1
2
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
[تتمة كتاب الصلاة]
[تتمة الباب الأول]
المقدمة الخامسة في لباس المصلى
و فيه مطالب
[المطلب] (الأول)- في ما يجب ستره
و ما يتعلق به من الأحكام في المقام و فيه مسائل:
[المسألة] (الأولى) [وجوب ستر العورة في الصلاة]
- أجمع العلماء كافة على وجوب ستر العورة في الصلاة، و يدل عليه مضافا الى الإجماع المذكور جملة من الاخبار تصريحا في بعض و تلويحا في آخر:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا و حضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال ان أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع و السجود و ان لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه و لم يجد شيئا يصلي فيه؟ فقال يصلي إيماء فإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها و ان كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 50 من لباس المصلي.
(2) رواه في الوسائل في الباب 50 من لباس المصلي.
3
فيومئان إيماء و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماء برءوسهما. الحديث».
و نحوهما من أحاديث العراة و اخبار صلاتهم جماعة و ان الامام يجلس وسط الصف و يتقدم بركبتيه.
و التقريب فيها انه لو لم يكن الستر واجبا فيها و شرطا في صحتها لما سقط لأجل فقده جملة من أركان الصلاة المتفق نصا و فتوى بل ضرورة من الدين على وجوبها في الصلاة و هي القيام و الركوع و السجود كما عرفت من الخبر المذكور و أمثاله.
و بالجملة فإنه لا اشكال و لا خلاف في الحكم المذكور و انما الخلاف هنا وقع في مقامين آخرين:
(أحدهما) [هل تختص شرطية ستر العورة في الصلاة بحال الذكر؟]
- انه هل الستر شرط مع الذكر خاصة أو مطلقا؟ صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى بالأول، قال في المعتبر: لو انكشفت العورة و لم يعلم سترها و لم تبطل صلاته تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل كثيرا كان المنكشف أو قليلا، لسقوط التكليف مع عدم العلم. انتهى. و قال في المنتهى. لو انكشفت عورته في أثناء الصلاة و لم، يعلم صحت صلاته لانه مع عدم العلم غير مكلف. و الى ذلك مال السيد السند في المدارك، و هو الظاهر
لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلي و فرجه خارج لا يعلم به هل عليه اعادة؟ قال لا اعادة عليه و قد تمت صلاته».
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (2).
و قال ابن الجنيد على ما نقله عنه في المختلف: لو صلى و عورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد ما كان في الوقت فقط. و نقل عنه الاحتجاج بما حاصله ان الستر شرط للصحة و قد انتفى فوجبت الإعادة لعدم حصول الامتثال، و اما القضاء فغير واجب لأنه بأمر جديد و لم يثبت. و اعترض عليه بان الستر شرط للصحة مع التذكر لا مطلقا. و هو
____________
(1) الوسائل الباب- 27 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب- 27 من لباس المصلى.
4
جيد للصحيحة المتقدمة إذ مفهومها ذلك و لولاها لكان قوله جيدا لان الخطاب في الوقت متوجه حتى يأتي بصلاة مستكملة الشروط و القضاء يحتاج إلى أمر جديد.
و نقل عن الشيخ في المبسوط انه قال فان انكشفت عورتاه في الصلاة وجب سترهما عليه و لا تبطل صلاته سواء كان ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا بعضه أو كله. و كلام الشيخ هنا مطلق، و قد اختلف كلام العلامة في التذكرة و المختلف في المراد منه فحمله في الأول على إطلاقه و شموله صورة العلم و العمد و حمله في المختلف على الانكشاف بدون العلم و العمد، و هو الأقرب المنساق الى الذهن منها.
و قال شيخنا الشهيد في الذكرى- بعد نقل عبارات الشيخ في المبسوط و ابن الجنيد و المحقق في المعتبر و ذكر رواية على بن جعفر المتقدمة و نقل احتجاج العلامة في المختلف لابن الجنيد و جوابه عنه- ما هذا لفظه: و كلام الشيخ و المحقق ليس فيهما تصريح بأن الإخلال بالستر غير مبطل مع النسيان على الإطلاق لأنه يتضمن ان الستر حصل في بعض الصلاة فلو انتفى في جميع الصلاة لم يتعرضا له بخلاف كلام ابن الجنيد فإنه صريح في الأمرين، و الرواية تضمنت الفرج و جاز كونه للجنس فيشمل الفرجين و للوحدة، فإن كان للجنس ففيه مخالفة في الظاهر لكلام ابن الجنيد و ان كان للوحدة ففيه موافقة في الظاهر لكلام الجماعة، و ليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية و بينها مع عدمه بعض الاعتبارات تلازم بل جاز ان يكون المقتضى للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة فلا يحصل البطلان بدونه و جاز ان يكون المقتضي للصحة ستر جميعها في جميعها فتبطل بدونه. و اما تخصيص ابن الجنيد بالإعادة في الوقت فوجهه ان القضاء انما يجب بأمر جديد و لم يوجد هنا. و لقائل أن يقول إذا كان الستر شرطا على الإطلاق فهو كالطهارة التي لا يفترق الحال فيها بين الوقت و خارجه. و لو قيل بأن المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا و المصلي مستورا و يعرض له التكشف في الأثناء بغير قصد لا يعيد مطلقا كان قويا، نعم يجب عليه عند التذكر الستر قطعا فلو أخل به بطلت
5
حينئذ لا قبله. انتهى. و بمثل ما اختاره هنا صرح في الدروس و البيان.
و كلامه في الذكرى يحتمل أمرين (أحدهما) الفرق بين الانكشاف في جميع الصلاة و بين الانكشاف في البعض. و (ثانيهما)- الفرق بين النسيان ابتداء و التكشف في الأثناء. و المعنى الثاني هو الذي فهمه صاحب المدارك فقال: و استقرب الشهيد في الذكرى و البيان الفرق بين نسيان الستر ابتداء و عروض التكشف في الأثناء و الصحة في الثاني دون الأول. و هو حسن. انتهى و هو ظاهر عبارة البيان حيث قال:
لو تعمد كشف العورة بطلت صلاته و لو نسي فالأقرب ذلك، و لو انكشفت في الأثناء من غير قصد و لما يعلم صحت و ان علم استتر. و قيل تبطل لان الشرط قد فات و الوجه عدمه. و نحو ذلك عبارته في الدروس. و رجح بعض الأصحاب حمل كلامه على المعنى الأول استنادا الى قوله كما قدمنا: و ليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية. إلى آخر العبارة. و الحق ان هذا كلام في البين للرد على كلام من ذكره.
و بالجملة فقد تلخص مما ذكرنا من كلامهم (رضوان الله عليهم) انه لا خلاف و لا إشكال في شرطية الستر مع الإمكان و الذكر فلو أخل به و الحال كذلك و لو لحظة في أثناء صلاته بطلت، و انما الخلاف في وقوع ذلك سهوا فظاهر كلام الأكثر انه غير مبطل وقع في جميع الصلاة أو بعضها لما عللوه به من سقوط التكليف مع عدم العلم كما ذكره في المعتبر و نحوه عبارة المنتهى. و ما ذكره في الذكرى من ان المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى لم يتعرضا الى الانكشاف في جميع الصلاة مردود بان ذلك و ان ظهر من عبارتيهما إلا ان التعليل مؤذن بالعموم. و صحيحة علي بن جعفر التي هي الأصل في هذا الحكم مطلقة في الانكشاف أعم من ان يكون في جميع الصلاة أو بعضها لإطلاق الجواب من غير استفصال و هو قرينة العموم في المقال كما ذكروه في أمثال هذا المجال، فالاحتجاج بها على القول المذكور متجه سواء حمل الفرج فيها على الجنس أو الوحدة، و حينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد من التفصيل- و ان تبعه فيه صاحب المدارك كما عرفت-
6
لا اعرف له وجها. و اما ما ذهب اليه ابن الجنيد فقد عرفت ما فيه. و اما كلام الشيخ في المبسوط فهو موافق لما ذكرنا ايضا بناء على ما فسرناه به. و الله العالم.
و
(ثانيهما)- في العورة التي يجب سترها في الصلاة و عن الناظر المحترم
و انها عبارة عما ذا؟ و الأشهر الأظهر انها عبارة عن القبل و الدبر، و المراد بالقبل الذكر و البيضتان و بالدبر حلقة الدبر التي هي نفس المخرج. و نقل عن ابن البراج انها ما بين السرة و الركبة و جعله المرتضى رواية كما نقله في المنتهى. و عن ابي الصلاح انه جعلها من السرة الى نصف الساق مع ان المحقق في المعتبر نقل الإجماع على ان الركبة ليست من العورة.
و يدل على القول المشهور أخبار عديدة: منها-
رواية أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: «العورة عورتان: القبل و الدبر و الدبر مستور بالآلتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة».
و رواية الميثمي عن محمد بن حكيم (2) قال: «لا أعلمه إلا قال رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) أو من رآه متجردا و على عورته ثوب فقال ان الفخذ ليست من العورة».
و فيه دلالة صريحة على خلاف القولين المتقدمين. و ربما أمكن الاستدلال لما ذهب اليه ابن البراج برواية
بشير النبال (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الحمام قال تريد الحمام؟ قلت نعم. فأمر بإسخان الحمام ثم دخل فاتزر بإزار و غطى ركبتيه و سرته ثم أمر صاحب الحمام فطلى جسده ما كان خارجا من الإزار ثم قال اخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال هكذا فافعل».
و فيه انه قد روى مثل هذه الحكاية
في الفقيه عنه (عليه السلام) (4) و فيها «انه كان يطلي عانته و ما يليها ثم يلف إزاره على طرف إحليله و يدعو قيم الحمام فيطلي
____________
(1) المروية في الوسائل الباب- 4 من آداب الحمام.
(2) المروية في الوسائل الباب- 4 من آداب الحمام.
(3) الوسائل الباب 5 و 31 من آداب الحمام.
(4) الوسائل الباب 1 و 18 من آداب الحمام.
7
سائر بدنه».
و بالجملة فالرواية المذكورة ليس فيها تصريح بكون ما لف عليه الإزار عورة ليمكن الاستدلال به، و فعله (عليه السلام) لا يدل على ذلك لإمكان حمله على استحباب ستر هذا الموضع.
نعم
روى في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) انه قال: «إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن الى عورتها و العورة ما بين السرة إلى الركبة».
و هو صريح في ذلك، و لعل هذه الرواية هي التي أشار إليها المرتضى في ما تقدم من نسبته هذا القول إلى الرواية، و الأظهر حملها على التقية فإن القول بذلك نسبه في المنتهى الى مالك و الشافعي و احمد في إحدى الروايتين و أصحاب الرأي و أكثر الفقهاء (2) و يعضده ان الراوي و هو الحسين بن علوان عامي. هذا بالنسبة الى الرجل.
و اما المرأة فالمشهور في كلام الأصحاب ان بدن المرأة الحرة جميعه عورة عدا الوجه و الكفين و القدمين، و نقل في المختلف و الذكرى عن ابن الجنيد انه ساوى بين الرجل و المرأة في أن العورة انما هي القبل و الدبر، و ظاهر الشيخ في الاقتصاد و ابي الصلاح و ابن زهرة أن بدن المرأة كله عورة. قال في الاقتصاد: فأما المرأة الحرة فإن جميعها عورة يجب عليها ستره في الصلاة و لا تكشف عن غير الوجه فقط. و هذا يقتضي منع كشف غير الوجه من الكفين و القدمين باطنا و ظاهرا. و قال أبو الصلاح المرأة كلها عورة و أقل ما يجزئ الحرة البالغة درع سابغ الى القدمين و خمار. و هو يرجع الى ما ذكره في الاقتصاد. و قال ابن زهرة: و العورة الواجب سترها من النساء جميع أبدانهن إلا رؤوس المماليك منهن. و قال ابن الجنيد: الذي يجب ستره من البدن العورتان و هما القبل و الدبر من الرجل و للمرأة. و قال ايضا لا بأس ان تصلي المرأة الحرة و غيرها و هي مكشوفة الرأس حيث لا يراها غير ذي محرم لها و كذلك الرواية عن
____________
(1) الوسائل الباب 44 من نكاح العبيد و الإماء.
(2) المغني 1 ج ص 578.
8
أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انتهى.
و احتج العلامة في المختلف على وجوب ستر البدن للحرة
بما رواه زرارة في الصحيح (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ادنى ما تصلي فيه المرأة قال درع و ملحفة فتنشرها على رأسها و تجلل بها».
و كذا استدل بها في المنتهى و زاد التعليل بان النظر الى كل جزء منها متعلق الشهوة فأشبه العورة. و على استثناء هذه الثلاثة بان الوجه لا يجب ستره بإجماع علماء الإسلام ادعى ذلك في المنتهى و المختلف، قال و كذا الكفان عندنا. و ظاهره دعوى الإجماع عندنا على ذلك، و علل ذلك بأنهما ليستا من العورة إذ الغالب كشفهما دائما إذ الحاجة داعية الى ذلك للأخذ و العطاء و قضاء المهام و كذا الرجلان بل كشفهما أغلب في العادة. ثم احتج
بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «و المرأة تصلي في الدرع و المقنعة».
قال و الدرع هو القميص و المقنعة تزاد للرأس، و الظاهر ان القميص لا يستر القدمين. انتهى.
و في المدارك بعد ان استدل بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة قال: و هذه الرواية كما تدل على وجوب ستر الرأس و الجسد تدل على استثناء الوجه و الكفين و القدمين لانه (عليه السلام) اجتزأ بالدرع و هو القميص و المقنعة و هي للرأس فدل على ان ما عدا ذلك غير واجب و الدرع لا يستر اليدين و لا القدمين بل و لا العقبين غالبا. انتهى.
أقول: التحقيق عندي في هذا المقام على ما يظهر من اخبارهم (عليهم السلام) ان الوجه لا إشكال في استثنائه لا لما ذكروه بل
لما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (4) قال:
«سألته عن المرأة تصلي متنقبة قال إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس و ان أسفرت فهو أفضل».
و اما استثناء الكفين و القدمين فلا يخلو من غموض بل ربما كان الظاهر منها
____________
(1) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 33 من لباس المصلى.
9
العدم، و ذلك لان مبنى استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة على ان الظاهر ان القميص لا يستر ذلك عادة، و هذا انما يتم لو علم ان ثياب النساء في وقت خروج هذه الاخبار في تلك الديار كانت على ما يدعونه، و لم لا يجوز ان دروعهن كانت مفضية إلى ستر أيديهن و أقدامهن كما هو المشاهد الآن في نساء أعراب الحجاز بل أكثر بلدان العرب؟ فإنهم يجعلون القميص واسعة الأكمام مع طول زائد فيها بحيث تكون طويلة الذيل تجر على الأرض، و من القريب كون ذلك جاريا على الزمان القديم في تلك البلدان فجرت الاخلاف على ما جرت عليه الاسلاف، و يعضد ذلك
ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يجر ثوبه؟ قال اني لأكره أن يتشبه بالنساء».
فان مورد الخبر بالنسبة إلى استحباب تشمير الثياب للرجل و ظاهره كما ترى بل صريحه ان النساء يومئذ على خلاف ذلك و انهن يجررنه على الأرض، و بذلك يظهر لك ما في استدلالهم بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة التي هي عمدة أدلتهم المتقدمة و ليس بعدها إلا تلك التعليلات العليلة التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.
و اما ما عدا هذه الرواية من اخبار الباب فإنه لا يأبى الانطباق على ما ذكره القائلون بشمول وجوب الستر لهذين الموضعين:
فمن الأخبار صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على ادنى ما تصح صلاة المرأة فيه و انه درع و ملحفة تنشرها على رأسها و تجلل بها، و الملحفة عبارة عن ثوب واسع سابغ شامل للبدن يلبس على الثياب، و حينئذ فالملحفة المذكورة ان تجللت بها يعني نشرتها على رأسها و على جميع بدنها و ضمتها على بدنها كما توضحه الأخبار الآتية حصل بذلك ستر الكفين و القدمين. هذا مضافا الى ما عرفت من حصول الستر بالدرع لما عرفت مما هو عليه من السعة طولا و عرضا.
و منها-
صحيحة علي بن جعفر المروية في الفقيه (2) «انه سأل أخاه موسى
____________
(1) الوسائل الباب 23 من أحكام الملابس.
(2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى.
10
(عليه السلام) عن المرأة ليس عليها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال تلتف بها و تغطي رأسها و تصلي فإن خرجت رجلها و ليست تقدر على غير ذلك فلا بأس».
و التقريب ما تقدم، و في قوله: «فان خرجت رجلها» ما يدل على كون الملحفة شاملة في الغالب للرجلين الى آخرهما، و انما نفى البأس هنا مع خروج الرجلين من حيث الضرورة بعدم وجود ساتر غيرها و هو مؤذن بحصول البأس مع إمكان غيرها، و فيه إيماء إلى وجوب ستر القدمين مع الإمكان.
و منها-
ما رواه في الصحيح- و لكنه مختلف فيه- الى المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تصلي في درع و ملحفة ليس عليها إزار و لا مقنعة؟ قال لا بأس إذا التفت بها فان لم تكن تكفيها عرضا جعلتها طولا».
و الظاهر من قوله «فان لم تكن تكفيها عرضا» يعني لأجل الوصول الى القدمين و سترهما استظهارا إذا لم يسترهما الدرع و إلا فستر الرأس حاصل بها البتة.
و منها-
ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الله بن ابي يعفور (2) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) تصلي المرأة في ثلاثة أثواب إزار و درع و خمار و لا يضرها ان تتقنع بالخمار، فان لم تجد فثوبين تتزر بأحدهما و تقنع بالآخر. قلت فان كان درع و ملحفة ليس عليها مقنعة؟ قال لا بأس إذا تقنعت بالملحفة فان لم تكفها فتلبسها طولا».
أقول: يحتمل ان يكون المراد بالإزار هنا ثوبا شاملا للبدن من شقة واحدة كما ورد في اجزاء الكفن. و الأصحاب حملوا الثلاثة هنا على الاستحباب لحصول الستر هنا بالدرع و الخمار و لا بأس به. و يمكن حمله على الاستظهار في ستر القدمين و الكفين ايضا بناء على ما قلناه. و اما قوله: «و لا يضرها ان تتقنع بالخمار» فالظاهر ان المراد به انه لو لم يكن ثمة إزار فإنها تختمر بأحد طرفي الخمار و تتقنع بالطرف الآخر الطويل منه لان الظاهر من الأخبار انه يستحب لها بعد تخمير الرأس و تغطيته القناع فوقه كما
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من لباس المصلى.
(2) رواه في الوسائل في الباب 28 من لباس المصلى.
11
يستحب للرجل بعد تغطية الرأس بالقلنسوة و نحوها العمامة. ثم ذكر (عليه السلام) انه لو لم تجد هذه الثلاثة و لا الدرع و لا الخمار فإنه يجزئها ثوبان على الوجه المذكور بان يكونا ساترين لجميع ما يجب ستره في الصلاة. و ظاهر هذه الاخبار كما ترى لا يأبى الانطباق على ما ذكره الشيخ (قدس سره) في الاقتصاد و من تبعه.
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي في درع و خمار؟ قال يكون عليها ملحفة تضمها عليها».
و حمل ذكر الملحفة على الاستحباب و الفضل. و هو جيد للاستظهار في ستر أطرافها من اليدين و الرجلين.
و اما ما اعترض به في المدارك على كلام الشيخ (قدس سره) في الاقتصاد- حيث قال: و اما احتجاج الشيخ في الاقتصاد على وجوب الستر بان بدن المرأة كله عورة فإن أراد بكونه عورة وجوب ستره عن الناظر المحترم فمسلم، و ان أراد وجوب ستره في الصلاة فهو مطالب بدليله. انتهى- ففيه ان الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب ان وجوب الستر عن الناظر المحترم و كذا في الصلاة أمران متلازمان، و ذلك فان وجوب الستر في الموضعين دائر مدار ثبوت كونه عورة، و لهذا كما عرفت من كلام العلامة في المنتهى و المختلف انما تمسك في عدم وجوب ستر هذه الأشياء بالخروج عن كونها عورة. و لعل وجه الفرق الذي توهمه انما بناه على ما فهمه من صحيحة محمد بن مسلم و دعوى دلالتها على خروج الكفين و القدمين و قد عرفت ما فيه. و بالجملة فإني لا اعرف لهم دليلا سوى الإجماع المدعى منهم مع وجود المخالف كما عرفت.
و اما ما ذهب اليه ابن الجنيد- من مساواة المرأة للرجل في ان العورة انما هي القبل و الدبر- فلم نقف له فيه على دليل، و صاحب المختلف مع تكلفه نقل الأدلة للأقوال
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 28 من لباس المصلى.
12
التي ينقلها فيه لم يتعرض هنا لنقل دليل له مع نقله القول المذكور و هو أظهر ظاهر في ضعفه بعد ما عرفت.
و اما ما ذهب اليه من القول الآخر فاحتج عليه و احتجوا له عليه
بما رواه عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بالمرأة المسلمة الحرة ان تصلي و هي مكشوفة الرأس».
و أجاب عنها الشيخ بالحمل على الصغيرة أو على حال الضرورة. و قال في المعتبر ان هذه الرواية مطرحة لضعف عبد الله بن بكير فلا يترك لخبره الأخبار الصحيحة المتفق على مضمونها.
أقول: و الأظهر عندي حمل الرواية على ان المراد بكشف الرأس يعنى من القناع الذي أشرنا سابقا إلى انه يستحب لها التقنع زيادة على ستر الرأس الواجب، و هو ليس ببعيد في مقام التأويل و الجمع بين الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، و مما ينفي عنه البعد الرواية الأخرى
عن ابن بكير ايضا (2) قال: «لا بأس ان تصلي المرأة المسلمة و ليس على رأسها قناع».
فان من الظاهر ان القناع عرفا زيادة على الخمار الذي يلف به الرأس كما لا يخفى.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما تقدم كله من الكلام انما هو بالنسبة إلى بدن المرأة و جسدها من وجوب ستره كملا أو ما عدا المواضع الثلاثة المتقدمة.
و اما بالنسبة إلى شعرها فلم يتعرض للكلام فيه و قل من تعرض للكلام فيه من أصحابنا (رضوان الله عليهم) قال في المدارك في هذا المقام: و اعلم انه ليس في العبارة كغيرها من عبارات أكثر الأصحاب تعرض لوجوب ستر شعر الرأس بل ربما ظهر منها انه غير واجب لعدم دخوله في مسمى الجسد، و يدل عليه إطلاق الأمر بالصلاة فلا يتقيد إلا بدليل و لم يثبت إذ الاخبار لا تعطي ذلك، و استقرب الشهيد في الذكرى الوجوب
لما رواه ابن بابويه عن الفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلى.
13
«صلت فاطمة (عليها السلام) في درع و خمار و ليس عليها أكثر مما وارت به شعرها و أذنيها».
و هي مع تسليم السند لا تدل على الوجوب، نعم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب ستر العنق و في رواية زرارة المتقدمة إشعار به ايضا. انتهى. أقول: فيه ان الظاهر من الأخبار المتقدمة- باعتبار اشتمالها على الخمار و المقنعة التي هي عبارة عن الخمار ايضا كما ذكره أهل اللغة و غيرهم و الملحفة تلتف بها- هو ستر شعر الرأس و ستر العنق بل ستر الرأس و ما انحدر عنه ما عدا الوجه، اما بالنسبة إلى الملحفة فظاهر لما عرفت من معناها و انها بعد التقنع بها تلفها و تضمها على بدنها، و اما بالنسبة إلى الخمار فان الظاهر بل المعلوم انحداره عن العنق و زيادة لا الاختصاص بالرأس كما يوهمه ظاهر كلامه (قدس سره) و من أظهر الأدلة على ذلك قوله عز و جل «وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ» (1) قال شيخنا أمين الإسلام الطبرسي (قدس سره) في تفسير مجمع البيان. و الخمر المقانع جمع خمار و هو غطاء رأس المرأة المنسدل على جنبيها، أمرن بإلقاء المقانع على صدورهن تغطية لنحورهن فقد قيل انهن كن يلقين مقانعهن على ظهورهن فتبدو صدورهن، و كنى عن الصدور بالجيوب لأنها ملبوسة عليها. و قيل انهن أمرن بذلك ليسترن شعرهن و قرطهن و أعناقهن، قال ابن عباس تغطي شعرها و صدرها و ترائبها و سوالفها. انتهى. و هو صريح- كما ترى- في كون الخمار منسدلا الى الصدر و الظهر موجبا لستر شعر الرأس و العنق كما لا يخفى، و ان حملناه على ما هو المعمول الآن و المتعارف بين نساء هذا الزمان فهو أبلغ و أظهر في ستر الأجزاء المذكورة من ان يحتاج الى بيان.
و اما الرواية التي نقلها عن فاطمة (عليها السلام) التي هي سبب وقوعه في هذا الوهم فهي- مع كونها ظاهرة في كون تلك الحال حال ضرورة- ظاهرة في وجوب ستر الشعر فإنه لا يخفى ان شعر الرأس بمقتضى العادة منسدل على العنق و البدن من إمام
____________
(1) سورة النور الآية 31.
14
و خلف و هي (صلوات الله عليها) لمكان الضرورة و عدم كون خمارها متسعا كسائر الاخمرة التي أشرنا إليها قد جمعت شعر رأسها و وارته في ذلك الخمار اليسير حيث انه ليس فيه سعة يأتي على شعرها مع انسداله، فان ظاهر الخبر ان ذلك الخمار لصغره انما وارى ما فوق العنق خاصة فجمعت شعر رأسها فيه، و لو كانت الصلاة جائزة مع عدم ستر الشعر كما توهمه لما كان لجمعها له في الخمار وجه البتة لما عرفت انه بمقتضى العادة منسدل الى تحت، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه، و به يظهر ان ما استقر به في الذكرى من دلالة الخبر على الوجوب في محله و ان كلامه عليه و منعه الدلالة لا وجه له و اما قوله-: نعم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب ستر العنق- فضعيف بل عجيب من مثله (قدس سره) فإنه لا يخفى ان ظاهر الخبر ينادي بأن صلاتها (صلوات الله عليها) في ذلك الخمار بهذه الكيفية انما هي لمكان الضرورة و انه ليس عليها أكثر من ذلك فالحال حال ضرورة و الضرورات تبيح المحظورات و انما صلت كذلك حيث لم تجد ساترا يستر ما زاد على ذلك، فكيف يسوغ منه الاستدلال به على جواز كشف العنق مطلقا؟ و قد عرفت من ظاهر الآية- كما ذكره أمين الإسلام المتقدم ذكره- الدلالة على كون الخمار المتعارف يومئذ ساترا للجميع و ان الله سبحانه قد أوجب ستر هذه المواضع عن الناظر المحترم لكونها عورة فيجب سترها في الصلاة أيضا كما تقدم، و يجب حمل الخمار في الأخبار المتقدمة على ذلك كما عرفت، و به يظهر وجوب ستر العنق و نحوه ايضا.
و أعجب من ذلك قوله: «و في رواية زرارة المتقدمة إشعار به» و كأنه توهم من نشر الملحفة على رأسها انها ترمي طرفي الملحفة على يمينها و يسارها و تصلي مكشوفة العنق مما يلي صدرها و غفل عن قوله: «و تجلل بها» فان المراد بالتجلل بها ضمها على البدن كما عرفت من الروايات الأخر، و به صرح أهل اللغة حيث ذكروا ان الجلال للدابة كالثوب للإنسان يقيه من البرد و نحوه و هو يقتضي ضمه على البدن من جميع جهاته و أطرافه
15
و بالجملة فإن كلامه في أمثال هذه المقامات لا يخلو من مجازفة و عدم تأمل، و أعجب من جميع ذلك متابعة من تأخر عنه له في أمثال هذه المقامات من غير إعطاء النظر حقه في الأخبار و كلام علمائنا الأبرار و لا تحقيق ما هو الحق منها في المقام لحسن الظن بصاحب الكتاب و اشتهاره بالفضل و التحقيق في جميع الأبواب و الحال كما عرفت في غير موضع مما شرحناه و سنشرحه ان شاء الله تعالى في ما يأتي من الكتاب. و الله العالم.
(المسألة الثانية) [جواز كشف الأمة و الصبية رأسها في الصلاة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز كشف الرأس للأمة و الصبية في الصلاة و قد نقل عليه الفاضلان و الشهيد الإجماع من علماء الإسلام إلا الحسن البصري فإنه أوجب على الأمة الخمار إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه (1).
و يدل على الحكم المذكور مضافا الى الإجماع المدعى بالنسبة إلى الأمة عدة روايات:
منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «ليس على الإماء ان يتقنعن في الصلاة و لا ينبغي للمرأة أن تصلي إلا في ثوبين».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«قلت له الأمة تغطي رأسها؟ قال لا و لا على أم الولد ان تغطي رأسها إذا لم يكن لها ولد».
و عن ابي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «على الصبي إذا احتلم الصيام و على الجارية إذا حاضت الصيام و الخمار إلا ان تكون مملوكة فإنه ليس عليها خمار إلا ان تحب ان تختمر و عليها الصيام».
و ما في كتاب قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الأمة هل يصلح لها ان تصلي في قميص واحد؟ قال لا بأس».
____________
(1) المغني ج 1 ص 604.
(2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى.
16
و ما رواه في الكافي و الفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ليس على الأمة قناع في الصلاة و لا على المدبرة و لا على المكاتبة إذا اشترطت عليها قناع في الصلاة و هي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها و يجري عليها ما يجري على المملوك في الحدود كلها».
و زاد في الفقيه (2) قال: «و سألته عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار؟ قال لو كان عليها لكان عليها إذا هي حاضت و ليس عليها التقنع في الصلاة».
و اما ما يدل على ذلك بالنسبة إلى الصبية فاستدل عليه بعضهم بأصالة عدم التكليف. و عندي ان ذكر الصبية في هذا المقام كما ذكره غير واحد منهم لا وجه له لان هذا الحكم انما ذكروه في مقام الاستثناء من القاعدة المتقدمة و هو وجوب ستر البدن كملا على المرأة و انه عورة و الصبية مما لا مدخل لها في أصل القاعدة فلا حاجة الى استثنائها.
و إطلاق كلام أكثر الأصحاب و أكثر الأخبار يقتضي عدم الفرق في الأمة بين المملوكة و المدبرة و المكاتبة المشروطة و المطلقة التي لم تؤد من مكاتبتها شيئا و أم الولد سواء كان ولدها حيا أو ميتا، و يفهم من صحيحة محمد بن مسلم الاولى ان أم الولد انما تكون كذلك بعد موت ولدها و إلا فمع وجوده فهي كالحرة في وجوب الستر، و الى ذلك يميل كلام صاحب المدارك حيث قال بعد ذكر الخبر المذكور: و هو يدل بمفهومه على وجوب تغطية الرأس على أم الولد و مفهوم الشرط حجة كما حقق في محله، و يمكن حمله على الاستحباب إلا انه يتوقف على وجود المعارض. انتهى. و هو جيد لولا ما يدل عليه ظاهر صحيحة محمد بن مسلم الثانية على رواية الفقيه من قوله: «و سألته عن الأمة إذا ولدت عليها الخمار. الى آخره» فان الظاهر ان المعنى فيها هو ان السائل ظن ان وجوب الخمار على المرأة امة كانت أو حرة دائر مدار الولادة المؤذنة بالبلوغ
____________
(1) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
17
فأجاب (عليه السلام) بأنه لو كان كذلك فإنه لا اختصاص له بالولادة بل يجري في الحيض الذي هو أحد أسباب البلوغ ايضا مع انه ليس على الأمة التقنع في الصلاة مطلقا.
و فيه إشارة إلى تساوي حالها قبل الولادة و بعدها في عدم التقنع قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: كأن الراوي ظن ان حد وجوب التقنع على النساء إذا ولدن فنبه (عليه السلام) ان حده إذا حضن و انه ساقط عن الإماء في جميع الأحوال. انتهى و ظني بعده عن سياق الخبر إلا انه دال على ما قلناه من عدم وجوب التقنع على أم الولد و لو مع وجود الولد، و حينئذ فلا يلتفت الى دلالة المفهوم مع وجود المنطوق. و اما ما ذكره في الذخيرة- من ان هذه الرواية لا تصلح لمعارضة الخبرين الآخرين لانه لو سلم مفهومها لم يكن واضح الدلالة على الوجوب كما لا يخفى- فغير متوجه و كيف لا و مفهوم الشرط لا إشكال في حجيته كما اعترف به في مواضع من كتابه و عليه المحققون من الأصوليين معتضدا ذلك بالأخبار المتقدمة في مقدمات الكتاب، و الخبران المشار إليهما في كلامه و هما صحيحتا عبد الرحمن و محمد بن مسلم الثانية مطلقتان و هذه مقيدة بناء على حجية المفهوم المذكور فلا تعارض إذ المقيد يحكم على المطلق كما هو القاعدة، فكلام السيد لا يخلو من قوة لو لا دلالة الصحيحة المذكورة كما أوضحناه. و بالجملة فإنك قد عرفت ان مقتضى الأخبار المتقدمة في سابق هذه المسألة ان بدن المرأة كله عورة يجب ستره في الصلاة حرة كانت أو امة استثنى من ذلك ما قام عليه الدليل من الأمة بهذه الاخبار و بقي ما عدا موضع الاستثناء على الوجوب، و بذلك يظهر لك ضعف قوله: «انه لو سلم مفهومها لم يكن واضح الدلالة في الوجوب» فان الوجوب ثابت بتلك الاخبار المشار إليها لا بهذا الخبر غاية الأمر انه قد استثنى من الوجوب في المرأة مطلقا ما قام عليه الدليل بهذه الاخبار و هي الأمة. و هذا بحمد الله سبحانه واضح لا سترة عليه.
[فوائد]
بقي في المقام فوائد يجب التنبيه عليها
(الاولى) [هل يستحب القناع للأمة في الصلاة؟]
- قال في المعتبر: و هل يستحب لها القناع؟ قال به عطاء و لم يستحب الباقون لما رووه ان عمر كان ينهى الإماء عن التقنع
18
و قال انما القناع للحرائر و ضرب امة لآل انس رآها متقنعة و قال اكشفي و لا تشبهي بالحرائر (1) و ما قاله عطاء حسن لان الستر انسب بالخفر و الحياء و هو مراد من الحرة و الأمة، و ما ذكروه من فعل عمر جاز ان يكون رأيا رآه. انتهى.
أقول: ظاهر جملة ممن تأخر عنه خلاف ما ذكره و اختاره من استحباب القناع للأمة
لما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن بإسناده عن حماد اللحام (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوكة تقنع رأسها إذا صلت؟ قال لا قد كان ابي إذا رأى الخادم تصلي متقنعة ضربها لتعرف الحرة من المملوكة».
و روى الصدوق في كتاب العلل هذا الحديث ايضا عن حماد اللحام (3)
و روى فيه أيضا في الصحيح عن حماد اللحام- و هو مجهول- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«سألته عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة؟ قال اضربوها حتى تعرف الحرة من المملوكة».
و روى الشهيد في الذكرى عن البزنطي في كتابه بإسناده إلى حماد اللحام عن الصادق (عليه السلام) (5) «في المملوكة تقنع رأسها إذا صلت؟ قال لا. الحديث الأول الى آخره».
قال و روى علي بن إسماعيل الميثمي في كتابه عن ابي خالد القماط (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأمة أتقنع رأسها؟ فقال ان شائت فعلت و ان شائت لم تفعل، سمعت ابي يقول كن يضر بن فيقال لهن لا تشبهن بالحرائر».
أقول:
لا يخفى ما في هذه الاخبار من الدلالة على خلاف ما صار إليه في المعتبر و لعل العذر له في عدم الوقوف عليها.
و ظاهر الصدوق في كتاب العلل القول بتحريم الستر على الأمة حيث قال:
«باب العلة التي من أجلها لا يجوز للأمة أن تقنع رأسها» ثم ذكر الاخبار المتقدم نقلها عنه، و لعل منشأ ذهابه الى التحريم من حيث اشتمال الاخبار على الضرب. و فيه انه
____________
(1) المغني ج 1 ص 604.
(2) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 29 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى.
(5) ص 140.
(6) الوسائل الباب 29 من لباس المصلى.
19
لا يخفى على من تأمل الاخبار انه كثيرا ما يؤكدون (عليهم السلام) في المنع من المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات كما يؤكدون في المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، و يدل على حمل ذلك على الكراهة قوله (عليه السلام) في حديث القماط «ان شائت فعلت و ان شائت لم تفعل» و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير المتقدمة «إلا ان تحب ان تختمر» و يؤيده التعبير في كثير من الروايات بأنه ليس عليها. و بالجملة فالأظهر هو الكراهة كما هو المشهور بين الأصحاب، و يقرب حمل اخبار الضرب الظاهرة في التحريم على التقية كما تقدم نقله عن عمر و يشير اليه قوله (عليه السلام) في رواية القماط بعد إفتائه بالتخيير «سمعت ابي يقول كن يضربن» إذ الظاهر كونه إشارة الى ما رواه العامة عن عمر، و يؤيده إسناد الحكم إلى أبيه في أكثر هذه الاخبار، و كيف كان فالأظهر الكراهة.
نعم يبقى الإشكال في العنق فان الظاهر من الاخبار المانعة من التقنع جواز كشفه و لا سيما خبر علي بن جعفر المتقدم نقله من كتاب قرب الاسناد الدال على جواز صلاتها في قميص واحد فان القميص لا يستر العنق. و بالجملة فإن إغفاله في هذه الاخبار مع اشتمالها على النهي عن التقنع ظاهر في جواز كشفه و انه من جملة الرأس المرخص في كشفه أو المكروه تغطيته. و بما قلناه من جواز كشفه صرح جملة من أصحابنا المتأخرين و متأخريهم.
(الثانية) [حكم ما عدا الرأس في الأمة]
- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ (قدس سره) بأنه يجب على الأمة ستر ما عدا الرأس، قال في المعتبر بعد ان حكى ذلك عن الشيخ:
و يقرب عندي جواز كشف وجهها و كفيها و قدميها لما قلناه في الحرة. انتهى. و استدرك عليه الشهيد في الذكرى ذلك فقال بعد نقله عنه: قلت ليس هذا موضع التوقف لانه من باب كون المسكوت عنه اولى بالحكم من المنطوق به و لا نزاع في مثله. و هو جيد بناء على ما هو المشهور، إلا ان فيه ما عرفت آنفا في الكفين و القدمين.
(الثالثة) [لو انعتق بعض الأمة]
- لو انعتق بعض الأمة وجب عليها ستر رأسها لعدم دخولها تحت الأخبار المتقدمة فإن المذكور فيها من كانت امة و المتبادر منها هي المملوكة كملا، قال في
20
الذكرى بعد نقل القول المذكور عن الشيخ و الفاضل و نقل صحيحة محمد بن مسلم الثانية:
و هو يشعر بما قالوه للتخصيص بالمشروطة. يعني ان تخصيصه (عليه السلام) المكاتبة المشروطة بالذكر في هذا المقام- و هي التي لا تنعتق حتى تؤدي مال الكتابة كملا دون المطلقة التي ينعتق منها بنسبة ما تؤديه- مشعر بأن المطلقة متى أدت بعضها لم تدخل في عداد هؤلاء المذكورين بانعتاق بعضها فيغلب جانب الحرية منها و يلحقها حكم الأحرار.
(الرابعة) [حكم الخنثى المشكل]
- قال في المنتهى: الخنثى المشكل يجب عليه ستر فرجيه إجماعا و ان كان أحدهما زائدا. و هل يجب عليه ستر جميع جسده كالمرأة؟ فيه تردد ينشأ من أصالة براءة الذمة فيصار إليها، و من العمل بالاحتياط في وجوب ستر الجميع. و الأقرب الثاني لأن الشرط بدون ستر الجميع لا يتيقن حصوله. و الى ما ذكره من اختيار الثاني مال الشهيد في الذكرى فقال: و الأقرب إلحاق الخنثى بالمرأة في وجوب الستر أخذا بالمبرئ للذمة. و اعترضهما الفاضل الخراساني في الذخيرة بأن الاشتراط انما ثبت في حق المرأة لا مطلقا فههنا كان إطلاق الأمر بالصلاة باقيا على حاله من غير تقييد فمقتضى ذلك عدم الوجوب. انتهى.
أقول: لا يخفى ان اخبار هذا الباب و كلمة الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد اتفقت على ان حكم الرجل بالنسبة الى هذه المسألة وجوب ستر العورتين خاصة و جواز كشف ما عداهما و المرأة يجب عليها ستر البدن كملا ما عدا المواضع المستثناة على ما تقدم و لا ريب ان الخنثى المشكل لا يسمى رجلا لتلحقه أحكام الرجل و لا امرأة لتلحقه أحكام المرأة و لم يرد فيه نص بخصوصه فيبقى الحكم فيه مشكلا، و قد تكاثرت الاخبار بالتثليث (1)
«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك».
و لا ريب ان حكم الخنثى هنا من القسم الثالث، و قد ورد عنهم (عليهم السلام) ان الحكم في هذا القسم هو الأخذ بالاحتياط في العمل، و هو عندنا واجب في هذه الصورة و ان كان عند أصحابنا
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يقضى به.
21
الأصوليين مستحبا، فما ذهب اليه الشيخان المذكوران هو الحق في المسألة و كلام هذا الفاضل عليهما لا معنى له، و تمسكه بإطلاق الأمر بالصلاة مجازفة إذ قد علم من الشرع ضرورة ان هذا الإطلاق قد قيدته النصوص بالشروط الواجبة على جميع المكلفين بلا خلاف من وجوب الستر و طهارته و طهارة المصلى من الحدث و القبلة و الوقت و نحوها فلا بد في صحة الصلاة من اي مكلف كان من الإتيان بهذه الشروط، و الخنثى المشكل من جملة المكلفين البتة فيجب عليها ستر العورة لكن حصل الشك في إلحاقها في ذلك بالرجل أو المرأة حيث لا نص عليها بالخصوص و عدم دخولها تحت شيء من العنوانين المذكورين فالواجب الأخذ بالاحتياط.
(الخامسة)- إذا أعتقت الأمة في أثناء الصلاة
و هي مكشوفة الرأس و علمت بذلك قال الشيخ (قدس سره). ان قدرت على ثوب تغطي رأسها وجب عليها أخذه و تغطية الرأس، و ان لم يتم لها ذلك إلا بان تمشي خطى قليلة من غير ان تستدبر القبلة كان مثل ذلك، و ان كان بالعبد منها و خافت فوات الصلاة أو احتاجت الى استدبار القبلة صلت كما هي و ليس عليها شيء و لا تبطل صلاتها. انتهى. و مرجعه الى ان الواجب عليها الستر إلا ان يستلزم تحصيله فعلا كثيرا أو يستلزم استدبارا فتقطع الصلاة مع سعة الوقت و تمضي مع عدمها. و الى هذا القول مال العلامة في المنتهى فقال: و ما ذكره في المبسوط هو الأقرب عندي. و قال الشهيد في الذكرى: و لو أعتقت الأمة في الأثناء وجب عليها الستر فان افتقرت الى فعل كثير استأنفت مع سعة الوقت و أتمت لا معه لتعذر الشرط حينئذ فتصلي بحسب المكنة. و هو راجع الى ما اختاره في المبسوط.
و قال الشيخ في الخلاف تستمر المعتقة على صلاتها و أطلق لأن دخولها كان مشروعا و الصلاة على ما افتتحت عليه. قال في الذخيرة بعد نقل هذا القول تبعا لصاحب المدارك: و هو ظاهر المحقق في المعتبر و لا يخلو من قوة لأن القدر الثابت وجوب الستر إذا توجه التكليف بذلك قبل الدخول في الصلاة و المسألة محل تردد. انتهى.
22
أقول: اما ما ذكره من انه ظاهر المعتبر فليس كذلك بل ظاهره انما هو ما ذكره الشيخ في المبسوط حيث قال: لو أعتقت في الصلاة و أمكنها الستر من غير إبطال وجب و ان خشيت فوت الصلاة و احتاجت الى فعل كثير استمرت. و اما ما عللا به قوة القول المذكور عندهما فهو مردود بان اشتراط الصلاة بهذه الشروط من طهارة الساتر و القبلة و نحوهما دائر مدار الإمكان كائنا ما كان قبل الصلاة أو في أثنائها، ألا ترى انه لو ظهرت له القبلة بعد الاشتباه في أثناء الصلاة وجب الاستدارة إليها في بعض الصور المتقدمة و ما ذاك إلا من حيث الإمكان و عدمه. و بالجملة فالظاهر هو ما ذكره في المبسوط و هو القول المشهور الذي صرح به في المعتبر و الذكرى كما عرفت.
و نقل في الذخيرة أيضا قولا بأنه يجب عليها ستر رأسها و ان افتقرت الى فعل كثير استأنفت. و اعترضه بان الصحيح ان الاستيناف انما يثبت إذا أدركت بعد القطع ركعة في الوقت و إلا وجب الاستمرار لان وجوب الستر مشروط بالقدرة عليه. و لم أقف على هذا القول في كلامهم سوى عبارة الشرائع حيث ذكر ذلك و اعترضه في المدارك بما ذكره هنا، بل ظاهر كلامهم ان الاستيناف انما هو مع سعة الوقت بان تدرك منه و لو ركعة و إلا استمرت كما عرفت مما قدمنا من عباراتهم في ما عدا الخلاف، و قال في الدروس: و لو أعتقت في الأثناء و علمت استترت فان استلزم المنافي بطلت مع سعة الوقت. و نحوه عبارته في البيان ايضا. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [ما يستحب للرجل و المرأة من اللباس في الصلاة؟]
- قد عرفت مما تقدم ان الواجب على الرجل ستر العورتين:
القبل و الدبر، و على المرأة ستر جميع بدنها، و قد ذكر الأصحاب انه يستحب للرجل ستر جميع بدنه و يجزئه ان يصلي في ثوب واحد، و يستحب للمرأة ان تصلي في ثلاثة أثواب: درع و خمار و ملحفة.
أقول: اما ما يتعلق بالمرأة من الاخبار الدالة على الثياب التي ينبغي ان تصلي فيها فقد تقدم نقله و يأتي هنا جملة منها ايضا ان شاء الله تعالى.
23
و اما بالنسبة الى الرجل فمن الأخبار المتعلقة بذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلي في قميص واحد أو في قباء طاق أو في قباء محشو و ليس عليه إزار؟ فقال إذا كان عليه قميص صفيق أو قباء ليس بطويل الفرج فلا بأس، و الثوب الواحد يتوشح به و سراويل كل ذلك لا بأس به. و قال إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا».
و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن زياد بن سوقة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس ان يصلي أحدكم في الثوب الواحد و أزراره محلولة ان دين محمد (صلى الله عليه و آله) حنيف».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي بن فضال عن رجل (3) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون ان الرجل إذا صلى و أزراره محلولة و يداه داخلة في القميص انما يصلي عريانا؟ قال لا بأس».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «ان آخر صلاة صلاها النبي (صلى الله عليه و آله) بالناس في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه ألا أريك الثوب قلت بلى. قال فاخرج ملحفة فذرعتها فكانت سبعة أذرع في ثمانية أشبار».
و ما رواه في التهذيب عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (5) قال: «لا يصلي الرجل محلول الأزرار إذا لم يكن عليه إزار».
و عن إبراهيم الأحمري (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يصلي و أزراره محللة؟ قال لا ينبغي ذلك».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (7) قال: «رأيت أبا جعفر
____________
(1) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 23 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 23 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 23 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 23 من لباس المصلى.
(7) رواه في الوسائل في الباب 22 و 28 و 29 من لباس المصلى.
24
(عليه السلام) يصلى في إزار واحد ليس بواسع قد عقده على عنقه فقلت له ما ترى للرجل يصلي في قميص واحد؟ فقال إذا كان كثيفا فلا بأس به، و المرأة تصلي في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع كثيفا يعني إذا كان ستيرا. قلت رحمك الله الأمة تغطي رأسها إذا صلت؟ فقال ليس على الأمة قناع».
و روى في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«المرأة تصلي في الدرع و المقنعة إذا كان كثيفا يعني ستيرا».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي في درع و خمار؟ فقال تكون عليها ملحفة تضمها عليها».
و روى في الفقيه (3) قال: «سأل يونس بن يعقوب أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب واحد؟ قال نعم. قال قلت فالمرأة؟ قال لا و لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا ان لا تجده».
و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا يصلح للمرأة المسلمة ان تلبس من الخمر و الدروع ما لا يوارى شيئا».
و عن علي بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في رجل يصلى في سراويل ليس معه غيره؟ قال يجعل التكة على عاتقه».
و روى في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (6) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل؟ قال يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه و يصلي. قال و ان كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلد بالسيف و يصلي قائما».
و روي في الفقيه (7) قال: «سأل علي بن جعفر أخاه موسى (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 21 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(7) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى.
25
عن الرجل يصلي بالقوم و عليه سراويل و رداء؟ قال لا بأس به».
و روى في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل و قلنسوة؟ قال لا يصلح. و سألته عن السراويل هل يجوز مكان الإزار؟ قال نعم».
و روى في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «أدنى ما يجزئك ان تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف».
و قال في الفقيه ايضا (3) «و قال أبو بصير لأبي عبد الله (عليه السلام) ما يجزئ للرجل من الثياب ان يصلي فيه؟ فقال صلى الحسين بن علي (عليهما السلام) في ثوب قد قلص عن نصف ساقه و قارب ركبتيه ليس على منكبيه منه إلا قدر جناحي الخطاف و كان إذا ركع سقط عن منكبيه و كلما سجد يناله عنقه فيرده على منكبيه بيده فلم يزل ذلك دأبه و دأبه مشتغلا به حتى انصرف».
و روي في التهذيب عن جميل (4) قال «سأل مرازم أبا عبد الله (عليه السلام) و انا معه حاضر عن الرجل الحاضر يصلي في إزار مؤتزرا به؟ قال يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يتردى به».
و روى في الكافي و التهذيب عن رفاعة عن من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) (5) «عن الرجل يصلي في ثوب واحد يأتزر به؟ قال لا بأس به إذا رفعه الى الثديين».
كذا في التهذيب و في الكافي «إلى الثندوتين» بدل «الثديين» و الثندوة بالمثلثة لحم الثديين أو أصله
و في رواية سفيان بن السمط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «الرجل إذا اتزر بثوب واحد الى ثندوته صلى فيه».
____________
(1) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى.
26
و روى في كتاب الخصال بسند معتبر عن ابي بصير و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عليكم بالصفيق من الثياب فان من رق ثوبه رق دينه.
و قال (عليه السلام) لا يقومن أحدكم بين يدي الرب جل جلاله و عليه ثوب يشف.
و قال (عليه السلام) لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به فإنه من أفعال قوم لوط.
و قال (عليه السلام) تجزئ الصلاة للرجل في ثوب واحد يعقد طرفيه على عنقه و في القميص الصفيق يزره عليه».
و روى في كتاب المكارم عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) انه قال:
«ركعتان بعمامة أفضل من اربع ركعات بغير عمامة».
و في كتاب المسائل لعلي بن جعفر رضي الله عنه عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في قميص واحد أو قباء وحده؟ قال ليطرح على ظهره شيئا. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل و رداء؟ قال لا بأس به. و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال لا يصلح لها إلا ان تلبس درعها. و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في إزار و ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلا و عليها درع. و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في إزار و ملحفة تقنع بها و لها درع؟ قال لا يصلح لها ان تصلي حتى تلبس درعها. و سألته عن السراويل هل يجزئ مكان الإزار؟ قال نعم. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في إزار و قلنسوة و هو يجد رداء؟ قال لا يصلح. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل و قلنسوة؟ قال لا يصلح. و سألته عن المحرم هل يصلح له ان يعقد إزاره على عنقه في صلاته؟ قال لا يصلح ان يعقده و لكن يثنيه على عنقه و لا
____________
(1) الوسائل الباب 21 و 24 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 64 من لباس المصلى.
(3) البحار ج 4 ص 150 و في الوسائل بالتقطيع في الباب 22 و 25 و 28 من لباس المصلى و الباب 53 من تروك الإحرام.
27
يعقده. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يجمع طرفي ردائه على يساره؟ قال لا يصلح جمعهما على اليسار و لكن اجمعهما على يمينك أو دعهما متفرقين. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده أوجبه وحدها؟ قال إذا كان تحتها قميص فلا بأس.
و سألته عن الرجل هل يؤم في قباء و قميص؟ قال إذا كانا ثوبين فلا بأس».
أقول: و تحقيق البحث في هذه الأخبار يقع في مواضع
[الموضع] (الأول) [هل يعتبر كون الثوب الذي يصلي فيه ساتر الحجم؟]
ما دل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم- من اعتبار كون الثوب صفيقا و صحيحته الثانية من كون درع المرأة كثيفا يعني ستيرا و مثله في الرواية التي بعدها- هو مستند الأصحاب فيما ظاهرهم الاتفاق عليه من اشتراط الستر في الثوب الذي يصلى فيه.
و المراد منه ان لا يحكى لون البشرة و ما هي عليه من بياض أو سواد أو حمرة.
و هل يعتبر كونه ساتر الحجم أم لا؟ صرح الفاضلان بالعدم و عليه أكثر المتأخرين
و روى في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا تصل فيما شف أو سف يعني الثوب الصيقل».
و روى الشيخ في التهذيب عن احمد ابن حماد رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تصل في ما شف أو صف يعنى الثوب الصيقل».
قال في الذكرى: معنى «شف» لاحت منه البشرة و معنى «وصف» حكى الحجم، قال و في خط الشيخ ابي جعفر في التهذيب «أوصف» بواو واحدة و المعروف بواوين من الوصف. أقول: لا يخفى ان الرواية التي وصلت إلينا في كتب المحدثين نقلا عن التهذيب و في كتاب التهذيب الذي بأيدينا انما هي بواو واحدة و اما الذي في الكافي فإنما هو بالسين كما عرفت، و على كلتا الروايتين فالراوي قد فسره بالصقيل فما ذكره (قدس سره) لا اعرف له وجها. و مما يدل على حصول الستر بمجرد خفاء اللون دون الحجم
قول الصادق (عليه السلام) (3) في حديث النورة «إن
____________
(1) رواه في الوسائل في الباب 21 من لباس المصلى.
(2) رواه في الوسائل في الباب 21 من لباس المصلى.
(3) ج 5 ص 531.
28
النورة قد سترته».
و من المعلوم ان النورة انما تستر اللون دون الحجم.
بقي الكلام في
قوله (عليه السلام) في حديث الخصال «عليكم بالصفيق من الثياب فان من رق ثوبه رق دينه».
و قوله (عليه السلام) «لا يقومن أحدكم بين يدي الرب و عليه ثوب يشف».
و معنى «يشف» يعني تلوح منه البشرة و يظهر لونها، و الظاهر انه من قبيل الاخبار المتقدمة الدالة على اشتراط الستر، و يحتمل ان يكون كلامه الأول محمولا على الرقيق الذي لا يبلغ الى حد رؤية اللون فيكون النهي محمولا على الكراهة، و بذلك صرح جملة من الأصحاب و قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط: يجوز إذا كان صفيقا و ينكره إذا كان رقيقا، و قال في الذكرى: تكره الصلاة في الرقيق الذي لا يحكى تباعدا من حكاية الحجم و تحصيلا لكمال الستر نعم لو كان تحته ثوب آخر لم يكره إذا كان الأسفل ساترا للعورة. انتهى. و ربما أشعر آخر كلامه بأنه لو كان الأسفل غير ساتر فان الكراهة باقية و ان حصل الستر الكامل بهما، و يفهم منه حينئذ انه لو كان كل منهما لا يستر العورة و انما يحصل الستر بهما معا فإنه لا يجزئ ايضا و الظاهر انه ليس كذلك إذ اعتبار شرطية الستر في الصلاة غير مقيدة بثوب واحد بل المراد ستر العورة كيف اتفق بثوب واحد أو ثياب متعددة أو غير الثياب مطلقا.
[الموضع] (الثاني) [هل الأفضل تعدد الثوب في الصلاة؟]
- أكثر هذه الاخبار المتقدمة قد دلت على الصلاة في الثوب الواحد الشامل للبدن و لو إزار أو ملحفة يعقد طرفيها على عنقه، و جملة من الأصحاب صرحوا بأن الأفضل التعدد في الثياب:
قال في الذكرى بعد ان نقل جملة من اخبار الصلاة في ثوب واحد ما لفظه:
و بعض العامة الفضل في ثوبين
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) قال:
«إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما».
و لا بأس به و الاخبار الأولة لا تنافيه لدلالتها على الجواز و يؤيده عموم قوله تعالى «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (2) و دلالة
____________
(1) المغني ج 1 ص 583.
(2) سورة الأعراف، الآية 29.
29
الاخبار على ان الله تعالى أحق ان يتزين له (1) و أورد هذا في التذكرة عن النبي (صلى الله عليه و آله) و افتى به فيكون مع القميص إزار و سراويل مع الاتفاق على ان الامام يكره له ترك الرداء و قد رواه
سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا ينبغي إلا ان يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها».
و الظاهر ان القائل بثوب واحد من الأصحاب انما يريد به الجواز المطلق و يريد به ايضا على البدن و إلا فالعمامة مستحبة مطلقا و كذا السراويل، و قد روى تعدد الصلاة الواحدة بالتعمم و التسرول (3) أما المرأة فلا بد من ثوبين درع و خمار إلا ان يكون الثوب يشمل الرأس و الجسد، و عليه حمل الشيخ (قدس سره) رواية عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (عليه السلام) في جواز صلاة المسلمة بغير قناع (4) و يستحب ثلاثة للمرأة
لرواية جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «درع و خمار و ملحفة».
انتهى.
أقول: الظاهر ان الرواية التي نقلها و نفي البأس عن القول بها عامية لعدم وجودها في أخبارنا و به يشعر كلامه ايضا و أكثر الاخبار كما عرفت انما دل على الثوب الواحد، و منها- زيادة على ما تقدم
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن أبيه (6) قال:
«صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في ثوب واحد».
و عن ابي مريم الأنصاري في الصحيح (7) قال: «صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة فلما انصرف قلنا له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة؟ فقال ان قميصي كثيف و هو يجزئ ان لا يكون علي إزار و لا رداء. الحديث».
____________
(1) ص 32.
(2) الوسائل الباب 53 من لباس المصلى.
(3) ص 32.
(4) ص 12.
(5) الوسائل الباب 28 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى.
(7) التهذيب ج 1 ص 216 و في الوسائل بالتقطيع في الباب 22 من لباس المصلى و 30 من الأذان و الإقامة.
30
نعم يدل على التعدد مما قدمناه
قوله (عليه السلام) في آخر رواية علي بن جعفر الطويلة المنقولة من كتابه: «و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده أوجبه وحدها. الى آخره».
إلا ان مورده الإمامة لا مطلقا كما هو المدعى، و حديث سليمان ابن خالد الذي ذكره مورده ايضا الإمامة خاصة فلا ينهض حجة في المدعى. و بالجملة فالاستحباب حكم شرعي يحتاج الى دليل واضح كالوجوب و التحريم إلا انه لما اشتهر بينهم المسامحة في أدلة السنن توسعوا في ذلك و هو خروج عن الطريق الواضح كما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة في البحث معهم في هذا التسامح. نعم ما ذكره بالنسبة إلى المرأة من الثلاثة الأثواب قد تقدم في ما أوردناه من الاخبار هنا و في ما تقدم، و لعله من حيث ان جميع بدنها عورة فينبغي ان تبالغ في ستره بتعدد الثياب و اما الرجل فليس كذلك.
[الموضع] (الثالث) [هل يجوز الصلاة مع ظهور العورة حال الركوع؟]
- قد دلت صحيحة زياد بن سوقة على جواز الصلاة في الثوب الواحد و أزراره محلولة و نحوها مرسلة ابن فضال، و دلت رواية غياث بن إبراهيم على النهي عن ذلك إذا لم يكن عليه إزار و نحوها رواية إبراهيم الأحمري، و الأصحاب هنا قد صرحوا باستحباب زر الأزرار و كراهة حلها جمعا بين الاخبار المذكورة، و ظاهر إطلاق عبائر جملة منهم كإطلاق الأخبار المجوزة جواز ذلك و ان استلزم ظهور العورة حال الركوع للمصلي و غيره. و لا يخلو من الاشكال لما علم من اشتراط صحة الصلاة بستر العورة، قال الشيخ في الخلاف على ما نقله في الذكرى: يجوز في قميص و ان لم يزره و لا يشد وسطه سواء كان واسع الجيب أو ضيقه، ثم نقل صحيحة زياد بن سوقة على اثر هذا الكلام ثم قال و لا تعارضه رواية غياث ثم أورد الرواية و حملها على الكراهة و قال المحقق في المعتبر: و لو كان جيبه واسعا بحيث لو ركع بانت له عورته لم يجب ستر ذلك و كانت صلاته ماضية و قد روى ذلك رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم نقل مرسلة الحسن بن علي بن فضال المتقدمة. و نسج على منواله العلامة فقال في المنتهى
31
و لا بأس ان يصلي الرجل في قميص واحد و أزراره محلولة واسع الجيب كان أو ضيقه رقيق الرقبة كان أو غليظها كان تحته مئزر أم لم يكن، و قد روى حل الأزرار زياد بن سوقة ثم ساق الرواية الى ان قال: و لو كان الجيب واسعا تظهر له عورته لو ركع لم يجب ستر ذلك عن نفسه و كانت صلاته ماضية لان المقصود تحريم نظر غيره الى عورته، و يؤيده ما رواه الشيخ (قدس سره) ثم أورد مرسلة ابن فضال. و إطلاق كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و كذا الصحيحة المذكورة و المرسلة تساعد على ما ذكراه إلا انه قال في الذكرى في موضع آخر غير ما قدمنا ذكره: لا يجب زر الثوب إذا كان لا تبدو العورة منه حسبما افتى به الشيخ (قدس سره) و هو في رواية زياد بن سوقة عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية، ثم قال و اشترطنا عدم بدو العورة و لو في حين ما لاختلال الشرط
و في رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «إذا كان القميص صفيقا و القباء ليس بطويل الفرج فلا بأس».
و لو برزت العورة حين الركوع للناظرين بطلت الصلاة حينئذ. و لو برزت للمصلي لا لغيره فالأقرب البطلان إذا قدر رؤية الغير لو حاذى الموضع، و أطلق في المعتبر الصحة إذا بانت له حال الركوع. و الأقرب الاكتفاء بكثافة اللحية المانعة من الرؤية، و وجه المنع انه غير معهود في الستر كما مر. (فان قلت) روى غياث، ثم ساق الرواية ثم قال (قلت) حملها الشيخ (قدس سره) على الاستحباب مع إمكان حملها على ما تبدو معه العورة، و يؤيد حمل الشيخ ما رواه إبراهيم الأحمري عن ابي عبد الله (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. انتهى.
أقول: و التحقيق عندي في هذا المقام هو انه لما قام الدليل من خارج على وجوب ستر العورة في الصلاة و المتبادر في جميع واجباتها من قيام و قعود و ركوع و سجود و نحو ذلك فالواجب حمل هذه الاخبار على ما تجتمع به مع تلك الأدلة، و لا معنى لاستثناء رؤية المصلي نفسه دون غيره إذ وجوب ستر العورة ليس باعتبار وجود الناظر بالفعل
____________
(1) الوسائل الباب 22 من لباس المصلى.
32
و انما هو باعتبار ان لو كان ثمة ناظر لكان يراها و إلا لكان المصلي في الظلام أو في بيت يغلق عليه تصح صلاته و ليس كذلك إجماعا. فما ذكره الشهيد (قدس سره) من هذا الكلام الأخير هو المعتمد إلا ان اكتفاءه بستر اللحية ضعيف لا ينبغي ان يلتفت اليه كما أشار اليه، و حينئذ فلا بد من تأويل صحيحة زياد بن سوقة و إخراجها عن ظاهرها و حمل النهي في رواية غياث على ظاهرها من التحريم و نحوها رواية إبراهيم. و ما يدعونه من ان لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة اصطلاح عرفي بين الناس و إلا فقد عرفت في غير موضع ان استعماله في التحريم في الأخبار أكثر كثير إلا انه يجب تقييد التحريم بما إذا استلزم ظهور العورة و على هذا فيحمل الخبران المجوزان على عدم ظهور العورة، و على ذلك تجتمع الاخبار و تتفق مع تلك الأخبار الدالة على شرطية الستر في الصلاة كما لا يخفى. و يؤيد ما قلناه من المنع من حل الأزرار حال الصلاة حديث
زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) و فيه ان حل الأزرار في الصلاة من عمل قوم لوط.
[الموضع] (الرابع) [ما يستحب ستره للرجل؟]
- قال في الذكرى: الأفضل للرجل ستر ما بين السرة و الركبة و إدخالهما في الستر، للخروج عن الخلاف و لانه مما يستحي منه، و ستر جميع البدن أفضل و الرداء أكمل و التعمم و التسرول أتم
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فان الله أحق ان يتزين له».
و روى (3) «ركعة بسراويل تعدل أربعا بغيره».
و كذا روى في العمامة (4). انتهى. و لعله أشار بالرواية في العمامة الى ما قدمنا نقله عن كتاب مكارم الأخلاق، و الظاهر ان هاتين الروايتين انما هما من طرق العامة لعدم وجودهما في كتب أخبارنا، قال شيخنا المجلسي (قدس سره) بعد نقل رواية المكارم المذكورة: الظاهر ان هذه الرواية عامية و بها استند الشهيد (قدس سره) و غيره ممن ذكر استحبابها في الصلاة و لم أر في أخبارنا ما يدل على ذلك
____________
(1) الوسائل الباب 23 من لباس المصلى.
(2) المهذب ج 1 ص 64.
(3) الوسائل الباب 64 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 64 من لباس المصلى.
33
نعم ورد استحباب العمامة مطلقا في اخبار كثيرة (1) و حال الصلاة من جملة تلك الأحوال، و كذا ورد استحباب كثرة الثياب في الصلاة (2) و هي منها، و هي من الزينة فتدخل تحت الآية، و لعل هذه الرواية مع تأيدها بما ذكرنا تكفي في إثبات الحكم الاستحبابي. و يمكن ان يقال انه انسب بالتواضع و التذلل و لذا ورد في بعض الاخبار الأمر به. و لعل الأحوط عدم قصد استحبابها في خصوص الصلاة بل يلبسها بقصد انها حال من الأحوال. انتهى.
و أقول: لا يخفى ما في كلام شيخنا المذكور من المجازفة جريا على وتيرة من تقدمه من الأصحاب، فإن إثبات الأحكام الشرعية التي هي قول على الله تعالى- و قد استفاضت الآيات و الروايات بالنهي عن القول عليه عز و جل بغير علم و الزجر عن ذلك- و الحكم بالاستحباب بمثل هذه الروايات العامية أو مع انضمام هذه التخريجات- مجازفة محضة في أحكامه سبحانه، و مجرد كون ذلك للاستحباب لا يترتب على تركه العقاب لا يوجب التساهل إذا الكلام في انه قول عليه (عز و جل) بغير علم فيدخل تحت النواهي الشديدة المستفيضة في الباب و من هنا يترتب عليه العقاب كما لا يخفى على اولى الألباب على ان ما ادعاه من استحباب كثرة الثياب في الصلاة لم نقف عليه في خبر من الاخبار كما تقدم القول في ذلك، و غاية ما ربما يدعى حكاية الصلاة في ثوبين أو ثلاثة مثلا اما الأمر بذلك و انه الأفضل فالظاهر بل المقطوع به عدمه، نعم ورد ذلك في المرأة كما تقدم. و بالجملة فالمستفاد من الأخبار المتقدمة استحباب الصلاة في الثوب الساتر لجميع البدن من القميص و نحوها و لو ستر اسافله خاصة و اما الأفضل فوضع شيء على أعاليه و الأفضل ما يستره كملا من رداء و إزار و نحوهما ثم ما أمكن و كل ما كان أوسع فهو أفضل حتى ينتهي الأمر إلى تكة السروال و الحبل و نحوهما.
(المسألة الرابعة) [هل يكفي كل ساتر أو يجب الثوب عند الإمكان؟]
- لا خلاف في انه مع عدم إمكان الستر بالثوب فإنه يجب بما
____________
(1) الوسائل الباب 30 من أحكام الملابس.
(2) الوسائل الباب 63 من لباس المصلي.
34
أمكن من حشيش و نحوه و انما الخلاف مع وجوده، ثم على الأول فهل يفرق في ما عداه أم لا بل يتخير؟ و تفصيل الكلام في المقام انه قد اختلف الأصحاب في المسألة فالمشهور- و اليه ذهب الشيخ و ابن إدريس و الفاضلان و الشهيد في البيان- انه يتخير بين الثوب و الحشيش و الورق و الطين و ليس شيء من هذه الثلاثة مقيدا بحال الضرورة، كذا نقله شيخنا في كتاب بحار الأنوار، و في الذخيرة ان المشهور المنسوب إلى هؤلاء المذكورين انما هو وجوب تقديم الثوب ثم التخيير بين الثلاثة المذكورة، و يؤيده ان الذي في البيان انما يساعد ما نقله في الذخيرة، و عبارة العلامة في الإرشاد ظاهرة في التخيير مطلقا، و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض، و كذا في القواعد على ما نقله عنه في الذخيرة و ظاهر عبارتي المعتبر و المنتهى التخيير في الأربعة المذكورة كما نقله شيخنا المجلسي، و ذهب الشهيد في الدروس الى وجوب الثوب و مع تعذره فكل ما يستر العورة و لو بالحشيش و ورق الشجر و مع تعذره فبالطين، و ذهب في الذكرى الى التخيير بين الثوب و الحشيش و الورق فان تعذر فبالطين و قد تلخص من ذلك ان في المسألة أقوالا أربعة.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا و حضرت الصلاة كيف يصلي؟ قال ان أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بالركوع و السجود و ان لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم».
احتج القائلون بالقول الأول و هو التخيير بين الأربعة بحصول المقصود من الستر و لرواية علي بن جعفر المذكورة و حديث «النورة سترة» كما تقدم في آخر كتاب الطهارة (2) كذا ذكره شيخنا الشهيد الثاني في الروض.
و استضعف هذا القول في المدارك لميله الى ان هذه الأشياء انما تجوز بتعذر الثوب، و الظاهر ان وجهه هو دعوى ان المتبادر من الساتر في الاخبار انما هو الثوب
____________
(1) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى.
(2) ج 5 ص 531.
35
و رواية «النورة سترة» ضعيفة و مع الإغماض عن ضعفها فالإطلاق انما يحمل على الافراد الغالبة الشائعة دون الفروض النادرة كما تقرر في غير مقام، و رواية على بن جعفر لا دلالة لها على التخيير مع وجود الثوب إذ موردها عدمه.
و من ذلك يعلم دليل القول بوجوب الثوب ثم التخيير بين الثلاثة الباقية مع عدمه و هو القول الثاني، و تقريب الاستدلال ان المتبادر من الأمر بالساتر هو الثوب فلا يجوز غيره مع وجوده، و مع فقده فوجه التخيير بين الثلاثة الصحيحة المذكورة بحمل ذكر الحشيش في أولها على التمثيل كما يشير اليه قوله في آخرها «و ان لم يصب شيئا يستر به عورته» مما يدل على ما هو أعم من الحشيش، و قد عرفت من الاخبار ان النورة سترة، و بذلك يثبت التخيير بين الافراد الثلاثة بعد فقد الثوب.
و يمكن المناقشة في دعوى تبادر الثوب من الأمر بالساتر بان المتبادر انما هو التغطية على وجه لا يمكن النظر اليه، و الحكم بالتستر بالحشيش في الرواية وقع تابعا للسؤال و هو تعذر الثوب و ذلك لا يقتضي عدم جواز الستر به عند إمكان الثوب.
و يمكن دفعه بان إنكار دعوى تبادر الثوب من الساتر مجازفة ظاهرة إذ لا ريب ان ما جرت به العادة بعد وقت التكليف بل منذ خلقت الدنيا انما هو الستر بالثياب و دعوى خلاف ذلك مباهتة لا ينبغي الإصغاء لها. و اما ما ذكره بالنسبة إلى الرواية فيكفينا فيها عدم الدلالة على التخيير مع وجود الثوب فان هذا القائل إنما يستدل بها على التخيير في الثلاثة بعد فقد الثوب كما عرفت. و بذلك يظهر لك قوة القول الثاني.
و استبعد في المدارك مساواة الطين للورق و الحشيش كما هو مذهب أصحاب القول الثاني، و لم يذكر وجه البعد في ذلك مع دلالة أخبار النورة على الستر به و الطين مثله، و لا وجه لتقديم الورق و الحشيش عليه كما يدعيه، و كلامه ظاهر في اختيار ما ذهب اليه الشهيد في الدروس كما تقدم.
و يمكن توجيه الدليل لهذا القول اما بالنسبة إلى وجوب تقديم الثوب فيما عرفت
36
آنفا و اما بالنسبة إلى تقديم الورق و الحشيش على الطين فبعدم فهم الطين من الساتر على الإطلاق كما ذكره في الذكرى و بقوله تعالى «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (1) و الطين لا يعد زينة. و في الثاني ما لا يخفى.
و استدل الشهيد في الذكرى على ما ذهب اليه، اما على المساواة بين الثوب و الورق و الحشيش فبصحيحة علي بن جعفر المذكورة، و اما على عدم جواز الطين مع وجود شيء من الثلاثة المذكورة فبما عرفت من عدم انصراف اللفظ اليه.
و اعترضه شيخنا الشهيد في الروض فقال: و التحقيق ان خبر علي بن جعفر ظاهر في فاقد الثوب فلا يتم الاحتجاج به على التخيير بينه و بين الثوب، و ما ذكره من الحجة على تقديمهما على الطين آت في تقديم الثوب على غيره و الزينة كما لا تتناول الطين كذا لا تتناول الحشيش و نحوه. انتهى. و هو جيد.
أقول: و المسألة لا تخلو من شوب الإشكال إلا ان الأقرب بالنظر الى الصحيحة المذكورة هو وجوب تقديم الثوب لكونه هو المتبادر و الفرد الشائع المتعارف من الساتر و مع تعذره فالتخيير بين كل ما يحصل به الستر و لو بالطين لاخبار النورة. و الله العالم.
فروع
(الأول)- لو استتر بالطين مع وجود غيره
فهل يصلي قائما بركوع و سجود أم يصلي إيماء؟ قال في الذكرى: و في سقوط الإيماء هنا نظر من حيث إطلاق الستر عليه و من إباء العرف. و أيد بعضهم ترجيح الإيماء بأن الظاهر من الأدلة تعين الإيماء عند تعذر الثياب و ما يجري مجراها كالحشيش، و الأقرب عندي هو الصلاة قائما بركوع و سجود فان الشرط في صحة الصلاة كذلك هو ستر العورة و الفرض حصوله بالطين استنادا الى اخبار النورة كما عرفت. و ما ذكره في الذكرى من إباء العرف لا معنى له بعد دلالة
____________
(1) سورة الأعراف الآية 29.
37
الاخبار على حصول الستر به و حصول الشرط بذلك. و ما ذكره ذلك البعض مدخول بان المفهوم من تلك الاخبار- كما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى هو انه ينتقل إلى الإيماء ما لم يجد ساترا لعورته- و منها
صحيحة علي بن جعفر- و فيها «و ان لم يجد شيئا يستر به عورته أومأ».
و صحيحته المتقدمة (1) فإنها صريحة كما ترى في ان العاري ينتقل الى الحشيش، ثم قال:
«فان لم يجد شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم».
و أكثر الاخبار انما تضمنت العريان و انه يصلي إيماء من غير تعرض للتعليق على عدم وجود شيء، و بالجملة فإن دعواه ظهور توقف تعين الإيماء على عدم الثياب و نحوها من الحشيش دعوى عارية عن الدليل بل هو على خلافها واضح السبيل.
ثم انه على تقدير الستر بالطين فهل يشترط فيه خفاء اللون و الحجم معا أم يكفي خفاء اللون؟ ظاهر الشهيد في الذكرى الأول و قيل بالثاني و هو الأقرب إذ الظاهر من اخبار ستر النورة التي هي المستند في المقام انما هو ستر اللون خاصة.
(الثاني) [لو وجد العاري حفيرة يمكنه الركوع و السجود فيها]
- قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو وجد العاري حفيرة يمكنه الركوع و السجود فيها وجب عليه ذلك، و استدلوا عليه
بما رواه الشيخ عن أيوب بن نوح عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها و سجد فيها و ركع».
قال المحقق في المعتبر: فاقد الستر لو وجد حفيرة دخلها و صلى قائما و ركع و سجد، و قال الشيخ يدخلها و يصلي قائما و لم يصرح بالركوع و السجود، و هو مبنى على قوله بوجوب القيام مع أمن المطلع، و منع ذلك جمع من الجمهور ممن أوجب الصلاة جالسا (3) لان الساتر لا يلتصق بجلد المصلي فجرى مجرى عدمه. لنا- ان الستر يحصل المنع عن المشاهدة و لا نسلم ان التصاق الساتر شرط و يؤيد ذلك ما رواه أيوب بن نوح، ثم أورد الرواية المذكورة.
____________
(1) ص 34.
(2) الوسائل الباب 50 من لباس المصلي.
(3) المغني ج 1 ص 592 و المهذب ج 1 ص 65.
38
أقول: و عندي في هذا الحكم إشكال لأن المتبادر من الاخبار ان ستر العورة الواجب في الصلاة انما هو عبارة عن وضع شيء عليها بحيث يحول بين الناظر إليها و بين رؤيتها، و يؤيده الاختلاف في ستر الحجم و الاتفاق على مجرد ستر اللون، و هذا هو المتبادر من الساتر في الاخبار و في كلامهم، لا انه عبارة عن وضع الإنسان نفسه في مكان متسع لا يراه أحد و ان كانت عورته مكشوفة، و إلا لصحت صلاة من صلى عاريا في دار مغلقة عليه أو بيت مظلم لا يراه أحد و الظاهر انه لا خلاف في عدم جواز ذلك، و لا ريب أن الحفيرة المشتملة على الخلأ بحيث يركع و يسجد و يجلس فيها من قبيل ما ذكرناه و ان تفاوت الاتساع قلة و كثرة. و اما قول المحقق (قدس سره) في ما تقدم من كلامه-:
لنا ان الستر بذلك يحصل المنع عن المشاهدة و لا نسلم ان التصاق الساتر شرط- ففيه انه لو تم لجاز الصلاة في البيت المغلق و الظلام كما ذكرناه لصدق ما ذكره على ذلك. و كأنه اعتمد على هذا التعليل الواهي لضعف الرواية عنده فجعلها مؤيدة دون ان تكون دليلا و فيه ما عرفت، على ان من الظاهر انه لو جلس أحد على رأس هذه الحفيرة في قبلة المصلي لرأي قبله البتة للخلإ الذي يركع و يسجد فيه، نعم لو كانت الحفيرة ضيقة على وجه تلتصق بالبدن بحيث يقف فيها و يومي إيماء أمكن ستر العورة بذلك، و لعل ذلك مراد الشيخ (قدس سره) و لذا لم يذكر الركوع و السجود في الحفيرة.
و قد نقل ابن فهد في كتاب الموجز قولا بأن الصلاة في الحفيرة بالإيماء و هذا القول هو الأنسب بما ذكرنا، و لعل قائله نظر الى ما قلناه.
إلا ان الاشكال في الخبر المذكور، و بالجملة فإني لا اعرف للعمل بالخبر المذكور وجها مع مخالفته للقواعد المستفادة من الأخبار إلا ان يكون هذا الموضع مستثنى من وجوب ستر العورة في الصلاة. و الله سبحانه و قائله أعلم بحقيقة الحال. و لم أر من تنبه لما ذكرناه من أصحابنا (رضوان الله عليهم) على ان في الخبر المذكور أيضا إشكالا آخر لم أر من تنبه له و لا نبه عليه، فان ظاهره انه مع تعذر الثوب و حصول الحفيرة فإنه يصلي في الحفيرة على
39
الوجه المذكور و ان وجد ساترا من حشيش و نحوه مع ان صحيحة على بن جعفر المتقدمة في صدر المسألة دلت على انه في هذه الصورة ينتقل الى الستر بالحشيش و نحوه و على ذلك فتوى الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت، و ظاهر الجمع بين الخبرين يقتضي التخيير بين الأمرين و ان الصلاة في الحفيرة بمنزلة الساتر من حشيش و نحوه، و ظاهر الأصحاب جعل الحفيرة مرتبة متأخرة عن الحشيش و نحوه بحمل إطلاق هذا الخبر على ما تقدم في صحيحة علي بن جعفر من الستر بالحشيش أولا. و الظاهر ان ما ذكرنا من الجمع بالتخيير أقرب إلا ان يحمل صحيح علي بن جعفر على عدم وجود الحفيرة.
و ظاهر المحقق في الشرائع- و هو ظاهر السيد السند أيضا في المدارك- اطراح الخبر المذكور و الانتقال إلى الإيماء بعد فقد الساتر بجميع أنواعه، و علل ذلك في المدارك بضعف الخبر المذكور و الالتفات الى عدم انصراف لفظ الساتر إلى الحفيرة. و بالجملة فالمسألة كما عرفت لا تخلو من شوب الاشكال. و الله العالم.
(الثالث) [هل يجب الاستتار بالوحل عند الضرورة؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو وجد وحلا فهل يجب نزوله و الاستتار به أم لا؟ قال في المعتبر: لو وجد وحلا أو ماء كدرا بحيث لو نزله ستر عورته لم يجب نزوله لان فيه ضررا و مشقة. و قال في الروض: و لو وجد وحلا أو ماء كدرا فالمشهور وجوب الاستتار بهما. و قال في الذكرى: و لو وجد وحلا و لا ضرر فيه تلطخ به و لو لم يجد إلا ماء كدرا استتر به مع إمكانه، ثم نقل عن المعتبر انهما لا يجبان للمشقة و الضرر.
و القائلون بالوجوب اختلفوا فقيل ان الوحل مقدم على الماء و ان لم يستر الحجم لأنه أدخل في مسمى الساتر و أشبه بالثوب و الطين المقدمين على الماء. و استظهره في الروض و قيل بتقديمهما على الحفيرة، و قيل بتقديم الحفيرة على الماء الكدر و تأخير الطين عنه، و قيل بتقديم الماء الكدر على الحفيرة مطلقا، و قال ابن فهد في موجزه: و لو وجد الجميع قدم الحشيش و ورق الشجر ثم الحفيرة ثم الماء الكدر ثم الطين و يومئ في الأخيرين.
40
و فصل شيخنا الشهيد الثاني في الروض فقال: و التحقيق ان السجود المأمور به في الحفيرة ان كان هو المعهود اختيارا فهو دال على سعة الحفيرة و حينئذ فيبعد تقديمها عليهما مع إمكان استيفاء الأفعال بهما فإنهما حينئذ ألصق بالساتر و الحفيرة أشبه بالبيت الضيق الذي لا يعد ساترا فتقديمهما عليها أوضح، بل الظاهر ان الوحل مقدم عليها مطلقا لعدم منافاته لاستيفاء الأفعال. و اما الماء الكدر و الحفيرة فإن تمكن من السجود فيهما ففيه ما مر و ان تمكن في الماء خاصة فهو اولى بالتقديم و كذا لو لم يتمكن فيهما. و لو تمكن في الحفيرة دون الماء ففي تقديم أيهما نظر من كون الماء ألصق به و ادخل في الستر و من صدق الستر في الجملة و إمكان الأفعال و ورود النص على الحفيرة دونه و الاتفاق على وجوب الاستتار بها دونه فتقديمها حينئذ أوجه، و لو لم يعتبر في الصلاة استيفاء الركوع و السجود كصلاة الخوف و الجنازة سقط اعتبار هذا الترجيح، و اولى من الحفيرة الفسطاط الضيق إذا لم يمكن لبسه. انتهى. و فيه تأييد لما ذكرناه من ان المتبادر من الساتر انما هو اللاصق على البدن.
أقول: لا يخفى ان الكلام في هذه الفروع العارية عن النصوص مشكل، و الذي ورد في هذا الباب كما عرفت رواية علي بن جعفر و مرسلة أيوب بن نوح، و الاولى و ان دلت على ان مرتبة الإيماء انما هي بعد عدم وجود شيء يستر به عورته إلا ان انطلاق الساتر فيها الى ما ذكروه من الوحل الذي هو عبارة عن الماء و الطين و كذلك الماء الكدر محل اشكال، و الأحكام الشرعية انما ترتب على الافراد المتبادرة من الإطلاق الكثيرة الدوران في الاستعمال دون الفروض النادرة. و اما الثانية فقد عرفت ما فيها. و الله العالم.
(المسألة الخامسة) [كيفية صلاة العاري]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى لم يجد ساترا فإنه يصلي عريانا و لا تسقط الصلاة عنه بفقد الساتر، و انما الخلاف في انه هل يصلي قائما مطلقا أو جالسا مطلقا أو قائما مع أمن المطلع و جالسا مع عدمه؟ أقوال أشهرها
41
القول الثالث و نقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) انه يصلي جالسا مومئا و ان أمن المطلع، و عن ابن إدريس انه يصلي قائما مومئا في الحالين.
و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف ظواهر الاخبار، و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل خرج من سفينة عريانا أو سلب ثيابه و لم يجد شيئا يصلي فيه؟ فقال يصلى إيماء فإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها و ان كان رجلا وضع يده على سوأته ثم يجلسان فيومئان إيماء و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما تكون صلاتهما برءوسهما. قال و ان كانا في ماء أو بحر لجي لم يسجدا عليه و موضوع عنهما التوجه فيه يوميان في ذلك إيماء و رفعهما توجه و وضعهما».
و رواه في الفقيه (2) الى قوله: «برءوسهما» و زاد «و يكون سجودهما اخفض من ركوعهما».
و روى الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن قوم صلوا جماعة و هم عراة؟ قال يتقدمهم الامام بركبتيه و يصلي بهم جلوسا و هو جالس».
و نحوه موثقة إسحاق بن عمار الآتية في المقام (4) و الحكم بالجلوس في الجماعة يقتضي وجوبه مطلقا إذ لا يعقل ترك الركن لتحصيل فضيلة الجماعة.
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر. الحديث، و قد تقدم في صدر سابق هذه المسألة و فيه «أومأ و هو قائم».
و روى في الفقيه مرسلا (5) قال: «و روي في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة انه يصلي عريانا قائما ان لم يره أحد فإن رآه أحد صلى جالسا».
و روى الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) «في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة؟ قال يصلي عريانا قائما ان
____________
(1) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى.
(2) ج 1 ص 296.
(3) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى.
(4) ص 48.
(5) الوسائل الباب 50 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى.
42
لم يره أحد فإن رآه أحد صلى جالسا».
و روى احمد بن ابي عبد الله البرقي في المحاسن في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «في رجل عريان ليس معه ثوب؟ قال إذا كان حيث لا يراه أحد فليصل قائما».
و نقل شيخنا المجلسي روح الله روحه (2) عن نوادر الراوندي انه روى بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال علي (عليه السلام) في العريان ان رآه الناس صلى قاعدا و ان لم يره الناس صلى قائما».
و روى في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال: «من غرقت ثيابه فلا ينبغي له ان يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا فان لم يجد صلى عريانا جالسا يومئ إيماء و يجعل سجوده اخفض من ركوعه، فان كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى».
و في رواية سماعة (4) «عن من ليس معه إلا ثوب واحد و أجنب فيه انه يصلي عريانا قاعدا و يومئ».
كذا في رواية الكافي و في التهذيبين عوض «قاعدا» «قائما»
و في رواية محمد بن علي الحلبي (5) في من كان كذلك «يجلس مجتمعا و يصلي و يومئ إيماء».
و قد تقدمتا في مسألة جواز الصلاة في النجاسة مع تعذر الساتر و عدمه من كتاب الطهارة (6).
هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة و هي- كما ترى- ما بين مطلق في القيام و مطلق في الجلوس و مفصل بين أمن المطلع فيقوم و عدمه فيجلس و هي أكثر أخبار المسألة فيجب تخصيص الإطلاقين المذكورين بها و به يظهر قوة القول المشهور.
____________
(1) الوسائل الباب 50 من لباس المصلى.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 95.
(3) الوسائل الباب 52 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 46 من النجاسات.
(5) الوسائل الباب 46 من النجاسات.
(6) ج 5 ص 350.
43
قال في المدارك: و احتمل المصنف في المعتبر التخيير بين الأمرين استضعافا للرواية المفصلة و هو حسن و ان كان المشهور أحوط.
أقول: العجب منه (قدس سره) انه قدم في صدر المسألة ما يدل على اختياره القول بالتفصيل حيث انه- بعد نقل الأقوال الثلاثة و هي القول بالتفصيل أولا ثم قول المرتضى بالصلاة جالسا مطلقا ثم قول ابن إدريس بالصلاة قائما مطلقا- قال: و المعتمد الأول فإن فيه جمعا بين القولين الآخرين و هو صريح في فتواه بالقول المذكور فكيف عدل عنه هنا الى التخيير و جعل القول بالتفصيل طريق الاحتياط؟ و الكلام في مقام واحد بلا فاصلة يعتد بها. و كيف كان فإن صحيحة ابن مسكان و ان كانت كما ذكره و أمكن الجواب بان ابن مسكان ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يضر حديثه ما اعتراه من الضعف بعده كما صرحوا به في أمثاله الا ان رواية المحاسن كما دريت صحيحة السند بلا ريب فإنه روى الخبر فيه عن أبيه عن ابن ابي عمير عن محمد بن أبي حمزة عن عبد الله بن مسكان، و استبعاد رواية ابن مسكان عن ابي جعفر (عليه السلام) بعيد فإن الطبقة لا تأباه و ان كان انما عد في أصحاب الصادق (عليه السلام) و بالجملة فالقول بالتفصيل هو المعتمد للروايات المذكورة.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه هنا على أمور بها يتم الكلام في المقام و تتضح المسألة بجميع ما هي عليه من الأقسام:
(الأول)
- ظاهر الاخبار المفصلة انه يصلي قائما مع عدم المطلع حال دخوله في الصلاة و ان جوز مجيء أحد بعد ذلك، لكن لو اتفق مجيء أحد بعد الدخول فالظاهر انه ينتقل إلى الصلاة جالسا، و إلا فلا وجه للتفصيل المذكور إذ مناط القيام هو عدم المطلع و مناط الجلوس وجوده و لا يعقل الفرق باعتبار الدخول و قبله و هو ظاهر و لم أقف على من تعرض لذلك و الظاهر انه لا اشكال فيه.
(الثاني)
- الظاهر من صحيحة زرارة و رواية أبي البختري أن الإيماء بالرأس
44
و قال في المدارك ان الواجب الإيماء في الحالين للركوع و السجود بالرأس ان أمكن و الا فبالعينين. و الظاهر انه مستنبط من حكم صلاة المريض و إلا فالروايات المذكورة لا اشارة فيها إليه إذ الظاهر منها انما هو ما قلناه. و أوجب الشهيد في الذكرى الانحناء فيهما بحسب الممكن بحيث لا تبدو معه العورة و ان يجعل السجود اخفض محافظة على الفرق بينه و بين الركوع، و احتمل وجوب وضع اليدين و الركبتين و إبهامي الرجلين في السجود على الكيفية المعتبرة، قال في المدارك: و كل ذلك تقييد للنص من غير دليل، نعم لا يبعد وجوب رفع شيء يسجد عليه لقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن الواردة في صلاة المريض (1): و يضع وجهه في الفريضة على ما امكنه من شيء. انتهى.
أقول: اما ما اعترض به على كلام الشهيد (قدس سره) من انه تقييد للنص بغير دليل فجيد في ما عدا خفض الرأس للسجود فإنه قد صرح به في الفقيه في آخر صحيحة زرارة المتقدمة كما ذكرناه و في رواية أبي البختري فلا يرد ما ذكره فيه. و اما ما ذكره من انه لا يبعد وجوب رفع شيء يسجد عليه ففيه انه بعيد إذ الاستناد في ذلك الى الصحيحة المذكورة قياس لا يوافق أصولنا فان أحكام المريض لا تنسحب هنا و الروايات الواردة في المسألة عارية عما ذكره، و حينئذ فيرد عليه ما أورده على الشهيد (قدس سره) من انه تقييد للنص بغير دليل.
(الثالث) [الإيماء في حالتي القيام و الجلوس على وجه واحد]
- المستفاد من الاخبار و كذا من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الإيماء في حالتي القيام و الجلوس على وجه واحد بمعنى انه من قيام مع القيام و من جلوس مع الجلوس، و نقل شيخنا في الذكرى عن شيخه السيد عميد الدين انه كان يقوى جلوس القائم ليومي للسجود جالسا استنادا الى كونه حينئذ أقرب الى هيئة الساجد فيدخل تحت «فاتوا منه ما استطعتم» (2) ورده جملة من المتأخرين بأن الوجوب حينئذ انتقل إلى الإيماء فلا معنى للتكليف بالممكن من السجود.
____________
(1) ج 6 ص 408.
(2) ج 4 ص 337.
45
أقول: و يرده صريحا قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة «أومأ و هو قائم».
بقي الكلام في حال التشهد لو صلى قائما هل يتشهد من قيام أو يجلس في موضع التشهد و يتشهد ثم يقوم؟ لم أقف في كلام الأصحاب على ذكر لهذا الفرع، و الاخبار المتقدمة مطلقة لا دلالة فيها على شيء من أحد الأمرين، و يمكن القول بوجوب الجلوس في موضع التشهد ثم القيام لأن الإيماء في الركوع و السجود قائما أو جالسا انما صير إليه محافظة على ستر العورة و التشهد جالسا لا ينافي ذلك ان لم يؤكده فلا وجه لسقوط الجلوس البتة. إلا ان المسألة بعد غير خالية من شوب الاشكال.
(الرابع) [وجوب تحصيل الساتر]
- قد صرح الأصحاب بأنه يجب شراء الساتر بثمن المثل أو أزيد مع التمكن. و لو أعير وجب عليه القبول لحصول المكنة التي هي المدار في الوجوب و عدمه، و الظاهر انه لا خلاف في ذلك. و لو وهب له فنقل عن الشيخ (قدس سره) وجوب القبول و ضعفه العلامة في التذكرة بأنه يستلزم المنة و رده جملة ممن تأخر عنه بالضعف لحصول المكنة كما تقدم «و الظاهر انه لا خلاف فيه كما تقدم» (1) و الظاهر ان ما استند اليه في التذكرة قد تبع فيه العامة كما يشعر به كلامه في المنتهى حيث قال: اما لو وجد من يهبه الثوب قال الشيخ يجب عليه القبول خلافا لبعض الجمهور (2) و قول الشيخ جيد لانه متمكن فيجب كما يجب قبول العارية. احتج المخالف بأنه تلحقه المنة. و جوابه العار الذي يلحقه بسبب انكشاف عورته أعظم من المنة. انتهى. و هو جيد.
(الخامس) [جواز البدار و عدمه في صلاة العاري]
- لو ظن العاري وجود الساتر في الوقت فالظاهر وجوب التأخير وفاقا للمعتبر و المنتهى و استحسنه في المدارك، اما إذا لم يظن ذلك فالمشهور عدم وجوب التأخير و به صرح الشيخ و اتباعه مسارعة إلى فضيلة أول الوقت و حذرا من عروض المسقط. و أوجبه المرتضى و سلار بناء على أصلهما من وجوب التأخير على ذوي الأعذار
____________
(1) ما بين القوسين غير موجود في النسخ الخطية.
(2) المغني ج 1 ص 594.
46
أقول: ظاهر رواية أبي البختري المتقدمة يعطي التأخير إلا انها مع عدم صحتها ليست صريحة في الوجوب لما عرفت في ما تقدم من ان لفظ «ينبغي و لا ينبغي» في الاخبار من الألفاظ المتشابهة، و كيف كان فهي دالة على رجحان التأخير.
(السادس) [لو لم يجد إلا ثوبا لا يجوز الصلاة فيه]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو لم يجد إلا ثوب حرير أو ثوبا مغصوبا أو جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه لم يجز له الصلاة في شيء من ذلك و صلى عاريا للنهي عن الصلاة في هذه الأشياء. و هو جيد بالنسبة الى ما عدا الثوب المغصوب لوجود الأخبار الدالة على ما أدعوها اما في المغصوب فسيأتي تحقيق الكلام فيه ان شاء الله تعالى و اما في الثوب النجس فيبني على ما سبق من الخلاف في المسألة في كتاب الطهارة من جواز الصلاة في النجاسة مع تعذر ساتر غير النجس أو الانتقال إلى الصلاة عاريا.
(السابع) [الجهات التي يراعى الستر منها]
قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان الستر يراعى من الجوانب الأربعة و من فوق و لا يراعى من تحت فلو صلى على طرف سطح بحيث ترى عورته من تحت فإشكال ينشأ من ان وجوب الستر انما يراعى من الأماكن التي جرت العادة بالنظر إليها، و من ان الستر من تحت انما يغتفر إذا كان الصلاة على وجه الأرض كما هو الغالب. و المسألة غير منصوصة إلا ان الظاهر هو وجوب الستر لان اغتفاره في المواضع التي جرت العادة بعدم الرؤية فيها لا يوجب اغتفاره في ما يحصل فيه الرؤية، و يؤيده أنه الأوفق بالاحتياط الذي هو عندنا واجب في موضع اشتباه الحكم.
(الثامن) [لو كان في ثوبه خرق]
- لو كان في ثوبه خرق فان لم يحاذ العورة فلا اشكال و لو حاذاها بطلت صلاته للإخلال بشرطها، و لو جمعه بيده بحيث يتحقق الستر بالثوب فلا إشكال في الصحة كما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا، و لو وضع يده عليه أو يد غيره في موضع يجوز له الوضع بحيث ان الستر انما استند الى اليد فقد صرح جمع من الأصحاب بالبطلان لعدم فهم الستر ببعض البدن من إطلاق الساتر. و هو قريب إلا ان
47
الحكم بذلك مع عدم النص في المسألة مشكل. و يمكن ان يقال بالصحة لأن عدم فهمه من إطلاق الساتر المأمور به لا ينافي حصول الستر به و المطلوب هو الستر و عدم رؤية الناظر بأي نحو اتفق، و يؤيده ما تقدم (1) في
صحيحة زرارة «فإن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها و ان كان رجلا وضع يده على سوأته».
و كيف كان فالاحتياط في المسألة لعدم النص مطلوب.
(التاسع) [لو وجد ساترا لإحدى العورتين]
- قد صرح بعض الأصحاب انه لو وجد ساترا لإحدى العورتين وجب، و زاد بعض ان الاولى صرفه الى القبل لقوله (عليه السلام) في بعض الاخبار التي نقلناها في أحكام الخلوة (2):
«و اما الدبر فمستور بالأليين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة».
(العاشر)- لو وجد الساتر في أثناء الصلاة
فإن أمكن الستر به من غير مناف وجب و إلا فهل يجب قطع الصلاة مع سعة الوقت و الصلاة في الساتر أو يستمر؟
وجهان، للثاني منهما انه دخل دخولا مشروعا و الابطال يحتاج الى دليل، و للأول ان الصلاة عاريا انما جازت لضرورة فقد الساتر و بوجوده يرتفع العذر و تزول الضرورة.
و المسألة لعدم النص غير خالية من شوب الاشكال، و الاحتياط بإتمام الصلاة ثم الإعادة في الساتر لازم على كل حال. و اما لو كان الوقت بعد القطع يضيق و لو عن ركعة فظاهرهم انه لا إشكال في وجوب الاستمرار، و الظاهر انه كذلك.
(الحادي عشر) [حكم صلاة العراة جماعة]
- الظاهر انه لا خلاف في استحباب الجماعة للعراة رجالا كانوا أو نساء كما ذكره شيخنا في الذكرى حيث قال: يستحب للمرأة الصلاة جماعة رجالا كانوا أو نساء إجماعا لعموم شرعية الجماعة و أفضليتها.
و انما الخلاف في كيفيتها فالمشهور- و به صرح الشيخ المفيد و السيد المرتضى- انهم يجلسون جميعا صفا واحدا و يتقدمهم الامام بركبتيه و يصلون جميعا بالإيماء، و اختاره
____________
(1) ص 41.
(2) ص 6.
48
ابن إدريس و ادعى عليه الإجماع و عليه تدل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (1) و ذهب الشيخ في النهاية إلى أن الامام يومئ و من خلفه يركعون و يسجدون و عليه تدل
موثقة إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوم قطع عليهم الطريق و أخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون؟ قال يتقدمهم امامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومئ إيماء بالركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم».
و يظهر من المحقق في المعتبر الميل الى هذه الرواية حيث قال- بعد نقل الخلاف في المسألة و الاستدلال للشيخ بالرواية المذكورة- ما صورته: فهذه حسنة و لا يلتفت الى من يدعي الإجماع على خلافها.
و اعترضه جمع: منهم- صاحب المدارك بل الظاهر انه أو لهم و اقتفاه صاحب الذخيرة بان في سندها عبد الله بن جبلة و كان واقفيا و إسحاق بن عمار و كان فطحيا فلا يحسن وصفها بالحسن.
أقول: فيه ان الظاهر ان المحقق لم يرد بما وصفها به من الحسن ما توهموه من هذا المعنى المصطلح فان هذا الاصطلاح في تقسيم الاخبار الى الأقسام الأربعة انما حدث بعد عصر المحقق من العلامة أجزل الله تعالى إكرامه كما ذكره جملة من الأصحاب أو شيخه احمد بن طاوس كما ذكره بعضهم فهو لم يرد بوصفها بذلك من حيث السند و انما أراد من حيث المتن كما قد يصف بذلك بعض الاخبار الصحيحة السند أو الضعيفة كما لا يخفى على من تتبع كتابه، و قد نبه على ذلك السيد المذكور في كتابه المشار إليه في مسألة الصلاة في النجاسة نسيانا حيث ان المحقق وصف صحيحة العلاء الدالة على عدم الإعادة (3) بأنها حسنة فقال السيد (قدس سره) و مراده بالحسن هنا خلاف المعنى المصطلح عليه بين المحدثين بل حسن المضمون فان عادته (قدس سره) لم تجر بالتعرض
____________
(1) ص 41.
(2) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى.
(3) ج 5 ص 420.
49
لحال الروايات و ما هي عليه من الصحة و التوثيق. و يزيده تأكيدا ما صرح به شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين فقال: ان التعرض لذلك في كتب الفروع انما حديث بعده (أعلى الله مقامه) و أول من تعرض لتفصيل ذلك من أصحابنا و اهتم بشأنه في الكتب الاستدلالية العلامة أحله الله دار الكرامة. انتهى.
نعم في الرواية المذكورة إشكال آخر قد نبه عليه شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل القول بمضمونها عن المحقق: و يشكل بان فيه تفرقة بين المنفرد و الجامع و قد نهى المنفرد عن الركوع و السجود كما تقدم لئلا تبدو العورة، ثم نقل رواية عبد الله بن سنان التي هي مستند القول المشهور، ثم قال: و بالجملة يلزم من العمل برواية إسحاق أحد أمرين اما اختصاص المأمومين بهذا الحكم و اما وجوب الركوع و السجود على كل عار إذا أمن المطلع، و الأمر الثاني لا سبيل اليه و الأمر الأول بعيد. انتهى. و هو جيد.
و بما ذكرنا يعلم ان ما دل عليه خبر أبي البختري المتقدم- من انهم إذا كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى- يجب حمله اما على عدم امام يؤمهم أو على التقية فإنه قد نقل في الذكرى عن بعض العامة انه منع من الجماعة إلا في الظلمة حذرا من بدو العورة (1) و اعترضه بانا نتكلم على تقدير عدمه. إلا ان ظاهر الصدوق في الفقيه القول بهذه الرواية صرح بذلك في آخر باب صلاة الخوف و المطاردة فقال- بعد ان ذكران العريان يصلي قاعدا و يضع يده على عورته و كذلك المرأة ثم يومئان إيماء- ما لفظه: و إذا كانوا جماعة صلوا وحدانا. و لم اطلع على من نقل خلافه في المسألة مع انه كما ترى ظاهر فيما قلناه، و هو منه (قدس سره) عجيب لما عرفت من الاخبار الدالة على ذلك خصوصا مضافا الى عموم أخبار الجماعة. و الله العالم.
(المطلب الثاني)- في ما يجوز لباسه للمصلي و ما لا يجوز
، قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا تجوز الصلاة في النجاسة الغير المعفو عنها، و قد تقدم البحث
____________
(1) المغني ج 1 ص 596.
50
في ذلك مستوفى في كتاب الطهارة. و لا تجوز أيضا في جلد الميتة و لا جلد غير مأكول اللحم و صوفه و شعره و وبره عدا ما يأتي استثناؤه ان شاء الله تعالى، و لا في الحرير المحض للرجل و لا في الذهب له ايضا و لا في المغصوب، و يجوز في ما عدا ذلك.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مقامات
[المقام] (الأول) في جلد الميتة
و قد أجمع الأصحاب (رضوان الله عليهم) على انه لا تجوز الصلاة فيه و لو كان مما يؤكل لحمه سواء دبغ أم لم يدبغ حتى من القائلين بطهارته بالدباغ.
و يدل عليه الاخبار المتكاثرة.
فروى الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الميتة؟ قال: لا تصل في شيء منه و لا شسع».
أقول: الشسع بالكسر ما يشد به النعل.
و روى الصدوق و الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الجلد الميت أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ فقالا و لو دبغ سبعين مرة».
و روى في كتاب الخصال بسنده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: «لا يصلى في جلود الميتة و ان دبغت سبعين مرة و لا في جلود السباع».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال:
«لا يصلى بجلد الميتة و لو دبغ سبعين مرة إنا أهل بيت لا نصلي بجلود الميتة و ان دبغت».
الى غير ذلك من الاخبار الآتية و نحوها.
و اما ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا و في كتاب العلل مسندا في الصحيح عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5)- قال: «قال الله عز و جل لموسى
____________
(1) الوسائل الباب 1 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 1 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 6 من لباس المصلى.
(4) البحار ج 18 الصلاة ص 100.
(5) الوسائل الباب 1 من لباس المصلى.
51
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (1) لأنها كانت من جلد حمار ميت»-.
فقد أجيب عنه بالحمل على عدم علمه (عليه السلام) بذلك أو انه لم يكن يصلي فيها ان جوزنا الاستعمال في غير الصلاة أو انه لم يكن في شرعه تحريم الصلاة في جلد الميتة.
و الحق في الجواب انما هو
ما رواه في كتاب إكمال الدين (2) في حديث سعد ابن عبد الله و دخوله على الإمام أبي محمد العسكري (عليه السلام) مع احمد بن إسحاق و على فخذه ابنه القائم (عجل الله فرجه) قال في حديثه: و هو غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر، فسأله عن مسائل فقال سل قرة عيني و أومأ إلى الغلام، فكان في ما سأله قال أخبرني يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن أمر الله تبارك و تعالى لنبيه موسى (عليه السلام) «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» (3) فان فقهاء الفريقين يزعمون انهما من إهاب الميتة؟ فقال (عليه السلام) من قال ذلك فقد افترى على موسى (عليه السلام) و استجهله في نبوته لانه ما خلا الأمر فيهما من خطيئتين اما ان تكون صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة؟ فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة و ان كانت مقدسة مطهرة فليست بأقدس و اطهر من الصلاة، و ان كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى انه لم يعرف الحلال و الحرام و لم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم تجز و هذا كفر. قلت فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما قال ان موسى ناجى ربه بالواد المقدس فقال يا رب اني أخلصت لك المحبة مني و غسلت قلبي عن من سواك و كان شديد الحب لأهله فقال الله تبارك و تعالى «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» اي انزع حب أهلك من قلبك ان كانت محبتك لي خالصة. الحديث،.
و هو طويل أخذنا منه موضع الحاجة. و به يظهر حمل الخبر الأول على التقية.
قال شيخنا في الذكرى: و المبطل للصلاة فيه علم كونه ميتة أو الشك إذا وجد
____________
(1) سورة طه، الآية 12.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 101.
(3) سورة طه، الآية 12.
52
مطروحا لأصالة عدم التذكية أو في يد كافر عملا بالظاهر من حاله أو في سوق الكفر، و لو وجد في يد مستحل الميتة بالدبغ ففيه صور ثلاث (الاولى) ان يخبر بأنه ميتة فيجتنب لاعتضاده بالأصل من عدم الذكاة (الثانية) ان يخبر بأنه مذكى فالأقرب القبول لأنه الأغلب و لكونه ذا يد عليه، فيقبل قوله فيه كما يقبل في تطهير الثوب النجس. و يمكن المنع لعموم «فَتَبَيَّنُوا» (1) و لأن الصلاة في الذمة بيقين فلا تزول بدونه (الثالثة) ان يسكت ففي الحمل على الأغلب من التذكية أو على الأصل من عدمها الوجهان،
و قد روى في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني ادخل سوق المسلمين اعني هذا الخلق الذين يدعون الإسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة فأقول لصاحبها أ ليس هي ذكية؟ فيقول بلى فيصلح لي ان أبيعها على انها ذكية؟
فقال لا و لكن لا بأس ان تبيعها و تقول قد شرط لي الذي اشتريتها منه انها ذكية. قلت و ما أفسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة و زعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و في هذا الخبر إشارة إلى انه لو أخبر المستحل بالذكاة لا يقبل منه لان المسؤول في الخبر ان كان مستحلا فذاك و إلا فبطريق الاولى.
و عن ابي بصير عنه (عليه السلام) (3) «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ فكان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و القى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فيقول ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة و يزعمون ان دباغه ذكاته».
و في هذا دلالة على جواز لبسه في غير الصلاة. انتهى.
أقول: اما ما ذكره (قدس سره) مع علم كونه ميتة فمحل وفاق منا نصا و فتوى كما عرفت.
و اما ما ذكره من الشك بجميع وجوهه التي ذكرها من كونه مطروحا أو في يد
____________
(1) سورة الحجرات، الآية 6.
(2) الوسائل الباب 61 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 61 من لباس المصلى.
53
كافر أو في سوق فهو المشهور بينهم، و الأصح- كما قدمنا تحقيقه في آخر كتاب الطهارة في بحث الجلود- هو الطهارة و هو اختيار جملة من أفاضل متأخري المتأخرين.
و اما ما ذكره في ما إذا وجد في يد مستحل الميتة بالدبغ فما اختاره في الصورتين الأولتين جيد لدلالة الاخبار- كما سلف و سيأتي ان شاء الله تعالى- على وجوب قبول قول ذي اليد في ما يخبر به من طهارة أو نجاسة أو حل أو حرمة.
و اما قوله في الصورة الثانية: و يمكن المنع. الى آخره فالظاهر ضعفه لما حققناه في كتاب الطهارة من ان قول ذي اليد باعتبار دلالة الاخبار على وجوب العمل به كالشاهدين الذين أوجب الله سبحانه العمل بقولهما موجب للخروج عن عهدة التكليف كما لو شهد الشاهدان بطهارة الثوب أو ماء الطهارة أو نحو ذلك من شروط الصلاة.
و اما ما ذكره في الصورة الثالثة مما يؤذن بالتوقف ففيه ان مقتضى القاعدة المنصوصة
«ان كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (1).
هو حل الصلاة فيه، و
«كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر» (2).
هو طهارته و متى ثبتت الطهارة جازت الصلاة فيه، و لا معارض لهذه الاخبار بل هي مؤيدة بالأخبار المستفيضة.
و اما ما نقله من روايتي عبد الرحمن و ابي بصير فهما معارضتان بما هو أصح سندا و أكثر عددا و أصرح دلالة من الاخبار الدالة على طهارة ما يشترى من الجلود من الأسواق من أي بائع كان و الصلاة فيها، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك في كتاب الطهارة:
و منها-
صحيحة الحلبي (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الخفاف
____________
(1) الوسائل الباب 4 من ما يكتسب به و 61 من الأطعمة المباحة و 64 من الأطعمة المحرمة.
(2) الوسائل الباب 37 من النجاسات و اللفظ «نظيف» بدل «طاهر».
(3) الفروع ج 1 ص 112 و في الوسائل في الباب 50 من النجاسات.
54
عندنا في السوق نشتريها فما ترى في الصلاة فيها؟ فقال صل فيها حتى يقال لك انها ميتة بعينها».
و هو دال بإطلاقه على جواز ذلك من أي بائع كان مسلما أو كافرا مستحلا للميتة أو غير مستحل، و نحوها
صحيحته الأخرى (1) و فيها «اشتر و صل فيها حتى تعلم انه ميت بعينه».
و رواية الحسن بن الجهم (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) اعترض السوق فاشتري خفا لا ادري أ ذكي هو أم لا؟ فقال صل فيه. قلت فالنعل؟ قال مثل ذلك. قلت اني أضيق من هذا؟ قال أ ترغب عما كان أبو الحسن (عليه السلام) يفعله؟».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المتقدمة في الموضع المذكور.
و حينئذ فيجب حمل هذين الخبرين على الاحتياط و الاستحباب كما هو ظاهر لذوي الأفهام و الألباب فلا دلالة لهما على ما زعمه (قدس سره) في هذا الباب. و بذلك يظهر ايضا ما في قوله: و في هذا الخبر إشارة إلى انه لو أخبر المستحل بالذكاة. إلخ. فإنه كما عرفت مبني على الاستحباب من حيث التهمة و الاحتياط لا من حيث عدم قبول قول ذي اليد، على انه يمكن ان يستثني مقام التهمة من قبول قول ذي اليد مطلقا كما في هذا الموضع و له نظائر في الأحكام.
قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: و ذكر جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان المبطل للصلاة في الجلد علم كونه ميتة أو في يد كافر أو الشك في تذكيته لأصالة عدم التذكية، و قد بينا في ما سبق ان أصالة عدم التذكية لا تفيد القطع بالعدم لان ما ثبت جاز ان يدوم و جاز ان لا يدوم فلا بد لدوامه من دليل سوى دليل الثبوت و بالجملة فالفارق بين الجلد و الدم المشتبهين استصحاب عدم التذكية في الجلد دون الدم و مع انتفاء حجيته يجب القطع بالطهارة فيهما معا لأصالة عدم التكليف باجتنابهما و عدم نجاسة الملاقي لهما. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 50 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 50 من النجاسات.
55
قوله: «و بالجملة فالفارق. إلخ» إشارة الى ما تقدم منه (قدس سره) في بحث النجاسات و الطهارات من انه إذا اشتبه الجلد و احتمل كونه منتزعا من ميتة أو مذكى و كذا الدم المشتبه بالطاهر و النجس فالفرق بينهما على مذهب الأصحاب باعتبار استصحاب عدم التذكية في الجلد فيكون نجسا بخلاف الدم و متى قلنا ببطلان الاستصحاب فلا فرق بينهما، ثم استدل على ذلك بأصالة عدم التكليف باجتنابهما و عدم نجاسة الملاقي لهما و أنت خبير بان هذا الاستدلال بالنسبة إلى الجلد لا يخلو من مصادرة لان هذا أول البحث و عين الدعوى و مطرح النزاع حيث ان الخصم يحكم بوجوب الاجتناب و نجاسة الملاقي لحكمه بكونه ميتة. و الحق في الجواب انما هو ما أشرنا إليه آنفا من الاخبار الدالة على القاعدة الكلية المتفق عليها و هو
«ان كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (1).
و
«كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر» (2).
و «لا أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم اعلم» (3).
و نحو ذلك، و لا ريب ان الجلد هنا داخل تحت عموم هذه الكلية فيجب الحكم بطهارته و جواز ملاقاته برطوبة، و هكذا يقال في الدم مع الاشتباه، و يدل على خصوص ذلك رواية السكوني المتقدمة في الموضع المتقدم من كتاب الطهارة.
فائدتان
(الأولى) [هل يختص المنع بميتة ذي النفس؟]
- قال السيد السند (عطر الله مرقده) في المدارك: و اعلم ان مقتضى كلام المصنف في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما اختصاص المنع بميتة ذي النفس، و هو كذلك للأصل و انتفاء ما يدل على عموم المنع.
أقول: الظاهر ان هذا الأصل هنا عبارة عن أصالة الإباحة التي هي البراءة الأصلية و الخلاف فيها مشهور كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، الا ان السيد المذكور ممن يرى العمل بها كما هو المشهور بين الأصوليين و لذا تراه دائما يعتمد عليها و يطرح
____________
(1) ص 53.
(2) ص 53.
(3) الوسائل الباب 37 من النجاسات.
56
الأخبار الضعيفة باصطلاحه في مقابلتها، و اما على ما اخترناه و حققناه في مقدمات الكتاب و عليه جل المحدثين و جملة من الأصوليين أيضا فإنه لا يجوز العمل عليها كما تقدم محققا مشروحا.
و اما ما ذكره من انتفاء ما يدل على عموم المنع فهو و ان كان كذلك لكن يمكن الاستناد في ذلك الى إطلاق الأخبار فإنه أعم من ميتة ذي النفس و غيرها.
و الى ذلك جنح شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين و نقله عن والده حيث قال: لا يخفى ان المنع من الصلاة في جلد الميتة يشمل بإطلاقه ميتة ذي النفس و غيره سواء كان مأكول اللحم أو لا، و في كلام بعض علمائنا جواز الصلاة في ميتة غير ذي النفس من مأكول اللحم كالسمك الطافي مثلا. و المنع من الصلاة في ذلك متجه لصدق الميتة عليه و كونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلاة فيه، و كان والدي (قدس سره) يميل الى هذا القول و لا بأس به. انتهى.
و فيه ان ما ذكره من صدق الإطلاق و ان كان متجها إلا ان الإطلاق انما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة المتكررة فإنها هي التي ينساق إليها الذهن من الإطلاق دون الفروض النادرة كما عرفت في غير موضع و به صرح الأصحاب في غير مقام.
(فان قلت) ان مقتضى ما ذكرتم في رد الاعتماد على الأصل المذكور هو المنع من الصلاة في جلود السمك و نحوها و مقتضى ما ذكرتم في رد ما ذكره شيخنا البهائي هو الجواز فما المعمول عليه عندكم؟
(قلت) الظاهر هو الجواز لكن لا للأصل المذكور بل للعمومات الدالة على شرطية الستر بأي ساتر كان و الأمر بالصلاة في أي لباس كان خرج ما خرج بدليل و بقي ما بقي و لا دليل هنا على المنع من الصلاة في ذلك، فما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) من الاستناد في المنع إلى إطلاق الميتة قد عرفت ما فيه.
و اما قوله أخيرا «و كونه طاهرا لا يستلزم جواز الصلاة فيه» فمردود بان مقتضى
57
العمومات المذكورة ذلك حتى يقوم دليل على الاستثناء هنا كما قام الدليل على فضلات الحيوان الغير المأكول اللحم على القول بالتحريم، إذ لا ريب ان هذه الجلود طاهرة في حال حياة حيوانها و الموت لا ينجسها لعدم النفس فتجوز الصلاة فيها كسائر الملابس الطاهرة.
و ممن اختاره الجواز في المسألة المذكورة شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة مستندا الى ما ذكرنا من الطهارة حال الحياة و ان الموت غير منجس، و أيده أيضا بأن المصنف و أكثر الأصحاب جوزوا الصلاة في جلد الخز و ان كان غير مذكى مع كون لحمه غير مأكول فجوازها في جلد السمك أولى. إذا عرفت ذلك فاعلم ان المحقق الشيخ علي في شرحه على الألفية حكى عن المصنف في الذكرى انه نقل عن المعتبر دعوى إجماع الأصحاب على جواز الصلاة في جلد السمك و ان كان ميتة و في شرح القواعد نقل ذلك عن المعتبر بغير واسطة الذكرى، و هو عجيب غريب حيث انه لا اثر لذلك في الكتابين قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح الرسالة بعد نقل ذلك عنه و نسبته الى الوهم: ان المصنف لم ينقل ذلك عن المعتبر و لا هو موجود في المعتبر و انما الذي نقله عن المعتبر و الموجود فيه الإجماع على جواز الصلاة في وبر الخز و ان كانت ميتة لأنه طاهر في حال الحياة و لم ينجس بالموت و لكن عبارة الذكرى توهم كون البحث عن السمك و عند الاعتبار و مراجعة المعتبر ينجلي لك الحال و اما جلد السمك فلم يذكراه في الكتابين. انتهى.
(الثانية) [هل يحرم استصحاب غير الملبوس من جلد الميتة في الصلاة؟]
- قال في المدارك في هذا المقام: و لا فرق في الثوب بين كونه ساترا للعورة أم لا بل الظاهر تحريم استصحاب غير الملبوس ايضا
لقوله (عليه السلام) (1) «لا تصل في شيء منه و لا شسع».
أقول: في إطلاق الثوب على ما يؤخذ من الجلود تجوز و تسامح كما لا يخفى إذ
____________
(1) ص 50.
58
الظاهر انه انما يطلق على ما يتخذ من القطن أو الكتان أو الإبريسم و نحوها لا الجلود و ان قطعت كتقطيع الثياب. و اما ما ذكره من تحريم استصحاب غير الملبوس فلا يخلو من اشكال لأن الظاهر من النهي عن الصلاة في شيء انما هو باعتبار كونه لباسا تحقيقا للظرفية المستفادة من لفظة «في» لا مستصحبا و لا محمولا، فالنهي عن الصلاة في الذهب و في الحرير و نحوهما انما هو باعتبار اللبس لا باعتبار مجرد الاستصحاب و الحمل.
(المقام الثاني)- في جلد ما لا يؤكل لحمه
و ان دبغ و صوفه و شعره و وبره و ريشه، و يحرم الصلاة فيه بالإجماع كما نقله جمع من الأصحاب عدا ما استثنى مما يأتي ذكره في المقام ان شاء الله تعالى.
و الأصل في ذلك الأخبار المتكاثرة: منها-
ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير (1) قال: «سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر فاخرج كتابا زعم انه إملاء رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و ألبانه و كل شيء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلى في غيره مما أحل الله اكله، ثم قال يا زرارة هذا عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة و ان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شيء منه جائزة إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح، و ان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسدة ذكاه الذبح أو لم يذكه».
و صحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في جلود السباع فقال لا تصل فيها».
و موثقة سماعة (3) قال: «سألته عن لحوم السباع و جلودها قال اما لحوم السباع من الطير و الدواب فانا نكره و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه».
____________
(1) الوسائل الباب 2 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 6 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى.
59
و روى الصدوق في كتاب العلل عن محمد بن إسماعيل البرمكي رفعه الى ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تجوز الصلاة في شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه.».
و روى فيه ايضا عن الحسن بن علي الوشاء رفعه (2) قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) يكره الصلاة في وبر كل شيء لا يؤكل لحمه».
و رواه الشيخ في التهذيب ايضا
و رواية إبراهيم بن محمد الهمداني (3) قال: «كتبت اليه يسقط على ثوبي الوبر و الشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيه».
و رواية علي بن أبي حمزة (4) قال: «سألت أبا عبد الله و أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها فقال لا تصل فيها إلا فيما كان منه ذكيا. قال قلت أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال بلى إذا كان مما يؤكل لحمه. قلت و ما يؤكل لحمه من غير الغنم؟ قال لا بأس بالسنجاب فإنه دابة لا تأكل اللحم و ليس هو مما نهى عنه رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ نهى عن كل ذي ناب و مخلب».
و صحيحة ابي علي بن راشد (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الفراء أي شيء يصلى فيه؟ فقال اي الفراء؟ قلت الفنك و السنجاب و السمور.
قال فصل في الفنك و السنجاب فاما السمور فلا تصل فيه. قلت فالثعالب يصلى فيها؟ قال لا و لكن تلبس بعد الصلاة. قلت أصلي في الثوب الذي يليه؟ قال لا».
و رواية مقاتل بن مقاتل (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في السمور و السنجاب و الثعلب فقال لا خير في ذا كله ما خلا السنجاب فإنه دابة لا تأكل اللحم».
و في كتاب الفقه الرضوي (7) «لا بأس بالصلاة في شعر و وبر كل ما أكل لحمه و الصوف منه و لا يجوز الصلاة في سنجاب و سمور و فنك فإذا أردت الصلاة فانزع عنك
____________
(1) الوسائل الباب 2 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 2 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 2 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 2 من لباس المصلي.
(5) المروية في الوسائل في الباب 3 من لباس المصلي.
(6) المروية في الوسائل في الباب 3 من لباس المصلى.
(7) ص 16.
60
و قد اروى فيه رخصة، و إياك ان تصلي في الثعالب و لا في ثوب تحته جلد ثعالب، و صل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب. و لا تصل في جلد الميتة على كل حال».
انتهى.
الى غير ذلك من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى.
و تفصيل الكلام في هذا المقام يقع في مسائل
[المسألة] (الأولى) [المنع لا يشمل المحمول]
- ينبغي ان يعلم ان المستفاد من لفظة «في» الواقعة في هذه الأخبار ان المنع مختص بالملابس و ما يتلطخ به اللباس من اللبن و البول و الشعرات الملقاة على اللباس و سائر فضلات ما لا يؤكل لحمه، و حينئذ فلا يدخل في ذلك المحمول فلو صلى الإنسان مستصحبا لعظم الفيل من مشط و غيره مما يحمل فلا بأس بالصلاة فيه، و بما ذكرناه ايضا صرح المحدث المحسن الكاشاني في الوافي، و كلمات الأصحاب في هذا المقام لا تخلو من الاختلاف و الاضطراب كما تقدم في كتاب الطهارة و ربما يأتي نحوه أيضا.
(المسألة الثانية) [جواز الصلاة في وبر الخز]
- لا خلاف بين الأصحاب في جواز الصلاة في وبر الخز الخالص من مخالطة وبر الأرانب و الثعالب و نحوهما مما لا تصح الصلاة فيه، نقل الإجماع على ذلك جماعة: منهم- المحقق و العلامة و ابن زهرة و الشهيد و غيرهم، انما الخلاف في جلده فالمشهور في كلام المتأخرين ان حكم الجلد حكم الوبر، و ذهب ابن إدريس إلى العدم و نفى عنه الخلاف و تبعه العلامة في المنتهى على ما نقله في الذخيرة.
و مما يدل على الوبر الأخبار المستفيضة، و منها-
ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل و انا عنده عن جلود الخز فقال ليس بها بأس. فقال الرجل جعلت فداك انها في بلادي و انما هي كلاب تخرج من الماء؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل لا فقال لا بأس».
و هذا الخبر بالتأييد أنسب من الاستدلال إذ ليس فيه تصريح بالصلاة.
____________
(1) الوسائل الباب 10 من لباس المصلى.
61
و ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري (1) قال:
«رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يصلي في جبة خز».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يصلي الفريضة و غيرها في جبة خز طاروني، و كساني جبة خز و ذكر انه لبسها على بدنه و صلى فيها و أمرني بالصلاة فيها».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألته عن لبس الخز فقال لا بأس به ان علي بن الحسين (عليه السلام) كان يلبس الكساء الخز في الشتاء فإذا جاء الصيف باعه و تصدق بثمنه و كان يقول اني لأستحيي من ربي ان آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن معمر بن خلاد (4) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الصلاة في الخز فقال صل فيه».
و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن زرارة (5) قال: «خرج أبو جعفر (عليه السلام) يصلي على بعض أطفاله و عليه جبة خز صفراء و مطرف خز اصفر».
و عن ابن ابي يعفور (6) قال: «كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز؟ فقال لا بأس بالصلاة فيه. فقال له الرجل جعلت فداك انه ميت و هو علاجي و انا أعرفه؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) انا أعرف به منك. فقال له الرجل انه علاجي و ليس أحد أعرف به مني؟ فتبسم أبو عبد الله (عليه السلام) ثم قال له أ تقول انه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقدت الماء ماتت؟ فقال الرجل صدقت جعلت فداك هكذا هو. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) فإنك تقول انه دابة تمشي على اربع و ليس
____________
(1) الوسائل الباب 8 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 8 من لباس المصلى.
(3) رواه في الوسائل في الباب 10 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 8 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 8 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 8 من لباس المصلى.
62
هو على حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء؟ فقال الرجل اي و الله هكذا أقول فقال أبو عبد الله (عليه السلام) فان الله تعالى أحله و جعل ذكاته موته كما أحل الحيتان و جعل ذكاتها موتها».
و مما يدل على ان الجلد كالوبر في هذا الحكم
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن جلود الخز فقال هو ذا نحن نلبس. فقلت ذاك الوبر جعلت فداك فقال إذا حل وبره حل جلده».
و استدل على ذلك أيضا بالأصل مضافا الى الرواية المذكورة.
و يؤيده إطلاق الخز في موثقة معمر بن خلاد فإنه شامل للجلد و الوبر، و نحوه
ما رواه الصدوق عن يحيى بن عمران (2) انه قال: «كتبت الى ابى جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب و الفنك و الخز و قلت جعلت فداك أحب ان لا تجيبني بالتقية في ذلك فكتب الي بخطه: صل فيها».
و يؤيده أيضا إطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و أمثالها مما دل على جواز اللبس فإنه شامل لحال الصلاة و غيرها، و عدم الاستفصال في مقام الاحتمال يدل على العموم كما ذكروه في غير مقام.
و ظاهر الفاضل الخراساني هنا الطعن في الصحيحة المذكورة بأنها لا تصلح للاستدلال بها و انما تصلح للتأييد إذ ليس فيها تصريح بالصلاة. و فيه ان ظاهر تعليق حل الجلد على حل الوبر الشامل بإطلاقه للصلاة مع حل الصلاة في الوبر إجماعا نصا و فتوى هو حل الصلاة في الجلد ايضا و من أجل ذلك استدل الأصحاب بالخبر المذكور إلا انه
نقل شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (3) عن كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم انه قال فيه: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)
____________
(1) الوسائل الباب 10 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 101.
63
لا يصلى في ثوب مما لا يؤكل لحمه و لا يشرب لبنه، فهذه جملة كافية من قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لا يصلى في الخز، و العلة في ان لا يصلى في الخز ان الخز من كلاب الماء و هي مسوخ إلا ان يصفي و ينقى، الى ان قال: و علة ان لا يصلى في السنجاب و السمور و الفنك قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) المتقدم».
ثم قال شيخنا المشار اليه بعد نقل الخبر:
لعل مراده عدم جواز الصلاة في جلد الخز بقرينة الاستثناء و قد تقدم القول في الجميع.
أقول: و في الاعتماد على مثل هذا الخبر اشكال مضافا الى عدم ثبوت الاعتماد على الكتاب المذكور و ان مصنفه في عداد معتمدي العلماء غير مشهور.
حجة القول الثاني العمومات الدالة على المنع من كل شيء من ما لا يؤكل لحمه خرج الوبر بالنص و الإجماع و بقي الجلد تحت عموم المنع. و الجواب عنه ما عرفت من دلالة صحيحة سعد ابن سعد المذكورة على ذلك بالتقريب الذي ذكرناه مع تأيدها بالأخبار المذكورة. إلا ان المسألة بعد لا تخلو من شوب الاشكال سيما مع ما عرفت من كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم.
بقي الكلام في ما لو خالط وبر الخز وبر غيره مما لا يجوز الصلاة فيه و المشهور كما عرفت المنع من الصلاة فيه.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن العدة عن احمد بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الخز الخالص انه لا بأس به فاما الذي يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه».
و قد تقدم في عبارة
كتاب الفقه الرضوي «و صل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب».
و روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن أيوب بن نوح رفعه (2) قال «قال أبو عبد الله (عليه السلام) الصلاة في الخز الخالص ليس به بأس و اما الذي يخلط فيه الأرانب أو غيرها مما يشبه هذا فلا تصل فيه».
____________
(1) الوسائل الباب 9 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 9 من لباس المصلى.
64
و قد ورد ما يدل على خلاف ما دلت عليه هذه الاخبار و هو
ما رواه الشيخ في التهذيب عن داود الصرمي عن بشر بن يسار (1) قال: «سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب فكتب يجوز ذلك».
و رواه الشيخ في موضع آخر و كذلك الصدوق في الفقيه عن داود الصرمي (2) قال: «سأل رجل أبا الحسن الثالث. الحديث».
و نسبه الشيخ في التهذيبين الى الشذوذ و اختلاف اللفظ في السائل و المسؤول ثم حمله على التقية. و ما ذكره من الحمل على التقية جيد.
و قال المحقق في المعتبر: اما المغشوش بوبر الأرانب و الثعالب ففيه روايتان إحداهما رواية محمد بن يعقوب ثم ساق مرفوعة أحمد و رواية أيوب بن نوح، و الثانية رواية داود الصرمي ثم ذكرها، ثم قال و الوجه ترجيح الروايتين الأوليين و ان كانتا مقطوعتين لاشتهار العمل بهما بين الأصحاب و دعوى أكثرهم الإجماع على مضمونهما. انتهى.
أقول: و يزيدهما تأييدا عبارة كتاب الفقه الرضوي المذكورة، و به يظهر قوة القول المشهور و ان الأظهر حمل الرواية المنافية على التقية.
و قال الصدوق في الفقيه: هذه رخصة الآخذ بها مأجور و رادها مأثوم و الأصل ما ذكره أبي في رسالته الي: و صل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الأرانب. أقول: بل الأقرب حملها على التقية كما ذكرنا و سيأتي في المقام ما يوضحه.
إلا انه
روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج مما كتبه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة (3): روى عن صاحب العسكر (عليه السلام) انه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الأرانب فوقع: يجوز.
و روى عنه ايضا انه لا يجوز فأي الأمرين نعمل به؟ فأجاب (عليه السلام) انما حرم في هذه الأوبار و الجلود فأما الأوبار وحدها فحلال «و في نسخة فكلها حلال».
و قد سئل بعض العلماء عن معنى
____________
(1) الوسائل الباب 9 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 9 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 10 من لباس المصلى.
65
قول الصادق (عليه السلام): لا يصلى في الثعلب و لا الثوب الذي يليه فقال انما عنى الجلود دون غيره.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل الخبر المذكور:
ما ذكر في الخبر من الفرق بين الجلد و الوبر خلاف ما يعهد في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ذكروا اتفاق الأصحاب على عدم جواز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه و شعره و وبره عدا ما استثنى مما سيذكر. انتهى. أقول: بل خلاف ما دلت عليه الأخبار ايضا كما تقدم شطر منها في أول هذا المقام. و بالجملة فإن الرواية المذكورة غريبة مرجوعة إلى قائلها (عجل الله فرجه).
فائدة [تعريف الخز]
اعلم انه قد اختلف كلام العلماء في الخز فقال الشيخ الزاهد العابد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي (قدس سره) في كتاب مجمع البحرين: الخز بتشديد الزاي دابة من دواب الماء تمشي على اربع تشبه الثعلب ترعى في البر و تنزل البحر لها وبر يعمل منه الثياب تعيش في الماء و لا تعيش في خارجه و ليس على حد الحيتان و ذكاتها إخراجها من الماء حية، قيل و قد كانت في أول الإسلام إلى وسطه كثيرة جدا. انتهى.
و قال المحقق في المعتبر: و الخز دابة بحرية ذات اربع تصاد من الماء و تموت بفقده،
قال أبو عبد الله (عليه السلام) «ان الله أحله و جعل ذكاته موته كما أحل الحيتان و جعل ذكاتها موتها» كذا روى محمد بن سليمان الديلمي عن قريب عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1).
و عندي في هذه الرواية توقف لضعف محمد بن سليمان و مخالفتها لما اتفقوا عليه من انه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك و لا من السمك إلا ما له فلس و حدثني جماعة من التجار انها القندس و لم أتحققه و قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل ما ذكره المحقق من التوقف: قلت مضمونها مشهور بين الأصحاب فلا يضر ضعف
____________
(1) ص 61.
66
الطريق، و الحكم بحله جاز ان يستند الى حل استعماله في الصلاة و ان لم يذك كما أحل الحيتان بخروجها من الماء حية فهو تشبيه للحل بالحل لا في جنس الحلال، ثم قال قلت لعله ما يسمى في زماننا بمصر وبر السمك و هو مشهور هناك، و من الناس من يزعم انه كلب الماء و على هذا يشكل ذكاته بدون الذبح لان الظاهر انه ذو نفس سائلة. و الله اعلم. انتهى أقول: و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بذلك زيادة على ما تقدم في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و رواية ابن ابي يعفور المتقدمين
ما رواه في التهذيب في باب المطاعم و المشارب عن محمد بن احمد عن احمد بن حمزة القمي عن محمد بن خلف عن محمد بن سنان عن عبد الله ابن سنان عن ابي يعفور (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أكل لحم الخز قال كلب الماء ان كان له ناب فلا تقربه و إلا فاقربه».
و قال أحمد حدثني محمد بن علي القرشي عن الحسن بن احمد عن ابن بكير عن حمران بن أعين (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخز فقال سبع يرعى في البر و يأوي الماء».
و روى في التهذيب ايضا عن محمد بن احمد عن احمد بن حمزة عن زكريا بن آدم (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت ان أصحابنا يصطادون الخز فآكل من لحمه قال فقال ان كان له ناب فلا تأكله ثم مكث ساعة فلما هممت بالقيام قال اما أنت فإني أكره لك اكله فلا تأكله».
و يستفاد من مجموع أخبار المسألة بضم بعضها الى بعض أمور: (الأول)- ان الخز دابة تمشي على اربع و انه كلب الماء كما نقل في الذكرى عن بعض الناس، و قد وقع التصريح بكونه كلب الماء في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و هو و ان كان في كلام السائل إلا ان الامام (عليه السلام) أقرّه عليه، و في رواية ابن ابي يعفور الثانية و قريب منها رواية حمران الدالة على انه سبع.
(الثاني)- ان منه ما له ناب و منه ما لا ناب له و ان الثاني يحل أكل لحمه كما صرحت
____________
(1) الوسائل الباب 39 من الأطعمة المحرمة.
(2) الوسائل الباب 39 من الأطعمة المحرمة.
(3) الوسائل الباب 39 من الأطعمة المحرمة.
67
به رواية ابن ابي يعفور الثانية و رواية زكريا بن آدم دون الأول و هو ظاهر رواية ابن ابي يعفور الاولى، و حينئذ فلا يلتفت الى استبعاد صاحب المعتبر و لا الى جواب صاحب الذكرى لاختصاص ما ذكراه بالبحري المحض كالسمك و هذا ليس كذلك كما عرفت و ما اشتمل عليه خبر حمران من انه سبع يحمل على ذي الناب منه.
(الثالث)- انه بري بحري يرعى في البر و يأوي إلى البحر كما ذكره في كتاب مجمع البحرين و عليه دلت رواية حمران بن أعين، و انه لو أخذ و منع من البحر مات و ان ذكاته موته في البر كما صرحت به رواية ابن ابي يعفور الاولى و هو ظاهر صحيحة عبد الرحمن و حكمه في ذلك حكم الحيتان، و من هنا ينقدح الإشكال الذي أشار إليه في الذكرى إذ الظاهر من كونه كلب الماء و انه على اربع قوائم يرعى في البر و انه سبع و ذو ناب انه ذو نفس سائلة و ان ذكاته انما هي بالذبح مع انه (عليه السلام) جعل حكمه حكم الحيتان في كون ذكاته بالموت خارج الماء، و حينئذ فيجب القول باستثنائه من القاعدة المذكورة كما انه يجب استثناؤه من قاعدة تخصيص حل ما كان في البحر بما كان له فلس من السمك، فان هذه الاخبار دلت على خروجه من القاعدتين المذكورتين بالنسبة الى ما لا ناب له منهما، و قد حكم (عليه السلام) بالحل و الذكاة كذلك في رواية عبد الله ابن ابي يعفور الاولى و بالثاني في صحيحة عبد الرحمن حيث ان ظاهرها نفى البأس عن الصلاة في جلده، و بذلك يظهر ضعف ما نقله في المعتبر عن جماعة من التجار و كذلك ما ذكره في الذكرى مما يسمى في زمانه بوبر السمك، و من المحتمل قريبا حدوث هذه الأسماء لهذه الأشياء.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد كلام في المقام: إذا عرفت هذا فاعلم ان في جواز الصلاة في الجلد المشهور في هذا الزمان بالخز و شعره و وبره اشكالا للشك في انه هل هو الخز المحكوم عليه بالجواز في عصر الأئمة (عليهم السلام) أم لا بل الظاهر انه غيره لانه يظهر من الاخبار انه مثل السمك يموت بخروجه من
68
الماء و ذكاته إخراجه منه، و المعروف بين التجار ان الخز المعروف الآن دابة تعيش في البر و لا تموت بالخروج من الماء، الا ان يقال انهما صنفان بري و بحري و كلاهما يجوز الصلاة فيه و هو بعيد. و يشكل التمسك بعدم النقل و اتصال العرف من زماننا الى زمانهم (عليهم السلام) إذ اتصال العرف غير معلوم إذ وقع الخلاف في حقيقته في أعصار علمائنا السالفين ايضا، و كون أصل عدم النقل في مثل ذلك حجة في محل المنع، فالاحتياط في عدم الصلاة فيه. انتهى. و هو جيد إلا ان قوله «مثل السمك يموت بخروجه من الماء» ليس كذلك إذ الظاهر منها انه يرعى في البر و انه لا يموت بمجرد الخروج كالسمك و انما يموت بحبسه عن الماء و عدم رجوعه اليه كما قدمنا ذكره. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [هل تجوز الصلاة في جلد السنجاب و وبره؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز الصلاة في جلد السنجاب و وبره، فذهب الشيخ في المبسوط و كتاب الصلاة من النهاية و أكثر المتأخرين إلى الجواز حتى قال في المبسوط: اما السنجاب و الحواصل فلا خلاف في انه يجوز الصلاة فيهما. و نسبه في المنتهى الى الأكثر. و ذهب الشيخ في الخلاف و في كتاب الأطعمة و الأشربة من النهاية إلى المنع و اختاره ابن البراج و ابن إدريس و هو ظاهر ابن الجنيد و المرتضى و ابي الصلاح بل ظاهر ابن زهرة نقل الإجماع عليه و اختاره في المختلف و نسبه الشهيد الثاني إلى الأكثر. و ذهب ابن حمزة إلى الكراهة. و قال الصدوق في الفقيه و قال ابي في رسالته الي: لا بأس بالصلاة في شعر و وبر كل ما أكل لحمه و ان كان عليك غيره من سنجاب أو سمور أو فنك و أردت الصلاة فيه فانزعه و قد روى فيه رخصة. انتهى.
و منشأ الخلاف في المقام اختلاف اخبارهم (عليهم السلام) و اختلاف الانظار في الجمع بينها و الافهام:
و مما يدل على القول بالجواز ما تقدم في المسألة السابقة من رواية علي بن أبي حمزة و صحيحة ابي علي بن راشد و رواية مقاتل بن مقاتل.
69
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن الفراء و السمور و السنجاب و الثعالب و أشباهه؟ قال لا بأس بالصلاة فيه».
و عن الوليد بن ابان (2) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) أصلي في الفنك و السنجاب؟ قال نعم. فقلت نصلي في الثعالب إذا كانت ذكية؟ قال لا تصل فيها».
و عن بشر بن يسار (3) قال: «سألته عن الصلاة في الفنك و الفراء و السنجاب و السمور و الحواصل التي تصاد ببلاد الشرك أو بلاد الإسلام أصلي فيها لغير تقية؟ قال فقال صل في السنجاب و الحواصل الخوارزمية و لا تصل في الثعالب و لا السمور».
و روى الصدوق بسنده عن يحيى بن عمران (4) انه قال: «كتبت الى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) في السنجاب و الفنك و الخز و قلت جعلت فداك أحب ان لا تجيبني بالتقية في ذلك فكتب بخطه الي صل فيها».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن لبس السمور و السنجاب و الفنك فقال لا يلبس و لا يصلى فيه إلا ان يكون ذكيا».
و يؤيد ذلك إطلاق الاخبار الدالة على جواز لبسه و هي كثيرة.
و اما ما يدل على المنع فجملة أخرى من الاخبار الدالة على المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه و على الخصوص ما تقدم من موثقة عبد الله بن بكير المشتملة على المنع من السنجاب خصوصا و من جميع ما لا يؤكل لحمه على أبلغ وجه، و كلامه (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 4 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 3 و 7 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى. و في بعض النسخ «بشير بن يسار» و في بعضها «بشير بن بشار».
(4) الوسائل الباب 3 من لباس المصلى. و في الفقيه المطبوع «يحيى بن ابى عمران».
(5) الوسائل الباب 4 من لباس المصلى.
70
في كتاب الفقه الرضوي و هو عين ما نقله الصدوق عن رسالة أبيه إليه بتغيير ما.
و المحقق في المعتبر حيث اختار القول بالجواز كما هو المشهور أجاب عن خبر ابن بكير بان خبر ابي على بن راشد خاص و الخاص مقدم على العام، و بان ابن بكير مطعون فيه و ليس كذلك أبو علي بن راشد. ورد الأول بأن رواية ابن بكير و ان كانت عامة إلا ان ابتناءها على السبب الخاص و هو السنجاب و ما ذكر معه يجعلها كالنص في المسؤول عنه. و الثاني بأن ابن بكير و ان كان فطحيا لكنه من الشهرة و الجلالة بمكان حتى قال الكشي انه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و أقروا له بالفقه و اما أبو علي بن راشد فلم يذكره النجاشي و لا الشيخ في الفهرست نعم ذكره في كتاب الرجال و وثقه و ترجيحه على ابن بكير محل نظر.
أقول: و الحق هو حصول التعارض بين الأدلة المذكورة فلا بد من الجمع بينها، و يمكن الجمع بأحد وجهين: اما حمل الأخبار الدالة على الجواز على التقية لموافقته أقوال العامة (1) و اما حمل خبر المنع على الكراهة. و رجح الثاني بكثرة الأدلة الدالة على الجواز كما تقدم و مطابقة الأصل و ان الحمل على التقية لا يخلو من اشكال، فإن مذهب العامة جواز الصلاة في جلود ما لا يؤكل لحمه مطلقا و الروايات الدالة على الجواز قد اشتملت على الجواز في السنجاب مع نفي ذلك عن غيره من السمور و الثعالب و أمثالهما.
و من هذا الكلام يظهر قوة القول بالكراهة كما تقدم نقله عن ابن حمزة، و هو ظاهر الصدوق في كتاب المجالس حيث قال: و لا بأس بالصلاة في شعر و وبر كل ما أكل لحمه، و ما لا يؤكل لحمه فلا يجوز الصلاة في شعره و وبره إلا ما خصته الرخصة و هي الصلاة في السنجاب و السمور و الفنك و الخز، و الاولى ان لا يصلى فيها و من صلى فيها جازت صلاته. و قال في المقنع: لا بأس بالصلاة في السنجاب و السمور و الفنك لما روى في ذلك من الرخص. و الى ذلك يشير كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتقدم
____________
(1) حياة الحيوان ج 2 ص 41 و المغني ج 8 ص 592.
71
حيث انه بعد ان منع من الصلاة في السنجاب و الفنك و السمور قال: «و اروي فيه رخصة» و نحو ذلك عبارة الشيخ في الخلاف و سلار على ما نقله في المختلف فإنهما بعد ان ذكرا المنع مما لا يؤكل لحمه قالا و رويت رخصة في الصلاة في السنجاب و الفنك و السمور.
و ظاهرهم جواز الصلاة في هذه الثلاثة على كراهة جمعا بين أخبار المسألة.
و قد روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال لمولانا الهادي (عليه السلام) لمحمد بن علي بن عيسى من طريق احمد بن محمد بن عياش الجوهري و عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن احمد بن محمد بن زياد و موسى بن محمد عن محمد بن علي بن عيسى (1) قال: «كتبت الى الشيخ أعزه الله و أيده أسأله عن الصلاة في الوبر أي أصنافه أصلح؟ فأجاب لا أحب الصلاة في شيء منه. قال فرددت الجواب انا مع قوم في تقية و بلادنا بلاد لا يمكن أحدا أن يسافر فيها بلا وبر و لا يأمن على نفسه ان هو نزع وبره و ليس يمكن الناس كلهم ما يمكن الأئمة (عليهم السلام) فما الذي ترى ان نعمل به في هذا الباب؟ قال فرجع الجواب الى: تلبس الفنك و السمور».
أقول: و من هذه الرواية يمكن استنباط وجه جمع بين أخبار المسألة بإبقاء ما دل على المنع من الصلاة في غير المأكول على عمومه و حمل الرخصة الواردة في الثلاثة المتقدمة على أولوية هذه الثلاثة في مقام الضرورة و التقية، و به يندفع الاشكال المتقدم عن الحمل على التقية من حيث تضمن الأخبار للجواز في هذه الثلاثة مع المنع عن غيرها فإنه لا منافاة فيه من حيث الضرورة إلى لبس ما كان كذلك و اندفاع التقية بأحد هذه الثلاثة.
بقي الكلام في وجه الخصوصية لاختيار هذه الثلاثة و هو موكول إليهم (عليهم السلام).
و مما يعضد الحمل على التقية ما قدمناه في مقدمات الكتاب من ان الحمل على ذلك لا يختص بوجود قائل من العامة بل انهم (عليهم السلام) يقصدون إيقاع الاختلاف بين الشيعة لينزلوا من نظر العامة و يكذبوهم في النقل عن أئمتهم (عليهم السلام) و لا يعبأوا
____________
(1) الوسائل الباب 4 من لباس المصلى.
72
بمذهبهم كما قدمنا تحقيقه، و أنت إذا تأملت في اخبار هذه المسألة وجدتها كذلك، فإنهم (عليهم السلام) تارة يفتون الشيعة بالحق و هو المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه بأتم تأكيد كما اشتملت عليه موثقة ابن بكير و نحوها و ان لم يكن مثلها في التأكيد، و تارة يفتونهم بجواز الصلاة في الجميع كصحيحة علي بن يقطين، و تارة يخصصون الجواز بأفراد مخصوصة، فمنها- ما اشتمل على استثناء السنجاب خاصة كرواية مقاتل بن مقاتل، و منها- ما أضيف إليه فيها الفنك كرواية ابي علي بن راشد و رواية الوليد بن أبان، و منها- ما أضيف إليه الحواصل الخوارزمية خاصة كرواية بشر بن يسار، و منها- ما دل على الجواز في الجميع إلا الثعالب
كصحيحة الريان بن الصلت (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس الفراء و السمور و السنجاب و الحواصل و ما أشبهها و المناطق و الكيمخت و المحشو بالقز و الخفاف من أصناف الجلود؟ فقال لا بأس بهذا كله إلا الثعالب».
فانظر الى هذا الاختلاف العظيم فهل له وجه غير ما ذكرناه؟
و يؤيد ذلك ايضا ما قدمناه في غير مقام من ان حمل النهي الذي هو حقيقة في التحريم على الكراهة في تلك الأخبار الدالة على النهي مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة، و اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز لجواز الجمع بوجه آخر و ان اشتهر بينهم الجمع بين الأخبار بذلك، على انه لو سلم فلا يجري في موثقة ابن بكير التي هي عمدة أخبار المسألة لوقوع النهي فيها على أبلغ وجه كما لا يخفى. و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال و الاحتياط في أمثال ذلك مما لا ينبغي تركه.
هذا، و قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه انما تجوز الصلاة فيه بناء على القول بالجواز مع تذكيته لانه ذو نفس سائلة قطعا، قال في الذكرى: قد اشتهر بين التجار و المسافرين انه غير مذكى و لا عبرة بذلك حملا لتصرف المسلمين على
____________
(1) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى.
73
ما هو الأغلب، و أيده بعضهم بان متعلق الشهادة إذا كان غير محصور فلا يسمع نعم لو علم بذلك حرم.
فائدة [تعريف السنجاب و السمور و الفنك و الحواصل]
روى في التهذيب (1) عن أبي حمزة الثمالي قال: «سأل أبو خالد الكابلي علي بن الحسين (عليه السلام) عن أكل لحم السنجاب و الفنك و الصلاة فيهما؟ قال أبو خالد ان السنجاب يأوي الأشجار قال فقال له ان كان له سبلة كسبلة السنور و الفأرة فلا يؤكل لحمه و لا تجوز الصلاة فيه، ثم قال اما انا فلا آكله و لا احرمه».
و في اللغة السبلة بالتحريك الشارب (2) و مفهوم هذا الخبر ان ما ليس له سبلة فهو حلال اكله و تجوز الصلاة فيه، و يؤيده قوله: «اما انا فلا آكله و لا احرمه» بحمل كلامه على ما ليس له سبلة بمعنى انه حلال على كراهية و تجوز الصلاة فيه. و الحديث غريب و الحكم به مشكل إذ لا أعرف قائلا به بل الظاهر الاتفاق على تحريمه مطلقا و ان استثنى جواز الصلاة في جلده و وبره على القول بذلك.
و السنجاب- على ما ذكره في كتاب مجمع البحرين- حيوان على حد اليربوع أكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة يتخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعمون و هو شديد الختل إن أبصر الإنسان صعد الشجرة العالية و هو كثير في بلاد الصقالبة و أحسن جلوده الأزرق الأملس. و قال في كتاب المصباح المنير: السمور كتنور دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة تكون في بلاد الترك تشبه النمس و منه اسود لامع و أشقر، و حكي لي بعض الناس ان
____________
(1) ج 2 ص 295 و في الوسائل الباب 41 من الأطعمة المحرمة. و في ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق المطبوعة و المخطوطة (الكافي) بدل (التهذيب) و لم نجده في الكافي في مظانه و صاحب الوسائل لم يروه الا عن التهذيب كما في الوافي ج 11 ص 15.
(2) في مجمع البحرين مادة (سبل): و في حديث السنجاب إذا كان له سنبلة كسنبلة السنور و الفأرة.
74
أهل تلك الناحية يصيدون الصغار منها فيخصون الذكر و يتركونه يرعى فإذا كان أيام الثلج خرجوا للصيد فما كان مخصيا استلقى على قفاه فأدركوه و قد سمن و حسن شعره. و قال في كتاب المجمع: الفنك كعسل دويبة برية غير مأكولة اللحم يؤخذ منها الفرو يقال ان فروها أطيب من جميع أنواع الفراء يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة و هو أبرد من السمور و اعدل و أحر من السنجاب صالح لجميع الأمزجة المعتدلة. و قال في كتاب حياة الحيوان الحواصل جمع حوصل و هو طير كبير له حوصلة عظيمة يتخذ منها الفرو، قيل و هذا الطائر يكون بمصر كثيرا.
(المسألة الرابعة) [هل تجوز الصلاة في وبر الثعالب و الأرانب؟]
- قد اختلف الاخبار في الثعالب و الأرانب، و قد تقدم في موثقة ابن بكير المنع من الثعالب بخصوصه مع المنع من كل ما لا يؤكل لحمه، و صحيحة ابي علي بن راشد و فيها نهى عن الثعالب و عن الثوب الذي يليه، و رواية مقاتل بن مقاتل و فيها أيضا النهي عن الثعالب، و عبارة الفقه الرضوي فيها «إياك ان تصلي في الثعالب و لا في ثوب تحته جلد ثعالب» و هذه الروايات كلها قد تقدمت في صدر المقام و منها- أيضا رواية الوليد بن ابان و فيها النهي عن الثعالب و ان كانت ذكية، و رواية بشر بن يسار و فيها «لا تصل في الثعالب» و قد تقدمتا في المسألة الثانية.
و يدل على المنع أيضا
صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جلود الثعالب أ يصلى فيها؟ قال ما أحب ان أصلي فيها».
و رواية جعفر بن محمد بن ابي زيد (2) قال: «سئل الرضا (عليه السلام) عن جلود الثعالب الذكية؟ قال لا تصل فيها».
و يدل على ذلك
ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يلبس فراء الثعالب و السنانير؟ قال لا بأس و لا يصلي فيه».
____________
(1) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى.
(3) مستدرك الوسائل الباب 7 من لباس المصلى.
75
و يدل على ذلك أيضا
صحيحة علي بن مهزيار (1) «عن رجل سأل الماضي (عليه السلام) عن الصلاة في جلود الثعالب فنهى عن الصلاة فيها و في الثوب الذي يليها فلم أدر أي الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد؟ فوقع بخطه (عليه السلام) الثوب الذي يلصق بالجلد. قال و ذكر أبو الحسن (عليه السلام) انه سأله عن هذه المسألة فقال لا تصل في الثوب الذي فوقه و لا في الثوب الذي تحته».
هذا بالنسبة إلى الثعالب.
و اما بالنسبة إلى الأرانب فمما يدل على ذلك
صحيحة علي بن مهزيار (2) قال:
«كتب إليه إبراهيم بن عقبة: عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة و لا تقية؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيها».
و رواية أحمد بن إسحاق الأبهري (3) قال: «كتبت اليه: جعلت فداك عندنا جوراب. الحديث المتقدم».
و رواية سفيان بن السمط (4) قال: «قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم الى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الفنك يصلى فيه؟ قال لا بأس. و كتب يسأله عن جلود الأرانب فقال مكروه».
و رواية محمد بن إبراهيم (5) قال: «كتبت إليه أسأله عن الصلاة في جلود الأرانب فكتب مكروهة».
و يعضد ذلك ما دل على المنع من الصلاة في ما لا يؤكل لحمه مطلقا و ما دل على النهي عن وبر الخز إذا كان مغشوشا بوبر الأرانب و الثعالب و قد تقدم الجميع، هذا ما وقفت عليه من الاخبار الدالة على المنع.
و بإزائها من الأخبار ما يدل على الجواز، و من ذلك صحيحة الحلبي المتقدمة في سابق هذه المسألة،
و صحيحة علي بن يقطين (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 4 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 5 من لباس المصلى.
76
السلام) عن لباس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود؟ قال لا بأس بذلك».
و صحيحة جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة في جلود الثعالب فقال إذا كانت ذكية فلا بأس».
و صحيحة محمد بن عبد الجبار (2) قال: «كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) اسأله هل يصلى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكة حرير أو تكة من وبر الأرانب؟
فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض و ان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه ان شاء الله».
و رواية الحسين بن شهاب (3) قال: «سألته عن جلود الثعالب إذا كانت ذكية أ يصلى فيها؟ قال نعم».
و رواية عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: «سألته عن اللحاف من الثعالب أو الجرز منه أ يصلى فيها أم لا؟ قال إذا كان ذكيا فلا بأس به».
قال في الوافي: هكذا في نسخ التهذيب التي رأيناها، قيل الجرز بكسر الجيم و تقديم المهملة على المعجمة من لباس النساء و في الاستبصار «أو الخوارزمية» و كأنها الصحيح فيكون المراد بها الحواصل. انتهى، و ما استصحه هو الصحيح لما علم من حال الشيخ في التهذيب و ما وقع له فيه من التحريف و التصحيف مما لا يعد و لا يحصى.
إذا عرفت ذلك فالظاهر من تتبع كلام الأصحاب انه لا قائل بهذه الأخبار الأخيرة إلا ما يظهر من المحقق في المعتبر و نحوه السيد السند في المدارك، قال في المعتبر و اعلم ان المشهور في فتوى الأصحاب المنع في ما عدا السنجاب و وبر الخز و العمل به احتياط في الدين، ثم قال بعد ان أورد روايتي الحلبي و علي بن يقطين المتقدمتين:
و طريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق و لو عمل بهما عامل جاز و على الأول عمل الظاهرين من الأصحاب منضما الى الاحتياط للعبادة. و قال في المدارك- بعد ذكر
____________
(1) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 14 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 7 من لباس المصلي.
77
المسألة و الاستدلال على الجواز بصحيحتي علي بن يقطين و الحلبي و صحيحة جميل و نقل كلام المحقق في المعتبر ما صورته: و المسألة قوية الإشكال من حيث صحة اخبار الجواز و استفاضتها و اشتهار القول بالمنع بين الأصحاب بل إجماعهم عليه بحسب الظاهر و ان كان ما ذكره في المعتبر لا يخلو من قرب. انتهى.
أقول: لما كان نظر المتصلبين من أصحاب هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب منه الى الصلاح انما هو الى الأسانيد من غير تأمل في متون الاخبار و كونها موافقة للقواعد الشرعية أم لا و موافقة لفتاوى الأصحاب أم لا و نحو ذلك من العلل المتطرقة إليها وقعوا في ما وقعوا فيه من هذه الإشكالات و الترددات، و المسألة بحمد الله سبحانه واضحة السبيل مكشوفة الدليل، فان مقتضى القاعدة المنصوصة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) بعرض الاخبار عند الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافه هو العمل باخبار المنع المؤيدة باتفاق الأصحاب عليها سلفا و خلفا، و هاتان الروايتان أعني صحيحتي ابن يقطين و الحلبي قد دلتا على جواز الصلاة في جميع الجلود مما لا يؤكل لحمه لا بخصوص الأشياء المعدودة فيهما لقوله في إحداهما «و جميع الجلود» و في الأخرى «و أشباهه» و هذا عين ما اتفقت عليه العامة (1) و خلاف ما اتفقت عليه الإمامية فأي أمر أظهر في الحمل على التقية من ذلك؟ و لكنهم حيث الغوا القواعد المروية عن أئمتهم (عليهم السلام) و اعتمدوا على افكارهم و أنظارهم بل اخترعوا لهم في مقابلتها قواعد لم يرد بها نص و لا اثر عنهم (عليهم السلام) وقعوا في ما وقعوا فيه من أمثال هذا الكلام المنحل الزمام و المختل النظام. و الى ما ذكرنا يشير كلام شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل كلام المعتبر المتقدم الدال على اختياره الجواز: قلت هذان الخبران مصرحان بالتقية لقوله في الأول «و أشباهه» و في الثاني «و جميع الجلود» و هذا العموم لا يقوله الأصحاب (رضوان الله عليهم). و بالجملة فإن الحكم بالنظر الى ما ذكرناه
____________
(1) المغني ج 1 ص 68.
78
من التقريب ظاهر لا اشكال فيه و لا شبهة تعتريه.
(المسألة الخامسة) [هل تجوز الصلاة في الحواصل؟]
- ظاهر الشيخ في المبسوط جواز الصلاة في الحواصل حيث قال في ما تقدم من عبارته المذكورة في صدر المسألة: و اما السنجاب و الحواصل فلا خلاف في انه يجوز الصلاة فيهما. و قيدها ابن حمزة و بعضهم بالخوارزمية، و قد تقدم في رواية بشر بن يسار ما يدل على الجواز في الحواصل الخوارزمية. و منع من ذلك الشيخ في النهاية و هو ظاهر الأكثر حيث لم يتعرضوا له. قال في الدروس و في الحواصل الخوارزمية رواية بالجواز متروكة. و هو إشارة إلى رواية بشر المذكورة.
و روى في كتاب البحار (1) عن كتاب الخرائج في حديث يتضمن خروج التوقيع من الناحية المقدسة بعد السؤال عما يحل ان يصلى فيه من الوبر، و فيه «و ان لم يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك ان تصلي فيه».
و ظاهره الجواز مع الضرورة. و القول بالجواز لا يخلو من قرب و الاحتياط ظاهر. و اما الفنك و نحوه مما عدا الخز و السنجاب و الحواصل فلم أقف على قائل بجواز الصلاة فيه إلا ما يظهر من عبارتي الصدوق في المجالس و المقنع المتقدمتين بالنسبة إلى الفنك و ان اختلفت فيه الاخبار كما عرفت مما تقدم.
(المسألة السادسة) [هل تجوز الصلاة في التكة و القلنسوة من وبر غير المأكول؟]
- اختلف الأصحاب في التكة و القلنسوة المعمولتين من وبر غير المأكول، فقال الشيخ في النهاية: لا تجوز الصلاة في القلنسوة و التكة إذا عملا من وبر الأرانب و يكره إذا عملا من حرير محض. و اختاره ابن إدريس و العلامة في المختلف و الشهيد في الذكرى. و تردد في الدروس ثم قال ان الأشبه المنع و الظاهر انه المشهور. و قال في المبسوط يكره الصلاة في القلنسوة و التكة إذا عملا من وبر ما لا يؤكل لحمه و كذا إذا كانا من حرير محض.
أقول: و يدل على الأول ما تقدم قريبا من
صحيحة علي بن مهزيار (2) قال:
«كتب إليه إبراهيم بن عقبة عندنا جوارب و تكك تعمل من وبر الأرانب. الحديث».
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 98.
(2) الوسائل الباب 7 من لباس المصلى.
79
و نحوها رواية أحمد بن إسحاق الأبهري، و يعضدهما
رواية إبراهيم بن محمد الهمداني (1) قال: «كتبت اليه: يسقط على ثوبي الوبر و الشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية و لا ضرورة؟ فكتب لا تجوز الصلاة فيه».
و يؤكد ذلك ما دل على النهي عن الصلاة في ذلك خصوصا و عموما.
و نقل في المختلف عن الشيخ الاستدلال على الجواز- كما ذهب إليه في المبسوط- بأنه قد ثبت للتكة و القلنسوة حكم مغاير لحكم الثوب من جواز الصلاة فيهما و ان كانا نجسين أو من حرير محض فكذا يجوز لو كانا من وبر الأرانب و غيرها. ثم أجاب عنه بالفرق بين الأمرين و احاله على ما بينه في ما مضى.
أقول: و الأظهر الاستدلال للشيخ على هذا القول بصحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة قريبا و قوله فيها بعد السؤال عن تكة تعمل من وبر الأرانب «و ان كان الوبر ذكيا حلت الصلاة فيه».
و أجاب الشهيد في الذكرى عن هذه الرواية (أولا) بأنها مكاتبة. و (ثانيا) بأنها تضمنت قلنسوة عليها وبر فلا يلزم منه جوازها من الوبر. و نحوه المحقق في المعتبر ايضا.
و أنت خبير بما فيه فان المكاتبة لا تقصر عن المشافهة متى كان المخبر عن كل من الأمرين ممن يوثق به و يعتمد عليه. و اما قوله- و قبله المحقق كما أشرنا إليه- بأنها إنما تضمنت قلنسوة عليها وبر. إلخ فعجيب غاية العجب فإن الرواية و ان تضمنت ذلك لكنها ايضا تضمنت التكة المعمولة من الوبر و الجواب وقع عن الأمرين.
و بالجملة فتعارض الأخبار المذكورة ظاهر لا ينكر و الأظهر عندي في الجمع هو حمل خبر الجواز على التقية لاستفاضة الأخبار بالمنع عموما و خصوصا عما لا يؤكل لحمه، و الجمع بالحمل على الكراهة- كما عليه من ذهب الى الجواز كما يظهر من المدارك و مثله المحقق في المعتبر- قد عرفت ما فيه في غير مقام مما تقدم.
____________
(1) الوسائل الباب 2 من لباس المصلى.
80
ثم انه لا يخفى عليك ما في مدافعة ما اختاره المحقق من القول بالجواز هنا لما اختاره في مسألة وبر الخز المغشوش بوبر الأرانب من المنع للروايتين المتقدمتين و قد تقدم نقل كلامه، فإنه ان كان الوبر المذكور مما لا تجوز الصلاة فيه فلا فرق بين كونه مغشوشا به غيره و بين كونه منفردا يصنع منه قلنسوة أو تكة بل الثاني أولى بالمنع و إلا فلا وجه لقوله بالجواز هنا، و كذلك يرد على صاحب المدارك ايضا حيث انه في تلك المسألة نقل كلام المحقق و جمد عليه و هو مؤذن باختياره. و الجواب- بأن صحيحة محمد بن عبد الجبار قد دلت على الجواز هنا و روايتا احمد و أيوب بن نوح دلتا على المنع في تلك المسألة فوجب القول بكل منهما في ما دل عليه- مردود بان هذه الروايات أيضا متعارضة متصادمة إذ المدار على جواز الصلاة في الوبر و عدمه منسوجا كان أو غير منسوج، إذ لا يعقل لنسجه خصوصية تخرجه عما كان عليه أولا من حل أو حرمة، فالقول بكل من الروايتين قول بالمتناقضين بل لا بد من الترجيح فيهما أو الجمع بينهما، و قضية الترجيح العمل بالصحيحة المذكورة فيمتنع قولهما بالمنع في الوبر المخلوط و الحال كما عرفت. و بالجملة فالتعارض و التدافع بين قوليهما ظاهر كما لا يخفى.
ثم انه لا يخفى انه قد وقع لصاحب المدارك سهو في هذا المقام حيث انه بعد ان نقل عن النهاية أولا القول بالمنع نقل عن النهاية أيضا القول بالجواز على كراهة، و هذا القول انما هو في المبسوط لا النهاية كما جرى به قلمه هنا.
(المسألة السابعة) [النهي عن الصلاة في الثوب الذي يلي وبر الثعلب]
- قد تقدم في صحيحة ابي علي بن راشد النهي عن الصلاة في الثعالب و في الثوب الذي يليه، و تقدم أيضا في صحيحة علي بن مهزيار النهي عن الصلاة فيها و في الثوب الذي يليها ثم فسره (عليه السلام) بالثوب الذي يلصق بالجلد و نقل في بقية الرواية ما يدل على الثوب الذي فوقه و الثوب الذي تحته، و تقدم أيضا
في عبارة كتاب الفقه «و إياك ان تصلي في الثعالب و لا في ثوب تحته جلد ثعالب».
و بذلك صرح الشيخ (قدس سره) في النهاية فقال: لا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت وبر الثعالب
81
و الأرانب و لا الذي فوقه على ما وردت به الرواية و قال في المبسوط: لا تجوز الصلاة في الثوب الذي يكون تحت الثعالب و لا الذي فوقه على ما وردت به الرواية. كذا نقله عنه في المختلف. و قال الصدوق: و إياك ان تصلي في الثعلب و لا في الثوب الذي يليه من تحته و فوقه.
و استشكل جملة من الأصحاب حمل النهي في الاخبار المذكورة على التحريم إلا ان يقال بنجاسة هذه الأشياء و ملاقاتها بالرطوبة، قال الشيخ في المبسوط على اثر العبارة المتقدمة: و عندي ان هذه الرواية محمولة على الكراهة أو على انه إذا كان أحدهما رطبا لان ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى منه النجاسة إلى غيره. و العجب ان العلامة في المختلف نقل عنه العبارة المتقدمة خاصة و هو مما يؤذن بقوله بالتحريم مطلقا كما أطلقه في النهاية مع ان بقية كلامه في المبسوط يؤذن بالتأويل في تلك الرواية. و بما ذكره من التفصيل في المبسوط صرح المحقق في المعتبر و زاد: و الخبر بالمنع مقطوع السند شاذ فيسقط اعتباره. و بنحو ذلك ايضا صرح العلامة في المختلف فقال: و عندي ان هذه الرواية محمولة على الكراهة أو على انه إذا كان أحدهما رطبا لان ما هو نجس إذا كان يابسا لا تتعدى منه النجاسة إلى غيره، ثم نقل عن ابن إدريس انه قال: لا بأس بالصلاة في الثوب الذي تحته أو فوقه وبر الأرانب أو الثعالب، ثم استقر به و قال: لنا- انه صلى على الوجه المأمور به شرعا فيخرج عن العهدة، و لأن المقتضي للصحة موجود و المعارض لا يصلح للمانعية إذ المعارض هنا ليس إلا مماسة الوبر و ليس هذا من الموانع إذ النجس العيني إذا ماس غيره و هما يابسان لم تتعد النجاسة إلى الغير فكيف بهذا الوبر الذي ليس بنجس؟
ثم نقل عن الشيخ (قدس سره) انه احتج بأن الصلاة في الذمة بيقين و لا تبرأ إلا بمثله و لا يقين للبراءة مع الصلاة في الثوب الملاصق للوبر، و بما رواه علي بن مهزيار عن رجل ثم أورد الرواية إلى آخرها كما قدمناه، و قال: و الجواب عن الأول انه قد حصل اليقين بالبراءة حيث قد وقع الفعل على الوجه المأمور به شرعا. و عن الثاني ان الرجل مجهول فجاز
82
ان يكون غير عدل مع إمكان حمل النهي على الكراهة كما حمله الشيخ (قدس سره) في المبسوط.
أقول: لا يبعد عندي ان النهى في الاخبار المذكورة عن الصلاة في الثوب الذي تحت الجلد و فوقه انما هو باعتبار ما يسقط عليه من الوبر و يتناثر عليه في وقت لبسه له تحت الوبر كان أو فوقه، و حينئذ فيكون فيه دلالة على عدم جواز الصلاة في الثوب الذي عليه شعر أو وبر ما لا يؤكل لحمه و سيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى، و إلا فالقول بالمنع من حيث النجاسة لا وجه له بالكلية لما ثبت من صحة التذكية لهذه الحيوانات خلافا للشيخ في السباع، و انه مع اليبوسة لا تتعدى النجاسة لو ثبتت النجاسة، و هذا كله ظاهر بل الظاهر انه لا وجه للمنع إلا ما ذكرناه. و ان ثبت انه لا يتناثر من الوبر شيء و لا يسقط منه شيء على الثياب فلا مناص من جعل النهي تعبدا شرعيا أو محمولا على الكراهة و يؤيده
ما ورد في رواية أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء فقال كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا لا تدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ و كان يبعث الى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و القى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة و يزعمون ان دباغه ذكاته».
فإنه لا ريب ان نزع الفراء هنا محمول على الاستحباب لأصالة الطهارة كما تقدم تحقيقه و كذا الثوب الذي يليه بالطريق الأولى.
(المسألة الثامنة) [هل تجوز الصلاة في ما يكون على الثوب من غير المأكول؟]
- قطع الشهيدان و جماعة: منهم- صاحب المدارك و من تبعه باختصاص المنع بالملابس فلو لم يكن كذلك كالشعرات الملقاة على الثوب لم يمنع عن الصلاة فيه، و ذهب الأكثر إلى عموم المنع كما نقله شيخنا المجلسي في كتاب البحار.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك ما تقدم
في موثقة ابن
____________
(1) الوسائل الباب 61 من لباس المصلى.
83
بكير (1) من قوله (عليه السلام): «و كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و ألبانه و كل شيء منه فاسدة. الحديث».
فإنها شاملة للشعر الملقى على الثوب، و رواية إبراهيم بن محمد الهمداني المتقدمة في صدر هذا المقام، و هي صريحة في عدم جواز الصلاة في الشعر و الوبر الملقى على الثوب، و صحيحة محمد بن عبد الجبار المتقدمة في روايات المسألة الثالثة (2) و هي صريحة في جواز الصلاة فيه إذا كان ذكيا.
و المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض ان مستنده في ما ذهب اليه من الجواز في هذه المسألة هو الجمع بين الروايات المذكورة، حيث انه بعد ذكر الأخبار المذكورة قال: و طريق الجمع حمل روايات المنع على الثوب المعمول من ذلك و الجواز على ما طرح على الثوب من الوبر، ثم قال و ممن صرح بالجواز الشيخ و الشهيد في الذكرى و هو ظاهر المعتبر، و جمع الشيخ بينها بحمل الجواز على ما يعمل منها مما لا تتم الصلاة فيه وحده كالتكة و القلنسوة كما وقع التصريح به في مكاتبة العسكري (عليه السلام) (3) انتهى.
أقول: فيه انك قد عرفت في ما قدمناه ان الأظهر حمل الجواز في صحيحة محمد ابن عبد الجبار على التقية، على انه كيف يتم له الجمع بذلك و صحيحة محمد بن عبد الجبار المذكورة قد تضمنت جواز الصلاة في التكة المعمولة من وبر الأرانب و رواية إبراهيم بن محمد الهمداني المصرحة بالمنع تضمنت الشعر و الوبر الذي يسقط على الثوب، فكيف يتم له الجمع بما ذكره و اخبار المسألة كما ترى؟ ما هذه إلا غفلة بعيدة من مثل شيخنا المذكور منحه الله بالرفعة و الحبور. و اما ما نقله عن الشيخ من الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل الجواز على ما يعمل منها مما لا تتم الصلاة فيه وحده و المنع في غيره فهو و ان تم له بالنسبة الى هذه الروايات إلا انه يضعف بما دلت عليه روايتا علي بن مهزيار و احمد بن إسحاق الأبهري من المنع عن الصلاة في الجوارب و التكك المعمولة من وبر الأرانب. و بالجملة
____________
(1) ص 58.
(2) تقدمت في المسألة الرابعة ص 76.
(3) ص 76.
84
فإنه لا مخلص من هذه الإشكالات و كثرة هذه الاحتمالات إلا بحمل الروايات المذكورة على التقية كما ذكرناه. و الله العالم.
(المسألة التاسعة) [حكم فضلات الإنسان]
- الأظهر عندي عدم دخول فضلات الإنسان من شعره و ريقه و عرقه و نحوها في حكم فضلات غير مأكول اللحم و ان صدق عليه انه غير مأكول اللحم، و كذا فضلة غير ذي النفس السائلة فإنها غير داخلة ايضا.
و بيان ذلك اما بالنسبة إلى فضلات الإنسان (فلو لا)- لا يخفى ان المتبادر من غير مأكول اللحم في تلك الاخبار المقابل- في كثير منها كموثقة ابن بكير و غيرها- بمأكول اللحم انما هو ما كان من سائر الحيوانات ذي النفس السائلة التي وقع ذكر جملة منها بالتفصيل في تلك الاخبار من الخز و السنجاب و الفنك و نحوها مما تقدم، و بعض الاخبار قد اشتمل على هذا العنوان و بعضها قد اشتمل على حيوانات معدودة و بعضها قد اشتمل على الأمرين، و حينئذ فيحمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها، و بالجملة فإن الإنسان و ان صدق عليه هذا العنوان لكن مرمى هذه العبارة في الاخبار و المتبادر منها بتقريب ما ذكرنا انما هو ما عداه من تلك الحيوانات التي جرت العادة باتخاذ الجلود منها و الاشعار و الأوبار و الانتفاع بها في سائر وجوه المنافع.
و (ثانيا)-
ما رواه علي بن الريان في الصحيح (1) قال: «كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) اسأله هل يجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الإنسان و أظفاره ثم يقوم إلى الصلاة من قبل ان ينفضه و يلقيه عنه؟ فوقع يجوز».
و صحيحته الأخرى (2) قال: «سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من شعره و أظفاره ثم يقوم إلى الصلاة من غير ان ينفضه من ثوبه؟ قال لا بأس».
و الأولى شاملة لشعر الإنسان نفسه و أظفاره أو شعر غيره و أظفاره و الثانية في شعر نفسه فقط، و منه يفهم غيرهما من الفضلات إذ العلة واحدة. و يعضد ذلك
ما رواه في كتاب قرب الاسناد
____________
(1) الوسائل الباب 18 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 18 من لباس المصلى.
85
عن الحسين بن علوان عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن البزاق يصيب الثوب قال لا بأس به».
و إطلاق نفي البأس شامل لما نحن فيه.
و (ثالثا)- استلزام ذلك المنع من ثوب يعرق فيه الإنسان نفسه لنفسه و غيره أو ثوب يمخط فيه أو يبصق فيه، و المنع من المصافحة و المعانقة في البلاد الحارة مع العرق فيهما أو أحدهما، و اللوازم كلها باطلة منفية بالآية و الرواية للزوم الحرج و العسر (2).
و اما بالنسبة الى ما لا نفس له فلما تقدم من عدم تبادر ذلك من العنوان المذكور و عدم عد شيء مما لا نفس له في عداد تلك الافراد، و أصالة العدم حتى يقوم الدليل الواضح البيان، و لأن إطلاق الألفاظ في الأحكام الشرعية انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكثرة دون الفروض النادرة، و لانه لو تم ذلك الزم الحكم بالمنع من الصلاة في الثوب و البدن الذي عليه فضلة الذباب و لزوم الحرج به ظاهر. و يعضد ذلك بابين وجه جواز الصلاة في الحرير الممزوج اتفاقا و ما لا تتم الصلاة فيه و ان كان خالصا على المشهور مع انه من فضلة ما لا يؤكل لحمه. و بذلك يظهر لك جواز الصلاة في الثوب الذي يسقط عليه العسل أو الشمع المتخذ منه و ما يوضع منه تحت فص الخاتم و نحو ذلك. و الله العالم.
تلخيص
قد ظهر مما قدمنا من الأبحاث و ما سيأتي في المقام الثالث ان شاء الله تعالى ان ما دلت عليه موثقة ابن بكير المتقدمة (3) من عموم التحريم في فضلة ما لا يؤكل لحمه لا بد فيه من ارتكاب التخصيص و التفصيل، فان منه ما يجب إخراجه من هذه القاعدة كفضلات الإنسان و فضلات غير ذي النفس السائلة، و منه ما يجب استثناؤه للاخبار و إجماع الأصحاب كالحرير المنسوج بغيره و نحوه مما سيأتي و الخز، و منه ما يجب إبقاؤه
____________
(1) الوسائل الباب 17 من النجاسات.
(2) ج 1 ص 155.
(3) ص 58.
86
تحت القاعدة المذكورة، و حمل الأخبار الدالة على الجواز فيه على التقية و ان قيل بمضمون هذه الاخبار و حمل اخبار المنع على الكراهة إلا انك قد عرفت ما فيه، و اما ما لم ترد الاخبار بالمعارضة فيه من الافراد فيجب إبقاؤه على ما دلت عليه الموثقة المذكورة لصراحتها في ذلك و عدم وجود المعارض.
(المسألة العاشرة) [الشك في كون الصوف أو الشعر أو الوبر من غير مأكول اللحم]
- قال العلامة في المنتهى: لو شك في كون الصوف أو الشعر أو الوبر من غير مأكول اللحم لم تجز صلاته لانه مشروط بستر العورة مما يؤكل لحمه و الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.
أقول: الظاهر ان هذه شبهة عرضت في هذا المقام و إلا فالظاهر من الاخبار و كلام الأصحاب ان الشرط في الصلاة ستر العورة مطلقا إلا انه قد دلت جملة من النصوص على النهي عن الصلاة في أشياء و هي المعدودة في هذه المقامات و ان لم يستر بها العورة و منها ما يتخذ مما لا يؤكل لحمه كما عرفت من اخبار هذا المقام، و المنع عن ذلك موقوف على معلومية كونه مما لا يؤكل لحمه فما لم يعلم كونه كذلك فليس بداخل تحت تلك الاخبار فيبقى على أصل الصحة، و تعضده الأخبار الصحيحة الصريحة في
«ان كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه» (1).
و المراد بالحل ما هو أعم من حل الأكل و هو حل الانتفاع. نعم ما ذكره هو الأحوط كما لا يخفى.
(المسألة الحادية عشرة) [الصلاة في الثوب المنسوج من ما يؤكل و ما لا يؤكل]
- قال في التذكرة: لو مزج صوف ما لا يؤكل لحمه و ما يؤكل لحمه و نسج منهما ثوب لم تصح الصلاة فيه تغليبا للحرمة على اشكال ينشأ من اباحة المنسوج من الكتان و الحرير و من كونه غير متخذ من مأكول اللحم، و كذا لو أخذ قطعا و خيطت و لم يبلغ كل واحد منها ما يستر العورة.
أقول: الذي ينبغي ان يعلم في هذا المقام هو انه قد دلت الاخبار على النهي عن الصلاة في ما لا يؤكل لحمه و عن الصلاة في الحرير، و مقتضى هذا النهي هو العموم
____________
(1) ص 53.
87
لكون كل منهما خالصا أو ممزوجا، نعم قام الدليل بالنسبة إلى الحرير و انه متى مزج بغيره مما يجوز الصلاة فيه و نسج معه فكان ثوبا واحدا على جواز الصلاة فيه فوجب استثناؤه من روايات المنع مطلقا و بقي غيره على حكم العموم، و إلحاق أحدهما بالآخر محض قياس لا يوافق أصول المذهب فلا اشكال بحمد الله المتعال. و يعضد ذلك ما تقدم في وبر الخز المغشوش بوبر الأرانب أو الثعالب فإن الأظهر الأشهر رواية و فتوى هو المنع من الصلاة فيه منسوجا أو ملقى على الثوب.
(المقام الثالث)- في الحرير
و لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم لبس الحرير المحض للرجال و بطلان الصلاة فيه، قال في المعتبر: اما تحريم لبسه للرجال فعليه علماء الإسلام و اما بطلان الصلاة فيه فهو مذهب علمائنا و وافقنا بعض الحنابلة (1).
أقول: اما ما يدل على تحريم لبسه للرجال فأخبار مستفيضة من طرق الخاصة و العامة، فما ورد من طرق الأصحاب
ما رواه الصدوق في الفقيه (2) عن ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال لعلي (عليه السلام) اني أحب لك ما أحب لنفسي و اكره لك ما أكره لنفسي، فلا تتختم بخاتم ذهب فإنه زينتك في الآخرة، و لا تلبس القرمز فإنه من أردية إبليس، و لا تركب بميثرة حمراء فإنها من مراكب إبليس، و لا تلبس الحرير فيحرق الله جلدك يوم تلقاه».
قال في الوافي: القرمز بالكسر صبغ أرمني يكون من عصارة دود يكون في آجامهم، و لعل معنى الحديث الرداء المصبغ به من أردية إبليس، و قد مضى نفى البأس عنه في كتاب الصلاة و جمع في الفقيه بين الخبرين بأن المنهي عنه ما كان من إبريسم محض. و ميثرة الفرس بتقديم المثناة التحتانية على المثلثة لبدته. و يأتي تمام توضيحه في باب آلات الدواب. انتهى.
____________
(1) المغني ج 1 ص 588.
(2) ج 1 ص 164 و في الوسائل الباب 30 من لباس المصلى.
88
و ما رواه الكليني في الموثق عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا يصلح لباس الحرير و الديباج فاما بيعهما فلا بأس».
و عن ابي داود يوسف بن إبراهيم (2) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) و علي قباء خز و بطانته خز و طيلسان خز مرتفع فقلت ان علي ثوبا اكره لبسه فقال و ما هو؟ قلت طيلساني هذا. قال و ما بال الطيلسان؟ قلت هو خز. قال و ما بال الخز؟
قلت سداه إبريسم. قال و ما بال الإبريسم؟ قال لا يكره ان يكون سدى الثوب إبريسم و لا زره و لا علمه و انما يكره المصمت من الإبريسم للرجال و لا يكره للنساء».
و ما رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن يوسف بن محمد بن إبراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بالثوب ان يكون سداه و زره و علمه حريرا و انما كره الحرير المبهم للرجال».
و ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا يلبس الرجل الحرير و الديباج إلا في الحرب».
قال في الوافي الديباج يقال للحرير المنقوش فارسي معرب و كأن الحرير يطلق على ما لا نقش له و يقابل بالديباج. أقول: في كتاب مجمع البحرين- بعد ان ذكر ان الديباج ثوب سداه و لحمته إبريسم-
و في الخبر «لا تلبسوا الحرير و الديباج».
يريد به الإستبرق و هو الديباج الغليظ. و يمكن الجمع بين الكلامين بان اللفظ الذي وصفه به هنا باعتبار النقش كما ذكره في الوافي فلا منافاة.
و عن ليث المرادي (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كسى سامة بن زيد حلة حرير فخرج فيها فقال مهلا يا أسامة إنما
____________
(1) الوسائل الباب 11 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 10 و 16 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 13 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 12 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 16 من لباس المصلى.
89
يلبسها من لا خلاق له فاقسمها بين نسائك».
و عن سماعة في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج؟ فقال اما في الحرب فلا بأس به و ان كان فيه تماثيل».
الى غير ذلك من الاخبار.
و مما يدل على تحريم الصلاة فيه للرجال ما تقدم قريبا (2)
في صحيحة محمد بن عبد الجبار من قوله (عليه السلام) «لا تحل الصلاة في حرير محض».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن عبد الجبار ايضا (3) قال: «كتبت الى ابي محمد (عليه السلام) هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض».
و عن إسماعيل بن سعد الأحوص (4) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) هل يصلى الرجل في ثوب إبريسم؟ فقال لا».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسماعيل بن سعد الأحوص (5) قال: «سألته عن الثوب الإبريسم هل يصلي فيه الرجال؟ قال لا».
و عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون في السراويل و يصلى فيه».
و اما ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح (7) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب ديباج، فقال ما لم يكن فيه التماثيل فلا بأس».
فقد أجاب عنه الشيخ (قدس سره) بالحمل على حال الحرب لما ورد من جواز لبسه حينئذ
____________
(1) الوسائل الباب 12 من لباس المصلى.
(2) ص 76.
(3) الوسائل الباب 14 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى.
(5) التهذيب ج 1 ص 195 و في الوسائل أشار إليه في الباب 11 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 14 من لباس المصلي.
(7) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى.
90
أو على ما إذا كان سداه أو لحمته غزلا أو كتانا. و الأقرب عندي حمله على التقية.
و من الاخبار المتعلقة بالمسألة
ما رواه في الكافي عن سفيان بن السمط (1) قال:
«قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم الى ابي الحسن (عليه السلام) يسأله عن ثوب حشوه قز يصلى فيه؟ فكتب لا بأس به».
و روى في التهذيب عن الحسين بن سعيد (2) قال:
«قرأت في كتاب محمد بن إبراهيم الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الصلاة في ثوب حشوه قز، فكتب اليه و قرأته: لا بأس بالصلاة فيه».
و روى في الفقيه و التهذيب (3) قال: «كتب إبراهيم بن مهزيار الى ابي محمد الحسن (عليه السلام) في الرجل يجعل في جبته بدل القطن قزا هل يصلي فيه؟ فكتب نعم لا بأس به».
و روى في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر (4) قال: «سأل الحسن بن قياما أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب الملحم بالقز و القطن و القز أكثر من النصف أ يصلى فيه؟ قال لا بأس و قد كان لأبي الحسن (عليه السلام) منه جبات».
أقول: قال في المصباح المنير: القز معرب قال الليث هو ما يعمل منه الإبريسم و لهذا قال بعضهم القز و الإبريسم مثل الحنطة و الدقيق. و قال في الوافي: القز بالفتح و التشديد نوع من الحرير فارسي معرب.
و روى في كتاب الاحتجاج مما كتبه الحميري إلى الناحية المقدسة (5) «انا نجد بأصبهان ثيابا عتابية على عمل الوشي من قز و إبريسم هل تجوز الصلاة فيها أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) لا تجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان».
أقول: في القاموس الوشي نقش الثوب و يكون من كل لون، وشى الثوب كوعى وشيا و شية حسنة نمنمه و نقشه و حسنه. و في كتاب المصباح وشيت الثوب وشيا من باب وعد رقمته و نقشته فهو موشى و الأصل على مفعول، و الوشي نوع من الثياب الموشية تسمية بالمصدر.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (6) «لا تصل في ديباج و لا في حرير و لا في
____________
(1) الوسائل الباب 47 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 47 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 47 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 13 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى.
(6) ص 16.
91
وشي و لا في ثوب من إبريسم محض و لا في تكة إبريسم و إذا كان الثوب سداه إبريسم و لحمته قطن أو كتان أو صوف فلا بأس بالصلاة فيها».
انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في المسألة و ما دلت عليه هذه الاخبار يقع في مواضع
[الموضع] (الأول) [لا فرق في البطلان بين ما كان ساترا للعورة و غيره]
قد عرفت إجماع الأصحاب (رضوان الله عليهم) على بطلان الصلاة في الحرير المحض، و لا فرق في ظاهر الأصحاب بين ما كان ساترا للعورة و لا غيره، و نسبه المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى الى الشيخين و المرتضى و اتباعهم. و استدل على البطلان مطلقا بأن الصلاة فيه منهي عنها و النهي في العبادة يستلزم الفساد لاستحالة كون الفعل الواحد مأمورا به منهيا عنه فمتى كان منهيا عنه لا يكون مأمورا به و هو معنى الفساد أقول: الأظهر في تعليل الفساد في هذا المقام انما هو من حيث استلزام مخالفة النهي عدم الامتثال لأوامر الشارع و لا ريب ان مبنى الصحة و البطلان انما هو على الامتثال و عدمه و اما ما دلت عليه صحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة من صحة الصلاة في ثوب الديباج ما لم يكن فيه تماثيل فقد تقدم الجواب عنه.
[الموضع] (الثاني) [جواز صلاة الرجل في الحرير في الضرورة و الحرب]
- الظاهر انه لا خلاف بينهم في ان البطلان انما هو مع الاختيار و إلا فلو اضطر الى لبسه لبرد أو حر أو نحوهما فلا بأس، و نقل الإجماع عليه جمع من الأصحاب و كذا في حال الحرب و ان لم يكن ضرورة، نقل عليه الإجماع الشهيد في الذكرى، و يدل على الأول مضافا الى الإجماع المنقول جملة من عمومات الاخبار مثل
قولهم (عليهم السلام) (1): «ليس شيء مما حرم الله تعالى إلا و قد أحله لمن اضطر اليه».
و
قولهم (عليهم السلام) (2) «كل ما غلب الله عليه فالله اولى بالعذر».
و قوله (صلى الله عليه و آله) (3) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون».
و نحو ذلك. و اما على الثاني فما تقدم من موثقة ابن بكير عن بعض أصحابنا و موثقة سماعة (4)
____________
(1) الوسائل الباب 1 من القيام.
(2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة.
(4) ص 88 و 89.
92
و مثلهما ما
رواه في الكافي عن إسماعيل بن الفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يصلح للرجل ان يلبس الحرير إلا في الحرب».
و ما رواه عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد بسنده عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بلبس الحرير و الديباج في الحرب إذا لم يكن فيه التماثيل بأسا».
و ما يظهر من المنافاة بين هذا الخبر و خبر سماعة المتقدم- من حيث نفى البأس و ان كان فيه تماثيل في خبر سماعة و اشتراط نفي البأس في هذا الخبر بما إذا لم يكن فيه تماثيل- فيمكن الجواب عنه بان نفى البأس في خبر سماعة محمول على نفي البأس عن التحريم خاصة و ان بقيت الكراهة و هذا الخبر على نفي البأس عنهما أو بحمل ذلك الخبر على عدم الصلاة فيه و حمل هذا على الصلاة فيه.
و استثنى بعض الأصحاب لبسه للقمل قال في المعتبر: و يجوز لبسه للقمل
لما روى (3) «ان عبد الرحمن بن عوف و الزبير شكوا الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) القمل فرخص لهما في قميص الحرير».
و قال الراوندي في الرائع: لم يرخص لبس الحرير لأحد إلا لعبد الرحمن بن عوف فإنه كان قملا، و المشهور ان الترخيص لعبد الرحمن و الزبير و يعلم من الترخيص لهما بطريق القمل جوازه لغيرهما بفحوى اللفظ. و يقوى عندي عدم التعدية. انتهى. و قال الصدوق في الفقيه «و لم يطلق النبي (صلى الله عليه و آله) لبس الحرير لأحد من الرجال إلا لعبد الرحمن بن عوف و ذلك انه كان رجلا قملا» و توهم صاحب الذخيرة ان هذه العبارة من تتمة خبر ابي الجارود المتقدم فذكرها في الذخيرة في ذيل الخبر المذكور و هو سهو محض بل الظاهر انها من كلام الصدوق الذي يداخل به الاخبار فيقع فيه الاشتباه و لهذا لم يذكرها المحدثان في الوافي و الوسائل، و يدل عليه ايضا ان الصدوق نقل خبر ابي الجارود في كتاب العلل عاريا من ذلك. أقول: الظاهر ان هذه الرواية المشار إليها و ان اشتهر نقلها حتى في كلام الصدوق انما وردت من طرق
____________
(1) الوسائل الباب 12 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 12 من لباس المصلي.
(3) المغني ج 1 ص 589.
93
العامة لعدم وجودها في أخبارنا كما لا يخفى على من تتبعها من مظانها و لا سيما كتاب البحار الجامع لشوارد الاخبار و حينئذ فيضعف الاعتماد عليها.
[الموضع] (الثالث) [جواز صلاة الرجل في الحرير الممزوج]
- الظاهر انه لا خلاف أيضا في ان المعتبر في التحريم كون الثوب حريرا محضا كما دلت عليه صحيحتا محمد بن عبد الجبار و اليه أشار بالمبهم في رواية يوسف بن محمد بن إبراهيم، و على هذه الروايات يحمل ما أطلق من الاخبار و ظاهر الأصحاب انه يحصل الحل بالامتزاج و ان كان الخليط أقل بل و لو لم يكن إلا العشر كما نص عليه في المعتبر إلا ان يكون مستهلكا بحيث يصدق على الثوب انه حرير محض، و الى ذلك يشير قوله في صحيحة البزنطي: «و القز أكثر من النصف» المؤذن بغلبة القز على القطن الذي فيه، و أظهر من ذلك
موثقة إسماعيل بن الفضل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الثوب يكون فيه الحرير؟ فقال ان كان فيه خلط فلا بأس».
و حينئذ فما ذكر في خبر الاحتجاج و نحوه من السدي أو اللحمة يمكن حمله على التمثيل كما يستفاد من ذكر المزج بالقطن و الكتان فإنه لا ينحصر ذلك فيهما إجماعا بل كل ما تجوز الصلاة فيه من صوف و وبر و نحوهما مما يخرج به عن كونه حريرا محضا كما تشعر به عبارة كتاب الفقه.
و لو خيط الحرير بغيره من قطن و نحوه و ان كثر لم يخرج عن التحريم، و كذا لو جعل الثوب ملفقا من قطع حرير و غيره مما تجوز الصلاة فيه فإنه لا يخرج بذلك عما هو عليه من التحريم، و اولى من ذلك ما لو كانت بطانته أو ظهارته حريرا.
بقي الكلام في المحشو بالحرير فهل يكون كذلك في المنع أم تجوز الصلاة فيه؟
و الى الثاني مال الشهيد في الذكرى و يظهر من شيخنا المجلسي في البحار الميل إليه أيضا.
و بالأول قطع الفاضلان في المعتبر و المنتهى و هو الظاهر من الصدوق. و يدل على ما ذكره في الذكر الروايات الثلاث المتقدمة، و حمل الصدوق في الفقيه القز هنا على قز الماعز و الظاهر ان مراده شعره، و لا يخفى ما فيه. و في المعتبر نقل رواية الحسين بن سعيد التي
____________
(1) الوسائل الباب 13 من لباس المصلي.
94
هي إحدى الثلاث المتقدمة و ردها بالضعف لاستناد الراوي الى ما وجده في كتاب لم يسمعه من محدث ثم نقل تأويل الصدوق المذكور. و في المنتهى نقلها ايضا و أجاب عنها بما ذكره الصدوق و لم يطعن بالضعف لما فيه من الضعف كما لا يخفى. و الكل بمحل من التمحل كما لا يخفى على المصنف. قال في الذكرى- بعد ذكر الكلام في المسألة و نقل تأويل الصدوق و جواب صاحب المعتبر- ما لفظه: قلت يضعف الأول بأنه خلاف الحقيقة الظاهرة، و الثاني بان إخبار الراوي بصيغة الجزم و المكاتبة المجزوم بها في قوة المشافهة، مع ان الخاص مقدم على العام فلو قيل بالعمل برواية الحسين لم يكن بعيدا. و يؤيده ما ذكره الصدوق في الفقيه انه كتب إبراهيم بن مهزيار الى ابي محمد (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما تقدم ثم قال أورده الصدوق بصيغة الجزم ايضا. انتهى. و هو جيد. و على هذا فيكون هذا الفرد مستثنى من كلية المنع من الصلاة في الحرير للأخبار المذكورة، إلا ان ظاهر عبارتي المعتبر و المنتهى- حيث لم يسندا الخلاف إلا الى الشافعي و كذا ظاهر عبارة الذكرى حيث قال فلو قيل. إلخ- كون الحكم بالمنع إجماعيا وقوفا على عموم اخبار المنع من الصلاة في الحرير فيشكل الخروج عنه، إلا ان إلغاء هذه الاخبار مع تأيدها بمطابقة القاعدة في تقديم الخاص على العام و تخصيصه به أشكل. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال لما عرفت و لما سيأتي في المقام ايضا ان شاء الله تعالى.
[الموضع] (الرابع) [هل يجوز للنساء الصلاة في الحرير؟]
- الظاهر انه لا خلاف في جواز لبس الحرير في غير الصلاة للنساء نقل الإجماع على ذلك الفاضلان و الشهيدان و غيرهم، و انما وقع الخلاف في الصلاة لهن فيه فذهب الأكثر إلى الجواز و نقل عن الصدوق المنع، قال في الفقيه، و قد وردت الاخبار بالنهي عن لبس الديباج و الحرير و الإبريسم المحض و الصلاة فيه للرجال و وردت الرخصة في لبس ذلك للنساء و لم ترد بجواز صلاتهن فيه، فالنهي عن الصلاة في الإبريسم المحض على العموم للرجال و النساء حتى يخصهن خبر بالإطلاق لهن في الصلاة فيه كما خصهن بلبسه. انتهى. و في هذا الكلام عندي نظر لم أقف على من تعرض له و ذلك من
95
وجهين (أحدهما)- ان ظاهر كلامه انه انما استند في منع صلاة النساء في الحرير الى ان الرخصة إنما وردت لهن في لبسه و لم ترد بجواز صلاتهن فيه. و يرد عليه انه يكفي في صحة صلاتهن فيه العمومات الآمرة باللباس و ستر العورة مطلقا خرج ما خرج بدليل و بقي ما بقي، و حينئذ فيجوز لهن الصلاة فيه حتى يقوم دليل على المنع. و (ثانيهما) ان ما يؤذن به كلامه- من ان الاخبار الواردة بالنهي عن الصلاة في الحرير المحض شاملة بإطلاقها أو عمومها للرجال و النساء- محل منع، فإن أكثر الاخبار انما اشتملت على السؤال عن الرجل فموردها الرجال خاصة، و صحيحتا محمد بن عبد الجبار المتقدمتان و ان دلتا بإطلاقهما على المنع من الصلاة في الحرير المحض إلا أنهما مبنيتان على سبب خاص و هو القلنسوة التي هي من لباس الرجال خاصة فيضعف الاستناد إليهما في ذلك بحمل إطلاقهما على ما يشمل النساء.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظواهر الاخبار في المسألة لا تخلو من اختلاف، و منها
موثقة ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «النساء تلبس الحرير و الديباج إلا في الإحرام».
و قضية الاستثناء جواز لبسهن له في الصلاة.
و قد تقدم في صدر المقام
قوله (عليه السلام) في رواية أبي داود يوسف بن إبراهيم (2) «و انما يكره المصمت من الإبريسم للرجال و لا يكره للنساء».
إلا انه غير صريح في جواز الصلاة، و نحوها رواية ليث المرادي في أمر الرسول (صلى الله عليه و آله) لأسامة بقسمة حلة الحرير بين نسائه.
و منها-
موثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا ينبغي للمرأة ان تلبس الحرير المحض و هي محرمة فاما في الحر و البرد فلا بأس».
و فيها اشعار ما بعدم لبسه في الصلاة.
و ما رواه في الخصال بسنده عن جابر الجعفي (4) قال سمعت أبا جعفر (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 16 من لباس المصلى.
96
السلام) يقول: «ليس على النساء أذان، الى ان قال و يجوز للمرأة لبس الحرير و الديباج في غير صلاة و إحرام و حرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد، و يجوز ان تتختم بالذهب و تصلي فيه و حرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد».
و الخبر ظاهر في ما ذهب اليه الصدوق.
و رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سمعته ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط، الى ان قال و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء».
و هذه الرواية ان حملت على مجرد اللبس فهي معارضة بالأخبار المستفيضة و الإجماع المدعى في جواز لبس النساء له في غير الصلاة فلا يتم تحريم لبسه عليهن كما في الرجال، و الأظهر حمل إطلاقها على الصلاة و حينئذ فتكون دالة على ما دلت عليه رواية جابر من التحريم في الصلاة فتكون مؤيدة لقول الصدوق ايضا، فلو استدل الصدوق على ما ذهب اليه بهذه الروايات لكان وجها لا ما ذكره من التعليل العليل كما عرفت.
و مما يدل على ما ذهب اليه الصدوق ايضا ما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله من تصريح الأصحاب و الاخبار بأنه لا يجوز الإحرام إلا في ما تجوز الصلاة فيه مع تصريح جملة من الاخبار المعتمدة بأنه لا يجوز للمرأة الإحرام في الحرير و ان اختلف الأصحاب و الاخبار في ذلك ايضا و لكن الترجيح للروايات الدالة على المنع كما يأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى، و به يظهر قوة قول الصدوق (قدس سره) هنا، و غاية ما يفهم من موثقة ابن بكير المتقدمة هو الدلالة بالمفهوم و هو ضعيف في مقابلة ما قلنا من الاخبار في الموضعين.
و اما حمل بعض مشايخنا لما دل من الاخبار هنا على مذهب الصدوق على الكراهة فلا اعرف له وجها مع عدم المعارض لها صريحا بل يؤيدها ما ذكرنا مما يأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى.
____________
(1) الوسائل الباب 13 من لباس المصلى.
97
[الموضع] (الخامس) [الصلاة في ما لا تتم فيه من الحرير]
- اختلف الأصحاب في الصلاة في ما لا تتم فيه الصلاة منفردا من الحرير بمعنى ما لا يكون ساترا للعورة كالقلنسوة و التكة و نحوهما، فالمشهور الجواز و نقل عن الشيخ المفيد و الصدوق و ابن الجنيد المنع، و الى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين: منهم- السيد السند في المدارك و شيخنا المجلسي في كتاب البحار و الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحدث الكاشاني في المفاتيح و قواه العلامة في المختلف و جعله الأقرب في المنتهى بعد الاستشكال في المسألة، و بالغ الصدوق في الفقيه فقال: لا يجوز الصلاة في تكة رأسها من إبريسم.
و يدل على القول الأول رواية الحلبي المتقدمة في صدر هذا المقام (1) و على القول الثاني صحيحتا محمد بن عبد الجبار المتقدمتان (2) و يؤيدهما عموم الأخبار المانعة من الصلاة في الحرير المحض و جمع الأصحاب بين الاخبار بحمل الصحيحتين المذكورتين على الاستحباب. و فيه (أولا) ان الجمع فرع التعارض كما صرحوا به في غير مقام و الرواية المذكورة لضعفها لا تبلغ قوة في معارضة الصحيحتين المذكورتين سيما مع تأيدهما بما ذكرناه و (ثانيا) ما عرفت في هذا الجمع في غير مقام. و (ثالثا) انه كما يمكن الجمع بما ذكروه يمكن الجمع ايضا بحمل الرواية المذكورة على التقية فإن المنقول عن أبي حنيفة و الشافعي و احمد في إحدى الروايتين جواز الصلاة في الحرير المحض (3) و بالجملة فقوة القول الثاني ظاهرة و حمل الرواية المذكورة على التقية متعين.
بقي الكلام في مطلق الحرير مثل ما يخلط به الثوب أو يزر به أو يجعل علما فيه أو يكف به بان يجعل في رؤوس الأكمام و الذيل و حول الزيق و الجيب، و ظاهر كلام الصدوق كما تقدم المنع من جميع ذلك حيث منع من تكة رأسها من إبريسم، و اما كلام أكثر الأصحاب فهو صريح في الجواز:
فاما بالنسبة الى ما يكف به فاستدل عليه الفاضلان
بما رواه العامة عن عمر (4)
____________
(1) ص 89.
(2) ص 89.
(3) المغني ج 1 ص 587 و 588.
(4) المغني ج 1 ص 588.
98
«ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع».
و من طريق الأصحاب بما رواه جراح المدائني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه كان يكره ان يلبس القميص المكفوف بالديباج».
و أنت خبير بان الاستدلال بهذه الرواية مبني على كون الكراهة في أخبارهم (عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح عليه، و هو ليس بظاهر فان استعمالها في التحريم أكثر كثير فيها، و الحق كما حققناه في ما تقدم ان هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة التي لا تحمل على أحد المعنيين إلا مع القرينة، على ان الرواية المذكورة معارضة بما دل على تحريم لبس الحرير مطلقا و عدم جواز الصلاة في حرير محض.
و اما بالنسبة الى ما عدا ذلك فتدل عليه
رواية يوسف بن إبراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بالثوب ان يكون سداه و زره و علمه حريرا و انما كره الحرير المبهم للرجال».
و هي كما ترى دالة على استثناء الزر و العلم- كسبب- ما يجعل في الثوب علامة كطراز و غيره نص عليه في المصباح المنير. و يعضد ذلك ما تقدم من الاخبار الدالة على جواز الصلاة في الثوب الذي حشوه قز.
و الاحتياط في الاجتناب في الجميع لما يظهر من الصحيحتين المتقدمتين من النهى عن الصلاة في الحرير المحض و عمومهما شامل لهذه الأشياء المذكورة. و كون ذلك جوابا عن شيء مخصوص لا يوجب التخصيص لما تقرر من ان خصوص السؤال لا يوجب تخصيص عموم الجواب بل الجواب باق على عمومه. مع احتمال حمل الأخبار المذكورة كملا على التقية، و يؤيده
ما ورد في موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن الثوب الذي يكون علمه ديباجا قال لا يصلى فيه».
و هي ظاهرة في معارضة الرواية المذكورة بالنسبة إلى العلم، و حملها في الذكرى على الكراهة. و فيه ما عرفت في
____________
(1) الوسائل الباب 11 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 13 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 11 من لباس المصلى.
99
غير مقام، على انه لا يخفى ان غاية ما تدل عليه الرواية الاولى هو نفي البأس عن الثوب الذي يكون سداه و زره و علمه حريرا و هو مطلق فيمكن حمله على غير الصلاة، و مورد الموثقة المذكورة النهي عن الصلاة في الثوب الذي يكون علمه ديباجا، فيمكن الجمع بين الخبرين بتخصيص إطلاق الأول بالموثقة المذكورة و يكون المعنى فيه انه لا بأس في ما عدا الصلاة فلا منافاة. و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف و اشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.
[الموضع] (السادس) [افتراش الحرير و القيام عليه و نحو ذلك]
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز افتراش الحرير و القيام عليه، و تردد فيه في المعتبر و نسب الجواز إلى الرواية إيذانا بالتوقف، و أشار بالرواية الى
ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الفراش الحرير و مثله من الديباج و المصلى الحرير هل يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة عليه؟ قال يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه».
قال في المعتبر بعد ذكر الرواية، و منشأ التردد عموم التحريم على الرجال. و رده في الذكرى بان الخاص مقدم على العام مع اشتهار الرواية. و قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المعتبر: و هو ضعيف لأن النهي انما تعلق بلبسه و منع اللبس لا يقتضي منع الافتراش لافتراقهما في المعنى. ثم قال و في حكم الافتراش التوسد عليه و الالتحاف به اما التدثر به فالأظهر تحريمه لصدق اسم اللبس عليه. انتهى. و قال في المختلف بعد ذكر الحكم المذكور: و منع بعض المتأخرين من ذلك لعموم المنع من لبس الحرير. و ليس بمعتمد لان منع اللبس لا يقتضي منع الافتراش لافتراقهما في المعنى. انتهى. أقول لا يبعد ان يكون كلام المختلف إشارة إلى منع صاحب المعتبر و ان كان على جهة التردد حيث لم ينقل في ما وصل إلينا عن غيره. و بالجملة فالقول بما هو المشهور هو المعتمد للصحيحة المذكورة إلا انه قال (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (2)- في تتمة العبارة المتقدم نقلها
____________
(1) الوسائل الباب 15 من لباس المصلى.
(2) ص 16.
100
عنه في عداد الروايات المتقدمة في أول هذا المقام- ما صورته: «و لا تصل على شيء من هذه الأشياء إلا ما يصلح لبسه».
و ظاهره تحريم افتراش هذه الأشياء حال الصلاة و القيام عليها و كذا غيرها من جلد الميتة و الذهب المعدود ايضا بعد الأشياء المذكورة في عبارته و الأحوط المنع و ان كان الجواز أظهر لما عرفت، و اما ما رجحه في المدارك من تحريم التدثر به لما ذكره من صدق اللبس عليه فلا يخلو من بعد فان دعوى صدق اللبس عرفا على التدثر غير خال من النظر و لهذا ان جده (قدس سره) جعل التدثر كالافتراش في الجواز.
[الموضع] (السابع)- هل يحرم على الولي تمكين الصبي من لبس الحرير؟
المشهور العدم و به صرح الفاضلان في المعتبر و المنتهى، قال في المعتبر يحرم على الولي تمكين الصغير من لبس الحرير لقوله (صلى الله عليه و آله) (1): «حرام على ذكور أمتي» و قال جابر: «كنا ننزعه عن الصبيان و نتركه على الجواري» (2) و الأشبه عندي الكراهة لأن الصبي ليس بمكلف فلا يتناوله الخبر، و ما فعله جابر و غيره يحمل على التنزه و المبالغة في التورع. انتهى. و بنحوه صرح في المنتهى و مثلهما الشهيد في الذكرى بعد التردد، و نقل في الذخيرة قولا بالتحريم استنادا الى ما تقدم. و الظاهر ان الرواية الاولى لا دلالة فيها كما أشار إليه المحقق و الثانية عامية، و قضية الأصل العدم حتى يقوم الدليل.
[الموضع] (الثامن) [لو لم يجد المصلي إلا الحرير]
- قد صرح غير واحد منهم بأنه لو لم يجد المصلي إلا الحرير و لا ضرر في التعري صلى عاريا عندنا لان وجوده كعدمه مع تحقق النهي عنه، و جوزه العامة بل أوجبوه (3) لأن ذلك من الضرورات. قالوا و لو وجد النجس و الحرير و اضطر إلى أحدهما لبرد و نحوه فالأقرب لبس النجس لأن مانعه عرضي. أقول: و يؤيده الأخبار الدالة على جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره و ان لم يكن مضطرا الى لبسه و انه لا يصلي عاريا و الحال كذلك (4).
____________
(1) المغني ج 1 ص 591.
(2) المغني ج 1 ص 591.
(3) المغني ج 1 ص 595.
(4) ج 5 ص 351.
101
(المقام الرابع)- في الذهب
، اما تحريم لبس الذهب على الرجال فلا خلاف فيه بين الأصحاب، و انما الخلاف في بطلان الصلاة في ما لا تتم الصلاة فيه كالخاتم و نحوه. فذهب الأكثر إلى البطلان و ظاهر المحقق في المعتبر العدم حيث قال: لو صلى و في يده خاتم من ذهب ففي فساد الصلاة تردد أقربه انها لا تبطل لما قلناه في الخاتم المغصوب، و منشأ التردد
رواية موسى بن أكيل النميري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «جعل الله الذهب حلية أهل الجنة فحرم على الرجال لبسه و الصلاة فيه».
انتهى و أشار بقوله «لما قلناه في الخاتم المغصوب» الى ما قدمه في مسألة الصلاة في الخاتم المغصوب من ان النهي عنه ليس عن فعل من أفعال الصلاة و لا عن شرط من شروطها.
أقول: و مما وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام زيادة على الرواية التي نقلها
ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلي و عليه خاتم حديد؟ قال لا و لا يتختم به الرجل لانه من لباس أهل النار. و قال لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه لانه من لباس أهل الجنة».
و ما رواه في كتاب الخصال بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «يجوز للمرأة لبس الديباج، الى ان قال و يجوز ان تتختم بالذهب و تصلي فيه و حرم ذلك على الرجال».
و ما رواه في التهذيب عن عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه لانه من لباس أهل الجنة».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (5) «لا تصل في ديباج و لا في حرير».
و قد تقدمت هذه العبارة، الى ان قال بعدها: و لا تصل في جلد الميتة على كل حال و لا في
____________
(1) الوسائل الباب 30 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 32 و 30 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 30 من لباس المصلى.
(5) ص 16.
102
خاتم ذهب و لا تشرب في آنية الذهب و الفضة و لا تصل على شيء من هذه الأشياء.
الى آخر ما تقدم قريبا.
و أنت خبير بأن الأخبار المذكورة قد اتفقت على النهي عن الصلاة في الخاتم من الذهب و النهي عن العبادة موجب لبطلانها بلا خلاف و لا اشكال، و به يظهر ضعف ما ذهب اليه المحقق (قدس سره) قال في الذكرى: و رابعها الذهب و الصلاة فيه حرام على الرجال فلو موه به ثوبا و صلى فيه بطل بل لو لبس خاتما منه و صلى فيه بطلت صلاته. قال الفاضل
لقول الصادق (عليه السلام) «جعل الله الذهب حلية لأهل الجنة فحرم على الرجال لبسه و الصلاة فيه» رواه موسى بن أكيل النميري عنه (عليه السلام) (1).
و فعل المنهي عنه مفسد للعبادة. و قوي في المعتبر عدم الابطال بلبس خاتم من ذهب لإجرائه مجرى خاتم مغصوب و النهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة و لا عن شرط من شروطها. انتهى. و ربما يوهم كلامه هنا من حيث اقتصاره على نقل قولي الفاضلين في الخاتم التوقف إلا ان كلامه في الدروس و البيان ظاهر في اختيار المشهور حيث حكم بالبطلان في الخاتم و لو مموها. أقول: و الحكم بالبطلان من هذه الاخبار أظهر من ان ينكر. و ظاهره في كتبه الثلاثة جعل المموه بالذهب من خاتم و غيره كالذهب لصدق الصلاة في الذهب. و هو جيد و نقل عن ابي الصلاح ما يؤذن بالكراهة في الذهب. و هو ضعيف.
[شد الأسنان بالذهب]
و كيف كان فينبغي ان يستثني من ذلك ما إذا دعت الضرورة إلى شد الأسنان به
لما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث «ان أسنانه استرخت فشدها بالذهب».
و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الثنية تنفصم أ يصلح ان تشبك
____________
(1) ص 101.
(2) الوسائل الباب 31 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 31 من لباس المصلى.
103
بالذهب و ان سقطت يجعل مكانها ثنية شاة؟ قال نعم ان شاء فليضع مكانها ثنية شاة بعد ان تكون ذكية».
و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل تنفصم سنه أ يصلح له ان يشدها بالذهب؟ و ان سقطت أ يصلح ان يجعل مكانها سن شاة؟ قال نعم ان شاء ليشدها بعد ان تكون ذكية».
أقول: ظاهر اشتراط الذكاة في السن التي يضعها انه لا يجوز وضع سن الميتة بل لا بد من تذكيتها بالذبح مع ان السن مما لا تحله الحياة فلا مانع من وضعه فإنه طاهر إجماعا كما تقدم تحقيقه في محله من كتاب الطهارة.
و يدل على ذلك زيادة على ما عرفت
ما رواه في كتاب مكارم الأخلاق أيضا عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سأله ابي و انا حاضر عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن انسان ميت فيجعله مكانه؟ قال لا بأس».
و لعل اشتراط الذكاة في السن في الخبرين المذكورين من جهة ما يصاحبها غالبا من اللحم عند قلعها من موضعها و إلا فالاشتراط مشكل. و الله العالم.
(المقام الخامس)- في المغصوب
، ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على تحريم الصلاة في الثوب المغصوب، و نسبه في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و صرح بذلك في النهاية فقال: لا تصح الصلاة في الثوب المغصوب مع العلم بالغصبية عند علمائنا اجمع. و إطلاق أكثر غباراتهم شامل لما هو أعم من ان يكون ساترا للعورة أو غير ساتر، بل صرح بذلك العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في البيان حيث قال فيه: و لا يجوز الصلاة في الثوب المغصوب و لو خيطا فتبطل مع علمه بالغصب هذا مع ان صريح كلام الفضل بن شاذان من قدماء أصحابنا (رضوان الله عليهم) و خواص أصحاب الرضا (عليه السلام) هو الجواز كما نقله في الكافي في كتاب الطلاق
____________
(1) الوسائل الباب 31 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 31 من لباس المصلى.
104
حيث قال- في مقام الرد على المخالفين في جواب من قاس صحة الطلاق في الحيض بصحة العدة مع خروج المعتدة من بيت زوجها- ما هذا لفظه: و انما قياس الخروج و الإخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله الدار و صلاته جائزة لأن ذلك ليس من شرائط الصلاة لأنه منهي عن ذلك صلى أم لم يصل، و كذلك لو ان رجلا غصب من رجل ثوبا أو أخذه فلبسه بغير اذنه فصلى فيه لكانت صلاته جائزة و كان عاصيا في لبسه ذلك الثوب لان ذلك ليس من شرائط الفرض لان ذلك انى على حدة و الفرض جائز معه، و كل ما لم يجب إلا مع الفرض و من أجل ذلك الفرض فان ذلك من شرائطه لا يجوز الفرض إلا بذلك على ما بيناه. و ليكن القوم لا يعرفون و لا يميزون و يريدون ان يلبسوا الحق بالباطل. الى آخر ما ذكره (قدس سره). و مرجعه إلى انه حيث لم يشترط الإباحة في المكان و اللباس بالنسبة إلى الصلاة كما ورد اشتراطها بستر العورة و القبلة و طهارة الساتر و نحوها فلا يكون الإخلال بها مضرا بالصلاة و موجبا لبطلانها، فتجوز الصلاة حينئذ في المكان و الثوب المغصوبين غاية الأمر انه منهي عن التصرف في المغصوب صلى فيه أو لم يصل، و غاية ما يوجبه هذا النهي هو الإثم في التصرف بأي نحو كان. و هو كلام متين و من ثم مال اليه المحدث الكاشاني في المفاتيح.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل الكلام بطوله ما صورته: فظهر ان القول بالصحة كان بين الشيعة بل كان أشهر عندهم في تلك الأعصار. انتهى. أقول: و يؤيده ايضا ان صاحب الكافي قد نقل ذلك و لم ينكره و لم يطعن عليه في شيء منه.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا بد من نقل حجة القوم في هذا المقام و بيان ما يتوجه عليها من نقض و إبرام فنقول و بالله سبحانه الاعتصام من زيغ الافهام و طغيان الأقلام:
قال السيد السند (قدس سره) في كتاب المدارك بعد نقل كلام الأصحاب
105
(رضوان الله عليهم) و حكمهم بالبطلان في المسألة: و احتجوا عليه بان الحركات الواقعة في الصلاة منهي عنها لأنها تصرف في المغصوب و النهي عن الحركة نهى عن القيام و القعود و السجود و هو جزء الصلاة فتفسد لأن النهي في العبادة يقتضي الفساد فتكون الصلاة باطلة لفساد جزئها و بأنه مأمور بإبانة المغصوب عنه ورده الى مالكه فإذا افتقر الى فعل كثير كان مضادا للصلاة و الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فيفسد.
و يتوجه على الأول ان النهي انما يتوجه الى التصرف في المغصوب الذي هو لبسه ابتداء و استدامة و هو أمر خارج عن الحركات من حيث هي حركات اعني القيام و العقود و السجود فلا يكون النهي متناولا لجزء الصلاة و لا لشرطها و مع ارتفاع النهي ينتفي البطلان. و على الثاني ما بيناه مرارا من ان الأمر بالشيء انما يقتضي النهي عن ضده العام الذي هو نفس الترك أو الكف لا الأضداد الخاصة الوجودية. و المعتمد ما اختاره المصنف في المعتبر من بطلان الصلاة ان كان الثوب ساترا للعورة لتوجه النهي إلى شرط العبادة فيفسد و يبطل المشروط لفواته، و كذا إذا قام فوقه أو سجد عليه لان جزء الصلاة يكون منهيا عنه و هو القيام و القعود حيث انه نفس الكون المنهي عنه، اما لو لم يكن كذلك لم تبطل لتوجه النهي إلى أمر خارج عن العبادة. أقول: لا يخفى انه قد كفانا المؤنة في رد الدليل المشهور بما ذكره.
بقي الكلام في ما استدل به و اعتمده من كلام المحقق في المعتبر و ظن انه جيد و معتبر، و ينبغي ان يعلم أولا ان عبارة المعتبر هنا لا تخلو من قصور و السيد في ما نقله عنه قد أصلحه و زاد في العبارة ما يندفع به عنه الإيراد و ان كان ما أصلحه به ايضا لا يوصل الى مطلوب و لا مراد كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى بوجه لا يتطرق اليه الفساد، و ذلك فإن أصل عبارة المعتبر هكذا: ثم اعلم اني لم أقف على نص عن أهل البيت (عليهم السلام) بإبطال الصلاة و انما هو شيء ذهب اليه المشايخ الثلاثة منا و اتباعهم و الأقرب انه ان كان ستر به العورة أو سجد عليه أو قام فوقه كانت الصلاة باطلة لأن
106
جزء الصلاة يكون منهيا عنه و تبطل الصلاة بفواته اما لو لم يكن كذلك لم تبطل و كان كلبس خاتم مغصوب، انتهى. و ظاهره- كما ترى- تعليل البطلان في المواضع الثلاثة بكون كل منها جزءا من الصلاة و هو منهي عنه، مع ان ستر العورة ليس جزء من الصلاة و انما هو من شروط صحتها، و السيد كأنه تفطن لذلك فعدل عن تعليله و علله بأنه شرط لها و لكنه بالنهي عنه يفسد و يبطل المشروط لفوات شرطه. و فيه انا لا نسلم فساد الشرط و بطلانه إلا إذا كان عبادة و إلا فغايته حصول الإثم خاصة، و ما نحن فيه كذلك فان ستر العورة ليس عبادة بل هو كإزالة النجاسة فإنها شرط في صحة الصلاة مع انه لا يقدح في الصلاة إزالتها بماء مغصوب أو آلة مغصوبة و نحو ذلك، و حينئذ فتصح الصلاة في الساتر و ان كان مغصوبا و ان اثم من حيث الغصب.
و اما ما علل به البطلان لو قام أو قعد فوقه أو سجد عليه- من ان جزء الصلاة يكون منهيا عنه و هو القيام و القعود و السجود في الصورة المذكورة و النهي عن العبادة موجب لبطلانها و ببطلان الجزء يبطل الكل- فالجواب عنه انه ان أريد به النهي عنه من حيث عدم جواز الصلاة فيه فما ذكره من البطلان مسلم لكن الحال ليست كذلك لانه لم يرد نهي بهذا المعنى في المقام و إلا لسقط البحث من أصله، و ان أريد النهي عنه من حيث الغصب و قبح التصرف في مال الغير بدون اذنه فما ذكره من البطلان المترتب على ذلك ممنوع لان القدر المقطوع به من بطلان العبادة بتوجه النهي إليها انما هو إذا توجه إليها من حيث كونها عبادة لأن التعليق على الوصف مشعر بالعلية لا من جهة أخرى كما نحن فيه، و النهي هنا انما توجه الى القيام على هذا الثوب المغصوب من حيث تحريم التصرف في المغصوب من دون اذن المالك لا من حيث عدم جواز الصلاة عليه. و لزوم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد مع اختلاف الحيثيتين غير ضائر إذ وجه المحالية بتكليف ما لا يطاق المترتب على ذلك انما يلزم مع اتحاد الجهة كما لا يخفى. و لم اطلع على من تفطن لهذه الدقيقة في المقام من علمائنا الاعلام و بها تنحل جميع الشبه التي طال فيها
107
الكلام و اتسعت فيها دائرة الخصام و كثر فيها النقض و الإبرام، فإن ذلك مبني على شبهة النهي و انه متوجه إلى العبادة و هو موجب لبطلانها، و هو على إطلاقه ممنوع كما عرفت فان ذلك مخصوص بما يتوجه إليها من حيث كونها عبادة مثل النهي عن السجود على ما لا يصح السجود عليه مما منع الشارع من السجود عليه، و اما النهي عن السجود على المغصوب فإنما هو من حيث كونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه. و بذلك يظهر لك انه لا فرق بين استعمال المغصوب في هذه الأشياء الثلاثة التي عدها في المعتبر و تبعه من تبعه كالسيد المذكور وجده قبله و غيرهما و لا بين لبس المغصوب مطلقا لجريان ما ذكرناه في الموضعين و الظاهر ان منشأ قولهم بالبطلان في الثلاثة المعدودة هو انه متى لم يكن أحد الثلاثة فإن النهي انما توجه الى ذلك اللباس و الحركة فيه قياما و قعودا و ركوعا و سجودا من حيث كونه تصرفا في مال الغير يغير اذنه و هذا أمر خارج عن الصلاة لا انه نهى عن ذلك من حيث كونها حركات في الصلاة، بخلاف ما إذا كان أحد الثلاثة لعين ما تقدم نقله عن المدارك، و قد عرفت ما فيه. و يمكن ان يكون للزوم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد و هو محال لو قيل بصحة الصلاة في هذه المواضع الثلاثة. و فيه ما عرفت من انه لا مانع منه مع اختلاف الجهتين و لزوم المحال انما يحصل مع اتحادهما كما لا يخفى.
و قد تلخص من هذا البحث ان المشهور هو بطلان الصلاة في المغصوب مطلقا كما تقدم و على مذهب المحقق و من تبعه كالشهيدين في الذكرى و الروض و السيد تخصيص البطلان بما إذا كان المغصوب ساترا للعورة أو مكانا للقيام عليه أو مسجدا و إلا فهي صحيحة عندهم فالقدر المجمع عليه بينهم هو هذا، و قد عرفت ما في الجميع و به يظهر قوة ما قدمناه عن الفضل بن شاذان (قدس سره).
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في تتمة الكلام الذي قدمنا نقله ذيل كلام الفضل بن شاذان: و كلام الفضل يرجع الى ما ذكره محققو أصحابنا من ان التكليف الإيجابي ليس متعلقا بهذا الفرد الشخصي بل متعلق بطبيعة كلية شاملة لهذا الفرد و غيره
108
و كذا التكليف التحريمي متعلق بطبيعة الغصب لا بخصوص هذا الفرد، و النسبة بين الطبيعتين عموم من وجه فطلب الفعل و الترك غير متعلق بأمر واحد في الحقيقة حتى يلزم التكليف بما لا يطاق و انما جمع المكلف بينهما في فرد واحد باختياره، فهو ممتثل للتكليف الإيجابي باعتبار ان هذا فرد الطبيعة المطلوبة و امتثال الطبيعة انما يحصل بالإتيان بفرد من إفرادها، و هو مستحق للعقاب ايضا باعتبار كون هذا الفرد فرد الطبيعة المنهية. و قيل هذا القول غير صحيح على أصول أصحابنا لأن تعلق التكليف بالطبيعة مسلم لكن لا نزاع عندنا في ان الطبيعة المطلوبة يجب ان تكون حسنة و مصلحة راجحة متأكدة يصح للحكيم ارادتها و قد ثبت ذلك في محله، و غير خفي أن الطبيعة لا تتصف بهذه الصفات إلا من حيث التحصل الخارجي باعتبار أنحاء وجوداته الشخصية، و حينئذ نقول الفرد المحرم لا يخلو اما ان يكون حسنا و مصلحة متأكدة مرادة للشارع أم لا، و على الأول لا يصح النهى عنه، و على الثاني لم يكن القدر المشترك بينه و بين باقي الأفراد مطلوبا للشارع بل المطلوب الطبيعة المقيدة بقيد يختص به ما عدا ذلك الفرد فلا يحصل الامتثال بذلك الفرد لخروجه من افراد المأمور به. أقول: و يمكن المناقشة فيه بوجوه لو تعرضنا لها لخرجنا عما هو مقصودنا في هذا الكتاب. و بالجملة الحكم بالبطلان أحوط و اولى و ان كان إثباته في غاية الإشكال. انتهى كلام شيخنا المشار إليه.
أقول: لا يخفى ان القائل بما نقله هنا هو الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه من القائلين بالقول المشهور من بطلان الصلاة في المغصوب مطلقا، و شيخنا المذكور لم يتعرض لبيان المناقشة في كلامه بل اعتذر بما ذكره. و يمكن الجواب عما ذكره في خلاصة كلامه و نتيجة بحثه بقوله: «و حينئذ نقول الفرد المحرم لا يخلو اما ان يكون حسنا. إلخ» بأن يقال هنا فرد آخر غير ما ذكره من الفردين بان يكون حسنا من وجه و قبيحا من وجه، و ذلك بان يكون حسنا من حيث توقف العبادة عليه و ان كان قبيحا من حيث التصرف في مال الغير بغير اذنه، فهو ذو جهتين حسن من إحداهما قبيح من الأخرى فهو
109
داخل تحت كل من الطبيعتين باعتبار هاتين الجهتين و النهي انما صح عنه من الجهة الأخرى لا من الجهة الأولى التي هي جهة الحسن، فلا يلزم ما ذكره و أطال به من اللازم على كل من الفردين اللذين ذكرهما إذ التقسيم غير منحصر فيهما مع وجود هذا الفرد الذي ذكرناه و اما ما ذكره في الاعتراض على كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث أجاب في الروض عن حجة القول المشهور المتقدمة بنحو ما أجاب به سبطه في المدارك فقال في الذخيرة بعد نقل ذلك عنه: و فيه نظر لأن الإنسان إذا كان متلبسا باللباس المغصوب في حال الركوع مثلا فلا خفاء في ان الحركة الركوعية حركة واحدة شخصية محرمة لكونها محركة للشيء المغصوب فيكون تصرفا في مال الغير بغير اذنه محرما فلا يصح التعبد به مع انه جزء من الصلاة، و اعتبار الجهتين غير نافع في صحة تعلق الوجوب و الحرمة إلا مع اختلاف المتعلق لا مطلقا. انتهى. و فيه انه لا ريب ان التصرف في المغصوب و ما يترتب عليه من التحريم و العقاب قد حصل بنفس اللبس فالتحريم ثابت له ابتداء و استدامة صلى فيه أو لم يصل تحرك فيه أو لم يتحرك، و لا يعقل لهذه الحركة الركوعية أو السجودية خصوصية في هذا المقام ليترتب عليها شيء من الأحكام، فلا معنى لتفريعه على الحركة الركوعية بقوله «فيكون تصرفا في مال الغير فلا يصح التعبد به» إذ هو متصرف فيه حال قيامه و قعوده بل جميع أحواله، و بذلك يظهر انه لا معنى لقوله:
«فلا يصح التعبد به» إذ هذا التفريع فرع صحة ما زعمه من الاختصاص بالحركة الركوعية و نحوها إذ التصرف و التحريم كما عرفت قد حصل بمجرد اللبس و استدامته صلى فيه أو لم يصل، غاية الأمر انه قد قارن التصرف المحرم هذه الحركات و السكنات في الصلاة و النهي عن المقارن لا يوجب التعدي الى ما قارنه، و حينئذ فلا يكون النهي متناولا لجزء من الصلاة و لا شرطها، و مع تسليم ما ذكره فالجواب عنه ما تقدم. و قوله في الإشارة إلى الجواب عن ذلك «و اعتبار الجهتين غير نافع. إلخ» ممنوع فإن العلة التي عللوا بها ذلك انما تتم في ما إذا كان تعلق الأمر و النهي من جهة واحدة كما لا يخفى.
110
و بالجملة فإنه يكفينا التمسك بامتثال الأمر المتفق على كونه يقتضي الاجزاء، و ذلك فإنه إذا قال الشارع «صل بعد الطهارة مستقبل القبلة مستترا بثوب طاهر» مثلا فامتثل المكلف ذلك فلا ريب في صحة صلاته لما ذكرناه، و الحكم ببطلان عبادته لو كان المكان أو الثوب مغصوبا يحتاج الى دليل حيث ان العبادة صحة و بطلانا و زيادة و نقصانا و كمية و كيفية توقيفية و الشارع لم يذكر في ما اشترطه من شروط الصلاة إباحة مكانه و لا ثوبه، و الدليل عندنا منحصر في الكتاب و السنة دون هذه التخريجات الفكرية التي يزعمونها أدلة عقلية مع اختلاف العقول فيها نقضا و إبراما كما في هذه المسألة و غيرها و قد حققنا في مقدمات الكتاب عدم جواز الاعتماد على الأدلة العقلية بل عدم وجودها بالكلية.
إلا انه قد ورد هنا بعض الاخبار مما يتسارع الى الفهم منها الدلالة على القول المشهور مثل
ما رواه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار (1) عن كتاب تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة و كتاب بشارة المصطفى للطبري عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لكميل «يا كميل انظر في ما تصلي و على ما تصلي ان لم يكن من وجهه و حله فلا قبول».
و قريب منه
ما رواه الصدوق مرسلا و الكليني مسندا عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «لو ان الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه في ما نهاهم عنه ما قبله منهم و لو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه في ما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق و ينفقوه في حق».
و ما ربما يقال- من ان عدم القبول انما هو بمعنى عدم ترتب الثواب و لا ينافي الصحة- فقد أبطلناه في جملة من زيرنا و لا سيما كتاب الدرر النجفية إلا ان باب التأويل فيهما غير منغلق.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب لا ينبغي تركه على كل حال فان كلام الفضل لا يخلو من قوة كما عرفت في هذا المجال. و الله العالم.
____________
(1) الوسائل الباب 2 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 2 من مكان المصلى.
111
فروع
(الأول) [عدم الفرق بين الساتر و غيره؟]
- قال في المنتهى: لا فرق بين ان يكون الثوب المغصوب ساترا أو غير ساتر بان يكون فوق الساتر أو تحته على اشكال. أقول: الظاهر ان وجه الاشكال عنده هو ما تقدم في كلام المحقق في المعتبر من تخصيصه التحريم بالساتر أو ما يقوم عليه أو يسجد عليه و الجواز في ما عدا ذلك، و هو في هذا الكتاب يحذو حذو المعتبر غالبا و في هذا المقام توقف. و قد مضى تحقيق الكلام في المقام.
(الثاني) [الصلاة في ما لا تتم فيه من المغصوب]
- قال في المنتهى ايضا: قيل تبطل الصلاة في الخاتم المغصوب و شبهه كالسوار و القلنسوة و العمامة. و فيه تردد أقربه البطلان. أقول: و منشأ هذا التردد ايضا هو كلام المحقق في المعتبر حيث انه جزم بالصحة في الخاتم المغصوب و نحوه مما لا يستر العورة و العلامة هنا قد رجح القول المشهور.
(الثالث)- لو جهل أصل الغصب
فالظاهر انه لا خلاف بينهم في الصحة لعدم توجه النهي و لزوم تكليف ما لا يطاق.
(الرابع)- لو علم بالغصب و جهل الحكم
اعني تحريم الصلاة في المغصوب فالمشهور الحاقة بالعالم في عدم المعذورية، و علله في الذكرى بأنه جمع بين الجهل و التقصير في التعلم. و لا يخفى ما فيه، و لهذا مال في المدارك إلى الحاقه بسابقه حيث قال بعد ان ذكر ان جاهل الغصب لا تبطل صلاته لارتفاع النهى: و لا يبعد اشتراط العلم بالحكم ايضا لامتناع تكليف الغافل فلا يتوجه إليه النهي المقتضي للفساد. و هو جيد إلا انه لم يقف عليه في غير هذا الموضع و غير هذا المقام من سائر الأحكام بل وافق الأصحاب في غير هذين المقامين في عدم معذورية جاهل الحكم كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى.
و قد تقدم في مقدمات الكتاب البحث في المسألة و رجحنا معذورية جاهل الحكم مطلقا على تفصيل تقدم بيانه.
112
(الخامس) [لو علم بالغصب في أثناء الصلاة]
- قال في المنتهى: لو علم بالغصب في أثناء الصلاة نزعه ثم ان كان عليه غيره أتم الصلاة لأنه دخل دخولا مشروعا، و لو لم يكن عليه غيره أبطل الصلاة و ستر عورته ثم استأنف. انتهى. و هو جيد إلا ان إطلاقه الإبطال في ما لو لم يكن عليه غيره غير خال من نظر، لانه لو لم يكن عليه غيره و أمكن تناول ما يستر به العورة من غير استلزام مبطل تناوله و ستر عورته و تمم صلاته و لا يحتاج الى استئناف.
(السادس)- لو علم بالغصب و نسي
فإن كان ناسيا للحكم اعني تحريم الصلاة في المغصوب مع تذكره الغصب فظاهر الأصحاب عدم المعذورية، و علله في الذكرى باستناده الى تقصيره في التحفظ، و ان كان ناسيا للغصب فظاهر المنتهى المعذورية حيث قال: لو تقدمه علم بالغصبية ثم نسي حال الصلاة فصلى فيه صحت صلاته
لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان».
و القياس على النجاسة باطل. انتهى و نقله في المختلف و الذكرى عن ابن إدريس. و ظاهر كلام ابن إدريس في السرائر وجود قائل بوجوب الإعادة مطلقا. و اختار في المختلف الإعادة في الوقت لا في خارجه، قال: و الوجه عندي الإعادة في الوقت لا خارجه (اما الأول) فلأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. و (اما الثاني) فلان القضاء فرض ثان يفتقر الى دليل مغاير لدليل التكليف المبتدأ. انتهى. و هو جيد و اليه يميل كلام شيخنا في الذكرى و اما القول بعدم وجوب الإعادة مطلقا ففيه ان ما استدلوا عليه به من الخبر المذكور لا يفي بالدلالة لاحتمال ان يكون المراد رفع المؤاخذة لا صحة الفعل.
و لصاحب الذخيرة هنا كلام لا يخلو من سهو و خلل لا بأس بنقله و بيان ما فيه قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: و الناسي للحكم كجاهل الحكم، و لو نسي الغصبية ففيه أوجه: (الأول) الإعادة في الوقت و القضاء خارجه و لا اعلم به قائلا.
و (الثاني) الإعادة في الوقت دون القضاء و في كلام ابن إدريس دلالة على انه قول
____________
(1) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة.
113
لبعض الأصحاب و اختاره المصنف. و (الثالث) عدم الإعادة مطلقا و اختاره ابن إدريس و هو أقرب، لنا- ان النهي غير متعلق به في صورة النسيان فيبقى إطلاق التكليف بالصلاة سالما عن المعارض، و وجوب التحفظ بحيث لا يعرض له النسيان غير ثابت. و اما الاستدلال
بقوله (صلى الله عليه و آله) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان»
، و ذكر الحديث ثم رده بنحو ما ذكرناه. ثم قال: احتج القائلون بوجوب الإعادة دون القضاء بأن الناسي مفرط لقدرته على التكرار الموجب للتذكار فإذا أخل به كان مفرطا، و لانه لما علم كان حكمه المنع من الصلاة و الأصل بقاء ذلك عملا بالاستصحاب. و اما عدم وجوب القضاء فلانه تكليف جديد و لم يثبت. و الجواب منع وجوب التكرار و منع كونه موجبا للتذكار. إلخ.
و فيه (أولا) ان كلام ابن إدريس في السرائر ظاهر في وجود القول بوجوب الإعادة مطلقا لا التفصيل كما لا يخفى على من راجعه. و (ثانيا) ان من ذهب الى التفصيل و وجوب الإعادة في الوقت كالعلامة في المختلف و الشهيد في الذكرى انما علل ذلك بأنه متى ذكر في الوقت دخل تحت عهدة الخطاب لانه لم يأت بالمأمور به على وجهه و الوقت باق فيبقى تحت عهدة الخطاب حتى يأتي به كما عرفت من كلام المختلف و مثله الشهيد في الذكرى، حيث قال: و يمكن القول بالإعادة في الوقت لقيام السبب و عدم تيقن الخروج من العهدة. لا انهم عللوه بما زعمه من ان الناسي مفرط. الى آخر كلامه. و بذلك يظهر لك ضعف ما اختاره من عدم وجوب الإعادة في الوقت لاعتماده في ذلك على رد دليل القائلين بالإعادة بزعمه و إلا فهو قد صرح بعدم دلالة الحديث الذي اعتمده في المنتهى و السرائر. قوله: لنا- ان النهي غير متعلق به في صورة النسيان (قلنا) نعم هذا الكلام تام لو استمر النسيان الى ان خرج الوقت اما لو ذكر في الوقت فما ذكره ممنوع لظهور ان ما اتى به ليس كما أمر به الشارع فهو باق تحت عهدة الخطاب لبقاء الوقت و توجه الخطاب و هو السبب في التكليف بالعبادة. و بالجملة فالظاهر ان كلامه هنا ناشىء عن عدم
114
المراجعة لكلام القائلين بالتفصيل و ما ذكروه من التعليل.
(السابع)- لو اذن المالك للغاصب و غيره
جازت الصلاة لكل من دخل تحت الاذن بلا اشكال، بل الظاهر عدم تحقق الغصبية في حال الصلاة مع تعلق الاذن بالغاصب لان الاستيلاء في تلك الحال لا عدوان فيه: و لو اذن مطلقا فالظاهر- كما استظهره جملة من الأصحاب- عدم دخول الغاصب في ذلك لقيام العادة بحقد المغصوب منه على الغاصب و ميله عليه و طلب التشفي منه و الغلبة عليه و الانتقام منه، و القلوب- كما قال سيد الأنبياء (صلى الله عليه و آله)- مجبولة على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها (1) فيكون هذا الظاهر بحسب العادة بمنزلة المخصص لذلك الإطلاق، و لو فرض انتفاء ذلك بالقرائن وجب العمل بمقتضى الإطلاق.
(المطلب الثالث)- في ما يستحب و يكره
. و تفصيل ذلك يقع في مواضع:
[استحباب الصلاة في النعل العربية]
(منها)- انه يستحب الصلاة في النعل العربية عند علمائنا بغير خلاف يعرف.
و يدل عليه
ما رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «إذا صليت فصل في نعليك إذا كانت طاهرة فإن ذلك من السنة».
و في التهذيب «فإنه يقال ذلك من السنة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلي في نعليه غير مرة و لم أره ينزعهما قط».
و عن علي بن مهزيار في الصحيح (4) قال «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) صلى حين زالت الشمس يوم التروية ست ركعات خلف المقام و عليه نعلاه لم ينزعهما».
و ما رواه في الكافي عن محمد بن الحسين عن بعض الطالبيين يلقب برأس
____________
(1) نهج الفصاحة ص 275.
(2) الوسائل الباب 37 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 37 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 37 من لباس المصلي.
115
المدري (1) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول أفضل موضع القدمين للصلاة النعلان».
و روى في كتاب العلل في الصحيح أو الحسن (2) قال: «و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا أقيمت الصلاة لبس نعليه و صلى فيهما».
و أنت خبير بأنه قد وقع في عبارات الأصحاب التصريح بالعربية بمعنى انهم خصوا الاستحباب بالنعل العربية و الروايات- كما ترى- مطلقة، و لعل الوجه في ذلك فهمهم انها هي التي كانت متعارفة في وقتهم (عليهم السلام) و الاحتياط يقتضي الاقتصار على ذلك و ان كان ظواهر الأخبار الدلالة على ما هو أعم من العربية و غيرها.
و قد تقدم جملة من المستحبات في هذا الباب في الأبحاث السابقة كاستحباب ستر البدن كملا للرجل إذ الواجب هو ستر العورتين، و استحباب وضع شيء على عاتقه إذا صلى مكشوف الظهر و نحو ذلك مما تقدم، و تقدمت الأخبار الدالة على جميع ذلك فلا ضرورة إلى إعادتها
و (منها)
استحباب الطيب بالمسك و غيره
، فروى في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كانت لرسول الله (صلى الله عليه و آله) ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده و هي رطبة و كان إذا خرج عرفوا انه رسول الله (صلى الله عليه و آله) برائحته».
و عن الحسن بن علي عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «كان يعرف موضع سجود ابي عبد الله (عليه السلام) بطيب ريحه».
و عن علي بن إبراهيم رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قال: «صلاة متطيب أفضل من سبعين صلاة بغير طيب».
و عن عبد الله بن الحارث (6) قال: «كانت لعلي بن الحسين (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 37 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 63 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 43 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 43 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 43 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 43 من لباس المصلي.
116
قارورة مسك في مسجده فإذا دخل للصلاة أخذ منه فتمسح به».
و روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ركعتان يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر».
الى غير ذلك من الاخبار.
و
[كراهة الصلاة في الثياب السود]
(منها)- انه يكره الصلاة في الثياب السود عدا العمامة و الخف و الكساء و هو ثوب من صوف و منه العباء، كذا نقل عن الجوهري.
و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن احمد بن محمد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف و العمامة و الكساء».
و روى في كتاب الزي من الكتاب المذكور عن احمد بن ابي عبد الله عن بعض أصحابه رفعه (3) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكره السواد إلا في ثلاث: الخف و العمامة و الكساء».
و عن حذيفة بن منصور (4) قال: «كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) بالحيرة فأتاه رسول ابي العباس الخليفة يدعوه فدعا بممطر أحد وجهيه اسود و الآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) اما إني ألبسه و انا اعلم انه لباس أهل النار».
أقول: في القاموس الممطر و الممطرة بكسرهما ثوب صوف يتوقى به من المطر.
ثم أقول: يحتمل ان يكون لبسه (عليه السلام) له في تلك الحال لضرورة دفع المطر أو تقية حيث انه المعمول عليه عند المخالفين يومئذ.
و روى الصدوق في الفقيه (5) مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال في ما علم أصحابه «لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون».
و روى بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (6) انه قال
____________
(1) الوسائل الباب 43 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.
117
«أوحى الله الى نبي من أنبيائه قل للمؤمنين لا يلبسوا ملابس أعدائي و لا يطعموا مطاعم أعدائي و لا يسلكوا مسالك أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي».
[تفسير ملابس أعداء الله و مطاعمهم و مسالكهم]
أقول: قال الصدوق في كتاب عيون الاخبار بعد نقل هذا الخبر بسند آخر عن علي بن ابي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): قال المصنف (رضي الله عنه):
لباس الأعداء هو السواد، و مطاعم الأعداء هو النبيذ و المسكر و الفقاع و الطين و الجري من السمك و المارماهي و الزمير و الطافي و كل ما لم يكن له فلس من السمك و الأرنب و الضب و الثعلب و ما لم يدف من الطير و ما استوى طرفاه من البيض و الدبا من الجراد و هو الذي لا يستقل بالطيران و الطحال، و مسالك الأعداء مواضع التهمة و مجالس شرب الخمر و المجالس التي فيها الملاهي و مجالس الذين لا يقضون بالحق و المجالس التي تعاب فيها الأئمة و المؤمنون و مجالس أهل المعاصي و الظلم و الفساد. انتهى. و حاصله يرجع الى التخصيص بالمحرمات في ما عدا اللباس حملا للنهي علي التحريم. و الأظهر الحمل على ما هو أعم من التحريم أو الكراهة مثل لباس اليهود و النصارى و مآكلهم و كذا لباس المخالفين و مآكلهم المعلومة مخالفة ذلك للسنن النبوية و الشريعة المحمدية (صلى الله عليه و آله) و يؤيده وقوع المناهي في الاخبار عن جملة من الأشياء من حيث دخولها في مضمون هذا الخبر مثل النهي عن البرطلة لأنها من زي اليهود (1) و إسدال الرداء لانه من زيهم (2) و شم النرجس في الصوم لانه من فعل المجوس (3) و الأكل بالملاعق كما يفعله الروم و المخالفون لمخالفته لسنة الأكل باليد (4) و جر الثياب على الأرض كما يفعلونه ايضا لمنافاته التشمير المأمور به (5) و جز اللحى و اعفاء الشوارب كما يفعلونه لمخالفته للسنة النبوية
____________
(1) الوسائل الباب 31 من أحكام الملابس.
(2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.
(4) الوسائل الباب 68 من آداب المائدة.
(5) الوسائل الباب 22 من أحكام الملابس.
118
في العكس (1) و أمثال ذلك. فان الظاهر دخول الجميع تحت الخبر.
[استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (ع)]
ثم أقول: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين (عليه السلام) من هذه الاخبار لما استفاضت به الاخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان، و يؤيده
ما رواه شيخنا المجلسي (قدس سره) عن البرقي في كتاب المحاسن (2) انه روى عن عمر بن زين العابدين (عليه السلام) انه قال «لما قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد و لم يغيرنها في حر أو برد و كان الامام زين العابدين (عليه السلام) يصنع لهن الطعام في المأتم».
و الحديث منقول من كتاب جلاء العيون بالفارسية و لكن هذا حاصل ترجمته.
و أشد السواد كراهة القلنسوة السوداء
لما رواه في الكافي عن محسن بن احمد عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له أصلي في القلنسوة السوداء؟ فقال لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار».
و رواه في الفقيه مرسلا (4) هذا،
[كراهة الصلاة في بعض الألوان غير السواد]
و مما يدل على كراهة بعض الألوان غير السواد
ما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «تكره الصلاة في الثوب المصبوغ المشبع المفدم».
أقول: المفدم لغة الشديد الحمرة أو اللون، و على الثاني فيكون تأكيدا للمشبع فيكون فيه دلالة على كراهة كل لون مشبع من حمرة أو صفرة أو خضرة أو نحو ذلك، و من هنا نقل عن الشيخ و ابن الجنيد و ابن إدريس كراهة الصلاة في الثياب المقدمة بلون من الألوان.
و ما رواه في التهذيب عن يزيد بن خليفة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) «انه كره الصلاة في المشبع بالعصفر المضرج بالزعفران».
قال في الوافي: المضرج
____________
(1) الوسائل الباب 67 من آداب الحمام.
(2) ص 420.
(3) الوسائل الباب 20 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 20 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 59 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 59 من لباس المصلى.
119
بالضاد المعجمة و الجيم المصبوغ بالحمرة دون المفدم و فوق المورد.
و ما رواه في الكافي عن مالك بن أعين (1) قال: «دخلت علي ابي جعفر (عليه السلام) و عليه ملحفة حمراء شديدة الحمرة فتبسمت حين دخلت فقال كأني أعلم لم ضحكت ضحكت من هذا الثوب الذي هو علي، ان الثقفية أكرهتني عليه و انا أحبها فأكرهتني على لبسها، ثم قال انا لا نصلي في هذا و لا تصلوا في المشبع المضرج. قال ثم دخلت عليه و قد طلقها فقال سمعتها تبرأ من علي (عليه السلام) فلم يسعني ان أمسكها و هي تبرأ منه».
و بالجملة فالظاهر من الاخبار كراهية الصلاة في المفدم بمعنييه المتقدمين و المعصفر المضرج بالزعفران، و بذلك صرح ايضا الفاضلان في المعتبر و المنتهى. اما لبسه في غير الصلاة فظاهر جملة من الاخبار جوازه و ان الأئمة (عليهم السلام) كانوا يلبسونه في مقام استحباب إظهار الزينة كما عرفت من حديث مالك بن أعين المذكور و مثله اخبار أخر نقلها في الكافي في كتاب الزينة و اللباس.
[كراهة الاتزار فوق القميص]
و (منها)- انه يكره ان يأتزر فوق القميص على المشهور ذكره الشيخان و أتباعهما، و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا ينبغي ان تتوشح بإزار فوق القميص و أنت تصلي و لا تتزر بإزار فوق القميص إذا أنت صليت فإنه من زي الجاهلية».
و انما حملنا لفظ «لا ينبغي» على الكراهة في الرواية مع ورود استعماله في الاخبار بمعنى التحريم كثيرا كما تقدم ذكره في غير مقام
لما رواه الشيخ في الصحيح عن موسى بن القاسم البجليّ (3) قال: «رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) يصلي في قميص قد اتزر فوقه بمنديل و هو يصلي».
و في الصحيح عن موسى بن عمر
____________
(1) الوسائل الباب 59 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى.
120
بن بزيع (1) قال «قلت للرضا (عليه السلام) أشد الإزار و المنديل فوق قميصي في الصلاة؟
فقال لا بأس به».
و أكثر المتأخرين و منهم صاحب المدارك انما نقلوا رواية أبي بصير عن التهذيب و هي فيه هكذا قال: «لا ينبغي ان تتوشح بإزار فوق القميص إذا أنت صليت فإنه من زي الجاهلية» و لهذا اعترض في المدارك بعد نقله عن الشيخ الرواية بهذه الصورة بأنها غير دالة على المدعى و انما تدل على كراهة التوشح فوق القميص و هو خلاف الاتزار.
و أنت خبير بان الظاهر ان الرواية المذكورة في الكتابين واحدة لأن الشيخ انما رواها في التهذيب عن محمد بن يعقوب بالسند الذي في الكافي و أسقط منها موضع الاستدلال و هو ناشىء عن الغفلة و الاستعجال و انتقل نظره من لفظ القميص الأول الى الثاني فسقط ما بين ذلك. و أكثرهم لم يراجع الكافي في المقام. و ما ذكرناه ظاهر لا يخفى على من له أنس بملاحظة كتاب التهذيب و تدبره ما وقع للشيخ في اخباره متنا و سندا من التغيير و التبديل و التحريف و التصحيف و قلما يخلو خبر من شيء من ذلك. و بذلك يظهر ان ما اعترض به (قدس سره) على هذه الرواية- من عدم الدلالة في المقام و ان تبعه من تبعه من الاعلام و طعنوا به على المتقدمين من عدم وجود مستند للقول بالكراهة- ليس في محله و ممن وقع في ذلك ايضا صاحب المعتبر فنقل رواية أبي بصير من التهذيب و تبعه من تأخر عنه من غير ملاحظة لكتاب الكافي، و حيث لم تكن مشتملة على الاتزار حكم بالجواز بغير كراهة للصحيحتين المتقدمتين، و الحق ما ذكرناه.
[كراهة التوشح]
و (منها)- انه يكره التوشح و الاخبار بذلك متكاثرة: منها- ما تقدم في رواية أبي بصير، و منها-
ما رواه الشيخ عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «الارتداء فوق التوشح في الصلاة مكروه و التوشح فوق القميص مكروه».
____________
(1) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلى.
121
و منها-
ما رواه في الفقيه عن زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «انه سأله رجل و هو حاضر عن الرجل يخرج من الحمام أو يغتسل فيتوشح و يلبس قميصه فوق إزاره فيصلي و هو كذلك؟ قال هذا من عمل قوم لوط. فقلت انه يتوشح فوق القميص؟ قال هذا من التجبر. الحديث».
و رواه الشيخ في التهذيب (2) ايضا.
و منها-
موثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «سئل عن الرجل يؤم بقوم يجوز له ان يتوشح قال لا لا يصلي الرجل بقوم و هو متوشح فوق ثيابه و ان كانت عليه ثياب كثيرة لأن الإمام لا يجوز له الصلاة و هو متوشح».
و منها-
ما رواه في كتاب العلل عن الهيثم بن واقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «انما كره التوشح فوق القميص لانه من فعل الجبابرة».
و ما رواه فيه ايضا عن يونس عن جماعة من أصحابه عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (5) «انه سئل ما العلة التي من أجلها لا يصلي الرجل و هو متوشح فوق القميص؟ فقال لعلة التكبر في موضع الاستكانة و الذل».
و ما رواه في كتاب الخصال عن ابي بصير و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به فإنه من أفعال قوم لوط».
و اما ما يدل على الجواز
فحسنة حماد بن عيسى (7) قال: «كتب الحسن بن علي ابن يقطين الى العبد الصالح (عليه السلام) هل يصلي الرجل الصلاة و عليه إزار متوشح به فوق القميص؟ فكتب نعم».
و ما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل و قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (8) قال: «سألته عن الرجل يتوشح بالثوب فيقع على
____________
(1) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(7) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(8) الوسائل الباب 23 و 24 من لباس المصلى.
122
الأرض أو يجاوز عاتقه أ يصلح ذلك؟ قال لا بأس».
و قال في من لا يحضره الفقيه (1) بعد ان روى ما يدل على الكراهة: «و قد رويت رخصة في التوشح بالإزار فوق القميص عن العبد الصالح و عن ابي الحسن الثالث و عن ابي جعفر الثاني (عليهم السلام) و بها آخذ و افتي».
و ما ذكره من الرواية عن ابي جعفر الثاني و عن ابي الحسن الثالث (عليهما السلام) فلم تصل إلينا في ما وصل من المنقول و لكنه الصدوق في ما يقول.
و بما ذكرنا يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك حيث نفى الكراهة فقال: و لا يبعد عدم كراهة التوشح لما رواه حماد بن عيسى، ثم أورد الرواية المتقدمة. و العجب انه نقل في صدر الكلام روايتي أبي بصير و محمد بن إسماعيل المتقدمتين في صدر هذه الروايات و هما صريحتان في الكراهة مع ما علم من طريقته من عدم المناقشة في أدلة الاستحباب و الكراهة و ظاهر الصدوق في ما ذكرناه من عبارته الجمع بين أخبار المسألة بحمل اخبار الجواز على الرخصة. و ظاهر الشيخ في الجمع بين ما ذكره في كتابه من اخبار الطرفين هو حمل أخبار النهي على الالتحاف بالثوب كما تلتحف اليهود و ان يشتمل به كما يفعلونه و اخبار الجواز على ان يتوشح بالإزار ليغطي ما قد كشف منه و يستر ما تعرى من بدنه، و احتج لهذا
بما رواه في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن الرجل يشتمل في صلاته بثوب واحد؟ قال لا يشتمل بثوب واحد فاما ان يتوشح فيغطي منكبيه فلا بأس».
و أنت خبير بأن حسنة حماد الدالة على الجواز صريحة في ان التوشح فوق القميص فلا يجري فيها ما ذكره، و ظاهر التعليلات الواردة في أخبار النهي ان المنع من ذلك انما هو حيث كونه فعل الجبابرة و أصحاب التكبر، و التعليل بالتشبه باليهود انما ورد في إسدال الرداء و اشتمال الصماء كما وقع في جملة من الأخبار فلا يتم
____________
(1) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى.
123
ما ذكره أيضا في اخبار النهي. و بذلك يظهر ان الأظهر ما ذكره الصدوق (قدس سره) من الجمع بالحمل على الرخصة.
بقي الكلام في معنى التوشح و انه عبارة عما ذا فنقل السيد في المدارك عن الجوهري قال يقال توشح الرجل بثوبه و سيفه إذا تقلدهما. و نقل عن بعض أهل اللغة ان التوشح بالثوب هو إدخاله تحت اليد اليمنى و إلقاؤه على المنكب الأيسر كما يفعله المحرم.
أقول: و بالأول من هذين المعنيين صرح في القاموس فقال: توشح بسيفه و ثوبه تقلد.
و بالثاني صرح الفيومي في المصباح المنير فقال: و توشح به و هو ان يدخله تحت إبطه الأيمن و يلقيه على منكبه الأيسر كما يفعله المحرم. و نحوه في كتاب المغرب قال: توشح الرجل و هو ان يدخل الرجل ثوبه تحت يده اليمنى و يلقيه على منكبه الأيسر كما يفعل المحرم و كذلك الرجل يتوشح بحمائل سيفه فتقع الحمائل على عاتقه اليسرى و تكون اليمنى مكشوفة. و قال في نهاية ابن الأثير: فيه «انه كان يتوشح بثوبه» اي يتغشى به و الأصل فيه من الوشاح.
و نقل عن النووي في شرح مسلم (1) ان التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى و يأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر تحت يده اليمنى ثم يعقد هما على صدره، و المخالفة بين طرفيه و الاشتمال بالثوب بمعنى التوشح. و لا يخفى ما في هذه العبارات من الاختلاف و لعل الأظهر ما ذكره في كتاب المصباح المنير و في المغرب لما ذكره الفقهاء في لبس ثوب الإحرام الأعلى من التوشح على النحو المذكور.
[كراهة اشتمال الصماء]
و (منها)- انه يكره اشتمال الصماء، و لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما اعلم، و الأصل فيه
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إياك و التحاف الصماء. قلت و ما التحاف الصماء؟
قال ان تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد».
و روى في كتاب معاني الاخبار عن القاسم بن سلام بأسانيد متصلة بالنبي (صلى
____________
(1) ج 4 ص 223.
(2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى.
124
الله عليه و آله) (1) «انه نهى عن لبستين: اشتمال الصماء و ان يلتحف الرجل بثوب ليس بين فرجه و بين السماء شيء» قال و قال الصادق (عليه السلام) «التحاف الصماء هو ان يدخل الرجل رداءه تحت إبطه ثم يجعل طرفيه على منكب واحد».
و ظاهر الخبرين المذكورين كراهيته مطلقا، و الظاهر ان ذكر الأصحاب لهذا الحكم في هذا المقام انما هو من حيث عموم الأخبار المذكورة لحال الصلاة.
بقي الكلام في معناه و انه عبارة عما ذا قال في كتاب معاني الأخبار بعد ذكر الخبر المذكور فيه: قال الأصمعي اشتمال الصماء عند العرب ان يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله و لا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده. و اما الفقهاء فإنهم يقولون هو ان يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. ثم قال: قال الصادق (عليه السلام) التحاف الصماء. الى آخر ما قدمناه. ثم قال و هذا هو التأويل الصحيح. انتهى. و قال الجوهري: قال أبو عبيد و اشتمال الصماء ان تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الأعراب بأكسيتهم و هو ان يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى و عاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى و عاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا. و ذكر أبو عبيد ان الفقهاء يقولون هو ان يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه فإذا قلت اشتمل فلان الصماء كأنك قلت اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم لان الصماء ضرب من الاشتمال. و ذكر في القاموس نحوا منه. و قال الجزري: فيه «و لا تشتمل اشتمال اليهود» الاشتمال افتعال من الشملة و هو كساء يتغطى به و يتلفف فيه و المنهي عنه هو التجلل بالثوب و أسباله من غير ان يرفع طرفه، و منه الحديث «نهى عن اشتمال الصماء» و هو ان يتجلل الرجل بثوبه و لا يرفع منه جانبا، و انما قيل له صماء لانه يسد على يديه و رجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق و لا صدع و الفقهاء
____________
(1) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى.
125
يقولون هو ان يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته. و قال النووي في شرح مسلم: يكره على الأول لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام أو غيره فيتعذر عليه أو يعسر، و يحرم على الثاني ان انكشف بعض عورته و إلا يكره. و هو بمهملة و مد.
أقول: و على هذا النحو كلام جملة من علماء العامة و منه يعلم معناه عند اللغويين منهم و عند فقهائهم. و اما ما ذكره أصحابنا (رضوان الله عليهم) فقال الشيخ في المبسوط و النهاية هو ان يلتحف بالإزار و يدخل طرفيه تحت يده و يجمعهما على منكب واحد كفعل اليهود و هو المشهور و المراد بالالتحاف ستر المنكبين. و قال ابن إدريس في السرائر: و يكره السدل في الصلاة كما يفعل اليهود و هو ان يتلفف بالإزار و لا يرفعه على كتفيه، و هذا تفسير أهل اللغة في اشتمال الصماء و هو اختيار السيد المرتضى فاما تفسير الفقهاء لاشتمال الصماء الذي هو السدل، قالوا هو ان يلتحف بالإزار و يدخل طرفيه من تحت يده و يجعلهما جميعا على منكب واحد. أقول: ظاهر كلامه اتحاد السدل و اشتمال الصماء و هو خلاف ما عليه الأصحاب كما سيأتي ان شاء الله تعالى قريبا، و كيف كان فالعمل على ما دلت عليه صحيحة زرارة المتقدمة و هو قول الشيخ المتقدم و به قال في المعتبر.
إلا انه بقي هنا شيء و هو انه هل المراد من
قوله (عليه السلام) في الخبر:
«تدخل الثوب من تحت جناحك»
بمعنى إدخال أحد طرفي الثوب من تحت أحد الجناحين و الطرف الآخر من تحت الجناح الآخر ثم جعلهما على منكب واحد بان يراد بالجناح الجنس أو ان المراد إدخال طرفي الثوب معا من تحت جناح واحد سواء كان الأيمن أو الأيسر ثم وضعه على منكب واحد؟ كل محتمل إلا ان الأظهر الثاني حملا للفظ على ظاهره و الا لكان الأظهر أن يقول «جناحيك».
و (منها)-
كراهة الصلاة في عمامة لا حنك لها
على المشهور و أسنده في المعتبر إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و قال الصدوق في كتابه: و سمعت مشايخنا
126
(رضوان الله عليهم) يقولون لا تجوز الصلاة في الطابقية و لا يجوز للمعتم ان يصلي إلا و هو متحنك. و جملة من الأصحاب: منهم- صاحب المدارك و غيره صرحوا بان المستفاد من الاخبار كراهة ترك التحنك حال الصلاة و غيرها و لا خصوصية للصلاة بذلك و انما يكون دخولها من حيث العموم على نحو ما أشرنا إليه في اشتمال الصماء.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالتحنك
ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن ابي عمير عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«من تعمم و لم يتحنك فاصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».
و عن عيسى بن حمزة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من اعتم فلم يدر العمامة تحت حنكه فاصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».
و روي ابن بابويه في الفقيه في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فاصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».
و قال في الفقيه (4): و قال (عليه السلام) «اني لا عجب ممن يأخذ في حاجة و هو معتم تحت حنكه كيف لا تقضى حاجته».
و قال النبي (صلى الله عليه و آله) الفرق بين المسلمين و المشركين التلحي بالعمائم.
و ذلك في أول الإسلام و ابتدائه» ثم قال و قد نقل عنه أهل الخلاف ايضا انه أمر بالتلحي و نهى عن الاقتعاط الى هنا كلام الفقيه.
و نقل العلامة في المختلف و كذا من تأخر عنه عن الصدوق القول بالتحريم و كلامه المتقدم نقله و ان كان ظاهره التحريم إلا انه إنما أسنده إلى مشايخه إلا ان يقال انه باعتبار عدم إنكاره و رده دال على القول به و فيه ما فيه لإمكان توقفه.
و قال شيخنا البهائي (قدس سره) لم نظفر في شيء من الأحاديث بما يدل على استحبابه لأجل الصلاة، و من ثم قال في الذكرى و استحباب التحنك عام و لعل حكمهم
____________
(1) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 26 من لباس المصلى.
127
في كتب الفروع بذلك مأخوذ من كلام علي بن بابويه فإن الأصحاب كانوا يتمسكون بما يجدونه في كلامه عند إعواز النصوص، فالأولى المواظبة على التحنك في جميع الأوقات و من لم يكن متحنكا و أراد ان يصلي به فالأولى ان يقصد انه مستحب في نفسه لا انه مستحب لأجل الصلاة. انتهى.
[هل المستحب للمتعمم التحنك أو الإسدال]
أقول: و عندي في ما ذكروه هنا من استحباب التحنك دائما إشكال لأن ذلك و ان كان هو ظاهر الاخبار المتقدمة إلا ان هنا جملة من الاخبار ظاهرة المنافاة لذلك حيث ان ظاهرها ان المستحب للمعتم دائما انما هو الإسدال دون التحنك:
و منها-
ما رواه الكليني في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (1) «في قول الله عز و جل «مُسَوِّمِينَ» (2) قال العمائم اعتم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسدلها من بين يديه و من خلفه و اعتم جبرئيل فسدلها من بين يديه و من خلفه».
و عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر».
و عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «عمم رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) بيده فسدلها بين يديه من و قصرها من خلفه قدر أربع أصابع ثم قال أدبر فأدبر ثم قال اقبل فأقبل ثم قال هكذا تيجان الملائكة».
و عن ياسر الخادم (5) قال: «لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلي و يخطب فبعث الرضا (عليه السلام) اليه يستعفيه فألح عليه فقال ان لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له المأمون اخرج كيف شئت، و ساق الحديث الى ان قال: فلما طلعت الشمس قام (عليه السلام) فاغتسل و اعتم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا
____________
(1) الوسائل الباب 3 من أحكام الملابس.
(2) سورة آل عمران، الآية 121.
(3) الوسائل الباب 3 من أحكام الملابس.
(4) الوسائل الباب 3 من أحكام الملابس.
(5) الوسائل الباب 3 من أحكام الملابس.
128
منها على صدره و طرفا بين كتفيه. الخبر».
و روى الطبرسي في المكارم (1) بسنده «ان علي بن الحسين (عليه السلام) دخل المسجد و عليه عمامة سوداء القى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه. الخبر».
و نقل السيد الزاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب الأمان عن ابي العباس بن عقدة (2) في كتابه الذي سماه كتاب الولاية بإسناده قال: «بعث رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم غدير خم الى علي (عليه السلام) فعممه و اسدل العمامة بين كتفيه و قال هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد أسدلوا العمائم و ذلك حجز بين المسلمين و المشركين. الى آخر الخبر».
و قال في الحديث الآخر (3) «عمم رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليا (عليه السلام) يوم غدير خم عمامة سدلها بين كتفيه و قال هكذا أيدني ربي بالملائكة».
ثم قال السيد أقول: هذا لفظ ما رويناه أردنا أن ندكره ليعلم وصف العمامة في السفر الذي نخشاه. انتهى.
أقول: و هذه الاخبار كلها ظاهرة في ما ذكرناه نيرة في ما سطرناه و مفهومها ان السنة في لبس العمامة انما هو بهذه الكيفية كما فعلوه (عليهم السلام) من إسدال أحد طرفي العمامة على الصدر و الآخر بين الكتفين أو الاكتفاء بأحد الاسدالين دون الإدارة تحت الحنك الذي هو معنى التحنك.
و لم أقف على من تفطن لهذا الإشكال إلا شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار إلا انه وقع في ما هو أشكل منه فزعم حمل ما ذكرناه من الاخبار الدالة على الإسدال على انه التحنك المأمور به في تلك الأخبار المتقدمة مع ان التحنك لغة و عرفا كما ذكره علماؤنا (رضوان الله عليهم) انما هو ادارة جزء من العمامة تحت الحنك من أحد الجانبين الى الآخر و الإسدال انما هو إرسال طرف العمامة على الصدر أو على القفاء من خلفه، و لا بأس بنقل كلامه و بيان ما فيه من نقضه و إبرامه لئلا يغتر به من لم يعض
____________
(1) الوسائل الباب 30 من أحكام الملابس.
(2) الوسائل الباب 30 من أحكام الملابس.
(3) الوسائل الباب 30 من أحكام الملابس.
129
على المسألة بضرس قاطع و يحسبه الظمآن ماء و هو سراب لامع، قال (طيب الله مرقده) بعد نقل اخبار التحنك المتقدمة ما صورته: و لنرجع الى معنى التحنك فالظاهر من كلام بعض المتأخرين هو ان يدير جزء من العمامة تحت حنكه و يغرزه في الطرف الآخر كما يفعله أهل البحرين في زماننا و يوهمه كلام بعض اللغويين ايضا، و الذي نفهمه من الاخبار هو إرسال طرف العمامة من تحت الحنك و إسداله كما مر في تحنيك الميت و كما هو المضبوط عند سادات بني حسين أخذوه عن أجدادهم خلفا عن سلف و لم يذكر في تعمم رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) الا هذا، و لنذكر بعض عبارات اللغويين و بعض الاخبار ليتضح لك الأمر في ذلك، قال الجوهري: التحنك التلحي و هو ان تدير العمامة من تحت الحنك. و قال الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير ادارة تحت الحنك،
و في الحديث «انه نهى عن الاقتعاط و أمر بالتلحي».
و قال التلحي تطويق العمامة تحت الحنك، ثم ذكر الخبر. و قال الفيروزآبادي: اقتعط تعمم و لم يدر تحت الحنك. و قال العمة الطابقية هي الاقتعاط. و قال تحنك أدار العمامة تحت حنكه. و قال الجزري: فيه «انه نهى عن الاقتعاط» هو ان يعتم بالعمامة و لا يجعل منها شيئا تحت ذقنه و قال: فيه «انه نهي عن الاقتعاط و أمر بالتلحي» هو جعل بعض العمامة تحت الحنك و الاقتعاط ان لا يجعل تحت حنكه منها شيئا. و قال الزمخشري في الأساس: اقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه، ثم ذكر الحديث. و قال الخليل في العين: يقال اقتعط بالعمامة إذا اعتم بها و لم يدرها تحت الحنك. و اما الاخبار، ثم نقل جملة ما قدمناه من الأخبار الدالة على الإسدال، الى ان قال: و قال السيد ابن طاوس (قدس سره) روينا عن ابي العباس احمد بن عقدة. إلى آخر ما قدمنا نقله عنه، ثم قال: و أقول: و لم يتعرض في شيء من تلك الروايات لإدارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذي فهمه أهل عصرنا مع التعرض لتفصيل أحوال العمائم و كيفيتها، و أكثر كلمات اللغويين لا يأبى عما ذكرناه إذ إدارة رأس العمامة من خلف الى الصدر إدارة أيضا، بل كلام الجزري و الزمخشري- حيث قالا ان
130
لا يجعل شيئا منها تحت حنكه- فيما ذكرناه أظهر، و الظاهر من كلام السيد ايضا ان فهمه موافق لفهمنا لانه قال أولا: الفصل الثاني في ما نذكره من التحنك بالعمامة عند تحقق عزمك على السفر لتسلم من الخطر، ثم قال بعد إيراد الروايتين ما قدمنا ذكره، فظهر انه فسر التحنك بما ورد شرحه في الروايتين من إسدال العمامة
و روى الكليني و الشيخ عن عثمان النوا (1) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني اغسل الموتى قال أو تحسن؟.» ثم ساق الرواية و فيها قال: «خذ العمامة من وسطها و انشرها على رأسه ثم ردها الى خلفه و اطرح طرفيها على صدره».
ثم قال: و كذا سائر أخبار تعميم الميت ليس فيها غير إسدال طرفي العمامة على صدره كما عرفت في باب التكفين. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من تعسف ظاهر و تكلف لا يخفى على الخير الماهر، و ينبغي ان يعلم أولا انه لا ريب ان كلمات أهل اللغة كلها منطبقة على الاخبار المتقدمة في التحنك و متفقة معها على وجه لا يداخله التشكيك. و الاخبار الأخيرة الدالة على الإسدال مخالفة لتلك الاخبار و لكلام أهل اللغة مخالفة ظاهرة و الجمع بما ذكره بين الجميع تعسف ظاهر، نعم يمكن الجمع بما سيأتي ذكره في آخر البحث.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن وجوه النظر في كلامه (قدس سره) عديدة:
(أحدها)- انه لا يخفى على ذي الذوق السليم و الفهم القويم ان كلمات أهل اللغة التي نقلها كلها متفقة الدلالة ظاهرة المقالة في الانطباق على المعنى المشهور و ان تفاوتت في البيان و الظهور و لا سيما قول الجوهري «التلحي تطويق العمامة تحت الحنك» يعني جعلها كالطوق كما نقله عن علماء البحرين و هو مرادف لقوله أولا «التحنك التلحي و هو ان تدير العمامة من تحت الحنك» و إلا لزم الاضطراب في كلامه، و حينئذ فحيثما ذكرت هذه العبارة أعني قوله: «تدير العمامة من تحت الحنك» فإنما المراد بها التطويق و جعلها كالطوق و اين هذا من الإسدال الذي دلت عليه تلك الأخبار؟ و كذا قول الجزري في تفسير
____________
(1) الوسائل الباب 16 من التكفين.
131
الاقتعاط: «هو ان يعتم بالعمامة و لا يجعل شيئا منها تحت ذقنه» المؤذن بان التلحي الذي هو مقابل الاقتعاط هو جعل شيء من العمامة تحت الذقن، و حينئذ فقوله في تتمة كلامه في تفسير التلحي: «هو جعل بعض العمامة تحت الحنك» يعني تحت الذقن و الذقن مجمع عظمي اللحيين و اين هذا من الإسدال؟ و من هاتين العبارتين يعلم ما قلناه من انه حيثما قيل:
«التحنك إدارة العمامة تحت الحنك» فان المراد به التطويق و جعلها تحت الذقن بان يخرج طرفها الى الجانب الآخر الذي هو غير ما دخلت منه.
و (ثانيها)- ان الحنك على ما يفهم من كلام أهل اللغة انما هو ما انحدر عن الذقن أو ما حاذاه من داخل الفم، قال في القاموس: الحنك محركة باطن أعلى الفم من داخل و الأسفل من طرف مقدم اللحيين. و قال في كتاب مجمع البحرين:
و الحنك ما تحت الذقن من الإنسان و غيره و أعلى داخل الفم و الأسفل في طرف مقدم اللحيين من أسفلهما. انتهى. أقول: و منه ما ورد في الاخبار من استحباب تحنيك المولود عند الولادة بالتمر أو الحلو أو ماء الفرات أو التربة الحسينية على مشرفها أفضل السلام و التحية (1) بمعنى إدخال ذلك الى حنكه و هو أعلى داخل الفم، و لا ريب أن الإسدال الذي تضمنته تلك الروايات انما يمر بأعلى أحد اللحيين من اليسار أو اليمين لا بالأسفل و الأسفل من كل من اللحيين هو مجمعهما المسمى بالذقن و هذا هو الذي أشارت إليه العبارتان المتقدمتان، و حينئذ فالتحنك انما هو عبارة عن المرور بالعمامة على الحنك الذي هو هذا الموضع الذي يرجع الى الذقن و اين هذا من الإسدال؟ و بذلك يظهر لك ما في قوله: «ان أكثر كلمات اللغويين لا يأبى عما ذكرنا. إلخ» فإن فيه (أولا) منع صدق الإدارة لأن طرف العمامة لم يأت من الخلف حتى يحصل إدارته إلى الصدر و انما اتى من جانب و اسدل من المكان الذي خرج منه، و مع تسليمه فالمراد الإدارة تحت الحنك لا مطلقا و الحنك قد عرفت معناه و الإسدال لا يتصل به و لا يصل إليه.
____________
(1) الوسائل الباب 36 من أحكام الأولاد.
132
و (ثالثها)- ان قوله: «لم يتعرض في شيء من تلك الروايات لإدارة العمامة. إلخ» مسلم و منه نشأ الاشكال و حصل في المسألة الداء العضال، حيث ان هذه الروايات كلها اتفقت على ان السنة في العمامة انما هو الإسدال و تلك الأخبار المعتضدة بكلام أهل اللغة دلت على ان السنة في العمامة هو التحنك بها و هو الإدارة تحت الحنك كما عرفت، و كيف كان فإنهم (عليهم السلام) لم يتعرضوا في هذه الاخبار الأخيرة إلى لفظ التحنك حتى يمكن تفسير التحنك بالإسدال كما زعمه (طاب ثراه) و جعله وجه جمع بين أخبار المسألة. و بحثنا و كلامنا انما هو في معنى التحنك و هو غير موجود فيها، على ان روايات الإسدال مختلفة فبعضها يدل على إسدال طرف على الصدر و طرف من خلف و بعضها يدل على الإسدال من خلف خاصة، و هو قد حمل الجميع على التحنك مع ظهور أن الإسدال من خلف لا يدخل في التحنك قطعا.
و (رابعها)- ان من العجب قوله بعد نقل كلام السيد رضي الدين بن طاوس (قدس سره) و كلامه الذي في البين «و الظاهر من كلام السيد ايضا ان فهمه موافق لفهمنا لانه قال. إلخ» فإن فيه (أولا) ان الخبرين اللذين نقلهما عن السيد انما تضمنا إسدال العمامة من خلف بين الكتفين فكيف يمكن تفسير التحنك الذي هو الإدارة تحت الحنك كما عرفت بالإسدال من خلف؟ ما هو إلا سهو ظاهر نشأ من الاستعجال، و هل يفهم أحد ممن له ذوق فضلا عن السيد المزبور و عن من مثله (طاب ثراه) لو لا الاستعجال في هذا المجال دخول الإسدال بين الكتفين تحت التحنك؟ و (ثانيا) ان نقله هنا عن السيد المزبور قد اشتمل على خلل و قصور. فان ظاهر كلامه هنا و نقله عن السيد ان السيد المذكور قال في الفصل المذكور في التحنك بالعمامة و لم يورد إلا هذين الخبرين فكلامه يدل حينئذ على انه فسر الإسدال في الخبرين بالتحنك الذي عنون به الفصل، و الحال ان الأمر ليس كذلك بل السيد لما عنون الفصل بما ذكره صدره أولا بما يدل على التحنك فقال:
روينا ذلك من كتاب الآداب الدينية عن الطبرسي في ما رواه عن مولانا
133
موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «انا ضامن ثلاثا لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه: ان لا يصيبه السرق و لا الغرق و لا الحرق».
و رويناه ايضا عن البرقي من كتاب المحاسن بإسناده الى ابي الحسن (عليه السلام) ثم قال أقول: و قد روينا في العمامة عند التوجه للمهمات روايات عن ابي العباس احمد بن عقدة. إلى آخر ما قدمناه، الى ان قال في آخر الكلام: أقول: هذا لفظ ما رويناه أردنا أن نذكره ليعلم وصف العمامة في السفر الذي نخشاه. و من الظاهر ان الرواية الأولى التي نقلها عن الطبرسي و المحاسن هي التي عنون لها الفصل المذكور حيث اشتملت على ذكر التحنك و ما نقله أخيرا عن ابن عقدة فإنما قصد به بيان استحباب العمامة على هذه الكيفية مطلقا لا بخصوص السفر، و يشير اليه كلامه في الأخير و هو قوله: «هذا لفظ ما رويناه. إلخ» بمعنى بيان وصف العمامة في السفر و وصفها في الحضر، و لو أراد السيد ما زعمه من حمل الروايتين الأخيرتين على الرواية الأولى بمعنى ان التحنك عبارة عما اشتملت عليه روايتا ابن عقدة لورد على السيد ايضا ما أوردناه عليه من ان دعوى كون الإسدال بين الكتفين تحنكا مما لا يقول به ادنى من له روية من الرجال فضلا عن العلماء الأعلام ذوي الكمال، و الشبهة التي عرضت لشيخنا المذكور انما هو من حيث الإسدال على الصدر بمرور العمامة على أحد اللحيين لا ما إذا كانت بين الكتفين و هذا بحمد الله ظاهر لكل ذي عينين.
و (خامسها)- ان ما استند اليه- من اخبار تحنيك الميت و إيراده رواية عثمان النوا الدالة على صورة التعميم و قوله بعدها «و كذا سائر أخبار تعميم الميت.»-
ففيه انه لا يخفى ان ههنا حكمين أحدهما استحباب التعميم و الآخر استحباب تحنيكه بالعمامة و ليس كل خبر دال على التعميم يستلزم التحنيك كما لا يخفى على من أحاط خبرا بأخبار المسألة، و التحنيك على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و منهم المحقق
____________
(1) الوسائل الباب 59 من آداب السفر.
134
في الشرائع هو ان يلف رأسه بها لفا و يخرج طرفاها من تحت الحنك و يلقيان على صدره و قد استندوا في ذلك الى رواية يونس، قال السيد السند في المدارك بعد ذكر عبارة المصنف: و اما استحباب إخراج طرفي العمامة من تحت الحنك و إلقائهما على صدره فمستنده
رواية يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال: «ثم يعمم يؤخذ وسط العمامة فيثنى على رأسه بالتدوير ثم يلقى فضل الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن و يمد على صدره».
و لا ريب ان هذه الهيئة تشتمل على التحنيك كما هو المشهور لا الإسدال، لأنه متى أخذ طرف العمامة الذي من اليمين و اخرج من تحت حنك الميت الى الجانب الأيسر و أخذ الخارج من الجانب الأيسر و اخرج كذلك الى الجانب الأيمن فإن العمامة من الجانبين قد استوعبت الحنك و غطته و حصل بها التحنيك الذي ندعيه. و الرواية التي أوردها لم يذكر فيها أزيد من التعميم و انه يطرح طرفي العمامة على صدره و ليس فيها تعرض لذكر التحنيك بل هي مجملة كما يمكن حملها على التحنيك كما ذكرناه في رواية يونس يمكن حملها على مجرد الإسدال على الصدر من غير ان يدار بكل من الطرفين الى الجانب الآخر و يحنك بهما كما لا يخفى، و هذا المعنى الثاني هو الذي فهمه منها السيد في المدارك فقال بعد نقل رواية يونس أولا ثم نقل جملة من الروايات و منها رواية عثمان المذكورة:
و الرواية الأولى هي المشهورة بين الأصحاب (رضوان الله عليهم). و بالجملة فكلام شيخنا المشار اليه (قدس سره) في هذا المجال لا يخلو من غفلة و استعجال أو اشتغال و توزع في البال نعم يبقى الكلام في الجمع بين أخبار المسألة فإن الروايات المشتملة على التحنك لمن اعتم دالة بظاهرها على ما فهمه الأصحاب (رضوان الله عليهم) من استحباب التحنك بالعمامة مطلقا لا بخصوص الصلاة و ان السنة فيها ذلك و يعضده كلام أهل اللغة و الروايات المشتملة على الإسدال دالة على انه المستحب دائما و هو خلاف التحنك كما ظهر لك، و الذي يقرب بخاطري العليل و يدور في فكري الكليل هو ان يقال لا ريب ان
____________
(1) الوسائل الباب 14 من أبواب التكفين.
135
اخبار التحنك بعضها دل على استحبابه في السفر و بعضها دل على استحبابه في السعي لقضاء الحاجة و بعضها بمجرد التعمم، و لا يخفى ان المنافي لاخبار الإسدال ظاهرا انما هو اخبار القسم الثالث حيث انها- كما فهمه الأصحاب (رضوان الله عليهم)- تدل على دوام ذلك و استمراره ما دام معتما، و حينئذ فيمكن القول ببقاء اخبار الفردين الآخرين على ظاهرها من غير تأويل إذ لا منافاة فيهما فان موردها خاص بهذين الفردين فيختص بها أخبار الإسدال، و وجه الجمع حينئذ هو حمل اخبار القسم الثالث على ان المراد التحنك وقت التعمم بان يدير العمامة بعد فراغه من التعمم تحت حنكه لا دائما كما فهمه الأصحاب و بما ذكرنا يشعر ظاهر الأخبار المذكورة فإن ظاهر قوله «و لم يتحنك»- من حيث كونه حالا من الفاعل في قوله: «من تعمم» و الحال قيد في فاعلها- يعطي أن التحنك وقت التعمم، و اما استمرار ذلك فيحتاج الى دليل و ليس إلا ما قدمنا مما هذه صورته، و حينئذ تبقى اخبار الإسدال على ظاهرها فيكون المستحب دائما هو الإسدال و التحنك مخصوص بهذه الصور الثلاث. و لا قدح يتطرق الى ما ذكرناه إلا مجرد مخالفة الأصحاب في ما فهموه من هذه الاخبار حيث لم أقف على قائل بما ذكرناه لكن لا يحضرني وجه للجمع بينها غير ذلك، و الظاهر انه الى ذلك يشير ما قدمناه من كلام السيد ابن طاوس بالتقريب الذي قدمنا ذكره. و الله العالم.
و (منها)-
كراهة الإمامة بغير رداء
، و الحكم بذلك مشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا اعرف فيه مخالفا. و ظاهر الشهيدين استحباب الرداء للمصلي مطلقا.
و قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار: و الذي يظهر لنا من الأخبار ان الرداء انما يستحب للإمام و غيره إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه أو لا يكون صفيقا و ان ستر منكبيه لكنه في الإمام آكد، و إذا لم يجد ثوبا يرتدي به مع كونه في إزار و سراويل فقط يجوز ان يكتفي بالتكة و السيف و القوس و نحوها، و يمكن القول باستحباب
136
الرداء مع الأثواب المتعددة أيضا لكن الذي ورد التأكيد الشديد فيه يكون مختصا بما ذكرناه.
و قال السيد السند في المدارك: و هذا الحكم أعني كراهة الإمامة بغير رداء مشهور بين الأصحاب و احتجوا عليه
بصحيحة سليمان بن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء؟ قال لا ينبغي إلا ان يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها».
و هي انما تدل كراهة الإمامة بدون الرداء في القميص وحده لا مطلقا و يؤكد هذا الاختصاص
قول ابي جعفر (عليه السلام) لما أم أصحابه في قميص بغير رداء (2): «ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي إزار و لا رداء».
ثم نقل عن جده (قدس سره) انه قال و كما يستحب الرداء للإمام يستحب لغيره من المصلين و ان كان للإمام آكد. قال و احتج عليه بتعليق الحكم على مطلق المصلي في عدة أخبار
كصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) انه قال: «ادنى ما يجزئك ان تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف».
و صحيحة عبد الله بن سنان (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل ليس معه إلا سراويل فقال يحل التكة فيضعها على عاتقه و يصلي و ان كان معه سيف و ليس معه ثوب فليتقلد السيف و يصل قائما».
و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا».
ثم قال: و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف لاختصاص الروايتين الأخيرتين بالعاري و عدم ذكر الرداء في الرواية الاولى بل أقصى ما تدل عليه استحباب ستر المنكبين سواء كان بالرداء أم بغيره. و بالجملة فالأصل في هذا الباب رواية سليمان بن خالد و هي انما تدل على كراهة الإمامة بدون الرداء في القميص وحده فإثبات ما زاد على ذلك يحتاج الى دليل. انتهى.
أقول و بالله التوفيق لبلوغ المأمول و نيل المسؤول: لا يخفى ان المفهوم من تتبع
____________
(1) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 53 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 22 من لباس المصلي.
137
الأخبار- كما لا يخفى على من جاس خلال الديار- ان الرداء في الصدر الأول ليس إلا من جملة الثياب التي يلبسها الناس يومئذ مثل القميص و القباء و نحوهما لا اختصاص له بمصل و لا غيره فضلا عن ان يكون إماما أو غير امام، و المستفاد من اخبار هذا الباب انه يستحب للمصلي إماما كان أو غيره ان يصلي في ثوبين أحدهما فوق الآخر رداء كان الثوب الأعلى أو قباء أو غيرهما، و انه متى كان ظهره مكشوفا فإنه يستحب تغطيته بان يضع على عاتقه رداء أو قباء أو نحو ذلك مما يستر ظهره، و لو تعذر فإنه يجزئه و لو مثل حمائل السيف و تكة السروال و نحوهما، و انه يتأكد ذلك في الموضعين في الامام، و حينئذ فالسؤال و الجواب في صحيحة سليمان بن خالد التي استندوا إليها في استحباب الرداء للإمام لا دلالة فيها على خصوصية الرداء و لا الإمام إلا من حيث السؤال، و الكلام فيها انما خرج مخرج التمثيل و إلا فهما من قبيل الأسئلة الآتية في كل مصل و في كل ثوب، و به يظهر انه لا دلالة في الرواية على ما ادعوه، و يؤيد ذلك ما أشار إليه السيد من الرواية عن ابي جعفر (عليه السلام) و قوله: «ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي إزار و لا رداء» فان فيه ما يشير الى عدم استحباب الرداء من حيث هو رداء، و لا ينافي ما ذكرناه من استحباب الثوبين لجواز خروجها مخرج الجواز لأنهم كثيرا ما يتركون المستحبات و يفعلون المكروهات لبيان الجواز كما صرح به غير واحد من الأصحاب.
ثم ان مما يدل على ما ذكرناه من الأحكام مضافا الى الروايات المتقدمة
صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في قميص واحد أو قباء وحده؟ قال ليطرح على ظهره شيئا. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل و رداء؟ قال لا بأس به و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلى في ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال لا يصلح لها إلا ان تلبس درعها. و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في إزار و ملحفة و مقنعة و لها درع؟
____________
(1) ارجع الى ص 26.
138
قال إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلا و عليها درع و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في إزار و ملحفة تقنع بها و لها درع؟ قال لا يصلح ان تصلي حتى تلبس درعها.
و سألته عن السراويل هل يجزئ مكان الإزار؟ قال نعم. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في إزار و قلنسوة و هو يجد رداء؟ قال لا يصلح. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في سراويل و قلنسوة قال لا يصلح. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يؤم في ممطر وحده أوجبه وحدها؟ قال إذا كان تحته قميص فلا بأس. و سألته عن الرجل هل يؤم في قباء و قميص؟ قال إذ كان ثوبين فلا بأس».
و أنت خبير بأنه يستفاد من مجموع هذه الأجوبة المنقولة عنه (عليه السلام) ما قدمنا ذكره من ستر أعالي البدن متى كان مكشوفا و عليه تدل صحيحة زرارة المتقدمة و ما بعدها، و استحباب الصلاة للرجل في ثوبين كما تدل عليه صحيحة سليمان بن خالد، فإنها ليست إلا من قبيل هذه الأسئلة المتضمنة للثوبين، و ان وقع فيها السؤال عن الامام و الرداء فليس الإمام إلا كغيره من المصلين و ليس الرداء إلا كغيره من الثوبين في هذا الخبر، نعم لو كان الرداء انما يختص لبسه بحال الصلاة لكان للتخصيص به وجه إلا ان الأمر ليس كذلك كما أشرنا إليه آنفا بل هو من جملة الثياب المتعارفة اللبس دائما فسبيله كسبيل غيره منها، و بذلك يظهر انه لا اثر لاستحباب الرداء في الصلاة لإمام كان أو غيره كما يشير اليه كلام شيخنا المجلسي (قدس سره).
[فوائد]
بقي في المقام فوائد يجب التنبيه عليها
(الاولى) [تعريف إسدال الرداء و النهي عنه]
قد اضطرب كلام جملة من علماء الخاصة و العامة في معنى الإسدال للرداء بعد اتفاقهم على كراهة السدل، فقال في التذكرة:
يكره السدل و هو ان يلقى طرف الرداء من الجانبين و لا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى و لا يضم طرفيه بيده. و قال الشهيد (قدس سره) في النفلية هو ان يلتف بالإزار فلا يرفعه على كتفيه. و قال شيخنا الشهيد الثاني: و اعلم انه ليس في الاخبار و أكثر عبارات الأصحاب بيان كيفية لبس الرداء بل هي مشتركة في انه يوضع على
139
المنكبين. و في التذكرة هو الثوب الذي يوضع على المنكبين، و مثله في النهاية. فيصدق أصل السنة بوضعه كيف اتفق، لكن لما روى كراهة سدله- و هو ان لا يرفع أحد طرفيه على المنكب و انه فعل اليهود
و روى علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح ان يجمع طرفي ردائه على يساره؟ قال لا يصلح جمعهما على اليسار و لكن اجمعهما على يمينك أودعهما».
- تعين ان الكيفية الخالية عن الكراهة هي وضعه على المنكبين ثم يرد ما على الأيسر على الأيمن، و بهذه الهيئة فسره بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) لكن لو فعله على غير هذه الهيئة خصوصا ما نص على كراهته هل يثاب عليه؟ لا يبعد ذلك لصدق مسمى الرداء و هو في نفسه عبادة لا يخرجها كراهتها عن أصل الرجحان، و يؤيده إطلاق بعض الاخبار و كونها أصح من الاخبار المقيدة. انتهى. و قد تقدم كلام ابن إدريس الدال على كراهية السدل كما تفعله اليهود و هو ان يتلفف بالإزار و لا يرفعه على كتفيه و ان هذا هو اشتمال الصماء عند أهل اللغة.
أقول: مما وقفت عليه من الاخبار الدالة على النهي عن السدل
ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) على قوم فرآهم يصلون في المسجد قد سدلوا أرديتهم فقال لهم ما لكم قد سدلتم ثيابكم كأنكم يهود خرجوا من فهرهم؟- يعني بيعتهم- إياكم و سدل ثيابكم».
و هذا الخبر هو الذي أشار إليه شيخنا الشهيد (قدس سره) و كذلك ابن إدريس، و لا ريب ان هذا الخبر بحسب ظاهره مناف لصحيحة علي بن جعفر المذكورة في كلام شيخنا المشار إليه، فإنها دالة على التخيير بين إرسال طرفي الثوب و بين وضعهما على اليمين و انما كره (عليه السلام) جمعهما على اليسار، و الظاهر ان تخصيص شيخنا المذكور الكيفية الخالية من الكراهة بصورة الجمع على اليمين حيث ان حديث زرارة قد عارض صورة الإسدال الذي هو أحد الفردين المخيرين و اما صورة الوضع على اليمين فلا معارض
____________
(1) الوسائل الباب 25 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى.
140
لها فبقيت على أصل الاستحباب. و فيه ان ظاهر التخيير مساواة الأمرين في الاستحباب و يؤيده
ما رواه في الفقيه عن عبد الله بن بكير (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و يرسل جانبي ثوبه؟ قال لا بأس به».
و الأظهر عندي في وجه الجمع بين الصحيحتين المذكورتين أحد أمرين: اما حمل رواية النهي عن الإسدال على ما إذا صلى في إزار بغير قميص كما يدل عليه
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «انما كره السدل على الأزر بغير قميص فاما على القميص و الجباب فلا بأس».
و اما على وضع الرداء على الرأس و التقنع به و إسداله، و به فسر الخبر المذكور في النهاية قال: فيه «انه نهى عن السدل في الصلاة» و هو ان يلتحف بثوبه و يدخل يديه من داخل فيركع و يسجد و هو كذلك و كانت اليهود تفعله فنهوا عنه، و هذا مطرد في القميص و غيره من الثياب. و قيل هو ان يضع وسط الإزار على رأسه و يرسل طرفيه عن يمينه و شماله من غير ان يجعلهما على كتفيه،
و منه حديث على (عليه السلام) انه رأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم.
انتهى. و ظاهر كلام جملة من علمائنا و علماء العامة ان اليهود كذلك يفعلون، و حينئذ فيبقى ما دل عليه صحيح علي بن جعفر من التخيير بين الإسدال و الوضع على اليمين صحيحا لا اشكال فيه و لا كراهة تعتريه. و كلامه في النهاية متضمن لتفسير الإسدال المكروه بمعنيين آخرين غير المعنيين المتقدمين.
(الثانية) [هل يستحب الرداء بخصوصه؟]
- قال في المدارك: و ينبغي الرجوع في الرداء الى ما يصدق عليه الاسم عرفا و انما تقوم التكة و نحوها مقامه مع الضرورة كما تدل عليه رواية ابن سنان و اما ما اشتهر في زماننا من اقامة غيره مقامه مطلقا فلا يبعد ان يكون تشريعا. انتهى.
أقول: فيه انه مبني على ثبوت استحباب الرداء بخصوصه و قد عرفت ما فيه و انه
____________
(1) الوسائل الباب 25 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 25 من لباس المصلى.
141
محل المنع و يشير الى ما ذكرناه ما تقدم من كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) ايضا، و قال شيخنا المشار إليه أيضا زيادة على ما تقدم: و يحتمل ان يكون القباء و شبهه أيضا قائما مقام الرداء بل الرداء شامل له، و قال الفاضلان الرداء هو ثوب يجعل على المنكبين.
و في القاموس انه ملحفة. انتهى. و هو جيد إلا ان قوله: «بل الرداء شامل له» محل نظر فان الرداء لغة و عرفا ثوب مخصوص كغيره من الثياب المخصوصة المتعينة في حد ذاتها فكيف يحتمل دخول القباء و نحوه تحت إطلاقه؟ و عبارة الفاضلين لا دلالة لها على ما ادعاه لان مرادهما الإشارة إلى أنه ثوب معلوم يجعل على المنكبين إشارة إلى تبادره و معلوميته كغيره من أصناف الثياب لا ان مرادهما اي ثوب كان و بالجملة فإن المستفاد من الاخبار هو ما قدمنا تحقيقه من انه يستحب ان يكون على المصلي ثوبان أحدهما على الآخر كائنا من كان و كائنا ما كان.
(الثالثة) [حكم جعل منديل أو خيط على الرقبة]
- قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحث عن الرداء: و اما ما هو الشائع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الأثواب المتعددة ففيه شائبة بدعة أقول: وجه البدعية ظاهر إذ فعل شيء باعتقاد شرعيته و توظيفه من الشارع و الحال انه ليس كذلك تشريع. و قد حضرت في صغر سني بعض من يتسمى بالفضل و يدعيه يفعل ذلك في حال إمامته بالناس و لعل منشأ الشبهة عندهم اخبار وضع التكة و حمائل السيف و نحو ذلك، و لم يتفطنوا الى ان ذلك مخصوص بمن كان ظهره مكشوفا كما هو مورد الأخبار.
(الرابعة) [خبر المعلى بن خنيس و ما يستفاد منه]
-
روى في الكافي بسنده عن معلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ان عليا (عليه السلام) اشترى ثلاثة أثواب بدينار: القميص الى فوق الكعب و الإزار الى نصف الساق و الرداء من بين يديه الى ثدييه و من خلفه الى ألييه ثم رفع يده الى السماء فلم يزل يحمد الله على ما كساه حتى دخل منزله ثم قال هذا
____________
(1) الوسائل الباب 22 من أحكام الملابس.
142
اللباس الذي ينبغي للمسلمين ان يلبسوه. قال أبو عبد الله (عليه السلام) و لكن لا يقدرون ان يلبسوا هذا اليوم و لو فعلنا لقالوا مجنون و لقالوا مراء و الله تعالى يقول:
«وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» (1) قال و ثيابك ارفعها و لا تجرها و إذا قام قائمنا كان هذا اللباس».
أقول: و في هذا الخبر فوائد: (منها) ما قدمنا ذكره ردا على شيخنا المجلسي (قدس سره) من ان الرداء ثوب معلوم معهود لا كل ما يتردى به ليشمل مثل القباء و العباء و نحوهما. و (منها) ان السنة في الرداء ان يكون عرض الثوب بحيث يصل الى الأليين و طوله بقدر ما يصل الى ثدييه. و (منها) ان الرداء في زمان الصادق (عليه السلام) كان يزيد على ذلك كما يستفاد من تتبع الاخبار و السير بحيث انه يجر على الأرض. و (منها) جواز ترك السنة ان كانت مهجورة بين الناس و كان عامة الناس يعيبونها و يتكلمون في عرض من يفعلها، قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: و في الحديث دلالة على انه ينبغي عدم الإتيان بما لا يستحسنه الجمهور و ان كان مستحبا كالتحنك بالعمامة في بلادنا. انتهى.
و (منها)-
كراهة اللثام للرجل
إذا لم يمنع القراءة و الإحرام. و كذا الحكم في النقاب للمرأة، و أطلق الشيخ المفيد في المقنعة المنع من اللثام للرجل و حمله في المعتبر على إرادته الكراهة. و هو حسن للأخبار الدالة على الجواز:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ فقال لا بأس بذلك إذا سمع الهمهمة».
و فيه دلالة على انه مع عدم سماع الهمهمة يحرم كما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا.
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ قال لا بأس بذلك».
____________
(1) سورة المدثر، الآية 4.
(2) الوسائل الباب 35 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 35 من لباس المصلى.
143
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي عن من ذكره من أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «انه قال لا بأس بأن يقرأ الرجل في الصلاة و ثوبه على فيه».
و ما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و يقرأ القرآن و هو متلثم؟ فقال لا بأس به».
و اما ما يدل على الكراهة فهو
ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (3) قال:
«سألته عن الرجل يصلي فيتلو القرآن و هو متلثم؟ فقال لا بأس به و ان كشف عن فيه فهو أفضل. قال و سألته عن المرأة تصلي متنقبة؟ قال ان كشفت عن موضع السجود فلا بأس به و ان أسفرت فهو أفضل».
و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له أ يصلى الرجل و هو متلثم؟ فقال اما على وجه الأرض فلا و اما على الدابة فلا بأس».
قال في الوافي: لعل الوجه في الفرق ان الراكب ربما يتلثم لئلا يدخل فاه الغبار فيلزمه ذلك بخلاف الواقف على الأرض.
و الشيخ قد حمل روايات نفي البأس على ما إذا سمع الهمهمة لصحيحة الحلبي المتقدمة و الأظهر حمل ذلك على الجواز و ان كان الأفضل عدمه لموثقة سماعة إلا ان الجواز مقيد بما إذا لم يمنع السماع لصحيحة الحلبي.
[كراهة الصلاة في القباء المشدود]
و منها- ما ذكره جملة من الأصحاب من كراهة الصلاة في القباء المشدود إلا في الحرب، و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و لا يجوز لأحد ان يصلي و عليه قباء مشدود إلا ان يكون في الحرب فلا يتمكن ان يحله فيجوز ذلك للاضطرار. و ظاهره التحريم و نقل عن صاحب الوسيلة انه حرمة. قال الشيخ في التهذيب: ذكر ذلك علي بن الحسين ابن بابويه و سمعناه من الشيوخ مذاكرة و لم اعرف به خبرا مسندا. و حاول الشهيد (قدس
____________
(1) الوسائل الباب 35 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 35 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 35 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 35 من لباس المصلى.
144
سره) في الذكرى الاستدلال عليه
بما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) انه قال: «لا يصلي أحدكم و هو محزم».
ورد بأنه فاسد لان شد القباء غير التحزم و نقل في البيان عن الشيخ كراهة شد الوسط. و منهم من حمل القباء المشدود على القباء الذي شدت أزراره مع انهم صرحوا بكراهة حل الأزرار في الصلاة و انه من عمل قوم لوط كما ورد به الخبر (2) إلا ان يخص كراهة حل الأزرار بالقميص الواسع الجيب كما تقدم تحقيقه. و بالجملة فإن الحكم لا مستند له و لا دليل عليه كما عرفت فتطويل البحث فيه مما لا ثمرة له مهمة.
و منها-
كراهة الصلاة في الحديد
إذا كان بارزا غير مستور على المشهور و ربما قيل بالتحريم، قال الشيخ في النهاية: و لا تجوز الصلاة إذا كان مع الإنسان شيء من حديد مشهر مثل السكين و السيف فان كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك. و نقل في المختلف عن ابن البراج انه عد في جملة ما لا تصح الصلاة فيه على حال ثوب الإنسان إذا كان فيه سلاح شهير مثل سكين أو سيف، قال: و كذلك إذا كان في كمه مفتاح حديد إلا ان يلفه بشيء و إذا كان معه دراهم سود إلا ان يلفها بشيء.
و الذي وقفت عليه من الاخبار الواردة في هذا المقام كلها دالة على هذا القول و منها-
ما رواه الشيخ عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يصلي الرجل و في يده خاتم حديد».
و عن موسى بن أكيل النميري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «انه حلية أهل
____________
(1) لم نعثر عليه فيما وقفنا عليه من اخبار العامة نعم في نهاية ابن الأثير مادة «حزم»: و فيه «نهى ان يصلى الرجل بغير حزام». و منه الحديث «نهى ان يصلى الرجل حتى يحتزم» و الحديث الآخر انه أمر بالتحزم في الصلاة. و في التذكرة في ما يكره فيه الصلاة «و» عن النبي «ص» «لا يصلى أحدكم إلا و هو محزم».
(2) الوسائل الباب 23 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 32 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى.
145
النار، قال: و جعل الله الحديد في الدنيا زينة الجن و الشياطين فيحرم على الرجل المسلم ان يلبسه في الصلاة إلا ان يكون قبال عدو فلا بأس به. قال قلت فالرجل في السفر يكون معه السكين في خفه لا يستغني عنه أو في سراويله مشدودا، و المفتاح يخشى ان وضعه ضاع أو يكون في وسطه المنطقة من حديد؟ قال لا بأس بالسكين و المنطقة للمسافر في وقت ضرورة و كذلك المفتاح إذا خاف الضيعة و النسيان، و لا بأس بالسيف و كل آلة السلاح في الحرب، و في غير ذلك لا يجوز الصلاة في شيء من الحديد فإنه نجس ممسوخ».
و روى في كتاب العلل في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلي و عليه خاتم حديد؟ قال لا و لا يتختم به الرجل لانه من لباس أهل النار. الحديث».
و عن احمد بن محمد بن ابي الفضل المدائني عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يصلي الرجل و في تكته مفتاح حديد».
قال الكليني: و روى إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس.
و هذه الاخبار- كما ترى- ظاهرة في القول المذكور و الأصحاب لم يتمسكوا في مقابلتها الا بالأصل، قال في المدارك بعد نقل قول الشيخ (قدس سره) في النهاية:
و المعتمد الكراهة، لنا على الجواز الأصل و إطلاق الأمر بالصلاة فلا يتقيد إلا بدليل، و على الكراهة ما رواه الشيخ، ثم نقل روايتي السكوني و موسى بن أكيل المذكورتين.
و هذا الكلام جيد على أصله من رد الأخبار الضعيفة و الاعتماد على الأصل في مقابلتها و ان عمل بها في الكراهة و الاستحباب و قد عرفت ما فيه في غير باب، بل قال في المدارك هنا: و يمكن القول بانتفاء الكراهة مطلقا لضعف المستند. انتهى. و هو خلاف ما هو عليه في غير مقام من الأحكام كما لا يخفى على من لاحظ كتابه.
و بالجملة فالحكم عند من يحكم بصحة الاخبار و لا يرى العمل بهذا الاصطلاح
____________
(1) الوسائل الباب 32 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى.
146
المحدث لا يخلو من اشكال إلا ان ظاهر حديث النميري ان العلة في المنع من الصلاة فيه انما هو من حيث انه نجس ممسوخ، و قد قدمنا في كتاب الطهارة ان الأصح طهارته و حينئذ فيضعف الاعتماد على هذه الاخبار.
و يعضد ذلك
ما رواه في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في ما كتبه الى صاحب الزمان (عجل الله فرجه) (1) «انه سأله عن الرجل يصلي و في كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد هل يجوز ذلك؟ فكتب في الجواب جائز».
و رواه الشيخ في كتاب الغيبة.
و روى الصدوق في كتاب العلل بإسناده عن عبد خير (2) قال: «كان لعلي ابن ابي طالب (عليه السلام) أربعة خواتيم يتختم بها: ياقوت لنيله و فيروزج لنصره و الحديد الصيني لقوته و عقيق لحرزه. الحديث».
و فيه دلالة على جواز لبس الحديد الصيني إلا انه لا يدل على جواز الصلاة فيه صريحا، مع ان ظاهر سند الخبر انه عامي فيضعف الاعتماد عليه في تخصيص اخبار المنع من الحديد مطلقا سيما و قد روى الشيخ في التهذيب في باب فضل الكوفة حديثا يتضمن كراهة التختم به.
و كيف كان فتسقط الكراهة بستره كما دلت عليه مرسلة الكليني و به صرح الأصحاب، قال في المعتبر و تسقط الكراهة مع ستره وقوفا بالكراهة على موضع الاتفاق ممن كرهه.
و (منها)-
كراهة الصلاة في ثوب المتهم بعدم توقي النجاسات
و كذا من يعلم انه لا يتوقى النجاسات على المشهور بين الأصحاب و منهم الشيخ في النهاية حيث قال إذا عمل مجوسي ثوبا لمسلم يستحب ان لا يصلي فيه إلا بعد غسله و كذا إذا استعار ثوبا من شارب خمرا و مستحل شيء من النجاسات يستحب ان يغسل أولا ثم يصلى فيه. و قال الشيخ في المبسوط إذا عمل كافر ثوبا لمسلم فلا يصلي فيه إلا بعد غسله و كذلك إذا صنعه له لأن
____________
(1) الوسائل الباب 32 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 32 من لباس المصلى.
147
الكافر نجس و سواء كان كافر أصل أو كافر ردة أو كافر ملة. و هو ظاهر في التحريم و اختاره ابن إدريس و جعل قول الشيخ في النهاية خبرا واحدا أورده إيرادا لا اعتقادا بل اعتقاده و فتواه ما ذكره في المبسوط. و قال ابن الجنيد: فان كان استعاره من ذمي أو ممن الأغلب على ثوبه النجاسة أعاد خرج الوقت أو لم يخرج. و هو مؤذن بقول الشيخ في المبسوط مع انه قبل ذلك- على ما نقله العلامة في المختلف عنه- قال: و استحب تجنب ثياب المشركين و من لا يؤمن على النجاسة من ثوبه و التنظيف لجسده منها و خاصة منازلهم و ما سفل من أثوابهم التي يلبسونها و ما يجلسون عليه من فرشهم، و لو صلى عليه أو فيه ثم علم بنجاسته اخترت له الإعادة في الوقت و غير الوقت و هي في الوقت أوجب منها إذا خرج. انتهى و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة إلا ان يحمل كلامه الأول على الاستحباب و ان كان خلاف ظاهره اعتمادا على ما قدمه من هذا الكلام المذكور. و قال الشيخ: يجوز للرجل ان يصلي في ثوب المرأة إذا كانت مأمونة. و عد ابن البراج في المكروه ثوب المرأة للرجل و أطلق.
[الأصل في الأشياء الطهارة]
و أقول: قد تقدم في مباحث المقصد الثاني من الباب الخامس من كتاب الطهارة تحقيق ان الأصل في الأشياء الطهارة و انه لا يخرج عن أصالة الطهارة بمجرد ظن النجاسة بل لا بد من العلم، و جملة الأخبار الدالة على هذا الأصل، و منها جملة من الاخبار في الثياب التي يعملها المجوس. و ان بإزائها أخبارا دالة على خلاف ذلك من العمل بظن النجاسة، و ان الشيخ و من تبعه قد حملوا الأخبار المخالفة على الاستحباب، و لا بأس بنقل بعض اخبار الطرفين في المقام إذ ربما يعسر على الناظر هنا الرجوع الى ذلك الكتاب فنقول: مما يدل على ما هو مقتضى القاعدة المتفق عليها
صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثياب السابرية يعملها المجوس و هم أخباث و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال ألبسها و لا اغسلها و أصلي فيها؟
____________
(1) الوسائل الباب 73 من النجاسات.
148
قال نعم قال معاوية فقطعت له قميصا و خطته و فتلت له أزرارا و رداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما أريد فخرج فيها إلى الجمعة».
و صحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: «سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر: اني أعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه.».
و رواية المعلى بن خنيس (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس و النصارى و اليهود».
الى غير ذلك من الاخبار المتعلقة بالثياب و غيرها.
و مما يدل على خلاف ذلك من البناء على ظن النجاسة كما هو مذهب المبسوط و ابن إدريس
صحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: «سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري و يشرب الخمر فيرده أ يصلي فيه قبل ان يغسله؟ قال لا يصلي فيه حتى يغسله».
و من ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و رواية أبي بصير المتقدمتان في المقام الأول من المطلب الثاني في ما يجوز لبسه للمصلي و ما لا يجوز (4) و نحوهما غيرهما مما تقدم ثمة.
و اما ما يدل على الحمل على الاستحباب كما فهمه الأصحاب
فرواية ابي علي البزاز عن أبيه (5) قال: «سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلي فيه قبل ان يغسل؟ قال لا بأس و ان يغسل أحب الي».
و صحيحة الحلبي (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب المجوسي فقال يرش بالماء».
و التقريب في هذا الخبر ما علم من الاخبار المتكاثرة من
____________
(1) الوسائل الباب 74 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 73 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 74 من النجاسات.
(4) ص 52.
(5) الوسائل الباب 73 من النجاسات.
(6) الوسائل الباب 73 من النجاسات.
149
استحباب الرش في موضع يقين الطهارة إذا عرض ما يؤذن بظن النجاسة أو النفرة أو نحو ذلك كملاقاة الكلب و الخنزير باليبوسة و نحوهما.
و من الأخبار الظاهرة في هذه المسألة بالنسبة إلى المتهم بعدم توقي النجاسات
ما رواه الكليني و الشيخ عن العيص بن القاسم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في ثوب المرأة و في إزارها و يعتم بخمارها؟ قال نعم إذا كانت مأمونة».
و رواه الصدوق عن العيص و طريقه إليه في المشيخة صحيح فيكون الخبر صحيحا، و هو دال بمفهومه على المنع من غير المأمونة.
و (منها)-
كراهة صلاة المرأة في خلخال له صوت
فلو كان أصم جاز من غير كراهة، و يدل على كل من الحكمين
ما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «انه سأله عن الخلاخل هل يصلح لبسها للنساء و الصبيان؟ قال ان كانت صماء فلا بأس و ان كان لها صوت فلا يصلح».
و لا اختصاص للرواية بحال الصلاة كما يظهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) نعم تدل على ذلك بإطلاقها و قال ابن البراج لا تصح الصلاة في خلاخل النساء إذا كان لها صوت.
و (منها)-
كراهة الصلاة في ثوب فيه تماثيل أو خاتم كذلك
على المشهور، و قال الشيخ في المبسوط: الثوب إذا كان فيه تماثيل و صور لا تجوز الصلاة فيه. و قال فيه ايضا:
لا تصل في ثوب فيه تماثيل و لا خاتم كذلك. و نحوه في النهاية. و نقل عن ابن البراج انه حرم الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة و لم يذكر الثوب. و ظاهر كلام الأكثر عدم الفرق في المثال بين صور الحيوان و غيره و قال ابن إدريس: إنما تكره الصلاة في الثوب الذي عليه الصور و التماثيل من الحيوان فاما صور غير الحيوان فلا بأس. و قال في الذكرى: و لعله نظر الى تفسير قوله تعالى «يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ» (3)
____________
(1) الوسائل الباب 49 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 62 من لباس المصلي.
(3) سورة السبإ، الآية 12.
150
فعن أهل البيت (عليهم السلام) (1) انها كصور الأشجار.
[الأخبار المتعلقة بهذا المقام]
أقول: و ها انا انقل هنا ما وصل الي من الاخبار المتعلقة بهذا المقام مما تضمن الثياب و غيرها و اذيلها بما يفهم منها من الأحكام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر عليهم الصلاة و السلام:
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن التماثيل في البيت؟ فقال لا بأس إذا كانت عن يمينك و عن شمالك و من خلفك أو تحت رجلك، و ان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا».
و عن عبد الله بن سنان بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه كره ان يصلى و عليه ثوب فيه تماثيل».
و عن عمار بن موسى في الموثق (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في ثوب في علمه مثال طير أو غير ذلك؟ قال لا. و عن الرجل يلبس الخاتم فيه نقش مثال الطير أو غير ذلك؟ قال لا تجوز الصلاة فيه».
و روى الصدوق في حديث المناهي المذكور في الفقيه (5) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان ينقش شيء من الحيوان على الخاتم».
و ما رواه الصدوق عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) «انه سأله عن الدراهم السود تكون مع الرجل و هو يصلي مربوطة أو غير مربوطة؟ قال ما اشتهى ان يصلي و معه هذه الدراهم التي فيها التماثيل، ثم قال ما للناس بد من حفظ بضائعهم فإن صلى و هي معه فلتكن من خلفه و لا يجعل شيئا منها بينه و بين القبلة».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من أحكام المساكن.
(2) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 46 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى.
151
و عن محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الصلاة في الثوب المعلم فكره ما فيه من التماثيل».
و ما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه».
و ما رواه في كتاب الخصال بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربع مائة (3) قال: «لا يسجد الرجل على صورة و لا على بساط فيه صورة و يجوز ان تكون الصورة تحت قدميه أو يطرح عليها ما يواريها، و لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه و هو يصلي و يجوز ان تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف و يجعلها في ظهره».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلي و التماثيل قدامي و انا انظر إليها؟ قال لا. اطرح عليها ثوبا و لا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، و ان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا و صل».
و عن محمد بن ابي عمير في الصحيح عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن التماثيل تكون في البساط لها عينان و أنت تصلي؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى. و لم يصف هذه الرواية بالصحة فيما وقفنا عليه من النسخ و الظاهر انها هي صحيحة محمد بن مسلم الآتية بعد صحيحة ليث المرادي التي يرويها عن الشيخ بمقتضى سياق كلامه و لم نعثر في كتب الحديث على رواية بهذا اللفظ إلا في موضع واحد من التهذيب فقط. نعم في مكارم الأخلاق ص 29 رواية بهذا اللفظ:
«لا بأس ان تكون التماثيل في البيوت إذا غيرت الصورة» و عليه فالرواية المذكورة تكون مكررة في كلامه (قدس سره).
(3) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى.
152
ان كان لها عين واحدة فلا بأس و ان كان له عينان فلا» و رواه في الكافي الا انه قال:
«تقع عينك عليه و أنت تصلي».
و عن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم السود فيها التماثيل أ يصلي الرجل و هي معه؟ فقال لا بأس بذلك إذا كانت مواراة».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس ان تصلي على كل التماثيل إذا جعلتها تحتك».
و عن ليث المرادي في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الوسائد تكون في البيت فيها التماثيل عن يمين أو شمال؟ فقال لا بأس ما لم تكن تجاه القبلة فإن كان شيء منها بين يديك مما يلي القبلة فغطه وصل، و إذا كان معك دراهم سود فيها تماثيل فلا تجعلها من بين يديك و اجعلها من خلفك».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه».
و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن فراش حرير و مصلى حرير و مثله من الديباج، الى ان قال: و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت فيه أنماط فيها تماثيل قد غطاها؟ قال لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت على بابه ستر خارجه فيه التماثيل و دونه مما يلي البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل؟ هل يصلح له ان يرخي الستر الذي ليس فيه تماثيل حتى يحول بينه و بين الستر الذي فيه تماثيل أو يجيف الباب دونه و يصلي؟ قال نعم لا بأس. و سألته عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة أو شبهه يعبث به أهل البيت هل تصلح الصلاة فيه؟ قال لا حتى يقطع رأسه أو يفسده و ان كان قد صلى فليس عليه اعادة. و سألته عن الدار و الحجرة فيها التماثيل أ يصلى فيها؟
____________
(1) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى.
153
قال: لا تصل فيها و شيء منها مستقبلك إلا ان لا تجد بدا فتقطع رؤوسها و إلا فلا تصل».
و رواه في كتاب المحاسن عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في بيت على بابه ستر. الى آخر الأسئلة و الأجوبة».
و ما رواه في كتاب المكارم عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«ربما قمت أصلي و بين يدي و سادة فيها تماثيل طائر فجعلت عليه ثوبا. و قال قد أهديت الي طنفسة من الشام فيها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر. و قال ان الشيطان أشد ما يهم بالإنسان إذا كان وحده».
و عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ قال لا بأس ما لم يكن فيه شيء من الحيوان».
و عن ابي بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انما نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و نفر شبها؟ قال لا بأس بما يبسط منها و يفترش و يوطأ إنما يكره منها ما نصب على الحائط و السرير».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يصلي و في ثوبه دراهم فيها تماثيل؟ فقال لا بأس بذلك».
و ما رواه الكليني في الصحيح عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (6) «انه أراه خاتم ابي الحسن (عليه السلام) و فيه وردة و هلال في أعلاه».
____________
(1) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 4 من أحكام المساكن.
(3) مكارم الأخلاق ص 69.
(4) مكارم الأخلاق ص 69 و رواه في الوسائل عن الشيخ في الباب 94 من ما يكتسب به.
(5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
(6) الوسائل الباب 46 من أبواب لباس المصلى.
154
و روى في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بتماثيل الشجر».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ فقال لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان».
و ما رواه في كتاب الخصال عن ابي بصير و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه و هو يصلي، و يجوز ان تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف و يجعلها في ظهره».
هذا ما حضرني من الاخبار المتعلقة بهذا المقام
و الكلام فيها يقع في مواضع:
[الموضع] (الأول) [استفادة عدم التحريم من بعض الأخبار]
لا يخفى ان أكثر هذه الاخبار و ان كان ظاهره التحريم باعتبار ظاهر النهي و ما ورد من المبالغة في الزجر عن ذلك إلا ان جملة منها مما يدل على الجواز مثل صحيحة محمد بن مسلم الأخيرة الدالة على نفى البأس عن صلاة الرجل و في ثوبه دراهم و فيها تماثيل، و صحيح البزنطي الدال على الوردة و الهلال في خاتم ابي الحسن (عليه السلام) كما تقدم، و صحيحة محمد بن مسلم الدالة على نفي البأس عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر، و حديث الطنفسة المنقول من المكارم الدال على تغيير صورة الطير إلى صورة الشجر، و بعض الأخبار الواردة بلفظ «لا اشتهي و لا أحب» مضافا ذلك الى اتفاق جمهور الأصحاب على الكراهة، فالقول بالتحريم ضعيف.
[الموضع] (الثاني) [هل تختص الكراهة بذي الروح؟]
- ان ظاهر أكثر الأخبار عموم الكراهة في الصورة من ذوي الأرواح و غيرها إلا ان صحيح زرارة الدال على نفي البأس عن تماثيل الشجر- و صحيحة
____________
(1) الوسائل الباب 94 من ما يكتسب به.
(2) الوسائل الباب 3 من أحكام المساكن.
(3) الوسائل الباب 45 من لباس المصلى و لا يخفى ان رواية أبي بصير و محمد بن مسلم هي حديث الأربعمائة و قد تقدمت في الحديث 8 من هذه الأحاديث.
155
محمد بن مسلم الدالة على زيادة الشمس و القمر على الشجر في ذلك، و كذلك حديث الطنفسة، و كذلك خبر البزنطي المذكور فيه خاتم ابي الحسن (عليه السلام)- يدل على تخصيص الكراهة بذي الروح كما ذهب اليه ابن إدريس.
و من ذلك ينقدح هنا اشكال باعتبار الاستدلال بهذه الاخبار على عموم الكراهة حيث انها دلت على الجواز فتحمل أخبار النهي على الكراهة جمعا بينها و بين هذه الاخبار كما تقدم، و متى حملت هذه الاخبار على عدم تعلق الكراهة بغير ذي الروح و خصت الكراهة بذي الروح لم يبق دليل على الكراهة لأن الأخبار دالة على النهي الذي هو حقيقة في التحريم مؤكدا ذلك بما اشتملت عليه الاخبار من المبالغة في ذلك و لا معارض لها مع قول البعض بالتحريم كما عرفت.
نعم يمكن ان يستدل على ما ذهب اليه ابن إدريس من ان محل الخلاف في المسألة تجويزا و منعا انما هو التماثيل من ذي الروح بما تضمنه جملة من هذه الاخبار مما يدل على كون المثال من ذوي الأرواح كالتصريح بالطائر في بعض و قطع الرأس في بعض و طمس العين في بعض و نحو ذلك.
و يعضده الأخبار الدالة على ان التحريم مخصوص بتصوير ذي الروح و اما غير ذي الروح من الأشجار و نحوها فلا بأس بها
فعن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «في تفسير قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ.» (2) هم المصورون يكلفون يوم القيامة ان ينفخوا فيها الروح».
و في حديث المناهي المروي في الفقيه عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «من صور صورة كلفه الله يوم القيامة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ. الخبر».
و يعضد ذلك كلام بعض اللغويين الدال على ان التمثال انما هو ذو الروح، قال المطرزي في المغرب التمثال ما تصنعه و تصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح و الصورة عام، و يشهد لهذا ما ذكر في الأصل انه صلى و عليه ثوب فيه تماثيل كره له ذلك، قال
____________
(1) الوسائل الباب 3 من أحكام المساكن و 94 من ما يكتسب به.
(2) سورة الأحزاب، الآية 57.
(3) الوسائل الباب 3 من أحكام المساكن و 94 من ما يكتسب به.
156
و إذا قطعت رؤوسها فليس بتماثيل.
و قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير».
كأنه شك من الراوي. و اما قولهم و يكره التصاوير و التماثيل فالعطف للبيان، و اما تماثيل شجر فمجاز ان صح. انتهى. و قال في المصباح المنير: التمثال الصورة المصورة، و في ثوبه تماثيل اي صور حيوانات مصورة.
قال في الذكرى: خص ابن إدريس (قدس سره) الكراهة بتماثيل الحيوان لا غيرها كالأشجار و كأنه نظر الى تفسير قوله تعالى «يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ» (2) فعن أهل البيت (عليهم السلام) انها كصور الأشجار.
و قد روى العامة في الصحاح (3) «ان رجلا قال لابن عباس إني أصور هذه الصور فأفتني فيها فقال سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فيعذبه في جهنم، و قال ان كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر و ما لا نفس له».
و في مرسل ابن ابي عمير عن الصادق (عليه السلام) «في التماثيل في البساط لها عينان. الحديث».
كما قدمناه (4) ثم قال
و عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «لا بأس ان تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه».
و أكثر هذه يشعر بما قاله ابن إدريس و ان أطلقه كثير من الأصحاب (رضوان الله عليهم) انتهى كلامه زيد مقامه. و هو يؤذن بميله الى ما ذهب اليه ابن إدريس و لا يخلو من قوة كما عرفت و ان كان العمل بالقول المشهور أحوط إلا انه- كما قدمنا ذكره- يلزم ما ذكره في المبسوط من القول بالتحريم في تمثال ذي الروح و هو الذي جعله ابن إدريس محل الخلاف في المسألة إذ الاخبار التي قدمناها ظاهرة في الجواز موردها تمثال غير ذي الروح و هو خارج عن محل البحث بناء على مذهب ابن إدريس. نعم يمكن الاستدلال على الكراهة
____________
(1) الوسائل الباب 33 من مكان المصلي.
(2) سورة السبإ، الآية 12.
(3) صحيح مسلم باب «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب و لا صورة» من كتاب اللباس و الزينة.
(4) ص 151.
(5) الوسائل الباب 45 من لباس المصلي.
157
حينئذ بما في ألفاظ بعض تلك الاخبار من لفظ الكراهة و لفظ «لا أحب و لا اشتهي» و نحو ذلك. و فيه ما فيه سيما مع تصريح موثقة عمار المتقدمة المشتملة على تمثال الطير بعدم الجواز و النهي.
و بالجملة فالمسألة عند التأمل في أدلتها لا تخلو من شوب الاشكال، و المتأخرون قد أخذوها مسلمة و لم يذكروا للكراهة دليلا منقحا و رواء نقل بعض هذه الاخبار و هي على ما عرفت، و بذلك على ما ذكرنا ان صاحب الذخيرة قد استدل للقول بالكراهة هنا بموثقة عمار المذكورة و صحيحة محمد بن إسماعيل المشتملة على سؤاله من الرضا (عليه السلام) عن الثوب المعلم فكره ما فيه التماثيل، و لم يذكر غيرهما، و ظاهره الاعتماد في الحكم بالكراهة على لفظه «كره» في هذه الرواية فنظمها مع موثقة عمار الدالة على عدم الجواز و النهي عن تمثال الطير دليلا واحدا لأجل هذا اللفظ مع ما صرح به هو و غيره من ان ورود لفظ الكراهة في الاخبار أكثر كثير في التحريم كما تقدم قريبا، و مع هذا الاستدلال الظاهر الاختلال نقل قول ابن إدريس بالتخصيص بصور الحيوان و قول الشيخ في المبسوط و ردهما بالضعف و الحال ما ترى.
[الموضع] (الثالث) [ما تزول به الكراهة]
- ظاهر كثير من هذه الاخبار زوال الكراهة أو التحريم على القول به بقلع رأس الصورة لو كانت صورة حيوان أو طمس عين منها، و ظاهر ذلك نقص عضو من أعضاء تلك الصورة كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد ابن مسلم: «إذا غيرت الصورة منه» و في هذا ما يؤيد أيضا قول ابن إدريس لأنه إذا زالت الكراهة عن صورة الحيوان بمجرد نقص عضو مع ان سائر اجزائه مماثلة لما وجد منها في الخارج فالشجر و أمثاله أولى بالجواز. و تزول الكراهة بما لو لم تكن الصورة في القبلة بل كانت عن يمين أو شمال أو تحت أو فوق، و تزول ايضا بما لو كانت في القبلة و القى عليها سترا.
و اما ما رواه في كتاب المحاسن في الموثق عن علي بن جعفر (1)
____________
(1) الوسائل الباب 32 من مكان المصلى.
158
قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن البيوت يكون فيها التماثيل أ يصلى فيها قال لا».
فالظاهر تقييده بالأخبار المذكورة.
[الموضع] (الرابع) [النهي عن الصلاة في الدراهم السود مصحوبة أو مطروحة بين يديه]
- قد اتفقت الاخبار على النهي عن الصلاة في الدراهم السود مصحوبة أو مطروحة بين يديه، و تزول الكراهة بشدها في ثوب أو جعلها الى خلفه، إلا ان ظاهر صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج تضمنت انه يشدها في صلاته على ظهره و لا يجعلها مما يلي القبلة لأنه أبعد من توهم المشابهة لعبادة الأصنام التي على تلك الدراهم و هي السبب الموجب لكراهة الصلاة و هي بارزة، لا بمعنى انه يطرحها خلفه وقت الصلاة فإنه مناف للحفظ الذي لأجله سوغ الصلاة فيها بل ربما كان ذلك أعظم في تشويش باله و عدم توجهه في الصلاة و إقباله، و أوضح منه في الدلالة على ما ذكرنا حديث ابي بصير و محمد ابن مسلم و هو الأخير من الاخبار. و اما صحيحة ليث المرادي فالظاهر حملها على صورة عدم الخوف عليها و ان تكون مطروحة على الأرض فإنه يجعلها من خلفه و ان لم يشدها في شيء.
و اما صحيحة حماد بن عثمان فغاية ما تدل عليه زوال الكراهة بمواراتها في أي جهة كانت و ان كان الأفضل ان تكون مواراتها في جهة الخلف كما تدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. و المستفاد من هذه الاخبار و اخبار الدراهم البيض ان الدراهم في الصدر الأول بيض اي من فضة بيضاء و يكتب عليها أسماء الله تعالى كما تقدم في باب الحيض في حديث الدراهم البيض توضع على لحم الخنزير و تأخذها الزانية و فيها أسماء الله تعالى (1) و سود اى من فضة سوداء و عليها صور الأصنام. و لا يخفى ما في هذه المناسبة من الحسن في المقام.
[الموضع] (الخامس) [عدم اختصاص الكراهة بالصور المنقوشة]
- جميع ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب مخصوص بالتماثيل و الصور المنقوشة على الثياب أو الستور أو الخاتم أو الجدران أو نحو ذلك، اما لو كانت الصورة مستقلة غير منقوشة على شيء كصورة طير و نحوه فلم يتعرضوا للكلام فيها و لا ذكرها في ما أعلم أحد. و ظاهر قوله (عليه السلام) في حديث علي بن جعفر المتقدم
____________
(1) ج 3 ص 48.
159
المنقول في كتابي قرب الاسناد و المحاسن و قوله فيه: «و سألته عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة يعبث به أهل البيت. إلخ» هو كراهة الصلاة في ذلك البيت الذي فيه تلك الصورة حتى يقطع رأس الصورة أو يفسدها بنقص بعض أعضائها، و يحتمل كون تلك الصورة منقوشة على جدران البيت إلا ان الظاهر من كونها يعبث بها أهل البيت بمعنى اللعب بها انما هو الأول، و حينئذ فالأحكام المذكورة جارية في التماثيل و الصور منقوشة كانت أو مستقلة.
[كراهة الصلاة في الخضاب]
و (منها)- كراهة الخضاب عند الشيخ (قدس سره) و من تبعه، و الاخبار الواردة في الصلاة في الخضاب لا تخلو من تدافع، و الشيخ جمع بينها بما ذكره من الكراهة فأثبته في مكروهات الصلاة، و الظاهر انه غير متعين للجمع ليكون حكما شرعيا بذلك.
و لا بد من نقل الأخبار المتعلقة بذلك و بيان ما اشتملت عليه، و منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل و المرأة يختضبان أ يصليان و هما بالحناء و الوسمة؟ فقال إذا أبرز الفم و المنخر فلا بأس».
و عن رفاعة (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المختضب إذا تمكن من السجود و القراءة أ يصلي في حنائه؟ قال نعم إذا كانت خرقة طاهرة و كان متوضئا».
و عن محمد بن سهل بن اليسع الأشعري عن أبيه عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته أ يصلي الرجل في خضابه إذا كان على طهر؟ فقال نعم».
و عن عمار الساباطي في الموثق (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تصلي و يداها مربوطتان بالحناء؟ فقال ان كانت توضأت للصلاة قبل ذلك فلا
____________
(1) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
160
بأس بالصلاة و هي مختضبة و يداها مربوطتان».
و ما رواه في الكافي عن ابي بكر الحضرمي في الصحيح اليه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و عليه خضابه؟ قال لا يصلي و هو عليه و لكن ينزعه إذا أراد ان يصلي. قلت ان حناءه و خرقته نظيفة؟ فقال لا يصلي و هو عليه و المرأة أيضا لا تصلي و عليها خضابها».
و ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الحسن عن مسمع بن عبد الملك (2) قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا يصلي المختضب. قلت و لم؟ قال لانه محتضر».
و عن يونس بن عبد الرحمن عن جماعة من أصحابنا (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) ما العلة التي من أجلها لا يحل للرجل ان يصلى و على شاربه الحناء؟ قال لانه لا يتمكن من القراءة و الدعاء».
و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل و المرأة يصلح لهما ان يصليا و هما مختضبان بالحناء و الوسمة؟ قال إذا برز الفم و المنخر فلا بأس».
و أنت خبير بأنه كما يحتمل حمل رواية الحضرمي على الكراهة كما ذكره الشيخ (قدس سره) و من تبعه و جعلوه بذلك حكما شرعيا و مسألة مستقلة، يمكن- بل هو الأظهر- حمل الخبر المذكور على المانع من القراءة أو من الإتيان بها على الوجه الأكمل كما يدل عليه خبر يونس المذكور، و على هذا فالمنع محمول على التحريم على الأول و على الكراهة على الثاني.
و (منها)-
كراهة ما يستر ظهر القدم مما لا ساق له
و ان قل على المشهور بين أكثر المتأخرين و به صرح الشيخ في المبسوط و ابن حمزة، و مثلوا له بالشمشك و النعل السندي، و صرح جملة من المتقدمين بالتحريم كالشيخين في المقنعة و النهاية و ابن البراج
____________
(1) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 39 من لباس المصلي.
(4) الوسائل الباب 39 من لباس المصلى.
161
و سلار و الفاضلين. و اما ما لا يستر الظهر أو يستره و له ساق و ان قل كالخف و الجورب- و ظاهرهم انهما مما له ساق- و النعل العربية مما لا يستر ظهر القدم فلا خلاف فيه بينهم و قال في التذكرة انه موضع وفاق بين العلماء.
و غاية ما استدل به في المعتبر على القول بالتحريم فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و عمل الصحابة و التابعين فإنهم لم يصلوا في هذا النوع. قال في المدارك: و هو استدلال ضعيف (أما أولا) فلأنه شهادة على نفي غير محصور فلا يسمع. ثم لو سلمنا ذلك لم يدل على عدم الجواز لجواز ان يكون تركه لكونه غير معتاد لهم لا لتحريم لبسه و (اما ثانيا) فلان هذا الاستدلال لو تم لاقتضى تحريم الصلاة في كل ما لم يصل فيه النبي (صلى الله عليه و آله) و هو معلوم البطلان. انتهى. و هو جيد.
ثم ان ظاهرهم ان مستندهم في الحكم بالكراهة انما هو تفصيا من ارتكاب ما وقع فيه الخلاف، و لا يخفى ما فيه فان الكراهة حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح. نعم نقل العلامة في المختلف و غيره عن ابن حمزة انه عد النعل السندي و الشمشك في ما يكره الصلاة فيه، قال و روى ان الصلاة محظورة في النعل السندي و الشمشك. و هذه الرواية لم تصل إلينا،
و روى الشيخ في كتاب الغيبة و الطبرسي في كتاب الاحتجاج مما كتبه الحميري إلى الناحية المقدسة (1) «هل يجوز للرجل ان يصلي و في رجليه بطيط لا يغطى الكعبين أم لا يجوز؟ فخرج الجواب جائز».
قال في القاموس:
البطيط رأس الخف بلا ساق. و هذا الخبر مما يؤيد القول بالجواز و هو المعتمد، و الاحتياط لا يخفى سيما مع دعوى ورود الخبر بالنهي كما يشعر به كلام ابن حمزة المتقدم.
و (منها) كراهة البرطلة
جمعا بين
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه كره لباس البرطلة».
و ما رواه
____________
(1) الوسائل الباب 38 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 42 من لباس المصلى.
162
الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى و عليه البرطلة؟ فقال لا يضره».
و مما يؤيد الكراهة أيضا ما ورد من النهي عن الطواف بها (2) معللا في بعض تلك الأخبار بأنها من زي اليهود و لأجل ذلك كرهوا الطواف فيها، بل قيل بالتحريم ايضا كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج. و البرطلة بضم الباء الموحدة و إسكان الراء و ضم الطاء المهملة و تشديد اللام المفتوحة و ربما خففت: قلنسوة طويلة كانت تلبس قديما.
المقدمة السادسة في المكان
و لهم فيه تعريفات عديدة لا تخلو من مناقشات، و الأجود في تعريفه- كما ذكره السيد السند (قدس سره) بالنسبة إلى الإباحة- انه الفراغ الذي يشغله بدن المصلي أو يستقر عليه و لو بوسائط، و باعتبار الطهارة انه ما يلاقي بدن المصلي أو ثيابه.
و البحث هنا يقع في مسائل
[المسألة] (الأولى) [اشتراط الإباحة في مكان المصلي]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط الإباحة في المكان و نعني بها هنا ما قابل الغصب، فيدخل فيها المملوك عينا و منفعة، و المأذون فيه بجملة أقسامه من الاذن الصريح خصوصا كأن يأذن بالصلاة فيه أو عموما كأن يأذن بالكون فيه أو بالفحوى كإدخال الضيف للضيافة و نحوه أو بشاهد الحال كالخانات و الرباطات و الصحاري و سائر الأماكن المأذون في غشيانها و الاستقرار فيها كالحمامات، و لا تجوز في المغصوب عينا أو منفعة كادعاء الوصية بها أو دعوى الاستيجار كذبا و كإخراج روشن أو ساباط في موضع يمنع فيه. و الفرق بين غصب العين و غصب المنفعة مع استلزامه التصرف في العين انه في صورة غصب المنفعة لا يتعرض للعين بغير الانتفاع فلو أراد المالك بيعها أو هبتها لم يمنعه منها بخلاف غصب العين فإنه يمنعه من جميع التصرفات.
هذا، و قد تقدم نقل كلام الفضل بن شاذان في المقدمة الخامسة و صراحته في
____________
(1) الوسائل الباب 42 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 31 من أحكام الملابس.
163
جواز الصلاة في المكان المغصوب و ان اثم من حيث التصرف بغير اذن المالك بشيء من هذه الأنحاء المذكورة.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: اما المغصوب فتحريم الصلاة فيه مجمع عليه، و اما بطلانها فقول الأصحاب و عليه بعض العامة (1) لتحقق النهي المفسد للعبادة (قالوا) النهي عن أمر خارج عن الصلاة كرؤية غريق يحتاج إلى إنقاذه و ليس هناك غير هذا المصلى (قلنا) الحركات و السكنات اجزاء حقيقية من الصلاة و هي منهي عنها و إنقاذ الغريق أمر خارج.
و قال في المدارك: اجمع العلماء كافة على تحريم الصلاة في المكان المغصوب مع الاختيار، و أطبق علماؤنا على بطلانها أيضا لأن الحركات و السكنات الواقعة في المكان المغصوب منهي عنها كما هو المفروض فلا تكون مأمورا بها ضرورة استحالة كون الشيء الواحد مأمورا به و منهيا عنه. و خالف في ذلك أكثر العامة (2) و حكموا بصحتها بناء على جواز كون الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه، و استدلوا عليه بان السيد إذا أمر عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان مخصوص ثم خاطه في ذلك المكان فإنه يكون مطيعا عاصيا لجهتي الأمر بالخياطة و النهي عن الكون. و جوابه ان المأمور به في هذا المثال غير المنهي عنه إذ المأمور به الخياطة و المنهي عنه الكون و أحدهما غير الآخر بخلاف الصلاة الواقعة في المكان المغصوب فان متعلق الأمر و النهي فيهما واحد و هي الحركات و السكنات المخصوصة (فإن قلت) الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة فإذا تعلق به النهي اجتمع الواجب و المحرم في الشيء الواحد و هو الذي أنكرتموه (قلت) هذا الاجتماع انما يقتضي فساد ذلك الكون خاصة لا الخياطة، و وجوبه على تقدير تسليمه انما هو من باب المقدمة و الغرض من المقدمة التوصل الى الواجب و ان كانت منهيا عنها
____________
(1) نسب القرافي المالكي في الفروق ج 2 ص 58 البطلان إلى الحنابلة و الصحة إلى المالكية و الشافعية و الحنفية.
(2) نسب القرافي المالكي في الفروق ج 2 ص 58 البطلان إلى الحنابلة و الصحة إلى المالكية و الشافعية و الحنفية.
164
لسقوط الطلب عندها كما هو في سلوك الطريق المغصوب الى الميقات عند وجوب الحج فتأمل. انتهى.
أقول- و بالله التوفيق إلى هداية سواء الطريق-: الظاهر ان ما ذكره في الذكرى- من التعليل بكون الحركات و السكنات منهيا عنها و النهي في العبادة موجب للفساد- فهو عليل لا يهدي الى سبيل لما قدمنا تحقيقه في مسألة اللباس من ان القدر المعلوم المتفق عليه هو ان النهي إذا توجه للعبادة من حيث هي عبادة فهو مبطل لها، و اما إذا توجه إليها باعتبار أمر خارج فلا و على مدعى البطلان البيان و اقامة الدليل و البرهان لما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في هذا المكان زيادة على ما تقدم، و هذه الحركات و السكنات انما توجه النهي إليها من حيث انها تصرف في مال الغير بغير اذنه، على انا قد قدمنا ايضا منع توجه النهي بالكلية فإن النهي انما توجه الى لبس هذا الثوب من أول الأمر غاية الأمر أنه قارنه الحركات و السكنات في هذا الثوب و أحدهما غير الآخر.
و اما ما ذكره في المدارك من التعليل فالظاهر ايضا انه عليل لا يبرد الغليل، فان للقائل أن يقول ان ما ذكره- من ان اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد محال و هو الذي بنى عليه الاستدلال- ان أريد به مع اتحاد جهتي الأمر و النهي فهو مسلم و لكن الأمر هنا ليس كذلك لما عرفت في مسألة اللباس، و ان أريد و لو مع اختلافهما فهو ممنوع و على المدعى إثباته بالدليل القاطع و البرهان الساطع و انى به؟ و مستند المنع ما قدمنا ثمة من انه مأمور بإزالة النجاسة عن الثوب و البدن لأجل الصلاة و منهي عن الإزالة بالمغصوب مع انه لو أزالها بالماء المغصوب صح ذلك و جاز الدخول به في الصلاة، و كذلك ما ذكره من سلوك الطريق المغصوب الى الحج فإنه مأمور به من حيث كونه مقدمة للواجب و منهي عنه من حيث كونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه فقد اجتمع الأمر و النهي في شيء واحد. و بعين ذلك نقول في الصلاة فإن الحركات و السكنات التي هي عبارة عن القيام و القعود و الركوع و السجود مأمور بها من حيث كونها اجزاء من الصلاة
165
و واجبات فيها و منهي عنها من حيث كونها تصرفا في مال الغير فتصح الصلاة و ان كانت كذلك، و يؤيد ذلك إطلاق الأمر بالصلاة، و مدعى منع الاجتماع في ذلك و محاليته في ذلك عليه الدليل.
و بذلك يظهر ان ادعاء كون اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد محالا ليس على إطلاقه بل انما هو مع اتحاد جهتي الأمر و النهي كما ذكرناه، و العامة إنما حكموا في هذه المسألة بالصحة لما ذكرناه من اختلاف الجهتين و إلا فإنهم و غيرهم من كافة العقلاء لا يجوزون اجتماع الأمر و النهي مع اتحاد الجهة فيهما، و يظهر لك ذلك من مثال الخياطة الذي أوردوه لاختلاف الجهتين فيه كما هو ظاهر في ذلك و لذلك جعلوه مطيعا عاصيا باعتبارين.
و اما ما أجاب به عن كلام المخالفين بقوله: «و جوابه ان المأمور به في هذا المثال غير المنهي عنه.» فهو مردود بما استشعره أخيرا من ان حاصل استدلالهم على اجتماع الأمر و النهى في مثال الخياطة ان الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة لأن الأمر بذي المقدمة أمر بها فيكون مأمورا به لأجل الخياطة و هو منهي عنه من حيث كونه تصرفا في المغصوب بغير اذن المالك فاجتمع الأمر و النهى في شيء واحد.
و اما جوابه عن ذلك بقوله: «قلت هذا الاجتماع انما يقتضي فساد ذلك الكون خاصة. إلخ» فهو خروج عن موضع البحث، إذ الكلام في انه قد منع سابقا اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد و ادعى انه محال و نقل عن العامة انهم حكموا بصحته و استدلوا على ذلك بمثال الخياطة، و الحال انه بمقتضى اعترافه بان الكون في الخياطة واجب من باب المقدمة فيكون مأمورا به و الحال انه منهي عنه من جهة التصرف في مال الغير فقد سلم اجتماع الأمر و النهى الذي منعه سابقا و ادعى محاليته، و جوابه هذا خارج عن محل البحث لأن صحة الفعل بعد ارتكاب المنهي عنه و عدم صحته لا مدخل لها في المقام، انما الكلام في أنهم بنوا استدلالهم في هذه المسألة على بطلان الصلاة في المكان المغصوب
166
على انه يلزم من القول بالصحة اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد و هو محال عقلا و كل ما استلزم المحال فهو باطل، و الحال انه قد اعترف بصحة الاجتماع في مثال الخياطة بالتقريب المذكور، و به يتحقق بطلان دليلهم على بطلان الصلاة في المكان المغصوب. و جوابه بان هذا الاجتماع انما يقتضي. إلخ لا تعلق له بأصل المسألة بل يكفي الخصم اعترافه بصحة الاجتماع إذ منى دليلهم على عدم جواز الاجتماع كما عرفت. على ان التحقيق ان ما ذكره من صحة الحج و سقوط الواجب مع قطع الطريق المغصوب انما نشأ من حيث اختلاف جهتي الأمر و النهي كما ذكرنا لا من حيث ما ذكره، الا ترى انه لو نهى الشارع عن سلوك الطريق المغصوب الى الحج و حج مع سلوكه للزم اجتماع الأمر و النهى في شيء واحد من جهة واحدة و لزم منه فساد الحج البتة لرجوع النهي إليه بطريق الآخرة المستلزم لفساده، و القول بصحة الحج هنا ممنوع و لا أظنه يقول به. و مثله يأتي في مثال الخياطة لو نهى السيد عن الخياطة في مكان مخصوص فإنه يلزم اجتماع الأمر و النهي من جهة واحدة في أمر واحد، و حينئذ فحصول الامتثال ممنوع، و حصول الامتثال في الفرض الأول انما نشأ من حيث اختلاف جهتي الأمر و النهي و ان كانا في شيء واحد لا من حيث ما ذكره. و جوابه بان الاجتماع انما يقتضي فساد الكون خاصة انما يتجه على الثاني و اما على الأول فإنه يقتضي فساد الخياطة و عدم الامتثال لما أمر به السيد البتة. نعم يمكن الجواب عن مثال الخياطة بأن يقال انه على تقدير وجوب المقدمة مطلقا لنا ان نقول ان الكون هنا ليس مقدمة حتى يلزم ان يكون مأمورا به بل هو من لوازم وجود الجسم، إذ المقدمة هي الطريق التي يتوصل بها الى الشيء و ظاهر ان الكون ليس كذلك فلا يلزم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد. و لو انه (قدس سره) أجاب بذلك لاندفع عنه ما ذكرناه من الإيراد و تم له المراد.
و بالجملة فالمسألة- كما قدمنا في حكم اللباس- لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط فيها بالعمل على القول المشهور، و يؤيده
ما رواه ابن ابي جمهور في كتاب عوالي اللئالي
167
مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «روى عن الصادق (عليه السلام) انه سأله بعض أصحابه فقال يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما حال شيعتكم في ما خصكم الله إذا غاب غائبكم و استتر قائمكم؟ فقال (عليه السلام) ما أنصفناهم إن آخذناهم و لا أحببناهم إن عاقبناهم بل نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم و نبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم و نبيح لهم المتاجر لتزكو أموالهم».
و لو لا إرسال الخبر في هذا الكتاب الذي قد اشتمل على نوع من التساهل في نقل الاخبار لما كان عنه معدل في الحكم بما ذكره الأصحاب إلا ان تأييده ظاهر بلا ارتياب. و قد تقدم في اللباس خبران آخران لا يخلوان من التأييد أيضا في هذا المقام.
ثم انه قال في المدارك على اثر الكلام المتقدم: و من هنا يظهر رجحان القول بصحة الطهارة الواقعة في المكان المغصوب كما قطع به في المعتبر لان الكون ليس جزء منها و لا شرطا فيها فلا يؤثر تعلق النهي في فسادها.
أقول: فيه ان الكون و ان كان كما ذكره ليس جزء من الطهارة و لا شرطا فيها إلا ان حركاته في حال الوضوء كالحركات التي في الصلاة فيأتي فيها ما ذكره في الحركات في الصلاة بعينه، فان الوضوء شرعا عبارة عن هذه الأفعال المخصوصة من أخذ الماء باليد مثلا و صبه على الوجه و غسله به و هكذا في باقي الأعضاء. و بالجملة فإن الفرق بين حركات الوضوء و حركات الصلاة غير ظاهر فبعين ما يقال هناك يقال هنا.
قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: و اختلفوا في بطلان الطهارة في المكان المغصوب فذهب المحقق الى العدم بناء على ان الكون ليس جزء منها و لا شرطا فيها و اليه ذهب العلامة في المنتهى، و الفرق بين الطهارة و الصلاة في ذلك مشكل إذ الكون كما انه مأخوذ في مفهوم السكون مأخوذ في مفهوم الحركة و ليس الوضوء و الغسل إلا حركات مخصوصة، و ليس المكان منحصرا في ما يعتمد عليه الجسم فقط
____________
(1) المستدرك الوسائل الباب 4 من الأنفال.
168
فإن الملك و الأحكام الشرعية لا تتعلق به خاصة بل يعم الفراغ الموهوم أو الموجود فكل منهما عبارة حقيقة عن الكون أو يشتمل عليه. انتهى.
أقول: قال في المعتبر: مسألة- لا تصح الصلاة في مكان مغصوب مع العلم بالغصب اختيارا و هو مذهب الثلاثة و اتباعهم و وافق الجبائيان و احمد في إحدى الروايتين و خالف الباقون (1) لنا- أنها صلاة منهي عنها و النهي يدل على فساد المنهي عنه (لا يقال) هذا باطل بالوضوء في المكان المغصوب، و بإزالة عين النجاسة بالماء المغصوب و بان النهي يدل على الفساد حيث يكون متناولا لنفس العبادة، و ليس في صورة النزاع كذلك بل النهي متناول لعارض خارج عن ماهية الصلاة فلا يكون مبطلا (لأنا نقول) الفرق بين الوضوء في المكان المغصوب و الصلاة فيه ان الكون بالمكان ليس جزء من الوضوء و لا شرطا فيه و ليس كذلك الصلاة فإن القيام جزء من الصلاة و هو منهي عنه لانه استقلال في المكان المنهي عن الاستقلال فيه و كذا السجود و إذا بطل القيام و السجود و هما ركنان بطلت الصلاة، و ازالة النجاسة ليست بعبادة إلا مع نية التقرب و إذا جاز ان تقع غير عبادة أمكن إزالة النجاسة و ان كان المزيل عاصيا بالإزالة كما يصح ازالة عين النجاسة من الكافر و الطفل، اما الصلاة فإنها لا تقع إلا عبادة فلا تقع صحيحة مع النهى عنها. و قوله «النهى لم يتناول العبادة» قلنا النهى يتناول العبادة بطريق اللزوم لانه يتناول القيام و السجود و يلزم من بطلانهما بطلان الصلاة. انتهى.
أقول: فيه (أولا) ما أشرنا إليه في مسألة اللباس من انه بمجرد لبس الثوب المغصوب يتحقق الغصب و يترتب الإثم ابتداء و استدامة و هو أمر خارج عن الحركات المخصوصة من حيث هي حركات اعنى القيام و القعود و الركوع و السجود، غاية ما في الباب انها قارنت ذلك التصرف المحرم المنهي عنه و النهي عن المقارن لا يوجب النهي عن المقارن الآخر، فتوجه النهي إلى القيام و السجود كما ذكره ممنوع.
____________
(1) ارجع الى التعليقة ص 163.
169
و (ثانيا)- انه مع تسليم تعلق النهي بذلك فانا لا نسلم الفساد إلا إذا كان النهي عن هذه الأشياء من حيث الصلاة، لأن النهي عن العبادة إنما يبطلها إذا توجه لها من حيث كونها عبادة، و اما لو توجه إليها باعتبار أمر خارج كما في ما نحن فيه فإنه في معنى النهي عن أمر خارج. و مدعى الإبطال في الصورة المذكورة عليه البيان فان المحال الذي رتبوه على الصحة في العبادة متى كانت منهيا عنها من حيث لزوم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد انما هو في ما إذا اتحدت جهتا الأمر و النهي كما تقدم ذكره لا مع التعدد كما عرفت.
و (ثانيا)- ان ما ذكره في الفرق بين الصلاة و الوضوء غير موجه و لا ظاهر، و ذلك لان المكان كما يطلق على ما يستقل عليه الإنسان و يعتمد عليه كذلك يطلق على الفراغ الذي يشغله بدن الإنسان كما عرفت في تعريفه الذي ذكروه في هذا المقام من انه الذي يشغله بدن المصلي أو يعتمد عليه، و حينئذ فللقائل ان يقول كما ان القيام في الصلاة منهي عنه لانه استقلال في المكان المنهي عن الاستقلال فيه كذلك حركات اليد في الوضوء في هذا الفراغ منهي عنها لأنها حركات في المكان المنهي عن الحركة فيه و إذا بطلت هذه الحركات المنهي عنها بطل الوضوء. و بذلك يظهر انه لا فرق- لو ثبت ما ذكره- بين الصلاة و الطهارة في المكان المغصوب.
و (رابعا)- ما ذكره في الذكرى من ان الأفعال المخصوصة من ضرورتها المكان فالأمر بها أمر بالكون مع انه منهي عنه. أقول كأنه يشير بذلك الى لزوم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد إلا انك قد عرفت ما فيه من انه مع تعدد جهتي الأمر و النهي فلا مانع من ذلك و لا محذور فيه.
و اما ما أطال به في الذخيرة في الرد عليه فمما لا طائل تحته متى أحطت خبرا بما ذكرناه من التحقيق في المقام.
و بالجملة فالمسألة لخلوها من النصوص لا تخلو من شوب الاشكال، و الاعتماد على
170
التعليلات العقلية في الأحكام الشرعية مجازفة بل جرأة علي ذي الجلال، و لا سيما مع ما عرفت من قبول الأمور العقلية للاختلاف باختلاف الأفكار و الافهام و تطرق الاختلال.
هذا، و ممن صرح بطلان الطهارة في المكان المغصوب العلامة في النهاية و التذكرة قال: و كذا لو أدى الزكاة و قرأ القرآن المنذور في المكان المغصوب لا يجزئان. اما الصوم في المكان المغصوب فجزم بصحته لانه لا مدخل للكون فيه. و أورد عليه بعدم الفرق بين الصوم و قراءة القرآن مثلا.
[تنبيهات]
إذا عرفت ذلك فتنقيح البحث في المسألة يتوقف على بيان أمور:
(الأول) [حكم ناسي الغصب]
- الظاهر انه لا خلاف في معذورية جاهل أصل الغصب، و اما جاهل الحكم فالمشهور فيه عدم المعذورية، و مال في المدارك تبعا لبعض مشايخه المحققين- و الظاهر انه المحقق الأردبيلي (قدس سره)- إلى المعذورية.
و اما ناسي الغصب فظاهر الأصحاب ان الكلام فيه هنا كالكلام في اللباس و نحن قد قدمنا في ذلك البحث قوة التفصيل بين الوقت و خارجه و الإعادة في الأول دون الثاني، و صاحب المدارك قد اختار هنا ما اختاره المصنف من عدم الإعادة مطلقا، حيث قال بعد ان ذكر ان صحة صلاة الجاهل بالغصب موضع وفاق بين العلماء: لان البطلان تابع للنهي و هو انما يتوجه الى العالم و الأصح ان الناسي كذلك لارتفاع النهي بالنسبة اليه و لهذا اتفق الكل على عدم تأثيمه. انتهى. أقول لا يخفى ان هذا الكلام على إطلاقه لا يخلو من الإشكال لأنه لو تم لاقتضى اطراده في غير مقام من عبادات الناسي مع انه لا خلاف في بطلان صلاة من نسي ركنا من الصلاة، و أيضا فإنه استفاضت الاخبار بوجوب إعادة الصلاة على من صلى في النجاسة ناسيا، و قد علل (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار وجوب الإعادة بإهماله التذكر
حيث قال (عليه السلام) (1) «يعيد صلاته كي يهتم بالشيء إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه».
و هو- كما ترى- صريح
____________
(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات.
171
في عدم معذورية الناسي لان العقوبة على النسيان و عدم التذكر لا تجتمع مع المعذورية، و غاية ما يفيده حديث رفع القلم (1) هو عدم العقوبة لا صحة الصلاة و أحدهما غير الآخر و بذلك يظهر ما في استناده الى الاتفاق على عدم التأثيم.
و بالجملة فالمسألة بالنسبة إلى المكان و اللباس غير منصوصة و التعليل المذكور لا يصلح لتأسيس حكم شرعي لما عرفت، و أحكام الناسي في الاخبار في جملة من الأحكام مختلفة ففي بعضها كما تقدم انه غير معذور و في بعض كنسيان الصوم و الأكل فيه حكموا (عليهم السلام) بصحة الصوم و عدم وجوب الإعادة مطلقا. و من ذلك يعلم انه ليس له حكم كلي و لا قاعدة مطردة فالواجب الوقوف على موارد النصوص في كل جزئي ورد الحكم فيه بالعموم أو الخصوص و إلا فالوقوف على ساحل الاحتياط. و الله العالم.
(الثاني) [موارد جواز الصلاة في المكان المغصوب]
- المشهور بين الأصحاب انه لا فرق في عدم جواز الصلاة في الملك المغصوب بين الغاصب و غيره ممن علم بالغصب. و جوز المرتضى و الشيخ أبو الفتح الكراجكي الصلاة في الصحاري المغصوبة استصحابا لما كانت عليه قبل الغصب، و نفى عنه البعد شيخنا المجلسي في البحار. و لو صلى المالك في المكان المغصوب صحت صلاته إجماعا إلا من الزيدية على ما ذكره في الذكرى. و لو اذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة صحت لارتفاع المانع.
و قال الشيخ في المبسوط: لو صلى في مكان مغصوب مع الاختيار لم تجزئ الصلاة فيه و لا فرق بين ان يكون هو الغاصب أو غيره ممن اذن له في الصلاة فيه لأنه إذا كان الأصل مغصوبا لم تجز الصلاة فيه.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل هذه العبارة: و اختلف في معناه ففي المعتبر ان الآذن المالك لانه قال الوجه الجواز لمن اذن له المالك، و قال الفاضل الآذن
____________
(1) المراد به حديث الرفع المروي في الوسائل في الباب 56 من جهاد النفس و هو
قوله «ص» «رفع عن أمتي تسعة أشياء: السهو و الخطأ و النسيان. الحديث» ..
172
الغاصب. و كلاهما مشكل (اما الأول) فلما قاله في المعتبر. و (اما الثاني) فلانه لا يذهب الوهم الى احتمال جواز اذن الغاصب فكيف ينفيه الشيخ معللا بما لا يطابق هذا الحكم؟
و يمكن توجيه الأول بأن المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يفد إذنه الإباحة كما لو باعه فإنه باطل و لا يجوز للمشتري التصرف فيه. و يجوز ان يقرأ «إذن» بصيغة المجهول و يراد به الاذن المطلق المستند الى شاهد الحال فان طريان الغصب يمنع من استصحابه كما صرح به ابن إدريس و يكون فيه التنبيه على مخالفة المرتضى (رضي الله عنه) و تعليل الشيخ مشعر بهذا. انتهى.
و قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل عبارة الشيخ المذكورة: و الظاهر ان مراده بالإذن إذن الغاصب و ان كان الوهم لا يذهب إلى تأثير إذنه في الصحة، إذ يمكن ان يكون الاشتراط مبنيا على العرف و ان الغالب انه لا يتمكن الغير من الصلاة فيه الا بإذن الغاصب الغالب. و حمله على ارادة المالك كما هو ظاهر المعتبر بعيد جدا إذ لا جهة للبطلان حينئذ و وجهه في الذكرى بان المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يفد إذنه الإباحة كما لو باعه فإنه باطل و لا يجوز للمشتري التصرف فيه. و فيه نظر لمنع الأصل و بطلان القياس فلا يتم الحكم في الفرع. ثم نقل ما احتمله في الذكرى من القراءة بصيغة المجهول و ما فرعه عليه، ثم قال: و ليت شعري ما المانع من الحمل على ما ذكرناه مع انه أظهر في عبارته لفظا و معنى و ما الداعي إلى الحمل على ما يوجب تلك التكلفات؟ و سمعنا ان بعض أفاضل المتأخرين ممن ولى عصرنا زاد في الطنبور نغمة و حكم بأنه لا يجوز للمالك ايضا ان يصلي فيه لانه يصدق عليه انه مغصوب، و هذا فرع ورود تلك العبارة في شيء من النصوص و لا نص فيه على الخصوص بل انما يستدلون بعموم ما دل على عدم جواز التصرف في ملك الغير ثم يحتجون للبطلان بأن النهي في العبادة موجب للفساد و لا يجري ذلك في المالك و من اذن له، فكم بين من يحكم بجواز الصلاة و صحتها للغاصب و غيره و ان منع المالك صريحا و بين من يقول بهذا القول؟ انتهى كلام شيخنا المشار اليه. و هو جيد. و لعمري ان
173
من عرف الشيخ و طريقته يقطع و يجزم بأنه لا يذهب الى هذه التدقيقات التي وجه بها في الذكرى كلام المحقق في المعتبر و احتمال القراءة بصيغة المجهول.
(الثالث) [رجوع المالك عن إذنه للمصلي]
- الظاهر انه لا خلاف في انه لو امره الآذن بالكون في المكان صريحا أو فحوى بالخروج قبل الاشتغال بالصلاة و الوقت متسع فإنه يجب عليه الخروج على الفور لمنع التصرف في مال الغير بغير اذنه فكيف مع النهى صريحا؟ فلو اشتغل بالصلاة و الحال هذه بطلت عندهم كما تقدم ذكره لتوجه النهي إلى العبادة الموجب لفسادها و فيه ما عرفت مما تقدم تحقيقه.
انما الخلاف في ما إذا اشتغل بالصلاة قبل الأمر بالخروج، و فيه وجوه بل أقوال:
(الأول)- و هو مختار العلامة في الإرشاد و جماعة- انه يجب عليه الخروج و يتمها و هو خارج و لا يقطعها، و عللوه بان فيه جمعا بين حق الله تعالى و امره بإتمام العمل و عدم إبطال العمل و بين حق الآدمي. و أورد عليه بأنه يشكل باستلزامه فوات كثير من أركان الصلاة و بعض شرائطها مع إمكان الإتيان بها كاملة متى كان الوقت متسعا كما هو المفروض و وجوب أتمم العمل مطلقا بحيث يشمل محل النزاع ممنوع.
و الثاني- و هو الظاهر من كلام الشيخ و المحقق و اختاره في المدارك- قطع الصلاة مع سعة الوقت و إتمامها مشتغلا بالخروج مع ضيقه (اما الأول) فلعدم جواز الإتمام مستقرا لانه تصرف في ملك الغير بغير رضاه، و عدم جواز الإتمام خارجا لاستلزامه فوات كثير من الأركان و الشرائط و الحال انه يمكن الإتيان بها على وجهها بعد الخروج و (اما الثاني) فلأنهما حقان مضيقان فيجب الجمع بينهما بحسب الإمكان و ليس إلا ما ذكر و الثالث- الإتمام مستقرا مطلقا و هو اختيار الشهيد في الذكرى و البيان تمسكا بمقتضى الاستصحاب و ان الصلاة على ما افتتحت عليه (1) و أورد عليه ان منعه ظاهر لتعلق النهي المنافي للصحة. و يزيده تأييدا بناء حق العبادة على التضييق.
____________
(1) الوسائل الباب 2 من نية الصلاة.
174
و (الرابع)- الفرق بين الاذن بالصلاة و الاذن بالكون المطلق فيتم في الأول مستقرا و هو مختار العلامة في أكثر كتبه، و اما في الثاني فاحتمل الأوجه الثلاثة في القواعد و التذكرة و في النهاية احتمل الأوجه الثلاثة في صورة سعة الوقت و استقرب بطلان الصلاة في صورة الضيق.
و (الخامس)- الفرق بين الاذن في الصلاة أو في الكون المطلق أو بشاهد الحال أو الفحوى فيتمها في الأول مطلقا و يخرج في الباقي مصليا مع الضيق و يقطعها مع السعة، ذهب اليه شيخنا الشهيد الثاني في الروض قال و هذا هو الأجود، ثم قال و وجهه في الأول ان اذن المالك في الأمر اللازم شرعا يفضي الى اللزوم فلا يجوز له الرجوع بعد التحريم كما لو اذن في دفن الميت في أرضه أو اذن في رهن ماله على دين الغير فإنه لا يجوز له الرجوع بعدهما. و في البواقي ان الاذن في الاستقرار لا يدل على إكمال الصلاة بإحدى الدلالات فإنه أعم من الصلاة و العام لا يدل على الخاص و شاهد الحال أضعف من الإطلاق. و اما القطع مع السعة فلاستلزام التشاغل بها فوات كثير من أركانها مع القدرة على الإتيان بها على الوجه الأكمل بخلاف ما لو ضاق الوقت فإنه يخرج مصليا مومئا للركوع و السجود بحيث لا يتثاقل في الخروج عن المعتاد مستقبلا ما أمكن قاصدا أقرب الطرق تخلصا من حق الآدمي المضيق بحسب الإمكان. انتهى كلامه زيد مقامه.
قالوا و كذا يخرج متشاغلا بالصلاة لو امره بالخروج مع ضيق الوقت قبل الشروع في الصلاة جمعا بين الحقين كما تقدم.
أقول: لا يخفى ان المسألة لما كانت عارية من النصوص كثرت فيها الاحتمالات و تصادمت فيها التخريجات و الحكم فيها مشكل لما عرفت، و الاحتياط مطلوب بل واجب لأن المسألة من الشبهات التي يجب فيها الاحتياط عندنا إلا ان الأقرب الى قواعدهم و الأنسب بضوابطهم هو قطع الصلاة مع الاشتغال بها في سعة الوقت و الإتيان بها كاملة الأفعال بعد الخروج، و اما مع ضيق الوقت فان مقتضى قواعدهم في مثل هذه الصورة
175
هو وجوب الإتمام مستقرا آتيا بأفعالها في المكان المغصوب، و ذلك فان اباحة المكان عندهم انما هو من شروط الصحة كستر العورة و طهارة الساتر و نحوهما، و قد قرروا في الأصول ان شروط الصحة انما تجب مع الإمكان و إلا سقط اعتبارها، و قد ساعدتهم الاخبار على ذلك لما ورد في من فقد الساتر انه يصلي عاريا، و من فقد الطهارة صلى بالنجاسة على أشهر القولين و أظهرهما، و من فقد القبلة صل الى اي جهة شاء أو الى أربع جهات (فان قيل) انا لا نمنع من الصلاة و الإتيان بها بالكلية ليلزم ما ذكرتم فانا نوجب عليه الصلاة لكن بهذه الكيفية المتقدمة مشتغلا بالخروج (قلنا) من الظاهر ان الصلاة المأمور بها شرعا المنصرف إليها الإطلاق هي الصلاة المعهودة المشتملة على الإتيان بالأركان و الواجبات على وجهها و استقبال القبلة و نحوها و هي المعلومة عن صاحب الشرع، خرج ما خرج منها بدليل كصلاة المريض و صلاة الحرب و صلاة الخوف و الصلاة في السفينة و نحو ذلك مما دلت عليه الأدلة الشرعية و بقي ما بقي. و يعضده انه لم يقم دليل على هذا الشرط من أصله أعني اشتراط الإباحة في المكان، و بالجملة فالوقوف على جادة الاحتياط طريق السلامة من الوقوع في هذا الاحتباط. و الله العالم.
(الرابع) [حكم الصلاة تحت السقف و الخيمة المغصوبين]
- هل تبطل الصلاة تحت السقف و الخيمة المغصوبين مع اباحة المكان أم لا؟ اشكال لا من حيث المكان إذ لا يدخل ذلك في تعريف المكان المتقدم و انما هو من حيث ان هذا تصرف في المغصوب إذ التصرف في كل شيء بحسب ما يليق به و ما أعد له و لا ريب ان الغرض من الخيمة و السقف هو الجلوس تحتهما، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض بعد تعريف المكان بتعريفين ذكرهما و البحث فيهما ما لفظه:
و على التعريفين لا تبطل صلاة المصلي تحت سقف مغصوب أو تحت خيمة مغصوبة مع اباحة مكانهما لانتفاء اسم المكان فيهما، هذا من حيث المكان اما من حيث استلزام ذلك التصرف في مال الغير فيبني على ان منافاة الصلاة لحق الآدمي هل يعد مبطلا لها أم لا؟ بل يمكن بناؤها على حكم الصلاة في المستصحب المغصوب غير الساتر، و قد تقدم الكلام فيه و ان
176
الدليل العقلي لا يساعد على البطلان فإن النهي ضمنا انما يتوجه الى الضد العام للتخلص من المغصوب و هو تركه لا للاضداد الخاصة. و بالجملة فلا نص يعول عليه في أمثال ذلك و لا يتحقق بدونه الحكم ببطلان الصلاة بالنهي عما ليس شرطا للصلاة و لا جزء. و الله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. أقول: و ملخصه هو صحة الصلاة و ان اثم من حيث التصرف في المغصوب بناء على ما قدمناه من ان التصرف في كل شيء بحسب ما يليق به و ما يترتب عليه من المنفعة. و هو جيد.
(الخامس)- هل يكفي في شاهد الحال في هذا المقام الدلالة الظنية أو لا بد من العلم؟
قولان ظاهر المشهور الأول و صرح جمع: منهم- السيد السند في المدارك بالثاني، و أكثر الأصحاب فسره بما إذا كان هناك امارة تشهد بان المالك لا يكره و هو أعم من العلم.
و يمكن ان يؤيد القول المشهور بعمومات الأخبار الدالة على جعل الأرض مسجدا له (صلى الله عليه و آله) (1) فان المراد به محل الصلاة كما فسره به الأصحاب (رضوان الله عليهم) و أطلق السجود على الصلاة تسمية للكل باسم الجزء، و في بعض تلك الأخبار
«جعلت لك و لأمتك الأرض كلها مسجدا. الحديث» (2).
و في بعض آخر «ان الله تعالى جعل لي الأرض مسجدا و طهورا أينما كنت أتيمم من تربتها و أصلي عليها» (3).
و أنت خبير بأن الأنسب بسعة هذا الامتنان منه سبحانه على رسوله (صلى الله عليه و آله) و على أمته هو الاكتفاء بمجرد ظن الرضا، على ان اعتبار العلم ينفي فائدة هذا الحكم إذ قلما يتحقق ذلك في مادة.
و الظاهر- كما استظهره جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- الفاضل الخراساني في الذخيرة و شيخنا المجلسي في البحار- هو جواز الصلاة في كل موضع لا يتضرر المالك بالكون فيه و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقة في أمثاله و ان فرضنا عدم
____________
(1) الوسائل الباب 7 من التيمم.
(2) مستدرك الوسائل الباب 5 من التيمم.
(3) مستدرك الوسائل الباب 5 من التيمم.
177
العلم برضا المالك هناك على الخصوص، نعم لو ظهرت كراهة المالك لامارة لم تجز الصلاة فيه مطلقا. و كيف كان فالظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في جواز الصلاة في الصحاري و البساتين إذا لم يتضرر المالك بها و لم تكن امارة تشهد بعدم الرضا و ان لم يأذن المالك صريحا أو فحوى. و في حكم الصحاري الأماكن المأذون في غشيانها على وجه مخصوص إذا اتصف به المصلي كالحمامات و الخانات و الأرحية و نحوها. و لا يقدح في الجواز كون الصحراء لمولى عليه بشهادة الحال و لو من الولي، قال في الذكرى: و لو علم انها لمولى عليه فالظاهر الجواز لإطلاق الأصحاب و عدم تخيل ضرر لا حق به فهو كالاستظلال بحائطه و لو فرض ضرر امتنع منه و من غيره. و وجه المنع ان الاستناد الى ان المالك اذن بشاهد الحال و المالك هنا ليس أهلا للإذن. إلا ان يقال ان الولي أذن هنا و الطفل لا بد له من ولي. انتهى. و بالجملة فالعمدة عموم الأخبار المشار إليها آنفا إذا لم تخرج تلك الافراد منها بدليل. و الله العالم.
(المسألة الثانية) [الخلاف في جواز تساوي الرجل و المرأة في موقف الصلاة و تقدمها عليه]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز تساوي الرجل و المرأة في موقف الصلاة و كذا تقدم المرأة مع عدم البعد و الحائل، فقال الشيخان و أبو الصلاح و ابن حمزة بالمنع و الظاهر انه المشهور بين المتقدمين و هو المختار، و قال المرتضى في المصباح انه مكروه غير مبطل لصلاة أحدهما و به قال ابن إدريس و هو المشهور بين المتأخرين.
و الأصل في ذلك اختلاف الاخبار و به اختلفت الانظار و الأفكار، و ها انا اذكر لك ما وقفت عليه من الاخبار مذيلا لكل منها بما يكشف عن معناه نقاب الإبهام و منبها على ما هو المستفاد منها في المقام على وجه تذعن اليه ثواقب الافهام:
فمن أخبار المسألة
ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان تصلي المرأة بحذاء الرجل و هو يصلي فإن النبي (صلى
____________
(1) الوسائل الباب 4 من مكان المصلى.
178
الله عليه و آله) كان يصلي و عائشة مضطجعة بين يديه و هي حائض و كان إذا أراد ان يسجد غمز رجليها فرفعت رجليها حتى يسجد».
أقول: هذا الخبر بحسب ظاهره مما يدل على الجواز و به استدل في المدارك على ذلك إلا انه لم يذكر منه إلا الى قوله «و هو يصلي» و أسقط قوله «فإن النبي كان يصلي. إلخ» و أنت خبير بأنه و ان دل على الجواز كما ذكروه إلا ان التعليل الذي اشتمل عليه الخبر لا يلائمه و لا ينطبق عليه و لهذا استظهر المحدث الكاشاني في الوافي حصول التصحيف في الخبر و ان الصواب في العبارة «انه لا بأس ان تضطجع المرأة بحذاء الرجل و هو يصلي» و تأوله بعض بتأويلات تخرجه عن الاستدلال لينطبق التعليل فيه على الكلام المتقدم، و حينئذ فالخبر من حيث هذه العلة لا يصلح للاستدلال.
و العجب من السيد (قدس سره) في تركه تتمة الخبر و الحال كما ترى و مثل هذا معيب عند المحدثين كما نبه عليه غير واحد، فإن التتمة المذكورة مما لها مدخل في الخبر من حيث التعليل، و لهذا ان الناظر في الخبر بتمامه لا يخفى عليه ما فيه من العلة الموجبة لتوقفه عن الاستدلال به و الناظر في ما ذكره من الخبر يجزم بصحة الاستدلال به على الجواز، و بذلك يظهر العيب في ترك نقله بتمامه.
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه ابن فضال عن من أخبره عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلي و المرأة تصلي بحذائه؟ قال لا بأس».
و هذه الرواية بحسب ظاهرها دالة على الجواز إلا انه سيأتي في معارضتها ما هو أرجح سندا و أكثر عددا و أصرح دلالة فيجب حملها على وجود الحائل أو بعد عشرة أذرع كما ذكره الشيخ (قدس سره) و هو و ان كان بعيدا في حد ذاته إلا انه في مقام الجمع بينها و بين أخبار المسألة الآتية غير بعيد كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من انطباق أخبار المسألة كملا على المنع، فإنه إذا اتفقت الأخبار كلها على ذلك و لم تخرج
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
179
إلا هذه الرواية فالواجب ردها إليها و إلا فطرحها البتة.
و منها-
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان بينها و بينه قدر ما يتخطى أو قدر عظم الذراع فساعدا فلا بأس».
أقول: و هذه الرواية مما استدل بها في المدارك على الجواز ايضا. و فيه انه لا يظهر وجه لاشتراط هذا المقدار المذكور في الرواية مع جواز المساواة، فالظاهر حملها- كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من غيرها- على تقدم الرجل بهذا المقدار على المرأة فإنه كاف للجواز لحصول التقدم بذلك و انما الممنوع منه هو المساواة، و كيف كان فظهور هذا الاحتمال مما يمنع من الاستناد إليها في الاستدلال.
و منها-
صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سأل عن الرجل و المرأة يصليان في بيت واحد فقال إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذائه وحدها و هو وحده لا بأس».
و هذه الرواية مما استدل بها في المدارك ايضا على الجواز و الظاهر هو حملها على ما حمل عليه سابقها من تقدم الرجل بالشبر، و المراد بالمحاذاة في الخبر مجرد القرب لا المساواة في الموقف كما سيأتي نحوه في موثقة عبد الله بن بكير فلا منافاة. و بذلك صرح شيخنا البهائي زاده الله بهاء و شرفا في كتاب الحبل المتين فقال بعد حمل الخبر المذكور على ما ذكرناه: و اما ما يترائى من منافاته لقوله (عليه السلام) «صلت بحذائه» فيمكن توجيهه بحصول المحاذاة بين بعض أعضائه و أعضائها في حالتي الركوع و السجود و هو كاف في إطلاق كون صلاتها بحذائه. انتهى.
و منها-
صحيحة عبد الله بن ابي يعفور (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصلي و المرأة إلى جنبي و هي تصلي؟ فقال لا إلا ان تتقدم هي أو أنت، و لا بأس ان تصلي و هي بحذائك جالسة أو قائمة».
و هذه الرواية مما استدل بها في المدارك على ما اختاره من الجواز، و الظاهر ان بناء الاستدلال بها من حيث توهم حملها على جواز تقدم المرأة على
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى.
180
الرجل حال صلاتهما معا، و هو غلط بل سياق الرواية ينادي بأن المراد بالتقدم انما هو في ان يصلي الرجل أولا وحده أو المرأة وحدها ثم يصلي الآخر بعده و إلا فكيف يمنع (عليه السلام) المحاذاة و يجوز تقدم المرأة و هي أشد في المنع؟ و يعضده ايضا قوله في الخبر: «و لا بأس ان تصلي و هي بحذائك جالسة» و هو إشارة إلى ثبوت البأس في ما منع منه من المحاذاة حال الصلاة الذي تعلق به السؤال.
و منها-
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تصلى عند الرجل؟ فقال لا تصلى المرأة بحيال الرجل إلا ان يكون قدامها و لو بصدره».
و هذه الرواية مما استدل بها في المدارك على ما ذهب اليه من الجواز ايضا و هي ظاهرة كغيرها مما عرفت من أكثر الأخبار المتقدمة في العدم، نعم هي ظاهرة في الاكتفاء في تقدم الرجل المجوز لصلاته مع المرأة في مكان واحد بالتقدم و لو بمقدار صدره، و هذا مما يقرب من اشتراط التقدم بشبر و نحوه.
و منها-
صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «في المرأة تصلي عند الرجل؟ فقال إذا كان بينهما حاجز فلا بأس».
و هذه ايضا مما استدل بها في المدارك على الجواز و هي في الدلالة على خلافه أظهر إذ ظاهرها انما هو الجواز مع الحائل و مفهومها ثبوت البأس مع عدم الحائل فهي عليه لا له.
و منها-
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة و امرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الأخرى؟ فقال لا ينبغي له ذلك فان كان بينهما ستر أجزأه».
هكذا في رواية الكافي للخبر المذكور و رواه الشيخ في التهذيب بلفظ «شبر» و زاد «يعني إذا كان الرجل متقدما على المرأة بشبر» و هذه الزيادة يحتمل ان تكون من كلام الشيخ و يحتمل ان تكون من الراوي.
____________
(1) الوسائل الباب 6 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 8 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى.
181
قال في المدارك: و لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة، و الظاهر ان الستر بالسين المهملة و التاء المثناة من فوق، و قال الشيخ في التهذيب ان المعنى ان الرجل إذا كان متقدما على المرأة بشبر أجزأه و هو بعيد. انتهى. أقول: ظاهره ان مبنى استدلاله بالخبر المذكور على ما ذكره من ان لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة. و فيه منع فإنه ان أراد ظهوره في عرف الناس فهو مسلم و لكن لا يجدي نفعا و ان أراد في عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع لما أوضحناه في غير مقام مما تقدم في مباحث الكتاب من ان الحق ان هذا اللفظ من الألفاظ المشتركة في عرفهم (عليهم السلام) فلا يحمل على أحد معنييه إلا مع القرينة و القرينة هنا ظاهرة في التحريم لان قوله (عليه السلام) «فان كان بينهما ستر أجزأه» يدل بمفهوم الشرط الذي هو حجة عنده و عند المحققين على عدم الاجزاء مع عدمه و حينئذ فتكون الرواية من أدلة الشيخين و من تبعهما في القول بالتحريم.
و مثل هذه الرواية
ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من نوادر البزنطي عن محمد الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة و امرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الأخرى؟ قال لا ينبغي ذلك إلا ان يكون بينهما ستر فان كان بينهما ستر أجزأه».
و هي أظهر في ما قلناه هذا كله على تقدير ما نقله من الرواية بلفظ الستر و اما على ما في رواية الشيخ (قدس سره) في التهذيب من لفظ الشبر بالشين المعجمة و الباء الموحدة فالوجه فيه ما ذكره الشيخ من تقدم الرجل بهذا المقدار و استبعاده له بعيد كما أشار إليه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين.
و منها-
صحيحة حريز أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في المرأة تصلي إلى جنب الرجل قريبا منه؟ فقال إذا كان بينهما موضع رجل فلا بأس».
و التقريب فيها ما تقدم في أمثالها من تقدم الرجل بذلك المقادير المذكورة إلا انه قدره هنا بموضع الرجل و هو ما يجعل على البعير كالسرج للفرس و هو يقرب من الذراع.
____________
(1) الوسائل الباب 8 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى.
182
و منها-
رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل و المرأة يصليان في وقت واحد المرأة عن يمين الرجل بحذائه؟ فقال لا إلا ان يكون بينهما شبر أو ذراع».
و التقريب فيها ظاهر حيث نهى عن المحاذاة إلا مع تقدم الرجل بالشبر أو الذراع
و ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصليان جميعا؟ فقال لا و لكن يصلي الرجل فإذا فرغ صلت المرأة».
و هي ظاهرة في التحريم كما اخترناه.
و صحيحة إدريس بن عبد الله القمي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و بحياله امرأة نائمة على فراشها جنبا؟ فقال ان كانت قاعدة فلا تضره و ان كانت تصلي فلا».
و هي كسابقتها ظاهرة في التحريم.
و رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي و المرأة بحذائه يمنة أو يسرة؟ قال لا بأس به إذا كانت لا تصلى».
و هي ظاهرة في المدعى ايضا.
و موثقة ابن بكير عن من رواه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يصلي و المرأة تصلي بحذائه أو الى جانبه؟ فقال إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس».
و هي كالأخبار المتقدمة في الجواز بشرط تقدمه عليها بهذا المقدار الذي يقرب من شبر أو ذراع.
و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الرجل و المرأة يصليان جميعا في المحمل؟ قال لا و لكن يصلي الرجل و تصلي المرأة بعده».
و هي صريحة في المطلوب كصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المتضمنة للصلاة في المحمل أيضا.
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 4 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 4 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 6 من مكان المصلي.
(6) الوسائل الباب 10 من مكان المصلى.
183
و موثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل يستقيم له ان يصلي و بين يديه امرأة تصلي؟ قال لا يصلي حتى يجعل بينه و بينها أكثر من عشرة أذرع، و ان كانت عن يمينه أو عن يساره جعل بينه و بينها مثل ذلك و ان كانت تصلي خلفه فلا بأس و ان كانت تصيب ثوبه. الحديث».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يصلي الضحى و امامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع؟ قال لا بأس ليمض في صلاته».
أقول: ان المستفاد من هذه الاخبار بعد ضم مجملها الى مفسرها و مطلقها الى مقيدها ان الواجب في صلاة الرجل مع المرأة في مكان دفعة ان المرأة ان كانت متقدمة فلا بد من حاجز أو قدر عشرة أذرع فصاعدا، و هكذا إذا كانت الى أحد جانبيه محاذية له في الموقف فلا بد من أحد الأمرين، و اما مع تأخرها و لو بشيء من المقادير المذكورة في تلك الاخبار فإنه لا بأس و صلاة كل منهما صحيحة و لا يشترط هنا أزيد من ذلك.
و بذلك يظهر ما في كلامه في المدارك و كذا من تبعه حيث قال بعد نقل الأخبار التي أشرنا إلى انه استدل بها. ما صورته: وجه الدلالة من هذه الأخبار اشتراكها في عدم اعتبار الحائل أو التباعد بالعشرة و إذا انتفى ذلك ثبت الجواز مطلقا إذ لا قائل بالفصل، و على هذا فيجب حمل الأخبار المقيدة على الاستحباب صونا للاخبار من التنافي، و لا ينافي ذلك اختلاف القيود لان مراتب الفضيلة مختلفة، و بالجملة فهذا الاختلاف قرينة الاستحباب. انتهى.
أقول: قد عرفت انه لا اختلاف هنا بين الأخبار المذكورة بل كلها متفقة الدلالة عدا رواية جميل المتقدمة أول الروايات على ما ذكرناه. قوله- وجه الدلالة من هذه الاخبار اشتراكها في عدم اعتبار الحائل أو التباعد- مردود بأن الحائل و التباعد المذكورين انما يعتبران في تقدم المرأة على الرجل أو محاذاتها لأحد جانبيه بحيث تساويه في الموقف
____________
(1) الوسائل الباب 7 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 7 من مكان المصلى.
184
لا في صورة تأخرها و ان كان قليلا. و منشأ الشبهة عنده ان أكثر الروايات الدالة على الشبر أو الذراع أو ما لا يتخطى و نحو ذلك من التقديرات المذكورة قد حملها على مساواة الرجل للمرأة في الموقف و لكن تتباعد عنه بهذه المقادير كما يشير اليه قوله: «و لا ينافي ذلك اختلاف القيود» يعني اختلاف التباعد بكونه بعشرة أذرع في بعض و قدر عظم الذراع في بعض و ما لا يتخطى في ثالث و هكذا. و هو غلط محض فان هذه الروايات لإجمالها و ان أوهمت ذلك لكن هنا أخبار أخر قد صرحت بما ذكرناه من ان المراد بهذه المقادير في تقدم الرجل على المرأة لا مع المحاذاة مثل موثقة ابن بكير الدالة على نفي البأس إذا كان سجودها مع موضع ركوعه، و صحيحة زرارة الدالة على انه لا يجوز ان تصلي بحياله إلا ان يكون الرجل قدامها بصدره و هو مما يقرب من الشبر. و بذلك يظهر لك وجه حمل إجمال تلك الأخبار على هذين الخبرين و به يحصل انتظام هذه الاخبار مع اخبار المنع الصريحة في التحريم كما قدمناها، على ان ما ذكرناه ان لم يكن متعينا فلا أقل من ان يكون محتملا و به يسقط استدلاله بهذه الأخبار و حينئذ فلا تصلح لمعارضة ما قدمناه من الأخبار الصريحة و الظاهرة في التحريم حتى انه يرتكب الجمع بحمل ما ذكره من رواية عمار و نحوها على الكراهة زعما منه انحصار دليل التحريم في رواية عمار و نحوها مما ذكره، و اما على ما ذكرناه من القول بالتحريم و حمل إجمال تلك الروايات التي توهم فيها ما ذكرناه على الروايات المفصلة فإن الروايات تكون متفقة على تحريم تقدم المرأة و مساواتها للرجل إلا مع الحائل أو البعد بعشرة أذرع و اما مع التأخر و لو بشيء من تلك المقادير فلا إشكال في صحة صلاتهما.
ثم انه قال في المدارك بعد ما نقلناه عنه من الروايات و ما ذيلها به مما أوضحنا بطلانه: احتج المانعون
بموثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) «انه سئل عن الرجل.».
ثم ذكرها كما قدمناه ثم قال
و صحيحة محمد عن أحدهما (عليهما السلام) قال:
«سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل. الخبر».
و قد قدمناه، ثم قال
و صحيحة علي
185
ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلي معه و هي تحسب انها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلت الظهر؟ فقال لا يفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة».
و الجواب بحمل النهي في الروايتين الأوليين على الكراهة و حمل الأمر بالإعادة في الرواية الأخيرة على الاستحباب صونا للاخبار عن التنافي، مع ان الأمر بالإعادة لا يتعين كونه بسبب المحاذاة لاحتمال ان يكون بسبب اقتدائها في صلاة العصر بمن يصلي الظهر مع اعتقادها انها العصر فلا تدل على أحد الأمرين نصا. انتهى.
و فيه (أولا) ان دليل التحريم غير منحصر في ما ذكره لما عرفت من الاخبار التي قدمناها و بينا دلالتها على ذلك.
و (ثانيا) ما عرفته في غير موضع مما تقدم من انه لا دليل على هذا الجمع بين الاخبار من الحمل على الكراهة و الاستحباب و ان اتخذوه طريقا مهيعا في جميع الأبواب، و كيف يحصل صون الاخبار عن التنافي مع تصريحهم في الأصول بأن الأصل في الأمر الوجوب و في النهي التحريم و بموجب ذلك يلزم العقاب و العذاب على ترك ما أمر به و ارتكاب ما نهى عنه، مع ان الاستحباب مما يؤذن بجواز الترك و الكراهة مما يؤذن بجواز الفعل، فكيف مع هذا يحصل صون الاخبار عن التنافي و يخرج المكلف عن العهدة بما قالوه.
و (ثالثا) ما عرفت من انه لا معارض لهذه الأخبار الدالة على التحريم إلا ما توهمه من تلك الأخبار الواردة في المحاذاة المتضمنة للفصل بتلك المقادير المتقدمة، و الحال انك قد عرفت الوجه فيها و انها تنطبق مع هذه الاخبار على أحسن وجوه الانطباق و تتفق معها بأظهر وجوه الاتفاق. نعم تبقى رواية جميل المتقدمة و قد عرفت الجواب عنها.
و (رابعا) ان من العجيب قوله في الجواب عن صحيحة علي بن جعفر: «ان الأمر بالإعادة لا يتعين كونه بسبب المحاذاة. إلخ» و ان تبعه فيه من تبعه فإن اسناد الابطال
____________
(1) الوسائل الباب 9 من مكان المصلي.
186
الى ما ذكره و قيامه احتمالا في معنى الرواية المذكورة يتوقف على وجود دليل على ذلك من خارج مع انه لا دليل و لا قائل بذلك و الاستناد الى هذه الرواية في ذلك مصادرة في البين.
و بالجملة فإن التحقيق عندي في المسألة هو ما كشفت عنه نقاب الإبهام و أوضحته لجميع الافهام. و الله العالم.
[فوائد]
بقي في المقام فوائد يحسن التنبيه عليها
(الاولى) [هل يعتبر في الحرمة أو الكراهة في كل منهما صحة صلاة الآخر؟]
قد صرح جمع من الأصحاب:
منهم- العلامة و الشهيدان و السيد السند في المدارك بأنه يشترط في تعلق الحكم بكل منهما كراهة و تحريما صحة صلاة الأخر لو لا المحاذاة بأن تكون جامعة لجميع الشرائط المعتبرة في الصحة سوى المحاذاة، فلا يتعلق الحكم بالفاسدة بل تصح الأخرى من غير كراهة إذ الفاسدة في حكم العدم. و احتمل شيخنا الشهيد الثاني عدم الاشتراط لصدق الصلاة على الفاسدة و نفى عنه البعد في الذخيرة. أقول: كأنه لصحة قولهم انها صلاة فاسدة فإطلاق الصلاة أعم من الصحيحة و الفاسدة.
ثم انهم ذكروا انه على الأول فالمعتبر في رفع المنع العلم بالفساد قبل الشروع و لو علم بعد الفراغ لم يؤثر في الصحة لأن الصلاة صارت باطلة بالمحاذاة على القول بالتحريم أو متصفة بالكراهة على القول الآخر، و ظهور الفساد بعد الفراغ لا يؤثر في صحتها أو زوال الكراهة عنها بعد ما ثبت اتصافها به.
أقول: الظاهر ان ما ذكروه من الحكم- بأنه متى ظهر الفساد بعد الفراغ فإنه لا يؤثر في صحة الصلاة من حيث بطلانها ظاهرا بالمحاذاة- مبني على مسألة أخرى و هو ان الصلاة إذا كانت صحيحة بحسب الواقع و نفس الأمر و ان كانت بالنظر الى الظاهر باطلة فهل يحكم بصحتها باعتبار ما كانت عليه في الواقع أو يحكم بالبطلان بالنظر الى الظاهر؟
المشهور الثاني و عليه يتجه ما ذكره الأصحاب هنا من بطلان صلاة المحاذي لمن كانت صلاته صحيحة بحسب الظاهر لو لا المحاذاة و ان كانت باطلة في نفس الأمر بغيرها إلا انه
187
انما علم بعد الفراغ فإنه يصدق على الصلاة المذكورة انها صحيحة في الواقع لبطلان تلك الصلاة الأخرى في الواقع و باطلة في الظاهر من حيث المحاذاة في تلك الصلاة الصحيحة ظاهرا، اما على ما ذهب اليه جمع من الأصحاب من القول الأول في تلك المسألة- و منهم- السيد السند في كتابه حيث قال في مسألة الصلاة قبل الوقت جاهلا أو ناسيا:
و لو صادف الوقت صلاة الناسي أو الجاهل بدخول الوقت ففي الإجزاء نظر من حيث عدم الدخول الشرعي و من مطابقة العبادة ما في نفس الأمر و صدق الامتثال. و الأصح الثاني و به قطع شيخنا المحقق سلمه الله تعالى. الى آخر كلامه- فالوجه هو الصحة إذ لا ريب ان ما نحن فيه كذلك لان المفروض ان تلك الصلاة فاسدة واقعا فهي في حكم العدم و ان لم يعلم المحاذي لها إلا بعد الفراغ، و المحاذاة الموجبة لبطلان الصلاة انما هي محاذاة الصلاة الصحيحة و هذه الصلاة قد ظهر بطلانها فلا تؤثر المحاذاة لها في بطلان صلاة المحاذي بعد ظهور ذلك، فصلاة المحاذي خالية من المبطل بحسب الواقع وقت صلاته فتدخل تحت تلك المسألة، فكيف اختار هنا ما ذهب إليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) و الحال ان المسألتين من باب واحد.
و الظاهر الرجوع في الفساد الى اخبار المصلي عن نفسه بفساد صلاته إلا ان يعلم ذلك بوجه آخر. و اما ما ذكره في الذخيرة- حيث قال: «و هل يقبل قوله في الفساد؟
وجهان» مما يؤذن بتوقفه في ذلك- فالظاهر ضعفه و كيف لا يقبل قوله مع عموم
«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1).
و نحوه من الأدلة العامة.
(الثانية) [هل يعم الحكم الصلاة السابقة]
- إطلاق كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين اقتران الصلاتين أو سبق إحداهما في بطلان كل منهما، و نقل عن جمع من المتأخرين تخصيص البطلان بالمقارنة و المتأخرة دون السابقة، و إطلاق الروايات المتقدمة ظاهر في الدلالة على القول
____________
(1) قال في الوسائل في الباب 3 من كتاب الإقرار: روى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال
عن النبي «ص» انه قال: «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» ..
188
الأول، و ظاهر صحيحة علي بن جعفر المشتملة على قيام المرأة بحيال امام كان في صلاة الظهر يدل على الثاني فيمكن ان يقيد بها إطلاق تلك الاخبار، و يؤيده ان المتبادر من جملة من عبارات تلك الأخبار ان المراد من قوله: «يصلي و المرأة بحياله» يعني يريد الصلاة، و حاصل السؤال حينئذ انه هل يجوز له الدخول في الصلاة و الحال هذه؟
و يؤكده ايضا انه لم يعهد في القواعد الشرعية بعد افتتاح الصلاة على الصحة تأثير فعل الغير بغير اختيار المكلف في إبطالها، و بذلك يظهر قوة القول الثاني و هو الذي اختاره في المدارك فقال: و ينبغي القطع بصحة الصلاة المتقدمة لسبق انعقادها و فساد المتأخرة خاصة و مع الاقتران تبطل الصلاتان لعدم الأولوية. انتهى. و ظاهره الاستناد إلى أصالة الصحة حتى يقوم دليل الابطال و هو قوى بناء على ما ذكرناه. و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال فالاحتياط كما هو القول المشهور اولى. و اما ما ذهب اليه بعضهم من عدم دلالة صحيحة علي بن جعفر على ما ذكرنا بناء على جواز استناد بطلان صلاتها الى ما قدمنا نقله عن صاحب المدارك- من ان العلة في فساد صلاتها الاقتداء في صلاة العصر بمن يصلي الظهر مع اعتقادها انها العصر- فقد عرفت انه خيال فاسد أوجبه التعصب في متابعة القول المشهور في تلك المسألة.
(الثالثة) [لو علم كل منهما بالآخر في الأثناء أو بعد الفراغ]
- قد صرحوا أيضا بأنهما لو صليا و لم يعلم أحدهما بالاخر إلا بعد الفراغ صحت الصلاتان جميعا و اما في الأثناء فان كلا منهما يستمر لسبق الانعقاد، و ممن صرح بذلك و اختاره السيد السند في المدارك، و قال في الذخيرة: و يحتمل قويا وجوب الإبطال في سعة الوقت ان لم يمكن ازالة المانع بدون المبطل. انتهى. أقول: لا يخفى ما في هذا الاحتمال من القوة و هو الأنسب عندي بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، فإن ما اعتمدوا عليه في تعليل الاستمرار من سبق الانعقاد لا يخلو من النظر، و لا ريب ان هذه المسألة و ان لم يقم عليها نص بالخصوص إلا ان النصوص في نظائرها من عروض البطلان في أثناء الصلاة كثيرة و لم يتضمن شيء منها وجوب المضي على ذلك المبطل بل
189
فيها ما يدل على انه ان أمكن إزالته بما لا يبطل الصلاة و إلا قطع الصلاة كاخبار الرعاف في أثناء الصلاة (1) و وجود النجاسة في الثوب في الأثناء (2) و نحو ذلك، و به يظهر قوة الاحتمال المذكور بل لا يبعد تعينه سيما مع موافقته للاحتياط. و المسألة حيث كانت عارية عن النصوص فالاحتياط فيها لازم و الاعتماد على هذه التخريجات التي يذكرونها لا يخلو من مجازفة في أحكامه تعالى.
(الرابعة) [هل يعتبر في الحائل أن يكون مانعا من الرؤية؟]
- صرح شيخنا الشهيد الثاني بأنه يعتبر في الحائل ان يكون مانعا من الرؤية و هو ظاهر كلام سبطه السيد السند في المدارك ايضا حيث قال: و يعتبر فيه كونه جسما كالحائط و الستر و كلام سائر الأصحاب (رضوان الله عليهم) مطلق في ذلك
و قد روى الثقة الجليل علي بن جعفر (رضي الله عنه) في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح ان يصلي في مسجد و حيطانه كوى كله قبلته و جانباه و امرأة تصلي حياله يراها و لا تراه؟ قال لا بأس».
و رواها الشيخ في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) مثله (4).
و روى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في مسجد قصير الحائط و امرأة قائمة تصلي بحياله و هو يراها و تراه؟ قال ان كان بينهما حائط قصير أو طويل فلا بأس».
و هما- كما ترى- صريحتا الدلالة في خلاف القول المذكور.
(الخامسة) [هل يكفي في الحائل الظلمة و فقد البصر و تغميض العين؟]
- نقل عن العلامة في النهاية انه قال: ليس المقتضى للتحريم أو الكراهة النظر، لجواز الصلاة و ان كانت قدامه عارية، و لمنع الأعمى و من غمض عينيه و قريب منه في التذكرة. و قال الشهيد في البيان: و في تنزيل الظلام أو فقد البصر منزلة الحائل نظر أقربه المنع، و اولى بالمنع منع الصحيح نفسه عن الأبصار. و استوجه
____________
(1) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.
(2) الوسائل الباب 44 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 8 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 8 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 8 من مكان المصلي.
190
العلامة في التحرير الصحة في الأعمى و استشكل في من غمض عينيه. و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و المراد بالحائل الحاجز بينهما بحيث يمنع الرؤية من جدار و ستر و غيرهما. و الظاهر ان الظلمة و فقد البصر كافيان فيه و هو اختيار المصنف في التحرير لا تغميض الصحيح عينيه مع احتماله. انتهى. و الظاهر هو ما استظهره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين من عدم اجزاء شيء من ذلك، لان الوارد في النصوص اما بلفظ الحاجز كما في صحيحة محمد بن مسلم «إذا كان بينهما حاجز» أو بلفظ «ستر» كما في قوله في صحيحته الثانية «أو كان بينهما ستر أجزأه» أو الحائط كما في روايتي علي بن جعفر المتقدمتين، و شيء من هذه الألفاظ لا يصدق على ما ذكروه فيكون ما ذكروه خاليا من الدليل.
(السادسة) [لو اجتمعا في مكان واحد و اتسع الوقت]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو اجتمعا في مكان واحد و اتسع الوقت صلى الرجل أولا، و الظاهر ان الحكم على سبيل الأولوية و الاستحباب و ربما نقل عن الشيخ (قدس سره) القول بالوجوب إلا ان العلامة قال في المنتهى بعد ذكر الرواية: فلو خالف و صلت المرأة أولا صحت صلاتهما إجماعا. انتهى. و يدل عليه ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم في المرأة التي تزامل الرجل في المحمل حيث حكم فيها بصلاة الرجل أولا و نحوها رواية أبي بصير المتقدمة أيضا و ان كان العطف فيها بالواو المفيدة لمطلق الجمع إلا ان سياق الخبر يدل على انها بمعنى «ثم» و هو كثير الاستعمال في الاخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار. و لا ينافي ذلك ما تقدم في صحيحة عبد الله بن ابي يعفور من قوله «إلا ان تتقدم هي أو أنت» فإنه محمول على الجواز. هذا في غير المكان الذي تختص به المرأة أو تشارك فيه عينا أو منفعة و معه فلا أولوية لتسلطها على ملكها إلا ان الأفضل لها تقديم الرجل لفحوى الخبرين المذكورين.
و لو ضاق الوقت سقط الوجوب و الاستحباب كما صرح به جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و فيه إشكال تأتي الإشارة إليه.
191
(السابعة) [مبدأ التقدير في الأذرع]
- قال شيخنا في الروض: مبدأ التقدير في العشرة أذرع من موقف المصلي إلى موقفها و هو واضح مع المحاذاة اما مع تقدمها فالظاهر انه كذلك، لانه المفهوم من التباعد عرفا و شرعا كما نبهوا عليه في تقدم الامام على المأموم. و يحتمل اعتباره من موضع السجود لعدم صدق التباعد بين بدنيهما حالة السجود بذلك القدر، و ليس في كلامهم تصريح في ذلك بشيء، انتهى. أقول: و يؤيد الأول أيضا اعتبار ما لا يتخطى بين الامام و المأموم و المأمومين بعضهم مع بعض فإن مبدأ ذلك من الموقف الى الموقف.
(الثامنة) [لو صلت المرأة خلف الإمام في صف أو بجنبه]
- قال الشيخ في المبسوط: فان صلت خلفه في صف بطلت صلاة من على يمينها و شمالها و من يحاذيها من خلفها و لا تبطل صلاة غيرهم، و ان صلت بجنب الامام بطلت صلاتها و صلاة الامام و لا تبطل صلاة غيرهم. انتهى. و لا يخفى ما فيه من الاشكال، و الأظهر هو ما فصله في الروض حيث قال: لو صلت المرأة معه جماعة محاذية له فعلى القول بالتحريم تبطل صلاتها و صلاة الامام و من على يمينها و يسارها و من تأخر عنها مع علمهم بالحال و مع عدم العلم تبطل صلاتها لا غير، و لو علم الإمام خاصة بطلت صلاتهما معا دون المأمومين، و أطلق الشيخ (قدس سره) صحة صلاة المأمومين. و هذا كله انما يتم مع القول بأن الصلاة الطارئة تؤثر في السابقة أو على جواز تكبير المأموم مع تكبير الامام و إلا صحت صلاة الإمام لتقدمها و يبقى الكلام في المأمومين. انتهى. و هو جيد.
(التاسعة) [هل يختص هذا الحكم بحال الاختيار؟]
- قد أطلق جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذا الحكم انما هو في حال الاختيار فلو ضاق الوقت و المكان فلا كراهة و لا تحريم، قال في الفروض و ربما استشكل الحكم مطلقا بناء على ان التحاذي مانع من الصحة مطلقا، و النصوص مطلقة فالتقييد بحالة الاختيار يحتاج الى دليل. انتهى. و لا يخلو من قوة إلا انه يمكن ان يقال ان شروط الصحة انما تعتبر مع الإمكان كما تقدمت الإشارة إليه في غير مكان.
(العاشرة) [ما يدل على استثناء مكة من هذا الحكم]
-
روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن الفضيل عن
192
ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «انما سميت مكة بكة لأنها يبتك بها الرجال و النساء و المرأة تصلي بين يديك و عن يمينك و عن شمالك و معك و لا بأس بذلك انما يكره في سائر البلدان».
أقول: و الظاهر ان معنى «يبتك بها الرجال و النساء» اي يزدحمون و لم أقف في اللغة على معنى لهذا اللفظ و الموجود في هذه المادة «يبتك» بمعنى القطع و منه قوله سبحانه «فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ» (2) اي قطعها، و هذا المعنى غير مناسب في الخبر و المناسب فيه ما قدمناه (3) و في هذا الخبر ما يدل على استثناء مكة شرفها الله تعالى من هذا الحكم، و ربما أشعر ظاهره بتعلق الحكم بالبلد مطلقا إلا انه لا يبعد ارادة المسجد من هذا اللفظ باعتبار كونه مجمعا للرجال و النساء و لا سيما في حال صلاة الطواف و لا يحضرني الآن كلام لأحد من الأصحاب في ذلك.
(الحادية عشرة) [لو كانت المرأة أعلى من الرجل أو أسفل منه]
- قال في الروض: لو كانت أعلى منه أو أسفل بحيث لا يتحقق التقدم و التأخر و أمكنت المشاهدة فهل هو ملحق بالتأخر أم بالتقدم؟
اشتراط العشرة في الرواية بالتقدم و المحاذاة يقتضي عدم اعتبارها هنا، و اشتراط نفي البأس بالصلاة خلفه يقتضي اعتبار العشرة هنا لعدم تحقق الخلفية فمفهوما الشرط متدافعان، و الظاهر انه ملحق بالتأخر لأصالة الصحة و عدم المانع خرج منه حالة التقدم و المحاذاة فيبقى الباقي، مع ان فرض الرؤية في ذلك بعيد. انتهى. أقول: فرض المسألة المذكورة هو كون المرأة في مكان عال أو أسفل بحيث ان موقفها يكون محاذيا لموقف الرجل في جهة العلو أو السفل، و مجرد فرض العلو و السفل في العبارة أعم من ذلك فكان الأولى ان يقول بحيث لا يتحقق التقدم و التأخر و لا المحاذاة يمينا أو يسارا فإنها
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(2) سورة النساء، الآية 119.
(3) لا يخفى ان المصنف ضبط الكلمة في الحديث من مادة «بتك» ففرع عليه ما فرع و الوارد في كتب الحديث «يبك» من مادة «بكك» و هي في اللغة بالمعنى المذكور. و قد أورد في مجمع البحرين هذه الفقرة من الحديث في المادة المذكورة. راجع الوسائل الباب 11 من مكان المصلى.
193
قد تكون أعلى منه و لكنها في جهة اليمين عنه أو اليسار فتحصل المحاذاة و المساواة في فالموقف و ان كانت في محل ارفع.
(الثانية عشرة) [توجيه ما تضمن أكثر من عشرة أذرع]
- قد طعن جملة من الأصحاب القائلين بالجواز في رواية عمار بأنها قد تضمنت أكثر من عشرة أذرع و هو خلاف الإجماع. و فيه ان الظاهر- و ان كان غريبا غير مأنوس في كلامهم- ان المراد من هذه العبارة و نحوها عشرة أذرع فأكثر من قبيل قوله سبحانه «فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ» (1) اي اثنتين فما فوق و مثله في الأخبار غير عزيز مع ان رواية قرب الاسناد المتقدمة قد تضمنت العشرة.
(الثالثة عشرة) [هل يعم الحكم الصبي و الصبية؟]
- قال في الروض: المراد بالمرأة البالغ لانه المتعارف و لأنها مؤنث المرء، يقال مرء و مرأة و امرؤ و امرأة، و المرء هو الرجل كما نص عليه أهل اللغة فلا يتعلق الحكم بالصغيرة و ان قلنا ان عبادتها شرعية لعدم المقتضى له. و لا فرق فيها بين كونها مقتدية به أو منفردة للعموم. و كذا القول في الصبي. و في بعض حواشي الشهيد (قدس سره) على القواعد ان الصبي و البالغ يقرب حكمهما من الرجل و المرأة و عنى بالبالغ المرأة لأن الصفة التي على «فاعل» يشترك فيها المذكر و المؤنث و كيف كان فالعمل على المشهور من اختصاص الحكم بالمكلفين لعدم الدليل الدال على الإلحاق. انتهى.
أقول: يمكن ان يكون مستند ما نقله عن الشهيد (قدس سره) ما يوجد في كتب اللغة من إطلاق الرجل على غير المكلف البالغ، قال في القاموس: الرجل بالضم معروف و انما هو لمن شب و احتلم أو هو رجل ساعة يولد. و في الصحاح هو الذكر من الناس. و الاخبار قد اشتملت على لفظ الرجل كما عرفت فمتى صح إطلاقه على غير البالغ لغة صح ما ذكره الشهيد (قدس سره) إلا ان المستفاد من إطلاق العرف العام و الخاص اعني عرفهم (عليهم السلام) انما هو البالغ خاصة و متى أريد غيره عبر بلفظ الصبي و نحوه. و الله العالم.
____________
(1) سورة النساء، الآية 12.
194
(المسألة الثالثة) [الصلاة على الموضع النجس]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا بأس ان يصلي الرجل في الموضع النجس إذا كانت النجاسة لا تتعدى الى ثوبه أو بدنه و كان موضع الجبهة طاهرا.
و الكلام في مقامين
[المقام] (الأول) [المواضع التي يشترط الطهارة فيها]
انه قد نقل عن ابي الصلاح انه اشترط طهارة مواضع المساجد السبعة، و عن المرتضى (رضي الله عنه) انه اعتبر طهارة مكان المصلي، و ربما نقل عنه انه اعتبر طهارة ما يلاصق البدن و ان لم يسقط عليه. فاما القول الأول من هذين القولين فلم نقف له على دليل و لم ينقلوا له دليلا و قائله أعرف به. و اما الثاني فنقلوا ان قائله احتج بنهيه (صلى الله عليه و آله) عن الصلاة في المجزرة و هي المواضع التي تذبح فيها الانعام و المزبلة و الحمامات و هي مواطن النجاسة (1) فتكون الطهارة معتبرة.
و أجيب عن ذلك بأنه يجوز ان يكون النهي عن هذه المواضع من جهة الاستقذار و الاستخباث الدالة على مهانة نفس من يستقر بها فلا يلزم التعدية إلى غيرها، و بالجملة فإن النهي عن ذلك نهى تنزيه فلا يلزم التحريم.
أقول: و المعتمد في رد هذين القولين الأخبار الدالة على جواز الصلاة في الأماكن النجسة مع عدم التعدي:
و منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «انه سأله عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة أ يصلى فيهما إذا جفا؟ قال نعم».
و ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الشاذكونة تكون عليها الجنابة أ يصلى عليها في المحمل؟ فقال لا بأس».
____________
(1) تيسير الوصول ج 2 ص 250 عن الترمذي.
(2) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
195
قال في الوافي: الشاذكونة بالفارسية الفراش الذي ينام عليه. انتهى (1).
و ما رواه الشيخ عن ابن ابي عمير (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصلي على الشاذكونة و قد أصابتها الجنابة؟ قال لا بأس».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) قال: «سألته عن البواري يصيبها البول هل يصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل؟ قال نعم لا بأس».
و عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال:
«سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلى عليها؟ قال إذا يبست فلا بأس».
و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن عمار في الموثق (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل يجوز الصلاة عليها؟ فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها».
فاما ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن بكير (6)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشاذكونة يصيبها الاحتلام أ يصلى عليها؟ فقال لا».
و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (7) عن محمد بن الوليد عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام). مثله- فحمله الأصحاب على الكراهة، و يحتمل الحمل على تعدى النجاسة و كيف كان فهو لا يبلغ قوة في معارضة ما نقلناه من الاخبار المعتضدة بالأصل.
[المقام] (الثاني) [اشتراط طهارة الجبهة]
- ظاهر الأصحاب الاتفاق على اشتراط طهارة موضع الجبهة، و قد نقل الإجماع عليه جماعة: منهم- العلامة في المنتهى و المختلف و الشهيد في الذكرى و ابن
____________
(1) قال في البحار في ذيل حديث قرب الاسناد الآتي «بيان: الشاذكونة في أكثر النسخ بالذال المعجمة و في كتب اللغة بالمهملة و قد يقال انه معرب شاديانه، قال الفيروزآبادي الشادكونة بفتح الدال ثياب غلاظ مضربة تعمل باليمن.
(2) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 29 من النجاسات.
(4) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
(5) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
(6) الوسائل الباب 30 من النجاسات.
(7) ص 80.
196
زهرة في الغنية، و لا اعرف لهم دليلا على الحكم المذكور زيادة على الإجماع، مع ان صاحب الذخيرة اعترضهم في دعوى الإجماع هنا حيث قال في هذا المقام بعد نقل دعوى الإجماع ما لفظه: لكن لا يخفى انه قد مر في كتاب الطهارة ان المحقق نقل عن الراوندي و صاحب الوسيلة أنهما ذهبا الى ان الأرض و البواري و الحصر إذا أصابها البول و جففتها الشمس لا تطهر بذلك لكن يجوز السجود عليها. و استجوده المحقق، و على هذا فدعوى الإجماع كلية محل تأمل. انتهى. أقول: الذي في المعتبر في ما حضرني من نسخه في مسألة تطهير الشمس هكذا: «و قيل لا تطهر و يجوز الصلاة عليها و به قال الراوندي منا و صاحب الوسيلة و هو جيد» و الموجود في هذه العبارة انما هو لفظ الصلاة لا السجود نعم لفظ السجود في عبارة الراوندي خاصة على ما نقله في المختلف و اما عبارة صاحب الوسيلة فإنما هي بلفظ الصلاة ايضا على ما نقله في الذخيرة أيضا حيث قال في مسألة تطهير الشمس: و ذهب صاحب الوسيلة- على ما في النسخة الموجودة عندي- إلى انها لا تطهر بذلك و لكن يجوز الصلاة عليها إذا لم يلاق شيئا منها بالرطوبة دون السجود عليها. و هي- كما ترى- ظاهرة في صحة الصلاة مع استثناء موضع السجود كما عليه الأصحاب. و الذي يقرب عندي ان المحقق انما عبر بلفظ الصلاة في العبارة المتقدمة مع ان الموجود في عبارة الراوندي لفظ السجود حملا للسجود على الصلاة مجازا، إلا انه لا يخفى على من راجع عبارة الرواندي المنقولة في المختلف انها لا تقبل ذلك. و كيف كان فالمخالفة لما ادعوه من الإجماع منحصرة في الراوندي و أنت خبير بأن إطلاق الاخبار المتقدمة ظاهر في شمول موضع السجود و المسألة لذلك محل إشكال لأن الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل و الخروج عن ظواهر هذه الأخبار أشكل، و الاحتياط لا يخفى.
[فوائد]
و كيف كان فههنا فوائد لا بد من التنبيه عليها
(الاولى) [تقييد النجاسة المانعة من الصلاة بغير المعفو عنها]
قد صرح جملة منهم بأنه يجب تقييد النجاسة المتعدية المانعة من الصلاة فيها بغير المعفو عنها إذ لا منع من المعفو
197
و بذلك صرح شيخنا في الذكرى فقال و لو كان المكان نجسا بما عفى عنه كدون الدرهم دما و يتعدى فالظاهر انه لا يزيد على ما هو على المصلي. و نقل المحقق الشيخ علي في شرح القواعد عن فخر المحققين انه قال: الإجماع منا واقع على اشتراط خلو المكان من نجاسة متعدية و ان كانت معفوا عنها في الثوب و البدن. و إطلاق عبارة المنتهى و ان وافقت ما ذكره إلا ان دليله يؤذن بخلاف ذلك، و كذا عبارة التذكرة تشعر بأن الإجماع مختص بالنجاسة التي لم يعف عنها.
و التحقيق عندي انه لا ثمرة مهمة في هذا التقييد بل و لا لذكر ذلك بالكلية، و ذلك فإنه من المعلوم ان المنع من الصلاة في الموضع النجس إذا استلزم ذلك تعدى النجاسة إلى ثوب المصلي أو بدنه انما هو الدليل العام الدال على اشتراط صحة الصلاة بطهارة بدن المصلي و ثوبه مما لا يعفى عنه، قال العلامة في المنتهى: و يشترط في المكان ان يكون خاليا من نجاسة متعدية إلى ثوب المصلي أو بدنه، ذهب إليه علماؤنا أجمع لأن طهارة الثوب و البدن شرط في الصلاة و مع النجاسة المتعدية يفقد الشرط. انتهى. و حينئذ فإذا صلى الإنسان في موضع فيه نجاسة و تعدت اليه روعي فيها ما يراعى في غيرها من النجاسات الخارجة منه أو الواقعة عليه من كونها معفوا عنها أو غير معفو عنها و لا خصوصية للمكان تقتضي إفراده بالذكر إلا ان يكون الحامل لهم على ذلك خلاف فخر المحققين في المسألة كما قدمنا ذكره. و ضعفه أظهر من ان يحتاج الى بيان.
(الثانية)- لو كانت الأرض نجسة و فرش عليها فرشا طاهرا
فالظاهر انه على مذهب المرتضى لا مانع من الصلاة إذ المكان باعتبار الطهارة و النجاسة غيره باعتبار الإباحة و الغصب كما تقدم في تعريف كل منهما.
و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد يكون في الدار، الى ان قال: و سألته
____________
(1) اللفظ المذكور انما هو لحديث ابى الجارود برواية الكافي إلا الذيل، راجع الوسائل الباب 10 و 11 من أحكام المساجد.
198
عن المكان يكون خبيثا ثم ينظف و يجعل مسجدا؟ قال يطرح عليه من التراب حتى يواريه فان ذلك يطهره ان شاء الله».
و رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام).
الحديث.
و في رواية محمد بن مصادف عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بأن يجعل على العذرة مسجدا».
و عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: «سئل أ يصلح مكان حش ان يتخذ مسجدا؟ فقال إذا القى عليه من التراب ما يوارى ذلك و يقطع ريحه فلا بأس، و ذلك لان التراب يطهره و به مضت السنة».
(الثالثة)- لو كان في مسجد الجبهة نجاسة لا تتعدى
أو على نفس الجبهة نجاسة معفو عنها في الصلاة فإن استوعبت النجاسة المسجد و الجبهة بطلت الصلاة و إلا صحت صلاته إذا حصل السجود على الطاهر منها في الصورتين المذكورتين.
(المسألة الرابعة) [المواضع التي تكره الصلاة فيها]
- قد اتفقت الاخبار و كلمة الأصحاب على المنع من الصلاة في مواضع زيادة على ما قدمناه إلا ان أكثرها كون المنع فيها منع كراهة و بعضها محل خلاف، و ها انا افصل ذلك كلا في موضع على حياله:
فأقول- و بالله تعالى الهداية إلى إدراك المأمول-
روى الصدوق في الفقيه مرسلا و ثقة الإسلام في الكافي مسندا عن عبد الله بن الفضل عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين و الماء و الحمام و القبور و مسان الطريق و قرى النمل و معاطن الإبل و مجرى الماء و السبخ و الثلج».
قال الصدوق في كتاب الخصال بعد نقل الخبر المذكور مسندا (5) إلا انه أسقط منه «القبور» و زاد فيه «وادي ضجنان» ما صورته: هذه المواضع لا يصلي فيها الإنسان في حال الاختيار، فإذا حصل في الماء و الطين و اضطر إلى الصلاة فيه فإنه يصلي إيماء و يكون
____________
(1) الوسائل الباب 11 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 11 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 11 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 15 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى.
199
ركوعه اخفض من سجوده. و اما الطريق فإنه لا بأس ان يصلى على الظواهر التي بين الجواد فاما على الجواد فلا يصلى. و اما الحمام فإنه لا يصلى فيه على كل حال فاما مسلخ الحمام فلا بأس بالصلاة فيه لانه ليس بحمام. و اما قرى النمل فلا يصلى فيها لانه لا يتمكن من الصلاة لكثرة ما يدب عليه من النمل فيؤذيه و يشغله عن الصلاة. و اما معاطن الإبل فلا يصلى فيها إلا إذا خاف على متاعه الضيعة فلا بأس حينئذ بالصلاة فيها. و اما مرابض الغنم فلا بأس بالصلاة فيها. و اما مجرى الماء فلا يصلى فيه على كل حال لانه لا يؤمن ان يجري الماء اليه و هو في صلاته. و اما السبخة فإنه لا يصلي فيها نبي و لا وصي نبي و اما غيرهما فإنه متى دق مكان سجوده حتى تتمكن الجبهة فيه مستوية في سجوده فلا بأس. و اما الثلج فمتى اضطر الإنسان إلى الصلاة عليه فإنه يدق موضع جبهته حتى يستوي عليه في السجود.
و اما وادي ضجنان و جميع الأودية فلا يجوز الصلاة فيها لأنها مأوى الحياة و الشياطين. انتهى.
و ها انا اذكر المواضع التي اشتمل عليها الخبر المذكور و ما ذكره الأصحاب زيادة على ذلك و وردت به الاخبار:
فأقول
منها- الحمام
و المشهور بين الأصحاب كراهة الصلاة فيه، و نقل عن ابي الصلاح انه منع من الصلاة فيه و تردد في الفساد، و الأظهر الأول لمرسلة عبد الله بن الفضل المتقدمة
و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيت الحمام؟ قال إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن علي بن جعفر (2) «انه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن الصلاة في بيت الحمام؟ فقال إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس».
و هذان الخبران صريحان- كما ترى- في الجواز، و الأصحاب قد حملوا النهي في الحمام على الكراهة جمعا بينه و بين ما تقدم.
____________
(1) الوسائل الباب 34 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 34 من مكان المصلى.
200
و ظاهر ذلك عدم الفرق بين المسلخ و غيره و المفهوم من كلامي الصدوق في الفقيه و الخصال كما تقدم و الشيخ في التهذيب تخصيص روايتي الجواز بالمسلخ حيث قال في الفقيه:
لا بأس بالصلاة في مسلخ الحمام و انما يكره في الحمام لأنه مأوى الشياطين. و الشيخ بعد ان ذكر موثقة عمار حملها على المسلخ و صرح الشهيدان بنفي الكراهة في المسلخ ايضا. و لم نقف في الاخبار على تعرض لخصوص المسلخ بنفي و لا إثبات و إطلاق لفظ الحمام شامل له إلا ان الصدوق في الخصال بعد ان نفى البأس عن الصلاة فيه ادعى انه ليس بحمام. و فيه منع ظاهر فان كان ما ذكروه وجه جمع بين الأخبار فحمل النهى على الكراهة في غير المسلخ يحتاج الى دليل إذ هو حقيقة في التحريم و اما تعليل الصدوق بأنه مأوى الشياطين فغير ظاهر من الاخبار ليصلح وجها للكراهة. و نقل عن العلامة في التذكرة انه احتمل ثبوت الكراهة في المسلخ و بنى الاحتمال على علة النهى فان كانت النجاسة لم تكره و ان كانت كشف العورة فيكون مأوى للشياطين كره. ورد بأنه ضعيف لجواز ان لا يكون الحكم معللا أو تكون العلة غير ما ذكره. و لو جعل وجه الجمع بين هذه الأخبار ما صرحت به الروايتان الأولتان من تعليق نفي البأس على النظافة فيحمل ما دل على النهى على عدم النظافة لكان أقرب، و على هذا فيكون النهي محمولا على التحريم لعدم نظافة المكان.
و كيف كان فإنه لا تكره الصلاة في سطح الحمام كما صرح به غير واحد من الأصحاب. و الله العالم.
و منها- بيوت الغائط
، عدها الأصحاب في هذا الباب و لم أقف في النصوص عليه بهذا العنوان، و الظاهر ان المراد به بيت الخلاء الذي هو بيت لذلك، و ظاهر الشيخ المفيد في المقنعة التحريم حيث قال: لا تجوز الصلاة في بيوت الغائط. و حمله الأصحاب على الكراهة لعدم ما يوجب التحريم إذ ليس إلا انها مظنة النجاسة و غاية ما يوجب ذلك الكراهة.
و الأصحاب قد استدلوا على هذا الحكم
بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد
201
ابن مروان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان جبرئيل أتاني فقال انا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه».
و عن عمرو بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«قال جبرئيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) انا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان و لا بيتا يبال فيه و لا بيتا فيه كلب».
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال من البعد عن المدعى إذ المدعى بيوت الغائط و البول لا يستلزم الغائط.
و الذي وقفت عليه هنا مما يناسب ذلك
ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الأرض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة».
و في رواية «أو حمام»
و ما رواه في الكافي عن الفضيل بن يسار (4) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم في الصلاة فأرى قدامي في القبلة العذرة؟ فقال تنح عنها ما استطعت».
و الظاهر ان ما اشتملت عليه هذه الرواية مكروه آخر غير ما نحن فيه و هو ان يصلي الى عذرة في قبلته كما ذكره بعض الأصحاب. و بالجملة فالمقام و ان كان مقام كراهة يتسامح بينهم في دليله لكن الكلام في ان كون الحكم شرعيا يتوقف على الدليل الشرعي الواضح.
و منها- مبارك الإبل
و في مرسلة عبد الله بن الفضل المتقدمة و غيرها معاطن الإبل و به عبر بعضهم ايضا و هو مبارك الإبل حول الماء، قال في الصحاح العطن و المعطن واحد الأعطان و المعاطن و هي مبارك الإبل عند الماء لتشرب علا بعد نهل. و قال في القاموس العطن محركة وطن الإبل و منزلها حول الحوض. و كلامهما و كذا كلام غيرهما من أهل اللغة صريح في تخصيص اسم المعاطن بمبارك الإبل عند الشرب، و المفهوم من كلام الأصحاب انه أعم من ذلك و به صرح ابن إدريس في السرائر فقال بعد تفسير المعطن
____________
(1) الوسائل الباب 33 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 33 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 31 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 31 من مكان المصلى.
202
بما نقلناه عن أهل اللغة: هذا حقيقة المعطن عند أهل اللغة إلا ان أهل الشرع لم يخصصوا ذلك بمبرك دون مبرك. انتهى. و لعلهم بنوه على عدم تعقل الفرق بين موضع الشرب و غيره، و هو محتمل إلا انه لا يخلو من نوع اشكال لان من قواعدهم الرجوع في معاني الألفاظ بعد تعذر الحقيقة الشرعية و العرف الخاص الى كلام أهل اللغة.
ثم ان القول بالكراهة هو المشهور و نقل عن ابي الصلاح القول بالتحريم و هو ظاهر الشيخ المفيد في المقنعة أيضا أخذا بظاهر النهي.
و من اخبار المسألة زيادة على ما تقدم في مرسلة عبد الله بن الفضل
صحيحة محمد ابن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في أعطان الإبل فقال إذا تخوفت الضيعة على متاعك فاكنسه و انضحه و صل و لا بأس بالصلاة في مرابض الغنم».
و صحيحة على بن جعفر المروية في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصلاة في معاطن الإبل أ تصلح؟ قال لا تصلح إلا ان تخاف على متاعك ضيعة فاكنس ثم انضح بالماء ثم صل. و سألته عن معاطن الغنم أ تصلح الصلاة فيها؟ قال نعم لا بأس به».
و موثقة سماعة (3) قال: «سألته عن الصلاة في أعطان الإبل و في مرابض البقر و الغنم؟ فقال ان نضحته بالماء و قد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها فاما مرابض الخيل و البغال فلا».
و حمل الشيخ (قدس سره) في التهذيب هذه الرواية على الضرورة و الخوف على المتاع كما تضمنته
صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة الحلبي (4) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال صل فيها و لا تصل في أعطان الإبل إلا ان تخاف على متاعك الضيعة فاكنسه و رشه بالماء و صل فيه».
أقول: ظاهر هذه الاخبار من حيث دلالتها على انه ان كان يخاف على متاعه
____________
(1) الوسائل الباب 17 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 17 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 17 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 17 من مكان المصلي.
203
الضيعة جاز له الصلاة فيه من غير كراهة بعد ان يكنسه و يرشه هو الدلالة على القول المشهور في تفسير أعطان الإبل بمباركها حيث كان من غير تقييد بما ذكره أهل اللغة، بل الظاهر التخصيص بموضع النزول و ذلك فان الظاهر من هذا الكلام هو ان القافلة متى نزلوا في مكان فجمالهم و رحالهم و أثقالهم في ذلك المكان و انه تكره الصلاة في ذلك المكان فينبغي ان يخرج الى مكان آخر خارج عن محل النزول إلا إذا كان يخاف من خروجه الضيعة على متاعه فإنه يصلي فيه، و إلا فإنه لا مناسبة بين هذا التعليل و بين تخصيص المعاطن بمواضع السقي كما هو ظاهر فان موضع السقي ليس مقام متخذ للنزول و وضع الأثقال و الأحمال فيه.
ثم ان ظاهر كلامهم انه لا فرق في الكراهة أو التحريم بين وجود الإبل في ذلك المكان و عدمه، و بذلك صرح في المنتهى ايضا معللا بأنها بانتقالها عنه لا يخرج عن اسم المعطن إذا كانت تأوي اليه، و ظاهر هذا التعليل انه لو كان ذلك الموضع انما اتفق بروكها فيه مرة واحدة ثم لم تعد اليه لم يتعلق به الحكم.
ثم انه قد صرح الأصحاب أيضا بكراهة الصلاة في مرابط الخيل و البغال، و عن ابي الصلاح هنا ايضا القول بالتحريم، و من الاخبار الدالة على النهي هنا أيضا موثقة سماعة المتقدمة و مثلها موثقته الأخرى (1) إلا انها مقطوعة و فيها زيادة الحمير على الخيل و البغال.
و منها- مساكن النمل
و هو المعبر عنه في خبر عبد الله بن الفضل المتقدم بقرى النمل و هو جمع قرية و هي مجتمع ترابها حول جحرتها، و يدل على ذلك زيادة على الخبر المتقدم
ما رواه في كتاب المحاسن بسنده عن عبد الله بن عطاء (2) قال «ركبت مع ابي جعفر (عليه السلام) و سار و سرت حتى إذا بلغنا موضعا قلت الصلاة جعلني الله فداك قال هذا ارض وادي النمل لا يصلى فيه حتى إذا بلغنا موضعا آخر قلت له مثل ذلك فقال
____________
(1) الوسائل الباب 17 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 20 من مكان المصلى.
204
هذه الأرض مالحة لا يصلى فيها».
أقول: نقل شيخنا في البحار ان في بعض النسخ «نصلي» في الموضعين بالنون و في بعضها بالياء، ثم قال: فعلى الأول ظاهره اختصاص الحكم بهم (عليهم السلام) فالمراد التحريم أو شدة الكراهة فلا ينافي حصول الكراهة في الجملة لغيرهم
و رواه العياشي في تفسيره (1) إلا ان فيه هكذا «فسرنا حتى زالت الشمس و بلغنا مكانا قلت هذا المكان الأحمر فقال ليس يصلى ههنا هذه أودية النمال و ليس يصلى فيها قال فمضينا إلى أرض بيضاء قال هذه سبخة و ليس يصلى بالسباخ. قال فمضينا إلى أرض حصباء قال ههنا فنزل. الخبر».
و ظاهر الخبر كراهة الصلاة في وادي النمل و ان لم تكن عند قرأها و جحرتها إلا ان يحمل على كون الوادي مملوء بذلك، و ربما علله بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) بعدم انفكاك المصلى من أذاها و قتل بعضها.
و يدل على الأول ما في كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم، قال: و العلة في جحرة النمل ان النمل ربما آذاه فلا يتمكن من الصلاة.
و منها- مجاري المياه
و هو المكان المعد لجريانه و ان لم يكن فيه ماء، و قد تقدم في كلام الصدوق تعليل النهي بأنه لا يؤمن ان يجري الماء اليه و هو في صلاته، و الظاهر انه لا دليل عليه إلا خبر عبد الله بن الفضل المتقدم صدر الكلام، و ظاهر الخبر المذكور أعم من ان يكون الماء موجودا فيه أم لا فلو قصر الحكم على ما إذا كان موجودا أو يخاف هجومه في حال الصلاة لكان أظهر.
و في شمول الحكم للصلاة في السفينة باعتبار كونها في مجرى الماء و كذا على الساباط الذي على نهر يجري فيه الماء إشكال ينشأ من صدق الصلاة في مجرى الماء، و من ان المتبادر من العبارة هو إيقاع الصلاة في الأرض التي يجري فيها الماء فعلا أو قوة باعتبار إعدادها لذلك، و الاشكال في الساباط أضعف. و قد صرح في المنتهى بدخول هذين الفردين في حكم المسألة المذكورة.
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 15 من مكان المصلى.
205
[بطون الأودية]
و قيل بالكراهة في بطون الأودية التي يخاف فيها هجوم السيل، و الظاهر انه يرجع الى الأول لأن المراد بالمجاري ما يحصل فيه الجريان من واد و غيره،
و قد روى الشيخان في الكافي و التهذيب عن ابي هاشم الجعفري (1) قال: «كنت مع ابي الحسن (عليه السلام) في السفينة في دجلة فحضرت الصلاة فقلت جعلت فداك نصلي في جماعة؟
فقال لا يصلى في بطن واد جماعة».
و هذا الخبر كما يدل على صدق الوادي على المجرى من حيث اتساعه كذا يدل على ان حكم الصلاة في السفينة إذا كانت في مجرى الماء حكم أصل المجرى. و به يتجه دخول هذا الفرد تحت الحكم المذكور كما صرح به شيخنا المتقدم ذكره. و لعل التخصيص بالجماعة وقع من حيث سؤال السائل عن الجماعة فلا منافاة لما دل على الحكم المذكور مطلقا.
بقي هنا شيء و هو انه قال في المدارك بعد تفسير مجرى المياه بأنها الأمكنة المعدة لجريانها فيها: و قيل تكره الصلاة في بطون الأودية التي يخاف فيها هجوم السيل، قال في النهاية فإن أمن السيل احتمل بقاء الكراهة اتباعا لظاهر النهي و عدمها لزوال موجبها و لم أقف على ما ادعاه من الإطلاق. انتهى. أقول: الظاهر ان ما ذكره من عد الأودية هنا بناء على دخولها تحت مجرى المياه باعتبار جريان السيول فيها فيصدق عليها مجرى المياه و حيث ان العلامة ادعى احتمال بقاء الكراهة و ان أمن السيل تمسكا بالإطلاق رده السيد (قدس سره) بأنه لا نص في هذه المسألة بالكلية حتى يستند إلى إطلاقه.
أقول: اما النهي عن بطون الأودية فقد ورد و ان لم يكن مشهورا إلا ان كون العلة فيه ما ذكره من هجوم السيل غير معلوم بل ربما علل بأمر آخر، فالأظهر أن يجعل هذا فردا من افراد المسألة على حدة و هو كراهة الصلاة في بطون الأودية.
و الذي يدل عليه
ما رواه الصدوق في كتاب المجالس في جملة المناهي المنقولة عنه (صلى الله عليه و آله) (2) قال: «و نهى ان يصلي الرجل في المقابر و الطرق
____________
(1) الوسائل الباب 29 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 25 من مكان المصلى.
206
و الأرحية و الأودية و مرابط الإبل و على ظهر الكعبة».
و في كتاب العلل لمحمد بن إبراهيم (1) قال: «لا يصلى في ذات الجيش و لا ذات الصلاصل و لا بطون الأودية.
، ثم ساق الكلام في باقي المناهي و ذكر علل النهي الى ان قال: و العلة في بطون الأودية انها مأوى الحياة و الجن و السباع. الى آخره» و كلامه في جميع هذه العلل المذكورة في هذا الكتاب و ان لم يسندها الى نص إلا ان الظاهر انه حيث كان من أصحاب الصدر الأول مثل أبيه و جده الذين لا يقولون إلا بالنصوص كما وصل إلينا في أكثر ما ذكره من هذه العلل فهو لا يقول هذا إلا بعد وصول نص اليه بذلك.
و منها- الطين
و قد تقدم ذكره في خبر عبد الله بن الفضل، و المراد بالطين هنا الوحل الذي هو طين و ماء ممتزجان و إلا فالطين اليابس لا مانع من الصلاة عليه، و لهذا قال الصدوق (قدس سره) في ما تقدم نقله عنه: فان حصل في الطين و الماء و اضطر إلى الصلاة فإنه يصلي إيماء. إلخ. و عطف الماء عليه (2) لانه فرد آخر لا يتيسر الصلاة فيه إلا كذلك كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
و الظاهر ان النهي هنا محمول على التحريم ان استلزم الصلاة ثمة منع شيء من واجبات الصلاة كالاستقرار في السجود و نحوه و إلا كره
لما رواه عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سأله عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو؟
قال إذا غرقت الجبهة و لم تثبت على الأرض».
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 122.
(2) كذا في النسخ و الذي نقله عن الصدوق في ما سبق ص 198 انما اشتمل على عطف الطين على الماء على عكس قوله هنا و كذا في ما يأتي منه ايضا ص 208 من نقله كما ذكرنا من عطف الطين على الماء. و الله العالم.
(3) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى.
207
فلو اضطر إلى الصلاة فيه أومأ كما ذكره الأصحاب، و يدل عليه
موثقة عمار ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصيبه المطر و هو في موضع لا يقدر ان يسجد فيه من الطين و لا يجد موضعا جافا؟ قال يفتتح الصلاة فإذا ركع فليركع كما يركع إذا صلى فإذا رفع رأسه من الركوع فليومئ بالسجود إيماء و هو قائم يفعل ذلك حتى يفرغ من الصلاة و يتشهد و هو قائم ثم يسلم».
و إطلاق الخبر و كذا إطلاق جملة من عبارات الأصحاب يدل على عدم وجوب الجلوس للسجود في الحال المذكورة و ان أمكن، و أوجب شيخنا الشهيد الثاني الجلوس و تقريب الجبهة من الأرض بحسب الممكن، و بعض آخر بعد رد الرواية بضعف السند بناء على الاصطلاح المحدث قال بان وجوب الجلوس و الإتيان بالممكن من السجود هو الاولى استنادا إلى انه لا يسقط الميسور بالمعسور (2). و فيه ان وجوب الانحناء انما هو من باب المقدمة فوجوبه تابع لوجوب السجود الذي هو ذو المقدمة فمتى سقط وجوب ذي المقدمة سقط وجوبها. و اما حديث
«لا يسقط الميسور بالمعسور».
فمع تسليم صحته لا يشمل ما نحن فيه إلا على تقدير كون وجوب الانحناء مستقلا ليس مترتبا على السجود و الحال ان الأمر ليس كذلك. و اما ضعف الخبر فمجبور بالشهرة و الأمران اصطلاحيان فلا معنى للعمل بأحدهما و ترك الآخر.
و منها- الماء
و يدل على المنع من الصلاة فيه زيادة على خبر عبد الله بن الفضل المتقدم
ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يخوض الماء فتدركه الصلاة؟ فقال ان كان في حرب فإنه يجزئه الإيماء و ان كان تاجرا فليقم و لا يدخله حتى يصلي».
و عن إسماعيل بن جابر في الصحيح (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 15 من مكان المصلي.
(2) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على «ع».
(3) الوسائل الباب 15 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 15 من مكان المصلى.
208
و قد سأله إنسان عن الرجل تدركه الصلاة و هو في ماء يخوضه لا يقدر على الأرض؟
فقال ان كان في حرب أو في سبيل من سبيل الله فليومئ إيماء و ان كان في تجارة فلم يك ينبغي له ان يخوض الماء حتى يصلي قال: قلت و كيف يصنع؟ قال يقضيها إذا خرج من الماء و قد ضيع».
و ملخص ما اشتمل عليه الخبران انه ان كان الصلاة في الماء من حيث الضرورة كالحرب و الخوف و نحو ذلك فليصل فيه إيماء و إلا فلا يجوز له الصلاة فيه. فلو صلى فيه و الحال كذلك وجب القضاء لنقصان الصلاة فيه بالإيماء فلا تجزى اختيارا. و اما الإيماء المذكور في الخبرين فينبغي تقييده بعدم إمكان ما ينوب الإيماء منابه فالإيماء عن الركوع انما يكون مع تعذره و إلا فإنه يركع و هكذا في السجود. و من الظاهر في هذا الموضع و سابقه ان السجود متعذر فيومى له كما تقدم، و اما الركوع فهو مبني على ما ذكرناه ايضا من الإمكان و عدمه. و اما ما تقدم في كلام الصدوق في صدر المسألة من قوله في الخصال:
«فان حصل في الماء و الطين و اضطر إلى الصلاة فيه فإنه يصلى إيماء و يكون سجوده اخفض من ركوعه» فهو مبني على تعذر الركوع و السجود معا و إلا فلو تمكن من الركوع وجب كما تقدم في موثقة عمار في سابق هذا الموضع.
و منها- مسان الطريق
قال في القاموس: سنن الطريق مثلثة و بضمتين نهجه وجهته و منه مسان الطريق. و قال في المغرب سنن الطريق معظمه و وسطه. و لعل المراد بالطريق الجادة أو العظيمة و لهذا وقع التفسير بالجادة في كلام جملة من الأصحاب.
و المشهور كراهة الصلاة فيها و نقل الأصحاب عن ظاهر الصدوق و الشيخ المفيد التحريم، و كأنه نظرا الى تعبيرهما بعدم الجواز في هذا المقام، و هو و ان كان ظاهرا في ذلك إلا انه قابل للحمل على تشديد الكراهة و التعبير بذلك مبالغة كما يقع مثله في الاخبار.
209
و من اخبار المسألة
صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفر؟ فقال لا تصل على الجادة و اعتزل على جانبيها».
و صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصلاة في ظهر الطريق؟ فقال لا بأس بأن تصلى في الظواهر التي بين الجواد و اما على الجواد فلا تصل فيها».
و صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان يصلى بين الظواهر و هي الجواد جواد الطريق و يكره ان يصلى في الجواد».
و موثقة الحسن بن الجهم عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «كل طريق يوطأ فلا تصل عليه».
و رواية محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «كل طريق يوطأ و يتطرق كانت فيه جادة أو لم تكن فلا ينبغي الصلاة فيه».
و من هذين الخبرين يعلم تعميم الحكم للطريق مطلقا و ان لم يكن جادة، و منهم من خص الحكم بالجواد و هي العظمى من الطرق التي يكثر سلوكها.
و أنت خبير بأنه لو لا اعتضاد القول بالكراهة بالشهرة بين الأصحاب لكان القول بما نسب الى الصدوق و المفيد من التحريم في غاية القوة، فإن جل الأخبار مصرحة بالنهي الذي هو حقيقة في التحريم، و غاية ما ربما يتمسك به للقول بالكراهة قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار:
«و يكره ان يصلى في الجواد»
و قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضيل: «فلا ينبغي» و ورود هذين اللفظين بمعنى التحريم في الأخبار أكثر كثير كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع.
ثم الظاهر انه لا فرق في الكراهة بين ان تكون الطريق مشغولة بالمارة وقت الصلاة أم لا لعموم الاخبار، و اما لو استلزمت الصلاة تعطيل المارة و منعهم عن المرور
____________
(1) الوسائل الباب 19 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 19 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 19 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 19 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 19 من مكان المصلى.
210
فلا ريب في التحريم في ظاهر الأصحاب بل الظاهر انه لا خلاف فيه، و قد صرح جملة منهم بفساد الصلاة أيضا و الظاهر ان وجهه عندهم من حيث ان الطريق ملك للمسلمين يتطرقون فيها فالتصرف فيها على وجه يوجب رفع حقهم محرم البتة.
بقي الكلام هنا في الحكم بفساد العبادة و هو بناء على المشهور من حمل النهي على الكراهة لا يخلو من اشكال، نعم لو قلنا بظاهر ما دلت عليه هذه الاخبار من حمل النهي فيها على التحريم اتجه الأمران معا لزم من ذلك تعطيل المارة أم لا.
هذا كله في الطرق النافذة أما الطرق المرفوعة فلا إشكال في التحريم فيها لأنها ملك لأرباب البيوت التي تنفذ إليها.
و منها- السبخة
بفتح الباء و إذا كانت نعتا للأرض كقولك «الأرض السبخة» فهي بكسر الباء كذا نقل عن الخليل في كتاب العين، و قال في الروض بعد قول المصنف «و ارض السبخة» ما صورته: بفتح الباء واحدة السباخ و هو الشيء الذي يعلو الأرض كالملح و يجوز كون السبخة بكسر الباء و هي الأرض ذات السباخ فتكون إضافة الأرض إليها من باب اضافة الموصوف الى صفته كمسجد الجامع و الظاهر ان ما ذكره الخليل أقرب و من الاخبار في ذلك زيادة على الخبر المتقدم في صدر المسألة
موثقة أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة في السبخة لم تكرهه؟ قال لأن الجبهة لا تقع مستوية. فقلت ان كان فيها أرض مستوية؟ فقال لا بأس».
و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن الصلاة في السباخ فقال لا بأس».
و صحيحة الحلبي (3) و فيها «قال و كره الصلاة في السبخة إلا ان يكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستوية».
و روى في العلل عن داود بن الحصين بن السري (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لم حرم الله تعالى الصلاة في السبخة؟ قال لأن الجبهة لا تتمكن عليها».
و حملها الأصحاب على الكراهة جمعا، و قد تقدم في الموضع الرابع نقل روايتي
____________
(1) الوسائل الباب 20 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 20 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 20 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 20 من مكان المصلى.
211
المحاسن و العياشي المتضمنتين لانه لا يصلى في أرض السبخة.
و روى في كتاب المحاسن عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن السبخة أ يصلي الرجل فيها؟ فقال انما تكره الصلاة فيها من أجل أنها فتك و لا يتمكن الرجل يضع وجهه كما يريد. قلت أ رأيت ان هو وضع وجهه متمكنا؟ فقال حسن».
و الظاهر ان قوله «فتك» من التفتيك و هو كناية عن كونها رخوة نشاشة لا تستقر الجبهة عليها. قال في القاموس: تفتيك القطن تفتيته. انتهى.
و المشهور بين الأصحاب هو الكراهة و ظاهر الصدوق في كتاب العلل التحريم حيث قال: «باب العلة التي من أجلها لا تجوز الصلاة في السبخة» و ظاهر كلامه المتقدم نقله عن الخصال تخصيص التحريم بالنبي و الامام، و ظاهر هذه الاخبار ان العلة في الكراهة هو عدم حصول كمال التمكن للجبهة في الوقوع على الأرض من حيث رخاوتها و مع حصول كمال التمكن بكسر الموضع و تسويته أو بان توجد ارض كذلك فلا كراهة و على ذلك يحمل إطلاق موثقة سماعة.
و منها- الثلج
و قد تقدم عده في خبر عبد الله بن الفضل، و الظاهر ان النهي عن الصلاة عليه هنا محمول على التحريم لان الثلج ليس بأرض حتى يجوز السجود عليه مع وجود الأرض و مع عدم التمكن من الأرض فلا إشكال في جواز السجود عليه مع الضرورة إلا ان يحمل على الصلاة عليه مع السجود على شيء آخر فلا ينافي الكراهة.
و من الأخبار الواردة في المقام
رواية داود الصرمي (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت اني اخرج في هذا الوجه و ربما لم يكن موضع أصلي فيه من الثلج؟
فقال ان أمكنك ان لا تسجد على الثلج فلا تسجد و ان لم يمكنك فسوه و اسجد عليه».
و رواية منصور عن غير واحد من أصحابنا (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 20 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 28 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
212
السلام) انا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أ فنسجد عليه؟ فقال لا و لكن اجعل بينك و بينه شيئا قطنا أو كتانا».
و صحيحة معمر بن خلاد (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن السجود على الثلج؟ فقال لا تسجد على السبخة و لا على الثلج».
و موثقة عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي على الثلج؟ قال لا فان لم يقدر على الأرض بسط ثوبه و صلى عليه».
أقول: الظاهر من موثقة عمار هو كراهة الصلاة على الثلج بمعنى القيام عليه في الصلاة أعم من ان يكون السجود عليه أو على غيره، و باقي الأخبار قد اشتركت في النهي عن السجود عليه و انه مع عدم وجود الأرض يسجد على القطن أو الكتان أو ثوب من غيرهما و انه لا يسجد على الثلج إلا مع تعذر الثوب و نحوه. و يمكن حمل السجود في هذه الأخبار سؤالا و جوابا على الصلاة، و يؤيده السؤال عن الصلاة في رواية الصرمي و وقوع الجواب بلفظ السجود، و حينئذ فالأمر بجعل شيء بينه و بينه في مرسلة منصور وقع على نحو الأمر ببسط الثوب عليه مع تعذر الأرض في رواية عمار، و على هذا فلا تعرض فيها للسجود بمعنى وضع الجبهة بالكلية. و عندي ان هذا الوجه أقرب إذ لا بعد فيه إلا من حيث التجوز بإطلاق السجود على الصلاة، و نظائره في الاخبار أكثر كثير و لا سيما اخبار
«جعلت لي الأرض مسجدا.» (3).
اي مصلى، و غيرها.
و منها- مواضع بين الحرمين:
(أحدها) البيداء
و هي على ميل من ذي الحليفة مما يلي مكة و انما سميت بذلك لأنها تبيد جيش السفياني و من ذلك ايضا سميت ذات الجيش و يدل على ذلك من الأخبار
صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «الصلاة تكره في ثلاثة مواطن من الطريق: البيداء و هي ذات
____________
(1) الوسائل الباب 28 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 28 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 7 من التيمم.
(4) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى.
213
الجيش و ذات الصلاصل و ضجنان. و قال لا بأس ان يصلى بين الظواهر و هي الجواد جواد الطريق و يكره ان يصلى في الجواد».
و صحيحة ابن ابي نصر (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) انا كنا في البيداء في آخر الليل فتوضأت و استكت و انا أهم بالصلاة ثم كأنه دخل قلبي شيء فهل نصلي في البيداء في المحمل؟ فقال لا تصل في البيداء. قلت فأين حد البيداء؟
فقال كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا بلغ ذات الجيش جد في السير و لا يصلى حتى يأتي معرس النبي (صلى الله عليه و آله). قلت و اين ذات الجيش؟ قال دون الحفيرة بثلاثة أميال».
و صحيحة أيوب بن نوح عن ابي الحسن الأخير (عليه السلام) (2) قال: «قلت له تحضر الصلاة و الرجل بالبيداء؟ فقال يتنحى عن الجواد يمنة و يسرة و يصلى».
و صحيحة علي بن مهزيار (3) «انه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يسير في البيداء فتدركه صلاة فريضة فلا يخرج من البيداء حتى يخرج وقتها كيف يصنع بالصلاة و قد نهى ان يصلي في البيداء؟ فقال يصلي فيها و يجتنب قارعة الطريق».
و من هذين الخبرين يعلم حمل النهي في الخبرين الأولين على الكراهة.
قال ابن إدريس في تعداد ما يكره فيه الصلاة: و البيداء لأنها أرض خسف على ما روى في بعض الأخبار ان جيش السفياني يأتي إليها قاصدا مدينة الرسول (صلى الله عليه و آله) فيخسف الله تعالى به تلك الأرض، و بينها و بين ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ميل واحد و هو ثلث فرسخ فحسب، قال و كذلك يكره الصلاة في كل ارض خسف و لهذا كره أمير المؤمنين (عليه السلام) الصلاة في أرض بابل. انتهى.
و (ثانيها)- ذات الصلاصل
جمع صلصال، قال ابن إدريس هي الأرض التي لها صوت و دوي. و بذلك فسرها العلامة في المنتهى. و قيل انه الطين الحر المخلوط بالرمل فصار
____________
(1) الوسائل الباب 23 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 23 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى.
214
يتصلصل إذا جف اي يصوت. و به فسره الشهيد (قدس سره) و نقله الجوهري عن ابي عبيدة و نحوه كلام القاموس.
أقول: ان كان المراد من هذه التفسيرات في كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) هو دوران الحكم بالكراهة مدارها فهو مشكل لان المفهوم من صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة ان هذا الاسم لموضع مخصوص كالاسمين الآخرين المذكورين معه في هذا الطريق بين الحرمين إلا اني لم أقف على تعيينه في الأخبار و لا كلام أحد من أصحابنا الأبرار.
و (ثالثها) وادي الشقرة
لما رواه في الفقيه (1) مرسلا قال: «روى انه لا يصلى في البيداء و لا ذات الصلاصل و لا في وادي الشقرة و لا في وادي ضجنان».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد عن ابن فضال عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يصلى في وادي الشقرة».
و رواه الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد مثله (3).
قال ابن إدريس: تكره الصلاة في وادي الشقرة بفتح الشين و كسر القاف واحد الشقر موضع بعينه مخصوص سواء كان فيه شقائق النعمان أو لم يكن، و ليس كل واد يكون فيه شقائق النعمان تكره فيه الصلاة بل في الموضع المخصوص فحسب و هو بطريق مكة لأن أصحابنا قالوا تكره الصلاة في طريق مكة بأربعة مواضع من جملتها وادي الشقرة و قال العلامة في المنتهى: الشقرة بفتح الشين و كسر القاف واحد الشقر و هو شقائق النعمان و كل موضع فيه ذلك تكره الصلاة فيه، و قيل وادي الشقرة موضع مخصوص بطريق مكة ذكره ابن إدريس. و الأقرب الأول لما فيه من اشتغال القلب بالنظر إليها. و قيل هذه مواضع خسف فتكره الصلاة فيها لذلك. انتهى. أقول: بل الأقرب ما ذكره
ابن
____________
(1) الوسائل الباب 23 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 24 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 24 من مكان المصلي.
215
إدريس لما رواه البرقي في كتاب المحاسن بسنده عن عمار الساباطي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تصل في وادي الشقرة فإن فيه منازل الجن».
و قال في كتاب مجمع البحرين: في الحديث «نهى عن الصلاة في وادي شقرة» هو بضم الشين و سكون القاف و قيل بفتح الشين و كسر القاف موضع معروف في طريق مكة، قيل انه و البيداء و ضجنان و ذات الصلاصل مواضع خسف و انها من المواضع المغصوب عليها. انتهى. أقول: بل الأظهر في وجه الكراهة هو ما ذكره (عليه السلام) في حديث عمار المذكور.
و (رابعها)- وادي ضجنان
و ضبطه بعضهم بالضاد المعجمة المفتوحة و الجيم الساكنة اسم جبل بناحية مكة.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك- و منها يعلم وجه الكراهة-
ما رواه في كتاب بصائر الدرجات بسند صحيح عن علي بن المغيرة (2) قال: «نزل أبو جعفر (عليه السلام) في وادي ضجنان، و ذكر حديثا يقول في آخره و انه ليقال انه واد من أودية جهنم».
و روى في كتاب الخرائج و الجرائح عن علي بن المغيرة (3) قال: «نزل أبو جعفر (عليه السلام) بوادي ضجنان فسمعناه يقول ثلاث مرات: «لا غفر الله لك» فقال له ابي لمن تقول جعلت فداك؟ قال مر بي الشامي «لعنه الله» يجر سلسلته التي في عنقه و قد دلع لسانه يسألني ان استغفر له فقلت له لا غفر الله لك».
و عن عبد الملك القمي عن أخيه (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول بينا انا و ابي متوجهين إلى مكة فتقدم أبي في موضع يقال له ضجنان إذ جاءني رجل في عنقه سلسلة يجرها فاقبل علي فقال اسقني فسمعه ابي فصاح بي و قال لا تسقه لا سقاه
____________
(1) الوسائل الباب 24 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 23 من مكان المصلى.
(3) ص 134.
(4) ص 134.
216
الله فإذا رجل يتبعه حتى جذب سلسلته و طرحه على وجهه في أسفل درك من النار فقال ابي هذا الشامي لعنه الله».
أقول: و المراد بالشامي في الخبرين المذكورين هو معاوية صاحب السلسلة التي ذكرها الله تعالى في سورة الحاقة (1).
و منها- القبور
و المراد الصلاة عليها أو إليها أو بينها، و المشهور بين الأصحاب الكراهة في الجميع، و عن الشيخ المفيد (قدس سره) انه قال لا يجوز الصلاة الى شيء من القبور حتى يكون بين الإنسان و بينه حائل و لو قدر لبنة أو عنزة منصوبة أو ثوب موضوع، ثم قال و قد روى انه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر امام و الأصل ما قدمناه. و نقل في المنتهى عن الصدوق ايضا القول بما ذهب اليه المفيد، و الظاهر انه اشارة الى ما ذكره في الفقيه حيث قال:
و اما القبور فلا يجوز ان تتخذ قبلة و لا مسجدا و لا بأس بالصلاة بين خللها ما لم يتخذ شيء منها قبلة. انتهى. و نقل عن ابي الصلاح ايضا القول بالتحريم و انما تردد في الابطال و ها أنا أولا اذكر الأخبار المتعلقة بالمسألة ثم أعطف الكلام على تحقيق المقام بما ظهر لي من اخبارهم (عليهم السلام):
فمنها-
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن الرجل يصلي بين القبور؟ قال لا يجوز ذلك إلا ان يجعل بينه و بين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه و عشرة أذرع من خلفه و عشرة أذرع عن يمينه و عشرة أذرع عن يساره ثم يصلي ان شاء».
و عن علي بن يقطين (3) قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال لا بأس».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) «انه سأله عن الصلاة بين القبور هل تصلح؟ قال لا بأس به».
____________
(1) الآية 32.
(2) الوسائل الباب 35 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 35 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 35 من مكان المصلى.
217
و عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي (1) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تجصص المقابر و يصلى فيها، و نهى ان يصلى الرجل في المقابر و الطرق. الحديث».
و في حديث يونس بن ظبيان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى ان يصلى على قبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن عبد الله الحميري (3) قال: «كتبت الى الفقيه (عليه السلام) اسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام) هل يجوز ان يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلى عند قبورهم (عليهم السلام) ان يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز ان يتقدم القبر و يصلى و يجعله خلفه أم لا؟ فأجاب- و قرأت التوقيع و منه نسخت- اما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة بل يضع خده الأيمن على القبر، و اما الصلاة فإنها خلفه يجعله الامام و لا يجوز ان يصلي بين يديه لأن الإمام لا يتقدم و يصلى عن يمينه و شماله».
و ما رواه في الفقيه (4) مرسلا قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله) لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا فان الله عز و جل لعن اليهود لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
و ما رواه في التهذيب عن معمر بن خلاد في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة».
و منها-
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: «قلت له الصلاة بين القبور؟ قال صل في خلالها و لا تتخذ شيئا منها قبلة فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذلك و قال لا تتخذوا قبري قبلة و لا مسجدا فان الله تعالى لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
____________
(1) الوسائل الباب 25 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 25 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 25 من مكان المصلي.
(6) الوسائل الباب 26 من مكان المصلى.
218
و رواية أبي اليسع المنقولة في الأمالي (1) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و انا اسمع قال إذا أتيت قبر الحسين (عليه السلام) اجعله قبلة إذا صليت؟ قال تنح هكذا ناحية».
و روى بهذا المضمون خبرا آخر معه.
و ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الحميري (2) «انه كتب الى الامام القائم (عليه السلام) يسأله انه هل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم (عليهم السلام) ان يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة أم يقوم عند رأسه أو رجليه؟ و هل يجوز ان يتقدم القبر و يصلي و يجعل القبر خلفه أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) اما الصلاة فإنها خلفه و يجعل القبر امامه و لا يجوز ان يصلى بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره لأن الإمام لا يتقدم و لا يساوى».
و روى الصدوق في كتاب عيون الاخبار في الموثق عن الحسن بن علي بن فضال (3) قال: «رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) و هو يريد ان يودع للخروج إلى العمرة فأتى القبر من موضع رأس النبي (صلى الله عليه و آله) بعد المغرب فسلم على النبي (صلى الله عليه و آله) و لزق بالقبر ثم انصرف حتى اتى القبر فقام الى جانبه يصلى فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريبا من الأسطوانة التي دون الأسطوانة المخلفة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه و آله) فصلى ست ركعات».
و روى جعفر بن محمد بن قولويه في كتاب كامل الزيارات عن محمد بن البصري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث زيارة الحسين (ع) قال: «من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله لقي الله تعالى يوم يلقاه و عليه من النور ما يغشى له كل شيء يراه. الحديث».
و عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل (5) قال:
«أتاه رجل فقال له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) هل يزار والدك؟ قال نعم
____________
(1) الوسائل الباب 69 من المزار.
(2) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 26 من مكان المصلى.
219
و يصلى عنده. و قال يصلى خلفه و لا يتقدم عليه».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الاخبار يقع في مقامين
[المقام] (الأول) في حكم قبر الامام (عليه السلام) و الصلاة عنده
اما بالتقدم عليه أو المساواة له بان يكون مما يلي رأسه أو رجليه و اما مع التأخر عنه، فهذه مواضع ثلاثة لا بد فيها من تنقيح الكلام بما يدفع عنها غشاوة الإبهام و توضيحها من اخبارهم (عليهم السلام):
[الموضع] (الأول)- في حكم التقدم على القبر الشريف
، اعلم ان ظاهر المشهور في كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) هو الجواز على كراهة، و ممن صرح بذلك الشهيد في الدروس فقال: و لو استدبر القبر و صلى جاز و ان كان غير مستحسن إلا مع البعد. و قال العلامة في المنتهى بعد نقله صحيحة الحميري المتقدمة برواية الشيخ في التهذيب: و اعلم ان المراد بقوله «لا يجوز ان يصلى بين يديه» الكراهة لا التحريم، و يفهم من ذلك كراهة الاستدبار له في غير الصلاة. انتهى. و ظاهره عدم المخالف في الحكم المذكور و إلا لذكره كما هي عادتهم في الكتب الاستدلالية. و هو الظاهر ايضا من كلام المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد حيث قال- بعد البحث عن حكم الصلاة الى القبور و نقل صحيحة الحميري في الرد على مذهب الشيخ المفيد (قدس سره)- ما صورته: فالقول بالكراهة غير بعيد في قبر غير المعصوم إلا ان يجعل القبر خلفه فإنه يكره حينئذ لما مر. انتهى. و ملخصه اختيار كراهية الصلاة الى سائر القبور غير قبر المعصوم فإنه يجوز الصلاة إليه من غير كراهة للصحيحة المذكورة إلا ان يجعل قبر المعصوم خلفه فإنه تحصل الكراهة للرواية المذكورة. و هو الظاهر ايضا من كلام المحدث الكاشاني في المفاتيح حيث قال: و يكره ان يصلي بين المقابر إلا مع بعد عشر أذرع، الى ان قال في سياق الكراهة و ان يستدبر لقبره (عليه السلام) بل التقدم على ضريحه المقدس مطلقا كما في الصحيح بل لا يبعد تحريمه لظاهر النهي. و هو ظاهر المحقق أيضا في المعتبر كما ستقف عليه قريبا حيث طعن في الصحيحة المذكورة و ردها بأشنع رد.
220
و بالجملة فإني لم أقف على من قال بالتحريم عملا بظاهر الصحيحة المذكورة سوى شيخنا البهائي (قدس سره) في ما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى في كلامه ثم اقتفاه جمع ممن تأخر عنه: منهم- شيخنا المجلسي، و هو الأقرب عندي إذ لا معارض للخبر المذكور بل في الاخبار ما يؤيده مثل حديث هشام بن سالم المتقدم نقله عن كتاب كامل الزيارات حيث قال فيه: «يصلى خلفه و لا يتقدم عليه» و الاستناد الى الأصل في مقابلة الخبر المذكور خروج عن مقتضى أصولهم و قواعدهم فان الخبر صحيح صريح، و من قواعدهم الخروج عن ذلك الأصل بالخبر الصحيح الصريح. و لا اعرف لهم مستندا في رد الخبر و تأويله بالحمل على الكراهة إلا التمسك بالأصل و قد عرفت ما فيه، أو عدم القول بذلك من المتقدمين كما هو أحد أصولهم. و لا يخفى وهنه كما تقدم إيضاحه في مقدمات الكتاب. و لو اقتصروا على أقوال المتقدمين لما انتشر بينهم الخلاف في المسائل الشرعية و الأحكام الفرعية الى ما هو عليه الآن كما لا يخفى على الفطن البصير و لا ينبئك مثل خبير.
(الموضع الثاني)- في حكم المحاذاة
، قد عرفت من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الموضع الأول القول بجواز التقدم فالمحاذاة بطريق اولى، و قد تقدمت صحيحة الحميري الصريحة في جواز المحاذاة.
و يدل على ذلك جملة من الاخبار الدالة على استحباب الصلاة عند الرأس،
ففي خبر جعفر بن ناجية عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صل عند رأس قبر الحسين (عليه السلام)».
و في رواية أبي حمزة الثمالي عن الصادق (عليه السلام) (2) «ثم تدور من خلفه الى عند رأس الحسين (عليه السلام) و صل عند رأسه ركعتين تقرأ في الأولى. الى ان قال و ان شئت صليت خلف القبر و عند رأسه أفضل».
و في رواية صفوان
____________
(1) الوسائل الباب 69 من المزار.
(2) البحار ج 22 ص 154.
221
عن الصادق (عليه السلام) (1) «ثم قم فصل ركعتين عند الرأس».
و في رواية أخرى لصفوان عن الصادق (عليه السلام) (2) «ثم صل عند الرأس ركعتين».
الى غير ذلك من الاخبار.
و بذلك صرح أيضا جملة من علمائنا الأعلام أعلى الله درجاتهم في دار السلام:
منهم-
الصدوق في الفقيه (3) حيث قال في زيارة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام): ثم صل في القبة التي فيها محمد بن علي (عليهما السلام) اربع ركعات بتسليمتين عند رأسه: ركعتين لزيارة موسى (عليه السلام) و ركعتين لزيارة محمد بن علي (عليه السلام).
و قال في زيارة الرضا (عليه السلام) نحوه (4) و قال شيخنا الشهيد في الدروس في تعداد آداب الزيارة: و سادسها صلاة ركعتين للزيارة عند الفراغ و ان كان زائرا للنبي (صلى الله عليه و آله) ففي الروضة و ان كان لأحد الأئمة (عليهم السلام) فعند رأسه. و نحوه في الذكرى. و به صرح ايضا الشيخ المفيد (قدس سره) حيث حرم الصلاة خلف القبر كما تقدم في عبارته، ثم قال: و يصلي الزائر مما يلي رأس الإمام (عليه السلام) فهو أفضل من ان يصلي الى القبر من غير حائل بينه و بينه على حال. و قال أيضا في زيارة الحسين (عليه السلام): و صل عند الرأس ركعتين للزيارة و صل بعدهما ما بدا لك. و قال في زيارة الرضا (عليه السلام) مثله.
و أنت خبير بان المتبادر من كونها عند الرأس هو القيام بحذاء الرأس كما وقع نظيره في الاخبار من استحباب الجلوس عند الرأس و الدعاء عنده أو يقف عند الرأس و يقول كذا و كذا، فان المتبادر من هذه العندية في جميع هذه المواضع هو المحاذاة للرأس من غير تقدم و لا تأخر. و لو زعم زاعم- ان العندية أعم من المساواة أو التقدم قليلا و التأخر قليلا- قلنا مع تسليمه يكفينا في الدلالة على ما ندعيه العموم مع ظهور كونه
____________
(1) البحار ج 22 ص 159.
(2) البحار ج 22 ص 179.
(3) ج 2 ص 363.
(4) ج 3 ص 367.
222
أظهر أفراد العام.
و بالجملة فإن جل الاخبار و جملة كلام الأصحاب متفق على جواز ذلك الى ان نشأ في أيامنا هذه بعض من لم يعض على العلم بضرس قاطع و لم يعط التأمل حقه في أمثال هذه المواضع و يرتاع بأدنى شبهة تعرض لباله و يضعف عن ردها بفكره و خياله، فحكم بتحريم الصلاة مع محاذاة قبر المعصوم (عليه السلام) حيث رأى حديث الاحتجاج المتقدم و الجواب عنه (أولا) المعارضة بما هو أوضح سندا و أكثر عددا من الاخبار الدالة على استحباب الصلاة عند الرأس دون الخلف الذي اشتملت عليه هذه الرواية إذ المتبادر من الخلفية هو جعل القبر قبلة للمصلي فتكون هذه الرواية منافية للروايات المتقدمة مع تسليم ما ادعاه الخصم ايضا من الشمول للتقدم و التأخر قليلا، و كذلك الروايات المتقدمة المانعة من الصلاة خلف القبر، و الترجيح لجملة هذه الروايات لما هي عليه من الكثرة و الاستفاضة و الاعتضاد بعمل الطائفة قديما و حديثا كما عرفت و ستعرف.
و (ثانيا) انها معارضة بخصوص صحيحة الحميري المذكورة المنقولة في التهذيب و موثقة الحسن بن علي بن فضال المنقولة من عيون الأخبار المشتملة على ان الرضا (عليه السلام) قام الى جانب قبر جده (صلى الله عليه و آله) و لزق منكبه الأيسر بالقبر يعني عند رأسه (صلى الله عليه و آله) و هي ظاهرة في المساواة، و صحيحة الحميري كما عرفت صريحة في ذلك.
و بذلك صرح شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين حيث قال بعد نقل خبر الحميري المذكور بتمامه: هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع الجبهة على قبر الإمام، الى ان قال و على عدم جواز التقدم على الضريح المقدس حال الصلاة لأن قوله (عليه السلام) «يجعله الامام» صريح في جعل القبر بمنزلة الإمام في الصلاة فكما انه لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام بأن يكون موقفه أقرب الى القبلة من موقف الامام بل يجب ان يتأخر عنه أو يساويه في الموقف يمينا أو شمالا فكذا هنا، و هذا هو المراد
223
هنا بقوله (عليه السلام)
«و لا يجوز ان يصلي بين يديه لأن الإمام لا يتقدم و يصلي عن يمينه و شماله».
و الحاصل ان المستفاد من هذا الحديث ان كل ما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الإمام أو المساواة أو تحريم التقدم عليه ثابت للمصلي بالنسبة إلى الضريح المقدس من غير فرق فينبغي لمن يصلى عند رأس الإمام (عليه السلام) أو عند رجليه ان يلاحظ ذلك. و قد نبهت على ذلك جماعة من إخواني المؤمنين في المشهد الرضوي على مشرفه السلام فإنهم كانوا يصلون في الصفة التي عند رأسه (عليه السلام) صفين فبينت لهم ان الصف الأول أقرب الى القبلة من الضريح المقدس على صاحبه السلام، و هذا مما ينبغي ملاحظته للمصلي في مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و كذا في سائر المشاهد المقدسة على ساكنيها أفضل التسليمات. انتهى كلامه (أعلى الله في الخلد مقامه) و هو ظاهر الجودة و الرشافة لمن رغب لتحقيق الحق و اشتاقه و لم تأخذه في التعصب على الباطل حمية الجاهلية و الحماقة.
و ما ذكره بعض المتحذلقين ممن حكينا عنهم الخلاف في هذه المسألة- من احتمال عطف «و يصلى» في الخبر المذكور على قوله «و لا يجوز ان يصلي» أو قوله «لا يتقدم»- فهو تعسف ظاهر عند ذوي الأفهام بل هو مما ينزه عنه كلام الإمام الذي هو امام الكلام، إذ لا يخفى على من مضغ ثلج البلاغة و الفصاحة و من سرح بريد نظره في تلك الساحة ان المتبادر من قول القائل «ما جاء زيد و جاءني عمر» هو نفي المجيء عن زيد مع إثباته لعمرو لا نفيه عنه، و متى أريد نفيه عنه أعيد حرف النفي فقيل «ما جاءني زيد و لا عمرو» حسبما وقع في الخبر الذي استندوا اليه.
و كيف كان فلا ريب في ترجيح خبر التهذيب بصحة السند أولا، و ثانيا انه لا خلاف بين المحققين في ترجيح اخبار الكتب الأربعة المشهورة على غيرها بل المشهور عندهم عدم العمل بغير اخبار الكتب الأربعة لشهرتها و معلوميتها و نحو ذلك مما ذكروه و ان كنا لا نعتمده، إلا انه في مقام التعارض بين ما فيها و في غيرها فالترجيح لما فيها
224
البتة و لا سيما مع صحة السند و ضعف المعارض، فيتعين العمل بالرواية المذكورة و ارجاء الرواية المقابلة إلى قائلها. و مع غض الطرف عن جميع ذلك فلنا ان نقول ان هذين الخبرين قد تعارضا فتساقطا فرجعنا إلى قضية الأصل. و لا ريب ان الأصل صحة الصلاة حتى يقوم دليل الابطال و ليس فليس. و العجب من هؤلاء المتحذلقين انهم في جميع الأحكام متى تعارضت الاخبار جمعوا بينها بالكراهة و الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عند الأصحاب فكيف غفلوا عن ذلك في هذا المقام؟
(الموضع الثالث)- في حكم التأخر خلف القبر
، و المشهور بين الأصحاب الجواز على كراهة قبر امام كان أو غيره، و قد تقدم نقل القول بالتحريم عن الصدوق و المفيد و ابي الصلاح، و هو ظاهر المحقق في المعتبر ايضا حيث انه- بعد ان نقل موثقة عمار و رواية معمر بن خلاد الدالتين على النهي عن الصلاة خلف القبر مطلقا، ثم نقل كلام المفيد المتقدم و قوله فيه «و قد روى انه لا بأس. إلخ»- قال و لا ريب أن إطراحه هذه الرواية لضعفها و شذوذها و اضطراب لفظها. انتهى. و هو- كما ترى- ظاهر في موافقة الشيخ المفيد في ما ذهب اليه من التحريم خلف القبور مطلقا للروايتين المذكورتين في كلامه و تصويب الشيخ المفيد (قدس سره) في رد صحيحة الحميري الدالة على الأمر بالصلاة خلف الامام (عليه السلام).
و منشأ هذا الاختلاف هو ما عرفت من الاخبار في المقام، فما يدل على القول بالتحريم ما لم يحصل الفاصل أو البعد المذكور في موثقة عمار صحيحة معمر بن خلاد و موثقة عمار و رواية أبي اليسع و صحيحة زرارة و مرسلة الفقيه المتقدم جميع ذلك إلا ان بإزائها ما يدل على الجواز كصحيحة علي بن يقطين و صحيحة على بن جعفر و صحيحة الحميري و رواية الاحتجاج و غيرها مما تقدم جميعه.
و الأصحاب قد جمعوا بين الجميع بحمل أخبار النهي على الكراهة حيث ان الأفضل- كما تقدم ذكره- هو الصلاة عند الرأس، و يشير الى ذلك قوله (عليه السلام)
225
في رواية الثمالي المتقدمة في الموضع الثاني:
«و ان شئت صليت خلفه و عند رأسه أفضل»
نعم اجراء هذا الحمل في صحيحة زرارة و مرسلة الفقيه لا يخلو من بعد، و لهذا احتمل بعض مشايخنا في معناهما ان المراد انه لا يجوز ان يجعل قبره (صلى الله عليه و آله) قبلة يعني مثل الكعبة يصلى إليها من كل جهة و لا مسجدا يعني السجود على القبر. و الظاهر عندي بعده و لا سيما في الصحيحة المذكورة لأن هذا الكلام وقع تعليلا للنهي عن اتخاذ شيء من القبور قبلة و انما يصلى خلالها يعني من غير ان يجعل شيئا منها قبلة، و من الظاهر البين ان المراد من هذا الكلام انما هو النهي عن الصلاة خلفها لا استقبالها من جميع الجهات فلو حمل الكلام الذي وقع تعليلا على ما ذكروه لم يصلح للتعليل مع انه مسوق له نعم يمكن حمل الخبرين المذكورين على التقية لأن العامة قد رووا نحوه عنه (صلى الله عليه و آله) (1) كما نقله العلامة في المنتهى، مع إمكان حمل الخبرين على التخصيص به (صلى الله عليه و آله) دون سائر قبور الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كما يؤذن به التعليل الذي في الخبر من التشبه باليهود.
و بالجملة فالظاهر عندي هو جواز الصلاة خلف قبورهم (عليهم السلام) و ان كان على كراهية، قال السيد السند في المدارك- بعد ان نقل كلام الشيخ المفيد (قدس سره) و بين انه أشار بالرواية إلى صحيحة الحميري المتقدمة- ما صورته: و لا بأس بالعمل بهذه الرواية لصحتها و مطابقتها لمقتضى الأصل و العمومات. و ذكر المصنف في المعتبر انها ضعيفة شاذة. و هو غير واضح. انتهى.
(المقام الثاني)- في حكم سائر القبور
، و المشهور بين الأصحاب- كما عرفت- الحكم بالجواز على كراهة، و تقدم ايضا مذهب المشايخ القائلين بالتحريم. و اما الاخبار المتعلقة بذلك فقد عرفت دلالة صحيحة زرارة على جواز الصلاة خلال القبور و المنع من اتخاذها قبلة و مثلها صحيحة معمر بن خلاد، و الأصحاب قد حملوهما على الكراهة جمعا
____________
(1) صحيح مسلم ج 5 ص 12.
226
بينهما و بين صحيحتي علي بن يقطين و علي بن جعفر الدالتين على جواز الصلاة بين القبور.
و لقائل أن يقول من جانب القول بالتحريم ان صحيحتي علي بن يقطين و علي بن جعفر انما دلتا على جواز الصلاة بين القبور و هو أعم من التوجه إليها و عدمه فغايتهما الدلالة على ذلك بالإطلاق، و الصحيحتان المعارضتان قد فصلتا بالفرق بين الصلاة خلالها فإنه جائز و الصلاة إليها فإنه محرم، و قضية القاعدة المقررة حمل المجمل على المفصل و المطلق على المقيد. نعم قد ورد جواز الصلاة خلف القبر صريحا بالنسبة إلى قبور الأئمة (عليهم السلام) كما تقدم، فيجب تخصيص الصحيحتين المانعتين من الصلاة خلف القبور بها و ان لم يقل به الشيخان المذكوران و من تبعهما، و يبقى ما عدا قبور الأئمة (عليهم السلام) تحت النهي المقتضي للتحريم من غير معارض ظاهر في المعارضة.
و بالجملة فالظاهر عندي من ضم الأخبار بعضها الى بعض في هذه المسألة هو انه تجوز الصلاة الى قبور الأئمة على كراهة و اما غير الأئمة فالظاهر التحريم. و اما موثقة عمار المتقدمة فقد عرفت ان الأصحاب يحملونها على الكراهة جمعا بينها و بين صحيحتي علي بن يقطين و علي بن جعفر، و يأتي على ما اخترناه من تخصيص الصحيحتين المذكورتين بالصلاة خلال القبور من غير استقبال شيء منها ثبوت الكراهة في الصورة المذكورة دون صورة الاستقبال فهو باق على ظاهر النهي و التحريم المفهوم من قوله في الخبر «لا يجوز» و حينئذ فقوله «لا يجوز» محمول على ظاهره بالنسبة إلى صورة الاستقبال و على الكراهة بالنسبة الى ما عدا ذلك. و ما يقال- من لزوم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته و مجازه و هو ممنوع عند الأصوليين- مدفوع بما قدمنا في غير موضع من وجود ذلك في الاخبار في مواضع لا تحصى، و قد صرح بجواز ذلك ايضا الشهيد في الذكرى في مسألة الصلاة في السنجاب و الحواصل. هذا، و جملة من الاخبار المتقدمة أيضا مجملة في النهي عن الصلاة في المقابر و في بعضها على القبر.
و بالجملة فإنا لم نجد في الاخبار معارضا صريحا لصحيحة زرارة و معمر بن خلاد
227
الدالتين على النهي عن اتخاذ القبور قبلة إلا الاخبار الدالة على الصلاة خلف قبور الأئمة (عليهم السلام) و قد عرفت ان الشيخين المتقدمين و من تبعهما قد أطلقا الحكم بالتحريم إلا ان مقتضى التأمل في الأخبار تخصيص التحريم بغير قبور الأئمة (عليهم السلام) كما شرحناه و أوضحناه. و الوجه في استثناء قبورهم (عليهم السلام) مزيد الشرف لها على غيرها. و الاحتياط لا يخفى.
فروع
(الأول) [هل يلحق القبر و القبران بالقبور؟]
- الحق جمع من الأصحاب بالقبور القبر و القبرين، قال في البحار و مستنده غير واضح. أقول: ان كان هذا الإلحاق بالنسبة إلى الصلاة خلف القبر فإنه صحيح لان الحكم معلق باستقبال القبر و لا يشترط فيه التعدد، و ان كان بالنسبة إلى الصلاة على القبر فكذلك، و ان كان بالنسبة إلى البينية فما ذكره (قدس سره) من عدم وضوح المستند جيد لان مورد الاخبار القبور.
(الثاني) [هل يزول الحكم بالحائل؟]
- قد عرفت في ما تقدم من كلام المفيد (قدس سره) بعد حكمه بالتحريم انه حكم بزواله بالحائل و لو قدر لبنة أو عنزة منصوبة أو ثوب موضوع، و كذلك حكم الأصحاب بزوال الكراهة بذلك. و هو مشكل حيث انا لم نقف على مستنده، و الذي ورد في موثقة عمار زوال ذلك ببعد عشرة أذرع من الجوانب الأربعة إذا كانت الصلاة بين القبور. و اكتفى الشيخ بكون القبر خلف المصلى عن البعد، قال في الروض:
و هو متجه مع عدم صدق الصلاة بين المقابر كما لو جعل المقبرة خلفه و إلا فقد تقدم اعتبار تأخر القبر عنه من خلفه عشرة أذرع. انتهى. و هو جيد. نعم لو كان الحائل جدارا و نحوه مما يخفى به القبر فلا إشكال في جواز الصلاة من غير تحريم و لا كراهة لأن القبر يخرج عن كونه قبلة و لانه يلزم الكراهة و لو كان بينهما جدران متعددة.
(الثالث) [لو بنى مسجدا في المقبرة]
- قال في المنتهى: لو بنى مسجدا في المقبرة لم تزل الكراهة
228
لأنها لا تخرج عن الاسم. انتهى. و الظاهر ان مراده ان اتخاذ المسجد في المقبرة لا يرفع كراهة الصلاة فيها من حيث المسجدية، إلا ان ظاهر هذا الكلام يعطي جواز بناء المسجد في المقبرة، و هو مشكل
لما رواه في الفقيه عن سماعة بن مهران (1) قال:
«و سأله سماعة بن مهران عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها؟ فقال اما زيارة القبور فلا بأس بها و لا يبنى عندها مساجد».
و يؤيده ان الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في أن الأراضي المحبوسة على المنافع العامة كالشوارع و المشارع و الطرق و المقابر و الأسواق و نحوها لا يجوز التصرف فيها على وجه يمنع الانتفاع بها في ما هي معدة له.
(الرابع) [الصلاة على القبر]
- قال في الروض: و كما تكره الصلاة الى القبر تكره عليه من غير تحريم إلا ان يعلم نجاسة ترابه باختلاطه بصديد الموتى لتكرر النبش و يوجب التعدي اليه أو سجوده عليه، و قال ابن بابويه يحرم. أقول: و يدل على النهي عن الصلاة على القبر عموم النهى عن الصلاة في المقابر و خصوص رواية ابن ظبيان المتقدمة.
و منها- النار
و قيدها بعضهم بالمضرمة و ظاهر الاخبار العموم و عليه العمل، و الظاهر انه لا خلاف بينهم في النهي عن الصلاة إليها.
و يدل عليه
ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يصلى و السراج موضوع بين يديه في القبلة؟ قال لا يصلح له ان يستقبل النار».
و في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا يصلي الرجل و في قبلته نار أو حديد. قلت إله ان يصلي و بين يديه مجمرة شبه؟ قال نعم، فان كان فيها نار فلا يصلي حتى ينحيها عن قبلته. و عن الرجل يصلي و في قبلته قنديل معلق و فيه نار إلا انه بحياله. قال إذا ارتفع كان شرا لا يصلى بحياله».
و المشهور ان النهي في هذين الخبرين محمول على الكراهة، و نقل عن ابي الصلاح
____________
(1) الوسائل الباب 65 من الدفن.
(2) الوسائل الباب 30 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 30 من مكان المصلي.
229
انه لا يجوز أخذا بظاهر النهي في الخبرين المذكورين.
و يدل على الجواز
ما رواه الشيخ و الصدوق عن عمرو بن إبراهيم الهمداني رفع الحديث (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا بأس ان يصلي الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه، ان الذي يصلي له أقرب إليه من الذي بين يديه».
و نسبه في التهذيبين الى الشذوذ و الرخصة.
و قال في الفقيه بعد نقل صحيحة علي بن جعفر المذكورة: هذا هو الأصل الذي يجب ان يعمل به فاما الحديث الذي
روى عن ابي عبد الله (عليه السلام)- انه قال:
«لا بأس ان يصلي الرجل و النار و السراج و الصورة بين يديه لأن الذي يصلى له أقرب إليه من الذي بين يديه».
- فهو حديث يروى عن ثلاثة من المجهولين بإسناد منقطع يرويه الحسن بن علي الكوفي- و هو معروف- عن الحسين بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن إبراهيم الهمداني- و هم مجهولون- يرفع الحديث قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ذلك» و لكنها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات ثم اتصلت بالمجهولين و الانقطاع فمن أخذ بها لم يكن مخطئا بعد ان يعلم ان الأصل هو النهي و ان الإطلاق هو رخصة و الرخصة رحمة. انتهى.
أقول: صورة سند الخبر المذكور في كتاب العلل «عن أبيه و محمد بن الحسن عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الأشعري عن الحسن بن علي بن الحسين بن عمرو. الى آخر ما ذكره» و ما ذكره (قدس سره) من حمل هذا الخبر على الرخصة يحتمل ان يكون مراده الجواز و ان كان مكروها فيكون النهي في الخبر الأول محمولا على الكراهة كما هو المشهور فلا منافاة، و يحتمل ان يكون مراده بخبر النهي التحريم و خبر الرخصة من حيث الضرورة مثل ان يجاء بالنار في قبلته و هو يصلى و هو لا يتمكن من الانحراف عنها و لا قطع الصلاة فيتم صلاته. و لعل الأول أقرب و ان كان الثاني بلفظ
____________
(1) الوسائل الباب 30 من مكان المصلي.
230
الرخصة أنسب. ثم ان ما ذكره من قوله: «صدرت عن ثقات» موافق لما ذكره شيخ الطائفة في العدة الأصولية من ان أحاديث أصحابنا مأخوذة من أصول جمعها الثقات من قدمائنا و قد وقع إجماع الطائفة و فيهم الأئمة (عليهم السلام) على صحة تلك الأصول فلا يضر كون بعض رواتها ضعيفا أو مجهولا. انتهى و بذلك اعترف في هذا الخبر في المدارك فقال بعد نقل كلام الصدوق: و ربما كان في هذا الكلام شهادة منه بصحة الرواية. أقول: بل فيه إشعار بالشهادة بصحة جميع الروايات لان جميع أصحاب الأصول معروفون عنده معلومون و ان حصل في الطريق إليهم من يرمى بالضعف و المجهولية و نحوهما و المراد بالثقات هنا هو الحسن بن علي الكوفي و من تقدمه في سند العلل المتقدم و يحتمل ان يكون المصنف نقل الخبر الذي في الفقيه من كتاب الحسن بن علي الكوفي أو من كتاب محمد بن احمد بن يحيى الأشعري كما نقله في التهذيب فيكون الثقات هم الرواة لتلك الأصول و السلسلة بين المصنف و بين أصحاب الأصول. و يظهر من الصدوق توثيق الحسن بن علي الكوفي و هو الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة الكوفي فإن معنى قوله «معروف» يعنى بالوثاقة و لهذا وجه القدح الى من بعده، و فيه رد على شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) حيث رد حديث الحسن بن علي الكوفي و رماه بالضعف في غير موضع من المسالك. و اما وصف من روى عنهم الحسن بن علي بكونهم مجهولين يعني عند المصنف و عندنا حيث لم نقف على أحوالهم في ما وصل إلينا من كتب الاخبار و لا يستلزم ذلك كونهم مجهولين عند أصحاب الأصول الذين أخذوا عنهم.
أقول: و الذي يختلج في بالي و يتردد في فكري و خيالي في معنى الخبر الذي حملوه على الرخصة ان المراد منه معنى آخر غير ما ذكروه و لعله الأقرب، و هو انه لا يخفى ان الكراهة و عدمها في هذا المقام تتفاوت باعتبار أحوال المصلين و إقبالهم على الله سبحانه في صلاتهم و عدمه فمن كان وجه قلبه متوجها الى الله عز و جل لا الى غيره و فكره مستغرقا في مراقبته في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده فلا يضره ما يكون بين يديه من
231
هذه الأشياء و لا يشغله عن ملاحظته، و من لم يكن كذلك فهو المراد بأخبار النهي لأن هذه الأشياء تكون موجبة لشغل قلبه و تشويش فكره. و مما يؤيد ذلك
ما رواه في كتاب التوحيد عن ابن ابي عمير (1) قال: «رأى سفيان الثوري أبا الحسن (عليه السلام) و هو غلام يصلي و الناس يمرون بين يديه فقال له ان الناس يمرون بين يديك و هم في الطواف؟
فقال (عليه السلام) الذي أصلي له أقرب من هؤلاء».
و بمضمونه أخبار أخر ستأتي ان شاء الله تعالى.
إذا عرفت هذا فاعلم انه
قد روى الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن جعفر الأسدي (2) قال: «كان في ما ورد علي من محمد بن عثمان العمري عن القائم (عليه السلام):
و اما ما سألت عنه من أمر المصلي و النار و الصورة و السراج بين يديه هل تجوز صلاته فان الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك؟ فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأوثان و النيران يصلي و النار و الصورة و السراج بين يديه و لا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان و النيران».
و رواه الصدوق في كتاب كمال الدين مسندا عن محمد بن جعفر الأسدي. و يمكن حمل التفصيل في هذا الخبر على ان الكراهة بالنسبة إلى أولاد عبدة النيران و الأوثان أشد و احتمال ارادة التحريم ليس بذلك البعيد أيضا إلا ان الظاهر ان الأول أقرب. و الله العالم.
و منها- صلاة الفريضة في جوف الكعبة
على المشهور و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في صدر المقدمة الرابعة في القبلة.
و منها- بيوت المجوس [و اليهود و النصارى]
و عللوا ذلك بعدم انفكاكها عن النجاسة، و لا يخفى ان هذه العلة جارية في غيرهم من اليهود و النصارى و نحوهم مع انهم لا يقولون بذلك بل العلة الحقيقية انما هو النص و هو
ما رواه أبو بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في بيوت المجوس فقال رش وصل».
و ما رواه عبد الله بن سنان في
____________
(1) الوسائل الباب 11 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 30 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 14 من مكان المصلى.
232
الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة في البيع و الكنائس و بيوت المجوس فقال رش و صل».
و قد قطع الأصحاب بزوال الكراهة بالرش كما دل عليه الخبران.
و قد صرحوا بالكراهة أيضا في بيت فيه مجوسي و تجوز بلا كراهة إذا كان الذي فيه نصرانيا أو يهوديا، و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن أبي أسامة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يصلى في بيت فيه مجوسي و لا بأس ان يصلى و فيه يهودي أو نصراني».
و ظاهر الخبرين الأولين كراهة الصلاة في بيته و ان لم يكن فيه حتى يرشه و ظاهر الثالث كراهة الصلاة في البيت الذي فيه المجوسي و ان لم يكن بيته بل من حيث مجرد حضوره فيه و لهذا لم يذكر الرش هنا لتغاير العلتين في الخبرين و الخبر الثالث قد رواه الشيخ عن أبي جميلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) مثل خبر أبي أسامة.
و ظاهرهم الجواز من غير كراهة في البيع و الكنائس، و نقل عن ابن إدريس و سلار و ابن البراج انهم كرهوا الصلاة في البيع و الكنائس محتجبين بعدم انفكاكها من النجاسة، قال في المدارك و هو ضعيف.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البيع و الكنائس يصلى فيها؟ قال نعم. قال و سألته هل يصلح نقضها مسجدا؟ فقال نعم».
و عن عبد الله بن سنان (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في البيع و الكنائس فقال رش و صل. قال و سألته عن بيوت المجوس فقال رشها و صل».
و صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة أيضا.
____________
(1) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى. و الأولى رواية الشيخ و الثالثة للكليني.
(2) الوسائل الباب 16 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 16 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى. و الأولى رواية الشيخ و الثالثة للكليني.
(5) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى. و الأولى رواية الشيخ و الثالثة للكليني.
233
و ما رواه في الكافي عن الحكم بن الحكم (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول و سئل عن الصلاة في البيع و الكنائس فقال: صل فيها قد رأيتها ما أنظفها. قلت أ يصلى فيها و ان كانوا يصلون فيها؟ قال نعم أما تقرأ القرآن قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدىٰ سَبِيلًا (2) صل إلى القبلة و غربهم».
و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «سألته عن الصلاة في البيعة فقال إذا استقبلت القبلة فلا بأس به».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (4) قال: «لا بأس بالصلاة في البيعة و الكنيسة الفريضة و التطوع و المسجد أفضل».
أقول: لا يخفى ان هذه الروايات الواردة في المقام ما بين مطلق للجواز و ما بين مقيد بالرش و قضية حمل المطلق على المقيد الكراهة حتى يحصل الرش الذي به تزول الكراهة. و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه ابن إدريس و سلار و ابن البراج فلا معنى لفرقهم في هذا المقام بين بيوت المجوس التي اتفقوا فيها على الكراهة و بين البيع و الكنائس التي حكموا فيها بعدم الكراهة، فإن الرش ان كان لدفع الكراهة ففي الموضعين و ان كان لا لذلك و لا يستلزم الكراهة ففي الموضعين ايضا، فإثباتها في أحدهما دون الآخر مع اشتراك الدليل لا اعرف له وجها.
أقول: و من الأخبار المتعلقة بهذا المقام
ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن بواري اليهود و النصارى التي يقعدون عليها في بيوتهم أ يصلى عليها؟ قال لا».
أقول: حيث كان مقتضى
____________
(1) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى و الرواية في التهذيب دون الكافي.
(2) سورة بني إسرائيل، الآية 86.
(3) الوسائل الباب 13 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 13 من مكان المصلى.
(5) ص 86 و رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 242 راجع الوسائل الباب 73 من النجاسات.
234
الأصل الطهارة فالخبر اما محمول على علم النجاسة فيكون النهي للتحريم أولا فيكون النهي محمولا على الكراهة.
و ما رواه في الكافي عن عامر بن نعيم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه المنازل التي ينزلها الناس فيها أبوال الدواب و السرجين و يدخلها اليهود و النصارى كيف نصلي فيها؟ قال صل على ثوبك».
أقول: يستفاد من هذين الخبرين كراهة الصلاة في بيوت اليهود و النصارى و مقاعدهم و ان لم يذكره الأصحاب.
ثم انه هل يشترط إذن أهل الذمة في ذلك أم لا؟ مقتضى إطلاق النص و كلام الأصحاب هو الثاني، و احتمل الشهيد في الذكرى الأول تبعا لغرض الواقف و عملا بالقرينة. و الظاهر ضعفه لإطلاق الأخبار المذكورة و ما دل عليه بعضها من جواز نقضها مسجدا، قال بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) بل لو علم اشتراطهم عند الوقف عدم صلاة المسلمين فيها كان شرطهم فاسدا باطلا و كذا الكلام في مساجد المخالفين و صلاة الشيعة فيها. انتهى.
و منها- بيوت الخمور و بيوت النيران
، أقول: اما بيوت الخمور فيدل عليه
قول ابي عبد الله (عليه السلام) في موثقة عمار (2) «لا تصل في بيت فيه خمر أو مسكر».
و قال في المقنع: لا يجوز الصلاة في بيت فيه خمر محصور في آنية، قال و روى انه يجوز.
أقول: هذه العبارة مأخوذة من عبارة
كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام) فيه «لا تصل في بيت فيه خمر محصور في آنية».
و بنحو هذه العبارة عبر في من لا يحضره الفقيه ايضا. قال في المدارك: و منع الصدوق في من لا يحضره الفقيه من الصلاة في بيت فيه خمر محروز في آنية مع انه حكم بطهارة الخمر و استبعده المتأخرون لذلك و لا بعد فيه
____________
(1) الوسائل الباب 22 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 21 من مكان المصلى.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 113.
235
بعد ورود النص به. انتهى. أقول: فيه ان استبعاد المتأخرين ذلك يرجع الى الجمع بين هذين الحكمين و هو قوله بالكراهة هنا مع قوله بطهارة الخمر، و هو في محله و ذلك فإنه متى كانت الخمر طاهرة فسبيلها سبيل الأشياء الطاهرة في البيت فلا مناسبة للمنع من الصلاة و الحال هذه و هذا المنع انما يلائم القول بالنجاسة، فكلامهم في الحقيقة يرجع الى الاعتراض عليه في ذهابه إلى طهارة الخمر إذ لو كان طاهرا كما يدعيه لما حكم عليه بالكراهة هنا إذ لا يعقل للحكم بالكراهة هنا مناسبة على هذا التقدير.
و اما بيوت النيران- و المراد بها ما أعدت لإضرام النار فيها كالفرن و الأتون و ان لم تكن موضع عبادتها- فقد ذكرها الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لم أقف بعد الفحص على خبر يدل على كراهة الصلاة فيها كما اشتهر في كلامهم، و العلامة في جملة من كتبه انما علل كراهة الصلاة فيها بكون الصلاة فيها تشبها بعبادتها. قال في المدارك:
و هو ضعيف جدا و الأصح اختصاص الكراهة بمواضع عبادة النيران لأنها ليست موضع رحمة فلا تصلح لعبادة الله تعالى.
أقول: لا يخفى انه متى كانت المسألة عارية من النص و انما يراد التعليل بهذه المناسبات الاعتبارية فلا معنى لهذه الا صحية التي ادعاها و لا وجه لتضعيفه كلام العلامة فإنه إذا كفى في ثبوت الكراهة الأمور الاعتبارية المناسبة لتعظيم الصلاة فما ذكره العلامة فإنه إذا كفى في ثبوت الكراهة الأمور الاعتبارية المناسبة لتعظيم الصلاة فما ذكره العلامة متجه و ان كان ما ذكره أوجه. نعم ذكر محمد بن علي بن إبراهيم في كتاب العلل المتقدم ذكره (1) في جملة ما عده من الأماكن التي تكره الصلاة فيها قال: و لا بيت فيه صلبان، الى ان قال في بيان العلة: و العلة في بيت فيه صلبان انها شركاء يعبدون من دون الله تعالى فينزه الله تبارك و تعالى ان يعبد في بيت فيه ما يعبد من دون الله تعالى. انتهى.
و فيه نوع ملائمة لما ذكروه في هذه المسألة إلا ان إثبات الحكم بمجرد ذلك لا يخلو من الاشكال.
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 122.
236
و منها- الغائط في قبلته أو حائط ينز من بالوعة
. اما الأول فيدل عليه
ما رواه في الكافي و التهذيب عن الفضيل بن يسار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أقوم في الصلاة فأرى قدامي في القبلة العذرة؟ قال تنح عنها ما استطعت. الحديث».
و اما الثاني فيدل عليه
ما رواه في الكافي عن البزنطي (2) «عن من سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد ينز حائط قبلته من بالوعة يبال فيها؟ فقال ان كان نزه من البالوعة فلا تصل فيه و ان كان نزه من غير ذلك فلا بأس».
و التقريب فيها انه و ان كان موردها البول إلا انه متى ثبت ذلك في البول ففي الغائط بطريق اولى.
و روى في الفقيه عن محمد بن أبي حمزة عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (3) قال: «إذا ظهر النز من خلف الكنيف و هو في القبلة ستره بشيء».
و نقل في البحار (4) عن كتاب الحسين بن عثمان قال: «روى عن ابي الحسن (عليه السلام) انه قال إذا ظهر النز إليك من خلف الحائط من كنيف في القبلة سترته بشيء. قال ابن ابي عمير رأيتهم قد ثنوا بارية و باريتين قد ستروا بها».
و منها- ان يكون بين يديه مصحف مفتوح [و إنسان مواجه و باب مفتوح]
، و زاد بعضهم الإنسان المواجه و الباب المفتوح فتكره الصلاة إليها.
أقول: اما الأول فاستندوا فيه الى
رواية عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يصلي و بين يديه مصحف مفتوح في قبلته؟ قال لا. قلت فان كان في غلاف؟ قال نعم».
قال في المدارك: و الحق به الشارح كل مكتوب و منقوش، و هو جيد للمسامحة في أدلة السنن و ان كان للمناقشة في أمثال هذه المباني المستنبطة مجال.
____________
(1) الوسائل الباب 31 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 18 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 18 من مكان المصلى.
(4) مستدرك الوسائل الباب 13 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 27 من مكان المصلي.
237
أقول: لعل المستند لما نقله عن جده (قدس سره)
ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوي عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان ينظر في نقش خاتمه و هو في الصلاة كأنه يريد قراءته أو في مصحف أو في كتاب في القبلة؟ قال ذلك نقص في الصلاة و ليس يقطعها».
و السيد السند حيث لم يقف على الرواية نسب ذلك الى الاستنباط و الظاهر ان جده لم يقف عليها ايضا و انما ذكر الحكم بالتقريب الذي ذكره سبطه كما هي قاعدتهم في غير موضع لكن الخبر- كما ترى- ظاهر في الحكم المذكور فلا اشكال.
ثم العجب من السيد السند (قدس سره) انه مع اعترافه بكون ذلك من المباني المستنبطة كيف يذكر أولا انه جيد و يعلل ذلك بالمسامحة في أدلة السنن؟ أ ليس السنن من الأحكام الشرعية المتوقف تشريعها على الدليل؟ و هل تبلغ المسامحة في الأحكام الشرعية الى هذا المقدار؟ و غاية ما بلغ إليه الأصحاب بناء على هذا الاصطلاح المحدث هو الاكتفاء بالخبر الضعيف في ذلك لا مجرد القول من غير خبر قياسا على الأشباه و النظائر فإنه من القياس الممنوع منه، على ان جمعا منهم نبهوا على انه ليس الاعتماد في ذلك على الخبر الضعيف بل على الاخبار المستفيضة الدالة على ان
«من بلغه شيء من الثواب على عمل فعمله ابتغاء ذلك الثواب كان له و ان لم يكن الأمر كما بلغه» (2).
و بالجملة فإن كلامه هنا لا يخلو من مسامحة.
و اما الثاني فيمكن ان يكون المستند فيه
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن علي ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح له ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة؟ قال يدرأها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته».
و مورد الخبر و ان كان أخص مما ذكروه إلا ان الظاهر
____________
(1) الوسائل الباب 27 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 18 من مقدمة العبادات.
(3) الوسائل الباب 43 من مكان المصلي.
238
انه لا خصوصية للمرأة بذلك توجب قصر الحكم عليها خصوصا مع جواز النظر الى وجه الأجنبية فإن أكثر الأحكام انما خرجت سؤالا و جوابا في الرجال مع حكمهم فيها بالعموم للنساء إلا مع ظهور ما يوجب التخصيص، و يؤيده
ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) «انه كره ان يصلي الرجل و رجل بين يديه قائم».
و اما الثالث فلم أقف له على دليل. و القول بالكراهة في هذين الموضعين الأخيرين منقول عن ابي الصلاح و اعترف المتأخرون بعدم الوقوف له على دليل فيهما حتى ان المحقق في المعتبر إنما التجأ إلى انه أحد الأعيان فلا بأس باتباع فتواه. و نحن قد أثبتنا لك دليل الأول منهما. و اما الثاني فلم نقف له على دليل. و اما كلام المحقق هنا فلا يخفى ما فيه سيما مع ما علم من مناقشته للشيخ و أمثاله في طلب الأدلة و صحتها متى لم يصل اليه الدليل بل يناقشهم مع وجود الأدلة بزعم ضعفها و لم نره يعتمد على مجرد التقليد و حسن الظن بمن تقدمه من الأعيان إلا في هذا المكان. و الله العالم.
(المسألة الخامسة) [استحباب السترة للمصلي]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في استحباب السترة بضم السين للمصلي في قبلته و نقل عليه في المنتهى الإجماع عن كافة أهل العلم.
و قد دل على ذلك جملة من الاخبار: منها-
ما رواه الشيخ و الكليني عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان طول رحل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذراعان و كان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه».
و ما روياه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجعل العنزة بين يديه إذا صلى».
أقول: و العنزة بفتح العين المهملة و تحريك النون و بعدها زاى: عصاه في أسفلها حربة
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 4 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 12 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 12 من مكان المصلى.
239
و في الصحاح أنها أطول من العصا و اقصر من الرمح.
و ما رواه في التهذيب عن غياث عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) وضع قلنسوة و صلى إليها».
و عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرجل فان لم يجد فحجرا فان لم يجد فسهما فان لم يجد فليخط في الأرض بين يديه».
قال في الوافي: «مثل مؤخرة الرحل» يعني بتلك المماثلة ارتفاعه من الأرض.
و عن محمد بن إسماعيل في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (3) «في الرجل يصلى؟ قال يكون بين يديه كومة من تراب أو يخط بين يديه بخط».
و عن عبد الله بن ابي يعفور في الموثق (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يقطع صلاته شيء مما يمر به؟ فقال لا يقطع صلاة المسلم شيء و لكن ادرأوا ما استطعتم».
و عن ابي بصير في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا يقطع الصلاة شيء كلب و لا حمار و لا امرأة و لكن استتروا بشيء فإن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الأرض فقد استترت».
و ما رواه في الكافي عن علي رفعه عن محمد بن مسلم (6) قال: «دخل أبو حنيفة على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له رأيت ابنك موسى يصلي و الناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم و فيه ما فيه فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ادعوا لي موسى فدعي فقال يا بني ان أبا حنيفة يذكر انك كنت تصلي و الناس يمرون بين يديك فلم تنههم؟ فقال نعم يا أبت ان الذي كنت أصلي له كان أقرب الي منهم يقول الله تعالى:
____________
(1) الوسائل الباب 12 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 12 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 12 من مكان المصلي.
(4) الوسائل الباب 11 من مكان المصلي.
(5) الوسائل الباب 11 من مكان المصلي.
(6) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى.
240
«وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (1) قال فضمه أبو عبد الله (عليه السلام) الى نفسه ثم قال بأبي أنت و أمي يا مستودع الأسرار».
قال في الكافي: و هذا تأديب منه (عليه السلام) لا انه ترك الفضل. قال في الوافي بعد نقل ذلك عنه: أقول ليس في الحديث انه (عليه السلام) ترك السترة و انما فيه انه لم ينه الناس عن المرور فلعله لا يلزم نهى الناس بعد وضع السترة و انما اللازم حينئذ حضور القلب مع الله تعالى حتى يكون جامعا بين التوقير الظاهر للصلاة و التوقير الباطن لها و لهذا أدب (عليه السلام) أبا حنيفة بذلك و كأن هذا هو المراد من كلام صاحب الكافي.
و ما رواه في التهذيب عن سفيان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه كان يصلي ذات يوم إذ مر رجل قدامه و ابنه موسى (عليه السلام) جالس فلما انصرف قال له ابنه يا أبت ما رأيت الرجل مر قدامك؟ فقال يا بني ان الذي أصلي له أقرب الي من الذي مر قدامي».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي و امامه شيء عليه ثياب؟ قال لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي و امامه ثوم أو بصل نابت؟
قال لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي و السراج موضوع بين يديه في القبلة؟ قال لا يصلح له ان يستقبل النار. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي و امامه حمار واقف؟ قال يضع بينه و بينه عودا أو قصبة أو شيئا يقيمه بينهما و يصلى لا بأس.
قلت فان لم يفعل و صلى أ يعيد صلاته أو ما عليه؟ قال لا يعيد صلاته و ليس عليه شيء و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و امامه النخلة و فيها حملها؟ قال لا بأس. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلي في الكرم و فيه حمله؟ قال لا بأس. و سألته عن الرجل
____________
(1) سورة ق، الآية 15.
(2) الوسائل الباب 11 من مكان المصلي.
(3) الوسائل الباب 11 و 30 و 37 و 43 من مكان المصلى.
241
يكون في صلاته هل يصلح له ان تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة؟
قال يدرأها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته. و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و امامه شيء من الطير؟ قال لا بأس».
و روى في كتاب التوحيد بسنده عن منيف مولى جعفر بن محمد (1) قال:
«حدثني سيدي جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال كان الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام)- و في نسخة الحسين بدل الحسن- يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلاته قال له لم نهيت الرجل؟ فقال يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خطر في ما بينك و بين المحراب. فقال ويحك ان الله عز و جل أقرب الي من ان يخطر في ما بيني و بينه أحد».
أقول: و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع
(الأول) [الغرض من السترة]
- قد استفاضت هذه الاخبار باستحباب السترة للمصلي و الظاهر ان الغرض منها منع المرور من بين يدي المصلي لئلا يشغل فكره عن إقباله على صلاته فكأنها بمنزلة تحجير المكان عن غيره، و لهذا انه يجوز دفع المار كما يأتي ان شاء الله تعالى و لو استلزم أذاه اما إذا لم يضع السترة و لم يحجر الموضع بذلك فليس له ذلك، و ظاهر الاخبار الدالة على قول الأئمة (عليهم السلام)
«ان الذي أصلي له أقرب من الذي يمر قدامي»
و نحوه مما اشتملت عليه تلك الاخبار هو عدم السترة يومئذ، و فيه إيماء الى ان الغرض من السترة- و هو عدم توزع الفكر بمرور المار- انما هو بالنسبة الى من لم يكن فكره في حال الصلاة مستغرقا مع الله سبحانه، و اما من كان فكره مستغرقا معه سبحانه و ليس في قلبه شيء سواه في تلك الحال و لا يشغله عنه شاغل- حتى انه
روى (2) «ان السهام التي ثبتت في بدن أمير المؤمنين
____________
(1) الوسائل الباب 11 من مكان المصلى.
(2) في أسرار الشهادة ص 255 طبعة 1319 ما ملخصه: ان أمير المؤمنين (ع) أصابت رجله نبلة في غزوة صفين و استحكمت فيها فلم يطق إخراجها فأخرجت منه في حال السجود و لم يحس بذلك أصلا.
242
(عليه السلام) من الحرب انما كانت تنزع وقت الصلاة لعدم إحساسه بذلك».
- فلا تستحب بالنسبة إليه لعدم ما يترتب عليها فإنه حاصل بدونها إلا ان الظاهر تخصيص هذه المرتبة بهم (عليهم السلام) و من قرب منهم و قد تقدم خبر آخر بهذا المعنى في مسألة كراهة استقبال النار (1) و يعضده مرفوعة عمرو بن إبراهيم الهمداني المتقدمة أيضا (2) (لا يقال) ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يستتر كما دلت عليه الاخبار المتقدمة (لأنا نقول) انه (صلى الله عليه و آله) كان مكلفا بتشريع الشرائع و سن السنن و الواجبات و تعليم الناس فلا منافاة و بالجملة فإن النهي عن الصلاة بدون السترة مخصوص بالفرد الأول و التجويز بالفرد الثاني، و بذلك يظهر ما في كلامي صاحب الكافي و الوافي من التكلف الذي لا ضرورة تلجئ اليه.
(الثاني) [هل تستحب السترة إذا صلى و في قبلته حمار؟]
- قد دل خبر علي بن جعفر المذكور على استحباب السترة إذا صلى و في قبلته حمار و لم يذكره أحد من الأصحاب في ما أعلم، إلا ان الصدوق في الفقيه روى ذلك عن علي بن جعفر ايضا مع جملة من هذه السؤالات، و هو يؤذن بقوله بذلك بناء على ما قدمه في صدر كتابه من انه لا يذكر فيه إلا ما يفتي به و يحكم بصحته.
(الثالث) [استحباب الارتفاع في السترة]
- الظاهر من هذه الاخبار استحباب الارتفاع في السترة بأن تكون عنزة و نحوها و لو قدر ذراع فيرتفع عن الأرض و هكذا الى ان ينتهي إلى مجرد الخط في الأرض، و العلة في ذلك ظهور امارة التحجير فكلما كانت ارفع كانت أظهر للناظر و المارين، هذا إذا كان في فضاء من الأرض و لو صلى في مسجد أو بيت قرب من حائطه. و نقل عن الجعفي ان الاولى بلوغ السترة ذراعا فما زاد.
(الرابع) [استحباب الدنو من السترة]
- يستحب الدنو من السترة، قال في الذكرى: يستحب الدنو من السترة
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته».
و قدره ابن الجنيد بمربض الشاة لما صح
من خبر سهل
____________
(1) ص 231.
(2) ص 229.
(3) تيسير الوصول ج 2 ص 258 عن ابى داود.
243
الساعدي (1) قال: «كان بين مصلى النبي (صلى الله عليه و آله) و بين الجدار ممر الشاة».
انتهى و قدره بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) بمربض عنز الى مربط فرس، و نسبه في المدارك إلى الأصحاب مؤذنا بعدم وجود الدليل عليه مع انه
روى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«أقل ما يكون بينك و بين القبلة مربض عنز و أكثر ما يكون مربط فرس».
و يؤيد ما ذكره
في الذكرى ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) قال: «إذا قام أحدكم في الصلاة الى سترة فليدن منها فان الشيطان يمر بينه و بينها و حد في ذلك كمربض الثور».
(الخامس) [إذا نصب بين يديه عنزة أو عودا]
- قال في الذكرى: إذا نصب بين يديه عنزة أو عودا لم يستحب الانحراف عنه يمينا و لا شمالا قاله في التذكرة، و قال ابن الجنيد يجعله على جانبه الأيمن و لا يتوسطها فيجعلها مقصده تمثيلا بالكعبة، و قال بعض العامة ليكن على الأيمن أو على الأيسر. انتهى. أقول المفهوم من ظواهر الأخبار المتقدمة هو المحاذاة لها و ما ذكره ابن الجنيد لا نعرف له وجها.
(السادس) [سترة الإمام سترة لمن خلفه]
- قال في الذكرى: سترة الإمام سترة لمن خلفه لأن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يأمر المؤتمين بسترة (4) و لان ظهر كل واحد منهم سترة لصاحبه.
أقول: تعليله الثاني انما يجري في الصف الثاني و ما بعده نعم الأول منهما ظاهر العموم و لو للواحد الذي يقوم بجنب الامام.
(السابع) [لو كانت السترة مغصوبة]
- قال العلامة: لو كانت السترة مغصوبة لم يحصل الامتثال لعدم الإتيان بالمأمور به شرعا. و اعترضه في الذكرى بأنه يشكل بأن المأمور به الصلاة الى السترة و قد حصل و غصبيتها أمر خارج عن الصلاة كالوضوء من الإناء المغصوب. اما
____________
(1) صحيح مسلم ج 4 ص 225.
(2) الوسائل الباب 12 من مكان المصلى.
(3) مستدرك الوسائل الباب 8 من مكان المصلى.
(4) صحيح البخاري ج 1 ص 101.
244
لو كانت نجسة لم يضر إلا مع نجاسة ظاهرة. انتهى. أقول: ما ذكره في رد كلام العلامة جيد. و اما ما ذكره من استثناء النجاسة الظاهرة فلا اعرف له وجها إلا ان كان خبر الفضيل بن يسار المتقدم في مسألة كراهة استقبال الغائط و مورده الغائط و لا عموم فيه ينهض بالدلالة، أو اخبار نز الكنيف و البالوعة و هي كذلك خاصة، إلا ان يستنبط منهما العموم لجميع النجاسات بأي نحو كانت. و نقل في الذكرى عن ابي الصلاح في جملة ما عده مما يكره الصلاة إليه النجاسة الظاهرة و نحوه في المقنعة، و الظاهر انه جرى هنا على ذلك.
(الثامن) [هل يستحب دفع المار بين يديه؟]
- قال في الذكرى ايضا: يستحب دفع المار بين يديه
لقوله (عليه السلام) (1): «لا يقطع الصلاة شيء فادرأوا ما استطعتم».
أقول: الاستدلال بالخبر المذكور مبني على ان معناه كما فهمه هو و غيره من الأمر بدفع المار يعني ادفعوا المار بما استطعتم من إشارة أو رمي شيء أو دفع باليد أو نحو ذلك، و الظاهر عندي انما هو الدفع بجعل السترة فهو كناية عن الأمر بالسترة بمعنى ادفعوا ضرر مروره بالاستتار بالسترة فإنها متى وضعت لم يمر بينها و بين المصلي، و يظهر هذا المعنى من رواية أبي بصير المتقدمة المتضمنة انه لا يقطع الصلاة شيء كلب و لا حمار. الحديث.
(التاسع) [لو احتاج في الدفع إلى القتال]
- قال في الكتاب المذكور: لو احتاج في الدفع الى القتال لم يجز
و رواية أبي سعيد الخدري و غيره عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «فان ابي فليقاتله فإنما هو شيطان».
للتغليظ أو يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدى الى حرج و لا ضرر.
أقول: الظاهر ان ما نقل من خبر الخدري انما هو من طريق العامة إذ لم نجده في أخبارنا نعم
روى في كتاب دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (3) «انه سئل عن المرور
____________
(1) ص 239.
(2) صحيح البخاري ج 1 ص 103.
(3) مستدرك الوسائل الباب 7 من مكان المصلى. و ليس فيه «و لو قاتلته» نعم هو موجود في البحار ج 18 الصلاة ص 116.
245
بين يدي المصلي فقال لا يقطع الصلاة شيء و لا تدع من يمر بين يديك و لو قاتلته».
و الظاهر حمله على ما ذكره (قدس سره) من التغليظ و المبالغة في الدفع.
(العاشر) [هل كراهة المرور و جواز الدفع مختص بمن استتر؟]
- قال ايضا: هل كراهة المرور و جواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلقا؟ نظر من حيث تقصيره و تضييعه حق نفسه و في كثير من الاخبار التقييد بما إذا كان له سترة ثم لا يضره ما يمر بين يديه، و من إطلاق باقي الاخبار. و يمكن ان يقال بحمل المطلق على المقيد. أقول: الوجه انما هو الأول كما أشرنا اليه و مطلق الاخبار محمول على مقيدها كما ذكره فإنه مقتضى القاعدة في هذا الباب. و الله العالم.
(المسألة السادسة) [عدم جواز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل و لا يلبس]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجوز السجود اختيارا إلا على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل و لا يلبس عادة، و لم يستثنوا من هذه القاعدة إلا القرطاس، و نقل عن المرتضى في المسائل الموصلية كراهة السجود على ثياب القطن و الكتان و في المصباح وافق الأصحاب، و يدل على الأول الاخبار المستفيضة:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول السجود على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس».
و عن الفضل ابي العباس (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا القطن و الكتان».
و عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قلت له اسجد على الزفت يعني القير؟ فقال لا و لا على الثوب الكرسف و لا على الصوف و لا على شيء من الحيوان و لا على طعام و لا على شيء من ثمار الأرض و لا على شيء من الرياش».
و عن هشام بن الحكم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال له:
____________
(1) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
(4) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
246
«أخبرني عما يجوز السجود عليه و عما لا يجوز؟ قال السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس».
و روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن هشام بن الحكم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عما يجوز السجود عليه و عما لا يجوز؟ قال السجود لا يجوز إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس. فقلت له جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال لان السجود هو الخضوع لله عز و جل فلا ينبغي ان يكون على ما يؤكل و يلبس لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون و الساجد في سجوده في عبادة الله عز و جل فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها. و السجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع و الخضوع لله عز و جل».
و روى في كتاب الخصال عن ابي بصير و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يسجد الرجل على كدس حنطة و لا على شعير و لا على لون مما يؤكل و لا يسجد على الخبز».
و عن الأعمش عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «لا يسجد إلا على الأرض أو ما أنبتت الأرض إلا المأكول و القطن و الكتان».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (4): «كل شيء يكون غذاء الإنسان في المطعم و المشرب من الثمر و الكثر فلا يجوز الصلاة عليه و لا على ثياب القطن و الكتان و الصوف و الشعر و الوبر و لا على الجلد إلا على شيء لا يصلح للبس فقط و هو مما يخرج من الأرض إلا ان تكون في حال ضرورة».
و قال أيضا في الكتاب المذكور: «إذا سجدت فليكن سجودك على الأرض أو على شيء ينبت من الأرض مما لا يلبس، و لا تسجد على الحصر المدينة لأن سيورها من جلود، و لا تسجد على شعر و لا على وبر و لا على صوف و لا على جلد و لا على إبريسم و لا
____________
(1) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(4) البحار ج 8 الصلاة ص 366 و 367.
247
على زجاج و لا على ما يلبسه الإنسان و لا على حديد و لا على الصفر و لا على الشبه و لا على النحاس و لا على الرصاص و لا على آجر يعني المطبوخ و لا على الريش و لا على شيء من الجواهر و غيره من الفنك و السمور و الحواصل و الثعالب و لا على بساط فيه الصور و التماثيل. و ان كانت الأرض حارة تخاف على جبهتك ان تحرق أو كانت ليلة مظلمة خفت عقربا أو حية أو شوكة أو شيئا يؤذيك فلا بأس ان تسجد على كمك إذا كان من قطن أو كتان».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق البحث في هذه المسألة يتوقف على بسطه في مقامات
[المقام] (الأول) [جواز السجود على القرطاس]
الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استثناء القرطاس من هذا الحكم في الجملة بل نقل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الإجماع على استثنائه مطلقا.
و يدل عليه مضافا الى ذلك
صحيحة علي بن مهزيار (1) قال: «سأل داود بن فرقد أبا الحسن (عليه السلام) عن القراطيس و الكواغذ المكتوب عليها هل يجوز السجود عليها أم لا؟ فكتب يجوز».
و صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه كره ان يسجد على قرطاس عليه كتابة».
و لفظ الكراهة هنا مراد به المعنى المشهور لما دل عليه الخبر السابق من الجواز.
و صحيحة صفوان الجمال (3) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) في المحمل يسجد على القرطاس و أكثر ذلك يومئ إيماء».
و الظاهر ان المعنى في هذا الخبر انه حيث كانت صلاته (عليه السلام) في المحمل وقت السير فربما تمكن من السجود فيضع جبهته على القرطاس و ربما لا يتمكن فيومى للسجود إيماء.
و إطلاق هذه الاخبار يقتضي جواز السجود على القرطاس مطلقا سواء اتخذ
____________
(1) الوسائل الباب 7 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 7 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 7 من ما يسجد عليه.
248
من القطن أو الإبريسم أو غيرهما و نقل عن العلامة في التذكرة انه اعتبر فيه كونه مأخوذا من غير الإبريسم لأنه ليس بأرض و لا من نبتها، و يظهر من الشهيد في كتبه الثلاثة التوقف و الاستشكال في السجود على القرطاس بقول مطلق حيث قال في كتاب البيان: و يجوز على القرطاس المتخذ من النبات و يشكل بأجزاء النورة. و قال في الدروس: و لا بأس بالقرطاس و يكره المكتوبات للقارئ المبصر و لو اتخذ القرطاس من القطن أو الكتان أو الحرير لم يجز. و قال في كتاب الذكرى بعد ذكر روايتي داود ابن فرقد و صفوان: و في النفس من القرطاس شيء من حيث اشتماله على النورة المستحيلة إلا ان نقول الغالب جوهر القرطاس أو نقول جمود النورة يرد إليها اسم الأرض، الى ان قال:
فرع- الأكثر اتخاذ القرطاس من القنب فلو اتخذ من الإبريسم فالظاهر المنع إلا ان يقال ما اشتمل عليه من أخلاط النورة مجوز له. و فيه بعد لاستحالتها عن اسم الأرض و لو اتخذ من القطن و الكتان أمكن بناؤه على جواز السجود عليهما و قد سلف.
أقول: الظاهر ان ما تكلفه هذان الفاضلان في المقام- بارتكاب تخصيص اخبار القرطاس بالمتخذ مما يجوز السجود عليه كما يعطيه قوله في التذكرة في تعليل المنع من السجود على المتخذ من الإبريسم بأنه ليس بأرض. و قوله في الذكرى في المتخذ من القطن و الكتان ببناء ذلك على جواز السجود عليهما- منشأه الجمع بين اخبار المنع من السجود على غير الأرض و ما أنبتت ما لم يكن مأكولا و لا ملبوسا و بين اخبار القرطاس بإرجاع اخبار القرطاس الى تلك الاخبار و تقييدها بها، و هو مما لا يسمن و لا يغني من جوع و ذلك فإنه لا ريب ان القرطاس قد خرج عن تلك الأشياء المتخذ منها كائنة ما كانت إلى حقيقة أخرى فلا يفيد كونه متخذا مما يصح السجود عليه فائدة، ألا ترى انه قد امتنع السجود على المعادن و ان كان أصلها الأرض باعتبار الحيلولة و الانتقال من الأرضية إلى حقيقة أخرى و القرطاس لا يصدق عليه انه أرض و لا ما أنبتت، و كونه كان قبل الاستحالة الى هذه الحقيقة مما يسجد عليه لا يجدى نفعا و إلا لجاز السجود
249
على المعادن بالتقريب المذكور. و الحق انما هو استثناء القرطاس بهذه الاخبار من القاعدة المستفادة من تلك الاخبار، و جميع ما ذكراه تقييد للنصوص من غير دليل واضح و لا برهان لائح فلا ينبغي ان يلتفت اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الأصحاب بكراهة السجود على القرطاس المكتوب و عليه تدل صحيحة جميل المتقدمة إلا انه يشترط في صحة السجود عليه متى كان مكتوبا ان يقع السجود على مكان خال من الكتابة إذا كان المكتوب به مما لا يصلح السجود عليه و لا فرق في ذلك بين القارئ و الأمي، و نقل عن الشيخ في المبسوط و ابن إدريس تخصيص الكراهة بالقارئ البصير كما تقدم في عبارة الدروس و انه لا يكره في حق الأمي و لا في حق القارئ الذي لا يبصر، و إطلاق النص يرده.
[المقام] (الثاني) [عدم جواز السجود على القطن و الكتان]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) المنع من السجود على القطن و الكتان سواء كان قبل النسج أو بعده بل قال في المختلف انه قول علمائنا اجمع، و خالف في ذلك المرتضى في المسائل الموصلية مع انه ذهب في الجمل و الانتصار الى المنع و نقل فيه إجماع الطائفة، و ظاهر المحقق في المعتبر الميل الى الجواز على كراهية أيضا، و هو ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي أيضا كما ستقف عليه.
و نقل عن المرتضى انه احتج على ذلك بأنه لو كان السجود على الثوب المنسوج من القطن و الكتان محرما محظور الجري في القبح و وجوب إعادة الصلاة و استئنافها مجرى السجود على النجاسة و معلوم ان أحدا لا ينتهي الى ذلك. و لا يخفى ما فيه.
نعم يدل على ذلك جملة من الاخبار عنهم (عليهم السلام) و كان الاولى الاستدلال بها في المقام دون هذه التخريجات الغثة التي تمجها الافهام:
و منها-
ما رواه الشيخ عن داود الصرمي (1) قال: «سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) هل يجوز السجود على الكتان و القطن من غير تقية؟ فقال جائز».
____________
(1) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
250
و عن منصور بن حازم عن غير واحد من أصحابه (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) انا نكون بأرض باردة يكون فيها الثلج أ فنسجد عليه؟ قال لا و لكن اجعل بينك و بينه شيئا قطنا أو كتانا».
و عن الحسين بن علي بن كيسان الصنعائي (2) قال: «كتبت الى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن السجود على القطن و الكتان من غير تقية و لا ضرورة فكتب الي: ذلك جائز».
و عن ياسر الخادم (3) قال: «مر بي أبو الحسن (عليه السلام) و انا أصلي على الطبري (4) و قد ألقيت عليه شيئا اسجد عليه فقال لي مالك لا تسجد عليه أ ليس هو من نبات الأرض؟».
و أجاب الشيخ عن جميع هذه الاخبار بالحمل على حالة الضرورة أو التقية (5) و رده المحقق في المعتبر بان في رواية الصنعائي التنصيص على الجواز مع انتفاء التقية و الضرورة و استحسن حمل الأخبار المانعة على الكراهة. قال في المدارك: و هو محتمل لكن هذه الاخبار لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة فلا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة الدالة بظاهرها على المنع المؤيدة بعمل الأصحاب. و ظاهره الميل الى ما ذكره في المعتبر لو لا ضعف روايات الجواز. و المحدث الكاشاني في الوافي بعد ان نقل حمل الشيخ (قدس سره) لروايات الجواز استبعده و قال: و الاولى ان يحمل النهي عنهما على الكراهة.
أقول و بالله التوفيق: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ (قدس سره) هنا من الجمع
____________
(1) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
(4) الطبري ثوب ينسب الى طبرستان أو طبرية بالفتح محلة من واسط. قال في الوافي ذيل هذا الخبر: الطبري كأنه كان من القطن أو الكتان كما يظهر من الاستبصار. انتهى.
منه (قدس سره).
(5) ارجع الى التعليقة رقم (1) ص 251.
251
بين الاخبار بحمل هذه الاخبار المجوزة على التقية أو الضرورة حمل جيد، اما بالنسبة إلى التقية فلما استفاض عنهم (عليهم السلام) من عرض الاخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافهم و الجواز مذهب العامة (1) من غير اشكال، و يعضد ذلك صحة الاخبار الدالة على التحريم و تكاثرها عموما و خصوصا و اعتضادها بعمل الطائفة قديما و دعوى الإجماع في المقام. و اما ما ذكره في المعتبر من ان رواية الصنعاني نصت على الجواز مع انتفاء التقية و الضرورة فليس بشيء لأن المفهوم من الاخبار على وجه لا يعتريه الإنكار انهم انما يجيبون على ما يرونه من المصلحة لا بما يريد السائل فربما تركوا الجواب بالكلية و ربما أجابوا بالتقية و ربما أجابوا بما فيه التباس و اشتباه لا يستفاد منه معنى ظاهر بالكلية،
و قد ورد عنهم (عليهم السلام) (2) «ان الله سبحانه قد فرض عليكم السؤال و لم يفرض علينا الجواب بل ذلك إلينا ان شئنا أجبنا و ان شئنا لم نجب».
و بالجملة فإن مجرد طلب السائل لأن يكون الجواب لا على وجه التقية لا يوجب حمل الجواب على ما طلبه لما عرفت، و يؤيد الحمل على التقية
قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين (3): «لا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية».
و اما الحمل على الضرورة فلما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و نحوه
ما رواه علي بن جعفر في كتابه و الحميري في قرب الاسناد عنه عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يؤذيه حر الأرض في الصلاة و لا يقدر على السجود هل يصلح له ان يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا؟ قال إذا كان مضطرا فليفعل».
و في كثير من الأخبار الآتية ما يدل على ذلك. و الله العالم.
[المقام] (الثالث) [جواز السجود على الأشياء الممنوعة في التقية و الضرورة]
- لا خلاف و لا إشكال في جواز السجود على ما منعت منه الاخبار المتقدمة في حال التقية و الضرورة لسقوط التكليف في الحالين المذكورين و على ذلك
____________
(1) الفقه على المذاهب الأربعة قسم العبادات ص 161.
(2) أصول الكافي ج 1 ص 210.
(3) ص 252.
(4) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
252
ايضا دلت الأخبار المتكاثرة:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل يسجد على المسح و البساط؟ قال لا بأس إذا كان في حال التقية».
و رواه أيضا في موضع آخر (2) و زاد «و لا بأس بالسجود على الثياب في حال التقية».
و منها- ما تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و كذا صحيحة علي بن جعفر المتقدمة.
و منها-
ما رواه الشيخ عن ابي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسجد على المسح؟ فقال إذا كان في تقية فلا بأس».
و عن عيينة بياع القصب (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ادخل المسجد في اليوم الشديد الحر فأكره أن أصلي على الحصى فابسط ثوبي فاسجد عليه؟ قال نعم ليس به بأس».
و عن القاسم بن الفضيل (5) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من أذى الحر و البرد؟ قال لا بأس به».
و عن احمد بن عمر (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يسجد على كم قميصه من أذى الحر و البرد أو على ردائه إذا كان تحته مسح أو غيره مما لا يسجد عليه؟ فقال لا بأس به».
و عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: «قلت له أكون في السفر فتحضر الصلاة و أخاف الرمضاء على وجهي كيف اصنع؟ قال تسجد على بعض ثوبك.
قلت ليس علي ثوب يمكنني ان اسجد على طرفه و لا ذيله؟ قال اسجد على ظهر كفك فإنها أحد المساجد».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 3 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 3 من ما يسجد عليه.
(4) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
(5) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
(6) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
(7) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
253
و روى الصدوق في كتاب العلل عن ابي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل و لا يجد ما يسجد عليه يخاف ان سجد على الرمضاء أحرقت وجهه؟ قال يسجد على ظهر كفه فإنها أحد المساجد».
قال في الوافي: لعل المراد ان كفك أحد مساجدك على الأرض فإذا وضعت جبهتك عليها صارت موضوعة على الأرض بتوسطها.
و يستفاد من رواية أبي بصير الاولى تصريحا و من الثانية تلويحا انه لا ينتقل الى السجود على بدنه إلا مع تعذر الثياب، و بذلك ايضا صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) قال في الشرائع: و لا يسجد على شيء من بدنه فان منعه الحر عن السجود على الأرض سجد على ثوبه فان لم يمكن فعلى كفه.
[المقام] (الرابع) [اختصاص المنع من السجود بمسجد الجبهة]
- ينبغي ان يعلم ان ما دلت عليه الاخبار المتقدمة من المنع من السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت انما هو بالنسبة إلى مسجد الجبهة خاصة لا غيرها من المساجد فإنه يجوز وقوعها على اي شيء كان، و الظاهر ان الحكم بذلك إجماعي.
و عليه يدل من الاخبار
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل ابن يسار و يزيد بن معاوية عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «لا بأس بالقيام على المصلى من الشعر و الصوف إذا كان يسجد على الأرض، فإن كان من نبات الأرض فلا بأس بالقيام عليه و السجود عليه».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن فراش حرير و مثله من الديباج و مصلى حرير و مثله من الديباج يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة؟ قال يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه.
____________
(1) الوسائل الباب 4 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 15 من لباس المصلى.
254
و روى في الكافي عن الحلبي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) دعا أبي بالخمرة فأبطأت عليه فأخذ كفا من حصباء فجعله على البساط ثم سجد».
و عن حمران في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «كان ابي يصلي على الخمرة يجعلها على الطنفسة و يسجد عليها فإذا لم تكن خمرة جعل حصى على الطنفسة حيث يسجد».
أقول: الطنفسة بتثليث الطاء و الفاء بساط له خمل، و الخمرة بضم الخاء المعجمة و إسكان الميم سجادة صغيرة، قال في كتاب مجمع البحرين: قد تكرر في الحديث ذكر الخمرة و السجود عليها و هي بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل و تزمل بالخيوط و في النهاية هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده و لا يكون خمرة إلا هذا المقدار. و منه كان ابي يصلي على الخمرة يضعها على الطنفسة. انتهى. و قال في النهاية:
و في حديث أم سلمة «قال لها و هي حائض ناوليني الخمرة» هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسجية خوص و نحوه من النبات و لا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، و سميت خمرة لان خيوطها مستورة بسعفها، و قد تكررت في الحديث و هكذا فسرت. و قد جاء في سنن ابي داود عن ابن عباس قال:
«جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع درهم» قال و هذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها.
أقول: بقي هنا شيء و هو انه قد تقدم في كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه النهي عن السجود على الحصر المدنية لان سيورها من جلود، و المراد منها الخمرة
لما رواه في الكافي و التهذيب عن علي بن الريان (3) قال: «كتب بعض أصحابنا بيد
____________
(1) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 2 من ما يسجد عليه.
(3) الفروع ج 1 ص 92 و التهذيب ج 1 ص 223 و في الوسائل في الباب 11 من ما يسجد عليه.
255
إبراهيم بن عقبة إليه- يعني أبا جعفر (عليه السلام)- يسأله عن الصلاة على الخمرة المدنية فكتب: صل فيها ما كان معمولا بخيوطة و لا تصل على ما كان معمولا بسيورة. قال فتوقف أصحابنا فأنشدتهم بيت شعر ل(تأبط شرا) العدواني (1) «فكأنها خيوطة ماري تغار و تفتل».
و ماري كان رجلا حبالا يعمل الخيوط» و ظاهر هذين الخبرين النهي عن الخمرة المدنية لأنها تعمل بالسيور و هي الجلود مع ان الظاهر ان ما تعمل به من سيور أو خيوط يكون مستورا بسعف النخل الذي تعمل منه فالسجود انما يقع على السعف، و لعل بناء الفرق في رواية علي بن الريان على ان ما يعمل بالخيوط تكون الخيوط فيه مستورة بالسعف و اما ما يعمل بالسيور فإنها تظهر بين السعف أو تغطى على السعف فلا يقع السجود على السعف بالكلية فيكون النهي محمولا على التحريم، أولا يحصل الجزء الأكمل من السجود فيكون النهي للكراهة، قال في الذكرى: لو عملت بالخيوط من جنس ما يجوز السجود عليه فلا إشكال في جواز السجود عليها و لو عملت بسيور فان كانت مغطاة بحيث تقع الجبهة على الخوص صح السجود ايضا و لو وقعت على السيور لم يجز و عليه دلت رواية ابن الريان. و أطلق في المبسوط جواز السجود على المعمولة بالخيوط. انتهى. و ظني ان ما ذكرناه من التفصيل أظهر.
[المقام] (الخامس) [هل يجوز الصلاة على القير؟]
اختلفت الرواية في جواز السجود على القير ففي صحيحة زرارة المتقدمة النهي عن ذلك،
و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن عمرو بن سعيد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «لا تسجد على القير و لا على القفر و لا على الصاروج».
و رواه الكليني مثله إلا انه ترك ذكر القفر.
و عن صالح بن الحكم (3) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في السفينة؟ فقال ان رجلا سأل ابي عن الصلاة في السفينة فقال له أ ترغب عن صلاة نوح (عليه السلام) فقلت له آخذ معي مدرة
____________
(1) كذا في فروع الكافي و في التهذيب (الفهمي) بدل (العدواني) و كذا في تاج العروس مادة (إبط).
(2) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 13 من القبلة.
256
اسجد عليها؟ قال نعم».
و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح (1) قال: «سأل معاوية بن عمار أبا عبد الله (عليه السلام) عن السجود على القار قال لا بأس به».
و روى في الصحيح عن منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (2) انه قال: «القير من نبات الأرض».
و في كتاب المسائل لعلي ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يجزئه ان يسجد في السفينة على القير؟ قال لا بأس».
و قد تقدم في اخبار الصلاة في السفينة (4)
في صحيحة معاوية بن عمار قال (عليه السلام) «و يصلى على القير و القفر و يسجد عليه».
و روى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار (5) قال: «سأل المعلى بن خنيس أبا عبد الله (عليه السلام) و انا عنده عن السجود على القفر و على القير فقال لا بأس به».
و حمل الشيخ هذه الروايات على الضرورة أو التقية.
قال في الوافي: و يجوز حمل النهي على الكراهة. و قال في المدارك بعد ذكر صحيحة زرارة و صحيحة معاوية بن عمار الواردة في الصلاة في السفينة: و لو قيل بالجواز و حمل النهي على الكراهة أمكن ان لم ينعقد الإجماع على خلافه.
أقول: فيه (أولا) ان اخبار الجواز و ان صح سندها كما هو المدار عليه عنده إلا ان اخبار النهي قد اعتضدت باتفاق الأصحاب ظاهرا و بالأخبار المتقدمة المصرحة بأنه لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت. و (ثانيا) ما عرفت في غير مقام مما تقدم مما في هذا الحمل من النظر. و (ثالثا) ان العامة متفقون على جواز السجود عليه كما نقله في البحار، و حينئذ فالأنسب بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية المقررة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) هو حمل اخبار الجواز على التقية، لكنك قد عرفت في غير موضع مما تقدم انهم (رضوان الله عليهم) قد نبذوا هذه القواعد وراء ظهورهم
____________
(1) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه.
(3) مستدرك الوسائل الباب 5 من ما يسجد عليه.
(4) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه.
(5) الوسائل الباب 6 من ما يسجد عليه.
257
و عكفوا على قاعدة الجمع بين الاخبار بالكراهة و الاستحباب.
ثم انه لا يخفى عليك انا قد أشرنا في غير موضع مما تقدم الى اضطراب كلام السيد السند (قدس سره) في حديث إبراهيم بن هاشم وعده في الضعيف تارة و في الحسن اخرى و في الصحيح تارة، و في هذا الموضع قد وصف رواية زرارة المتقدمة بالصحة في موضعين و في طريقها إبراهيم بن هاشم و وصفها بالصحة أيضا في شرح قول المصنف:
«و في القطن و الكتان روايتان» و في شرح قوله: «المقدمة السابعة في الأذان و الإقامة»
قال و روى الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أذنت و أقمت. الحديث».
[المقام] (السادس) [تحديد المأكول و الملبوس]
- المراد بالمأكول هو ما يطرد اكله و يعتاد فلو أكل نادرا أو في الضرورة كالعقاقير التي تجعل في الأدوية من النباتات التي لم يكثر أكلها لم يعد مأكولا و لو أكل شائعا في قطر دون قطر فإشكال ينشأ من احتمال اختصاص كل قطر بمقتضى عادته و من صدق المأكول عليه. و لعله أرجح مع كونه أوفق بالاحتياط و لو كان له حالتان يؤكل في إحداهما دون الأخرى جاز السجود عليه في إحداهما دون الثانية.
و الظاهر انه لا يشترط في المأكول كونه بحيث ينتفع به بالفعل بل تكفي القوة القريبة فلو توقف الأكل على طحن أو طبخ أو نحوهما و اللبس على غزل و نسج و خياطة لم يخرجه ذلك عن صدق المأكول و الملبوس عليه قبل تلك الحال، و نقل عن العلامة في التذكرة و المنتهى انه جوز السجود على الحنطة و الشعير قبل الطحن، و علله في المنتهى بكونهما غير مأكولين عادة، و علله في التذكرة بأن القشر حائل بين المأكول و الجبهة. و رد الأول بأن الافتقار الى العلاج لا يخرجهما عن كونهما مأكولين عادة. و الثاني بأن العادة في الصدر الأول جرت بأكلهما غير منخولين كما لا يخفى على من راجع الاخبار، و نقل ان أول من نخل الدقيق معاوية. مع ان النخل لا يأتي على جميع الاجزاء القشرية
____________
(1) الوسائل الباب 4 من الأذان و الإقامة.
258
لان الاجزاء الصغيرة تنزل مع الدقيق فتؤكل، و كونها تابعة للدقيق في الأكل لا يمنع من كونها مأكولة لصدق الأكل في الجملة. و نقل عن العلامة في النهاية انه جوز السجود على القطن و الكتان قبل غزلهما و قوى جواز السجود على الكتان قبل غزله و نسجه و توقف فيه بعد غزله. و المشهور بين الأصحاب المنع في الكل إلا انه
نقل في كتاب البحار (1) عن كتاب تحف العقول قال «قال الصادق (عليه السلام): و كل شيء يكون غذاء الإنسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه و لا السجود إلا ما كان من نبات الأرض من غير ثمر قبل ان يصير مغزولا فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه إلا في حال الضرورة».
و هو ظاهر في ما ذكره في النهاية، و ربما استفيد منه بطريق الفحوى الدلالة على جواز السجود على ما كان كذلك مما يتوقف الانتفاع به على علاج بان يكون ذكر الغزل من قبيل التمثيل.
[المقام] (السابع)- لو وضع الإنسان تربة أو شيئا مما يصح السجود عليه تحت كور عمامته و سجد عليه
، أو لو كانت قلنسوته من النبات الغير المأكول و لا الملبوس عادة و سجد عليها فلا إشكال في صحة السجود كذلك، و نقل عن الشيخ المنع من السجود على ما هو حامل له ككور العمامة و طرف الرداء، قال في الذكرى: فان قصد لكونه من جنس ما لا يسجد عليه فمرحبا بالوفاق و ان جعل المانع نفس الحمل كمذهب بعض العامة (2) طولب بدليل المنع، مع انه قد روى أبو بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم أورد الرواية و قد تقدمت في المقام الثالث (3) و أورد رواية أحمد بن عمر (4) الدالتين على السجود على المحمول، ثم قال و ان احتج برواية الأصحاب
عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (5) في السجود على العمامة «لا يجزئه ذلك حتى تصل جبهته إلى الأرض».
قلنا لا دلالة فيه على كون المانع الحمل بل جاز لفقد كونه مما يسجد عليه. انتهى. و هو جيد
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 366.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة قسم العبادات ص 162.
(3) ص 252.
(4) ص 252.
(5) الوسائل الباب 14 من ما يسجد عليه.
259
[المقام] (الثامن) [السجود على الأرض أفضل]
- لا خلاف و لا إشكال في ان السجود على الأرض أفضل مما أنبتت لأنه أبلغ في التذلل و الخضوع المطلوب في هذا المقام.
و يعضد ذلك جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الشيخ عن إسحاق بن الفضل (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السجود على الحصر و البواري فقال لا بأس و ان تسجد على الأرض أحب الي فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يحب ذلك ان يمكن جبهته من الأرض فأنا أحب لك ما كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبه».
و روى الصدوق في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «السجود على الأرض أفضل لأنه أبلغ في التواضع و الخضوع لله عز و جل».
قال و قال الصادق (عليه السلام) (3) «السجود على الأرض فريضة و على غير الأرض سنة».
أقول: قيل في معناه وجوه: (الأول) ما ذكره الأكثر من ان السجود على الأرض ثوابه ثواب الفريضة و على ما أنبتته ثوابه ثواب السنة.
(الثاني)- ان المستفاد من أمر الله تعالى بالسجود انما هو وضع الجبهة على الأرض إذ هو غاية الخضوع و العبودية و اما جواز وضعها على غير الأرض فإنما استفيد من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و قوله رخصة و رحمة.
(الثالث)- ان يكون المراد بالأرض أعم منها و مما أنبتته و المراد بغير الأرض تعيين شيء خاص للسجود كالخمرة و اللوح أو الخريطة من طين قبر الحسين (عليه السلام).
و لا يخلو من بعد إلا انه يؤيده
ما رواه الكليني مرسلا (4) انه قال: «السجود على الأرض فريضة و على الخمرة سنة».
لكن يمكن إرجاع هذا الخبر الى الوجه الثاني بأن يحمل ذكر الخمرة على التمثيل لما كان غير ارض، و حاصل المعنى ان السجود على الأرض فريضة
____________
(1) الوسائل الباب 17 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 17 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 17 من ما يسجد عليه.
(4) الوسائل الباب 11 من ما يسجد عليه.
260
و غيرها مما أمر به النبي (صلى الله عليه و آله) و وردت به السنة المطهرة من الخمرة و نحوها سنة، و حينئذ فيبقى هذا الوجه على ما هو عليه من الضعف كما ذكرنا.
و أفضل افراد الأرض في السجود التربة الحسينية على مشرفها أفضل الصلاة و السلام و التحية،
فروى الصدوق (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الأرضين السبعة، و من كانت معه سبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبحا و ان لم يسبح بها».
و روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) (2) «انه كتب إليه يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر هل فيه فضل؟ فأجاب (عليه السلام) يجوز ذلك و فيه الفضل».
و روى الشيخ في كتاب المصباح عن معاوية بن عمار (3) قال: «كان لأبي عبد الله (عليه السلام) خريطة ديباج صفراء فيها تربة ابي عبد الله (عليه السلام) فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته و سجد عليه، ثم قال ان السجود على تربة ابي عبد الله (عليه السلام) يخرق الحجب السبع».
و روى الحسن بن محمد الديلمي في كتاب الإرشاد (4) قال: «كان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلا على تربة الحسين (عليه السلام) تذللا لله و استكانة إليه».
فوائد:
(الأولى) [إلحاق اللوح المتخذ من خشب قبور الأئمة بالتربة]
الحق سلار بالتربة الحسينية في استحباب السجود عليها اللوح المتخذ من خشب قبورهم (عليهم السلام) سواء في ذلك قبر الحسين و غيره من الأئمة (عليهم السلام) و لم نقف على مأخذه و بذلك اعترف شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد نقل المصنف ذلك عنه.
(الثانية) [السجود على المشوي من التربة]
- قال شيخنا المشار إليه في الشرح المذكور: و لا فرق في التربة الشريفة بين ما شوى منها بالنار و غيره في أصل الأفضلية لشمول التربة الواردة في الخبر
____________
(1) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه.
(2) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه.
(3) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه.
(4) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه.
261
السابق لهما لكن يكره السجود على المشوي خصوصا إذا بلغ حد الخزف على الأقوى انتهى.
أقول: لا يخفى ان هذه السبح المستعملة الآن من التربة المطبوخة فإنها تصير كالخزف فبعين ما يقال فيه من الخروج عن الأرضية بالطبخ و عدمه يقال فيها أيضا. ولي في ذلك توقف للشك في الخروج و عدمه و الاحتياط فيها عندي واجب كما تقدم و يأتي ان شاء الله تعالى.
(الثالثة) [هل يعم حكم التربة الحسينية إلى سائر التربات المقدسة؟]
- احتمل شيخنا المشار إليه في شرح النفلية حمل التربة في كلام المصنف على ما يعم ما اتخذ من قبر الحسين و غيره من الأئمة و الأنبياء (عليهم السلام) الذين ثبت لهم تربة معينة و كذا الشهداء و الصالحين، قال إذ لا شك في تقدسها بواسطتهم كما تقدست التربة الحسينية بذلك و ان كانت متظافرة بها،
و روى (1) «انهم كانوا يتخذون السبح من تربة حمزة (عليه السلام) قبل قتل الحسين (عليه السلام) و ان فاطمة (عليها السلام) كانت لها سبحة منها فلما قتل الحسين (عليه السلام) اتخذت من تربته الشريفة و ندب إليها الأئمة (عليهم السلام)».
و من قرائن إرادة العموم نقله عن سلار بعد ذلك اللوح المتخذ من خشب قبورهم (عليهم السلام) و لأن شرف التربة أقوى من شرف الخشب. انتهى.
أقول: يمكن تطرق البحث إليه بأن الاستحباب حكم شرعي يتوقف ثبوته على الدليل الواضح و ما ذكره من التعليل المذكور لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية. و لم لا يجوز اختصاص الحسين (عليه السلام) بذلك؟ كما خص بان الشفاء في تربته و اجابة الدعاء تحت قبته و جعل الأئمة من ذريته (2) و ان كان غيره من الأئمة و الأنبياء و الصلحاء من يرجى بهم ذلك ايضا.
[المقام] (التاسع) [هل يجوز السجود على الخزف و الجص و النورة]
- قد عرفت دلالة الأخبار المتكاثرة على انه لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتت و قضية ذلك دوران الصحة مدار صدق الأرضية بالنسبة إلى الأرض.
____________
(1) الوسائل الباب 16 من التعقيب.
(2) الوسائل الباب 76 من المزار.
262
و قد حصل الاشكال بسبب ذلك هنا في أشياء: (الأول) الخزف و في خروجه بالطبخ عن الأرضية تردد، و ظاهر المشهور بين المتأخرين جواز السجود عليه من غير تردد و لا نقل خلاف حتى ان العلامة في التذكرة استدل على عدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض بجواز السجود عليه و هو مشعر بان جواز السجود عليه أمر مسلم بين الكل، و المحقق في المعتبر مع منعه من التيمم به لخروجه بالطبخ عن اسم الأرض جوز السجود عليه فقال بعد المنع من التيمم لخروجه عن اسم الأرض: و لا يعارض بجواز السجود لانه قد يجوز السجود على ما ليس بأرض كالكاغذ و قد تقدم بيان ضعف هذا الكلام في باب التيمم من كتاب الطهارة. و بالجملة فالقائلون بالجواز انما جوزوا ذلك من حيث عدم خروج الخزف بالطبخ عن اسم الأرض كما صرح به الشهيدان و غيرهم و ان صرحوا بالكراهة تفصيا من احتمال الخروج.
و ممن صرح بالخروج المحقق كما عرفت و اليه يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة و المتقدمون لم يتعرضوا لذكر هذه المسألة، و يعضد هذا القول ما تقدم في كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي من قوله في تعداد ما يمنع من السجود عليه:
«و لا على آجر يعنى المطبوخ» و هذا التفسير يحتمل ان يكون منه (عليه السلام) أو من جامع الكتاب، و من الظاهر ان المنع انما هو من الجهة التي ذكرنا.
قال في المدارك: و الاولى اجتنابه لما ذكره المصنف من خروجه بالطبخ عن اسم الأرض و ان أمكن توجه المنع إليه فإن الأرض المحترقة يصدق عليها اسم الأرض عرفا.
و يمكن ان يستدل على الجواز ايضا بما
رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن الحسن ابن محبوب عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب اليه بخطه: ان الماء و النار قد طهراه».
وجه الدلالة انها تدل بظاهرها على جواز السجود على الجص و الخزف في معناه
____________
(1) الوسائل الباب 81 من النجاسات و 10 من ما يسجد عليه.
263
و يؤيده الأخبار الكثيرة المتضمنة لجواز السجود على القرطاس و صحيحة معاوية بن عمار المتضمنة لجواز السجود على القير (1) انتهى. و فيه بحث حررناه في شرحنا على الكتاب و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف و الاحتياط فيها واجب و قد تقدم في باب التيمم ما فيه زيادة بيان لما اخترناه في المقام. و اما صحيحة الحسن بن محبوب المذكورة فقد تقدم تحقيق معناها في كتاب الطهارة في مسألة تطهير النار من المطهرات العشرة فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
و (الثاني و الثالث) الجص و النورة قبل الإحراق و بعد الإحراق، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في باب التيمم من كتاب الطهارة، و الحكم في البابين واحد فإنه متى ثبتت الأرضية ترتب عليها جواز السجود و التيمم و متى انتفت انتفيا.
(المسألة السابعة) [حكم السجود على الموضع المشتبه بالنجس]
- قد تقدم نقل اتفاق الأصحاب على طهارة موضع السجود و انه لا يجوز السجود على النجس و ان لم تتعد نجاسته الى المصلى. و من قواعدهم ايضا ان المشتبه بالنجس في حكم النجس في المواضع المحصورة، و حينئذ فلو حصل الاشتباه في موضع محصور امتنع السجود عليه. و قد تقدم البحث في هذه المسألة منقحا في كتاب الطهارة في المسألة الرابعة من البحث الأول من المقصد الثاني من الباب الخامس في الطهارة من النجاسات من أبواب الكتاب المذكور.
تتمة في أحكام المساجد
[فضل بناء المساجد]
قد استفاضت الاخبار بفضل بناء المساجد و السعي إليها و الصلاة فيها، قال الله تعالى «إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّٰهَ فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» (2).
و روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبيدة الحذاء (3)
____________
(1) ص 256.
(2) سورة التوبة، الآية 18.
(3) الوسائل الباب 8 من أحكام المساجد.
264
قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من بنى مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة قال أبو عبيدة فمر بي أبو عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة و قد سويت بأحجار مسجدا فقلت له جعلت فداك نرجو ان يكون هذا من ذاك؟ فقال نعم».
و روى في الفقيه بإسناده عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة. قال أبو عبيدة و مر بي و انا بين مكة و المدينة أضع الأحجار فقلت هذا من ذلك؟ فقال نعم».
و روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «ان الله إذا أراد ان يصيب أهل الأرض بعذاب قال لو لا الذين يتحابون في و يعمرون مساجدي و يستغفرون بالأسحار لو لا هم لأنزلت عذابي».
و روى احمد بن محمد البرقي في المحاسن بسنده عن هاشم الحلال (3) قال:
«دخلت انا و أبو الصباح على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو الصباح ما تقول في هذه المساجد التي بنتها الحاج في طريق مكة؟ فقال بخ بخ تلك أفضل المساجد، من بنى مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة».
[فضل السعي إلى المساجد]
و روى الشيخ في التهذيب عن علي بن الحكم عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من مشى الى المسجد لم يضع رجلا على رطب و لا يابس إلا سبحت له الأرض إلى الأرض السابعة».
و روى في كتاب عقاب الأعمال بسنده فيه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (5) قال: «من مشى الى مسجد من مساجد الله تعالى فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع الى منزله عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات».
____________
(1) الوسائل الباب 8 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 8 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 8 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 4 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 4 من أحكام المساجد.
265
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن الأصبغ عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) قال: «كان يقول من اختلف الى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله أو علما مستطرفا أو آية محكمة أو يسمع كلمة تدله على هدى أو رحمة منتظرة أو كلمة ترده عن ردى أو يترك ذنبا خشية أو حياء».
و روى في الكافي في الصحيح عن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجبرئيل يا جبرئيل أي البقاع أحب الى الله تعالى؟ قال المساجد، و أحب أهلها الى الله أولهم دخولا و آخرهم خروجا منها».
و قال في الفقيه (3): «و روى ان الله تبارك و تعالى ليريد عذاب أهل الأرض حتى لا يحاشي منهم أحدا فإذا نظر الى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات و الولدان يتعلمون القرآن (رحمهم الله) فاخر ذلك عنهم».
و روى الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله) من كان القرآن حديثه و المسجد بيته بنى الله له بيتا في الجنة».
و عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (5) قال:
«لا صلاة لمن لم يشهد الصلوات المكتوبات من جيران المسجد إذا كان فارغا صحيحا».
و روى شيخ الطائفة في كتاب المجالس عن ابي ذر (رضي الله عنه) في حديثه الطويل مما أوصاه به رسول الله (صلى الله عليه و آله) (6) قال: «يا أبا ذر من أجاب داعي الله و أحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنة. فقلت بأبي أنت و أمي
____________
(1) الوسائل الباب 3 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 68 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 3 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 3 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(6) البحار ج 18 الصلاة ص 132 و في الوسائل الباب 17 من أحكام المساجد و 2 من المواقيت.
266
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) كيف يعمر مساجد الله؟ قال لا ترفع فيها الأصوات و لا يخاض فيها بالباطل و لا يشترى فيها و لا يباع و اترك اللغو ما دمت فيها فان لم تفعل فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك، يا أبا ذر ان الله يعطيك ما دمت جالسا في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة في الجنة و تصلى عليك الملائكة و يكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات و يمحى عنك عشر سيئات. يا أبا ذر يقول الله ان أحب العباد الي المتحابون بجلالي المتعلقة قلوبهم بالمساجد المستغفرون بالأسحار أولئك إذا أردت بأهل الأرض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم، يا أبا ذر كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة: قراءة مصل أو ذاكر الله تعالى أو مسائل عن علم. الحديث».
و روى في كتاب الهداية مرسلا (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في التوراة مكتوب ان بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي إلا ان على المزور كرامة الزائر ألا بشر المشاءين في الظلمات الى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة».
و روى الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق بن الزبير الخلقاني (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول شكت المساجد الى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله تعالى إليها و عزتي و جلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة و لا أظهرت لهم في الناس عدالة و لا نالتهم رحمتي و لا جاوروني في جنتي».
أقول: يمكن حمل هذا الخبر على ظاهره بالنسبة الى من هجر المساجد تهاونا بحرمتها و استخفافا بما حث الله تعالى عليه من إتيانها، و مثله في الاخبار غير عزيز و إلا فحمله على ظاهره مطلقا مشكل.
و روى الشيخان ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح أو الحسن
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 30 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
267
عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بنى مسجده بالسميط، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فأمر به فزيد فيه و بناه بالسعيدة، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو أمرت بالمسجد فزيد فيه فقال نعم فأمر به فزيد فيه و بنى جداره بالأنثى و الذكر، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو أمرت بالمسجد فظلل فقال نعم فأمر به فأقيمت فيه سواري من جذوع النخل ثم طرحت عليه العوارض و الخصف و الإذخر فعاشوا فيه حتى أصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لو أمرت بالمسجد فطين فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا، عريش كعريش موسى (عليه السلام) فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه و آله) و كان جداره قبل ان يظلل قامة فكان إذا كان الفيء ذراعا و هو قدر مربض عنز صلى الظهر فإذا كان ضعف ذلك صلى العصر. و قال السميط لبنة لبنة و السعيدة لبنة و نصف و الأنثى و الذكر لبنتان متخالفتان».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد ذكروا للمساجد أحكاما: مستحبات و محرمات و مكروهات و غيرها، فالواجب ذكر الجميع في مقامات أربعة:
[المقام] (الأول) في المستحبات:
و منها- اتخاذ المساجد مكشوفة
، أما اتخاذها فقد عرفت استفاضة الاخبار به مضافا الى الإجماع من الخاصة و العامة، و اما استحباب كونها مكشوفة فاستدلوا عليه
بما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المساجد المظلمة أ يكره الصلاة فيها؟ قال نعم و لكن لا يضركم اليوم و لو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك».
أقول: فيه ان ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنته المتقدمة هو استحباب
____________
(1) الوسائل الباب 9 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 9 من أحكام المساجد.
268
التظليل و هو الذي فعله (صلى الله عليه و آله) لما شكوا إليه شدة الحر و المكروه انما هو التسقيف و هو الذي امتنع منه لما شكوا اليه المطر.
و شيخنا الشهيد في الذكرى بعد ان ذكر الحكم المذكور استشعر ما ذكرناه فقال في الجمع بين الخبرين المذكورين جاعلا التأويل في جانب خبر الحلبي: و لعل المراد به تظليل جميع المسجد أو تظليل خاص أو في بعض البلدان و إلا فالحاجة ماسة إلى التظليل لدفع الحر و القر. و على هذا نسج من تأخر عنه.
أقول: الظاهر ان وجه الجمع بين الخبرين انما هو حمل التظليل في خبر الحلبي على التسقيف الذي ظهر كراهته من خبر عبد الله بن سنان، و يؤيده انه هو الذي صار معمولا عليه بعد موته (صلى الله عليه و آله) إذ المستفاد من الاخبار ان المساجد في زمن خلفاء الجور من الأموية و العباسية كانت مسقفة بل مزخرفة كما ستأتي الإشارة اليه ان شاء الله تعالى، و اليه يشير قوله (عليه السلام): «و لو كان العدل لرأيتم. إلخ» إشارة إلى كسر تلك السقوف بعد قيام القائم (عجل الله فرجه) كما يدل عليه
ما رواه في الفقيه مرسلا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال: «أول ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسرها و يأمر بها فتجعل عريشا كعريش موسى (عليه السلام)».
و ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده عن ابي بصير (2) قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) دخل الكوفة و أمر بهدم المساجد الأربعة حتى يبلغ أساسها و يصيرها عريشا كعريش موسى (عليه السلام).».
أقول: قال الجوهري العرش و العريش ما يستظل به. و من ذلك يظهر ان المراد بالتظليل في خبر الحلبي انما هو السقوف فإنها هي التي يكسرها (عليه السلام) لا التظليل فإنه يجعل تلك المساجد بعد خراب السقوف مظللة. و هذا بحمد الله سبحانه أظهر ظاهر لكل ناظر.
و منها- جعل الميضاة على أبوابها
، و المراد بالميضاة الموضع الذي يتطهر فيه من
____________
(1) الوسائل الباب 9 من أحكام المساجد.
(2) مستدرك الوسائل الباب 7 من أحكام المساجد.
269
البول و الغائط و هو كناية عن مواضع قذف النجاسة و التطهير منها.
و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) جنبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و شراءكم و بيعكم و اجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم».
و نقل في البحار (2) عن أصل من أصول أصحابنا بسنده فيه عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ضعوا المطاهر على أبواب المساجد».
و نقل في البحار (3) عن الراوندي في النوادر بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) جنبوا مساجدكم مجانينكم و صبيانكم و رفع أصواتكم إلا بذكر الله تعالى و بيعكم و شراءكم و سلاحكم و جمروها في كل سبعة أيام وضعوا المطاهر على أبوابها».
و أيد بعض الأصحاب الحكم المذكور بأنها لو جعلت داخلها لتأذى المسلمون برائحتها و هو مطلوب الترك.
و نقل عن ابن إدريس انه منع من جعل الميضاة في وسط المسجد قال في الذكرى:
و هو حق ان لم تسبق المسجد و هو جيد لانه متى بنى المسجد بعد تقدم المطهرة و جعل حولها بحيث تكون في وسطه فإنه لا موجب للمنع إلا من حيث عدم رعاية الأدب و الاحترام المطلوب في هذا المكان.
و اما حكم الوضوء في المسجد فقد تقدم في المسألة الثامنة عشرة من المسائل الملحقة بالوضوء من كتاب الطهارة إلا انه قال السيد السند هنا في المدارك: و لم يتعرض المصنف لحكم الوضوء في المسجد و قد قطع العلامة و من تأخر عنه بكراهته من البول و الغائط لما
____________
(1) الوسائل الباب 27 و 25 من أحكام المساجد و الراوي في كتب الحديث هو (عبد الحميد).
(2) ج 18 الصلاة ص 136.
(3) ج 18 الصلاة ص 107.
270
رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد فكرهه من الغائط و البول».
و يمكن حمل الوضوء فيها على الاستنجاء أو على ما يتناوله كما أومأ إليه في المعتبر. انتهى.
أقول: ظاهره انه مع حمل الوضوء في الخبر على الاستنجاء فغاية ما يدل عليه هو الكراهة. و هو على إطلاقه مشكل لأنهم و ان صرحوا بطهارة ماء الاستنجاء إلا ان ذلك مشروط بشروط مذكورة ثمة و ليس كل استنجاء يكون كذلك بل المعلوم عادة هو اختلال بعض الشروط و حينئذ فيكون نجسا، و ظاهر الأصحاب الاتفاق على تحريم إدخال النجاسة المتعدية الى المسجد و آلاته و به صرح هو ايضا، و اليه يشير جملة من الاخبار مثل رواية تعاهد النعلين عند دخول المسجد (2) و رواية أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بتطهير بول الأعرابي في المسجد (3) و ظاهر قوله عز و جل «. فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ.» (4) و على هذا فالأظهر بناء على حمل الوضوء على الاستنجاء هو حمل الكراهة في الخبر على التحريم فإن إطلاقها بهذا المعنى أكثر كثير كما أشرنا إليه في غير موضع و به اعترف السيد المشار إليه في مواضع من شرحه. و الله العالم.
و منها- تجمير المساجد في كل سبعة أيام
و هذا الحكم و ان لم يذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) إلا انه مدلول خبر الراوندي المذكور في سابق هذا الموضع و نحوه
في كتاب دعائم الإسلام حيث قال عن علي (عليه السلام) (5) قال: «جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم و بيعكم و شراءكم و سلاحكم و جمروها في كل سبعة أيام وضعوا فيها المطاهر».
و أصحابنا يكتفون في أدلة السنن بأمثال هذه الاخبار بل ما هو أضعف. و ما تضمنه هذا الخبر من قوله: «وضعوا فيها المطاهر» الظاهر جعل «في» تعليلية مثل
قوله (صلى الله
____________
(1) الوسائل الباب 57 من الوضوء.
(2) الوسائل الباب 24 من أحكام المساجد.
(3) ج 1 ص 309.
(4) سورة التوبة، الآية 28.
(5) البحار ج 18 الصلاة ص 136.
271
عليه و آله) (1) «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها».
فلا ينافي ما تقدم من استحباب جعلها على أبواب المساجد.
و منها- جعل المنارة في الحائط لا في وسط المسجد
، و علله العلامة في النهاية بما فيه من التوسعة و رفع الحجاب بين المصلين، و أطلق الشيخ في النهاية المنع من جعل المنارة في وسط المسجد. قيل و هو حق ان تقدمت المسجدية على بنائها.
أقول: لم أقف في هذا المقام على خبر عنهم (عليهم السلام) نعم ورد ما يدل على النهي عن ارتفاع المنارة و به قال الأصحاب أيضا حيث صرحوا بكراهة ارتفاع المنارة زيادة على سطح المسجد لئلا يشرف المؤذنون على جيران المسجد، و يدل عليه
ما رواه السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) مر على منارة طويلة فأمر بهدمها ثم قال لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد».
و نقل شيخنا في البحار (3) عن كتاب كشف الغمة نقلا من دلائل الحميري عن ابي هاشم الجعفري قال: «كنت عند ابي محمد (عليه السلام) فقال إذا خرج القائم أمر بهدم المنار و المقاصير التي في المساجد فقلت في نفسي لأي معنى هذا؟ فاقبل علي فقال معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي و لا حجة».
أقول: قد ذكر بعض مشايخنا (عطر الله مراقدهم) ان تطويل المنارة من بدع عمر. و يؤيده
ما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن جعفر (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الأذان في المنارة أ سنة هو؟ فقال انما كان يؤذن للنبي (صلى الله عليه و آله) في الأرض و لم يكن يومئذ منارة».
و اما المقاصير و هي المحاريب الداخلة كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى فهي من بدع الأموية.
____________
(1)
تيسير الوصول ج 2 ص 114 عن ابن عمر قال: «قال رسول الله (ص) دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها و لم تدعها تأكل من خشاش الأرض» ..
(2) الوسائل الباب 25 من أحكام المساجد.
(3) ج 18 الصلاة ص 134.
(4) الوسائل الباب 25 من أحكام المساجد.
272
و منها- تقديم الرجل اليمنى للدخول و الرجل اليسرى للخروج
، قال في المدارك علله في المعتبر بان اليمين أشرف فيدخل بها الى الموضع الشريف و بعكسه الخروج.
أقول: ظاهر اقتصار هذين الفاضلين على هذا التعليل عدم وقوفهما على نص يدل على ذلك مع انه
روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن يونس عنهم (عليهم السلام) (1) قال قال: «الفضل في دخول المسجد ان تبدأ برجلك اليمنى إذا دخلت و باليسرى إذا خرجت».
و منها- تعاهد نعله عند الدخول
لما رواه الشيخ عن عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) «قال قال النبي (صلى الله عليه و آله) تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم».
و روى الحسن بن الفضل الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «في قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (4). قال تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد».
و المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو تفسير التعاهد باستعلام حالها عند الدخول استظهارا للطهارة. و احتمل بعض مشايخنا ان المراد بتعاهد النعل ان يودعه عند أمين و نحوه لئلا يشتغل قلبه في حال الصلاة به. و الظاهر بعده، قال الجوهري: التعهد التحفظ بالشيء و تجديد العهد به و هو أفصح من قولك تعاهدت لان التعاهد انما يكون بين اثنين. قال شيخنا في البحار بعد نقل ذلك عنه: أقول ورود الرواية عن أفصح الفصحاء يدل على خطأ الجوهري بل يطلق التفاعل في ما لم يكن بين اثنين للمبالغة إذ ما يكون بين اثنين يكون المبالغة و الاهتمام فيه أكثر. أقول: لا يخفى ان لفظ التعاهد قد ورد كثيرا في الاخبار و كلام البلغاء بمعنى التعهد كما ورد في تعاهد
____________
(1) الوسائل الباب 40 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 24 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 24 من أحكام المساجد.
(4) سورة التوبة، الآية 29.
273
الجيران و تعاهد القرآن و قولك فلان يتعاهدنا اي يراعينا و يحنو علينا، و بالجملة فإن استعمال التعاهد بمعنى التعهد كثير شائع فلا منافاة بين ما ذكره الجوهري و بين وروده في الاخبار و لا ضرورة إلى تخطئة الجوهري فإن استعمال المجاز شائع في القرآن و الاخبار أكثر من استعمال الحقائق، فالتعاهد و ان كان من حيث الأصل و الحقيقة لا يستعمل إلا بين اثنين كما هو قاعدة باب التفاعل إلا انه يستعمل بمعنى التعهد مجازا شائعا.
و منها- الدعاء عند دخول المسجد و عند الخروج منه
و استحباب الوقوف و الدعاء بعد الخروج
فروى ثقة الإسلام في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخلت المسجد فصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و إذا خرجت فافعل ذلك».
و روى الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: «إذا دخلت المسجد فقل بسم الله و السلام على رسول الله (ص) ان الله و ملائكته يصلون على محمد و آل محمد و السلام عليهم و رحمة الله و بركاته رب اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك. و إذا خرجت فقل مثل ذلك».
و عن عبد الله بن الحسن (3) قال: «إذا دخلت المسجد فقل اللهم اغفر لي و افتح لي أبواب رحمتك و إذا خرجت فقل اللهم اغفر لي و افتح لي أبواب فضلك».
و رواه الحسن بن الشيخ الطوسي في مجالسه بسنده عن عبد الله بن الحسن عن امه فاطمة عن جدته فاطمة (عليها السلام) (4) قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا دخل المسجد صلى على النبي و قال اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب رحمتك و إذا خرج من الباب صلى على النبي (صلى الله عليه و آله) و قال اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك».
أقول: و من هذا الخبر يعلم ان عبد الله بن الحسن في رواية التهذيب هو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) و امه فاطمة
____________
(1) الوسائل الباب 40 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 39 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 39 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 41 من أحكام المساجد.
274
بنت الحسين (عليه السلام) وجدته فاطمة الزهراء (عليها السلام).
و روى في الكافي عن ابي حفص العطار شيخ من أهل المدينة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى أحدكم المكتوبة و خرج من المسجد فليقف بباب المسجد ثم ليقل اللهم دعوتني فأجبت دعوتك و صليت مكتوبتك و انتشرت في أرضك كما أمرتني فأسألك من فضلك العمل بطاعتك و اجتناب سخطك و الكفاف من الرزق برحمتك».
و منها- التطهير لدخول المسجد
فروى الصدوق (2) قال: «روى ان في التوراة مكتوبا ان بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي. الحديث».
و قد تقدم نقلا عن هداية الصدوق، و رواه أيضا في ثواب الأعمال و في العلل (3) كما مر.
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن العلاء بن الفضيل عن من رواه عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا دخلت المسجد و أنت تريد ان تجلس فلا تدخله إلا طاهرا و إذا دخلته فاستقبل القبلة ثم ادع الله و اسأله و سم حين تدخله و احمد الله و صل على النبي (صلى الله عليه و آله).
و منها- كنسها و إخراج الكناسة
و لا سيما يوم الخميس و ليلة الجمعة
لما رواه الشيخ عن عبد الحميد عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كنس المسجد يوم الخميس و ليلة الجمعة فاخرج منه من التراب ما يذر في العين غفر الله له».
و رواه الصدوق في كتبه مسندا في بعض و مرسلا في آخر (6).
و روى في الأمالي بسنده عن سلام بن غانم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (7) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال من قم مسجدا كتب الله له عتق رقبة و من اخرج منه
____________
(1) الوسائل الباب 41 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 39 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 39 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 39 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(6) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(7) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
275
ما يقذي عينا كتب الله عز و جل له كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ».
و رواه البرقي في المحاسن مثله.
و منها- الإسراج فيها
لما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن انس (1) قال:
«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجا لم تزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج».
و رواه الصدوق في كتبه مرسلا في بعض و مسندا في آخر (2) و إطلاق الخبر أعم من ان يكون في المسجد من يصلى أم لا و به صرح بعض الأصحاب.
قالوا و لا يتوقف ذلك على اذن الناظر إذا كان ما يسرج به من مال المسرج نعم لو كان من مال المسجد توقف عليه. و لو لم يكن له ناظر معين و تعذر استئذان الحاكم جاز لآحاد ثقات المؤمنين تولى ذلك فعلا و إذنا كما في سائر الأمور الحسبية.
و منها- تحية المسجد
لما رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار و الخصال بسنده فيهما عن ابي ذر (رضي الله عنه) (3) قال: «دخلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو في المسجد جالس فقال يا أبا ذر ان للمسجد تحية. قلت و ما تحيته؟ قال ركعتان تركعهما. الحديث».
و روى الصدوق في الفقيه عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) في حديث المناهي قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا تجعلوا المساجد طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين».
و روى في الذكرى عن أبي قتادة عن النبي (صلى الله عليه و آله) (5) قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع» و ليدع الله تعالى عقيبهما و ليصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و ان لم يصل جلس مستقبل القبلة و حمد الله و صلى على النبي و دعا
____________
(1) الوسائل الباب 34 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 34 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 67 من أحكام المساجد.
(5) ارجع الى التعليقة 1 ص 276.
276
الله و سأل حاجته.
أقول: لا يبعد ان يكون هذا الخبر من طريق العامة (1) فإني لم أقف عليه في كتب أخبارنا و لا سيما البحار الجامع لجميع الاخبار.
و منها- التطيب و لبس الثياب الفاخرة عند قصد المسجد و الدعاء فيه
لما رواه في الكافي عن الحسين بن يزيد عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان علي بن الحسين (عليهما السلام) استقبله مولى له في ليلة باردة و عليه جبة خز و مطرف خز و عمامة خز و هو متغلف بالغالية فقال جعلت فداك في مثل هذه الساعة على هذه الهيئة إلى أين؟ فقال الى مسجد جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) اخطب الحور العين الى الله عز و جل».
و عن محمد بن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: «خرج علي بن الحسين (عليهما السلام) ليلة و عليه جبة خز و كساء خز قد غلف لحيته بالغالية فقالوا في هذه الساعة في هذه الهيئة إلى أين؟ فقال اني أريد أن أخطب الحور العين الى الله عز و جل في هذه الليلة».
و منها- تعدد الصلاة في بقاع المسجد
لما رواه الصدوق في كتاب المجالس (4) عن مرازم عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت الله في الأرض و من أتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه و كتب من زواره فأكثروا فيها من الصلاة و الدعاء و صلوا من المساجد في بقاع مختلفة فإن كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة».
(المقام الثاني)- في المحرمات
و هي- على ما ذكره الأصحاب- أمور:
____________
(1)
في صحيح مسلم ج 5 ص 226 عن أبي قتادة «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» ..
(2) الوسائل الباب 23 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 23 من أحكام المساجد.
(4) ص 216 و في الوسائل في الباب 10 من الوضوء و 42 من مكان المصلي.
277
(الأول) إدخال النجاسة إليها
، و قد تقدم البحث في ذلك في صدر البحث الثاني من المقصد الثاني من الباب الخامس من كتاب الطهارة، و قد أوضحنا ثمة انهم لا دليل لهم وراء الإجماع بالنسبة إلى النجاسة المتعدية إلا ان في اخبار تعاهد النعل عند دخول المسجد ما يشير الى ذلك و الاحتياط ظاهر. و ذكر جملة منهم تحريم إزالة النجاسة فيها و علله في المعتبر بان ذلك يعود إليها بالتنجيس. و مقتضاه اختصاص التحريم بما إذا استلزمت الإزالة تنجيس المسجد، و نقل عن المحقق الشيخ على عموم المنع و ان كانت الإزالة في ما لا ينفعل كالكثير لما فيه من الامتهان المنافي
لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «جنبوا مساجدكم النجاسة».
و هو ضعيف.
و (الثاني)- زخرفتها و نقشها بالصور
، و المراد بالزخرفة النقش بالزخرف و هو الذهب و بالصور ما هو أعم من ذوات الأرواح و غيرها، و بعضهم كالمحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى عبر بالنقش مطلقا، و الشهيد في البيان حرم زخرفتها و نقشها و تصويرها بما فيه روح و كره غيره كالشجرة، و في الدروس كره الجميع.
و استدل عليه في المعتبر و المنتهى بأنه بدعة لم يفعل في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) و لا أحد من الصحابة،
و بما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع (2) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في المساجد المصورة فقال اكره ذلك و لكن لا يضركم ذلك اليوم و لو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك».
و رده جملة من المتأخرين- الظاهر ان أولهم السيد السند في المدارك- بضعف سند الرواية المذكورة لاشتماله على عدة من المجاهيل و الضعفاء، قال و التعليل الأول لا يعطى أزيد من الكراهة.
____________
(1)
قال في الوسائل في الباب 24 من أحكام المساجد: روى جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال عن النبي «ص» انه قال «جنبوا مساجدكم النجاسة» ..
(2) الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
278
أقول: ما ذكره في الجواب عن الأول جيد. و اما الجواب عن الرواية فالأظهر ان يقال انما اشتملت على لفظ الكراهة و هو أعم من التحريم فلا تقوم حجة على التحريم و يعضد ذلك
ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد بإسناده عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المسجد يكتب في القبلة القرآن أو شيء من ذكر الله قال لا بأس. و سألته عن المسجد ينقش في قبلته بجص أو اصباغ قال لا بأس».
فإنه ظاهر في جواز النقش مطلقا. و ما ذكره في الخبر من جواز كتابة القرآن و الذكر في قبلة المسجد لا ينافي كراهة النظر اليه حال الصلاة كما تقدم. و بذلك يظهر لك ان ما ذكروه من التحريم هنا لا مستند له يعتمد عليه، نعم الظاهر هو الكراهة في الصور و اما النقش فلا.
و (الثالث)- بيع آلاتها
و قيده جملة منهم بعدم الحاجة الى بيعها لعمارته أو عمارة غيره من المساجد فلو بدت الحاجة الى ذلك لما ذكر لم يحرم بيعها و كذا لو اقتضت المصلحة بيعها كما لو خيف عليها التلف أو كانت رثة لا ينتفع بها في المسجد، قالوا و كما يجوز بيعها لعمارة مسجد آخر يجوز صرفها فيه بطريق اولى لاتحاد المالك و هو الله تعالى. أقول:
و المسألة و ان كانت عارية عن النصوص على الخصوص لكن كلامهم (رضوان الله عليهم) لا يخرج عن مقتضى الأصول المقررة و القواعد المعتبرة.
و (الرابع)- اتخاذها أو بعضها في ملك أو طريق
بان يتملك و يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم أو يتخذ طريقا دائما بحيث تنمحي صورة المسجدية على كلا الأمرين، و لا ريب في التحريم حينئذ لأن ذلك تغيير للوقف و تخريب لموضع العبادة و كلاهما محرم لقوله سبحانه «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا. الآية» (2) و حينئذ فيجب عليه إعادتها الى ما كانت عليه بل يجب ذلك على كل ذي قدرة و يد مبسوطة. و اما جعلها طريقا مع بقاء المسجدية فسيأتي
____________
(1) الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
(2) سورة البقرة، الآية 108.
279
ذكره ان شاء الله تعالى في المكروهات. و كذا لو زالت آثار المسجدية بالكلية فإنه لا يجوز تملكها لأن العرصة لا تخرج عن الوقف و ما كانت عليه من المسجدية بزوال العمارة و خراب البناء بل أحكام المسجدية ثابتة لها و ان كانت كذلك من غير شك و لا اشكال.
و (الخامس)- تمكين اليهود و النصارى من دخولها
فروى الراوندي بسنده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم و مجانينكم أو ليمسخن الله تعالى قردة و خنازير ركعا سجدا».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (2) انه قال: «لتمنعن مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم و مجانينكم أو ليمسخنكم الله تعالى قردة و خنازير ركعا سجدا».
و ظاهر الأصحاب ان منعهم على جهة الوجوب، قال في الذكرى لا يجوز لأحد من المشركين الدخول في المساجد على الإطلاق و لا عبرة بإذن المسلم له لان المانع نجاسته للآية (3) (فإن قلت) لا تلويث هنا (قلت) معرض له غالبا و جاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر
و قول النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «من دخل المسجد فهو آمن».
منسوخ بالآية و كذا ربط ثمامة في المسجد ان صح (5). انتهى. قال شيخنا في البحار و يحتمل ان يكون القوم الممسوخة من النصاب و المخالفين و قد مسخوا الآن معنى بتركهم الولاية فلم يبق فيهم شيء من الإنسانية و قد مسح الصادق (عليه السلام) يده على عين بعض شيعته فرآهم في الطواف بصور القردة و الخنازير (6). انتهى.
أقول: و حينئذ فما ورد في هذين الخبرين من اضافة المجانين و الصبيان محمول على
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 127 و 136.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 127 و 136.
(3) ص 270.
(4) الكامل لابن الأثير ج 2 ص 66 في فتح مكة.
(5) أسد الغابة ج 1 ص 246.
(6) البحار ج 11 ص 74 و الحديث بين الباقر «ع» و ابى بصير.
280
الكراهة كما سيأتي في المقام الثالث ان شاء الله تعالى و يكون النهي هنا مستعملا في التحريم و الكراهة، و استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه كثير في الاخبار و قد تقدم أمثاله في غير موضع.
و (السادس)- إخراج الحصى
و قيدها بعضهم بما إذا كانت تعد من اجزاء المسجد أو من آلاته اما لو كانت قمامة كان إخراجها مستحبا. و استدل القائلون بالتحريم على ذلك
بما رواه وهب بن وهب عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «إذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد آخر فإنها تسبح».
و ردها جملة من متأخري المتأخرين: أولهم- صاحب المدارك بضعف وهب بن وهب المذكور و انه لا تعويل على روايته (2) و ظاهرهم نفى الحكم بالكلية و ان كان على جهة الكراهة، و اختار المحقق في المعتبر و جماعة كراهة ذلك. و الأكثر حكموا بوجوب الإعادة الى ذلك المسجد، و قال الشيخ لو ردها الى غيره من المساجد أجزأ كما دل عليه الخبر. و لعل قوله (عليه السلام) في الخبر «فإنها تسبح» إشارة إلى قوله عز و جل «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (3) و كأن المراد بهذا الكلام التنبيه على انكم لا تقولوا انها جماد لا يضر إخراجها بل هي من المسبحين الذاكرين الله عز و جل فلا ينبغي إخراجها و أخلاء المسجد من تسبيحها «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» (4).
(المقام الثالث)- في المكروهات
و هي أمور
منها- ان يجعل لها شرفا
بضم الشين و فتح الراء جمع شرفة بسكون الراء كغرف و غرفة
لما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (5) «انه رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال كأنه بيعة و قال ان المساجد تبنى جما لا تشرف».
و رواه الصدوق في
____________
(1) الوسائل الباب 26 من أحكام المساجد.
(2) ارجع الى التعليقة 1 ص 81 ج 2.
(3) سورة بني إسرائيل، الآية 46.
(4) سورة البقرة، الآية 108.
(5) الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
281
العلل بسنده عن طلحة بن زيد مثله (1).
و روى الشيخ المفيد في الإرشاد عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمها و جعلها جما».
و الشرف ما يجعل في أعلى الجدران فتخرج عن الاستواء، قال في النهاية: الجماء التي لا قرن لها و منه حديث ابن عباس «أمرنا أن نبني المدائن شرفا و المساجد جما» الشرف التي طولت أبنيتها بالشرف واحدتها شرفة، و الجم التي لا شرف لها، و جم جمع أجم، شبه الشرف بالقرون.
و منها- اتخاذ المحاريب في المسجد
و قيدها جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بالداخلة في الحائط، قال في المدارك بعد ذكر ما ذكرناه: هذا الحكم ذكره الشيخ و جمع من الأصحاب و استدل عليه في المعتبر
بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (3) «انه كان يكسر المحاريب إذا رآها في المساجد و يقول كأنها مذابح اليهود».
و هذه الرواية غير صريحة في كراهة المحاريب الداخلة في الحائط بل الظاهر منها كراهة المحاريب الداخلة في المسجد لأنها التي تقبل الكسر، و ذكر الشارح ان المراد بالمحاريب الداخلة في الحائط الداخلة كثيرا و لم أقف على نص يتضمن كراهة المحاريب الداخلة بهذا المعنى مطلقا. انتهى كلامه زيد مقامه. و هو جيد.
أقول: قد تقدم خبر ابي هاشم الجعفري عن ابي محمد (عليه السلام) (4) الدال على ان القائم (عليه السلام) إذا قام أمر بهدم المنابر و المقاصير التي في المساجد فيمكن حمل خبر طلحة المذكور على هذا و يختص الحكم حينئذ بالمقاصير و هي التي تبنى في المسجد دون المحاريب الداخلة في الحائط و يعضده أنه الأنسب بالكسر.
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 128 و 132 و في الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 128 و 132 و في الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 31 من أحكام المساجد.
(4) ص 271.
282
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و كذا يكره المحاريب الداخلة في الحائط كثيرا أو في المسجد، اما الأول فذكره جماعة من الأصحاب (رضوان الله عليهم). منهم- المصنف، و اما الثاني فهو الظاهر من الرواية الدالة على الكراهة، ثم ذكر مضمون رواية طلحة. و فيه انه متى كان ظاهر الرواية انما هو المعنى الثاني فاللازم خلو الأول من المستند إذ ليس إلا هذه الرواية فكيف قال بالكراهة على كلا المعنيين؟ إلا بان يكون مجرد المتابعة لما ورد نقله عن الجماعة المذكورين كما هو ظاهر كلامه، و فيه ما لا يخفى.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: حكم الأصحاب بكراهة المحاريب الداخلة و هي قسمان (الأول) الداخلة في المسجد بان يبنى جداران في قبلة المسجد و يسقف ليدخله الامام و كان خلفاء الجور يفعلون ذلك خوفا من أعاديهم. و (الثاني) الداخلة في البناء بان يبنى في أصل حائط المسجد موضع يدخله الامام، و الكسر الوارد في الخبر بالأول أنسب و ان احتمل الثاني أيضا بهدم الجدار و الأكثر اقتصروا على الثاني مع ان الأول أولى بالمنع، و الشهيد الثاني (قدس سره) عمم الحكم بالنسبة إليهما و قيد الدخول في الحائط بكونه كثيرا، و بعض المتأخرين قصروا الحكم بالكراهة على الأول و لعله أوجه و ان كان الأحوط تركهما. انتهى.
أقول: المفهوم من تتبع السير و الاخبار و كلام جملة العلماء و لا سيما علمائنا الأبرار هو استحباب المحاريب في المساجد و استحباب صلاة الإمام فيه لا كراهته، و مما يشير الى ذلك ما ذكروه في بحث القبلة من التعويل على محاريب المساجد و ان محراب المعصوم (عليه السلام) موجب للعلم بالقبلة دون الظن، و قد تقدم في بحث القبلة بالنسبة إلى محراب مسجد النبي (صلى الله عليه و آله)
كلام شيخنا الشهيد انه روى «انه لما أراد نصبه زويت له الأرض فجعله بإزاء الميزاب» (1).
و يعضد ذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (2) قال:
____________
(1) ج 6 ص 295.
(2) الوسائل الباب 61 من صلاة الجماعة.
283
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني أصلي في الطاق يعني المحراب؟ فقال لا بأس إذا كنت تتوسع به».
و ما رواه جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم-
صاحب بصائر الدرجات و صاحب الخرائج و الجرائح بسنديهما عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث رؤية ابي بكر لرسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد موته في مسجد قبا في المحراب لما احتج عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بنص الرسول (صلى الله عليه و آله) عليه فأنكر أبو بكر فقال له أ ترضى برسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال و من لي به؟
قال فأخذ بيده فمضى به حتى ادخله مسجد قبا فإذا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قاعد في المحراب. الحديث (1).
و قد تقدم في اخبار استحباب السترة
قول الرجل له (عليه السلام) (2) «يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خطر بينك و بين المحراب».
و هذا كله انما يترتب على استحباب المحاريب في المساجد لا على كراهتها المؤذنة بمرجوحية فعلها و جعلها في المساجد.
و قد ورد في حديث وفاة النبي (صلى الله عليه و آله) المنقول في كتاب إرشاد الديلمي في خروج النبي في مرضه للصلاة لما علم ان أبا بكر يصلي بالناس (3) ما هذا لفظه: «فأخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الفضل بن العباس فاعتمدهما و رجلاه يخطان على الأرض من الضعف فلما خرج الى المسجد وجد أبا بكر قد سبق الى المحراب فاومأ اليه بيده فتأخر أبو بكر و قام رسول الله (صلى الله عليه و آله). الحديث».
و هو صريح في استحباب المحراب كما ذكرنا.
و قال الله عز و جل «فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرٰابِ» (4) و قال سبحانه
____________
(1) الخرائج و الجرائح ص 132 طبعة 1301.
(2) ص 241.
(3) ج 2 ص 174.
(4) سورة مريم، الآية 12.
284
«كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا الْمِحْرٰابَ. الآية» (1).
و الاخبار الدالة على اشتمال المساجد على المحاريب أكثر من ان تحصر و أشهر من ان تذكر، و حينئذ فالواجب في هذا المقام تحقيق المعنى المراد بالمحراب و انه عبارة عما ذا فأقول قال في القاموس: المحراب الغرفة. و صدر البيت، و أكرم مواضعه، و مقام الامام من المسجد، و الموضع ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس، و محاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها. و قال في كتاب مجمع البحرين بعد ذكر المعاني المتقدمة:
و عن الأصمعي سمعي القصر محرابا لان المحراب مقدم المجالس و أشرفها و كذا من المسجد و عن ابن الأنباري سمى محرابا لانفراد الامام فيه و بعده من القوم، يقال دخل الأسد محرابه اي غيلة و الامام إذا دخل فيه يأمن من ان يلحق فهو حائز مكانا كأنه مأوى الأسد، و يقال محراب المصلى مأخوذ من المحاربة لأن المصلي يحارب الشيطان و يحارب نفسه بإحضار قلبه. انتهى.
أقول: قد ظهر مما ذكرنا ان أحد معاني المحراب لغة هو المكان الذي ينفرد فيه الامام عن المأمومين و يدخله فهو حينئذ دائر بين أحد المعنيين المتقدمين إلا انه لما دلت أخبارنا على ان هذه المقاصير إنما أحدثت من خلفاء الجور- كما أشار إليه
في خبر ابي هاشم الجعفري بقوله (عليه السلام) (2) «انها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي و لا حجة».
و صحيح زرارة الوارد في صلاة المأموم خلف المقاصير (3) قال (عليه السلام): «هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس و انما أحدثها الجبارون و ليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة».
- تعين حمل المحراب المستحب على المعنى الآخر و هو الداخل في الحائط.
بقي الكلام في قوله (عليه السلام) في خبر طلحة: «كأنها مذابح اليهود» قال
____________
(1) سورة آل عمران، الآية 32.
(2) ص 271.
(3) الوسائل الباب 59 من صلاة الجماعة.
285
في كتاب مجمع البحرين: و المذبح بالفتح الحلقوم و مذبح الكنيسة كمحراب المسجد و الجمع المذابح سميت بذلك للقرابين. و في النهاية المذبح واحد المذابح و هي المقاصير و قيل المحاريب. و قال في القاموس المذابح المحاريب و المقاصير و بيوت كتب النصارى، الواحد كمسكين. انتهى. و الواجب بمعونة ما ذكرناه من ثبوت استحباب المحاريب بالمعنى المتقدم حمل هذه المحاريب التي رآها (عليه السلام) في حديث طلحة على المقاصير. و الله العالم.
و منها- ان يتخذ طريقا
، و انما يكره الاستطراق إذا لم يستلزم تغيير صورة المسجد و خروجه عن المسجدية و إلا حرم كما تقدم، و يدل على أصل الحكم حديث المناهي المتقدم في استحباب صلاة التحية.
و منها- البيع و الشراء و تمكين المجانين و الصبيان و رفع الصوت
، و قيد بعضهم الصبيان بالذين لا يوثق بهم في التحفظ من النجاسات، و كأنهم فهموا ان العلة في النهي عنهم من حيث كونهم مظنة النجاسات، و يجوز ان يكون الوجه في المنع منهم ايضا هو اللعب في المسجد المنافي لتوقيره و احتشامه.
و الذي يدل على أصل الحكم
ما رواه الشيخ في الموثق عن علي بن أسباط عن بعض رجاله (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) جنبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين و الصبيان و الأحكام و الضالة و الحدود و رفع الصوت».
و عن عبد الحميد عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) جنبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و شراءكم و بيعكم. الحديث».
و قد تقدم في المقام الأول في استحباب جعل الميضاة على أبواب المساجد خبر الراوندي الدال على ذلك ايضا، و فيه ما في الحديث الأول و زيادة السلاح و رفع الأصوات إلا بذكر الله.
قال شيخنا (قدس سره) في البحار في شرح هذا الخبر الأخير: لا خلاف
____________
(1) الوسائل الباب 27 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 27 من أحكام المساجد.
286
في كراهة تمكين المجانين و الصبيان لدخول المساجد، و ربما يقيد الصبي بمن لا يوثق به اما من علم منه ما يقتضي الوثوق به لمحافظته على التنزه من النجاسات و أداء الصلوات فإنه لا يكره تمكينه بل يستحب تمرينه و لا بأس به. و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) كراهة رفع الصوت في المسجد مطلقا و ان كان في القرآن للاخبار المطلقة و استثنى في هذا الخبر ذكر الله و كذا فعله ابن الجنيد، و لعله المراد في سائر الأخبار لحسن رفع الصوت بالأذان و التكبير و الخطب و المواعظ فيها و ان كان الأحوط عدم رفع الصوت في ما لم يتوقف الانتفاع به عليه و معه يقتصر على ما تتأدى به الضرورة. و المشهور كراهة البيع و الشراء فان زاحم المصلين أو تضمن تغيير هيئة المسجد فلا يبعد التحريم و به قطع جماعة. و اما السلاح فالمراد به تشهيره أو عمله و الأحوط تركهما،
و روى الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن سل السيف في المسجد و عن بري النبل في المسجد و قال انما بنى لغير ذلك».
و قال ابن الجنيد و لا يشهر فيه السلاح. و استحباب التجمير لم أره في غير هذا الخبر و الدعائم و لا بأس بالعمل به. انتهى.
و منها- القضاء بين الناس و إنفاذ الأحكام و اقامة الحدود
، و استدل عليه برواية علي بن أسباط المتقدمة. و الحكم بالكراهة هو المشهور و حكم الشيخ في الخلاف و ابن إدريس بعدم الكراهة و استقر به في المختلف محتجا بان الحكم طاعة فجاز إيقاعها في المساجد الموضوعة للطاعات، و بان أمير المؤمنين (عليه السلام) حكم في مسجد الكوفة و قضى فيه بين الناس و دكة القضاء معروفة فيه الى يومنا هذا (2) و أجاب عن الرواية بالطعن في السند و احتمال ان يكون متعلق النهي إنفاذ الأحكام كالحبس على الحقوق و الملازمة عليها في المساجد. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو حسن. و خص الراوندي الحكم المنهي عنه بما كان فيه جدل و خصومة. و ربما قيل بتخصيص ذلك بدوام الحكم
____________
(1) الوسائل الباب 17 من أحكام المساجد.
(2) الخلاف ج 2 ص 230.
287
فيها و اما إذا اتفق في بعض الأحيان فلا، أو تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لأجل ذلك بخلاف ما لو كان الجلوس للعبادة فاتفق صدور الدعوى. و الظاهر من خبر دكة القضاء يدفع هذين الوجهين الأخيرين إذ الظاهر من دكة القضاء و المشهور في جملة من الاخبار الدالة على تحاكم الناس اليه (عليه السلام) في المسجد (1) وقوع ذلك غالبا بل لم يذكر موضع آخر في جلوسه للحكومة بين الناس. و احتمل بعض مشايخنا تخصيص المنع بأوقات الصلاة فإنها توجب شغل خواطر المصلين أو بغير المعصوم (عليه السلام) فإنه يحتمل منهم الخطأ. و لا بأس به. و اما كراهة إقامة الحدود كما تضمنه الخبر المشار اليه فلعله لاحتمال تلويث المسجد بخروج الحدث كما ذكره في المنتهى.
و منها- تعريف الضالة و طلبها في المسجد
كما ذكره الأصحاب و خبر علي بن أسباط المتقدم محتمل لهما بل يشملهما.
و يدل على خصوص الثاني
ما رواه في الفقيه مرسلا (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال قولوا له لا رد الله عليك، فإنها لغير هذا بنيت».
و روى في العلل في الصحيح عن الأشعري رفعه (3) «ان رجلا جاء الى المسجد ينشد ضالة فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) قولوا له لا رد الله عليك فإنها لغير هذا بنيت».
قال (4): و رفع الصوت في المساجد مكروه و ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) مر برجل يبرى مشاقص له في المسجد فنهاه و قال انها لغير هذا بنيت.
و روى في الفقيه في حديث المناهي المذكور في آخر الكتاب عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (5) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان ينشد الشعر أو تنشد الضالة في المسجد».
____________
(1) خلاف الشيخ ج 2 ص 230 و قد عقد الشيخ المفيد في إرشاده فصلا لقضاياه.
(2) الوسائل الباب 28 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 28 من أحكام المساجد.
(4) العلل ص 114.
(5) الوسائل الباب 28 من أحكام المساجد.
288
و لا ينافي ذلك
ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الشعر أ يصلح ان ينشد في المسجد؟ فقال لا بأس.
و سألته عن الضالة أ يصلح ان تنشد في المسجد؟ قال لا بأس».
و رواه علي بن جعفر في كتابه و الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عنه (2) فإنه دال على الجواز و ان كان على كراهة.
و روى في كتاب دعائم الإسلام (3) عن علي (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تقام الحدود في المساجد و ان يرفع فيها الأصوات و ان تنشد فيها الضالة أو يسل فيها السيف و يرمى فيها بالنبل أو يباع فيها أو يشترى أو يعلق في القبلة منها سلاح أو يبرئ نبل».
و لم أقف في الاخبار على خبر صريح في تعريف الضالة كراهة أو جوازا بغير كراهة إلا على إطلاق خبر علي بن أسباط المتقدم و لعله كاف في ذلك.
و منها- إنشاد الشعر
لما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن جعفر بن إبراهيم- و كأنه الجعفري- عن علي بن الحسين (عليهما السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له فض الله فاك انما نصبت المساجد للقرآن».
و قد تقدم في حديث المناهي عنه (صلى الله عليه و آله) «انه نهى ان ينشد الشعر» و قد تقدم في رواية علي بن جعفر نفى البأس عن ذلك و هو غير مناف للكراهة.
إلا انه قد صرح جمع من الأصحاب باستثناء بعض الاشعار، قال في الذكرى بعد إيراد خبر علي بن جعفر: و ليس ببعيد حمل إباحة إنشاد الشعر على ما يقل منه و تكثر
____________
(1) الوسائل الباب 14 و 28 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 14 و 28 من أحكام المساجد.
(3) ج 1 ص 180 طبعة مصر 1370.
(4) الوسائل الباب 14 من أحكام المساجد.
289
منفعته كبيت حكمة أو شاهد على لغة في كتاب الله أو سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) و شبهه لأن من المعلوم ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان ينشد بين يديه البيت و الأبيات من الشعر في المسجد و لم ينكر ذلك. و الحق به المحقق الشيخ علي (قدس سره) مدح النبي و مرائي الحسين (صلوات الله عليهم) قال في المدارك: و لا بأس بذلك كله
لصحيحة علي بن يقطين (1) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن إنشاد الشعر في الطواف فقال ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به».
و قال في البحار بعد نقل ما ذكره الشهيد و الشيخ علي: أقول ما ذكراه لا يخلو من قوة و يؤيده استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاشعار في الخطب و كانت غالبا في المسجد و ما نقل من إنشاد المداحين كحسان و غيره أشعارهم عندهم (عليهم السلام) و لان مدحهم (عليهم السلام) عبادة عظيمة و المسجد محلها فيخص المنع بالشعر الباطل لما روى في الصحيح، ثم نقل صحيحة علي بن يقطين المذكورة.
أقول و يؤيد ما ذكروه
ما رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة (2) قال: حدثني ابي قال حدثنا سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:
«بينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ أقبل إليه وفد فسلموا عليه فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من القوم؟ قالوا وفد بكر ابن وائل فقال و هل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الأيادي؟ قالوا بلى يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فما فعل؟ قالوا مات، ثم ساق الحديث الى ان قال: ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) رحم الله قسا يحشر يوم القيامة أمة واحدة، قال هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئا؟ فقال بعضهم سمعته يقول:
في الأولين الذاهبين * * * من القرون لنا بصائر
____________
(1) الوسائل الباب 54 من الطواف.
(2) ص 99.
290
لما رأيت مواردا * * * للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها * * * تمضي الأصاغر و الأكابر
لا يرجع الماضي الي * * * و لا من الباقين غابر
أيقنت اني لا محالة * * * حيث صار القوم صائر
. الحديث.
انظر الى صراحة هذا الخبر مع صحة سنده في جواز الإنشاد في المسجد الحرام الذي هو أشرف البقاع بين يديه (صلى الله عليه و آله) و طلبه لذلك، و بذلك يظهر لك قوة ما ذكره أولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم).
و منها- البصاق و التنخم
لما رواه الشيخ عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (1): «ان عليا (عليه السلام) قال البزاق في المسجد خطيئة و كفارته دفنه».
و عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته».
و عن إسماعيل بن مسلم الشعيري عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «من وقر بنخامته المسجد لقي الله يوم القيامة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه».
و روى السيد الرضي في كتاب المجازات النبوية (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت و اجتمعت».
قال في النهاية: لينزوي اي ينضم و ينقبض، و قيل أراد أهل المسجد و هم الملائكة. انتهى.
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (5) قال: «من وقر
____________
(1) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 20 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 20 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 20 من أحكام المساجد.
(5) مستدرك الوسائل الباب 15 من أحكام المساجد.
291
المسجد من نخامته لقي الله يوم القيامة ضاحكا قد اعطى كتابه بيمينه، و ان المسجد ليلتوي عند النخامة كتلوي أحدكم بالخيزران إذا وقع به».
و روى في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن طلحة بن زيد عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من رد ريقه تعظيما لحق المسجد جعل الله ريقه صحة في بدنه و عوفي من بلوى في جسده».
و روى في كتاب المحاسن عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «من رد ريقه تعظيما لحق المسجد جعل الله ذلك قوة في بدنه و كتب له بها حسنة و حط عنه بها سيئة، و قال لا تمر بداء في جوفه إلا أبرأته».
و روى في ثواب الأعمال عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من تنخع في مسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء إلا أبرأته».
و بإزاء هذه الاخبار جملة من الاخبار الدالة على الجواز مثل
ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له الرجل يكون في المسجد في الصلاة فيريد ان يبصق؟ فقال عن يساره و ان كان في غير صلاة فلا يبزق حذاء القبلة و يبزق عن يمينه و شماله».
و عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (5) قال:
«لا يبزقن أحدكم في الصلاة قبل وجهه و لا عن يمينه و ليبزق عن يساره و تحت قدمه اليسرى».
و روى في الفقيه (6) مرسلا قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن البزاق في القبلة،.
قال و رأى (صلى الله عليه و آله) نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين ابن
____________
(1) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 20 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(6) ج 1 ص 179 و في الوسائل الباب 44 من مكان المصلى و 26 من قواطع الصلاة.
292
طاب فحكها ثم رجع القهقرى فنى على صلاته».
قال «و قال الصادق (عليه السلام) و هذا يفتح من الصلاة أبوابا كثيرة».
و روى الشيخ عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان أبو جعفر (عليه السلام) يصلى في المسجد فيبصق امامه و عن يمينه و عن شماله و خلفه على الحصى و لا يغطيه».
و عن محمد بن علي بن مهزيار (2) قال: «رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) تفل في المسجد الحرام في ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود و لم يدفنه».
و مورد هذه الاخبار الأخيرة البصاق خاصة، و ربما صار بعض الأصحاب الى عدم كراهته لهذه الاخبار و ضعف ما دل على الكراهة ترجيحا لهذه الاخبار و خص الكراهة بالتنخم لسلامة أخبار النهي عن المعارض.
قال في الذخيرة بعد نقل جملة من هذه الاخبار: و لا يخفى ان ما دل على كراهة التنخم سالمة عن المعارض و اما البصاق فيعارضه الروايات المذكورة مع كونها أكثر و أقوى منه فالحكم بكراهته محل تأمل.
أقول: لا يخفى انه لا منافاة بين ما دل على الجواز و بين ما دل على الكراهة لأن المرجع إلى انه جائز على كراهة، و مجرد كثرة الأخبار الدالة على الجواز زيادة على ما قابلها لا يستلزم المنع من تقييدها بما دل على الكراهة و ان قل كما هو القاعدة الجارية في غير مقام، إذ متى صحت الاخبار في الباب فالعمل بها كملا بحسب الإمكان أولى من طرح بعضها، نعم يفهم من ذلك ان البصاق أخف كراهة من التنخم، على ان ما دل من هذه الاخبار على فعل الأئمة (عليهم السلام) يمكن استثناؤه و عدم تطرق الكراهة اليه و اختصاص هذا الحكم بهم (صلوات الله عليهم) لتشرف المسجد ببصاقهم فلا كراهة في حقهم أو على بيان الجواز.
و منها- قتل القمل
ذكره الأصحاب، قال في الذكرى بعد ان عد في المكروهات
____________
(1) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 19 من أحكام المساجد.
293
ترك قصع القمل: قاله الجماعة. و هو مؤذن بعدم الوقوف فيه على نص. و قال في المدارك و اما كراهة قتل القمل و استحباب ستره بالتراب فلم أقف فيه على نص و أسنده في الذكرى الى الجماعة و لا بأس به لان فيه استقذارا تكرهه النفس فينبغي تركه و تغطيته بالتراب مع فعله.
أقول:
روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا وجد قملة في المسجد دفنها في الحصى».
و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا وجدت قملة و أنت تصلي فادفنها في الحصى».
و يمكن الاستدلال بهما للأصحاب على كراهة قتل القملة حيث انه (عليه السلام) بعد رؤيته لها لم يقتلها و لم بأمر بقتلها بل دفنها في الحصى و أمر بدفنها ففيه اشعار بما ذكروه، فالأولى ان يجعل الحكم هكذا: و يكره قتل القمل بل ينبغي ان يدفن بالتراب حسبما دل عليه الخبر، و الأصحاب جعلوا الدفن بالتراب بعد القتل.
و منها- النوم
على المشهور في كلام المتقدمين، و استدل عليه في المعتبر
بما رواه الشيخ عن أبي أسامة زيد الشحام (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله عز و جل لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ (4)؟ قال سكر النوم».
و اعترضها جملة من المتأخرين: منهم- السيد السند في المدارك بأنها ضعيفة السند قاصرة الدلالة قال: و الأجود قصر الكراهة على النوم في المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) للأصل
و ما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في النوم في المساجد؟ فقال لا بأس
____________
(1) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة.
(2) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة.
(3) الوسائل الباب 1 و 35 من قواطع الصلاة.
(4) سورة النساء، الآية 46.
(5) الوسائل الباب 18 من أحكام المساجد.
294
إلا في المسجدين مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و المسجد الحرام. قال و كان يأخذ بيدي في بعض الليل فيتنحى ناحية ثم يجلس فيتحدث في المسجد الحرام فربما نام فقلت له في ذلك فقال انما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأما الذي في هذا الموضع فليس به بأس».
انتهى.
و ظاهره- كما ترى- عدم وجود دليل للقول المشهور بل الدليل على خلافه واضح الظهور لقوله (عليه السلام) في هذا الخبر لما سأله عن النوم في المساجد «لا بأس» و من ثم قال في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور «قاله الجماعة» ثم ذكر حسنة زرارة المذكورة إيذانا بالطعن في القول المذكور.
أقول لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة في هذا المقام انها لا تخلو من الاشكال الظاهر لذوي الأفهام لا بالنسبة إلى أصل الحكم المذكور فانا لم نقف فيه على دليل حسبما ذكره المتأخرون بل في موضعين مما تضمنته الحسنة المذكورة:
(أحدهما)- ما تضمنته من كراهية النوم في المسجدين فان فيه انه
قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن معاوية بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النوم في المسجد الحرام و المسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)؟ قال نعم فأين ينام الناس».
و نقل شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن كتاب محمد بن المثنى انه روى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النوم في المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) فقال نعم».
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن إسماعيل بن عبد الخالق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 18 من أحكام المساجد.
(2) ج 18 الصلاة ص 134.
(3) الوسائل الباب 18 من أحكام المساجد.
295
عن النوم في المسجد الحرام فقال هل للناس بد ان يناموا في المسجد الحرام؟ لا بأس به.
قلت الريح تخرج من الإنسان؟ قال لا بأس».
و عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله). الحديث».
و عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن النوم في المسجد الحرام قال لا بأس و سألته عن النوم في المسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) قال لا يصلح».
و هذه الاخبار كلها- كما ترى- دالة على الجواز و ظاهرها عدم الكراهة إلا انها ربما أشعرت بكون ذلك ضرورة و لا سيما حديث المساكين في المسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) و لعل ذلك قبل بناء الصفة لهم.
و (ثانيهما)- ما تضمنته من قوله (عليه السلام)
«انما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأما الذي في هذا الموضع فليس به بأس»
فإنه يؤذن بجواز النوم في هذه الزوائد التي زادتها الأموية في المسجد الحرام على ما كان في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) مع ان جملة من الاخبار قد دلت على ان هذه الزيادة لم تبلغ بعد مسجد إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام):
و منها-
رواية جميل بن دراج (3) قال: «قال له الطيار و انا حاضر هذا الذي زيد هو من المسجد؟ قال نعم انهم لم يبلغوا بعد مسجد إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام)».
و روى في الكافي عن الحسن بن النعمان (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام فقال ان إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) حدا
____________
(1) الوسائل الباب 18 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 18 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 55 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 55 من أحكام المساجد.
296
المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة».
قال: و في رواية أخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «خط إبراهيم (عليه السلام) بمكة ما بين الحزورة إلى المسعى فذلك الذي خط إبراهيم يعني المسجد».
و روى في التهذيب عن الحسين بن نعيم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام عن الصلاة فيه؟ فقال ان إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) حدا المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة فكال الناس يحجون من المسجد الى الصفا».
و هذه الاخبار- كما ترى- ظاهرة في كون هذه الزيادة التي وقع النوم فيها من المسجد القديم فتخصيصه (عليه السلام) حكم المسجدية بما كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) دون المسجد القديم مشكل إلا ان يقال بزوال حكم المسجدية عن ذلك المسجد القديم و تخصيص ذلك بما كان في زمانه (صلى الله عليه و آله) و هو أشكل لدلالة الأخبار المذكورة و لا سيما رواية جميل على بقاء المسجدية في الموضع الذي خطه إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام). و بالجملة فإني لا يحضرني الآن الجواب عن هذا الاشكال و لم أعثر على من تعرض اليه من أصحابنا في هذا المجال.
و منها- دخول من في فمه رائحة مؤذية من ثوم أو بصل أو نحوهما
و تتأكد الكراهة في الثوم حتى روى إعادة الصلاة بأكله (3).
و الذي يدل على أصل الحكم جملة من الاخبار: منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (4) قال: «من أكل شيئا من المؤذيات ريحها فلا يقربن المسجد».
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن أكل الثوم فقال انما نهى رسول الله
____________
(1) الوسائل الباب 55 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 55 من أحكام المساجد.
(3) يأتي في الحديث الأخير.
(4) الوسائل الباب 22 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 22 من أحكام المساجد.
297
(صلى الله عليه و آله) عنه لريحه فقال من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقرب مسجدنا فاما من اكله و لم يأت المسجد فلا بأس».
و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن أكل الثوم و البصل و الكراث فقال لا بأس بأكله نيا و في القدور، و لا بأس بأن يتداوى بالثوم و لكن إذا أكل ذلك أحدكم فلا يخرج الى المسجد».
و عن الحسن الزيات (2) قال: «لما ان قضيت نسكي مررت بالمدينة فسألت عن ابي جعفر (عليه السلام) فقالوا هو بينبع فأتيت ينبع فقال لي يا حسن مشيت الى ههنا؟
فقلت نعم جعلت فداك كرهت ان اخرج و لا أراك فقال اني أكلت من هذه البقلة يعني الثوم فأردت أن أتنحى عن مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و روى احمد بن محمد بن خالد البرقي في المحاسن عن الوشاء عن ابن سنان (3) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكراث فقال لا بأس بأكله مطبوخا و غير مطبوخ و لكن ان أكل منه شيئا له أذى فلا يخرج الى المسجد كراهية أذاه من يجالس».
و رواه الصدوق في العلل (4) إلا انه قال: «عن أكل البصل و الكراث».
و روى في كتاب العلل عن داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أكل هذه البقلة فلا يقرب مسجدنا، و لم يقل انه حرام».
و روى الشيخ في الاستبصار بسند صحيح عن زرارة (6) قال: «حدثني من أصدق من أصحابنا قال سألت أحدهما (عليهما السلام) عن الثوم فقال أعد كل صلاة صليتها ما دمت تأكله».
ثم قال فالوجه في هذا الخبر ان نحمله على ضرب من التغليظ في
____________
(1) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 22 من أحكام المساجد و 128 من الأطعمة المحرمة.
(3) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.
(6) الوسائل الباب 128 من الأطعمة المحرمة.
298
كراهته دون الحظر الذي يكون من أكل ذلك يقتضي استحقاقه الذم و العقاب بدلالة الأخبار الأولة و الإجماع الواقع على ان أكل هذه الأشياء لا يوجب إعادة الصلاة. انتهى.
و منها- عمل الصنائع
لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن سل السيف في المسجد و عن بري النبل في المسجد، قال انما بنى لغير ذلك».
قالوا و يستفاد من هذا التعليل كراهة عمل جميع الصناعات.
أقول: لم أقف لهذا الحكم على دليل ظاهر و لهذا نسبه في الذكرى الى الأصحاب مؤذنا بعدم الدليل عليه فقال في عد المكروهات: و ترك عمل الصنائع مطلقا قاله الأصحاب و عليه نبه حديث بري النبل. انتهى. و أنت خبير بأنه قد مر هذا التعليل في غير خبر مما تقدم و لا ريب في إشعاره بذلك و لعله كاف في إثبات الحكم المذكور.
و منها- سل السيف و تعليق السلاح
ذكرهما جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- الشهيد في البيان، و في الذكرى خص الكراهة بتعليق السلاح في المسجد الأكبر».
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على النهي عن سل السيف في المسجد.
و صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته أ يعلق الرجل السلاح في المسجد؟ فقال نعم و اما في المسجد الأكبر فلا فإن جدي (صلى الله عليه و آله) نهى رجلا بري مشقصا في المسجد».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن السيف هل يصلح ان يعلق في المسجد؟ قال اما في القبلة فلا و اما في
____________
(1) الوسائل الباب 17 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 13 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 13 من أحكام المساجد.
299
جانب فلا بأس».
و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (1).
و في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه (2) «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يسل السيف في المسجد».
و رواه في الأمالي مثله (3).
أقول: المستفاد من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض هو كراهة سل السيف في المسجد و تعليق السيف في القبلة خاصة و اما في سائر جوانبه فلا بأس. و اما تعليق السلاح الذي هو أعم من السيف و القوس و العصا و نحوها مما يتخذ سلاحا فجائز في المساجد إلا في المسجد الأكبر وفاقا للذكرى و خلافا للبيان، و ظاهر التعليل في صحيحة الحلبي ان النهي عن بري المشقص انما كان لكونه سلاحا لا لكونه صنعة كما تقدم في خبر محمد بن مسلم، و كل من الخبرين المذكورين محمول على ظاهره. و هل المراد بالمسجد الأكبر المسجد الحرام أو جامع البلد؟ كل محتمل.
و منها- كشف العورة مع عدم المطلع و إلا حرم و الرمي بالحصى و رطانة الأعاجم.
اما الأول
فلما رواه في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال كشف السرة و الفخذ و الركبة في المسجد من العورة».
و هذا الخبر يدل على كراهة كشف هذه الأشياء المذكورة في المسجد و هي ليست من العورة على الأشهر الأظهر كما تقدم تحقيقه و لكنه جعلها في حكم العورة تأكيدا للكراهة، و حينئذ فالظاهر ان المراد بالعورة انما هو ما يستحب ستره لا ما يجب.
و اما الثاني
فلما رواه الشيخ عن السكوني عنه عن آبائه (عليهم السلام) (5) «ان
____________
(1) الوسائل الباب 13 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 17 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 17 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 37 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 36 من أحكام المساجد.
300
النبي (صلى الله عليه و آله) أبصر رجلا يخذف بحصاة في المسجد فقال ما زالت تلعن حتى وقعت، ثم قال الخذف في النادي من أخلاق قوم لوط ثم تلا «وَ تَأْتُونَ فِي نٰادِيكُمُ الْمُنْكَرَ» (1) قال هو الخذف».
و يستفاد من هذا الخبر كراهة الخذف في غير المسجد ايضا، و يدل عليه
ما رواه الشيخ عن زياد بن المنذر عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) في جملة حديث قال:
«ان حل الأزرار في الصلاة و الخذف بالحصى و مضغ الكندر في المجالس و على ظهر الطريق من عمل قوم لوط».
و نقل في الروض عن الشيخ القول بالتحريم هنا.
و قال في الروض: المراد بالخذف هنا رمى الحصى بالكف كيف اتفق و ان لم يكن على الوجه المذكور في رمى حصاة الجمار، قال في الصحاح الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع. انتهى. و اعترضه في الذخيرة بأن كلام أهل اللغة يخالف ذلك ثم نقل جملة من عبارتهم الدالة على نوع مخصوص كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج.
أقول: ظاهر عبارة شيخنا المشار إليه انه لا يمنع و لا يخالف في كون الخذف عبارة عن هذا المعنى الذي نقله عن أهل اللغة و انما غرضه بيان ان هذه الخصوصية لا يترتب عليها معنى في هذا المقام، فالقول بالتعميم أظهر لأن الظاهر ان النهي عنه من حيث كونه عبثا و لعبا منافيا للوقار و السكينة المطلوبين من المؤمن و حينئذ فلا يرد عليه ما أورده.
و اما الثالث
فلما رواه الشيخ ايضا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن رطانة الأعاجم في المساجد».
و رواه في الكافي عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (4).
قال في الوافي: الرطانة بفتح الراء و كسرها و التراطن كلام لا يفهمه الجمهور و انما
____________
(1) سورة العنكبوت، الآية 28.
(2) الوسائل الباب 24 من لباس المصلي.
(3) الوسائل الباب 16 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 16 من أحكام المساجد.
301
هو مواضعة بين اثنين أو جماعة و العرب تخص بها غالبا كلام العجم. أقول: لا يخفى ان ما ذكره من المعنى للرطانة معنى غريب لم يذكره أحد في ما اعلم و كأنه إنما تكلفه فرارا عما نقله أخيرا عن العرب و المنقول في كلام أهل اللغة انما هو ما نقله عن العرب، قال في القاموس الرطانة و يكسر الكلام بالأعجمية، و رطن له و راطنه كلمه بها، و تراطنوا تكلموا بها. انتهى. و حينئذ ففي الخبر المذكور ما يشير إلى كراهة الدعاء بالأعجمية لأن المساجد مواضع الدعوات و طلب الحاجات فإذا كان الكلام فيها بالأعجمية مكروها تعين الكلام في ما يأتي به من الدعوات بالعربية. و الله العالم.
(المقام الرابع)- في بقية الأحكام المتعلقة بالمساجد
و فيه مسائل:
[المسألة] (الأولى) [هل يعتبر في ثبوت المسجدية صيغة الوقف؟]
- المفهوم من كلام جملة من متأخري الأصحاب أنه لا بد في ثبوت المسجدية و ترتب أحكامها من صيغة الوقف الشرعية ليحصل بها الانتقال عن ملك المالك و نحوه و يختص بالجهة الموقوف عليها.
و لم أر من تعرض لبسط الكلام في هذا المقام إلا شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: الخامس عشر- انما تصير البقعة مسجدا بالوقف اما بصيغة «وقفت» و شبهها و اما بقوله: «جعلته مسجدا» و يأذن بالصلاة فيه فإذا صلى فيه واحد تم الوقف، و لو قبضه الحاكم أو اذن في قبضه فالأقرب انه كذلك لان له الولاية العامة، و لو صلى فيه الواقف فالأقرب الاكتفاء بعد العقد، و لو بناه بنية المسجد لم يصر مسجدا نعم لو اذن للناس بالصلاة فيه بنية المسجدية ثم صلوا أمكن صيرورته مسجدا لان معظم المساجد في الإسلام على هذه الصورة و قال الشيخ في المبسوط إذا بنى مسجدا خارج داره في ملكه فان نوى به ان يكون مسجدا يصلى فيه كل من أراد زال ملكه عنه و ان لم ينو ذلك فملكه باق عليه سواء صلى فيه أو لم يصل. و ظاهره الاكتفاء بالنية، و اولى منه إذا صلى فيه و ليس في كلامه دلالة على التلفظ و لعله الأقرب. و قال ابن إدريس ان وقفه و نوى القربة و صلى فيه الناس و دخلوه زال ملكه عنه. انتهى كلام شيخنا المذكور.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار الواردة في هذا المقام عن الأئمة الأطهار
302
(صلوات الله عليهم) آناء الليل و النهار) ان ما ذكره الشيخ في المبسوط هو الأقرب الى ما دلت عليه و الأنسب بما ندبت اليه، و ما ذكره غيره من اشتراط صيغة الوقف فلم أقف على خبر يشير اليه فضلا عن الدلالة عليه بل هي بالدلالة على خلافه أشبه.
فمن ذلك ما تقدم في صدر البحث من حسنتي ابي عبيدة الدالتين على جمعه الأحجار في الطريق بين المدينة و مكة ليبنى مسجدا، و منهما يظهر ان ما ذكره شيخنا المشار اليه من قوله: «و لو بناه بنية المسجد لم يصر مسجدا. إلخ» (1) فإن الإمامين (عليهما السلام) في هذين الخبرين قد اقرأ أبا عبيدة على حصول الثواب المذكور له بمجرد وضع هذه الأحجار لذلك و جعلها على هيئة المسجد و التحجير بها و قصده المسجدية و منها-
ما رواه البرقي في كتاب المحاسن عن هاشم الحلال قال: «دخلت انا و أبو الصباح الكناني. الحديث».
و قد تقدم أيضا في صدر البحث.
و منها- صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة ثمة أيضا في بناء مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) حيث لم يتعرض لحكاية الوقف في أصل المسجد و لا في هذه الزيادات في كل مرة، و لو كان ذلك شرطا في المسجدية لكان أولى بالحكاية و النقل من تلك الأمور المنقولة لما يترتب عليها من الأحكام بزعم أولئك الاعلام.
و قد ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها (2) انه (صلى الله عليه و آله) بعد وروده المدينة اشترى تلك الأرض أو أعطاه إياها بعض المسلمين فخط فيها بيوته و موضع مسجده.
و تقييد إطلاق هذه الاخبار بصيغة الوقف بمعنى انه لا يكون مسجدا إلا بقول «وقفت» و نحوه يحتاج الى دليل و ليس فليس، بل هو أبعد بعيد من ظواهر تلك الاخبار و يشير الى ما ذكرنا قوله (عليه السلام) في غير خبر من الاخبار المتقدمة «فإنها لغير
____________
(1) هكذا العبارة في النسخ و لا يخفى نقصها.
(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 70 كانت ارض المسجد ليتيمين فابتاعها رسول الله «ص» بعشرة دنانير.
303
هذا بنيت» و لم يقل «وقفت».
و كأنهم تمسكوا بأن الأصل بقاء الملك ما لم يحصل ناقل شرعي كالبيع و الصدقة و الوقف و نحوها و لم يثبت ان مجرد النية مع تصرف المسلمين موجب للخروج عن الملك.
و هو اجتهاد في مقابلة النصوص و اي مانع يمنع منه بعد دلالة الأخبار عليه كما عرفت؟ سيما مع تصريحهم بانتقال الملك في الهدايا و العطايا بالتصرف في العين و كذا في بيع المعاطاة مع عدم إدخالهم له في البيوع الناقلة.
و مما يعضد ما قدمناه من الاخبار الواضحة في ما ادعيناه الأخبار المتقدمة قريبا في حكم كراهة النوم في المساجد الدالة على تحديد إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و خطهما للمسجد الحرام فإنها ظاهرة في انه بمجرد خطهما و تحجيرهما على هذا الموضع بقصد جعله مسجدا صار مسجدا، و لو كان الوقف شرطا في ذلك لكان اولى بالتنبيه عليه و الذكر لتوقف حصول المسجدية عليه و زوالها بدونه كما يدعونه.
و بالجملة فالأمر في هذا الباب أوسع مما ذكروه (رضوان الله عليهم) و ظاهر شيخنا الشهيد الترجيح لما ذكره الشيخ من غير جزم به و لو تأمل ما ذكرناه من هذه الاخبار لم يتخالجه و صمة الشك في ذلك و لا الإنكار. و الله العالم.
(المسألة الثانية) [استحباب اتخاذ المسجد في البيت]
قد ورد في جملة من الأخبار استحباب اتخاذ الإنسان مسجدا في بيته ليصلي فيه، و صرحت بأنه يجوز له تغييره و تبديله و انه ليس الحكم فيه كالمساجد العامة، و الظاهر ان الوجه فيه انه ليس إلا عبارة عن قطع جزء من البيت و أفراده للصلاة و الخلوة فيه عن أهل البيت للتوجه و الإقبال على العبادة و إطلاق المسجدية عليه تجوز.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك
ما رواه في الكافي عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال «اتخذ مسجدا في بيتك. الحديث».
و روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عبيد الله بن علي
____________
(1) الوسائل الباب 69 من أحكام المساجد.
304
الحلبي (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسجد يكون في الدار فيبدو لأهله أن يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه عن مكانه؟ فقال لا بأس بذلك. الحديث».
و روى في الكافي عن ابي الجارود (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المسجد يكون في البيت فيريد أهل البيت ان يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه الى غير مكانه؟ قال لا بأس بذلك. الحديث».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسجد يكون في الدار و في البيت فيبدو لأهله أن يتوسعوا بطائفة منه أو يحولوه الى غير مكانه؟ قال لا بأس بهذا كله. الحديث».
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن عبد الله بن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «كان علي (عليه السلام) قد اتخذ بيتا في داره ليس بالكبير و لا بالصغير و كان إذا أراد ان يصلي في آخر الليل أخذ معه صبيا لا يحتشم منه ثم يذهب الى ذلك البيت فيصلي».
و روى في المحاسن عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «كان علي (عليه السلام) قد جعل بيتا في داره ليس بالصغير و لا بالكبير لصلاته و كان إذا كان الليل ذهب معه بصبي لا يبيت معه فيصلي فيه».
قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) يدل على استحباب ان لا يكون في البيت وحده في الليل و ان كان في الصلاة كما دل عليه غيره بل يكون معه أحد و ان كان صبيا أو الطفل متعين إذا كان مصليا لبعده عن الرياء و عدم منافاته لكمال الخشوع و الإقبال على العبادة لعدم الاحتشام منه، و يؤيده قوله في رواية الطيالسي «أخذ صبيا لا يحتشم منه» قوله (عليه السلام) «لا يبيت معه» اى لم يكن في سائر الليل عنده لانه (عليه السلام) كان مع أزواجه و سراياه و لم يكن يناسب كونه نائما معهن. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد و الحديث 3 في التهذيب دون الكافي.
(2) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد و الحديث 3 في التهذيب دون الكافي.
(3) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد و الحديث 3 في التهذيب دون الكافي.
(4) الوسائل الباب 69 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 69 من أحكام المساجد.
305
و روى ابن إدريس في السرائر نقلا من جامع البزنطي عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له ان يجعله كنيفا؟ قال لا بأس».
و رواه في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر مثله (2).
و روى في قرب الاسناد عن مسعدة بن صدقة (3) قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) و سئل عن الدار و البيت يكون فيه مسجد فيبدو لأصحابه ان يتسعوا بطائفة منه و يبنوا مكانه و يهدموا البنية؟ قال لا بأس بذلك».
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو اتخذ في داره مسجدا له و لعياله و لم يتلفظ بالوقف و لا نواه جاز له تغييره و توسيعه و تضييقه لما رواه أبو الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) ثم ذكر الرواية المتقدمة. قال في البحار بعد نقل ذلك: و قال الوالد (قدس سره) يمكن تخصيص العمومات بتلك الأخبار الصحيحة لكن الأحوط عدم التغيير مع الصيغة. انتهى. و قال العلامة في التذكرة: من كان له في داره مسجد قد جعله للصلاة جاز له تغييره و تبديله و تضييقه و توسيعه حسبما يكون أصلح له لانه لم يجعله عاما و انما قصد اختصاصه بنفسه و اهله، و لرواية أبي الجارود و هل تلحقه أحكام المساجد من تحريم إدخال النجاسة اليه و منع الجنب من استيطانه و غير ذلك؟ الأقرب المنع لنقص المعنى فيه. انتهى قال في البحار بعد نقله: و كلامه يشعر بالتردد مع الوقف كذلك ايضا كما احتمله الوالد (قدس سره) انتهى.
أقول: قد عرفت في المسألة السابقة انه لا دليل على اعتبار صيغة الوقف في المساجد العامة بل الأدلة ظاهرة في العدم و انما هذا أمر ذهبوا اليه بالتقريب المتقدم ذكره ثمة، و هذه الاخبار الواردة في هذا المقام ليس فيها أزيد من الدلالة على اتخاذ موضع من داره للخلوة في الصلاة فيه و بذلك أطلق عليه لفظ المسجد، و الناس ظنوا من إطلاقهم (عليهم
____________
(1) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 10 من أحكام المساجد.
306
السلام) لفظ المسجد عليه يومئذ انسحاب أحكام المساجد العامة إليه فكثر السؤال عن تغييره و تبديله و جعله حشا و نحو ذلك، فأجابوا (عليهم السلام) بنفي البأس إيذانا بأنه ليس بمسجد حقيقة و لا يترتب عليه شيء من أحكام المسجدية بالكلية و انما هو موضع اتخذ لذلك لقصد الفراغ و الخلوة و التوجه للإقبال على العبادة و متى أراد صاحبه تغييره غيره الى ما يريده و لا وجه لذكر الوقف هنا بالكلية و لو سلمنا اشتراطه في المساجد العامة لما عرفت من الغرض و السبب فيه، و لكنهم (رضوان الله عليهم) بتدقيق أنظارهم يتكلفون أشياء لا ضرورة لها و لا دليل عليها كما عرفت من تكلفهم اشتراط الوقفية في المساجد العامة. و بالجملة فإنه ليس الفرق بين هذا المكان المسمى مسجدا و بين المساجد العامة إلا باعتبار قصد بنائها لعامة الناس لأجل العبادة و تسبيلها لهم و قصد القربة في ذلك بخلاف هذه فإنه لا يعتبر فيها أزيد مما ذكرناه. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [من سبق إلى مكان من المسجد أو المشهد فهو أولى به]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من سبق الى مكان من المسجد أو المشهد فهو اولى به ما دام باقيا فيه، فلو فارقه و لو لحاجة كتجديد طهارة و ازالة نجاسة بطل حقه و ان كان ناويا للعود إلا ان يكون رحله مثل شيء من أمتعته و لو سبحة و نحوها باقيا فيه، و قيده الشهيد (قدس سره) مع ذلك بنية العود و هو جيد فلو فارق لا بنيته سقط حقه و ان كان رحله باقيا، و احتمل الشهيد الثاني بقاء الحق حينئذ لإطلاق النص و الفتوى، ثم تردد على تقدير سقوط حقه في جواز رفع الرحل و عدمه و على تقدير الجواز في الضمان و عدمه، ثم قال و على تقدير بقاء الحق لبقائه أو بقاء رحله فان أزعجه مزعج فلا شبهة في إثمه و هل يصير اولى بعد ذلك؟ يحتمله لسقوط حق الأول بالمفارقة و عدمه للنهي فلا يترتب عليه حق، و يتفرع على ذلك صحة صلاة الثاني و عدمها.
و اشترط الشهيد في الذكرى في بقاء حقه مع بقاء الرحل ان لا يطول المكث، و في التذكرة استقرب بقاء الحق مع المفارقة لعذر كإجابة داع و تجديد وضوء و قضاء حاجة و ان لم يكن له رحل قالوا و لو استبق اثنان دفعة الى مكان واحد و لم يمكن الجمع بينهما أقرع،
307
و منهم من توقف في ذلك. و قال الشهيد الثاني لا فرق في ذلك بين المعتاد لبقعة معينة و غيره و ان كان اعتياد درس و امامة، و لا بين المفارق في أثناء الصلاة و غيره للعموم، و استقرب في الدروس بقاء أولوية المفارق في أثنائها اضطرارا إلا ان يجد مكانا مساويا للأول أو أولى منه محتجا بأنها صلاة واحدة فلا يمنع من إتمامها. هذا ملخص ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب.
و اما الأخبار المتعلقة بذلك فالذي وقفت عليه منها
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت له نكون بمكة أو بالمدينة أو الحير أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه؟ فقال من سبق الى موضع فهو أحق به يومه و ليلته».
و عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو أحق به الى الليل، و كان لا يأخذ على بيوت السوق كراء».
و روى بعض أصحابنا عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «إذا قام أحدكم من محله في المسجد فهو أحق به الى الليل».
و ظاهر الخبر الأول بقاء حقه في ذلك المكان مدة يوم و ليلة. و احتمل بعض الأصحاب كون الواو هنا بمعنى «أو» كما هو شائع الاستعمال ايضا فيصير المعنى انه أحق بقية يومه ان كانت المفارقة في اليوم و بقية ليلته ان كانت المفارقة في الليل و يؤيده الخبر الثاني و الثالث، و كيف كان فظاهر الأخبار الثلاثة بقاء حقه في المدة المذكورة مطلقا سواء كان له رحل أم لا نوى المفارقة أم لا؟ و فيه رد على القول المشهور من حكمهم بزوال حقه بالمفارقة و ان كان ناويا للعود إلا ان يكون له رحل. و الظاهر تقييد الأخبار
____________
(1) الوسائل الباب 56 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 56 من أحكام المساجد.
(3) في السراج المنير ج 1 ص 165 عن النبي «ص» «إذا قام الرجل من مجلسه ثم رجع اليه فهو أحق به» و في رواية (من المسجد).
308
المذكورة بعدم نية المفارقة و إلا فلو نوى المفارقة و لم يضع رحلا يعلم به ارادة الرجوع ففي منع الغير عنه اشكال و إلا لزم تعطيل المكان من المنتفعين بغير أمر موجب لذلك و هو بعيد، و يشير الى ذلك السؤال في الخبر الأول و كون الخروج للوضوء و نحوه. و قطع المحقق بعدم بطلان حقه لو كان قيامه لضرورة كتجديد طهارة أو إزالة نجاسة أو ضرورة إلى التخلي و ان لم يكن رحله باقيا. و هو قوى موافق لظاهر الأخبار المذكورة.
بقي الإشكال في ما هو الآن معمول بين الناس من وضع ثوب أو سجدة أو تسبيح في المسجد أو الروضة الشريفة ثم يمضي الى ان يأتي وقت الحاجة اليه، و الظاهر التفصيل في ذلك بأنه ان كان قد جلس في المكان و تصرف فيه بالجلوس و الصلاة و نحوها فان حقه باق إلى المدة المعلومة بالتفصيل المتقدم و ان كان لم يجلس و انما وضع هذه العلامة لقصد التحجير عن تصرف الغير فوجهان أحدهما كالأول و الثاني العدم، و منشأ ذلك من الشك في لفظ السبق في الاخبار المتقدمة و ان كان الأقرب الأظهر هو السبق بمعنى الجلوس و التصرف على الوجه المتقدم و انما يقوم و يخرج عنه لأجل الاعذار و الأغراض المتقدمة، و ربما احتمل حصول ذلك بمجرد التحجير بوضع ثوب و نحوه.
و كيف كان فمع وضع الرحل و ان كان قد جلس و تصرف لو اتفق ذلك في المسجد و أقيمت الصلاة و لم يحضر فالظاهر جواز التصرف في محله عملا بالأخبار الدالة على النهي عن الخلل و الفرج في الصفوف و استحباب المسارعة إلى سدها فيقيد بها إطلاق هذه الاخبار لكونها أقوى دلالة و أصرح مقالة في الحكم المذكور. و كذا لو وضع ثوبا و نحوه في المشاهد المشرفة و غاب ينبغي التفصيل بما قلناه من التصرف بالجلوس و عدمه و لزوم تعطيل الزوار و المصلين و عدمه. و الله العالم.
(المسألة الرابعة) [جواز الوقف على المساجد]
- المشهور في كلام الأصحاب جواز الوقف على المساجد لأنه في الحقيقة وقف على المسلمين حيث انه يرجع الى مصالحهم كالوقف على القناطر و نحوها
روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في كتاب العلل و كذا في كتاب الوقف من
309
كتاب من لا يحضره الفقيه عن ابي الصحاري عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت رجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة أ يوقفه على المسجد؟ قال ان المجوس أوقفوا على بيت النار».
و الظاهر ان المعنى ان المجوس وقفوا على بيت النار فأنتم اولى بذلك على مساجدكم.
و ربما احتمل على بعد المنع بمعنى ان هذا من فعل المجوس فليس لكم الاقتداء بهم و المتابعة لهم. و لعله على هذا الاحتمال بنى الصدوق في كتاب الصلاة من كتاب من لا يحضره الفقيه فنقل الخبر بهذه الكيفية
«و سئل عن الوقوف على المساجد فقال لا يجوز فان المجوس وقفوا على بيوت النار» (2).
و هذا أحد المفاسد في نقل الخبر بالمعنى و احتمال كون ما نقله خبرا مستقلا بعيد جدا بقرينة ما ذكرناه من ان الذي رواه هو في كتاب الوقف و كتاب العلل و غيره كالشيخ في التهذيب انما هو الخبر الذي ذكرناه.
إلا ان صاحب الوسائل ادعى ان بعض نسخ العلل تضمنت «لا» بعد قوله:
«أ يوقفه على المسجد» قال «لا ان المجوس. إلخ» و لعله على ذلك بنى الصدوق في ما نقله من قوله «لا يجوز» و كيف كان فيمكن حمل النهي عن الوقف مع ثبوت ما ذكر من النهي على ان يكون الوقف بقصد تملك المسجد و هو ليس أهلا للملك بل لا بد من تقييد ذلك بمصالح المسلمين ليكون الوقف عليهم بل لو أطلق فإنه ينصرف إليها.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: يستحب الوقف على المساجد و هو من أعظم المثوبات لتوقف بقاء عمارتها غالبا عليه التي هي من أعظم مراد الشارع، ثم ذكر رواية الفقيه في كتاب الصلاة المتضمنة لقوله «لا يجوز» و قال: و أجاب بعض الأصحاب بأن الرواية مرسلة و بإمكان الحمل على ما هو محرم منها كالزخرفة و التصوير. انتهى.
نعم ذكر المحدث الكاشاني في الوافي- بعد نقله رواية الفقيه المذكورة و كذا الرواية الأخرى التي ذكرناها- ما صورته: المستفاد من الخبرين تعليل المنع بالتشبه
____________
(1) الوسائل الباب 66 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 66 من أحكام المساجد.
310
بالمجوس و لعل الأصل فيه خفة مؤنة المساجد و عدم افتقارها الى الوقف إذا بنيت كما ينبغي و انما افتقرت اليه للتعدي عن حدها. انتهى. و ظاهره متابعة الصدوق في ما نقله من الرواية و حمل الرواية الأخرى عليه بتقريب المعنى الثاني الذي أشرنا اليه، و حينئذ فظاهر كلاميهما تحريم الوقف على المساجد فيصير مخالفا لما عليه الأصحاب في هذه المسألة.
و كيف كان فإن المسألة عندي لا تخلو من شوب الإشكال لإجمال الخبر المذكور و قرب قبوله للاحتمال بالتقريب الذي ذكره المحدث المشار اليه و لما ذكره الأصحاب من الأدلة العامة في المقام. و الله العالم.
(المسألة الخامسة) [هل يجوز نقض المسجد للتوسعة؟]
قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجوز نقض ما استهدم بفتح التاء و الدال أي أشرف على الانهدام، قالوا و لا ريب في جوازه بل قد يجب إذا خيف انهدامه على أحد من المترددين و يستحب إعادته و تجديده. قيل و يجوز النقض أيضا للتوسعة إذا احتيج إليها لأنه إحسان محض و «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» (1).
أقول: الظاهر ان ما ذكروه لا اشكال فيه اما الأول فلما ندب اليه من بناء المساجد و تعميرها. و اما الثاني فلما تقدم في صحيحة عبد الله بن سنان أو حسنته الواردة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و توسعته مرتين (2).
و قال الشهيد في الذكرى: و لو أريد توسعة المسجد ففي جواز النقض وجهان من عموم المنع، و من ان فيه احداث مسجد، و لاستقرار قول الصحابة على توسعة مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد إنكارهم و لم يبلغنا إنكار علي (عليه السلام) و قد أوسع السلف المسجد الحرام و لم يبلغنا إنكار علماء ذلك العصر. انتهى.
أقول: الأظهر هو الاستناد في الحكم المذكور إلى رواية عبد الله بن سنان المذكورة فإنها ظاهرة في الجواز (3).
و اما ما ذكره بالنسبة إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)- و توسعته بعد
____________
(1) سورة التوبة، الآية 90.
(2) ص 266.
(3) ص 266.
311
موته و استقرار قول الصحابة على ذلك و ان عليا (عليه السلام) لم ينكره- ففيه أنه غفلة منه عما ورد عنه (عليه السلام) في إنكار ذلك إلا انه انما أنكر من حيث غصب البيوت التي أدخلت في المسجد، و من ذلك
ما رواه في الكافي عن سليم بن قيس في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم ساق كلامه الى ان قال فيه: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه و آله).
و لو حملت الناس على تركها و حولتها الى موضعها و الى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) لتفرق عني جندي حتى أبقى و حدي، ثم عد جملة من ذلك و قال: و رددت دار جعفر الى ورثته و هدمتها من المسجد. الى ان قال: و رددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى ما كان عليه. الحديث».
و هو أظهر ظاهر في إنكار ذلك و ان الزيادة التي أحدثوها كانت غصبا كما ذكرنا، و الظاهر انه لو كانت الزيادة من الأراضي المباحة فلا اشكال. و قد ورد في تحديد مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله)
ما رواه في الفقيه عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سأله كم كان طول مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال كان ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسرا».
و المعنى انه كان كل من طوله و عرضه ستين ذراعا فإنه إذا ضرب ذلك حصل منه العدد المذكور في الخبر، و هل الزائد على هذا المقدار يثبت له حكم المسجدية في الجملة و ان لم يكن في حكم مسجده (صلى الله عليه و آله)؟ لا يبعد ذلك إذا لم يكن مغصوبا.
و اما بالنسبة الى المسجد الحرام فقد تقدم
في حسنة زرارة (3) نوم الباقر (عليه السلام) في المسجد الحرام و قوله له لما سأله عن النوم ثمة: «إنما يكره ان ينام في المسجد الذي كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
فإنه يؤذن بعدم ثبوت المسجدية في هذه الزيادة و عدم ترتب أحكام المسجدية عليها، إلا انك قد عرفت ما في ذلك من
____________
(1) روضة الكافي ص 59 طبع سنة 1377.
(2) الوسائل الباب 58 من أحكام المساجد.
(3) ص 293.
312
الاشكال بالأخبار التي أوردناها دالة على انها من المسجد القديم الذي خطه إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و يمكن ان يقال مع الإغماض عن الاشكال المذكور ان المسجد الحرام الذي يثبت له الاحترام زيادة على غيره يقتصر فيه على ما رسمه المعصوم و لا يجوز الزيادة فيه بخلاف غيره من المساجد التي وضعت لصلاة الناس فيها و يمكن اجراء هذا الكلام أيضا في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) لاختصاصه بمزيد شرف على سائر المساجد كما سيأتي ان شاء الله تعالى في فضل الصلاة فيه زيادة على غيره فيمكن الحكم بتحريم الزيادة فيه و ان لم يكن غصبا كما أشرنا إليه آنفا و حينئذ فيبقى هذا الحكم مختصا بغير المسجدين المذكورين.
و اما الاحتجاج بعدم إنكار علماء ذلك العصر فهو أوهن من بيت العنكبوت و انه لا وهن البيوت، لان البدع الصادرة عن خلفاء الجور الذين هم أئمة الحق عندهم جائزة بل واجبة الاتباع فكيف ينكرها علماؤهم، الا ترى إلى اعذار علمائهم عن بدع الثلاثة المتقدمين بنحو ما قلناه من ان الخليفة له ان يعمل بما يراه الأصلح و الاولى في جميع الأمور.
و بالجملة فالأمر أظهر من ان ينكر و من أحب تحقيق ذلك فليرجع الى كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد.
ثم انه صرح في الذكرى على تقدير جواز النقض بأنه لا ينقض إلا بعد الظن الغالب بوجود العمارة، و لو أخر النقض إلى إتمامها كان أولى إلا مع الاحتياج الى الآلات و استحسنه جملة ممن تأخر عنه و لا بأس به.
ثم انه قد صرح الشهيدان (قدس سرهما) بأنه يجوز احداث باب زائد لمصلحة عامة كازدحام المسلمين في الخروج و الدخول فيوسع عليهم: و لو كان لمصلحة خاصة كقرب المسافة على بعض المصلين احتمل جوازه ايضا لما فيه من الإعانة على القربة و فعل الخير. و كذا يجوز فتح شباك و روزنة للمصلحة العامة و في جوازه للمصلحة الخاصة الوجهان بقي الكلام في انه قد اشتهر في هذه الأعصار جواز حفر بئر في المسجد لأجل
313
وضوء المصلين، و فيه عندي إشكال إلا ان تتقدم البئر على المسجدية فلا اشكال. و وجه ما ذكرناه من الاشكال سيما على قاعدة الأصحاب من اشتراط الوقفية ظاهر حيث ان ذلك مناف للوقف و
«الوقوف على ما وقفت عليه» (1).
و مع قطع النظر عن ذلك فظواهر الأخبار الدالة على ان المساجد انما بنيت للعبادة و تلاوة القرآن و الدعاء و نحو ذلك
و قولهم (عليهم السلام) «انها لغير هذا بنيت» (2).
و توهم تعليل الجواز- بانقطاع أكثر المصلين لو لم يجز ذلك كما ذكره بعض- عليل لأن السنة الماضية في القرون الخالية انما هو الوضوء في البيوت و حضور المساجد سيما في الصدر الأول بمكة و المدينة لقلة المياه بهما يومئذ و لا يقاس هذا على ما تقدم من فتح باب و روزنة فإن ذلك معلوم المصلحة و خال من المفسدة بخلاف هذا فإن المفسدة فيه بتحجير المكان الذي فيه البئر عن الصلاة فيه و منع الناس عن ذلك الموضع ظاهر. و لا يبعد بناء على ما قلنا بطلان الصلاة بالوضوء من تلك البئر أيضا لأنه متى ثبت كون ذلك على خلاف الوجه الشرعي كان من قبيل المغصوب فجميع التصرفات المترتبة على ذلك من قبيل التصرف في المغصوب إذ متى زالت الإباحة بالمعنى الأعم فليس إلا الغصب و الاحتياط ظاهر. و الله العالم.
(المسألة السادسة) [هل يجوز صرف آلات المسجد و ماله في غيره؟]
- قد ذكر جمع من الأصحاب انه يجوز استعمال آلاته في غيره من المساجد، و قيد ذلك بعضهم بما إذا كانت تلك الآلة فاضلة عن ذلك المسجد و مستغنى عنها فيه أو تعذر استعمالها فيه لاستيلاء الخراب عليه أو كون الآخر أحوج إليها منه لكثرة المصلين و نحو ذلك، لان المالك واحد و هو الله سبحانه صرح بذلك الشهيدان، و زاد شيخنا الشهيد الثاني فقال: و اولى بالجواز صرف وقفه و نذره على غيره بالشروط و ليس كذلك المشهد فلا يجوز صرف ماله الى مشهد آخر و لا مسجد و لا صرف مال المسجد اليه مطلقا. انتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و للنظر في هذا الحكم من أصله مجال و المتجه عدم جواز صرف مال المسجد الى غيره مطلقا كالمشهد لتعلق النذر أو الوقف
____________
(1) الوسائل الباب 2 من الوقوف و الصدقات.
(2) ص 287.
314
بذلك المحل المعين فيجب الاقتصار عليه. نعم لو تعذر صرفه فيه أو علم استغناؤه عنه في الحال و المآل أمكن القول بجواز صرفه في غيره من المساجد و المشاهد بل لا يبعد صرفه في مطلق القرب لان ذلك اولى من بقائه الى ان يعرض له التلف فيكون صرفه في هذا الوجه إحسانا و «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» (1) انتهى.
أقول: لم أقف في هذا المقام على شيء من الاخبار الظاهرة في تنقيح الكلام و قطع مادة النقض و الإبرام سوى أخبار الإهداء و النذر و الوصية إلى الكعبة الشريفة و سيجيء الكلام فيها ان شاء الله تعالى في كتاب الحج:
و منها-
رواية ياسين الضرير (2) «في رجل اوصى بألف درهم للكعبة فسأل أبا جعفر (عليه السلام) فقال ان الكعبة غنية عن هذا انظر الى من أم هذا البيت فقطع به أو ذهبت نفقته أو ضلت راحلته أو عجز ان يرجع الى أهله فادفعها إلى هؤلاء.».
و بمضمونه أخبار عديدة يأتي ذكرها ان شاء الله تعالى في الموضع المشار اليه، و الظاهر ان الحكم في المشاهد و الكعبة واحد.
و مقتضى الأخبار المذكورة ان الواجب صرفه في تعمير المشهد و الكعبة إذا احتيج الى ذلك و إلا فإنه يصرف في معونة الحجاج و الزوار لذلك المشهد، و بذلك صرح السيد المشار إليه في كتاب النذر من شرح النافع فقال: و لو نذر شيء لأحد المشاهد المشرفة صرف فيه على حسب ما قصده الناذر و مع الإطلاق يصرف في مصالح المشهد، و لو استغنى المشهد عنه في الحال و المآل فالظاهر صرفه في معونة الزوار لان ذلك اولى من بقائه على حاله معرضا للتلف فيكون صرفه على هذا الوجه إحسانا و «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» (3) انتهى. و بذلك ايضا صرح جده (قدس سره) في كتاب النذر من المسالك. و من ذلك يظهر ما في قوله هنا «انه مع تعذر صرفه في ذلك المشهد يجوز
____________
(1) سورة التوبة، الآية 92.
(2) الوسائل الباب 22 من مقدمات الطواف.
(3) سورة التوبة، الآية 92.
315
صرفه في غيره من المساجد و المشاهد بل لا يبعد صرفه في مطلق القرب» فإنه بعيد كما عرفت و الأقرب الى ما دلت عليه الاخبار المشار إليها هو ما ذكرناه و ما ذكره في شرح النافع هذا بالنسبة إلى المشاهد المشرفة.
و اما بالنسبة إلى المساجد لو حصل الاستغناء عمالها من الأوقاف و الآلات و نحوها و ما ذكروه (رضوان الله عليهم) في المقام فهو عندي محل اشكال لعدم الدليل الواضح و الاستناد إلى إطلاق الآية المذكورة يتوقف على ثبوت كون ذلك إحسانا و هو محل البحث. و كان بعض مشايخنا المعاصرين في بلاد البحرين يعمدون في ما فضل من أموال المسجد عن تعميره الى التنمية و شراء العقارات بها و صرف حواصلها في مصالح المسجد من الحصر و التعمير و نحو ذلك. و الله سبحانه اعلم.
تذنيب في فضل المساجد و فضل الصلاة فيها و بيان اختلافها في الفضل:
ففي الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال الصلاة في مسجدي كألف في غيره إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي».
و عن معاوية بن وهب في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) الصلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فهو أفضل».
و بهذا المضمون أخبار عديدة.
و روى الكليني و الصدوق عن خالد بن زياد القلانسي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «مكة حرم الله و حرم رسوله (صلى الله عليه و آله) و حرم علي بن
____________
(1) الوسائل الباب 57 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 57 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد. و في الفقيه «ابن ماد» و هو نفس «ابن زياد».
316
ابي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بمائة ألف صلاة و الدرهم فيها بمائة ألف درهم، و المدينة حرم الله و حرم رسوله (صلى الله عليه و آله) و حرم علي بن أبي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بعشرة آلاف صلاة و الدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، و الكوفة حرم الله و حرم رسوله (صلى الله عليه و آله) و حرم علي بن أبي طالب (عليه السلام) الصلاة فيها بألف صلاة. و سكت عن الدرهم (1)».
و عن أبي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «من صلى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل الله منه كل صلاة صلاها منذ يوم وجبت عليه الصلاة و كل صلاة يصليها الى ان يموت».
و عن الحسين بن خالد عن ابي الحسن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال «قال محمد بن علي الباقر (عليه السلام) صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في غيره من المساجد».
و عن هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال لي يا هارون بن خارجة كم بينك و بين مسجد الكوفة يكون ميلا؟ قلت لا. قال أ فتصلي فيه الصلوات كلها؟ قلت لا. قال اما لو كنت بحضرته لرجوت ان لا تفوتني فيه صلاة، أو تدري ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح و لا نبي إلا و قد صلى في مسجد كوفان حتى ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما اسرى الله به قال له جبرئيل أ تدري أين أنت يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) الساعة؟ أنت مقابل مسجد كوفان قال فاستأذن لي ربي عز و جل حتى آتيه فأصلي فيه ركعتين فاستأذن الله عز و جل فاذن له، و ان ميمنته لروضة من رياض الجنة و ان وسطه لروضة من رياض الجنة و ان مؤخره لروضة من رياض الجنة، و ان الصلاة المكتوبة فيه لتعدل ألف صلاة و ان النافلة فيه
____________
(1) هذا في الفقيه دون الكافي.
(2) الوسائل الباب 52 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 52 من أحكام المساجد.
(4) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
317
لتعدل خمسمائة صلاة و ان الجلوس فيه بغير تلاوة و لا ذكر لعبادة، و لو علم الناس ما فيه لأتوه و لو حبوا».
و في الفقيه عن ابي بصير (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول نعم المسجد مسجد الكوفة صلى فيه ألف نبي و ألف وصي و منه فار التنور و فيه نجرت السفينة ميمنته رضوان الله و وسطه روضة من رياض الجنة و ميسرته مكر يعني منازل الشيطان».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام) حد مسجد الكوفة آخر السراجين خطه آدم (عليه السلام) و انا أكره ان ادخله راكبا قيل له فمن غيره عن خطته قال اما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح (عليه السلام) ثم غيره أصحاب كسرى و النعمان ثم غيره زياد بن ابي سفيان».
و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال علي (عليه السلام) صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة و صلاة في المسجد الأعظم مائة صلاة و صلاة في مسجد القبيلة تعدل خمسا و عشرين صلاة و صلاة في مسجد السوق تعدل اثنتي عشرة صلاة و صلاة الرجل في بيته صلاة واحدة».
أقول: في هذه الاخبار فوائد لطيفة و نكات شريفة يحسن التنبيه عليها في المقام بما تشتاقه الطباع و تلذه الافهام:
(الاولى) [حرمة المكة و المدينة و الكوفة]
- ما تضمنه حديث القلانسي من قوله (عليه السلام) «مكة حرم الله و حرم رسوله. إلخ» لعل الوجه فيه ان كون مكة حرم الله عز و جل أي محترمة و معظمة لأجله فلأنها مقر بيته الحرام الذي أوجب السعي اليه على من استطاع اليه الوصول من الأنام و أوجب تعظيمه و شرفه على سائر بقاع الإسلام، و اما كونه حرم الرسول و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) فاما باعتبار كونها بلدهما الأصلية و منشأهما و وطنهما أو
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 64 من أحكام المساجد.
318
باعتبار ان ما كان لله عز و جل فهو ثابت لهما بطريق النيابة فكل ما نسب اليه تعالى فهو ينسب إليهما و كل شيء ينسب إليهما ينسب اليه عز و جل لاتحاده بهما و مزيد قربهما منه كما قرن نفسه عز و جل بهما في جملة من الآيات القرآنية نحو قوله تعالى «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا. الآية» (1) المفسر ذلك في الاخبار بأمير المؤمنين (عليه السلام) و قوله عز و جل «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (2) إشارة الى ما ذكرناه.
و اما كون المدينة حرم الله عز و جل فمن حيث سكنى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيها و اتخاذه لها دار هجرة فعظمها لأجله و أوجب احترامها حتى بعدم قطع الشجر منها كما سيأتي في كتاب الحج ان شاء الله تعالى. و اما كونها حرم الرسول و علي (عليهما الصلاة و السلام) فلأنها منشأهما و مقرهما بعد الهجرة و مدفن الرسول (صلى الله عليه و آله) حقيقة و مدفن علي (عليه السلام) تبعا حيث انه نفس الرسول و يؤيده ما نقله بعض مشايخنا من ورود بعض الاخبار بان الله عز و جل نقله إليها، و لهذا يستحب زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الرسول (صلى الله عليه و آله) و اما الكوفة فبالتقريب المتقدم في المدينة.
و اما ان الصلاة في البلدان الثلاث بما ذكر في الخبر فالظاهر ان إطلاق البلد في المواضع الثلاثة مجاز عن المساجد الثلاثة ليوافق جملة الأخبار الواردة في الباب و ان اختلفت زيادة و نقصانا إذ موردها انما هو المساجد.
و يعضد ذلك
ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى في الموثق عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الصلاة في المدينة هل هي مثل الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال لا، ان الصلاة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)
____________
(1) سورة المائدة، الآية 60.
(2) سورة النساء، الآية 62.
(3) الوسائل الباب 57 من أحكام المساجد.
319
ألف صلاة و الصلاة في المدينة مثل الصلاة في سائر البلدان».
و اما ثواب التصدق فيمكن إبقاؤه على عمومه لعدم المعارض. و اما السكوت عن الدرهم في الكوفة فهو مشعر بأنها كغيرها من البلدان إلا انه
روى ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات بسنده عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم في ما سواها و ركعتان فيها تحسب بمائة ركعة».
(الثانية) [اختلاف الأخبار في ثواب الصلاة في المساجد]
- لا يخفى ان الاخبار مما نقلناه هنا و ما لم ننقله قد اختلفت في ثواب الصلاة في كل من هذه المساجد زيادة و نقصانا و الظاهر عندي في الجمع بينها هو ان ذلك باعتبار اختلاف أحوال المصلين في صلاتهم و إقبالهم على الصلاة و قربهم منه تعالى و عدم ذلك بمعنى ان جميع الصلوات مشتركة من حيث هذا المكان و فضله في الطرف الأقل من الثواب الوارد في هذا المكان و هذه الزيادات إنما نشأت من أمور زائدة في تلك الصلوات كما ذكرنا، و عليه يحمل ايضا ما ورد في ثواب الحج و زيارة الأئمة (عليهم السلام) و لا سيما زيارة الحسين (عليه السلام) من تفاوت الثواب قلة و كثرة و الجميع محمول على تفاوت أحوال المكلفين في ما يأتون به. و ما تكلفه جملة من الأصحاب في هذا المقام فالظاهر بعده و عدم الحاجة إليه.
نعم
روى الشيخ في التهذيب في الحسن عن الوشاء عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصلاة في المسجد الحرام و الصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) في الفضل سواء؟ فقال نعم و الصلاة في ما بينهما تعدل ألف صلاة».
فإنه ظاهر في مساواة مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) للمسجد الحرام في الفضل مع ان الاخبار مما قدمناه و تركناه متكاثرة بزيادة المسجد الحرام و ان الصلاة فيه كألف صلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله).
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 63 من أحكام المساجد.
320
و يمكن الجواب برجوع المساواة إلى أصل الفضيلة بمعنى ان لهما الفضل على غيرهما من المساجد و ان تفاوتا بالزيادة في أحدهما و النقيصة في الآخر و يكون قوله: «و الصلاة في ما بينهما. إلخ» إشارة الى ذلك بمعنى انهما متساويان في أصل الفضل و ان حصل التفاوت بينهما في ان الصلاة الواحدة في أحدهما بألف في الآخر و هو و ان كان مجملا بالنسبة الى صاحب الفضيلة منهما إلا انه باعتبار ما ظهر في غير هذا الخبر من الأخبار الكثيرة الدالة على ان الفضل في جانب المسجد الحرام و يحمل عليه هذا الإجمال فلا إشكال.
(الثالثة)
- ما تضمنه حديث الثمالي- من ان كل من صلى في المسجد الحرام صلاة مكتوبة قبل الله منه كل صلاة. إلخ- يحتمل حمله على عمومه من قبول كل صلاة صلاها أو يصليها الى يوم موته و ان كانت باطلة و ليس ببعيد من فضله سبحانه و كرمه، و اما ما لم يصلها بالكلية فلا تدخل في عموم الخبر. و يحتمل التخصيص بما إذا كانت صحيحة مجزئة لكنها غير مقبولة من حيث عدم الإقبال عليها كلا أو بعضا أو نحو ذلك من شروط القبول. و يحتمل ايضا انه لما كان الله عز و جل قد جعل صلاة المكتوبة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة كما في خبر القلانسي و غيره فمن الظاهر ان هذا العدد يأتي على صلاة الإنسان من أول عمره الى آخره غالبا فكل صلاة وقع الخلل فيها من صلواته يقوم مقامها و يسدها بعض هذه الأفراد المضاعفة فيكون مستلزما لقبول ما وقع الخلل فيه من صلواته بل ما تركه ايضا، و رحمته سبحانه و فضله جل شأنه أوسع من ذلك و هو وجه لطيف عرض لي حال التصنيف.
(الرابعة) [ما ورد من الأخبار في مسجد الكوفة]
- ما تضمنه خبر هارون بن خارجة و خبر ابي بصير و ما اشتملا عليه قد ورد مثله في عدة اخبار مثل
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب عن الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «مسجد كوفان روضة من رياض الجنة صلى فيه ألف نبي و سبعون نبيا و ميمنته رحمة و ميسرته مكر، فيه عصا موسى و شجرة يقطين
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
321
و خاتم سليمان و منه فار التنور و نجرت السفينة و هي صرة بابل و مجمع الأنبياء».
و في حديث الكاهلي المروي في الكافي و التهذيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) «يمينه يمن و يساره مكر و في وسطه عين من دهن و عين من لبن و عين من ماء شراب للمؤمنين و عين من ماء طهر للمؤمنين. الى ان قال و صلى فيه سبعون نبيا و سبعون وصيا أنا أحدهم، و قال بيده في صدره».
و روى مؤلف المزار الكبير على ما نقله في البحار (2) بسنده عن حبة العرني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال فيه «و صلى فيه ألف نبي و ألف وصي و فيه عصا موسى و خاتم سليمان و شجرة يقطين و وسطه روضة من رياض الجنة و فيه ثلاث أعين: عين من ماء و عين من دهن و عين من لبن. الى ان قال و يحشر يوم القيامة منه سبعون ألفا ليس عليهم حساب و لا عذاب، جانبه الأيمن ذكر و جانبه الأيسر مكر».
أقول: لا تنافي بين هذه الأخبار باعتبار ذكر عدد من صلى فيه من الأنبياء و الأوصياء قلة و كثرة فجاز ان يذكرهم كلهم تارة و جاز ان يقتصر على أفضلهم أخرى إذ لا دلالة على الحصر في عدد.
و اما الروضة التي في وسط المسجد بناء على رواية أبي بصير أو في وسطه و مقدمه و ميمنته و ميسرته و مؤخره بناء على الروايات الأخر فالظاهر انها عبارة عن الجنات التي تظهر بعد خروج القائم (عليه السلام) و ينبغي حمل المسجد في هذه الاخبار على المسجد الأصلي الذي يأتي ذكره قريبا و بيان وقوع النقص فيه لما يستفاد من بعض الاخبار انه (عليه السلام) بعد ظهوره يعيده إلى أساسه الأصلي و يوسعه سعة زائدة، و هذه العيون المذكورة من جملة ما في تلك الروضات التي تظهر بظهوره (عليه السلام).
و لا منافاة بين ما دل على ان ميسرته مكر و بين ما دل على ان ميسرته روضة لان
____________
(1) الوسائل الباب 45 من أحكام المساجد.
(2) ج 22 ص 88.
322
المراد بالأول ما خرج عن هذه المسجد و بالثاني ما دخل في المسجد الأصلي من طرف اليسار و الظاهر ان تفسير المكر بمنازل الشيطان من كلام الصدوق (قدس سره) و هذا الخبر
رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير (1) و فيه بعد قوله مكر «فقلت لأبي بصير ما يعني بقوله مكر؟ قال يعني منازل السلطان».
و هذا الخبر و نحوه قد رواه العامة أيضا، قال ابن الأثير في نهايته (2): أصل المكر الخداع و منه حديث علي (ع) في مسجد الكوفة «جانبه الأيسر مكر» قيل كانت السوق الى جانبه الأيسر و فيها يقع المكر و الخداع. انتهى. و الأظهر ما ذكر في الخبرين من تفسير المكر بمنازل السلطان، و الظاهر ان المراد به قصر الامارة الذي هو محل الحكم و الأمر و النهي، و عليه ينطبق ايضا ما ذكره الصدوق لان منازل سلاطين الجور منازل الشياطين أو ان المراد بالشياطين هم حكام الجور.
و اما ما قابل الميسرة في هذا الخبر و نحوه مما كان خارجا عن المسجد فيمكن حمله على الغري الذي هو موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) و الإشارة إليه بذلك وقع تقية، و مثله
قوله (عليه السلام) في حديث حبة العرني «و يحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا ليس عليهم حساب و لا عذاب».
يعني يحشرون من جنبه، و المراد به الغري أيضا الذي قد استفاضت الأخبار بأنه قطعة من جنة عدن تكون فيها أرواح المؤمنين في عالم البرزخ، و الإجمال في التعبير عن ذلك صريحا كله للتقية.
و اما ما دل على ان فيه عصا موسى (عليه السلام) فيحتمل انها مودعة فيه الى ظهور صاحب الزمان (عجل الله فرجه) و كذا خاتم سليمان (عليه السلام) و يحتمل ان العصا نبتت فيه و منه أخذت، و عليه يحمل ايضا «و فيه شجرة يقطين» يعني فيه نبتت، و يؤيده ما نقله بعض مشايخنا قال انه يظهر من بعض الاخبار ان يونس (عليه السلام) خرج من الفرات.
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(2) في مادة «مكر».
323
بقي الكلام في نجر السفينة في المسجد مع كراهة الصنائع في المساجد و لا سيما هذا المسجد، فيمكن الجواب بتخصيص هذا الحكم بهذه الشريعة أو استثناء ذلك من الحكم المذكور و اما قوله في رواية الحذاء: «و هي صرة بابل» ففيه إشارة الى ان الكوفة من أرض بابل إذ المراد بالصرة الكناية عن الشيء النفيس العزيز، لأن أصل الصرة بمعنى صرة الدراهم و هي أنفس الأموال و أعزها. و المفهوم من خبر رد الشمس الى أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)- في أيام رجوعه من حرب الخوارج و تركه الصلاة الى ان عبر الفرات فصلى في الجانب الآخر- اختصاص بابل بذلك الجانب من الفرات، و لعل الإضافة هنا مجاز باعتبار قربها من بابل و ان ارض الخسف من بابل التي يكره الصلاة فيها مخصوص بذلك الموضع الذي عبر (عليه السلام) منه. و الله العالم.
(الخامسة) [وقوع النقص في مسجد الكوفة]
- ان ما دل عليه مرسل الفقيه من
قول الصادق (عليه السلام) «حد مسجد الكوفة آخر السراجين. إلخ».
مما يدل على وقوع النقص في المسجد و الحديث بهذه الكيفية
قد رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن علي بن مهزيار بإسناد له (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) حد مسجد الكوفة. الحديث».
إلا ان
الكليني في الروضة و العياشي في تفسيره قد نقلاه بوجه ابسط عن المفضل بن عمر (3) قال:
«كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) بالكوفة أيام قدم علي ابي العباس فلما انتهينا إلى الكناسة نظر عن يساره ثم قال يا مفضل ههنا قتل عمي زيد ثم مضى حتى اتى طاق الرواسين و هو آخر السراجين فنزل فقال لي انزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم (عليه السلام) و انا أكره ان ادخله راكبا فقلت له فمن غيره عن خطته؟ قال اما أول ذلك فالطوفان. الى آخر ما تقدم في خبر الفقيه».
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 121.
(2) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(3) الروضة ص 279 و مستدرك الوسائل الباب 35 من أحكام المساجد.
324
و مما يدل على وقوع النقص في المسجد
ما رواه في الكافي في خبر عن ابي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوم على باب المسجد ثم يرمي بسمة فيقع في موضع التمارين فيقول ذلك من المسجد، و كان يقول قد نقص من أساس مسجد الكوفة مثل ما نقص في تربيعه».
و في رواية أخرى نقلها في البحار (2) عن مؤلف المزار الكبير قال «و لقد نقص منه اثنا عشر الف ذراع مما كان على عهدهم».
بقي الكلام في حكم هذا الناقص من المسجد الأول الزائد على ما هو عليه الآن هل يثبت له حكم المسجدية؟ إشكال ينشأ من ان ظاهر حديث المفضل- حيث ان الصادق (عليه السلام) نزل لما بلغ الى طاق الرواسين و أمر المفضل بالنزول معللا ذلك بأنه من المسجد و انه يكره دخوله راكبا- اجراء حكم المسجدية في ذلك الزائد، و من ان ظاهر خبر ابي بصير- الدال على ان عليا (عليه السلام) رمى بسهمه الى موضع التمارين و أخبر ان هذه المسافة كلها من المسجد مع انه لم ينقل عنه في زمانه إدخالها في المسجد و لا الأمر باحترامها و اجراء حكم المسجدية عليها، بل الظاهر انما هو العدم لتقريره الناس على تصرفهم في هذا الموضع بجعله سوقا و طريقا و منازل و نحوها من التصرفات- هو العدم، و لعل الترجيح للأخير إلا انه يمكن تطرق القدح اليه بعدم تمكنه (عليه السلام) من تغيير ما جرت عليه أئمة الجور قبله كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما كان عليه في أيام خلافته و ان جل رعيته انما يرونه بعين التبعية لمن تقدمه. و كيف كان فإنه يجب ان يحمل فعل الصادق (عليه السلام) على الفضل و الاستحباب.
و الظاهر ان الكلام ههنا كالكلام في المسجد الحرام قبل الزيادة التي زادتها بنو أمية، فإن ظاهر خبر زرارة المتقدم (3)- المتضمن لنوم الباقر (عليه السلام) معه في تلك الزيادة و تجويزه النوم فيها معللا ذلك بأنها ليست من المسجد الذي في زمنه (صلى الله
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(2) ج 22 ص 88.
(3) ص 293.
325
عليه و آله) مع دلالة الأخبار الأخر على انها من المسجد القديم- هو عدم اجراء حكم المسجدية على ذلك الزائد و ان كان داخلا في المسجد القديم، و هو مؤيد لما ذكرناه من عدم ثبوت حكم المسجدية لما زاد على المسجد الموجود في زمنه (عليه السلام) و ان كان داخلا في المسجد القديم.
و يمكن ان يكون الوجه في الجميع ان الاعتبار في رعاية حكم المسجدية على ما كان مسجدا في الإسلام بأن ثبت له المسجدية و سمى مسجدا بعد ظهور الشريعة المحمدية، فإن البيع و الكنائس السابقة في الملل المتقدمة كانت في تلك الملل يراعى فيها ما يراعى في المساجد من التوقير و التعظيم، و اما بعد الإسلام بالنسبة إلى المسلمين فإنه لا يراعى فيها ذلك لأنها ليست من مساجد الإسلام، و لهذا ورد جواز نقضها و جعلها مساجد يجب احترامها كما يجب في المساجد المعمولة في الإسلام فكذلك المساجد التي في زمان الكفر و تلك الملل السابقة، بل الاعتبار بما جرى عليه اسم المسجدية في الإسلام، و يعضده تقرير النبي (صلى الله عليه و آله) الناس على مسجدية المسجد الحرام الموجود في زمنه دون ما زاد عليه. و الله العالم.
نعم يبقى اشكال آخر بالنسبة إلى تغيير زياد ابن أبيه الذي وقع بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) و ثبوت المسجدية للجميع الموجود يومئذ. و يمكن التفصي عن ذلك بأنه لعدم معلوميته لنا الآن لا يلزمنا حكمه.
و يمكن تخصيص تغيير زياد باعتبار القبلة دون ارض المسجد كما يشير اليه
ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسنده فيه عن الأصبغ بن نباتة (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له «حتى انتهى الى مسجد الكوفة و كان مبنيا بخزف و دنان و طين فقال ويل لمن هدمك و ويل لمن سهل هدمك و ويل لبانيك بالمطبوخ المغير قبلة
____________
(1) البحار ج 13 ص 186.
326
نوح (عليه السلام) طوبى لمن شهد هدمك مع قائم أهل بيتي أولئك خيار الأمة مع أبرار العترة».
و روى محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة بسنده إلى حبة العرني في حديث عنه (عليه السلام) (1) قال: «كأني انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفة و قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل، اما إن قائمنا إذا قام كسره و سوى قبلته».
و اما نسبته (عليه السلام) في هذا الخبر زيادا الى ابي سفيان فلعله خرج مخرج التقية لاشتهار ذلك بين الأموية حيث ان معاوية استلحقه و جعله أخاه لأبيه و إلا فهو مشهور بين علماء التاريخ بنسبته الى امه سمية أو يقال زياد ابن أبيه.
(السادسة)- ما تضمنه مرسل الفقيه عن علي (عليه السلام) في فضل الصلاة في المساجد المذكورة
قد ورد مثله في
ما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) إلا ان كتب الاخبار قد اختلفت في قوله: «و صلاة في المسجد الأعظم تعدل مائة صلاة».
ففي التهذيب في حديث السكوني المذكور و كذا في كتاب المحاسن كما هنا و لكن في أكثر نسخ الفقيه «مائة ألف صلاة» و كذا في كتاب ثواب الأعمال، و الظاهر زيادة لفظ «الف» من النساخ في الصدر الأول أو أحد الرواة و استمر عليها النسخ، و على تقديره فيحمل المسجد الأعظم على المسجد الحرام، و على تقدير النسخة الأخرى يحمل على المسجد الجامع.
و بيت المقدس بتخفيف الدال بمعنى القدس و الطهارة كأن من يدخل فيه يطهر من الذنوب، و المراد بكون الصلاة فيه تعدل ألف صلاة أي في البيوت و غير المساجد و يحتمل الحمل على الترتيب بالنسبة إلى الجامع و كذا الجامع بالنسبة إلى مسجد القبيلة و هكذا و لعل الأول أقرب.
و المراد بمسجد القبيلة هو مسجد المحلة المذكور في كلام الأصحاب بعنوان المحلة و وجه خروج هذه التسمية في الخبر انه كان في تلك الأوقات و لا سيما في الكوفة قبائل
____________
(1) البحار ج 13 ص 192.
(2) الوسائل الباب 64 من أحكام المساجد.
327
العرب و كل قبيلة في محلة و لها مسجد فيها فنسب المسجد إلى القبيلة.
و المراد بمسجد السوق ما كان لأهل السوق واقعا في السوق أو الى جنبها لا ما اتصل بها و ان كان جامعا أو مسجد قبيلة و إلا فكثير من المساجد الجامعة متصلة بالسوق و لا سيما المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله).
و في رواية التهذيب (1) «و صلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة».
و كذا في بعض نسخ الفقيه و في كتاب ثواب الأعمال، قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقله الخبر على ما في التهذيب: بيان- لفظة «وحده» ليست في بعض نسخ الفقيه فان قلنا ان التضعيف في الأجر باعتبار الجماعة و كثرتها فإثباتها أوضح في مقابلة الوحدة بالجماعة (و ان قلنا) انه باعتبار فضل المسجد من غير نظر الى الجماعة فاسقاطها أوضح في مقابلة كل من الوحدة و الجماعة بمثله. انتهى.
أقول:
قد روى الشيخ في كتاب المجالس عن الحسين بن عبيد الله عن التلعكبري عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن خالد الطيالسي عن زريق الخلقاني (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلاة الرجل في منزله جماعة تعدل أربعا و عشرين صلاة و صلاة الرجل جماعة في المسجد تعدل ثمانيا و أربعين صلاة مضاعفة في المسجد. و ان الركعة في المسجد الحرام ألف ركعة في سواه من المساجد و ان الصلاة في المسجد فردا بأربع و عشرين صلاة. و الصلاة في منزلك فردا هباء منثور لا يصعد منها الى الله تعالى شيء. و من صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلاة له و لا لمن صلى معه إلا من علة تمنع من المسجد».
و روى فيه ايضا بالسند المذكور عن زريق المذكور (3) قال: «سمعت أبا عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 64 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 33 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
328
(عليه السلام) يقول شكت المساجد الى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها فأوحى الله عز و جل إليها و عزتي و جلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة و لا أظهرت لهم في الناس عدالة و لا نالتهم رحمتي و لا جاوروني في جنتي».
و في جملة من الاخبار «لا صلاة لجار المسجد إلا فيه» (1).
و وجه الجمع بينها و بين الخبر المذكور و أمثاله مما دل على صحة الصلاة في البيت و جوازها اما حمل التخلف عن المسجد على ما إذا كان لمجرد التهاون و الاستخفاف و عدم المبالاة بما ورد في الصلاة فيه من الأجر و الثواب و اليه يشير خبر زريق الأول، أو على قلة الأجر و الثواب المترتب عليها حتى كأنه في حكم العدم و لعله الأظهر فإنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يبالغون في الزجر عن المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات و الحث على المستحبات بما يكاد يدخلها في الواجبات.
و كيف كان فمع العذر يكون مستثنى من الحكم المذكور، و يدل عليه
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «قال علي (عليه السلام) ليس لجار المسجد صلاة إذا لم يشهد المكتوبة في المسجد إذا كان فارغا صحيحا».
و مثله روى في التهذيب (3) ايضا. و الله العالم.
المقدمة السابعة في الأذان و الإقامة
[تعريف الأذان و الإقامة]
الأذان لغة الاعلام و مثله الإيذان، و منه قوله تعالى «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» (4) اي اعلموا، و على قراءة المد اي اعلموا من ورائكم بالحرب، فالمد يفيد التعدي و فعله «أذن يأذن» ثم شدد للتعدية، و شرعا أذكار مخصوصة موضوعة للاعلام بدخول أوقات الصلوات. و الإقامة مصدر اقام بالمكان و التاء عوض عن الواو
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(4) سورة البقرة، الآية 279.
329
المحذوفة لأن أصله (إقوام) أو مصدر (أقام الشيء) بمعنى ادامه و منه «يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ» و شرعا أذكار مخصوصة عند إقامة الصلاة.
[الأخبار في فضل الأذان]
و الاخبار بفضله و ثوابه- و انه من وكيد السنن و انه وحي من الله تعالى لا ما تزعمه العامة العمياء- حتى انهم أجمعوا عليه- من نسبته إلى رؤيا عبد الله بن زيد في منامه (1)- مستفيضة متواترة، و لا بأس بنقل جملة منها لان كتابنا هذا- كما قدمنا ذكره- كتاب اخبار و أحكام:
فروى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) عن عبد الله بن علي قال: «حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها فبينا انا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل شديد الادمة أبيض الرأس و اللحية عليه طمران أحدهما أسود و الآخر أبيض فقلت من هذا؟ فقالوا هذا بلال مولى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأخذت الواحي فأتيته فسلمت عليه فقلت له السلام عليك ايها الشيخ فقال و عليك السلام فقلت يرحمك الله حدثني بما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال و ما يدريك من انا؟ فقلت أنت بلال مؤذن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فبكى و بكيت حتى اجتمع الناس علينا و نحن نبكي، قال ثم قال يا غلام من اي البلاد أنت؟ قلت من أهل العراق. قال بخ بخ ثم سكت ساعة ثم قال اكتب يا أخا أهل العراق بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول المؤذنون أمناء المؤمنين على صلاتهم و صومهم و لحومهم و دمائهم لا يسألون الله عز و جل شيئا إلا أعطاهم و لا يشفعون في شيء إلا شفعوا. قلت زدني رحمك الله تعالى قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من اذن أربعين عاما محتسبا بعثه الله عز و جل يوم القيامة و له عمل أربعين صديقا عملا مبرورا متقبلا. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن
____________
(1) تيسير الوصول ج 2 ص 209.
(2) ج 1 ص 189 و في الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
330
الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من اذن عشرين عاما بعثه الله عز و جل يوم القيامة و له من النور مثل زنة السماء. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من اذن عشر سنين أسكنه الله مع إبراهيم الخليل في قبته أو في درجته. قلت زدني رحمك الله قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من اذن سنة واحدة بعثه الله عز و جل يوم القيامة و قد غفرت له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت و لو كانت مثل زنة جبل أحد. قلت زدني رحمك الله قال نعم فاحفظ و اعمل و احتسب سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول من اذن في سبيل الله صلاة واحدة إيمانا و احتسابا و تقريبا الى الله تعالى غفر الله له ما سلف من ذنوبه و من عليه بالعصمة في ما بقي من عمره و جمع بينه و بين الشهداء في الجنة. قلت زدني يرحمك الله حدثني بأحسن ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال ويحك يا غلام قطعت أنياط قلبي و بكى و بكيت حتى اني و الله لرحمته ثم قال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول إذا كان يوم القيامة و جمع الله عز و جل الناس في صعيد واحد بعث الله عز و جل إلى المؤذنين ملائكة من نور و معهم ألوية و اعلام من نور يقودون جنائب أزمتها زبرجد أخضر و خفائفها المسك الأذفر يركبها المؤذنون فيقومون عليها قياما تقودهم الملائكة ينادون بأعلى صوتهم بالأذان. ثم بكى بكاء شديدا حتى انتحب و بكيت فلما سكت قلت مم بكاؤك؟ فقال ويحك ذكرتني شيئا سمعت حبيبي و صفيي (عليه السلام) يقول و الذي بعثني بالحق نبيا انهم ليمرون على الخلق قياما على النجائب فيقولون الله أكبر الله أكبر فإذا قالوا ذلك سمعت لأمتي ضجيجا، فسأله أسامة بن زيد عن ذلك الضجيج ما هو؟
قال الضجيج التسبيح و التحميد و التهليل فإذا قالوا اشهد ان لا إله إلا الله قالت أمتي إياه كنا نعبد في الدنيا فيقال صدقتم فإذا قالوا اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قالت أمتي هذا الذي أتانا برسالة ربنا جل جلاله و آمنا به و لم نره فيقال لهم صدقتم هذا
331
الذي أدى إليكم الرسالة من ربكم و كنتم به مؤمنين فحقيق على الله عز و جل ان يجمع بينكم و بين نبيكم فينتهي بهم الى منازلهم و فيها ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر. ثم نظر الي فقال ان استطعت- و لا قوة إلا بالله- ان لا تموت إلا و أنت مؤذن فافعل. فقلت يرحمك الله تفضل علي و أخبرني فاني فقير محتاج و أد الي ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه و آله) فإنك قد رأيته و لم أره وصف لي كما وصف لك رسول الله (صلى الله عليه و آله) بناء الجنة فقال اكتب. الحديث».
و روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من اذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة».
و عن محمد بن مروان (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول المؤذن يغفر له مد صوته و يشهد له كل شيء سمعه».
و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا أذنت و أقمت صلى خلفك صفان من الملائكة و إذا أقمت صلى خلفك صف من الملائكة».
و روى الصدوق مرسلا (4) «ان حد الصف ما بين المشرق و المغرب».
و روى ايضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) انه قال: «من صلى بأذان و اقامة صلى خلفه صفان من الملائكة لا يرى طرفاهما و من صلى بإقامة صلى خلفه ملك».
و روى في الكافي عن عبد الرحمن بن ابي نجران رفعه (6) قال: «ثلاثة يوم القيامة على كثبان المسك أحدهم مؤذن أذن احتسابا».
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابن ابي عمير عن زكريا صاحب السابري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال «ثلاثة في الجنة على المسك الأذفر: مؤذن أذن،
____________
(1) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 4 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 4 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 4 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(7) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
332
احتسابا، و امام أم قوما و هم به راضون، و مملوك يطيع الله و يطيع مواليه».
و روى في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان طول حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قامة و كان يقول لبلال إذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار و ارفع صوتك بالأذان فإن الله تعالى قد و كل بالأذان ريحا ترفعه الى السماء و ان الملائكة إذا سمعوا الأذان من أهل الأرض قالت هذه أصوات امة محمد (صلى الله عليه و آله) بتوحيد الله عز و جل فيستغفرون لامة محمد (صلى الله عليه و آله) حتى يفرغوا من تلك الصلاة».
و رؤيا في الكتابين المذكورين عن هشام بن إبراهيم (2) «أنه شكى الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام) سقمه و انه لا يولد له فأمره أن يرفع صوته بالأذان في منزله قال ففعلت ذلك فاذهب الله عني سقمي و كثر ولدي قال محمد بن راشد و كنت دائم العلة ما انفك منها في نفسي و جماعة خدمي و عيالي حتى كأنني كنت أبقى و ما لي أحد يخدمني فلما سمعت ذلك من هشام عملت به فاذهب الله عني و عن عيالي العلل».
و روى في الكافي في الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري (3) قال: «سمعته يقول اذن في بيتك فإنه يطرد الشيطان و يستحب من أجل الصبيان».
و روى في التهذيب في الصحيح عن عبد الرحمن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا أذنت فلا تخفين صوتك فان الله يأجرك مد صوتك فيه».
إذا عرفت ذلك فالكلام في هذا المقام يقع في المؤذن و ما يؤذن له و يقام من الصلوات و كيفية الأذان و الإقامة و الأحكام المتعلقة بهما فههنا مقامات أربعة:
[المقام] (الأول) [هل يعتبر في المؤذن الإيمان و العقل و البلوغ و الذكورة]
- قد صرح جملة من الأصحاب انه يشترط في المؤذن المنصوب في البلد للأذان ان يكون مسلما عاقلا ذكرا و لا يشترط فيه البلوغ بل يكفي كونه مميزا.
____________
(1) الوسائل الباب 16 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 18 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 18 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 16 من الأذان و الإقامة.
333
أقول: اما اشتراط الإسلام و ان لا يكون كافرا فادعى عليه الإجماع جملة من الأصحاب، و يدل عليه جملة من الاخبار الدالة على ان المؤذنين أمناء الناس على دينهم و منها حديث بلال المتقدم و الكافر ليس له أهلية الامانة.
و ما رواه في الكافي في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال «سئل عن الأذان هل يجوز ان يكون من غير عارف؟ قال لا يستقيم الأذان و لا يجوز ان يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الأذان فأذن به و لم يكن عارفا لم يجز أذانه و لا إقامته و لا يقتدى به. الحديث» و في بعض النسخ «و لا يعتد به».
و ظاهر الخبر اشتراط الايمان فان لفظ العارف في الاخبار انما يطلق على العارف بالإمامة كما وقع في مواضع عديدة منها و هو الذي اختاره الشهيدان، و ظاهر عبارات أكثر الأصحاب اشتراط مجرد الإسلام فيكفي أذان المخالف بناء على حكمهم بإسلامه قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و هل يشترط في المؤذن مع الإسلام الإيمان؟ ظاهر العبارة عدم اشتراطه و ينبه عليه ايضا حكمهم باستحباب قول ما يتركه المؤذن فإنه يشمل بإطلاقه المخالف، و هو ظاهر فيه فان غير الناسي من المؤمنين لا يترك منه شيئا بل لو تركه اختيارا لم يعتد بأذانه،
و روى ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «إذا نقص المؤذن الأذان و أنت تريد ان تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه».
و الأصح اشتراط الايمان مع الإسلام
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «يؤذن لكم خياركم».
خرج منه ما اجمع على جوازه فيبقى الباقي
و لقول الصادق (عليه السلام) (4) «لا يجوز ان يؤذن إلا رجل مسلم عارف».
و لكونه أمينا. و هو الذي اختاره الشهيد فلا يعتد بأذانه و ان أتمه لأن المانع الخلاف لا نقص الفصول. انتهى. و هو جيد و قوله «لان المانع الخلاف
____________
(1) الوسائل الباب 26 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 16 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 26 من الأذان و الإقامة.
334
أي كونه مخالفا غير مؤمن، و ربما يتوهم الخلاف يعني في المسألة، و هو غلط محض.
و هل يصير الكافر بتلفظه بالشهادتين في الأذان أو الصلاة مسلما فيعتد بأذانه أم لا؟ المنقول عن العلامة في التذكرة الأول لأن الشهادة صريح في الإسلام،
و قد قال (صلى الله عليه و آله) (1) «أمرت أن أ قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها».
و فيه ان مجرد التلفظ بذلك غير موجب للإسلام لوقوعه من غير العارف بمعنى اللفظ كالأعجم أو على جهة الاستهزاء أو الحكاية أو الغفلة أو التأويل كما يقوله النصارى من ان محمدا نبي إلى العرب خاصة (لا يقال) ان هذا يجري أيضا في ما لو تلفظ بالشهادتين حال دعوته إلى الإسلام فيلزم ان لا يتحقق به إسلامه مع انه خلاف النص و الإجماع (لأنا نقول) ذكر الشهادتين في الأذان و في الصلاة ليس موضوعا للدلالة على الإسلام و الإنباء عن اعتقاده و التدين به بل للإعلام في الأذان و كونهما جزء من العبادة في الصلاة بخلاف التلفظ بهما عند الدعوة الى الإسلام فإنهما موضوعان للدلالة على اعتقاد قائلهما بمضمونهما و ان لم يكن في الواقع معتقدا لذلك فلذلك حقن بهما ماله و دمه، و بذلك صرح الشهيدان ايضا.
و اما اشتراط كونه عاقلا غير مجنون فلرفع القلم عن المجنون (2) فلا يعتد بعبادته و الأمر فيه أظهر من ان يحتاج الى مزيد تطويل. نعم لو كان الجنون مما يعتوره أدوارا فلا مانع من الاعتداد بأذانه وقت إفاقته.
و اما اشتراط الذكورة فهو على إطلاقه محل كلام إذ الظاهر انه لا خلاف في اعتداد النساء بأذان المرأة لهن، قال في الذكرى: الأذان مشروع للنساء فيعتد بأذان المرأة لهن عند علمائنا و كذا لو أذنت للمحارم. و انما الإشكال في أذانها للأجانب و لعل المشترط هنا بنى على الأذان الإعلامي الذي على المنارة مثلا فيندفع عنه الإيراد بناء على ما اشتهر في
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 39.
(2) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات و الباب 8 من مقدمات الحدود.
335
كلامهم من ان صوت المرأة عورة فلا يجوز لها إسماعه الأجانب، إلا ان المنقول عن المبسوط هنا جواز إسماعها الأجانب و الاعتداد به و ان منعه من تأخر عنه ورد عليه في ذلك. و بالجملة فالمسألة مبنية عندهم على تحريم إسماع المرأة صوتها الرجال و هو مشهور عندهم، و الذي ثبت عندي- من تتبع الأخبار الكثيرة الدالة على تكلم النساء مع الناس في مجالس الأئمة (عليهم السلام) و كذا كلام فاطمة (عليها السلام) مع جملة من الصحابة و خروجها للمخاصمة في فدك في المسجد لجملة من فيه من الصحابة و إتيانها بعد المخاصمة و المجادلة بتلك الخطبة الطويلة المروية عند العامة و الخاصة كما ذكرناها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد- هو خلاف ما ذكروه و به يظهر جواز اذانهن للأجانب و لو الأذان الإعلامي، إلا انه ينبغي التوقف فيه من جهة أخرى و هو ان الأذان الإعلامي عبادة شرعية مبنية على التوقيف و لم يرد عنهم (عليهم السلام) الاذن للنساء في ذلك و لا وقوعه من النساء في زمانهم و لا الإشارة إلى شيء من ذلك في أخبارهم بل انما يقع في جميع الأعصار- و به خرجت الاخبار- من الرجال خاصة فيبقى التوقف فيه من هذه الجهة لا من جهة كون سماع صوتهن عورة فإنه لم يثبت على إطلاقه و ان دل ظواهر بعض النصوص النادرة على ذلك فهو محمول على حصول الريبة بذلك و لا إشكال في التحريم مع ذلك.
و اما الاعتداد بأذان المميز فنقل في الذكرى الإجماع عليه، قال فاما المميز فيعتد بأذانه إجماعا منا. أقول: و يدل عليه
ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول لا بأس ان يؤذن الغلام قبل ان يحتلم».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم».
____________
(1) الوسائل الباب 32 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 32 من الأذان و الإقامة.
336
و في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) قال:
«لا بأس ان يؤذن العبد و الغلام الذي لم يحتلم».
قال شيخنا في الروض و المراد بالمميز من يعرف الأضر من الضار و الأنفع من النافع إذا لم يحصل بينهما التباس بحيث يخفى على غالب الناس. و اعترضه سبطه في المدارك بأنه مع عدم وضوح مأخذه رد إلى الجهالة.
أقول: لا يخفى ان الوارد في الاخبار المذكورة التي هي مستند الحكم المذكور انما هو الغلام قبل الاحتلام و التقييد بكونه مميزا انما وقع في كلامهم (رضوان الله عليهم) و لعل من عبر بذلك من المتقدمين فإنما أراد المراهق للبلوغ فإنه الأقرب الى عبارة الأخبار المذكورة. و الظاهر ان ما أورده السيد على جده غير وارد و لو ثبت وجود هذا اللفظ في الاخبار فإنه متى ورد ذلك فالواجب بمقتضى قواعدهم الرجوع في معناه الى العرف، و ما ذكره جده هو مقتضى العرف في معنى التمييز.
[استحباب اتصاف المؤذن بأمور]
(الثاني) قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يستحب اتصاف المؤذن للاعلام بأمور (أحدها)
العدالة
لقوله (صلى الله عليه و آله) (2) «يؤذن لكم خياركم».
و قوله (عليه السلام) (3) «المؤذن مؤتمن».
و لانه ربما قلده ذوو الاعذار. و قطع الأصحاب عدا ابن الجنيد بصحة أذان الفاسق لكونه عاقلا كاملا فيعتبر أذانه عملا بالإطلاق و منع ابن الجنيد ضعيف. قال في الروض و اعلم ان استحباب كون المؤذن عدلا لا يتعلق بالمؤذن لصحة أذان الفاسق مع كونه مأمورا بالأذان بل الاستحباب راجع الى الحاكم بان ينصبه مؤذنا لتعم فائدته.
و (ثانيها)
ان يكون صيتا
اي رفيع الصوت ليحصل الغرض من الأذان و هو
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 26 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 16 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 3 من الأذان و الإقامة.
337
الاعلام، و يدل عليه ما تقدم من رواية عبد الله بن سنان الدالة على أمر الرسول (صلى الله عليه و آله) بلالا بالعلو على الجدار و ان يرفع صوته بالأذان.
و في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا يجزئك من الأذان إلا ما أسمعت نفسك و افهمته (2) و أفصح بالألف و الهاء و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره، و كلما اشتد صوتك من غير ان تجهد نفسك كان من يسمع أكثر و كان أجرك في ذلك أعظم».
أقول: في هذا الحديث الشريف فوائد: منها- عدم اجزاء الأذان إذا لم يسمع نفسه و المراد منه الأذان الموظف في الصلاة عند إيقاعها جماعة أو فرادى إذا كان هو المؤذن.
و منها- عدم الاجتزاء بسماع الهمهمة الغير المفهمة إذا كان المؤذن غيره كما أشار إليه بقوله «و افهمته» فإنه على ما ذكره شيخنا البهائي (قدس سره) بالبناء للمجهول، قال و هو مضبوط كذلك في الكتب المعتبرة. و يحتمل عطفه على إسماع نفسه بان يكون عطفا تفسيريا و اما الحمل على فهم معاني الأذان فبعيد جدا.
و منها- استحباب الإفصاح بالألف و الهاء و سيأتي ذكره في الباب ان شاء الله تعالى و منها- الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) كلما ذكره الإنسان أو سمعه سواء كان في أذان أو غيره، و هو ظاهر في الوجوب كما حققناه في موضع أليق خلافا للمشهور بين الأصحاب.
و منها- رفع الصوت بالأذان من غير ان يتعب نفسه و المراد به الأذان الإعلامي، و يؤيده في ذلك ايضا
ما ورد في رواية محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام) (3) «المؤذن يغفر له مد صوته و يشهد له كل شيء سمعه».
و (ثالثها)
ان يكون حسن الصوت
، ذكره جمع منهم و عللوه بإقبال القلوب على
____________
(1) الوسائل الباب 15 و 16 و 42 من الأذان و الإقامة.
(2) كذا في الحبل المتين ص 200 و في كتب الحديث «أو فهمته».
(3) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
338
استماعه. و فيه ما لا يخفى فان الاستحباب حكم شرعي و إثبات الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات العليلة مجازفة.
و (رابعها)
ان يكون مبصرا
ليتمكن من معرفة الأوقات، و لو كان له من يسدده جاز بلا كراهة.
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) انه قال: «لا بأس ان يؤذن الأعمى إذا سدد و قد كان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو أعمى».
أقول:
قد ورد أيضا في جملة من الاخبار عنه (صلى الله عليه و آله) (2) «إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا فإنه يؤذن بليل و إذا أذن بلال فأمسكوا».
إلا ان يحمل أذان ابن أم مكتوم في هذا الخبر على بعض الأوقات التي يحصل له من يسدده فيها فلا اشكال
و (خامسها)
ان يكون فصيحا
ذكره بعضهم، قال شيخنا الشهيد الثاني: الاولى ان يراد بالفصاحة هنا معناها اللغوي بمعنى خلوص كلماته و حروفه عن اللكنة و اللثغة و نحوهما بحيث تتبين حروفه بيانا كاملا لا المعنى الاصطلاحي لأن الملكة التي يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح لا دخل لها في ألفاظ الأذان المتلقاة من غير زيادة و لا نقصان. انتهى.
أقول: و بهذا الشرط صرح
في كتاب دعائم الإسلام نقلا عن علي (عليه السلام) (3) انه قال: «ليؤذن لكم أفصحكم و ليؤمكم أفقهكم».
و (سادسها)
ان يكون بصيرا بالأوقات عارفا بها
ليأمن من الغلط و يقلده ذوو الاعذار. و لو اذن الجاهل في الوقت صح و اعتد به لحصول المطلوب.
____________
(1) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بأبواب الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
339
و (سابعها)
ان يكون متطهرا من الحدثين الأكبر و الأصغر
، و هذا لا اختصاص له بالأذان الإعلامي بل يكون جاريا فيه و في المؤذن لصلاته وحده أو جماعة. قال في المعتبر و عليه فتوى العلماء. و قال في المنتهى و عليه إجماع العلماء.
و استدل على استحباب الطهارة
بقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «حق و سنة ان لا يؤذن أحد إلا و هو طاهر».
قالوا و لانه من سنن الصلاة و يستحب فيها الطهارة كالتوجه.
و أنت خبير بما في هذه الأدلة، اما الرواية فالظاهر انها عامية لعدم وجودها في أخبارنا.
و اما التعليل الأخير فعليل و لا اعرف لهم دليلا غير الإجماع المدعى في المقام. نعم سيأتي في رواية كتاب دعائم الإسلام ما يدل على ذلك.
و اما الأخبار الدالة على صحة الأذان من غير طهارة فهي مستفيضة: منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «تؤذن و أنت على غير وضوء في ثوب واحد قائما أو قاعدا و أينما توجهت و لكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيأ للصلاة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان يؤذن الرجل من غير وضوء و لا يقيم إلا و هو على وضوء».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يؤذن على غير طهور؟ قال نعم».
و عن ابي بصير في الموثق (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث لا بأس ان تؤذن على غير وضوء».
و عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (6) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول في حديث: و لا بأس ان يؤذن المؤذن و هو جنب و لا يقيم حتى يغتسل».
____________
(1) منتخب كنز العمال على هامش مسند احمد بن حنبل ج 3 ص 276.
(2) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
340
و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المؤذن يحدث في أذانه أو في إقامته؟ قال ان كان الحدث في الأذان فلا بأس و ان كان في الإقامة فليتوضأ و ليقم اقامة».
و ما رواه عاصم بن حميد في كتابه عن عمرو بن ابي نصر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) المؤذن يؤذن و هو على غير وضوء؟ قال نعم و لا يقيم إلا و هو على وضوء.».
و ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يؤذن أو يقيم و هو على غير وضوء أ يجزئه ذلك؟ قال اما الأذان فلا بأس و اما الإقامة فلا يقيم إلا على وضوء. قلت فإن أقام و هو على غير وضوء أ يصلي بإقامته؟ قال لا».
أقول: و هذه الأخبار المشتملة على ذكر الإقامة قد اشتركت كلها في عدم صحة الإقامة إلا متطهرا و هي صريحة في مذهب المرتضى في المصباح و العلامة في المنتهى من القول بوجوب الطهارة في الإقامة و هو الأصح و ان كان المشهور الاستحباب كالأذان و لا اعرف لهم دليلا على الاستحباب زيادة على التمسك بمقتضى الأصل. و حملهم هذه الاخبار على تأكد الطهارة في الإقامة يحتاج الى المعارض و ليس إلا الأصل الذي قد قرروا في غير موضع انه يجب الخروج عنه بالدليل و الدليل- كما ترى- واضح.
و (ثامنها)
ان يكون قائما
و هذا ايضا كسابقه في عدم الاختصاص
لما رواه الشيخ عن حمران (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الأذان جالسا؟ قال لا يؤذن جالسا إلا راكب أو مريض».
____________
(1) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
341
و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكم الإقامة أيضا كذلك، و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: و لا تجوز الإقامة إلا و هو قائم متوجه إلى القبلة مع الاختيار. و هو صريح في اشتراطه القيام فيها و انها لا تجزئ مع القعود، و قال ابن بابويه: و لا بأس بالأذان قائما و قاعدا و مستقبلا و مستدبرا و ذاهبا و جائيا و هو على غير وضوء، و الإقامة على وضوء مستقبلا، و ان كان اماما فلا يؤذن إلا قائما.
أقول: و الظاهر عندي من الاخبار المتكاثرة الواردة في هذا المقام هو ما ذكره شيخنا المفيد من وجوب القيام في الإقامة إلا مع العذر، و ها أنا أتلو عليك ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس للمسافر أن يؤذن و هو راكب، و يقيم و هو على الأرض قائم».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يؤذن الرجل و هو قاعد؟ قال نعم و لا يقيم إلا و هو قائم».
و عن احمد بن محمد عن عبد صالح (عليه السلام) (3) قال: «يؤذن الرجل و هو جالس و لا يقيم إلا و هو قائم. و قال تؤذن و أنت راكب و لا تقيم الا و أنت على الأرض».
و رواه الكليني بسنده عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) مثله.
و عن ابي بصير في الموثق (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا بأس ان تؤذن راكبا أو ماشيا أو على غير وضوء و لا تقم و أنت راكب أو جالس إلا من علة أو تكون في أرض ملصة أي ذات لصوص».
و عن يونس الشيباني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «قلت له أؤذن و انا راكب؟ قال نعم. قلت فأقيم و انا راكب؟ قال لا. قلت فأقيم و رجلي في الركاب؟
____________
(1) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
342
قال لا. قلت فأقيم و انا قاعد؟ قال لا. قلت فأقيم و انا ماش؟ قال نعم ماش إلى الصلاة قال ثم قال إذا أقمت الصلاة فأقم مترسلا فإنك في الصلاة. قال قلت له قد سألتك أقيم و انا ماش قلت لي نعم فيجوز ان امشي في الصلاة؟ قال نعم إذا دخلت من باب المسجد فكبرت و أنت مع امام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك، و إذا الإمام كبر للركوع كنت معه في الركعة لأنه ان أدركته و هو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع».
و روى في الكافي عن سليمان بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يقيم أحدكم الصلاة و هو ماش و لا راكب و لا مضطجع إلا ان يكون مريضا و ليتمكن في الإقامة كما يتمكن في الصلاة فإنه إذا أخذ في الإقامة فهو في صلاة».
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المسافر يؤذن على راحلته و إذا أراد ان يقيم اقام على الأرض؟ قال نعم لا بأس».
و عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «تؤذن و أنت جالس و لا تقيم إلا و أنت على الأرض و أنت قائم».
و روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الأذان و الإقامة أ يصلح على الدابة؟ قال اما الأذان فلا بأس و اما الإقامة فلا حتى تنزل على الأرض».
و ما رواه عاصم بن حميد في كتابه (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) المؤذن يؤذن و هو على غير وضوء؟ و قد تقدم الى ان قال فقلت يؤذن و هو جالس؟ فقال نعم و لا يقيم إلا و هو قائم».
____________
(1) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
(5) مستدرك الوسائل الباب 12 من الأذان و الإقامة.
343
و في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) «لا بأس ان يؤذن الرجل على غير طهر و يكون على طهر أفضل و لا يقيم إلا على طهر».
و عنه (عليه السلام) (2) «لا يؤذن الرجل و هو جالس إلا مريض أو راكب و لا يقيم إلا قائما على الأرض إلا من علة لا يستطيع معها القيام».
و أنت خبير بما فيها من الظهور- كالنور على الطور لا يعتريه خلل و لا قصور- في ما ادعيناه، و تأويلها بتأكد الاستحباب في الإقامة زيادة على الأذان فرع وجود المعارض كما في الأذان و إلا فهو مجرد مجازفة في الأحكام المبنية على التوقيف عنهم (عليهم السلام)
و (تاسعها)
ان يكون قيامه على مرتفع
، و هذا مخصوص بالأذان الإعلامي ليكون أبلغ في الاعلام، و يدل عليه ما تقدم في رواية ابن سنان من أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بلالا ان يعلو جدار المسجد و يؤذن.
و اما استحبابه في المنارة كما ذكره جملة من الأصحاب ففيه انه
قد روى علي بن جعفر (3) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الأذان في المنارة أ سنة هو؟ فقال انما كان يؤذن النبي (صلى الله عليه و آله) في الأرض و لم يكن يومئذ منارة».
قال الشيخ في المبسوط: لا فرق بين ان يكون الأذان في المنارة أو على الأرض.
مع انه قال فيه يستحب ان يكون المؤذن على موضع مرتفع. و الوجه (4) استحبابه في المنارة (أما أولا) فللأمر بوضع المنارة مع حائط المسجد غير مرتفعة،
روى السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (5) «ان عليا (عليه السلام) مر على منارة طويلة فأمر بهدمها ثم قال لا ترفع المنارة إلا مع سطح المسجد».
و لو لا استحباب الأذان فيها لكان الأمر بوضعها عبثا. و (اما ثانيا)
فلما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 12 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 25 من أحكام المساجد.
(4) هذا كلام العلامة في المختلف.
(5) الوسائل الباب 25 من أحكام المساجد.
344
(عليه السلام) (1) قال «كان طول حائط مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله).
الحديث».
و قد تقدم.
أقول: لا يخفى ان فيه زيادة على ما عرفت من حديث علي بن جعفر ان وضع المنارة و الأمر بها لم يحصل من الامام (عليه السلام) حتى يسندها الى استحباب الأذان فيها بكون الأمر بوضعها عبثا، و الواضع لها انما هو الثاني في أيامه كما تقدم (2) و الظاهر انه (عليه السلام) لما كان غير متمكن من إزالة بدعة كما ينبغي فغاية ما امكنه المنع من ارتفاعها و أشرافها على بيوت الناس التي حول المسجد. و بالجملة فرواية علي بن جعفر صريحة في ان الأذان في المنارة ليس بسنة و ان الأذان للنبي (صلى الله عليه و آله) انما كان على الأرض و غاية ما تدل عليه رواية ابن سنان هو الاستحباب على مرتفع و مفهوم رواية السكوني الاكتفاء في الارتفاع بسطح المسجد و ان لم يكن في المنارة، و لعل جعل المنارة حينئذ انما هو لأجل الطريق الى صعود السطح.
نعم يبقى الكلام في الجمع بين ما دل على كون الأذان له (صلى الله عليه و آله) انما كان على الأرض و بين ما دل على الأمر بعلو الجدار. و يمكن الجمع اما بحمل الأذان على الجدار على كونه في بعض الأوقات و إلا فالغالب انما هو الأذان على الأرض أو بعد الأذان على الجدار باعتبار عدم ارتفاعه كالمنارة الطويلة من الأرض فهو كأنه ارض بالنسبة إلى المنارة المتعارفة يومئذ و التجوز بمثل ذلك شائع في أمثال هذا الكلام.
و (عاشرها)
ان يكون مستقبلا للقبلة
و نقل عليه الاتفاق و يتأكد في الشهادتين
لقوله (عليه السلام) (3) في صحيحة ابن مسلم «و قد سأله عن الرجل يؤذن و هو يمشي قال نعم إذا كان التشهد مستقبل القبلة فلا بأس».
و المشهور انه كذلك في الإقامة أيضا و قال الشيخ المفيد انه لا يجوز الإقامة إلا
____________
(1) ص 332.
(2) الوافي باب شرائط الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
345
و هو قائم متوجه إلى القبلة. و ظاهره وجوب الاستقبال فيها، و نقله في المختلف عن المرتضى في المصباح و الجمل. و نقل في الذخيرة عن المرتضى انه أوجب الاستقبال في الأذان و الإقامة و المنقول في المختلف انما يدل على الإقامة خاصة.
و الظاهر عندي من الاخبار هو ما ذهب اليه العمدتان المذكوران من وجوب الاستقبال في الإقامة لما تقدم في رواية يونس الشيباني و رواية سليمان بن صالح، و التقريب فيهما انهما دلتا على ان الإقامة من الصلاة و الداخل فيها داخل في الصلاة فيشترط في الإقامة ما يشترط في الصلاة من الشروط المتقدمة، و سيأتي مزيد توضيح لذلك ان شاء الله تعالى يقطع مادة الاستبعاد.
و يكره الالتفات بالأذان عندنا يمينا و شمالا سواء كان على المنارة أم لا خلافا للعامة قال في المنتهى: المستحب ثبات المؤذن على الاستقبال في أثناء الأذان و الإقامة و يكره له الالتفات يمينا و شمالا، و قال أبو حنيفة يستحب له ان يدور بالأذان في المأذنة و قال الشافعي يستحب له ان يلتفت عن يمينه عند قوله «حي على الصلاة» و عن يساره عند قوله «حي على الفلاح» (1).
أقول:
روى في كتاب دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (2) قال:
«يستقبل المؤذن القبلة في الأذان و الإقامة فإذا قال «حي على الصلاة حي على الفلاح» حول وجهه يمينا و شمالا».
و الظاهر حمله على التقية لموافقته لقول الشافعي المذكور.
(الثالث)- لو وقع التشاح في الأذان
فقد صرح جملة من الأصحاب بأنه يقدم الأعلم بأحكام الأذان التي من جملتها معرفة الأوقات لأمن الغلط منه و تقليد أصحاب الأعذار له و مع التساوي يقرع بينهم.
قال في الروض: و الاولى تقديم العدل على الفاسق و المبصر على الأعمى و جامع
____________
(1) الفقه على المذاهب الأربعة قسم العبادات ص 230 و 231.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 175.
346
الصفات أو أكثرها على فاقدها و جامع الأقل، فإن استووا فالأشد محافظة على الوقت على من ليس كذلك و الأندى صوتا و الأعف عن النظر ثم من يرتضيه الجيران، و مع التساوي في جميع ذلك يقرع
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1): «لو يعلم الناس ما في الأذان و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لفعلوا».
و لقولهم (عليهم السلام) (2) «كل أمر مجهول فيه القرعة».
انتهى. و نحوه في الذكرى إلا انه لم يذكر الترجيح بالعدالة بل جعل ذلك منوطا بالعلم بالأوقات ثم أدرج هذه المعدودات تحته و عد الأندى صوتا و من يرتضيه الجماعة و الجيران.
و قال الشيخ في المبسوط: و إذا تشاح الناس في الأذان أقرع بينهم
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) «لو يعلم الناس ما في الأذان و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لفعلوا».
و لم يذكر الترجيح بالأعلمية كما هو المشهور في كلام المتأخرين.
قال العلامة في التذكرة: و هذا القول جيد مع فرض التساوي في الصفات المعتبرة في التأذين و ان لم يتساووا قدم من كان أعلى صوتا و أبلغ في معرفة الوقت و أشد محافظة عليه و من يرتضيه الجيران و اعف عن النظر. و قريب منه كلامه في المنتهى.
و قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: و الذي يقتضيه النظر تقديم من فيه الصفات المرجحة في الأذان على غيره فان اشتركوا قدم جامع الكل على فاقد البعض و جامع الأكثر على جامع الأقل، و ينبغي تقديم العدل على الفاسق مطلقا لأن المؤذن أمين و لا امانة للفاسق إذ هي غير موثوق بها فيه، و مع التساوي يقدم الأعلم بأحكام الأذان أو الأوقات كما في الذكرى لأمن الغلط معه و لتقليد أرباب الأعذار له و المبصر على الأعمى لمثل ذلك، فان استووا فالأشد محافظة على الأذان في الوقت على من ليس
____________
(1)
تيسير الوصول ج 2 ص 205 «ان رسول الله «ص» قال لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا ان يستهموا عليه لاستهموا» ..
(2) الوسائل الباب 13 من كيفية الحكم.
347
كذلك لحصول غرض الأذان به ثم الأندى صوتا
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتا».
ثم الأعف عن النظر للأمن من تطلعه على العورات ثم من يرتضيه الجيران ثم القرعة. انتهى.
أقول: و كلامهم هنا يرجع الى ثلاثة أقوال في المسألة: (الأول) القول بتقديم الأعلم بأحكام الأذان التي من جملتها معرفة الأوقات ثم مع التساوي فالقرعة (الثاني) القول بتقديم ذي الأوصاف المعتبرة في المؤذن و هو قول الشهيدين و المحقق الشيخ علي و ان اختلفوا في تلك الشروط زيادة و نقيصة (الثالث) الرجوع الى القرعة من أول الأمر كما هو ظاهر المبسوط و الى الأول يميل كلامه في المدارك و جعل الثاني أولى و لم يتعرض للثالث و المسألة عندي محل توقف لعدم النص القاطع لمادة الاشكال، و الرواية المنقولة في كلامهم الظاهر انها من روايات العامة إذ لم أقف عليها في أخبارنا بعد التفحص و التتبع مع انها معارضة بما رواه الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)
و رواه في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للمؤذن في ما بين الأذان و الإقامة مثل أجر الشهيد المتشحط بدمه في سبيل الله. قلت يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) انهم يجتلدون على الأذان؟ قال كلا انه يأتي على الناس زمان يطرحون الأذان على ضعفائهم و تلك لحوم حرمها الله على النار».
و وجه المعارضة ان مقتضى الرواية الأولى رغبة الناس في الأذان بعد سماع ما فيه من الفضل حتى انهم ليقرعون عليه و دلالة هذا الخبر على عدم الرغبة فيه بعد سماع ما فيه من الفضل حتى انهم يطرحونه على ضعفائهم لذلك «و تلك لحوم» إشارة إلى أولئك الضعفاء المؤذنين.
____________
(1) تيسير الوصول ج 2 ص 210.
(2) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
348
و الظاهر ان أول من نقل هذا الخبر الشيخ في المبسوط و تبعه الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث لم يجدوا غيره في الباب إلا انه
روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاثة لو تعلم أمتي ما فيها لضربت عليها بالسهام: الأذان و الغدو إلى الجمعة و الصف الأول».
و روى فيه ايضا عنه (صلى الله عليه و آله) (2) «انه رغب الناس و حثهم علي الأذان و ذكر لهم فضائله فقال بعضهم يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لقد رغبتنا في الأذان حتى انا لنخاف ان تتضارب عليه أمتك بالسيوف فقال اما انه لن يعدو ضعفاءكم».
أقول: و هذا مضمون الحديث المتقدم نعم أخبار القرعة العامة (3) ربما أيدت مذهب الشيخ في المبسوط.
قال في الذخيرة: و التحقيق ان اختلاف الصفات ان كان بحيث تختلف به مصالح المسلمين كان تقديم الراجح متجها و ان لم يحصل التشاح و إلا فإثبات التقديم بهذه المرجحات محل اشكال لفقد النص الدال عليه و عدم استقلال العقل بإثبات هذه الأمور. انتهى.
و هو جيد.
(الرابع) [الاجتماع في الأذان دفعة واحدة من جماعة]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- الفاضلان بجواز الاجتماع في الأذان دفعة واحدة من جماعة و الأفضل ان يؤذن كل واحد بعد فراغ الآخر، و قيد بعضهم الأفضلية بسعة الوقت لذلك و فسرت سعة الوقت هنا بعدم اجتماع الأمر المطلوب في الجماعة من الامام و من يعتاد حضوره معه من المأمومين فيجوز التعدد في هذه الصورة الى ان يجتمع الجميع لا ان المراد سعة الوقت باعتبار امتداد الوقت الى آخر وقت الاجزاء فان تأخير الصلاة عن أول وقتها لأمر غير موظف شرعا مستبعد جدا.
أقول: و بموجب هذا التفسير لا يكون الحكم كليا مع ان ظاهر القائل به كون ذلك كليا لا بخصوص الجماعة.
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 2 من الأذان و الإقامة.
(3) ص 346.
349
و نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال لا ينبغي الزيادة على اثنين و استدل بإجماع الفرقة على ما رووه من
«ان الأذان الثالث بدعة» (1).
و قال ولده الشيخ أبو علي في شرح نهاية والده: و الزائد على اثنين بدعة بإجماع أصحابنا.
و قال الشيخ في المبسوط يجوز ان يكون المؤذنون اثنين اثنين إذا أذنوا في موضع واحد فإنه أذان واحد فاما إذا أذان واحد بعد واحد فليس ذلك بمسنون و لا مستحب.
و لا بأس ان يؤذن جماعة كل واحد منهم في زاوية من المسجد لانه لا مانع منه. انتهى.
و فسر الفاضلان في المعتبر و المنتهى قوله: «واحدا بعد واحد» بان يبنى كل واحد على فصول الآخر و هو المعبر عنه بالتراسل فإنه على هذه الكيفية لا يصدق على واحد منهما انه مؤذن. و استبعد هذا التفسير جملة ممن تأخر عنهما و فسروه بما يدل عليه ظاهر اللفظ من الإتيان بأحد الاذانين بعد تمام الأخر، و عللوا الكراهة فيه بأنه يقتضي تأخير الصلاة عن أول وقتها من غير موجب. و هو جيد. أقول: و الظاهر ان الفاضلين انما اضطرهما الى هذا التفسير البعيد عن ظاهر اللفظ حكمهم بأفضلية أن يؤذن أحدهما بعد الآخر و لو كانوا أكثر من اثنين كما تقدم.
و بالجملة فإن كلامهم في هذه المسألة كما سبق في سابقتها خال من النص و الذي يقتضيه النظر هنا هو الفرق بين الأذان الإعلامي و بين أذان الصلاة جماعة (اما الأول) فإن مقتضى التوقيف في العبادات و انها مبنية على الورود عن صاحب الشريعة هو كراهة الاجتماع في الأذان مطلقا دفعة أو ترتيبا بل ربما احتمل عدم المشروعية نعم لو اختلف الوقت أو المحل فلا بأس. و (اما الثاني) فالظاهر انه لا مانع منه مع تعدد الجماعات كما ذكره الشيخ في آخر عبارته في المبسوط من الجماعات المجتمعة في مسجد يؤذن لكل منها على حيالها و ان اتفق في وقت واحد.
(الخامس) [أخذ الأجرة على الأذان]
- اختلف الأصحاب في جواز أخذ الأجرة على الأذان فنقل عن
____________
(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة.
350
الشيخ في الخلاف و جمع من الأصحاب انه لا يجوز أخذ الأجرة عليه لما رواه الشيخ مسندا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام)
و رواه الصدوق مرسلا عن علي (عليه السلام) (1) انه قال: «آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: يا علي إذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك و لا تتخذن مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا».
و نقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) القول بالكراهة و هو ظاهر المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى و اختاره في المدارك، قال للأصل و انتفاء دلالة الخبر المتقدم على التحريم مع ضعف سنده بالسكوني و غيره.
أقول:
قد روى الصدوق أيضا في الفقيه (2) مرسلا قال: «اتى رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين و الله اني لأحبك فقال له و لكني أبغضك قال و لم؟ قال لأنك تبغي في الأذان كسبا و تأخذ على تعليم القرآن اجرا».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) (3) انه قال: «من السحت أجر المؤذن».
ثم قال في الكتاب المذكور: يعني إذا استأجره القوم يؤذن لهم. و قال لا بأس ان يجرى عليه من بيت المال.
و هذه الاخبار إذا ضم بعضها الى بعض لا تقصر عن افادة التحريم، و قوله في المدارك بانتفاء دلالة الخبر المتقدم على التحريم لا اعرف له وجها مع تضمنه للنهي الذي هو حقيقة في التحريم، نعم تطرق التأويل اليه بحمل النهي على الكراهة ممكن إلا انه فرع وجود المعارض و اما طعنه فيه بضعف السند فقد عرفت ما فيه في غير مقام.
و بالجملة فالمتجه على قواعد أصحاب هذا الاصطلاح المحدث هو القول بالكراهة لضعف الأخبار المذكورة باصطلاحهم و اما من لا يعمل به فالظاهر هو التحريم و اقتران هذا الحكم في خبر السكوني و مرسل الفقيه بما هو متفق على استحبابه
____________
(1) الوسائل الباب 38 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 38 من الأذان و الإقامة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
351
و كراهته لا يوجب انسحاب ذلك الى الحكم المذكور لجواز اشتمال الخبر على أحكام متعددة كما ذكروه في غير موضع.
ثم ان ظاهرهم الاتفاق على جواز الارتزاق من بيت المال إذا اقتضته المصلحة لأنه معد لمصالح المسلمين و الأذان من أهمها. و الظاهر انه لو وجد من يتطوع به قدم على المرتزق، صرح بذلك في الذكرى.
قيل و الظاهر ان الإقامة كالأذان، و نقل عن العلامة في النهاية عدم جواز الاستئجار عليها و ان قلنا بجواز الاستئجار على الأذان فارقا بينهما بأن الإقامة لا كلفة فيها بخلاف الأذان فإن فيه كلفة مراعاة الوقت. قال في المدارك و هو غير جيد إذ لا يعتبر في العمل المستأجر عليه اشتماله على الكلفة.
أقول: لا يخفى ان مورد الأخبار المتقدمة انما هو الأذان الإعلامي الذي هو محل البحث غالبا في المقام و اما الأذان و الإقامة المستحبان لكل من صلى الإتيان بهما من منفرد أو جامع فلا نص فيهما بوجه، و تكلف البحث فيهما كما ذكروه لا وجه له و هو من باب
«اسكتوا عما سكت الله عنه» (1).
و لانه من المعلوم من الاخبار توجه الخطاب بهما الى المصلى نفسه و الاكتفاء بفعل غيره عنه يحتاج الى دليل، نعم قام الدليل بالنسبة الى الامام بأنه يجوز ان يؤذن له و يقام له، فإن أرادوا هذا الموضع فهو- مع كونه خلاف المتبادر من ظواهر النصوص المتقدمة- مدخول بان الظاهر ان الخطاب فيه انما هو للإمام غاية الأمر انه ورد جواز فعل الغير له رخصة لأن الناس مكلفون بالاقتداء به في صلاته و هذا من جملة أفعال صلاته فلو لم يتبرع غيره بالأذان و الإقامة له رجع الحكم اليه و كان عليه القيام بذلك، و لا دليل على انه يجوز له الاستئجار على أذان و لا إقامة إذ غاية ما دل عليه الدليل حصول الرخصة له بتبرع الغير به و الا فاصل الخطاب انما تعلق به من حيث ان الأذان و الإقامة من جملة أفعال صلاته و مندوباتها و مكملاتها المطلوب إيقاعه
____________
(1) راجع ج 1 ص 50.
352
منه، و هذا بخلاف الأذان الإعلامي فإن الأمر به لم يتعلق بشخص بعينه و انما هو من قبيل المستحبات الكفائية التي من قام بها كفى في امتثال الأمر. و بالجملة فإنك إذا حققت النظر في المقام و تأملت في ما ذكرناه من الكلام علمت ان بحثهم هنا في غير الأذان الإعلامي لا معنى له بالكلية. و الله العالم.
(المقام الثاني)- في ما يؤذن له و يقام من الصلوات
، لا ريب و لا إشكال في رجحان الأذان و الإقامة في الصلوات الخمس المفروضة أداء و قضاء الجملة المصلين ذكورا و اناثا فرادى و جماعة، و هل هما على جهة الاستحباب في جميع هذه المواضع أو الوجوب أو في بعض دون بعض؟ خلاف يأتي تفصيله ان شاء الله تعالى و لا يؤذن لشيء من النوافل و لا لشيء من الفرائض غير الخمس اليومية بل يقول المؤذن «الصلاة» ثلاثا و ورد ترك الأذان و الاقتصار على الإقامة في مواضع، و ورد ايضا استحبابهما في غير الصلاة أيضا في مواضع.
و تفصيل هذه الجملة كما هو حقه يتوقف على بسطه في مسائل
[المسألة] (الأولى) [حكم الأذان و الإقامة]
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الأذان و الإقامة وجوبا و استحبابا عموما و خصوصا فذهب الشيخ في الخلاف إلى انهما مستحبان ليسا بواجبين في جميع الصلوات جماعة صليت أو فرادى. و هو اختيار السيد المرتضى (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية و هو مذهب ابن إدريس و سلار، و الظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين.
و أوجب الشيخان الأذان و الإقامة في صلاة الجماعة و اختاره ابن البراج و ابن حمزة. و أوجبهما السيد المرتضى في الجمل على الرجال دون النساء في كل صلاة جماعة في حضر أو سفر و أوجبهما عليهم في السفر و الحضر في الفجر و المغرب و صلاة الجمعة و أوجب الإقامة خاصة على الرجال في كل فريضة. و قال في المبسوط و متى صلى جماعة بغير أذان و لا اقامة لم تحصل فضيلة الجماعة و الصلاة ماضية.
و قال ابن الجنيد: الأذان و الإقامة واجبان على الرجال للجمع و الانفراد و السفر
353
و الحضر في الفجر و المغرب و الجمعة يوم الجمعة و الإقامة في باقي الصلوات المكتوبات التي تحتاج الى التنبيه على أوقاتها. و جعلهما أبو الصلاح شرطا في الجماعة.
و قال المرتضى في المسائل الناصرية: اختلف قول أصحابنا في الأذان و الإقامة فقال قوم انهما من السنن المؤكدة في جميع الصلوات و ليسا بواجبين و ان كانا في صلاة الجماعة و في الفجر و المغرب و صلاة الجمعة أشد تأكيدا، و هذا الذي اختاره و اذهب اليه و ذهب بعض أصحابنا إلى انهما واجبان على الرجال خاصة دون النساء في كل صلاة جماعة في سفر أو حضر، و يجبان عليهم جماعة و فرادى في الفجر و المغرب و صلاة الجمعة و الإقامة دون الأذان تجب عليهم في باقي الصلوات المكتوبات. و جعل في الجمل قوله في المسائل الناصرية رواية.
و قال ابن ابي عقيل: من ترك الأذان و الإقامة متعمدا بطلت صلاته إلا الأذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة فإن الإقامة مجزية عنه و لا اعادة عليه في تركه و اما الإقامة فإنه ان تركها متعمدا بطلت صلاته و عليه الإعادة.
و الأصل في هذا الاختلاف ما يتراءى من اختلاف الأخبار و الواجب أولا نقل الأخبار الواردة في هذا الباب ثم الكلام فيها بما يميز القشر من اللباب و تحصل به الهداية إلى جادة الحق و الصواب بتوفيق الملك الوهاب.
فأقول: الأول-
ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته أ يجزئ أذان واحد؟ قال ان صليت جماعة لم يجزئ إلا أذان و اقامة و ان كنت وحدك تبادر امرا تخاف ان يفوتك يجزئك إقامة إلا الفجر و المغرب فإنه ينبغي ان تؤذن فيهما و تقيم من أجل انه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات».
الثاني-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن الصباح بن سيابة (2) قال: «قال لي أبو عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 6 و 7 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 6 من الأذان و الإقامة.
354
(عليه السلام) لا تدع الأذان في الصلوات كلها فان تركته فلا تتركه في المغرب و الفجر فإنه ليس فيهما تقصير».
الثالث-
ما رواه ايضا عن الحسن بن زياد (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا اكتفوا بإقامة واحدة».
الرابع-
ما رواه أيضا في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (2) «انه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة واحدة و لم يؤذن».
الخامس-
ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يجزئك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان».
السادس-
ما رواه في الموثق عن سماعة (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تصلى الغداة و المغرب إلا بأذان و اقامة و رخص في سائر الصلوات بالإقامة و الأذان أفضل».
السابع-
ما رواه في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «يجزئك في الصلاة إقامة واحدة إلا الغداة و المغرب».
الثامن-
ما رواه في الصحيح عن عمر بن يزيد (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإقامة بغير أذان في المغرب فقال ليس به بأس و ما أحب ان يعتاد».
التاسع-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) «ان ادنى ما يجزئ من الأذان ان تفتتح الليل بأذان و اقامة و تفتتح النهار بأذان و اقامة و يجزئك في سائر الصلوات اقامة بغير أذان».
العاشر-
ما رواه المشايخ الثلاثة في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8)
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 6 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 6 من الأذان و الإقامة.
(7) الوسائل الباب 6 من الأذان و الإقامة.
(8) الوسائل الباب 27 من الأذان و الإقامة.
355
قال: «سئل عن الرجل يؤذن و يقيم ليصلي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له نصلي جماعة هل يجوز ان يصليا بذلك الأذان و الإقامة؟ قال لا و لكن يؤذن و يقيم».
الحادي عشر-
ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول يقصر الأذان في السفر كما تقصر الصلاة تجزئ إقامة واحدة».
الثاني عشر-
ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «يجزئ في السفر إقامة بغير أذان».
الثالث عشر-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يجزئه في السفر و الحضر اقامة ليس معها أذان؟ قال نعم لا بأس به».
الرابع عشر-
ما رواه أيضا في الصحيح عن محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «تجزئك اقامة في السفر».
الخامس عشر-
ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت تحضر الصلاة و نحن مجتمعون في مكان واحد أ تجزئنا اقامة بغير أذان؟ قال نعم».
السادس عشر-
ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن صفوان بن مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث قال: «و لا بد في الفجر و المغرب من أذان و اقامة في الحضر و السفر لانه لا يقصر فيهما في حضر و لا سفر و تجزئك اقامة بغير أذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما يدل على الوجوب في الجماعة- كما هو أحد قولي
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 6 من الأذان و الإقامة.
356
الشيخين و من تبعهما- الخبر الأول و به احتج في التهذيب على ذلك.
و أجاب عنه في المدارك بضعف السند أولا، و ثانيا بالحمل على الاستحباب لان الاجزاء كما يجوز ان يراد به الاجزاء في الصحة يجوز ان يكون المراد به الاجزاء في الفضيلة، و يؤيد ذلك قوله (عليه السلام) «و ان كنت وحدك تبادر امرا تخاف ان يفوتك تجزئك اقامة» قال و هذا التنزيل لازم للشيخ حيث لا يقول بوجوب الإقامة.
أقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم ان الطعن بضعف السند غير وارد على الشيخ و نحوه ممن لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم. و اما الحمل على الاستحباب فهو فرع وجود المعارض فالواجب عليه ذكره ليتم له الجمع بينه و هذه الروايات بالحمل على الاستحباب مع الإغماض عما فيه مما عرفته سابقا في غير باب. و اما الاستناد الى قوله (عليه السلام) «و ان كنت وحدك. إلخ» ففيه ان الشيخ قائل بوجوب الإقامة أيضا كما هو أحد قوليه و ان كان انما عبر هنا بالأذان فلا منافاة.
و الأظهر عندي في الجواب عن ذلك انما هو بما دل عليه الخبر الثالث و الخامس عشر من اكتفاء القوم مع الحضور بإقامة واحدة في الجماعة، و فيهما إشعار بأن الغرض من الأذان هو الاعلام لمن لم يكن حاضرا من الجماعة المعتادين للصلاة جماعة في هذا المكان فمتى كانوا جميعا حاضرين سقط استحبابه و اكتفى بالإقامة إلا انه أخص من المدعى.
و يمكن تأييد ذلك ايضا بالحديث التاسع الدال على الاكتفاء بالأذان في الصبح و المغرب و ظاهر إطلاقه شمول الجماعة أيضا. و بالجملة فالاحتياط في الملازمة عليه في الجماعة.
و يظهر من المحدث الكاشاني الميل الى القول بالوجوب في الجماعة حيث قال في المفاتيح: و قيل بوجوبهما في الجماعة و فيه قوة.
و اما ما يدل على الوجوب في الصبح و المغرب فالخبر الثاني و السادس و السابع و التاسع و السادس عشر إلا انه يعارضها جملة من الاخبار عموما و خصوصا كالخبر الثالث و الرابع و الخامس و الثامن و الخامس عشر، لكن الجميع انما دل على ترك الأذان خاصة
357
دون الإقامة و التعارض بينهما انما حصل في الأذان و هذا الجمع بالاستحباب انما يتم فيه خاصة كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. و بالجملة فالظاهر من الأخبار المذكورة بضم بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها هو استحباب الأذان دون وجوبه في جماعة كانت أو فرادى.
و انما الإشكال في الإقامة فإن المشهور عندهم كونها كالأذان في ذلك مع ان الاخبار المتقدمة- كما رأيت- متفقة على الإتيان بها و لم ترخص في تركها صريحا و لا اشارة بل كلها مصرحة بالإتيان بها.
و أصحاب هذا القول انما استندوا في القول باستحبابها إلى الإجماع المركب حيث اعوزتهم النصوص بالعموم و الخصوص الدالة على استحبابها أو تركها لتعارض ما دل على الأمر بالإتيان بها، فقالوا ان كل من قال بوجوب الأذان قال بوجوب الإقامة و من قال بالاستحباب فيه قال بالاستحباب فيها فالقول باستحبابه و وجوبها خرق للإجماع المركب، كذا احتج به العلامة في المختلف و تبعه جملة ممن تأخر عنه و عليه جمد في المدارك و الذخيرة و لا يخفى على المصنف ما فيه من الضعف و هل هو إلا من قبيل التشبث بالحشيش للغريق مع ما يعلم من عدم النجاة به من ذلك المضيق؟ و كيف لا و مثل هذين العمدتين قد تكلما في الإجماع و خرقاه في مواضع من كتابيهما و ان استسلقوه في مثل هذا الموضع و مما يؤيد ما ذكرنا من الفرق بينهما و انه لا يلزم من استحبابه استحبابها انه قد رخص في الاخبار في الأذان على غير طهارة و لم يرخص في الإقامة إلا مع الطهارة و رخص في الأذان الى غير القبلة و لم يرخص في الإقامة إلا الى القبلة، و رخص في الأذان قاعدا و راكبا و ماشيا و كيف شاء و لم يرخص في الإقامة إلا قائما مستقبل القبلة، و قد تقدمت الأخبار الدالة على جميع ذلك.
بل صرح جملة منها بما يومئ الى كونها من الصلاة كما صرحت به رواية سليمان بن صالح المتقدمة و كذا رواية يونس الشيباني المتقدمة أيضا.
358
و تؤكده
رواية أبي هارون المكفوف (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم و لا تومئ بيدك».
و في موثقة عمرو بن ابي نصر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يتكلم الرجل في الأذان؟ قال لا بأس. قلت في الإقامة؟ قال لا».
و ما دل عليه بعض الأخبار من جواز الكلام فيها معارض بما دل على إعادتها لو تكلم
كصحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إذا تكلمت أعدت الإقامة».
الى غير ذلك من المؤيدات لما قلناه و لم أعثر على من تنبه لما قلناه في هذا المقام إلا على مجمل كلام لشيخنا غواص بحار الأنوار حيث قال في الكتاب المذكور بعد نقل الخلاف في وجوب الأذان و الإقامة و استحبابهما ما صورته: إذا علمت هذا فاعلم ان الاخبار مختلفة جدا و مقتضى الجمع بينها استحباب الأذان مطلقا و اما الإقامة ففيها إشكال إذ الاخبار الدالة على جواز الترك انما هي في الأذان و تمسكوا في الإقامة بخرق الإجماع المركب و فيه ما فيه. و الأحوط عدم ترك الإقامة في الغداة و المغرب و الجمعة و لا سيما في الحضر. انتهى.
و ربما تعلق بعضهم هنا بحديث حماد (4) و تعليم الصادق (عليه السلام) له الصلاة حيث لم يشتمل على الأذان و لا الإقامة و لو كانا واجبين لذكرا في مقام البيان. و هو أوهن متشبث لان ظاهر سياق الخبر- و امره حمادا بالصلاة بين يديه ثم قوله: «ما أقبح بالرجل منكم. إلخ» و وصف حماد لما فعله (عليه السلام) في تلك الركعتين- أن إنكاره (عليه السلام) انما كان بالنسبة إلى السنن و المستحبات التي وصفها حماد في حكايته فالمقصود بالتعليم انما هو ذلك و لم يكن القصد الى تعليمه الواجبات لان حمادا أجل من ان يجهل الواجبات في ذلك، إلا ترى انه قال: «انا أحفظ كتاب حريز في الصلاة»
____________
(1) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 1 من الأفعال الصلاة.
359
مما يشعر بمعرفته بجميع أحكام الصلاة من واجب و مستحب. فكيف يدعى ان المراد تعليم حماد للصلاة كملا من واجب و غيره حتى يتجه الاحتجاج بالخبر على ان المقام مقام بيان فلو كان الأذان و الإقامة واجبين لذكرا، ما هذه إلا غفلة أو تغافل و لكن المضطر يتشبث بالاحتمالات البعيدة و التمحلات الغير السديدة.
و بما حققناه في المقام و كشفنا عنه نقاب الاشكال و الإبهام يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة، فإنه- بعد ان نقل الخلاف في المسألة و جملة من الاخبار و استشكل في الحكم باستحباب الإقامة من حيث عدم الترخيص فيها في الأخبار بل وقع الأمر بها في اخبار كثيرة و اعترف بان في كثير من الأخبار التي قدمها ظهورا في وجوبها، و نقل عن الشيخ انه ذكر أخبارا ثلاثة دالة على ان الإقامة من الصلاة لكن في طريقها ضعف- قال ما صورته: و الأصح استحبابها للأصل بناء على انه خارج عن حقيقة الصلاة، للاتفاق، و لما دل على ان أول الصلاة التكبير فلا يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف بالصلاة عليه، و لعدم القائل بالفصل كما نقله المصنف في المختلف و لا شعار خبر زرارة و حماد بالاستحباب و عدم وضوح دلالة الأوامر في الاخبار السالفة على أكثر من التأكيد و الرجحان المطلق. و الاحتياط ان لا يترك بحال. انتهى.
و فيه زيادة على ما قد مر هنا ان الاستناد الى الأصل في مقابلة الدليل مما لا يعول عليه عند ذوي التحصيل، و خروجها عن حقيقة الصلاة لا منافاة فيه للقول بالوجوب فان من قال بوجوب الأذان لم يدع كونه جزء من الصلاة فيجوز ان يكون واجبا خارجا فلا منافاة، و لا ينافيه حينئذ ما دل على ان أول الصلاة التكبير و لا خبر حماد الذي استند اليه، مع ما عرفت في الاستناد الى خبر حماد في هذا المقام من الوهن الذي لا يخفى على ذوي الأفهام.
و اما قوله- فلا يتوقف تحصيل اليقين بالبراءة من التكليف بالصلاة عليه- فممنوع فان يقين البراءة متوقف على الإتيان بالصلاة التي أولها التكبير كما ذكر مع كل ما
360
توقفت عليه من الشروط الواجبة الخارجة مما تقدم في المقدمات المتقدمة و منها الإقامة المذكورة في هذه المقدمة كما هو المدعى، و المدعى للوجوب- كما عرفت- لا يدعى دخولها في حقيقة الصلاة و انها جزء منها حتى انه متى انتفت الجزئية انتفى توقف اليقين بالبراءة من الصلاة عليها.
و اما قوله- «و لعدم القائل بالفصل» إشارة إلى الإجماع المركب الذي احتج به في المختلف- فهو أوهن من بيت العنكبوت و انه لا وهن البيوت كما تقدم القول في ذلك مرارا و من رجع الى كلامه و ما أطال به في القدح في الإجماع في باب غسل الجنابة في مسألة الوطء في الدبر يعرف حقيقة ما سجلنا به عليه هنا.
و اما قوله- «و لا شعار
خبر زرارة» و هو ما قدمه في صدر البحث و صورته (1) «انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة قال فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة».
- ففيه و ان كان قد سبقه الى الاستناد الى هذا الخبر و خبر حماد صاحب المدارك ايضا انه ليس في الخبر- كما ترى- أزيد من الدلالة على صحة الصلاة مع نسيان الإقامة الى ان دخل في الصلاة و هو لا يمنع من وجوبها فان واجبات الصلاة مغتفرة بالنسيان في أثناء الصلاة اتفاقا متى فات محل تداركها، على ان هذه الرواية معارضة بما دل على خلافها
كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «في رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة؟ قال ان كان ذكره قبل ان يقرأ فليصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و ليقم و ان كان قد قرأ فليتم صلاته».
و مثلها صحيحة الحسين بن ابي العلاء (3)
و صحيحة الحلبي (4) «انه يعود للأذان و الإقامة متى نسيهما ما لم يركع. الحديث».
و هذه الروايات أرجح من تلك الرواية لصحتها و تعددها.
و اما قوله- و عدم وضوح دلالة الأوامر في الاخبار السالفة على أكثر من التأكيد
____________
(1) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
361
و الرجحان المطلق- ففيه انه مجرد دعوى بلا دليل بل الدليل على خلافه واضح النهج و السبيل كما حققناه في مقدمات الكتاب بالآيات و الروايات، مضافا الى ما حققه أئمة الأصول من القول بالوجوب و قد تقدم الكلام في ذلك في مواضع من الكتاب زيادة على ما في المقدمات، و أوضحنا ان في هذا القول الذي تفرد به هذا الفاضل خروجا من الدين من حيث لا يشعر قائله عصمنا الله تعالى من زلات الاقدام و طغيان الأقلام في أحكام الملك العلام.
(المسألة الثانية) [الرخصة للنساء في ترك الأذان و الإقامة]
- قد أجمع الأصحاب على مشروعية الأذان للنساء إلا انه لا يتأكد في حقهن كما في الرجال، قال في المنتهى: ليس على النساء أذان و لا اقامة و لا نعرف فيه خلافا لأنهما عبادة شرعية يتوقف توجه التكليف بهما على الشرع و لم يرد. و يجوز ان تؤذن المرأة للنساء و يعتددن به ذهب إليه علماؤنا، الى ان قال قال علماؤنا إذا أذنت المرأة أسرت بصوتها لئلا يسمعه الرجال و هو عورة. و قال الشيخ يعتد بأذانهن للرجال و هو ضعيف لأنها إن جهرت ارتكبت معصية و النهي يدل على الفساد و إلا فلا اجتزاء به لعدم السماع. انتهى أقول: الظاهر ان المراد من صدر كلامه هو نفي الوجوب لدلالة باقي الكلام عليه، و يؤيده ما ذكره في التذكرة حيث قال يستحب في صلاة جماعة النساء ان تؤذن إحداهن و تقيم لكن لا تسمع الرجال عند علمائنا و الاستحباب في حق الرجال آكد، ثم قال و يجزئها التكبير و الشهادتان لقول الصادق (عليه السلام) ثم نقل الخبر و سيأتي ان شاء الله تعالى (1) أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤذن للصلاة فقال حسن ان فعلت و ان لم تفعل أجزأها أن تكبر و ان تشهد ان لا إله إلا الله و ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و عن زرارة في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) النساء
____________
(1) و هو صحيح عبد الله بن سنان.
(2) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة. و المروي عنه في كتب الحديث هو أبو جعفر «ع».
362
عليهن أذان؟ فقال إذا شهدت الشهادتين فحسبها».
و عن جميل بن دراج في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة أ عليها أذان و اقامة؟ فقال لا».
و رواه في الكافي عن ابن ابي عمير في الصحيح مثله (2).
و عن ابي مريم الأنصاري في الصحيح (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إقامة المرأة ان تكبر و تشهد ان لا إله إلا الله و ان محمد عبده و رسوله (صلى الله عليه و آله)».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) ليس على المرأة أذان و لا إقامة إذا سمعت أذان القبيلة و تكفيها الشهادتان و لكن إذا أذنت و أقامت فهو أفضل».
قال «و قال الصادق (عليه السلام) ليس على النساء أذان و لا اقامة.
و لا جمعة و لا جماعة. الحديث».
و بإسناده في آخر الكتاب عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن أبيه عن جعفر ابن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) (5) قال: «ليس على المرأة أذان و لا اقامة».
و روى في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة بن أعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: «قلت له المرأة عليها أذان و اقامة؟ فقال ان كانت سمعت أذان القبيلة فليس عليها أكثر من الشهادتين فان الله تبارك و تعالى قال للرجال أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ (7) و قال للنساء وَ أَقِمْنَ الصَّلٰاةَ وَ آتِينَ الزَّكٰاةَ وَ أَطِعْنَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ (8). الخبر».
و روى في كتاب الخصال (9) في ما اوصى به النبي (صلى الله عليه و آله) عليا
____________
(1) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 14 من الأذان و الإقامة.
(7) سورة الأنعام، الآية 71.
(8) سورة الأحزاب، الآية 33.
(9) مستدرك الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
363
(عليه السلام) «يا علي ليس على النساء جمعة و لا جماعة و لا أذان و لا اقامة».
و روى فيه بسنده عن جابر الجعفي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«ليس على النساء أذان و لا اقامة».
و الظاهر من مجموع هذه الاخبار بضم بعضها الى بعض هو استحباب الأذان و الإقامة لهن لكن ليس على نحو ما ورد في حق الرجال فرخص لهن في تركه و الاكتفاء بالتكبير و الشهادتين خاصة عوضا عن الأذان و ربما اجتزأت بالشهادتين ايضا عوضا عن الإقامة مع التكبير أو بدونه.
و ظاهر هذه الأخبار هو أذانها لصلاتها منفردة فلا يدخل فيه الأذان الإعلامي كما تقدم تحقيقه في صدر المقام الأول و لا الأذان لجماعة النساء، و ما ذكره الأصحاب من أذانها لجماعة النساء و الاعتداد به لهن فالظاهر انهم انما استندوا فيه الى الأدلة العامة في صلاة الجماعة و انه يجوز ان يتولى الأذان الإمام أو غيره و ان هذا الحكم لا فرق فيه بين جماعة النساء و الرجال.
قال المحقق في المعتبر و يجوز ان تؤذن للنساء و يعتددن به و عليه إجماع علمائنا لما روى من جواز إمامتها لهن (2) و إذا جاز ان تؤمهن جاز ان تؤذن لهن لان منصب الإمامة أتم. و تسر أذانها. و لا تؤذن للرجال لان صوتها عورة و لا يجتزأ به، و قال في المبسوط يعتد به و يقيمون لأنه لا مانع منه، لنا- انها ان أجهرت فهو منهي عنه و النهي يدل على الفساد و ان اخفتت لم يجتزأ به لعدم السماع.
أقول: و قد تقدم نحو هذا الكلام عن المنتهى ايضا و هو مبني على ما هو المشهور في كلامهم من تحريم سماع صوت الأجنبية، و قد قدمنا انه لا دليل عليه بل ظاهر الاخبار الجواز و لعل كلام الشيخ في المبسوط مبني على ذلك، الا انه يمكن تطرق الإشكال إلى
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة و في البحار ج 18 الصلاة ص 163 و كذا النسخ الخطية عن ابي جعفر «ع».
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
364
اعتداد الرجال به و ان جوزنا سماع صوت الأجنبية من حيث عدم ورود النقل بذلك و العبادات مبنية على التوقيف، كذا صرح به في المدارك.
و يمكن الجواب بان ما يدل على الاعتداد بسماع الأذان و ان كان ظاهره كون المؤذن رجلا إلا انه لا تعلم هنا خصوصية للرجل في ذلك، فيتعدى الحكم بطريق المناط القطعي الى كل مؤذن من رجل و امرأة كما في سائر جزئيات الأحكام و ان صرح بالرجل فإنهم لا يختلفون في تعدية الحكم الى النساء ما لم تعلم الخصوصية، و لا يخفى على المتتبع ان أكثر الأحكام الشرعية المتفق على عمومها للرجال و النساء انما وردت في الرجال لكونه هو المسؤول عنه أو ان يقع ذلك ابتداء من الامام (عليه السلام) و لو خصت الأحكام بموارد الاخبار و ان لم تعلم الخصوصية لضاقت الشريعة و لزم القول بجملة من الأحكام من غير دليل و هو ظاهر البطلان.
قال في الذكرى: و في حكم المرأة الخنثى فتؤذن للمحارم من الرجال و النساء و لا جانب النساء لا لأجانب الرجال، ثم قال و لعل الشيخ يجعل سماع الرجل صوت المرأة في الأذان كسماعها صوته فيه فان صوت كل منهما بالنسبة إلى الآخر عورة. انتهى.
أقول: لا يخفى ما بين هذين الكلامين من التدافع فان ظاهر الكلام الأخير انه يحرم على المرأة سماع صوت الرجل و انه عورة بالنسبة إليها كما يحرم عليها النظر اليه و مقتضى هذا ان الخنثى لا تؤذن لا جانب النساء من حيث احتمال الرجولية مع انه جوزه. ثم ان ما ذكره- من ان صوت الرجل عورة بالنسبة إلى المرأة كبدنه فيحرم عليها سماع صوته كما يحرم عليها النظر الى جسده- لم أقف له على دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل، نعم تحريم النظر الى جسده منصوص اما سماع الصوت فلا و لا اعلم ايضا قائلا بذلك سواه، و قد عرفت ان ما ظاهرهم الاتفاق عليه من تحريم سماع صوت المرأة لا دليل عليه بل الدليل دال على خلافه فالعكس اولى بالجواز. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [موارد استحباب الأذان]
- قد عرفت انه لا يؤذن لشيء من النوافل و لا الفرائض
365
غير الخمس، قال في المعتبر انه مذهب علماء الإسلام. و يعضده ان الأذان وظيفة شرعية فيتوقف كيفية و كمية و محلا على الورود عن صاحب الشريعة و المنقول عنه فعله في الصلوات الخمس خاصة إلا ان الأصحاب ذكروا انه يقول المؤذن «الصلاة»، ثلاثا و لم أقف عليه في غير صلاة العيد.
بقي هنا جملة من المواضع قد ورد فيها استحباب الأذان أو مع الإقامة غير الصلاة:
منها- الفلوات الموحشة كما ذكره
في الذكرى ثم قال روى ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) (1) «إذا تغولت بكم الغول فأذنوا».
و في الجعفريات عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة».
و رواه العامة (3) و فسره الهروي بان العرب تقول ان الغيلان في الفلوات تراءى للناس تتغول تغولا اي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق و تهلكهم و روى في الحديث «لا غول» و فيه إبطال لكلام العرب فيمكن ان يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات و ان لم يكن له حقيقة. انتهى كلام الذكرى.
أقول:
قال في كتاب دعائم الإسلام: و عن علي (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بالصلاة».
و قال في النهاية الأثيرية فيه: «لا غول و لا صفر» الغول أحد الغيلان و هي جنس من الجن و الشياطين كانت العرب تزعم ان الغول في الفلاة تترآى للناس فتغول تغولا اي تتلون تلونا في صور شتى و تغولهم اي تضلهم عن الطريق و تهلكهم فنفاه النبي (صلى الله عليه و آله) و أبطله. و قيل قوله «لا غول» ليس نفيا لعين الغول و وجوده و انما فيه إبطال زعم العرب
____________
(1) الوسائل الباب 46 من الأذان و الإقامة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 35 من الأذان و الإقامة.
(3) نهاية ابن الأثير مادة «غول» كما يأتي منه «(قدس سره)».
(4) مستدرك الوسائل الباب 35 من الأذان و الإقامة.
366
في تلونه بالصور المختلفة و اغتياله فيكون المعنى بقوله «لا غول» انها لا تستطيع ان تضل أحدا، و يشهد له الحديث الآخر «لا غول و لكن السعالى سحرة الجن» اي و لكن في الجن سحرة لهم تلبيس و تخبيل،
و منه الحديث «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان».
اي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، و هذا يدل على انه لم يرد بنفيها عدمها. انتهى.
و منها- المولود يستحب الأذان في اذنه اليمنى و الإقامة في اليسرى كما ورد عن الصادق (عليه السلام) (1).
و منها- من ساء خلقه،
روى في كتاب المحاسن عن هشام بن سالم في الصحيح (2) قال: «اللحم ينبت اللحم و من تركه أربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فأذنوا في اذنه».
و مثله رواه في الكافي عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن (3).
و روى عن أبان الواسطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان لكل شيء قرما و ان قرم الرجل اللحم فمن تركه أربعين يوما ساء خلقه و من ساء خلقه فأذنوا في اذنه اليمنى».
و روى فيه ايضا عن حفص (5) الابار عن ابي عبد الله عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (6) قال «كلوا اللحم فان اللحم من اللحم و من لم يأكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه و إذا ساء خلق أحدكم من انسان أو دابة فأذنوا في اذنه الأذان».
و منها- ما تقدم
في حديث سليمان بن جعفر الجعفري (7) قال: «سمعته يقول اذن في بيتك فإنه يطرد الشيطان و يستحب من أجل الصبيان».
إلا انه يمكن حمله على أذان الصلاة. و الله العالم.
____________
(1) الوسائل الباب 35 من أحكام الأولاد.
(2) الوسائل الباب 12 من الأطعمة المباحة.
(3) الوسائل الباب 12 من الأطعمة المباحة.
(4) الوسائل الباب 12 من الأطعمة المباحة.
(5) و في المحاسن ص 466 و الوسائل عن ابي حفص.
(6) الوسائل الباب 12 من الأطعمة المباحة.
(7) الوسائل الباب 18 من الأذان و الإقامة.
367
(المسألة الرابعة) [من دخل في الصلاة بلا أذان و إقامة]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تارك الأذان و الإقامة حتى يدخل في الصلاة فنقل عن السيد المرتضى في المصباح و الشيخ في الخلاف انه ان كان متعمدا مضى في صلاته و ان كان ساهيا رجع ما لم يركع، و نقل ذلك عن الأكثر. و قال الشيخ في النهاية من ترك الأذان و الإقامة متعمدا و دخل في الصلاة فلينصرف و ليؤذن و ليقم ما لم يركع ثم يستأنف الصلاة، و ان تركهما ناسيا حتى دخل في الصلاة ثم ذكر مضى في صلاته و لا اعادة عليه، و به قال ابن إدريس و هو عكس القول الأول. و أطلق الشيخ في المبسوط فقال متى دخل منفردا في الصلاة من غير أذان و اقامة استحب له الرجوع ما لم يركع و يؤذن و يقيم و يستقبل الصلاة فإن ركع مضى في صلاته. و لم يفرق بين العمد و النسيان. و قال ابن ابي عقيل من نسي الأذان في الصلاة الصبح و المغرب حتى اقام رجع فاذن و اقام ثم افتتح الصلاة، و ان ذكر بعد ما دخل في الصلاة انه قد نسي الأذان قطع الصلاة و اذن و اقام ما لم يركع فان كان قد ركع مضى في صلاته و لا اعادة عليه، و كذلك ان سها عن الإقامة من الصلوات كلها حتى دخل في الصلاة رجع الى الإقامة ما لم يركع فان كان قد ركع مضى في صلاته و لا اعادة عليه إلا ان يكون قد تركه متعمدا استخفافا فعليه الإعادة. و ظاهر هذا القول هو الرجوع الى الأذان وحده في صلاتي الصبح و المغرب لو تركه ناسيا ما لم يركع و لو نسي الإقامة وحدها فإنه يرجع لها في جميع الصلوات ما لم يركع و ان تركها عمدا فعليه الإعادة مطلقا.
و ما صرح به ابن ابي عقيل موافق لما قدمنا نقله عنه في صدر المسألة الاولى من قوله:
و اما الإقامة فإنه ان تركها متعمدا بطلت صلاته و عليه الإعادة.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذن و تقيم ثم ذكرت قبل ان تركع فانصرف و اذن و أقم و استفتح الصلاة و ان كنت
____________
(1) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
368
قد ركعت فأتم على صلاتك».
و عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له رجل ينسى الأذان و الإقامة حتى بكبر؟ قال يمضي على صلاته و لا يعيد».
و عن نعمان الرازي (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و سأله أبو عبيدة الحذاء عن حديث رجل نسي أن يؤذن و يقيم حتى كبر و دخل في الصلاة قال ان كان دخل المسجد و من نيته ان يؤذن و يقيم فليمض في صلاته و لا ينصرف».
و عن ابي الصباح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل نسي الأذان حتى صلى؟ قال لا يعيد».
و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل نسي أن يقيم الصلاة حتى انصرف يعيد صلاته؟ قال لا يعيدها و لا يعود لمثلها».
و عن داود بن سرحان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة؟ قال ليس عليه شيء».
و عن عبيد بن زرارة عن أبيه في الصحيح (6) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة؟ قال فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة».
و عن علي بن يقطين في الصحيح (7) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يقيم الصلاة و قد افتتح؟ الصلاة قال ان كان قد فرغ من صلاته فقد تمت صلاته و ان لم يكن فرغ من صلاته فليعد».
و ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (8) انه قال: «في الرجل ينسى الأذان و الإقامة حتى يدخل في الصلاة؟ قال
____________
(1) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 28 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 28 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(7) الوسائل الباب 28 من الأذان و الإقامة.
(8) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
369
ان كان ذكر قبل ان يقرأ فليصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و ليقم و ان كان قد قرأ فليتم صلاته».
و روى في الفقيه (1) قال: «سأل زيد الشحام أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة. الحديث».
و ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثم يذكر انه لم يقم؟
قال فان ذكر انه لم يقم قبل ان يقرأ فليسلم على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم يقيم و يصلي و ان ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتم على صلاته».
و عن زكريا بن آدم (3) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية و انا في القراءة اني لم أقم فكيف اصنع؟
قال اسكت موضع قراءتك و قل «قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة» ثم امض في قراءتك و صلاتك و قد تمت صلاتك».
أقول: و المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو استحباب الرجوع الى الأذان و الإقامة أو الإقامة وحدها ما لم يركع إذا ترك ذلك ساهيا، إلا ان صحيح علي بن يقطين دل على وجوب الإعادة بنسيان الإقامة متى ذكر في أثناء الصلاة، و لعله مستند ابن ابي عقيل في ما تقدم نقله عنه من وجوب الإعادة بترك الإقامة، إلا ان مورد الرواية النسيان و كلام ابن ابي عقيل مقيد بالتعمد فلا يمكن جعلها مستندا له.
و العلامة في المختلف قد حملها على ان المراد بما قبل الفراغ ما قبل الركوع، و لا يخفى ما فيه من البعد و التمحل. و حملها الشيخ على الاستحباب قال في المعتبر و ما ذكره محتمل لكن فيه تهجم على إبطال الفريضة بالخبر النادر. انتهى. أقول و كيف كان فهذا الخبر و ان صح سنده لا يبلغ قوة في معارضة ما ذكرناه من الأخبار الدالة على صحة الصلاة بتركهما
____________
(1) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 29 من الأذان و الإقامة.
370
أو أحدهما فلا بد من ارتكاب التأويل فيه و ان بعد أو طرحه.
و مورد هذه الاخبار كلها النسيان و لا تعرض فيها لحكم العمد بالكلية و مقتضى الأصل صحة الصلاة سيما على القول المشهور من استحباب الأذان و الإقامة، و على تقدير القول بالوجوب فإنه لا قائل بدخولهما في حقيقة الصلاة بل غايتهما ان يكونا من الواجبات الخارجة كما تقدم بيانه، و من ذلك يظهر قوة القول الأول.
بقي الكلام في صحيحة محمد بن مسلم و حسنة الحسين بن ابي العلاء و رواية زيد الشحام الدالة على انه إذا نسي الأذان و الإقامة أو الإقامة وحدها ثم ذكر قبل القراءة فإنه يصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) أو يسلم عليه ثم يقيم و يصلي، فان ظاهر الأصحاب حملها على قطع الصلاة و الرجوع.
قال في المدارك: و الظاهر ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و السلام عليه إشارة إلى قطع الصلاة، و يمكن ان يكون ذلك نفسه قاطعا و يكون من خصوصيات هذا الموضع لان ذلك لا يقطع الصلاة في غير هذا المحل. انتهى.
أقول: من المحتمل قريبا في معنى الأخبار المذكورة ان المراد انما هو انه إذا ذكره في ذلك الوقت صلى على النبي (صلى الله عليه و آله) و قال «قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة» كما هو ظاهر خبر زكريا بن آدم بل صريحه، و نحوه
في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) «فان استيقنت انك تركت الأذان و الإقامة ثم ذكرت فلا بأس بترك الأذان و تصلي على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم قل قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة».
و على هذين الخبرين يحمل إجمال الأخبار المذكورة إذ لا تصريح و لا ظهور فيها بقطع الصلاة و ابطالها و لا إعادتها من رأس، و حينئذ فمعنى قوله في حسنة الحسين بن ابي العلاء «ثم يقيم و يصلي» يعني يأتي بهذه العبارة مرتين و يستمر في صلاته، و قول السيد هنا و قبله الشهيد في الذكرى- ان الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و السلام عليه إشارة إلى
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 176.
371
قطع الصلاة و يكون ذلك قاطعا و يكون من خصوصيات هذا الموضع- بعيد غاية البعد.
و بالجملة فإن خبري زكريا بن آدم و كتاب الفقه ظاهران بل صريحان في ما ذكرناه و تلك الأخبار مجملة و القاعدة في مثله حمل المجمل على المفصل.
نعم يبقى الاشكال من وجه آخر نبه عليه شيخنا في الذكرى حيث قال بعد نقل خبر زكريا بن آدم: و يشكل بأنه كلام ليس من الصلاة و لا من الأذكار. و أجاب عنه شيخنا البهائي بالحمل على انه يقول ذلك مع نفسه من غير ان يتلفظ به و قوله (عليه السلام) «اسكت موضع قراءتك و قل.» ربما يؤذن بذلك إذ لو تلفظ بالإقامة لم يكن ساكتا في موضع القراءة، و حمل السكوت على السكوت عن القراءة لا عن غيرها خلاف الظاهر. انتهى و أنت خبير بأنه لقائل أن يقول ان ما ذكره شيخنا المتقدم من كونه ليس من الصلاة و لا من الأذكار و ان كان كذلك إلا ان النص متى دل على جوازه فلا وجه لرده و لا استبعاد فيه سيما مع وجود النظائر المتفق عليها بينهم، و ليس هذا بأبعد مما دلت عليه النصوص و قالوا به من غير خلاف يعرف من جواز الأفعال الخارجة عن الصلاة في أثناء الصلاة من غسل دم الرعاف و قتل الحية و إرضاع الصبي و نحو ذلك من الأفعال الخارجة عن الصلاة التي لو لا هذه النصوص الواردة بها لأبطلوا بها الصلاة البتة لكونها أفعالا أجنبية عنها خارجة عن حقيقتها، و الأمر في الموضعين كذلك غاية الأمر انه قد تكاثرت الاخبار بهذا الحكم حتى عدوه الى غير موارد النصوص بتنقيح المناط القطعي دون هذا الجزئي الذي هو محل البحث فيجب الاقتصار فيه على مورد النص.
هذا. و اما ما ذكره ابن ابي عقيل- من القطع ما لم يركع و الرجوع الى الأذان خاصة في صلاة المغرب و الصبح. و نحوه ما ذكره المحقق في الشرائع من الرجوع الى الأذان مطلقا- فلم أقف فيه على دليل و بذلك اعترف في المدارك فقال: و اعلم ان هذه الروايات إنما تعطي استحباب الرجوع لاستدراك الأذان و الإقامة أو الإقامة وحدها و ليس فيها ما يدل على جواز القطع لاستدراك الأذان مع الإتيان بالإقامة، و لم أقف على مصرح به سوى
372
المصنف في هذا الكتاب و ابن ابي عقيل على ما نقل عنه، و حكى فخر المحققين في الشرح الإجماع على عدم الرجوع اليه مع الإتيان بالإقامة و عكس الشارح (قدس سره) فحكم بجواز الرجوع لاستدراك الأذان وحده دون الإقامة و هو غير واضح. انتهى.
(المسألة الخامسة) [هل يستحب الأذان و الإقامة لكل صلاة في قضاء اليومية؟]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن القاضي للصلوات الخمس و ان استحب له الأذان و الإقامة لكل صلاة صلاة إلا انه رخص له في الاقتصار على أذان واحد في أول ورده. و ظاهرهم ان الأذان و الإقامة لكل صلاة أفضل و ان الاقتصار على الأذان في الاولى من ورده دونه في الفضل، و هو صريح عبارة الشرائع، و جملة منهم عبروا بالسقوط بقول مطلق.
اما استحباب الأذان و الإقامة لكل فريضة فاستدل عليه في المنتهى
بقوله (عليه السلام) (1): «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».
و قد كان من حكم الفائتة استحباب تقديم الأذان و الإقامة لها فكذا قضاؤها،
و رواية عمار الساباطي (2) قال:
«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الإقامة؟ قال نعم».
و اعترضه في المدارك بان في الروايتين ضعفا في السند و قصورا من حيث الدلالة و الظاهر ان ضعف الدلالة بالنسبة إلى الأول من حيث ان المتبادر من قوله: «كما فاتته» بجملة اجزائها و صفاتها الداخلة تحت حقيقتها دون الأمور الخارجة عنها. و يحتمل- و لعله الأظهر- حمل الخبر على كون الفائت فريضة واحدة فإنه يؤذن لها و يقيم. و اما بالنسبة الى الثاني فلعدم دلالته على انه يعيد لكل صلاة مع انه يعارضه
ما رواه الشيخ في التهذيب عن موسى بن عيسى (3) قال: «كتبت اليه رجل يجب عليه إعادة الصلاة أ يعيدها بأذان
____________
(1) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 8 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 37 من الأذان و الإقامة.
373
و اقامة؟ فكتب يعيدها بإقامة».
و بالجملة فإن الدليل المذكور لا يخلو من القصور.
و اما الاكتفاء بأذان واحد في أول ورده ثم الإقامة لكل صلاة فيدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى الصلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة ثم ذكر بعد ذلك؟ قال يتطهر و يؤذن و يقيم في أولادهن ثم يصلي و يقيم بعد ذلك في كل صلاة بغير أذان حتى يقضى صلاته».
و عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولادهن فأذن لها و أقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة».
و حكى الشهيد في الذكرى قولا بأن الأفضل ترك الأذان لغير الاولى
لما روى (3) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) شغل يوم الخندق عن اربع صلوات فأمر بلالا فأذن للأولى و اقام ثم أقام للبواقي من غير أذان».
و هو حسن. قال في المدارك و هو حسن بل لو قيل بعدم مشروعية الأذان لغير الاولى من الفوائت مع الجمع بينها كان وجها قويا لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه. انتهى.
أقول: ما استدل به شيخنا الشهيد (قدس سره) هنا من الرواية عن النبي (صلى الله عليه و آله) و انه شغل عن اربع صلوات يوم الخندق انما هي من طرق المخالفين و ليس في أخبارنا لها اثر و لا توافق أصولنا، فإن ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم جواز ذلك عليه (صلى الله عليه و آله) لعصمته المانعة عن جواز ذلك عليه، و لأن الصلاة لها مراتب لا يحصل الفوات فيها إلا مع انقطاع الشعور بالكلية كما ذكروه في صلاة الحرب و صلاة المريض، فلا حجة في الخبر المذكور و لا ضرورة تلجئ اليه حتى انه يتكلف بالذب عنه و دفع ما يرد عليه من الاشكال حيث قال (قدس سره) في المقام: و لا ينافي العصمة
____________
(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 63 من المواقيت.
(3) تيسير الوصول ج 2 ص 190.
374
لوجهين (أحدهما)
ما روى (1) من ان الصلاة كانت تسقط أداء مع الخوف ثم تقضى حتى نسخ ذلك بقوله تعالى «وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ. الآية» (2).
(الثاني) جاز ان يكون ذلك لعدم تمكنه من استيفاء أفعال الصلاة و لم يكن قصر الكيفية مشروعا، و هو عائد إلى الأول و عليه المعمول. انتهى.
أقول: و في الثاني الذي عليه المعول عنده ان الاعتماد في ذلك على مجرد الاحتمال و الجواز- بان يكون المعنى انه يحتمل ان يكون تركه (صلى الله عليه و آله) الصلاة من حيث عدم التمكن من استيفاء أفعالها- من قبيل الرمي في الظلام من حيث الخروج بذلك عن ظواهر الأدلة من غير مخصص في المقام، إذ الأحاديث الدالة على قصر الكيفية في المواضع المنصوصة من خوف و مرض و نحوهما لا اشعار فيها بوقت دون وقت و لا زمان دون زمان و لا حال دون حال على ان الظاهر ان الرواية التي أشار إليها في الوجه الأول ليست من طرقنا و لعله لهذا عدل عن الاستناد إليها و اعتمد على مجرد هذا الاحتمال و التجويز.
و العجب منه (قدس سره) و كذا من السيد السند في نقله له و جموده عليه بل استحسانه ذلك، و كيف عولوا في الاستدلال على هذه الرواية العامية و روايات الأصحاب ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في ما دلت عليه هذه الرواية العامية كصحيحتي زرارة و محمد ابن مسلم المتقدمتين و نحوهما ما
في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام) «و قال العالم من أجنب ثم لم يغتسل حتى يصلي الصلوات كلهن فذكر بعد ما صلى فان عليه الإعادة يؤذن و يقيم ثم يفصل بين كل صلاتين بإقامة».
و يمكن حمل رواية «من فاتته فريضة» و كذا رواية عمار على الفريضة الواحدة لقوله في الأول «من فاتته فريضة» و في الثاني «أعاد الصلاة» و لا كلام في استحباب الإعادة في الصلاة الواحدة و حينئذ فلا تنافي بين أخبار المسألة، و منه يظهر قوة ما ذكره السيد السند من قوله: بل لو قيل بعدم مشروعية الأذان لغير الاولى
____________
(1) لم نعثر على هذه الرواية حتى الآن بعد الفحص عنها في مظانها.
(2) سورة النساء، الآية 103.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 176.
375
من الفوائت مع الجمع لكان وجها قويا. و اما ما دلت عليه رواية موسى بن عيسى فهو محمول على الرخصة و الجواز.
ثم انه مما يجب التنبيه عليه انه لا يخفى ان طعن السيد في سند خبر «من فاتته فريضة» بالضعف ليس في محله فان سنده حسن بإبراهيم بن هاشم على المشهور الذي هو صحيح عندنا و عند جملة من المحققين إلا ان يكون ذلك طعنا منه في إبراهيم بن هاشم كما في غير موضع من اضطراب كلامه فيه، لكن يرد عليه انه وصف رواية زرارة التي نقلها هنا بالصحة و في سندها إبراهيم بن هاشم ايضا.
و قال الشهيد (قدس سره) في الدروس: و يجتزئ القاضي بالأذان لأول ورده و الإقامة للباقي و ان كان الجمع بينهما أفضل، و هو ينافي سقوطه عن من جمع في الأداء إلا ان يقول السقوط فيه تخفيف أو ان الساقط أذان الإعلام لحصول العلم بأذان الاولى لا الأذان الذكرى و يكون الثابت في القضاء الأذان الذكرى. و هذا متجه. انتهى و اعترضه في المدارك بعدم المنافاة بين الحكمين لو ثبت دليلهما.
أقول: الظاهر ان مبنى المنافاة في كلام الدروس على انه لما كان الدليل على استحباب الجمع بين الأذان و الإقامة في القضاء هو حديث «من فاتته فريضة.» بالتقريب الذي ذكره العلامة في المنتهى فجعل القضاء تابعا في ذلك للأداء و الحال انهم صرحوا انه لو جمع بين الفرضين في الأداء سقط الأذان للثانية فحصول المنافاة و الحال هذه مما لا ريب فيه، فان إثباتهم له في القضاء انما هو بالتفريع على الأداء كما عرفته من استدلال العلامة و الحال انه في الأداء ساقط في مقام الجمع كما عرفت. و الظاهر ان هذا هو مراد شيخنا الشهيد (قدس سره) بالمنافاة في هذا المقام و هو ظاهر و ان كان للمناقشة في أصل دليل المنافاة مجال- كما عرفت- آنفا من عدم ظهور الدليل الذي استند اليه العلامة في ما استدل به عليه.
و اما جوابه في الدروس عن الاشكال المذكور- بان الساقط في صورة الجمع
376
في الأداء انما هو أذان الإعلام. إلخ» و اليه يشير قوله في الذكرى كما سيأتي نقله ان شاء الله تعالى في مسألة الجمع: ان الساقط مع الجمع الغير المستحب أذان الاعلام و يبقى أذان الذكر و الإعظام- ففيه انه لا يخفى ان المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل الاستتار و لا الإنكار هو ان الأذان على نوعين (أحدهما) المقصود به الاعلام بدخول الوقت لكافة الناس و هذا الذي تقدمت أكثر الروايات في صدر المقدمة بالحث عليه و على ما فيه من الثواب. و (ثانيهما) الأذان و الإقامة بالنسبة الى كل مكلف من ذكر و أنثى و هذا هو الذي تقدم الاختلاف فتوى و رواية في وجوبه و استحبابه في مواضع و افراد معينة. و هذا النوع الثاني لا ارتباط له بأول الوقت بل اي وقت صلى المصلي استحب له الإتيان به، و هذا هو الذي خرجت فيه روايات القضاء بأنه يؤذن في أول ورده ثم يقيم لكل صلاة صلاة و لا تعلق لهذا بالإعلام لوقوعه في سائر أجزاء الوقت، فقول شيخنا المشار اليه- ان الساقط في صورة الجمع في الثانية أذان الإعلام لحصول العلم بأذان الاولى لا الأذان الذكرى- لا معنى له بالكلية لأنه لا يلزم ان تكون صلاته في أول الوقت حتى يكون أذان الاولى أذان إعلام، و مع فرض كون صلاته في أول الوقت لا يعتبر في أذانه للصلاة الاولى و لا يشترط فيه قصد الاعلام و لا شروط الأذان الإعلامي بالكلية بل لو اذن خفيا وحده في مكان لا يراه أحد و لا يسمع صوته سامع فقد أدى السنة الموظفة. و بالجملة فإن هذا الذي تعلق به الخطاب لهذا المكلف بخصوصه من حيث صلاته المخصوصة لا مدخل له في أذان الإعلام. نعم قام الدليل على الاجتزاء بأذان الاعلام لمن سمعه على الخلاف الآتي ان شاء الله تعالى في العموم للإمام و غيره أو التخصيص بالإمام. و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا لا اعرف له وجها وجيها. و الله العالم.
(المسألة السادسة) [حكم أذان العصر يوم الجمعة]
- اختلف الأصحاب في أذان العصر يوم الجمعة فأطلق الشيخ في المبسوط سقوطه و هو ظاهر المفيد في المقنعة على ما نقله الشيخ في التهذيب، و قال الشيخ في النهاية انه غير جائز.
377
و قال ابن إدريس انه يسقط عن من صلى الجمعة دون من صلى الظهر و نقل، ذلك عن ابن البراج في الكامل.
و نقل عن المفيد في الأركان و ابن البراج انهما استحبا الأذان لعصر يوم الجمعة كغيره من الأيام، قال في المدارك و هو اختيار المفيد (قدس سره) في المقنعة على ما وجدته فيها، قال بعد ان أورد تعقيب الاولى: ثم قم فاذن للعصر و أقم الصلاة. قال و الى هذا القول ذهب شيخنا المعاصر سلمه الله تعالى و هو المعتمد لإطلاق الأمر الخالي من التقييد ثم نقل عن الشيخ في التهذيب انه احتج على ما حكاه من كلام المقنعة المتضمن للسقوط بما رواه في الصحيح عن ابن أذينة عن رهط: منهم-
الفضيل و زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين».
و عن حفص ابن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة».
ثم قال: و يتوجه عليه ان الرواية الأولى انما تدل على جواز ترك الأذان للعصر و العشاء مع الجمع بين الفرضين في يوم الجمعة و غيره و هو خلاف المدعى. و اما الرواية الثانية فضعيفة السند قاصرة المتن فلا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة المتضمنة لمشروعية الأذان في الصلوات الخمس. انتهى المقصود من نقل كلامه.
احتج ابن إدريس على ما نقل عنه بأن الإجماع منعقد على استحباب الأذان لكل صلاة من الخمس خرج عنه المجمع عليه و هو من صلى الجمعة فيبقى الباقي على العموم.
و اعترض عليه بمنع الإجماع على السقوط مع صلاة الجمعة لتصريح بعض الأصحاب بالاستحباب مطلقا كما تقدم.
أقول و بالله التوفيق و الهداية إلى سواء الطريق لا يخفى ان محل الخلاف في هذه المسألة
____________
(1) الوسائل الباب 36 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة.
378
في كلامهم غير مشخص و لا معين من انه حال الجمع أو حال التفريق و المسألة بخصوصها خالية من النص إلا ان الذي يقتضيه النظر في الأخبار هو ان القول بالسقوط في عصر الجمعة انما يتم مع الجمع، و ذلك فإن السنة يوم الجمعة في صلاة الظهر حيث لا نافلة بعد الزوال كما في سائر الأيام هو ان يبادر بالصلاة بعد تحقق الزوال، و السنة في صلاة العصر حيث لا نافلة يومئذ أن يصليها في وقت الظهر في سائر الأيام كما استفاضت بجميع ذلك الاخبار و من هنا يعلم ان السقوط انما هو من حيث الجمع و ان استدلال الشيخ على ما نقله عن المقنعة بصحيحة الرهط المذكورة جيد و اعترض السيد عليه بأنه خلاف المدعى ليس في محله. لان المدعى ليس إلا ان عصر الجمعة يسقط أذانها يعني إذا اتى بها على الوجه المندوب اليه و المأمور به و الموظف فيها من الجمع بينها و بين الظهر في وقت واحد كما ذكرناه. و قد صرح بذلك الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة في باب عمل ليلة الجمعة و يومها حيث قال: و الفرق بين الصلاتين في سائر الأيام مع الاختيار و عدم العوارض أفضل قد ثبتت السنة به إلا في يوم الجمعة فإن الجمع بينهما أفضل و هو السنة. انتهى.
و هذا الكلام قد تقدم نقله في كلام السيد في المدارك في المسألة الخامسة من المسائل المرسومة في شرح قول المصنف «الثانية في المواقيت. إلخ» و مراد شيخنا المشار اليه الفرق بين الصلاتين بالنوافل الموظفة أو بالتأخير إلى المثل الثاني الذي هو وقت فضيلة العصر عندهم كما تقدم، هذا في غير الجمعة و اما يوم الجمعة فإن السنة فيه هو الجمع و عدم التفريق لا بنافلة و لا بزمان، و حينئذ فما نقله السيد عن عبارة المقنعة من ذكر الأذان للعصر في العبارة المذكورة يمكن حمله على حصول التفريق بالوقت كما هو ظاهر سياق العبارة من الاشتغال بالأعمال و الأذكار بعد صلاة الظهر الى دخول وقت العصر.
و اما ما نقله السيد عن شيخه نور الله تربتيهما و اختاره ان أريد به استحباب الأذان يوم الجمعة مطلقا و لو في صورة الجمع فهو باطل مردود بالصحيحة المذكورة و غيرها
379
مما دل على ما دلت عليه، و ان أريد مع التفريق فهو في محله و ليس فيه منافاة لكلام الشيخ كما عرفت.
و اما رواية غياث المذكورة فإنها لإجمالها و تعدد الاحتمال فيها لا يمكن الاعتماد عليها في إثبات حكم شرعي، و سيجيء تحقيق الكلام في معناها في باب صلاة الجمعة ان شاء الله تعالى.
و مما يدل على سقوط أذان الثانية في صورة الجمع زيادة على صحيحة الرهط المتقدمة
رواية صفوان الجمال (1) قال: «صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) الظهر و العصر عند ما زالت الشمس بأذان و إقامتين. الحديث».
و صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين و جمع بين المغرب و العشاء في الحضر من غير علة بأذان و إقامتين».
و مما يدل على ان الجمع عبارة عن عدم النافلة بين الفرضين و انه مع النافلة لا جمع و ان كان في وقت واحد
موثقة محمد بن حكيم (3) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع».
و في رواية أخرى له ايضا (4) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوع بينهما».
و من هذه الاخبار يعلم حصول التفريق الموجب للأذان للثانية بالنافلة، و الظاهر ايضا حصوله بالتأخير إلى وقت الصلاة الثانية كما يفهم من كلام الشيخ و الجماعة بل حصوله بالفصل بما يعتد به سيما مع تخلل بعض العوارض الخارجة الغير المرتبطة بالصلاة كما اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة.
____________
(1) الوسائل الباب 31 من المواقيت.
(2) الوسائل الباب 32 من المواقيت.
(3) الوسائل الباب 33 من المواقيت.
(4) الوسائل الباب 33 من المواقيت.
380
قال في الذكرى: و لو جمع الحاضر أو المسافر بين الصلاتين فالمشهور ان الأذان يسقط في الثانية، قاله ابن ابي عقيل و الشيخ و جماعة سواء جمع بينهما في وقت الأولى أو الثانية لأن الأذان إعلام بدخول الوقت و قد حصل بالأذان الأول، و ليكن الأذان للأولى ان جمع بينهما في وقت الاولى و ان جمع بينهما في وقت الثانية اذن للثانية ثم اقام و صلى الاولى لمكان الترتيب ثم أقام للثانية. انتهى.
أقول: ما ذكره في تعليل سقوط أذان الثانية من ان الأذان إعلام بدخول الوقت عليل كما عرفت مما قدمنا بيانه إذ لا دليل عليه، و الأذان الإعلامي منفرد لا تعلق له بأذان الصلاة المخاطب به كل فرد فرد من افراد المكلفين بخطابهم بالصلاة لما أسلفناه من الأخبار المتعلقة بكل منهما على حدة و الفروع و الأحكام المترتبة على كل منهما على حدة. و أضعف من ذلك قوله: «و ليكن الأذان للأولى ان جمع بينهما في وقت الأولى. إلخ» فإنه لا دليل عليه و ان وافقه الشهيد الثاني على ذلك و صار اليه و النصوص خالية من هذا التفصيل.
و الظاهر ان هذا الكلام مبني على ما ذكره أولا من ان الأذان للإعلام فإنه متى كان القصد به الاعلام يكون وظيفة صاحبة الوقت فيقصد به صاحبة الوقت خاصة و هو كالمبني عليه في الضعف و عدم الدليل. و أشد ضعفا في كلامه في هذا المقام ما ذكره من انه لو اتفق الجمع مع عدم استحبابه فإنه يسقط أذان الاعلام و يبقى أذان الذكر و الإعظام، و قد تقدم ما فيه. و الله العالم.
(المسألة السابعة) [سقوط الأذان في عصر عرفة و عشاء المزدلفة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في سقوط أذان عصر عرفة و عشاء المزدلفة.
و يدل عليه من الأخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «السنة في الأذان يوم عرفة ان يؤذن و يقيم للظهر ثم يصلي ثم يقوم فيقيم للعصر بغير أذان و كذلك في المغرب و العشاء بمزدلفة».
____________
(1) الوسائل الباب 36 من الأذان و الإقامة.
381
و عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«صلاة المغرب و العشاء بجمع بأذان واحد و إقامتين».
الى غير ذلك من الأخبار الآتية في كتاب الحج ان شاء الله تعالى.
انما الخلاف بينهم في حكم السقوط في حال الجمع مطلقا و خصوص عصري الجمعة و عرفة و عشاء المزدلفة هل هو على سبيل الرخصة و ان كان مستحبا أو الكراهة كما في سائر مكروهات العبادات أو انه محرم؟ أقوال، فذهب جمع من الأصحاب: منهم- العلامة إلى التحريم في الثلاثة الأخيرة و أطلق الباقون سقوطه مع مطلق الجمع.
و اختلف كلام شيخنا الشهيد (قدس سره) في المسألة ففي الذكرى توقف في كراهته في الثلاثة المشار إليها استنادا الى عدم وقوفه فيه على نص و لا فتوى ثم حكم بنفي الكراهة و جزم بانتفاء التحريم فيها و ببقاء الاستحباب في الجمع بغير الثلاثة المذكورة مأولا الساقط بأنه أذان الاعلام و ان الباقي أذان الذكر و الإعظام. و قريب منه كلامه في الدروس فإنه قال: و ربما قيل بكراهته في الثلاثة و بالغ من قال بالتحريم. و قال في البيان ان الأقرب ان الأذان في الثلاثة حرام مع اعتقاد شرعيته. و توقف في غيرها.
و المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض و الروضة هو التحريم في المواضع الأربعة حيث قال في الروضة بعد ذكرها: و هل سقوط الأذان في هذه المواضع رخصة فيجوز الأذان أم عزيمة فلا يشرع؟ وجهان من انه عبادة توقيفية و لا نص عليها هنا بخصوصه و العموم مخصص بفعل النبي (صلى الله عليه و آله) فإنه جمع بين الظهرين و العشاءين لغير مانع بأذان و إقامتين و كذا في تلك المواضع و الظاهر انه لمكان الجمع لا لخصوصية البقعة، و من انه ذكر الله و لا وجه لسقوطه أصلا بل تخفيفا و رخصة. ثم استشكل في الوجه الثاني بمنع كونه بجميع فصوله ذكرا، و بان الكلام في خصوصية العبادة لا في مطلق الذكر، الى ان قال بعد نقل الخلاف: و الظاهر التحريم في ما لا إجماع على
____________
(1) الوسائل الباب 34 من المواقيت.
382
استحبابه منها لما ذكرناه. انتهى.
و ظاهر السيد السند في المدارك اختيار التحريم في خصوص عصر عرفة و عشاء المزدلفة خاصة حيث قال بعد إيراد صحيحة ابن سنان المتقدمة: و هل سقوط الأذان هنا على سبيل الرخصة أو الكراهة أو التحريم؟ أوجه ذهب الى كل منها ذاهب و الأصح التحريم كما اختاره العلامة في المنتهى و الشهيد في البيان لأنه مخالفة للسنة فيكون بدعة
و قد صح عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: «كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار».
و على نهجه نهج الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا للخبر المذكور و ستعرف ما فيه ان شاء الله تعالى. و اما في موضع الجمع فإنه قال: لا يبعد ان يقال انه مكروه في موضع يستحب الجمع بالمعنى المتعارف في العبادات بمعنى ان الإتيان به أقل ثوابا من الإتيان بالصلاة من غير تفريق، قال و اما في غير موضع استحباب الجمع فتركه مرخص فيه بمعنى عدم التأكيد في استحبابه كما في غيره لا انه مكروه أو مباح.
أقول و بالله التوفيق إلى هداية سواء الطريق: الأظهر عندي في هذه المسألة ما رجحه شيخنا الشهيد الثاني (روح الله روحه) من التحريم في المواضع الأربعة المتقدمة الراجعة في التحقيق الى مطلق الجمع:
(اما أولا) فلان العبادات توقيفية مبنية على التوظيف من الشارع و لم يعلم منه الأذان للثانية في صورة الجمع مطلقا بل المعلوم من الاخبار خلافه و انه لا أذان ثمة:
فمنها- ما دل على حكاية فعله (صلى الله عليه و آله) و فعل الأئمة (عليهم السلام) كما تقدم في صحيحة الرهط و رواية صفوان الجمال و صحيحة عبد الله بن سنان، و مثلها
رواية عبد الله بن سنان (2) قال: «شهدت المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فحين كان قريبا من الشفق نادوا و أقاموا الصلاة فصلوا المغرب
____________
(1) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 31 من المواقيت.
383
ثم أمهلوا الناس حتى صلوا ركعتين ثم قام المنادي في مكانه في المسجد فأقام الصلاة فصلوا العشاء ثم انصرف الناس الى منازلهم، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال نعم قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عمل بهذا».
و منها- ما دل على أمر المكلفين بذلك كصحيحتي عبد الله بن سنان و منصور بن حازم المتقدمتين صدر هذه المسألة و نحوهما
صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل يقطر منه البول من انه يتخذ كيسا يجعل فيه قطنا، الى ان قال يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر بأذان و إقامتين يؤخر الظهر و يعجل العصر و كذا يؤخر المغرب و يعجل العشاء و يجمع بينهما بأذان و إقامتين».
و لم يرد في شيء من روايات الجمع الإشارة فضلا عن التصريح الى أذان الثانية بالكلية و منه يعلم انه لا أذان للثانية في صورة الجمع مطلقا من المواضع الثلاثة و غيرها لعدم ثبوت التعبد به، و الاستناد الى الأخبار المطلقة هنا ضعيف لان هذه الاخبار خاصة فيخصص بها إطلاق تلك الاخبار كما هو القاعدة المتفق عليها.
و العجب ان السيد السند (قدس سره) ذكر- في مسألة أذان المرأة للرجال الأجانب بناء على عدم تحريم سماع صوتها بعد ان نقل عن ظاهر المبسوط الجواز- ما صورته: و يمكن تطرق الإشكال إلى اعتداد الرجال بأذانهن على هذا التقدير ايضا لتوقف العبادة على التوقيف و عدم ورود النقل بذلك. انتهى، و حينئذ فإذا احتاج الى التوقيف في هذه الصورة مع دخولها تحت إطلاق أخبار الأذان و عدم ورود نص في خصوصها بالمنع فكيف لا يحتاج الى التوقيف في ما دلت النصوص على السقوط فيه بل يعمل بإطلاق تلك الأخبار و يلغى هذه النصوص الدالة على السقوط أو يتأولها.
و قال أيضا في مسألة الأذان في قضاء الصلوات الخمس بعد ان نقل عن الأصحاب استحباب الأذان و الإقامة لكل صلاة و كلام في البين: و لو قيل بعدم مشروعية الأذان
____________
(1) الوسائل الباب 19 من نواقض الوضوء.
384
لغير الاولى من الفوائت مع الجمع بينها كان وجها قويا لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه. انتهى. و هذا بعينه آت في ما نحن فيه فان الروايات- كما قدمناها في تلك المسألة- دلت على ان الأذان للأولى خاصة و ان ما بعدها بإقامة إقامة فيخص بها أخبار الأذان المطلقة، و به يظهر ان التعبد به في هذه الصورة غير ثابت و كذا ما نحن فيه فان الاخبار كما عرفت قد تكاثرت في صورة الجمع بأنه يؤذن للأولى خاصة و يقيم للثانية من غير أذان. و التقريب المذكور الذي رجح به عدم إعادة الأذان في بقية الفرائض المقضية آت في ما نحن فيه فكيف غفل عن ذلك و حكم بالتحريم بعصر عرفة و عشاء المزدلفة و مثله الفاضل الخراساني الذي تبعه في تينك المسألتين المتقدمتين ايضا.
و (اما ثانيا) فلصحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة و التقريب فيها ان الظاهر- كما صرح به جملة من الأصحاب- ان ترك الأذان في الصورتين المذكورتين فيها ليس الا لخصوص الجمع لا للبقعة و قد دلت على ان السنة هو ترك الأذان فيكون الآتي به مخالفا للسنة و ليس بعد ذلك إلا كونه بدعة و به يثبت ان الإتيان به في مقام الجمع- حيثما كان- بدعة.
و يعضد ما ذكرناه من ان ترك الأذان في عصر عرفة و عشاء المزدلفة انما هو من حيث الجمع لا لخصوص البقعة خبر حريز المذكور في السلس فإنه من الظاهر ان ذلك ايضا ليس من حيث خصوصية السلس بل من حيث مقام الجمع و ان السنة في مقام الجمع حيثما كان و كيفما كان هو سقوط أذان الثانية فيجب اطراد الحكم في روايات المستحاضة الدالة على الجمع و ان لم يصرح فيها بالأذان و الإقامة بالتقريب المذكور في هذه الأخبار.
و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة هنا من الاحتمالات و المناقشات التي ليس في التعرض لنقلها كثير فائدة فضعفها يعلم مما حققناه. و الله العالم.
(المسألة الثامنة) [سقوط الأذان و الإقامة بالجماعة السابقة ما لم تتفرق الصفوف]
- لو صليت الفريضة جماعة في المسجد ثم جاء آخرون و أرادوا الصلاة جماعة أو فرادى لم يؤذنوا و لم يقيموا و بنوا على أذان الجماعة السابقة و إقامتها ما لم تتفرق الصفوف و إلا أذنوا و أقاموا، قال الشيخ: و الوجه ان الأذان إعلام بدخول الوقت
385
و قد حصل فلا معنى لإعادته اما إذا تفرقت الصفوف فان صلاته بعد ذلك كالصلاة المستأنفة. أقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الضعف بل الوجه انما هو دلالة النصوص على ذلك:
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي علي (1) قال: «كنا عند ابي عبد الله (عليه السلام) فأتاه رجل فقال جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر و انصرف بعضنا و جلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فاذن فمنعناه و دفعناه عن ذلك؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أحسنت ادفعه عن ذلك و امنعه أشد المنع. فقلت فان دخلوا فأرادوا أن يصلوا فيه جماعة؟ قال يقومون في ناحية المسجد و لا يبدر بهم امام».
و ما رواه في الكافي عن ابي بصير (2) قال: «سألته عن الرجل ينتهي الى الامام حين يسلم؟ فقال ليس عليه ان يعيد الأذان فليدخل معهم في أذانهم فإن وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان».
و ما رواه في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«قلت الرجل يدخل المسجد و قد صلى القوم أ يؤذن و يقيم؟ قال ان كان دخل و لم يتفرق الصف صلى بأذانهم و إقامتهم و ان كان تفرق الصف اذن و اقام».
و عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال:
«دخل رجلان المسجد و قد صلى علي (عليه السلام) بالناس فقال لهما ان شئتما فليؤم أحدكما صاحبه و لا يؤذن و لا يقيم».
و عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (5) انه كان يقول «إذا دخل الرجل المسجد و قد صلى اهله فلا يؤذنن و لا يقيمن و لا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة و لا يخرج منه الى غيره حتى يصلي فيه».
____________
(1) الوسائل الباب 65 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
386
و في كتاب زيد النرسي عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أدركت الجماعة و قد انصرف القوم و وجدت الامام مكانه و أهل المسجد قبل ان يتفرقوا أجزأك أذانهم و إقامتهم فاستفتح الصلاة لنفسك، و إذا وافيتهم و قد انصرفوا عن صلاتهم و هم جلوس أجزأ إقامة بغير أذان، و ان وجدتهم و قد تفرقوا و خرج بعضهم من المسجد فاذن و أقم لنفسك».
قال في المدارك: بعد ان أورد مستندا للحكم المذكور رواية أبي بصير الثانية و رواية ابي علي: و عندي في هذا الحكم من أصله توقف لضعف مستنده باشتراك راوي الأولى بين الثقة و الضعيف و جهالة راوي الثانية فلا يسوغ التعلق بهما.
أقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة الواهية لأن ضعف هذين الخبرين بناء على تسليم هذا الاصطلاح مجبور بعمل الطائفة بهما إذ لأراد لهذا الحكم و لا مخالف فيه، و قد سلم في غير موضع العمل بالخبر الضعيف المجبور بعمل الأصحاب و ان خالف في مواضع أخر كما في هذا الموضع، و قد عرفت ان هذين الخبرين معتضدان بغيرهما من الأخبار المذكورة.
إلا انه قد ورد ايضا ما ظاهره المناقضة لهذه الاخبار في ما دلت عليه من سقوط الأذان في هذه الصورة:
و منها-
ما رواه في الفقيه في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الرجل أدرك الإمام حين سلم؟ قال عليه ان يؤذن و يقيم و يفتتح الصلاة».
و رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عمار مثله (3).
و ما رواه في الفقيه ايضا عن معاوية بن شريح (4) في حديث قال: «و من
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 25 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 65 من صلاة الجماعة.
387
أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهد فقد أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لا اقامة، و من أدركه و قد سلم فعليه الأذان و الإقامة».
و المحدث الكاشاني في الوافي حمل موثقة عمار على صورة التفرق، و الظاهر بعده حيث انها اشتملت على انه أدركه حين سلم و تفرق الناس حين التسليم خلاف المعروف المعهود بين الناس و الموظف شرعا من الجلوس للتعقيب و لو قليلا. و ذكر ايضا- بعد نقل رواية معاوية بن شريح و انها رويت في التهذيب عارية عن هذه الزيادة- انه يحتمل ان تكون هذه الزيادة من كلام الصادق (عليه السلام) و يحتمل ان تكون من كلام الصدوق أقول: و الظاهر حمل هذين الخبرين على الجواز على كراهية بمعنى حمل النهي في تلك الاخبار على الكراهة جمعا بين الأخبار- و لا ينافيه قوله في خبر ابي علي «ادفعه عن ذلك و امنعه أشد المنع» فإنه محمول على تأكيد الكراهة، و بذلك يظهر ان السقوط هنا ليس كالسقوط في ما تقدم من تلك الصور التي وقع فيها الاختلاف.
بقي في المسألة فوائد يحسن التنبيه عليها لضرورة الرجوع إليها: (الأولى) قال شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب الفقيه: لا يجوز جماعتان في مسجد في صلاة واحدة. ثم نقل حديث ابي علي المتقدم في صدر المسألة، و تبعه على هذا القول المحدث الكاشاني، و هو بناء منهما على ان قوله (عليه السلام) في آخر الخبر «لا يبدو لهم امام» بالواو أو «لا يبدر لهم امام» بالراء عوض الواو أو «لا يبدر بهم» على اختلاف النسخ في هذا الخبر بمعنى لا يظهر لهم امام و هو كناية عن عدم الصلاة جماعة، و المفهوم من كلام الأصحاب هو الجواز من غير خلاف ينقل في كلامهم لكن يراعى في الأذان و الإقامة التفرق و عدمه كما دلت عليه الاخبار المتقدمة حتى اني لم أقف على ناقل لخلاف الصدوق هنا مع ان عبارته- كما ترى- صريحة في ذلك.
و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: و إذا صلى في مسجد جماعة لا يجوزان يصلى دفعة أخرى جماعة بأذان و اقامة. و ظاهر هذه العبارة تحريم الأذان و الإقامة للجماعة
388
الثانية ان خص النهي بالرجوع الى القيد كما هو المشهور، و ان رجع الى القيد و المقيد كان فيه دلالة على تحريم الجماعة مرة ثانية مع الأذان و الإقامة. و الأمران مشكلان، و الشيخ في التهذيب بعد ان ذكر هذه العبارة أورد حديث ابي علي دليلا عليها، ثم قال بعد نقل الحديث بتمامه: و الذي يدل على ما قلناه من انه لا يؤذن و لا يقيم متى أرادوا الجماعة ما رواه محمد بن احمد بن يحيى، ثم ساق رواية زيد بن علي المتقدمة. و حينئذ فمعنى آخر الخبر على ما فهمه الأصحاب انما هو لا يبدو لهم أو يبدر يعني بأذان و اقامة. و هذا الخبر و ان كان مجملا في الدلالة على هذا المعنى إلا ان حديث زيد المذكور صريح في ذلك.
و ما ذكره المحدث الكاشاني في تأويله- حيث انه اختار مذهب الصدوق من حمله على الرخصة في خصوص الاثنين حيث انه مورد الخبر- بعيد غاية البعد. و الاحتياط لا يخفى.
(الثانية)- قد علق إعادة الأذان في خبري أبي بصير على تفرق الصف فان تفرقوا اذن و اقام، و التفرق يصدق بذهاب بعضهم و بقاء بعض، و حينئذ فيؤذن و يقيم في هذه الصورة و لا يترك الأذان و الإقامة إلا مع بقائهم جميعا الذي هو مصداق عدم التفرق، و على هذا تلزم المنافاة لخبر ابي علي الدال على انه مع انصراف بعضهم و بقاء بعض فإنه لا يؤذن و لا يقيم، فالواجب حمل التفرق في الخبرين المذكورين على انصراف الجميع و ذهابهم كلهم جمعا بين الاخبار، فلو بقي بعضهم و لو واحدا كفى في سقوط الأذان و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني. و يمكن جعل المناط في سقوط الأذان بقاءهم كملا أو بقاء الأكثر و ان ذهب الأقل. إلا ان ظاهر خبر زيد النرسي مما يؤيد ظاهر الخبرين المذكورين، فان الظاهر ان معناه هو انك إذا أدركت الجماعة و قد انصرف القوم اي فرغوا من الصلاة و وجدت الامام مكانه و أهل المسجد لم يتفرقوا يعني لم يخرجوا من المسجد بل بقوا مشتغلين بالتعقيب و الذكر فإنه يجزيك أذانهم و إقامتهم، و إذا وافيتهم و قد فرغوا من صلاتهم و هم جلوس لغير التعقيب بل لأمور أخر فأقم بغير أذان، و ان وجدتهم قد تفرقوا و خرج بعضهم من المسجد فأذان و أقم. و هو غريب لا قائل به في ما اعلم.
389
و قال الشيخ في المبسوط: إذا اذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافيا لمن يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد و يجوز له ان يؤذن في ما بينه و بين نفسه و ان لم يفعل فلا شيء عليه. و ظاهر كلامه يؤذن باستحباب الأذان سرا و ان السقوط عام يشمل التفرق و عدمه و هو خلاف ظاهر الأخبار المتقدمة.
(الثالثة)- هل يكون الحكم هنا مقصورا على المسجد أو عام له و لغيره؟ وجهان بل قولان اختار أولهما المحقق في المعتبر و النافع و الشهيد الثاني و اختاره في المدارك عملا بمدلول الروايتين، قال: و يجوز ان تكون الحكمة في السقوط مراعاة جانب امام المسجد الراتب بترك ما يحث على الاجتماع ثانيا. و قال في الذكرى: الأقرب انه لا فرق بين المسجد و غيره و ذكره في الرواية على الأغلب.
أقول: لا يخفى ان أكثر أخبار المسألة المتقدمة قد اشتملت على المسجد و ما أطلق منها فالظاهر حمله عليه لأن الأحكام الشرعية انما تبنى على الغالب المتكرر و لا ريب ان صلاة الجماعة انما تتكرر و تعاد في المساجد و وقوعها نادرا لعلة في بعض المواضع لا يقدح، و حينئذ فإذا كان مورد النصوص المسجد فالخروج عن ذلك يحتاج الى دليل. و بالجملة فإنه يقتصر في ترك ما علم ثبوته و استحبابه بالأدلة القاطعة على الموضع المتيقن.
(الرابعة)- الظاهر شمول الحكم للجامع و المنفرد كما هو ظاهر كلام الأصحاب و نقل عن ابن حمزة انه خصه بالجماعة و هو ناشىء عن الغفلة عن مراجعة الأخبار التي قدمناها فإنها صريحة في المنفرد.
(الخامسة)- هل يختص الحكم بالفريضة المؤداة أو يعم ما لو دخل الداخل و أراد ان يصلي قضاء؟ إشكال ينشأ من ان إطلاق النصوص بصلاة الداخل شامل للأداء و القضاء، و من ان قرائن الحال من قصد المسجد و المسارعة إلى الدخول مع الامام و نحو ذلك انما ينصرف إلى الأداء. و لم أقف على تصريح لأحد من الأصحاب بذلك.
(المسألة التاسعة) [لو أذن المنفرد ثم أراد الصلاة جماعة أعاده]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في انه لو اذن المنفرد
390
ثم أراد الصلاة جماعة فإنه يعيد أذانه و إقامته.
و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سئل عن الرجل يؤذن و يقيم ليصلي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له نصلي جماعة هل يجوز ان يصليا بذلك الأذان و الإقامة؟ قال لا و لكن يؤذن و يقيم».
و رواه الكليني مثله (2).
و طعن في المعتبر و مثله في المدارك في الرواية بضعف السند لان رواتها فطحية لكن قال في المعتبر ان مضمونها استحباب تكرار الأذان و الإقامة و هو ذكر الله و ذكر الله حسن، ثم استقرب الاجتزاء بالأذان و الإقامة و ان نوى الانفراد، و أيد ذلك
بما رواه صالح بن عقبة عن ابي مريم الأنصاري (3) قال: «صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة فلما انصرف قلت له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا إزار و لا رداء، و لا أذان و لا اقامة؟ فقال ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي إزار و لا رداء، و اني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك».
قال و إذا اجتزأ بأذان غيره مع الانفراد فبأذانه أولى. انتهى.
و قال الشهيد في الذكرى بعد ذكر الحكم المذكور و الاستدلال بالرواية المذكورة ما صورته: و بها أفتى الأصحاب و لا راد لها سوى الشيخ نجم الدين فإنه ضعف سندها بأنهم فطحية و قرب الاجتزاء بالأذان و الإقامة أولا لأنه قد ثبت جواز اجتزائه بأذان غيره فبأذان نفسه اولى. قلت ضعف السند لا يضر مع الشهرة في العمل و التلقي بالقبول و الاجتزاء بأذان غيره لكونه صادف نية السامع للجماعة فكأنه اذن للجماعة بخلاف الناوي بأذانه الانفراد.
قال في المدارك: بعد ان نقل ملخص هذا الكلام عن الذكرى: و يشكل بما
____________
(1) الوسائل الباب 27 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 27 من الأذان و الإقامة.
(3) التهذيب ج 1 ص 216 و في الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
391
بيناه مرارا من ان مثل هذه الشهرة لا تقتضي تسويغ العمل بالخبر الضعيف، و ان ظاهر الخبر ترتب الاجزاء على سماع الأذان من غير مدخلية لما عدا ذلك فيه، الى ان قال و المعتمد الاجتزاء بالأذان المتقدم كما اختاره في المعتبر و ان كانت الإعادة أولى. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذه المناقشة الواهية التي هي لبيت العنكبوت- و انه لا وهن البيوت- مضاهية.
و الكلام في هذا المقام اما بالنسبة الى صاحب المعتبر ففيه (أولا) انه قد صرح في صدر كتابه و جعله من المقدمات لمثل هذه الأحكام و الأصول التي يجب البناء عليها في كل مقام بما صورته: قد أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا الى كل خبر و ما فطنوا الى ما تحته من التناقض فان من جملة الأخبار
قول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ستكثر بعدي الفالة على».
و قول الصادق (عليه السلام) (2) «ان لكل رجل منا رجلا يكذب عليه».
و اقتصر بعض عن هذا الإفراط فقال كل سليم السند يعمل به و ما علم ان الكاذب قد يصدق و ما تنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة و قدح في المذهب إذ لا مصنف إلا و هو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل، و أفرط آخرون في رد الخبر حتى أحال استعماله عقلا و نقلا. الى ان قال و كل هذه الأقوال منحرفة عن السنن و التوسط أقرب، فما قبله الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به و ما أعرض الأصحاب عنه أو شذ وجب إطراحه، ثم استدل على ذلك بأدلة من أحب الوقوف عليها فليرجع الى الكتاب المذكور. فانظر أيدك الله تعالى الى خروجه في هذا المقام عما قدمه و جعله أساسا لجملة الأحكام فان الخبر المذكور لا راد له من الأصحاب قبله كما سمعته من كلام شيخنا الشهيد فكيف استجاز هذا التناقض في كتابه.
و (ثانيا) انه قد اعتمد على الاخبار الموثقة في غير مقام من كتابه: منها- في باب غسل النفاس فإنه قال بعد نقل موثقة لعمار المذكور هنا ما صورته: و هذه و ان كان
____________
(1) البحار ج 1 ص 137 و 139.
(2) البحار ج 1 ص 137 و 139.
392
سندها فطحية لكنهم ثقات في النقل. و قال بعد نقل رواية عن السكوني: و السكوني عامي لكنه ثقة. فانظر الى هذا الاضطراب في كلامه.
و (ثالثا) انه من العجب طعنه في موثقة عمار و اعتضاده برواية أبي مريم و هي في الضعف الى حد لا نهاية له- كما صرح به في المدارك- بصالح بن عقبة، قال فقد قيل انه كان كذابا غاليا لا يلتفت اليه. انتهى.
و اما بالنسبة الى صاحب المدارك فهو ايضا كذلك و أعظم من ذلك لتصريحه في غير موضع من كتابه بموافقة الأصحاب في مثل هذا الباب، و استشكله بعد نقل كلام الذكرى- بقوله انه قد بين مرارا ان مثل هذه الشهرة لا تقتضي تسويغ العمل بالخبر الضعيف- مردود بما قلناه حيث قال- في مسألة ما إذا أدرك الطهارة و ركعة من الوقت بعد إيراد بعض الأخبار الضعيفة دليلا على ذلك- ما صورته: و هذه الروايات و ان ضعف سندها إلا ان عمل الطائفة عليها و لا معارض لها فينبغي العمل عليها. و قال في مسألة غسل التوبة نقلا عن المحقق في المعتبر بعد ذكر رواية مرسلة باستحباب الغسل و الطعن فيها- ما صورته: و المعتمد فتوى الأصحاب منضما الى ان الغسل خير. إلخ.
و جمد عليه. و قال في مسألة غسل المولود بعد ان نقل رواية سماعة الدالة على ان غسل المولود واجب: و المعتمد الاستحباب. مع انه لا دليل عليه وراء الرواية إلا عمل الأصحاب حيث ان المشهور الاستحباب. و قال في مسألة جواز غسل الجمعة يوم الخميس بعد نقل بعض الروايات الضعيفة: و لو لا ما اشتهر من التسامح في أدلة السنن لأمكن المناقشة في هذا الحكم. مع انه رد هذه الشهرة في صدر الكتاب فقال: و ما قيل من ان أدلة السنن يتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها فمنظور فيه لان الاستحباب حكم شرعي فيتوقف على الدليل الشرعي كسائر الأحكام. و قال- بعد نقل مرسلة ابن ابي عمير الواردة في ضبط الكر بألف و مأتي رطل بعد ما نقل عن المعتبر ان على هذا عمل الأصحاب- ما صورته:
و ظاهره اتفاق الأصحاب على العمل بمضمونها فيكون الإجماع جابرا لإرسالها. انتهى.
393
و تستره في هذه العبارات في جبر الخبر الضعيف بالإجماع دون الشهرة و فرقه بين الأمرين مما لا يسمن و لا يغني من جوع، فإنه لا مدعى للإجماع في هذه المواضع التي أشرنا إليها مما اعتمدوا فيها على تلك الأخبار الضعيفة و انما المدعى شهرة العمل بها و عدم وجود الراد لها و المخالف فيها، فتسميته له- في بعض المواضع التي يضطر الى العمل بها إجماعا و يجعله جابرا لضعف الخبر و في الموضع الذي لا يرتضيه شهرة و يمنع كونه جابرا لضعفه- ترجيح من غير مرجح ناشئ مما ذكرناه في غير موضع مما تقدم من ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح. على ان الإجماع عنده ليس بدليل شرعي كما أشار إليه في صدر كتابه و ذكر انه صنف رسالة في رده و ان استسلقه تأييدا في بعض المواضع فكيف جاز له الاعتماد عليه في جبر الخبر الضعيف؟
هذا. و اما ما ذكره في المعتبر- و مثله جمود السيد عليه في كتابه من تأييد ما ذكراه برواية أبي مريم الأنصاري- ففيه (أولا) انه لا يخرج عن القياس لان المدعى الاجتزاء بأذان الإنسان نفسه متى أذن بنية الانفراد و مورد الرواية الاجتزاء بأذان الغير، و كونه مفهوم أولوية لا يخرجه عن القياس كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب.
و (ثانيا) ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) من الفرق. و ما أجاب به في المدارك- من ان الظاهر ترتب الاجزاء على سماع الأذان و عدم مدخلية لما عدا ذلك- مردود بأنه لا ريب ان ظاهر سياق الخبر ان الباقر (عليه السلام) حين سماعه لأذان جعفر (عليه السلام) و إقامته كان قاصدا إلى الجماعة لقوله في الاعتذار إلى المأمومين عن ترك الأذان و الإقامة «إني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم» يعني في حال خروجه قاصدا الى المكان الذي فيه الجماعة، فظاهر الخبر يدل على مدخلية قصد الجماعة كما ذكره شيخنا المذكور.
و اما قوله في المدارك: «و المعتمد الاجتزاء بالأذان المتقدم كما اختاره في المعتبر» فقد ظهر لك بما ذكرناه انه غير معتمد و لا معتبر، و نزيده بأنه متى ثبت استحباب الأذان
394
للجماعة و تأكده فيها بالأخبار حتى قيل بوجوبه كما عرفت فسقوطه في موضع من المواضع يحتاج الى دليل واضح و برهان لائح سيما مع ورود الموثقة المذكورة بتأييد عموم تلك الأخبار. و اما رواية أبي مريم فهي مع ضعف سندها عنده كما صرح به لا دلالة فيها على المدعى، فبأي دليل استجاز الخروج عن مقتضى الاستحباب و التأكيد في تلك الاخبار؟ ما هذه إلا مجازفات ظاهرة و مناقشات قاصرة، و لله در الفاضل الخراساني في الذخيرة في هذا المقام مع متابعته لصاحب المدارك في جل الأحكام حيث عدل عنه هنا و صرح باختيار القول المشهور. و الله العالم.
(المقام الثالث)- في كيفية الأذان و الإقامة
و فيه أيضا مسائل:
[المسألة] (الأولى) [هل يجوز تقديم الأذان قبل الصبح؟]
- لا خلاف بين الأصحاب انه في غير الصبح لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت و اما في الصبح فالمشهور الرخصة في تقديمه قبل الصبح ثم إعادته بعد طلوع الصبح، قال ابن ابي عقيل. الأذان عند آل الرسول (صلوات الله عليهم) للصلوات الخمس بعد دخول وقتها إلا الصبح فإنه جائز ان يؤذن لها قبل دخول وقتها، بذلك تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) (1) و قالوا
«كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) مؤذنان أحدهما بلال و الآخر ابن أم مكتوم و كان أعمى و كان يؤذن قبل الفجر و يؤذن بلال إذا طلع الفجر و كان (صلى الله عليه و آله) يقول إذا سمعتم أذان بلال فكفوا عن الطعام و الشراب».
و منع ابن إدريس من تقديمه في الصبح ايضا و هو اختيار المرتضى في المسائل الناصرية، و نقل عن ابن الجنيد و ابي الصلاح و الجعفي، قال السيد (رضي الله عنه) في الكتاب المذكور: قد اختلفت الرواية عندنا في هذه المسألة فروى انه لا يجوز الأذان لصلاة قبل دخول وقتها على كل حال، و روى انه يجوز ذلك في صلاة الفجر خاصة (2) و قال أبو حنيفة و محمد و الثوري لا يؤذن للفجر حتى يطلع الفجر، و قال مالك و أبو يوسف
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
395
و الأوزاعي و الشافعي يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر (1) و الدليل على صحة مذهبنا ان الأذان دعاء إلى الصلاة و علم على حضورها فلا يجوز قبل وقتها لانه وضع للشيء في غير موضعه، و ايضا
ما روى (2) «ان بلالا اذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي (صلى الله عليه و آله) ان يعيد الأذان».
و روى عياض بن عامر عن بلال (3) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال له لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا».
و مد يديه عرضا.
قال في المختلف بعد نقله: و الجواب المنع من حصر فائدة الأذان في إعلام وقت الصلاة بل قد ذكرنا له فوائد قبل طلوع الفجر، قال المفيد (قدس سره) الأذان الأول لتنبيه النائم و تأهبه لصلاته بالطهور و نظر الجنب في طهارته ثم يعاد بعد الفجر و لا يقتصر على ما تقدم، إذ ذاك لسبب غير الدخول في الصلاة و هذا للدخول فيها. و عن الحديث الثاني بأنا نقول بموجبه إذ يستحب للمؤذن إعادة أذانه بعد الفجر. و عن الثالث بأنه (صلى الله عليه و آله) امره بذلك لان ابن أم مكتوم كان يؤذن قبل الفجر فجعل أذان بلال علامة على طلوعه. انتهى.
أقول: و مما يدل على القول المشهور زيادة على ما ذكره ابن ابي عقيل
ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عمران بن علي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأذان قبل الفجر فقال إذا كان في جماعة فلا و إذا كان وحده فلا بأس».
و روى الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قلت له ان لنا مؤذنا يؤذن بليل؟ فقال اما ان ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة و اما السنة فإنه ينادى مع طلوع الفجر و لا يكون بين الأذان و الإقامة إلا الركعتان».
____________
(1) عمدة القارئ ج 2 ص 650.
(2) سنن البيهقي ج 1 ص 383.
(3) سنن ابى داود ج 1 ص 211 و الراوي فيه شداد مولى عياض.
(4) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
396
و عن ابن سنان (1) قال «سألته عن النداء قبل طلوع الفجر؟ فقال لا بأس و اما السنة فمع الفجر و ان ذلك لينفع الجيران يعني قبل الفجر».
و روى الصدوق عن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «لا تنتظر بأذانك و إقامتك إلا دخول وقت الصلاة و احدر إقامتك حدرا.
قال و كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) مؤذنان أحدهما بلال و الآخر ابن أم مكتوم و كان ابن أم مكتوم أعمى و كان يؤذن قبل الصبح و كان بلال يؤذن بعد الصبح فقال النبي (صلى الله عليه و آله) ان ابن أم مكتوم يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان بلال. فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته و قالوا انه (صلى الله عليه و آله) قال ان بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا و اشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم».
أقول: قد نقل صاحب الوسائل الحديث المذكور كما نقلناه و ظاهره حمل قوله:
«فغيرت العامة هذا الحديث. إلخ» على انه من قول الامام (عليه السلام) و الأقرب انه من كلام الصدوق كما هي عادته في إدخال كلامه في الاخبار على وجه يحصل به الالتباس كما في هذا الموضع، و هو ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى فإنه نسب هذه الزيادة الى الصدوق.
و روى ثقة الإسلام في الصحيح و بسند آخر في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان بلال يؤذن للنبي (صلى الله عليه و آله) و ابن أم مكتوم- و كان أعمى- يؤذن بليل و يؤذن بلال حين يطلع الفجر».
و عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال هذا ابن أم مكتوم و هو يؤذن بليل فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك».
أقول: و الى هذه الاخبار أشار ابن ابي عقيل بتواتر الاخبار و هي- كما ترى-
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
397
واضحة الدلالة في المدعى إلا ان من شأن للسيد و ابن إدريس الاعتماد على الأدلة العقلية بزعمهما و عدم مراجعة الأدلة السمعية كما لا يخفى على المتتبع لكلامهما العارف بقواعدهما، و لا سيما المرتضى (رضي الله عنه) كما تصفحت جملة من كتبه فإنه في مقام الاستدلال على الأحكام التي يذكرها انما يورد أدلة عقلية و لا يلم بالأخبار بالكلية.
إلا ان هنا جملة من الروايات الدالة على مذهب المرتضى (رضي الله عنه) و من تبعه نقلها شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب زيد النرسي:
منها-
عن ابي الحسن (عليه السلام) «انه سمع الأذان قبل طلوع الفجر فقال شيطان ثم سمعه عند طلوع الفجر فقال الأذان حقا».
و منها-
عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الأذان قبل طلوع الفجر فقال لا إنما الأذان عند طلوع الفجر أول ما يطلع. قلت فان كان يريد ان يؤذن الناس بالصلاة و ينبههم؟ قال فلا يؤذن و لكن ليقل و ينادي ب«الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم» يقولها مرارا و إذا طلع الفجر فلم يكن بينه و بين ان يقيم إلا جلسة خفيفة بقدر الشهادتين و أخف من ذلك».
و منها-
ايضا عن ابي الحسن (عليه السلام) قال «الصلاة خير من النوم بدعة بني أمية و ليس ذلك من أصل الأذان و لا بأس إذا أراد الرجل ان ينبه الناس للصلاة ان ينادي بذلك و لا يجعله من أصل الأذان فإنا لا نراه أذانا».
أقول: و كان الاولى بمن ذهب الى القول المذكور الاستناد الى هذه الاخبار إلا ان صحة الكتاب المذكور و الاعتماد عليه محل اشكال. و كيف كان فالظاهر ان هذه الاخبار لا تبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من الأخبار المعتضدة بعمل أكثر الأصحاب و روايتها في الأصول المعتمدة، و لا يبعد خروج هذه الاخبار مخرج التقية فإنه مذهب أبي حنيفة و اتباعه كما تقدم ذكره (2).
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 179.
(2) ص 394.
398
فرع
قال في الذكرى: لأحد لهذا التقديم عندنا بل ما قارب الفجر، و تقديره بسدس الليل أو نصفه تحكم و روى (1) «انه كان بين اذاني بلال و ابن أم مكتوم نزول هذا و صعود هذا» و ينبغي ان يجعل ضابطا في التقديم ليعتمد عليه الناس. و لا فرق بين رمضان و غيره في التقديم. و لا يشترط في التقديم مؤذنان فلو كان واحدا جاز له تقديمه نعم يستحب له إعادته بعده ليعلم بالأول قرب الوقت و بالثاني دخوله لئلا يتوهم طلوع الفجر بالأول.
(المسألة الثانية) [فصول الأذان و الإقامة]
- قد اختلفت الأخبار و كذا كلمة الأصحاب في عدد فصول الأذان و الإقامة، و المشهور ان فصول الأذان ثمانية عشر فصلا: التكبير أولا أربعا ثم الشهادة بالتوحيد ثم الشهادة بالرسالة ثم (حي على الصلاة) ثم (حي على الفلاح) ثم (حي على خير العمل) ثم التكبير ثم التهليل مرتين في كل منها. و اما الإقامة فهي سبعة عشر بإسقاط تكبيرتين من الأربع التي في الأذان و زيادة عوضهما (قد قامت الصلاة) مرتين قبل التكبير الأخير و الاقتصار في التهليل على مرة في الآخر. قال في المعتبر: و فصوله على أشهر الروايات خمسة و ثلاثون فصلا: الأذان ثمانية عشر و الإقامة سبعة عشر، و هو مذهب السبعة و من وليهم. و قال في المنتهى ذهب إليه علماؤنا و نقل ابن زهرة إجماع الفرقة عليه. و حكى الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب انه جعل فصول الإقامة مثل فصول الأذان و زاد فيها (قد قامت الصلاة) مرتين. و قال ابن الجنيد التهليل في آخر الإقامة مرة واحدة إذا كان المقيم قد اتى بها بعد الأذان فإن كان قد اتى بها بغير أذان ثنى (لا إله إلا الله) في آخرها. و قال الشيخ في النهاية بعد ما ذكر الأذان و الإقامة كما هو المشهور: هذا الذي ذكرناه هو المختار المعمول عليه، و قد روى سبعة و ثلاثون فصلا
____________
(1) سنن البيهقي ج 1 ص 382.
399
في بعض الروايات و في بعضها ثمانية و ثلاثون فصلا و في بعضها اثنان و أربعون فصلا، فاما من روى سبعة و ثلاثين فصلا فإنه يقول في أول الإقامة أربع مرات (الله أكبر) و يقول في الباقي كما قدمناه، و من روى ثمانية و ثلاثين فصلا يضيف الى ما قدمناه قول (لا إله إلا الله) مرة أخرى في آخر الإقامة، و من روى اثنين و أربعين فصلا فإنه يجعل في آخر الأذان التكبير اربع مرات و في أول الإقامة أربع مرات و في آخرها ايضا مثل ذلك اربع مرات و يقول (لا إله إلا الله) مرتين في آخر الإقامة. فإن عمل عامل على احدى هذه الروايات لم يكن مأثوما. انتهى. و ظاهره التخيير في جميع ما ورد و الجمع بين الاخبار بذلك.
و اما الاخبار الواردة في المسألة فمنها-
ما رواه ثقة الإسلام عن إسماعيل الجعفي (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول الأذان و الإقامة خمسة و ثلاثون حرفا فعد ذلك بيده واحدا واحدا: الأذان ثمانية عشر حرفا و الإقامة سبعة عشر حرفا».
و هذه الرواية إنما تنطبق على القول المشهور في عدد الفصول في كل منهما إلا انها مجملة في بيان الفصول و عدم معلومية النقص و الزيادة.
و يؤيدها بالنسبة إلى عدد فصول الأذان و بيان الإجمال الذي فيه جملة من الروايات الآتية المشتملة على هذا العدد في فصول معينة و هي التكبير أربعا و الشهادة بالتوحيد و الرسالة. إلى آخر الفصول المذكورة فيها مرتين مرتين في الجميع. و لكن ينافيها بعض الأخبار الآتية الدالة على تثنية التكبير في الأول.
و اما بالنسبة إلى الإقامة فأكثر الأخبار قد دل على التثنية في الفصول المتوسطة و انما الإشكال في التكبير في أولها و التهليل في آخرها فإن الأخبار قد اضطربت فيه، و حينئذ فمتى دل الخبر المذكور على انها سبعة عشر فصلا مع ما عرفت من تثنية الفصول المتوسطة و عدم الاشكال فيها فهذا العدد لا يتم إلا بجعل التكبير مرتين في أولها و التهليل
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
400
مرة واحدة في آخرها و إلا فلو جعل التكبير أربعا كما تدل عليه الأخبار الآتية زاد العدد على السبعة عشر سيما إذا ثني التهليل في آخرها فإنها تصير عشرين فصلا.
و بالجملة فإنك متى لا حظت هذا العدد- و ضممت إليه دلالة الأخبار على تثنية الفصول المتوسطة و انما الخلاف في الطرفين و ان هذا العدد لا يتجه و لا يحصل إلا بتثنية التكبير في الأول و وحدة التهليل في الآخر- ظهر لك صحة ما ذكرناه. و يعضد ذلك شهرة العمل بها بين الأصحاب حتى ادعى عليه الإجماع كما عرفت. و الشهرة و ان لم تكن عندنا دليلا شرعيا لكنها مؤيدة.
و يؤكد ذلك ايضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاذ بن كثير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخل الرجل المسجد و هو لا يأتم بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي ان هو اذن و اقام أن يركع فليقل قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله».
فإنها ظاهرة في تخصيص النقص في تلك الرواية من بين سائر فصول الإقامة بالتهليل، إذ الظاهر من هذه الرواية هو الاكتفاء عن الإقامة- عند ضيق الوقت عن الإتيان بها كملا. حيث قد عرفت سابقا ان الظاهر من الأخبار عدم جواز الإخلال بها في الصلاة- بهذه الفصول الثلاثة الأخيرة منها.
و يؤيده أيضا ما في كتاب فقه الرضا (عليه السلام) (2) من وحدة التهليل في آخر الإقامة و ان كان قد جعل التكبير في أولها أربعا فجعل فصولها تسعة عشر.
و ما في كتاب دعائم الإسلام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «الأذان و الإقامة مثنى مثنى و تفرد الشهادة في آخر الإقامة تقول (لا إله إلا الله) مرة واحدة».
و هذه الرواية منطبقة على المشهور بالنسبة إلى الإقامة. و الكتاب المذكور و ان كانت اخباره تقصر عن إثبات الأحكام الشرعية لعدم شهرة الاعتماد عليه لكنها لا تقصر عن التأييد.
____________
(1) الوسائل الباب 34 من الأذان و الإقامة.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 172.
(3) مستدرك الوسائل الباب 18 من الأذان و الإقامة.
401
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح عن صفوان الجمال (1) قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الأذان مثنى مثنى و الإقامة مثنى مثنى».
و ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
قال «يا زرارة تفتتح الأذان؟ بأربع تكبيرات و تختمه بتكبيرتين و بتهليلتين».
و هذه الرواية موافقة للمشهور في الأذان.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأذان قال تقول الله أكبر الله أكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح حي على خير العمل حي على خير العمل الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لا إله إلا الله».
و هذه الرواية مخالفة للقول المشهور من حيث نقص التكبيرتين من أول الأذان، و حملها الشيخ على انه قصد إفهام السائل كيفية التلفظ بالتكبير و كان معلوما ان التكبير في أول الأذان أربع مرات. و حمله غيره على الاجزاء و بقية الأحاديث على الأفضلية، قيل و لذلك استقر عليه عمل الشيعة.
و ما رواه عن المعلى بن خنيس (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يؤذن فقال الله أكبر الله أكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله إلا الله.».
و ذكر ما في حديث عبد الله بن سنان المذكور. أقول: و هو منطبق على المشهور بالنسبة إلى الأذان.
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن زرارة و الفضيل بن يسار عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه و آله) فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة فأذن جبرئيل (عليه السلام) و اقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
402
و آله) وصف الملائكة و النبيون خلف رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فقلنا له كيف اذن؟ فقال الله أكبر الله أكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله إلا الله.».
ثم ساق الأذان كما في الحديثين المتقدمين.
ثم قال «و الإقامة مثلها إلا ان فيها (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) بين (حي على خير العمل حي على خير العمل) و بين (الله أكبر) فأمر بها رسول الله (صلى الله عليه و آله) بلالا فلم يزل يؤذن بها حتى قبض الله رسوله (صلى الله عليه و آله)».
أقول: هذا الخبر مخالف للقول المشهور في الأذان بنقصان تكبيرتين من اوله و في الإقامة بزيادة تهليل في آخرها.
و ما رواه الصدوق بإسناده عن ابي بكر الحضرمي و كليب الأسدي جميعا- و رواه الشيخ عنهما ايضا- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه حكى لهما الأذان قال الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح حي على خير العمل حي على خير العمل الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لا إله إلا الله، و الإقامة كذلك».
أقول: و هذا الخبر موافق للمشهور في الأذان و مخالف له في الإقامة من جهات ثلاث: (إحداها) زيادة تكبيرتين في الأول (الثانية) ترك (قد قامت الصلاة) بالكلية (الثالثة) زيادة تهليل في الآخر، فهو أشد الأخبار مخالفة فيها.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الأظهر عندي ان منشأ هذا الاختلاف انما هو التقية لا بمعنى قول العامة بذلك بل التقية بالمعنى الذي قدمناه في المقدمة الأولى من مقدمات الكتاب، و لكن الأمر مجهول في تعيينه في أي منها و الأظهر هو الجواز بكل ما وردت به الروايات لاذنهم (عليهم السلام) و توسيعهم في العمل و الرد الى العالم من آل محمد (صلى الله عليه و آله) و ان كان القول المشهور لا يخلو من قوة لما ذكرناه
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
403
في صدر الكلام. و الله العالم.
[فوائد]
و في المقام فوائد
(الأولى) [هل الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبة للأذان]
قال شيخنا الصدوق في الفقيه بعد نقل خبر ابي بكر الحضرمي و كليب الأسدي: قال مصنف هذا الكتاب هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد فيه و لا ينقص منه و المفوضة (لعنهم الله) قد وضعوا اخبارا و زادوا في الأذان «محمد و آل محمد خير البرية» مرتين و في بعض رواياتهم بعد «اشهد ان محمدا رسول الله» «اشهد ان عليا ولي الله» مرتين و منهم من روى بدل ذلك «اشهد ان عليا أمير المؤمنين حقا» مرتين، و لا شك في ان عليا ولي الله و انه أمير المؤمنين حقا و ان محمدا و آل محمد (صلوات الله عليهم) خير البرية و لكن ليس ذلك في أصل الأذان. و انما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتنا. انتهى.
أقول: ظاهر قوله «هذا هو الأذان الصحيح» من غير إشارة إلى الإقامة مع تضمن الخبر لها يومئ الى ان مذهبه في الإقامة ليس كما دل عليه الخبر، فقول شيخنا في البحار- بعد ان نقل عنه في الهداية انه صرح بتثنية التهليل في آخر الإقامة، الى ان قال بعد نقل كلام الصدوق المذكور: و ظاهره العمل بهذا الخبر في الإقامة أيضا- لا يخفى ما فيه فإنه- كما ترى- انما حكم بصحة الأذان و لم يتعرض لذكر الإقامة في هذا الكلام، و هذا مما يومئ الى توقفه في الإقامة و انها ليست كذلك لا الى ان مذهبه ان الإقامة كذلك.
ثم ان ما ذكره (قدس سره) من قوله: «و المفوضة لعنهم الله. إلخ» ففيه ما ذكره شيخنا في البحار حيث قال- و نعم ما قال- أقول لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الاجزاء المستحبة للأذان لشهادة الشيخ و العلامة و الشهيد و غيرهم بورود الاخبار بها، قال الشيخ في المبسوط: و اما قول «اشهد ان عليا أمير المؤمنين و آل محمد خير البرية» على ما ورد في شواذ الاخبار فليس بمعمول عليه في الأذان و لو فعله الإنسان لم يأثم به غير انه ليس من فضيلة الأذان و لا كمال فصوله. و قال في النهاية:
فأما ما روي
404
في شواذ الأخبار من قول «ان عليا ولي الله و ان محمدا و آله خير البشر».
فمما لا يعمل عليه في الأذان و الإقامة فمن عمل به كان مخطئا. و قال في المنتهى: و اما ما روى في الشاذ من قول «ان عليا ولي الله و محمد و آل محمد خير البرية» فمما لا يعول عليه. و يؤيده
ما رواه الشيخ احمد بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن القاسم بن معاوية (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) هؤلاء يروون حديثا في معراجهم انه لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه و آله) رأى على العرش (لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) أبو بكر الصديق) فقال سبحان الله غيروا كل شيء حتى هذا؟
قلت نعم. قال ان الله عز و جل لما خلق العرش كتب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم ذكر (عليه السلام) كتابة ذلك على الماء و الكرسي و اللوح و جبهة إسرافيل و جناحي جبرئيل و أكناف السموات و الأرضين و رؤوس الجبال و الشمس و القمر، ثم قال (عليه السلام) فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فليقل علي أمير المؤمنين».
فيدل على استحباب ذلك عموما و الأذان من تلك المواضع، و قد مر أمثال ذلك في أبواب مناقبه (عليه السلام) و لو قاله المؤذن أو المقيم لا بقصد الجزئية بل بقصد البركة لم يكن آثما فان القوم جوزوا الكلام في أثنائهما مطلقا و هذا من أشرف الأدعية و الأذكار. انتهى. و هو جيد أقول: أراد بالمفوضة هنا القائلين بأن الله عز و جل فوض خلق الدنيا الى محمد (صلى الله عليه و آله) و علي (عليه السلام) و المشهور بهذا الاسم انما هم المعتزلة القائلون بأن الله عز و جل فوض الى العباد ما يأتون به من خير و شر.
(الثانية) [قصر الأذان و الإقامة في العذر و السفر]
- قد صرح جملة من الأصحاب بأن الأذان و الإقامة يقصران مع العذر و في السفر، و قال ابن الجنيد إذا أفرد الإقامة من الأذان ثنى (لا إله إلا الله) في آخرها و ان اتى بها معه فواحدة، و قال لا بأس للمسافر ان يفرد كلمات الإقامة مرة مرة
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 162.
405
إلا التكبير في أولها فإنه مرتان.
أقول:
روى الشيخ في الصحيح عن ابي عبيدة الحذاء (1) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يكبر واحدة واحدة في الأذان فقلت له لم تكبر واحدة واحدة؟ فقال لا بأس به إذا كنت مستعجلا».
و عن بريد بن معاوية عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «الأذان يقصر في السفر كما تقصر الصلاة الأذان واحدا واحدا و الإقامة واحدة واحدة».
و عن نعمان الرازي (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول يجزئك من الإقامة طاق طاق في السفر».
و عن بريد مولى الحكم عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«سمعته يقول لأن أقيم مثنى مثنى أحب إلى من ان أؤذن و أقيم واحدا واحدا».
أقول: يعني الاكتفاء بالإقامة على وجهها عن الأذان أحب إليه من الإتيان بهما على جهة التقصير.
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«الإقامة مرة مرة إلا قول (الله أكبر الله أكبر) فإنه مرتان».
و هذا الخبر ظاهر في ما تقدم نقله عن ابن الجنيد لكنه خص التكبير بالأول و ظاهر الخبر الإطلاق فيشمل الأول و الأخير.
(الثالثة) [اعتبار الترتيب بين الأذان و الإقامة و في فصولهما]
- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في اشتراط الترتيب بين الأذان و الإقامة و بين فصول كل منهما لأنها عبادة شرعية مبنية على التوقيف فالواجب الإتيان بها على الوجه الذي ورد به الأمر و بدونه لا يكون مجزئا.
و يدل على ذلك مضافا الى ما ذكرنا
ما رواه ثقة الإسلام عن زرارة في الصحيح
____________
(1) الوسائل الباب 21 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 21 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 21 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 20 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 21 من الأذان و الإقامة.
406
عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من سها في الأذان فقدم أو أخر أعاد على الأول الذي أخره حتى يمضي على آخره».
و رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح مثله (2)
و عن عمار الساباطي في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو سمعته يقول ان نسي الرجل حرفا من الأذان حتى يأخذ في الإقامة فليمض في الإقامة فليس عليه شيء فان نسي حرفا من الإقامة عاد الى الحرف الذي نسيه ثم يقول من ذلك الموضع الى آخر الإقامة. الحديث».
و روى الصدوق (نور الله مرقده) في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) تابع بين الوضوء. الى ان قال و كذلك في الأذان و الإقامة فابدأ بالأول فالأول، فإن قلت «حي على الصلاة» قبل الشهادتين تشهدت ثم قلت حي على الصلاة».
و عن عمار الساباطي في الموثق (5) «انه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي من الأذان حرفا فذكره حين فرغ من الأذان و الإقامة؟ قال يرجع الى الحرف الذي نسيه فليقله و ليقل من ذلك الحرف الى آخره و لا يعيد الأذان كله و لا الإقامة».
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الرجل يخطئ في أذانه و إقامته قبل ان يقوم في الصلاة ما حاله؟ قال ان كان أخطأ في أذانه مضى على صلاته و ان كان في إقامته انصرف و أعادها وحدها و ان ذكر بعد الفراغ من ركعة أو ركعتين مضى على صلاته و أجزأه ذلك».
أقول: ما اشتمل عليه موثق عمار الأول- من انه متى نسي حرفا من الأذان حتى أخذ في الإقامة فإنه يمضي في الإقامة- محمول على الرخصة بخلاف الإقامة فإنه لا رخصة في المضي ما لم يدخل في الصلاة بل يرجع و يرتب و هو من قبيل ما تقدم من الفروق بين الأذان و الإقامة، و يؤكده خبر الحميري المذكور هنا. و اما ما اشتمل عليه موثق عمار الثاني من الرجوع
____________
(1) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 33 من الأذان و الإقامة.
407
إلى الحرف الذي نسيه ثم يرتب عليه ما بعده فإنه مبني على ما هو الأصل في الحكم المذكور فلا منافاة. و معنى اشتراط الترتيب بينهما و فيهما عدم اعتبارهما بدونه فلا يعتد بهما في الجماعة و يأثم لو اعتقدهما أذانا و اقامة و غير ذلك مما يترتب على صحتهما. و قد علم من الروايات المذكورة انه لا فرق في عدم الاعتداد بغير المرتب بين كون فعله عمدا أو سهوا لان الترتيب شرط و المشروط عدم عند عدم شرطه كالطهارة إلا ما خرج بدليل. و الله العالم.
(الرابعة) [جواز الاقتصار على الإقامة]
- يجوز الاقتصار على الإقامة بغير أذان جماعة و فرادى لعذر كان أو غيره كما تكاثرت به الاخبار:
و منها-
ما رواه الصدوق عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (1) في الصحيح قال: «يجزئ في السفر اقامة بغير أذان».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل هل يجزئه في السفر و الحضر اقامة ليس معها أذان؟ قال نعم لا بأس به».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«يجزئك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان».
و عن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (4) «انه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة و لم يؤذن».
و عن محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال:
«يجزئك اقامة في السفر».
و عن الحسن بن زياد (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا اكتفوا بإقامة واحدة».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن علي بن رئاب في الصحيح (7) قال: «سألت
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
(7) الوسائل الباب 5 من الأذان و الإقامة.
408
أبا عبد الله (عليه السلام) قلت تحضر الصلاة و نحن مجتمعون في مكان واحد أ تجزئنا اقامة بغير أذان؟ قال نعم».
أقول: و الأصل في هذه الاخبار ان الأذان لما كان مستحبا و ليس بواجب كما هو الأشهر الأظهر حسبما تقدم تحقيقه بخلاف الإقامة لما تقدم ايضا وردت الرخصة في تركه دونها لعذر كان أولا لعذر بخلافها فإنه لا بد من الإتيان بها و لم يرد الترخيص فيها في خبر من هذه الاخبار و لا غيرها و هو دليل ما قيل فيها من الوجوب كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
(المسألة الثالثة) [جملة من المستحبات و المكروهات في الأذان]
- قد تقدم في المقام الأول جملة من المستحبات في الأذان و الإقامة في شروط المؤذن و بقي جملة من ذلك مما يتعلق بالأذان و الإقامة كراهة و استحبابا:
فمنها-
انه يستحب الوقوف على أواخر الفصول في الأذان و الإقامة
إجماعا كما ادعاه جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم).
و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) قال:
«قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا أذنت فأفصح بالألف و الهاء. الحديث».
و عن زرارة (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الأذان جزم بإفصاح الألف و الهاء و الإقامة حدر».
و رواه الشيخ مثله (3).
و روى الصدوق عن خالد بن نجيح عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال:
«التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح بالهاء و الألف».
و عن خالد بن نجيح عنه (عليه السلام) (5) انه قال: «الأذان و الإقامة مجزومان».
قال الصدوق و في خبر آخر (6) «موقوفان».
أقول: قد اشتملت هذه الاخبار على الأمر بالإفصاح بالألف و الهاء و مثلها أيضا
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) قال: «لا يجزئك من الأذان إلا
____________
(1) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
(7) الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.
409
ما أسمعت نفسك و افهمته (1) و أفصح بالألف و الهاء. الحديث».
و قد تقدم في صدر المقام الأول.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: قلت الظاهر انه ألف «الله» الأخيرة غير المكتوبة و هاؤه في آخر الشهادتين،
و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «لا يؤذن لكم من يدغم الهاء» و كذا الالف و الهاء في الصلاة من «حي على الصلاة».
و قال في المنتهى: يكره ان يكون المؤذن لحانا و يستحب له ان يظهر الهاء في لفظتي «الله» و «الصلاة» و الحاء من «الفلاح»
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «لا يؤذن لكم من يدغم الهاء. قلنا و كيف يقول؟ قال يقول اشهد ان لا إله إلا الله اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و قال ابن إدريس: ينبغي ان يفصح فيهما بالحروف و بالهاء في الشهادتين، و المراد بالهاء هاء «إله» لا هاء «اشهد» و لا هاء «الله» لأن الهاء في «اشهد» مبينة يفصح بها لا لبس فيها، و هاء «الله» موقوفة مبينة لا لبس فيها، و انما المراد هاء «إله» فإن بعض الناس ربما أدغم الهاء في لا إله إلا الله. انتهى.
و قال الشيخ البهائي (قدس سره) بعد نقل ملخص ذلك عن ابن إدريس:
هذا كلامه و كأنه فهم من الإفصاح بالهاء إظهار حركتها لا إظهارها نفسها.
و اعترضه شيخنا المجلسي (قدس سره) فقال انه لا وجه لكلامه أصلا إذ كونها مبينة لا يستلزم عدم اللحن فيها و كثير من المؤذنين يقولون «أشد» و كثير منهم لا يظهرون الهمزات في أول الكلمات و لا الهاءات في أواخرها فالأولى حمله على تبيين كل الف و همزة و هاء فيهما. انتهى.
أقول: الظاهر ضعف هذه المؤاخذة من شيخنا المجلسي على شيخنا البهائي (عطر الله
____________
(1) كذا في الحبل المتين ص 200 و في كتب الحديث «أو فهمته».
(2) المغني ج 1 ص 430.
410
مرقديهما) فان ما اعترض به عليه وارد ايضا على ابن إدريس فلا وجه لتخصيصه بهذه المؤاخذة و كلام شيخنا المذكور مبني على فهمه من كلام ابن إدريس و تخصيصه الإفصاح بهذا الموضع دون الموضعين المنفيين في كلامه ان الجميع مشترك في البيان و الإفصاح بكل من الحروف المذكورة فلا وجه لافراده هذا الموضع إلا باعتبار الإفصاح بالحركة.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و لو فرض ترك الوقف أصلا سكن أواخر الفصول ايضا و ان كان ذلك في أثناء الكلام ترجيحا لفضيلة ترك الاعراب على المشهور من حال الدرج، و لو أعرب أواخر الفصول ترك الأفضل و لم تبطل الإقامة لأن ذلك لا يعد لحنا و انما هو ترك وظيفة و كذا القول في الأذان. اما اللحن ففي بطلانهما به وجهان و قد اختلف كلام المصنف فيه فحرمه في بعض كتبه و أبطلهما به و المشهور العدم.
نعم لو أخل بالمعنى كما لو نصب لفظ «رسول الله» أو مد لفظة «أكبر» بحيث صار على صيغة «أكبار» جمع «كبر» و هو الطبل له وجه واحد اتجه البطلان. و لو أسقط الهاء من اسمه تعالى أو من الصلاة أو الحاء من الفلاح لم يعتد به لنقصان حروف الأذان فلا يقوم بعضه مقامه و لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله)، ثم أورد الحديث المتقدم في كلام المنتهى.
و منها-
ان يتأنى في الأذان و يحدر في الإقامة
بمعنى انه لما كان الأفضل كما تقدم هو الوقوف على أواخر الفصول فالأفضل أن يجعل الوقف على آخر الفصول في الإقامة اقصر منه على آخر فصول الأذان و هو المراد من الحدر هنا، فإنه و ان كان لغة بمعنى الإسراع- قال في الصحاح حدر في قراءته و أذانه يحدر حدرا أي أسرع- لكن المراد هنا الإسراع على الوجه المذكور لا ترك الوقف بالكلية لما عرفت سابقا من استحبابه في حد ذاته.
و الذي يدل على هذا الحكم روايات: منها- ما تقدم (1) من قوله (عليه السلام)
____________
(1) ص 408.
411
في رواية زرارة «و الإقامة حدر».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأذان فقال اجهر و ارفع به صوتك فإذا أقمت فدون ذلك، و لا تنتظر بأذانك و لا إقامتك إلا دخول وقت الصلاة، و احدر إقامتك حدرا».
و ما رواه في الكافي عن الحسن بن السري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الأذان ترتيل و الإقامة حدر».
و رواه الشيخ مثله (3) و الترتيل لغة التأني.
و منها-
انه يستحب ان يفصل بين الأذان و الإقامة بركعتين أو سجدة أو نحوهما
مما يأتي ذكره، قال في المعتبر و يستحب الفصل بينهما بركعتين أو بجلسة أو سجدة أو خطوة خلا المغرب فإنه لا يفصل بين اذانيها إلا بخطوة أو سكتة أو تسبيحة و عليه علماؤنا. و نحوه في المنتهى. و كلامهما يشعر بدعوى الإجماع على ذلك. و قال الشيخ في النهاية و يستحب ان يفصل الإنسان بين الأذان و الإقامة بجلسة أو خطوة أو سجدة و أفضل ذلك السجدة إلا في المغرب خاصة فإنه لا يسجد بينهما و يكفي الفصل بينهما بخطوة أو جلسة خفيفة. و قال ابن إدريس من صلى منفردا فالمستحب له ان يفصل بين الأذان و الإقامة بسجدة أو جلسة أو خطوة و السجدة أفضل إلا في الأذان للمغرب خاصة فإن الجلسة أو الخطوة السريعة فيها أفضل، و إذا صلى جماعة فمن السنة ان يفصل بين الأذان و الإقامة بشيء من نوافله ليجتمع الناس في زمان تشاغله بها إلا صلاة المغرب فإنه لا يجوز ذلك فيها.
أقول: قد ذكر جملة من المتأخرين و متأخريهم انهم لم يقفوا على نص يتعلق بالخطوة و به اعترف في الذكرى، و لا على ما يتعلق بالفصل بالسجدة حتى ان الشهيد الثاني انما التجأ إلى إمكان دلالة ما ورد في حديث الجلوس عليه فإنه جلوس و زيادة و سيأتي لك ما يدل على الجميع.
____________
(1) الوسائل الباب 16 و 8 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 24 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 24 من الأذان و الإقامة.
412
و الواجب أولا ذكر ما وصل إلينا من الأخبار عنهم (عليهم السلام) ليتضح لك ما في كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) في مواضع من هذا المقام من الغفلة الناشئة عن عدم إعطاء التأمل حقه في الأخبار:
فمن الأخبار المذكورة
ما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «القعود بين الأذان و الإقامة في الصلوات كلها إذا لم يكن قبل الإقامة صلاة يصليها».
و ما رواه الشيخ عن الحسن بن شهاب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «لا بد من قعود بين الأذان و الإقامة».
و عن سليمان بن جعفر الجعفري في الصحيح (3) قال: «سمعته يقول افرق بين الأذان و الإقامة بجلوس أو ركعتين».
و عن إسحاق الجريري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال قال: «من جلس في ما بين أذان المغرب و الإقامة كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله».
و عن سيف بن عميرة عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «بين كل أذانين قعدة إلا المغرب فان بينهما نفسا».
أقول: لا يخفى ان جملة هذه الأخبار المتقدمة عموما في بعض و خصوصا في آخر ما عدا الرواية الأخيرة ظاهرة الدلالة في الفصل بالجلوس بين أذان المغرب و إقامتها.
و يعضدها ايضا
ما رواه الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن زريق (6) قال «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من السنة الجلوس بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة و صلاة المغرب و صلاة العشاء ليس بين الأذان و الإقامة سبحة، و من السنة ان يتنفل بركعتين بين الأذان و الإقامة في صلاة الظهر و العصر».
و ما رواه السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح
____________
(1) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
413
السائل بإسناده عن هارون بن موسى التلعكبري عن محمد بن همام عن حميد بن زياد عن الحسن ابن محمد بن سماعة عن الحسن بن معاوية بن وهب عن أبيه (1) قال «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) وقت المغرب فإذا هو قد اذن و جلس فسمعته و هو يدعو بدعاء ما سمعت بمثله فسكت حتى فرغ من صلاته ثم قلت يا سيدي لقد سمعت منك دعاء ما سمعت بمثله قط؟ قال هذا دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلة بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو: يا من ليس معه رب يدعى يا من ليس فوقه خالق يخشى يا من ليس دونه إله يتقى يا من ليس له وزير يرشى يا من ليس له بواب ينادى يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا كرما و جودا يا من لا يزداد على عظم الجرم الا رحمة و عفوا صل على محمد و آل محمد و افعل بي ما أنت أهله فإنك أهل التقوى و أهل المغفرة و أنت أهل الجود و الخير و الكرم».
و لا يعارض هذه الاخبار إلا مرسلة سيف المذكورة و هي تقصر عن ذلك فرد هذه الأخبار على كثرتها و صحة بعضها في مقابلة هذا الخبر الضعيف مشكل مع إمكان حمله على ضيق الوقت.
قال السيد ابن طاوس في الكتاب المذكور: و قد رويت روايات ان الأفضل ان لا يجلس بين أذان المغرب و إقامتها و هو الظاهر من عمل جماعة من أهل التوفيق، و لعل الجلوس بينهما في وقت دون وقت أو لفريق دون فريق. انتهى. و ظاهره (قدس سره) الميل الى القول المشهور و حمل هذه الرواية على ما ذكره. و فيه ان ما ذكره من الروايات الدالة على ان الأفضل ان لا يجلس بين أذان المغرب و إقامتها لم يصل إلينا منها إلا المرسلة المذكورة و الروايات كلها على خلافها كما عرفت.
و من اخبار المسألة
ما رواه السيد المذكور أيضا في الكتاب المشار اليه بسنده فيه
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
414
عن ابي علي الأنماطي عن ابي عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام) (1) قال: «يؤذن للظهر على ست ركعات و يؤذن للعصر على ست ركعات بعد الظهر».
أقول: و رواه الشيخ في التهذيب عن ابي علي صاحب الأنماط عن ابي عبد الله أو أبي الحسن (عليهما السلام) مثله (2).
و قد تقدم
في رواية زريق المنقولة عن مجالس الشيخ «ان من السنة ان يتنفل بركعتين بين الأذان و الإقامة في صلاة الظهر و العصر».
و هو مطلق فيجب حمله على هذا الخبر بان تكون الركعتان من الثمان الموظفة قبل كل من الفرضين.
و في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) «و لا بد من فصل بين الأذان و الإقامة بصلاة أو بغير ذلك، و أقل ما يجزئ في ذلك في صلاة المغرب التي لا صلاة قبلها ان يجلس بعد الأذان جلسة يمس فيها الأرض بيده».
و فيه إشارة الى أن الفريضة التي تكون قبلها صلاة يستحب ان يجعل منها ركعتين بين أذان تلك الفريضة و إقامتها، و على ذلك تدل رواية أحمد بن محمد بن ابي نصر المتقدمة و يعضدها ما تقدم
في صحيحة ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث أذان الصبح قال: «السنة ان ينادى مع طلوع الفجر و لا يكون بين الأذان و الإقامة إلا الركعتان».
و ربما أشعرت هذه الروايات بان استحباب الفصل بالركعتين مخصوص بهذه الصلوات حيث ان قبلها صلاة إلا ان صحيحة الجعفري المتقدمة مطلقة في الأمر بالفرق بجلوس أو ركعتين فيمكن حمل إطلاقها على هذه الأخبار.
و المشهور بين الأصحاب هو استحباب الفصل بالركعتين مطلقا و لعلهم يحملون
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 31 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 39 من الأذان و الإقامة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 39 من الأذان و الإقامة.
415
هذه الروايات على تأكد الفصل بالركعتين في هذه المواضع الثلاثة.
و روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأذان في الفجر قبل الركعتين أو بعدهما؟ فقال إذا كنت اماما تنتظر جماعة فالأذان قبلهما و ان كنت وحدك فلا يضرك قبلهما أذنت أو بعدهما».
و هذه الرواية تدل على أفضلية الفصل بركعتي الفجر في الجماعة زيادة على ما تقدم من حيث انتظار الاجتماع للصلاة.
و منها-
ما رواه السيد المتقدم ذكره في كتاب فلاح السائل أيضا بسنده فيه عن بكر بن محمد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لأصحابه من سجد بين الأذان و الإقامة فقال في سجوده «رب سجدت لك خاضعا خاشعا ذليلا» يقول الله تعالى ملائكتي و عزتي و جلالي لأجعلن محبته في قلوب عبادي المؤمنين و هيبته في قلوب المنافقين».
و ما رواه ايضا فيه بسنده عن ابن ابي عمير عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «رأيته أذن ثم أهوى للسجود ثم سجد سجدة بين الأذان و الإقامة فلما رفع رأسه قال يا أبا عمير من فعل مثل فعلى غفر الله له ذنوبه كلها. و قال من اذن ثم سجد فقال (لا إله إلا أنت ربي سجدت لك خاضعا خاشعا) غفر الله له ذنوبه».
أقول: و هذان الخبران هما مستند المتقدمين في ما ذكروه من استحباب الفصل بالسجدة إلا انه لم يصل الى أكثر المتأخرين فوقعوا في ما وقعوا فيه من الاشكال و تمحلوا في طلب الدليل بالاحتمال.
و منها- ما ذكره
في كتاب الفقه الرضوي (4) فقال (عليه السلام) «و ان أحببت أن تجلس بين الأذان و الإقامة فافعل فان فيه فضلا كثيرا و انما ذلك على الإمام
____________
(1) الوسائل الباب 39 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(4) ص 6.
416
و اما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى ثم يقول بالله استفتح و بمحمد أستنجح و أتوجه اللهم صل على محمد و آل محمد و اجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين.
و ان لم تفعل أيضا أجزأك».
أقول: و هذا هو دليل الخطوة التي ذكرها المتقدمون إلا ان كلامهم مطلق في ذلك بالنسبة الى كل مصل و ظاهر الخبر التخصيص بالمنفرد.
و منها-
ما رواه الصدوق و الشيخ في الموثق عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذن و أقم و افصل بين الأذان و الإقامة بقعود أو تسبيح أو كلام».
و زاد في الفقيه (2) قال: «و سألته كم الذي يجزئ بين الأذان و الإقامة من القول؟ قال الحمد لله».
و روى الشيخ في التهذيب عن عمار في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل نسي أن يفصل بين الأذان و الإقامة بشيء حتى أخذ في الصلاة أو أقام للصلاة؟ قال ليس عليه شيء و ليس له ان يدع ذلك عمدا. سئل ما الذي يجزئ من التسبيح بين الأذان و الإقامة؟ قال الحمد لله».
أقول: و العمل بجميع ما اشتملت عليه هذه الاخبار حسن و ان تفاوت في الفضل.
و روى الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان (4) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) اذن و اقام من غير ان يفصل بينهما بجلوس».
أقول: لعله فصل بتسبيح أو تحميد أو نفس ان كان في المغرب.
و ربما قيد بعضهم استحباب الفصل بالركعتين بما إذا لم يدخل وقت فضيلة الفريضة و الظاهر انه استند في ذلك الى ما تقدم في مقدمة الأوقات من المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة. و فيه اشكال لتعارض العمومين فتخصيص أحدهما بالآخر يحتاج الى دليل و ان كان الاحتياط في ما ذكره. و الله العالم.
و منها-
[حكم] الترجيع [في الأذان]
و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) فيه (أولا) كراهة
____________
(1) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 11 من الأذان و الإقامة.
417
و تحريما فقال الشيخ في المبسوط و الخلاف انه غير مسنون، و قال ابن إدريس و ابن حمزة انه محرم و هو ظاهر الشيخ في النهاية، و ذهب آخرون إلى الكراهة، قال في المنتهى:
الترجيع مكروه ذهب إليه علماؤنا. و هو مشعر بالاتفاق على الكراهة و لعله- و ان بعد- أراد ما هو أعم من التحريم.
و ثانيا- في حقيقته و انه عبارة عما ذا؟ فقال الشيخ في المبسوط انه تكرار التكبير و الشهادتين في أول الأذان. و قال العلامة في المنتهى انه تكرار الشهادتين مرتين. و قال الشهيد في الذكرى انه تكرار الفصل زيادة على الموظف. و ذكر جماعة من أهل اللغة: منهم- صاحب القاموس و صاحب المغرب انه تكرار الشهادتين جهرا بعد إخفائهما. و نقل عن بعض أهل اللغة انه فسره بترديد القراءة.
أقول: لا يخفى ان الترجيع بأي معنى فسر مما ذكره الأصحاب ان اتى به المكلف من حيث اعتقاد كونه من الأذان فلا ريب في تحريمه لأن الأذان عبادة شرعية متلقاة من الشارع فالزيادة فيها باعتقاد انها منها تشريع محرم، و ان كان لا باعتبار ذلك فلا يبعد القول بالكراهة، و به يجمع بين القولين المتقدمين إذ مرجع قول الشيخ انه ليس بمسنون إلى انه مكروه أو محرم لأنها عبادة و متى انتفت عنها المسنونية فليس إلا أحد الفردين المذكورين إذ لا معنى للجواز هنا بالمعنى الأخص. و الى القول بالتحريم متى اعتقد الشرعية مال في المدارك و الذخيرة و لا ريب فيه كما عرفت.
و ذكر الشيخ و جمع من الأصحاب- بل نقل عليه في المختلف الاتفاق- انه لو قصد بالترجيع اشعار المصلين فلا منع فيه.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن محبوب عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لو ان مؤذنا أعاد في الشهادة و في (حي على الصلاة أو حي على الفلاح) المرتين و الثلاث و أكثر من ذلك إذا كان اماما يريد
____________
(1) الوسائل الباب 23 من الأذان و الإقامة.
418
جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس».
و ظاهر هذه الرواية ربما دل على ما ذهب إليه في الذكرى من تفسير معنى الترجيع بحمل ما ذكر في الرواية على مجرد التمثيل.
و مما يدل على النهي عن الترجيع
ما في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام) بعد ذكر فصول الأذان و عددها «ليس فيها ترجيع و لا تردد و لا الصلاة خير من النوم».
و الظاهر ان عطف التردد تفسيري للترجيع.
أقول: و من المحتمل قريبا ان المراد بالترجيع المنهي عنه هنا هو ترجيع الصوت و ترديده على جهة الغناء لا تكرار الكلمات كلا أو بعضا. و التعبير بالترجيع لم أقف عليه في شيء من الأخبار سوى هذا الخبر و انما وقع ذلك في كلام الأصحاب و قد عرفت اختلافهم في معناه و رواية أبي بصير المذكورة انما اشتملت على لفظ الإعادة، و ذكرهم الترجيع و الاختلاف فيه تحريما و كراهة و كذا في معناه مع عدم وروده في الأخبار عجيب إلا ان يكون المستند فيه هو كتاب الفقه المذكور و لا بعد فيه لما عرفت في غير موضع مما تقدم من وجود كثير من الأدلة التي أنكرها المتأخرون على المتقدمين في كتاب المذكور. و الله العالم.
و منها-
[حكم] التثويب [في الأذان]
و قد وقع الخلاف هنا أيضا في حقيقته و حكمه و المشهور بين الأصحاب انه عبارة عن قول «الصلاة خير من النوم» صرح به الشيخ في المبسوط و ابن ابي عقيل و السيد المرتضى و غيرهم (رضوان الله عليهم) قال في المنتهى التثويب في أذان الغداة و غيرها غير مشروع و هو قول: «الصلاة خير من النوم» ذهب إليه أكثر علمائنا و هو قول الشافعي، و أطبق أكثر الجمهور على استحبابه في الغداة، لكن عن أبي حنيفة روايتان في كيفيته فرواية كما قلناه و الأخرى ان التثويب عبارة عن قول المؤذن بين أذان الفجر و إقامته «حي على الصلاة» مرتين «حي على الفلاح» مرتين (2)
____________
(1) ص 6.
(2) بدائع الصنائع ج 1 ص 148 و البحر الرائق ج 1 ص 274 و المبسوط ج 1 ص 130 الا ان فيهما «قدر ما يقرأ عشرين آية».
419
ثم قال في موضع آخر من المنتهى ايضا: يكره ان يقول بين الأذان و الإقامة «حي على الصلاة حي على الفلاح» و به قال الشافعي، و قال محمد بن الحسن كان التثويب الأول «الصلاة خير من النوم» مرتين بين الأذان و الإقامة ثم أحدث الناس بالكوفة «حي على الصلاة حي على الفلاح» مرتين بينهما و هو حسن. و قال بعض أصحاب أبي حنيفة يقول بعد الأذان «حي على الصلاة حي على الفلاح» بقدر ما يقرأ عشر آيات. انتهى كلام المنتهى. و قال الشيخ في النهاية التثويب تكرير الشهادتين و التكبيرات زائدا على العدد الموظف شرعا. و قال ابن إدريس هو تكرير الشهادتين دفعتين لأنه مأخوذ من «ثاب» إذا رجع.
و اما كلام أهل اللغة هنا فإنه قال في النهاية: الأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى و يشهر فسمى الدعاء تثويبا لذلك و كل داع مثوب. و قيل انما سمى تثويبا من «ثاب يثوب» إذا رجع فهو رجوع الى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة فإن المؤذن إذا قال «حي على الصلاة» فقد دعاهم إليها فإذا قال بعدها «الصلاة خير من النوم» فقد رجع الى كلام معناه المبادرة إليها. و اما في القاموس فإنه فسره بمعان:
منها- الدعاء إلى الصلاة و تثنية الدعاء و ان يقول في أذان الفجر «الصلاة خير من النوم» مرتين. و قال في المغرب التثويب القديم هو قول المؤذن في أذان الصبح «الصلاة خير من النوم» و المحدث «الصلاة الصلاة» أو «قامت قامت».
و اختلفوا أيضا في حكمه لو لم يكن المقام مقام تقية فذهب ابن إدريس و ابن حمزة و جمع من المتأخرين إلى التحريم و هو ظاهر الشيخ في النهاية، و قال الشيخ في المبسوط و المرتضى في الانتصار بالكراهة و هو اختيار المحقق، و عن ابن الجنيد انه لا بأس به في أذان الصبح، و عن الجعفي يقول في أذان صلاة الصبح بعد قوله «حي على خير العمل حي على خير العمل» «الصلاة خير من النوم» مرتين و ليستا من أصل الأذان. هذا ما يتعلق بالمقام من كلام العلماء الاعلام.
420
و اما ما يتعلق بذلك من اخبار أهل الذكر عليهم الصلاة و السلام. فمنه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التثويب الذي يكون بين الأذان و الإقامة فقال ما نعرفه».
و رواه الكليني و الصدوق و ابن إدريس في السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (2).
و عن زرارة في الصحيح (3) قال: «قال لي أبو جعفر (عليه السلام) يا زرارة تفتتح الأذان بأربع تكبيرات و تختمه بتكبيرتين و تهليلتين و ان شئت زدت على التثويب «حي على الفلاح» مكان الصلاة خير من النوم».
و عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «كان ابي ينادي في بيته ب(الصلاة خير من النوم) و لو رددت ذلك لم يكن به بأس».
و عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «النداء و التثويب في الإقامة من السنة».
و روى المحقق في المعتبر نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابي نصر عن عبد الله ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا كنت في أذان الفجر فقل (الصلاة خير من النوم) بعد (حي على خير العمل) و لا تقل في الإقامة (الصلاة خير من النوم) انما هذا في الأذان».
أقول: التحقيق في هذا المقام هو ما ذكرناه في سابقه من ان كلا من الأذان و الإقامة عبادة شرعية متلقاة من الشارع، و أخبارهما الواردة في كيفيتهما عن أئمة الهدى (عليهم السلام) خالية من هذه الزيادات في أثناء أحدهما أو بينهما كما تقدم ذكره و به يظهر التحريم متى اعتقد دخولها في الكيفية أو التعبد بها، و لما كان جمهور العامة على استحباب ذلك- كما تقدم في كلام المنتهى و يعضده ما تقدم
في رواية زيد النرسي (7)
____________
(1) الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 19 و 22 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 22 من الأذان و الإقامة.
(7) ص 397.
421
«ان الصلاة خير من النوم بدعة بني أمية».
- فالواجب حمل ما دل على جوازه من الأخبار المذكورة هنا و غيرها على التقية.
و اما ما ذكره المحقق في هذا المقام حيث قال بعد ان نقل عن الشيخ حمل الأخبار المذكورة على التقية: و لست ارى هذا التأويل شيئا فإن من جملة الأذان (حي على خير العمل) و هو انفراد الأصحاب فلو كان للتقية لما ذكره لكن الأوجه ان يقال فيه روايتان عن أهل البيت (عليهم السلام) أشهرهما تركه. أقول: بل الأظهر هو ما ذكره الشيخ إذ هو الموافق لمقتضى الأخبار المستفيضة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) من عرض الأخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافهم و ان كان هو و غيره قد الغوا هذه القواعد المنصوصة و ألقوها و رواء ظهورهم و اتخذوا قواعد لا أصل لها في الشريعة كما أوضحناه في غير مقام مما تقدم.
و اما ما توهم منه المنافاة للحمل على التقية- من قوله (عليه السلام) في الخبر الذي نقله: فقل «الصلاة خير من النوم» بعد «حي على خير العمل»- فيجب ارتكاب التأويل فيه بحمل قول «حي على خير العمل» خفية إذ ليس في الخبر تصريح بالإعلان بها و يكون المعنى انه إذا قال ذلك سرا قال بعدها «الصلاة خير من النوم» و يمكن ايضا- كما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار- حمله على المماشاة مع العامة بالجمع بين ما ينفرد به الشيعة و بين ما ينفردون به، و هو جيد. و مما يؤيد حمل الرواية المذكورة على التقية اشتمالها على التهليل في آخر الأذان مرة واحدة فإن العامة أجمعوا على الوحدة (1) كما ان الشيعة أجمعت على التثنية كما نقله شيخنا في البحار. و بالجملة فالحكم بالتحريم في المسألة أظهر الأقوال. و الله العالم.
____________
(1) اتفقت كتبهم في بيان فصول الأذان على ذلك حتى انهم في مقام بيان الاختلاف في كيفيته لا يذكرون خلافا في ذلك و كذا اخبارهم، راجع المحلى ج 3 ص 239.
422
(المقام الرابع)- في الأحكام
و قد تقدم جملة منها في الأبحاث السابقة و بقي مواضع:
[الموضع] (الأول)- أنه يستحب حكاية الأذان
بلا خلاف كما ذكره في المنتهى و يدل عليه جملة من الاخبار: منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شيء».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: يا ابن مسلم لا تدعن ذكر الله على كل حال و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر الله عز و جل و قل كما يقول المؤذن».
و رواه في كتاب العلل مسندا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) انه قال «يا ابن مسلم. الحديث».
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «روى انه من سمع الأذان و قال كما يقول المؤذن زيد في رزقه».
و روى في العلل عن زرارة في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما أقول إذا سمعت الأذان؟ قال اذكر الله مع كل ذاكر».
و روى في الفقيه عن الحارث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال:
«من سمع المؤذن يقول اشهد ان لا إله إلا الله و اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال مصدقا محتسبا و انا اشهد ان لا إله إلا الله و اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) اكتفى بهما عن من ابى و جحد و أعين بهما من أقر و شهد كان له من الأجر عدد من أنكر و جحد و مثل عدد من أقر و عرف».
____________
(1) الوسائل الباب 45 من الأذان و الإقامة. و الرواية رقم «2» مسندة كما في الوسائل و اللفظ في رقم «6» للكافي.
(2) الوسائل الباب 45 من الأذان و الإقامة. و الرواية رقم «2» مسندة كما في الوسائل و اللفظ في رقم «6» للكافي.
(3) الوسائل الباب 8 من أحكام الخلوة.
(4) الوسائل الباب 45 من الأذان و الإقامة. و الرواية رقم «2» مسندة كما في الوسائل و اللفظ في رقم «6» للكافي.
(5) الوسائل الباب 45 من الأذان و الإقامة. و الرواية رقم «2» مسندة كما في الوسائل و اللفظ في رقم «6» للكافي.
(6) الوسائل الباب 45 من الأذان و الإقامة. و الرواية رقم «2» مسندة كما في الوسائل و اللفظ في رقم «6» للكافي.
423
و روى في كتاب العلل بسنده عن ابي بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان سمعت الأذان و أنت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن و لا تدع ذكر الله عز و جل في تلك الحال لان ذكر الله حسن على كل حال. ثم قال لما ناجى الله عز و جل موسى بن عمران قال موسى يا رب أ بعيد أنت مني فأناديك أم قريب فأناجيك؟ فأوحى الله تعالى اليه يا موسى انا جليس من ذكرني. فقال موسى يا رب اني أكون في حال أجلك أن ذكرك فيها قال يا موسى اذكرني على كل حال».
و روى في كتاب العلل بسنده عن سليمان بن مقبل (2) قال: «قلت لموسى ابن جعفر (عليه السلام) لأي علة يستحب للإنسان إذا سمع الأذان ان يقول كما يقول المؤذن و ان كان على البول و الغائط؟ قال ان ذلك يزيد في الرزق».
و روى في الخصال بإسناده عن سعيد بن علاقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال: «إجابة المؤذن تزيد في الرزق».
[فوائد]
إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المقام فوائد
(الأولى) الظاهر من الحكاية في هذه الاخبار هو الإتيان بجميع الفصول
التي يأتي بها المؤذن
و قال الشيخ في المبسوط روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه كان يقول إذا قال حي على الصلاة لا حول و لا قوة إلا بالله».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هذه الرواية مجهولة الإسناد.
أقول: بل الظاهر انها عامية فإنه
قد روى مسلم في صحيحة (4) و غيره في غيره بأسانيد عن عمر و معاوية «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر قال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال اشهد ان لا إله إلا الله قال اشهد ان لا إله إلا الله ثم قال اشهد ان محمدا رسول الله قال اشهد ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم قال حي على الصلاة قال لا حول و لا قوة إلا بالله ثم قال حي على الفلاح قال لا حول
____________
(1) الوسائل الباب 8 من أحكام الخلوة.
(2) الوسائل الباب 8 من أحكام الخلوة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 34 من الأذان و الإقامة.
(4) ج 4 ص 85 و سنن النسائي ج 2 ص 25.
424
و لا قوة إلا بالله ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة».
(الثانية) [قطع الكلام و قراءة القرآن لحكاية الأذان]
- قال في المبسوط من كان خارج الصلاة و سمع المؤذن يؤذن فينبغي ان يقطع كلامه ان كان متكلما و ان كان يقرأ القرآن فالأفضل له ان يقطع القرآن و يقول كما يقول المؤذن لأن الخبر على عمومه. و هو جيد عملا بعموم الأخبار المذكورة.
ثم انه (قدس سره) صرح أيضا بأنه لا يستحب حكايته في الصلاة و به قطع العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، و قال ايضا متى قاله في الصلاة لم تبطل صلاته إلا في قوله (حي على الصلاة) فإنه متى قال ذلك مع العلم بأنه لا يجوز فإنه يفسد الصلاة لأنه ليس بتحميد و تكبير بل هو من كلام الآدميين المحض، فان قال بدلا من ذلك «لا حول و لا قوة إلا بالله» لم تبطل صلاته. و تبعه على ذلك جمع من الأصحاب.
أقول: الظاهر ان الوجه فيه هو عدم تيقن العموم في الاخبار على وجه يشمل الصلاة مع ان بعض فصوله ليست ذكرا فيشكل الإتيان به في الصلاة فيكون موجبا لبطلانها كما ذكره، و أنت خبير بان ظاهر هذه الاخبار إطلاق الذكر على الأذان بجميع فصوله من الحيعلات و غيرها فان ظاهر
قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المروية في العلل المرسلة في الفقيه «لا تدعن ذكر الله على كل حال و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء».
هو كون مجموع الأذان ذكرا و ان القصد إلى المبالغة في الإتيان بهذا الذكر و لو على هذه الحالة ثم أكده بقوله: «فاذكر الله عز و جل و قل كما يقول المؤذن» و هو كالصريح في ما ادعيناه و الفصيح في ما و عيناه، و نحوه
رواية أبي بصير ايضا و قوله فيها: «فقل مثل ما يقول المؤذن و لا تدع ذكر الله في تلك الحال لان ذكر الله حسن على كل حال».
و هو ظاهر في ان جميع ما يقوله المؤذن ذكر الله و لو خص ذكر الله بما عدا الحيعلات لاختل النظام في هذا الكلام، على ان الحيعلات بمقتضى كلامهم من الكلام المتعارف الذي ليس بذكر الله و هو مكروه على الخلاء اتفاقا نصا
425
و فتوى إلا ما استثنى فكيف يجامع هذا التأكيد بالإتيان به على الخلاء لو لم يكن ذكرا و بالجملة فإن ما ذكرناه هو ظاهر النصوص المذكورة كما عرفت و ان كان الاحتياط في الوقوف على ما ذكروه.
(الثالثة)- لو فرغ من الصلاة و لم يحكه
فالظاهر سقوط الحكاية لفوات محله صرح به جملة من الأصحاب: منهم- الشهيد و غيره، و قال الشيخ في المبسوط انه مخير و اختاره العلامة في التذكرة، و قال في الخلاف يؤتى به لا من حيث كونه أذانا بل من حيث كونه ذكرا. و لا ريب في ضعفها.
(الرابعة)
- قال في الذخيرة: لو دخل المسجد و المؤذن يؤذن ترك صلاة التحية إلى فراغ المؤذن استحبابا، قاله المصنف و غيره و هو حسن. انتهى.
أقول: لا اعرف لهذا الحسن وجها وجيها فإن شرعية صلاة التحية وقت الدخول و تأخيرها عن ذلك الوقت إخلال بها، و بالجملة فهنا مستحبان تعارضا و تقديم أحدهما على الآخر يحتاج الى دليل. نعم لو ثبت ان تأخير صلاة التحية عن وقت الدخول جائز و ان وقتها لا يفوت بذلك تم ما ذكروه إلا ان الظاهر ان الأمر ليس كذلك.
(الخامسة) [المستحب حكاية الأذان المشروع]
- ذكر جماعة من الأصحاب ان المستحب حكاية الأذان المشروع فلو لم يكن مشروعا كأذان العصر يوم عرفة و يوم الجمعة و الأذان الثاني يوم الجمعة و كذا أذان المجنون و الصبي الغير المميز لم يكن كذلك. و أنت خبير بان عد أذان العصر في يومي عرفة و الجمعة ينبغي ان يكون مبنيا على القول بالتحريم و إلا فلو قيل بالكراهة كما هو أحد الأقوال المتقدمة في المسألة فلا.
و عد شيخنا الشهيد ايضا من ذلك أذان الجنب في المسجد، و تنظر فيه في الذخيرة بأن تحريم الكون في المسجد لا يقتضي فساد أذانه. أقول: فيه انه مناف لما حققه في مسألة الصلاة في المكان المغصوب فإن المسألتين من باب واحد، و هم قد ذكروا ثمة ان العبادة منهي عنها في هذا المكان و النهي في العبادة يستلزم الفساد و هذا يجري في الأذان أيضا. و قد
426
مضى تحقيق الكلام في ذلك و بيان الجواب عما احتجوا به على البطلان. و بالجملة فكلام شيخنا المشار اليه مبني على ذلك فلا وجه لاعتراضه عليه مع موافقته ثمة عليه.
(الموضع الثاني)- الكلام بعد الإقامة
و قد اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فالمشهور الكراهة و قيل بالتحريم ذهب اليه الشيخان في المقنعة و النهاية و المرتضى في المصباح و ابن الجنيد و اختاره المحدث الكاشاني في كتبه الثلاثة على تفصيل يأتي، و هو الأظهر عندي أيضا.
و يدل على القول بالتحريم
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في الإقامة؟ قال نعم فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد إلا ان يكونوا قد اجتمعوا من شتى و ليس لهم امام فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان».
و ما رواه في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا أقيمت الصلاة حرم الكلام على الامام و أهل المسجد إلا في تقديم امام».
و عن سماعة في الموثق (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أقام المؤذن الصلاة فقد حرم الكلام إلا ان يكون القوم ليس يعرف لهم امام».
و مما استدلوا به على القول المشهور
صحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في الرجل يتكلم بعد ما يقيم الصلاة؟ قال نعم».
و رواية الحلبي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في أذانه أو في إقامته؟ قال لا بأس».
و عن الحسن بن شهاب (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا بأس ان يتكلم الرجل و هو يقيم الصلاة و بعد ما يقيم ان شاء».
و نقل ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي بن محبوب
____________
(1) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(6) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
427
عن جعفر بن بشير عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت أ يتكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة؟ قال لا بأس».
و منه ايضا من الكتاب المذكور عن جعفر بن بشير عن الحسن بن شهاب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت أ يتكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة؟
قال لا بأس».
و أصحاب هذا القول حملوا الروايات المتقدمة على الكراهة الشديدة و الشيخ (قدس سره) حمل هذه الأخبار على الضرورة أو ما يتعلق بالصلاة من تقديم إمام أو تسوية صف أو نحو ذلك.
و أنت خبير بأنه لا تنافي بين هذه الاخبار عند التأمل فيها بعين التحقيق و الاعتبار ليحتاج الى الجمع بينها بما ذكره كل منهما، و ذلك فان مورد الأخبار المتقدمة الجماعة و مورد الأخبار الثانية المنفرد فالواجب في كل منهما بقاؤه على مورده و لا تنافي، و بذلك يظهر لك ان الحق في هذه المسألة هو التفصيل بما ذكرناه لا ما ذكره كل منهما من العموم مع انه لا دليل عليه.
هذا. و اما ما دلت عليه هذه الاخبار من جواز الكلام في الإقامة و بعدها فهي معارضة بالأخبار الدالة على النهي عن ذلك:
و منها-
ما رواه في الكافي عن ابي هارون المكفوف (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلم و لا تومئ بيدك».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمرو بن ابي نصر (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يتكلم الرجل في الأذان؟ قال لا بأس. قلت في الإقامة؟ قال لا».
و رواه في الكافي مثله (5).
و القول بالتحريم كما هو ظاهر هذه الأخبار منقول عن الشيخ المفيد و المرتضى (رضي
____________
(1) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
(5) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
428
الله عنهما) و يؤيده ما تقدم في روايتي سليمان بن صالح و يونس الشيباني مما يدل على انه إذا أخذ في الإقامة فهو في الصلاة، و حينئذ فيراعى فيها ما يراعى في الصلاة كما عرفت من الأخبار المتقدمة في اشتراط كون الإقامة قائما مستقبل القبلة متطهرا و إعادتها مع اختلال هذه الشروط.
و يعضده ما ورد هنا ايضا من انه متى تكلم في إقامته فإنه يعيدها
كما رواه زرارة في الصحيح (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تتكلم إذا أقمت الصلاة فإنك إن تكلمت أعدت الإقامة».
و بهذا الخبر يقيد إطلاق تلك الأخبار الواردة في جواز التكلم حال الإقامة أو بعدها فإنه و ان جاز له ذلك لكن لا بد من إعادتها و عدم الاعتداد بها و به يتم المطلوب كما ادعاه مفيد الطائفة و مرتضاها (رضي الله عنهما).
فائدة
روى الصدوق في كتاب المجالس بسنده عن عبد الله بن الحسين بن زيد عن أبيه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الله كره الكلام بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة حتى تقضى الصلاة و نهى عنه».
أقول: ظاهر هذا الخبر كراهة الكلام بين الأذان و الإقامة في خصوص صلاة الغداة و لم يذكره أكثر الأصحاب و انما حكموا بكراهة الكلام أو تحريمه كما عرفت في خلال الإقامة أو بعد تمامها، نعم نقل ذلك عن الفقيه يحيى بن سعيد في الجامع فإنه قال يكره الكلام بين الأذان و الإقامة في صلاة الغداة. و نحوه قال شيخنا الشهيد في النفلية و رواه ايضا الصدوق في وصية النبي لعلي عليهما الصلاة و السلام (3).
____________
(1) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة. و الراوي لهذه الرواية في كتب الحديث هو محمد بن مسلم و لم نعثر على رواية لزرارة بهذا اللفظ.
(2) مستدرك الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 10 من الأذان و الإقامة.
429
(الموضع الثالث) [الاجتزاء في الجماعة بسماع الأذان]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه إذا سمع الإمام أذان مؤذن جاز له ان يجتزئ به في الجماعة.
و يدل عليه من الاخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أذن مؤذن فنقص الأذان و أنت تريد ان تصلي بأذانه فأتم ما نقص هو من أذانه».
و عن ابي مريم الأنصاري (2) قال: «صلى بنا أبو جعفر (عليه السلام) في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة فلما انصرف قلنا له عافاك الله صليت بنا في قميص بلا إزار و لا رداء و لا أذان و لا اقامة؟ فقال ان قميصي كثيف فهو يجزئ ان لا يكون علي إزار و لا رداء، و اني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك».
و عن عمرو بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كنا معه فسمع اقامة جار له بالصلاة فقال قوموا فقمنا فصلينا معه بغير أذان و لا اقامة و قال يجزئكم أذان جاركم».
بقي الكلام هنا في مواضع
(الأول)
إطلاق النص و الفتوى يقتضي انه لا فرق في المؤذن بين كونه مؤذن مصر أو مسجد أو منفردا، و خصه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بالأولين و منع من الاجتزاء بأذان المنفرد. و أنت خبير بأنه لا يظهر لهذا التخصيص وجه بل لو ادعى عليه العكس لكان أظهر فإن الظاهر من الخبرين المذكورين كون كل من المؤذن و المقيم منفردا.
(الثاني)
- قال في المدارك: الظاهر انه لا فرق في هذا الحكم بين الامام و المنفرد و ان كان المفروض في عبارات الأصحاب اجتزاء الإمام، لأنه إذا ثبت اجتزاء الامام بسماع الأذان فالمنفرد اولى. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
(2) التهذيب ج 1 ص 216 و في الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 30 من الأذان و الإقامة.
430
أقول: لا يخفى عليك ما في هذا الكلام من الوهن و تطرق الاشكال و ان كان قد سبقه اليه الشهيد في الذكرى حيث قال: و في اجتزاء المنفرد بهذا الأذان نظر أقربه ذلك لانه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. و فيه انه متى اعترف بكون مورد النصوص انما هو الامام كما يظهر من كلامهم فحمل المنفرد عليه قياس محض، و التستر بكونه اولى و انه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لا يجدي نفعا، على انه لو ثبتت الأولوية فالخروج عن القياس محل بحث قد سلف تحقيقه في مقدمات الكتاب. نعم يمكن ان يقال ان ظاهر إطلاق صحيحة ابن سنان المتقدمة يشمل المصلي منفردا و أكثر الأصحاب لم يذكروها في أدلة المسألة و انما ذكروا الروايتين الأخيرتين المشتملتين على الجماعة، إلا أن لقائل أن يقول يمكن ان يكون إطلاقها محمولا على تقييد الروايتين المذكورتين. و بالجملة فإن مقتضى الأدلة ثبوت الأذان و الإقامة مطلقا إلا ما قام الدليل الواضح على خروجه فيجب الحكم به و يبقى ما عداه، و يعضده اقتضاء الاحتياط ذلك.
(الثالث)
- المستفاد من روايتي أبي مريم و عمرو بن خالد الاجتزاء بسماع الإقامة أيضا إلا أن رواية أبي مريم قيدته بعدم الكلام بعد الإقامة أو في خلالها.
و هو جيد لما عرفت آنفا من ان الكلام في الإقامة أو بعدها موجب لإعادتها ففي السماع بطريق اولى (1).
(الرابع)
- هل يستحب إعادة الأذان و الإقامة في هذه الصورة للسامع المنفرد على القول به أو للإمام أو لمؤذنه في الجماعة أم لا؟ وجهان أقربهما نعم لظاهر صحيحة ابن سنان فان ظاهر قوله: «و أنت تريد ان تصلي بأذانه» التخيير بين الصلاة و عدمها، و يؤيده ان ظاهر سياق رواية أبي مريم المذكورة ان جميع ما ذكر فيها انما خرج مخرج الرخص، و الى ما ذكرنا يميل كلام السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني
____________
(1) انظر الى انه كيف عمل بالأولوية في المقام مع نفيه ذلك في غير مقام لا سيما الموضع الثاني المتقدم على هذا الموضع فافهم. سيد على «(قدس سره)».
431
في الذخيرة. و اولى بالإعادة ما إذا اتسع الوقت بين الأذان المسموع و بين صلاة المصلي به و ظاهر الشهيد في الذكرى التوقف في ذلك حيث قال: و هل يستحب تكرار الأذان و الإقامة للإمام السامع أو لمؤذنه أو للمنفرد؟ يحتمل ذلك و خصوصا مع اتساع الوقت. أقول قد تقدم ان المنفرد إذا أذن ثم أراد الجماعة أعاد أذانه و الفرق بينه و بين السامع غير ظاهر.
و كيف كان فإنه يجب ان يستثني من هذا الحكم المؤذن و المقيم للجماعة فإنه لا يستحب الإعادة معه لأن أذانه و إقامته لهم، و استدل عليه بإطباق المسلمين كافة على تركه و لو كان مستحبا لما أطبقوا على تركه.
(الخامس)
- قال الشيخ في المبسوط إذا اذن في مسجد دفعة لصلاة بعينها كان ذلك كافيا لكل من يصلي تلك الصلاة في ذلك المسجد و يجوز له ان يؤذن و يقيم في ما بينه و بين نفسه و ان لم يفعل فلا شيء عليه. انتهى. و وجهه غير واضح.
(الموضع الرابع) [حكم الحدث في أثناء الإقامة أو الصلاة]
قال في الشرائع: من أحدث في أثناء الصلاة تطهر و أعادها و لا يعيد الإقامة إلا ان يتكلم. انتهى. و ظاهره ان الحدث في الصلاة لا يوجب إعادة الإقامة مع انه قد صرح قبل هذه المسألة بان من أحدث في أثناء الإقامة فالأفضل أن يعيد الإقامة. و ربما ظهر من كلامه في الموضعين الفرق بين الحدث في أثناء الإقامة فإنه يعيدها و بينه في أثناء الصلاة فلا يعيدها. و هو مشكل.
و مما يدل على إعادة الإقامة بتخلل الحدث
ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المؤذن يحدث في أذانه أو في إقامته؟ قال ان كان الحدث في الأذان فلا بأس و ان كان في الإقامة فليتوضأ و ليقم اقامة».
و السيد السند في المدارك انما استدل على ذلك بخبر ابي هارون المكفوف المتقدم
____________
(1) الوسائل الباب 9 من الأذان و الإقامة.
432
و قوله (عليه السلام) فيه: «الإقامة من الصلاة» ثم قال و من حكم الصلاة الاستئناف بطرو الحدث في أثنائها فتكون لإقامة كذلك انتهى. و هو ناشىء عن عدم اطلاعه على الخبر المذكور.
و كيف كان فالظاهر هو إعادة الإقامة في صورة بطلان الصلاة بتخلل الحدث لانه لا يخرج عن وقوع الحدث بعد الإقامة و هو موجب لإعادتها.
(الموضع الخامس) [حكم الصلاة خلف من لا يقتدى به]
- من صلى خلف من لا يقتدى به اذن لنفسه و اقام فإن خشي فوت الركعة اقتصر على «قد قامت الصلاة» مرتين و تثنية التكبير و التهليل مرة، قالوا و يأتي ببقية ما يتركه المؤذن بمعنى انه إذا أخل بشيء من فصول الأذان استحب للمأموم الإتيان به.
فاما ما يدل على الحكم الأول
فما رواه الشيخ عن محمد بن عذافر عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «اذن خلف من قرأت خلفه».
و رواه الصدوق مرسلا (2) و ما تقدم
في موثقة عمار المتقدمة في صدر المقام الأول (3) من قوله (عليه السلام) حيث «سئل عن الأذان هل يجوز ان يكون من غير عارف؟ قال لا يستقيم الأذان و لا يجوز ان يؤذن به إلا رجل مسلم عارف فان علم الأذان و اذن به و لم يكن عارفا لم يجزئ أذانه و لا إقامته و لا يقتدى به».
و اما ما يدل على الحكم الثاني فهو
ما رواه في الكافي عن معاذ بن كثير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا دخل الرجل المسجد و هو لا يأتم بصاحبه و قد بقي على الإمام آية أو آيتان فخشي ان هو اذن و اقام أن يركع فليقل (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله) و ليدخل في الصلاة».
و عبارات الأصحاب هنا لا تخلو من خلل حيث انهم عبروا بقولهم اقتصر على تكبيرتين و قوله «قد قامت الصلاة».
____________
(1) الوسائل الباب 34 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 34 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 26 من الأذان و الإقامة.
(4) الوسائل الباب 34 من الأذان و الإقامة.
433
قال في المدارك بعد ذكر عبارة المصنف بالصورة المذكورة و الاستدلال لهم بالرواية المذكورة: و عبارات الأصحاب قاصرة عن افادة ما تضمنته فصولا و ترتيبا، ثم اعترض الرواية بأنها ضعيفة السند و مقتضاها تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة و هو مشكل جدا، قال و من ثم حمل جدي (قدس سره) في بعض حواشيه عبارة المصنف على ان المراد بفوات الصلاة فوات ما يعتبر في الركعة من القراءة و غيرها، و هو مع مخالفته للظاهر بعيد عن مدلول الرواية إلا انه لا بأس بالمصير اليه. انتهى.
أقول: اما الطعن بضعف الرواية فقد عرفت ما فيه في غير موضع. و اما الاستشكال من حيث دلالتها على تقديم الذكر المستحب على القراءة الواجبة فليس في محله مع دلالة النص عليه.
و يؤيد ذلك ما هو أظهر دلالة على هذا الحكم
كما رواه الشيخ في التهذيب عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن احمد بن عائذ (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) اني ادخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلونني الى ما ان أؤذن و أقيم فلا أقرأ شيئا حتى إذا ركعوا و اركع معهم أ فيجزئني ذلك؟ قال نعم».
و هذا الخبر و ان حمله الشيخ في التهذيب على انه لم يزد على الحمد إلا انه جوز ايضا تخصيصه بحال التقية و هو الأظهر بسياق الخبر المذكور مع الخبر المتقدم. و اما حمله على قراءة الحمد و انه لم يتمكن من الزيادة عليها فهو أبعد بعيد عن سياق الخبر.
و اما حمل جده الفوات على ما ذكره ففيه ان الرواية ظاهرة في خوف فوات الركوع لقوله «فخشي ان هو أذان و اقام أن يركع» لا فوات الصلاة. ثم تأويله بفوات ما يعتبر في الركعة من القراءة فإنه تكلف لا ضرورة تلجئ اليه مع وضوح النصوص
____________
(1) التهذيب ج 1 ص 256
و رواه أيضا في ص 256 عن البزنطي عن ابى الحسن «ع» إلا ان فيه هكذا «و لا اقرأ إلا الحمد حتى يركع».
و رواه في الوسائل بالإسناد الثاني في الباب 33 من صلاة الجماعة.
434
في المطلوب، و هذا الاستبعاد الذي أوجب لهم هذه التكلفات مدفوع بظاهر الخبرين المذكورين.
و اما ما ذكروه من استحباب إتيان المأموم بما أخل به الامام المخالف أو مؤذنه من الفصول فهو لا يخلو من الإشكال لدلالة الخبرين المتقدمين على عدم الاعتداد بأذان المخالف و انه يستحب للمأموم الإتيان بالأذان و الإقامة لنفسه كما هو أصل المسألة فكيف يعتد بأذان المخالف و يبنى عليه و يتم ما نقصه؟ و ما تكلفه شراح كلامهم في هذا المقام لهذه العبارة- من ان ذلك مستحب برأسه و ان كان الأذان غير معتد به أو جعل هذه المسألة منفصلة عن الكلام السابق و انها محمولة على غير المخالف كناسي بعض فصول الأذان أو تاركه أو تارك الجهر تقية- فهو تمحل بعيد عن سياق كلام أولئك القائلين و الله العالم.
ختام به الإتمام يشتمل على فصول من الأحكام
(فصل) [الأذان وحي من الله تعالى]
الأذان عند أهل البيت (صلوات الله عليهم) وحي نزل به جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و اذن له به في صلاته بالنبيين و الملائكة في حديث المعراج.
و أطبق المخالفون على خلاف ذلك و احتجوا
بما رواه عبد الله بن زيد (1) قال «لما أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالناقوس ليجتمع به الناس طاف بي و انا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت أ تبيع الناقوس؟ فقال و ما تصنع به؟ قلت ندعو به الناس الى الصلاة. فقال ألا ادلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت بلى. قال تقول: الله أكبر. إلى آخر الأذان، قال ثم استأخر غير بعيد ثم قال تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر. إلى آخر الإقامة، فلما أصبحت أتيت رسول الله (صلى الله عليه و آله)
____________
(1) تيسير الوصول ج 2 ص 209 باختلاف في بعض الألفاظ.
435
فأخبرته بما رأيت فقال إنها رؤيا حق ان شاء الله تعالى فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت القى عليه و يؤذن به فسمع ذلك عمر بن الخطاب و هو في بيته فخرج يجر رداءه فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلله الحمد».
أقول: و قد كذب أهل البيت (عليهم السلام) هذه الرواية و استفاضت اخبارهم بأن الأذان و الإقامة وحي من الله عز و جل كما ذكرناه:
فروى ثقة السلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لما هبط جبرئيل (عليه السلام) بالأذان على رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فأذن جبرئيل و اقام فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال يا علي سمعت؟ قال نعم قال حفظت؟ قال نعم. قال ادع لي بلالا فعلمه فدعا علي (عليه السلام) بلالا فعلمه».
و رواه الصدوق بطريقه إلى منصور بن حازم.
و في الصحيح عن زرارة و الفضيل عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«لما اسرى برسول الله (صلى الله عليه و آله) الى السماء فبلغ البيت المعمور و حضرت الصلاة فأذن جبرئيل (عليه السلام) و اقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه و آله) وصف الملائكة و النبيون خلف محمد (صلى الله عليه و آله)».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) بالملائكة في السماء ايضا و كلها واردة في اخبار المعراج.
قال ابن ابي عقيل من متقدمي علمائنا:
أطبقت الشيعة (3) على ان الصادق (عليه السلام) لعن قوما زعموا ان النبي (صلى الله عليه و آله) أخذ الأذان من عبد الله بن
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الأذان و الإقامة.
(2) الوسائل الباب 1 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 1 من الأذان و الإقامة.
436
زيد فقال ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون انه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد.
أقول: هذه الرواية قد نقلها
في كتاب دعائم الإسلام عن الحسين (عليه السلام) (1) قال: «و روينا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي (عليهما السلام) انه سئل عن قول الناس في الأذان ان السبب كان فيه رؤيا رآها عبد الله بن زيد فأخبر النبي (صلى الله عليه و آله) فأمر بالأذان؟ فقال (عليه السلام) الوحي ينزل على نبيكم و تزعمون انه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد و الأذان وجه دينكم؟ و غضب و قال بل سمعت ابي علي بن ابي طالب (عليه السلام) يقول اهبط الله ملكا حتى عرج برسول الله (صلى الله عليه و آله).».
و ساق حديث المعراج بطوله و ما وقع فيه من الأذان و الإقامة و الصلاة.
و قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس (نور الله تعالى مرقده) في كتاب الطرائف: و من طريف ما سمعت و وقفت عليه ان أبا داود و ابن ماجة ذكرا في كتاب السنن (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) هم بالبوق و أمر بالناقوس فأرى عبد الله بن زيد في المنام رجلا عليه ثوبان أخضران فعلمه الأذان».
أقول: و قد وقع في بعض الاخبار نسبة الرؤيا المذكورة الى ابي بن كعب و هو
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عمر بن أذينة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ما تروي هذه الناصبة؟ فقلت جعلت فداك فيما ذا؟ فقال في أذانهم و ركوعهم و سجودهم. فقلت انهم يقولون ان ابي بن كعب رآه في النوم فقال كذبوا فان دين الله أعز من ان يرى في النوم. قال فقال له سدير الصيرفي جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكرا فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الله تعالى لما عرج بنبيه
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من الأذان و الإقامة.
(2) سنن ابى داود ج 1 ص 195 الى 200 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 239.
(3) الوافي باب بدو الصلاة و عللها و روى في الوسائل قطعة منه في الباب 15 من الوضوء.
437
(صلى الله عليه و آله) الى سماواته السبع.».
ثم ساق (عليه السلام) الخبر و هو طويل جدا يشتمل على الأذان و الصلاة و ان ذلك كان في مبدأ التكليف. و ما اشتمل عليه هذا الخبر من نسبة الرؤيا الى ابي بن كعب خلاف ما اشتهر بين الخاصة و العامة من انه عبد الله بن زيد كما تقدم. و الله العالم.
فصل [علل الأذان و كيفيته]
روى الصدوق في كتاب العلل و العيون عن الفضل بن شاذان في ما رواه من العلل عن الرضا (عليه السلام) (1) «فان قال: أخبرني عن الأذان لم أمروا به؟ قيل لعلل كثيرة: منها- ان يكون تذكيرا للساهي و تنبيها للغافل و تعريفا لمن جهل الوقت و اشتغل عن الصلاة و ليكون ذلك داعيا الى عبادة الخالق مرغبا فيها مقرا له بالتوحيد مجاهرا بالايمان معلنا بالإسلام مؤذنا لمن ينساها و انما يقال مؤذن لأنه يؤذن بالصلاة، فإن قال فلم بدئ فيه بالتكبير قبل التهليل؟ قيل لأنه أراد ان يبدأ بذكره و اسمه لان اسم الله تعالى في التكبير في أول الحرف و في التهليل في آخر الحرف فبدأ بالحرف الذي اسم الله في أوله لا في آخره، فان قال فلم جعل مثنى مثنى؟ قيل لان يكون مكررا في آذان المستمعين مؤكدا عليهم ان سها أحد عن الأول لم يسه عن الثاني و لأن الصلاة ركعتان ركعتان فلذلك جعل الأذان مثنى مثنى، فان قال لم جعل التكبير في أول الأذان أربعا؟ قيل لأن أول الأذان إنما يبدو غفلة و ليس قبله كلام ينبه المستمع له فجعل ذلك تنبيها للمستمعين لما بعده في الأذان، فإن قال لم جعل بعد التكبير شهادتين؟ قيل لأن أول الإيمان انما هو التوحيد و الإقرار لله عز و جل بالوحدانية و الثاني الإقرار للرسول بالرسالة و ان طاعتهما و معرفتهما مقرونتان، و لأن أصل الإيمان انما هو الشهادة فجعل شهادتين شهادتين في الأذان كما جعل في سائر الحقوق شهادتين، فإذا أقر لله بالوحدانية و أقر للرسول بالرسالة فقد أقر بجملة
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
438
الايمان لأن أصل الإيمان انما هو الإقرار بالله و برسوله، فان قال فلم جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة؟ قيل لأن الأذان إنما وضع لموضع الصلاة و هو نداء إلى الصلاة فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الأذان فقدم المؤذن قبلها أربعا: التكبيرتين و الشهادتين و أخر بعدها أربعا: يدعو الى الفلاح حثا على البر و الصلاة ثم دعا الى خير العمل مرغبا فيها و في عملها و في أدائها ثم نادى بالتكبير و التهليل ليتم بعدها أربعا كما أتم قبلها أربعا و ليختم كلامه بذكر الله تعالى كما فتحه بذكر الله، فان قال فلم جعل آخرها التهليل و لم يجعل آخرها التكبير كما جعل في أولها التكبير؟ قيل لان التهليل اسم الله في آخره فأحب الله ان يختم الكلام باسمه كما فتحه باسمه، فان قال فلم لم يجعل بدل التهليل التسبيح و التحميد مع ان اسم الله في آخرهما؟ قيل لان التهليل هو إقرار لله تعالى بالتوحيد و خلع الأنداد من دون الله تعالى و هو أول الايمان و أعظم من التسبيح و التحميد».
فصل [علة حذف (حي على خير العمل) من الأذان]
روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابن ابي عمير (1) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن (حي على خير العمل) لم تركت من الأذان؟ فقال تريد العلة الظاهرة أو الباطنة؟ قلت أريدهما جميعا. فقال اما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالا على الصلاة و اما الباطنة فإن خير العمل الولاية فأراد من أمر بترك (حي على خير العمل) من الأذان ان لا يقع حث عليها و دعاء إليها».
و روى في الكتاب المذكور بسنده عن عكرمة (2) قال: «قلت لابن عباس أخبرني لأي شيء حذف من الأذان «حي على خير العمل»؟ قال أراد عمر بذلك ان لا يتكل الناس على الصلاة و يدعوا الجهاد فلذلك حذفها من الأذان».
و نظير هذا التعليل العليل ما نقله أولياؤه عنه أيضا في تحريم متعة الحج من قوله (3)
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الأذان و الإقامة.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 170.
(3) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
439
«كرهت ان يخرجوا الى الحج و رؤوسهم تقطر من نسائهم» و قوله (1) «كرهت ان يكونوا معرسين تحت الأراك ثم يخرجون الى الحج و رؤوسهم تقطر من نسائهم» أ رأيت ان الله عز و جل الذي أمر بهذين الحكمين لا يعلم بهذا الأمر الذي علل هذا المرتد به في كل من الموضعين فذهب ذلك عن علم الله سبحانه و انما اهتدى إليه هو؟ و لقد صدق عليه قوله عز و جل «ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأَحْبَطَ أَعْمٰالَهُمْ» (2).
و روى في كتاب معاني الأخبار بسنده عن محمد بن مروان عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «أ تدري ما تفسير (حي على خير العمل)؟ قال قلت لا. قال دعاك الى البر أ تدري بر من؟ قلت لا. قال الى بر فاطمة و ولدها (عليهم السلام)».
أقول: لا منافاة بين هذه الاخبار و بين ما تقدم في علل الفضل بن شاذان من تفسير خير العمل بالصلاة فإن اخبارهم كالقرآن لها ظهر و بطن.
و في كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم (4) قال: «علة الأذان ان تكبر الله و تعظمه و تقر بتوحيد الله و بالنبوة و الرسالة و تدعو إلى الصلاة و تحث على الزكاة، و معنى الأذان الاعلام لقوله تعالى «وَ أَذٰانٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النّٰاسِ» (5) أي إعلام و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «كنت أنا الأذان في الناس بالحج» و قوله «وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ» (6) أي أعلمهم و ادعهم، فمعنى «الله» انه يخرج الشيء من حد العدم الى حد الوجود و يخترع الأشياء لا من شيء و كل مخلوق دونه يخترع الأشياء من شيء إلا الله فهذا معنى «الله» و ذلك فرق بينه و بين المحدث، و معنى «أكبر» أي أكبر من ان يوصف في الأول و أكبر من كل شيء لما خلق الشيء،
____________
(1) تيسير الوصول ج 1 ص 288.
(2) سورة محمد، الآية 10.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 170.
(4) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بأبواب الأذان و الإقامة.
(5) سورة التوبة، الآية 3.
(6) سورة الحج، الآية 28.
440
و معنى قوله «اشهد ان لا إله إلا الله» إقرار بالتوحيد و نفي الأنداد و خلعها و كل ما يعبد من دون الله، و معنى «اشهد ان محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله)» إقرار بالرسالة و النبوة و تعظيم لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و ذلك قول الله عز و جل «وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ» (1) اي تذكر معي إذا ذكرت، و معنى «حي على الصلاة» أي حث على الصلاة و معنى «حي على الفلاح» اي حث على الزكاة، و قوله «حي على خير العمل» اي حث علي الولاية، و علة أنها خير العمل ان الأعمال كلها بها تقبل (2) «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله» فالقى معاوية من آخر الأذان «محمد رسول الله» (صلى الله عليه و آله) فقال أما يرضى محمد ان يذكر في أول الأذان حتى يذكر في آخره.
و معنى الإقامة هي الإجابة و الوجوب و معنى كلماتها فهي التي ذكرناها في الأذان، و معنى «قد قامت الصلاة» أي قد وجبت الصلاة و حانت و أقيمت، و اما العلة فيها فقال الصادق (عليه السلام) إذا أذنت و صليت صلى خلفك صف من الملائكة و إذا أذنت و أقمت صلى خلفك صفان من الملائكة. و لا يجوز ترك الأذان إلا في صلاة الظهر و العصر و العتمة يجوز في هذه الصلوات الثلاث اقامة بلا أذان و الأذان أفضل و لا تجعل ذلك عادة. و لا يجوز ترك الأذان و الإقامة في صلاة المغرب و صلاة الفجر، و العلة في ذلك ان هاتين الصلاتين تحضرهما ملائكة الليل و ملائكة النهار».
قال في البحار بعد نقل ذلك: لعل الحث على الزكاة في الأذان لكون قبول الصلاة مشروطا بها و كون الشهادة بالرسالة في آخر الأذان غريب لم أره في غير هذا الكتاب
فصل [الدعاء عند أذان الصبح و المغرب و بين الأذان و الإقامة و معناه]
روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال و المجالس و العيون بسنده عن عباس
____________
(1) سورة الانشراح، الآية 4.
(2) هكذا عبارة الحديث في المستدرك و البحار ج 18 الصلاة ص 178.
441
مولى الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول من قال حين يسمع أذان الصبح:
اللهم إني أسألك بإقبال نهارك و ادبار ليلك و حضور صلواتك و أصوات دعاتك و تسبيح ملائكتك أن تتوب علي انك أنت التواب الرحيم و قال مثل ذلك إذا سمع أذان المغرب ثم مات من يومه أو من ليلته تلك كان تائبا».
أقول: في رواية المجالس (2) «كان أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول.»
و في كتاب مصباح الشيخ (3) «اذن للمغرب و قل» و ذكر الدعاء. قال في البحار: الباء في قولك «بإقبال نهارك» اما سببية أي كما أنعمت علي بتلك النعم فأنعم علي بتوفيق التوبة أو بقبولها، أو قسمية، و يحتمل الظرفية على بعد، قوله «دعاتك» في بعض النسخ بالهمزة و في بعضها بالتاء جمع داع كقاض و قضاة، و بعده «و تسبيح ملائكتك» في أكثر الروايات و ليس في بعضها.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): «تقول بين الأذان و الإقامة في جميع الصلوات اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة صل على محمد و آل محمد و أعط محمدا (صلى الله عليه و آله) يوم القيامة سؤله آمين رب العالمين اللهم إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه و آله) و أقدمهم بين يدي حوائجي كلها فصل عليهم و اجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين و اجعل صلاتي بهم مقبولة و دعائي بهم مستجابا و امنن علي بطاعتهم يا ارحم الراحمين. تقول هذا في جميع الصلوات و تقول بعد أذان الفجر اللهم إني أسألك بإقبال نهارك. الى آخر ما مر، و ان أحببت أن تجلس بين الأذان و الإقامة فافعل فان فيه فضلا كثيرا.
الى آخر ما تقدم في مسألة استحباب الفصل بين الأذان و الإقامة.
____________
(1) الوسائل الباب 43 من الأذان و الإقامة.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 179.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 179.
(4) ص 6.
442
و قال الشيخ في المصباح (1): يستحب ان يقول في السجدة بين الأذان و الإقامة «اللهم اجعل قلبي بارا و رزقي دارا و اجعل لي عند قبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) مستقرا و قرارا».
و في كتاب البلد الأمين (2) «. و رزقي دارا و عيشي قارا و اجعل لي عند قبر نبيك محمد (صلى الله عليه و آله).».
و في الرسالة النفلية (3) «. و عيشي قارا و رزقي دارا.» و في بعض كتب الدعاء (4) بعد ذلك «و عملي سارا» و في بعضها (5) «عند رسولك» بغير القبر.
و في الكافي في حديث مرفوع (6) «يقول الرجل إذا فرغ من الأذان و جلس: اللهم اجعل قلبي بارا و رزقي دارا و اجعل لي عند قبر نبيك قرارا و مستقرا».
قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (7): «اللهم اجعل قلبي بارا» البار المطيع و المحسن و المعنى عليهما سؤال الله ان يجعل قلبه مطيعا لسيده و خالقه و محسنا في تقلباته و حركاته و سكناته فإن الأعضاء تتبعه في ذلك كله «و عيشي قارا» الأجود كون القار هنا متعديا و المفعول محذوفا اي قارا لعيني، يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يرضيك من العيش فتقر عينك من النظر الى غيره قاله الهروي. و يجوز كونه لازما اي مستقرا لا يحوج الى الخروج إليه في سفر و نحوه، و قد روى «ان من سعادة الرجل ان تكون معيشته في بلده» أو قارا في الحالة المهناة لا يتكدر بشيء من المنغصات فيضطرب «و رزقي دارا» اي يزيد و يتجدد شيئا فشيئا كما يدر اللبن «و اجعل لي عند قبر رسولك مستقرا و قرارا» المستقر المكان و القرار المقام أي اجعل لي عنده مكانا أقر فيه. و قيل هما مترادفان. و نقل المصنف في بعض تحقيقاته ان المستقر في الدنيا و القرار في الآخرة كأنه يسأل ان يكون المحيا و الممات عنده و اختص الدنيا بالمستقر لقوله تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» (8) و الآخرة بالقرار لقوله تعالى
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(2) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(3) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(4) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(5) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(6) الوسائل الباب 12 من الأذان و الإقامة.
(7) البحار ج 18 الصلاة ص 181.
(8) سورة البقرة، الآية 34.
443
«وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دٰارُ الْقَرٰارِ» (1) و فيه ان القبر لا يكون في الآخرة و إطلاق الآخرة على الممات خاصة بعيد نعم في بعض روايات الحديث «و اجعل لي عند رسولك» بغير ذكر القبر و يمكن تنزيل التأويل حينئذ عليه بان يكون السؤال بأن يكون مقامه في الدنيا و الآخرة في جواره (صلى الله عليه و آله) انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: الظاهر ان استدراك شيخنا المذكور على المصنف ليس في محله فان باب المجاز واسع و قد ورد «ان من مات فقد قامت قيامته» مع ان الموت و الانتقال الى عالم البرزخ ليس من القيامة حقيقة التي هي الدار الآخرة. و بالجملة فباب التجوز أوسع من ذلك. و الله العالم.
____________
(1) سورة المؤمن، الآية 42.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء السابع
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

