسن يعني يسع الراتبة و لو مخففة فلا بأس بالتطوع بها قبل الفريضة و ان كان يخاف فوت الوقت اي وقت فضيلة الفريضة لو اشتغل بالنافلة لما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة في أول وقت فضيلتها ثم يتطوع بعدها بما شاء، و يوضح ما قلناه الزيادة التي ذكرناها على ما نقله في المدارك برواية الشيخين من ان الأمر موسع له في النوافل من أول دخول الوقت المحدود لها في تلك الأخبار إلا ان يخاف فوت وقت الفريضة يعني فوت وقتها الذي لها بعد النافلة و هو أول وقت فضيلتها، و ملخصه انه ان اتى في وقت يمكن الإتيان بالنافلة و لو مخففة و إلا بدأ بالفريضة في وقت فضلها المحدود لها.
و قد وفق الله تعالى بعد ان خطر هذا المعنى بالبال للوقوف عليه في كلام شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين حيث قال: و قوله (عليه السلام) في الحديث الرابع عشر «ان كان في وقت حسن» اي متسع يعطي بإطلاقه جواز مطلق النافلة في وقت الفريضة إلا ان يحمل التطوع على الرواتب و يكون في قول السائل «و قد صلى أهله الفريضة» نوع إيماء خفي الى ذلك فان «قد» تقرب الماضي من الحال كما قيل. انتهى. ثم كتب في الحاشية ما صورته: فيفهم منه انه لم يمض من وقت صلاتهم الى وقت مجيء ذلك الرجل الأزمان يسير فالظاهر عدم خروج وقت الراتبة بمضي ذلك الزمان اليسير. انتهى. و هو من عجيب توارد الخواطر. و ظاهر كلام شيخنا المذكور يعطى نوع تردد في حمل الرواية على المعنى الذي ذكرناه، و الحق انه لا معدل عنه و لا معنى للرواية غيره سيما بالنظر الى الزيادة التي ذكرها الشيخان المذكوران.
و اما قوله (عليه السلام) في جملة الزيادة المشار إليها «و الفضل إذا صلى الإنسان وحده. إلخ» فالظاهر- و الله سبحانه و أولياؤه اعلم- ان المراد من هذا الكلام ان الإنسان
265
إذا صلى وحده و دخل عليه وقت الفريضة أي الوقت المعين لها بعد مضي وقت النافلة- لما أشرنا إليه سابقا من شيوع هذا الإطلاق في الأخبار- فليبدأ بالفريضة لخروج وقت النافلة و ليكون قد صلى الفريضة في أول وقت فضيلتها و لا يحظر عليه صلاة النوافل في أول الوقت يعني وقتها المقرر لها. و فيه إشارة إلى انه إذا صلى مع إمام فإنه يجوز له مزاحمة وقت الفريضة بها لانتظار الجماعة فيكون هذا مستثنى كغيره مما يأتي التنبيه عليه. و على ذلك تحمل موثقة إسحاق بن عمار التي استدل بها الشهيدان في الذكرى و الروض كما تقدم ذكره من قوله: «قلت أصلي في وقت فريضة نافلة؟ قال نعم في أول الوقت إذا كنت مع امام تقتدي به و إذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة» فإنه لا يصح حمل الوقت هنا على ما زعماه من الوقت الحقيقي الذي هو أول الزوال لما استفاض من استحباب النافلة فيه للمنفرد و غيره فكيف يؤمر المنفرد هنا بترك النافلة فيه؟ بل المراد انما هو الوقت الذي بعد مضي وقت النافلة و انه يجوز مزاحمة النافلة للفريضة فيه لانتظار الجماعة. و يؤيده أيضا
صحيحة عمر بن يزيد «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟. الحديث كما تقدم».
فان هذا الحديث ايضا محمول على من ينتظر الجماعة فرخص له في الإتيان بالراتبة بعد مضي وقتها و مزاحمة وقت الفريضة بها لأجل انتظار فضيلة الجماعة و إلا فالحد الحقيقي للنافلة انما هو الذراع و الذراعان و انه بعد مضيهما فلا يتطوع و لكنه لما ساعت المزاحمة هنا جعل الحد الإقامة و ان زاد على الحد المقرر.
و بما ذكرنا في معاني حسنة محمد بن مسلم و موثقة سماعة و موثقة إسحاق بن عمار يظهر لك انه لا منافاة فيها للأخبار السابقة التي استدللنا بها بل هي منطبقة عليها على أحسن وجوه الانطباق و متفقة معها بأوضح معاني الاتفاق، و ان خلاف من خالف بناء على ما فهمه من هذه الروايات انما نشأ من عدم إعطاء النظر حقه في التأمل في معاني الأخبار.
و اما ما استدل به في الروض و نحوه في الذكرى و ان لم ننقله سابقا من روايات
266
صلاة الركعتين قبل الغداة لمن نام عن الغداة و حديث نوم النبي (صلى الله عليه و آله) فسيأتي الكلام عليها في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى.
و بالجملة فإن ما تعلقوا به من الروايات التي ذكروها و اعتمدوها دليلا على الجواز فقد عرفت انه لا دلالة فيها و لا منافاة لما ذكرناه.
نعم هنا روايات أخر لم يتعرضوا لنقلها و لم يلموا بها و كان الاولى لهم الاستدلال بها في المقام:
و منها-
صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار؟
قال يقضيها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».
و حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال متى شاء ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».
و رواية أبي بصير (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان فاتك شيء من تطوع النهار و الليل فاقضه عند زوال الشمس و بعد الظهر عند العصر و بعد المغرب و بعد العتمة و من آخر السحر».
و يؤيدها إطلاق جملة من الأخبار
كرواية أبي بصير (4) قال: «ان قويت فاقض صلاة النهار بالليل».
و رواية محمد بن يحيى بن حبيب (5) قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) تكون علي صلاة النافلة متى أقضيها؟ فكتب في أي ساعة شئت من ليل أو نهار».
و رواية الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «اقض صلاة النهار أي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء».
و صحيحة ابن ابي يعفور (7) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار يجوز قضاؤها أي ساعة شئت من ليل أو نهار».
و صحيحة حسان بن مهران (8) قال: «سألت
____________
(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 57 من أبواب المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 57 من أبواب المواقيت.
(5) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(8) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
267
أبا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء النوافل قال ما بين طلوع الشمس الى غروبها».
و نحوها روايات عديدة بالنسبة إلى قضاء صلاة الليل و قضاء الوتر.
و يمكن ان يقال في الجمع بين هذه الأخبار و ما قدمناه ان أكثر تلك الأخبار انما دل على المنع من مزاحمة الراتبة للفريضة بعد دخول وقت فضيلتها و ان استفيد منه بطريق الأولوية المنع من المبتدأة، و بعضها و ان كان ظاهرا في العموم كصحاح زرارة الثلاث إلا انه يمكن ان يقال باستثناء النوافل المقتضية من ذلك بهذه الأخبار، و توضيح ذلك ان يقال انه لا نافلة بعد دخول وقت الفضيلة للفريضة مطلقا راتبة أو مبتدأة أو مقضية، و نعني بوقت الفضيلة هو ما بعد الذراع و الذراعين بالنسبة إلى الظهرين و أول الغروب بالنسبة إلى المغرب و بعد غياب الشفق بالنسبة إلى العشاء و أول الفجر الثاني بالنسبة إلى صلاة الفجر بناء على ما اخترناه فلا يصلى في هذه الأوقات نافلة مطلقا، و اما ما قبل هذه الأوقات مما اشتمل على وقت الفريضة فإنه يجوز القضاء فيه بهذه الأخبار دون النافلة المبتدأة عملا بعموم صحاح زرارة في منع النافلة المبتدأة، و حينئذ فمعنى قضاء نوافل النهار بعد المغرب يعني قبل دخول وقت فضيلة العشاء، و يؤيده ان المتبادر من البعدية هو البعدية القريبة، و قوله في رواية أبي بصير «فاقضه عند زوال الشمس» يعني قبل زوال الشمس أو بعد الزوال قبل دخول وقت الفضيلة «و بعد الظهر عند العصر» يعني قبل دخول فضيلة العصر و على هذا يحمل إطلاق الأخبار المتقدمة. و يحتمل ايضا خروج الصريح من هذه الأخبار مخرج التقية لإشعار صحيحتي زرارة السابقتين المشتملتين على المقايسة بذلك إلا انه لا يحضرني الآن مذهب العامة في المسألة.
هذا، و ربما استند بعض المجوزين الى الاستدلال على ذلك بمواضع: منها- ما ورد من انه متى تلبس المصلي بركعة من نوافل الزوال فإنه يتمها و ان خرج وقتها، و منها- من تلبس بأربع ركعات من صلاة الليل ثم طلع الفجر فإنه يزاحم بها الفريضة، و منها- ما ورد ايضا من جواز إيقاع صلاة الليل كملا بعد الفجر ابتداء بالنسبة الى من يعتادها ثم تغلبه
268
عيناه عنها في بعض الأوقات حتى يطلع الفجر فإنه يصليها مخففة كما تقدم جميع ذلك، فان هذه المواضع كلها تدل على جواز إيقاع النافلة في وقت الفريضة.
و الجواب عن ذلك (أولا) ان هذه المواضع خارجة عن محل النزاع فان مطرح البحث النوافل المبتدأة أو قضاء الراتبة و الخصم لا يقول بان النوافل في هذه الأوقات تصلي قضاء فلا دليل له في ذلك. و (ثانيا) انا نقول ان جواز النافلة في هذه الصورة إنما خرج مخرج الرخصة و ليست بأعظم رتبة من الفريضة، و الشارع قد جوز فيها ذلك و به صرح الأصحاب فقالوا بان من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله و رووا ذلك بهذا العنوان و وردت به الرواية في خصوص صلاة الصبح كما سيأتي ان شاء الله تعالى في محله، و قد اتفقوا على انه لا قضاء عليه بعد ذلك مع الاتفاق نصا و فتوى على بطلان الصلاة في غير وقتها فليكن ما نحن فيه من قبيل ذلك.
و من الرخص في النوافل ايضا ما تقدم من جواز تقديم صلاة الليل على الانتصاف للمسافر و الشاب الذي تمنعه رطوبة دماغه عن الانتباه، و تقديم نافلة الزوال لمن يشتغل عن أدائها و قضائها، و منها- تقديم غسل الجمعة لخائف عوز الماء. و إعطاء زكاة الفطرة قبل وقتها، و نحو ذلك، و هذه المواضع المعدودة من قبيل ذلك فلا منافاة فيها للأخبار الدالة على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة كما لا يخفى. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [هل تجوز النافلة لمن عليه قضاء فريضة؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز النافلة لمن عليه قضاء فريضة، فالأكثر منهم على المنع من ذلك و هو اختيار العلامة في المختلف و أكثر المتأخرين، و قيل بالجواز و نقل عن الصدوق و ابن الجنيد و اليه ذهب الشهيدان و الأظهر عندي هو القول المشهور.
لنا- ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي من قوله تعالى «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (1) المفسر في الأخبار بذكر الصلاة الفائتة، و ما يأتي أيضا من الروايات الدالة
____________
(1) سورة طه، الآية 14.
269
على وجوب ترتب الحاضرة على الفائتة و انه يجب تأخير الحاضرة الى ان يتضيق وقتها و إذا وجب ذلك في الفريضة التي هي صاحبة الوقت ففي نافلتها بطريق اولى و اولى منه في غير نافلتها.
و يدل على ذلك أيضا
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في صدر المسألة السابقة (1) حيث قال فيها «و لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها».
و صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أ يصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال يصلي حين يستيقظ. قلت يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال بل يبدأ بالفريضة».
و صحيحة
زرارة المتقدم نقلها في صدر المسألة السابقة (3) عن المشايخ المتقدم ذكرهم و قوله (عليه السلام) فيها «أصلي نافلة و علي فريضة أو في وقت فريضة؟ قال لا انه لا تصلى نافلة في وقت فريضة. الحديث».
و يؤكده قضية التنظير بقضاء شهر رمضان فإنه صريح في المنع.
و اما ما تكلفه بعضهم في الجواب عن هذه الصحيحة- بالحمل على الأداء خاصة مستندا الى ان المتبادر من قوله «في وقت فريضة» و دخول وقت الفريضة وقت الأداء و ان المراد بقوله (عليه السلام) «لو كان عليك من شهر رمضان» الأداء لا القضاء- ففيه من البعد عن حاق اللفظ و سياق الكلام ما لا يخفى على ذوي الألباب و الافهام و من له أدنى معرفة بأساليب الكلام، لان قول السائل «علي فريضة أو في وقت فريضة» مرددا «بأو» صريح في مغايرة الأول للثاني و ان الأول مراد به القضاء أو الأعم منه و الثاني مراد به الأداء خاصة. و اما جوابه (عليه السلام) بقوله «لا تصلى نافلة في وقت فريضة» و ان كان ظاهرا في الأداء إلا ان قضية تطبيق الجواب على السؤال بناء على ما ذكرنا ارادة العموم في الجواب، و يكون معنى الجواب حينئذ
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 61 من أبواب المواقيت.
(2) المروية في الوسائل في الباب 61 من أبواب المواقيت.
(3) ص 256.
270
انه لا تصلى نافلة في وقت وجوب فريضة، و الفائتة- كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي- وقتها ساعة ذكرها. و اما التنظير بشهر رمضان و ان المراد عدم جواز التطوع بالصوم لمن عليه قضاء شهر رمضان فهو الذي عليه اتفاق الأصحاب و مستندهم انما هو هذه الرواية كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الصوم. و بالجملة فإن ارتكاب هذه الاحتمالات الغثة البعيدة و التمحلات الغير السديدة لو تم لانغلق باب الاستدلال إذ لا لفظ إلا و هو قابل للاحتمال و لا قول إلا و للقائل فيه مجال، و النظر في الاستدلال انما يبنى على ما يتبادر الى الفهم من حاق الكلام و دل عليه السياق الذي به النظام.
استدل القائلون بالجواز
بما رواه الشيخ عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نام عن الغداة حتى طلعت الشمس؟ قال يصلي ركعتين ثم يصلي الغداة».
و ما روى بطرق عديدة منها الصحيح و غيره من نومه (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح حتى آذاه حر الشمس ثم استيقظ و ركع ركعتي الفجر ثم صلى الصبح بعدهما، و من تلك الأخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس ثم استيقظ فعاد نادية ساعة فركع ركعتين ثم صلى الصبح. الحديث».
و أجاب الشيخ عن الخبرين المذكورين في كتاب الاستبصار فقال بعد ذكرهما:
فالوجه في هذين الخبرين ان نحملهما على من يريد ان يصلي بقوم و ينتظر اجتماعهم جاز له ان يبدأ بركعتي النافلة كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و اما إذا كان وحده فلا يجوز له ذلك على حال. انتهى. و حاصل كلامه يرجع الى ان جواز ذلك رخصة لانتظار
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 61 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 61 من المواقيت.
271
الجماعة. و قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد ان نقل كلام الشيخ و استبعده: و الاولى حمله على الرخصة. و ليس بذلك البعيد.
و كيف كان فما استدلوا به أخص من المدعى فلا يقوم حجة إذ مدلول الخبرين ركعتا الفجر و صلاة الصبح و المدعى أعم من ذلك. و اما ما يقال في أمثال هذه المقامات- من ان هذه الأخبار قد دلت على الجواز في هذا الموضع و يضم إليه انه لا قائل بالفرق فيتم في الجميع- فكلام ظاهري لا يعول عليه و تخريج شعري لا يلتفت اليه.
و من روايات هذه المسألة
ما رواه شيخنا الشهيد في الذكرى في الصحيح عن زرارة بنحو ابسط من الخبر المتقدم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة. قال فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة و أصحابه فقبلوا ذلك مني فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر (عليه السلام) فحدثني ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عرس في بعض أسفاره و قال من يكلؤنا؟ فقال بلال انا. فنام بلال و ناموا حتى طلعت الشمس، فقال يا بلال ما أرقدك فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخذ بنفسي ما أخذ بأنفاسكم. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي اخذتكم فيه الغفلة، و قال يا بلال أذن فأذن فصلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ركعتي الفجر و أمر أصحابه فصلوا ركعتي الفجر ثم قام فصلى بهم الصبح، ثم قال من نسي شيئا من الصلاة فليصلها إذا ذكرها فان الله عز و جل يقول «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (2) قال زرارة فحملت الحديث الى الحكم و أصحابه فقالوا نقضت حديثك الأول فقدمت على ابي جعفر (عليه السلام) فأخبرته بما قال القوم فقال يا زرارة إلا أخبرتهم انه قد فات الوقتان جميعا و ان ذلك كان قضاء من رسول الله (صلى الله عليه و آله).
و هذه الرواية لم نقف عليها إلا في كتاب الذكرى و كفى به ناقلا.
____________
(1) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(2) سورة طه، الآية 14.
272
قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى بعد ذكر الخبر المذكور: ان فيه فوائد: منها- استحباب ان يكون للقوم حافظ إذا ناموا صيانة لهم عن هجوم ما يخاف منه.
و منها- ما تقدم من ان الله أنام نبيه (صلى الله عليه و آله) لتعليم أمته و لئلا يعير بعض الأمة بذلك. و لم أقف على راد لهذا الخبر من حيث توهم القدح في العصمة به. و منها- ان العبد ينبغي ان يتفأل بالمكان و الزمان بحسب ما يصيبه فيهما من خير و غيره و لهذا تحول النبي (صلى الله عليه و آله) من مكان الى آخر. و منها- استحباب الأذان للفائتة كما يستحب للحاضرة
و قد روى العامة عن أبي قتادة و جماعة من الصحابة في هذه الصورة «ان النبي (صلى الله عليه و آله) أمر بلالا فاذن فصلى ركعتي الفجر ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر» (1).
و منها- استحباب قضاء السنن. و منها- جواز فعلها لمن عليه قضاء و ان كان قد منع منه أكثر المتأخرين. و منها- شرعية الجماعة في القضاء كالأداء. و منها- وجوب قضاء الفائتة لفعله (صلى الله عليه و آله) و وجوب التأسي به و قوله «فليصلها». و منها- ان وقت قضائها ذكرها. و منها- ان المراد بالآية الكريمة ذلك. انتهى.
أقول: قد أهمل شيخنا (قدس سره) هنا شيئا هو أظهر الأشياء من الرواية اما غفلة أو لمنافاته لما اختاره في المسألة و هو المنع من صلاة النافلة إذا دخل وقت المكتوبة كما صرح به (عليه السلام) في صدر الخبر و أكده بالفرق بينه و بين القضاء.
و اما قوله (قدس سره): و منها جواز فعلها- يعني السنن- لمن عليه قضاء» فهو ممنوع إذ أقصى ما دل عليه الخبر خصوص جواز ركعتي الفجر في هذه المادة و قضية الجمع بينه و بين ما قدمناه من الاخبار قصر هذا الخبر على مورده و استثناء هذا الموضع من المنع رخصة اما مطلقا كما ذكره المحدث الكاشاني أو لانتظار اجتماع الجماعة كما ذكره الشيخ (قدس سره) فلا دلالة فيه على الجواز مطلقا كما زعمه (قدس سره).
و اما قوله: «و ان كان قد منع منه أكثر المتأخرين»- مشيرا الى ان الخلاف
____________
(1) سنن البيهقي ج 1 ص 404.
273
في ذلك انما هو من المتأخرين- ففيه ما سيأتيك من كلام الشيخ المفيد (قدس سره) من الدلالة على ان المنع هو الذي عليه عصابة الحق.
ثم العجب كل العجب من أصحابنا (رضوان الله عليهم) مع إجماعهم و اتفاقهم على عدم جواز السهو على النبي (صلى الله عليه و آله) حتى انهم لم ينقلوا الخلاف في ذلك إلا عن ابن بابويه و شيخه ابن الوليد، و قد طعنوا عليهما في ذلك و شنعوا عليهما أتم التشنيع حتى صنفوا في ذلك الرسائل و أكثروا من الدلائل، و منها رسالة الشيخ المفيد و ربما نسبت الى السيد المرتضى و هي عندي و فيها ما يقضى منه العجب من القدح في ابن بابويه، فكيف تلقوا هذه الاخبار بالقبول و اعتمدوا على ما فيها من المنقول في مثل هذا الحكم المخالف لاعتقاداتهم؟ فمن كلامه في تلك الرسالة المشار إليها ما صورته: و الخبر المروي أيضا في نوم النبي (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح من جملة الخبر عن سهوه في الصلاة فإنه من اخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، و من عمل عليه فعلى الظن معتمد في ذلك بدون اليقين، و قد سلف قولنا في نظير ذلك ما يغني عن إعادته في هذا الباب، مع انه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق لأنهم لا يختلفون في ان من فاتته صلاة فريضة فعليه ان يقضيها في أي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة، فإذا حرم ان يؤدي فيه فريضة قد دخل وقتها ليقضى فرضا قد فاته كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض اولى، هذا مع ان الاخبار
عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا صلاة لمن عليه صلاة» (1).
يريد لا نافلة لمن عليه صلاة فريضة. انتهى. و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين بعد نقله فيه صحيحتي ابن سنان و زرارة المذكورتين ما صورته: و ربما يظن تطرق الضعف إليهما لتضمنهما ما يوهم القدح في العصمة لكن قال شيخنا في الذكرى انه لم يطلع على راد لهما من هذه
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 46 من المواقيت.
274
الجهة. و هو يعطي تجويز الأصحاب صدور ذلك و أمثاله من المعصوم. و للنظر فيه مجال واسع. انتهى.
أقول: قد عرفت صراحة كلام شيخنا المفيد (قدس سره) في رد الأخبار المذكورة فكيف يدعى انه لا راد لهما؟ و عدم اطلاعه عليه لا يدل على العدم.
و بالجملة فمقتضى عدم تجويز السهو عليه (صلى الله عليه و آله) كما هو ظاهر اتفاقهم رد هذه الاخبار و نحوها أو حملها على التقية، كما يشير اليه ما نقله من رواية العامة الخبر المذكور عن أبي قتادة و جماعة من الصحابة، إذ لا يخفى ما بين الحكمين من التدافع و التناقض، لكنهم من حيث قولهم بهذا الحكم و اختيارهم له يغمضون النظر عما في أدلته من تطرق القدح و يتسترون بالأعذار الواهية كما لا يخفى على من مارس كلامهم في الأحكام كما نبهنا عليه في غير مقام.
و بالجملة فالأظهر عندي هو القول المشهور لما في أدلته من الوضوح و الظهور و ما في مقابلها من الوهن في الدلالة و القصور، لأنه مع تسليم صحة مضمونه و قبوله لا دلالة له على المدعى بتمامه فيجب قصره على مورده و لا منافاة. و يؤيد ما نذهب إليه ايضا انه الأوفق بالاحتياط الذي هو أحد المرجحات الشرعية أيضا.
و ظاهر صاحب المدارك التوقف في هذه المسألة حيث اقتصر على نقل الأدلة من الطرفين و لم يرجح شيئا في البين. و الظاهر ان السبب فيه صحة الأدلة من الجانبين و تعارض التأويل من كل من القائلين. و الله العالم.
(المسألة الرابعة) [ما يستقر به وجوب الصلاة]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه يستقر وجوب الصلاة بإدراك الوقت على صفة الكمال و مضي مقدار أدائها مخففة مع الشرائط و يجب القضاء لو أهمل و الحال هذه اما لو لم يكن كذلك فلا قضاء على الأشهر الأظهر، و انه متى أدرك الطهارة و ركعة من آخر الوقت وجب الإتيان بها، و لو أدرك الطهارة و خمس ركعات لزمه الفرضان.
275
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
(الأول)
- لا خلاف و لا إشكال في انه لو حصل أحد الأعذار المانعة من الصلاة كالجنون و الحيض و الإغماء و نحوها بعد مضي مقدار أداء الفريضة بشرائطها فإنه يجب عليه القضاء، و يدل عليه عموم ما دل على وجوب القضاء، و اما لو لم يمض ذلك المقدار فإنه لا قضاء على الأشهر الأظهر، قال الشيخ في الخلاف:
إذا أدرك من الظهر دون اربع ثم جن أو أغمي عليه أو حاضت لم تلزمه الظهر لإجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ان من لم يدرك من أول الوقت مقدار ما يؤدى الفرض فيه لم يلزمه إعادته. و ظاهر الصدوق و المرتضى و ابن الجنيد اعتبار إدراك الأكثر. و قد تقدم الكلام في هذه المسألة بكلا طرفيها منقحا في بحث الحيض من كتاب الطهارة.
(الثاني)
- لو زال المانع و قد بقي من الوقت ما يسع الطهارة و نحوها من الشروط و الصلاتين أو إحداهما فإنه يجب الأداء و مع التفريط القضاء. و قد مر الكلام ايضا منقحا في ذلك في الموضع المشار اليه.
و كذلك لو لم يدرك إلا ركعة مع الشروط فإنه يجب عليه الإتيان بها و ان خرج الوقت.
و قد نقل في المدارك ان هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب و نقل عن المنتهى انه لا خلاف فيه بين أهل العلم، قال و الأصل فيه
ما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) انه قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
و عنه (صلى الله عليه و آله) (2) «من أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
و من طريق الأصحاب ما رواه الشيخ عن الأصبغ بن نباتة (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامة».
و في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم الصلاة و قد جازت صلاته».
ثم قال و هذه الروايات
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 30 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 30 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من المواقيت.
276
و ان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها و لا معارض لها فينبغي العمل عليها. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره من روايتي الأصبغ و عمار اللتين هما من طريق الأصحاب و ان عمل الطائفة عليهما انما موردهما صلاة الصبح خاصة و المدعى أعم من ذلك، نعم الخبر الأول صريح في العموم لكن ظاهر كلامه انه من طرق العامة كما هو ظاهر الذكرى ايضا، و حينئذ فيشكل الحكم بالعموم الا ان يقال ان العمدة في الاستدلال انما هو الإجماع كما هو ظاهر كلامه و نقله عن المنتهى. و فيه ما لا يخفى. و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال لما عرفت.
ثم لا يخفى عليك ما في تستره عن العمل بهذين الخبرين باتفاق الأصحاب على العمل بهما، فان فيه (أولا) ما عرفت من عدم الدلالة على المدعى بل هما أخص من ذلك. و (ثانيا)- انه منع من العمل بالخبر الضعيف في غير موضع و ان كان ظاهر الأصحاب الاتفاق على العمل بمضمونه و ربما حمله تفاديا من طرحه على الكراهة أو الاستحباب. و (ثالثا)- ان الخبر الضعيف بمقتضى هذا الاصطلاح ليس بدليل شرعي فوجوده كعدمه فالاعتماد عنده انما هو على الإجماع، مع طعنه فيه في غير موضع بل ذكره في صدر كتابه انه صنف رسالة في إبطاله و ان استسلقه في أمثال هذه المقامات. و بالجملة فإن هذه المناقضات إنما نشأت من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب منه الى الصلاح.
(الثالث)
- المشهور بينهم ان الركعة عبارة عن الركوع و السجود، و هل يتحقق برفع الرأس من السجدة الثانية أو بإتمام ذكر السجدة الثانية؟ قولان، و نقل في المدارك عن الشهيد في الذكرى انه احتمل الاجزاء بالركوع للتسمية لغة و عرفا و لانه المعظم، ثم رده بأنه بعيد. أقول: ما احتمله الشهيد (قدس سره) هنا هو ظاهر اختيار المحقق في المسائل البغدادية في مسألة الشك بين الأربع و الخمس فيما إذا عرض الشك بعد الركوع و قبل السجود حيث ان الأشهر بين الأصحاب الحكم بالصحة في هذه الصورة
277
و انه يتم و يسجد سجدتي السهو لدخولها تحت نص المسألة، و هذا الحكم منهم هنا يخالف ما ذكروه من ان الركعة عبارة عن الركوع و السجود، فان مقتضى هذا الكلام الابطال لا الصحة حيث انه لم يأت بالركعة فلا يكون داخلا تحت النص المذكور فكيف يحكمون بالصحة في الصورة المذكورة؟ و المحقق المشار إليه في أجوبة المسائل المشار إليها تخلص من ذلك بحمل الركعة على مجرد الركوع، ثم قال بعد حكمه بالصحة في المسألة المذكورة ما لفظه: لأن الركعة واحدة الركوع و عند إيقاع الركوع تسمى ركعة و ليس تسميتها ركعة مشروطا بالإتيان بالسجدة لأن الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة و السجود و الركبة و الركوب. انتهى. و بذلك يظهر قوة ما احتمله الشهيد فإنه ليس لقولهم بالصحة في صورة الشك المتقدمة وجه إلا على هذا القول كما سيأتي تحقيقه في المسألة المذكورة و إلا فالصحة غير متجهة، و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال كما سيأتي التنبيه عليه ان شاء الله في الموضع المذكور، و على هذا فلو خرج الوقت بعد الركوع و قبل السجود وجب الإتمام من غير قضاء على قول المحقق المذكور و سقط الفرض أداء و قضاء على القول المشهور
(الرابع)
- اختلف الأصحاب في من أدرك ركعة من آخر الوقت هل يكون مؤديا للجميع أو قاضيا للجميع أو بالتوزيع؟ أقوال ثلاثة، و نقل في الذكرى عن الشيخ انه نقل هذا الخلاف عن الأصحاب، و ظاهر المشهور بينهم هو الأول و هو اختيار الشيخ في الخلاف و من تأخر عنه. و ادعى عليه في الخلاف الإجماع حيث نقل عن الأصحاب انهم لا يختلفون في ان من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس يكون مؤديا في الوقت، قال
و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح و من أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
قال و كذلك روى عن أئمتنا (عليهم السلام) و نقل في المدارك القول بقضاء الجميع عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) معللا له بان آخر الوقت يختص بالركعة الأخيرة فإذا وقعت فيه الاولى وقعت في غير وقتها و لا معنى
____________
(1) المغني ج 1 ص 377 و 386.
278
لقضاء العبادة إلا ذلك. و اما القول بالتوزيع فوجهه ظاهر بمعنى ان ما صادف الوقت و وقع فيه يكون أداء لوجود معنى الأداء فيه و ما وقع بعد خروجه يكون قضاء لانه ليس القضاء إلا ما وقع بعد خروج وقته.
قالوا و ثمرة الخلاف تظهر في النية. و قال في الذكرى انها تظهر أيضا في الترتب على الفائتة السابقة فعلى القضاء يترتب دون الأداء. و اعترضه في المدارك بأنه ضعيف جدا، قال إذ الإجماع منعقد على وجوب تقديم الصلاة التي أدرك من وقتها مقدار ركعة مع الشرائط على غيرها من الفوائت.
أقول: و التحقيق عندي انه لا ثمرة لهذا الخلاف و لا اثر يترتب على هذا الاختلاف، إذ المستفاد من الاخبار هو صحة الصلاة على الوجه المذكور و عدم وجوب القضاء بعد ذلك و اما كونها أداء أو قضاء أو موزعة فلا يظهر له اثر من تلك الاخبار، و هذه الفائدة التي اتفقوا عليها انما يتم التفريع بها لو قام الدليل على وجوب نية الأداء في ما كان أداء و القضاء في ما كان قضاء، و الحال انه لا دليل على ذلك سوى مجرد اعتبارات ذكروها و خيالات سطروها لا تصلي لتأسيس الأحكام الشرعية كما تقدم تحقيقه في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة، و بذلك اعترف السيد السند و غيره من أفاضل متأخري المتأخرين. و أضعف من ذلك ما ذكره في الذكرى لما ذكره السيد المذكور.
(الخامس)
- قالوا: لو أدرك قبل الغروب أو قبل انتصاف الليل احدى الفريضتين لزمته واحدة خاصة لاستحالة التكليف بهما في وقت لا يسعهما. بقي الكلام في انه ان قلنا بالاشتراك في الوقت من أوله الى آخره كما تقدم نقله عن الصدوق فاللازمة منهما هي الأولى لتقدمها و وجوب الترتيب و ان قلنا بالمشهور من الاختصاص فالواجب هي الثانية.
و اما لو أدرك خمس ركعات في الموضعين فإنهم صرحوا من غير خلاف يعلم انه يلزمه الفرضان بناء على ما تقدم من ان من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله
279
و حيث ان الركعة الاولى من الخمس المذكورة للفريضة الاولى و بها يصدق ادراك الوقت فإنها تزاحم الفريضة الثانية بثلاث، و هكذا في الفريضة الثانية فإنه يبقى لها ركعة من الخمس و بها يحصل ادراك الوقت فيجب الإتيان بالفرض المذكور و ان زاحم وقت الفريضة التي بعدها كما في العصر التي بعدها صلاة المغرب أو وقع خارج الوقت كما في فريضة العشاء.
و المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال لعدم وجود نص في المقام و ليس إلا البناء على ما تقدم من قولهم: ان من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله.
و قد عرفت انه لا دليل عليه سوى رواية عامية و الروايات الواردة من طرقنا مختصة بصلاة الصبح و ليس إلا الإجماع المدعى في المقام كما تقدم. و يمكن القول باختصاص هذا الحكم بالصبح كما هو مورد النص، و يؤكده انها ليس بعدها فريضة يحصل بها المشاركة في الوقت بخلاف غيرها من الفرائض سيما على المشهور من اختصاص الفريضة الأخيرة بمقدار أدائها من الوقت، فإدراك ركعة من الفريضة الاولى في صورة ما إذا أدرك من الوقت خمسا مع كون ما بعد تلك الركعة وقتا مخصوصا بالثانية لا يجدي نفعا في وجوب الإتيان بها، لان ما بعد تلك الركعة مختص بالثانية و مزاحمتها فيها تحتاج الى دليل و ليس إلا الإجماع المذكور و اختصاص الخبرين بصلاة الصبح. و بالجملة فالمسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط فيها لازم على كل حال.
و لو أدرك أربعا من آخر وقت العشاءين فظاهر الأكثر ان المغرب لا تزاحم العشاء فيه و ان بقي منه ركعة للعشاء لدلالة النصوص على اختصاص هذا المقدار بالعشاء، و نقل في الذكرى عن بعض الأصحاب تبعا لبعض العامة وجها بوجوب المغرب و العشاء بإدراك الأربع، و ذكر انه مخرج على ادراك الخمس من الظهرين و رده بما هو مذكور ثمة. و الأظهر في رده ما ذكرنا من دلالة النصوص على اختصاص العشاء بهذا المقدار بخلاف ما لو أدرك خمسا فإنه قد أدرك ركعة من وقت المغرب فيجري فيها
280
ما تقدم من حديث
«من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله»
و يزاحم بها العشاء مع ما عرفت من الإشكال في المقام.
(السادس)
- قد عرفت ان النصوص المتقدمة إنما رتبت الحكم المذكور على إدراك ركعة و لكن ظاهر الأصحاب الاتفاق على تقييد ذلك بإدراك جميع الشرائط من الطهارة و غيرها و لا عبرة بتمكنه منها قبل الوقت لانه غير مخاطب بها حينئذ، و لو اتفق حصول الشرائط قبل الوقت كفى في إدراك الصلاة، و كذا لو حصل البعض كفى ادراك الباقي مع الصلاة.
(السابع)
- قد أشرنا سابقا الى ان المعتبر أخف صلاة يقتصر فيها على الواجب و حينئذ فلو طول في صلاته ثم جن أو عرض الحيض أو نحو ذلك من الموانع وجب القضاء ان حصل من ذلك أخف صلاة يؤتى بها. و لو كان في أحد الأماكن الأربعة التي يتخير فيها بين القصر و الإتمام فهل يكتفى بالقصر لانه لو قصر لاداها أو يتعلق الحكم بما قصده و نواه؟ وجهان جزم في الذكرى بالأول و لو قيل بالثاني لكان غير بعيد.
(الثامن)
- قد عرفت مما تقدم أنه لا بد في وجوب الفريضة أداء أو قضاء بالنسبة إلى أول الوقت من إدراك الصلاة كملا بشروطها و اما بالنسبة إلى الآخر فإنه يكفي إدراك ركعة خاصة و لا يكفي ذلك في الأول، و وجه الفرق ظاهر لتمكن المكلف في آخر الوقت بعد إدراك الركعة من إتمام الصلاة من غير مانع بخلاف أول الوقت إذ لا سبيل الى ذلك، كذا ذكروه و لا يخلو من خدش، نعم ذلك يصلح وجها للنص الدال على الحكمين.
(التاسع)
- قال في الذكرى: لا فرق بين الكافر و غيره من المعذورين لان الكافر لا يؤاخذ بما تركه في حال الكفر، و توهم بعض كون الكافر غير معذور هنا لمخاطبته بالإسلام المقدور فيجب القضاء متى أدرك الوقت، و هو ضعيف لقوله تعالى
281
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ» (1)
و لقول النبي (صلى الله عليه و آله): «الإسلام يهدم ما قبله» (2).
انتهى.
أقول: لا يخفى أن الأوفق بما ذهبوا اليه بل اتفقوا عليه من ان الكفار مكلفون بالإسلام و مخاطبون به و ان الإسلام شرط في الصحة و القبول لا شرط في التكليف هو ما نقله عن البعض المذكور، و كيف يكون الكفر عذرا شرعيا لهم كالجنون و الحيض و الحال انهم مخاطبون و مكلفون في حال الكفر؟ ألا ترى ان الحيض و الجنون و نحوهما انما صارت أعذارا شرعية من حيث ارتفاع التكليف معها؟
و اما الاستدلال بالآية و الخبر المذكور فيمكن الجواب عنه بان المراد مغفرة ما كانوا عليه من الكفر و كذلك قوله (صلى الله عليه و آله): «الإسلام يهدم ما قبله» يعني الأحكام المترتبة على الكفر بمعنى ان يكونوا طاهرين بعد ان كانوا نجسين و محقوني الدم و المال بعد ان لم يكونوا كذلك و نحو ذلك من أحكام الإسلام. و اما العبادات فالذي ثبت بالاخبار و الأدلة التي قدمناها في بحث غسل الجنابة من كتاب الطهارة أنهم غير مكلفين بها و ان الإسلام شرط في التكليف بها فلا يتوجه العقاب عليها و المؤاخذة بتركها لعدم التكليف بها بالكلية. و بالجملة فإن مقتضى قاعدتهم المذكورة هو وجوب القضاء كما لا يخفى.
(العاشر)
- قال في الذكرى: حكم أثناء الوقت حكم أوله في ذلك فلو أفاق المجنون في أثناء الوقت ثم جن أو أغمي عليه في الوقت اعتبر في قدر الإفاقة إدراك جميع الشرائط و الأركان، و كذا لو كانت مجنونة فأفاقت ثم حاضت. انتهى. و بذلك صرح في المنتهى ايضا. و هو كذلك.
(الحادي عشر)
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه إذا بلغ الصبي المتطوع بالصلاة في أثنائها بما لا يبطل الطهارة كالسن و الإنبات و كان الوقت باقيا
____________
(1) سورة الأنفال، الآية 39.
(2) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 350.
282
بحيث يسع ركعة فإنه يجب عليه الاستئناف، ذهب اليه الشيخ في الخلاف و جملة ممن تأخر عنه، قالوا لانه بعد البلوغ مخاطب بالصلاة و الوقت باق فيجب عليه الإتيان بها و ما فعله أولا لم يكن واجبا فلا يحصل به الامتثال. و ذهب الشيخ في المبسوط إلى انه يتم و ظاهره عدم وجوب الإعادة، و استدل له في المختلف بأنها صلاة شرعية فلا يجوز ابطالها لقوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (1) و إذا وجب إتمامها سقط بها الفرض لان امتثال الأمر يقتضي الاجزاء. و أجاب عنه في المدارك قال: و الجواب بعد تسليم دلالة الآية على تحريم إبطال العمل ان الإبطال هنا لم يصدر من المكلف بل من حكم الشارع، سلمنا وجوب الإتمام لكن لا نسلم سقوط الفرض بها و الامتثال انما يقتضي الإجزاء بالنسبة الى الأمر الوارد بالإتمام لا بالنسبة إلى الأوامر الواردة بوجوب الصلاة. انتهى.
أقول: ما ذكره في الجواب من ان الإبطال هنا من حكم الشارع لا اعرف له وجها فإنه لا نص في المسألة كما لا يخفى، و إيجاب الشارع عليه الصلاة بعد البلوغ لا يستلزم إبطال هذه إذ يجوز ان يكتفى فيه بإتمامها كما ذهب إليه في المبسوط. و بالجملة فالمسألة لكونها عارية عن النص لا تخلو من الاشكال.
قال المحدث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته على شرح المدارك: أقول: في المسألة احتمالات أخر: أحدها- صحة صلاته إذا دخل عليه وقت الوجوب في أثنائها.
و ثانيها- صحة صلاته إذا أدرك ركعة في وقت الوجوب. و ثالثها- صحتها إذا أدرك الركعتين الأوليين أو إحداهما في وقت الوجوب. و لا يمكن ان يفتي بأحد الاحتمالات قبل ظهور نص يدل عليه، نعم يتجه ان يقال قطعنا بشمول العمومات له و جعلنا كفاية ما يعمل و عدم كفايته فيجب العمل بالاحتياط حتى نعلم حكم الله بعينه. و هذه القاعدة من قسم القطعي من القواعد الأصولية و نطقت بها روايات كثيرة لا من القسم الظني من قواعدها المردودة عندي كما حققناه في الفوائد المدنية. انتهى. و هو جيد.
____________
(1) سورة محمد، الآية 35.
283
و لو بلغ في الوقت بعد فراغه من الصلاة و امكنه الطهارة و أداء ركعة فالظاهر ان حكمه كما لو بلغ في أثنائها و به صرح في المدارك ايضا، و قد صرح العلامة في المنتهى هنا بأنه يجب عليه الطهارة و الصلاة و لا يجزئه ما فعله أولا. و استحسنه في المدارك و لا ريب انه الأحوط. و الله العالم.
(المسألة الخامسة) [الصلاة قبل الوقت]
- أجمع أهل العلم كافة على انه لا يجوز الصلاة قبل دخول وقتها، قال في المعتبر و هو إجماع أهل العلم. و قال في المنتهى لا يجوز الصلاة قبل دخول وقتها و هو قول أهل العلم كافة إلا ما روى عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه، و بمثله قال الحسن و الشعبي (1) لنا- الإجماع على ذلك و خلاف هؤلاء لا اعتداد به و قد انقرض ايضا فلا تعويل عليه. انتهى.
أقول: و يدل على ذلك ايضا
ما رواه الشيخ في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من صلى في غير وقت فلا صلاة له».
و عن محمد بن الحسن العطار عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال «لأن أصلي الظهر في وقت العصر أحب الي من ان أصلي قبل ان تزول الشمس فإني إذا صليت قبل ان تزول الشمس لم تحسب لي و إذا صليت في وقت العصر حسبت لي».
و عن عبد الله ابن سليمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (4).
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لأن أصلي بعد ما مضى الوقت أحب الي من ان أصلي و انا في شك من الوقت و قبل الوقت».
و روى الشيخ في التهذيب عن سماعة في الموثق (6) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إياك ان تصلي قبل ان تزول فإنك تصلي في وقت العصر خير لك من ان تصلي قبل ان تزول».
____________
(1) المغني ج 1 ص 396.
(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
284
و عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «في رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر و نام حتى طلعت الشمس فأخبر انه صلى بليل؟ قال يعيد صلاته».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «ليس لأحد ان يصلي صلاة إلا لوقتها و كذلك الزكاة، الى ان قال: و كل فريضة إنما تؤدى إذا حلت».
و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ يزكى الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة؟ قال لا أ يصلى الاولى قبل الزوال؟».
و عن زرارة (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة».
و بالجملة فالحكم اتفاقي نصا و فتوى و اما
ما رواه الشيخ- في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا صليت في السفر شيئا من الصلوات في غير وقتها فلا يضرك».
و روى الصدوق بإسناده عن الحلبي مثله (6)- فقد حمله الشيخ على خروج الوقت فيكون قضاء، و الأظهر الحمل على وقت الاختيار و التأخير عنه الى وقت الاضطرار و ذوي الأعذار لما حققناه سابقا من ان السفر من جملة الأعذار المسوغة للتأخير إلى الوقت الثاني، و قد تقدم شيوع إطلاق الوقت على الوقت الأول و تبادره من الأخبار بما لا يعتريه شبهة الإنكار، فلا منافاة في هذا الخبر لما قدمناه من الأخبار.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه لو صلى قبل الوقت فلا يخلو اما ان يكون عامدا أو جاهلا أو ناسيا أو ظانا، فههنا مقامات أربعة:
[المقام] (الأول)- ان يكون عامدا
و الأشهر الأظهر بطلان صلاته للنهي المتقدم في الأخبار السابقة المقتضي لذلك، و قال الشيخ في النهاية: و من صلى الفرض قبل دخول الوقت عامدا أو ناسيا ثم علم بعد ذلك وجب عليه إعادة الصلاة: فإن كان في الصلاة لم يفرغ
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
(6) رواه في الوسائل في الباب 13 من المواقيت.
285
منها بعد ثم دخل وقتها فقد أجزأت عنه، و لا يجوز لأحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول وقتها أو يغلب على ظنه ذلك. انتهى. و لا يخفى ما فيه من التدافع بين طرفي كلامه، لأن قضية قوله «و لا يجوز لأحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول وقتها. إلخ» بطلان صلاة العامد و ان دخل عليه الوقت في أثنائها و هذا هو المطابق لعموم النهي المتقدم فإن النهي في تلك الأخبار أعم من ان يدخل عليه الوقت في أثنائها أم لا فكيف تجزئ عنه كما يدل عليه صدر كلامه؟ و لذا حمله في الذكرى على ان مراده بالمتعمد الظان لانه يسمى متعمدا للصلاة، قال في المدارك: و لا بأس به جمعا بين الكلامين، و حمله العلامة في المختلف على رجوع تفصيله إلى الناسي دون المتعمد. و لا بأس به ايضا صونا لكلامه (قدس سره) من التناقض.
(المقام الثاني)- ان يكون ناسيا
و المراد به ناسي مراعاة الوقت، و في الذكرى جعله أعم منه و ممن جرت منه الصلاة حال عدم خطور الوقت بالبال، و الظاهر انه لا خلاف في البطلان لو وقعت الصلاة كملا في خارج الوقت، اما لو وقع بعضها في الوقت فقد اختلف الأصحاب فيه، و ظاهر عبارة النهاية المتقدمة الصحة و نقل في المختلف انه منصوص ابي الصلاح و ظاهر كلام ابن البراج. و قال السيد المرتضى لا تصح صلاته، و في المختلف انه منصوص ابن ابي عقيل و ظاهر كلام ابن الجنيد، و اليه ذهب العلامة، و هو المشهور بين المتأخرين.
احتج العلامة في المختلف على ما ذهب اليه من البطلان برواية أبي بصير المتقدمة الدالة على ان من صلى في غير وقت فلا صلاة له، و لانه فعل العبادة قبل حضور وقتها فلا تكون مجزئة عنه كما لو وقعت بأجمعها في غير الوقت، و لان النسيان غير عذر في الفوات فلا يكون عذرا في التقديم، و لانه ليس بعذر في الجميع فلا يكون عذرا في البعض. ثم نقل عن الشيخ انه احتج بأن الناسي معذور و مخاطب كالظان، قال و الجواب المنع من المقدمتين.
286
أقول: و الظاهر عندي هو القول المشهور لظاهر رواية أبي بصير المذكورة و حملها على خصوص من اتى بالصلاة كملا في غير الوقت و ان احتمل الا ان ظاهر الرواية العموم. و الأظهر عندي في الاستدلال على ذلك انما هو معلومية التكليف بالضرورة من الدين، و سقوطه بالصلاة على هذا الوجه يحتاج الى دليل.
و اما لو اتفق وقوعها كملا في الوقت فظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى البطلان قال في الكتاب المذكور: لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت أو بالحكم ففي الإجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، و من مطابقة العبادة ما في نفس الأمر. و الأول أقوى. و في البيان اختار الصحة لمطابقة العبادة ما في نفس الأمر. و الظاهر هو الصحة لما يأتي في المقام الآتي ان شاء الله تعالى من التحقيق الرشيق و بذلك صرح السيد السند في المدارك كما سيأتي نقل عبارته في المقام المشار اليه.
قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و لو وقعت صلاة الناسي بتمامها في الوقت ففيه وجهان أقربهما الصحة، لأنه اتى بالمأمور به فتكون مجزئة (لا يقال): كان الواجب عليه مراعاة الوقت و لم تحصل فلم يأت بالمأمور به على وجهه (لأنا نقول) وجب عليه المراعاة من باب المقدمة حال ملاحظة وجوب الإتيان بها في الوقت ليتأتى منه الإتيان بها في الوقت على وجه الامتثال و الإطاعة و اما عند الذهول عن هذه المقدمة فله الإتيان بها في وقتها متقربا ممتثلا من دون ملاحظة الوقت و مراعاته فلا تكون المراعاة مقدمة للفعل مطلقا. انتهى.
أقول: و التحقيق مضافا الى ما سيأتي ان شاء الله تعالى ان التكليف بمراعاة الوقت انما هو لأجل ان تقع الصلاة في الوقت فالغرض الذاتي و المقصود الكلي هو وقوعها في الوقت فإذا حصل ذلك بأي وجهه اتفق فقد حصل مراد الشارع و ان لزم الإخلال بالمراعاة إذ المراعاة ليست واجبا ذاتيا يترتب على تركه الإثم أو البطلان.
و ما ذكره في الذكرى من ان دخوله غير شرعي على إطلاقه ممنوع إذ الدخول على
287
ما ذكرنا شرعي لتبين كونه في الوقت الذي هو مراد الشارع. و الى ما ذكرنا يرجع كلام الفاضل المذكور.
(المقام الثالث)- ان يكون جاهلا
و قد تقدم في عبارة الذكرى ان المراد به جاهل دخول الوقت أو جاهل الحكم اي وجوب المراعاة، و الظاهر انه لا خلاف بينهم في بطلان صلاته لو وقعت كملا في خارج الوقت، و انما الخلاف فيما إذا وقعت في الوقت كملا أو بعضا، فالمشهور البطلان في الموضعين، و نقل في المختلف عن ابي الصلاح صحة صلاته لو دخل عليه الوقت و هو فيها.
و الظاهر هنا هو القول المشهور لما ذكرنا في المقام المتقدم بالنسبة الى ما وقع بعضها في الوقت، و اما مع مصادفتها الوقت كملا فقد تقدم في كلام الذكرى التصريح بالبطلان.
و قال السيد السند في المدارك: و لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الإجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، و من مطابقة العبادة ما في نفس الأمر و صدق الامتثال. و الأصح الثاني و به قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى، قال و كذا البحث في كل من اتى بما هو الواجب في نفس الأمر و ان لم يكن عالما بحكمه و مثله القول في الاعتقادات الكلامية إذا طابقت نفس الأمر فإنها كافية و ان لم تحصل بالأدلة المقررة كما صرح به سلطان المحققين نصير الملة و الدين. انتهى كلامه أطال الله بقاءه و هو في غاية الجودة. انتهى كلام السيد السند (قدس سره) و مراده من قوله «شيخنا» هو المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد.
و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد اختياره البطلان كما هو المشهور: و لو اتفقت صلاة الجاهل في الوقت فان قصدنا بالجاهل من علم وجوب رعاية الوقت و عرف المواقيت لكنه جاهل بالوقت لعدم مراعاته الوقت فالظاهر بطلان صلاته على القول باشتراط التقرب و قصد الامتثال في الطاعة لأنه لم يأت بها على وجه الامتثال و الإطاعة. نعم ان قيل بعدم اشتراط ذلك في الصحة و سقوط التعبد لم يبعد القول بالصحة هنا. و ان قصدنا
288
بالجاهل من علم وجوب رعاية الوقت لكنه غير عارف بالوقت ايضا فالظاهر البطلان ايضا على القول المذكور بالتقريب السابق. و ان قصدنا به الجاهل بوجوب رعاية الوقت ففيه اشكال. و رجح بعض أفاضل المتأخرين الصحة لصدق الامتثال. و قال ايضا و بالجملة كل من فعل ما هو في نفس الأمر و ان لم يعرف كونه كذلك ما لم يكن عالما بنهيه وقت الفعل حتى لو أخذ المسائل من غير اهله بل لو لم يأخذ من أحد و ظنها كذلك فإنه يصح ما فعله، و كذا في الاعتقادات و ان لم يأخذها عن أدلتها فإنه يكفي ما أعتقده دليلا و أوصله الى المطلوب و لو كان تقليدا، قال كذا يفهم من كلام منسوب الى المحقق نصير الملة و الدين. قال و في كلام الشارع اشارة اليه، و ذكر أشياء يطول الكلام بنقلها.
و عندي ان ما ذكره منظور فيه مخالف للقواعد المقررة العدلية و ليس المقام مقام تفصيله لكن أقول إجمالا ان أحد الجاهلين إذا صلى في الوقت و الآخر في غير الوقت فلا يخلو اما ان يستحقا العقاب أو لا يستحقا أصلا أو يستحق أحدهما دون الآخر، و على الأول ثبت المطلوب لان استحقاق العقاب انما يكون لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، و على الثاني يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا، و لو انفتح هذا الباب لجرى الكلام في كل واحد واحد من أفعال الصلاة و يفضي الأمر إلى ارتفاع جل التكاليف، و هذا مفسدة واضحة لا يسوغ لأحد الاجتراء عليه و معلوم فساده بالضرورة، و على الثالث يلزم خلاف العدل لاستوائهما في الحركات الاختيارية الموجبة للمدح و الذم و انما حصل مصادفة الوقت و عدمه بضرب من الاتفاق من غير ان يكون لأحد منهما فيه ضرب من التعمد أو السعي، و تجويز مدخلية الاتفاق الخارج عن القدرة في استحقاق المدح و الذم مما هدم بنيانه البرهان و عليه إطباق العدلية في كل زمان. و اما الإشارات التي ذكرها فكل منها قابل للتأويل فيشكل الاعتماد عليها و التعويل و ليس المقام مقام التفصيل هذا ظاهر التحقيق و ان كان الاشكال فيه و في نظائره ثابتا. انتهى كلام الفاضل المشار إليه أقول- و بالله سبحانه التوفيق لبلوغ كل مأمول- لا يخفى ان ما تكلفه هذا
289
الفاضل في المقام من النقض و الإبرام و زعم به إبطال ما ذكره المحقق الامام غير خال من الوهن الظاهر لمن أعطى التأمل حقه من ذوي الأفهام:
(أما أولا)- فإن من جملة الأخبار الدالة على ما ذكره شيخنا المحقق المتقدم- من الاكتفاء بمطابقة الحكم واقعا و ان لم يكن عن علم و معرفة-
رواية عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «جاء رجل يلبى حتى دخل المسجد الحرام و هو يلبي و عليه قميصه فوثب اليه الناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا شق قميصك و أخرجه من رجليك فان عليك بدنة و عليك الحج من قابل و حجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبر و استقبل الكعبة فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) اسكن يا عبد الله فلما كلمه و كان الرجل أعجميا فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما تقول؟ قال كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج و لم أسأل أحدا عن شيء فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و انزعه من قبل رجلي و ان حجي فاسد و ان علي بدنة. فقال له متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال قبل ان ألبي، قال فأخرجه من رأسك فإنه ليس عليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت أسبوعا و صل ركعتين عند مقام إبراهيم و اسع بين الصفا و المروة و قصر من شعرك فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل بالحج و اصنع كما يصنع الناس».
و التقريب فيه انه مع تصريحه بمعذورية الجاهل بوجه كلي و قاعدة مطردة تضمن صحة ما فعله قبل لقاء الامام (عليه السلام) من الاغتسال و الإحرام و التلبية و نحوها مع إخباره بأنه لم يسأل أحدا عن شيء من الأحكام التي اتى بها و لهذا وقع فيما وقع فيه، و امره (عليه السلام) ان يصنع كما يصنع الناس من واجب أو مستحب مع عدم المعرفة بشيء من ذلك، و يعضد ذلك أخبار معذورية الجاهل و صحة عباداته على التفصيل الذي
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 45 من أبواب تروك الإحرام.
290
تقدم في مقدمات الكتاب من الجلد الأول.
و (اما ثانيا)- فان ما أطال به- من تقسيم الجاهل الى ما ذكره من الأقسام و تخصيص كلام المحقق الأردبيلي بالجاهل بوجوب رعاية الوقت- تطويل بغير طائل و ترديد لا يرجع الى حاصل، فإنه على القول بالبطلان فلا فرق في شيء من هذه الأقسام و كذا على القول بالصحة الذي صرح به المحقق المذكور كما لا يخفى على من راجع كلامه فإنه بعد ان فصل أجمل بقوله: «و بالجملة كل من فعل ما هو في نفس الأمر. الى آخره» و هو ظاهر بل صريح في العموم و ان أمكن إرجاع ما ذكره من الأقسام عدا الأخير إلى الخروج عن محل البحث.
و (اما ثالثا)- فانا نقول بعد اختيار الشق الثالث من ترديده الذي هو محل النزاع في المسألة: (أولا) انه متى قام الدليل من خارج على معذورية الجاهل و صحة عباداته إذا طابقت الواقع فهذا الاستبعاد العقلي غير مسموع و ان اشتهر بينهم ترجيح الدليل العقلي على النقلي إلا ان ما نحن فيه ليس منه. و (ثانيا) ان المدح و الذم على هذه الحركات الاختيارية ان كان من الله سبحانه فاستواؤهما فيه ممنوع إذ إيجاب الحركات للذم و المدح ليس لذاتها و انما هو لموافقة الأمر و عدمها تعمدا أو اتفاقا، و حينئذ فمقتضى ما قلناه من قيام الدليل على صحة عبادة الجاهل إذا صادفت الوقت فإنه تصح عبادة من صادفت صلاته الوقت فتكون حركاته موجبة للمدح بخلاف من لم تصادف فإنها تكون موجبة للذم لعدم المصادفة الموجبة للصحة. و (ثالثا) ان الغرض من التكليف بالمراعاة كما تقدم آنفا و اعترف هو به (قدس سره) الإتيان بما كلف به حسب الأمر، و من صادفت صلاته الوقت يصدق عليه انه اتى بالمأمور به و امتثال الأمر يقتضي الاجزاء، و عين ما ذكره في الناسي مما تقدم نقله في المقام الثاني من قوله في جواب السؤال الذي أورده «لأنا نقول. الى آخره» جار فيما نحن فيه كما لا يخفى.
و (اما رابعا) فان ما ذكره منقوض بما وقع الاتفاق عليه نصا و فتوى من صحة
291
صلاة الجاهل بوجوب التقصير تماما مع كونها غير مطابقة للواقع، فإذا كان الجهل عذرا مع عدم المطابقة فبالأولى ان يكون عذرا مع المطابقة. و مثله ما لو قصر بعد نية الإتمام الموجبة لتمام جاهلا فإنه و ان كان المشهور الإعادة إلا ان صحيحة منصور بن حازم (1) تدل على انه لو تركه جاهلا فليس عليه الإعادة و بها قال بعض الأصحاب، و على هذه الرواية يتجه ايضا ما قلناه من صحة عبادة الجاهل و ان خالفت الواقع.
و (اما خامسا)- فإنه معارض ايضا بما صرح به الأصحاب- كما نقله عنهم شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة- من ان من صلى بالنجاسة جاهلا بها و ان صحت صلاته ظاهرا إلا انها غير صحيحة و لا مقبولة واقعا لفقد شرطها واقعا، فإنه يلزم بمقتضى ما ذكره ايضا خلاف العدل لاستواء حركات هذا المصلى مع حركات من اتفق كون صلاته في طاهر واقعا في المدح و الذم فكيف تقبل إحداهما دون الأخرى؟ إذ كل منهما قد بنى على ظاهر الطهارة في نظره و انما حصلت الطهارة الواقعية في إحداهما بضرب من الاتفاق، و الفرض ان الاتفاق الخارج لا مدخل له. و مثل ذلك في من توضأ بماء نجس واقعا مع كونه طاهرا في الظاهر فان بطلان طهارته و عبادته دون من توضأ بماء طاهر ظاهرا و واقعا مع اشتراكهما فيما ذكر من الحركات و السكنات و كون الطهارة و النجاسة واقعا بنوع من الاتفاق خلاف العدل و الأصحاب لا يقولون به.
و (اما سادسا)- فإنه لو كان الاتفاق الخارج لا مدخل له في الصحة في الأحكام الشرعية على الإطلاق كما زعمه لما أجزأ صوم آخر يوم من شعبان من أول يوم من شهر رمضان متى ظهر كونه منه بعد ذلك، و لسقط القضاء عن من أفطر يوما من شهر رمضان لعدم الرؤية ثم ظهرت الرؤية في البلاد المتقاربة أو مطلقا على الخلاف في ذلك، و لوجب الحد على من زنى بامرأة ثم ظهر كونها زوجته، و لصح شراء من اشترى شيئا من يد أحد من المسلمين ثم ظهر كونه غصبا، و لوجب القضاء و الكفارة على من أفطر
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 17 من صلاة المسافر.
292
يوم الثلاثين من شهر رمضان ثم ظهر كونه من شوال، و لوجب القود أو الدية على من قتل شخصا عدوانا ثم ظهر كونه ممن له قتله قودا، و لوجب العوض على من غصب مالا و تصرف فيه ثم ظهر كونه له، الى غير ذلك من المواضع التي يقف عليها المتتبع، و اللوازم كلها باطلة اتفاقا (فان قيل) ان هذه الأحكام المعترض بها انما صير إليها لقيام الدليل عليها (قلنا) قيام الدليل عليها دليل على ان الاتفاق واقعا مما له دخل في المدح و الذم و الصحة و الفساد كما هو المدعى، و لا يخفى ان الأحكام الشرعية لا تنطبق على الأدلة العقلية بل قد توافقها تارة و تخالفها اخرى.
و بالجملة فإن ما تكلفه هذا الفاضل في المقام مما لا اعرف له وجه صحة كما كشفنا عنه نقاب الإبهام. و الله العالم.
(المقام الرابع)- ان يكون ظانا
و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو دخل في الصلاة ظانا دخول الوقت ثم تبين فساد ظنه بوقوع الصلاة كملا قبل الوقت فإنه يجب عليه الإعادة، و يدل عليه
صحيحة زرارة المتقدمة (1) «في من صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر و نام حتى طلعت الشمس فأخبر انه صلى بليل؟ قال يعيد صلاته».
و رواية أبي بصير المتقدمة (2) الدالة ايضا على ان من صلى في غير وقت فلا صلاة له.
و صحيحة زرارة (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك».
انما الخلاف في من دخل عليه الوقت في أثنائها و لو قبل التسليم، فالمشهور الصحة لأنه متعبد بظنه خرج منه ما إذا لم يدرك من الوقت شيئا بالنص و الإجماع المتقدمين و بقي الباقي، و يدل عليه أيضا
رواية إسماعيل بن رياح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4)
____________
(1) ص 284.
(2) ص 283.
(3) الوسائل الباب 16 من المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 25 من المواقيت.
293
قال: «إذا صليت و أنت ترى أنك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك».
و نقل عن السيد المرتضى و ابن ابي عقيل و ابن الجنيد البطلان كما لو وقعت بأسرها قبل الوقت، و اختاره العلامة في المختلف و السيد السند في المدارك، و ظاهر المحقق في المعتبر التوقف في المسألة حيث قال: ان ما اختاره الشيخ أوجه بتقدير تسلم صحة الرواية و ما ذكره المرتضى أوجه بتقدير اطراحها. قال في المدارك بعد نقله عنه:
هذا كلامه لكن الإطراح متعين لضعف السند. انتهى.
و احتج في المختلف على ما ذهب اليه من البطلان برواية أبي بصير المتقدمة، و بأنه مأمور بإيقاع الصلاة في وقتها و لم يحصل الامتثال. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو جيد و لا ينافيه توجه الأمر بالصلاة بحسب الظاهر لاختلاف الأمرين كما لا يخفى. انتهى.
ثم نقل في المختلف عن الشيخ انه احتج بما رواه إسماعيل بن رياح ثم ساق الرواية و بأنه مأمور بالدخول في الصلاة عند الظن إذ مع الاشتباه لا يصح التكليف بالعلم لاستحالة التكليف بما لا يطاق فيتحقق الاجزاء. ثم أجاب عن ذلك اما عن الرواية فبالمنع من صحة السند و اما عن الثاني فبان الاجزاء انما يتحقق مع استمرار سببه و هو الظن فإذا ظهر كذبه انتفى و يبقى في عهدة الأمر كما لو فرغ من العبادة قبل الدخول.
ثم قال و اعلم ان الرواية التي ذكرها الشيخ (قدس سره) في طريقها إسماعيل بن رياح و لا يحضرني الآن حاله فان كان ثقة فهي صحيحة و تعين العمل بمضمونها و إلا فلا. انتهى أقول: أنت خبير بان كلامهم في هذه المسألة صحة و بطلانا دائر مدار خبر إسماعيل المذكور قبولا و ردا فمن قبله و عمل به اما لكونه ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح أو يراه و لكن يجبر ضعف الخبر بالشهرة فإنه يحكم بالصحة و من رده فإنه يحكم بالبطلان و حيث كان الخبر عندنا مقبولا لا وجه لرده لعدم عملنا على هذا الاصطلاح المحدث فالقول بالصحة ظاهر. و اما ما احتج به في المختلف كما نقله عنه في المدارك- من قوله
294
و لأنه مأمور بإيقاع الصلاة في وقتها و لم يحصل الامتثال- ففيه و ان استجوده السيد المذكور انه ان أريد بهذا الوقت الذي هو مأمور بإيقاع الصلاة فيه بمعنى الوقت الواقعي النفس الأمري كما هو ظاهر كلاميهما فهو ممنوع لان الشارع لم يجعل الواقع و نفس الأمر مناطا للأحكام الشرعية لا في هذا الموضع و لا في غيره، و ان أريد به ما هو وقت في نظر المكلف كما هو المناط في جميع التكاليف فهو صادق على ما نحن فيه كما هو المفروض غاية الأمر انه وقت ظني، و سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة الاتية بيان قوة القول بالبناء على الظن مع الاشتباه، و حينئذ فالتحقيق ان يقال انه مكلف بإيقاع الصلاة في وقتها المعلوم أو المظنون فمتى صلاها في أحدهما فقد امتثل و امتثال الأمر يقتضي الإجزاء، غاية ما في الباب انه قام الدليل على البطلان أو وقعت كملا قبل الوقت و بقي الباقي على الصحة بمقتضى الأمر و دلالة الرواية المذكورة، و يؤيده رواية الأصبغ بن نباتة و موثقة عمار المتقدمتان في من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس. و اما ما ذكره في المدارك- بعد حكمه بكونه جيدا بقوله: «و لا ينافيه توجه الأمر بالصلاة بحسب الظاهر لاختلاف الأمرين»- فلا وجه له بعد ما عرفت لان الاختلاف بين الأمرين كما ادعاه انما يتم لو كان الوقت الذي ادعى انه مأمور بإيقاع الصلاة فيه هو الوقت الواقعي النفس الأمري و قد عرفت فساده، و متى أريد به الوقت الذي في نظر المكلف فهو يرجع الى ما ذكره ثانيا من الأمر بالصلاة بحسب الظاهر فلا اختلاف بين الأمرين كما لا يخفى. و الله العالم.
(المسألة السادسة) [هل يجوز التعويل على الظن بالوقت مع التمكن من العلم؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من كان له طريق الى العلم بالوقت فلا يجوز له الصلاة إلا بعد العلم بذلك فان لم يكن له طريق الى ذلك فهل يجوز له الاجتهاد في الوقت بمعنى التعويل على الأمارات المفيدة للظن أو يجب عليه الصبر حتى يتيقن الوقت؟ قولان المشهور الأول.
فالكلام هنا يقع في موضعين
[الموضع] (الأول) فيما إذا كان له طريق الى العلم
و قد عرفت ان مذهب الأصحاب انه لا يجوز له الصلاة إلا بعد العلم و لا يجوز له التعويل
295
على الظن، قال في المدارك بعد ذكر الحكم المذكور: و هو مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا. و استدل عليه في المنتهى بان العلم يؤمن معه الخطأ و الظن لا يؤمن معه ذلك و ترك ما يؤمن معه الخطأ قبيح عقلا. و اعترضه في المدارك بأنه ضعيف جدا قال و العقل لا يقضي بقبح التعويل على الظن هنا بل لا يأباه لو قام عليه الدليل. و الأجود الاستدلال عليه بانتفاء ما يدل على ثبوت التكليف مع الظن للتمكن من العلم، و يؤيده عموم النهي عن اتباع الظن. انتهى.
أقول: لا يخفى ان الأحكام الشرعية كما قدمناه في غير موضع توقيفية لا مسرح للعقل فيها بوجه و انما هي منوطة بالنصوص و الأدلة الواردة عن صاحب الشريعة وجودا و عدما و صحة و بطلانا، و لكنهم (رضوان الله عليهم) حيث اشتهر بينهم ترجيح الأدلة العقلية على السمعية فتراهم في كل حكم يقدمون دليلا عقليا بزعمهم ثم يردفونه بالأدلة العقلية على السمعية فتراهم في كل حكم يقدمون دليلا عقليا بزعمهم ثم يردفونه بالأدلة السمعية و ان كانت أدلتهم فيها ما هو أوهن من بيت العنكبوت و انه لا وهن البيوت. و التحقيق هو الرجوع الى الاخبار الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في هذا المقام و غيره.
ثم ان ما يظهر من كلام صاحب المدارك من عدم العلم بالمخالف المؤذن بدعوى الإجماع على المسألة المذكورة محل نظر فان ظاهر الشيخين في المقنعة و النهاية يشعر بالخلاف، قال في المقنعة: من ظن ان الوقت قد دخل فصلى ثم علم بعد ذلك انه صلى قبله أعاد الصلاة إلا ان يكون الوقت دخل و هو في الصلاة لم يفرغ منها فيجزئه ذلك. و قال في النهاية و لا يجوز لأحد ان يدخل في الصلاة إلا بعد حصول العلم بدخول الوقت أو يغلب على ظنه ذلك. و هو ظاهر المبسوط ايضا، و الحمل على ان المراد بالظن في مقام عدم إمكان العلم و ان أمكن إلا انه خلاف الظاهر من العبارتين المذكورتين. و بما ذكرنا من ظهور العبارتين المذكورتين في المخالفة للقول المشهور صرح الفاضل الخراساني أيضا في الذخيرة و يمكن الاستدلال على قول الشيخين بظاهر
رواية إسماعيل بن رياح عن
296
ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا صليت و أنت ترى أنك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك».
و ظاهر الأصحاب حمل هذه الرواية على صورة تعذر العلم حيث أوردوها في تلك المسألة و هي كما ترى مطلقة لا تقييد فيها بذلك لان قوله: «و أنت ترى- اي تظن- أنك في وقت» أعم من ان يكون العلم ممكنا أو غير ممكن، على ان ما ذكروه من عدم جواز التعويل على الظن مع إمكان العلم لا يخلو من المناقشة، فإن المستفاد من الأخبار المستفيضة الاعتماد على أذان المؤذنين و ان كانوا من المخالفين، و من الظاهر ان غاية ما يفيد هو الظن و ان تفاوت شدة و ضعفا باعتبار المؤذنين و ما هم عليه من زيادة الوثاقة و الضبط في معرفة الأوقات و عدمه.
[الروايات الدالة على جواز الاعتماد على المؤذنين و غيرهم و ما يعارضها]
و ها أنا أسوق من الأخبار الجارية في هذا المضمار، فمنها-
صحيحة ذريح المحاربي (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) صل الجمعة بأذان هؤلاء فإنهم أشد شيء مواظبة على الوقت».
و رواية محمد بن خالد القسري (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخاف ان أصلي يوم الجمعة قبل ان تزول الشمس؟ قال انما ذاك على المؤذنين».
و روى العياشي في تفسيره عن سعيد الأعرج (4) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) و هو مغضب و عنده أناس من أصحابنا و هو يقول تصلون قبل ان تزول الشمس؟ قال و هم سكوت، قال قلت ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة قال فلا بأس اما انه إذا أذن فقد زالت الشمس. الخبر».
و الخبر صحيح كما ترى بالاصطلاح القديم لكون الكتاب من الأصول المعتمدة.
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل صلى الفجر في
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 25 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(3) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(4) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(5) الوسائل الباب 3 من الأذان.
297
يوم غيم أو في بيت و اذن المؤذن و قعد فأطال الجلوس حتى شك فلم يدر هل طلع الفجر أم لا فظن ان المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر؟ قال أجزأه أذانهم».
و روى الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) (1) قال: «المؤذن مؤتمن و الامام ضامن».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) في المؤذنين إنهم الأمناء».
و روى فيه ايضا مرسلا (3) قال: «كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) مؤذنان أحدهما بلال و الآخر ابن أم مكتوم و كان ابن أم مكتوم أعمى و كان يؤذن قبل الصبح و كان بلال يؤذن بعد الصبح فقال النبي (صلى الله عليه و آله) ان ابن أم مكتوم يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال».
و روى في الفقيه ايضا مرسلا (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث المؤذن له من كل من يصلي بصوته حسنة».
و بإسناده عن عبد الله بن علي عن بلال في حديث (5) قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم. الحديث».
و روى الشيخ المفيد في المقنعة (6) قال: «روى عن الصادقين (عليهم السلام) انهم قالوا قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) يغفر للمؤذن مد صوته و بصره و يصدقه، الى ان قال و له من كل من يصلى بأذانه حسنة».
و روى الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن الفضل بن الربيع في حكاية حبس الكاظم (عليه السلام) عنده (7) «انه كان يعقب بعد الفجر الى
____________
(1) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(2) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(3) الوسائل الباب 8 من الأذان.
(4) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(5) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(6) الوسائل الباب 3 من الأذان.
(7) الوسائل الباب 59 من المواقيت.
298
ان تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس و قد وكل من يترصد له الزوال فلست ادري متى يقول له الغلام قد زالت الشمس إذ وثب فيبتدئ الصلاة من غير ان يحدث وضوء، ثم ساق الكلام الى ان قال فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست ادري متى يقول الغلام ان الفجر قد طلع إذ وثب هو لصلاة الفجر. الحديث».
و هذه الاخبار كلها- كما ترى- ظاهرة الدلالة متعاضدة المقالة في جواز الاعتماد على المؤذنين و غيرهم كما يدل عليه الحديث الأخير، و لا يخفى ان غاية ما يفيد هو الظن، و يعضد هذه الاخبار رواية إسماعيل بن رياح المتقدمة».
إلا انه
روى الشيخ عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) «في الرجل يسمع الأذان فيصلي الفجر و لا يدري أطلع الفجر أم لا غير انه يظن لمكان الأذان أنه طلع؟ قال لا يجزئه حتى يعلم انه طلع».
و هي ظاهرة في عدم جواز التعويل على الأذان، و بها استدل في المدارك على القول المشهور.
و أنت خبير بان ما قابلها من الاخبار المتقدمة أكثر عددا و أوضح سندا، و حينئذ يتعين ارتكاب التأويل في هذه الرواية بأن تحمل على عدم الوثوق بالمؤذن أو على الفضل و الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الأبواب.
و ظاهر المحقق في المعتبر الميل الى الاعتماد على أذان الثقة الذي يعرف منه الاستظهار
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «المؤذنون أمناء».
و لأن الأذان مشروع للاعلام بالوقت فلو لم يعول عليه لم تحصل الغاية من شرعيته.
و اعترضه الشهيد و غيره بأنه يكفي في صدق الامانة تحققها بالنسبة إلى ذوي الاعذار و شرعية الأذان للإعلام لتقليدهم خاصة و لتنبيه المتمكن على الاعتبار.
____________
(1) الوسائل الباب 58 من المواقيت عن الذكرى و كتاب على بن جعفر.
(2) رواه في الوسائل في الباب 3 من الأذان.
299
و فيه نظر: (أما أولا) فإنه تقييد لإطلاق الأخبار المتقدمة بغير دليل سوى مجرد دعواهم الاتفاق على اشتراط العلم.
و (اما ثانيا) فان الدليل غير منحصر فيما ذكره المحقق من التعليلين المذكورين ليتم ما قالوه بالجواب عنهما بل ظاهر صحيحة ذريح و رواية محمد بن خالد و نحوهما من الروايات المتقدمة هو العموم لذوي الاعذار و غيرهم و هو أظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان و بذلك يظهر ما في جمود صاحب المدارك على كلام الشهيد هنا و اعتضاده به و تردد الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقله فإنه لا وجه له بعد ما عرفت من الاخبار التي قدمناها و ظهورها في العموم، و لكنهم لعدم إعطاء التتبع و التأمل حقهما في الاخبار جرى لهم ما جرى في أمثال هذا المضمار.
[الروايات الدالة على عدم جواز الصلاة إلا مع تبين الوقت]
و اما
ما نقله ابن إدريس في مستطرفات السرائر- من كتاب نوادر البزنطي عن عبد الله بن عجلان (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل ركعتين فإذا استيقنت انها قد زالت بدأت بالفريضة».
- فلا منافاة فيه لما ذكرناه إذ غاية ما يدل عليه هو عدم جواز الصلاة مع الشك في الوقت و جوازها مع اليقين و لا دلالة فيه على التخصيص به و عدم جواز الاعتماد على الظن الحاصل بالأذان و نحوه بل هو مطلق بالنسبة الى ذلك فيجب تقييده بما ذكرنا من الاخبار.
و اما
ما رواه المرتضى (رضي الله عنه) في رسالة المحكم و المتشابه- عن تفسير النعماني بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث طويل (2) قال: «ان الله إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلوات فموسع عليهم تأخير الصلاة ليتبين لهم الوقت بظهورها و يستيقنوا انها قد زالت».
- فمورده صورة الاشتباه و سيأتي الكلام فيها ثمة.
و اما
ما في حديث علي بن مهزيار (3)- و قول ابي جعفر (عليه السلام) فيه
____________
(1) رواه في الوسائل الباب 58 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل الباب 58 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل الباب 58 من المواقيت.
300
«الفجر هو الخيط الأبيض المعترض فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تتبينه فان الله سبحانه لم يجعل خلقه في شبهة من هذا فقال: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (1).
- فان ظاهر سياق الخبر انه مع الاشتباه و عدم تبين الفجر الصادق من الكاذب لا يجوز له الصلاة حتى يتبين ذلك، إلا ان تبينه كما يكون برؤيته بنفسه كذلك يكون بسماع الأذان كما ينادي به
قوله (صلى الله عليه و آله) في مرسلة الفقيه «فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال» (2).
و هو ظاهر إطلاق باقي الاخبار، و حاصل المعنى هو الرخصة في الأكل و الشرب حتى يتبين الفجر بأحد الأمرين المذكورين.
و قال في المدارك- بعد اعتراضه على كلام المعتبر المتقدم بما قدمنا نقله عن الشهيد- ما صورته: نعم لو فرض افادته العلم بدخول الوقت كما قد يتفق كثيرا في أذان الثقة الضابط الذي يعلم منه الاستظهار في الوقت إذا لم يكن هناك مانع من العلم جاز التعويل عليه قطعا و يدل عليه صحيحة ذريح، ثم أورد الصحيحة المذكورة و عقبها برواية محمد ابن خالد القسري.
أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه (أما أولا) فإن ما ذكره من إفادة أذان الثقة الضابط للعلم ينافي ما ذكروه في الأصول بالنسبة إلى الأخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بنقل الثقات العدول المجمع على فضلهم و ورعهم و عدالتهم من ان غاية ما تفيده رواياتهم هو الظن دون العلم، و هذه احدى المعارك العظام بين الأصوليين و الأخباريين كما حقق في محله.
و (اما ثانيا) فان ما زعمه من دلالة الخبرين المذكورين على افادة العلم لا اعرف له وجها، نعم يستفاد من الأول حصول الظن الراجح بأذانهم.
و بالجملة فالظاهر عندي من الاخبار الواردة في المقام هو ما ذهب اليه الشيخان
____________
(1) سورة البقرة، الآية 183.
(2) ص 297.
301
المتقدمان في المسألة من العمل على الظن. و الله العالم.
(الموضع الثاني)- فيما لو لم يكن له طريق الى العلم لغيم و نحوه
فهل يجب الصبر عليه حتى يتيقن الوقت أو يجوز له الاجتهاد و البناء على الظن؟ المشهور الثاني، و نقل عن ابن الجنيد انه قال ليس للشاك يوم الغيم و لا غيره ان يصلي إلا عند تيقنه الوقت و صلاته في آخر الوقت مع اليقين خير من صلاته مع الشك.
و الى هذا القول مال في المدارك، قال (قدس سره) بعد ذكر القول المشهور ثم مذهب ابن الجنيد: احتج الأولون
برواية سماعة (1) قال: «سألته عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم؟ قال اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك».
قيل و هذا يشمل الاجتهاد في الوقت و القبلة. و يمكن ان يستدل له ايضا
بما رواه أبو الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت و في السماء علة فأفطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب؟ فقال قد تم صومه و لا يقضيه».
و إذا جاز التعويل على الظن في الإفطار جاز في الصلاة إذ لا قائل بالفرق.
و صحيحة زرارة (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكف عن الطعام ان كنت أصبت منه شيئا».
و تقريب الاستدلال ما تقدم. و يمكن المناقشة في الروايتين الأوليين بضعف السند و في الثالثة بقصور الدلالة لاحتمال ان يراد بمضي الصوم فساده. و بالجملة فالمسألة محل تردد و قول ابن الجنيد لا يخلو من قوة. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره من الاستدلال برواية سماعة مبني على حمل الاجتهاد على الوقت و الظاهر بعده بل المراد انما هو الاجتهاد في القبلة فيكون العطف تفسيريا فلا تكون الرواية المذكورة من المسألة في شيء. و اما رواية الكناني و صحيحة زرارة
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من أبواب القبلة.
(2) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
(3) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
302
فهما ظاهرتا الدلالة على القول المشهور، و ما ردهما به من الطعن في غاية القصور لما صرح به هو نفسه (قدس سره) في كتاب الصوم في مسألة الإفطار للظلمة الموهمة حيث نقل ثمة انه لا خلاف بين علمائنا ظاهرا في جواز الإفطار عند ظن الغروب إذا لم يكن للظان طريق الى العلم و انما اختلفوا في وجوب القضاء و عدمه إذا انكشف فساد الظن، ثم نقل القول بعدم الوجوب عن جمع من الأصحاب و نقل القول بالوجوب عن آخرين و اختار الأول، و استدل بصحيحة زرارة و رواية أبي الصباح الكناني المذكورتين
و صحيحة أخرى لزرارة أيضا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «انه قال لرجل ظن ان الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك فقال ليس عليه قضاء».
و نقل أيضا رواية الشحام الدالة على ذلك. و أنت خبير بظهور دلالة هذه الروايات كملا على القول المشهور إذ الحكم في الصلاة و الصوم واحد لابتنائهما على وقت واحد، و اما ما ذكره هنا- من التأويل في صحيحة زرارة بحمل قوله: «قد مضى صومك» على معنى فساده- فهو من التأويلات الغثة التي يقضى منها العجب من مثله فان هذه العبارة إنما يرمى بها في مقام الكناية عن الصحة أي مضى صومك على الصحة.
و مما يؤيد القول المشهور زيادة على ما ذكرنا
موثقة عبد الله بن بكير عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له اني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار؟ قال فقال لا تعد و لا تعد».
و رواية إسماعيل بن رياح المتقدمة.
و الروايات الدالة على الاعتماد على صياح الديك، و منها
ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح أو الحسن في كتابي الكليني و الشيخ الى ابي عبد الله الفراء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه قال له رجل من أصحابنا انه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم؟ فقال تعرف هذه
____________
(1) رواها في الوسائل في الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.
(2) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 14 من المواقيت.
303
الطيور التي تكون عندكم بالعراق يقال لها الديوك؟ فقال نعم. قال إذا ارتفعت أصواتها و تجاوبت فقد زالت الشمس أو قال فصله».
كذا في الكتابين المتقدمين
و في الفقيه (1) «فعند ذلك فصل».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن الحسين بن المختار عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له اني رجل مؤذن فإذا كان يوم الغيم لم اعرف الوقت؟
فقال إذا صاح الديك ثلاثة أصوات ولاء فقد زالت الشمس و دخل وقت الصلاة».
و رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن المختار عن الصادق (عليه السلام) مثله.
و قد ظهر لك بما ذكرناه قوة القول المشهور و انه لا يعتريه نقص و لا قصور و بذلك يظهر لك ضعف ما ذكره في المدارك و مثله الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه تردد في المسألة.
و يمكن ان يستدل لابن الجنيد بما تقدم من رواية إسماعيل بن جابر المنقولة عن تفسير النعماني المذكورة في الموضع الأول الا ان ظاهرها لا يخلو من اشكال لدلالتها على التأخير حتى تطلع الشمس مع انها ربما لا تطلع في ذلك اليوم بالكلية، و يمكن حملها على استحباب التأخير لتحقق الوقت، و كيف كان فهي لا تبلغ حجة في مقابلة ما قدمناه من الاخبار سندا و لا عددا و لا دلالة فيتحتم تأويلها بما ذكرناه أو غيره.
هذا مع استمرار الاشتباه و اما إذا انكشف فساد الظن المذكور فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في المقام الرابع من المسألة المتقدمة. و الله العالم.
(المسألة السابعة) [حكم سائر الصلوات في الأوقات الخمسة]
- اتفق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على كراهة النوافل في الأوقات الخمسة المشهورة في الجملة، و هي عند طلوع الشمس حتى تذهب الحمرة و ينتشر شعاعها، و عند غروبها اي حال دنوها من الغروب و اصفرارها حتى يكمل الغروب بذهاب الحمرة المشرقية، و عند قيامها اي كونها في وسط النهار على دائرة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من أبواب المواقيت.
304
نصف النهار حتى يتحقق الزوال بأحد أسبابه المتقدمة إلا يوم الجمعة فإن ظاهرهم الاتفاق على استثنائه كما سيأتي ان شاء الله تعالى، و بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، و بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
و انما اختلفت كلمتهم في تخصيص النوافل المذكورة بالمبتدأة أو عمومها للقضاء و ذوات الأسباب أو أحدهما دون الآخر على أقوال، و المشهور تخصيص الكراهة بالنوافل المبتدأة و هو المنقول عن الشيخ في المبسوط و الاقتصاد و اليه ذهب المتأخرون و حكم في النهاية بكراهة النوافل أداء و قضاء عند الطلوع و الغروب و لم يفرق بين ذي السبب و غيره. و فصل في الخلاف فقال في ما نهى عنه لأجل الوقت و هي المتعلقة بالشمس لا فرق فيه بين الصلوات و البلاد و الأيام إلا يوم الجمعة فإنه يصلى عند قيامها النوافل، ثم قال و ما نهى عنه لأجل الفعل و هي المتعلقة بالصلوات انما يكره ابتداء الصلاة فيه نافلة فأما كل صلاة لها سبب فإنه لا بأس به. و جزم المفيد (قدس سره) بكراهة النوافل المبتدأة و ذات السبب عند الطلوع و الغروب على ما نقله في المختلف، و ظاهره في المقنعة التحريم، و قال ان من زار أحد المشاهد عند طلوع الشمس أو غروبها أخر الصلاة حتى تذهب حمرة الشمس عند طلوعها و صفرتها عند غروبها و الى ما ذكره يرجع كلام الشيخ في النهاية. و عن ابن ابي عقيل لا نافلة بعد طلوع الشمس الى الزوال و لا بعد العصر حتى يغيب القرص إلا يوم الجمعة و قضاء فوائت السنن فان القضاء مطلق بعد طلوع الشمس الى الزوال و بعد العصر الى ان تغيب الشمس و قال ابن الجنيد ورد النهي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الابتداء بالصلاة عند طلوع الشمس و عند قيامها نصف النهار و عند غروبها و أباح الصلاة نصف النهار يوم الجمعة فقط. و قال السيد المرتضى و مما انفردت به الإمامية كراهة صلاة الضحى و ان التنفل بالصلاة بعد طلوع الشمس الى وقت زوالها محرم إلا في يوم الجمعة خاصة. و قال في أجوبة المسائل الناصرية حيث قال الناصر لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس و عند استوائها و عند غروبها. قال و هذا عندنا صحيح و عندنا انه يجوز ان يصلى في الأوقات المنهي عن
305
الصلاة فيها كل صلاة لها سبب متقدم و انما لا يجوز ان يبتدأ فيها بالنوافل. و صريح كلامي المرتضى (رضي الله عنه) هو التحريم في المبتدأة و هو ظاهر كلام ابن ابي عقيل و ابن الجنيد.
و الأصل في هذا الاختلاف هو اختلاف الأخبار الواردة في المقام و ها أنا املي عليك ما وقفت عليه من تلك الاخبار و أردفه بما وفقني الله تعالى لفهمه منها على وجه لا يعتريه ان شاء الله العثار و لا يحصل الصد عنه و النفار:
فمنها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع و لا سجود و انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود لأنها تغرب بين قرني شيطان و تطلع بين قرني شيطان».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن محمد الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان و تغرب بين قرني الشيطان. و قال لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب».
و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تصلى المغرب و لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس».
و عن ابي الحسن علي بن بلال (4) قال: «كتبت إليه في قضاء النافلة من طلوع الفجر الى طلوع الشمس و من بعد العصر الى ان تغيب الشمس؟ فكتب الي لا يجوز ذلك إلا للمقتضي فاما لغيره فلا».
يعني لا يجوز الصلاة في هذين الوقتين إلا لمن يقضى نافلة أو فريضة.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 20 من صلاة الجنازة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 38 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 38 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 38 من المواقيت.
306
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة».
و عن محمد بن فرج (2) قال: «كتبت الى العبد الصالح (عليه السلام) اسأله عن مسائل فكتب الي: و صل بعد العصر من النوافل ما شئت و صل بعد الغداة من النوافل ما شئت».
و روى الصدوق في الفقيه عن الحسين بن زيد في حديث المناهي عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «و نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها و عند استوائها».
و رواه في المجالس ايضا (4) و قال: «و قد روى نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها لان الشمس تطلع بين قرني الشيطان و تغرب بين قرني الشيطان».
و روى الصدوق في كتاب العلل بسند قوى عن سليمان بن جعفر الجعفري (5) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول لا ينبغي لأحد ان يصلي إذا طلعت الشمس لأنها تطلع بقرني شيطان، فإذا ارتفعت وصفت فارقها فيستحب الصلاة ذلك الوقت و القضاء و غير ذلك، فإذا انتصف النهار قارنها فلا ينبغي لأحد ان يصلي في ذلك الوقت لأن أبواب السماء قد غلقت، فإذا زالت الشمس و هبت الريح فارقها».
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن علي بن سليمان عن محمد بن عبد الله بن زرارة عن محمد بن الفضيل البصري (6) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ان يونس كان يفتي الناس عن آبائك (عليهم السلام) انه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس و بعد العصر الى ان تغيب الشمس؟ فقال كذب لعنه الله على ابي أو قال على آبائي».
و نقل شيخنا في البحار (7) عن كتاب زيد النرسي عن علي بن مزيد قال:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(7) ج 18 الصلاة ص 82.
307
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر».
و روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا عن محمد بن جعفر الأسدي و الصدوق في كتاب إكمال الدين مسندا عن محمد بن أحمد السناني و علي بن احمد بن محمد الدقاق و الحسين بن إبراهيم المؤدب و علي بن عبد الله الوراق (1) قالوا: «حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي قال كان فيما ورد على الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري في جواب مسائلي الى صاحب الدار- و في الاحتجاج الى صاحب الزمان-:
اما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها فلان كان كما يقول الناس ان الشمس تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان بشيء مثل الصلاة فصلها و أرغم أنف الشيطان».
إذا عرفت ذلك فالكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع
(الأول) [قضاء الفريضة في الأوقات الخمسة]
لا يخفى ان بعض هذه الاخبار و ان دل بإطلاقه على المنع من صلاة الفريضة في هذه الأوقات مثل صحيحة محمد بن مسلم و موثقة الحلبي و نحوهما من الأخبار الدالة على انه لا صلاة في هذه الأوقات إلا انه يجب تقييدها بما ورد من الاخبار الدالة على قضاء الفريضة و جوازه في هذه الأوقات:
كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «اربع صلوات يصليهن الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها و صلاة ركعتي الطواف الفريضة و صلاة الكسوف و الصلاة على الميت، هؤلاء تصليهن في الساعات كلها».
و رواية نعمان الرازي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها قال فليصل حين ذكره».
و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «خمس صلوات
____________
(1) الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
308
تصليهن في كل وقت: صلاة الكسوف و الصلاة على الميت و صلاة الإحرام و الصلاة التي تفوت و صلاة الطواف من الفجر الى طلوع الشمس و بعد العصر الى الليل».
و صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول خمس صلوات لا تترك على كل حال: إذا طفت بالبيت و إذا أردت أن تحرم و صلاة الكسوف و إذا نسيت فصل إذا ذكرت و صلاة الجنازة».
و ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي من الاخبار الدالة على الفورية بالقضاء و ان وقتها ساعة ذكرها.
(فان قيل): ان النسبة بين هذه الاخبار و بين الاخبار الدالة على المنع العموم من وجه لان هذه الأخبار دلت على الجواز أعم من ان يكون على جهة الكراهة أو بدونها و تلك الاخبار دلت على المنع من الصلاة فريضة كانت أو غيرها من هذه المعدودات، فما المرجح لما ذكرتموه من الجمع بتقييد تلك الأخبار بهذه و استثناء هذه الصلاة من الكراهة و لم لا يجوز العكس بإبقاء تلك الأخبار على ظاهرها من المنع و حمل الجواز في هذه الاخبار على الجواز المطلق الغير المنافي للكراهة؟
(قلنا): وجه الترجيح لما ذكرنا من الجمع وجوه عديدة: منها كثرة هذه الاخبار و ظهورها في الجواز من غير كراهة و تأيدها بالشهرة و عمل الأصحاب بذلك و تصريح رواية أبي بصير بالنسبة الى ما بعد الفجر و ما بعد العصر.
إلا انه لا يخفى ايضا انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على الكراهة في قضاء الفرائض في بعض هذه الأوقات، مثل
رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«ان نام الرجل و لم يصل صلاة المغرب و العشاء الآخرة أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما و ان خشي ان تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة، و ان استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس
____________
(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
309
فان خاف ان تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب و يدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها ثم ليصلها».
و نحوها
رواية الحسن بن زياد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) الدالة على «ان الذاكر ظهرا منسية في أثناء العصر يعدل و لو ذكر مغربا في أثناء العشاء صلى المغرب بعدها و لا يعدل لان العصر ليس بعدها صلاة».
و في صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس».
و هذه الاخبار قد حملها الشيخ على التقية و هو جيد لما قدمنا تحقيقه من ان رواية أبي بصير و صحيحة ابن سنان الدالتين على امتداد وقت العشاءين الى قبل الفجر انما خرجتا مخرج التقية في ذلك فكذا في هذا الحكم. و بالجملة فإن المستفاد من الاخبار المذكورة هو استثناء هذه الصلوات المذكورة كملا من عموم تلك الاخبار فلا كراهة فيها بالكلية.
(الثاني) [قضاء النافلة في الأوقات الخمسة]
- المستفاد من هذه الاخبار بعد ضم مطلقها الى مقيدها هو جواز قضاء النوافل في هذه الأوقات من غير كراهية، لأن بعضها و ان دل بإطلاقه على المنع إلا ان رواية علي بن بلال قد صرحت باستثناء القضاء، و عليها يحمل أيضا إطلاق صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على انه يصلى بعد العصر من النوافل ما شاء و بعد الغداة يعني قضاء و كذا رواية محمد بن فرج لما عرفت من دلالة الأخبار المذكورة على المنع من المبتدأة خصوصا و عموما.
و مما يدل على جواز القضاء في هذه الأوقات الأخبار المستفيضة
كرواية محمد بن يحيى بن حبيب (3) قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) تكون علي الصلاة النافلة متى أقضيها؟ فكتب في أي ساعة شئت من ليل أو نهار».
____________
(1) الوسائل الباب 63 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(3) المروية في الوسائل في الباب 39 من أبواب المواقيت.
310
و رواية حسان بن مهران (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء النوافل قال ما بين طلوع الشمس الى غروبها».
و عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في قضاء صلاة الليل و الوتر تفوت الرجل أ يقضيها بعد صلاة الفجر و بعد صلاة العصر؟ قال لا بأس بذلك».
و عن جميل بن دراج (3) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن قضاء صلاة الليل بعد الفجر الى طلوع الشمس؟ قال نعم و بعد العصر الى الليل فهو من سر آل محمد المخزون».
و في الصحيح عن احمد بن النضر و عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي في بعض إسناديهما (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن القضاء قبل طلوع الشمس و بعد العصر فقال نعم فاقضه فإنه من سر آل محمد (عليهم السلام)».
و روى في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام) قضاء صلاة الليل بعد الغداة و بعد العصر من سر آل محمد المخزون».
و روى الشيخ عن سليمان بن هارون (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قضاء الصلاة بعد العصر قال نعم انما هي النوافل فاقضها متى شئت».
و عن الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «اقض صلاة النهار أي ساعة شئت من ليل أو نهار كل ذلك سواء».
و عن ابن ابي يعفور في الصحيح (8) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة النهار يجوز قضاؤها أي ساعة شئت من ليل أو نهار».
و بذلك يظهر ما في كلام الشيخين في المقنعة و النهاية من الحكم بكراهة قضاء النافلة في الأوقات الثلاثة و هي عند الطلوع و الغروب و القيام، فإنه ناشئ عن الغفلة
____________
(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 45 و 56 من المواقيت.
(6) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(7) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(8) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
311
عن ملاحظة هذه الاخبار. و ظاهر الاخبار الدالة على ان القضاء بعد الفجر و بعد العصر من سر آل محمد المخزون ربما أشعر بكون ما دل على المنع من القضاء في هذين الوقتين انما خرج مخرج التقية.
و كيف كان فإنه يبقى الاشكال فيما عدا القضاء من ذوات الأسباب فإن ظاهر القول المشهور الجواز من غير كراهية و روايات المسألة كما ترى لا تعرض فيها لشيء من ذلك إلا ما دلت عليه الاخبار المتقدمة في الموضع الأول من ركعتي الطواف و صلاة الإحرام و يبقى ما عدا ذلك على الاشكال المذكور.
و اما
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن طريف و علي بن إسماعيل و محمد بن عيسى جميعا عن حماد بن عيسى (1) قال: «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) صلى الغداة فلما سلم الامام قام فدخل الطواف فطاف أسبوعين بعد الفجر قبل طلوع الشمس ثم خرج من باب بني شيبة و مضى و لم يصل».
فيجب حمله على التقية كما ان قران الطوافين محمول عليها ايضا.
و ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى الجمع بين الاخبار بتخصيص عموم هذه الروايات بروايات ذوات الأسباب، قال و الأقرب على القول بالكراهة استثناء ما له سبب لان شرعيته عامة و إذا تعارض العمومان وجب الجمع و الحمل على غير ذوات الأسباب وجه جمع فان مثل
قول النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
يشمل جميع الأوقات و كذا كل ذي سبب فان النص عليه شامل. انتهى و أنت خبير بأنه لقائل أن يقول كما يجوز ان يخصص عموم تلك الاخبار بهذه فلم لا يجوز العكس بإبقاء أخبار المنع على عمومها و تخصيص هذه الاخبار بها بان يقال انه
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 36 من الطواف.
(2) صحيح مسلم ج 1 ص 267 «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل ان يجلس».
312
يؤتى بذوات الأسباب متى وجد السبب إلا في ما إذا كان في أحد هذه الأوقات؟ فلا بد لترجيح أحد الحملين على الآخر من مرجح.
و يمكن ان يرجح ما ذكره بتطرق التخصيص الى تلك الاخبار بما قدمناه من اخبار قضاء الفرائض و قضاء النوافل و ما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة في الموضع الأول من تلك الصلوات الخمس التي تصلى في كل وقت، سيما مع ما ستعرف ان شاء الله تعالى من احتمال تطرق التقية الى هذه الاخبار كلا أو بعضا، و اعتضاد تلك الاخبار ايضا بعموم ما دل على مشروعية الصلاة و رجحانها في كل وقت.
(الثالث) [الإشكال في كراهة الصلاة في الأوقات الخمسة]
- ظاهر الصدوق (قدس سره) في الفقيه التوقف في هذه المسألة حيث قال: و قد روى نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها لان الشمس تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان. إلا انه روى لي جماعة من مشايخنا عن ابي الحسين محمد بن جعفر الأسدي، ثم أورد الرواية كما قدمناه. و قال الشيخ في التهذيب بعد ان أورد الأخبار المتضمنة للكراهة: و قد روى رخصة في الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها، و نقل الرواية بعينها.
و قال السيد السند في المدارك بعد نقل كلام الفقيه بتمامه: و لولا قطع الرواية ظاهرا لتعين المصير الى ما تضمنته و حمل أخبار النهي على التقية لموافقتها لمذهب العامة و اخبارهم و قد أكثر الفقيه الجليل محمد بن محمد بن النعمان في كتابه المسمى ب «افعل لا تفعل» من التشنيع على العامة في روايتهم ذلك عن النبي (صلى الله عليه و آله) و قال انهم كثيرا ما يخبرون عن النبي (صلى الله عليه و آله) بتحريم شيء و بعلة تحريمه و تلك العلة خطأ لا يجوز ان يتكلم بها النبي (صلى الله عليه و آله) و لا يحرم الله من قبلها شيئا، فمن ذلك ما أجمعوا عليه من النهي عن الصلاة في وقتين عند طلوع الشمس حتى يلتئم طلوعها و عند غروبها، فلو لا ان علة النهي انها تطلع و تغرب بين قرني الشيطان لكان ذلك جائزا، فإذا كان آخر الحديث موصولا بأوله و آخره فاسد فسد الجميع. و هذا جهل من قائله و الأنبياء لا تجهل
313
فلما بطلت هذه الرواية بفساد آخر الحديث ثبت ان التطوع جائز فيهما. انتهى.
أقول: ما ذكره من ان الرواية مقطوعة غفلة عن مراجعتها من كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة إلا انه ربما لو اطلع على ذلك لطعن في ذلك بعدم توثيق المشايخ المذكورين في كتب الرجال. و لكن التحقيق كما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) هو صحة الرواية، حيث قال: و الظاهر صحة الرواية لأن قول الصدوق «روى لي جماعة من مشايخنا» يدل على استفاضتها عنده، و المشايخ الأربعة الذين ذكرهم في إكمال الدين و ان لم يوثقوا في كتب الرجال لكنهم من مشايخ الصدوق و يروي عنهم كثيرا و يقول غالبا بعد ذكر كلامهم «رضي الله عنهم» و اتفاق هذا العدد من المشايخ على النقل لا يقصر عن نقل واحد قال فيه بعض أصحاب الرجال «ثقة»، فلا يبعد حمل أخبار النهي مطلقا على التقية أو الاتقاء لاشتهار الحكم بين المخالفين و اتفاقهم على إضرار من صلى في هذه الأوقات. ثم نقل كلام الشيخ المفيد المتقدم في كلام السيد (قدس سرهما).
أقول: و القول بما صرحوا به (نور الله مراقدهم) من الحمل على التقية قريب في الباب لصحة هذا الخبر و صراحته إلا انه ربما أشكل ذلك لورود هذا اللفظ في جملة من الاخبار الخارجة عن أخبار المسألة مثل خبر النفر من اليهود الذين جاءوا الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسأله أعلمهم عن مسائل (1) و فيه في تعليل صلاة الفجر في الوقت المخصوص بها ما صورته
«و اما صلاة الفجر فان الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان فأمرني ربي عز و جل ان أصلي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة و قبل ان يسجد لها الكافر لتسجد أمتي لله عز و جل. الحديث».
و نحوه
ما رواه الصدوق في العلل (2) في ما أجاب به أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مسائل اليهود قال: «ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان».
و نحوهما مما لا يخفى على المتتبع، و الظاهر انه لذلك قال شيخنا البهائي في كتاب
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 2 من أعداد الفرائض.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 82 عن الخصال.
314
الحبل المتين بعد نقل كلام الصدوق و دلالته على التوقف: و الاولى عدم الخروج عما نطقت به الروايات المتكثرة و قال به جماهير الأصحاب. انتهى. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و ان كان ما ذكرناه من الحمل على التقية أقرب قريب.
(الرابع) [معنى طلوع الشمس و غروبها بين قرني الشيطان]
- ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من تعليل الكراهة حال الطلوع و الغروب بان الشمس تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان قد ورد مثله في اخبار العامة (1) و قد ذكروا في معناه وجوها:
قال في النهاية الأثيرية: فيه «الشمس تطلع بين قرني الشيطان» أي ناحيتي رأسه و جانبيه. و قيل القرن القوة أي حين تطلع يتحرك الشيطان و يتسلط فيكون كالمعين لها و قيل بين قرني اي أمتيه الأولين و الآخرين. و كل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها فكأن الشيطان سول له ذلك فإذا سجد لها فكأن الشيطان مقترن بها.
و قال في القاموس: قرن الشيطان و قرناه أمته و المتبعون لرأيه أو قوته و انتشاره و تسلطه.
و قال الطيبي في شرح المشكاة: فيه وجوه: (أحدها)- انه ينتصب قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه اي فوديه فيكون مستقبلا لمن يسجد للشمس فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان. و (ثانيها)- ان يراد بقرينة حزباه اللذان يبعثهما لإغواء الناس. و (ثالثها)- انه من باب التمثيل شبه الشيطان في ما يسول لعبدة الشمس و يدعوهم إلى معاندة الحق بذوات القرون التي تعالج الأشياء و تدافعها بقرونها. و (رابعها)- ان يراد بالقرن القوة من قولهم انا نقرن له اي نطيق، و معنى التثنية تضعيف القوة كما يقال «مالي بهذا الأمر يد و لا يدان» اي لا قدرة و لا طاقة. انتهى.
و قال شيخنا في الذكرى: قيل قرن الشيطان حزبه و هم عبدة الشمس يسجدون
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 307.
315
لها في هذه الأوقات. و قال بعض العامة ان الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجد للشمس ساجدا له. انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه في أخبارنا مما يتعلق بذلك
ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه رفعه (1) قال: «قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام) الحديث الذي روي عن ابي جعفر (عليه السلام) ان الشمس تطلع بين قرني الشيطان؟ قال نعم ان إبليس اتخذ عرشا بين السماء و الأرض فإذا طلعت الشمس و سجد في ذلك الوقت الناس قال إبليس لشياطينه ان بني آدم يصلون لي».
و نحوه ما تقدم من حديث النفر من اليهود مما يرجع الى التعليل بسجود الكفار لها فيه. و حاصل معنى الخبرين المذكورين يرجع الى التمثيل الذي ذكره في النهاية بأن المصلي في ذلك الوقت كأنه ساجد و يصلي للشيطان من حيث سجوده للشمس بتسويل الشيطان و إغوائه فطلوعها كذلك يقترن بالشيطان باعتبار تسويله و إضلاله.
(الخامس) [ظاهر الأخبار حرمة الصلاة في الأوقات المخصوصة]
- ظاهر قوله (عليه السلام)
في رواية علي بن بلال (2) «لا يجوز ذلك إلا للمقتضي».
مما يدل على ما صرح به المرتضى من التحريم، و هو ايضا ظاهر قولهم «لا صلاة» و كذا نهى النبي (صلى الله عليه و آله) فان ظواهر هذه الألفاظ هو التحريم و ان تفاوتت في الدلالة على ذلك شدة و ضعفا، إلا ان كلام الأكثر كما عرفت هو الكراهة و الشهيد في الذكرى حمل التحريم في كلام المرتضى على الرجوع الى صلاة الضحى لتقدمها في صدر الكلام، و هو انما يتم له في العبارة الاولى من عبارتيه السالفتين و اما عبارته في أجوبة المسائل الناصرية فلا لعدم ذكر صلاة الضحى فيها و لتصريحه فيها بالنوافل المبتدأة و انه لا يجوز ان يبتدأ بالنوافل في هذه الأوقات. و ظاهر عبارة الشيخ المفيد ايضا هو التحريم حيث قال في المقنعة: «و لا يجوز ابتداء النوافل و لا قضاء شيء منها عند طلوع الشمس و لا عند غروبها» بعد ان صرح أولا بأنه لا بأس ان يقضي الإنسان نوافله بعد
____________
(1) الفروع ج 1 ص 80 و الوسائل الباب 38 من المواقيت.
(2) ص 305.
316
صلاة الغداة الى ان تطلع الشمس و بعد صلاة العصر الى ان يتغير لونها. و في المختلف نقل عنه عبارة أخرى و لعلها من غير المقنعة و عبر فيها بالكراهة، و الذي وجدته في المقنعة هو ما ذكرته. إلا ان الشيخ المفيد جعل التحريم في وقتي الطلوع و الغروب لكل من النافلة المبتدأة و المقضية، و السيد في كلامه الأول جعل التحريم في ما بعد طلوع الشمس الى وقت زوالها و أطلق في التنفل و في الثاني صرح بالمبتدأة و ان التحريم مخصوص بها و عمم في الأوقات كلها.
و كيف كان فظواهر الأخبار الدلالة على التحريم كما ذكرنا إلا انك قد عرفت تخصيص تلك الاخبار بما عدا القضاء بل ذي السبب مطلقا فيرجع التحريم إلى المبتدأة خاصة، و لا اعرف لهم دليلا على الخروج عن ظواهرها من التحريم بدليل يوجب الخروج عن ظاهر ما دلت عليه مع قول جمع منهم به كما عرفت بذلك قال في الذكرى. و لعل استناد الأصحاب في الحكم بالكراهة و حمل الاخبار المشار إليها على ذلك هو قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم «و انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس. الى آخره» و قوله (عليه السلام) في رواية سليمان بن جعفر الجعفري المنقولة من العلل «لا ينبغي لأحد ان يصلي إذا طلعت الشمس. الى آخره» و الظاهر انه الى ما ذكرنا أشار العلامة في المنتهى حيث قال: النهي الوارد ههنا للكراهة لان أخبارنا ناطقة بذلك خلافا لبعض الجمهور. و فيه ما عرفته في غير مقام مما تقدم من كثرة ورود هذين اللفظين في التحريم في أخبارهم (عليهم السلام) و قد حققنا فيما تقدم انهما من الألفاظ المتشابهة التي لا تحمل على أحد المعنيين إلا بالقرينة. و بالجملة فالحكم عندي غير خال من شوب الاشكال لما عرفت.
و قال في الذكرى: لو أوقع النافلة المكروهة في هذه الأوقات فالظاهر انعقادها ان لم نقل بالتحريم إذ الكراهة لا تنافي الصحة كالصلاة في الأمكنة المكروهة، و توقف فيه الفاضل من حيث النهي. قلنا ليس بنهي تحريم عندكم. و عليه يبنى نذر الصلاة في هذه الأوقات فعلى قولنا ينعقد و على المنع جزم الفاضل بعدم انعقاده لانه مرجوح. و لقائل
317
أن يقول بالصحة أيضا لأنه لا يقصر عن نافلة لها سبب و هو عنده جائز، و لانه جوز إيقاع الصلاة المنذورة مطلقا في هذه الأوقات. انتهى.
أقول: يمكن ان يكون توقف الفاضل نظرا الى ظاهر النهي و انه حقيقة في التحريم و ان كان خلاف المشهور بينهم و خلاف ما نسبه اليه بقوله: «ليس بنهي تحريم عندكم» فإن أقواله (قدس سره) في أكثر المسائل متعددة، و عليه يحمل ايضا جزمه بعدم انعقاد النذر المذكور كما نقله عنه. و بالجملة فإن جميع ما ذكره من البطلان و عدم انعقاد النذر انما يتم مع الأخذ بظاهر النهي فلعل العلامة في هذا الموضع اختار خلاف ما صرح به هو و غيره مما عليه القول المشهور من الجواز على كراهية.
(السادس) [استثناء يوم الجمعة من المنع من النوافل عند قيام الشمس]
- ظاهر الأصحاب الاتفاق على استثناء يوم الجمعة من المنع من النوافل عند قيام الشمس، و نسبه في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه و نقله ايضا عن جماعة من العامة (1) و قد تقدم (2) صحيح عبد الله بن سنان الدال على ذلك، و مثله
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الأذان أو بعده؟ قال قبل الأذان».
(السابع) [من أوقات مقارنة الشيطان للشمس انتصاف النهار]
- أكثر الأخبار المتقدمة دلت على ان مقارنة الشيطان للشمس انما هو وقت الطلوع و وقت الغروب، و ظاهر رواية الجعفري المتقدم نقلها من كتاب العلل مقارنته لها أيضا في حال الانتصاف و ان النهي عن الصلاة وقت قيامها في الاخبار انما هو لذلك.
و من الاخبار الدالة على ذلك ايضا ما رواه في الذكرى قال: «روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) ان الشمس تطلع و معها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها، و نهى عن الصلاة في هذه الأوقات» و الظاهر ان الخبر المذكور من طريق العامة (4) حيث انه
____________
(1) المغني ج 2 ص 123.
(2) ص 306.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(4) المغني ج 2 ص 123.
318
غير موجود في كتب أخبارنا.
و روى في الكافي عن الحسين بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي الحسن الثاني (عليه السلام) أكون في السوق فاعرف الوقت و يضيق علي ان ادخل فأصلي؟ قال ان الشيطان يقارن الشمس في ثلاثة أحوال: إذا ذرت و إذا كبدت و إذا غربت، فصل بعد الزوال فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك دونه».
قال في الوافي: ذرت الشمس طلعت، و كبدت وصلت الى كبد السماء اي وسطها و لعل مراد الراوي أن اشتغالي بأمر السوق يمنعني ان ادخل موضع صلاتي فأصلي في أول وقتها، فأجابه (عليه السلام) بان وقت الغروب من الأوقات المكروهة للصلاة كوقتي الطلوع و القيام فاجتهد ان لا تؤخر صلاتك اليه. و يحتمل ان يكون مراده انى أعرف ان الوقت قد دخل الا انى لا استيقن به يقينا تسكن نفسي إليه حتى ادخل موضع صلاتي فأصلي، ء أصلي على هذه الحال أم اصبر حتى يتحقق لي لزوال؟ فأجابه (عليه السلام) بان وقت وصول الشمس الى وسط السماء هو وقت مقارنة الشيطان لها كوقتي طلوعها و غروبها فلا ينبغي لك ان تصلي حتى يتحقق لك الزوال فان الشيطان يريد ان يوقعك على حد يقطع بك سبيل الحق دونه اي يحملك على الصلاة قبل دخول وقتها لكيلا تحسب لك تلك الصلاة. انتهى أقول: الظاهر بعد ما ذكره أخيرا عن حاق سياق الخبر المذكور و ان الأظهر هو الأول لكن بهذا التقريب و هو ان السائل سأل انه يدخل عليه الوقت في السوق و يعرفه و يحققه لكن تأخير الصلاة الى ان يفرغ و يمضي إلى منزله يوجب ضيق الوقت فهل الأفضل ان يصلي في السوق في أول الوقت أو يؤخر إلى ان يأتي المنزل و ان ضاق الوقت؟ فأمره (عليه السلام) بالإتيان بها في أول الوقت. و الغرض من سوق هذا الكلام الدال على مقارنة الشيطان للشمس في هذه الأوقات الثلاثة بيان إضلال الشيطان للناس في هذه الأوقات الثلاثة بزيادة على ما هو عليه في جميع الأوقات، اما في وقت الطلوع
____________
(1) الوسائل الباب 39 من المواقيت. و في الكافي و الوسائل (ابن أسلم) و في الوافي كما هنا.
319
فلما تقدم، و اما وقت القيام و وقت الغروب فإنه حيث كان وقت الصلاة بعد هذين الوقتين بلا فصل فإنه يحضر هو و جنوده لاغوائهم و إضلالهم عنها بما امكنه فربما سول لك التأخير الى ان تدخل منزلك و موضع مصلاك ليقطع بك دون الزوال و فضيلته. و الله العالم.
(الثامن) [المراد بالفجر و العصر المنهي من الصلاة بعدهما الفريضة لا الوقت]
- ينبغي ان يعلم ان ما دل عليه موثق الحلبي المتقدم (1)- من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس و بعد العصر حتى تغرب- المراد به نفس فريضة الفجر و فريضة العصر لا وقتاهما، و به صرح الشيخ (قدس سره) في ما تقدم من عبارة الخلاف في تفصيله و فرقه بين ما كان الكراهة لأجل الوقت كالثلاثة التي ذكرها أو لأجل الفعل يعني فعل الصلاة في هذين الوقتين لا من حيث الزمان كالصلاة بعد صلاة الفجر و صلاة العصر، و على هذا فلو صلى في هذا الوقت قبل الفريضة لم تتعلق به الكراهة و انما يرجع الى جواز النافلة في وقت الفريضة و ان كان على كراهة كما هو أحد القولين و عدمه كما هو المختار، فالكراهة حينئذ على تقدير القول بالجواز انما هي من جهة أخرى غير ما نحن فيه. و الظاهر تعليق الحكم على صلاة المصلي نفسه لا على الصلاة في الجملة و ان كان من غيره. و نقل في الذكرى عن بعض العامة انه جعل النهي معلقا على طلوع الفجر
لما روى (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين».
و بعموم
قوله (عليه السلام) «لا صلاة بعد الفجر» (3).
ثم أجاب عن ذلك بان الحديث الأول لم نستثبته و اما الثاني فنقول بموجبه و يراد به صلاة الفجر توفيقا بينه و بين الاخبار. انتهى.
(التاسع) [هل تتصف الصبح و العصر المعادة جماعة بالكراهة؟]
- لو صلى الصبح و العصر منفردا ثم أراد الإعادة جماعة لتحصيل فضيلتها فهل تتصف صلاته هذه بالكراهة بناء على المشهور أم لا؟ صرح في الذكرى
____________
(1) ص 305.
(2) سنن ابى داود ج 2 ص 25 و المغني ج 2 ص 116.
(3) رواه في الوسائل في الباب 38 من أبواب المواقيت.
320
بالثاني و علله بان لها سببا،
و بما روى (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الصبح فلما انصرف رأي رجلين في زاوية المسجد فقال لم لم تصليا معنا؟ فقالا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال إذا جئتما فصليا معنا و ان كنتما قد صليتما في رحالكما لكنها لكما سبحة».
انتهى.
أقول: اما ما علل به اختياره لعدم الكراهة من ان هذه النافلة ذات سبب فلا اعرف له وجها إذ الصلاة فرادى ليست علة لاستحباب الإعادة جماعة و لا تعلق لها بها و لا ربط بينهما بالكلية و انما العلة هو أمر الشارع بذلك في هذا المقام. الا ترى ان صلاة الزيارة لما كانت العلة فيها الزيارة بمعنى ان الشارع جعلها لأجلها و ناطها بها و كذلك صلاة تحية المسجد و نحو ذلك صارت من ذلك ذات سبب. و اما الخبر الذي أورده فالظاهر انه عامي حيث لم أقف عليه في كتب أخبارنا. و بالجملة فالظاهر بناء على القول بكراهة النافلة المبتدأة بعد هاتين الصلاتين هو كراهة هذه الصلاة، و تخصيص اخبارها الدالة على مشروعيتها و استحبابها مطلقا بهذه الاخبار ممنوع.
(العاشر) [هل تكره الصلاة عقيب الطهارة الحادثة في هذه الأوقات؟]
- قال في الذكرى: لو عرض السبب في هذه الأوقات كأن أراد الإحرام أو دخل المسجد أو زار مشهدا لم تكره الصلاة لصيرورتها ذات سبب و لأن شرعية هذه الأمور عامة. و لو تطهر في هذه الأوقات جاز ان يصلي ركعتين و لا يكون ابتداء للحث على الصلاة عقيب الطهارة،
و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) روى انه قال لبلال (2): «حدثني بأرحى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة قال ما عملت عملا أرجى عندي من انني لم أتطهّر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي ان أصلي».
و أقرّه النبي (صلى الله عليه و آله) على ذلك. انتهى.
____________
(1) سنن الترمذي على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 18.
(2) كنز العمال ج 2 ص 167.
321
أقول: اما ما ذكره بالنسبة إلى ذوات الأسباب فقد تقدم الكلام فيه. و اما ما ذكره- من ان من تطهر في هذه الأوقات و صلى فإنه لا يصدق على صلاته هذه انها نافلة مبتدأة- فلا يخفى ما فيه. و اما ما استند اليه من الحث على الصلاة عقيب الطهارة ففيه انه كما ورد استحباب الصلاة بعد الطهارة (1) كذا ورد الحث على الصلاة أيضا بقول مطلق
و انها خير موضوع من شاء استقل و من شاء استكثر (2).
و ورد ان الرجل ليصلي الركعتين تطوعا يريد بهما وجه الله عز و جل فيدخله الله بهما الجنة (3).
و نحو ذلك. و بالجملة فالحث على الصلاة و الأمر بها لا ينافي الكراهة باعتبار عروض بعض أسبابها، ألا ترى ان صلاة الفريضة مع ما هي عليه من الوجوب حتى صرحت الاخبار بكفر تاركها تعرض لها الكراهة باعتبار بعض الأمكنة و الأزمنة و الأحوال مثلا. و اما ما ذكره من الخبر فهو خبر عامي خبيث و كذب بحت صريح لتضمنه دخول بلال الجنة قبل النبي (صلى الله عليه و آله) و قد بينا ما فيه من المفاسد في مقدمات كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد، فالاستدلال به من مثل شيخنا المشار اليه عجيب.
(الحادي عشر) [السجود للتلاوة و الشكر و السهو في هذه الأوقات]
- قال في الذكرى ايضا: ليس سجود التلاوة صلاة فلا يكره في هذه الأوقات و لا يكره التعرض لسبب وجوبه أو استحبابه، و كذا سجود الشكر.
اما سجود السهو
ففي رواية عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها».
و فيه إشعار بكراهة مطلق السجدات.
(الثاني عشر) [لو ائتم المسافر بالحاضر في صلاة الظهر أو العصر]
- قال في الذكرى: لو ائتم المسافر بالحاضر في صلاة الظهر تخير في جمع الظهر و العصر أو الإتيان بالظهر في الركعتين الأوليين فيجعل الأخيرتين نافلة. و لو ائتم في العصر فالظاهر التخيير ايضا، و يأتي على قول من عمم كراهة النافلة
____________
(1) الوسائل الباب 11 من الوضوء.
(2) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد.
(3) رواه في الوسائل في الباب 12 من أعداد الفرائض.
(4) المروية في الوسائل في الباب 32 من الخلل في الصلاة.
322
ان يقدم في الأوليين النافلة و يجعل العصر في الأخيرتين، و قد روى ذلك محمد بن النعمان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال الشيخ: انما فعل ذلك لانه يكره الصلاة بعد العصر. انتهى أقول: ما ذكره من ان الظاهر التخيير و ان الكراهة إنما تتجه على القول الذي ذكره ظاهر في ان النافلة عنده ليست من النوافل المبتدأة و انما هي من ذوات الأسباب كما تقدم منه في الموضعين المتقدمين. و فيه ما عرفت فإنه لا وجه لدخول هذه النافلة في ذوات الأسباب بل الكراهة فيها متجهة كما ذكره الشيخ (قدس سره) بناء على كونها مبتدأة.
بقي الكلام في ما دلت عليه اخبار هذه المسألة من التخيير متى ائتم المسافر بالحاضر بين ان يجعل الأوليين هي الفريضة و الأخيرتين نافلة أو بالعكس و كذا صرح به الأصحاب مع تصريحهم بتحريم الجماعة في النافلة إلا ما استثنى و لم يذكروا هذا الموضع فيما استثنوه. و لا يحضرني الآن وجه الجواب عن هذا الاشكال. و الله العالم.
(المسألة الثامنة) [هل الأفضل تعجيل قضاء الرواتب أو تأخيره إلى الزمان المماثل؟]
- لا ريب في استحباب قضاء الرواتب من النوافل في أي وقت كان، و انما الخلاف في انه هل الأفضل تعجيل ما فات نهارا في الليل و كذا ما فات ليلا في النهار أو تأخيره إلى الليل فتقضي صلاة الليل في الليل و النهار في النهار؟ قولان:
ظاهر الأكثر الأول لعموم قوله عز و جل «وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» (2) و قوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً» (3) و قد ورد عنهم (عليهم السلام) في تفسير هذه الآية
ما رواه في التهذيب عن عنبسة العابد (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً» (5) قال قضاء صلاة الليل بالنهار و صلاة النهار بالليل».
و روى في الفقيه مرسلا (6) قال: «قال الصادق (عليه السلام) كل ما فاتك بالليل
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(2) سورة آل عمران، الآية 127.
(3) سورة الفرقان، الآية 63.
(4) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
(5) سورة الفرقان، الآية 63.
(6) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
323
فاقضه بالنهار، قال الله تعالى وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً».
و روى الشهيد في الذكرى (1) قال: «روى ابن أبي قرة بإسناده عن إسحاق ابن عمار قال لقيت أبا عبد الله (عليه السلام) بالقادسية عند قدومه على ابي العباس فاقبل حتى انتهينا الى طيزناباذ (2) فإذا نحن برجل على ساقيه يصلي و ذلك ارتفاع النهار فوقف عليه أبو عبد الله (عليه السلام) و قال يا عبد الله اي شيء تصلي؟ فقال صلاة الليل فاتتني أقضيها بالنهار. فقال يا معتب حط رحلك حتى نتغدى مع الذي يقضي صلاة الليل. فقلت جعلت فداك أ تروي فيه شيئا؟ فقال حدثني ابي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الله يباهي بالعبد يقضي صلاة الليل بالنهار يقول يا ملائكتي انظروا الى عبدي يقضي ما لم افترضه عليه أشهدكم اني قد غفرت له».
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن صالح بن عقبة عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رجل ربما فاتتني صلاة الليل الشهر و الشهرين و الثلاثة فأقضيها بالنهار؟ قال قرة عين لك و الله (ثلاثا) ان الله يقول:
«وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً. الآية» (4) فهو قضاء صلاة النهار بالليل و قضاء صلاة الليل بالنهار و هو من سر آل محمد المكنون».
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان إذا فاته شيء من الليل قضاه بالنهار و ان فاته شيء من اليوم قضاه من الغد أو في الجمعة أو في الشهر، و كان إذا اجتمعت عليه الأشياء قضاها في شعبان حتى يكمل له عمل السنة كلها كاملة».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب المواقيت.
(2) كذا في معجم البلدان ج 6 ص 79 و في الوسائل و ما وقفنا عليه من نسخ الذكرى المطبوعة و الخطية «طرناباد».
(3) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب المواقيت.
(4) سورة الفرقان، الآية 63.
(5) رواه في الوسائل في الباب 57 من أبواب المواقيت.
324
و نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) في الأركان و ابن الجنيد ان الأفضل قضاء صلاة النهار بالنهار و صلاة الليل بالليل، و احتج لهما في المختلف
بصحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار و ما فاتك من صلاة الليل بالليل».
ثم أجاب عنها بجواز إرادة الإباحة من الأمر لخروجه عن حقيقته و هي الوجوب إجماعا، قال و ليس استعمالها مجازا في الندب اولى من استعمالها مجازا في الإباحة. و اعترضه في المدارك بان الواجب عند تعذر الحقيقة المصير إلى أقرب المجازات و الندب أقرب الى الحقيقة من الإباحة قطعا. انتهى. و هو جيد.
أقول: و يدل على ذلك أيضا
صحيحة بريد بن معاوية العجلي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «أفضل قضاء صلاة الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل و لا بأس ان تقضيها بالنهار و قبل ان تزول الشمس».
و رواية إسماعيل الجعفي (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل و قضاء صلاة النهار بالنهار».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) اقض ما فاتك من صلاة النهار بالنهار و ما فاتك من صلاة الليل بالليل. قلت اقضي وترين في ليلة؟ قال نعم اقض وترا ابدا».
و الى هذا القول مال السيد السند في المدارك.
أقول: لا يخفى ظهور تعارض الأخبار المذكورة إلا ان الاخبار السابقة متأيدة بظاهر القرآن العزيز كما عرفت، و بعض متأخري المتأخرين من المحدثين حمل هذه الروايات المتأخرة على التقية و لا يحضرني الآن مذهب العامة فإن ثبت كون مذهبهم ما دلت عليه الأخبار المذكورة تعين العمل بالأخبار الاولى و حمل الأخبار الأخيرة على التقية و إلا فالمسألة محل إشكال.
____________
(1) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
325
و اما
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام)- (1) قال:
«سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر كيف يصنع أ يجوز له ان يقضي بالنهار؟ قال لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار و لا يجوز له و لا يثبت له و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل».
- فقد أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بان هذا خبر شاذ لا تعارض به الاخبار المطابقة لظاهر القرآن. و ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل العمل به و تخصيصه بالسفر، قال و يمكن حمله على مرجوحية القضاء نهارا لكثرة الشواغل للبال و قلة التوجه و الإقبال أو على الصلاة على الراحلة.
و لا يخفى ما فيه. و الحق انه لو كان الراوي غير عمار لحصل منه الاستغراب و لكنه من عمار المتكرر منه نقل الغرائب غير غريب. و الله العالم.
(المسألة التاسعة) [استحباب المبادرة بالصلاة في أول وقتها]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب المبادرة بالصلاة في أول وقتها لما استفاض من الاخبار الدالة على أفضلية أول الوقت:
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار أو ابن وهب (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لكل صلاة وقتان و أول الوقت أفضلهما».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا دخل وقت الصلاة فتحت أبواب السماء لصعود الأعمال فما أحب ان يصعد عمل أول من عملي و لا يكتب في الصحيفة أحد أول مني».
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء و أبواب الجنان و استجيب الدعاء فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح».
و روى في الكافي في الصحيح عن زرارة (5) قال: «قال أبو جعفر (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 12 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
326
السلام) اعلم ان أول الوقت أبدا أفضل فعجل الخير ما استطعت، و أحب الأعمال الى الله تعالى ما داوم العبد عليه و ان قل».
و عن زرارة في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلحك الله وقت كل صلاة أول الوقت أفضل أو وسطه أو آخره؟ فقال أوله ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال ان الله تعالى يحب من الخير ما يعجل».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة و بالجملة فإن الحكم مما وقع الاتفاق عليه نصا و فتوى.
[المواضع المستثناة منه]
إلا انه قد استثنى منه مواضع: (الأول) تأخير المغرب و العشاء للمفيض من عرفات الى ان يأتي المزدلفة و ان مضى ربع الليل، و يدل على ذلك جملة من الاخبار قد تقدم بعضها و يأتي بعضها في كتاب الحج ان شاء الله تعالى، و منها
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا و ان ذهب ثلث الليل».
(الثاني)- صلاة العشاء فإنه يستحب تأخيرها الى ان يذهب الشفق المغربي و قد تقدم ما يدل عليه.
(الثالث)- المتنفل يؤخر الظهرين الى بعد النافلة أو الذراع و الذراعين على الخلاف المتقدم، و قد تقدم من الاخبار ما يدل عليه. و قيل في العصر تأخيرها إلى مضي المثل ايضا بناء على ما تقدم من ان فضيلتها بعد المثل الأول. و قد تقدم ما فيه.
(الرابع)- المستحاضة تؤخر الظهر و المغرب الى آخر وقت فضيلتهما لتجمع بينهما و بين العصر و العشاء، و قد مر ما يدل عليه في فصل الاستحاضة.
(الخامس) تأخير صلاة المغرب الى ذهاب الحمرة المشرقية بناء على القول بدخول وقتها باستتار القرص عن عين الناظر جمعا بين أخبار المسألة. و قد عرفت ما فيه في ما قدمناه من تحقيق المسألة المذكورة.
____________
(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
327
(السادس)- المشتغل بقضاء الفرائض الفائتة يستحب له تأخير الأداء الى آخر الوقت على المشهور بين المتأخرين. و سيأتي تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى في المقصد الآتي و بيان ان ذلك على جهة الوجوب كما هو المشهور بين المتقدمين لا الاستحباب (السابع)- تأخير صلاة الصبح إذا طلع الفجر عليه و قد صلى أربعا من صلاة الليل حتى يكمل صلاة الليل. و عندي في عد هذا الموضع في هذا المقام نظر لان الظاهر من الاخبار كما قدمنا بيانه ان ذلك انما هو على جهة الرخصة لا انه الأفضل كما هو المراد في المقام و إلا لعد ايضا من صلى ركعة من نوافل الزوال قبل دخول وقت الفريضة المحدود بالقدمين ثم دخل عليه الوقت فإنه يزاحم بها الفريضة رخصة كما تقدم مع انهم لم يعدوه في هذا المقام.
(الثامن)- تأخير الصائم المغرب إذا نازعته نفسه للإفطار أو كان ثمة من ينتظره للإفطار. و سيأتي الكلام فيه في كتاب الصوم ان شاء الله تعالى و ذكر الأخبار الواردة في المسألة.
(التاسع)- الظان دخول الوقت حيث لا طريق له الى العلم فإن الأفضل له التأخير حتى يتحقق الوقت و يحصل العلم به، و يدل عليه ما تقدم
من موثقة عبد الله بن بكير عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له اني صليت الظهر في يوم غيم فانجلت فوجدتني صليت حين زال النهار؟ قال فقال لا تعد و لا تعد».
فان نهيه عن العود مع نهيه عن الإعادة انما هو لما قلناه و ان كانت صلاته صحيحة. و اما الاستدلال لذلك
بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «و قد سأله عن من صلى الصبح مع ظن طلوع الفجر قال لا يجزئه حتى يعلم انه طلع».
فهو بمعزل عما نحن فيه.
(العاشر)- المدافع للخبثين فإن الأفضل التأخير حتى يخرجهما
لصحيحة
____________
(1) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
(2) ص 298.
328
هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا صلاة لحاقن و لا لحاقب و هو بمنزلة من هو في ثيابه».
و الحاقن بالنون حابس البول و الحاقب بالباء حابس الغائط
و رواية الحضرمي عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لا تصل و أنت تجد شيئا من الأخبثين».
(الحادي عشر)- تأخير صلاة الليل الى الثلث الأخير من الليل. و قد تقدم من الاخبار ما يدل على ذلك في المسألة المذكورة.
(الثاني عشر)- تأخير ركعتي الفجر الى طلوع الفجر الأول. و قد تقدم ايضا ما يدل عليه و كذلك الوتر.
(الثالث عشر)- تأخير مريد الإحرام الفريضة الحاضرة حتى يصلي نافلة الإحرام، هكذا ذكروه و هو مبني عندهم على الجمع في وقت الفريضة بين الفريضة و سنة الإحرام، و المستفاد من الاخبار كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ان الإحرام إما دبر الفريضة ان اتفق ذلك في وقت الفريضة و إلا بعد سنة الإحرام ان لم يتفق ذلك و اما الجمع بين الفريضة و سنة الإحرام كما ذكروه فلا وجود له في النصوص، و حينئذ فلا وجه لعد هذا الموضع في جملة هذه الافراد.
(الرابع عشر)- تأخير من فرضه التيمم الصلاة الى آخر الوقت. أقول:
و هو على إطلاقه غير متجه و انما يتجه على القول بجواز التيمم مع السعة كما دلت عليه جملة من الاخبار و يجعل التأخير أفضل جمعا بينها و بين ما دل على وجوب التأخير من الاخبار ايضا، فيكون المستند فيه هو الجمع بين أخبار المسألة بناء على القول بذلك.
(الخامس عشر)- تأخير السلس و المبطون الظهر و المغرب للجمع ايضا كما تقدم في المستحاضة. و قد تقدم ما يدل عليه في المسائل الملحقة بالوضوء من كتاب الطهارة.
(السادس عشر)- تأخير أصحاب الأعذار كفاقد الساتر مثلا أو الطاهر
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من قواطع الصلاة.
(2) المروية في الوسائل في الباب 8 من قواطع الصلاة.
329
منه أو فاقد الطهورين أو فاقد القبلة أو نحو ذلك فإنه يستحب لهم التأخير عند جمهور الأصحاب. و نقل في المختلف عن السيد المرتضى و سلار وجوب تأخير الصلاة الى آخر الوقت، قال و هو اختيار ابن الجنيد، ثم نقل عن الشيخ القول بالجواز في أول الوقت إلا للمتيمم. قال و هو الأقوى عندي، ثم استدل على ذلك بأنه مخاطب بالصلاة عند أول الوقت فكان مجزئا لأنه امتثل، ثم نقل عن القائلين بالوجوب انهم احتجوا بإمكان زوال الاعذار، قال و الجواب انه معارض باستحباب المبادرة و المحافظة على أداء العبادة لإمكان فواتها بالموت و غيره. انتهى. أقول: و حيث كانت المسألة غير منصوصة لا خصوصا و لا عموما فالحكم هنا باستحباب التأخير محل إشكال لأنه ليس إلا لما ذكروه من رجاء زوال العذر و هو معارض بما ذكره العلامة (قدس سره) من المحافظة على أداء العبادة، لإمكان تطرق الفوات إليها بموت و نحوه.
(السابع عشر)- قضاء صلاة الليل في صورة جواز التقديم كما ذكره بعض الأصحاب، و الظاهر انه لا وجه لعد هذا الفرد في جملة هذه الافراد لان مبنى الكلام على استحباب تأخير الصلاة عن أول وقتها الموظف لها شرعا و قضاء صلاة الليل هنا انما كان أفضل بالنسبة إلى تقديمها على الانتصاف لا بالنسبة إلى وقتها المعين لها فلا يكون مما نحن فيه في شيء و هو ظاهر. و اما ما يفهم من كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح النفلية حيث ان المصنف عد هذا الفرد في هذا المقام- من التعليل بأن أول وقت صلاة الليل مع هذه الاعذار هو أول الليل و القاضي يؤخرها عنه في الجملة و ان كان يفعلها في خارج الوقت- فلا يخلو من تكلف و تمحل فإن غاية ما تدل عليه تلك الاخبار- كما تقدم تحقيقه- هو الرخصة في التقديم لمن يحصل له العذر عن الإتيان بها في وقتها الموظف و دلت على ان قضاءها أفضل من تقديمها بمعنى ان كلا الأمرين جائز و ان كان القضاء أفضل، و هذا لا يدل على كون أول الليل وقتا لها في هذه الصورة كما لا يخفى.
(الثامن عشر)- تأخير الوتيرة ليكون الختم بها إلا في نافلة شهر رمضان على
330
قول، كذا عده جملة من الأصحاب في الباب. أقول: لعل الوجه في عد هذا الموضع في جملة هذه الافراد هو ان ظاهر الاخبار ان وقت الوتيرة بعد صلاة العشاء كما تقدم في الاخبار المتقدمة في المقدمة الثانية، مع انه قد ورد ما يدل على استحباب تأخيرها و الختم بها كما تقدم أيضا في
صحيحة زرارة أو حسنته (1) من قوله (عليه السلام) «و ليكن آخر صلاتك وتر ليلتك».
و قد قدمنا ان المراد بالوتر هنا الوتيرة و ان كان ظاهر كلام أصحابنا قد اضطرب فيه باعتبار حمله على الوتر الذي بعد صلاة الليل و هو غلط كما تقدم التنبيه عليه، و لو حمل على ذلك للزم خلو هذا الحكم هنا من الدليل إذ لا رواية تدل على التأخير و الختم بالوتيرة سوى الرواية المذكورة. ثم ان ما ذكره من استثناء نافلة شهر رمضان و هي الاثنتا عشرة و الاثنتان و العشرون بمعنى ان الوتيرة لا تؤخر عنها قد نقله في شرح النفلية عن سلار في رسالته، قال و بذلك وردت رواية محمد بن سليمان عن الرضا (عليه السلام) (2) و ذكر في شرح النفلية ان هذه الزيادة كانت في نسخة الأصل بخط المصنف ثم كشطها و بقي رسمها، قال و هي موجودة في كثير من النسخ ثم قال و انما حذفها لان المشهور بين الأصحاب كما نقله المصنف في الذكرى ان الوتيرة مؤخرة عن تلك الوظيفة ايضا لتكون خاتمة النوافل. و في الذكرى الظاهر جواز الأمرين. انتهى.
(التاسع عشر)- تأخير المربية ذات الثوب الواحد الظهرين الى آخر الوقت لتغسل ثوبها و تصلي أربع صلوات في ثوب طاهر أو نجاسة خفيفة. و أنت خبير بأن الرواية الواردة في المسألة مطلقة في غسل الثوب و هذا التقييد انما وقع في كلامهم كما تقدم تحقيقه، و إثبات الحكم بذلك لا يخلو من الاشكال.
(العشرون)- تأخير المسافر الذي دخل عليه الوقت في السفر الصلاة الى ان يدخل فيتم، و يدل عليه
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «في
____________
(1) الوسائل الباب 42 من الصلوات المندوبة.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) المروية في الوسائل في الباب 21 من صلاة المسافر.
331
الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة؟ فقال ان كان لا يخاف ان يخرج الوقت قبل ان يدخل فليدخل و ليتم و ان كان يخاف ان يخرج الوقت قبل ان يدخل فليصل و ليقصر».
و في المسألة بحث يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى في موضعه.
(الحادي و العشرون)- انتظار الإمام أو المأموم أو كثرة الجماعة. أقول: اما انتظار الامام فقد تقدم في بعض الاخبار ما يشير اليه، و اما انتظار المأموم أو كثرة الجماعة فلم أقف في الاخبار على ما يدل عليه بل ربما دل بعضها على عدمه بالنسبة إلى كثرة الجماعة كما تقدم (1) في حديث الرضا (عليه السلام) و تلقيه لبعض الطالبيين و ان كان الشيخ (قدس سره) قد صرح بجواز ذلك في جوابه عن حديث نوم النبي (صلى الله عليه و آله) عن صلاة الصبح و تقديمه ركعتي نافلة الفجر على الفريضة (2) أنه لانتظار الجماعة، إلا انه بمجرده لا يصلح مستندا.
(الثاني و العشرون)- ما إذا كان التأخير مشتملا على الإتيان بالصلاة على وجهها من التوجه و الإقبال و فراغ البال، و قد تقدم (3) في روايات
عمر بن يزيد الثلاث ما يدل عليه، ففي بعضها عن ابي عبد الله (عليه السلام) في المغرب «إذا كان ارفق بك و أمكن لك في صلاتك و كنت في حوائجك فلك أن تؤخرها إلى ربع الليل».
و قد بينا سابقا ان هذا من جملة الاعذار المجوزة للتأخير إلى الوقت الثاني.
(الثالث و العشرون)- التأخير لقضاء حاجة مؤمن، و اليه يشير بعض الاخبار الواردة في قطع طواف الفريضة (4) إلا انه لا يخلو من اشكال لكون الطواف غير محدود بوقت.
(الرابع و العشرون)- تأخير صلاة الظهر في الحر لمن يصلي في المسجد و هو المعبر عنه بالإيراد،
لما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله
____________
(1) ص 142.
(2) ص 270.
(3) ص 179.
(4) رواه في الوسائل في الباب 42 من الطواف.
332
(عليه السلام) (1) قال: «كان المؤذن يأتي النبي (صلى الله عليه و آله) في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبرد أبرد».
و أقل مراتب الأمر الاستحباب
و روى الثقة الجليل محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتاب الرجال و الشيخ في الاختيار عن ابن بكير (2) قال: «دخل زرارة على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال انكم قلتم لنا في الظهر و العصر على ذراع و ذراعين ثم قلتم أبردوا بها في الصيف فكيف الإبراد بها؟ و فتح ألواحه ليكتب ما يقول فلم يجبه أبو عبد الله (عليه السلام) بشيء فأطبق الواجه و قال انما علينا أن نسألكم و أنتم اعلم بما عليكم و خرج و دخل أبو بصير على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال ان زرارة سألني عن شيء فلم أجبه و قد ضقت من ذلك فاذهب أنت رسولي إليه فقل صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك و العصر إذا كان مثليك. و كان زرارة هكذا يصلي في الصيف و لم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير».
و روى الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن بكير عن زرارة (3) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم يجبني فلما ان كان بعد ذلك قال لعمرو بن سعيد بن هلال ان زرارة سألني عن وقت الظهر في القيظ فلم أخبره فخرجت من ذلك فاقرأه مني السلام و قل له إذا كان ظلك مثلك فصل الظهر و إذا كان ظلك مثليك فصل العصر».
و هذان الخبران قد اشتملا على الإيراد في صلاتي الظهر و العصر و الأصحاب خصوا الحكم بالظهر كما هو مورد الصحيحة المتقدمة، و قيدوا ذلك ايضا بقيود:
منها- كون الصلاة في جماعة و كونها في المسجد و في البلاد الحارة و في شدة الحر، و الأصل في هذه القيود ما قاله الشيخ (قدس سره) في المبسوط حيث قال: إذا كان الحر شديدا في بلاد حارة و أرادوا أن يصلوا جماعة في مسجد جاز ان يبردوا بصلاة الظهر
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 8 من المواقيت.
(2) رواه في الوسائل في الباب 8 من المواقيت.
(3) رواه في الوسائل في الباب 8 من المواقيت.
333
قليلا و لا يؤخروا الى آخر الوقت. انتهى. و النصوص كما ترى خالية من هذه القيود إلا ان قرائن الحال في الخبر الأول تشير الى بعض ما ذكروه. و اما الخبران الأخيران فهما بالدلالة على العدم أشبه كما لا يخفى.
و قال العلامة في المنتهى لا نعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر، قالت عائشة «ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله (صلى الله عليه و آله)» (1).
و اما في الحر فيستحب الإبراد بها ان كانت البلاد حارة و صليت في المسجد جماعة و به قال الشافعي، ثم نقل روايتي الخاصة و العامة ثم قال: و لانه موضع ضرورة فاستحب التأخير لزوالها، اما لو لم يكن الحر شديدا أو كانت البلاد باردة أو صلى في بيته فالمستحب فيه التعجيل و هو مذهب الشافعي خلافا لأصحاب الرأي و احمد (2). انتهى.
و قال في الروض بعد نقل اعتبار المسجد و كون البلاد حارة عن الشيخ: و الظاهر عدم اعتبارهما أخذا بالعموم.
و روى الصدوق في كتاب العلل (3) بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن الحر من فيح جهنم و اشتكت النار الى ربها فاذن لها في نفسين نفس في الشتاء و نفس في الصيف، و شدة ما تجدون من الحر من فيحها و ما تجدون من البرد من زمهريرها».
قال الصدوق في الكتاب المذكور بعد نقل هذا الخبر: قوله «فأبردوا بالصلاة» اي عجلوا بها و هو مأخوذ من البريد، و تصديق ذلك
ما روى (4) «انه ما من صلاة يحضر وقتها الا نادى ملك قوموا الى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفؤها
____________
(1) المغني ج 1 ص 389.
(2) المغني ج 1 ص 389.
(3) ص 93 و في الوسائل في الباب 8 من المواقيت.
(4) رواه في الوسائل في الباب 3 من المواقيت.
334
بصلاتكم».
و قال في الفقيه بعد ذكر صحيحة معاوية بن وهب: قال مصنف هذا الكتاب يعنى عجل عجل و أخذ ذلك من البريد. و في بعض نسخ الكتاب من التبريد.
أقول: في القاموس «أبرد: دخل في آخر النهار، و أبرده: جاء به باردا، و الأبردان: الغداة و العشي» و قال في النهاية الأثيرية: في الحديث «أبردوا بالظهر فالإبراد انكسار الوهج و الحر و هو من الإبراد: الدخول في البرد، و قيل معناه صلوها في أول وقتها من برد النهار و هو اوله. و في المغرب الباء للتعدية و المعنى ادخلوا صلاة الظهر في البرد اي صلوها إذا سكنت شدة الحر. انتهى.
و أنت خبير بان ما ذكره الصدوق (قدس سره) لا ينطبق على شيء من هذه المعاني، و قد قيل في توجيه كلامه ان مراده انه (صلى الله عليه و آله) أمر بتعجيل الأذان و الإسراع فيه كفعل البريد في مشيه اما ليتخلص الناس من شدة الحر سريعا و يفرغوا من صلاتهم حثيثا و اما لتعجيل راحة القلب و قرة العين
كما كان النبي (صلى الله عليه و آله) يقول «أرحنا يا بلال» (1).
و كان يقول: «قرة عيني في الصلاة» (2).
و لا يخفى ما فيه من التكلف. و ظني ان ما فهمه أكثر الأصحاب من الحمل على التأخير لشدة الحر توسعة في التكليف و دفعا للحرج أقرب مما ذكره و يصير هذا من قبيل الرخص الواردة في الشريعة في غير موضع كما اتفقوا عليه في استثناء جملة من المواضع التي قدمناها و لعل الحامل للصدوق (قدس سره) في ارتكاب هذا التأويل البعيد و كذا من مال الى كلامه و وجهه بما قدمناه هو شهرة هذا الحكم عند العامة، و لهذا ان بعض الأصحاب نقل عن الصدوق حمل صحيحة معاوية على التقية. و فيه ان كلام العامة أيضا مختلف في ذلك، قال محيي السنة في شرح السنة (3) بعد نقل خبر أبي هريرة المتقدم نقل الصدوق له في العلل: اختلف أهل العلم في تأخير صلاة الظهر في شدة الحر فذهب ابن المبارك و احمد و إسحاق
____________
(1) نهاية ابن الأثير في مادة (روح) و تيسير الوصول ج 2 ص 297.
(2) كنز العمال ج 4 ص 63.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 57.
335
الى تأخيرها و الإبراد بها في الصيف و هو الأشبه بالاتباع، و قال الشافعي تعجيلها أولى إلا ان يكون امام مسجد ينتابه الناس من بعد فإنه يبرد بها في الصيف، فاما من صلى وحده أو جماعة في مسجد بفناء بيته لا يحضره إلا من بحضرته فإنه يعجلها لانه لا مشقة عليهم في تعجيلها. انتهى. و يمكن ان يكون نظرهم إلى استفاضة الأخبار بأفضلية الصلاة في أول الوقت و لعله الأظهر. و فيه انهم قد استثنوا من ذلك جملة هذه المواضع التي قدمناها و لم يختلفوا في ذلك فما بالهم اختلفوا في هذا الموضع بخصوصه؟ على ان اخباره صريحة ظاهرة في ذلك و لا معارض لها في البين سوى ما عرفت مما ارتكبوا تخصيصه بجملة المواضع المتقدمة، مع ان جملة من تلك المواضع كما عرفت خال من الدليل كما نبهنا عليه بقي الكلام في ان الأصحاب انما صرحوا باستحباب الإبراد بصلاة الظهر خاصة بالشروط التي ذكروها، و الظاهر كما قدمنا من خبري زرارة هو الإبراد في الظهر و العصر و هو مشكل إذ الخروج عن مقتضى الأخبار المستفيضة بمثل هذين الخبرين سيما مع عدم ذهاب أحد إليه لا يخلو من بعد، بل ربما يكاد يشم من خبري زرارة رائحة التقية لأنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يخصونه بأحكام ينفرد بها عن الشيعة اتقاء عليه مثل خبر الإهلال بالحج (1) و خبر النوافل (2) و إلا فاختصاص زرارة بالملازمة على ذلك و ابن بكير دون جملة الشيعة الموجودين يومئذ كما صرح به حديث الكشي لا وجه له ظاهرا إلا ما قلناه. و لعل في سكوته (عليه السلام) عن جوابه و الإرسال اليه باطنا بذلك ما يشير الى ما قلناه. و احتمل بعض الفضلاء في خبري زرارة حملهما على ان يكون ظل الزوال فيه حال الصيف خمسة أقدام مثلا فإذا صار مع الزيادة الحاصلة بعد الزوال مساويا للشاخص يكون قد زاد قدمين فيوافق الأخبار الأخر. و هو مع بعده لا يستقيم في العصر و كيف كان فالاحتياط في المحافظة على أول الوقت على اي نحو كان إلا مع مشقة تلزم من ذلك. و الله العالم.
____________
(1) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج.
(2) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض.
336
(المقصد الرابع)- في وقت القضاء
، الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في ان وقت القضاء للصلاة الفائتة هو وقت ذكرها ما لم تتضيق الحاضرة، قال في الذكرى وقت القضاء للفائتة الواجبة ذكرها ما لم تتضيق الحاضرة لقوله تعالى «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (1) أي لذكر صلاتي، قال كثير من المفسرين انها في الفائتة
لقوله (صلى الله عليه و آله) (2) «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها ان الله يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي».
و روى زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) «إذا فاتتك صلاة.».
ثم نقل الرواية كما ستأتي و قال: و فيه دلالات ثلاث: التوقيت بالذكر و وجوب القضاء و تقديمه على الحاضرة مع السعة، ثم نقل رواية
عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) قال:
«من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فان ذلك وقتها».
ثم قال: و فيه دلالتان إحداهما توقيت قضاء الفائتة بالذكر و الثاني وجوب القضاء مع الفوات، و وجوبه في حق المعذور يستلزم أولويته في حق غيره، ثم نقل رواية زرارة الآتية المشتملة على انه يصليها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها، ثم قال و تقريره كالسالف. و بالجملة فإن ظهور كون الذكر هو وقت القضاء من الآية و الاخبار مما لا يتجشمه الإنكار و انما الخلاف في وجوب الفورية و عدمه.
و تحقيق القول في المسألة كما هو حقه يقع في مواضع
[الموضع] (الأول) في ذكر الأقوال في المسألة
فنقول قد اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فالمتقدمون منهم على قولين: القول بالفورية و هو مذهب الأكثر إلا انهم بين مصرح ببطلان الحاضرة لو قدمها مع سعة الوقت و بين مطلق، و القول بالمواسعة و هو مذهب الصدوقين و ظاهر للنقل عنهما استحباب تقديم الحاضرة في السعة، و المتأخرون منهم على أقوال ثلاثة: فالمشهور بينهم هو ما ذهب اليه الصدوقان من المواسعة إلا انهم يستحبون تقديم
____________
(1) سورة طه، الآية 14.
(2) سنن البيهقي ج 2 ص 218 و في الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(3) سنن البيهقي ج 2 ص 218 و في الوسائل الباب 61 من المواقيت.
337
الفائتة، و قيل بالفرق بين الفائتة الواحدة و المتعددة فيجب التقديم مع الاتحاد دون التعدد و هو مذهب المحقق و مال إليه في المدارك، و قيل بالفرق بين يوم الفوات و غيره فيجب تقديم الفائتة إذا ذكرها في يوم الفوات ما لم يتضيق وقت الحاضرة متحدة كانت أو متعددة و يجب تقديم سابقها على لاحقها و ان لم يذكرها حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة في أول وقتها ثم يشتغل بالقضاء سواء اتحدت الفائتة أو تعددت و يجب الابتداء بسابقها على لاحقها و الاولى تقديم الفائتة الى ان تتضيق الحاضرة، ذهب إليه العلامة في المختلف.
و لا بأس بذكر جملة من عبائر الأصحاب في المقام و ان طال به زمام الكلام، قال في المبسوط: اعلم ان من عليه قضاء و ادى فريضة الوقت في أوله فإنه لا يجزئه. و قال الشيخ المفيد (قدس سره) من فاتته صلاة لخروج وقتها صلاها كما فاتته و لم يؤخر ذلك إلا ان يمنعه تضيق وقت فرض حاضر. و قال السيد المرتضى (رضي الله عنه) في الجمل كل صلاة فاتت وجب قضاؤها في حال الذكر لها من سائر الأوقات إلا ان يكون في آخر وقت فريضة حاضرة و يخاف فيه من التشاغل بالفائتة فوت الحاضرة فيجب حينئذ الابتداء بالحاضرة و التعقيب بالماضية. و أوجب في المسائل الرسية الإعادة لو صلى الحاضرة في أول وقتها أو قبل تضيق وقتها و منع فيها من الاشتغال بغير القضاء في الوقت المتسع و منع من التكسب بالمباح و كل ما يزيد على ما يمسك به الرمق و من النوم إلا بقدر الضرورة التي لا يمكن الصبر عنها، و تبعه ابن إدريس في ذلك فصرح في السرائر بنحوه. و قال ابن ابي عقيل من نسي صلاة فرض صلاها اي وقت ذكرها الا ان يكون في وقت صلاة حاضرة يخاف ان بدأ بالفائتة فاتته الحاضرة فإنه يبدأ بالحاضرة لئلا يكونا جميعا قضاء. و قال ابن الجنيد وقت الذكر لما فات من الفروض وقت القضاء ما لم يكن آخر فريضة يخشى ان ابتدأ بالقضاء فاتته الصلاة التي هو في وقتها فان لم يكن يخشى ذلك بدأ بالفائتة و عقب بالحاضرة وقتها. و قال ابن البراج لو صلى الحاضرة و الوقت متسع و هو عالم
338
بذلك لم تنعقد و عليه ان يقضي الفائتة ثم يأتي بالحاضرة. و قال أبو الصلاح وقت الفائتة حين الذكر إلا ان يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف بفعل الفائتة فوتها فيلزم المكلف الابتداء بالحاضرة و يقضي الفائت، و ما عدا ذلك من سائر الأوقات فهو وقت للفائت و لا يجوز التعبد فيه بغير القضاء من فرض حاضر و لا نفل. و قال سلار كل صلاة فاتت بعمد أو تفريط يجب فيها القضاء على الفور و ان فات سهوا وجب القضاء وقت الذكر. و قال أبو جعفر بن بابويه إذا فاتتك صلاة فصلها إذا ذكرت فان ذكرتها و أنت في وقت فريضة أخرى فصل التي أنت في وقتها ثم صل الصلاة الفائتة، قال و ان نمت عن الغداة حتى طلعت الشمس فصل الركعتين ثم صل الغداة، قاله في المقنع و الفقيه. و قال أبوه إن فاتتك فريضة فصلها إذا ذكرت فان ذكرتها و أنت في وقت فريضة أخرى فصل التي أنت في وقتها ثم صل الصلاة الفائتة. هذه جملة من أقوال المتقدمين و اما المتأخرون فقد عرفت ان المشهور عندهم هو القول بالمواسعة مع استحباب تقديم الفائتة الى ان تتضيق الحاضرة، قال في المختلف و هو مذهب والدي و أكثر من عاصرناه من المشايخ.
(الثاني)- في ذكر أخبار المسألة من الطرفين و ما استدلوا به سواها في البين
، فنقول قد اختلفت الأخبار الواردة في المقام و به اختلف كلام علمائنا الاعلام، و الأظهر عندي هو القول المشهور بين المتقدمين، و ها انا اذكر الأخبار الدالة عليه موضحا لوجه دلالتها ثم أردفها بالأخبار التي استند إليها القائلون بالمواسعة و غيرها من الأدلة التي ذكروها و أبين ما فيها مما يمنع من صحة الاعتماد عليها و الاستناد إليها:
فأقول- و بالله سبحانه الثقة لإدراك المأمول و نيل المسؤول- مما يدل على ما اخترناه قوله عز و جل «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (1) المفسر- في الاخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) الذي نزل ذلك القرآن فيه فهم اعرف الناس بباطنه و خافية- بقضاء الفائتة ساعة ذكرها كما ستقف عليه.
____________
(1) سورة طه، الآية 14.
339
و مما يدل على ذلك الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن فأذن لها و أقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة» قال و قال أبو جعفر (عليه السلام) «ان كنت قد صليت الظهر و قد فاتتك الغداة فذكرتها فصل الغداة أي ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ما ذكرت صلاة فاتتك صليتها، و قال ان نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر فإنما هي أربع مكان أربع، فإن ذكرت انك لم تصل الاولى و أنت في صلاة العصر و قد صليت منها ركعتين فانوها الاولى فصل الركعتين الباقيتين و قم فصل العصر، و ان كنت ذكرت انك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب و ان كنت قد صليت المغرب فقم فصل العصر، و ان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فأتمها بركعتين ثم سلم ثم صل المغرب، و ان كنت قد صليت العشاء الآخرة و نسيت المغرب فقم فصل المغرب، و ان كنت ذكرتها و قد صليت من العشاء الآخرة ركعتين أو قمت في الثالثة فانوها المغرب ثم سلم ثم قم فصل العشاء الآخرة، و ان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة، و ان كنت ذكرتها و أنت في الركعة الأولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثم قم فصل الغداة و اذن و أقم، و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة ابدأ بالمغرب ثم العشاء فان خشيت ان تفوتك الغداة إن بدأت بهما فابدأ بالمغرب ثم بالغداة ثم صل العشاء، و ان خشيت ان تفوتك الغداة إن بدأت بالمغرب فصل الغداة ثم صل المغرب و العشاء ابدأ بأولاهما لأنهما جميعا قضاء أيهما ذكرت فلا تصلهما الا بعد شعاع الشمس. قال: قلت لم ذاك؟ قال لأنك لست تخاف فوتهما».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 63 من المواقيت.
340
أقول: لو لم يكن في الباب إلا هذا الخبر لكفى به دليلا لما فيه من التكرار الموجب للتأكيد في الحكم المذكور الموجب لظهوره غاية الظهور، و لهذا قال الشيخ في الخلاف بعد نقله: جاء هذا الخبر مفسرا للمذهب كله.
و منها-
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) المتقدمة في المسألة الثالثة من سابق هذا المقصد (1) حيث قال فيها: «من نسي شيئا من الصلوات فليصلها إذا ذكرها فان الله عز و جل يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (2).
و ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى فإن كنت تعلم انك إذا صليت التي فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك فان الله يقول «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» و ان كنت تعلم انك إذا صليت التي فاتتك فاتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها فصلها ثم أقم الأخرى».
و هاتان الروايتان قد دلتا على تفسير الآية بالصلاة الفائتة كما ترى فلا معدل عنهما الى ما ذكره المفسرون المتخرصون الذين قال الله سبحانه فيهم و في أمثالهم «قُتِلَ الْخَرّٰاصُونَ» (4).
و منها-
ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) «انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها؟
فقال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار فإذا دخل وقت صلاة و لم يتم ما فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الصلاة التي حضرت و هذه أحق بوقتها فليصلها فإذا قضاها فليصل ما فاته مما قد مضى و لا يتطوع بركعة حتى يقضي الفريضة كلها».
____________
(1) ص 271.
(2) سورة طه، الآية 14.
(3) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(4) سورة الذاريات، الآية 10.
(5) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.
341
و منها-
ما روياه عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة حتى دخل وقت صلاة أخرى؟
فقال إذا نسي الصلاة أو نام عنها صلى حين يذكرها، و ان ذكرها و هو في صلاة بدأب التي نسي، و ان ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمها بركعة ثم صلى المغرب ثم صلى العتمة بعدها، و ان كان صلى العتمة وحده فصلى منها ركعتين ثم ذكر انه نسي المغرب أتمها بركعة فتكون صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم يصلي العتمة بعد ذلك».
و منها-
ما روياه أيضا في الصحيح عن صفوان عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل نسي الظهر حتى غربت الشمس و قد كان صلى العصر؟ فقال كان أبو جعفر (عليه السلام) أو كان ابي (عليه السلام) يقول ان امكنه أن يصليها قبل ان تفوته المغرب بدأ بها و إلا صلى المغرب ثم صلاها».
و منها-
ما روياه عن ابي بصير (3) قال: «سألته عن رجل نسي الظهر حتى دخل وقت العصر؟ قال يبدأ بالظهر و كذلك الصلوات تبدأ بالتي نسيت إلا ان تخاف ان يخرج وقت الصلاة فتبدأ بالتي أنت في وقتها ثم تقضي التي نسيت».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل أم قوما في العصر فذكر و هو يصلي بهم انه لم يكن صلى الاولى؟
قال فليجعلها الأولى التي فاتته و يستأنف بعد صلاة العصر و قد قضى القوم صلاتهم».
و ما رواه الشيخ عن معمر بن يحيى (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت له القبلة و قد دخل وقت صلاة أخرى؟ قال يعيدها قبل ان يصلي هذه التي قد دخل وقتها».
و رواها في موضع آخر (6) و زاد «إلا ان يخاف فوت التي دخل وقتها».
____________
(1) الوسائل الباب 63 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 63 من المواقيت.
(5) رواه في الوسائل في الباب 9 من القبلة.
(6) ص 146.
342
و ما رواه في كتاب قرب الاسناد بسنده الى علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نسي العشاء ثم ذكر بعد طلوع الفجر كيف يصنع؟ قال يصلى العشاء ثم الفجر. قال و سألته عن رجل نسي الفجر حتى حضرت الظهر؟ قال يبدأ بالفجر ثم يصلي الظهر كذلك كل صلاة بعدها صلاة».
و التقريب في هذه الاخبار انها دلت على الأمر بالقضاء ساعة الذكر متحدة كانت الفائتة أو متعددة، و تضمنت الأمر بالعدول عن صاحبة الوقت متى ذكر الفائتة في أثنائها، و الأمر حقيقة في الوجوب كما هو المتفق عليه بين محققي الأصوليين و قد قدمنا الدليل عليه من الآيات القرآنية و السنة المعصومية، و تضمنت وجوب تأخير صاحبة الوقت الى آخر وقتها ما لم يتم القضاء، و جميع ذلك أصرح صريح في المضايقة، و يؤكد ذلك الأخبار الدالة على الأمر بالمبادرة ساعة الذكر اي وقت كان، و منها-
صحيحة معاوية بن عمار (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول خمس صلوات لا تترك على كل حال: إذا طفت بالبيت و إذا أردت أن تحرم و صلاة الكسوف و إذا نسيت فصل إذا ذكرت و صلاة الجنازة».
و صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «اربع صلوات يصليهن الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها. الحديث».
و رواية نعمان الرازي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس و عند غروبها؟ قال فليصل حين ذكره».
و موثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) «انه سئل عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها؟ قال يصليها إذا ذكرها في أي ساعة
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 1 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(5) المروية في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.
343
ذكرها ليلا أو نهارا».
و صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أ يصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ قال يصلي حين يستيقظ. قلت أ يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال بل يبدأ بالفريضة».
و صحيحة زرارة و الفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: فيها «ان شككت فيها بعد ما خرج وقت الفوت فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن فان استيقنت فعليك ان تصليها في أي حال كنت».
و اما ما أجاب به في الذكرى عن خبري «خمس صلوات»- من انه لا يدل على الوجوب المضيق حيث انهما اشتملا على صلاة الكسوف و الجنازة و الإحرام و لم يقل أحد بوجوب تقديمها على الحاضرة- ففيه ان محل الاستدلال انما هو تقييد الصلاة الفائتة و توقيتها بساعة الذكر كما في تلك الأخبار الكثيرة لا ان أحدا يدعى المضايقة هو بيان ان هذه الصلوات لا تترك متى حصل أسبابها لكراهة بعض الأوقات و المنع من الصلاة فيها بل تصلى في كل وقت، و عد منها الصلاة الفائتة و جعل وقتها ساعة الذكر و مثل ساعة الذكر و ان كان في تلك الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، هذا حاصل معنى تلك الاخبار و لو صح ما توهمه لكان الجواب عنه ما صرح به جملة من المحققين من انه إذا قام الدليل على إخراج بعض افراد العام من عموم ذلك الحكم فإنه لا ينافي إثبات الحكم لما عداه مما لم يقم على خروجه دليل فكذلك ما نحن فيه.
و اما ما استدل به المتأخرون كالشهيد في الذكرى و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهما على ما ذهبوا اليه من القول بالمواسعة فروايات:
____________
(1) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 60 من المواقيت.
344
منها-
صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«إذا نام الرجل أو نسي ان يصلي المغرب و العشاء الآخرة فإن استيقظ بعد الفجر فليصل الصبح ثم المغرب ثم العشاء قبل طلوع الشمس».
و رواية أبي بصير- و الظاهر انه يحيي بن القاسم بقرينة شعيب عنه- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان نام الرجل و لم يصل صلاة المغرب و العشاء أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر بقدر ما يصليهما كلتيهما فليصلهما و ان خشي ان تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثم المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس فان خاف ان تطلع الشمس فتفوته احدى الصلاتين فليصل المغرب و يدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها».
و صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «سألته عن الرجل تفوته صلاة النهار؟ قال يصليها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء».
و رواية الحسن بن زياد الصيقل (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي الأولى حتى صلى ركعتين من العصر قال فليجعلها الاولى و ليستأنف العصر. قلت فإنه نسي المغرب حتى صلى ركعتين من العشاء ثم ذكر؟ قال فليتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب. قال قلت له جعلت فداك قلت حين نسي الظهر ثم ذكر و هو في العصر يجعلها الاولى ثم يستأنف و قلت لهذا يتم صلاته ثم ليقض بعد المغرب فقال ليس هذا مثل هذا ان العصر ليس بعدها صلاة و العشاء بعدها صلاة».
و رواية جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قلت له تفوت الرجل الاولى و العصر و المغرب و ذكرها عند العشاء الآخرة؟ قال يبدأ بالوقت الذي هو فيه فإنه لا يأمن الموت فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقت قد دخل ثم يقضي ما فاته الأول فالأول».
____________
(1) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 63 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.
345
و صحيحة علي بن جعفر المروية في كتاب قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نسي المغرب حتى دخل وقت العشاء الآخرة؟ قال يصلي العشاء ثم المغرب».
و موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل تفوته المغرب حتى تحضر العتمة فقال ان حضرت العتمة و ذكر ان عليه صلاة المغرب فأحب أن يبدأ بالمغرب بدأ و ان أحب بدأ بالعتمة ثم صلى المغرب بعدها».
و استدلوا أيضا- زيادة على ذلك كما ذكره في الذكرى- بوجوه: (الأول) قضية الأصل، قال فإنه دليل قطعي حتى يثبت الخروج عنه. و (الثاني) لزوم الحرج و العسر المنفيين بالكتاب و السنة (3) و (الثالث) عموم آي الصلاة مثل «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (4) «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» (5) قال فإنه يشمل من عليه فائتة و غيره. و (الرابع) تسويغ الأصحاب الأذان و الإقامة للقاضي مع استحبابهما و قد رووه بطرق كثيرة (6) ثم ذكر بعض الاخبار الدالة على الأذان في أول ورده و الإقامة في كل منها، و زاد في المدارك الاستدلال بالروايات الدالة على جواز النافلة لمن عليه فريضة.
أقول: و الجواب اما عن الاخبار المذكورة (أولا) فإنه من القواعد المتكررة في كلامهم و الدائرة على رؤوس أقلامهم انهم لا يجمعون بين الخبرين المتعارضين إلا مع التكافؤ في الصحة و الصراحة و الا فتراهم يطرحون المرجوح و يجعلون التأويل في جانبه لمرجوحيته و إبقاء ما ترجح عليه على ظاهره، و لا يخفى على المتأمل المنصف ان هذه الاخبار التي استندوا إليها تقصر عن معارضة ما قدمناه سندا و عددا و دلالة كما ظهر و سيظهر لك ان شاء الله، فكيف عكسوا القضية هنا و عملوا بهذه الاخبار مع ما هي عليه و جعلوا
____________
(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 62 من المواقيت.
(3) ج 1 ص 151.
(4) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(5) سورة البقرة، الآية 40.
(6) رواه في الوسائل في الباب 37 من الأذان و 8 من قضاء الصلوات.
346
التأويل في تلك الاخبار مع ما هي عليه من الصحة و الصراحة و الاستفاضة؟
و (ثانيا)- انه من القواعد المقررة في كلام أهل العصمة (عليهم السلام)- و ان كان أصحابنا (رضوان الله عليهم) قد أعرضوا عنها و اطرحوها كما أوضحناه في غير موضع مما تقدم، و اتخذوا لهم قواعد في هذه الأبواب لم يرد بها سنة و لا كتاب من حمل النهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب- هو انه مع اختلاف الاخبار تعرض على كتاب الله عز و جل و يؤخذ بما وافقه و يضرب ما خالفه عرض الحائط (1) و قد عرفت تأيد الأخبار الأولة بتلك الآية الشريفة، و حينئذ فمقتضى القاعدة المذكورة و ان كانت بينهم مهجورة هو العمل بتلك الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و (ثالثا)- ما في هذه الروايات من تطرق الطعن إليها عند النظر بعين التحقيق و التأمل بالفكر الصائب الدقيق:
فاما صحيحة عبد الله بن سنان و رواية أبي بصير فباشتمالهما على ما لا يقول به الأصحاب و هو ايضا خلاف ما استفاضت به الاخبار من المنع من قضاء الفريضة في ذلك الوقت، و قد تقدم الكلام في ذلك قريبا في المسألة السابعة من مسائل المقصد المتقدم، و بينا ان الشيخ (قدس سره) قد حمل هذه الاخبار على التقية لذلك و لاشتمالها ايضا على امتداد وقت العشاءين الى طلوع الفجر و هو قول العامة و ان تبعهم من أصحابنا من تبعهم، و قد تقدم تحقيق ذلك في مسألة بيان آخر وقت المغرب منقحا موضحا، و من ذلك يظهر لك عدم جواز الاستناد إليهما و الاعتماد عليهما. على ان صحيحة زرارة الطويلة المتقدمة قد دلت في هذه الصورة على الأمر بتقديم المغرب و العشاء على الغداة و انه ان خشي ان تفوته الغداة مع تقديمهما معا قدم المغرب و انه انما يصلى الغداة متقدمة عليهما إذا خشي فواتها، فهل يعارض هذا التفصيل الواضح في هذه الصحيحة المؤيدة بما عرفت الواقع كله بلفظ الأمر الدال على الوجوب عندهم بمثل هاتين الروايتين المتهافتتين
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي.
347
المخالف متنهما لأصول المذهب؟ ما هذا إلا عجيب و اي عجيب.
و اما صحيحة محمد بن مسلم فالمراد بصلاة النهار فيها انما هو النوافل النهارية و قد تقدم الكلام فيها و في أمثالها منقحا في مسألة جواز التطوع في وقت الفريضة، و كيف كان فلا أقل من قيام الاحتمالين و به يسقط الاستدلال من البين.
و اما باقي الروايات فإنها قد اشتركت كلها في الدلالة على ان من فاتته المغرب ثم ذكرها وقت العشاء تلبس بشيء من العشاء أم لا فإنه يأتي بالعشاء أولا، و هذا لا يخلو اما ان يكون المراد بوقت العشاء فيها هو الوقت المختص و حينئذ فلا دليل فيها لما ادعوه منها للاتفاق على اختصاص الوقت الأخير بالعشاء، أو يكون المراد به الوقت المشترك و حينئذ فيشكل التعويل عليها و الاستناد إليها في ما ذكروه لانه لا خلاف نصا و فتوى في وجوب الترتيب بين الفرائض الحاضرة في الوقت المشترك، فالقول بتقديم العشاء في الوقت المشترك في هذه الاخبار باطل البتة و يشبه ان يكون مخرج الروايات بهذا المعنى مخرج التقية، و مما يؤنس بذلك ذكره (عليه السلام) في رواية الحسن الصيقل وجه الفرق بين من ذكر فوات الظهر و هو في العصر و انه يعدل الى الظهر و بين من ذكر فوات المغرب و هو في العشاء و انه يتم العشاء ثم يستأنف المغرب، معللا ذلك بان العصر لا يجوز ان يصلى بعدها فوجب العدول منها الى الظهر ثم الإتيان بها و العشاء لا تحرم الصلاة بعدها فوجب إتمامها ثم الإتيان بالمغرب بعدها، و هذا الفرق وجوبا أو استحبابا لا يتمشى على أصولنا و انما يجري على قواعد العامة المانعين من الصلاة بعد العصر مطلقا كما تقدم. و العلامة في المختلف بعد نقله موثقة عمار حمل المغرب فيها على مغرب سابقة فرارا من الاشكال المذكور. و أنت خبير بأنه بالتأمل في تلك الروايات و إمعان النظر فيها يظهر ان المغرب المذكورة انما هي مغرب ذلك اليوم و هو الذي فهمه منها عامة الأصحاب و لهذا ان الشيخ في التهذيبين نسبه الى الشذوذ.
و المحدث الشيخ الحر في الوسائل بعد نقله موثقة عمار احتمل فيها الحمل على التقية
348
و بعد ان نقل رواية الصيقل قال: هذا محمول على تضيق وقت العشاء دون العصر لما تقدم لان ذلك أوضح دلالة و أوثق و أكثر و هو الموافق لعمل الأصحاب. انتهى. و فيه ان التعليل المذكور في الرواية ظاهر في خلاف ما ذكره بل الوجه انما هو التقية بقرينة التعليل المذكور.
و أجاب في الذكرى عن رواية الصيقل بالحمل على مغرب أمسه، قال و هو أولى لرواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) الدالة على العدول. و فيه ما في سابقه من المنافاة لظاهر التعليل بل الوجه انما هو ما ذكرناه و هو الذي صرح به المحدث الكاشاني في الوافي، فانظر الى هذه الاخبار التي استندوا إليها بعين الاعتبار و ترجيحهم لها على تلك الأخبار الرفيعة المنار الساطعة الأنوار مع ما اشتملت عليه مما أوضحنا لك بيانه من هذه الاكدار، فتأولوا لأجلها تلك الاخبار بالحمل على الاستحباب و انه لمن العجب العجاب عند من اعطى الإنصاف حقه في هذا الباب فاعتبروا يا اولى الألباب.
و اما باقي الأدلة التي أوردوها فهي في الضعف أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت، أما الأصل فمع تسليمه فإنه يجب الخروج عنه بالدليل و قد أوضحناه، و هم قد يخرجون عنه بما هو أقل من هذه الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و اما اللزوم العسر و الحرج- و الظاهر انه أشار الى ما ذكره المرتضى (رضى الله عنه) من المنع من أكل ما يزيد على سد الرمق و نحوه- فسيأتي بيان الجواب عنه ان شاء الله تعالى.
و اما عموم آي الصلاة فالجواب عنه بما أجيب به عن الأصل إذ لا خلاف بينهم و لا إشكال في تخصيص عمومات القرآن و تقييد مطلقاته بالاخبار و ان كان خبرا واحدا فضلا عن هذه الاخبار المتعددة، و ما عارضوها به من أخبارهم المتقدمة فقد عرفت ضعفه عن المعارضة و تبين قوة القول بها و التعويل عليها.
و اما الاستناد إلى الإقامة و الأذان- كما ذكره و تبعه عليه جملة من الأعيان
349
كصاحب المدارك و غيره- فهو مما يقضى منه العجب عند ذوي الأفهام و الأذهان لاستفاضة الاخبار بل ربما يدعى الضرورة من الدين بأنهما من جملة الصلاة و ان كانا من مستحباتها فكيف يعترض بهما على وجوب تقديم الفائتة أو يعترض بهما على منافاة الفورية. و بالجملة فان الواجب هو قضاء الصلاة التي هي عبارة عن الأذان و الإقامة و ما بعدهما لا ان القضاء انما يختص بتكبيرة الإحرام و ما بعدها، غاية الأمر ان الشارع رخص لمن عليه صلوات متعددة أن يأتي بأذان واحد في أول ورده و يكتفي في الباقي بإقامة إقامة و اما بالنسبة إلى الروايات المتضمنة لجواز النافلة لمن عليه فريضة كما ذكره في المدارك ففيه (أولا) ان ظاهر ما قدمه في بحث الأوقات هو التوقف في هذه المسألة كما قدمنا ذكره في المسألة المذكورة. و (ثانيا) ان هذه الروايات معارضة بجملة من الروايات الصحاح الصراح الدالة على العدم كما تقدم تحقيقه في المسألة المذكورة.
أقول: انظر رحمك الله تعالى الى ما لفقوه في هذه المسألة من هذه الأدلة العليلة و الحجج الواهية الضئيلة و خرجوا بها عن تلك الاخبار الصحاح الصراح التي هي في الدلالة على المراد كضوء المصباح بل اسفار الصباح و تأولوها بالحمل على الاستحباب الذي لا مستند له من سنة و لا كتاب و ان عكفوا عليه في جميع الأبواب.
(الموضع الثالث)- في نقل اجوبتهم عن الأدلة التي قدمناها
و اعتمدنا عليها في المقام و الجواب عنها بوجوه شافية وافية ظاهرة لذوي الأذهان و الافهام، و لنكتف هنا بما ذكره السيد السند في المدارك لانه نقل ما ذكره من تقدمه و زاد على ذلك:
فنقول: قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: احتج القائلون بالتضييق بالإجماع و الاحتياط و انه مأمور بالقضاء على الإطلاق و الأوامر المطلقة للفور و قوله تعالى:
«وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (1) و المراد بها الفائتة
لقوله (عليه السلام) في رواية زرارة (2) «ابدأ بالتي فاتتك فان الله تعالى يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي».
و ما رواه الشيخ
____________
(1) سورة طه، الآية 14.
(2) ص 340.
350
في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية و هي صحيحة زرارة الطويلة التي صدرنا بها الأخبار الدالة على القول المختار، و اقتصر عليها و لم يورد غيرها من الاخبار التي قدمناها، ثم قال: و الجواب اما عن الإجماع فبالمنع منه في موضع النزاع خصوصا مع مخالفة ابني بابويه اللذين هما من أجلاء هذه الطائفة و احتمال وجود المشارك لهم في الفتوى. و اما عن الاحتياط فبأنه انما يفيد الأولوية لا الوجوب مع انه معارض بأصالة البراءة. و اما قولهم الأوامر المطلقة للفور فممنوع بل الحق انها تدل على طلب الماهية من غير اشعار بفور و لا تراخ، قال في المعتبر و لو قالوا ادعى المرتضى ان أوامر الشرع على الضيق، قلنا يلزمه ما علمه و اما نحن فلا نعلم ما ادعاه، على ان القول بالتضيق يلزم منه منع من عليه صلوات كثيرة ان يأكل شبعا أو ينام زائدا على الضرورة أو يتعيش إلا لاكتساب قوت يومه له و لعياله و انه لو كان معه درهم ليومه حرم عليه الاكتساب حتى تخلو يده و التزام ذلك مكابرة صرفة و التزام سوفسطائي (و لو قيل) قد أشار أبو الصلاح الى ذلك (قلنا) فنحن نعلم من المسلمين كافة خلاف ما ذكره فإن أكثر الناس يكون عليهم صلوات كثيرة فإذا صلى الإنسان منهم شهرين في يومه استكثره الناس. و اما الآية فلو سلم اختصاصها بالفائتة لم تدل على أزيد من الوجوب و نحن نقول به و لا يلزم منه التضيق، مع ان الظاهر تناولها للحاضرة و الفائتة، و ذكر المفسرون ان معنى قوله «لِذِكْرِي» ان الصلاة تذكر بالمعبود و تشغل اللسان و القلب بذكره، و قيل ان المراد لذكري خاصة لا ترائي بها و لا تشيبها بذكر غيري، و قيل ان المراد لأني ذكرتها في الكتب و أمرت بها. و هذه الوجوه كلها آتية في مطلق الصلاة الحاضرة و الفائتة. و اما عن الرواية فبالحمل على الاستحباب جمعا بينها و بين صحيحة ابن سنان المتضمنة للأمر بتقديم الحاضرة على الفوائت المتعددة، و اعمال الدليلين اولى من اطراح أحدهما خصوصا مع اشتهار استعمال الأوامر في الندب. انتهى كلامه زيد مقامه.
و فيه نظر من وجوه: (الأول) ما ذكره في الجواب عن الإجماع و ان كنا
351
لا نرى العمل بهذه الإجماعات المتناقلة إلا أنا نجيب عن ذلك إلزاما بمقتضى قواعدهم المقررة بينهم و هو انهم قد صرحوا في الأصول بأن مخالفة معلوم النسب غير قادح في الإجماع فإذا ادعى الإجماع من المتقدمين على هذا الحكم فمخالفة ابني بابويه بناء على ما قرروه غير مانعة من حجيته، و اما المتأخرون فهم محجوجون به بمقتضى قواعدهم فإنه متى كان الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة كما هو المذكور في أصولهم و مخالفة معلوم النسب غير قادح في دعوى الإجماع فكيف ساغ لهم الخروج عنه و القول بخلافه و هو أحد الأدلة الشرعية عندهم؟ و اما الاطراء على ابني بابويه في هذا الموضع بأنهم من أجلاء الطائفة حيث وافقوا ما اختاره ففيه ان مقتضى هذا الاطراء أتباعهما في كل ما ذهبا اليه و لا أراه يقول به، و اما احتمال وجود المشارك فهو أضعف فإنه إذا كان وجود المخالف المعلوم النسب غير قادح فكيف بالاحتمال؟ و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا خفاء فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و (الثاني)- ما ذكره- من منع دلالة الأمر على الفور- فان فيه انه ربما كان يذهب ذلك القائل إلى القول بذلك و المسألة قد حققت في الأصول، و الحق فيها و ان كان هو ما ذكره (قدس سره) من ان الأمر انما يدل على مجرد الطلب من غير اشعار بتراخ و لا فورية و لكن الذي نقوله نحن هنا ان الأوامر لم تقع هنا مطلقة كما توهمه بل وقعت مقيدة بساعة الذكر كما دلت عليه الآية و الاخبار التي قدمناها و القول بالمضايقة انما نشأ من ذلك، و لهذا دلت الروايات الصحيحة على وجوب العدول من الحاضرة لو ذكر الفائتة في أثنائها كما تكرر في صحيحة زرارة الطويلة المتقدمة و غيرها و ما ذاك إلا لأن الوقت لا يصلح لغيرها بل هو مختص بها، و هكذا ما دام الوقت متسعا مع تعدد الفوائت الى ان تتضيق الحاضرة، و هذا كله انما نشأ من التضييق كما لا يخفى على من شرب بكأس التحقيق فالأوامر هنا ليست مطلقة كما ظنه.
و لهذا ان الفاضل الخراساني في الذخيرة استشعر ما ذكرناه و أجاب بجواب آخر فإنه- بعد ان منع الفورية بكلام المحقق في المعتبر الذي تقدم نقله- قال ما صورته:
352
و الاولى للمستدل ان يقول وقع الأمر بالفائتة عند الذكر و مقتضى ذلك عدم جواز التأخير، ثم أجاب بأن النصوص محمولة على بيان مبدأ الوجوب أو على الاستحباب جمعا. الى آخره و أنت خبير بما في ذلك من التعسف و التكلف الذي لا ضرورة تلجئ إليه بعد وضوح الدلالة على ما ادعيناه و انطباقها عليه، و أي ثمرة تترتب على هذا القيد و الحال ان مبدأ الوجوب معلوم من تحقق الخطاب بالإتيان بالمأمور به، فان السيد إذا قال لعبده افعل غير مقيد بزمان و لا شرط علم ان مبدأ الوجوب من ذلك الوقت، و كذلك إذا قال الشارع «من فاتته صلاة فليقضها» فإنه لا ريب ان مبدأ الوجوب من علم المكلف بالفوائت مع علمه بالحكم غاية الأمر انه يكون وجوبا موسعا. فأي ثمرة تترتب على هذا القيد و التقييد بساعة الذكر لو لم يكن التضييق مرادا؟ و من أظهر الروايات زيادة على ما قدمناه فيما ذكرناه
رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا نسي الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لا يزيد على ذلك و لا ينقص، و من نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما، و ان نسي ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما».
فانظر الى ظهوره في كون الأمر بالقضاء مقيدا بحين الذكر فكأنه قال: «فليقض في هذا الوقت» تحقيقا للظرفية، و نحوها غيرها من الروايات المتقدمة و اما ما ذكره من الحمل على الاستحباب فسيأتي ما فيه قريبا ان شاء الله تعالى في المقام.
و (الثالث)- ما ذكره في المعتبر- من ان القول بالتضييق يلزم منه منع من عليه صلوات كثيرة. إلخ- فإنه ممنوع و انما اللازم منه وجوب المبادرة إلى إيقاعها في أي وقت ذكرها مقدمة على غيرها كسائر الواجبات الفورية كما دلت عليه الاخبار المعتمدة. نعم يأتي ما ذكره على قول من يذهب الى ان الأمر بالشيء يستلزم النهي
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 6 من قضاء الصلوات.
353
عن ضده الخاص فإنه يلزم منه المنع من جميع ما ذكره، و هذا ليس مختصا بما نحن فيه بل هو فرع القول بتلك المسألة في كل مأمور به فورا، و لعل بعض من قال بالمضايقة يذهب في تلك المسألة الأصولية إلى القول بان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص فصرح هنا بما نقله، و حينئذ فما أطال به- من تعديد تلك الإلزامات و قوله بعد ذلك «ان التزام ذلك مكابرة صرفة. إلخ»- غير وارد على القول بالمضايقة و انما هو ناشىء عن تلك المسألة الأصولية. و تصريح المرتضى (رضي الله عنه) بما شنعوا به عليه لعله انما نشأ عن هذا القول في تلك المسألة فإنها مما طال فيها بينهم النزاع و الجدال و أكثروا فيها من القيل و القال و صنفت فيها الرسائل و أكثروا فيها من الدلائل. و بالجملة فإن الذي دلت عليه الآية و الروايات المتقدمة بأصرح دلالة هو القول بوجوب القضاء حين الذكر فيصير من قبيل الأوامر الواجبة الفورية كالأمر بالحج و الأمر بقضاء الدين بعد الحلول عند المطالبة و التمكن من الأداء و نحو ذلك من الأوامر الموجبة لتأثيم المكلف بالإخلال بها مع التمكن، و اما انه لا يجوز له الأكل و الشرب و نحو ذلك من الأضداد الخاصة كما أطالوا به التشنيع على هذا القول فإنه تطويل بغير طائل و تشنيع لا يرجع الى حاصل، لان ذلك فرع ذلك القول في المسألة الأصولية فإن كان من قام عنده الدليل فيها على ذلك القول فله ان يفرع ما ذكر و أمثاله و إلا فلا و لا خصوصية له بهذه المسألة، و بذلك يظهر ما في كلام جملة من المتأخرين التابعين للمحقق في هذا التشنيع كما تقدم الإشارة إليه في كلام الذكرى و كذا غيره.
و (الرابع)- ما ذكره المحقق المذكور- من ان أكثر الناس عليهم صلوات كثيرة و انه إذا صلى الإنسان شهرين في يوم استكثره الناس- فإنه كلام لا طائل تحته و لا ثمرة تترتب عليه، و ذلك فإنه إذا قام الدليل في تلك المسألة الأصولية على ما ذهبوا اليه من استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص كما ذهب إليه طائفة من أصحابنا:
منهم- العلامة و المحقق الأردبيلي و غيرهما و نفى عنه البعد السيد السند في المدارك لزم وجوب
354
الإتيان بالفوائت و المنع مما عداها و لو بأن يقضي سنة كاملة في يوم، و استكثار الناس ذلك لا مدخل له في الأحكام الشرعية إذا قامت الأدلة عليها. ثم اي ناس يريد بأولئك الناس فإن أراد العامة الذين هم من النسناس فلا حجة فيه و لا عبرة به و ان أراد من هم المرجع في الأحكام الشرعية فهم يفرعون ذلك على تلك المسألة الأصولية، على ان لقائل أن يمنع صحة تلك الدعوى إذ من البعيد تعمد ترك الفرائض و الصلوات أو نسيانها على وجه يصل الى حد الكثرة من واحد فضلا عن كثيرة من الناس لا عن الأكثر، هذا كله على تقدير ثبوت ما ادعى في تلك المسألة الأصولية و إلا فمع عدم الثبوت كما هو المشهور و المؤيد المنصور و ان الأمر بالشيء انما يستلزم النهي عن الضد العام لا يستلزم شيئا مما ذكروه، على انهم قد صرحوا في وجوب إزالة النجاسة عن المسجد و قضاء الدين و نحوهما من الواجبات الفورية بنحو ذلك، و قد منعوا من الصلاة إلا في آخر الوقت و من كل ضد خاص ينافي الاشتغال بذلك المأمور به بناء على ما اختاروه في تلك المسألة الأصولية، و ما نحن فيه كذلك.
و (الخامس)- ما ذكره السيد المذكور- من انه مع تسليم اختصاص الآية بالفائتة فلا دلالة لها على أمر أزيد من الوجوب. الى آخره- فان فيه انه ان أراد بالنظر الى لفظ الأمر فيها فهو مسلم و لكن بالنظر الى الروايتين الواردتين بتفسير الآية المذكورة يظهر تقييد الوجوب بحين الذكر، و حينئذ فالآية بناء على تفسيرهم (عليهم السلام) لها بما ذكروه ظاهرة في المدعى. و اما ما أطال به من الاحتمالات التي نقلها عن المفسرين فسيأتي ما فيه مما يكشف عن ضعف باطنه و خافية، و نحن انما استدللنا بالآية بناء على تفسيرهم (عليهم السلام) لها بما ذكرناه (فان قيل) ان الاعتماد حينئذ على الاخبار لا على الآية إذ الآية في حد ذاتها خالية عن ذلك كما اعترفتم به (قلنا) هذه مغلطة لا تروج إلا على ضعيفي الأذهان من البله و النساء و الصبيان فإنه لو تم ذلك للزم ان العامل بكلام المفسرين للقرآن انما عمل بأقوال العلماء لا بالقرآن و المتلقى لحل حديث
355
من اخبارهم (عليهم السلام) عن شيخه لم يكن معولا الا على كلام شيخه لا على كلام الامام (عليه السلام) و لا يخفى ان المفسر لكلامه (عز و جل) انما هو مخبر عنه (عز و جل) بان مراده بهذا الكلام هذا المعنى و لهذا منعنا عن العمل بتفسير غيرهم (عليهم السلام) كما ظهر و سيظهر لك إنشاء الله تعالى بيانه و يثبت بنيانه.
و (السادس)- ما ذكره ايضا (قدس سره)- من ان الظاهر تناول الآية للحاضرة و الفائتة و اعتضاده في ذلك بكلام المفسرين و ان كان قد سبقه إليه جده في الروض و الشهيد في الذكرى و غيرهما- فان فيه ما يقضى منه العجب العجاب عند من مارس أخبار الأئمة الأطياب و ما ورد عنهم في الباب، فإنه قد استفاضت الاخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع من تفسير القرآن و لا سيما مجملاته و متشابهاته إلا بالأخذ عنهم (عليهم السلام) و قد قدمنا ذكر ذلك في مقدمات الكتاب.
و نزيده هنا بيانا
بما رواه العياشي في تفسيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر و ان أخطأ خر أبعد من السماء».
و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ما ضرب القرآن رجل بعضه ببعض إلا كفر».
و روى غير واحد من أصحابنا عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) قال: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
و حمل الرأي على الميل الطبيعي المترتب على الأغراض الفاسدة كما احتمله بعضهم بعيد غاية البعد كما أوضحناه في كتابنا الدرر النجفية.
و ما رواه البرقي في كتاب المحاسن في باب (انزل الله في القرآن تبيان كل شيء) عن أبيه عن الحسن بن علي بن فضال عن ثعلبة بن ميمون عن من حدثه عن المعلى ابن خنيس (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رسالة: و اما ما سألت عن
____________
(1) الوسائل الباب 13 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(2) الوسائل الباب 13 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(3) الوسائل الباب 13 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(4) الوسائل الباب 13 من صفات القاضي و ما يقضى به.
356
القرآن فذلك ايضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة لأن القرآن ليس على ما ذكرت و كل ما سمعت فمعناه غير ما ذهبت اليه و انما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم و لقوم يتلونه حق تلاوته و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه فاما غيرهم فما أشد إشكاله عليهم و أبعده من مذاهب قلوبهم، و لذلك قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) انه ليس شيء بأبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن و في ذلك تحير الخلائق أجمعون إلا من شاء الله و انما أراد الله بتعميته في ذلك ان ينتهوا الى بابه و صراطه و ان يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوام بكتابه و الناطقين عن امره و ان يستنبطوا ما احتاجوا اليه من ذلك عنهم (عليهم السلام) لا عن أنفسهم، ثم قال «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (1) فاما غيرهم فليس يعلم ذلك ابدا و لا يوجد و قد علمت انه لا يستقيم ان يكون الخلق كلهم ولاة الأمر إذ لا يجدون من يأتمرون عليه و لا من يبلغونه أمر الله و نهيه فجعل الله تعالى الولاة خواصا ليقتدي بهم من لم يخصصهم بذلك فافهم ذلك ان شاء الله تعالى، و إياك و تلاوة القرآن برأيك فإن الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الأمور و لا قادرين عليه و لا على تأويله إلا من حده و بابه الذي جعله الله له فافهم ان شاء الله تعالى و اطلب الأمر من مكانه تجده ان شاء الله تعالى».
أقول: لو لم يرد الا هذا الحديث الشريف لكفى به حجة في ما قلناه كيف و الاخبار بذلك مستفيضة كما بسطنا الكلام عليه في كتاب الدرر النجفية و أشرنا الى ذلك في مقدمات الكتاب، و حينئذ فكيف يجوز لمن وقف على هذه الاخبار و تأملها بعين الاعتبار ان يستند في تفسير مثل هذه الآية التي هي من متشابهات القرآن الى تفسير هؤلاء المفسرين الضالين المضلين؟ و ما نقله عن المفسرين فهو مأخوذ من تفسير البيضاوي فإنه ذكر هذه الاحتمالات (2) ثم قال في آخرها: أو لذكر صلاتي لما روى عنه
____________
(1) سورة النساء، الآية 85.
(2) ص 262.
357
(عليه الصلاة و السلام) قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها ان الله تعالى يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي». على ان المفهوم من كلام أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان ان ما ذكرناه هو الذي عليه أكثر المفسرين فإنه روى في الكتاب المذكور عن الباقر (عليه السلام) قال: ان معنى الآية أقم الصلاة متى ذكرت ان عليك صلاة كنت في وقتها أم لم تكن. و نسبه الى أكثر المفسرين ثم قال و يعضده
ما رواه أنس ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك و قرأ أقم الصلاة لذكري» رواه مسلم في الصحيح (1).
انتهى. و من ذلك يعلم اتفاق روايات الخاصة و العامة على تفسير الآية بما ذكرناه، و حينئذ فلا مجال للحمل على هذه الاحتمالات و ضرب الصفح عن الروايات و هل هو إلا من المغالطات و المجازفات؟
ثم العجب منه في ذكر هذه الاحتمالات عن البيضاوي و عدم ذكره الاحتمال الأخير المؤيد بالرواية لكونه ظاهرا في الرد عليه.
و (السابع)- ما ذكره- من حمل صحيحة زرارة الطويلة التي ذكرها على الاستحباب جمعا بينها و بين صحيحة ابن سنان. الى آخر ما ذكر في المقام- فان فيه:
(أولا)- انك قد عرفت ان المخالفة ليست مخصوصة بصحيحة زرارة بل بجملة الروايات التي قدمناها و قد عرفت أنها مستفيضة متكاثرة لا تبلغ هذه الرواية قوة في معارضة الصحاح منها فضلا عن الجميع الذي يقرب من عشرين رواية، و الجمع بمقتضى قاعدته في غير موضع فرع التكافؤ في الصحة و الدلالة و قد عرفت ما في دلالة روايته من المطاعن، فالواجب هو العمل بتلك الاخبار و جعل التأويل في جانب هذه الرواية لا العكس كما زعمه سيما مع ما عليه الرواية المذكورة من تكرار هذا الحكم فيها الموجب لتأكده و تقويته، ما هذه إلا مجازفة ظاهرة.
و (ثانيا)- ما قدمناه في غير مكان من ان هذه القاعدة و ان اشتهرت بينهم
____________
(1) ج 1 ص 257.
358
في الجمع بين الاخبار بحمل النهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب إلا انه لا مستند لها من سنة و لا كتاب و مقتضى القواعد المروية عن أهل العصمة (عليهم السلام) هو عرض الاخبار على القرآن و الأخذ بما وافقه، و قضية الترجيح بهذه القاعدة العمل بالأخبار التي ذكرناها و طرح هذا الخبر في مقابلتها، و التشبث بما ذكره من ان اعمال الدليلين اولى من طرح أحدهما من البين من الاجتهادات الصرفة لما تقدم بيانه في المقدمة السادسة من مقدمات الكتاب، و نزيده بيانا هنا فنقول لا ريب انه قد استفاضت الاخبار بطرح ما خالف القرآن في مقام الترجيح بالعرض على الكتاب و طرح ما وافق العامة في مقام عرض الاخبار على مذهب العامة و طرح ما خالف الأشهر في الرواية في مقام الترجيح بذلك أيضا (1) فإذا أمر الأئمة (عليهم السلام) بطرح الأخبار في هذه المقامات و نحوها و رخصوا في ذلك فهل يليق ممن يعمل بأخبارهم و يتمسك بآثارهم ان يضرب عن ذلك صفحا و يعتمد على هذه القاعدة التي ابتدعوها و المغالطة التي اخترعوها؟ ما هذا إلا اجتهاد في مقابلة النصوص و جرأة على أهل الخصوص.
و (ثالثا)- انه لو سلم له ذلك في الاخبار فلا يتم في الآية لاتفاقهم على كون الأوامر القرآنية للوجوب إلا ما خرج بدليل، و قد عرفت مما قدمناه تأكد دلالتها على الوجوب بمعونة الأخبار سيما الأخبار الواردة في تفسيرها فكيف يمكن حملها على الاستحباب؟
و (رابعا)- انهم قد حققوا في الأصول ان الأمر حقيقة في الوجوب و به استدل هذا القائل في غير موضع من كتابه بل ذهب في جملة من المواضع إلى دلالة الجملة الخبرية على ذلك ايضا و هو المؤيد بالآيات القرآنية و الأخبار المعصومية كما تقدم في مقدمات الكتاب، و لا ريب ان الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة، و مجرد اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. و ايضا فالاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح كالوجوب و التحريم و اختلاف الاخبار ليس دليلا شرعيا
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
359
على ذلك، و الاستناد الى اشتهار استعمال الأمر في الندب كما ذكره مردود بأنه ان كان ثمة قرينة توجب الخروج عن الحقيقة فلا دلالة فيه و إلا فهو ممنوع بل هو أول المسألة.
تذييل جميل و تكميل نبيل
اعلم ان ممن ذهب الى القول بالمواسعة السيد الجليل ذو المقامات و الكرامات رضي الدين بن علي بن طاوس في رسالة صنفها في المسألة و ذكر فيها الاستدلال ببعض الأخبار المتقدمة في أدلة القائلين بالمواسعة و زاد عليها اخبارا غريبة اطلع عليها من الأصول التي عنده، و الفاضل الخراساني في الذخيرة لما اختار هذا القول في الكتاب المذكور أطال في الاستدلال عليه بأدلة جمع فيها بين الغث و السمين و العاطل و الثمين و نقل فيها تلك الأخبار الغريبة التي ذكرها السيد المشار إليه في رسالته، فرأينا نقل كلامه في المقام و الكلام على ما فيه من نقض و إبرام و تحقيق ما هو الحق الظاهر لذوي الأفهام لئلا يغتر بكلامه من لا يعض على المسألة بضرس قاطع و يظن ما ذكره شرابا و هو سراب لامع:
قال (قدس سره) و الأقرب عندي القول بالمواسعة، لنا- إطلاقات الآيات الدالة على وجوب إقامة الصلاة المتحققة لكل وقت إلا ما خرج بالدليل، و قوله تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (1) و الاخبار الدالة على ذلك
كقوله (عليه السلام) (2) «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر».
و أوضح منها دلالة
صحيحة سعد بن سعد (3) قال: «قال الرضا (عليه السلام) إذا دخل الوقت عليك فصلها فإنك لا تدري ما يكون».
ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان و رواية أبي بصير السابقتين ثم نقل صحيحة سعيد الأعرج (4) الدالة على انه (صلى الله عليه و آله) نام
____________
(1) سورة بني إسرائيل، الآية 80.
(2) الوسائل الباب 4 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 3 من المواقيت.
(4) المروية في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.
360
عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ثم قام فبدأ فصلى الركعتين قبل الفجر ثم صلى الفجر ثم نقل موثقة عمار الساباطي المتقدمة (1) الدالة على انه من ذكر المغرب في وقت العتمة تخير في تقديم أيهما شاء، و حمل المغرب فيها على مغرب أمسه، ثم نقل رواية أخرى
عن عمار ايضا و هي ما رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الفجر حتى تطلع الشمس و هو في سفر كيف يصنع أ يجوز له ان يقضى بالنهار؟ قال لا يقضي صلاة نافلة و لا فريضة بالنهار و لا يجوز له و لا يثبت له و لكن يؤخرها فيقضيها بالليل».
ثم نقل عن عمار في خبر آخر (3) قال: «فإذا أردت ان تقضي شيئا من الصلاة مكتوبة أو غيرها فلا تصل شيئا حتى تبدأ فتصلي قبل الفريضة التي حضرت ركعتين نافلة لها ثم اقض ما شئت».
ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم (4) و حسنة الحلبي (5) المتضمنتين للسؤال عن من فاتته صلاة النهار قال يقضيها ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء، ثم نقل رواية أبي بصير الدالة على ذلك (6) ثم قال: وجه الدلالة في هذه الأخبار الثلاثة ان صلاة النهار أعم من الفريضة و النافلة، ثم نقل
رواية جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «قلت له يفوت الرجل الاولى و العصر. الخبر».
ثم رواية الحسن الصيقل ثم رواية علي بن جعفر، و قد تقدم جميع ذلك في أدلة القائلين بالمواسعة، ثم نقل رواية من كتاب الحسين بن سعيد (8) و هي إحدى الروايات الغريبة من روايات السيد المتقدم بما هذا لفظه:
صفوان عن عيص بن القاسم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أو نام عن الصلاة حتى دخل عليه وقت صلاة أخرى؟ فقال ان كانت صلاة الأولى فليبدأ بها و ان كانت صلاة العصر فليصل العشاء ثم يصلى العصر».
ثم نقل عن أصل عبيد الله الحلبي و هذا ايضا من اخبار السيد المذكور (9) ما هذا لفظه «و من نام أو نسي ان يصلي المغرب
____________
(1) ص 345.
(2) رواه في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.
(3) رواه في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(5) الوسائل الباب 39 من المواقيت.
(6) ص 344.
(7) رواه في الوسائل في الباب 2 من قضاء الصلوات.
(8) البحار ج 18 الصلاة ص 683.
(9) البحار ج 18 الصلاة ص 683.
361
و العشاء الآخرة فإن استيقظ قبل الفجر بمقدار ما يصليهما جميعا فليصلهما و ان استيقظ بعد الفجر فليصل الفجر ثم يصل المغرب ثم العشاء».
ثم قال: و مما يؤيد المطلوب الأخبار الدالة على كراهة الصلاة مطلقا في الأوقات المكروهة و قد سلفت في محلها و في بعضها تصريح بالقضاء
كقوله (عليه السلام) في موثقة عمار الساباطي (1) «و قد سأله عن الرجل إذا غلبته عيناه أو عاقه أمر عن صلاة الفجر: فان طلعت الشمس قبل ان يصلي ركعة فليقطع الصلاة و لا يصلي حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها».
و الاخبار الدالة على استحباب الأذان و الإقامة لقاضي الصلاة (2) الى ان قال: و مما يؤيد المطلوب ان القول بالمضايقة على الوجه الذي ذكر يتضمن حرجا عظيما و عسرا بالغا و مشقة شديدة لأنه يحتاج الى ضبط الأوقات و معرفة الساعات و الرصد لآخر كل صلاة و ضبط انتصاف الليل و معرفة طلوع الشمس و غروبها و ضبطها بحيث يتحقق إتمام الحاضرة عنده، و لا شك في كون هذه الأشياء من أعظم الحرج. و كذا ما ذكره جماعة منهم من الاقتصار على أقل ما يحصل به التعيش بتضمن حرجا عظيما و تعطيلا في الأمور و تفويتا للأغراض، و قد يدعى الإجماع من فقهاء الأعصار و الأمصار على بطلان ذلك. انتهى كلامه زيد إكرامه.
أقول: لا يخفى ما فيه من التطويل الذي ليس عليه مزيد تعويل، فاما ما ذكره- من الاستدلال بالعمومات الدالة على الأمر بالصلاة بدخول الوقت و المسارعة لها و العمومات الدالة على جواز قضاء النوافل في كل وقت و نحوها- ففيه انه قد وقع الاتفاق منهم على عدم العمل بها على عمومها بل خصوصها بأدلة من خارج في مواضع كما أشار إليه بقوله: «إلا ما خرج بالدليل» فليكن ما نحن فيه من ذلك القبيل لقيام تلك الأدلة التي قدمناها آية و رواية على المنع من الصلاة و الحال كذلك، و الأمر بتقديم الفائتة و تأخير الحاضرة إلى آخر وقتها و العدول عنها لو ذكر في الأثناء، فيكون عموم الأخبار و الآيات التي ذكرها
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 26 و 30 من أبواب المواقيت.
(2) راجع التعليقة 6 ص 345.
362
مخصصا بما ذكرناه، على انهم قد صرحوا في الأصول بأنه لا يجوز العمل بالعام قبل استقصاء البحث في طلب المخصص بل قال جماعة منهم انه ممتنع إجماعا، فعلى هذا انما يستدل بالعام بعد الطلب لكل ما يصلح للتخصيص، و حينئذ فلا حجة في الاستدلال بالعام على الخصم لصراحة المخصص في التخصيص و قبول العام له. و اما حمل ذلك المخصص على ما هو بعيد عن سياق عبارته و مفاد ألفاظه- بدعوى مقابلته بما هو راجح منه فيخرج عن التخصيص للعام- فهو مسلم بعد ثبوت تلك الدعوى و حيث لم تثبت فالتخصيص ثابت. و الاستدلال بالعام هنا على المسألة التنازع فيها مع كون الاستدلال متوقفا على عدم صلوح المخصص المشار اليه للتخصيص دور كما لا يخفى.
و اما الجواب عن صحيحة عبد الله بن سنان و رواية أبي بصير فقد تقدم في الجواب عن كلام صاحب المدارك و تحقيقه ما تقدم في بحث الأوقات. و اما صحيحة سعيد الأعرج فقد تقدم ايضا الجواب عنها في الأوقات. و اما موثقة عمار الاولى فقد تقدم الجواب عنها ايضا و اما روايته الثانية فهي مخالفة للكتاب و السنة و الإجماع و ما هذا سبيله فلا تقوم به الحجة الا على الرعاع العادمي الأبصار و الأسماع، إذ جواز القضاء بالنهار ثابت بالثلاثة المذكورة، و بالجملة فإنه ليس في الاستدلال بمثل هذا الخبر إلا تكثير السواد و إضاعة القرطاس و المداد، و هذا من جملة أخبار السيد المتقدم ذكره في رسالته ايضا.
و اما الخبر الثالث عن عمار ايضا فظاهره كما ترى النهى عن القضاء في المكتوبة و غيرها حتى يصلي نافلة قبل الفريضة التي حضر وقتها ثم يقضي، و ليس فيه تصريح بتقديم الفريضة التي هي صاحبة الوقت على القضاء و انما تضمن صلاة ركعتين نافلة ثم القضاء، و مفاده تحريم القضاء أو كراهته على غير هذه الكيفية، و لا اعرف به قائلا و لا عاملا إلا ان يكون هذا المستدل الذي أورده و اعتمده دليلا إذ هو مقتضى استدلاله و لعله يقول به و أمثاله من اخباره المتقدمة و كفى به شناعة.
فانظر أيدك الله تعالى الى هذه الأدلة المخالفة لأصول المذهب و قواعده كما عرفت
363
و لا سيما روايات عمار.
و لله در المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال- في موضع منه بعد نقل بعض أخباره المخالفة و بعد ان تكلف في تأويله- ما صورته: هذا مع ما في روايته من الطعن المشهور و ما في رواياتهم من الخلل و القصور. و قال في موضع آخر بعد نقل بعض رواياته التي من هذا القبيل: و لو كان الراوي غير عمار لحكمنا بذلك إلا ان عمارا ممن لا يوثق باخباره. و قال في ثالث- بعد ان نقل عنه حديثا دالا على المنع من الصلاة متى أكل اللبن حتى يغسل يديه و يتمضمض- ما صورته: هذا مع ما في اخبار عمار من الغرائب. انتهى.
و بالجملة فالواجب أولا في مقام الاستدلال ملاحظة الدليل فان كان ما تضمنه سالما من الطعن فلا بأس من إيراده و الاستدلال به و إلا فلا، و من الظاهر ان هذا المستدل لا يقول بهذه الأخبار المتهافتة و لا سيما روايات عمار فكيف يحسن منه الاستدلال بها و يروم إلزام الخصم بها؟ و اما الروايات الثلاثة الدالة على قضاء صلاة النهار ان شاء بعد المغرب و ان شاء بعد العشاء فقد عرفت ان المراد من صلاة النهار انما هو نافلة النهار كما هو المفهوم من كلام الأصحاب في هذا المقام و به صرح هو و غيره من الأعلام حيث أوردوها دليلا على جواز قضاء النوافل في الأوقات المذكورة كما قدمنا تحقيقه في تلك المسألة، و على تقدير احتمال شمولها للفرائض فهي محمولة على تلك الروايات الدالة على وجوب القضاء و فوريته و مخصصة بها إلا ان الأول هو المعتمد.
و اما روايتا الصيقل و علي بن جعفر فقد تقدم الجواب عنهما و اما رواية عيص ابن القاسم المنقولة من كتاب الحسين بن سعيد و ما اشتملت عليه من التفصيل- و هذه ايضا من روايات السيد المتقدم ذكره- فالجواب عنها ما تقدم في الجواب عن خبر الصيقل فان هذا الفرق بين الاولى و العصر انما يتمشى على مذهب العامة و أصولهم و لا أظن هذين الفاضلين المستدلين به يقولان بمضمونه فكيف يرومان الاستدلال به؟ و اما ما نقله
364
عن كتاب عبيد الله بن علي الحلبي- و هو ايضا من روايات السيد المتقدم- فهو مضمون ما دلت عليه صحيحة عبد الله بن سنان و رواية أبي بصير فالجواب عنه عين الجواب عنهما و قد تقدم و الطعن عليه وارد كالطعن عليهما.
و اما ما ذكره من الاخبار الدالة على كراهة الصلاة مطلقا في الأوقات المكروهة فهي غير معمول عليها عندنا و لا قائل بها منا، فإذا لم يقل هو و لا غيره بمضمونها فكيف يسوغ له الاستدلال بها؟ بل هي محمولة على التقية البتة لمعارضتها بالأخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة الدالة على قضاء الفريضة في كل وقت سيما بعد العصر فإنه من سر آل محمد المخزون (1) و كذا سائر تلك المواضع فريضة كانت أو نافلة، مضافا الى اتفاق الأصحاب على ذلك و انما الكلام في المبتدأة كما تقدم.
و اما رواية عمار الدالة على المنع من قضاء صلاة الصبح و الأمر بقطعها لو طلعت عليه الشمس و لم يصل منها ركعة فهي مردودة بالأخبار المستفيضة الدالة على خلاف ذلك عموما و خصوصا في الفريضة بل النافلة كما في
صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتى تبزغ الشمس أ يصلي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ قال يصلي حين يستيقظ. قلت يوتر أو يصلي الركعتين؟ قال بل يبدأ بالفريضة».
و قد ورد في الاخبار (3) ان القضاء بعد الغداة و بعد العصر من سر آل محمد المخزون. و بالجملة فالرواية لا قائل بها من الأصحاب و لا عاضد لها من سنة و لا كتاب بل الاخبار في ردها ظاهرة لذوي الألباب فليس في إيرادها و أمثالها مما تقدم إلا التطويل و الاطناب سيما و الراوي عمار الذي عرفت ما في رواياته من العجب العجاب، و الرواية المذكورة محمولة على التقية كما في نظائرها.
و العجب من هذا المستدل ان جميع ما أورده إلا النزر القليل لا يقول بمضمونه كما لا يخفى على من راجع كتابه لمخالفته لأصول المذهب و قواعده فكيف يتوهم إلزام
____________
(1) الوسائل الباب 39 و 45 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 61 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 39 و 45 من المواقيت.
365
الخصم به في المقام؟ ما هذا إلا عجيب كما لا يخفى على ذوي الألباب و الافهام.
و اما ما ادعاه من الحرج العظيم في ضبط الأوقات و معرفة الساعات و ضبط انتصاف الليل و طلوع الشمس و غروبها فهل هو إلا رد على الشارع من حيث لا يشعر قائله حيث انه جعل هذه الأوقات حدودا للفرائض و الصلوات و جعلها مناطا للأداء و القضاء و اختصاص الفريضة الثانية من آخره بمقدارها و الاولى من اوله بمقدارها و نحو ذلك و الأمر في المقامين واحد، و الحرج ليس دائرا مدار ما تفر منه النفوس البشرية و تستثقله الطبائع الإنسانية و ان اقتضته الأدلة الشرعية و إلا لسقطت جملة من التكاليف الشاقة كالجهاد و الحج و الصوم في الأيام الصائفة و نحو ذلك لنفور النفوس منها. و اما ما ذكره من لزوم الحرج بالاقتصار على أقل ما يتعيش به فقد عرفت انه ليس من لوازم هذه المسألة بخصوصها.
و بما ذكرنا يظهر لك ان جميع ما ذكره انما هو كغيم علا فاستعلى ثم فرقته الريح فتفرق و انجلى. و الله العالم.
(الموضع الرابع)- في بيان ضعف القولين الآخرين
و هما ما ذهب اليه صاحب المدارك تبعا للمحقق من وجوب تقديم الفائتة المتحدة دون المتعددة، و ما ذهب إليه في المختلف من وجوب تقديم الفائتة ان ذكرها في يوم الفوات سواء اتحدت أو تعددت، و ان لم يذكرها حتى يمضي ذلك اليوم جاز له فعل الحاضرة في أول وقتها.
فاما القول الأول فيرده (أولا) انه انما استدل على جواز تقديم الحاضرة على الفوائت المتعددة بصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة التي قد عرفت تطرق الطعن إليها بما قدمناه، و لكن عذره في الاستدلال بها ظاهر حيث انه في باب الأوقات استدل بها على امتداد وقت العشاءين الى قبل الفجر للمضطر، و نحن قد قدمنا في تلك المسألة بطلان هذا الاستدلال و ان هذه الرواية الدالة على ذلك و نحوها انما خرجت مخرج التقية و حينئذ فلا دلالة فيها في الموضعين على ما ادعاه.
366
و (ثانيا)- انها معارضة بصحيحة زرارة الطويلة (1) لدلالتها على وجوب تقديم الفوائت المتعددة على صاحبة الوقت حيث تضمنت تقديم قضاء المغرب و العشاء على صلاة الصبح بقوله (عليه السلام): «و ان كانت المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة ابدأ بالمغرب ثم العشاء. الحديث» و السيد المذكور قد حمله على الاستحباب جمعا بينه و بين صحيحة ابن سنان. و فيه ما عرفت من ضعف الصحيحة المذكورة بما ذكرنا من الطعن فيما تضمنته، مع ما عرفت في الحمل على الاستحباب آنفا، على ان ما تضمنته صحيحة زرارة من الحكم المذكور معتضد بجملة من الأخبار الظاهرة في الوجوب مثل
صحيحته الأخرى (2) حيث «سئل (عليه السلام) عن من نسي صلوات لم يصلها أو نام عنها فقال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة و لم يتم ما قد فاته فليقض ما لم يتخوف ان يذهب وقت هذه الحاضرة. الحديث».
فإنه صريح في وجوب تقديم الفوائت المتعددة كما ترى، و مثلها الروايات الدالة على الأمر بالقضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة (3) فإنها شاملة بإطلاقها للمتحدة و المتعددة بل ظاهرة في المتعددة، و حينئذ فارتكاب التأويل في هذه الروايات بتلك الرواية المعلولة- مع ما عرفت في هذا الحمل من الوجوه التي قدمناها دالة على عدم صحته في نفسه- مجازفة محضة في أحكامه سبحانه، و بذلك يظهر لك ضعف القول المذكور.
و اما القول الثاني من القولين المذكورين فلا اعرف له وجها وجيها من الأخبار و ان أطال في المختلف في ذلك من غير طائل بل ظواهر الأخبار تدفعه، قال في المدارك و اعلم ان العلامة في المختلف استدل برواية زرارة المتقدمة على وجوب تقديم فائتة اليوم ثم قال (لا يقال) هذا الحديث يدل على وجوب الابتداء بالقضاء في اليوم الثاني لأنه
____________
(1) ص 339.
(2) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.
(3) رواها في الوسائل في الباب 62 من المواقيت و 2 من قضاء الصلاة.
367
(عليه السلام) قال: «و ان كان المغرب و العشاء قد فاتتاك جميعا فابدأ بهما قبل ان تصلي الغداة» ان كان الأمر للوجوب و إلا سقط الاستدلال به (لأنا نقول) جاز ان يكون للوجوب في الأول دون الثاني لدليل فإنه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا كونه للوجوب في كل شيء. و هو جيد. انتهى. أقول: أشار برواية زرارة المتقدمة إلى روايته الطويلة فإنها هي المشتملة على هذا الكلام كما قدمناه.
ثم أقول ما استجوده من كلام المختلف هنا لا اعرف له وجها يعتمد عليه فإنه متى كان الأمر حقيقة في الوجوب كما هو مقتضى استدلاله بالرواية و به اعترفوا في الأصول فتخصيص ذلك بموضع دون موضع يحتاج إلى القرينة الصارفة. و الى ذلك يشير ايضا كلامه هنا بقوله «لدليل» و كان الواجب عليه بيان هذا الدليل الصارف عن الوجوب في هذا المقام مع انه لم يبين ذلك و لا هذا القائل الذي استجود كلامه لكونه موافقا لغرضه كما تقدم و انما اعتمدوا على مجرد الدعوى التي لا تسمن و لا تغني من جوع كما لا يخفى على من له إلى الإنصاف ادنى رجوع. و بالجملة فإن قوله: «انه لا يجب من كونه للوجوب مطلقا كونه للوجوب في كل شيء» لا معنى له إلا ان يقوم الصارف عن الوجوب في بعض المواضع فيخرج عن حقيقته الى المجاز و إلا فهو في كل موضع أطلق انما يتبادر منه الوجوب و من أظهر الأدلة الدالة على رد هذا القول الآية و الأخبار المستفيضة بوجوب القضاء حين الذكر كما قدمناه، و وجوب تأخير صاحبة الوقت الى آخره مع عدم استيفاء القضاء قبل ذلك، و وجوب العدول عن الحاضرة مع الذكرى في أثنائها، فإنها شاملة بإطلاقها و عموماتها لفائتة اليوم و غيره، و صحيحة زرارة المذكورة صريحة في رده. و ما أجاب به عن ذلك غير موجه و ان وافقه السيد المذكور عليه لكونه موافقا لاختياره.
و غاية ما استدل به في المختلف لجواز تقديم الحاضرة هو عموم الآيات التي تقدمت في صدر كلام الفاضل الخراساني و الاخبار الدالة على المواسعة، و قد عرفت ما في جميع ذلك، و مع الإغماض عن ذلك فغاية ما تدل عليه الأدلة المذكورة من آية و رواية هو المواسعة مطلقا و تخصيصها
368
بغير يوم الفوات كما ادعاه يحتاج الى دليل.
و بالجملة فالأدلة قد تعارضت آية و رواية في المواسعة مطلقا و المضايقة مطلقا و كل منهما مطلق في فائتة اليوم و غيره متحدة أو متعددة، و اللازم من ذلك اما القول بالمضايقة مطلقا أو المواسعة مطلقا، و اما تفصيل أصحاب هذين القولين فلا دليل عليه في البين و لا اثر له في الاخبار و لا عين بل هي في رده ظاهرة من الطرفين.
و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
المقدمة الرابعة في القبلة
و فيها بحوث
[البحث] (الأول) في الماهية و ما يتبعها
، قيل: القبلة لغة الحالة التي عليها الإنسان حال استقباله الشيء ثم نقلت في العرف الى ما يجب استقبال عينه أو جهته في الصلاة.
و المراد هنا بالقبلة الكعبة المعظمة بالضرورة من الدين و ان وقع الخلاف- كما سيأتي- بالنسبة إلى البعيد عنها في الجهة و المسجد و الحرم الا ان ذلك راجع إليها بطريق الآخرة و يدل على ذلك الأخبار المستفيضة،
فروى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته هل كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي الى بيت المقدس؟ قال نعم. فقلت أ كان يجعل الكعبة خلف ظهره؟ فقال اما إذا كان بمكة فلا و اما إذا هاجر الى المدينة فنعم حتى حول الى الكعبة».
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة و بعد هجرته (صلى الله عليه و آله) صلى بالمدينة سبعة أشهر ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة، و ذلك ان اليهود كانوا يعيرون رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يقولون له أنت
____________
(1) الوسائل الباب 2 من القبلة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 2 من القبلة.
369
تابع لنا تصلي إلى قبلتنا فاغتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من ذلك غما شديدا و خرج في جوف الليل ينظر إلى أفاق السماء ينتظر من الله تعالى في ذلك امرا فلما أصبح و حضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين فنزل عليه جبرئيل فأخذ بعضديه و حوله إلى الكعبة و انزل عليه «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (1) فصلى ركعتين الى بيت المقدس و ركعتين إلى الكعبة».
و قال الصدوق في الفقيه (2): صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة و تسعة عشر شهرا بالمدينة ثم عيرته اليهود فقالوا له انك تابع قبلتنا فاغتم لذلك غما شديدا فلما كان في بعض الليل خرج (صلى الله عليه و آله) يقلب وجهه في آفاق السماء فلما أصبح صلى الغداة فلما صلى من الظهر ركعتين جاءه جبرئيل فقال له «قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ. الآية» (3) ثم أخذ بيد النبي (صلى الله عليه و آله) فحول وجهه إلى الكعبة و حول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء و النساء مقام الرجال فكان أول صلاته الى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة و بلغ الخبر مسجدا بالمدينة و قد صلى اهله من العصر ركعتين فحولوا نحو القبلة فكانت أول صلاتهم الى بيت المقدس و آخرها إلى الكعبة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين، فقال المسلمون صلاتنا الى بيت المقدس تضييع يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فانزل الله عز و جل «وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ» (4) يعني صلاتكم الى بيت المقدس. قال في الفقيه قد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه في كتاب النبوة.
أقول: و ربما يتسارع الى الناظر المنافاة بين هذه الأخبار بالنسبة إلى صلاة النبي
____________
(1) سورة البقرة، الآية 139.
(2) الوسائل الباب 2 من القبلة.
(3) سورة البقرة، الآية 139.
(4) سورة البقرة، الآية 138.
370
(صلى الله عليه و آله) في مكة فإن الخبر الأول دال انه يستقبل الكعبة و الخبران الأخيران على انه يستقبل بيت المقدس (1) و وجه الجمع بينهما ممكن بجعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس فيصلي إليهما معا فلا منافاة.
و روى الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال «سألته عن قول الله تعالى «وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلّٰا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ» (3) امره به؟ قال نعم ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقلب وجهه في السماء فعلم الله عز و جل ما في نفسه فقال قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا» (4).
و روى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قلت له متى صرف رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى الكعبة؟ قال بعد رجوعه من بدر».
و عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (6) في حديث قال: «قلت له الله أمره ان يصلي الى بيت المقدس؟ قال نعم ألا ترى ان الله تعالى يقول «وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلّٰا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ. الآية» (7) ثم قال ان بني عبد الأشهل أتوهم و هم في الصلاة قد صلوا ركعتين الى بيت المقدس فقيل لهم ان نبيكم (صلى الله عليه و آله) قد صرف إلى الكعبة فتحول النساء مكان الرجال و الرجال مكان النساء
____________
(1) فيه انه غفلة واضحة إذ ليس في الخبر الأول انه (صلى الله عليه و آله) كان يستقبل الكعبة بل هو صريح في انه ما كان يستقبلها بل انما يدل على انه ما كان يجعل الكعبة خلفه في مكة و هو غير الصلاة إليها كما لا يخفى فلا تعارض بين الاخبار أصلا. مير سيد على (قدس سره).
(2) الوسائل الباب 1 من القبلة.
(3) سورة البقرة، الآية 138.
(4) سورة البقرة، الآية 139.
(5) الوسائل الباب 2 من القبلة.
(6) الوسائل الباب 2 من القبلة.
(7) سورة البقرة، الآية 138.
371
و جعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين فلذلك سمى مسجدهم مسجد القبلتين».
الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عنها المقام.
و اما ما يدل على وجوب التوجه نحوها زيادة على اتفاق المسلمين بل الضرورة من الدين، فمنها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة؟ فقال الوقت و الطهور و القبلة و التوجه و الركوع و السجود و الدعاء. قلت ما سوى ذلك؟ فقال سنة في فريضة».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لزرارة:
لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».
و روى الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن قول الله تعالى «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً» (4) قال أمره أن يقيم وجهه للقبلة ليس فيه شيء من عبادة الأوثان خالصا مخلصا».
و روى المشايخ الثلاثة في الصحيح في الكافي و التهذيب عن زرارة عن ابي جعفر و مرسلا في الفقيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه و آله) في الفريضة «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (6) و اخشع ببصرك و لا ترفعه الى السماء و ليكن حذاء وجهك في موضع سجودك».
و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: «لا صلاة إلا الى القبلة. قال قلت اين حد القبلة؟ قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كله. قال قلت فمن صلى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال يعيد».
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يجب
____________
(1) الوسائل الباب 1 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 9 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 1 من القبلة.
(4) سورة الروم، الآية 29.
(5) الوسائل الباب 9 من القبلة.
(6) سورة البقرة، الآية 139.
(7) الوسائل الباب 9 من القبلة.
372
استقباله فذهب المرتضى و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن إدريس و المحقق في المعتبر و النافع و العلامة و أكثر المتأخرين إلى انه عين الكعبة لمن تمكن من العلم بها من غير مشقة شديدة عادة كالمصلي في بيوت مكة و جهتها لغيره من البعيد و نحوه، و اختاره في المدارك.
و ذهب الشيخان و جمع من الأصحاب: منهم- سلار و ابن البراج و ابن حمزة و المحقق في الشرائع إلى ان الكعبة قبلة لمن كان في المسجد و المسجد قبلة لمن كان في الحرم و الحرم قبلة لأهل الدنيا ممن بعد، و رواه الصدوق في الفقيه (1) و نسبه في الذكرى الى أكثر الأصحاب، و نسبه في المختلف الى ابن زهرة أيضا و لعله في غير كتابه الغنية فإن بعض الأصحاب نقل عنه في الكتاب المذكور انه قال: القبلة هي الكعبة فمن كان مشاهدا لها وجب عليه التوجه إليها و من شاهد المسجد الحرام و لم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجه اليه و من لم يشاهده توجه نحوه بلا خلاف. انتهى. و هذه العبارة كما ترى عارية عن ذكر الحرم و انه قبلة لمن نأى عنه كما صرح به أصحاب القول الثاني.
قيل: و الظاهر انه لا خلاف بين الفريقين في وجوب التوجه إلى الكعبة للمشاهد و من هو بحكمه و ان كان خارج المسجد فقد صرح به من أصحاب القول الثاني الشيخ في المبسوط و ابن حمزة في الوسيلة و ابن زهرة في الغنية و نقل المحقق الإجماع عليه لكن ظاهر كلام الشيخ في النهاية و الخلاف يخالف ذلك.
أقول: غاية ما يمكن القطع به هنا في اجتماع القولين بالنسبة إلى المشاهد خاصة و إلا فمن بحكمه كالمصلي في بيوت مكة و في الحرم مع عدم المشاهدة فإن ظاهر أصحاب القول الأول ان القبلة في حقه هي الكعبة و ظاهر أصحاب القول الثاني انما هو المسجد.
و استدل في المعتبر على وجوب استقبال العين للقريب بإجماع العلماء كافة على ذلك. و قال في المدارك بعد نقل ذلك: فان تم فهو الحجة و إلا أمكن المناقشة في ذلك إذ الآية الشريفة انما تدل على استقبال شطر المسجد الحرام و الروايات خالية من هذا
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 3 من القبلة.
373
التفصيل. انتهى. و هو جيد إذ لم نقف في شيء من الاخبار المستدل بها على القول الأول كما سيأتيك ان شاء الله تعالى على التفصيل بين القريب و البعيد بالعين و الجهة كما ذكروا، بل ظاهر الآية هو استقبال شطر المسجد الحرام يعني جهته مطلقا. و هذا أحد الوجوه التي يمكن تطرق الضعف بها الى القول الأول.
و استدل في المدارك للقول الأول بالنسبة إلى البعيد
بما رواه زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «لا صلاة إلا الى القبلة. قلت له اين حد القبلة؟ قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كله».
أقول: و يقرب من هذه الرواية
ما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا؟ قال قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة».
أقول: لا يخفى ما في الاستدلال بهاتين الروايتين من الإشكال فإن القول باتساع الجهة بهذا المقدار مما لم يذهب إليه أحد في ما اعلم. نعم صرحوا بذلك بالنسبة الى من أخطأ ظنه في القبلة أو جهل القبلة فظهرت صلاته بعد الفراغ في ما بين المشرق و المغرب فإنه لا اعادة عليه.
و استدل في الذخيرة لذلك أيضا بالأخبار المتقدمة في صدر المبحث كخبر علي ابن إبراهيم و ما ذكره في الفقيه و صحيحة الحلبي أو حسنته و نحوها مما دل على انه (صلى الله عليه و آله) صلى إلى الكعبة و ليس المراد العين البتة فيحمل على جهتها كما هو المدعى و فيه ان الآية التي أوردوها دليلا على الحكم المذكور في أكثر هذه الاخبار انما تضمنت الأمر بالصلاة شطر المسجد الحرام اي جهته و ناحيته و وجه الجمع يقتضي حمل الكعبة على جهة المسجد الحرام تجوزا لأن الآية إنما دلت على جهة المسجد لا جهة الكعبة و أحدهما غير الآخر، و حينئذ فلا دلالة في الاخبار المذكورة على ما ادعوه.
____________
(1) الوسائل الباب 9 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 10 من القبلة.
374
اللهم الا ان يقال ان هذه الإطلاقات إنما خرجت بناء على اتساع جهة القبلة كما سيظهر ان شاء الله تعالى. و احتمل بعض الأصحاب حمل المسجد على الكعبة التي هي أشرف اجزائه. و احتمل بعض آخر خروج هذه الاخبار مخرج المسامحة في التأدية من حيث كون الكعبة قبلة عند جمهور العامة (1) قال فلعله (عليه السلام) سامح في التأدية لئلا يخالف ظاهر الكلام مذهب جمهور العامة فإنه أقرب الى الاحتياط و التقية. و الظاهر- كما ذكره بعض محققي متأخري المتأخرين- ان الآية لا دلالة لها على شيء من القولين المذكورين.
و الذي يدل على ما ذهب اليه الشيخان و أتباعهما جملة من الاخبار:
منها- ما رواه الشيخ عن عبد الله بن محمد الحجال عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام)
و الصدوق في الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «ان الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد و جعل المسجد قبلة لأهل الحرم و جعل الحرم قبلة لأهل الدنيا».
و رواه الصدوق في كتاب العلل عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى عن الحسن بن الحسين عن الحجال. الى آخره (3).
و عن بشر بن جعفر الجعفي أبي الوليد (4) قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول البيت قبلة لأهل المسجد و المسجد قبلة لأهل الحرم و الحرم قبلة للناس جميعا».
و رواه الصدوق أيضا في كتاب العلل بالسند المتقدم.
و ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن الحسين عن الصفار عن العباس ابن معروف عن علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن ابي البلاد عن ابي غرة (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) البيت قبلة المسجد و المسجد قبلة مكة و مكة قبلة الحرم و الحرم قبلة الدنيا».
____________
(1) المغني ج 1 ص 439.
(2) الوسائل الباب 3 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 3 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 3 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 3 من القبلة.
375
و مما يؤيد هذه الاخبار بأوضح تأييد الأخبار الدالة على الأمر بالتياسر فان ذلك مبني على التوجه الى الحرم و ستأتي ان شاء الله تعالى في موضعها.
و اما ما أوردوه على هذا القول- من ان التكليف بإصابة الحرم يستلزم بطلان صلاة أهل البلاد المتسعة بعلامة واحدة للقطع بخروج بعضهم عن الحرم و اللازم باطل فالملزوم مثله و الملازمة ظاهرة، مع ان المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى صرحا بان قبلة أهل العراق و خراسان واحدة و معلوم زيادة التفاوت- فالجواب عنه ما افاده شيخنا الشهيد في هذا المقام و تلقاه بالقبول جملة من الاعلام من ان ذكر المسجد و الحرم إشارة إلى الجهة، قال و ذكره على سبيل التقريب الى افهام المكلفين و إظهارا لسعة الجهة و ان لم يكن ملتزما. انتهى. و هو جيد وجيه، كما ان ذكر الكعبة في تلك الأخبار التي قدمنا نقلها عنهم في وجوب الاستقبال إلى الكعبة لا بد من حملها على الجهة كما قدمنا ذكره و إلا لبطلت صلاة الصف الطويل الذي يخرج عن سمت الكعبة.
و اما ما طعن به في المعتبر و المدارك من ضعف الاخبار فقد رده شيخنا الشهيد في الذكرى بناء على اصطلاحهم المعمول عندهم بأنه إذا اشتهرت بين الأصحاب لا سبيل الى ردها. هذا على تقدير صحة اصطلاحهم و إلا فالأمر مفروغ منه عندنا كما عرفت.
في غير موضع.
و كيف كان فإنه ينبغي ان يعلم ان النزاع بالنسبة إلى البعيد- بان يكون قبلته جهة الكعبة كما هو أحد القولين أو الحرم أو جهته بناء على التأويل المذكور- قليل الجدوى لاتفاقهم جميعا على رجوع البعيد إلى الأمارات الآتي ذكرها و وجوب عمله عليها، و حينئذ فلا ثمرة في هذا الاختلاف كما لا يخفى.
ثم انهم اختلفوا في تعريف الجهة على أقوال عديدة قد أطال فيها الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام شيخنا الشهيد الثاني في روض الجنان و جعل أقربها ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى حيث عرفها بأنها السمت التي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق
376
الجهة كما قال بعض العامة ان الجنوب قبلة لأهل الشمال و بالعكس و المغرب قبلة لأهل المشرق و بالعكس لأنا نتيقن الخروج هنا عن القبلة و هو ممتنع. أقول و هذا الاختلاف ايضا هنا قليل الجدوى لما عرفت من انهم قد أوجبوا على البعيد الرجوع الى العلامات التي ذكرها علماء أهل الهيئة و التوجه الى السمت الذي تدل عليه فكان الاولى تعريف الجهة بها.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه هنا على أمور بها يتم البحث عن تحقيق المسألة كما هو حقها:
(الأول) [وظيفة المتمكن من مشاهدة عين الكعبة]
قد صرح غير واحد من الأصحاب بل ظاهر كلام المعتبر المتقدم الإجماع على ذلك بأنه يجب على المكي لتمكنه من مشاهدة عين الكعبة الصلاة إليها و لو بالصعود على سطح لقدرته على العلم فلا يجوز له البناء على الظن، و لو نصب محرابا بعد المعاينة جازت صلاته إليه دائما لتيقنه الصواب، و كذا الذي نشأ بمكة و تيقن الإصابة، و لا يكفى الاجتهاد بالعلامات هنا لانه رجوع الى الظن مع إمكان العلم و هو غير جائز. نعم لو كان محبوسا لا قدرة له على استعلام العين جاز له التعويل على الاجتهاد و كذا من هو في نواحي الحرم، و هل يكلف الصعود الى الجبل لاستعلام العين؟ قولان نقل عن الشيخ و العلامة في بعض كتبهما ذلك. قال في المدارك بعد اختيار القول الآخر: و هو بعيد.
أقول: لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما تقدم انه لا دليل في أصل هذه المسألة إلا ما يدعونه من الإجماع و إلا فالآية إنما دلت على شطر المسجد مطلقا كما تقدم، و الاخبار لا تعرض فيها لذلك بوجه و ان كان الاحتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) إلا ان في سقوط صعود الجبل كما هو أحد القولين في المسألة كما عرفت نظرا و استبعاد صاحب المدارك لا يخلو من بعد لما اتفقوا عليه من عدم جواز البناء على الظن إلا مع تعذر العلم و العلم بذلك ممكن بصعود الجبل، فكيف يجوز له ان يصير الى الظن و الحال ما ذكرنا؟ الا ان يدعى استلزام المشقة بذلك لكن إطلاق كلامهم يقتضي العموم، و هو غير جيد.
377
(الثاني) [القبلة ليست نفس البنية الشريفة]
- ينبغي ان يعلم ان القبلة ليس نفس البنية الشريفة بل محلها من تخوم الأرض إلى عنان السماء، فلو زالت البنية- و العياذ بالله- صلى الى جهتها التي تشتمل على العين كما يصلي من هو أعلى من الكعبة إلى الجهة المسامتة للبنية و كذا من هو اخفض من موضعها بان يكون في سراداب، و الظاهر انه لا خلاف فيه، و يدل عليه مضافا الى الاتفاق
ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سأله رجل قال صليت فوق جبل ابي قبيس العصر فهل يجزئ ذلك و الكعبة تحتي؟ قال نعم انها قبلة من موضعها الى السماء».
و عن خالد بن أبي إسماعيل أو ابن إسماعيل (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصلي على ابي قبيس مستقبل القبلة؟ قال لا بأس».
(الثالث) [الصلاة على سطح الكعبة]
- لو صلى على سطح الكعبة فهل يصلي قائما و يبرز بين يديه منها شيئا يصلي اليه أو يستلقي على قفاه و يصلي؟ قولان المشهور الأول و به قال الشيخ في المبسوط و قال في الخلاف و النهاية و ابن بابويه و ابن البراج بالثاني لكن قيده ابن البراج بعدم التمكن من النزول. و استند الأولون في وجوب الصلاة قياما إلى الأدلة الدالة على وجوب القيام و القعود و الركوع و السجود في الصلاة كما يصلى داخلها. و احتج الشيخ في الخلاف على ما ذهب إليه بالإجماع
و بما رواه عن علي بن محمد عن إسحاق بن محمد عن عبد السلام عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «في الذي تدركه الصلاة و هو فوق الكعبة؟ قال ان قام لم يكن له قبلة و لكن يستلقي على قفاه و يفتح عينيه الى السماء و يعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور و يقرأ فإذا أراد ان يركع غمض عينيه و إذا أراد ان يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه و السجود على نحو ذلك».
أقول: لا ريب ان من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فإنه يتحتم عنده القول بالأول لضعف الخبر المذكور و اما من لا يعمل عليه فيبقى عنده التعارض بين تلك الأخبار
____________
(1) الوسائل الباب 18 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 18 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 19 من القبلة.
378
المشار إليها في الإتيان بواجبات الصلاة كما هي و بين هذا الخبر و الترجيح لتلك الاخبار لكثرتها و شهرتها، و الظاهر انه لما ذكرنا ذهب الأكثر حتى من المتقدمين الى القول الأول. إلا انه يمكن ان يقال ان تلك مطلقة عامة و هذا الخبر خاص و من القاعدة تقديم العمل به و تخصيص عموم تلك الاخبار به. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال إلا أن الأمر في ذلك هين لعدم اتفاق هذا الحكم و حصوله.
(الرابع) [الصلاة في جوف الكعبة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز صلاة النافلة في جوف الكعبة و كذا الفريضة حال الاضطرار و ادعى عليه في المعتبر و المنتهى اتفاق أهل العلم.
و انما الخلاف في الفريضة مع الاختيار فذهب الأكثر و منهم الشيخ في النهاية و الاستبصار إلى الجواز على كراهة، و ذهب في الخلاف الى التحريم و تبعه ابن البراج.
احتج المجوزون بأن القبلة ليس مجموع البنية بل نفس العرصة و كل جزء من أجزائها إذ لا يمكن محاذاة المصلي بإزائها منه إلا قدر بدنة و الباقي خارج عن مقابلته، و هذا المعنى يتحقق مع الصلاة فيها كما يتحقق مع الصلاة في خارجها.
و ما رواه يونس بن يعقوب في الموثق (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إذا حضرت الصلاة المكتوبة و انا في الكعبة أ فأصلي فيها؟ قال صل».
و يعضده قوله سبحانه «وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (2) فان الظاهر منها تعميم الاذن و الترخيص في اجزاء البيت بأسرها.
أقول: و يمكن ان يجاب عن ذلك (اما عن الأول) فبما ذكره في الذخيرة من انه يجوز ان يكون المعتبر التوجه إلى جهة القبلة بأن تكون الكعبة في جهة مقابلة للمصلي و ان لم تحصل المحاذاة لكل جزء منها لا بد لنفي ذلك من دليل. و (اما عن الموثقة المذكورة)
____________
(1) الوسائل الباب 17 من القبلة.
(2) سورة البقرة، الآية 116.
379
فبالمعارضة بما هو أصح منها كما سيأتي. و (اما عن الآية) فبتخصيصها بالخبرين الصحيحين الصريحين في المنع.
احتج الشيخ (قدس سره) على ما ذهب اليه من التحريم بإجماع الفرقة، و بان القبلة هي الكعبة لمن شاهدها فتكون القبلة جملتها و المصلي في وسطها غير مستقبل للجملة،
و بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يدخلها في حج و لا عمرة و لكن دخلها في فتح مكة فصلى فيها ركعتين بين العمودين و معه أسامة».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «لا تصل المكتوبة في الكعبة».
و رواه في الكافي في الصحيح ايضا (3) ثم قال: و قد روى في حديث آخر «يصلى الى أربع جوانبها إذا اضطر الى ذلك».
و روى الشيخ هذه الصحيحة في موضع آخر في الموثق عن محمد عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «لا تصلح صلاة المكتوبة جوف الكعبة».
و في موضع ثالث في الصحيح ايضا مثله (5) و زاد «و اما إذا خاف فوت الصلاة فلا بأس ان يصليها في جوف الكعبة».
قال في المدارك بعد نقل هذه الأدلة: و أجيب عن الأول بمنع الإجماع على التحريم كيف و هو في أكثر كتبه قائل بالكراهة. و عن الثاني بعدم تسليم كون القبلة هي الجملة لاستحالة استقبالهما بأجمعها بل المعتبر التوجه الى جزء من اجزاء الكعبة بحيث يكون مستقبلا ببدنه ذلك الجزء. و عن الروايتين بالحمل على الكراهة. ثم قال و يمكن المناقشة في هذا الحمل بقصور الرواية الأولى عن مقاومة هذين الخبرين من حيث السند، و يشكل الخروج بها عن ظاهرهما و ان كان الأقرب ذلك لاعتبار سند الرواية و شيوع استعمال النهي في الكراهة بل ظهور لفظ «لا يصلح» فيه كما لا يخفى. انتهى.
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة.
(5) التهذيب ج 1 ص 516 باب دخول الكعبة.
380
أقول: فيه (أولا) ان ما أجاب به عن الوجه الثاني- من ان المعتبر التوجه الى جزء من اجزاء الكعبة. الى آخره- مما لا دليل عليه و انما المعتبر ما دلت عليه ظواهر الأدلة من التوجه إلى جهة الكعبة، نعم اللازم من ذلك محاذاة البدن لجزء من اجزاء تلك الجملة و أحدهما غير الآخر. و بالجملة فهو يرجع الى ما تقدم ذكره في كلام صاحب الذخيرة.
و (ثانيا)- انه من العجب العجاب عدوله هنا عن طريقته التي جرى عليها في هذا الكتاب كما لا يخفى على من له انس بكلامه في جميع الأبواب، فإن من قاعدته دورانه مدار الأسانيد الصحيحة كما صرحنا به في غير موضع عنه و ان كانت متون تلك الأخبار مشتملة على علل عديدة، و من قاعدته رد الأخبار الموثقة و عدها في سلك الأخبار الضعيفة، فكيف خرج عن ذلك هنا متعللا بهذه التعليلات الضعيفة و الحجج السخيفة؟
و اما قوله في الرجوع عما ذكره من المناقشة «أن سند الرواية المذكورة معتبر» ان أريد بخصوص هذه الرواية فلا وجه له فان في سندها الحسن بن علي بن فضال و يونس ابن يعقوب و هما من ثقات الفطحية و لا خصوصية للعمل برواية هذين دون غيرهما من ثقات الفطحية، فإن عمل بالأخبار الموثقة فليكن في كل مقام و إلا فلا وجه لهذا الكلام المنحل الزمام.
و اما تعلله بشيوع النهي في الكراهة فهو وارد عليه في جميع المقامات التي استدل فيها على الوجوب بلفظ الأمر فلا معنى للطعن به في هذا المقام خاصة، و مقتضى التحقيق الذي صرح به هو و غيره في الأصول و الفروع ان الأمر حقيقة في الوجوب و لا يخرج عنه إلا بقرينة، على ان شيوع النهي في الكراهة ان كان مع القرائن الحالية أو المقالية الدالة على ذلك فهو لا ينفعه و إلا فهو محل المنع ايضا.
و اما ما اعتضد به من ظهور لفظ «لا يصلح» في الكراهة فهو مبني على نقله الرواية بذلك في كتابه كما هو في أحد طرق الخبر المذكور، و نحن قدمنا لك الخبر بجميع
381
طرقه، و الطريق الأول بنقل الشيخين المتقدمين مع صحة الخبر قد اشتمل على النهي الذي هو حقيقة في التحريم مثل الخبر الأول فلا وجه لما ذكره.
بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه و هو ان ظاهر كلمة الأصحاب هنا الاتفاق على ان الصلاة في جوف الكعبة انما هو باستقبال اي جدرانها شاء مع انه
قد روى الشيخ في التهذيب بسنده عن محمد بن عبد الله بن مروان (1) قال: «رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة و هو في الكعبة فلم يمكنه الخروج من الكعبة استلقى على قفاه و صلى إيماء و ذكر قول الله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (2).
و أنت خبير بأن موثقة يونس الدالة على الجواز مطلقة و تقييدها بهذه الرواية ممكن إلا اني لم أقف على قائل بذلك هنا و ان قيل به في الصلاة مستلقيا على ظهر الكعبة كما تقدم. و الصدوق (قدس سره) في الفقيه مع تصريحه بالصلاة مستلقيا على ظهر الكعبة صرح في الصلاة في جوفها بما ذكره الأصحاب من استقبال اي جدرانها شاء و استحباب استقبال الركن الذي فيه الحجر. و لعله لنص وصل اليه و لم يصل إلينا. و الله العالم.
(الخامس) [لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة]
- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- شيخنا في الذكرى بأنه لو استطال صف المأمومين مع المشاهدة حتى خرج عن الكعبة بطلت صلاة الخارج لعدم اجزاء الجهة هنا، و لو استداروا صح للإجماع عليه عملا في كل الأعصار السالفة، نعم يشترط ان لا يكون المأموم أقرب الى الكعبة من الامام. انتهى. و لا بأس به.
(السادس) [هل الحجر من الكعبة؟]
- قال في الذكرى: ظاهر كلام الأصحاب ان الحجر من الكعبة بأسره و قد دل عليه النقل انه كان منها في زمن إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) الى ان بنت قريش الكعبة فأعوزتهم الآلات فاختصروها بحذفه و كان كذلك في عهد النبي (صلى الله عليه و آله) و نقل عنه الاهتمام بإدخاله في بناء الكعبة و بذلك احتج ابن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 17 من القبلة.
(2) سورة البقرة، الآية 109.
382
الزبير حيث ادخله فيها ثم أخرجه الحجاج بعده و رده الى ما كان، و لان الطواف يجب خارجه. و للعامة خلاف في كونه من الكعبة بأجمعه أو بعضه أو ليس منها و في الطواف خارجه (1) و بعض الأصحاب له فيه كلام ايضا مع إجماعنا على وجوب إدخاله في الطواف و انما تظهر الفائدة في جواز استقباله في الصلاة بمجرده فعلى القطع بأنه من الكعبة يصح و إلا امتنع لانه عدول من اليقين الى الظن. انتهى. و قال في الدروس: ان المشهور كونه من البيت و لا يخلو من غرابة.
و نقل في المدارك عن العلامة في النهاية انه جزم بجواز استقباله. و هو أغرب لما ورد في النصوص من انه ليس من البيت حتى ان في بعضها «و لا قلامة ظفر» فمنها
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحجر أ من البيت هو أو فيه شيء من البيت؟ فقال لا و لا قلامة ظفر و لكن إسماعيل دفن فيه امه فكره أن يوطأ فحجر عليه حجرا و فيه قبور أنبياء».
و عن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الحجر هل فيه شيء من البيت؟ قال لا و لا قلامة ظفر».
و روى في كتاب من لا يحضره الفقيه مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) (4) قال: «صار الناس يطوفون حول الحجر و لا يطوفون به لأن أم إسماعيل دفنت في الحجر ففيه قبرها فطيف كذلك لئلا يوطأ قبرها».
قال:
و روى ان فيه قبور الأنبياء (عليهم السلام) و ما في الحجر شيء من البيت و لا قلامة ظفر.
و اما ما ذكره في الذكرى من النقل الذي دل على ان الحجر كان من البيت في زمن إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام). الى آخره فلم نقف عليه في أخبارنا و به اعترف جملة من علمائنا، إلا أن العلامة في التذكرة نقل ان البيت كان
____________
(1) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 634 الى 639 و بدائع الصنائع ج 2 ص 132.
(2) رواه في الوسائل في الباب 30 من الطواف.
(3) رواه في الوسائل في الباب 54 من أحكام المساجد.
(4) رواه في الوسائل في الباب 30 من الطواف.
383
لاصقا بالأرض و له بابان شرقي و غربي فهدمه السيل قبل مبعث النبي (صلى الله عليه و آله) بعشر سنين و أعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم و قصرت الأموال الطيبة و الهدايا و النذور عن عمارته فتركوا من جانب الحجر بعض البيت و قطعوا الركنين الشاميين من قواعد إبراهيم (عليه السلام) و ضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا و هو الذي يسمى الشاذروان. انتهى. و هو مع مخالفته للنصوص المتقدمة انما يدل على جزء من الحجر لا مجموعه كما يستفاد من كلامه. و الظاهر ان هذه الرواية انما هي
من طرق المخالفين فإنهم رووا عن عائشة انها قالت: «نذرت أن أصلي ركعتين في البيت فقال النبي (صلى الله عليه و آله) صلى في الحجر فان فيه ستة أذرع من البيت» (1).
و سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ما فيه زيادة تحقيق للمقام بنقل الأخبار الواردة في بناء البيت و الطواف. و الله العالم.
(السابع) [استحباب التياسر في العراق]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب تياسر العراقي الى يسار القبلة قليلا و ربما ظهر من عبارات الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف الوجوب.
و الأصل في ذلك الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) بذلك: منها-
ما رواه في الكافي عن علي بن محمد رفعه (2) قال: «قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) لم صار الرجل ينحرف في الصلاة الى اليسار؟ فقال لأن للكعبة ستة حدود أربعة منها على يسارك و اثنان منها على يمينك فمن أجل ذلك وقع التحريف الى اليسار».
و روى الصدوق بإسناده عن المفضل بن عمر (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) تذكرة العلامة ج 1 المسألة 6 من كيفية الطواف و في المغني ج 3 ص 382 «قالت عائشة لرسول الله (ص) انى نذرت أن أصلي في البيت فقال صلى في الحجر فان الحجر من البيت».
(2) الوسائل الباب 4 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 4 من القبلة.
384
عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة و عن السبب فيه؟ فقال ان الحجر الأسود لما انزل به من الجنة و وضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال كله اثنا عشر ميلا فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا من حد القبلة».
و رواه الشيخ بإسناده عن المفضل و الصدوق في العلل بإسناده عن المفضل (1).
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «إذا أردت توجه القبلة فتياسر مثل ما تيامن فان الحرم عن يمين الكعبة أربعة أميال و عن يسارها ثمانية أميال».
و قال الشيخ في النهاية من توجه إلى القبلة من أهل العراق و المشرق قاطبة فعليه ان يتياسر قليلا ليكون متوجها الى الحرم، و بذلك جاء الأثر عنهم (عليهم السلام).
انتهى و ظاهر هذه العبارة الوجوب كما قدمنا ذكره و انه المستفاد عنده من الاخبار و هذه الروايات انما خرجت بناء على كون القبلة في حق البعيد هو الحرم فهي مؤيدة للأخبار المتقدمة الدالة على قول الشيخين و أتباعهما في تلك المسألة، و احتمل في المختلف اطراد الحكم على القولين. و رده في المدارك بان العلامات المنصوبة للجهة لا تقتضي وقوع الصلاة على نفس الحرم. و هو كذلك.
و قال في المدارك بعد نقل المرفوعة المتقدمة و خبر المفضل: و الروايتان ضعيفتا السند جدا و العمل بهما لا يؤمن معه الانحراف الفاحش عن حد القبلة، و ان كان في ابتدائه يسيرا. انتهى.
أقول: لا ريب انه و ان كانت الروايتان كما ذكره إلا أنهما مجبورتان بعمل الأصحاب إذ لا مخالف في الحكم المذكور بل قيل في المسألة بالوجوب كما عرفت من عبارة الشيخ (قدس سره) و هو ايضا ظاهر كلام الشيخ الجليل شاذان بن جبرئيل القمي
____________
(1) الوسائل الباب 4 من القبلة.
(2) ص 6.
385
في رسالته التي في القبلة حيث قال: و على أهل العراق و من يصلي الى قبلته من أهل المشرق التياسر قليلا، ثم نقل عن الصادق (عليه السلام) مضمون حديث المفضل.
و قد صرح في غير موضع بقبول الخبر الضعيف المجبور بعمل الأصحاب و منه ما تقدم قريبا في مسألة من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس حيث قال: و هذه الروايات و ان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها و لا معارض لها فينبغي العمل عليها. انتهى.
و الحال في المقامين واحد، و لكنه (قدس سره) كما صرحنا به في غير مقام لضيق الخناق في هذا الاصطلاح ليس له قاعدة يعتمد عليها و لا ضابطة يرجع إليها. و اما ما ذكره- من انه لا يؤمن من العمل بهما الانحراف الفاحش- فهو اجتهاد في مقابلة النصوص و قد ردته الاخبار بالعموم و الخصوص.
نعم قد احتمل شيخنا العلامة المجلسي (قدس سره) هنا وجها وجيها في الجواب عن هذه الأخبار و ما يلزم فيها من الإشكال الذي عرضه المحقق الخواجة نصير الملة و الدين على المحقق جعفر بن سعيد وقت الدرس فأجاب بجواب اقناعي ثم كتب في المسألة رسالة في تحقيق الجواب و استحسنه المحقق المذكور، و الرسالة المذكورة ذكرها ابن فهد في كتابه المهذب فمن أحب الوقوف على ذلك فليرجع الى الكتاب المذكور.
و اما ما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في المقام فحاصله انه لا يبعد ان يكون الأمر بالتياسر لأهل العراق لكون المحاريب المشهورة المبنية فيها في زمان خلفاء الجور و لا سيما المسجد الأعظم كانت مبنية على التيامن عن القبلة و لم يمكنهم (عليهم السلام) إظهار خطأ هؤلاء الفساق فأمروا شيعتهم بالتياسر عن تلك المحاريب و عللوا ذلك بما عللوه لئلا يشتهر بينهم الحكم بخطإ من مضى من خلفاء الجور، قال و يؤيده ما ورد في وصف مسجد غنى و ان قبلته لقاسطة فهو يومئ الى ان سائر المساجد في قبلتها شيء، و مسجد غنى اليوم غير موجود. و يؤيده أيضا
ما رواه محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة عن ابن عقدة عن علي بن الحسن عن الحسن و محمد بني يوسف عن سعدان بن مسلم عن
386
صباح المزني عن الحارث بن حصيرة عن حبة العرني (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) كأني انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفة و قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل اما إن قائمنا إذا قام كسره و سوى قبلته».
على انه لا يعلم بقاء البناء الذي كان على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) بل يدل بعض الاخبار على هدمه و تغييره
كما رواه الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان عن علي ابن الحكم عن الربيع بن محمد المسلي عن ابن طريف عن ابن نباتة (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له حتى انتهى الى مسجد الكوفة و كان مبنيا بخزف و دنان و طين فقال ويل لمن هدمك و ويل لمن سهل هدمك و ويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة نوح طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة».
هذا كلامه (قدس سره) في مجلد المزار من كتاب بحار الأنوار.
و قال في مجلد الصلاة من الكتاب المذكور- بعد ذكر الاشكال المتقدم و نقل حاصل كلام المحقق في رسالته و الإشارة إلى انه غير حاسم لمادة الإشكال- ما صورته و الذي يخطر في ذلك بالبال انه يمكن ان يكون الأمر بالانحراف لان محاريب الكوفة و سائر بلاد العراق أكثرها كانت منحرفة عن خط نصف النهار كثيرا مع ان الانحراف في أكثرها يسير بحسب القواعد الرياضية كمسجد الكوفة فإن انحراف قبلته الى اليمين أزيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا و كذا مسجد السهلة و مسجد يونس، و لما كان أكثر تلك المساجد مبنية في زمان عمر و سائر خلفاء الجور لم يمكنهم القدح فيها تقية فأمروا بالتياسر و عللوه بتلك الوجوه الخطابية لإسكاتهم و عدم التصريح بخطإ خلفاء الجور و أمرائهم.
و ما ذكره أصحابنا من ان محراب المعصوم (عليه السلام) لا يجوز الانحراف عنه انما يثبت إذا علم ان الامام (عليه السلام) بناه- و معلوم انه لم يبنه- أو صلى فيه من غير انحراف، و هو ايضا غير ثابت بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة عند
____________
(1) البحار ج 13 ص 194.
(2) البحار ج 13 ص 186.
387
تعمير المسجد في زماننا ما يدل على خلافه كما سيأتي ذكره، مع ان الظاهر من بعض الاخبار ان هذا البناء غير البناء الذي كان في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) انتهى.
(الثامن) [سهولة الأمر في القبلة]
- قد صرح غير واحد من فضلاء متأخري المتأخرين بسهولة الأمر في القبلة و اتساع الدائرة فيها و انه لا ضرورة الى ما ذكره المنجمون. و هو كذلك، و توضيحه انه لا يخفى ان الصلاة عمود الدين الذي لا ثبوت له و لا قيام إلا بها و لذا ورد ان قبول الأعمال يتوقف على قبولها و ورد ان تاركها كافر كما تقدم ذكر ذلك في المقدمة الاولى، و لا ريب ان صحتها منوطة بالاستقبال بالضرورة من الدين و مع هذا فلم يرد عنهم (عليهم السلام) في معرفتها مع البعد الا خبران مجملان بالنسبة الى أهل العراق خاصة من
قوله (عليه السلام) (1) في أحدهما بعد سؤاله عن القبلة «ضع الجدي في قفاك و صل».
و قوله (عليه السلام) (2) في الآخر بعد قول السائل: إني أكون في السفر و لا اهتدى الى القبلة بالليل فقال: «أ تعرف الكوكب الذي يقال له الجدي؟ قال: نعم قال اجعله على يمينك و إذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك».
و مع غفلة أصحابهم عن السؤال عن ذلك و تحقيقه كيف رضوا لهم بذلك و لم يحققوا لهم تلك المسالك مع ضروريته و توقف صحة الصلاة عليه لو كان ذلك على ما يقوله أهل الهيئة من التدقيقات و التحقيقات و العلامات لكل قطر و ناحية؟ مع ان الذي ورد عنهم (عليهم السلام) انما هو عكس ذلك و هو قولهم في الحديثين المتقدمين (3)
«ما بين المشرق و المغرب قبلة».
و يؤيد ذلك بأوضح تأييد ما عليه قبور الأئمة (عليهم السلام) في العراق من الاختلاف مع قرب المسافة بينها على وجه يقطع بعدم انحراف القبلة فيه مع استمرار الأعصار و الأدوار من العلماء الأبرار على الصلاة عندها و دفن الأموات و نحو ذلك، و هو أظهر ظاهر في التوسعة كما لا يخفى. و كيف كان فما ذكره علماء الهيئة مما سيأتي الإشارة إلى بعضه اولى و أحوط إلا ان في وجوبه كما يفهم من كلام أكثر أصحابنا إشكالا لما عرفت
____________
(1) الوسائل الباب 5 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 5 من القبلة.
(3) ص 373.
388
قال السيد السند في المدارك: ثم ان المستفاد من الأدلة الشرعية سهولة الخطب في أمر القبلة و الاكتفاء في التوجه الى ما يصدق عليه عرفا انه جهة المسجد و ناحيته كما يدل عليه قوله تعالى «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (1)
و قولهم (عليهم السلام): «ما بين المشرق و المغرب قبلة»
(2) و
«ضع الجدي في قفاك و صل»
(3) و خلو الاخبار مما زاد على ذلك مع شدة الحاجة الى معرفة هذه العلامات لو كانت واجبة. و إحالتها على علم الهيئة مستبعد جدا لانه علم دقيق كثير المقدمات، و التكليف به لعامة الناس بعيد من قوانين الشرع، و تقليد اهله غير جائز لأنه لا يعلم إسلامهم فضلا عن عدالتهم، و بالجملة التكليف بذلك مما علم انتفاؤه ضرورة. و الله العالم بحقائق أحكامه.
(التاسع) [علامات القبلة]
- اعلم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) ذكروا لأكثر البلدان علامات تعرف بها قبلتها، و الظاهر ان ذلك كله أو أكثره مأخوذ من كلام علماء الهيئة الآخذين ذلك من الارصاد و معرفة البلاد طولا و عرضا، و قد عرفت ما في ذلك من الاشكال و انه لم يرد عنهم (عليهم السلام) في معرفة القبلة إلا ما قدمنا ذكره.
[علامة القبلة لأهل العراق]
ثم انهم (رضوان الله عليهم) قد ذكروا لأهل العراق علامات ثلاثا:
(الاولى)- جعل المشرق على المنكب الأيسر و المغرب على الأيمن
و قيد ذلك أكثر الأصحاب بالاعتداليين لعدم انضباط ما عداهما، و الظاهر- كما صرح به بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين- انه لا حاجة الى هذا التقييد حيث قال إطلاق القوم المشرق و المغرب لا قصور فيه و تقييد بعض مشايخنا غير محتاج اليه بل هو مقلل للفائدة، و ما ظنوه من ان الإطلاق مقتض للاختلاف الفاحش في الجهة ليس كذلك لان مراد القدماء أن العراقي يجعل مغرب اي يوم شاء على يمينه و مشرق ذلك اليوم بعينه على يساره، و هذا لا يقتضي الاختلاف الذي زعموه و هو عام في كل الأوقات لكل المكلفين، بخلاف القيد الذي ذكروه فإنه يقتضي ان لا تكون العلامة موضوعة
____________
(1) سورة البقرة، الآية 139.
(2) ص 373.
(3) ص 387.
389
إلا لآحاد الناس القادرين على استخراج خط الاعتدال و مع ذلك فليس بأضبط مما ذكرناه كما لا يخفى، فأي داع الى تقييد عبارات المتقدمين بما تقل معه الفائدة و يعسر ضبطه على أكثر المكلفين؟ انتهى. و هو جيد متين.
(الثانية)- جعل الجدي بحذاء المنكب الأيمن
، و الجدي مكبر و ربما يصغر ليتميز عن البرج و هو نجم مضيء يدور مع الفرقدين حول قطب العالم الشمالي، و القطب نقطة مخصوصة يقابلها مثلها من الجنوب، قال شيخنا الشهيد الثاني: و أقرب الكواكب إليها نجم خفي لا يكاد يدركه إلا حديد البصر يدور حولها كل يوم و ليلة دورة لطيفة لا تكاد تدرك، و يطلق على هذا النجم القطب لحال المجاورة للقطب الحقيقي و هو علامة لقبلة العراقي إذا جعله المصلي خلف منكبه الأيمن و يخلفه الجدي في العلامة إذا كان في غاية الارتفاع و الانخفاض، و انما اشترط ذلك لكونه في تلك الحال على دائرة نصف النهار و هي مارة بالقطبين و بنقطة الجنوب و الشمال، فإذا كان القطب مسامتا لعضو من المصلي كان الجدي مسامتا له لكونهما على دائرة واحدة بخلاف ما لو كان منحرفا نحو المشرق أو المغرب. قال في المدارك بعد نقل ذلك عن جده (قدس سره) قلت ما ذكره مشهور بين الأصحاب و ممن صرح به المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى و نقل شيخنا المحقق المدقق مولانا احمد المجاور بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه السلام عن بعض محققي أهل ذلك الفن ان هذا الشرط غير جيد لأن الجدي في جميع أحواله أقرب الى القطب الحقيقي من ذلك النجم الخفي و لهذا كان أقل حركة منه كما يظهر بالامتحان، و هذه الحركة الظاهرة انما هي للفرقدين لا للجدي فإن حركته يسيرة جدا و قد اعتبرنا ذلك فوجدناه كما أفاد. انتهى.
(الثالثة)- جعل الشمس على الحاجب الأيمن مما يلي الأنف عند الزوال
لان الشمس قبل الزوال تكون على دائرة نصف النهار المتصلة بنقطتي الجنوب و الشمال فيكون حينئذ مستقبلا نقطة الجنوب بين العينين فإذا زالت مالت الى طرف الحاجب الأيمن
390
و أنت خبير بما بين هذه العلامات من الاختلاف فإن العلامة الاولى و الثالثة تقتضيان كون قبلة العراقي في نقطة الجنوب و العلامة الثانية تقتضي انحرافا بينا عنها نحو المغرب، و لا يخفى ما فيه من التدافع.
إلا ان بعض متأخري أصحابنا المحققين قسم العراق إلى ثلاثة أقسام فجعل العلامة الاولى و الثالثة لأطراف العراق الغربية كالموصل و سنجار و ما والاها، و حمل العلامة الثانية على أوساط العراق كالكوفة و بغداد و الحلة و المشاهد المقدسة، و اما أطرافها الشرقية كالبصرة و ما والاها فتحتاج إلى زيادة انحراف نحو المغرب و لذا حكموا بان علامتها جعل الجدي على الخد الأيمن.
و قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين و هذا التقسيم هو الموافق لقواعد الهيئة فإن طول بغداد على ما ذكره المحقق نصير الملة و الدين يزيد على طول مكة بثلاث درجات فقبلتها منحرفة يسيرا عن نقطة الجنوب الى المغرب و الموصل يساوي طولها طول مكة فقبلتها نقطة الجنوب لاتحاد نصف نهاريهما، و اما البصرة فيزيد طولها على طول مكة بسبع درجات ففي قبلتها زيادة انحراف الى المغرب عن قبلة بغداد فجعلوا علامتها وضع الجدي على الخد الأيمن. انتهى.
أقول: قد صرح أرباب هذا الفن بان الأقاليم السبعة المسكونة و ما فيها من البلدان كلها في النصف الشمالي من الأرض من بعد خط الاستواء القاسم للأفق نصفين شمالي و جنوبي، و النصف الجنوبي غير مسكون لاستيلاء الحرارة و الماء عليه، و النصف الشمالي المعمور فيه أيضا انما هو نصفه المتصل بخط الاستواء و هو الذي فيه الأقاليم السبعة و النصف الآخر خراب لشدة البرد. و قد اثبتوا لهذه الأقاليم طولا و عرضا، فالطول عبارة عن طرف العمارة من جانب المغرب و هو ساحل البحر الى منتهاها من الجانب الشرقي و هي كنك و جملة ذلك من الجزائر مائة و ثمانون جزء نصف دائرة عظمي من دوائر الفلك لأن كل دائرة منها مقسومة ثلاثمائة و ستين جزء و تسمى هذه الاجزاء درجات، و العرض من خط الاستواء في جهة الجنوب الى منتهى الربع المعمور
391
في جهة الشمال و ذلك تسعون جزء ربع دائرة عظمي، و حينئذ فطول البلد عبارة عن بعدها عن منتهى العمارة من الجانب الغربي و عرض البلد عبارة عن بعدها عن خط الاستواء، فإذا ساوى طول البلد طول مكة و عرض تلك البلد أكثر فسمت قبلة تلك البلد نقطة الجنوب و ان كان أقل فقبلتها نقطة الشمال و ان تساوى العرضان و طول البلد أكثر فسمت القبلة نقطة المغرب و ان كان أقل فهو نقطة المشرق. و معرفة السمت في هذه الأربعة سهل يتوقف على إخراج الجهات الأربع على وجه الأرض، و ان زادت مكة على البلد طولا و عرضا فسمت القبلة بين نقطتي المشرق و الشمال و ان نقصت فيهما فهو بين نقطتي الجنوب و المغرب و ان زادت عن البلد طولا و نقصت عرضا فسمت قبلة البلد بين نقطتي الجنوب و المشرق و ان انعكس فبين نقطتي المغرب و الشمال، و أكثر البلدان على الانحراف.
و لنذكر جملة ما ذكروه من البلدان المنحرفة و بيان قدر انحرافها، فاما البلدان المنحرفة عن نقطة الجنوب الى المغرب فبلادنا (البحرين) بسبع و خمسين درجة و ثلاث و عشرين دقيقة، و (الحساء) بتسع درجات و ثلاثين دقيقة، و (البصرة) بثمان و ثلاثين درجة، و (واسط) بعشرين درجة و اربع و خمسين دقيقة، و (الأهواز) بأربعين درجة و ثلاثين دقيقة، و (الحلة) باثنتي عشرة درجة، و (المدائن) بثمان درجات و ثلاثين دقيقة، و (بغداد) باثنتي عشرة درجة و خمس و أربعين دقيقة، و (الكوفة) باثنتي عشرة درجة و احدى و ثلاثين دقيقة، و (سر من رأى) بسبع درجات و ست و خمسين دقيقة و (كاشان) بأربع و ثلاثين درجة و احدى و ثلاثين دقيقة، و (قم) بإحدى و ثلاثين درجة و اربع و خمسين دقيقة، و (ساوة) بتسع و عشرين درجة و ست عشرة دقيقة، و (أصبهان) بأربعين درجة و تسع و عشرين دقيقة، و (قزوين) بتسع و عشرين درجة و اربع و ثلاثين دقيقة، و (تبريز) بخمس عشرة درجة و أربعين دقيقة، و (مراغة) بست عشرة درجة و سبع عشرة دقيقة، و (أسترآباد) بثمان و ثلاثين درجة و ثمان و أربعين دقيقة
392
و (طوس و المشهد الرضوي) بخمس و أربعين درجة و ست دقائق، و (نيسابور) بست و أربعين درجة و خمس و عشرين دقيقة، و (سبزوار) بأربع و أربعين درجة و اثنتين و خمسين دقيقة، و (شيراز) بثلاث و خمسين درجة و ثمان و عشرين دقيقة، و (همدان) باثنتين و عشرين درجة و ست و عشرين دقيقة، و (تون) بخمسين درجة و عشرين دقيقة و (طبس) باثنتين و خمسين درجة و خمس و خمسين دقيقة. و (أردبيل) بسبع عشرة درجة و ثلاث عشرة دقيقة، و (هرات) بأربع و خمسين درجة و ثمان دقائق. و (قاين) بأربع و خمسين درجة، و (سمنان) بست و ثلاثين درجة و سبع عشرة دقيقة، و (دامغان) بثمان و ثلاثين درجة، و (بسطام) بتسع و ثلاثين درجة و ثلاث عشرة دقيقة، و (لاهجان) بثلاث و عشرين درجة، و (آمل) بثلاثين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و (قندهار) بخمس و سبعين درجة، و (الري) بسبع و ثلاثين درجة و ست و عشرين دقيقة، و (كرمان) باثنتين و ستين درجة و احدى و خمسين دقيقة، و (تفليس) بأربع عشرة درجة و احدى و أربعين دقيقة، و (شيروان) بعشرين درجة و تسع دقائق، و كذا الشماخي، و (سجستان) بثلاث و ستين درجة و ثماني عشرة دقيقة، و (طالقان) بتسع و عشرين درجة و ثلاث و ثلاثين دقيقة، و (بلخ) بستين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و (بخارى) بتسع و أربعين درجة و ثمان و ثلاثين دقيقة، و (بدخشان) بأربع و ستين درجة و تسع دقائق، و (سمرقند) باثنتين و خمسين درجة و اربع و خمسين دقيقة، و (كاشغر) بثمان و خمسين درجة و ست و ثلاثين دقيقة، و (تبت) بست و ثلاثين درجة و ست و عشرين دقيقة، و (هرموز) بأربع و سبعين درجة، و (أبهر) بأربع و عشرين درجة، و (كازران) بإحدى و خمسين درجة و ست و خمسين دقيقة، و (جرباذقان) بثمان و ثلاثين درجة، و (خوارزم) بأربعين درجة و اما الانحراف من الجنوب الى المشرق (فالمدينة المشرفة) منحرفة قبلتها عن نقطة الجنوب الى المشرق بسبع و ثلاثين درجة و عشرين دقيقة، و (مصر) بثمان و خمسين درجة و تسع و عشرين دقيقة، و (قسطنطنية) بثمان و ثلاثين درجة و سبع عشرة دقيقة.
393
و (الموصل) بأربع درجات و اثنتين و خمسين دقيقة، و (بيت المقدس) بخمس و أربعين درجة و ست و خمسين دقيقة.
و اما الانحراف من الشمال الى المغرب (فأكره) بتسع و ثمانين درجة، و (سرنديب) بسبعين درجة و اثنتي عشرة دقيقة، و (چين) بخمس و سبعين درجة، و (سومنات) بخمس و سبعين درجة و اربع و ثلاثين دقيقة.
و اما ما كان من الشمال الى المشرق (فصنعاء) بدرجة و خمس عشرة دقيقة، و (عدن) بخمس درجات و خمس و خمسين دقيقة، و (جرمي) دار ملك الحبشة بسبع و أربعين درجة و خمس و عشرين دقيقة. و سائر البلاد القريبة من تلك البلاد و المتوسطة بينها يعرف انحرافها بالمقايسة.
أقول: لا يخفى على من عرف ما عليه هذه البلدان من القبلة في جميع الأزمان فإنه لا يوافق شيئا مما ذكر في هذا المكان مع استمرار السلف و الخلف عليها من العلماء و الأعيان، و من ذلك قبلة البحرين و القطيف و الأحساء فإنها نقطة المغرب و هكذا جميع ما ذكر من البلدان. و لقد اتفق في هذه السنين التي مضت لنا مجيء رجل من الفضلاء يسمى الشيخ حسين ممن يصلي الجمعة و الجماعة الى بلدة بهبهان فانحرف عن قبلة مساجدها بناء على الضابطة التي ذكرها علماء الهيئة و صلى الى تلك الجهة التي هي موافقة لكلام علماء الهيئة و حمل الناس على الصلاة إليها فتناولته الألسن من كل مكان و كثر الطعن عليه في جميع البلدان حتى كأنه ممن أبدع في الدين و افترى على الملك الديان.
(البحث الثاني)- في المستقبل
، الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب العلم بالقبلة مع إمكانه فلا يجوز التعويل على الظن، قالوا و يتحقق العلم بالمعاينة و الشياع و الخبر المحفوف بالقرائن و محراب المعصوم (عليه السلام).
أقول: ان أريد بالعلم هنا العلم بالعين مع إمكان المشاهدة فهذا مخصوص بالقريب كما تقدم و لا ريب ان هذا لا يسوغ له الاجتهاد و لكن المدعى أعم من ذلك، و ان
394
أريد العلم بالعين بالنسبة إلى البعيد فظاهر ان هذا مما يتعذر، و ان أريد العلم بالجهة بالنسبة إلى البعيد- و الظاهر انه هو المراد من كلامهم- فمن الظاهر انه انما يحصل بالاجتهاد الذي غايته الظن فلا معنى لتقديمه و جعل الظن في المرتبة الثانية بعد تعذره. و اما ما مثلوا به لصور تحصيل العلم من المعاينة فقد عرفت انه مخصوص بالقريب المتمكن من المشاهدة لا على وجه يستلزم المشقة و العسر. و اما الخبر المحفوف بالقرائن و الشياع فهو و ان مثلوا بهما لإفادة العلم لكن ذلك بالنسبة الى الخبر و هو قبول قول الغير الذي غاية ما يفيده هو الظن فإنه قد يفيد العلم إذا انضمت اليه أمارات من خارج أو كان شائعا بحيث يفيد العلم، و هذا لا معنى له بالنسبة إلى القبلة و العلم بجهتها للبعيد، فإنه اما ان يرجع الى الأمارات المتقدمة التي ذكرها أهل الهيئة للبلدان و غاية ما تفيده الظن بالجهة، أو قبلة البلد أو المحاريب و القبور و نحو ذلك و غاية الجميع الظن، إلا ان يقال بحصول العلم بالجهة بالأمارات التي ذكرها علماء الهيئة و ليس ببعيد فيخص العلم به و يجعل الظن في ما عداه مما ذكرناه و نحوه، نعم ربما يتم ما ذكر في محراب المعصوم (عليه السلام) ان ثبت صلاته فيه على الهيئة التي هو عليها الآن و دون ثبوته شوك القتاد و ان ادعى بعض الأصحاب ذلك.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لا اجتهاد في محراب رسول الله (صلى الله عليه و آله) في جهة القبلة و لا في التيامن و التياسر فإنه منزل منزلة الكعبة، و روى انه لما أراد نصبه زويت له الأرض فجعله بإزاء الميزاب (1) و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) معصوم لا يتصور منه الخطأ و عند من جوزه من العامة لا يقر عليه فهو صواب قطعا فيستقبله معاينة و تنصب المحاريب هناك عليه و في معنى المدينة كل موضع تواتر ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى فيه الى جهة معينة مضبوطة الآن، و كذا لا اجتهاد في المسجد الأعظم بالكوفة في التيامن و لا التياسر مثل ما قلناه في مسجد النبي (صلى الله عليه
____________
(1) تاريخ المدينة للسمهودي ج 1 ص 261 و الدرة الثمينة ص 357.
395
و آله) لوجوب عصمة الإمام كالنبي و قد نصبه أمير المؤمنين و صلى اليه هو و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و اما محراب مسجد البصرة فنصبه عقبة بن غزوان فهو كسائر محاريب الإسلام، و ربما قيل بمساواته مسجد الكوفة لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى فيه و جمع من الصحابة فكما لا اجتهاد في مسجد الكوفة فكذا في مسجد البصرة.
و اما مسجد المدائن فصلى فيه الحسن (عليه السلام) فان كان المحراب مضبوطا فكذلك و بمشهد سر من رأى (صلوات الله على مشرفيه) مسجد منسوب إلى الهادي (عليه السلام) فلا اجتهاد في قبلته ايضا ان كانت مضبوطة. و لو تخيل الماهر في أدلة القبلة تيامنا و تياسرا في محراب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و محراب أمير المؤمنين (عليه السلام) فخياله باطل لا يجوز له و لا لغيره العمل به. انتهى كلامه زيد مقامه.
و فيه ما افاده شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار حيث قال في تتمة الكلام الذي قدمنا نقله عنه آنفا: و ما ذكره أصحابنا من ان محراب مسجد الكوفة محراب المعصوم لا يجوز الانحراف عنه انما يثبت إذا علم ان الامام بناه- و معلوم انه لم يبنه- أو صلى فيه من غير انحراف عنه و هو ايضا غير ثابت، بل ظهر من بعض ما سنح لنا من الآثار القديمة عند تعمير المسجد في زماننا ما يدل على خلافه كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى، مع ان الظاهر من بعض الاخبار ان هذا البناء غير البناء الذي كان في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) بل ظهر لي من بعض الأدلة و القرائن ان محراب مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) بالمدينة أيضا قد غير عما كان في زمانه لانه على ما شاهدنا في هذا الزمان موافق لخط نصف النهار و هو مخالف للقواعد الرياضية من انحراف قبلة المدينة إلى اليسار قريبا من ثلاثين درجة و مخالف لما رواه الخاصة و العامة من انه (صلى الله عليه و آله) زويت له الأرض و رأى الكعبة فجعله بإزاء الميزاب (1) فان من وقف بحذاء الميزاب يصير القطب الشمالي محاذيا لمنكبه الأيسر، و مخالف لبناء
____________
(1) تاريخ المدينة للسمهودي ج 1 ص 261 و الدرة الثمينة ص 357.
396
بيت الرسول (صلى الله عليه و آله) الذي دفن فيه، مع ان الظاهر ان بناء البيت كان موافقا لبناء المسجد و بناء البيت أوفق بالقواعد من المحراب، و ايضا مخالف لمسجد قبا و مسجد الشجرة و غيرهما من المساجد التي بناها النبي (صلى الله عليه و آله) أو صلى فيها و لذا حمل بعض الأفاضل ممن كان في عصرنا حديث المفضل و أمثاله على مسجد المدينة و قال لما كانت الجهة وسيعة و كان الأفضل بناء المحراب على وسط الجهات إلا ان تعارضه مصلحة كمسجد المدينة حيث بنى محرابه على خط نصف النهار لسهولة استعلام الأوقات مع ان وسط الجهات فيه منحرف نحو اليسار فلذا حكموا باستحباب التياسر فيه ليحاذي المصلي وسط الجهة المتسعة، و سيأتي مزيد توضيح لتلك المقاصد مع الاخبار و القرائن الدالة عليه في كتاب المزار. و الله اعلم و حججه (عليهم السلام) بحقائق الاخبار و الآثار.
انتهى كلامه علت في الخلد اقدامه.
و ما أشار إليه في كتاب المزار قد قدمنا ذكر جملة منه آنفا في مسألة استحباب التياسر، و إذا ثبت ما ذكرنا في مسجد المدينة و الكوفة ففي ما ذكره من المساجد بطريق أولى إذ ليس لهما من الشهرة و قوة الاعتماد ما لهما.
ثم ان جملة من المتأخرين ذكروا انه مع فقد العلم يعول على الأمارات المفيدة للظن و ادعى عليه في المعتبر و المنتهى اتفاق أهل العلم.
و يدل عليه من الاخبار
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«يجزئ التحري أبدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة».
و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشمس و لا القمر و لا النجوم؟ قال اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك».
و روى المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه عن تفسير النعماني بإسناده عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (3) «في قول الله عز و جل:
____________
(1) الوسائل الباب 6 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 6 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 6 من القبلة.
397
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (1) قال معنى «شَطْرَهُ» نحوه ان كان مرئيا و بالدلائل و الاعلام ان كان محجوبا، فلو علمت القبلة لوجب استقبالها و التولي و التوجه إليها و لو لم يكن الدليل عليها موجودا حتى تستوي الجهات كلها فله حينئذ ان يصلي باجتهاده حيث أحب و اختار حتى يكون على يقين من الدلالات المنصوبة و العلامات المثبوتة، فان مال عن هذا التوجه مع ما ذكرناه حتى يجعل الشرق غربا و الغرب شرقا زال معنى اجتهاده و فسد حال اعتقاده».
قال: و قد جاء عن النبي (صلى الله عليه و آله) خبر منصوص مجمع عليه ان الأدلة المنصوبة على بيت الله الحرام لا يذهب بكليتها حادثة من الحوادث منا من الله تعالى على عباده في إقامة ما افترض عليهم أقول: الظاهر- و الله سبحانه و قائله أعلم- من قوله: «فان مال عن هذا التوجه» اي انه بعد توجهه بالاجتهاد إلى جهة أدى إليها اجتهاده فان ظهر له بعد ذلك الميل عن القبلة على وجه يكون مستدبر القبلة بأن جعل الشرق في موضع الغرب و الغرب في موضع الشرق أو محض اليمين و اليسار فإنه يصدق ايضا ذلك في الجملة فقد ظهر فساد اجتهاده و فساد اعتقاده فتجب الإعادة عليه و سيجيء تحقيق الكلام في ذلك. و اما ما نقله (عليه السلام) من الخبر عن النبي (صلى الله عليه و آله) فلعل المراد بتلك الأدلة هي النجوم،
و قد روى العياشي في تفسيره عن إسماعيل بن ابي زياد عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) «وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» (3) هو الجدي لأنه نجم لا يزول و عليه بناء القبلة و به يهتدى أهل البر و البحر».
و يمكن ان يستفاد من هذا الخبر حصول العلم بالجهة بالدلائل التي ذكرها علماء الهيئة كما هو الظاهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ليس بذلك البعيد كما قدمنا الإشارة اليه و ان قلنا بعدم وجوب التكليف به، لما عرفت مما قدمنا نقله عن جملة من أفاضل متأخري المتأخرين و ان كان أفاضل المتأخرين على خلافه
____________
(1) سورة البقرة، الآية 139.
(2) الوسائل الباب 5 من القبلة.
(3) سورة الروم، الآية 49.
398
تنبيهات
(الأول) [إذا تعذر العلم بالجهة فالوظيفة هي الاجتهاد أو الاحتياط؟]
- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) الذي قدمنا ذكره هو ان الاجتهاد الذي هو عبارة عن بذلك الوسع في تحصيل الأمارات المفيدة للظن بالجهة بعد تعذر العلم بالجهة بالأمارات المذكورة في كلام علماء الهيئة، فيجتهد مع فقدها في تحصيل امارة توجب ظنه بالجهة و يبنى عليها.
و قد تقدم من الأخبار ما يدل على جواز البناء على هذا الظن الناشئ عن التحري و يزيده بيانا
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الأعمى يؤم القوم و هو على غير القبلة؟ قال يعيد و لا يعيدون فإنهم قد تحروا».
و يؤيده أيضا
صحيحة سليمان بن خالد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يضحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال ان كان في وقت فليعد صلاته و ان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده».
و نحوها صحيحة يعقوب بن يقطين (3).
و ربما ظهر من كلام الشيخين في المقنعة و المبسوط هنا عدم العمل على الظن و الصلاة الى أربع جهات، قال في المقنعة: إذا أطبقت السماء بالغيم فلم يجد الإنسان دليلا عليها بالشمس و النجوم فليصل إلى أربع جهات فان لم يقدر على ذلك بسبب من الأسباب المانعة من الصلاة أربع مرات فليصل الى اي جهة شاء و ذلك مجزئ مع الاضطرار.
و قال في المبسوط بعد ان ذكر اربع علامات نجومية لقبلة العراق: فان فقد هذه الأمارات يصلي الى أربع جهات الصلاة الواحدة مع الاختيار.
و استدل الشيخ لذلك
برواية خراش عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 11 من القبلة.
399
السلام) (1) قال: «قلت له جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد؟ فقال ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل إلى أربع وجوه».
و لا يخفى ان هذا الخبر لضعف سنده لا يبلغ قوة في معارضة الأخبار المتقدمة و بذلك رده الأصحاب مع أنهم قائلون بمضمونه في وجوب الأربع مع فقد الظن كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى. و الحق في الجواب عنه ما سنذكره ثمة ان شاء الله تعالى.
و الشيخ (قدس سره) جمع بين هذا الخبر و الاخبار السابقة بحمل الأخبار المتقدمة على صورة الاضطرار و عدم التمكن من الصلاة الى أربع جهات و هذا الخبر على صورة التمكن و الاختيار. و بعض الأصحاب احتمل الجمع بحمل الأخبار الأولة على التقية كما يشعر به هذا الخبر لكنه استشكل ذلك بان المصير الى الحمل فرع حصول المعارضة و هذا الخبر قاصر عن معارضة تلك الاخبار. و الحق في الخبر المذكور ما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى.
(الثاني) [هل يقدم قول الثقة على الاجتهاد؟]
- لو اجتهد و اداه اجتهاده إلى جهة مخصوصة ثم أخبره من يوثق به بغيرها فهل يجب عليه العمل على اجتهاده أو يرجع الى قول الثقة؟ قولان، فالشيخ و اتباعه على الأول و الظاهر انه المشهور، و قيل بالثاني إذا أفاده ظنا زائدا على ما ادى اليه اجتهاده، ذهب اليه المحقق و الشهيد و اختاره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين، و هو الأظهر لأن المسألة ظنية فيتبع فيها أقوى الظنين، و لا ينافيه أخبار الأمر بالتحري فان الاستخبار ممن يفيد قوله الظن الراجح نوع من التحري. و لو تعذر الظن لفقد ما يدل عليه و أخبره من يوثق بقوله فهل يصلي الى أربع جهات أم يعمل بقول المخبر؟
قولان و لعل أظهرهما الثاني بالتقريب المتقدم. و هل يشترط عدالة المخبر فلو كان فاسقا أو كافرا لم يقبل قوله؟ اشكال و لعل الأقرب القبول ان أفاد الظن كما ذكرنا.
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 8 من القبلة.
400
(الثالث) [هل تجزئ الصلاة الواحدة بعد تعذر الظن بالقبلة]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه مع تعذر الظن بالقبلة يصلي كل فريضة إلى أربع جهات. و قال ابن ابي عقيل لو خفيت عليه القبلة لغيم أو ريح أو ظلمة فلم يقدر على القبلة صلى حيث شاء مستقبل القبلة و غير مستقبلها و لا اعادة عليه إذا علم بعد ذهاب وقتها انه صلى لغير القبلة. و هو الظاهر من ابن بابويه و نفى عنه البعد في المختلف و مال إليه في الذكرى و اختاره جملة من محققي متأخري المتأخرين، و هو المختار لما ستعرف من الاخبار.
احتج الشيخ و من تبعه من أصحاب القول المشهور برواية خراش المتقدمة، و ردها القائلون بالقول الآخر بضعف السند و بأنها متروكة الظاهر من حيث تضمنها سقوط الاجتهاد بالكلية مع دلالة الأخبار المتقدمة عليه.
و الحق في الجواب عن الرواية المذكورة ما افاده المحدث الأمين الأسترآبادي في كتاب الفوائد المدنية من ان قصده (عليه السلام) انما هو مجرد الرد على المخالفين في ما يدعونه من الالتجاء الى الاجتهاد الذي يبنون عليه الأحكام الشرعية و قد منعت منه النصوص المعصومية بان لنا مندوحة عن ذلك و هو المصير الى العمل بالاحتياط الذي يحصل بالصلاة إلى أربع جهات لا ان مراده (عليه السلام) نفى الاجتهاد في القبلة بالكلية مع دلالة أخبارهم (عليهم السلام) كما عرفت مما قدمناه و هو معنى صحيح لا غبار عليه.
و به تبقى أدلة القول الثاني سالمة من المعارض، و منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «يجزئ المتحير أبدا أينما توجه إذا لم يعلم اين وجه القبلة».
و روى في الكافي في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن زرارة (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير فقال يصلي حيث شاء».
____________
(1) الوسائل الباب 8 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 8 من القبلة.
401
و روى الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قلت الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا؟ فقال قد مضت صلاته فما بين المشرق و المغرب قبلة، و نزلت هذه الآية في قبلة المتحير: وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (2).
كذا استدل بها في المدارك، و احتمل جملة من المحققين كون قوله في هذه الرواية «و نزلت هذه الآية» من كلام الصدوق لا من الرواية و عليه تنتفي دلالة الرواية.
و المستفاد من بعض الاخبار ان هذه الآية إنما نزلت في النافلة و جواز صلاتها الى غير القبلة،
فروى الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (3) في قوله تعالى «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» انها ليست منسوخة و انها مخصوصة بالنوافل في حال السفر.
و روى الشيخ في النهاية عن الصادق (عليه السلام) (4) في قوله تعالى: «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» قال: «هذا في النوافل في حال السفر خاصة فأما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة».
و قال الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره (5) «وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (6) قال العالم (عليه السلام): «فإنها نزلت في صلاة النافلة فصلها حيث توجهت إذا كنت في سفر فأما الفرائض فقوله «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (7) يعني الفرائض لا تصلها إلا الى القبلة».
و في تفسير العياشي عن حريز عن ابي جعفر (عليه السلام) (8) «انزل الله هذه الآية في التطوع خاصة «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ» (9) و صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) إيماء على راحلته أينما توجهت به حيث خرج الى خيبر
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 179 و الوسائل الباب 10 من القبلة.
(2) سورة البقرة، الآية 109.
(3) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(5) ص 50.
(6) سورة البقرة، الآية 109.
(7) سورة البقرة، الآية 139 و 145.
(8) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(9) سورة البقرة، الآية 109.
402
و حين خرج من مكة و جعل الكعبة خلف ظهره».
قال زرارة (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصلاة في السفينة و المحمل سواء؟ قال النافلة كلها سواء، ثم ساق الخبر في الكتاب المذكور الى ان قال كل ذلك قبلة للمتنفل انه قال: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ».
و روى فيه عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل يقرأ السجدة و هو على ظهر دابته؟ قال يسجد حيث توجهت فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يصلي على ناقته النافلة و هو مستقبل المدينة يقول: فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ».
و لا يخفى ما في دلالة هذه الاخبار على المنافاة لما تقدم من نزول الآية المذكورة في قبلة المتحير سواء جعلت من الخبر أو من كلام الصدوق و الحمل على الثاني أوفق بانتظام الاخبار و سلامتها من الاختلاف في هذا المضمار و ان كان الظاهر ان الصدوق ايضا لا يقوله إلا عن رواية وصلت اليه. و ربما جمع بعضهم بين الاخبار المتقدمة بحمل روايات الصلاة الى اي جهة شاء على عدم التمكن من الصلاة الى أربع جهات و تبقى رواية خراش على ظاهرها. و لا يخفى بعده عن ظاهر سياق الأخبار المذكورة.
و بالجملة فالرواية المذكورة مع ضعف سندها معارضة بالأخبار المتقدمة و بهذه الاخبار و الأظهر في معناها هو ما ذكرناه و به تنتفي المناقضة بين الاخبار و يظهر اجتماعها على وجه واضح المنار.
و ذهب السيد رضي الدين بن طاوس في هذه المسألة إلى الرجوع الى القرعة، قال في المدارك: و لا بأس به. أقول: بل البأس فيه أظهر ظاهر إذ الظاهر من الاخبار ان مشروعية القرعة انما هو من حيث الاشكال و انها لكل أمر مشكل. و الظاهر انه لا اشكال هنا مع وجود الأدلة الصحيحة الصريحة في الحكم، اما على ما ذكرنا في معنى
____________
(1) الوسائل الباب 13 من القبلة.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 370.
403
رواية خراش فظاهر، و اما على ما ذكره من طرحها لضعفها سندا و دلالة فقال انه لا تعويل عليها فأظهر، و على كل من الوجهين تبقى الأخبار سالمة من المعارض فأي وجه هنا للقرعة و أي إشكال في الحكم يوجب الرجوع إليها؟
ثم انه على القول المشهور من الصلاة الى أربع جهات يعتبر في الجهات الأربع كونها على خطين مستقيمين وقع أحدهما على الآخر على وجه يحدث عنهما زوايا قوائم لأنه المتبادر من النص. أقول: و يمكن حصول ذلك بالخطوط الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم بناء على ما دلت عليه
صحيحة معاوية بن عمار (1) «في من صلى ثم نظر بعد ما فرغ فرأى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا؟ فقال قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة».
ثم انهم بناء على القول المذكور صرحوا بأنه لو ضاق الوقت عن الأربع اتى بما أمكن و لو واحدة الى اي جهة شاء، و بالجملة بما يتسع له الوقت. قال في المعتبر و كذا لو منعت ضرورة من عدو أو سبع أو مرض.
(الرابع) [وظيفة العاجز عن الاجتهاد في القبلة]
- الظاهر من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من لا يتمكن من الاجتهاد كالأعمى و العامي مع ضيق الوقت عن التعلم و العالم بالعلامات مع خفائها لعارض من غيم و نحوه فإنه يجوز له التقليد. و ظاهر كلام الشيخ (قدس سره) في الخلاف المنع من التقليد للأعمى و غيره و وجوب الصلاة الى أربع جهات مع السعة و التخيير مع الضيق.
احتج الأولون بأن قول العدل أحد الأمارات المفيدة للظن فكان العمل به لازما مع انتفاء العلم و عدم إمكان تحصيل ظن أقوى منه
لقوله (عليه السلام) (2) «يجزى التحري أبدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة».
و احتج في الخلاف على ما ذكره بأن الأعمى و من لا يعرف أمارات القبلة إذا صليا إلى أربع جهات برئت ذمتهما بالإجماع و ليس على براءة ذمتهما إذا صليا إلى واحدة
____________
(1) الوسائل الباب 10 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 6 من القبلة.
404
دليل. ثم استدل على التخيير مع الضيق و الضرورة بأن وجوب القبول من الغير لم يقم عليه دليل و الصلاة الى الجهات الأربع منفي لكون الحال حال الضرورة فيثبت التخيير و جوابه معلوم من حجة القول المشهور المتقدمة. إلا ان المسألة لعدم النص لا تخلو من شوب الاشكال و ان كان القول المشهور لا يخلو من قوة لما علم من الاعتماد على الظن في مسألة القبلة مع ما عرفت من سعة الأمر فيها.
و ربما يستدل هنا على وجوب التقليد للأعمى و عدم وجوب الصلاة الى أربع جهات بالأخبار الدالة على جواز إمامته في الصلاة
كصحيحة عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان يؤم الأعمى القوم و ان كانوا هم الذين يوجهونه».
و صحيحة زرارة أو حسنته عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: «قلت له أصلي خلف الأعمى؟ قال نعم إذا كان له من يسدده و كان أفضلهم».
و نحوهما رواية السكوني (3).
و الظاهر انه ليس كذلك فان هنا مقامين: (الأول) ان تكون القبلة معلومة في حد ذاتها لا تحتاج الى اجتهاد لكنها بالنسبة إلى الأعمى غير معلومة على السمت الذي تجب الصلاة له فيحتاج الى من يسدده و يرشده و هذا هو مورد الأخبار المذكورة، و الظاهر ان الشيخ لا يخالف في هذه الصورة و يوجب عليه الصلاة الى أربع جهات و يطرح هذه الاخبار من غير معارض (الثاني) ان تكون القبلة مجهولة تحتاج الى اجتهاد و هذا هو موضوع المسألة، فهل يجوز للأعمى الرجوع الى من حصل القبلة باجتهاده أو يجب عليه الصلاة الى أربع جهات؟ و الاخبار المذكورة لا دلالة لها على هذه الصورة بل موردها الصورة الاولى. و بذلك يظهر ما في كلام جملة من الأصحاب هنا: منهم- السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة من ان المراد بالتقليد هنا قبول قول الغير سواء كان مستندا الى الاجتهاد أو اليقين، فإنه بظاهره شامل لما ذكرنا من المقام
____________
(1) الوسائل الباب 7 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 7 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 7 من القبلة.
405
الأول مع انه ليس كذلك.
و بالجملة فإن الظاهر ان موضوع المسألة انما هو صورة جهل القبلة و حصول من يتمكن من الاجتهاد في معرفتها و من لا يتمكن، فهل يرجع من لا يتمكن من الاجتهاد للأعذار المتقدمة إلى المتمكن أم لا؟ و اما في مقام العلم بالقبلة فليس من محل البحث في شيء فان ما يحصل به اليقين عند المقلد بفتح اللام من رؤية أو مشاهدة أو تعيين الجهة من العلامات المذكورة بين علماء الهيئة يحصل به اليقين عند المقلد بكسرها إلا ان يكون أعمى مكفوف البصر، و قد عرفت حكمه من الأخبار المتقدمة و ان الشيخ لا يخالف في هذه الصورة. و ينبغي ان يعلم انه لو تفاوتت الظنون بالنسبة إلى المخبرين من حيث العدالة و التعدد و نحو ذلك و عدمها عمل على أقواها و وجب دوران الحكم معه كما يجب تقديم العلم على الظن. و الكلام بالنسبة إلى الكافر و نحوه كما تقدم من حصول الظن بقوله و عدمه.
(الخامس) [التعويل على قبلة البلد]
- قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بأنه يجوز التعويل على قبلة البلد إذا لم يعلم انها بنيت على الغلط، و المراد بقبلتها محاريبها المنصوبة و قبورها و نحوها، و نقل في التذكرة الإجماع عليه. و الظاهر من كلامهم التعليل ببعد اجتماع الخلق الكثير في المدد المتطاولة على الخطأ. و إطلاق كلامهم يقتضي انه لا فرق في ذلك بين ما يفيد العلم بالجهة أو الظن و لا بين ان يكون المصلي متمكنا من معرفة القبلة بالعلامات المفيدة للعلم أو الاجتهاد المفيد للظن أو ينتفي الأمران فإنه يعول على قبلة البلد على جميع هذه التقادير أقول: و في بعض هذه الشقوق اشكال و هو انه لو كان قبلة البلد انما تفيد الظن بالجهة مع تمكنه من العلم فان الظاهر وجوب الرجوع الى العلامات المفيدة للعلم، و لعل في تصريح بعضهم في هذا المقام بأنه إن جهلها عول على الأمارات المفيدة للظن ما يشير الى ما قلناه. و بالجملة فإنه لا يجوز الرجوع الى الظن إلا مع تعذر العلم كائنا ما كان.
و إطلاق كلامهم أعم من ان تكون البلدة من الأمصار العظيمة أو قرية من القرى
406
قال في الذكرى: لو كانت قرية صغيرة نشأ فيها قرون من المسلمين لم يجتهد في قبلتها.
و صرح جماعة منهم بعدم جواز التعويل على المحاريب المنصوبة في الطرق النادر مرور المسلمين عليها و نحو القبر و القبرين من المسلمين في الموضع المنقطع.
و صرح جملة منهم بعدم جواز الاجتهاد في الجهة التي عليها قبلة البلد، و الظاهر ان مرادهم الاجتهاد إلى إحدى الجهات الأربع كجهة المغرب مثلا بان يجتهد فيها إلى جهة الشمال و نحوها اما في التيامن و التياسر في تلك الجهة فإنه يجوز الاجتهاد فيه لعموم الأمر بالتحري. و ربما قيل بالمنع لان احتمال اصابة الخلق الكثير أقرب من اصابة الواحد.
و اعترض عليه بأنه يجوز انهم تركوا الاجتهاد لعدم وجوبه عليهم فهذا التعليل انما يتم لو ثبت وجوب الاجتهاد عليهم و وقوعه منهم.
أقول: قد أشرنا سابقا إلى انه لا يخفى على من تأمل جميع البلدان و لا شاهد أبلغ من العيان فإنه ليس شيء منها موافقا للعلامات الرياضية التي حكموا بإفادتها العلم فضلا عن الظن، فاني من جملة من تتبع ذلك لأني لما سافرت الى حج بيت الله الحرام على طريق البحر رجعت على طريق البر فاتفق ان جماعة الحجاج اتفقوا مع الأمير ان يمضي بهم الى المدينة فخرجنا من مكة المعظمة سائرين إلى جهة الشمال خمسة أيام حتى وصلنا الى منزل يقال له مران فوقع بين الأمير و الحاج اختلاف في ما وعدهم و طلب منهم مبلغا زائدا و اتفق الأمر على عدم مغدى المدينة المشرفة و الرجوع الى الأحساء، فمشينا على الطريق المتوجهة إلى الأحساء و كان مسيرنا الى طرف المشرق و كنت إذا جن الليل ارى المسير على مطلع الثريا و هو مائل عن نقطة المشرق إلى جهة الشمال كما لا يخفى حتى وصلنا الى منزل يسمى سديرة فسافرنا منه قاصدين إلى جهة الشمال ثلاثة أيام ثم دخلنا الأحساء، و الأحساء كالبحرين و القطيف قبلتها الآن على نقطة المغرب، و ما ذكرناه من هذا الانحراف الذي شاهدناه موافق لما ذكره علماء الهيئة مما قدمنا نقله و مؤيد له مع ان قبلة هذه البلدان منذ وجدت و دخلت في الإسلام في زمن النبي (صلى الله عليه
407
و آله) و عين فيها ولاة من جهته (صلى الله عليه و آله) انما كان على هذه الجهة التي هي نقطة المغرب و استمر عليها السلف و الخلف، و قد قدمنا لك ما وقع في مصرنا لبعض الفضلاء الأعيان في اجتهاده في مساجد بهبهان، و مثل ذلك ما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى قال: و قد وقع في زماننا اجتهاد بعض علماء الهيئة في قبلة مسجد دمشق و ان فيه تياسرا عن القبلة مع تواطؤ الأعصار الماضية على عدم ذلك. انتهى. و قد وقع مثله لشيخنا الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي في قبلة خراسان كما ذكره بعض الأعيان. و نقل في الذخيرة عن عبد الله بن المبارك انه أمر أهل مرو بالتياسر بعد رجوعه من الحج، و قد تقدم في كلام شيخنا المجلسي ان محراب مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) مخالف للقواعد الرياضية و كذا مسجد الكوفة و مسجد السهلة و مسجد يونس و تقدم بيان ذلك، الى غير ذلك من البلدان التي يقع التأمل فيها و المطابقة بين قبلتها و القبلة التي ذكرها علماء الهيئة بالنسبة إليها، و اللازم من ذلك أحد أمرين اما بطلان صلوات أهل تلك البلدان في جميع الأزمان أو عدم اعتبار هذه العلامات و ان أفادت اليقين كما ذكروه دون الظن و التخمين. و الأول أظهر في البطلان من ان يحتاج الى البيان سيما و جملة منها مما صلى فيه الأئمة (عليهم السلام) كالمدينة و خراسان و مسجد الكوفة و دعوى التغيير في هذه البلدان عما كانت عليه في سابق الأزمان دعوى بغير دليل بل مخالفة لما جرت عليه كافة العلماء جيلا بعد جيل فيتعين الثاني، و يتأيد بما قدمناه من الاخبار و المؤيدات الدالة على سعة أمر القبلة، و بذلك يسقط هذا البحث من أصله و ما ذكر فيه من التفريعات. و الله العالم.
(السادس) [عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم جواز الفريضة على الراحلة اختيارا بل قال في المعتبر انه مذهب العلماء كافة سواء في ذلك الحاضر و المسافر.
و الأصل في ذلك الأخبار، و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن
408
ابن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة و تجزئه فاتحة الكتاب و يضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شيء و يومئ في النافلة إيماء».
و عن عبد الله بن سنان (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا؟ قال لا إلا من ضرورة».
و عن عبد الله بن سنان في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«لا تصل شيئا من المفروض راكبا، قال النضر في حديثه: إلا ان تكون مريضا».
و صاحب المدارك قد نقل الرواية الاولى من روايتي عبد الله بن سنان المذكورتين و جعلها من الموثق مع ان في سندها احمد بن هلال و هو ضعيف غال و روايته الموثقة انما هي الثانية بغير المتن الذي نقله.
و اما ما يدل على الجواز مع الضرورة مضافا الى ما عرفت من هذه الروايات فمنه
ما رواه الشيخ عن محمد بن عذافر (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون في وقت الفريضة لا يمكنه الأرض من القيام عليها و لا السجود عليها من كثرة الثلج و الماء و المطر و الوحل أ يجوز له ان يصلي الفريضة في المحل؟ قال نعم هو بمنزلة السفينة إن امكنه قائما و إلا قاعدا، و كل ما كان من ذلك فالله اولى بالعذر يقول الله عز و جل: بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (5).
و عن جميل بن دراج في الصحيح (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الفريضة في المحمل في يوم و حل و مطر».
و عن مندل بن علي (7) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على راحلته الفريضة في يوم مطير».
و قال في الفقيه (8)
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(4) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(5) سورة القيامة، الآية 14.
(6) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(7) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
(8) رواه في الوسائل في الباب 14 من القبلة.
409
«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلي على راحلته الفريضة في يوم مطير».
و عن الحميري و هو عبد الله بن جعفر (1) قال: «كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) روى جعلني الله فداك مواليك عن آبائك ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الفريضة على راحلته في يوم مطير و يصيبنا المطر في محاملنا و الأرض مبتلة و المطر يؤذي فهل يجوز لنا يا سيدي ان نصلي في هذه الحال في محاملنا أو على دوابنا الفريضة ان شاء الله تعالى؟ فوقع (عليه السلام) يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة».
و روى أبو منصور احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه) (2) «انه كتب إليه يسأله عن رجل يكون في محمله و الثلج كثير بقامة رجل فيتخوف ان نزل الغوص فيه و ربما يسقط الثلج و هو على تلك الحال فلا يستوي له ان يلبد شيئا منه لكثرته و تهافته هل يجوز ان يصلي في المحمل الفريضة فقد فعلنا ذلك أياما فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟
فأجاب لا بأس به عند الضرورة و الشدة».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) «ان صليت فريضة على ظهر دابتك استقبل القبلة بتكبيرة الإحرام ثم امض حيث توجهت بك دابتك تقرأ فإذا أردت الركوع و السجود استقبل القبلة و اركع و اسجد على شيء يكون معك مما يجوز عليه السجود و لا تصلها إلا في حال الاضطرار جدا، و تفعل فيها مثله إذا صليت ماشيا إلا انك إذا أردت السجود سجدت على الأرض».
و اما ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم- (4) قال: «سأله أحمد بن النعمان فقال أصلي في محملي و انا مريض؟ قال فقال اما النافلة فنعم و اما الفريضة فلا. قال و ذكر أحمد شدة وجعه فقال انا كنت مريضا شديد المرض فكنت آمرهم إذا حضرت الصلاة ينيخوا بي فاحتمل بفراشي فأوضع و أصلي ثم احتمل بفراشي فأوضع في محملي».
- فحمله الشيخ على
____________
(1) الوسائل الباب 14 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 14 من القبلة.
(3) ص 16.
(4) الوسائل الباب 14 من القبلة.
410
الاستحباب. و الأقرب حمله على مرض يحتمل فيه الوضع على الأرض كما حكاه الامام (عليه السلام) عن نفسه، و قد عرفت من روايتي الحميري و ابنه اناطة الصلاة في المحمل بالضرورة الشديدة.
[فوائد]
و تحقيق البحث كما هو حقه في المقام يتوقف على رسم فوائد:
(الأولى) [هل يفرق في حكم الفريضة على الراحلة بين أفرادها؟]
(1)- إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي انه لا فرق في الصلاة المفروضة بين اليومية و غيرها و لا بين ما وجب بالأصل أو لعارض، و به صرح الشهيد (قدس سره) في الذكرى فقال: لا تصح الفريضة على الراحلة اختيارا إجماعا لاختلال الاستقبال و ان كانت منذورة سواء نذرها راكبا أو مستقرا على الأرض لأنها بالنذر أعطيت حكم الواجب. قال في المدارك بعد نقل ملخص ذلك: و يمكن القول بالفرق و اختصاص الحكم بما وجب بالأصل خصوصا مع وقوع النذر على تلك الكيفية عملا بمقتضى الأصل و عموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر. و يؤيده
رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل جعل لله عليه ان يصلي كذا و كذا هل يجزئه ان يصلي ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال نعم».
ثم قال و في الطريق محمد بن أحمد العلوي و لم يثبت توثيقه. و سيأتي تمام البحث في ذلك ان شاء الله تعالى. انتهى و ما ذكره جيد للخبر المذكور مؤيدا بما ذكره قبله و ان عكس الأمر بناء على ضعفه باصطلاحه كما نبه عليه.
أقول: يمكن ان يقال باختصاص إطلاق الاخبار هنا باليومية لأنها المتبادرة عند الإطلاق و الفرد المتكثر المتكرر الشائع فينصرف إليه الإطلاق كما قرروه في أمثال هذا الموضع، و به يتأيد ما ذكر في حكم الصلاة المنذورة لعدم دخولها تحت الإطلاق المذكور بناء على ما ذكرناه.
____________
(1) هذه الفائدة هي الثانية في النسخة المطبوعة القديمة مع انها الاولى في النسخ الخطية و لذا قدمناها و يساعده ترتيب الفوائد أيضا كما يظهر بالتأمل، و اما الاولى في النسخة المطبوعة فهي الثالثة في هذه الطبعة كما في النسخ الخطية.
(2) الوسائل الباب 14 من القبلة.
411
(الثانية) [ما يجب فيه الاستقبال من الفريضة على الراحلة]
- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب الاستقبال بما أمكن من صلاته لقوله تعالى «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (1) و على هذا فيجب عليه ان يحرف الدابة لو انحرفت عن القبلة مع المكنة إذا كان المشي إلى صوب القبلة. و لو حرفها عنها عمدا لغير ضرورة بطلت صلاته.
و الذي وقفت عليه من الأخبار مما يتعلق بهذا الحكم
صحيحة زرارة (2) قال:
«قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة الموافقة إيماء على دابته. ثم قال و يجعل السجود اخفض من الركوع و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «إذا كنت راكبا و حضرت الصلاة و تخاف ان تنزل من سبع أو لص أو غير ذلك فلتكن صلاتك على ظهر دابتك و تستقبل القبلة و تومئ إيماء إن أمكنك الوقوف و إلا استقبل القبلة بالافتتاح ثم امض في طريقك التي تريد حيث توجهت بك راحلتك مشرقا و مغربا، و تنحني للركوع و السجود و يكون السجود اخفض من الركوع، و ليس لك ان تفعل ذلك إلا آخر الوقت».
و ظاهر الجميع بل صريحه الاستقبال بتكبيرة الافتتاح، و قد دلت العبارة المتقدمة على الاستقبال ايضا بالركوع و السجود و عليه العمل و ان كان المحافظة على ما ذكروه أحوط ثم انه بناء على ما قدمنا ذكره عنهم قيل يجب عليه تحري الأقرب إلى جهة القبلة فالأقرب، قال في المدارك: و كأن وجهه ان للقرب أثرا عند الشارع و لهذا افترقت الجهات في الاستدراك لو ظهر خطأ الاجتهاد. و قيل بالعدم للخروج عن القبلة فتتساوى الجهات.
قال في المدارك: و لو قيل يجب تحري ما بين المشرق و المغرب دون باقي الجهات لتساويها في الاستدراك لو ظهر خطأ الاجتهاد
لقولهم (عليهم السلام) (4) «ما بين المشرق
____________
(1) سورة البقرة، الآية 139 و 145.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف.
(3) ص 14.
(4) الوسائل الباب 9 و 10 من القبلة.
412
و المغرب قبلة».
كان قويا. انتهى. أقول: قد عرفت انه بالنظر الى الخبرين المذكورين و ما دلا عليه فلا اثر لهذه التخريجات.
(الثالثة) [حكم الصلاة ماشيا من حيث الاستقبال]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) أيضا بالنسبة إلى الماشي المضطر إلى الصلاة مع ضيق الوقت انه يستقبل القبلة بما امكنه من صلاته و يسقط مع العجز و استدل عليه في المدارك بقوله عز و جل «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» (1)
و صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخاف من سبع أو لص كيف يصلي؟ قال يكبر و يومئ برأسه».
و أنت خبير بما في الدليل المذكور من القصور عن الاستدلال فإنه لا دلالة فيه على المشي بوجه و غاية ما تدل عليه الرواية الصلاة في حال الخوف من السبع بالإيماء و ان كان واقفا في محله.
و أظهر منها
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن الرجل يلقى السبع و قد حضرت الصلاة و لا يستطيع المشي مخافة السبع فان قام يصلي خاف في ركوعه و سجوده السبع و السبع امامه على غير القبلة فإن توجه إلى القبلة خاف ان يثب عليه الأسد كيف يصنع؟ قال يستقبل الأسد و يصلي و يومئ برأسه إيماء و هو قائم و ان كان الأسد على غير القبلة».
و الآية و الخبر ايضا على تقدير دلالتهما لا دلالة لهما على اعتبار ضيق الوقت كما ذكروه إلا ان يدعى ذلك في جميع أصحاب الأعذار كما تقدم.
و الأظهر الاستدلال على ذلك
بما رواه في الكافي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على راحلته؟ قال يومئ إيماء و ليجعل السجود اخفض من الركوع. قلت يصلي و هو يمشي. قال نعم يومئ
____________
(1) سورة البقرة، الآية 240.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف.
(4) رواه في الوسائل في الباب 15 و 16 من القبلة.
413
إيماء و ليجعل السجود اخفض من الركوع».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفر و انا أمشي؟ قال اومئ إيماء و اجعل السجود اخفض من الركوع».
و ما رواه الثلاثة في الصحيح عن حريز عن من ذكره عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «انه لم يكن يرى بأسا ان يصلي الماشي و هو يمشي و لكن لا يسوق الإبل».
و إطلاق هذه الاخبار و ان تبادر منه النافلة لكنه شامل للفريضة أيضا و ان قيدت بحال الضرورة كما لا يخفى.
و يدل على ذلك صريحا قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) بعد ذكر صلاة الراكب على ظهر الدابة و انه يستقبل القبلة بتكبيرة الافتتاح ثم يمضي حيث توجهت دابته و انه وقت الركوع و السجود يستقبل القبلة و يركع و يسجد على شيء يكون معه مما يجوز عليه السجود، الى ان قال: و تفعل فيها مثله إذا صليت ماشيا إلا انك إذا أردت السجود سجدت على الأرض. انتهى.
و روى في المقنعة (4) قال: «سئل (عليه السلام) عن الرجل يجد به السير أ يصلي على راحلته؟ قال لا بأس بذلك يومئ إيماء و كذلك الماشي إذا اضطر إلى الصلاة».
و التقييد بجد السير في الراكب و الاضطرار في الماشي قرينة الحمل على الفريضة إذ لا يشترط شيء من ذلك في النافلة كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
ثم انهم ذكروا انه لو أمكن الركوب و المشي في الفريضة مع عدم إمكان الاستقرار احتمل التخيير لظاهر قوله تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» (5) و ترجيح المشي لحصول ركن القيام و ترجيح الركوب لان الراكب مستقر بالذات و ان تحرك بالعرض
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 16 من القبلة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 16 من القبلة.
(3) ارجع الى ص 409.
(4) رواه في الوسائل في الباب 16 من القبلة.
(5) سورة البقرة، الآية 240.
414
بخلاف الماشي. و الأجود تقديم أكثرهما استيفاء للافعال و مع التساوي فالتخيير.
(الرابعة) [الصلاة في الكنيسة أو على بعير معقول]
- لو كان الراكب يتمكن من الركوع و السجود و فرائض الصلاة كالراكب في الكنيسة أو على بعير معقول أو نحو ذلك فهل يجوز الصلاة أم لا؟ المشهور الثاني لظواهر الأخبار المتقدمة لإطلاقها في المنع من الصلاة راكبا، قال شيخنا الشهيد الثاني و هي عامة و وجه عمومها الاستثناء المذكور فيها. و أورد عليه سبطه في المدارك ان هذا العموم انما هو في الفاعل خاصة اما الدابة فمطلقة، و لا يبعد حملها على ما هو الغالب اعني من لا يتمكن من استيفاء الأفعال. انتهى. و هو جيد. و نقل عن فخر المحققين الاستدلال على ذلك بما لا يخلو من ضعف كما نبه عليه في المدارك.
ثم قال في المدارك: و الأقرب الجواز كما اختاره العلامة في النهاية إذ المفروض التمكن من استيفاء الأفعال و الأمن من زواله عادة في ثاني الحال. انتهى. و هو جيد ان تم ما ذكره من التمكن.
إلا ان ظاهر كلام الشهيد في الذكرى تعليل المنع في الكنيسة بعدم الاستقرار و عليه فلا يكون متمكنا من استيفاء الأفعال حيث انه علل المنع في الراكب في الكنيسة بعدم الاستقرار، قال و لهذا لا يصح صلاة الماشي مستقبلا مستوفيا للأفعال لأن المشي أفعال كثيرة خارجة عن الصلاة فيبطلها و انما خرجت النافلة بدليل آخر مع المسامحة فيها. انتهى.
و عندي في حمل الصلاة في الكنيسة على صلاة الماشي و انها مثلها في عدم الاستقرار إشكال، لأن الراكب في الكنيسة مستقر في مكانه و انما يتحرك به البعير و الدابة بخلاف الماشي المتحرك بنفسه، و بالجملة فإني لا اعرف له وجه استقامة. و مثله الكلام في الدابة المعقولة بحيث لا يأمن من الحركة و الاضطراب فان استيفاء الأفعال على ظهرها غير ممكن مع ان إطلاق الأمر بالصلاة ينصرف الى الفرد المعهود و هو ما كان على الأرض و ما في معناها فالأظهر العدم إلا مع الضرورة.
415
و أشكل من ذلك ما ذكروه في الأرجوحة المعلقة بالحبال فقال في المدارك على اثر عبارته المتقدمة- و هي قوله: و الأقرب الجواز كما اختاره العلامة في النهاية- و قريب من ذلك الكلام في الأرجوحة المعلقة بالحبال و نحوها. فإنه ظاهر في جواز الصلاة عليها، و ظاهره باعتبار اتصاله بالكلام المتقدم انه يمكن استيفاء الأفعال عليها، و نقل القول بالجواز عليها عن العلامة في التذكرة أيضا. و منع من الصلاة عليها في الذكرى و نقله في الذخيرة عن المنتهى ايضا و نقل عن القواعد التوقف.
و الأرجوحة على ما ذكره في القاموس حبل يعلق و يركبه الصبيان، و هو معمول في زماننا أيضا بأن يعلق حبل بين جذعين رفيعين و يجلس عليه الصبي فيحرك به في الهواء صعودا و نزولا.
و لا يخفى ما في عده في هذا المقام و الحكم بصحة الصلاة عليه من الاشكال لاضطرابه و عدم استقراره و عدم إمكان القيام عليه و الركوع و السجود و الجلوس كما هو بوجه من الوجوه، و لعلهم أرادوا بما ذكروه معنى آخر غير ما ادى اليه فهمي القاصر إلا ان عبارة القاموس ظاهرة فيما قلناه.
و قد روى علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي على الرف المعلق بين نخلتين؟ قال ان كان مستويا يقدر على الصلاة عليه فلا بأس».
قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل الخبر من كتاب قرب الاسناد:
يدل على جواز الصلاة على الرف المعلق بين النخلتين و هو يحتمل وجهين (الأول) ان يكون المراد شد الرف بالنخلتين فالسؤال باعتبار احتمال حركتهما و الجواب مبني على انه يكفي الاستقرار في الحال فلا يضر الاحتمال أو على عدم ضرر مثل تلك الحركة.
و (الثاني) ان يكون المراد تعليق الرف بحبلين مشدودين بنخلتين، و فيه اشكال لعدم
____________
(1) الوسائل الباب 35 من مكان المصلى.
416
تحقق الاستقرار في الحال. و الحمل على الأول أولى و أظهر و يؤيده ما ذكره الفيروزآبادي في تفسير الرف بالفتح انه شبه الطاق. انتهى.
أقول: الظاهر من تشبيهه بالطاق يعني في الانحناء و حينئذ فتكون حد بيته في جانب السفل ليحصل القيام على باطنها، و ينبغي ان يكون فيه عرض يحصل فيه السجود و الركوع و الجلوس مع طمأنينة و استقرار، و اليه يشير قوله: «إذا كان مستويا يقدر على الصلاة عليه» و الظاهر ان منشأ السؤال انما هو من حيث كونه في الهواء ليس على الأرض و ان أمكن الاستقرار فيه و الإتيان بالصلاة فيه على وجهها.
و بالجملة فإن ذكر الأرجوحة في هذا المقام مع ما عرفت غريب لا اعرف له وجه استقامة على الظاهر. و الله العالم.
(السابع) [لو اختلف المجتهدون في القبلة]
- قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو اختلف المجتهدون صلوا فرادى لا جماعة لأن المأموم ان كان محقا في الجهة فسدت صلاة امامه و إلا فصلاته فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين. ثم قال بعد ذلك بقليل: لو اختلف الامام و المأموم في التيامن و التياسر فالأقرب جواز الاقتداء لأن صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء و الاختلاف هنا يسير، و لان الواجب مع البعد الجهة و هي حاصلة هنا و التكليف بالعين مع البعد ضعيف. انتهى.
أقول: الظاهر ان كلامه الأول مبني على ما هو المشهور بينهم من ان مناط الصحة مطابقة ما فعله المكلف للواقع و ان كان بحسب ظاهر الشرع متعبدا بظنه، و حينئذ فغاية ما تفيده عبادته مع المخالفة هو سقوط القضاء و المؤاخذة لا قبول العبادة و صحتها و ترتب الثواب عليها من حيث كونها عبادة. و قد عرفت ما فيه في ما تقدم من كتاب الطهارة من النجاسات، و إلا فكيف يحكم هنا ببطلان صلاة أحدهما و الحال ان كلا منهما مكلف بما ادى اليه اجتهاده و امتثال الأمر يقتضي الإجزاء، فتكون صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء كما قال في المسألة الثانية، و حينئذ فلا فرق بين المسألة الاولى
417
و الثانية في صحة الاقتداء و صحة صلاة كل منهما.
و لهذه المسألة نظائر عديدة: منها- ما لو توضأ بماء قليل نجس بالملاقاة كما هو المشهور من نجاسة القليل بالملاقاة لأنه عنده غير نجس كما هو القول الآخر في المسألة، فإنه ان قلنا ان الصحة عبارة عن مطابقة الطهارة للواقع امتنع الائتمام به لمن يعتقد النجاسة لعدم معلومية المطابقة، و ان قلنا ان صحتها لا تعلق لها بالواقع بل الظاهر في نظر المكلف فهي عند المأموم و ان كان لا يعتقد ذلك صحيحة فيجوز له الاقتداء فيها و ان خالف اعتقاده لان صحتها دائرة مدار ظن فاعلها، و هكذا غير ذلك من الفروع فاحتفظ به فإنه فرع غريب.
ثم ان الظاهر ان المراد بالتياسر و التيامن في كلامه ما كان قليلا بحيث لا يخرج به عن الجهة التي يجب التوجه إليها و ان كان مكروها كما سيأتي ان شاء الله تعالى، و الوجه فيه ان العلامات التي بنيت عليها الجهة للبلدان المتسعة تقتضي نوع اتساع في تلك الجهة فلا يضر التيامن و التياسر اليسير فيها.
(الثامن) [الصلاة في السفينة]
- اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة في السفينة فذهب ابن بابويه و ابن حمزة على ما نقل عنهما الى جواز الصلاة فيها فرضا و نفلا مختارا، و هو ظاهر اختيار العلامة في أكثر كتبه و اليه مال السيد السند في المدارك، و نقل عن ابي الصلاح و ابن إدريس أنهما منعا من الصلاة فيها إلا لضرورة، و استقربه الشهيد في الذكرى، و حكى عن كثير من الأصحاب انهم نصوا على الجواز إلا انهم لم يصرحوا بكونه على وجه الاختيار.
و الواجب ذكر أخبار المسألة و النظر في ما تدل عليه، و منها-
صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «أكون في سفينة قريبة من الجد فاخرج و أصلي؟ قال صل فيها اما ترضى بصلاة نوح (عليه السلام)».
____________
(1) الوسائل الباب 13 من القبلة. و في كتب الحديث. تكون السفينة قريبة.».
418
و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن صلاة الفريضة في السفينة و هو يجد الأرض يخرج إليها غير انه يخاف السبع أو اللصوص و يكون معه قوم لا يجتمع رأيهم على الخروج و لا يطيعونه؟ و هل يضع وجهه إذا صلى أو يومئ إيماء أو قاعدا أو قائما؟ فقال ان استطاع ان يصلي قائما فهو أفضل و ان لم يستطع صلى جالسا، و قال لا عليه ان لا يخرج فان ابي سأله عن مثل هذه المسألة رجل فقال أ ترغب عن صلاة نوح؟».
و صحيحة معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة؟ فقال تستقبل القبلة بوجهك ثم تصلي كيف دارت تصلي قائما فان لم تستطع فجالسا تجمع الصلاة فيها ان أرادوا و يصلى على القبر و القفر و يسجد عليه».
و حسنة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن الصلاة في السفينة قال يستقبل القبلة فإذا دارت و استطاع ان يتوجه إلى القبلة فليفعل و إلا فليصل حيث توجهت به، قال فإن أمكنه القيام فليصل قائما و إلا فليقعد ثم يصلي».
و بهذه الاخبار استدل في المدارك على ما اختاره من القول بالجواز مطلقا ثم نقل عن المانعين انهم احتجوا بان القرار ركن في القيام و حركة السفينة تمنع من ذلك، و بان الصلاة فيها مستلزمة للحركات الكثيرة الخارجة عن الصلاة فلا يصار إليها إلا مع الضرورة،
و بما رواه الشيخ عن حماد بن عيسى (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول ان استطعتم ان تخرجوا الى الجدد فاخرجوا فان لم تقدروا فصلوا قياما فان لم تستطيعوا فصلوا قعودا و تحروا القبلة».
و عن علي بن إبراهيم (5) قال: «سألته عن الصلاة في السفينة قال يصلي و هو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة و لا يصلي في السفينة و هو يقدر على الشط، و قال يصلي في السفينة يحول وجهه
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 14 من القيام.
(2) المروية في الوسائل في الباب 14 من القيام.
(3) الوسائل الباب 13 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 13 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 13 من القبلة.
419
إلى القبلة ثم يصلي كيف ما دارت».
ثم قال: و أجيب عن الأول بأن الحركة بالنسبة إلى المصلي عرضية لانه ساكن. و يمكن الجواب عنه أيضا بان ذلك مغتفر بالنص و هو الجواب عن الثاني. و عن الروايتين بعد سلامة السند بحمل الأمر في الأولى على الاستحباب و النهي في الثانية على الكراهة جمعا بين الأدلة. انتهى.
أقول: و التحقيق عندي في هذا المقام ان يقال لا ريب انه قد علم من الأدلة القطعية وجوب القيام في الصلاة و الاستقبال و الركوع و السجود و الاستقرار و الطمأنينة في تلك الأفعال و انه لا يجوز الإخلال بذلك اختيارا، و يؤيده مراعاة ذلك في الصلاة في السفينة كما دلت عليه الروايات المذكورة في الباب و انه لا يخل بشيء من ذلك إلا مع عدم التمكن منه، و يعضده ايضا ما تقدم من الاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة على الراحلة اختيارا، و بما ذكرنا اعترف السيد المذكور في مسألة الصلاة على ظهر الكعبة حيث قال بعد نقل القول بأنه يصلي مستلقيا ما صورته: و الأصح ما اختاره المصنف من وجوب الصلاة على سطحها كما يصلي داخلها عملا بمقتضى الأدلة القطعية الدالة على وجوب القيام و الاستقبال و الركوع و السجود. انتهى. و حينئذ فالواجب في هذا المقام تطبيق الأخبار الواردة في الصلاة في السفينة على هذه القواعد القطعية المتفق على العمل بها، و الأخبار المذكورة عند التأمل الصادق في معانيها منطبقة عليها بأوضح وجه من غير تكلف و لا خروج عن ظواهرها كما سنوضحه ان شاء الله تعالى في المقام، و بموجب ذلك لا يتم ما ذهبوا اليه من القول بالجواز مطلقا على اي نحو كانت السفينة من استقرار و اضطراب و تفصيل ما أجملناه من الكلام المتقدم هو ان يقال انه ان لم يتمكن من الأرض و الصلاة عليها على الوجه المتقدم من الإتيان بجميع الشرائط فلا ريب انه يصلي في السفينة على اي نحو كانت لمكان الضرورة و يتحرى الإتيان بتلك الواجبات حسب الإمكان، و على هذا تحمل الأخبار الدالة على جواز الصلاة في السفينة و ان دارت و تحركت و اضطربت كصحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة معاوية بن عمار و حسنة حماد بن عثمان
420
و نحوها، و ان تمكن من الخروج من السفينة و الصلاة على الأرض فلا يخلو اما ان يتمكن من الصلاة في السفينة و الإتيان بها على وجهها أيضا أم لا، فعلى الأول يتخير بين الصلاة في السفينة و خارجها و على هذا تحمل صحيحة جميل بن دراج و مثلها
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في السفينة الفريضة و هو يقدر على الجد؟ قال نعم لا بأس».
و على الثاني يجب الخروج و الصلاة على الأرض تحصيلا للإتيان بالواجبات المتقدمة على وجهها لإمكان الإتيان بها كما هو المفروض و لا يجوز الصلاة في السفينة هنا و هذه الصورة هي مظهر الخلاف في البين، و على ما ذكرنا تدل صحيحة حماد بن عيسى أو حسنته بإبراهيم بن هاشم التي نقلها عارية عن الوصف بشيء من الأمرين إيذانا بضعفها كما أشار إليه أخيرا، و رواية علي بن إبراهيم، و مثلهما
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى و الحسن بن ظريف و علي بن إسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان أهل العراق يسألون أبي (رضي الله عنه) عن صلاة السفينة فيقول ان استطعتم ان تخرجوا الى الجد فافعلوا فان لم تقدروا فصلوا قياما فان لم تقدروا فصلوا قعودا و نحروا القبلة».
و محمد بن عيسى و ان كان مشتركا و علي بن إسماعيل مهملا إلا ان الحسن بن ظريف ثقة فالحديث صحيح صريح في المراد.
و على ما ذكرناه قد اجتمعت الاخبار على وجه لا يعتريه الغبار إلا انه
قد روى الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون في السفينة و تحضر الصلاة أ يخرج الى الشط؟ فقال لا أ يرغب عن صلاة نوح؟ فقال صل في السفينة قائما فان لم يتهيأ لك من قيام فصلها قاعدا فان دارت السفينة فدر معها و تحر
____________
(1) الوسائل الباب 14 من القيام.
(2) الوسائل الباب 14 من القيام.
(3) مستدرك الوسائل الباب 9 من القبلة.
421
القبلة جهدك فان عصفت الريح و لم يتهيأ لك ان تدور إلى القبلة فصل الى صدر السفينة. و لا تجامع مستقبل القبلة و لا مستدبرها».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «إذا كنت في السفينة و حضرت الصلاة فاستقبل القبلة و صل إن أمكنك قائما و إلا فاقعد إذا لم يتهيأ لك فصل قاعدا و ان دارت السفينة فدر معها و تحر القبلة، و ان عصفت الريح فلم يتهيأ لك ان تدور إلى القبلة فصل الى صدر السفينة و لا تخرج منها الى الشط من أجل الصلاة، و روى انه تخرج إذا أمكنك الخروج و لست تخاف عليها انها تذهب ان قدرت ان توجه نحو القبلة و ان لم تقدر تثبت مكانك، هذا في الفرض و يجزئك في النافلة ان تفتتح الصلاة تجاه القبلة ثم لا يضرك كيف دارت السفينة لقول الله تعالى «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (2) و العمل على ان تتوجه إلى القبلة و تصلي على أشد ما يمكنك في القيام و القعود ثم ان يكون الإنسان ثابتا في مكانه أشد لتمكنه في الصلاة من ان يدور لطلب القبلة».
انتهى.
و هذان الخبران ظاهران في جواز الصلاة في السفينة حال الاضطراب و ان امكنه الخروج إلى الأرض، و الجواب عنهما انهما لا يبلغان قوة في معارضة ما أشرنا إليه من الاخبار الدالة على تلك الأحكام عموما و خصوصا و لا يبعد حملهما على التقية و ان لم يحضرني الآن مذهب العامة في ذلك، و لعل في قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه بعد إفتائه بذلك «و روى. الى آخره» إشارة الى ذلك فان مخالفته لما روى عن آبائه (عليهم السلام) انما يكون لذلك.
و بذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند في المدارك من المجازفة في المقام (اما أولا) فلطعنه في رواية إبراهيم بن هاشم بعدم سلامة السند مع انه في الأغلب يعد حديثه في الحسن و ربما عده في الصحيح في المقام الذي يحتاج الى العمل به كما أشرنا إليه في غير موضع.
____________
(1) ص 14.
(2) سورة البقرة، الآية 109.
422
و (ثانيا)- تعليله المنع بان القرار ركن في القيام و جوابه عن ذلك بما ذكره أخيرا، و لا يخفى عليك ما فيه فان جواز الصلاة في السفينة ربما استلزم ترك القيام بالكلية و ترك الركوع و السجود على ما يصح السجود عليه و نحو ذلك، و كل هذه واجبات قطعية كما اعترف به آنفا لا يجوز الإخلال بها اختيارا و لهذا روعيت في الصلاة في السفينة مع الاضطرار، فكيف تكون مغتفرة بالنص كما ادعاه و الحال انه يمكن الإتيان بها على وجهها بالخروج عن السفينة؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة، نعم لو لم يمكن ذلك فلا شك في الجواز و لا خلاف لمكان الضرورة.
و (ثالثا)- ان ما جمع به بين الأخبار من حمل النهي في رواية علي بن إبراهيم على الكراهة و الأمر في حسنة حماد على الاستحباب كما هي الطريق المتسع لهم في جميع الأبواب انما يتم على تقدير تسليم ذلك لو انحصر الجمع بين الاخبار بذلك، و ليس كذلك بل الأظهر في الجمع- و هو الطريق الواضح- هو ان يقال ان الروايات التي استدل بها ما عدا صحيحة جميل مطلقة و روايتنا مفصلة و طريق الجمع حمل المجمل على المفصل، و اما صحيحة جميل فقد عرفت الوجه فيها.
ثم ان ما تكرر من الاخبار- من قولهم (عليهم السلام): «أ ترغب عن صلاة نوح» و نحو ذلك مما يدل على هذا المعنى- فالظاهر ان وجهه انهم كانوا يظنون عدم جواز الصلاة في السفينة أو نقصانها و لو مع الضرورة فأجيبوا بذلك كما يشعر به
صحيح أبي أيوب الخزاز (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انا ابتلينا و كنا في سفينة و أمسينا و لم نقدر على مكان نخرج اليه فقال أصحاب السفينة ليس نصلي يومنا ما دمنا نطمع في الخروج؟ فقال ان ابي كان يقول تلك صلاة نوح أو ما ترضى ان تصلى صلاة نوح؟ فقلت بلى. الحديث».
و الله العالم.
(البحث الثالث)- في ما يستقبل له و في أحكام الخلل
، فالكلام يقع في مقامين
____________
(1) الوسائل الباب 14 من القيام.
423
[المقام] (الأول)- ما يستقبل له
، و يجب الاستقبال في فرائض الصلاة مع الإمكان كما تقدم، و بالميت عند احتضاره و الصلاة عليه و دفنه، و قد تقدم الكلام في ذلك في فصل غسل الأموات، و عند الذبح كما يأتي ان شاء الله تعالى في محله، كل ذلك مع الإمكان فيسقط في كل موضع لا يتمكن منه كصلاة المطاردة و عند ذبح الدابة الصائلة أو المتردية بحيث لا يمكن صرفها إلى القبلة إجماعا نصا و فتوى كما سيأتي في مواضعها ان شاء الله تعالى و ذكر بعض الأصحاب ان الاستقبال يتصف بالأحكام الأربعة فيجب في هذه المواضع و يحرم في حال التخلي على المشهور كما تقدم بيانه في محله، و يكره في حال الجماع مستقبلا و مستدبرا
كما رواه الصدوق في كتاب الهداية عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لا تجامع مستقبل القبلة و مستدبرها».
و قال في كتاب الفقيه (2) «و نهى عن الجماع مستقبل القبلة و مستدبرها».
و يستحب للجلوس للقضاء و الدعاء مؤكدا بل الجلوس مطلقا
لقوله (صلى الله عليه و آله) (3) «أفضل المجالس ما استقبل به القبلة».
و لا يكاد الإباحة بالمعنى الأخص يتحقق هنا.
و يستحب الاستقبال بالنافلة لا بمعنى انه يجوز فعلها الى غير القبلة و ان كان المصلي مستقرا على الأرض بل على حد استحباب الوضوء لها و القراءة فيها و نحو ذلك من حيث انها شروط في صحتها لكن لا يتصف بالوجوب مع ان أصل النافلة مستحبة. و ربما ظهر من بعض العبارات جواز النافلة الى غير القبلة و ان كان مستقرا على الأرض، و هو
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 52 من مقدمات النكاح.
(2) الوسائل الباب 12 من القبلة.
(3) في الوسائل الباب 76 من أحكام العشرة: روى الشيخ بهاء الدين في مفتاح الفلاح قال و روى عن أئمتنا (ع) «خير المجالس ما استقبل به القبلة» و رواه المحقق في الشرائع مرسلا و في المستدرك الباب 64 من أحكام العشرة عن كتاب الغايات عن ابن عباس قال قال رسول الله (ص) «ان لكل شيء شرفا و ان أشرف المجالس ما استقبل به القبلة».
424
يعيد لان العبادات موقوفة على التشريع من صاحب الشرع و لم ينقل عنه ذلك فيكون إيقاعها كذلك تشريعا محرما. و يجوز صلاتها الى غير القبلة سفرا بلا خلاف و قال في المعتبر انه اتفاق علمائنا طويلا كان السفر أو قصيرا. و اما في الحضر فقولان المشهور الجواز و نقل عن ابن ابي عقيل القول بالمنع.
و الأقرب جواز النافلة الى غير القبلة راكبا و ماشيا سفرا و حضرا ضرورة و اختيارا. و يدل على ذلك الأخبار المتكاثرة، و منها-
صحيحة الحلبي برواية الشيخين في الكافي و التهذيب (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة على البعير و الدابة فقال نعم حيث كان متوجها. قال فقلت استقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال لا و لكن تكبر حيثما تكون متوجها و كذلك فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و قوله: «قال فقلت الى قوله متوجها» في رواية الكافي دون التهذيب، و أكثر الأصحاب في كتب الاستدلال و منهم صاحب المدارك انما نقلوا الرواية من طريق الشيخ عارية من هذه الزيادة.
و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلي النوافل في الأمصار و هو على دابته حيث توجهت به؟ فقال نعم لا بأس».
و رواه الصدوق في الفقيه عن عبد الرحمن عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (3).
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (4) «في الرجل يصلي النافلة على دابته في الأمصار؟ قال لا بأس».
و عن صفوان الجمال (5) قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي صلاة الليل بالنهار على راحلته أينما توجهت به».
____________
(1) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 26 من أعداد الفرائض.
425
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال «قال لي أبو جعفر (عليه السلام) صل صلاة الليل و الوتر و الركعتين في المحمل».
و عن علي بن مهزيار في الصحيح (2) قال: «قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد الى ابي الحسن (عليه السلام) اختلف أصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم ان صلهما في المحمل و روى بعضهم ان لا تصلهما إلا على الأرض فأعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك، فوقع (عليه السلام) موسع عليك بآية عملت».
و روى في التهذيب و الفقيه عن إبراهيم الكرخي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له اني اقدر على ان أتوجه إلى القبلة في المحمل؟ قال ما هذا الضيق اما لك برسول الله (صلى الله عليه و آله) أسوة؟».
و روى في التهذيب عن إبراهيم بن ميمون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان صليت و أنت تمشي كبرت ثم مشيت فقرأت و إذا أردت أن تركع أومأت بالركوع ثم أومأت بالسجود، و ليس في السفر تطوع».
و روى الشيخ في الصحيح عن سيف التمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: «. انما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما و لا بعدهما شيء إلا صلاة الليل على بعيرك حيث توجه بك».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي: إذا أردت أن تصلي نافلة و أنت راكب فاستقبل رأس دابتك حيث توجه بك مستقبل القبلة أو مستدبرها يمينا أو شمالا فان صليت فريضة على ظهر دابتك.
الى آخر عبارة كتاب الفقه الاولى من عبارتيه المتقدمتين في الموضع السادس (6) و هذه العبارة نقلها الصدوق بتمامها في النافلة و الفريضة
____________
(1) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 16 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 22 من أعداد الفرائض.
(6) ص 409.
426
عن أبيه في رسالته اليه حذو عبارة كتاب الفقه كلمة كلمة و حرفا حرفا الى آخرها، و هو دليل ما أشرنا إليه في غير موضع من الاعتماد على الكتاب المذكور.
و روى الصدوق في الفقيه (1) بسنده عن سعيد بن يسار «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي صلاة الليل و هو على دابته أ له ان يغطي وجهه و هو يصلي؟ قال اما إذا قرأ فنعم و اما إذا أومأ بوجهه للسجود فليكشفه حيث أومأت به الدابة».
قال في الوافي: و ذلك لان الإيماء بالوجه بدل من السجود الذي يشترط فيه كشف الجبهة بخلاف القراءة. و هو حسن.
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي نجران (2) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة بالليل في السفر في المحمل؟ قال إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر و صل حيث ذهب بك بعيرك. قلت جعلت فداك في أول الليل؟ فقال إذا خفت الفوت في آخره».
أقول: في هذا الخبر دلالة على ان الرخصة بتقديم صلاة الليل في أول الليل مخصوصة بمن يخاف فواتها في آخر الليل و يجب تخصيصه ايضا بمن يخاف عدم التمكن من القضاء و إلا فالقضاء أفضل و قد تقدم الكلام في المسألة.
و في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة و صفوان بن يحيى و محمد بن ابي عمير عن أصحابهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في الصلاة في المحمل؟ فقال صل متربعا و ممدود الرجلين و كيف أمكنك».
و روى في الكافي عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن الصلاة في السفر الى ان قال و ليتطوع بالليل ما شاء ان كان نازلا و ان كان راكبا فليصل على دابته و هو راكب و لتكن صلاته إيماء و ليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوعه».
و عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 15 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 15 من القبلة.
427
السلام) عن الرجل يصلي على راحلته؟ قال يومئ إيماء (1) و ليكن رأسه حيث يريد السجود اخفض من ركوعه».
و روى في قرب الاسناد في الصحيح عن حماد بن عيسى (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى تبوك فكان يصلي صلاة الليل على راحلته حيث توجهت به و يومئ إيماء».
و روى أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (3) «في قوله تعالى فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (4) قال هذا في النوافل في حال السفر خاصة و اما الفرائض فلا بد فيها من استقبال القبلة».
و قد تقدم جملة من الاخبار الدالة على تفسير الآية بذلك في التنبيه الثالث من التنبيهات المتقدمة في البحث الثاني
و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال: «سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريبا من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلا بالكوفة؟ فقال ان كنت مستعجلا لا تقدر على النزول و تخوفت فوت ذلك ان تركته و أنت راكب فنعم و إلا فإن صلاتك على الأرض أحب الي».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال:
«لا بأس ان يصلي الرجل صلاة الليل في السفر و هو يمشي، و لا بأس ان فاتته صلاة الليل ان يقضيها بالنهار و هو يمشي يتوجه إلى القبلة ثم يمشي و يقرأ فإذا أراد ان يركع حول وجهه إلى القبلة و ركع و سجد ثم مشى».
و قد تقدمت صحيحتا يعقوب بن شعيب و صحيحة حريز في صلاة الماشي و انه
____________
(1) في كتب الحديث «و ليجعل السجود اخفض من الركوع».
(2) رواه في الوسائل في الباب 15 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 15 من القبلة. و ما ذكره انما هو رواية الشيخ في النهاية راجع ص 401.
(4) سورة البقرة، الآية 109.
(5) رواه في الوسائل في الباب 15 من القبلة.
(6) الوسائل الباب 16 من القبلة.
428
يومئ بالركوع و السجود في الفائدة الثالثة من التنبيه السادس من البحث المتقدم.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه يستفاد من هذه الاخبار جملة من الأحكام:
منها- جواز النافلة الى غير القبلة ماشيا أو راكبا في الحضر خلافا لابن ابي عقيل كما دلت عليه صحيحتا عبد الرحمن بن الحجاج و حماد بن عثمان مؤيدا بإطلاق جملة من روايات المسألة، و لم نقف لابن ابي عقيل على دليل و هذه روايات المسألة كما رأيت خالية من ذلك.
و منها- ان الأفضل ان يستقبل بتكبيرة الإحرام على الدابة ثم يتم صلاته حيث ذهبت راحلته كما تضمنته صحيحة عبد الرحمن بن ابي نجران و إطلاق جملة من الاخبار، و صريح صحيحة الحلبي جوازها ايضا الى غير القبلة بناء على رواية الكافي و لذا حملنا الصحيحة المذكورة على الفضل و الاستحباب. و قطع ابن إدريس بوجوب الاستقبال بالتكبير و نقله عن جماعة الأصحاب إلا من شذ. و هو محجوج بالصحيحة المذكورة. و السيد السند قد استدل في المدارك على الاستحباب بصحيحة عبد الرحمن المذكورة، ثم نقل عن ابن إدريس القول بوجوب الاستقبال بالتكبيرة و رده بإطلاق الأخبار التي قدمها. و أنت خبير بما فيه فان لابن إدريس الجواب عن ذلك بتقييد الإطلاق بالصحيحة المذكورة كما هو القاعدة. و الحق في دفع ما ذهب اليه انما هو الاحتجاج بصحيحة الحلبي المروية في الكافي إلا ان صاحب المدارك كما أشرنا إليه آنفا انما نقل الصحيحة المذكورة من التهذيب و هي عارية فيه عن موضع الاستدلال فلهذا حصل في جوابه الاشكال. و العجب من صاحب الذخيرة انه جمد على جواب صاحب المدارك في هذا المقام مع انه روى الصحيحة بالزيادة التي هي محل الاستدلال من الكافي و غفل عن الاستدلال بها مع صراحتها في الجواب و لزوم الإشكال في الجواب بدونها كما عرفت. و اما في الفريضة فإنه يجب ان يستقبل بتكبيرة الإحرام فيها إلى القبلة كما تقدم.
و منها- انه يومئ في حال الصلاة راكبا للركوع و السجود و يجعل الإيماء للسجود اخفض من الركوع، و هذا بخلاف الفريضة فإنه يجب ان يضع جبهته على ما يصح السجود
429
عليه كما تقدم في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله من قوله
«و يضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شيء و يومئ في النافلة إيماء».
و مثله في عبارة كتاب الفقه الرضوي المتقدمة في التنبيه السادس.
و منها- ان الأفضل للماشي أن يحول وجهه إلى القبلة و يركع و يسجد على الوجه الحقيقي فيهما جمعا بين ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة من الأمر بذلك و بين صحيحتي يعقوب بن شعيب المتقدمتين في الموضع المشار اليه آنفا الدالتين على الإيماء بالركوع و السجود، و نحوهما رواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة هنا.
و منها- ان الأفضل في صلاة النافلة في الحضر ان تكون على الأرض كما يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم، و اما في السفر فظاهر صحيح علي بن مهزيار المتقدم التخيير. و اما
ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق في حديث طويل أورده الشيخ (قدس سره) في الزيادات من باب المواقيت (1) «عن الرجل تكون عليه صلاة في الحضر هل يقضيها و هو مسافر؟ قال نعم يقضيها بالليل على الأرض فاما على الظهر فلا».
فيمكن حمله على الفريضة و تخصيص الليل بالقضاء لانه وقت النزول و الاستراحة غالبا، و لو حمل على النافلة لأشكل الحكم فيه بمخالفة هذه الاخبار المستفيضة بجواز صلاة النافلة على الدابة مطلقا. و تخصيص القضاء بالمنع غير معقول إلا ان يحمل على متفردات عمار في اخباره بالأحكام المستغربة. و الله العالم.
(المقام الثاني)- في أحكام الخلل
، قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو صلى إلى جهة ظانا أنها القبلة أو تضيق الوقت عن الجهات الأربع أو لاختيار المكلف بناء على القول بتخيير المتحير ثم ظهر الانحراف، فلا يخلو اما ان يكون في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها، و على كل منهما فاما ان يكون الانحراف في ما بين اليمين و اليسار أو الى محضهما أو الى دبر القبلة، فههنا صور:
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 6 من قضاء الصلوات.
430
(الاولى)- ان يكون ظهور الانحراف في أثناء الصلاة
و يكون الى ما بين اليمين و اليسار، فالظاهر انه لا خلاف في انه يستدير إلى القبلة و يبني على ما مضى
لقولهم (عليهم السلام) (1) «ما بين المشرق و المغرب قبلة».
و لما رواه عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل صلى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته؟ قال ان كان متوجها في ما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة حين يعلم و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة».
و رواية القاسم بن الوليد (3) قال: «سألته عن رجل تبين له و هو في الصلاة انه على غير القبلة؟ قال يستقبلها إذا أثبت ذلك و ان كان قد فرغ منها فلا يعيدها».
و المراد انه يستقبل القبلة إذا تبين الانحراف بإرجاع الضمير إلى القبلة لا إلى الصلاة كما ربما يتوهم، و هي محمولة على ما إذا كان الانحراف بين اليمين و اليسار كما تضمنته رواية عمار. و ظاهر المحقق في المعتبر نقل الإجماع على الحكم المذكور.
(الثانية)- هي الأولى بعينها إلا ان الانحراف خارج عما بين اليمين و اليسار
أعم من ان يكون الى محضهما أو الى دبر القبلة، و قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الحكم فيهما الاستئناف في الوقت.
أقول: و يدل عليه بالنسبة إلى المستدبر موثقة عمار المذكورة، و اما بالنسبة إلى محض اليمين و اليسار فقد استدلوا عليه بإخلاله بشرط الواجب مع بقاء وقته و الإتيان به ممكن فيجب، و لانه موجب للاستئناف بعد الفراغ كما سيأتي ان شاء الله تعالى فكذا في الأثناء لأن ما يفسد الكل يفسد الجزء. قال في المدارك و يؤيده رواية القاسم بن الوليد، ثم ساق الرواية المتقدمة. و استدلاله بها هنا بناء على إرجاع الضمير في «يستقبلها» إلى الصلاة و حمل «غير القبلة» على ما خرج عما بين اليمين و اليسار. و الى ما ذكرنا من حملها على ما دلت عليه موثقة عمار في الصورة الأولى يشير كلام العلامة في المنتهى حيث
____________
(1) الوسائل الباب 10 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 10 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 10 من القبلة.
431
أنه ذكرها مع موثقة عمار دليلا للصورة الاولى و كذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة.
و أنت خبير بان آخر الرواية المذكورة قد تضمن انه متى فرغ و الحال هذه فإنه لا يعيدها و هذا المعنى لا ينطبق على جعلها من قبيل الصورة الثانية لوجوب الإعادة في الوقت فيها كما عرفت مع تصريح الرواية بالعدم و انما ينطبق على الصورة الأولى التي لا اعادة فيها بعد الفراغ كصحيح معاوية بن عمار كما سيأتي في الصورة الثالثة.
و يظهر من كلام الشيخ في المبسوط الخلاف في ما لو ظهر الانحراف الى محض اليمين و اليسار فإنه ألحقه بما بين اليمين و اليسار دون دبر القبلة كما هو المعروف من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث قال (قدس سره): و ان كان في خلال الصلاة ثم ظن ان القبلة عن يمينه أو شماله بنى عليه و استقبل القبلة و أتمها و ان كان مستدبرا القبلة أعاد من أولها بلا خلاف و قال فيه ايضا: و ان دخل يعني الأعمى فيها ثم غلب على ظنه ان الجهة في غيرها مال إليها و بنى على صلاته ما لم يستدبر القبلة. انتهى. و هو ظاهر كما ترى في تخصيص الاستئناف بصورة الاستدبار، و من المعلوم ان محض اليمين و اليسار لا يدخل في الاستدبار و لا يصدق عليه لفظه فيكون الواجب فيها الاستدارة و الإتمام كما في ما بين اليمين و اليسار. و الظاهر ضعفه لما عرفت.
(تنبيه)
- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ذكر هذه الصورة:
فرع- لو تبين في أثناء الصلاة الاستدبار و قد خرج الوقت فالأقرب أنه ينحرف و لا اعادة و هو اختيار الشهيدين، لا لما ذكراه من استلزام القطع القضاء المنفي لانتفاء الدلالة على بطلان اللازم بل لانه دخل دخولا مشروعا و الامتثال يقتضي الاجزاء، و الإعادة انما تثبت إذا تبين الخطأ في الوقت كما هو منطوق روايتي عبد الرحمن و سليمان بن خالد (1) انتهى. و على هذه المقالة تبعه من تأخر عنه كالفاضل الخراساني في الذخيرة و غيره.
و في ما ذكره عندي نظر من وجهين (أحدهما) ان ما نقله عن الشهيدين لا يخلو من خلل في النقل:
____________
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
432
اما الشهيد الأول فإنه لم يصرح بهذه المسألة إلا في كتاب الذكرى و هذه صورة عبارته فيه: لو تبين في أثناء الصلاة الاستدبار أو أحد الجانبين و قد خرج الوقت أمكن القول بالاستقامة و لا إعادة لدلالة فحوى الأخبار عليه، و يمكن الإعادة لأنه لم يأت بالصلاة في الوقت. انتهى. و ظاهره كما ترى التردد و التوقف في المسألة حيث ذكر الاحتمالين و لم يرجح شيئا في البين، و الاحتمال الأول و هو الذي نسبه مذهبا اليه انما استدل عليه بفحوى الاخبار و الظاهر ان مراده فحوى روايتي عبد الرحمن و سليمان بن خالد الآتيتين ان شاء الله تعالى، و هو
قوله (عليه السلام) (1): «و ان فاتك الوقت فلا تعد».
فإنه يصدق في الصورة المذكورة انه فاته الوقت و هو راجع الى ما ذكره هو من الاستدلال بالروايتين المذكورتين ايضا، و اين هذا من الذي نقله عنهما؟
و اما جده الشهيد الثاني فإنه لم يذكر هذه المسألة أيضا لا في المسالك و لا في الروضة و انما ذكرها في الروض بهذه العبارة: نعم لو فرض تبين التيامن أو التياسر بعد الوقت في من أدرك منه ركعة أو المستدبر على القول بالمساواة. أمكن القول بالاستقامة و لا إعادة لإطلاق الاخبار، و عدمه لانه لم يأت بالصلاة في الوقت و لان ما بعد الوقت هنا بحكم الواقع فيه فيكون بحكم الذاكر فيه. و يضعف بأن الأول مصادرة و مساواة ما بعد الوقت لما قبله مطلقا ممنوعة بل في محل النص و الوفاق لا في جميع الأحكام على الإطلاق. انتهى و كلامه و ان كان مؤذنا باختياره ما نقله عنه إلا انه انما علله بما قدمنا نقله عن الذكرى لا ما ذكره من استلزام القطع القضاء المنفي حتى انه يعترض عليه بانتفاء الدلالة على بطلان اللازم. و احتمال كونهما ذكرا ذلك في غير هذه الكتب المشهورة بعيد غاية البعد.
و (ثانيهما)- انه لا يخفى ان هذا الفرع المذكور لا يدخل تحت شيء من اخبار المسألة، و ما ذكروه من الوجوه الموجبة لصحة الصلاة مع الاستدارة إلى جهة القبلة لا يخلو من اشكال، و ذلك فان مورد أخبار المسألة كون الصلاة التي وقع الانحراف فيها
____________
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
433
كانت في الوقت و ان الوقت متسع بعدها و قد اشتملت على التفصيل في تلك الصلاة بين كون الانحراف فيها الى ما بين اليمين و اليسار مع العلم به في الأثناء و الحكم فيه الاستدارة و الإتمام أو خارجا عن ذلك و الحكم فيه الابطال و الإعادة أو انما يحصل العلم بعد الفراغ في الوقت و الحكم الإعادة في الوقت خاصة على المشهور في أحد فرديه. و اما لو وقع جزء من الصلاة خارج الوقت و علم الانحراف الى دبر القبلة و الحال هذه فكما يحتمل ما ذكره الشهيدان من الاستدارة و الصحة بناء على إطلاق قوله (عليه السلام) في الروايتين المشار إليهما «و ان فاتك الوقت فلا تعد» و ان هذا قد فاته الوقت في الصورة المذكورة كذا يمكن إدخال هذه الصورة تحت موثقة عمار المتقدمة و قوله فيها «و ان كان متوجها الى دبر القبلة فليقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة» فإن إطلاق هذا الخبر شامل لما لو كانت الصلاة أداء في الوقت أو قضاء في خارجه أو وقع بعضها في الوقت كما في الصورة المفروضة، و لا ريب ان دخول هذه الصورة في إطلاق الخبر المذكور أظهر مما ادعوه في ذينك الخبرين، لان الظاهر ان المراد من ذينك الخبرين «و ان فاتك الوقت فلا تعد» انما هو بعد ان صليت الفريضة في وقتها و مضت على الصحة فلا تعدها في خارجه من أجل ذلك الانحراف لا ان المراد فوت الوقت مع وقوع الصلاة كلا أو بعضا خارجه، و إلا للزم ان من صلى قضاء و ظهر الاستدبار في أثنائها انه يتمها بعد الاستدارة لأنه يصدق عليها انها داخلة تحت قوله: «و ان فاتك الوقت» و لا أظن هذا القائل يلتزمه بل الواجب هو الإعادة من رأس البتة.
و اما ما علل به الصحة في الصورة المذكورة- من انه دخل دخولا مشروعا و الامتثال يقتضي الاجزاء- فهو ممنوع لانه و ان دخل دخولا مشروعا إلا انه بعد تبين الاستدبار في الأثناء لا نسلم المشروعية. و منه يظهر بطلان قوله: «و الامتثال يقتضي الاجزاء» و يؤيد ذلك ما في كلامه في الفروع التي في المسألة المذكورة بعد هذه المسألة من حكمه بالإبطال بظهور الاستدبار في الأثناء في الفرع الأول و الفرع الثالث مع جريان
434
تعليله المذكور هنا في تلك المقامات و ليس إلا من حيث ان ظهور الاستدبار موجب للبطلان كما ذكرنا.
و بالجملة فإنه لا ريب ان الاستدبار من قواطع الصلاة الموجبة لبطلانها و وجوب إعادتها لو وقع فيها خرج منه ما لو لم يعلم إلا بعد ان صلاها في الوقت ثم خرج الوقت بناء على المشهور و ظواهر الأخبار الآتية، فيجب الاقتصار على موردها من الصلاة التي صليت في الوقت و وقع التفصيل فيها بما تقدم و بقي الباقي و منه موضع البحث، مع ظهور دخول هذه الصورة تحت إطلاق موثقة عمار المتقدمة كما عرفت. و كيف كان فحيث كانت المسألة غير خالية من شوب الاشكال- لما ذكر من تعدد الاحتمال و ان كان ما ذكرنا هو الأقرب في هذا المجال- فالاحتياط فيها مطلوب على كل حال. و الله العالم.
(الثالثة)- ان يتبين الانحراف بعد الفراغ من الصلاة و كان الانحراف في ما بين اليمين و اليسار
، و لا خلاف في صحة الصلاة في الصورة المذكورة و نقل الفاضلان إجماع أهل العلم على ذلك.
و يدل عليه
صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه انحرف عن القبلة يمينا و شمالا؟ فقال قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول من صلى على غير القبلة و هو يرى انه على القبلة ثم عرف بعد ذلك فلا اعادة عليه إذا كان في ما بين المشرق و المغرب».
و يعضده ايضا ما تقدم من
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:
«لا صلاة إلا الى القبلة. قال قلت اين حد القبلة؟ قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كله».
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 10 من القبلة.
(2) رواه في الوسائل في الباب 10 من القبلة.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من القبلة.
435
و ذكر المشرق و المغرب في هذه الاخبار بناء على قبلة العراقي فذكرهما انما جرى مجرى التمثيل.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان كثيرا من عبارات المتقدمين هنا مطلقة في وجوب الإعادة في الوقت إذا صلى لغير القبلة من غير تفصيل بين ظهور القبلة الى ما بين اليمين و اليسار أو ما زاد على ذلك، قال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: و من أخطأ القبلة أو سها عنها ثم عرف ذلك و الوقت باق أعاد فإن عرفه بعد خروج الوقت لم يكن عليه اعادة في ما مضى اللهم إلا ان يكون قد صلى مستدبر القبلة. و قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: و إذا صلى البصير الى بعض الجهات ثم تبين انه صلى الى غير القبلة و الوقت باق أعاد الصلاة. و قال في النهاية: فإن صلاها ناسيا أو شبهة ثم تبين انه صلى الى غير القبلة و كان الوقت باقيا وجب عليه إعادة الصلاة. و قريب منها كلامه في الخلاف و كذا كلام ابن زهرة و ابن إدريس. و لعل مرادهم من الصلاة الى غير القبلة ما لم يكن في ما بين المشرق و المغرب كما ذكره بعض الأصحاب لما اشتهر في الاخبار و كلام الأصحاب من ان ما بين المشرق و المغرب قبلة، و أيد بإيراد الشيخ الرواية المتضمنة لذلك في شرح كلام الشيخ المفيد المتقدم من غير تعرض للكلام عليه. و بالجملة فإن حمل كلامهم على ظاهره مع ما عرفت من هذه الاخبار بعيد غاية البعد فلا بد من ارتكاب التأويل فيه بما ذكرنا.
(الرابعة)- الصورة بحالها مع تبين الانحراف الى اليمين و الشمال
، و المشهور في كلام الأصحاب- بل ادعى عليه الفاضلان في المعتبر و المنتهى الإجماع- الإعادة في الوقت لا في خارجه.
و استدلوا على الأول بأنه قد أخل بشرط الواجب و هو الاستقبال و الوقت باق فيبقى تحت عهدة الخطاب كما لو أخل بطهارة الثوب و نحوها.
و اما على الثاني فبان القضاء فرض جديد يتوقف على الدليل و حيث لا دليل فلا قضاء
436
و بصحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك انك صليت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد».
و صحيحة سليمان بن خالد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثم يضحى فيعلم انه صلى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال ان كان في وقت فليعد صلاته و ان كان قد مضى الوقت فحسبه اجتهاده».
و صحيحة يعقوب بن يقطين (3) قال: «سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن رجل صلى في يوم سحاب على غير القبلة ثم طلعت الشمس و هو في وقت أ يعيد الصلاة إذا كان قد صلى على غير القبلة؟ و ان كان قد تحرى القبلة بجهده أ تجزئه صلاته؟ فقال يعيد ما كان في وقت فإذا ذهب الوقت فلا اعادة عليه».
و صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (4) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل أعمى صلى على غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد و ان كان قد مضى الوقت فلا يعد. قال و سألته عن رجل صلى و هي متغيمة ثم تجلت فعلم انه صلى على غير القبلة فقال ان كان في وقت فليعد و ان كان الوقت قد مضى فلا يعد».
و رواية محمد بن الحصين (5) قال: «كتبت الى عبد صالح (عليه السلام) الرجل يصلي في يوم غيم في فلاة من الأرض و لا يعرف القبلة فيصلي حتى إذا فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو قد صلى لغير القبلة أ يعتد بصلاته أم يعيدها؟ فكتب يعيدها ما لم يفته الوقت أ و لم يعلم ان الله تعالى يقول و قوله الحق فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ؟» (6).
و صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: «إذا صليت على غير القبلة فاستبان لك قبل ان تصبح انك صليت على غير القبلة فأعد صلاتك».
____________
(1) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(3) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(4) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(5) الوسائل الباب 11 من القبلة.
(6) سورة البقرة الآية 109.
(7) الوسائل الباب 11 من القبلة.
437
و تقريب الاستدلال بها ان المراد انه صلى الصبح على غير القبلة و استبان له ذلك قبل الاسفار أو طلوع الشمس فقوله: «قبل ان تصبح» إشارة الى ذلك. و اما حملها- على ان الفائت العشاءان و ان الأمر بالإعادة قبل الصبح يعني الفجر الثاني لامتداد وقت العشاءين الى ذلك الوقت في المضطر كما تقدم القول به- فبعيد، و قد تقدم تحقيق المسألة في غير مقام.
ثم انه لا يخفى ان هذه الاخبار- كما ترى- قد دلت على وجوب الإعادة في الوقت متى ظهر انه صلى على غير القبلة و إطلاقها شامل لما لو كانت صلاته في ما بين المشرق و المغرب لصدق أنه الى غير القبلة مع ان الحكم ثمة كما تقدم عدم وجوب الإعادة، و الأصحاب قد قيدوا إطلاق هذه الأخبار و لا سيما صحيحة معاوية بن عمار التي هي الأصل في الاستدلال فاخرجوا من هذا الإطلاق ما بين المشرق و المغرب بتلك الأخبار.
و لقائل أن يقول ان بين اخبار الطرفين عموما و خصوصا من وجه، فكما ان هذه الاخبار عامة بالنسبة إلى الصلاة الى غير القبلة إلا انها مفصلة بالنسبة إلى الوقت و خارجه و تلك الأخبار مطلقة بالنسبة إلى الوقت و خارجه و خاصة بالنسبة إلى القبلة التي حصل فيها الانحراف و هي ما بين المشرق و المغرب، فكما يمكن ارتكاب التخصيص المذكور الذي بنى عليه الاستدلال بالاخبار في الموضعين كذلك يمكن تخصيص تلك الأخبار بالصلاة في خارج الوقت كما فصلته هذه الاخبار و إبقاؤها على إطلاقها بالنسبة إلى القبلة فيقال بوجوب الإعادة في الوقت متى صلى الى غير القبلة بأي نحو كان و ان كان في ما بين المشرق و المغرب، و لا يتم الاستدلال بتلك الروايات على ما ذكروه فلا بد لترجيح الأول من دليل، و لعل ما تقدم نقله عن كثير من عبارات المتقدمين من إطلاقهم وجوب الإعادة في الوقت مبني على ما ذكرناه هنا.
و استدل العلامة في المنتهى على ترجيح الأول بوجهين (أحدهما)- موافقة الأصل و هو براءة الذمة إذ لو حملنا حديث معاوية على ما ذكرتم لزمت الإعادة لمن صلى
438
بين المشرق و المغرب في الوقت و الأصل عدمه. (الثاني)- انا نمنع تخصيص ما ذكرتم من الأحاديث أصلا لأن قوله (عليه السلام)
«ما بين المشرق و المغرب قبلة».
ليس مخصصا للحديث الدال على وجوب الإعادة في الوقت دون خارجه لمن صلى الى غير القبلة إذ أقصى ما يدل عليه ان ما بين المشرق و المغرب قبلة، بل لقائل أن يقول ان قوله:
«إذا صليت و أنت على غير القبلة» يتناول لفظ القبلة فيه ما بين المشرق و المغرب ايضا. انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه، اما الاستناد الى الأصل كما ذكره فمعارض بأن الأصل شغل الذمة بالعبادة و هذا أصل متيقن لا مناص عنه فلا يحكم ببراءة الذمة إلا بيقين مثله و الاخبار هنا متعارضة كما عرفت و الوقت باق و الخطاب متوجه فلا يتيقن براءة الذمة إلا بالإعادة في الوقت. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه و لا يتطرق إليه الإيراد من خلفه و لا من بين يديه. و اما منع التخصيص فلا يخفى ما فيه فاني لا اعرف لكلامه هنا وجه استقامة و لعل النسخة التي عندي لا تخلو من غلط، و وجه الاشكال كما ذكرنا زيادة على ما قدمنا ان صحيحة معاوية المشار إليها قد دلت على ان من صلى بظن القبلة ثم تبين انحرافه الى ما بين اليمين و الشمال فقد صحت صلاته لان ما بين المشرق و المغرب قبلة، و تبين الانحراف عن القبلة أعم من ان يكون في الوقت أو خارجه فيمكن تقييد هذا العموم بما فصلته تلك الأخبار من ان من صلى الى غير القبلة ثم تبين ذلك فان كان في الوقت أعاد و ان كان خارج الوقت فلا اعادة عليه بان يحمل على تبين الانحراف بعد خروج الوقت، و حينئذ فتجب الإعادة في الوقت و ان كان فيما بين اليمين و اليسار.
و هذا ايضا بحمد الله سبحانه ظاهر لا مرية فيه.
و بالجملة فإني لا اعرف لهم دليلا على ما ذكروه زيادة على الإجماع المدعى في تلك المسألة. نعم قوله في صحيحة معاوية «ثم ينظر بعد ما فرغ» ربما أشعر بكون ظهور الانحراف في الوقت بالحمل على البعدية القريبة كما هو المتبادر. هذا أقصى ما يمكن ان
439
يقال في المقام و الله سبحانه و أولياؤه العالمون بحقائق الأحكام.
(الخامسة)- الصورة المتقدمة مع تبين الانحراف الى دبر القبلة
، و المشهور بين المتأخرين- و به قال السيد المرتضى و المحقق و أكثر من تأخر عنه- ان حكم هذه الصورة كسابقتها من الإعادة في الوقت خاصة دون خارجه، و قال الشيخان بالإعادة في الوقت و القضاء في خارجه و تبعهما جمع من الأصحاب كابن البراج و ابي الصلاح و سلار و ابن زهرة.
و استدل الأولون بإطلاق صحاح الأخبار المتقدمة في سابق هذه الصورة فإنها كما دلت بإطلاقها على حكم اليمين و اليسار دلت على حكم الاستدبار لصدق الصلاة الى غير القبلة في الموضعين فيجب العمل بها على إطلاقها الى ان يقوم المخصوص و ليس فليس.
و نقل عن الشيخ انه احتج بموثقة عمار المتقدمة في الصورة الاولى، و لا يخفى ما فيه فان مورد الرواية من علم في أثناء الصلاة بأنه صلى الى غير القبلة فإنه يقطع ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة و هو صريح في كون ذلك في الوقت.
نعم ربما يمكن الاستدلال على ما ذهبوا إليه
برواية معمر بن يحيى (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى على غير القبلة ثم تبينت القبلة و قد دخل في وقت صلاة أخرى؟ قال يعيدها قبل ان يصلي هذه التي قد دخل وقتها».
و أجيب عنها بضعف السند و عدم المعارضة لما تقدم من الأخبار الصحاح المتكاثرة المتعاضدة الدالة على عدم الإعادة بعد خروج الوقت فيجب حملها اما على من صلى بغير اجتهاد مع التمكن منه و اما يحمل قوله: «و قد دخل في وقت صلاة أخرى» على وقت الفضيلة فيحمل على وقت صلاتين مشتركتين كالظهرين و العشاءين بان يدخل وقت فضيلة الثانية، على انه غير معمول به على إطلاقه لدلالته على الإعادة أيضا بالنسبة الى ما كان الى اليمين و الشمال و قد عرفت ان لا قائل به.
____________
(1) المروية في الوسائل في الباب 9 من القبلة.
440
و اما
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «لا صلاة إلا الى القبلة. قال قلت اين حد القبلة؟ قال ما بين المشرق و المغرب قبلة كله. قال قلت فمن صلى لغير القبلة في يوم غيم أو في غير الوقت؟ قال يعيد».
فيجب حمله على الإعادة في الوقت جمعا بينه و بين الاخبار المتكاثرة المتقدمة المفصلة حمل المطلق على المقيد. و الله العالم.
تنبيهات
(الأول)- هل المصلي إلى جهة ناسيا كالظان في الأحكام المتقدمة؟
قيل نعم و به قطع الشيخ في بعض كتبه لعموم
«رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» (2).
و قيل لا لأن خطأه مستند الى تقصيره بخلاف الظان.
قال في المدارك: و كذا الكلام في جاهل الحكم، ثم قال و الأقرب الإعادة في الوقت خاصة لإخلاله بشرط الواجب دون القضاء لأنه فرض مستأنف. انتهى.
و قال في الذكرى: هل المصلي إلى جهة ناسيا كالظان في الأحكام؟ قطع به الشيخان لعموم «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» و ضعفه الفاضلان لانه مستند الى تقصيره بخلاف الظان. و الأقرب المساواة لشمول خبر عبد الرحمن للناسي. اما جاهل الحكم فالأقرب انه يعيد مطلقا إلا ما كان بين المشرق و المغرب لانه ضم جهلا الى تقصيره و وجه المساواة الناس في سعة ما لم يعلموا (3). انتهى.
أقول: لا يخفى ان إطلاق الاخبار المتقدمة في الصورة الرابعة من صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله و صحيحة سليمان بن خالد شامل للظان و الناسي و به يظهر قرب مساواة الناسي للظان كما اختاره في الذكرى إلا انه سيأتي ان شاء الله تعالى في
____________
(1) الوسائل الباب 9 من القبلة.
(2) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس.
(3) راجع ج ص 43.
441
بحث قواطع الصلاة و ان الالتفات من جملتها في اخبار تلك المسألة ما يظهر منه المنافاة و به تصير المسألة في قالب الاشكال كما سنكشف لك ان شاء الله تعالى عن حقيقة الحال في البحث المشار اليه.
(الثاني) [هل يتعدد الاجتهاد بتعدد الصلاة]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يتعدد الاجتهاد بتعدد الصلاة إلا إذا حصل شك في الاجتهاد الأول، و نقل في المدارك عن الشيخ في المبسوط انه أوجب التجديد دائما لكل صلاة ما لم تحضره الأمارات، للسعي في إصابة الحق، و لان الاجتهاد الثاني ان خالف الأول وجب المصير إليه لأن تغير الاجتهاد لا يكون إلا لأمارة أقوى من الاولى و أقوى الظنين أقرب الى اليقين و ان وافقه تأكد الظن.
ثم قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو جيد ان احتمل تغير الأمارات.
أقول: لا يخفى ان ظاهر هذا النقل ان جميع ما اشتمل عليه من الدعوى و الدليلين المذكورين عين كلام الشيخ في المبسوط مع انه ليس كذلك كما لا يخفى على من راجع الكتاب المذكور، و هذه صورة عبارة الكتاب: يجب على الإنسان ان يتتبع أمارات القبلة كلما أراد الصلاة عند كل صلاة، اللهم إلا ان يكون قد علم ان القبلة في جهة بعينها أو ظن ذلك بأمارات صحيحة ثم علم انها لم تتغير جاز حينئذ التوجه إليها من غير ان يجدد اجتهاده في طلب الأمارات. انتهى. و أنت خبير بما بين الكلامين من المباينة لفظا و معنى، اما لفظا فظاهر، و اما معنى فلان مرجع هذا الكلام الى ان التجديد مخصوص بصورة احتمال تغير الأمارات لا مطلقا كما هو ظاهر النقل المذكور، فلو علم انها لم تتغير سقط الاجتهاد كما استجوده في المدارك و قيد به كلام الشيخ (قدس سره) و بذلك صرح في المنتهى نقلا عن الشيخ، و ظاهره الجمود عليه حيث قال: لو صلى عن اجتهاد إلى جهة ثم أراد ان يصلي اخرى قال الشيخ في المبسوط يعيد اجتهاده إلا إذا علم ان الأمارات لم تتغير و هو قول الشافعي و احمد (1) و ظاهره- كما ترى- الموافقة لما نقله عن الشيخ و هو
____________
(1) المهذب ج 1 ص 67، و المغني ج 1 ص 445.
442
خلاف النقل المتقدم، فليتأمل في مثل هذه النقول و ليراجع في تحقيق ذلك المنقول.
(الثالث) [حكم تغير الاجتهاد]
- قال في المدارك: لو تغير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة انحرف و بنى ان كان لا يبلغ موضع الإعادة و إلا أعاد. و لو تغير اجتهاده بعد الصلاة لم يعد ما صلاة إلا مع تيقن الخطأ، قال في المنتهى و لا نعلم فيه خلافا. انتهى.
أقول: الأنسب بقواعدهم في التفريع هو تفريع هذه المسألة على مسألة من صلى ظانا ثم تبين الخطأ في ظنه بالعلم بالقبلة بعد ذلك من التفصيل الذي تقدم بين ما إذا كان ظهور الخطأ في الأثناء فإنه ينحرف لو ظهرت صلاته بين اليمين و اليسار و يعيد لو خرجت عن ذلك و ان كان بعد الفراغ لكن في الوقت لا في خارجه تنزيلا لهذا الظن المتجدد منزلة العلم في تلك المسألة، و إلا فالقول بوجوب الإعادة إذا ظهر الخطأ في الأثناء دون ما بعد الفراغ مما لا يظهر له وجه، فان الموجب للإعادة في البعض موجب للإعادة في الكل، و ما مضى من الصلاة ان كان صحيحا بناء على الاجتهاد الأول لأنه دخل فيها دخولا مشروعا- كما ذكره سابقا في الفرع الذي ذكرناه في التنبيه المتقدم- فالواجب الاستدارة نحو القبلة دون الإبطال في الموضعين، و ان كان ما صلاه أولا صار باطلا بظهور الاستدبار أو محض اليمين و الشمال فيجب الإعادة من رأس فهو آت أيضا في ما بعد الفراغ للعلة المذكورة و الوقت باق فخطاب التكليف متوجه لأنه مأخوذ عليه ان يأتي في الوقت بصلاة صحيحة و هذه قد ظهر بطلانها بالاستدارة، بل البطلان في صورة الفراغ أظهر منه في ما لو كان في الأثناء لإمكان التدارك في الباقي على الثاني بخلاف الأول فإن الجميع ظهر على غير القبلة. نعم لو خرج الوقت قبل تغير الاجتهاد اتجه عدم الإعادة لتوقفها على أمر جديد. (فان قيل) انهم قد صرحوا بأنه لو تغير اجتهاده لصلاة العصر مثلا بعد ان صلى الظهر بالاجتهاد الأول لم يجب عليه اعادة الظهر مع ان الوقت باق (قلنا) نعم قد صرحوا بذلك و لكن لم نقف له على دليل إلا ما ربما يدعى من الإجماع و البحث في الدليل الشرعي من النصوص.
443
ثم ان ظاهر قوله في المدارك في آخر العبارة: «قال العلامة في المنتهى: و لا نعلم فيه خلافا» راجع الى ما ذكره من التفصيل في المسألة، و عبارة المنتهى لا تساعد على ذلك فان حكم تغير الاجتهاد بعد الفراغ غير مذكور فيها حيث قال: فلو تغير اجتهاده في الصلاة فإن كان منحرفا يسيرا استدار إلى القبلة و أتم و لا اعادة و ان كان مشرقا أو مغربا أو مستدبرا أعاد، ثم نقل عن بعض الجمهور الإعادة مطلقا (1) و قال انه ليس بجيد ثم نقل عن آخرين انه لا يرجع و يمضي على الاجتهاد الأول، قال و هؤلاء عن التحقيق بمعزل، ثم قال و كذا لو تجدد يقين بالجهة المخالفة في أثناء الصلاة استدار إليها كاهل قبا لما استداروا إلى القبلة و لا نعرف فيه خلافا. انتهى.
أقول: و في عد استدارة أهل قبا في هذه المسألة نظر لا يخفى، فإن الاستدارة يومئذ انما هو لنسخ القبلة الاولى الى قبلة ثانية فيكون ما مضى من الصلاة وقع على قبلة صحيحة أصلية و ما بعد النسخ كذلك، بخلاف ما نحن فيه فان تغاير القبلتين انما هو من حيث الاعتبار باجتهاد المصلي و ظنه و تغير اجتهاده و حصول ظن آخر أو علم بعد ظن و انما هي قبلة واحدة يخطئها المخطئ و يصيبها المصيب و الروايات قد فصلت الأحكام المتعلقة بهذا الخطأ و هذه الإصابة في الصور المتقدمة و ليس الأمر في ما ذكره كذلك كما لا يخفى.
(الرابع) [لو خالف المجتهد اجتهاده و صادف القبلة]
- قال في المدارك: لو خالف المجتهد اجتهاده و صلى فصادف القبلة لم تصح صلاته لعدم إتيانه بالمأمور به. و قال الشيخ في المبسوط بالإجزاء لأن المأمور به هو التوجه إلى القبلة و قد اتى به. و هو ممنوع إذ المعتبر البناء على اجتهاده و لم يفعل فيبقى في عهدة التكليف. انتهى.
أقول: قد تتبعت كتاب المبسوط في باب القبلة فلم أقف على هذا الفرع فيه،
____________
(1) في المهذب ج 1 ص 67 الاجزاء إذا بان ان القبلة في اليمين أو الشمال. و في البدائع ج 1 ص 119 نفى الخلاف في ذلك، ثم قال و ان ظهر انه مستدبر الكعبة يجزئه عندنا و عند الشافعي لا يجزئه.
444
و كونه في غير الباب المذكور أو النقل عن المبسوط وقع سهوا و انما هو في غيره ممكن إلا ان الشهيد في الذكرى نقل ذلك عن المبسوط ايضا و لعله في غير الباب المذكور.
ثم ان ما ذكره السيد السند (قدس سره) من المناقشة فيما نقله عن الشيخ (قدس سره) جيد على أصول جمهور الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قواعدهم إلا انه خلاف ما اختاره في ما تقدم في مسألة من صلى قبل الوقت جاهلا أو ساهيا حيث قال- بعد ان صرح بان الوجه الموجب للبطلان في الجميع عدم صدق الامتثال الموجب لبقاء المكلف تحت العهدة- ما لفظه: و لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الإجزاء نظر، من حيث عدم الدخول الشرعي، و من مطابقة العبادة لما في نفس الأمر و صدق الامتثال. و الأصح الثاني و به قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى، قال و كذا البحث في كل من اتى بما هو الواجب في نفس الأمر و ان لم يكن عالما بحكمه. الى آخره فإنه لا يخفى ان المسألتين من باب واحد لاشتراكهما في ان الدخول في كل منهما بحسب الظاهر ليس بشرعي و لكن قد اتفق مصادفة الصلاة في الواقع لما أمر به الشارع فان كانت المطابقة الواقعية مجزئة كما ذكره في تلك المسألة فههنا كذلك فلا معنى لرده على الشيخ و إلا فلا في الموضعين فلا وجه لما صار إليه في تلك المسألة.
(الخامس) [اختلاف المجتهدين في القبلة]
- قال في الذكرى: لو اختلف المجتهدون صلوا فرادى لا جماعة لأن المأموم ان كان محقا في الجهة فسدت صلاة امامه و إلا فصلاته فيقطع بفساد صلاة المأموم على التقديرين. و احتمل الفاضل صحة الاقتداء كالمصلين حال شدة الخوف و لأنهم كالقائمين حول الكعبة يستقبل كل واحد منهم جهة غير جهة الآخر مع صحة الصلاة جماعة. و يمكن الجواب بمنع الاقتداء حالة الشدة مع اختلاف الجهة، و لو سلم فالاستقبال هنا ساقط بالكلية بخلاف المجتهدين، و الفرق بين المصلين إلى نواحي الكعبة و بين المجتهدين ظاهر للقطع بان كل جهة قبلة هناك و القطع بخطإ واحد هنا، و كذا نقول في صلاة الشدة ان كل جهة قبلة. انتهى.
445
و أجاب في المدارك عن الفرق المذكور بأنه يمكن دفعه بان الخطأ انما هو في مصادفة الصلاة لجهة الكعبة لا للجهة التي يجب استقبالها للقطع بان فرض كل منهم استقبال ما ادى اليه الاجتهاد و ان كانت خلاف جهة الكعبة. انتهى.
أقول: الكلام في هذا المقام يقع في موضعين: (أحدهما)- ان الظاهر من كلامهم ان المراد بهذه الجهة التي متى اختلف المجتهدون فيها لم يأتم بعضهم ببعض هي ما بين اليمين و اليسار كملا، و هو ضعيف (1) لأن الذي يظهر من عباراتهم و يلوح من اشاراتهم ان التيامن و التياسر اليسير لا يخرج عن القبلة و فسروه بما بين المغرب و المشرق، و لهذا حكموا بصحة صلاة من ظهرت صلاته الى تلك الجهة بعد الفراغ و الاستدارة في الأثناء و ما ذاك إلا من حيث كونها قبلة، و يدل عليه بأوضح دلالة الأخبار الدالة على ان ما بين المشرق و المغرب قبلة كما تقدم، قال شيخنا المشار إليه في الذكرى بعيد هذا الكلام المتقدم نقله: لو اختلف الامام و المأموم في التيامن و التياسر فالأقرب جواز الاقتداء، لأن صلاة كل منهما صحيحة مغنية عن القضاء و الاختلاف هنا يسير، و لان الواجب مع البعد الجهة هنا. و قال في موضع آخر: لو صلى باجتهاد إلى جهة أو لضيق الوقت ثم تبين الانحراف يسيرا استقام بناء على ان القبلة هي الجهة،
و لقول الصادق (عليه السلام) (2) «ما بين المشرق و المغرب قبلة».
و لو تبين الانحراف الكثير استأنف، و ظاهر الأصحاب ان الكثير ما كان على سمت اليمين أو اليسار لرواية عمار، ثم نقل موثقة عمار المتقدمة في الصورة الاولى. و هذه الكلمات إذا ضمت بعضها الى بعض ظهر لك منها ما قلنا و هو بظاهره مدافع لما ذكره (قدس سره) في تعريف الجهة حيث قال انها هي السمت الذي يظن كون الكعبة فيه لا مطلق الجهة كما قال بعض العامة ان الجنوب قبلة لأهل الشمال و بالعكس و المشرق قبلة لأهل المغرب و بالعكس، لأنا نتيقن الخروج هنا عن القبلة و هو
____________
(1) جملة «و هو ضعيف» ليست موجودة في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية.
(2) الوسائل الباب 9 و 10 من القبلة.
446
ممتنع. و هذه عبارته ثمة و لا ريب في ظهور المدافعة بين الكلامين في المقامين.
و بالجملة فإن كلامهم في تحقيق الجهة لما كان مبنيا على الأمارات الرياضية و هي بظاهرها مخالفة لظواهر الأخبار المعصومية وقع هذا الاضطراب في كلامهم و جرى الاختلاف على رؤوس أقلامهم، و المستفاد من النصوص كما عرفت هو الاتساع في أمر القبلة سيما اخبار
«ما بين المشرق و المغرب قبلة»
و بعضها و ان كان ورد في قبلة الظان إلا ان الآخر في تفسير القبلة مطلقا كما تقدم و لهذا مال بعض الأصحاب إلى القول بظاهره، و المستفاد من البناء على العلامات الرياضية التي أوجبوا الرجوع إليها و البناء عليها هو الضيق فيها، و الانحراف يمينا و شمالا على الوجه الذي اعترفوا بكونه يسيرا و انه غير مضر بالصلاة و لا القدوة انما يتم على تقدير العمل بالأخبار لا العمل بالأمارات الرياضية، فإنه متى كان الواجب مثلا في بعض المواضع جعل الجدي بين الكتفين الموجب لكون القبلة نقطة الجنوب فلو انحرف عنها يمينا أو شمالا كانت صلاته الى غير القبلة و وجبت الإعادة وقتا و خارجا مطلقا كما يقتضيه ثبوت ان القبلة مخصوصة بهذه الجهة المعينة مع انهم لا يقولون به على الإطلاق و الأخبار لا تساعده بل ترده بالاتفاق، فكيف يتم جعله قبلة مطلقا كما هو مقتضى تلك العلامات؟ و حكمه (قدس سره) بصحة الاقتداء مع اختلاف الامام و المأمومين في التيامن و التياسر لا يتم بناء على تعين الجهة بهذه العلامة المذكورة و نحوها نعم انما يتم بناء على ظواهر الأخبار المشار إليها. و بالجملة فإن كلامهم في هذا المقام لا يخلو من تدافع ظاهر لذوي الأفهام.
و (ثانيهما)- ان ما علل به في الذكرى بطلان الاقتداء في الصورة المذكورة الظاهر انه مبني على ما هو المشهور في كلامهم من ان الصحة و البطلان منوطان بمطابقة الواقع و عدمه و ان كان بحسب الشرع متعبدا بظنه، و حينئذ فغاية ما تفيده عبادته مع عدم ظهور فسادها هو سقوط القضاء و عدم المؤاخذة، لأن حاصل دليله هنا ان المأموم ان كان محقا اي ان صلاته مطابقة للقبلة الواقعية فصلاة الامام فاسدة واقعا
447
لاختلاف الجهتين و ان كانت صحيحة مسقطة للقضاء في اعتقاده و إلا فصلاته هي الباطلة لعدم المطابقة، و بالجملة فإنه يقطع هنا بفساد واحدة لا بعينها لعدم المطابقة للقبلة الواقعية.
و بذلك يظهر لك ما في جواب صاحب المدارك عن الفرق الذي ذكره شيخنا المذكور، و توضيحه انه لا ريب ان قبلة البعيد عندهم انما هي جهة الكعبة و الاجتهاد انما يقع في تحصيلها فكل من كان اجتهاده مؤديا لها فهو مصيب و من لم يكن كذلك فهو مخطئ، و مجرد كون فرض كل منهم العمل باجتهاده لا يستلزم صحة ما يأتي به مطلقا بل يجب تقييده بمطابقة الواقع بمقتضى تصريحاتهم في أمثال هذا المقام، فإنه متى اجتهد و اتفق مطابقة اجتهاده للقبلة الواقعية فالصلاة صحيحة مقبولة من هذه الجهة يثاب عليها كالصلاة المعلوم توجهها إلى القبلة و إلا كانت بحسب الظاهر صحيحة مسقطة للقضاء ما لم ينكشف الخطأ و ان كانت عند غيره ممن يحكم بخطئه باطلة لتقصيره في الاجتهاد، غاية الأمر ان كلا منهم يدعي الإصابة في اجتهاده و تخطئة من سواه لان المصيب حينئذ حقيقة واحد لا غير و ان كان مجهولا و الثاني يكون مخطئا، و صحة الصلاة المترتبة على مطابقة الواقع انما تثبت للمصيب واقعا و الثانية باطلة. و نظير هذه المسألة ما ذكروه في الاجتهاد في الأحكام الشرعية بالأدلة المقررة من ان حكم الله تعالى في المسألة واحد فمتى اختلف المجتهدون في الحكم في تلك المسألة لا يجوز ان يقال ان كلا منهم مصيب و ان حكم الله في المسألة هو الذي ادى اليه اجتهاد المجتهد إلا على قول ضعيف مرغوب عنه بل يجب ان يقال حكم الله واحد يصيبه المصيب و يخطئه المخطئ. بقي الكلام في المؤاخذة على هذا الخطأ و عدمها و فيه تفصيل حققناه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في شرح مقبولة عمر بن حنظلة.
ثم انه يأتي على تقدير ما أجاب به السيد المذكور انه لو كان الامام يعتقد استحباب السورة و القنوت مثلا و المأموم يعتقد وجوبهما فإنه يجوز له الاقتداء به و ان ترك السورة و القنوت لاستحبابهما عنده بتقريب ما ذكره من انه مكلف بظنه و اجتهاده
448
فصلاته صحيحة عند نفسه، مع ان الظاهر ان الأمر ليس كذلك لأن المأموم يعتقد بطلان الصلاة بتركهما لوجوبهما عنده و ينسب الإمام إلى الغلط في اجتهاده و يحكم بخطئه و بذلك يظهر قوة القول المشهور. الا انه يمكن تطرق الإشكال إلى أصل ما بنى عليه هذا الكلام من القاعدة المشهورة بينهم و هو ان الحكم بالصحة و البطلان دائر مدار مطابقة الواقع و عدمها بما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة من ان الحكم بالطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة و الصحة و البطلان ليست منوطة بالواقع و نفس الأمر، فإن الشارع لم ينط الأحكام بالواقع و نفس الأمر لأنه تكليف بما لا يطاق إذ لا يعلمه سواه سبحانه و انما جعلها منوطة بنظر المكلف و علمه، و على هذا فالظاهر ما علم المكلف بطهارته التي هي عبارة عن عدم العلم بالنجاسة لا العلم بالعدم و مثله الحلية و نحوهما. و كذا لو صلى في ثوب نجس أو صلى الى غير القبلة واقعا أو نحو ذلك من شرائط الصلاة مع كون الصلاة في اعتقاده مستكملة لشرائط الصحة فإنها صحيحة يثاب عليها كما يثاب على الصلاة المستكملة الشروط و لا يقال انها صحيحة بحسب الظاهر باطلة بحسب الواقع كما يدعونه لانه لا واقع لها هنا إلا باعتبار علم المكلف و عدمه لا باعتبار ما كان في علم الله تعالى فانا غير مكلفين به و هو غير متيسر لنا فكيف يجعل الله سبحانه صحة عباداتنا و بطلانها مرتبا عليه؟
و على هذا فينبغي ان يقال ان بطلان صلاة الجماعة في هذه الصورة ليس من حيث ما ذكره من ان المأموم ان كان محقا في الجهة. إلى آخر ما ذكره مما أوضحنا بيانه و بينا انه مبني على تلك القاعدة المشهورة في كلامهم فإنها غير مسلمة لما عرفت، بل من حيث ان كلا منهما مكلف شرعا بما ادى اليه اجتهاده فاقتداء المأموم في هذه الصورة عمل بغير ما كلف به شرعا لا من حيث بطلان صلاة أحدهما واقعا.
و التحقيق في هذا المقام ان يفرق بين الأحكام الشرعية و موضوعاتها فيقال بان حكم الله تعالى في الأحكام الشرعية من وجوب و تحريم و نحوهما حكم واحد لا يتغير و لا يتبدل يصيبه من يصيبه و يخطئه من يخطئه و ان الصحة و البطلان و الثواب و العقاب منوطة
449
بمطابقته و عدم مطابقته و ان المكلف غير معذور في خطأه و عدم اصابته إلا في صورة مخصوصة تقدمت الإشارة إلى ذكرها في الكتاب المشار اليه آنفا، فعلى هذا لا يجوز لمن اداه اجتهاده و استنباطه من الأدلة الشرعية إلى وجوب السورة مثلا أو وجوب القنوت ان يقتدي بمن يتركهما لاعتقاده استحبابهما، و لا لمن يعتقد نجاسة الماء القليل بالملاقاة ان يقتدي بمن تطهر بماء نجس بالملاقاة لاعتقاده عدم انفعاله بذلك، و نحو ذلك لاعتقاده بطلان صلاته في جميع هذه المواضع و خطأه في اجتهاده و عدم مطابقة اجتهاده لما هو حكم الله تعالى في الواقع في اعتقاده و ان كان الآخر ايضا يحكم بصحة اجتهاده في نفسه و مطابقته للواقع. و اما حكم الله تعالى في موضوعات الأحكام كما في محل البحث و نظائره فإنه ليس له واقع سوى علم المكلف و عدمه فهو متعدد بتعدد العلم و عدمه فيقال ان هذا الشيء طاهر بالنسبة الى من لا يعلم نجاسته و نجس بالنسبة الى من يعلم و حلال بالنسبة الى من لا يعلم بالحرمة و حرام بالنسبة إلى العالم و هذه الصلاة صحيحة بالنسبة الى من استكمل شرائطها ظاهرا و ان كانت واقعا ليست كذلك و باطلة بالنسبة الى من لم يستكمل ظاهرا و ان استكمل واقعا، فالأقوى كما تقدم الصحة و ان كان المشهور البطلان و حينئذ فلا يحكم ببطلان عبادة من اختل بعض شروط عبادته واقعا مع ظهور عدم الاختلال في اعتقاده لانه لا واقع هنا وراء ظنه و اعتقاده، إلا ان عدم جواز الاقتداء انما نشأ من شيء آخر كما عرفت و هو وجوب العمل على المجتهد بما ادى اليه اجتهاده لا من حيث البطلان. و الله العالم.
(السادس) [لو صلى الأعمى من غير تقليد]
- قال في المنتهى: لو صلى الأعمى من غير تقليد بل برأيه و لم يستند إلى أمارة يعلمها فإن أخطأ أعاد و ان أصاب قال الشيخ لا يعيد و قال الشافعي يعيد (1) احتج الشيخ (قدس سره) بأنه امتثل ما أمر به من التوجه نحو المسجد الحرام
____________
(1) المهذب ج 1 ص 67.
450
فيكون مجزئا، و لان بطلان الصلاة حكم شرعي فيقف على الدلالة و هي مفقودة. احتج الشافعي بأنه لم يفعل ما أمر به و هو الرجوع الى قول الغير فجرى مجرى عدم الإصابة.
و كلاهما قويان. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه هنا هو التوقف في هذه المسألة لتعارض الدليلين المذكورين عنده حيث حكم بقوتهما جميعا، و هو ظاهر المعتبر ايضا حيث قال بعد نقل قول الشيخ:
و عندي في الإصابة تردد. و ظاهر كلام الأصحاب هنا هو ما نقله عن الشافعي من ان دخوله في الصلاة غير مشروع لكونه مأمورا بالتقليد فلا فرق بين اصابته و عدم اصابته و قد تقدم في التنبيه الرابع تصريح صاحب المدارك بذلك و هو ظاهر المحقق في الشرائع و بذلك صرح أيضا في الذكرى. و بالجملة فهو المشهور في كلامهم و بذلك صرح في المدارك في هذه المسألة أيضا و ذكر ان الإعادة في ما إذا عول على رأيه من دون أمارة ثابتة على كل حال و ان ظهرت المطابقة لدخوله في الصلاة دخولا منهيا عنه. انتهى. و فيه ما عرفت في التنبيه الرابع.
و ظاهرهم انه لا فرق في الصحة و البطلان بين سعة الوقت و ضيقه إلا ان يكون من يقلده مفقودا و لم يصل الى حد الاستدبار فإنه تصح صلاته في حال الضيق و ان كان مخطئا. و لو أصاب في صورة الضيق فالقولان المتقدمان إلا في صورة عدم وجود من يقلده فإنهم قالوا بالصحة هنا قطعا.
و لو صلى مقلدا ثم أبصر في أثناء الصلاة فإن كان عاميا استمر على تقليده لان حكم العامي و الأعمى واحد في الرجوع الى التقليد، و ان كان مجتهدا اجتهد فان وافق ما استقبله فلا اشكال و ان انحرف و ظهر انحرافه بين المشرق و المغرب استدار و ان كان الى محض اليمين و اليسار أعاد و اولى منه صورة الاستدبار، و لو افتقر في الاجتهاد الى زمان طويل يخرج به عن الصلاة فهل يقطع الصلاة أو يبنى على ما فعل و يسقط الاجتهاد في هذا الحال؟ اشكال و بالثاني صرح في الذكرى، قال لأنه في معنى العامي لتحريم قطع
451
الصلاة و الظاهر اصابة المخبر و يقوى مع كونه مخبرا عن علم بل يمكن هنا عدم الاجتهاد.
و بالأول صرح في المعتبر احتياطا و كذلك الشيخ في المبسوط إلا انه قال بعد ان صرح بالاستئناف: لان ذلك عمل كثير في الصلاة و لو قلنا انه يمضي فيها لانه لا دليل على انتقاله كان قويا غير ان الأحوط للعبادة الأول.
و لو دخل بصيرا في الصلاة ثم عمى أتم صلاته فان انحرف عمدا عن السمت الذي صلى اليه بطلت صلاته و ان اتفق ذلك و امكنه الاستقامة استقام ما لم يكن قد خرج الى حد الابطال المتقدم، و ان لم يمكنه فان اتفق من يسدده عول عليه و ينتظره ان لم يخرج عن كونه مصليا و إلا فالأقرب البطلان. و الله العالم.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء السادس
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

