1

2

[تتمة كتاب الصلاة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الصلوات اليومية و ما يلحق بها من قواطعها و سهوها و شكوكها

، و البحث فيه يقع في مقصدين:

[المقصد] (الأول)- في الصلاة

[الأخبار المشتملة على أفعال الصلاة و آدابها]

و الواجب على عادتنا في الكتاب ان نذكر هنا جملة من الأخبار المشتملة على أفعال الصلاة و آدابها:

فمن ذلك

ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّٰه مراقدهم) في الكافي و التهذيب و الفقيه و المجالس و غيرها، رووا في الصحيح و الحسن عن حماد بن عيسى (1) قال:

«قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): يوما يا حماد تحسن ان تصلي؟ قال فقلت يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، قال لا عليك يا حماد قم فصل قال فقمت بين يديه متوجها إلى القبلة فاستفتحت الصلاة فركعت و سجدت فقال يا حماد لا تحسن ان تصلي ما أقبح بالرجل منكم يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فلا يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة.

قال حماد: فأصابني في نفسي الذل فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

3

(عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه و قرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات و استقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة لم يحرفهما عن القبلة و قال بخشوع: «اللّٰه أكبر» ثم قرأ الحمد بترتيل و «قل هو اللّٰه أحد» ثم صبر هنيهة بقدر ما يتنفس و هو قائم ثم رفع يديه حيال وجهه و قال «اللّٰه أكبر» و هو قائم ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات و رد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره و مد عنقه و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال: «سبحان ربي العظيم و بحمده» ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال «سمع اللّٰه لمن حمده» ثم كبر و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه ثم سجد و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه و قال «سبحان ربي الأعلى و بحمده» ثلاث مرات و لم يضع شيئا من جسده على شيء منه و سجد على ثمانية أعظم: الكفين و الركبتين و أنامل إبهامي الرجلين و الجبهة و الأنف، و قال: سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّٰه عز و جل في كتابه و قال «وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً» (1) و هي الجبهة و الكفان و الركبتان و الإبهامان، و وضع الأنف على الأرض سنة. ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: «اللّٰه أكبر» ثم قعد على فخذه الأيسر و قد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر فقال: «استغفر اللّٰه ربي و أتوب إليه» ثم كبر و هو جالس و سجد السجدة الثانية و قال كما قال في الاولى و لم يضع شيئا من بدنه على شيء منه في ركوع و لا سجود و كان مجنحا و لم يضع ذراعيه على الأرض، فصلى ركعتين على هذا و يداه مضمومتا الأصابع و هو جالس في التشهد فلما فرغ من التشهد سلم فقال يا حماد هكذا صل».

و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)

____________

(1) سورة الجن، الآية 18.

(2) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

4

قال: «إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى و دع بينهما فصلا إصبعا أقل ذلك إلى شبر أكثره، و اسدل منكبيك و أرسل يديك و لا تشبك أصابعك و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك و ليكن نظرك إلى موضع سجودك، فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلع أطراف أصابعك عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينها و أقم صلبك و مد عنقك و ليكن نظرك إلى ما بين قدميك، فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا و ابدأ بيديك فضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه و لا تضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك و لكن تجنح بمرفقيك و لا تلصق كفيك بركبتيك و لا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا و ابسطهما على الأرض بسطا و اقبضهما إليك قبضا و ان كان تحتهما ثوب فلا يضرك و ان أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل، و لا تفرجن بين أصابعك في سجودك و لكن ضمهن جميعا، قال و إذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرج بينهما شيئا و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و أليتاك على الأرض و طرف إبهامك اليمنى على الأرض، و إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكن قاعدا على الأرض فتكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد و الدعاء».

بيان: الظاهر ان إنكار الصادق (عليه السلام) على حماد في صلاته و تعليمه انما هو بالنسبة إلى سنن الصلاة و آدابها لا بالنسبة إلى واجباتها و إلا لأمره بقضاء ما مضى من صلواته، على ان مثل حماد (رضوان اللّٰه عليه) أجل قدرا من ان يجهل الواجب عليه كما يشير اليه قوله:

«انا أحفظ كتاب حريز في الصلاة»

و بذلك يظهر لك

5

ما في كلام السيد المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري (قدس سره) في مسألة معذورية الجاهل من دعواه جهل حماد بالأحكام الواجبة و ان الامام (عليه السلام) لم يأمره بالقضاء من حيث معذورية الجاهل. و قد نقلنا كلامه في كتاب الدرر النجفية في الدرة التي في مسألة معذورية الجاهل.

و يؤيد ما ذكرناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى، قال: و الظاهر ان صلاة حماد كانت مسقطة للقضاء و إلا لأمره بقضائها و لكنه عدل به إلى الصلاة التامة. و الظاهر ان صلاته (عليه السلام) لم تكن صلاة حقيقية بل كانت لمجرد التعليم للكلام في أثنائها كما حكاه الراوي إلا ان يحمل على ان الكلام انما كان بعدها و لكن حماد حكاه في أثنائها للبيان و ربطه بما يتعلق به.

قوله:

«ما أقبح بالرجل منكم.»

قال شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين: فصل بين فعل التعجب و بين معموله و هو مختلف فيه بين النحاة فمنعه الأخفش و المبرد و جوزه المازني و الفراء بالظرف و نقلا عن العرب انهم يقولون

«ما أحسن بالرجل ان يصدق»

و صدوره من الامام (عليه السلام) من أقوى الحجج على جوازه، و الجار في قوله (عليه السلام) «منكم» حال من الرجل أو وصف له فان المعرف بلام العهد الذهني في حكم النكرة، و المراد ما أقبح بالرجل من الشيعة أو من صلحائهم.

قوله:

«و قرب بين قدميه حتى كان بينهما قدر ثلاث أصابع منفرجات»

هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) حيث صرحوا بأنه يستحب ان يكون بينهما ثلاث أصابع منفرجات إلى شبر إلا ان ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة و قوله في صدرها

«إصبعا أقل ذلك إلى شبر»

ربما نافى هذا الخبر. و أجاب عنه شيخنا البهائي في الحبل المتين بأنه لعل المراد به طول الإصبع لا عرضه. و الظاهر من الصحيحة المذكورة ان التحديد بالإصبع إلى قدر شبر انما هو في حال القيام و اما حال الركوع فإنه يكون بينهما قدر شبر، و المفهوم من كلام الأصحاب العموم.

6

قوله:

«ثم قرأ الحمد بترتيل»

الترتيل لغة التأني و تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم

«ثغر رتل و مرتل»

إذا كان مفلجا و به فسر قوله تعالى «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (1)

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) «انه حفظ الوقوف و بيان الحروف».

اي مراعاة الوقف التام و الحسن و الإتيان بالحروف على الصفات المعتبرة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنة و أمثالها، و الترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، و من حمل الأمر في الآية على الوجوب فسر الترتيل بإخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز و لا يندمج بعضها في بعض.

قوله

«صبر هنيهة»

في بعض نسخ الحديث «هنية» بضم الهاء و تشديد الياء بمعنى الوقت اليسير تصغير «هنة» بمعنى الوقت، و ربما قيل «هنيهة» بإبدال الياء هاء و اما «هنيئة» بالهمزة فغير صواب نص عليه في القاموس، كذا أفاد شيخنا البهائي في الحبل المتين إلا ان شيخنا المجلسي نقل ان أكثر النسخ هنا بالهمزة و في المجالس و بعض نسخ التهذيب بالهاء.

قوله

«بقدر ما يتنفس»

في بعض النسخ «بقدر ما تنفس» فيكون الضمير راجعا له (عليه السلام) و في بعضها «يتنفس» بالمضارع المبني للمجهول، و فيه دلالة على استحباب السكتة بعد السورة و ان حدها بقدر النفس، قال في الذكرى: من المستحبات السكوت إذا فرغ من الحمد و السورة و هما سكتتان

لرواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (3) المشتملة على ان أبي بن كعب قال «كانت لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن و إذا فرغ من السورة».

و في رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس. و قال ابن الجنيد روى سمرة و أبي بن كعب عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) ان السكتة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح و الثانية بعد

____________

(1) سورة المزمل الآية 4.

(2) الوافي باب سائر أحكام القراءة.

(3) الوسائل الباب 46 من القراءة.

(4) تيسير الوصول ج 2 ص 229.

7

الحمد، ثم قال و الظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الأخيرتين قبل الركوع و كذا عقيب التسبيح. انتهى. و سيجيء تمام الكلام في ذلك ان شاء اللّٰه تعالى في مستحبات القراءة.

قوله

«ثم سجد و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه»

ربما نافاه قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم

«و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك و لكن تحرفهما عن ذلك شيئا»

و الجواب عن ذلك ما افاده شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقده) قال: و قوله (عليه السلام) «و لا تجعلهما بين يدي ركبتيك» اي لا تجعلهما في نفس قبلة الركبتين بل احرفهما عن ذلك قليلا. و لا ينافي هذا ما في حديث حماد من انه (عليه السلام) بسط كفيه بين يدي ركبتيه لأن المراد بكون الشيء بين اليدين كونه بين جهتي اليمين و الشمال و هو أعم من المواجهة الحقيقية و الانحراف اليسير إلى أحد الجانبين و يستعمل ذلك في كل من المعنيين. فاستعمل في هذا الحديث في الأول و في الآخر في الثاني، قال صاحب الكشاف في قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» (1) حقيقة قولهم: «جلست بين يدي فلان» ان يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه و شماله قريبا منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره و داناه. انتهى قوله

«فصلى ركعتين على هذا»

قال شيخنا في البحار قال الشيخ البهائي (قدس سره) هذا يعطي انه (عليه السلام) قرأ سورة التوحيد في الركعة الثانية أيضا و هو ينافي ما هو المشهور بين أصحابنا من استحباب مغايرة السورة في الركعتين و كراهة تكرار الواحدة فيهما إذا أحسن غيرها كما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) و يؤيده ما مال اليه بعضهم من استثناء سورة الإخلاص من هذا الحكم و هو جيد

____________

(1) سورة الحجرات الآية 1.

(2) الوسائل الباب 6 من القراءة في الصلاة.

8

و يعضده

ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) من «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى ركعتين و قرأ في كل منهما قل هو اللّٰه أحد».

و كون ذلك لبيان الجواز بعيد. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.

قوله في صحيح زرارة

«و بلع أطراف أصابعك عين الركبة»

ضبطه شيخنا البهائي (زاده اللّٰه بهاء و شرفا) باللام المشددة و العين المهملة من البلع أي اجعل أطراف أصابعك بالعة عين الركبة، و قال: و هذا كما سيجيء في بحث الركوع من

قوله (عليه السلام) (2) «و تلقم بأطراف أصابعك عين الركبة».

اي تجعل عين الركبة كاللقمة لأطراف الأصابع. و ربما يقرأ «و بلغ» بالغين المعجمة و هو تصحيف. انتهى.

قوله في الحديث المذكور «و اقبضهما إليك قبضا» قال شيخنا البهائي (قدس سره) و لعل المراد بقبض الكفين في قوله (عليه السلام) «و اقبضهما إليك قبضا» انه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى ضم كفيه اليه ثم رفعهما بالتكبير لا انه يرفعهما بالتكبير و عن الأرض برفع واحد، و في كلام الشيخ الجليل علي بن بابويه (قدس سره) ما يفسر ذلك فإنه قال: إذا رفع رأسه من السجدة الأولى قبض يديه اليه قبضا فإذا تمكن من الجلوس رفعهما بالتكبير. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.

و في نظري القاصر ان ما ذكره في معنى العبارة المذكورة لا يخلو من بعد و قياسه على عبارة الشيخ المذكور قياس مع الفارق فان سياق عبارة الخبر ان الأمر بقبضهما اليه قبضا انما هو حال السجود فان ما قبل هذه الجملة و ما بعدها كله في آداب حال السجود و لا تعلق له بالرفع من السجود، و حمل هذه الجملة من بين هذه الجمل التي قبلها و بعدها على

____________

(1) الوسائل الباب 7 من القراءة في الصلاة.

(2) يشير «(قدس سره)» الى صحيح زرارة الذي سيذكره المصنف «(قدس سره)» في مستحبات الركوع و المروي في الوسائل في الباب 1 من أبواب الركوع و قد ضبطه هناك كذلك كما في التهذيب ج 1 ص 156.

9

المعنى الذي ذكره خروج عن ظاهر السياق و النظام بل من قبيل الألغاز الذي يبعد تصوره عن الافهام، و لا إشارة في هذه العبارة إلى التكبير فضلا عن التصريح كما وقع التصريح به في عبارة الشيخ المذكور. و اما عبارة الشيخ المذكور فإنها صريحة في الرفع من السجود و التكبير بعده.

ثم انه (قدس سره) كتب في الحاشية على هذا الموضع: كان قدماء علمائنا (قدس اللّٰه أرواحهم) يحافظون على لفظ الرواية أو ما قرب منه في كتب الفروع. انتهى.

أقول: مراده بهذا الكلام الإشارة إلى ان الشيخ علي بن بابويه انما ذكر هذه العبارة أخذا من الحديث المذكور و ان الشيخ المذكور فهم منه ما فهمه هو (قدس سره) و هو غلط محض (أما أولا) فلما ذكرناه. و (اما ثانيا) فلان كلام الشيخ المذكور انما أخذه من عبارة

كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التي عرفت في غير موضع مما تقدم حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) «ثم ارفع رأسك من السجود و اقبض إليك قبضا و تمكن من الجلوس. الحديث».

و مراده قبض يديه اليه قبضا بعد الرفع إلى ان يجلس و لكنه لم يذكر التكبير بعد الجلوس كما ذكره الشيخ المذكور.

و الظاهر عندي من معنى الكلام المذكور في صحيحة زرارة انما هو قبض الكفين اليه حال السجود بمعنى ان لا يباعدهما عنه بل يدنيهما منه و يجعلهما محاذيين للمنكبين كما تضمنته الرواية.

و روى ثقة الإسلام (عطر اللّٰه مرقده) في الكافي عن زرارة (2) قال: «إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها و لا تفرج بينهما و تضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطئ كثيرا فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى ألييها ليس كما يقعد الرجل، و إذا سقطت للسجود بدأت بالقعود بالركبتين قبل اليدين ثم تسجد لاطئة بالأرض، فإذا كانت في جلوسها ضمت فخذيها و رفعت

____________

(1) ص 8.

(2) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

10

ركبتيها من الأرض، و إذا نهضت انسلت انسلالا لا ترفع عجيزتها أولا».

قال في الذكرى هذه الرواية موقوفة على زرارة لكن عمل الأصحاب عليها. انتهى.

و روى في الكافي و التهذيب عن ابن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا سجدت المرأة بسطت ذراعيها».

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن جلوس المرأة في الصلاة؟ قال تضم فخذيها».

و روى ابن بكير عن بعض أصحابنا (3) قال: «المرأة إذا سجدت تضممت و الرجل إذا سجد تفتح».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): و المرأة إذا قامت إلى صلاتها ضمت برجليها و وضعت يديها على صدرها من مكان ثدييها فإذا ركعت وضعت يديها على فخذيها و لا تطأطئ كثيرا لئلا ترتفع عجيزتها، فإذا سجدت جلست ثم سجدت لاطئة بالأرض فإذا أرادت النهوض تقوم من غير ان ترفع عجيزتها، فإذا قعدت للتشهد رفعت رجليها و ضمت فخذيها.

انتهى.

أقول: قد ذكر الشيخ و جمع من الأصحاب ان حكم المرأة في الصلاة حكم الرجل إلا في الجهر و الإخفات و في مواضع أخرى مذكورة في صحيحة زرارة.

و روى في الكافي في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه و لا تعبث فيها بيدك و لا برأسك و لا بلحيتك و لا تحدث نفسك و لا تتثأب و لا تتمط و لا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، و لا تلثم و لا تحتفز و لا تفرج كما يتفرج البعير و لا تقع على قدميك و لا تفترش ذراعيك و لا تفرقع أصابعك فإن ذلك كله نقصان من

____________

(1) الوسائل الباب 3 من السجود.

(2) الوسائل الباب 1 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 3 من السجود.

(4) ص 9.

(5) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

11

الصلاة، و لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا فإنها من خلال النفاق فان اللّٰه تعالى نهى المؤمنين ان يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى (1) يعني سكر النوم. و قال للمنافقين وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا» (2).

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3): فإذا أردت ان تقوم إلى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا و لا متناعسا و لا مستعجلا و لا متلاهيا و لكن تأتيها على السكون و الوقار و التؤدة، و عليك بالخشوع و الخضوع متواضعا للّٰه عز و جل متخاشعا عليك خشية و سيماء الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل و الحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك و انصب نفسك و لا تلتفت يمينا و لا شمالا و تحسب كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك، و لا تعبث بلحيتك و لا بشيء من جوارحك و لا تفرقع أصابعك و لا تحك بدنك و لا تولع بأنفك و لا بثوبك، و لا تصل و أنت متلثم، و لا يجوز للنساء الصلاة و من متنقبات، و يكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، و أظهر عليك الجزع و الهلع و الخوف و ارغب مع ذلك إلى اللّٰه عز و جل و لا تتكىء مرة على رجلك و مرة على الأخرى، و تصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي أبدا و اعلم انك بين يدي الجبار و لا تعبث بشيء من الأشياء و لا تحدث لنفسك و افرغ قلبك و ليكن شغلك في صلاتك و أرسل يديك ألصقهما بفخذيك، فإذا افتتحت الصلاة فكبر و ارفع يديك بحذاء أذنيك و لا تجاوز بإبهاميك حذاء أذنيك، و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك و لا بأس بذلك في النافلة و الوتر، فإذا ركعت فألقم ركبتيك راحتيك و تفرج بين أصابعك و اقبض عليهما، و إذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها إلى المكان ثم اسجد و ضع جبينك على الأرض و أرغم على راحتيك و اضمم أصابعك و ضعهما مستقبل القبلة، و إذا جلست فلا تجلس

____________

(1) سورة النساء الآية 46.

(2) سورة النساء الآية 141.

(3) ص 7.

12

على يمينك لكن انصب يمينك و اقعد على ألييك، و لا تضع يديك بعضهما على بعض و لكن أرسلهما إرسالا فإن ذلك تكفير أهل الكتاب، و لا تتمط في صلاتك و لا تتجشأ و امنعهما بجهدك و طاقتك، فإذا عطست فقل «الحمد للّٰه» و لا تطأ موضع سجودك و لا تتقدم مرة و لا تتأخر أخرى، و لا تصل و بك شيء من الأخبثين و ان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه من غير إضرار بالصلاة، و اقبل على اللّٰه بجميع القلب و بوجهك حتى يقبل اللّٰه عليك، و أسبغ الوضوء و عفر جبينيك في التراب، و إذا أقبلت على صلاتك اقبل اللّٰه عليك بوجهه و إذا أعرضت أعرض اللّٰه عنك. و اروي عن العالم (عليه السلام) انه قال ربما لم يرفع من الصلاة إلا النصف أو الثلث أو السدس على قدر إقبال العبد على صلاته و ربما لا يرفع منها شيء ترد في وجهه كما يرد الثوب الخلق و تنادي ضيعتني ضيعك اللّٰه كما ضيعتني و لا يعطي اللّٰه القلب الغافل شيئا. و روى إذا دخل العبد في صلاته لم يزل اللّٰه ينظر اليه حتى يفرغ منها. و قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا أحرم العبد في صلاته اقبل اللّٰه عليه بوجهه و يوكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا فإن أعرض أعرض اللّٰه عنه و وكله إلى الملك.

انتهى كلامه في الكتاب المذكور.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصلاة تشتمل على الواجب و المستحب و نحن نذكر سياقها حسب ما ذكره أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من جعل مطرح البحث فيها الواجبات الثمانية المشهورة و نزيد بذكر القنوت في أثنائها و ان كان مستحبا عندنا، و ننبه على مستحباتها كل في موضعه من غير ان نفردها بعنوان على حدة كما فعله جملة من الاعلام فإن هذا أليق بالترتيب و النظام، و نفرد ذكر الأخيرتين بالبحث على حدة لا كما ذكره أصحابنا من جعله في بحث القراءة و السبب في مخالفتنا لهم في ذلك هو ان الظاهر انهم انما جعلوه في بحث القراءة من حيث ان القراءة في الأخيرتين هي الأصل عندهم و التسبيح انما هو فرع عليها كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم، و نحن لما كان الظاهر عندنا ان الواجب في الأخيرتين انما هو

13

التسبيح اما عينا كما هو اختيار بعض متأخري متأخرينا (رضوان اللّٰه عليهم) أو تخييرا مع كونه الأفضل كما هو المقطوع به من اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) كان افراد ذلك بالبحث هو الأليق بالترتيب و النظام كما لا يخفى على الفطن الأريب و جملة ذوي الأفهام، و لطول البحث في المقام كما سنشرحه لك ان شاء اللّٰه تعالى بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الاعلام، و لما يتعلق بذلك من الأحكام الخاصة التي لم تحم حولها الأقلام و حينئذ فالكلام في هذا المقصد يقع في فصول عشرة:

الفصل الأول في النية

و قد تقدم البحث فيها في كتاب الطهارة في نية الوضوء بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعلام بتحقيق و تدقيق- يكشف نقاب الإجمال عنها و الإبهام بجميع أحكامها و متعلقاتها- للنصوص مطابق و للاخبار موافق، و لكن لا بأس بنقل بعض كلماتهم في هذا المقام و بيان ما فيها من الاختلال و عدم الانتظام في سلك ذلك النظام:

فنقول قال السيد السند (قدس سره) في مدارك الأحكام- بعد قول المصنف و حقيقتها استحضار صفة الصلاة في الذهن و القصد بها إلى أمور أربعة: الوجوب أو الندب و القربة و التعيين و كونها أداء أو قضاء- ما لفظه: اعلم ان النية عبارة عن أمر واحد بسيط و هو القصد إلى الفعل لكن لما كان القصد إلى الشيء المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة إحضار ذاتها في الذهن مطلقا و صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد إلى فعل هذا المعلوم طاعة للّٰه و امتثالا لأمره. و قد أحسن شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال بعد ان ذكر نحو ذلك: و تحقيقه انه إذا أريد نية الظهر مثلا فالطريق إليها إحضار المنوي بمميزاته عن غيره في الذهن فإذا حضر قصد المكلف إلى إيقاعه تقربا إلى اللّٰه تعالى، و ليس فيه ترتيب بحسب التصور و ان وقع ترتيب فإنما هو بحسب التعبير عنه بالألفاظ إذ من ضرورتها ذلك، فلو ان مكلفا احضر في ذهنه الظهر الواجبة المؤداة

14

ثم استحضر قصد فعلها تقربا و كبر كان ناويا. إذا عرفت ذلك فنقول انه يعتبر في نية الصلاة القربة و هي الطاعة للّٰه، ثم ساق الكلام في تلك الأمور الأربعة التي ذكرها المصنف بنقض و إبرام، إلى ان قال. و بالجملة فالمستفاد من الأدلة الشرعية سهولة الخطب في أمر النية و ان المعتبر فيها قصد الفعل المعين طاعة للّٰه تعالى خاصة، و هذا القدر أمر لا يكاد ينفك عنه عاقل متوجه إلى إيقاع العبادة و من هنا قال بعض الفضلاء لو كلف اللّٰه تعالى بالصلاة أو غيرها من العبادات بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق. و قال بعض المحققين لو لا قيام الأدلة على اعتبار القربة و إلا لكان ينبغي ان يكون هذا من باب

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه» (1).

و ذكر الشهيد (قدس سره) في الذكرى ان المتقدمين من علمائنا ما كانوا يذكرون النية في كتبهم الفقهية بل كانوا يقولون أول واجبات الوضوء غسل الوجه و أول واجبات الصلاة تكبيرة الإحرام. و كأن وجهه ان القدر المعتبر من النية أمر لا يكاد يمكن الانفكاك عنه و ما زاد عليه فليس بواجب، و مما يؤيد ذلك عدم ورود النية في شيء من العبادات على الخصوص بل خلو الأخبار الواردة في صفة وضوء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و غسله و تيممه (2) من ذلك، و كذا الرواية المتضمنة لتعليم الصادق (عليه السلام) (3) لحماد الصلاة حيث قال فيها: انه (عليه السلام) قام و استقبل القبلة و قال بخشوع «اللّٰه أكبر» و لم يقل فكر في النية و لا تلفظ بها و لا غير ذلك من هذه الخرافات المحدثة، و يزيده بيانا

ما رواه الشيخان في الكافي و التهذيب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.».

ثم ساق الرواية كما سيأتي قريبا ان شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) الشهاب في الحكم و الآداب ص 15 و ارجع أيضا إلى ج 1 ص 156.

(2) الوسائل الباب 15 من الوضوء و 32 من الجنابة و 11 من التيمم.

(3) ص 2.

(4) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

15

أقول: لقد أجاد في هذا الكلام الأخير بما أفاد و طابق السداد لكنه ناقض نفسه في ما صدر به الكلام و أيده بما استحسنه من كلام الذكرى في ذلك المقام و كذا بما ذكره بعد ذلك في مسألة مقارنة النية حيث احتذى حذو أولئك الاعلام.

و توضيح ذلك ان مقتضى كلامه الأول الذي في صدر البحث أنه لا بد من إحضار المنوي أولا في الذهن بجميع مميزاته عن غيره فإذا احضر قصد إلى إيقاعه تقربا إلى اللّٰه تعالى، و لا ريب في مدافعته لما ذكره أخيرا بقوله «و بالجملة فالمستفاد من الأدلة الشرعية. إلى آخر الكلام» فان مقتضى الكلام الأول كما عرفت انه لا بد لقاصد الصلاة عند التكبير من إحضار ذاتها و تصورها و تصور صفاتها التي يتوقف عليها التعيين ثم القصد بعد ذلك إلى فعل هذا المعلوم طاعة للّٰه، فلا بد على هذا من زمان يحصل فيه هذا التصور و الاستحضار و ملاحظة المميزات و تخليصها من شباك وساوس إبليس و ما يوقعه في ذلك الوقت من الوسوسة و التلبيس حتى يكبر بعده، و اين هذا من مقتضى الكلام الأخير من ان النية أمر جبلي لا ينفك عنه العاقل حتى لو كلف اللّٰه العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق، ثم أيد ذلك بعدم ذكر النية في كلام المتقدمين و كذا في الأخبار؟

و على هذا فأين ما ذكره أولا من وجوب إحضار المنوي في ذلك الوقت و اين تصوره و تصور مميزاته ثم القصد اليه و انه لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بعد هذه التصورات و نحوها مما اعترف أخيرا بأنه من الخرافات؟ و بالجملة فإن ظاهر كلامه الأخير يعطي ان ما ذكره أولا من جملة تلك الخرافات التي أشار إليها و ان كانت أقل مما ذكره غيره.

و تحقيق هذا المقام بما لا يحوم حوله النقض و الإبرام و ان تقدم في كتاب الطهارة كما أشرنا اليه إلا انه ربما تعذر على الناظر في هذا المقام الرجوع اليه لعدم وجود الكتاب عنده مع ان ما ذكرناه هنا فيه مزيد إيضاح على ما تقدم:

فنقول و باللّٰه سبحانه الثقة و الهداية لإدراك المأمول و نيل المسؤول: لا ريب ان أفعال العقلاء كلها من عبادات و غيرها لا تصدر إلا عن تصور الدواعي الباعثة على الإتيان

16

بها و هي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا- يتصور الإنسان ان دخوله على زيد و زيارته له و خدمته له موجب لإكرامه له، و كتابة هذا الكتاب موجب لانتفاعه به، و تزويجه امرأة موجب لكسر الشهوة الحيوانية أو حصول النسل، و نحو ذلك من الدواعي الحاملة على الأفعال، فإذا تصورت النفس هذه الأغراض انبعث منها شوق إلى جذبها و تحصيلها فقد يتزايد هذا الشوق و يتأكد و يسمى بالإرادة، فإذا انضم إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك العضلات إلى إيقاع تلك الأفعال و إيرادها و تحركت إلى إصدارها و إيجادها لأجل غرضها الذي تصورته أولا، فانبعاث النفس و توجهها و قصدها إلى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرار الفعل و الاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بأدنى توجه و التفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكررة منا، و حينئذ فليست النية بالنسبة إلى الصلاة إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و اكله و شربه و مغداه و مجيئه و نكاحه و نومه و نحو ذلك من الأفعال التي تتكرر منه، و لا ريب ان كل عاقل غير غافل و لا ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال إلا بقصد و نية سابقة عليه مع انه لا يتوقف شيء من ذلك على هذا الاستحضار الذي ذكروه و التصوير الذي صوروه.

و ان أردت مزيد إيضاح لما قلناه فانظر إلى نفسك إذا كنت جالسا في مجلسك ثم دخل عليك رجل عزيز حقيق بالقيام له تواضعا ففي حال دخوله قمت له إجلالا و إكراما كما هو الجاري في رسم العادة فهل يجب عليك ان تتصور أولا في ذهنك و خيالك معنى من المعاني و قصدا من القصود بان تقصد إني أقوم لهذا الرجل إجلالا له و إعظاما لقدره و إلا لكان قيامك و تواضعك بغير نية فلا يسمى تواضعا و لا تستحق عليه مدحا و لا ثوابا أم يكفي مجرد قيامك في تلك الحال و يصدق انه وقع منك التعظيم له و الإجلال؟

و هذا شأن الصلاة و ان المكلف إذا دخل عليه وقت الظهر مثلا و هو عالم بوجوب ذلك

17

الفرض عليه و عالم بكيفيته و كميته و كان الحامل له على الإتيان به هو التقرب إلى اللّٰه عز و جل ثم قام من مكانه و سارع إلى الوضوء ثم توجه إلى مسجده و وقف في مصلاه و اذن و اقام ثم قال «اللّٰه أكبر» ثم استمر في صلاته فان صلاته صحيحة شرعية مشتملة على النية، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار كما أشار إليه في آخر كلامه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي أوقع الناس بالنسبة إلى النية في شباك الوسواس الخناس هو ان جملة من المتأخرين عرفوا النية شرعا بأنها القصد المقارن للفعل، قالوا فلو تقدمت عليه و لم تقارنه سمى ذلك عزما لا نية، ثم اختلفوا في المقارنة فما بين من فسرها بامتداد النية بامتداد التكبير و ما بين من فسرها بجعل النية بين الالف و الراء و ما بين من فسرها بأن يأتي بالنية أولا ثم يبتدئ بالتكبير بلا فصل بينهما و هذا كله يعطي ان مرادهم بالنية انما هو الكلام النفسي و التصوير الفكري الذي يحدثه المكلف في نفسه و يتصوره في فكره بما يترجمه قوله «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء لوجوبه قربة إلى اللّٰه تعالى» و قد عرفت ان النية ليست حقيقة إلا ما ذكرناه أولا، و بذلك يظهر لك ما في كلامه الأول من قوله: «لكن لما كان القصد إلى الشيء المعين موقوفا على العلم به وجب لقاصد الصلاة إحضار ذاتها. إلى آخره» من عدم الملازمة فإنا لا نمنع من وجوب القصد و معرفة المقصود بجميع ما يتوقف عليه و لكنا نقول ان الجميع قد صار معلوما للمكلف قبل ذلك فمتى دخل عليه الوقت و قام قاصدا للصلاة على الوجه الذي قدمناه فإنه يكفي مجرد ذلك القصد و العلم الأولين لاستمراره عليهما و عدم تحوله عنهما فلا يتوقف على استحضار آخر كما في سائر أفعال المكلف، و لا فرق بين سائر أفعاله و بين عبادته إلا باعتبار اشتراط القربة في العبادة و هو لا يوجب هذا الاستحضار بل هو كأصل النية مستحضر من أول الأمر مقارن له غير مفارق.

و كأنهم توهموا انه ما لم يحصل الاستحضار المذكور و المقارنة بهذه النية التي ذكروها يصير الدخول في الصلاة عاريا عن النية لأن النية السابقة غير كافية عندهم لإمكان

18

تجدد الغفلة بعدها فيصير الفعل بغير نية. و فيه- مع قطع النظر عن انه لا يكون كليا- انه ليس العبادة إلا كسائر أفعال المكلف كما عرفت و القدر المعلوم فيها هو ما ذكرناه لا ما ذكروه، فإنه لا يجب في جملة الأفعال بعد تصور الدواعي الحاملة عليها ان يكون ذلك حاضرا في باله و جاريا على خياله لا يغيب عن تصوره في تلك المدة فإنه و ان زال لكن الذهن متى التفت اليه وجده كذلك و ان اشتغل بفكر آخر أو كلام في البين فإنه لا ينافي حضور ذلك في باله.

قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين- و نعم ما قال- انه لما كانت النية عبارة عن القصد إلى الفعل بعد تصور الداعي و الحامل عليه- و الضرورة قاضية بما نجده في سائر أفعالنا بأنه قد يعرض لنا مع الاشتغال بالفعل الغفلة عن ذلك القصد و الداعي في أثناء الفعل بحيث انا لو رجعنا إلى وجداننا لرأينا النفس باقية على القصد الأول و مع ذلك لا نحكم على أنفسنا و لا يحكم علينا غيرنا بان ما فعلناه وقت الذهول و الغفلة بغير نية و قصد بل من المعلوم أنه أثر ذلك القصد و الداعي السابقين- كان الحكم في العبادة كذلك إذ ليس العبادة إلا كغيرها من الأفعال الاختيارية للمكلف و النية ليست إلا عبارة عما ذكرناه. انتهى و هو جيد رشيق.

هذا، و اما باقي الأبحاث المتعلقة بالنية في هذا المقام مما ذكره أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) فقد تقدم الكلام فيه في بحث نية الوضوء مستوفى فليراجع.

الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [تكبيرة الإحرام ركن في الصلاة]

لا خلاف بين الأصحاب بل أكثر علماء الإسلام في ان تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة و ركن فيها تبطل الصلاة بتركها عمدا و سهوا.

19

و يدل على ذلك جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد».

و ما رواه في الكافي عن أبي العباس البقباق و ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) انه قال: «في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع؟ قال لا بل يعيد صلاته إذا حفظ انه لم يكبر».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل اقام الصلاة و نسي أن يكبر حين افتتح الصلاة؟

قال يعيد الصلاة».

و عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) «في الذي يذكر انه لم يكبر في أول صلاته؟ فقال إذا استيقن انه لم يكبر فليعد و لكن كيف يستيقن».

و عن ذريح في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5): «سألته عن الرجل ينسى ان يكبر حتى قرأ؟ قال يكبر».

و عن الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه عن أبيه في الصحيح (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يفتتح الصلاة حتى يركع؟ قال يعيد الصلاة».

و في الموثق عن عمار (7) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة؟ قال يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح. الحديث».

فهذه جملة من الأخبار الصريحة في الدلالة على المطلوب إلا انه قد ورد أيضا بإزائها ما يدل على خلاف ذلك:

و منه-

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (8) قال: «سألته عن رجل نسي أن يكبر حتى دخل في الصلاة؟ فقال أ ليس

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(8) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

20

كان من نيته ان يكبر؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته».

و ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح».

و ما رواه في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «قلت له رجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح حتى كبر للركوع؟ فقال أجزأه».

و ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق أو الضعيف أو الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة و نسي أن يكبر فبدأ بالقراءة؟ فقال ان ذكرها و هو قائم قبل ان يركع فليكبر و ان ركع فليمض في صلاته».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح و كذا في التهذيب في الصحيح أيضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح؟

فقال ان ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع و ان ذكرها في الصلاة كبرها في قيامه في موضع التكبيرة قبل القراءة أو بعد القراءة. قلت فان ذكرها بعد الصلاة؟ قال فليقضها و لا شيء عليه».

و أجاب الشيخ عن هذه الأخبار بالحمل على من لا يتيقن الترك بل شك فيه.

أقول: و هذا الحمل و ان أمكن في بعضها و لو على بعد إلا انه في بعض آخر لا يخلو من تعسف و الوجه على ما ظهر في ذلك انما هو الجمل على التقية و ان لم يعلم به قائل منهم كما حققناه في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، لان عمل الطائفة المحقة على الأخبار الأولة فيتعين ان يكون ذلك مذهبهم (عليهم السلام) و لا وجه لهذه الأخبار بعد ذلك إلا ما قلناه لأنها متى ثبتت عنهم و المعلوم من مذهبهم خلافها فلا وجه لخروجها عنهم إلا

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

21

مجرد إلقاء الخلاف بين الشيعة في ذلك لدفع الشنعة عنهم كما تقدم تحقيقه في المقدمة المذكورة، على ان القول بذلك منقول عن جملة من المخالفين: منهم- الزهري و الأوزاعي و سعيد بن المسيب و الحسن و قتادة و الحكم (1) فلعل لمذهب هؤلاء شهرة و صيتا في ذلك الوقت أوجب خروج هذه الأخبار موافقة لهم، و قد نقل عنهم في المنتهى انه إذا أخل المصلي بتكبيرة الإحرام عامدا أعاد صلاته و لو أخل بها ناسيا أجزأته تكبيرة الركوع و كيف كان فالحمل فيها على ما ذكرناه متعين إذ ليس مع عدم ذلك إلا طرحها و ردها لما عرفت من إجماع الطائفة على العمل بتلك الأخبار. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [تعيين تكبيرة الإحرام من بين التكبيرات السبع]

- المشهور نصا و فتوى استحباب التوجه في أول الصلاة بست تكبيرات مضافة إلى تكبيرة الإحرام و هي واجبة كما تقدم، و كيفية التوجه بالجميع ان يكبر ثلاثا ثم يدعو بالمرسوم ثم اثنتين ثم يدعو ثم اثنتين ثم يتوجه.

و المشهور بين الأصحاب انه يتخير في السبع ايها شاء نوى بها تكبيرة الإحرام فيكون ابتداء الصلاة بها، قال في المدارك: و المصلي بالخيار ان شاء جعلها الأخيرة و اتى بالست قبلها و ان شاء جعلها الاولى و اتى بالست بعدها و ان شاء جعلها الوسطى، و الكل حسن لأن الذكر و الدعاء لا ينافي الصلاة. ثم نقل عن الشهيد في الذكرى ان الأفضل جعلها الأخيرة ثم قال و لا أعرف مأخذه. أقول: ما نقله عن الذكرى من جعلها الأخيرة قد صرح به الشيخ في المصباح و تبعه في ذلك جمع: منهم- شيخنا الشهيد (قدس سره) و غيره، و ربما كان منشأ ذلك كون دعاء التوجه بعدها. و فيه انه لا يصلح دليلا لذلك.

ثم أقول: الظاهر عندي من التأمل في أخبار المسألة انها الاولى خاصة، و ممن تفطن إلى ذلك من محققي متأخري المتأخرين شيخنا البهائي في حواشي الرسالة الاثني عشرية و المحدث الكاشاني في الوافي و السيد الفاضل المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري بل صرح بتعيين الاولى لذلك.

____________

(1) عمدة القارئ ج 3 ص 2 عن الزهري الاكتفاء بنية التكبير و عن الباقين القول بالاستحباب.

22

و من الأخبار الدالة على ذلك

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات. الحديث».

و التقريب فيه ان الافتتاح انما يصدق بتكبيرة الإحرام و الواقع قبلها من التكبيرات بناء على ما زعموه ليس من الافتتاح في شيء، و تسمية ما عدا تكبيرة الإحرام بتكبيرات الافتتاح انما يصدق بتأخيرها عن تكبيرة الإحرام التي يقع بها الافتتاح حقيقة و الدخول في الصلاة و إلا كان من قبيل الإقامة و نحوها مما يقدم قبل الدخول في الصلاة.

و مما يدل على ذلك بأوضح دلالة

صحيحة زرارة (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص و السبع يصلي صلاة المواقفة إيماء. إلى ان قال و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير انه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه».

و مما يدل على ذلك

صحيح زرارة الوارد في علة استحباب السبع بإبطاء الحسين (عليه السلام) عن الكلام (3) حيث قال فيه «فافتتح رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الصلاة فكبر الحسين (عليه السلام) فلما سمع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) تكبيره عاد فكبر و كبر الحسين (عليه السلام) حتى كبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبع تكبيرات و كبر الحسين (عليه السلام) فجرت السنة بذلك».

و التقريب فيه ان التكبير الذي كبره (صلى اللّٰه عليه و آله) هو تكبيرة الإحرام التي وقع الدخول بها في الصلاة لإطلاق الافتتاح عليها و العود الى التكبير ثانيا و ثالثا انما وقع لتمرين الحسين (عليه السلام) على النطق كما هو ظاهر السياق.

____________

(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف.

(3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

23

و روى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب فلاح السائل هذه القصة عن الحسن (عليه السلام) (1) قال في الحديث الذي نقله: «فخرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حامله على عاتقه وصف الناس خلفه و اقامه عن يمينه فكبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و افتتح الصلاة فكبر الحسن (عليه السلام) فلما سمع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته تكبير الحسن (عليه السلام) عاد فكبر و كبر الحسن حتى كبر سبعا فجرت بذلك سنة بافتتاح الصلاة بسبع تكبيرات».

و هو أوضح من ان يحتاج إلى بيان.

و مما يدل على ذلك أيضا

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قلت الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح.

الحديث المتقدم (2) في سابق هذه المسألة» و هو صريح في ان تكبيرة الإحرام هي الاولى.

و لا ينافي ذلك اشتمال الخبر على ما لا يقول به الأصحاب كما عرفت فإنه يجب ارتكاب التأويل في موضع المخالفة كما في غيره، و قد صرحوا بان رد بعض الخبر لمعارض أقوى لا يمنع من العمل بما لا معارض له و ما هو إلا كالعام المخصوص و المطلق المقيد في العمل بالباقي بعد التخصيص و التقييد.

فائدة [صحيح حفص الوارد في تكبير الحسين (ع)]

من الأخبار الواردة في قضية الحسين (عليه السلام) أيضا

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص- و الظاهر انه ابن البختري- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان في الصلاة و إلى جانبه الحسين بن علي (عليهما السلام) فكبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يحر الحسين

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 20.

(3) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

24

(عليه السلام) التكبير ثم كبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فلم يحر الحسين التكبير و لم يزل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يكبر و يعالج الحسين (عليه السلام) التكبير فلم يحر حتى أكمل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبع تكبيرات فأحار الحسين (عليه السلام) التكبير في السابعة فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فصارت سنة».

بيان: قال في الوافي المحاورة المجاوبة و التحاور التجاوب، يقال كلمته فما أحار لي جوابا، و لعل المراد ان الحسين (عليه السلام) و ان كبر في كل مرة إلا انه لم يفصح بها إلا في المرة الأخيرة، و بهذا يجمع بين الخبرين الأخيرين. انتهى.

بقي الكلام في انهم (عليهم السلام) ينطقون ساعة الولادة كما وردت به الأخبار فكيف يمتنع عليهم النطق في هذه الصورة؟ و أجاب عنه في البحار بأنه لعل ذلك كان عند الناس و ان التخوف كان من الناس لا منه (صلى اللّٰه عليه و آله).

أقول: و فيه بعد و يمكن ان يقال لا يخفى على المتأمل في اخبارهم و المتطلع في أحوالهم انهم (عليهم السلام) في مقام إظهار المعجز لهم حالات غير حالات الناس و اما في غير ذلك فإنهم يقدرون أنفسهم بالناس في صحة و مرض و غناء و فقر و نزول بلاء و نحو ذلك، و هذا من جملته فإنهم (عليهم السلام) لا ينطقون إلا إذا أنطقهم اللّٰه تعالى كما ينطق سائر الصبيان و لا يطلبون منه إلا ما يقدره و يريده فليس لهم إرادة زائدة على إرادته تعالى بهم (عليهم السلام) و ان كانوا لو شاؤا لفعلوا ما يريدون. و هذا هو الجواب الحق في المقام لا يعتريه نقض و لا إبرام.

ثم ان من العلل الواردة في هذه التكبيرات الست المذكورة

ما رواه في الفقيه عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) و هي «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما اسرى به إلى السماء قطع سبع حجب فكبر عند كل حجاب تكبيرة فأوصله اللّٰه تعالى بذلك إلى منتهى الكرامة».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

25

قال في الفقيه (1) أيضا: و ذكر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) لذلك علة أخرى و هي انه انما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعا لأن أصل الصلاة ركعتان و استفتاحهما بسبع تكبيرات: تكبيرة الافتتاح و تكبيرة الركوع و تكبيرتي السجدتين و تكبيرة الركوع في الثانية و تكبيرتي السجدتين، فإذا كبر الإنسان في أول صلاته سبع تكبيرات ثم نسي شيئا من تكبيرات الافتتاح من يعد أو سها عنها لم يدخل عليه نقص في صلاته.

قال في الوافي: لعل المراد باستفتاح الركعتين بالسبع التكبيرات التي يستفتح بها كل فعل و لهذا لم يعد منها الأربع التي بعد الرفع من السجدات. انتهى. و هو جيد.

قال في الفقيه بعد ذكر هذه الأخبار كملا: و هذه العلل كلها صحيحة و كثرة العلل للشيء تزيده تأكيدا و لا يدخل هذا في التناقض، انتهى.

تتميم [كلام المجلسي في المقام و رده]

من العجب في هذا المقام ما وقع لشيخنا المجلسي و والده (عطر اللّٰه مرقديهما) من الكلام المنحل الزمام و المختل النظام حيث قال في كتاب البحار: و ظاهر خبر الحسين (عليه السلام) ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) جعلها الاولى و لهذا ذهب بعض المحدثين إلى ان تعيين الاولى متعين. و يمكن المناقشة فيه بان كون أول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم، مع ان العلل الواردة فيها كثيرة و سائر العلل لا يدل على شيء. و كان الوالد (قدس سره) يميل إلى ان يكون المصلي مخيرا بين الافتتاح بواحدة و ثلاث و خمس و سبع و مع اختيار كل منها يكون الجميع فردا للواجب المخير كما قيل في تسبيحات الركوع و السجود. و هذا أظهر من أكثر الأخبار كما لا يخفى على المتأمل فيها بل بعضها كالصريح في ذلك. و ما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الافتتاح ان

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

26

أرادوا نية الصلاة فهي مستمرة من أول التكبيرات إلى آخرها، مع انهم جوزوا تقديم النية في الوضوء عند غسل اليدين لكونه من مستحبات الوضوء فأي مانع من تقديم نية الصلاة عند أول التكبيرات المستحبة فيها؟ و ان أرادوا نية كونها تكبيرة الإحرام فلم يرد ذلك في خبر، و عمدة الفائدة التي تتخيل في ذلك جواز إيقاع منافيات الصلاة في أثناء التكبيرات، و هذه أيضا غير معلومة إذ يمكن ان يقال بجواز إيقاع المنافيات قبل السابعة و ان قارنت نية الصلاة الأولى لأن الست من الاجزاء المستحبة أو لأنه لم يتم الافتتاح بعد بناء على ما اختاره الوالد (قدس سره) لكنهم نقلوا الإجماع على ذلك، و تخيير إلا ما في تعيين الواحدة التي يجهر بها يومي إلى ما ذكروه إذ الظاهر ان فائدة الجهر علم المأمومين بدخول الإمام في الصلاة، و الاولى و الأحوط رعاية الجهتين معا بان يتذكر النية عند كل واحدة منها و لا يوقع مبطلا بعد التكبيرة الاولى، و لو لا ما قطع به الأصحاب من بطلان الصلاة إذا قارنت النية تكبيرتين منها لكان الأحوط مقارنة النية للأولى و الأخيرة معا. انتهى.

أقول: فيه من المناقشات الدالة على بطلانه و انهدام أركانه ما لا يحصى و لا يعد إلا أنا نذكر ما خطر بالبال على سبيل الاستعجال.

فنقول: اما قوله «و يمكن المناقشة فيه بان كون أول وضعها لذلك لا يستلزم استمرار هذا الحكم» فان فيه انه لا ريب ان العبادات الشرعية مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة كما اعترف به هو و غيره فإذا علم من الشارع انه جعل الاولى من هذه التكبيرات للإحرام و ابتداء الصلاة و افتتاحها فإنه يلزم استمرار الحكم بذلك حتى يثبت النسخ لهذا الحكم و يقوم دليل أقوى على الخروج عنه.

و اما قوله: «مع ان العلل الواردة فيها كثيرة و سائر العلل لا يدل على شيء» ففيه (أولا) ان هذه العلل انما هي للتكبيرات الزائدة لا تعلق لها بتكبيرة الإحرام.

و (ثانيا) ان خلو الأخبار الدالة على بعض تلك العلل من هذا الحكم و كونها مجملة في

27

ذلك لا ينافي ما بين فيه الحكم المذكور كهذا الخبر، و مقتضى القاعدة حمل إجمال تلك الأخبار على هذا الخبر، على ان الدلالة على ما ذهب إليه القائل بالتعيين لا ينحصر في هذا الخبر كما توهمه بل هو مدلول أخبار عديدة كما عرفت.

و اما ما نقله عن أبيه- و ان كان ظاهره تأييده و تشييده حمية لوالده- فهو في البطلان أظهر من ان يحتاج إلى بيان كما لا يخفى على ذوي الأفهام و الأذهان إلا أنا نشرح ذلك بوجه يظهر منه البطلان كالعيان لكل انسان:

و ذلك (أولا) ان كلامه مبني على التخيير كما هو المشهور في كلام الأصحاب و قد عرفت ان النصوص على خلافه.

و (ثانيا) انه لا يخفى على من أحاط خبرا بالاخبار و جاس خلال تلك الديار ان المستفاد منها على وجه لا يداخله الشك و الإنكار ان الافتتاح و الدخول في الصلاة انما هو بتكبيرة واحدة لا بأكثر و هي التي مضى عليها الناس في صدر الإسلام برهة من الأزمان و الأعوام، و ما عداها فإنما يزيد استحبابا للعلل المذكورة في الأخبار و ان استصحب استحبابها في جميع الأدوار و الأعصار فهي ليست من الافتتاح و التحريم حقيقة في شيء و ان سميت بذلك مجازا للمجاورة بالتقريب المتقدم، و قد تقدم لك في صدر الفصل من الروايات الظاهرة في وحدة تكبيرة الإحرام قوله في

صحيحة زرارة (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال يعيد».

و قوله (عليه السلام) (2) في مرسلة الفقيه «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح».

و قوله في صحيحة البزنطي (3) «رجل نسي أن يكبر تكبيرة الافتتاح».

و في صحيحة زرارة (4) «ينسى أول تكبيرة من الافتتاح».

و في جملة من الأخبار (5) «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان أوجز الناس في الصلاة كان يقول اللّٰه أكبر بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

الى غير ذلك من

____________

(1) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام.

(3) ص 20.

(4) ص 20.

(5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

28

الأخبار فإنها صريحة في كون الافتتاح انما هو بواحدة، و ما أجمل في الأخبار فهو محمول على ذلك جريا على القاعدة المعلومة.

و (ثالثا) ان ما ذكره تشريع ظاهر لأن المعلوم مما قدمناه في الوجه الثاني و كذا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قبل حصول هذه العلة الموجبة للزيادة انما هو تكبيرة واحدة يحرم بها و هي المشار إليها بقولهم (1) «تحريمها التكبير» ثم انه زاد هذه التكبيرات الست أخيرا للعلل المذكورة فصارت مستحبة في الصلاة كزيادة النوافل التي زادها لمولد الحسنين و فاطمة (صلوات اللّٰه عليهم) كما تقدم في بحث الأوقات (2) و جرت بذلك السنة و لا مدخل لها في التحريم و الافتتاح بل هي اذكار مستحبة في هذا المكان، و يشير إلى ذلك ما تقدم (3) في حديث الحسين (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) «فجرت السنة بذلك» و مثله في صحيحة حفص في قضية الحسين (عليه السلام) (4) إلا ان فيه ان الحسين لم يكبر إلا في السابعة، قال (عليه السلام) في تمام الحديث «فصارت سنة» و يعضده ما تقدم في الأخبار من الدلالة على وحدة تكبيرة الإحرام، و حينئذ فإذا كان المعلوم من صاحب الشريعة ان التكبير الواجب انما هو تكبيرة واحدة و هي التي تعقد بها الصلاة فالزيادة عليها تشريع محض، و مجرد استحباب هذه التكبيرات في هذا الموضع لا يوجب جعلها في هذه المرتبة بل تصريحهم (عليهم السلام) باستحبابها دليل على عدم وجوبها و الاستفتاح في الصلاة بها كالتكبيرة الأصلية غاية الأمر انه قد اشتبه على أصحابنا بعد زيادة هذه الست و صيرورة التكبيرات سبعا محل تكبيرة الإحرام منها هل هي أولا أو أخيرا أو وسطا؟ فقالوا بالتخيير لذلك، و بالتأمل في أخبارهم (عليهم السلام) يعلم انها الاولى و ان الزيادة وقعت بعدها كما قدمنا بيانه و أوضحنا برهانه.

و بذلك يظهر لك ما في قياسه ذلك على تسبيح الركوع و السجود فإنه قياس مع الفارق و تشبيه غير مطابق، فان التخيير ثمة ثابت و معلوم نصا و فتوى و اما هنا فقد

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) ج 6 ص 58.

(3) ص 22 و 23.

(4) ص 22 و 23.

29

عرفت على ما اخترناه قيام الدليل على التعيين في التكبيرة الاولى و اما على ذكره الأصحاب فقد عرفت ان معناه التخيير في واحدة من هذه السبع ايها يريد جعلها تكبيرة الافتتاح لعدم معلومية محلها بعد شرع الست معها لا بمعنى التخيير بين ان يجعل الإحرام بواحدة أو ثلاث أو سبع كما ذكره فإنه منه عجيب، و أعجب منه قوله «و هذا أظهر من أكثر الأخبار و بعضها كالصريح في ذلك» و الظاهر انه أشار بذلك إلى حسنة الحلبي المتقدمة و قوله فيها «إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم أنت الملك الحق. الخبر» و فيه ان سياق الخبر انما هو في ذكر الأدعية الموظفة بين التكبيرات السبع و بيان محالها، و الحديث كما قدمنا ظاهر في كون التحريم وقع بالتكبيرة الاولى و هي التي افتتح بها و التكبيرتان اللتان بعدها انما ضما إليها لبيان وقوع الدعاء المذكور بعد الثلاث لأنك قد عرفت من الأخبار المتقدمة و ما حققناه آنفا وحدة تكبيرة الإحرام، فتوهم كون الثلاث هنا للإحرام كما ظنه توهم بارد و انما العلة في ذلك هو ما ذكرناه.

و لعل من مواضع الشبهة أيضا عنده

ما في حسنة زرارة (1) من قوله (عليه السلام) «ادنى ما يجزئ من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل».

و قوله في صحيحة الحلبي (2): «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أخف ما يكون من التكبير في الصلاة؟ قال ثلاث تكبيرات».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (3) «إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا و ان شئت سبعا فكل ذلك مجزئك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و أنت خبير بان مطرح هذه الأخبار و الغرض منها انما هو بيان الرخصة في هذه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

30

التكبيرات الست المستحبة بتركها و الاقتصار على تكبيرة الافتتاح أو الإتيان بثلاث منها تكبيرة الافتتاح و نحو ذلك من الاعداد المذكورة لا ان المعنى انه يحصل الافتتاح بكل من هذه الاعداد فيكون واجبا مخيرا كما زعمه، و بما ذكرناه صرح جملة من الأصحاب في الباب.

و اما قوله: «و ما ذكروه من ان كلا منها قارنتها النية فهي تكبيرة الإحرام إن أرادوا نية الصلاة. إلخ» ففيه انا نختار الشق الثاني و هو نية كونها تكبيرة الإحرام، قوله «لم يرد ذلك في خبر» مردود بأنه و ان لم يرد بهذا العنوان و لكن مفاد الأخبار الدالة على الافتتاح بتلك التكبيرة و تسميتها تكبيرة الافتتاح كما تقدم ذلك بالتقريب الذي قدمناه، و مما يوضح ذلك انه من المعلوم أولا ان الشارع قد جعل التكبير محرما

بقوله (1) «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم».

و التكبير من حيث هو لا يكون محرما و لا موجبا للدخول في الصلاة إلا إذا اقترن بالقصد إلى ذلك فما لم ينو بالتكبير الإحرام و يقصد به الافتتاح للصلاة لا يصير محرما و لا موجبا للافتتاح، و يعضده ان العبادات موقوفة على القصود و النيات.

و اما قوله: «و يمكن ان يقال بجواز إيقاع المنافيات قبل السابعة و ان قارنت نية الصلاة الأولى لأن الست من الاجزاء المستحبة» فعجيب من مثله (قدس سره) لما عرفت من انه متى قصد بالأولى الافتتاح و الدخول في الصلاة فإنه تحرم عليه المنافيات لما ورد عنهم (عليهم السلام) (2)

«تحريمها التكبير»

بمعنى انه يحرم عليه بالتكبير ما حل له قبله و ليس الدخول في الصلاة متوقفا على أزيد من الواحدة كما عرفت، فكيف يجوز له إيقاع المنافيات و هو قد دخل في الصلاة بمجرد كونه في الست المستحبة؟ و إلا لجاز إيقاع المنافيات في القنوت بناء على استحبابه و ان كان في أثناء الصلاة.

و اما قوله: «أو لأنه لم يتم الافتتاح بعد بناء على قول الوالد» ففيه ان ما نسبه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

31

للوالد بعيد شارد أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت و لو أنه أخفاه و لم يظهر شيئا من هذا الكلام لكان أولى بالمحافظة على علو المقام.

و بالجملة فإن كلامه هنا مزيف لا يخفى ما فيه على الفطن اللبيب و أضعف منه كلام أبيه، و انما أطلنا الكلام في نقض إبرامه و تمزيق سمط نظامه لئلا يغتر به من لم يعض على المسألة بضرس قاطع فان نور الحق بحمد اللّٰه سبحانه واضح ساطع. و اللّٰه العالم.

فروع

(الأول) [هل تبطل الصلاة بزيادة تكبيرة الإحرام؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من غير خلاف يعرف بأنه لو كبر و نوى الافتتاح ثم كبر ثانية و نوى الافتتاح بطلت صلاته فان كبر ثالثا بالنية المذكورة انعقدت الصلاة. و هذا الحكم مبنى على ان زيادة الركن موجبة للبطلان كنقصانه. و هو على إطلاقه مشكل و اخبار هذه المسألة قد دلت على البطلان بترك التكبير عمدا أو سهوا و اما بطلانها بزيادته فلم نقف له على نص. و كون الركن تبطل الصلاة بزيادته و نقيصته عمدا و سهوا مطلقا و ان اشتهر ظاهرا بينهم إلا انه على إطلاقه مشكل لتخلف جملة من الموارد عن الدخول تحت هذه الكلية كما يأتي بيانه كله في محله، و من ثم قال في المدارك في هذا المقام: و يمكن المناقشة في هذا الحكم اعني البطلان بزيادة التكبير ان لم يكن إجماعيا فإن أقصى ما يستفاد من الروايات بطلان الصلاة بتركه عمدا و سهوا و هو لا يستلزم البطلان بزيادته. انتهى.

(الثاني) [صيغة التكبير الواجب]

- التكبير الواجب المنقول عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أئمة الهدى (عليهم السلام) بصيغة «اللّٰه أكبر» فيتعين الإتيان بها لأنها عبادة مبنية على التوقيف و هذا هو الذي ورد فيها، فلو زاد حرفا أو نقص حرفا أو عوض كلمة مكان كلمة و نحو ذلك مما يتضمن الخروج عن هذه الصيغة بطلت صلاته اتفاقا إلا من ابن الجنيد فإنه نقل عنه في الذكرى القول بانعقادها بلفظ «اللّٰه الأكبر» و ان كان مكروها

32

و هو شاذ. و على هذا لا تجزى الترجمة للقادر على التعليم حتى يضيق الوقت فيحرم بترجمتها عند الأصحاب مراعيا الترتيب فيقول الأعجمي مثلا «خدا بزرگتر است» و لا خلاف بين أصحابنا بل و أكثر العامة في ذلك، و قال بعض العامة يسقط التكبير عن من هذا شأنه كالأخرس (1) و هو محتمل. و لم أقف في المسألة على نص و ان كان ما ذكروه لا يخلو من قرب. قالوا: و الأخرس ينطق على قدر ما يمكنه فان عجز عن النطق بالكلية عقد قلبه بها مع الإشارة بإصبعه كما يشير اليه

خبر السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «تلبية الأخرس و تشهده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه».

و ربما احتج بعضهم أيضا بأن تحريك اللسان كان واجبا مع القدرة على النطق فلا يسقط بالعجز عنه إذ

لا يسقط الميسور بالمعسور (3).

و فيه ما فيه، و لو لا إشعار الرواية المذكورة بذلك لأمكن احتمال ما ذكره بعض العامة من سقوط الفرض بالعجز. و كيف كان فما ذكره الأصحاب هو الاولى.

(الثالث) [يعتبر في تكبيرة الإحرام ما يعتبر في الصلاة من الشروط]

- لا ريب ان التكبير جزء من الصلاة فيعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في الصلاة من الطهارة و الستر و الاستقبال و القيام في موضعه و نحو ذلك فلو كبر قاعدا أو آخذا في القيام مع القدرة لم تنعقد صلاته، قال في الذكرى: فلو كبر و هو آخذ في القيام أو و هو هاو إلى الركوع كما يتفق للمأموم فالأقرب البطلان لأن الانحناء ليس قياما حقيقيا، و هل تنعقد نافلة؟ الأقرب المنع لعدم نيتها، و وجه الصحة حصول التقرب و القصد إلى الصلاة و التحريم بتكبيرة لا قيام فيها و هي من خصائص النافلة. انتهى.

و لا يخفى ضعف ما ذكره من الوجه في الانعقاد فان القصد إلى الصلاة مطلقا غير كاف في الانعقاد ما لم يقصد الفرض ان كان فرضا أو النافلة ان كان كذلك.

____________

(1) المغني ج 1 ص 463 و المهذب ج 1 ص 70.

(2) الوسائل الباب 59 من القراءة.

(3) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على (ع).

33

ثم انه في الذكرى نقل عن الشيخ انه جوز أن يأتي ببعض التكبير منحنيا ثم قال: و لم نقف على مأخذه. و هو كذلك.

و قال في المدارك: قال جدي (قدس سره) و كما يشترط القيام و غيره من الشروط في التكبير كذا يشترط في النية فإذا كبر قاعدا أو آخذا في القيام وقعت النية أيضا على تلك الحالة فعدم الانعقاد مستند إلى كل منهما و لا يضر ذلك لأن علل الشرع معرفات لا علل حقيقة. و فيه نظر لانتفاء ما يدل على اعتبار هذه الشرائط في النية على الخصوص كما تقدم تحقيقه إلا ان المقارنة المعتبرة للتكبير تدفع فائدة هذا الاختلاف. انتهى.

أقول: لا ريب ان هذا الكلام مبني على النية المشهورة في كلامهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري و هو ما يترجمه قول المصلي «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء قربة إلى اللّٰه تعالى» ثم يقارن بها التكبير، و قد عرفت ان هذه ليست هي النية بل النية هي القصد البسيط المصاحب له من حال قيامه إلى الوضوء و الإتيان به ثم توجهه إلى مصلاه ثم صلاته إلى ان يفرغ منها لا اختصاص له بوقت دون وقت و لا حال دون حال حتى يأتي بالفعل و يفرغ كما في سائر الأفعال التي تصدر عن المكلفين.

(الرابع) [الإشكال في صحة تكبيرة الإحرام عند التلفظ بالنية]

- قد عرفت ان النية أمر قلبي سواء كانت بالمعنى المشهور أو المعنى الذي ذكرناه لكن الأصحاب بناء على المعنى المشهور من التصوير الفكري على الوجه المتقدم قالوا لو تلفظ به بلسانه بان قال «أصلي فرض الظهر- مثلا- أداء لوجوبه قربة إلى اللّٰه» ثم يقارن به التكبير فإنه يلزم أحد محذورين على تقدير الدرج الذي تحصل به المقارنة أما قطع همزة «اللّٰه» فيلزم مخالفة القانون اللغوي لأنها همزة وصل و اما وصلها فيلزم مخالفة القانون الشرعي لأن المنقول عن الشرع قطعها، و من هنا قيل انه يحرم التلفظ بالنية لاستلزام أحد المحذورين، قال في الذخيرة: و لو فرض تلفظ المصلي بها كان كلاما لغوا مخالفا للمعهود المنقول عن صاحب الشرع فلا عبرة بها فحينئذ وصل التكبير بها يوجب مخالفة المعهود من صاحب الشرع من القطع. و نقل عن بعض المتأخرين جواز الوصل

34

حينئذ عملا بظاهر القانون العربي و فيه ان إيراد الكلام المتصل به أمر مستحدث مبتدع لم يعهد من الشارع فلا يوجب سقوط التكليف بما ثبت وجوبه من قطع الهمزة كما لا يخفى. و ظاهر هذا الكلام انه في الصورة المذكورة يقطع الهمزة مراعاة للجانب الشرعي. و فيه ان المقتضى للسقوط كونها في الدرج حيث انها همزة وصل و لا مدخل لكون ذلك الكلام معتبرا عند الشارع أو غير معتبر.

أقول: ما ذكروه من ان المنقول عن صاحب الشرع قطع الهمزة لا اعرف له مستندا و لا به رواية إلا ما ذكروه هنا من حيث ان النية التي يقارن بها التكبير أمر قلبي فليس ههنا كلام قبلها يوجب كونها في درج الكلام. و فيه ان حسنة الحلبي المشتملة على الأدعية بين التكبيرات بان يكبر ثلاثا ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو ثم يكبر اثنتين ثم يدعو مع قولهم بالتخيير في تكبيرة الإحرام بين هذه السبع موجب لوقوع كلام قبل تكبيرة الإحرام فمن الممكن الجائز قصد الإحرام بإحدى التكبيرات المتوسطة مع درج الكلام فتسقط الهمزة لا بد لنفيه من دليل. إلا ان يقال ان المعلوم من الشرع هو تعيين هذا اللفظ للإحرام و عقد الصلاة فكما لا يجوز الزيادة فيه لا يجوز النقيصة منه و بمقتضى ما ذكرتم يلزم سقوط الهمزة في الدرج فلا يكون آتيا بالمأمور به، و حينئذ فالواجب الوقوف بعد تمام الدعاء ثم الابتداء بالتكبير، قال في الروض: و اعلم ان الإخلال بحرف من التكبير يتحقق بوصل احدى الهمزتين في الكلمتين فان وصل الهمزة إسقاط لها بالكلية كما ذكره أهل العربية من ان همزة الوصل تسقط في الدرج. و وجه البطلان مع وصل همزة «أكبر» ظاهر لأنها همزة قطع و اما همزة «اللّٰه» فلأنها و ان كانت همزة وصل إلا ان سقوط همزة الوصل انما هو في الدرج في كلام متصل بها قبلها و لا كلام قبل التكبير لأن النية إرادة قلبية. الى آخر كلامه زيد في مقامه. و فيه ما عرفت و الجواب كما تقدم.

و كما تبطل بالإخلال بحرف منها كذا تبطل بالزيادة و لو بحرف فيها كما تقدم، فلو مد همزة «اللّٰه» بحيث تصير استفهاما فمع القصد تبطل قطعا و بدونه على الأصح فإن

35

الدلالة غير متوقفة على القصد و خروج ذلك عن المعهود من صاحب الشريعة. و يحتمل عدم البطلان من حيث ان الإشباع بحيث يحصل به الحرف شائع في كلام العرب، و تحصيل يقين البراءة يوجب الوقوف على الأول. و كذا الكلام في لفظ «أكبر» فلو أشبع الفتحة حتى صارت ألفا فصار «أكبار» و هو الطبل ذو وجه واحد فإنه يبطل مع القصد يقينا و كذا مع عدمه على الأصح لما عرفت.

(الخامس) [هل يجزئ التكبير الواحد للافتتاح و الركوع؟]

- صرح جملة من الأصحاب بأنه يشترط القصد بالتكبير إلى الافتتاح. و لا ريب فيه لما تقدم فلو قصد به تكبير الركوع لم تنعقد صلاته، و يدل عليه صحيح البقباق و ابن أبي يعفور المتقدم (1) و اما ما عارضه من صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر المتقدمة (2) فقد عرفت الوجه فيها و في أمثالها.

و لو قصدهما معا كما في المأموم فقيل بالاجزاء ذهب اليه ابن الجنيد و الشيخ في الخلاف محتجا بإجماع الفرقة

و رواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».

و المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) العدم استنادا إلى ان الفعل الواحد لا يتصف بالوجوب و الاستحباب.

قال في الذكرى: و يمكن حمل كلام الشيخ و الرواية على ان المراد سقوط تكبير الركوع هنا و يكون له ثوابه لإتيانه بصورة التكبير عند الركوع لا على ان المصلي قصدهما معا لأن الفعل لا يكون له جهتا وجوب و ندب، و لو قلنا بوجوب تكبير الركوع- كما يجيء و قد صرح به الشيخ هنا في الخلاف- لم تجزي الواحدة لأن تداخل المسببات مع اختلاف الأسباب خلاف الأصل. و كذا لو نذر تكبير الركوع لم تجزي الواحدة، و حينئذ لو قصدهما معا فالأقرب عدم تحريمه بالصلاة لعدم تمحض القصد إليها و لا صلاته نفلا أيضا لعدم نيته و لأن السبب الواحد لا يجزى عن السببين، فعلى هذا لو نوى المتنفل بالتكبيرة

____________

(1) 19 و 20.

(2) 19 و 20.

(3) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام. و الرواية عن معاوية بن شريح عن أبيه.

36

الواحدة تكبيرة الإحرام و الركوع لم تحصلا و لا إحداهما. و عندي في هذه المسألة نظر لأن الأسباب قد تتداخل وجوبا كما في اجزاء الغسل الواحد للجنب و ماس الميت و ندبا كما في اجزاء الغسل المندوب عن أسباب كثيرة، و الفعل الواحد قد يحصل به الوجوب و الندب كما في الجمع بين الصلاة على البالغ ستا و الناقص عنها. انتهى. و انما نقلناه بطوله لإحاطته بأطراف الكلام في المقام.

و التحقيق عندي ما اختاره أخيرا و هو ظاهر الخبر المذكور، و تأويله بما ذكروه من غير معارض- إلا ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة- مجازفة.

و نظير هذا الخبر أيضا

ما رواه البرقي في كتاب المحاسن في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «عن رجل جاء مبادرا و الامام راكع فركع؟ قال أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».

و قد تقدم في مسألة تداخل الأغسال من كتاب الطهارة انه لا مانع من تداخل المسببات مع تعدد الأسباب فإن العلل الشرعية معرفات لا علل حقيقية فلا يضر تواردها على أمر واحد.

(المسألة الثالثة) [مستحبات تكبيرة الإحرام]

- يستحب في هذا المقام أمور

(الأول) [الجهر بها للإمام و الإسرار بها للمأموم]

أن يسمع الامام من خلفه التكبير و يستحب للمأموم الأسرار بها و بغيرها و يتخير المنفرد، و نقل في الذكرى عن الجعفي انه أطلق استحباب رفع الصوت بها، قال في المدارك و لا نعرف مأخذه.

و الذي يدل على الحكم الأول من الأخبار

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت إماما فإنه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستا».

و روى الصدوق في كتاب عيون الأخبار و الخصال بسنده عن أبي علي الحسن ابن راشد (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تكبيرة الافتتاح

____________

(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

37

فقال سبع؟ قلت روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه كان يكبر واحدة؟ فقال ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يكبر واحدة يجهر بها و يسر ستا».

و روى في الخصال عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الحديث الأول (1).

و قد تقدم قريبا (2)

في رواية أبي بصير قوله (عليه السلام): «انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و يدل على الحكم الثاني ما ورد

في موثقة أبي بصير (3) من انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و للمأموم ان لا يسمع الإمام شيئا مما يقول.

و لا منافاة بين ما دل عليه هذا الخبر من انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و بين ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من استحباب إسراره بما عدا تكبيرة الإحرام، لأن عموم هذا الخبر مخصوص بما دلت عليه تلك الأخبار كما هو قضية اجتماع المطلق و المقيد و الخاص و العام فلا تغتر بما يفعله من يدعي انه من أهل العلم في هذه الأزمان و ليس بذلك من الإجهار بمجموع تكبيرات الافتتاح عملا بعموم هذا الخبر اللازم منه إلغاء ما دلت عليه تلك الأخبار من الأسرار.

و اما ما يدل على الثالث فأصالة البراءة من الأمرين.

و

(الثاني) [ترك الاعراب في آخر التكبير]

- ما ذكره جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من انه يستحب ترك الاعراب في آخر التكبير

لما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 29.

(3) الوسائل الباب 52 من الجماعة.

(4) في الإقناع للخطيب الشربينى ج 1 ص 107 «لو لم يجزم الراء من «أكبر» لم يضر خلافا لما اقتضاه كلام ابن يونس في شرح التنبيه، و استدل له الدميري بقوله (ص) «التكبير جزم» و قال الحافظ ابن حجر لا أصل له و انما هو قول النخعي و على تقدير وجوده معناه عدم التردد فيه» و في تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 233: حديث* * * «التكبير جزم» لا أصل له و على فرض صحته المراد منه عدم مده كما حملوا الخبر الصحيح «السلام جزم».

38

انه قال: «التكبير جزم».

أقول: الظاهر ان هذه الرواية عامية ذكرها أصحابنا في هذا المقام لعمومها. و الذي وقفت عليه من الأخبار الدالة على جزم التكبير هو ما تقدم في اخبار الأذان و لا عموم فيها بحيث يشمل تكبيرات الافتتاح و غيرها. و لا بأس بمتابعتهم لكن لا باعتقاد الاستحباب لعدم الدليل الواضح عليه.

و

(الثالث)- استحباب التوجه [بتكبيرات أخرى]

- زيادة على التوجه بتكبيرة الإحرام- بست تكبيرات أو بما دونها مما دلت عليه الأخبار:

و منها-

رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا و ان شئت سبعا فكل ذلك مجزئ عنك غير انك إذا كنت اماما لم تجهر إلا بتكبيرة».

و صحيحة زيد الشحام (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الافتتاح؟

قال تكبيرة تجزئك. قلت فالسبع؟ قال ذلك الفضل».

و روى في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: «ادنى ما يجزى من التكبير في التوجه تكبيرة واحدة و ثلاث تكبيرات أحسن و سبع أفضل».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«إذا كنت إماما أجزأتك تكبيرة واحدة لأن معك ذا الحاجة و الضعيف و الكبير».

و قال في الفقيه، و قد تجزئ في الافتتاح تكبيرة واحدة (5) و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أتم الناس صلاة و أوجزهم كان إذا دخل في الصلاة قال اللّٰه أكبر بسم اللّٰه الرحمن الرحيم.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

39

و روى في التهذيب في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أخف ما يكون من التكبير في الصلاة؟ قال ثلاث تكبيرات فإذا كانت قراءة قرأت مثل قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون، و إذا كنت إماما فإنه يجزئك ان تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستا».

و عن زرارة في الموثق (2) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أو سمعته استفتح للصلاة بسبع تكبيرات ولاء».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن ادنى ما يجزئ في الصلاة من التكبير؟ قال تكبيرة واحدة».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزئ و الثلاث أفضل و السبع أفضل كله».

و ربما يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار- و نحوها كلام الفقيه الذي هو لا يكون إلا عن الرواية أيضا- عدم تأكد استحباب التكبيرات الزائدة على تكبيرة الإحرام للإمام و لم أقف على من قال به من علمائنا الاعلام.

و

(الرابع)- الدعاء بين هذه التكبيرات

فمن ذلك ما تضمنته

صحيحة الحلبي أو حسنته كما رواه في الكافي عنه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم قل اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت سبحانك اني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي انه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم تكبر تكبيرتين ثم قل لبيك و سعديك و الخير في يديك و الشر ليس إليك و المهدي من هديت لا ملجأ منك إلا إليك سبحانك و حنانيك تباركت و تعاليت

____________

(1) الوسائل الباب 12 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

40

سبحانك رب البيت. ثم تكبر تكبيرتين ثم تقول وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة حنيفا مسلما و ما انا من المشركين إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا من الْمُسْلِمِينَ. ثم تعوذ من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب».

بيان: «لبيك و سعديك» قال في النهاية: لبيك أي إجابتي لك يا رب و هو مأخوذ من «لب بالمكان و ألب» إذا قام به «و ألب على كذا» إذا لم يفارقه، و لم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير أي إجابة بعد اجابة، و هو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت «ألب إلبابا بعد الباب» و قيل معناه اتجاهي و قصدي يا رب إليك من قولهم «داري تلب دارك» اي تواجهها. و قيل معناه إخلاصي لك من قولهم «حب لباب» إذا كان خالصا محضا و منه لب الطعام و لبابه. انتهى. و زاد في القاموس معنى آخر قال: أو معناه محبتي لك من امرأة لبه محبة لزوجها. و في النهاية «سعديك» اي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة أو إسعادا بعد إسعاد و لهذا ثنى و هو من المصادر المنتصبة بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال الجوهري لم يسمع «سعديك» مفردا. انتهى.

و روى السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن ابن أبي نجران عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «تقول بعد الإقامة قبل الاستفتاح في كل صلاة: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة بلغ محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) الدرجة و الوسيلة و الفضل و الفضيلة، باللّٰه استفتح و باللّٰه أستنجح و بمحمد رسول اللّٰه و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و عليهم) أتوجه اللهم صل على محمد و آل محمد و اجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين».

بيان: «الدعوة التامة» أي الأذان و الإقامة فإنهما دعوة إلى الصلاة و تمامهما في إفادة

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام.

41

ما وضعا له ظاهرا و هي الصلاة فالمصدر بمعنى المفعول. «و الصلاة القائمة» أي في هذا الوقت إشارة إلى قوله «قد قامت الصلاة» أو القائمة إلى يوم القيامة، و الدرجة المختصة به (عليه السلام) في القيامة هي الشفاعة الكبرى، و الوسيلة هي المنبر المعروف الذي يعطيه اللّٰه في القيامة كما ورد في الأخبار.

و روى في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «يجزئك في الصلاة من الكلام في التوجه إلى اللّٰه سبحانه ان تقول وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ و انا من المسلمين.

و يجزيك تكبيرة واحدة».

و روى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بسنده عن ابن أبي عمير عن الأزدي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) في حديث انه قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لأصحابه من اقام الصلاة و قال قبل ان يحرم و يكبر- يا محسن قد أتاك المسيء و قد أمرت المحسن ان يتجاوز عن المسيء و أنت المحسن و انا المسيء فبحق محمد و آل محمد صل على محمد و آل محمد و تجاوز عن قبيح ما تعلم مني- فيقول اللّٰه يا ملائكتي اشهدوا اني قد عفوت عنه و أرضيت عنه أهل تبعاته».

و قال الشهيد في الذكرى انه قد ورد هذا الدعاء عقيب السادسة إلا انه لم يذكر فيه «فبحق محمد و آل محمد» و انما فيه «و انا المسيء فصل على محمد و آل محمد. الى آخره»

و روى الطبرسي في الاحتجاج (3) قال: «كتب الحميري إلى القائم (عليه السلام) يسأله عن التوجه للصلاة ان يقول «على ملة إبراهيم و دين محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)» فان بعض أصحابنا ذكر انه إذا قال «على دين محمد» فقد أبدع لأنا لم نجده في

____________

(1) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(2) مستدرك الوسائل الباب 9 من القيام.

(3) الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

42

شيء من كتب الصلاة خلا حديثا واحدا في كتاب القاسم بن محمد عن جده الحسن بن راشد ان الصادق (عليه السلام) قال للحسن كيف تتوجه؟ قال أقول «لبيك و سعديك» فقال له الصادق (عليه السلام) ليس عن هذا أسألك كيف تقول «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً مسلما»؟ قال الحسن أقوله: فقال له الصادق (عليه السلام) إذا قلت ذلك فقل: على ملة إبراهيم و دين محمد و منهاج علي بن أبي طالب و الائتمام بآل محمد حنيفا مسلما وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ فأجاب (عليه السلام) التوجه كله ليس بفريضة و السنة المؤكدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً مسلما على ملة إبراهيم و دين محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و هدى أمير المؤمنين (عليه السلام) وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ و انا من المسلمين اللهم اجعلني من المسلمين أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. ثم تقرأ الحمد».

قال الفقيه الذي لا يشك في علمه: الدين لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و الهداية لعلي أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنها له (صلى اللّٰه عليهما) و في عقبه باقية إلى يوم القيامة فمن كان كذلك فهو من المهتدين و من شك فلا دين له و نعوذ باللّٰه من الضلالة بعد الهدى.

و

(الخامس)- رفع اليدين بالتكبير

[مواقع الخلاف في المسألة]

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع

(الأول) الرفع

فالمشهور الاستحباب و نقل عن المرتضى انه أوجب رفع اليدين بالتكبير في جميع الصلاة و نقل عنه انه احتج عليه بإجماع الفرقة، قال في المدارك: و هو اعلم بما ادعاه.

أقول: لو رجع السيد (رضي اللّٰه عنه) الى الآية و الأخبار لوجدها ظاهرة الدلالة على ما ذهب اليه على وجه لا يتطرق اليه النقض و لا الطعن عليه و لكنه (رضي اللّٰه عنه)- كما أشرنا إليه في ما سبق- قليل الرجوع إلى الأخبار و انما يعتمد على أدلة واهية لا تقبلها البصائر و الأفكار من تعليل عقلي أو دعوى إجماع مع انه لا قائل به سواه كما

43

لا يخفى على من راجع مصنفاته (رضي اللّٰه عنه).

و بيان صحة ما ذكرناه ان مما يدل على القول المذكور قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (1) لورود الأخبار في تفسيرها كما سيأتي بأن المراد بالنحر هنا انما هو رفع اليدين بالتكبير في الصلاة، و الأوامر القرآنية عندهم على الوجوب إلا ما قام الدليل على خلافه و من ذلك الأخبار المتكاثرة و منها-

صحيحة الحلبي المتقدمة (2) و فيها «إذا افتتحت الصلاة فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات.».

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

و في صحيحة أخرى له (4) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) حين افتتح الصلاة رفع يديه أسفل من وجهه قليلا».

و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) «إذا قمت في الصلاة فكبرت فارفع يديك و لا تجاوز بكفيك أذنيك أي حيال خديك».

و في صحيحة صفوان بن مهران الجمال (6) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (7) «في قول اللّٰه عز و جل فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (8) قال هو رفع يديك حذاء وجهك».

و روى أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير الآية المذكورة

____________

(1) سورة الكوثر، الآية 2.

(2) ص 39.

(3) لم نقف في كتب الحديث على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ، نعم نسب في المدارك و الذخيرة هذا النص إلى معاوية بن عمار.

(4) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(8) سورة الكوثر، الآية 2.

44

عن عمر بن يزيد (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في قوله تعالى «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» هو رفع يديك حذاء وجهك».

قال و روى عنه عبد اللّٰه بن سنان مثله (2).

و روى فيه أيضا عن جميل (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ»؟ فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذاء وجهه القبلة في افتتاح الصلاة».

ثم روى فيه أيضا عن مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) «لما نزلت هذه السورة قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لجبرئيل (عليه السلام) ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ قال ليست بنحيرة و لكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة ان ترفع يديك إذا كبرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع و إذا سجدت فإنه صلاتنا و صلاة الملائكة في السماوات السبع فان لكل شيء زينة و ان زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة».

و رواه الشيخ الطوسي في مجالسه و كذا ابنه في مجالسه (5) فهذه الروايات الأربع تضمنت تفسير الآية.

و من اخبار المسألة أيضا

ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) في وصية النبي لعلي (عليه السلام) «و عليك ان ترفع يديك في صلاتك.

الحديث».

إلى غير ذلك من الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى.

و أنت خبير بأن جملة منها قد دلت على حكاية فعلهم (عليهم السلام) و جملة قد دلت على الأمر بذلك و جملة على تفسير الآية بذلك و لم نقف في الأخبار على ما يخالفها و يضادها.

و غاية ما استدلوا به على عدم الوجوب كما ذكره بعض متأخري المتأخرين

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (7) قال: «على الامام ان يرفع يده في الصلاة و ليس على غيره ان يرفع يده في الصلاة».

قالوا: و الظاهر انه لا قائل بالفصل بين الإمام

____________

(1) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(7) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

45

و غيره فعدم وجوبه على غير الامام يوجب تعدي الحكم اليه، و لهذا ذكر الشيخ ان المعنى في هذا الخبر ان فعل الإمام أكثر فضلا و أشد تأكيدا و ان كان فعل المأموم أيضا فيه فضل. انتهى.

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من ظهور الاختلال و منافاته لظاهر الخبر المذكور مضافا إلى عدم الصراحة بل الظهور في محل ذلك الرفع و لعله في القنوت. و بالجملة معارضة تلك الأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة بهذه الرواية المجملة المتهافتة الدلالة لا تخلو من تعسف. نعم لقائل أن يقول ان إيجاب الرفع في ما عدا تكبيرة الإحرام المتفق على وجوبها و تكبيري الركوع و السجود على القول بوجوبهما لا يخلو من اشكال إذ متى كان أصل التكبير مستحبا لزم ان يكون ما تعلق به من شرط و صفة و نحوهما مستحبا كما هو مقتضى القواعد العقلية و النقلية، و كيف كان فقول السيد (رضي اللّٰه عنه) بمحل من القوة و الاحتياط يقتضي المحافظة عليه.

و اما ما أطال به في الذخيرة- انتصارا للقول المشهور و نقل معان متعددة للآية من كلام المفسرين- فلا طائل تحته بعد ما عرفته، و الاعتماد على كلام المفسرين في مقابلة تفسير أهل البيت (عليهم السلام) خروج عن الدين كما لا يخفى على الحاذق المكين و قد تقدم إيضاحه في غير مقام مما تقدم. نعم ما ذكره

من رواية حريز عن رجل عن ابي جعفر (عليه السلام)- (1) قال: «قلت له فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ؟ قال النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه و نحره».

- مسلم إلا انه لا منافاة فيها لما دلت عليه تلك الأخبار حتى يعترض بها لإمكان تفسير الآية بالأمرين و به يجمع بين الأخبار، و مثله في القرآن غير عزيز

فان القرآن ذلول ذو وجوه (2).

(الثاني) [حد الرفع]

- قد اختلفت عبارات الأصحاب في بيان حد الرفع، فقال الشيخ الرفع

____________

(1) الوسائل الباب 2 من القيام.

(2) مجمع البيان طبع صيدا ج 1 ص 13 عن النبي (ص).

46

المعتبر في تكبيرة الإحرام و غيرها ان يحاذي بيديه شحمتي أذنيه. و عن ابن أبي عقيل يرفعهما حذو منكبيه أو حيال خديه لا يجاوز بهما أذنيه. و قال ابن بابويه يرفعهما إلى النحر و لا يجاوز بهما الأذنين حيال الخد. و قال الفاضلان في بحث الركوع من المعتبر و المنتهى في تكبير الركوع يرفع يديه حيال وجهه، و في رواية إلى أذنيه و به قال الشيخ. و قال الشافعي إلى منكبيه (1) و به رواية عن أهل البيت (عليهم السلام).

أقول: قد تقدم في الأخبار الواردة في هذا المقام في الموضع الأول

صحيحة معاوية ابن عمار «و فيها يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه» (2).

و في صحيحته الثانية «أسفل من وجهه قليلا».

و في صحيحة زرارة «و لا تجاوز بكفيك أذنيك أي حيال خديك».

و في صحيحة صفوان مثل صحيحة معاوية بن عمار الاولى، و في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان «حذاء وجهك» و مثله في رواية جميل. هذا ما تقدم في المقام.

و في صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة (3) في تعليم الصادق (عليه السلام) في تكبيرة للسجود «و رفع يديه حيال وجهه».

و في رواية أبي بصير (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا دخلت المسجد فاحمد اللّٰه و أثن عليه و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإذا افتتحت الصلاة فكبرت فلا تجاوز أذنيك و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك».

و عن منصور بن حازم (5) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) افتتح الصلاة فرفع يديه حيال وجهه و استقبل القبلة ببطن كفيه».

و في الصحيح عن ابن سنان (6) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يصلي يرفع

____________

(1) الام ج 1 ص 90.

(2) تقدم عدم الوقوف على رواية لمعاوية بن عمار بهذا اللفظ.

(3) ص 3.

(4) الوسائل الباب 39 من المساجد و 9 من تكبيرة الإحرام.

(5) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

(6) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام.

47

يديه حيال وجهه حين استفتح».

و عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ترفع يديك في افتتاح الصلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كل ذلك».

و في كتاب الفقه الرضوي (2) «فإذا افتتحت الصلاة فكبر و ارفع يديك بحذاء أذنيك و لا تجاوز بإبهاميك حذاء أذنيك و لا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة حتى تجاوز بهما رأسك و لا بأس بذلك في النافلة و الوتر».

و المفهوم من هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها إلى بعض هو ان أعلى مراتب الرفع إلى ما سامت الأذنين كما يشير اليه قوله في صحيحة زرارة الاولى «و لا تجاوز بكفيك أذنيك» و مثله في رواية أبي بصير و عبارة كتاب الفقه، و أقل مراتبه ان يكون أسفل من وجهه قليلا كما في صحيحة معاوية بن عمار الثانية، و الظاهر انها هي التي أشار إليها ابن بابويه بقوله «يرفعهما إلى النحر» فإنه أسفل من الوجه قليلا و إلا فلفظ النحر لم أقف عليه في شيء من الأخبار التي وصلت الي و هي جملة ما ذكرته هنا. و بهذا يجمع بين الأخبار المذكورة و ما دل عليه خبر أبي بصير و كذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه من النهي عن رفع اليدين بالدعاء في المكتوبة حتى يجاوز بهما الرأس، و الظاهر انه هو المراد من الخبر المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما ذكره جمع من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم):

قال في الذكرى:

روى ابن أبي عقيل قال جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مر برجل يصلي و قد رفع يديه فوق رأسه فقال ما لي أرى أقواما يرفعون أيديهم فوق رؤوسهم كأنها آذان خيل شمس؟».

انتهى. و نحوه روى في المعتبر و المنتهى عن علي (عليه السلام) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 7.

(3) مستدرك الوسائل الباب 8 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 10 من تكبيرة الإحرام.

48

قال شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب البحار: روى المخالفون هذه الرواية في كتبهم فبعضهم روى «آذان خيل» و بعضهم «أذناب خيل» قال في النهاية «ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس؟» هي جمع شموس و هي النفور من الدواب الذي لا يستقر لشغبه و حدته. انتهى. و العامة حملوها على رفع الأيدي في التكبير (1) لعدم قولهم بشرعية القنوت في أكثر الصلوات و تبعهم الأصحاب

____________

(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 207: «و اما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا إلا في تكبيرة الافتتاح. إلى ان قال في ضمن الاستدلال:

و روى انه (ص) رأى بعض أصحابه يرفعون أيديهم عند الركوع و عند رفع الرأس من الركوع فقال ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة».

و قال في نيل الأوطار ج 2 ص 191 في مبحث رفع الأيدي عند التكبير: احتج من قال بعدم الاستحباب

بحديث جابر بن سمرة عند مسلم و أبي داود قال «خرج علينا رسول اللّٰه (ص) فقال ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة».

و أجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص

فان مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة قال «كنا إذا صلينا مع النبي (ص) قلنا السلام عليكم و رحمة اللّٰه السلام عليكم و رحمة اللّٰه- و أشار بيديه إلى الجانبين- فقال لهم النبي (ص) علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم ان يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه و شماله».

و في هامش المنتقى ج 1 ص 461 في التعليق على الحديث باللفظ الثاني المنسوب إلى أحمد و مسلم و بلفظ آخر للنسائي و هو

«كنا نصلي خلف النبي (ص) فقال ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم ان يضع يده على فخذه ثم يقول السلام عليكم السلام عليكم».

قال: قد احتج به الأحناف على ترك رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه، قال البخاري في جزء رفع اليدين: فاما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش عن المسيب ابن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول اللّٰه (ص)- و نحن رافعو أيدينا- الحديث فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض فنهى النبي (ص) عن رفع الأيدي في التشهد و لا يحتج بهذا من له حظ من العلم.

49

فاستدلوا بها على كراهة تجاوز اليد عن الرأس في التكبير، و لعل الرفع للقنوت منها أظهر و يحتمل التعميم أيضا و الأحوط الترك فيهما معا. انتهى كلام شيخنا المشار إليه.

أقول: و الظاهر هو ما استظهره من الحمل على القنوت، و ينبغي ان يخص بالفريضة كما تضمنه الخبران المتقدمان و لا بأس بذلك في النافلة كما تضمنته عبارة كتاب الفقه.

و اما الحمل على رفع اليدين في التكبير كما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فالظاهر بعده عن سياق الخبر و ان كان الحكم كذلك كما يدل عليه النهي عن الرفع في التكبير عما زاد على محاذاة الأذنين إلا ان الخبر المذكور ليس مرادا به ذلك بل المراد به ما اشتمل عليه خبر أبي بصير و كلامه (عليه السلام) في الكتاب المذكور.

(الثالث) [موضع التكبير من حيث الرفع و الإرسال]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) انه يتبدئ في التكبير بابتداء رفع يديه و ينتهي بانتهائه و يرسلهما بعد ذلك، قال في المعتبر: و هو قول علمائنا. و نحوه كلام العلامة في المنتهى. و عللوه بأنه لا يتحقق رفعهما بالتكبير إلا بذلك و على هذا جرى في المدارك و الذخيرة و غيرهما.

مع ان في المسألة قولين آخرين (أحدهما) انه يبتدئ بالتكبير حال إرسالهما.

و قيل انه يبتدئ بالتكبير عند انتهاء الرفع فيكبر عند تمام الرفع ثم يرسل يديه. و هذا هو الظاهر من صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام) «إذا افتتحت الصلاة- أي إذا أردت افتتاح الصلاة كما في قوله عز و جل «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ» (2) و «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (3)- فارفع كفيك ثم ابسطهما بسطا ثم كبر ثلاث تكبيرات» و أجاب العلامة عن هذه الرواية بحمل «ثم» على الانسلاخ عن معنى التراخي.

و اما ما تمسكوا به من ان الرفع بالتكبير لا يتحقق إلا بذلك فهو جيد لو وجدت هذه العبارة في شيء من اخبار المسألة و قد تقدم لك ذكرها و ان وجد ذلك فإنما هو في كلام الأصحاب و لا حجة فيه.

____________

(1) ص 39.

(2) سورة النحل، الآية 100.

(3) سورة المائدة، الآية 9.

50

و قريب من صحيحة الحلبي في ذلك

صحيحة صفوان المتقدمة (1) و قوله: «إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى يكاد يبلغ أذنيه».

فإن المراد إذا أراد التكبير كما تقدم فيدل على ان الرفع متقدم على وقوع التكبير واقع عند إرادته و اما كون التكبير عند انتهاء الرفع أو حال الإرسال فهي مجملة في ذلك فهي موافقة للقول المشهور و محتملة للقولين الآخرين.

و قال العلامة في التذكرة:

قال ابن سنان (2) «رأيت الصادق (عليه السلام) يرفع يديه حيال وجهه حين استفتح».

و ظاهره يقتضي ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع و انتهاءه مع انتهائه و هو أحد وجهي الشافعية و الثاني يرفع ثم يكبر عند الإرسال و هو عبارة بعض علمائنا. و ظاهر كلام الشافعي انه يكبر بين الرفع و الإرسال (3) انتهى.

أقول: لا ريب ان ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة ما عرفت من الدلالة على القول الثالث و قريب منها صحيحة صفوان بالتقريب الذي ذكرناه، و هذه الرواية ظاهرة أيضا في القول المشهور كما ذكره شيخنا المذكور و ان أمكن التأويل فيها بحمل قوله:

«استفتح» على ارادة الاستفتاح كما في الخبرين الآخرين، و بذلك تنطبق على الخبرين المذكورين و يكون الجميع دليلا للقول الثالث. و اما حملها على ظاهرها فيوجب المناقضة بينها و بين الخبرين الأولين، إلا ان يجاب عن صحيحة الحلبي بما ذكره العلامة من حمل «ثم» على الانسلاخ من معنى التراخي و عن صحيحة صفوان بان المراد بقوله «إذا كبر» أي إذا ابتدأ في التكبير فيصير ابتداء التكبير بابتداء الرفع كما هو القول المشهور، و بذلك تبقى المسألة في قالب الإشكال في البين لتصادم الاحتمال من الطرفين.

(الرابع) [ضم الأصابع عند رفع اليدين أو وضعها]

- ذهب جمع من الأصحاب إلى استحباب ضم الأصابع حين الرفع و نقل الفاضلان عن المرتضى و ابن الجنيد تفريق الإبهام و ضم الباقي، و نقله في الذكرى عن المفيد و ابن البراج و ابن إدريس و جعله اولى و أسنده إلى الرواية.

____________

(1) ص 43 و 46.

(2) ص 43 و 46.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي الشافعي على هامش إرشاد الساري ج 3 ص 4 و الام للشافعي ج 1 ص 90.

51

أقول: ظاهر كلامهم في هذا المقام ان ضم الأصابع بعضها إلى بعض متفق عليه في ما عدا الإبهام و الخلاف انما هو فيها ضما و تفريقا. و لم أقف لهم على دليل لا في موضع الوفاق و لا في موضع الخلاف.

و ظاهر صاحب المدارك الاستناد في أصل المسألة إلى

خبر حماد (1) حيث قال: و لتكن الأصابع مضمومة كما يستفاد من رواية حماد في وصف صلاة الصادق (عليه السلام)..

و أنت خبير بان خبر حماد لم يشتمل على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فضلا عن كونها في حال الرفع مضمومة الأصابع أم لا، و قد صرح بالرفع في تكبير الركوع و تكبير السجود و لكنه أيضا غير متضمن لضم الأصابع، نعم ذكر

في صدر الرواية قال: «فقام أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه».

فضم الأصابع في الخبر انما وقع في حال الإسدال على الفخذين، و حينئذ فلا دلالة فيه على ما ادعوه إلا ان يدعى استصحاب تلك الحال إلى حال الرفع. و فيه من البعد ما لا يخفى.

و ظاهر الشهيد في الذكرى وصول النص اليه بالتفريق في الإبهام و الضم حيث قال: و لتكن الأصابع مضمومة و في الإبهام قولان و فرقه أولى، و اختاره ابن إدريس تبعا للمفيد و ابن البراج و كل ذلك منصوص. انتهى.

نعم

روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) عن زيد النرسي في كتابه عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) «انه رآه يصلى فكان إذا كبر في الصلاة ألزق أصابع يديه الإبهام و السبابة و الوسطى و التي تليها و فرج بينها و بين الخنصر ثم يرفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يرسل يديه و يلزق بالفخذين و لا يفرج بين أصابع يديه فإذا ركع كبر و رفع يديه بالتكبير قبالة وجهه ثم يلقم ركبتيه كفيه و يفرج بين الأصابع فإذا اعتدل لم

____________

(1) ص 2.

(2) ج 84 بحار الأنوار ص 225 ح 12.

52

يرفع يديه و ضم الأصابع بعضها إلى بعض كما كانت و يلزق يديه مع الفخذين ثم يكبر و يرفعهما قبالة وجهه كما هي ملتزق الأصابع فيسجد. الحديث».

و هو و ان تضمن ضم الأصابع إلا انه تضمن تفريق الخنصر دون الإبهام فهو لا يصلح لأن يكون دليلا في المقام، و ظاهره ضم الأصابع كملا في تكبير السجود.

(المسألة الرابعة) [موارد استحباب إضافة التكبيرات الست للافتتاح]

- قد تقدم استحباب اضافة ست تكبيرات للافتتاح مع تكبيرة الإحرام و هو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و انما الخلاف في عموم هذا الحكم للفرائض و النوافل أو لخصوص الفرائض أو بانضمام مواضع مخصوصة من النوافل لا جميعها كما هو القول الأول؟ أقوال، و بالأول صرح المحقق في المعتبر و العلامة و ابن إدريس و اختاره السيد السند في المدارك و الظاهر انه المشهور بين الأصحاب و نقل عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في المسائل المحمدية انه خصها بالفرائض دون النوافل و عن ابن الجنيد انه خصها بالمنفرد.

و قال الشيخ المفيد (نور اللّٰه مرقده) يستحب التوجه بسبع تكبيرات في سبع صلوات. قال الشيخ في التهذيب ذكر ذلك علي بن الحسين في رسالته و لم أجد به خبرا مسندا و تفصيلها ما ذكره: أول كل فريضة و أول ركعة من صلاة الليل و في المفردة من الوتر و في أول ركعة من ركعتي الزوال و في أول ركعة من نوافل المغرب و في أول ركعة من ركعتي الإحرام، فهذه الستة مواضع ذكرها علي بن الحسين (قدس سره) و زاد الشيخ- يعني المفيد- الوتيرة. انتهى.

أقول: ينبغي ان يعلم ان ما ذكره علي بن الحسين (قدس سره) في رسالته انما أخذه من كتاب الفقه الرضوي على ما عرفت و ستعرف في غير مقام مما تقدم و سيأتي حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور «ثم افتتح بالصلاة و توجه بعد التكبير فإنه من السنة الموجبة في ست صلوات و هي أول ركعة من صلاة الليل و المفردة من الوتر و أول ركعة من نوافل المغرب و أول ركعة من ركعتي الزوال و أول ركعة من ركعتي

53

الإحرام و أول ركعة من ركعات الفرائض» انتهى. و رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا و من الظاهر انه من هذا الكتاب كما عرفت.

احتج السيد السند (قدس سره) في المدارك على ما اختاره من القول الأول بإطلاق الأحاديث، قال و قد تقدم طرف منها في ما سبق ثم قال:

و روى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الافتتاح؟ قال تكبيرة تجزئك، قلت: فالسبع؟ قال ذلك الفضل».

و روى ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) «انه خرج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى الصلاة و قد كان الحسين (عليه السلام) ابطأ. الحديث».

و قد تقدم قريبا (2) ثم نقل حسنة الحلبي أو صحيحته المتقدمة (3) المشتملة على التكبيرات السبع و الأدعية الثلاثة بينها.

أقول: ما ذكره من إطلاق الأحاديث أشار به إلى الأخبار التي قدمناها في الأمر الثالث من المسألة الثالثة، و أنت خبير بأنه و ان كان الأمر كما ذكره بالنسبة إلى إطلاق الأخبار إلا انه مدخول بأنه من المحتمل قريبا حمل الإطلاق على الفريضة سيما اليومية التي هي الفرض المتكرر الشائع المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كما صرحوا به في غير موضع سيما ان جملة منها ظاهرة كالصريح في الفريضة كأخبار العلل بزيادة هذه التكبيرات من أحاديث الحسين (عليه السلام) و اخبار الحجب فإنها كلها ظاهرة كالصريح في الفريضة و اخبار الامام فإنها كذلك.

و أنت إذا راجعت الأخبار و تأملتها بعين التفكر و الاعتبار و ضممت بعضها إلى بعض ظهر لك صحة ما قلناه و قوة ما اخترناه، و بذلك يظهر لك قوة ما ذكره علي بن الحسين بن بابويه لاعتماده فيه على الكتاب المذكور.

و يعضده أيضا

ما رواه السيد الزاهد العابد المجاهد رضي الدين بن طاوس

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) ص 22.

(3) ص 29.

54

(رضوان اللّٰه عليه) في كتاب فلاح السائل عن التلعكبري عن محمد بن همام عن عبد اللّٰه ابن علاء المذاري عن ابن شمون عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال قال: «افتتح في ثلاثة مواطن بالتوجه و التكبير: في أول الزوال و صلاة الليل و المفردة من الوتر، و قد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع ان تكبر تكبيرة لكل ركعتين».

و ظاهر الخبر ان المراد ثلاثة مواطن يعني بعد الفرائض كما يشير اليه قوله «قد يجزئك في ما سوى ذلك من التطوع» و قد حمله ابن طاوس في الكتاب المذكور على التأكيد في هذه الثلاثة بعد تخصيصه الاستحباب بسبعة مواضع بإلحاق الفريضة و اولى نافلة المغرب و الوتيرة و ركعتي الإحرام. و ظاهره كما ترى موافقة الشيخ المفيد (قدس سره) في ضم الوتيرة إلى الستة المتقدمة في كتاب الفقه الرضوي.

و قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقله كلام علي بن بابويه المطابق لعبارة كتاب الفقه كما عرفت: و يمكن حمله على تأكد الاستحباب في تلك المواضع لا نفيه عن غيرها.

و فيه ان ذلك فرع الدليل الظاهر في العموم و قد عرفت ما فيه.

(المسألة الخامسة) [التسبيح و التحميد و التهليل بعد التوجه]

- قال شيخنا الشهيد في الذكرى: زاد ابن الجنيد بعد التوجه استحباب تكبيرات سبع و «سبحان اللّٰه» سبعا و «الحمد للّٰه» سبعا و «لا إله إلا اللّٰه» سبعا من غير رفع يديه و نسبه إلى الأئمة (عليهم السلام)

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) «إذا كبرت في أول الصلاة بعد الاستفتاح احدى و عشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير أجزأك».

انتهى.

أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) في نقل مذهب ابن الجنيد انه يستحب سبع تكبيرات سوى التكبيرات الافتتاحية المشهورة و يمكن حمل التوجه على الكناية

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الإحرام.

55

عن تكبيرة الإحرام خاصة فتكون السبع المذكورة بعدها، و كيف كان فهو مخالف لما عليه الأصحاب.

و قال في النفلية: و روى التسبيح بعده سبعا و التحميد سبعا. قال شيخنا الشهيد الثاني في شرحها: ذكره ابن الجنيد و نسبه إلى الأئمة (عليهم السلام) و لم نقف عليه و كذا اعترف المصنف في الذكرى بذلك. انتهى.

أقول:

قد روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) و ذكر حديث تكبيرات الافتتاح ثم قال: «قال زرارة فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) فكيف نصنع؟ قال تكبر سبعا و تحمد سبعا و تسبح سبعا و تحمد اللّٰه و تثني عليه ثم تقرأ».

و لعل هذا الخبر هو المستند لما ذكره ابن الجنيد إلا ان ابن الجنيد ذكر التهليل سبعا و الخبر خال من ذلك و لعل الخبر عنده كان كذلك، و يؤيده ما نقله بعض مشايخنا عن بعض الثقات انه رأى هذا الخبر في بعض النسخ بعد قوله «و تسبح سبعا» و «تهلل سبعا» كما ذكره ابن الجنيد.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ذكره في النفلية بعيد الانطباق على مذهب ابن الجنيد و ان كان شيخنا الشهيد الثاني قد فسره به، لأن ابن الجنيد- كما عرفت- ذكر التسبيح سبعا و التهليل سبعا و مع فرض ان يكون المصنف فهم من التكبير سبعا في كلام ابن الجنيد التكبيرات السبع بإضافة تكبيرة الإحرام إليها فلم يذكره لموافقته لكلام الأصحاب و انما أراد التنبيه على ما لم يتعرضوا له إلا انه ينافيه حذف التهليل و عدم ذكره. و لعل المصنف اطلع على رواية زرارة المذكورة و أشار بقوله «روى» إليها لا إلى ما نقل عن ابن الجنيد دعوى الرواية به فإنه بعيد عن ظاهر هذه العبارة، و كلامه إلى الانطباق على ظاهر الصحيحة المذكورة- بحمله التكبير سبعا فيها على تكبيرات الافتتاح المشهورة فلم يذكره و انما

____________

(1) الوسائل الباب 11 من تكبيرة الإحرام.

56

ذكر التسبيح و التحميد كما في الخبر- أقرب منه إلى الانطباق على كلام ابن الجنيد كما فهمه الشارح.

و اما رواية زرارة التي ذكرها فصورتها على

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح و الصدوق أيضا في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا أنت كبرت في أول صلاتك بعد الاستفتاح بإحدى و عشرين تكبيرة ثم نسيت التكبير كله و لم تكبر أجزأك التكبير الأول عن تكبير الصلاة كلها».

و الخبر المذكور محمول على الرباعية و المراد بالاستفتاح الإحرام أي إذا كبرت بعدها احدى و عشرين تكبيرة- و هي مجموع التكبيرات المستحبة في الرباعية، إذ في كل ركعة خمس تكبيرات واحدة للركوع و لكل سجدة اثنتان فيكون في الأربع الركعات عشرون تكبيرة و تكبيرة القنوت و هي تمام العدد المذكور- فإذا نسيت جميع التكبيرات المستحبة في أماكنها أجزأك عنها التكبير الأول على ارادة الجنس اي الإحدى و العشرين المتقدمة أولا، فعلى هذا يكون في الثلاثية ست عشرة تكبيرة و في الثنائية إحدى عشرة كل ذلك سوى تكبيرة الافتتاح.

و يؤكد ذلك و ان كان واضحا

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «التكبير في صلاة الفرض- الخمس الصلوات- خمس و تسعون تكبيرة منها تكبيرات القنوت خمس».

و رواه أيضا عن علي عن أبيه عن ابن المغيرة (3) و فسرهن: في الظهر احدى و عشرون تكبيرة و في العصر احدى و عشرون تكبيرة و في المغرب ست عشرة تكبيرة و في العشاء الآخرة احدى و عشرون تكبيرة و في الفجر إحدى عشرة تكبيرة و خمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات.

____________

(1) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

57

أقول: ظاهر هذه الأخبار طرح الست المستحبة الافتتاحية، و لعل طرحها في صحيحة زرارة محمول على الاكتفاء بتلك التكبيرات التي يقدمها و في هذين الخبرين باعتبار تأكد هذه التكبيرات زيادة عليها فإنها من أصل الصلاة قبل تلك الست التي تجددت لتلك العلل المذكورة. و اللّٰه العالم.

الفصل الثالث في القيام

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [تعيين الركن من القيام]

- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان القيام ركن في الصلاة متى أخل به مع القدرة عمدا أو سهوا بطلت صلاته، قال في المعتبر و عليه إجماع العلماء.

و في تعيين الموضع الركني منه أقوال: فنقل عن العلامة الحكم بركنيته كيف اتفق و في المواضع التي لا تبطل بزيادته يكون مستثنى بالنص كغيره. و قيل ان الركن منه ما اتصل بالركوع. و لم نقف لهما على دليل. و قيل انه تابع لما وقع فيه و منقسم بانقسامه في الركنية و الوجوب و الاستحباب.

و هذا القول الأخير نقل عن شيخنا الشهيد (قدس سره) قال ان القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء: فالقيام في النية شرط كالنية، و القيام في التكبير تابع له في الركنية و القيام في القراءة واجب غير ركن، و القيام المتصل بالركوع ركن فلو ركع جالسا بطلت صلاته و ان كان ناسيا، و القيام من الركوع واجب غير ركن إذ لو هوى من غير رفع و سجد ناسيا لم تبطل صلاته، و القيام في القنوت تابع له في الاستحباب.

و استشكل ذلك المحقق الشيخ علي بان قيام القنوت متصل بقيام القراءة فهو في الحقيقة كله قيام واحد فكيف يتصف بعضه بالوجوب و بعضه بالاستحباب؟

و رد بان مجرد اتصاله به مع وجود خواص الندب فيه لا يدل على الوجوب و الحال انه ممتد يقبل الانقسام إلى الواجب و الندب.

58

و اعترض بان القيام المتصل بالركوع هو بعينه القيام في القراءة إذ لا يجب قيام آخر بعدها قطعا فكيف يجتمع فيه الركنية و عدمها؟

و أجيب بأنه لا يلزم من اتصاله بالركوع كونه للقراءة بل قد يتفق لا معها كناسي القراءة فإن القيام كاف و ان وجب سجود السهو، و كذا لو قرأ جالسا ناسيا ثم قام و ركع تأدى الركن به من غير قراءة، و على تقدير القراءة فالركن منه هو الأمر الكلي و هو ما صدق عليه اسم القيام متصلا بالركوع و ما زاد على ذلك موصوف بالوجوب لا غير، و هذا كالوقوف بعرفة من حيث هو كلي ركن و من حيث الاستيعاب واجب لا غير.

و اعترض أيضا بأنه على تقدير اتصاله بالركوع لا يتصور زيادته و نقصانه لا غير حتى ينسب بطلان الصلاة إليه، فإن الركوع ركن قطعا و هو اما مزيد أو ناقص و كل منهما مبطل من جهة الركوع، فلا فائدة في إطلاق الركنية على القيام.

و أجيب بأن استناد البطلان إلى مجموع الأمرين غير ضائر فإن علل الشرع معرفات للاحكام لا علل عقلية فلا يضر اجتماعها.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروضة انه لا مستند للركنية في القيام إلا الإجماع و لولاه لأمكن القدح في ركنيته لأن زيادته و نقصانه لا يبطلان إلا مع اقترانه بالركوع و معه يستغنى عن القيام لأن الركوع كاف في البطلان. انتهى.

و قال في الروض: و حيث قد نقل المصنف الاتفاق على ركنية القيام و لم تتحقق ركنيته إلا بمصاحبة الركوع خصت بذلك إذ لا يمكن القول بعد ذلك بأنه غير ركن مطلقا لانه لا يصح خلاف الإجماع، بل لو قيل بان القيام ركن مطلقا أمكن و عدم بطلان الصلاة بزيادة بعض افراده و نقصها لا يخرجه عن الركنية فإن زيادته و نقصانه قد اغتفرا في مواضع كثيرة للنص فليكن هذا منها بل هو أقوى في وضوح النص. انتهى.

أقول: و التحقيق في المقام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم الصلاة

59

و السلام) ان يقال لا اشكال و لا ريب في ان القيام في الصلاة في الجملة مما قد دل على وجوبه الكتاب العزيز و السنة المطهرة.

(اما الأول) فقوله عز و جل «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً» (1)

فروى الكليني في الحسن عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) في هذه الآية قال «الصحيح يصلي قائما، و قعودا المريض يصلي جالسا، و على جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا».

و روى العياشي في تفسيره عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«سمعته يقول في قول اللّٰه تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ. (4) قياما الأصحاء و قعودا يعني المرضى و على جنوبهم قال اعل ممن يصلي جالسا و أوجع».

و في تفسير النعماني بسنده عن علي (عليه السلام) (5) في حديث قال فيه:

«و اما الرخصة فهي الإطلاق بعد النهي. الى ان قال و مثله قوله عز و جل فَإِذٰا قَضَيْتُمُ الصَّلٰاةَ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ (6) و معنى الآية ان الصحيح يصلي قائما و المريض يصلي قاعدا و من لم يقدر ان يصلي قاعدا صلى مضطجعا و يومئ إيماء. فهذه رخصة جاءت بعد العزيمة».

و (اما الثاني) فمنه

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة (7) قال:

«قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: و قم منتصبا فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال من لم يقم صلبه فلا صلاة له».

و رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة مثله (8).

و روى في الكافي في الصحيح عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (9)

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 188.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام.

(4) سورة آل عمران، الآية 188.

(5) الوسائل الباب 1 من القيام.

(6) سورة النساء الآية 104.

(7) الوسائل الباب 2 من القيام.

(8) الوسائل الباب 2 من القيام.

(9) الوسائل الباب 2 من القيام.

60

قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له».

و رواه البرقي في المحاسن عن أبي بصير مثله (1).

و ظاهر هذين الخبرين الركنية لدلالتهما على وجوب الانتصاب في الصلاة بلا انحناء و لا انخناس فان الصلب هو عظم من الكاهل إلى العجب و هو أصل الذنب و إقامته تستلزم الانتصاب فالإخلال بذلك عمدا أو سهوا موجب لبطلان الصلاة (و لو قيل) ان لفظ «لا صلاة له» قد استعمل كثيرا في نفي الكمال دون نفي الصحة (قلنا) لا ريب ان هذا الاستعمال مجاز خلاف حقيقة اللفظ المذكور، و قيام الدليل على المجاز في تلك المواضع لا يستلزم الخروج عن الحقيقة مطلقا بل الواجب حمل اللفظ على حقيقته إلى ان يقوم صارف عن ذلك، سيما مع تأكد هذين الخبرين بالأخبار الكثيرة الدالة على وجوب القيام كما ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى.

نعم يبقى الكلام في انه من المعلوم ان القيام ليس بركن في جميع الحالات لأن من نسي القراءة أو أبعاضها أو جلس في موضع القيام لا يجب عليه إعادة الصلاة، و من جلس في موضع قيام ساهيا أو زاده ساهيا لا تبطل صلاته، و حينئذ فيمكن ان يقال بتخصيص الركن بما قارن الركوع خاصة و هو الأمر الكلي منه كما تقدم، و يجاب عن الإيراد بإمكان استناد البطلان إلى الركوع بالجواب المتقدم من جواز الاستناد إليهما معا. و يمكن ان يقال ان القيام كيف اتفق ركن و عدم البطلان بزيادته و نقصانه مستثنى بالنص، فإنه مع تصريحهم بل اتفاقهم على ركنية الركوع قد استثنوا مواضع منه لقيام الدليل عليها، كما لو سبق المأموم إمامه سهوا بالركوع ثم تبين له انه لم يركع بعد فإنه يعود و يركع معه و نحو ذلك مما يأتي ان شاء اللّٰه تعالى. أو يقال بالتفصيل الذي ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره). و بالجملة فالمفهوم من الأدلة كما ذكرناه هو الركنية في الجملة و اما تعيين موضع الركن منه فغير معلوم.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من القيام.

61

و الحق في المقام ان يقال لا ريب ان تسميتهم هذه الأشياء بالأركان و تفسيرهم الركن بأنه ما تبطل به الصلاة عمدا و سهوا و الواجب ما تبطل به عمدا لا سهوا انما هو أمر اصطلاحي لا اثر له في النصوص مع انخرام هذه القاعدة عليهم في كثير من المواضع كما عرفت و ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى، فالواجب الوقوف في جزئيات الأحكام على النصوص الواردة في كل منها بالعموم أو الخصوص و إلغاء هذه القاعدة التي لا ثمرة لها و لا فائدة. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [وجوب الاستقلال في القيام]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) وجوب الاستقلال في القيام بمعنى ان لا يستند إلى شيء بحيث لو أزيل السناد سقط، و نقل عن ابي الصلاح انه ذهب إلى جواز الاستناد على الوجه المذكور و ان كان مكروها.

استدل القائلون بالقول المشهور

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا تمسك بخمرك و أنت تصلي و لا تستند إلى جدار إلا ان تكون مريضا».

و الخمر بالخاء المعجمة و الميم المفتوحتين ما وراءك من شجر و نحوه.

و أضافوا إلى ذلك ان ذلك هو المتبادر من معنى القيام، و دليل التأسي، و صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة في تعليم الصادق (عليه السلام) الصلاة.

و الذي يدل على القول الثاني

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يستند إلى حائط المسجد و هو يصلي أو يضع يده على الحائط و هو قائم من غير مرض و لا علة؟ فقال لا بأس. و عن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوليين هل يصلح له ان يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف و لا علة؟

قال لا بأس به».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد اللّٰه بن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3)

____________

(1) الوسائل الباب 10 من القيام.

(2) الوسائل الباب 10 من القيام.

(3) الوسائل الباب 10 من القيام.

62

قال: «سألته عن الرجل يصلي متوكأ على عصا أو على حائط؟ فقال لا بأس بالتوكؤ على عصا و الاتكاء على الحائط».

و عن سعيد بن يسار (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التكأة في الصلاة على الحائط يمينا و شمالا فقال لا بأس».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان من ذهب إلى القول الأول حمل هذه الأخبار على الاستناد الذي لا يكون فيه اعتماد محتجين بان الاستناد و الاتكاء في تلك الأخبار أعم مما فيه اعتماد أو لا اعتماد فيه فيحمل على ما لا اعتماد فيه جمعا بين الأخبار. و من ذهب إلى العمل بهذه الروايات الأخيرة حمل صحيحة عبد اللّٰه بن سنان على الكراهة. و الظاهر هو الثاني و يؤيد حمل الاستناد في تلك الأخبار على ما فيه اعتماد قوله في صحيحة علي ابن جعفر «من غير مرض و لا علة» فإن من شأن المريض و العليل الاعتماد لمزيد الضعف كما لا يخفى.

و يؤيده بأوضح تأييد لا يخفى على جملة الأنام فضلا عن ذوي الأحلام و الافهام- و ان لم يتنبه له أحد من علمائنا الاعلام- ان الاتكاء لغة يطلق على ما فيه اعتماد، قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: اتكأ وزن افتعل و يستعمل بمعنيين أحدهما الجلوس مع التمكن و الثاني القعود مع تمايل معتمدا على أحد الجانبين، صرح بذلك في مادة «تكأ» و قال أيضا في مادة «وكأ» و توكأ على عصاه اعتمد عليها، إلى ان قال ابن الأثير و العامة لا تعرف الاتكاء إلا الميل في القعود معتمدا على أحد الشقين و هو يستعمل في المعنيين جميعا، يقال اتكأ إذا أسند ظهره أو جنبه إلى شيء معتمدا عليه و كل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه. انتهى.

و حينئذ فمتى كان الاتكاء حقيقة في الاعتماد فالواجب الحمل عليه حتى تقوم قرينة المجاز الموجبة للخروج عنه، و مجرد وجود الخبر الدال على خلاف ذلك ليس من قرائن

____________

(1) الوسائل الباب 10 من القيام.

63

المجاز الموجب لحمل هذه الأخبار على خلاف معناها، و حينئذ فدعوى انه أعم مما فيه اعتماد أو لا اعتماد فيه كما بنى عليه جوابهم عن تلك الأخبار ممنوعة لما عرفت من كلام أهل اللغة، و على هذا فالواجب في مقام التعارض الرجوع إلى المرجحات و لا ريب انها في جانب هذه الروايات الثلاث فيجب جعل التأويل في تلك الرواية كما تقدم.

فروع

(الأول) [هل يجب الاعتماد على الرجلين معا في القيام]

- قد صرح جمع من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك بوجوب الاعتماد على الرجلين معا في القيام و لم أقف له على دليل، و الفاضل الخراساني في الذخيرة إنما استند في ذلك إلى كونه المتبادر من الأمر بالقيام منتصبا. و فيه منع ظاهر و علله في الذكرى بعد الاستقرار و للتأسي بصاحب الشرع. و فيه منع أيضا فإن الاستقرار لا يتوقف على الاعتماد عليهما معا بل يحصل الاستقرار بالاعتماد على واحدة. و اما التأسي فقد صرحوا في الأصول بأنه لا يجوز ان يكون دليلا للوجوب فان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك، مع انه

قد روى الكليني في الصحيح عن محمد بن أبي حمزة عن أبيه (1) قال:

«رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) في فناء الكعبة في الليل و هو يصلي فأطال القيام حتى جعل يتوكأ مرة على رجله اليمنى و مرة أخرى على رجله اليسرى. الحديث».

و هو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ذكرناه و لا معارض له سوى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة.

ثم انه لا يخفى أيضا حصول المدافعة بين القول بوجوب الاعتماد على الرجلين و بين القول بجواز الاعتماد اختيارا على الحائط و نحوه كما ذهب إليه في المدارك و كذا غيره ممن اختار القول بالجواز هناك و أوجب الاعتماد على الرجلين هنا، فإنهم قد فسروا الاعتماد ثمة بأنه لو سقط السناد سقط المصلى و من الظاهر في هذه الحال انه لا اعتماد على الرجلين.

و إيجابهم الاعتماد على الرجلين في القيام هنا لم يقيدوه بمادة مخصوصة بل ظاهرهم انه من

____________

(1) الوسائل الباب 3 من القيام.

64

جملة واجبات الصلاة مطلقا. و بالجملة فإن التناقض بين القولين ظاهر كما ترى.

نعم لو رفع احدى رجليه من الأرض بالكلية و انما وضع واحدة و اعتمد عليها فلا إشكال في البطلان لوقوعه على خلاف الوجه المتلقى من صاحب الشريعة امرا و فعلا إلا انه

روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) في حديث قال: «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي و هو قائم و رفع احدى رجليه حتى انزل اللّٰه تعالى طه مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ (2) فوضعها».

و الواجب حمله على النسخ بالآية المذكورة المصرحة بالنهي و الأخبار الدالة على القيام على القدمين،

قال أمين الإسلام الطبرسي (قدس سره) (3) روى «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يرفع احدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فانزل اللّٰه تعالى الآية فوضعها».

قال و روى ذلك عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و لعله أشار إلى هذه الرواية

و قد روى أيضا في تفسير الآية المذكورة (4) «انه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يقوم على أصابع رجليه في الصلاة حتى تورمت فانزل اللّٰه تعالى عليه طه- بلغة طي يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)- مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ».

و يمكن ان يكون الصلاة كانت مشروعة على هذه الكيفيات ثم نسخ ذلك فوجب الاعتماد على الرجلين معا كما عليه اتفاق الأصحاب و غيرهم. و اللّٰه العالم.

(الثاني) [هل تبطل الصلاة لو أخل المصلي بالاستقلال؟]

- لو أخل بالاستقلال على تقدير القول المشهور فالظاهر من كلام الأصحاب بطلان الصلاة لو تعمد ذلك للنهي عن الصلاة كذلك و النهي في العبادة موجب للبطلان. و يمكن ان يقال ان النهى انما هو عن الاستناد و هو أمر خارج عن الصلاة و ان كان مقارنا لها فلا يلزم من النهى عنه النهى عن الصلاة، فغاية ما يلزم من ذلك

____________

(1) الوسائل الباب 3 من القيام.

(2) سورة طه الآية 1.

(3) مجمع البيان ج 4 ص 2.

(4) الوسائل الباب 3 من القيام.

65

الإثم خاصة و تصح صلاته نظير ما تقدم من البحث في الصلاة في الثوب و المكان المغصوبين و اما ما أطال به في الذخيرة من الاستدلال على البطلان فظني انه لا يرجع إلى طائل.

و كيف كان فلا ريب ان الاحتياط في ما ذكروه. و اما مع النسيان فالظاهر الصحة كما صرح به جملة من الأصحاب أيضا.

(الثالث) [وجوب نصب فقار الظهر]

- يجب مع الاستقلال نصب فقار الظهر بفتح الفاء و هو عظامه المنتظمة في النخاع التي تسمى خرز الظهر جمع فقرة بكسرها، و يحصل الإخلال بذلك بالانحناء و الميل إلى اليمين و اليسار على وجه لا يعد منتصبا عرفا.

و يدل على ذلك ما تقدم في خبر حماد من قوله «فقام أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) مستقبل القبلة منتصبا» و قد تقدم ان معنى الانتصاب اقامة الصلب، و ان

«من لم يقم صلبه فلا صلاة له» (1).

و عدم اقامة الصلب يحصل بالميل إلى أحد الجانبين على الوجه المتقدم أو الانحناء أو الانخناس.

و الظاهر انه لا يخل بالانتصاب اطراق الرأس و ان كان الأفضل إقامة النحر كما تقدم (2)

في مرسلة حريز من قوله (عليه السلام) في تفسير قوله عز و جل «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (3) «النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه و نحره».

و نقل عن أبي الصلاح استحباب إرسال الذقن إلى الصدر. و يرد بعدم المستند بل هذا الخبر- كما ترى- ظاهر في رده.

(الرابع) [عدم جواز تباعد الرجلين بما يخرج عن حد القيام]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لا يجوز تباعد ما بين الرجلين بما يخرج عن حد القيام. و الظاهر ان مستندهم في ذلك العرف فان من أفحش في التباعد بينهما لا يعد قائما عرفا.

أقول: المفهوم من الأخبار كما تقدم في شرح صحيحة حماد ان نهاية التباعد بينهما إلى قدر شبر و الاحتياط يقتضي ان لا يزيد على ذلك فإنه من المحتمل قريبا ان يكون

____________

(1) الوسائل الباب 2 من القيام.

(2) ص 45.

(3) سورة الكوثر، الآية 2.

66

هذا غاية الرخصة في التباعد بينهما و يقين البراءة يقتضي الوقوف على ذلك.

(الخامس) [جواز الاستعانة في حال النهوض]

- الظاهر انه لا إشكال في جواز الاستعانة في حال النهوض و الاعتماد على شيء ينهض به كما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدمة. و نقل عن بعض المتأخرين- و الظاهر انه المحقق الثاني في شرح القواعد- انه جعل حكمه حكم الاستناد في حال القيام، و فيه انه لا دليل عليه بل الدليل كما ترى واضح في خلافه.

(المسألة الثالثة) [العجز عن القيام]

- لو عجز عن القيام على الوجه المتقدم فإن أمكن الصلاة قائما معتمدا في جميعها أو بعضها أو كيف أمكن وجب أولا فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الجلوس و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

(الأول) [وجوب القيام بقدر الإمكان للعاجز عن القيام الكامل]

الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو امكنه القيام و لو في بعض الصلاة وجب ان يقوم بقدر المكنة منتصبا أو منحنيا مستقلا أو معتمدا و لو مع تعذر الركوع و السجود فإنه يجب عليه القيام في موضعه و ان أومأ للركوع و كذا للسجود بعد الجلوس إذ لا يسقط وجوب أحدهما مع إمكانه بتعذر الآخر.

و يدل على بعض هذه الأحكام

ما رواه الشيخ و الكليني في الصحيح عن جميل (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) ما حد المرض الذي يصلي صاحبه قاعدا؟

فقال ان الرجل ليوعك و يحرج و لكنه اعلم بنفسه إذا قوي فليقم».

و أيده بعضهم

بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم».

و قوله (عليه السلام) (3) «لا يسقط الميسور بالمعسور».

و ما ذكرناه- من انه مع إمكان القيام و تعذر الركوع و السجود فإنه يومئ للركوع قائما و للسجود جالسا- قد ادعى عليه في المنتهى الإجماع.

و على هذا لو قدر على الجلوس و الانحناء للركوع و السجود و لم يقدر عليه قائما

____________

(1) الوسائل الباب 6 من القيام.

(2) صحيح مسلم ج 1 ص 513 و النسائي ج 2 ص 1.

(3) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على (ع).

67

أومأ في حال القيام و لا ينتقل إلى الجلوس في الركوع. و يمكن ان يقال انه يجلس في الصورة المذكورة و يأتي بالركوع الذي هو الانحناء لأن الركوع قد وردت به الآية و هو عبارة عن مطلق الانحناء و لا تخصيص فيه بكون الانحناء في حال القيام، قال في القاموس و كل شيء يخفض رأسه فهو راكع. و على هذا يكون الانحناء واجبا كما ان القيام واجب و حينئذ فيأتي بالقيام في موضعه فإذا أراد الركوع جلس و ركع جالسا. و هذا هو الأوفق بالأصول و القواعد المقررة عندهم إلا ان المشهور هو الأول بل ظاهرهم كما عرفت الاتفاق عليه

(الثاني) [حد العجز المسوغ للقعود]

- لو عجز بالكلية و لو على بعض الوجوه المتقدمة انتقل إلى الجلوس و هو إجماعي، نقل الإجماع على ذلك غير واحد: منهم- المحقق و العلامة.

و تدل عليه الأخبار الكثيرة، و منها صحيحة جميل المتقدمة قريبا و حسنة أبي حمزة المتقدمة في المسألة الاولى.

و ما رواه الشيخ عن محمد بن إبراهيم عن من أخبره عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «يصلي المريض قائما فان لم يقدر على القيام صلى جالسا».

و أسنده في الفقيه إلى الصادق (عليه السلام) (2).

و نقل مرسلا عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) انه قال «المريض يصلى قائما فان لم يستطع صلى جالسا».

الى غير ذلك من الأخبار.

و انما الخلاف بين الأصحاب في حد العجز المسوغ للقعود فالمشهور ان حده العجز عن القيام أصلا و هو مستند إلى علمه بنفسه «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (4) و نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) ان حد العجز الذي ينتقل معه إلى الجلوس ان لا يتمكن من المشي بمقدار زمان الصلاة.

و استدل على القول المشهور بما تقدم من صحيحة جميل،

و ما رواه الشيخ في

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) الوسائل الباب 1 من القيام.

(4) سورة القيامة، الآية 14.

68

الصحيح عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن من أخبره عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) «انه سئل ما حد المرض».

و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن أذينة (2) قال: «كتبت إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اسأله ما حد المرض الذي يفطر فيه صاحبه و المرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائما؟ قال بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (3) ذاك اليه هو اعلم بنفسه».

و التقريب فيها انه لو كان للعجز حد معين كما هو مقتضى القول الثاني لبينه (عليه السلام) في الجواب و لم يجعله راجعا إلى العلم بنفسه الذي هو عبارة عن القدرة على القيام و عدمها كما هو الظاهر.

و نحوه

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن حد المرض الذي يفطر فيه الصائم و يدع الصلاة من قيام؟ فقال: بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (5) و هو اعلم بما يطيقه».

و يدل على ما نقل عن الشيخ المذكور

ما رواه الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي (6) قال: «قال الفقيه المريض انما يصلى قاعدا إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها ان يمشي مقدار صلاته إلى ان يفرغ قائما».

و ردها في المدارك (أولا) بضعف السند بجهالة الراوي. و (ثانيا) بان ما تضمنته من التحديد غير مطابق للاعتبار فإن المصلي قد يتمكن ان يقوم بمقدار صلاته و لا يتمكن من المشي بمقدار زمانها و قد يتمكن من المشي و لا يتمكن من الوقوف، قال و ربما كان ذلك كناية عن العجز عن القيام. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من الطعن في الخبر بالضعف و رميه له من البين قد عرفت ما فيه (أولا) فيما تقدم من ان هذا الإيراد غير وارد على المتقدمين الذين

____________

(1) الوسائل الباب 6 من القيام.

(2) الوسائل الباب 6 من القيام.

(3) سورة القيامة، الآية 14.

(4) الوسائل الباب 6 من القيام.

(5) سورة القيامة، الآية 14.

(6) الوسائل الباب 6 من القيام.

69

لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم و لا غيرهم ممن لا يرى العمل به أيضا. و (ثانيا) ان ما ذكره من رد الخبر هنا أيضا من متفرداته و ان تبعه فيه من تبعه فإن جملة أرباب هذا الاصطلاح من المتأخرين قد عملوا بالخبر و فزعوا عليه كما سيظهر لك في المقام ان شاء اللّٰه تعالى.

و في الذكرى بعد ان اختار القول المشهور عملا بالأخبار المتقدمة حمل رواية المروزي على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما ثم قال: فرع- لو قدر على القيام و لم يقدر على المشي وجب. و لو عجز عن القيام مستقرا و قدر على القيام ماشيا أو مضطربا من غير معاون ففي ترجيحه على القيام ساكنا بمعاون أو على القعود لو تعذر المعاون نظر أقربه ترجيحهما عليه، لان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. و قال الفاضل يجب المشي و لا يصلي قاعدا. انتهى.

و ما اختاره من تقديم الصلاة جالسا هو ظاهر المحقق الشيخ علي أيضا في شرح القواعد مستندا إلى ان الطمأنينة أقرب إلى حال الصلاة من الاضطراب عرفا و شرعا و الخشوع الذي هو روح العبادة بها يتحقق. و فيه ان الاعتماد في تأسيس حكم شرعي على مثل هذه التعليلات مشكل كما أشرنا إليه في غير موضع.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و لا يعتبر القدرة على المشي بل لو أمكن القيام من دونه وجب لانه المقصود الذاتي، و ربما قيل باشتراطه

لرواية سليمان المروزي عن الكاظم (عليه السلام) (1) «المريض انما يصلي قاعدا إذا صار إلى الحال التي لا يقدر فيها على المشي مقدار صلاته».

و حملها الشهيد على من يتمكن من القيام إذا قدر على المشي للتلازم بينهما غالبا، قال فلا يرد جواز انفكاكهما. و فيه نظر لانه تخصيص للعام من غير ضرورة، مع ان الرواية تدل على ان من قدر على القيام ماشيا لا يصلي جالسا بمعنى ان القيام غير مستقر مرجح على القعود مستقرا و هو اختيار المصنف، فلا يحتاج إلى تكلف

____________

(1) الوسائل الباب 6 من القيام.

70

البحث عن التلازم بين القيام و المشي غالبا. و رجح في الذكرى الجلوس في هذه الصورة محتجا بان الاستقرار ركن في القيام إذ هو المعهود من صاحب الشرع. و الخبر حجة عليه و كون الاستقرار واجبا في القيام لا يستلزم تقديم الجلوس على القيام بدونه فإن المشي يرفع وصف القيام و هو الاستقرار و الجلوس يرفع أصله و فوات الوصف خاصة أولى من فوات الموصوف، و من ثم اتفق الجماعة على ان من قدر على القيام معتمدا على شيء وجب مقدما على الجلوس مع فوات وصف القيام و هو الاستقلال. نعم بالغ المصنف فرجح القيام ماشيا مستقلا عليه مع المعاون. و يضعف بأن الفائت على كل تقدير وصف من القيام أحدهما الاستقرار و الآخر الاستقلال فلا وجه لترجيح الثاني، نعم يتجه ترجيح الأول لما تقدم في حجة ترجيح القعود على المشي إذ لا معارض لها هنا، و لأنه أقرب إلى هيئة المصلي، فظهر من ذلك ان التفصيل أجود من إطلاق المصنف ترجيح المشي عليهما و إطلاق الشهيد القول بترجيحهما عليه. انتهى. و هو جيد و انما نقلناه بطوله لجودة محصوله و إحاطته بأطراف الكلام في المقام.

إلا ان فيه ان ما ذكره- من كون الاستقرار وصفا للقيام. الى آخر ما فرعه على ذلك- يمكن خدشه بان الظاهر ان الاستقرار ليس من أوصاف القيام بل هو وصف من أوصاف المصلي معتبر في صحة صلاته قائما كان أو قاعدا مع الإمكان فترجيح القيام عليه يحتاج إلى دليل، و لانه يجتمع هو و ضده مع القيام و القعود فلا اختصاص له بالقيام. نعم جوابه يصلح إلزاما للشهيد حيث ان ظاهره ذلك و اما في التحقيق فلا، و على هذا فالأولى الرجوع إلى دلالة الخبر على الحكم المذكور من تقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا.

أقول: و الحق ان الخبر المذكور محتمل لمعنيين (أحدهما) ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) في الذكرى من ان من يقدر على المشي بقدر الصلاة يقدر على الصلاة غالبا، و على هذا فلا يكون في الخبر منافاة للقول المشهور فان مرجعه إلى انه انما يصلي قاعدا إذا لم يقدر

71

على القيام. و (ثانيهما) ما فهمه الأكثر من ان من قدر على المشي مصليا و لم يقدر على القيام مستقرا فحكمه الصلاة ماشيا دون الصلاة جالسا، إلا ان الظاهر هو رجحان الاحتمال الثاني و به يظهر قوة ما ذكره في الروض و اختاره من القول بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا كما هو المنقول عن الشيخ المفيد (قدس سره) و هو اختيار العلامة أيضا على ما نقله عنه في الذكرى كما تقدم في الروض إلا انه بالغ في ذلك أيضا فقال بتقديم الصلاة ماشيا على الصلاة قائما معتمدا، و المشهور بين الأصحاب هو تقديم القيام مطلقا مستقلا أو معتمدا و انما الخلاف في ما لو تمكن من الصلاة ماشيا هل يقدم على الجلوس مستقرا أم لا؟

و من ذلك ظهر ان في المسألة أقوالا ثلاثة (أحدها) ما ذهب اليه الشيخ المفيد و شيخنا الشهيد الثاني من انه متى قدر على الصلاة ماشيا بعد تعذر الصلاة قائما معتمدا فإنه يقدمه على الجلوس. و (ثانيها) ما نقل عن العلامة من ترجيح الصلاة ماشيا على الصلاة جالسا مستقرا و قائما مستقرا معتمدا. و (ثالثها) ما ذكره في الذكرى من ترجيح القيام معتمدا مستقرا ثم الجلوس مستقرا على الصلاة ماشيا و هو عكس ما ذهب إليه العلامة.

(الثالث) [الانتقال إلى المرتبة الدنيا بالألم الشديد و إخبار الطبيب]

- اعلم ان العجز المسوغ للقعود و كذا في سائر المراتب الآتية يتحقق بحصول الألم الشديد الذي لا يتحمل و لا يعتبر العجز الكلي، و به صرح غير واحد من الأصحاب في جملة من الأبواب، و هو المفهوم أيضا من ظاهر السنة و الكتاب.

و كما انه يجوز الانتقال إلى المرتبة الدنيا مع العجز عن المرتبة العليا بحصول الألم الشديد كذلك يجوز الانتقال عنها باخبار الطبيب بالبرء في المرتبة الدنيا بعلاج و نحوه.

كما يدل عليه

صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون نداويك شهرا أو أربعين ليلة مستلقيا كذلك يصلي؟ فرخص في ذلك و قال فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ (2)».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من القيام.

(2) سورة البقرة، الآية 168.

72

و موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينزع الماء منها فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة أربعين يوما أو أقل أو أكثر فيمتنع من الصلاة الأيام و هو على حال؟ فقال لا بأس بذلك و ليس شيء مما حرم اللّٰه إلا و قد أحله اللّٰه لمن اضطر اليه».

و ما رواه الحسين بن بسطام في كتاب طب الأئمة بسنده عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن بزيع المؤذن (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اني أريد أن أقدح عيني؟

فقال استخر اللّٰه و افعل. فقلت هم يزعمون انه ينبغي للرجل ان ينام على ظهره كذا و كذا و لا يصلي قاعدا؟ قال افعل».

قوله في الخبر الأول «كذلك يصلي» على الاستفهام بحذف الهمزة اي أ كذلك يصلي؟

و ظاهر الأخبار جواز العمل بقول الأطباء في ترك القيام و ان كانوا غير عدول بل فسقة أو كفارا، و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في هذا الحكم و لا غيره من الأحكام.

قال العلامة في التذكرة: لو كان به رمد و هو قادر على القيام فقال العالم بالطب إذا صلى مستلقيا رجى له البرء جاز ذلك، و به قال أبو حنيفة و الثوري و قال مالك و الأوزاعي لا يجوز لان ابن عباس لم يرخص له الصحابة في الصلاة مستلقيا (3) انتهى و ظاهره ان الخلاف انما هو بين العامة دون الخاصة.

و خبر ابن عباس المشار إليه في كلامه هو ما روى (4) من ان ابن عباس (رضي اللّٰه عنه) لما كف بصره أتاه رجل فقال له ان صبرت على سبعة أيام لا تصلي إلا مستلقيا داويت عينيك و رجوت ان تبرأ فأرسل إلى بعض الصحابة كأم سلمة و غيرها يستفتيهم في ذلك فقالوا لو متّ في هذه الأيام ما الذي تصنع في الصلاة؟ فترك المعالجة.

أقول: و الخبر المذكور عامي لا يعارض ما ذكرناه من اخبارهم (عليهم السلام) و من البعيد بل الأبعد ان ابن عباس مع عدم علمه بالمسألة يستفتي الصحابة مع وجود الحسن و الحسين

____________

(1) الوسائل الباب 1 و 7 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 و 7 من القيام.

(3) المغني ج 2 ص 147.

(4) المغني ج 2 ص 147.

73

(عليهما السلام) معه و هو عالم بإمامتهما و وجوب الطاعة لهما.

(الرابع) [لا خصوصية في نوع الجلوس]

- انه مع الانتقال إلى القعود فإنه لا يختص بكيفية وجوبا بل يجلس كيف اتفق، نعم يستحب له ان يتربع قارئا و يثنى رجليه راكعا و يتورك بين السجدتين و عند التشهد. و فسروا التربع هنا بان ينصب فخذيه و ساقيه كهيئة جلوس المرأة في الصلاة و قد تقدم وجه الإشكال في هذه المسألة في الفوائد الملحقة بالأخبار المذكورة في صدر المقدمة الاولى من المقدمات المتقدمة في الباب الأول (1) و فسروا تثنية رجليه بان يفترشهما تحته و يجلس على صدورهما بغير إقعاء.

و الذي وقفت عليه من الأخبار الجارية في هذا المضمار

ما رواه الشيخ عن حمران ابن أعين عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «كان أبي إذا صلى جالسا تربع فإذا ركع ثنى رجليه».

و ما رواه الصدوق عن معاوية بن ميسرة (3) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) قال أ يصلي الرجل و هو جالس متربع و مبسوط الرجلين؟ فقال لا بأس بذلك».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد اللّٰه بن المغيرة و صفوان بن يحيى و محمد بن ابي عمير عن أصحابهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) «في الصلاة في المحمل؟ فقال صل متربعا و ممدود الرجلين و كيف أمكنك».

و ما رواه في الكافي عن معاوية بن ميسرة (5) «أن سنانا سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمد احدى رجليه بين يديه و هو جالس؟ قال لا بأس. و لا أراه إلا قال في المعتل و المريض».

قال الكليني و في حديث آخر (6) «يصلي متربعا و مادا رجليه كل ذلك واسع».

و تمام الكلام في هذا المقام قد تقدم في الموضع المشار اليه آنفا.

(الخامس) [وجوب القيام للركوع عند التمكن]

- الظاهر انه لا خلاف في ان القاعد إذا تمكن من القيام للركوع فإنه يجب عليه القيام ليركع عن قيام، لما تقدم من ان القيام المقارن للركوع ركن تبطل

____________

(1) ج 6 ص 66.

(2) الوسائل الباب 11 من القيام.

(3) الوسائل الباب 11 من القيام.

(4) الوسائل الباب 11 من القيام.

(5) الوسائل الباب 11 من القيام.

(6) الوسائل الباب 11 من القيام.

74

الصلاة بتركه عمدا و سهوا و حينئذ فمع القدرة عليه يجب الإتيان به.

و الظاهر انه لا تجب الطمأنينة في هذا القيام لأن وجوبها انما كان لأجل القراءة و قد اتى بها، قال في الذكرى: و لو خف بعد القراءة وجب القيام للركوع و هل تجب الطمأنينة في هذا القيام قبل الهوى؟ قال الفاضل لا تجب بناء على ان القيام انما تجب الطمأنينة فيه لأجل القراءة و قد سقطت. و يحتمل الوجوب (اما أولا) فلضرورة كون الحركتين المتضادتين في الصعود و الهبوط بينهما سكون فينبغي مراعاته ليتحقق الفصل بينهما.

و (اما ثانيا) فلان ركوع القائم يجب ان يكون عن طمأنينة و هذا ركوع قائم.

(و اما ثالثا) فلان معه يتيقن الخروج عن العهدة. أقول: فيه ما عرفت في غير مقام من عدم صلاحية أمثال هذه التخريجات لتأسيس حكم شرعي، و يزيده بيانا ان الأول من هذه التعليلات خارج عن محل البحث، فان الكلام في وجوب ذلك من حيث ترتب صحة الصلاة عليه لا من حيث حصول الفصل بين الحركتين المتضادتين. و الثاني على تقدير تسليمه انما يثبت في صلاة القائم و اما في صلاة الجالس فيحتاج إلى دليل، و قياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق لأن الصورة المقاس عليها حال اختيار و المقيسة حال اضطرار. و الثالث غاية ما يفيده الأولوية و الاستحباب دون الوجوب لانه نوع احتياط. ثم قال في الذكرى: و لا يستحب إعادة القراءة هنا لعدم الأمر بتكرارها في الركعة الواحدة وجوبا و لا ندبا. و هو جيد. ثم قال و لو خف في ركوعه قاعدا قبل الطمأنينة وجب إكماله بأن يرتفع منحنيا إلى حد الراكع و ليس له الانتصاب لئلا يزيد ركوعا ثم يأتي بالذكر قائما لأنه لم يكن أكمله، فإن اجتزأنا بالتسبيحة الواحدة لم يجز البناء هنا لعدم سبق كلام تام إلا ان نقول هذا الفصل لا يقدح بالموالاة، و ان أوجبنا التعدد اتى بما بقي قطعا. و لو خف بعد الطمأنينة قام للاعتدال من الركوع وجبت الطمأنينة في الاعتدال. و لو خف بعد الاعتدال من الركوع قبل الطمأنينة فيه قام ليطمئن. و لو خف بعد الطمأنينة في الاعتدال فالأقرب وجوب القيام ليسجد عن قيام كسجود القائم، و في وجوب الطمأنينة في هذا القيام بعد إلا إذا

75

عللناه بتحصيل الفصل الظاهر بين الحركتين فتجب الطمأنينة. انتهى. و في كثير من هذه المواضع اشكال لعدم الدليل الواضح فيها كما لا يخفى على المتأمل إلا انه يمكن اندراجها تحت القواعد المقررة في أمثال هذه المقامات. و اللّٰه العالم.

(المسألة الرابعة)- لو عجز عن القعود مستقلا

فإنه يقعد معتمدا أو منحنيا و مع العجز عن ذلك فإنه يصلي مضطجعا مقدما للجانب الأيمن على الأيسر و قيل بالتخيير بينهما، و مع العجز عن الجانبين يصلي مستلقيا.

و تفصيل هذه الجملة انه لا خلاف بينهم في انه لو عجز عن القعود بجميع وجوهه المتقدمة فإنه ينتقل إلى الاضطجاع، و يدل عليه زيادة على الاتفاق عدة من الروايات:

منها- ما تقدم (1) من الروايات التي في تفسير قوله عز و جل «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ».

و منها-

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس قال فليصل و هو مضطجع و ليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزئ عنه و لن يكلف اللّٰه ما لا طاقة له به».

و عن عمار في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا كيف قدر صلى اما ان يوجه فيومى إيماء، و قال يوجه كما يوجه الرجل في لحده و ينام على جنبه الأيمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر ان ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فإنه له جائز و يستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة إيماء».

و روى المحقق في المعتبر قال: «روى أصحابنا عن حماد (4) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده و ينام على جانبه الأيمن ثم يومئ بالصلاة فان لم يقدر على جانبه الأيمن فكيف ما قدر فإنه

____________

(1) ص 59.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) الوسائل الباب 1 من القيام.

(4) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام.

76

جائز و يستقبل بوجهه القبلة ثم يومئ بالصلاة إيماء».

و هذا الخبر نقله أيضا الشهيدان في الذكرى و الروض.

و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة ان هذه الرواية رواية عمار المذكورة و ان المحقق في المعتبر أسندها إلى حماد و تبعه الشهيدان، حيث قال بعد موثقة عمار المذكورة:

و في متن هذه الرواية اضطراب و نقلها في المعتبر بوجه آخر و تبعه على ذلك الشهيدان و هو هذا «المريض إذا لم يقدر ان يصلي قاعدا يوجه كما يوجه الرجل في لحده» و هي على هذا الوجه تسلم من الاضطراب و أسندها إلى حماد و هي كذلك في بعض نسخ التهذيب. انتهى و ظني بعد ما تمحله و ما ادري ما الحامل له على ذلك مع ان المحقق في المعتبر كثيرا ما ينقل اخبارا زائدة على ما في الكتب الأربعة من الأصول التي عنده. و ما ذكره من التعلل بالاضطراب و انه برواية المحقق تسلم من الاضطراب فلا يخفى على المتتبع لروايات عمار ما في كثير منها من الغرائب و الاضطراب كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم. و نسخ المعتبر و كذا كتابي الشهيدين متفقة على حماد دون عمار. و بالجملة فالظاهر عندي انها رواية مستقلة متنا و سندا.

و روى الصدوق مرسلا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) المريض يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا فان لم يستطع صلى على جنبه الأيمن فان لم يستطع صلى على جنبه الأيسر فان لم يستطع استلقى و أومأ إيماء و جعل وجهه نحو القبلة و جعل سجوده اخفض من ركوعه».

و روى في الكافي عن محمد بن إبراهيم عن من حدثه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى قاعدا فان لم يقدر صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح ثم يفتح عينيه و يكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا أراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام. و الرواية جارية على الوافي دون الوسائل و الكافي.

77

عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد و ينصرف».

و روى في التهذيب بسنده عن محمد بن إبراهيم عن من حدثه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

و رواه في الفقيه مرسلا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«يصلي المريض قائما فان لم يقدر على ذلك صلى جالسا فان لم يقدر على ذلك صلى مستلقيا يكبر ثم يقرأ فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع فإذا أراد ان يسجد غمض عينيه ثم يسبح فإذا سبح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ثم يتشهد و ينصرف».

و روى الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا عن عبد السلام بن صالح الهروي و بأسانيد ثلاثة أخرى عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا لم يستطع الرجل ان يصلي قائما فليصل جالسا فان لم يستطع فليصل مستلقيا ناصبا رجليه حيال القبلة يومئ إيماء».

و قال في كتاب دعائم الإسلام (3) «و روينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سئل عن صلاة العليل فقال يصلي قائما فان لم يستطع صلى جالسا. إلى ان قال فان لم يستطع ان يصلي جالسا صلى مضطجعا لجنبه الأيمن و وجهه إلى القبلة فان لم يستطع ان يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا و رجلاه مما يلي القبلة يومئ إيماء».

و بالجملة فإن الأخبار و كلام الأصحاب متفق على الانتقال إلى الاضطجاع بعد تعذر القعود و انما الخلاف في الموضعين المذكورين في كيفية الاضطجاع التي ينتقل إليها فظاهر الأخبار كما عرفت و ظاهر كلام جملة من الأصحاب التخيير بين الاضطجاع على الجانب الأيمن و الجانب الأيسر و به صرح الشيخ في موضع من المبسوط و هو ظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من القيام.

78

المحقق في الشرائع و النافع و العلامة في الإرشاد.

و قال في المعتبر: و من عجز عن القعود صلى مضطجعا على جانبه الأيمن مومئا و هو مذهب علمائنا، ثم قال: و كذا لو عجز عن الصلاة على جانبه صلى مستلقيا. و لم يذكر الجانب الأيسر، و نحوه في المنتهى. و ظاهرهما تعيين الجانب الأيمن خاصة.

و قال العلامة في التذكرة بعد ان ذكر الاضطجاع على الجانب الأيمن: و لو اضطجع على شقه الأيسر مستقبلا فالوجه الجواز. و ظاهره التخيير أيضا و به قطع في النهاية لكنه قال ان الأيمن أفضل.

و جزم الشهيد و من تأخر عنه بوجوب تقديم الأيمن على الأيسر و هو الأظهر بحمل مطلق الأخبار على مقيدها، و يدل على ما قلناه صريحا مرسلة الصدوق عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو ظاهر روايتي عمار و حماد المتقدمتين، و دعوى الاتحاد بعيد كما عرفت، و التقريب فيهما ان ظاهر قوله (عليه السلام) «فان لم يقدر على جانبه الأيمن فكيف ما قدر» و ان كان يقتضي استواء الاستلقاء و الاضطجاع على الأيسر عند تعذر الأيمن إلا ان قوله «و يستقبل بوجهه القبلة» يدل على الانتقال إلى الأيسر لأن به يحصل الاستقبال بالوجه حقيقة دون الاستلقاء. و اما ما في بقية رواية عمار من التهافت كما في كثير من رواياته فلا يضر بعد ظهور المطلوب منها.

و بذلك يظهر ضعف القول بالتخيير استنادا إلى إطلاق بعض أخبار المسألة، و أضعف منه قول من اقتصر على الجانب الأيمن ثم الاستلقاء مع تعذره و لم يذكر الجانب الأيسر كما هو ظاهر الفاضلين في المعتبر و المنتهى و ان دل عليه الخبر المتقدم نقله عن كتاب دعائم الإسلام، إلا انه معارض بما نقلناه من الأخبار الثلاثة مضافا إلى ما عرفت من عدم الاعتماد على اخبار الكتاب المذكور و ان صلحت للتأييد. و بالجملة فإن فيه إلغاء لهذه الأخبار التي ذكرناها.

بقي الكلام في الأخبار الدالة على الانتقال إلى الاستلقاء بعد تعذر الجلوس،

79

قال في المعتبر بعد نفل رواية حماد المتقدمة: و في رواية محمد بن إبراهيم عن من حدثه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه، ثم قال و هذه تدل على انتقاله بعد العجز عن الصلاة قاعدا إلى الاستلقاء لكن الرواية الأولى أشهر و أظهر بين الأصحاب لأنها مسندة و هذه مجهولة الراوي. و قال في المدارك: و ربما وجد في بعضها انه ينتقل إلى الاستلقاء بالعجز عن الجلوس و هو متروك. انتهى.

و بالجملة فإن هذه الأخبار لا قائل بها و يؤيد ضعفها و الاعراض عنها انها مخالفة لظاهر الآية أعني قوله سبحانه «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ» (1) التي قدمنا تفسيرها بالأخبار الدالة على التفصيل بالصلاة قائما أو قاعدا ان ضعف عن القيام أو على الجنب ان ضعف عن القعود، و من الظاهر عدم دخول المستلقي في ذلك.

و الأظهر حمل هذه الأخبار على التقية (2) كما صرح به شيخنا المجلسي في البحار و بذلك أيضا صرح الفاضل الخراساني في الذخيرة فقال بعد ذكر خبر عمار و مرسلة محمد ابن إبراهيم: و الجمع بين الروايتين بحمل المرسلة المذكورة على التقية غير بعيد. انتهى و بذلك يظهر لك قوة ما اخترناه.

[تنبيهات]

و تمام التحقيق في المقام يتوقف على بيان أمور

(الأول) [الإيماء بالرأس للركوع و السجود في الاضطجاع و الاستلقاء]

المشهور انه يجب الإيماء في حالتي الصلاة مضطجعا على جنبه أو مستلقيا بالرأس ان أمكن و إلا فبالعينين لكل من الركوع و السجود.

____________

(1) سورة آل عمران الآية 191.

(2) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 605: فان عجز عن القعود يستلقي و يومئ إيماء. إلى ان قال و ما ذكرناه هو المشهور من الروايات، ثم نقل رواية عن ابن عمر عن النبي (ص) تدل على ذلك و علله بإيماء المستلقي برأسه إلى القبلة بخلاف ما إذا صلى على الجنب فإنه ينحرف عنها و لا يجوز ذلك من غير ضرورة، ثم قال

و روى عمران بن حفص قال: «مرضت فعادني رسول اللّٰه (ص) فقال صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنبك تومئ إيماء».

و به أخذ إبراهيم النخعي و الشافعي.

80

و متى كان الإيماء بالرأس فليكن الإيماء للسجود اخفض من الركوع كما تقدم في مرسلة الفقيه عنه (صلى اللّٰه عليه و آله).

و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) على رجل من الأنصار و قد شبكته الريح فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كيف أصلي؟ فقال ان استطعتم ان تجلسوه فأجلسوه و إلا فوجهوه إلى القبلة و مروه فليوم برأسه إيماء و يجعل السجود اخفض من الركوع و ان كان لا يستطيع ان يقرأ فاقرأوا عنده و أسمعوه».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المريض إذا لم يستطع القيام و السجود؟ قال يومئ برأسه إيماء، و ان يضع جبهته على الأرض أحب الي».

و روى في الفقيه و التهذيب عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل شيخ كبير لا يستطع القيام إلى الخلاء لضعفه و لا يمكنه الركوع و السجود؟ فقال ليوم برأسه إيماء و ان كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليوم برأسه نحو القبلة إيماء. الحديث».

و اما انه مع العجز عن الإيماء بالرأس فبالعينين و هو عبارة عن تغميضهما حال الركوع و السجود كما تقدم في مرسلة محمد بن إبراهيم برواية المشايخ الثلاثة (4) إلا ان موردها الاستلقاء و مورد الإيماء بالرأس في الروايات المتقدمة الاضطجاع على أحد الجانبين و الأصحاب قد رتبوا بينهما في كل من الموضعين، و الوقوف على ظاهر الأخبار أولى إلا مع عدم إمكان الإيماء بالرأس من المضطجع فإنه لا مندوحة عن الانتقال إلى الإيماء بالعينين. و لعل الأخبار انما خرجت مخرج الغالب من ان النائم على أحد جنبيه لا يصعب عليه الإيماء برأسه و المستلقي لمزيد الضعف لا يمكنه الإيماء بالرأس.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) الوسائل الباب 1 من القيام.

(4) هكذا العبارة في النسخ.

81

(الثاني) [لو قدر المريض الذي فرضه الإيماء على رفع موضع السجود وجب]

- الظاهر انه لا خلاف بينهم في انه لو قدر المريض الذي فرضه الإيماء بالرأس سواء كان جالسا أو مضطجعا على رفع موضع السجود و السجدة عليه وجب ذلك لصدق السجود عليه شرعا و ان تعذر بعض شروطه للضرورة، قال في المدارك: و انما يجزئ الإيماء إذا لم يمكن ان يصير بصورة الساجد بان يجعل مسجده على شيء مرتفع يضع جبهته عليه. و قال في الذكرى: و لو أمكن تقريب مسجد اليه ليضع عليه جبهته و يكون بصورة الساجد وجب.

و يدل عليه رواية الكرخي المتقدمة و كذا صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة فإن قوله (عليه السلام)

«و ان يضع جبهته على الأرض»

انما هو برفع ما يسجد عليه، فان مورد الخبر من تعذر عليه السجود و كان حكمه الإيماء، و المراد بالأرض شيء منها يرفع اليه

و ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا يصلي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة و تجرئه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما امكنه من شيء و يومئ في النافلة إيماء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال «سألته عن المريض فقال يسجد على الأرض أو على المروحة أو على سواك يرفعه و هو أفضل من الإيماء، إنما كره من كره السجود على المروحة من أجل الأوثان التي كانت تعبد من دون اللّٰه و انا لم نعبد غير اللّٰه عز و جل قط فاسجد على المروحة أو على عود أو على سواك».

و عن أبي بصير (3) قال: «سألته عن المريض هل تمسك له المرأة شيئا يسجد عليه؟ قال لا إلا ان يكون مضطرا ليس عنده غيرها و ليس شيء مما حرم اللّٰه إلا و قد أحله لمن اضطر اليه».

(الثالث)- هل يجب ان يضع على جبهته شيئا حال الإيماء أو يستحب؟

____________

(1) الوسائل الباب 14 من القبلة.

(2) الوسائل الباب 15 من ما يسجد عليه.

(3) الوسائل الباب 1 من القيام.

82

قيل بالأول لظاهر

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) قال: «سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس؟ قال فليصل و هو مضطجع و ليضع على جبهته شيئا إذا سجد فإنه يجزئ عنه و لن يكلف اللّٰه ما لا طاقة له به».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود و لا الإيماء كيف يصلي و هو مضطجع؟ قال يرفع مروحة إلى وجهه و يضع على جبينه و يكبر هو. الحديث».

قال في الذكرى بعد نقل موثقة سماعة: قلت يمكن ان يراد به مع اعتماده على ذلك الشيء و هذا لا ريب في وجوبه، و يمكن ان يكون على الإطلاق اما مع الاعتماد فظاهر و اما مع عدمه فلان السجود عبارة عن الانحناء و ملاقاة الجبهة ما يصح السجود عليه باعتماد فإذا تعذر ذلك و ملاقاة الجبهة ممكنة وجب تحصيله لأن

الميسور لا يسقط بالمعسور (3).

فان قلنا به أمكن انسحابه في المستلقي. انتهى.

أقول: لا يخفى ان مورد الموثقة المذكورة و كذا الرواية الثانية انما هو وضع شيء على الجبهة لا وضع الجبهة على شيء و الاعتماد انما يتم مع الثاني لا الأول.

و ظاهر السيد في المدارك الاستحباب فإنه قال بعد ان ذكر حسنة الحلبي المتقدمة المشتملة على قوله: «و ان يضع جبهته على الأرض أحب الي» ما لفظه: و يستفاد من هذه الرواية استحباب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه حال الإيماء، و يدل عليه أيضا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) ثم ساق الرواية المتقدمة، ثم قال: و قيل بالوجوب لأن السجود عبارة عن الانحناء، ثم ذكر تعليل الذكرى المتقدم ثم قال و يؤيده مضمرة سماعة، ثم قال و في التعليل نظر و في الرواية ضعف إلا ان العمل بما

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القيام.

(2) الوسائل الباب 1 من القيام.

(3) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على (ع).

83

تضمنته أحوط. انتهى.

أقول: أنت خبير بما ذكرناه ان الكلام هنا يقع في مقامين (أحدهما) وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، و (الثاني) وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة كما أشرنا إليه في المقام من الصورتين المذكورتين، و ان الصورة الأولى تتعين و تجب مع الإمكان كما عرفت و محل الخلاف انما هو الثانية، و حسنة الحلبي و صحيحة زرارة المذكورتان موردهما الصورة الاولى لا الثانية كما يظهر من كلامه غاية الأمر انهما ليستا في الصراحة مثل رواية الكرخي و حسنة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه البصري.

و الظاهر ان السبب في حمله لهما على ما ذكره هو ما صرح به في صدر البحث كما قدمنا نقله عنه من انه متى أمكن ان يرفع له شيئا يسجد عليه فلا يجوز له الإيماء و هاتان الروايتان ربما ظهر منهما التخيير مع استحباب وضع الجبهة على الأرض لقوله في الأولى «أحب الي» و في الثانية «و هو أفضل من الإيماء» و حينئذ فلا يصح حملهما على إمكان رفع شيء يسجد عليه لأن ذلك واجب البتة فيتعين حملهما على وضع شيء على الجبهة كما تضمنته موثقة سماعة.

و فيه ان هذه العبارة كثيرا ما يرمى بها في مقام الوجوب كما قدمنا الإشارة إليه في مبحث الأوقات في معنى

قولهم (عليهم السلام) (1) «ان الوقت الأول أفضل».

من انه لا يستلزم حصول فضل في الوقت الثاني، فمعنى كون الصلاة بهذه الكيفية أحب اليه و أفضل ليس على معنى التفضيل، و هو كثير في الكلام كقولهم «السيف امضى من العصا» و قوله تعالى «مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ» (2) و لا ريب في كون الواجب أحب و أفضل.

و يؤيد ما ذكرناه ان مورد الخبرين كما عرفت هو ان يضع جبهته على الأرض و يسجد على الأرض أو على مروحة أو سواك و الوضع على الأرض و السجود يقتضي

____________

(1) الوسائل الباب 3 من المواقيت.

(2) سورة الجمعة الآية 11.

84

الاعتماد غالبا، لا انه يضع الأرض أو المروحة و السواك على جبهته كما هو مدلول موثقة سماعة و أحدهما غير الآخر.

و بالجملة فالظاهر من الخبرين انما هو ما قلناه من جعلهما من أدلة المسألة التي لا خلاف فيها و هو وجوب رفع ما يسجد عليه إذا أمكن كما هو ظاهرهما، و ما يتوهم من منافاة تلك العبارة فيندفع بما ذكرناه و مثله في الأخبار غير عزيز.

و اما ما ذكره في الذكرى في موثقة سماعة أولا من احتمال حملها على الاعتماد على ذلك الشيء فبعيد جدا كما عرفت و انما معناها الظاهر هو وضع شيء على الجبهة.

بقي الكلام في توجيه وجوب ذلك بالتقريب الذي ذكره فإنه محل اشكال لعدم ثبوت الخبر الذي ذكره، فانا لم نقف عليه مسندا في كتب الأخبار و انما يتناقله الفقهاء في كتب الفروع مع ما فيه من الإجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال.

و بالجملة فالواجب من السجود يقينا هو الانحناء إلى ان يضع جبهته على الأرض باعتماد و مع تعذر هذه الكيفية فإيجاب غيرها يحتاج إلى دليل. نعم قام الدليل في صورة ما إذا أمكن ان يرفع إليه شيء يسجد عليه كما قدمنا ذكره في الأخبار و بقي الباقي و بذلك يظهر حمل الرواية على الاستحباب. و اللّٰه العالم.

(المسألة الخامسة) [حكم من تجدد له العجز عن المرتبة العليا]

- قد صرح الأصحاب بأنه لو تجدد عجز القائم قعد و لو تجددت قدرة العاجز عن القيام قام و تفصيل هذا الإجمال يقع في مقامين:

[المقام] (الأول) [أنه هل يقرأ في حال الانتقال إلى الدنيا؟]

- ان من كان يصلي قائما فتجدد له العجز عن القيام قعد و من كان يصلي قاعدا فتجدد له العجز عن القعود اضطجع، و بالجملة فكل من تجدد له العجز في مرتبة عليا انتقل إلى أدناها.

ثم انه متى كان تجدد العجز قبل القراءة فإنه يقرأ قاعدا و ان كان في أثناء القراءة فلا إشكال في انه يبنى على ما اتى به من القراءة حال القيام.

و انما الإشكال في انه هل يقرأ في حال الانتقال أم لا؟ وجهان بل قولان،

85

ظاهر المشهور الأول و عللوه بالمحافظة على القراءة في المرتبة العليا مهما أمكن لأن حالة الهوي أعلى من حالة القعود فتكون أولى بالقراءة لكونها أقرب إلى ما كان عليه. و قيل بالثاني لاشتراط القراءة بالطمأنينة و الاستقرار فيترك القراءة إلى ان يستقر.

و الشهيد قد وافق المشهور في سائر كتبه إلا انه استشكل في الذكرى فقال: و يقرأ في انتقاله إلى ما هو أدنى لأن تلك الحال أقرب إلى ما كان عليه. و يشكل بان الاستقرار شرط مع القدرة و لم يحصل و تنبه عليه

رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) (1) «في المصلى يريد التقدم؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم ثم يقرأ».

و قد عمل الأصحاب بمضمون الرواية. انتهى.

و أجاب في الروض عن ذلك بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار لا مطلقا و حصوله بعد الانتقال إلى الأدنى يوجب فوات الحالة العليا بالكلية و على تقدير القراءة يفوت الوصف خاصة و هو الاستقرار و فوات الوصف اولى من فوات الموصوف و الصفة أو الموصوف وحده، و قد تقدم الكلام على نظيره في ما لو تعارض الصلاة قائما غير مستقر و جالسا مستقرا. و اما الرواية فعلى تقدير الالتفات إليها لا حجة فيها على محل النزاع بوجه لأن الحالتين متساويتان في الاختيار بخلاف المتنازع. انتهى.

أقول: لا ريب ان المسألة خالية من النص و إثبات الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم، إلا انا نقول على سبيل المجاراة معهم بناء على قواعدهم ان قول شيخنا في الروض بان الاستقرار شرط في القراءة مع الاختيار صحيح، و هو هنا كذلك أيضا فإن الاضطرار انما تعلق هنا بالانتقال من حال القيام إلى حال القعود و الشارع قد جعل القعود بمنزلة القيام، و اما بالنسبة إلى القراءة فالواجب ان يراعى فيها شرطها و هو الاستقرار و الطمأنينة فينبغي ان يترك القراءة بعد الانتقال حتى يستقر جالسا. و ما عللوا به الوجوب في حال الانتقال- من ان حال الهوي أعلى من حال

____________

(1) الوسائل الباب 34 من القراءة.

86

القعود فيكون أولى بالقراءة- عليل إذ الواجب عندنا في تأسيس الأحكام الشرعية هو الاعتماد على النصوص الجلية دون التخريجات العقلية. و ما ذكره ههنا في كلامه على الشهيد من ان الاستقرار وصف للقراءة حسبما قدمه في المسألة التي أشار إليها قد بينا ضعفه في تلك المسألة و قلنا ان الاستقرار واجب من واجبات الصلاة و ان قارن القراءة أو القيام و نحوهما قالوا: و ان كان بعد الفراغ من القراءة ركع جالسا و ان كان في أثناء الركوع فان كان بعد الذكر جلس مستقرا للفصل بينه و بين السجود بدلا عن القيام من الركوع و ان لم يمكنه رفع رأسه في حالة هويه، و لو كان قبل الذكر ففي الركوع جالسا أو الاجتزاء بما حصل من الركوع وجهان مبنيان على ان الركوع هل يتحقق بمجرد الانحناء إلى ان يصل كفاه ركبتيه و الباقي من الطمأنينة و الرفع أفعال خارجة؟ و الأصح ان مسمى الركوع يتحقق بمجرد الانحناء المذكور فلا يركع جالسا مرة أخرى لئلا يلزم زيادة الركن، إلى غير ذلك من الفروع التي رتبوها. و انما ذكرنا ما ذكرناه أنموذجا من كلامهم و من أراد مزيد تحقيق كلامهم و الرجوع إلى نقضهم في ذلك و إبرامهم فليرجع إلى مطولاتهم (رضوان اللّٰه عليهم).

[المقام] (الثاني) [حكم من تجددت له القدرة على المرتبة العليا]

- ان من كان يصلي قاعدا مثلا فتجددت له القدرة على القيام أو مضطجعا فتجددت له القدرة على الجلوس و هكذا من كان في حالة دنيا و قدر على حالة عليا، قالوا انه ينتقل إليها تاركا للقراءة ان كانت القدرة في أثنائها أو قبلها لانتقاله إلى الحالة العليا و يبنى على ما قرأ في الحالة الدنيا، و قيل يجوز الاستئناف بل هو أفضل لتقع القراءة متتالية في الحالة العليا. و يشكل باستلزامه زيادة الواجب مع حصول الامتثال و سقوط الفرض بما اتى به أولا.

و لو خف بعد القراءة وجب القيام للهوى للركوع ليركع عن قيام لما تقدم من ان القيام الركني انما يتحقق مع اتصاله بالركوع.

أقول: و قد تقدم الكلام في وجوب الطمأنينة في هذا القيام و عدمه و ان الأظهر

87

العدم و خالف في ذلك الشهيد في الذكرى و قد نقلنا كلامه و بينا ما فيه.

قالوا: و لو خف في الركوع قبل الطمأنينة وجب إكماله بأن يرتفع منحنيا إلى حد الراكع و ليس له الانتصاب لئلا يزيد ركنا ثم يأتي بالذكر الواجب من اوله و ان كان قد اتى ببعضه بناء على الاجتزاء بالتسبيحة الواحدة فلا يجوز البناء على بعضها لعدم سبق كلام تام، و يحتمل ضعيفا البناء بناء على ان هذا الفصل يسير لا يقدح في الموالاة. و لو أوجبنا تعدد التسبيح و كان قد شرع فيه فان كان أثناء تسبيحة استأنفها كما مر و ان كان بين تسبيحتين اتى بما بقي واحدة كان أو اثنتين.

و لو خف بعد الذكر فقد تم ركوعه فيقوم معتدلا مطمئنا. و لو خف بعد الاعتدال من الركوع قام ليسجد عن قيام ثم ان لم يكن قد اطمأن وجبت في القيام و إلا كفى ما يتحقق به الفصل بين الحركتين المتضادتين.

أقول: و أكثر ما ذكروه في هذا المقام لا يخرج عن القواعد الشرعية و الضوابط المرعية و لا بأس بالعمل به. و اللّٰه العالم.

(المسألة السادسة)- من المستحبات في هذا المقام

اما بالنسبة إلى القائم فأمور:

(منها)

ان يفرق الرجل بين قدميه

من ثلاث أصابع إلى شبر و قد تقدم الكلام في ذلك في البيان المتعلق برواية حماد في أول المقصد، و اما المرأة فإنها تجمع بين قدميها كما تقدم في رواية زرارة في الموضع المشار اليه.

و (منها)

ان يستقبل بأصابع رجليه جميعا القبلة

كما تضمنته رواية حماد المذكورة

و (منها)

ان يرسل يديه على فخذيه مضمومة الأصابع

لقول حماد في خبره «فأرسل يديه جميعا على فخذيه قد ضم أصابعه. الحديث» و ظاهره ضم الإبهام إلى الأصابع، و في صحيح زرارة المتقدم ثمة «و اسدل منكبيك و أرسل يديك و لا تشبك أصابعك و ليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك» و اما المرأة فإنها تضم يديها إلى صدرها لمكان ثدييها كما تقدم في رواية زرارة المشار إليها.

88

و (منها)

اقامة نحره

لما تقدم (1)

في مرسلة حريز الواردة في تفسير قوله عز و جل «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» قال: «النحر الاعتدال في القيام ان يقيم صلبه و نحره».

و نقل عن أبي الصلاح انه يستحب ان يرسل ذقنه إلى صدره حال القيام و الخبر المذكور حجة عليه.

و (منها)

النظر إلى موضع سجوده نظر تخشع و خضوع

لا نظر تحديق اليه

لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة في صدر المقصد «و ليكن نظرك إلى موضع سجودك».

و قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «و يكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما».

[عدم التورك]

و (منها) ما ذكره الشهيد في النفلية و هو عدم التورك و هو الاعتماد على احدى الرجلين تارة و على الأخرى أخرى، و عد في الذكرى في المستحبات ان يثبت على قدميه و لا يتكىء مرة على هذه و مرة على الأخرى و لا يتقدم مرة و يتأخر أخرى قال قاله الجعفي.

أقول: و يدل عليه قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «و لا تتكىء مرة على رجلك و مرة على الأخرى».

ثم انه لا يخفى انه قد تقدم ان مذهب الأصحاب وجوب الاعتماد على الرجلين و ظاهره ان الاتكاء على إحداهما مناف للاعتماد عليهما إذ الاتكاء هو الاعتماد لغة و عرفا، فكيف حكموا هنا بالكراهة و مقتضى ما ذكروه ثمة هو التحريم لا الكراهة؟ مع انه قد تقدم خبر أبي حمزة الدال على ان علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يطول القيام يتوكأ مرة على رجله اليمنى و مرة على رجله اليسرى.

و (منها)

لزوم السمت الذي يتوجه اليه

فلا يلتفت إلى أحد الجانبين

لما روى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) من قوله «اما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة ان يحول اللّٰه وجهه وجه حمار؟».

قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية و وجه التخويف العظيم ان الغرض من الصلاة الالتفات إلى اللّٰه تعالى و الملتفت فيها يمينا و شمالا ملتفت عن اللّٰه و غافل

____________

(1) ص 65.

(2) ص 7.

(3) ص 7.

(4) البحار ج 18 الصلاة ص 201.

89

عن مطالعة أنوار كبريائه و من كان كذلك فيوشك ان تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة غفلة للأمور العلوية و عدم إكرامه بشيء من العلوم و القرب من اللّٰه تعالى.

[ما يستحب في القيام للصلاة]

و (منها) ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خبر ابان و معاوية بن وهب و هو

ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّٰه مراقدهم) في الصحيح عن ابان و معاوية بن وهب (1) قالا «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قمت إلى الصلاة فقل اللهم إني أقدم إليك محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) بين يدي حاجتي و أتوجه به إليك فاجعلني به وجيها عندك في الدنيا و الآخرة و من المقربين و اجعل صلاتي به مقبولة و ذنبي به مغفورا و دعائي به مستجابا انك أنت الغفور الرحيم».

و روى في الكافي عن احمد بن محمد البرقي عن بعض أصحابنا رفعه (2) قال:

«تقول قبل دخولك في الصلاة اللهم إني أقدم محمدا نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) بين يدي حاجتي و أتوجه به إليك في طلبتي فاجعلني به وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين اللهم اجعل صلاتي بهم مقبولة و ذنبي بهم مغفورا و دعائي بهم مستجابا يا ارحم الراحمين».

و روى الشيخ في التهذيب عن صفوان الجمال (3) قال: «شهدت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) استقل القبلة قبل التكبير فقال اللهم لا تؤيسني من روحك و لا تقنطني من رحمتك و لا تؤمني مكرك فإنه لا يأمن مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (4). قلت جعلت فداك ما سمعت بهذا من أحد قبلك؟ فقال ان من أكبر الكبائر عند اللّٰه اليأس من روح اللّٰه و القنوط من رحمة اللّٰه و الأمن من مكر اللّٰه».

و روى في الكافي عن علي بن النعمان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول من قال هذا القول كان

____________

(1) الوسائل الباب 15 من القيام.

(2) الوسائل الباب 15 من القيام.

(3) الوسائل الباب 15 من القيام. و الرواية للكليني لا للشيخ كما في الوسائل و الوافي باب القيام إلى الصلاة.

(4) سورة الأعراف، الآية 97 «فَلٰا يَأْمَنُ.».

(5) الوسائل الباب 15 من القيام.

90

مع محمد و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا قام من قبل ان يستفتح الصلاة: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد و آل محمد و أقدمهم بين يدي صلاتي و أتقرب بهم إليك فاجعلني بهم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين أنت مننت علي بمعرفتهم فاختم لي بطاعتهم و معرفتهم و ولايتهم فإنها السعادة اختم لي بها انك على كل شيء قدير ثم تصلي. الحديث».

[كيفية القيام للصلاة]

و (منها) ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) و أسنده في الذكرى إلى الصدوق و من الظاهر انه انما أخذه من الكتاب المذكور، قال (عليه السلام): «إذا أردت ان تقوم إلى الصلاة فلا تقم إليها متكاسلا و لا متناعسا و لا مستعجلا و لا متلاهيا و لكن تأتيها على السكون و الوقار و التؤدة و عليك بالخشوع و الخضوع متواضعا للّٰه عز و جل متخاشعا عليك خشية و سيما الخوف راجيا خائفا بالطمأنينة على الوجل و الحذر فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه فصف قدميك و انصب نفسك و لا تلتفت يمينا و شمالا و تحسب انك تراه فان لم يكن تراه فإنه يراك، و لا تعبث بلحيتك و لا بشيء من جوارحك و لا تفرقع أصابعك و لا تحك بدنك و لا تولع بأنفك و لا بثوبك، و لا تصل و أنت متلثم و لا يجوز للنساء الصلاة و هن متنقبات، و يكون بصرك في موضع سجودك ما دمت قائما، و أظهر عليك الجزع و الهلع و الخوف و ارغب مع ذلك إلى اللّٰه عز و جل، و لا تتكىء مرة على رجلك و مرة على الأخرى، و تصلي صلاة مودع ترى انك لا تصلي أبدا، و اعلم انك بين يدي الجبار و لا تعبث بشيء من الأشياء و لا تحدث لنفسك و افرغ قلبك و ليكن شغلك في صلاتك و أرسل يديك ألصقهما بفخذيك فإذا افتتحت الصلاة فكبر. إلى آخره» و اما بالنسبة إلى القعود فقد تقدم في الموضع الرابع من المسألة الثالثة (2). و اللّٰه العالم.

____________

(1) ص 7.

(2) ص 73.

91

الفصل الرابع في القراءة

و النظر في واجباتها و مستحباتها و لواحقها و حينئذ فيجب بسط الكلام فيها في بحوث ثلاثة

[البحث] (الأول) في واجباتها

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [هل القراءة في الصلاة ركن؟]

لا خلاف نصا و فتوى في وجوب قراءة الحمد عينا في الصلاة الواجبة في ركعتي الصبح و أوليي الصلوات الباقية، و عليه عمل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) من بعده و به استفاضت اخبارهم.

انما الخلاف في الركنية و عدمها فالمشهور- بل ادعى عليه الشيخ (قدس سره) في الخلاف الإجماع- على العدم، و نقل في المبسوط عن بعض أصحابنا القول بركنيتها.

و يدل على المشهور

ما رواه الكليني في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ان اللّٰه عز و جل فرض الركوع و السجود، و القراءة سنة فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة و من نسي القراءة فقد تمت صلاته و لا شيء عليه».

و رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) مثله (2).

و روى في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود، ثم قال القراءة سنة و التشهد سنة و لا تنقض السنة الفريضة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأوليين فيذكر في الركعتين الأخيرتين انه لم يقرأ؟ قال أتم الركوع و السجود؟ قلت نعم. قال اني اكره أن أجعل آخر صلاتي أولها».

____________

(1) الوسائل الباب 27 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 27 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 29 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 30 من القراءة.

92

و عن أبي بصير في الموثق (1) قال: «إذا نسي أن يقرأ في الاولى و الثانية أجزأه تسبيح الركوع و السجود، و ان كانت الغداة فنسي ان يقرأ فيها فليمض في صلاته».

الى غير ذلك من الأخبار الدالة على صحة الصلاة مع نسيانها.

و ربما استدل على القول بالركنية

بما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته؟ قال لا صلاة له إلا ان يقرأ بها في جهر أو إخفات».

و حملها الأصحاب على ترك القراءة عمدا جمعا بينها و بين ما تقدم من الأخبار.

و عندي في المقام اشكال لم أعثر على من تنبه له و لا نبه عليه و هو ان الفرض الذي تجب إعادة الصلاة بتركه عمدا أو نسيانا هو ما ثبت وجوبه بالكتاب العزيز و اما ما ثبت وجوبه بالسنة فهو واجب لا تبطل الصلاة بتركه سهوا، و بذلك صرح الأصحاب و اليه تشير صحاح زرارة و محمد بن مسلم المتقدمات، مع انه قد ورد في القرآن العزيز ما يدل على الأمر بالقراءة في الصلاة كقوله عز و جل «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» (3) و هي ظاهرة في ما ذكرناه.

و بعض الأصحاب استدل بالآية على وجوب القراءة في الصلاة من حيث دلالة الأمر على الوجوب و أجمعوا على انها لا تجب في غير الصلاة فتجب فيها. و بعض استدل بالتقريب المذكور على وجوب السورة حيث قالوا الأمر للوجوب و ما تيسر عام فوجب قراءة كل ما تيسر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد و السورة منفي بالإجماع فيبقى وجوب السورة سالما عن المعارض. و فيه ما سيأتي عند ذكر المسألة ان شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) الوسائل الباب 29 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 1 و 27 من القراءة.

(3) سورة المزمل، الآية 20.

93

و يعضد هذه الآية أيضا قوله عز و جل «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (1) و قوله:

«فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ» (2) فإنهم قد استدلوا على استحباب الاستعاذة في الصلاة بهذه الآية.

و بذلك ينبغي ان تكون القراءة فريضة كالركوع و السجود، و هذه الآيات في دلالتها على ما قلناه لا تقصر عن آيات الركوع و السجود من قوله عز و جل «وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ» (3) و قوله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا» (4) و نحوهما.

و بالجملة فإن دلالتها على ما ذكرناه أظهر من ان يذكر. و لعل من ذهب إلى الركنية نظر إلى دلالة هذه الآيات فتكون من قبيل الركوع و السجود و فرائض الصلاة. إلا ان الأخبار كما عرفت قد صرحت بأنها ليست بفريضة و ان الصلاة لا تبطل بتركها سهوا كالفرائض من الركوع و السجود، و الأمر في ذلك مرجوع إليهم (عليهم السلام) فليس لنا إلا الانقياد و التسليم بعد ثبوت الحكم عنهم (عليهم السلام).

ثم ان من الأخبار الدالة على ما ذكرناه من وجوب القراءة

صحيحة محمد بن مسلم الأخيرة و رواية أبي بصير (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي أم القرآن؟ فقال ان كان لم يركع فليعد أم القرآن».

و عن سماعة في الموثق (6) قال: «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب؟ قال فليقل أستعيذ باللّٰه من الشيطان الرجيم انه هو السميع العليم ثم ليقرأها ما دام لم يركع فإنه لا قراءة حتى يبدأ بها في جهر أو إخفات».

و روى الصدوق بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (7) انه قال: «إنما أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجورا منسيا و ليكون

____________

(1) سورة المزمل، الآية 4.

(2) سورة النحل، الآية 100.

(3) سورة البقرة، الآية 40.

(4) سورة الحج، الآية 76.

(5) الوسائل الباب 28 من القراءة.

(6) الوسائل الباب 28 من القراءة.

(7) الوسائل الباب 1 من القراءة.

94

محفوظا مدروسا فلا يضمحل و لا يجهل، و انما بدئ بالحمد دون سائر السور لانه ليس شيء من القرآن و الكلام جمع فيه من جوامع الخير و الحكمة ما جمع في سورة الحمد.

الحديث».

قال: و قال الرضا (عليه السلام) «انما جعل القراءة في الركعتين الأوليين و التسبيح في الأخيرتين للفرق بين ما فرض اللّٰه من عنده و بين ما فرضه الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى محمد بن الحسين الرضي في كتاب المجازات النبوية عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج».

الى غير ذلك من الأخبار.

و تنقيح الكلام في المقام لئلا يتطرق اليه النقض و الإبرام يتوقف على بيان جملة من الأحكام

(الأول) [وجوب الحمد في كل من الثنائية و أوليي غيرها واجبة كانت أو نافلة]

قد عرفت بما ذكرنا من الأخبار مضافا إلى اتفاق علمائنا الأبرار وجوب الحمد في كل من الثنائية و أوليي غيرها، و هل تتعين الفاتحة في النافلة؟

الأشهر الأظهر ذلك لأن الصلاة كيفية متلقاة من الشرع فيجب الوقوف فيها على ما ثبت نقله عن الشارع. و نقل عن العلامة في التذكرة انه لا يجب قراءة الفاتحة فيها للأصل. و قيل عليه انه ان أراد الوجوب بالمعنى المصطلح الشرعي فهو حق لأن الأصل إذا لم يكن واجبا لم تجب اجزاؤه، و ان أراد ما يعم الوجوب الشرطي بحيث تنعقد النافلة بدون القراءة- و هو الظاهر من كلامه- فهو ممنوع و سند المنع ما ذكرنا آنفا. أقول: و لو تم ما ذكره لجرى في جميع واجبات الصلاة من ذكر الركوع و السجود و التشهد و نحوها و الظاهر انه لا يلتزمه.

(الثاني) [عدم جواز الإخلال بشيء من القراءة]

- قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف في الباب بأنه يجب قراءة الحمد اجمع و لا تصح الصلاة مع الإخلال و لو بحرف واحد منها عمدا حتى التشديد لأن الإتيان بها انما يتحقق مع الإتيان بجميع اجزائها فيلزم من الإخلال بالجزء الإخلال بها، و من الحروف التشديد في مواضعه فإنه حرف و زيادة: أحدهما الحرف و الآخر ادغامه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القراءة.

95

في حرف آخر، و الإدغام بمنزلة الاعراب لا يجوز الإخلال به فالإخلال بالإدغام إخلال بشيئين حينئذ، و لو فكه بطلت و ان لم يسقط الحرف لزوال الإدغام و عدم وقوع القراءة على الكيفية المنزلة.

و كما تبطل بالإخلال بحرف تبطل أيضا بترك الاعراب و المراد به ما يشمل الحركات البنائية، و لا فرق في الإخلال بين كونه مغيرا للمعنى كضم تاء «أنعمت» أولا كفتح دال «الحمد» و ان كان قد ورد في الشواذ لأن الاعراب كيفية للقراءة و كما وجب الإتيان بحروفها وجب الإتيان بالإعراب المتلقى من صاحب الشرع.

و حكى في المعتبر عن بعض الجمهور انه لا يقدح في الصحة الإخلال بالإعراب الذي لا يغير المعنى لصدق القراءة معه، قال في المدارك و هو منسوب للمرتضى في بعض رسائله ثم قال و لا ريب في ضعفه.

[حكم القراءات السبع]

ثم قال و لا يخفى ان المراد بالإعراب هنا ما تواتر نقله في القرآن لا ما وافق العربية لأن القراءة سنة متبعة، و قد نقل جمع من الأصحاب الإجماع على تواتر القراءات السبع (1) و حكى في الذكرى عن بعض الأصحاب انه منع من قراءة أبي جعفر و يعقوب و خلف و هي كمال العشر ثم رجح الجواز لثبوت تواترها كتواتر السبع. قال المحقق الشيخ علي بعد نقل ذلك و هذا لا يقصر عن ثبوت الإجماع بخبر الواحد فيجوز القراءة بها. و هو غير جيد لأن ذلك رجوع عن اعتبار التواتر. و قد نقل جدي (قدس سره) عن بعض محققي القراء أنه أفرد كتابا في أسماء الرجال الذين نقلوا هذه القراءات في كل طبقة و هم يزيدون عما يعتبر في التواتر، ثم حكى عن جماعة من القراء انهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع و العشر ان كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار التواتر الآن في ما نقل من هذه القراءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن

____________

(1) القراء السبعة هم عبد اللّٰه بن عامر و عبد اللّٰه بن كثير و عاصم و أبو عمرو بن العلاء و حمزة بن زيات و نافع و الكسائي.

96

غيرهم، و هو مشكل جدا لكن المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان.

و على هذا المنوال من الحكم بتواتر هذه القراءات عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) جرى كلام غيره من علمائنا في هذه المجال، و هو عند من رجع إلى اخبار الآل (عليهم صلوات ذي الجلال) لا يخلو من الاشكال و ان اشتهر في كلامهم و صار عليه مدار نقضهم و إبرامهم حتى قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح الرسالة الألفية مشير الى القراءات السبع:

فان الكل من عند اللّٰه تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ على قلب سيد المرسلين (صلى اللّٰه عليه و آله) تخفيفا على الأمة و تهوينا على أهل هذه الملة (1) انتهى.

و فيه (أولا) ان هذا التواتر المدعى ان ثبت فإنما هو من طريق العامة الذين

____________

(1) قال آية اللّٰه الأستاذ السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله في البيان ج 1 ص 92:

ذهب جمع من علماء أهل السنة إلى تواترها- القراءات- عن النبي (ص) و نقل عن السبكى القول بتواتر القراءات العشر، و أفرط بعضهم فزعم ان من قال ان القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر، و نسب هذا الرأي إلى مفتى البلاد الاندلسية (أبي سعيد فرج بن لب) و المعروف عند الشيعة انها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ و بين ما هو منقول بخبر الواحد، و اختار هذا القول جماعة من المحققين من أهل السنة و غير بعيد ان يكون هذا هو المشهور بينهم، و قد حقق- دامت بركاته- البحث تحقيقا وافيا بما لا مزيد عليه و برهن على عدم تواترها- بعد بيان حال القراء- بما حاصله (1) ان استقراء حال القراء يورث القطع بان القراءات نقلت إلينا بأخبار الآحاد فليست هي متواترة عن القراء (2) و ان التأمل في الطرق التي أخذ القراء عنها يدل بالقطع على انها انما نقلت إليهم بطريق الآحاد (3) و ان اتصال الأسانيد بهم أنفسهم يقطع التواتر حتى لو كان متحققا في جميع الطبقات فان كل قارئ انما ينقل قراءته بنفسه (4) و ان احتجاج كل قارئ على صحة قراءته و إعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على استنادها إلى اجتهادهم دون التواتر عن النبي (ص) و إلا لم يحتج إلى الاحتجاج (5) أضف إلى ذلك إنكار جملة من الاعلام على جملة من القراءات و لو كانت متواترة لما صح هذا الإنكار. و من أراد التفصيل فليرجع اليه.

97

هم النقلة لتلك القراءات و الرواة لها في جميع الطبقات و انما تلقاها غيرهم عنهم و أخذوها منهم، و ثبوت الأحكام الشرعية بنقلهم و ان ادعوا تواتره لا يخفى ما فيه.

و (ثانيا) ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره الكبير حيث قال على ما نقله بعض محدثي أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم): اتفق الأكثرون على ان القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، و فيه إشكال لأنا نقول ان هذه القراءات منقولة بالتواتر، و ان اللّٰه خير المكلفين بين هذه القراءات فان كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر فوجب ان يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق ان لم يلزمهم الكفر، كما ترى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة و يحمل الناس عليه و يمنعهم من غيره، و ان قلنا بعدم التواتر بل ثبوتها من طرق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم و القطع و ذلك باطل قطعا. انتهى.

و الجواب عن ذلك- بما ذكره شيخنا الشهيد الثاني الذي هو أحد المشيدين لهذه المباني و هو ما أشار إليه سبطه هنا من انه ليس المراد بتواترها ان كل ما ورد متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن في ما نقل إلا من القراءات فان بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلا عن غيرهم كما حققه جماعة من أهل هذا الشأن. انتهى- منظور فيه من وجهين (أحدهما) ما ذكره سبطه في الجواب عن ذلك من ان المتواتر لا يشتبه بغيره كما يشهد به الوجدان فلو كان بعضها متواترا كما ادعاه لصار معلوما على حدة لا يشتبه بما هو شاذ نادر كما ذكره و الحال ان الأمر ليس كذلك.

و (ثانيهما) ما ذكره في شرح الألفية مما قدمنا نقله عنه فان ظاهره كون جميع تلك القراءات مما ثبت عن اللّٰه عز و جل بطريق واحد و هو ما ادعوه من التواتر.

و بالجملة فإنه لو كان هنا شيء متواتر من هذه القراءات في الصدر الأول أعني زمن أولئك القراء أو كلها متواترة لم يجز هذا التعصب الذي ذكره الرازي بين أولئك القراء في حمل

98

كل منهم الناس على قراءته و المنع من متابعة غيره، و هذا كما نقل عن النحويين من التعصب من كل منهم في ما ذهب اليه و نسبة غيره إلى الغلط مع أنهم الواسطة في النقل عن الغرب و مذاهبهم في النحو كاشفة عن كلام العرب في تلك المسائل. و الاشكال الذي ذكره الرازي ثمة جار أيضا في هذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

و (ثالثا) و هو العمدة ان الوارد في أخبارنا يدفع ما ذكروه

فروى ثقة الإسلام في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ان القرآن واحد نزل من عند الواحد و لكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة».

و روى فيه أيضا في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان الناس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف؟ فقال كذبوا أعداء اللّٰه و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد».

قال المحدث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الخبرين المذكورين: و المقصود منهما واحد و هو ان القراءة الصحيحة واحدة إلا انه (عليه السلام) لما علم انهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعا مع اختلافها كذبهم. انتهى.

و يقرب من ذلك

ما رواه في الكافي أيضا في الصحيح إلى المعلى بن خنيس (3) قال: «كنا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و معنا ربيعة الرأي فذكر القرآن فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال فقال ربيعة الرأي ضال؟ فقال نعم. ثم قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اما نحن فنقرأ على قراءة أبي».

قال في كتاب الوافي: و المستفاد من هذا الحديث ان القراءة الصحيحة هي قراءة ابي و انها الموافقة لقراءة أهل البيت (عليهم السلام) إلا انها اليوم غير مضبوطة عندنا إذ لم تصل إلينا قرائته في جميع ألفاظ القرآن. انتهى.

أقول: لعل كلامه (عليه السلام) في آخر الحديث انما وقع على سبيل التنزل

____________

(1) الوافي ج 5 باب «اختلاف القراءات».

(2) الوافي ج 5 باب «اختلاف القراءات».

(3) الوافي ج 5 باب «اختلاف القراءات».

99

و الرعاية لربيعة الرأي حيث انه معتمد العامة في وقته تلافيا لما قاله في حق ابن مسعود و تضليله له مع انه عندهم بالمنزلة العليا سيما في القراءة و إلا فإنهم (عليهم السلام) لا يتبعون أحدا و انما هو متبوعون لا تابعون.

ثم اعلم ان العامة قد رووا في أخبارهم ان القرآن قد نزل على سبعة أحرف كلها شاف واف (1) و ادعوا تواتر ذلك عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و اختلفوا في معناه إلى ما يبلغ أربعين قولا أشهرها الحمل على القراءات السبع.

و قد روى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال (2) بإسناده إليهم (عليهم السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أتاني آت من اللّٰه عز و جل يقول ان اللّٰه يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت يا رب وسع على أمتي فقال ان اللّٰه يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف».

و في هذا الحديث ما يوافق خبر العامة المذكور مع انه (عليه السلام) قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة و كذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار و الحمل على التقية أقرب قريب فيه و ان احتمل أيضا حمل السبعة الأحرف فيه على اللغات يعني سبع لغات كما قاله ابن الأثير في نهايته في تفسير حديثهم المتقدم، قال أراد بالحرف اللغة أي سبع لغات من لغات العرب أي أنها مفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش و بعضه بلغة هذيل و بعضه بلغة هوازن و بعضه بلغة اليمن و ليس معناه ان يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، على انه قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة و عشرة. و مما يبين ذلك قول ابن مسعود اني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرأوا كما علمتم انما هو مثل قول أحدكم هلم و تعال و اقبل. و فيه أقوال غير ذلك هذا أحسنها. انتهى.

ثم ان الذي يظهر من الأخبار أيضا هو وجوب القراءة بهذه القراءات المشهورة لا من حيث ما ذكروه من ثبوتها و تواترها عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) بل من حيث

____________

(1) تفسير الطبري ج 1 ص 9.

(2) ج 2 ص 11.

100

الاستصلاح و التقية.

فروى في الكافي بسنده إلى بعض الأصحاب عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «قلت له جعلت فداك انا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها و لا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال لا اقرأوا كما تعلمتم فسيجيء من يعلمكم».

و روى فيه بسنده إلى سالم بن سلمة (2) قال: «قرأ رجل على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)- و انا استمع- حروفا من القرآن ليس على ما يقرأها الناس؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم. الحديث».

و بالجملة فالنظر في الأخبار و ضم بعضها إلى بعض يعطي جواز القراءة لنا بتلك القراءات رخصة و تقية و ان كانت القراءة الثابتة عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) انما هي واحدة و إلى ذلك أيضا يشير كلام شيخ الطائفة المحقة (قدس سره) في التبيان حيث قال: ان المعروف من مذهب الإمامية و التطلع في اخبارهم و رواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء و ان الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ، و كرهوا تجريد قراءة بعينها. انتهى و مثله أيضا كلام الشيخ أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان حيث قال: الظاهر من مذهب الإمامية أنهم أجمعوا على القراءة المتداولة بين القراء و كرهوا تجريد قراءة مفردة و الشائع في أخبارهم (عليهم السلام) ان القرآن نزل بحرف واحد. انتهى.

و كلام هذين الشيخين (عطر اللّٰه مرقديهما) صريح في رد ما ادعاه أصحابنا المتأخرون (رضوان اللّٰه عليهم) من تواتر السبع أو العشر، على ان ظاهر جملة من علماء العامة و محققي هذا الفن إنكار ما ادعى هنا من التواتر أيضا.

____________

(1) الوسائل الباب 74 من القراءة. و قد صححنا الحديث على كتب الحديث ارجع إلى الوافي باب «اختلاف القراءات» و أصول الكافي باب «ان القرآن يرفع كما انزل» و النوادر.

(2) الوسائل الباب 74 من القراءة. و قد صححنا الحديث على كتب الحديث ارجع إلى الوافي باب «اختلاف القراءات» و أصول الكافي باب «ان القرآن يرفع كما انزل» و النوادر.

101

قال الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن محمد الجزري الشافعي المقرئ في كتاب النشر للقراءات العشر (1) على ما نقله بعض مشايخنا المعاصرين: كل قراءة وافقت العربية و لو بوجه و وافقت أحد المصاحف العثمانية و لو احتمالا و صح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها و لا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن و وجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم العشرة أم غيرهم من الأئمة المقبولين، و متى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عن من هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف و الخلف صرح بذلك الامام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني و نص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب و كذلك الإمام أبو العباس احمد بن عمار المهدوي و حققه الامام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بابي شامة و هو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه، قال أبو شامة في كتابه (المرشد الوجيز): فلا ينبغي ان يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة و يطلق عليها لفظ الصحة و انها هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، و حينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف دون غيره و لا يختص ذلك بنقلها عنهم بل ان نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة و غيرهم منقسمة إلى المجمع عليه و الشاذ غير ان هؤلاء السبعة لشهرتهم و كثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. انتهى و هو- كما ترى- صريح في ان المعيار في الصحة انما هو على ما ذكروه من الضابط لا على مجرد وروده عن السبعة فضلا عن العشرة و ان العمل على هذا الضابط المذكور

____________

(1) ج 1 ص 9. و اسم الكتاب في النسخة المطبوعة و في كشف الظنون ج 2 ص 1952 «النشر في القراءات العشر».

102

مذهب السلف و الخلف فكيف يتم ما ادعاه أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من تواتر هذه السبع؟

و يؤيد ذلك ما نقله شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني قال سمعت شيخي علامة الزمان و أعجوبة الدوران يقول ان جار اللّٰه الزمخشري ينكر تواتر السبع و يقول ان القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) انما هي في صفتها و انما هي واحدة و المصلي لا تبرأ ذمته من الصلاة إلا إذا قرأ بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه كمالك و ملك و صراط و سراط و غير ذلك. انتهى. و هو جيد وجيه بناء على ما ذكرنا من البيان و التوجيه و لو لا ما رخص لنا به الأئمة (عليهم السلام) من القراءة بما يقرأ الناس لتعين عندي العمل بما ذكره.

[الأخبار الدالة على التغيير في بعض الآيات]

ثم أقول: و مما يدفع ما ادعوه أيضا استفاضة الأخبار بالتغيير و التبديل في جملة من الآيات من كلمة بأخرى زيادة على الأخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن و الحذف منه كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين و المتأخرين (1).

و من الأول ما ورد في قوله عز و جل «وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ» (2)

ففي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه قرأ أبو بصير عنده هذه الآية فقال (عليه السلام) ليس هكذا أنزلها اللّٰه تعالى و انما نزلت و أنتم قليل» و في آخر «و ما كانوا اذلة و فيهم رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و انما نزل و لقد نصركم

____________

(1) ذكر آية اللّٰه الأستاذ الخوئي دام ظله في البيان ج 1 ص 139 ان المشهور بين علماء الشيعة و محققيهم بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف و انه ذهب إليه جماعة من المحدثين من الشيعة و جمع من علماء أهل السنة كما نسبه إليهم الرافعي في إعجاز القرآن ص 41. و قد أجاب عن الروايات التي تمسك بها القائلون به بنحو لا يبقى مجال للتشكيك و من أراد فليرجع إلى البيان ج 1 ص 175.

(2) سورة آل عمران الآية 119.

(3) تفسير الصافي في تفسير الآية.

103

اللّٰه ببدر و أنتم ضعفاء».

و ما ورد في قوله عز و جل «لَقَدْ تٰابَ اللّٰهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهٰاجِرِينَ وَ الْأَنْصٰارِ» (1)

ففي الاحتجاج عن الصادق (عليه السلام) و المجمع عن الرضا (عليه السلام) (2) «لقد تاب اللّٰه بالنبي عن المهاجرين» و القمي عن الصادق (عليه السلام) «هكذا أنزلت».

و في الاحتجاج عنه (عليه السلام) (3) «و اي ذنب كان لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى تاب منه؟ انما تاب اللّٰه به على أمته».

و ما ورد في قوله تعالى «وَ عَلَى الثَّلٰاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّٰى إِذٰا ضٰاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ. الآية» (4)

ففي المجمع عن السجاد و الباقر و الصادق (عليهم السلام) (5) «انهم قرأوا خالفوا».

و القمي عن العالم (عليه السلام) (6) و الكافي و العياشي عن الصادق (عليه السلام) مثله (7) قال: «و لو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة».

و ما ورد في قوله عز و جل «لَهُ مُعَقِّبٰاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ» (8) ففي تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) (9) «ان هذه الآية قرئت عنده فقال لقارئها أ لستم عربا فكيف تكون المعقبات من بين يديه؟ و انما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا؟ فقال إنما أنزلت (له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر اللّٰه) و من ذا الذي يقدر ان يحفظ الشيء من أمر اللّٰه؟ و هم الملائكة المقربون الموكلون بالناس».

و مثله في تفسير العياشي (10).

و أنت خبير بان ظواهر هذه الآيات لا تنطبق على ما نطقت به هذه الروايات إلا بارتكاب التكلفات و التعسفات.

____________

(1) سورة التوبة، الآية 118.

(2) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(3) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(4) سورة التوبة، الآية 119.

(5) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(6) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(7) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(8) سورة الرعد، الآية 12.

(9) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(10) تفسير الصافي في تفسير الآية.

104

و نحو ذلك ما ورد في قوله عز و جل «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (1)

ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) (2) إنما أنزلت «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ».

و العياشي عن الباقر (عليه السلام) (3) انه كان يقرأها كذلك. و روته العامة أيضا عن جمع من الصحابة (4).

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن غالب بن الهذيل (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» (6) على الخفض هي أم على النصب؟ قال بل هي على الخفض».

مع ان قراءة النصب احدى القراءات السبع (7).

و مثله ما ورد في قوله تعالى «سلام على آل ياسين» (8) فإنها قراءة أهل البيت (عليهم السلام) و بها وردت اخبارهم (9) مع ان قراءة «آل ياسين» احدى القراءات السبع (10) الى غير ذلك من المواضع التي لا يسع المقام الإتيان عليها.

و اما اخبار القسم الثاني فهي أكثر و أعظم من ان يأتي عليها قلم البيان في هذا المكان، و اللازم اما العمل بما قالوه من ان كل ما قرأت به القراء السبعة و ورد عنهم في أعراب أو كلام أو نظام فهو الحق الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) من رب العالمين على سيد المرسلين، و فيه رد لهذه الأخبار على ما هي عليه من الصحة و الصراحة و الاشتهار و هذا مما لا يكاد يتجرأ عليه المؤمن باللّٰه سبحانه و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة

____________

(1) سورة النساء، الآية 24.

(2) الوسائل الباب 1 من المتعة.

(3) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(4) تفسير القرطبي ج 5 ص 139.

(5) الوسائل الباب 25 من الوضوء.

(6) سورة المائدة، الآية 6.

(7) و هي قراءة نافع و ابن عامر و الكسائي و عاصم كما في مجمع البيان ج 2 ص 163.

(8) سورة الصافات، الآية 130.

(9) تفسير الصافي في تفسير الآية.

(10) و هي قراءة ابن عامر و نافع كما في مجمع البيان ج 4 ص 456.

105

الاطهار (عليهم السلام) و اما العمل بهذه الأخبار و بطلان ما قالوه و هو الحق الحقيق بالاتباع لذوي البصائر و الأفكار. و اللّٰه العالم.

(الثالث) [البسملة آية من كل سورة إلا براءة]

- لا خلاف بين الأصحاب في أن البسملة آية من الفاتحة و من كل سورة تجب قراءتها معها ما عدا سورة براءة، و عليه تدل الأخبار المتكاثرة:

فروى ثقة الإسلام في الكافي عن معاوية بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قمت للصلاة اقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال نعم.

قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال نعم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن السبع المثاني و القرآن العظيم هي الفاتحة؟ قال نعم. قلت بسم اللّٰه الرحمن الرحيم من السبع؟ قال نعم هي أفضلهن».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قمت إلى الصلاة اقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال نعم. قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال نعم».

و ما رواه في الكافي عن يحيى بن أبي عمران الهمداني (4) قال: «كتبت إلى ابي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها فقال العياشي ليس بذلك بأس؟ فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه يعني العياشي».

قوله «يعيدها» يعني الصلاة و حمله على البسملة بعيد و قوله «مرتين» يتعلق بقوله «كتب» لا بقوله «يعيدها» إذ لا معنى لإعادة الصلاة مرتين. و العياشي ان حمل على الرجل المشهور صاحب التفسير المشهور و هو محمد بن مسعود العياشي فينبغي تخصيصه بكون ذلك في أول أمره فإنه كان من فضلاء العامة ثم استبصر و رجع إلى مذهب الشيعة فالحمل عليه بالتقريب

____________

(1) الوسائل الباب 11 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 11 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 11 من القراءة و الرواية يرويها الشيخ عن الكليني.

(4) الوسائل الباب 11 من القراءة.

106

المذكور غير بعيد (1) و يحتمل غيره من المشهورين في ذلك الوقت.

و روى العياشي في تفسيره عن يونس بن عبد الرحمن عن من رفعه (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (3) قال هي سورة الحمد و هي سبع آيات منها بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، و انما سميت المثاني لأنها تثنى في الركعتين».

و منه عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سرقوا أكرم آية في كتاب اللّٰه: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

و منه عن صفوان الجمال (5) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ما انزل اللّٰه من السماء كتابا إلا و فاتحته بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و انما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ابتداء للأخرى».

و منه عن عيسى بن عبد اللّٰه عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام) (6) قال:

«بلغه ان أناسا ينزعون بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ فقال هي آية من كتاب اللّٰه أنساهم إياها الشيطان».

و منه عن خالد بن المختار (7) قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام)

____________

(1) قال في ريحانة الأدب ج 3 ص 142 في ترجمة العياشي: لم نظفر بتاريخ وفاته إلا انه يظهر من طبقته انه من اعلام أواخر القرن الثالث بل يحتمل انه تجاوزه إلى القرن الرابع أيضا. و في الذريعة ج 4 ص 295 عده من طبقة ثقة الإسلام الكليني، و قد عنونه الشيخ الطوسي في كتاب الرجال في باب من لم يرو عنهم «ع» و بهذا يبعد الحمل عليه لبعد كونه في أول أمره معاصرا للجواد «ع» بحيث يكون مفتيا. و في الطبعة الحديثة من فروع الكافي ج 1 ص 313 «العباسي» بالباء الموحدة و السين المهملة، و في التعليقة «2» منه قال: هو هشام بن إبراهيم العباسي و كان يعارض الرضا و الجواد «ع».

(2) مستدرك الوسائل الباب 1 من القراءة.

(3) سورة الحجر، الآية 87.

(4) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة.

(5) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة.

(6) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة.

(7) مستدرك الوسائل الباب 8 من القراءة.

107

يقول ما لهم قاتلهم اللّٰه عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّٰه فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها؟

و هي بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

و منه عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» (2) فقال فاتحة الكتاب يثنى فيها القول. قال: و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان اللّٰه تعالى من علي بفاتحة الكتاب من كنز الجنة، فيها «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» الآية التي يقول اللّٰه تعالى فيها «وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً» (3) و «الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» دعوى أهل الجنة حين شكروا للّٰه حسن الثواب «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» قال جبرئيل ما قالها مسلم قط إلا صدقة اللّٰه و أهل سماواته «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ» إخلاص للعبادة «وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» أفضل ما طلب به العباد حوائجهم «اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» صراط الأنبياء و هم الذين أنعم اللّٰه عليهم «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» اليهود «وَ لَا الضّٰالِّينَ» النصارى».

الى غير ذلك من الأخبار الآتي ذكر جملة منها ان شاء اللّٰه تعالى.

و هذه الأخبار- كما ترى- ظاهرة في ان البسملة جزء من الفاتحة بل من كل سورة تجب قراءتها مع كل منها. و المشهور بين الأصحاب انها آية من كل سورة صرح به الشيخ في الخلاف و المبسوط و به قطع عامة المتأخرين. و نقل عن ابن الجنيد انها في الفاتحة بعضها و في غيرها افتتاح لها. و هو متروك و إثباتها في المصاحف مع كل سورة مع محافظتهم على تجرده مما ليس منه دليل على ضعف ما ذهب اليه.

ثم لا يخفى انه قد ورد جملة من الأخبار أيضا مما هو ظاهر المنافاة للأخبار المتقدمة و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه

____________

(1) البحار ج 18 الصلاة ص 236.

(2) سورة الحجر، الآية 87.

(3) سورة بني إسرائيل، الآية 46.

(4) الوسائل الباب 12 من القراءة.

108

السلام) عن الرجل يكون اماما فيستفتح بالحمد و لا يقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فقال لا يضره و لا بأس».

و هو محمول على التقية.

و منها-

ما رواه عن زكريا بن إدريس القمي (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يصلي بقوم يكرهون ان يجهر ب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فقال لا يجهر».

و هو صريح في التقية و عليه يحمل الخبر الأول كما ذكرنا.

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن علي الحلبي و محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «انهما سألاه عن من يقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب قال نعم ان شاء سرا و ان شاء جهرا. فقالا أ فيقرأها مع السورة الأخرى؟ فقال لا».

و منها-

ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أ يقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»؟

قال نعم إذا افتتح الصلاة فليقلها في أول ما يفتتح ثم يكفيه ما بعد ذلك».

و عن مسمع في الحسن أو الموثق (4) قال: «صليت مع أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» ثم قرأ السورة التي بعد الحمد و لم يقرأ «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم» ثم قام في الثانية فقرأ الحمد و لم يقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» ثم قرأ بسورة أخرى».

و لعل الصحيحين الأولين هما مستند ابن الجنيد في ما تقدم نقله عنه، و الشيخ قد أجاب عنهما في التهذيب بالحمل على ما إذا كان في صلاة النافلة و قد قرأ من السورة الأخرى بعضها و يريد ان يقرأها فحينئذ لا يقرأ «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» و الظاهر بعده.

و قال في المدارك: و الحق ان هذه الروايات انما تدل على عدم وجوب قراءة البسملة عند قراءة السورة، و ربما كان الوجه فيه عدم وجوب قراءة السورة كما هو

____________

(1) الوسائل الباب 12 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 12 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 12 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 12 من القراءة.

109

أحد قولي الأصحاب.

أقول: و الظاهر عندي ان هذه الأخبار انما خرجت مخرج التقية كما صرح به في الاستبصار، و إلى ذلك تشير روايات العياشي المتقدمة و هي رواية أبي حمزة و رواية عيسى بن عبد اللّٰه و رواية خالد بن المختار. و اللّٰه العالم.

(الرابع) [وجوب تعلم الفاتحة في سعة الوقت و الائتمام أو القراءة من المصحف عند ضيقه]

- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان من لا يحسن الفاتحة يجب عليه التعلم فان ضاق الوقت و أمكن الصلاة مأموما أو القراءة من مصحف ان أحسن ذلك وجب. و قيل بجواز القراءة من المصحف مطلقا و هو ظاهر الخلاف و المبسوط و به صرح الفاضلان معللين بان الواجب مطلق القراءة. و منع ذلك الشهيد و من تبعه للمتمكن من الحفظ.

و استدل على الأول

بما رواه الشيخ في الصحيح إلى الحسن بن زياد الصيقل (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصلي و هو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريبا منه؟ فقال لا بأس بذلك».

إلا انه

قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل و المرأة يضع المصحف امامه ينظر فيه و يقرأ و يصلى؟ قال لا يعتد بتلك الصلاة».

و اما ما أجاب به في الذخيرة عن هذا الخبر- من حمله على الكراهة حيث اختار القول الأول- ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم.

على انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الأول على النافلة و الثاني على الفريضة، و إلى هذا التفصيل ذهب شيخنا الشهيد الثاني و جمع من الأصحاب في المسألة مع انه لم ينقلوا خبر علي بن جعفر المذكور و انما ذهبوا إلى ذلك بجعله وجه جمع بين التعليلات التي ذكروها من الطرفين و هي عليلة، و كان الاولى بكل من القائلين الاستناد إلى ما يوافقه

____________

(1) الوسائل الباب 41 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 41 من القراءة.

110

من الروايتين. و بالجملة فإن ما ذكرناه وجه حسن في الجمع بين الخبرين.

و يمكن حمل خبر الصيقل أيضا على حال الضرورة كمحل المسألة و هو ظاهر الذكرى حيث انه بعد ان اختار المنع محتجا بأن المأمور به القراءة على ظهر القلب إذ هو المتبادر إلى الأفهام ثم احتج بخبر عامي قدمه و هو

ما رواه عبد اللّٰه بن أبي أوفى (1) «ان رجلا سأل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال اني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فما ذا اصنع؟ فقال له قل سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه».

فقال هنا في الاستدلال به: و لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يأمر الأعرابي بالقراءة من المصحف، ثم قال: و روى الحسن الصيقل و ساق الحديث المذكور. و ظاهره حمله على الضرورة في الصورة المذكورة و إلا فالخبر باعتبار إطلاقه ظاهر المنافاة لما ذكره فيكون حجة عليه فالواجب الجواب عنه.

ثم انه مع تعذر الائتمام و القراءة من المصحف فالمستفاد من كلامهم (رضوان اللّٰه عليهم) انه اما ان يحسن بعض الفاتحة أو لا يحسن شيئا بالكلية، و على الأول فاما ان يكون ما يحسنه آية تامة أم أقل، و على الثاني فاما ان يحسن غيرها من القرآن أم لا فههنا صور:

(الاولى)- ان يحسن بعض الفاتحة و كان آية تامة

و الظاهر انه لا خلاف في قراءتها كما ذكره غير واحد منهم.

و هل يقتصر على الآية التي يأتي بها أو يجب التعويض عن باقي الفاتحة بتكرار تلك الآية أو بغيرها من القرآن أو الذكر مع تعذر الأولين؟ قولان، ظاهر الفاضلين في المعتبر و المنتهى الأول و اختاره في المدارك تمسكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض.

و اختار العلامة في بعض كتبه على ما نقل عنه التعويض، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني في

____________

(1)

في سنن ابى داود ج 1 ص 220 عن عبد اللّٰه بن أبي أوفى قال «جاء رجل إلى النبي «ص» فقال اني لا أستطيع ان آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر لا حول و لا قوة إلا باللّٰه. الحديث» ..

111

الروض إلى المشهور بين المتأخرين، و احتج بعموم «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (1) قال خرج منه ما اتفق على عدم وجوبه و أخرجه الدليل فيبقى الباقي و لا دليل على الاكتفاء ببعض الفاتحة. انتهى.

ثم انه على تقدير وجوب التعويض كما هو مقتضى هذا القول فلو علم غيرها من القرآن فهل يعوض عن الفائت بقراءة ما يعلمه من الفاتحة مكررا بحيث يساويها أم يأتي ببدله من سورة أخرى؟ قولان، و علل الأول بأنه أقرب إليها من غيرها، و الثاني بأن الشيء الواحد لا يكون أصلا و بدلا. و التعليلان كما ترى.

(الثانية)- ان يحسن بعض آية

و في وجوب قراءتها عليه هنا أقوال: الأول الوجوب

لما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «فان كان معك قرآن فاقرأ به».

الثاني- عدمه استنادا إلى ان النبي أمر الأعرابي ان يحمد اللّٰه و يكبره و يهلله، و قوله «الحمد للّٰه» بعض آية و لم يأمره بتكرارها. و استحسن هذا القول في المعتبر.

الثالث- وجوب قراءتها ان كانت قرآنا و هو المشهور بين المتأخرين.

(الثالثة)- ان لا يحسن شيئا من الفاتحة و يحسن غيرها

من القرآن، و المشهور انه يجب عليه ان يقرأ بدلها من غيرها، و قيل انه يتخير بينه و بين الذكر و هو اختيار المحقق في الشرائع.

و يمكن الاستدلال على الثاني

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان اللّٰه فرض من الصلاة الركوع و السجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الإسلام ثم لا يحسن ان يقرأ القرآن أجزأه ان يكبر و يسبح و يصلي».

____________

(1) سورة المزمل، الآية 19.

(2)

في المنتقى لابن تيمية على هامش نيل الأوطار ج 2 ص 188 عن رفاعة بن رافع «علم رسول اللّٰه «ص» رجلا الصلاة فقال ان كان معك قرآن فاقرأ و إلا فاحمد اللّٰه و كبره و هلله ثم اركع» ..

(3) الوسائل الباب 3 من القراءة.

112

ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من غيرها لها في المقدار أم لا؟ ظاهر الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر الثاني و ظاهر المشهور بين المتأخرين الأول. و على هذا القول فهل تجب المساواة في الحروف أو الآيات أو فيهما؟ أقوال.

(الرابعة)- ان لا يحسن شيئا من القرآن

و المشهور انه يسبح اللّٰه تعالى و يهلله و يكبره، و ذكر الشيخ في الخلاف الذكر و التكبير و ذكر بعضهم التحميد و التسبيح و التهليل و التكبير، و الموجود في الرواية المتقدمة التي هي مستند هذا الحكم التكبير و التسبيح قال في الذكرى: و لو قيل بتعين ما يجزئ في الأخيرتين من التسبيح كان وجها لانه قد ثبت بدليته عن الحمد في الأخيرتين فلا يقصر بدل الحمد في الأوليين عنهما. انتهى. و جعله في المدارك أحوط.

و فيه منع ظاهر (أما أولا) فلان الرواية التي هي مستند هذا الحكم قد اشتملت على بيان الوظيفة القائمة مقام الحمد فالعدول عنها بمجرد هذه التخريجات لا يخرج عن الاجتهاد في مقابلة النص.

و (اما ثانيا) فان ما بنى عليه من بدلية التسبيح عن الحمد في الأخيرتين- بمعنى ان الأصل في الأخيرتين انما هو القراءة و التسبيح انما جعل عوضا عنها- و ان اشتهر بينهم إلا انه ممنوع أشد المنع لما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى في المسألة المذكورة من ان الأمر انما هو بالعكس كما استفاضت به اخبار أهل الذكر (عليهم السلام).

ثم انه هل يجب مساواة ما يأتي به من الذكر للفاتحة أم لا؟ المشهور بين المتأخرين الأول و نفاه المحقق في المعتبر، قال: و قولنا «بقدر القراءة» نريد به الاستحباب لأن القراءة إذا سقطت لعدم القدرة سقطت توابعها و صار ما تيسر من الذكر و التسبيح كافيا. انتهى.

و لو لم يحسن الذكر قال في النهاية يقوم بقدر القراءة ثم يركع إذ لا يلزم من سقوط الواجب سقوط غيره. انتهى.

113

إذا عرفت ذلك فاعلم ان أكثر ما نقلناه من الأقوال خال من النصوص و لذا اقتصرنا في ذلك على مجرد النقل، و الاحتياط في أمثال هذه المواضع مما لا ينبغي تركه بل الظاهر انه الحكم الشرعي كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب.

فرع

متى قلنا بوجوب القراءة من المصحف فلو توقف تحصيل المصحف على شراء أو استئجار أو استعارة وجب ذلك تحصيلا للواجب بقدر الإمكان، و كذا لو احتاج إلى مصباح للظلمة المانعة من القراءة.

(الخامس) [عدم جواز القراءة بغير العربية و حكم العاجز عنها]

- اتفق الأصحاب على انه لا يجوز القراءة بغير العربية فلا تجزئ الترجمة لأن الترجمة مغايرة للمترجم، و لقوله عز و جل «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» (1) و وافقنا على ذلك أكثر العامة.

و قال أبو حنيفة تجزئ الترجمة لقوله سبحانه «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ» (2) و انما ينذر كل قوم بلسانهم (3).

و فيه (أولا) ان أخبارنا دالة على ان المراد بمن بلغ الأئمة (عليهم السلام) فهو عطف على الفاعل في قوله «لِأُنْذِرَكُمْ».

و (ثانيا) انه مع تسليم عطفه على المفعول فان الإنذار بالقرآن لا يستلزم نقل اللفظ بعينه إذ مع إيضاح المعنى بالترجمة يصدق انه انذرهم بخلاف موضع البحث المطلوب فيه صورة المنزل.

و لو عجز عن العربية في القراءة و لم يمكنه إلا الترجمة انتقل إلى الذكر بالعربية، فإن عجز أيضا قالوا وجبت الترجمة، و في تقديم اي الترجمتين قولان، رجح بعض ترجمة القرآن لأنها أقرب إليه من ترجمة الذكر، و وجه القول الآخر فوات الغرض من القرآن

____________

(1) سورة يوسف، الآية 2.

(2) سورة الأنعام، الآية 19.

(3) المغني ج 1 ص 486 و بدائع الصنائع ج 1 ص 112.

114

و هو نظمه المعجز بخلاف الذكر.

و اتفقوا أيضا على وجوب الترتيب في كلماتها و آيها على الوجه المنقول. و لا ريب فيه لتعلق الأوامر بالقرآن على الكيفية التي نزلت و اتى بها صاحب الشريعة، فلو خالف عامدا أعاد الصلاة على ما قطع به الأصحاب.

قال في المدارك: و هو جيد ان لم يتداركها قبل الركوع لا مطلقا لان المقرو على خلاف الترتيب و ان لم يصدق عليه اسم السورة لكن لا يخرج بذلك عن كونه قرآنا. انتهى. و هو جيد. و لو كان ناسيا قالوا يستأنف القراءة ما لم يركع و هو على إطلاقه محل بحث فإنه انما يتم إذا لم يمكن البناء على السابق لفوات الموالاة و إلا بنى عليه و أتم القراءة كما لو قرأ آخر الحمد ثم قرأ أولها.

(السادس) [وجوب إخراج الحروف من مخارجها]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في ان من واجبات القراءة إخراج الحروف من مخارجها المقررة، و الظاهر ان الوجه فيه هو انه لما كان القرآن عربيا نزل بلغة العرب فكل ما اقتضته اللغة العربية و بنيت عليه من إخراج الحروف من مخارجها و التشديد في موضعه المقرر و الإدغام و المد على الوجوه المذكورة في محلها و الاعراب و نحو ذلك مما بنيت عليه اللغة المذكورة و كان من أصولها المقررة فإنه مما يجب الإتيان به، لأن الواجب القراءة باللغة العربية فكل ما كان من أصولها التي لا تحقق لها إلا به فإنه يجب و ما ليس كذلك مثل الجهر و الهمس و الاستعلاء و الإطباق و الترتيل و الوقف و التفخيم و الترقيق و نحوها فإنه لا يجب بل هو من المحسنات.

قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان في شرح قول المصنف: «و يجب إخراج الحروف من مواضعها» ما صورته: و يستفاد من تخصيص الوجوب بمراعاة المخارج و الاعراب في ما تقدم عدم وجوب مراعاة الصفات المقررة في العربية من الجهر و الهمس و الاستعلاء و الإطباق و نظائرها، و هو كذلك بل مراعاة ذلك مستحبة. انتهى.

و نقله عنه المحقق الأردبيلي و استحسنه، ثم قال المحقق المشار إليه في موضع

115

آخر- في تعليل عدم إجزاء قراءة القرآن في الصلاة بالترجمة- ما صورته: يشعر بعدم إجزاء ترجمة القرآن مطلقا و معلوم من وجوب القراءة بالعربية المنقولة تواترا عدم الاجزاء و عدم جواز الإخلال بها حرفا و حركة بنائية و إعرابية و تشديدا و مدا واجبا و كذا تبديل الحروف و عدم إخراجها من مخارجها لعدم صدق القرآن فتبطل الصلاة. الى آخر كلامه زيد في مقامه.

و على هذا النهج كلام غيرهما و مرجعه إلى الفرق بين ما كان من أصول القراءة التي بنيت عليها اللغة العربية و غيره و انه مع الإخلال بشيء من أصول القراءة تبطل الصلاة لعدم صدق الإتيان بالقرآن كما ذكره المحقق المذكور في آخر كلامه. و يزيد ذلك إيضاحا ان مع عدم إخراج الحروف من مخارجها المقررة ربما اختلف المعنى باختلاف المخرجين كما في «الضّٰالِّينَ» بالضاد و الظاء فإنه على الأول من الضلال و على الثاني من باب «ظل يفعل كذا» إذا فعله نهارا.

(المسألة الثانية) [هل تجب السورة في الفريضة؟]

- اتفق الأصحاب من غير خلاف يعرف على انه يجوز الاقتصار على الحمد بغير سورة في النوافل و في الفرائض في حال الاضطرار كالخوف و ضيق الوقت بحيث ان قرأ السورة خرج الوقت و كذا مع عدم إمكان التعلم.

و انما الخلاف في وجوب السورة مع السعة و الاختيار و إمكان التعلم فالمشهور الوجوب و به صرح الشيخ في كتابي الأخبار و الخلاف و الجمل و هو اختيار السيد المرتضى و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن إدريس و غيرهم و عليه أكثر المتأخرين.

و ذهب الشيخ في النهاية إلى الاستحباب و هو اختيار ابن الجنيد و سلار و مال إليه في المعتبر و المنتهى و عليه جمع من متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهما.

و الواجب أولا نقل الأخبار المتعلقة بالمقام و تذييلها بما يفهم من مضامينها من الأحكام ليتضح به الحال و ما هو الاولى بالاختيار في هذا المجال:

116

فأقول و باللّٰه سبحانه التوفيق لبلوغ المأمول: من الأخبار المذكورة التي استدل بها على الاستحباب

ما رواه الشيخ عن علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول ان فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة».

و في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان فاتحة الكتاب وحدها تجزئ في الفريضة».

أقول: و هاتان الروايتان من أقوى أدلة القول بالاستحباب و عليهما اعتمد في المدارك لصحتهما و صراحتهما بزعمه، قال و التعريف في الفريضة ليس للعهد لعدم تقدم معهود و لا للحقيقة لاستحالة إرادته و لا للعهد الذهني لانتفاء فائدته فيكون للاستغراق. انتهى و الشيخ قد حمل هذين الخبرين في التهذيبين على حال الضرورة دون الاختيار و هو أقرب قريب في المقام

لما رواه في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئا».

و بمضمونها أخبار أخر، و قضية إطلاق الخبرين الأولين و تقييد هذه الأخبار حمل الخبرين الأولين على هذه الأخبار كما هو القاعدة.

و بما ذكرنا هنا صرح العلامة في المنتهى حيث نقل عن الشيخ الاحتجاج على الاستحباب بصحيحة الحلبي المذكورة في كلام السيد السند و أجاب عنها بالحمل على حال الضرورة و الاستعجال و أورد الأخبار الدالة على جواز الاقتصار على الحمد في الحالين المذكورين.

و مع الإغماض عن ذلك فاحتمال التقية فيهما مما لا ريب فيه و لا مرية تعتريه، و من ذلك يظهر لك ضعف الاستدلال بالخبرين المذكورين لقيام ما ذكرنا من الاحتمالين في البين و منها-

صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 2 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 2 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 2 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 4 من القراءة.

117

قال: «سألته عن رجل قرأ في ركعة الحمد و نصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لا يقرأ الحمد و يقرأ ما بقي من السورة؟ قال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقي من السورة».

و صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أ يدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته أو يدع تلك السورة و يتحول عنها إلى غيرها؟ قال كل ذلك لا بأس به و ان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع».

و صحيحة إسماعيل بن الفضل (2) قال: «صلى بنا أبو عبد اللّٰه أو أبو جعفر (عليه السلام) فقرأ بفاتحة الكتاب و آخر سورة المائدة فلما سلم التفت إلينا فقال اما إني أردت أن أعلمكم».

و نحو ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أ يقرأ الرجل السورة الواحدة في الركعتين من الفريضة؟

قال لا بأس إذا كانت أكثر من ثلاث آيات».

و هي و ان احتملت الحمل على تكرار السورة في الركعتين إلا ان التقييد بأكثر من ثلاث آيات لا يظهر له معنى إلا حمل الخبر على قسمة السورة في الركعتين.

و أصرح منه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابان بن عثمان عن من أخبره عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته هل تقسم السورة في ركعتين؟ فقال نعم اقسمها كيف شئت».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) «انه سئل عن السورة أ يصلي الرجل بها في ركعتين من الفريضة؟ قال نعم إذا كانت ست آيات قرأ بالنصف منها في الركعة الاولى و النصف الآخر في الركعة الثانية».

و هذه الرواية نقلها المحقق في المعتبر (6) عن حريز بن عبد اللّٰه عن أبي بصير

____________

(1) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 5 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 6 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 5 من القراءة.

(6) ص 174.

118

و الظاهر انه نقلها من كتاب حريز.

و صحيحة علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن تبعيض السورة فقال اكره ذلك و لا بأس به في النافلة».

و قد تقدم في ما يدخل في سلك هذه الأخبار صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة الحلبيين و حسنة مسمع أو موثقته السابقات في الحكم الثالث من المسألة المتقدمة.

أقول: و هذه الأخبار و ان دلت بحسب ما يتراءى منها على ما ذكروه إلا ان باب الاحتمال فيها مفتوح، فإن إطلاق جملة منها قابل للحمل على النافلة و ما هو صريح في الفريضة أو ظاهر فيها فحمله على التقية أقرب قريب و كذلك باقي الأخبار. و بالجملة فإن اتفاق العامة على استحباب السورة و جواز تبعيضها (2) مما أوهن الاستناد إليها و أضعف الاعتماد عليها إلا ان أصحابنا (سامحهم اللّٰه تعالى بغفرانه) لما اطرحوا هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليهم السلام) و نبذوها وراء ظهورهم- كما قدمنا بيانه في غير مقام مما تقدم- اتسع لهم المجال في مثل هذه الأقوال، و اللّٰه العالم بحقيقة الحال.

و على هذا فالمراد بقوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن الفضل «إنما أردت أن أعلمكم» يعني جواز التبعيض للتقية، و قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين «اكره ذلك» انما هو بمعنى التحريم لا المعنى المصطلح فإنه اصطلاح عرفي طارئ و ورود الكراهة بمعنى التحريم في الأخبار أكثر كثير كما اعترف به جملة من الأصحاب و قد تقدم بيانه في غير مقام. هذا ما يتعلق بالكلام على الأخبار الدالة على الاستحباب و اما الأدلة التي استدلوا بها على الوجوب فمنها الآية أعني قوله عز و جل «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (3) فإن الأمر حقيقة في الوجوب.

و منها-

صحيحة منصور بن حازم (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(2) المغني ج 1 ص 491 و ص 493.

(3) سورة المزمل، الآية 20.

(4) الوسائل الباب 4 من القراءة.

119

لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر».

و أجاب في المدارك عن الآية بأنه لا دلالة لها على المدعى بوجه لأن موردها التهجد ليلا كما يدل عليه السياق، و لأن الظاهر ان «ما» ليست اسما موصولا بل نكرة تامة فلا تفيد العموم بل يكون حاصل المعنى اقرأوا مقدار ما أردتم و أحببتم. و اما الرواية فلا تخلو من ضعف في السند و الدلالة لأن في طريقها محمد بن عبد الحميد و هو غير موثق مع ان النهي فيها وقع عن قراءة الأقل من سورة و الأكثر و هو في الأكثر محمول على الكراهة كما سنبينه فيكون في الأقل كذلك حذرا من استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه. انتهى أقول: ما ذكره في معنى الآية و ان أمكن المناقشة فيه بما يطول به الكلام إلا ان الظاهر ان الآية لا تصلح هنا للاستدلال لما هي عليه من التشابه و قيام الاحتمال.

و اما ما ذكره في الجواب عن صحيحة منصور من الطعن في السند و الدلالة فهو مردود، اما الطعن من جهة السند ففيه ان منعه من توثيق محمد بن عبد الحميد ممنوع، و الظاهر انه اعتمد في ذلك على عبارة العلامة في الخلاصة و ما كتبه جده (قدس اللّٰه أرواحهم) في حواشيها، حيث قال العلامة في الخلاصة: محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و كان ثقة من أصحابنا الكوفيين. انتهى. فكتب شيخنا الشهيد الثاني في الحاشية: هذه عبارة النجاشي و ظاهرها ان الموثق الأب لا الابن. انتهى.

و أنت خبير بان ما ذكره في المدارك و ان احتمل بالنسبة إلى عبارة العلامة في الخلاصة إلا انه لا يتم في عبارة النجاشي التي أخذ منها العلامة هذه العبارة فإن هذه العبارة بعينها في كتاب النجاشي و بعدها بلا فصل: له كتاب النوادر. الى آخره. و حينئذ فمرجع ضمير «له» هو مرجع ضمير «كان» كما لا يخفى على العارف بأسلوب الكلام من الأعيان، و لا معنى لرجوع الضمير الأول إلى الأب و الثاني إلى الابن للزوم التفكيك في الضمائر و هو معيب في كلام الفصحاء بل من قبيل التعمية و الألغاز. و يؤيده أيضا ان محمد صاحب

120

الترجمة فجميع ما يذكر فيها يرجع اليه إلا مع قرينة خلافه، و لهذا عد العلامة في الخلاصة طريق الصدوق إلى منصور بن حازم في الصحيح مع ان محمد المشار إليه في الطريق، و جزم بتوثيقه جملة من علمائنا الأعلام منهم الميرزا محمد صاحب كتاب الرجال و شيخنا المجلسي في الوجيزة و شيخنا أبو الحسن في البلغة و غيرهم.

و من مواضع الاشتباه في مثل ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمة الحسن بن علي بن النعمان حيث قال الحسن بن علي بن النعمان مولى بني هاشم أبوه علي بن النعمان ثقة ثبت له كتاب نوادر صحيح الحديث كثير الفوائد. إلخ. و السيد السند صاحب المدارك كتب في حواشيه على الخلاصة على هذا الموضع حيث نقل العلامة فيها هذه العبارة ما صورته: استفاد منه بعض مشايخنا توثيقه و عندي في ذلك توقف و المصنف (قدس سره) جعل حديثه في الصحيح في المنتهى في بحث التخيير في المواضع الأربعة و كأنه ظهر له توثيقه و لا يبعد استفادته من هذه العبارة. انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه في كلام أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من علماء الرجال و غيرهم هو توثيق الحسن بن علي بن النعمان المذكور و لم يتوقف أحد منهم في ذلك، و هو بناء منهم على انه إذا كانت الترجمة لرجل فجميع ما يذكر فيها انما يعود اليه كما هو في كتب الرجال المعول عليها إلا مع قرينة خلافه كما أشرنا آنفا اليه، و حينئذ فما توهمه (قدس سره) في هذا المقام ظاهر السقوط عند علمائنا الاعلام.

و اما الطعن في الرواية من حيث الدلالة بأن النهي عن الأكثر محمول على الكراهة ففيه ان ما وجه به الكراهة- و هو الذي أشار إليه بقوله «سنبينه» من قيام الدليل عنده على جواز القران في الفريضة فتحمل هذه الرواية و نحوها مما دل على النهي عن القران على الكراهة جمعا- مدفوع بما سيجيء تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى في المسألة من ان المستفاد من الأخبار هو التحريم. نعم يمكن توجيه ذلك بغير ما وجهه (قدس سره) و هو ان ظاهر الأخبار الكثيرة الدالة- كما قلنا- على تحريم القران هو انه عبارة عن الجمع

121

بين سورتين بعد الحمد لا مجرد الزيادة على سورة. و لو ادعى أيضا شمول القران لذلك بمجرد هذه الرواية كما ذهب اليه البعض فيمكن توجيه الكراهة حينئذ باستفاضة الروايات و اتفاق الأصحاب على جواز العدول عن سورة إلى أخرى في الجملة و ان اختلفوا في تحديده فإنه يدل على جواز قراءة ما زاد على سورة فيجب حمل النهي هنا عما زاد على الكراهة البتة و بذلك يضعف الاعتماد في الوجوب عليها.

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«من غلط في سورة فليقرأ قل هو اللّٰه أحد. ثم ليركع».

حتى انه يفهم من بعضهم وجوب قراءة «قل هو اللّٰه أحد» في هذه الصورة.

و فيه ان هذه الرواية معارضة

بصحيحة زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل قرأ سورة في ركعة فغلط أ يدع المكان الذي غلط فيه و يمضي في قراءته أو يدع تلك السورة و يتحول منها إلى غيرها؟ فقال كل ذلك لا بأس به و ان قرأ آية واحدة فشاء ان يركع بها ركع».

و الاحتمال المخرج عن الاستدلال قائم من الطرفين و جار في الروايتين.

و منها-

صحيحة محمد بن إسماعيل (3) قال: «سألته قلت أكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الاعراب أ نصلي المكتوبة على الأرض فنقرأ أم الكتاب وحدها أم نصلي على الراحلة فنقرأ فاتحة الكتاب و السورة؟ فقال إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة و غيرها و إذا قرأت الحمد و سورة أحب الي و لا أرى بالذي فعلت بأسا».

و هذه الرواية مما استدل به المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل على الوجوب حيث انه اختار فيه ذلك و هي بالدلالة على العدم أشبه، قال (قدس سره) بعد نقلها: أقول لو لا وجوب السورة لما جاز لأجله ترك الواجب من القيام و غيره. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 43 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 4 من القراءة.

122

و فيه ان معنى الرواية انما هو ان السائل لما سأل انه إذا تعارضت الصلاة على الأرض مع ترك السورة للخوف مع الصلاة في المحمل و قراءة السورة فأيهما يختار؟ أجاب (عليه السلام) بأنك إذا خفت فالصلاة في المحمل اولى. و ليس في ذلك دلالة على انه من حيث المحافظة على السورة و إن كان ذلك هو مراد السائل و مفهوم السؤال إلا انهم (عليهم السلام) قد يجيبون بما هو أعم من السؤال بل قد يجيبون بقواعد كلية للمسؤول عنه و غيره و من الظاهر بل الأظهر ان أولوية الصلاة في المحمل انما هو من حيث الإقبال على العبادة و فراغ البال الذي هو روحها. و يؤيد الاستحباب هنا قوله: «و إذا قرأت الحمد و سورة- يعني في صلاتك في المحمل- فهو أحب الي» فان مرمى هذه العبارة انما هو الاستحباب.

و منها- جملة من الأخبار قد تضمنت نفى البأس عن الاقتصار على الفاتحة لمن أعجلت به حاجة، و هو يدل بمفهومه على ثبوت البأس لمن ليس كذلك.

و فيه (أولا) ان ثبوت البأس أعم من التحريم. و (ثانيا) ان ما دل على الاستحباب- كما تقدم- صريح الدلالة على ذلك بمنطوقه و المفهوم لا يعارض المنطوق.

و ربما يستدل على الوجوب بالأخبار الدالة على النهي عن القران في الفريضة بأن يقال النهي حقيقة في التحريم و لا وجه لتحريم ذلك إلا من حيث انه يلزم زيادة واجب في الصلاة عمدا و هو مبطل لها.

و فيه (أولا)- ان ذلك مبني على تحريم القران فلا يقوم هذا الدليل حجة على من يحكم بالكراهة.

و (ثانيا)- ان العبادة واجبة كانت أو مستحبة توقيفية من الشارع فمن الجائز كون السورة مستحبة و النهي عن الإتيان بها ثانية لكونه خلاف الموظف شرعا، و كما ان التشريع يحصل بزيادة الواجب باعتقاد انه واجب و مشروع كذلك يحصل باعتقاد زيادة المستحب باعتقاد توظيفه و استحبابه في ذلك المكان أو زمان من الأزمان، و اما

123

من حيث كونه قرانا فلا تبطل به سواء قلنا بوجوب السورة أو استحبابها.

نعم ربما يمكن الاستدلال على ذلك بالأخبار الدالة على تحريم العدول من سورة التوحيد و الجحد إلى ما عدا سورتي الجمعة و المنافقين و اتفاق جمهور الأصحاب على ذلك.

و من تلك الأخبار

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّٰه أحد و أنت تريد أن تقرأ غيرها فامض فيها و لا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة. الحديث».

و صحيحة ابن أبي نصر (2) قال: «يرجع من كل سورة إلا من قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون».

إلى غير ذلك من الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى في موضعها وجه الاستدلال بها انه لو لا وجوب السورة هنا لما حرم العدول عنها و ليس وجوبها ناشئا عن مجرد الشروع فيها، إذ لا شيء من المستحب يجب بالشروع فيه إلا ما خرج بدليل خاص كالحج، و متى حرم العدول عنها وجب إتمامها، و متى ثبت الوجوب في هاتين السورتين ثبت في غيرهما إذ لا قائل بالفصل، و جواز العدول في غيرهما مع الإتيان بسورة كاملة بعد ذلك لا ينافي أصل الوجوب بل يؤكده. و هذا أقوى ما يمكن ان يستدل به على الوجوب و ان كان بعض مقدماته لا يخلو من المناقشة.

و بما قررناه و أوضحناه يظهر لك ان المسألة محل توقف و اشكال و ان الاحتياط فيها لازم على كل حال، فان ما استدل به على الوجوب كما عرفت لا ينهض بالدلالة الواضحة التي يمكن بناء حكم شرعي عليها، و ما استدل به على الاستحباب و ان كان واضح الدلالة إلا ان اتفاق العامة على القول بمضمونها يضعف الاعتماد عليها و الرجوع إليها لما استفاض في الأخبار من الأمر بمخالفتهم و لو في غير مقام اختلاف الأخبار. و اللّٰه العالم

فروع

(الأول)- يجب الترتيب بين الحمد و السورة

بتقديم الحمد أولا ثم السورة

____________

(1) الوسائل الباب 69 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 35 من القراءة.

124

فلو أخل أعاد السورة بعدها أو غيرها.

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين

(أحدهما) انه لو قدم السورة عامدا

فهل تبطل الصلاة أم يجب استئناف السورة أو غيرها و تصح صلاته؟ قولان، صرح جماعة من الأصحاب بالأول: منهم- الشهيد في كتبه الثلاثة و الشهيد الثاني في المسالك و العلامة في المنتهى و القواعد و هو ظاهر المحقق الشيخ علي في الشرح حيث علل ذلك بثبوت النهي في المأتي به جزء من الصلاة المقتضي للفساد، و بالجملة فالظاهر انه المشهور. و ظاهر إطلاق عبارة المحقق في الشرائع الثاني و اختاره في المدارك و لم أقف على مصرح به سواه حيث قال- بعد قول المصنف: و لو قدم السورة على الحمد أعادها أو غيرها- ما لفظه:

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين العامد و الناسي و هو كذلك، و جزم الشارح (قدس سره) ببطلان الصلاة مع العمد و هو غير واضح. أقول: و تخصيصه المخالفة بالشارح فيه نوع إشعار بأن الأكثر على خلافه مع ان الأمر ليس كذلك فان ما ذكره جده هو الذي صرح به جملة من وقفت على كلامه في المسألة و لم أقف على من صرح بخلافه سواه في كتابه المذكور.

بقي الكلام في الدليل على البطلان و قد عرفت ما ذكره المحقق الشيخ على من الدليل على ذلك، و علله العلامة في المنتهى بان المنقول عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أفعال الأئمة (عليهم السلام) الترتيب و هذه الأمور انما ثبتت توقيفا. انتهى.

و كل من التعليلين لا يخلو من النظر الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر (اما الأول) فلان النهي هنا غير موجود إذ لا نص في المسألة إلا ان يبنى على المسألة الأصولية و هو ان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص و هو مأمور هنا بقراءة السورة بعد الحمد. و القول بمقتضى هذه القاعدة عندنا غير ثابت إذ لا دليل عليه كما تقدم تحقيقه.

و (اما الثاني) فمرجعه إلى انه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة

125

التكليف، و فيه ان ذلك لا يستلزم بطلان الصلاة لإمكان تداركه ما لم يركع فيجب عليه قراءة تلك السورة أو سورة أخرى بعد الحمد و تصح صلاته. و لو قيل- بأنه مع اعتقاده الترتيب على الوجه الذي اتى به يكون مشرعا فتبطل صلاته مع تعمده للنهي عن ذلك القصد- فالجواب انه متى تدارك ذلك قبل الركوع كما ذكرنا فقد حصل امتثال الأمر بالترتيب و النهي انما توجه إلى أمر خارج عن الصلاة و هو القصد فلا يكون موجبا لبطلانها.

و ربما قيل هنا بالتفصيل بين ما إذا كان عازما على إعادتها فتصح الصلاة أو لا فتبطل، و وجهه غير ظاهر.

الثاني- انه لو قدم السورة ساهيا

فظاهرهم الاتفاق على عدم إعادة الصلاة و انه يجب إعادة السورة أو غيرها بعد الحمد و انما الخلاف في انه هل يجب اعادة الحمد أيضا أم لا؟ قولان، قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد بعد قول المصنف:

«و نسيانا يستأنف القراءة» ما لفظه: ظاهر هذه العبارة و غيرها كعبارته في التذكرة و النهاية استئناف القراءة من أولها فيعيد الحمد و السورة معا. و هو بعيد لأن الحمد إذا وقعت بعد السورة كانت قراءتها صحيحة فلا مقتضى لوجوب إعادتها بل يبنى عليها و يعيد السورة خاصة. انتهى. و هو جيد. و ظاهر عبارة المدارك في هذا المقام ان هذا الخلاف في صورة تقديم السورة عامدا، و الظاهر انه غفلة منه (قدس سره) فان الموجود في كلامهم كما سمعت من كلام المحقق المذكور ان هذا الخلاف انما هو في صورة التقديم ناسيا و اما في صورة التقديم عامدا فهو كما قدمنا بيانه. ثم انه قد صرح غير واحد منهم بان الجاهل هنا كالعامد. هذا كله على تقدير وجوب السورة كما لا يخفى.

(الثاني) [عدم جواز قراءة ما يفوت بقراءته الوقت]

- قد صرح الأصحاب بأنه لا يجوز ان يقرأ من السور ما يفوت بقراءته الوقت بأن يقرأ سورة طويلة مع علمه بان الوقت لا يسع لها، قالوا فإنه إذا كان عامدا تبطل صلاته لثبوت النهي عن فواتها المقتضى للفساد إذا خرج شيء من الصلاة و ان قل عن وقتها، و ان

126

كان ناسيا بان قرأ سورة طويلة بظن طول الوقت ثم تبين الضيق وجب العدول إلى غيرها و ان تجاوز النصف محافظة على فعل الصلاة في وقتها.

و لا يخفى ان الحكم المذكور مبني على القول بوجوب السورة و تحريم ما زاد عليها و إلا فلا يتجه المنع، اما على القول بالاستحباب فظاهر لجواز قطعها اختيارا و اما على القول بالوجوب مع تجويز الزيادة فلأنه يعدل إلى سورة قصيرة و ما اتى به من القراءة غير مضر. و لم أقف في أصل المسألة على نص مضافا إلى ما عرفت من الإشكال في وجوب السورة و عدمه.

(الثالث) [وجوب تعلم السورة لو لم يحسنها]

- يعتبر في السورة على تقدير القول بالوجوب ما قدمنا ذكره في الفاتحة من وجوب التعلم لو لم يحسن سورة، فلو تعلم بعضها و ضاق الوقت فقد صرحوا بأنه يأتي بما تعلمه.

و اما وجوب التعويض بالتكرار و غيره انما هو في ما لو جهل الفاتحة فإنها الأصل في القراءة فلا يجوز خلو الصلاة منها أو بدلها اما لو علمها بتمامها و انما جهل السورة فإنه يقرأ ما تيسر منها من غير تعويض عن الفائت بقرآن أو ذكر لسقوط اعتبارها مع الضرورة كما عرفت، و الجهل بها مع ضيق الوقت قريب منها ان لم يكن اولى، و لأن التعويض على خلاف الأصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق.

و منه يعلم انه لو جهلها رأسا سقط اعتبارها مع ضيق الوقت و أجزأت الفاتحة.

و في المنتهى ان الحكم إجماعي فلا مساغ للتوقف فيه.

و كذا الكلام في الوجوب عن ظهر القلب و جواز ذلك من المصحف اختيارا أو اضطرارا على الخلاف الذي تقدم ذكره في الفاتحة. و كذا وجوب القراءة بالعربية فلا تجزئ الترجمة على ما تقدم ذكره و الاعراب أيضا حسبما تقدم.

(الرابع) [قراءة الأخرس]

- قال في الذكرى: قراءة الأخرس تحريك لسانه بها مهما أمكن

127

و عقد قلبه بمعناها لأن

الميسور لا يسقط بالمعسور (1).

و روى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «تلبية الأخرس و تشهده و قراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه».

و هذا يدل على اعتبار الإشارة بالإصبع في القراءة كما مر في التكبير. و لو تعذر إفهامه جميع معانيها افهم البعض و حرك لسانه به و أمر بتحريك اللسان بقدر الباقي تقريبا و ان لم يفهم معناه مفصلا. و هذه لم أر فيها نصا. و التمتام و الفأفاء و الألثغ و الأليغ يجب عليهم السعي في إصلاح اللسان و لا يجوز لهم الصلاة مع سعة الوقت مهما أمكن التعلم فان تعذر ذلك صحت القراءة بما يقدرون عليه، و الأقرب عدم وجوب الائتمام عليهم لأن صلاتهم مشروعة. انتهى. أقول و بنحو ذلك صرح غيره.

و أنت خبير بأنه لا إشكال في ما ذكروه من وجوب تحريك اللسان للنص المذكور و يعضده ان الواجب في القراءة شيئان أحدهما تحريك اللسان و الثاني القراءة على الوجه المخصوص فمع تعذر القراءة يبقى وجوب تحريك اللسان بحاله. و اما وجوب عقد القلب بمعناها فهو و ان كان مشهورا في كلامهم إلا انه خال من الدليل. و نقل في المنتهى عن الشيخ الاكتفاء بتحريك اللسان.

و المراد بعقد القلب بها على ما يستفاد من كلام جمع: منهم- العلامة و غيره هو ان يقصد كون هذه الحركة حركة قراءة لتتميز بذلك عن حركته في غيرها، و كأنهم لحظوا أن حركة اللسان أعم من القراءة فلا تنصرف إليها إلا بالقصد و النية. و المفهوم من كلام الشهيد في الدروس و البيان- و هو صريحه في هذا الكلام المنقول هنا- ان المراد بعقد القلب قصد معاني الحمد و السورة و تصورها بقلبه حيث صرح في أثناء الكلام توضيحا لما قدمه أولا بأنه لو تعذر إفهامه جميع معانيها افهم البعض و حرك لسانه به و أمر بتحريك اللسان بقدر الباقي و ان لم يفهم معناه مفصلا. و الظاهر بعده لعدم الدليل عليه كما اعترف به من انه لم

____________

(1) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على «ع».

(2) الوسائل الباب 59 من القراءة.

128

ير به نصا بل لم يقم دليل على ذلك في الصحيح فضلا عن الأخرس. و بالجملة فهذا من قبيل

«اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه».

كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب (1) و قد مر مزيد بيان له أيضا بقي هنا شيء و هو ان ظاهر النص إضافة الإشارة بإصبعه إلى تحريك لسانه الذي هو بدل عن قراءته و تكبيره و تشهده فيصير داخلا في البدلية. و الخبر لا معارض له في ذلك و ظاهر عبارة شيخنا المشار إليه أيضا ذلك و لا بأس به.

و اما ما ذكره بالنسبة إلى التمتام و الفأفاء و الألثغ و الأليغ فهو جيد، و يدل عليه

ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة (2) قال: «سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهد و ما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح و لو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم انه يلزمه و يعمل به و ينبغي له ان يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية و الفارسية لحيل بينه و بين ذلك بالأدب حتى يعود إلى ما قد علمه و عقله، قال و لو ذهب من لم يكن في مثل حال الأعجم المحرم ففعل فعال الأعجمي و الأخرس على ما قد وصفنا إذا لم يكن أحد فاعلا لشيء من الخير و لا يعرف الجاهل من العالم».

أقول: في النهاية فيه «فأرسل إلى ناقة محرمة» أي التي لم تركب و لم تذلل. و في الصحاح جلد محرم اي لم تتم دباغته و سوط محرم اي لم يلن بعد و ناقة محرمة اي لم تتم رياضتها بعد، و قال كل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم و مستعجم، و الأعجم الذي لا يفصح و لا يبين كلامه. انتهى.

أقول: و منه يعلم ان إطلاق المحرم في الخبر على من لا يمكنه الإتيان بالقراءة

____________

(1) ج 1 ص 50 و قد رواه القاضي محمد بن سلامة المغربي الشافعي في كتابه الشهاب في الحكم و الآداب في باب الالف المقطوع و الموصول.

(2) الوسائل الباب 67 من القراءة.

129

و نحوها على وجهها من إخراج الحروف من مخارجها أولا يفصح به لشبهه بالدابة و نحوها من الأشياء المعدودة في عدم لين لسانه و تذليله بالنطق. و حاصل معنى الخبر الفرق بين من يمكنه الإتيان بالقراءة و الأذكار و الأدعية في صلاة أو غيرها على وجهها و لو بالتعلم و بين من لا يمكنه، و ان القادر على الإتيان بذلك على وجهه و لو بالتعلم لا يجزئه غير ذلك و جهله مع إمكان التعلم ليس بعذر شرعي.

و المستفاد من بعض الأخبار ان من لا يقدر على إصلاح لسانه و يقرأ و يدعو على تلك الحال فان اللّٰه سبحانه بمزيد فضله و كرمه يوكل الملائكة بإصلاحه فلا يرفع اليه إلا على الهيئة و الكيفية المأمور بها:

روى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان الرجل الأعجمي من أمتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته».

و قد ورد في الحديث المشهور عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «ان سين بلال عند اللّٰه شين».

(المسألة الثالثة) [الجهر في الصبح و أوليي المغرب و العشاء و الإخفاء في الباقي]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من متقدميهم و متأخريهم وجوب الجهر في الصبح و أوليي المغرب و العشاء و الإخفات في الباقي فإن عكس عامدا عالما وجبت عليه إعادة الصلاة، و نقل عن ابن الجنيد انه يجوز العكس و لكن يستحب ان لا يفعله و هو قول السيد المرتضى في المصباح. و إلى هذا القول مال جملة من متأخري المتأخرين: أولهم- على الظاهر السيد السند (قدس سره) في المدارك و تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا.

و الأظهر عندي هو القول المشهور، و لنكتف هنا في بيان ما اخترناه بنقل ما ذكره

____________

(1) الوسائل الباب 30 من قراءة القرآن.

(2) الشهاب في الحكم و الآداب للقاضي محمد بن سلامة المغربي الشافعي المتوفى 454 باب الالف المقطوع و الموصول.

130

السيد المشار اليه و الكلام على كلامه و بيان ضعفه في نقضه و إبرامه:

قال (قدس سره) بعد نقل القولين المذكورين: احتج الشيخ (قدس سره)

بما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي ان يجهر فيه أو أخفى في ما لا ينبغي الإخفاء فيه؟ فقال اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة، فإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه».

وجه الدلالة قوله (عليه السلام) «اي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الإعادة» فإن «نقض» بالضاد المعجمة كناية عن البطلان و الإعادة انما تثبت مع اشتمال الاولى على نوع من الخلل. و احتج الشهيد في الذكرى على الوجوب أيضا بفعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و التأسي به واجب. و هو ضعيف جدا فإن التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. و احتج القائلون بالاستحباب بأصالة البراءة من الوجوب، و قوله تعالى «وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا» (2) وجه الدلالة ان النهي لا يجوز تعلقه بحقيقة الجهر و الإخفات لامتناع انفكاك الصوت عنهما بل المراد- و اللّٰه اعلم- ما ورد عن الصادق (عليه السلام) (3) في تفسير الآية و هو تعلق النهي بالجهر العالي الزائد عن المعتاد و الإخفات الكثير الذي يقصر عن الأسماع و الأمر بالقراءة المتوسطة بين الأمرين و هو شامل للصلوات كلها.

و ما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يصلي من الفرائض ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه ان لا يجهر؟ قال ان شاء جهر و ان شاء لم يجهر».

و أجاب عنها الشيخ بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب العامة (5) قال المصنف (قدس سره) و هو تحكم من الشيخ فان بعض

____________

(1) الوسائل الباب 26 من القراءة.

(2) سورة بني إسرائيل، الآية 110.

(3) الوسائل الباب 33 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 25 من القراءة.

(5) في البحر الرائق ج 1 ص 302 «الجهر في الصلاة الجهرية واجب على الامام فقط و هو أفضل في حق المنفرد و هي صلاة الصبح و الركعتان الأوليان من المغرب و العشاء.».

131

الأصحاب لا يرى وجوب الجهر بل يستحبه مؤكدا. و التحقيق انه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الأول على الاستحباب أو حمل الثاني على التقية، و لعل الأول أرجح لأن الثانية أوضح سندا و أظهر دلالة مع اعتضادها بالأصل و ظاهر القرآن. انتهى.

أقول: و عندي فيه نظر من وجوه (أحدها)- نقله رواية زرارة عارية عن وصف الصحة حيث انه نقلها عن الشيخ و هي و ان كانت في كتابيه كذلك لكنها من روايات الصدوق في الفقيه و طريقه إلى زرارة في أعلى مراتب الصحة فتكون الرواية صحيحة، و به يظهر ضعف ما ذكره أخيرا من دعواه كون صحيحة علي بن جعفر أوضح سندا بناء على نقله لها عن الشيخ (قدس سره).

و (ثانيها)- انه مما يدل على هذا القول أيضا

صحيحة زرارة الأخرى عنه (عليه السلام) (1) قال: «قلت له رجل جهر بالقراءة في ما لا ينبغي الجهر فيه أو أخفى في ما لا ينبغي الإخفاء فيه، و ترك القراءة في ما ينبغي القراءة فيه أو قرأ في ما لا ينبغي القراءة فيه؟ فقال اي ذلك فعل ناسيا أو ساهيا فلا شيء عليه».

و ما رواه في الفقيه في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (2) «ان الصلوات التي يجهر فيها انما هي في أوقات مظلمة فوجب ان يجهر فيها ليعلم المار ان هناك جماعة. الحديث».

و مثله

ما رواه الصدوق أيضا في حكاية صلاة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بالملائكة في ابتداء الصلاة (3) قال: «سأل محمد بن عمران أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لأي علة يجهر في صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة العشاء الآخرة و صلاة الغداة و سائر الصلوات الظهر و العصر لا يجهر فيهما؟ قال لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما اسرى به إلى السماء كان أول صلاة فرض اللّٰه عليه الظهر يوم الجمعة فأضاف إليه الملائكة تصلي خلفه و أمر نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يجهر بالقراءة ليبين لهم فضله ثم فرض عليه العصر و لم يضف إليه أحدا

____________

(1) الوسائل الباب 26 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 25 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 25 من القراءة.

132

من الملائكة و امره ان يخفى القراءة لأنه لم يكن وراءه أحد، ثم فرض عليه المغرب و أضاف إليه الملائكة فأمره بالإجهار و كذلك العشاء الآخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض اللّٰه عليه الفجر فأمره بالإجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة فلهذه العلة يجهر فيها. الحديث».

و التقريب في خبر الفضل ظاهر لتصريحه بالوجوب و في خبر محمد بن عمران لتضمنه الأمر من اللّٰه سبحانه لنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالجهر و الإخفات في تلك الصلوات، و أوامره و نواهيه عز و جل للوجوب و التحريم بلا خلاف، و انما الخلاف في الأوامر و النواهي التي في السنة «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (1) و متى ثبت الحكم في حقه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثبت في أمته بدليل استدلال الصادق (عليه السلام) بذلك على أصل الحكم المذكور، و هو بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لكل ناظر.

و (ثالثها)- استدلاله بالآية فإنه و ان كان الأمر كما ذكره و قرره إلا ان هذا الإجمال الذي دلت عليه الآية غير معمول عليه لاتفاق الأخبار و كلمة الأصحاب على انقسام الصلاة إلى جهرية و إخفاتية و تعيين الجهرية في صلوات مخصوصة و الإخفاتية في صلوات مخصوصة، و قد دلت الأخبار المتقدمة على وجوب الجهر في الجهرية و الإخفات في الإخفاتية فلا بد من تخصيص هذا الإجمال بهذه الأخبار المشار إليها، و حينئذ فيصير معنى الآية لا تجهر في الجهرية جهرا عاليا زائدا على المعتاد و لا تخافت في الإخفاتية إخفاتا لا تسمع نفسك. و اللازم من ذلك الجهر في الجهرية بدون الحد المذكور و الإخفات في الإخفاتية فوق الحد المذكور، و منه يظهر عدم جواز الاستناد إلى الآية في المقام لما هي عليه من الإجمال المنافي لما فصلته اخبارهم (عليهم السلام).

و من الأخبار الواردة بتفسير الآية المذكورة

ما رواه العياشي عن سماعة بن

____________

(1) سورة النور، الآية 63.

133

مهران عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «في قول اللّٰه عز و جل وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا (2)؟ قال المخافتة ما دون سمعك و الجهر ان ترفع صوتك شديدا».

و ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم في تفسيره عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في قوله تعالى وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا؟ قال الجهر بها رفع الصوت و التخافت ما لم تسمع بإذنك و اقرأ ما بين ذلك».

و بهذا الاسناد عنه (عليه السلام) (4) قال: «الإجهار رفع الصوت عاليا و المخافتة ما لم تسمع نفسك».

و روى العياشي في سبب النزول عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) (5) «في قوله وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ. الآية؟ قال كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان بمكة جهر بصلاته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فأنزلت هذه الآية عند ذلك».

و نحوه روى الطبرسي عنهما (عليهما السلام) (6).

أقول: و هذه الأخبار و ان كان فيها أيضا نوع إجمال بالنسبة إلى الوسط الذي بين الجهر و الإخفات المنهي عنهما إلا انه قد علم من الأخبار المشار إليها آنفا ان هذا الحد الوسط له فردان: (أحدهما) الجهر في الجهرية دون الحد المنهي عنه. و (ثانيهما) الإخفات في الإخفاتية فوق الحد المنهي عنه، لان الجهر و الإخفات- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى تحقيقه- حقيقتان متضادتان، و بالجملة فإنك إذا ضممت أخبار المسألة كملا بعضها إلى بعض فإنه لا مندوحة عن التخصيص في كل من الموضعين بما ذكرنا.

قال شيخنا المجلسي (قدس اللّٰه روحه) في كتاب البحار في معنى الآية: يحتمل ان يكون الغرض بيان حد الجهر في الصلاة مطلقا أو للإمام، و هذا وجه قريب لتفسير الآية

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 26 من القراءة.

(2) سورة بني إسرائيل، الآية 110.

(3) الوسائل الباب 33 من القراءة.

(4) مستدرك الوسائل الباب 26 من القراءة.

(5) مستدرك الوسائل الباب 26 من القراءة.

(6) ج 3 ص 446.

134

اي ينبغي أن يقرأ في ما يجهر فيه من الصلوات بحيث لا يتجاوز الحد في العلو و لا يكون بحيث لا يسمعه من قرب منه فيكون إخفاتا أو لا يسمعه المأمومون فيكون مكروها. انتهى و بذلك يظهر لك ما في قوله أخيرا «و هو شامل للصلوات كلها» فإنه ناشىء عن عدم ملاحظة الأخبار الواردة في المقام و ما اشتملت عليه مما يوجب تقييد هذا الإجمال كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

و (رابعها) ما ذكره من الوجهين في الجمع بين الخبرين المنقولين في كلامه و اختياره الاستحباب منهما، فان فيه ما عرفت في غير مقام مما سبق أنه (أولا) لم يقم عليه دليل و ان اشتهر بينهم (رضوان اللّٰه عليهم) جيلا بعد جيل. و (ثانيا) ان الاستحباب حكم شرعي لا يصار اليه إلا بدليل واضح و مجرد اختلاف الأخبار ليس بدليل على ذلك و (ثالثا) ان الاستحباب مجاز لا يصار اليه إلا بالقرينة و مجرد اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز، و من المعلوم انه لو لا وجود صحيحة علي بن جعفر في البين لما كان معدل عن الحكم بمقتضى صحيحة زرارة المذكورة و القول بالوجوب كما لا يخفى. و (رابعا) انه من الجائز بل هو المتعين ان يجعل التأويل في جانب صحيحة علي بن جعفر بان تحمل على التقية و هو مقتضى القاعدة المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) في مقام اختلاف الأخبار فإن العامة كلهم على الاستحباب كما هو مذهب ابن الجنيد على ما نقله في المعتبر، و لكنهم (رضوان اللّٰه عليهم) الغوا هذه القواعد الواردة عن أئمتهم (عليهم السلام) و اتخذوا قواعد لا أصل لها في الشريعة. و (خامسا) تأيد صحيحة زرارة بالروايات التي قدمناها.

و (خامسها)- ما ذكره من أظهرية دلالة صحيحة علي بن جعفر فإنه في الضعف و البطلان أظهر من ان ينكر، و كيف لا و صحيحة زرارة دلت على ان الإخفاتية لا يجوز الجهر فيها و الجهرية لا يجوز الإخفات فيها، و هذا و ان كان في كلام السائل إلا ان الامام (عليه السلام) قرره عليه و اجابه بما يطابقه و يدل عليه، و دلت أيضا على وجوب

135

الإعادة بعد حكمه بكون ذلك نقضا للصلاة إذا كانت المخالفة و الإخلال عن عمد. و كل واحد من هذه الوجوه يكفي في الدلالة لو انفرد فكيف مع الاجتماع، و حينئذ فلا وجه لدعواه ان صحيحة علي بن جعفر أظهر دلالة، و من المعلوم ان ترك المستحبات لا يوجب الإعادة من رأس.

و (سادسها)- ما ذكره من الاعتضاد بالأصل و ظاهر القران، فان في الأول منهما ان الأصل يجب الخروج عنه مع قيام الدليل على خلافه و قد عرفت الدليل من الصحيحة المذكورة و صحيحته الثانية و الأخبار التي معها. و في الثاني انه بمقتضى ما أوضحناه ان الآية لا دلالة لها على ما ادعاه.

هذا. و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة في هذا المقام- حيث انه ممن تبع السيد السند كما هي عادته في أغلب الأحكام فزاد في تأييد مقالته ما زعمه من الإبرام من ظهور لفظ «لا ينبغي» في الاستحباب و ان «نقص» في الرواية بالصاد المهملة أي نقص ثوابه و انه يحتمل حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب فيكون المراد المبالغة في استحبابه- فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة و احتمالاته السخيفة، و لو قامت مثل هذه التكلفات في الأخبار و التمحلات التي تبعد عن مذاق الأفكار لم يبق دليل يعتمد عليه إلا و للقائل فيه مقال و ان سخف و بعد ذلك الاحتمال، و مع هذا فانا نوضح بطلان ما اعتمده بأوضح بيان:

فنقول: اما ما ذكره من ظهور لفظ «لا ينبغي» في الاستحباب ان أراد في عرف الناس فهو كذلك و لكن لا ينفعه، و ان أراد في عرفهم (عليهم السلام) فهو ممنوع أشد المنع كما لا يخفى على من غاص بحار الأخبار و جاس خلال تلك الديار، و بذلك اعترف جملة من علمائنا الأبرار، و قد حضرني الآن من الأخبار التي استعمل فيها لفظ «ينبغي و لا ينبغي» في الوجوب و التحريم ما ينيف على ثلاثين حديثا. و التحقيق في المقام هو ما قدمنا ذكره من ان هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة في كلامهم (عليهم السلام) فلا يحمل على أحد معنييه

136

إلا بقرينة ظاهرة و القرينة في ما ندعيه من المعنى واضحة من الجواب كما لا يخفى على ذوي الألباب.

و اما ما ذكره من لفظ «نقص» و انه بالصاد فإنه مع تسليم صحته فهو مؤيد لما ندعيه، و ذلك فان المتبادر من النقص في الشيء انما هو عدم الإتيان به تاما فمعنى نقص الصلاة عدم الإتيان بها تامة، و هذا هو المعنى الذي ينطبق عليه الأمر بالإعادة كما لا يخفى على من اتخذ الإنصاف سجية و عادة. و اما حمل النقص على نقص الثواب كما زعم فهو معنى مجازي خلاف الظاهر لا يصار اليه إلا مع المعارض الراجح كما لا يخفى على الخبير الماهر. و اما حمل الإعادة على الاستحباب فقد عرفت ما فيه.

و بالجملة فإنك إذا رجعت إلى القواعد الشرعية الواردة عن الذرية المصطفوية (عليهم أفضل الصلاة و التحية) يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور و ان القول الآخر بمحل من الضعف و القصور.

و اما ما ذكره المحقق- ردا على الشيخ في حمله صحيحة علي بن جعفر على التقية من انه تحكم لأن بعض الأصحاب ذهب إلى القول بمضمونها- ففيه ان ظاهر هذا الكلام يعطي انه لا يصح حمل الخبر على التقية إلا إذا كان ذلك الخبر مطرحا عند جميع الأصحاب بحيث لا يقول به قائل في ذلك الباب، و هذا غريب من مثل هذا المحقق التحرير و تحكم محض بل سهو في هذا التحرير، و لعله لهذا اطرحوا قاعدة عرض الأخبار في مقام الاختلاف على التقية مع انها في اختلاف الأخبار هي أصل كل بلية كما نبهنا عليه في مقدمات الكتاب، و لا يخفى ان الأخبار الخارجة عنهم (عليهم السلام) بالاختلاف في الأحكام لا وجه للاختلاف فيها سوى التقية كما حققناه في مقدمات الكتاب، و لكن العامل بذلك الخبر الخارج مخرج التقية إنما عمل به من حيث ثبوته عنهم (عليهم السلام) و لا علم له بكونه خرج مخرج التقية، و لهذا وردت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بالرخصة بالعمل بالأخبار الخارجة مخرج التقية حتى يعلم بأنها إنما خرجت كذلك فيكون حينئذ

137

مخاطبا بترك العمل بها إذا لم تلجئه التقية للعمل بها و ما نحن فيه من هذا القبيل. و بالجملة فإن الأخبار المستفيضة بالترجيح بمخالفة العامة في مقام اختلاف الأخبار أعم مما ذكره فإنه متى ما وافق أحد الخبرين العامة و خالفهم الآخر وجب تركه عمل به أو لم يعمل به و لهذا ترى الأصحاب في مقام البحث و الترجيح يستدل أحدهم بخبر و يجيب عنه الآخر بالحمل على التقية. و اللّٰه العالم.

تنبيهات

(الأول) [تحديد الجهر و الإخفات]

- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- المحقق و ابن إدريس و العلامة و الشهيد و غيرهم بأن أقل الجهر ان يسمع القريب منه تحقيقا أو تقديرا و أقل الإخفات ان يسمع نفسه لو كان سامعا، و ادعى عليه الفاضلان في المعتبر و المنتهى الإجماع و قال الشهيد في الذكرى: أقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان يسمع و حد الإخفات إسماع نفسه ان كان يسمع و إلا تقديرا، قال في المعتبر و هو إجماع العلماء و لأن ما لا يسمع لا يعد كلاما و لا قراءة.

و قال ابن إدريس في السرائر: و ادنى حد الجهر ان تسمع من على يمينك أو شمالك و لو علا صوته فوق ذلك لم تبطل صلاته، و حد الإخفات أعلاه ان تسمع أذناك القراءة و ليس له حد ادنى بل ان لم تسمع أدناه القراءة فلا صلاة له و ان سمع من على يمينه أو شماله صار جهرا فإذا فعله عامدا بطلت صلاته. انتهى.

و قال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف «و أقل الجهر ان يسمعه القريب الصحيح السمع إذا استمع و الإخفات ان يسمع نفسه ان كان يسمع»: هذا الضابط ربما أوهم بظاهره تصادق الجهر و الإخفات في بعض الافراد و هو معلوم البطلان لاختصاص الجهر ببعض الصلوات و الإخفات ببعض وجوبا أو استحبابا. و الحق ان الجهر و الإخفات حقيقتان متضادتان يمتنع تصادقهما في شيء من الافراد. و لا يحتاج في كشف مدلولهما إلى شيء زائد على الحوالة على العرف انتهى.

138

و الظاهر ان مبنى ما ذكره السيد (قدس سره) من الاعتراض على الضابط المذكور هو انه فهم من عبارة الفاضلين و الشهيد عطف الإخفات في عبائرهم على المضاف إليه في قولهم «أقل الجهر ان يسمع القريب منه و الإخفات» يعني أقل الإخفات و اللازم من هذا تصادق الجهر و الإخفات في إسماع القريب بان يكون ذلك أعلى مراتب الإخفات لأن أقله إسماع نفسه و أكثره إسماع القريب و أقل مراتب الجهر كما صرحوا به، و حينئذ فيكون بينهما عموم و خصوص من وجه و تصير هذه الصورة مادة الاجتماع و الحال ان المفهوم من النصوص الدالة على انقسام الصلاة إلى جهرية و إخفاتية خلافه.

و أنت خبير بان كلام الجماعة المذكورين و ان أوهم في بادئ النظر ما ذكره إلا ان الظاهر ان ما ذكروه من تعريف الإخفات ليس بيانا للمرتبة الدنيا منه بل انما هو بيان لمعنى حقيقة الإخفات و انه عبارة عما ذكروه و انه ليس معطوفا على المضاف اليه بل على المضاف و الواو للاستئناف. و بالجملة فالظاهر انهم انما قصدوا بذلك بيان معنى الإخفات و انه عبارة عن إسماع الإنسان نفسه حقيقة أو تقديرا و اما ما زاد عليه فهو جهر تبطل الصلاة به كما هو صريح عبارة ابن إدريس و اليه يشير آخر عبارة العلامة في المنتهى حيث قال بعد تحديد الإخفات بأن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعا: و انما حد دناه بما قلنا لأن ما دونه لا يسمى كلاما و لا قرآنا و ما زاد عليه يسمى جهرا. انتهى. و هو ظاهر في ان إسماع القريب جهر عنده لا إخفات بل الإخفات خاص بإسماع نفسه.

و قال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد: الجهر و الإخفات حقيقتان متضادتان كما صرح به المصنف في النهاية عرفيتان يمتنع تصادقهما في شيء من الافراد و لا يحتاج في كشف مدلولهما إلى شيء زائد على الحوالة على العرف. الى ان قال- بعد ذكر تعريف المصنف له بأن أقل الجهر إسماع القريب تحقيقا أو تقديرا- ما صورته: و ينبغي ان يزاد فيه قيد آخر و هو تسميته جهرا عرفا و ذلك بان يتضمن إظهار الصوت على الوجه المعهود.

139

ثم قال بعد قوله: «و حد الإخفات إسماع نفسه تحقيقا أو تقديرا» و لا بد من زيادة قيد آخر و هو تسميته مع ذلك إخفاتا بأن يتضمن إخفات الصوت و همسه و إلا لصدق هذا الحد على الجهر، و ليس المراد إسماع نفسه خاصة لأن بعض الإخفات قد يسمعه القريب و لا يخرج بذلك عن كونه إخفاتا. انتهى.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و اعلم ان الجهر و الإخفات كيفيتان متضادتان لا يجتمعان في مادة كما نبه عليه في النهاية، فأقل السر ان يسمع نفسه لا غير تحقيقا أو تقديرا و أكثره ان لا يبلغ أقل الجهر، و أقل الجهر ان يسمع من قرب منه إذا كان صحيح السمع مع اشتمال القراءة على الصوت الموجب لتسميته جهرا عرفا، و أكثره ان لا يبلغ العلو المفرط و ربما فهم بعضهم ان بين أكثر السر و أقل الجهر تصادقا و هو فاسد لأدائه إلى عدم تعيين أحدهما لصلاة لإمكان استعمال الفرد المشترك حينئذ في جميع الصلوات و هو خلاف الواقع لان التفصيل قاطع للشركة. انتهى.

و ظاهر كلام هذين الفاضلين أنه لا بد في صدق الجهر و حصوله من اشتمال الكلام على الصوت و هذا هو منشأ الفرق بين الجهر و الإخفات، فإن اشتمل الكلام على الصوت سمى جهرا اسمع قريبا أو لم يسمع و ان لم يشتمل عليه سمي إخفاتا كذلك. و بنحو ما ذكره الفاضلان المذكوران صرح المحقق الأردبيلي (قدس سره) و الظاهر انه قول كافة من تأخر عنهما.

و فيه من المخالفة لكلام أولئك الفضلاء ما لا يخفى فإنهم- كما عرفت- جعلوا أقل مراتب الجهر ان يسمع من قرب منه اشتمل على صوت أو لم يشتمل و ان الإخفات عبارة عن إسماع نفسه اشتمل على صوت أو لم يشتمل و ادعى الفاضلان على ذلك الإجماع كما تقدم، و اللازم من ذلك ان من قرأ في الصلوات الإخفاتية بحيث يسمعه من قرب منه و ان لم يشتمل على صوت فان صلاته تبطل بذلك و هو صريح كلام ابن إدريس كما تقدم، مع ان صريح كلام هؤلاء المتأخرين هو انه متى كان كذلك فإن الصلاة صحيحة.

140

و العرف يساعد ما ذكره المتأخرون فإن مجرد سماع القريب مع عدم الاشتمال على الصوت الظاهر انه لا يطلق عليه الجهر عرفا. و بالجملة فالمتبادر عرفا من الجهر هو ما اشتمل على هذا الجرس الذي هو الصوت و ان كان خفيا و ما لم يشتمل عليه فإنما يسمى إخفاتا و ان سمعه القريب. و اما ما ذكره شيخنا المشار إليه في آخر كلامه بقوله: «و ربما فهم بعضهم. إلخ» فقد عرفت وجهه مما تقدم.

و كيف كان فإنه لا يعتد في الإخفات بما دون إسماع نفسه لما عرفت من الأخبار المتقدمة من تفسير الإخفات المنهي عنه بما لا يسمع نفسه.

و يؤيده

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا يكتب من القرآن و الدعاء إلا ما اسمع نفسه».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته هل يقرأ الرجل في صلاته و ثوبه على فيه؟ قال لا بأس بذلك إذا أسمع أذنيه الهمهمة».

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)- (3) قال: «سألته عن الرجل يصلح له ان يقرأ في صلاته و يحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير ان يسمع نفسه؟ قال لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما».

-

فقد حمله الشيخ في التهذيب على من يصلي مع قوم لا يقتدي بهم و استدل عليه

بما رواه عن محمد بن أبي حمزة عن من ذكره (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يجزئك من القراءة معهم مثل حديث النفس».

أقول: و قريب منه أيضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلي خلف من لا يقتدي بصلاته

____________

(1) الوسائل الباب 33 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 33 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 33 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 52 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 52 من القراءة.

141

و الامام يجهر بالقراءة؟ قال اقرأ لنفسك و ان لم تسمع نفسك فلا بأس».

(الثاني) [هل صوت المرأة عورة]

- المشهور في كلامهم انه لا جهر على النساء في موضع الجهر بل الحكم مختص بالرجال، و ادعى عليه الفاضلان و الشهيدان إجماع العلماء، فيكفيها إسماع نفسها تحقيقا أو تقديرا. و لو جهرت و لم يسمعها الأجنبي فقد صرحوا بصحة صلاتها لحصول الامتثال اما لو سمعها فالمشهور عندهم البطلان للنهي في العبادة المستلزم للفساد.

و الظاهر ان مرادهم بالنهي هنا هو ان صوت المرأة عورة فهي منهية عن إسماعه الأجنبي و أنت خبير بأنه لم يقم عندنا ما يدل على ما ادعوه من كون صوتها عورة و انها منهية عن إسماعه الأجنبي بل ظاهر الأخبار الدالة على تكلم فاطمة (عليها السلام) مع الصحابة في مواضع عديدة و لا سيما في المخاصمة في طلب ميراثها و الإتيان بتلك الخطبة الطويلة المشهورة كما نقلناها بطولها في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد و تكلم النساء في مجلس الأئمة (عليهم السلام) هو خلاف ما ذكروه.

ثم انه مع تسليم صحة ما ذكروه فالنهي هنا انما توجه إلى أمر خارج عن الصلاة و ان كان مقارنا كما تقدم البحث فيه في مسألة الصلاة في المكان و الثوب المغصوبين. و بالجملة فإن كلامهم هنا لا يخلو من ضعف لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه كما عرفت أقول: و الذي وقفت عليه في هذا المقام من الأخبار

ما رواه الشيخ في القوى عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال بقدر ما تسمع».

و عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ قال قدر ما تسمع».

و ما رواه في قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه مثله (3) و زاد قال: «و سألته عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة؟ قال

____________

(1) الوسائل الباب 31 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 31 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 31 من القراءة.

142

لا إلا ان تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها».

أقول: ظاهر هذه الأخبار انه لا جهر على النساء كما ذكره الأصحاب إلا إذا كانت تؤم النساء فإنها تجهر و لكن لا تجاوز بجهرها إسماع نفسها، و إطلاق الأخبار الأولة يحمل على الخبر الأخير. و هذه المرتبة و ان كانت في عبارات الفاضلين و الشهيدين و ابن إدريس كما تقدم من مراتب الإخفات و هي حد الإخفات عندهم إلا انه بالنظر إلى كلام المتأخرين الذين جعلوا المدار في الفرق بين الجهر و الإخفات هو وجود الصوت و عدمه لا مانع من جعلها من مراتب الجهر إذا اقترنت بالصوت و ان كان خفيا. و يمكن حينئذ الفرق بين حال إمامتها و غيرها باعتبار الصوت و عدمه بمعنى أنها تقرأ في الموضعين بقدر ما تسمع نفسها إلا انه في حال الإمامة يكون مقرونا بصوت خفي و في غيرها بغير صوت، و اما كون ذلك في مقام سماع الأجنبي أو عدمه فغير معلوم من الأخبار و انما هو من تكلفات الأصحاب في هذا الباب. بقي الكلام في انها لو أجهرت زيادة على ذلك فقضية الأصل جوازه و ان كان خلاف الأفضل كما صرحوا به في مقام عدم سماع الأجنبي لها. هذا بالنسبة إلى الصلاة الجهرية.

و اما بالنسبة إلى الصلاة الإخفاتية فالظاهر من كلام الأكثر وجوب الإخفات عليها في موضعه و لم أقف على مصرح به إلا انه يظهر من تخصيصهم استثناء النساء بصورة وجوب الجهر على الرجل، قيل و ربما أشعر بعض عباراتهم بثبوت التخيير لها مطلقا. و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) انه لا دليل على وجوب الإخفات على المرأة في الإخفاتية، و اختاره جملة ممن تأخر عنه: منهم- الفاضل الخراساني و شيخنا المجلسي، و كيف كان فالأحوط العمل بالقول المشهور لحصول البراءة اليقينية على تقديره.

(الثالث)- وجوب الجهر على تقدير القول به انما هو في القراءة خاصة

و لا يجب في شيء من أذكار الصلاة لأصالة العدم.

و لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه

143

السلام) (1) قال: «سألته عن التشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت للرجل ان يجهر به؟ قال ان شاء جهر و ان شاء لم يجهر».

و الظاهر ان ذكر هذه الأشياء في الرواية انما هو على وجه التمثيل فيكون الحكم شاملا لجميع أذكار الصلاة إلا ما خرج بالدليل، و منه القراءة أو التسبيح في الأخيرتين فإن الحكم فيها ذلك إلا ان ظاهر الأصحاب وجوب الإخفات فيه، و في هذه الأزمان اشتهر بين جملة من أبناء هذا الزمان القول بوجوب الجهر فيه و الكل بمعزل عن الصواب و سيجيء ان شاء اللّٰه تحقيق المقام في الفصل الموضوع لهذه المسألة. و بالجملة فالظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في ما عدا هذا الموضع في ان المصلي مخير بين الجهر و الإخفات نعم يستحب للإمام الجهر في هذه المواضع لما

في موثقة أبي بصير (2) من انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و للمأموم ان لا يسمع الإمام شيئا مما يقول.

(الرابع) [معذورية الجاهل بوجوب الجهر و الإخفات]

- لا خلاف بين الأصحاب هنا في معذورية الجاهل و هذا أحد الموضعين الذين خصوهما بالاستثناء في كلامهم، و يدل على ذلك ما تقدم في صحيحتي زرارة. و لو ذكر في الأثناء لم يجب عليه الاستئناف كما صرح به بعض الأصحاب، و إطلاق الصحيحتين المذكورتين دال عليه. و الناسي أيضا كذلك كما دل عليه الصحيحان المذكوران، فلو خافت في موضع الجهر أو جهر في موضع الإخفات جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه و صحت صلاته و لا يجب بالإخلال بهما سجود سهو لإطلاق الرواية. و الظاهر انه لا خلاف في جميع هذه الأحكام.

(الخامس)- حكم القضاء حكم الأداء في ذلك

بلا خلاف كما ذكره في المنتهى

____________

(1) الوسائل الباب 20 من القنوت، و اللفظ كما في التهذيب ج 1 ص 163 و الوسائل و الوافي باب الجهر و الإخفات هكذا: «سألت أبا الحسن الماضي «ع» عن الرجل هل يصلح له ان يجهر بالتشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت؟ قال.».

(2) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة.

144

سواء كان القضاء في ليل أو نهار، قال في المنتهى: قد أجمع أهل العلم على الإسرار في صلاة النهار إذا قضيت في ليل أو نهار و كذا صلاة الليل إذا قضيت بالليل جهر بها و إذا قضاها بالنهار جهر بها عندنا، و به قال أبو حنيفة و أبو ثور و ابن المنذر، و قال الشافعي يسر بها (1). الى آخره.

بقي الكلام في ما لو كان يقضي عن غيره و اختلف حكم القاضي و المقضي عنه كالرجل يقضي عن المرأة و المرأة تقضى عن الرجل، فان الرجل يجب عليه الجهر في الجهرية و المرأة يجب عليها الإخفات في الجهرية في مقام سماع الأجنبي عند الأصحاب، فلو أرادت المرأة القضاء عن الرجل صلاته الجهرية في مقام يسمع صوتها الأجانب فمقتضى القاعدة الأولة وجوب الجهر عليها كما فاتت ذلك الرجل، و مقتضى ما صرحوا به من عدم جواز الجهر لها بالنسبة إلى صلاتها انه يكون الحكم كذلك بالنسبة إلى هذه الصلاة التي تقضيها عن الغير، و كذا لو أراد الرجل ان يقضي عن المرأة صلاة جهرية وجب عليه الإخفات فيها أو استحب فان مقتضى القاعدة أنه يقضيها إخفاتا لأن الفائتة كانت كذلك، و مقتضى إطلاق الأخبار الدالة على وجوب الجهر في هذه الصلاة و ان المرأة إنما وجب عليها الإخفات أو استحب لخصوص مادة و هو تحريم إسماع صوتها الأجنبي أو كراهة ذلك مطلقا هو وجوب الجهر عملا بالإطلاق إذ المخصص المذكور غير موجود هنا. و لم أقف في هذا المقام على كلام لأحد من علمائنا الاعلام و الأقرب الأنسب بالقواعد هنا هو الاعتبار بحال القاضي لا المقضي عنه لما عرفت في تعليل كل من المسألتين هذا كله بناء على قواعد الأصحاب في تحريم سماع صوت المرأة و اما على ما ذكرناه و اخترناه فلا اشكال.

(السادس)- المستحب في نوافل النهار الإخفات و في نوافل الليل الإجهار

بالقراءة، قال في المنتهى: و هو مذهب علمائنا اجمع.

____________

(1) المغني ج 1 ص 570.

145

أقول: و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي ابن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «السنة في صلاة النهار بالإخفات و السنة في صلاة الليل بالإجهار».

و مما يدل على جواز الجهر نهارا و ان كان خلاف الأفضل

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل هل يجهر بقراءته في التطوع بالنهار؟ قال نعم».

(المسألة الرابعة) [حكم القران في الفريضة]

- اختلف الأصحاب في حكم القران بين السورتين في الفريضة فقال الشيخ في النهاية و المبسوط انه غير جائز بل قال في النهاية انه مفسد للصلاة و نحو منه كلامه في الخلاف، و اليه ذهب المرتضى في الانتصار و نقل إجماع الفرقة عليه و اختاره في المسائل المصرية الثالثة أيضا، لكن نقل في التذكرة عن المرتضى القول بكراهة القران و لعله في موضع آخر من مصنفاته. و العلامة اختلف اختياره في هذه المسألة في كتبه فاختار التحريم في التحرير و القواعد و الإرشاد و المختلف و مال اليه الشهيد في رسالته و اليه ذهب أبو الصلاح على ما رأيته في كتابه الكافي حيث قال: و لا يجوز ان يقرأ مع فاتحة الكتاب بعض سورة و لا أكثر من سورة. انتهى. و ممن صرح بذلك الصدوق في الفقيه حيث قال: و لا تقرن بين سورتين في فريضة فاما في النافلة فأقرن ما شئت.

و ذهب الشيخ في الاستبصار إلى الكراهة و اختاره ابن إدريس و المحقق و جمهور المتأخرين و متأخريهم.

و الظاهر عندي هو القول بالتحريم، و مما يدل عليه

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة فقال لا لكل سورة ركعة».

____________

(1) الوسائل الباب 22 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 22 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 8 من القراءة.

146

و صحيحة منصور بن حازم (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة و لا بأكثر».

و السيد السند في المدارك حيث اختار القول المشهور بين المتأخرين نقل هذه الصحيحة في أدلة القول بالتحريم عارية عن وصف الصحة ثم طعن فيها في آخر كلامه بأنها ضعيفة الاسناد، و سند هذه الرواية قد اشتمل على محمد بن عبد الحميد و سيف بن عميرة.

و الظاهر ان طعنه فيها بالضعف لاشتمال سندها على محمد بن عبد الحميد كما عرفت من كلامه فيه آنفا و قد تقدم الجواب عنه منقحا. و يحتمل أيضا بالنظر إلى سيف بن عميرة حيث نقل ابن شهرآشوب انه ثقة واقفي و عليه فتكون الرواية في الموثق و الموثق عندهم من قسم الضعيف إلا ان المشهور خلافه، و قد وثقه الشيخ و العلامة و الشهيد في كتاب نكت الإرشاد في بحث نكاح الأمة بإذن المولى، قال بعد ان نقل الطعن عليه بالضعف:

و الصحيح انه ثقة. و به صرح خاتمة المحدثين المجلسي في وجيزته و شيخنا الشيخ سليمان في بلغته، فالحديث صحيح بلا شبهة و لا ريب.

و من الأخبار الدالة على ذلك أيضا

موثقة زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقرن بين السورتين في الركعة فقال ان لكل سورة حقا فأعطها حقها من الركوع و السجود».

أقول: و حق السورة من الركوع و السجود هو ان يأتي بهما بعد السورة بلا فصل فإذا قرن بين سورتين فقد ترك حق الاولى. و توثيق هذا الخبر انما هو بعبد اللّٰه بن بكير الذي قد عد في من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يقصر خبره عن رتبة الصحيح بناء على اصطلاحهم.

و من ذلك

ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اقرأ سورتين في ركعة؟ قال نعم. قلت أ ليس يقال أعط كل سورة حقها من

____________

(1) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 8 من القراءة.

147

الركوع و السجود؟ فقال ذلك في الفريضة فأما في النافلة فليس به بأس».

و من ذلك

ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا تقرن بين سورتين في الفريضة في ركعة فإن ذلك أفضل».

و لا يتوهم من قوله «فان ذلك أفضل» الدلالة على الاستحباب فان استعمال افعل التفضيل بمعنى أصل الفعل شائع.

و ما رواه في كتاب الخصال بسنده فيه إلى علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة (2) قال: «أعطوا كل سورة حقها من الركوع و السجود».

و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل قرأ سورتين في ركعة؟ قال إذا كانت نافلة فلا بأس و اما الفريضة فلا يصلح».

و ما رواه في آخر السرائر بالسند المتقدم عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «لا قران بين سورتين في ركعة و لا قران بين أسبوعين في فريضة و نافلة و لا قران بين صومين».

و ما رواه في المعتبر و المنتهى من جامع البزنطي عن المفضل (5) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى و أ لم نشرح و الفيل و لإيلاف».

و ما رواه في كتاب الهداية للصدوق مرسلا (6) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لا تقرن بين السورتين في الفريضة و اما في النافلة فلا بأس».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (7) قال العالم (عليه السلام) لا تجمع بين

____________

(1) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(5) المعتبر ص 178 و المنتهى ص 276 و الوسائل الباب 10 من القراءة.

(6) مستدرك الوسائل الباب 6 من القراءة.

(7) ص 11.

148

السورتين في الفريضة».

أقول: هذا مجموع ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على التحريم و هي في الدلالة و الظهور كالنور على الطور.

احتج السيد السند في المدارك على القول بالكراهة حيث اختاره بالأصل و العمومات

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القران بين السورتين في المكتوبة و النافلة قال لا بأس».

و في الموثق عن زرارة (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) انما يكره ان يجمع بين السورتين في الفريضة فاما النافلة فلا بأس».

ثم نقل كلام ابن إدريس بأن الإعادة و بطلان الصلاة يحتاج إلى دليل و أصحابنا قد ضبطوا قواطع الصلاة و ما يوجب الإعادة و لم يذكروا ذلك في جملتها و الأصل صحة الصلاة و الإعادة و البطلان يحتاج إلى دليل، ثم نقل عن القائلين بالتحريم الاحتجاج بصحيحة محمد بن مسلم التي قدمناها في أول الأخبار ثم صحيحة منصور بن حازم معبرا عنها بلفظ رواية منصور، ثم قال و الجواب الحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة. اما البطلان فاحتج عليه في المختلف بان القارن بين السورتين غير آت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. و هو ضعيف فان الامتثال حصل بقراءة السورة الواحدة و النهي عن الزيادة لو سلمنا انه للتحريم فهو أمر خارج عن العبادة فلا يترتب عليه الفساد. انتهى.

و فيه نظر من وجوه: (الأول)- ان ما احتج به من الأصل و العمومات و أيده بنقل كلام ابن إدريس المذكور فهو مردود بما ذكرناه من الأخبار فإنها في ما ادعيناه واضحة المنار مع تعددها و كثرتها و هم يخرجون عن الأصل بأقل من ذلك كما لا يخفى على الخبير المنصف.

(الثاني)- ان ما احتج به من صحيحة علي بن يقطين فهي محمولة على التقية

____________

(1) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 8 من القراءة.

149

كما صرح به جملة من الأصحاب: منهم- شيخنا المجلسي في البحار و ان رجح القول بالكراهة تبعا للجماعة، قال: و يمكن الجمع بين الأخبار بوجهين (أحدهما) حمل اخبار المنع على الكراهة. و (ثانيهما) حمل اخبار الجواز على التقية و الأول أظهر و الثاني أحوط. انتهى أقول: لا اعرف لهذه الأظهرية وجها سوى متابعة المشهور بين المتأخرين لما عرفت (أولا) مما حققناه في غير مقام مما سبق من ان الجمع بين الأخبار بالكراهة و الاستحباب مما لا مستند له من سنة و لا كتاب مع خروجه عن القواعد الشرعية و الضوابط المرعية، لأن الحمل على ذلك مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و لا قرينة هنا سوى اختلاف أخبار المسألة و هذا ليس من قرائن المجاز سيما مع ظهور محمل سواه.

و (ثانيا) ان القاعدة المنصوصة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) في أمثال هذا المقام هو الترجيح بين الأخبار بالعرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه، و الخروج عن قواعدهم (عليهم السلام) التي قرروها و ضوابطهم التي ذكروها بمجرد التشهي رد عليهم في ما ذكروه.

و (ثالثا) ان من ضوابطهم المقررة أنهم يعملون بالمرجحات و يجعلون التأويل في طرف الخبر المرجوح، و لا ريب ان ما ذكرناه من الأخبار و ان لم يتفطنوا لها و لم ينقلوها أكثر عددا و ظهور رجحانها على هذه الرواية ظاهر، فالواجب جعل التأويل في جانب هذه الرواية و وجه التأويل بالحمل على التقية ظاهر فيها كما اعترف به، فأي أظهرية في ما ادعاه مع التأمل في ما ذكرناه؟ ما هذه إلا مجاز فات نشأت من الاستعجال و عدم إعطاء النظر حقه في هذا المجال.

(الثالث)- ان ما احتج به من موثقة زرارة- مع قطع النظر عن كونه يرد الأخبار الموثقة و يرميها بالضعف و يطرحها كما لا يخفى على من عرف طريقته في الكتاب المذكور- مردود بأنه مبني على كون الكراهة في عرفهم (عليهم السلام) بهذا المعنى المصطلح و هو قد اعترف في غير موضع من شرحه و صرح بكون استعمالها في الأخبار بمعنى

150

التحريم شائعا كثيرا بل ربما ترجح على المعنى الأصولي، فكيف يتم له الاستدلال بالخبر المذكور و الحال كما ترى؟

(الرابع)- ما أجاب به عن الروايتين المنقولتين في كلامه حجة للقائلين بالتحريم من حملهما على الكراهة فإن فيه ما عرفت مما قدمنا ذكره على كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) و نزيده تأكيدا بأن نقول انه إذا كان العمل عندهم في الجمع بين الأخبار في جميع الأحكام من أول أبواب الفقه إلى آخرها انما هو على هذه القاعدة من حمل الأوامر على الاستحباب و النواهي على الكراهة كما لا يخفى على الخائض في كلامهم و الناظر في نقضهم و إبرامهم فلمن خرجت هذه الأخبار المستفيضة بهذه القواعد المقررة عنهم (عليهم السلام) في الأخبار المتعارضة، أهنأ شريعة غير هذه الشريعة أو خوطب بها أحد غيرهم؟ ما هذه إلا غفلة عجيبة سامحنا اللّٰه و إياهم.

(الخامس)- قوله في رد كلام العلامة «و هو ضعيف. الى آخره» فان فيه ما كتبه عليه الفاضل الشيخ محمد بن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني في حاشية الكتاب حيث قال- و نعم ما قال- لا يخلو كلام شيخنا من نظر، لان الظاهر من القران قصد الجمع بين السورتين لأن العدول لا ريب في جوازه مع الشرط المذكور فيه، و حينئذ فكلام العلامة متوجه لأن قصد السورتين يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به إذ المأمور به السورة وحدها. و قول شيخنا- ان النهي عن الزيادة نهى عن أمر خارج- انما يتم لو تجدد فعل الزيادة بعد فعل الاولى قصدا للسورة الاولى منفردة و اين هذا من القران؟ انتهى.

و بما حررناه و أوضحناه يظهر لك قوة القول بالتحريم و ان القول بالكراهة انما نشأ عن عدم إعطاء التأمل حقه في الأخبار و التتبع لها و النظر فيها بعين الفكر و الاعتبار. و اللّٰه العالم.

[فوائد]

و في المقام فوائد يجب التنبيه عليها

(الاولى)

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك:

و يتحقق القران بقراءة أزيد من سورة و ان لم يكمل الثانية بل بتكرار السورة الواحدة

151

أو بعضها و مثله تكرار الحمد. انتهى.

و فيه (أولا) ان اخبار القران التي قدمناها كلها قد اشتملت على السورة بمعنى ان القران انما هو عبارة عن قراءة سورة ثانية تامة، و ليس فيها ما ربما يحتمل ما ذكره إلا

صحيحة منصور بن حازم لقوله (عليه السلام) (1) «بأقل من سورة و لا بأكثر».

و الواجب حمل إطلاقها على ما صرحت به تلك الأخبار العديدة من ان القران هو الجمع بين السورتين. و (ثانيا) انه لا خلاف في جواز العدول في الجملة و لا ريب في حصول الزيادة على سورة مع انه لا قائل بالتحريم. و بالجملة فالظاهر ضعف ما ذكره (قدس سره)

(الثانية)

- الظاهر ان موضع الخلاف في القران جواز أو تحريما بالسورة تامة أو ما دونها هو ما إذا قصد بقراءته كونه جزء من القراءة الواجبة، فإن الظاهر انه لا خلاف في جواز القنوت ببعض الآيات و اجابة المسلم بلفظ القرآن و الاذن للمستأذن بقوله:

«ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ آمِنِينَ» (2) و نحو ذلك.

(الثالثة)

- ينبغي ان يعلم ان محل الخلاف بغير خلاف يعرف هو الفريضة و اما النافلة فلا بأس بالقران فيها كما تقدم التصريح به في رواية عمر بن يزيد و رواية قرب الاسناد و مرسلة الصدوق في كتاب الهداية.

و يزيد ذلك تأكيدا

ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان تجمع في النافلة من السور ما شئت».

و عن محمد بن القاسم (4) قال: «سألت عبدا صالحا (عليه السلام) هل يجوز ان يقرأ في صلاة الليل بالسورتين و الثلاث؟ فقال ما كان من صلاة الليل فاقرأ بالسورتين و الثلاث و ما كان من صلاة النهار فلا تقرأ إلا بسورة سورة».

و فيه دلالة على ترجيح ترك القران في النافلة النهارية.

____________

(1) ص 146.

(2) سورة الحجر، الآية 46.

(3) الوسائل الباب 8 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 8 من القراءة.

152

(الرابعة)

- يجب ان يستثني من الحكم بتحريم القران أو كراهته في الفريضة صلاة الآيات لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى بيانه من جواز تعدد السورة فيها. و اللّٰه العالم.

(المسألة الخامسة) [حرمة قراءة العزائم في الفرائض]

- المشهور بين الأصحاب تحريم قراءة العزائم الأربع في الفرائض بل نقل عليه الإجماع جملة من الأصحاب: منهم- المرتضى في الانتصار و الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و العلامة في النهاية. و خالف في ذلك ابن الجنيد فقال لو قرأ سورة من العزائم في النافلة سجد و ان كان في فريضة أومأ فإذا فرغ قرأها و سجد.

و من اخبار المسألة

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «لا تقرأ في المكتوبة بشيء من العزائم فإن السجود زيادة في المكتوبة».

و هذه الرواية كما ترى صريحة في القول المشهور.

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الرجل يقرأ بالسجدة في آخر السورة قال يسجد ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب ثم يركع و يسجد».

ما رواه في الكافي و التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «ان صليت مع قوم فقرأ الامام «اقرأ باسم ربك الذي خلق» أو شيئا من العزائم و فرغ من قراءته و لم يسجد فأومى إيماء، و الحائض تسجد إذا سمعت السجدة».

ما رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة (4) قال «من قرأ «اقرأ باسم ربك» فإذا ختمها، فليسجد فإذا قام فليقرأ فاتحة الكتاب و ليركع. قال و ان ابتليت بها مع امام لا يسجد فيجزئك الإيماء و الركوع و لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع».

عن وهب بن وهب عن أبي عبد اللّٰه عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (5) انه قال: «إذا كان آخر السورة السجدة أجزأك أن تركع بها».

____________

(1) الوسائل الباب 40 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 37 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 38 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 37 و 40 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 37 من القراءة.

153

عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السجدة فينساها حتى يركع و يسجد قال يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم».

عن عمار بن موسى في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «عن الرجل يقرأ في المكتوبة سورة فيها سجدة من العزائم؟ فقال إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها و ان أحب ان يرجع فيقرأ سورة غيرها و يدع التي فيها السجدة فيرجع إلى غيرها. و عن الرجل يصلي مع قوم لا يقتدي بهم فيصلي لنفسه و ربما قرأوا آية من العزائم فلا يسجدون فيها فكيف يصنع؟ قال لا يسجد».

عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن امام قوم قرأ السجدة فأحدث قبل ان يسجد كيف يصنع؟ قال يقدم غيره فيتشهد و يسجد و ينصرف هو و قد تمت صلاتهم».

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد مثله (4) إلا انه قال: «يقدم غيره فيسجد و يسجدون و ينصرف فقد تمت صلاتهم».

ما رواه الثقة الجليل عبد اللّٰه بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّٰه ابن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أ يركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال يسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع و لا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة».

و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (6) إلا انه قال: «فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع و ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة».

هذا ما حضرني من الأخبار في المسألة و لا يخفى ما هي عليه من التدافع الظاهر لكل ناظر، إلا انه يمكن ان يقال بتوفيق الملك المتعال و بركة الآل عليهم صلوات ذي الجلال:

____________

(1) الوسائل الباب 39 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 30 و 38 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 40 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 40 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 40 من القراءة.

(6) الوسائل الباب 40 من القراءة.

154

اما الخبر الأول فإنه ظاهر- كما أشرنا إليه آنفا- في القول المشهور. و اما الثاني فليس فيه تصريح بكون القراءة في الفريضة فيحمل على النافلة لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى من جواز ذلك فيها.

و اما الثالث فيحمل على الصلاة خلف المخالف و انه مع الإلجاء و الضرورة يومئ إيماء، و يؤيده ما في موثقة سماعة من الأمر بالإيماء في هذه الصورة، و ما في آخر رواية عمار من الأمر له في هذه الصورة بعدم السجود لا ينافيه الإيماء كما في هذين الخبرين فيجب تقييد إطلاق خبر عمار بهذين الخبرين.

و اما الرابع فصدره كالخبر الثاني مطلق فيحمل على النافلة كما حملنا عليه ذلك الخبر و عجزه يحمل على ما عرفت في الخبر الثالث، و قوله في آخر الخبر «لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع» صريح الدلالة على القول المشهور من النهى عن القراءة في الفريضة و صريح في جواز ذلك في النافلة كما أشرنا إليه آنفا.

و اما الخامس فقد حمله الشيخ (قدس سره) على ما إذا كان مع قوم لا يتمكن معهم من السجود. و لا بأس به في مقام الجمع. و اما السادس فهو مطلق أيضا فيحمل على النافلة جمعا.

و اما السابع فيمكن حمله على من شرع في السورة ساهيا ثم ذكر قبل قراءة السجدة فان حكمه ان يقرأ سورة أخرى غيرها ان أوجبنا السورة و تغتفر له هذه الزيادة و ان اكتفينا بالتبعيض في السورة فإنه يكتفي بما قرأ و يتم صلاته. و في الخبر بناء على ما ذكرنا إيماء إلى عدم جواز قراءة السجدة في الصلاة ففيه تأييد للقول المشهور.

و اما الثامن فهو ظاهر في قراءة العزائم في الفريضة، و حمله على النافلة بعيد لعدم جواز الجماعة فيها إلا في مواضع نادرة. و يمكن الجواب عنه بالحمل على النسيان كما قدمناه في الخبر السابع أو على التقية و هو الأقرب.

بقي الكلام في معنى الخبر و قد قال شيخنا (قدس سره) في البحار انه يحتمل وجوها:

155

(الأول) ان يكون فاعل التشهد و السجود و الانصراف الامام الأول فيكون التشهد محمولا على الاستحباب للانصراف من الصلاة، و السجود للتلاوة لعدم اشتراط الطهارة فيه (الثاني) ان يكون فاعل الأولين الإمام الثاني بناء على ان الامام قد ركع معهم فالمراد بقول السائل «قبل ان يسجد» قبل سجود الصلاة لا سجود التلاوة. و لا يخفى بعده (الثالث) ان يكون فاعل التشهد الإمام الثاني أي يتم الصلاة بهم، و عبر عنه بالتشهد لانه آخر أفعالها، و يسجد الإمام الأول للتلاوة و ينصرف. (الرابع) ان يكون فاعل الأولين الإمام الثاني و يكون المراد بالتشهد إتمام الصلاة بهم و بالسجود سجود التلاوة أي يتم الصلاة بهم و يسجد للتلاوة بعد الصلاة. و اما على ما في قرب الاسناد فالمعنى يسجد الإمام الثاني بالقوم اما في أثناء الصلاة كما هو الظاهر أو بعدها على احتمال بعيد و ينصرف أي الإمام الأول بعد السجود منفردا أو قبله بناء على اشتراط الطهارة فيه و هو أظهر من الخبر. انتهى.

و اما الخبر التاسع فينبغي حمله على الناسي أو التقية، و في خبر كتاب قرب الاسناد «و لا يعود يقرأ في الفريضة بسجدة» و قوله في خبر الكتاب «و ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة» و هو مؤيد للقول المشهور، و خبر الكتاب أوضح دلالة في ذلك فإنه لو كان قراءته لها لا عن أحد الوجهين لم يكن لذكر هذا الكلام مزيد فائدة ان لم يكن منافيا.

و على ما ذكرناه تجتمع الأخبار المذكورة في المقام و يظهر قوة القول المشهور بما لا يعتريه وصمة النقض و الإبرام عند من يعمل بأخبار أهل البيت (عليهم السلام).

و اما ما ذكره في المدارك- بعد طعنه في روايتي زرارة و موثقة سماعة بضعف السند من القول بالجواز عملا بظاهر الصحاح المذكورة حيث انه ممن يدور مدار صحة الأسانيد و لا ينظر إلى ما اشتملت عليه متون الأخبار من العلل كما بيناه غير مرة- فهو جيد على أصله الغير الأصيل، على ان صحيحة علي بن جعفر المنقولة في كتابه ظاهرة في ما

156

دلت عليه الروايتان المشار إليهما من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة مع إجماع المخالفين و اتفاقهم على الجواز كما نقله في المعتبر.

و بالجملة فإنه مع العمل بجملة أخبار المسألة كما هو الحق الحقيق بالاتباع فالحكم في المسألة هو ما أوضحناه و شرحناه و عليه تجتمع الأخبار على وجه صحيح العيار واضح المنار إلا انه ينبغي الكلام هنا في مواضع

(الأول) [النظر في كلام صاحب المدارك في المقام]

- قال في المدارك- بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على انه لا يجوز ان يقرأ في الفرائض شيئا من سور العزائم- ما صورته: هذا هو المشهور بين الأصحاب و احتجوا عليه بان ذلك مستلزم لأحد محذورين: اما الإخلال بالواجب ان نهيناه عن السجود و اما زيادة سجدة في الصلاة متعمدا إن أمرناه به. و لا يخفى ان هذا مع ابتنائه على وجوب إكمال السورة و تحريم القران انما يتم إذا قلنا بفورية السجود مطلقا و ان زيادة السجدة مبطل كذلك و كل من هذه المقدمات لا يخلو من نظر. انتهى.

أقول: بل الظاهر ان النظر انما هو في كلامه (قدس سره) لا في كلام الأصحاب (أما أولا) فإن ما ذكره من ابتناء ما ذكروه على وجوب إكمال السورة و تحريم القران مما لا اعرف له وجها وجيها و ان كان قد تقدمه فيه المحقق في المعتبر، و ذلك لأن غاية ما دل عليه النهي- و هو ظاهر إطلاق الأصحاب- انه لا يجوز قراءة سورة العزيمة في الصلاة لأحد محذورين سواء أوجبنا السورة أو جعلناها مستحبة و ذلك كما تقدم ان الأصحاب في السورة على قولين الوجوب و الاستحباب، و المراد هنا ان هذه السورة التي تقرأ في هذا الموضع وجوبا أو استحبابا لا يجوز ان تكون سورة من سور العزائم الأربع للزوم المحذور. هذا غاية ما يفهم من النص و إطلاق كلامهم و لا ترتب لذلك على جواز القران و لا عدمه، فلو قلنا ان السورة مستحبة فإن هذه السورة لا تصلح للإتيان بوظيفة الاستحباب للعلة المذكورة، و كذا لو قلنا بجواز القران فإنه لا منافاة بالتقريب المذكور. و بالجملة فإن الغرض انما هو التنبيه على ان هذه السورة لا يجوز قراءتها في الصلاة

157

كغيرها من سور القرآن بأي كيفية كانت، و هذا معنى صحيح لا يترتب عليه شيء مما ذكره هو و غيره. بقي الكلام في انه لو قرأ منها ما عدا موضع السجدة فهل تصح صلاته و يمضي فيها أم لا؟ و هي مسألة أخرى يترتب الكلام فيها على وجوب السورة و عدمه، و كذا لو عدل إلى سورة أخرى بعد ان قرأ منها بعضا فهل تصح صلاته أيضا أم لا؟

و هي مسألة أخرى أيضا مبنية على تحريم القران و انه أعم من زيادة سورة كاملة أو بعض منها و قد تقدم الكلام فيه، و هذا هو مطمح نظره في اعتراضه على كلام الأصحاب و الحق ان هذا شيء خارج عما نحن فيه كما عرفت.

و (اما ثانيا) فان ما ذكره- من النظر في فورية سجود التلاوة و في الإبطال بزيادة السجدة- مردود، أما فورية السجود فلانه لا خلاف بين الأصحاب في الفورية مطلقا و هو ممن صرح بذلك فقال في بحث السجود و ذكر سجدة التلاوة بعد قول المصنف:

«و لو نسيها اتى بها في ما بعد» ما هذا لفظه: أجمع الأصحاب على ان سجود التلاوة واجب على الفور. إلخ. و قضية الوجوب فورا هو انه يجب عليه السجود بعد قراءتها في الصلاة البتة و الاستثناء في هذا المكان يحتاج إلى دليل و ليس فليس، بل اعترف بذلك في هذا المقام في الرد على ابن الجنيد حيث نقل عنه انه يومئ إيماء فإذا فرغ قرأها و سجد، فقال في الرد عليه: و هو مشكل لفورية السجود. و لو تم ما ذكره من النظر الذي أورده على كلام الأصحاب في الفورية فأي إشكال هنا يلزم به كلام ابن الجنيد؟ فانظر إلى هذه المخالفات في مقام واحد ليس بين الكلامين إلا أسطر يسيرة. و اما الإبطال بالسجدة فقد صرحت به رواية زرارة المتقدمة بقوله «فان السجود زيادة في المكتوبة» أي زيادة مبطلة و إلا فالزيادات فيها كثيرة، و قوله في صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كتابه «فإن ذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرأ السجدة في الفريضة» و يشير اليه قوله في موثقة عمار «إذا بلغ موضع السجدة فلا يقرأها. إلخ».

(الثاني) [حكم الصلاة مع تعمد قراءة العزيمة]

- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض تفريعا على القول بالتحريم مطلقا

158

ان قرأ العزيمة عمدا بطلت صلاته بمجرد الشروع في السورة و ان لم يبلغ موضع السجود للنهي المقتضي للفساد.

أقول: فيه ان الظاهر من الأخبار كما عرفت هو ان العلة في التحريم انما هو محذور السجود و عدمه فإنه ان سجد لزم بطلان الصلاة بزيادة السجدة و ان لم يسجد لزم الإخلال بالواجب الفوري و بذلك علله الأصحاب أيضا، و حينئذ فالنهي في الحقيقة لم يتوجه إلى مجرد القراءة بل انما توجه إلى قراءة السجدة. نعم يتجه ما ذكره لو أوجبنا السورة تامة و حرمنا الزيادة عليها لأن اللازم من قراءتها باعتقاد كونها الواجب في هذا المكان مع عدم جواز السجود زيادة واجب ان اتى بسورة بعدها و الإخلال بواجب ان اقتصر عليها

(الثالث) [حكم الصلاة مع قراءة العزيمة سهوا]

- قال في الذكرى: لو قرأ العزيمة سهوا في الفريضة ففي الرجوع عنها ما لم يتجاوز النصف وجهان مبنيان على ان الدوام كالابتداء أولا؟ و الأقرب الأول، و ان تجاوز ففي جواز الرجوع أيضا وجهان من تعارض عمومين أحدهما المنع من الرجوع هنا مطلقا و الثاني المنع من زيادة سجدة و هو أقرب، و ان منعناه أومأ بالسجود ثم يقضيها و يحتمل وجوب الرجوع ما لم يتجاوز السجدة و هو قريب أيضا مع قوة العدول مطلقا ما دام قائما. و ابن إدريس قال: ان قرأها ناسيا مضى في صلاته ثم قضى السجود بعدها و أطلق. انتهى.

و قال في الروض: ان قرأها سهوا فان ذكر قبل تجاوز السجدة عدل إلى غيرها وجوبا سواء تجاوز النصف أم لا مع احتمال عدم الرجوع لو تجاوز النصف لتعارض عمومي المنع من الرجوع بعده و المنع من زيادة سجدة فيومى للسجود بها ثم يقضيها، و ان لم يذكر حتى تجاوز السجدة ففي الاعتداد بالسورة و قضاء السجدة بعد الصلاة لانتفاء المانع أو وجوب العدول مطلقا ما لم يركع لعدم الاعتداد بالعزيمة في قراءة الصلاة فيبقى وجوب السورة بحاله لعدم حصول المسقط لها وجهان و مال في الذكرى إلى الثاني، و على ما بيناه من ان الاعتماد في تحريم العزيمة على السجود يتجه الاجتزاء بها حينئذ، و قال ابن إدريس

159

ثم نقل قوله المتقدم ذكره.

أقول: لا يخفى ان المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النص كثرت فيها الاحتمالات قربا و بعدا و اختلفت فيها الافهام نقضا و إبراما إلا أن الأقرب إلى القواعد الشرعية و الضوابط المرعية هو انا متى قلنا بوجوب سورة كاملة لا زيادة عليها و قلنا بالنهي عن العزائم و بطلان الصلاة بها لما عرفت فان الواجب على من قرأها ساهيا هو العدول عنها متى ذكر و لم يقرأ السجدة و ان يقرأ غيرها، و هذه الزيادة مغتفرة لمكان السهو كسائر الزيادات الواقعة في الصلاة مما لا تبطل الصلاة به تجاوز النصف أم لم يتجاوز و هذا هو الذي اختاره في الروض. و اما احتماله فيه عدم الرجوع لو تجاوز النصف- بناء على عموم الأخبار المانعة من جواز العدول من سورة إلى أخرى مع تجاوز النصف- ففيه ان هذه الأخبار لا وجود لها و انما وقع ذلك في كلام الأصحاب كما سيأتي ذكره قريبا ان شاء اللّٰه تعالى في مسألة العدول.

و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا أيضا ردا على جده حيث ان جده كما عرفت اختار ما اخترناه من العدول قبل بلوغ السجدة و ان تجاوز النصف فاعترض عليه بأنه مشكل لإطلاق الأخبار المانعة من جواز العدول من سورة إلى أخرى مع تجاوز النصف. انتهى. و فيه انه قد اعترف في بحث صلاة الجمعة بعدم وجود النص المذكور في هذا المقام حيث ان المصنف ذكر انه يستحب العدول إلى سورة الجمعة و المنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة فقال (قدس سره): اما استحباب العدول مع عدم تجاوز النصف في غير هاتين السورتين فلا خلاف فيه بين الأصحاب، إلى ان قال و اما تقييد الجواز بعدم تجاوز النصف فلم أقف له على مستند و اعترف الشهيد في الذكرى بعدم الوقوف عليه أيضا. انتهى. و حينئذ فأين هذه الأخبار المانعة من جواز العدول مع تجاوز النصف التي أورد بها الاشكال على جده؟ و بذلك يظهر لك ما في كلام الذكرى في هذا المقام.

160

و على ما ذكرناه هنا تحمل موثقة عمار كما أشرنا إليه آنفا من حملها على الساهي و انه يعدل إلى سورة أخرى. هذا كله في ما لو ذكر قبل قراءة السجدة و اما لو قرأ السجدة أيضا ساهيا و لم يذكر إلا بعد قراءتها فإشكال لما ذكره من الاحتمالين في المقام. و اللّٰه العالم.

(الرابع) [جواز قراءة العزائم في النوافل]

- الظاهر انه لا خلاف في جواز قراءة العزائم في النوافل و على ذلك تدل موثقة سماعة المتقدمة حيث قال فيها «و لا تقرأ في الفريضة اقرأ في التطوع» و هو مبني على اغتفار زيادة السجدة في التطوع، و حينئذ فإذا قرأها في أثناء القراءة سجد ثم قام و أتم القراءة و ركع، و لو كانت السجدة في آخر السورة فقد صرح بعضهم بأنه بعد السجود يقوم ثم يقرأ الحمد استحبابا ليكون ركوعه عن قراءة و استند في ذلك إلى رواية الحلبي المتقدمة بحملها على النافلة، و نقل عن الشيخ انه يقرأ الحمد و سورة أو آية معها. و لو نسي السجدة حتى ركع سجد إذا ذكر لصحيحة محمد بن مسلم بحملها على النافلة كما تقدم، و بذلك صرح العلامة من غير خلاف يعرف، و يعضده ان السجود واجب و سقوطه يحتاج إلى دليل، و مجرد السهو عنه في محله لا يصلح لأن يكون دليلا على السقوط و يخرج النص شاهدا على ذلك.

(الخامس) [استحباب التكبير عند رفع الرأس من سجود العزيمة]

- قال في المنتهى: يستحب له إذا رفع رأسه من السجود ان يكبر

رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك و لكن تكبر حين ترفع رأسك، و العزائم أربعة. الحديث».

و روى في المنتهى عن الشيخ انه روى في الموثق عن سماعة قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قرأت السجدة فاسجد و لا تكبر حتى ترفع رأسك».

____________

(1) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

161

و هذه الرواية لم أقف عليها في الوافي و لا في الوسائل في جملة أخبار العزائم (1) مع انها في التهذيب في باب كيفية الصلاة و صفتها و المفروض من ذلك و المسنون من الزيادات (2) و اللّٰه العالم.

البحث الثاني في مستحباتها

و المسنون في هذا المقام أمور: منها-

الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى من كل صلاة

، و يدل على ذلك

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) و ذكر دعاء التوجه بعد تكبيرة الإحرام ثم قال: «ثم تعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم ثم اقرأ فاتحة الكتاب».

و الكلام هنا يقع في مواضع

(الأول) المشهور انها مستحبة

و نقل فيه الشيخ في الخلاف الإجماع منا، و قال أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: و الاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة و خارج الصلاة. و نقل في الذكرى عن الشيخ أبي علي القول بالوجوب فيها، قال و للشيخ أبي علي بن الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسي قول بوجوب التعوذ للأمر به و هو غريب، لأن الأمر هنا للندب اتفاقا و قد نقل فيه والده في الخلاف الإجماع،

و قد روى الكليني عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا قرأت بسم اللّٰه الرحمن الرحيم فلا تبالي ان لا تستعيذ».

انتهى. أقول و يؤيده

ما ذكره الصدوق (5) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أتم الناس صلاة و أوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال اللّٰه أكبر بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

انتهى. إلا انه يمكن ان يقال انه لما كان (صلى اللّٰه عليه و آله) ليس للشيطان عليه سبيل فلا يثبت

____________

(1) رواها في الوافي في باب «سجدات القرآن و ذكرها» و في الوسائل في الباب 42 من قراءة القرآن.

(2) ج 1 ص 219.

(3) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 58 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 58 من القراءة.

162

الحكم المذكور بتركه الاستعاذة. و فيه ان الأئمة (عليهم السلام) كذلك مع ان الأخبار دلت على وقوع الاستعاذة منهم في الصلاة، و الغرض منها بالنسبة إليهم (عليهم السلام) انما هو تعليم الشيعة و اقامة السنة. و بالجملة فالقول المشهور هو الظاهر كما لا يخفى.

و قال شيخنا المجلسي في البحار- بعد نقل كلام شيخنا الشهيد في الذكرى بطوله المشتمل على بعض الأخبار- ما لفظه: و لو لا الأخبار الكثيرة لتأتي القول بوجوب الاستعاذة في كل ركعة يقرأ فيها بل في غير الصلاة عند كل قراءة و لكن الأخبار الكثيرة تدل على الاستحباب و تدل بظواهرها على اختصاصه بالركعة الاولى و الإجماع المنقول و العمل المستمر مؤيد، و من مخالفة ولد الشيخ يعلم معنى الإجماع الذي ينقله والده (قدس اللّٰه روحيهما) و هو اعرف بمسلك أبيه و مصطلحاته. انتهى.

أقول: الظاهر ان منشأ تقوية القول بالوجوب هو ورود ذلك في الآية مطلقا في الصلاة و غيرها و أوامر القران للوجوب بلا خلاف إلا ما يخرج بدليل. و اما ما ذكره من ان الأخبار الكثيرة تدل على خلاف ظاهر الآية فظني بعده بل ظاهرها انما هو التأييد لما دلت عليه الآية حيث تضمنت الأمر بالاستعاذة كما ستقف عليه ان شاء اللّٰه تعالى نعم الخبر الذي رواه عن الكافي و هو خبر فرات بن أحنف عن ابي جعفر (عليه السلام) المذكور المؤيد بما نقلناه عن الصدوق الذي هو في قوة خبر مرسل و الإجماع المدعى في المسألة مما يدافع ذلك. و اما كون محله في الصلاة الركعة الأولى فتدل عليه صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة لكن لا دلالة فيها على الاختصاص كما ذكره (قدس سره)

(الثاني) المشهور في كيفيتها انها «أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم»

قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد ذكر المصنف لها: و هذه الصيغة محل وفاق رواها أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) أقول: و هذه الرواية نقلها في

____________

(1)

في نيل الأوطار ج 2 ص 213 «عن ابى سعيد الخدري عن النبي «ص» انه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه و نفخه و نفثه. رواه احمد و الترمذي.

و قال ابن المنذر جاء عن النبي «ص» انه كان يقول قبل القراءة «أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم».

ثم قال في الشرح: حديث أبي سعيد أخرجه أيضا أبو داود و النسائي.

163

الذكرى، قال في الاستدلال على استحباب الاستعاذة:

و لما رواه أبو سعيد الخدري «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يقول قبل القراءة أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم (1).

ثم قال بعد كلام في البين: و صورته ما روى الخدري. أقول الظاهر ان الرواية المذكورة عامية كما لا يخفى، و نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) «أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم» نقله عنه في الذكرى، و عن ابن البراج «أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم ان اللّٰه هو السميع العليم».

و الذي وصل الي من الأخبار في هذا المقام

ما رواه الشهيد في الذكرى عن البزنطي عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الاستعاذة؟ قال أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم».

و روى الشيخ عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب؟ قال فليقل أستعيذ باللّٰه من الشيطان الرجيم ان اللّٰه هو السميع العليم، ثم ليقرأها ما دام لم يركع».

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن حنان بن سدير في الموثق (4) قال:

«صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المغرب فتعوذ بإجهار: أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم و أعوذ باللّٰه ان يحضرون. الحديث».

و هذه الرواية نقلها في الذكرى أيضا عن حنان بن سدير مثله إلا انه لم يذكر لفظ «المغرب» و الرواية الأولى موافقة لما نقل عن الشيخ المفيد.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية (5)

و روى هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(5) ص 81.

164

(عليه السلام) «أستعيذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم أعوذ باللّٰه ان يحضرون ان اللّٰه هو السميع العليم».

و في كتاب تفسير الإمام العسكري (1) قال (عليه السلام): «اما قولك الذي ندبك اللّٰه اليه و أمرك به عند قراءة القرآن أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم. الحديث».

و هو مثل رواية معاوية بن عمار المتقدمة في الدلالة على ما ذهب اليه الشيخ المفيد (قدس سره).

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) في سياق ذكر تكبيرات الافتتاح و أدعيتها: «ثم افتتح الصلاة و ارفع يديك، ثم ذكر تكبيرات الافتتاح إلى ان قال أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

و هذه الرواية أيضا مطابقة لمذهب الشيخ المذكور كالروايتين المذكورتين.

و يزيده تأييدا

ما في رواية كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) قال: «تعوذ بعد التوجه من الشيطان الرجيم تقول أعوذ باللّٰه السميع العليم من الشيطان الرجيم. الحديث».

و به يتبين قوة القول المذكور و ان كان خلاف ما هو المشهور الذي قد عرفت انه لا مستند له إلا تلك الرواية العامية و اما باقي روايات المسألة فلا بأس بالعمل بها إلا ان ما اخترناه أرجح.

(الثالث) [استحباب الإخفات بالاستعاذة]

- المشهور بين الأصحاب- بل نقل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع عليه- هو استحباب الإخفات بالاستعاذة، قال شيخنا في الذكرى: يستحب الأسرار بها و لو في الجهرية، قاله الأكثر و نقل الشيخ فيه الإجماع منا، ثم قال و روى حنان بن سدير ثم ساق الرواية كما قدمنا ذكرها ثم قال و يحمل على الجواز.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من قراءة القرآن.

(2) ص 7.

(3) مستدرك الوسائل الباب 43 من القراءة.

165

و قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل رواية حنان بن سدير المذكورة من كتاب قرب الاسناد ثم نقل كلام الذكرى المتعلق بهذا المقام: أقول لم أر مستندا للإسرار و الإجماع لم يثبت و الرواية تدل على استحباب الجهر خصوصا للإمام لا سيما في المغرب إذ الظاهر اتحاد الواقعة في الروايتين، و يؤيده عموم ما ورد في إجهار الإمام في سائر الأذكار إلا ما أخرجه الدليل. نعم

ورد في صحيحة صفوان (1) قال: «صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم» فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم و أخفى ما سوى ذلك».

و انه يدل على استحباب الإخفات في الاستعاذة لأن قوله «ما سوى ذلك» يشملها. و يمكن ان يقال لعله لم يتعوذ في تلك الصلوات و الاستدلال موقوف على الإتيان. بها و هو بعيد إذ تركه (عليه السلام) الاستعاذة في صلوات متوالية بعيد. لكن دخولها في «ما سوى ذلك» غير معلوم إذ يحتمل ان يكون المراد ما سوى ذلك من القراءة أو الفاتحة بل هو الظاهر من السياق و إلا فمعلوم انه (عليه السلام) كان يجهر بالتسبيحات و التشهدات و القنوتات و سائر الأذكار، و الاستعاذة ليست بداخلة في القراءة و لا في الفاتحة بل هي من مقدماتها. و اللّٰه العالم. انتهى. و هو جيد.

(الرابع) [كلام الشهيد الثاني في الاستعاذة و رده]

- قال شيخنا الشهيد الثاني في شرح النفلية بعد نقل الصورة المشهورة و الصورة المذكورة في رواية هشام و هي «أستعيذ باللّٰه» ما صورته: و المعنى في «أعوذ و أستعيذ» واحد قال الجوهري عذت بفلان و استعذت به أي لجأت اليه. و في «أستعيذ» موافقة لفظ القرآن إلا ان «أعوذ» في هذا المقام أدخل في المعنى و أوفق لامتثال الأمر الوارد بقوله «فَاسْتَعِذْ» (2) لنكتة دقيقة هي ان السين و التاء شأنهما الدلالة على الطلب فوردتا في الأمر إيذانا بطلب التعوذ، فمعنى «استعذ» اي اطلب منه ان يعيذك و امتثال الأمر ان يقول «أعوذ باللّٰه» اي ألتجئ إليه لأن قائله متعوذ قد عاذ و التجأ و القائل «أستعيذ»

____________

(1) الوسائل الباب 57 من القراءة.

(2) سورة النحل، الآية 98.

166

ليس بعائذ انما هو طالب العياذ به كما يقول «أستخير اللّٰه» اي اطلب خيرته «و استقيل» اي اطلب إقالته «و استغفر» اي اطلب مغفرته، لكنها هنا قد دخلت في فعل الأمر و في امتثاله بخلاف الاستعاذة، و بذلك يظهر الفرق بين الامتثال بقوله «استغفر اللّٰه» دون «أستعيذ باللّٰه» لأن المغفرة انما تكون من اللّٰه فيحسن طلبها و الالتجاء انما يكون من العبد فلا يحسن طلبه. فتدبر ذلك فإنه لطيف، و يظهر منه ان كلام الجوهري ليس بذلك الحسن و قد رده جماعة من المحققين.

و اعترضه شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب الفوائد النجفية فقال بعد نقل ذلك عنه: أقول لا يخفى على المتأمل بعين البصيرة ان ما افاده الشيخ (قدس سره) من النكتة التي سماها دقيقة ظاهرة الاختلال كما لا يخفى على أرباب الكمال، لأنه إذا كان معنى «استعذ» اطلب منه ان يعيذك فامتثال الأمر بقوله «أستعيذ» ظاهر لا سترة فيه لأن معناه اطلب من اللّٰه ان يعيذني لأن السين و التاء شأنهما الدلالة على الطلب كما لا يخفى. و اما الامتثال بقوله «أعوذ باللّٰه» فغير ظاهر إلا بجعل هذه الجملة مرادا بها الطلب و الدعاء، و اما إذا بقيت على ظاهرها من الأخبار بالالتجاء إلى اللّٰه فظاهر عدم تحقق الامتثال بها لما علمت. و من العجب قوله «لأن قائله متعوذ قد عاذ و التجأ و القائل «أستعيذ» ليس بعائذ و انما هو طالب العياذ به» فإنه كلام متهافت مختل النظام إذ ظاهر ان القائل باللفظين أراد طلب الاعاذة منه سبحانه لكن دلالة اللفظ الثاني عليه ظاهرة قضية السين و التاء و اما دلالة الأول فبناء على إرادة الإنشاء لا الأخبار و الامتثال في الأول أوضح قطعا، و كأنه بنى ما ذكره على ان معنى «أستعيذ» اطلب اللجأ إلى اللّٰه تعالى فان معنى «استعذ باللّٰه» اي اطلب منه ان يعيذك فلا يكون الأول امتثالا للثاني. و لا يخفى ما فيه من التحكم و التمحل لظهور انه إذا كان معنى الأمر ما ذكره انسحب مثله في «أستعيذ» ضرورة. و ما أعجب من يتحكم فيفصل بين الفعلين في المعنى المأخوذ فيهما ليترتب عليه ما تخيله من عدم صلاحية

167

الأول للامتثال، فتأمل في المقام و باللّٰه سبحانه الاعتصام. انتهى كلام شيخنا المذكور.

و منها-

الجهر بالبسملة في مقام الإخفات

و قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في ذلك فالمشهور استحبابه في أول الحمد و السورة في الركعتين الأولتين و الأخيرتين للإمام و المنفرد، و قال ابن إدريس باختصاص ذلك بالركعتين الأولتين دون الأخيرتين فإنه لا يجوز الجهر فيهما. و نقل عن ابن الجنيد اختصاص ذلك بالإمام، و قال ابن البراج يجب الجهر بها في ما يخافت به و أطلق، و قال أبو الصلاح يجب الجهر بها في أولتي الظهر و العصر في كل من الحمد و السورة.

و اختار السيد السند في المدارك القول الأول و احتج عليه

بما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان (1) قال: «صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم و أخفى ما سوى ذلك».

و في الحسن عن عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي (2) قال: «صلى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في مسجد بني كاهل فجهر مرتين ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

قال و قد تقرر في الأصول استحباب التأسي في ما لا يعلم وجوبه بدليل من خارج. و الظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالإمام و ان كان ذلك مورد الروايتين، لان المشهور من شعار الشيعة الجهر بالبسملة لكونها بسملة حتى قال ابن ابي عقيل تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) ان لا تقية في الجهر بالبسملة.

و روى الشيخ في المصباح عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) (3) انه قال: «علامات المؤمن خمس صلاة الإحدى و الخمسين و زيارة الأربعين و التختم باليمين و تعفير الجبين و الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

انتهى. و هو جيد.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 11 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 56 من المزار و الرواية فيه عن ابى محمد العسكري «ع» و كذا في البحار ج 85 الصلاة ص 349 و المصباح ص 551.

168

إلا ان ظاهر الخبرين الأولين مع اختصاصهما بالإمام كما اعترف به ان الجهر انما هو في الأولتين خاصة، اما الأول فبتقريب قوله: «فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها» و قد عرفت ان انقسام الصلاة إلى جهرية و إخفاتية انما هو باعتبار القراءة في الأولتين.

و اما الثاني فبتقريب قوله «مرتين» يعني في الفريضة فمرة في الفاتحة و مرة في السورة.

و يعضد ذلك عدم معلومية كون الامام (عليه السلام) يختار القراءة في الأخيرتين بل الظاهر من الأخبار- كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في محلها مكشوفة النقاب مرفوعة الحجاب- انهم انما كانوا يسبحون و ان القراءة في هذه المسألة مرجوحة و أخبارها إنما خرجت مخرج التقية (1) و ان كان ذلك خلاف المشهور عندهم كما سيتضح لك ان شاء اللّٰه تعالى في ذلك المجال. و بموجب ما ذكرناه فالخبران المذكوران لا دلالة لهما على عموم المدعى و لم يبق إلا ظاهر ما نقله من حديث علامات المؤمن و حديث شعار الشيعة، و الاستدلال بهما على ذلك لا يخلو من نظر و ان أوهم إطلاقهما ذلك، فإن الإطلاق انما ينصرف إلى الفرد الشائع المتكثر و هو القراءة في الأولتين دون الأخيرتين كما سيظهر لك من الأخبار و ان كان القراءة أرجح في الدوران في كلامهم و الاشتهار.

و من الأخبار في المقام أيضا

ما رواه ثقة الإسلام في روضة الكافي (2) في الحسن أو الصحيح عن سليم بن قيس في خطبة طويلة يذكر فيها احداث الولاة الذين كانوا قبله فقال: «قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته. أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (عليه السلام) فرددته إلى الموضع، ثم ساق جملة من بدع الثاني إلى ان قال: و ألزمت الناس الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم. الحديث».

____________

(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 111 في بيان محل القراءة المفروضة: محلها الركعتان الأوليان عينا في الصلاة الرباعية و هو الصحيح من مذهب أصحابنا، و عند الشافعي يقرأ في كل ركعة و عند مالك في ثلاث ركعات و عند الحسن البصري في ركعة واحدة. و اما الأخيرتان فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة انه مخير بين القراءة بفاتحة الكتاب و التسبيح و السكوت

لما روى عن علي «ع» و ابن مسعود قالا «المصلى بالخيار في الأخيرتين ان شاء قرأ و ان شاء سبح و ان شاء سكت» ..

(2) ص 59 الطبع الحديث.

169

و ما رواه في التهذيب عن أبي حمزة (1) قال: «قال علي بن الحسين (عليهما السلام) يا ثمالي ان الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام فيقول هل ذكر ربه؟ فان قال نعم ذهب و ان قال لا ركب على كتفيه و كان امام القوم حتى ينصرفوا.

قال فقلت جعلت فداك أ ليس يقرأون القرآن؟ قال بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي انما هو الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

و الظاهر أيضا من هذه الرواية انما هو القراءة في الأولتين. قال في الوافي: المراد بقرين الامام الملك الموكل به. أقول بل الظاهر ان المراد انما هو الشيطان الموكل به فان لكل مكلف ملكا و شيطانا موكلين به هذا يهديه و هذا يغويه و الأنسب بسؤال الشيطان هو قرينه دون الملك.

و ما رواه في الكافي عن صفوان الجمال (2) قال: «صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أياما فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم و كان يجهر في السورتين جميعا».

و روى الصدوق بسنده إلى الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) في حديث شرائع الدين قال «و الإجهار ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في الصلاة واجب».

و روى في كتاب عيون الأخبار بأسانيد عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (4) «انه كان يجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل و النهار».

____________

(1) الوسائل الباب 21 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 21 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 21 من القراءة.

(4)

حديث الفضل بن شاذان المتضمن لكتاب الرضا «ع» الى المأمون في شرائع الدين هكذا «و الإجهار ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة».

و اما اللفظ المذكور في المتن فهو حديث رجاء بن ابى الضحاك عن الرضا «ع». راجع الوسائل الباب 21 من القراءة و البحار ج 85 الصلاة ص 349 و 350 و العيون ص 266 و 319. و لعله سقط من قلم النساخ شيء من عبارة الكتاب.

170

و بالجملة فإن بعض هذه الأخبار بإطلاقه و ان تناول الأخيرتين مع اختيار القراءة فيهما إلا ان الحمل على الفرد الشائع كما أشرنا إليه ممكن.

احتج ابن الجنيد على ما نقل عنه بأن الأصل وجوب المخافتة بالبسملة في ما يخافت به لأنها بعض الفاتحة خرج الامام بالنص و الإجماع فيبقى المنفرد على الأصل.

و جوابه منع ان الأصل وجوب المخافتة فيها بل الأصل عدمه، و مع الإغماض عن ذلك فالأصل المذكور يجب الخروج عنه بالدليل و هو ما ذكرناه من الأخبار الزائدة على اخبار الامام و اما قول ابن إدريس باختصاص الحكم بالأولتين فاعترض عليه بأنه تحكم لا دليل عليه. قيل: و كأنه نظر إلى ان الأصل في استحباب الجهر بالبسملة هو التأسي بهم (عليهم السلام) و ذلك لا يتم في الأخيرتين إذ لم يثبت انهم يقرأون في الأخيرتين أم يسبحون فكيف يثبت جهرهم بالبسملة فيهما؟

أقول: لا ريب انه بالنظر إلى إطلاق جملة من هذه الأخبار فإنه يضعف قول ابن إدريس إلا انه بالنظر إلى ما ذكرنا من حمل الإطلاق على الفرد المتكثر يقوى ما ذكره، و هو الأظهر لما سيجيء ان شاء اللّٰه تعالى في فصل ذكر الأخيرتين من مرجوحية القراءة و ان العمل فيهما انما هو على التسبيح.

احتج الموجبون بأنهم (عليهم السلام) كانوا يداومون عليه و لو كان مسنونا لا خلوا به في بعض الأوقات، و ضعفه ظاهر فإنهم كانوا يداومون أيضا على المستحبات، مع ان صحيحة الحلبيين المتقدمة في الحكم الثالث من المسألة الأولى (1) ظاهرة في رد هذا القول لتضمنها التخيير بين السر و الجهر.

و من الأخبار الدالة على القول المشهور و الظاهرة فيه تمام الظهور على الوجه الذي قدمناه

ما ورد في كتاب تأويل الآيات الباهرة نقلا من تفسير محمد بن العباس بن

____________

(1) ص 108.

171

ماهيار بسنده فيه إلى أبي بصير (1) قال: «سأل جابر الجعفي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن تفسير قوله عز و جل «وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ» (2) فقال ان اللّٰه لما خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نورا إلى جنب العرش فقال إلهي ما هذا النور؟ فقال له هذا نور محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) صفوتي من خلقي. و رأى نورا إلى جنبه فقال إلهي و ما هذا النور؟ فقيل له هذا نور علي بن أبي طالب (عليه السلام) ناصر ديني.

و رأى إلى جنبهم ثلاثة أنوار فقال إلهي و ما هذه الأنوار؟ فقيل له هذا نور فاطمة (عليها السلام) فطمت محبيها من النار و نور ولديها الحسن و الحسين (عليهما السلام) فقال إلهي و أرى أنوارا تسعة قد حفوا بهم؟ قيل يا إبراهيم هؤلاء الأئمة (عليهم السلام) من ولد علي و فاطمة. فقال إلهي أرى أنوارا قد احدقوا بهم لا يحصى عددهم إلا أنت؟

قيل يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم شيعة علي (عليه السلام). فقال إبراهيم (عليه السلام) و بم تعرف شيعته؟ قال بصلاة الإحدى و الخمسين و الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم و القنوت قبل الركوع و التختم باليمين. فعند ذلك قال إبراهيم اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فأخبر اللّٰه في كتابه فقال و ان من شيعته لإبراهيم».

و روى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر نقلا من كتاب السيد حسن ابن كبش بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا كان يوم القيامة تقبل أقوام على نجائب من نور ينادون بأعلى أصواتهم «الحمد للّٰه الذي أنجز لنا وعده الحمد للّٰه الذي أورثنا أرضه نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشٰاءُ» قال فتقول الخلائق هذه زمرة الأنبياء فإذا النداء من عند اللّٰه عز و جل هؤلاء شيعة علي بن أبي طالب و هو صفوتي من عبادي و خيرتي. فتقول الخلائق إلهنا و سيدنا بم نالوا هذه الدرجة؟ فإذا النداء من قبل اللّٰه عز و جل نالوها بتختمهم باليمين و صلاتهم احدى و خمسين و إطعامهم المسكين و تعفيرهم

____________

(1) البحار ج 85 الصلاة ص 80.

(2) سورة الصافات، الآية 81.

(3) البحار ج 85 الصلاة ص 81.

172

الجبين و جهرهم في الصلاة ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم».

و انما أطلنا بذكر هذين الخبرين لما فيهما من البشارة الفاخرة لشيعة العترة الطاهرة جعلنا اللّٰه تعالى منهم بمنه و فضله.

و منها-

ترتيل القراءة

و قد اجمع العلماء كافة على استحبابه في القراءة في الصلاة و غيرها لقوله عز و جل «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (1).

و روى الشيخ بإسناده في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه البرقي و أبي أحمد يعني محمد بن ابي عمير جميعا عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ينبغي للعبد إذا صلى ان يرتل في قراءته فإذا مر بآية فيها ذكر الجنة و ذكر النار سأل اللّٰه الجنة و تعوذ باللّٰه من النار، و إذا مر ب«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ و يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» يقول لبيك ربنا».

قال في الصحاح: الترتيل في القراءة الترسل فيها و التبيين من غير بغي. و في النهاية التأني فيها و التمهل و تبيين الحروف و الحركات تشبيها بالثغر المرتل و هو المشبه بنور الأقحوان. و في المغرب الترتيل في الأذان و غيره ان لا يعجل في إرسال الحروف بل يتثبت فيها و يبينها تبيينا و يوفيها حقها من الإشباع من غير إسراع من قولهم ثغر مرتل و رتل مفلج مستوي الثنية حسن التنضيد. و قال في القاموس رتل الكلام ترتيلا أحسن تأليفه و ترتل فيه ترسل. و قال في الكشاف ترتيل القرآن قراءته على ترسل و تؤدة بتبيين الحروف و إشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيها بالثغر المرتل و هو المفلج المشبه بنور الأقحوان، و ان لا يهذه هذا و لا يسرده سردا حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الألص. انتهى. هذا ما قاله أهل اللغة.

و اما الفقهاء فقال المحقق في المعتبر: هو تبيينها من غير مبالغة، قال و ربما كان واجبا إذا أريد به النطق بالحروف بحيث لا يدمج بعضها في بعض، و يمكن حمل الآية عليه لأن الأمر عند الإطلاق للوجوب. و نحوه قال العلامة في المنتهى و قال الشهيد في الذكرى هو حفظ الوقوف و أداء الحروف. و قال العلامة في النهاية هو بمعنى بيان الحروف

____________

(1) سورة المزمل، الآية 4.

(2) الوسائل الباب 18 من القراءة.

173

و إظهارها و لا يمد بحيث يشبه الغناء.

و قال أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان اي بينه بيانا و اقرأه على هينتك.

و قيل معناه ترسل فيه ترسلا، و قيل تثبت فيه تثبتا،

و روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في معناه (1) انه قال: «بينه بيانا و لا تهذه هذا الشعر و لا تنثره نثر الرمل و لكن أقرع به القلوب القاسية و لا يكونن هم أحدكم آخر السورة».

و روى أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) في هذا قال «هو ان تتمكث فيه و تحسن به صوتك».

انتهى.

و عده الشهيد في النفلية من المستحبات و قال هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنة و غيرها و الوقف التام و الحسن و عند فراغ النفس مطلقا. و فسر الشهيد الثاني في شرحها التام بالذي لا يكون لما قبله تعلق بما بعده لفظا و لا معنى، و الحسن بالذي يكون له تعلق من جهة اللفظ دون المعنى، ثم قال و من هنا يعلم ان مراعاة صفات الحروف المذكورة و غيرها ليس على وجه الوجوب كما يذكره علماء فنه مع إمكان أن يريدوا تأكيد الفضل كما اعترفوا به في اصطلاحهم على الوقف الواجب، ثم قال و لو حمل الأمر بالترتيل على الوجوب كان المراد ببيان الحروف إخراجها من مخارجها على وجه يتميز بعضها عن بعض بحيث لا يدمج بعضها في بعض و بحفظ الوقوف مراعاة ما يخل بالمعنى و يفسد التركيب و يخرج عن أسلوب القرآن الذي هو معجز بغريب أسلوبه و بلاغة تركيبه. انتهى.

و قال الشيخ البهائي في كتاب الحبل المتين: الترتيل التأني و تبيين الحروف بحيث يتمكن السامع من عدها مأخوذ من قولهم ثغر رتل و مرتل إذا كان مفلجا، و به فسر في قوله تعالى «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (3)

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) «انه حفظ الوقوف و بيان الحروف».

اي مراعاة الوقف التام و الحسن و الإتيان بالحروف

____________

(1) الوسائل الباب 21 من قراءة القرآن.

(2) الوسائل الباب 21 من قراءة القرآن.

(3) سورة المزمل، الآية 4.

(4) الوافي باب سائر أحكام القراءة و باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن.

174

على الهيئات المعتبرة من الجهر و الهمس و الاستعلاء و الإطباق و الغنة و أمثالها، و الترتيل بكل من هذين التفسيرين مستحب، و من حمل الأمر في الآية على الوجوب فسر الترتيل بإخراج الحروف من مخارجها على وجه تتميز و لا يندمج بعضها في بعض. انتهى.

و قد ظهر بما ذكرنا ان المراد من الترتيل عند أهل اللغة هو الترسل و التأني و عليه حمل الآية جملة من أصحابنا و غيرهم، و هو ظاهر خبر البرقي و ابن أبي عمير المتقدم ذكره و هو أيضا ظاهر الخبر المتقدم نقله عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير الطبرسي لكن لما روى الخاص و العام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و كذا عن ابن عباس تفسيره بحفظ الوقوف و أداء الحروف- و ان كنت لم أقف على هذه الرواية مسندة في شيء من كتب الأخبار إلا انها في كلامهم و على رؤوس أقلامهم في غاية الاشتهار، و في بعض الروايات «و بيان الحروف»- تمسك به أصحاب التجويد و فسروه بهذا الوجه الذي سمعته من كلام شيخنا الشهيد الثاني و شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقديهما) و تبعهم الشيخان المذكوران و جمع ممن تأخر عن شيخنا الأول من الأصحاب في تفسيرهم الحديث بذلك حيث فسروه على قواعدهم و مصطلحهم. و الأظهر عندي هو ما ذكره أهل اللغة لاعتضاده بالاخبار المتقدم ذكرها و عدم ثبوت الخبر الدال على ما ذكره أهل التجويد و ان تبعهم فيه من تبعهم من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) و يحتمل ان يكون الخبر من طرق العامة و ان استسلقه أصحابنا في هذا المقام.

و لشيخنا محمد تقي المجلسي كلام جيد في المقام نقله عنه ابنه (رفع اللّٰه مقامهما في دار السلام) قال الترتيل الواجب هو أداء الحروف من المخارج و حفظ أحكام الوقوف بان لا يقف على الحركة و لا يصل بالسكون فإنهما غير جائزين باتفاق القراء و أهل العربية، و الترتيل المستحب هو أداء الحروف بصفاتها المحسنة لها و حفظ الوقوف التي استحبها القراء و بينوها في تجاويدهم، و الحاصل انه ان حملنا الترتيل في الآية على

____________

(1) الوافي باب سائر أحكام القراءة و باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن.

175

الوجوب كما هو دأبهم في أوامر القران فليحمل على ما اتفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتي الوصل و الوقف و أداء حقهما من الحركة و السكون أو الأعم منه و من ترك الوقف في وسط الكلمة اختيارا، و منع الشهيد من السكوت على كل كلمة بحيث يخل بالنظم فان ثبت تحريمه كان أيضا داخلا فيه، و لو حمل الأمر على الندب أو الأعم كان مختصا أو شاملا لرعاية الوقف على الآيات مطلقا كما ذكره جماعة من أكابر أهل التجويد، و يشمل أيضا على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم و التام و الحسن و الكافي و الجائز و المجوز و المرخص و القبيح، لكن لا يثبت استحباب رعاية ذلك عندي لأن تلك الوقوف من مصطلحات المتأخرين و لم تكن في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا يمكن حمل كلامه عليه، إلا ان يقال غرضه (عليه السلام) رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى على ما يفهمه القارئ و لا ينافي هذا حدوث تلك الاصطلاحات بعده. و يرد عليه أيضا ان هذه الوقوف انما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الآيات و قد وردت أخبار كثيرة كما سيأتي في ان معاني القرآن لا يفهمها إلا أهل البيت (عليهم السلام) الذين نزل عليهم القرآن، و يشهد له انا نرى كثيرا من الآيات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه و وردت الأخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى كما انهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ» (1) على آخر الجلالة لزعمهم ان الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات و قد وردت الأخبار المستفيضة في ان الراسخين هم الأئمة (عليهم السلام) و هم يعلمون تأويلها، مع ان المتأخرين من مفسري العامة و الخاصة رجحوا في كثير من الآيات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه في الوقوف. و لعل الجمع بين المعنيين- لورود الأخبار على الوجهين و تعميمه بحيث يشمل الواجب و المستحب من كل منهما حتى انه يراعى في الوقف ترك قلة المكث بحيث ينافي التثبت و التأني و كثرة المكث بحيث ينقطع الكلام و يتبدد النظام فيكره أو يصل إلى حد يخرج عن كونه قارئا

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 5.

176

فيحرم على المشهور- اولى و أظهر تكثيرا للفائدة و رعاية لتفاسير العلماء و اللغويين و اخبار الأئمة الطاهرين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) و اللّٰه يعلم حقائق كلامه المجيد. انتهى كلامه زيد مقامه. و انما نقلناه بطوله لجودة معناه و محصوله.

و روى الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال «سألته عن الرجل يقرأ فاتحة الكتاب و سورة أخرى في النفس الواحد؟ فقال ان شاء قرأ في نفس و ان شاء في غيره».

و عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان رجلا من أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كتب إلى أبي بن كعب كم كانت لرسول اللّٰه من سكتة؟ قال كانت له سكتتان: إذا فرغ من أم القرآن و إذا فرغ من السورة».

و روى في الكافي عن محمد بن يحيى بإسناد له عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «يكره ان يقرأ قل هو اللّٰه أحد في نفس واحد».

[القراءة بسور المفصل]

و منها- ما ذكره جمع من الأصحاب من انه يستحب ان يقرأ في الصلاة بسور المفصل و هي من سورة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) الى آخر القرآن، فيقرأ مطولاته في الصبح و هي من سورة محمد إلى «عم» و متوسطاته في العشاء و هي من سورة «عم» الى «و الضحى» و قضاه في الظهرين و المغرب و هي من الضحى إلى آخر القرآن، و انه يستحب في غداة الخميس و الاثنين بسورة «هل اتى» و في المغرب و العشاء ليلة الجمعة و الأعلى و في الظهرين بالجمعة و المنافقين و في نوافل النهار بالسور القصار و يسر بها و في نوافل الليل بالسور الطوال و يجهر بها، و ان يقرأ في أولتي صلاة الليل بقل هو اللّٰه أحد ثلاثين مرة.

و تفصيل هذه الجملة يتوقف على بسط الكلام في مقامات

[المقام] (الأول) [عدم المستند لاستحبابها]

لا يخفى ان ما ذكروه (رضوان اللّٰه عليهم) من استحباب القراءة بسور المفصل على التفصيل المذكور لم أجد له مستندا في أخبارنا بعد التتبع التام و بذلك اعترف جملة من محققي متأخري

____________

(1) الوسائل الباب 46 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 46 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 46 من القراءة.

177

المتأخرين كالسيد السند في المدارك حيث قال بعد نقل ذلك: و ليس في أخبارنا تصريح بهذا الاسم و لا تحديده و انما رواه الجمهور عن عمر بن الخطاب (1). انتهى. و من هنا يعلم ان الظاهر ان أصحابنا قد تبغوا في ذلك العامة، و لا يخفى ان كلام العامة أيضا هنا لا يخلو من اختلاف إلا ان المشهور بينهم هو ما ذكر هنا.

قال في القاموس: المفصل كمعظم من القرآن من الحجرات إلى آخره في الأصح أو من الجاثية أو القتال أو (ق) عن النووي، أو الصافات أو الصف أو (تبارك) عن ابن أبي الصيف، أو (انا فتحنا) عن الدزماري، أو (سبح اسم ربك الأعلى) عن الفركاح أو الضحى عن الخطابي (2). انتهى.

و قال في كتاب مجمع البحرين: و في الحديث «فضلت بالمفصل» (3) قيل سمى به لكثرة ما يقع فيه من الفصول بالتسمية بين السور، و قيل لقصر سوره. و اختلف في أوله فقيل من سورة (ق) و قيل من سورة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و قيل من سورة الفتح، و عن النووي مفصل القرآن من سورة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) الى آخر القرآن و قصاره من الضحى إلى آخره و مطولاته إلى عم و متوسطاته إلى الضحى. و في الخبر «المفصل ثمان و ستون سورة» انتهى.

أقول: ربما أشعر كلامه بأن الأخبار المذكورة في كلامه مروية من طرفنا و لم أقف على من نقلها كذلك سواه و الظاهر انها من طرق العامة و ان تناقلها أصحابنا في كتب الفروع. نعم وقفت على ذلك

في كتاب دعائم الإسلام إلا انه من كلامه و لم

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 205 كتب عمر بن الخطاب إلى ابى موسى الأشعري ان اقرأ في الفجر و الظهر بطوال المفصل و في العصر و العشاء بأوساط المفصل و في المغرب بقصار المفصل.

(2) فتح الباري ج 2 ص 170.

(3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 34.

178

يسنده إلى رواية حيث قال (1) «و لا بأس بأن يقرأ في الفجر بطوال المفصل و في الظهر و العشاء الآخرة بأوساطه و في العصر و المغرب بقصاره».

و كيف كان فالواجب الرجوع في ذلك إلى الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) و هي كثيرة لا بأس بذكر ما يسعه المقام منها:

فمنها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) القراءة في الصلاة فيها شيء موقت؟ قال لا إلا الجمعة يقرأ فيها بالجمعة و المنافقين. قلت فأي السور يقرأ في الصلاة؟ قال اما الظهر و العشاء الآخرة يقرأ فيهما سواء و العصر و المغرب سواء و اما الغداة فأطول، فأما الظهر و العشاء الآخرة فسبح اسم ربك الأعلى و الشمس و ضحاها و نحوهما، و اما العصر و المغرب فإذا جاء نصر اللّٰه و الفتح و ألهاكم التكاثر و نحوهما، و اما الغداة فعم يتساءلون و هل أتاك حديث الغاشية و لا اقسم بيوم القيامة و هل اتى على الإنسان حين من الدهر».

و عن أبان في الصحيح عن عيسى بن عبد اللّٰه القمي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلي الغداة بعم يتساءلون و هل أتاك حديث الغاشية و لا اقسم بيوم القيامة و شبهها، و كان يصلي الظهر بسبح اسم و الشمس و ضحاها و هل أتاك حديث الغاشية و شبهها، و كان يصلي المغرب بقل هو اللّٰه أحد و إذا جاء نصر اللّٰه و الفتح و إذا زلزلت، و كان يصلي العشاء الآخرة بنحو ما يصلي في الظهر و العصر بنحو من المغرب».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4) و قال العالم (عليه السلام) اقرأ في صلاة الغداة المرسلات و إذا الشمس كورت و مثلهما من السور، و في الظهر إذا السماء انفطرت و إذا

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 36 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 70 و 48 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 48 من القراءة.

(4) ص 11.

179

زلزلت و مثلهما، و في العصر العاديات و القارعة و مثلهما، و في المغرب و التين و قل هو اللّٰه أحد و مثلهما، و في يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين.

و قال شيخنا الصدوق في الفقيه: أفضل ما يقرأ في الصلوات في اليوم و الليلة في الركعة الأولى الحمد و انا أنزلناه و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد إلا في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة، إلى ان قال و انما يستحب قراءة القدر في الاولى و التوحيد في الثانية لأن القدر سورة النبي و أهل بيته (عليهم السلام) فيجعلهم المصلي وسيلة إلى اللّٰه لانه بهم وصل إلى معرفته، و اما التوحيد فالدعاء على أثرها مستجاب و هو قنوت. انتهى.

و يشهد له جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الكليني عن أبي علي بن راشد (1) قال:

«قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك انك كتبت إلى محمد بن الفرج تعلمه ان أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه و قل هو اللّٰه أحد، و ان صدري ليضيق بقراءتهما في الفجر؟ فقال (عليه السلام) لا يضيقن صدرك بهما فان الفضل و اللّٰه فيهما».

و في حديث عمر بن أذينة و غيره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) في كيفية الصلاة قال: «ان اللّٰه اوحى إلى نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) ليلة الإسراء في الركعة الأولى ان اقرأ قل هو اللّٰه أحد فإنها نسبتي و نعتي ثم اوحى اللّٰه إليه في الثانية بعد ما قرأ الحمد ان اقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر فإنها نسبتك و نسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة».

و روى الصدوق في الفقيه (3) قال «حكى من صحب الرضا (عليه السلام) الى خراسان انه كان يقرأ في الصلوات في اليوم و الليلة في الركعة الأولى الحمد و انا أنزلناه و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد. الحديث».

أقول: الظاهر انه اشارة إلى ما رواه (قدس سره)

في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن رجاء بن أبي الضحاك (4) قال: «كان الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان قراءته في جميع المفروضات في الأولى الحمد و انا أنزلناه

____________

(1) الوسائل الباب 23 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 23 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 23 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 23 من القراءة.

180

و في الثانية الحمد و قل هو اللّٰه أحد إلا في صلاة الغداة و الظهر و العصر يوم الجمعة فإنه كان يقرأ فيها بالحمد و سورة الجمعة و المنافقين، و كان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة في الأولى الحمد و سورة الجمعة و في الثانية الحمد و سبح اسم ربك الأعلى، و كان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس في الأولى الحمد و هل اتى على الإنسان و في الثانية الحمد و هل أتاك حديث الغاشية. الحديث».

و روى في كتاب العيون أيضا بسنده عن أبي الحسن الصائغ عن عمه (1) قال:

«خرجت مع الرضا (عليه السلام) الى خراسان فما زاد في الفرائض على الحمد و انا أنزلناه في الاولى و الحمد و قل هو اللّٰه أحد في الثانية».

و روى السيد الزاهد العابد رضي الدين بن طاوس (قدس سره) في كتاب فلاح السائل بسنده فيه عن محمد بن الفرج (2) «انه كتب إلى الرجل (عليه السلام) يسأله عما يقرأ في الفرائض و عن أفضل ما يقرأ فيها؟ فكتب (عليه السلام) اليه ان أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه في ليلة القدر و قل هو اللّٰه أحد».

و روى الشيخ في كتاب الغيبة و الطبرسي في الاحتجاج (3) «انه كتب محمد ابن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام) في ما كتبه و سأله عما روى في ثواب القرآن في الفرائض و غيرها ان العالم (عليه السلام) قال عجبا لمن لم يقرأ في صلاته إنا أنزلناه في ليلة القدر كيف تقبل صلاته، و روى ما زكت صلاة لم يقرأ فيها بقل هو اللّٰه أحد. و روى من قرأ في فرائضه (الهمزة) اعطى من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز أن يقرأ (الهمزة) و يدع هذه السور التي ذكرناها مع ما قد روى انه لا تقبل صلاة و لا تزكو إلا بهما؟ التوقيع: الثواب في السور على ما قد روى، و إذا ترك سورة مما فيها الثواب و قرأ قل هو اللّٰه أحد و انا أنزلناه لفضلهما اعطى ثواب ما قرأ و ثواب السورة التي ترك، و يجوز ان يقرأ غير هاتين السورتين و تكون صلاته تامة و لكنه يكون

____________

(1) البحار ج 85 الصلاة ص 339.

(2) مستدرك الوسائل الباب 19 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 23 من القراءة.

181

قد ترك الأفضل».

و من الأخبار الدالة على التأكيد في سورة التوحيد و استحباب قراءة الجحد أيضا

ما رواه في الكافي عن يعقوب بن شعيب في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «كان أبي يقول قل هو اللّٰه أحد تعدل ثلث القرآن و قل يا ايها الكافرون ربع القرآن».

و عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال «من مضى به يوم واحد فصلى فيه بخمس صلوات و لم يقرأ فيها بقل هو اللّٰه أحد قيل له يا عبد اللّٰه لست من المصلين».

و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن أبي طلحة خال سهل بن عبد ربه عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «قرأت في صلاة الفجر بقل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون و قد فعل ذلك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن الحسين بن أبي العلاء عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «من قرأ قل يا ايها الكافرون و قل هو اللّٰه أحد في فريضة من الفرائض غفر اللّٰه له و لوالديه و ان كان شقيا محي من ديوان الأشقياء و أثبت في ديوان السعداء و أحياه اللّٰه سعيدا و أماته شهيدا و بعثه شهيدا».

الى غير ذلك من الأخبار الدالة على جملة من السور.

(المقام الثاني)- في ما يقرأ في مغرب و عشاء يوم الجمعة و الغداة و الظهر و العصر منه

، اما المغرب و العشاء فالمشهور انه يقرأ الجمعة في الاولى و الأعلى في الثانية في كل منهما، ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط و المرتضى و ابن بابويه و أكثر الأصحاب.

و مستنده

رواية أبي بصير (5) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبح اسم ربك الأعلى و في الفجر سورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد.».

____________

(1) الوسائل الباب 24 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 24 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 24 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 24 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 49 من القراءة.

182

و نحوه

روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (1) «انه يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبح اسم ربك الأعلى و في الغداة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد».

و المراد يعني في كل من الفرضين.

و الخلاف هنا واقع في كل من الفرضين، اما في المغرب فمن الشيخ حيث قال في المصباح و الاقتصاد تقرأ في ثانية المغرب قل هو اللّٰه أحد:

لما رواه أبو الصباح الكناني (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كان ليلة الجمعة فاقرأ في المغرب سورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد و إذا كانت العشاء الآخرة فاقرأ سورة الجمعة و سبح اسم ربك الأعلى فإذا كانت صلاة الغداة يوم الجمعة فاقرأ سورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد».

و اما في العشاء الآخرة فمن ابن أبي عقيل حيث قال انه يقرأ في ثانية العشاء ليلة الجمعة سورة المنافقين، و مستنده

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز و ربعي رفعاه إلى أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا كانت ليلة الجمعة يستحب ان يقرأ في العتمة سورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون و في صلاة الصبح مثل ذلك و في صلاة الجمعة مثل ذلك و في صلاة العصر مثل ذلك».

قال في الذكرى: و الأول أظهر و أشهر في الفتوى، أقول: لا يخفى ان المقام مقام استحباب فلا مشاحة.

و اما الصبح فالمشهور انه يقرأ بسورة الجمعة في الاولى و التوحيد في الثانية.

و قال ابن بابويه و المرتضى في الانتصار يقرأ بالمنافقين في الثانية.

و يدل على الأول ما تقدم من رواية أبي بصير و رواية أبي الصباح الكناني

و ما رواه الكليني في الصحيح عن الحسين بن أبي حمزة (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بما اقرأ في صلاة الفجر في يوم الجمعة؟ فقال اقرأ في الأولى بسورة الجمعة

____________

(1) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 49 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 49 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 49 من القراءة.

183

و في الثانية بقل هو اللّٰه أحد ثم أقمت حتى تكونا سواء».

و يدل على الثاني مرفوعة حريز و ربعي المتقدمة

و ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في حديث طويل يقول «اقرأ سورة الجمعة و المنافقين فان قراءتهما سنة يوم الجمعة في الغداة و الظهر و العصر و لا ينبغي لك ان تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة إماما كنت أو غير امام».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «اقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة سورة الجمعة في الاولى و في الثانية المنافقين و روى قل هو اللّٰه أحد».

و روى فيها الجمعة و سبح اسم ربك الأعلى،

رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال قال: «يا علي بم تصلي في ليلة الجمعة؟ قلت بسورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون. فقال رأيت أبي يصلي ليلة الجمعة بسورة الجمعة و قل هو اللّٰه أحد و في الفجر بسورة الجمعة و سبح اسم ربك الأعلى و في الجمعة بسورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون».

و ظاهر هذه الرواية ان الجمعة و التوحيد ليلة الجمعة في كل من الفرضين ففيه دلالة على ما ذهب اليه الشيخ (قدس سره) في المصباح و الاقتصاد في المغرب، و اما في العشاء فلم أقف على قائل به إذ الخلاف كما عرفت في سورة الأعلى و المنافقين و اما التوحيد فلم يقل به أحد في ما اعلم.

و اما الظهر فالمشهور فيها استحباب الجمعة و المنافقين، و قال ابن بابويه في الفقيه لا يجوز ان يقرأ في ظهر يوم الجمعة بغير سورة الجمعة و المنافقين فان نسيتهما أو واحدة منهما في صلاة الظهر و قرأت غيرهما ثم ذكرت فارجع إلى سورة الجمعة و المنافقين ما لم تقرأ نصف السورة فإن قرأت نصف السورة فتمم السورة و اجعلهما ركعتي نافلة و سلم فيهما و أعد صلاتك بسورة الجمعة و المنافقين، و قد رويت رخصة في القراءة في صلاة الظهر بغير

____________

(1) الوسائل الباب 49 من القراءة.

(2) ص 11.

(3) الوسائل الباب 49 من القراءة.

184

سورة الجمعة و المنافقين لا استعملها و لا افتى بها إلا في حال السفر و المرض و خيفة فوت حاجة. انتهى. و مراده بالظهر ما هو أعم من الجمعة و الظهر لأنه متى ثبت الحكم في الظهر ففي الجمعة بطريق الاولى و لا سيما ان اخباره التي استند إليها فإنما هي في الجمعة.

و منشأ هذا الخلاف اختلاف الأخبار ظاهرا في هذه المسألة

فروى الكليني و الشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن عمر بن يزيد (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من صلى الجمعة بغير الجمعة و المنافقين أعاد الصلاة في سفر أو حضر».

و الثابت في السفر انما هو الظهر لا الجمعة.

و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ قال نعم و قال اقرأ بسورة الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة».

و روى الكليني أيضا في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «ان اللّٰه أكرم بالجمعة المؤمنين فسنها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بشارة لهم و المنافقين توبيخا للمنافقين و لا ينبغي تركهما فمن تركهما متعمدا فلا صلاة له».

و عن الحسين بن عبد الملك الأحول عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «من لم يقرأ في الجمعة الجمعة و المنافقين فلا جمعة له».

و قد تقدم

في صحيحة زرارة المنقولة في كتاب العلل (5) «انه لا ينبغي ان يقرأ بغير الجمعة و المنافقين في صلاة الظهر يعني في يوم الجمعة».

و روى الشيخ في الصحيح عن صباح بن صبيح (6) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل أراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو اللّٰه أحد؟ قال يتمها ركعتين

____________

(1) الوسائل الباب 72 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 73 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 49 من القراءة.

(6) الوسائل الباب 72 من القراءة.

185

ثم يستأنف».

و رواه الكليني مرسلا (1).

و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ليس في القراءة شيء موقت إلا الجمعة يقرأ بالجمعة و المنافقين».

و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) القراءة في الصلاة فيها شيء موقت؟ قال لا إلا الجمعة يقرأ فيها بالجمعة و المنافقين».

و عن سليمان بن خالد في الصحيح (4) في حديث «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجمعة فقال القراءة في الركعة الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين».

و روى الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (5) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا؟ فقال لا بأس بذلك».

و عن علي بن يقطين (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجمعة في السفر ما اقرأ فيهما؟ قال اقرأهما بقل هو اللّٰه أحد».

و عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (7) قال:

«سمعته يقول في صلاة الجمعة لا بأس بأن تقرأ فيها بغير الجمعة و المنافقين إذا كنت مستعجلا».

و عن محمد بن سهل عن أبيه (8) قال: «سألت أبا الحسن (صلوات اللّٰه عليه) عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا؟ قال لا بأس».

و عن يحيى الأزرق (9) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت رجل صلى الجمعة فقرأ سبح اسم ربك الأعلى و قل هو اللّٰه أحد؟ قال أجزأه».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (10) «و تقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين و سبح اسم ربك الأعلى، و ان نسيتهما أو واحدة منهما

____________

(1) الوسائل الباب 72 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 70 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 71 من القراءة.

(6) الوسائل الباب 71 من القراءة.

(7) الوسائل الباب 71 من القراءة.

(8) الوسائل الباب 71 من القراءة.

(9) الوسائل الباب 71 من القراءة.

(10) ص 12.

186

فلا اعادة عليك، فان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة و ان لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك».

أقول: هذه جملة أخبار المسألة و الصدوق قد حمل الأخبار الدالة على مطلق الأمر بهاتين السورتين في الجمعة التي هي أعم- كما عرفت- من الواجبة أو الظهر على الوجوب مستندا إلى صحيحة عمر بن يزيد الدالة على الإعادة لو أخل بهما، و صحيحة محمد بن مسلم الدالة على ان من تركهما متعمدا فلا صلاة له، و رواية الأحول عن أبيه الدالة على ان من لم يقرأهما فلا جمعة له، و رواية صباح بن صبيح الدالة على إتمام ركعتين ثم الاستئناف لو تركهما. ثم انه حمل الروايات الدالة بظاهرها على صحة الجمعة مع قراءة غير السورتين المذكورتين على السفر أو المرض أو الحاجة. و فيه ان بعض تلك الأخبار و ان أمكن فيه ما ذكره إلا ان صحيحة علي بن يقطين و رواية محمد بن سهل قد صرحتا بان من قرأ بغير السورتين المذكورتين متعمدا فلا بأس و مفاد التعمد هو عدم العذر، و حينئذ فلا يجري حمله المذكور فيهما مع إمكان التأويل في ما استند اليه بالحمل على تأكيد الاستحباب و له نظائر في الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار. و اما قوله (عليه السلام) «لا صلاة له أو لا جمعة له» فقد ورد نظيره

«ان من تكلم في أثناء الخطبة فلا جمعة له» (1).

و «لا صلاة لجار المسجد إلا فيه» (2).

و نحو ذلك. و اما الإعادة لو تركهما فإنه قد ورد نظيره في تارك الأذان و الإقامة و نحو ذلك، على ان الإعادة في رواية صباح انما هي في صلاة الجمعة و مدعاه أعم منها و من الظهر فلا تنهض دليلا له. و حمل الجمعة على الظهر و ان أمكن إلا انه مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة. و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور و حمل هذه الأخبار على ما ذكرناه.

و اما العصر فالمشهور فيها استحباب السورتين المذكورتين و الصدوق قد وافق هنا

____________

(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.

(2) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.

187

على الاستحباب حيث قال: «و لا بأس ان تصلي العشاء و الغداة و العصر بغير الجمعة و المنافقين إلا ان الفضل في ان تصليها بالجمعة و المنافقين» و المستند هنا في استحباب السورتين المذكورتين ما تقدم في مرفوعة حريز و ربعي، و ردها في المدارك بالضعف ثم قال إلا ان هذا المقام يكفي فيه مثل ذلك و فيه نظر قد تقدم ذكره مرارا مع انه قد تقدم في صحيحة زرارة المنقولة من كتاب العلل ما يدل على ذلك أيضا و لكنه لم يقف عليها، و نحو ذلك ما تقدم في رواية رجاء بن أبي الضحاك عن الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان.

و قال في المدارك بعد نقل كلام الصدوق المتقدم: و المعتمد استحباب قراءتهما في الجمعة خاصة لما رواه الشيخ، ثم نقل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على انه ليس في الصلاة شيء موقت إلا الجمعة، إلى ان قال و اما الاستحباب في صلاة الظهر فلم أقف على رواية تدل بمنطوقها عليه.

أقول: قد تقدم في

صحيحة زرارة المنقولة من كتاب العلل «اقرأ بالسورتين في ظهر الجمعة إماما كنت أو غير امام».

و كذا

في صحيحة الحلبي أو حسنته التصريح بذلك حيث قال: «إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ قال نعم، و قال اقرأ بسورة الجمعة و المنافقين يوم الجمعة».

فإنها كما ترى صريحة في القراءة في الظهر. و العجب انه استدل بصدر الرواية على جواز الجهر.

بقي هنا شيء يجب التنبيه عليه و هو ان المحقق (قدس سره) في الشرائع نقل قولا بوجوب السورتين في الظهر و العصر، و المنقول عن ابن بابويه كما تقدم انما هو الوجوب في الظهر خاصة، و استنكر هذا القول جملة من المتأخرين من حيث عدم الوقوف عليه إلا من عبارة المحقق المذكور، و حمله في المدارك على الغفلة بعد نقل كلام ابن بابويه في كتابه الكبير فتوهم من ظاهر أول العبارة العموم للظهر و العصر و الحال ان آخرها صريح في الظهر خاصة.

188

(المقام الثالث)- في ما يقرأ في صبحي الاثنين و الخميس

و المشهور انه يستحب ان يقرأ فيهما «هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ».

و قد تقدم

في حديث رجاء بن أبي الضحاك المنقول من كتاب العيون «ان الرضا (عليه السلام) كان يقرأ في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس في الأولى الحمد و هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ و في الثانية الحمد و هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ الْغٰاشِيَةِ».

و قال الصدوق في الفقيه: في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس في الركعة الأولى الحمد و هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ و في الثانية الحمد و هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ الْغٰاشِيَةِ، فإن من قرأهما في صلاة الغداة يوم الاثنين و يوم الخميس وقاه اللّٰه شر اليومين، و قد حكى من صحب الرضا (عليه السلام) الى خراسان لما أشخص إليها انه كان يقرأ في صلاته بالسور التي ذكرناها فلذلك اخترناها من بين السور بالذكر في هذا الكتاب. انتهى.

و أشار بذلك إلى ما قدمه من أفضلية سورتي التوحيد و انا أنزلناه و ما يقرأ في يوم الجمعة و ليلتها و ما يقرأ في غداة الخميس و الاثنين و قد تقدم ذلك في الحديث المشار اليه.

و روى الشيخ أبو علي بن شيخنا أبي جعفر الطوسي (قدس سره) في كتاب المجالس في الصحيح إلى علي بن عمر العطار (1) قال: «دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) يوم الثلاثاء فقال لم أرك أمس؟ قلت كرهت الحركة في يوم الاثنين. قال يا علي من أحب ان يقيه اللّٰه شر يوم الاثنين فليقرأ في أول ركعة من صلاة الغداة هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ، ثم قرأ أبو الحسن (عليه السلام) فَوَقٰاهُمُ اللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً (2)».

و روى في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن عمرو بن جبير العزرمي عن أبيه عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «من قرأ هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ في كل غداة خميس

____________

(1) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(2) سورة هل أتى، الآية 11.

(3) الوسائل الباب 50 من القراءة.

189

زوجه اللّٰه تعالى من الحور العين ثمانمائة عذراء و أربعة آلاف ثيب و حوراء من الحور العين و كان مع محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)».

(المقام الرابع)- ما ذكروه بالنسبة إلى نوافل الليل و النهار

من القراءة بالسور الطوال و القصار و الجهر و الإخفات، فاما الأول فلم أقف له على مستند من الأخبار و بذلك اعترف في المدارك فقال: لم أقف على رواية تدل بمنطوقها عليه، ثم قال و ربما أمكن الاستدلال عليه بفحوى

صحيحة محمد بن القاسم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) هل يجوز ان يقرأ في صلاة الليل بالسورتين و الثلاث. الخبر».

و قد تقدم في مسألة حكم القران في الفريضة. و اما الثاني فقال في المعتبر انه قول علمائنا اجمع و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي بن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «السنة في صلاة النهار بالإخفات و السنة في صلاة الليل بالإجهار».

قال في المعتبر: و الرواية و ان كانت ضعيفة السند مرسلة لكن عمل الأصحاب على ذلك. انتهى. و اما استحباب التوحيد ثلاثين مرة في الركعتين الأولتين من صلاة الليل فقد تقدم الكلام فيه مشروحا في المقدمة الاولى من مقدمات الباب الأول من هذا الكتاب.

و منها-

استحباب الجهر بالظهر في يوم الجمعة

إماما كان أو منفردا على الأشهر الأظهر، و قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) هنا بعد الاتفاق على استحباب الجهر في صلاة الجمعة، فقيل بالاستحباب كما ذكرنا و هو المشهور، قال الصدوق أبو جعفر ابن بابويه بعد نقل صحيحة عمران الحلبي الآتية (3) و هذه رخصة الأخذ بها جائز و الأصل انه انما يجهر فيها إذا كانت خطبة فإذا صلاها الإنسان وحده فهي كصلاة الظهر في سائر الأيام يخفى فيها القراءة، و كذلك في السفر من صلى الجمعة جماعة بغير خطبة جهر بالقراءة

____________

(1) الوسائل الباب 8 من القراءة و هي هكذا «سألت عبدا صالحا.» في المدارك و الوسائل.

(2) الوسائل الباب 22 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 73 من القراءة.

190

و ان أنكر ذلك عليه. و قال السيد المرتضى في المصباح: و المنفرد بصلاة الظهر يوم الجمعة فقد روى انه يجهر بالقراءة استحبابا، و روى ان الجهر انما يستحب لمن صلاها مقصورة بخطبة أو صلاها أربعا ظهرا في جماعة و لا جهر على المنفرد. و قال ابن إدريس: و هذا الثاني هو الذي يقوى في نفسي و أعتقده و افتي به، لأن شغل الذمة بواجب أو ندب يحتاج إلى دليل شرعي لأصالة براءة الذمة و الرواية مختلفة فوجب الرجوع إلى الأصل، و لأن الاحتياط يقتضي ذلك لأن تارك الجهر تصح صلاته إجماعا و ليس كذلك الجاهر بالقراءة. و نقل المحقق في المعتبر عن بعض الأصحاب المنع من الجهر في الظهر مطلقا و قال ان ذلك أشبه بالمذهب.

أقول: و تحقيق المسألة كما هو حقها بنقل اخبارها و بيان الجمع بينها كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في باب صلاة الجمعة.

و منها-

السكوت بعد القراءة

كما تقدم في رواية حماد و حكايته صلاة الصادق (عليه السلام) تعليما له، قال فيه

«ثم قرأ الحمد بترتيل و قل هو اللّٰه أحد ثم صبر هنية بقدر ما يتنفس و هو قائم ثم قال اللّٰه أكبر».

قال شيخنا في الذكرى: يستحب السكوت إذا فرغ من الحمد و السورة فهما سكتتان

لرواية إسحاق بن عمار عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان رجلين من أصحاب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اختلفا في سكتة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فكتب إلى ابى بن كعب كم كانت لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من سكتة؟

قال كانت له سكتتان: إذا فرغ من أم القران و إذا فرغ من السورة».

و في رواية حماد تقدير السكتة بعد السورة بنفس.

و قال ابن الجنيد روى سمرة و أبي بن كعب عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «ان السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام و الثانية بعد الحمد».

ثم قال (قدس سره) فرع- الظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الأخيرتين قبل

____________

(1) الوسائل الباب 46 من القراءة.

(2) تيسير الوصول ج 2 ص 229 و فيه «الثانية بعد الحمد و سورة».

191

الركوع و كذا عقيب التسبيح. انتهى.

و روى الصدوق في كتاب الخصال عن الخليل عن الحسين بن حمدان عن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن (1) «ان سمرة بن جندب و عمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة انه حفظ عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سكتتين سكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه ثم ان قتادة ذكر السكتة الأخيرة إذا فرغ من قراءة «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ».

اي حفظ ذلك سمرة و أنكره عليه عمران بن حصين قال فكتبنا في ذلك إلى أبي بن كعب و كان في كتابه إليهما أو في رده عليهما ان سمرة قد حفظ» قال الصدوق (قدس سره) ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انما سكت بعد القراءة لئلا يكون التكبير موصولا بالقراءة و ليكون بين القراءة و التكبير فصل، و هذا يدل على انه لم يقل آمين بعد فاتحة الكتاب سرا و لا جهرا لان المتكلم سرا أو علانية لا يكون ساكتا و في ذلك حجة قوية للشيعة على مخالفيهم في قولهم آمين بعد الفاتحة و لا قوة إلا باللّٰه. انتهى.

أقول: الذي يقرب عندي في هذا المقام ان السكوت المستحب انما هو ما دل عليه خبر حماد المشار اليه و اما ما عدا ذلك من كونه بعد التكبير أو بعد الفاتحة فالظاهر انه قول الجمهور (2) و ظاهر رواية الخصال انها عامية و رجالها من العامة، و حديث إسحاق بن عمار المنقول في الذكرى لا دلالة فيه على ذلك ان لم يكن فيه إشارة إلى الدلالة على العدم، و ذلك لأن عدوله (عليه السلام) عن الإفتاء بذلك كما في جملة الأحكام الشرعية التي تخرج عنه إلى الأخبار بما نقل في الخبر نوع إشارة إلى ما قلناه و ان قصده (عليه السلام) حكاية ما عليه العامة حسب ما تضمنه حديث الخصال و ان اختلف الحديثان في السكتة الأخرى من انها بعد الحمد أو بعد تكبيرة الإحرام.

ثم ان ظاهر كلام الصدوق أيضا ان السكوت الذي اشتمل عليه خبر حماد ليس

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 34 من القراءة.

(2) المغني ج 1 ص 495.

192

مستحبا من حيث هو بل من حيث استحباب إظهار همزة «اللّٰه» في التكبير و لو وصل لزم سقوطها لأنها همزة وصل و النصوص دالة على قطعها و القطع لا يكون إلا مع السكوت قبلها. إلا ان كلامه (قدس سره) و قوله: «و هذا يدل على انه لم يقل آمين. الى آخره» لا اعرف له وجها وجيها لأن ظاهر الحديث الذي نقله ان السكتتين إحداهما بعد تكبيرة الإحرام و الأخرى بعد تمام القراءة قبل الركوع و هذا هو الذي حفظه سمرة و التأمين انما هو بعد الفاتحة و السكتة بعد الفاتحة إنما ذكرها قتادة. نعم كلامه يتم على تقدير رواية إسحاق بن عمار التي نقلها في الذكرى حيث اشتملت على ذلك إلا انه لم يلم بها و لم ينقلها.

و قال في المنتهى: يستحب للمصلي أن يسكت بعد قراءة الحمد و بعد السورة و به قال احمد و الأوزاعي و الشافعي و كرهه مالك و أصحاب الرأي، و قال بعضهم يسكت عقيب الافتتاح و بعد الحمد خاصة (1) لنا ما رواه الجمهور، ثم ذكر رواية تدل على الأول ثم قال و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار، ثم نقل رواية إسحاق بن عمار المتقدمة.

و منها- ما تقدم في الفائدة العشرين من الفوائد الملحقة باخبار المقدمة الثانية من نقل جملة من السور التي يستحب قراءتها في النوافل فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.

البحث الثالث في الأحكام

و فيه مسائل

[المسألة] (الأولى) [الموالاة في القراءة]

- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان من واجبات القراءة الموالاة فلو قرأ خلالها من غيرها فان كان عمدا فظاهر الشهيد في الذكرى بطلان الصلاة و نقل عن الشيخ في المبسوط انه يستأنف القراءة و لا تبطل الصلاة، و لو كان ناسيا استأنف القراءة على ما صرح به في الذكرى، و في المبسوط انه يبني على ما قرأ

____________

(1) بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 113.

193

أولا، و في الدروس تبع الشيخ في استئناف القراءة في صورة العمد و نسب ما اختاره في الذكرى من البطلان إلى لفظ «قيل» مؤذنا بتمريضه و ضعفه و اما في صورة النسيان فكما في الذكرى من إعادة القراءة، و بهذا يصير هذا قولا ثالثا في المسألة و هو ظاهر المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد و اليه جنح في المدارك أيضا، و في البيان كما في الذكرى من الحكم ببطلان الصلاة في صورة العمد و لم يتعرض لحكم الناسي.

أقول: أنت خبير بان الظاهر انه لا دليل لهم على وجوب الموالاة إلا دعوى ان ذلك هو المفهوم من القراءة، و زاد بعضهم الاستناد إلى التأسي فإنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و كذا الأئمة (عليهم السلام) بعده كانوا يوالون في قراءتهم مع

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «صلوا كما رأيتموني أصلي».

و معنى الموالاة عندهم هو ان لا يقرأ في خلالها و لا يسكت بحيث يخرج عن كونه قارئا، و استثنوا من ذلك الدعاء فإنه جائز.

و يشكل ذلك بان الظاهر من العرف ان نحو الكلمة و الكلمتين لا يخل بالموالاة فلو قيد الحكم المذكور في المنع من القراءة في الأثناء بما يخل بالموالاة عرفا كما قيدوا بذلك في السكوت لكان أظهر.

ثم ان الظاهر عندي ان ما حكم به في الذكرى و البيان من بطلان الصلاة بالإخلال بالموالاة عمدا لا يخلو من اشكال لعدم الوقوف في المسألة على نص. و في الذكرى انما علل ذلك بتحقق المخالفة المنهي عنها، و حاصله انه منهي عن تلك القراءة و النهي عن العبادة يوجب الفساد. و فيه ان النهي غير موجود لعدم النص في المسألة إلا ان يدعى انه مأمور بالموالاة التي هي- كما عرفت- عبارة عن عدم القراءة خلالها و الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص و هو القراءة خلالها. و توجه المنع إلى جملة من مقدمات هذا الدليل واضح، اما الأمر بالموالاة فغير ظاهر إلا ما عرفت من دعوى انه المفهوم من القراءة، و مع الإغماض عن ذلك فدعوى فوات الموالاة بمجرد القراءة و لو بمثل كلمة أو كلمتين

____________

(1) المغني ج 1 ص 508.

194

قد عرفت ما فيه، و اما الاستناد إلى قاعدة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص فقد عرفت ما فيه مما تقدم بيانه في أثناء مباحث الكتاب زيادة على ما تقدم في المقدمات من كتاب الطهارة، و مرجعه إلى عدم ثبوت هذه القاعدة بل قيام النصوص على خلافها فلا ثمرة لها و لا فائدة و ان أطالوا فيها الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام إلا انه عند من يتمسك باخبار أهل العصمة (عليهم السلام) لا يصل إلى محل و لا مقام و بذلك يظهر لك ان ما ذهب اليه الشيخ هو الأقرب في كل من صورتي العمد و النسيان قال السيد السند في المدارك بعد قول المصنف «الموالاة في القراءة شرط في صحتها فلو قرأ خلالها من غيرها استأنف القراءة» ما صورته: اما اشتراط الموالاة في القراءة فللتأسي بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإنه كان يوالي في قراءته،

و قال (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «صلوا كما رأيتموني أصلي».

أقول: لا يخفى ما في هذا الدليل من الوهن لما صرح به هو في غير مقام من هذا الشرح و غيره من الأصحاب من ان التأسي في ما لا يعلم وجه وجوبه بدليل من خارج مستحب لا واجب، و قد تقدم نحو ذلك في مسألة الجهر و الإخفات في شرح قول المصنف «و يجب الجهر بالحمد و السورة. إلخ» حيث نقل ثمة عن الشهيد الاستدلال على الوجوب بفعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و التأسي به واجب، فقال في رده: و هو ضعيف جدا فإن التأسي في ما لا يعلم وجهه مستحب لا واجب كما قرر في محله. و عين ما أورده على الشهيد يرد عليه هنا. و بالجملة فإن هذا الموضع من جملة المواضع التي اضطرب كلامه فيها في هذا الشرح كما نبهنا عليه في غير مقام ففي جملة من المواضع يستدل به و في مواضع اخرى يرد على من استدل به.

نعم يمكن ان يقال ان العبادات لما كانت مبنية على التوقيف و الذي ثبت عن صاحب الشريعة انما هو الموالاة فيقين البراءة من التكليف الثابت في الذمة بيقين

____________

(1) المغني ج 1 ص 508.

195

و الخروج عن العهدة لا يحصل إلا بذلك.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- من ان عموم ما دل على جواز قراءة القرآن في أثناء الصلاة يضعف التمسك بذلك- ففيه انا لم نقف بعد الفحص في شيء من الأخبار على ما يدل على هذا العموم و ان اشتهر بين الأصحاب على وجه لا يكاد يوجد له فيه مخالف، فإنهم جعلوا مما يستثني في الصلاة الدعاء و قراءة القرآن، و الأول موجود في الأخبار اما الثاني فلم أقف على ما يدل عليه بعد الفحص و التتبع بل ربما دل بعض الأخبار على خلافه مثل

ما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل (قل هو اللّٰه أحد) فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس».

و مفهومه حصول البأس مع عدم قصد الدعاء بها.

ثم قال في المدارك: و قال الشيخ في المبسوط يستأنف القراءة مع العمد و يبنى على السابق مع النسيان. و هو مشكل أيضا لفوات الموالاة الواجبة مع العمد و النسيان فلا يتحقق الامتثال.

أقول: فيه انه يمكن ان يقال ان مع القول بوجوب الموالاة فغاية ما يفيده الإخلال بها عمدا بطلان القراءة فمن ثم أوجب الشيخ الإعادة و استئناف القراءة لا بطلان الصلاة لتوقفه على الدليل، و قد عرفت مما تقدم في الكلام على كلام الذكرى انه لا دليل على الابطال. و اما حال السهو فان ترك الواجب سهوا غير مبطل فيبني كما ذكره الشيخ.

و لو سكت في أثناء القراءة بما يزيد عن العادة فلهم فيه تفصيل، فان كان لانه ارتج عليه و أراد التذكر لم يضر إلا ان يخرج عن كونه مصليا، و ان سكت متعمدا لا لحاجة حتى خرج عن كونه قارئا أعاد قراءته و لو خرج عن كونه مصليا بطلت صلاته، و لو نوى قطع القراءة و سكت فنقل عن الشيخ الحكم بوجوب إعادة الصلاة حيث قال: «و ان

____________

(1) الوسائل الباب 9 من القراءة.

196

نوى ان يقطعها و لم يقطعها بل قرأها كانت صلاته ماضية، و ان نوى قطعها و لم يقرأ بطلت صلاته» و المشهور الصحة، و أورد على الشيخ انه قد ذهب في المبسوط إلى عدم بطلان الصلاة بنية فعل المنافي. و اعتذر عنه في الذكرى بان المبطل هنا نية القطع مع القطع فهو في الحقيقة نية المنافي مع فعله. و رده في المدارك بأنه غير جيد لأن السكوت بمجرده غير مبطل للصلاة إذا لم يخرج به عن كونه مصليا.

ثم قال: و الأصح ان قطع القراءة بالسكوت غير مبطل لها سواء حصل معه نية القطع أم لا إلا ان يخرج بالسكوت عن كونه قارئا فتبطل القراءة أو مصليا فتبطل الصلاة. انتهى. و هو جيد.

و بالجملة فالمسألة لما كانت عارية عن النص فالواجب فيها الوقوف على جادة الاحتياط و هو في ما ذكره السيد المشار إليه (أفاض اللّٰه رواشح رضوانه عليه) و يعضده ان الأصل في الصلاة الصحة حتى يقوم دليل الابطال. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [التأمين في الصلاة]

- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في حكم التأمين في الصلاة فقيل بتحريمه و بطلان الصلاة به و هو المشهور عندهم حتى انه نقل الشيخان و المرتضى و ابن زهرة و العلامة في النهاية الإجماع عليه، و قال ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه: و لا يجوز ان يقال بعد فاتحة الكتاب (آمين) لان ذلك كان يقوله النصارى.

و نقل عن ابن الجنيد انه يجوز التأمين عقيب الحمد و غيرها، و مال اليه المحقق في المعتبر و نقله في المدارك عن شيخه المعاصر و الظاهر انه المحقق الأردبيلي كما عبر عنه في غير موضع من الكتاب بذلك.

و اما الأخبار الواردة في المقام فمنها-

ما رواه الكليني و الشيخ في الحسن أو الصحيح عن جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها فقل أنت الحمد للّٰه رب العالمين و لا تقل آمين».

____________

(1) الوسائل الباب 17 من القراءة.

197

و عن معاوية بن وهب في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أقول (آمين) إذا قال الامام غير المغصوب عليهم و لا الضالين؟ قال هم اليهود و النصارى، و لم يجب في هذا».

و عن محمد الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين؟ قال لا».

و في المعتبر (3) نقل هذه الرواية عن جامع البزنطي عن عبد الكريم عن محمد الحلبي المذكور.

و عن جميل في الصحيح (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب آمين؟ قال ما أحسنها و اخفض الصوت بها».

و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «إذا قرأت الفاتحة و قد فرغت من قراءتها و أنت في الصلاة فقل الحمد للّٰه رب العالمين».

و قال في كتاب دعائم الإسلام (6) «و روينا عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا يبتدأ بعد بسم اللّٰه الرحمن الرحيم في كل ركعة بفاتحة الكتاب، إلى ان قال و حرموا ان يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب (آمين) كما يقول العامة، قال جعفر بن محمد (عليهما السلام) انما كانت النصارى تقولها.

و عنه عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا تزال أمتي بخير و على شريعة من دينها حسنة جميلة ما لم يتخطوا القبلة بأقدامهم و لم ينصرفوا قياما كفعل أهل الكتاب و لم تكن ضجة آمين».

هذا مجموع ما حضرني من اخبار المسألة و الذي يدل منها على القول المشهور- و هو المؤيد المنصور- صحيحة جميل أو حسنته. و هذا الترديد الذي نذكره دائما في الأسانيد من حيث اشتمال السند على إبراهيم بن هاشم المعدود حديثه عند الأكثر في الحسن و عند

____________

(1) الوسائل الباب 17 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 17 من القراءة.

(3) ص 177.

(4) الوسائل الباب 17 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 17 من القراءة.

(6) مستدرك الوسائل الباب 13 من القراءة.

198

جمع من أصحابنا في الصحيح، و هو الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح حيث اشتملت على النهي عن قولها و هو حقيقة في التحريم، و نحوها رواية الحلبي. أما صحيحة جميل فهي محمولة على التقية (1) و يعضد ذلك عدوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب عن جواب السؤال إلى ما ذكره من تفسير «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ» باليهود و النصارى.

و قال المحقق في المعتبر: و يمكن ان يقال بالكراهة و يحتج بما رواه الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن جميل، ثم ذكر صحيحة جميل الثانية، ثم قال: و يطعن في الروايتين الأولتين- يعني روايتي الحلبي- بأن إحداهما رواية محمد بن سنان و هو مطعون فيه و ليس عبد الكريم في النقل و الثقة كابن أبي عمير فتكون رواية الإذن اولى لسلامة سندها من الطعن و رجحانها، ثم لو تساوت الروايتان في الصحة جمع بينهما بالاذن و الكراهة توفيقا، و لأن رواية المنع تحتمل منع المنفرد و المبيحة تتضمن الجماعة و لا يكون المنع في إحداهما منعا في الأخرى.

و لا يخفى عليك ما فيه بعد الإحاطة بما أسلفناه، و يزيده بيانا ان راوي الرواية المبيحة و هو جميل قد روى المنع أيضا و هي الرواية الاولى من هذه الروايات المنقولة و لكنه لم ينقلها في كتابه و انما نقل رواية الحلبي المروية عن الشيخ بالطريق الذي فيه محمد بن سنان و عن جامع البزنطي بالطريق الذي فيه عبد الكريم و هو عبد الكريم بن عمرو و هو ثقة واقفي فردها بما ذكره، و حينئذ بناء على ما ذكرناه من رواية جميل المذكورة الدالة على النهي تكون معتضدة بالروايتين المذكورتين اللتين قد وجه الطعن إليهما فلا

____________

(1) في البدائع ج 1 ص 207 «المستحب بعد الفاتحة أن يقول «آمين» اماما كان أو مقتديا و هو قول عامة العلماء، و قال بعض العلماء لا يؤتى بالتأمين أصلا، و قال مالك يأتي به المقتدي دون الامام و المنفرد. و الصحيح قول العامة» و في المحلى ج 3 ص 262 «قول آمين يقوله الامام و المنفرد سنة و ندبا و يقوله المأموم فرضا».

199

ترجيح لرواية الترخيص بل الترجيح لرواية المنع المعتضدة بالروايتين المذكورتين و غيرهما و لا سيما رواية كتاب دعائم الإسلام لما عرفت فيها من الصراحة، مضافا ذلك إلى الشهرة بين الأصحاب حتى ادعى عليه الإجماع جملة منهم كما عرفت، و مخالفة العامة القائلين بالاستحباب، مع ان الرواية المبيحة التي اعتمدها و بنى النزاع في المسألة عليها لا تقبل ما حملها عليه من الكراهة فإن استحسانها على سبيل التعجب ينفي الكراهة بل أقل مراتب الاستحسان الاستحباب فكيف يمكن حملها على الجواز على كراهة كما ذهب اليه؟

بل المحمل الظاهر لها انما هو التقية، و يشهد له ما عرفت من صحيحة معاوية بن وهب.

قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين: و قد تضمن الحديث السابع عشر عدم مشروعية قول «آمين» في الصلاة فإن عدوله (عليه السلام) عن جواب السؤال عن قولها إلى تفسير المغضوب عليهم و لا الضالين يعطى التقية و ان بعض المخالفين كان حاضرا في المجلس فاوهمه (عليه السلام) ان سؤال معاوية انما هو عن المراد بالمغضوب عليهم و لا الضالين، و ربما حمل قوله (عليه السلام) «هم اليهود و النصارى» على التشنيع على المخالفين و المراد ان الذين يقولون (آمين) في الصلاة هم يهود و نصارى اي مندرجون في عدادهم و منخرطون في الحقيقة في سلكهم. انتهى. أقول لا يخفى ما في قوله: «و ربما حمل قوله (عليه السلام). إلخ» من اللطف و الحسن في المقام.

و قال السيد السند في المدارك: احتج الشيخ في الخلاف على التحريم و الإبطال بإجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ان ذلك مبطل للصلاة،

و بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» و قول «آمين».

من كلامهم لأنها ليست بقرآن و لا دعاء و انما هي اسم للدعاء و الاسم غير المسمى، و بما رواه في الحسن عن جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، ثم نقل رواية جميل و هي الاولى من الروايات المتقدمة ثم نقل رواية الحلبي بعدها، ثم قال: و في كل من هذه

____________

(1) المغني ج 1 ص 548.

200

الأدلة نظر، اما الإجماع فقد تقدم الكلام فيه مرارا، و اما ان «آمين» من كلام الآدميين لأنها اسم للدعاء و ليست بدعاء فلتوجه المنع إلى ذلك بل الظاهر انها دعاء كقولك «اللهم استجب» و قد صرح بذلك المحقق نجم الأئمة الرضي (رضي اللّٰه عنه) فقال: و ليس ما قال بعضهم- من ان «صه» مثلا اسم للفظ (اسكت) الذي هو دال على معنى الفعل فهو علم للفظ الفعل لا لمعناه- بشيء لأن العربي القح يقول «صه» مع انه ربما لا يخطر في باله لفظ «اسكت» و ربما لم يسمعه أصلا، و لو قلت اسم لاصمت أو امتنع أو اكفف عن الكلام أو غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى لصح فعلمنا ان المقصود المعنى لا اللفظ. و اما الروايتان فمع سلامة سندهما انما تضمنتا النهي عن هذا اللفظ فيكون محرما و لا يلزم كون ذلك مبطلا للصلاة، لأن النهي انما يفسد العبادة إذا توجه إليها أو إلى جزء منها أو شرط لها و هو هنا انما توجه إلى أمر خارج عن الصلاة. ثم نقل احتجاج ابن زهرة على التحريم و الابطال ثم نقل كلام المحقق في المعتبر و رده. إلى ان قال و قد ظهر من ذلك كله ان الأجود التحريم دون الابطال و ان كان القول بالكراهة محتملا لقصور الروايتين عن إثبات التحريم من حيث السند و كثرة استعمال النهي في الكراهة خصوصا مع مقابلته بأمر الندب. انتهى. أقول: و بما اختاره في المسألة من التحريم دون الابطال يصير في المسألة أقوال ثلاثة بانضمام هذا القول إلى القولين المتقدمين ثم ان كلامه (قدس سره) لا يخلو عندي من نظر (أما أولا) فإن طعنه في الإجماع بما أشار اليه و ان كان حقا و لكن لا يخفى على من لاحظ كتابه كثرة تمسكه بالإجماع في غير مقام و ذبه عنه بجدة و جهده في جملة من الأحكام و هو من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه في هذا الكتاب.

و (اما ثانيا) فما ذكره- من توجه المنع إلى ان «آمين» من كلام الآدميين مستندا إلى ما ذكره المحقق المذكور- فان فيه (أولا) انه مع تسليمه انما يتم لو كان معنى (آمين) منحصرا في (اللهم استجب) لفظا أو معنى و ليس كذلك بل لها معان أخر لا يتم على

201

تقديرها ما ذكره، قال في القاموس: آمين بالمد و القصر و قد يشدد الممدود و يمال أيضا عن الواحدي في البسيط اسم من أسماء اللّٰه أو معناه «اللهم استجب أو كذلك فليكن أو كذلك فافعل» انتهى. و قال ابن الأثير: هو اسم مبني على الفتح و معناه «اللهم استجب لي» و قيل معناه (كذلك فليكن) يعني الدعاء. و قال في المغرب معناه «استجب» و قال صاحب الكشاف انه صوت سمي به الفعل الذي هو «استجب» كما ان «رويدا و حيهل و هلم» أصوات سميت بها الأفعال التي هي «أمهل و أسرع و اقبل» انتهى. و قال في كتاب المصباح المنير: و آمين بالقصر في لغة الحجاز و المد إشباع بدليل انه لا يوجد في العربية كلمة على «فاعيل» و معناه «اللهم استجب» و قال أبو حاتم معناه (كذلك يكون) و عن الحسن البصري انه اسم من أسماء اللّٰه تعالى. أقول: هذه جملة من كلمات أساطين اللغة و أرباب العربية الذين عليهم المعول و هي متفقة في ان أحد معانيه «اللهم استجب أو استجب» أو غيرهما من الألفاظ المذكورة التي ليست بدعاء البتة و ترجيح كلام المحقق المشار اليه على كلامهم محل نظر، على ان اللازم- مما ذكره المحقق المذكور لو تم- عدم وجود هذا القسم الذي هو اسم الفعل بالكلية فإن كلامه هذا جار في جميع أسماء الأفعال التي وضعت بإزائها، فهي حينئذ بمقتضى ما ذكره من قبيل الألفاظ المترادفة مع انه لا خلاف بين أهل العربية في ان اسم الفعل قسم من الأقسام المذكورة في كلامهم و المبحوث عنها في كتبهم. و (ثانيا) ان الظاهر ان هذه الأخبار التي وردت بالمنع و النهي عن التأمين لا وجه لتصريحها بذلك إلا من حيث كونه كلاما أجنبيا خارجا عن الصلاة مبطلا لها متى وقع فيها و إلا فالنهي عنه- مع كونه دعاء كما ادعاه و استفاضة الأخبار بجواز الدعاء في الصلاة بل استحبابه- مما لا يعقل له وجه.

و (اما ثالثا) فما طعن به على رواية جميل بقوله أولا «فمع سلامة سندها» و قوله ثانيا «لقصور الروايتين عن إثبات التحريم من حيث السند» و هذا الطعن انما هو من حيث اشتمال سندها على إبراهيم بن هاشم، و هو مناف لما صرح به في غير موضع من كتابه من

202

الاعتماد على روايته و عدها في الصحيح في جملة من المواضع، و هذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه أيضا كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع. و بذلك يظهر لك ان القول المشهور هو المؤيد المنصور.

ثم انه نقل في المدارك عن المحقق في المعتبر و العلامة في جملة من كتبه انهما استدلا على ان التأمين مبطل للصلاة بأن معناه «اللهم استجب» و لو نطق بذلك لبطلت صلاته فكذا ما قام مقامه، ثم رده بأنه ضعيف جدا فان الدعاء في الصلاة جائز بإجماع العلماء و هذا دعاء عام في طلب استجابة جميع ما يدعى به فلا وجه للمنع منه. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد و فيه دلالة على صحة ما ألزمناه به في ما اختاره من التحريم دون الابطال مع قوله بأنه دعاء لا اسم لما يدل على الدعاء، فإنه لا يعقل لتحريمه وجه مع كونه دعاء كما عرفت.

(المسألة الثالثة) [هل الضحى و الانشراح و الفيل و الإيلاف سورتين أو أربع]

- المشهور في كلام المتقدمين- و به صرح الشيخان و الصدوق و المرتضى (رضوان اللّٰه عليهم)- ان «الضحى» و «أ لم نشرح» و كذا «الفيل» و «لإيلاف» سورة واحدة، و المشهور بين المتأخرين- و منهم المحقق و ربما كان أولهم- خلافه.

قال في المعتبر بعد البحث في المسألة: و لقائل أن يقول لا نسلم أنهما سورة واحدة بل لم لا يكونان سورتين و ان لزم قراءتهما في الركعة الواحدة على ما ادعوه؟

و نطالب بالدلالة على كونهما سورة واحدة، و ليس قراءتهما في الركعة الواحدة دالة على ذلك و قد تضمنت رواية المفضل تسميتهما سورتين، و نحن قد بينا ان الجمع بين السورتين في الفريضة مكروه فتستثنيان من الكراهة. انتهى.

و قال في المدارك- بعد قول المصنف: روى أصحابنا ان «الضحى» و «أ لم نشرح» سورة واحدة و كذا «الفيل» و «لإيلاف» فلا يجوز إفراد إحداهما عن صاحبتها في كل ركعة و لا يفتقر إلى البسملة بينهما على الأظهر- ما صورته: ما ذكره المصنف من رواية الأصحاب ان «الضحى» و «أ لم نشرح» سورة واحدة و كذا «الفيل» و «الإيلاف» لم أقف عليه في شيء من

203

الأصول و لا نقله ناقل في كتب الاستدلال. و الذي وقفت عليه في ذلك روايتان- إحداهما-

رواية زيد الشحام في الصحيح (1) قال: «صلى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فقرأ «الضحى» و «أ لم نشرح» في ركعة».

و الأخرى

رواية المفضل (2) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا «الضحى» و «أ لم نشرح» و سورة «الفيل» و «لإيلاف».

و لا دلالة لهما على ما ذكروه من الاتحاد بل و لا على وجوب قراءتهما في الركعة، أما الأولى فظاهر لأنها تضمنت انه (عليه السلام) قرأهما في الركعة و التأسي في ما لا يعلم وجوبه مستحب لا واجب. و اما الثانية فلأنها مع ضعف سندها انما تضمنت استثناء هذه السورة من النهي عن الجمع بين السورتين في الركعة و النهي هنا للكراهة على ما بيناه في ما سبق فيكون الجمع بين هذه السور مستثنى من الكراهة. و الذي ينبغي القطع بكونهما سورتين لاثباتهما في المصاحف كذلك كغيرهما من السور فتجب البسملة بينهما ان وجب قراءتهما معا، و هو ظاهر المصنف في المعتبر فإنه قال بعد ان منع دلالة الروايتين على وجوب قراءتهما في الركعة: و لقائل، ثم ساق كلامه الذي ذكرناه.

أقول: الظاهر ان منشأ الشبهة في هذه المسألة على المتأخرين (أولا) هو انه لما كان نظرهم غالبا مقصورا على الكتب الأربعة المشهورة و هي خالية من هذه الرواية التي أشار إليها المحقق حصل لهم الإشكال في ذلك. و (ثانيا) وجود البسملة في كل من السور المذكورة في المصاحف. و (ثالثا) حكمهم بكراهة القران دون تحريمه كما سيظهر لك من كلام صاحبي المعتبر و المدارك. و الجميع محل بحث و نظر كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى.

و تحقيق المقام بما لا يحوم حوله النقض و الإبرام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم الصلاة و السلام) انك قد عرفت مما قدمنا في غير موضع ان كثيرا من

____________

(1) الوسائل الباب 10 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 10 من القراءة.

204

الأحكام التي يذكرها المتقدمون و هذه الكتب المشار إليها عارية عن أدلتها فيعترض عليهم المتأخرون بعدم وجود الدليل و ربما تكلفوا لهم دليلا و الحال ان أدلتها موجودة في مواضع أخر من كتب الأخبار، و منها هذه المسألة فإن دليلها موجود في مواضع:

منها- كتاب الفقه الرضوي الذي قد أشرنا سابقا إلى تفرده بأمثال ذلك و به صرح

شيخنا المجلسي و ولده (عطر اللّٰه مرقديهما) حيث قال (عليه السلام) (1) «و لا تقرأ في صلاة الفريضة «و الضحى» و «أ لم نشرح» و «أ لم تر كيف» و «لإيلاف»، لانه روى ان «و الضحى» و «أ لم نشرح» سورة واحدة و كذلك «أ لم تر كيف» و «لإيلاف» سورة واحدة. الى ان قال فإن قرأت بعض هذه السور الأربع فاقرأ «و الضحى» و «أ لم نشرح» و لا تفصل بينهما، و كذلك «أ لم تر كيف» و «لإيلاف».

انتهى.

و منها-

ما رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه «و موسع عليك أي سورة قرأت في فرائضك إلا أربع و هي «و الضحى» «و أ لم نشرح» في ركعة لأنهما جميعا سورة واحدة و «لإيلاف» و «أ لم تر كيف» في ركعة لأنهما جميعا سورة واحدة، و لا تنفرد بواحدة من هذه الأربع سور في ركعة فريضة».

و بهذه الرواية أفتى في الفقيه من غير اسناد إلى الرواية كما هي عادته غالبا من الإفتاء بمضامين الأخبار.

و منها-

ما نقله شيخنا أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان (3) قال: «روى أصحابنا ان «الضحى» و «أ لم نشرح» سورة واحدة و كذا سورة «أ لم تر كيف» و «لإيلاف قريش».

قال و روى العياشي عن أبي العباس عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أ لم تر كيف فعل ربك» و «لإيلاف قريش» سورة واحدة».

قال: «و روى ان أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه».

انتهى.

____________

(1) ص 9.

(2) البحار ج 85 الصلاة ص 45 ح 34.

(3) الوسائل الباب 10 من القراءة.

205

و هذه الأخبار هي مستند شهرة الحكم بين المتقدمين بالاتحاد، و يؤيدها صحيحة زيد الشحام و رواية المفضل المتقدمتين بنقل صاحب المدارك، و رواية المفضل هذه رواها في المعتبر من جامع احمد بن محمد بن أبي نصر و عليهما اقتصر في المعتبر أيضا، و هاتان الروايتان ليستا بالدليل في المسألة على الحكم المذكور كما توهماه حتى انه بتأويلهما يسقط الدليل في المقام، بل الدليل الواضح انما هو ما نقلناه من الأخبار و هذان انما خرجا بناء على ما تضمنته هذه الأخبار من الاتحاد و إلا فهما في حد ذاتهما غير صريحين في ذلك.

و يؤيد ما ذكرناه ما صرح به الشيخ في الاستبصار من ان هاتين السورتين سورة واحدة عند آل محمد (عليهم السلام) و ينبغي ان يقرأهما موضعا واحدا و لا يفصل بينهما ب(بسم اللّٰه الرحمن الرحيم) في الفرائض. و قال في التهذيب: و عندنا انه لا يجوز قراءة هاتين السورتين إلا في ركعة واحدة. و كلامه في الاستبصار مشعر باتفاق الروايات على الاتحاد و انه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و كلامه في التهذيب مشعر باتفاق الأصحاب على الحكم المذكور.

ثم ان من روايات المسألة مما لم يقف عليه صاحبا المعتبر و المدارك زيادة على الخبرين المنقولين في كلامهما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (1) قال:

«صلى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فقرأ بنا «بالضحى» و «أ لم نشرح».

و حملها الشيخ على انه قرأهما في ركعة واحدة كما في روايته المتقدمة.

و روى الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (2) قال: «صلى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فقرأ في الاولى «و الضحى» و في الثانية «أ لم نشرح لك صدرك».

و حملها في التهذيبين على قراءتهما في النافلة.

و الأقرب عندي حمل الرواية الثانية على جواز التبعيض فيكون سبيلها سبيل ما دل على التبعيض في السورة كغيرها من الأخبار فبعين ما تحمل عليه تلك الأخبار عند من

____________

(1) الوسائل الباب 10 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 10 من القراءة.

206

أوجب السورة كاملة تحمل عليه هذه الرواية. و هذان الخبران كانا اولى بالاستدلال لصاحبي المعتبر و المدارك لو اطلعا عليهما.

و بالجملة فالظاهر من الأخبار هو الاتحاد كما عليه متقدمو الأصحاب و يؤيده ارتباط المعنى بين السورتين. بقي الكلام في توسط البسملة بينهما في المصاحف و هذا من أعظم الشبهة في ذهاب المتأخرين إلى خلاف ما عليه المتقدمون.

و فيه (أولا) انك قد عرفت من عبارة كتاب الفقه عدم الفصل بينهما بالبسملة متى أراد قراءتهما معا، و ما نقله في مجمع البيان عن أبي بن كعب من عدم إثباته البسملة في مصحفه.

و (ثانيا) ان الاستدلال بإثباتها في المصاحف انما يتم لو كان هذا القرآن الموجود بأيدينا جمع الامام (عليه السلام) و ليس كذلك لاتفاق الأخبار و كلمة الأصحاب و غيرهم على انه جمع الخلفاء الثلاثة (1) و اما القرآن الذي جمعه (عليه السلام) فلم يخرج و لم يظهر

____________

(1) أورد المجلسي في الباب 7 ج 19 من البحار الأخبار الواردة في هذا الموضوع و قد وردت روايات من طريق العامة تتضمن ان جمع القرآن كان بعد النبي «ص» و ان المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت بأمر أبي بكر، أو هو أبو بكر نفسه و انما طلب من زيد ان ينظر في ما جمعه من الكتب، أو هو زيد و عمر على اختلاف بين الروايات في ذلك، و قد أوردها في كنز العمال ج 2 ص 361 من الطبعة الثانية، و هناك روايات تدل على جمعه في زمن النبي «ص» كما في منتخب كنز العمال ج 2 ص 48 و 52 و صحيح البخاري ج 6 ص 102 و الإتقان ج 1 ص 124، و قد أورد آية اللّٰه الأستاذ الخوئي أدام اللّٰه ظله الطائفتين من الروايات في البيان في بحث صيانة القرآن من التحريف من ص 136 إلى 181 في الشبهة الثانية من شبه القائلين بالتحريف ص 156 التي ملخصها ان كيفية جمع القرآن مستلزمة في العادة لوقوع التحريف، و قد حقق البحث تحقيقا وافيا و اثبت عدم صلوح هذه الروايات- من جهة كونها اخبار آحاد و من جهة تناقضها في نفسها و من جهة معارضاتها العديدة- لإثبات ذلك و ان القرآن بمقتضى الأدلة التي ذكرها كان مجموعا في زمن النبي «ص» فلا مجال لدعوى التحريف من هذه الجهة.

207

لأحد حتى يقوم القائم (عليه السلام) و تقرير الأئمة (عليهم السلام) على هذا القرآن أعم من ذلك لما تقدم في القراءات السبع.

و حينئذ إذا دلت الأخبار على انهما سورة واحدة كما عرفت و انهما تقرءان معا في ركعة واحدة مع تحريم القران بين السورتين كما قدمنا تحقيقه و أوسعنا مضيقة فقد علم من ذلك ان وجود البسملة في المصاحف ليس بحجة- و يؤيده خلو مصحف أبي منها في هذين الموضعين دون غيرهما (1)- و ان قراءتهما في ركعة واحدة انما هو من حيث الاتحاد إذ مع التعدد لا يجوز إلا على تقدير جواز القران و قد أثبتنا تحريمه، و هذا خلف.

و اما ما استند اليه في المعتبر من ان رواية المفضل قد تضمنت انهما سورتان ففيه- مع الإغماض عن المناقشة في السند بناء على اصطلاحهم- انه قد أجيب عنها بحمل الاستثناء على كونه منفصلا لا متصلا أو الحمل على التقية، و الأظهر عندي ان ذلك انما خرج مخرج التجوز و المسامحة في التعبير من حيث انهما بإثبات البسملة في المصاحف تسميان سورتين، و يؤيد ذلك ما في عبارة الصدوق في الفقيه و رواية كتاب الهداية حيث أطلق على كل منهما أنهما سورة مع تصريحه بكونهما سورة واحدة، و حاصله انهما سورتان باعتبار الرسم في القرآن و الشهرة على اللسان و إلا فهما في التحقيق سورة واحدة و بذلك يظهر لك قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور. و اللّٰه العالم.

(المسألة الرابعة) [العدول من سورة إلى أخرى]

- المشهور بين الأصحاب جواز العدول من سورة إلى أخرى

____________

(1) قال الالوسى في روح المعاني ج 30 ص 238 في سورة «لإيلاف» «قالت طائفة انها و ما قبلها سورة واحدة و احتجوا عليه بان أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة، ثم ذكر جمعا اثبتوا الفصل في مصحف ابى و المثبت مقدم على النافي» و فيه ص 165 في سورة «أ لم نشرح» «هي شديدة الاتصال بسورة الضحى حتى روى عن طاوس و عمر بن عبد العزيز انهما يقولان هما سورة واحدة و يقرءانها في ركعة واحدة و لم يفصلا بينهما بالبسملة و على ذلك الشيعة كما حكاه الطبرسي».

208

ما لم يبلغ نصفها أو يتجاوز نصفها على الخلاف في ذلك و انه يحرم بعد بلوغ الحد المذكور إلا في سورتي التوحيد و الجحد فإنه يحرم العدول عنهما بمجرد الشروع فيهما أو يكره على الخلاف إلا إلى الجمعة و المنافقين في يوم الجمعة فإنه يعدل منهما إلى السورتين المذكورتين ما لم يبلغ النصف أو يتجاوزه على الأشهر.

و تفصيل هذه الجملة يقع في مقامات ثلاثة إلا ان الواجب أولا نقل الأخبار المتعلقة بالمسألة فأقول:

[الأخبار الواردة في المقام]

الأول-

ما رواه الكليني و الشيخ عن عمرو بن أبي نصر (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل يقوم في الصلاة فيريد ان يقرأ سورة فيقرأ قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون؟ فقال يرجع من كل سورة إلا من قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون».

و الثاني-

ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل قرأ في الغداة سورة قل هو اللّٰه أحد؟ قال لا بأس، و من افتتح بسورة ثم بدا له ان يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو اللّٰه أحد فلا يرجع منها إلى غيرها، و كذلك قل يا ايها الكافرون».

و الثالث-

عن عبيد بن زرارة في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أراد ان يقرأ في سورة فأخذ في أخرى؟ قال فليرجع إلى السورة الأخرى إلا ان يقرأ بقل هو اللّٰه أحد. قلت رجل صلى الجمعة فأراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو اللّٰه أحد؟ قال يعود إلى سورة الجمعة».

الرابع-

عن عبيد بن زرارة في الموثق أيضا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) «في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ غيرها فقال له ان يرجع ما بينه و بين ان يقرأ ثلثيها».

____________

(1) الوسائل الباب 35 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 35 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 69 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 36 من القراءة.

209

الخامس-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يريد ان يقرأ سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو اللّٰه أحد؟ قال يرجع إلى سورة الجمعة».

و رواه الشيخ عن احمد بن محمد بن أبي نصر في الصحيح مثله (2) السادس-

ما رواه الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «إذا افتتحت صلاتك بقل هو اللّٰه أحد و أنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها و لا ترجع إلا ان تكون في يوم الجمعة فإنك ترجع إلى الجمعة و المنافقين منها».

السابع- ما رواه عبد اللّٰه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4)

و رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل أيضا عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل أراد سورة فقرأ غيرها هل يصلح له ان يقرأ نصفها ثم يرجع إلى السورة التي أراد؟ قال نعم ما لم تكن قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون. و سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟

قال بسورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون و ان أخذت في غيرها و ان كان قل هو اللّٰه أحد فاقطعها من أولها و ارجع إليها».

و عبارة كتاب المسائل في السؤال الأول هكذا «هل يصلح له بعد ان يقرأ نصفها ان يرجع. إلى آخر ما هنا».

الثامن-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد اللّٰه بن علي الحلبي و أبي الصباح الكناني و أبي بصير كلهم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) «في الرجل يقرأ في المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى فيأخذ في أخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع؟ قال يركع و لا يضره».

التاسع-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن صباح بن صبيح (7) قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 69 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 69 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 69 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 35 و 69 من القراءة إلا انه لم ينقل السؤال الثاني من كتابه.

(5) الوسائل الباب 35 و 69 من القراءة إلا انه لم ينقل السؤال الثاني من كتابه.

(6) الوسائل الباب 36 من القراءة.

(7) الوسائل الباب 72 من القراءة.

210

لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل أراد ان يصلي الجمعة فقرأ بقل هو اللّٰه أحد؟ قال يتمها ركعتين ثم يستأنف».

و رواه الكليني مرسلا (1).

العاشر-

ما رواه الشهيد في الذكرى نقلا من كتاب نوادر البزنطي عن أبي العباس (2) «في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في أخرى؟ قال يرجع إلى التي يريد و ان بلغ النصف».

و هذه الرواية نقلها في البحار (3) عن الذكرى أيضا إلا ان فيها عن أبي العباس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في الرجل. إلى آخره» و الذي وقفنا عليه من نسخ الذكرى التي عندنا هو ما نقلناه.

الحادي عشر- ما ذكره (عليه السلام)

في كتاب الفقه الرضوي (4) قال:

«و قال العالم لا تجمع بين السورتين في الفريضة. و سئل عن رجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة ثم ينسى فيأخذ في الأخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل ان يركع؟ قال لا بأس به.

و تقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة و ليلة الجمعة سورة الجمعة و المنافقين و سبح اسم ربك الأعلى و ان نسيتها أو واحدة منها فلا اعادة عليك فان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة و ان لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك».

الثاني عشر-

ما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الرجل يفتتح السورة فيقرأ بعضها ثم يخطئ فيأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم انه قد أخطأ هل له ان يرجع في الذي افتتح و ان كان قد ركع و سجد؟ قال ان كان لم يركع فليرجع ان أحب و ان ركع فليمض».

الثالث عشر-

ما رواه في كتاب دعائم الإسلام (6) قال: «و روينا عن جعفر بن

____________

(1) الوسائل الباب 72 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 36 من القراءة.

(3) ج 85 الصلاة ص 61 ح 49.

(4) ص 11 و 12.

(5) الوسائل الباب 28 من القراءة.

(6) مستدرك الوسائل الباب 51 من القراءة.

211

محمد (عليهما السلام) انه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثم رأى ان يتركها و يأخذ في غيرها فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الأخرى إلا ان يكون بدأ بقل هو اللّٰه أحد فإنه لا يقطعها، و كذلك سورة الجمعة و سورة المنافقين في الجمعة لا يقطعهما إلى غيرهما، و ان بدأ بقل هو اللّٰه أحد فقطعها و رجع إلى سورة الجمعة أو سورة المنافقين في صلاة الجمعة يجزئه خاصة».

هذا ما حضرني من روايات المسألة، و الكلام في هذه الأخبار و بيان ما اشتملت عليه من الأحكام يقع في مقامات ثلاثة:

[المقام] (الأول)- في جواز العدول من سورة إلى أخرى ما عدا سورتي الجحد و التوحيد

، فقيل بجواز العدول في الصورة المذكورة ما لم يبلغ النصف و به قال ابن إدريس و الشهيد في الذكرى و الدروس و ابن بابويه في الفقيه و الجعفي و ابن الجنيد و أسنده في الذكرى إلى الأكثر. و قيل ما لم يتجاوز النصف و ظاهره جواز العدول و ان بلغ النصف و هو قول الشيخين و الفاضلين في المعتبر و المنتهى و غيره من كتبه و عليه جملة من الأصحاب بل قال في الذخيرة انه المشهور و مثله شيخنا المجلسي في البحار قال بأنه المشهور. و اعترف جملة من الأصحاب: منهم- الشهيدان في الذكرى و الروض و كذا من تأخر عنهما بعدم وجود النص على شيء من هذين القولين، قال شيخنا المجلسي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب البحار: و اعترف جماعة من الأصحاب بأن التحديد بمجاوزة النصف أو بلوغه غير موجود في النصوص و هو كذلك. انتهى.

و أنت خبير بان ما عدا روايتي كتاب الفقه و كتاب دعائم الإسلام من الروايات المذكورة لا دلالة في شيء منها على شيء من القولين بالكلية حسبما ذكره الأصحاب المشار إليهم آنفا و هذه هي الأخبار التي وصل نظرهم إليها من الكتب الأربعة و غيرها، و اما عبارة كتاب الفقه فإنها دالة على القول الأول. و العجب هنا من شيخنا المجلسي (قدس سره) انه مع تصديه في كتاب البحار لنقل عبارات هذا الكتاب و شرحها

212

كلمة كلمة كيف لم ينبه على ذلك؟ بل غاية ما ذكره هنا ان قال و الجزء الأخير يدل على اعتبار مجاوزة النصف في الجملة. انتهى. و أراد بالجزء الأخير آخر العبارة التي ذكرناها و هي كما ترى تدل على الاعتبار ببلوغ النصف لا بمجاوزته حيث انه (عليه السلام) قال «ان ذكرتها من قبل ان تقرأ نصف سورة فارجع و ان لم تذكر إلا بعد ما قرأت النصف فامض» و هو صريح في ان المدار في جواز الرجوع و عدمه على بلوغ النصف و عدمه فان بلغه مضى في صلاته و إلا رجع. و الصدوق الذي قد نسب اليه القول ببلوغ النصف انما استفيد ذلك من عبارته في الفقيه بهذه العبارة و ان جعلها في الظهر خاصة و رتب عليها وجوب السورة في الظهر حيث قال: «ان نسيتهما- يعني سورة الجمعة و المنافقين- أو واحدة منهما في صلاة الظهر و قرأت غيرهما ثم ذكرت فارجع إلى سورة الجمعة و المنافقين ما لم تقرأ نصف السورة فإن قرأت نصف السورة فتمم السورة و اجعلها ركعتين نافلة و سلم فيهما و أعد صلاتك» و مرجع العبارتين الى معنى واحد و هو الاعتبار ببلوغ النصف و عدمه.

و اما عبارة كتاب دعائم الإسلام فهي صريحة في القول الثاني حيث رتب جواز الرجوع على عدم الدخول في النصف الآخر من السورة التي قرأها فلو دخل فيه مضى و هذا معنى ما عبروا به من تجاوز النصف.

بقي الكلام في الاعتماد على الكتابين المذكورين، اما كتاب الفقه فقد تقدم الكلام فيه غير مرة و انه باعتماد الصدوقين عليه و افتائهما بعباراته لا يقصر عن غيره من كتب الأخبار، و قد نبهنا في غير موضع على ان كثيرا من الأحكام التي ذكرها المتقدمون و لم يصل دليلها إلى المتأخرين فاعترضوا عليهم بعدم وجود الدليل قد وجدنا أدلتها في هذا الكتاب، و هذا منها فإن عبارة الصدوق هنا كما ترى موافقة لعبارة الكتاب و ان كان انما رتبها على الظهر خاصة بناء على مذهبه من وجوب السورتين فيها. و اما كتاب دعائم الإسلام فاخباره صالحة للتأييد البتة و الغرض هنا التنبيه على ما وصل إلينا من اخبار المسألة. و العجب هنا أيضا من شيخنا المجلسي مع تصديه لنقل اخبار الكتاب المذكور

213

و البحث فيها و بيانها و إيضاحها أغمض النظر عن هذه العبارة و لم يتكلم فيها و لو بالإشارة و ظاهره- كما عرفت من كلامه المنقول آنفا- الجمود على ما ذكره جملة ممن قدمنا نقل ذلك عنه و عنهم من عدم وجود نص على شيء من ذينك القولين.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما دلت عليه عبارة كتاب الفقه و كذا عبارة الصدوق معارض بما دلت عليه الرواية السابعة من حكمه (عليه السلام) بان من أراد قراءة سورة فقرأ غيرها فإنه يجوز له الرجوع إلى التي أرادها أولا و ان قرأ نصف السورة التي شرع فيها و كذا الرواية العاشرة و الرواية الرابعة، و في هذه الرواية رد أيضا للقول بتجاوز النصف فان ما قبل الثلثين كما يشمل بلوغ النصف يشمل بلوغ ما زاد على النصف إلى ان يبلغ الثلثين. و يدل على جواز الرجوع مطلقا في غير ما استثنى إطلاق الرواية الاولى و الثانية و الثالثة، و إطلاق هذه الأخبار مع تصريح تلك الأخبار الأخر كما عرفت مما يدفع رواية كتاب الفقه، و بذلك يظهر ضعف العمل عليها و الاستناد في الحكم المذكور إليها.

و بالجملة فإني لا اعرف دليلا معتمدا لهذين القولين بل الأخبار كما ترى ظاهرة في خلافه رأى العين، و الشيخ (قدس سره) لما حكى كلام الشيخ المفيد بالتحديد بمجاوزة النصف لم يذكر له دليلا إلا الرواية الثامنة، و من الظاهر انها لا دلالة فيها على شيء من التحديدين بالكلية و انما غاية ما تدل عليه صحة الصلاة عند العدول بعد النصف في حال النسيان و هو مع كونه مخصوصا بالنسيان لا يقتضي عدم جواز العدول بعد مجاوزة النصف إلا بمفهوم اللقب و هو مما لا حجة فيه عند محققي الأصوليين.

و احتمل الشهيد في الذكرى إرجاع قول الشيخ بمجاوزة النصف إلى القول ببلوغ النصف ليطابق كلام الأكثر، قال- بعد نقل جملة من العبارات الدالة على بلوغ النصف- ما لفظه: فتبين ان الأكثر اعتبروا النصف و الشيخ اعتبر مجاوزة النصف و لعل مراده بلوغ النصف. انتهى.

و فيه (أولا) ان ما ذكره جيد بالنسبة إلى ما ادعاه من ان الأكثر على القول ببلوغ

214

النصف و المخالف انما هو الشيخ خاصة أو مع الشيخ المفيد، اما على تقدير ما قدمنا نقله عن جملة من الأصحاب من ان المشهور انما هو مذهب الشيخ فلا وجه له. و (ثانيا) انه اي فائدة في إرجاع مذهب الشيخ إلى قول الأكثر بناء على كلامه و الحال انه لا دليل عليه في المقام كما اعترف به في صدر كلامه. و (ثالثا) ان الشيخ كما عرفت قد أورد الرواية الثامنة دليلا على ما ادعاه و هي صريحة في العدول مع بلوغ النصف، و هل ما ذكره (قدس سره) إلا صلح مع عدم تراضي الخصمين؟

و العلامة في النهاية قد وجه كلام الشيخين و من تبعهما بالبناء على تحريم القران، قال: و كما لا يجوز القران بين سورتين فكذا لا يجوز بين السورة و معظم الأخرى.

و لا يخفى ما فيه.

و شيخنا الشهيد الثاني في الروض لما اختار التحديد ببلوغ النصف استدل عليه وفاقا للمحقق الشيخ علي بقوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (1) فإن الانتقال من سورة إلى أخرى إبطال للعمل.

و فيه منع ظاهر فان الانتقال المذكور من حيث هو انتقال ليس إبطالا للعمل و إلا لصدق على الانتقال قبل بلوغ النصف بل الظاهر من إبطال العمل انما هو إسقاطه عن درجة الانتفاع به و عدم ترتب الثواب عليه بالمرة بأن يكون فعله كلا فعل، و على هذا لا يتم الاستدلال بالآية إلا إذا ثبت ان الانتقال عن السورة يوجب ارتفاع ثوابها بالكلية و هو غير واضح بل المعلوم خلافه. و يعضد ما ذكرناه ان بعض المفسرين حمل الابطال على إبطال الأعمال بالكفر و النفاق و على هذا يدل سياق الآية، و بعض على الابطال بالرياء و السمعة، و بعض على الإبطال بالمعاصي و الكبائر، و هذه الوجوه الثلاثة ذكرها في مجمع البيان. و بالجملة فالقول المذكور بمحل من البعد و القصور. ثم انه لو سلم دلالتها على ما ادعاه لوجب تخصيصها بالنصوص المتقدمة الدالة عموما و خصوصا على الرجوع بعد بلوغ النصف

____________

(1) سورة محمد، الآية 33.

215

كما خصصت بالإجماع و الأخبار قبل بلوغ النصف.

نعم ادعى جماعة من الأصحاب: منهم- الشهيد الثاني في الروض و المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد الإجماع على عدم جواز العدول بعد تجاوز النصف فان تم كان هو الوجه لا ما ذكروه من هذه التخريجات الواهية، و حينئذ يجعل النهي عن إبطال العمل مؤيدا له و الأخبار دليلا على جواز العدول في النصف فما دونه، و تحمل الرواية الرابعة الدالة على جواز العدول في ما بينه و بين ثلثي السورة على الشروع في النصف الثاني جمعا بين الأخبار كما ذكره بعض الاعلام. إلا ان تحقق الإجماع المذكور مشكل لما عرفت في مقدمات الكتاب. و من ذلك يظهر لك قوة القول بجواز العدول مطلقا للأصل مضافا إلى إطلاق الأخبار المتقدمة و الأوامر المطلقة في القراءة لصدقها بعد العدول أيضا و الأخبار المتقدمة الصريحة في جواز العدول و لو بعد مجاوزة النصف. و اللّٰه العالم.

(المقام الثاني) [عدم جواز العدول من التوحيد و الجحد إلى غيرهما]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) انه لا يجوز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد إلى غيرهما سوى ما سيأتي بل متى شرع فيهما وجب إتمامهما، صرح به الشيخان و المرتضى و ابن إدريس و العلامة و غيرهم و نقل المرتضى في الانتصار إجماع الفرقة عليه. و خالف المحقق في المعتبر فذهب إلى الكراهة. و توقف فيه العلامة في المنتهى و التذكرة، و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا التوقف في ذلك.

و الذي يدل على القول المشهور ما تقدم من الرواية الاولى و الثانية و الثالثة و السادسة و السابعة.

و قال المحقق في المعتبر بعد ان نقل عن السيد المرتضى (قدس سره) القول بالتحريم: الوجه الكراهة لقوله تعالى «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» (1) قال و لا تبلغ الرواية قوة في تخصيص الآية.

____________

(1) سورة المزمل، الآية 20.

216

و ضعفه ظاهر (أما أولا) فلا جمال الآية المذكورة و قد حققنا في مقدمات الكتاب عدم جواز الاستدلال بمجملات القرآن و متشابهاته إلا بتفسير منهم (عليهم السلام) و (اما ثانيا)- فإنه مع تسليم دلالة الآية على ما ادعاه فان الروايات المذكورة لصحتها و صراحتها و تعددها موجبة لتخصيص الآية، و قد خصصوا آيات القرآن بما هو أقل عددا من هذه الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال تلك الديار.

و (اما ثالثا) فإن الآية المذكورة مخصصة عندهم بما إذا لم يتجاوز النصف أو لم يبلغه فإنهم يحرمون العدول بعد الحدين المذكورين على اختلاف القولين مع ان الدليل في ما نحن فيه أقوى و أظهر.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث قال: و الأصل في هذا الباب الروايتان السابقتان أعني رواية عمرو بن أبي نصر و رواية الحلبي و دلالتهما على التحريم ليس بواضح، إلى ان قال و التوقف في هذا المقام في موضعه إلا ان مقتضاه عدم العدول تحصيلا للبراءة اليقينية. انتهى- فهو من جملة تشكيكاته الواهية لأنه مبني على ما تفرد به مما نبهناك عليه مرارا من عدم دلالة الأوامر و النواهي في الأخبار على الوجوب و التحريم و قد أوضحناه في غير مقام مما تقدم.

فرع

لو قلنا بتحريم العدول كما هو الأشهر الأظهر فخالف و عدل إلى غيرهما فهل تبطل صلاته أم غاية ما يترتب عليه الإثم خاصة؟ لم أقف فيه على نص من الأخبار و لا تصريح لأحد من الأصحاب إلا على كلام للوالد العلامة (أفاض اللّٰه عليه الكرامة) حيث قال- بعد ان اعترف أيضا بعدم الوقوف على نص من الأخبار و لا كلام لأحد من الأصحاب- ما لفظه:

و لا يبعد القول ببطلان العبادة بذلك لأن النهي حينئذ راجع إلى جزء العبادة فيبطلها لأن النهي عن الرجوع عنهما إلى غيرهما نهى في الحقيقة عن قراءة غيرهما مع انه مأمور

217

بإتمامهما فعند العدول عنهما و قراءة غيرهما يكون آتيا بما نهى عنه تاركا لما أمر به فيكون باقيا تحت العهدة فتبطل عبادته حينئذ، فتأمل. انتهى. و هو جيد.

(المقام الثالث) [العدول من التوحيد و الجحد إلى الجمعة و المنافقين]

- المشهور جواز العدول من التوحيد و الجحد إلى الجمعة و المنافقين، و قال المحقق في الشرائع في أحكام صلاة الجمعة: و إذا سبق الإمام إلى قراءة سورة فليعدل إلى الجمعة و المنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة إلا في سورة الجحد و التوحيد.

و ظاهره عدم جواز العدول عنهما و لو إلى الجمعة و المنافقين، و ربما ظهر ذلك من كلام المرتضى (قدس سره) في الانتصار حيث قال: و مما انفردت به الإمامية حظر الرجوع من سورة الإخلاص و روى قل يا ايها الكافرون أيضا إذا ابتدأ بها، ثم نقل الإجماع عليه. و ظاهره عموم المنع حيث لم يستثن هاتين السورتين، قيل و هو ظاهر إطلاق ابن الجنيد أيضا.

و يدل على القول المشهور الخبر الثالث من الأخبار المتقدمة و الخبر الخامس و الخبر السادس و السابع، و قد تقدم في الرواية التاسعة جواز العدول إلى النفل كما ذهب اليه الصدوق في ظهر الجمعة و قد تقدم بيانه. و الظاهر الجمع بينها و بين الأخبار المذكورة بالتخيير في مورد الرواية المذكورة و هو صلاة الجمعة. و منع ابن إدريس من العدول إلى النفل هنا بناء على أصله الغير الأصيل من عدم العمل بخبر الواحد مع تحريم قطع الصلاة الواجبة. و لا ريب ان ما ذكره أحوط.

و اما القول الثاني فلعل مستنده إطلاق جملة من الأخبار المتقدمة الدالة على انه بالشروع في التوحيد و الجحد فإنه لا يجوز العدول عنهما كالرواية الاولى من الروايات المتقدمة و الثانية و الثالثة و السؤال الأول من الرواية السابعة. و فيه ان مقتضى القاعدة تقييد إطلاق هذه الأخبار بالأخبار المتقدمة فإنها مفصلة و المفصل يحكم على المجمل.

بقي الكلام هنا في مواضع

(الأول) [الإشكال في هذا العدول]

ان النصوص المتقدمة المتعلقة بالمقام الثاني قد دلت على عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد إلى غيرهما و نصوص هذا المقام انما دلت على جواز العدول إلى سورتي الجمعة و المنافقين من التوحيد خاصة و اما

218

سورة الجحد فلم يدل على جواز العدول عنها دليل، فبقي عموم الأخبار الدالة على عدم جواز العدول عنها على حاله لا مخصص له و التخصيص انما وقع في الأخبار المتعلقة بالتوحيد، و الأصحاب قد شركوا بين السورتين في جواز العدول عنهما إلى سورتي الجمعة و المنافقين و الدليل كما ترى لا ينهض بذلك.

و استند بعضهم في الجواب عن هذا الإشكال إلى التمسك بالإجماع المركب و هو ان كل من أجاز العدول من التوحيد اجازه من الجحد. و بعض استند إلى طريق الأولوية. و ضعف الجميع عني عن البيان.

نعم ربما يستفاد ذلك من الرواية السابعة و قوله فيها «و ان أخذت في غيرها و ان كان قل هو اللّٰه أحد فاقطعها من أولها و ارجع إليها» وجه الدلالة دخول سورة الجحد في ذلك الغير المأمور بقطعه. إلا انه لا يخلو من شيء فان تقييد إطلاق تلك الأخبار بإطلاق هذا الخبر ليس اولى من تقييد إطلاق هذا الخبر بإطلاق تلك الأخبار، و بالجملة فههنا اطلاقان تعارضا و تقييد أحدهما بالآخر لازم لكن لا بد لتعيين أحدهما من ترجيح.

و بذلك يظهر ان الأظهر عدم جواز العدول عن سورة الجحد مطلقا لا إلى هاتين السورتين و لا إلى غيرهما، و يؤيده أنه الأوفق بالاحتياط.

(الثاني) [هل يعتبر في العدول هنا عدم بلوغ النصف أو تجاوزه؟]

- انه قد صرح جملة من الأصحاب- بل الظاهر انه المشهور- بجواز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد هنا إلى سورتي الجمعة و المنافقين باشتراط عدم بلوغ النصف أو تجاوزه كما تقدم من القولين السابقين، و كثير من عباراتهم مجمل لا تقييد فيه بذلك و الأخبار كما عرفت عارية عن هذا التقييد.

و استدل شيخنا الشهيد الثاني و مثله المحقق الشيخ علي على ذلك بالجمع بين الرواية التاسعة الدالة على ان من صلى الجمعة و قرأ بقل هو اللّٰه أحد فإنه يتمها ركعتين ثم يستأنف و بين الروايات المتقدمة الدالة على العدول، قال في الروض: و انما اعتبروا فيهما عدم بلوغ

219

النصف جمعا بين ما دل على جواز العدول منهما كصحيحة محمد بن مسلم و غيرها و بين ما روى عن الصادق (عليه السلام) ثم ذكر الرواية التاسعة المشار إليها، قال فان العدول من الفريضة إلى النافلة بغير ضرورة غير جائز لأنه في حكم إبطال العمل المنهي عنه فحملت هذه الرواية على بلوغ النصف و الأولى محمولة على عدمه. انتهى.

و فيه (أولا) ان الجمع بين الروايات لا ينحصر في ما ذكره بل يمكن الجمع بينها بالتخيير كما قدمنا الإشارة اليه، و هو انما ألجأه إلى القول المذكور ضرورة الجمع و الجمع يحصل بما ذكرنا. و ما ذكر من الجمع بالتخيير ظاهر الكليني في الكافي حيث انه بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم الدالة على العدول

قال (1) «و روى أيضا يتمها ركعتين ثم يستأنف».

و (ثانيا) انك قد عرفت مما قدمنا انه لا دليل من الأخبار على هذا التقييد من أصله فالقول به كائنا ما كان قول بلا دليل.

و (ثالثا) انه مخالف لما عليه الأصحاب فإن العدول إلى النافلة عندهم غير مقيد ببلوغ النصف بل يجوز مطلقا تبعا لإطلاق النص.

و (رابعا) ان قوله- ان العدول إلى النافلة بغير ضرورة غير جائز- مردود بما ذكروه و دلت عليه الأخبار من العدول لاستدراك الجماعة، و قطع الفريضة لتدارك الأذان و الإقامة، فإن كانت هذه الأشياء من الضرورات التي يجوز لأجلها القطع أو العدول فكذا في ما نحن فيه و إلا فاشتراط الضرورة في جواز العدول ممنوع.

(الثالث) [هل يعتبر في العدول هنا أن تكون قراءة الأولى سهوا؟]

- انه قد صرح المحققان الفاضلان المحقق الشيخ علي و شيخنا الشهيد الثاني (عطر اللّٰه مرقديهما) بان جواز العدول من التوحيد و الجحد إلى السورتين المذكورتين مشروط بكون قراءتهما على وجه السهو و النسيان، و حينئذ فلو كان عمدا فإنه لا يجوز له الرجوع عملا بإطلاق أخبار المقام الثاني.

و الظاهر ان مستندهم في ذلك قوله في الرواية الخامسة «في الرجل يريد ان يقرأ

____________

(1) الوسائل الباب 69 من القراءة.

220

سورة الجمعة في الجمعة فيقرأ قل هو اللّٰه أحد؟» و نحوها غيرها من روايات المسألة، فإن ظاهرها ان القصد كان لسورة الجمعة و ان قراءة التوحيد انما وقع لا عن قصد بل سهوا و فيه ان هذه العبارة كما تحتمل ما ذكروه كذلك تحتمل الحمل على العامد أيضا بأن يكون قد قصد أولا إلى سورة الجمعة ثم بدا له فقصد إلى التوحيد، على ان ظاهر الرواية السابعة شمول العامد لقوله بعد الأمر بقراءة سورتي الجمعة و المنافقين «و ان أخذت في غيرها. إلى آخره» فإن الأخذ في الغير أعم من ان يكون عمدا أو سهوا و نحوها رواية كتاب دعائم الإسلام.

و التحقيق ما ذكره العلامة الوالد (قدس سره) هنا حيث قال بعد الكلام في المسألة: و بالجملة فإن المفهوم من الروايات ان المصلي إذا قرأ سورة التوحيد و كان في قصده قراءة غيرها فلا يرجع عنها إلا إلى السورتين، و هذا المعنى لا خصوص له بالناسي بل ينطبق على العامد و يصح حمل اللفظ عليه، على ان رواية علي بن جعفر المذكورة آنفا لا وجه لقصرها على حال النسيان لظهور شمولها لحال العامد أيضا بل هي فيه أظهر. و بهذا يندفع ما يقال ان الخروج عن مقتضى الأخبار الصحيحة الصريحة في المنع عن العدول من سورة التوحيد بل و الجحد أيضا بناء على ما مر بمجرد الاحتمال غير جيد بل ينبغي الاقتصار فيها على المتيقن من حال الناسي لأنه متيقن الإرادة منها و متفق عليه بين الأصحاب، لأن ذلك مبني على ظهور الأخبار في الناسي ليكون متيقن الإرادة منها بخلاف العامد لكونه حينئذ خلاف الظاهر منها، اما من لا يسلم ظهورها فيه كما هو مقتضى كلام الأكثر فيكون اللفظ محتملا لهما على سواء و الخروج فيهما عن مقتضى الأخبار الصحيحة الصريحة في المنع على حال واحدة، نعم لا يبعد ان الأخبار في الناسي أظهر منها في حال العامد و هو لا يقتضي إلا أولوية العدول فيه لا خصوصيته به و الكلام فيه. فتأمل المقام فإنه حري بالتأمل التام. انتهى كلامه رفع مقامه.

(الرابع) [هل يجوز العدول في غير صلاة الجمعة]

- انه لا يخفى ان الأخبار المتعلقة بهذا المقام الدالة على القول المشهور

221

كما قدمنا الإشارة إليها من العدول عن التوحيد و الجحد إلى سورتي الجمعة و المنافقين- موردها انما هو صلاة الجمعة و ليس فيها مار بما يوهم خلاف ذلك إلا قوله في الرواية السادسة «إلا ان تكون في يوم الجمعة» و يجب حمله على صلاة الجمعة كما صرحت به بقية أخبار المسألة حمل المطلق على المقيد، و يعضد ذلك الروايات الدالة على تحريم العدول عن هاتين السورتين اعنى التوحيد و الجحد مطلقا فيجب الاقتصار في التخصيص على مورد النصوص و المتيقن بالخصوص و هو صلاة الجمعة خاصة.

و اما ما قيل هنا في تأييد ما ذكرنا- من ان استحباب قراءة السورتين انما ثبت بالروايات الصحيحة في صلاة الجمعة خاصة دون ما سواها و هو قرينة قوية على اختصاص العدول إليهما بها. انتهى- ففيه انه غلط محض نشأ من الركون إلى ما ذكره في المدارك كما قدمنا نقله عنه و أوضحنا فساده بالأخبار الدالة على استحباب السورتين المذكورتين في غير صلاة الجمعة من المواضع المذكورة في الأخبار المتقدمة ثمة.

و بذلك يظهر لك ما في كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في المقام من الخروج عن جادة أخبارهم (عليهم السلام) فإنهم قد اختلفوا في مواضع العدول زيادة على صلاة الجمعة التي هي مورد الأخبار المذكورة كما عرفت، فبعض اثبت هذا الحكم في الظهر و عليه المحقق و ابن إدريس و العلامة في المنتهى و قبلهم الصدوق في الفقيه كما تقدم نقل عبارته بذلك، و قال الجعفي بثبوته في صلاة الجمعة و الصبح و العشاء، قال (قدس سره) على ما نقله عنه في الذكرى: و ان أخذت في سورة و بدا لك في غيرها فاقطعها ما لم تقرأ نصفها إلا قل هو اللّٰه أحد و قل يا ايها الكافرون، فان كنت في صلاة الجمعة و الصبح يومئذ و العشاء الآخرة ليلة الجمعة فاقطعها و خذ في سورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون، و قال الشهيد الثاني في الروض بثبوته في الجمعة و ظهرها أو ظهريها.

أقول: و الظاهر ان ما ذهب إليه هؤلاء الفضلاء (قدس اللّٰه أسرارهم) قد بنوه على ما ثبت عندهم من المواضع التي يستحب فيها قراءة السورتين المذكورتين،

222

فكل موضع ثبت فيه استحباب قراءة هاتين السورتين حكموا بجواز العدول عن سورتي التوحيد و الجحد إليهما تحصيلا لفضيلتهما في ذلك الموضع، و قد تقدم نقل مذاهبهم في محل السورتين المذكورتين و نقل مذهب الجعفي باستحبابهما في هذه المواضع التي نقلت عنه ههنا، فكأنهم بنوا الحكم على عموم الأخبار الدالة على استحباب هاتين السورتين سواء كان ابتداء أو مع العدول عن سورتي الجحد و التوحيد.

و فيه ان الأخبار الدالة على انه بالشروع في الجحد و التوحيد فإنه لا يجوز العدول عنهما مطلقا شاملة بإطلاقها لسورتي الجمعة و المنافقين و غيرهما، و قد وردت بإزائها روايات مخصصة بالعدول منهما إلى هاتين السورتين في هذا الموضع المخصوص أعني صلاة الجمعة خاصة، فالقول بالعدول و تخصيص تلك الأخبار في غير الجمعة يحتاج إلى دليل، و مجرد استحباب هاتين السورتين في هذه المواضع لا يكفي في التخصيص كما لا يخفى. و اللّٰه العالم.

تنبيهات

(الأول) [هل يعيد البسملة عند العدول؟]

- المشهور في كلام الأصحاب و لا سيما المتأخرين من العلامة و من تأخر عنه انه مع العدول يجب ان يعيد البسملة لأن البسملة آية من كل سورة و قد قرأها أولا بنية السورة المعدول عنها فلا تحسب من المعدول إليها، و لأن البسملة لا يتعين كونها من سورة إلا بالقصد. و صرحوا أيضا بأنه يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير ان يقصد بها سورة معينة بعد القصد، حيث ان البسملة صالحة لكل سورة فلا تتعين لإحدى السور إلا بالتعيين و القصد بها إلى إحداها و بدونه يعيدها بعد القصد.

و جملة من المتأخرين فرعوا على هذا الأصل تفاصيل في كلامهم فقالوا لا يشترط في الحمد القصد ببسملة معينة لتعينها ابتداء فيحمل إطلاق النية على ما في ذمته، و كذا لو عين له سورة معينة بنذر أو شبهه أو ضاق الوقت إلا عن أقصر سورة أو لا يعلم إلا تلك السورة فإنه يسقط القصد كالحمد، لأن السورة لما كانت متعينة بتلك الأسباب اقتضت

223

نية الصلاة ابتداء قراءتها في محلها كما اقتضت إيقاع كل فعل في محله و ان لم يقصده عند الشروع فيه.

قالوا: و محل القصد حيث يفتقر اليه عند الشروع في قراءة السورة، و هل يكفى القصد المتقدم على ذلك في جملة الصلاة بل قبلها؟ نظر، من ان السورة كاللفظ المشترك يكفي في تعيين أحد أفرادها القرينة و هي حاصلة في الجميع، و من عدم المخاطبة بالسورة فلا يؤثر قصدها، و الاقتصار على موضع اليقين طريق البراءة. و اختار الشهيد في بعض فتاويه الاجزاء في الجميع و نفى عنه البعد في الروض. قالوا و لو كان معتادا لسورة مخصوصة فالوجهان، و الاجزاء هنا أبعد.

و لو جرى لسانه على بسملة و سورة فهل يجزئ المضي عليها أم تجب الإعادة؟

نظر و استقرب الشهيد الاجزاء، و احتج عليه في الذكرى برواية أبي بصير و هي الثامنة من الروايات المتقدمة المنسوبة إلى ثلاثة أحدهم أبو بصير، إلى غير ذلك من كلامهم في هذا المقام و ما أوسعوا فيه من تفريع الأحكام و ما وقع لهم فيه من النقض و الإبرام.

و قد رده جملة من أفاضل متأخري المتأخرين- أولهم في ما أظن المحقق الأردبيلي- بان ما ذكروه من انه يحتاج إلى النية لاشتراك البسملة بين السور فلا تتعين للسورة إلا بالنية غير واضح، لأن نية الصلاة تكفي لأجزائها بالاتفاق و لو فعلت مع الغفلة و الذهول و يكفيه قصد فعلها في الجملة، و اتباع البسملة بالسورة يعين كونها جزء لها و ذلك كاف، و بالجملة فإنا لا نسلم أن للنية مدخلا في صيرورة البسملة جزء من السورة بل متى اتى بمجرد البسملة فقد اتى بشيء يصلح لأن يكون جزء لكل سورة فإذا أتى ببقية الأجزاء فقد اتى بجميع اجزاء هذه السورة المخصوصة و لا فساد في ذلك. و دعوى تميز بسملة كل سورة عن بسملة الأخرى يحتاج إلى دليل و ليس فليس. و لو تم ما ذكروه للزم ان يكون كل كلمة مشتركة بين سورتين تحتاج إلى القصد مثل «الحمد للّٰه» و الظاهر انهم لا يقولون به.

و التحقيق عندي في أمثال هذا المقام هو ان يقال لا ريب انهم لا يختلفون في أصالة العدم

224

و ان الأصل عدم الوجوب في شيء إلا مع قيام الدليل عليه إذ لا تكليف إلا بعد البيان و لا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، و عدم الدليل دليل العدم. و ما ادعوه هنا- من وجوب القصد بالبسملة إلى سورة معينة فلو بسمل لا بقصد فإنه يجب إعادتها بعد القصد- لم يأتوا عليه بدليل واضح سوى ما عرفت من التعليل العليل الذي لا يشفي العليل و لا يبرد الغليل مع استفاضة الأخبار عنهم (عليهم السلام) بالسكوت عما سكت اللّٰه عنه (1) و النهي عن تكلف الدليل في ما لم يرد عنهم (عليهم السلام) فيه دليل واضح:

و من ذلك

ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده فيه عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات التي قد دخل بهن في الحجور كنّ و غير الحجور سواء، و الأمهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل بهن فحرموا ما حرم اللّٰه و أبهموا ما أبهم اللّٰه».

و ما رواه الشيخ المفيد (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب المجالس (3) بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان اللّٰه حد لكم حدودا فلا تعتدوها و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها و عفا عن أشياء رحمة منه لكم من غير نسيان فلا تتكلفوها».

و ما رواه في الفقيه (4) من خطبة أمير المؤمنين و قوله (عليه السلام) فيها «ان اللّٰه حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من اللّٰه لكم فاقبلوها».

____________

(1) روى القاضي محمد بن سلامة القضاعي المغربي في كتابه الشهاب في الحكم و الآداب في باب الالف المقطوع و الموصول عن النبي «ص» انه قال «اسكتوا عما سكت اللّٰه عنه».

(2) الوسائل الباب 18 و 20 من ما يحرم بالمصاهرة.

(3) ص 94 من المطبوع بالمطبعة الحيدرية في النجف.

(4) باب «نوادر الحدود» و في الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يقضى به.

225

مضافا إلى ما ورد في الآيات القرآنية و السنة النبوية من النهي عن القول بغير علم و لا اثر وارد من الكتاب أو السنة «أ تقولون على اللّٰه ما لا تعلمون» (1) «و من أظلم ممن افترى على اللّٰه كذبا» (2) و نحوهما من الآيات و الأخبار الكثيرة الدالة على الوقوف و التثبت و الرد إليهم (عليهم السلام) في ما لم يرد فيه أمر منهم،

و في حديث أبي البريد المروي في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (3) «اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».

و نحوه من الأخبار الواردة في هذا المضمار كما لا يخفى على ذوي البصائر و الأفكار، و لا ريب ان بناء الأحكام الشرعية على هذه التخريجات الفكرية خروج عن منهاج السنة النبوية لانحصار أدلة الأحكام في القرآن العزيز و اخبارهم (عليهم السلام).

(الثاني) [إيراد الشهيد الثاني على العلامة في المقام]

- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض- بعد البحث في المسألة بنحو ما قدمناه في صدر المقام المتقدم اعتراضا على عبارة المصنف و هي قوله: و مع العدول يعيد البسملة و كذا يعيدها لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة بعد القصد- ما صورته:

بقي في المسألة إشكال و هو ان حكمه بإعادة البسملة لو قرأها من غير قصد بعد القصد ان كان مع قراءتها أو لا عمدا لم يتجه القول بالإعادة بل ينبغي القول ببطلان الصلاة للنهي عن قراءتها من غير قصد و هو يقتضي الفساد، و ان كان قرأها ناسيا فقد تقدم القول بأن القراءة خلالها نسيانا موجب لإعادة القراءة من رأس، فالقول بإعادة البسملة و ما بعدها لا غير لا يتم على تقديري العمد و النسيان، و الذي ينبغي القطع بفساد القراءة على تقدير العمد للنهي، و هو الذي اختاره الشهيد في البيان و حمل الإعادة هنا على قراءتها ناسيا. انتهى.

أقول فيه (أولا) ان ما ادعاه على تقدير القراءة عمدا- من بطلان الصلاة للنهي

____________

(1) سورة الأعراف، الآية 27.

(2) سورة الانعام، الآية 21.

(3) الوسائل الباب 7 من صفات القاضي و ما يقضى به. و الراوي هاشم صاحب البريد.

226

عن قراءتها من غير قصد- مردود بأنه أي نهي هنا ورد بما ذكره و اي حديث دل على ما سطره؟ و غاية ما يمكن ان يقال بناء على أصولهم العديمة النوال انه مأمور بالقصد إلى البسملة كما عرفت من كلامهم المتقدم آنفا و الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص.

و قد عرفت مما حققناه آنفا انه لا دليل على هذه الدعوى إلا مجرد تخريجات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و مع تسليم صحة ذلك فان استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص و ان ذهب اليه جمع منهم إلا ان مذهبه (قدس سره) العدم كما صرح به في كتابه المشار اليه، و بذلك يظهر فساد ما ذكره و بنى عليه.

و (ثانيا) ان ما ذكره بناء على تقدير القراءة ناسيا- من انه تقدم القول بأن القراءة خلالها نسيانا موجب لإعادة القراءة من رأس- غفلة عجيبة من مثله (قدس سره) فان محل البحث هنا انما هو الإتيان بالبسملة بعد الحمد و القراءة بتلك البسملة بغير قصد و اللازم من البسملة و القراءة بغير قصد بناء على دعواه وجوب القصد هو اعادة ما قرأه بعد القصد، و الذي تقدم في مسألة وجوب الموالاة انما هو القراءة في خلال آيات الحمد و السورة و اين هذا من ذاك؟

و لم يذكر في ما تقدم حكم القراءة بين سورة الحمد و السورة التي بعدها، و غاية ما يلزم هنا هو قراءة القرآن في الصلاة و هو مما لا خلاف بينهم في جوازه و لا تعلق له بمسألة وجوب الموالاة التي هي عبارة عن ان لا يقرأ خلال الفاتحة و السورة غيرهما، و جميع ما فرعه انما هو من فروع وجوب الموالاة و مذهب الشهيد الذي نقله انما هو في الموالاة كما قدمنا نقله، و ما نحن فيه ليس من مسألة الموالاة في شيء. و جميع ما ذكرنا ظاهر بحمد اللّٰه لا سترة عليه.

(الثالث) [الصور الخمس للعدول عن السورة]

- المستفاد من الأخبار المتقدمة انه لا فرق في جواز العدول حيث يصح بين ان يكون دخوله في السورة المعدول عنها بقصد أو بغيره، و على الأول فقد يكون عدوله عنها مقصودا لذاته بان يبدو له العدول إلى غيرها فيعدل أو لنسيانها بان يحمله نسيانها على قصد غيرها أو غير مقصود بان يتمادى به السهو و النسيان إلى ان يدخل في الثانية من غير قصد، و على الثاني لا فرق بين ان تكون السورة المعدول إليها مما سبق

227

قصدها أم لا، فهذه صور خمس كلها مستفادة من النصوص المتقدمة:

أما الصورة الاولى- و هي ان يقصد سورة فيبدو له في قصد غيرها- فهي مستفادة من الرواية الثانية من الروايات المتقدمة.

و اما الصورة الثانية و هي ان يقصد سورة فينساها فيتعمد العدول الى غيرها، و الثالثة- و هي ان يقصد سورة فينساها فينجر به الذهول و النسيان إلى ان يدخل في غيرها من غير قصد- فهما مستفادتان من إطلاق الرواية الثامنة، فإن قوله فيها «ثم ينسى فيأخذ في أخرى» يحتمل ان يكون المراد فينسى ما هو فيه فيعمد إلى الدخول في أخرى أو ينسى ما هو فيه فيشرع بطريق السهو و النسيان في أخرى، و الثانية من هاتين الصورتين مستفادة من الرواية الثانية عشرة، فإن قوله فيها «ثم يعلم انه قد أخطأ» ظاهر في ان دخوله في الثانية انما كان عن سهو و خطأ لا عن تعمد، بمعنى انه استمر به السهو بعد شروعه في الاولى إلى ان دخل في الثانية و فرغ منها ثم ذكر بعد ذلك.

و الصورة الرابعة- و هي ان يشرع في السورة لا بطريق القصد بل بعد القصد لسورة أخرى فيغفل عنها إلى ان يدخل في الثانية سهوا فيعدل عنها إلى الأولى المقصودة أولا- مستفادة من أكثر الأخبار كالرواية الاولى و الثالثة و الرابعة و التاسعة، لظهور شمولها لذلك بل هو أظهر من احتمالها لإرادة قراءة سورة فينساها فيعمد إلى قراءة غيرها لأجل النسيان ثم يذكر فيعدل إلى السورة المقصودة أولا. و هذا الاحتمال الثاني قد تضمن كون المعدول عنه و المعدول اليه كلاهما مقصودين و لكن كان المعدول اليه مقصودا قبل المعدول عنه لكن عرض نسيانه فلا يبعد دخولها في الصورة الأولى لشمولها من حيث إطلاقها لذلك، و تكون هذه الأخبار من حيث احتمالها لذلك شاهدة له و ان حصلت صورة سادسة لأن فيها زيادة اعتبار ليس في الاولى فلا بأس به.

و الصورة الخامسة- و هي ان يكون شروعه في السورة لا بطريق القصد فيبدو له في أثنائها العدول إلى أخرى لم تكن مقصودة قبل- ربما تشملها الرواية الثانية، فإن قوله

228

فيها «و من افتتح بسورة» أعم من ان يكون بطريق القصد أو جرى ذلك على لسانه من غير قصد و ان كان الظاهر هو الأول. و بالجملة ففي جميع هذه الصور يصح العدول بغير اشكال. و اللّٰه العالم.

(الرابع) [هل يجب قصد سورة معينة قبل البسملة؟]

- المستفاد من الأخبار المذكورة بمعونة ما تقدم تحقيقه انه لا يجب في الصلاة قصد سورة معينة قبل البسملة خلافا للمشهور بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) و ذلك لأن نية الصلاة كافية لاجزائها إجماعا و ان فعلت حال الغفلة و الذهول، فلو جرى لسانه ابتداء على سورة أخرى من غير قصد أو قصد سورة فقرأ غيرها نسيانا صحت الصلاة و لم يجب عليه العدول إلى سورة أخرى و ان تذكر قبل الركوع، للأصل و حصول الامتثال المقتضي للاجزاء و هي الأخبار المتقدمة خصوصا الرواية الثامنة.

و قال الشهيد (قدس سره) في الذكرى- بعد ما صرح بوجوب ان يقصد بالبسملة سورة معينة- ما نصه: اما لو جرى لسانه على بسملة و سورة فالأقرب الإجزاء لرواية أبي بصير السالفة و لصدق الامتثال،

و روى البزنطي عن أبي العباس «في الرجل يريد ان يقرأ السورة فيقرأ في أخرى.».

الرواية العاشرة من الروايات المتقدمة (1) ثم قال: قلت و هذا حسن و يحمل كلام الأصحاب و الروايات على من لم يكن مريدا غير هذه السورة، لأنه إذا قرأ غير ما اراده لم يعتد به و لهذا قال «يرجع» فظاهره تعين الرجوع. انتهى كلامه. و حاصله الفرق بين الصورتين المذكورتين سابقا و الاجزاء في الصورة الأولى لما ذكره دون الثانية أعني ما تعلق القصد بغيرها نسيانا، فان كلامه (قدس سره) يعطي وجوب العدول عنها لو ذكرها قبل الركوع لرواية البزنطي المذكورة حيث جعل ظاهرها تعين الرجوع، و أظهر منها في الدلالة على ذلك موثقة عبيد بن زرارة الاولى لتضمنها الأمر بالرجوع. و قد جعل (قدس سره) محل جواز العدول و عدمه في الروايات و كلام الأصحاب ما إذا تعلق قصده بغير السورة التي قرأها كما في الصورة الاولى من

____________

(1) ص 210.

229

الصور الخمس المتقدمة.

و في ما ذكره (قدس سره) من جميع ذلك نظر: (أما أولا) فلان ما دل على الاجزاء و عدم تعين الرجوع في الصورة الأولى قائم بعينه في الصورة الثانية لموافقة الأصل و حصول الامتثال و لرواية أبي بصير التي أوردها دالة على الاجزاء في الصورة الاولى و هي صحيحة الحلبي و الكناني و أبي بصير و من حيث الاشتراك صح نسبتها إلى كل من الثلاثة، فإن ظاهرها بل صريحها تعلق القصد و الإرادة بغير ما قرأه ناسيا.

و العجب منه كيف استدل بها على الاولى مع انها صريحة الدلالة على الثانية.

و (اما ثانيا) فإنه لو كان تعلق القصد بغير هذه السورة موجبا لعدم الاعتداد بها كما ذكره حتى وجب لأجله العدول عنها إلى ما قصده أولا لم يكن فرق في ذلك بين بلوغ النصف و ما قبله و ما بعده بل و لو فرغ من السورة قبل الركوع، فإنه يجب في جميع ذلك الرجوع مطلقا بمقتضى ما ذكره من عدم الاعتداد مع دلالة رواية البزنطي التي أوردها دالة على تعين الرجوع على عدم جواز الرجوع بعد تجاوز النصف و دلالة موثقة عبيد ابن زرارة الثانية على عدم جوازه بعد الثلثين كما هو ظاهر.

و (اما ثالثا) فلدلالة الروايات على ان الرجوع في هذه الصورة على سبيل الجواز و التخيير دون الوجوب و التعيين كما هو ظاهر

موثقة عبيد بن زرارة المذكورة، حيث قال فيها «له ان يرجع ما بينه و بين ثلثيها».

و نحوه صحيحة علي بن جعفر الأولى فإن مفادها الجواز دون الوجوب، و صحيحته الثانية صريحة في التخيير حيث قال: «فليرجع ان أحب» و حينئذ فيحمل ما دل على الأمر بالرجوع صريحا أو ظاهرا على الاستحباب دون الإيجاب.

و (اما رابعا) فلانه لو كان الحكم في هذه الصورة وجوب الرجوع لما ذكره من عدم الاعتداد لم يكن لاستثناء سورتي التوحيد و الجحد من ذلك وجه لاشتراك الجميع في عدم الاعتداد الموجب لتعيين المعدول إليه حينئذ، مع دلالة أكثر الروايات الدالة

230

على هذا الحكم على استثناء هاتين السورتين منه و وجوب المضي فيهما و عدم جواز الرجوع كما عليه الأصحاب.

و بالجملة فالظاهر من الروايات استحباب العدول من كل سورة دخل فيها بغير قصد غير السورتين المذكورتين و ان جاز له المضي فيها، إذ هو الظاهر مما تضمنته من الأمر بالرجوع صريحا أو ظاهرا، و ظاهر الأصحاب أيضا الاتفاق على جواز الرجوع هنا دون وجوبه. و اللّٰه العالم.

تتمة تشتمل على فوائد

(الأولى) [القول بعدم وجوب الفاتحة في بعض الموارد]

- نقل في الذكرى عن ابن أبي عقيل (قدس سره) انه قال لا يقرأ في الفريضة ببعض السورة و لا بسورة فيها سجدة مع قوله بأن السورة غير واجبة. و قال أيضا من قرأ في صلاة السنن في الركعة الأولى ببعض السورة و قام في الركعة الأخرى ابتدأ من حيث بلغ و لم يقرأ بالفاتحة. قال في الذكرى: و هو غريب و المشهور قراءة الحمد

و قد روى سعد بن سعد عن الرضا (عليه السلام) (1) «في من قرأ الحمد و نصف سورة هل يجزئه في الثانية ان لا يقرأ الحمد و يقرأ ما بقي من السورة؟ فقال يقرأ الحمد ثم يقرأ ما بقي من السورة».

و الظاهر انه في النافلة.

(الثانية) [المعوذتان من القرآن]

- أجمع علماؤنا و أكثر العامة على ان المعوذتين من القرآن العزيز و انه يجوز القراءة بهما في الصلاة المفروضة،

روى منصور بن حازم (2) قال «أمرني أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان اقرأ المعوذتين في المكتوبة».

و عن صفوان الجمال في الصحيح (3) قال: «صلى بنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) المغرب فقرأ بالمعوذتين، ثم قال هما من القرآن».

و عن صابر مولى بسام (4) قال «أمنا أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في صلاة

____________

(1) الوسائل الباب 4 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 47 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 47 من القراءة. و لم تجد في شيء من كتب الأخبار قوله: «ثم قال هما من القرآن» و آخر الرواية هكذا «فقرأ بالمعوذتين في الركعتين».

(4) الوسائل الباب 47 من القراءة.

231

المغرب فقرأ المعوذتين ثم قال: هما من القرآن».

قال في الذكرى: و نقل عن ابن مسعود انهما ليستا من القرآن و انما أنزلتا لتعويذ الحسن و الحسين (عليهما السلام) و خلافه انقرض و استقر الإجماع الآن من العامة و الخاصة على ذلك (1) انتهى.

أقول:

روى الحسين بن بسطام في كتاب طب الأئمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «انه سئل عن المعوذتين أ هما من القرآن؟ قال (عليه السلام) هما من القرآن. فقال الرجل انهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود و لا في مصحفه؟

فقال (عليه السلام) أخطأ ابن مسعود أو قال كذب ابن مسعود هما من القرآن. قال الرجل أ فأقرأ بهما في المكتوبة؟ قال نعم».

و روى علي بن إبراهيم في تفسيره بسنده عن أبي بكر الحضرمي (3) قال:

____________

(1) في الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 416 و روح المعاني للالوسى ج 3 ص 279 «أخرج الإمام أحمد و البزار و الطبراني و ابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن مسعود انه كان يحك المعوذتين من المصحف و يقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه انهما ليستا من كتاب اللّٰه إنما أمر النبي «ص» ان يتعوذ بهما. و كان ابن مسعود لا يقرأهما. و قال البزار لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة. و صح عن النبي «ص» انه قرأ بهما في الصلاة و اثبتتا في المصحف» و في إرشاد الساري ج 7 ص 442 «وقع الخلاف في قرآنيتهما ثم ارتفع الخلاف و وقع الإجماع عليه فلو أنكر أحد قرآنيتهما كفر» و في عمدة القارئ ج 9 ص 298 مثله. و في فتح الباري ج 8 ص 525 «و قد تأول القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الانتصار و تبعه عياض و غيره فقال لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن و انما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى ان لا يكتب في المصحف شيئا إلا أن يأذن النبي «ص» فيه و كأنه لم يبلغه الاذن فهذا تأويل منه و ليس جحدا لكونهما قرآنا.

و هذا تأويل حسن إلا ان الرواية الصحيحة جاءت عنه انهما ليستا من القرآن إلا ان يحمل القرآن على المصحف».

(2) الوسائل الباب 47 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 47 من القراءة.

232

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف؟ فقال كان أبي يقول انما فعل ذلك ابن مسعود برأيه و هما من القرآن».

و هذه الأخبار كما ترى متفقة الدلالة على ما عليه الأصحاب إلا ان كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي صريح الدلالة في ما نقل

عن ابن مسعود حيث قال (عليه السلام) (1): و ان المعوذتين من الرقية ليستا من القرآن أدخلوهما في القرآن، و قيل ان جبرئيل (عليه السلام) علمهما رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الى ان قال أيضا: و اما المعوذتين فلا تقرأهما في الفرائض و لا بأس في النوافل.

انتهى. و الأقرب حمله على التقية.

(الثالثة) [لا قراءة في الأخيرتين زائدا على الحمد]

- قال في الذكرى: لا قراءة عندنا في الأخيرتين زائدا على الحمد فرضا و لا نفلا و عليه الإجماع منا،

و في الجعفريات (2) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «انه كان يقرأ في ثالثة المغرب: رَبَّنٰا لٰا تُزِغْ قُلُوبَنٰا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا وَ هَبْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّٰابُ» (3).

قال: و هو محمول على إيرادها دعاء لا انه جزء من الصلاة.

(الرابعة) [قراءة السورة الواحدة في الركعتين]

-

روى الشيخ في التهذيب عن زرارة (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أصلي بقل هو اللّٰه أحد؟ فقال نعم قد صلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في كلتا الركعتين بقل هو اللّٰه أحد لم يصل قبلها و لا بعدها بقل هو اللّٰه أحد أتم منها».

قال في الذكرى بعد نقل هذا الخبر: قلت تقدم كراهة ان يقرأ بالسورة الواحدة في الركعتين فيمكن ان يستثني من ذلك «قل هو اللّٰه أحد» لهذا الحديث و لاختصاصها بمزيد الشرف، أو فعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لبيان جوازه.

أقول: المشهور في كلام الأصحاب كراهة قراءة السورة الواحدة في الركعتين استنادا إلى

رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته

____________

(1) ص 9.

(2) ص 41.

(3) سورة آل عمران الآية 8.

(4) الوسائل الباب 7 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 6 من القراءة.

233

عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة و هو يحسن غيرها فان فعل فما عليه؟ قال إذا أحسن غيرها فلا يفعل و ان لم يحسن غيرها فلا بأس».

و جملة من الأصحاب قد استثنوا من هذا الحكم سورة التوحيد للخبر المذكور أولا، و نحوه

صحيحة حماد بن عيسى الواردة في تعليم الصادق (عليه السلام) له الصلاة (1) حيث قال فيها: «ثم قرأ الحمد بترتيل و قل هو اللّٰه أحد، و ساق الكلام في حكاية صلاته (عليه السلام) الى ان قال:

فصلى ركعتين على هذا».

(الخامسة) [هل يجب على المصلي أن يكف عن القراءة إذا أراد أن يتقدم؟]

-

روى السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) انه قال:

«في الرجل يصلي في موضع ثم يريد ان يتقدم؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم إلى الموضع الذي يريد ثم يقرأ».

قال في الذكرى: قلت هذا الحكم مشهور بين الأصحاب، و هل الكف واجب؟ توقف فيه بعض المتأخرين، و الأقرب وجوبه لظاهر الرواية، و ان القرار شرط في القيام. انتهى. و قال العلامة في المنتهى إذا أراد الرجل ان يتقدم في صلاته سكت عن القراءة ثم تقدم لأنه في تلك الحال غير واقف، و يؤيده ما رواه الشيخ (قدس سره)، ثم ذكر الرواية.

(السادسة) [وظيفة المصلي خلف من لا يقتدى بصلاته]

-

قد ورد في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) (3) «في المصلي خلف من لا يقتدى بصلاته و الامام يجهر بالقراءة؟ قال اقرأ لنفسك و ان لم تسمع نفسك فلا بأس».

و في مرسلة علي بن أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (4) «يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس».

قال في الذكرى: قلت هذا يدل على الاجتزاء بالإخفات عن الجهر للضرورة و على

____________

(1) ص 2.

(2) الوسائل الباب 34 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 52 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 52 من القراءة، و المرسل في كتب الحديث هو محمد بن أبي حمزة.

234

الاجتزاء بما لا يسمعه عما يجب إسماعه نفسه للضرورة أيضا و لا يلزم فيها سقوط القراءة لأن الميسور لا يسقط بالمعسور (1) انتهى.

الفصل الخامس في الركوع

و هو لغة الانحناء، يقال ركع الشيخ اي انحنى من الكبر، و في الشرع انحناء مخصوص، قال في القاموس ركع المصلي ركعة و ركعتين و ثلاث ركعات محركة: صلى، و الشيخ انحنى كبرا أو كبا على وجهه و افتقر بعد غنى و انحطت حاله، و كل شيء يخفض رأسه فهو راكع، و الركوع في الصلاة ان يخفض رأسه بعد قومة القراءة حتى ينال راحتاه ركبتيه. انتهى.

و وجوبه ثابت بالنص و الإجماع في كل ركعة مرة إلا في صلاة الآيات كما سيجيء ان شاء اللّٰه تعالى في محله، و قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه ركن تبطل الصلاة بتركه عمدا و سهوا و كذا زيادته إلا ما استثنى.

[الأخبار الواردة في المقام]

و من الأخبار الدالة على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان اللّٰه فرض من الصلاة الركوع و السجود ألا ترى لو ان رجلا دخل في الإسلام لا يحسن ان يقرأ القرآن أجزأه ان يكبر و يسبح و يصلي؟».

و في الصحيح عن رفاعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل ينسى ان يركع حتى يسجد و يقوم؟ قال يستقبل».

و عن إسحاق بن عمار في الصحيح (4) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يركع؟ قال يستقبل حتى يضع كل شيء من ذلك موضعه».

____________

(1) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على «ع».

(2) الوسائل الباب 3 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 10 من الركوع.

235

و عن أبي بصير (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع؟ قال عليه الإعادة».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا أيقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «ان اللّٰه فرض الركوع و السجود.».

و روى الشيخ في الصحيح بإسناده عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «ان اللّٰه فرض من الصلاة الركوع و السجود. الحديث».

و روى الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (6) قال:

«ان اللّٰه فرض الركوع و السجود و القراءة سنة. الحديث».

و عن زرارة (7) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الفرض في الصلاة فقال الوقت و الطهور و القبلة و التوجه و الركوع و السجود و الدعاء. قلت ما سوى ذلك؟

قال سنة في فريضة».

و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) (8) في حديث «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول ان أول صلاة أحدكم الركوع

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 9 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 9 من الركوع.

(5) الوسائل الباب 9 من الركوع.

(6) الوسائل الباب 9 من الركوع.

(7) الوسائل الباب 9 من الركوع.

(8) الوسائل الباب 9 من الركوع، و الموجود في التهذيب ج 1 ص 161 هكذا «و كان يقول- يعني أمير المؤمنين «ع»- أول صلاة أحدكم الركوع» من دون اضافة السجود و لا سؤال آخر، و كذا في الوافي و الوسائل.

236

و السجود. قيل هل نزل في القرآن؟ قال نعم قول اللّٰه عز و جل: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا» (1).

و عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ قال نعم قول اللّٰه عز و جل: يا ايها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا (3). الخبر».

أقول: و هذان الخبران ظاهران في وجود الحقائق الشرعية ردا على من أنكر ذلك.

و القول بركنية الركوع في الصلاة في كل ركعة هو المشهور و ذهب الشيخ في المبسوط إلى انه ركن في الأوليين و في ثالثة المغرب دون غيرها، و سيجيء ان شاء اللّٰه تعالى تحقيق البحث في المسألة في محلها.

ثم انه لا يخفى ان الركوع يشتمل على الواجب و المستحب فتحقيق الكلام فيه حينئذ يحتاج إلى بسطه في مقامين:

[المقام] (الأول) في الواجب

و الواجب فيه أمور

(الأول) الانحناء بقدر ما تصل يداه ركبتيه

و يمكن وضعهما على الركبتين، اما وجوب الانحناء فلا شك فيه لأن الركوع كما عرفت عبارة عن الانحناء لغة و شرعا فما لم يحصل الانحناء لا يصدق الإتيان بالركوع.

و اما التحديد بما ذكر فقد نقل الفاضلان في المعتبر و المنتهى و الشهيدان عليه إجماع العلماء كافة إلا من أبي حنيفة (4) و استدلوا على ذلك بوجوه:

(أحدهما) ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يركع كذلك فيجب التأسي به.

و (ثانيها)-

صحيحة حماد المتقدمة في أول الباب (5) و قوله فيها: «ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات و رد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صب

____________

(1) سورة الحج، الآية 76.

(2) الوسائل الباب 5 و 9 من الركوع.

(3) سورة الحج، الآية 76.

(4) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 231 «عند الحنفية يحصل الركوع بطأطأة الرأس بان ينحني انحناء يكون إلى حال الركوع أقرب».

(5) ص 2، و ليس في كتب الحديث «ثلاث مرات» بعد ذكر الركوع.

237

عليه قطرة من ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره، و مد عنقه و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال سبحان ربي العظيم و بحمده (ثلاث مرات). الحديث».

و (ثالثها)-

صحيحة زرارة المتقدمة ثمة أيضا (1) حيث قال (عليه السلام) فيها «و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتيك اليمنى قبل اليسرى و بلع بأطراف أصابعك عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك، فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينها، و أقم صلبك و مد عنقك و ليكن نظرك إلى ما بين قدميك».

قال في المدارك: و هذان الخبران أحسن ما وصل إلينا في هذا الباب.

و نقل المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى عن معاوية بن عمار و ابن مسلم و الحلبي (2) قالوا: «و بلع بأطراف أصابعك عين الركبة فإن وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحب ان تمكن كفيك من ركبتيك فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا».

و الظاهر ان هذه الرواية قد نقلها المحقق من الأصول التي عنده و لم تصل إلينا إلا منه (قدس سره) و كفى به ناقلا.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا خلاف بين الأصحاب في ما اعلم انه لا يجب وضع اليدين على الركبتين و قد نقلوا الإجماع على ذلك، و انما المعتبر وصولهما بحيث لو أراد الوضع لوضعهما و الوضع انما هو مستحب.

و انما الخلاف في القدر المعتبر في الوصول من اليد، فالمشهور على ما ذكره شيخنا في البحار ان الانحناء إلى ان تصل الأصابع إلى الركبتين هو الواجب و الزائد مستحب و قال الشهيد في البيان الأقرب وجوب انحناء تبلغ معه الكفان ركبتيه و لا يكفي بلوغ أطراف الأصابع و في رواية «بكفي». و بذلك صرح الشهيد الثاني في الروض و الروضة

____________

(1) ص 3، و كلمة (بلع) بالعين المهملة كما في الوافي باب الركوع.

(2) المعتبر ص 179 و المنتهى ج 1 ص 281.

238

و المحقق الشيخ علي، و ظاهر عبارة المعتبر وصول الكفين إلى الركبتين، و في عبارة العلامة في التذكرة وصول الراحتين و ادعيا عليه الإجماع إلا من أبي حنيفة (1) و في المنتهى تبلغ يداه إلى ركبتيه، و نحوها عبارة الشهيد في الذكرى، و هو ظاهر في الاكتفاء بوصول جزء من اليد. و يمكن حمل عبارة المعتبر و التذكرة على المسامحة في التعبير لأنه في المعتبر قد استدل- كما عرفت- بالرواية المنقولة عن الثلاثة المتقدمين و هي صريحة في الاكتفاء بوصول رؤوس الأصابع، و كذلك صحيحة زرارة المتقدمة هنا لقوله: «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك» و بذلك يظهر لك ما في كلام المشايخ الثلاثة المتقدم ذكرهم من ان وصول شيء من رؤوس الأصابع إلى الركبتين غير كاف قال في الروض بعد نقل قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة «و تمكن راحتيك من ركبتيك». و المراد بالراحة الكف و منها الأصابع، و يتحقق بوصول جزء من باطن كل منهما لا برءوس الأصابع. انتهى. و فيه ان سياق عبارة الرواية ينادي بان ما استند اليه هنا انما هو على جهة الأفضلية لا انه الواجب الذي لا يجزئ ما سواه لتصريحه في الرواية بما ذكرناه أولا ثم قال بعده: «و أحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك» و بذلك يظهر ان ما ذكره ناشىء عن الغفلة عن مراجعة الخبر.

بقي هنا شيء و هو ان المحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة ادعيا الإجماع إلا من أبي حنيفة (2) على ما ذكراه من وصول الكفين أو الراحتين إلى الركبة، و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى ادعيا الإجماع على ما ذكراه من وصول اليد الصادق بوصول رؤوس الأصابع إلى الركبة، و التدافع في نقل هذا الإجماع ظاهر من الكلامين فلا بد من حمل احدى العبارتين على التساهل في التعبير و إرجاعها إلى العبارة الثانية، و نحن قد أشرنا إلى ان التجوز و التساهل قد وقع في عبارتي المعتبر و التذكرة لما ذكرناه

____________

(1) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 231 «عند الحنفية يحصل الركوع بطأطأة الرأس بان ينحني انحناء يكون إلى حال الركوع أقرب».

(2) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 231 «عند الحنفية يحصل الركوع بطأطأة الرأس بان ينحني انحناء يكون إلى حال الركوع أقرب».

239

من استدلال المحقق على ما ذكره بالرواية المنقولة عن الرواة الثلاثة المتقدمين و هي صريحة في خلاف ظاهر كلامه و نحوه صحيحة زرارة كما عرفت، فلو لم يحمل كلامه على ما ذكرناه لم يتم استدلاله بالخبر المذكور.

و الفاضل الخراساني في الذخيرة مال إلى ان التجوز و المسامحة في عبارتي المنتهى و الذكرى فيجب إرجاعهما إلى عبارتي المعتبر و التذكرة مستندا إلى ان الذي يقع في الخاطر من وضع اليد وصول شيء من الراحة، و تشعر بذلك الأدلة التي في الكتابين سيما الذكرى، فإنه قال فيه بعد نقل قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة «و تمكن راحتيك من ركبتيك» و هو دليل على الانحناء هذا القدر لأن الإجماع على عدم وجوب وضع الراحتين. فاذن لا معدل عن العمل بما ذكره المدققان لتوقف البراءة اليقينية عليه، و لا تعويل على ظاهر الخبر إذا خالف فتاوى الفرقة. انتهى.

و فيه (أولا) انك قد عرفت صراحة الروايتين المتقدمتين في الاكتفاء ببلوغ رؤوس الأصابع، و يؤكده تصريحه (عليه السلام) في صحيحة زرارة بالأفضلية في وضع الكفين بقوله «و أحب الي» و الواجب هو العمل بالأخبار لا بالأقوال العارية عن الأدلة و ان ادعى فيها الإجماع.

و (ثانيا)- ما ذكره- من ان الذي يقع في الخاطر من وضع اليد وصول شيء من الراحة- فإنه ممكن لو كان عبارة المنتهى و الذكرى كما ذكره من وضع اليد و الذي فيهما انما هو «الى ان تبلغ اليد» و الفرق بين العبارتين ظاهر فان بلوغ اليد يصدق ببلوغ رؤوس الأصابع.

و (ثالثا)- ان استدلال الشهيد في الذكرى بما ذكره من صحيحة زرارة و قوله:

«و هو دليل على الانحناء هذا القدر» انما وقع في مقام الاستدلال على أصل الانحناء ردا على أبي حنيفة و إلا فالرواية المذكورة صريحة كما عرفت في ان هذه الكيفية انما هي على جهة الفضل و الاستحباب.

240

و (رابعا)- ما ذكره من رد الخبر إذا خالف فتاوى الفرقة انما يتم مع الإغماض عما فيه إذا ثبت هنا إجماع على ما يدعيه، و هو لم ينقل إلا عبارتي المعتبر و التذكرة خاصة مع مخالفة ظاهر عبارتي المنتهى و الذكرى لذلك، فأين فتاوى الفرقة التي ينوه بها و الحال كما ترى؟ على انك قد عرفت مما قدمنا نقله عن شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار ان المشهور انما هو ما اخترناه من الاكتفاء برءوس الأصابع، ما هذه إلا مجازفات محضة و دعاوي صرفة.

و (خامسا)- ان الشهيد الثاني و ان صرح بما ذكره في الروض و الروضة إلا انه قد صرح بما ذكرناه في المسالك، حيث قال: و الظاهر الاكتفاء ببلوغ الأصابع، و في حديث زرارة المعتبر «فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك و أحب إلى ان تمكن كفيك» انتهى. و هو عدول عما ذكره في الروض و الروضة و لا شك ان كلامه هنا هو المؤيد بالدليل كما عرفت. و كيف كان فالاحتياط في الانحناء إلى وصول الكف و الراحة.

ثم لا يخفى ان ظاهر اخبار المسألة هو الوضع لا مجرد الانحناء بحيث لو أراد لوضع و ان الوضع مستحب كما هو المشهور في كلامهم و الدائر على رؤوس أقلامهم، فإن هذه الأخبار و نحوها ظاهرة في خلافه و لا مخصص لهذه الأخبار إلا ما يدعونه من الإجماع على عدم وجوب الوضع.

فوائد

(الأولى)

- اعتبار مقدار وصول اليد إلى الركبتين بالانحناء احتراز عن الوصول بغير انحناء، فإنه لا يكفي في صدق الركوع و لا يسمى ركوعا كالانخناس بان يخرج ركبتيه و هو مائل منتصب فإنه لا يجزئه، و كذا لو جمع بين الانحناء و الانخناس بحيث لو لا الانخناس لم تبلغ اليدان لم يجزئ.

241

(الثانية)

- الراكع خلقة يستحب ان يزيد الانحناء يسيرا ليفرق بين قيامه و ركوعه، قاله الشيخ و اختاره في المعتبر لأن ذلك حد الركوع فلا يلزم الزيادة عليه، و اليه مال في المدارك. و جزم المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه بالوجوب ليكون فارقا بين حالة القيام و حالة الركوع فان المعهود افتراقهما. و رد بمنع وجوب الفرق على العاجز. و المسألة خالية من النص و الاحتياط فيها مطلوب بالإتيان بانحناء يسير.

(الثالثة)

- يجب ان يقصد بهويه الركوع، فلو هوى لسجدة العزيمة في النافلة أو هوي لقتل حية أو لقضاء حاجة- فلما انتهى إلى حد الراكع أراد ان يجعله ركوعا و كذا لو هوى للسجود ساهيا فلما وصل إلى قوس الركوع ذكر فأراد أن يجعله ركوعا- فإنه لا يجزئ و يجب عليه الرجوع و الانتصاب ثم الهوى بقصد الركوع

فإن الأعمال بالنيات (1).

كما تقدم تحقيقه في مبحث نية الوضوء من كتاب الطهارة. و لا يلزم من ذلك زيادة ركوع لأن الأول ليس بركوع. و الظاهر انه لا خلاف في الحكم المذكور.

(الرابعة)

- لو تعذر الانحناء للركوع اتى بالمقدور،

و لا يسقط الميسور بالمعسور (2).

و «لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا» (3) و لو أمكن إيصال إحدى اليدين دون الأخرى لعارض في إحدى الشقين وجب خاصة. و لو امكنه الانحناء إلى أحد الجانبين فظاهر المبسوط الوجوب. و لو افتقر إلى ما يعتمد عليه في الانحناء وجب و لو تعذر ذلك أجزأ الإيماء برأسه،

لما رواه الشيخ عن إبراهيم الكرخي (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء و لا يمكنه الركوع و السجود؟ فقال ليومئ برأسه إيماء و ان كان له من يرفع الخمرة إليه فليسجد فان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه نحو القبلة إيماء».

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

(2) عوائد النراقي ص 88 و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن على «ع».

(3) سورة البقرة، الآية 286.

(4) الوسائل الباب 1 من القيام و 20 من السجود.

242

(الخامسة)

- لو كانت يداه في الطول بحيث تبلغ ركبتيه من غير انحناء- أو قصيرتين بحيث لا تبلغ مع الانحناء، و نحوهما المقطوعتان- انحنى كما ينحني مستوي الخلقة حملا لألفاظ النصوص على ما هو الغالب المتكرر كما عرفت في غير موضع.

(السادسة)

- لو لم يضع يديه على ركبتيه و شك بعد انتصابه هل أكمل الانحناء أم لا؟ احتمالان ذكرهما العلامة و الشهيدان (أحدهما) العود لعموم

رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (1) «في رجل شك و هو قائم فلا يدري أ ركع أم لم يركع قال يركع».

و كذا رواية عمران الحلبي (2) (ثانيهما) العدم لأن الظاهر منه إكمال الركوع، و لأنه في المعنى شك بعد الانتقال. أقول: الظاهر هو الوجه الثاني فإن المتبادر من رواية أبي بصير المذكورة- و كذا

رواية الحلبي و هي ما رواه في الموثق (3) قال: «قلت الرجل يشك و هو قائم فلا يدري أ ركع أم لا؟ قال فليركع».

- انما هو من لم يأت بالانحناء بالكلية و شك في ان قيامه هذا هل هو قيام قبل الركوع و الانحناء فيجب الركوع عنه أو قيام بعده فيجب ان يسجد عنه؟ فإنه يصدق عليه انه شك في المحل فيجب الإتيان بالمشكوك فيه، و اما من انحنى و شك بعد رفعه في بلوغه المقدار الواجب في الانحناء فإنه يدخل تحت قاعدة الشك بعد الدخول في الغير و تجاوز المحل.

(الثاني)- الطمأنينة

بضم الطاء و سكون الهمزة بعد الميم و هي عبارة عن سكون الأعضاء و استقرارها في هيئة الراكع بقدر الذكر الواجب في الركوع، و وجوبها بهذا القدر مما لا خلاف فيه و نقل الإجماع عليه الفاضلان و غيرهما، و انما الخلاف في الركنية فذهب الشيخ في الخلاف إلى انها ركن، و المشهور العدم و هو الأصح لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى من عدم بطلان الصلاة بتركها سهوا.

و الأصحاب لم يذكروا هنا دليلا على الحكم المذكور من الأخبار و ظاهرهم انحصار الدليل في الإجماع، مع انه

قد روى ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الركوع. و الرواية رقم (2) هي رقم (3).

(2) الوسائل الباب 12 من الركوع. و الرواية رقم (2) هي رقم (3).

(3) الوسائل الباب 12 من الركوع. و الرواية رقم (2) هي رقم (3).

243

أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال (صلى اللّٰه عليه و آله) نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتن على غير ديني».

و رواه البرقي في المحاسن عن ابن فضال عن عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة نحوه (2).

و في الذكرى يجب الركوع بالإجماع و لقوله تعالى «وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ»

و لما روى (3) «ان رجلا دخل المسجد و رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جالس في ناحية المسجد فصلى ثم جاء فسلم عليه فقال (صلى اللّٰه عليه و آله) و عليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم جاء فقال له مثل ذلك فقال له الرجل في الثالثة علمني يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».

أقول: و هذا الخبر لم أقف عليه في ما وصل الي من كتب الأخبار حتى كتاب البحار إلا في كتاب الذكرى.

و لو كان مريضا لا يتمكن من الطمأنينة سقطت عنه لأن الضرورات تبيح المحظورات

و ما غلب اللّٰه عليه فهو اولى بالعذر (4).

و الحكم المذكور مما لا خلاف فيه و لا اشكال يعتريه، انما الخلاف في انه لو تمكن من مجاوزة الانحناء أقل الواجب و الابتداء بالذكر عند بلوغ حده و إكماله قبل الخروج منه فهل يجب ذلك؟ قيل نعم استنادا إلى ان الذكر في حال الركوع واجب و الطمأنينة واجب آخر و لا يسقط أحد الواجبين بسقوط الآخر و استحسنه الفاضل الخراساني في الذخيرة و جعله في المدارك اولى. و قيل لا لأصالة العدم و اليه ذهب الشهيد في الذكرى، قال (قدس سره) بعد ذكر الطمأنينة أولا: و يجب

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 3 من الركوع.

(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة عن عوالي اللئالئ مثله.

(4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.

244

كونها بقدر الذكر الواجب لتوقف الواجب عليها، و لا يجزئ عن الطمأنينة مجاوزة الانحناء القدر الواجب ثم العود إلى الرفع مع اتصال الحركات لعدم صدقها حينئذ، نعم لو تعذرت أجزأ زيادة الهوي و يبتدئ بالذكر عند الانتهاء إلى حد الراكع و ينتهي بانتهاء الهوى، و هل يجب هذا الهوى لتحصيل الذكر في حد الراكع؟ الأقرب لا للأصل فحينئذ يتم الذكر رافعا رأسه. انتهى. و المسألة لعدم النص محل اشكال و الاحتياط يقتضي الإتيان بما ذكروه من الكيفية المذكورة و ان لم يقم دليل واضح على الوجوب.

و لو اتى بالذكر من دون الهوى أو رفع قبل إكماله فظاهر الشهيد الثاني في الروض بطلان صلاته ان كان عامدا قال لتحقق النهي، و ان كان ناسيا استدركه في محله ان أمكن. و ظاهر الشهيد في الدروس و العلامة القول بمساواة العامد للناسي إذا استدركه في محله، قال في الروض و ليس بجيد. و يتحقق التدارك في الأول بالهوى ثم الإتيان بالذكر و في الثاني بالإتيان به مطمئنا قبل الخروج عن حد الراكع.

(الثالث)- رفع الرأس منه حتى يقوم منتصبا

فلا يجوز ان يهوى للسجود قبل الانتصاب إلا لعذر.

و يدل عليه جملة من الأخبار

ففي صحيحة حماد (1) بعد ذكر الركوع قال: «ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّٰه لمن حمده. الحديث».

و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا رفعت رأسك من الركوع فأقم صلبك فإنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه».

و مثلها روايته الأخرى (3)

و في كتاب الفقه الرضوي (4) «و إذا رفعت رأسك من الركوع فانتصب قائما حتى ترجع مفاصلك كلها إلى المكان ثم اسجد».

(الرابع)- الطمأنينة قائما

و لا حد لها بل يكفي مسماها و هو ما يحصل به الاستقرار و السكون، و لا خلاف في وجوبها بل نقل عليه الإجماع جمع منهم.

____________

(1) ص 2.

(2) الوسائل الباب 16 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 16 من القراءة.

(4) ص 7.

245

و ذهب الشيخ هنا إلى الركنية أيضا، ورد

بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».

و الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب انه لا فرق في ذلك بين الفريضة و النافلة و نقل جمع من الأصحاب عن العلامة في النهاية القول بأنه لو ترك الاعتدال في الرفع من الركوع أو السجود في صلاة النفل عمدا لم تبطل صلاته لانه ليس ركنا في الفرض فكذا في النفل. و هو ضعيف مردود بان جميع ما يجب في الفريضة فهو شرط في صحة النافلة فلا معنى للتخصيص بهذا الموضع، إلا ان يمنع وجوبه في الفريضة و هو لا يقول به بل صرح في جميع كتبه بخلافه. نعم خرج من ذلك السورة على القول بوجوبها في الفريضة بدليل خاص و غيرها يحتاج إلى دليل أيضا و ليس فليس. و قوله- انه ليس ركنا. إلخ- كلام مزيف لا معنى له عند المحصل.

(الخامس)- التسبيح

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين (أحدهما) انه هل الواجب في حال الركوع و السجود هو التسبيح خاصة أو يجزئ مطلق الذكر؟

قولان مشهوران (الثاني) انه على تقدير القول الأول من تعين التسبيح فقد اختلفوا في الصيغة الواجبة منه على أقوال، و نحن نبسط الكلام في المقامين بنقل الأخبار و الأقوال و ما سنح لنا من المقال في هذا المجال بتوفيق الملك المتعال و بركة الآل (عليهم صلوات ذي الجلال):

(الموضع الأول) [الواجب في الركوع و السجود هل هو مطلق الذكر أو يتعين التسبيح؟]

- اعلم انه قد اختلف الأصحاب في ان الواجب في الركوع و السجود هل هو مطلق الذكر أو يتعين التسبيح؟ قولان: و الأول منهما مذهب الشيخ في المبسوط و الجمل و الحلبيين الأربعة، و اليه ذهب جملة من المتأخرين: منهم- شيخنا الشهيد الثاني و سبطه في المدارك و غيرهما. و الثاني مذهب الشيخ في باقي كتبه و الشيخ المفيد و المرتضى و ابني بابويه و أبي الصلاح و ابن البراج و سلار و ابن حمزة و ابن الجنيد، و ادعى

____________

(1) الوسائل الباب 29 من القراءة و 10 من الركوع.

246

عليه السيد المرتضى في الانتصار و الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية الإجماع. و الظاهر انه المشهور بين المتقدمين و نسبه في الذكرى إلى المعظم. و للشيخ في النهاية قول آخر يؤذن بكونه ثالثا في المسألة حيث يجوز ان يقال بعد التسبيح في الفريضة «لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» مع انه قال فيه: و التسبيح في الركوع فريضة من تركه عمدا فلا صلاة له.

و الذي يدل على الأول من الأخبار

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في كتابيهما عن هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته يجزئ عني ان أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود: لا إله إلا اللّٰه و الحمد للّٰه و اللّٰه أكبر؟ قال نعم كل هذا ذكر اللّٰه».

و لفظ «و الحمد للّٰه» ليس في رواية الكافي و انما هو في التهذيب.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له يجزئ أن أقول مكان التسبيح في الركوع و السجود:

لا إله إلا اللّٰه و الحمد للّٰه و اللّٰه أكبر؟ قال نعم كل هذا ذكر اللّٰه».

و رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن الحكم (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ما من كلمة أخف على اللسان منها و لا أبلغ من «سبحان اللّٰه». قال قلت يجزئني في الركوع و السجودان أقول مكان التسبيح: لا إله إلا اللّٰه و الحمد للّٰه و اللّٰه أكبر؟ قال نعم كل ذا ذكر اللّٰه».

و روى هذا الخبر ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب عن احمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم نحوه (4) و أيد هذا القول في المدارك

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي نجران عن مسمع ابي سيار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «يجزئك من القول في الركوع و السجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا و ليس له و لا كرامة أن يقول

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الركوع. و «كل هذا ذكر اللّٰه» في الرقم 1 ليس في الكافي.

(2) الوسائل الباب 7 من الركوع. و «كل هذا ذكر اللّٰه» في الرقم 1 ليس في الكافي.

(3) الفروع ج 1 ص 91 و في الوسائل الباب 7 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 7 من الركوع. و «كل هذا ذكر اللّٰه» في الرقم 1 ليس في الكافي.

(5) الوسائل الباب 5 من الركوع.

247

سبح سبح سبح».

و الظاهر ان عده هذه الرواية من المؤيدات دون ان تكون دليلا اما من حيث ان الراوي لها مسمع أبي سيار و هو يطعن في حديثه في مواضع من شرحه و ان عده حسنا تارة و صحيحا أخرى في مواضع أخر و لهذا وصف الحديث بالصحة إلى عبد الرحمن ابن أبي نجران مؤذنا بانتهاء صحة الحديث اليه، و يحتمل ان يكون من حيث إجمال متنها بقوله «أو قدرهن» لاحتمال ان يكون قدرهن من الذكر، و يحتمل ان يكون قدرهن من تسبيحة واحدة كبرى.

و مثلها

حسنة أخرى لمسمع أيضا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«لا يجزئ الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن».

هذا ما يتعلق من الأخبار بالقول المذكور.

و اما ما يدل على القول الآخر فروايات عديدة تأتي ان شاء اللّٰه تعالى في المقام الآتي و الذي يظهر لي في وجه الجمع بين اخبار القولين على وجه يندفع به التنافي في البين ان يقال ان المفهوم من الأخبار ان التسبيح هو الأصل و الذكر وقع رخصة كما يشير اليه هنا ما تقدم في اخبار الهشامين من قولهما «يجزئ ان يقول مكان التسبيح» و حينئذ فتحمل روايات التسبيح على الأفضلية و روايات الذكر على الرخصة و الاجزاء، و هذا كما في غسل الجنابة ترتيبا و ارتماسا فإن الأصل فيه هو الأول و هو الذي استفاضت به الأخبار و عليه عمل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته الاطهار و الثاني ورد في خبرين رخصة كما أشرنا إلى ذلك ثمة. و لعله على هذا بنى الشيخ (قدس سره) في عبارته في النهاية حيث صرح بأن الفريضة التسبيح مع قوله بجواز إبداله بالذكر المذكور في كلامه، و بذلك يندفع ما أورده عليه المتأخرون من التناقض في كلامه. و لم أقف للقائلين بتعين التسبيح على جواب عن هذه الروايات الدالة على الاجتزاء بمطلق الذكر و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل الباب 5 من الركوع.

248

(الموضع الثاني) [الواجب من التسبيح على القول بتعينه]

- اعلم انه قد اختلف أصحاب القول بتعين التسبيح في ما يجب منه على أقوال: (أحدها) القول بجواز التسبيح مطلقا و هو منقول عن السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) و (ثانيها) وجوب تسبيحة واحدة كبرى و هي «سبحان ربي العظيم و بحمده» و هو قول الشيخ في النهاية. و (ثالثها) تسبيحة واحدة كبرى أو ثلاث صغريات و هي «سبحان اللّٰه» ثلاثا، و نقل عن ظاهر ابني بابويه و هو ظاهر التهذيب كما ذكره في المدارك. و (رابعها) وجوب ثلاث مرات على المختار و واحدة على المضطر، و هو منقول عن أبي الصلاح، و نقل عنه في المختلف انه قال أفضله «سبحان ربي العظيم و بحمده» و يجوز «سبحان اللّٰه» و هو ظاهر في تخيير المختار بين ثلاث صغريات أو كبريات و (خامسها) وجوب ثلاث تسبيحات كبريات، نسبه العلامة في التذكرة إلى بعض علمائنا. هذا ما وقفت عليه من الأقوال في المسألة.

و اما الأخبار الجارية في هذا المضمار (فأحدها)

ما رواه الشيخ في التهذيب عن هشام ابن سالم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع و السجود فقال تقول في الركوع «سبحان ربي العظيم» و في السجود «سبحان ربي الأعلى» الفريضة من ذلك تسبيحة و السنة ثلاث و الفضل في سبع».

الثاني-

ما رواه عن عقبة بن عامر الجهني (2) قال: «لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (3) قال لنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» (4) قال لنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اجعلوها في سجودكم».

الثالث-

ما رواه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «قلت له ما يجزئ من القول في الركوع و السجود؟ فقال ثلاث تسبيحات في

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 21 من الركوع.

(3) سورة الواقعة، الآية 73.

(4) سورة الأعلى، الآية 1.

(5) الوسائل الباب 4 من الركوع.

249

في ترسل و واحدة تامة تجزئ».

الرابع-

ما رواه عن علي بن يقطين في الصحيح عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الركوع و السجود كم يجزئ فيه من التسبيح؟ فقال ثلاثة و تجزئك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض».

قال في الوافي الظاهر ان المراد بالتسبيح «سبحان اللّٰه» و يحتمل التام. و لعل السر في اشتراط إمكان الجبهة من الأرض في الاجتزاء بالواحدة تعجيل أكثر الناس في ركوعهم و سجودهم و عدم صبرهم على اللبث و المكث فمن اتى منهم بواحدة فربما يصدر منه بعضها في الهوى أو الرفع، فلا بد لمن هذه صفته أن يأتي بالثلاث ليتحقق لبثه بمقدار واحدة.

الخامس-

ما رواه عن الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه الحسين بن علي بن يقطين في الصحيح عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يسجد كم يجزئه من التسبيح في ركوعه و سجوده؟ فقال ثلاث و تجزئه واحدة».

السادس-

ما رواه عن مسمع في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«يجزئك من القول. الخبر».

و قد تقدم في المقام الأول (3).

السابع-

ما رواه عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن. الخبر و قد تقدم، إلى ان قال فقلت كيف حد الركوع و السجود؟ فقال اما ما يجزئك من الركوع فثلاث تسبيحات تقول سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه (ثلاثا). الحديث».

و يأتي ان شاء اللّٰه تعالى.

الثامن-

ما رواه عن معاوية بن عمار في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أخف ما يكون من التسبيح في الصلاة قال ثلاث تسبيحات مترسلا تقول سبحان

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 4 من الركوع.

(3) ص 246.

(4) الوسائل الباب 5 من الركوع.

(5) الوسائل الباب 5 من الركوع.

250

اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه».

التاسع-

ما رواه عن مسمع في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«لا يجزئ الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن».

العاشر-

ما رواه عن أبي بصير (2) قال: «سألته عن ادنى ما يجزئ من التسبيح في الركوع و السجود؟ فقال ثلاث تسبيحات».

الحادي عشر-

ما رواه عن أبي بكر الحضرمي (3) قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «أ تدري أي شيء حد الركوع و السجود؟ قلت لا. قال تسبيح في الركوع ثلاث مرات «سبحان ربي العظيم و بحمده» و في السجود «سبحان ربي الأعلى و بحمده» ثلاث مرات، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته و من نقص ثنتين نقص ثلثي صلاته و من لم يسبح فلا صلاة له».

الثاني عشر-

ما رواه عن ابان بن تغلب في الصحيح (4) قال: «دخلت على ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو يصلي فعددت له في الركوع و السجود ستين تسبيحة».

الثالث عشر-

ما رواه عن حمزة بن حمران و الحسن بن زياد (5)، قالا «دخلنا على ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) و عنده قوم فصلى بهم العصر و قد كنا صلينا فعددنا له في ركوعه «سبحان ربى العظيم» أربعا أو ثلاثا و ثلاثين مرة. و قال أحدهما في حديثه «و بحمده» في الركوع و السجود».

الرابع عشر-

ما رواه في كتاب العلل بسنده عن هشام بن الحكم عن ابى الحسن

____________

(1) الوسائل الباب 5 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 5 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 4 من الركوع و ما ذكره في المتن لفظ الكافي كما في نفس الباب من الوسائل و في ج 1 من الفروع ص 91 و اما لفظ التهذيب ج 1 ص 156 فهو هكذا

«قلت لأبي جعفر «ع» أي شيء حد الركوع و السجود؟ قال تقول: سبحان ربى العظيم و بحمده «ثلاثا» في الركوع، و سبحان ربي الأعلى و بحمده «ثلاثا» في السجود فمن نقص.

الحديث».

(4) الوسائل الباب 6 من الركوع.

(5) الوسائل الباب 6 من الركوع.

251

موسى (عليه السلام) (1) قال: «قلت لأي علة يقال في الركوع «سبحان ربي العظيم و بحمده» و يقال في السجود «سبحان ربي الأعلى و بحمده»؟ قال يا هشام ان اللّٰه تبارك و تعالى لما اسرى بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و كان من ربه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجابا من حجبه فكبر رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبعا حتى رفع له سبع حجب فلما ذكر ما رأى من عظمة اللّٰه ارتعدت فرائصه فابترك على ركبتيه و أخذ يقول «سبحان ربي العظيم و بحمده» فلما اعتدل من ركوعه قائما و نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خر على وجهه و جعل يقول «سبحان ربي الأعلى و بحمده» فلما قال سبع مرات سكن ذلك الرعب فلذلك جرت به السنة».

الخامس عشر-

ما رواه إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات عن عباية (2) قال: «كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) الى محمد بن أبي بكر انظر ركوعك و سجودك فإن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان أتم الناس صلاة و احفظهم لها و كان إذا ركع قال:

«سبحان ربي العظيم و بحمده» ثلاث مرات، و إذا رفع صلبه قال: سمع اللّٰه لمن حمده اللهم لك الحمد ملء سماواتك و ملء أرضيك و ملء ما شئت من شيء، فإذا سجد قال:

«سبحان ربي الأعلى و بحمده» ثلاث مرات».

السادس عشر-

ما رواه الصدوق في كتاب الهداية مرسلا (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام) سبح في ركوعك ثلاثا: تقول «سبحان ربي العظيم و بحمده» ثلاث مرات، و في السجود «سبحان ربي الأعلى و بحمده» ثلاث مرات، فان اللّٰه عز و جل لما انزل على نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» (4).

قال النبي (صلى

____________

(1) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام و 21 من الركوع.

(2) مستدرك الوسائل الباب 13 و 16 من الركوع.

(3) مستدرك الوسائل الباب 16 و 4 من الركوع.

(4) سورة الواقعة، الآية 73.

252

اللّٰه عليه و آله) اجعلوها في ركوعكم فلما انزل اللّٰه «سبح اسم ربك الأعلى» (1) قال اجعلوها في سجودكم، فان قلت سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه أجزأك، و تسبيحة واحدة تجزئ للمعتل و المريض و المستعجل».

السابع عشر-

ما رواه في كتاب العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم (2) قال: «سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قوله: سبحان ربي العظيم و بحمده. الحديث».

الثامن عشر-

ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (3) قال: «فإذا ركعت فمد ظهرك و لا تنكس رأسك و قل في ركوعك بعد التكبير: اللهم لك ركعت. ثم ساق الدعاء إلى ان قال بعد تمامه: سبحان ربي العظيم و بحمده، ثم ساق الكلام في السجود كذلك إلى ان قال: سبحان ربي الأعلى و بحمده».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر ان مستند القول الأول و هو القول بجواز التسبيح مطلقا هو العمل بأخبار المسألة كملا و الاكتفاء بكل ما ورد، و مرجعه إلى التخيير بين جملة الصور الواردة في الأخبار، إلا ان ظاهره الاكتفاء و لو بتسبيحة صغرى لصدق التسبيح بها مع دلالة جملة من الأخبار على ان ادنى ما يجزئ ثلاث صغريات.

و هذا القول قد اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة و استدل عليه بالرواية الرابعة و الخامسة فإنهما دالتان على جواز الاكتفاء بواحدة و يحمل الأخبار المعارضة لهما على الاستحباب جمعا بين الأدلة. و أراد بالأخبار المعارضة ما دل على ان أقل المجزئ ثلاث صغريات كالرواية السابعة و الثامنة و التاسعة و العاشرة.

و فيه ان الروايتين اللتين استند إليهما غير صريحتين بل و لا ظاهرتين في ما ادعاه لجواز ان يكون المراد بالواحدة تسبيحة كبرى، و مرجعه إلى التخيير بين ثلاث

____________

(1) سورة الأعلى، الآية 1.

(2) مستدرك الوسائل باب نوادر ما يتعلق بأبواب الركوع.

(3) ص 8.

253

صغريات و واحدة كبرى، فان جعل كل منهما في قالب الإجزاء يقتضي كونهما في مرتبة واحدة، و يشير إلى ما ذكرناه ما قدمناه من كلام صاحب الوافي، و يعضد ما ذكرناه الخبر الثالث حيث انه جعل المجزئ ثلاث تسبيحات في ترسل و واحدة تامة و المراد ثلاث صغريات بتأن و تثبت أو واحدة تامة كبرى. نعم قد ورد في الخبر السادس عشر ما يدل على الاكتفاء بواحدة صغرى للمعتل و المريض و المستعجل. و بذلك يظهر لك ان القول المذكور لا مستند له من الأخبار.

و اما القول الثاني فاستدل عليه في المدارك بالخبر الأول. و فيه ان الخبر ليس فيه «و بحمده» كما هو المذكور في كلام الشيخ (قدس سره) فلا ينطبق على تمام المدعى إلا بتكلف. و الأظهر الاستدلال عليه بالخبر الحادي عشر- و لا ينافيه نقص الصلاة بنقص واحدة أو اثنتين إذ المراد نقص ثوابها- و الخبر الرابع عشر و الخامس عشر و السابع عشر و الثامن عشر و كذا حديث حماد بن عيسى المتقدم في أول الباب (1).

و اما القول الثالث فاستدل عليه في المدارك بالخبر الثالث و الخبر الثامن. و فيه ان الثاني لا دلالة فيه على تمام المدعى، فان القول المذكور مشتمل على التخيير بين واحدة كبرى و ثلاث صغريات و الرواية إنما اشتملت على ثلاث تسبيحات صغريات.

و كونها أخف ما يقال في التسبيح لا يستلزم خصوصية كون الفرد الآخر تسبيحة كبرى كما لا يخفى، و الدليل انما هو الأول. و يدل عليه أيضا الحديث الرابع و الخامس بالتقريب الذي قدمناه ذكره من حملهما على ما دل عليه الخبر الثالث.

و اما القول الرابع فاستدل عليه في المدارك بالخبر الحادي عشر. و فيه (أولا) ان الخبر المذكور غير منطبق على القول المشار اليه بكلا طرفيه إذ لا تصريح في الخبر المذكور بحكم المضطر. و (ثانيا) ان ظاهر القول المذكور وجوب الثلاث و الخبر المذكور لا دلالة له على ذلك، لان نقصان ثلث الصلاة لمن ترك واحدة و ثلثيها لمن ترك ثنتين انما هو بمعنى نقص

____________

(1) ص 2.

254

ثوابها فغاية ما يفهم منه الفضل و الاستحباب في الإتيان بالزائد على واحدة، و حينئذ فلا يكون منطبقا على القول المذكور.

و الأظهر الاستدلال له بالخبر السادس عشر فإنه مشتمل على حكم المختار و المضطر، و ان المختار مخير بين ثلاث كبريات و ثلاث صغريات حسب ما تقدم نقله عن المختلف في نقله عن ذلك القائل ما يؤذن بالتخيير بين ثلاث كبريات و ثلاث صغريات، و بالجملة فالرواية منطبقة على القول المذكور من جميع جهاته كما لا يخفى فهي الأولى بأن تجعل دليلا له. إلا انها معارضة بالخبر الثالث لدلالته على حصول الواجب بواحدة كبرى و ثلاث صغريات فالواجب حمله على الفضل و الاستحباب، و منه يظهر انه لا دليل للقول المذكور.

و اما القول الخامس فلم أقف له على دليل ظاهر من الأخبار.

بقي الكلام في شيء آخر و هو انه على تقدير القول بمطلق الذكر كما هو أحد القولين أو كون ذلك رخصة و ان كان الأصل انما هو التسبيح كما قدمنا ذكره فاللازم الاكتفاء بتسبيحة واحدة صغرى لحصول الذكر بذلك مع انك قد عرفت من جملة من الأخبار ان أقل المجزئ ثلاث تسبيحات صغريات و الواحدة انما هي لذوي الاعذار.

و هذا الاشكال قد تنبه له في الروض حيث انه اختار الاكتفاء بمطلق الذكر، و أجاب عنه و قال بعد نقل جملة من اخبار القولين: و التحقيق انه لا منافاة بين هذه الأخبار الصحيحة من الجانبين فإن التسبيحة الكبرى و ما يقوم مقامها تعد ذكر اللّٰه فتكون أحد أفراد الواجب التخييري المدلول عليه بالأخبار الأولى، فإنها دلت على اجزاء ذكر اللّٰه و هو أمر كلي يتأدى في ضمن التسبيحة الكبرى و الصغرى المكررة و المتحدة فيجب الجميع تخييرا. و هذا مع كونه موافقا للقواعد الأصولية جمع حسن بين الأخبار فهو اولى من اطراح بعضها أو حملها على التقية و غيرها. نعم

رواية معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1)- حين «سأله عن أخف ما يكون من التسبيح في

____________

(1) الوسائل الباب 5 من الركوع.

255

الصلاة فقال ثلاث تسبيحات مترسلا تقول سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه سبحان اللّٰه».

- قد تأبى هذا الحمل لكن لا صراحة فيها بان ذلك أخف الواجب فيحمل على أخف المندوب فإنه أعم منهما إذ لم يبين فيه الفرد المنسوب إليه الأخفية. انتهى.

و في هذا الحمل الذي ذكره (قدس سره) من البعد ما لا يخفى سيما مع دلالة الخبر التاسع الذي هو نظيره في هذا المعنى على انه لا يجزئ الرجل في صلاته أقل من ثلاث تسبيحات أو قدرهن، و في الخبر العاشر «ادنى ما يجزئ من التسبيح».

و يمكن ان يقال في الجواب عن هذا الاشكال- بناء على ما اخترناه من ان الأصل هو التسبيح و الاكتفاء بمطلق الذكر انما وقع رخصة- ان المستفاد من اخبار التسبيح كما عرفت هو ان الواجب منه انما هو تسبيحة كبرى أو ثلاث صغريات، و حينئذ فيجب التخصيص في اخبار الذكر بما ذكرنا من اخبار التسبيح الدالة على الصورة المذكورة بمعنى انه لا يجزئ من التسبيح أقل مما ذكرنا و كل ما صدق عليه الذكر فإنه يجزئ ما عدي ما نقص من التسبيح عما ذكرنا. هذا أقصى ما يمكن ان يقال.

و العجب هنا ان العلامة في المنتهى قال اتفق الموجبون للتسبيح من علمائنا على ان الواجب من ذلك تسبيحة واحدة تامة كبرى صورتها «سبحان ربي العظيم و بحمده (1)» أو ثلاث صغريات صورتها «سبحان اللّٰه» ثلاثا مع الاختيار، و مع الضرورة تجزئ الواحدة الصغرى لرواية زرارة، و الاجتزاء بالواحدة الكبرى دل عليه

قول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث هشام بن سالم «تقول في الركوع سبحان ربي العظيم، الفريضة.».

ثم ساق الخبر كما تقدم، ثم قال و على قيام الثلاث الصغرى مقامها ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار، ثم ساق الرواية كما تقدمت، ثم قال و الاجتزاء بواحدة صغرى في حال الضرورة مستفاد من الإجماع. انتهى. و لا يخفى ما فيه بعد الإحاطة بما تلوناه عليك فلا ضرورة في الإعادة.

____________

(1) ليس في المنتهى المطبوع «و بحمده» في ذكر الركوع.

256

تذييل جليل [تفسير ذكر الركوع و السمعلة]

قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين: و معنى «سبحان ربي العظيم و بحمده» انزه ربي عن كل ما لا يليق بعز جلاله تنزيها و انا متلبس بحمده على ما وفقني له من تنزيهه و عبادته، كأنه لما أسند التسبيح إلى نفسه خاف ان يكون في هذا الاسناد نوع تبجح بأنه مصدر لهذا الفعل فتدارك ذلك بقوله و انا متلبس بحمده على ان صيرني أهلا لتسبيحه و قابلا لعبادته، على قياس ما قاله جماعة من المفسرين في قوله تعالى حكاية عن الملائكة «و نحن نسبح بحمدك» (1) فسبحان مصدر بمعنى التنزيه كغفران و لا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بفعل مضمر كمعاذ اللّٰه و هو هنا مضاف إلى المفعول و ربما جوز كونه مضافا إلى الفاعل، و الواو في «و بحمده» حالية و ربما جعلت عاطفة.

و «سمع اللّٰه لمن حمده» بمعنى استجاب لكل من حمده، و عدي باللام لتضمنه معنى الإصغاء و الاستجابة، و الظاهر انه دعاء لا مجرد ثناء كما يستفاد

مما رواه المفضل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «قلت له جعلت فداك علمني دعاء جامعا فقال لي احمد اللّٰه فإنه لا يبقى أحد يصلي إلا دعا لك يقول سمع اللّٰه لمن حمده».

، انتهى كلامه زيد إكرامه

(المقام الثاني)- في ما يستحب في الركوع

و هي أمور: (منها)

التكبير له

على المشهور بين الأصحاب، و نقل عن ابن أبي عقيل القول بوجوب تكبير الركوع و السجود و هو اختيار سلار و نقله الشيخ في المبسوط عن بعض أصحابنا، و تردد فيه المحقق في الشرائع ثم استظهر الندب.

قال في المدارك: منشأ التردد من ورود الأمر به في عدة اخبار

كقول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (3) «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب

____________

(1) سورة البقرة، الآية 28.

(2) الوسائل الباب 17 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 1 من الركوع.

257

اللّٰه أكبر ثم اركع».

و في صحيحة أخرى له عنه (عليه السلام) (1) «ثم تكبر و تركع».

و من أصالة البراءة من الوجوب، و اشتمال ما فيه ذلك الأمر على كثير من المستحبات،

و موثقة أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ادنى ما يجزئ من التكبير في الصلاة؟ قال تكبيرة واحدة».

و المسألة محل إشكال إلا ان المعروف من مذهب الأصحاب هو القول بالاستحباب. انتهى. و على هذا النهج كلام غيره أيضا.

أقول: لقائل أن يقول ان أصالة البراءة يجب الخروج عنها بالدليل و هو هنا الأمر الذي هو حقيقة في الوجوب كما قرر في محله، و اشتمال ما فيه ذلك الأمر على كثير من المستحبات لا يستلزم حمل ذلك الأمر على الاستحباب إذ ليس هذا أحد قرائن المجاز فان كثيرا من الأخبار قد اشتمل على الصنفين المذكورين، و قيام الدليل على استحباب تلك الأشياء المذكورة لا يقتضي استحباب ذلك في ما لا دليل فيه.

و يؤيد القول بالوجوب ما ذكره

في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام): «و اعلم ان الصلاة ثلث وضوء و ثلث ركوع و ثلث سجود، و ان لها أربعة آلاف حد، و ان فروضها عشرة: ثلاثة منها كبار و هي تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود، و سبعة صغار و هي القراءة و تكبير الركوع و تكبير السجود و تسبيح الركوع و تسبيح السجود و القنوت و التشهد، و بعض هذه أفضل من بعض».

انتهى.

و اما موثقة أبي بصير التي أوردها فظني انها ليست على ما فهمه منها، فان الظاهر ان السؤال في هذه الرواية انما هو بالنسبة إلى التكبيرات الافتتاحية و ادنى ما يجزئ منها لا تكبيرات الصلاة ليدخل فيه تكبير الركوع و السجود كما ظنه.

و من هذا القبيل

رواية أبي بصير أيضا عنه (عليه السلام) (4) قال: «إذا

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الركوع. و اللفظ هكذا «و كبر ثم اركع» كما سيأتي منه «(قدس سره)» ص 258 رقم 3.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(3) ص 8.

(4) الوسائل الباب 7 من تكبيرة الإحرام.

258

افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة و ان شئت ثلاثا و ان شئت خمسا و ان شئت سبعا. الحديث».

و صحيحة الشحام (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الافتتاح؟

قال تكبيرة تجزئك. قلت فالسبع؟ قال ذلك الفضل».

و هذه الرواية إنما خرجت هذا المخرج و ان كانت مجملة ليست كهذين الخبرين في التقييد بالافتتاح و مقتضى المقام و قرائن الكلام يومئذ كانت ظاهره في ذلك و نحوه في الأخبار غير عزيز.

و بالجملة فالمسألة غير خالية من الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال، و لو لا اتفاق الأصحاب قديما و حديثا إلا ابن أبي عقيل- مع إمكان إرجاع كلامه إلى ما ذكروه- لكان القول بالوجوب متعينا.

و (منها)-

رفع اليدين بالتكبير

قائما قبل الركوع حتى يحاذي أذنيه على نحو ما تقدم تحقيقه في بحث تكبيرة الإحرام.

و يدل على ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب: اللّٰه أكبر، ثم اركع و قل اللهم: لك ركعت. الحديث».

و في صحيحته الأخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: قال «إذا أردت أن تركع و تسجد فارفع يديك و كبر ثم اركع و اسجد».

و في صحيحة حماد المتقدمة أول الباب (4) في وصف صلاة الصادق (عليه السلام) «انه رفع يديه حيال وجهه و قال اللّٰه أكبر و هو قائم ثم ركع».

و قال الشيخ في الخلاف: و يجوز ان يهوى بالتكبير. قيل فإن أراد الجواز المطلق فهو متجه و ان أراد المساواة في الفضيلة فهو ممنوع. ذكر ذلك جمع من المتأخرين.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 2 من الركوع.

(4) ص 2.

259

و قد تقدم نقل الخلاف في رفع اليدين في التكبير وجوبا و استحبابا و كذا الكلام في نهاية الرفع وحده في الموضع المشار اليه آنفا.

فائدة [رفع اليدين بعد الركوع و السجود]

روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يرفع يديه إذا ركع و إذا رفع رأسه من الركوع و إذا سجد و إذا رفع رأسه من السجود و إذا أراد ان يسجد الثانية».

و عن ابن مسكان في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «في الرجل يرفع يديه كلما أهوى للركوع و السجود و كلما رفع رأسه من ركوع أو سجود؟

قال هي العبودية».

و قد وقع الخلاف في ما دل عليه هذان الخبران من رفع اليدين بعد الركوع و السجود في موضعين:

(أحدهما) في ثبوته و استحبابه

كما هو ظاهر الخبرين المذكورين و به قال ابنا بابويه و صاحب الفاخر و نفاه ابن أبي عقيل و المحقق و العلامة، و أكثرهم لم يتعرضوا لذلك بنفي و لا إثبات، قال في المعتبر: رفع اليدين بالتكبير مستحب في كل رفع و وضع إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول «سمع اللّٰه لمن حمده» من غير تكبير و لا رفع يد و هو مذهب علمائنا. انتهى. و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل الخبرين المذكورين: لم أقف على قائل باستحباب رفع اليدين عند الرفع من الركوع إلا ابني بابويه و صاحب الفاخر و نفاه ابن ابي عقيل و الفاضل و هو ظاهر ابن الجنيد، و الأقرب استحبابه لصحة سند الخبرين و أصالة الجواز و عموم

«ان الرفع زينة الصلاة و استكانة من المصلي» (3).

و حينئذ يبتدئ بالرفع عند

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 2 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 9 من تكبيرة الإحرام رقم «11» و «14» و الباب 2 من الركوع رقم «3» و «4» و «8».

260

ابتداء رفع الرأس و ينتهي بانتهائه و عليه جماعة من العامة (1) انتهى. و نقل هذا الكلام عن الذكرى في كتاب الحبل المتين و نفى عنه البأس، و ظاهر المدارك أيضا الميل إلى ذلك

و

(ثانيهما) في التكبير مصاحبا للرفع

فأثبته بعض الأصحاب و منهم- المحدث السيد نعمة اللّٰه الجزائري (قدس سره) في رسالته (التحفة) و ادعى ان الخبرين المذكورين صريحان في ذلك. و هو عجيب فإنهما كما عرفت لم يتضمنا إلا الرفع خاصة. و ممن بالغ في ذلك و أطال الاستدلال عليه شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن الحاج صالح البحراني في بعض أجوبة المسائل و ادعى ما ادعاه السيد المزبور من ظهور الخبرين في التكبير و ادعى أيضا تصريح ابن بابويه و صاحب الفاخر بذلك. و أنت خبير بان الخبرين المذكورين لا دلالة فيهما على ما ادعياه كما عرفت، و اما كلام صاحب الفاخر فلا يحضرني الآن، و اما كلام الصدوق في الفقيه فهو بهذه العبارة «ثم ارفع رأسك من الركوع و ارفع يديك و استو قائما ثم قل سمع اللّٰه لمن حمده و الحمد للّٰه رب العالمين، ثم ذكر الدعاء إلى ان قال و اهو إلى السجود. و هي كما ترى خالية من ذلك.

و من ذلك يظهر ان الأقوال في المسألة ثلاثة (أحدها) نفى الرفع كما هو قول ابن أبي عقيل و من تبعه. و (ثانيها) إثباته كما دل عليه الخبران. و (ثالثها) القول بالرفع و اضافة التكبير. و الأول و الثالث طرفا إفراط و تفريط، لأن الأول فيه رد للحكم مع وجود النص الصحيح الصريح الدال على ذلك، و الثالث يتضمن زيادة ليس لها في النص اثر، و أحسن الأمور أوسطها.

و الشيخ المحدث الصالح المشار اليه قد أطال في الاستدلال على ما ادعاه بما لا مزيد طائل في التعرض اليه، و عمدة ما استدل به التلازم بين الرفع و التكبير، قال (قدس سره): الأول انه لما ثبت استحباب الرفع ثبت استحباب التكبير لعدم انفكاك الرفع عن التكبير شرعا إذ لم يعهد من الشارع رفع بدون تكبير و انما ذكر الملزوم و هو الرفع

____________

(1) ص 50.

261

مع ارادة التكبير لأن التكبير لازم للرفع تنبيها على تأكده و لزومه له بخلاف العكس. انتهى و هذه الدعوى ممنوعة لعدم دليل على التلازم، و مجرد عدم وجود الرفع بدون التكبير في غير هذه الصورة لا يصلح دليلا إذ هو محل النزاع، و هل هي إلا مصادرة على المطلوب؟ و بالجملة فإن العبادات تشريعية دائرة مدار الورود عن صاحب الشرع و لا مدخل للاستبعادات العقلية فيها، و الذي ورد هو ما ترى من الرفع خاصة و ما زاد يتوقف على الدليل و ليس فليس، بل لا يبعد ان الإتيان بالتكبير في الصورة المذكورة تشريع لعدم ثبوت التعبد به.

و بالجملة فالظاهر هو القول الوسط من الأقوال الثلاثة المتقدمة، على ان احتمال التقية في الخبرين المذكورين بالنسبة إلى هذا الحكم غير بعيد كما أشار إليه الشهيد في الذكرى في ما قدمنا من عبارته، و يؤيد ذلك ما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) حيث قال بعد نقل كلام الذكرى: أقول: ميل أكثر العامة إلى استحباب الرفع (1) صار.

____________

(1) في فتح الباري ج 2 ص 149 باب (رفع اليدين إذا كبر و عند الركوع و إذا رفع منه) قال «صنف البخاري في هذه المسألة جزء مفردا و حكى فيه ان الصحابة كانوا يفعلون ذلك، و قال محمد بن نصر المروزي أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة، و قال ابن عبد البر لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم. و نقل الخطابي و القرطبي انه آخر قولي مالك و أصحهما و لم أر للمالكية دليلا على تركه. و الحنفية عولوا على رواية مجاهد انه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك. الى ان قال و قال البخاري في جزئه من زعم ان رفع اليدين عند الركوع و عند الرفع منه بدعة فقد طعن في الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه» و في المغني ج 1 ص 497 «فإذا فرغ من القراءة كبر للركوع و يرفع يديه كرفعه عند تكبيرة الإحرام، و بهذا قال ابن عمر و ابن عباس و جابر و أبو هريرة و ابن الزبير و انس و الحسن و عطاء و طاوس و مجاهد و سالم و سعيد ابن جبير و غيرهم من التابعين، و هو مذهب ابن المبارك و الشافعي و إسحاق و مالك في إحدى الروايتين عنه. و قال الثوري و أبو حنيفة لا يرفع يديه إلا في الافتتاح و هو قول إبراهيم النخعي».

262

سببا لرفع الاستحباب عند أكثرنا. انتهى. أقول و من ذلك يعلم انه لا يبعد حمل الحكم المذكور على التقية حيث انه لم يشتهر هذا الحكم في اخبارهم و لا بين متقدمي أصحابهم (عليهم السلام).

و مما يؤيد ذلك ما وقفت عليه في كتاب المنتظم للشيخ أبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي في مقام الطعن على أبي حنيفة، حيث عد فيه جملة من المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة روايات الصحاح باجتهاده، و قد نقلت تلك المسائل في مقدمة كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد في جملة مطاعن أبي حنيفة، قال في كتاب المنتظم: الخامس- تعين رفع اليدين في الركوع و عند الرفع منه و قال أبو حنيفة لا يسن،

و في الصحيحين (1) من حديث ابن عمر «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه و إذا أراد ان يركع و بعد ما يرفع رأسه من الركوع».

الى ان قال: و قد رواه عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نحو من عشرين صحابيا. انتهى.

أقول: لا يخفى ان تخصيص أبي حنيفة بالمخالفة في هذا الحكم مؤذن بشهرة الحكم عندهم و اتفاق من عداه على الحكم المذكور، و قد استفاضت الأخبار بمخالفة ما عليه العامة و الأخذ بخلافهم و ان كان في غير مقام تعارض الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و التقط من لذيذ تلك الثمار. و اللّٰه العالم.

[الآداب المروية في الركوع]

و منها- ما اشتملت عليه

صحيحة حماد (2) من قوله: «ثم ركع و ملأ كفيه من ركبتيه منفرجات و رد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره حتى لو صبت عليه قطرة من.

____________

(1) صحيح مسلم ج 1 ص 153 باب استحباب رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام و عند الركوع

عن ابن عمر قال «كان رسول اللّٰه «ص» إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر فإذا أراد ان يركع فعل مثل ذلك و إذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك و لا يفعله حين يرفع رأسه من السجود».

و مثله في البخاري ج 1 ص 118.

(2) ص 2. و ليس في كتب الحديث بعد ذكر الركوع «ثلاث مرات».

263

ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره، و مد عنقه و غمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل فقال سبحان ربي العظيم و بحمده (ثلاث مرات) ثم استوى قائما فلما استمكن من القيام قال «سمع اللّٰه لمن حمده» ثم كبر و هو قائم و رفع يديه حيال وجهه ثم سجد. الحديث».

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أردت أن تركع فقل و أنت منتصب «اللّٰه أكبر» ثم اركع و قل: اللهم لك ركعت و لك أسلمت و بك آمنت و عليك توكلت و أنت ربي خشع لك قلبي و سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي و مخي و عصبي و عظامي و ما أقلته قدماي غير مستنكف و لا مستكبر و لا مستحسر سبحان ربي العظيم و بحمده (ثلاث مرات في ترتيل) و تصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر، و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى، و بلع بأطراف أصابعك عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك، و أقم صلبك و مد عنقك و ليكن نظرك بين قدميك، ثم قل: سمع اللّٰه لمن حمده- و أنت منتصب قائم- الحمد للّٰه رب العالمين أهل الجبروت و الكبرياء و العظمة للّٰه رب العالمين. تجهر بها صوتك. ثم ترفع يديك بالتكبير ثم تخر ساجدا».

و في صحيح زرارة الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام) المتقدم في صدر الباب (2) «فإذا ركعت فصف في ركوعك بين قدميك تجعل بينهما قدر شبر و تمكن راحتيك من ركبتيك و تضع يدك اليمنى على ركبتك اليمنى قبل اليسرى و بلع بأطراف الأصابع عين الركبة و فرج أصابعك إذا وضعتها على ركبتيك فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك، و أحب الي ان تمكن كفيك من ركبتيك فتجعل أصابعك في عين الركبة و تفرج بينها، و أقم صلبك و مد عنقك و ليكن نظرك إلى ما بين قدميك، فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا. الحديث».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) «و إذا ركعت فألقم ركبتيك راحتيك و تفرج

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الركوع.

(2) ص 3.

(3) ص 7.

264

بين أصابعك و اقبض عليهما».

و قال في موضع آخر (1): «فإذا ركعت فمد ظهرك و لا تنكس رأسك و قل في ركوعك بعد التكبير: اللهم لك ركعت و لك خشعت و بك اعتصمت و لك أسلمت و عليك توكلت أنت ربي خشع لك قلبي و سمعي و بصري و شعري و بشري و مخي و لحمي و دمي و عصبي و عظامي و جميع جوارحي و ما الأرض مني غير مستنكف و لا مستكبر للّٰه رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت سبحان ربي العظيم و بحمده (ثلاث مرات) و ان شئت خمس مرات و ان شئت سبع مرات و ان شئت التسع فهو أفضل.

و يكون نظرك في وقت القراءة إلى موضع سجودك و في الركوع بين رجليك ثم اعتدل حتى يرجع كل عضو منك إلى موضعه و قل: سمع اللّٰه لمن حمده باللّٰه أقوم و اقعد أهل الكبرياء و العظمة للّٰه رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت ثم كبر و اسجد».

[فوائد]

أقول: و في هذا المقام فوائد

(الأولى)

ما دل عليه خبر حماد من استحباب التغميض حال الركوع مناف لما دل عليه صحيحا زرارة من استحباب النظر إلى ما بين القدمين، و كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و ربما جمع بينهما بالتخيير و إلى ذلك أشار الشيخ (قدس سره) في النهاية حيث قال: و غمض عينيك فان لم تفعل فليكن نظرك إلى ما بين رجليك و قال في الذكرى: لا منافاة فإن الناظر إلى ما بين قدميه تقرب صورته من صورة المغمض، و هذا الكلام محتمل لمعنيين (أحدهما) ان إطلاق حماد التغميض على هذه الصورة الشبيهة به مجاز. و (ثانيهما) ان صورة الناظر إلى ما بين قدميه لما كانت شبيهة بصورة المغمض ظن حماد ان الصادق (عليه السلام) كان مغمضا.

و هذان الاحتمالان ذكرهما في كتاب الحبل المتين و استظهر الأول منهما و استبعد الثاني.

(الثانية)

- ان صريح خبر حماد انه (عليه السلام) كبر للسجود قائما و ظاهر خبر زرارة كون التكبير حال الهوى للسجود، و أصرح منهما في ذلك

ما رواه في الكافي

____________

(1) ص 8.

265

عن معلى بن خنيس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال «سمعته يقول كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا هوى ساجدا انكب و هو يكبر».

و الجمع بالتخيير جيد و قال في الذكرى: و لو كبر في هويه جاز و ترك الأفضل. و هو مشكل بعد ورود الخبر كما عرفت.

و قال ابن أبي عقيل: يبدأ بالتكبير قائما و يكون انقضاء التكبير مع مستقره ساجدا. و خير الشيخ في الخلاف بين هذا و بين التكبير قائما. و فيه تأييد لما ذكرناه من الجمع بين الأخبار بالتخيير. إلا ان ما ذكره ابن أبي عقيل- من امتداد ذلك إلى ان يستقر ساجدا- فيه ما ذكره بعضهم من انه لا يستحب مده ليطابق الهوى

لما ورد (2) «ان التكبير جزم».

و قال في الذكرى:

و لا ينبغي مد التكبير قصدا لبقائه ذاكرا إلى تمام الهوى

لما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) قال: «التكبير جزم».

و بالجملة فإن غاية ما يدل عليه خبر المعلى انه يكبر هاويا، و اما امتداده إلى هذا المقدار فلا دلالة فيه عليه.

(الثالثة)

- ظاهر الأخبار المذكورة بل صريحها انه يأتي بالسمعلة بعد الاستقرار قائما و هو المشهور في كلام الأصحاب، و نقل في الذكرى عن ظاهر كلام ابن أبي عقيل و ابن إدريس و صريح أبي الصلاح و ابن زهرة انه يقول «سمع اللّٰه لمن حمده» في حال ارتفاعه و باقي الأذكار بعد انتصابه. و هو خال من المستند بل الأخبار- كما ترى- صريحة في رده.

(الرابعة) [تفسير السمعلة]

- قد تضمنت صحيحة زرارة الأولى (4) بعد السمعلة: الحمد للّٰه رب العالمين. الى آخر الدعاء المذكور ثمة، و كذلك عبارة الفقه الرضوي بعد البسملة:

باللّٰه أقوم و اقعد. إلى آخر ما هو مذكور ثمة، و هو ظاهر في العموم لجميع المصلين.

و قد نقل الفاضلان في المعتبر و المنتهى الإجماع على استحباب السمعلة للمصلي إماما كان أو مأموما أو منفردا.

____________

(1) الوسائل الباب 24 من السجود.

(2) ص 37 و في الوسائل الباب 15 من الأذان و الإقامة.

(3) ص 37.

(4) ص 263.

266

و في صحيحة جميل المروية في الكافي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «قلت ما يقول الرجل خلف الإمام إذا قال: سمع اللّٰه لمن حمده؟ قال يقول: الحمد للّٰه رب العالمين و يخفض من الصوت».

و ضمير «قال» يحتمل رجوعه إلى الامام و حينئذ فالمستحب للمأموم انما هو «الحمد للّٰه رب العالمين» خاصة فيمكن تخصيص الأخبار الأولة بها، و يحتمل رجوعه إلى المأموم فيكون من قبيل الأخبار المتقدمة إلا انه يقتصر في الذكر بعد السمعلة على لفظ «الحمد للّٰه رب العالمين» و الظاهر ان الأول أقرب إلا ان فيه ما يوجب الخروج عن الإجماع المدعى في المقام كما عرفت.

و قال في الذخيرة: و لو قيل باستحباب التحميد خاصة للمأموم لم يكن بعيدا لما رواه الكليني عن جميل بن دراج في الصحيح، ثم ذكر الرواية. و فيه ما عرفت من الاحتمالين في الرواية و كلامه لا يتم إلا على تقدير الاحتمال الأول، و فيه ما عرفت من الخروج عن دعوى الإجماع المنقول.

و نقل في الذكرى عن الحسين بن سعيد انه روى بإسناده إلى أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) انه كان يقول بعد رفع رأسه «سمع اللّٰه لمن حمده الحمد للّٰه رب العالمين الرحمن الرحيم بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد أهل الكبرياء و العظمة و الجبروت».

و روى أيضا بإسناده إلى محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) (3) «إذا قال الامام سمع اللّٰه لمن حمده قال من خلفه ربنا لك الحمد، و ان كان وحده إماما أو غيره قال: سمع اللّٰه لمن حمده الحمد للّٰه رب العالمين».

و نقل المحقق في المعتبر عن الشيخ في الخلاف ان الامام و المأموم يقولان: «الحمد للّٰه رب العالمين أهل الكبرياء و العظمة» بعد السمعلة، قال و هو مذهب علمائنا ثم نقل عن الشافعي يقول الامام و المأموم «ربنا و لك الحمد» و عن احمد روايتان: إحداهما كما قال الشافعي، و الثانية لا يقولها المنفرد، و في وجوبها عنه روايتان، و عن أبي حنيفة يقولها

____________

(1) الوسائل الباب 17 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 17 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 17 من الركوع.

267

المأموم دون الامام (1) و أنكر في المعتبر ذلك مستندا إلى خلو أخبارنا منه و ان المنقول فيها ما ذكره الشيخ. قال في الذكرى: و الذي أنكره في المعتبر يدفعه قضية الأصل و الخبر حجة عليه و طريقه صحيح و اليه ذهب صاحب الفاخر و اختاره ابن الجنيد و لم يقيده بالمأموم أقول: الظاهر ان المحقق (قدس سره) لم يقف على الخبر الذي نقله في الذكرى فيكون إنكاره في محله لعدم وصول الخبر اليه و الذي وصل اليه خال من ذلك، و يعضده ما نقله في المدارك عن الشيخ انه قال و لو قال «ربنا لك الحمد» لم تفسد صلاته لانه نوع تحميد لكن المنقول عن أهل البيت (عليهم السلام) أولى، فإنه مشعر بعدم وصول الرواية له بذلك عن أهل البيت (عليهم السلام).

ثم أقول: من المحتمل قريبا حمل الخبر المذكور على التقية لموافقته لما عليه العامة من استحباب هذا اللفظ و اليه يشير ما نقله في المدارك عن الشيخ (قدس سره) من قوله «لكن المنقول عن أهل البيت اولى» و الحمل على التقية لا يختص بوجود المعارض كما عرفته غير مرة حسبما صرحت به اخبارهم (عليهم السلام).

ثم ان الخبر المنقول عندنا بلفظ «ربنا لك الحمد» بغير واو و العامة مختلفون في ثبوتها و سقوطها بناء على اختلاف رواياتهم في ذلك، فمنهم من أسقطها لأنها زيادة لا معنى لها و هو منقول عن الشافعي، و الأكثر منهم على ثبوتها، و على تقدير ثبوتها فمنهم من زعم انها واو العطف و منهم من زعم انها مقحمة (2).

(الخامسة)

- لا يخفى ان «سمع» من الأفعال المتعدية إلى المفعول بنفسها و عدي هنا باللام تضمينا لمعنى (استحباب) فعدي بما يعدى به كما ان قوله تعالى «لا يسمعون إلى الملإ الأعلى» (3) ضمن معنى الإصغاء اي يصغون فعدي ب«إلى» قال في النهاية الأثيرية

____________

(1) المغني ج 1 ص 508 و 510 و البحر الرائق ج 1 ص 316.

(2) البحر الرائق ج 1 ص 316 و عمدة القارئ ج 3 ص 113 و المغني ج 1 ص 508.

(3) سورة الصافات، الآية 8.

268

«سمع اللّٰه لمن حمده» أي أجاب حمده و تقبله، يقال اسمع دعائي أي أجب لأن غرض السائل الإجابة و القبول،

و منه الحديث «اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع».

اي لا يستجاب و لا يعتد به فكأنه غير مسموع.

(السادسة)

- قال في الذكرى: يستحب للإمام رفع صوته بالذكر في الركوع و الرفع ليعلم المأموم لما سبق من استحباب إسماع الإمام للمأمومين، أما المأموم فيسر و اما المنفرد فمخير إلا التسميع فإنه جهر على إطلاق الرواية السالفة. انتهى. أقول: أشار بالرواية إلى ما تقدم

في صحيحة زرارة الاولى (1) من قوله «تجهر بها صوتك».

(السابعة)

- قال في الذكرى أيضا: و يجوز الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في الركوع و السجود بل يستحب،

ففي الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو في الصلاة المكتوبة إما راكعا أو ساجدا فيصلي عليه و هو على تلك الحال؟ فقال نعم ان الصلاة على نبي اللّٰه كهيئة التكبير و التسبيح و هي عشر حسنات يبتدرها ثمانية عشر ملكا أيهم يبلغها إياه».

و عن الحلبي عنه (عليه السلام) (3) «كل ما ذكرت اللّٰه عز و جل به و النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فهو من الصلاة».

أقول:

روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال عن محمد بن أبي حمزة عن أبيه (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) من قال في ركوعه و سجوده و قيامه: اللهم صل على محمد و آل محمد، كتب اللّٰه له ذلك بمثل الركوع و السجود و القيام».

و نحوه

روى الشيخ في التهذيب (5) إلا ان فيه «صلى اللّٰه على محمد و آل محمد».

و هذا الخبر هو الأليق

____________

(1) ص 263.

(2) الوسائل الباب 20 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 20 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 20 من الركوع.

(5) هذه الرواية رواها الكليني في الكافي ج 1 من الفروع ص 89 و نقلها عنه في الوافي باب الصلاة على النبي و آله «ص» و في الوسائل في الباب 20 من الركوع و لم ينقلاها عن التهذيب.

269

بالاستدلال على الحكم المذكور، إذ المدعى هو استحباب الصلاة ابتداء في هذه المواضع و الأخبار المذكورة انما تدل على الاستحباب من حيث ذكره (صلى اللّٰه عليه و آله) بناء على ما هو المشهور بينهم من استحباب الصلاة متى ذكر و ان كان الأظهر عندي القول بالوجوب و هذا أمر عام لحال الركوع و غيره و المدعى انما هو استحباب الصلاة في الركوع و كذا في السجود و القيام كما دل عليه الخبر المذكور.

(الثامنة)

- قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة القراءة في الركوع و السجود، قال في المنتهى لا تستحب القراءة في الركوع و السجود و هو وفاق

لما رواه علي (عليه السلام) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن قراءة القرآن في الركوع و السجود».

رواه الجمهور (1) و لأنها عبادة فتستفاد كيفيتها من صاحب الشرع و قد ثبت انه لم يقرأ فيهما فلو كان مستحبا لنقل فعله، و قال: يستحب ان يدعو في ركوعه لانه موضع اجابة لكثرة الخضوع فيه. و قال في الدروس: يكره قراءة القرآن في الركوع و السجود.

و قال في الذكرى: كره الشيخ القراءة في الركوع و كذا يكره عنده في السجود و التشهد،

و قد روى العامة عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) انه قال:

«ألا اني نهيت ان اقرأ راكعا و ساجدا».

و لعله ثبت طريقه عند الشيخ (رحمه الله) و قد روى في التهذيب قراءة المسبوق مع التقية في ركوعه (3)

و روى عن عمار عن الصادق (عليه السلام) (4) في الناسي حرفا من القرآن «لا يقرأ راكعا بل ساجدا».

____________

(1) صحيح الترمذي على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 65 و المغني ج 1 ص 503.

(2) سنن أبي داود ج 1 ص 232 رقم 876 عن ابن عباس عن النبي «ص».

(3) لم نقف على هذه الرواية بعد الفحص عنها في مظانها و قد صرح المصنف «(قدس سره)» عند تعرضه للمسألة في صلاة الجماعة ص 256 بأنه لم يقف على مستند للقول بأن المصلي خلف من لا يقتدي به يقرأ حال الركوع إذا ركع الامام قبل إتمامه لفاتحة.

(4) الوسائل الباب 30 من القراءة و 8 من الركوع.

270

أقول: ظاهر كلام أصحابنا في هذا المقام انه لا سند لهذا الحكم في أخبارنا و لذلك ان العلامة في المنتهى اقتصر على الخبر المنقول عن علي (عليه السلام) مع اعترافه بكونه من روايات الجمهور، و اليه يشير أيضا قوله في الذكرى بعد اسناد الحكم إلى الشيخ و تعقيبه بالخبر المذكور: «و لعله ثبت طريقه عند الشيخ».

أقول: و الذي وقفت عليه من أخبارنا في ذلك

ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: «لا قراءة في ركوع و لا سجود انما فيهما المدحة للّٰه عز و جل ثم المسألة فابتدئوا قبل المسألة بالمدحة للّٰه عز و جل ثم اسألوا بعدها».

و ما رواه في الخصال عن السكوني عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «سبعة لا يقرأون القرآن: الراكع و الساجد و في الكنيف و في الحمام و الجنب و النفساء و الحائض».

أقول: ما اشتمل عليه الخبر الأول من استحباب الدعاء في الركوع قد صرح به ابن الجنيد فقال: لا بأس بالدعاء فيهما- يعني الركوع و السجود- لأمر الدين و الدنيا من غير ان يرفع يديه في الركوع عن ركبتيه و لا عن الأرض في سجوده.

و روى في كتاب معاني الأخبار عن محمد بن هارون الزنجاني عن علي بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام رفعه (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اني قد نهيت عن القراءة في الركوع و السجود، فاما الركوع فعظموا اللّٰه فيه و اما السجود فأكثروا فيه الدعاء فإنه قمن ان يستجاب لكم».

أقول: و الذي يقرب في الخاطر الفاتر ان أصل هذا الحكم انما هو من

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 47 من قراءة القرآن.

(3) الوسائل الباب 8 من الركوع.

271

العامة (1) و ان هذه الأخبار خرجت مخرج التقية، و يعضدها ان رواتها رجال العامة، و ان هذا الحكم انما ذكره المتأخرون و اشتهر بينهم و لا وجود له في كلام المتقدمين في ما أظن، و قد عرفت ان أصحابنا القائلين بذلك انما استندوا إلى ذلك الخبر العامي و هذا الخبر الأخير يشير إليه أيضا، و كيف كان فالاحتياط في ترك ذلك.

(التاسعة)

- قال في الذكرى: ظاهر الشيخ و ابن الجنيد و كثير ان السبع نهاية الكمال في التسبيح و في رواية هشام (2) اشارة اليه، لكن روى حمزة بن حمران و الحسن بن زياد، ثم نقل الخبر و قد تقدم في الموضع الثاني من المقام الأول (3) ثم نقل رواية أبان بن تغلب المنقولة ثمة، ثم قال قال في المعتبر الوجه استحباب ما لا يحصل معه السأم إلا ان يكون اماما. و هو حسن. و لو علم من المأمومين حب الإطالة استحب له أيضا التكرار.

أقول: أشار برواية هشام إلى الخبر الأول من الأخبار المتقدمة في الموضع الثاني من المقام الأول (4) المصرحة بأن السنة ثلاث و الفضل في سبع، و ظاهر عبارة كتاب الفقه المتقدمة ان الفضل في التسع، و الجمع بين الأخبار لا يخلو من اشكال إلا ان المقام مقام استحباب.

(العاشرة) [تفريج الأصابع في الركوع]

-

روى الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر (5) و رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (6) قال:

«سألته عن تفريج الأصابع في الركوع أ سنة هو؟ قال من شاء فعل و من شاء ترك».

____________

(3) 250.

(1) المغني ج 1 ص 503 «يكره ان يقرأ في الركوع و السجود

لما روى عن على «ع» ان النبي (ص) نهى عن قراءة القرآن في الركوع و السجود».

و في بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 117 «اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع و السجود لحديث على (ع) في ذلك، إلى ان قال: و صار قوم من التابعين إلى جواز ذلك».

(2) ص 248.

(4) ص 248.

(5) الوسائل الباب 22 من الركوع.

(6) الوسائل الباب 22 من الركوع.

272

و ربما أشعر هذا الخبر بان تفريج الأصابع ليس بسنة حال الركوع مع دلالة الأخبار المتقدمة و غيرها على استحبابه، و لعل المراد انه ليس بسنة مؤكدة، أو ليس من الواجبات التي علمت من جهة السنة، و بالجملة فالواجب ارتكاب التأويل في الخبر و ان بعد لكثرة الأخبار الدالة على استحباب ذلك مع اعتضادها بفتوى الأصحاب.

و قال في المنتهى: يستحب للمصلي وضع الكفين على عيني الركبتين مفرجات الأصابع عند الركوع، و هو مذهب العلماء كافة إلا ما

روى عن ابن مسعود (1) انه كان إذا ركع طبق يديه و جعلهما بين ركبتيه.

و في الذكرى عد التطبيق من مكروهات الركوع قال: و لا يحرم على الأقرب و هو قول أبي الصلاح و الفاضلين، و ظاهر الخلاف و ابن الجنيد التحريم، و حينئذ يمكن البطلان للنهي عن العبادة و الصحة لأن النهي عن وصف خارج.

أقول: لم أقف في الأخبار على نهي عن ذلك بل و لا ذكر لهذه المسألة بنفي أو إثبات فالقول بالتحريم و ما فرع عليه من البطلان لا اعرف له وجها.

(الحادية عشرة) [جعل اليدين تحت الثياب في الركوع]

- قد عد جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ (عطر اللّٰه مرقده) و من تأخر عنه من مكروهات الركوع ان يركع و يداه تحت ثيابه، و قالوا يستحب ان تكونا بارزتين أو في كمه. و قال ابن الجنيد لو ركع و يداه تحت ثيابه جاز ذلك إذا كان عليه مئزر أو سراويل.

و يمكن الاستدلال على ما ذكروه

برواية عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلي فيدخل يده تحت ثوبه؟ قال ان كان عليه ثوب آخر إزار أو سراويل فلا بأس».

و نقل عن أبي الصلاح انه قال: يكره إدخال اليدين في الكمين أو تحت الثياب.

و أطلق، و يدفعه

ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (3)

____________

(1) المغني ج 1 ص 499.

(2) الوسائل الباب 40 من لباس المصلي.

(3) الوسائل الباب 40 من لباس المصلي.

273

قال: «سألته عن الرجل يصلي و لا يخرج يديه من ثوبه؟ قال ان اخرج يديه فحسن و ان لم يخرج فلا بأس».

(الثانية عشرة) [أفضلية كثرة اللبث في الركوع و السجود]

-

روى في مستطرفات السرائر من كتاب الحسن بن محبوب عن بريد العجلي (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أيهما أفضل في الصلاة كثرة القراءة أو طول اللبث في الركوع و السجود؟ قال فقال كثرة اللبث في الركوع و السجود في الصلاة أفضل، أما تسمع لقول اللّٰه تعالى «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» (2) إنما عنى بإقامة الصلاة طول اللبث في الركوع و السجود، قلت فأيهما أفضل كثرة القراءة أو كثرة الدعاء؟ فقال كثرة الدعاء أفضل أما تسمع لقوله تعالى لنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لٰا دُعٰاؤُكُمْ» (3).

الفصل السادس في السجود

و هو لغة الخضوع و الانحناء و شرعا عبارة عن وضع الجبهة على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل و لا يلبس، فهو خضوع و انحناء خاص فيكون مجازا لغويا أو حقيقة شرعية، و السجدة بالفتح الواحدة و بالكسر الاسم.

[وجوب السجود و ركنيته]

و وجوبه في الصلاة ثابت بالنص و الإجماع، قال اللّٰه تعالى «ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا» (4) و قد تقدمت جملة من الأخبار في سابق هذا الفصل دالة على وجوبه و ركنيته في الصلاة.

و يجب في كل ركعة سجدتان هما ركن في الصلاة تبطل بالإخلال بهما في الركعة الواحدة عمدا و سهوا، و قال في المعتبر انه مذهب العلماء. قال في المدارك: و الوجه فيه ان الإخلال بالسجود مقتض لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فيبقى المكلف تحت العهدة إلى ان يتحقق الامتثال.

____________

(1) الوسائل الباب 26 من الركوع.

(2) سورة المزمل، الآية 20.

(3) سورة الفرقان، الآية 77.

(4) سورة الحج، الآية 76.

274

و يدل عليه

صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».

و يظهر من كلام الشيخ في المبسوط انهما ركن في الأوليين و ثالثة المغرب بناء على ان ناسيهما في الركعتين الأخيرتين من الرباعية يحذف الركوع و يعود إليهما. و سيجيء تحقيق البحث في ذلك في محله من أحكام السهو.

و المشهور بين الأصحاب ان الركن من السجود هو مجموع السجدتين. و أورد عليه لزوم بطلان الصلاة بفوات السجدة الواحدة لفوات المجموع بفوات الجزء و هو خلاف النص و الفتوى.

و أجاب الشهيد (قدس سره) بان الركن مسمى السجود و هو الأمر الكلي الصادق بالواحدة و مجموعهما و لا يتحقق الإخلال به إلا بتركهما معا لحصول المسمى بالواحدة و فيه (أولا) ان فيه خروجا عن محل البحث فان الكلام مبني على كون الركن مجموع السجدتين كما هو المدعى أولا لا ان الركن المسمى فإنه قول آخر. و (ثانيا) لزوم البطلان أيضا بزيادة السجدة الواحدة لحصول المسمى. و هو خلاف النص و الفتوى.

و التحقيق انه لا مناص في الجواب بعد القول بركنية المجموع إلا باستثناء هذا الفرد الذي ذكرنا من القاعدة لدلالة النصوص على صحة الصلاة مع فوات السجدة سهوا و كذا لو قلنا بان الركن المسمى يكون زيادة السجدة الواحدة سهوا مستثنى من القاعدة بالنص، و له نظائر كثيرة كما لو سبق المأموم إمامه بالركوع سهوا فإنه يرفع و يعيد معه، و نحو ذلك.

و اما ما يدل من النصوص على صحة الصلاة مع نقصان السجدة فأخبار عديدة:

منها-

صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في رجل

____________

(1) الوسائل الباب 29 من القراءة و 10 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 14 من السجود.

275

نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر و هو قائم انه لم يسجد؟ قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض في صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء».

و صحيحة عبد اللّٰه بن مسكان عن أبي بصير (1)- و هو ليث المرادي بقرينة رواية عبد اللّٰه بن مسكان عنه- قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض على صلاته فإذا انصرف قضاها وحدها و ليس عليه سهو».

و نحوهما غيرهما كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في باب السهو.

و ذهب ابن أبي عقيل- على ما نقل عنه- إلى ركنية السجدة الواحدة و ان الصلاة تبطل بالإخلال بها و لو سهوا استنادا إلى

رواية المعلى بن خنيس (2) قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته؟ قال إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها و بنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، و ان ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة. و نسيان السجدة في الأوليين و الأخيرتين سواء».

و الجواب المعارضة بما هو أصح سندا و أكثر عددا و أصرح دلالة، مع ان في رواية المعلى بن خنيس عن الكاظم (عليه السلام) اشكالا لم أقف على من تنبه له في هذا المقام، فان المعلى بن خنيس قتل في زمن الصادق (عليه السلام) و قضيته مشهورة فكيف روى عن الكاظم (عليه السلام) (3) و لا سيما بهذه العبارة المشعرة بتأخره عن الكاظم (عليه السلام) لان قوله «سألت أبا الحسن الماضي» يدل على ان هذا الأخبار بعد مضيه و موته (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل الباب 14 من السجود.

(2) الوسائل الباب 14 من السجود.

(3) ذكر بعضهم في وجه ذلك احتمال روايته عنه «ع» في زمان أبيه «ع» فإنه قتل و للكاظم «ع» ست أو سبع سنين كما يحتمل ان يكون لفظ (الماضي) من زيادة الرواة.

276

إذا عرفت ذلك فاعلم ان السجود يشتمل على الواجب و المستحب و ان له أحكاما تتعلق به، و حينئذ فتحقيق الكلام فيه يتوقف على بسطه في مقامات ثلاثة:

[المقام] (الأول)- في واجباته

و هي أمور

(أحدها) انه يجب السجود على سبعة أعظم:

الجبهة و الكفين و الركبتين و إبهامي الرجلين، هذا هو المشهور بل قيل انه لا خلاف فيه، و في التذكرة انه مذهب علمائنا اجمع، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه.

و نقل عن المرتضى انه جعل عوض الكفين المفصل عند الزندين. أقول و بذلك صرح ابن إدريس في السرائر، قال: و يكون السجود على سبعة أعظم: الجبهة و مفصل الكفين عند الزندين و عظمي الركبتين و طرفي إبهامي الرجلين، و الإرغام بطرف الأنف مما يلي الحاجبين من السنن الأكيدة. انتهى.

و الذي يدل على القول المشهور من الأخبار

ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) السجود على سبعة أعظم: الجبهة و اليدين و الركبتين و الإبهامين، و ترغم بأنفك إرغاما، فأما الفرض فهذه السبعة و اما الإرغام بالأنف فسنة من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و ما تقدم (2)

في صحيحة حماد بن عيسى من قوله «و سجد على ثمانية أعظم:

الكفين و الركبتين و أنامل إبهامي الرجلين و الجبهة و الأنف، و قال سبعة منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّٰه عز و جل في كتابه فقال «وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً» (3) و هي الجبهة و الكفان و الركبتان و الإبهامان و وضع الأنف على الأرض سنة».

و ما رواه عبد اللّٰه بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: «يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه و رجليه و ركبتيه و جبهته».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من السجود.

(2) ص 2.

(3) سورة الجن الآية 18.

(4) الوسائل الباب 4 من السجود.

277

و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (1) قال: «روى ان المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن قوله تعالى وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً؟ فقال هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها».

أقول: و هذه الرواية التي أشار إليها

في كتاب مجمع البيان هي ما رواه العياشي عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) (2) «انه سأله المعتصم عن السارق من اي موضع يجب ان تقطع يده؟ فقال ان القطع يجب ان يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكف.

قال و ما الحجة في ذلك؟ قال قول رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) السجود على سبعة أعضاء: الوجه و اليدين و الركبتين و الرجلين. فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، و قال اللّٰه «وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ- يعنى به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها- فلا تدعوا مع اللّٰه أحدا» و ما كان للّٰه فلا يقطع. الخبر».

و في كتاب الفقيه (3) في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لابنه محمد بن الحنيفة «قال اللّٰه وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ. يعني بالمساجد الوجه و اليدين و الركبتين و الإبهامين».

و اما القول الآخر فلم نقف له على دليل و بذلك صرح في المدارك أيضا فقال و لم نقف للمرتضى في اعتبار المفصل على حجة.

فوائد

(الاولى) [لا يجب الاستيعاب في ما عدا الجبهة]

- الظاهر من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف انه يكفي في ما عدا الجبهة من هذه الأشياء المعدودة ما يصدق به الاسم و لا يجب الاستيعاب، قال في المدارك: و لا نعرف فيه خلافا. و قال في الذخيرة: و لم نجد قائلا بخلاف ذلك، ثم قال و يدل عليه حصول الامتثال بذلك و عموم صحيحة زرارة المشتملة على حصر ما تعاد

____________

(1) الوسائل الباب 4 من السجود.

(2) مستدرك الوسائل الباب 4 من السجود و في الوسائل الباب 4 من حد السرقة.

(3) ج 2 ص 381 طبع النجف و في البحار ج 18 الصلاة ص 261.

278

منه الصلاة (1) مضافا إلى الأصل. انتهى.

و العجب ان العلامة مع تصريحه في أكثر كتبه بهذا الحكم تردد في المنتهى في الكفين فقال هل يجب استيعاب جميع الكف بالسجود؟ عندي فيه تردد، و الحمل على الجبهة يحتاج إلى دليل لورود النص في خصوصية الجبهة، و التعدي بالاجزاء في البعض يحتاج إلى دليل.

(الثانية)- هل يجوز السجود على ظاهر الكفين؟

إطلاق الأخبار يدل على ذلك لأنها وردت بلفظ اليدين في بعض و الكفين في آخر، إلا ان المفهوم و المتبادر انما هو بطن الكفين، و قد عرفت في غير موضع مما تقدم ان إطلاق الأخبار يجب حمله على الافراد المعهودة الشائعة المتكثرة، و حينئذ يجب تقييد إطلاق الأخبار بذلك.

و قال في المدارك: و الاعتبار في الكفين بباطنهما للتأسي. و فيه ما عرفت في غير مقام و به صرح هو في غير موضع من ان التأسي لا يصلح ان يكون دليلا للوجوب في حكم من الأحكام.

و صرح العلامة في النهاية و الشهيدان بعدم الاجتزاء بالظاهر، و نقله في الذكرى عن الأكثر، و نقل في النهاية عن ظاهر علمائنا إلا المرتضى وجوب تلقى الأرض بباطن راحتيه. و في المنتهى لو جعل ظهور كفيه إلى الأرض و سجد عليها ففي الإجزاء نظر، اما ظاهر الإبهامين في الرجلين لو سجد عليهما فالأقرب عندي الجواز. انتهى.

(الثالثة) [يكفي في الإبهامين الظاهر و الباطن]

- الظاهر الاكتفاء في الإبهامين بالظاهر و الباطن لإطلاق الأخبار و ان كان السجود على رؤوسهما أفضل لظاهر خبر حماد، و قد تقدم في عبارة ابن إدريس التصريح بطرفي إبهامي الرجلين و الظاهر انه أراد به الاستحباب.

و قال الشيخ في المبسوط: ان وضع بعض أصابع رجليه أجزأه. و قال ابن زهرة يسجد على أطراف القدمين. و قال أبو الصلاح أطراف أصابع الرجلين. و نقل في

____________

(1) ص 274.

279

الذكرى عن نهاية الشيخ ذكر الإبهامين في هذا المقام و رؤوس الأصابع في باب التحنيط و جمع بينهما، قال في النكت لما كانت المساجد لا تنفك ان يجامعها في السجود غيرها مسح عليه و ان لم يجب السجود عليه، و تسمى مساجد لاتفاق السجود عليها لا لوجوبه. ثم انه قال في الذكرى: و الوجه تعين الإبهامين نعم لو تعذر السجود عليهما لعدمهما أو لقصرهما أجزأ على بقية الأصابع. انتهى.

أقول: لا يخفى ان اخبار المسألة بعض منها بلفظ الإبهامين و آخر بلفظ الرجلين، و حمل مطلقها على مقيدها يقتضي القول بالإبهامين، و حينئذ فلا وجه للقول الآخر و لا دليل عليه.

(الرابعة) [وجوب الاعتماد على مواضع الأعضاء]

- قالوا و يجب الاعتماد على مواضع الأعضاء بإلقاء ثقله عليها فلو تحامل عنها لم يجزئ. و علل بأن الطمأنينة لا تحصل بهذا القدر.

أقول: الظاهر ان الوجه فيه انما هو من حيث كون ذلك هو المتبادر من الأمر بالسجود على الأعضاء.

و يؤيده ما تقدم

في صحيحة علي بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام) (1) قال: «و تجزئك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض».

و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الرجل يسجد على الحصى و لا يمكن جبهته من الأرض؟ قال يحرك جبهته حتى يتمكن فينحي الحصى عن جبهته و لا يرفع جبهته».

و يعضده أنه الأوفق بالاحتياط، فلو سجد على مثل الصوف و القطن وجب ان يعتمد عليه حتى تثبت الأعضاء إن أمكن و إلا فلا يصلي عليه إلا ان يتعذر غيره، و لا يجب المبالغة في الاعتماد بحيث يزيد على قدر ثقل الأعضاء.

(الخامسة) [هل يجب مجافاة البطن عن الأرض في السجود؟]

- قيل يجب ان يجافي بطنه عن الأرض فلو أكب على وجهه و مد

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 8 من السجود.

280

يديه و رجليه و وضع جبهته على الأرض منبطحا لم يجزئه على ما صرح به العلامة و غيره لانه لا يسمى ذلك سجودا.

أقول: ان عدم الاجزاء في الصورة المذكورة ليس من عدم مجافاة البطن عن الأرض بل من حيث ان هذه الهيئة و الكيفية لا تسمى سجودا و انما تسمى نوما على وجهه أو انبطاحا، اما لو لصق بطنه بالأرض مع كونه على هيئة الساجد مع وضع باقي المساجد على كيفيتها الواجبة فيها فالظاهر الصحة و ان كان خلاف الأفضل.

(الثاني)- وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه

، و قد تقدم تحقيق ما يجوز السجود عليه و ما لا يجوز السجود عليه في المسألة السادسة من المقدمة السادسة في المكان (1) و ملخص ذلك هو الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل و لا يلبس إلا القرطاس خاصة أو ما أوجبته الضرورة، و حينئذ فلو سجد على كور عمامته لم يجزئ لكونه مما يلبس و أطلق الشيخ في المبسوط المنع من السجود على ما هو حامل له ككور العمامة، قال في الذكرى: فان قصد لكونه من جنس ما لا يسجد عليه فمرحبا بالوفاق، و ان جعل المانع نفس الحمل كمذهب العامة (2) طولب بدليل المنع.

و اختلف الأصحاب هنا في ما يجب وضعه على الأرض و نحوها من الجبهة فالمشهور الاكتفاء بالمسمى و ما يصدق به الاسم كغيرها من الافراد الأخر، و قال الصدوق في موضعين من الفقيه و ابن إدريس بتحديده بقدر الدرهم.

و مما يدل على القول المشهور

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «قلت له الرجل يسجد و عليه قلنسوة أو عمامة؟ فقال إذا مس شيء من جبهته الأرض في ما بين حاجبيه و قصاص شعره فقد أجزأ عنه».

و عن عمار بن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف مسجد اي ذلك أصبت به الأرض أجزأك».

____________

(1) ج 7 ص 245.

(2) ج 7 ص 258.

(3) الوسائل الباب 9 من السجود.

(4) الوسائل الباب 9 من السجود.

281

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «الجبهة كلها من قصاص شعر الرأس إلى الحاجبين موضع السجود فأيما سقط من ذلك إلى الأرض أجزأك مقدار الدرهم و مقدار طرف الأنملة».

و ما رواه في التهذيب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن حد السجود؟ قال ما بين قصاص الشعر إلى موضع الحاجب ما وضعت منه أجزأك».

و عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «الجبهة إلى الأنف أي ذلك أصبت به الأرض في السجود أجزأك و السجود عليه كله أفضل».

و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المريض كيف يسجد؟ فقال على خمرة أو على مروحة أو على سواك يرفعه اليه و هو أفضل من الإيماء، إنما كره من كره السجود على المروحة من أجل الأوثان التي كانت تعبد من دون اللّٰه و انا لم نعبد غير اللّٰه قط فاسجدوا على المروحة و على السواك و على عود».

و لم نقف للقول الآخر على دليل معتمد، قيل لعل مستند ابن بابويه و ابن إدريس ما رواه الكليني في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). ثم ذكر رواية زرارة الثانية ثم قال: و غالب استعمال الاجزاء في أقل الواجب، ثم أجاب بأن طرف الأنملة أقل من مقدار الدرهم فلا دلالة فيها على المدعى بل هي بالدلالة على نقيضه أشبه، سلمنا لكنها محمولة على الفضيلة جمعا بين الأدلة. انتهى. و هو جيد.

و بذلك قطع الشهيد في الذكرى في باب المكان ثم رجع عنه في هذا المقام، فقال و الأقرب ان لا ينقص في الجبهة عن درهم لتصريح الخبر و كثير من الأصحاب به فيحمل المطلق من الأخبار و كلام الأصحاب على المقيد.

____________

(1) الوسائل الباب 9 من السجود.

(2) الوسائل الباب 9 من السجود.

(3) الوسائل الباب 9 من السجود.

(4) الوسائل الباب 15 من ما يسجد عليه.

282

و فيه أولا ان الكثير من الأصحاب انما قالوا بالمسمى و لم ينقل القول بمقدار الدرهم إلا عن ابن بابويه و ابن إدريس و (ثانيا) ان ما ذكره من الحمل جيد لو وجد ما يدل على القول بالدرهم و لم نقف في الباب إلا على رواية زرارة الثانية و قد عرفت اشتمالها على ما ينافي ذلك من قوله «و مقدار طرف الأنملة» و حينئذ فلا بد من حمل قوله فيها «أجزأك مقدار الدرهم» على الفضل و الاستحباب و إلا فلو حمل على وجوبه و تعينه لم يكن لقوله بعده «و مقدار طرف الأنملة» معنى بل يلزم اشتمال الخبر على حكمين متناقضين كما لا يخفى. و به يظهر انه لا دليل للقول المذكور و ان المعتمد هو القول المشهور.

و ربما يتوهم الاستناد في ذلك إلى

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تطول قصتها فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض و بعض يغطيه الشعر هل يجوز ذلك؟ قال لا حتى تضع جبهتها على الأرض».

و هذه الرواية في الحقيقة غير دالة على ذلك إذ لا تعرض فيها لذكر الدرهم بوجه و انما غاية ما تدل عليه هو وضع الجبهة كملا و هو مما وقع الاتفاق على عدم وجوبه و الأخبار المتقدمة صريحة في خلافه فلا بد من حملها على وجه الفضل و الاستحباب كما صرح به جملة من الأصحاب.

و التحقيق عندي في هذا المقام ان الصدوق (رضي اللّٰه عنه) لم يستند في ما ذهب اليه من هذا القول المنقول عنه هنا إلى شيء من هذه الأخبار التي تكلفوها مستندا له، و انما مستنده في ذلك كتاب الفقه الرضوي على النهج الذي عرفته في غير مقام إلا انه مع ذلك لا يخلو من الاشكال، و تفصيل هذا الإجمال هو ان يقال لا ريب ان الصدوق في كتاب الفقيه قد ذكر هذه المسألة في موضعين (أحدهما) في باب (ما يسجد عليه و ما لا يسجد عليه) فإنه نقل في هذا الباب عن أبيه في رسالته اليه قال: و قال أبي في رسالته الي: اسجد على الأرض أو على ما أنبتت، و ساق كلامه إلى ان قال: و يجزئك في

____________

(1) الوسائل الباب 14 من ما يسجد عليه.

283

موضع الجبهة من قصاص الشعر إلى الحاجبين مقدار درهم. الى آخره، ثم نقل في الباب أيضا صحيحة زرارة المشتملة على اجزاء قدر الدرهم و مقدار طرف الأنملة (1)، ثم نقل أيضا رواية عمار المتقدمة (2) الدالة على ان ما بين قصاص الشعر إلى طرف الأنف مسجد فما أصاب الأرض منه فقد أجزأك. و (ثانيهما) في باب (وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها) فإنه قال فيه أيضا: و يجزئك في موضع الجبهة من قصاص الشعر إلى الحاجبين مقدار درهم. و هذه عين العبارة المتقدمة التي نقلها عن أبيه في رسالته اليه.

و لا يخفى ان هذه العبارة و ما بعدها من الكلام كله مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على النهج الذي قدمناه ذكره في غير مقام و سيأتي أمثاله ان شاء اللّٰه تعالى في جملة من الأحكام و منه يعلم ان مستند الصدوقين انما هو الكتاب المذكور، و الأصحاب لعدم اطلاعهم على ما ذكرناه تكلفوا لهم الاستدلال بهذه الأخبار و قد عرفت انها غير صالحة للدلالة.

بقي هنا شيء و هو ان الأصحاب ينسبون إلى الصدوق في الفقيه المذاهب في المسائل الشرعية بنقله الروايات، و قد عرفت انه بعد ذكر ما نقله عن والده المؤذن بإفتائه به كما نسبوه اليه نقل أيضا صحيحة زرارة و موثقة عمار الظاهرتين- و لا سيما الثانية- في الاكتفاء بالمسمى و لم يتعرض للقدح فيهما و لا الجواب عنهما مع انهما في مخالفة ما ذكره أولا ظاهرتان كما عرفت آنفا، و بالجملة فإن نقل القول عنه بذلك مع نقله الخبرين المذكورين لا يخلو من اشكال. و اللّٰه العالم.

(الثالث)- ان ينحني حتى يساوي موضع جبهته موقفه

إلا ان يكون العلو يسيرا بقدر لبنة بفتح اللام و كسر الباء و بكسر اللام و سكون الباء، و المراد بها ما كانت معتادة في زمن الأئمة (عليهم السلام) و قدرها الأصحاب بأربع أصابع تقريبا، و يؤيده اللبن الموجود الآن في ابنية بني العباس في سر من رأى فان الآجر الذي في أبنيتها بهذا المقدار تقريبا.

____________

(1) تقدمت ص 281.

(2) ص 280.

284

و أسند هذا التحديد اعني تحديد العلو الجائز باللبنة في المعتبر و المنتهى إلى الشيخ (قدس سره) ثم قال في المنتهى «و هو مذهب علمائنا» مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و كذا أسنده في الذكرى إلى الأصحاب، قال في المعتبر: لا يجوز ان يكون موضع السجود أعلى من موقف المصلى بما يعتد به مع الاختيار و عليه علماؤنا لأنه يخرج بذلك عن الهيئة المنقولة عن صاحب الشرع.

أقول: و يدل على ما ذكروه من التحديد باللبنة

ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن السجود على الأرض المرتفعة فقال إذا كان موضع جبهتك مرتفعا عن موضع بدنك قدر لبنة فلا بأس».

و مفهومه ثبوت البأس مع الزيادة على قدر اللبنة، و مفهوم الشرط حجة شرعية كما تقدم تحقيقه في مقدمات كتاب الطهارة.

و اعترض هذه الرواية في المدارك فقال انه يمكن المناقشة في سند الرواية بان من جملة رجالها النهدي و هو مشترك بين جماعة منهم من لم يثبت توثيقه، مع ان

عبد اللّٰه بن سنان روى في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن موضع جبهة الساجد أ يكون ارفع من مقامه؟ قال لا و ليكن مستويا».

و مقتضاها المنع من الارتفاع مطلقا، و تقييدها بالرواية الأولى مشكل. انتهى.

أقول: فيه ان الظاهر ان النهدي الذي في سند هذه الرواية هو الهيثم بن أبي مسروق بقرينة رواية محمد بن علي بن محبوب عنه و الرجل المذكور ممدوح في كتب الرجال فحديثه معدود في الحسن و له كتاب يرويه عنه جملة من الأجلاء: منهم- محمد بن علي بن محبوب و سعد بن عبد اللّٰه و محمد بن الحسن الصفار.

و يؤيد الخبر المذكور أيضا شهرة العمل به بين الطائفة و عدم الراد له سواه، و كذا يؤيده ما يأتي من موثقة عمار.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من السجود.

(2) الوسائل الباب 10 من السجود.

285

و حينئذ فيجب الجمع بينه و بين الصحيحة المذكورة بحمل الصحيحة المشار إليها على الفضل و الاستحباب، و يشير إلى ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عاصم بن حميد عن أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد؟ فقال اني أحب ان أضع وجهي في موضع قدمي و كرهه».

و روى هذه الرواية شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار (2) من كتاب عاصم بن حميد عن أبي بصير مثله إلا انه قال: «في مثل قدمي و كره ان يضعه الرجل».

و سياق هذه العبارة يعطي الأفضلية كما لا يخفى.

فوائد

(الأولى) [جواز انخفاض موضع السجود بأزيد من قدر لبنة]

- ظاهر كلام المتقدمين في هذه المسألة جواز المساواة و انخفاض موضع السجود مطلقا و ارتفاعه بقدر اللبنة، و الحق الشهيدان بالارتفاع الانخفاض فقيداه بقدر اللبنة أيضا و منعا من الزيادة على ذلك.

و يدل عليه

موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) «في المريض يقوم على فراشه و يسجد على الأرض؟ فقال إذا كان الفراش غليظا قدر آجرة أو أقل استقام له ان يقوم عليه و يسجد على الأرض و ان كان أكثر من ذلك فلا».

و مما يدل على جواز الانخفاض بقول مطلق

ما رواه الشيخ عن صفوان عن محمد بن عبد اللّٰه عن الرضا (عليه السلام) (4) في حديث «انه سأله عن من يصلي وحده فيكون موضع سجوده أسفل من مقامه؟ فقال إذا كان وحده فلا بأس».

و هي مطلقة في قدر اللبنة و أزيد كما هو ظاهر كلام المتقدمين إلا انه يجب تقييدها بالموثقة المذكورة جمعا، و به يظهر قوة ما ذكره الشهيدان. و يمكن تقييد كلام المتقدمين بذلك أيضا.

____________

(1) الوسائل الباب 10 من السجود.

(2) ج 18 الصلاة ص 362.

(3) الوسائل الباب 11 من السجود.

(4) الوسائل الباب 10 من السجود.

286

و اما ما ذكره في الذخيرة هنا- حيث قال: و الحق الشهيد الانخفاض بالارتفاع و تبعه على ذلك الشهيد الثاني و لم أجده في كلام غيرهما من المتقدمين عليهما بل المستفاد من كلامهم استحباب المساواة و عدم جواز الارتفاع بالمقدار المذكور حسب، و صرح المصنف في النهاية بجواز الانخفاض، و نقل في التذكرة الإجماع عليه، و يدل عليه صدق السجود معه فيحصل الامتثال، و استدل الشهيد بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار، ثم ساق الرواية كما قدمنا، ثم قال و هي غير ناهضة بإثبات التحريم. انتهى- فهو من جملة تشكيكاته الواهية المبنية على أصوله المخترعة التي هي لبيت العنكبوت- و انه لأوهن البيوت- مضاهية، فاني لا اعرف لعدم ثبوت التحريم وجها إلا ما صرح به في غير موضع من كتابه و نقلناه عنه في غير موضع مما تقدم من دعواه عدم دلالة الأمر في أخبارنا على الوجوب و كذا النهي غير دال على التحريم، و قد عرفت بطلان ذلك في غير مقام مما تقدم و انه موجب لخروج قائله من الدين من حيث لا يشعر.

و العجب هنا ان السيد السند في المدارك- بعد ان اعترض رواية عبد اللّٰه بن سنان المتقدمة الدالة على جواز ارتفاع موضع الجبهة بقدر اللبنة و رجح العمل بالصحيحة الدالة على المساواة- قال هنا بعد ان نقل عن الشهيد إلحاق الانخفاض بالارتفاع قدر لبنة: و هو حسن و يشهد له موثقة عمار ثم ساق الرواية كما ذكرناه.

و أنت خبير بما فيه من المناقضة الظاهرة حيث انه استشكل في تقييد الصحيحة المذكورة بالرواية الاولى و هو مؤذن بجموده على ظاهر الصحيحة من مساواة الموقف للمسجد و هذه الموثقة دالة على انخفاض موضع الجبهة، و بموجب استحسانه المذكور يلزم تقييد الصحيحة المذكورة بهذه الموثقة، مع انك قد عرفت ان الرواية الأولى حسنة.

و بالجملة فإن الظاهر من الأخبار المذكورة في المقام بضم بعضها إلى بعض و حمل بعضها على بعض هو أفضلية المساواة و جواز الارتفاع و الانخفاض بقدر اللبنة و ضعف هذه المناقشات الواهية.

(الثانية) [حكم سائر المساجد من حيث المساواة في العلو و الهبوط]

- صرح الشهيد بإجراء الحكم المذكور في جميع المساجد، قال في

287

الذكرى في تعداد مستحبات السجود: و منها مساواة مساجده في العلو و الهبوط، و جعله في الروض و في المدارك أحوط. و لم أقف فيه على نص و الذي وقفت عليه من نصوص المسألة هو ما ذكرته، قال في الذخيرة: و اعتبر الشهيد ذلك في بقية المساجد و لم أجده في كلام من تقدم عليه إلا ان المصنف في النهاية قال: يجب تساوي الأعالي و الأسافل أو انخفاض الأعالي و هو ظاهر في ما ذكره و الاحتياط فيه و ان كان إثبات وجوبه محل اشكال. انتهى.

و صرح جملة منهم بأنه لا فرق في جواز الارتفاع و الانخفاض بقدر اللبنة و المنع مما زاد بين الأرض المنحدرة و غيرها لإطلاق النص. و هو جيد.

(الثالثة) [لو وقعت جبهة المصلي على ما لا يصح السجود عليه]

- المفهوم من كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف إلا من صاحب المدارك و من تبعه كالفاضل الخراساني انه لو وقعت جبهته حال السجود على ما لا يصح السجود عليه مما هو أزيد من لبنة ارتفاعا أو انخفاضا أو غيره مما لا يصح السجود عليه فإنه يرفع رأسه و يضعه على ما يصح السجود عليه، و ان كان مما يصح السجود عليه و لكنه لا على الوجه الأكمل و أراد تحصيل الفضيلة و ما هو الأفضل في السجود فإنه يجر جبهته و لا يرفعها لئلا يلزم زيادة سجود ثان.

و قال في المدارك: لو وقعت جبهته على موضع مرتفع بأزيد من اللبنة فقد قطع المصنف و غيره بأنه يرفع رأسه و يسجد على المساوي لعدم تحقق السجود معه،

و لرواية الحسين بن حماد (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع؟ فقال ارفع رأسك ثم ضعه».

و في السند ضعف، و الاولى جرها مع الإمكان

لصحيحة معاوية بن عمار (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها و لكن جرها على الأرض».

و النبكة بالنون و الباء الموحدة مفتوحتين واحدة النبك و هي اكمة محدودة الرأس، و قيل النباك التلال الصغار.

____________

(1) الوسائل الباب 8 من السجود.

(2) الوسائل الباب 8 من السجود.

288

و جمع المصنف في المعتبر بين الروايتين بحمل هذه الرواية على مرتفع يصح معه السجود فيجب السحب لئلا يزيد في السجود. و هو بعيد. و لو وقعت الجبهة على ما لا يصح السجود عليه جرها إلى ما يسجد عليه و لا يرفعها مع الإمكان و مع التعذر يرفعها و لا شيء عليه. انتهى.

أقول: لا يخفى ان ما ذكره الأصحاب هو الأوفق بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، و استبعاده هنا لا اعرف له وجها وجيها إلا مجرد صحة سند رواية معاوية بن عمار و ضعف ما عداها من الرواية التي نقلها فمن أجل ذلك جمد على إطلاقها، و هذه قاعدته (قدس سره) كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم انه يدور مدار الأسانيد فمتى صح السند غمض عينيه و نام عليه و اضرب عن متن الخبر سواء خالف الأصول أو وافقها، و لم أقف على هذه الطريقة إلا في كلامه و كلام من اقتفاه و إلا فأصحاب هذا الاصطلاح يراعون متون الأخبار صح السند أو ضعف كما في هذا الموضع و غيره و بالجملة فما ذكره الأصحاب هو الأظهر، لأنه متى كان السجود باطلا بان يكون على موضع مرتفع بأزيد من لبنة أو كان على شيء لا يصح السجود عليه فإنه لا يعتبر به و لا يعد سجودا شرعيا، فرفع الرأس منه إلى ما يصح السجود عليه غير ضائر و لا مانع منه شرعا بخلاف ما لو وقعت جبهته على ما يصح السجود عليه فإنه بالرفع عنه و السجود مرة ثانية يلزم زيادة سجدة في الصلاة و يكون موجبا لبطلانها، و حينئذ يجب حمل صحيحة معاوية ابن عمار على ما ذكره في المعتبر.

و من روايات المسألة أيضا

رواية الحسين بن حماد الثانية (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يسجد على الحصى؟ قال يرفع رأسه حتى يستمكن».

و الظاهر حملها على عدم استقرار الجبهة و عدم حصول السجود الواجب فلا يضر رفع رأسه و السجود مرة ثانية.

و منها-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته

____________

(1) الوسائل الباب 8 من السجود.

(2) الوسائل الباب 8 من السجود.

289

عن الرجل يسجد على الحصا فلا يمكن جبهته من الأرض؟ فقال يحرك جبهته حتى يتمكن فينحي الحصا عن جبهته و لا يرفع رأسه».

و هي محمولة على حصول السجود الواجب بمجرد الوضع على الحصا و استقرار الجبهة عليه فلذا منعه من الرفع، و انما أمره بالتحريك لأجل تحصيل الفضيلة في وقوع الجبهة كملا على الأرض.

و منها-

رواية ثالثة للحسين بن حماد أيضا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أضع وجهي للسجود فيقع وجهي على حجر أو على شيء مرتفع أحول وجهي إلى مكان مستو؟ قال نعم جر وجهك على الأرض من غير ان ترفعه».

و التقريب فيها كما تقدم في نظيرها.

و منها-

ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة و الطبرسي في الاحتجاج (2) فرواه في كتاب الغيبة عن محمد بن احمد بن داود القمي قال: «كتب محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة يسأل عن المصلي يكون في صلاة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة و يضع جبهته على مسح أو نطع فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها؟ فوقع (عليه السلام): ما لم يستو جالسا فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة».

و ظاهره لا يخلو من اشكال لما يعتريه من غشاوة الإجمال و فيه دلالة على جواز الرفع لتحصيل السجادة ثم السجود عليها مرة أخرى لعدم الاعتداد بالسجود الأول لكونه وقع على ما لا يصح السجود عليه. إلا ان التقييد بالاستواء جالسا و عدمه لا اعرف له وجها.

(الرابع)- الذكر حال السجود

و قد تقدم الكلام في ذلك في الركوع، و البحث في هذه المسألة حسبما تقدم ثمة خلافا و استدلالا و اختيارا.

(الخامس)- الطمأنينة

و قد تقدم البحث فيها ثمة أيضا، و قال في المدارك: اما وجوب الطمأنينة بقدر الذكر الواجب فهو قول علمائنا اجمع و تدل عليه مضافا إلى التأسي

____________

(1) الوسائل الباب 8 من السجود.

(2) الوسائل الباب 8 من السجود.

290

روايتا حريز و زرارة المتقدمتان. انتهى. و فيه ان التأسي لا يصلح دليلا على الوجوب كما تقدم ذكره في غير مقام و صرح به جملة الاعلام و ان اضطرب كلامه فيه كما عرفته في ما تقدم.

و اما ما ذكره من الروايتين المشار إليهما فلم يتقدما في كلامه و الظاهر انه من سهو رؤوس اقلامه، و نحن قد أسلفنا في فصل الركوع انهم لم يأتوا بدليل على وجوب الطمأنينة زيادة على الاتفاق على الحكم المذكور، و قد قدمنا ثمة (1)

صحيح زرارة أو حسنه الدال على انه (صلى اللّٰه عليه و آله) رأى رجلا يصلي فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال: «نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتن على غير ديني».

و هو واضح الدلالة على وجوب الطمأنينة في كل من الموضعين، و مثله

ما رواه البرقي في المحاسن قال و في رواية عبد اللّٰه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «أبصر علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجلا ينقر صلاته فقال منذ كم صليت بهذه الصلاة؟

فقال له الرجل منذ كذا و كذا. فقال مثلك عند اللّٰه كمثل الغراب إذا ما نقر لو متّ متّ على غير ملة أبي القاسم محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)، ثم قال (عليه السلام) ان أسرق الناس من سرق من صلاته».

(السادس)- رفع الرأس بعد السجدة الاولى و الجلوس مطمئنا

، و هو مذهب العلماء كافة و نقل عليه الإجماع جملة من الاعلام و تدل عليه النصوص قولا و فعلا، و لا حد لهذه الطمأنينة بل بما يحصل مسماها.

(المقام الثاني)- في مستحبات السجود:

منها- التكبير للأخذ فيه و الرفع منه

على المشهور، و قد تقدم البحث في ذلك في فصل الركوع و الخلاف الخلاف و الدليل الدليل و قد تقدم تحقيق القول في المسألة.

و منها- ان يكبر قائما قبل السجود

لقوله (عليه السلام)

في صحيحة زرارة المتقدمة في صدر الباب (3) «فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير و خر ساجدا».

____________

(1) ص 242.

(2) الوسائل الباب 9 من أعداد الفرائض.

(3) ص 3.

291

و في رواية المعلى بن خنيس (1) «يكبر هاويا».

و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في المقام الثاني في مستحبات الركوع.

و منها- ان يبدأ بيديه فيضعهما على الأرض قبل ركبتيه

و نقل عليه الإجماع.

و عليه يدل قوله (عليه السلام)

في صحيح زرارة المذكور (2) «و ابدأ بيديك فيضعهما على الأرض قبل ركبتيك تضعهما معا».

و يدل على ذلك أيضا

صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يضع يديه قبل ركبتيه إذا سجد و إذا أراد ان يقوم رفع ركبتيه قبل يديه».

و رواية الحسين بن أبي العلاء (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه في الصلاة؟ قال نعم».

و صحيحة محمد بن مسلم (5) قال: «سئل عن الرجل يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه؟ قال نعم يعني في الصلاة».

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)- (6) قال: «لا بأس إذا صلى الرجل ان يضع ركبتيه على الأرض قبل يديه».

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (7) قال: «سألته عن الرجل إذا ركع ثم رفع رأسه أ يبدأ فيضع يديه على الأرض أم ركبتيه؟

قال لا يضره بأي ذلك بدأ هو مقبول منه».

فحملهما الشيخ في التهذيبين على الضرورة و من لا يتمكن. و الأظهر حملهما على الجواز لأن المقام مقام استحباب فلا ينافيه جواز خلافه.

بقي الكلام في ان ظاهر هذه الأخبار و لا سيما الاولى انه يضع اليدين دفعة

____________

(1) ص 265.

(2) ص 3.

(3) الوسائل الباب 1 من السجود.

(4) الوسائل الباب 1 من السجود.

(5) الوسائل الباب 1 من السجود.

(6) الوسائل الباب 1 من السجود.

(7) الوسائل الباب 1 من السجود.

292

واحدة من غير ترتيب بينهما، و في رواية عمار (1) انه يضع اليمنى قبل اليسرى، و نقل عن الجعفي. و العمل بالمشهور أظهر لما عرفت من الأخبار الصحيحة المذكورة.

و منها- ان يكون حال سجوده مجنحا

بالجيم ثم النون المشددة و الحاء المهملة أي رافعا مرفقيه عن الأرض جاعلا يديه كالجناحين، و نقل على استحباب التجنيح الإجماع.

و يدل على ذلك قوله (عليه السلام)

في صحيح زرارة المشار اليه آنفا (2) «و لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ذراعيه و لا تضعن ذراعيك على ركبتيك و فخذيك و لكن تجنح بمرفقيك. الحديث».

و في حديث حماد (3) «و لم يستعن بشيء من جسده على شيء منه في ركوع و لا سجود و كان مجنحا و لم يضع ذراعيه على الأرض».

أقول: قوله «و كان مجنحا» يعني في ركوعه و سجوده، و قوله «و لم يضع ذراعيه على الأرض» عطف تفسيري على قوله «مجنحا».

و روى في الكافي عن حفص الأعور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«كان علي (عليه السلام) إذا سجد يتخوى كما يتخوى البعير الضامر يعني بروكه».

قال المحدث الكاشاني في الوافي: كذا في النسخ التي رأيناها من باب التفعل و ضبطه أهل اللغة من باب التفعيل، قال في النهاية: فيه «انه كان إذا سجد خوى» اي جافى بطنه عن الأرض و رفعه و جافى عضديه عن جنبيه حتى يخوى ما بين ذلك، و منه

حديث علي (عليه السلام) «إذا سجد الرجل فليخو و إذا سجدت المرأة فلتحتفز».

و في

____________

(1) أشار إلى هذه الرواية في البحار ج 18 الصلاة ص 184 بعد ان حكى عن الذكرى رواية السبق باليمنى إجمالا. و قد أشار المتأخرون عن المجلسي إلى رواية عمار في المقام إلا انى لم أعثر عليها في كتب الأخبار بعد الفحص في مظانها.

(2) ص 3.

(3) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من السجود.

293

القاموس: خوى في سجوده تخوية تجافى و فرج ما بين عضديه و جنبيه. انتهى و هو التجنيح الذي دلت عليه الأخبار المذكورة.

و روى في البحار (1) عن جامع البزنطي نقلا من خط بعض الأفاضل عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا سجدت فلا تبسط ذراعيك كما يبسط السبع ذراعيه و لكن جنح بهما فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يجنح بهما حتى يرى بياض إبطيه».

و نقل في الذكرى عن ابن الجنيد انه قال: لو لم يجنح الرجل كان أحب الي. و هو محجوج بالأخبار المذكورة.

و منها- مماسة كفيه الأرض حال سجوده

لقوله (عليه السلام) في الصحيح المشار اليه (2): «و ان كان تحتهما ثوب فلا يضرك و ان أفضيت بهما إلى الأرض فهو أفضل».

و ما رواه الشيخ عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ضعوا اليدين حيث تضعون الوجه فإنهما يسجدان كما يسجد الوجه».

و ما رواه في الفقيه عن السكوني عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (4) «إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض لعل اللّٰه تعالى يدفع عنه الغل يوم القيامة».

و روى في التهذيب عن أبي حمزة (5) قال «قال أبو جعفر (عليه السلام) لا بأس ان تسجد و بين كفيك و بين الأرض ثوبك».

و هو محمول على الجواز كما تضمنه صحيح زرارة المتقدم.

____________

(1) ج 18 الصلاة ص 363.

(2) ص 3.

(3) الوسائل الباب 10 من السجود.

(4) الوسائل الباب 4 من السجود.

(5) الوسائل الباب 5 من ما يسجد عليه.

294

و منها- ضم الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلا بها القبلة حال وضعها على الأرض

لقوله (عليه السلام) في الصحيح المذكور (1) «و لا تفرجن بين أصابعك في سجودك و لكن ضمهن جميعا».

و في صحيح حماد (2) «و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه».

و ظاهر الخبرين المذكورين شمول الضم للأصابع الخمس بعضها إلى بعض. و نقل في كتاب الذكرى عن ابن الجنيد تفريق الإبهام عنها و نقله في كتاب الحبل المتين عن بعض علمائنا، قال و لم أظفر بمستنده.

و اما استقبال القبلة بالأصابع فقد ذكره الشيخان و ابن الجنيد و غيرهم و لم أظفر بمستنده إلا

في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال: «و ضم أصابعك وضعها مستقبل القبلة».

و قد روى أيضا التفريق في وضع الأصابع رواه زيد النرسي في كتابه عن سماعة ابن مهران (4) «انه رأى أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا سجد بسط يديه على الأرض بحذاء وجهه و فرج بين أصابع يديه و يقول انهما يسجدان كما يسجد الوجه».

و يمكن حمله على الجواز جمعا أو لعذر أو خصوص الإبهام كما ذهب اليه ابن الجنيد.

و منها- السجود على الأرض

لأنه أبلغ في التذلل و الخضوع و لا سيما على التربة الحسينية (على مشرفها أفضل التحية) و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في آخر المسألة السادسة من كتاب المكان (5) فليراجع.

و منها- الإرغام بأنفه

اى إلصاق الأنف بالرغام و هو التراب، و ادعى الإجماع على استحبابه جملة من الأصحاب، و ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه الوجوب حيث قال: الإرغام سنة في الصلاة فمن تركه متعمدا فلا صلاة له.

قال في المدارك: و يدل على الاستحباب مضافا إلى الإجماع صحيحتا زرارة و حماد

____________

(1) ص 4.

(2) ص 3.

(3) ص 7.

(4) مستدرك الوسائل الباب 20 من السجود.

(5) ج 7 ص 259.

295

المتقدمتان (1)

و موثقة عمار عن الصادق عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) انه قال «لا تجزئ صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين».

و هي محمولة على نفي الاجزاء الكامل. انتهى.

و فيه ان ما أورده من الأخبار لا دلالة فيه على الاستحباب بل هو بالدلالة على خلافه أشبه. أما

صحيحة زرارة فإن الذي فيها «فاما الفرض فهذه السبعة و اما الإرغام بالأنف فسنة من النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و اما

صحيحة حماد فإن الذي فيها «و سجد على ثمانية أعظم، ثم عدها و قال سبع منها فرض يسجد عليها و هي التي ذكرها اللّٰه عز و جل في كتابه قال وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً (3) و وضع الأنف على الأرض سنة».

و روى الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح أو الحسن بإبراهيم عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «السجود على سبعة أعظم: الجبهة و الكفين و الركبتين و الإبهامين، و ترغم بأنفك. اما المفترض فهذه السبعة و اما الإرغام فسنة».

و أنت خبير مما أسلفنا تحقيقه في غير مما تقدم ان لفظ السنة و ان كان من الألفاظ المشتركة بين ما ثبت وجوبه بالسنة و بين المستحب إلا انه متى قوبل بالفرض ترجح كونه بالمعنى الأول، فهو ان لم يكن بمعنى الواجب هنا فلا أقل من تساوى الاحتمالين الموجب لبطلان الاستدلال به في البين.

و اما موثقة عمار التي نقلها فهي ظاهرة الدلالة في خلاف مدعاه و لهذا احتاج إلى ارتكاب التأويل في الاستدلال بها.

و نحوها أيضا

ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عبد اللّٰه بن

____________

(1) تقدمتا ص 2 و 3.

(2) الوسائل الباب 4 من السجود. و في التهذيب ج 1 ص 221 و الوافي باب السجود و الوسائل هكذا «عن جعفر عن أبيه «ع» قال قال على «ع».».

(3) سورة الجن، الآية 18.

(4) الوسائل الباب 4 من السجود.

296

المغيرة (1) قال: «أخبرني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول لا صلاة لمن لم يصب انفه ما يصيب جبينه».

و بذلك يظهر قوة ما نقل عن الصدوق إلا انه يمكن الاستدلال للقول المشهور

برواية محمد بن مصادف (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول انما السجود على الجبهة و ليس على الأنف سجود».

و ضعف سنده بهذا الاصطلاح المحدث مجبور بشهرة العمل به حتى ادعى الإجماع عليه كما عرفت.

و قضية الجمع بين الأخبار حمل السنة في الصحيحتين الأوليين على معنى المستحب و حمل الخبرين الأخيرين على تأكيد الاستحباب

كقوله (عليه السلام) (3) «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».

فوائد

(الأولى) [تعريف الإرغام بالأنف]

- ظاهر كلام الأصحاب ان المراد بالإرغام المستحب في هذا المقام هو وضع الأنف على الرغام و هو التراب أو ما يصح السجود عليه مطلقا، صرح بذلك الشهيدان و من تأخر عنهما.

و يظهر من بعض الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) ان الإرغام بالأنف غير السجود على الأنف و انهما سنتان، قال شيخنا البهائي (قدس سره) في تفسير حديث حماد من كتاب الأربعين الحديث: ما تضمنه الحديث من سجوده (عليه السلام) على الأنف الظاهر انه سنة مغايرة للإرغام المستحب في السجود، فإنه وضع الأنف على الرغام بفتح الراء و هو التراب، و السجود على الأنف- كما

روى عن علي (عليه السلام) (4) «لا تجزئ صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين».

- يتحقق بوضعه على ما يصح السجود عليه و ان لم يكن ترابا. و ربما قيل الإرغام يتحقق بملاصقة الأنف الأرض

____________

(1) الوسائل الباب 4 من السجود.

(2) الوسائل الباب 4 من السجود.

(3) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.

(4) الوسائل الباب 4 من السجود.

297

و ان لم يكن معه اعتماد، و لهذا فسره بعض علمائنا بمماسة الأنف التراب، و السجود يكون معه اعتماد في الجملة، فبينهما عموم من وجه. و في كلام شيخنا الشهيد ما يعطى أن الإرغام و السجود على الأنف أمر واحد مع انه عد في بعض مؤلفاته كلا منهما سنة على حدة.

ثم على تفسير الإرغام بوضع الأنف على التراب هل تتأدى سنة الإرغام بوضعه على مطلق ما يصح السجود عليه و ان لم يكن ترابا؟ حكم بعض الأصحاب بذلك و جعل التراب أفضل.

و فيه ما فيه، فليتأمل. انتهى.

أقول: وجه التأمل على ما ذكره في الحاشية انه قياس مع الفارق. ثم أقول لا يخفى ان ما ذكره شيخنا المشار اليه و رجحه- من المغايرة بين الإرغام و السجود على الأنف و ان بينهما عموما من وجه- ليس كذلك فان الظاهر ان هذه التعبيرات في الأخبار من لفظ الإرغام في بعض و لفظ السجود في بعض انما خرج مخرج المسامحة في التعبير و إلا فالمراد أمر واحد و هو وضع الأنف على ما يصح السجود عليه من إرغام و غيره، و ذكر الإرغام انما هو من حيث أفضلية السجود على الأرض بالجبهة و الأنف تابع لها في ذلك و مما يشير إلى ذلك التعبير في موثقة عمار (1)

بقوله (عليه السلام) «لا تجزئ صلاة لا يصيب الأنف ما يصيب الجبين».

و نحوها مرسلة عبد اللّٰه بن المغيرة (2) ألا ترى انه عبر هنا بمجرد الإصابة التي هي أعم من السجود المأخوذ فيه الاعتماد؟ و بمقتضى كلامه ينبغي ان يكون هذا قسما ثالثا و ليس كذلك بل انما هو مبني على التوسع في التعبير.

(الثانية) [موضع الإرغام من الأنف]

- إطلاق الأخبار المتقدمة يقتضي حصول السنة بإصابة أي جزء من الأنف، و نقل عن المرتضى (رضي اللّٰه عنه) اعتبار اصابة الطرف الأعلى الذي يلي الحاجبين، و هو صريح عبارة ابن إدريس التي قدمنا نقلها في صدر المقام الأول. و قال ابن الجنيد يماس الأرض بطرف الأنف و خديه إذا أمكن ذلك للرجل و المرأة.

أقول: و ربما يشير إلى قول المرتضى ما في بعض الأخبار التي لا يحضرني الآن

____________

(1) الوسائل الباب 4 من السجود.

(2) ص 295- 296.

298

موضعها عن بعض الأصحاب من انه رأى علي بن الحسين (عليهما السلام) و عنده من يأخذ من لحم عرنينه (1) و العرنين طرف الأنف الأعلى. و الظاهر ان الأخذ منه لكونه بكثرة السجود عليه قد مات لحمه فيكون من قبيل الثفنات التي كانت في بدنه (عليه السلام) كالجبهة و الركبتين.

و يمكن تأييد القول المشهور زيادة على إطلاق الأخبار

بقوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «و ترغم بأنفك و منخريك في موضع الجبهة».

و التقريب فيها ان المنخرين عبارة عن ثقبي الأنف و الثقبان ممتدان من رأس الأنف الأسفل إلى أعلاه فالارغام يحصل من أسفل الأنف إلى أعلاه فأي جزء باشر به الأرض و نحوها حصلت به سنة الإرغام.

(الثالثة) [يشترط في الإرغام ما يشترط في السجود]

- ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب ان الإرغام المستحب و السجود على الأنف يشترط فيه ما يشترط في الجبهة مما يصح السجود فيها عليه فلا يجزئ السجود به على ما يضع عليه سائر المساجد الباقية، و احتمل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين الاكتفاء بما يضع عليه سائر المساجد و الظاهر ضعفه.

و منها- الدعاء حال السجود

و لا سيما بالمأثور،

روى الكليني عن عبد الرحمن ابن سيابة (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أدعو و انا ساجد؟ قال نعم فادع للدنيا و الآخرة فإنه رب الدنيا و الآخرة».

و عن عبد اللّٰه بن عجلان (4) قال: «شكوت إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) تفرق أموالنا و ما دخل علينا فقال عليك بالدعاء و أنت ساجد فإن أقرب ما يكون العبد إلى اللّٰه

____________

(1) سيأتي ص 300 في حديث الفضل بن عبد اللّٰه عن أبيه حكاية ذلك عن موسى بن جعفر (ع).

(2) ص 9.

(3) الوسائل الباب 17 من السجود.

(4) الوسائل الباب 17 من السجود و في فروع الكافي ج 1 ص 89 و الوسائل «عبد اللّٰه بن هلال».

299

عز و جل و هو ساجد؟ قال قلت فأدعو في الفريضة و أسمي حاجتي؟ فقال نعم قد فعل ذلك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فدعا على قوم بأسمائهم و أسماء آبائهم و فعله علي (عليه السلام) بعده».

و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب محمد بن علي ابن محبوب (1).

و عن زيد الشحام عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ادع في طلب الرزق في المكتوبة و أنت ساجد: يا خير المسؤولين و يا خير المعطين ارزقني و ارزق عيالي من فضلك فإنك ذو الفضل العظيم».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (3) قال: «صلى بنا أبو بصير في طريق مكة فقال و هو ساجد و قد كانت ضلت ناقة لجمالهم: اللهم رد على فلان ناقته. قال محمد فدخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فأخبرته فقال و فعل؟ فقلت نعم قال و فعل؟

قلت نعم. قال فسكت. قلت فأعيد الصلاة؟ فقال لا».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«إذا سجدت فكبر و قل: اللهم لك سجدت و بك آمنت و لك أسلمت و عليك توكلت و أنت ربي سجد وجهي للذي خلقه و شق سمعه و بصره الحمد للّٰه رب العالمين تبارك اللّٰه أحسن الخالقين، ثم قل سبحان ربي الأعلى (5) «ثلاث مرات» فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين: اللهم اغفر لي و ارحمني و أجرني و ادفع عني إني لما أنزلت الي من خير فقير تبارك اللّٰه رب العالمين».

و عن أبي عبيدة الحذاء في الصحيح (6) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول و هو ساجد: أسألك بحق حبيبك محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا بدلت سيئاتي حسنات و حاسبتني حسابا يسيرا. ثم قال في الثانية: أسألك بحق حبيبك محمد (صلى اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 17 من السجود.

(2) الوسائل الباب 17 من السجود.

(3) الوسائل الباب 17 من السجود.

(4) الوسائل الباب 2 من السجود.

(5) في الكافي ج 1 ص 88 و الوسائل «و بحمده».

(6) الوسائل الباب 2 من السجود.

300

عليه و آله) إلا كفيتني مؤنة الدنيا و كل هول دون الجنة. و قال في الثالثة: أسألك بحق حبيبك محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) لما غفرت لي الكثير من الذنوب و القليل و قبلت مني عملي اليسير. ثم قال في الرابعة: أسألك بحق حبيبك محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) لما أدخلتني الجنة و جعلتني من سكانها و لما نجيتني من سعفات النار برحمتك و صلى اللّٰه على محمد و آله».

الى غير ذلك مما هو مذكور في مظانه.

و منها- استحباب زيادة التمكن في السجود لتحصيل أثره

الذي مدح اللّٰه تعالى عليه بقوله عز و جل «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» (1).

و روى السكوني عن الصادق (عليه السلام) (2) قال «قال علي (عليه السلام) اني لأكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها اثر السجود».

و روى إسحاق بن الفضل عن الصادق (عليه السلام) (3) «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يحب ان يمكن جبهته من الأرض».

و روى الصدوق في كتاب العلل عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال «ان أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) كان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمى السجاد لذلك».

و روى في الكافي عن محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الباقر (عليهم السلام) (5) قال: «كان لأبي (عليه السلام) في موضع سجوده آثار نابتة و كان يقطعها في السنة مرتين في كل مرة خمس ثقبات فسمى ذا الثقبات لذلك».

و روى الصدوق في كتاب عيون الأخبار بسنده عن عبد اللّٰه بن الفضل عن أبيه (6) في حديث «انه دخل على ابي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال فإذا

____________

(1) سورة الفتح الآية 29.

(2) الوسائل الباب 21 من السجود.

(3) الوسائل الباب 17 من ما يسجد عليه.

(4) الوسائل الباب 21 من السجود.

(5) الوسائل الباب 21 من السجود.

(6) الوسائل الباب 21 من السجود.

301

انا بغلام اسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه و عرنين انفه من كثرة سجوده».

و منها- انه يستحب للمرأة ان ترفع شعرها عن جبهتها

و ان كانت تصيب ببعضها الأرض لزيادة التمكين:

لما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تطول قصتها فإذا سجدت وقع بعض جبهتها على الأرض و بعض يغطيه الشعر هل يجوز ذلك؟ قال لا حتى تضع جبهتها على الأرض».

هذا مع ما دل على عدم وجوب استيعاب الجبهة بالسجود بل يكفي المسمى كما تقدم بيانه.

و قال ابن الجنيد: لا يستحب للمرأة ان تطول قصتها حتى يستر شعرها بعض جبهتها عن الأرض أو ما تسجد عليه.

و (منها)- كشف باقي الأعضاء

، قال في المبسوط: و لم نقف على مستنده.

و اما الجبهة فلا ريب في وجوب كشفها.

و منها- نظره في حال سجوده إلى طرف انفه

، قال في الذكرى: قاله جماعة من الأصحاب. و هو يؤذن بعدم وقوفه على مستنده، و بذلك صرح غيره أيضا.

و مستنده الذي وقفت عليه

ما في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام): «و يكون بصرك في وقت السجود إلى انفك و بين السجدتين في حجرك و كذلك في وقت التشهد».

أقول: و المتأخرون قد نقلوا هذا الحكم و كذلك استحباب النظر في حال التشهد إلى حجره و اعترفوا بعدم وجود المستند و انما عللوا ذلك- بعد كراهة التغميض في الصلاة- بأنه أبلغ في الخشوع و الإقبال على العبادة. و الخبر المذكور كما ترى صريح في ذلك و الظاهر انه مستند الحكم عند المتقدمين سيما الصدوقين كما عرفت في غير مقام.

و منها- ان يكون نظره في حال جلوسه بين السجدتين إلى حجره

، لما عرفته

____________

(1) الوسائل الباب 14 من ما يسجد عليه.

(2) ص 8.

302

من عبارة كتاب الفقه الرضوي المذكور، قال في الذكرى في تعداد مستحبات السجود:

و منها- ان يكون نظره في حال جلوسه بين السجدتين إلى حجره، قاله المفيد و سلار، و أطلق ابن البراج ان الجالس ينظر إلى حجره. انتهى. و هو مؤذن بما ذكرناه آنفا كما لا يخفى.

و منها- مساواة مسجده لموقفه

لقول الصادق (عليه السلام) في ما تقدم (1): اني أحب ان أضع وجهي في موضع قدمي.

و كره رفع الجبهة عن الموقف.

و قد تقدم انه يجوز الارتفاع و الانخفاض بقدر اللبنة و ان كان الأفضل المساواة و قال ابن الجنيد: و لا نختار ان يكون موضع السجود إلا مساويا لمقام المصلي من غير رفع و لا هبوط فان كان بينهما قدر أربع أصابع مقبوضة جاز ذلك مع الضرورة لا الاختيار و لو كان علو مكان السجود كانحدار التل و مسيل الماء جاز ما لم يكن في ذلك تحرف و تدريج و ان تجاوز أربع أصابع لضرورة. انتهى.

و منها- وضع اليدين حال السجود حيال المنكبين

لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) «و لا تلزق كفيك بركبتيك و لا تدنهما من وجهك بين ذلك حيال منكبيك».

اي اجعلهما بين ذلك حيال منكبيك.

أو حيال وجهه كما هو ظاهر

صحيح حماد (3) حيث قال فيه: «ثم سجد و بسط كفيه مضمومتي الأصابع بين يدي ركبتيه حيال وجهه و قال سبحان ربي الأعلى و بحمده. الحديث».

و منها- ان يجلس بعد السجدة الثانية مطمئنا

على المشهور و هي جلسة الاستراحة و قال ابن الجنيد إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الاولى و الثالثة حتى يماس ألياه الأرض أو اليسرى وحدها يسيرا ثم يقوم جاز ذلك. و قال على بن بابويه: لا بأس ان لا يقعد في النافلة، كذا ذكره في الذكرى.

____________

(1) ص 285.

(2) ص 4.

(3) ص 3.

303

و ذهب المرتضى (رضي اللّٰه عنه) الى وجوب الجلوس هنا محتجا بالإجماع و الاحتياط، و احتج له

العلامة في المختلف بما رواه الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة الأولى حين تريد ان تقوم فاستو جالسا ثم قم».

قال فان ظاهر الأمر الوجوب.

و اعترضه في المدارك بأنه معارض

بما رواه الشيخ عن زرارة (2) قال: «رأيت أبا جعفر و أبا عبد اللّٰه (عليهما السلام) إذا رفعا رؤوسهما من السجدة الثانية نهضا و لم يجلسا».

قال و السندان متقاربان ثم قال: و يدل على الاستحباب مضافا إلى ما سبق

صحيحة عبد الحميد بن عواض (3) «انه رأى أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى جلس حتى يطمئن ثم يقوم».

انتهى.

أقول: الظاهر ان عمدة أدلتهم على الاستحباب هو رواية زرارة المذكورة و الذي يظهر لي إنما خرجت مخرج التقية (4):

لما رواه الشيخ في التهذيب عن الأصبغ بن نباتة (5) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رفع رأسه من السجود قعد حتى يطمئن ثم يقوم فقيل له يا أمير المؤمنين كان من قبلك أبو بكر و عمر إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نهضوا على صدور اقدامهم كما تنهض

____________

(1) الوسائل الباب 5 من السجود.

(2) الوسائل الباب 5 من السجود.

(3) الوسائل الباب 5 من السجود.

(4) في فتح الباري ج 2 ص 304 «قال الشافعي و طائفة من أهل الحديث بمشروعية جلسة الاستراحة و عن احمد روايتان، و ذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها و لم يستحبها الأكثر» و في المغني ج 1 ص 529 «اختلفت الرواية عن احمد هل يجلس للاستراحة؟

فروى عنه لا يجلس و هو اختيار الخرقي و روى ذلك عن عمر و على و ابن مسعود و ابن عمر و ابن عباس و به قال مالك و الثوري و إسحاق و أصحاب الرأي، و قال أحمد أكثر الأحاديث على هذا، و قال الترمذي عليه العمل عند أهل العلم، و قال أبو الزناد تلك السنة. و الرواية الثانية أنه يجلس اختارها الخلال و هو أحد قولي الشافعي».

(5) الوسائل الباب 5 من السجود.

304

الإبل؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) انما يفعل ذلك أهل الجفاء من الناس ان هذا من توقير الصلاة».

و نحوه

ما رواه زيد النرسي في كتابه (1) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك في الصلاة قبل ان تقوم فاجلس جلسة ثم بادر بركبتيك إلى الأرض قبل يديك و ابسط يديك بسطا و اتك عليهما ثم قم فان ذلك وقار المؤمن الخاشع لربه، و لا تطش من سجودك مبادرا إلى القيام كما يطيش هؤلاء الأقشاب في صلاتهم».

و يؤكده

ما رواه الصدوق في كتاب الخصال بسند معتبر عن أبي بصير و محمد ابن مسلم عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) اجلسوا في الركعتين حتى تسكن جوارحكم ثم قوموا فان ذلك من فعلنا».

و اما

ما رواه الشيخ في التهذيب عن رحيم (3)- قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك أراك إذا صليت فرفعت رأسك من السجود في الركعة الاولى و الثالثة تستوي جالسا ثم تقوم فنضع كما تصنع؟ قال لا تنظروا إلى ما أصنع أنا اصنعوا ما تؤمرون».

- فالظاهر عندي ان السائل في هذه الرواية من المخالفين فلذا منعه من الاقتداء به و امره بما هم عليه من المبادرة إلى القيام و عدم الجلوس، و إلا فلو كان من الشيعة كيف يمنعه من العمل بما صنع هو (عليه السلام) و الحال انه السنة المأمور بها و يأمره بخلاف ذلك مما يوهم انه مأمور به مع انه ليس بمأمور به عندنا و انما ذلك عند مخالفينا؟ و قد نقل القول بذلك في المنتهى عن جمهور المخالفين و لم ينقل خلافه إلا في رواية عن الشافعي و رواية عن احمد و في الروايتين الأخيرتين وفاقا للأكثر القيام من غير جلوس (4) و متى ثبت خروج الخبر المذكور مخرج التقية انتفى المعارض لما دلت عليه رواية

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 5 من السجود.

(2) مستدرك الوسائل الباب 5 من السجود.

(3) الوسائل الباب 5 من السجود.

(4) ص 303 التعليقة (4).

305

أبي بصير من الأمر بالجلوس و تؤكده الروايات الباقية.

و بالجملة فإن الأخبار المذكورة بعد حمل خبر زرارة على ما ذكرناه غير منافية لما ذهب اليه السيد المرتضى (قدس سره) بل قابلة للانطباق عليه، فان منها ما دل على حكاية فعلهم (عليهم السلام) في الجلوس، و منها ما دل على الأمر به، و غاية ما استدلوا به رواية زرارة و قد عرفت الوجه فيها.

و من العجب قول السيد السند (قدس سره): «و يدل على الاستحباب مضافا إلى ما سبق صحيحة عبد الحميد بن عواض.» و ذلك فان فعله (عليه السلام) لذلك أعم من الوجوب و الاستحباب بل يلزم- بما ذكره في غير موضع من الاستدلال بالتأسي على الوجوب- دلالة الرواية المذكورة على الوجوب فأين الدلالة على الاستحباب؟

و منها- التورك في الجلوس بين السجدتين و في جلسة الاستراحة

و كذا في التشهد كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى، بان يجلس على وركه الأيسر و يخرج رجليه جميعا من تحته و يجعل رجله اليسرى على الأرض و ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى و يفضي بمقعدته إلى الأرض، هكذا فسره الشيخ (قدس سره) و من تبعه من المتأخرين. و نقل عن المرتضى في المصباح انه قال: يجلس مماسا بوركه الأيسر مع ظاهر فخذه اليسرى للأرض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الأيسر و ينصب طرف إبهام رجله اليمنى على الأرض و يستقبل بركبتيه معا القبلة. و قال ابن الجنيد في الجلوس بين السجدتين انه يضع ألييه على بطن قدميه و لا يقعد على مقدم رجليه و أصابعهما و لا يقعي إقعاء الكلب. و قال في تورك التشهد يلزق ألييه جميعا و وركه الأيسر و ظاهر فخذه الأيسر بالأرض و لا يجزئه غير ذلك و لو كان في طين، و يجعل باطن ساقه الأيمن على رجله اليسرى و باطن فخذه الأيمن على عرقوبه الأيسر و يلزق طرف إبهام رجله اليمنى مما يلي طرفها الأيسر بالأرض و باقي أصابعها عاليا عليها و لا يستقبل بركبتيه جميا القبلة.

306

أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك ما تقدم

في صحيحة حماد (1) حيث قال: «ثم قعد على فخذه الأيسر و قد وضع ظاهر قدمه الأيمن على بطن قدمه الأيسر و قال: «استغفر اللّٰه ربي و أتوب إليه» ثم كبر و هو جالس و سجد السجدة الثانية».

و ما تقدم

في صحيحة زرارة (2) قال: «و إذا قعدت في تشهدك فألصق ركبتيك بالأرض و فرج بينهما شيئا و ليكن ظاهر قدمك اليسرى على الأرض و ظاهر قدمك اليمنى على باطن قدمك اليسرى و الياك على الأرض و طرف إبهامك اليمنى على الأرض، و إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكون قاعدا على الأرض فيكون انما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد و الدعاء».

و الظاهر هو القول الأول من الأقوال الثلاثة المتقدمة لظاهر هذين الخبرين و لا سيما الثاني، قال في الذكرى: و منها التورك بين السجدتين بان يجلس على وركه الأيسر و يخرج رجليه جميعا من تحته و يجعل رجله اليسرى على الأرض و ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى و يفضي بمقعدته إلى الأرض كما في خبر جماد. و لا يستحب عندنا الافتراش و هو ان يثني رجله اليسرى فيبسطها و يجلس عليها و ينصب رجله اليمنى و يخرجها من تحته و يجعل بطون أصابعه على الأرض معتمدا عليها ليكون أطرافها إلى القبلة، و يظهر من

خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) كراهته حيث قال:

«و إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكون قاعدا على الأرض انما قعد بعضك على بعض».

انتهى.

و منها- الدعاء بعد الجلوس من السجدة الأولى

، قال في المنتهى: إذا جلس عقيب السجدة الأولى دعا مستحبا ذهب إليه علماؤنا.

و قد تقدم

في صحيحة الحلبي أو حسنته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4)

____________

(1) ص 3.

(2) ص 4.

(3) ص 4.

(4) ص 299.

307

«فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين: اللهم اغفر لي و ارحمني و أجرني.

الدعاء إلى آخره».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «و قل بين سجدتيك اللهم اغفر لي و ارحمني و اهدني و عافني فإني لما أنزلت الي من خير فقير، ثم اسجد الثانية».

و في صحيح حماد (2) «ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال اللّٰه أكبر.

و قال استغفر اللّٰه ربي و أتوب إليه، ثم كبر و هو جالس و سجد السجدة الثانية».

و منها- ان يدعو عند القيام معتمدا على يديه سابقا برفع ركبتيه

، و هو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم في حديث قد تقدم قريبا (3) قال: «و إذا أراد ان يقوم رفع ركبتيه قبل يديه».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا سجد الرجل ثم أراد ان ينهض فلا يعجن بيديه في الأرض و لكن يبسط كفيه من غير ان يضع مقعدته على الأرض».

قال في الوافي: و لعل المراد بقوله (عليه السلام): «من غير ان يضع مقعدته على الأرض» ترك الإقعاء.

و عن أبي بكر الحضرمي (5) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قمت من الركعة فاعتمد على كفيك و قل: بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد، فإن عليا (عليه السلام) كان يفعل ذلك».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) «إذا قمت من السجود قلت: اللهم ربي بحولك و قوتك أقوم و اقعد، و ان

____________

(1) ص 8.

(2) ص 3.

(3) ص 291.

(4) الوسائل الباب 19 من السجود.

(5) الوسائل الباب 13 من السجود.

(6) الوسائل الباب 13 من السجود.

308

شئت قلت و اركع و اسجد».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا قام الرجل من السجود قال بحول اللّٰه أقوم و اقعد».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي ابن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن القيام من التشهد من الركعتين الأوليين كيف يصنع يضع ركبتيه و يديه على الأرض ثم ينهض أو كيف يصنع؟ قال ما شاء صنع و لا بأس».

و ما رواه الطبرسي في الاحتجاج (3) قال: «كتب الحميري.».

و رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة من مشايخه عن محمد بن احمد بن داود القمي عن محمد بن عبد اللّٰه الحميري (4) «انه كتب إلى القائم (عليه السلام) يسأله عن المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه ان يكبر، فان بعض أصحابنا قال لا يجب عليه التكبير و يجزئه ان يقول بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد؟ فوقع (عليه السلام) ان فيه حديثين: أما أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه التكبير. و اما الآخر فإنه روى انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى. و بأيهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا».

و ما رواه في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب بسنده عن سعد الجلاب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يبرأ من القدرية في كل ركعة و يقول بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد».

و ما رواه عنه أيضا من الكتاب المذكور عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن

____________

(1) الوسائل الباب 13 من السجود.

(2) الوسائل الباب 1 من السجود.

(3) الوسائل الباب 13 من السجود.

(4) الوسائل الباب 13 من السجود.

(5) الوسائل الباب 13 من السجود.

309

أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا قمت من السجود قلت اللهم بحولك و قوتك أقوم و اقعد و اركع و اسجد».

و ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال:

«إذا أردت القيام من السجود فلا تعجن بيديك يعني تعتمد عليهما و هي مقبوضة و لكن ابسطهما بسطا و اعتمد عليهما و انهض قائما».

و عن علي (عليه السلام) (3) «انه كان يقول إذا نهض من السجود إلى القيام اللهم بحولك و قوتك أقوم و اقعد».

و ما رواه في كتاب زيد النرسي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (4) «انه كان إذا رفع رأسه في صلاته من السجدة الأخيرة جلس جلسة ثم نهض للقيام و بادر بركبتيه من الأرض قبل يديه و إذا سجد بادر بهما الأرض قبل ركبتيه».

أقول: قد اشتملت هذه الأخبار على جملة من الأحكام: (الأول) الابتداء في الجلوس بوضع اليدين قبل الركبتين، و قد مر انه إجماعي و تقدم ما يدل عليه من الأخبار.

(الثاني)- استحباب الابتداء عند القيام برفع الركبتين قبل اليدين و هو أيضا إجماعي.

(الثالث)- كراهة العجن باليدين عند القيام بان يقبضهما و يقوم عليهما مقبوضتي الأصابع بل ينبغي ان يبسطهما و يقوم عليهما كما تضمنه صحيح الحلبي و خبر كتاب دعائم الإسلام.

(الرابع)- رجحان الإتيان بجلسة الاستراحة و قد تقدم تحقيق القول فيها.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من السجود.

(2) مستدرك الوسائل الباب 16 من السجود.

(3) مستدرك الوسائل الباب 11 من السجود.

(4) مستدرك الوسائل الباب 1 من السجود.

310

(الخامس)- استحباب الدعاء عند القيام، قال في الذكرى في تعداد مستحبات السجود: و منها- الدعاء في جلسة الاستراحة بقوله «بحول اللّٰه تعالى و قوته أقوم و اقعد و اركع و اسجد» قال في المعتبر: و الذي ذكره علي بن بابويه و ولده و الجعفي و ابن الجنيد و المفيد و سلار و أبو الصلاح و ابن حمزة- و هو ظاهر الشيخ (قدس سره)- ان هذا القول يقوله عند الأخذ في القيام و هو الأصح، ثم استدل بجملة من الروايات المتقدمة. و هو جيد (السادس)- التخيير بين الأدعية المذكورة في الأخبار في كل من القيام عن التشهد و عن جلسة الاستراحة.

(السابع)- ما دل عليه خبر التوقيع المذكور من التكبير عند القيام من التشهد الأول، و المشهور بين الأصحاب عدم مشروعيته، و نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره) استحباب التكبير هنا و عدم استحبابه في القنوت. و اعترض عليه الشيخ في التهذيب و الشهيد في الذكرى بأنه يكون حينئذ عدد التكبير في الصلاة أربعا و تسعين مع ورود الرواية بأن عددها خمس و تسعون، قال الشهيد (قدس سره) مع انه روى بعدة طرق: منها-

رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) في القيام من التشهد يقول «بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد» و في بعضها «بحولك و قوتك» و في بعض «و اركع و اسجد».

و لم يذكر في شيء منها التكبير فالأقرب سقوطه للقيام و ثبوته للقنوت و به كان يفتي المفيد (قدس سره) و في آخر عمره رجع عنه، قال الشيخ و لست اعرف بقوله هذا حديثا أصلا. انتهى.

و قال السيد السند في المدارك- بعد ان أورد صحيحتي عبد اللّٰه بن سنان و محمد بن مسلم المتقدمتين- ما لفظه: و يستفاد من هذه الرواية و غيرها عدم مشروعية التكبير عند القيام من التشهد و هو اختيار الشيخ و أكثر الأصحاب، و قال المفيد (قدس سره) انه يقوم بالتكبير، و هو ضعيف (أما أولا) فلما أوردناه من النقل و (اما ثانيا) فلأن تكبيرات

____________

(1) الوسائل الباب 13 من السجود.

311

الصلاة منحصرة في خمس و تسعين: خمس للافتتاح و خمس للقنوت و البواقي للركوع و السجود فلو قام إلى الثالثة بالتكبير لزاد أربعا، و يدل على هذا العدد روايات: منها-

ما رواه الشيخ في الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «التكبير في صلاة الفرض في الخمس صلوات خمس و تسعون تكبيرة: منها- تكبيرة القنوت خمس».

انتهى أقول: لقائل أن يقول ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات التي ذكروها هو عدم الدلالة على المشروعية لا الدلالة على العدم فإنها مطلقة و لا دلالة فيها على نفيه و لا المنع منه، و المستلزم لعدم المشروعية انما هو الثاني لا الأول. و اما الاستناد إلى حصر التكبيرات في خمس و تسعين تكبيرة كما ذكروه ففيه انه انما يتم لو كان الحصر المذكور حقيقيا و الظاهر انه ليس كذلك، لان الست الافتتاحية المضافة إلى تكبيرة الإحرام مما لا خلاف في استحبابها نصا و فتوى مع انها غير مذكورة، و كذا استحباب الافتتاح بإحدى و عشرين تكبيرة

كما رواه زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (2) من ان من استفتح بها أول صلاته أجزأه عن كل تكبير في الصلاة إذا نسيه.

و ينبغي القول بما دلت عليه و ان لم ينص عليه أحد في ما أعلم لصحة مستنده و صراحته، و حينئذ فمتى كان الحصر إضافيا فلا دلالة في الأخبار المذكورة فتحمل على التكبيرات المؤكدة و الوظائف اللازمة. نعم لو احتجوا على هذه الدعوى بان العبادات توقيفية و القول بشيء منها من غير دليل إدخال في الدين ما ليس منه فيكون تشريعا محرما لكان له وجه وجيه. إلا انه يجاب حينئذ عن ذلك بخبر التوقيع المذكور. و يمكن ان يكون الشيخ المفيد (عطر اللّٰه مرقده) انما استند اليه، و من المقطوع ان مثله (قدس سره) لا يعدل عما كان عليه إلا لوضوح الدليل لديه، و عدم اطلاع الشيخ كما ذكره لا يدل على العدم، و ظاهر خبر التوقيع المذكور ان الخلاف في المسألة يومئذ كان موجودا و نسبة السائل

____________

(1) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من تكبيرة الإحرام.

312

المحالفة إلى بعض الأصحاب يؤذن بأن الأكثر كان يومئذ على القول بالاستحباب كما لا يخفى.

(الثامن)- ما يدل عليه الخبر المذكور من التخيير في مقام اختلاف الأخبار كما نص عليه جملة من أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) و جعلوه وجه جمع بين الأخبار.

و هو جيد لهذا الخبر و نحوه في بعض الأخبار أيضا.

(التاسع)- قوله (عليه السلام) في التوقيع المذكور

«و اما الآخر فإنه روى أنه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس. إلخ»

فإنه ربما يشعر بظاهره بان تكبير الرفع من السجدة الثانية قبل ان يستوي جالسا و هو خلاف المفهوم من كلام الأصحاب، و نحوه في ذلك قوله

في خبر حماد (1) «ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال اللّٰه أكبر ثم قعد على جانبه الأيسر و قد وضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى».

قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار في شرح حديث حماد: هذا يوهم ان التورك بعد التكبير و لم يقل به أحد و ليس في رواية أخرى مثله.

أقول: في هذه الرواية كما ترى مثله، و قد مر له نظير في تكبير الأخذ في السجدة الأولى فإن أكثر الأخبار- و هو الذي صرح به الأكثر- انه حال القيام و قيل يهوى بالتكبير و عليه دل بعض الأخبار المتقدمة.

ثم ان شيخنا المشار اليه احتمل ان «ثم» هنا ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي و الترتيب المعنوي.

(المقام الثالث)- في الأحكام

و فيه مسائل

(الأولى) [كيفية الإقعاء و حكمه]

قد عرفت في ما تقدم استحباب التورك في جلوس الصلاة و بيان كيفيته، و قد صرح الأصحاب بكراهة الإقعاء في جلوس الصلاة إلا انه قد وقع الخلاف في حكمه و كيفيته فلا بد من الكلام في الموضعين فاما في حكمه فالمشهور بين الأصحاب هو القول فيه بالكراهة بل ادعى الشيخ في الخلاف

____________

(1) ص 3.

313

عليه الإجماع، و نقل القول بالكراهة المحقق في المعتبر عن معاوية بن عمار و محمد بن مسلم من القدماء.

و نقل عن الشيخ في المبسوط و المرتضى (رضي اللّٰه عنهما) انهما ذهبا إلى عدم الكراهة، قال في المبسوط حيث ذكر الجلوس بين السجدتين و بعد الثانية: الأفضل ان يجلس متوركا و ان جلس بين السجدتين أو بعد الثانية مقعيا كان أيضا جائزا إلا انه في موضع آخر- حيث عد التروك المسنونة- قال: و لا يقعي بين السجدتين. و قال في النهاية:

لا بأس ان يقعد متربعا أو يقعي بين السجدتين و لا يجوز ذلك في حال التشهد. و في الخلاف الإقعاء مكروه.

و قال الصدوق: لا بأس بالإقعاء فيما بين السجدتين و لا بأس به بين الاولى و الثانية و بين الثالثة و الرابعة و لا يجوز الإقعاء في موضع التشهدين لأن المقعي ليس بجالس انما يكون بعضه قد جلس على بعض فلا يصبر للدعاء و التشهد، و قال ابن إدريس: لا بأس بالإقعاء بين السجدتين من الاولى و الثانية و الثالثة و الرابعة، و تركه أفضل، و يكره أشد من تلك الكراهة في حال الجلوس للتشهدين. و قد يوجد في بعض كتب أصحابنا: و لا يجوز الإقعاء في حال التشهدين. و ذلك يدل على تغليظ الكراهة لا الحظر لأن الشيء إذا كان شديد الكراهة قيل «لا يجوز» و يعرف ذلك بالقرائن.

و إلى هذا يميل كلام العلامة (قدس سره) في المختلف حيث قال: و الأقرب عندي كراهة الإقعاء مطلقا و ان كان في التشهد آكد. و ظاهر هذا الكلام هو ثبوت الكراهة في كل جلوس و هو ظاهر الشهيدين أيضا و به صرح العلامة في النهاية على ما نقل عنه. و أكثر الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى المشتملة على النهي مختصة بالجلوس بين السجدتين و الأخبار انما تقابلت نفيا و إثباتا في هذا الموضع كما ستمر بك ان شاء اللّٰه تعالى و اما الكلام في كيفيته فقد وقع الخلاف في ذلك بين الفقهاء و أهل اللغة، قال في الصحاح: أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه و ناصبا يديه، و قد جاء

314

النهي عن الإقعاء في الصلاة و هو ان يضع ألييه على عقبيه بين السجدتين، و هذا تفسير الفقهاء، و اما أهل اللغة فالإقعاء عندهم ان يلصق الرجل ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و يتساند إلى ظهره. و قال ابن الأثير في النهاية: فيه «انه نهى عن الإقعاء في الصلاة» الإقعاء أن يلصق الرجل ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و فخذيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. و قيل هو ان يضع ألييه على عقبيه بين السجدتين، و القول الأول و منه الحديث

«انه (صلى اللّٰه عليه و آله) أكل مقعيا».

أراد انه كان يجلس عند الأكل على وركيه مستوفزا غير متمكن.

و قال في القاموس: أقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه و الكلب جلس على استه.

و قال المطرزي في المغرب: الإقعاء أن يلصق ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. و تفسير الفقهاء ان يضع ألييه على عقبيه بين السجدتين و قال في كتاب المصباح المنير: أقعى إقعاء ألصق ألييه بالأرض و نصب ساقيه و وضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. و قال الجوهري الإقعاء عند أهل اللغة، و أورد نحو ما تقدم و جعل مكان «وضع يديه» «و يتساند إلى ظهره» و قال ابن القطاع:

أقعى الكلب جلس على ألييه و نصب فخذيه و أقعى الرجل جلس تلك الجلسة. انتهى.

فهذه جملة من كلام أهل اللغة متفقة على تفسيره بإقعاء الكلب على النحو المذكور في كلامهم.

و اما الفقهاء فقال المحقق (عطر اللّٰه مرقده) في المعتبر: و يستحب الجلوس بين السجدتين متوركا، و قال في المبسوط: الأفضل ان يجلس متوركا و لو جلس مقعيا بين السجدتين و بعد الثانية جاز. و قال الشافعي و أبو حنيفة و احمد يجلس مفترشا لرواية أبي حميد الساعدي (1) و كيفية التورك ان يجلس على وركه الأيسر و يخرج رجليه جميعا و يفضي بمقعدته إلى الأرض و يجعل رجله اليسرى على الأرض و ظاهر قدمه اليمنى على باطن

____________

(1) الأم للشافعي ج 1 ص 100.

315

قدمه اليسرى، و كيفية الافتراش ان يجلس على رجله اليسرى و يخرج رجله اليمنى من تحته و ينصبها و يجعل بطون أصابعها على الأرض معتمدا عليها إلى القبلة. و قال علم الهدى (قدس سره): يجلس مماسا بوركه الأيسر مع ظاهر فخذه اليسرى الأرض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الأيسر و ينصب طرف إبهام رجله اليمنى على الأرض و يستقبل بركبتيه معا القبلة. و ما ذكره الشيخ اولى. ثم قال (قدس سره): يكره الإقعاء بين السجدتين قاله في الجمل و به قال معاوية بن عمار منا و محمد بن مسلم و الشافعي و أبو حنيفة و احمد (1) و قال الشيخ بالجواز و ان كان التورك أفضل و به قال علم الهدى. لنا-

ما رووه عن علي (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا تقع بين السجدتين».

و عن انس (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب».

و من طريق الأصحاب ما رواه أبو بصير عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «لا تقع بين السجدتين إقعاء».

و الدليل على ان النهي ليس للتحريم

ما رواه عبيد اللّٰه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال:

«لا بأس بالإقعاء في الصلاة في ما بين السجدتين».

و الإقعاء أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه. و قال بعض أهل اللغة هو ان يجلس على ألييه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب. و المعتمد الأول لأنه تفسير الفقهاء و بحثهم على تقديره. و على هذا الكلام من أوله إلى آخره جرى العلامة في المنتهى و قريب منه الشهيد في الذكرى.

و بالجملة فكلام الفقهاء متفق على تفسير الإقعاء بما اختاره المحقق و بين انه المعمول

____________

(1) في المغني ج 1 ص 524 «يكره الإقعاء و هو ان يفترش قدميه و يجلس على عقبيه قال به علي (ع) و أبو هريرة و قتادة و مالك و الشافعي و أصحاب الرأي و عليه العمل عند أكثر أهل العلم».

(2) المغني ج 1 ص 524 عن ابن ماجة.

(3) المغني ج 1 ص 524 عن ابن ماجة.

(4) الوسائل الباب 6 من السجود.

(5) الوسائل الباب 6 من السجود.

316

عليه بين الفقهاء و ان بحثهم على تقديره. بقي الكلام في اخبار المسألة، و الواجب نقلها ثم الكلام في المقام بما سنح بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر عليهم الصلاة و السلام:

فمن أخبار المسألة ما تقدم في كلام المحقق من روايتي أبي بصير و الحلبي،

و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار و محمد بن مسلم و الحلبي (1) قالوا:

«لا تقع في الصلاة بين السجدتين كإقعاء الكلب».

و ما رواه في كتاب معاني الأخبار عن عمرو بن جميع (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا بأس بالإقعاء في الصلاة بين السجدتين و بين الركعة الاولى و الثانية و بين الركعة الثالثة و الرابعة، و إذا أجلسك الإمام في موضع يجب ان تقوم فيه فتجاف و لا يجوز الإقعاء في موضع التشهدين إلا من علة لأن المقعي ليس بجالس انما جلس بعضه على بعض. و الإقعاء أن يضع الرجل ألييه على عقبيه في تشهديه. فأما الأكل مقعيا فلا بأس به فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قد أكل مقعيا».

و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز عن زرارة (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لا بأس بالإقعاء في ما بين السجدتين و لا ينبغي الإقعاء في موضع التشهد انما التشهد في الجلوس و ليس المقعي بجالس».

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الإقعاء بالمعنى الذي عليه الفقهاء قد صرحت به رواية عمرو بن جميع إلا انها دلت على المنع منه في التشهدين و نفى البأس عما عداهما، و الإقعاء بالمعنى الذي صرح به أهل اللغة قد أشارت إليه صحيحة المشايخ الثلاثة معاوية بن عمار و محمد بن مسلم و الحلبي و دلت على النهي عنه بين السجدتين، و حينئذ فيكون كل من المعنيين قد ورد في الأخبار لكن على الوجه الذي عرفت، و على هذا فيمكن الجمع بين الروايات بحمل روايات النهي على الإقعاء المنقول عن أهل اللغة- و هو الجلوس على

____________

(1) الوسائل الباب 6 من السجود.

(2) الوسائل الباب 6 من السجود.

(3) الوسائل الباب 1 من التشهد.

317

الأليين ناصبا فخذيه واضعا يديه على الأرض مثل إقعاء الكلب، و رواية أبي بصير الدالة على النهى عنه بين السجدتين و ان كانت مطلقة إلا ان رواية للمشايخ الثلاثة المصرحة بالنهي في الصورة المذكورة قد صرحت بأنه بهذا المعنى فتحمل رواية أبي بصير عليها في ذلك- و روايات الجواز على الإقعاء بالمعنى الذي عند الفقهاء كما صرحت به رواية عمرو بن جميع، و رواية عبيد اللّٰه بن علي الحلبي المتقدمة الدالة على نفى البأس عنه بين السجدتين و ان كانت مطلقة في معنى الإقعاء إلا انه يجب حملها على رواية عمرو بن جميع التي اشتركت معها في نفي البأس عنه في الصورة المذكورة حيث صرحت بتفسيره. و في هذا وقوف على ظاهر الروايات من كل من الطرفين و تقييد مجملها بمفصلها و حمل مطلقها على مقيدها.

هذا بالنسبة إلى الجلوس بين السجدتين الذي هو مورد اختلاف الأخبار فإنها إنما تقابلت فيه خاصة.

و اما التشهد فظاهر روايتي معاني الأخبار و السرائر هو المنع من الإقعاء، و ليس لهاتين الروايتين بالنسبة إلى التشهد معارض في الأخبار بل فيها ما يؤيدهما مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة الدالة على النهى عن القعود على قدميه و انه يتأذى بذلك و لا يكون قاعدا على الأرض و انما قعد بعضه على بعض فلا يصبر للتشهد و الدعاء (1) و ما توهمه صاحب المدارك- من تعدية الحكم فيها إلى الجلوس بين السجدتين، قال فإن العلة التي ذكرها في التشهد تحصل في غيره فيتعدى الحكم اليه- ممنوع بان الذكر و الدعاء في التشهد أكثر منهما بين السجدتين كما لا يخفى فلا يثبت تعدي الحكم، و رواية السرائر و ان أجمل فيها الإقعاء إلا انه مفسر في رواية عمرو بن جميع فيحمل إجمالها على تفسير هذه.

نعم يبقى الكلام في انه قد تقدم ان ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب هو استحباب التورك في جلوس الصلاة مطلقا. و الوجه في الجواب عن ذلك ما ذكره الشيخ من حمل اخبار الجواز على الرخصة و الجواز و ان كان خلاف الأفضل.

____________

(1) ص 4.

318

ثم انه من المحتمل قريبا أيضا- و لعله الاولى و الأرجح في المقام- حمل روايات نفى البأس عن الإقعاء بمعنى الجلوس على العقبين كما ذكرنا على التقية، حيث ان مذهب جماعة من العامة استحبابه و نقلوا عن ابن عباس أنه السنة، و عن طاوس قال: رأيت العبادلة يفعلون ذلك: عبد اللّٰه بن عمر و ابن عباس و ابن الزبير (1).

و قال بعض شراح صحيح مسلم في باب الإقعاء (2) بعد نقل حديث ابن عباس انه سنة: اعلم ان الإقعاء ورد فيه حديثان ففي هذا الحديث انه سنة و في حديث آخر النهي عنه، رواه الترمذي و غيره من رواية علي (عليه السلام)، و ابن ماجة من رواية انس، و احمد بن حنبل من رواية سمرة و أبي هريرة، و البيهقي من رواية سمرة و انس و أسانيدها كلها ضعيفة. و قد اختلف العلماء في حكم الإقعاء و في تفسيره اختلافا كثيرا لهذه الأحاديث، و الصواب الذي لا معدل عنه ان الإقعاء نوعان: (أحدهما) ان يلصق ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى و صاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام و آخرون من أهل اللغة، و هذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي. و (النوع الثاني) ان يجعل ألييه على عقبيه بين السجدتين، و هذا هو مراد ابن عباس انه سنة، و قد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين: و حمل حديث ابن عباس عليه جماعات من المحققين: منهم- البيهقي و القاضي عياض و آخرون، قال القاضي و قد ورد عن جماعة من الصحابة و السلف انهم كانوا يفعلونه، قال و كذا جاء مفسرا عن ابن عباس من السنة ان تمس عقبيك ألييك، فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، و قد ذكرنا ان الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين. انتهى. و مما ذكرناه يظهر قرب حمل اخبار الجواز على التقية.

____________

(1) المغني ج 1 ص 524.

(2) شرح صحيح مسلم للنووي ج 5 ص 19.

319

و قد عرفت مما قدمناه ان المراد بالإقعاء في اخبار الجواز هو الإقعاء الذي جعلوه هنا سنة و هو الجلوس على العقبين معتمدا على صدور الرجلين، هذا بالنسبة إلى ما بين السجدتين و إلا فقد عرفت ان الإقعاء في التشهد مما لا معارض للقول بالمنع منه.

و لا يخفى ان ما ذكره الأصحاب- من جواز الإقعاء على كراهة في جلوس الصلاة مطلقا مع تفسيرهم الإقعاء بالجلوس على العقبين معتمدا على صدور قدميه- ظاهر في صحة الصلاة بجلوسه على هذه الكيفية، و هو مشكل فان صدق الجلوس شرعا أو عرفا على هذه الكيفية لا يخلو من بعد سيما مع تصريح الخبر بأن المقعي ليس بجالس.

و الظاهر ان ما ذكره في الفقيه و صرحت به رواية عمرو بن جميع من عدم الجواز مراد به ظاهره لا المبالغة في الكراهة كما صرح به ابن إدريس، لما عرفت من ان الجالس على عقبيه مع اعتماده على صدور رجليه لا يصدق عليه انه جالس كما صرحت به الرواية و حينئذ فيجب حمل لفظ «لا ينبغي» في رواية السرائر على معنى التحريم و هو أكثر كثير في الأخبار كما تقدم ذكره في غير مقام.

و بالجملة فالذي يتلخص مما فهمنا من اخبار المسألة هو كراهة الإقعاء بمعنى الجلوس على الأليين كإقعاء الكلب بحمل روايات النهي على هذه الصورة كما عرفت و اما روايات الجواز فهي محمولة على الإقعاء بالمعنى الثاني و لكن رواياته انما خرجت مخرج التقية و موردها بين السجدتين الذي قد عرفت من كلامهم انه سنة، و الظاهر هو عدم جوازه لعدم صدق الجلوس معه إلا في حال التقية و ان كان ذلك خلاف ما عليه الأصحاب كما عرفت. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [من كان في موضع سجوده ما يمنع من السجود عليه]

- المشهور بين الأصحاب ان من كان في موضع سجوده دمل أو جراحة أو دم يمنع من السجود عليه فان أمكنه أن يحفر حفيرة أو يعمل شيئا مجوفا من طين أو خشب أو نحوهما ليقع السليم من الجبهة على ما يصح السجود عليه وجب و ان تعذر لاستغراق الجبهة بالمرض أو غير ذلك سجد على أحد الجبينين فان تعذر فعلى ذقنه.

320

و قال الشيخ في المبسوط ان كان هناك دمل أو جراحة و لم يتمكن من السجود عليه سجد على أحد جانبيه فان لم يتمكن سجد على ذقنه و ان جعل لموضع الدمل حفيرة يجعلها فيه كان جائزا. و فيه تصريح بعدم وجوب الحفيرة أولا و نحوه في النهاية. و قال ابن حمزة يسجد على أحد جانبيها فان لم يتمكن فالحفيرة فان لم يتمكن فعلى ذقنه فقدم السجود على أحد الجانبين على الحفيرة. و قال الشيخ علي بن بابويه يحفر حفيرة للدمل و ان كان بجبهته علة تمنعه من السجود سجد على قرنه الأيمن من جبهته فان عجز فعلى قرنه الأيسر من جبهته فان عجز فعلى ظهر كفه فان عجز فعلى ذقنه. و نحوه كلام ابنه الصدوق (قدس سره).

و اما الأخبار التي وقفت عليها في هذه المسألة فمنها-

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن بعض أصحابه عن مصادف (1) قال «خرج بي دمل فكنت اسجد على جانب فرأى أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أثره فقال ما هذا؟ فقلت لا أستطيع ان اسجد من أجل الدمل فإنما اسجد منحرفا. فقال لي لا تفعل ذلك و لكن احفر حفيرة و اجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الأرض».

و ما رواه في الكافي عن علي بن محمد بإسناده (2) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن من بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها قال يضع ذقنه على الأرض ان اللّٰه تبارك و تعالى يقول يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» (3).

و ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم في كتابه في الموثق عن أبيه عن الصباح عن إسحاق بن عمار (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع ان يسجد عليها؟ قال يسجد ما بين طرف شعره فان لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن فان لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر فان لم يقدر فعلى ذقنه. قلت على ذقنه؟

____________

(1) الوسائل الباب 12 من السجود.

(2) الوسائل الباب 12 من السجود.

(3) سورة بني إسرائيل، الآية 108 و هي فيما وقفنا عليه من النسخ تبعا للكافي و الوافي و الوسائل هكذا «و يخرون.» و الصحيح «يخرون.» و الواو من زيادة النساخ.

(4) الوسائل الباب 12 من السجود.

321

قال: نعم اما تقرأ كتاب اللّٰه عز و جل يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً» (1).

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «فإن كان في جبهتك علة لا تقدر على السجود أو دمل فاحفر حفيرة فإذا سجدت جعلت الدمل فيها، و ان كان على جبهتك علة لا تقدر على السجود من أجلها فاسجد على قرنك الأيمن فان لم تقدر عليه فعلى قرنك الأيسر فان لم تقدر عليه فاسجد على ظهر كفك فان لم تقدر عليه فاسجد على ذقنك لقول اللّٰه تبارك و تعالى إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقٰانِ سُجَّداً.

إلى قوله وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» (3).

هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة و وصل الي منها، و المذكور في كتب الأصحاب منها رواية مصادف المشتملة على الحفيرة خاصة و مرسلة الكليني عن علي بن محمد المشتملة على الوضع على الذقن من أول الأمر خاصة، و لذا احتاج في المعتبر و تبعه في المدارك- في تتميم الاستدلال على القول المشهور من الانتقال إلى الجبينين بعد تعذر الحفيرة- إلى تعليل عقلي فقال في المعتبر بان الجبينين مع الجبهة كالعضو الواحد فيقوم أحدهما مقامها للعذر، و ان السجود على أحد الجبينين أشبه بالسجود على الجبهة من الإيماء و ان الإيماء سجود مع تعذر الجبهة فالجبين اولى. و نقله في المدارك عنه أيضا و جمد عليه حيث لم يقف على دليل سواه يستند اليه.

و أنت خبير بما في الاستناد إلى هذه التعليلات العقلية من عدم الصلاحية لتأسيس الأحكام الشرعية كما نبهت عليه في غير مقام مما تقدم.

و الأظهر الاستدلال على ذلك بما في موثقة علي بن إبراهيم بحمل الحاجب الأيمن و الأيسر على الجبينين مجازا، و أظهر منها عبارة كتاب الفقه الرضوي التي منها أخذ كلام الصدوقين كما عرفت، فان المراد بالقرن الأيمن و الأيسر هما الجبينان بلا إشكال، إلا انها اشتملت على الترتيب بينهما فالواجب القول به.

____________

(1) سورة بني إسرائيل، الآية 108.

(2) ص 9.

(3) سورة بني إسرائيل، الآية 108 و 109.

322

و اما السجود على الذقن فاستدل عليه في المدارك تبعا لصاحب المعتبر و غيره بمرسلة الكليني، قال في المدارك بعد نقلها و الاستدلال بها: و هذه الرواية و ان ضعف سندها إلا ان مضمونها مجمع عليه بين الأصحاب.

و فيه انه كيف يكون مضمونها مجمعا عليه بين الأصحاب و هي قد دلت على الانتقال من أول الأمر إلى السجود على الذقن و الأصحاب قائلون بالحفيرة أولا ثم مع تعذرها فالجبينان ثم مع تعذرهما فالذقن، فالسجود على الذقن انما هو مرتبة ثالثة و الرواية دالة على انه من أول الأمر. و لكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح أوجب الوقوع في أمثال هذه التمحلات، و الخبر حيث كان ضعيفا باصطلاحه أراد التستر في العمل به على خلاف قاعدته بما ذكره، على انه كم قد خالف الأصحاب و ناقشهم في أمثال ذلك كما لا يخفى على من له انس بطريقته.

و بالجملة فالظاهر من هذه الأخبار التي نقلناها باعتبار ضم بعضها إلى بعض هو القول بالحفيرة أولا ان أمكن عملا برواية مصادف، و نحوها كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه. و اما مع تعذر ذلك فالروايات قد تصادمت ههنا، فاما مرسلة الكليني فإنها دلت على الانتقال إلى الذقن، و اما موثقة إسحاق بن عمار المروية في تفسير علي ابن إبراهيم فقد تضمنت الحاجب الأيمن ثم الأيسر ثم الذقن، و اما عبارة كتاب الفقه فقد تضمنت القرن الأيمن ثم القرن الأيسر، و هاتان الروايتان اتفقتا على تأخير الذقن فالعمل بهما اولى من المرسلة المذكورة و ينبغي حمل الحاجب في موثقة إسحاق على الجبينين مجازا جمعا بين الخبرين فيتم الاستدلال بهما للقول المشهور لكن باعتبار الترتيب لا كما هو ظاهرهم من التخيير بين الجبينين لعدم المستند له في هذه الأخبار.

و اما ما ذكره في الذخيرة- من قوله: و لا ترتيب بين الجبينين لإطلاق الرواية لكن الاولى تقديم الأيمن خروجا عن خلاف ابن بابويه- ففيه انه لم يذكر في هذا البحث كغيره من الأصحاب إلا رواية مصادف و مرسلة الكافي و شيء منهما لم يشتمل على الجبينين كما

323

عرفت. و وجوب السجود على أحد الجبينين انما علله بعد دعوى انه لا خلاف فيه بما نقلناه عن المعتبر و زاد عليه توقف يقين البراءة من التكليف الثابت عليه، فأي رواية هنا يعتمد في التخيير على إطلاقها؟ و بالجملة فإن كلامه هنا سهو ظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر.

و مع عدم إمكان الجبينين فالذقن و هو المرتبة الثالثة و الروايات متفقة عليه في الجملة و ان اختلفت فيما قبله، و ما اشتملت عليه عبارة كتاب الفقه من السجود على ظهر الكف بعد تعذر الجبينين فهو غريب مرجوع إلى قائله (عليه السلام).

و المراد بالذقن مجمع اللحيين، و هل يجب كشفه لأجل السجود عليه؟ صرح شيخنا الشهيد الثاني بذلك استنادا إلى ان اللحية ليست من الذقن فيجب كشفه لتصل البشرة إلى ما يصح السجود عليه. و قيل لا يجب لإطلاق الخبر. و اختاره سبطه في المدارك قال في الذخيرة و لعله أقرب.

و المراد بالعذر هنا و في أمثاله المشقة الشديدة التي لا تتحمل عادة و ان أمكن تحملها بعسر.

ثم انه مع تعذر جميع ذلك ينتقل إلى الإيماء كما تقدم في بحث القيام. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثالثة) [حكم النفخ في موضع السجود في الصلاة]

- قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة النفخ في موضع السجود في الصلاة.

و من الأخبار في ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال «قلت له الرجل ينفخ في الصلاة موضع جبهته؟ فقال لا».

و ما رواه الشيخ عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال «لا بأس بالنفخ في الصلاة في موضع السجود ما لم يؤذ أحدا».

و عن إسحاق بن عمار في الموثق عن رجل (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المكان يكون عليه الغبار فأنفخه إذا أردت السجود فقال لا بأس».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من السجود.

(2) الوسائل الباب 7 من السجود.

(3) الوسائل الباب 7 من السجود.

324

و روى الصدوق مرسلا (1) قال: «سأل رجل الصادق (عليه السلام).

و ذكر الحديث ثم قال و روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: انما يكره ذلك خشية أن يؤذي من إلى جانبه».

و روى الصدوق بإسناده إلى شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث المناهي (2) قال:

«و نهى ان ينفخ في طعام أو شراب و ان ينفخ في موضع السجود».

و روى في كتاب العلل عن ليث المرادي في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل يصلي فينفخ في موضع جبهته؟ فقال ليس به بأس إنما يكره ذلك ان يؤذي من إلى جانبه».

و روى في كتاب المجالس بسنده عن عبد اللّٰه بن الحسين بن زيد بن علي عن أبيه عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان اللّٰه كره لكم أيتها الأمة أربعا و عشرين خصلة و نهاكم عنها. إلى ان قال و كره النفخ في الصلاة».

و رواه في الفقيه بإسناده عن سليمان بن جعفر عن عبد اللّٰه بن الحسين ابن زيد مثله (5).

و عن الحسين بن مصعب (6) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): يكره النفخ في الرقى و الطعام و موضع السجود».

و بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث الأربعمائة (7) قال: «لا ينفخ الرجل في موضع سجوده و لا ينفخ في طعامه و لا في شرابه و لا في تعويذه».

و أنت خبير بان ظاهر خبر الحضرمي و مرسلة الصدوق و صحيح ليث المرادي ان الكراهة انما هي من حيث استلزام إيذاء أحد و هو مؤذن بعدم الكراهة من حيث الصلاة. و يمكن تقييد إطلاق صحيح محمد بن مسلم و كذا أخبار المناهي بها إلا ان ظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 7 من السجود.

(2) الوسائل الباب 7 من السجود.

(3) الوسائل الباب 7 من السجود.

(4) الوسائل الباب 7 من السجود.

(5) الوسائل الباب 7 من السجود.

(6) الوسائل الباب 7 من السجود.

(7) الوسائل الباب 7 من السجود.

325

اخبار المناهي و المتبادر منها ان الكراهة انما هي من حيث الصلاة، و حينئذ فيمكن ان يقال بأنه و ان كان مكروها من حيث الصلاة إلا أنه أشد كراهة باعتبار الإيذاء، و نفى البأس في باقي الأخبار يحمل على أصل الجواز و هو غير مناف للكراهة بل ربما ايدها لقولهم: نفى البأس مؤذن بالبأس.

تذنيب يشتمل على مقامين

(الأول)- في سجدات القرآن

و هي خمس عشرة: منها أربع عزائم،

[الأخبار الواردة في المقام]

و ها أنا أولا ابدأ بذكر الأخبار المتعلقة بذلك ثم أعطف الكلام على ما يظهر منها من الأحكام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام):

(الأول)-

ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا قرأت شيئا من العزائم التي يسجد فيها فلا تكبر قبل سجودك و لكن تكبر حين ترفع رأسك. و العزائم أربع: حم السجدة، و تنزيل، و النجم، و اقرأ باسم ربك».

(الثاني)-

ما روياه أيضا عن أبي بصير (2) قال قال: «إذا قرئ شيء من العزائم الأربع فسمعتها فاسجد و ان كنت على غير وضوء و ان كنت جنبا و ان كانت المرأة لا تصلي، و سائر القرآن أنت فيه بالخيار ان شئت سجدت و ان شئت لم تسجد».

(الثالث)-

ما روياه أيضا عن عبد اللّٰه بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل سمع السجدة تقرأ؟ قال لا يسجد إلا ان يكون منصتا لقراءته مستمعا لها أو يصلي بصلاته، فاما ان يكون يصلي في ناحية و أنت تصلي في ناحية أخرى فلا تسجد لما سمعت».

____________

(1) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(2) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(3) الوسائل الباب 43 من قراءة القرآن.

326

(الرابع)-

ما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا قرأت السجدة فاسجد و لا تكبر حتى ترفع رأسك».

(الخامس)-

ما رواه أيضا في الموثق عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في الرجل يسمع السجدة في الساعة التي لا تستقيم الصلاة فيها قبل غروب الشمس و بعد صلاة الفجر؟ فقال لا يسجد».

(السادس)-

ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يعلم السورة من العزائم فتعاد عليه مرارا في المقعد الواحد؟

قال عليه ان يسجد كلما سمعها و على الذي يعلمه أيضا ان يسجد».

(السابع)-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده: سجدت لك يا رب تعبدا و رقا لا مستكبرا عن عبادتك و لا مستنكفا و لا متعظما بل انا عبد ذليل خائف مستجير».

(الثامن)-

ما رواه في الفقيه مرسلا (5) قال: «و روى انه يقول في سجدة العزائم: لا إله إلا اللّٰه حقا حقا لا إله إلا اللّٰه ايمانا و تصديقا لا إله إلا اللّٰه عبودية و رقا سجدت لك يا رب تعبدا و رقا لا مستنكفا و لا مستكبرا بل انا عبد ذليل خائف مستجير. ثم يرفع رأسه ثم يكبر».

(التاسع)-

ما رواه علي بن جعفر في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرأ إنسان السجدة

____________

(1) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(2) الوسائل الباب 43 من قراءة القرآن.

(3) الوسائل الباب 45 من قراءة القرآن.

(4) الوسائل الباب 46 من قراءة القرآن.

(5) الوسائل الباب 46 من قراءة القرآن.

(6) الوسائل الباب 43 من قراءة القرآن.

327

كيف يصنع؟ قال يومئ برأسه.

قال: و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرأ آخر السجدة؟ قال يسجد إذا سمع شيئا من العزائم الأربع ثم يقوم فيتم صلاته إلا ان يكون في فريضة فيومى برأسه إيماء».

(العاشر)-

ما رواه في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن علي ابن محبوب عن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: «لا تقضي الحائض الصلاة و لا تسجد إذا سمعت السجدة».

(الحادي عشر)-

ما رواه أيضا بسنده عن عمار الساباطي (2) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل إذا قرأ العزائم كيف يصنع؟ قال ليس فيها تكبير إذا سجدت و لا إذا قمت و لكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود».

(الثاني عشر)-

ما رواه في كتاب العلل في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يقرأ السجدة و هو على ظهر دابته؟ قال يسجد حيث توجهت به، فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلي على ناقته و هو مستقبل المدينة يقول اللّٰه عز و جل فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (4)».

و رواه العياشي عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) مثله (5).

(الثالث عشر)-

ما رواه في كتاب مجمع البيان (6) قال: «روى عبد اللّٰه ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال العزائم الم تنزيل، و حم السجدة، و النجم إذا هوى، و اقرأ باسم ربك، و ما عداها في جميع القرآن مسنون و ليس بمفروض».

(الرابع عشر)-

منه أيضا (7) قال: «عن أئمتنا (عليهم السلام) ان السجود

____________

(1) الوسائل الباب 36 من الحيض.

(2) الوسائل الباب 46 من قراءة القرآن.

(3) الوسائل الباب 49 من قراءة القرآن.

(4) سورة البقرة، الآية 109.

(5) البحار ج 18 الصلاة ص 270.

(6) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(7) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

328

في سورة (فصلت) عند قوله إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» (1).

(الخامس عشر)-

ما رواه في كتاب عوالي اللئالئ مرسلا (2) قال:

«روى في الحديث انه لما نزل قوله تعالى «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» (3) سجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».

(السادس عشر)-

ما رواه في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لأحمد ابن محمد بن أبي نصر عن الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«في من قرأ السجدة و عنده رجل على غير وضوء؟ قال يسجد».

(السابع عشر)-

ما رواه فيه أيضا من الكتاب المذكور في الصحيح عن الحلبي (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) يقرأ الرجل السجدة و هو على غير وضوء؟ قال يسجد إذا كانت من العزائم».

(الثامن عشر)-

ما رواه في كتاب الخصال في الصحيح عن داود بن سرحان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «ان العزائم أربع: اقرأ باسم ربك الذي خلق، و النجم، و تنزيل السجدة، و حم السجدة».

(التاسع عشر)-

ما رواه في المعتبر نقلا من جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (7) «في من يقرأ السجدة من القرآن من العزائم لا يكبر حين يسجد و لكن يكبر إذا رفع رأسه».

(العشرون)-

ما رواه في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد بن محمد

____________

(1) سورة فصلت، الآية 37.

(2) مستدرك الوسائل الباب 39 من القراءة في غير الصلاة.

(3) سورة العلق، الآية 19.

(4) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(5) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(6) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

(7) الوسائل الباب 42 من قراءة القرآن.

329

ابن أبي نصر عن العلاء عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى فيركع و يسجد سجدتين ثم يذكر بعد؟ قال يسجد إذا كانت من العزائم، و العزائم أربع: أ لم تنزيل، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربك. و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعجبه ان يسجد في كل سورة فيها سجدة».

(الحادي و العشرون)-

ما رواه في كتاب العلل بسنده عن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ان أبي علي بن الحسين (عليه السلام) ما ذكر للّٰه نعمة عليه إلا سجد و لا قرأ آية من كتاب اللّٰه عز و جل فيها سجود إلا سجد. الى ان قال فسمى السجاد لذلك».

(الثاني و العشرون)-

ما رواه في كتاب دعائم الإسلام (3) قال: مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا أولها آخر الأعراف، و في سورة الرعد «وَ ظِلٰالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ» (4) و في النحل «وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ» (5) و في بني إسرائيل «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» (6) و في كهيعص «خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا» (7) و في الحج «إِنَّ اللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ» (8) و فيها «وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (9) و في الفرقان «وَ زٰادَهُمْ نُفُوراً» (10) و في النمل «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (11) و في تنزيل السجدة «وَ هُمْ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ» (12) و في ص «وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ» (13) و في حم السجدة «إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» (14) و في آخر النجم و في إذا السماء انشقت «وَ إِذٰا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لٰا يَسْجُدُونَ» (15) و آخر «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ».

____________

(1) الوسائل الباب 44 من قراءة القرآن.

(2) الوسائل الباب 44 من قراءة القرآن.

(3) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(4) الآية 16.

(5) الآية 50.

(6) الآية 109.

(7) الآية 59.

(8) الآية 19.

(9) الآية 76.

(10) الآية 61.

(11) الآية 26.

(12) الآية 15.

(13) الآية 23.

(14) الآية 37.

(15) الآية 21.

330

و روينا عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (1) انه قال: «العزائم من سجود القرآن أربع: في «الم تنزيل السجدة» و «حم السجدة» و النجم «و اقرأ باسم ربك» قال فهذه العزائم لا بد من السجود فيها و أنت في غيرها بالخيار ان شئت فاسجد و ان شئت فلا تسجد، قال و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعجبه ان يسجد فيهن كلهن».

و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) انه قال: «من قرأ السجدة أو سمعها من قارئ يقرأها و كان يستمع قراءته فليسجد، فان سمعها و هو في صلاة فريضة من غير الإمام أومأ برأسه، و ان قرأها و هو في الصلاة سجد و سجد معه من خلفه ان كان اماما، و لا ينبغي للإمام ان يتعمد قراءة سورة فيها سجدة في صلاة فريضة».

و عنه (عليه السلام) (3) انه قال: «و من قرأ السجدة أو سمعها سجد اي وقت كان ذلك مما تجوز الصلاة فيه أو لا تجوز عند طلوع الشمس و عند غروبها و يسجد و ان كان على غير طهارة، و إذا سجد فلا يكبر و لا يسلم إذا رفع و ليس في ذلك غير السجود، و يدعو في سجوده بما تيسر من الدعاء».

و عنه (عليه السلام) (4) انه قال: «إذا قرأ المصلي سجدة انحط فسجد ثم قام فابتدأ من حيث وقف فان كانت في آخر السورة فليسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع و يسجد».

و عن ابي جعفر بن علي (عليهما السلام) (5) انه قال: «إذا قرأت السجدة و أنت جالس فاسجد متوجها إلى القبلة و إذا قرأتها و أنت راكب فاسجد حيث توجهت، فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلي على راحلته و هو متوجه إلى المدينة بعد انصرافه من مكة يعني النافلة، قال و في ذلك قول اللّٰه عز و جل فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» (6).

انتهى.

____________

(1) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(2) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(3) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(4) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(5) البحار ج 18 الصلاة ص 371.

(6) سورة البقرة، الآية 109.

331

أقول: و الكلام في ما اشتملت عليه هذه الأخبار يقع في مواضع

[الموضع] (الأول) وجوب السجود في العزائم الأربع [و استحبابه في غيرها]

المذكورة في هذه الأخبار بقراءتها أو استماعها مما انعقد عليه إجماع الأصحاب، و عليه دل الخبر الثاني و الرابع و السادس و الثاني عشر و السادس عشر و السابع عشر و العشرون و الثاني و العشرون.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- بناء على أصله الغير الأصيل و قاعدته الخالية من الدليل من ان هذه الأخبار و ان لم تكن مصرحة بالوجوب كما نبهنا عليه كثيرا لكن انضمام عمل الأصحاب و فهمهم يقتضي المصير إلى الوجوب- ففيه ما عرفت مما أوضحناه في غير مقام مما تقدم. و التجاؤه هنا إلى عمل الأصحاب و فهمهم انما نشأ من ضيق الخناق، و إلا فالواجب على الفقيه هو العمل بالأحكام الشرعية بمقتضى الأدلة الواضحة الجلية لا تقليد العلماء و ما فهموه فإنها مرتبة المقلدين القاصرين عن رتبة الاستنباط و الاستدلال، و الواجب عليه بمقتضى قاعدته و عدم ثبوت الوجوب عنده من الأخبار هو نفي الوجوب لعدم الدليل في أمثال هذا الموضع و هو خروج من الدين بما لا يشعر به قائله و كفى به شناعة.

و كيف كان فكما انعقد الإجماع على الوجوب في هذه المواضع الأربعة انعقد أيضا على الاستحباب في باقي الخمس عشرة، و عليه يدل الخبر الثالث عشر و العشرون و الحادي و العشرون و بذلك يظهر لك ما في قول صاحب المدارك هنا حيث قال: و اما استحباب السجود في غير هذه الأماكن الأربعة من المواضع الخمس عشرة فمقطوع به في كلام الأصحاب مدعى عليه الإجماع و لم أقف فيه على نص يعتد به. انتهى. فان فيه انه ان أراد بالنص الذي يعتد به ما كان صحيح السند بناء على اصطلاحه فالخبر العشرون صحيح السند لأن البزنطي صاحب الكتاب رواه عن العلاء عن محمد بن مسلم و الثلاثة ثقات بالاتفاق، على انه في غير موضع من كتابه يعمل بالخبر الضعيف في السنن و متى ظن في خبر ظاهره الوجوب أو التحريم بضعف السند حمله على الاستحباب أو الكراهة

332

تفاديا من طرحه فلا معنى لرده هنا يضعف السند. و بالجملة فالعذر له ظاهر حيث ان نظره مقصور على اخبار الكتب الأربعة و عدم الفحص عن غيرها و هذه الأخبار خارجة عنها، و إلا فهذه الأخبار كما ترى ظاهرة الدلالة على ذلك و فيها الصحيح باصطلاحه لكن الحق هو الاعتذار عنه بما ذكرناه.

[الموضع] (الثاني) [عدد سجدات القرآن]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان السجدات خمس عشرة كما فصلها في كتاب دعائم الإسلام و ادعى عليه الشهيد (قدس سره) الإجماع، قال في الذكرى: أجمع الأصحاب على ان سجدات القرآن خمس عشرة: ثلاث في المفصل و هي في النجم و انشقت و اقرأ، و اثنتا عشرة في باقي القرآن و هي في الأعراف و الرعد و النحل و بني إسرائيل و مريم و الحج في موضعين و الفرقان و النمل و الم تنزيل و ص و حم فصلت: انتهى. و نقل عن الصدوق ابن بابويه انه يستحب ان يسجد في كل سورة فيها سجدة، و على هذا فيدخل فيها آل عمران لقوله تعالى «يٰا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي» (1) و غيرها، و يومئ اليه الخبر الحادي و العشرون. و لا بأس بالعمل به احتياطا.

[الموضع] (الثالث) [وجوب السجود على القاري و المستمع و الخلاف في السامع]

- لا خلاف بين الأصحاب في وجوب السجود على القارئ و المستمع و هو المنصت، و انما الخلاف في الوجوب على السامع من غير إصغاء، فذهب الشيخ إلى عدم الوجوب عليه و نقل عليه الإجماع في الخلاف، و إلى هذا القول ذهب جمع من الأصحاب: منهم- المحقق في الشرائع و العلامة في المنتهى. و قال ابن إدريس انه يجب على السامع و ذكر انه إجماع الأصحاب، و اليه يميل كلامه في الذكرى و به صرح في المسالك و عليه الأكثر من الأصحاب. و هو الأقرب كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى استدل الشيخ بعد الإجماع بالخبر الثالث، و احتج ابن إدريس بعد الإجماع الذي ادعاه بعموم الأمر و بالخبر الثاني.

قال في الذكرى بعد ذكر القولين و الدليلين: و طريق الرواية التي ذكرها الشيخ

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 38.

333

فيه محمد بن عيسى عن يونس، مع أنها تقتضي وجوب السجود إذا صلى بصلاة التالي لها و هو غير مستقيم عندنا إذ لا يقرأ في الفريضة عزيمة على الأصح و لا يجوز القدوة في النافلة غالبا، و قد نقل ابن بابويه عن ابن الوليد انه لا يعتمد على حديث محمد بن عيسى عن يونس. و روى العامة عدم سجود السامع عن ابن عباس و عثمان (1) و لا شك عندنا في استحبابه على تقدير عدم الوجوب.

أقول: ما ذكره من الإشكال في مضمون الخبر جيد إلا ان الظاهر حمله على الائتمام بالمخالف، مع ان القدوة في بعض النوافل كالاستسقاء و الغدير و العيدين مع اختلال الشرائط جائزة.

ثم انه مما يدل أيضا على الاكتفاء. بمجرد السماع زيادة على الخبر الثاني الخبر التاسع، و يؤيد ما دل عليه الخبر الثالث قوله في بعض أخبار الدعائم المتقدمة

«أو سمعها من قارئ يقرأها و كان يستمع قراءته»

اي ينصت لها.

و بالجملة فالأخبار من الطرفين ظاهرة الدلالة على كل من القولين، قال في المدارك بعد ذكر ما دل على السماع و ما دل على الاستماع: و انا في هذه المسألة من المتوقفين.

و الحق ان الجمع بين أخبار المسألة دائر بين أمرين: اما حمل ما دل على الأمر بالسجود بمجرد السماع على الفضيلة و الاستحباب، و اما حمل ما دل على التخصيص بعد القراءة بالاستماع دون السماع على التقية لموافقته لمذهب العامة و هو الأرجح. و الاحتياط لا يخفى.

[الموضع] (الرابع) [موضع السجود في العزائم الأربع]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأن الظاهر ان موضع السجود في هذه الأربعة بعد الفراغ من الآية، و ذهب المحقق في المعتبر إلى ان موضعه في حم السجدة

____________

(1) المغني ج 1 ص 624 «يسن السجود للتالي و المستمع لا نعلم في هذا خلافا و اما السامع غير القاصد للسماع فلا يستحب له. روى ذلك عن عثمان و ابن عباس و عمران و به قال مالك، و قال أصحاب الرأي عليه السجود، و قال الشافعي لا أوكد عليه السجود و ان سجد فحسن».

334

عند قوله تعالى «وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ» (1) و نقله عن الشيخ في الخلاف.

و قال في الذكرى: موضع السجود عند التلفظ به في جميع الآيات و الفراغ من الآية فعلى هذا يسجد في فصلت عند «تَعْبُدُونَ» (2) و هو الذي ذكره في الخلاف و المبسوط و احتج عليه بالإجماع و قال قضية الأصل الفور، و نقل في المعتبر عن الخلاف انه عند قوله تعالى «وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ» و اختاره مذهبا، و ليس كلام الشيخ صريحا فيه و لا ظاهرا بل ظاهره ما قلناه لانه ذكر في أول المسألة ان موضع السجود في «حم» عند قوله تعالى «وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» (3) ثم قال و أيضا قوله «وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ» أمر و الأمر يقتضي الفور عندنا و ذلك يقتضي السجود عقيب الآية و من المعلوم ان آخر الآية «تَعْبُدُونَ» و لأن تخلل السجود في أثناء الآية يؤدى إلى الوقوف على المشروط دون الشرط و إلى ابتداء القارئ بقوله «إِنْ كُنْتُمْ إِيّٰاهُ تَعْبُدُونَ» و هو مستهجن عند القراء و لانه لا خلاف فيه بين المسلمين، انما الخلاف في تأخير السجود إلى «يَسْأَمُونَ» فإن ابن عباس و الثوري و أهل الكوفة و الشافعي يذهبون اليه و الأول هو المشهور عند الباقين (4) فاذن ما اختاره في المعتبر لا قائل به، فان احتج بالفور قلنا هذا القدر لا يخل بالفور و إلا لزم وجوب السجود في باقي آي العزائم عند صيغة الأمر و حذف ما بعده من اللفظ و لم يقل به أحد. انتهى. و هو جيد، و يؤيده الخبر الرابع عشر و ما ذكره صاحب كتاب دعائم الإسلام من السجود بعد تمام الآيات المشتملة على لفظ السجدة و منها سورة حم فصلت.

أقول: لا يخفى ان ظواهر الأخبار التي قدمناها هو السجود عند ذكر السجدة لتعليق السجود في جملة منها على سماع السجدة أو قراءتها أو استماعها و المتبادر منها هو

____________

(1) الآية 27.

(2) الآية 27.

(3) الآية 27.

(4) عمدة القارئ ج 3 ص 507 و أحكام القرآن للجصاص الحنفي ج 3 ص 474 و بدائع الصنائع ج 1 ص 194.

335

لفظ السجدة، و الحمل على تمام الآية يحتاج إلى تقدير في تلك العبارات بان يراد سماع آية السجدة إلى آخرها. إلا ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على ان محل السجود بعد تمام الآية كما عرفت، و اليه يشير قول شيخنا الشهيد في آخر عبارته: و إلا لزم وجوب السجود.

إلى قوله و لم يقل به أحد. و بالجملة فإني لا أعرف لإطلاق الأخبار المذكورة مخصصا سوى ما يدعى من الاتفاق في المقام.

قال شيخنا في كتاب البحار: رأيت في بعض تعليقات شيخنا البهائي (قدس سره) قول بعض الأصحاب بوجوب السجود عند التلفظ بلفظ السجدة في جميع السجدات الأربع و لم أر هذا القول في كلام غيره، و قد صرح في الذكرى بعدم القول به فلعله اشتباه. انتهى.

أقول: لا ريب في قوة هذا القول بالنظر إلى ما ذكرناه من التقريب إلا ان الخروج عما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل سيما مع عدم إخلال ذلك بالفور الواجب في المقام كما أشار إليه شيخنا الشهيد (قدس سره) في ما تقدم من كلامه، نعم ظاهر الخبر الرابع عشر و ما ذكره في كتاب دعائم الإسلام مؤيد لما ذكره الأصحاب.

[الموضع] (الخامس) [عدم اشتراط الطهارة من الحدث في سجود التلاوة]

- الظاهر- كما استظهره جملة من الأصحاب- ان الطهارة من الحدث غير شرط في هذا السجود، و عليه يدل الخبر الثاني و الخبر السادس عشر و السابع عشر و الثاني و العشرون.

و نحو هذه الأخبار

موثقة أبي عبيدة الحذاء (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطامث تسمع السجدة قال ان كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها».

و منع الشيخ في النهاية عن سجود الحائض و نقل في الذكرى عن ابن الجنيد ان ظاهره اعتبار الطهارة.

و يدل عليه الخبر العاشر، و نحوه أيضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن

____________

(1) الوسائل الباب 36 من الحيض.

336

ابن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الحائض هل تقرأ القرآن و تسجد سجدة إذا سمعت السجدة؟ قال تقرأ و لا تسجد».

و حمله الشيخ في الاستبصار على جواز الترك، و حمله على الاستفهام الإنكاري غير بعيد بمعنى انه يجوز لها قراءة القرآن الذي من جملته العزائم و لا يجب عليها السجود بل تسجد كما أنها تقرأ. و اما خبر غياث المتقدم (2) فهو يضعف عن معارضة ما ذكرناه من الأخبار. و لا يبعد عندي حمل الخبرين على التقية فإن العلامة قد نقل في المنتهى عن أكثر الجمهور اشتراط الطهارة من الحدثين (3).

و اما ستر العورة و الطهارة من الخبث و استقبال القبلة فظاهر الأكثر انه لا خلاف في عدم اشتراطها، قال في الذكرى اما ستر العورة و استقبال القبلة فغير شرط، و كذا لا يشترط خلو البدن و الثوب من النجاسة لإطلاق الأمر بها فالتقييد خلاف الأصل. انتهى أقول: قد تقدم في ما ذكره في كتاب الدعائم مما رواه عن جعفر (عليه السلام) التفصيل بين ما إذا قرأها و هو جالس فإنه يستقبل القبلة أو قرأها و هو راكب فحيث ما توجه.

إلا ان الكتاب على ما قدمنا ذكره لا تصلح اخباره للاستدلال و انما قصارها التأييد سيما مع ما نقله في المنتهى عن العامة من اشتراط الاستقبال فيها (4) فيضعف الاعتماد عليها و تقييد إطلاق الأخبار كملا بها.

[الموضع] (السادس) [هل يعتبر في سجود التلاوة السجود على باقي المساجد؟]

- اختلف الأصحاب في باقي المساجد غير الجبهة هل يشترط السجود عليها أيضا أم لا، و كذا في السجود على الجبهة هل يجب وضعها على ما يصح السجود عليه في الصلاة أم يكفي على اي شيء كان؟ و الأخبار المتقدمة كما عرفت مطلقة لا اشعار فيها بالتقييد بشيء مما ذكروه في الموضعين المذكورين.

قال في الذكرى: و في اشتراط السجود على الأعضاء السبعة أو الاكتفاء بالجبهة

____________

(1) الوسائل الباب 36 من الحيض.

(2) ص 327.

(3) المغني ج 1 ص 620.

(4) المغني ج 1 ص 620.

337

نظر من انه السجود المعهود و من صدقه بوضع الجبهة، و كذا في السجود على ما يصح السجود عليه في الصلاة من التعليل هناك بان الناس عبيد ما يأكلون و يلبسون و هو مشعر بالتعميم. انتهى.

أقول: أشار بالتعليل المذكور إلى

ما رواه الصدوق في الصحيح عن هشام بن الحكم (1) «انه قال لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أخبرني عما يجوز السجود عليه و عما لا يجوز؟ قال السجود لا يجوز إلا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس. فقال له جعلت فداك ما العلة في ذلك؟ قال لأن السجود خضوع للّٰه عز و جل فلا ينبغي ان يكون على ما يؤكل أو يلبس لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون و الساجد في سجوده في عبادة اللّٰه عز و جل فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها».

و عندي في ما ذكره من التعليل في كل من الموضعين نظر، اما ما علل به اشتراط باقي المساجد من انه السجود المعهود فإنه على إطلاقه ممنوع نعم هو معهود بالنسبة إلى الصلاة لا مطلقا، و بالجملة فإنه قد اعترف بصدق السجود بمجرد وضع الجبهة و هو كاف في التمسك بإطلاق الأخبار المذكورة و أصالة عدم ما زاد حتى يقوم عليه دليل. و اما الخبر المذكور فمورده أيضا انما هو سجود الصلاة، و ما تضمنه من العلة لا يخفى انه ليس من قبيل العلل الحقيقية التي يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و يجب اطرادها، فان هذه العلل انما هي معرفات و بيان حكمة شرعية أو مناسبة جلية للتقريب للإفهام. و بالجملة فأصالة البراءة أقوى دليل في المقام حتى يقوم الدليل الصريح و البرهان الصحيح الموجب للخروج عنه إذ لا تكليف إلا بعد البيان و لا حجة إلا بعد البرهان.

[الموضع] (السابع) [التكبير في سجود التلاوة]

- المشهور بين الأصحاب عدم التكبير لها و قال أكثر العامة بوجوب التكبير قبلها (2) نعم يستحب التكبير عند الرفع، و ظاهر الشيخ في المبسوط

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ما يسجد عليه.

(2) المغني ج 1 ص 621.

338

و الخلاف و الشهيد في الذكرى الوجوب.

و يدل على التكبير ما تقدم في الخبر الأول (1) و قد تضمن النهي عن التكبير قبل السجود و الأمر به حين رفع الرأس، و الخبر الرابع (2) و فيه

«و لا تكبر حتى ترفع رأسك»

و الخبر الثامن (3) لقوله

«ثم يرفع رأسه ثم يكبر»

و الخبر التاسع عشر (4) و فيه

«لا يكبر حين يسجد و لكن يكبر إذا رفع رأسه»

. و لعل من يظهر منه القول بوجوب التكبير نظر إلى لفظ الأمر به في هذه الأخبار إلا ان ظاهر الخبر الحادي عشر (5) عدم التكبير مطلقا حيث قال فيه «ليس فيها تكبير إذا سجدت و لا إذا قمت- يعني رفعت من السجود- و لكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود» فإنه ظاهر في انه ليس فيها شيء غير الذكر، و نحوه خبر الدعائم و قوله فيه

«و إذا سجد فلا يكبر و لا يسلم إذا رفع و ليس في ذلك غير السجود»

و الواجب حملهما على نفي الوجوب جمعا، و به يظهر ضعف قول من ادعى وجوب التكبير المذكور. و كيف كان فالأحوط عدم تركه. ثم ان ظاهر الأخبار الدالة عليه انه بعد الرفع و قبل الجلوس إلا ان يحمل على التجوز في العبارة.

[الموضع] (الثامن) [الذكر في سجود التلاوة]

- يستحب الذكر فيها بما تيسر و أفضله المأثور، و منه ما تقدم في الخبر السابع و الخبر الثامن (6) و ظاهر الخبر الحادي عشر (7) انه يقول ما يقول في سجود الصلاة، و في خبر الدعائم (8) ما تيسر من الدعاء، و قال في المنتهى يستحب ان يقول في سجوده «آمنا بما كفروا و عرفنا منك ما أنكروا و أجبناك إلى ما دعوا فالعفو العفو» و قال في: الفقيه: و يستحب ان يسجد الإنسان في كل سورة فيها سجدة إلا ان الواجب في هذه العزائم الأربع، قال و من قرأ شيئا من هذه العزائم الأربع فليسجد و ليقل «إلهي آمنا بما كفروا. الى آخر ما تقدم» قال ثم يرفع رأسه و يكبر.

[الموضع] (التاسع) [سجود التلاوة في أوقات كراهة النوافل]

قال العلامة في المنتهى: يجوز فعلها في الأوقات كلها و ان كانت

____________

(1) ص 225.

(2) ص 326.

(3) ص 326.

(4) ص 328.

(5) ص 327.

(6) ص 326.

(7) ص 327.

(8) ص 330.

339

مما يكره فيه النوافل، و هو قول الشافعي و احمد في إحدى الروايتين و مروي عن الحسن و الشعبي و سالم و عطاء و عكرمة، و قال أحمد في الرواية الأخرى انه لا يسجد و به قال أبو ثور و ابن عمر و سعيد بن المسيب و إسحاق، و قال مالك يكره قراءة السجدة في وقت النهي (1). انتهى. و ظاهر تشاغله بنقل أقوال العامة خاصة انه لا مخالف في هذا الحكم من أصحابنا.

و يدل على الحكم المذكور إطلاق أكثر الأخبار المتقدمة، و خصوص

رواية كتاب الدعائم حيث قال (2) «و من قرأ السجدة أو سمعها سجد اي وقت كان ذلك مما تجوز الصلاة فيه أو لا تجوز و عند طلوع الشمس و عند غروبها».

إلا ان الخبر الخامس (3) قد دل على النهي عن السجود إذا كان في تلك الساعات.

و العلامة في المنتهى قد احتج على الحكم المذكور بإطلاق الأمر بالسجود المتناول للأوقات كلها، قال و لأنها ذات سبب فجاز فعلها في وقت النهي عن النوافل كقضاء النوافل الراتبة. ثم اعترض على نفسه برواية عمار المذكورة (4) ثم أجاب بأن رواتها فطحية فلا تعارض ما ثبت بغيرها من الأخبار.

و أنت خبير بان الحكم المذكور لا يخلو من اشكال لعدم المعارض للموثقة المذكورة سوى إطلاق الأخبار الذي يمكن تقييده بالرواية المذكورة كما هو مقتضى القاعدة، و رواية كتاب الدعائم لا تبلغ قوة في رد هذه الموثقة إلا انها بانضمام اتفاق الأصحاب على القول بمضمونها لا تقصر عن معارضتها، مضافا إلى ما في روايات عمار مما نبهت عليه في غير موضع. و بالجملة فللتوقف في الحكم مجال.

[الموضع] (العاشر) [فورية سجود التلاوة]

- الظاهر انه لا خلاف في فوريتها و قد نقلوا الإجماع على ذلك، و لو أخل بها حتى فاتت الفورية فهل تكون أداء أو قضاء؟ قال في الذكرى يجب قضاء العزيمة مع الفوات و يستحب قضاء غيرها، ذكره الشيخ في المبسوط و الخلاف لتعلق الذمة، بالواجب أو المستحب فتبقى على الشغل. و هل ينوي القضاء؟ ظاهره ذلك لصدق حد القضاء عليها، و في المعتبر

____________

(1) المغني ج 1 ص 623.

(2) ص 320.

(3) ص 326.

(4) ص 326.

340

ينوي الأداء لعدم التوقيت. و فيه منع لأنها واجبة على الفور فوقتها وجود السبب فإذا فات فقد فعلت في غير وقتها و لا نعني بالقضاء إلا ذلك. انتهى.

أقول: فيه ان الظاهر ان المراد من الوقت للشيء ما كان ظرفا له يقع الإتيان به فيه كاوقات الصلوات الخمس و نحوها، و الظاهر هنا بالنسبة إلى قراءة العزيمة انما هو كونها سببا لوجوب السجود بحيث متى اتى بها اشتغلت الذمة بالسجود كالزلزلة فإنها سبب لوجوب الصلاة و ان قصر وقتها عن الإتيان بالصلاة فتجب الصلاة بحصولها، و قد حققنا ان الوقت في الزلزلة هو العمر فتبقى أداء مطلقا إذ لا وقت لها فكذلك السجدة هنا تكون أداء مطلقا لعدم التوقيت فيها، و قراءة العزيمة انما هو سبب لوجوب الإتيان بها لا وقت له كما ذكره لأن الإتيان بها لا يقع إلا بعد مضي القراءة و انقضائها و قضية الوقتية الوقوع في أثناء الوقت كما عرفت، و بذلك يظهر ان ما ذكره في المعتبر هو الأقوى و المعتبر.

هذا كله بناء على وجوب الإتيان بنية الوجه كما هو المشهور بينهم و اما على ما نختاره و هو الأصح في المسألة فالواجب الإتيان به مطلقا من غير تعرض لنية قضاء و لا أداء.

و نظير الزلزلة في ما ذكرنا الحج أيضا فإنه بالاستطاعة يصير واجبا فيبقى وجوبه مستقرا في جميع الأزمان فلا وقت له يوجب الإتيان به في خارجه بنية القضاء، و نسبة قراءة السجدة إلى وجوب السجود كنسبة الاستطاعة إلى الحج و الزلزلة إلى الصلاة في كون الجميع من قبيل الأسباب.

[الموضع] (الحادي عشر) [تعدد سجود التلاوة بتعدد السبب و عدمه]

- قال في الذكرى: تتعدد السجدة بتعدد السبب سواء تخلل السجود أو لا لقيام السبب و أصالة عدم التداخل و روى محمد بن مسلم، ثم أورد الخبر السادس (1).

أقول: لا إشكال في التعدد مع تخلل السجود و اما مع عدمه فهو مبني على ما اشتهر

____________

(1) ص 326.

341

بينهم من أصالة عدم تداخل الأسباب، و قد عرفت في مسألة تداخل الأغسال من كتاب الطهارة ما يبطل هذا الأصل للأحبار الكثيرة الدالة على انه إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها حق واحد (1) و اما خبر محمد بن مسلم الذي استند اليه فلا دلالة فيه على ما ادعاه، إذ غاية ما يدل عليه انه متى قرأ السجدة وجب عليه السجود تحقيقا للفورية التي لا خلاف فيها، و اما انه لو قرأ مرارا متعددة من غير تخلل السجود فهل الواجب عليه سجدة واحدة أو سجدات متعددة بعدد القراءة فلا دلالة في الخبر عليه. و اللّٰه العالم

(المقام الثاني)- في سجدة الشكر

و هي مستحبة عقيب الصلاة شكرا على التوفيق لأدائها، قال في التذكرة انه مذهب علمائنا اجمع خلافا للجمهور (2).

[الأخبار الواردة في المقام]

و يدل عليه من الأخبار ما يكاد يبلغ حد التواتر المعنوي، و منها

ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن مرازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سجدة الشكر واجبة على كل مسلم تتم بها صلاتك و ترضى بها ربك و تعجب الملائكة، منك و ان العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك و تعالى الحجاب بين العبد و الملائكة فيقول يا ملائكتي انظروا إلى عبدي أدى فرضي و أتم عهدي ثم سجد لي شكرا على ما أنعمت به عليه، ملائكتي ما ذا له عندي؟ قال فتقول الملائكة يا ربنا رحمتك. ثم يقول الرب تبارك و تعالى ثم ما ذا له؟ فتقول الملائكة يا ربنا جنتك. فيقول الرب تبارك و تعالى ثم ما ذا له؟ فتقول الملائكة يا ربنا كفاية مهمه. فيقول اللّٰه تبارك و تعالى. ثم ما ذا؟

فلا يبقى شيء من الخير إلا قالته الملائكة فيقول اللّٰه تبارك و تعالى يا ملائكتي ثم ما ذا؟

فتقول الملائكة ربنا لا علم لنا. قال فيقول اللّٰه تبارك و تعالى اشكر له كما شكر لي و اقبل

____________

(1) الوسائل الباب 43 من غسل الجنابة.

(2) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 425 «المالكية قالوا سجدة الشكر مكروهة.

الحنفية قالوا سجدة الشكر مستحبة و يكره الإتيان بها عقب الصلاة لئلا يتوهم العامة انها سنة أو واجبة».

(3) الوسائل الباب 1 من سجدتي الشكر.

342

إليه بفضلي و أريه وجهي».

أقول: في التهذيب (1) «رحمتي» مكان «وجهي»

و قال في الفقيه (2): من وصف اللّٰه تعالى ذكره بالوجه كالوجوه فقد كفر و أشرك و وجهه أنبياؤه و حججه (صلوات اللّٰه عليهم) و هم الذين يتوجه بهم الإنسان إلى اللّٰه عز و جل و إلى معرفته و معرفة دينه، و النظر إليهم في يوم القيامة ثواب عظيم يفوق كل ثواب.

و روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن إسحاق بن عمار (3) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول كان موسى بن عمران إذا صلى لم ينفتل حتى يلصق خده الأيمن بالأرض و خده الأيسر بالأرض».

و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) اوحى اللّٰه تعالى إلى موسى بن عمران أ تدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال موسى لا يا رب. قال يا موسى اني قلبت عبادي ظهرا و بطنا فلم أجد منهم أحدا أذل نفسا لي منك يا موسى انك إذا صليت وضعت خديك على التراب».

و روى في الكافي عن جعفر بن علي (5) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) و قد سجد بعد الصلاة فبسط ذراعيه على الأرض و ألصق جؤجؤه بالأرض في دعائه».

أقول الجؤجؤ كهدهد، الصدر.

و عن عبد الرحمن بن خاقان (6) قال: «رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) سجد سجدة الشكر فافترش ذراعيه و ألصق صدره و بطنه بالأرض فسألته عن ذلك فقال كذا نحب».

و في الكافي و الفقيه عن ابن جندب (7) قال: «سألت أبا الحسن الماضي (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من سجدتي الشكر.

(2) الوسائل الباب 1 من سجدتي الشكر.

(3) الوسائل الباب 3 من سجدتي الشكر.

(4) الوسائل الباب 3 من سجدتي الشكر.

(5) الوسائل الباب 4 من سجدتي الشكر.

(6) الوسائل الباب 4 من سجدتي الشكر.

(7) الفروع ج 1 ص 90 و الفقيه ج 1 ص 217 و الوسائل الباب 6 من سجدتي الشكر.

343

السلام) عما أقول في سجدة الشكر فقد اختلف أصحابنا فيه؟ فقال قل و أنت ساجد اللهم إني أشهدك و أشهد ملائكتك و أنبياءك و رسلك و جميع خلقك انك أنت اللّٰه ربي و الإسلام ديني و محمد نبيي و فلان و فلان إلى آخرهم أئمتي بهم أتولى و من عدوهم أتبرّأ. اللهم إني أنشدك دم المظلوم (ثلاثا) و زاد في الفقيه «اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأعدائك لتهلكنهم بأيدينا و أيدي المؤمنين» ثم اشترك الكتابان في قوله بعد ذلك «اللهم إني أنشدك بإيوائك على نفسك لأوليائك لتظفرنهم على عدوك و عدوهم ان تصلي على محمد و على المستحفظين من آل محمد» في الفقيه (ثلاثا) ثم اشتركا «اللهم إني أسألك اليسر بعد العسر (ثلاثا) ثم ضع خدك الأيمن على الأرض و تقول: يا كهفي حين تعييني المذاهب و تضيق على الأرض بما رحبت و يا بارئ خلقي رحمة بي و قد كنت عن خلقي غنيا صل على محمد و على المستحفظين من آل محمد، ثم ضع خدك الأيسر و تقول: يا مذل كل جبار و يا معز كل ذليل قد و عزتك بلغ مجهودي (ثلاثا) ثم تقول: يا حنان يا منان يا كاشف الكرب العظام (ثلاثا) ثم تعود للسجود فتقول مائة مرة «شكرا شكرا» ثم تسأل حاجتك ان شاء اللّٰه تعالى».

قال في الوافي (1) صرح في الفقيه بأسماء الأئمة (عليهم السلام) هكذا: و علي امامي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و الحجة ابن الحسن بن علي أئمتي. و معنى أنشدك «أسألك باللّٰه» من النشد و المراد هنا أسألك بحقك أن تأخذ بدم المظلوم يعني الحسين (عليه السلام) و تنتقم من قاتليه و ممن أسس أساس الظلم عليه و على أبيه و على أخيه (صلوات اللّٰه عليهم). و الإيواء بالمثناة التحتانية و المد: العهد، و المستحفظين بصيغة الفاعل أو المفعول بمعنى استحفظوا الإمامة أي حفظوها أو استحفظهم اللّٰه تعالى إياها. «يا كهفي حين تعييني المذاهب» اي يا ملجأي حين تعييني مسالكي إلى الخلق و تردداني إليهم في

____________

(1) باب سجود الشكر.

344

تحصيل بغيتي و تدبير أموري و «تعييني» بيائين مثناتين من تحت من الإعياء أو بنونين أولهن مشددة و بينهما مثناة تحتانية من التعنية بمعنى الإيقاع في العناء. «بِمٰا رَحُبَتْ» اي بسعتها و ما مصدرية.

و روى في الكافي عن سليمان بن حفص (1) قال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في سجدة الشكر فكتب الي مائة مرة شكرا شكرا و ان شئت عفوا عفوا».

و عن محمد بن سليمان عن أبيه (2) قال: «خرجت مع أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) الى بعض أمواله فقام إلى صلاة الظهر فلما فرغ خر للّٰه ساجدا فسمعته يقول بصوت حزين و تغرغر دموعه: رب عصيتك بلساني و لو شئت و عزتك لأخرستني و عصيتك ببصري و لو شئت و عزتك لأكمهتني و عصيتك بسمعي و لو شئت و عزتك لأصممتني و عصيتك بيدي و لو شئت و عزتك لكنعتني و عصيتك برجلي و لو شئت و عزتك لجذمتني و عصيتك بفرجي و لو شئت و عزتك لعقمتني و عصيتك بجميع جوارحي التي أنعمت بها علي و ليس هذا جزاؤك مني. قال ثم أحصيت له ألف مرة و هو يقول العفو العفو، قال ثم ألصق خده الأيمن بالأرض فسمعته و هو يقول بصوت حزين: بؤت إليك بذنبي عملت سوء و ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب غيرك يا مولاي «ثلاث مرات» ثم ألصق خده الأيسر بالأرض فسمعته يقول: ارحم من أساء و اقترف و استكان و اعترف (ثلاث مرات) ثم رفع رأسه».

و روى في التهذيب في الصحيح و كذا في الفقيه عن سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن سجدة الشكر فقال اي شيء سجدة الشكر؟ فقلت له ان أصحابنا يسجدون بعد الفريضة سجدة واحدة و يقولون هي سجدة الشكر. فقال ان الشكر إذا أنعم اللّٰه على عبد النعمة أن يقول: سُبْحٰانَ الَّذِي

____________

(1) الوسائل الباب 6 من سجدتي الشكر.

(2) الوسائل الباب 6 من سجدتي الشكر.

(3) الوسائل الباب 1 من سجدتي الشكر.

345

سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا لَمُنْقَلِبُونَ (1) و الحمد للّٰه رب العالمين».

و روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج في ما كتبه الحميري إلى القائم (عليه السلام) (2) «يسأله عن سجدة الشكر بعد الفريضة فإن بعض أصحابنا ذكر أنها بدعة فهل يجوز ان يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ و ان جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟ فأجاب (عليه السلام) سجدة الشكر من الزم السنن و أوجبها و لم يقل ان هذه السجدة بدعة إلا من أراد ان يحدث في دين اللّٰه بدعة. و اما الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب. الحديث».

و قد تقدم في المقدمة الثانية من مقدمات هذا الكتاب (3).

و روى الصدوق في كتاب المجالس (4) بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يسير مع بعض أصحابه في بعض طرق المدينة إذ ثنى رجله عن دابته ثم خر ساجدا فأطال ثم رفع رأسه فعاد ثم ركب فقال له أصحابه يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) رأيناك ثنيت رجلك عن دابتك ثم سجدت فاطلت السجود؟ فقال ان جبرئيل (عليه السلام) أتاني فأقرأني السلام من ربي و بشرني انه لن يخزيني في أمتي فلم يكن لي مال فأتصدق به و لا مملوك فأعتقه فأحببت أن أشكر ربي عز و جل».

و روى الصدوق في العلل و في العيون في الموثق عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «السجدة بعد الفريضة شكر للّٰه تعالى على ما وفق له العبد من أداء فرضه، و ادنى ما يجزئ فيها من القول ان يقول شكرا للّٰه شكرا للّٰه

____________

(1) سورة الزخرف، الآية 12.

(2) الوسائل الباب 31 من التعقيب.

(3) ج 6 ص 60.

(4) ص 304 المجلس 76 و في الوسائل الباب 7 من سجدتي الشكر.

(5) الوسائل الباب 1 من سجدتي الشكر.

346

شكرا للّٰه (ثلاث مرات) قلت فما معنى قوله شكرا للّٰه؟ قال: يقول هذه السجدة مني شكر للّٰه عز و جل على ما وفقني له من خدمته و أداء فرضه و الشكر موجب للزيادة فإن كان في الصلاة تقصير لم يتم بالنوافل تم بهذه السجدة».

و روى الشيخ أبو علي بن شيخنا الطوسي في كتاب المجالس بسنده عن جميل عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «اوحى اللّٰه تعالى إلى موسى بن عمران أ تدري يا موسى لم انتجبتك من خلقي و اصطفيتك لكلامي؟ فقال لا يا رب. فأوحى اللّٰه اليه اني اطلعت إلى الأرض فلم أجد عليها أشد تواضعا لي منك فخر موسى ساجدا و عفر خديه في التراب تذللا منه لربه عز و جل فأوحى اللّٰه اليه ان ارفع رأسك يا موسى و أمر يدك في موضع سجودك و امسح بها وجهك و ما نالته من بدنك فإنه أمان من كل سقم و داء و آفة و عاهة».

و روى في كتاب العلل بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي (2) قال: «قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ان أبي علي بن الحسين ما ذكر للّٰه نعمة عليه إلا سجد و لا قرأ آية من كتاب اللّٰه عز و جل فيها سجود إلا سجد و لا دفع اللّٰه عنه سوء يخشاه أو كيد كائد إلا سجد و لا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد و لا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد، و كان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمى السجاد لذلك».

[فوائد]

أقول: و في هذا المقام فوائد يحسن التنبيه عليها و يهش خاطر الذاكر الشاكر إليها

(الاولى) [إنكار العامة لسجدة الشكر بعد الصلاة]

- قد أنكر هذه السجدة بعد الصلاة العامة و شددوا في إنكارها مع ورودها في اخبارهم (3) و الظاهر ان السبب في ذلك مراغمة الشيعة (4) حيث شددوا في استحبابها و الملازمة عليها كما استفاضت به اخبارهم، و على ذلك يحمل صحيح سعد بن

____________

(1) الوسائل الباب 5 من سجدتي الشكر.

(2) الوسائل الباب 7 من سجدتي الشكر.

(3) لم نعثر على خبر من طرقهم يدل على السجود بعد الصلاة و قد تقدم في التعليقة (2) ص 341 ان المالكية كرهوا سجدة الشكر مطلقا و الحنفية كرهوا سجدة الشكر بعد الصلاة.

(4) ارجع إلى ج 4 ص 124 التعليقة 1 فإنك تجد هناك ما يؤيد كلامه (قدس سره).

347

سعد المتقدم عن الرضا (عليه السلام) المتضمن لإنكارها فإنه إنما خرج مخرج التقية كما ينادي به الخبر الذي بعده بلا فصل.

و هي بعد تمام التعقيب و الفراغ منه كما ينادي به

ما رواه الصدوق (1) «ان الكاظم (عليه السلام) كان يسجد بعد ما يصلي الفجر فلا يرفع رأسه حتى يتعالى النهار».

(الثانية)- يستحب فيها ان يفترش ذراعيه و يلصق صدره بالأرض

كما تقدم في رواية جعفر بن علي، و في رواية عبد الرحمن بن خاقان (2) و «بطنه» أيضا.

(الثالثة)- يستحب فيها تعفير الخدين

و هو وضعهما على العفر الذي هو التراب، و قد تقدم في خبر إسحاق بن عمار (3) نقلا عن موسى بن عمران و مثله اخبار أخر غيره أيضا مما ذكرنا هنا و ما لم نذكره.

و قد ذكر جملة من الأصحاب: منهم- الشهيدان و السيد في المدارك استحباب تعفير الجبينين أيضا و هما المكتنفان للجبهة. و استدل عليه في المدارك بالخبر المشهور في ان من علامات المؤمن خمسا، و عد منها تعفير الجبين (4).

و عندي في ذلك إشكال إذا لم أقف في اخبار السجود على تعددها و كثرتها على ما يدل عليه، و الاستدلال بهذا الخبر على ذلك غير ظاهر إذ من المحتمل بل هو الظاهر ان المراد بالجبين هو الجبهة كما مر نظيره في باب التيمم من كثرة هذا الإطلاق في الأخبار و يؤيده التعبير في الخبر بالجبين مفردا و المراد حينئذ انما هو استحباب السجود على الأرض. و جعل ذلك من علامات المؤمن من حيث ان المخالفين لا يرون استحباب سجدة الشكر كما عرفت (5) كما جعل (عليه السلام) من جملة ذلك التختم باليمين

____________

(1) الوسائل الباب 2 من سجدتي الشكر.

(2) ص 342.

(3) ص 342.

(4) رواه الشيخ في التهذيب ج 2 ص 17 و قد تقدم في الصفحة 167 ما يتعلق به.

(5) التعليقة (2) ص 341.

348

ردا على المخالفين الذين يستحبون التختم باليسار (1) و مثله الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في مواضع إخفات القراءة فإنه في مقام الرد عليهم كما تقدم ذكره في المسألة المذكورة و أيضا فإنه لا دلالة في الخبر المذكور على انه بعد السجود أو لا ليحصل به الفصل بين السجدتين و تعددهما كما ذكروه قياسا على تعفير الخدين فان الخبر لا يدل على ذلك كما لا يخفى. و بالجملة فإن فهم ما ذكروه من هذه الرواية في غاية من الخفاء و الاشكال إلا ان يكون لهم خبر آخر و لم يوردوه و لم أقف عليه في اخبار السجود، و الذي صرحوا به دليلا لهذا الحكم انما هو هذه الرواية كما في المسالك و المدارك و غيرهما و الحال كما ترى.

(الرابعة) [مسح الوجه باليد بعد سجود الشكر و ما نالته من بدنه]

- قد دل خبر جميل المروي في كتاب مجالس الشيخ أبي علي على استحباب وضع اليد بعد السجود على محل السجود و ان يمسح بها وجهه و ما نالته من بدنه و ان لم يكن به علة و لا مرض لدفع ما عساه يعرض من الأمراض في هذه الأماكن.

و قد روى في كتاب مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن عبد الحميد (2) «ان الصادق (عليه السلام) قال لرجل إذا أصابك هم فامسح يدك على موضع سجودك ثم أمر يدك على وجهك من جانب خدك الأيسر و على جبهتك إلى جانب خدك الأيمن ثم قل بسم اللّٰه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم اللهم أذهب عني الهم و الحزن (ثلاثا)».

و قال شيخنا المفيد (عطر اللّٰه مرقده) في المقنعة: يضع باطن كفه الأيمن موضع سجوده ثم يرقعها فيمسح بها وجهه من قصاص شعر رأسه إلى صدغيه ثم يمرها على باقي وجهه و يمرها على صدره فان ذلك سنة و فيه شفاء ان شاء اللّٰه تعالى،

و قد روى عن

____________

(1) راجع رسالة «يوم الأربعين عند الحسين ع» للعلامة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم و مقتل الحسين «ع» له أيضا ص 442 الطبعة الثانية فقد نقل من كتب الحنابلة و الحنفية و المالكية ترك الجهر بالبسملة و من كتب المالكية استحباب ان يكون التختم باليسار و كان البغوي من الشافعية يقول آخر الأمرين التختم باليسار.

(2) البحار ج 18 الصلاة ص 478.

349

الصادقين (عليهم السلام) (1) انهم قالوا «ان العبد إذا سجد امتد من عنان السماء عمود من نور إلى موضع سجوده فإذا رفع أحدكم رأسه من السجود فليمسح بيده موضع سجوده ثم يمسح بها وجهه و صدره فإنه لا تمر بداء إلا نقته ان شاء اللّٰه تعالى».

انتهى.

و قال في الذكرى: يستحب إذا رفع رأسه منها ان يمسح يده على موضع سجوده ثم يمرها على وجهه من جانب خده الأيسر و على جبهته إلى جانب خده الأيمن و يقول بسم اللّٰه. الدعاء كما تقدم. ثم قال و رواه الصدوق عن إبراهيم بن عبد الحميد عن الصادق (عليه السلام) (2) فإنه يدفع الهم

قال و في مرفوع اليه (عليه السلام) (3) «إذا كان بك داء من سقم أو وجع فإذا قضيت صلاتك فامسح بيدك على موضع سجودك من الأرض و ادع بهذا الدعاء و أمر يدك على موضع وجعك (سبع مرات) تقول: يا من كبس الأرض على الماء و سد الهواء بالسماء و اختار لنفسه أحسن الأسماء صل على محمد و آل محمد و افعل بي كذا و كذا و ارزقني كذا و كذا و عافني من كذا و كذا».

(الخامسة) [هل يعتبر في سجود الشكر وضع المساجد السبعة]

- قال في الذكرى: ليس في سجود الشكر تكبير الافتتاح و لا تكبير السجود و لا رفع اليدين و لا تشهد و لا تسليم، و هل يستحب التكبير لرفع رأسه من السجود؟ أثبته في المبسوط. و هل يشترط فيه وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه في الصلاة؟ في الأخبار السالفة إيماء اليه و الظاهر انه غير شرط لقضية الأصل. اما وضع الأعضاء السبعة فمعتبر قطعا ليتحقق مسمى السجود. و يجوز على الراحلة اختيارا لأصالة الجواز. انتهى.

أقول: اما ما ذكره الشيخ في المبسوط من استحباب التكبير للرفع من هذه السجدة فالظاهر انه حمله على سجدة التلاوة كما عرفت من دلالة أخبارها على التكبر للرفع و إلا فأخبار سجدة الشكر على كثرتها لا تعرض فيها لذلك كما لا يخفى على المتتبع.

و اما ما اختاره في الذكرى من عدم اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه

____________

(1) المقنعة ص 17.

(2) الوسائل الباب 5 من سجدتي الشكر.

(3) الوسائل الباب 5 من سجدتي الشكر.

350

في الصلاة فجيد لقضية الأصل و عدم وجود ما يوجب الخروج عنه. و ورود بعض الأخبار بحكاية حال في ذلك لا دلالة فيه على الحصر و الاختصاص، و هذا هو الذي أشار إليه بالإيماء في كلامه.

و اما ما اختاره من اشتراط وضع المساجد السبعة لأن به يتحقق مسمى السجود فمحل اشكال لما تقدم في سجود التلاوة من اعترافه بصدق السجود بمجرد وضع الجبهة و الأخبار مطلقة و تقييدها بما زاد على وضع الجبهة مع صدق السجود بذلك يحتاج إلى دليل.

و دعوى ان السجود لا يتحقق إلا بوضع المساجد السبعة ممنوعة مخالفة لما اعترف به سابقا من صدق ذلك بمجرد وضع الجبهة. قال شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين:

و هل يشترط السجود على الأعضاء السبعة أم يكتفى بوضع الجبهة؟ كل محتمل و قطع شيخنا في الذكرى بالأول و علله بان مسمى السجود يتحقق بذلك. و اما وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فالأصل عدم اشتراطه. انتهى. و هو جيد.

(السادسة) [استحباب سجود الشكر عند تجدد النعم و دفع النقم]

قال شيخنا البهائي (عطر اللّٰه مرقده) في كتاب الحبل المتين: أطبق علماؤنا (رضوان اللّٰه عليهم) على ندبية سجود الشكر عند تجدد النعم و دفع النقم،

و قد روى (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا جاءه شيء يسره خر ساجدا».

و روى (2) «انه سجد يوما فأطال فسئل عنه فقال أتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال من صلى عليك مرة صلى اللّٰه عليه عشرا فخررت شكرا للّٰه».

و روى (3) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سجد يوم النهروان شكرا لما وجدوا ذا الثدية قتيلا».

و كما يستحب السجود لشكر النعمة المتجددة فالظاهر- كما قاله شيخنا في الذكرى- انه يستحب عند تذكر النعمة و ان لم تكن متجددة،

و قد روى إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّٰه

____________

(1) رواه البيهقي في السنن ج 2 ص 370.

(2) سنن البيهقي ج 2 ص 371 باختلاف في الحديث (2) و الوافي في (سجود الشكر).

(3) سنن البيهقي ج 2 ص 371 باختلاف في الحديث (2) و الوافي في (سجود الشكر).

351

(عليه السلام) (1) قال: «إذا ذكرت نعمة اللّٰه عليك و قد كنت في موضع لا يراك أحد فألصق خدك بالأرض، و إذا كنت في ملأ من الناس فضع يدك على أسفل بطنك و احن ظهرك و ليكن تواضعا للّٰه فان ذلك أحب و ترى ان ذلك غمز وجدته في أسفل بطنك».

انتهى.

أقول: و مما يعضد ما ذكره ما تقدم في حديث جابر بن يزيد الجعفي عن الباقر (عليه السلام) (2) في حكايته عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام) و فيه زيادات على ما ذكروا.

و منها-

ما رواه في كتاب ثواب الأعمال عن ذريح المحاربي (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أيما مؤمن سجد للّٰه سجدة لشكر نعمة في غير صلاة كتب اللّٰه له بها عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات في الجنان».

و ما رواه في كتاب البصائر عن معاوية بن وهب (4) قال «كنت مع أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو راكب حماره فنزل و قد كنا صرنا إلى السوق أو قريبا من السوق قال فنزل و سجد و أطال السجود و انا انتظره ثم رفع رأسه قال فقلت جعلت فداك رأيتك نزلت فسجدت؟ قال اني ذكرت نعمة اللّٰه علي. قال قلت قرب السوق و الناس يجيئون و يذهبون؟ قال انه لم يرني أحد».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المذكورة في مظانها.

(السابعة) [التعدد في سجود الشكر أفضل]

- الظاهر من كلام الأصحاب و كذا من الأخبار ان سجود الشكر المندوب إليه يتأدى بالمرة الواحدة و ان كان التعدد بالفصل بتعفير الخدين بين السجدتين أفضل، فإن كثيرا من الأخبار انما اشتمل على سجدة واحدة و جملة منها دلت على التعدد و كذا في كلام الأصحاب ربما عبروا بسجدة الشكر و ربما عبروا بسجدتي الشكر و الكل منصوص كما عرفت، و التعدد سيما مع توسط التعفير أفضل البتة.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من سجدتي الشكر.

(2) ص 346.

(3) الوسائل الباب 7 من سجدتي الشكر.

(4) الوسائل الباب 7 من سجدتي الشكر.

352

(الثامنة) [استحباب إطالة السجود]

- قد استفاضت الأخبار باستحباب اطالة السجود

فروى في الكافي عن زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) في حديث قال: «ان العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس يا ويله أطاعوا و عصيت و سجدوا و أبيت».

و عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «مر بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) رجل و هو يعالج بعض حجراته فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا أكفيك؟ قال شأنك. فلما فرغ قال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حاجتك قال الجنة، فأطرق رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال نعم. فلما ولى قال له يا عبد اللّٰه أعنا بطول السجود».

و عن عبد الحميد بن أبي العلاء (3) قال «دخلت المسجد الحرام. ثم ساق الخبر إلى ان قال فإذا أنا بأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ساجدا فانتظرته طويلا فطال سجوده علي فقمت فصليت ركعات و انصرفت و هو بعد ساجد فسألت مولاه متى سجد؟ فقال من قبل ان تأتينا. فلما سمع كلامي رفع رأسه. الحديث».

و عن الوشاء (4) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول أقرب ما يكون العبد من اللّٰه تعالى و هو ساجد و ذلك قوله تعالى وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» (5).

و روى في كتاب العلل عن أبي بصير (6) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يا أبا محمد عليك بطول السجود فان ذلك من سنن الأوابين».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و قد روى الأصحاب (7) «ان ادنى ما يجزئ في سجدة الشكر (شكرا شكرا) ثلاث مرات».

ذكر ذلك الشهيد في الذكرى. و قد ورد في عدة اخبار

عن الصادق (عليه السلام) (8) «ان العبد إذا سجد فقال يا رب يا رب حتى ينقطع نفسه قال له الرب

____________

(1) الوسائل الباب 23 من السجود.

(2) الوسائل الباب 23 من السجود.

(3) الوسائل الباب 23 من السجود.

(4) الوسائل الباب 23 من السجود.

(5) سورة العلق، الآية 19.

(6) الوسائل الباب 23 من السجود.

(7) ص 345.

(8) الوسائل الباب 6 من سجدتي الشكر.

353

عز و جل لبيك ما حاجتك».

الفصل السابع في القنوت

و هو لغة الطاعة و السكون و الدعاء و القيام في الصلاة و الإمساك عن الكلام، نص على ذلك في القاموس، و ذكر ابن الأثير معاني أخر كالخشوع و الصلاة و العبادة و القيام و طول القيام. و قال الجوهري القنوت الطاعة هذا هو الأصل و منه قوله تعالى وَ الْقٰانِتِينَ وَ الْقٰانِتٰاتِ (1) ثم سمى القيام في الصلاة قنوتا. و قريب منه كلام ابن فارس، و المراد هنا ذكر مخصوص في موضع معين سواء كان معه رفع اليدين أم لا، و ربما يطلق على الدعاء مع رفع اليدين.

و الكلام في هذا الفصل أيضا ينتظم في مسائل

(الأولى) [المشهور استحباب القنوت لا وجوبه]

المشهور بين الأصحاب استحباب القنوت، و قال الصدوق في الفقيه انه سنة واجبة من تركه عمدا أعاد. و نقل عن ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوبه في الصلوات الجهرية، و إلى القول بوجوبه كما هو ظاهر الصدوق مال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني و ذكر انه صنف رسالة في القول بالوجوب و لم أقف عليها.

[الأخبار الواردة في المقام]

و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف ظواهر الأخبار الواردة في المسألة، و ينبغي ان يعلم ان روايات المسألة على ثلاثة أقسام، فمنها ما يدل على القول المشهور، و منها ما يدل على القول الآخر، و منها ما هو مجمل قابل للحمل على كل من القولين و ان كان جملة من المتأخرين قد نظموه في أدلة القول المشهور إلا انه بمحل من القصور كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه. و لا بد من الإتيان على جميع أخبار المسألة و ذكرها ليظهر لك حقيقة الحال فنقول:

(الأول)-

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الموثق عن محمد بن

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 35.

354

مسلم (1) قال «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القنوت في الصلوات الخمس؟ فقال اقنت فيهن جميعا قال: و سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) بعد ذلك عن القنوت فقال لي اما ما جهرت فيه فلا تشك».

(الثاني)-

ما رواه في الكافي عن أبي بصير في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت فقال في ما يجهر فيه بالقراءة. قال فقلت له اني سألت أباك عن ذلك فقال في الخمس كلها؟ فقال رحم اللّٰه أبي ان أصحاب أبي أوه فسألوه فأخبرهم بالحق ثم أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية».

(الثالث)-

ما رواه أيضا عن الحارث بن المغيرة (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اقنت في كل ركعتين فريضة أو نافلة قبل الركوع».

(الرابع)-

ما رواه أيضا عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن القنوت فقال في كل صلاة فريضة و نافلة».

(الخامس)-

ما رواه أيضا في الصحيح عن وهب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «من ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له».

(السادس)-

ما رواه في الكافي و التهذيب أيضا في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) قال: «القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع».

(السابع)-

ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم (7) قال: «القنوت في كل صلاة في الفريضة و التطوع».

(الثامن)-

ما رواه في التهذيب عن وهب في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (8) قال: «القنوت في الجمعة و العشاء و العتمة و الوتر و الغداة فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له».

أقول: المراد بالعشاء هنا المغرب.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(6) الوسائل الباب 3 من القنوت.

(7) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(8) الوسائل الباب 3 من القنوت.

355

(التاسع)-

ما رواه في التهذيب في الموثق و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «القنوت في كل ركعتين في التطوع و الفريضة».

و في التهذيب (2) زيادة على ذلك: قال الحسن و أخبرني عبد اللّٰه بن بكير عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «القنوت في كل الصلوات».

قال محمد بن مسلم فذكرت ذلك لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: «اما ما لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة».

(العاشر)-

ما رواه الصدوق في كتاب الخصال بسنده فيه عن الأعمش عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «القنوت في جميع الصلوات سنة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع و بعد القراءة.

و قال فرائض الصلاة سبع: الوقت و الطهور و التوجه و القبلة و الركوع و السجود و الدعاء».

أقول: هذا ما يمكن الاستدلال به للقول بالوجوب من الأخبار.

(الحادي عشر)-

ما رواه الشيخ عن عبد الملك بن عمرو (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال لا قبله و لا بعده».

(الثاني عشر)-

ما رواه في الصحيح عن سعد بن سعد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن القنوت هل يقنت في الصلوات كلها أم في ما يجهر فيها بالقراءة؟ قال ليس القنوت إلا في الغداة و الجمعة و الوتر و المغرب».

(الثالث عشر)-

ما رواه عن يونس بن يعقوب في الموثق (6) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت في أي الصلوات اقنت؟ فقال لا تقنت إلا في الفجر».

(الرابع عشر)-

ما رواه عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 1 و 2 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 2 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 1 من القنوت و 1 من أفعال الصلاة.

(4) الوسائل الباب 4 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 2 من القنوت.

(6) الوسائل الباب 2 من القنوت.

356

السلام) (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) في القنوت ان شئت فاقنت و ان شئت لا تقنت. قال أبو الحسن (عليه السلام) و إذا كان التقية فلا تقنت و انا أتقلد هذا».

(الخامس عشر)-

ما رواه عن احمد بن محمد عنه في الصحيح (2) قال:

«قال أبو جعفر (عليه السلام) في القنوت في الفجر ان شئت فاقنت و ان شئت فلا تقنت و قال إذا كانت تقية فلا تقنت و انا أتقلد هذا».

(السادس عشر)-

ما رواه عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألته عن القنوت في الجمعة؟ فقال اما الامام فعليه القنوت في الركعة الأولى. الى ان قال فمن شاء قنت في الركعة الثانية قبل ان يركع و ان شاء لم يقنت و ذلك إذا صلى وحده».

(السابع عشر)-

ما رواه عن عبد الملك بن عمرو (4) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قنوت الجمعة في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعد الركوع؟ فقال لا قبل و لا بعد».

أقول: هذا ما يمكن الاستدلال به للقول بالاستحباب من الأخبار الواردة في هذا المضمار.

(الثامن عشر)-

ما رواه المشايخ الثلاثة عن صفوان الجمال في الصحيح (5) قال: «صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها و لا يجهر فيها».

أقول: و تحقيق الكلام في هذه الأخبار ان يقال لا ريب انه و ان كانت هذه الأخبار ظاهرة الاختلاف في المقام و متصادمة في هذا الحكم كما في غيره من الأحكام، و الجمع بينها كما يمكن بالعمل باخبار الاستحباب و حمل اخبار الوجوب على تأكيد

____________

(1) الوسائل الباب 4 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 4 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 1 من القنوت.

357

الاستحباب كذلك يمكن العمل باخبار الوجوب و حمل اخبار الاستحباب على التقية (1) إلا ان الظاهر هو ترجيح الحمل الأول (اما أولا) فلما تدل عليه قرائن ألفاظ تلك الأخبار و عباراتها من تخصيص الصلاة الجهرية بذلك في بعض و التشريك بين الفريضة و النافلة في بعض و تخصيص بعض أفراد الجهرية به في ثالث، فان الظاهر ان ذلك مبني على ترتيب هذه الافراد في الفضل و الكمال.

و (اما ثانيا) فان بعض اخبار القول بالاستحباب لا يمكن اجراء الحمل على التقية فيه مثل صحيحتي أحمد بن محمد بن أبي نصر (و موثقة يونس بن يعقوب) (2) الدالتين على التخيير «ان شئت فاقنت و ان شئت فلا تقنت و إذا كانت تقية فلا تقنت» فان ذلك ظاهر في التخيير في حال عدم التقية و اما حال التقية فيتحتم فيها ترك القنوت.

و من ذلك يظهر انه مع القول بالاستحباب يمكن اجتماع الروايات عليه بحمل ما دلت عليه تلك الأخبار من انه «من تركه رغبة عنه فلا صلاة له» على المبالغة و التأكيد في استحبابه

كقولهم (عليهم السلام) «لا صلاة لجار المسجد إلا فيه» (3).

و نحو ذلك.

و اما ما دل عليه الخبر العاشر- من قوله فيه «سنة واجبة» و نحوه

ما رواه

____________

(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 422 «لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة انما القنوت في الوتر قبل الركوع» و في ص 427 حكى عن زين الدين العراقي ان أكثر السلف على استحباب القنوت في صلاة الصبح سواء نزلت نازلة أم لا، ثم ذكر جماعة من الصحابة و التابعين و الأئمة. و ناقشه العيني في هذه النسبة. ثم ذكر ان أبا حنيفة و أبا يوسف و محمد و احمد و إسحاق و الليث لا يرون القنوت في الصبح. و في المحلى لابن حزم ج 4 ص 138 «القنوت حسن بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض الصبح و غير الصبح و في الوتر» و في ص 145 «قال أبو حنيفة لا يقنت في شيء من الصلوات كلها إلا الوتر فإنه فيه قبل الركوع السنة كلها و قال مالك و الشافعي لا يقنت في شيء من الصلوات المفروضة إلا الصبح خاصة فعند مالك قبل الركوع و عند الشافعي بعد الركوع».

(2) الظاهر زيادة ما بين القوسين.

(3) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.

358

الصدوق أيضا في كتاب عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) في كتابه إلى المأمون قال: «القنوت سنة واجبة في الغداة و الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة».

-

ففيه ما عرفت في غير موضع مما تقدم من اشتراك لفظ السنة و كذا لفظ الوجوب في المعنيين المشهورين المذكورين و انه لا يحمل شيء منهما على أحد المعنيين إلا مع القرينة، فمن المحتمل حينئذ ان المراد بالسنة هنا المستحب و بالوجوب تأكيد الاستحباب فيكون المراد الاستحباب المؤكد جمعا بين الأخبار و به يرتفع عنها التنافي بخلاف الحمل على الوجوب لما عرفت آنفا.

و اما الاستناد إلى لفظ الدعاء- في قوله في الخبر المذكور (2)

«فرائض الصلاة سبع.».

و عد منها الدعاء بحمل الدعاء على القنوت، و مثله

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «الفرض في الصلاة الوقت و الطهور و القبلة و التوجه و الركوع و السجود و الدعاء. قلت ما سوى ذلك؟ قال سنة في فريضة».

و هذا الخبر مما استدل به شيخنا أبو الحسن المتقدم ذكره على الوجوب في هذه المسألة قال: «و القنوت دعاء و لا يجب منه سواه»- ففيه (أولا) ان جملة من الأخبار دلت على الاكتفاء في ذكر القنوت بالتسبيح و هو ليس بدعاء كما

في رواية حريز عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(2) ص 355.

(3) لم نعثر على هذه الرواية في الفقيه و قد رواها الكليني في فروع الكافي ج 1 ص 75 و الشيخ في التهذيب ج 1 ص 175 و 204 و قد رواه عنهما في الوسائل في الباب 1 من القبلة و الباب 1 من الوضوء و نسبه هناك إلى الصدوق أيضا، و ربما يشير إلى رواية الخصال المتقدمة. و رواه في الوافي عن الكافي و التهذيب في باب (الفرض في الصلاة).

(4) الوسائل الباب 6 من القنوت.

359

قال: «يجزئك من القنوت خمس تسبيحات في ترسل».

و رواية أبي بصير (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ادنى القنوت فقال خمس تسبيحات».

رواهما الشيخ في التهذيب و قال الصدوق في الفقيه: ادنى ما يجزئ في القنوت أنواع، و عد منها ان يقول «سبحان من دانت له السماوات و الأرض بالعبودية» و منها ان يسبح ثلاث تسبيحات و لا ريب ان جواز التسبيح كما دل عليه الخبران المذكوران ينافي إيجاب الدعاء بظاهر الآية على ما يدعيه الخصم. و لو أجيب بإطلاق الدعاء على التسبيح مجازا فلنا حينئذ ان نحمله على الأذكار الواقعة في الركوع و السجود أيضا لذلك.

و (ثانيا) انه من المحتمل حمل الدعاء على الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في التشهد فان المشهور- بل ادعى عليه الإجماع- وجوبها و هي دعاء، و على ذلك يدل بعض الأخبار الصحاح و غيرها كما يأتي تحقيقه في محله ان شاء اللّٰه تعالى.

و لو أجيب- بأن المراد بالفرض هنا ما ثبت وجوبه بالكتاب العزيز و القنوت قد ثبت بالكتاب دون الصلاة في التشهد.

قلنا: يشكل ذلك عليكم بعد التوجه بل يحصل الاشكال به و لو بحمل الفرض على الواجب أيضا، فإن التوجه الذي هو عبارة عن الإقبال على العبادة مستحب إجماعا، و لا مخرج من هذا الإشكال إلا بان يحمل الفرض هنا على ما يشمل الواجب و المستحب مجازا.

و ما يقال- من انه يلزم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته و مجازه و هو ممنوع عند الأصوليين- مردود بما حققناه سابقا و أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم من وقوع ذلك في الأخبار كثيرا بل صرح بجوازه شيخنا الشهيد في الذكرى أيضا كما قدمناه في كتاب الطهارة إلا انه أيضا لا يخلو من اشكال.

و استدل شيخنا المشار اليه آنفا على الوجوب بالآية أعني قوله عز و جل:

____________

(1) الوسائل الباب 6 من القنوت.

360

«وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» (1) قال (قدس سره) بعد ذكر الآية: قال في مجمع البيان (2) قال ابن عباس معناه «داعين» و القنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) انتهى. و في الكشاف فسره بذكر اللّٰه قائما و لعله أراد به الذكر في الوقت المخصوص لا مطلق الذكر، و على تقديره فهو أشمل إذ المروي عنهما (عليهما السلام) في ما يعم الذكر و الدعاء، و في بعض الأخبار الصحيحة تفسيره بالدعاء كما أوردناه في رسالتنا المعمولة في المسألة، و يمكن حمله على ما يشمل الذكر و لو مجازا. انتهى. ثم قال في تقرير الاستدلال: إذ لا يجوز حمله على الخضوع لانه مجاز إذ القنوت حقيقة شرعية في المصطلح عليه بين الفقهاء كما ذكرناه في رسالتنا القنوتية.

و أجاب جماعة من أصحابنا عن الاستدلال بالآية باحتمال الاختصاص بالوسطى و احتمال إرادة الطاعة و الخشوع و ارادة الأذكار الواجبة في الصلاة و لا يخفى ما في هذه الأجوبة اما الأول فلأنه مع بعده لا يضر بالاستدلال لعدم القائل بالفصل. و اما الأخير فلما بيناه فإنه حقيقة شرعية في المصطلح المتبادر و ظواهر الأخبار. انتهى كلامه زيد مقامه.

و فيه نظر (أما أولا) فلما عرفت من المعاني للقنوت لغة فهو حينئذ من قبيل الألفاظ المتشابهة التي لا يمكن الاستدلال بها إلا مع القرينة المشخصة للمراد ليندفع عنه بذلك و صمة الإيراد.

قوله-: ان القنوت حقيقة شرعية في المعنى المدعى- قننا ان استند في ثبوت ذلك إلى الرواية التي نقلها عن كتاب مجمع البيان فهي معارضة

بما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) (3) في تفسير الآية المذكورة قال: «قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ: إقبال الرجل على صلاته و محافظته حتى لا يلهيه و لا يشغله عنها شيء».

____________

(1) سورة البقرة، الآية 239.

(2) ج 1 ص 343 طبع صيدا.

(3) ص 69.

361

و روى العياشي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) «في قول اللّٰه وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ؟ قال مطيعين راغبين».

و روى العياشي أيضا عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في قوله تعالى وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ؟ قال إقبال الرجل على صلاته و محافظته على وقتها.».

و في رواية سماعة (3) «وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ؟ قال هو الدعاء».

فهذه جملة من الأخبار قد اشتملت على تفسير الآية بخلاف ما ادعاه فكيف يتم ما ادعاه من انه حقيقة شرعية في ما ذكره؟

و دعواه التبادر ممنوعة إذ شهرة استعمال القنوت الآن بين المتشرعة في ما ذكره لا يدل على انه مراده (عز و جل) سيما مع ما عرفت من اختلاف الأخبار في تفسير المعنى المراد من الآية، و مع تسليم حمل القنوت على الدعاء فالتخصيص أيضا ممنوع لجواز الحمل على الفاتحة فإنها مشتملة على الدعاء أيضا.

و (اما ثانيا) فان ما ذكره- في جواب من حمل الآية على الاختصاص بالصلاة الوسطى من قوله: «انه مع بعده لا يضر بالاستدلال»- عجيب من مثله (قدس سره) و نسبة ذلك إلى البعد بعيد الصدور منه (قدس سره) لورود صحيحة زرارة بذلك كما تقدمت في صدر مقدمات الكتاب (4) و هي

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال: و قال «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» و هي صلاة الظهر و هي أول صلاة صلاها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و هي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة و صلاة العصر «وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ» قال و أنزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في سفر فقنت فيها و تركها على حالها في السفر و الحضر.

الحديث. و هو- كما ترى- صحيح صريح في ان

____________

(1) تفسير البرهان ج 1 ص 142.

(2) تفسير البرهان ج 1 ص 142.

(3) تفسير البرهان ج 1 ص 142.

(4) ج 6 ص 20.

(5) الوسائل الباب 2 من أعداد الفرائض.

362

القنوت المأمور به في الآية انما وقع في الوسطى و هي الجمعة، و هذا القائل إنما استند إلى هذا النص الصحيح الصريح، فمقابلته بالاستبعاد اما غفلة أو مقابلة للنص بالاجتهاد و هو خروج عن منهج السداد و الرشاد.

و (اما ثالثا) فان قوله: «مع عدم القائل بالفصل» أيضا لا يخلو من تعجب لما علم منه في جميع مصنفاته انه إذا مر به دعوى الإجماع أطال في نقضه و رده و التشنيع على مدعيه و أبطله و مزقه فكيف يجنح اليه هنا و يتمسك به؟ و لكن ضيق الخناق في المقام أوجب له الوقوع في هذه المشاق.

و اما ما نقل عن ظاهر ابن أبي عقيل من القول بالوجوب في الصلاة الجهرية فلعل مستنده الخبر الأول من الأخبار المتقدمة و الخبر الثامن و التاسع، و الجميع كما عرفت محمول على مزيد التأكيد في هذه الفرائض زيادة على ما يخافت فيه مع احتمال الحمل على التقية كما يشير اليه الخبر الثاني، و فيه ما يشعر بالطعن على الشيعة في زمانه (عليه السلام) و الشكاية منهم في أنهم يذيعون إسراره كما تقدم نظيره في اخبار الأوقات.

و بما حققناه في المقام يظهر لك قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور. على ان نسبة القول بالوجوب إلى الصدوق (قدس سره) بمجرد العبارة المتقدمة لا يخلو من اشكال لإمكان حمله على تأكيد الاستحباب كما حملت عليه الرواية الواردة بذلك، لأن عادة المتقدمين غالبا التعبير بمتون الأخبار و ان كان المراد منها خلاف ظواهرها فبعين ما يقال في الأخبار من التأويل يجري في كلامهم أيضا، و لهذا ان بعض أصحابنا ذكر ان القائل بالوجوب غير معلوم كما ذكره المحقق الأردبيلي و قبله المحقق فخر الملة و الدين الشيخ احمد ابن متوج البحراني في كتاب آيات الأحكام. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثانية) [محل القنوت]

- المشهور بين الأصحاب ان محله بعد القراءة و قبل الركوع بل ادعى عليه في المنتهى الإجماع حيث قال: و محل القنوت قبل الركوع و عليه علماؤنا.

و ظاهر المحقق في المعتبر الميل إلى التخيير بين فعله قبل الركوع و بعده و ان كان

363

الأول أفضل،

لما رواه الشيخ عن إسماعيل الجعفي و معمر بن يحيى عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «القنوت قبل الركوع و ان شئت فبعده».

و قال الشيخ في الجواب عن هذا الخبر انه محمول على حال القضاء أو التقية على مذهب العامة في الغداة. أقول: و الثاني جيد لما ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى من معارضته بما هو أصح منه سندا و دلالة.

و يدل على القول المشهور عدة روايات: منها- الخبر الثالث و الخبر السادس من الأخبار المتقدمة.

و منها-

صحيحة يعقوب بن يقطين (2) قال: «سألت عبدا صالحا (عليه السلام) عن القنوت في الوتر و الفجر و ما يجهر فيه قبل الركوع أو بعده؟ فقال قبل الركوع حين تفرغ من قراءتك».

و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع».

و موثقة سماعة (4) قال: «سألته عن القنوت في أي صلاة هو؟ فقال كل شيء يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت، و القنوت قبل الركوع و بعد القراءة».

و في موثقة أبي بصير عنه (عليه السلام) (5) «كل قنوت قبل الركوع إلا الجمعة».

و ما استند اليه المحقق من الخبر المذكور ضعيف لا ينهض بمقاومة خبر من هذه الأخبار بل ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار «ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع» مما يؤذن برده. و كذا

ما رواه الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون (6) قال: «كل القنوت قبل الركوع و بعد القراءة».

و يشير إلى ذلك الاستثناء في موثقة أبي بصير أيضا. و بالجملة

____________

(1) الوسائل الباب 3 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 3 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 3 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 3 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(6) الوسائل الباب 3 من القنوت.

364

فالمعتمد هو القول المشهور لما ذكرناه من الأخبار الصحيحة الصريحة الظهور ورد ذلك الخبر إلى قائلة.

نعم لو نسيه قبل الركوع ثم ذكره بعد الركوع اتى به، و الظاهر انه لا خلاف فيه انما الخلاف في كونه أداء و قضاء، فقال في المنتهى لا خلاف عندنا في استحباب الإتيان بالقنوت بعد الركوع مع نسيانه قبله و اما انه هل هو أداء أو قضاء ففيه تردد. ثم قرب كونه قضاء. و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة: و لو لم يذكر القنوت حتى ركع في الثالثة قضاه بعد الفراغ. و نحوه قال الشيخ في النهاية أيضا.

و الذي يدل على استحباب الإتيان به بعد الركوع في صورة النسيان أخبار عديدة:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (1) قالا «سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع؟ قال يقنت بعد الركوع فان لم يذكر فلا شيء عليه».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت ينساه الرجل؟ قال يقنت بعد ما يركع فان لم يذكر حتى ينصرف فلا شيء عليه».

و عن عبيد بن زرارة في الموثق (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل ذكر انه لم يقنت حتى ركع؟ قال يقنت إذا رفع رأسه».

و الذي يدل على ما ذكره الشيخان (قدس سرهما) من الإتيان به بعد الصلاة لو فات محله المذكور

ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن أبي بصير (4) قال: «سمعته يذكر عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال في الرجل إذا سها في القنوت قنت بعد ما ينصرف و هو جالس».

و يدل عليه أيضا

ما رواه الكليني و الشيخ عن زرارة (5) قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 18 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 18 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 18 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 16 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 16 من القنوت.

365

لأبي جعفر (عليه السلام) رجل نسي القنوت فذكره و هو في بعض الطريق؟ فقال يستقبل القبلة ثم ليقله. ثم قال اني لأكره للرجل ان يرغب عن سنة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أو يدعها».

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1)- «عن الرجل ينسى القنوت في الوتر أو غير الوتر؟ قال ليس عليه شيء. و قال ان ذكره و قد أهوى إلى الركوع قبل ان يضع يديه على الركبتين فليرجع قائما و ليقنت ثم يركع و ان وضع يده على الركبتين فليمض في صلاته و ليس عليه شيء».

و ما رواه أيضا عنه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان نسي الرجل القنوت في شيء من الصلاة حتى يركع فقد جازت صلاته و ليس عليه شيء و ليس له ان يدعه متعمدا».

و ما رواه عن محمد بن سهل عن أبيه (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي القنوت في المكتوبة؟ قال لا اعادة عليه».

و ما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «سألته عن الرجل ينسى القنوت حتى يركع أيقنت؟ قال لا»-.

فهي محمولة على نفي الوجوب و عدم بطلان الصلاة بتركه كما يفصح به بغضها.

و النهي في الخبر الأخير يحتمل زيادة على ذلك التقية كما ذكره الشيخ (قدس سره)

و روى في الفقيه مرسلا (5) قال: «سأل معاوية بن عمار أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت في الوتر قال قبل الركوع. قال فان نسيت اقنت إذا رفعت رأسي؟ قال لا».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 15 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 15 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 18 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 18 من القنوت. و من الواضح زيادة كلمة «مرسلا» هنا فإنه يرويها بإسناده عن معاوية بن عمار كما صرح به في الوسائل و يظهر من مشيخته.

366

قال في الفقيه (1) بعد ذكر هذا الخبر: حكم من ينسى القنوت حتى يركع ان يقنت إذا رفع رأسه من الركوع و انما منع الصادق (عليه السلام) من ذلك في الوتر و الغداة خلافا للعامة لأنهم يقنتون فيهما بعد الركوع و انما أطلق ذلك في سائر الصلوات لأن جمهور العامة لا يرون القنوت فيها (2).

انتهى.

و أنت خبير بان الخبر الذي ذكره لم يشتمل إلا على الوتر خاصة فضم الغداة إلى ذلك اما سهو من قلمه أو قلم الناسخين أو سقط من الخبر المذكور أو الخبر بذلك وصل اليه و لم يذكره هنا.

هذا. و اما ما ذكره في المنتهى- من التردد في نية القضاء أو الأداء- فهو مبني على ما هو المشهور بينهم من نية وجوب الوجه في العبادات و قد تقدم انه لا دليل عليه فلا ضرورة تلجئ إلى التشاغل به إلا مجرد تضييع الوقت. و اللّٰه العالم.

(المسألة الثالثة) [ما يقال في القنوت]

- ذكر الشيخ و أكثر الأصحاب ان أفضل ما يقال في القنوت كلمات الفرج، و قال ابن إدريس و روى انها أفضله، و اعترف جملة من محققي متأخري المتأخرين: منهم- السيد السند في المدارك و الفاضل المجلسي في البحار بأنهم لم يقفوا في ذلك على خبر يدل عليه. و هو كذلك نعم ورد ذلك في قنوت الجمعة و مفردة الوتر خاصة قال في المدارك: و صورته

«لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم لا إله إلا اللّٰه العلي العظيم سبحان اللّٰه رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و الحمد للّٰه رب العالمين» روى ذلك زرارة في الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) (3).

و ذكر المفيد (قدس سره) و جمع من الأصحاب انه يقول قبل التحميد «وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» و سئل عنه المصنف في الفتاوى فجوزه لانه بلفظ القرآن و لا ريب في الجواز لكن جعله في أثناء كلمات الفرج مع خروجه منها ليس بجيد. انتهى.

____________

(1) ج 1 ص 312 و في الوسائل الباب 18 من القنوت.

(2) ارجع إلى التعليقة 1 ص 357.

(3) الوسائل الباب 38 من الاحتضار.

367

أقول:

و روى الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه في أول باب غسل الميت (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) دخل على رجل من بني هاشم و هو في النزع فقال له قل: لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم لا إله إلا اللّٰه العلي العظيم سبحان اللّٰه رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و ما تحتهن و رب العرش العظيم و سلام على المرسلين و الحمد للّٰه رب العالمين.

فقالها فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الحمد للّٰه الذي استنقذه من النار».

ثم قال الصدوق: هذه الكلمات هي كلمات الفرج. و هو كما ترى ظاهر في دخول «وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» في كلمات الفرج، على ان صاحب الكافي نقل الخبر المذكور (2) عاريا عن الزيادة المذكورة.

و قال أيضا في كتاب الهداية الذي جمع فيه متون الأخبار في تلقين الميت قال:

يلقنه عند موته كلمات الفرج: لا إله إلا اللّٰه. و ساقها كما ذكر في الفقيه.

و نحو ذلك أيضا

في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال (عليه السلام):

«و يستحب ان يلقن كلمات الفرج و هي لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم لا إله إلا اللّٰه العلي العظيم سبحان اللّٰه رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و سلام على المرسلين و الحمد للّٰه رب العالمين».

و الأخبار في ضبط كلمات الفرج مختلفة زيادة و نقصانا و تقديما و تأخيرا كما أوردنا جملة منها في فصل غسل الأموات في أحكام التلقين من كتاب الطهارة فليرجع إليها من أحب الوقوف عليها و هذا الاختلاف هنا من جملة تلك الاختلافات.

و ليس فيه شيء معين و يجوز الدعاء بما سنح للدنيا و الدين إلا ان الإتيان بالمأثور أفضل:

____________

(1) ج 1 ص 77 و في الوسائل الباب 38 من الاحتضار.

(2) ج 1 ص 35 و في الوسائل الباب 38 من الاحتضار.

(3) ص 17.

368

روى الكليني و الشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن سعد بن أبي خلف عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «يجزئك في القنوت: اللهم اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنا في الدنيا و الآخرة انك على كل شيء قدير».

و رؤيا أيضا بإسنادين مختلفين في الصحيح عن إسماعيل بن الفضل (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت و ما يقال فيه؟ قال ما قضى اللّٰه على لسانك و لا اعلم فيه شيئا موقتا».

و روى الصدوق في الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القنوت فيه قول معلوم؟ فقال أثن على ربك و صل على نبيك و استغفر لذنبك».

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في الصحيح (4) قال: «القنوت في الوتر الاستغفار و في الفريضة الدعاء».

و روى الشيخ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «القنوت يوم الجمعة في الركعة الأولى بعد القراءة يقول في القنوت: لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم لا إله إلا اللّٰه العلي العظيم لا إله إلا اللّٰه رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم و الحمد للّٰه رب العالمين، اللهم صل على محمد و آل محمد كما هديتنا به، اللهم صل على محمد و آل محمد كما أكرمتنا به، اللهم اجعلنا ممن اخترته لدينك و خلفته لجنتك، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب».

قال في الذكرى: أفضل ما يقال فيه كلمات الفرج، قال ابن إدريس و روى انها أفضله. و قد ذكرها الأصحاب و في المبسوط و المصباح هي أفضل، و روى سعد بن ابي خلف عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال

و عن

____________

(1) الوسائل الباب 7 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 9 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 9 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 8 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 7 من القنوت.

369

أبي بصير (1) قال: «سألته عن ادنى القنوت قال خمس تسبيحات».

و قال ابن أبي عقيل و الجعفي و الشيخ أقله ثلاث تسبيحات. و اختار ابن أبي عقيل الدعاء

بما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في القنوت (2): «اللهم إليك شخصت الأبصار و نقلت الاقدام و رفعت الأيدي و مدت الأعناق و أنت دعيت بالألسن و إليك سرهم و نجواهم في الأعمال ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين، اللهم انا نشكو إليك غيبة إمامنا و قلة عددنا و كثرة عدونا و تظاهر الأعداء علينا و وقوع الفتن بنا ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره و امام حق نعرفه إله الحق آمين رب العالمين».

قال: و بلغني ان الصادق (عليه السلام) كان يأمر شيعته ان يقنتوا بهذا بعد كلمات الفرج. قال ابن الجنيد و أدناه «رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم» قال و الذي استحب فيه ما يكون فيه حمد اللّٰه و ثناء عليه و الصلاة على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) و ان يتخير لنفسه من الدعاء و للمسلمين ما هو مباح له. انتهى ما ذكره في الذكرى.

و قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار بعد نقل ذلك عنه: و أقول ليس «آمين» في هذا الدعاء في سائر الروايات كما سيأتي و الأحوط تركه لما عرفته.

أقول: بل الواجب تركه لما عرفت في فصل وجوب القراءة من بطلان الصلاة بهذا اللفظ.

و في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر محمد بن علي بن محبوب عن عبد اللّٰه بن هلال (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان حالنا قد تغيرت؟ قال فادع في صلاتك الفريضة. قلت أ يجوز في الفريضة فاسمي حاجتي للدين و الدنيا؟ قال نعم فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قد قنت و دعا على قوم بأسمائهم و أسماء آبائهم و عشائرهم و فعله علي (عليه السلام) من بعده».

____________

(1) الوسائل الباب 6 من القنوت.

(2) البحار ج 18 الصلاة ص 379 عن ابن أبي عقيل.

(3) الوسائل الباب 17 من السجود.

370

و روى الكشي في كتاب الرجال عن إبراهيم بن عقبة (1) قال: «كتبت إلى العسكري (عليه السلام) جعلت فداك قد عرفت هؤلاء الممطورة فأقنت عليهم في الصلاة؟ قال نعم اقنت عليهم في الصلاة».

أقول: المراد بالممطورة الواقفية كما قال شيخنا البهائي في مقدمات كتاب مشرق الشمسين من تسمية الواقفة يومئذ بذلك يعني الكلاب التي أصابها المطر مبالغة في نجاستهم قال في الذكرى: يجوز الدعاء فيه المؤمنين بأسمائهم و الدعاء على الكفرة و المنافقين لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) دعا في قنوته لقوم بأعيانهم و على آخرين بأعيانهم كما روى (2) انه قال: «اللهم انج الوليد بن الوليد و سلمة بن هشام و عياش بن أبي ربيعة و المستضعفين من المؤمنين و اشدد وطأتك على مضر و رعل و ذكوان» و قنت أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الغداة (3) فدعا على أبي موسى الأشعري و عمرو ابن العاص و معاوية و أبي الأعور و أشياعهم، قاله ابن أبي عقيل. انتهى.

و روى في البحار (4) من كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: «قال الحارث بن المغيرة النصري لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان أبا معقل المزني حدثني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه صلى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية و لعن معاوية و عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعري و أبا الأعور السلمي؟ قال (عليه السلام) الشيخ صدق فالعنهم».

و في كتاب الفقه الرضوي (5) قال (عليه السلام): «و قل في قنوتك بعد فراغك من القراءة قبل الركوع: اللهم أنت اللّٰه لا إله إلا أنت الحليم الكريم لا إله إلا أنت العلي العظيم سبحانك رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما

____________

(1) الوسائل الباب 13 من القنوت.

(2) صحيح البخاري باب «يهوى بالتكبير حين يسجد» و في غزوة الرجيع و أول كتاب الإكراه.

(3) المغني ج 3 ص 155.

(4) ج 18 الصلاة ص 380.

(5) ص 8.

371

بينهن و رب العرش العظيم يا اللّٰه الذي ليس كمثله شيء صل على محمد و آل محمد و اغفر لي و لوالدي و لجميع المؤمنين و المؤمنات انك على ذلك قادر. ثم اركع».

و روى الصدوق في كتاب عيون الأخبار (1) عن رجاء بن أبي الضحاك في حديث سفر الرضا (عليه السلام) إلى خراسان قال فيه «و كان قنوته في جميع صلواته:

رب اغفر و ارحم و تجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم. الحديث».

(المسألة الرابعة) [الخلاف في جواز القنوت بالفارسية]

- اختلف الأصحاب في جواز القنوت بالفارسية فمنعه سعد ابن عبد اللّٰه و اجازه محمد بن الحسن الصفار و اختاره ابن بابويه و الشيخ في النهاية و الفاضلان و غيرهم.

لصحيحة علي بن مهزيار (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة بكل شيء يناجي ربه؟ قال نعم».

قال ابن بابويه بعد نقل هذا الخبر: و لو لم يرد هذا الخبر لكنت أجيزه بالخبر الذي

روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال (3) «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى».

و النهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود و الحمد للّٰه.

و نقل عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (4) «كل ما ناجيت به ربك في الصلاة فليس بكلام».

و اقتصر في المدارك على نقل القولين المذكورين و الرواية و كلام الصدوق و لم يرجح شيئا، و نحوه في الذخيرة و قبلهما الشهيد في الذكرى، و نقل فيه عن الفاضلين انهما عللا جوازه بالفارسية زيادة على الرواية بصدق اسم الدعاء عليه.

أقول: و الذي يقرب عندي هو ما ذهب اليه سعد بن عبد اللّٰه من المنع و التحريم و بيان ذلك ان الظاهر عندي من صحيحة علي بن مهزيار التي استندوا إليها ان المراد منها انما هو التكلم بكل شيء من المطالب الدينية و الدنيوية لا باعتبار اللغات المختلفة، و لا يخفى

____________

(1) ص 310.

(2) الوسائل الباب 13 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 19 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 19 من القنوت.

372

ان هذا المعنى ان لم يكن هو الأقرب و الأظهر من هذا الخبر فلا أقل ان يكون مساويا لما ذكروه في الاحتمال و به لا يتم الاستدلال على حال كما لا يخفى على من عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.

و اما ما ذكره الصدوق- من انه بمجرد عدم ورود النهي عن الدعاء بالفارسية يكون ذلك مجوزا للدعاء بها- ففيه ان العبادة توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة و علم منه بقول أو فعل أو تقرير و شيء من الثلاثة لم يعلم منه هنا. و لو تم ما ذكره للزم أيضا جواز الذكر في الركوع و السجود بالفارسية بناء على الاكتفاء بمطلق الذكر و لا أظن هذا القائل يلتزمه، و قد صرح شيخنا الشهيد في الذكرى بذلك فقال و اما الأذكار الواجبة فلا يجوز مع الاختيار.

و اما حديث

«كل شيء مطلق.» (1).

فالاخباريون قاطبة و جملة من المجتهدين على تأويله و إخراجه عن ظاهره لدلالته على جواز العمل بالبراءة الأصلية في الأحكام الشرعية و التثنية فيها مع استفاضة الأخبار بالتثليث (2):

«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك».

و دلالة جملة من الأخبار على رد البراءة الأصلية كما تقدم في مقدمات الكتاب و بسطنا القول عليه زيادة على ذلك في كتابنا الدرر النجفية. و اللّٰه العالم.

(المسألة الخامسة) [قنوت صلاة الجمعة و الخلاف في محلها]

- اختلف الأصحاب في القنوت في الجمعة فالمشهور ان فيها قنوتين: أحدهما- في الركعة الأولى قبل الركوع، و ثانيهما- في الركعة الثانية بعد الركوع.

قال الصدوق (قدس سره) في المقنع: على الامام قنوت في الركعة الأولى قبل الركوع و قنوت في الثانية بعد الركوع.

____________

(1) الوسائل الباب 19 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

373

و قال في الفقيه (1): قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لزرارة بن أعين «إنما فرض اللّٰه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها- صلاة واحدة فرضها اللّٰه عز و جل في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين. و القراءة فيها بالجهر. و الغسل فيها واجب. و على الامام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الأولى قبل الركوع و في الركعة الثانية بعد الركوع. و من صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الأولى قبل الركوع».

و تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة. و الذي استعمله و افتى به و مضى عليه مشايخي (رضوان اللّٰه عليهم) هو ان القنوت في جميع الصلوات في الجمعة و غيرها في الركعة الثانية بعد القراءة و قبل الركوع.

و قال ابن إدريس في السرائر: و محله بعد القراءة في الثانية و قبل الركوع و هو قنوت واحد في الصلوات، و روى ان في الجمعة قنوتين و الأظهر الأول لأن هذا مروي من طريق الآحاد و القنوت الواحد مجمع على استحبابه.

و قال شيخنا المفيد في المقنعة- على ما نقله عنه غير واحد من الأصحاب و نسبه في المدارك إلى جمع من الأصحاب أيضا- أن في الجمعة قنوتا واحدا في الركعة الأولى قبل الركوع. و هو ظاهر ابن الجنيد و اختاره العلامة في المختلف و كذا اختاره السيد السند في المدارك، قال: و هو المعتمد للأخبار الكثيرة الدالة عليه.

____________

(1) ج 1 ص 266 و في الوسائل في الباب 1 من صلاة الجمعة و 73 من القراءة و 6 من الأغسال المسنونة و 5 من القنوت بالتقطيع و لكن ظاهره في الباب 1 من صلاة الجمعة ان الحديث ينتهى بقوله «على رأس فرسخين» حيث نقل منه هذا المقدار ثم ذكر ان الصدوق رواه في الخصال مثله و زاد «و القراءة فيها بالجهر.» و نقله في الوافي في باب «وجوب صلاة الجمعة و شرائطها» إلى قوله: «على رأس فرسخين» و سيأتي من المصنف «(قدس سره)» ص 377 تقريب ان الباقي من الحديث لا من كلام الصدوق.

374

و ظاهر السيد المرتضى (قدس سره) التردد في المسألة حيث قال في الجمل:

و على الامام ان يقنت في الأولى قبل الركوع و كذلك الذين خلفه، و روى ان على الإمام إذا صلاها جمعة مقصورة قنوتين: في الأولى قبل الركوع و في الثانية بعد الركوع. و لم ينص على واحد منهما.

و ظاهر كلام ابن أبي عقيل و أبي الصلاح ان في الجمعة قنوتين و انهما قبل الركوع في كل من الركعتين، قال ابن أبي عقيل في باب الجمعة على ما نقله عنه في المختلف:

و يقنت في الركعتين جميعا. و لم يفصل موضعه. و قال في باب القنوت: و كل القنوت قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة. و الذي ينتج من هذين الكلامين مع ضم أحدهما إلى الآخر هو ان القنوت في الجمعة في الركعتين معا و انه بعد القراءة و قبل الركوع، و على هذا النهج كلام أبي الصلاح حيث قال في باب الجمعة: و يقنت في الركعة الاولى و الثانية.

و قال في تعداد المسنونات: و اما القنوت فموضعه بعد القراءة من الركعة و قبل الركوع.

و ان خص كلامهما في باب القنوت بقنوت ما عدا الجمعة بقي ما ذكراه في الجمعة مجملا فيمكن حمله على القول المشهور، و لعله الأقرب لما ستعرفه ان شاء اللّٰه تعالى من عدم الدليل على القنوت قبل الركوع في كل من الركعتين.

و قد تلخص مما ذكرناه ان الأقوال في المسألة خمسة: (أحدها) القول المشهور و هو القنوتان في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعده. و (ثانيها) مذهب الصدوق في الفقيه و ابن إدريس و هو قنوت واحد في الركعة الثانية بعد القراءة و قبل الركوع و (ثالثها) مذهب الشيخ المفيد و ابن الجنيد و من تبعهما و هو قنوت واحد في الركعة الأولى قبل الركوع. و (رابعها) مذهب السيد المرتضى (قدس سره) و هو التوقف و يمكن حمل صدر كلامه على الفتوى بذلك، و لا ينافيه نسبة القول الثاني إلى الرواية بل ربما يؤكده و يؤيده كما يقع كثيرا في عبائر الأصحاب. و (خامسها) مذهب ابن أبي عقيل و أبي الصلاح بناء على الاحتمال الأول.

375

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي وقفت عليه من اخبار المسألة

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«القنوت قنوت يوم الجمعة في الركعة الأولى بعد القراءة تقول في القنوت: لا إله إلا اللّٰه الحليم الكريم. الحديث».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:

«سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في قنوت الجمعة إذا كان اماما قنت في الركعة الاولى و ان كان يصلي أربعا ففي الركعة الثانية قبل الركوع».

و ما رواه الشيخ عن عمر بن حنظلة (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) القنوت يوم الجمعة؟ فقال أنت رسولي إليهم في هذا إذا صليتم في جماعة ففي الركعة الاولى و إذا صليتم وحدانا ففي الركعة الثانية».

و عن سليمان بن خالد في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال:

«القنوت يوم الجمعة في الركعة الاولى».

و عن أبي بصير في الموثق (5) قال: «القنوت في الركعة الأولى قبل الركوع».

و عن عمر بن يزيد في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة و ليلبس البرد و العمامة و يتوكأ على قوس أو عصا و ليقعد قعدة بين الخطبتين و بجهر بالقراءة و يقنت في الركعة الأولى منهما قبل الركوع».

أقول: و هذه الأخبار ظاهرة في ما ذهب اليه الشيخ المفيد (قدس سره) و اقتصر في المدارك على الاستدلال منها بصحيحتي معاوية بن عمار و سليمان بن خالد و أيدهما أيضا بقوله (عليه السلام)

في صحيحة معاوية بن عمار (7) «ما اعرف قنوتا إلا قبل الركوع».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(6) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.

(7) الوسائل الباب 3 من القنوت.

376

و منها-

ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثق (1) قال: «سأل عبد الحميد أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و انا عنده عن القنوت في يوم الجمعة فقال له في الركعة الثانية فقال له حدثنا بعض أصحابنا انك قلت في الركعة الأولى؟ فقال في الأخيرة. و كان عنده ناس كثير فلما رأى غفلة منهم قال يا أبا محمد هو في الركعة الاولى و الأخيرة. قال قلت جعلت فداك قبل الركوع أو بعده؟ قال كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة فإن الركعة الأولى القنوت فيها قبل الركوع و الأخيرة بعد الركوع».

و عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألته عن القنوت في الجمعة فقال اما الامام فعليه القنوت في الركعة الأولى بعد ما يفرغ من القراءة قبل ان يركع و في الثانية بعد ما يرفع رأسه من الركوع قبل السجود. الحديث».

و منها-

ما رواه الصدوق في كتاب العلل و العيون بسنده عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا (عليه السلام) (3) فان قال: «فلم جعل الدعاء في الركعة الأولى قبل القراءة و لم جعل في الركعة الثانية القنوت بعد القراءة؟ قيل لأنه أحب ان يفتتح قيامه لربه تعالى و عبادته بالتحميد و التقديس و الرغبة و الرهبة و يختم بمثل ذلك».

و ما رواه في كتاب الخصال عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي نجران و الحسين سعيد عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّٰه عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «انما فرض اللّٰه عز و جل من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 250 و في الوسائل الباب 5 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 1 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.

377

و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين، و القراءة فيها جهار، و الغسل فيها واجب. و على الامام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعد الركوع».

أقول: هذا الخبر عين الخبر الذي قدمنا نقله عن الفقيه في صدر المسألة.

و العجب من جملة من أصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين حيث اضطربوا في قول الصدوق ثمة بعد نقل الخبر المذكور: «و تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة» حيث ظنوا ان الخبر الذي نقله عن زرارة قد تم بقوله: «و من كان على رأس فرسخين» و ان ما بعده من أحكام الجهر بالقراءة و وجوب الغسل و وجوب القنوتين انما هو من كلام الصدوق خصوصا ان الصدوق قد زاد فيها و من صلاها وحده.» فإنه ليس في رواية الخصال كما عرفت. قال في المدارك: قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه بعد ان أورد القنوت في الركعتين على هذا الوجه: تفرد بهذه الرواية حريز عن زرارة. إلى آخر عبارته. ثم قال و ما ذكره (رحمه الله) من رواية زرارة يصلح مستندا للقول الأول لو كانت متصلة. و الظاهر ان مراده لو كانت متصلة بالإمام (عليه السلام) لاحتمال ان يكون ذلك قول زرارة فتكون الرواية مقطوعة موقوفة عليه و هو ناشىء عما قلناه من حملهم تلك الأحكام على الخروج عن الرواية.

هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، و جملة منها- كما ترى- دالة على ما ذهب اليه الشيخ المفيد و من تبعه، و جملة منها دالة على القول المشهور، و بذلك يظهر ما في مذهب الصدوق في الفقيه و ابن إدريس من الضعف و القصور لأنهما إنما اعتمدا على الروايات المطلقة في القنوت و القول بما ذهبا اليه موجب لطرح هذه الأخبار كملا مع ما عرفت من صحتها و كثرتها و فيه من الشناعة ما لا يخفى. و اما قول ابن إدريس انها اخبار آحاد فهو مبني على أصله الخارج عن نهج السداد، فان الطعن في هذه الأخبار مع تكررها في الأصول المعتمدة و قول جمهور الطائفة المحقة بها موجب للطعن في تلك الأخبار التي اعتمدوا

378

عليها أيضا إذ الحال في الجميع واحد. و ما ادعاه من إجماع الأصحاب على تلك الأخبار انما هو في ما عدا الجمعة و اما الجمعة فهي محل النزاع فلا يتم له التعلق بالإجماع.

بقي الكلام في الجمع بين اخبار هذين القولين فأقول- و باللّٰه سبحانه التوفيق إلى الهداية إلى جادة التحقيق- لا يخفى انه مع القول باخبار القنوت الواحد في الركعة الأولى فإنه يلزم طرح الأخبار الأخر مع صراحتها و صحة بعضها كما عرفت و هو مما لا يتجشمه محصل، و اما مع القول باخبار القول المشهور فإنه يمكن ان يقال ان غاية ما تدل عليه تلك الأخبار المقابلة هو ثبوت القنوت في الركعة الاولى و اما بالنسبة إلى الركعة الثانية فلا تعرض لها فيه بنفي و لا إثبات بل هي مطلقة في ذلك فإثباته في الأولى بهذه الأخبار لا ينافي ثبوته في الثانية بدليل آخر، و نظيره في الأحكام الشرعية مما استفيد فيه الحكم من ضم روايات المسألة بعضها إلى بعض غير عزيز.

و الى ما ذكرناه أشار المحدث الكاشاني في كتاب المعتصم حيث ان ظاهره فيه اختيار القول المشهور، قال بعد ان أورد الروايات الدالة على مذهب الشيخ المفيد (قدس سره): و ما استدلوا به على المشهور و ان كان من حيث السند قاصرا عن معارضة هذه الأخبار الصحاح إلا ان الاولى عدم الخروج عما عليه الأكثر سيما و السند لا يخلو من اعتبار مع تأيده برواية حريز، بل لو لا قطع هذه الرواية لكفى، على ان متنها غير قابل للتأويل و المعارض قابل له فان ثبوت القنوت في الركعة الأولى لدليل لا ينافي ثبوته في الثانية أيضا لدليل آخر و ان كان ظاهر الأخبار منافيا لظاهر الأول فإن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما. انتهى.

و اما ما ذكره الصدوق (قدس سره)- من ان القنوت في جميع الصلوات في الجمعة و غيرها في الركعة الثانية. الى آخره- ففيه (أولا)- زيادة على ما عرفت- انه إذا استند في ذلك إلى إطلاق الروايات الواردة في اليومية ففيه انه مخصوص باخبار الجمعة فإنها خاصة و الخاص مقدم على العام

379

كما هو القاعدة المتفق عليها بين العلماء الاعلام، و ان استند في ذلك إلى اخبار وردت في الجمعة بالخصوص فلم نقف عليها و لم ينقلها ناقل في ما اعلم.

و (ثانيا) انه لو فرض وجود حديث بذلك في خصوص الجمعة أيضا فإن ظاهر صدر رواية أبي بصير المتقدمة (1) رده و انه انما خرج مخرج التقية (2) لأنه لما سأله السائل أولا عن قنوت الجمعة أجاب بأنه في الركعة الثانية فلما راجعه بأنه نقل لنا عنك انك قلت في الركعة الأولى فأجاب بأنه في الأخيرة و لما رأى الغفلة من الحاضرين أسر إلى أبي بصير انه في الاولى و الثانية. و ظاهر سياق الخبر ان افتاءه (عليه السلام) للسائل أولا انما كان تقية لأجل الحاضرين، و حينئذ فلو ورد من خارج ما يدل على ما ادعاه لوجب حمله بحكم هذا الخبر على التقية كما لا يخفى.

ثم ان ظاهر الخبر- كما ترى- ينادي بأنه (عليه السلام) افتى بالقنوت في الركعة الأولى كما تضمنته اخبار الشيخ المفيد (قدس سره) مع انه (عليه السلام) لم يكذب الراوي و انما عدل إلى التشديد على القنوت في الثانية فلما رأى الفرصة أسر إلى أبي بصير بالقنوتين. و من هذا الخبر يفهم ان تلك الأخبار مخصوصة بهذا الخبر ما على النحو الذي ذكرناه أو انها خرجت لمعنى آخر و غرض آخر لا من حيث كونه هو الحكم الشرعي في

____________

(1) ص 376.

(2) مقتضى إطلاق ما تقدم عن المحلى في التعليقة 1 ص 357 استحبابه في الجمعة في الركعة الثانية كغيرها، و مقتضى إطلاق ما حكاه عن أبي حنيفة و مالك و الشافعي عدم استحبابه فيها أصلا، و كذا ما تقدم عن عمدة القارئ، و في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 287 حكى عن الحنابلة استحباب القنوت للسلطان و نائبه في النوازل إلا الجمعة. و في شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 176 ما ملخصه: «مذهب الشافعي ان القنوت مسنون في صلاة الصبح دائما و اما غيرها فله فيه ثلاثة أقوال: «الأول» الصحيح المشهور و هو التفصيل بين نزول النازلة و عدمه، «الثاني» القنوت في الحالين. «الثالث» عدمه في الحالين.

و محله بعد رفع الرأس من الركعة الأخيرة».

380

المسألة بل لغرض من الأغراض و انما الحكم الشرعي هذا الذي أسره في هذا المقام.

و بالجملة فإن هذا الخبر بما اشتمل عليه من هذا التفصيل حاكم على القولين المذكورين و مسقط لرواياتهما من البين، و بذلك يظهر قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور.

و ليت شعري كيف خفيت على الصدوق اخبار هذه المسألة على تعددها و كثرتها و لم تصل اليه؟ و لعله لهذا لم ينقل شيئا منها في كتابه، و يؤيده نسبة رواية القنوتين إلى تفرد حريز بها عن زرارة مع انها كما عرفت موجودة في روايتي أبي بصير و سماعة، و في المثل المشهور الدائر: كم ترك الأول للآخر.

قال المحقق في المعتبر: و الذي يظهر ان الامام يقنت قنوتين إذا صلى جمعة ركعتين و من عداه يقنت مرة جامعا كان أو منفردا، و يدل على ذلك

رواية أبي بصير عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «كل القنوت قبل الركوع إلا الجمعة فإن القنوت في الأولى قبل الركوع و في الأخيرة بعد الركوع».

ثم ذكر رواية سماعة المتقدمة ثم صحيحة معاوية بن عمار ثم رواية عمر بن حنظلة.

و الظاهر انه أراد بذلك وجه الجمع بين هذه الأخبار و انه أراد بالإمام إمام الأصل (عليه السلام) بمعنى انه إذا صلاها إمام الأصل جمعة ففيها قنوتان، و على هذا حمل رواية أبي بصير و سماعة، و ان صلاها غيره فان كان صلاها جمعة و لم يكن إمام الأصل فقنوت واحد في الركعة الاولى، و على هذا حمل صدر صحيحة معاوية بن عمار و صدر رواية عمر بن حنظلة، و ان صلاها ظهرا جماعة أو منفردا فقنوت واحد في الركعة الثانية، و على هذا يدل عجز صحيحة معاوية بن عمار و عجز رواية عمر بن حنظلة. و فيه من البعد ما لا يخفى فإن الإمام في هذه الأخبار بل اخبار الجمعة كملا اما ان يحمل على إمام الأصل كما هو المشهور بينهم أو الإمام مطلقا كما هو الحق، و حمله في خبر على أحدهما و في آخر على غيره ترجيح من غير مرجح، على ان التفصيل الذي في رواية أبي بصير

____________

(1) المتقدمة ص 376.

381

و ان لم ينقله لا يطابق ما ذكره كما لا يخفى.

و ظاهر العلامة في المنتهى حمل اختلاف الأخبار على الفضيلة و الكمال حيث ان المقام مقام الاستحباب، قال: و هذه الأخبار و ان اختلفت في الوجه الأول فلا يضر اختلافها إذ هو في فعل مستحب و ذلك يحتمل اخلافه لا خلاف الأوقات و الأحوال فتارة يبالغ الأئمة (عليهم السلام) في الأمر بالكمال و تارة يقتصر على ما يحصل معه بعض المندوب و لا استبعاد في ذلك. و أيده بالأخبار الدالة على عدم القنوت فيها بالكلية و هي

ما رواه الشيخ عن عبد الملك بن عمرو (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قنوت الجمعة في الركعة الأولى قبل الركوع و في الثانية بعد الركوع؟

فقال لي لا قبل و لا بعد».

و موثقة داود بن الحصين (2) قال: «سمعت معمر بن أبي رئاب يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و انا حاضر عن القنوت في الجمعة فقال ليس فيها قنوت».

قال بعد ذكر هذين الخبرين: فههنا قد اقتصر على فعل الصلاة من غير قنوت اشعارا باستحبابه و انه ليس فيها قنوت واجب. انتهى.

و مرجع كلامه (قدس سره) الى التخيير بين القنوت في الأولى خاصة كما هو مذهب الشيخ المفيد (قدس سره) و اتباعه و ان كان أقل فضلا و بين القنوتين كما هو المشهور و هو الأفضل و بين عدم القنوت بالكلية و هو المرتبة الخالية من الفضيلة بالمرة. و هو محتمل إلا ان ظاهر رواية أبي بصير و ما اشتملت عليه من الجواب ينافيه فإنه لو كان المقام مقام تخيير لما اضرب (عليه السلام) عما افتى به أولا من القنوت في الركعة الأولى الذي افتى به سابقا و أمر بالقنوتين كما لا يخفى. و اما خبر عبد الملك ابن عمرو و كذا خبر داود بن الحصين فما حملهما عليه من نفى الوجوب كما هو أحد احتمالي الشيخ (قدس سره) في التهذيب محتمل إلا ان الظاهر هو حملهما على التقية (3) كما

____________

(1) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 5 من القنوت.

(3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 357 و 2 ص 379.

382

هو أحد الحملين في التهذيب أيضا و اقتصر عليه في الاستبصار، على ان نفى الوجوب لا يدل على الترك بالكلية و انما يدل على الرخصة في ذلك. و اللّٰه العالم.

(المسألة السادسة) [مستحبات القنوت]

- قد تقدم تصريح الأصحاب بأن أفضل ما يقال في القنوت كلمات الفرج، بقي الكلام في جملة من المستحبات فيه أيضا:

منها-

الجهرية في الجهرية و الإخفاتية

إماما كان أو منفردا و اما المأموم فالأفضل له الإخفات به على المشهور، و قال المرتضى و الجعفي (رضي اللّٰه عنهما) انه تابع للصلاة في الجهر و الإخفات. و قال ابن الجنيد: يستحب ان يجهر به الإمام ليؤمن من خلفه على دعائه. و القولان الأخيران بمحل من الضعف.

فاما ما يدل على القول المشهور

فما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) القنوت كله جهار».

و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز عن زرارة مثله (2).

و بإسناده عن أبي بكر بن أبي سمال (3) قال: «صليت خلف أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الفجر فلما فرغ من قراءته في الثانية جهر بصوته نحوا مما كان يقرأ و قال:

اللهم اغفر لنا و ارحمنا و عافنا و اعف عنا في الدنيا و الآخرة انك على كل شيء قدير».

و اما ما يدل على استحباب الإخفات به للمأموم فما ورد في رواية أبي بصير (4) من انه ينبغي للإمام ان يسمع من خلفه كل ما يقول و لا ينبغي لمن خلفه ان يسمعه شيئا مما يقول. و مثله رواية حفص بن البختري عن علي (عليه السلام) (5).

و نقل عن المرتضى و الجعفي الاستدلال على ما نقل عنهما بعموم

قوله (عليه السلام) (6) «صلاة النهار عجماء و صلاة الليل جهر».

و فيه ان دليلنا خاص فيجب ان

____________

(1) الوسائل الباب 21 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 21 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 21 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 6 من التشهد و 52 من الجماعة.

(5) الوسائل الباب 6 من التشهد و 52 من الجماعة.

(6) مستدرك الوسائل الباب 21 من القراءة عن العوالي قال النبي (ص) «صلاة النهار عجماء» و للتعليقة تتمة في الاستدراكات.

383

يخصص به العموم المذكور.

و اما ما ذكره ابن الجنيد فإن أراد بقوله: «ليؤمن من خلفه على دعائه» لفظ «آمين» فقد تقدم القول فيه و انه مبطل للصلاة، و ان أراد الدعاء بالاستجابة فلا بأس به إلا انه لا ينافي استحباب ذلك للمنفرد أيضا.

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق أو الضعيف عن علي بن يقطين (1)- قال:

«سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل هل يصلح له ان يجهر بالتشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت؟ فقال ان شاء جهر و ان شاء لم يجهر».

و ما رواه في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل له ان يجهر بالتشهد و القول في الركوع و السجود و القنوت؟ فقال ان شاء جهر و ان شاء لم يجهر».

و روى الحميري في قرب الاسناد عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده علي بن جعفر مثله (3)- فهو محمول على الجواز فلا ينافي ما دل على الاستحباب.

و منها-

تطويل القنوت

لما رواه الصدوق (4) قال «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أطولكم قنوتا في دار الدنيا أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف».

و روى في كتاب ثواب الأعمال عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه (عليهم السلام) عن أبي ذر (رضي اللّٰه عنه) (5) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أطولكم قنوتا. الحديث».

و قال الشهيد في الذكرى (6) ورد عنهم (عليهم السلام) «أفضل الصلاة ما طال قنوتها».

قال (7) و روى علي بن إسماعيل الميثمي في كتابه بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: «صل يوم الجمعة الغداة بالجمعة و الإخلاص و اقنت في الثانية بقدر

____________

(1) الوسائل الباب 20 من القنوت.

(2) الوسائل الباب 20 من القنوت.

(3) الوسائل الباب 20 من القنوت.

(4) الوسائل الباب 22 من القنوت.

(5) الوسائل الباب 22 من القنوت.

(6) الوسائل الباب 22 من القنوت.

(7) الوسائل الباب 22 من القنوت.

384

ما قمت في الركعة الأولى».

أقول: و قد نقل شيخنا المجلسي في كتاب البحار جملة من قنوتات الأئمة (عليهم السلام) الطويلة و عقد لها بابا على حد فقال (1): باب آخر في القنوتات الطويلة المروية عن أهل البيت (عليهم السلام).

و ينبغي ان يستثني من ذلك صلاة الجماعة إلا مع حب المأمومين لذلك لما استفاض في الأخبار من استحباب الإسراع فيها.

و منها-

التكبير له

لما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «التكبير في صلاة الفرض الخمس الصلوات خمس و تسعون تكبيرة:

منها- تكبيرة القنوت خمس».

و رواه أيضا بطريق آخر (3) و فسر فيه التكبيرات و عد منها خمس تكبيرات القنوت في خمس صلوات.

و ما رواه الشيخ عن الصباح المزني (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

خمس و تسعون تكبيرة في اليوم و الليلة للصلوات: منها- تكبير القنوت».

و نقل عن الشيخ المفيد (عطر اللّٰه مرقده) نفيه، قال الشيخ في الاستبصار بعد نقل هذه الأخبار: هذه الروايات التي ذكرناها ينبغي ان يكون العمل عليها و بها كان يفتي شيخنا المفيد (قدس سره) قديما ثم عن له في آخر عمره ترك العمل بها و العمل على رفع اليدين بغير تكبير، و الأول أولى لوجود الروايات بها و ما عدا هذا لست اعرف به حديثا أصلا. انتهى.

أقول: ليت شعري كيف لم يسأله عن ذلك و هو شيخه و كان ذلك في حياتهما (رضوان اللّٰه عليهما)؟ هذا و من المعلوم ان مثل الشيخ المفيد (قدس سره) في جلالة شأنه و علو مكانه لا يخرج عن هذه الأخبار من غير دليل فكيف لم يسأله عن ذلك حتى انه يعترض عليه هنا؟

____________

(1) ج 18 الصلاة ص 380.

(2) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل الباب 5 من تكبيرة الإحرام.

385

قال في الذكرى: و المفيد لا يكبر للقنوت و يكبر عنده للقيام من التشهد فالتكبير عنده اربع و تسعون و الروايات تخالفه، مع انه قد روى مشهورا بعدة طرق: منها-

رواية محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) في القائم من التشهد يقول: «بحول اللّٰه و قوته أقوم و اقعد».

و في بعضها (2) «بحولك و قوتك أقوم و اقعد».

و في بعضها (3) «و اركع و اسجد».

و لم يذكر في شيء منها التكبير. و الأقرب سقوطه للقيام و ثبوته للقنوت و به كان يفتي المفيد (قدس سره) و في آخر عمره رجع عنه إلى المذكور أولا، قال الشيخ و لست اعرف بقوله هذا حديثا أصلا. انتهى.

أقول: اما الاعتراض عليه (قدس سره) بقوله بالتكبير للقيام من التشهد فقد تقدم العذر عنه في آخر المقام الثاني من الفصل السادس في السجود (4) و بينا الدليل في ما ذهب اليه من التكبير المذكور. و اما نفيه تكبير القنوت فلم نقف على وجهه. و اللّٰه العالم

و منها-

رفع يديه تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل بباطنهما السماء و ظهورهما الأرض

ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و قال الشيخ المفيد يرفع يديه حيال صدره.

و حكى في المعتبر قولا بجعل باطنهما إلى الأرض. و ذكر ابن إدريس انه يفرق الإبهام عن الأصابع. قالوا و يستحب نظره إلى بطونهما. و عن الجعفي انه يمسح وجهه بيديه و يمرهما على لحيته و صدره.

أقول: اما ما ذكروه من رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل بباطنهما السماء فلم أقف له في الأخبار على دليل، و الذي وقفت عليه صحيحة عبد اللّٰه بن سنان الواردة في صلاة الوتر و هي

ما رواه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الصحيح (5) قال: «تدعو في الوتر على العدو و ان شئت سميتهم و تستغفر و ترفع يديك في الوتر حيال وجهك و ان شئت تحت ثوبك».

و هي مع ورودها في خصوص الوتر قاصرة

____________

(1) الوسائل الباب 13 من السجود.

(2) الوسائل الباب 13 من السجود.

(3) الوسائل الباب 13 من السجود.

(4) ص 310 و 311.

(5) الوسائل الباب 13 و 12 من القنوت.

386

عن الدلالة على المدعى.

و روى في الفقيه (1) عن أبي حمزة الثمالي قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول في آخر وتره و هو قائم: رب اسأت و ظلمت نفسي و بئس ما صنعت و هذه يداي جزاء بما صنعتا قال ثم يبسط يديه جميعا قدام وجهه و يقول: و هذه رقبتي خاضعة لك لما أتت. قال ثم يطأطئ رأسه و يخضع برقبته ثم يقول: و ها انا ذا بين يديك.

إلى آخر الدعاء».

و مفهوم هذا الخبر انه انما يبسط يديه جميعا قدام وجهه عند قوله «و هذه يداي (2)» مع ان هذا الدعاء في قنوت الوتر الذي يستحب التطويل فيه بالدعاء، و الأدعية المروية فيه و الموظفة له طويلة، و هذا الكلام انما هو في آخره كما صرح به في الخبر، فدلالة هذا الخبر على ان بسط يده انما هو في هذه الحال مشعر بكونهما في وقت القنوت ليستا كذلك و هو خلاف كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في هذا الباب.

و قال في الذكرى: يستحب رفع اليدين تلقاء وجهه مبسوطتين يستقبل ببطونهما السماء و بظهورهما الأرض، قاله الأصحاب

و روى عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (3) «و ترفع يديك حيال وجهك و ان شئت تحت ثوبك و تتلقى بباطنهما السماء».

و نحو ذلك ذكر الفاضل الخراساني في الذخيرة. و لم أقف على رواية عن عبد اللّٰه بن سنان بهذه الصورة و الذي وقفت عليه انما هي الرواية الواردة في الوتر على نحو ما ذكرته.

و اما ما ذكره الشيخ المفيد (قدس سره)- من جعل اليدين حيال صدره و كذا ما نقله في المعتبر و ما ذكره ابن إدريس- فلم أقف بعد التتبع على ما يدل عليه.

و اما ما ذكروه من استحباب النظر إليهما فظاهر كلام المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى يدل على وجود النص به، و ما ذكروه و ان لم يرد به نص إلا انه لا بأس به

____________

(1) ج 1 ص 311.

(2) الظاهر «و هذه رقبتي».

(3) الوسائل الباب 12 من القنوت إلى قوله «تحت ثوبك» كما ذكره «(قدس سره)».

387

لحبس النظر لكن لا ينبغي اعتقاد استحبابه و توظيفه.

[مسح الوجه باليدين و إمرارهما على اللحية و الصدر بعد القنوت]

و اما ما نقل عن الجعفي- من مسح وجهه بيديه و يمرهما على لحيته و صدره بعد القنوت- فلم أقف فيه على خبر بل ظاهر التوقيع المروي عن صاحب الزمان (عليه السلام) خلافه و هو

ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري و نحوه في قرب الاسناد (1) «انه كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه ان يرد يديه على وجهه و صدره للحديث الذي روى ان اللّٰه عز و جل أجل من ان يرد يدي عبد صفرا بل يملأهما من رحمته أم لا يجوز فان بعض أصحابنا ذكر انه عمل في الصلاة؟ فأجاب (عليه السلام) رد اليدين من القنوت على الرأس و الوجه غير جائز في الفرائض و الذي عليه العمل فيه إذا رجع يديه في قنوت الفريضة و فرغ من الدعاء ان يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل و يكبر و يركع. و الخبر صحيح و هو في نوافل النهار و الليل دون الفرائض و العمل به فيها أفضل».

قال في المنتهى: هل يستحب ان يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء؟ قيل نعم و لم يثبت. و قال في الذكرى: و يمسح وجهه بيديه و يمرهما على لحيته و صدره قاله الجعفي و هو مذهب بعض العامة (2). انتهى.

و كيف كان فما اشتمل عليه الخبر من التفصيل و ان كان غير مشهور بين الأصحاب إلا ان العمل به متيقن إذ لا معارض له في ذلك فيخص الاستحباب بالنافلة و يكره ذلك في الفريضة. و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل الباب 23 من القنوت عن الاحتجاج و في البحار ج 18 الصلاة ص 377 عن قرب الاسناد.

(2) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 176 «ما ملخصه: يستحب الجهر بالقنوت في الصلاة الجهرية و رفع اليدين فيه و لا يمسح الوجه و قيل يمسح و اتفقوا على كراهة مسح الصدر».

388

الفصل الثامن في ما يعمل في الركعتين الأخيرتين من الرباعية و ثالثة المغرب

[الأقوال في المقام]

اتفق الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) على التخيير في المواضع المشار إليها بين التسبيح و قراءة الفاتحة و انما وقع الخلاف في الأفضل من الأمرين المذكورين على أقوال:

أحدها- القول بأفضلية التسبيح مطلقا و هو مذهب ابن ابي عقيل و الصدوقين و ابن إدريس، و اليه مال جملة من متأخري المتأخرين: منهم- المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي و شيخنا الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني و الشيخ محمد بن ماجد من مجتهدي علماء البحرين، و هو المختار عندي.

و ثانيها- القول بأفضلية القراءة مطلقا، ذهب إليه أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي و اختاره الشهيد في اللمعة و اليه مال السيد السند في المدارك.

و ثالثها- القول بالتخيير مطلقا من غير تفصيل، و هو مذهب الشيخ في النهاية و الجمل و المبسوط و نقله شيخنا المجلسي (قدس سره) عنه في أكثر كتبه، و هو ظاهر العلامة في الإرشاد و المختلف و المحقق في المعتبر.

و رابعها- القول بأفضلية القراءة للإمام و المساواة لغيره من منفرد أو مأموم و اختاره الشيخ في الاستبصار و العلامة في القواعد و قبله المحقق في الشرائع و اختاره أيضا المحقق الشيخ على في شرح القواعد و متعلقات المختصر، و اليه ذهب الشهيد في البيان و اختاره المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرحه على الإرشاد.

و خامسها- القول بأفضلية القراءة للإمام و أفضلية التسبيح للمأموم و هو مذهب العلامة في المنتهى.

و سادسها- القول بأفضلية القراءة للإمام و التسبيح للمنفرد، اختاره الشهيد في الدروس و استحسنه العلامة في التذكرة على ما نقل عنه.

389

و سابعها- أفضلية التسبيح للإمام إذا تيقن ان ليس معه مسبوق و أفضلية القراءة إذا تيقن دخول مسبوق أو جوزه و القراءة للمأموم و التخيير للمنفرد، ذهب اليه ابن الجنيد على ما نقل عنه.

و اما الأخبار الواردة في المقام فهي لا تخلو من التناقض و عدم الالتئام و من ثم اختلفت فيها كلمات علمائنا الأعلام باختلاف الأذهان و الأفهام.

[الأخبار الدالة على القول الأول]

و الذي يدل على القول الأول و هو الذي عليه من بينها المعول جملة من الأخبار:

الأول-

ما رواه الصدوق (عطر اللّٰه مرقده) في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال قال: «لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير امام. قال قلت فما أقول فيهما؟ قال ان كنت إماما أو وحدك فقل «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه» ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثم تكبر و تركع».

الثاني-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر و ركعتان من العصر و ركعتا الصبح و ركعتا المغرب و ركعتا العشاء الآخرة لا يجوز الوهم فيهن و من وهم في شيء منهن استقبل الصلاة استقبالا. و فوض إلى محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء فالوهم انما يكون فيهن».

الثالث-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال «كان الذي فرض اللّٰه على العباد من الصلاة عشر ركعات و فيهن القراءة و ليس فيهن و هم يعني سهو فزاد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) سبعا و فيهن الوهم و ليس فيهن قراءة».

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

390

الرابع-

ما رواه الشيخ عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب و سورة. الى ان قال: فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما لأن الصلاة انما يقرأ فيها في الأولتين في كل ركعة بأم الكتاب و سورة، و في الأخيرتين لا يقرأ فيهما انما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء ليس فيهما قراءة. و ان أدرك ركعة قرأ فيها خلف الإمام فإذا سلم الامام قام فقرأ بأم الكتاب و سورة ثم قعد فتشهد ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة».

و روى هذه الرواية في الفقيه عن زرارة مثله (2) بأدنى تفاوت لا يخل بالمقصود.

أقول: لا يخفى ما في دلالة هذه الأخبار الصحاح من الصراحة في أفضلية التسبيح بل تعينه مطلقا اماما كان أو غيره سيما الصحيحة الاولى، و ظاهر هذه الأخبار بل صريحها انما هو تعين التسبيح دون الأفضلية للنهي عن القراءة و النفي لها إلا انها لما اتفقت كلمة الأصحاب على التخيير بينه و بين القراءة و عضدها بعض الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى فلا مندوحة عن تأويلها بما يرجع إلى ذلك بحمل النهي على الكراهة و النفي على نفي الأفضلية الراجع إلى أقلية الثواب في القراءة. و كيف كان فهي صريحة في الرد على ما اشتهر بين أصحابنا من أصالة القراءة في هذا الموضع و ان التسبيح انما هو بدل منها و قائم مقامها، و يشير إلى ذلك ما يأتي (3) في صحيحة عبيد بن زرارة ان شاء اللّٰه تعالى مما سنشير إليه ثمة.

فإن قيل: من الجائز حمل النهي و النفي هنا على النهي عن تحتم القراءة و وجوبها فمعنى «لا تقرأن» يعني على جهة الحتم و التعيين كما في الأوليين، و كذلك «ليس فيهن قراءة» يعني متحتمة متعينة.

قلت: فيه (أولا) ان قوله (عليه السلام) في الصحيحة الثانية و الرابعة «إنما

____________

(1) الوسائل الباب 47 من الجماعة.

(2) الوسائل الباب 47 من الجماعة.

(3) ص 393.

391

هو تسبيح و تكبير. إلى آخره» الدال على حصر الموظف في ذلك يمنع مما ذكرت.

و (ثانيا)- انه لو كان النهي عن القراءة في الصحيحة بقوله «لا تقرأن» مؤكدا بالنون انما توجه إلى اعتقاد وجوب القراءة و تحتمها دون أصل القراءة لكان الأظهر في جواب السائل حين قال «فما أقول؟» ان يقال له انك مخير بين القراءة و التسبيح لا ان يخص الجواب بالتسبيح المؤذن بتعيينه.

و بالجملة فدلالة هذه الأخبار مع صحة أسانيدها في المدعى أظهر من ان ينكر إلا ان أصحابنا في كتبهم المبسوطة لم يلموا بها و ان ذكر بعضهم منها خبرا واحدا.

الخامس-

ما رواه في الفقيه بسند صحيح إلى محمد بن عمران العجلي (1) «انه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) لأي علة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ فذكر (عليه السلام) حديث المعراج و صلاة الملائكة خلف النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الى ان قال: و صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّٰه عز و جل فدهش فقال «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة».

السادس-

ما رواه في كتاب العلل عن محمد بن أبي حمزة (2) قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) لأي شيء صار التسبيح في الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال لانه لما كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة اللّٰه تعالى فدهش فقال «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» فلتلك العلة صار التسبيح أفضل من القراءة».

أقول: و التقريب في هذين الخبرين ان قضية التعليل عموم الحكم لجميع المصلين من امام و مأموم و منفرد، إذ الحكم راجع إلى الصلاة من حيث هي بمعنى ان التسبيح فيها يرجح على القراءة بهذا الوجه و لا سيما الامام حيث ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

____________

(1) الوسائل الباب 25 و 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 25 و 51 من القراءة.

392

يوم سبح كان إماما للملائكة، و ذلك فان هذا الخبر قد تضمن أيضا السؤال عن علة الجهر قبل ان يسأله عن علة أفضلية التسبيح و في الجواب عن علة الجهر تصريح بأنه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان اماما يصلي بالملائكة فليراجع.

السابع- ما رواه في

الفقيه عن الرضا (عليه السلام) (1) و نحوه في كتاب العلل عنه (عليه السلام) (2) قال: «انما جعل القراءة في الركعتين الأولتين و التسبيح في الأخيرتين للفرق بين ما فرضه اللّٰه تعالى من عنده و بين ما فرضه اللّٰه من عند رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و التقريب فيه ما تقدم من ان قضية التعليل العموم لكل مصل فكما ان الحكم في الأوليين عام بلا خلاف فكذا في الأخيرتين بمقتضى الخبر المذكور لرجوعه إلى الصلاة من حيث هي.

الثامن-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد للّٰه و سبحان اللّٰه و اللّٰه أكبر».

هكذا نقله في الاستبصار (4) و في التهذيب (5) أسقط منه لفظ «الأخيرتين» و الظاهر انه سهو من قلمه.

و قد أجيب عن الاستدلال بهذا الخبر بان قوله «لا تقرأ فيهما» نفي لا نهى و الجملة حالية من الضمير البارز في قوله «إذا قمت» اي حال كونك غير قارئ. و إلى هذا يشير كلام المحقق في المعتبر حيث قال: و قوله «لا تقرأ» ليس نهيا بل بمعنى «غير» كأنه قال «غير قارئ». انتهى. فجواب الشرط حينئذ قوله «فقل. إلى آخره» و لهذا قرنه بالفاء و جرد جملة النفي عنها تنبيها على ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) البحار ج 18 الصلاة ص 352.

(3) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(4) ج 1 ص 322.

(5) ج 1 ص 162 و لفظ «الأخيرتين» موجود فيه.

393

و أجاب بعض مشايخنا (قدس اللّٰه أسرارهم) عن هذا الجواب بان قوله: «لا تقرأ فيهما» جملة خبرية وقعت صفة للركعتين لأنهما معرفتان بلام الجنس و هو قريب المسافة من النكرات لعدم التوقيت فيه و التعيين كما في قوله:

«و لقد أمر على اللئيم يسبني»

قال العلامة الزمخشري في تفسير الفاتحة في قوله تعالى «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ»: (فان قلت) كيف يصح ان يكون «غير» صفة للمعرفة و هو لا يتعرف و ان أضيف إلى المعارف؟

(قلت) «الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» لا توقيت فيه فهو كقوله: و لقد أمر على اللئيم يسبني. انتهى قال: و الوجه في حسن هذا الوصف و ملاحته في هذا المقام ما أشير إليه في صحيحتي زرارة بل صحاحه من ان الأخيرتين لا قراءة فيهما بالأصالة بل الثابت فيهما بالأصالة هو التسبيح و اما القراءة فهي مرجوحة و ان أجزأت لاشتمالها على التحميد و الدعاء لا من حيث اختصاصها بالموضع من حيث هي قراءة كما أشير إليه

في صحيحة عبيد بن زرارة المروية في التهذيب (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الركعتين الأخيرتين من الظهر؟ قال تسبح و تحمد اللّٰه و تستغفر لذنبك و ان شئت فاتحة الكتاب فإنها تحميد و دعاء».

انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد نفيس و عليه فيكون جزاء الشرط هو جملة قوله: «فقل» و جملة «لا تقرأ» خبرية وقعت صفة للركعتين. و وصف هاتين الركعتين بعدم القراءة فيهما مؤذن بمرجوحية القراءة فيهما و اختار المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى جعل جملة «لا تقرأ» طلبية قال:

لبعد ارادة غير النهى منه كما اوله به جماعة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم): منهم- المحقق في المعتبر فقال ان «لا» فيه بمعنى «غير» كأنه قال «غير قارئ» مع ان التجوز في قوله «تقرأ» بإرادة الإرادة للقراءة أو الحمل على إضمار كلمة «تريد» أقل تكلفا مما ذكروه و الكل خلاف الظاهر. إلى ان قال: و ربما يستشهد لترجيح خلاف النهي بإدخال فاء الجواب على كلمة «قل» و لو أريد النهي لكان حقها ان تقترن به. و يدفعه بعد التنزل لتسليم تعين كونها للجواب تكثر الإشارة في ما سلف من هذا الكتاب

____________

(1) الوسائل الباب 42 من القراءة.

394

إلى قلة ضبط الكتابة للأخبار في خصوص الواو و الفاء ففي الغالب يصحف أحدهما بالآخر و يكتب الحديث بأحدهما في كتاب أو في موضع و بالآخر في غيره حتى من المصنف الواحد فلا وثوق بهذه الشهادة في مقام التعارض. انتهى.

و لا يخفى عليك ان ما نقلناه عن شيخنا المتقدم أقرب في الجواب لانطباقه على ما هو المتبادر من سوق الكلام سيما كون الجملة الجزائية هي قوله «فقل» فان ما ذكره (رحمه الله) من الجواب هنا عن ذلك و ان احتمل إلا ان فتح هذا الباب يؤدي إلى رفع الوثوق بالاخبار و الاعتماد عليها فالواجب ان لا يصار اليه إلا مع عدم المندوحة.

التاسع-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «و ان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الأولتين و أنصت لقراءته و لا تقرأن شيئا في الأخيرتين، فإن اللّٰه عز و جل يقول للمؤمنين «وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ- يعني في الفريضة خلف الامام- فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (2) و الأخيرتان تبع للأولتين».

و هذه الرواية نقلها ابن إدريس (قدس سره) في مستطرفات السرائر (3) تتمة لصحيحة زرارة الاولى (4).

و حاصل معنى هذه الرواية النهي عن القراءة خلف الإمام إذا دخل معه في أولتيه و الأمر بالإنصات لقراءته، و النهي عن القراءة في أخيرتيه أيضا من حيث كون الأخيرتين تبعا للأولتين. و ملخصه انه إذا دخل معه في أولتيه فلا يقرأ فيهما و لا في الأخيرتين، و العلة في النهي في الأولتين من حيث قضية الإنصات و في الأخيرتين التبعية.

العاشر-

ما رواه الصدوق في كتاب عيون الأخبار بسنده إلى ابن أبي الضحاك (5) «انه صحب الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الأخراوين يقول:

«سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» ثلاث مرات ثم يركع».

و ربما سقط

____________

(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

(2) سورة الأعراف، الآية 203.

(3) ص 471.

(4) ص 389.

(5) الوسائل الباب 42 من القراءة.

395

من بعض نسخه لفظ «و اللّٰه أكبر».

الحادي عشر-

ما رواه المحقق في المعتبر عن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الأخيرتين من الظهر قال تسبح و تحمد اللّٰه و تستغفر لذنبك».

الثاني عشر-

ما رواه الشيخ عن محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا صلى يقرأ في الأولتين من صلاته الظهر سرا و يسبح في الأخيرتين من صلاته الظهر على نحو من صلاته العشاء، و كان يقرأ في الأولتين من صلاته العصر سرا و يسبح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء».

الثالث عشر-

ما رواه أيضا في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يدرك الامام و هو يصلي اربع ركعات و قد صلى الامام ركعتين؟ قال يفتتح الصلاة و يدخل معه و يقرأ خلفه في الركعتين. إلى ان قال: فإذا سلم الامام ركع ركعتين يسبح فيهما و يتشهد و يسلم».

الرابع عشر-

ما رواه المحقق في المعتبر عن علي (عليه السلام) (4) انه قال:

«اقرأ في الأولتين و سبح في الأخيرتين».

الخامس عشر-

ما رواه في الكافي أيضا عن زرارة (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال ان تقول سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر و تكبر و تركع».

فهذه جملة من الأخبار واضحة الدلالة في ما ادعيناه و جملة منها ظاهرة بل صريحة

____________

(1) في المسألة الثالثة من المسائل الأربع في القراءة و في البحار عنه ج 18 الصلاة ص 352 و مستدرك الوسائل الباب 31 من القراءة إلا أنه في النسخة المطبوعة منه المؤرخة 1318 «عبيد بن زرارة» فتتحد مع الرواية المتقدمة ص 393 و لكنها فاقدة لذيلها.

(2) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.

(4) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 42 من القراءة.

396

في تعين التسبيح مطلقا و قد نص بعضها على الامام بخصوصه و جملة قد صرحت بالأفضلية مطلقا كما أشرنا إليه آنفا، و جملة قد تضمنت الأمر بذلك المؤذن لا أقل بالرجحان و الأفضلية، و جملة قد تضمنت حكاية صلواتهم (عليهم السلام) و من الظاهر انهم كانوا أئمة في تلك الصلوات لأنهم أشد مواظبة على سنة الجماعة و الناس أشد حرصا و مواظبة على الاقتداء بهم و لا سيما صلاة الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بالملائكة و صلاة الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان. و هذا كله بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لا يقبل الإنكار و بين لا يعتريه الاستتار.

السادس عشر-

ما رواه الشيخ (قدس سره) بسنده عن سالم أبي خديجة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين و على الذين خلفك ان يقولوا «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» و هم قيام فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرأوا فاتحة الكتاب و على الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الأخيرتين».

و هذا الخبر استدل به بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين، و الظاهر ان محل الاستدلال هو قوله «و على الامام التسبيح. إلخ» و حينئذ فهو دليل على أفضلية التسبيح بالنسبة إلى الامام لا مطلقا كما هو ظاهر المستدل، و لذلك ان الفاضل الخراساني في الذخيرة جعله من الأخبار الدالة على أفضلية التسبيح للإمام. و أياما كان فالظاهر ان معنى قوله: «فإذا كان في الركعتين الأخيرتين» يعني إذا كان الائتمام في الأخيرتين بأن يكون المأمومون مسبوقين بركعتين ففرض من صلى خلفه القراءة لأنهما اولتان بالنسبة إليهم، و الواجب عليهم القراءة هنا على الأظهر كما يأتي بيانه في محله.

و قوله أخيرا «في الركعتين الأخيرتين» اما ان يتعلق بالظرف اعنى قوله «على الامام» و يكون معنى قوله «مثل ما يسبح القوم» إشارة إلى ما تقدم في صدر الحديث من

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

397

التسبيح وقت قراءة الامام، و حاصله حينئذ انه على الامام ان يسبح في الأخيرتين مثل تسبيح القوم خلفه في الأولتين، و اما ان يتعلق بالفعل اعني «يسبح» و يكون المعنى حينئذ: و على الامام ان يسبح في تلك الركعتين الأخيرتين اللتين على المأمومين المسبوقين ان يقرأوا فيهما مثل تسبيح المأمومين فيهما لو كانوا غير مسبوقين. و لعل المستدل بالرواية على الأفضلية مطلقا ناظر إلى هذا المعنى. و كيف كان فالظاهر عدم جواز حمل الركعتين الأخيرتين في قوله: «فإذا كان في الركعتين الأخيرتين» على ان يكونا أخيرتين بالنسبة إلى الامام و المأموم لاستلزامه حينئذ أولوية القراءة فيهما للمأمومين و التسبيح للإمام كما هو ظاهر اللفظ بناء على ذلك و لا قائل به بل لا دليل عليه من خارج.

و الاعتماد في إثباته على مجرد هذا الاحتمال لا يخلو من الاشكال بل الاختلال، فإنه يلزم من ذلك حصول الحشو في الكلام و هو مما يجب ان يصان عنه كلام الامام (عليه السلام) كما لا يخفى على ذوي الأذهان و الافهام.

السابع عشر-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين انه لم يقرأ؟ قال أتم الركوع و السجود؟ قلت نعم. قال اني اكره أن أجعل آخر صلاتي أولها».

استدل به شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الحبل المتين على استحباب التسبيح للمنفرد.

و قال العلامة في المختلف- بعد الاستدلال بالخبر المذكور على عدم تعين القراءة في الأخيرتين لناسيهما في الأولتين ردا على من ذهب إلى ذلك- ما صورته: و هذا الحديث كما يدل على عدم وجوب القراءة فإنه دال على أولوية التسبيح أيضا كما اختاره ابن أبي عقيل.

هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول الأول.

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

398

[الأخبار الدالة على القول الثاني]

و اما ما يدل على القول الثاني

فرواية محمد بن حكيم (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) أيما أفضل القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟

فقال القراءة أفضل».

و أنت خبير بان هذه الرواية لضعف سندها و انحطاط عددها تقصر عن معارضة ما قدمناه من الأخبار و لا سيما على مذاق أصحاب هذا الاصطلاح، و الظاهر بل المتعين حملها على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية رأس كل بلية، و ذلك لأن تعيين القراءة في الأخيرتين مذهب جمهور الجمهور، فان المنقول عن الشافعي و الأوزاعي و احمد في إحدى الروايتين وجوب القراءة في الأخيرتين، و عن مالك وجوبها في معظم الصلاة، و عن الحسن في كل ركعة، و عن أبي حنيفة القول بالتخيير مع فضيلة القراءة (2) فالحمل على التقية ظاهر لا ستر عليه.

و اما ما ذكره شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار- حيث نقل عن العلامة في

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة. و الرواية عن أبي الحسن «ع».

(2) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 4 ص 103 «قال الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة: لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين بل هو بالخيار ان شاء قرأ و ان شاء سبح و ان شاء سكت. و الصحيح الذي عليه جمهور العلماء من السلف و الخلف وجوب الفاتحة في كل ركعة.» و في بداية المجتهد ج 1 ص 115 «أوجب بعضهم قراءة الفاتحة في كل ركعة و منهم من أوجبها في أكثر الصلاة و منهم من أوجبها في نصف الصلاة و منهم من أوجبها في ركعة من الصلاة، و بالأول قال الشافعي و هي أشهر الروايات عن مالك و قد روى عنه انه ان قرأها في ركعتين من الرباعية أجزأته. و اما من يرى انه تجزئ في ركعة فمنهم الحسن البصري و كثير من فقهاء البصرة. و اما أبو حنيفة فيستحب عنده التسبيح فيهما «الركعتين الأخيرتين» دون القراءة و الجمهور يستحبون القراءة فيها كلها» و في نيل الأوطار ج 3 ص 179 «عن أبي حنيفة في الأخيرتين ان شاء قرأ و ان شاء سبح و ان شاء سكت» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 111 مثله.

399

المنتهى القول بأفضلية القراءة للإمام و التسبيح للمأموم، قال و قواه في التذكرة، ثم قال و هذا القول لا يخلو من قوة إذ به يجمع بين أكثر الأخبار و ان كان بعض الأخبار يأبى عنه.

و ذهب جماعة من محققي المتأخرين إلى ترجيح التسبيح مطلقا و حملوا الأخبار الدالة على أفضلية القراءة للإمام أو مطلقا على التقية لأن الشافعي و احمد، يوجبان القراءة في الأخيرتين و مالكا يوجبها في ثلاث ركعات من الرباعية و أبا حنيفة خير بين الحمد و التسبيح و جوز السكوت (1) و يرد عليه ان التخيير مع أفضلية القراءة أو التفصيل بين الامام و المنفرد مما لم يقل به أحد من العامة فلا تقبل الحمل على التقية نعم يمكن حمل أخبار التسوية المطلقة على التقية لقول أبي حنيفة بها. انتهى- ففيه نظر من وجوه (أحدها) انه لا يخفى على من لاحظ الأخبار التي قدمناها و تدبر في ما ذيلناها به من التحقيق الرشيق انه لا معدل عن العمل بها و القول بما دلت عليه و هذه الرواية ظاهرة بل صريحة في المخالفة فلم يبق إلا ردها لقصورها عن المعارضة و ليس بعد العمل بما دلت عليه هذه الرواية إلا رد تلك الأخبار المستفيضة المتكاثرة الصحيحة الصريحة في ما ادعينا و فيه من الشناعة ما لا يتجشمه محصل و لا يتفوه به قائل، و حينئذ فيجب رد هذه الرواية إلى قائلها كما أمروا به (عليهم السلام).

و (ثانيها)- انه مع تسليم صحة ما ذكره في نقل مذاهب العامة من عدم تصريحهم بالأفضلية فإنه لا ينافي حمل الرواية المذكورة و أمثالها على التقية، و ذلك فإنه يمكن حمل أخبار الفاتحة على التقية باعتبار ان المتبادر من اخبار الأمر بالفاتحة للإمام هو الوجوب كما صرح به الفاضل الأردبيلي (قدس سره) في ما يأتي من نقل كلامه، و لا ينافيه لفظ الأفضلية في رواية محمد بن حكيم المذكورة الدالة على ان القراءة أفضل مطلقا لأن الواجب أفضل من المندوب البتة إلا فيما استثنى، و حينئذ فتكون التقية باعتبار مذهب الشافعي و اتباعه.

____________

(1) ارجع إلى التعليقة 2 ص 398.

400

و (ثالثها)- ان مذهب أبي حنيفة هو التخيير مع أفضلية القراءة كما نص عليه المخذول المهان فضل اللّٰه بن روزبهان الخنجي في كتابه الذي رد فيه على كشف الحق و نهج الصدق حيث قال (1): و مذهب أبي حنيفة أنه يقرأ في الأخيرتين بالفاتحة فقط و هذا أفضل و ان سبح أو سكت جاز. انتهى. و العجب انه كيف خفي ذلك على شيخنا المشار اليه مع وفور اطلاعه.

و ربما يستدل لهذا القول أيضا

بما رواه الطبرسي في الاحتجاج من التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة في أجوبة الحميري (2) «انه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يرى أن قراءة الحمد فيهما أفضل و بعض يرى ان التسبيح فيهما أفضل فالفضل لأيهما لنستعمله؟ فأجاب (عليه السلام) قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، و الذي نسخ التسبيح قول العالم (عليه السلام): كل صلاة لا قراءة فيها خداج إلا للعليل و من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه».

و أنت خبير بما في هذا الخبر من الإجمال و الاشكال الذي لا يهتدى منه إلى وجه يبنى عليه في هذا المجال و ما هذا شأنه فلا يعترض به ما قدمناه من الأخبار.

[الأخبار الدالة على القول الثالث]

و اما القول الثالث و هو التخيير مطلقا من غير تفصيل فلا اعرف عليه دليلا من الأخبار سوى

رواية علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الركعتين الأخيرتين ما اصنع فيهما؟ قال ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و ان شئت فاذكر اللّٰه فهما سواء.

قال قلت فأي ذلك أفضل؟ قال هما و اللّٰه سواء ان شئت سبحت و ان شئت قرأت».

و أنت خبير بما هي عليه من الضعف فلا تصلح لمعارضة خبر واحد من تلك

____________

(1) في التعليق على المسألة الحادية عشرة من الفصل الثاني في الصلاة من المسألة الثامنة في الفقه.

(2) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 42 من القراءة.

401

الأخبار الصحيحة الصريحة في أفضلية التسبيح فلم يبق إلا طرحها و إرجاعها إلى قائلها، إذ العمل بما دلت عليه مستلزم لطرح تلك الأخبار و هو ما لا يتجشمه من له أدنى روية من ذوي الأذهان و الأفكار، مع إمكان حملها على التقية و ان لم يعرف بالقول بالتساوي مطلقا قائل من العامة إذ التخير مذهب أبي حنيفة و اتباعه مع أفضلية القراءة كما تقدم (1) و قد قدمنا في مقدمات الكتاب ان الحمل على التقية لا يتوقف على وجود القائل منهم، و بالجملة فإنه لم يبق إلا طرحها أو حملها على التقية و إلا فالعمل بها و ان ذهب اليه من ذهب غفلة عما قدمناه من الأخبار لا يتفوه به من وقف على ما حققناه و نقلناه من تلك الأخبار الساطعة الأنوار و العلية المنار.

و اما الاستناد في هذا القول إلى صحيحة عبيد بن زرارة فهي بالدلالة على أفضلية التسبيح أشبه لما عرفته آنفا، فإن قضية التعليل فيها فرعية القراءة و أصالة التسبيح كما دلت عليه الأخبار المستفيضة المتقدمة.

و ربما استدل بعضهم لهذا القول بتعارض الأخبار و تساقطها فلا يتوجه رجحان أحد الطرفين على الآخر فيبقى التساوي مؤيدا برواية علي بن حنظلة. و هذا القول جهل من صاحبه بما قدمناه من الأخبار إذ الظاهر انها لم تقرع سمعه و لم تمر بنظره و هو كذلك كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه في البحث مع السيد السند و شيخنا المحقق الأردبيلي فإنهما من هذا القبيل، و هذه الأخبار التي قدمناها و جمعناها لم تجتمع في كتاب بل و لا نصفها و لا ربعها كما لا يخفى على من راجع كتبهم في هذا الباب.

[الأخبار الدالة على القول الرابع و الخامس و السادس]

و اما القول بأفضلية القراءة للإمام و هو القول الرابع و الخامس و السادس و ان اختلفوا في ما عداه فهو باعتبار المستند أظهر من سابقيه.

و يدل عليه من الأخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن

____________

(1) في التعليقة 2 ص 398.

402

أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».

و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين؟ فقال الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبح.».

و ما رواه الشيخ عن جميل بن دراج (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عما يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة؟ فقال بفاتحة الكتاب و لا يقرأ الذين خلفه و يقرأ الرجل فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب».

أقول: لا يخفى انه مع العمل بهذه الأخبار و القول بما دلت عليه فإنه يلزم طرح ما عارضها من الأخبار الدالة على أفضلية التسبيح مطلقا أو بالنسبة إلى الامام، و هي الرواية الاولى من الروايات المتقدمة و الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة و السادسة و السابعة و العاشرة و الثانية عشرة و السادسة عشرة (4) بالتقريبات المذكورة ذيولها، و في رد هذه الروايات و طرحها مع صحتها و صراحتها من الشناعة ما لا يخفى، و اما مع العمل بروايات التسبيح فحمل الأخبار المذكورة على التقية ظاهر لا ستر عليه و واضح لا يأتيه الباطل لا من خلفه و لا من بين يديه، لما عرفت آنفا (5) من ان مذهب جمهور الجمهور وجوب القراءة، و أبو حنيفة و اتباعه و ان خيروا إلا ان القراءة عندهم أفضل فحمل هذه الأخبار على التقية أقرب قريب، و قد استفاضت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بعرض الأخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافه.

و قد أيد بعض مشايخنا الحمل على التقية بما في صحيحة منصور بن حازم من لفظ السعة للمأموم، فإن مفهومه انه لا يسع الامام غير القراءة للتقية و اما المأموم فيسعه تركها

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(4) من ص 389 إلى 396.

(5) ص 298.

403

و العدول إلى التسبيح. أقول: و يعضده ان المستفاد من كثير من الأخبار ان أصحابنا كانوا يأمونهم في الجماعة.

و قد صرح بهذا الحمل جملة من أصحابنا المحققين من متأخري المتأخرين:

منهم- الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحقق الشيخ حسن في المنتقى و غيرهما.

فالوجه الأظهر في اخبار القراءة مطلقا هو الحمل على التقية سيما للإمام لعظم الخطب عليه و اقتضاء الاستصلاح التقية بالنسبة إليه فلذا خصه بالقراءة في صحيحتي منصور و معاوية بن عمار و حثه عليها خوفا عليه من الشناعة و الضرر، و متى حملت هذه الأخبار على التقية سلمت اخبار التسبيح و توجه العمل بها من غير معارض. و لم يقل أحد من العامة بتعين التسبيح أو أفضليته حتى يمكن حمل اخباره على التقية بل هو عندهم مطروح و اما اخبار القراءة فهي كما عرفت موافقة لهم. و قضية القواعد المنصوصة عنهم (عليهم السلام) في عرض الأخبار في مقام الاختلاف هو حمل أخبار القراءة على التقية، حتى انه قد ورد ما هو أبلغ من ذلك و هو انه إذا لم يكن في البلد من تستفيه في الحكم الشرعي فاستفت قاضي البلد و خذ بخلافه، رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في عيون الأخبار (1) و لكن أصحابنا سامحهم اللّٰه تعالى بغفرانه و أسكنهم أعلى جنانه كما نبهناك عليه في غير موضع مما تقدم قد الغوا هذه القواعد الواردة عنهم (عليهم السلام) و اتخذوها وراء ظهورهم و اصطلحوا على قواعد لم يرد بها نص و لا اثر فاتخذوها وجه جمع بين الأخبار.

تتميم في المقام و كلام على كلام بعض الاعلام

قال السيد السند في المدارك- و هو ممن اختار القول بأفضلية القراءة مطلقا أو للإمام كما سيظهر لك من كلامه- اختلف الأصحاب في أن الأفضل للمصلي القراءة أو التسبيح، فقال الشيخ في الاستبصار ان الأفضل للإمام القراءة و انهما متساويان بالنسبة

____________

(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

404

إلى المنفرد، و قال في النهاية و المبسوط هما سواء للمنفرد و الامام، و أطلق ابنا بابويه و ابن أبي عقيل أفضلية التسبيح، احتج الشيخ في الاستبصار على أفضلية القراءة للإمام

بما رواه في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:

«إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».

و نحوه

روى معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين فقال الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب و من خلفه يسبح فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما و ان شئت فسبح».

و على التساوي للمنفرد

بما رواه عن عبد اللّٰه بن بكير عن علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الركعتين الأخيرتين ما اصنع فيهما؟ فقال ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و ان شئت فاذكر اللّٰه فهما سواء. قال قلت فأي ذلك أفضل؟

فقال هما و اللّٰه سواء ان شئت سبحت و ان شئت قرأت».

و هذا الجمع جيد لو كانت الأخبار متكافئة من حيث السند لكن الرواية الأخيرة ضعيفة جدا بجهالة الراوي و بان من جملة رجالها الحسن بن علي بن فضال و عبد اللّٰه بن بكير و هما فطحيان. و لو قيل بأفضلية القراءة مطلقا كما يدل عليه ظاهر صحيحتي منصور بن حازم و معاوية بن عمار لم يكن بعيدا من الصواب، و يؤيده

رواية حكم بن حكيم (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) أيما أفضل القراءة في الركعتين الأخيرتين أو التسبيح؟ فقال القراءة أفضل».

و رواية جميل (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عما يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة فقال بفاتحة الكتاب و لا يقرأ الذين خلفه و يقرأ الرجل

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 51 من القراءة، و الراوي هو محمد بن حكيم كما سيأتي منه «(قدس سره)».

(5) الوسائل الباب 42 من القراءة.

405

فيهما إذا صلى وحده بفاتحة الكتاب».

و صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) و قال: «يجزئك التسبيح في الأخيرتين. قلت اي شيء تقول أنت؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب».

و لا ينافي ذلك

ما رواه عبد اللّٰه الحلبي في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا قمت في الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل الحمد للّٰه و سبحان اللّٰه و اللّٰه أكبر».

لأنا تجيب عنها بالحمل على ان «لا» نافية و تكون جملة «لا تقرأ» حالية و المعنى إذا قمت في الركعتين الأخيرتين و أنت غير قارئ فيهما فقل كذا و كذا أو يقال انها ناهية و النهي انما توجه إلى القراءة مع اعتقاد ان غير القراءة لا يجوز كما ذكره الشيخ في الاستبصار، و بالجملة فهذه رواية واحدة فلا تترك لأجلها الأخبار المستفيضة السليمة السند المؤيدة بعمل الأصحاب. انتهى.

أقول فيه نظر من وجوه: (الأول) ان ما نقله عن الشيخ في الاستبصار- من انه احتج على أفضلية القراءة للإمام بصحيحة منصور بن حازم و على التساوي للمنفرد برواية علي بن حنظلة- ليس في محله فان الشيخ بعد ان عنون الباب بالتخيير بين القراءة و التسبيح أورد من الروايات الدالة على التخيير صحيحة عبيد بن زرارة و رواية علي بن حنظلة الدالتين على التساوي مطلقا، ثم أورد في خبر ما يخالفهما في ذلك و هي رواية محمد بن حكيم التي نسبها هو إلى حكم بن حكيم الدالة على أفضلية القراءة مطلقا و جمع بينهما بحمل ما دل على أفضلية القراءة على ما إذا كان اماما و حمل تلك الروايتين الدالتين على التساوي على غيره، ثم أورد صحيحة منصور بن حازم سندا لهذا الحمل بطرفيه من أفضلية القراءة للإمام و التساوي لغيره، و الرواية كما ترى دالة على ذلك هذا خلاصة كلام الشيخ في الاستبصار و به يتضح لك ما في نقل السيد السند (قدس سره) من الخلل الذي لا ستر عليه و لا غبار.

(الثاني)- ان المفهوم من سياق كلامه ان الشيخ قد استدل على أفضلية القراءة للإمام بهذه الرواية الدالة على عموم أفضلية القراءة مطلقا بحملها على الإمام،

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 51 من القراءة.

406

و على التساوي للمنفرد برواية علي بن حنظلة الدالة بعمومها على المساواة مطلقا بحملها على المنفرد ثم رد (قدس سره) الحمل المذكور بعدم تكافؤ الأخبار من حيث السند ثم رجح أفضلية القراءة مطلقا مستندا إلى العموم الذي ادعاه من تلك الصحيحة و أردفها بصحيحة معاوية بن عمار. و هو لعمري بعيد الصدور من مثل هذا الفحل المشهور، فان الصحيحتين المذكورتين تناديان بالتصريح بحكم الامام على حدة من أفضلية القراءة له و حكم المنفرد على حدة من التخيير، فأين إطلاق أفضلية القراءة الذي جنح اليه و ادعى دلالة تلك الصحيحتين عليه؟ و ما تكلفه بعض في الاعتذار عنه- من انه يمكن تطبيقهما على أفضلية القراءة مطلقا و تكون فائدة التفصيل فيهما بين الامام و المنفرد تأكد الفضل في الإمام- فتمحل ظاهر لا يلتفت اليه و تكلف متعسف لا يعول عليه. و حينئذ فرواية علي بن حنظلة متى حملت على المنفرد كانت مؤيدة لما دلت عليه تلك الصحيحتان من حكم المنفرد فيهما لا منافية لهما بناء على ما ادعاه من عموم أفضلية القراءة للمنفرد. نعم ذلك مدلول رواية محمد بن حكيم التي نسبها إلى حكم بن حكيم كما رأيت في نسخ منه متعددة.

(الثالث)- ان ظاهر قوله: «و لو قيل بأفضلية القراءة مطلقا» انه لا قائل بذلك صريحا مع انا قد أسلفنا نقله عن الحلبي و تبعه الشهيد في اللمعة و لعله لندرة القائل و شذوذه خفي عليه حتى انه قال في التهذيب اني لا أعلم قائلا بهذا المذهب. و هو حق حيث انه انما حدث بعده. و ممن خفي عليه القول بذلك أيضا شيخنا البهائي (قدس سره) حيث انه صرح في كتاب الحبل المتين انه لم يطلع على قائل بأفضلية القراءة للمنفرد.

(الرابع)- ان ما استدل به على ما ادعاه من صحيحة ابن سنان منظور فيه من حيث السند و المتن:

اما الأول فلما ذكره بعض أصحابنا من احتمال كون ابن سنان هو محمد أخو عبد اللّٰه بن سنان الذي هو مذكور مهملا في كتب الرجال كما ذكره الشيخ في كتاب رجاله من رجال الصادق (عليه السلام) و هو غير محمد بن سنان الزاهري الضعيف فإنه

407

لا يروي عن الصادق (عليه السلام) كما ذكر في كتب الرجال و شهد به التتبع في هذا المجال، و قد وردت رواية محمد بن سنان بقول مطلق عن الصادق (عليه السلام) في باب كراهة أكل الثوم من كتاب علل الشرائع (1) و وقع التصريح به في ثلاثة أحاديث من كتاب طب الأئمة (عليهم السلام) اما الحديث الأول منه فصورته عن الوشاء عن عبد اللّٰه بن سنان عن أخيه محمد عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (2) و مثله الحديث الثاني من الكتاب المذكور (3) و في باب مقدار الثواب في كل علة منه أيضا عن الوشاء عن عبد اللّٰه بن سنان قال: سمعت محمد بن سنان يحدث عن الصادق (عليه السلام) (4) و حينئذ فما أطلقوه من انه متى وردت رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) بغير واسطة تعين الحمل على عبد اللّٰه لكون الزاهري الضعيف لا يروي عنه إلا بالواسطة غير جيد لانه مبني على الحصر في عبد اللّٰه و محمد الزاهري و الحال ان محمدا أخا عبد اللّٰه ممن يروي عنه (عليه السلام) أيضا بلا واسطة. و الجواب- بان محمدا أخا عبد اللّٰه نادر الرواية فلا ينصرف إليه الإطلاق- مدخول بما يتناقل في كلامهم و يدور على رؤوس أقلامهم من انه إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال.

و اما الثاني فإن ما ادعاه من الدلالة غير واضح البيان و لا ساطع البرهان لانه (قدس سره) قد اقتطع عجز الرواية و استدل به و هو و ان كان يعطي ذلك بظاهره إلا انه بملاحظة ما تقدمه في صدر الرواية للاحتمال فيه مجال واسع، و الرواية بتمامها هي

ما رواه الشيخ عن ابن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «ان كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ و كان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأولتين. و قال يجزئك التسبيح في الأخيرتين. قلت اي شيء تقول

____________

(1) ص 176 و في الوسائل الباب 22 من أحكام المساجد.

(2) الوسائل الباب 1 من الاحتضار.

(3) الوسائل الباب 1 من الاحتضار.

(4) الوسائل الباب 1 من الاحتضار.

(5) الوسائل الباب 51 من القراءة.

408

أنت؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب».

و كأنه (رحمه الله) بنى في اقتطاعه عجز الرواية و اعتماده عليه في الاستدلال على انقطاعه عما قبله في المعنى و ان له معنى مستقلا، و ربما كان وجهه عنده ان السائل لما سأله عما يفعله (عليه السلام) أعم من ان يكون إماما أو مأموما أو منفردا فقال: «اقرأ فاتحة الكتاب» دل ذلك على رجحان القراءة مطلقا.

قال المحقق المدقق الشيخ حسن في كتاب منتقى الجمان بعد ذكر الرواية ما لفظه:

قلت يسبق إلى الفهم في بادئ الرأي من عجز هذا الخبر انه في معنى الخبرين اللذين قبله- و أشار بهما إلى صحيحتي عبيد بن زرارة و منصور بن حازم- ثم قال و قد اعتمد ذلك بعض المتأخرين فاقتطعه عن الصدر و أورده في حجة ترجيح قراءة الحمد للإمام حديثا مستقلا، و بعد التأمل يرى ان ذلك أحد الاحتمالات فيه و انه لا وجه لترجيح المصير اليه على غيره، ثم الحق ان اقتطاع بعض الحديث و افراده عن سائره بمجرد ظن استقلاله أو تخيله كما اتفق لجماعة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) أمر بعيد عن الصواب فكم من خطأ قد وقع بسببه في الاستدلال لمن لم تنكشف له بالتدبر حقيقة الحال. انتهى هذا. و الأظهر بناء على اتصال عجز الرواية بصدرها كما هو المتبادر إلى الفهم ان معنى قوله (عليه السلام): «يجزئك التسبيح في الأخيرتين» يعني عن القراءة في الأوليين خلف الإمام إذا كنت مأموما، و حينئذ فقول السائل «أي شيء تقول أنت؟» يحتمل ان يكون معناه اي شيء تفتي به أنت و تحكم به من الاجتزاء بالتسبيح في الأخيرتين أو القراءة فيهما و على هذا يكون قوله (عليه السلام): «اقرأ فاتحة الكتاب» فعل أمر، و ان يكون معناه اي شيء تفعل أنت في صلاتك مأموما خلف هؤلاء من القراءة في الأوليين أو الترك و الاجتزاء بالتسبيح لأنهم (عليهم السلام) كانوا يحضرون جمعات هؤلاء و جماعاتهم فأجاب (عليه السلام) بأنه يقرأ في الأوليين حيث ان ائتمامه بمن لا يصح الاقتداء به. و هذا هو الأظهر في معنى الرواية و هو الذي استظهره المحدث الكاشاني في الوافي بعد ان ذكر الاحتمال الأول أيضا. و يحتمل أيضا ان يكون معنى

409

«أي شيء تقول أنت؟» أي شيء تفعله أنت في الركعتين الأخيرتين إذا كنت مأموما من الاجتزاء بالتسبيح أو القراءة فيهما، و حينئذ ففيه دلالة على تخيير المأموم في الركعتين الأخيرتين بين القراءة و التسبيح مع أفضلية القراءة. و يحتمل أيضا ان يراد منه بيان حال المسبوق و انه يجزئه تسبيح الإمام في الأخيرتين و ان كان المأموم مصليا للأوليين أو الثانية في تلك الحال غير ان الاولى للإمام قراءة الحمد. و هذان الاحتمالان ذكرهما في المنتقى زيادة على الاحتمال الذي حكاه عن ذلك البعض في ما أسلفنا من نقل عبارته.

و كيف كان فهذه الرواية لما فيها من سعة دائرة الاحتمال لا تصلح للاستدلال فإنها بتعدد هذه الاحتمالات تكون من قبيل المتشابهات.

(الخامس)- قوله «و لا ينافي ذلك ما رواه عبد اللّٰه الحلبي في الصحيح.

إلى آخر الكلام» فان فيه من العجب العجاب بما اشتمل عليه من الخلل و الاضطراب ما لا يخفى على من تأمل بعين الصواب:

(أما أولا)- فلحصره المنافاة في هذه الرواية و انه بالجواب عنها يتم له ما ذكره و هذا مصداق ما أشرنا إليه آنفا من عدم الوقوف على تلك الروايات الصحيحة الصريحة المستفيضة المتقدمة، فليت شعري كأنها لم تمر به مدة اشتغاله بالعلوم في تلك الأيام حتى يغمض العين عنها و لا يتعرض لشيء منها في المقام.

(و اما ثانيا)- فان الظاهر من سياق كلامه- كما عرفت- هو الميل إلى أفضلية القراءة مطلقا لقوله «و لو قيل بأفضلية القراءة مطلقا» و قد عرفت مما أسلفناه انه ليس في الأخبار ما يدل على هذا القول إلا رواية محمد بن حكيم الضعيفة السند التي لا تصلح للاستدلال بناء على اصطلاحه و لا تعتمد. و اما ما ادعاه من دلالة صحيحتي منصور بن حازم و معاوية بن عمار فقد عرفت ما فيه.

و (اما ثالثا)- فان ما ادعاه- من التأييد بعمل الأصحاب مع قوله أولا «و لو قيل» المشعر بعدم القائل كما عرفت- لا يخلو من التشويش و الاضطراب. و بالجملة

410

فإنا لم نقف على قائل بهذا القول الذي اختاره هنا سوى الحلبي و الشهيد في اللمعة و لا من الأدلة سوى رواية محمد بن حكيم المذكورة. و اللّٰه العالم.

و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد بعد الكلام في كمية التسبيح: و اما التفضيل فلا شك في تفضيل القراءة عليه للإمام لصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القراءة. ثم ساق الحديث، ثم قال: و لرواية جميل. ثم ذكرها، ثم قال: و لما ثبت جواز التسبيح للإمام أيضا بالإجماع حمل القراءة له على الأفضل فلا ينبغي تركها، و يحمل ما في هذه للمنفرد على الجواز فقط لرواية علي بن حنظلة عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته. ثم ساق الرواية ثم قال حمله الشيخ و غيره على المنفرد لما مر من ترجيح القراءة للإمام، و لرواية منصور بن حازم الثقة، ثم أوردها إلى آخرها، ثم قال: و لو لا الإجماع على التخيير للإمام أيضا لكان الحمل على ظاهرها من وجوب القراءة للإمام متعينا فتحمل على الاستحباب لذلك، و يفهم منها التسوية للمنفرد حيث قال بعد الترجيح للإمام «و ان كنت.» و مع ذلك لا يبعد أولوية اختيارها للمنفرد أيضا لفضيلة الفاتحة و وجود «فاقرأوا» و وجود الخلاف في التسبيح بأنه مرة أو ثلاثا أو غيرهما و لبعض ما مر مثل الأمر بالقراءة في صحيحة معاوية بن عمار بقوله «فاقرأ فيهما» ثم الإتيان ب«ان شئت» فإن سوق الكلام يدل على ان التسبيح رخصة، و ما في رواية جميل، و لرواية محمد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام). و ساق الرواية كما قدمناه ثم قال و لا يحتاج إلى الحمل على الامام فقط لاحتمال كونها أفضل للإمام و كان للمنفرد أيضا أفضل لكن دونه في الفضل و يكون الأمر للإمام و التخيير للمنفرد للمبالغة له دونه مع عدم صحة ما يدل على التسوية في رواية علي بن حنظلة مع عمومها المتروك بالدليل و احتمال التأويل. انتهى.

قول: انظر إلى هذا الكلام المختل النظام و المنحل الزمام فإنه- كما ترى- ظاهر في انه لم يقف على شيء من اخبار التسبيح التي قدمناها بالكلية و لهذا انما استند في

411

معارضة أخبار القراءة إلى الإجماع على التسبيح و جمع بينهما بالتخيير، و الظاهر ان السبب في ذلك ان الدائر في كتبهم في مقام البحث عن الأخيرتين انما هو هذه الأخبار التي نقلها هنا و زاد عليها صاحب المدارك رواية الحلبي التي أجاب عنها و اما الأخبار التي قدمناها فهي متفرقة في مواضع لم تجتمع إلا في كلامنا في هذا المجال. و أصحاب التصانيف لمزيد الاستعجال في التصنيف يقنعون بما حضر بين أيديهم من كتب من قبلهم و لا يعطون التأمل حقه في استقصاء الأدلة من مظانها و طلبها من أماكنها و من ثم وقعوا في ما وقعوا فيه، و الواجب في مقام البحث و التحقيق التعرض لنقل جملة أدلة المسألة و الكلام فيها و ترجيح ما يرجحه و الجواب عما عارضه.

و أنت خبير بان قوله: «و لما ثبت جواز التسبيح للإمام أيضا بالإجماع. إلى آخره» الدال على انه انما صار إلى التسبيح تخييرا بالإجماع فللقائل ان يعكس عليه هذه الدعوى و يقول انه قد دلت صحاح زرارة على النهي عن القراءة مطلقا و النفي لها و الأمر بالتسبيح خاصة و دل غيرها من الأخبار المتقدمة على التسبيح أيضا، و ما عارضها من روايات القراءة قد حمل على التقية بمقتضى القاعدة المنصوصة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) في مقام تعارض الأخبار، فلو لا الإجماع على القول بالقراءة في المقام لتعين الاقتصار على التسبيح بمقتضى ذلك إلا ان الإجماع على القراءة أوجب لنا القول بالتخيير و حمل ما دل على تعين التسبيح و النهي عن القراءة على الأفضلية، و ما ادعيناه في المقام هو الأوفق بأخبارهم و قواعدهم (عليهم السلام).

و بالجملة فإن كلامهم (رضوان اللّٰه عليهم) في المقام لما كان مبنيا على غير أساس تطرق اليه القدح و الالتباس، و ضعف كلامه (قدس سره) أظهر من ان يحتاج إلى مزيد بيان لمن انكشف له ما ذكرناه من نقل أخبار المسألة كملا و ما وشحناها به من التحقيقات الفائقة و التدقيقات الرائقة. و اللّٰه العالم.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن تنقيح البحث في المسألة و تحقيق القول فيها كما هو حقه

412

يتوقف على ذكر مقامات:

[المقام] (الأول)- في كيفية التسبيح المذكور هنا

و قد اختلف الأصحاب في ذلك على أقوال: أحدها- الاجتزاء بأربع تسبيحات: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» مرة واحدة، ذهب اليه الشيخ المفيد و الشيخ في الاستبصار و جمع من المتأخرين: منهم- العلامة في المنتهى و شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال انه أصح الأقوال، و يدل عليه من الأخبار المتقدمة الخبر الخامس و السادس و الخامس عشر و السادس عشر.

و ثانيها- انها تسع تسبيحات: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه» يكررها ثلاث مرات، ذهب اليه الصدوق ابن بابويه و أسنده في المعتبر و التذكرة و الذكرى إلى حريز بن عبد اللّٰه السجستاني من قدماء الأصحاب، و نقل في المختلف عن علي بن بابويه انه قال: و تسبح في الأخراوين إماما كنت أو غير امام تقول «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه» ثلاثا. قال فيكون الواجب عنده تسع تسبيحات و رواه ابنه في من لا يحضره الفقيه و هو اختيار أبي الصلاح. انتهى و ظاهر كلامه في المختلف ان مذهب أبي الصلاح القول بالتسع مع انه في المنتهى نسب اليه القول بثلاث تسبيحات كما نقله عنه في الذخيرة و مثله شيخنا في البحار إلا اني لم أقف عليه في المنتهى كما ذكراه و لم يذكر لأبي الصلاح هنا مذهبا بالكلية و هما اعلم بما نقلاه.

و يدل على هذا القول ما تقدم في الخبر الأول من الأخبار المتقدمة إلا ان هذا الخبر قد نقله ابن إدريس في السرائر عن حريز عن زرارة في موضعين بزيادة في أحدهما على ما قدمنا نقله عن الصدوق (أحدهما) في باب كيفية الصلاة (1) و زاد فيه بعد «لا إله إلا اللّٰه» «و اللّٰه أكبر» و ثانيهما في آخر الكتاب في ما استطرفه من كتاب حريز (2) و لم يذكر فيه التكبير، قال شيخنا المجلسي (قدس

____________

(1) الوسائل الباب 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 51 من القراءة.

413

سره) في البحار بعد نقل ذلك: و النسخ المتعددة التي رأيناها متفقة على ما ذكرناه و يحتمل ان يكون زرارة رواه على الوجهين و رواهما حريز عنه في كتابه لكنه بعيد جدا، و الظاهر زيادة التكبير من قلمه أو من النساخ لأن سائر المحدثين رووا هذه الرواية بدون التكبير و زاد في الفقيه و غيره بعد التسبيح «تكمله تسع تسبيحات» و يؤيده انه نسب في المعتبر و في التذكرة القول بتسع تسبيحات إلى حريز و ذكرا هذه الرواية. انتهى. و هو جيد وجيه.

أقول: و يدل عليه أيضا خبر ابن أبي الضحاك عن الرضا (عليه السلام) على ما سيأتي بيانه (1) ان شاء اللّٰه تعالى.

ثم العجب هنا من شيخنا الشهيد الثاني (رفع اللّٰه درجته) في المسالك و الروض حيث انه في الروض بعد ان اختار القول الأول قال: و الثاني أحوط و الثالث جائز و اما الرابع فلا لعدم التكبير. و أراد بالثاني القول بالاثني عشر و بالثالث القول بالعشر و بالرابع القول بالتسع، و نحوه في المسالك فمنع العمل به مع ان روايته أصح روايات المسألة، و ما ذكره من القول الثاني و الثالث لا دليل عليه كما سيظهر لك.

قال شيخنا المجلسي في البحار بعد ان اختار القول بمطلق الذكر: ثم الأفضل اختيار التسع لأنه أكثر و أصح اخبارا و هو مختار قدماء المحدثين الآنسين بالاخبار المطلعين على الأسرار كحريز بن عبد اللّٰه و الصدوق (قدس اللّٰه روحيهما) أقول: و هو مذهب أبيه أيضا كما قدمنا نقله هنا عن المختلف.

و ثالثها- انها عشر بزيادة التكبير على التسع المذكورة في القول الثاني و هو مذهب السيد المرتضى و الشيخ في الجمل و المبسوط و ابن إدريس و سلار و ابن البراج، و لم نقف على رواية تدل عليه و بذلك اعترف جملة من الأصحاب.

و رابعها- انها اثنا عشر بتكرير التسبيح المذكور في الصورة الأولى ثلاثا و هو مذهب الشيخ في النهاية و الاقتصاد و هو المنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل إلا انه

____________

(1) ص 414.

414

قال- على ما نقله عنه في المختلف-: السنة في الأواخر التسبيح و هو ان يقول: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» سبعا أو خمسا و أدناه ثلاثا في كل ركعة.

و قد اعترضه جمع من الأصحاب بعدم الدليل عليه. و ربما استدل عليه بما رواه ابن إدريس في السرائر في باب كيفية الصلاة (1) إلا انك قد عرفت ما فيه.

و ربما أمكن الاستدلال

بما رواه في كتاب العيون عن ابن أبي الضحاك الذي صحب الرضا (عليه السلام) (2) الى خراسان فقال: «كان يسبح في الأخراوين يقول: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» ثلاث مرات ثم يركع».

إلا ان شيخنا المجلسي (قدس سره) نقل الخبر المذكور في كتاب البحار (3) عاريا من لفظ التكبير ثم قال: بيان- في بعض النسخ زيد في آخرها «و اللّٰه أكبر» و الموجود في النسخ القديمة المصححة كما نقلناه بدون التكبير، و الظاهر ان الزيادة من النساخ تبعا للمشهور، انتهى. و على هذا فيكون الخبر المذكور دليلا واضحا على القول الثاني.

نعم يدل على ذلك ما

في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام):

و في الركعتين الأخراوين الحمد وحده و إلا فسبح فيهما ثلاثا ثلاثا تقول «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» تقولها في كل ركعة منهما ثلاث مرات.

و خامسها- و هو منقول عن ابن الجنيد انها ثلاث تسبيحات غير مرتبة، قال- على ما نقله عنه في المختلف-: و الذي يقال في مكان القراءة تحميد و تسبيح و تكبير يقدم ما يشاء.

و استدل له بالخبر الثامن (5) من الأخبار المتقدمة

و صحيحة عبيد بن زرارة (6) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الركعتين الأخيرتين من الظهر قال تسبح و تحمد اللّٰه و تستغفر لذنبك و ان شئت فاتحة الكتاب فإنها تحميد و دعاء».

و هذه الرواية

____________

(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 412.

(2) الوسائل الباب 42 من القراءة.

(3) ج 18 الصلاة ص 352.

(4) ص 7.

(5) ص 292.

(6) الوسائل الباب 42 من القراءة.

415

أسندها المحقق في المعتبر إلى زرارة و لم يذكر فيها «و ان شئت.» و الظاهر كونها رواية أخرى غير رواية عبيد بن زرارة (1).

و سادسها- القول بالتخيير بين الصور الواردة في الأخبار، و اليه ذهب السيد الجليل جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاوس صاحب البشرى و المحقق في المعتبر و ان جعل القول الأول أولى.

قال في المعتبر بعد نقل القول الأول و الاستدلال عليه بصحيحة زرارة و هو الخبر الخامس عشر (2) ثم القول بالتسع و نقل عليه صحيحة زرارة المتقدمة في الخبر الأول (3) ثم القول بالاثني عشر و لم ينقل له دليلا ثم ذكر صحيحة عبيد بن زرارة إلا انه أسندها إلى زرارة على الوجه الذي قدمناه ثم صحيحة الحلبي التي قدمناها دليلا لابن الجنيد و هي الخبر الثامن (4) ثم قال: اختلفت الرواية أيهما أفضل؟ ففي رواية (5) «هما سواء» و في أخرى (6) التسبيح

و في رواية (7) «انه ان كنت إماما فالقراءة أفضل و ان كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم تفعل».

و الوجه عندي القول بالجواز في الكل إذ لا ترجيح و ان كانت الرواية الأولى أولى و ما ذكره في النهاية أحوط لكن ليس بلازم. انتهى.

و ظاهر هذا الكلام انه جمع بالتخيير بين روايات القراءة و روايات التسبيح من غير تفصيل و كذلك بين اخبار صور التسبيح و المنقول عنه في المدارك ذلك بالنسبة إلى صور التسبيح، و رواياته و كلامه كما ترى عام له و للاختلاف في ترجيح القراءة على التسبيح و بالعكس و التفصيل فإنه اختار التخيير مطلقا و كلامه به ألصق و اليه أقرب.

و إلى هذا القول مال جملة من متأخري المتأخرين: منهم- السيد السند في المدارك و المحقق الشيخ حسن في المنتقى و الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحدث الكاشاني في

____________

(1) ارجع إلى التعليقة 1 ص 395.

(2) ص 395.

(3) ص 389.

(4) ص 392.

(5) على بن حنظلة ص 400.

(6) من ص 389 إلى 395.

(7) منصور بن حازم 401.

416

المفاتيح و هو قوى و ان كان الأول أولى.

و مما يؤيده اختلاف الأخبار في كيفية ذلك مع جودة أسانيد أكثرها و عدم مجال الحمل فيها على غير التخيير مضافا إلى ما دل على اتساع الأمر في ذلك من الأخبار مثل قوله

في صحيحة زرارة المتقدمة (1) «انما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء».

و في صحيحته الأخرى (2) «تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء».

و في صحيحة عبيد بن زرارة (3) «و ان شئت فاتحة الكتاب فإنها تحميد و دعاء».

و من ذلك يظهر قوة القول الثالث فإنه لا اشكال فيه إلا من حيث زيادة التكبير في آخره و إلا فما تضمنه من التسبيحات التسع قد عرفت دليله و يكفي في ثبوت التكبير فيه إطلاق الصحيحتين المذكورتين. و ينقل عن بعض المتأخرين التوقف في ذلك بناء على عدم الوقوف في ذلك على نص بالخصوص و الظاهر ضعفه لما قلناه.

و ربما دل إطلاق هذه الصحاح المشار إليها على عدم اعتبار ترتيب معين و بذلك صرح المحقق في المعتبر و مال اليه بعض المتأخرين، إلا انه يمكن خدشه بأن إطلاقها يجب تقييده بالأخبار الدالة على الترتيب مضافا إلى وجوب تحصيل يقين البراءة من التكليف الثابت بيقين. و بما ذكرناه صرح في الذكرى فقال هل يجب الترتيب فيه كما صوره في صحيحة زرارة؟ الظاهر ذلك أخذا بالمتيقن و نفاه في المعتبر للأصل.

هذا، و يفهم من كلام البعض اتحاد القولين الأخيرين حيث انه استدل لابن الجنيد بصحيحتي زرارة المشار إليهما و صحيحة عبيد بن زرارة. و الظاهر تغايرهما حيث ان صريح عبارة ابن الجنيد التخصيص بالتحميد و التسبيح و التكبير فهو كسائر الأقوال المتقدمة في التخصيص بأذكار مخصوصة و انما يخالفها في عدم وجوب الترتيب، و صريح المنقول عن صاحب البشرى و كذا كلام المحقق في المعتبر جواز العمل بكل ما روى في المسألة، و اما الاستدلال لابن الجنيد بتلك الصحاح المشار إليها فغير مطابق لصريح

____________

(1) ص 390.

(2) ص 389.

(3) ص 414.

417

عبارته حيث ان صحيحتي زرارة عاريتان عن لفظ التحميد الموجود في عبارة ابن الجنيد مع زيادة التهليل و الدعاء فيهما و صحيحة عبيد غير متضمنة للتكبير مع زيادة الاستغفار فيها.

و بالجملة فالتغاير أمر ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر فضلا عن الخبير الماهر.

بقي هنا شيء يجب التنبيه عليه و هو ان ظاهر

رواية علي بن حنظلة ربما دلت على اجزاء مطلق الذكر حيث قال فيها (1) «ان شئت فاقرأ فاتحة الكتاب و ان شئت فاذكر اللّٰه تعالى».

و قد صرح باستفادته منها جمع من أفاضل المتأخرين لكنهم ردوها بضعف السند فلا تنهض حجة بإثباته فلم يقل به أحد منهم لذلك. و ظاهر شيخنا المجلسي (قدس سره) و قبله الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل إلى ذلك لظاهر الخبر المذكور إلا ان ظاهر الفاضل المشار اليه التوقف بعد ذلك كما سيأتي في كلامه، و اما شيخنا المشار اليه فظاهره الجزم بذلك حيث قال: و الذي يظهر لي من مجموع الأخبار الاكتفاء بمطلق الذكر ثم الأفضل اختيار التسع. إلى آخر ما قدمنا نقله عنه.

أقول: لا يخفى على من لاحظ أخبار المسألة- و قد قدمناها جميعا- انه ليس فيها ما ربما يوهم ذلك إلا رواية علي بن حنظلة المذكورة و هي مع غض النظر عن المناقشة في سندها فلا تبلغ قوة في معارضة الأخبار الصحاح الصراح الدالة على خصوص التسبيح مع أنها قابلة للتأويل و الحمل على تلك الأخبار بحمل الذكر فيها على التسبيح المذكور في تلك الأخبار، و يؤيده ما في آخر الرواية المذكورة حيث قال الراوي في تمام الرواية بعد ان أجابه (عليه السلام) بما ذكرناه

«قلت فأي ذلك أفضل (2)؟ قال هما و اللّٰه سواء ان شئت سبحت و ان شئت قرأت».

فإنه صريح في ان التخيير انما هو بين القراءة و التسبيح و هو مؤيد لحمل الذكر في الجواب الأول على التسبيح، و يعضد ذلك ان يقين البراءة انما يحصل بالتسبيح الذي استفاضت به الأخبار.

و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و هل يجزئ مطلق الذكر؟ يحتمل ذلك لإطلاق

____________

(1) ص 400.

(2) ص 400.

418

رواية علي بن حنظلة مع كون إسنادها معتبرا إلى ابن بكير إذ ليس فيه من يتوقف في شأنه إلا الحسن بن علي بن فضال و هو بمكان من الجلالة و كذا ابن بكير، و الواسطة بينه و بين الامام (عليه السلام) و ان كان مجهولا إلا ان ابن بكير ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا يضر جهالة حال الواسطة، و في التعليل المذكور في خبر عبيد بن زرارة نوع اشعار بجواز الاكتفاء بمطلق التحميد و الدعاء و ان لم يكن دالا عليه بناء على ان عدم مدخلية خصوص المادة في العلية ليس بذلك الواضح، و الاشعار المذكور مضافا إلى رجحان دعوى عدم القائل بالفصل يؤيد جواز الاكتفاء بمطلق الذكر و يحتمل العدم لنوع تأمل في اسناد الخبر و عدم صراحته في المدعى و مخالفة ظاهره من التسوية لما سنحققه من تفضيل التسبيح و عدم قائل بهذه التوسعة صريحا، مع ان التكليف اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. انتهى. و المعتمد هو ما ذكره أخيرا لما حققناه أولا.

و اما ما ذكره من الوجوه أولا فهي وجوه مدنفة عليلة ليس في التعرض لبيان ضعفها كثير فائدة بعد ما عرفت. و اللّٰه العالم.

(المقام الثاني) [هل يبقى التخيير في الأخيرتين لناسي القراءة في الأوليين]

- المشهور بين الأصحاب بقاء التخيير لناسي القراءة في الأوليين، و قال الشيخ في المبسوط ان نسي القراءة في الأولتين لم يبطل تخيره و الأولى القراءة لئلا تخلو الصلاة منها و قال ابن أبي عقيل من نسي القراءة في الركعتين الأولتين و ذكر في الأخيرتين سبح فيهما و لم يقرأ شيئا لأن القراءة في الركعتين الأولتين و التسبيح في الأخيرتين.

قال في الذكرى: و قد روى انه إذا نسي في الأولتين القراءة تعين في الأخيرتين و لم نظفر بحديث صريح في ذلك لكن روى محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) في ناسي الفاتحة لا صلاة له (1).

و نقل عن الشيخ في الخلاف تعين قراءة الحمد في الأخيرتين على ناسي القراءة في الأوليين

____________

(1) الوسائل الباب 1 من القراءة.

419

نقل ذلك عنه السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني في المفاتيح و المجلسي في البحار و الذي نقل عنه الشهيد في الذكرى انه قال: ان نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين. و هو أعم من ذلك.

و كتاب الخلاف لا يحضرني الآن لكن بعض الأصحاب قد نقل عبارته بما هذا لفظه: تجب القراءة في الركعتين الأولتين و في الأخيرتين و الثالثة يتخير بين القراءة و التسبيح و لا بد من واحد منهما فإن نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين، و روى (1) ان التخيير قائم. و قال الشافعي تجب قراءة الحمد في كل ركعة و قال مالك تجب القراءة في معظم الصلاة و قال داود و أهل الظاهر انما تجب في ركعة واحدة (2) دليلنا إجماع الفرقة و أيضا قوله تعالى «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» (3) و هذا قد قرأ و تكراره يحتاج إلى دليل.

و قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».

يدل على ذلك أيضا لأنه لم يذكر التكرار.

و روى علي بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الركعتين. الحديث».

كما تقدم (5) ثم قال و من قال لا يبطل التخيير مع النسيان استدل

بما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه

____________

(1) في صحيحة معاوية بن عمار الآتية.

(2) في المغني ج 1 ص 485 «يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة في الصحيح من المذهب و هو مذهب مالك و الأوزاعي و الشافعي، و عن أحمد انها لا تجب إلا في ركعتين من الصلاة و نحوه عن النخعي و الثوري و أبي حنيفة، و عن الحسن انه ان قرأ في ركعة واحدة أجزأه و عن مالك ان قرأ في ثلاث أجزأه لأنها معظم الصلاة» و ارجع أيضا إلى التعليقة 2 ص 398.

(3) سورة المزمل، الآية 20.

(4) في صحيح مسلم ج 1 ص 155 باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة و البخاري باب وجوب القراءة للإمام و المأموم عن عبادة بن الصامت عن النبي «ص» «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».

(5) ص 400.

420

السلام) (1) قال: «قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين انه لم يقرأ؟ قال أتم الركوع و السجود؟ قلت نعم. قال اني اكره أن أجعل آخر صلاتي أولها».

و انما قلنا الأحوط القراءة في هذه الحال

لما رواه الحسين ابن حماد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له أسهو عن القراءة في الركعة الأولى؟ قال اقرأ في الثانية. قلت أسهو في الثانية؟ قال اقرأ في الثالثة. قلت أسهو في صلاتي كلها؟ قال إذا حفظت الركوع و السجود فقد تمت صلاتك».

انتهى و الظاهر من هذا الكلام ان حكمه أولا بالقراءة في الأخيرتين و ان كان محتملا للوجوب إلا ان آخر كلامه يكشف عن كون ذلك على سبيل الأولوية و الاحتياط لا على جهة التعيين كما نقله في المدارك و تبعه من تبعه عليه على عادتهم غالبا من حسن الظن به في ما ينقله، و يؤيد ما قلناه ما ذكره في الذكرى حيث قال بعد ذكر رواية الحسين بن حماد المذكورة: و قال في الخلاف ان نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين و احتج بهذه الرواية و أورد رواية معاوية بن عمار الآتية دليلا على بقاء التخيير ثم جعل القراءة أحوط. انتهى و بذلك يتبين لك ما في نقل أولئك الفضلاء من القصور.

و أجاب في المختلف عن رواية الحسين بان الأمر بالقراءة لا ينافي التخيير فان الواجب المخير مأمور به. و نحوه الشهيد في الذكرى أيضا. و فيه ان ظاهر الأمر الإيجاب عينا و التخيير يحتاج إلى دليل من خارج ليخرج عن ظاهر الأمر.

و التحقيق في المقام ان ما استدلوا به على التخيير في الصورة المذكورة من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة فالظاهر انه لا دلالة فيها على ما ادعوه لأن الظاهر من هذه الرواية و روايات أخر في معناها أيضا ان المراد بجعل آخر الصلاة أولها انما هو بقراءة الحمد و السورة في الأخيرتين كما سيأتي في مسألة المسبوق في باب صلاة الجماعة.

____________

(1) الوسائل الباب 30 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 30 من القراءة.

421

و من أخبارها

مرسلة أحمد بن النضر عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال «قال لي: أي شيء يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان؟ قلت يقولون يقرأ في الركعتين بالحمد و سورة. فقال هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها. فقلت فكيف يصنع؟ فقال يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة».

و بذلك يظهر ان المراد من رواية معاوية بن عمار المذكورة انما هو المنع من قراءة الحمد و السورة التي يترتب عليها قلب الصلاة لا قراءة الحمد وحدها التي هي أحد الفردين المخيرين و انها تتعين هنا من حيث النسيان أولا. و بذلك يظهر ان ما ذكره في المختلف و تبعه عليه بعض من تأخر عنه من ان هذه الرواية كما لا دلالة لها على وجوب القراءة فهي تدل على أفضلية التسبيح محل نظر.

و يدل على وجوب القراءة في الصورة المذكورة- زيادة على رواية الحسين بن حماد المتقدمة بالتقريب الذي ذكرناه في بيان الاستدلال بها و جواب ما اعترضوا به على دلالتها-

صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«قلت له رجل نسي القراءة في الأولتين فذكرها في الأخيرتين؟ فقال يقضي القراءة و التكبير و التسبيح الذي فاته في الأولتين في الأخيرتين و لا شيء عليه».

و الظاهر ان هذه الرواية هي التي تقدمت الإشارة إليها في كلام الشهيد (قدس سره) في الذكرى من قوله: و قد روى انه إذا نسي في الأولتين القراءة تعين في الأخيرتين، و ذكر انه لم يظفر بحديث صريح في ذلك فإنه ربما نقل له ذلك مجملا و لكنه لم يقف على الخبر. و الظاهر انه هذا الخبر فإنه- كما ترى- صحيح صريح في الإتيان بالقراءة في الأخيرتين.

و بعض المتأخرين نقل هذه الرواية عارية عن لفظ «في الأخيرتين» في آخر الخبر و أجاب عنه بجواز ان يكون المراد انه يقضي القراءة بعد الفراغ من الصلاة إذ

____________

(1) الوسائل الباب 47 من الجماعة.

(2) الوسائل الباب 30 من القراءة.

422

ليس فيها تعيين زمان القضاء. و هو مسلم بالنسبة إلى ما نقله من الرواية العارية عن اللفظ المشار اليه و اما على ما نقلناه من وجوده كما هو المنقول في كتب الأخبار فلا وجه لكلامه و من ذلك يظهر لك ان القول بوجوب القراءة في الصورة المذكورة ليس ببعيد لظاهر الخبرين المذكورين. و تأويلهما و ان أمكن إلا انه فرع وجود المعارض. و المعارضة بعموم الأخبار الدالة على التخيير و شمولها للناسي و غيره معارضة بما دل على عدم صحة الصلاة بدون الفاتحة من

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».

و نحوه، فإن أجابوا- بأنه محمول على العامد جمعا بينه و بين ما دل على صحة صلاة ناسي الفاتحة في جميع الصلاة- أجبنا عن الأول بأنه محمول على غير الناسي جمعا و مرجعه إلى تخصيص عموم اخبار التخيير بهذين الخبرين و العمل بالخاص مقدم كما هو القاعدة المسلمة عندهم.

و كيف كان فأولوية القراءة و استحبابها كما ذكره الشيخ مما لا يرتاب فيه و انما الكلام في الوجوب و قد عرفت ان ظاهر الخبرين ذلك إلا اني لم أقف على قائل به.

و اللّٰه هو العالم.

(المقام الثالث) [الأقوال في أخيرتي المأموم في الرباعية و أخيرته في الثلاثية]

- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب ان التخيير المجمع عليه في الأخيرتين بين الحمد و التسبيح انما هو في ما عدا أخيرتي المأموم في الرباعية و أخيرته في الثلاثية، و ذلك فإنهم قد اختلفوا هنا في ما يجب على المأموم و جعلوا هذا الخلاف شعبة من الخلاف في أولتي المأموم بالنسبة إلى جواز القراءة له و عدمه.

و اختلفوا في الأخيرتين هنا على أقوال نقلها شيخنا الشهيد الثاني في الروض و لا بأس في التعرض لها و بيان ما هو الحق المستفاد من اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) فيها:

الأول- وجوب القراءة مخيرا بينها و بين التسبيح

كما لو كان منفردا جهرية كانت الصلاة أو إخفاتية، قال و هو قول أبي الصلاح و ابن زهرة. أقول و هو صريح عبائر أكثرهم و كذا صريح كلام المرتضى (رضي اللّٰه عنه) قال: لا يقرأ المأموم خلف

____________

(1) ارجع إلى التعليقة 4 ص 419.

423

الموثوق به في الأولتين في جميع الصلوات. إلى ان قال: و اما الأخيرتان فالأولى أن يقرأ المأموم أو يسبح و روى انه ليس عليه ذلك (1).

(الثاني)- استحباب قراءة الحمد وحدها في الجهرية و الإخفاتية

و نقله في الروض عن الشيخ بقول مطلق و لم يسنده إلى كتاب و الذي في النهاية و كذا في المبسوط لا دلالة فيه على ذلك لانه لم يذكر حكم الأخيرتين في كلامه فيجوز رجوعه إلى ما قدمه في صدر كلامه من الأولتين، قال في النهاية: إذا تقدم من هو بشرائط الإمامة فلا تقرأن خلقه سواء كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة أو لا يجهر بل تسبح مع نفسك و تحمد اللّٰه، و ان كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة فأنصت للقراءة فإن خفي عليك قراءة الإمام قرأت لنفسك، و ان سمعت مثل الهمهمة من قراءة الإمام جاز لك ان لا تقرأ و أنت مخير في القراءة، و يستحب لك ان تقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الامام فيها بالقراءة و ان لم تقرأها فليس عليك شيء. انتهى. و نحوه في المبسوط، و هو ظاهر كما ترى فيما قلناه إذ لا اشارة فيه إلى الأخيرتين بوجه بل جميع ما ذكره من الأحكام بمقتضى سياق الكلام انما يرجع إلى الأولتين.

(الثالث)- التخيير في الجهرية بين قراءة الحمد و التسبيح استحبابا

، قال في الروض و هو ظاهر جماعة: منهم- العلامة في المختلف أقول قال العلامة في المختلف- بعد نقل الأقوال في مسألة القراءة خلف الامام و شطر من اخبار المسألة- ما هذا لفظه:

و الأقرب في الجمع بين الأخبار استحباب القراءة في الجهرية إذا لم يسمع و لا همهمة لا الوجوب و تحريم القراءة فيها مع السماع لقراءة الامام و التخيير بين القراءة و التسبيح في الأخيرتين من الإخفاتية. و أنت خبير بان ظاهر كلامه هو الوجوب لا الاستحباب و ذلك في الإخفاتية لا الجهرية كما نقل عنه فالنقل لا يخلو من الخلل في الموضعين المذكورين، و بالجملة

____________

(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

424

فكلام العلامة هنا يرجع إلى القول الأول إلا انه خص ذلك بالصلاة الإخفاتية و ظاهر قول الثلاثة المتقدمين العموم.

(الرابع)- سقوط القراءة و التسبيح

و لم ينقل هذا القول في الروض مع انه صريح ابن إدريس (قدس سره) حيث قال: اختلفت الرواية في القراءة خلف الامام الموثوق به

فروى (1) انه لا قراءة على المأموم في جميع الركعات و الصلوات سواء كانت جهرية أو إخفاتية.

و هي أظهر الروايات و الذي تقتضيه أصول المذهب لأن الإمام ضامن للقراءة بلا خلاف بين أصحابنا،

و روي (2) انه لا قراءة على المأموم في الأولتين في جميع الصلوات الجهرية و الإخفاتية إلا ان تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ لنفسه،.

و روى (3) انه ينصت في ما جهر فيه الإمام بالقراءة و لا يقرأ هو شيئا و يلزمه القراءة في ما خافت،.

و روى انه بالخيار (4) في ما خافت فيه الإمام،.

فأما الركعتان الأخيرتان

فقد روى (5) انه لا قراءة على المأموم فيهما و لا تسبيح،.

و روى (6) انه يقرأ فيهما أو يسبح.

و الأول أظهر لما قدمناه. انتهى.

(الخامس)- التخيير بين القراءة و التسبيح و السكوت

و أفضلية الأول ثم الثاني، و هو قول ابن حمزة في الوسيلة كما نقله عنه في الذكرى. و هذا القول لم ينقله في الروض أيضا، قال في الكتاب المذكور: و إذا اقتدى بالإمام لم يقرأ في الأولتين فإن جهر الامام و سمع أنصت و ان خفي عليه قرأ و ان سمع مثل الهمهمة فهو مخير و ان خافت الامام سبح في نفسه، و في الأخيرتين ان قرأ كان أفضل و ان لم يقرأ جاز و ان سبح كان أفضل من السكوت.

(السادس)- استحباب التسبيح في نفسه و حمد اللّٰه أو قراءة الحمد مطلقا

، نقله في الروض عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد. و عندي ان عبارته ليست

____________

(1) الوسائل الباب 32 من الجماعة.

(2) السرائر ص 61.

(3) الوسائل الباب 32 من الجماعة.

(4) الوسائل الباب 32 من الجماعة.

(5) الوسائل الباب 32 من الجماعة.

(6) الوسائل الباب 32 من الجماعة.

425

صريحة في ان ذلك في الأخيرتين بل ظاهرها كونه في الأوليين، حيث قال: و لا يقرأ المأموم في صلاة جهر بل يصغي لها فان لم يسمع و سمع كالهمهمة أجزأه و جاز ان يقرأ، و ان كان في صلاة إخفات سبح مع نفسه و حمد اللّٰه، و ندب إلى قراءة الحمد في ما لا يجهر فيه. و لا تعرض فيها- كما ترى- للأخيرتين بل ظاهرها انه في الأوليين من الصلاة الإخفاتية يستحب له التسبيح و الحمد للّٰه، ثم روى استحباب قراءة الحمد في الحال المذكورة

(السابع) [تحريم القراءة في أخيرتي الإخفاتية]

- ما اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة من تحريم القراءة في أخيرتي الإخفاتية حيث قال- بعد نقل جملة من عبائر الأصحاب في المقام و شطر من اخبار مسألة القراءة خلف الامام- ما لفظه: إذا عرفت هذا فاعلم ان الذي يترجح عندي بالنظر إلى هذه الأخبار تحريم القراءة في الإخفاتية مطلقا سواء كانت في الأوليين أم في الأخيرتين. انتهى.

أقول: الظاهر ان منشأ اختلاف هذه الأقوال في المقام هو اختلاف الأخبار عنهم (عليهم السلام) في القراءة خلف الامام و اختلاف الأذهان في ذلك و الافهام من المنع فيها عن القراءة مطلقا أو في الأوليين خاصة أو التفصيل بين الجهرية و الإخفاتية.

و أنت خبير بان ما قدمناه من الأخبار المستفيضة على أفضلية التسبيح في الأخيرتين شاملة بعمومها أو إطلاقها للمأموم و الأخبار الدالة على التخيير و التساري أو أفضلية القراءة كذلك شاملة لاخيرتي المأموم أيضا، و يدل على خصوص المأموم و ان الأفضل له التسبيح الخبر الرابع و هو صحيح زرارة مكررا ذلك فيه و الخبر التاسع و الخبر الثالث عشر و السادس عشر (1) بالتقريب المذكور في ذيله. و ليس في اخبار القراءة خلف الإمام التي فرعوا عليها هذا الاختلاف ما يدل على خصوص الأخيرتين بل دلالتها على ذلك ان كان انما هو بالإطلاق، و حينئذ فقد تعارض الإطلاقان فلا بد من تقييد أحدهما بالآخر، و الظاهر ان الأخبار الأولى أظهر في العموم و الشمول لوضوح الدلالة فيها بالتقريبات التي وشحناها به كما

____________

(1) ص 390 و 394 و 395 و 396.

426

قدمناه سيما مع تأيدها بالأخبار التي أشرنا إليها مصرحة بالمأموم بخصوصه دون هذه الأخبار، فإن من المحتمل فيها قريبا- بل هو الظاهر- اختصاص المنع من القراءة بحال المتابعة في الأوليين للإمام و هو الموضع الذي تتعين فيه القراءة حتما و به انقسمت الصلاة إلى جهرية و إخفاتية دون الأخيرتين بحيث لم تتعين فيهما القراءة بل كانت مرجوحة كما أوضحناه من أولوية التسبيح. و أيضا فلو اختار الإمام القراءة كانت قراءته إخفاتية كما هو المجمع عليه بينهم فكيف يترتب عليه حكم كلي بالنسبة إلى المأموم من تحريم القراءة و عدمه أو التفصيل بالسماع و عدمه و الانقسام باعتبار ذلك إلى الجهرية و الإخفاتية؟ فانا و ان سلمنا جريان هذه الشقوق فيما إذا اختار الإمام القراءة المرجوحة باعتبار انه لا منافاة بين وجوب الإخفات و السماع و الإنصات كما قيل إلا انه لا يتم في ما إذا اختار التسبيح فكيف يصح الحكم بتحريم القراءة على المأموم مطلقا؟ مع عدم جريان الدليل على تقدير تسليمه إلا في مادة اختيار الإمام القراءة.

و الظاهر ان منشأ الشبهة في هذا الاختلاف هو ما اتفقت عليه كلمتهم من أصالة القراءة في الأخيرتين و ان التسبيح إنما يؤتى به عوضا عنها و لذا ترى أكثر عباراتهم بالتسبيح بلفظ البدلية عن القراءة فيقولون «و يجزئ بدلا عن القراءة التسبيح» و لا سيما بالنسبة إلى الامام عندهم فإن القراءة في حقه آكد، و قد عرفت ان الظاهر من الأخبار خلافه للنهى عن القراءة في تلك الأخبار الصحاح الصراح و النفي لها و دلالة صحيحة عبيد بن زرارة (1) على فرعية القراءة كما تقدمت الإشارة اليه. و منه يظهر ان الأظهر هنا هو التخيير مع أفضلية التسبيح كغيره حسبما حققناه سابقا.

و من الأخبار التي اعتمدوها هنا في ما ذهبوا اليه و بنوا عليها

صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة خلف الامام اقرأ خلفه؟ فقال اما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فإن ذلك جعل اليه فلا تقرأ خلفه و اما

____________

(1) ص 414.

(2) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

427

الصلاة التي يجهر فيها فإنما أمر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فأنصت و ان لم تسمع فاقرأ».

فإن قضية الجعل إلى الامام في الصلاة الإخفاتية بمعنى الاعتماد على قراءته و الاكتفاء بها فلا يجوز للمأموم القراءة لذلك لا يتم كليا إلا في الأوليين لوجوب القراءة عليه فيهما حتما و اما الأخيرتان فحيث كان مخيرا فيهما سيما مع أفضلية التسبيح له كما اخترناه فكيف يتم الجعل اليه و الاعتماد عليه في سقوط القراءة عن المأموم و تحريمها عليه؟ و الحال انه ليس القراءة عليه واجبة بل الأفضل له التسبيح كما هو المفروض، و قضية الإنصات في الجهرية أظهر فإن تحريم القراءة من حيث وجوب الإنصات لا يجري إلا في الأوليين فإن القراءة في الأخيرتين على تقدير اختيارها إخفاتية إجماعا، و جملة الروايات الواردة في هذا المجال كلها على هذا المنوال و ان تفاوتت في وضوح الدلالة على ذلك.

و اما ما دل على المنع من القراءة خلف الامام بعمومه و إطلاقه

كقوله (عليه السلام) (1) «من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعث على غير الفطرة».

و نحوه فهو غير معمول عليه عندهم على عمومه كما نبهوا عليه و شذ من قال به على عمومه.

هذا، و ما نقل من الرواية في كلام جملة منهم بعدم القراءة و التسبيح كما اختاره ابن إدريس لم أقف عليها في شيء من كتب الأخبار التي تحضرني الآن إلا انه قد

روى الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (2) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو امام يقتدى به؟ قال ان قرأت فلا بأس. و ان سكت فلا بأس».

و من المحتمل ان تكون هذه الرواية هي المشار إليها في كلامهم فان ظاهرها التخيير بين القراءة و السكوت إلا ان القول بذلك قول أبي حنيفة كما تقدم ذكره (3) فيجب حمل الرواية على التقية لذلك و لمعارضتها بالأخبار المستفيضة الدال أكثرها على التسبيح و جملة منها على القراءة أو الأفضلية في أحدهما أو

____________

(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

(2) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

(3) ارجع إلى التعليقة 2 ص 398.

428

التخيير. و به يظهر ان ما ذهب اليه ابن إدريس من اختيار السكوت غير جيد.

(المقام الرابع) [هل الزائد على الأقل على القول بالتخيير واجب أو مستحب]

- لو قلنا بالتخيير بين الصور المتقدمة كما هو أحد الأقوال في المسألة- و اختار المكلف الإتيان بما زاد على الأربع التسبيحات كما هو القول الأول من الأقوال المتقدمة أو الثلاث كما هو مذهب ابن الجنيد- فهل يوصف الزائد هنا بالوجوب أو الاستحباب؟ قولان ظاهر العلامة في كتبه الفقهية- و به صرح في كتبه الأصولية- الثاني محتجا عليه بجواز تركه و لا شيء من الواجب يجوز تركه.

و اعترضه شيخنا الشهيد الثاني في الروض بان قوله: «لا شيء من الواجب يجوز تركه» ان أريد تركه مطلقا يعني و لو إلى بدل فمنعه واضح لانتقاضه بالواجبات الكلية كالتخييرية و إخوتها، و ان أريد به لا إلى بدل فمسلم لكن المتروك له ههنا بدل و هو الفرد الناقص بمعنى ان مقولية الواجب على الفرد الزائد و الناقص كمقولية الكلي على أفراده المختلفة قوة و ضعفا، و حصول البراءة بالفرد الناقص لا من حيث هو جزء الزائد بل من حيث انه الفرد الناقص، و قد وقع مثله في تخيير المسافر بين القصر و الإتمام. و هذا هو التحقيق في المقام. انتهى و المشهور الأول و هو الذي جزم به في الروض و نسبه في الروضة إلى ظاهر النص و الفتوى و الظاهر انه الأقوى، و على تقديره ففي المقام سؤالات:

أحدها- انه لقائل أن يقول ان اللازم مما ذكر إمكان كون الزائد واجبا لكن إذا تحققت البراءة في ضمن الفرد الناقص لم يبق دليل على وجوب الزائد فنحن لا نستبعده لكن ننفيه حتى يقوم عليه الدليل.

هكذا قرره في الروض ثم أجاب عنه بان الروايات الدالة على القدر الزائد الواقعة بصيغة الأمر-

كقوله (عليه السلام) في صحيحة حريز عن زرارة (1) «فقل سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه (ثلاث مرات)».

و كون ذلك واقعا بيانا للواجب- تدل على

____________

(1) ص 389.

429

وصف الزائد بالوجوب و لما لم يتم وجوبه عينا للرواية الدالة على الاجتزاء بالأقل لزم القول بوجوبه تخييرا من جهة تأدي الواجب به و حصول الامتثال.

هكذا حقق (قدس سره) الجواب و الظاهر ان مراده يرجع إلى منع تحقق البراءة في ضمن الفرد الناقص بقول مطلق بل انما يتم ذلك فيما لو قصد الامتثال بالناقص لكونه فردا ناقصا من افراد الواجب الكلي بأن قصده أولا أو عدل اليه عند تمامه، اما إذا قصد الامتثال بالكامل و إيقاع الناقص ضروري من حيث انه جرؤه فتحقق البراءة بالفرد الناقص و الحال هذه ممنوع، كما انه لو قصد المكلف في مقام التخيير بين القصر و الإتمام الامتثال بالأربع فإنه لا يبرأ بما لو سلم ساهيا على الركعتين أو أحدث أو فعل منافيا على القول باستحباب التسليم أو وجوبه خارجا، و حينئذ فدلالة الرواية على وصف الزائد بالوجوب من حيث انه جزء الواجب و هو مجموع التسبيحات التسع مثلا لا من حيث الزيادة و إطلاق الزائد عليه مجازا بالنظر إلى اختيار الفرد الناقص. هكذا ينبغي ان يحقق كلامه و إلا فلو سلم للسائل تحقق البراءة في ضمن الفرد الناقص مطلقا و انه يخرج به من العهدة و جعل مطرح الكلام في الزائد خاصة لم يتم الجواب بالتزام خطابه بالزيادة على وجه الإيجاب إذ بعد الخروج عن عهدة الخطاب كيف يبقى الإيجاب؟

و أورد بعضهم السؤال بما صورته: لقائل أن يقول لا ريب ان المكلف إذا اتى بالتسبيحة الواحدة منها برئت ذمته بذلك و لا مجال لقصده بالثانية و الثالثة الوجوب إذ لا يعقل بعد ذلك في المأتي به وصف الوجوب.

ثم أجاب عنه بما لفظه: و لك ان تقول لا ريب ان المأمور به هنا هو الأمر الكلي الذي هو الموصوف بالوجوب و وجوده في الخارج انما هو في ضمن جزئياته و تحقق الكلي في ضمن جزئياته لا يلزم ان يكون على وجه واحد بل قد يتفاوت ذلك بالقوة و الضعف فعلى هذا نقول كون التسبيحة الواحدة فردا للكلي مبرئا للذمة لا يمنع منه انضمام ما به يتحقق الفرد الكامل و يكون ذلك طريق البراءة. انتهى.

430

و أنت خبير بما فيه مما أشرنا إليه آنفا فإنه متى سلم كون التسبيحة الواحدة التي أنى بها أحد أفراد الكلي و ان الذمة قد برئت بالإتيان بها فبعد براءة الذمة من ذلك الواجب الكلي بالإتيان بأحد أفراده كما هو المفروض كيف يعقل عود الوجوب و اشتغال الذمة حتى يكون انضمام ما به يتحقق الفرد الكامل طريق البراءة؟

و التحقيق في ذلك هو ما أشرنا إليه من التفصيل و دوران ذلك مدار قصد المكلف فإنه متى قصد المكلف الصورة الناقصة من أول الأمر أو عدل إليها قبل تجاوزها فلا ريب في صحة ما اتى به، و على هذا فالزيادة لا توصف بوجوب- لحصول البراءة بما اتى به و سقوط التكليف، و لعدم تعلق النية بهذه الزيادة و العبادات تابعة للقصود و النيات- و لا باستحباب لعدم الدليل عليه. نعم نفس الصورة الكاملة هي الموصوفة بالوجوب لأنها أحد أفراد الكلي التخييري و بالاستحباب لأنها الفرد الكامل منه لا هذه الزيادة كما توهموه، و متى قصد المكلف الصورة الزائدة فالواجب هو مجموع تلك الصورة، و ما اتى به من الصورة الناقصة ضمن هذه الصورة الكاملة لا يكون مبرئا للذمة ما لم يتعلق به قصد من أول الأمر أو عدول اليه، و لو حصل براءة الذمة بها بمجرد الإتيان بها كما يوهمه ظاهر كلامهم للزم مثله في من قصد في مواضع التخيير أربعا ثم سلم ساهيا على الركعتين فإنه يجتزئ بهما و تصح صلاته و ان لم يقصدهما مع انه ليس كذلك. و بالجملة فإن كلامهم هنا غير منقح و قد تقدم لنا تحقيق في ذلك في كتاب الطهارة في مسألة المسح من باب الوضوء.

الثاني- انهم صرحوا بوصف الزائد بالاستحباب مع حكمهم بوجوبه تخييرا و الوجوب و الاستحباب حكمان متقابلان.

و أجاب عن ذلك جمع من الأصحاب: منهم- شيخنا الشهيد الثاني بحمل الاستحباب على العيني، قال بعد ان جزم بالوجوب التخييري ما لفظه: و يبقى إطلاق الاستحباب على الفرد الزائد محمولا على استحبابه عينا بمعنى كونه أفضل الفردين الواجبين

431

و ذلك لا ينافي وجوبه تخييرا من جهة تأدي الواجب به و حصول الامتثال. انتهى.

أقول: و بذلك يظهر الجواب عما أورده السيد السند صاحب المدارك في المقام من انه ان أريد بالاستحباب المعنى العرفي و هو رجحان الفعل مع جواز تركه لا إلى بدل لم يمكن تعلقه بشيء من افراد الواجب التخييري، و ان أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه إلا انه خروج عن المعنى المصطلح. انتهى و حاصل الجواب حينئذ التزام الشق الثاني من الترديد و لا محذور فيه بعد ظهور المراد فقد صرح به جملة من أجلاء الأصحاب.

و ربما أجيب عن ذلك أيضا بالتزام الشق الأول، و جواز ترك المندوب لا إلى بدل من جهة ندبه لا ينافي عدم جواز تركه من جهة أخرى و هي جهة وجوبه التخييري باعتبار كونه أحد أفراد الواجب، و غاية ما يلزم اتصافه بالوجوب و الاستحباب باعتبارين و لا امتناع فيه و انما يمتنع اتصافه بهما من جهة واحدة و هو غير لازم هنا.

و أجيب عنه أيضا بناء على ذلك بان الاستحباب متعلق بالفرد الكامل من افراد المخير و يجوز تركه لا إلى بدل إذ لا يقوم مقامه في الكمال غيره، و البدل الحاصل من فعل الواجب انما هو بدل لهذا الفرد من حيث الوجوب لا من حيث الاستحباب.

و أنت خبير بان هذا الجواب راجع في المعنى إلى ما قبله كما لا يخفى.

ثم انه لا يخفى ان ظاهر كلامهم كون محل البحث و مطرح النزاع هو الزائد بعد الإتيان بالصورة الناقصة و قد أشرنا في جواب السؤال الأول إلى عدم صحته بل ينبغي ان يجعل مطرح البحث هو مجموع التسبيحات الزائدة و هي الاثنتا عشرة أو التسع أيهما اتى بها فإنه الموصوف بالوجوب التخييري و الاستحباب الذاتي، و اتصافها بالأول لكونها أحد أفراد الواجب التخييري و بالثاني لكونها الفرد الكامل، و كلام الأصحاب لا يخلو من الإجمال بل الاختلال و ان أحببت تحقيق الحال زيادة على ما ذكرناه في هذا المجال فارجع إلى ما حققناه في باب الوضوء في مسألة المسح على الرأس فإنا قد استوفينا ثمة

432

الكلام بما لا يحوم حوله نقض و لا إبرام. و اللّٰه الهادي لمن يشاء.

الثالث- لو شرع في الزائد على الأقل فهل يجب عليه المضي فيه و يجب إيقاعه على الوجه المأمور به في الواجب من الطمأنينة و غيرها من الهيئات الواجبة أم يجوز تركه و تغييره عن الهيئة الواجبة؟ يحتمل الأول لما تقدم من كونه موصوفا بالوجوب و لا ينافيه تركه بالكلية كما مر فيكون المكلف مخيرا ابتداء بين الشروع فيه فيوقعه على وجهه و بين تركه، و يحتمل الثاني لأن جواز تركه أصلا قد يقتضي جواز تبعيضه و تغييره عن وصفه مع كونه ذكر اللّٰه تعالى بطريق اولى فيبقى حاله مراعى منظورا إليه في آخره، فان طابق وصف الواجب كان واجبا و ترتب عليه ثواب الواجب و حكمه و إلا فلا، و لا قاطع بأحد الأمرين فليلاحظ ذلك. هكذا قرره في الروض سؤالا و جوابا. و قال بعض مشايخنا المتأخرين بعد نقل ملخص ذلك عنه ما لفظه: أقول لا يبعد ان يقال ان قصد الامتثال بالأقل فالحق الثاني لأن الزائد حينئذ ليس بواجب فلا محذور في تركه و تغييره بل هو من قبيل الأذكار المأذون فيها في الصلاة عموما، و ان قصد الامتثال بالفرد الزائد فالحق الأول لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص كما حررناه في ما سبق. انتهى.

أقول: و هذا الكلام ناظر إلى ما أشرنا إليه في جواب السؤال الأول و لكنه لا يخلو من نظر، و ذلك لأن ما ذكره (قدس سره) أولا بناء على قصد الامتثال بالأقل من انه لا محذور في ترك الزائد و لا تغييره متجه لو كان قصد المكلف من الإتيان بالزائد مجرد الذكر فإنه لا محذور في تركه و لا تغييره عن وصفه اما لو قصد به التسبيح الموظف في المقام كما يعطيه مراعاة حاله في آخره على ما ذكره في الروض و لم يأت به على الوجه المأمور به مع انه قصد أولا الامتثال بالأقل ففيه إشكال، لأنه مع قصد الامتثال بالأقل كما لا يكون الزائد واجبا لحصول البراءة بالأقل كذلك لا يكون مستحبا لعدم الدليل عليه. و الركون في أمثال هذه المقامات إلى قضية الذكر لا يسد باب الإيراد فإن المكلف

433

لو فعل بعض الأذكار في الصلاة في مقام لم يعينه الشارع فيه معتقدا تعيينه و استحبابه هناك كان تشريعا محرما البتة.

و ما ذكره ثانيا- من انه ان قصد الامتثال بالفرد الزائد فالحق الأول لعدم تحقق الخروج عن عهدة الخطاب بالناقص- متجه في مقام الزيادة على الناقص كما هو فرض المسألة، لاستلزامه مع القطع قبلها عدم الإتيان بما قصده من الفرد الزائد فلا بد ان يوقعه على وجهه أو يتركه حذرا من تغيير الهيئة الواجبة، اما لو قطع على الناقص بعد قصد الفرد الزائد قاصدا العدول اليه فلم لا يجوز ذلك و ما المانع منه؟ و قد صرح المحقق في المعتبر في مسألة القصر و الإتمام بأنه يجوز لمن نوى الإتمام الاقتصار على الركعتين و لمن نوى القصر الإتمام أيضا، و استحسنه في المدارك فلم لا يجوز ان يكون هنا كذلك؟

و بالجملة فإنه قد تلخص مما ذكرنا ان الأظهر في المقام ان يقال انه متى قصد أحد الأفراد الزائدة و تجاوز الفرد الناقص فالظاهر وجوب الإتمام لما ذكرنا، و متى قصد الفرد الناقص و زاد عليه قاصدا العدول إلى أحد الأفراد الزائدة وجب ذلك أيضا، لأن الظاهر انه لا فرق بين قصده أولا و العدول اليه ثانيا كما صرحوا به في صورة التخيير بين القصر و الإتمام، و ان قصد بالزائد مجرد الذكر فأولى بالصحة، و اما انه يقصد به التسبيح الموظف و يقطع بعد تجاوز المرتبة الاولى و قبل بلوغ احدى المراتب الزائدة ففيه اشكال لما ذكرنا.

تنبيه [جريان الخلاف في مسح الرأس و ذكر الركوع و السجود أيضا]

لا يخفى ان ما ذكر من الخلاف في المقام و ما وقع فيه من النقض و الإبرام جار أيضا بالنسبة إلى القدر الزائد على المسمى في مسح الرأس كما تقدم البحث فيه في كتاب الطهارة، و كذا في تكرير التسبيح في الركوع و السجود زيادة على القدر المجزئ و ما يتأدى به أقل الواجب.

434

و نقل بعض مشايخنا المحققين المتأخرين عن شيخنا الشهيد في الذكرى انه اختار هنا وجوب الزائد مع انه اختار في المسح الزائد على المسمى الاستحباب التفاتا إلى جواز تركه. قال و هو عجيب.

و نقل عنه ذلك في الروض تفصيلا و استحسنه، قال و استقرب شيخنا الشهيد في الذكرى استحباب الزائد عن أقل الواجب محتجا بجواز تركه، قال هذا إذا أوقعه دفعة واحدة و لو أوقعه تدريجا فالزائد مستحب قطعا. و هذا التفصيل حسن لانه مع التدريج يتأدى الوجوب بمسح جزء فيحتاج إيجاب الباقي إلى دليل و الأصل يقتضي عدم الوجوب بخلاف ما لو مسحه دفعة واحدة إذ لم يتحقق فعل الواجب إلا بالجميع. انتهى.

و قيل عليه ان ذلك مناف لما صرح به (قدس سره) في هذا المقام من وجوب الزائد من التسبيحات كما نص عليه في الروض و نسبه في الروضة إلى ظاهر النص و الفتوى إذ التدريج هنا ضروري فينبغي القطع باستحباب الثانية و الثالثة من التسبيحات.

و نقل عن شيخنا البهائي (قدس سره) انه فرق بين المسح و التسبيح بأنه يجوز في التسبيح قصد استحباب الزائد على الواحدة بخلاف المسح فإنه يجب قصد وجوب الزائد مطلقا حذرا من لزوم تكرار المسح. و هو تحكم و تعليله عليل.

و الذي يظهر لي ان ما ذكره الشهيدان (رفع اللّٰه مقامهما) من التفصيل المذكور صحيح لا غبار عليه، و الإيراد عليهما بمسألة التسبيح لا يصغى اليه و لا يلتفت اليه لظهور الفرق بين المقامين، لا كما نقل عن شيخنا البهائي بل من حيث ان وجه التخيير بالنسبة إلى المسح غيره بالنسبة إلى التسبيح، فان القول بالتخيير في التسبيح إنما ادى اليه ضرورة الجمع بين الأخبار المختلفة في بيان كيفيته كما أشار إليه كلام الروض في ما تقدم في جواب السؤال الأول، و القول به في المسح انما نشأ من إطلاق الأمر الصادق بمجرد المسمى و لو بجزء من إصبع و بالمسح بمجموع الثلاث الأصابع و ما بينهما من الافراد، و افراد الكلي في الأول هي مجموع كل واحدة من الصور التي وردت بها النصوص و في

435

الثاني هو كل مسحة أوقعها المكلف دفعة أعم من ان تكون يسيرة أو مستوعبة، و حينئذ فالمكلف إذا مسح تدريجا فقد ادى الواجب الذي هو مسمى المسح بهذا الجزء الذي قطع عليه، فإيجاب المسح على الباقي بعد القطع على ذلك الجزء الذي حصل المسمى في ضمنه و برئت الذمة به يحتاج إلى دليل و ليس، بخلاف التسبيح فان المكلف إذا تجاوز الصورة الناقصة قاصدا إيجاد الكلي في ضمن احدى الصور الزائدة لم يصدق أنه أوجد الكلي في ضمن الناقصة، حيث انه لم يقصدها بالكلية و ان كان حصولها ضروريا من حيث الجزئية، و العبادات تابعة للقصود و النيات و إلا لم تكن الأفراد الزائدة افرادا للواجب الكلي بالمرة، لأن الصورة الصغرى حاصلة في ضمنها البتة فلو كان مجرد الإتيان بها و ان لم تكن مقصودة موجبا لحصول الكلي في ضمنها و حصول البراءة اليقينية من التكليف لزم ما قلناه و فيه رد للأخبار الدالة على وجوبها المحمولة على الوجوب التخييري جمعا.

و الظاهر ان منشأ الإيراد هو توهم كون محل الاتصاف بالاستحباب و الوجوب التخييري هو الزائد على الصورة الناقصة كما تقدمت الإشارة إليه، إذ على تقديره لو جعل مناط الحكم بالوجوب و الاستحباب هو الاتصال و الانفصال تعين هنا الحكم بالاستحباب لتحتم انفصال التسبيحة الثانية و الثالثة عما قبلها.

و مما ذكرنا يعلم الكلام أيضا في تسبيح الركوع و السجود، فان قلنا ان الواجب فيهما هو مجرد الذكر كما هو أحد القولين كان من قبيل المسح، و ان قلنا ان الواجب هو التسبيح المخصوص فإنه يأتي بناء على مذهب من يختار التخيير بين الافراد المروية أو بين بعضها ما يأتي في التسبيح في الأخيرتين على مذهب التخيير أيضا.

و قد تقدم نقل الخلاف في التسبيح على تقدير القول به في الركوع و السجود بما ينتهي إلى خمسة أقوال.

(المقام الخامس)- في فوائد مهمة يقع بها الختام و التتمة:

(الأولى) [هل يجب الترتيب في تسبيح الأخيرتين؟]

المشهور بين الأصحاب وجوب الترتيب في هذا التسبيح و ظاهر القائلين بالتخيير بين صوره

436

الواردة في الأخبار العدم، و وجه كل منهما معلوم من دليله، اما الأول فحيث استند كل من القائلين بصورة معينة إلى خبر مخصوص قد ورد بها لزمه القول بذلك على الكيفية الواردة، و وقوع الواو بين التسبيح و التحميد و بين التحميد و التهليل مثلا و ان كانت للعطف الغير الموجب للترتيب فيها لكنها من كلام الامام (عليه السلام) في بيان الكيفية فهي جزء من اجزاء الكيفية المنقولة تختل باختلالها و ليست من القول حتى يلزم جواز تقديم بعض المعطوفات على بعض الموجب لعدم الترتيب و اما الثاني فحيث كان مستنده الجمع بين الأخبار المختلفة في الكيفية بالزيادة و النقصان و التقديم و التأخير مؤيدا بإطلاق الصحاح المشار إليها آنفا كان عدم الترتيب متجها بناء على ذلك، و قد صرح به من القائلين بالتخيير المحقق في المعتبر.

و بذلك يظهر ما في كلام جملة من الاعلام من الإجمال في هذا المقام، قال في الذكرى: هل يجب الترتيب فيه كما صوره في رواية زرارة؟ الظاهر نعم أخذا بالمتيقن و نفاه في المعتبر للأصل مع اختلاف الرواية.

و قال في المدارك: استقرب المصنف في المعتبر عدم ترتيب الذكر لاختلاف الرواية في تعيينه و هو غير بعيد و ان كان الأحوط اتباع ما ورد به النقل بخصوصه.

و قال في الذخيرة: الأقرب عدم اشتراط الترتيب في التسبيحات وفاقا للمحقق في المعتبر لاختلاف الروايات و هو أقوى دليل على ذلك، و خالف فيه المصنف و الشهيد أقول: لا يخفى ان محل الخلاف في كلامهم غير محرر فان الخلاف في المسألة كما تقدم قد بلغ إلى ستة أقوال، و هذا الخلاف انما يترتب على القول بالتخيير خاصة الذي هو أحد تلك الأقوال، و إلا فإن كل من ذهب إلى صورة خاصة مستندا فيها إلى رواية مخصوصة فان الواجب عنده هو الإتيان بما دل عليه دليله و لا معنى للخلاف فيه بعدم الترتيب، و المحقق هنا انما ذهب إلى عدم الترتيب من حيث قوله بالتخيير خاصة و قد أوضحنا وجهه، و الظاهر حينئذ ان من خالف المحقق هنا إلى القول بالترتيب انما أراد

437

الإتيان بالفرد المخير بإحدى الروايات الدالة على الترتيب كأن يختار مثلا صحيحة زرارة الدالة على التسبيحات الأربع أو الصحيحة الدالة على التسع أو نحو ذلك من الأقوال المتقدمة، و لا ريب انه الأحوط على تقدير هذا القول.

(الثانية) [هل يجب الإخفات في تسبيح الأخيرتين؟]

- المشهور بين الأصحاب وجوب الإخفات في تسبيح الأخيرتين بل ربما ادعى عليه الإجماع، و احتج عليه جملة من الأصحاب: منهم- الشهيد في الذكرى بالتسوية بينه و بين المبدل، ثم قال و نفاه ابن إدريس للأصل و عدم النص قلنا عموم الإخفات في الفريضة كالنص مع اعتضاده بالاحتياط. انتهى.

و قال في المدارك: و ذكر جمع من الأصحاب انه يجب الإخفات في هذا الذكر تسوية بينه و بين المبدل و نفاه ابن إدريس للأصل و فقد النص. و أجاب عنه في الذكرى بان عموم الإخفات في الفريضة كالنص. و هو غير واضح و ان كان الاحتياط يقتضي المصير إلى ما ذكره. انتهى.

أقول: اما ما ادعوه- من وجوب كون التسبيح بدلا عن القراءة و هي إخفاتية فيجب الإخفات في البدل أيضا- فممنوع (أولا) بأن المستفاد من الأخبار كما عرفت هو العكس و هو أصالة التسبيح في الأخيرتين و ان القراءة فرع عليه و رخصة لا العكس كما ذكروه و ان كان ظاهر كلامهم الاتفاق عليه كما تقدمت الإشارة اليه إلا ان اتفاق الأخبار الصحيحة على خلافه. و (ثانيا) انه مع تسليم البدلية فوجوب التساوي بينه و بين المبدل منه في جميع الأحكام ممنوع.

و اما ما ادعاه- من ان عموم الإخفات في الفريضة كالنص- ففيه ان المتبادر الظاهر من الأخبار الدالة على الإخفات انما هو بالنسبة إلى القراءة لا ما يشمل التسبيح بل القراءة في الأوليين أيضا لا الأخيرتين. و انقسام الفريضة إلى جهرية و إخفاتية انما هو بالنظر إلى القراءة في الأوليين كما تقدم تحقيقه في اخبار القراءة.

438

نعم ربما يشير إلى ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (1) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أ يقرأ فيهما بالحمد و هو امام يقتدى به؟ قال ان قرأت فلا بأس و ان سكت فلا بأس».

فإن الظاهر ان مراده بقوله «بصمت فيهما الإمام» أي يخافت ففيه إشارة إلى أن السنة في ما يؤتى به في الأخيرتين هو الإخفات و ان كان مورد الرواية الإمام خاصة. و الرواية و ان كانت قاصرة عن افادة العموم إلا انها لا تخلو من نوع تأييد. و يحتمل في الرواية معنى آخر و لعله الأظهر و هو ان المراد بالصمت في الموضعين هو السكوت، و حاصل المعنى انه سأل عن الركعتين اللتين يسكت فيهما الامام- و المراد بهما الأخيرتان- هل يقرأ فيهما بالحمد؟ فأجاب (عليه السلام) بالتخيير بين الحمد و السكوت، و قد تقدم ان ذلك مذهب ابن إدريس، فيكون الخبر محمولا على التقية لأن ذلك مذهب أبي حنيفة كما تقدم ذكره (2).

و بالجملة فالظاهر ان هذا الذكر كسائر الأذكار التي يتخير فيها بين الجهر و الإخفات كما يشير اليه بعض الروايات و ان كان الإخفات أولى لشهرته بين الأصحاب بل دعوى الإجماع في الباب مع تأيده بظاهر الخبر المتقدم. و اللّٰه العالم.

(الثالثة) لو شرع في القراءة أو التسبيح فهل يجوز له العدول إلى الآخر أم لا؟

قال في الذكرى: الأقرب انه ليس له العدول إلى الآخر لأنه إبطال للعمل و لو كان العدول إلى الأفضل، مع احتمال جوازه كخصال الكفارة و خصوصا إلى الأفضل. انتهى و قال في المدارك أيضا: الظاهر جواز العدول من كل منهما إلى الآخر خصوصا مع كون المعدول إليه أفضل.

أقول: لا ريب في ضعف التعليل الذي ذكره في الذكرى و المسألة محل توقف لعدم النص في المقام و ان كان القول الثاني لا يخلو من قرب.

(الرابعة) [لو شرع في أحدهما بغير قصد إليه]

قال في الذكرى: و لو شرع في أحدهما بغير قصد اليه فالظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 31 من الجماعة.

(2) ص 398.

439

الاستمرار عليه لاقتضاء نية الصلاة فعل أيهما كان. و لو كان قاصدا إلى أحدهما فسبق لسانه إلى الآخر فالأقرب ان التخيير باق فان تخير غيره اتى به و ان تخير ما سبق اليه لسانه فالأجود استئنافه لأنه عمل بغير نية. انتهى.

أقول: لا يخفى انه لا خلاف نصا و فتوى في ان ما يأتي به من أفعال الصلاة ساهيا صحيح و ان كان بغير نية للاكتفاء بالنية الإجمالية في أول الصلاة، فإن نية الصلاة التي هي عبارة عن مجموع هذه الأفعال نية لكل منها، و حينئذ فإن ما سبق اليه لسانه من جملة ذلك و ان كان في نيته و قصده سابقا على وقت الشروع فيه الإتيان بالفرد الآخر فحكمه بوجوب الاستئناف لأنه بغير نية مما لا وجه له، على ان ما يشعر به كلامه من اشتراط النية و القصد إلى أحدهما حسبما ذكروه في القراءة من وجوب القصد إلى سورة مخصوصة ممنوع إذ لم يقم عليه دليل لا في هذا الموضع و لا في ذلك كما تقدم تحقيقه. و لعله بنى هنا على ما صرحوا به في القراءة و قد عرفت انه لا دليل عليه. و كيف كان فالأحوط ما ذكره (قدس سره).

(الخامسة) [وجوب الموالاة فيه]

- قال في الذكرى أيضا: تجب فيه الموالاة الواجبة في القراءة و مراعاة اللفظ المخصوص به باللسان العربي فلا تجزئ ترجمته. نعم لو اضطر اليه و لم يمكنه العربية فالأقرب جوازه لما سبق في التكبير و الأذكار في الأوليين.

أقول: اما وجوب الموالاة فلا اعرف عليه دليلا إلا الحمل على القراءة و قضية البدلية. و فيه ما عرفت آنفا. و باقي ما ذكره وجهه واضح.

(السادسة) [ليس في تسبيح الأخيرتين بسملة]

- قال في الذكرى أيضا: ليس فيه بسملة لأنها جزء من القراءة لا من التسبيح، و الأقرب انها غير مسنونة هنا و لو انى بها لم يكن به بأس. انتهى.

أقول: ربما يشعر قوله «و الأقرب انها غير مسنونة» باحتمال كونها مسنونة و ان كان خلاف الأقرب. و هو غير جيد لأن العبادة مبنية على التوقيف و حيث لم يرد النص بها كان اعتقاد شرعيتها هنا تشريعا محرما. و من ذلك يظهر لك ما في قوله:

440

«و لو اتى بها لم يكن به بأس» فإن الإتيان بها ان كان لاعتقاد شرعيتها ففيه ما ذكرنا و ان كان من حيث انها ذكر فلا ثمرة في التخصيص بهذا المقام.

(السابعة) [لو شك في عدد التسبيح]

- قد صرح جمع من الأصحاب بأنه لو شك في عدد التسبيح بنى على الأقل لأنه المتيقن، و لو ذكر الزيادة فلا بأس.

(الثامنة) [لا يستحب الزيادة على اثنى عشر.]

- قال في الذكرى: المشهور انه لا يستحب الزيادة على اثنى عشر.

و قال ابن أبي عقيل يقول: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» سبعا أو خمسا و أدناه ثلاث في كل ركعة. و لا بأس باتباع هذا الشيخ العظيم الشأن في استحباب تكرار ذكر اللّٰه. انتهى.

و أنت خبير بما فيه، فان الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل. و اما ما يوهمه كلامه من كون المستند في ذلك كونه ذكرا ففيه ما أشرنا إليه مرارا من ان ذلك نوع مجازفة في البحث، فإن قضية الذكر انما تصلح مستندا فيما إذا كان القصد لذلك و اما مع اعتقاد التوظيف بمحل مخصوص أو كيفية مخصوصة من غير ورود اثر بذلك فهو تشريع محض، و بالجملة فالاحتياط في عدم تجاوز الصورة المنصوصة. و اللّٰه العالم.

الفصل التاسع في التشهد

و تحقيق الكلام فيه يقع في موارد

[المورد] (الأول) [وجوب التشهد و الأخبار الواردة فيه]

لا ريب ان التشهد واجب في كل ثنائية مرة بعد الركعة الثانية و في غيرها مرتين، أحدهما بعد الثانية و ثانيهما بعد الثالثة في الثلاثية و بعد الرابعة في الرباعية، و هو إجماعي و قد نقل الإجماع عليه عدة من مشاهير الأصحاب: منهم- المرتضى و الشيخ و ابن زهرة و العلامة و الشهيد و غيرهم. إلا ان الأخبار قد اختلفت في كيفيته و وجوبه و عدمه اي اختلاف و اضطربت اضطرابا لا يرجى معه الائتلاف.

و ها أنا أورد جملة ما وقفت عليه من الأخبار في المقام و اذيلها بما وفق اللّٰه تعالى

441

لفهمه منها على وجه لا يعتريه ان شاء اللّٰه نقض و لا إبرام:

فالأول-

ما رواه في الكافي عن بكر بن حبيب (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التشهد فقال لو كان كما يقولون واجبا على الناس هلكوا انما كان القوم يقولون أيسر ما يعلمون، إذا حمدت اللّٰه أجزأ عنك».

الثاني-

ما رواه في الكافي و التهذيب عن بكر بن حبيب أيضا (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) اي شيء أقول في التشهد و القنوت؟ فقال قل بأحسن ما علمت فإنه لو كان موقتا لهلك الناس».

الثالث-

ما رواه في الكافي عن سورة بن كليب (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ادنى ما يجزئ من التشهد فقال الشهادتان».

الرابع-

ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الملك بن عمرو الأحول عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «التشهد في الركعتين الأولتين: الحمد للّٰه اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله اللهم صل على محمد و آل محمد و تقبل شفاعته في أمته و ارفع درجته».

الخامس-

ما رواه عن زرارة في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما يجزئ من القول في التشهد في الركعتين الأولتين؟ قال ان تقول: اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له. قلت فما يجزئ من تشهد الركعتين الأخيرتين؟

قال الشهادتان».

السادس-

ما رواه عن حبيب الخثعمي عن أبي جعفر (عليه السلام) (6) يقول «إذا جلس الرجل للتشهد فحمد اللّٰه تعالى أجزأه».

____________

(1) الوسائل الباب 5 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 5 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(4) الوسائل الباب 3 من التشهد.

(5) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(6) الوسائل الباب 4 من التشهد.

442

السابع-

ما رواه عن احمد بن محمد بن أبي نصر (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك التشهد الذي في الثانية يجزئ أن أقول في الرابعة؟ قال نعم».

الثامن-

ما رواه عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) التشهد في الصلاة؟ قال مرتين. قال قلت و كيف مرتين؟ قال إذا استويت جالسا فقل: «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله» ثم تنصرف. قال قلت قول العبد «التحيات للّٰه و الصلوات الطيبات للّٰه»؟

قال هذا اللطف من الدعاء يلطف العبد ربه».

التاسع-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في أمر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف أجزأه».

العاشر-

ما رواه عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا و ان كنت قد تشهدت فلا تعد».

الحادي عشر-

ما رواه عن زرارة في الموثق (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير؟ فقال تمت صلاته و انما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ و يجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد».

الثاني عشر-

ما رواه عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (6)

____________

(1) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(4) الوسائل الباب 3 من التسليم.

(5) الوسائل الباب 13 من التشهد، و في الوسائل «عبيد بن زرارة» و في التهذيب ج 1 ص 226 و الوافي باب «الحدث و النوم في الصلاة» كما هنا.

(6) الوسائل الباب 13 من التشهد.

443

«في الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه من السجدة الأخيرة و قبل ان يتشهد؟ قال ينصرف فيتوضأ فإن شاء رجع إلى المسجد و ان شاء ففي بيته و ان شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته».

الثالث عشر-

ما رواه عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهد حتى ينصرف فقال ان كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد و إلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، و قال انما التشهد سنة في الصلاة».

الرابع عشر-

ما رواه في المحاسن عن ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سئل عن رجل صلى الفريضة فلما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة أحدث؟ قال اما صلاته فقد مضت و اما التشهد فسنة في الصلاة فليتوضأ و ليعد إلى مجلسه أو إلى مكان نظيف فيتشهد».

الخامس عشر-

ما ذكره في الفقه الرضوي (3) حيث قال: «و ادنى ما يجزئ من التشهد الشهادتان».

السادس عشر-

ما رواه في الخصال عن أبي بصير و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا قال العبد في التشهد الأخير و هو جالس: «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله وَ أَنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ لٰا رَيْبَ فِيهٰا وَ أَنَّ اللّٰهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته».

السابع عشر-

ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم كيف يصنع؟ قال ان ذكر قبل ان يسلم فليتشهد و عليه سجدتا السهو و ان ذكر انه قال «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه» أو «بسم اللّٰه»

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 13 من التشهد.

(3) ص 9.

(4) الوسائل الباب 13 من التشهد.

(5) الوسائل الباب 7 من التشهد.

444

أجزأه في صلاته، و ان لم يتكلم بقليل و لا كثير حتى سلم أعاد الصلاة».

هذا ما حضرني من الأخبار الجارية في هذا المضمار و أنت خبير بما فيها من التدافع في وجوب التشهد و عدمه و في كيفيته.

[الأمور المستفادة من الأخبار]

و يستفاد من هذه الأخبار أمور

(الأول) [ما يدل من الأخبار على وجوبه]

الذي يدل على وجوبه من هذه الأخبار في الجملة الخبر الثالث و الرابع و الخامس و الثامن و التاسع و العاشر و الخامس عشر و السادس عشر.

و اما ما دل عليه الخبر الخامس- من الاقتصار على الشهادة بالتوحيد في التشهد الأول و الشهادتين في الثاني- فقد أجاب عنه في المعتبر- بعد حكمه بوجوب الشهادتين و إيراد الأخبار المتضمنة لذلك- بأنه دال على القدر المذكور فيه و ليس مانعا من وجوب الزيادة فالعمل بما يتضمن الزيادة أولى. و اقتفاه في ذلك العلامة في المنتهى.

و الأظهر ما أجاب به المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى، قال و لعل الغرض من السؤال استعلام كيفية التشهد و انه هل يختلف فيه حكم الأول و الأخير؟ فاكتفى في جواب السؤال الأول بذكر كيفية الشهادة بالوحدانية اعتمادا على ان كيفية الشهادة الأخرى التي تضم إليها متقررة معروفة، و جعل الجواب عن السؤال الثاني بشهادتين كناية عن الاتفاق في الحكم بالنسبة إلى القدر المجزئ، و سيجيء التصريح بهذا المعنى في خبر آخر. انتهى.

(الثاني) [التشهد الواجب]

- اعلم ان المشهور بين الأصحاب ان التشهد الواجب انما يحصل بان يقول «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه و اشهد ان محمدا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)» ثم يصلي على النبي و آله و ما زاد على ذلك فهو مندوب. و قيل الواجب «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله اللهم صل على محمد و آل محمد».

أقول: الظاهر ان بناء القول الأول على العمل بإطلاق الأخبار المتقدمة من الإتيان بالشهادتين الصادق بما ذكروه فيكون ما زاد على ذلك مستحبا، و بناء الثاني على

445

وجود هذه الصورة في الرواية الرابعة و الثامنة و السادسة عشرة، و قضية حمل مطلق الأخبار على مقيدها و مجملها على مفصلها هو الإتيان بما اشتملت عليه الروايات المذكورة و هو الأقرب مؤيدا بالاحتياط أيضا.

(الثالث) [توجيه ما دل على كفاية كل ما يقال في التشهد]

- ان ما دل عليه الخبر الأول و الثاني- من الاكتفاء بكل ما يقول و انه ليس شيء واجبا و إذا حمدت اللّٰه تعالى أجزأك- فحمله جملة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك على الضرورة أو التقية (1).

أقول: و الحمل على التقية غير بعيد لكن الظاهر انه لا ضرورة تلجئ اليه بل الظاهر ان المراد انما هو الأذكار الزائدة على أصل الشهادتين المنقولة في جملة من الأخبار المذكورة زيادة على الشهادتين و الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و المراد انه ليس شيء من تلك الأذكار واجبا متعينا و إلا لهلك الناس حيث لا يأتون بها و بطلت صلاتهم و انما يأتون منها بأيسر ما يعلمونه و لو بمجرد اضافة «الحمد للّٰه» الى الشهادتين و الصلاة لا ان المراد بذلك الشهادتان و عدم وجوبهما، و اضافة القنوت في الخبر الثاني ظاهر في ما قلناه.

(الرابع) [توجيه صحة الصلاة بالحدث قبل التشهد]

- ان ما دل عليه الخبر الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر من صحة الصلاة بالحدث قبل التشهد يحتمل وجوها:

أحدها- الحمل على التقية و عليه اقتصر في الذكرى فقال بعد إيراده

____________

(1) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 78 «أقل ما يجزئ من التشهد خمس كلمات و هي التحيات للّٰه سلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه سلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين اشهد ان لا إله إلا اللّٰه و اشهد ان محمدا رسول اللّٰه» و أقل ما نصت عليه الروايات المنقولة في عمدة القارئ ج 3 ص 180 ما في حديث سمرة و هو قولوا «التحيات للّٰه الطيبات و الصلوات و الملك للّٰه» ثم سلموا على النبي «ص» و سلموا على أقاربكم و على أنفسكم.

و في المحلى ج 3 ص 270 «قال مالك: الجلوس فرض و ذكر اللّٰه تعالى فيه فرض و

ليس التشهد فرضا».

446

لجملة من الأخبار المخالفة لما عليه الأصحاب و منها بعض الأخبار المشار إليها: و لو حملت على التقية لكان أنسب لأنه مذهب كثير من العامة كالشافعي و أهل العراق و الأوزاعي و مالك إذ يقولون بعدم وجوب التشهد الأول، و قال بعدم وجوب التشهد الثاني أيضا مالك و أبو حنيفة و الثوري و الأوزاعي و رووه عن علي (عليه السلام) و سعيد ابن المسيب و النخعي و الزهري (1) انتهى. و هو جيد.

و ثانيها- ما ذكره الشيخ (قدس سره) من ان هذه الأخبار انما تنفي وجوب ما زاد على الشهادتين و نحن نقول به و كذا قوله: «انما التشهد سنة» أي ما زاد على الواجب و الحديث محمول على انه لم يكمل التشهد لا انه لم يأت به. و الظاهر بعده.

و ثالثها- ما يظهر من الصدوق (قدس سره) من عمله بهذه الأخبار حيث قال:

ان رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة الرابعة و أحدثت فإن كنت قد قلت

____________

(1) في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 118 «ذهب مالك و أبو حنيفة و جماعة إلى ان التشهد ليس بواجب. و ذهب الشافعي و احمد و أبو داود الى وجوبه» و في شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ج 7 ص 328 «مذهب الشافعي ان التشهد الأول سنة و الثاني واجب و جمهور المحدثين انهما واجبان، و قال أحمد الأول واجب يجبر تركه بسجود السهو و الثاني ركن تبطل الصلاة بتركه، و قال أبو حنيفة و مالك و جمهور الفقهاء انهما سنتان» و في المغني ج 1 ص 532 «إذا صلى ركعتين جلس للتشهد و هذا الجلوس و التشهد فيه مشروعان بلا خلاف و في صلاة المغرب و الرباعية واجبان على احدى الروايتين و هو مذهب الليث و إسحاق، و الأخرى ليسا بواجبين و هو قول أبي حنيفة و مالك و الشافعي لأنهما يسقطان بالسهو فأشبها السنن» و في ص 540 منه «التشهد و الجلوس الأخير من أركان الصلاة قال بوجوبه عمر و ابنه و أبو مسعود البدري و الحسن و الشافعي و لم يوجبه مالك و لا أبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة أوجب الجلوس قدر التشهد» و في مجمع الانهر ج 1 ص 115 «ان تعمد الحدث بعد ما قعد قدر التشهد أو عمل ما ينافيها تمت صلاته لوجود الخروج بصنعه و قد وجدت أركانها».

447

الشهادتين فقد مضت صلاتك و ان لم تكن قلت ذلك فقد مضت صلاتك فتوضأ ثم عد الى مجلسك و تشهد. انتهى.

أقول: الظاهر ان مراده- و هو ظاهر الأخبار المذكورة- ان التشهد واجب لكنه ليس من قبيل الأركان المفروضة التي تبطل الصلاة بتركها و انما هو واجب بالسنة و الإخلال به و تخلل الحدث قبله غير مبطل للصلاة فيتوضأ و يأتي به.

و إلى هذا يميل كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار أيضا حيث قال بعد نقل الخبر الرابع عشر و ذكر محمل الشيخ ثم ذكر الحمل على التقية: و الأظهر حمله على ان وجوبه يظهر من السنة لا من القرآن فيكون من الأركان و الحدث الواقع بعد الفراغ من أركان الصلاة لا يوجب بطلانها كما تدل عليه صحيحة زرارة أيضا و اختاره الصدوق و لا ينافي وجوب التشهد، و ما ورد من الأمر بالإعادة في خبر قاصر السند (1) يمكن حمله على الاستحباب و الأحوط العمل بهذا الخبر ثم الإعادة. انتهى. أقول: و على هذا الاحتمال لا تكون المخالفة من حيث التشهد لانه قد أمر به في الأخبار المذكورة و انما تكون المخالفة و الاشكال من حيث الحكم بصحة الصلاة مع تخلل الحدث. و ما ادعاه (قدس سره) من ان الحدث الواقع بعد الفراغ من الأركان لا يوجب البطلان مردود بعموم الأخبار الدالة على بطلان الصلاة بتخلل الحدث فيها (2) و خصوص رواية الحسين ابن الجهم الآتي جميع ذلك ان شاء اللّٰه في مسألة قواطع الصلاة، و هذه الرواية هي التي أشار إليها بالضعف و الحمل على الاستحباب.

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال فإن هذه الأخبار الأربعة مع اعتبار أسانيدها قد اتفقت على هذا الحكم، و الحمل على التقية كما ذكره الشهيد من قول العامة بصحة الصلاة بدون التشهد (3) ينافيه الأمر بالتشهد فيها لاتفاقها على الأمر بالإتيان

____________

(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(3) ارجع إلى التعليقة 1 ص 446.

448

به و ظاهرها الوجوب. نعم لو أريد به التقية من حيث قولهم بصحة الصلاة مع تخلل الحدث في أثنائها أمكن، فإن المحقق الشيخ حسن نقل في المنتقى انه يعزى إلى ابي حنيفة و جماعة من العامة القول بإعادة الوضوء لمن سبقه الحدث و البناء على ما فعله (1) و من ثم اختار حمل اخبار البناء على ذلك و إلا فالتقية بالمعنى الذي ذكره شيخنا المشار اليه بعيد كما ترى.

الخامس [توجيه خلو أخبار التشهد من الصلاة على النبي (ص)]

- ظاهر الأخبار التي اشتملت على التشهد و حملنا عليها مطلق الأخبار عدم وجوب الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لورودها في مقام البيان خالية من ذلك فلو كانت واجبة لذكرت فيها.

و يمكن الجواب بأن غاية ما تدل عليه هذه الأخبار هو بيان كيفية التشهد و الصلاة ليست داخلة في كيفيته بل هي واجب آخر بعد التشهد، و كون المقام مقام بيان مسلم لكنه لبيان صورة التشهد الذي أجمل في الأخبار الباقية لا لبيان ما وجب في الصلاة ليلزم من عدم ذكر الصلاة فيه عدم وجوبها، فغايتها ان تكون مطلقة بالنسبة إلى وجوبها و عدمه و لا تصريح و لا اشارة فيها إلى عدم الوجوب ليحصل بها المنافاة بل غايتها كما عرفت الإطلاق و هو مقيد بما سيأتي ذكره من الدليل على وجوبها في هذا الموضع فلا منافاة، على ان رواية عبد الملك بن عمرو (2) قد اشتملت على ذكر الصلاة و كذا جملة من الروايات الآتية أيضا ان شاء اللّٰه تعالى. و الجواب عن ذلك- بأنها قد اشتملت على جملة من المستحبات فيحتمل ان يكون هذا من جملتها- سيأتي جوابه.

نعم ربما أشكل ذلك بقوله في الخبر الثامن بعد ذكر الشهادتين «ثم تنصرف» فان الانصراف إما كناية عن الإتيان بالتسليم أو عبارة عن انقضاء الصلاة و تمامها.

و قريب منه قوله في الخبر التاسع «إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته».

____________

(1) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 1 ص 367 «من سبقه الحدث توضأ و بنى على صلاته، و البلوى فيما سبق دون ما يتعمده فلا يلحق به».

(2) ص 441.

449

و يمكن الجواب عن الخبر الأول و ان بعد بان المراد ثم تنصرف يعني بعد الإتيان بالصلاة، و يشير اليه عطف الانصراف ب«ثم» الدالة على المهلة و التراخي. و بالجملة فإنه لما قام الدليل على الوجوب في هذا الموضع بالأخبار الصريحة الصحيحة بالتقريب الآتي فالواجب حمل ما ينافي ذلك على ما يرجع به اليه و ان بعد في حد ذاته إلا انه ليس ذلك بعيدا في مقام الجمع كما وقع لهم مثله في غير موضع. و اما الخبر الثاني فيحمل على دخول الصلاة في الشهادتين تجوزا كما أطلق التشهد على مجموع الأذكار الطويلة الآتية في رواية أبي بصير و نحوها.

السادس [ما تضمنه خبر علي بن جعفر من الأحكام]

- ما تضمنه الخبر السابع عشر من الأحكام لا يخلو من الإشكال في المقام قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار بعد نقل الخبر المذكور: لم أر به عاملا من الأصحاب بل المشهور قضاء التشهد و سجدتا السهو كما سيأتي. نعم قال ابن إدريس: إذا كان المنسي التشهد الأخير و أحدث ما ينقض طهارته قبل الإتيان به يجب عليه إعادة الصلاة. و هو أيضا خلاف المشهور. و يمكن حمل الخبر عليه و الأظهر حمله على الاستحباب و روى في التهذيب قريبا منه عن عمار الساباطي (1) و لو قضى التشهد و سجد السهو ثم أعاد الصلاة كان أحوط. انتهى.

أقول: و يخطر بالبال العليل و الفكر الكليل ان المراد من الخبر المذكور انه متى ذكر انه قال «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه» أو ذكر انه قال «بسم اللّٰه» فإنه يبني على وقوع التشهد بمعنى انه يبعد بعد الشروع فيه ببعض هذه العبارات ان يترك باقيه نسيانا و يسهو عنه، اما لو علم انه لم يتكلم بقليل و لا كثير فان السهو عنه ممكن و حكمه حينئذ بإعادة الصلاة محمول على حصول المنافي في البين بمعنى حصول ما يبطل الصلاة عمدا و سهوا فان الواجب هو الإعادة. و هو معنى صحيح لا غبار عليه و هو في باب التأويل غير بعيد كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

450

(المورد الثاني)- أفضل التشهد

ما رواه الشيخ في الموثق عن أبي بصير عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا جلست في الركعة الثانية فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و خير الأسماء للّٰه، اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد انك نعم الرب و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) نعم الرسول، اللهم صل على محمد و آل محمد و تقبل شفاعته في أمته و ارفع درجته. ثم تحمد اللّٰه تعالى مرتين أو ثلاثا ثم تقوم فإذا جلست في الرابعة قلت: بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و خير الأسماء للّٰه، اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد انك نعم الرب و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) نعم الرسول التحيات للّٰه و الصلوات الطاهرات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات الناعمات للّٰه ما طاب و زكا و طهر و خلص و صفا فللّٰه، و اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة أشهد ان ربي نعم الرب و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) نعم الرسول، و اشهد ان الساعة آتية لا ريب فيها و ان اللّٰه يبعث من في القبور، الحمد للّٰه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّٰه الحمد للّٰه رب العالمين، اللهم صل على محمد و آل محمد و بارك على محمد و آل محمد و سلم على محمد و آل محمد و ترحم على محمد و آل محمد كما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد و آل محمد و اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالايمان و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم، اللهم صل على محمد و آل محمد و امنن علي بالجنة و عافني من النار، اللهم صل على محمد و آل محمد و اغفر للمؤمنين و المؤمنات و لمن دخل بيتي مؤمنا و للمؤمنين و المؤمنات و لا تزد الظالمين إلا تبارا. ثم قل السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته السلام

____________

(1) الوسائل الباب 3 من التشهد.

451

على أنبياء اللّٰه و رسله السلام على جبرئيل و ميكائيل و الملائكة المقربين السلام على محمد ابن عبد اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) خاتم النبيين لا نبي بعده و السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين. ثم تسلم».

و قال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (1) فإذا تشهدت في الثانية فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة. و لا تزد على ذلك ثم انهض إلى الثالثة و قل إذا نهضت: بحول اللّٰه أقوم و اقعد، الى ان قال فإذا صليت الركعة الرابعة فقل في تشهدها: بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه، اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، التحيات للّٰه و الصلوات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات التامات الناعمات المباركات الصالحات للّٰه ما طاب و زكا و طهر و نما و خلص و ما خبث فلغير اللّٰه، أشهد انك نعم الرب و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) نعم الرسول و ان علي بن أبي طالب (عليه السلام) نعم المولى و ان الجنة حق و النار حق و الموت حق و البعث حق و ان الساعة آتية لا ريب فيها و ان اللّٰه يبعث من في القبور، الحمد للّٰه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّٰه، اللهم صل على محمد و آل محمد و بارك على محمد و آل محمد و ارحم محمدا و آل محمد أفضل ما صليت و باركت و ترحمت و سلمت على إبراهيم و آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد المصطفى و علي المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين و على الأئمة الراشدين من آل طه و يس، اللهم صل على نورك الأنور و على حبلك الأطول و على عروتك الوثقى و على وجهك الأكرم و على جنبك الأوجب و على بابك الأدنى و على مسلك الصراط، اللهم صل على الهادين المهديين الراشدين الفاضلين الطيبين الطاهرين الأخيار الأبرار، اللهم صل على جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل

____________

(1) ص 8.

452

و عزرائيل و على ملائكتك المقربين و أنبيائك المرسلين و رسلك أجمعين من أهل السماوات و الأرضين و أهل طاعتك المتقين و اخصص محمدا بأفضل الصلاة و التسليم، السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته السلام عليك و على أهل بيتك الطاهرين السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين. ثم سلم عن يمينك و ان شئت يمينا و شمالا و ان شئت تجاه القبلة.

بيان [افتتاح التشهد و التحيات في التشهد الأول]

المشهور في كلام الأصحاب- كما ذكره الشيخ و غيره- في افتتاح التشهد «بسم اللّٰه و باللّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه» و رواية أبي بصير خالية من لفظ «الأسماء الحسنى كلها للّٰه» إلا انها في الفقه الرضوي، و الصدوق في الفقيه قد عبر بهذه العبارة و الظاهر انه أخذ ذلك من الكتاب المذكور و الجماعة تبعوا الصدوق في ذلك.

و قال الشهيد الثاني في شرح النفلية: اختصاص التحيات بالتشهد الثاني موضع وفاق بين الأصحاب فلا تحيات في الأول إجماعا فلو اتى بها فيه لغير تقية (1) معتقدا لشرعيتها مستحبا اثم و احتمل البطلان، و لو لم يعتقد استحبابها اثم من حيث الاعتقاد. و توقف المصنف في الذكرى في بطلان الصلاة حينئذ، و عدم البطلان متجه لانه ثناء على اللّٰه تعالى. انتهى.

و قال في الذكرى: لا تحيات في التشهد الأول بإجماع الأصحاب غير ان أبا الصلاح قال فيه «بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه، للّٰه ما طاب و زكا و نما و خلص و ما خبث فلغير اللّٰه» و تبعه ابن زهرة.

و قال الشهيد في النفلية: و روى مرسلا عن الصادق (عليه السلام) جواز التسليم

____________

(1) في البحر الرائق ج 1 ص 323 «إذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى. إلى ان قال و قرأ تشهد ابن مسعود و هو: التحيات للّٰه و الصلوات و الطيبات. إلخ. ثم قال: و القعود الأول كالثاني و تشهد و صلى على النبي ص».

453

على الأنبياء و نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) في التشهد الأول و لم يثبت. قال الشارح من حيث إرسال خبره و عدم القائل به من الأصحاب. انتهى.

و التحية لغة ما يحيى به من سلام و ثناء و نحوهما، و قد تفسر التحيات بالعظمة و الملك و البقاء، قال في النهاية الأثيرية: التحيات جمع تحية، قيل أراد بها السلام يقال «حياك اللّٰه» اي سلم عليك، و قيل التحية الملك و قيل البقاء. و انما جمع التحية لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة فيقال لبعضهم «أبيت اللعن» و لبعضهم «أنعم صباحا» و لبعضهم «عش ألف سنة» فقيل للمسلمين قولوا «التحيات للّٰه» اي الألفاظ التي تدل على السلام و الملك و البقاء هي للّٰه عز و جل. و التحية تفعلة من الحياة و انما أدغمت لاجتماع الأمثال و الهاء لازمة لها و التاء زائدة. انتهى. و قيل «التحيات للّٰه» هي أسماء اللّٰه تعالى:

السَّلٰامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ. الْحَيُّ الْقَيُّومُ* يريد التحية بهذه الأسماء. و قوله «الصلوات للّٰه» اي الرحمة للّٰه على العباد كقوله تعالى «أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» (1) و قيل الصلوات الأدعية للّٰه. «و الغاديات» الكائنات وقت الغدو. و «الرائحات» الكائنة في وقت الرواح و هو من زوال الشمس إلى الليل و ما قبله الغدو. و «السابغات» الكاملات الوافيات. و المراد من الناعمات ما يقرب من معنى الطيبات. و «خلص» بفتح اللام كما ذكره ابن إدريس في السرائر.

فروع

(الأول) [لو غير الترتيب أو لم يأت بحرف العطف في الشهادتين]

- قال في كتاب البحار: لو قال «اشهد ان لا إله إلا اللّٰه و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) رسول اللّٰه، أو قال اشهد ان لا إله إلا اللّٰه و ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) عبده و رسوله، أو قال اشهد ان لا إله إلا اللّٰه اشهد ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) عبده و رسوله» من غير واو أو غير الترتيب فلا يبعد الاجزاء و الأحوط العدم. انتهى.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 152.

454

أقول: الظاهر التفصيل في ذلك فان قلنا ان الواجب هو الشهادتان عملا بإطلاق جملة من الأخبار المتقدمة فلا ريب في اجزاء ما ذكره من الصور و ان قلنا بتلك الصورة المخصوصة المذكورة في الأخبار التي قدمنا ذكرها و حملنا عليها إطلاق الأخبار الباقية فلا ريب في عدم الاجزاء، قال في الذكرى: ظاهر الأصحاب و خلاصة الأخبار الاجتزاء بالشهادتين مطلقا فعلى هذا لا يضر ترك «وحده لا شريك له» و لا لفظ «عبده» و في رواية أبي بصير «و ان محمدا» بغير لفظ «اشهد» نعم لو بدل الألفاظ المخصوصة بمرادفها من العربية أو غيرها من اللغات لم يجزئ نعم تجزئ الترجمة لو ضاق الوقت عن التعلم

(الثاني) [حكم التورك و الإقعاء و النظر إلى الحجر و طرف الأنف]

- قد تقدم الكلام في استحباب التورك و كراهة الإقعاء في فصل السجود، و قد ذكر الأصحاب انه يستحب حال التشهد النظر إلى حجره و ظاهر كلام جملة من المتأخرين و متأخريهم عدم الوقوف فيه على نص، قال في الذكرى: و يكون نظره حال التشهد إلى حجره قاله الأصحاب. و قال في المدارك بعد ذكر المصنف الحكم المذكور: ذكره الأصحاب و لا بأس به لما فيه من الخشوع و الإقبال على عبادة اللّٰه تعالى. انتهى.

أقول: مستند هذا الحكم مما اختص به كتاب الفقه الرضوي كما تقدم في السجود و استحباب النظر إلى طرف أنفه فإنه لم يوجد إلا فيه أيضا،

قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): «و ليكن بصرك في وقت السجود الى طرف انفك و بين السجدتين في حجرك و كذا في وقت التشهد».

انتهى. و الظاهر ان الأصحاب تبعوا في ذلك الصدوقين و الصدوقان انما أخذاه من الكتاب المذكور على النهج الذي تقدم ذكره في غير موضع.

(الثالث) [حكم الجاهل بالتشهد]

- قال في الذخيرة: و الجاهل بالتشهد يتعلم مع السعة و مع الضيق يأتي منه بقدر ما يعلم، و ان لم يعلم شيئا لا يبعد وجوب الجلوس بقدر حمد اللّٰه تعالى كما

____________

(1) ص 8.

455

اختاره الشهيد وقوفا على ظاهر خبر الخثعمي السابق (1) و لو لم يعلم شيئا أصلا لا يبعد وجوب الجلوس أيضا. انتهى.

أقول: قال في الذكرى على اثر العبارة المتقدمة في الفرع الأول: و الأقرب وجوب التحميد عند تعذر الترجمة للروايتين السالفتين. انتهى. و أشار بالروايتين السالفتين إلى ما تقدم في الخبر الأول (2) من

قوله «إذا حمدت اللّٰه أجزأ عنك».

و قوله في الخبر السادس و هو

خبر الخثعمي (3) «إذا جلس الرجل للتشهد فحمد اللّٰه أجزأه».

و أنت خبير بان هذين الخبرين غير معمول عليهما عند الأصحاب و شيخنا الشهيد في الكتاب المذكور حيث فهم منهما الاجتزاء بذلك عن التشهد الواجب حملهما على التقية و اما على ما حققناه آنفا فهما محمولان على الأذكار المستحبة و انه يجزئ منها ما كان بهذا المقدار، و أياما كان فلا يتم الاستناد إليهما في هذا الحكم كما لا يخفى.

و اما ما ذكره في الذخيرة- من انه لو لم يعلم شيئا أصلا فلا يبعد وجوب الجلوس- فكأنه بناء على ان الواجب الجلوس و التشهد معا و سقوط أحدهما لتعذره لا يسقط وجوب الآخر كما صرحوا به في أمثال هذه المواضع. و فيه انه و ان تراءى منه بحسب الظاهر صحة ما ذكروه إلا ان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات العقلية لا يخلو من مجازفة كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع.

(الرابع) [عبارة الصلاة على محمد و آله (ص)]

- قال في الذكرى: و عبارة الصلاة في الأشهر «اللهم صل على محمد و آل محمد» و سبق في رواية سماعة «(صلى اللّٰه عليه و آله)» (4) فيمكن اختصاصه بحال الضرورة كما تضمنته الرواية و يمكن اجزاؤه لحصول مسمى الصلاة. انتهى.

أقول: قد تقدم في المورد الأول في الرواية الرابعة الصلاة بصيغة «اللهم صل على محمد و آل محمد» و مثله في المورد الثاني في موثقة أبي بصير في التشهد الأول و الثاني و في عبارة كتاب الفقه الرضوي في التشهد الثاني و ان كانت هاتان الروايتان الأخيرتان

____________

(1) ص 441.

(2) ص 441.

(3) ص 441.

(4) ارجع إلى الاستدراكات.

456

مشتملتين على جملة من المستحبات زيادة على اللفظ المذكور.

و قد روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن عمر بن أذينة في حديث طويل يتضمن المعراج و بدو الصلاة و حكاية صلاته (ص) بالملائكة و النبيين (1) قال فيه في حكاية التشهد: «ثم اوحى اللّٰه اليه يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) صل على نفسك و على أهل بيتك فقال صلى اللّٰه علي و على أهل بيتي و قد فعل. ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة و المرسلين و النبيين فقيل يا محمد سلم عليهم فقال السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته. الخبر».

و بالجملة فان الواجب هي الصلاة عليه و آله و هي كما تحصل بالجملة الإنشائية تحصل بالجملة الخبرية المراد بها الإنشاء كما سيأتي تحقيقه قريبا ان شاء اللّٰه إلا ان الأحوط هو الإتيان بلفظ «اللهم صل على محمد و آل محمد» لوروده في أكثر الأخبار.

(المورد الثالث) [وجوب الصلاة على النبي و آله (ص) في التشهد]

- الأظهر الأشهر اضافة الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى التشهد و اقتصر في المقنع على الشهادتين و لم يذكر الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال: و ادنى ما يجزئ من التشهد ان يقول الشهادتين أو يقول «بسم اللّٰه و باللّٰه.» ثم يسلم، نقل ذلك في الذكرى، و نقل عن والده في الرسالة انه لم يذكر الصلاة على النبي و آله في التشهد الأول، ثم قال و القولان شاذان لا يعدان و يعارضهما إجماع الإمامية على الوجوب.

أقول: و ظاهر الصدوق في الفقيه أيضا عدم وجوب الصلاة في التشهد حيث قال:

إذا رفعت رأسك من السجدة الثانية فتشهد و قل: «بسم اللّٰه و باللّٰه و الحمد للّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) عبده و رسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة» ثم انهض إلى الثالثة.

و قال ابن الجنيد: تجزئ الشهادتان إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمد و آل محمد في أحد التشهدين.

____________

(1) الفروع ج 1 «النوادر» آخر كتاب الصلاة و في الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

457

قال في المدارك: و استدل عليه من طريق الأصحاب

بما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير و زرارة (1) قالا «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من تمام الصوم إعطاء الزكاة كما ان الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تمام الصلاة لأنه من صام و لم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا و لا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و قد يقال ان أقصى ما تدل عليه الرواية وجوب الصلاة على النبي و آله في الصلاة اما كونها في كل من التشهدين فلا، على ان هذا التشبيه ربما اقتضى توجه النفي إلى الفضيلة و الكمال لا إلى الصحة للإجماع على عدم توقف صحة الصوم على إخراج الزكاة. انتهى.

أقول:

روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا صلى أحدكم و لم يصل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) سلك بصلاته غير سبيل الجنة».

و روى مثله في كتاب المجالس (3)

و رواه في الكافي أيضا (4) و فيه «إذا صلى أحدكم و لم يذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يسلك بصلاته غير سبيل الجنة».

و حينئذ فلقائل أن يقول لا ريب ان هذه الأخبار قد دلت على وجوب الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصلاة و ان من تركها عمدا فلا صلاة له، و ليست دلالتها على الوجوب باعتبار الأمر فيها بالصلاة حتى يمكن ان يقال في الجواب ان الأمر بذلك يتأدى بالإتيان بها في أي جزء من الصلاة فلا يدل على وجوبها في التشهد بخصوصه بل دلالتها انما هو بالاشعار و الأخبار و ان الشارع قد جعلها من اجزاء الصلاة الواجبة و ان الصلاة تبطل بتركها عمدا كما تبطل بترك سائر الأجزاء الواجبة كذلك. و هذه الأخبار و ان كانت مجملة بالنسبة إلى تعيين محلها من الصلاة و بيان موقعها إلا أنا لما رجعنا إلى أفعال الصلاة المفهومة من الأخبار و المعدودة فيها لم نجد لها موضعا نص الشارع على ذكرها

____________

(1) الوسائل الباب 10 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 10 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 10 من التشهد.

(4) الوسائل الباب 10 من التشهد.

458

فيه إلا في التشهد كما ورد في رواية عبد الملك بن عمرو (1) و غيرها من الروايات المذكورة في المقام.

و غاية ما طعن به الخصم على تلك الروايات انها قد اشتملت على جملة من المستحبات فيحتمل ان تكون الصلاة من تلك الجملة فلا تكون صريحة في الوجوب.

و نحن نقول انه بمعونة هذه الروايات الدالة على جزئيتها من الصلاة يجب الحكم بوجوبها و جزئيتها في هذا الموضع لأن الشارع كما عرفت قد أخبرنا بجزئيتها و حينئذ فلا يجوز ان تخلو الصلاة منها و نحن لم نجد ذكره لها إلا في هذا الموضع فيتعين الحمل عليه البتة و لا يبقى لاحتمال الاستحباب هنا مجال. و نحن لم نستدل على وجوبها بمجرد هذه الروايات التي وردت مشتملة على التشهد بجميع المستحبات فيه حتى يتطرق اليه ما ذكروه من الاحتمال. و هذا بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لا ستر عليه و لا يأتيه النقض من خلفه و لا من بين يديه.

ثم أقول: و من الأدلة الظاهرة في الوجوب

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم في حديث طويل في المعراج (2) قال فيه في الجلوس في الركعة الثانية:

«يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا ما أنعمت عليك فسم باسمي فالهم ان قال: «بسم اللّٰه و باللّٰه و لا إله إلا اللّٰه و الأسماء الحسنى كلها للّٰه» ثم اوحى اللّٰه اليه يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) صل على نفسك و على أهل بيتك فقال صلى اللّٰه علي و على أهل بيتي و قد فعل. ثم التفت فإذا بصفوف من الملائكة و المرسلين و النبيين فقيل يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) سلم عليهم فقال السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته. الحديث».

و اما المعارضة بأخبار التشهد المشعرة بتمام الصلاة بعده فغير مضر بما ذهبنا اليه و بيناه في المقام، و ذلك فان غرضنا انما هو إثبات الدليل على وجوب الصلاة في التشهد

____________

(1) ص 441.

(2) الفروع ج 1 «النوادر» آخر كتاب الصلاة.

و في الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

459

ردا على من أنكر وجود الدليل على ذلك و اما قيام دليل آخر يعارضه فيصير من قبيل تعارض الدليلين في حكم من الأحكام و هو خارج عن محل البحث.

و اما قوله في المدارك-: «على ان هذا التشبيه ربما اقتضى توجه النفي إلى الفضيلة و الكمال. إلخ»- ففيه (أولا) ان التشبيه لا يجب ان يكون من كل وجه. و (ثانيا) ان كونها في المشبه كذلك لا يوجب كونها في المشبه به على نحوه، نعم لو كان الواقع في الرواية هو العكس اعني تشبيه الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصلاة بالزكاة مع الصوم يتجه ما ذكره فإنك إذا قلت «زيد كالأسد» يعني في الشجاعة فان المبالغة و التجوز انما هو في جانب المشبه و اما في جانب المشبه به فهو على الحقيقة.

على ان الفاضل المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قدس سره) في الوسائل

نقل عن الصدوق في الفقيه (1) صحيحة زرارة و أبي بصير بما هذه صورته قال:

«ان الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تمام الصلاة و لا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و ذكر انه اقتطعه من حديث طويل، و ظني إني وقفت عليه في الكتاب المذكور حين قرأ بعض الاخوان علي الكتاب المذكور و لكن لا يحضرني موضعه الآن و هو اما ان يكون رواية لتلك الصحيحة بنحو آخر أو يكون حديثا آخر، و أياما كان فهو ظاهر في المراد عار عن وصمة الإيراد و يعضده الخبران المتقدمان. و بذلك يظهر لك قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور. و لا تكاد تقع على أمثال هذه التحقيقات في غير كتبنا و زبرنا و له سبحانه المنة و الحمد على مزيد إفضاله

____________

(1) الوسائل الباب 10 من التشهد رقم (1) و قد نقل صحيحة زرارة و أبي بصير بالمتن المتقدم عن الشيخ ص 457 في نفس الباب برقم (2) و لم ينقلها عن الفقيه مع ان الصدوق رواها فيه في ج 2 ص 119 من الطبع الحديث و قد نقلها عنه في الوسائل في الباب (1) من زكاة الفطرة.

460

تذييل جليل و تكميل نبيل هل تجب الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حيثما ذكر أم تستحب؟

المشهور الثاني بل نقل العلامة في المنتهى و المحقق في المعتبر الإجماع عليه، قالا في الكتابين المذكورين:

لا يقال ذهب الكرخي إلى وجوبها في غير الصلاة في العمر مرة واحدة و قال الطحاوي كلما ذكر (1) قلنا الإجماع سبق الكرخي و الطحاوي فلا عبرة بتخريجهما. قال في الذخيرة و لم اطلع على مصرح بالوجوب من الأصحاب إلا ان صاحب كنز العرفان ذهب إلى ذلك و نقله عن ابن بابويه و اليه ذهب الشيخ البهائي في مفتاح الفلاح. و للعلامة هنا أقوال مختلفة، قال في الكشاف (2): الصلاة على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) واجبة و قد اختلفوا فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره،

و في الحديث «من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده اللّٰه».

و روى «انه قيل يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أ رأيت قول اللّٰه تعالى إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (3) فقال هذا من العلم المكنون و لو لا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، ان اللّٰه و كل بي ملكين فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذلك الملكان غفر اللّٰه لك و قال اللّٰه و ملائكته جوابا لذينك الملكين «آمين» و لا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلى علي إلا قال ذلك الملكان لا غفر اللّٰه لك و قال اللّٰه و ملائكته لذينك الملكين «آمين».

و منهم من قال تجب في كل مجلس مرة و ان تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة و تسميت العاطس و كذلك في كل دعاء في اوله و آخره، و منهم من أوجبها في العمر مرة و كذا قال في إظهار الشهادتين و الذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عليه عند كل ذكر لما ورد من الأخبار. انتهى.

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد الكلام في المسألة و ذكر كلام صاحب

____________

(1) فتح الباري ج 11 ص 118.

(2) ج 3 ص 245.

(3) سورة الأحزاب الآية 56.

461

الكشاف: و الأقرب عدم الوجوب للأصل المضاف إلى الإجماع المنقول سابقا و عدم تعليمها للمؤذنين و عدم ورودها في اخبار الأذان و عدم وجودها في كثير من الأدعية المضبوطة المنقولة عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) مع ذكره (صلى اللّٰه عليه و آله) فيها، و كذلك في الأخبار الكثيرة. و ما ربما يتوهم دليلا على وجوبها- كما ذكر- أمور:

(الأول) الآية (1) و قد عرفت الجواب عنه (الثاني) الروايات المنقولة عن الكشاف (الثالث) انها دالة على التنويه بشأنه و الشكر لإحسانه المأمور بهما (الرابع) انه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضا و هو منهي عنه في آية النور (2) و بهذه الوجوه الثلاثة احتج صاحب الكنز و هو ضعيف جدا (الخامس) صحيحة زرارة السابقة (3) و جوابه ضعف دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب فلا يصلح التعويل على مجرد ذلك إذا لم تنضم إليه قرينة أخرى خصوصا إذا عارض الإجماع المنقول، و قد ورد من طريقنا بعض الروايات الدالة على الوجوب مثل

ما رواه الكليني عن محمد بن هارون عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا صلى أحدكم و لم يذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في صلاته يسلك بصلاته غير سبيل الجنة.

و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده اللّٰه.

و قال (صلى اللّٰه عليه و آله) من ذكرت عنده فنسي الصلاة علي خطئ به طريق الجنة».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من ذكرت عنده فنسي ان يصلي علي خطأ اللّٰه به طريق الجنة».

لكن الروايتين ضعيفتا السند جدا فلا تصلح للتعويل.

و قال بعض المتأخرين: و يمكن اختيار الوجوب في كل مجلس مرة ان صلى آخر و ان

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 56.

(2) سورة النور الآية 63 «لٰا تَجْعَلُوا دُعٰاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعٰاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً».

(3) تأتى ص 462.

(4) الوسائل الباب 10 من التشهد.

(5) الوسائل الباب 42 من الذكر.

462

صلى ثم ذكر يجب أيضا كما في تعدد الكفارة بتعدد الموجب إذا تخللت و إلا فلا. و هو ضعيف و الظاهر انه لم يقل به سواه. انتهى كلام الفاضل المذكور.

و أنت خبير بما فيه من القصور بخروجه عن الأخبار الواضحة الظهور و جموده على متابعة المشهور بدعوى تزييفه بالإجماع مع رده له في غير موضع من كتابه و جعله غير حاسم لمادة النزاع.

و اما رده صحيحة زرارة- و هي

ما رواه المشايخ الثلاثة عنه في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك».

بعدم دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب- فقد أوضحنا في ما تقدم ما فيه من الفساد فإنه موجب للخروج عن الشريعة المحمدية من حيث لا يشعر قائله بالكلية.

و من الأخبار الصحيحة الصريحة في الدلالة على الوجوب

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا يجزئك من الأذان إلا ما أسمعت نفسك أو فهمته و أفصح بالألف و الهاء، و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره».

و ما رواه في الكافي في الصحيح (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا أذنت فأفصح بالألف و الهاء، و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر في أذان أو غيره».

و في هذين الخبرين ما يدل على ضعف قوله: «و عدم تعليمها للمؤذنين

____________

(1) لم نعثر على رواية للشيخ «(قدس سره)» بهذا اللفظ و انما الموجود في كتب الحديث بهذا المضمون الروايتان الآتيتان عن الفقيه و الكافي.

(2) الوسائل الباب 35 و 42 من الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل الباب 15 و 42 من الأذان و الإقامة.

463

و عدم ورودها في اخبار الأذان» فإنهما- كما ترى- واردان في اخبار الأذان عند تعليم المؤذنين و غيرهم ممن ذكره (صلى اللّٰه عليه و آله) و لكن باب الجواب عنهما بان الأمر عنده لا يدل على الوجوب مفتوح، و ليت شعري إذا كانت أوامرهم لا تدل على الوجوب و هذه التهديدات التي تضمنتها الأخبار من عدم قبول الأعمال بدونها و التوعد بدخول النار و أمثال ذلك لا تدل على الوجوب فأي دليل يراد ليندفع الإيراد؟

ما هذا إلا عجب عجيب من مثل هذا الفاضل الأريب.

و بالجملة فإن القول بالوجوب في المقام مما لا يعتريه غشاوة الإبهام لصحة جملة من هذه الأخبار بناء على الاصطلاح الناقص العيار و دلالة الجملة الأخرى مما ذكره و قد عرفت استفاضة الأخبار من الخاصة و العامة على ذلك فالإنكار بعد ذلك مكابرة صرفة و ممن ذهب إلى الوجوب- زيادة على ما ذكره- المحدث الكاشاني في الوافي و المحقق المدقق المازندراني في شرحه على أصول الكافي و قد حقق ذلك في شرح باب الدعاء من الكافي، و شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني.

أقول: و من الأخبار الدالة على ما قلناه زيادة على ما تقدم

ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا ذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فأكثروا الصلاة عليه فإنه من صلى على النبي صلاة واحدة صلى اللّٰه عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة و لم يبق شيء مما خلق اللّٰه إلا صلى على ذلك العبد لصلاة اللّٰه عليه و صلاة ملائكته، فمن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرور قد بريء اللّٰه منه و رسوله و أهل بيته».

و الأمر بالإكثار محمول على الاستحباب و قرينته من سياق الخبر ظاهرة.

و المراد بالنسيان في الخبرين المتقدمين الترك كقوله تعالى «وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» (2) اي ترك لا النسيان بالمعنى المعهود فإنه لا مؤاخذة

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الذكر.

(2) سورة طه، الآية 114.

464

عليه الحديث رفع القلم (1).

فروع

(الأول) [هل يكفي ذكر لقب رسول الله ص و كنيته]

- هل يختص الوجوب على القول به كما هو المختار و كذا الاستحباب كما هو المشهور بين الأصحاب باسمه العلمي أو يتعدى إلى لقبه و كنيته و كذا ضميره الراجع اليه؟ لم أقف لأحد من أصحابنا على كلام في ذلك غير شيخنا البهائي و المحدث الكاشاني، أما الشيخ المذكور فإنه قال في مفتاح الفلاح بعد نقل صحيحة زرارة المتقدم ذكرها: و لا يخفى ان قول الباقر (عليه السلام) في الحديث الأول «كلما ذكرته أو ذكره ذاكر» يقتضي وجوب الصلاة سواء ذكره باسمه أو لقبه أو كنيته، و يمكن ان يكون ذكره بالضمير الراجع اليه (صلى اللّٰه عليه و آله) كذلك. و لم أظفر في كلام علمائنا (قدس اللّٰه أرواحهم) في ذلك بشيء و الاحتياط يقتضي ما قلناه من العموم. و اما المحدث المشار إليه فإنه قال في خلاصة الأذكار: و لا فرق بين الاسم و اللقب و الكنية بل الضمير على الأظهر. انتهى و ظاهره الجزم بذلك و ظاهر الأول الاحتياط.

أقول: و الذي يقرب في الخاطر العليل و الفكر الكليل هو التفصيل بأنه ان ذكره باسمه العلمي فلا ريب في الوجوب، و ان ذكره بغيره من الألقاب و الكنى فان كان من الألفاظ التي اشتهرت تسميته بها و اشتهر بها و جرت في الإطلاقات مثل «الرسول و النبي و رسول اللّٰه و أبي القاسم» و نحو ذلك فهي ملحقة بالاسم العلمي، و ان كان غير ذلك من الألفاظ التي يراد منها و ليس كذلك مثل «خير الخلق و خير البرية و المختار» فالظاهر العدم، و الظاهر ان الضمير من قبيل الثاني، و الاحتياط لا يخفى.

(الثاني) [تبعية الآل له (ص) في الوجوب و الاستحباب]

- تبعية آله و عترته له (صلى اللّٰه عليه و آله) في الوجوب و الاستحباب لان المستفاد من الأخبار دخولها في كيفية الصلاة عليه و ان المراد بالصلاة عليه كلما ذكر هو ان يصلى عليه و على آله و أهل بيته لا تخصيصه بالصلاة وحده.

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الخلل في الصلاة.

465

روى في الكافي عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سمع أبي رجلا متعلقا بالبيت و هو يقول «اللهم صل على محمد» فقال له أبي لا تبترها لا تظلمنا حقنا قل اللهم صل على محمد و أهل بيته».

و سيأتي ما يدل على ذلك أيضا.

بل قد ورد في اخبار المخالفين مثل ذلك في جملة منها و قد ذكرناها في كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد:

منها-

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا تصلوا علي الصلاة البتراء فقالوا و ما الصلاة البتراء؟ قال تقولون «اللهم صلى على محمد» و تمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد» رواه ابن حجر المتأخر في صواعقه (2).

أحرقه اللّٰه بها، و هو من انصب النصاب المعاندين.

و من أفحش تعصباتهم انهم مع رواية هذه الأخبار أجمعوا على عدم جواز الصلاة

____________

(1) الوسائل الباب 42 من الذكر.

(2) ص 87 و في كتاب زين العابدين ص 371 للعلامة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم عن كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 194 قال «ص» «لا تصلوا على الصلاة البتراء تقولون «اللهم صل على محمد» و تمسكون بل قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد. فقيل له و من أهلك؟ يا رسول اللّٰه «ص» قال على و فاطمة و الحسن و الحسين ع» و في ص 372 منه نقلا من شرح الشفاء للخفاجى ج 1 ص 453 و الصواعق المحرقة ص 88 و الاتحاف بحب الاشراف للشيرازي ص 29 و اسعاف الراغبين للصبان على هامش نور الأبصار ص 121 و شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ج 7 ص 7 ينسب إلى الشافعي في لزوم الصلاة على الآل في الصلاة:

يا أهل بيت رسول اللّٰه «ص» حبكم * * * فرض من اللّٰه في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر انكم * * * من لم يصل عليكم لا صلاة له

قال الخفاجي في شرح الشفاء: يحتمل ان يريد لا صلاة له صحيحة فيوافق قوله بوجوب الصلاة على الآل و يحتمل لا صلاة له كاملة فيوافق أحد قوليه.

466

على غيره (صلى اللّٰه عليه و آله) و غير الأنبياء بل صرح جملة منهم بالمنع من ضم آله في الصلاة إليه (1) كل ذلك عداوة و بغضا لهم (عليهم السلام) بل صرح بعضهم بالاعتراف بذلك و انهم انما تركوها مراغمة للشيعة حيث انهم يضمون أهل بيته اليه (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصلاة عليه (2) كما شرحناه منقحا في الكتاب المشار اليه.

(الثالث)- تأدى ذلك بذكر الصلاة عليه و عليهم كيف اتفق

من قولك

____________

(1) في المغني ج 1 ص 543 بعد ذكر خبر كعب بن عجرة الآتي قال: «و لأصحابنا في وجوب الصلاة على آله وجهان قال بعض أصحابنا تجب الصلاة على الوجه في خبر كعب لأنه أمر به»

و في شرح الشفاء للخفاجى ج 3 ص 453 طبع سنة 1326 عن أبي جعفر الباقر «ع» عن ابن مسعود عن النبي «ص» «من صلى صلاة لم يصل فيها على و لا على أهل بيتي لم تقبل منه» و صحح الدارقطني عن أبي جعفر محمد بن على الباقر «ع» قال: «لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي «ص» و لا على أهل بيته لرأيت انها لا تتم».

ثم قال الخفاجي:

يفيد هذا ان الصلاة على الآل في التشهد الأخير واجبة كالصلاة عليه «ص» و فيها قولان للشافعي و الصحيح في المذهب انها غير واجبة و اما في التشهد الأول فمن قال انها واجبة في الأخير قال باستحبابها. و في تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 10 «ينبغي ان يقول بعد الشهادة للنبي «ص» بالرسالة و الصلاة عليه: «و على آله» لأنها مستحبة بالنص و قال بعضهم انها واجبة في التشهد الأخير و الأصح أنها مسنونة و أقل الصلاة عليهم «اللهم صل على محمد و آله».

(2) في كتاب مقتل الحسين للعلامة الحجة السيد عبد الرزاق المقرم ص 443 من الطبع الثاني ان الزمخشري في الكشاف في سورة الأحزاب الآية 56 عند قوله تعالى: «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ.» قال إذا أفرد غير النبي «ص» من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو بالصلاة عليه فمكروه لأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض

و قد قال «ص» «لا تقفن مواقف التهم».

و في فتح الباري ج 11 ص 135 «لا يفرد غير الأنبياء بالسلام عليه لكونه صار شعارا للرافضة» و في شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ج 5 ص 13 «لما صار إرخاء العذبة من الجانب الأيمن شعارا للإمامية فينبغي تجنبه» و في روح البيان ج 4 ص 142 «قال الشيخ إسماعيل البروسوي: الأصل التختم في اليمين و لما صار شعار الظلمة جعل في اليد اليسرى».

467

«اللهم صل على محمد و آل محمد» و أردف آله بضميره، أو قولك «(صلى اللّٰه عليه و آله) أو (صلوات اللّٰه عليهم)» و كذا ابدال الآل بعترته أو أهل بيته، و كل ذلك مستفاد من الأخبار و الأدعية المأثورة عنهم (صلوات اللّٰه عليهم) و لا سيما الصحيفة السجادية، و حينئذ

فما ورد عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1)- «انه لما نزلت آية قوله سبحانه «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (2) قيل يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال قولوا اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

- فالظاهر حمله على الفرد الأكمل من الصلاة عليه. و هذا الخبر أيضا مروي من طرق القوم (3) كما نقلناه في الكتاب المشار اليه آنفا. و في هذا الخبر دلالة على ما قدمناه من دخول الآل في كيفية الصلاة عليه (صلى اللّٰه عليه و عليهم أجمعين).

(الرابع)- لو سمع ذكره (صلى اللّٰه عليه و آله) في حال الصلاة

و اشتغل بإتمام صلاته و لم يصل عليه فالأشهر الأظهر صحة صلاته و ان اثم على القول بالوجوب.

و ربما قيل بالبطلان بناء على انه مأمور بالصلاة و الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص، و النهي متى توجه في العبادة إلى شرطها أو جزئها أوجب فسادهما. و حيث ان القاعدة المذكورة لم يقم دليل عندنا على صحتها كما تقدم الكلام فيه في غير موضع لم يثبت الحكم بالبطلان، بل ناقش بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين في القاعدة الثانية أيضا فقال ان النهي و ان توجه إلى شرطها و جزئها لا يكون مبطلا. و لكن الظاهر بعده

(الخامس) [فورية الصلاة عليه و آله (ص) عند ذكره]

- ظاهر قوله في صحيحة زرارة المتقدمة: «كلما ذكرته أو ذكره ذاكر» وجوب الفورية بها و هو كذلك. و ممن صرح بذلك أيضا الفاضل المحقق المولى

____________

(1) الوسائل الباب 35 من الذكر.

(2) سورة الأحزاب، الآية 56.

(3) المغني ج 1 ص 542.

468

محمد صالح المازندراني في شرحه على الأصول حيث قال: ثم الظاهر من بعض الأخبار المذكورة- حيث رتب الأمر بالصلاة على الذكر بالفاء التعقيبية- هو فوريتها فلو أهمل الفور اثم على تقدير الوجوب و لم يسقط. و كذا الظاهر هو الأمر بها على كل أحد في جميع الأحوال. و لو كان مشتغلا بالصلاة. ثم ذكر نحو ما ذكرنا في الفرع الرابع من تفريع الابطال و عدمه على المسألة الأصولية و اختار عدم الابطال لعدم التعويل على تلك القاعدة الأصولية.

تذنيب [الأخبار الواردة في فضل الصلاة عليهم (ص)]

لا بأس بنقل بعض الأخبار الواردة في فضل الصلاة عليهم تقربا إلى اللّٰه تعالى و إليهم زيادة على ما ذكرناه و تأكيدا لما سطرناه:

فمنها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا يزال الدعاء محجوبا حتى يصلي على محمد و آل محمد».

و عن السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «من دعا و لم يذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) رفرف الدعاء على رأسه فإذا ذكر النبي رفع الدعاء».

و عن صفوان الجمال في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال:

«كل دعاء يدعى اللّٰه تعالى به محجوب عن السماء حتى يصلى على محمد و آل محمد «(صلى اللّٰه عليه و آله)».

و عن ابن جمهور عن أبيه عن رجاله (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من كانت له إلى اللّٰه حاجة فليبدأ بالصلاة على محمد و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلاة على محمد و آل محمد فان اللّٰه تعالى أكرم من ان يقبل الطرفين و يدع الوسط إذا كانت الصلاة على محمد و آل محمد لا تحجب عنه».

____________

(1) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(2) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(3) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(4) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

469

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «ان رجلا اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اجعل لك ثلث صلاتي لا بل اجعل لك نصف صلاتي لا بل اجعلها كلها لك فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا تكفى مؤنة الدنيا و الآخرة».

و عن أبي بكر الحضرمي (2) قال: «حدثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول جاء رجل إلى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال اجعل نصف صلاتي لك قال نعم. ثم قال اجعل صلاتي كلها لك. قال نعم. فلما مضى قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كفي هم الدنيا و الآخرة».

أقول: المراد بالصلاة في هذين الخبرين الدعاء بمعنى انه كلما دعا اللّٰه تعالى في حاجة صلى على الرسول و آله و جعل الصلاة عليه و على آله أصلا و أساس لدعائه ثم بنى عليه كما سيأتي في الأخبار الآتية الإشارة اليه ان شاء اللّٰه.

و عن مرازم (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان رجلا اتى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول اللّٰه اني جعلت ثلث صلاتي لك فقال له خيرا فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اني جعلت نصف صلاتي لك فقال له ذاك أفضل فقال اني جعلت كل صلاتي لك فقال إذا يكفيك اللّٰه (عز و جل) ما أهمك من أمر دنياك و آخرتك. فقال له رجل أصلحك اللّٰه كيف يجعل صلاته له؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) لا يسأل اللّٰه شيئا إلا بدأ بالصلاة على محمد و آل محمد».

و عن أبي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) ما معنى «اجعل صلاتي كلها لك»؟ فقال يقدمه بين يدي كل حاجة فلا يسأل اللّٰه شيئا حتى يبدأ بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فيصلي عليه ثم يسأل اللّٰه حوائجه».

____________

(1) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(2) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(3) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

(4) الوسائل الباب 36 من الدعاء.

470

و روى الصدوق في كتاب ثواب الأعمال (1) بسنده عن عاصم بن ضمرة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أمحق للخطايا من الماء للنار و السلام على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أفضل من عتق رقاب و حب رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أفضل من مهج الأنفس، أو قال ضرب السيوف في سبيل اللّٰه».

و عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ان عبدا مكث في النار سبعين خريفا و الخريف سبعون سنة ثم انه سأل اللّٰه بحق محمد و أهل بيته (صلى اللّٰه عليه و آله) لما رحمتني فأوحى اللّٰه إلى جبرئيل أن اهبط إلى عبدي فأخرجه قال يا رب و كيف لي بالهبوط في النار؟ قال اللّٰه اني امرتها ان تكون عليك بردا و سلاما. قال يا رب فما علمي بموضعه قال انه في جب في سجين. قال فهبط جبرئيل على النار على وجهه فأخرجه فقال اللّٰه عز و جل يا عبدي كم لبثت في النار؟ قال ما احصي يا رب. فقال و عزتي و جلالي لو لا ما سألتني به لأطلت هوانك في النار و لكني حتمت على نفسي ان لا يسألني أحد بحق محمد و أهل بيته (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا غفرت له ما كان بيني و بينه و قد غفرت لك اليوم».

و عن عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ذات يوم لأمير المؤمنين (عليه السلام) ألا أبشرك؟ قال بلى بأبي أنت و أمي فإنك لم تزل مبشرا بكل خير. فقال أخبرني جبرئيل آنفا بالعجب فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما الذي أخبرك يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟

قال أخبرني ان الرجل من أمتي إذا صلى علي و اتبع بالصلاة على أهل بيتي فتحت له أبواب السماء وصلت عليه الملائكة سبعين صلاة و انه لمذنب خطأ ثم تحات عنه الذنوب

____________

(1) ص 84 و في الوسائل الباب 34 من الذكر.

(2) ص 84 و في الوسائل الباب 37 من الدعاء.

(3) ص 84 و في الوسائل الباب 42 من الذكر.

471

كما يتحات الورق من الشجر و يقول اللّٰه تعالى لبيك عبدي و سعديك يا ملائكتي أنتم تصلون عليه سبعين صلاة و انا أصلي عليه سبعمائة صلاة. فإذا صلى علي و لم يتبع بالصلاة على أهل بيتي كان بينها و بين السماء سبعون حجابا و يقول اللّٰه (جل جلاله) لا لبيك و لا سعديك يا ملائكتي لا تصعدوا دعاءه إلا ان يلحق بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عترته فلا يزال محجوبا حتى يلحق بها أهل بيتي».

و في هذا الخبر دلالة على ما قدمناه سابقا من دخول الآل في الصلاة عليه (صلى اللّٰه عليه و عليهم).

و عن الرضا (عليه السلام) (1) «من لم يقدر على ما يكفر به ذنوبه فليكثر من الصلاة على محمد و آله فإنها تهدم الذنوب هدما».

إلى غير ذلك من الأخبار و في ما ذكرناه كفاية لاولى الأفكار، نسأل اللّٰه الثبات على ولايتهم و الحشر في زمرتهم انه القادر على ما يشاء.

الفصل العاشر في التسليم

و قد وقع الخلاف فيه في مواضع: (الأول) في وجوبه و استحبابه، و (الثاني) في دخوله في الصلاة و خروجه، و (الثالث) في كيفيته و انه عبارة عما ذا؟ و حينئذ فتحرير الكلام في المقام و تنقيحه بما يدفع عنه تطرق النقض و الإبرام يتوقف على بسطه في مواضع ثلاثة:

[الموضع] (الأول)- في الوجوب و الاستحباب و شرح الخلاف فيه

، فذهب المرتضى في المسائل الناصرية و المحمدية و أبو الصلاح و سلار و ابن أبي عقيل و القطب الراوندي و صاحب الفاخر و ابن زهرة إلى الوجوب و اختاره المحقق و صاحب البشرى و العلامة في المنتهى و الشهيد و هو المختار، و ذهب الشيخان و ابن البراج و ابن إدريس إلى الاستحباب و اليه ذهب جمهور المتأخرين.

و يدل على الوجوب وقوع الأمر به الذي هو حقيقة في الوجوب في الأخبار

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الذكر.

472

المستفيضة: منها- ما تقدم (1)

في صحيحة ابن أذينة أو حسنته من حديث المعراج و قول اللّٰه تعالى لنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله): «سلم عليهم فقال السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته».

و أوامره عز و جل للوجوب بلا خلاف إلا ما خرج بالدليل. و منها- ما تقدم (2) في موثقة أبي بصير المشتملة على التشهد الطويل من قوله في آخرها: «ثم تسلم» و كذا في عبارة الفقه (3) من قوله «ثم سلم عن يمينك» إلى غير ذلك من الأخبار التي يضيق المقام عن نقلها.

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة في نقل أدلة القائلين بالوجوب: السابع- تعلق الأمر و ما في معناه به في اخبار كثيرة و الأمر للوجوب فيكون التسليم واجبا، فمن ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع. الحديث».

و في الصحيح عن ابن أبي يعفور (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل يصلى الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع؟ فقال يتم صلاته ثم يسلم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل ان يتكلم».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة كصحيحة الحلبي (6) و صحيحة عبد الحميد بن عواض (7) و مرسلة ابن أبي يعفور و مرسلة ابن أبي عمير (8) و حسنة زرارة الطويلة الواردة في حكم الفوائت (9) و حسنة الحلبي الواردة في صلاة الخوف (10) و حسنة أخرى لزرارة (11) و موثقة أبي بصير (12)

____________

(1) ص 456.

(2) ص 450 و 451.

(3) ص 451 و 452.

(4) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(6) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(7) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(8) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

(9) الوسائل الباب 63 من مواقيت الصلاة.

(10) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف.

(11) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة.

(12) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

473

و موثقة عمار (1) و رواية أبي بكر الحضرمي (2) و رواية الحسين بن أبي العلاء (3) و رواية عبد اللّٰه بن أبي يعفور (4) و عبد الرحمن بن سيابة (5) و غيرها من الأخبار التي لا مزيد فائدة في نقلها. و الجواب ان دلالة الأوامر في أخبارنا على الوجوب من غير قرينة تلتحق بها غير واضح، و على كل تقدير فلا معدل عن حمل الأوامر في تلك الأخبار على الاستحباب جمعا بين الأدلة. انتهى.

و فيه ما عرفت في غير موضع من ان هذا الأمر الذي تفرد به من بين كافة العلماء قديما و حديثا باطل موجب لخروج قائله عن الدين من حيث لا يشعر كما تقدم التنبيه عليه في غير مقام مما تقدم، و الواجب حمل هذه الأوامر على الوجوب كما عليه محققو الأصوليين و دلت عليه الآيات و الروايات المتقدمة في مقدمات الكتاب إلى ان يظهر خلافه. و ما يدعى من أدلة الاستحباب سيأتيك الكلام عليها في الباب.

و لنكتف هنا في تحقيق ما اخترناه بنقل كلام صاحب المدارك و بيان ما فيه حيث انه ممن اختار القول بالاستحباب و بالغ في الاستدلال عليه و نقض ما خالفه، و بإبطاله يظهر صحة ما اخترناه زيادة على ما استندنا اليه من الأوامر المشار إليها فنقول:

قال (قدس سره) بعد ذكر الاستحباب و نقله عن جملة من الأصحاب ما لفظه: و هو المعتمد، لنا- ان الوجوب زيادة تكليف و الأصل عدمه،

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) انه قال: «إذا استويت جالسا فقل: اشهد ان لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله. ثم تنصرف».

و في الصحيح عن الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة.

(6) الوسائل الباب 4 من التشهد.

474

(عليه السلام) (1) قال: «إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في أمر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف أجزأه».

و المراد بالإجزاء الاجزاء في حصول الفضيلة و الكمال كما يقتضيه أول الخبر.

و في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «و قد سأله عن المأموم يطول الامام فتعرض له الحاجة قال يتشهد و ينصرف و يدع الامام».

و في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) صليت بقوم صلاة فقعدت للتشهد ثم قمت و نسيت ان أسلم عليهم فقالوا ما سلمت علينا؟ فقال أ لم تسلم و أنت جالس، قلت بلى، قال لا بأس عليك و لو نسيت حتى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك فقلت السلام عليكم».

و يمكن ان يستدل عليه أيضا

بصحيحة معاوية بن عمار (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصل ركعتين و اجعله امامك و اقرأ في الأولى منهما «قل هو اللّٰه أحد» و في الثانية «قل يا ايها الكافرون» ثم تشهد و احمد اللّٰه تعالى و أثن عليه و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و اسأله ان يتقبل منك.».

فان ظاهره عدم وجوب التسليم في ركعتي الطواف و لا قائل بالفصل. و يدل عليه أيضا انه لو وجب التسليم لبطلت الصلاة بتخلل المنافي بينه و بين التشهد و اللازم باطل فالملزوم مثله، اما الملازمة فإجماعية و اما بطلان اللازم

فلما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) «انه سأله عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم؟ قال تمت صلاته».

و ما رواه الحلبي في الحسن عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) قال: «إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا و ان كنت قد تشهدت فلا تعد».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.

(3) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(4) الوسائل الباب 71 من الطواف.

(5) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(6) الوسائل الباب 2 من التسليم.

475

و ما رواه غالب بن عثمان في الموثق عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلي المكتوبة فتنقضي صلاته و يتشهد ثم ينام قبل ان يسلم؟ قال تمت صلاته و ان كان رعافا غسله ثم رجع فسلم».

انتهى.

و توجه النظر اليه من وجوه: (الأول) ان ما ذكره من الاستدلال بالأصل فصحيح إلا انه يجب الخروج عنه بالدليل و هو هنا الأوامر الواردة بالتسليم التي هي حقيقة في الوجوب باعترافه، و هي في الأخبار أكثر من ان يأتي عليها قلم الإحصاء، و قد عرفت منها ما تقدم و ستعرف ان شاء اللّٰه.

(الثاني)- استدلاله بالصحيحتين المذكورتين، فان فيه (أولا) انهم لا يقفون على ظاهرهما و لا يفتون بهما لدلالتهما على عدم وجوب الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) في التشهد مع إجماعهم على ذلك، و حينئذ فكيف يستندون إليهما هنا و الحال في المقامين واحد؟

و (ثانيا)- ان غاية ما يدلان عليه تمام الصلاة بعد التشهد و هو غير مناف لمذهبنا في المسألة، فانا نختار فيها كون التسليم واجبا خارجا فلا يرد علينا الاستدلال بهما كما لا يخفى، على ان الثانية منهما و هي صحيحة الفضلاء الثلاثة ظاهرة في وجوب التسليم و ان كان قد تمت صلاته بالتشهد و هو عين ما نختاره من كونه واجبا خارجا كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه، و حاصل معنى الخبر انه بالفراغ من التشهد فقد تمت صلاته، فان كان مستعجلا في أمر يخاف فوته سلم و انصرف من غير ان يأتي ببقية الأذكار المستحبة التي مرت في موثقة أبي بصير و عبارة الفقه الرضوي، و ان كان غير مستعجل اتى بتلك الأذكار الموظفة مستجمعا لمستحباتها على الوجه الأكمل، و بذلك يظهر لك ما في قوله:

«و المراد بالإجزاء الاجزاء في حصول الفضيلة و الكمال» من التكلف الذي لا ضرورة تلجئ إليه في هذا المجال.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من التسليم.

476

(الثالث)- ان ما ذكره من صحيحة علي بن جعفر فإنه لم ينقلها على وجهها و كأنه نقلها بالمعنى و حرف لفظ التسليم إلى التشهد، و صورة الرواية هكذا:

علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شيء ان يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع؟

قال يسلم و ينصرف و يدع الامام».

و العجب انه قد نقلها بهذه الصورة التي ذكرناها في بحث صلاة الجماعة في مسألة جواز الانفراد للمأموم مع العذر، و بذلك يظهر ان هذه الرواية مثل صحيحة الفضلاء الثلاثة المتقدمة في انها دالة على خلاف ما يدعيه فهي عليه لا له كما لا يخفى.

أقول: و مثل هذه الرواية أيضا

صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد؟ قال يسلم و يمضي لحاجته ان أحب».

(الرابع)- استدلاله بموثقة يونس بن يعقوب و مثلها موثقة غالب بن عثمان فإنه لا يخلو من غرابة، إذ لا يخفى ان قاعدته في هذا الكتاب رد الأخبار الموثقة و الحكم بضعفها و انها متى وردت من طرف الخصم طعن فيها بالضعف و ردها فكيف جاز منه الاستدلال بها هنا؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة، على ان معنى هذه الرواية أعني موثقة يونس ليس ما توهمه بل هي بالدلالة على نقيض ما يدعيه أشبه، و ذلك ان الغرض من السؤال انما هو ان المصلي بعد ان صلى بالقوم و أتم صلاته و سلم لم يلتفت إلى القوم بوجهه و يسلم عليهم كما هو السنة يومئذ و لا سيما في مقام التقية من التفات الإمام إلى

____________

(1) الوسائل الباب 64 من الجماعة. و لا يخفى ان التهذيب و الفقيه اختلفا في نقل الرواية ففي التهذيب ج 1 ص 253 «يتشهد و ينصرف» و في الوسائل عنه كذلك، و في الفقيه ج 1 ص 261 «يسلم و ينصرف» كما ذكره «(قدس سره)».

(2) الوسائل الباب 64 من الجماعة.

477

المأمومين بوجهه (1) و قوله «السلام عليكم» و ان سلم لنفسه، و لهذا قال له الامام «أ لم تسلم و أنت جالس؟ قال بلى فقال لا بأس عليك» لإتيانه بالواجب و الذي أخل به أمر مستحب و هو الالتفات إليهم بوجهه، ثم قال له «و لو نسيت السلام عليهم حتى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك- في مقامك ذلك- و قلت السلام عليكم» و حينئذ فالرواية كسابقتها عليه لا له (الخامس)- استدلاله بصحيحة معاوية بن عمار فإنها (أولا) أخص من المدعى و الاستناد في التعميم إلى عدم القائل بالفصل ليس بذلك الفصل. و (ثانيا) إمكان التجوز بل شيوعه بحمل التشهد على ما يشمل التسليم كما انه يطلق على مجموع تلك الأذكار الطويلة اسم التشهد. و قوله في الرواية «و احمد اللّٰه. إلخ» المراد به بعد صلاة الركعتين كما لا يخفى.

(السادس)- الاستدلال ببطلان الصلاة بتخلل المنافي لو كان واجبا ففيه:

(أولا) ان ما ادعاه من ان الملازمة إجماعية فهو في حيز المنع لأن جملة من الأصحاب القائلين بالوجوب قد ذهبوا إلى كونه واجبا خارجا كما يأتي ذكره ان شاء اللّٰه تعالى، و منهم- شيخنا الشهيد في قواعده حيث قال على ما نقله عنه بعض مشايخنا المحققين و سيأتي نقل كلامه ان شاء اللّٰه. و به يظهر ان دعوى الإجماع مجازفة و لو كان ثمة إجماع لما خفي على شيخنا المشار اليه مع تبحره و سعة باعه و وفور اطلاعه.

و (ثانيا)- ان ما ذكره من الأخبار انما يرد على من قال بكونه واجبا داخلا و نحن قلنا بكونه واجبا لكنا نقول بكونه خارجا. بقي

____________

(1) في فتح الباري ج 2 ص 227 باب «يستقبل الامام الناس إذا سلم» ما ملخصه «سياق حديث سمرة بن جندب ظاهره مواظبته «ص» على استقباله المأمومين بعد السلام، و الحكمة فيه تعريف الداخل ان الصلاة قد انقضت إذ لو استمر الامام على حاله لأوهم انه في التشهد و قال الزين بن المنير استقباله المأمومين يرفع الخيلاء» و في البحر الرائق ج 1 ص 335 «جلوس الامام مستقبل القبلة بدعة فان شاء انحرف يمينا و شمالا و ان شاء استقبلهم بوجهه».

478

أنها مطلقة بالنسبة إلى التسليم إذ لا تعرض له فيها بنفي و لا إثبات و قضية ورود جملة من الأخبار الدالة على الوجوب- كما عرفت و ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى- حمل إطلاق هذه الأخبار على تلك فيجب الحكم بصحة الصلاة و ان وجب عليه الإتيان بالتسليم.

ثم قال في المدارك أيضا في رد ما احتج به القائلون بالوجوب: الثالث-

ما رواه الشيخ و المرتضى و ابن بابويه مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) انه قال:

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مفتاح الصلاة الطهور و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم».

و قد رواه الكليني مسندا عن علي بن محمد بن عبد اللّٰه عن سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الأشعري عن القداح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله). الحديث».

وجه الاستدلال ان التسليم وقع خبرا عن التحليل فيجب كونه مساويا للمبتدإ أو أعم منه فلو وقع التحليل بغيره لكان المبتدأ أعم. و أيضا فإن الظاهر ارادة حصر التحليل فيه لأنه مصدر مضاف إلى الصلاة فيتناول كل تحليل يضاف إليها. و لأن الخبر إذا كان مفردا كان هو المبتدأ بمعنى ان الذي صدق عليه انه تحليل للصلاة يصدق عليه التسليم. كذا قرره في المعتبر، و جوابه (أولا) بضعف هذا الحديث، و ما قيل- من ان هؤلاء الثلاثة هم العمدة في ضبط الأحاديث و لولا علمهم بصحته لما أرسلوه- فظاهر الفساد. و (ثانيا) ان ما قرر في إفادة الحصر غير تام لأن مبناه على دعوى كون الإضافة للعموم و هو ممنوع فإن الإضافة كما تكون للاستغراق تكون للجنس و للعهد الذهني و الخارجي كما قرر في محله. الرابع-

ما رواه الشيخ عن ابي بصير (3) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في رجل صلى الصبح فلما

____________

(1) الوسائل الباب 1 من التسليم عن أمير المؤمنين «ع» و لم يسنده إلى رسول اللّٰه «(صلى اللّٰه عليه و آله)» و هو هكذا «افتتاح الصلاة.».

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم و فيه «افتتاح الصلاة» أيضا.

(3) الوسائل الباب 1 من التسليم.

479

جلس في الركعتين قبل ان يتشهد رعف؟ قال فليخرج فليغسل انفه ثم ليرجع فليتم صلاته فان آخر الصلاة التسليم».

و الجواب (أولا) بالطعن في السند باشتراك أبي بصير بين الثقة و غيره، و بأنه من جملة رجالها عثمان بن عيسى و سماعة و هما واقفيان. و (ثانيا) منع الدلالة فإن كون التسليم آخر الصلاة لا يقتضي وجوبه فإن الأفعال تشمل الواجب و المندوب. و (ثالثا) بأنه متروك الظاهر إذ لا نعلم بمضمونه قائلا من الأصحاب.

انتهى المقصود من كلامه زيد في مقامه.

و فيه نظر من وجوه: (الأول) ما أجاب به عن حديث «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» من ضعف السند فان فيه (أولا) ما قدمنا بيانه في غير موضع من ان الطعن بذلك لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح الذي هو أقرب إلى الفساد من الصلاح عندهم و لا على غيرهم ممن يرى بطلانه.

و (ثانيا) استفاضة الأخبار بذلك و ان ضعف سندها فان تكررها في الأصول المعتمدة برواية أجلاء مشايخ العصابة لا يقصر عن خبر صحيح باصطلاحهم كما لا يخفى على المصنف:

ففي حديث الفضل بن شاذان المروي في العلل و عيون الأخبار (1) «انما جعل التسليم تحليل الصلاة و لم يجعل بدله تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر قيل لانه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين و التوجه إلى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين و الانتقال عنها و ابتداء المخلوقين بالكلام انما هو بالتسليم».

و في نسخة اخرى «و انما بدأ المخلوقين في الكلام أولا بالتسليم» فانظر إلى صراحة هذا الخبر في حصر التحليل في التسليم دون غيره من تكبير أو تسبيح أو ضرب آخر.

و في كتاب المناقب لابن شهرآشوب عن أبي حازم (2) قال: «سئل علي بن الحسين (عليه السلام) ما افتتاح الصلاة؟ قال التكبير. قال ما تحليلها؟ قال التسليم».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من التسليم.

(2) مستدرك الوسائل الباب 1 من التسليم.

480

و في عيون الأخبار في ما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون (1) قال: «تحليل الصلاة التسليم».

و في العلل بسنده عن المفضل بن عمر (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال لانه تحليل الصلاة. إلى ان قال: فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال لأنه تحية الملكين».

و ما رواه الصدوق في الهداية (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام) تحريم الصلاة التكبير و تحليلها التسليم».

و روى الشيخ مرسلا (4) قال: «قال رجل لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما معنى قول الامام: السلام عليكم؟ فقال ان الامام يترجم عن اللّٰه تعالى و يقول في ترجمته لأهل الجماعة أمان لكم من عذاب اللّٰه يوم القيامة».

و ما رواه الصدوق في كتاب معاني الأخبار عن عبد اللّٰه بن الفضل الهاشمي بسند معتبر (5) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن معنى التسليم في الصلاة؟ فقال التسليم علامة الأمن و تحليل الصلاة. قلت و كيف ذلك جعلت فداك؟ فقال الناس في ما مضى إذا سلم عليهم وارد أمنوا شره و كانوا إذا ردوا عليه أمن شرهم و إذا لم يسلم عليهم لم يأمنوه و إذا لم يردوا على المسلم لم يأمنهم و ذلك خلق في العرب، فجعل التسليم علامة للخروج من الصلاة و تحليلا للكلام و أمنا من ان يدخل في الصلاة ما يفسدها و السلام اسم من أسماء اللّٰه تعالى و هو واقع من المصلي على الملكين الموكلين».

و هذه الأخبار- كما ترى- ظاهرة في ان التسليم الذي يحصل به الاذن و التحليل انما هو صيغة «السلام عليكم» دون «السلام علينا» على ان من جملة من نقل الحديث

____________

(1) الوسائل الباب 1 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من التسليم.

(4) الوسائل الباب 1 من التسليم عن الصدوق و لم ينقله عن الشيخ.

(5) الوسائل الباب 1 من التسليم.

481

المذكور الصدوق في الفقيه و هو قد استدل باخبار الفقيه و ان ضعفت في مواضع من شرحه اعتمادا على ما ضمنه في صدر كتابه: منها- في جلد الميتة يوضع فيه السمن و اللبن، و قد تقدم في كتاب الطهارة (1).

(الثاني)- ما طعن به على دلالة الخبر المذكور من عدم افادته الاستغراق فإنه لا يخفى ان المتسارع إلى الفهم الصائب من هذه الأخبار التي تلوناها و المنساق إلى الذوق الثاقب منها انما هو بيان الحد الموجب لتحريم ما كان محللا قبل الدخول في الصلاة و تحليل ما كان محرما بعد الدخول، فبين (عليه السلام) ان الحد الأول الذي يحرم به ما كان محللا هو التكبير للإحرام و الحد الثاني الذي يحل به ما كان محرما في الصلاة هو التسليم. و لا ريب ان هذا المعنى انما يتجه بناء على إفادة الإضافة العموم و الاستغراق و المفهوم من كلام علماء الفن في أمثال هذا المقام و ان كان هو استعمال الإضافة في كلا المعنيين كما ذكره إلا ان قرينة السياق و اخبار التعليل بوجوب التسليم و الإتيان به في الصلاة و لا سيما الخبر الأول انما تنطبق على الحمل على العموم و الاستغراق في هذه الإضافة فيجب الحمل عليه البتة كما لا يخفى، فان المنصف تكفيه الإشارة و المتعسف لا ينتفع و لو بألف عبارة.

(الثالث)- ما طعن به في موثقة أبي بصير (أما أولا) فما طعن به من ضعف السند فقد عرفت انه غير مسموع و لا معتمد، على انه متى كانت الأخبار الموثقة ضعيفة باصطلاحه كما طعن به في هذا الموضع و غيره فكيف يستدل بالموثقتين المتقدمتين كما أشرنا إليه آنفا؟ و لكن هكذا طريقته في غير مقام متى احتاج إلى الاستدلال بالموثقات استدل بها و زيفها بوجوه تخريجية و متى استدل بها الخصم طعن فيها بضعف السند، و هذه من جملة المناقضات التي جرت له في هذا الشرح.

و (اما ثانيا) فان ما ذكره من منع الدلالة ضعيف، فان المتسارع إلى الفهم السليم

____________

(1) ج 5 ص 55.

482

و الذوق القويم من هذه العبارة هو الأمر بالرجوع و إتمام الصلاة يعني بالتشهد و التسليم عملا بمقتضى التعليل، فان معنى «فليتم صلاته» يعني يأتي بها إلى آخرها. ثم ذكر ان آخرها التسليم، و حينئذ فالأمر بالإتمام متوجه إلى الصلاة التي آخرها التسليم، نظير ذلك قولك اكتب هذا الكتاب من أوله إلى آخره فان آخره كذا. فإنه لا ريب ان ذلك الآخر داخل في المأمور بكتابته، و بذلك يتضح ان التسليم في الخبر المأمور به و الأمر للوجوب كما قرر في محله. هذا وجه الاستدلال بالخبر لأن محل الاستدلال- كما توهمه- مجرد قوله في الخبر «فان آخر الصلاة التسليم» حتى يتوجه ما ذكره.

(الرابع)- ما ذكره بقوله: «انها متروكة الظاهر» فاني لا اعرف له وجها كما لا يخفى على الناظر الماهر، فإنه ان أراد من حيث اشتمال الخبر على الخروج و غسل انفه ثم الرجوع في صلاته ففيه انه قد ورد الحكم بذلك في عدة من الأخبار و به قال الأصحاب من غير خلاف يعرف، بمعنى ان المصلي يقطع الصلاة و يزيل النجاسة ثم يرجع في صلاته و يبنى على ما مضى ما لم يستلزم ذلك مبطلا من خارج، فالمراد بالخروج في الخبر هو الخروج من الصلاة و قطعها لأجل إزالة النجاسة، و ستأتي الأخبار بذلك في محلها ان شاء اللّٰه تعالى.

(الموضع الثاني)- في بيان كونه واجبا خارجا

، اما وجوبه فلما عرفت في الموضع المتقدم، و اما خروجه فهو قول جمع من الأصحاب: منهم- شيخنا الشهيد في قواعده فان الظاهر منه ذلك حيث قال: ان

صحيحة زرارة في المحدث قبل التسليم (1) «قد تمت صلاته».

و صحيحته الأخرى في من صلى خمسا (2) «ان كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته».

لا يدل شيء منهما على عدم وجوب التسليم و انما يدلان على عدم جزئيته. انتهى.

و اعترضه تلميذه الفاضل المقداد في شرح النافع بلزوم خرق الإجماع المركب،

____________

(1) ص 474.

(2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

483

قال: لأن القائل قائلان انه اما واجب فهو جزء من الصلاة- و لهذا حصروا الواجبات في ثمانية- أو غير واجب فيكون واحدا من مندوباتها، فالقول بكونه واجبا غير جزء خرق للإجماع و حينئذ لا يتم حمله المذكور للرواية. انتهى. و فيه ما قدمنا تحقيقه في غير مقام و لا سيما في مقدمات الكتاب من ان هذا الإجماع المتناقل في كلامهم و الدائر على السن أقلامهم لا يعول عليه و ليس بدليل شرعي يرجع اليه، على انه لو كان ثمة إجماع لما خفي على شيخنا المذكور مع سعة باعه و وفور اطلاعه. و العجب من جمود صاحب المدارك- كما قدمنا عنه- على ذلك مع ضيق ساحته في الإجماع و كثرة الجدال منه فيه و النزاع.

و ممن يظهر منه الميل إلى هذا القول أيضا الجعفي صاحب الفاخر على ما نقله عنه في الذكرى من حكمه بعدم بطلان الصلاة بتخلل الحدث مع قوله بوجوب التسليم و به صرح الفاضل أبو الفضائل أحمد بن طاوس الحسنى صاحب كتاب البشرى حيث نقل عنه ان التسليم واجب و ان حصل الخروج من الصلاة قبله بقوله «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» و اليه ذهب المحدث الكاشاني في المفاتيح و الحر العاملي، و هو المختار الذي تجتمع عليه الأخبار كما عرفت في ما تقدم، و هو ظاهر صحيحة الفضلاء الثلاثة المتقدمة (1) بالتقريب الذي ذكرناه ثمة.

و يدل عليه أيضا

قوله في صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) في من نسي التشهد الأول حيث قال: «يتم صلاته ثم يسلم».

و صحيحة سليمان بن خالد في ذلك أيضا (3) حيث قال (عليه السلام): «و ان لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم».

فان العطف في الأول على إتمام الصلاة و قوله في الثاني «حتى إذا فرغ فليسلم» أوضح دليل على ذلك، و الخبران- كما ترى- دالان على الوجوب من حيث الأمر فيهما بالتسليم.

____________

(1) ص 473 و 474.

(2) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 7 من التشهد.

484

و بالجملة فإن الأخبار لما دلت على الوجوب من حيث تكرار الأمر بذلك فيها مضافا إلى ما حققناه في الموضع الأول و دلت اخبار تخلل الحدث و نحوه قبل التسليم على صحة الصلاة فلا وجه للجمع بين الجميع إلا بهذا القول و تخرج الصحيحتان المذكورتان و نحوهما شاهدا على ذلك.

و يدل على ذلك أيضا الأخبار الآتية في الموضع الآتي ان شاء اللّٰه الدالة على انه بقوله: «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» فقد تمت صلاته و انقطعت و ان التسليم انما هو بعد ذلك.

نعم ربما ينقدح هنا اشكال و هو ان يقال مقتضى اخبار «تحليلها التسليم»- كما تقدم تحقيقه- هو ان التحليل لا يحصل إلا به فهي ظاهرة في دخوله و جزئيته و مقتضى ما اخترتم هو حصول التحليل بغيره و ان وجب الإتيان به. و بهذا الوجه اعترض الفاضل المقداد على شيخنا الشهيد أيضا في ما تقدم نقله عنه مما يدل على كونه واجبا خارجا.

و الجواب عنه ان الذي يقتضيه الجمع بين الأدلة في هذا المقام ان التسليم و ان كان واجبا خارجا إلا انه لا دليل على جواز تعمد الفعل المنافي قبله، و هذا معنى كونه تحليلا بمعنى ان ما حرم في الصلاة لا يحل للمكلف الإتيان به إلا بعد التسليم، و لا ينافي ذلك ما لو سبقه الحدث أو غلبه النوم مثلا فإنه لا دليل على بطلان صلاته بذلك بل الأدلة دالة كما عرفت على الصحة. و لم أقف على من نبه على هذا الاشكال من القائلين بهذا القول، و الجواب عنه هو ما ذكرنا.

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة- بعد البحث في المسألة و اختياره القول بالاستحباب كما هو المشهور بين متأخري الأصحاب- ما صورته: و هل التسليم جزء من الصلاة. أم خارج عنها؟ قال المرتضى لم أجد لأحد فيه نصا و يقوى عندي انه من الصلاة و الظاهر هو الثاني، و قد تقدمت في هذا البحث روايات كثيرة دالة عليه و يزيدها بيانا ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد، ثم ذكر صحيحة سليمان

485

ابن خالد المذكورة، ثم قال

و عن الحسين بن أبي العلاء (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يصلي الركعتين من المكتوبة فلا يجلس بينهما حتى يركع في الثالثة، قال فليتم صلاته ثم يسلم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل ان يتكلم».

و يدل على كونه جزء من الصلاة رواية أبي بصير المتقدمة (2) و يؤيده تأييدا ضعيفا صحيحة الفضلاء الواردة في صلاة الخوف (3) و لا معدل عن ارتكاب التأويل في ما دل على الجزئية لعدم انتهاضه بمقاومة الأخبار الدالة على خروجه عن الصلاة. انتهى.

و ظاهره- كما ترى- القول بخروجه و استحبابه، و إلى هذا يميل كلام شيخنا المجلسي في كتاب البحار أيضا فيصير قولا ثالثا في المسألة، لأن القول المشهور على تقدير الوجوب هو الجزئية و القول الثاني الخروج مع الوجوب، و ظاهره هنا مع اختياره الاستحباب- كما قدمنا نقله عنه- اختيار الخروج فيصير عنده مستحبا خارجا. و الظاهر انه أشار بقوله هنا «و قد تقدمت في هذا البحث روايات كثيرة دالة عليه» الى روايات صحة الصلاة مع تخلل الحدث و نحوه قبل التسليم.

ثم ان من أظهر اخبار الجزئية أخبار

«تحليلها التسليم» (4).

كما لا يخفى إلا ان الواجب- كما أشرنا إليه آنفا- تخصيصها باخبار تخلل الحدث و نحوه سهوا.

(الموضع الثالث)- في الصيغة الواجبة التي يخرج بها من الصلاة

هل هي «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» أو «السلام عليكم»؟

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين

(الأول) في الصيغة الواجبة في التسليم و انها اي الصيغتين؟

فالمشهور انه «السلام عليكم» قال في الدروس و عليه الموجبون. و ذكر في البيان ان «السلام علينا.» لم يوجبها أحد من القدماء و ان القائل بوجوب التسليم يجعلها مخرجة. و ذهب المحقق في كتبه الثلاثة إلى التخيير بين الصيغتين و ان الواجب

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(2) ص 478 و 479.

(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف.

(4) ص 478.

486

ما تقدم منهما. و تبعه العلامة. و أنكره الشهيد في الذكرى و البيان. فقال في الذكرى انه قول محدث في زمان المحقق أو قبله بزمان يسير و نقل الإيماء الى ذلك من شرح رسالة سلار، و قال في موضع آخر انه قوي متين إلا انه لا قائل به من القدماء و كيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا؟ مع انه قد قال بذلك في الرسالة الألفية و اللمعة الدمشقية و هي من آخر مصنفاته. و ذهب صاحب الجامع يحيى بن سعيد إلى وجوب «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» و تعينها للخروج من الصلاة. و أنكره في الذكرى و قال انه خروج عن الإجماع من حيث لا يشعر به قائله. و نسب المحقق في المعتبر هذا القول إلى الشيخ و خطأه الشهيد في هذه النسبة. و ذهب الجعفي صاحب الفاخر إلى وجوب «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته» و هو ظاهر الشيخ المقداد في كنز العرفان.

(الثاني)- في ما يخرج به المكلف من الصلاة

، فقيل بتعين الخروج ب«السلام عليكم» و هو قول أكثر القائلين بوجوب التسليم، و منهم من قال انه يخرج من الصلاة بقوله «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» و ان وجب الإتيان ب«السلام عليكم» بعد ذلك و هو قول صاحب البشرى، قال في الذكرى: و قال صاحب البشرى السيد جمال الدين بن طاوس- و هو مضطلع بعلم الحديث و طرقه و رجاله- لا مانع ان يكون الخروج ب«السلام علينا.» و ان كان يجب «السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته» بعده للحديث الذي

رواه ابن أذينة عن الصادق (عليه السلام) في وصف صلاة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في السماء (1) «انه لما صلى أمر ان يقول للملائكة السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته».

إلا ان يقال هذا في الإمام دون غيره، قال و مما يؤكد وجوبه

رواية زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته فان كان مستعجلا في أمر يخاف ان يفوته فسلم و انصرف أجزأه».

و ذهب

____________

(1) ص 456.

(2) الوسائل الباب 4 من التشهد و 1 من التسليم. و الراوي هو الفضيل و زرارة و محمد بن مسلم.

487

المحقق و العلامة في المنتهى و الشهيد في اللمعة إلى التخيير بينهما و انه يخرج من الصلاة بكل منهما و لو جمع بينهما يحصل الخروج بالمتقدم منهما. و قد تقدم إنكار الشهيد لذلك في الذكرى. و قال في البيان بعد البحث عن الصيغة الاولى: و أوجبها بعض المتأخرين و خير بينها و بين «السلام عليكم» و جعل الثانية منهما مستحبة و ارتكب جواز «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» بعد «السلام عليكم» و لم يذكر ذلك في خبر و لا مصنف بل القائلون بوجوب التسليم و استحبابه يجعلونها مقدمة. و ذهب يحيى بن سعيد إلى تعين الخروج بالصيغة الأولى.

أقول: المستفاد من الأخبار الواردة في هذا المقام ان السلام المطلق الذي هو معدود في سياق أفعال الصلاة و واجباتها و انه تحليل الصلاة انما هو «السلام عليكم» و لكن جملة من الأخبار قد صرحت ان آخر أفعال الصلاة «هو السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» و هو آخر اجزاء التشهد المستحب و من توابعه و صرحت بأنه بها تتم الصلاة و تنقطع و يخرج من الصلاة. و من هنا وقع الخلاف و نشأ الإشكال الموجب لتعدد هذه الأقوال، فحيث رأوا في الأخبار ان «السلام علينا» مخرجة من الصلاة و قاطعة لها و هي في آخر اجزاء التشهد و انضم إلى ذلك ورود الأمر بالتسليم بقول مطلق في جملة من الأخبار المحتملة لحمله على «السلام علينا.» و رأوا أيضا فيها ان «السلام عليكم» تحليل الصلاة و اذن بالانصراف منها و إيذان حملوا هذه الألفاظ في الموضعين على معنى واحد، فبعض منهم خير بين الصورتين فأيهما قدم كانت كافية في أداء الواجب و الخروج من الصلاة و كانت الثانية مستحبة، و آخرون لما رأوا اخبار «السلام علينا.» قاصرة عن افادة الوجوب حملوا إطلاق الأمر بالتسليم على خصوص «السلام عليكم» و جعلوها مستحبة و ان كانت مخرجة كما يفهم من كلام صاحب البشرى.

و من الأخبار الواردة في المقام

موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت إماما فإنما التسليم ان تسلم على النبي (عليه و آله السلام) و تقول

____________

(1) الوسائل الباب 2 من التسليم.

488

«السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم و تقول و أنت مستقبل القبلة «السلام عليكم» و كذلك إذا كنت وحدك تقول «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» مثل ما سلمت و أنت إمام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت و سلم على من على يمينك و شمالك. الحديث».

دلت هذه الرواية على انقطاع الصلاة و تمامها بعد قول «السلام علينا.» و ذلك يعطي أنها آخر اجزاء الصلاة و ان التسليم الذي هو «السلام عليكم» واجب خارج كما اخترناه و هو الذي يؤذن به القوم و يرخصهم إذا كان اماما بقوله «السلام عليكم» و كذلك إذا كان منفردا أو مأموما.

و من ذلك

رواية أبي كهمس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الركعتين الأولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت و انا جالس «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته» انصراف هو؟ قال لا و لكن إذا قلت «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» فهو الانصراف».

و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب مثله (2).

و صحيحة الحلبي (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) كل ما ذكرت اللّٰه (عز و جل) به و النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فهو من الصلاة فإن قلت «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» فقد انصرفت».

و المراد ان ما يأتي به من الأذكار و ذكر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فهو من جملة الصلاة و اجزائها و ان كان مستحبا حتى يقول «السلام علينا.»

فإنه يخرج بعد ذلك منها.

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا كنت إماما فإنما التسليم ان تسلم على النبي (عليه و آله السلام) و تقول «السلام علينا و على عباد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 4 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 4 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 4 من التسليم.

(4) الوسائل الباب 2 من التسليم. و هذه الرواية هي موثقة أبي بصير المتقدمة.

489

الصالحين» فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم. الحديث».

و سيأتي تمامه.

و حسنة ميسر عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم. إلى ان قال و قول الرجل: السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين».

و روى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «أفسد ابن مسعود على الناس صلاتهم بشيئين. إلى ان قال و بقوله السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» يعني في التشهد الأول.

دلت هذه الأخبار- كما ترى- على ان هذه الصيغة مخرجة و قاطعة حتى انه لو اتى المكلف بها عمدا في التشهد الأول بطلت صلاته لأن الشارع قد وضعها لهذا المعنى فجعلها مخرجة و قاطعة و لكن عين محلها في آخر اجزاء التشهد الثاني خاصة.

و يزيد ذلك تأييدا

ما رواه الصدوق في الخصال بسنده عن الأعمش عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا يقال في التشهد الأول «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» لان تحليل الصلاة هو التسليم و إذا قلت هذا فقد سلمت».

و معنى التحليل هنا عبارة عن انقطاع الصلاة و الخروج منها و من هنا سرى الوهم المتقدم ذكره، فإنهم جعلوا معنى الخروج هنا و انقطاع الصلاة عبارة عن إتمام أفعال الصلاة و واجباتها الداخلة و الخارجة و عدم الإثم في ترك ما يترك بعد ذلك و فعل ما لا يجوز فعله قبل ذلك. و ليس الأمر كما ظنوه بل انما معناه إتمام أفعال الصلاة و اجزائها الداخلة فيها المبطل تركها للصلاة و المبطل تخلل الحدث بينها على المشهور. و المعنى الأول الذي توهموه انما هو التحليل في «السلام عليكم» يعني انه يحل بهذه الصيغة ما كان محرما من غير ترتب اثم و لا اعادة في شيء بالكلية.

و من الأخبار في ذلك موثقة أبي بصير المتقدمة (4) في فصل التشهد المشتملة

____________

(1) الوسائل الباب 12 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 12 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 29 من قواطع الصلاة.

(4) ص 450.

490

على التشهد الكامل الجامع للاذكار المستحبة حيث قال بعد سياق التشهد المستحب و ختمه ب«السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين»: «ثم تسلم» و نحوه عبارة كتاب الفقه المذكورة بعده.

و أنت خبير بأن غاية ما يستفاد من الأخبار المذكورة بالنسبة إلى «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» هو كونها قاطعة للصلاة متى اتى بها و لا يستفاد منها وجوب الإتيان بها، إذ ليس بعد هذه الأخبار الدالة على كونها قاطعة و مخرجة إلا مجرد حكايتها في التشهد المشتمل على المستحبات العديدة و جعلها في قرن ذلك و إلا فالأوامر التي ذكرنا دلالتها على وجوب التسليم و الأخبار الدالة على انه محلل و اذن و نحو ذلك انما وردت في «السلام عليكم» خاصة لا تعلق لشيء منها ب«السلام علينا.» كما لا يخفى على من عمق النظر في الأخبار و ذاق من لذيذ تلك الثمار.

قال في الذكرى بعد الكلام في المسألة: و بعد هذا فالاحتياط للدين الإتيان بالصيغتين جمعا بين القولين و ليس ذلك بقادح في الصلاة بوجه من الوجوه بادئا ب«السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» لا بالعكس فإنه لم يأت به خبر منقول و لا مصنف مشهور سوى ما في بعض كتب المحقق (قدس سره) و يعتقد ندب «السلام علينا» و وجوب الصيغة الأخرى، و ان أبي المصلي إلا إحدى الصيغتين ف«السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته» مجزئة بالإجماع. انتهى. و هو جيد وجيه متين كما لا يخفى على الحاذق المكين و ان كان قد خالف نفسه فيه بما قدمنا نقله عنه في الرسالة و اللمعة وفاقا للمحقق كما تقدم، و هو خلاف ما ذهب اليه الفاضل يحيى بن سعيد.

تنبيهات

(الأول) [كيفية تسليم الإمام و المأموم و المنفرد]

- قد ذكر جملة من الأصحاب ان المستحب للإمام و المنفرد ان يسلما تسليمة واحدة لكن الامام يومئ بصفحة وجهه إلى يمينه و المنفرد يومئ بمؤخر عينه إلى

491

يمينه، و المؤخر كمؤمن طرفها الذي يلي الصدغ. و اما المأموم فإنه يسلم من الجانبين إذا كان على يساره أحد و إلا فعن يمينه و يومئ بصفحة وجهه. و قال ابن الجنيد: إذا كان إماما في صف سلم عن جانبيه. و نقل عن الصدوقين انهما جعلا الحائط عن يسار المأموم كافيا في التسليمتين يمينا و شمالا. و سيأتي نقل كلام ابنه في الفقيه مع دليله و تحقيق القول فيه.

[الأخبار الواردة في المقام]

و اما الأخبار التي وقفت عليها في هذا الباب فهي لا تخلو بحسب ظاهرها من الاختلاف و الاضطراب كما هو في أكثر الأحكام المتفرقة في جملة الأبواب.

فمن ذلك: الأول-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن أبي بصير (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كنت في صف فسلم تسليمة عن يمينك و تسليمة عن يسارك لأن عن يسارك من يسلم عليك و إذا كنت اماما فسلم تسليمة واحدة و أنت مستقبل القبلة».

الثاني-

ما رواه الكليني و الشيخ عن عنبسة بن مصعب (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصف خلف الامام و ليس على يساره أحد كيف يسلم؟ قال يسلم واحدة عن يمينه».

الثالث-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (عليه السلام) (3) قال «رأيت إخوتي موسى و إسحاق و محمدا بنى جعفر يسلمون في الصلاة عن اليمين و الشمال السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته» (4).

الرابع-

عن عبد الحميد بن عواض في الصحيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «ان كنت تؤم قوما أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك و ان كنت مع إمام

____________

(1) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(4) الموجود في التهذيب ج 1 ص 226 و الوسائل و الوافي باب «التسليم و الانصراف» هكذا «السلام عليكم و رحمة اللّٰه السلام عليكم و رحمة اللّٰه» بالتكرير بدون كلمة «و بركاته».

(5) الوسائل الباب 2 من التسليم.

492

فتسليمتين و ان كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة».

الخامس-

عن منصور بن حازم في الصحيح (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) الامام يسلم واحدة و من وراءه يسلم اثنتين فان لم يكن عن شماله أحد سلم واحدة».

السادس-

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت اماما. الحديث و قد تقدم قريبا (3) الى ان قال: ثم تؤذن القوم فتقول و أنت مستقبل القبلة: السلام عليكم، و كذلك إذا كنت وحدك تقول «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» مثل ما سلمت و أنت إمام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت و سلم على من على يمينك و شمالك فان لم يكن على شمالك أحد فسلم على الذين عن يمينك و لا تدع التسليم على يمينك و ان لم يكن على شمالك أحد».

قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: و يستفاد من هذا الحديث و بعض الأخبار السابقة ان آخر اجزاء الصلاة قول المصلي «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» و به ينصرف عن الصلاة و بعد الانصراف عنها بذلك يأتي بالتسليم الذي هو اذن و إيذان بالانصراف و تحليل للصلاة و هو قول «السلام عليكم» و لما اشتبه هذا المعنى على أكثر متأخري أصحابنا اختلفوا في صيغة التسليم المحلل اختلافا لا يرجى زواله. و الحمد للّٰه على ما هدانا. أقول و هو موافق لما قدمنا تحقيقه و أوسعنا مضيقة.

ثم قال (قدس سره): قوله (عليه السلام) في آخر الحديث «و ان لم يكن على شمالك أحد» الظاهر انه كان «على يمينك» فسها النساخ فكتبوا «على شمالك» و في بعض النسخ «ان لم يكن» بدون الواو و كأنه نشأ إسقاطه مما رأوا من التهافت الناشئ من ذلك السهو، و يؤيد ما قلناه ما يأتي من كلام الفقيه انتهى. و هو جيد.

السابع-

ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى

____________

(1) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(3) ص 487.

493

(عليه السلام) (1) قال: «سألته عن تسليم الرجل خلف الإمام في الصلاة كيف؟ قال تسليمة واحدة عن يمينك إذا كان عن يمينك أحد أو لم يكن».

أقول: و في هذا الخبر دلالة على صحة ما ذكره المحدث الكاشاني في خبر أبي بصير من السهو.

الثامن-

ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطي عن عبد اللّٰه بن ابي يعفور (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن تسليم الامام و هو مستقبل القبلة؟ قال يقول السلام عليكم».

التاسع-

عن عبد الكريم عن أبي بصير (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك».

العاشر-

ما في الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام) بعد سياق التشهد الطويل كما تقدم في فصل التشهد و ذكر «السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» في آخره «ثم سلم عن يمينك و ان شئت يمينا و شمالا و ان شئت تجاه القبلة».

و ظاهره التخيير مطلقا اماما كان أو مأموما أو منفردا.

هذا ما حضرني من اخبار المسألة و سيجيء خبر آخر مع كلام الصدوق بعد تحقيق ما في هذه الأخبار حيث ان ما فيه لا يخلو من غرابة كما سنوضحه ان شاء اللّٰه تعالى

أقول: و يستفاد من هذه الأخبار اما بالنسبة إلى الامام فقد دل الخبر الأول على انه يسلم تسليمة واحدة و هو مستقبل القبلة، و الخبر الرابع تضمن تسليمة واحدة عن يمينه، و الخبر الخامس تضمن انه يسلم تسليمة واحدة و لم يعين الجهة فيها، و الخبر السادس دل على انه يسلم مستقبل القبلة، و هو ظاهر الخبر الثامن أيضا لأن الاستقبال و ان كان في كلام السائل إلا ان ظاهر جوابه (عليه السلام) تقريره على ذلك، و قد تقدم في موثقة يونس بن يعقوب (5) ما يدل على انه يسلم و يستقبلهم بوجهه، و هو مؤيد لما دل عليه الخبر الرابع.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 2 من التسليم.

(4) ص 8.

(5) ص 474.

494

و بعض مشايخنا جمع بين الأخبار هنا بان يبتدئ أولا إلى القبلة ثم يختمه مائلا إلى اليمين. و الظاهر بعده و لا يبعد الجمع بين الأخبار بالتخيير كما يدل عليه ظاهر الخبر العاشر.

و اما بالنسبة إلى المأموم فقد تضمن الخبر الأول انه يسلم تسليمة عن يمينه و تسليمة عن يساره، و تضمن الخبر الثاني انه يسلم واحدة عن يمينه خاصة إذا لم يكن على يساره أحد، و تضمن الخبر الرابع انه يسلم تسليمتين بقول مطلق، و إطلاقه محمول على ما تضمنه غيره من ان إحداهما إلى اليمين و الأخرى إلى اليسار متى كان على يساره أحد، و الخامس تضمن انه يسلم اثنتين إلا ان لا يكون على شماله أحد فواحدة عن اليمين، و السادس تضمن كما تضمنه الخامس، و الخبر السابع تضمن تسليمة واحدة خاصة على اليمين سواء كان أحد عن يمينه أو لم يكن، و إطلاقه في التسليمة الواحدة يحمل على ما إذا لم يكن على يساره أحد.

و بالجملة فالمفهوم من ضم هذه الأخبار بعضها إلى بعض ان المأموم يسلم واحدة عن يمينه سواء كان عن يمينه أحد أو لم يكن و يسلم عن يساره إذا كان ثمة أحد و إلا فلا.

و اما ما ذكره في المدارك بعد ذكر الرواية الخامسة و السادسة- حيث قال: و ليس في هاتين الروايتين و لا في غيرهما مما وقفت عليه دلالة على الإيماء بصفحة الوجه- ففيه ان المتبادر من هذه الألفاظ المذكورة في الأخبار- من قولهم «سلم على من على يمينك و شمالك» و قولهم «تسليمة واحدة عن يمينك» و نحو ذلك- التوجه بالوجه كلا أو بعضا نحو اليمين و الشمال، فان العرف قاض بان من قصد خطاب شخص توجه اليه بوجهه، و اما الاكتفاء في ذلك بمجرد النية و القصد فبعيد غاية البعد. و يؤيد ما قلناه ما اشتملت عليه الرواية السادسة من قوله في حكم الامام «سلم و أنت مستقبل القبلة» و قوله في حكم المأموم «سلم على من على يمينك و شمالك» فإنه لا ريب في تغاير معنى كل من العبارتين للأخرى و ليس إلا بما قلناه.

و اما الاستشكال في الانحراف حال التسليم يمينا و شمالا من حيث كراهة

495

الانحراف في الصلاة بناء على القول بكونه جزء واجبا فيمكن الجواب عنه بما ذكره في الذكرى من تخصيص أخبار الكراهة بأخبار التسليم فيكون التسليم مستثنى من الحكم المذكور بدليل من خارج.

و اما المنفرد فقد تضمن الخبر الرابع انه يسلم واحدة مستقبل القبلة، و كذلك ظاهر الخبر السادس، و الخبر التاسع تضمن انه يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، و إطلاق الخبر العاشر يدل على التخيير بين ان يسلم عن يمينه خاصة أو عن يمينه و شماله أو واحدة تجاه القبلة، و إطلاق الخبر الثالث يدل على التسليمتين أيضا عن اليمين و الشمال إلا ان يحمل على كونهم مأمومين كما هو الأقرب من حيث مداومتهم على الصلاة خلف أئمة ذلك الزمان و ورود التسليمتين في أكثر الأخبار للمأموم خاصة.

و الأصحاب- كما تقدم- ذكروا ان المنفرد يسلم تسليمة واحدة و يومئ بمؤخر عينه الى يمينه، و الأخبار كما ترى خالية من ذلك.

و قال المحقق في المعتبر: أما الإشارة بمؤخر العين فقد ذكره الشيخ في النهاية و هو من المستحب عنده و ربما أيده ما رواه احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي في جامعه و ذكر الخبر التاسع.

و أنت خبير بان ظاهر الخبر انما هو الإيماء بالوجه إلى اليمين كما أوضحناه آنفا و بالجملة فالإيماء بمؤخر العين لا اعرف دليلا من الأخبار و الجماعة قد تبعوا الشيخ كما هي قاعدتهم غالبا لحسن الظن به و الأخبار خالية منه كما ترى.

بقي الكلام في الجمع بين الخبر الدال على التسليم عن يمينه و الأخبار الدالة على التسليم مستقبل القبلة و لا اعرف له وجها إلا التخيير.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الصدوق قال في الفقيه: ثم تسلم و أنت مستقبل القبلة و تميل بعينك إلى يمينك ان كنت اماما، و ان صليت وحدك قلت «السلام عليكم» مرة واحدة و أنت مستقبل القبلة و تميل بأنفك إلى يمينك، و ان كنت خلف إمام تأتم به فسلم تجاه القبلة

496

واحدة ردا على الامام و تسلم على يمينك واحدة و على يسارك واحدة إلا ان لا يكون على يسارك انسان فلا تسلم على يسارك إلا ان تكون بجنب الحائط فتسلم على يسارك، و لا تدع التسليم على يمينك كان على يمينك أحد أو لم يكن. انتهى. و قال في المقنع نحو هذه العبارة.

و ربما كان مستنده في ذلك

ما رواه في علل الشرائع و الأحكام بسنده فيه عن المفضل ابن عمر (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة؟ قال لانه تحليل الصلاة. قلت فلأي علة يسلم على اليمين و لا يسلم على اليسار؟ قال لأن الملك الموكل يكتب الحسنات على اليمين و الذي يكتب السيئات على اليسار و الصلاة حسنات ليس فيها سيئات فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار. قلت فلم لا يقال «السلام عليك» و الملك على اليمين واحد و لكن يقال «السلام عليكم»؟ قال ليكون قد سلم عليه و على من على اليسار و فضل صاحب اليمين عليه بالإيماء إليه. قلت فلم لا يكون الإيماء في التسليم بالوجه كله و لكن كان بالأنف لمن يصلي وحده و بالعين لمن يصلي بقوم؟ قال لأن مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين فصاحب اليمين على الشدق الأيمن و تسليم المصلي عليه ليثبت له صلاته في صحيفته، قلت فلم يسلم المأموم ثلاثا؟ قال تكون واحدة ردا على الامام و تكون عليه و على ملكيه و تكون الثانية على من على يمينه و الملكين الموكلين به و تكون الثالثة على من على يساره و ملكيه الموكلين به، و من لم يكن على يساره أحد لم يسلم على يساره إلا ان يكون يمينه إلى الحائط و يساره إلى المصلي معه خلف الامام فيسلم على يساره. قلت فتسليم الامام على من يقع؟ قال على ملكيه و المأمومين، يقول لملكيه: اكتبا سلامة صلاتي مما يفسدها. و يقول لمن خلفه: سلمتم و أمنتم من عذاب اللّٰه تعالى قلت فلم صار تحليل الصلاة التسليم؟ قال لأنه تحية الملكين و في إقامة الصلاة بحدودها و ركوعها و سجودها و تسليمها سلامة العبد من النار و في قبول صلاة العبد يوم القيامة

____________

(1) الوسائل الباب 1 و 2 من التسليم.

497

قبول سائر أعماله فإذا سلمت له صلاته سلمت جميع اعماله و ان لم تسلم صلاته وردت عليه رد ما سواها من الأعمال الصالحة».

أقول: الظاهر ان هذا الخبر هو مستند الصدوق في ما ذكره في هذه العبارة من الأحكام الغريبة المخالفة لما عليه الأصحاب بل و اخبار الباب:

فمنها- الإيماء بالأنف لمن يصلي وحده، فان المشهور في كلام الأصحاب هو الإيماء بمؤخر عينه كما عرفت و الذي في الأخبار هو التسليم إلى القبلة أو الإيماء بوجهه إلى يمينه كما عرفت، على ان تحقق الإيماء بالأنف خاصة لا يخلو من الإشكال فإنه لا يمكن ذلك إلا مع الإيماء بالوجه، و لعل المراد الإيماء القليل بالوجه بحيث ينحرف به الأنف.

و منها- الإيماء بالعين للإمام و المشهور الانحراف بالوجه، و الأخبار منها ما دل على ما هو المشهور و منها ما دل على التسليم إلى القبلة.

و منها- التسليم ثلاثا للمأموم و المشهور في الأخبار و كلام الأصحاب مرتان بالتفصيل المتقدم.

و منها- استحباب التسليم إلى الحائط إذا كان في جانب اليسار إلا ان عبارة الحديث لا تساعده في هذا الوجه فان ظاهرها التسليم على اليسار إذا كان الحائط على اليمين و اما ما ذكره الشهيد في الذكرى- حيث قال بعد النقل عن ابني بابويه انهما جعلا الحائط على يسار المصلي كافيا في استحباب التسليمتين: و لا بأس باتباعهما لأنهما جليلان لا يقولان إلا عن ثبت- فلا يخفى ما فيه على الحاذق النبيه (أما أولا) فلان الأحكام الشرعية لا يجوز الاعتماد فيها على مجرد القول ما لم يعلم دليله إلا ان يكون مقلدا عاجزا عن استنباط الأدلة و تحصيلها و مرتبته (قدس سره) أجل من ذلك، و قول الصدوقين بأي حكم من الأحكام لدليل اطلعا عليه و لم يصل إلينا و لم نقف عليه لا يجوز لنا متابعتهما إلا على ما عرفت من التقليد، و بالجملة فإن الفقيه مكلف من اللّٰه عز و جل بالعمل بما ثبت

498

عنده من الدليل و منهي عن القول على اللّٰه بغير دليل في واجب كان أو مستحب أو محرم أو مكروه. نعم يمكن حمل كلامه على أتباعهما في العمل بذلك دون الإفتاء به إلا ان فيه أيضا ما سيأتي.

و (اما ثانيا)- فلما ظهر لشيخنا الصدوق في جملة من المواضع من الأوهام التي تفرد بها و ربما شنع بها على من لم يوافقه عليها أتم التشنيع مع انه لم يوافقه عليها أحد من الأصحاب، و منها- وجوب تأخير خطبتي الجمعة، و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع البصير وَ لٰا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ.

و (اما ثالثا)- فان الظاهر ان مستنده في هذا الكلام و ما تضمنه من الأحكام انما هو هذا الخبر و هو- كما ترى- لا ينطبق على ما ذكره في هذا الموضع. و اللّٰه العالم.

(الثاني) [حكم السلام على النبي (ص) في التشهد الأخير]

- قد أشرنا في ما تقدم في صدر الموضع الثالث إلى ان الجعفي و صاحب كنز العرفان ذهبا إلى وجوب «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته».

قال في كنز العرفان في تفسير قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (1): استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره:

شيء من التسليم واجب و لا شيء منه في غير التشهد بواجب فيكون وجوبه في الصلاة و هو المطلوب، اما الصغرى فلقوله «سَلِّمُوا» الدال على الوجوب و اما الكبرى فللإجماع و فيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد، سلمنا لكنه سلام على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لسياق الكلام و قضية العطف و أنتم لا تقولون انه المخرج من الصلاة بل المخرج غيره.

ثم قال و استدل بعض شيوخنا المعاصرين على انه يجب اضافة «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته» الى التشهد الأخير بالتقريب المتقدم. قيل عليه انه خرق للإجماع لنقل العلامة الإجماع على استحبابه. و يمكن الجواب بمنع الإجماع على عدم وجوبه و الإجماع المنقول على مشروعيته و راجحيته و هو أعم من الوجوب و الندب. ثم قال و بالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب. و استدل ببعض الأخبار.

____________

(1) سورة الأحزاب الآية 56.

499

و قال الجعفي في الفاخر على ما نقله عنه في الذكرى، قال قال صاحب الفاخر: أقل المجزئ من عمل الصلاة في الفريضة تكبيرة الافتتاح و قراءة الفاتحة في الركعتين أو ثلاث تسبيحات و الركوع و السجود و تكبيرة واحدة بين السجدتين و الشهادة في الجلسة الاولى و في الأخيرة الشهادتان و الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و التسليم و «السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته».

قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و كلامه هذا يشتمل على أشياء لا تعد من المذهب: منها- التكبيرة الواحدة بين السجدتين، و منها- القصر على الشهادة في الجلسة الاولى، و منها- وجوب التسليم على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و اما البدل عن القراءة فيريد به مع الاضطرار، صرح بذلك في غير هذا الموضع. انتهى.

أقول: لا يخفى ضعف هذا القول على من تأمل ما قدمناه من اخبار المسألة، و منشأ الشبهة هو لفظ التسليم فيه و قد عرفت ان مساق الأخبار الواردة بالأمر بالتسليم و انه مخرج و قاطع و نحو ذلك لا يتعلق بهذه الصيغة المذكورة، و اخبار تخلل الحدث بعد التشهد (1) صريحة في صحة الصلاة، و حينئذ فأي دليل للوجوب على ذلك؟

(الثالث) [كلام الشهيد المتضمن للأقوال في حكم التسليم و التعليق عليه]

- قال شيخنا الشهيد في الذكرى- بعد البحث في المسألة و نقل عبارات جملة من الأصحاب و المناقشة في ما كان محلا للمناقشة عنده- ما لفظه: أقول و باللّٰه التوفيق:

هذه المسألة من مهمات الصلاة و قد طال الكلام فيها و لزم منه أمور ستة: (الأول) القول بندبية التسليم بمعنييه كما هو مذهب أكثر القدماء، و ينافيه تواتر النقل عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته (عليهم السلام) بقوله «السلام عليكم» من غير بيان ندبيته مع انه امتثال الأمر الواجب،

و قد روى الشيخ بإسناده إلى أبي بصير بطريق موثق (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل ان يتشهد رعف؟ قال فليخرج فليغسل انفه ثم ليرجع فليتم صلاته فإن

____________

(1) التعليقة 1 ص 500.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

500

آخر الصلاة التسليم».

و مثله كثير و حمله الشيخ على الأفضل، حتى ان قول سلف الأمة «السلام عليكم» عقيب الصلاة داخل في ضروريات الدين و انما الشأن في الندبية أو الوجوب (الثاني) وجوب التسليم بمعنييه اما «السلام عليكم» فلإجماع الأمة و اما الصيغة الأخرى فلما مر من الأخبار التي لم ينكرها أحد من الإمامية مع كثرتها، لكنه لم يقل به أحد في ما علمته (الثالث) وجوب «السلام علينا.» عينا و قد تقدم القائل به، و فيه خروج عن الإجماع من حيث لا يشعر قائله (الرابع) وجوب «السلام عليكم» عينا لإجماع الأمة على فعله، و ينافيه ما دل على انقطاع الصلاة بالصيغة الأخرى مما لا سبيل إلى رده فكيف يجب بعد الخروج من الصلاة؟ (الخامس) وجوب الصيغتين تخييرا جمعا بين ما دل عليه إجماع الأمة و اخبار الإمامية، و هو قوي متين إلا انه لا قائل به من القدماء و كيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا؟ (السادس) وجوب «السلام عليكم» أو المنافي تخييرا و هو قول شنيع و أشنع منه وجوب احدى الصيغتين أو المنافي، و بعد هذا كله فالاحتياط للدين الإتيان بالصيغتين جمعا بين القولين و ليس ذلك بقادح في الصلاة بوجه من الوجوه بادئا ب«السلام علينا و على عباد اللّٰه الصالحين» لا بالعكس فإنه لم يأت به خبر منقول و لا مصنف مشهور سوى ما في بعض كتب المحقق (قدس سره) و يعتقد ندب «السلام علينا.» و وجوب الصيغة الأخرى، و ان أبي المصلي إلا إحدى الصيغتين ف«السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته» مخرجة بالإجماع. انتهى.

و ظاهره مؤذن بالتوقف في المسألة و انه انما صار إلى ما صار إليه أخيرا أخذا بالاحتياط.

و أنت خبير بان ما ذكره أخيرا هو الحق المستفاد من اخبار المسألة و ضم بعضها إلى بعض كما تقدم تحقيقه، و الأخبار الكثيرة التي أشار إليها بالنسبة إلى «السلام علينا.» غايتها- كما قدمنا تحقيقه- الدلالة على انقطاع الصلاة بعدها و هو لا يستلزم وجوبها بوجه.

و أحاديث صحة الصلاة بتخلل الحدث بعد التشهد (1) أصرح صريح في استحبابها.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة.

501

و اما صيغة «السلام عليكم» فالدليل على وجوبها بعد الإجماع المذكور استفاضة الأخبار بالأمر بها كما تقدم بيانه. و ما ذكره في الوجه الرابع من منافاة القول بوجوب «السلام عليكم» للأخبار الدالة على الانقطاع بالصيغة الأخرى انما يرد على القائلين بالجزئية كما تقدم و اما من يقول بكونه واجبا خارجا فلا كما عرفت. و اما الإشكال باخبار الحدث قبل التسليم (1) و جعل الحدث بذلك مخرجا فقد تقدم الجواب عنه.

(الرابع) [ما هو الواجب على القول بالتسليم]

- قيل ان الواجب على تقدير القول بوجوب التسليم هو «السلام عليكم» خاصة و نقل عن ابن بابويه و ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، و قال أبو الصلاح يجب «السلام عليكم و رحمة اللّٰه» و نقل عن ابن زهرة وجوب «السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته» و قال العلامة في المنتهى: و لو قال «السلام عليكم و رحمة اللّٰه» جاز و ان لم يقل «و بركاته» بغير خلاف.

أقول: لا يخفى ان الأخبار في ذلك مختلفة أيضا ففي صحيح

ابن أذينة أو حسنه المتقدم ذكره في آخر فصل التشهد (2) ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما امره اللّٰه تعالى بالسلام على الملائكة و النبيين قال «السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته».

و في صحيح علي بن جعفر و هو الخبر الثالث من الأخبار المتقدمة (3) حكاية عن اخوته الذين منهم الامام (عليه السلام) «السلام عليكم و رحمة اللّٰه (4)».

و روى في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) قال: «فإذا قضيت التشهد فسلم عن يمينك و عن شمالك تقول «السلام عليكم و رحمة اللّٰه السلام عليكم و رحمة اللّٰه».

و ظاهره استحباب المرتين للمنفرد أيضا.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة.

(2) ص 456.

(3) ص 491.

(4) وردت الصيغة في الخبر المذكور مكررة كما تقدم في التعليقة (4) ص 491.

(5) مستدرك الوسائل الباب 4 من التسليم.

502

و في الخبر السادس (1) من الأخبار المتقدمة أيضا «السلام عليكم» خاصة و مثله الخبر الثامن، و مثلهما ما تقدم في موثقة يونس بن يعقوب (2) الدالة علي انه نسي السلام على من خلفه حيث قال (عليه السلام) «و لو نسيت. استقبلتهم بوجهك فقلت السلام عليكم» و مورد الجميع الإمام إلا ان الظاهر انه لا قائل بالفرق.

و في كتاب المقنع (3) بعد ذكر التسليمات المستحبة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأنبياء و الرسل و الملائكة: فإذا كنت اماما فسلم و قل السلام عليكم مرة واحدة و أنت مستقبل القبلة و تميل بعينيك إلى يمينك و ان لم تكن اماما تميل بأنفك إلى يمينك، و ان كنت خلف إمام تأتم به فتسلم تجاه القبلة واحدة ردا على الامام و تسلم على يمينك واحدة و على يسارك واحدة. إلى آخره.

و هو جار على ما تقدم نقله عن الفقيه.

و الظاهر من الجمع بين هذه الأخبار هو حمل ما زاد على «السلام عليكم» على الفضل و الاستحباب كما هو مقتضى القول الأول من الأقوال المتقدمة، و يؤيده انه هو السلام المعهود المتكرر بين كافة الناس و السلام في الصلاة مأخوذ منه كما يشير اليه حديث عبد اللّٰه بن الفضل الهاشمي المتقدم في الموضع الأول (4) و نحوه حديث الفضل بن شاذان المذكور ثمة أيضا (5).

(الخامس) [من يقصده المصلي بالسلام و رد هذا السلام]

- قال في الذكرى: يستحب ان يقصد الامام التسليم على الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و الحفظة و المأمومين لذكر أولئك و حضور هؤلاء و الصيغة صيغة خطاب و المأموم يقصد بأولى التسليمتين الرد على الامام، فيحتمل ان يكون على سبيل الوجوب لعموم قوله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (6) و يحتمل ان يكون على سبيل الاستحباب لانه لا يقصد به التحية و انما الغرض منه الإيذان بالانصراف

____________

(1) ص 492.

(2) ص 474.

(3) مستدرك الوسائل الباب 2 من التسليم.

(4) ص 480.

(5) ص 479.

(6) سورة النساء، الآية 88.

503

من الصلاة كما مر في خبر أبي بصير (1) و جاء

في خبر عمار بن موسى (2) قال:

«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التسليم ما هو؟ فقال هو اذن».

و الوجهان ينسحبان في رد المأموم على مأموم آخر، و روى العامة عن سمرة (3) قال: «أمرنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان نسلم على أنفسنا و ان يسلم بعضنا على بعض» و على القول بوجوب الرد يكفي في القيام به واحد فيستحب للباقين، و إذا اقترن تسليم المأموم و الامام أجزأ و لا رد هنا و كذلك إذا اقترن تسليم المأمومين لتكافؤهم في التحية. و يقصد المأموم بالثانية الأنبياء و الحفظة و المأمومين. و اما المنفرد فيقصد بتسليمه ذلك. و لو أضاف الجميع إلى ذلك قصد الملائكة أجمعين و من على الجانبين من مسلمي الجن و الانس كان حسنا.

و قال ابن بابويه يرد المأموم على الإمام بواحدة ثم يسلم عن جانبيه تسليمتين. و كأنه يرى ان التسليمتين ليستا للرد بل هما عبادة محضة متعلقة بالصلاة و لما كان الرد واجبا في غير الصلاة لم يكف عنه تسليم الصلاة، و انما قدم الرد لانه واجب مضيق إذ هو حق لآدمي، و الأصحاب يقولون ان التسليمة تؤدي وظيفتي الرد و التعبد به في الصلاة كما سبق مثله في اجتزاء العاطس في حال رفع رأسه من الركوع بالتحميد عن العطسة و عن وظيفة الصلاة. و هذا يتم حسنا على القول باستحباب التسليم و اما على القول بوجوبه فظاهر الأصحاب ان الاولى من المأموم للرد على الامام و الثانية للإخراج من الصلاة و لهذا احتاج إلى تسليمتين.

و يمكن ان يقال ليس استحباب التسليمتين في حقه لكون الاولى ردا و الثانية مخرجة لأنه إذا لم يكن على يساره أحد اكتفى بالواحدة عن يمينه و كانت محصلة للرد و الخروج من الصلاة و انما شرعية الثانية ليعم السلام من على الجانبين لأنه بصيغة الخطاب فإذا وجهه إلى أحد الجانبين اختص به و بقي الجانب الآخر بغير تسليم، و لما كان الامام غالبا ليس على جانبيه أحد اختص بالواحدة و كذلك المنفرد، و لذا حكم ابن الجنيد بما تقدم

____________

(1) ص 492.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

(3) تيسير الوصول ج 2 ص 241 و 242. و يأتي في الاستدراكات ما يتعلق بالمقام.

504

من تسليم الإمام إذا كان في صف عن جانبيه. انتهى كلامه (زيد مقامه).

و هو جيد متين إلا ان للمناقشة في بعضه مجالا، و منه- ما تأول به قول ابن بابويه بالتسليمات الثلاث للمأموم من قوله «و كأنه يرى. إلخ» فإن فيه ان الظاهر ان ابن بابويه انما عول على الخبر الذي قدمنا نقله عنه من العلل، نعم ما ذكره يصلح وجه حكمة لما اشتمل عليه الخبر المشار اليه.

(السادس)- هل يجب نية الخروج على القول بوجوب التسليم؟

الأظهر العدم لعدم الدليل على ذلك و بذلك صرح جملة من محققي متأخري المتأخرين، و قال في المنتهى لم أجد لأصحابنا نصا فيه. و قال الشيخ في المبسوط ينبغي ان ينوي بها ذلك.

و قال في الذكرى: و وجه الوجوب ان نظم السلام يناقض الصلاة في وضعه من حيث هو خطاب للآدميين و من ثم تبطل الصلاة بفعله في أثنائها عامدا و إذا لم تقترن به نية تصرفه إلى التحليل كان مناقضا للصلاة مبطلا لها. و وجه عدم الوجوب قضية الأصل، و ان نية الصلاة اشتملت عليه و ان كان مخرجا منها، و لأن جميع العبادات لا تتوقف على نية الخروج بل الانفصال منها كاف في الخروج، و لأن مناط النية الإقدام على الأفعال لا الترك لها. انتهى.

أقول: ان ما وجه به العدم من الوجوه المذكورة مضافا إلى الأصل في غاية القوة و الرزانة، و ما وجه به الوجوب ضعيف سخيف لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، فإنه و ان كان كما ذكره من كونه خطابا للآدميين و انه تبطل الصلاة بفعله في الأثناء صحيحا إلا ان ذلك لا يستلزم نية التحليل به، إذ المفهوم من الأخبار المتقدمة ان الشارع قد جعله محللا بمعنى انه متى اتى به المكلف فقد تحلل من الصلاة قصد ذلك أو لم يقصده و نواه أو لم ينوه، و توقف التحليل به على أمر وراء الإتيان به يحتاج إلى دليل إذ لا يفهم من الأخبار أمر وراء ذلك كما عرفت، مع ما عرفت في ما قدمناه في غير مقام من الأخبار الدالة على السكوت عما سكت اللّٰه عنه و الإبهام لما أبهمه اللّٰه و النهي عن تكلف

505

ذلك (1) و كلام شيخنا المذكور هنا مؤذن بالتوقف في المسألة حيث لم يرجح شيئا من الوجهين.

(السابع)- هل يجوز الاكتفاء بقوله «سلام عليكم»؟

صرح المحقق في المعتبر بذلك، قال لو قال «سلام عليكم» ناويا به الخروج فالأشبه أنه يجزئ لانه يقع عليه اسم التسليم، و لأنها كلمة وردت في القرآن صورتها (2).

و فيه نظر (أما أولا) فلأنه خلاف الوارد عن صاحب الشرع (صلى اللّٰه عليه و آله). قوله- «لانه يقع عليه اسم التسليم»- مردود بأنه و ان ورد الأمر بالتسليم بقول مطلق في بعض الأخبار إلا أن أكثر الأخبار قد دلت على ان التسليم انما هو بصيغة «السلام عليكم» كما عرفت من اخبار التحليل و غيرها مما صرح بهذه الصيغة، و حمل مطلق الأخبار على مقيدها يقتضي التخصيص بتلك الصيغة فلا يجزئ ما سواها. و بالجملة فإنا لا نسلم وقوع التسليم الشرعي عليه.

و (اما ثانيا) فان مجرد وروده في القرآن لا يجوز التعبد به في الصلاة ما لم يرد به نص على الخصوص لأن العبادات توقيفية. و جميع ما ذكرناه بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لا خفاء فيه.

ختام به الإتمام في التعقيب

و تحقيق القول فيه يقع في مواضع

[الموضع] (الأول) في معناه

قال في القاموس: التعقيب الجلوس بعد الصلاة للدعاء. و قال في المصباح المنير: و التعقيب في الصلاة الجلوس بعد قضائها لدعاء أو مسألة. و قال الجوهري: التعقيب في الصلاة الجلوس بعد ان تقضيها

____________

(1) الشهاب في الحكم و الآداب باب الالف المقطوع و الموصول، و البحار ج 2 ص 272 من الطبع الحديث، و قد تقدم ما يتعلق بذلك في ج 1 ص 55.

(2) سورة الانعام الآية 54 و الأعراف الآية 44.

506

لدعاء أو مسألة. و نحوه قال ابن فارس في الجمل. و في النهاية الأثيرية: فيه «من عقب في صلاته فهو في صلاة» أي أقام في مصلاه بعد ما يفرغ من الصلاة. و كلام أهل اللغة كما ترى متفق الدلالة على دخول الجلوس في مفهومه. و نقل عن بعض فقهائنا أنه فسره بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر و ما أشبه ذلك و لم يذكر الجلوس، و لعل المراد بما أشبه ذلك نحو قراءة القرآن. و هل مجرد الجلوس بعد الصلاة من غير اشتغال بما ذكر تعقيب؟ ظاهر عبارة النهاية ذلك.

و قال شيخنا البهائي في الحبل المتين: لم أظفر في كلام أصحابنا (قدس اللّٰه أرواحهم) بكلام شاف في ما هو حقيقة التعقيب شرعا بحيث لو نذر التعقيب لانصرف اليه و لو نذر لمن هو مشتغل بالتعقيب في الوقت الفلاني لاستحق المنذور إذا كان مشتغلا به فيه، و قد فسره بعض اللغويين كالجوهري و غيره بالجلوس بعد الصلاة لدعاء أو مسألة. و هذا يدل بظاهره على ان الجلوس داخل في مفهومه و انه لو اشتغل بعد الصلاة بالدعاء قائما أو ماشيا أو مضطجعا لم يكن ذلك تعقيبا، و فسره بعض فقهائنا بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر و ما أشبه ذلك و لم يذكر الجلوس، و لعل المراد بما أشبه الدعاء و الذكر البكاء من خشية اللّٰه تعالى و التفكر في عجائب مصنوعاته و التذكر لجزيل آلائه و ما هو من هذا القبيل. و هل يعد الاشتغال بمجرد تلاوة القرآن بعد الصلاة تعقيبا؟ لم أظفر في كلام الأصحاب بتصريح في ذلك و الظاهر انه تعقيب، اما لو ضم اليه الدعاء فلا كلام في صدق التعقيب على المجموع المركب منهما، و ربما يلوح ذلك من بعض الأخبار، و ربما يظن دلالة بعضها على اشتراط الجلوس في التعقيب

كما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) انه قال «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أيما امرء مسلم جلس في مصلاه الذي صلى فيه الفجر يذكر اللّٰه تعالى حتى تطلع الشمس كان له من الأجر كحاج رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و غفر له فان جلس فيه حتى تكون ساعة تحل فيها الصلاة فصلى ركعتين

____________

(1) الوسائل الباب 18 من التعقيب.

507

أو أربعا غفر له ما سلف و كان له من الأجر كحاج بيت اللّٰه».

و ما روى عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (1) قال: «من صلى فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس كان له سترا من النار».

و غيرهما من الأخبار المتضمنة للجلوس بعد الصلاة و الحق انه لا دلالة فيها على ذلك بل غاية ما تدل عليه كون الجلوس مستحبا أيضا اما انه معتبر في مفهوم التعقيب فلا، و قس عليه عدم مفارقة مكان الصلاة.

و في رواية الوليد ابن صبيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد. يعني بالتعقيب الدعاء بعقب الصلاة».

و هذا التفسير اعني تفسير التعقيب بالدعاء عقيب الصلاة لعله من الوليد بن صبيح أو من بعض رجال السند و أكثرهم من أجلاء. أصحابنا و هو يعطي بإطلاقه عدم اشتراطه بشيء من الجلوس و الكون في المصلى و الطهارة و استقبال القبلة و هذه، الأمور انما هي شروط كماله. فقد ورد ان المعقب ينبغي ان يكون على هيئة المتشهد في استقبال القبلة و التورك، و اما

ما رواه هشام بن سالم (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اني اخرج في الحاجة و أحب ان أكون معقبا؟

فقال ان كنت على وضوء فأنت معقب».

فالظاهر ان مراده (عليه السلام) ان لمستديم الوضوء مثل ثواب المعقب لا انه معقب حقيقة. و هل يشترط في صدق اسم التعقيب شرعا اتصاله بالصلاة و عدم الفصل الكثير بينه و بينها؟ الظاهر نعم و هل يعتبر في الصلاة كونها واجبة أو تحصل حقيقة التعقيب بعد النافلة أيضا؟ إطلاق التفسيرين السابقين يقتضي العموم و كذا إطلاق رواية ابن صبيح و غيرها، و التصريح بالفرائض في بعض الروايات لا يقتضي تخصيصها بها و اللّٰه العالم. انتهى كلامه زيد مقامه.

و قال الشهيد في الذكرى: قد ورد ان المعقب يكون على هيئة المتشهد في استقبال القبلة و في التورك و ان ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 18 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 17 من التعقيب.

508

أقول: و يشير اليه ما ورد في الأخبار (1)- كما سيأتي ان شاء اللّٰه في المقام-

ان من سبح تسبيح فاطمة (عليها السلام) قبل ان يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر اللّٰه له».

و ما ورد أيضا (2) قال: «من قال في دبر صلاة الفريضة قبل ان يثنى رجليه استغفر اللّٰه الذي لا إله إلا هو الحي. الحديث».

و سيأتي ان شاء اللّٰه، إلا انه يمكن حمله على الفرد الأكمل منه. و بالجملة فإنه لا ريب في تحققه بالجلوس مشتغلا بالدعاء و المسألة و الذكر دبر الصلاة و انما الشك في اشتراطه بالشروط المذكورة من الاستقبال و الطهارة و التورك و الجلوس بحيث لا يصدق مع الإخلال بشيء منها.

و قال شيخنا المجلسي في البحار: و ربما احتمل بعض الأصحاب كون محض الجلوس بعد الصلاة بتلك الهيئة تعقيبا و ان لم يقرأ دعاء و لا ذكرا و لا قرآنا. و هو بعيد بل الظاهر تحقق التعقيب بقراءة شيء من الثلاثة بعد الصلاة أو قريبا منها عرفا على اي حال كان و الجلوس و الاستقبال و الطهارة من مكملاته. نعم ورد في بعض التعقيبات ذكر بعض تلك الشرائط كما سيأتي فيكون شرطا فيها بخصوصها في حال الاختيار و ان احتمل ان يكون فيها أيضا من المكملات و يكون استحبابه فيها أشد منه في غيرها. و الأفضل و الأحوط رعاية شروط الصلاة فيه مطلقا مع الإمكان. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد، و أشار بقوله «نعم ورد في بعض التعقيبات.» الى ما ذكرنا من الخبرين و نحوهما.

و قال الشهيد في الرسالة النفلية: و وظائفه عشرة: الإقبال عليه بالقلب و البقاء على هيئة التشهد و عدم الكلام- اي قبله و خلاله كما ذكره في الشرح- و الحدث بل الباقي على طهارته معقب و ان انصرف، و عدم الاستدبار و عدم مزايلة المصلي اي مفارقته و كل مناف صحة الصلاة أو كمالها. قال في الشرح هذا كله من وظائف الكمال و إلا فإنه يتحقق بدونها. انتهى. و اللّٰه العالم.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 24 من التعقيب.

509

[الموضع] (الثاني) في فضله

، قد دلت الآية و استفاضت الرواية بالحث عليه و ما فيه من مزيد النفع في الدين و الدنيا:

قال اللّٰه تعالى «فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ» (1) قال في مجمع البيان (2): معناه فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء و ارغب إليه في المسألة. عن مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبي، و هو المروي عن ابي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام). و قال الصادق (عليه السلام) هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس.

انتهى.

و روى في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال في قول اللّٰه عز و جل فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ قال: «الدعاء بعد الفريضة إياك ان تدعه فان فضله بعد الفريضة كفضل الفريضة على النافلة».

و روى في قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «كان أبي يقول في قول اللّٰه تعالى فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ: فإذا قضيت الصلاة بعد ان تسلم و أنت جالس فانصب في الدعاء من أمر الدنيا و الآخرة فإذا فرغت من الدعاء فارغب إلى اللّٰه (عز و جل) ان يتقبلها منك».

و روى في الكافي عن بزرج عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «من صلى صلاة فريضة و عقب إلى أخرى فهو ضيف اللّٰه و حق على اللّٰه تعالى ان يكرم ضيفه».

و روى في الكافي و الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (6) قال: «الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفلا» و زاد في الفقيه

____________

(1) سورة الشرح، الآية 7 و 8.

(2) ج 5 ص 509.

(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(4) الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(6) الوسائل الباب 5 من التعقيب.

510

«و بذلك جرت السنة».

قيل: لعل المراد بالتنفل غير الرواتب لأنها أهم من التعقيب كما مر بيانه، على انه لا راتبة بعد فريضة إلا نافلة المغرب و قد مضى انه لا ينبغي تركها في سفر و لا حضر. انتهى. و هو جيد.

و روى الشيخ في الصحيح عن الوليد بن صبيح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد. يعني بالتعقيب الدعاء بعقب الصلاة».

أقول: المراد بالضرب في البلاد السفر للتجارة

مع ما ورد (2) «ان تسعة أعشار الرزق في التجارة».

و مع ذلك فالتعقيب أبلغ منها في طلبه، و لعل ذلك لأن التاجر يتكل على طلبه و سعيه و جده و اجتهاده و المعقب انما يتكل على اللّٰه تعالى

و قد ورد (3) «ان من كان للّٰه كان اللّٰه له».

و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) الجلوس بعد صلاة الغداة في التعقيب و الدعاء حتى تطلع الشمس أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض».

و روى في التهذيب عن عبد اللّٰه بن محمد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «ما عالج الناس شيئا أشد من التعقيب».

قيل، المعالجة المزاولة و المداواة فكأن المراد انهم لا يزاولون عملا أشق عليهم منه، أو المراد انه لا دواء أنفع لادوائهم منه.

و روى السيد الزاهد المجاهد رضي الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل بإسناده إلى محمد بن علي بن محبوب عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 1 من مقدمات التجارة.

(3) البحار ج 18 الصلاة ص 412.

(4) الوسائل الباب 18 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(6) مستدرك الوسائل الباب 1 من التعقيب.

511

«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من جلس في مصلاه ثانيا رجله وكل اللّٰه به ملكا فقال له ازدد شرفا تكتب لك الحسنات و تمحى عنك السيئات و تثبت لك الدرجات حتى تنصرف».

و روى في كتاب دعائم الإسلام مثله (1) إلا ان فيه «ثانيا رجليه».

و روى في التهذيب مسندا عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) ان أمير المؤمنين (عليه السلام)

و رواه في الفقيه مرسلا (3) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء و لينصب في الدعاء؟ فقال ابن سبأ يا أمير المؤمنين أ ليس اللّٰه بكل مكان؟ قال (عليه السلام) بلى. قال فلم يرفع يديه إلى السماء؟ قال أو ما تقرأ «وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ» (4) فمن اين يطلب الرزق إلا من موضعه، و موضع الرزق و ما وعد اللّٰه السماء».

قيل المراد بالسماء السحاب و بالرزق المطر لانه سبب الأقوات، و ما توعدون اي من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال و ثوابها مكتوبة مقدرة في السماء، و الحاصل انه لما كان تقدير الرزق و أسبابه في السماء و المثوبات الأخروية و تقديرها في السماء ناسب رفع اليد إليها في طلب الأمور الدنيوية و الأخروية في التعقيب و غيره. و ابن سبا هذا هو الذي كان يزعم ان أمير المؤمنين (عليه السلام) إله فاستتابه أمير المؤمنين ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه (5).

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 29 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 29 من التعقيب.

(4) سورة الذاريات، الآية 22.

(5) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة: عبد اللّٰه سبأ غال ملعون أحرقه أمير المؤمنين «ع» بالنار، كان يزعم ان عليا «ع» إله و انه نبي. و في تنقيح المقال ج 2 ص 183 عن الشيخ الطوسي في باب أصحاب أمير المؤمنين «ع»: عبد اللّٰه بن سبإ الذي رجع إلى الكفر و أظهر الغلو.

و في رجال الكشي ص 70 «ان الأئمة «ع» يبرأون منه لانه كان يدعي النبوة و يزعم ان عليا «ع» هو اللّٰه فاستتابه ثلاثة أيام فلم يرجع فأحرقه بالنار و أحرق سبعين رجلا ادعوا.

512

و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن سالم قال: «قلت.

____________

فيه ذلك» و ذلك مضمون ما رواه بطرقه عن السجاد و الباقر و الصادق «(عليهم السلام)» و هو خمس روايات. و قد نقل في الوسائل اثنتين منها في الباب 2 من حد المرتد. أقول:

ان هذه الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت «(عليهم السلام)» و الكلمات الصادرة من اعلام الشيعة دليل قاطع و برهان ساطع على سخط أئمة الشيعة و إعلامهم على هذا الرجل و انهم يبرأون منه لكفره و غلوه بل بعض الروايات تصرح- كما في كلام الكشي- بأن عليا «ع» أحرق سبعين رجلا ادعوا فيه ذلك، مما يدل على تنفيذ حكم الاعدام فيه و في كل من قال بمقالته. و لا يخفى ان المقارنة بين الرواية المتقدمة في المتن و هذه الروايات الخمس تقتضي ان هذا الانحراف كان في زمان متأخر عن المحاورة بينه و بين الامام «ع» التي اشتملت عليها الرواية. و مع هذا كله فقد وجد أعداء الشيعة في هذه الشخصية خير وسيلة لتحطيم مذهب الشيعة الذي تأسس و تكون على ضوء قول اللّٰه تعالى في سورة المائدة «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ»

و قول النبي «ص» في حديث الغدير «من كنت مولاه فهذا على مولاه» بعد قوله «ص» «أ لست أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» و قول المسلمين «اللهم بلى».

و قوله «ص» «على مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيثما دار».

و قوله «ص» لعلي «ع» «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي».

الى غير ذلك مما يدل على المطلوب، و وجدوا فيه خير وسيلة لتشويه مذهب أهل البيت «ع» الذين انزل اللّٰه فيهم آية التطهير و اوصى النبي «ص» بالتمسك بهم و قرنهم بالقرآن في حديث الثقلين، فجعلوه المؤسس لمذهب التشيع و المبتدع لأصوله و اعتبروه مأخوذا من اليهود، فالكشى- بعد ان حكى عن أهل العلم ان عبد اللّٰه بن سبأ كان يهوديا فأسلم و والى عليا «ع» و كان يقول و هو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى «ع» الغلو فقال في إسلامه بعد وفاة رسول اللّٰه «ص» في على «ع» مثل ذلك و كان أول من أشهر بالقول بفرض امامة علي «ع» و أظهر البراءة من أعدائه و كاشف مخالفيه و كفرهم- قال «فمن هنا قال من خالف الشيعة ان أصل التشيع و الرفض مأخوذ من اليهودية» و قد تصدى المؤرخون لهذا الأمر كالطبري و ابن عساكر.

513

لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) اني اخرج في الحاجة واجب ان أكون معقبا؟ فقال ان

____________

و ابن الأثير و أبي الفداء و ابن كثير، و ملخص ما ذكروه في هذه القصة- كما في مدخل كتاب عبد اللّٰه بن سبإ للعلامة الأستاذ السيد مرتضى العسكري ص 2- ان يهوديا من صنعاء اليمن يسمى عبد اللّٰه بن سبأ و يلقب بابن الأمة السوداء أظهر الإسلام في عصر عثمان و اندس بين المسلمين و أخذ يتنقل في حواضرهم و عواصم بلادهم: الشام و الكوفة و البصرة و مصر مبشرا بان للنبي محمد «ص» رجعة كما ان لعيسى بن مريم رجعة و ان عليا «ع» هو وصى محمد «ص» كما كان لكل نبي وصي و ان عليا خاتم الأوصياء كما كان محمد «ص» خاتم الأنبياء و ان عثمان غاصب هذا الحق و ظالمة فيجب مناهضته لإرجاع الحق إلى اهله، و انه بث في البلاد الإسلامية دعاته و أشار عليهم ان يظهروا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الطعن في الأمراء و تبعه على ذلك جماعات من المسلمين فيهم الصحابي الكبير و التابعي الصالح كأبي ذر و عمار بن ياسر و محمد بن أبي حذيفة و عبد الرحمن بن عديس و محمد بن أبي بكر و صعصعة ابن صوحان و مالك الأشتر إلى غيرهم من أبرار المسلمين و اخيارهم، و ان الثورة ضد عثمان كانت بتحريض السبأيين و انهم حينما رأوا ان رؤساء الجيشين في حرب الجمل أخذوا يتفاهمون اجتمعوا ليلا و قرروا ان يندسوا بين الجيشين و يثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم و نفذوا هذا القران قبل ان يتنبه الجيشان و ان حرب الجمل وقعت هكذا دون ان يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم. إلى هنا تنتهي القصة و لا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيء. و قد جاء المتأخرون من أعداء الشيعة فطبلوا و زمروا لما كتبه أسلافهم فهذا السيد رشيد رضا يقول في كتاب السنة و الشيعة ص 4- 6 «كان التشيع للخليفة الرابع على بن أبي طالب «ع» مبدأ تفرق هذه الأمة المحمدية في دينها و في سياستها و كان مبتدع أصوله يهوديا اسمه عبد اللّٰه بن سبإ أظهر الإسلام خداعا و دعا إلى الغلو في على «ع» لأجل تفريق هذه الأمة و إفساد دينها و دنياها عليها» ثم يسرد القصة إلى ص 6 من كتابه و يعلق عليها بما يهوى. و هذا أحمد أمين يقول في فجر الإسلام ص 136: «و نلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري و بين رأي مزدك في الناحية المالية فقط. إلى ان يقول و لكن من أين أتاه هذا الرأي؟ يحدثنا الطبري عن جواب هذا السؤال فيقول ان ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك» ثم ذكر في ص 311 و 313 و 330 ما يوافق مقالة صاحبه المتقدم.

514

كنت على وضوء فأنت معقب».

____________

و هذا الدكتور حسن إبراهيم حسن يذكر في كتابه تاريخ الإسلام السياسي ص 347 مثل ذلك و هكذا المستشرقون. هذا. و ان كل من تعرض لهذه القصة من المؤرخين و الباحثين ما عدا ابن عساكر أخذ هذه القصة من الطبري و ان الطبري و ابن عساكر اخذاها من سيف بن عمر التميمي البرجمي الكوفي فكل هذا البناء يبتنى على هذا الأساس اذن فلننظر إلى قيمة هذا الأساس و اعتباره، تصرح كتب الرجال في ترجمة سيف بن عمر بما يلي: «يروى عن خلق كثير من المجهولين. ضعيف الحديث. ليس بشيء. متروك يضع الحديث. و هو في الرواية ساقط. يروى الموضوعات عن الثقات عامة حديثه منكر متهم بالوضع و الزندقة» راجع فهرست ابن النديم ص 137 و ميزان الاعتدال للذهبى ج 1 ص 438 رقم 3581 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 295 نقلا عن جماعة من علماء الرجال كابن معين و أبي حاتم و أبي داود النسائي و الدارقطني و ابن عدي و ابن حيان و عباس بن يحيى و غيرهم. فانظر ايها المنصف و تأمل في هذا المنطق الذي يسوغ الاقدام على هذه العظائم و الطعن بكبار الصحابة و التابعين و الحط من مقامهم بهذه القصة التي يقصها سيف بن عمر الذي ليست له آية قيمة عند علماء الرجال بل صرحوا بوضعه الحديث و زندقته، كل ذلك لإضاعة الحقائق و التمويه على البسطاء و السذج من الناس. هذا. و من العجيب ان التاريخ الذي يصور شخصية عبد اللّٰه بن سبأ بهذه الصورة حتى أوصلها الرقم القياسي في التأثير على عواطف المسلمين و آرائهم و انتزاع عقائدهم ينهى قصته إلى حيث تقدم من اثارة حرب الجمل و بجهل كل شيء عنها بعد ذلك. و قال أحمد أمين في هامش ص 330 من فجر الإسلام: «يذهب بعض الباحثين إلى ان عبد اللّٰه بن سبأ رجل خرافي ليس له وجود تاريخي محقق و لكنا لم نر لهم من الأدلة ما يثبت مدعاهم» و الظاهر انه يقصد الدكتور طه حسين. هذا. و قد بحث العلامة الأستاذ السيد مرتضى العسكري دامت بركاته الموضوع بحثا وافيا و شرحه شرحا صافيا و كشف الستار عن حقيقة أحاديث سيف بن عمر التي بنى عليها المؤرخون و الباحثون القضايا التاريخية المهمة في مدخل كتابه عبد اللّٰه بن سبأ و من قبله آية اللّٰه الأميني فقد أوضح قيمة تاريخ الطبري و غيره في الغدير ج 8 ص 324 (جزاهما اللّٰه عن الحق و اهله خير الجزاء) و كل ما تقدم في هذه التعليقة من المصادر مأخوذ من كتاب عبد اللّٰه بن سبأ فيرجع في التفصيل اليه.

515

و قال في الفقيه (1) «قال الصادق (عليه السلام) المؤمن معقب ما دام على وضوئه».

و روى الصدوق في المجالس بسنده عن عمير بن مأمون العطاردي (2) قال:

«رأيت الحسن بن علي (عليه السلام) يقعد في مجلسه حين يصلي الفجر حتى تطلع الشمس و سمعته يقول سمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر اللّٰه تعالى حتى تطلع الشمس ستره اللّٰه عز و جل من النار ستره اللّٰه من النار ستره اللّٰه من النار».

و روى العياشي في تفسيره عن الحسين بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قلت له جعلت فداك انهم يقولون ان النوم بعد الفجر مكروه لأن الأرزاق تقسم في ذلك الوقت؟ فقال الأرزاق موظوفة مقسومة و للّٰه فضل يقسمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و ذلك قوله «وَ سْئَلُوا اللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ» (4) ثم قال و ذكر اللّٰه بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض».

الى غير ذلك من الأخبار.

[الموضع] (الثالث) [تسبيح الزهراء (ع) و كيفيته]

- قد استفاضت الأخبار بالحث على تسبيح فاطمة الزهراء (سلام اللّٰه عليها) و فضله في التعقيب، قال في المنتهى: أفضل الأذكار كلها تسبيح الزهراء (سلام اللّٰه عليها) و قد أجمع أهل العلم كافة على استحبابه.

و الأخبار من طرقنا و طرق المخالفين (5) أيضا متكاثرة إلا انها لا تخلو من

____________

(1) الوسائل الباب 17 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 18 من التعقيب.

(3) مستدرك الوسائل الباب 16 من التعقيب.

(4) سورة النساء، الآية 36.

(5) رواه البخاري في صحيحة ج 1 باب الذكر بعد الصلاة، و مسلم في صحيحة ج 2 ص 97 و 98 طبعة محمد علي صبيح إلا ان في بعض رواياتهم «ثلاث و ثلاثون» في الثلاثة فيكون المجموع تسعا و تسعين، و في بعضها تمام المائة «لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير» و في بعضها التكبير اربع و ثلاثون و في بعضها المجموع ثلاث و ثلاثون و لم يعنون في شيء منها بتسبيح فاطمة «ع». نعم في إرشاد الساري ج 6 ص 112 باب- مناقب على «ع» ذكر

حديث عائشة و فيه ان النبي «ص» قال لفاطمة و على «ع»: «إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا و ثلاثين و تسبحا ثلاثا و ثلاثين و تحمدا ثلاثا و ثلاثين فهو خير لكما من خادم».

ثم قال القسطلاني: في هذا الحديث منقبة ظاهرة لعلي و فاطمة «ع» و رواه أحمد في المسند ج 1 ص 96 و مسلم في صحيحة ج 8 ص 84.

516

الاختلاف في ترتيبه فالواجب أولا سوق جملة من الأخبار الواردة فيه ثم الكلام بما يرفع التنافي بينها في المقام و ما وقفنا عليه في ذلك من كلام علمائنا الأعلام:

فمن الأخبار المشار إليها

ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر اللّٰه مراقدهم) عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إلا ان ثقة الإسلام و الشيخ روياه في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من سبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) قبل ان يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر اللّٰه له، و يبدأ بالتكبير».

و روى في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «من سبح اللّٰه في دبر الفريضة تسبيح فاطمة المائة مرة و أتبعها بلا إله إلا اللّٰه مرة غفر اللّٰه له».

و عن أبي هارون المكفوف عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «يا أبا هارون إنا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة (عليها السلام) كما نأمرهم بالصلاة فالزمه فإنه لم يلزمه عبد فشقي».

و عن صالح بن عقبة عن عقبة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «ما عبد اللّٰه بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة (عليها السلام) و لو كان شيء أفضل منه لنحله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام)».

و عن أبي خالد القماط (5) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول تسبيح فاطمة (ع) في كل يوم في دبر كل صلاة أحب الي من صلاة ألف ركعة في كل يوم».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 7 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 8 من التعقيب.

(4) الوسائل الباب 9 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 9 من التعقيب.

517

و عن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) من الذكر الكثير الذي قال اللّٰه تعالى اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً» (2).

و عن محمد بن عذافر في الصحيح (3) قال: «دخلت مع أبي على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فسأله أبي عن تسبيح فاطمة (عليها السلام) فقال «اللّٰه أكبر» حتى أحصى أربعا و ثلاثين مرة ثم قال «الحمد للّٰه» حتى بلغ سبعا و ستين ثم قال «سبحان اللّٰه» حتى بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة».

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال في تسبيح فاطمة (عليها السلام): «تبدأ بالتكبير أربعا و ثلاثين ثم التحميد ثلاثا و ثلاثين ثم التسبيح ثلاثا و ثلاثين».

و عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «تسبيح فاطمة (عليها السلام) إذا أخذت مضجعك فكبر اللّٰه أربعا و ثلاثين و احمده ثلاثا و ثلاثين و سبحه ثلاثا و ثلاثين. الحديث».

و نقل في البحار (6) عن مشكاة الأنوار قال: «دخل رجل على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و كلمه فلم يسمع كلام أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) و شكى اليه ثقلا في أذنيه فقال ما يمنعك و اين أنت من تسبيح فاطمة (عليها السلام)؟ فقال له جعلت فداك و ما تسبيح فاطمة؟ فقال تكبر اللّٰه أربعا و ثلاثين و تحمد اللّٰه ثلاثا و ثلاثين و تسبح اللّٰه ثلاثا

____________

(1) الوسائل الباب 8 من التعقيب.

(2) سورة الأحزاب، الآية 41.

(3) الوسائل الباب 10 من التعقيب.

(4) الوسائل الباب 10 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 12 من التعقيب.

(6) ج 18 الصلاة ص 415 و تمام الحديث هكذا: «فما فعلت ذلك إلا يسيرا حتى أذهب عني ما كنت أجده».

518

و ثلاثين تمام المائة».

و روى الشيخ في التهذيب عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) في حديث نافلة شهر رمضان قال: «سبح تسبيح فاطمة (عليها السلام) و هو اللّٰه أكبر أربعا و ثلاثين مرة و سبحان اللّٰه ثلاثا و ثلاثين مرة و الحمد للّٰه ثلاثا و ثلاثين مرة فواللّٰه لو كان شيء أفضل منه لعلمه رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إياها».

و روى في الفقيه في الصحيح عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم (2) قال:

«قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا توسد الرجل يمينه فليقل: بسم اللّٰه. إلى ان قال ثم يسبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام).».

و روى في الفقيه مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) «انه قال لرجل من بني سعد إلا أحدثك عني و عن فاطمة (عليها السلام)؟ انها كانت عندي. ثم ساق الحديث إلى ان قال فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فكبرا أربعا و ثلاثين تكبيرة و سبحا ثلاثا و ثلاثين تسبيحة و احمدا ثلاثا و ثلاثين تحميدة. الحديث».

و روى في الكافي عن داود بن فرقد عن أخيه (4) «ان شهاب بن عبد ربه سأله ان يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و قال قل له ان امرأة تفزعني في المنام بالليل فقال قل له اجعل مسباحا و كبر اللّٰه أربعا و ثلاثين تكبيرة و سبح اللّٰه ثلاثا و ثلاثين تسبيحة و احمد اللّٰه ثلاثا و ثلاثين تحميدة و قل لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و يميت و يحيي بيده الخير و له اختلاف الليل و النهار و هو على كل شيء قدير (عشر مرات)».

أقول: المسباح ما يسبح به و يعد به الأذكار.

____________

(1) الوسائل الباب 10 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 12 من التعقيب.

(3) الفقيه ج 1 ص 211، و الوسائل الباب 11 من التعقيب.

(4) الوسائل الباب 12 من التعقيب.

519

و في كتاب الفقه الرضوي (1) «و تسبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) و هو اربع و ثلاثون تكبيرة و ثلاث و ثلاثون تسبيحة و ثلاث و ثلاثون تحميدة».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على تقديم التكبير و انما الخلاف في تقديم التحميد على التسبيح أو العكس فالمشهور الأول.

قال في المختلف: المشهور في تسبيح الزهراء (عليها السلام) تقديم التكبير ثم التحميد ثم التسبيح، ذكره الشيخ في النهاية و المبسوط و المفيد في المقنعة و سلار و ابن البراج و ابن إدريس. و قال علي بن بابويه يسبح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) و هو اربع و ثلاثون تكبيرة و ثلاث و ثلاثون تسبيحة و ثلاث و ثلاثون تحميدة. و هو يشعر بتقديم التسبيح على التحميد، و كذا قال ابنه أبو جعفر و ابن الجنيد و الشيخ في الاقتصاد. انتهى.

و قال شيخنا البهائي في مفتاح الفلاح: اعلم ان المشهور استحباب تسبيح الزهراء (عليها السلام) في وقتين أحدهما بعد الصلاة و الآخر عند النوم، و ظاهر الرواية الواردة به عند النوم يقتضي تقديم التسبيح على التحميد، و ظاهر الرواية الصحيحة الواردة في تسبيح الزهراء (عليها السلام) على الإطلاق يقتضي تأخيره عنه. و لا بأس ببسط الكلام في هذا المقام و ان كان خارجا عن موضوع الكتاب فنقول: قد اختلف علماؤنا في ذلك مع اتفاقهم على الابتداء بالتكبير لصراحة صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (2) في الابتداء به، فالمشهور الذي عليه العمل في التعقيبات تقديم التحميد على التسبيح، و قال رئيس المحدثين و أبوه و ابن الجنيد بتأخيره عنه، و الروايات عن أئمة الهدى (عليهم السلام) لا تخلو بحسب الظاهر من اختلاف، و الرواية المعتبرة التي ظاهرها تقديم التحميد شاملة بإطلاقها لما يفعل بعد الصلاة و ما يفعل عند النوم و هي ما رواه شيخ الطائفة في التهذيب بسند صحيح عن محمد بن عذافر، ثم ساق الحديث كما تقدم ثم قال و الرواية التي ظاهرها تقديم التسبيح على التحميد مختصة بما يفعل عند النوم، ثم أورد

____________

(1) ص 9.

(2) ص 516.

520

عن الفقيه رواية علي و فاطمة (عليهما السلام) و أوردها بطولها- و نحن قدمنا (1) موضع الحاجة منها- ثم قال و لا يخفى ان هذه الرواية غير صريحة في تقديم التسبيح على التحميد فان الواو لا تفيد الترتيب و انما هي لمطلق الجمع على الأصح كما بين في الأصول، نعم ظاهر التقديم اللفظي يقتضي ذلك و كذا الرواية السابقة غير صريحة في تقديم التحميد على التسبيح فان لفظ «ثم» فيها من كلام الراوي فلم يبق إلا ظاهر التقديم اللفظي أيضا فالتنافي بين الروايتين انما هو بحسب الظاهر، فينبغي حمل الثانية على الاولى لصحة سندها و اعتضادها ببعض الروايات الضعيفة كما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية المتقدمة (2) ثم قال: و هذه الرواية صريحة في تقديم التحميد على التسبيح فهي مؤيدة لظاهر لفظ الرواية الصحيحة فتحمل الرواية الأخرى على خلاف ظاهر لفظها ليرتفع التنافي بينهما كما قلنا (فان قلت) يمكن العمل بظاهر الروايتين معا بحمل الاولى على الذي يفعل بعد الصلاة و الثانية على الذي يفعل عند النوم، و حينئذ لا يحتاج إلى صرف الثانية عن ظاهرها فلم عدلت عنه و كيف لم تقل به؟ (قلت) لأني لم أجد قائلا بالفرق بين تسبيح الزهراء (عليها السلام) في الحالين بل الذي يظهر بعد التتبع ان كلا من الفريقين القائلين بتقديم الحمد و تأخيره قائل به مطلقا سواء وقع بعد الصلاة أو قبل النوم، فالقول بالتفصيل احداث قول ثالث في مقابل الإجماع المركب، و اما ما يقال- من ان احداث القول الثالث انما يمتنع إذا لزم منه رفع ما اجتمعت عليه الأمة كما يقال في رد البكر الموطوءة بعيب مجانا لاتفاق الكل على عدمه بخلاف ما ليس كذلك كالقول بفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض لموافقة كل من الشطرين في شطر، و كما نحن فيه إذ لا مانع منه مثل القول بصحة بيع الغائب و عدم قتل المسلم بالذمي بعد قول أحد الشطرين بالثاني و نقيض الأول و الشطر الثاني بعكسه- فجوابه ان هذا التفصيل انما

____________

(1) ص 518.

(2) ص 517.

521

يستقيم على مذهب العامة (1) اما على ما قرره الخاصة من ان حجية الإجماع مسببة عن كشفه عن دخول المعصوم فلا، إذ المخالفة حاصلة و ان وافق القائل كلا من الشطرين في شطر، و قس عليه مثال البيع و القتل. انتهى.

أقول: ان ما ذكره- من الطعن على صحيحة محمد بن عذافر من انها غير صريحة في تقديم التحميد على التسبيح فان لفظ «ثم» فيها من كلام الراوي- طريف فإنه لا ريب في انه و ان كان لفظ «ثم» من كلام الراوي لكن الراوي حكى فعل الامام (عليه السلام) لبيان كيفية التسبيح التي سأل عنها أبوه و لا ريب ان فعله (عليه السلام) في بيان الكيفية حجة ظاهرة في الترتيب على النحو المذكور في الخبر كما في الوضوء البياني و نحوه.

و اما ما ذكره- من عدم إمكان الجمع بين أخبار المسألة بحمل اخبار تقديم التحميد على ما كان بعد الصلاة و اخبار تقديم التسبيح على ما كان عند النوم من حيث مخالفة الإجماع المركب- فضعيف و الإجماع على تقدير حجيته غير ثابت، و هذا الجمع جيد لو لم يرد تقديم التسبيح في اخبار التعقيب أيضا اما مع وروده كما قدمنا ذكره في رواية المفضل بن عمر (2) المروية في تعقيب نوافل شهر رمضان، و كذا ورد تقديم التحميد في اخبار النوم كما في رواية هشام بن سالم المتقدمة نقلا (3) و هذا هو المانع من الحمل المذكور لا ما ذكره (قدس سره) بناء على اقتصاره على الروايات التي نقلها حيث لم يصل اطلاعه إلى غيرها.

و بالجملة ان صحيحة محمد بن عذافر و رواية أبي بصير ظاهرتان بل صريحتان في القول المشهور و هما مطلقتان لا تخصيص فيهما بحال الصلاة بل إطلاقهما شامل للحالين، و يعضدهما رواية هشام بن سالم و ان كان موردها النوم و رواية كتاب المشكاة و هي مطلقة

____________

(1) و هو ان الإجماع حجة بما هو إجماع، راجع أصول الفقه لأبي زهرة ص 189.

(2) ص 518.

(3) ص 517.

522

و اما الروايات الأخر الدالة بظاهر الترتيب الذكرى على تقديم التسبيح في حال النوم- كما في خبر علي و فاطمة الزهراء (عليهما السلام) و كذا خبر شهاب بن عبد ربه أو تعقيب الصلاة كما في خبر المفضل- فالجواب عنها ممكن من وجوه: (أحدها) عدم صراحة العطف بالواو في الدلالة على الترتيب و ان كان ظاهر الترتيب الذكرى ذلك إلا انه ينبغي ان يحمل على الأخبار الأخر المعتضدة بصحة الاسناد و شهرة القول به بين الطائفة المحقة جمعا بين الأخبار. و (ثانيها) القول بالتخيير مطلقا. و (ثالثها) حمل هذه الأخبار على التقية (1) و يؤيده ان حديث علي مع فاطمة الزهراء (عليهما السلام) و ان رواه في الفقيه مرسلا عن علي (عليه السلام) إلا ان ظاهر سنده في العلل (2) ان رجاله انما هم من العامة (3) و ابن الأثير في نهايته قد شرح جملة من ألفاظه.

و روى الشيخ أبو علي ابن الشيخ الطوسي عن حمويه عن أبي الحسين عن أبي خليفة عن محمد بن كثير عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة (4)

____________

(1) اختلفت أخبار العامة في الكيفية ففي بعضها تقديم التسبيح على التحميد و التحميد على التكبير و في بعضها تقديم التسبيح على التكبير و التكبير على التحميد و في بعضها تقديم التحميد على التسبيح و التسبيح على التكبير، راجع كنز العمال ج 1 ص 116 و صحيح البخاري باب الذكر بعد الصلاة و عمدة القارئ ج 3 ص 198 و صحيح مسلم ج 2 ص 97 و 98 طبعة محمد على صبح. نعم في حديث على و فاطمة الزهراء «ع» المتقدم في التعليقة 5 ص 515 و 516 عن إرشاد الساري و صحيح مسلم تقديم التكبير على التسبيح و التسبيح على التحميد كما في رواية الفقيه.

(2) الوسائل الباب 11 من التعقيب.

(3) تقدم في التعليقة 5 ص 515 نقل هذا الحديث من إرشاد الساري و غيره.

(4) مستدرك الوسائل الباب 8 من التعقيب، و قال فيه بعد نقل الرواية: «قلت كذا في نسختي و نسخة البحار و الظاهر انه سقط من الأصل قوله: «و يسبح ثلاثا و ثلاثين» كما يظهر من كتب العامة و ان عكسوا الأذكار» ثم نقله من مصابيح البغوي من الصحاح عن كعب بن عجرة. أقول رواه مسلم في صحيحة ج 2 ص 98 طبعة محمد على صبيح- هكذا:

عن كعب بن عجرة عن رسول اللّٰه «ص» قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن: ثلاث و ثلاثون تسبيحة و ثلاث و ثلاثون تحميدة و اربع و ثلاثون تكبيرة في دبر كل صلاة».

و لا يخفى ان ظاهر المستدرك و المتن ان هذا القول لكعب بن عجرة حيث لم يسند إلى رسول اللّٰه «ص» فيهما و كذا في البحار ج 18 الصلاة ص 414 إلا ان فيه نقل هذا الحديث عن فلاح السائل كما ان السند فيه هكذا «عن حمويه عن أبي الحسين عن أبي خليفة.» كما في المتن و في المستدرك بعد قوله «ابن الشيخ الطوسي في مجالسه عن أبيه» هكذا: «عن أبي عبد اللّٰه محمد بن على بن حمويه عن أبي خليفة.» و في البحار أيضا الأذكار الثلاثة مذكورة في الحديث.

هذا كله في طبعه الكمباني من البحار. و التوضيح لهذه التعليقة و التعليقة «2» في الاستدراكات.

523

قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن: يكبر أربعا و ثلاثين و يحمد ثلاثا و ثلاثين».

قال السيد رضي الدين بن طاوس في فلاح السائل رأيت في تأريخ نيشابور في ترجمة رجاء ابن عبد الرحيم ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «معقبات.» و ذكر نحوه.

قال في البحار (1) رواه العامة عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة (2) مثله إلا انهم قدموا في روايتهم التسبيح على التحميد و التحميد على التكبير و لذا قالوا بهذا الترتيب، قال في شرح السنة أخرجه مسلم (3) ثم نقله عن الآبي في إكمال الكمال و شرح لفظ «معقبات».

و بالجملة فإنه لما كان القول المشهور بين الطائفة المعتضد بالأخبار المتقدمة هو تقديم التكبير ثم التحميد ثم التسبيح فلو سلمنا صراحة المخالف في المخالفة فالظاهر انه لا محمل له إلا التقية لموافقته لرواياتهم و لا سيما ان طريق الخبر المذكور رجالهم، و نقل الصدوق له في الفقيه بناء على صحته عنده لا ينافي الحمل على التقية.

ثم العجب هنا من صاحب المدارك حيث قال: و ربما ظهر من كلام ابن بابويه

____________

(1) ج 18 الصلاة ص 414.

(2) سند هذا الحديث ليس فيه «شعبة» في صحيح مسلم. نعم الحديث المتقدم في التعليقة «5» ص 515 يرويه «شعبة» عن الحكم إلا ان ابن ابى ليلى يرويه عن على «ع» لا عن كعب.

(3) ج 2 ص 98 طبعة محمد على صبيح.

524

تقديم التسبيح على التحميد و لم نقف على مأخذه، مع ما عرفت من كثرة الأخبار الواردة به في الكتب الأربعة و غيرها. و كيف كان فالعمل على القول المشهور كما عرفت.

فائدة الأفضل ان يكون التسبيح بالتربة الحسينية

(على مشرفها أفضل الصلاة و التحية) لما ذكره

في كتاب المصباح (1) قال: «روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال من أدار الحجر من تربة الحسين (عليه السلام) فاستغفر به مرة واحدة كتب اللّٰه له سبعين مرة و ان أمسك السبحة بيده و لم يسبح بها ففي كل حبة منها سبع مرات».

و روى الشيخ عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري (2) قال: «كتبت إلى الفقيه (عليه السلام) اسأله هل يجوز ان يسبح الرجل بطين القبر و هل فيه فضل؟

فأجاب- و قرأت التوقيع و منه نسخت- يسبح به فما من شيء من السبح أفضل منه، و من فضله ان المسبح ينسى التسبيح و يدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح».

و قال ابن بابويه في الفقيه (3) و قال- يعني الصادق (عليه السلام)-: «السجود على طين قبر الحسين (عليه السلام) ينور إلى الأرضين السبع و من كان معه سبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) كتب مسبحا و ان لم يسبح بها».

و التسبيح بالأصابع أفضل منه بغيرها لأنها مسئولات يوم القيامة. انتهى.

أقول: الظاهر ان قوله: «و التسبيح بالأصابع. إلخ» من كلام الصدوق و على تقديره فهو محل نظر فان هذه العلة لا تستلزم أفضلية التسبيح بالأصابع على التسبيح بالسبحة سيما مع ما عرفت من الخبرين المذكورين.

____________

(1) الوسائل الباب 16 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 75 من المزار.

(3) الوسائل الباب 16 من ما يسجد عليه.

525

قال في مكارم الأخلاق على ما نقله في البحار (1) من مسموعات السيد ابي البركات المشهدي روى إبراهيم بن محمد الثقفي «ان فاطمة بنت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كانت سبحتها من خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت (عليها السلام) تديرها بيدها تكبر و تسبح إلى ان قتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء (رضي اللّٰه عنه) فاستعملت تربته و عملت المسابيح فاستعملها الناس فلما قتل الحسين (عليه السلام) عدل بالأمر إليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل و المزية».

و في كتاب الحسن بن محبوب «ان أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) سئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة و الحسين (عليه السلام) و التفاضل بينهما فقال (عليه السلام) السبحة من طين قبر الحسين (عليه السلام) تسبح بيد الرجل من غير ان يسبح».

و روى «ان الحور العين إذا بصرن بواحد من الاملاك يهبط إلى الأرض لأمر ما يستهدين منه السبح و الترب من طين قبر الحسين (عليه السلام)».

و روى عن الصادق (عليه السلام) «انه من أدارها مرة واحدة بالاستغفار أو غيره كتب اللّٰه له سبعين مرة و ان السجود عليها يخرق الحجب السبع».

انتهى.

و روى في الاحتجاج (2) قال: «كتب الحميري إلى القائم (عجل اللّٰه فرجه) يسأله هل يجوز ان يسبح الرجل بطين القبر و هل فيه فضل؟ فأجاب (عليه السلام) يسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه و من فضله ان الرجل ينسى التسبيح و يدير السبحة فيكتب له التسبيح. و سئل هل يجوز ان يدير السبحة بيده اليسرى أو لا يجوز؟

فأجاب يجوز ذلك و الحمد للّٰه».

[الموضع] الرابع- في نبذة مما يستحب بعد كل صلاة،

و منه رفع اليدين بالتكبير ثلاثا:

____________

(1) ج 18 الصلاة ص 415 و في الوسائل الباب 16 من التعقيب.

(2) ص 277 و في الوسائل الباب 16 من التعقيب.

526

روى الصدوق في العلل بسنده عن المفضل بن عمر (1) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) لأي علة يكبر المصلي بعد التسليم ثلاثا يرفع بها يديه؟ فقال لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما فتح مكة صلى بأصحابه الظهر عند الحجر الأسود فلما سلم رفع يديه و كبر ثلاثا و قال: «لا إله إلا اللّٰه وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده و أعز جنده و غلب الأحزاب وحده فله الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيء قدير» ثم اقبل على أصحابه و قال لا تدعوا هذا التكبير و هذا القول في دبر كل صلاة مكتوبة فإن من فعل ذلك بعد التسليم و قال هذا القول كان قد ادى ما يجب عليه من شكر اللّٰه على تقوية الإسلام و جنده».

و رواه في فلاح السائل بسنده عن المفضل (2).

و روى فيه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا سلمت فارفع يديك بالتكبير ثلاثا».

قال في الذكرى: قال الأصحاب يكبر بعد التسليم ثلاثا رافعا بها يديه كما تقدم و يضعها في كل مرة إلى ان تبلغ فخذيه أو قريبا منهما. و قال المفيد يرفعهما حيال وجهه مستقبلا بظاهرهما وجهه و بباطنهما القبلة ثم يخفض يديه إلى نحو فخذيه و هكذا ثلاثا. انتهى.

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال قال: «لا تنسوا الموجبتين- أو قال عليكم بالموجبتين- في دبر كل صلاة. قلت و ما الموجبتان؟ قال تسأل اللّٰه الجنة و تعوذ باللّٰه من النار».

و عن داود العجلي مولى أبي المغراء (5) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول ثلاث أعطين سمع الخلائق: الجنة و النار و الحور العين، فإذا صلى العبد و قال:

«اللهم أعتقني من النار و أدخلني الجنة و زوجني من الحور العين» قالت النار يا رب ان

____________

(1) الوسائل الباب 14 من التعقيب.

(2) مستدرك الوسائل الباب 12 من التعقيب و الوافي باب «ما يقال بعد كل صلاة».

(3) مستدرك الوسائل الباب 12 من التعقيب و الوافي باب «ما يقال بعد كل صلاة».

(4) الوسائل الباب 22 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 22 من التعقيب.

527

عبدك قد سألك أن تعتقه مني فأعتقه و قالت الجنة يا رب ان عبدك قد سألك إياي فأسكنه و قال الحور العين يا رب ان عبدك قد خطبنا إليك فزوجه منا، فان هو انصرف من صلاته و لم يسأل اللّٰه تعالى شيئا من هذا قالت الحور العين ان هذا العبد فينا لزاهد و قالت الجنة ان هذا العبد في لزاهد و قالت النار ان هذا العبد بي لجاهل».

و روى في الخصال بسنده عن عائذ الأحمسي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «أربعة أعطوا سمع الخلائق: النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الحور العين و الجنة و النار فما من عبد يصلي على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو يسلم عليه إلا بلغه ذلك و سمعه، و ما من أحد قال: «اللهم زوجني من الحور العين» إلا سمعته و قلن يا ربنا ان فلانا قد خطبنا إليك فزوجنا منه، و ما من أحد يقول: «اللهم أدخلني الجنة» إلا قالت الجنة اللهم أسكنه في، و ما من أحد يستجير باللّٰه من النار إلا قالت النار اللهم أجره مني».

و بهذا المضمون أخبار عديدة.

و منه-

ما رواه في الكافي عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «لما أمر اللّٰه تعالى هذه الآيات ان يهبطن إلى الأرض تعلقن بالعرش و قلن اي رب إلى أين تهبطنا إلى أهل الخطايا و الذنوب؟ فأوحى اللّٰه تعالى إليهن ان اهبطن فوعزتي و جلالي لا يتلوكن أحد من آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و شيعتهم في دبر ما افترضت عليه إلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة اقضى له مع كل نظرة سبعين حاجة و قبلته على ما فيه من المعاصي، و هي أم الكتاب و «شهد اللّٰه انه لا إله إلا هو.» و آية الكرسي و آية الملك».

و منه-

ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد اللّٰه بن بكير (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه

____________

(1) الوسائل الباب 22 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 23 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 15 من التعقيب، و كلمة «أولها» في الوافي فقط.

528

(عليه السلام) قول اللّٰه عز و جل «اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً» (1) ما ذا الذكر الكثير؟ قال: أولها ان تسبح في دبر المكتوبة ثلاثين مرة».

و عن أبي بصير (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لأصحابه ذات يوم أ رأيتم لو جمعتم ما عندكم من الثياب و الآنية ثم وضعتم بعضه على بعض أ ترونه يبلغ السماء؟ قالوا لا يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يقول أحدكم إذا فرغ من صلاته «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» ثلاثين مرة و هن يدفعن الهدم و الغرق و الحرق و التردي في البئر و أكل السبع و ميتة السوء و البلية التي نزلت على العبد في ذلك اليوم».

و روى الصدوق في المجالس في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «من صلى صلاة مكتوبة ثم سبح في دبرها ثلاثين مرة لم يبق على بدنه شيء من الذنوب إلا تناثر».

و روى في خبر آخر في الكتاب المذكور عن الحارث بن المغيرة النصري (4) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول من قال: «سبحان اللّٰه و الحمد للّٰه و لا إله إلا اللّٰه و اللّٰه أكبر» أربعين مرة في دبر كل صلاة فريضة قبل ان يثنى رجليه ثم سأل اللّٰه اعطي ما سأل».

و منه-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن الحسين بن ثوير و أبي سلمة السراج (5) قال: «سمعنا أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و هو يلعن في دبر كل مكتوبة أربعا من الرجال و أربعا من النساء: فلان و فلان و فلان- و يسميهم- و معاوية و فلانة و فلانة و هندا و أم الحكم أخت معاوية».

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 41.

(2) الوسائل الباب 15 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 15 من التعقيب.

(4) الوسائل الباب 15 من التعقيب.

(5) الوسائل الباب 19 من التعقيب.

529

و بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا انحرفت عن صلاة مكتوبة فلا تنحرف إلا بانصراف لعن بني أمية».

و ما رواه الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب مرسلا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) انه قال: «من أحب ان يخرج من الدنيا و قد تخلص من الذنوب كما يتخلص الذهب الذي لا كدر فيه و لا يطلبه أحد بمظلمة فليقل في دبر كل صلاة نسبة الرب تبارك و تعالى اثنتي عشرة مرة ثم يبسط يديه فيقول: «اللهم إني أسألك باسمك المكنون المخزون الطهر الطاهر المبارك و أسألك باسمك العظيم و سلطانك القديم ان تصلي على محمد و آل محمد يا واهب العطايا يا مطلق الأسارى يا فكاك الرقاب من النار أسألك ان تصلي على محمد و آل محمد و ان تعتق رقبتي من النار و تخرجني من الدنيا آمنا و تدخلني الجنة سالما و ان تجعل دعائي أوله فلاحا و أوسطه نجاحا و آخره صلاحا انك أنت علام الغيوب» ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا من المخبيات مما علمني رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و أمرني ان أعلمه الحسن و الحسين (عليهما السلام)».

و في الفقيه (3) «في دبر الصلوات الخمس»

و رواه الصدوق في معاني الأخبار في الصحيح عن إبراهيم بن هاشم و احمد بن محمد بن عيسى معا عن علي بن الحكم عن أبيه عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) كما هنا إلا انه قال «الطاهر الطهر» و قال بعد قوله «القديم»: يا واهب العطايا يا مطلق الأسارى يا فكاك الرقاب من النار صل على محمد و آل محمد و فك رقبتي من النار و أخرجني من الدنيا آمنا و أدخلني الجنة سالما و اجعل دعائي. إلى آخر ما هنا.

و منه

ما رواه في قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد

____________

(1) الوسائل الباب 19 من التعقيب.

(2) الوسائل الباب 29 من التعقيب.

(3) الوسائل الباب 29 من التعقيب.

(4) ص 46 و في الوسائل الباب 29 من التعقيب.

530

البزنطي (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) كيف الصلاة على رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في دبر المكتوبة و كيف السلام عليه؟ فقال (عليه السلام) تقول السلام عليك يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و رحمة اللّٰه و بركاته السلام عليك يا محمد بن عبد اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) السلام عليك يا خيرة اللّٰه السلام عليك يا حبيب اللّٰه السلام عليك يا صفوة اللّٰه السلام عليك يا أمين اللّٰه أشهد أنك رسول اللّٰه و أشهد أنك محمد بن عبد اللّٰه و أشهد انك قد نصحت لأمتك و جاهدت في سبيل ربك و عبدته حتى أتاك اليقين فجزاك اللّٰه يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أفضل ما جزى نبيا عن أمته اللهم صل على محمد و آل محمد أفضل ما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

و منه-

ما قال في الفقه الرضوي (2): إذا فرغت من صلاتك فارفع يديك و أنت جالس فكبر ثلاثا و قل: «لا إله إلا اللّٰه وحده لا شريك له أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده و أعز جنده وحده فله الملك و له الحمد يحيي و يميت بيده الخير و هو على كل شيء قدير» و تسبح بتسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) و هو اربع و ثلاثون تكبيرة و ثلاث و ثلاثون تسبيحة و ثلاث و ثلاثون تحميدة ثم قل: اللهم أنت السلام و منك السلام و لك السلام و إليك يعود السلام سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّٰه رب العالمين. و تقول السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّٰه و بركاته السلام على الأئمة الراشدين المهديين من آل طه و يس. ثم تدعو بما بدا لك من الدعاء بعد المكتوبة.

انتهى.

و منه-

ما رواه في التهذيب عن سلام المكي عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «اتى رجل إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يقال له شيبة الهذيل فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اني شيخ قد كبر سني و ضعفت قوتي عن عمل كنت قد عودته

____________

(1) الوسائل الباب 24 من التعقيب.

(2) ص 9.

(3) ج 1 ص 164 و في الوسائل الباب 24 من التعقيب.

531

نفسي من صلاة و صيام و حج و جهاد فعلمني يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كلاما ينفعني اللّٰه به و خفف علي يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال أعد فأعاد ثلاث مرات فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ما حولك شجرة و لا مدرة إلا و قد بكت من رحمتك، فإذا صليت الصبح فقل عشر مرات «سبحان اللّٰه العظيم و بحمده لا حول و لا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم» فان اللّٰه يعافيك بذلك من العمى و الجنون و الجذام و الفقر و الهرم. فقال يا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) هذا للدنيا فما للاخرة؟

فقال تقول في دبر كل صلاة: «اللهم اهدني من عندك و أفض علي من فضلك و انشر علي من رحمتك و انزل علي من بركاتك» قال فقبض عليهن بيده ثم مضى فقال رجل لابن عباس ما أشد ما قبض عليها خالك. قال فقال (صلى اللّٰه عليه و آله) اما انه ان وافى بها يوم القيامة لم يدعها متعمدا فتح اللّٰه له ثمانية أبواب من أبواب الجنة يدخل من ايها شاء».

قيل: المراد بقبضهن عدهن بالأصابع و ضمها لهن. أقول: الظاهر حمله على ظاهره و يكون ذلك مبالغة في حفظه لهذه الكلمات كأنها من قبيل شيء وضع في يده فضم عليه بيده. و قيل في قوله «خالك» اي صاحبك يقال انا خال هذا الفرس اي صاحبه، و قيل يحتمل ان يكون عبد اللّٰه بن عباس منتسبا من جانب الأم إلى هذيل.

إلى غير ذلك مما هو مذكور في مظانه من اراده فليطلبه منها.

قد تم المجلد الأول (1) من كتاب الصلاة من الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و يتلوه ان شاء اللّٰه تعالى في المجلد الثاني المقصد الثاني في ما يلحق الصلاة من قواطعها و سهوها و شكوكها.

____________

(1) هذا بحسب تقسيم المصنف «(قدس سره)» و بتقسيمنا قد تم الجزء الثامن و يتلوه الجزء التاسع و الحمد للّٰه أولا و آخرا.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الثامن


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org