1

2

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الباب الثاني]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على خير خلقه محمد و آله أجمعين.

المقصد الثاني في ما يلحق الصلاة من قواطعها و سهوها و شكوكها

، و تفصيل الكلام فيه يتوقف على بسطه في مطالب:

[المطلب] (الأول)- في قواطعها

، و منها ما يقطعها عمدا و سهوا على الخلاف الآتي و منها ما لا يقطعها إلا عمدا، و منها ما يكون الأفضل تركه و ان لم يقطعها، و إطلاق القطع عليه تجوز باعتبار قطع فضلها، فههنا مقامات ثلاثة:

[المقام] (الأول)- في ما يقطعها عمدا و سهوا

، لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بترك الطهارة عمدا أو سهوا، و الظاهر ان الحكم للذكور إجماعي نصا و فتوى، و كذا لا خلاف في بطلانها بمبطلات الطهارة من حدث أكبر أو أصغر إذا كان عن عمد، نقل الإجماع على ذلك جماعة من الأصحاب:

منهم- العلامة. إلا ان الظاهر من كلام ابن بابويه- كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة من ترك ركعتين من الصلاة ساهيا فإنه يأتي بهما و ان بلغ الصين- خلافه

3

و يمكن إلحاق هذا الفرد بالسهو ايضا على نحو مسألة من تكلم في الصلاة عامدا بعد التسليم بناء على تمام صلاته ثم ظهر نقصانها فإنه يتمها و تكون صلاته صحيحة فلا يخالف الإجماع المدعى في المقام.

إنما الخلاف في ما لو أحدث ساهيا، فأقول المشهور البطلان بل ادعى عليه العلامة في التذكرة الإجماع فقال انه مبطل للصلاة إجماعا. و قال في النهاية لو شرع متطهرا ثم أحدث ذاكرا للصلاة أو ناسيا لها بطلت صلاته إجماعا إذا كان عن اختياره. و نسبه المحقق في المعتبر إلى الخمسة. إلا ان كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا لا يخلو من إجمال، فإن ظاهر كلامهم ان محل الخلاف في المسألة من أحدث في صلاته ساهيا، و المتبادر من هذا انه أحدث بانيا على انه ليس في الصلاة بل سها عن كونه فيها، فهو في الحقيقة متعمد للحدث لكنه ساه عن الصلاة كمن تكلم في الصلاة ساهيا، فان كلامه و ان كان عن تعمد إلا انه سها عن كونه في الصلاة، مع ان القول المنقول عن المرتضى و الشيخ في هذا المقام و هو اعادة الوضوء و البناء إنما هو في من سبه الحدث اى خرج منه من غير اختياره، قال في المنتهى أما الناسي إذا سبقه الحدث فإن أكثر أصحابنا أوجبوا عليه الاستئناف بعد الطهارة، و قال الشيخ في الخلاف و السيد المرتضى في المصباح إذا سبقه الحدث ففيه روايتان و هكذا عبائر من نقل عنهما ذلك، و الظاهر ان مرجع الجميع إلى أمر واحد و هو من أحدث غير متعمد لذلك في الصلاة اما بان يسبقه من غير اختياره أو بان يسهو عن كونه في الصلاة. و قد تقدم مذهب الشيخين في باب التيمم من تخصيص الحكم بالمتيمم إذا أحدث في الصلاة لا عن عمد ثم وجد الماء فإنه يتوضأ و يبنى.

و كيف كان فالواجب الرجوع الى ما ورد في المسألة من الأخبار عنهم (عليهم السلام) و بيان ما يفهم منها في المقام:

فنقول اما ما يدل على القول المشهور فمنه ما ذكره جملة من الأصحاب و هو ان الطهارة شرط في صحة الصلاة فيكون انتفاؤها موجبا لانتفاء الصلاة قضية للشرطية

4

و منه-

رواية أبي بكر الحضرمي عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما كانا يقولان: «لا يقطع الصلاة إلا أربعة: الخلاء و البول و الريح و الصوت» رواه الكليني عنه في الموثق.

و ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال ان كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شيء و لم ينقض وضوءه، و ان خرج متلطخا بالعذرة فعليه ان يعيد الوضوء و ان كان في صلاته قطع الصلاة و أعاد الوضوء و الصلاة».

و ما رواه الشيخ عن الحسن بن الجهم (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر أو العصر فأحدث حين جلس في الرابعة؟ قال ان كان قال: «اشهد أن لا إله إلا الله و ان محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)» فلا يعيد و ان كان لم يتشهد قبل ان يحدث فليعد».

و ما رواه في قرب الاسناد عن علي بن جعفر (4) و نحوه في كتاب المسائل عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل يكون في صلاته فيعلم ان ريحا قد خرجت منه و لا يجد ريحا و لا يسمع صوتا؟ قال يعيد الوضوء و الصلاة و لا يعتد بشيء مما صلى إذا علم ذلك يقينا».

و يعضده أيضا

رواية أبي الصباح الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الرجل يخفق و هو في الصلاة فقال ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء و اعادة الصلاة و ان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا اعادة».

و ما رواه في التهذيب عن الحسين بن حماد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7)

____________

(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 5 من نواقض الوضوء.

(3) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(6) الوسائل الباب 3 من نواقض الوضوء.

(7) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

5

قال: «إذا أحس الرجل ان بثوبه بللا و هو يصلى فليأخذ ذكره بطرف ثوبه فيمسحه بفخذه فان كان بللا يعرف فليتوضأ و ليعد الصلاة و ان لم يكن بللا فذلك من الشيطان».

أقول يجب حمله على ما إذا لم يستبرئ قبل وضوئه.

و أورد على الدليل الأول ان المعتبر عدم وقوع شيء من اجزاء الصلاة بدون الطهارة و اما اشتراط عدم تخلل الحدث في الأثناء فممنوع.

و فيه ان الصلاة ليست عبارة عن تلك الاجزاء بالخصوص من قراءة و ركوع و سجود و نحوها بل هي عبارة عن ذلك و عن ما بينها من الانتقالات لقولهم (عليهم السلام) في ما تقدم (1) من الأخبار «تحريمها التكبير و تحليلها التسليم» و جواز بعض الأفعال الخارجة عنها في أثنائها لدليل كغسل الرعاف و نحوه لا يستلزم جواز ما لا دليل عليه.

و أورد على الأخبار الطعن بضعف السند و هو على ما عرفت من طريقتنا غير واضح و لا معتمد، و بالجملة فالروايات المذكورة ظاهرة في القول المذكور تمام الظهور إلا انها معارضة بما هو أصح سندا و أكثر عددا من اخبار القولين الآخرين و ها أنا أسوق لك جملة ما وقفت عليه من اخبار المسألة زيادة على ما تقدم و أبين الوجه فيها بما اتضح لي دليله و ظهر لي سبيله:

فأقول- و بالله التوفيق- من الأخبار المشار إليها

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا؟ فقال انصرف ثم توضأ و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا، فان تكلمت ناسيا فلا شيء عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. قلت فان قلب وجهه عن القبلة؟ قال نعم و ان قلب وجهه عن القبلة».

قال المرتضى (رضى الله عنه) على ما نقل عنه: لو لم يكن الأذى و الغمز ناقضا لم يأمره بالانصراف.

____________

(1) ج 8 ص 478.

(2) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

6

و ما رواه الشيخ عن ابى سعيد القماط (1) قال: «سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وجد غمزا في بطنه أو أذى أو عصرا من البول و هو في الصلاة المكتوبة في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ قال فقال إذا أصاب شيئا من ذلك فلا بأس ان يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف الى مصلاه الذي كان يصلى فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقض الصلاة بكلام. قال قلت و ان التفت يمينا و شمالا لو ولى عن القبلة؟ قال نعم كل ذلك واسع إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه ان يبنى على صلاته».

و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع ان يصبر عليه أ يصلى على تلك الحال أو لا يصلى؟ قال فقال ان احتمل الصبر و لم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل و ليصبر».

و مفهومه انه لو لم يستطع الصبر فإنه يجوز له القطع، و اما انه بعد القطع ما حكمه فالخبر مجمل في ذلك.

و نحو ذلك قوله (عليه السلام)

في كتاب الفقه الرضوي (3) «و ان كنت في الصلاة فوجدت غمزا فانصرف إلا ان يكون شيئا تصبر عليه من غير إضرار بالصلاة».

و يعضد ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «قلت له رجل دخل في الصلاة و هو متيمم فصلى ركعة ثم أحدث فأصاب الماء؟ قال يخرج و يتوضأ ثم يبنى على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم».

و في الصحيح عن زرارة (5) قال: «قلت له رجل دخل في الصلاة و هو

____________

(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة، و المسؤول في كتب الحديث هو أبو الحسن (ع).

(3) ص 7.

(4) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

7

متيمم فصلى ركعة و أحدث فأصاب ماء؟ قال يخرج و يتوضأ و يبنى على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم».

و هذان الخبران و ان كان موردهما التيمم خاصة إلا أنهما دالان على ان وقوع الحدث في الصلاة غير مبطل كما هو القول المشهور.

و يزيده تأييدا أيضا

ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن بإبراهيم ابن هاشم عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) «في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة و قبل أن يتشهد؟ قال ينصرف فيتوضأ فإن شاء رجع الى المسجد و ان شاء ففي بيته و ان شاء حيث شاء يقعد فيتشهد ثم يسلم، و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير؟ قال تمت صلاته و انما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ و يجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد».

و ما رواه الكليني عن عبيد بن زرارة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ و رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة أحدث؟ فقال اما صلاته فقد مضت و بقي التشهد و إنما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ و ليعد الى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد».

و هذه الأخبار و ان كان موردها خاصا بالحدث قبل التشهد الأخير إلا أنه لا خلاف في وجوب التشهد و انه جزء من الصلاة و حينئذ فيكون الحدث واقعا في الصلاة و غير مبطل لها خلافا للمشهور كما عرفت.

و ظاهر الصدوق القول بهذه الأخبار الأخيرة حيث قال في الفقيه: ان

____________

(1) الوسائل الباب 13 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 13 من التشهد. و في الوسائل «عبيد بن زرارة» و في التهذيب ج 1 ص 226 و الوافي باب «الحدث و النوم في الصلاة» كما هنا.

(3) الوسائل الباب 13 من التشهد.

8

رفعت رأسك من السجدة الثانية في الركعة الرابعة و أحدثت فإن كنت قد قلت الشهادتين فقد مضت صلاتك و ان لم تكن قلت ذلك فقد مضت صلاتك فتوضأ ثم عد الى مجلسك فتشهد. انتهى. قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: و يشمل ظاهر كلامه العمد ايضا و لا يخلو من قوة. انتهى.

أقول- و بالله التوفيق و الهداية إلى سواء الطريق- لا يخفى ان الأخبار المتقدمة التي هي مستند القول المشهور و ان ضعف سندها فإنها هي الأوفق بالقبول و المطابقة للقواعد الشرعية و الأصول مضافا الى الاحتياط المطلوب في الدين لذوي الألباب و العقول، و ان ما سواها و ان صح سندها بهذا الاصطلاح المحدث إلا انها لا تخلو من الخلل و القصور الزائد ذلك على ما فيها من المخالفة لأخبار القول المشهور.

فاما صحيحة الفضيل بن يسار فلا دلالة فيها على محل البحث، فان ظاهرها إنما هو من وجد في بطنه تلك الأشياء من غمز أو أذى أو ضربان و شيء، من هذه الأشياء ليس بحدث أصلا اتفاقا، و ليس في سؤاله انه أحدث فأمره (عليه السلام) بالانصراف عن الصلاة في تلك الحال و بقضاء الحاجة ثم الوضوء و البناء. و اما جواب صاحب المدارك عن ذلك بان التعبير عن قضاء الحاجة بالانصراف شائع ليس في محله، فان هذا الكلام إنما هو من الإمام (عليه السلام) و محل الإشكال إنما هو في السؤال حيث لم يتضمن وقوع الحدث بالفعل و انما تضمن وقوع هذه الأوجاج الناشئة من حبس الغائط. و مثله في ما ذكرناه خبر القماط.

نعم لقائل أن يقول انه يمكن حمل الخبرين المذكورين على من حصل له شيء من هذه الأمور المذكورة على وجه يخاف مبادرة الحدث و عدم إمكان إتمام الصلاة فإنه يجوز له قطع الصلاة و قضاء الحاجة و الوضوء ثم البناء على ما فعل. و يشهد لذلك ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و كلامه (عليه السلام) في الفقه فإنهما و ان كانا مطلقين بالنسبة إلى العود و البناء الا أنه يمكن حمل إطلاقهما على ما دل عليه الخبران المذكوران من العود بعد القطع و البناء و تكون هذه الروايات دالة على

9

هذا الحكم و ان لم يقل به أحد من الأصحاب.

و كيف كان فالخبران المذكوران بناء على ما ذكرناه خارجان عن فرض المسألة نعم فيهما دلالة على بطلان الصلاة بتخلل الحدث، و الأظهر عندي حملهما على التقية (1) التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية. على ان فيهما أيضا اشكالا من وجه آخر و هو ما تضمناه من الفرق بين الكلام متعمدا و بين الاستدبار و ان الصلاة تبطل بالأول دون الثاني و هو خلاف ما دلت عليه الأخبار و كلمة الأصحاب من غير خلاف يعرف.

و اما صحيحتا زرارة الواردتان بالنسبة إلى المتيمم فقد تقدم البحث فيهما في باب التيمم، و قد تقدم (2) في كلام المحقق الشيخ حسن في المنتفي حمل الخبرين المذكورين على معنى لا يخالف الأخبار المتقدمة، و ملخصه ان المراد بالصلاة في قوله «يبنى على ما مضى من صلاته» هي الصلاة التي صلاها بالتيمم تامة قبل هذه الصلاة التي أحدث فيها، و مرجعه الى أن هذه الصلاة قد بطلت بالحدث و انه يخرج و يتوضأ من هذا الماء الموجود و لا يعيد ما صلى بهذا التيمم و ان كان في الوقت، قال: و يكون قوله (عليه السلام) في آخر الكلام: «التي صلى بالتيمم» قرينة قوية على إرادة هذا المعنى، فيكون مفاد الخبرين حينئذ عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة بالتيمم بعد وجدان الماء. و هو معنى صحيح وارد في اخبار كثيرة مضى بعضها. انتهى. و هو جيد و به ينطبق الخبران المذكوران على مقتضى الأصول الشرعية و القواعد المرعية مع قرب احتمال التقية (3).

و اما الأخبار الأخيرة الدالة على صحة الصلاة مع حصول الحدث بعد السجدة الأخيرة و قبل التشهد فقد تقدم البحث فيها في فصل التشهد.

____________

(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 448 ج 8 و التعليقة 1 ص 387 ج 4.

(2) ج 4 ص 392.

(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 448 ج 8 و التعليقة 1 ص 387 ج 4.

10

و بالجملة فإن التمسك بذيل الاحتياط في أمثال هذه الأحكام طريق النجاة.

و الله العالم.

(المقام الثاني)- في ما يبطلها عمدا

، قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان كل من أخل بواجب من واجبات الصلاة عمدا أو جهلا من اجزاء الصلاة كالقراءة و الركوع و السجود أو صفاتها كالطمأنينة في حال القراءة مثلا أو شرائطها كالوقت و الاستقبال و ستر العورة بطلت صلاته، قالوا و هذه كلية ثابتة في جميع مواردها عدا الجهر و الإخفات فإن الجاهل يعذر فيهما كما تقدم في فصل القراءة.

و ههنا أشياء قد صرح بها الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب لا بد من ذكرها تفصيلا و الكلام فيها تحقيقا و دليلا:

(الأول) [حكم التكفير في الصلاة]

- وضع اليمين على الشمال حال القيام فوق السرة أو تحتها و هو المسمى بالتكتف و التكفير.

و قد اختلف الأصحاب هنا في موضعين

(الموضع الأول) في حكمه

فالمشهور بين الأصحاب التحريم بل نقل المرتضى و الشيخ عليه إجماع الفرقة، و نقل عن ابن الجنيد انه جعل تركه مستحبا و عن أبى الصلاح انه جعل فعله مكروها و اختاره المحقق في المعتبر.

و استدل على القول المشهور بالإجماع المنقول، و بالاحتياط، و بأن أفعال الصلاة متلقاة من الشرع و لا شرع هنا، و بأنه فعل كثير خارج عن الصلاة.

و بما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «قلت الرجل يضع يده في الصلاة و حكى اليمنى على اليسرى، قال ذلك التكفير فلا تفعل».

و عن حريز عن رجل عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) قال «لا تكفر إنما

____________

(1) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

11

يصنع ذلك المجوس».

و نحوه

قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة المتقدمة في صدر الباب (1) «و لا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس».

أقول: و يدل عليه أيضا

ما رواه في الخصال عن ابى بصير و محمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يجمع المؤمن يديه في صلاته و هو قائم بين يدي الله عز و جل يتشبه بأهل الكفر يعنى المجوس».

و روى في دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال:

«إذا كنت قائما في الصلاة فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى و لا اليسرى على اليمنى فان ذلك تكفير أهل الكتاب و لكن أرسلهما إرسالا فإنه أحرى ان لا تشغل نفسك عن الصلاة».

و روى الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «قال على بن الحسين (عليه السلام) وضع الرجل احدى يديه على الأخرى في الصلاة عمل و ليس في الصلاة عمل».

و روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته أ يضع احدى يديه على الأخرى بكفه أو ذراعه؟

قال لا يصلح ذلك فان فعل فلا يعود له.

قال على قال موسى (عليه السلام) سألت أبي جعفر (عليه السلام) عن ذلك فقال أخبرني أبي محمد بن على عن أبيه على ابن الحسين عن أبيه الحسين بن على عن أبيه على بن ابى طالب (عليهم السلام) قال ذلك عمل و ليس في الصلاة عمل».

قال بعض مشايخنا (قدس الله أسرارهم) «ليس في الصلاة عمل» اى لا ينبغي

____________

(1) ج 8 ص 10.

(2) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

(3) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

(5) البحار ج 4 ص 155 و في الوسائل الباب 15 من قواطع الصلاة.

12

أن يعمل في الصلاة عمل غير أفعال الصلاة أو هو بدعة و لا يجوز الابتداع فيها أو هو فعل كثير كما فهمه بعض الأصحاب.

قال المحقق في المعتبر: الوجه عندي الكراهة أما التحريم فيشكل لأن الأمر بالصلاة لا يتضمن حال الكفين فلا يتعلق بها تحريم لكن الكراهة من حيث هي مخالفة لما دل عليه الأحاديث من استحباب وضعهما على الفخذين. و احتجاج علم الهدى بالإجماع غير معلوم لنا و خصوصا مع وجود المخالف من أكابر الفضلاء.

و التمسك بأنه فعل كثير في غاية الضعف لان وضع اليدين على الفخذين ليس بواجب و لم يتناول النهى وضعهما في موضع معين فكان للمكلف وضعهما كيف شاء. و اما احتجاج الطوسي (قدس سره) بأن أفعال الصلاة متلقاة (قلنا) حسن لكن كما لم يثبت تشريع وضع اليدين لم يثبت تحريم وضعهما فصار للمكلف وضعهما كيف شاء و عدم تشريعه لا يدل على تحريمه لعدم دلالة التحريم. و قوله الاحتياط يقتضي ترك ذلك (قلنا) متى؟ إذا لم يوجد ما يدل على الجواز أم إذا وجد، لكن الأوامر المطلقة بالصلاة دالة بإطلاقها على عدم المنع (قوله) عندنا تكون الصلاة باطلة (قلنا) لا عبرة بقول من يبطل إلا مع وجود ما يقتضي البطلان اما الاقتراح فلا عبرة به. و أما الرواية فظاهرها الكراهة لما تضمنت من قوله «يتشبه بالمجوس» و أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بمخالفتهم ليس على سبيل الوجوب لأنهم قد يفعلون الواجب من اعتقاد الإلهية و انه فاعل الخير فلا يمكن حمل الحديث على ظاهره، فإذن ما قاله الشيخ أبو الصلاح من الكراهة أولى. انتهى.

قال في المدارك بعد نقله: و هو جيد لكن في اقتضاء التشبيه ظهور الرواية في الكراهة نظر، مع أن رواية محمد بن مسلم المتضمنة للنهي خالية من ذلك.

و بالجملة فحمل النهى على الكراهة مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و هي منتفية فاذن المعتمد التحريم دون الابطال. انتهى. و منه يعلم قول ثالث في المسألة أيضا و هو التحريم بغير إبطال، و الى هذا القول أشار جده (قدس الله روحهما) في الروض

13

و رده بأنه إحداث قول ثالث مخالف لما أجمع عليه الفريقان.

و قال الشهيد في الذكرى بعد نقل كلام المحقق: قلت في بعض كلامه (قدس سره) مناقشة و ذلك لأنه قائل في كتبه بتحريمه و إبطاله الصلاة، و الإجماع و ان لم نعلمه فهو إذا نقل بخبر الواحد حجة عند جماعة من الأصوليين. و اما الروايتان فالنهي فيهما صريح و هو للتحريم على ما اختاره معظم الأصوليين، و خلاف العين لا يقدح في الإجماع، و التشبه بالمجوس فيما لم يدل دليل على شرعيته حرام و اين الدليل الدال على شرعية هذا الفعل؟ و الأمر بالصلاة مقيد بعدم التكفير الثابت في الخبرين المعتبري الاسناد الذين عمل بهما الأصحاب (رضوان الله عليهم) فحينئذ الحق ما صار إليه الأكثر و ان لم يكن إجماعا. انتهى. و جرى على نحوه الشهيد الثاني في الروض أيضا.

أقول: ما ذكره الشهيدان (قدس الله سرهما) بالنسبة إلى الإجماع هو الأنسب بالقواعد الأصولية و ما ذكره المحقق (قدس سره) هو الأوفق بالتحقيق.

بقي الكلام في الروايات التي قدمناها مما ذكروه و ما لم يذكروه و لا ريب ان مقتضى صيغة النهي فيها هو التحريم الى ان يقوم ما يوجب صرفه عن حقيقته، إلا ان عده في رواية حريز و صحيحة زرارة (1) في سياق جملة من المكروهات مما يثمر ظنا بكونه كذلك لقوله في الاولى

«لا تكفر انما يصنع ذلك المجوس و لا تلثم و لا تحتفز و لا تقع على قدميك و لا تفترش ذراعيك».

و قوله في الثانية

«إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه و لا تعبث فيها بيدك و لا برأسك و لا بلحيتك و لا تحدث نفسك و لا تتثأب و لا تتمط و لا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس، و لا تلثم و لا تحتفز و لا تفرج كما يتفرج البعير و لا تقع على قدميك و لا تفترش ذراعيك و لا تفرقع أصابعك فإن ذلك نقصان في الصلاة (2) الحديث».

و الظاهر ان قوله «نقصان في الصلاة» راجع الى كل من هذه

____________

(1) ص 10 و 11.

(2) لفظ الحديث في فروع الكافي ج 1 ص 82 و الوافي باب (الإقبال على الصلاة) و الوسائل هكذا «فان ذلك كله نقصان من الصلاة».

14

الأشياء المذكورة و هو مؤيد للحمل على الكراهة، و الى ذلك ايضا يشير قوله (عليه السلام) في رواية على بن جعفر المنقولة من كتابه (1) بعد قوله «لا يصلح ذلك» «فان فعل فلا يعود له» فإن مؤذن بالكراهة أيضا.

و بالجملة فإن المسألة لا تخلو من شوب تردد و ان كان القول بالتحريم كما ذهب إليه في المدارك لا يخلو من قوة. و الله العالم.

[الموضع] (الثاني)- في تفسيره

، و التكفير في اللغة هو الخضوع و ان ينحني الإنسان و يطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعله من يريد تعظيم صاحبه، ففي القاموس فسره بان يخضع الإنسان لغيره. و في النهاية الأثيرية هو أن ينحني الإنسان.

إلى آخر ما ذكر.

و قد اختلف الأصحاب في تفسيره، فالفاضلان على انه عبارة عن وضع اليمين على الشمال و قيده العلامة في المنتهى و التذكرة بحال القراءة. و قال الشيخ لا فرق بين وضع اليمين على الشمال و بالعكس و تبعه ابن إدريس و الشهيدان، و يدل على هذا القول ما تقدم من رواية صاحب كتاب دعائم الإسلام و هو ظاهر روايتي على بن جعفر المتقدمتين ايضا و به يظهر قوة القول المذكور.

قال بعض مشايخنا المتأخرين: و الظاهر انه لا فرق في الكراهة أو التحريم بين أن يكون الوضع فوق السرة أو تحتها و بين أن يكون بينهما حائل أم لا و بين أن يكون الوضع على الزند أو على الساعد، و قد صرح بالجميع جماعة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و استشكل العلامة في النهاية الأخير. انتهى.

أقول: و يدل على الأخير ما تقدم (2) في رواية على بن جعفر الثانية من قوله «يضع احدى يديه على الأخرى بكفه أو ذراعه» و به يضعف استشكال العلامة في ذلك.

____________

(1) ص 11.

(2) ص 11.

15

و كيف كان فلا ريب في جوازه حال التقية (1) بل وجوبه ان أدى تركه الى الضرر، و لو تركه حال التقية فالظاهر عدم البطلان لتوجه النهي إلى أمر خارج عن العبادة.

فائدة:

روى العياشي في تفسيره عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له أ يضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة؟ قال لا بأس ان بنى إسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى فانزل الله على

____________

(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 14 «يبحث عن وضع احدى اليدين على الأخرى (أولا) عن أصله، قال به الحنفية و الشافعي و احمد و إسحاق و عامة أهل العلم و هو قول أبي هريرة و النخعي و الثوري و سعيد بن جبير و ابى مجلز و ابي ثور و ابى عبيد و ابن جرير و داود. و العمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة و التابعين و من بعدهم و حكاه ابن المنذر عن مالك. و قال ابن الزبير و الحسن البصري و ابن سيرين يرسلهما و هو المشهور عن مالك و قال الليث بن سعد ان طال عليه الإرسال وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة. و قال الأوزاعي هو مخير بين الوضع و الإرسال. و (ثانيا) في كيفيته و هي ان يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، و قال الاسبيحاتى و عند ابى يوسف يقبض بيده اليمنى على رسغه اليسرى فيكون الرسغ وسط الكف، و في المفيد يأخذ الرسغ بالخنصر و الإبهام و هو المختار. و في الدراية يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا و لا يقبض.

و استحسن كثير من مشايخنا الجمع بان يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى و يحلق بالخنصر و الإبهام على الرسغ. و (ثانيا) في مكان الوضع فعندنا- الحنفية- تحت السرة و عند الشافعي على الصدر، و قال الترمذي العمل عند أهل العلم من الصحابة و التابعين و من بعدهم وضع اليمين على الشمال و رأى بعضهم فوق السرة و بعضهم تحت السرة و كل ذلك واسع. و (رابعا) وقت الوضع و الأصل فيه كل قيام ذكر فيه مسنون فيعتمد بيده اليمنى على اليسرى فلا يعتمد في حال القنوت و صلاة الجنازة و القيام عن الركوع و بين تكبيرات العيد الزوائد، و هذا هو الصحيح، و عند ابى على النسفي و الامام ابى عبد الله يعتمد في كل قيام سواه ذكر فيه مسنون أولا».

(2) مستدرك الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة.

16

نبيه «خذ ما آتيتك بقوة» (1) فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها يجلد و قوة. ثم ذكرها في طلب الرزق فإذا طلبت الرزق فاطلبه بقوة».

أقول: الظاهر ان نفي البأس في الخبر المذكور خرج مخرج التقية و فيه إشارة الى ان التكفير يحصل بوضع اليد على الذراع كما قدمنا ذكره. و باقي الخبر لا يخلو من غموض و اشكال فيحتمل أن يكون المراد بنبيه هنا هو موسى (عليه السلام) و ما ذكر فيه من تماوت بني إسرائيل يحتمل أن يكون راجعا الى تكفيرهم في الصلاة فإن التكفير في هيئة التماوت و على هذا فالآية دالة على النهى عنه و الأمر بالدخول بقوة الذي هو عبارة عن وضع اليدين على الفخذين، و على تقدير كونه خطابا لنبينا (صلى الله عليه و آله) يكون المراد انه ينبغي لهذه الأمة ان يأتوا بذلك من الإرسال على الفخذين و عدم التكفير. و الله العالم.

(الثاني)- الكلام بحرفين فصاعدا مما ليس بقرآن و لا دعاء

، و لا خلاف في ذلك بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قد نقل اتفاقهم على ذلك جمع: منهم- الفاضلان و الشهيدان و غيرهم.

و يدل على ذلك جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القيء في الصلاة كيف يصنع؟ قال ينفتل فيغسل انفه و يعود في الصلاة و ان تكلم فليعد الصلاة».

و رواه الشيخ عن محمد بن مسلم بإسناد آخر صحيح (3) و كذا رواه الكليني عنه بإسناد صحيح (4) و زاد عليه «و ليس عليه وضوء»،

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن عبد الخالق (5) قال: «سألته عن الرجل يكون في جماعة من القوم يصلى المكتوبة فيعرض له رعاف كيف

____________

(1) سورة البقرة الآية 63 و 93 «خُذُوا مٰا آتَيْنٰاكُمْ بِقُوَّةٍ».

(2) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. و في التهذيب ج 1 ص 229 «يصلى بهم المكتوبة» و في الوسائل و الوافي باب (الرعاف و القيء و الدم) و الاستبصار ج 1 ص 403 كما هنا.

17

يصنع؟ قال يخرج فان وجد ماء قبل أن يتكلم فليغسل الرعاف ثم ليعد فليبن على صلاته».

و ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصيبه الرعاف و هو في الصلاة؟

فقال ان قدر على ماء عنده يمينا أو شمالا أو بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثم ليصل ما بقي من صلاته و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته».

و قال في الفقيه: و في رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) (2) «ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».

و قد تقدم قريبا (3) في صحيحة الفضيل بن يسار و رواية أبي سعيد القماط ما يدل على ذلك أيضا.

و تمام تحقيق الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل

(الأولى) [تحديد الكلام المبطل للصلاة]

قد صرح بعضهم بان الكلام جنس لما يتكلم به سواء كان من حرف واحد أو أكثر إلا ان ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا تقييده بما تركب من حرفين فصاعدا، و ظاهرهم الإجماع على ان الحرف الواحد الغير المفهم لا يسمى كلاما، نقل الإجماع على ذلك جمع: منهم- العلامة في التذكرة و الشهيد في الذكرى.

قال في المدارك: و قد قطع الأصحاب بعدم بطلان الصلاة بالكلام بالحرف الواحد لأنه لا يسمى كلاما في العرف بل و لا في اللغة أيضا لاشتهار الكلام لغة في المركب من حرفين كما ذكره الرضي (رضى الله عنه) و ان ذكر بعضهم انه جنس لما يتكلم به سواء كان على حرف واحد أو أكثر لأن الإطلاق أعم من الحقيقة. انتهى و لا يخفى ما فيه فإنه عدول عن ظاهر اللفظ المذكور إلا انه يمكن ان يقال

____________

(1) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة.

(3) ص 5 و 6.

18

كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع- ان الأحكام المودعة في الأخبار تبنى على ما هو الغالب المتكرر الذي يتبادر إليه الإطلاق و هو هنا إنما يصدق على ما كان من حرفين فصاعدا. و لعل إجماع الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور مبنى على ذلك.

نعم يبقى الكلام في الحرف الواحد المفهم مثل «ق» من «وقى يقي» و «ع» من «و عي يعي» و نحوهما من الأفعال المعتلة الطرفين، و ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) دعوى صدق الكلام عليها لغة و عرفا بل هو كلام عند أهل العربية فضلا عن الكلمة لتضمنه الإسناد المفيد فيدخل في عموم الأخبار المتقدمة. و يمكن بناؤه على ان المحذوف في هذه الأوامر بمنزلة المذكور فيكون حرفين فصاعدا.

(الثانية) [عدم الفرق بين الكلام الموضوع و المهمل]

حيث قد عرفت ان الكلام عندهم هو ما تركب من حرفين فصاعدا و هو أعم من أن يكون موضوعا أو مهملا فالتكلم بالألفاظ المهملة مبطل إجماعا بالترتيب المذكور.

(الثالثة) [عدم بطلان الصلاة بالتنحنح و نحوه]

الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في أن التنحنح و التأوه و الأنين و التنخم و نحوها مما لا يشتمل شيء منها على حرفين فإنه غير مبطل لعدم صدق التكلم بذلك لغة و لا عرفا.

و يدل على

ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسمع صوتا بالباب و هو في الصلاة فيتنحنح لتسمع جاريته أو أهله لتأتيه فيشير إليها بيده ليعلمها من بالباب لتنظر من هو؟

فقال لا بأس به».

و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فأنفخه إذا أردت

____________

(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. و الرواية رواها في الفقيه ج 1 ص 242 و لم ينقلها صاحبا الوسائل و الوافي إلا عنه.

(2) الوسائل الباب 7 من السجود.

19

السجود؟ فقال لا بأس».

و رواه في الفقيه مرسلا نحوه (1).

إنما الكلام في ما إذا اشتمل على حرفين و الظاهر انه غير مبطل لان الحكم دائر مدار التسمية فما لم يسم كلاما لا يحصل به الإبطال و السامع إنما يقول تنحنح أو تأوه أو نحو ذلك، و ظاهر جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) الابطال به لصدق الكلام عليه باعتبار تضمنه حرفين. و فيه ما عرفت من أنه و ان تضمن حرفين لكنه لا يقال في العرف أنه تكلم و إنما يقال تنحنح أو تنخم أو نحو ذلك و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق في المعتبر حيث انه استحسن جواز التأوه بحرفين للخوف من الله عند ذكر المخوفات، قال و قد نقل عن كثير من الصلحاء التأوه في الصلاة، و وصف إبراهيم (عليه السلام) بذلك (2) يؤذن بجوازه.

و استحسنه في المدارك.

و فيه ان جواز ذلك إن كان من حيث خصوص ما ذكره من خوف الله ففيه انه لا دليل عليه مع صدق الكلام عرفا، و الكلام عندهم مبطل إلا ما استثنى و ليس هذا منه، و ان كان من حيث عدم تسميته كلاما عرفا كما ذكرنا فلا وجه للتقييد بما ذكره.

قال في المنتهى: لو تنحنح بحرفين و سمى كلاما بطل صلاته. قال بعض مشايخنا بعد نقل ذلك عنه: و هذا الفرض مستبعد بل يمكن ادعاء استحالته إلا ان ينضم اليه كلام آخر. انتهى. و هو جيد فان مع صدق التنحنح عرفا فصدق الكلام و الحال كذلك مستبعد بل محال كما ذكره إلا ان يصل هذين الحرفين بكلام يخرج بهما عن صدق التنحنح فيكون خارجا عن محل الفرض.

نعم

روى الشيخ عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3)

____________

(1) الوسائل الباب 7 من السجود.

(2) في قوله تعالى «إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّٰاهٌ مُنِيبٌ» في سورة هود الآية 77، و قوله تعالى «إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ» في سورة التوبة الآية 115.

(3) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. و السند في كتب الحديث هكذا «عن جعفر عن أبيه عن على ع».

20

ان عليا (عليه السلام) قال: «من أن في صلاته فقد تكلم».

و الأصحاب (رضوان الله عليهم) حملوه على الأنين بحرفين و الأظهر حمله على تأكيد الكراهة لما قلناه.

و يمكن ايضا استثناء الأنين من الحكم المذكور للخبر المشار اليه. و يؤيده أيضا

ما رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال:

«و من أن في صلاته فقد تكلم».

و لعله الأجود فيكون الأنين من جملة القواطع زائدا على الكلام و لا تعلق به بوجه، و لا ضرورة إلى تكلف اشتماله على الحرفين كما ذكروه.

(الرابعة) [لا فرق في البطلان بين أن يكون الكلام لمصلحة أم لا]

ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في بطلان الصلاة بالكلام بين أن يكون الكلام لمصلحة الصلاة أم لا و لا بين أن يكون لمصلحة أخرى غير الصلاة كإنقاذ الأعمى و الصبي إذا خيف عليهما التردي في بئر أو الوقوع في نار و نحو ذلك، و يفهم من المعتبر و المنتهى ان الحكم إجماعي. و نقل عن العلامة في التذكرة انه غير مبطل.

و الظاهر الأول

لما رواه الشيخ عن إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: «في رجل يصلى و يرى الصبي يحبو الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشيء؟ قال فلينصرف و ليحرز ما يتخوف و يبنى على صلاته ما لم يتكلم».

(الخامسة) [الموارد المستثناة من الكلام المبطل]

قد تقدم انه يستثني من الكلام المبطل ما إذا كان دعاء أو ذكرا أو قرآنا، و يدل على ذلك من الأخبار

ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق في تتمة الرواية المتقدمة عنه في المسألة الثالثة (3) «و عن الرجل و المرأة يكونان

____________

(1) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة. و الرواية- كما في الفقيه ج 1 ص 232 و الوسائل و الوافي باب (الالتفات و الفرقعة و التكلم) مرسلة لم تسند الى ابى بصير.

(2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(3) ص 18 و الرواية للصدوق لا للشيخ كما تقدم هناك.

21

في الصلاة فيريدان شيئا أ يجوز لهما أن يقولا «سبحان الله»؟ قال نعم و يومئان الى ما يريدان، و المرأة إذا أرادت شيئا ضربت على فخذها و هي في الصلاة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل يكون في صلاته و الى جانبه رجل راقد فيريد أن يوقظه فيسبح و يرفع صوته لا يريد إلا ليستيقظ الرجل أ يقطع ذلك صلاته أو ما عليه؟ قال لا يقطع ذلك صلاته و لا شيء عليه. و سألته عن الرجل يكون في صلاته فيستأذن انسان على الباب فيسبح و يرفع صوته و يسمع جاريته فتأتيه فيريها بيده ان على الباب إنسانا هل يقطع ذلك صلاته و ما عليه؟ قال لا بأس لا يقطع ذلك صلاته».

و روى ان عليا (عليه السلام) (2) قال: «كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فان كان في الصلاة سبح و ذلك اذنه و ان كان في غير الصلاة اذن».

و الروايات الدالة على استحباب الدعاء في الصلاة لنفسه و لإخوانه أكثر من ان يحيط بها المقام.

و اما جواز قراءة القرآن في الصلاة فلا يحضرني من الأخبار إلا صحيحة

معاوية بن وهب (3) الدالة على قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب ابن الكواء لما قرأ «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ» (4) فأنصت أمير المؤمنين (عليه السلام) الى ان كان

____________

(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة. و السؤال الأول من الحديث ليس للشيخ و انما هو رواية قرب الاسناد و كتاب على بن جعفر راجع رقم 6 و 9 من الباب المذكور من الوسائل و الوافي باب (ارادة الحاجة) و التهذيب ج 1 ص 230.

(2) مستدرك الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة بأدنى اختلاف في اللفظ.

(3) الوسائل الباب 34 من الجماعة.

(4) سورة الزمر الآية 65.

22

في الثالثة فقرأ أمير المؤمنين (عليه السلام) في جوابه «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ لٰا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لٰا يُوقِنُونَ» (1).

و ذكر بعض الأصحاب انه يجوز التنبيه بتلاوة القرآن كما لو أراد الإذن لقوم بقوله «ادْخُلُوهٰا بِسَلٰامٍ آمِنِينَ» (2) أو لمن أراد التخطي على البساط بنعله «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» (3) أو أراد إعطاء كتاب من اسمه يحيى «يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ» (4).

أقول: و الظاهر ان من هذا القبيل

ما رواه في الكافي و التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذكر السورة من الكتاب ندعو بها في الصلاة مثل «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» فقال إذا كنت تدعو بها فلا بأس».

فإن الظاهر ان المراد من الدعاء بها إنما هو بمعنى الطلب بمعنى يطلب بها الغير كما انه يطلب بالتسبيح كما تقدم. و بعض الأصحاب حمل الدعاء بها في الخبر على القنوت بالقرآن في الصلاة و جعله من قبيل التسبيح الذي ورد الاجتزاء به في القنوت. و بعض حمله على الدعاء و انه لا يشترط فيه الطلب بمعنى انه لا يشترط فيه أن يكون متضمنا للطلب. و قال في الوافي: لعل مراد السائل الرخصة في الإتيان بقراءة القرآن في غير محلها على وجه الدعاء و التمجيد طلبا لمعناها لا على وجه التلاوة. انتهى. و الكل تكلف محض بل الظاهر ما ذكرناه فإنه معنى صحيح لا يحتاج الى تكلف.

و بما ذكرناه من الأخبار يعلم انه لو لم يقصد بالتسبيح أو القرآن سوى التفهيم فالظاهر صحة صلاته، و نقل عن العلامة في النهاية احتمال البطلان.

و لو اتى بمفردات القرآن على غير الترتيب الذي هي عليه كان يقول «بسلام ادخلوها» فالظاهر- كما استظهره بعض الأصحاب- البطلان لانه ليس بقرآن فيكون كلاما أجنبيا.

____________

(1) سورة الروم، الآية 59.

(2) سورة الحجر، الآية 46.

(3) سورة طه، الآية 12.

(4) سورة مريم الآية 13.

(5) الوسائل الباب 9 من القراءة.

23

و قد صرح غير واحد بأن إشارة الأخرس ليست بكلام. و فيه وجه ضعيف بالبطلان.

(السادسة) [عدم البطلان بالكلام سهوا]

المشهور انه لا تبطل الصلاة بالكلام سهوا بل نفى عنه الخلاف جمع من الأصحاب: منهم- الفاضلان و غيرهما.

و يدل عليه

ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول «أقيموا صفوفكم» قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعده؟ قال بعده».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلم؟ قال يتم ما بقي من صلاته تكلم أو لم يتكلم و لا شيء عليه».

و قد تقدم (3)

في صحيحة الفضيل بن يسار «فان تكلمت في الصلاة ناسيا فلا شيء عليك».

و روى في الفقيه بإسناده عن عقبة (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دعاه رجل و هو يصلى فسها فأجابه بحاجته كيف يصنع؟ قال يمضى على صلاته».

أقول: و في حكمه ما لو ظن الفراغ من الصلاة فتكلم على الأشهر الأظهر و ذهب الشيخ في النهاية إلى البطلان.

لنا-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) «في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم و هو يرى انه قد أتم الصلاة و قد تكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين؟ فقال يتم ما بقي من صلاته و لا شيء عليه».

____________

(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 25 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

24

و عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) «في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلم؟ قال يتم ما بقي من صلاته تكلم أو لم يتكلم و لا شيء عليه».

و عن زيد الشحام (2) قال: «سألته عن الرجل. ثم ساق الخبر الى ان قال (عليه السلام) و ان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف فتكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فإنما عليه أن يتم الصلاة ما بقي منها فإن نبي الله (صلى الله عليه و آله) صلى بالناس ركعتين ثم نسي حتى انصرف فقال له ذو الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحدث في الصلاة شيء؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين؟

فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين. فقام فأتم ما بقي من صلاته».

و نحوه صحيحة سعيد الأعرج المتضمنة حكاية سهوه (صلى الله عليه و آله) (3).

و ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن على بن النعمان الرازي (4) قال:

«كنت مع أصحاب لي في سفر و انا إمامهم فصليت بهم المغرب فسلمت في الركعتين الأولتين فقال أصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم و كلموني فقالوا أما نحن فنعيد فقلت لكني لا أعيد و أتم بركعة فأتممت بركعة ثم سرنا فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذي كان من أمرنا فقال لي أنت كنت أصوب منهم فعلا إنما يعيد الصلاة من لا يدرى ما صلى»،.

أقول: الظاهر ان تصويبه (عليه السلام) للإمام دونهم إنما هو بالنسبة إلى أصل الحكم في المسألة بمعنى انه من سلم ساهيا على ركعتين فان حكمه الإتمام ما لم يأت بمناف من خارج دون الإعادة من رأس و إلا فان اعادة المأمومين في الصورة المذكورة في محلها لأنهم على يقين من عدم تمام الصلاة و قد تكلموا في أثنائها عمدا بقولهم للإمام «إنما صليت بنا ركعتين» فالإعادة في محلها لذلك، و اما الإمام ففي بنائه على ما فعل أيضا إشكال لأنه بعد العلم بما أخبروه قال: «لكني لا أعيد و أتم بركعة» و هذا كلام أجنبي قد وقع في أثناء الصلاة أيضا و هو موجب لإعادتها، اللهم

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

25

إلا ان يراد به انه قال ذلك في نفسه من غير ان يتكلم بذلك. و نقل عن الشيخ انه حمل الخبر على جهل المسألة و قال بان الجاهل هنا في حكم الناسي. و الشهيد في الذكرى حمل القول الأخير على مثل حديث النفس. و فيه انه لا يتم في المأمومين لأنهم تكلموا أو لا عالمين بكونهم في الصلاة. ثم الظاهر ان المراد بأفعل التفضيل في قوله «أنت كنت أصوب منهم» إنما هو بمعنى أصل الفعل كما هو شائع الاستعمال لا بمعنى كون فعلهم ايضا صوابا فيدل على جواز الأمرين و التخيير بينهما كما توهمه بعض متأخري المحدثين.

و أما ما ذهب اليه الشيخ هنا من البطلان فلا أعرف له دليلا إلا ان كان دخوله تحت إطلاق أخبار الكلام في الصلاة متعمدا و شمولها له. و فيه أن المتبادر من تلك الأخبار ان التعمد المبطل انما هو من علم انه في الصلاة و تكلم متعمدا بمعنى انه تعمد الكلام في الصلاة و أما من ظن أنه أتم و ان تعمد الكلام إلا انه بنى على خروجه من الصلاة و ان لم يكن كذلك في الواقع فهو لم يتعمد الكلام في الصلاة ليلزم منه بطلان صلاته.

(السابعة) [حكم ما لو تكلم مكرها]

- قال في المنتهى: لو تكلم مكرها ففي الإبطال به تردد ينشأ من كون النبي (صلى الله عليه و آله) جمع بينه و بين الناسي في العفو (1) و الأقرب البطلان لأنه تكلم عامدا بما ليس من الصلاة، و الإكراه لا يخرج الفعل عن التعمد. انتهى.

و قال في الذكرى: لو تكلم مكرها ففي الإبطال وجهان: نعم لصدق تعمد الكلام، و لا لعموم

«و ما استكرهوا عليه» (2).

نعم لا يأثم قطعا. و قال في التذكرة يبطل لانه مناف للصلاة فاستوى فيه الاختيار و عدمه كالحدث. و هو قياس مع الفارق فان نسيان الحدث مبطل لا الكلام ناسيا قطعا. انتهى.

____________

(1) في حديث الرفع المروي في الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس. و في بعض رواياته «و ما أكرهوا عليه».

(2) في حديث الرفع المروي في الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس. و في بعض رواياته «و ما أكرهوا عليه».

26

أقول: لا يبعد القول بالبطلان هنا لا لما ذكره في التذكرة بل لشمول الأخبار المتقدمة للمكره لأنها قد اتفقت في الدلالة على ان من تكلم في صلاته فقد أبطلها، و ظاهرها أعم من أن يكون ذلك عن عمد أو سهو أو إكراه و قيد التعمد إنما وقع في كلام الأصحاب، نعم قام الدليل على عدم البطلان بالنسبة إلى الكلام ساهيا فوجب استثناؤه من إطلاق تلك الأخبار و بقي ما عداه. و الأصحاب (رضوان الله عليهم) بالنظر الى قيام الأدلة على استثناء الناسي و ان صلاته صحيحة أطلقوا لفظ التعمد في جانب الأخبار الدالة على البطلان و قيدوها به و إلا فهي كما عرفت مطلقة شاملة بإطلاقها للعامد و الناسي و المكره. و هذا بحمد الله سبحانه واضح. ثم انه لو ورد في شيء من اخبار البطلان قيد التعمد لكان الظاهر حمله على ما قابل الناسي الذي دلت عليه الأخبار و بقي المكره داخلا تحتها أيضا. و أما خبر «و ما استكرهوا عليه» فغايته رفع الإثم بمعنى انه إذا أكره على ارتكاب فعل محرم فلا اثم عليه في فعله و ان بطلت الصلاة به في ما نحن فيه.

و ظاهره في الذكرى التوقف في الحكم المذكور و كذا في المدارك حيث قال:

«و في المكره وجهان أحوطهما الإعادة» مع ان ما ذكرناه من الإبطال بالتقريب المذكور واضح لا سترة عليه.

و كيف كان فإنه و ان كان ما ذكرناه هو الأقرب لما عرفت إلا ان الاحتياط لعدم النص الصريح في المقام مما لا ينبغي تركه. و الله العالم.

(الثالث)- الالتفات الى ما وراءه

، و كلام الأصحاب و كذا اخبار الباب لا يخلو في المقام من إجمال و اضطراب:

قال في المعتبر: الالتفات يمينا و شمالا لا ينقض ثواب الصلاة و الالتفات الى ما وراءه يبطلها لأن الاستقبال شرط صحة الصلاة فالالتفات بكله مفوت لشرطها. الى ان قال و أما كراهة الالتفات يمينا و شمالا بوجهه مع بقاء جسده مستقبلا فلرواية الحلبي (1). الى آخره.

____________

(1) ص 29.

27

و ظاهر هذا الكلام تخصيص الإبطال بالالتفات الى ما وراءه بجميع البدن عامدا أو ساهيا و الالتفات بكل البدن الى محض اليمين و الشمال لا يوجب البطلان.

و بذلك يظهر ذلك ما في نقل صاحب الذخيرة عنه حيث قال- بعد أن نقل عن أكثر عبارات الأصحاب (رضوان الله عليهم) تقييد الالتفات المبطل بما إذا كان الى ورائه و ذكر ان هذا التقييد يوجب عدم بطلان الصلاة بالالتفات الى اليمين و الشمال- ما لفظه: لكن صرح المحقق في المعتبر بان الالتفات بكل البدن مبطل و هو أعم من أن يكون الى الخلف أو الى اليمين أو اليسار بل يشمل ما بين الجانبين و القبلة أيضا. انتهى.

و فيه ما عرفت من تصريحه في العبارة بما إذا كان الى ورائه، نعم لو خلينا و ظاهر تعليله لأمكن استفادة ذلك منه لصدق عدم الاستقبال و تفويت الشرط على ما إذا كان محض اليمين أو اليسار أو ما بين أحدهما و بين القبلة لكن قضية التقييد في المدعى يوجب التقييد في الدليل ليكون منطبقا على المدعى. الا ان ظاهر كلام المنتهى- و هو قد حذا حذو المعتبر في المقام- هو ما ذكره (قدس سره) من تخصيص الالتفات يمينا و شمالا الذي ينقض الصلاة بما إذا كان بالوجه.

و بالجملة فإن عبائرهم في المقام غير منقحة و لا ظاهرة بالظهور التام الحاسم لتطرق الاحتمال في تمييز تلك الأحكام.

و قال في الذكرى: يحرم الانحراف عن القبلة و لو يسيرا، فلو فعل عمدا أبطلها، و ان كان ناسيا و كان بين المشرق و المغرب فلا إبطال، و ان كان الى المشرق و المغرب أو كان مستدبرا فقد أجرياه في المقنعة و النهاية مجرى الظان في الإعادة في الوقت إذا كان إليهما و مطلقا ان استدبر. و توقف فيه الفاضلان. الى ان قال و اعلم ان الالتفات الى محض اليمين و اليسار بكله كالاستدبار كما انه بحكمه في الصلاة مستدبرا على أقوى القولين فيجيء القول بالإبطال و لو فعله ناسيا إذا تذكر في الوقت، و ان فرقنا بين الالتفات و بين الصلاة الى اليمين و اليسار فلا إبطال. انتهى

28

و هو ظاهر في بطلان الصلاة بتعمد الالتفات الى محض اليمين و اليسار بجميع البدن كالاستدبار، و هو خلاف ما يفهم من كلام الأكثر من تخصيص الابطال بالالتفات الى ما رواه كما سمعت من كلام المعتبر.

و اما الالتفات بالوجه خاصة فلا يخلو اما أن يكون الى الخلف أو الى أحد الجانبين أو الى ما بينه و بين القبلة، و ظاهر قولهم انه تبطل بتعمد الالتفات الى ما وراءه تخصيص الإبطال في الوجه أيضا بالصورة الأولى، و ظاهر عبارة المعتبر حيث خص الالتفات المبطل بكل البدن عدم الإبطال و ان استدبر به، و كلام العلامة في المنتهى و التذكرة و النهاية لا يخلو من اضطراب، و قال في الذكرى يكره الالتفات الى اليمين و الشمال بحيث لا يخرج الوجه الى حد الاستدبار و كان بعض مشايخنا المعاصرين يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (1).

هذا في صورة التعمد و اما السهو فكلامهم فيه أشد تدافعا و اضطرابا ليس في التعرض له كثير فائدة و من أراد الاطلاع فليرجع في ذلك الى الذخيرة للفاضل الخراساني فإنه قد أطال فيه بنقل تلك الأقوال.

[الأخبار الواردة في الالتفات]

و الواجب الرجوع الى الأخبار الواردة في المقام و بيان ما يظهر منها من الأحكام:

الأول-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن أذينة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلى بعض صلاته؟ فقال ان كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير ان يلتفت و ليبن على صلاته، فان لم يجد الماء حتى يلتفت فليعد الصلاة. قال و القيء مثل ذلك».

الثاني-

ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح (3) «انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله».

الثالث-

ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه

____________

(1) البحر الرائق ج 2 ص 21.

(2) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

29

السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يلتفت في الصلاة قال لا و لا ينقض أصابعه».

الرابع-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: «ثم استقبل القبلة بوجهك و لا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله عز و جل يقول لنبيه (صلى الله عليه و آله) في الفريضة:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» (3).

الخامس-

ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك فان الله تعالى قال لنبيه (صلى الله عليه و آله) في الفريضة فَوَلِّ وَجْهَكَ. (5). الحديث».

السادس-

ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا و ان كنت قد تشهدت فلا تعد».

السابع- ما تقدم في مسألة الكلام في الصلاة عمدا (7)

من قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته «و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته».

الثامن-

ما رواه الصدوق عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: «ان تكلمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».

التاسع-

ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (9)

____________

(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 9 من القبلة.

(3) سورة البقرة الآية 139 و 145.

(4) الفروع ج 1 ص 83 و التهذيب ج 1 ص 192 و 218 و في الوسائل الباب 9 من القبلة.

(5) سورة البقرة الآية 139 و 145.

(6) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(7) ص 17.

(8) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(9) التهذيب ج 1 ص 235 و في الوافي باب «السهو في أعداد الركعات».

30

قال: «سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته و قد سبقه بركعة فلما فرغ الإمام خرج مع الناس ثم ذكر انه قد فاتته ركعة؟ قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا».

العاشر-

ما رواه في قرب الاسناد عن على بن جعفر (1) و كتاب المسائل لعلي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال إذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى و لا يعتد به و ان كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود».

الحادي عشر-

ما رواه في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي (3) قال:

«سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟

قال إذا كانت الفريضة و التفت الى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلى و لا يعتد به و ان كانت نافلة فلا يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود».

الثاني عشر-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيظن ان ثوبه قد انخرق أو أصابه شيء هل يصلح له ان ينظر فيه أو يمسه؟ فقال ان كان في مقدم ثوبه أو جانبيه فلا بأس و ان كان في مؤخره فلا يلتفت فإنه لا يصلح».

و رواه على بن جعفر في كتابه (5) و الحميري في قرب الاسناد (6).

الثالث عشر-

ما رواه الشيخ عن عبد الحميد بن عبد الملك (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الالتفات في الصلاة أ يقطع الصلاة؟ قال لا و ما أحب أن يفعل».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(2) البحار ج 18 ص 210.

(3) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(6) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(7) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة. و في كتب الحديث هكذا: عن عبد الحميد عن عبد الملك. و في جامع الرواة عند ذكر عبد الملك بن حكيم الخثعمي قال: حماد بن عثمان عن عبد الحميد عن عبد الملك عن ابي عبد الله «ع». و هو مطابق لما نقلناه من كتب الحديث.

31

الرابع عشر-

ما رواه في الخصال بإسناده عن على (عليه السلام) في حديث الأربعمائة (1) قال: «الالتفات الفاحش يقطع الصلاة و ينبغي لمن فعل ذلك ان يبدأ الصلاة بالأذان و الإقامة و التكبير».

أقول: هذا ما حضرني من الأخبار و لا يخفى ما فيها من الاختلاف و الاضطراب و من أجلها اختلفت كلمات الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب

و تفصيل الكلام في هذا المقام ان يقال- بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام)- انه لا يخلو اما أن يكون الالتفات بالبدن كملا أو الوجه خاصة، و على الأول فاما أن يكون عمدا أو سهوا، و على كل منهما إما أن يكون الى ما بين اليمين و اليسار أو الى محض اليمين و اليسار أو الى دبر القبلة فههنا صور:

[صور الالتفات بالبدن و حكمها]

(الأولى)- أن يكون الالتفات بالبدن عمدا الى ما بين اليمين و اليسار، و الظاهر الإبطال لأنه متعمد الصلاة الى غير القبلة، و على ذلك يدل الخبر الثاني و الرابع و الخامس و الثامن و التاسع.

(الثانية)- الصورة الأولى بحالها و لكن الالتفات الى محض اليمين و اليسار و الحكم فيها كذلك لما عرفت.

(الثالثة)- الصورة بحالها و لكن الى دبر القبلة، و هو اولى بالبطلان للأخبار المتقدمة، و يدل على ذلك زيادة على ما تقدم الخبر السادس و العاشر و الحادي عشر (الرابعة)- ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى ما بين اليمين و الشمال، و الظاهر الصحة لما تقدم في بحث القبلة من

موثقة عمار (2) الدالة على أن «من صلى الى غير القبلة فعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ و كان متوجها الى ما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه حين يعلم. الحديث».

و هو شامل بإطلاقه للظان و الساهي

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(2) ج 6 ص 430 و في الوسائل الباب 10 من القبلة.

(3) الوسائل الباب 10 من القبلة.

32

الرجل يقوم في الصلاة ثم ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا؟ فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة».

و التقريب فيها انه إذا صحت الصلاة بعد الإتيان بها كملا على تلك الحال في ما بين اليمين و اليسار صح بعضها بطريق اولى لاشتراك الجميع في موجب الصحة و هو كون ما بين اليمين و اليسار قبلة لغير المتعمد، بل ظاهر بعض الأخبار ايضا انه قبلة للمتعمد كما تقدم في بحث القبلة.

و بما ذكرنا من هذه الأخبار يخص إطلاق الأخبار الدالة على الإبطال في الصورة المتقدمة بحملها على العامد.

و بذلك يظهر ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد إيراد جملة من اخبار المسألة: إذا عرفت هذا فاعلم ان الصحيح ان الانحراف عن القبلة بكل البدن موجب لبطلان الصلاة مطلقا و ان لم يصل الى حد التشريق و التغريب عملا بمنطوق صحيحة زرارة المذكورة (1) و عموم عدة من الأخبار المذكورة. انتهى.

فان الظاهر ان مراده بالإطلاق يعني أعم من ان يكون عن عمد أو سهو. و فيه ما عرفت و الى ما ذكرنا من الصحة في هذه الصورة يشير كلامه في الذكرى كما قدمنا من قوله: و ان كان ناسيا و كان ما بين المشرق و المغرب فلا إبطال.

(الخامسة)- ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى محض اليمين و اليسار و الظاهر انه لا إشكال في وجوب الإعادة في الوقت

لموثقة عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك انك صليت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد».

و نحوها غيرها مما تقدم في بحث القبلة و هي شاملة بإطلاقها للظان و الساهي في الصلاة.

و يدل عليه إطلاق جملة من الأخبار المتقدمة، خرج منه ما إذا كان الالتفات الى ما بين اليمين و اليسار بالنصوص المتقدمة و بقي ما عداه.

____________

(1) ص 28.

(2) الوسائل الباب 11 من القبلة.

33

إنما الإشكال في وجوب القضاء، و منشأه من ظواهر الأخبار المشار إليها فإن مقتضاها الإبطال في الصورة المذكورة لما عرفت من عمومها لذلك و إنما خرج عنه حكم الصورة الرابعة بالنصوص المذكورة و بقي ما عداه، و من دلالة موثقة عبد الرحمن المذكورة و نحوها على عدم الإعادة خارج الوقت.

و مقتضى ما نقل في الذكرى عن المقنعة و النهاية هو الإعادة في الوقت خاصة حملا للالتفات على ظن الصلاة الى تلك الجهة و هو مقتضى موثقة عبد الرحمن المذكورة، و لا يخلو من قوة إلا أن الاحتياط في الإعادة.

و الى القول بعدم وجوب القضاء يميل كلام الشهيد في البيان و به صرح أيضا في الروض، و كذا ظاهر عبارة الذكرى المتقدمة القول بوجوب القضاء في الوقت خاصة و قيل بوجوب القضاء مطلقا.

(السادسة)- ان يكون الالتفات بالبدن سهوا الى دبر القبلة و المراد به ما بين اليمين و اليسار من خلف لا خصوص دبر القبلة حقيقة، و ظاهر الشهيد في الدروس ان المشهور عدم البطلان إلا انه اختار البطلان، و نقل ذلك عن ظاهر الشيخ في التهذيب، و هو ظاهر المحقق في ما تقدم من عبارته.

قال في الذكرى: و يجوز ان يستدل على بطلان الصلاة بالاستدبار مطلقا

بما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال قال: «الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله».

فإنه يشمل بإطلاقه العامد و الناسي إلا ان يعارض بحديث الرفع عن الناسي (2) فيجمع بينهما بحمله على العامد، انتهى.

أقول: الظاهر ضعف هذه المعارضة فإن المتبادر من الخبر المذكور إنما هو رفع المؤاخذة و هو لا ينافي البطلان.

و بما ذكره هنا من القول بالصحة في الناسي اعتمادا على الخبر المذكور صرح العلامة

____________

(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس.

34

في المنتهى فقال: لو التفت الى ما وراءه ناسيا لم يعد صلاته

لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه»،.

و فيه ما عرفت.

ثم انه على تقدير البطلان فهل يختص بالوقت بمعنى وجوب الإعادة في الوقت خاصة أو يجب القضاء أيضا؟ قولان و بالأول صرح في البيان، قال في تعداد المبطلات: و تعمد التحرف عن القبلة و لو يسيرا، و لو كان الى محض الجانبين أو مستدبرا بطلت و ان كان سهوا إلا ان يستمر السهو حتى يخرج الوقت فلا قضاء فيهما على الأقرب. انتهى. و ظاهر المقنعة و النهاية هو الإعادة مطلقا كما تقدم في عبارة الذكرى، و الظاهر انه الأقرب لظواهر إطلاق أكثر الأخبار المتقدمة و خصوصا الخبر العاشر و الحادي عشر. هذا كله في الالتفات في البدن.

[صور الالتفات بالوجه و حكمها]

و اما الالتفات بالوجه خاصة ففيه صور (الاولى) الالتفات الى محض اليمين و اليسار، و المشهور بين الأصحاب جواز الالتفات على كراهية، و قد تقدم نقل كلام صاحب الذكرى عن بعض مشايخه المعاصرين- و الظاهر إنه فخر المحققين ابن العلامة كما نقله غير واحد من الأصحاب- انه كان يرى ان الالتفات بالوجه قاطع للصلاة كما يقوله بعض الحنفية (2) قال

لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال «لا تلتفتوا في صلاتكم فإنه لا صلاة لملتفت».

رواه عبد الله بن سلام (3) قال: و يحمل على الالتفات بكله.

و روى زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4) «الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله».

انتهى.

قال في المدارك بعد أن نقل حكاية القول المذكور عن الشهيد: و ربما كان مستنده إطلاق الروايات المتضمنة لذلك

كحسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا استقبلت القبلة بوجهك فلا تقلب وجهك عن القبلة

____________

(1) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة و 30 من الخلل في الصلاة و 56 من جهاد النفس.

(2) البحر الرائق ج 2 ص 21.

(3) عمدة القارئ ج 3 ص 53.

(4) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(5) ارجع الى التعليقة 4 ص 29.

35

فتفسد صلاتك. الحديث».

ثم قال: و حملها الشهيد في الذكرى على الالتفات بكل البدن

لما رواه زرارة في الصحيح (1) «انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله».

و قد يقال ان هذا المفهوم مقيد بمنطوق

قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي (2) «أعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا».

فان الظاهر تحقق التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة الى أحد الجانبين. انتهى.

أقول: فيه (أولا) ان الموجود في الذكرى هو ما قدمنا نقله عن الكتاب المذكور لا ما ذكره (قدس سره) من الاستدلال لذلك القول بصحيحة زرارة و جواب الشهيد عن الرواية المذكورة. و المناقشة في ذلك و ان كانت سهلة إلا ان من لم يراجع الذكرى يتوهم ان الأمر على ما ذكره فلذلك نبهنا عليه.

و (ثانيا)- انه إنما يتم التقييد الذي ذكره بناء على ما ادعاه من حصول التفاحش بالالتفات بالوجه خاصة و هو بعيد، مع ان هذا المفهوم مؤيد بما دل عليه الخبر الثاني عشر (3).

و ظاهر السيد (قدس سره) الميل الى القول المذكور استنادا إلى إطلاق الروايات المشار إليها و ان كان صاحب القول المذكور انما استند الى تلك الرواية العامية. و هو جيد لظاهر حسنة زرارة المذكورة و نحوها الخبر الرابع (4) فان النظر بالوجه الى محض اليمين و الشمال قلب الوجه عن القبلة، و نحوهما قوله في الخبر السابع (5) «و ان لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه فقد قطع صلاته» و كذا الخبر الثامن و التاسع (6)

و في رواية أبي بصير الواردة في الرعاف (7) «ان تكلمت أو

____________

(1) الوسائل الباب 3 من قواطع الصلاة.

(2) ص ص 29.

(3) ص 30.

(4) ص ص 29.

(5) ص ص 29.

(6) ص ص 29.

(7) الوسائل الباب 3 و 25 من قواطع الصلاة. و هذه الرواية ذكرها في الوافي في باب «الرعاف و القيء و الدم» بعد صحيحة ابن أذينة المتقدمة ص 28 كما في الفقيه ج 1 ص 239 و ليس فيها قرينة على ورودها في الرعاف إلا ذلك و لم يذكرها في باب الالتفات و التكلم بخلاف صاحب الوسائل فإنه لم يذكرها في باب الرعاف و انما ذكرها في باب بطلان الصلاة بالاستدبار و باب بطلانها بالكلام.

36

صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة».

و مثلها صحيحة ابن أذينة (1) إلا أن ظاهر مفهوم صحيحة زرارة الدالة على ان الالتفات يقطع الصلاة إذا كان بكله المؤيد بصحيحة على بن جعفر المذكورة (2) هو عدم البطلان، و المسألة لذلك موضع تردد.

و اما ما نقله في المدارك عن الذكرى من حمل حسنة زرارة على الالتفات بكل البدن فقد عرفت ان صاحب الذكرى لم ينقل الحسنة المذكورة و إنما ذكر هذا التأويل للخبر العامي و هو غير بعيد، اما بالنسبة إلى الحسنة المذكورة فهو بعيد حيث انها اشتملت على استقبال القبلة بالوجه و النهى عن قلب الوجه. و حمل الوجه على مجموع البدن بعيد كما لا يخفى.

و العجب من الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يظهر منهم من الاتفاق على عدم البطلان بالالتفات بالوجه الى محض اليمين و اليسار إلا من فخر المحققين و قد اتفقوا على رد قوله مع ان الأخبار التي أشرنا إليها ظاهرة الدلالة على القول المذكور كالنور على الطور.

و أما التفصيل- بالإتيان بشيء من الأفعال على تلك الحال فيعيد في الوقت و إلا فلا اعادة كما ذكره في المدارك و اقتفاه غيره- فلا أعرف عليه دليلا بل ظاهر الأخبار التي ذكرناها دالة على الإبطال في هذه الصورة الدلالة على البطلان مطلقا كما لا يخفى.

هذا إذا كان عمدا اما لو وقع الالتفات كذلك سهوا فالظاهر الصحة لأن الروايات الدالة على قطع الصلاة بالالتفات بالوجه ظاهرة في العمد و النهى في ما ورد بالنهي انما يتوجه الى العامد فلا شمول فيها للصورة المذكورة.

(الصورة الثانية) ما بين اليمين و اليسار و الظاهر الصحة للخبر الثالث عشر (3)

____________

(1) ص 28.

(2) ص 30.

(3) ص 30.

37

بحمله على هذه الصورة.

و ما رواه الصدوق في ثواب الأعمال عن الخضر بن عبد الله عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا قام العبد إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه و لا يزال مقبلا عليه حتى يلتفت ثلاث مرات فإذا التفت ثلاث مرات اعرض عنه».

بحمله على هذه المرتبة التي هي أقل مراتب الالتفات. و رواه البرقي في المحاسن (2).

و نحوه

ما رواه في قرب الاسناد عن أبي البختري عن الصادق عن أبيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: «الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان فإياكم و الالتفات في الصلاة فإن الله تبارك و تعالى يقبل على العبد إذا قام في الصلاة فإذا التفت قال الله تعالى يا ابن آدم عمن تلتفت؟ (ثلاثا) فإذا التفت الرابعة أعرض عنه».

و روى البرقي في المحاسن (4) قال و في رواية ابن القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال على (عليه السلام) للمصلي ثلاث خصال:

ملائكة حافين به من قدميه إلى أعنان السماء، و البر ينتثر عليه من رأسه الى قدمه، و ملك عن يمينه و عن يساره، فإذا التفت قال الرب تبارك و تعالى الى خير من تلتفت يا ابن آدم؟ لو يعلم المصلى لمن يناجي ما انفتل».

و بهذه الأخبار يخص إطلاق الأخبار المتقدمة الدالة على قطع الصلاة بالانصراف بالوجه، فإنه و ان صدق الانصراف بالوجه في هذه الصورة في الجملة إلا ان هذه الأخبار قد دلت على مجرد الكراهة كما عرفت، و حينئذ فيخص الجواز على كراهة بهذه الصورة خلافا لما عليه الأصحاب من عمومها للصورة المتقدمة لما عرفت. هذا مع التعمد و منه يعلم السهو بطريق أولى.

(الصورة الثالثة) الاستدبار بالوجه و الظاهر البطلان ان أمكن وقوعه مع التعمد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و اختار جماعة من الأصحاب: منهم- الشهيد البطلان مع بلوغ الوجه الى حد الاستدبار و ان كان الفرض بعيدا، و يدل

____________

(1) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 32 من قواطع الصلاة.

38

عليه رواية الحلبي- و أشار بها الى الحديث السادس (1)- قال إذ لا التفات أفحش مما يصير الى حد الاستدبار.

أقول: و نحوه الخبر الثالث عشر (2) و يدل عليه أيضا الأخبار التي أشرنا إلى دلالتها على الإبطال بالالتفات الى محض اليمين و الشمال بطريق الأولى.

قال في الروض: و إنما يبطل الالتفات في مواضعه لو وقع على وجه الاختيار أما لو وقع اضطرارا أو سهوا أو غيره ففي إبطاله نظر، من أن الاستقبال شرط فيبطل المشروط بفواته و لا فرق فيه بين الحالين كالطهارة إلا ما أخرجه النص، و من العفو عما استكره الناس عليه للخبر (3) و هذا هو الظاهر. انتهى. و الله العالم.

الرابع- القهقهة

و هي لغة الترجيع في الضحك أو شدة الضحك كما في القاموس، و قال في الصحاح: القهقهة في الضحك معروف و هو أن يقول «قه قه». قال في الروض بعد نقل كلام أهل اللغة و انه الترجيع في الضحك أو شدة الضحك:

و المراد هنا مطلق الضحك كما صرح به المصنف في غير هذا الكتاب.

و الحكم بتحريم القهقهة و إبطالها للصلاة مما لا خلاف فيه حكى إجماعهم عليه جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) كالفاضلين في المعتبر و المنتهى و التذكرة و الشهيد في الذكرى و غيرهم.

و الأصل فيه الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام)، و منها

ما رواه في الكافي و التهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال: «سألته عن الضحك هل يقطع الصلاة؟ قال أما التبسم فلا يقطع الصلاة و أما القهقهة فهي تقطع الصلاة».

و ما روياه أيضا في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة».

و روى في الفقيه مرسلا (6) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لا يقطع

____________

(1) ص 29.

(2) ص 30.

(3) ارجع التعليقة 1 ص 34.

(4) الوسائل الباب 7 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 7 من قواطع الصلاة.

(6) الوسائل الباب 7 من قواطع الصلاة.

39

التبسم الصلاة و تقطعها القهقهة و لا تنقض الوضوء».

و روى الصدوق في الخصال (1) عن ابى بصير و محمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقطع الصلاة التبسم و يقطعها القهقهة».

أقول: ظاهر هذه الأخبار كما ترى هو ترتب القطع على القهقهة و قد عرفت معناها لغة، و ظاهر كلام الروض المتقدم ان القاطع عند الأصحاب هو مطلق الضحك، و قال في الروضة في تفسير القهقهة هي الضحك المشتمل على الصوت و ان لم يكن فيه ترجيع و لا شدة، و على هذا النحو كلام غيره ايضا.

و بالجملة فإن بعضهم فسر القهقهة هي بالضحك المشتمل على الصوت لوقوعها في الأخبار في مقابلة التبسم الخالي منه، و منهم من فسرها بمطلق الضحك ظنا منهم ان التبسم ليس من افراد الضحك مع ان الظاهر من موثقة سماعة انه من افراد الضحك، و بذلك صرح في القاموس ايضا حيث قال فيه هو أقل الضحك و أحسنه.

و كيف كان فان ما ذكروه لا يخلو من الاشكال لمخالفته للاخبار و كلام أهل اللغة.

ثم ان ظاهر الأخبار المذكورة عدم الفرق بين العمد و السهو إلا ان العلامة في التذكرة و الشهيد في الذكرى ادعيا الإجماع على عدم الإبطال بالواقعة سهوا.

و لو وقعت على وجه لا يمكن دفعها لمقابلة لاعب و نحوه فاستقرب الشهيد في الذكرى البطلان و ان لم يأثم لعموم الخبر. و هو جيد بل يظهر من التذكرة انه مجمع عليه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و الله العالم.

الخامس- تعمد الفعل الكثير الخارج به عن الصلاة

بلا خلاف بين الأصحاب بل كافة العلماء، حكى ذلك الفاضلان و غيرهما.

قال في المنتهى: و يجب عليه ترك الفعل الكثير الخارج من أفعال الصلاة فلو فعله عامدا بطلت صلاته و هو قول أهل العلم كافة، لأنه يخرج به عن كونه مصليا،

____________

(1) ج 2 ص 166 و في الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة رقم 16.

40

و القليل لا يبطل الصلاة بالإجماع، قال و لم يحد الشارع القلة و الكثرة فالمرجع في ذلك الى العادة و كل ما ثبت ان النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) فعلوه في الصلاة و أمروا به فهو من جنس القليل كقتل البرغوث و الحية و العقرب، و كما روى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) انه كان يحمل امامة بنت أبى العاص فكان إذا سجد وضعها و إذا قام رفعها.

[تحديد الفعل الكثير]

أقول: لا يخفى ان الأخبار خالية من ذكر هذا الفرد و التعرض له في عداد ما يبطل الصلاة و إنما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لهذا اضطرب كلامهم في تحديد القلة و الكثرة اضطرابا شديدا، فمنهم من حده بما سمى كثيرا عرفا، و منهم من قال ما يخرج به فاعله عن كونه مصليا عرفا.

____________

(1) قال في هامش محاضرات آية الله الخوئي في الفقه الجعفري قسم المعاملات ص 52:

و لم يستشهد الأئمة (ع) بقصة حمل النبي «ص» امامة ابنة زينب و لو كان لها عندهم «ع» عين أو اثر لاستشهدوا بها كما هي عادتهم و لكن أهل السنة في جوامعهم تعرضوا لهذه القصة و مع حرصهم الشديد عليها لم يذكروا إلا رواية واحدة عن أبي قتادة و الراوي عنه عمرو بن سليم الزرقي و عنه عامر بن عبد الله بن الزبير و أبو سعيد المقبري و يزيد بن عتاب المجهول. و قد اختلفوا في النقل ففي صحيح البخاري ج 1 ص 87 قبل مواقيت الصلاة و صحيح مسلم ج 1 ص 205. الى ان قال بعد عد الجوامع و بيان الاختلاف بينها في المتن: و قد اضطرب فقهاؤهم لهذا الحديث الكاشف عن العمل الكثير المبطل و للخلاف في متن الحديث فمنهم من قال انه منسوخ و منهم من قال انه في النافلة الجائز فيها ذلك، ثم قال راجع فيه نيل الأوطار للشوكانى ج 1 ص 102 و فتح الباري ج 2 ص 464 و عمدة القارئ ج 2 ص 501 و شرح صحيح مسلم للنووي على هامش إرشاد الساري ج 3 ص 198 يتجلى لك من اضطراب الفقهاء في توجيهه بعده عن الحقيقة. إلى آخر كلامه.

و في النسخة المطبوعة من الحدائق أدرجت العبارة الآتية في عبارة المنتهى و هي هذه: «و هذا الحديث من موضوعات العامة أرادوا به انحطاط منزلته «ص» وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلّٰا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ» مع انها غير موجودة في المنتهى و لا في ما وقفنا عليه من نسخ الحدائق الخطية و لذا حذفت في هذه الطبعة.

41

و قال في السرائر ما يسمى في العادة كثيرا مثل الأكل و الشرب و اللبس و غير ذلك مما إذا فعله الإنسان لا يسمى مصليا بل يسمى آكلا و شاربا و لا يسمى فاعله في العادة مصليا.

و قال العلامة في التذكرة: اختلف الفقهاء في حد الكثرة فالذي عول عليه علماؤنا البناء على العادة فما يسمى في العادة كثيرا فهو كثير و إلا فلا، لأن عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم و به قال بعض الشافعية. و قال بعضهم القليل ما لم يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة و الكثير ما يسع. و قال بعضهم ما لا يحتاج الى فعل اليدين معا كرفع العمامة و حل الأزرار فهو قليل و ما يحتاج إليهما معا كتكوير العمامة و عقد السراويل فهو كثير. و قال بعضهم القليل ما لا يظن الناظر الى فاعله انه ليس في الصلاة و الكثير ما يظن به الناظر الى فاعله الاعراض عن الصلاة (1) انتهى.

و أورد عليه ان ما ذكره من التعليل على احالة الحكم على العرف فهو متجه ان كان مستند أصل الحكم النص، و ليس كذلك فانى لم اطلع على نص يتضمن ان الفعل الكثير مبطل و لا ذكر نص في هذا الباب في شيء من كتب الاستدلال، فاذن مستند الحكم هو الإجماع فيجب اناطة الحكم بمورد الاتفاق فكل فعل ثبت الاتفاق على كونه فعلا كثيرا كان مبطلا و متى ثبت انه ليس بكثير فهو ليس بمبطل، و متى اشتبه الأمر فلا يبعد القول بعدم كونه مبطلا فان اشتراط الصحة بتركه يحتاج الى دليل بناء على ان الصلاة اسم للأركان المعينة مطلقا فتكون هذه الأمور خارجة عن حقيقتها. و يحتمل القول بالبطلان و وجوب الإعادة لتوقف البراءة اليقينية من التكليف الثابت عليه. انتهى.

أقول- و بالله التوفيق إلى هداية سواء الطريق- قد عرفت في غير مقام مما تقدم ما في بناء الأحكام الشرعية على الرجوع الى العرف من الفساد مضافا الى عدم

____________

(1) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 252 و بدائع الصنائع ج 1 ص 241 و المغني ج 2 ص 249 و البحر الرائق ج 2 ص 12 و لم نعثر في ما وقفنا عليه من كتبهم بتحديد الفعل الكثير بما يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة.

42

الدليل عليه من سادات العباد. و اما قول العلامة في ما قدمناه من كلامه- ان عادة الشرع رد الناس في ما لم ينص عليه الى عرفهم- فهو ممنوع أشد المنع بل المعلوم من الأخبار على وجه لا يعتريه غشاوة الإنكار عند من جاس خلال الديار عند فقد النص إنما هو الوقوف و التثبت و الأخذ بالاحتياط، و قد تقدمت في ذلك الأخبار في مقدمات كتاب الطهارة في مقدمة البراءة الأصلية و كذا في مواضع من مطاوي أبحاث الكتاب، و لا بأس بالإشارة الى بعضها لإزالة ثقل المراجعة على النظار:

و منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) «إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا».

و قولهم (عليهم السلام) في جملة من الأخبار (2) «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة.

إنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع و أمر بين غيه فيجتنب و أمر مشكل يرد علمه الى الله تعالى و الى رسوله (صلى الله عليه و آله) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من الهلكات».

و قوله (عليه السلام) في حديث حمزة بن الطيار (3) «كف و اسكت انه لا يسعكم في ما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه و التثبت و الرد إلى أئمة الهدى (عليهم السلام) حتى يحملوكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى و يعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ» (4).

و قوله (عليه السلام) (5) «ان وضح لك أمر فاقبله و إلا فاسكت تسلم ورد علمه الى الله تعالى فإنك في أوسع ما بين السماء و الأرض».

و قول الصادق (عليه السلام) في حديث ابى البريد المروي في الكافي (6)

____________

(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(3) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(4) سورة النحل، الآية 45.

(5) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(6) الوسائل الباب 7 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به. و فيه- كما في أصول الكافي باب الضلال- هكذا (عن هاشم صاحب البريد).

43

«اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».

الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نقلها المقام.

و اما الاعتماد على الإجماع و اناطة الحكم به فهو و ان كان مشهورا بينهم إلا انك قد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه و خافية.

و التحقيق عندي في المقام هو ان يقال لا ريب أن الصلاة عبادة شرعية موظفة محدودة بالتكبير الى التسليم

تحريمها التكبير و تحليلها التسليم (1).

و انها عبارة عن الأفعال المخصوصة و ما بينها من الانتقالات إلا أنه قد رخص الشارع في الإتيان ببعض الأفعال فيها مما هو خارج عنها، فيجب الوقوف على مواضع الرخص لأنها جارية على خلاف الأصل، لأنا لو خلينا و ظاهر الأمر بها و انها عبارة عما ذكرنا و لم يرد شيء من ما ذكرناه من الرخص لكنا نوجب الحكم ببطلانها مع الإتيان بتلك الأشياء البتة لخروجها عن الصلاة المبنية على التوقيف عن صاحب الشرع لكن لما وردت النصوص بها لم يسع الحكم بالإبطال، و حينئذ فالواجب الاقتصار في الحكم بالصحة على موارد النصوص من تلك الأشياء و نحوها و ما خرج عن ذلك سمى عرفا كثيرا أو لم يسم انمحت به صورة الصلاة أم لا فإنه يجب الحكم فيه بالإبطال وقوفا على ما ذكرناه من الأصل.

و بالجملة فإنه حيث كانت النصوص خالية من هذا الحكم و ما ادعوه من الإجماع في المقام و فرعوا عليه من الأحكام فهي لا توصل عندنا الى مقام فالواجب الوقوف على مقتضى الأصل في حكم الصلاة و ما يقتضيه الأمر بها و ما ورد من النصوص المخصصة لذلك في هذا الباب.

[الأخبار المسوغة لبعض الأفعال في الصلاة]

فالواجب ذكر جملة من تلك النصوص الواردة في ذلك لتكون أنموذجا لا يتعداه السالك في هذه المسالك، فمن ذلك أخبار الرعاف و قد تقدم جملة منها في مسألة الكلام.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام و 1 من التسليم.

44

و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة (1) انه قال:

«لا بأس أن يعد الرجل صلاته بخاتمه أو بحصى يأخذ بيده فيعد به».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يسوى الحصى في موضع سجوده بين السجدتين».

و عن عبيد الله الحلبي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته أ يمسح الرجل جبهته في الصلاة إذا لصق بها تراب؟ فقال نعم قد كان أبو جعفر (عليه السلام) يمسح جبهته في الصلاة إذا لصق بها التراب».

و عن إسحاق بن عمار عن رجل من بنى عجل (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكان يكون فيه الغبار فأنفخه إذا أردت السجود؟ فقال لا بأس».

و روى الكليني و الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) «في الرجل يمس أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أ ينصرف؟ قال إن كان يابسا فليرم به و لا بأس».

و في الكافي «دما كثيرا» (6).

و روى الشيخ في الصحيح عن ابن ابى نصر عن ابى الوليد (7) قال: «كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فسأله ناجية أبو حبيب فقال له جعلني الله فداك ان لي رحى أطحن فيها فربما قمت في ساعة من الليل فاعرف من الرحى ان الغلام قد نام فاضرب الحائط لأوقظه؟ فقال نعم أنت في طاعة الله تطلب رزقه».

و رواه ابن بابويه بتفاوت في المتن (8) و فيه «فأقوم فأصلي. الى آخره».

و روى في الكافي و التهذيب في الحسن أو الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (9) في حديث قال: «و المرأة إذا أرادت الحاجة و هي

____________

(1) الوسائل الباب 28 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 18 من السجود.

(3) الوسائل الباب 18 من السجود.

(4) الوسائل الباب 7 من السجود.

(5) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة.

(6) ليس في الكافي ج 1 ص 101 كلمة «كثيرا».

(7) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة.

(8) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة.

(9) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة.

45

تصلى تصفق بيديها».

و روى في الفقيه (1) قال: «و سأله حنان بن سدير أ يومئ الرجل و هو في الصلاة؟ قال نعم قد أومأ النبي (صلى الله عليه و آله) في مسجد من مساجد الأنصار بمحجن كان معه. قال حنان و لا أعلمه إلا مسجد بنى عبد الأشهل».

و روى في الفقيه و التهذيب عن محمد بن بجيل أخي على بن بجيل (2) قال:

«رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلى فمر به رجل و هو بين السجدتين فرماه أبو عبد الله (عليه السلام) بحصاة فأقبل اليه الرجل».

و رؤيا أيضا عن زكريا الأعور (3) قال «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يصلى قائما و الى جنبه رجل كبير يريد أن يقوم و معه عصا له فأراد أن يتناولها فانحط أبو الحسن (عليه السلام) و هو قائم في صلاته فناول الرجل العصا ثم عاد الى موضعه من الصلاة».

و رؤيا أيضا عن سعيد الأعرج (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أبيت و أريد الصوم فأكون في الوتر فأعطش فأكره أن اقطع الدعاء و اشرب و اكره أن أصبح و أنا عطشان و امامى قلة بيني و بينها خطوتان أو ثلاثة؟ قال تسعى إليها و تشرب منها حاجتك و تعود في الدعاء».

و روى في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا بأس ان تحمل المرأة صبيها و هي تصلي أو ترضعه و هي تتشهد».

____________

(1) الوسائل الباب 9 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 10 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 12 من القيام. و لفظ التهذيب «ثم عاد الى صلاته» و الفقيه «ثم عاد الى موضعه الى صلاته».

(4) الوسائل الباب 23 من قواطع الصلاة.

و اللفظ للتهذيب و هو يختلف عن لفظ الفقيه و قد نقله في الوسائل عن كل منهما مستقلا.

(5) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة.

46

و روى في الفقيه (1) قال: «سأل الحلبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتك و هو في الصلاة؟ قال لا بأس».

و روى في التهذيب عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (2) انه قال: «في رجل يصلى و يرى الصبي يحبو الى النار أو الشاة تدخل البيت لتفسد الشيء؟ قال فلينصرف و ليحرز ما يتخوف و يبنى على صلاته ما لم يتكلم».

و روى الشيخ في الحسن عن مسمع (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت أكون أصلي فتمر بي الجارية فربما ضممتها الى؟ قال لا بأس».

و عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «في الرجل يصلى في موضع ثم يريد ان يتقدم؟ قال يكف عن القراءة في مشيه حتى يتقدم الى الموضع الذي يريد ثم يقرأ».

و ما رواه في التهذيب و الكافي عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا دخلت المسجد و الامام راكع فظننت انك ان مشيت اليه رفع رأسه من قبل ان تدركه فكبر و اركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف فان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف».

قال في الفقيه (6) «و روى انه يمشى في الصلاة يجر رجليه و لا يتخطى».

و في هذا الحكم اخبار عديدة بذلك.

و روى في الفقيه و التهذيب في الموثق عن عمار (7) قال: «سألت أبا عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 28 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 22 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 44 من مكان المصلى و 34 من القراءة.

(5) الوسائل الباب 46 من الجماعة.

(6) الوسائل الباب 46 من الجماعة.

(7) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة.

47

(عليه السلام) عن الرجل يكون في الصلاة فيرى حية بحياله يجوز له أن يتناولها فيقتلها؟ فقال ان كان بينه و بينها خطوة واحدة فليخط و ليقتلها و الا فلا».

و رؤيا في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى الحية و العقرب و هو يصلى المكتوبة؟ قال يقتلهما».

و في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «في رجل يرى العقرب و الأفعى و الحية و هو يصلى أ يقتلها؟ قال: نعم ان شاء فعل».

و روى في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا وجدت قملة و أنت تصلي فادفنها في الحصى».

و مثلها رواية الحسين ابن ابى العلاء (4).

و روى في كتاب قرب الاسناد و كتاب المسائل عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته فيرمى الكلب و غيره بالحجر ما عليه؟ قال ليس عليه شيء و لا يقطع ذلك صلاته.

و سألته عن الرجل هل يصلح له و هو في صلاته أن يقتل القملة أو النملة أو الفأرة أو الحلمة أو شبه ذلك؟ قال أما القملة فلا يصلح له و لكن يرمى بها خارجا من المسجد أو يدفنها تحت رجليه.

و سألته عن رجل رعف و هو في صلاته و خلفه ماء هل يصلح له أن ينكص على عقبيه حتى يتناول الماء و يغسل الدم؟ قال إذا لم يلتفت فلا بأس.

و سألته عن المرأة تكون في صلاة الفريضة و ولدها الى جنبها فيبكي و هي قاعدة هل يصلح لها أن تتناوله فتقعده في حجرها و تسكته و ترضعه؟ قال لا بأس».

و روى في المحاسن (6) عن ابن أذينة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال

____________

(1) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 19 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 20 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 10 و 20 و 2 و 24 من قواطع الصلاة بترتيب الأسئلة في المتن و قد نقل الأول و الرابع من كتابه أيضا دون الثاني و الثالث، و في البحار ج 18 الصلاة ص 210 نقل الجميع من قرب الإسناد و من كتابه.

(6) ص 590.

48

«لدغت رسول الله (صلى الله عليه و آله) عقرب و هو يصلى بالناس فأخذ النعل و ضربها ثم قال بعد ما انصرف: لعنك الله فما تدعين برا و لا فاجرا إلا آذيته. قال ثم دعا (صلى الله عليه و آله) بملح جريش فذلك موضع اللذعة ثم قال لو علم الناس ما في الملح الجريش ما احتاجوا معه الى ترياق و غيره».

و روى على بن جعفر في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكي ابنها الى جنبها هل يصلح لها ان تتناوله و تحمله و هي قائمة؟ قال لا تحمل و هي قائمة».

قال بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم) قوله «لا تحمل و هي قائمة» يمكن أن يكون ذلك لاستلزام زيادة الركوع بناء على عدم اشتراط النية في ذلك و ظاهر بعض الأصحاب اشتراطها، ثم نقل كلام الذكرى الدال على ذلك ثم نقل رواية زكريا الأعور المتقدمة المتضمنة لهوي الامام لمناولة الشيخ عصاه (2) ثم قال: و هذا الخبر يدل على الجواز و على الاشتراط المذكور، و يمكن الجمع بينهما بحمل هذا الخبر على الفريضة أو الكراهة و خبر الأعور على النافلة أو على الجواز و الأول أظهر. انتهى.

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب نوادر البزنطي في الصحيح عن الحلبي (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخطو امامه في الصلاة خطوتين أو ثلاثا؟ قال نعم لا بأس. و عن الرجل يقرب نعله بيده أو رجله في الصلاة؟ قال نعم».

و روى الشهيد في الذكرى عن البزنطي عن داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (4) «في عد الآي بعقد اليد؟ قال لا بأس هو احصى للقرآن».

و روى الصدوق في الفقيه عن على بن جعفر (5) «انه سأل أخاه موسى (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة.

(2) ص 45.

(3) الوسائل الباب 30 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 30 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 27 من قواطع الصلاة.

49

السلام) عن الرجل يتحرك بعض أسنانه و هو في الصلاة هل ينزعه؟ قال ان كان لا يدميه فلينزعه و ان كان يدميه فلينصرف. و عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال ان لم يتخوف ان يسيل الدم فلا بأس و ان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله. و عن الرجل يرى في ثوبه خرء الطير أو غيره هل يحكه و هو في صلاته؟

قال: لا بأس. و قال لا بأس ان يرفع الرجل طرفه الى السماء و هو يصلى».

و روى الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و في كمه شيء من الطير؟ قال: ان خاف عليه ذهابا فلا بأس.

و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يستدخل الدواء و يصلى و هو معه و هل ينقض الوضوء؟ قال لا ينقض الوضوء و لا يصلى حتى يطرحه.

و سألته عن الرجل هل يصلح له ان يصلى و في فيه الخرز و اللؤلؤ؟ قال إذا كان يمنعه من قراءته فلا و ان كان لا يمنعه فلا بأس».

و اما

ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الموثق عن سماعة (2)- قال: «سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه؟ قال يقطع صلاته و يحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة.

قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب أو يصيب منها عنتا؟ فقال لا بأس ان يقطع صلاته».

و زاد في الفقيه (3) «و يتحرز و يعود في صلاته».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن حريز عن من أخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق أو غريما لك عليه مال أو حية تخافها على نفسك فاقطع الصلاة و اتبع الغلام

____________

(1) الوسائل الباب 60 من لباس المصلى و 23 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

50

أو غريما لك و اقتل الحية».

فيجب حمله على ما إذا استلزم فعل أحد المبطلات من الكلام و الاستدبار، على ان الثاني منهما مطلق فيجوز حمله على ما تقدم من الأخبار.

أقول: و من هذه الأخبار يستفاد ان ما كان من الأفعال مثل ما اشتملت عليه نوعا أو شخصا فلا بأس به و ما زاد على ذلك و خرج عنه فهو محل الإشكال و ان لم يسم كثيرا عرفا. هذا هو القدر الذي يمكن القول به في المقام.

ثم ان المشهور بينهم ان إبطال الفعل الكثير مخصوص بصورة العمد كما صرح بذلك جمع منهم و نسبه في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و قال الشهيد الثاني: لو استلزم الفعل الكثير ناسيا انمحاء صورة الصلاة رأسا توجه البطلان ايضا لكن الأصحاب أطلقوا الحكم بعدم البطلان. انتهى. و جزم سبطه في المدارك بالبطلان هنا حيث قال: و لم أقف على رواية تدل بمنطوقها على بطلان الصلاة بالفعل الكثير لكن ينبغي ان يراد به ما تنمحي به صورة الصلاة بالكلية كما هو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر اقتصارا في ما خالف الأصل على موضع الوفاق و ان لا يفرق في بطلان الصلاة بين العمد و السهو. انتهى.

(السادس)- تعمد البكاء للأمور الدنيوية

من ذهاب مال أو فوت عزيز و ان وقع بغير اختيار إلا انه لا يأثم به، و هذا الحكم ذكره الشيخ و من تأخر عنه و ظاهر عدم الخلاف فيه.

و استدلوا عليه بأنه فعل خارج عن حقيقة الصلاة فيكون قاطعا لها كالكلام،

و ما رواه الشيخ عن أبي حنيفة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البكاء في الصلاة أ يقطع الصلاة؟ قال ان بكى لذكر جنة أو نار فذلك هو أفضل الأعمال في الصلاة و ان كان ذكر ميتا له فصلاته فاسدة».

و رد الأول في المدارك بأنه قياس و الثاني بضعف السند لاشتماله على عدة من

____________

(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة.

51

الضعفاء، قال فيشكل الاستناد إليها في إثبات حكم مخالف للأصل ثم نقل عن شيخه المعاصر التوقف في الحكم، قال و هو في محله.

أقول: يمكن الجواب بناء على الاصطلاح المحدث في تقسيم الأخبار بجبر الخبر بالشهرة بين الأصحاب لما عرفت من اتفاقهم على الحكم المذكور و الأمران اصطلاحيان

و قال في الفقيه (1): و روى ان البكاء على الميت يقطع الصلاة و البكاء لذكر الجنة و النار من أفضل الأعمال في الصلاة.

و قال شيخنا في الروض: و اعلم ان البكاء المبطل للصلاة هو المشتمل على الصوت لا مجرد خروج الدمع مع احتمال الاكتفاء به في البطلان، و وجه الاحتمالين اختلاف معنى البكاء لغة مقصورا و ممدودا و الشك في إرادة أيهما من الأخبار قال: الجوهري البكاء يمد و يقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء و إذا قصرت أردت الدموع و خروجها، قال الشاعر:

بكت عيني و حق لها بكاها * * * و لا يجدى البكاء و لا العويل

. انتهى أقول: لا يخفى أن الموجود في النص الذي هو مستند هذا الحكم إنما هو بالفعل الشامل للأمرين دون المصدر الذي هو مظهر لكل من المعنيين المذكورين و حينئذ فما اشتهر بين الأصحاب من تخصيص الإبطال بما إذا اشتمل على الصوت دون مجرد خروج الدمع لا أعرف له وجها. و ربما أيده بعضهم باستصحاب حكم الصحة في الصلاة و المتيقن هو الإبطال بما اشتمل على الصوت. و هو ضعيف.

و اما ما ذكره في الذخيرة- من ان الظاهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) إرادة الأعم- لعله مبنى على إطلاق بعضهم الكلام في البكاء و إلا فظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المذكور ظاهر في اختياره التخصيص بالمشتمل على الصوت و إنما جعل الآخر احتمالا.

و قال سبطه في المدارك: و ينبغي ان يراد بالبكاء ما كان فيه انتحاب و صوت

____________

(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة.

52

لا مجرد خروج الدمع اقتصارا على موضع الوفاق ان تم. انتهى. و بعضهم علله بما قدمنا ذكره.

ثم ان ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من حيث تعليقهم الإبطال بالأمور الدنيوية الذي هو أعم من ان يكون لفوتها أو لطلبها هو حصول الإبطال بالبكاء لطلب ولد أو مال أو شفاء مريض أو نحو ذلك، و هو مشكل لأنه مأمور به و مندوب إليه في الأخبار، مع ان ظاهر الخبر الذي هو مستند هذا الحكم إنما هو فواتها لا طلبها. و حينئذ فالظاهر انه لا تبطل بالبكاء لطلبها. و لا يعارض ذلك بمفهوم صدر الخبر لدلالته على انه ما لم يكن من الأمور الأخروية يكون مبطلا، لأنا نقول مفهوم صدر الخبر انه ما لم يكن كذلك ليس أفضل الأعمال و عدم كونه أفضل الأعمال لا يوجب البطلان.

هذا. و اما ما يدل من الأخبار على عدم الإبطال بالبكاء للأمور الأخروية- من الشوق إلى الجنة أو الخوف من العذاب أو الندامة على الذنوب بل هو من أفضل الأعمال عند ذي الجلال كما استفاضت به اخبار الآل (صلوات الله و سلامه عليهم ما ترادفت الأيام و الليالي) و عضدته الآيات الواردة في الكتاب العزيز كقوله عز و جل «إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُ الرَّحْمٰنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا» (1)- فمنها-

ما صح عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «انه قال لعلى (عليه السلام) في جملة وصيته له: و الرابعة كثرة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة».

و ما رواه الصدوق (قدس سره) عن منصور بن يونس بزرج (3) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يتباكى في الصلاة المفروضة حتى يبكي؟ قال قرة عين و الله. و قال إذا كان ذلك فاذكرني عنده».

____________

(1) سورة مريم الآية 59.

(2) البحار ج 19 باب فضل البكاء و ذم جمود العين.

(3) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة.

53

و ما رواه الشيخ (عطر الله مرقده) عن سعيد بياع السابري (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يتباكى الرجل في الصلاة؟ فقال بخ بخ و لو مثل رأس الذباب».

و ما رواه ثقة الإسلام (نور الله ضريحه) عن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ما من شيء إلا و له كيل و وزن إلا الدموع فإن القطرة تطفئ بحارا من نار فإذا أغر و رقت العين بمائها لم يرهق وجهها قتر و لا ذلة فإذا فاضت حرمه الله على النار، و لو ان باكيا بكى في أمة لرحموا».

و عن محمد بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ما من عين إلا و هي باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خوف الله، و ما أغر و رقت عين بمائها من خشية الله (عز و جل) إلا حرم الله عز و جل سائر جسده على النار و لا فاضت على خده فرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلة، و ما من شيء إلا و له كيل و وزن إلا الدمعة فإن الله عز و جل يطفئ باليسير منها البحار من النار فلو ان عبدا بكى في أمة لرحم الله تلك الأمة ببكاء ذلك العبد».

و عن أبي حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «ما من قطرة أحب الى الله عز و جل من قطرة دموع في سواد الليل مخافة من الله لا يراد بها غيره».

و في الحسن عن صالح بن رزين و محمد بن مروان و غيرهما عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثة: عين غضت عن محارم الله و عين سهرت في طاعة الله و عين بكت في جوف الليل من خشية الله».

و عن ابن ابى عمير في الصحيح أو الحسن عن رجل من أصحابه (6) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام) اوحى الله عز و جل الى موسى ان عبادي لم يتقربوا إلي بشيء أحب الى من ثلاث خصال. قال موسى (عليه السلام) يا رب و ما هن؟ قال

____________

(1) الوسائل الباب 5 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس.

(3) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس.

(4) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس.

(5) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس.

(6) الوسائل الباب 15 من جهاد النفس.

54

يا موسى الزهد في الدنيا و الورع عن المعاصي و البكاء من خشيتي. قال موسى يا رب فما لمن صنع ذا؟ فأوحى الله عز و جل اليه يا موسى اما الزاهدون في الدنيا ففي الجنة و اما البكاءون من خشيتي ففي الرفيع الأعلى لا يشاركهم أحد و اما الورعون عن المعاصي فإني أفتش الناس و لا أفتشهم».

و عن على بن أبي حمزة (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبي بصير ان خفت امرا يكون أو حاجة تريدها فابدأ بالله فمجده و أثن عليه كما هو اهله و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) و اسأل حاجتك و تباك و لو مثل رأس الذباب، ان ابى كان يقول ان أقرب ما يكون العبد من الرب و هو ساجد باك».

(السابع)- تعمد الأكل و الشرب

إلا في الوتر لصائم أصابه عطش على المشهور و أصل الحكم المذكور ذكره الشيخ في الخلاف و المبسوط و ادعى عليه الإجماع و تبعه عليه أكثر من تأخر عنه، و منعه المحقق في المعتبر و طالبه بالدليل على ذلك. و هو جيد فانا لم نقف على ما يدل عليه من الأخبار، و الى هذا مال جملة من أفاضل المتأخرين و متأخريهم.

قال في الذكرى: أما الأكل و الشرب فالظاهر انهما لا يبطلان بمسماهما بل بالكثرة فلو ازدرد ما بين أسنانه لم يبطل اما لو مضغ لقمة و ابتلعها أو تناول قلة فشرب منها فان كثر ذلك عادة أبطل و ان كان لقمة أو شربة فقد قال في التذكرة يبطل لان تناول المأكول و مضغه و ابتلاعه أفعال معدودة. انتهى.

و قال في المنتهى: لو ترك في فيه شيئا يذوب كالسكر فذاب فابتلعه لم تفسد صلاته عندنا و عند الجمهور تفسد (2) لانه يسمى أكلا. أما لو بقي بين أسنانه شيء من بقايا الغذاء فابتلعه في الصلاة لم تفسد صلاته قولا واحدا لانه لا يمكن التحرز عنه، و كذا لو كان في فيه لقمة و لم يبلعها إلا في الصلاة لأنه فعل قليل. انتهى.

اما لو وضع في فيه لقمة حال الصلاة و مضغها و ابتلعها أو تناول قلة و شرب

____________

(1) الوسائل الباب 29 من الدعاء.

(2) المغني ج 2 ص 62.

55

منها فقد صرح العلامة في النهاية و التذكرة على ما نقل عنهما بأنه مبطل أيضا لأن التناول و المضغ و الابتلاع أفعال كثيرة و كذا المشروب. و هذا القول جار على مذهب الشيخ المتقدم.

و بالجملة فإن من نازع في أصل الحكم إنما بنى فيه على حصول الكثرة و عدمها فجعل الإبطال و عدمه دائرا مدار الكثرة و عدمها و إلا فالأكل و الشرب من حيث هما غير مبطلين و هو الأظهر في المسألة، لنا- ان مجرد الأكل و الشرب من قبيل الأفعال التي تقدم في الأخبار تعدادها و ما اشتملت عليه تلك الأخبار من الافراد المعدودة فيها إنما خرج مخرج التمثيل فتكون هي و ما شابهها كذلك، و ما زاد عليها يكون مبطلا لخروجه من الأخبار المذكورة و ان علله الأصحاب بالكثرة التي عدوها من القواطع فالنزاع لفظي.

و كيف كان فإنه لا خلاف في استثناء الصورة المتقدمة بالشروط الواردة في الخبر الذي هو مستند الحكم المذكور و هو خبر سعيد الأعرج المتقدم (1) في جملة أخبار ما يجوز فعله في الصلاة.

و

هل يتعدى الحكم إلى النافلة مطلقا؟

صرح الشيخ بذلك و المشهور خلافه، قال في المعتبر: قال في المبسوط و الخلاف لا بأس بشرب الماء في صلاة النافلة لأن الأصل الإباحة و إنما منعناه في الفريضة بالإجماع، و قال الشافعي لا يجوز في نافلة و لا في فريضة (2). ثم استدل برواية سعيد الأعرج ثم ساق الرواية. ثم قال في المعتبر: و قوله «منعناه في الفريضة بالإجماع» لا نعلم اى إجماع أشار اليه و الرواية المذكورة غير دالة على دعواه لأنه ادعى الجواز في النافلة مطلقا و الرواية تدل على الوتر خاصة بالقيود التي تضمنها الحديث و هي إرادة الصوم و خوف العطش و كونه في دعاء الوتر، و لا يلزم من جواز الشرب على هذا التقدير جوازه في النافلة

____________

(1) ص 45.

(2) الإقناع للخطيب الشربينى الشافعي ج 1 ص 123 و الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 254 فقد ذكرا ما يقتضي ذلك بإطلاقه.

56

مطلقا. انتهى. و هو جيد.

أقول: و بعضهم لذلك تخطى عن عموم الوتر كما هو ظاهر المشهور الى تخصيص الجواز بدعائه كما هو مورد الرواية و لا ريب انه الأحوط.

و أنت خبير بان هذا الاستثناء إنما يصح بناء على قول الشيخ و اتباعه من الإبطال بمسمى الأكل و الشرب أو بناء على ان الشرب فعل كثير فيقتصر حينئذ على موضع النص و الا فلا استثناء و لا قصر كما هو الأظهر و هو اختياره في المدارك ايضا

المقام الثالث [ما يكره فعله في الصلاة]

- في ما يكون الأفضل تركه و ان لم يقطعها و بعبارة أخرى ما يكره فيها:

و منها-

الالتفات يمينا و شمالا

عند الأصحاب و ذهب بعضهم إلى انه محرم مبطل و قد تقدم تحقيق القول في ذلك قريبا.

و منها- العقص للرجل، قال في القاموس عقص شعره ضفره و فتله. و القول بالكراهة هو المشهور بين المتأخرين و ذهب اليه سلار و أبو الصلاح و ابن إدريس و جمهور المتأخرين، و هو ظاهر عبارة الشيخ المفيد حيث قال: لا ينبغي للرجل إذا كان له شعر ان يصلى و هو معقوص حتى يحله و قد روى رخصة في ذلك للنساء.

و قال الشيخ في التهذيب و المبسوط و الخلاف إذا صلى الرجل و هو معقوص الشعر عامدا بطلت صلاته.

و استدل عليه في الخلاف بالإجماع

و بما رواه في التهذيب عن مصادف عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل صلى صلاة فريضة و هو معقوص الشعر؟

قال يعيد صلاته».

و أجاب المتأخرون عن الإجماع بعدم ثبوته و هو جيد، و عن الرواية بضعف السند.

____________

(1) الوسائل الباب 36 من لباس المصلى. و الرواية للكليني كما في الفروع ج 1 ص 113 و رواها الشيخ عنه في التهذيب ج 1 ص 202.

57

و فيه أولا- ما عرفت في غير موضع مما تقدم من أن الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم بل و لا على من لا يرى العمل به. و بالجملة فإن رد الخبر من غير معارض مشكل و من ثم مال المحدث الشيخ محمد ابن الحسن الحر العاملي في كتاب الوسائل إلى تحريمه و إبطال الصلاة به.

و روى في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (1) انه قال:

«نهاني رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن اربع: عن تقليب الحصى في الصلاة و ان أصلي و انا عاقص رأسي من خلفي، و ان احتجم و انا صائم، و ان أخص يوم الجمعة بالصوم».

و ظاهر هذه الرواية الكراهة كما هو المشهور. و نفى البعد شيخنا المجلسي (قدس سره) عن حمل رواية مصادف على التقية (2).

و كيف كان فالحكم مختص بالرجال و اما النساء فلا كراهة فيهن إجماعا.

ثم ان جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا بأنه على تقدير التحريم لا يلزم البطلان، و عللوه بأن النهي عن أمر خارج عن العبادة فلا يستلزم بطلانها.

و لا يخفى ما في هذا الكلام من الغفلة عن النص المذكور حيث انه قد اشتمل على الإعادة الصريحة في البطلان و ليس في الباب غيره و ليس ههنا نص يتضمن النهى حتى يتجه ما ذكروه من التقريب. و الله العالم.

[سائر المكروهات]

و منها- التثاؤب و التمطي و فرقعة الأصابع و العبث بلحيته أو غيرها و نفخ موضع سجوده و التنخم و البصاق و نحو ذلك.

و المستند في هذه الأشياء و نحوها عدة اخبار: منها-

ما ورد في صحيح زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك فإنما يحسب لك منها ما أقبلت عليه، و لا تعبث فيها بيدك و لا برأسك و لا

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 27 من لباس المصلى.

(2) في البحر الرائق ج 2 ص 23 استظهر التحريم للنهى بلا صارف.

(3) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

58

بلحيتك و لا تحدث نفسك و لا تتثأب و لا تتمط و لا تكفر فإنما يفعل ذلك المجوس و لا تلثم و لا تحتفز و لا تفرج كما يتفرج البعير و لا تقع على قدميك و لا تفترش ذراعيك و لا تفرقع أصابعك، فإن ذلك كله نقصان من الصلاة، و لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا، فإنها من خلال النفاق فان الله تعالى نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى (1) يعنى سكر النوم، و قال للمنافقين وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا» (2).

بيان: قال في النهاية: فيه «التثاؤب من الشيطان» التثاؤب معروف و هو مصدر تثاءب و الاسم الثؤباء، و إنما جعله من الشيطان كراهية له لأنه إنما يكون مع ثقل البدن و امتلائه و استرخائه و ميله الى الكسل و النوم، و اضافه الى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى إعطاء النفس شهوتها. و أراد به التحذير من السبب الذي يتولد منه و هو التوسع في المطعم و الشبع فيثقل عن الطاعات و يكسل عن الخيرات. انتهى.

و التمطي معروف و قيل أصله من التمطط و هو التمدد.

قال في المنتهى: يكره التثاؤب في الصلاة لأنه استراحة في الصلاة و مغير لهيئتها المشروعة و كذا يكره التمطي ايضا لهذه العلة، و يؤيده ذلك

ما رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يتثأب في الصلاة و يتمطى؟ قال هو من الشيطان و لن يملكه».

ثم قال: و في ذلك دلالة على رجحان الترك مع الإمكان. انتهى.

و اما التكفير فقد تقدم الكلام فيه و كذا في اللثام. و اما الاحتفاز فقال في النهاية: الحفز الحث و الإعجال،

و منه حديث أبي بكرة «انه دب الى الصف راكعا و قد حفزه النفس».

و منه الحديث «انه (عليه السلام) اتى بتمر فجعل يقسمه و هو محتفز».

اى مستعجل مستوفز يريد القيام،

و منه حديث على (عليه السلام) (4)

____________

(1) سورة النساء الآية 46.

(2) سورة النساء الآية 141.

(3) الوسائل الباب 11 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من السجود.

59

«إذا صلت المرأة فلتحتفز إذا جلست و إذا سجدت و لا تخوى كما يتخوى الرجل اى تتضام و تجتمع».

انتهى. و قال في المجمع: في حديث المصلى لا تلثم و لا تحتفز اى لا تتضام في سجودك بل تتخوى كما يتخوى البعير الضامر و هذا عكس المرأة فإنها تحتفز في سجودها و لا تتخوى. انتهى.

أقول: و قد علم من ذلك ان هذا اللفظ محتمل لمعنيين: (أحدهما) الجلوس غير متمكن و لا متورك بل يجلس مقعيا كالمريد للقيام سريعا. و (الثاني) بمعنى التضام في السجود اى لا تتضام في حال سجودك، و في بعض النسخ «و لا تحتقن» و المراد به مدافعة الأخبثين.

و روى في الكافي عن احمد بن محمد بن عيسى رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا قمت في الصلاة فلا تعبث بلحيتك و لا برأسك و لا تعبث بالحصى و أنت تصلي إلا أن تسوى حيث تسجد فلا بأس».

و روى الشيخ في التهذيب عن ابى بصير (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت في الصلاة فاعلم أنك بين يدي الله تعالى فان كنت لا تراه فاعلم انه يراك فاقبل قبل صلاتك و لا تمتخط و لا تبزق و لا تنقض أصابعك و لا تورك فان قوما قد عذبوا بنقض الأصابع و التورك في الصلاة. الحديث».

أقول: ان نقض الأصابع بالقاف بعد النون ثم الضاد المعجمة، قال في القاموس: انقض أصابعه ضرب بها لتصوت. و قال في مجمع البحرين: و انقاض الأصابع تصويتها و فرقعتها و انقض أصابعه ضرب بها لتصوت، و منه الحديث «لا ينقض الرجل أصابعه في الصلاة» انتهى. و التورك قسمان: منه ما هو سنة و هو ما تقدم في بحث السجود و التشهد، و مكروه و هو ان يضع يديه على وركيه في الصلاة و هو قائم، و هو المراد في الخبر،

قال الصدوق في الفقيه (3): و لا

____________

(1) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(3) ج 1 ص 198.

60

تتورك فان الله عز و جل قد عذب قوما على التورك كان أحدهم يضع يديه على وركيه من ملالة الصلاة.

و روى البزنطي في جامعه بإسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«إذا قمت في صلاتك فاخشع فيها و لا تحدث نفسك ان قدرت على ذلك و اخضع برقبتك و لا تلتفت فيها و لا يجز طرفك موضع سجودك وصف قدميك و ارخ يديك و لا تكفر و لا تورك».

قال البزنطي (رحمه الله) فإنه بلغني عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان قوما عذبوا لأنهم كانوا يتوركون تضجرا بالصلاة. انتهى.

قال الجزري في النهاية: فيه «كره ان يسجد الرجل متوركا» هو ان يرفع وركيه إذا سجد حتى يفحش في ذلك. و قيل هو ان يلصق ألييه بعقبيه في السجود.

و قال الأزهري: التورك في الصلاة ضربان سنة و مكروه، اما السنة فان ينحي رجليه في التشهد الأخير و يلصق مقعدته بالأرض، و هو من وضع الورك عليها و الورك ما فوق الفخذ و هي مؤنثة، و اما المكروه فان يضع يديه على وركيه في الصلاة و هو قائم و قد نهى عنه. انتهى كلام النهاية.

و قال العلامة في المنتهى: يكره التورك في الصلاة و هو أن يعتمد بيديه على وركيه و هو التخصر

روى الجمهور عن أبي هريرة (2) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن التخصر في الصلاة».

و من طريق الخاصة ما رواه ابى بصير، ثم ساق الرواية المتقدمة.

و الشهيد (قدس سره) في النفلية فسر التورك بالاعتماد على احدى الرجلين تارة و على الأخرى أخرى و التخصر بقبض خصره بيده، و حكم بكراهتهما معا.

و روى في الكافي عن الحسن بن ابى الحسين الفارسي عن من حدثه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة عن البحار ج 18 الصلاة ص 191 و مجموعة الشهيد.

(2) صحيح البخاري باب الخصر في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 12 من قواطع الصلاة.

61

الله كره لكم أيتها الأمة أربعا و عشرين خصلة و نهاكم عنها: كره لكم العبث في الصلاة.».

و روى في الفقيه (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الله تعالى كره لي ست خصال و كرهتهن للأوصياء من ولدي و اتباعهم من بعدي: العبث في الصلاة و الرفث في الصوم و المن بعد الصدقة و إتيان المساجد جنبا و التطلع في الدور و الضحك بين القبور».

و روى الكليني عن مسمع ابى سيار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «ان النبي (صلى الله عليه و آله) سمع خلفه فرقعة فرقع الرجل أصابعه في صلاته فلما انصرف قال النبي (صلى الله عليه و آله) اما انه حظه من الصلاة».

و منها- مدافعة البول و الغائط و الريح، و علل بما فيه من سلب الخشوع و التوجه و الإقبال الذي هو روح العبادة.

و يدل على ذلك من الأخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا صلاة لحاقن و لا لحاقنة و هو بمنزلة من هو في ثوبه».

بيان: الموجود في التهذيب و الذي نقله جملة من الأصحاب هو ما ذكرناه من قوله «و لا لحاقنة» و نقله في الوافي «لحاقن و لا لحاقب» ثم قال: بيان- كلاهما بالحاء المهملة و في آخر الأول نون و في آخر الثاني باء موحدة، يعنى بالحاقن حابس البول و بالحاقب حابس الغائط. ثم نقل كلام النهاية بذلك. الى ان قال فما يوجد في بعض نسخ التهذيب «لا صلاة لحاقن و لا حاقنة» بالنون فيهما جميعا فلعله تصحيف. انتهى.

أقول: و الظاهر انه اجتهاد منه (قدس سره) بناء على ما نقله عن النهاية

____________

(1) الوسائل الباب 63 من الدفن.

(2) الوسائل الباب 14 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة.

62

و إلا فالموجود في التهذيب و الذي نقله الأصحاب عنه في كتب الاستدلال إنما هو ما ذكرناه، و يؤيده أن البرقي في المحاسن (1) قد رواه ايضا كذلك

فروى عن أبيه عن ابن ابى عمير عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا صلاة لحاقن و لا حاقنة و هو بمنزلة من هو في ثوبه».

قال في المنتهى بعد إيراد هذه الصحيحة: المراد بذلك نفى الكمال لا الصحة.

ثم قال بعد ذلك: يكره مدافعة الأخبثين و هو قول من يحفظ عنه العلم، قال و لو صلى كذلك صحت صلاته ذهب إليه علماؤنا و نقل عن مالك و بعض العامة القول بالإعادة (2)

و روى الشيخ عن ابى بكر الحضرمي عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: لا تصل و أنت تجد شيئا من الأخبثين».

و روى في كتاب الخصال في الصحيح عن احمد بن أبى عبد الله البرقي رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثمانية لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الآبق حتى يرجع الى مولاه و الناشز عن زوجها و هو عليها ساخط و مانع الزكاة و تارك الوضوء و الجارية المدركة تصلي بغير خمار و امام قوم يصلى بهم و هم له كارهون و الزنين- قالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ما الزنين؟ قال الذي يدافع البول و الغائط- و السكران، فهؤلاء الثمانية لا تقبل منهم صلاة».

بيان: قال في النهاية: فيه «لا يقبل الله صلاة الزبين» هو الذي يدافع الأخبثين و هو بوزن السجيل هكذا رواه بعضهم و المشهور بالنون

كما روى «لا تيصلين أحدكم و هو زنين».

اى حاقن يقال زن فدن اى حقن فقطر. و قيل هو الذي يدافع الأخبثين معا. انتهى. و قال في القاموس في مادة «زبن» بالباء: و كسكين

____________

(1) ص 83.

(2) الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 259.

(3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة.

63

مدافع الأخبثين أو ممسكهما على كره. و لم يتعرض في «زنن» بالنون الى ذلك. و نحوه في مجمع البحرين.

و روى الصدوق في كتاب معاني الأخبار و المجالس عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لا صلاة لحاقن و لا لحاقب و لا لحاذق فالحاقن الذي به البول و الحاقب الذي به الغائط و الحاذق الذي قد ضغطه الخف».

و روى في كتاب المحاسن عن عيسى بن عبد الله العمرى عن أبيه عن جده عن على بن ابى طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) قال: «لا يصل أحدكم و به أحد العصرين يعنى البول و الغائط».

أقول: قال في القاموس: و العصر الحبس

و في الحديث «أمر بلالا أن يؤذن قبل الفجر ليعتصر معتصرهم».

أراد قاضى الحاجة

و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع أن يصبر عليه أ يصلى على تلك الحال أو لا يصلى؟ قال فقال ان احتمل الصبر و لم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل و ليصبر».

و فيه دلالة على صحة الصلاة مع الحقن كما ادعى عليه الإجماع.

و كيف كان فان الحكم المذكور مخصوص بما إذا عرض له ذلك قبل الدخول في الصلاة و إلا فلو كان بعد ذلك فلا كراهة إجماعا.

مسائل

[المسألة] (الأولى) [حكم السلام على المصلي]

- لا خلاف في جواز السلام على المصلى للأصل و لعموم قوله عز و جل «فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا» (4).

و لموثقة عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «انه سأله عن

____________

(1) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة.

(3) ارجع الى التعليقة 2 ص 6.

(4) سورة النور، الآية 61.

(5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

64

التسليم على المصلى فقال إذا سلم عليك رجل من المسلمين و أنت في الصلاة فرد عليه في ما بينك و بين نفسك و لا ترفع صوتك».

و في موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يسلم عليه و هو في الصلاة؟ قال يرد يقول سلام عليكم و لا يقل و عليكم السلام فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان قائما يصلى فمر به عمار بن ياسر فسلم عليه فرد النبي (صلى الله عليه و آله) هكذا».

هكذا رواه في الكافي عن عثمان بن عيسى عن سماعة (2) و في التهذيب رواه عن عثمان بن عيسى عنه (عليه السلام) (3).

و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) و هو في الصلاة فقلت السلام عليك فقال السلام عليك فقلت كيف أصبحت؟ فسكت (عليه السلام) فلما انصرف قلت أ يرد السلام و هو في الصلاة؟ فقال نعم مثل ما قيل له».

و لا خلاف أيضا في جواز الرد من المصلى بل وجوبه، و يدل عليه موثقة عمار المذكورة و صحيحة محمد بن مسلم المذكورة أيضا.

و ما رواه في الفقيه في الصحيح (5) قال: «سأل محمد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يسلم على القوم في الصلاة فقال إذا سلم عليك مسلم و أنت في الصلاة فسلم عليه تقول السلام عليك و أشر بإصبعك».

____________

(1) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(2) الفروع ج 1 ص 102 في الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(3) هكذا في النسخة المطبوعة ج 1 ص 29؟ إلا أن في هامشها علق على قوله «عثمان بن عيسى» هكذا «عن سماعة في نسخة و لعله هو الصواب لان عثمان لم ينقل عنه (عليه السلام)» و في الوافي باب «رد السلام و التحميد للعطاس» نقل الرواية عن عثمان ابن عيسى عن سماعة من الكافي و التهذيب كليهما، و ظاهر الوسائل ايضا ان عثمان يرويها عن سماعة، راجع الباب 16 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

65

أقول: و من اخبار المسألة

ما رواه في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سلم عليك الرجل و أنت تصلى قال ترد عليه خفيا كما قال».

و ما رواه في الفقيه (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) سلم عمار على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو في الصلاة فرد عليه ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ان السلام اسم من أسماء الله تعالى».

و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يكون في الصلاة فيسلم عليه الرجل هل يصلح له أن يرد؟ قال نعم يقول السلام عليك فيشير إليه بإصبعه».

و ما رواه الصدوق في الخصال عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «لا تسلموا على اليهود و النصارى. الى ان قال و لا على المصلى- لأنه لا يستطيع أن يرد السلام لأن التسليم من المسلم تطوع و الرد فريضة- و لا على آكل الربا و لا على رجل جالس على غائط و لا على الذي في الحمام».

و ما رواه الشهيد في الذكرى (5) قال: روى البزنطي عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا دخلت المسجد و الناس يصلون فسلم عليهم و إذا سلم عليك فاردد فإني أفعله، و ان عمار بن ياسر مر على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو يصلى فقال السلام عليك يا رسول الله و رحمة الله و بركاته فرد (عليه السلام)».

و روى في الخصال (6) في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «بينما أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرحبة و الناس عليه متراكمون

____________

(1) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(3) الوسائل الباب 16 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة.

(6) ج 2 ص 56 و في الوسائل الباب 43 من أحكام العشرة.

66

فمن مستفت و من مستعد إذا قام اليه رجل فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعينيه هاتيك العظيمتين فقال و عليك السلام و رحمة الله و بركاته. الخبر».

و روى في الكافي عن حماد الأحمسي (1) قال: «دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و أنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل فقلت السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال و عليك السلام اى و الله انا لولده. الحديث».

و عن الحكم بن عتيبة (2) قال: «بينا أنا مع ابى جعفر (عليه السلام) و البيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكأ على عنزة له حتى وقف على باب البيت فقال السلام عليك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و رحمة الله و بركاته فقال أبو جعفر (عليه السلام) و عليك السلام و رحمة الله و بركاته.».

و عن ابن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا سلم أحدكم فليجهر بسلامه و لا يقول سلمت فلم يردوا على و لعله يكون قد سلم و لم يسمعهم، فإذا رد أحدكم فليجهر برده و لا يقول المسلم سلمت فلم يردوا على، ثم قال كان على (عليه السلام) يقول لا تغضبوا و لا تغضبوا أفشوا السلام و أطيبوا الكلام و صلوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، ثم تلا عليهم قول الله تعالى السَّلٰامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ» (4).

و عن الحسن بن المنذر (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من قال السلام عليكم فهي عشر حسنات و من قال سلام عليكم و رحمة الله فهي عشرون

____________

(1) الفروع ج 1 ص 137 و في الوسائل الباب 2 و 16 من أعداد الفرائض و نوافلها. و الراوي- كما في الكافي و الوافي باب «فضل الصلاة» و الوسائل- عائذ الأحمسي لا حماد الأحمسي.

(2) الوسائل الباب 43 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 38 و 34 من أحكام العشرة.

(4) سورة الحشر الآية 23.

(5) الوسائل الباب 39 من أحكام العشرة.

67

حسنة و من قال سلام عليكم و رحمة الله و بركاته فهي ثلاثون حسنة».

و عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «ثلاثة يرد عليهم رد الجماعة و ان كان واحدا: عند العطاس يقال يرحمكم الله و ان لم يكن معه غيره، و الرجل يسلم على الرجل فيقول السلام عليكم و الرجل يدعوا للرجل فيقول عافاكم الله تعالى و ان كان واحدا فان معه غيره».

و الضمير في «غيره» راجع للواحد المذكور في جميع هذه الصور، و المراد بالغير الملائكة الموكلون به الحافظون و الكاتبون و غيرهم.

و عن ابى عبيدة الحذاء عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوم فسلم عليهم فقالوا عليك السلام و رحمة الله و بركاته و مغفرته و رضوانه. فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم (عليه السلام) إنما قالوا رحمت الله و بركاته عليكم أهل البيت».

و عن عنبسة بن مصعب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «القليل يبدأون الكثير بالسلام و الراكب يبدأ الماشي و أصحاب البغال يبدأون أصحاب الحمير و أصحاب الخيل يبدأون أصحاب البغال».

و عن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«سمعته يقول يسلم الراكب على الماشي و الماشي على القاعد و إذا لقيت جماعة جماعة سلم الأقل على الأكثر و إذا لقي واحد جماعة سلم الواحد على الجماعة».

[فوائد]

إذا عرفت ذلك فههنا فوائد شريفة و نكات لطيفة يجب التنبيه عليها في المقام ليكمل بها النظام:

الاولى [وجوب رد السلام]

- لا خلاف في وجوب الرد في الصلاة كان أم لا، و الأصل فيه

____________

(1) الوسائل الباب 41 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 43 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 45 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 45 من أحكام العشرة.

68

قبل الأخبار الآية الشريفة و هي قوله عز و جل «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (1).

و المراد بالتحية في الآية السلام أو ما هو أعم منه، و التحية لغة أيضا السلام، قال في القاموس: التحية السلام. و قال في المصباح المنير: و حياة تحية أصله الدعاء بالحياة، و منه التحيات لله اى البقاء، و قيل الملك، ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشارع في دعاء مخصوص و هو «سلام عليكم». و في المغرب حياه بمعنى أحياه تحية كبقاه بمعنى أبقاه تبقية، هذا أصلها ثم سمى ما حيي به من سلام و نحوه تحية، قال الله تعالى «تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلٰامٌ» (2) و حقيقة «حييت فلانا» قلت حياك الله اى عمرك الله. انتهى.

و قال أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان: التحية السلام يقال حيي يحيي تحية إذا سلم. و قال في تفسير الآية أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم بأحسن مما سلم ان كان مؤمنا و إلا فليقل «و عليكم» لا يزيد على ذلك، فقوله «بِأَحْسَنَ مِنْهٰا» للمسلمين خاصة و قوله «أَوْ رُدُّوهٰا» لأهل الكتاب، عن ابن عباس فإذا قال المسلم «السلام عليكم» فقلت «و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته» فقد حييته بأحسن منها و هذا منتهى رد السلام. و قيل ان قوله «أَوْ رُدُّوهٰا» للمسلمين ايضا عن السدي و عطاء و إبراهيم و ابن جريح قالوا إذا سلم عليك فرد عليه بأحسن مما سلم عليك أو بمثل ما قال. و هذا أقوى

لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) انه قال «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا و عليكم».

و ذكر على بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين (عليهم السلام) ان المراد بالتحية في الآية السلام و غيره من البر،

و ذكر الحسن ان رجلا دخل على النبي (صلى الله عليه و آله) فقال السلام عليك فقال النبي (صلى الله عليه و آله) و عليك السلام و رحمة الله فجاءه آخر فقال السلام عليك و رحمة الله فقال (صلى الله عليه و آله) و عليك السلام و رحمة الله و بركاته

____________

(1) سورة النساء الآية 88.

(2) سورة الأحزاب الآية 43.

(3) صحيح مسلم ج 2 ص 138 كتاب السلام باب الرد على أهل الكتاب.

69

فجاءه آخر فقال السلام عليك و رحمة الله و بركاته فقال النبي (صلى الله عليه و آله) و عليك السلام و رحمة الله و بركاته، فقيل يا رسول الله زدت للأول و الثاني في التحية و لم تزد للثالث فقال انه لم يبق لي من التحية شيئا فرددت عليه مثله.

انتهى كلامه زيد مقامه أقول: و من الأخبار الواردة على العموم كما ذكره على بن إبراهيم في تفسيره

ما رواه الصدوق في الخصال بسنده في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (1) قال: «إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله و يقول هو يغفر الله لكم و يرحمكم قال الله تعالى وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (2).

و في كتاب المناقب لابن شهرآشوب (3) «جاءت جارية للحسن (عليه السلام) بطاق ريحان فقال أنت حرة لوجه الله. فقيل له في ذلك فقال (عليه السلام) أدبنا الله تعالى فقال «إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (4) و كان أحسن منها عتقها».

و يؤيده

ما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5) من ان رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام.

بقي هنا اشكال و هو انه على تقدير العموم في الآية يلزم وجوب تعويض كل بر و إحسان و الظاهر انه لا قائل به بل ربما دلت الأخبار على العدم، و يمكن حمل الآية على الرجحان المطلق الشامل للوجوب و الاستحباب، و على هذا فالاستدلال بالآية المذكورة على وجوب الرد لا يخلو من الإشكال إلا ان يقال ان الواجب الحمل على مقتضى ظاهر الأمر و قيام الدليل الصارف في بعض الافراد لا يستلزم القول بذلك في ما لا دليل عليه.

____________

(1) الوسائل الباب 58 من أحكام العشرة.

(2) سورة النساء الآية 88.

(3) البحار ج 18 الصلاة ص 204.

(4) سورة النساء الآية 88.

(5) الوسائل الباب 33 من أحكام العشرة.

70

هذا. و اما الأخبار الدالة على وجوب الرد فقد تقدمت الإشارة إليها.

الثانية [كيفية رد السلام]

- المفهوم من الأخبار التي قدمناها ان الرد من المصلى بمثل ما قيل له من «السلام عليكم» و «السلام عليك» و نحوهما، و قد تضمنت موثقة سماعة النهي عن الرد بقوله «و عليكم السلام» و اما غير المصلى فإنه يرد بقوله «و عليكم السلام» بتقديم الظرف.

هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لابن إدريس خلاف في موضعين، قال في الروض بعد ذكر وجوب الرد بالمثل في الصلاة و ذكر بعض الأخبار الدالة عليه: و خالف ابن إدريس في اعتبار المثل فجوز الرد بقوله «عليكم السلام» خصوصا مع تسليم المسلم به لعموم الآية و استضعافا لخبر الواحد و الأصحاب على خلافه. انتهى. و الأظهر هو القول المشهور لما تقدم من الأخبار الصريحة في ذلك. و يظهر من العلامة في المختلف موافقة ابن إدريس في عدم وجوب الرد بالمثل ايضا.

و خالف ابن إدريس أيضا بالنسبة الى غير المصلى فجوز الرد بالمثل و وافقه في ذلك بالنسبة الى غير المصلى الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث جوز الرد بالمثل استنادا الى

ما رواه في الكافي عن زرارة في الصحيح أو الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) في حديث قال: «إذا سلم عليكم مسلم فقولوا سلام عليكم و إذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك».

و أنت خبير بأن الأخبار الكثيرة مما قدمنا ذكره و ما لم نذكره كلها متفقة الدلالة على الرد بتقديم الظرف عكس ما يسلم به المسلم. و يمكن الجواب عن هذه الرواية بأن الغرض من هذا اللفظ إنما هو بيان الفرق بين الرد على المسلم و الكافر بان الكافر يقتصر في الرد عليه بقوله «عليك» من غير إردافه بالتسليم عليه بخلاف المسلم فإنه يردفه بالتسليم عليه، و سياق الخبر إنما هو في ذلك و ليس الخبر مسوقا

____________

(1) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

71

لبيان كيفية الرد كما في الأخبار التي قدمناها.

و لا بأس بذكر الخبر كملا لتظهر للناظر قوة ما ذكرناه من الإجمال و هو

ما رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «دخل يهودي على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عائشة عنده فقال السلام عليكم فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليكم. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد (صلى الله عليه و آله) عليه كما رد على صاحبه. ثم دخل آخر فقال مثل ذلك فرد رسول الله (صلى الله عليه و آله) عليه كما رد على صاحبيه فغضبت عائشة فقالت عليكم السام و الغضب و اللعنة يا معشر اليهود يا إخوة القردة و الخنازير. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه و آله) يا عائشة ان الفحش لو كان ممثلا لكان مثال سوء ان الرفق لم يوضع على شيء قط إلا زانه و لم يرفع عنه قط إلا شانه. قالت يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أما سمعت الى قولهم: السام عليكم؟ فقال بلى اما سمعت ما رددت عليهم؟

قلت عليكم، فإذا سلم عليكم مسلم. الحديث كما تقدم».

و سياق الخبر كما ترى إنما هو في ما ذكرناه لا في بيان كيفية الرد و حينئذ فالمراد منه إنما هو بيان زيادة لفظ السلام في الرد على المسلم دون الكافر و ذكره بهذه الكيفية وقع تعليما لذلك، و الأخبار المتقدمة صريحة في أن الكيفية الواجبة في الرد هي التي يقدم فيها الظرف كما عرفت.

و بما ذكرناه صرح العلامة في التذكرة فقال: و صيغة الجواب «و عليكم السلام» و لو قال: «و عليك السلام» للواحد جاز. و لو ترك العطف فقال:

«عليكم السلام» فهو جواب خلافا لبعض الشافعية (2) فلو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وجب على كل واحد منهما جواب الآخر و لا يحصل

____________

(1) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

(2) في فتح الباري ج 11 ص 29 باب «من رد فقال عليك السلام» عن النووي انه قال اتفق أصحابنا ان المجيب لو قال «عليك» بغير واو لم يجزئ و ان قال بالواو فوجهان.

72

الجواب بالسلام. انتهى.

و ذهب بعض الى الجميع بين الأخبار بالتخيير و الأظهر ما قدمناه.

(الثالثة) [صيغة السلام التي يسلم بها]

- المفهوم من الأخبار ان صيغة السلام التي يسلم بها لا بد أن يبدأ فيها بلفظ السلام مثل «سلام عليكم أو عليك» أو «السلام» بأحد الوجهين، فاما تقديم الظرف فإنما هو في الجواب من غير المصلى كما عرفت.

و نقل بعض المتأخرين عن ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان «عليك السلام أو عليكم السلام» صحيح يوجب الرد.

و أنكره في الذخيرة فقال و لم اطلع على ما نقله عن ظاهر الأصحاب إلا في كلام ابن إدريس مع انه قد صرح العلامة في التذكرة بخلافه فقال: و لو قال «عليك السلام» لم يكن مسلما إنما هي صيغة جواب. انتهى.

و هو الموافق لما ورد في الأخبار كما أشرنا اليه و هو ظاهر لمن تتبع الأخبار

و قد روى العامة عنه (صلى الله عليه و آله) (1) «انه قال لمن قال عليك السلام يا رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتى، إذا سلمت فقل سلام عليك فيقول الراد عليك السلام».

و اما كلام ابن إدريس في هذا المقام فإنه قال في السرائر: و يرد المصلى السلام إذا سلم عليه قولا لا فعلا و لا يقطع ذلك صلاته سواء رد بما يكون في لفظ القرآن أو ما يخالف ذلك إذا أدى بالرد الواجب الذي تبرأ ذمته به. إذا كان المسلم عليه قال له «سلام عليك أو سلام عليكم أو السلام عليكم أو عليكم السلام» فله ان يرد عليه بأي هذه الألفاظ كان لأنه رد سلام مأمور به و ينويه رد سلام لا قراءة قرآن إذا سلم الأول بما قدمنا ذكره، فان سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلي الرد

____________

(1)

في سنن ابى داود ج 4 ص 353 كتاب الأدب باب «كراهة ان يقول و عليك السلام» عن أبي جري الهجيمي قال «أتيت النبي (ص) فقلت عليك السلام يا رسول الله (ص) فقال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية لموتى» ..

73

عليه لأنه ما تعلق بذمته الرد لأنه غير سلام، و قد أورد شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه خبرا عن محمد بن مسلم قال: دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) ثم ساق الخبر كما قدمناه (1) ثم قال أورد هذا الخبر إيراد راض به مستشهدا به محتاجا على الخصم بصحته، فاما ما أورده في نهايته فخبر عثمان بن عيسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) و قد ذهب بعض أصحابنا (رضوان الله عليهم) الى خبر عثمان ابن عيسى فقال: و يرد المصلى السلام على من سلم عليه و يقول له في الرد «سلام عليكم» و لا يقول له «و عليكم» و ان قال له المسلم «عليكم السلام» فلا يرد مثل ذلك بل يقول «سلام عليكم» و الأصل ما ذكرناه لأن التحريم يحتاج الى دليل. انتهى.

أقول: لا يخفى ان موثقة سماعة و ان دلت بظاهرها على تعين الجواب بقوله «سلام عليكم» لكنها محمولة على ما إذا كان المسلم عليه بهذه الصيغة عملا بما دل على وجوب الرد بالمثل حال الصلاة فإن المستفاد منها انه يرد بمثل ما سلم عليه، و نحوها في ذلك

رواية محمد بن مسلم المنقولة عن الفقيه (3) حيث قال فيها «إذا سلم عليك مسلم و أنت في الصلاة فسلم عليه تقول: السلام عليكم».

فإنها مبنية على كون المسلم يسلم بهذه الصيغة أيضا، و بالجملة فإن إطلاق هذين الخبرين محمول على ما دل على وجوب الجواب بالمثل كما في صحيحة محمد بن مسلم لما سلم على ابى جعفر بقوله «السلام عليك» فأجابه بقوله «السلام عليك» ثم ذكر في آخر الرواية انه يرد بمثل ما قيل له. و نحو ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم (4) «ترد عليه خفيا كما قال».

و ما ذكرناه ظاهر من الأخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض لا ما توهمه من تعين الجواب ب «سلام عليكم» و ان سلم عليه بصيغة أخرى غيرها.

و اما ما ذكره في صيغ السلام التي يسلم بها- من انها «سلام عليكم أو سلام عليك أو السلام عليكم أو عليكم السلام» و ان ما عدا هذه الصيغ الأربع لا يجب

____________

(1) ص 64.

(2) هو خبر سماعة المتقدم ص 64 و قد تقدم هناك منه (قدس سره) ان الشيخ رواه عن عثمان بن عيسى عنه (ع).

(3) ص 64 و فيها «السلام عليك».

(4) ص 65.

74

رد الجواب فيها لأنه ليس بسلام فلا يجوز للمصلي الرد عليه ففيه (أولا) ان من جملة صيغ التسليم «السلام عليك» كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم حيث سلم به على الامام (عليه السلام) فأجابه بمثله. (و ثانيا) ان صيغة «عليكم السلام» ليست من صيغ الابتداء بالسلام و إنما هي من صيغ الرد كما تقدم نقله عن العلامة في التذكرة. و الاستناد إلى إطلاق صدق التحية في الآية يجب تقييده بالأخبار، فإن المفهوم منها ان صيغ الابتداء بالسلام هي ما ذكرناه فيجب حمل إطلاق الآية على ذلك.

و بذلك ايضا يظهر لك ما في كلام العلامة في المختلف حيث ان ظاهره موافقة ابن إدريس في هذا المقام، حيث قال- بعد ان نقل عن الشيخ انه يرد مثل ما قيل له «سلام عليكم» و لا يقول «و عليكم السلام» و ذكر انه احتج على ذلك بحديث عثمان ابن عيسى المتقدم نقله عن سماعة- و عندي في العمل بهذه الرواية نظر فان في طريقها عثمان بن عيسى و هو ضعيف. ثم نقل كلام ابن إدريس من قوله: و اما ما أورده في نهايته. إلخ. ثم قال: و هذا الكلام يشعر بتسويغ ذلك لو قال له المسلم و عليكم السلام. انتهى. ثم قال بعد ذلك: الخامس في الحديث الذي رواه محمد بن مسلم اشعار بالإتيان بالمثل، و الأقرب انه ليس واجبا بل لو أتى بمغايرة من التحيات لم يكن عندي به بأس. انتهى.

أقول: لا يخفى ان من تأمل الأخبار بعين الاعتبار ظهر له ما في كلامهما من القصور و إن المعتمد هو القول المشهور من وجوب الرد بالمثل في الصلاة بشرط ان يكون السلام من الصيغ الواردة في الأخبار و هي الأربع المتقدمة و اما في غير الصلاة فيرد بأيها شاء بتقديم الظرف.

أما لو قال «سلام أو سلاما أو و السلام أو سلام الله عليك» أو نحو ذلك فتردد بعض الأصحاب في وجوب الرد من حيث صدق التحية عرفا و عدم ثبوت عموم الآية، و ظاهر ابن إدريس كما عرفت العدم لخروج ذلك عن الصيغ التي ذكرها و هو الأقرب فإن القدر المعلوم من الأخبار هو ما ذكرناه من الصيغ الأربع

75

المتقدمة و الحكم باشتغال الذمة يحتاج الى دليل قاطع و ليس فليس. و صدق التحية عرفا مقيد بالأخبار إذ الحكم شرعي لا عرفي ليكون مناطه العرف.

الرابعة [استحباب السلام و وجوب رده كفائيان]

- لا خلاف في أن الرد واجب كفاية لا عينا و كذا استحباب الابتداء به كفاية لا عينا و نقل في التذكرة عليه الإجماع.

و يدل عليه من الأخبار مضافا الى الإجماع

ما رواه في الكافي في الموثق عن غياث ابن إبراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم و إذا رد واحد أجزأ عنهم».

و عن ابن بكير عن بعض أصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا مرت الجماعة بقوم أجزأهم أن يسلم واحد منهم و إذا سلم على القوم و هم جماعة أجزأهم ان يرد واحد منهم».

و بهذين الخبرين مضافا الى الإجماع المدعى في المسألة يخص إطلاق الآية.

و أيده بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه إنما سلم سلاما واحدا فليس له الا عوض واحد فإذا تحقق خرجوا عن العهدة.

ثم الظاهر انه انما يسقط برد من كان داخلا في المسلم عليهم فلا يسقط برد من لم يكن داخلا فيهم.

و هل يسقط برد الصبي المميز الداخل فيهم؟ اشكال و استظهر في المدارك العدم و ان قلنا ان عبادته شرعية، قال لعدم امتثال الأمر المقتضي للوجوب. و قال في الذكرى: وجهان مبنيان على صحة قيامه بفرض الكفاية و هو مبنى على ان أفعاله شرعية أولا و قد سبقت الإشارة اليه. و نحوه في الروض إلا انه رجح ان أفعاله تمرينية فلا يجزئ رد سلامه. و قد تقدم لنا تحقيق في المسألة يؤذن بجواز الاكتفاء برده و ان كان الأحوط ما ذكر. و لا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين حصول الاجزاء به إلا ان ظاهر الآية خلافه لتوجه الخطاب فيها الى المكلفين.

____________

(1) الوسائل الباب 46 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 46 من أحكام العشرة.

76

و لو كان المسلم صبيا مميزا ففي وجوب الرد عليه و عدمه وجهان استظهر أولهما جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- السيد السند في المدارك وجده في الروض و غيرهما، و وجه قربه دخوله تحت عموم الآية.

و لو رد بعض الجماعة فهل يجوز للمصلي الرد أيضا أم لا؟ قال في الذكرى:

لم يضر لأنه مشروع في الجملة ثم توقف في الاستحباب من شرعيته خارج الصلاة مستحبا، و من انه تشاغل بغير الصلاة مع عدم الحاجة اليه. و استجود في الروض جوازه و استحبابه لعموم الأوامر إذ لا شك انه مسلم عليه مع دخوله في العموم فيخاطب بالرد استحبابا ان لم يكن واجبا. و زوال الوجوب بالكفاية لا يقدح في بقاء الاستحباب كما في غير الصلاة فإن استحباب رد الثاني متحقق اتفاقا ان لم يوصف بالوجوب معللا بالأمر. انتهى. و المسألة محل توقف لأن المسألة خالية من النص و قياس حال الصلاة على خارجها قياس مع الفارق.

الخامسة [هل يجب الإسماع في رد السلام؟]

- قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب الأسماع تحقيقا أو تقديرا، قال في الذخيرة: و لم أجد أحدا صرح بخلافه في غير حال الصلاة.

و قال في المدارك: و هل يجب على المجيب إسماع المسلم تحقيقا أو تقديرا؟ قيل نعم لعدم صدق التحية عرفا و لا الرد بدونه، و قيل لا و هو ظاهر اختيار المصنف في المعتبر و قواه شيخنا المعاصر لرواية عمار المتقدمة (1) و رواية منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سلم عليك رجل. ثم ساق الرواية كما قدمنا (2) ثم قال: و في الروايتين قصور من حيث السند فلا تعويل عليهما. انتهى.

أقول، لا يخفى ما في كلامه هنا من النظر الظاهر للخبير الماهر و ذلك فإن رواية عمار هذه قد استدل بها سابقا على وجوب الرد في الصلاة و وصفها بكونها موثقة كما استدل أيضا بموثقة سماعة و وصفها بذلك، و حينئذ فإن كانت الأخبار الموثقة من الأدلة الشرعية صح ما ذكره أو لا و ينبغي أن يجيب عن الموثقة المذكورة

____________

(1) ص 63.

(2) ص 65.

77

بغير ضعف السند و إلا فلا وجه لاستدلاله أولا بها و لا بموثقة سماعة و لكن هذه قاعدته كما نبهنا عليه في غير مقام من استدلاله بالموثقات عند الحاجة إليها و ردها بضعف السند عند اختياره خلاف ما دلت عليه كما تراه هنا قد وصف رواية عمار في مقام الاستدلال بكونها موثقة و في مقام الإعراض عنها بكونها رواية عمار و هي طريقة غير محمودة، إلا ان ضيق المقام في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح أوجب لهم انحلال الزمام و عدم الوقوف على قاعدة في المقام. و اما صحيحة منصور بن حازم فليس في سندها من ربما يحصل الاشتباه به إلا محمد بن عبد الحميد الذي سبق الكلام معه فيه حيث توهم من ظاهر عبارة الخلاصة في ترجمته كما كتبه جده (قدس سرهما) على حواشيها ان التوثيق فيها انما يرجع الى أبيه و قد أوضحنا في ما سبق بطلانه و لهذا ان أصحاب هذا الاصطلاح يعدون حديثه في الصحيح و هو الحق كما لا يخفى على الممارس.

نعم يبقى الكلام في مضمون الخبرين المذكورين فإنهما ظاهران في ما ذهب اليه الفاضلان المتقدمان فينبغي الجواب عنهما عند من قال بوجوب الأسماع، و كان هذا هو الاولى بالتعرض في المقام إلا ان تلك الطريقة التي عكف عليها أسهل تناولا في الخروج عن ضيق الإلزام.

و التحقيق عندي في المقام ان يقال: الظاهر من كلام جل الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الإسماع تحقيقا أو تقديرا في الصلاة و غيرها و المخالف إنما أسند له الخلاف في الصلاة خاصة، و يدل على ما ذهب إليه الأصحاب إطلاق رواية ابن القداح المتقدمة (1) و يؤيدها أيضا

ما رواه في معاني الأخبار عن عبد الله بن الفضل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معنى التسليم في الصلاة قال التسليم علامة الأمن و تحليل الصلاة. قلت و كيف ذاك جعلت فداك؟ قال كان الناس في ما مضى إذا سلم عليهم وارد أمنوا شره و كانوا إذا ردوا عليه أمن شرهم

____________

(1) ص 66.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

78

و ان لم يسلم لم يأمنوه و ان لم يردوا على المسلم لم يأمنهم، و ذلك خلق في العرب.

الحديث».

و قد اشتمل صحيح محمد بن مسلم (1) على إسماع أبي جعفر (عليه السلام) له و هو في الصلاة، و حينئذ فيمكن تأويل هذين الخبرين بحمل قوله «خفيا» في صحيحة منصور بن حازم و «بينك و بين نفسك» في موثقة عمار على ما يحصل به إسماع المسلم من غير إجهار يزيد على ذلك كما يشير اليه قوله في موثقة عمار: «و لا ترفع صوتك» يعنى الجهر المنهي عنه في الآية (2) و مثل هذا التجوز في الأخبار غير عزيز.

و احتمل بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) حملهما على التقية، قال لان المشهور عند العامة عدم وجوب الرد نطقا (3) و لعله الأقرب، و يؤيده ما ذكره شيخنا في الذكرى في جملة المسائل التي عدها في المقام، قال: الثانية- لو كان في موضع تقية رد خفيا و أشار و قد تحمل عليه الروايتان السابقتان. و أشار بالروايتين إلى روايتي منصور و عمار المذكورتين، و هو جيد و به يزول الإشكال في المقام.

____________

(1) ص 64.

(2) سورة بني إسرائيل، الآية 110.

(3) في الهداية لشيخ الإسلام المرغينانى الحنفي ج 1 ص 43 «و لا يرد السلام بلسانه لانه كلام و لا بيده لانه سلام معنى حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته» و في البحر الرائق ج 2 ص 8 عن الخلاصة: «السلام و رده مفسد للصلاة عمدا أو سهوا لانه من كلام الناس و يشمل ما إذا قال «السلام» فقط من غير ان يتبعه ب «عليكم». ثم قال و اما رد السلام باليد أو بالرأس أو بالإصبع فعن الخلاصة و الفتاوى الظهيرية لا يفسد و نقل ابن أمير الحاج عن بعض انه نسب الى ابى حنيفة فساد الصلاة بالرد باليد و صريح الطحاوي في شرح الآثار عدم الفساد عند أبي حنيفة و ابى يوسف و محمد. و قال ابن نجيم الحق ان الفساد غير ثابت في المذهب» و قال ابن حزم في المحلى ج 4 ص 46 «من سلم عليه و هو يصلى فليرد اشارة لا كلاما إما بيده أو برأسه» و لم ينقل خلافا من أحد. و في فتح الباري ج 11 ص 16 «يستحب ان يرد المصلى السلام بالإشارة و ان رد بعد الفراغ من الصلاة لفظا فهو أحب».

79

السادسة [المصلي يرد بالمثل]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه إذا سلم عليه في الصلاة بقوله «سلام عليكم» يجب أن يكون الجواب مثله و لا يجوز الجواب ب«عليكم السلام» و نسبه المرتضى (رضى الله عنه) إلى الشيعة، و قال المحقق هو مذهب الأصحاب قاله الشيخ و هو حسن. و قد تقدم الكلام في ذلك و لم يخالف فيه الا ابن إدريس و العلامة في المختلف كما عرفت، و الأصحاب انما نقلوا هنا خلاف ابن إدريس خاصة و كأنهم لم يطلعوا على كلام العلامة في المختلف و إلا فهو كذلك كما أوضحناه آنفا.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض: و لا يقدح في المثل زيادة الميم في «عليكم» في الجواب لمن حذفه لأنه أزيد دون العكس لأنه أدون. انتهى و فيه، إشكال و مثله ما لو زاد في الرد بما يوجب كونه أحسن، و وجه الإشكال تضمن الأخبار ان المصلى يرد بمثل ما قيل له كما في صحيحة محمد بن مسلم و كما قال في صحيحة منصور بن حازم (1) و يؤيده اقتصار ابى جعفر (عليه السلام) في الرد على محمد بن مسلم بمثل ما قال. و الآية و ان تضمنت التخيير بين المثل و الأحسن إلا أنها مخصوصة بالأخبار المذكورة و محمولة على ما عدا المصلي.

السابعة [وجوب الرد عليه لفظا]

- إذا سلم عليه و هو في الصلاة وجب الرد عليه لفظا و لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و نسبه في التذكرة إلى علمائنا، و قال في المنتهى: و يجوز له ان يرد السلام إذا سلم عليه نطقا ذهب إليه علماؤنا اجمع. و حمل كلامه على ان الظاهر ان مراده من الجواز نفى التحريم ردا لقول بعض العامة (2) و قال في الذكرى: يجب الرد عليه لعموم قوله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (3) و الصلاة غير منافية لذلك و ظاهر الأصحاب مجرد الجواز للخبرين الآتيين و الظاهر انهم أرادوا به بيان شرعيته و يبقى الوجوب معلوما من

____________

(1) ص 64 و 65.

(2) ارجع الى التعليقة 3 ص 78.

(3) سورة النساء الآية 88.

80

القواعد الشرعية، و بالغ بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال تبطل الصلاة لو اشتغل بالأذكار و لما يرد السلام، و هو من مشرب اجتماع الأمر و النهى في الصلاة كما سبق و الأصح عدم البطلان بترك رده.

أقول: لا ريب ان جل الأخبار التي قدمناها ظاهرة في المشروعية بل الوجوب، للأمر بذلك الذي هو حقيقة في الوجوب في موثقة سماعة و صحيحة محمد ابن مسلم المروية في الفقيه (1) مضافا الى الآية، و باقي الأخبار تدل على المشروعية و كأنه أشار بالخبرين الآتيين إلى موثقة عمار و صحيحة منصور (2) الدالتين على الرد خفيا لأنه مع عدم الإسماع لا يتحقق الرد كما تقدم تحقيقه.

الثامنة [استحباب الابتداء بالسلام]

- قد تكاثرت الأخبار باستحباب الابتداء بالسلام و ظاهرها أفضليته على الرد و ان كان الرد واجبا، و هذا أحد المواضع التي صرحوا فيها بأفضلية المستحب على الواجب:

روى في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) السلام تطوع و الرد فريضة».

و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«البادئ بالسلام اولى بالله و برسوله (صلى الله عليه و آله)».

و عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «كان سليمان (عليه السلام) يقول أفشوا سلام الله تعالى فان سلام الله لا ينال الظالمين».

أقول: المراد بإفشاء السلام هو ان يسلم على كل من يلقاه من المسلمين و لو كان ظالما، و حيث كان السلام بمعنى الرحمة و السلامة من آفات الدنيا و مكاره الآخرة فإنه لا ينفع الظالمين و لا ينالهم و نفعه انما يعود الى المسلم خاصة.

____________

(1) ص 64.

(2) ص 65.

(3) الوسائل الباب 33 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 33 من أحكام العشرة.

(5) الوسائل الباب 34 من أحكام العشرة.

81

و عن محمد بن قيس في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«ان الله يحب إفشاء السلام».

و عن معاوية بن وهب في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«ان الله عز و جل قال البخيل من بخل بالسلام».

و عن هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من التواضع ان تسلم على من لقيت».

و قد تقدم (4) حديث الحسن بن المنذر الدال على ثواب المسلم و تزايده بتزايد الصيغة في التسليم.

و روى في الكافي (5) بالسند الأول من هذه الأخبار قال: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه. و قال ابدأوا بالسلام قبل الكلام فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه».

قال الشارح المحقق المازندراني (قدس سره) في شرحه على الكتاب:

لأن ترك السنة المؤكدة و الاستخفاف بها و بالمؤمن خصوصا إذا كان بالتجبر يقتضي مقابلة التارك بالاستخفاف.

التاسعة [في فورية وجوب رد السلام]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان وجوب الرد فوري، قالوا لانه المتبادر من الرد و الفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة في الآية، و ربما يمنع ذلك في الفاء الجزائية. و المسألة محل توقف لعدم الدليل الناص في ما ذكروه و ان كان هو الأحوط. ثم انه يتفرع على الفورية إن التارك له يأثم، و هل يبقى في ذمته مثل سائر الحقوق؟ تأمل فيه بعض الأصحاب قال إلا أن يكون إجماعيا. و قال بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم): الظاهر ان الفورية المعتبرة في رد السلام إنما هو تعجيله بحيث لا يعد تاركا له عرفا و على هذا لا يضر إتمام كلمة أو كلام لو وقع السلام في أثنائهما. انتهى. و هو جيد.

____________

(1) الوسائل الباب 34 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 33 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 34 من أحكام العشرة.

(4) ص 66.

(5) الوسائل الباب 32 من أحكام العشرة.

82

العاشرة [هل يجب رد السلام في الكتاب و نحوه؟]

- قال في التذكرة: و لو ناداه من وراء ستر أو حائط فقال: «السلام عليك يا فلان» أو كتب كتابا و سلم عليه فيه أو أرسل رسولا فقال: «سلم على فلان» فبلغه الكتاب و الرسالة قال بعض الشافعية (1) يجب عليه الجواب لأن تحية الغائب إنما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة و قد قال الله تعالى «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (2) و الوجه انه ان سمع النداء وجب الجواب و إلا فلا. انتهى. قال في الذخيرة بعد نقله: و هو متجه لعدم ثبوت شمول الآية للصور المذكورة عدا صورة المناداة مع سماع النداء.

أقول:

روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «رد جواب الكتاب واجب كوجوب رد السلام، و البادئ بالسلام أولى بالله و برسوله (صلى الله عليه و آله)».

و هذا الخبر دال بعمومه على وجوب رد السلام الذي كتب له في ذلك الكتاب لأنه من جملة ما يتوقع صاحبه رده سيما إذا كان الكتاب إنما يشتمل على مجرد الدعاء و السلام و قد حكم (عليه السلام) بوجوب رده كرد السلام. و في قوله «و البادئ بالسلام. إلخ» إشارة الى ان البادئ بالكتاب أفضل كما تقدم الخبر بذلك في أفضلية الابتداء بالسلام. و بالجملة فإن ظاهر الخبر ان حكم الكتاب في وجوب الرد كحكم السلام.

و روى في الكافي أيضا عن ابى كهمش (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) عبد الله بن ابى يعفور يقرأك السلام قال و عليك و (عليه السلام) إذا أتيت عبد الله فاقرأه السلام و قل له. الحديث».

و في هذا الخبر دلالة على استحباب الإرسال بالسلام و ان الرد بصيغة الرد على الحاضر بتقديم الظرف.

____________

(1) الأذكار للنووي ص 199.

(2) سورة النساء الآية 88.

(3) الوسائل الباب 33 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 43 من أحكام العشرة.

83

الحادية عشرة [حكم ما لو ترك المصلي الرد]

- لو ترك المصلى الرد و اشتغل بإتمام الصلاة يأثم و هل تبطل الصلاة؟ قيل نعم للنهي المقتضي للفساد. و قيل ان اتى بشيء من الأذكار في زمان الرد بطلت. و قيل ان اتى بشيء من القراءة أو الأذكار في زمان وجوب الرد فلا يعتد بها بناء على ان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده و النهى عن العبادة يقتضي الفساد، و لكن لا يستلزم بطلان الصلاة إذ لا دليل على ان الكلام الذي يكون من قبيل الذكر و الدعاء و القرآن يبطل الصلاة و إن كان حراما، فان استمر على ترك الرد و قلنا ببقائه في ذمته لزم بطلان الصلاة لأنه لم يتدارك القراءة و الذكر على وجه صحيح.

قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين بعد نقل ذلك عنهم: و الحق ان الحكم بالبطلان موقوف على مقدمات أكثرها بل كلها في محل المنع لكن الاحتياط يقتضي إعادة مثل تلك الصلاة. انتهى. و هو جيد.

الثانية عشرة [حكم سلام المرأة على الأجنبي]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) تحريم سلام المرأة على الأجنبي و عللوه بان صوتها عورة فاستماعه حرام.

و توقف جملة من متأخري المتأخرين إذ الظاهر من الأخبار عدم كون صوتها عورة.

أقول: و هو الحق مضافا الى

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ربعي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و رواه في الفقيه مرسلا قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يسلم على النساء و يرددن عليه و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يسلم على النساء و كان يكره ان يسلم على الشابة منهن و يقول أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل على أكثر مما اطلب من الأجر».

قال في الفقيه: إنما قال (عليه السلام) لغيره و ان عبر عن نفسه و أراد بذلك ايضا التخوف من ان يظن ظان انه يعجبه صوتها فيكفر، قال: و لكلام الأئمة (صلوات الله عليهم) مخارج و وجوه لا يعقلها إلا العالمون.

____________

(1) الوسائل الباب 48 من أحكام العشرة.

84

أقول: و نظيره في القرآن من باب «إياك أعني و اسمعي يا جارة» كثير.

و روى في الفقيه (1) قال: «سأل عمار الساباطي أبا عبد الله (عليه السلام) عن النساء كيف يسلمن إذا دخلن على القوم؟ قال المرأة تقول عليكم السلام و الرجل يقول السلام عليكم».

و اما ما رواه في الكافي عن غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تسلم على المرأة».

فهو محمول على الكراهة جمعا.

ثم ان على المشهور من التحريم على الأجنبي فهل يجب الرد عليها؟ قيل يحتمل ذلك لعموم الدليل و العدم لكون المتبادر التحية المشروعة، و هو مختار التذكرة حيث قال: و لو سلم رجل على امرأة أو بالعكس فان كان بينهما زوجية أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب و إلا فلا.

قالوا: و في وجوب الرد عليها لو سلم عليها أجنبي وجهان فيحتمل الوجوب نظرا الى عموم الآية فيجوز اختصاص تحريم الاستماع بغيره، و يحتمل العدم كما اختاره العلامة و يحتمل وجوب الرد خفيا كما قيل.

أقول: و هذا البحث لما كان على غير أساس كما عرفت فلا وجه للتشاغل بصحته و إبطاله.

الثالثة عشرة [كيفية الرد على أهل الذمة]

- قال العلامة في التذكرة: و لا يسلم على أهل الذمة ابتداء، و لو سلم عليه ذمي أو من لم يعرفه فبان ذميا رد بغير السلام بان يقول «هداك الله أو أنعم الله صباحك أو أطال الله بقاءك» و لو رد بالسلام لم يزد في الجواب على قوله «و عليك» انتهى أقول: الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام ما تقدم (3) من صحيحة زرارة أو حسنته في رد النبي (صلى الله عليه و آله) على اليهود،

و ما رواه في الكافي عن غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال أمير المؤمنين

____________

(1) الوسائل الباب 39 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 130 من النكاح.

(3) ص 71.

(4) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

85

(عليه السلام) لابتدأوا أهل الكتاب بالتسليم و إذا سلموا عليكم فقولوا و عليكم».

و عن سماعة في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليهودي و النصراني و المشرك إذا سلموا على الرجل و هو جالس كيف ينبغي ان يرد عليهم؟ قال يقول عليكم».

و عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا سلم عليك اليهودي و النصراني و المشرك فقل عليك».

و عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «تقول في الرد على اليهودي و النصراني سلام».

و عن محمد بن عرفة عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف أدعو لليهودي و النصراني؟ قال تقول بارك الله لك في دنياك».

أقول: المستفاد من الخبر الأول تحريم ابتداء أهل الكتاب بالسلام و نحوهم من المشركين بطريق الاولى، و لا ينافي ذلك

ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) أ رأيت ان احتجت الى متطبب و هو نصراني ان أسلم و أدعو له؟ قال نعم و لا ينفعه دعاؤك».

لأنا نجيب عنه بالحمل على حال الضرورة، و كذا ما تقدم ايضا (6) من حديث

«أفشوا سلام الله فان سلام الله لا ينال الظالمين».

و نحوه، لأنا نجيب عنه بان خبر غياث خاص و هذا عام و القاعدة تقديم العمل بالخاص و تخصيص العموم به.

و أكثر هذه الأخبار إنما اشتملت على الرد ب «عليكم أو عليك» و اما ما ذكره من الرد بتلك الألفاظ فلم نقف له على دليل، نعم ربما يقال في مقام الدعاء له كما يشعر به خبر محمد بن عرفة لا في مقام رد السلام كما ادعاه. نعم رواية زرارة قد

____________

(1) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 49 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 53 من أحكام العشرة.

(5) الوسائل الباب 53 من أحكام العشرة.

(6) ص 80.

86

تضمنت الرد ب«سلام» و الظاهر انه على تقدير الرواية بفتح السين من قبيل قوله عز و جل «سَلٰامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي» (1) و قوله سبحانه «وَ قُلْ سَلٰامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» (2) و الوجه في جوازه انه لم يقصد به التحية و انما قصد به المباعدة و المتاركة قال أمين الإسلام الطبرسي (قدس سره) في تفسير الآية الأخيرة «وَ قُلْ سَلٰامٌ» تقديره و قل أمرنا و أمركم سلام اى متاركة. ثم قال في بيان معنى الآية:

«و قل سلام» اى مداراة و متاركة. و قيل هو سلام هجران و مجانبة لا سلام تحية و كرامة كقوله «سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ لٰا نَبْتَغِي الْجٰاهِلِينَ» (3) و قال في معنى الآية الاولى: و قال إبراهيم «سَلٰامٌ عَلَيْكَ» سلام توديع و هجر على الطف الوجوه و هو سلام متاركة و مباعدة عن الجبائي و ابى مسلم. و قيل هذا سلام إكرام و بر فقابل جفوة أبيه بالبر تأدية لحق الأبوة اى هجرتك على وجه جميل من غير عقوق. انتهى. و لم أقف لهذا المعنى في كتب اللغة على ذكر مع أن الآيات كما ترى ظاهرة فيه.

ثم ان أكثر هذه الروايات انما اشتملت على الرد ب«عليكم السلام» و «عليك» بدون الواو و رواية غياث اشتملت على ذكر الواو، و اخبار العامة أيضا مختلفة ففي بعضها بالواو و في بعض آخر بدونها (4) و المعنى بدون الواو ظاهر لان المقصود حينئذ ان الذي تقولون لنا مردود عليكم، و هم غالبا- كما سمعت من صحيحة زرارة (5)- إنما يسلمون بالسام الذي هو الموت، و اما مع الواو فيشكل لأن الواو تقتضي إثبات ما قالوه على نفسه و تقريره عليها حتى يصح العطف فيدخل معهم في ما دعوا به، و لهذا قال ابن الأثير في النهاية: قال الخطابي عامة المحدثين يروون «و عليكم» بإثبات واو العطف و كان ابن عيينة يرويه بغير واو و هو الصواب لأنه

____________

(1) سورة مريم الآية 48.

(2) سورة الزخرف الآية 89.

(3) سورة القصص الآية 55.

(4) فتح الباري ج 11 ص 35 كتاب الاستئذان باب كيفية الرد على أهل الذمة.

(5) ص 80.

87

إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بنفسه مردودا عليهم خاصة و إذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم في ما قالوه لأن الواو تجمع بين الشيئين. و المثبتون للواو اختلفوا فقال بعضهم انها للاستئناف لا العطف فلا تقتضي الاشتراك. و قال عياض: هذا بعيد و الاولى ان يقال الواو على بابها من العطف غير انا نجاب فيهم و لا يجابون فينا كما دل عليه الحديث. ثم قال حذف الواو أصح معنى و إثباتها أصح رواية و أشهر. انتهى.

و قال بعض أصحابنا بعد نقل ذلك: و هذا ليس بأولى لأن المفسدة قبول المجيب دعاءهم على نفسه و تقريره عليها و قبول المشاركة و هي باقية غير مدفوعة بما ذكره. ثم قال ثم أقول و يمكن ان يقال إذا علم المجيب انهم قالوا «السام عليك» يجيب ب«عليكم» بدون واو كما فعله (صلى الله عليه و آله) و إذا علم انهم قالوا «السلام عليك» كما هو المعروف في التحية يجيب بقوله «و عليكم» فيقبل سلامهم على نفسه و يقرره عليها و يأتي بلفظ يفيد المشاركة إلا ان ذلك لا ينفعهم و فائدته مجرد الرفق و تأليف القلوب، و كذا يصح ان يجب ب«عليك» بدون واو، و بذلك يتحقق الجمع بين الروايات. انتهى كلامه زيد مقامه. أقول: ما ذكره من الجمع جيد الا ان الظاهر ان الأجود منه حمل رواية غياث على التقية (1) لأنه لم يرد لفظ الواو في غيرها من الروايات المتقدمة، و يعضده ان الراوي عامي بتري (2) فهو موافق لأكثر رواياتهم و أصحها كما عرفت من كلامهم.

ثم انه هل يجب الرد عليهم؟ استشكله بعض الأصحاب ثم قال و لعل العدم أقوى. و قال الفاضل المازندراني في حاشيته على الكتاب: ثم ان الأمر بردهم على سبيل الرخصة و الجواز دون الوجوب و ان احتمل نظرا الى ظاهره كما نقل عن ابن عباس و الشعبي و قتادة من العامة، و استدلوا بعموم الآية «وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» حيث قال بأحسن منها للمسلمين و قوله «أَوْ رُدُّوهٰا»

____________

(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 86.

(2) رجال المامقاني ج 2 ص 366.

88

لأهل الكتاب. و الحق ان كليهما للمسلمين لعدم وجوب الرد بالأحسن للمسلمين اتفاقا بل الواجب أحد الأمرين اما الرد بالأحسن أو بالمثل. انتهى. و هو جيد.

الرابعة عشرة [من يبدأ بالسلام؟]

- قد صرح الأصحاب بأنه يكره ان يخص طائفة من الجمع بالسلام، و انه يستحب ان يسلم الراكب على الماشي و القائم على الجالس و الطائفة القليلة على الكثيرة و الصغير على الكبير و أصحاب الخيل على أصحاب البغال و هما على أصحاب الحمير.

أقول و قد تقدم (1) في روايتي عنبسة بن مصعب و ابن بكير عن بعض أصحابه الدلالة على ذلك، قال بعض شراح الحديث: اما بدأة الصغير على الكبير فلأن للكبير على الصغير فضلا بالسن فحصل له بذلك مزية التقدم بالتحية، نعم لو كان للصغير فضائل نفسانية مثل العلم و الأدب دون الكبير لا يبعد القول بالعكس لأن مراعاة الفضل البدني تقتضي مراعاة الفضائل النفسانية بالطريق الاولى، و لان العالم له نسبة مؤكدة إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) دون الجاهل، و من اعتبر حال بعض الأئمة و الأنبياء علم ان تقدمهم على غيرهم مع صغر سنهم انما كان لأجل كمالاتهم. و حمل الصغير و الكبير على الصغير المعنوي و الكبير المعنوي مستبعد. و اما بدأة المار على القاعد فلان القاعد قد يقع في نفسه خوف من القادم فإذا ابتدأ القادم بالسلام أمن، أو لأن القاعد لو أمر بالبدأة على المارين شق عليه لكثرة المارين بخلاف العكس. و اما بدأة القليل على الكثير فلفضلة الجماعة و ايضا لو بدأت الجماعة على الواحد لخيف معه الكبر، و يحتمل غير ذلك. و اما بدأة الراكب على الماشي فلان للراكب فضلا دنيويا فعدل الشرع بينهما فجعل للماشي فضيلة أن يبدأ بالسلام، أو لأن الماشي قد يخاف من الراكب فإذا سلم الراكب عليه أمن، أو لأنه لو ابتدأ الماشي بالسلام على الراكب خيف على الراكب الكبر. انتهى و هو جيد مستفاد من الأخبار كما لا يخفى على من جلس خلال الديار. و الله العالم.

____________

(1) ص 67.

89

الخامسة عشرة [هل يكره السلام على المصلي]

- قد عرفت من جملة من الأخبار المتقدمة في صدر المسألة جواز التسليم على المصلى بل استحبابه و قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يكره السلام على المصلى للعموم.

و فيه ان رواية الخصال المتقدمة ثمة (1)- و هي من الموثقات

عن مسعدة بن صدقة قال فيها: «لا تسلموا على اليهود و لا على النصارى و لا على المجوس و لا على عبدة الأوثان و لا على موائد شراب الخمر و لا على صاحب الشطرنج و النرد و لا على المخنث و لا على الشاعر الذي يقذف المحصنات و لا على المصلى. إلى آخر ما تقدم ثمة».

- ظاهرة في النهي عن ذلك، و قد عللها بما ذكره من ان المصلى لا يستطيع ان يرد السلام لان التسليم من المسلم تطوع و الرد فريضة، و الظاهر ان المقصود من التعليل المذكور انه لما كان الرد فريضة فلا بد له أن يرد متى سلم عليه و في ذلك شغل له عن التوجه و الإقبال على صلاته، فمعنى كونه لا يستطيع أن يرد السلام اى من حيث استلزامه للشغل له.

و يعضد هذه الرواية أيضا

ما رواه في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال: «كنت أسمع أبي يقول إذا دخلت المسجد الحرام و القوم يصلون فلا تسلم عليهم و سلم على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم أقبل على صلاتك، و إذا دخلت على قوم جلوس يتحدثون فسلم عليهم».

و ظاهر صاحب المدارك الميل الى القول بالكراهة لهذه الرواية الأخيرة حيث انه قال- بعد ان نقل عن جمع من الأصحاب انه لا يكره السلام على المصلى للعموم- ما لفظه: و يمكن القول بالكراهة لما رواه عبد الله بن جعفر في كتابه قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام). الى آخر ما تقدم.

أقول: الأظهر عندي حمل ما دل على المنع على التقية لما تقدم من ان

____________

(1) ص 65 و في الوسائل الباب 28 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 17 من قواطع الصلاة.

90

مذهب جمهور العامة المنع من الرد و إنما يشير بإصبعه، و أبو حنيفة قد منع من الرد و الإشارة (1) مع ان الراوي عن ابى عبد الله في رواية قرب الاسناد إنما هو الحسين ابن علوان كما عرفت و هو عامي (2) و العجب من صاحب المدارك في اعتماده عليها و الحال كما عرفت مع مناقشة الأصحاب في الروايات الصحيحة و تصلبه في الأدلة كيف ركن الى هذه الرواية و أسندها إلى الصادق (عليه السلام) و لم يذكر الراوي عنه لئلا يتطرق إليه المناقشة بما ذكرناه. و بالجملة فالأظهر عندي هو ما عرفت. و الله العالم.

المسألة الثانية [حكم تسميت العاطس للمصلي و الأخبار الواردة فيه]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجوز للمصلي تسميت العاطس، و التسميت على ما نقل عن الجوهري ذكر اسم الله تعالى على الشيء، و تسميت العاطس ان يقول له «يرحمك الله» بالسين و الشين جميعا، قال ثعلب الاختيار بالسين لأنه مأخوذ من السمت و هو القصد و المحجة. و قال أبو عبيد الشين أعلى في كلامهم و أكثر. و قال ايضا تسميت العاطس دعاء له و كل داع لأحد بخير فهو مسمت و مشمت. و قال في القاموس: التسميت ذكر الله على الشيء و الدعاء للعاطس. و في المجمل يقولون للعاطس «يرحمك الله» فيقال التسميت. و يقال التسميت ذكر الله على الشيء. و في النهاية التسميت بالسين و الشين الدعاء بالخير و البركة و المعجمة أعلاهما. و قال في المصباح المنير للفيومى: السمت الطريق و السمت القصد و السكينة و الوقار و هو حسن السمت أي الهيئة، و التسميت ذكر الله تعالى على الشيء و تسميت العاطس الدعاء له، و بالشين المعجمة مثله. و قال في التهذيب سمته بالسين و الشين إذا دعا له، و قال أبو عبيد الشين المعجمة أعلى و أفشى. و قال ثعلب السين المهملة هي الأصل أخذا من السمت و هو القصد و الهدى و الاستقامة، و كل داع بخير فهو مسمت اى داع بالعود و البقاء الى سمته. انتهى.

و المشهور في كلام الأصحاب جوازه للمصلي بل استحبابه، و ظاهر المحقق في

____________

(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 78.

(2) رجال المامقاني ج 1 ص 335 و احتمل (قدس سره) كونه إماميا.

91

المعتبر التوقف فيه إلا انه قال بعد ذلك: و الجواز أشبه بالمذهب.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له اسمع العطسة و انا في الصلاة فاحمد الله تعالى و أصلي على النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال نعم».

و زاد في الكافي (2) «و إذا عطس أخوك و أنت في الصلاة فقل الحمد لله».

و ما رواه في الكافي عن جراح المدائني (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) للمسلم على أخيه من الحق ان يسلم عليه إذا لقيه و يعوده إذا مرض و ينصح له إذا غاب و يسمته إذا عطس- يقول الحمد لله رب العالمين لا شريك له و يقول له يرحمك الله، فيجيبه يقول له يهديكم الله و يصلح بالكم- و يجيبه إذا دعاه و يشيعه إذا مات».

و عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا عطس الرجل فسمتوه و لو من وراء جزيرة».

و في رواية أخرى (5) «و لو من وراء البحر».

و عن إسحاق بن يزيد و معمر بن ابى زياد و ابن رئاب (6) قالوا: «كنا جلوسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذ عطس رجل فما رد عليه أحد من القوم شيئا حتى ابتدأ هو فقال سبحان الله أ لا سمعتم؟ من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا اشتكى و ان يجيبه إذا دعاه و ان يشهده إذا مات و ان يسمته إذا عطس».

و عن داود بن الحصين (7) قال: «كنا عند ابى عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة. و في الفروع ج 1 ص 102 و الوافي باب «رد السلام» و الوسائل هكذا «فقل الحمد لله و صل على النبي و آله» و قد أثبت في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية. و قد أثبت أيضا فيها ما يشترك فيه الكافي و التهذيب و الفقيه و هو قوله (ع) «و ان كان بينك و بين صاحبك اليم» إلا ان العبارة فيها توهم الاختصاص بالكافي حيث قال: و زاد في الكافي. الى أن قال «و صل على النبي و آله و ان كان.».

(3) الوسائل الباب 57 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 57 من أحكام العشرة.

(5) الوسائل الباب 57 من أحكام العشرة.

(6) الوسائل الباب 57 من أحكام العشرة.

(7) الوسائل الباب 57 من أحكام العشرة.

92

فأحصيت في البيت أربعة عشر رجلا فعطس أبو عبد الله (عليه السلام) فما تكلم أحد من القوم فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ألا تسمتون؟ من حق المؤمن على المؤمن إذا مرض ان يعوده و إذا مات ان يشهد جنازته و إذا عطس ان يسمته- أو قال أن يشمته- و إذا دعاه ان يجيبه».

و الظاهر ان مستند الأصحاب في ما ذهبوا اليه من استحباب تسميت المصلى لغيره هو عموم هذه الأخبار فإنها شاملة للمصلي و غيره، و يستفاد من هذه الاخبار استحباب الحمد لله و الصلاة على النبي و آله (صلوات الله عليهم) للعاطس و السامع، قال في المنتهى: و يجوز للمصلي أن يحمد الله إذا عطس و يصلى على النبي و آله (صلوات الله عليهم) و ان يفعل ذلك إذا عطس غيره و هو مذهب أهل البيت (ع) و يفهم من بعض الأخبار توقف استحباب التسميت على حمد الله سبحانه بل الصلاة على النبي و آله (صلوات الله عليهم) من العاطس فلو لم يفعل لم يستحب تسميته كما سيأتي ان شاء الله.

و هل يجب على العاطس الرد؟ الأظهر ذلك، و صرح جمع: منهم- صاحب المدارك بالعدم قال: و هل يجب على العاطس الرد؟ الأظهر لا لانه لا يسمى تحية.

أقول:

قد روى في آخر كتاب الخصال في حديث طويل عن ابى جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) مما علمه أصحابه في مجلس واحد من أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه قال (عليه السلام) «إذا عطس أحدكم فسمتوه قولوا يرحمكم الله و هو يقول يغفر الله لكم و يرحمكم، قال الله عز و جل وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا» (2).

و هو ظاهر الدلالة في المطلوب، و الظاهر عدم وقوف هؤلاء القائلين على الخبر المشار اليه.

و قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى

____________

(1) الوسائل الباب 58 من أحكام العشرة.

(2) سورة النساء الآية 88.

93

في استحباب التسميت باشتراط كون العاطس مؤمنا، قال في الذخيرة: و يحتمل الجواز في المسلم مطلقا عملا بظاهر رواية جراح و غيرها مما اشتمل على ذكر المسلم. و هو ضعيف فان لفظ المسلم و ان ذكر كما نقله إلا ان المراد به المؤمن و إطلاقه عليه أكثر كثير في الآيات و الأخبار، و يؤيده عد التسميت في قرن تلك الأشياء المعدودة من حقوق الإخوان فإنها مخصوصة بالمؤمنين كما لا يخفى، فما ذكره من الاحتمال لا وجه له بالكلية.

و لا بأس بنقل جملة من الأخبار الواردة في العطس لما فيها من الفوائد و الأحكام و ان كانت خارجة من محل البحث في المقام:

و منها-

ما رواه في الكافي عن صفوان في الصحيح (1) قال: «كنت عند الرضا (عليه السلام) فعطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك ثم عطس فقلت له صلى الله عليك. و قلت جعلت فداك إذا عطس مثلك يقال له كما يقول بعضنا لبعض «يرحمك الله» أو كما نقول؟ قال نعم، قال أو ليس تقول صلى الله على محمد و آل محمد؟ قلت بلى. قال و ارحم محمدا و آل محمد؟ قال بلى و قد صلى عليه و رحمه و انما صلاتنا عليه رحمة لنا و قربة».

بيان: قوله «إذا عطس مثلك» اى من أهل العصمة و لعل الترديد من الراوي بناء على ان مثلكم مرحومون قطعا فلا فائدة في طلب الرحمة لكم كما يقول بعضنا لبعض لانه تحصيل حاصل. و قوله «كما نقول» إشارة إلى قوله «صلى الله عليك» «قال نعم» يعنى كل من الأمرين جائز لا بأس به. ثم أشار الى أن الفائدة في الترحم علينا لكم لا لنا. ثم قال له: أو ليس تقول صلى الله على محمد و آله محمد؟ قلت بلى. و قال ارحم محمدا و آل محمد قال الامام بلى. يعني أنك تقول ذلك بعد الصلاة و الحال ان الله سبحانه صلى عليه و رحمه فلا حاجة به الى صلاة مصل و لا ترحم مترحم و إنما فائدة ذلك راجعة الى المصلى. و بذلك صرح جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم) قال

____________

(1) الوافي ج 3 باب العطاس و التسميت.

94

شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة: و غاية السؤال بها أي بالصلاة عائدة الى المصلى لأن الله سبحانه و تعالى قد اعطى نبيه من المنزلة و الزلفى لديه ما لا تؤثر فيه صلاة مصل كما نطقت به الاخبار و صرح به العلماء الأخيار. انتهى.

و منها-

ما رواه في الكتاب المذكور عن أيوب بن نوح (1) قال: «عطس يوما و أنا عنده فقلت جعلت فداك ما يقال للإمام إذا عطس؟ قال يقول صلى الله عليك».

بيان: قد عرفت من الحديث السابق جواز تسميتهم (عليهم السلام) بما يقول بعضنا لبعض من قوله «يرحمك الله» و سيأتي ما يدل عليه ايضا، و لعل التخصيص هنا بهذه الصورة لأنها أفضل الفردين.

و منها-

ما رواه عن احمد بن محمد بن ابى نصر (2) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: التثاؤب من الشيطان و العطسة من الله تعالى».

بيان: ثئب و تثأب أصابه كسل و فترة كفترة النعاس، قال عياض: التثأب بشد الهمزة و الاسم الثؤباء، و قال ابن دريد و أصله من «ثئب الرجل فهو مثؤوب» إذا استرخى و كسل. و قال في مجمع البحرين: التثأب فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فاه يقال تثاءبت على تفاعلت إذا فتحت فاك و تمطيت لكسل أو فترة و الاسم الثؤباء.

قال بعض الأفاضل و انما نسبه الى الشيطان لانه من تكسيله و سببه. و قيل أضيف إليه لأنه يرضيه. و قيل إنما ينشأ من امتلاء البدن و ثقل النفس و كدورة الحواس و يورث الغفلة و الكسل و سوء الفهم و لذلك كرهه الله و أحبه الشيطان (لعنه الله) و العطاس لما كان سببا لخفة الدماغ و استفراغ الفضلات و صفاء الروح و تقوية الحواس كان امره بالعكس و لكن التثأب من الشيطان. قيل انه ما تثأب نبي قط. انتهى.

و منها-

ما رواه عن صالح بن ابى حماد (3) قال: «سألت العالم (عليه السلام) عن

____________

(1) الوافي ج 3 باب العطاس و التسميت.

(2) الوسائل الباب 60 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

95

العطسة و ما العلة في الحمد لله عليها؟ فقال ان لله تعالى نعما على عبده في صحة بدنه و سلامة جوارحه و ان العبد ينسى ذكر الله تعالى على ذلك و إذا نسي أمر الله تعالى الريح فجالت في بدنه ثم يخرجها من انفه فيحمد الله تعالى على ذلك فيكون حمده عند ذلك شكرا لما نسي».

بيان: يستفاد من هذا الخبر وجه ما تقدم في سابقه من قوله: «العطسة من الله تعالى» و الظاهر انه أقرب مما ذكره ذلك الفاضل، و حاصل ذلك ان معنى كونها من الله تعالى انه هو الذي حمل عبده عليها بإدخال الريح في بدنه و إخراجها من انفه ليحمد الله تعالى عند ذلك.

و منها-

ما رواه عن جابر (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) نعم الشيء العطسة تنفع في الجسد و تذكر بالله تعالى. قلت ان عندنا قوما يقولون ليس لرسول الله (صلى الله عليه و آله) في العطسة نصيب؟ فقال (عليه السلام) ان كانوا كاذبين فلانا لهم الله شفاعة محمد (صلى الله عليه و آله)».

و عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه (2) قال «عطس رجل عند ابى جعفر (عليه السلام) فقال الحمد لله فلم يسمته أبو جعفر (عليه السلام) و قال نقصنا حقنا، ثم قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و أهل بيته. قال فقال الرجل فسمته أبو جعفر (عليه السلام)».

بيان: نقصه و نقصه بالتخفيف و التشديد بمعنى واحد، و في الخبر دلالة على ما قدمنا الإشارة إليه من ان استحقاق التسميت موقوف على حمد العاطس و صلاته على محمد و آله (صلوات الله عليهم)، و هو مروي من طريق العامة أيضا لكن بالنسبة إلى التحميد،

روى مسلم عن انس بن مالك (3) قال: «عطس عند النبي (صلى الله عليه

____________

(1) الوسائل الباب 63 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 63 من أحكام العشرة.

(3) ج 8 كتاب الزهد باب تسميت العاطس، و رواه أبو داود في سننه ج 4 ص 309 آخر كتاب الأدب باب «من يعطس و لا يحمد الله».

96

و آله) رجلان فشمت أحدهما و لم يشمت الآخر فقال الذي لم يشمته عطس فلان فشمته و عطست انا فلم تشمتني؟ فقال ان هذا حمد الله و انك لم تحمد الله تعالى».

و عن الفضيل بن يسار (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان الناس يكرهون الصلاة على محمد و آله في ثلاثة مواطن: عند العطسة و عند الذبيحة و عند الجماع؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) ما لهم ويلهم نافقوا لعنهم الله».

و عن سعد بن ابى خلف في الصحيح أو الحسن (2) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا عطس فقيل له يرحمك الله قال يغفر الله لكم و يرحمكم، و إذا عطس عنده انسان قال له يرحمك الله».

بيان: هذا الحديث يشتمل على ما اشتمل عليه حديث الخصال في رد التسميت، قال في المدارك: و الاولى في كيفية الرد الاعتماد على ما رواه الكليني في الحسن عن سعد بن ابى خلف، ثم ساق الرواية.

و عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «عطس غلام لم يبلغ الحلم عند النبي (صلى الله عليه و آله) فقال الحمد لله فقال له النبي (صلى الله عليه و آله) بارك الله فيك».

بيان: فيه دلالة على استحباب تسميت الغلام إذا حمد الله تعالى بمثل هذا القول و ان لم يتعرض له الأصحاب في ما أعلم.

و عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا عطس الرجل فليقل الحمد لله لا شريك له، و إذا سمت الرجل فليقل يرحمك الله، و إذا رد فليقل يغفر الله لك و لنا، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) سئل عن آية أو شيء فيه ذكر الله تعالى فقال كل ما ذكر الله فيه فهو حسن».

____________

(1) الوسائل الباب 64 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 58 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 58 من أحكام العشرة.

97

بيان: لا ينافي هذا الخبر ما تقدم في مرسلة ابن ابى عمير من عدم تسميت الإمام للرجل حتى أردف التحميد بالصلاة، لأن غاية هذا الخبر ان يكون مطلقا فيجب تقييده بالخبر المتقدم. و يحتمل- و لعله الأظهر- حمل الخبر الأول على التأديب و ان جاز الاقتصار على مجرد التحميد.

و المستفاد من اخبار المسألة بالنسبة إلى العاطس انه يقول «الحمد لله» فان اقتصر عليها فهو جائز و ان زاد عليها «رب العالمين أو لا شريك له» أو نحو ذلك فهو أفضل و ان زاد الصلاة فهو أفضل الجميع سيما مع ما ذكرناه من الألفاظ الزائدة على التحميد، و بالنسبة إلى التسميت ان يقول «يرحمك الله أو يرحمكم الله» و في الجواب ما ذكر في هذه الرواية، و أحسن منه ما تقدم في روايتي الخصال و سعد بن ابي خلف، و ان اتى بنحو ذلك فلا بأس فإن الظاهر حمل هذه الروايات على التمثيل في الدعاء لأخيه من الدعاء بالخير للعاطس و جوابه بما يناسب ذلك.

و اما قوله في آخر الخبر: «سئل عن آية أو شيء. إلخ» و في نسخة الفاضل المازندراني- كما ذكره- «فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) سئل عن آية تقال عند العطسة أو شيء فيه ذكر الله تعالى. إلخ» و المعنى على كل من النسختين واضح فان حاصله ان النبي (صلى الله عليه و آله) سئل عن آية معينة أو ذكر معين يقال عند التسميت أورده فقال كل ما تضمن ذكر الله عز و جل المناسب لمقام التسميت ورده فهو حسن. و هو عين ما أشرنا إليه آنفا.

و عن مسمع (1) قال «عطس أبو عبد الله (عليه السلام) فقال «الحمد لله رب العالمين» ثم جعل إصبعه على انفه فقال رغم الله أنفي رغما داخرا».

بيان: هذا الحكم غير مذكور في ما حضرني من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ينبغي ان يعد في مستحبات العطس ايضا.

و عن محمد بن مروان رفعه (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

98

من قال إذا عطس «الحمد لله رب العالمين على كل حال» لم يجد وجع الأذنين و الأضراس».

و عن ابن فضال عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«في وجع الأضراس و وجع الآذان إذا سمعتم من يعطس فابدأوه بالحمد لله».

و عن زيد الشحام (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من سمع عطسة فحمد الله تعالى و صلى على النبي و أهل بيته (صلى الله عليه و آله) لم يشتك عينه و لا ضرسه. ثم قال ان سمعتها فقلها و لو كان بينك و بينه البحر».

و عن عبد الرحمن بن ابى نجران عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «عطس رجل نصراني عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له القوم «هداك الله» فقال أبو عبد الله (عليه السلام) «يرحمك الله» فقالوا له انه نصراني؟ فقال (عليه السلام) لا يهديه الله حتى يرحمه».

بيان: هذا الخبر بظاهره مناف لما تقدم نقله عن الأصحاب من اشتراط الإيمان في تسميت العاطس كما دلت عليه الأخبار المتقدمة، و يمكن ان يقال بمعونة الأخبار المتقدمة الدالة على اشتراط الايمان ان قصده (عليه السلام) من التسميت ب«يرحمك الله» انما هو المنع من تسميته بما ذكروه و بغيره و انه ليس أهلا للتسميت، لأن تحاشيهم عن لفظ «يرحمك الله» الى ما ذكروه لا يغني إذ الهداية مستلزمة لسبق الرحمة الموجبة لهدايته فالأولى ان لا يسمت بحال. و هذا معنى لطيف و ان تسارع الفهم القاصر الى رده.

و عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا عطس المرء المسلم ثم سكت لعلة تكون به قالت الملائكة عنه «الحمد لله رب العالمين» فان قال «الحمد لله رب العالمين» قالت الملائكة «يغفر

____________

(1) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 63 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 65 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 62 من أحكام العشرة.

99

الله لك» قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) العطاس للمريض دليل العافية و راحة للبدن».

و عن حذيفة بن منصور (1) قال قال: «العطاس ينفع للبدن كله ما لم يزد على الثلاث فإذا زاد على الثلاث فهو داء و سقم».

و عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا عطس الرجل ثلاثا فسمته ثم اتركه».

و عن ابى بكر الحضرمي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (4) قال العطسة القبيحة».

بيان: العطسة القبيحة المشتملة على الصوت المستنكر يعنى انها مندرجة تحت الآية لا ان الآية مختصة بها. و فيه إشارة الى الأمر بالاعتدال.

و عن القاسم عن جده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «من عطس ثم وضع يده على قصبة أنفه ثم قال «الحمد لله رب العالمين الحمد لله حمدا كثيرا كما هو اهله و صلى الله على محمد النبي و آله و سلم» خرج من منخره الأيسر طائر أصغر من الجراد و أكبر من الذباب حتى يصير تحت العرش يستغفر له الى يوم القيامة».

و عن محمد بن يحيى عن بعض أصحابه رواه عن رجل من العامة (6) قال «كنت أجالس أبا عبد الله (عليه السلام) فلا و الله ما رأيت مجلسا أنبل من مجالسه، قال فقال لي ذات يوم من اين تخرج العطسة؟ فقلت من الأنف. فقال لي أصبت الخطأ فقلت جعلت فداك من اين تخرج؟ فقال من جميع البدن كما ان النطفة تخرج من

____________

(1) الوسائل الباب 60 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 61 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 60 من أحكام العشرة.

(4) سورة لقمان الآية 18.

(5) الوسائل الباب 63 من أحكام العشرة.

(6) الأصول ج 2 ص 657 و في الوسائل الباب 60 من أحكام العشرة.

100

جميع البدن و مخرجها من الإحليل، ثم قال اما رأيت الإنسان إذا عطس نفض أعضاءه؟ و صاحب العطسة يأمن الموت سبعة أيام».

و عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) تصديق الحديث عند العطاس».

و بهذا الاسناد (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كان الرجل يتحدث بحديث فعطس عاطس فهو شاهد حق».

و عن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) تصديق الحديث عند العطاس».

بيان: قال بعض المحدثين لعل السر فيه ان العطسة رحمة من الله تعالى للعبد و يستبعد نزول الرحمة في مجلس يكذب فيه خصوصا عند صدور الكذب فإذا قاربت الحديث دلت على صدقه. انتهى.

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب النوادر لمحمد بن على بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى عن غياث عن جعفر (عليه السلام) (4) «في رجل عطس في الصلاة فسمته رجل فقال فسدت صلاة ذلك الرجل».

بيان: قال ابن إدريس بعد إيراد الخبر: التسميت الدعاء للعاطس بالسين و الشين معا، و ليس على فسادها دليل لان الدعاء لا يقطع الصلاة. انتهى. و هو جيد و غير بعيد ان هذا الخبر خرج مخرج التقية لأنه نسب إلى الشافعي و بعض العامة القول بالتحريم (5) مع ان ظاهر الخبر بطلان صلاة العاطس و ان لم يرد فإنه هو الذي في الصلاة و اما المسمت فغير ظاهر من الخبر كونه في الصلاة. و كيف ما كان

____________

(1) الوسائل الباب 66 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 66 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 66 من أحكام العشرة.

(4) الوسائل الباب 18 من قواطع الصلاة.

(5) تعرض لذلك النووي الشافعي في شرحه على صحيح مسلم عند شرحه حديث معاوية بن الحكم السلمي في باب تحريم الكلام.

101

فبالحمل على أيهما كان لا يمكن القول بالبطلان لما تقدم. و الله العالم.

المسألة الثالثة [حكم قطع الصلاة]

- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختيارا و قيده جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في بعض كتبه بالفريضة.

و احتج عليه بوجهين (الأول) ان الإتمام واجب و هو ينافي القطع فيكون القطع محرما (الثاني) قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (1).

و الأول منهما لا يخلو من مصادرة، و الثاني لا يخلو من الإجمال المانع من الاستناد إليه في الاستدلال، و لهذا صرح جملة من محققي متأخري المتأخرين بأنهم لم يقفوا في المسألة على دليل يعتمد عليه و كان بعض المعاصرين يفتي لذلك بجواز قطع الصلاة اختيارا، و يجوز له في الشكوك المنصوصة قطع الصلاة و الإعادة من رأس للخروج عما في بعض صورها من الخلاف.

أقول: و الحق ان الدليل على ذلك ما تقدم في الأخبار الكثيرة من ان

تحريمها التكبير و تحليلها التسليم (2).

، فإنه لا معنى لكون تحريمها التكبير إلا تحريم ما كان محللا على المصلى قبل التكبير و انه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الأمور من الاستدبار و الكلام عمدا و الحدث عمدا و نحو ذلك و ان هذه الأشياء إنما تحل عليه بالتسليم، و هذا المعنى من هذه العبارة أظهر من ان يخفى و الروايات بهذا المضمون متكاثرة كما تقدمت في فصل التكبير و التسليم فلا مجال للتوقف في ذلك. و بذلك يظهر انه لا يجوز قطع الصلاة و لا الخروج منها الا بالتسليم. نعم يستثني من ذلك ما دلت النصوص على جواز القطع له كما يأتي ان شاء الله تعالى.

و يؤيده

ما رواه الشيخ و الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3)

____________

(1) سورة محمد الآية 35.

(2) الوسائل الباب 1 من تكبيرة الإحرام و 1 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 8 من قواطع الصلاة. و المسؤول كما في الفروع ج 1 ص 101 و التهذيب ج 1 ص 228 و الوافي باب «الحديث و مقدماته و النوم في الصلاة» و الوسائل هو أبو الحسن «ع».

102

قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع ان يصبر عليه أ يصلى على تلك الحال أو لا يصلى؟ فقال ان احتمل الصبر و لم يخف إعجالا عن الصلاة فليصل و ليصبر».

و قد تقدمت هذه الرواية (1) و تقدمت روايات أخر في معناها، و التقريب فيها ان الأمر بالصلاة و الصبر الذي هو حقيقة في الوجوب ظاهر في تحريم القطع في الصورة المذكورة مع ما عرفت (2) من الروايات الدالة على كراهة الصلاة مع المدافعة و انه بمنزله من هو في ثيابه، و إذا ثبت في هذه الصورة ثبت في ما سواها بطريق الاولى، و لو كان القطع جائزا في حد ذاته لما أمر باحتمال الأذى و لربما تضرر به إلا ان يخاف سبق الحدث فإنه يجوز له القطع من حيث خوف خروجه.

ثم انه قد ذكر الأصحاب من غير خلاف يعرف انه يجوز قطع الصلاة لأشياء و عبر عنها بعض بالضرورة كقبض الغريم و حفظ النفس المحرمة من التلف و الضرر و إنقاذ الغريق و قتل الحية التي يخافها على نفسه و إحراز المال- و ربما قيد بما يضر ضياعه- و خوف ضرر الحدث مع إمساكه، الى غير ذلك.

و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة

ما رواه الصدوق في الصحيح عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق أو غريما لك عليه مال أو حية تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة و اتبع غلامك أو غريمك و اقتل الحية».

و رواه في الكافي عن حريز عن من أخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4).

و عن سماعة (5) قال: «سألته عن الرجل يكون قائما في الصلاة الفريضة فينسى كيسه أو متاعا يتخوف ضيعته أو هلاكه؟ قال يقطع صلاته و يحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت فيكون في الصلاة الفريضة فتفلت عليه دابة أو تفلت دابته فيخاف ان تذهب

____________

(1) ص 6 و 63.

(2) ص 61.

(3) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(4) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

(5) الوسائل الباب 21 من قواطع الصلاة.

103

أو يصيب منها عنتا؟ فقال لا بأس بأن يقطع صلاته و يتحرز و يعود الى صلاته».

أقول: و الحديث الأول و ان دل على قطع الصلاة إلا انه غير صريح و لا ظاهر في الإعادة من رأس بعد الإتيان بتلك الأشياء بل من الجائز بناؤه على ما مضى إلا مع وقوع أحد المبطلات في البين من كلام عمدا أو استدبار أو نحو ذلك، و كذا آخر الحديث الثاني و قوله فيه: «و يعود الى صلاته» بل هو ظاهر في البناء على ما مضى كما لا يخفى، و على هذا يجب حمل صدر الخبر الثاني و قوله فيه «ثم يستقبل الصلاة» على ما إذا استلزم أحد المبطلات. و بالجملة فالخبران غير صريحين في ما ادعاه الأصحاب من إبطال الصلاة بهذه الأشياء إلا أن يدعى ان القطع إنما يطلق على الإبطال خاصة و لهذا سموا مبطلات الصلاة قواطع في عباراتهم. و هو غير بعيد إذ هو المتبادر من ظاهر هذا اللفظ.

و قسم الشهيدان القطع ههنا إلى الأقسام الخمسة، فقال في الذكرى بعد حكمه أولا بتحريم القطع إلا في مواضع الضرورة: و قد يجب القطع كما في حفظ الصبي و المال المحترم من التلف و إنقاذ الغريق و المحترق، و حيث يتعين عليه فلو استمر بطلت صلاته للنهى المفسد للعبادة، و قد لا يجب بل يباح كقتل الحية التي لا يغلب على الظن أذاها و إحراز المال الذي لا يضر فوته، و قد يستحب كالقطع لاستدراك الأذان و الإقامة و قراءة الجمعة و المنافقين في الظهر و الجمعة و الائتمام بإمام الأصل و غيره، و قد يكره كإحراز المال اليسير الذي لا يبالي بفوته مع احتمال التحريم. انتهى أقول: ما ذكراه (قدس سرهما) في صورة وجوب القطع من الكم ببطلان الصلاة لو تعين عليه و استمر في صلاته مبنى على استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص و الظاهر منه في غير موضع من كتابه المذكور عدم القول بذلك، و بالجملة فالحكم بالبطلان ضعيف بل غايته حصول الإثم.

و اما ما ذكراه في صورتي الإباحة و الكراهة فمحل إشكال، لأن الدليل قد دل على تحريم القطع كما قدمنا بيانه و لا يجوز الخروج عنه إلا بدليل ظاهر الدلالة

104

على الجواز، و ظهور ما ادعوه من الخبرين المذكورين محل منع. و ما ذكر من التمثيل بالحية التي لا يغلب على الظن أذاها و إحراز المال الذي لا يضر فوته لا دليل عليه، و القطع للحية في الخبر الأول وقع مقيدا بخوفها على نفسه، و اما المال فان المفهوم من الروايتين كونه مما يعتد به و يضر بالحال فوته فيكون القطع في الموضعين داخلا تحت القطع الواجب.

و قد وافقنا في هذا الموضع السيد السند (قدس سره) في المدارك إلا انه يرجع الى موافقة الجماعة لعدم الدليل على تحريم القطع، و نحوه الفاضل الخراساني (قدس سره) في الذخيرة، قال في المدارك بعد نقل التقسيم إلى الأقسام الخمسة عن جده و عدها كما ذكره: و يمكن المناقشة في جواز القطع في بعض هذه الصور لانتفاء الدليل عليه إلا انه يمكن المصير اليه لما أشرنا إليه من انتفاء دليل التحريم. انتهى. و فيه انا قد أوضحنا بحمد الله دليل التحريم في المقام بما لا يتطرق اليه نقض و لا إبرام.

ثم انه قال في الذكرى: و إذا أراد القطع فالأجود التحلل بالتسليم. و الظاهر ضعفه إذ المتبادر من الخبر انما هو بالنسبة إلى الصلاة التامة. و الله العالم.

المطلب الثاني في السهو

و هو عبارة عن زوال الشيء عن القوة الذاكرة مع بقائه في القوة الحافظة و لهذا انه يحصل بالتذكر، و النسيان عبارة عن زواله عن القوتين معا و لهذا يحتاج إلى المراجعة و التعلم و لا يحصل بمجرد التفكر و التذكر. و ربما قيل بالمرادفة بينهما و الظاهر الأول. و الشك هو تساوى الطرفين، و قد يطلق السهو في الأخبار و كلام الأصحاب على الشك ايضا.

و كيف كان فالكلام في هذا المطلب يقع في مسائل

[المسألة] (الأولى) [بطلان الصلاة بالإخلال بركن منها و إن كان سهوا]

لا خلاف بين الأصحاب في بطلان الصلاة بالإخلال بركن منها و إن كان سهوا، و قد تقدم بيان

105

ذلك في المقصد الأول (1) المشتمل على تعداد أفعال الصلاة و تفصيلها في فصول.

نعم وقع الخلاف هنا في موضعين

[الموضع] (الأول) ان من أخل بالركوع ناسيا حتى سجد فهل تبطل صلاته أم لا؟

قولان، المشهور الأول و هو مذهب الشيخ المفيد و المرتضى و سلار و ابن إدريس و ابى الصلاح و ابن البراج و هو المحكي عن ظاهر ابن ابى عقيل و هو مذهب جمهور المتأخرين.

و قال الشيخ في المبسوط في فصل الركوع: و الركوع ركن من أركان الصلاة متى تركه عامدا أو ناسيا بطلت صلاته إذا كان في الركعتين الأولتين من كل صلاة و كذلك إذا كان في الثالثة من المغرب، و ان كان من الركعتين الأخيرتين من الرباعية ان تركه متعمدا بطلت صلاته و ان تركه ناسيا و سجد سجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة و قام فركع و تمم صلاته. انتهى. و نقل عنه ذلك أيضا في كتابي الأخبار و قال في فصل السهو من كتاب المبسوط بعد ان قسم السهو على خمسة أقسام و عد منها ما يوجب الإعادة، فقال في تعداد السهو الذي يوجب الإعادة: و من ترك الركوع حتى سجد، و في أصحابنا من قال يسقط السجود و يعيد الركوع ثم يعيد السجود.

و الأول أحوط لأن هذا الحكم مختص بالركعتين الأخيرتين. انتهى. و نحوه قال في الجمل و الاقتصاد على ما ذكره في المختلف.

و قال في النهاية: فإن تركه ناسيا ثم ذكر في حالة السجود وجب عليه الإعادة فان لم يذكر حتى صلى ركعة أخرى و دخل في الثالثة ثم ذكر أسقط الركعة الاولى و بنى كأنه صلى ركعتين، و كذلك ان كان قد ترك الركوع في الثانية و ذكر في الثانية و ذكر في الثالثة أسقط الثانية و جعل الثالثة ثانية و تمم الصلاة.

و قال ابن الجنيد على ما نقله عنه في المختلف: و لو صحت له الأولى و سها في الثانية سهوا لم يمكنه استدراكه كأن أيقن و هو ساجد انه لم يركع فأراد البناء على الركعة الأولى التي صحت له رجوت أن يجزئه ذلك و لو أعاد إذا كان في الأولتين و كان

____________

(1) ج 8 ص 18 و 57 و 91 و 234 و 273.

106

الوقت متسعا كان أحب الى، و في الثانيتين ذلك يجزئه.

و يقرب منه قول على بن بابويه، فإنه قال: و ان نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى فأعد صلاتك لأنه إذا لم تثبت لك الأولى لم تثبت لك صلاتك و ان كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين و اجعل الثالثة ثانية و الرابعة ثالثة. كذا نقله عنه في المختلف.

أقول: ما ذكره الشيخ في فصل السهو من المبسوط عن بعض الأصحاب- من القول بالتلفيق مطلقا و ان كان في الأوليين- حكاه العلامة في المنتهى عن الشيخ ايضا احتج القائلون بالقول المشهور من الابطال مطلقا بأن الناسي للركوع حتى يسجد لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى تحت عهدة التكليف الى ان يتحقق الامتثال

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد و يقوم؟ قال يستقبل».

و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أيقن الرجل انه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة».

و عن إسحاق بن عمار في الموثق (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل ينسى ان يركع؟ قال يستقبل حتى يضع كل شيء من ذلك موضعه».

و خبر ابى بصير (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي أن يركع؟ قال عليه الإعادة».

و اعترض في المدارك على الدليل الأول فقال: و يتوجه على الأول ان الامتثال يتحقق بالإتيان بالركوع ثم السجود فلا يتعين الاستئناف، نعم لو لم يذكر إلا بعد السجدتين اتجه البطلان لزيادة الركن كما هو مدلول الروايتين الأوليين. و الرواية الثالثة ضعيفة السند فلا تنهض حجة في إثبات حكم مخالف للأصل. انتهى.

أقول: ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة من غير

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 10 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 10 من الركوع.

107

خلاف يعرف انه متى سها عن الركوع حتى دخل في السجود فإنه تبطل صلاته و ظاهر السيد (قدس سره) هنا المناقشة في هذا الحكم على عمومه و منع البطلان في صورة ما لو ذكر ترك الركوع في السجدة الأولى أو بعدها قبل الدخول في الثانية و انه يعمل بالتلفيق بغير استئناف، إذ غاية ما يلزم منه زيادة الواجب و هو غير موجب للبطلان، و كأنه يجعله في حكم ما لو وقع سهوا. إلا ان ظاهر إطلاق الأصحاب- كما أشرنا إليه أولا- إنما يتم بناء على الإبطال بزيادة الواجب هنا، و يعضده موثقة إسحاق بن عمار و رواية أبي بصير الثانية.

و مما يؤيد كلام السيد السند (قدس سره) ان المفهوم من كلامهم من غير خلاف يعرف انه لو سها عن واجب يمكن تداركه ثم تداركه فإنه يرتب عليه ما بعده ان كان ثمة واجب ايضا كمن سها عن الحمد حتى قرأ السورة فإنه يجب عليه اعادة الحمد ثم السورة بعدها، و هكذا ما كان نحو ذلك.

و يدل عليه

ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1):

«و ان نسيت الحمد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل ان تركع فاقرأ الحمد و أعد السورة».

و قال في موضع آخر (2) «و ان نسيت السجدة من الركعة الأولى ثم ذكرت في الثانية من قبل ان تركع فأرسل نفسك و اسجدها ثم قم إلى الثانية و أعد القراءة».

و هو صريح في ما دل عليه كلام السيد السند (قدس سره).

إلا انه يمكن خروج هذه المسألة التي نحن فيها عن القاعدة المذكورة بما ذكرنا من خبري إسحاق بن عمار و ابى بصير إذ لا معارض لهما في البين، و يمكن تقييدهما بصحيحة رفاعة و رواية أبي بصير الأولى، و لعله أقرب لما عرفت من ظاهر اتفاقهم على اغتفار زيادة الواجب في مثل ذلك. و كيف كان فالعمل بظاهر روايتي إسحاق ابن عمار و ابى بصير الثانية طريق الاحتياط.

احتج الشيخ (قدس سره) على ما تقدم نقله عنه، اما على البطلان في الركعتين

____________

(1) ص 9.

(2) ص 10.

108

الأوليين و ثالثة المغرب فبما ذكرناه من الأخبار، و على إسقاط الزائد و الإتيان بالفائت في الركعتين الأخيرتين من الرباعية

بما رواه في التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) «في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع؟ قال فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما فيبني على صلاته على التمام، و ان كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ و انصرف فليقم فليصل ركعة و سجدتين و لا شيء عليه».

و في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر انه لم يركع؟ قال يقوم فيركع و يسجد سجدتي السهو».

أقول: قد روى في الفقيه رواية محمد بن مسلم بطريق صحيح و متن أوضح مما نقله الشيخ،

روى عن العلاء عن محمد بن مسلم- و طريقه في المشيخة الى العلاء صحيح- عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع؟ فقال يمضي في صلاته حتى يستيقن انه لم يركع فان استيقن انه لم يركع فليلق السجدتين اللتين لا ركوع لهما و يبنى على صلاته على التمام، فان كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ و انصرف فليقم و ليصل ركعة و سجدتين و لا شيء عليه».

و الظاهر ان هذه الزيادة التي في هذه الرواية قد سقطت من قلم الشيخ كما لا يخفى على من له انس بطريقته في التهذيب و قد نبهنا على ذلك في غير مقام مما تقدم.

و روى هذه الرواية أيضا ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب الحسن بن محبوب عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) «في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع؟ قال يمضى على شكه حتى يستيقن و لا شيء عليه و ان استيقن لم يعتد بالسجدتين اللتين لا ركعة معهما و يتم ما بقي عليه من صلاته و لا سهو عليه».

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 11 من الركوع.

(3) الفقيه ج 1 ص 228 و في الوسائل الباب 12 و 11 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 13 و 11 من الركوع.

109

و أجاب المحقق في المعتبر عن رواية الشيخ بان ظاهرها الإطلاق و هو متروك و تخصيصها بالأخيرتين تحكم. و زاد في المدارك الطعن بضعف السند باشتماله على الحكم بن مسكين و هو مجهول، و أورد على الرواية الثانية بأنها غير دالة على مطلوبه و إنما تدل على وجوب الإتيان بالمنسي خاصة و هو لا يذهب اليه بل يوجب الإتيان بما بعده. انتهى.

أقول: اما ما ذكره في المعتبر- من ان الرواية ظاهرها الإطلاق و هو متروك- ففيه ان من جملة الأقوال في المسألة كما عرفت القول بالتلفيق مطلقا كما نقله في المبسوط عن بعض الأصحاب و نقله العلامة في المنتهى عن الشيخ، و حينئذ فكيف يدعى انه متروك لا قائل به؟ و اما ما ذكره- من ان تخصيصها بالأخيرتين تحكم، ففيه انه لا يخفى ان الظاهر ان ما ذهب اليه الشيخ هنا إنما هو وجه جمع بين أخبار المسألة، و ذلك لما اشتهر عنه و عن شيخه المفيد كما سيأتي ان شاء الله تعالى من ان كل سهو يلحق الأوليين في الاعداد و الأفعال فهو موجب للإعادة، فجمع بين هذه الأخبار بحمل إطلاقات الإبطال على السهو في الأوليين و ثالثة المغرب و ما دل على التلفيق و صحة الصلاة على الأخيرتين. و هو وجه وجيه في الجمع بين الأخبار بناء على صحة ما ادعاه في تلك المسألة. نعم يبقى الكلام معه في ثبوت تلك المسألة و هو أمر خارج عن ما نحن فيه. و بذلك يظهر أن طعنه على الشيخ في ما ذكره بأنه تحكم غير جيد.

و اما ما ذكره في المدارك من الطعن في السند فقد عرفت ما فيه في غير موضع و انه على مذهب الشيخ و جملة المتقدمين غير متجه و لا معتمد.

بقي الكلام في الجمع بين روايات المسألة، و الشيخ قد جمع بينها بما عرفت و قد أوضحنا ان جمعه جيد بناء على ثبوت ما ادعاه في تلك المسألة، و به يندفع اعتراض المتأخرين عليه كما سمعت من كلام صاحب المعتبر.

و قال في المدارك بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم برواية الصدوق: و مقتضى الرواية وجوب الإتيان بالركوع و إسقاط السجدتين مطلقا كما هو أحد الأقوال في

110

المسألة، و يمكن الجمع بينها و بين ما تضمن الاستئناف بذلك بالتخيير بين الأمرين و أفضلية الاستئناف.

و قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار: و اما الصحيحة الاولى- و أشار بها الى صحيحة محمد بن مسلم برواية الفقيه- فلا يمكن العمل بها و ترك سائر الأخبار الكثيرة الدالة على بطلان الصلاة بترك الركوع، إذ لا يتصور له حينئذ فرد يوجب البطلان لأنها تتضمن انه لو لم يذكر و لم يأت به الى آخر الصلاة أيضا لا يوجب البطلان فلا بد اما من طرحها أو حملها على الجواز و غيرها على الاستحباب، فالعمل بالمشهور اولى على كل حال. و يمكن حمله على النافلة لورود مثله فيها أو على التقية (1) و الشيخ حمله على الأخيرتين، و كذا قال بالتفصيل مع عدم إشعار في الخبر به. انتهى. و هو جيد إلا ان ما اعترض به على الشيخ قد عرفت جوابه و ان جمع الشيخ جيد ان ثبت ما ذكره في تلك المسألة.

و اما استدلال الشيخ بصحيحة العيص المتقدمة فقد أورد عليه بأنها غير دالة على مطلوبه و إنما تدل على وجوب الإتيان بالمنسي خاصة و هو لا يذهب اليه بل يوجب الإتيان بما بعده. و هو جيد.

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.

و اما ما ذكره الشيخ عن ابن بابويه مما قدمنا نقله عنه فقد اعترضه من تأخر عنه بعدم وجود المستند في ذلك.

أقول: لا يخفى ان عبارته المتقدمة مأخوذة من عبارة كتاب الفقه الرضوي على النهج الذي قدمنا ذكره في غير مقام و منه يعلم ان مستنده إنما هو الكتاب المذكور و كلامه (عليه السلام).

قال في الكتاب المشار اليه (2): و ان نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة

____________

(1) البحر الرائق ج 2 ص 98 و المغني ج 2 ص 27.

(2) ص 9.

111

الأولى فأعد صلاتك لأنه إذا لم تصح لك الركعة الأولى لم تصح صلاتك، و ان كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين و اجعلها أعني الثانية الأولى و الثالثة ثانية و الرابعة ثالثة. انتهى.

و لا يخفى ما فيه من الغرابة، فإن المستفاد من النصوص و الفتاوى ان ما ذكره من وجوب المحافظة على الاولى لتصح صلاته ثابت للركعتين الأوليين لا لخصوص الاولى و ان الثانية كالثالثة و الرابعة، و قد صرحت النصوص بأن العلة في كون السهو في الأخيرتين دون الأوليين للفرق بين ما فرضه الله و بين ما فرضه رسوله (صلى الله عليه و آله) و لعل تخصيصه (عليه السلام) هذا الحكم بالأولى بناء على مزيد التأكيد في المحافظة عليها لما يظهر من بعض الأخبار و قد تقدم في صدر هذا الكتاب (1) و هو ان الله عز و جل انما فرض الصلاة ركعتين لعلمه بعدم المحافظة على الركعة الاولى و الإقبال عليها فوسع لهم بزيادة الثانية. و صورته

ما رواه الصدوق في العيون و العلل في علل الفضل بن شاذان المروية عن الرضا (عليه السلام) قال:

«انما جعل أصل الصلاة ركعتين و زيد على بعضها ركعة و على بعضها ركعتان و لم يزد على بعضها شيء لأن أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة لأن أصل العدد واحد فإذا نقصت عن واحدة فليست هي صلاة، فعلم الله تعالى ان العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها و تمامها و الإقبال عليها فقرن إليها ركعة أخرى ليتم بالثانية ما نقص من الأولى ففرض الله أصل الصلاة ركعتين، فعلم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به و كماله فضم الى الظهر و العصر و العشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون بهما تمام الركعتين الأوليين. الحديث».

الموضع الثاني [من نسي سجدتين إلى أن ركع بعدهما]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من نسي سجدتين الى ان ركع بعدهما بطلت صلاته و انه لا فرق في ذلك بين الركعتين الأوليين و الأخيرتين، و هو قول الشيخ المفيد و الشيخ في النهاية و ابى الصلاح و ابن إدريس

____________

(1) ج 6 ص 11 و في الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.

112

و اليه ذهب جمهور المتأخرين و هو المختار. و قال الشيخ في الجمل و الاقتصاد ان السجدتين إذا كانتا من الأخيرتين بنى على الركوع الأول و أعاد السجدتين. و وافق المشهور في موضع من المبسوط، و قال في موضع آخر منه: من ترك سجدتين من ركعة من الركعتين الأوليين حتى يركع في ما بعدهما أعاد على المذهب الأول و على الثاني يجعل السجدتين في الثانية للأولة و بنى على صلاته. و أشار بالمذهب الأول الى ما ذكره في الركوع من انه إذا ترك الركوع حتى سجد أعاد.

حجة القول المشهور انه قد أخل بالركن حتى دخل في ركن آخر فإن أوجبنا عليه الإتيان بالأول ثم الركوع بعده و إتمام الصلاة لزم زيادة ركن و ان أوجبنا عليه المضي في صلاته و الحال هذه لزم نقصان ركن، و كلاهما مبطل.

و يؤيده

قوله (عليه السلام) (1): «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».

و قوله في رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «ان الله عز و جل فرض الركوع و السجود، و القراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة و من نسي القراءة فقد تمت صلاته و لا شيء عليه».

و موثقة منصور بن حازم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى صليت المكتوبة فنسيت ان اقرأ في صلاتي كلها؟ فقال أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت بلى. قال فقد تمت صلاتك إذا كان نسيانا».

و مفهوم الأول ان نسيان الركوع و السجود يوجب الإعادة بقرينة المقابلة و مفهوم الثاني انه بعدم إتمام السجود لا تتم الصلاة.

هذا. و اما القول الآخر فلم نقف له على دليل و بذلك اعترف جملة من المتأخرين و متأخريهم، و غاية ما تكلفه في المختلف للاستدلال على ذلك هو ان السجدتين

____________

(1) الوسائل الباب 29 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 27 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 29 من القراءة.

113

مساويتان للركوع في جميع الأحكام و قد ثبت جواز التلفيق فيه. و ضعفه أظهر من ان يحتاج الى بيان و هل هو إلا قياس محض؟ و الله العالم.

المسألة الثانية [من زاد في صلاته ركعة سهوا]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بتعمد زيادة ركعة فيها انما الخلاف في صورة السهو، فالمشهور انه كذلك من غير فرق بين الرباعية و غيرها و لا بين ان يجلس عقيب الرابعة بقدر التشهد أم لا، أما إذا لم يجلس دبر الرابعة بقدر التشهد فالقول بالبطلان ايضا موضع اتفاق على ما حكاه جمع: منهم- الفاضلان و الشهيد و غيرهم، اما لو جلس القدر المذكور فقد أطلق الأكثر- و منهم الشيخ في جملة من كتبه و السيد المرتضى و ابن بابويه و غيرهم- البطلان ايضا.

و قال في المبسوط: من زاد ركعة في صلاته أعاد و في أصحابنا من قال ان كانت الصلاة رباعية و جلس في الرابعة مقدار التشهد فلا اعادة عليه. و الأول هو الصحيح لأن هذا قول من يقول ان الذكر في التشهد ليس بواجب. انتهى. و نحوه كلامه في الخلاف ايضا. و هذا القول الذي نقله الشيخ عن بعض أصحابنا أسنده في المختلف الى ابن الجنيد و اليه ذهب المحقق في المعتبر و العلامة في التحرير و المختلف و جعله المحقق أحد قولي الشيخ و نسبه في المنتهى الى الشيخ في التهذيب، و فيه تأمل كما سيأتي و قال ابن إدريس في السرائر: من صلى الظهر اربع ركعات و جلس في دبر الرابعة فتشهد الشهادتين و صلى على النبي و آله (صلى الله عليه و آله) ثم قام ساهيا عن التسليم و صلى ركعة خامسة، فعلى مذهب من أوجب التسليم فالصلاة باطلة، و على مذهب من لم يوجبه فالأولى ان يقال ان الصلاة صحيحة لأنه ما زاد في صلاته ركعة لأنه بقيامه خرج من صلاته. و الى هذا القول ذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره و نعم ما قال. انتهى كلامه.

و استدل على القول المشهور

بما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة و بكير ابني أعين عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا استيقن انه زاد في صلاته

____________

(1) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة. و الشيخ يرويها عن الكليني.

114

المكتوبة لم يعتد بها و استقبل صلاته استقبالا.».

و عن ابى بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من زاد في صلاته فعليه الإعادة».

أقول: و نحوهما

ما رواه الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام (2) قال: «سألته عن الرجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد. الحديث».

احتج المحقق في المعتبر على ما ذهب إليه بأن نسيان التشهد غير مبطل فإذا جلس قدر التشهد فقد فصل بين الفرض و الزيادة.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل صلى خمسا؟ فقال ان كان جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته».

و عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل استيقن بعد ما صلى الظهر انه صلى خمسا؟ قال و كيف استيقن؟ قلت علم. قال ان كان علم انه جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامة و ليقم فليضف إلى الركعة الخامسة ركعة و سجدتين فتكونان ركعتين نافلة و لا شيء عليه».

أقول: و يدل عليه ايضا

ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج عن الصادق (عليه السلام) (5) «انه قال في رجل صلى خمسا انه ان كان جلس في الرابعة مقدار التشهد فعبادته جائزة».

و عن العلاء عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن رجل صلى الظهر خمسا؟ فقال ان كان لا يدرى جلس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل اربع ركعات منها الظهر و يجلس و يتشهد ثم يصلى و هو جالس ركعتين و اربع سجدات فيضيفهما إلى الخامسة فتكون نافلة».

____________

(1) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(6) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

115

و لا يخفى ما في مضمون هذا الخبر من المخالفة لما عليه الأصحاب (أما أولا) فإن ظاهر الرواية ان الشك في الجلوس و عدمه حكمه حكم الجلوس المحقق في صحة الصلاة على القول به، و لا قائل به في ما أعلم إلا انه ربما كان في إيراد الصدوق هذه الرواية إشعار بالقول بذلك بناء على قاعدته التي مهدها في صدر كتابه، و فيه تأمل كما لا يخفى على من راجع كتابه و علم خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة.

و (اما ثانيا)- فإنه إذا جعل اربع ركعات من هذه الخمس للظهر فهذا التشهد المذكور في الخبر اما ان يكون للفريضة أو النافلة، فإن كان للفريضة فهو لا يكون إلا على جهة القضاء لوقوعه بعد الركعة الزائدة، مع ان التشهد الأول مشكوك فيه و التشهد المشكوك فيه لا يقضى بعد تجاوز محله لأنه في الخبر انه لا يدرى جلس بعد الرابعة أم لا فهو اما شك في التشهد أو في ما قام مقامه و هو الجلوس قدر التشهد، و ان كان للنافلة فالأنسب ذكره بعد الركعتين من جلوس، و احتمال كونه تشهدا لهذه الركعة الزائدة التي جعلها نفلا على قياس صلاة الاحتياط إذا كانت ركعة من قيام لا يخلو من الإشكال.

ثم انه قد أورد على الحجة الأولى بأن تحقق الفصل بالجلوس لا يقتضي عدم وقوع الزيادة في أثناء الصلاة. و على الروايات بان الظاهر ان المراد فيها من الجلوس بقدر التشهد التشهد بالفعل لشيوع هذا الإطلاق و ندور تحقق جلوس بقدر التشهد من دون الإتيان به. كذا ذكره في المدارك قال: و بذلك صرح الشيخ في الاستبصار فقال- بعد ذكر خبري زرارة و محمد بن مسلم الأول- ان هذين الخبرين لا ينافيان الخبرين الأولين يعني روايتي أبي بصير و ابني أعين، لأن من جلس في الرابعة و تشهد ثم قام و صلى ركعة لم يخل بركن من أركان الصلاة و إنما أخل بالتسليم و الإخلال بالتسليم لا يوجب إعادة الصلاة حسبما قدمناه. و قريب منه في التهذيب ايضا. و استحسن هذا الحمل في الذكرى، قال: و يكون في هذه الأخبار دلالة على ندب التسليم.

أقول: و مما يدل على ما ذكروه من ارادة التجوز في الأخبار المذكورة بحمل

116

الجلوس بقدر التشهد على وقوع التشهد بالفعل

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج البجليّ (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام و هي له الأولى كيف يصنع إذا جلس الامام؟ قال يتجافى و لا يتمكن من القعود فإذا كانت الثالثة للإمام و هي له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد ثم يلحق بالإمام. الحديث».

فإنه لا إشكال في ان المراد من هذه العبارة ان اللبث وقع للتشهد بالفعل لا بقدره. و هذه الرواية هي مستند الأصحاب في إيجاب التشهد على المسبوق. و نحو ذلك ايضا

ما في موثقة سماعة الواردة في من كان في الصلاة منفردا ثم دخل الامام المسجد (2) حيث قال (عليه السلام) فيها:

«و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلى ركعة أخرى معه و يجلس قدر ما يقول «اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله (صلى الله عليه و آله)» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع. الحديث».

و أجاب جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ في الخلاف عن الأخبار المذكورة بحملها على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة مثل أبي حنيفة و غيره (3) قال الشيخ في الخلاف في المقام: و إنما يعتبر الجلوس بمقدار التشهد أبو حنيفة بناء على ان الذكر في التشهد ليس بواجب عنده.

أقول: و من رواياتهم في المسألة

ما رواه مسلم في صحيحة (4) عن عبد الله ابن مسعود «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الظهر خمسا فلما سلم قيل له أزيد في الصلاة؟ فقال و ما ذاك؟ قالوا صليت خمسا. فسجد سجدتين».

و قال في شرح السنة على ما نقله في البحار: أكثر أهل العلم على انه إذا صلى خمسا ساهيا فصلاته صحيحة يسجد للسهو و هو قول علقمة و الحسن البصري و عطاء

____________

(1) الوسائل الباب 47 من الجماعة.

(2) الوسائل الباب 56 من الجماعة. ارجع الى استدراكات ج 8 (33).

(3) بدائع الصنائع ج 1 ص 178.

(4) ج 2 باب السهو في الصلاة.

117

و النخعي و به قال الزهري و مالك و الأوزاعي و الشافعي و احمد و إسحاق، و قال سفيان الثوري ان لم يكن قعد في الرابعة يعيد الصلاة. و قال أبو حنيفة ان لم يكن قعد في الرابعة فصلاته فاسدة يجب إعادتها و ان قعد في الرابعة تم ظهره و الخامسة تطوع يضيف إليها ركعة أخرى ثم يتشهد و يسلم و يسجد للسهو (1) انتهى.

و لا ريب أن الأخبار الدالة على البطلان أبعد من مذاهب العامة في هذه المسألة و الأخبار الأخيرة موافقة لقول أبي حنيفة.

و بالجملة فإنه لا مناص من أحد الحملين المذكورين و ظني ان الأول أقرب لما عرفت من شيوع هذا المجاز في الأخبار، و بذلك يظهر لك اجتماع الأخبار على وجه لا يعتريه الإنكار، و بذلك يظهر صحة القول المشهور و انه المؤيد المنصور سيما مع أوفقيته بالاحتياط.

نعم يبقى الكلام هنا في مواضع

(الأول) [الخبر المتضمن لزيادة النبي (ص) في صلاته]

-

قد روى الشيخ في الضعيف عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) قال: «صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) هل زيد في الصلاة شيء؟ قال و ما ذاك؟ قال صليت بنا خمس ركعات. قال فاستقبل القبلة و كبر و هو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة و لا ركوع ثم سلم و كان يقول هما المرغمتان».

و هو ضعيف لا يعول عليه و شاذ نادر من جهات عديدة فلا يلتفت اليه، و حمل على انه (صلى الله عليه و آله) تشهد ثم قام إلى الخامسة. و الأظهر عندي حمله على التقية فإن مذهب العامة صحة الصلاة مع زيادة الخامسة سهوا جلس بعد الرابعة أو لم يجلس (3) و قد تقدمت روايتهم ذلك عنه (صلى الله عليه و آله) و من رواياتهم في ذلك ايضا

ما رووه عن ابن مسعود (4)

____________

(1) شرح صحيح مسلم للنووي على هامش إرشاد الساري ج 3 ص 235.

(2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي على هامش إرشاد الساري ج 3 ص 235.

(4) صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة.

118

«ان النبي (صلى الله عليه و آله) صلى بنا خمسا فلما أخبرناه انفتل فسجد سجدتين ثم سلم و قال إنما أنا بشر مثلكم انسى كما تنسون».

نقله شيخنا الشهيد في الذكرى ثم قال بعده: و هذا الحديث لم يثبت عندنا مع منافاته للقواعد العقلية. انتهى.

(الثاني)- لو ذكر الزيادة بعد السجود

و الحال انه قد جلس بعد الرابعة قدر التشهد أو تشهد بالفعل على القولين المتقدمين فالأولى ان يضيف إلى الخامسة ركعة لتكون معها نافلة كما تضمنه خبر محمد بن مسلم المتقدم، و نحوه صحيحته المتقدمة أيضا و ان كان متنها لا يخلو من قصور كما عرفت. و نقل عن العلامة انه احتمل التسليم و سجود السهو. و صرح في الروض بأنه يتشهد و يسجد للسهو، و هو راجع الى كلام العلامة أيضا، و النصوص كما ترى خالية من ذلك.

(الثالث)- لو ذكر الزيادة قبل الركوع

فلا إشكال في الصحة لأنه لم يزد إلا القيام و غاية ما يوجبه سجود السهو، و لو ذكر بعد الركوع و قبل السجود فنقل عن العلامة القول بالإبطال، قال: لأنا ان أمرناه بالسجود زاد ركنا آخر في الصلاة و ان لم نأمره زاد ركنا غير متعبد به بخلاف الركعة الواحدة لإمكان البناء عليها نفلا. و قيل بأن حكمه حكم ما لو ذكر بعد السجود فيبني صحة الصلاة على الجلوس بعد الرابعة بقدر التشهد أو التشهد بالفعل على القولين المتقدمين و البطلان مع عدم ذلك و هو اختيار الشهيد في الذكرى.

(الرابع)- هل ينسحب الحكم إلى زيادة أكثر من ركعة و الى غير الرباعية من الثلاثية و الثنائية

إذا جلس آخرها بقدر التشهد على أحد القولين؟ قال في الروض: وجهان من المساواة في العلة و مخالفة المنصوص الثابت على خلاف الأصل.

و اختار في الذكرى التعدية فيهما. و أطلق جماعة من الأصحاب البطلان بالزيادة مطلقا لعموم

قول الباقر (عليه السلام) (1) «إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها و استقبل صلاته».

____________

(1) في حسنة زرارة و بكير الواردة ص 113 و في الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.

119

أقول: الظاهر انه لا إشكال على ما اخترناه من وقوع التشهد بالفعل في آخر الفريضة بناء على القول باستحباب التسليم أو كونه واجبا خارجا، فان هذه الزيادة بناء على القولين المذكورين قد وقعت خارجة من الصلاة، و اما على القول بوجوب التسليم و دخوله فإنه لا إشكال في بطلان الصلاة لكن هذه الأخبار باعتبار حملها على وقوع التشهد بالفعل كما كشفنا عنه نقاب الإجمال تدفع هذا القول و ترده، و إنما الإشكال في ما لو قلنا بالاكتفاء بمجرد الجلوس قدر التشهد بناء على الأخذ بظاهر الأخبار المتقدمة، فإنها حيث كانت واردة على خلاف القواعد الشرعية و الضوابط المرعية فالواجب قصرها على مورد المخالفة و هو الركعة الواحدة في الصلاة الرباعية و العمل بالقواعد المذكورة في ما عدا ذلك. و الله العالم.

المسألة الثالثة [بطلان الصلاة بزيادة ركن عمدا كان أو سهوا]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بطلان الصلاة بزيادة ركن عمدا أو سهوا إلا ما استثنى مما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

و احتجوا على ذلك (أولا)- باشتراك الزيادة و النقيصة في تغيير هيئة الصلاة. و (ثانيا)- بما قدمناه (1) في سابق هذه المسألة من حسنة زرارة و بكير المشتملة على ان من استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها و استقبل الصلاة، و رواية أبي بصير الدالة على ان من زاد في صلاته فعليه الإعادة.

و أنت خبير بان التعليل الأول عليل لا يبرد الغليل، و اما الخبران المذكوران فظاهرهما حصول البطلان بكل زيادة ركنا كان أو غيره عمدا أو سهوا، و لا قائل به مع دلالة الأخبار على خلافه. و حملهما على الركن بخصوصه- مع خروج جملة من الافراد و مشاركة جملة من الواجبات المزادة عمدا- تخصيص بغير مخصص، على ان ما ذكروه من التسمية لهذه الواجبات المخصوصة بكونها أركانا ثم تفريع ما ذكروه من الأحكام على هذه التسمية يخدشه ان هذا الاسم لا وجود له في الأخبار و إنما ذلك اصطلاح منهم (رضوان الله عليهم) و إلا فبالنظر الى الأخبار بعين

____________

(1) ص 113 و 118.

120

التحقيق و التأمل بالفهم الصائب الدقيق لا تجد فرقا بين سائر الواجبات و بين هذه الواجبات التي سموها أركانا في أن زيادتها أو نقصانها في بعض المواضع قد يكون موجبا لبطلان الصلاة و قد لا يكون، و حينئذ فالواجب الرجوع في كل جزئي جزئي و فرد فرد من الأحكام الى النصوص و ما دلت عليه من صحة أو إبطال في ركن كان أو واجب، و لا وجه لهذه الكلية التي زعموها قاعدة ثم استثنوا منها ما ستعرفه و لقائل ان يجرى مثل ذلك في مطلق الواجب ايضا و يجعل ما دلت النصوص على صحة الصلاة مع زيادته أو نقصانه عمدا أو سهوا مستثنى.

و بالجملة ما ذكروه من هذه القاعدة فإني لا اعرف له وجها وجيها لما عرفت مضافا الى اختلافهم في بعض تلك الأركان كما سلف في الفصول المتقدمة كاختلافهم في الركن القيامي و الركن السجودى.

ثم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) بناء على ما ذكروه من هذه القاعدة استثنوا من ذلك مواضع أشار إليها شيخنا الشهيد الثاني في الروض:

فمن المستثنى من قاعدة البطلان بزيادة الركن عمدا النية فإن زيادتها غير مبطلة مع عدم التلفظ بها لأن الاستدامة الفعلية أقوى من الحكمية.

[الموارد المستثناة من البطلان بالسهو عن الركن]

و مما يستثني أيضا من بطلان الصلاة بالسهو عن الركن مواضع

(الأول) النية

أيضا فإن زيادتها سهوا غير مبطلة بطريق أولى.

أقول: و عد النية في هذين الموضعين بناء على النية المتعارفة في كلامهم التي هي عبارة عن التصوير الفكري و الكلام النفسي، و اما على ما قدمنا تحقيقه فلا معنى لهذا الكلام.

(الثاني)- القيام

ان قلنا انه ركن كيف اتفق كما هو أحد الأقوال في المسألة و هو اختيار العلامة و لذا صرح بالاستثناء كما تقدم ذلك في فصل القيام، و اما على مذهب من يجعله قياما خاصا كالقيام المقارن للركوع مثلا فلا استثناء.

(الثالث)- الركوع

كما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب صلاة الجماعة الحكم

121

بوجوب إعادة المأموم له لو سبق به الامام ساهيا فإنه يعيده مع الامام، و نحوه ما تقدم في ما لو استدركه الشاك فيه ثم تبين له حال ركوعه انه قد اتى به فإنه يرسل نفسه الى السجود على أحد القولين و لا يضره ما اتى به.

(الرابع)- السجود إذا زاد سجدة

و جعلنا الركن عبارة عن ماهية السجود كما هو اختياره في الذكرى، و ان جعلنا الركن مجموع السجدتين كان عدم البطلان بنسيان الواحدة موجبا للاستثناء من قاعدة البطلان بنقصان الركن بناء على ان المجموع يفوت بفوات بعض اجزائه.

(الخامس)- لو تبين للمحتاط ان صلاته كانت ناقصة و ان الاحتياط متمم لها

فإنه يجزئه و ان كان الذكر بعد الفراغ أو قبله على قول كما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضع تحقيق المسألة، و يكون ما اتى به من الأركان من النية و تكبيرة الإحرام مغتفرا. و ربما نوقش في ذلك بان جعله من هذا الباب انما يستقيم إذا لم يجعل الاحتياط صلاة برأسها و هو موضع تأمل، و سيأتي تحقيق الحال في ذلك ان شاء الله تعالى.

(السادس)- لو زاد ركعة سهوا آخر الفريضة و قد جلس آخرها بقدر التشهد

فان صلاته صحيحة على أحد القولين و ان اشتملت على الأركان، و قد مضى تحقيق المسألة.

(السابع)- لو أتم المسافر جاهلا بوجوب القصر

اتفاقا أو ناسيا و لم يذكر حتى خرج الوقت على أصح القولين فان صلاته صحيحة و الزيادة مغتفرة بالنصوص.

(الثامن)- لو كان في الكسوف و تضيق وقت الحاضرة

قطعها و اتى بالحاضرة ثم بنى في صلاة الكسوف على موضع القطع على أصح القولين في المسألة.

و في جعل هذه الصورة من قبيل محل البحث تأمل و ان كان قد عدها في الروض في هذا المقام، فان محل البحث هو زيادة ركن أو نقصانه من الصلاة و هنا ليس كذلك فإن صلاة الكسوف المقطوعة أجنبية عن الصلاة اليومية و الإتيان بالصلاة اليومية

122

في أثنائها لا يعد من قبيل زيادة الركن في صلاة الخسوف و لا مناسبة له بذلك كما لا يخفى

(التاسع)- لو سلم على نقص من صلاته

ساهيا أو ظن انه سلم ثم شرع في فريضة أخرى و لما يأت بينهما بالمنافي، فإن المروي عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) إتمام الصلاة الأولى بما شرع فيه من الصلاة الثانية و اغتفار ما زيد من تكبيرة الإحرام:

روى الطبرسي في الاحتجاج (1) في ما كتبه عبد الله بن جعفر الحميري إليه (عليه السلام) «يسأله عن رجل صلى الظهر و دخل في صلاة العصر فلما ان صلى من صلاته العصر ركعتين استيقن انه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب (عليه السلام) ان كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، و ان لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر و صلى العصر بعد ذلك».

و الظاهر ان المراد بالحادثة ما يقطع الصلاة عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار لا ما يقطعها عمدا كالكلام فإنه في حكم الناسي.

و ظاهر الأخبار و فتاوى الأصحاب في هذه الصورة هو العدول عن العصر الى صلاة الظهر و انه ينوي بما مضى من الصلاة الظهر و يتم الصلاة ظهرا فلا زيادة على هذا التقدير، و اما على تقدير ظاهر الخبر فإنه يلزم زيادة الركعتين الأوليين بجميع ما اشتملتا عليه من الأركان. و الى العمل بمضمون الرواية مال جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم). و قيل انه تبطل الثانية و يعود إلى الأولى فيتمها. و قيل تبطل الاولى و تصح الثانية.

قال العلامة في النهاية و لو نقص من عدد صلاته ناسيا و سلم ثم ذكر تدارك إكمال صلاته و سجد للسهو سواء فعل ما يبطلها عمدا كالكلام أو لا، اما لو فعل المبطل عمدا و سهوا كالحدث و الاستدبار إن ألحقناه به فإنها تبطل، لعدم إمكان الإتيان بالفائت

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الخلل في الصلاة.

123

من غير خلل في هيئة الصلاة،

و لقول أحدهما (عليهما السلام) (1) «إذا حول وجهه عن القبلة استقبل الصلاة استقبالا».

و لو فعل المبطل عمدا ساهيا و تطاول الفصل فالأقرب عدم البطلان، و يحتمل لخروجه عن كونه مصليا فحينئذ يرجع في حد التطاول الى العرف. و لو ذكر بعد ان شرع في أخرى و تطاول الفصل صحت صلاته الثانية و بطلت الأولى و ان لم يطل عاد إلى الأولى و أتمها، و هل يبني الثانية على الاولى؟

فيه احتمال فيجعل ما فعله من الثانية تمام الاولى و يكون وجود التسليم كعدمه لانه سهو معذور فيه و النية و التكبيرة ليستا ركنا في تلك الصلاة فلا تبطلها، و يحتمل بطلان الثانية لأنها لم تقع بنية الاولى فلا تصير بعد عدمه منها. و لو كان ما شرع فيه ثانيا نفلا فالأقرب عدم البناء لانه لا يتأدى الفرض بنية النفل. انتهى.

و قال شيخنا الشهيد في قواعده: لو ظن انه سلم فنوى فريضة أخرى ثم ذكر نقص الأولى فالمروي عن صاحب الأمر (عجل الله فرجه) الاجزاء عن الفريضة الاولى، و السر فيه ان صحة التحريم بالثانية موقوف على التسليم من الاولى في موضعه أو الخروج منها و لم يحصلا فجرت التحريمة مجرى الأذكار المطلقة التي لا تخل بصحة الصلاة، و نية الوجوب في الثانية لغو لعدم مصادفته محلا. و حينئذ هل تجب نية العدول إلى الأولى، الأقرب عدمه لعدم انعقاد الثانية فهو بعد في الأولى، نعم يجب القصد إلى انه في الأولى من حين الذكر. انتهى.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض في عداد ما يستثني من القاعدة المتقدمة:

السادس- لو سلم على بعض من صلاته ثم شرع في فريضة أو ظن انه سلم فشرع في فريضة أخرى و لما يأت بينهما بالمنافي فإن المروي عن صاحب الأمر (عليه السلام) الاجزاء عن الفريضة الأولى و اغتفار ما زيد من تكبيرة الإحرام، و هل

____________

(1) في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في الوسائل في الباب 6 من الخلل في الصلاة، و قد تقدمت ص 29 رقم (9) و خرجناها من الوافي و التهذيب و لم نخرجها من الوسائل حيث لم نعثر عليها في الأبواب المناسبة لها بالعنوان العام.

124

يفتقر الى العدول إلى الأولى؟ يحتمله لأنه في غيرها و ان كان سهوا كما لو صلى العصر ظانا انه صلى الظهر ثم تبين العدم في الأثناء، و عدمه و هو الأصح لعدم انعقاد الثانية لأن صحة التحريم بالثانية موقوف على التسليم من الأولى في موضعه أو الخروج بغيره و لم يحصلا. نعم ينبغي ملاحظة كونه في الاولى من حين الذكر بناء على تفسير الاستدامة الحكمية بأمر وجودي، و على التفسير الأصح يكفي في الأفعال الباقية عدم إيقاعها بنية الثانية. انتهى.

أقول: ظاهر كلام الشيخين الشهيدين (عطر الله مرقديهما) القول بمضمون الخبر لما وجهناه به، و لا يخفى ان مورد الخبر المذكور هو من صلى الظهر ركعتين ثم ذكر بعد ان صلى من العصر ركعتين فأمره (عليه السلام) بان يجعل الركعتين الباقيتين من العصر للظهر و يتمها بهما و يكون ما اتى به من الركعتين الأوليين للعصر الواقعتين في البين مغتفرا غير مضر مع اشتمالهما على تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود، فتخصيص الاغتفار بتكبيرة الإحرام في كلامهم خاصة لا اعرف له وجها، و كأنهم بنوا على ان الإتمام وقع بالركعتين الأوليين أو ان الحكم شامل لهما.

و التحقيق ان الرواية المذكورة جارية على خلاف مقتضى الأصول الشرعية لما أشرنا إليه آنفا، فان مقتضى الأخبار و كلام الأصحاب انه لا فرق بين الإتيان بالظهر على وجه باطل و تركها بالكلية في انه متى ذكر بعد التلبس بصلاة العصر فإنه يعدل إليها بنيته و ينوي الظهر حين الذكر، و ما تقدم من الفريضة ينصرف بهذه النية إلى الظهر ايضا كما في ناوي الصوم قبل الظهر أو بعده. و ما ذكراه (نور الله ضريحهما) من التعليلات لبطلان الثانية في هذه الصورة يجري أيضا في صورة عدم الإتيان بالأولى بالكلية، فإن صحة التحريم بالثانية ان أريد به باعتبار الواقع و نفس الأمر فكما انه موقوف على التسليم من الاولى في محله كذلك موقوف على الإتيان بالأولى، و ان أريد باعتبار نظر المكلف فكذلك أيضا إذ لا يجوز له الإتيان بالثانية ما لم يأت بالأولى. و بالجملة فإنه لا فرق عندي بين الأمرين فالواجب حينئذ

125

الاقتصار في العمل بالرواية على موردها و هو من صلى الظهر ركعتين و ذكر بعد ان صلى من العصر ركعتين فإنه ينوي بهاتين الركعتين الباقيتين من العصر الظهر و يتمها بهما و يغتفر له ما تقدم من الزيادات على اشكال في ذلك ايضا، و الاحتياط بالإعادة بعد ذلك طريق السلامة. و الله العالم.

(المسألة الرابعة)- لو نقص المصلى من صلاته ركعة فما زاد

فلا يخلو اما ان يذكر بعد التسليم و قبل فعل المنافي أو بعد فعله، و على الثاني فاما أن يكون ذلك المنافي مما يبطل الصلاة عمدا لا سهوا كالكلام أو مما يبطلها مطلقا كالحدث و نحوه مما تقدم، فههنا صور ثلاث:

(الاولى)- ان يذكر النقصان بعد تسليمه و قبل فعل المنافي مطلقا

، و الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في وجوب إتمام الصلاة بدون اعادة تمسكا بالأصل السالم من المعارض و بجملة من الأخبار الصريحة في المقام:

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحارث بن المغيرة النصري (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انا صلينا المغرب فسها الامام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة؟ فقال و لم أعدتم أ ليس قد انصرف رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ركعتين فأتم بركعتين ألا أتممتم؟».

و عن على بن النعمان الرازي في الصحيح (2) قال: «كنت مع أصحابي في سفر و انا إمامهم فصليت بهم المغرب فسلمت في الركعتين الأولتين فقال أصحابي إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم و كلموني فقالوا اما نحن فنعيد فقلت لكني لا أعيد و أتم بركعة فأتممت بركعة ثم سرنا فانيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت له الذي كان من أمرنا فقال لي أنت كنت أصوب منهم فعلا انما يعيد من لا يدرى ما صلى».

و رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن على بن النعمان (3).

و ما رواه في التهذيب و الكافي عن ابى بكر الحضرمي في الحسن (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

126

«صليت بأصحابي المغرب فلما ان صليت ركعتين سلمت فقال بعضهم انما صليت ركعتين فأعدت فأخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال لعلك أعدت فقلت نعم فضحك ثم قال إنما يجزئك ان تقوم و تركع ركعة».

و زاد في التهذيب (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) سها فسلم في ركعتين، ثم ذكر حديث ذي الشمالين فقال ثم قام فأضاف إليها ركعتين».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر انه لم يركع؟ قال يقوم فيركع و يسجد سجدتين».

و أوردها الشيخ في موضع آخر بتغيير في السند (3) و فيها «و يسجد سجدتي السهو».

و في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«قلت أجيء الى الامام و قد سبقني بركعة في الفجر فلما سلم وقع في قلبي انى قد أتممت فلم أزل اذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس فلما طلعت الشمس نهضت فذكرت ان الامام قد سبقني بركعة؟ قال فان كنت في مقامك فأتم بركعة و ان كنت قد انصرفت فعليك الإعادة».

و في الموثق عن عمار الساباطي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ثلاث ركعات و هو يظن انها اربع فلما سلم ذكر انها ثلاث؟ قال يبنى على صلاته متى ما ذكر و يصلى ركعة و يتشهد و يسلم و يسجد سجدتي السهو و قد جازت صلاته».

قال المحدث الكاشاني في الوافي- بعد ذكر الأخبار المتضمنة لإعادة الصلاة مثل صحيحتي على بن النعمان الرازي و الحارث بن المغيرة و رواية أبي بكر الحضرمي- ما صورته. المستفاد من هذه الأخبار صحة إعادة الصلاة أيضا في مواضع السهو

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 11 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

127

و النسيان و ان الجبران و الإتمام رخصة و تسهيل و ان الله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه. انتهى.

أقول: لا يخفى ان ظاهر كلامه ان الحكم الشرعي بالنسبة إلى العالم بالمسألة و ان من ترك ركعة ساهيا فإنه يأتي بها ما لم يتخلل أحد المبطلات انما هو الإعادة من رأس و ان الإتمام بالإتيان بتلك الركعة انما هو رخصة. و الظاهر بعده و الإعادة في هذه الأخبار انما وقعت من حيث الجهل بحكم المسألة و إلا فحكمها انما هو الإتمام بما نقصه، و هذا هو الحكم الشرعي فيها لا انه رخصة، و لكن أولئك لجهلهم بحكم المسألة لم يجدوا بدا من الإعادة من رأس و لهذا ان الامام أنكر عليهم الإعادة، فقال في الخبر الأول «و لم أعدتم؟» و نحوه في الخبرين الآخرين، غاية الأمر انه مع إعادة الصلاة من رأس و إبطال الأولى لا يمكن الحكم ببطلان ما اتى به من الصلاة المعادة. على انك قد عرفت مما تقدم في غير موضع سيما في مقدمات كتاب الطهارة انه مع الجهل بالحكم الشرعي فالواجب في العمل هو الأخذ بالاحتياط و هو يتأتى بالإعادة البتة كما لا يخفى، و انما يبقى الكلام في إبطاله الاولى و تركه الإتمام لها و هذا مغتفر له لموضع الجهل. و اما قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن النعمان: «أنت كنت أصوب منهم فعلا» فهو محمول على ان أفعل التفضيل بمعنى أصل الفعل كما هو شائع في الكلام فلا يدل على ان ما فعلوه كان صوابا إلا ان يخص من حيث الجهل كما أشرنا اليه. و بالجملة فإن مظهر الخلاف بين ما ذكرناه و بين ما ذكره انما هو في المتعمد العالم بان الحكم هو الإتمام هل يسوغ له ترك الإتمام و الانتقال إلى الإعادة أم لا؟

و مقتضى كلامه المذكور الأول و مقتضى ما ذكرناه هو الثاني لأن غاية ما دلت عليه الأخبار المذكورة وقوع الإعادة جهلا.

الثانية- ان يذكر النقصان بعد فعل المنافي عمدا لا سهوا كالكلام

، و المشهور عدم وجوب الإعادة، و قال الشيخ في النهاية تجب عليه الإعادة و هو منقول عن ابى الصلاح الحلبي، و نقل في المبسوط قولا عن بعض أصحابنا بوجوب الإعادة في

128

غير الرباعية، و المختار هو القول المشهور. و قد مر تحقيق المسألة في المسألة السادسة من المسائل الملحقة بالمقام الثاني من المطلب الأول (1).

الثالثة- ان يذكر النقصان بعد فعل المنافي عمدا و سهوا

كالحدث و الفعل الكثير الذي تنمحي به صورة الصلاة، و المشهور الابطال و وجوب الإعادة، و قال ابن بابويه في المقنع على ما نقله غير واحد من أصحابنا: ان صليت ركعتين من الفريضة ثم قمت فذهبت في حاجة لك فأضف إلى صلاتك ما نقص و لو بلغت الصين، و لا تعد الصلاة فان إعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبد الرحمن.

و الذي يدل على المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم قام. قال يستقبل. قلت فما يروى الناس.؟ فذكر له حديث ذي الشمالين فقال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يبرح من مكانه و لو برح استقبل».

و عن ابى بصير في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجته؟ قال يستقبل الصلاة. قلت فما بال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يستقبل حين صلى ركعتين؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم ينفتل من موضعه».

و عن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال:

«قلت أ رأيت من صلى ركعتين فظن انها اربع فسلم و انصرف ثم ذكر بعد ما ذهب انه انما صلى ركعتين؟ قال يستقبل الصلاة من أولها. قال قلت فما بال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يستقبل الصلاة و انما تم بهم ما بقي من صلاته؟ فقال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يبرح من مجلسه، فان كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الأولتين».

____________

(1) ص 23.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

129

و عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته و قد سبقه بركعة فلما فرغ الامام خرج مع الناس ثم ذكر انه قد فاتته ركعة؟ قال يعيد ركعة واحدة يجوز له ذلك إذا لم يحول وجهه عن القبلة فإذا حول وجهه عن القبلة فعليه ان يستقبل الصلاة استقبالا».

و روى هذه الرواية في الفقيه عن محمد بن مسلم (2) الى قوله «ركعة واحدة».

و يعضد هذه الأخبار ما تقدم من الأخبار الدالة على قواطع الصلاة و بطلانها بالحدث و نحوه.

و قال شيخنا الشهيد في الذكرى: و عد الكليني من مبطلات الصلاة عمدا و سهوا الانصراف عن الصلاة بكليته قبل أن يتمها. و هو مشعر بموافقة القول المشهور فنسبة الصدوق في المقنع هذا القول الى يونس بن عبد الرحمن خاصة مؤذنا بشذوذه ليس في محله مع انا لم نقف على موافق له في ما ذهب اليه لا من المتقدمين و لا من المتأخرين، نعم يدل عليه جملة من الأخبار:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل صلى بالكوفة ركعتين ثم ذكر و هو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان انه لمن يصل ركعتين؟ قال يصلى ركعتين».

و أجاب عنها الشيخ تارة بالحمل على صورة الظن دون اليقين و تارة بالحمل على النافلة دون الفريضة. و بعدهما ظاهر.

و منها-

ما رواه الشيخ عن محمد- و هو ابن مسلم- في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) و رواه الصدوق في الفقيه ايضا عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: سئل عن رجل دخل مع الإمام في صلاته. الحديث المتقدم الى قوله:

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة و قد تقدمت ص 29 برقم (9) و ص 123 برقم (1).

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة رقم 1 و 12.

130

«ركعة واحدة».

بدون الزيادة.

و ما رواه في الفقيه عن عبيد بن زرارة في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعة من الغداة ثم انصرف و خرج في حوائجه ثم ذكر انه صلى ركعة؟ قال فليتم ما بقي».

و عن عبيد بن زرارة في الموثق بعبد الله بن بكير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى الغداة ركعة و يتشهد ثم ينصرف و يذهب و يجيء ثم يذكر بعد انه انما صلى ركعة؟ قال يضيف إليها ركعة».

و نقل عن الشيخ انه حمل هذه الأخبار على ما إذا لم يحصل الاستدبار. و لا يخفى ما فيه.

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (3) في جملة حديث قال فيه «و الرجل يذكر بعد ما قام و تكلم و مضى في حوائجه انه انما صلى ركعتين في الظهر و العصر و العتمة و المغرب؟ قال يبنى في صلاته فيتمها و لو بلغ الصين و لا يعيد الصلاة».

و رواه ابن بابويه ايضا (4) بتفاوت في المتن.

و جمع في المدارك بين هذه الأخبار بحمل هذه الأخبار على الجواز و ما تضمن الاستئناف على الاستحباب. و اقتفاه في هذا الحمل جملة ممن تأخر عنه من الأصحاب و احتمل جملة من المتأخرين: منهم- شيخنا المجلسي في البحار حمل هذه الأخبار على التقية. و هو جيد لما عرفت من ان الحمل على ذلك لا يتوقف على وجود القائل به من المخالفين، و انما الوجه في ذلك هو انه لما كان مذهب جمهور الأصحاب (رضوان الله عليهم) من المتقدمين و المتأخرين هو الإبطال و الإعادة كما عرفت انه مذهب يونس من القدماء و الكليني و به صرح الشيخان و لم ينقل الخلاف في ذلك إلا عن ابن بابويه، و من الظاهر ان شهرة القول بذلك بين المتقدمين مؤذن بكونه مذهب

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 6 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

131

أئمتهم (عليهم السلام) و يعضده انه هو الأوفق بالاحتياط. و بالجملة فالعمل على القول المشهور و الاحتياط بالإتمام ثم الإعادة أولى. و الله العالم.

فرع لو نسي التسليم ثم ذكر بعد فعل المنافي عمدا

كالكلام فالمشهور- بل الظاهر انه لا خلاف فيه- عدم بطلان الصلاة.

و لو ذكر بعد فعل المنافي عمدا و سهوا فالمشهور بطلان الصلاة بناء على القول بوجوبه كما هو المشهور لأن المنافي حينئذ واقع في أثناء الصلاة بناء على القول المذكور و نقل في المدارك عن جده أنه استشكله بان التسليم ليس بركن فلا تبطل الصلاة بتركه سهوا و ان فعل المنافي، قال اللهم إلا ان يقال بانحصار الخروج من الصلاة فيه و هو في حيز المنع. ثم اعترضه بأنه يمكن دفعه بان المقتضي للبطلان على هذا التقدير ليس هو الإخلال بالتسليم و إنما هو وقوع المنافي في أثناء الصلاة فإن ذلك يتحقق بفعله قبل الفراغ من الأفعال الواجبة و ان لم يتعقبه ركن كما في حال التشهد.

أقول: لا يخفى ان كلام جده المذكور مشعر بالجواب عن هذا الاعتراض، و ذلك فان المفهوم منه ان الإبطال لا يمكن استناده الى ترك التسليم لان التسليم ليس بركن فلا تبطل الصلاة بتركه سهوا و لا الى فعل المنافي في هذا المقام لانه مبنى على ان الخروج من الصلاة لا يتحقق إلا بالتسليم و هو ممنوع.

و لا يخفى ان ما ادعاه السيد من وقوع المنافي في أثناء الصلاة انما يتم بناء على عدم الخروج من الصلاة إلا بالتسليم و إلا فمتى قيل بالخروج منها قبله كما يشير اليه كلام جده فان المنافي لم يقع في أثناء الصلاة لأن الخصم يدعى انه قد خرج من الصلاة و لا توقف له على التسليم. نعم يبقى الكلام مع جده في ما ادعاه من منع انحصار الخروج من الصلاة في التسليم و هي مسألة أخرى.

ثم قال السيد المشار اليه على اثر الكلام المتقدم: و مع ذلك فالأجود عدم

132

بطلان الصلاة بفعل المنافي قبله و ان قلنا بوجوبه

لما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلى ثم يجلس فيحدث قبل ان يسلم؟ قال تمت صلاته».

و في الصحيح عن زرارة أيضا عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «عن الرجل يحدث بعد ان يرفع رأسه من السجدة الأخيرة و قبل ان يتشهد؟ قال ينصرف فيتوضأ فإن شاء رجع الى المسجد و ان شاء ففي بيته و ان شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم، و ان كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته».

انتهى.

أقول: قد عرفت في فصل التسليم ان المختار الذي تجتمع عليه الأخبار في مسألة التسليم هو القول بكونه واجبا خارجا و هذه الاخبار التي ذكرها و نحوها انما خرجت بناء على هذا القول و ان لم يهتد اليه هو و لا غيره من جمهور الأصحاب و الا فإنه متى كان التسليم واجبا داخلا كما هو المفروض في كلامه، فإنه يلزم أن يكون الحدث الواقع بعد التشهد و قبل التسليم واقعا في أثناء الصلاة كما الزم به جده في ما قدمنا من كلامه، و لا يعقل هنا خصوصية لإبطاله قبل التشهد و لا بعده قبل التسليم بناء على القول المذكور بل الحال في المقامين واحدة، إذ العلة الموجبة للإبطال في الموضعين واحدة و هي وقوع الحدث في أثناء الصلاة.

و العجب كل العجب انه (قدس سره) قد قال في مسألة التسليم في الاستدلال على استحبابه حيث انه اختار ذلك ما لفظه: و يدل عليه ايضا أنه لو وجب التسليم لبطلت الصلاة بتخلل المنافي بينه و بين التشهد و اللازم باطل فالملزوم مثله، اما الملازمة فإجماعية و اما بطلان اللازم فلما رواه زرارة في الصحيح، ثم ساق هذه الروايات المذكورة. و حينئذ فمتى كانت هذه الملازمة إجماعية بمقتضى كلامه هذا- و ليست هذه الملازمة إلا عبارة عن انه متى وجب التسليم لزم بطلان الصلاة بتخلل المنافي في الموضع المذكور- فكيف يقول هنا ان الأجود عدم بطلان الصلاة بفعل المنافي قبله و ان قلنا بوجوبه؟ ما هذا إلا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر

____________

(1) الوسائل الباب 3 من التسليم.

(2) الوسائل الباب 13 من التشهد.

133

و بالجملة فهذه الروايات لا تنطبق إلا على القول بالاستحباب كما اختاره في المسألة أو القول بكونه واجبا خارجا كما اخترناه و إلا فالتزام القول بها مع القول بكونه واجبا داخلا- كما يشعر به كلامه هنا- سفسطة ظاهرة كما لا يخفى. و الله العالم.

المسألة الخامسة- إذا أخل بواجب سهوا

فمنه ما تتم معه الصلاة من غير تدارك و منه ما يتدارك من غير سجود و منه ما يتدارك مع سجدتي السهو، فههنا صور ثلاث:

الاولى- ما تتم معه الصلاة من غير تدارك و لا سجود للسهو

، و تفصيل القول فيها ان من سها عن واجب تداركه ما لم يدخل في ركن كما لو سها عن القراءة مثلا أو بعض واجباتها قبل الركوع فإنه يتداركها ما لم يركع، فلو ركع مضى في صلاته لاستلزام تداركها زيادة ركن، أو يلزم من تداركه زيادة ركن كما إذا سها عن الذكر الواجب في الركوع أو الطمأنينة فيه حتى يرفع رأسه فإن العود الى ذلك و تداركه مستلزم لزيادة الركن. و نحوه من سها عن الذكر في السجود أو السجود على الأعضاء السبعة أو الطمأنينة فيه حتى يرفع رأسه. نعم يستثني من ذلك السجود على الجبهة حيث ان السجود لا يتحقق بدون وضعها فإن الإخلال به في السجدتين يكون موجبا للإبطال، و قد نبه على ذلك الشهيد في البيان.

و من الأخبار الدالة على صحة الصلاة مع نسيان أحد الواجبات

ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ان الله عز و جل فرض الركوع و السجود، و القراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة و من نسي القراءة فقد تمت صلاته و لا شيء عليه».

و عن منصور بن حازم في الموثق (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى صليت المكتوبة فنسيت ان اقرأ في صلاتي كلها؟ فقال أ ليس قد أتممت

____________

(1) الوسائل الباب 27 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 29 من القراءة.

134

الركوع و السجود؟ قلت بلى. قال تمت صلاتك إذا كان نسيانا».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«قلت الرجل يسهو في القراءة في الركعتين الأولتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين انه لم يقرأ؟ قال أتم الركوع و السجود؟ قلت نعم. قال انى اكره أن أجعل آخر صلاتي أولها».

و عن ابى بصير في الموثق (2) قال: «إذا نسي أن يقرأ في الأولى و الثانية أجزأه تسبيح الركوع و السجود و ان كانت الغداة فنسي ان يقرأ فيها فليمض في صلاته».

و عن الحسين بن حماد في القوى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قلت له أسهو عن القراءة في الركعة الأولى؟ قال اقرأ في الثانية. قلت أسهو في الثانية؟ قال اقرأ في الثالثة. قلت أسهو في صلاتي كلها؟ قال إذا حفظت الركوع و السجود فقد تمت صلاتك».

و عن القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن رجل ركع و لم يسبح ناسيا؟ قال تمت صلاته».

و عن على بن يقطين (5) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن رجل نسي تسبيحة في ركوعه و سجوده؟ قال لا بأس بذلك».

الى غير ذلك من الأخبار الواردة بنسيان السجدة و التشهد و ان تضمن بعضها القضاء بعد الفراغ.

و مما يدل على التدارك ما لم يدخل في ركن

رواية أبي بصير (6) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أم القرآن؟ قال ان كان لم يركع فليعد أم القرآن».

____________

(1) الوسائل الباب 30 و 51 من القراءة.

(2) الوسائل الباب 29 من القراءة.

(3) الوسائل الباب 30 من القراءة.

(4) الوسائل الباب 15 من الركوع.

(5) الوسائل الباب 15 من الركوع.

(6) الوسائل الباب 28 من القراءة.

135

ثم انه ينبغي ان يستثني من هذا الحكم الجهر و الإخفات فإنه لا يتداركه و ان لم يدخل في ركن كما تقدم (1) في صحيحتي زرارة من انه متى فعل شيئا ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شيء عليه.

الثانية- ما يتدارك من غير سجود

و ذلك في مواضع: (منها)

من نسي قراءة الحمد حتى قرأ السورة أو بعضها

فإنه يرجع الى الحمد ثم يقرأ سورة بعدها، و ربما ظهر من بعض العبارات وجوب قراءة السورة الأولى بعينها.

و يدل عليه

قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (2): و ان نسيت الحمد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل ان تركع فاقرأ الحمد و أعد السورة و ان ركعت فامض على حالتك.

انتهى.

قال في المدارك- بعد قول المصنف: الثاني من نسي قراءة الحمد حتى قرأ السورة استأنف الحمد و سورة- ما لفظه: انما نكر المصنف السورة للتنبيه على انه لا يتعين قراءة السورة التي قرأها أو لا بل يتخير بعد الحمد أي سورة شاء. انتهى.

و نحوه كلام جده في الروض حيث ان عبارة المصنف ظاهرة في إعادة السورة نفسها فاعترضه فقال: و يفهم من قوله: «أعادها» وجوب إعادة السورة التي قرأها بعينها و ليس متعينا بل يتخير بين إعادتها و قراءة غيرها لوقوعها فاسدة فساوت غيرها. انتهى. و هو جيد إلا ان ظاهر الخبر المتقدم كما عرفت خلافه و الاحتياط يقتضي الوقوف عليه.

و ممن صرح أيضا بإعادة السورة بعينها الشهيد في الذكرى فقال: لو ترك الحمد حتى قرأ السورة وجب بعد قراءة الحمد إعادة السورة. انتهى.

و منها-

من نسي السجدتين أو إحداهما

فإنه يتلافاهما ما لم يركع ثم يقوم و يأتي بما يلزمه من قراءة أو تسبيح.

و هذا الحكم في السجدة الواحدة موضع اتفاق كما نقله غير واحد، و يدل

____________

(1) ج 8 ص 130 و 131.

(2) ص 9.

136

عليه من الأخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر و هو قائم انه لم يسجد؟ قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء».

و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن ابن مسكان عن ابى بصير (2)- و هو ليث المرادي بقرينة الراوي عنه- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها و هو قائم؟ قال يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض على صلاته فإذا انصرف قضاها وحدها و ليس عليه سهو».

و انما الخلاف في السهو عن السجدتين فالمشهور سيما بين المتأخرين انه كالأول في وجوب الرجوع ما لم يركع، و نقله في الذخيرة عن المفيد في الرسالة الغرية، و منهم من صرح بوجوب سجدتي السهو للقيام الذي زاده، و ذهب ابن إدريس الى ان نسيان السجدتين بعد قيامه الى الركوع يوجب إعادة الصلاة و نقل ايضا عن ابى الصلاح، و به صرح الشيخ المفيد في المقنعة حيث قال: ان ترك سجدتين من ركعة واحدة أعاد على كل حال و ان نسي واحدة منهما حتى ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع أرسل نفسه و سجدها ثم قام.

احتج من ذهب الى القول الأول بأن القيام ان كان انتقالا عن المحل لم يعد إلى السجدة الواحدة و الا عاد الى السجدتين.

و استدل للقول الثاني بالروايات الدالة على بطلان الصلاة بنسيان السجود (3) خرج منها ما دل على عدم البطلان بنسيان السجدة الواحدة بالخبرين المتقدمين و بقي ما عداه. و الفرق بين السجدة و السجدتين بعد الركوع ظاهر للحكم بالصحة في الأول و البطلان في الثاني فيمكن ان يكون ما قبل الركوع كذلك أيضا.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من السجود.

(2) الوسائل الباب 14 من السجود.

(3) الوسائل الباب 9 من الركوع.

137

و أيد القول المشهور في المدارك بإطلاق

صحيحة ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا».

و رواية محمد بن مسلم الصحيحة المتضمنة لتدارك الركوع بعد السجدتين (2) قال: فإنه إذا جاز تداركه مع تخلل السجدتين اللتين هما ركن في الصلاة جاز تدارك السجود مع تخلل القيام خاصة بطريق اولى. انتهى.

و يمكن المناقشة في صحيحة ابن سنان المذكورة بما سيأتي إيضاحه قريبا ان شاء الله تعالى، و كذا في صحيحة محمد بن مسلم بان ما دلت عليه من الحكم المذكور خارج عن مقتضى القواعد الشرعية مع معارضتها بالأخبار الكثيرة، و قد تقدم الكلام فيها في المسألة الأولى.

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال بالرجوع و الإتمام ثم الإعادة من رأس و ان كان القول الأول لا يخلو من قوة.

و تمام تحقيق البحث في المقام يتوقف على بيان أمور

(الأول) [لو تذكر فوت إحدى السجدتين فهل يجب الجلوس قبلها؟]

لا كلام في انه لو كان المنسي مجموع السجدتين عاد إليهما من غير جلوس واجب قبلهما.

اما لو كان المنسي إحداهما فإن كان قد جلس عقيب الأولى و اطمأن بنية الفصل أو لا بنيته فإنه لا كلام في انه لا يجب الرجوع الى الجلوس قبل السجدة.

اما لو لم يجلس أو جلس و لم يطمئن فقيل انه يجب الجلوس و به صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض و سبطه السيد السند في المدارك، و علله في المدارك بان الجلوس من أفعال الصلاة و لم يأت به مع بقاء محله فيجب تداركه. قال في الذخيرة بعد نقل نحو ذلك عن الروض ايضا: و يمكن المنازعة فيه بان القدر الثابت الجلوس الفاصل بين السجدتين المتصل بهما و قد فات و لا يمكن تداركه لا مطلقا. انتهى. و ظني ضعف هذه المنازعة فإن ما ذكره من الخصوصيتين المذكورتين لا دخل لهما في وجوب الجلوس و ان اتفق ذلك و إلا للزم اجراء ما ذكره في الاجزاء التي يجب تداركها مطلقا.

____________

(1) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 108.

138

و قيل بعدم الوجوب، قال في الذخيرة: و هو قول المصنف في المنتهى و هو المحكي عن الشيخ في المبسوط استنادا الى ان الفصل بين السجدتين تحقق بالقيام.

و رد بان الواجب ليس هو مطلق الفصل بل الجلوس الفاصل و لم يحصل.

و بالجملة فالظاهر هو قوة القول الأول سيما مع أوفقيته بالاحتياط.

(الثاني) [هل يجزئ الجلوس بنية الاستحباب عن الجلوس الواجب؟]

- قال في الروض بناء على ما اختاره من وجوب الجلوس في المسألة المذكورة: و لو شك هل جلس أم لا؟ بنى على الأصل فيجب الجلوس و ان كان حالة الشك قد انتقل عن محله لأنه بالعود إلى السجدة مع استمرار الشك يصير في محله فيأتي به. و مثله ما لو تحقق نسيان سجدة و شك في الأخرى فإنه يجب عليه الإتيان بهما معا عند الجلوس و ان كان ابتداء الشك بعد الانتقال. انتهى. و هو جيد.

اما لو نوى بالجلوس الاستحباب لظنه انه قد اتى بالسجدتين و ان ذلك الجلوس إنما هو جلسة الاستراحة فهل يكتفي به؟ وجهان أحدهما نعم، لاقتضاء نية الصلاة ابتداء كون كل فعل في محله و ذلك يقتضي كون هذه الجلسة للفصل فلا تعارضها النية الطارئة سهوا بالاستراحة، و ثانيهما العدم لتنافي وجهي الوجوب و الندب فلا يجزئ أحدهما عن الأخر،

و قوله (عليه السلام) «انما لكل امرئ ما نوى» (1).

و الظاهر هو الأول لا لما ذكر من التعليل فإنه عليل بل للأخبار الكثيرة الدالة على انه لو دخل في الصلاة بنية الفريضة ثم سها في أثنائها و قصد ببعض أفعالها الندب و انها نافلة لم يضره ذلك بل يبنى على النية الأولى (2).

و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة في باب الوضوء في المقامات التي في تحقيق النية و نقل جملة من الأخبار في المقام.

و من تلك الأخبار

ما رواه الشيخ عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة و هو

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب 2 من النية.

(3) الوسائل الباب 2 من النية.

139

ينوي أنها نافلة؟ قال هي التي قمت فيها و لها. و قال إذا قمت و أنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له، و ان كنت دخلت فيها و أنت تنوي النافلة ثم انك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، و انما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته».

و نحوها أخبار أخر تقدمت في المقام المشار اليه.

(الثالث) [تذكر السجود الأخير بين التشهد و السلام]

- لا اشكال و لا خلاف في انه لو كان قد تشهد أو قرأ أو سبح ثم ذكر نسيان السجود فإنه يجب اعادة ما اتى به أولا رعاية لوجوب الترتيب.

و لو فرض ان المنسي السجود الأخير و ذكر بعد التشهد اعادة ثم تشهد و سلم و هذا على القول بوجوب التسليم واضح لذكره في محله قبل الخروج من الصلاة، و اما على القول بندبه فهل يعود الى السجود أو تبطل الصلاة لو كان المنسي السجدتين و يقضى السجدة الواحدة لو كان المنسي واحدة؟ إشكال ينشأ من ان آخر الصلاة على هذا التقدير التشهد فيفوت محل التدارك، و من إمكان القول بتوقف الخروج من الصلاة حينئذ على فعل المنافي أو التسليم فما لم يحصلا لا يتحقق الخروج من الصلاة.

و ربما قيل بمجيء الإشكال و ان ذكر بعد التسليم، و وجه قضاء السجدة حينئذ أو بطلان الصلاة بنسيان السجدتين ظاهر للخروج من الصلاة بالتسليم قبل تداركهما، و وجه التدارك عدم صحة التشهد و التسليم حيث وقعا قبل تمام السجود لأن قضية الأفعال الصحيحة وقوعها في محلها مرتبة. و الكلام ايضا آت في نسيان التشهد الى ان يسلم. و على هذا الوجه ان ذكر قبل فعل المنافي تدارك المنسي و أكمل الصلاة و ان ذكر بعده بطلت الصلاة. و اليه ذهب ابن إدريس في ناسي التشهد حتى يسلم.

و قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- العلامة بأن فوات محل هذه الأجزاء بالتسليم مطلقا قوى فيقضى منها ما يقضى و تبطل الصلاة بما هو ركن. و هو جيد.

و منها-

[نسيان التشهد]

من نسي التشهد و ذكر قبل ان يركع فإنه يرجع له و يتلافاه ثم يأتي بما يلزمه بعده و يرتبه عليه، و هو مما لا خلاف فيه.

140

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان ابن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين؟ فقال ان ذكر قبل ان يركع فليجلس و ان لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة حتى إذا فرغ فليسلم و يسجد سجدتي السهو».

و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما؟ فقال ان كان ذكر و هو قائم في الثالثة فليجلس و ان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين و هو جالس قبل ان يتكلم».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«إذا قمت في الركعتين من الظهر أو غيرها و لم تتشهد فيهما فذكرت ذلك في الركعة الثالثة قبل ان تركع فاجلس و تشهد و قم فأتم صلاتك، و ان أنت لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك حتى تفرغ فإذا فرغت فاسجد سجدتي السهو بعد التسليم قبل ان تتكلم».

الى غير ذلك من الأخبار الآتية قريبا ان شاء الله تعالى.

قال في المدارك: و اعلم انه ليس في كلام المصنف (قدس سره) ما يدل على حكم نسيان السجود في الركعة الأخيرة و التشهد الأخير و الأجود تدارك الجميع إذا ذكر قبل التسليم و ان قلنا باستحبابه لإطلاق الأمر بفعلهما و بقاء محلهما، و لو لم يذكر إلا بعد التسليم بطلت الصلاة ان كان المنسي السجدتين لفوات الركن و قضى السجدة الواحدة و التشهد لإطلاق

قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (4) «إذا نسيت

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 7 من التشهد. و الراوي هو عبد الله بن ابى يعفور و لم نجد رواية بهذا اللفظ لعبد الله بن سنان.

(3) الوسائل الباب 9 من التشهد.

(4) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة.

141

شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا».

و صحيحة محمد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهد حتى ينصرف؟ فقال ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد و إلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه».

انتهى.

أقول: ما ذكره من قضاء التشهد في ما لو لم يذكر إلا بعد التسليم جيد لصحيحة محمد بن مسلم المذكورة فإنها ظاهرة في التشهد الأخير.

و اما ما ذكره- من قضاء السجدة الواحدة في الصورة المذكورة استنادا إلى صحيحة عبد الله بن سنان التي ذكرها- ففيه ان الصحيحة المذكورة على إطلاقها غير معمول عليها و كذا ما شابهها:

كصحيحة حكم بن حكيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل ينسى من صلاته ركعة أو سجدة أو الشيء منها ثم يذكر بعد ذلك؟ فقال يقضى ذلك بعينه.

فقلت أ يعيد الصلاة؟ قال لا».

و رواية الحلبي عنه (عليه السلام) (3) قال: «إذا نسيت من صلاتك فذكرت قبل ان تسلم أو بعد ما تسلم أو تكلمت فانظر الذي كان نقص من صلاتك فأتمه».

فإن الجميع قد اشتركت في الدلالة على قضاء ما نسيه من الأفعال كائنا ما كان و ان كان ركنا، و لم يقل بذلك أحد من الأصحاب و انما أوجبوا قضاء أشياء معينة مثل السجدة الواحدة و التشهد و القنوت و أبطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 11 من الركوع و 3 من الخلل في الصلاة.

(3) هذه الرواية ذكرها الشهيد في الذكرى في المسألة الرابعة من مسائل السهو و نقلها المجلسي في البحار ج 18 الصلاة ص 643 من الذكرى و كذا الفاضل الخراساني في الذخيرة في المسألة السابعة من المسائل التي حررها تعليقا على قول المصنف «و لو ذكر السجود و التشهد بعد الركوع قضاهما» و لم نقف عليها في الوافي و الوسائل بعد الفحص عنها في مظانها.

142

و السجدتين، و حينئذ فكيف يمكن الاستناد الى مجرد إطلاق الصحيحة المذكورة؟

و الأخبار المتقدمة الدالة على قضاء السجدة ظاهرة في ما عدا السجدة الأخيرة، و على هذا يبقى حكم السجدة الأخيرة خاليا من المستند و الدليل على وجوب قضائها. و الاستناد في ذلك الى مجرد إطلاق هذه الرواية و نحوها مع كونهم لا يقولون به مجازفة محضة و إلا لزم القول ايضا بوجوب قضاء ما اشتملت عليه من الركوع و التكبير و نحوهما و هم لا يكتمونه و لا قائل به إلا ما يظهر من الذكرى من نقل ذلك عن صاحب البشرى، قال بعد ذكر الروايات الثلاث المذكورة: و ابن طاوس في البشرى يلوح منه ارتضاء مفهومها.

و بالجملة فإنه و ان كان ظاهر الأصحاب عدم الخلاف في القضاء إلا ان الدليل كما عرفت قاصر عن ذلك، إذ الروايات المتقدمة موردها انما هو ما عدا السجدة الأخيرة و هذه الرواية التي قد استند إليها في المدارك قد عرفت ما فيها.

فائدتان

الأولى [المراد بالركعة في صحيحة حكم بن حكيم]

- قال في المدارك بعد ذكر صحيحة حكم بن حكيم: و الظاهر ان المراد بالركعة مجموعها لا نفس الركوع خاصة، و بالشيء منها القنوت و التشهد و نحو ذلك مما لم يقم دليل على سقوط تداركه. انتهى.

أقول: بل الظاهر ان المراد بالركعة انما هي نفس الركوع كما صرحت به صحيحة ابن سنان المذكورة، و يؤيده ذكر السجدة بعدها، و المراد من الخبر المذكور إنما هو عد الأفعال التي لو نسيها لوجب قضاؤها من ركوع أو سجود و نحوهما من أفعال الصلاة المشار إليها بقوله «أو الشيء منها» و مما يستأنس به لذلك

صحيحة منصور عن الصادق (عليه السلام) (1) «في رجل صلى فذكر انه زاد سجدة؟ لا يعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة»،.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الركوع.

143

قال السيد المذكور بعد نقلها: و الظاهر ان المراد بالركعة الركوع كما يظهر من مقابلته بالسجدة.

الثانية [هل يفرق بين فوت التشهد الأول و التشهد الأخير؟]

- ظاهر أكثر الأصحاب انه لا فرق في تدارك التشهد بعد الصلاة بين كونه التشهد الأول و الأخير تخلل الحدث بينه و بين الصلاة أم لا.

و قال ابن إدريس: لو تخلل الحدث بين الصلاة و التشهد الأول لم تبطل الصلاة لخروجه منها بالتسليم، و لو تخلل بينهما و بين التشهد الثاني بطلت صلاته لأن قضية السلام الصحيح أن يكون بعد التشهد فوقوعه قبله كلا سلام فيكون حدثه قد صادف الصلاة.

و اعترضه المحقق في المعتبر فقال بعد نقل كلامه: و ليس بوجه لأن التسليم مع السهو مشروع فيقع موقعه و يقضى التشهد لما روى حكم بن حكيم عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه. قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر: و هو حسن.

أقول: الأظهر في الفرق بين التشهدين في الحكم المذكور بناء على مذهب ابن إدريس من استحباب التسليم هو أن يقال انه انما يخرج من الصلاة بالتشهد الأخير فإذا نسيه لم يتحقق الخروج فيكون قد أحدث قبل الخروج من الصلاة فتبطل صلاته و كان الأولى لابن إدريس التعليل بذلك.

و اما استدلال المحقق على وجوب قضاء التشهد الأخير برواية حكم بن حكيم المذكورة من حيث لفظ الشيء فيها الشامل للتشهد فقد عرفت ما فيه و كان الأولى له الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.

هذا. و التحقيق كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى انه لا دليل على وجوب قضاء التشهد الأول أحدث بعد الصلاة أو لم يحدث، و يجب قضاء التشهد الثاني لصحيحة محمد بن مسلم المذكورة أحدث أم لم يحدث.

و نقل في الذكرى عن العلامة في المختلف انه نازع في تخلل الحدث إذا نسي

144

التشهد الأول و حكم بإبطاله الصلاة و حكم بان التسليم وقع في محله و ان نسي التشهد الأخير فتكون الصلاة صحيحة. انتهى.

و فيه ان ما حكم به من إبطال الصلاة في الصورة الأولى ممنوع و لو قلنا بوجوب قضاء التشهد لدلالة الأخبار و كلام الأصحاب على الصحة أحدث أو لم يحدث و إنما الكلام في ما ادعوه من وجوب القضاء و عدمه. و قد تقدم في فصل التشهد نقل كلام ابن بابويه و حكمه بصحة الصلاة بالحدث بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و الأخبار الدالة على ذلك و بيان القول في ذلك فليراجع ثمة.

فرع [هل يجب قضاء الصلاة على النبي (ص) بعد الصلاة؟]

المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب قضاء الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) بعد الصلاة إذا سها عنها المصلى و فات موضع تداركها، و يتداركها كما يتدارك التشهد لو لم يفت محل تداركها اعنى قبل الركوع فإنه يعود إليها قالوا و لا يضر الفصل بينها و بين التشهد.

و أنكر ابن إدريس شرعية قضائها لعدم النص. و رده في الذكرى بان التشهد يقضى بالنص فكذا أبعاضه تسوية بين الجزء و الكل.

و احتج في المختلف على وجوب قضائها زيادة على الدليل المذكور بأنه مأمور بالصلاة على النبي و آله (صلى الله عليه و آله) و لم يأت به فيبقى في عهدة التكليف الى ان يخرج منه بفعله.

و اعترضه في المدارك بأن الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) انما تجب في التشهد و قد فات و القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل و هو منتف. قال على ان في وجوب الأداء خلافا بين الأصحاب كما تقدم تحقيقه.

و اعترض الدليل الأول أيضا بمنع الملازمة، قال مع انه لا يقول بالتسوية بين الكل و الجزء مطلقا. أقول و يؤيده ان الصلاة تقضى و لا تقضى اجزائها مطلقا.

و أنكر العلامة في المختلف كلام ابن إدريس و قال بعد استدلاله بالدليلين

145

المذكورين: و ليس في هذه الأدلة قياس و انما هو لقصور قوته المميزة حيث لم يجد نصا صريحا حكم بأن إيجاب القضاء مستند الى القياس خاصة. انتهى. و لا يخفى ما فيه أقول: و الظاهر في هذه المسألة هو قول ابن إدريس لما عرفت من كلام السيد السند (قدس سره) فان دعوى إثبات الأحكام الشرعية بهذه التعليلات العليلة مجرد مجازفة في أحكامه سبحانه. نعم يمكن الاستدلال على القول المشهور بإطلاق صحيحتي عبد الله بن سنان و حكم بن حكيم و رواية الحلبي (1) إلا انك قد عرفت انه لا قائل بذلك من الأصحاب سوى ما نقله في الذكرى عن ظاهر ابن طاوس في البشرى

الثالثة- ما يتداركه بعد الصلاة مع سجود السهو

عند الأصحاب (رضوان الله عليهم) و هو السجدة و التشهد المنسيان و لما يذكر إلا بعد الركوع فإنه يقضيهما و يسجد للسهو كما صرحوا به، إلا انه لا يخلو من الإشكال في كل من الموضعين.

و تحقيق الكلام في ذلك يتوقف على بسطه في مقامين

[المقام] (الأول) في السجدة

و المشهور في كلامهم ان من ترك سجدة من صلاته و لم يذكر حتى ركع فإنه يقضيها بعد الصلاة من غير ان تجب عليه الإعادة و انه يجب عليه سجود السهو.

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع ثلاثة

(الموضع الأول)- في وجوب قضائها خاصة مع صحة الصلاة

و هو الذي عليه الأكثر، و ذهب الشيخ في التهذيب إلى انه متى كان نسيان السجدة الواحدة من الركعتين الأوليين فإنه يعيد الصلاة، و حكى في الذكرى عن الشيخ المفيد و الشيخ في التهذيب ان كل سهو يلحق الأوليين موجب لإعادة الصلاة و كذلك الشك سواء كان في عددهما أو أفعالهما، و نقل الشيخ هذا القول عن بعض علمائنا، و قد تقدم ايضا مذهب ابن ابى عقيل بإعادة الصلاة بترك السجدة مطلقا من الأوليين أو الأخيرتين.

و الذي يدل على القول المشهور صحيحتا إسماعيل بن جابر و ابى بصير المتقدمتان في الموضع الثاني من مواضع الصورة الثانية (2).

____________

(1) ص 140 و 141.

(2) ص 136.

146

و نحوهما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا نسي الرجل سجدة و أيقن انه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل ان يسلم و ان كان شاكا فليسلم ثم يسجدها و ليتشهد تشهدا خفيفا و لا يسميها نقرة فإن النقرة نقرة الغراب».

و الظاهر ان المراد بقوله «بعد ما يقعد» اى بعد ما يتشهد لما أسلفناه من الأخبار الدالة على وقوع مثل هذا التجوز في فصيح الكلام الوارد عنهم (عليهم السلام). و اما السجود في صورة الشك فحمله بعض الأصحاب على الاحتياط و الاستحباب لما تقرر من ان الشك بعد تجاوز المحل لا اثر له. و الأظهر حمله على سجود السهو لأنه الذي فيه التشهد الخفيف و انه لا يسمى نقرة و ان كان في ذكر الضمير نوع منافرة لذلك.

و ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى الساباطي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام و ركع؟ قال يمضى في صلاته و لا يسجد حتى يسلم فإذا سلم سجد مثل ما فاته. قلت فان لم يذكر الا بعد ذلك؟

قال يقضى ما فاته إذا ذكره».

احتج الشيخ

بما رواه عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح (3) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين ثم ذكر في الثانية و هو راكع انه ترك سجدة في الأولى؟ فقال كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول إذا تركت السجدة في الركعة الاولى و لم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت حتى يصح لك اثنتان، و إذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة بعد ان تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود».

و رواه الكليني في الصحيح ايضا بما هذه صورته (4) قال: «سألته عن رجل

____________

(1) الوسائل الباب 16 من السجود.

(2) الوسائل الباب 14 من السجود.

(3) الوسائل الباب 14 من السجود.

(4) الوسائل الباب 14 من السجود.

147

صلى ركعة ثم ذكر و هو في الثانية و هو راكع انه ترك سجدة من الأولى؟ فقال كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول إذا تركت السجدة في الركعة الاولى و لم تدر واحدة أم ثنتين استقبلت الصلاة حتى يصح لك انهما ثنتان».

و على هذه الرواية لا ينطبق مدعى الشيخ (قدس سره) و الظاهر ان الراوي روى الخبر مرتين مرة بنحو ما ذكره الشيخ و اخرى بما نقله في الكافي.

و يعضد

رواية الشيخ ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر. الحديث كما في التهذيب (1) الا انه قال: «بعد ان تكون قد حفظت الركوع و السجود».

و كيف كان فهذا الخبر لا يخلو من الإجمال بل الإشكال الموجب لضعف الاستناد إليه في الاستدلال، و ذلك ان قوله (عليه السلام) في الخبر المذكور «و لم تدر واحدة أو اثنتين» محتمل لان يكون المراد الركعة أو الركعتين اى شككت مع ترك السجدة بين الركعة و الركعتين، و على هذا فلا إشكال في ما ذكره (عليه السلام) من الحكم بالاستقبال الا انه لا ينطبق حينئذ الجواب المذكور على ما ذكره من السؤال و يحتمل ان يكون المراد السجدة و السجدتين، و المعنى انه ترك سجدة و شك في انه هل سجد شيئا أم لا، و على هذا يدل على مراد الشيخ في الجملة إذ الشك بعد تجاوز المحل لا عبرة به فيكون البطلان انما هو لترك السجدة. و يحتمل ان يكون الواو في قوله «و لم تدر واحدة أو اثنتين» بمعنى «أو» و ان الأصل انما هو «أو» و يكون قد سقطت الهمزة من قلم النساخ، و على هذا فيحتمل الوجه الأول أعني الحمل على الركعة و الركعتين و الثاني أي السجدة و السجدتين، فعلى الوجهين يدل على ما ذهب اليه الشيخ في السجود، و على الثاني يدل على ما قدمنا نقله عن الشيخين من إبطال مطلق الشك في الأولتين، و حينئذ فمع هذا الإجمال و تعدد الاحتمال يشكل العمل به في مقابلة تلك الأخبار الصحيحة الصريحة الدلالة في عدم الفرق بين الأوليين و الأخيرتين.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من السجود.

148

احتج من قال بان كل سهو يلحق الأوليين أو شك فإنه يوجب الإعادة بجملة من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى في مسألة الشك في الأوليين:

و منها-

رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سهوت في الركعتين الأولتين فأعدهما».

و حسنة الحسن بن على الوشاء (2) قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الإعادة في الركعتين الأولتين و السهو في الركعتين الأخيرتين».

و نحوهما.

و سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق المسألة في الموضع المشار اليه.

و اما ما ذهب اليه ابن ابى عقيل من بطلان الصلاة بترك السجدة فقد تقدم القول فيه في فصل السجود منقحا.

الموضع الثاني- في ان محل قضائها بعد الفراغ من الصلاة

و هو الذي عليه الأكثر من الأصحاب، و يدل عليه صحيحتا إسماعيل بن جابر و ابى بصير و صحيحة ابن ابى يعفور و موثقة عمار المتقدم جميع ذلك في المسألة (3).

و قال الشيخ أبو الحسن على بن الحسين بن بابويه في رسالته على ما نقله عنه في الذكرى: فان نسيت سجدة من الركعة الأولى فذكرتها في الثانية من قبل ان تركع فأرسل نفسك فاسجدها ثم قم إلى الثانية و ابتدئ القراءة فإن ذكرت بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة، و ان نسيت سجدة من الركعة الثانية و ذكرتها في الثالثة قبل الركوع فأرسل نفسك و اسجدها فان ذكرتها بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة، و ان كانت سجدة من الركعة الثالثة و ذكرتها في الرابعة فأرسل نفسك و اسجدها ما لم تركع و ان ذكرتها بعد الركوع فامض في صلاتك و اسجدها بعد التسليم. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة. و اللفظ في كتب الحديث هكذا «فأعدهما حق تثبتهما».

(2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 136 و 146.

149

و نقل في الذكرى ايضا عن الشيخ المفيد (قدس سره) في الغرية انه قال: إذا ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث سجدات واحدة منها قضاء. ثم قال في الذكرى:

و كأنهما عولا على خبر لم يصل إلينا.

أقول: اما ما ذكره الشيخ على بن بابويه فهو مأخوذ

من كتاب الفقه الرضوي على النهج الذي عرفته في غير موضع مما تقدم و ان كان بحذف بعض الزوائد حيث قال (عليه السلام) (1): و ان نسيت السجدة من الركعة الأولى ثم ذكرت في الثانية من قبل ان تركع فأرسل نفسك و اسجدها ثم قم إلى الثانية و أعد القراءة، فإن ذكرتها بعد ما ركعت فاقضها في الركعة الثالثة، و ان نسيت السجدتين جميعا من الركعة الأولى فأعد صلاتك فإنه لا تثبت صلاتك ما لم تثبت الأولى، و ان نسيت سجدة من الركعة الثانية و ذكرتها في الثالثة قبل الركوع فأرسل نفسك و اسجدها فان ذكرت بعد الركوع فاقضها في الركعة الرابعة و ان كانت سجدة من الركعة الثالثة و ذكرتها في الرابعة فأرسل نفسك و اسجدها ما لم تركع فان ذكرتها بعد الركوع فامض في صلاتك و اسجدها بعد التسليم.

انتهى.

ثم انه لا يخفى ما في إفتاء الشيخ المزبور بعبارات هذا الكتاب و العدول عن مثل هذه الأخبار المعارضة لها و الصريحة في خلافها مع كونها بمرأى منه و منظر من مزيد اعتماده على الكتاب المذكور و وثوقه بكونه معلوما مقطوعا به عنه (عليه السلام) و هو مؤيد لما اخترناه من العمل باخبار الكتاب المذكور كغيره من كتب الأخبار المشهورة و الأصول المأثورة. إلا ان الظاهر في هذه المسألة هو القول المشهور المعتضد بالأخبار المتقدمة الصحيحة الصريحة في القضاء بعد الفراغ و لا يحضرني وجه تأويل لهذه الرواية و هي مرجأة إلى قائلها (عليه السلام).

و اما ما ذهب اليه الشيخ المفيد فلم أقف له على دليل، و صورة عبارته المحكية عن الرسالة الغرية على ما نقله الفاضل الخراساني في الذخيرة «ان ذكر بعد الركوع

____________

(1) ص 10.

150

فليسجد ثلاث سجدات واحدة منها قضاء و الاثنتان للركعة التي هو فيها» و هي أظهر دلالة من العبارة المنقولة في الذكرى و كأنه في الذكرى قد اختصر العبارة. و لا يخفى ان مذهب الشيخ المفيد في المقنعة موافق للقول المشهور. و الله العالم.

الموضع الثالث- في وجوب سجدتي السهو في قضاء السجدة

، و هو المشهور كما عرفت بل نقل العلامة في المنتهى و التذكرة عليه الإجماع مع انه في المختلف حكى الخلاف في ذلك عن ابن ابى عقيل و ابني بابويه و الشيخ المفيد في المسائل الغرية احتج القائلون بوجوبهما

برواية سفيان بن السمط عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان.».

و أنت خبير بان هذه الرواية (أولا) معارضة بأخبار كثيرة دالة على عدم وجوب سجدتي السهو في كثير من مواضع الزيادة و النقصان (2).

(و ثانيا)-

بصحيحة أبي بصير المتقدمة في الموضع الثاني من الصورة الثانية (3) لقوله (عليه السلام) فيها «قضاها وحدها و ليس عليه سهو».

و موثقة عمار (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام). و ساق الخبر الى ان قال: «و سئل عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدتا السهو؟ قال لا قد أتم الصلاة».

و رواية محمد بن منصور (5) قال: «سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها؟ فقال إذا خفت ان لا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة و تضع وجهك مرة واحدة و ليس عليك سهو».

و اما ما ذكره الشيخ في تأويل رواية أبي بصير- من حمل قوله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 و 7 و 14 و 23 و 24 و 26 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 136.

(4) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 14 من السجود.

151

«و ليس عليه سهو» على معنى انه لا يكون في حكم السهاة بل يكون حكم القاطعين لأنه إذا ذكر ما كان فاته و قضاه لم يبق شيء يشك فيه فخرج عن حد السهو- فبعده أظهر من ان يخفى.

و (ثالثا) الأخبار الواردة في المسألة كصحيحة إسماعيل بن جابر و صحيحة ابن ابى يعفور و موثقة عمار و التقريب فيها انه لو كان سجود السهو واجبا لأشار (عليه السلام) إليه لأن المقام مقام البيان.

و (رابعا) تأيد ذلك بموافقة الأصل فإن الأصل براءة الذمة حتى يقوم الدليل الواضح.

و بالجملة فالظاهر عندي من الأخبار هو القول الثاني و ان كان الاحتياط في العمل بالقول المشهور.

المقام الثاني- في التشهد

و المشهور انه يجب قضاؤه ما لم يذكره الا بعد الركوع و تجب سجدتا السهو معه.

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين

(الموضع الأول) في وجوب القضاء

و هو المشهور كما عرفت، و ذهب الشيخ المفيد و الصدوقان إلى أنه يجزئ التشهد الذي في سجدتي السهو عن القضاء، و نسب الشهيد في الذكرى هذا القول للشيخ المفيد في المسائل الغرية، و هو كذلك فإنه في المقنعة قد صرح بموافقة القول المشهور ذكر ذلك في موضعين.

احتج الأولون

بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يفرغ من صلاته و قد نسي التشهد حتى ينصرف؟

فقال ان كان قريبا رجع الى مكانه فتشهد و الا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه».

و عن على بن أبي حمزة (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت

____________

(1) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة.

152

في الركعتين الأولتين و لم تشهد فذكرت قبل ان تركع فاقعد و تشهد و ان لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذي فاتك».

احتج جملة من الأصحاب للقول الثاني بالأخبار الكثيرة الدالة على ان ناسي التشهد حتى يركع يجب عليه سجدتا السهو من غير تعرض لذكر التشهد فيهما مثل صحاح سليمان بن خالد و عبد الله بن سنان و الحلبي المتقدمات في الموضع الثالث من الصورة الثانية (1).

و نحوها

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل ان يجلس بينهما؟ قال فليجلس ما لم يركع و قد تمت صلاته، و ان لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته و إذا سلم سجد سجدتين و هو جالس».

و رواه الشيخ في التهذيب (3) و ذكر محل «سجد سجدتين» «نقر نقرتين» و ما في الكافي أصوب لما تقدم في صحيح ابن ابى يعفور من النهى عن تسميتها نقرة.

و ما رواه في التهذيب في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة لا يجلس فيهما حتى يركع في الثالثة؟ قال فليتم صلاته ثم يسلم و يسجد سجدتي السهو و هو جالس قبل ان يتكلم».

و عن ابى بصير في الموثق (5) قال: «سألته عن الرجل ينسى ان يتشهد؟ قال يسجد سجدتين يتشهد فيهما».

و عن ابى بصير في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته

____________

(1) ص 140 و قد تقدم ان الصحيح عبد الله بن ابى يعفور بدل عبد الله بن سنان.

(2) الوسائل الباب 9 من التشهد.

(3) ج 1 ص 234. و لفظه هكذا «نقر ثنتين».

(4) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(5) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(6) الوسائل الباب 7 من التشهد. و الراوي لهذا اللفظ هو ابن ابي يعفور و لم نعثر على رواية لأبي بصير بهذا اللفظ.

153

عن الرجل يصلى ركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما؟ فقال ان كان ذكر و هو قائم في الثالثة فليجلس و ان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين و هو جالس قبل ان يتكلم».

و عن الحسن الصيقل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع و يذكر و هو راكع؟ قال يجلس من ركوعه و يتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت أ ليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما يركع مضى ثم سجد سجدتين بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال ليس النافلة مثل الفريضة».

أقول: و هذه الاخبار و ان كانت كما ذكره المستدل من الدلالة على مجرد سجود السهو من غير تعرض للتشهد الا ان المدعى في كلام أولئك القائلين بهذا القول مركب من أمرين (أحدهما) عدم وجوب قضاء التشهد. و (ثانيهما) قيام تشهد سجدتي السهو مقام التشهد المنسي، و هذه الأخبار لا تفي إلا بالأول.

و التحقيق و الصواب و ان لم يهتد إليه أحد من متأخري الأصحاب أن أولئك الجماعة انما عولوا في هذا المقام على

كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2) و ان نسيت التشهد في الركعة الثانية فذكرت في الثالثة فأرسل نفسك و تشهد ما لم تركع فان ذكرت بعد ما ركعت فامض في صلاتك فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو و تشهدت فيهما ما قد فاتك.

انتهى.

و بهذه العبارة عبر الصدوق في الفقيه فقال: و ان نسيت التشهد في الركعة الثانية و ذكرته في الثالثة فأرسل نفسك و تشهد ما لم تركع فان ذكرت بعد ما ركعت فامض في صلاتك فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو و تشهدت فيهما التشهد الذي قد فاتك.

و هذا القول هو الظاهر عندي لظاهر خبر الكتاب المعتضد بتلك الأخبار الصحيحة الصريحة فإنها على كثرتها إنما تضمنت مجرد سجود السهو مع انها واردة في مقام البيان فلو كان قضاء التشهد واجبا لذكر و لو في بعضها.

____________

(1) الوسائل الباب 8 من التشهد.

(2) ص 10.

154

و اما ما استدل به للقول المشهور فهو بمحل من القصور، أما صحيحة محمد بن مسلم فان موردها التشهد الأخير و محل البحث في الأخبار و كلام الأصحاب انما هو التشهد الأول للتفصيل الواقع في الأخبار و كلامهم بكون الذكر قبل الركوع أو بعد الركوع.

و اما رواية على بن أبي حمزة فهي و ان كان موردها التشهد الأول إلا ان ظاهرها ان التشهد الذي بعد الفراغ انما هو تشهد سجدتي السهو و انه يقصد به التشهد الذي فاته، فهي بالدلالة على خلاف مرادهم انسب و الى الدلالة على ما ندعيه أقرب، إذ مرجع ما دلت عليه الى ما صرحت به عبارة كتاب الفقه المذكورة، على ان المفهوم من كلامهم ان الواجب هو الإتيان بالأجزاء المنسية أولا ثم سجود السهو لها و مقتضى هذه الرواية بناء على ما يدعونه هو تقديم سجود السهو على قضاء الاجزاء فلا يتم الاستناد إليها من هذه الجهة.

و كيف كان فينبغي بناء على ما اخترناه ان يقصد بتشهده في سجدتي السهو قضاء التشهد المنسي.

و اما

ما رواه الشيخ عن محمد بن على الحلبي (1)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد؟ قال يرجع فيتشهد.

قلت أ يسجد سجدتي السهو؟ فقال لا ليس في هذا سجدتا السهو».

- فمحمول على ما إذا ذكر ذلك قبل الركوع.

الموضع الثاني- في وجوب سجدتي السهو

في الموضع المذكور و قد عرفت تكاثر الأخبار بذلك، و هو الذي صرح به أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل بعض شراح الشرائع انه لا خلاف فيه بين الأصحاب.

قال في الذخيرة: و نقل في المختلف و الذكرى الخلاف فيه عن ابن ابى عقيل و الشيخ في الجمل و الاقتصاد و لم يذكره أبو الصلاح في ما يوجب سجدة السهو.

أقول: انه ان كان مراده (قدس سره) انهما صرحا في الكتابين المذكورين

____________

(1) الوسائل الباب 9 من التشهد.

155

بنقل القول بنفي السجود في الموضع المذكور عن ابن ابى عقيل و الشيخ في الكتابين المذكورين فالظاهر انه ليس كذلك لأني لم أقف عليه بعد المراجعة و التتبع، نعم نقل عنهما عدم عد ذلك في ما يجب له سجود السهو حيث حصراه في مواضع ليس هذا منها، فكان الأولى نسبة القول إليهما بما نقله عن ابى الصلاح.

قال في الذخيرة بعد نقل جملة من الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب سجدتي السهو في هذه الصورة: و هذه الأخبار و ان كانت غير صريحة في الوجوب إذ لم يثبت كون الأمر في أخبارنا حقيقة في الوجوب لكن لا يبعد ان يعول في الوجوب على هذه الأخبار بمعونة الشهرة لكن ذلك لا يخلو من شوب النظر و التأمل.

انتهى. و هو من جملة تشكيكاته الواهية التي هي لبيت العنكبوت- و انه لأضعف البيوت- مضاهية، و قد أوضحنا في غير مقام مما تقدم فساده و ان فيه خروجا عن الدين من حيث لا يشعر قائله.

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق بابن بكير عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل سجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سجدتي السهو قط؟

فقال لا و لا يسجدهما فقيه».

فأجاب عنها في الذخيرة بأنه يمكن حملها على ان الفقيه يسعى في حفظ صلاته بالتوجه فيها بحيث لا يصدر منه السهو. قال: و فيه بعد لكن الرواية غير معمولة بين الأصحاب فيشكل التعويل عليها. انتهى.

أقول: الأظهر في الجواب عنها هو حمل الفقيه على الامام (عليه السلام) فإنه هو الفقيه الحقيقي بمعنى انه لم يسجدها رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعصمته عن السهو و لا يسجدها امام بعده للعلة المذكورة. و في الخبر المذكور رد ظاهر للأخبار الدالة على سهوه (صلى الله عليه و آله) و لا سيما ما دل منها على انه سجد سجدتي السهو.

(المسألة السادسة)- لو سها عن الركوع

فله صور

(الأولى) ان يذكر بعد الدخول في السجود

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

156

، و الأشهر الأظهر بطلان الصلاة، و قد تقدم تحقيق المسألة و نقل خلاف الشيخ في ذلك في المسألة الاولى.

و قد صرح بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين بأنه لا فرق في البطلان إذا ذكر بعد وضع الجبهة بين كون وضعها على ما يصح السجود عليه و ما لا يصح، قال و لو ذكر بعد وضع الجبهة سواء كان على ما يصح السجود عليه أم لا فالمشهور حينئذ بطلان الصلاة. ثم نقل خلاف الشيخ المشار اليه.

و عندي في ذلك إشكال فإنه لا ريب في ان وضع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه لغير تقية و لا ضرورة ليس بسجود شرعي بل هو في حكم العدم فكيف يمتنع العود منه الى الركوع و يحكم ببطلان الصلاة؟ فإن استندوا إلى إطلاق الاخبار المتقدمة مثل

صحيحة رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل ينسى ان يركع حتى يسجد و يقوم؟ قال يستقبل».

و نحوها، فإنه لا ريب في ان المراد بالسجود فيها هو السجود الشرعي فإنه هو المتبادر الذي ينصرف إليه الإطلاق و أيضا فإنهم صرحوا بأنه متى سها عن ركن تداركه متى لم يدخل في ركن و الدخول في الركن بالسجود على ما لا يصح السجود عليه ممنوع. و بالجملة فإنه إن اعتد بهذا السجود في الصلاة و حكم بصحته فما ذكروه صحيح لكنهم لا يقولون به و إلا فلا معنى للحكم بالبطلان بل الواجب تدارك الركوع لبقاء المحل ثم الإتيان بالسجود الشرعي

الثانية- ان يذكر بعد الهوى للسجود

و لما يسجد بمعنى انه تجاوز قوس الراكع، و قد صرحوا بأنه يجب عليه ان يقوم منتصبا لوجوب الهوى للركوع عن قيام، بل عد جملة منهم القيام المتصل بالركوع ركنا كما تقدم ذكره في فصل القيام و هو المشهور في كلامهم، و هو لا يتحقق إلا بقصد الهوى للركوع عنه و حينئذ فيجب القيام أولا ثم الركوع.

و يدل على وجوب الإتيان بالركوع في الصورة المذكورة إن الذمة مشغولة

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الركوع.

157

بفعله و لا مانع منه لعدم تجاوز المحل فيبقى الخطاب به في الحال المذكورة.

و يعضده إطلاق

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا فاقض الذي فاتك سهوا».

بحملها على صورة التذكرة قبل فوات المحل بمعونة ما دل على ان نسيانه حتى يفوت المحل موجب لبطلان الصلاة.

و يؤيده ما سيجيء أيضا من وجوب الإتيان به إذا شك في فعله قبل فوات محله ففي صورة النسيان أولى بمعونة الحكم بعدم البطلان استنادا الى الأصل.

و مقتضى التعليلات المذكورة في هذه الصورة هو حصول النسيان في حال القيام و به يفرق بينها و بين ما يأتي بعدها.

الثالثة

- هي الصورة الثانية بمعنى الذكر بعد الهوى للسجود و تجاوز قوس الراكع و لكن عروض السهو انما هو بعد الهوى للركوع و قبل الدخول في قوس الراكع، و الحكم هنا عندهم هو الرجوع بان يقوم منحنيا الى قوس الراكع خاصة من غير انتصاب، لانه قد هوى بقصد الركوع و انما عرض له السهو بعد ذلك فلا يجب اعادة القيام حينئذ.

الرابعة

- هي الصورة بحالها و لكن عرض السهو بعد الدخول في قوس الراكع، و في العود حينئذ إشكال لأنه قد حصل الركن الركوعى بمجرد الدخول في قوس الراكع لان الركوع عبارة عن الانحناء على الكيفية المخصوصة و قد حصل، و الذكر و الطمأنينة واجبات خارجة عن حقيقته و استدراكها موجب لزيادة الركوع.

و مقتضى ذلك انه يمضى في صلاته لحصول الركوع الشرعي و الهوى له بعد القيام، و لم يحصل هنا غير الإخلال بالذكر و الطمأنينة و قد عرفت انها واجبات خارجة لا يضر تركها سهوا و المحل غير قابل لاستدراكها لما عرفت من ان ذلك موجب لزيادة ركن في الصلاة. و الى ما ذكرناه يميل كلام السيد السند في المدارك و الفاضل

____________

(1) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة.

158

الخراساني في الذخيرة و هو الظاهر لما عرفت.

و اما ما ذكره شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) في رسالته الصلاتية في هذه الصورة- حيث قال: و لو كان عروضه- يعنى السهو- بعد وصوله الى حد الراكع ففي تحريم العود نظر- فلا اعرف له وجها.

و لتلميذه المحدث الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني (قدس سره) في شرحه على الرسالة المذكورة في توجيه ذلك و موافقته له على التوقف في هذه المسألة كلام لا يخلو من السهو و الإشكال الناشئ عن الاستعجال. و بالجملة فالحق عندي في المسألة ما تقدم ذكره.

تنبيه [لو هوى لا بقصد الركوع]

قد تقدم في الفصل الخامس في الركوع ان من جملة واجبات الركوع ان يقصد بهويه عن القيام اليه فلو هوى لا بقصده بل لغرض آخر لم يحصل بوصوله الى قوس الراكع ركوع، بل و لو نوى الركوع في تلك الحال فإنه لا يجزئه بل يجب عليه ان يقوم منتصبا و ينوي الهوى له.

و ظاهر الفاضل الخراساني التوقف في ذلك، قال في الذخيرة بعد ذكر وجوب القيام في الصورة الثانية من الصور المتقدمة: و ربما يقال انه معلل باستدراك الهوي إلى الركوع فإنه واجب و لم يقع بقصد الركوع. ذكر ذلك غير واحد من الأصحاب و للنزاع في إثبات وجوب الهوى المذكور مجال إلا ان اليقين بالبراءة من التكليف الثابت يقتضيه.

أقول: لا يخفى ان اللازم مما ذكره انه لو هوى في صلاته لتناول شيء حتى جاوز قوس الراكع هو بطلان صلاته لحصول الركوع إذ الركوع ليس إلا عبارة عن الانحناء حتى تصل يداه ركبتيه و قد حصل و ان لم يحصل القصد اليه و الذكر و الطمأنينة انما هي واجبات خارجة، و لا أظنه يلتزمه، مع ان العبادات مشروطة بالقصود و النيات فلا ينصرف الفعل الى كونه عبادة إلا بالنية و القصد إليها و إلا فهو في حد

159

ذاته أعم من ذلك كما تقدم تحقيقه في باب الوضوء من كتاب الطهارة و عليه دلت الأخبار الكثيرة

كقوله (عليه السلام) (1) «إنما الأعمال بالنيات».

و نحوه مما تقدم في الموضع المشار اليه.

و قد روى الشيخ و الصدوق عن زكريا الأعور (2) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يصلى قائما و الى جانبه رجل كبير يريد ان يقوم و معه عصا له فأراد أن يتناولها فانحط أبو الحسن (عليه السلام) و هو قائم في صلاته فناول الرجل العصا ثم عاد الى صلاته».

و هو مؤيد لما ذكرناه.

نعم

روى الثقة الجليل على بن جعفر في كتاب المسائل عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المرأة تكون في صلاتها قائمة يبكي ابنها الى جنبها هل يصلح لها ان تتناوله و تحمله و هي قائمة؟ قال: لا تحمل و هي قائمة».

قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل الخبر المذكور: «لا تحمل و هي قائمة» يمكن ان يكون ذلك لاستلزام زيادة الركوع بناء على عدم اشتراط النية في ذلك، و ظاهر بعض الأصحاب اشتراطها. ثم نقل كلام الشهيد في الذكرى الدال على وجوب القصد بالهوى الى الركوع ثم نقل رواية زكريا الأعور، و قال بعدها: و هذا يدل على الجواز و على الاشتراط المذكور. ثم قال: و ذكر العلامة و الشهيد و غيرهما مضمون الرواية من غير رد، و يمكن الجمع بينهما بحمل هذا الخبر على الفريضة أو الكراهة و خبر الأعور على النافلة أو على الجواز، و الأول أظهر. انتهى.

أقول: لا يخفى ان خبر على بن جعفر غير ظاهر في المنافاة ليحتاج الى تكلف الجمع بينه و بين خبر الأعور، فإنه (عليه السلام) انما نهى عن الحمل في الصلاة أعم من ان يكون بالتناول من الأرض أو لا به، و لو كان المراد النهى من حيث استلزام

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب 12 من القيام.

(3) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة.

160

حصول الركوع لكان الظاهر التعبير بقوله «لا تتناول» فإنه هو المستلزم لحصول الانحناء الموجب لكونه ركوعا و ان لم يكن مقصودا.

بقي الكلام في النهي عن الحمل مع ورود الأخبار الكثيرة بجواز مثله في الصلاة من الأفعال التي لا تعد كثيرة و هي مسألة أخرى لا تتعلق بمحل البحث، و لعل النهى محمول على الكراهة من حيث الإخلال بوظائف القيام من وضع اليدين في الموضع الموظف أو بالنسبة إلى القنوت أو نحو ذلك. و يعضد ما قلناه إطلاق

موثقة عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان تحمل المرأة صبيها و هي تصلي أو ترضعه و هي تتشهد».

و بالجملة فإن الخبر غير ظاهر المنافاة، مع ما عرفت من ان الأفعال في حد ذاتها لا تصلح لكونها عبادات يصح التقرب بها إلا باعتبار القصود إليها و النيات كما دلت عليه جملة من الأخبار المتقدمة في الموضع المشار اليه آنفا.

و حينئذ فالظاهر ان ما ذكره شيخنا المزبور بمحل من البعد و القصور و كأنه جرى على ما جرى عليه الفاضل المتقدم ذكره فإنه كثيرا ما يحذو حذوه في الأحكام و يعتمد كلامه في غير مقام كما لا يخفى على من له انس بطريقته في الكتاب المذكور. و الله العالم.

المطلب الثالث في الشك

و المراد به في هذا المقام عند الأصحاب- كما صرح به غير واحد- هو تساوى الاعتقادين و تكافؤهما، و المفهوم من كلام أهل اللغة انه ما قابل اليقين و هو حينئذ أعم من الشك بهذا المعنى و ما يشمل الظن، و التخصيص بهذا المعنى الذي ذكره الأصحاب اصطلاح أهل المعقول، فان العلم عندهم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، و الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح الغير المانع من النقيض و يقابله

____________

(1) الوسائل الباب 24 من قواطع الصلاة.

161

الوهم، و الشك عبارة عن تساوى الاعتقادين من غير ترجيح، و الأصحاب قد جروا في أكثر هذه المعاني في أبواب الفقه و جل الأحكام على كلام أهل اللغة.

و المفهوم من الأخبار ان العلم شرعا أعم مما ذكروه و من الظن، فان يقين الطهارة و الحلية المأمور بالأخذ بهما حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك انما هو عبارة عن عدم العلم بالرافع لا العلم بعدمه كما تقدم تحقيقه في الباب الخامس من كتاب الطهارة و الظن لغة لمعان: منها- الشك و اليقين، قال في كتاب مجمع البحرين نقلا عن بعضهم انه يقع لمعان أربعة: منها معنيان متضادان أحدهما الشك و الآخر اليقين الذي لا شك فيه، قال: فاما بمعنى الشك فأكثر من ان تحصى شواهده و اما بمعنى اليقين فمنه قوله عز و جل «وَ أَنّٰا ظَنَنّٰا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللّٰهَ فِي الْأَرْضِ وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» (1) ثم أطال الى ان قال: و المعنيان الغير المتضادين أحدهما الكذب و الآخر التهمة. إلى آخر كلامه زيد في مقامه. و اما الوهم فكثيرا ما يطلق في الأخبار على الظن كما سيأتي ان شاء الله تعالى.

و اما الشك فقد فسر في الصحاح و القاموس بأنه خلاف اليقين، و قال في كتاب المصباح المنير: قال أئمة اللغة الشك خلاف اليقين فقولهم خلاف اليقين هو التردد بين شيئين سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر، قال الله تعالى «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ» (2) قال المفسرون اى غير مستيقن و هو يعم الحالتين. و قال الأزهري في موضع من التهذيب الظن هو الشك و قد يجعل بمعنى اليقين. و قال في موضع آخر: الشك نقيض اليقين. ففسر كل واحد بالآخر، و كذلك قال جماعة. و قال ابن فارس الظن يكون شكا و يقينا، و قد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة نحو قولهم من شك في الطلاق و من شك في الصلاة أي لم يستيقن سواء رجح أحد الجانبين أم لا، و كذلك قولهم- من تيقن الطهارة و شك في الحدث و عكسه- انه يبنى على اليقين. انتهى ما ذكره في المصباح المنير.

____________

(1) سورة الجن الآية 12.

(2) سورة يونس الآية 94.

162

و بالجملة فالواجب الرجوع في كل جزئي من جزئيات الشك الى الروايات في ذلك المقام و ما تدل عليه من العموم أو الخصوص في هذه المعاني المذكورة كما سنشير اليه ان شاء الله تعالى في ما سيأتي منها.

و كيف كان فالبحث في هذا المطلب يقع في مسائل

[المسألة] (الأولى) [الشك في عدد الثنائية و الثلاثية مبطل]

لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه متى شك في عدد الثنائية- كالصبح و صلاة السفر و صلاة الجماعة و العيدين إذا كانت واجبة و الكسوف- و المغرب فإنه موجب لبطلانها و نقلوا الخلاف هنا عن ابن بابويه، قال في المنتهى: انه قول علمائنا اجمع إلا ابن بابويه فإنه جوز البناء على الأقل و الإعادة.

أقول: قد اشتهر في كلام الأصحاب من العلامة فمن دونه نقل الخلاف عن ابن بابويه في مواضع من الشكوك كما ستمر بك ان شاء الله تعالى مع انه لا أصل له و هذا من أعجب العجاب عند ذوي الألباب، و السبب في ذلك هو تقليد المتأخر للمتقدم من غير مراجعة لكلام ابن بابويه و النظر فيه بعين التأمل و التحقيق كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في ما نشرحه لك من البيان الرشيق، و من جملتها هذا الموضع فان كلامه فيه جار على ما جرى عليه الأصحاب و دلت عليه الأخبار في الباب، فإنه قال في كتاب الفقيه في باب أحكام السهو في الصلاة: و من شك في المغرب فعليه الإعادة و من شك في الغداة فعليه الإعادة و من شك في الجمعة فعليه الإعادة. و قال في كتاب المقنع: و إذا شككت في الفجر فأعد و إذا شككت في المغرب فأعد.

و سيأتيك قريبا ان شاء الله تعالى التنبيه على بقية المواضع التي نسبوا اليه فيها الخلاف ثم انه مما يدل على الحكم المذكور الأخبار الكثيرة: و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي و حفص بن البختري و غير واحد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا شككت في المغرب فأعد و إذا شككت في الفجر فأعد».

و ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

163

(عليه السلام) عن الرجل يصلى و لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين؟ قال يستقبل حتى يستيقن انه قد أتم، و في الجمعة و في المغرب و في الصلاة في السفر».

و عن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس في المغرب و الفجر سهو».

و ما رواه في التهذيب عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «إذا سهوت في المغرب فأعد».

و عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألته عن السهو في صلاة الغداة قال إذا لم تدر واحدة صليت أم ثنتين فأعد الصلاة من أولها، و الجمعة أيضا إذا سها فيها الامام فعليه ان يعيد الصلاة لأنها ركعتان، و المغرب إذا سها فيها فلم يدر كم ركعة صلى فعليه ان يعيد الصلاة».

أقول: قوله «لأنها ركعتان» كأنه ضابط كلي في وجوب الإعادة في الثنائية.

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن السهو في المغرب؟ قال يعيد حتى يحفظ، انها ليست مثل الشفع».

و عن العلاء بن رزين في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

«سألته عن الرجل يشك في الفجر؟ قال يعيد. قلت المغرب؟ قال نعم و الوتر و الجمعة، من غير أن اسأله».

و روى الصدوق في الخصال في القوى عن ابى بصير و محمد بن مسلم عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يكون السهو في خمس: في الوتر و الجمعة و الركعتين الأولتين من كل صلاة و في الصبح و المغرب».

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «سألته عن الرجل يصلى الفجر فلا يدرى أ ركعة صلى أو ركعتين؟ قال يعيد. فقال له بعض أصحابنا و انا حاضر: و المغرب؟

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(6) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(7) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

164

قال: و المغرب. فقلت له انا: و الوتر؟ قال نعم و الوتر و الجمعة».

[فوائد]

و في المقام فوائد يحسن التنبيه عليها

(الأولى) [توجيه ما دل على عدم إبطال الشك في الثنائية و الثلاثية]

قد روى الشيخ (قدس سره) عن عمار الساباطي في الموثق (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا؟ قال يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة.

ثم قال هذا و الله مما لا يقضى أبدا».

و عن عمار الساباطي (2) أيضا في الموثق قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة؟ قال يتشهد و ينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة فإن كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا و ان كان صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة. قلت فصلى المغرب فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال يتشهد و ينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة فإن كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا و ان كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة، و هذا و الله مما لا يقضى أبدا».

و هذان الخبران كما ترى ظاهر ان في المنافاة لما استفاض في الأخبار المعتضدة باتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) و الذي ينبغي ارجائهما الى قائلهما (عليه السلام) و أجاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب عنهما بأنه يحتمل ان يكون المراد من شك ثم غلب على ظنه الأكثر و تكون إضافة الركعة على وجه الاستحباب. و أجاب في الاستبصار بأنهما شاذان مخالفان للاخبار كلها فإن الطائفة قد اجتمعت على ترك العمل بهما. ثم احتمل حملهما على نافلتي الفجر و المغرب. و لا يخفى ما في هذا الحمل من البعد فان الخبرين ظاهران في الفريضة، فإن قوله «فيضيف إليها ركعة» في الأول و قوله: «فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا» في الثاني يناديان بان المراد بهما الفريضة، و كذا قوله في الخبر الثاني «كانت هذه تمام الصلاة».

قال في الوافي بعد استبعاد حمل الشيخ: أقول و يحتملان في المغرب الرخصة و ذلك لانه قد حفظ الركعتين و انما شك في الثالثة فلا يبعد الإتمام، و في إطلاق حديث

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

165

البقباق و الخبر الآتي (1) إشعار بذلك. ثم قال: و لو كان الراوي غير عمار لحكمنا بذلك إلا ان عمارا ممن لا يوثق باخباره.

و قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل خبر عمار الثاني و الكلام فيه:

و بالجملة فيشكل التعويل على هذا الخبر الذي هو رواية عمار الذي قلما يكون خبر من اخباره خاليا من تشويش و اضطراب في اللفظ أو المعنى و ترك الأخبار الكثيرة الصحيحة الدالة على البطلان و إلا كان يمكن القول بالتخيير. و اما قوله (عليه السلام) في آخر الحديثين «و هذا و الله مما لا يقضى أبدا» فلعل معناه ان هذا الحكم مما لا يقضى به العامة لأنهم يرون ان مثل هذا الشك مما يوجب الإعادة. انتهى.

أقول: و الأظهر في الخبرين المذكورين هو ما قدمنا ذكره و الحمل على التقية غير بعيد، و استقربه في الوسائل قال لموافقتهما لجميع العامة (2) و هو جيد و اما قوله (عليه السلام) «انه لا يقضى به ابدا» فالظاهر انه اشارة الى ان هذا الكلام انما خرج منه (عليه السلام) مخرج التقية في المخالفة بين الأحكام كما قدمنا بيانه في المقدمة الاولى من مقدمات كتاب الطهارة بمعنى انه لا يقضى به العامة لما ذكره و لا الشيعة أيضا لما استفاض في أخبارهم من إبطال هذا الشك للصلاة و وجوب الإعادة

الثانية [نسبة المخالفة إلى المقنع في الشك في المغرب]

- ان ما دلت عليه الأخبار المذكورة من بطلان الصلاة بالشك في

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة رقم (13) و (3).

(2) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 88 «إذا شك هل صلى ركعة أو ركعتين أو صلى ثلاثا أو أربعا لزمه ان يأخذ بالأقل و يأتي بما بقي» و في شرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري ج 3 ص 228 باب السهو في الصلاة «قال مالك و الشافعي و احمد و الجمهور متى شك في صلاته هل صلى ثلاثا أم أربعا مثلا لزمه البناء على اليقين فيجب أن يأتي بالرابعة و يسجد للسهو» و في نيل الأوطار للشوكانى ج 3 ص 97 «استدل بحديث ابن عوف على البناء على الأقل الشافعي و الجمهور» أقول: حديث ابن عوف يأتي في المسألة الثالثة- بعد نقل الأخبار الدالة على بطلان الصلاة بالشك في عدد الأوليين و الاخبار المعارضة لها- شاهدا على ورود الأخبار المعارضة للتقية.

166

المغرب هو المعروف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قد تقدم نقل ذلك عن الصدوق إلا ان العلامة في المختلف و الشهيد في الذكرى نقلا عنه في المقنع انه قال:

إذا شككت في المغرب فلم تدر أ في ثلاث أنت أم في أربع و قد أحرزت الثنتين في نفسك فأنت في شك من الثلاث و الأربع فأضف إليها ركعة أخرى و لا تعتد بالشك، و ان ذهب و همك إلى الثالثة فسلم و صل ركعتين بأربع سجدات و أنت جالس. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: و هو نادر. و كتاب المقنع لا يحضرني الآن لا راجع ذلك منه فليلاحظ.

ثم اعلم ان عموم النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق في وجوب الإعادة بين الشك في الزيادة و النقصان، و يعضده

ما رواه الشيخ عن الفضيل (1) قال: «سألته عن السهو فقال في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك».

الثالثة [الشك في صلاة الكسوف]

- الظاهر من الروايات ان الشك في الفريضة الثنائية و الثلاثية مبطل مطلقا واجبة بالأصل أو بالعارض كصلاة السفر و الصبح و الجمعة و العيدين الواجبين و صلاة الكسوف و الصلاة المنذورة ثنائية أو ثلاثية و ركعتي الطواف.

و ينبغي ان يعلم انه لو كان الشك في صلاة الكسوف فان كان الشك بين الركعة الاولى و الثانية أو بينهما و بين الثالثة بطلت لأنها ثنائية، و ان كان الشك انما هو في عدد الركوعات فان تضمن الشك في الركعتين كما لو شك هل هو في الركوع الخامس أو السادس؟ فإنه ان كان في السادس فهو في الركعة الثانية و ان كان في الخامس فهو في الركعة الأولى بطلت ايضا، و ان أحرز ما هو فيه و لكن شك في عدد الركوع فالأشهر الأظهر البناء على الأقل لأصالة عدم فعله، فهو في الحقيقة شك في فعل شيء و هو في محله فيأتي به كركوع الصلاة اليومية.

و في المسألة قولان نادران: أحدهما للقطب الراوندي و الثاني للسيد جمال الدين ابن طاوس في البشرى قد نقلهما في الذكرى و ردهما، من أحب الوقوف عليهما فليرجع الى الكتاب المذكور.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الخلل في الصلاة.

167

الرابعة [الشك في الوتر]

- ظاهر خبري الخصال و قرب الاسناد و كذا صحيح العلاء المنقول برواية الشيخ ان الشك في الوتر يوجب البطلان، و لا يخلو من الإشكال لأنها نافلة و المعروف من كلام الأصحاب هو التخيير في النافلة متى شك فيها بين البناء على الأقل و الأكثر و ان كان البناء على الأقل أفضل. و حملها على صلاة الوتر المنذورة و ان أمكن إلا انه لا يخلو من بعد. و يحتمل تخصيص عموم حكم النافلة بالأخبار المذكورة فيقال باستثناء الوتر من ذلك الحكم، و قد نقل بعض مشايخنا المحققين أنه الى ذلك صار بعض المتأخرين.

و قيل انه لما كان الوتر يطلق غالبا على الثلاث فيحمل على الشك بين الاثنتين و الثلاث إذ الشك بين الواحدة و الاثنتين شك في الشفع حقيقة و الشك بين الثلاث و الأربع نادر فيعود شكه إلى انه علم إيقاع الشفع و شك في انه أوقع الوتر أم لا و لما كانت الوتر صلاة برأسها فإذا شك في إيقاعها يلزمه الإتيان بها و ليس من قبيل الشك في الركعات. انتهى.

الخامسة [هل المراد بالشك ما هو أعم من الظن؟]

- ينبغي ان يعلم ان المراد بالشك في هذه المسألة ما هو أعم من الظن لمقابلة الشك فيها باليقين كما في صحيح محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام) «حتى يستيقن انه قد أتم» و التعبير في جملة من الأخبار المتقدمة بالدراية التي هي بمعنى العلم كما صرح به أهل اللغة مثل قوله (عليه السلام) «إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين» أي إذا لم تعلم، و نحوها غيرها، فإنه (عليه السلام) جعل مناط الإبطال عدم العلم الشامل للظن. و المفهوم من كلام جمهور الأصحاب (رضوان الله عليهم) حمل الشك على المعنى المشهور و حينئذ فلو ظن بنى على ظنه صحة و فسادا. و الأخبار تدفعه: منها- ما أشرنا اليه و منها- ما يأتي في المسألة الآتية بعد هذه المسألة.

و سيأتي لهذه المسألة زيادة تحقيق أيضا في المسألة الخامسة ان شاء الله تعالى.

المسألة الثانية [وجوب الإتيان بالمشكوك فيه إذا كان الشك في محله]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه إذا شك في شيء من أفعال الصلاة ركنا كان أو غيره فان كان في موضعه اتى به و ان انتقل عنه الى غيره مضى

168

في صلاته، و انه لا فرق في ذلك بين الأولتين و الأخيرتين.

و تفصيل هذه الجملة يقع في مقامات

(المقام الأول) [الأدلة على ذلك]

ان ما ذكروه من التلافي في محله و المضي بعده ركنا كان أو غيره مما لا اعرف فيه خلافا لا في كلام الأصحاب و لا في الأخبار.

و يدل على الأول أصالة عدم فعله و بقاء الخطاب بفعله مضافا الى جملة من الاخبار:

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمران الحلبي (1) قال: «قلت الرجل يشك و هو قائم فلا يدرى أ ركع أم لا؟ قال فليركع».

و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد».

و عن ابى بصير بإسنادين أحدهما في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك و هو قائم فلا يدري أ ركع أم لم يركع؟ قال يركع و يسجد».

و في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل سها فلم يدر سجد سجدة أم اثنتين؟ قال يسجد اخرى و ليس عليه بعد انقضاء الصلاة سجدتا السهو».

و ما رواه في الكافي عن ابى بصير (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر سجدة سجد أم سجدتين؟ قال يسجد حتى يستيقن انهما سجدتان».

و عن الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) «في رجل شبه عليه فلم يدر واحدة سجد أو ثنتين؟ قال فليسجد أخرى».

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 15 من السجود.

(3) الوسائل الباب 12 من الركوع.

(4) الوسائل الباب 15 من السجود.

(5) الوسائل الباب 15 من السجود.

(6) الوسائل الباب 15 من السجود.

169

و ما رواه في التهذيب عن ابى بصير و الحلبي (1) «في الرجل لا يدرى أ ركع أم لم يركع؟ قال يركع».

و جملة من هذه الأخبار و ان كانت مطلقة إلا انه يجب حملها على بقاء محل التدارك للاخبار المقيدة من قبيل حمل المطلق على المقيد، و الأخبار الآتية الدالة على انه يمضي في صلاته متى دخل في غيره.

و اما

ما رواه الشيخ عن الفضيل بن يسار في الصحيح (2)- قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا أدرى ركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلاتك فإنما ذلك من الشيطان».

- فحملها الشيخ (قدس سره) على انه أراد (عليه السلام) إذا استتم قائما من الركعة الرابعة فلا يدرى أ ركع في الثالثة أم لا؟ و لا يخفى بعده.

قال في الذخيرة بعد ذكر تأويل الشيخ و رده بأنه بعيد ما صورته: و الجمع بالتخيير ممكن إلا ان الظاهر انه لا قائل بمضمونه من الأصحاب. و يمكن أن يقال المراد بقوله «استتم قائما» القيام عن الانحناء و ظاهر ذلك حصول الركوع منه فيكون من باب الظن بالركوع فلم يجب عليه الركوع. أو يقال انه شك في الركوع بعد الاشتغال بواجب آخر و هو القيام عن الركوع. و لعل هذا الوجه أقرب. و يمكن أيضا تأويل هذا الخبر بالحمل على كثرة السهو و يشعر به قوله «استتم» بصيغة الاستقبال الدالة على الاستمرار التجديدي، و قوله (عليه السلام) «انما ذلك من الشيطان» لا يخلو من إيماء اليه. و فيه بعد. انتهى.

أقول: لا ريب ان ما ذكره من التأويل الأول و الثالث و هو الذي قربه لا يخلو من بعد، اما الأول فلان الخروج عن مضمون تلك الأخبار بهذا الخبر المجمل المتشابه لا يخلو من مجازفة. و اما الثالث فإنه متى علم انه واجب آخر و انه قيام عن

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 13 من الركوع.

170

الركوع فقد سقط البحث و لا معنى للسؤال حينئذ فكيف يقول «فلا أدرى أ ركعت أم لا؟» و الظاهر هو الوجه الثاني أو الرابع و هو الذي يعضده قوله (عليه السلام) «فإنما ذلك من الشيطان».

و يدل على الحكم الثاني جملة من الأخبار ايضا: و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة؟ قال يمضي. قلت رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبر؟ قال يمضي. قلت رجل شك في التكبير و قد قرأ؟ قال يمضى. قلت شك في القراءة و قد ركع؟ قال يمضى. قلت شك في الركوع و قد سجد؟

قال يمضى على صلاته. ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».

و عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو».

و عن إسماعيل بن جابر في الصحيح (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه».

و رواه الشيخ ايضا بسند آخر عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4).

____________

(1) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 13 من الركوع و 15 من السجود.

(4) هذه الرواية نقلها في الوافي في باب الشك في اجزاء الصلاة من التهذيب عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله «ع» و لم نقف عليها في الوسائل و التهذيب بعد الفحص عنها في مظانها. و لا يخفى ان صحيحة إسماعيل ابن جابر المذكورة في التهذيب ج 2 ص 153 رقم 602 من الطبع الحديث تشتمل على فرعين (أحدهما) و هو الصدر نسيان السجدة الثانية و ذكرها حال القيام. و (ثانيهما) و هو العجز الشك في الركوع و السجود بعد تجاوز المحل و هو يشتمل على الضابطة الكلية. و قد- ذكر مجموع الرواية في الوسائل بالتقطيع في الباب 14 من السجود رقم (1) و الباب 15 منه رقم «14» كما صنع كذلك في الوافي فأورد الفرع الأول في باب السهو في السجود و الثاني في باب الشك في الاجزاء. و قد روى الشيخ في التهذيب الفرع الأول عن الحسين ابن سعيد عن محمد بن سنان عن ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله «ع» قبل صحيحة إسماعيل بن جابر برقم 598 و لم يرد فيها ذكر الفرع الثاني أصلا و قد نقلها في الوسائل منه في الباب 14 من السجود برقم «4» و أوردها في الوافي في باب السهو في السجود. و كيف كان فالذي أورده في الوافي في البابين المذكورين- من ان الشيخ روى في التهذيب عن ابى بصير الفرعين المتقدمين بالطريق المتقدم كما رواهما عن سعد عن احمد بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن إسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله «ع»- لم نقف عليه في التهذيب و الوسائل و انما الموجود فيهما من طريق ابى بصير هو الفرع الأول فقط.

171

و عن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أشك و انا ساجد فلا أدرى ركعت أم لا؟ قال امض».

و عن حماد بن عثمان أيضا في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أشك و انا ساجد فلا أدرى ركعت أم لا؟ فقال قد ركعت امضه».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع؟ قال يمضى في صلاته».

بقي الكلام في انه هل المراد بالشك في هذه المسألة ما هو عبارة عن تساوى الطرفين خاصة أو ما يشمل الظن ايضا؟ ظاهر كلام الأصحاب الأول من غير خلاف يعرف و ظاهر النصوص المتقدمة هو الثاني و هو المؤيد بكلام أهل اللغة الذي قدمناه في صدر المطلب، فان قولهم (عليهم السلام) في جملة من تلك الأخبار (4)

«شك فلم يدر سجد أم لم يسجد».

يعنى لم يعلم سجد أم لا، و هو شامل لظن السجود فان عدم العلم أعم من ان يكون مترددا أو مرجحا لأحدهما ترجيحا لا يبلغ حد العلم و هو الظن عندهم. و أصرح من ذلك قولهم (عليهم السلام) في بعض تلك الأخبار (5)

«يسجد

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 13 من الركوع.

(3) الوسائل الباب 13 من الركوع.

(4) ص 168.

(5) ص 168.

172

حتى يستيقن انهما سجدتان».

و محل الاشكال المتفرع على القولين انه لو شك قبل تجاوز المحل مع ظن الإتيان بما شك فيه فإنه على تقدير كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) يمضي في صلاته و على تقدير ما قلناه يأتي بما شك فيه و ان ظنه حتى يستيقن الإتيان به، و في ما إذا تجاوز المحل لو ظن عدم الإتيان بما شك فيه فعلى كلام الأصحاب يجب الإتيان به و على ما قلناه يمضى بمجرد تجاوز المحل و ان ظن عدم الإتيان به و لا يلتفت الى هذا الظن في الموضعين.

و بالجملة فإنك قد عرفت من كلام أهل اللغة ان الشك عبارة عما يشمل الظن (1) بل ظاهرهم الاتفاق عليه و ظاهر هذه الأخبار يساعد ما ذكروه و لكن ظاهر الأصحاب كما عرفت. و المسألة لذلك محل إشكال فإن الخروج عن ما ظاهرهم الاتفاق عليه مشكل و موافقتهم مع ظهور الأدلة في خلاف ما ذهبوا إليه أشكل، و الاحتياط يقتضي العمل بما قلناه ثم الإعادة من رأس. و الله العالم.

(المقام الثاني) [هل يفرق في الحكمين المتقدمين بين الأوليين و الأخيرتين؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في الحكمين المتقدمين بين ان يكون في الأولتين و الأخيرتين، و قال الشيخ المفيد في المقنعة:

و كل سهو يلحق الإنسان في الركعتين الأولتين من فرائضه فعليه الإعادة. و حكى المحقق في المعتبر عن الشيخ قولا بوجوب الإعادة لكل شك يتعلق بكيفية الأولتين كأعدادهما. و نقل في الذكرى عن الشيخين القول بالبطلان إذا شك في أفعالهما كما إذا

____________

(1) العبارة في الطبعة القديمة ظاهرة النقص و قد كتب في الهامش في المقام العبارة التالية «كذا في عدة نسخ عندنا لكن الظاهر بمعونة آخر العبارة انه سقط بعد قوله «الظن» مثل هذه العبارة: لكن المشهور بين الأصحاب ان المراد بالشك هو بمعنى تساوي الطرفين فمخالفة ما اشتهر عندهم. و الله العالم» و في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية العبارة كما جاءت في هذه الطبعة، و يظهر ان الناسخ قد انتقل من كلمة «الاتفاق عليه» الاولى الى الثانية و أسقط ما بينهما.

173

شك في أعدادهما، قال و نقله الشيخ عن بعض القدماء من علمائنا، و نقله في المختلف عن الشيخ و غيره، قال نقل الشيخ و غيره عن بعض علمائنا إعادة الصلاة بكل سهو يلحق الركعتين الأولتين سواء كان في أفعالهما أو في عددهما و سواء كان في الأركان من الأفعال أو غيرها.

و يدل على المشهور ما تقدم من إطلاق الأخبار المتقدمة في كل من الحكمين فإنها بإطلاقها شاملة للأولتين و الأخيرتين، و كذا إطلاق الأخبار الدالة على صحة الصلاة بنسيان السجدة و قضائها بعد الصلاة. و اما ما ظاهره المعارضة كرواية المعلى ابن خنيس فقد تقدم الجواب عنها.

و اما ما يدل على قول الشيخين و من قبلهما فجملة من الروايات الصحيحة التي لم يتنبه لها أحد من الأصحاب في ما اعلم:

و منها-

صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كان الذي فرض الله على العباد من الصلاة عشر ركعات و فيهن القراءة و ليس فيهن و هم- يعنى سهوا- فزاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبعا و فيهن الوهم و ليس فيهن قراءة فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ و يكون على يقين، و من شك في الأخيرتين عمل بالوهم».

و إطلاقه شامل للاعداد و الأفعال و انه لا بد في الأوليين من اليقين فيهما فلا يكفي البناء على الظن كما عليه جمهور الأصحاب من انه لو ترجح أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه في الأوليين كان أو الأخيرتين. و ظاهر هذا الخبر و كذا ما يأتي من قبيله تخصيص ذلك بالأخيرتين.

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر و ركعتان من العصر

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.

174

و ركعتا الصبح و ركعتا المغرب و ركعتا العشاء الآخرة لا يجوز الوهم فيهن و من وهم في شيء منهن استقبل الصلاة استقبالا و هي الصلاة التي فرضها الله تعالى على المؤمنين في القرآن، و فوض الى محمد (صلى الله عليه و آله) فزاد النبي (صلى الله عليه و آله) في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة انما هو تسبيح و تهليل و تكبير و دعاء، و الوهم انما يكون فيهن».

و عن عبد الله بن سليمان العامري عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«لما عرج برسول الله (صلى الله عليه و آله) نزل بالصلاة عشر ركعات ركعتين ركعتين فلما ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) زاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبع ركعات. الى ان قال و انما يجب السهو في ما زاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فمن شك في أصل الفرض في الركعتين الأولتين استقبل صلاته».

و عن عمر بن أذينة في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) في بعض اخبار المعراج و هو طويل (2) قال (عليه السلام) في آخره: «و من أجل ذلك صارت الركعتان الأولتان كلما حدث فيهما حدث كان على صاحبهما إعادتهما».

و نقل ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب حريز بن عبد الله (3) قال: «قال زرارة قال أبو جعفر (عليه السلام) كان الذي فرض الله من الصلاة عشرا فزاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سبعا و فيهن السهو و ليس فيهن قراءة فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ و يكون على يقين. الحديث»،.

و لا يخفى ما في هذه الأخبار من الظهور في ما ادعاه أولئك الأعلام. و المراد من الوهم المنفي فيها هو الظن كما تكرر في الأخبار من

قولهم (عليهم السلام) (4) «و ان ذهب وهمك».

و نحوه.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.

(2) الوسائل الباب 1 من أفعال الصلاة.

(3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 7 و 10 و 11 و 15 من الخلل في الصلاة.

175

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (1) قال: «قال لي إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك».

و عن الوشاء (2) قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الإعادة في الركعتين الأولتين و السهو في الركعتين الأخيرتين».

و بهذين الخبرين استدل في المدارك للشيخين ثم أجاب عنهما بالحمل على حفظهما من الشك في العدد.

و أنت خبير بأنه لو خلينا و ظاهر هذه الروايات التي سردناها لأمكن تخصيص إطلاق الاخبار التي استدل بها للقول المشهور بهذه الأخبار لأنها خاصة و القاعدة تقتضي تقديم العمل بها.

إلا انك قد عرفت من صحيحة زرارة المتقدمة في أدلة الحكم الثاني من المقام الأول الدلالة على ان «من شك في التكبير و قد قرأ قال يمضى و من شك في القراءة و قد ركع قال يمضى» و هذا الشك لا يكون إلا في الأولتين مع انه (عليه السلام) حكم بصحة الصلاة و المضي فيها بعد تجاوز المحل، و مفهومه الرجوع لو لم يتجاوز المحل كما يدل عليه آخر الخبر و قد تقدم، و هو ظاهر في عدم بطلان الأوليين بالشك في الأفعال.

و نحوها في ذلك

رواية محمد بن منصور (3) قال: «سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها؟ فقال إذا خفت ألا تكون وضعت وجهك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة و تضع وجهك مرة واحدة و ليس عليك سهو».

و الشيخ أجاب عنها في التهذيب بان المراد بالركعة الثانية يعنى من الركعتين الأخيرتين، و لا يخفى ما فيه. و حينئذ فالواجب حمل إطلاق الأخبار المتقدمة على

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 14 من السجود.

176

الاعداد خاصة و استثناء الشك في الأفعال من عمومها بهذين الخبرين، و انه لا بد في العمل بالأعداد من البناء على اليقين فلو شك في عددهما ثم غلب عليه ظن أحد الطرفين فإنه لا يكفي في البناء عليه خلافا لظاهر الأصحاب بل لا بد من اليقين فيهما كما صرحت به هذه الأخبار.

(المقام الثالث) [هل يختص تجاوز المحل بالدخول في الأفعال أو يعم المقدمات؟]

- لا ريب في انه متى شك في فعل من الأفعال و قد دخل في غيره فإنه يمضى و قبل الدخول فيه يرجع لكن هذه الأفعال التي يترتب عليها هذا الحكم هل هي عبارة عن أفعال الصلاة المعدودة في كتاب الصلاة المفردة بالتبويب من النية و تكبيرة الإحرام و القيام و القراءة و الركوع و السجود و التشهد مثلا أو ما هو أعم منها و من مقدماتها كالهوي للركوع و الهوى للسجود و لما يركع و لما يسجد و النهوض للقيام و لما يستتم قائما و الرفع من السجود لأجل التشهد مثلا و نحو ذلك؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الأول و هو ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة في أول روايات الحكم الثاني من المقام الأول و صحيحة إسماعيل بن جابر (1) المروية أيضا عن ابى بصير (2).

و يدل عليه

صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل رفع رأسه من السجود فشك قبل ان يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد. قلت فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد».

و هي كما ترى ظاهرة في انه بالدخول في مقدمات الفعل يجب عليه الرجوع، و هو ظاهر في تخصيص الغيرية التي يترتب عليها الحكم المذكور بنفس تلك الأفعال دون مقدماتها.

إلا انه

قد روى ايضا هذا الراوي بعينه في الصحيح (4) قال: «قلت

____________

(1) ص 170.

(2) ارجع الى التعليقة 4 ص 170.

(3) الوسائل الباب 15 من السجود.

(4) الوسائل الباب 13 من الركوع.

177

لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟

قال قد ركع».

و هو ظاهر المنافاة لخبره الأول.

و العجب ان صاحب المدارك قد عمل بكل من الخبرين فقال في تعداد المواضع التي وقع الخلاف فيها في هذا المقام: الثاني- ان يشك في الركوع و قد هوى إلى السجود، و الأظهر عدم وجوب تداركه لصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله، ثم أورد الصحيحة الثانية، ثم قال: و قد قوى الشارح وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود و هو ضعيف. الى ان قال: الرابع- ان يشك في السجود و قد أخذ في القيام و لما يستكمله، و الأقرب وجوب الإتيان به كما اختاره الشهيدان لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، ثم ذكر الصحيحة الاولى.

و أنت خبير بما فيه و ذلك فان مقتضى القاعدة المنصوصة في الاخبار و كلام الأصحاب من انه متى شك في شيء و قد دخل في غيره فلا يلتفت و الا فإنه يرجع هو ان مناط الرجوع الى المشكوك فيه و عدم الرجوع هو الدخول في ذلك الفعل الآخر و عدمه، و حينئذ فإن صدق ذلك الغير على مقدمات الأفعال فما اختاره في الثاني جيد للصحيحة المذكورة لكنه يرد عليه ان ما اختاره في الرابع ليس كذلك و ان الصحيحة التي أوردها مما يجب تأويلها، و ان لم يصدق ذلك الغير على المقدمات بل يختص بالأفعال المعدودة أو لا كان الأمر بالعكس. و بالجملة فإن الروايتين المذكورتين قد تعارضتا في هذا الحكم فالقول بهما قول بالمتناقضين.

و اما ما أجاب به المحدث الكاشاني في الوافي- عن تعارض هاتين الروايتين حيث قال- بعد ذكر الصحيحة الأولى أولا ثم الثانية ثانيا- ما لفظه: (ان قيل) ما الفرق بين النهوض قبل استواء القيام و الهوى للسجود قبل السقوط له؟

حيث حكم في الأول في حديث البصري بالإتيان بالسجود المبتني على بقاء محله و حكم في الثاني هنا بالمضي المبتني على تجاوز وقت الركوع (قلنا) الفرق بينهما ان الهوى للسجود مستلزم للانتصاب الذي منه أهوى له و الانتصاب فعل آخر غير الركوع و قد

178

دخل فيه و تجاوز عن محل الركوع، بخلاف النهوض قبل ان يستتم قائما فإنه بذلك لم يدخل بعد في فعل آخر. انتهى- فالظاهر ضعفه (أما أولا) فلاستلزامه انه لو شك في حال القيام قبل الهوى للسجود في انه ركع أم لا انه يمضى و لا يركع مع انه لا خلاف نصا و فتوى في انه يجب عليه الركوع في الصورة المذكورة فكيف يتم ما ادعاه من ان الانتصاب فعل آخر يمضى مع الدخول فيه و انه تجاوز وقت الركوع؟

و (اما ثانيا) فان آخرية القيام و غيريته بالنسبة إلى الركوع انما تثبت لو كان مرتبته التأخر عنه كما هو في سائر الأفعال التي يجب المضي فيها بالشك في ما قبلها، و هو هنا غير معلوم لجواز ان يكون هذا القيام الذي أهوى عنه الى السجود انما هو القيام الذي يجب أن يركع عنه، و هذا هو السبب في وجوب الركوع لو شك و هو قائم كما هو مدلول الأخبار و كلام الأصحاب. و بالجملة فتوجيهه عندي غير موجه كما لا يخفى على التأمل.

و اما ما جرى عليه السيد السند (قدس سره)- من القول بالروايتين المذكورتين فأفتى في صورة الشك في الركوع و قد أهوى إلى السجود بأن الأظهر عدم وجوب تداركه للصحيحة التي ذكرها و افتى في ما إذا شك في السجود و قد أخذ في القيام و لما يستكمله بأن الأقرب وجوب الإتيان به- فقد عرفت ما فيه، و حينئذ فلا يخلو اما ان يخص ذلك الفعل الذي يتصل (1) بالدخول فيه بتلك الأفعال المعهودة التي أشرنا إليها آنفا كما هو ظاهر الشهيدين، و حينئذ فيجب الرجوع بالدخول في مقدماتها، و لهذا ذهب جده كما نقل عنه في الموضع الثاني إلى وجوب العود ما لم يصر الى حد السجود حيث انه يخص الفعل

____________

(1) هكذا في النسخة المطبوعة، و في ما وقفنا عليه من المخطوطة هكذا «الذي بالدخول فيه» من دون كلمة «يتصل» و الظاهر سقوط كلمة «يمضي» و نحوها بان تكون العبارة هكذا «الذي يمضى بالدخول فيه».

179

الموجب للمضى بتلك الأفعال المعدودة، و على هذا فيجب تأويل صحيحة عبد الرحمن الدالة على المضي في الصورة المذكورة، أو انه يقول بالعموم لمقدمات تلك الأفعال فيجب المضي في الصورتين، و حينئذ يجب تأويل صحيحة عبد الرحمن الأخرى أو القول بها و تخصيصها بموردها و العمل في ما عدا هذا الموضع بإطلاق الأخبار المتقدمة من صحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر و نحوهما باعتبار صدق الغيرية في المقدمات.

إذا عرفت هذا فاعلم ان الذي يقرب عندي هو القول بالفرق بين الأفعال المشار إليها آنفا و بين مقدماتها و انه لا يجب عليه المضي إلا بالدخول في تلك الأفعال وفاقا للشهيدين اما بالدخول في مقدماتها فإنه يرجع عملا بصحيحة عبد الرحمن الاولى و ما ذكروه- من عموم تلك الأخبار المتقدمة مثل صحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر و نحوهما باعتبار صدق الغيرية على مقدمات الأفعال و قد جعل (عليه السلام) المناط في المضي هو الدخول في الغير و الغيرية ثابتة في تلك المقدمات- فهو و ان تم في بادئ النظر إلا انه بالتأمل في الاخبار المذكورة ليس كذلك، و ذلك فان

قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر (1) «ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض».

يدل بمفهومه الشرطي الذي هو حجة عند المحققين على عدم المضي قبل ذلك و انه ليس هنا حد يوجب المضي في الأول قبل السجود و في الثاني قبل القيام، و حينئذ فقوله «كل شيء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره» و ان كان مطلقا كما تمسك به الخصم إلا انه يجب تقييده بما دل عليه صدر الخبر.

و هذا المعنى قد وقع

في صحيحة زرارة (2) على وجه ظاهر في ما ذكرناه حيث قال: «يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».

فإن عطف قوله «دخلت في غيره» ب«ثم» الدالة على المهلة و التراخي يشعر بوجود واسطة بين الدخول و الخروج كما هو موجود في تلك الأفعال المعدودة في الرواية،

____________

(1) ص 170.

(2) ص 170.

180

و إلا فالخروج عن الشيء مستلزم للدخول في غيره و التلبس به البتة فلا معنى لهذا التراخي و المهلة المدلول عليها ب«ثم» لو كان المراد ما هو أعم من الأفعال و مقدماتها و لعل الإجمال في الاخبار انما وقع بناء على معلومية الحكم يومئذ كما هو الآن معلوم بين الفقهاء فإنهم يعدون أفعال الصلاة و يفسرونها بهذه الأفعال المشار إليها آنفا المخصوصة بالبحث و التبويب في الكتب الفقهية و كذا في الاخبار.

و بالجملة فصحيحة عبد الرحمن الاولى صريحة في هذا الحكم فيحمل عليها إجمال هذين الخبرين بالتقريب الذي ذكرناه.

و اما صحيحته الثانية الدالة على انه متى شك حال الهوى للسجود في انه ركع قال (عليه السلام) «قد ركع» فالذي يقرب عندي انها ليست من محل البحث في شيء بل هي محمولة على كثير السهو، و لعله (عليه السلام) علم ذلك من قرينة الحال و السؤال يومئذ أو ان ذلك مجرد وسواس.

و مما يدفع الاستبعاد عما ذكرنا

صحيحة الفضيل المتقدمة قريبا (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا أدرى ركعت أم لا؟ قال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فإنما ذلك من الشيطان».

فإنه لا إشكال في ان من شك في الركوع و هو قائم انه يجب عليه الركوع كما دلت عليه الاخبار و اتفقت عليه كلمة الأصحاب مع انه (عليه السلام) أمره بالمضي و حكم بأنه ركع و نسب شكه الى مجرد الوسواس.

و مما يستأنس به لذلك ايضا قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل المذكورة «بلى قد ركعت» و في صحيحة عبد الرحمن ايضا (2) قال: «قد ركع» مع ان الأمر بالمضي بعد تجاوز الفعل المشكوك لا يستلزم التمام و انه انما أمر بالتجاوز لانه قد فعله بل وقع الأمر بذلك تسهيلا و تخفيفا في التكليف و دفعا لتسلط الشيطان، و في هاتين الروايتين قد حكم بأنه ركع و هو كناية عن عدم الالتفات الى الشك

____________

(1) ص 169.

(2) ص 176 و 177.

181

بالكلية كما في كثير الشك. و الله العالم.

(المقام الرابع) [مواضع وقع الخلاف فيها في البين]

- قد ذكر الأصحاب هنا مواضع وقع الخلاف فيها في البين:

منها- ان يشك في قراءة الفاتحة و هو في السورة

، و الظاهر ان المشهور وجوب الإعادة لعدم تحقق التجاوز عن المحل فإن القراءة الشاملة لكل من الفاتحة و السورة أمر واحد، و يعضده ما تقدم (1)

في صحيحة زرارة من قوله «شك في القراءة و قد ركع».

و نقل عن ابن إدريس انه قال لا يلتفت، و نقله ايضا عن الشيخ المفيد في رسالته الى ولده، و هو الأقرب.

و اليه مال في المعتبر ايضا حيث قال بعد ان نقل عن الشيخ القول بوجوب الإعادة: و لعله بناء على ان محل القراءتين واحد و بظاهر الاخبار يسقط هذا الاعتبار و اعترضه في المدارك بأنه غير جيد، قال: فإن الاخبار لا تدل على ما ذكره بل ربما لاح من قوله: «قلت شك في القراءة و قد ركع» انه لو لم يركع لم يمض. انتهى.

أقول: من المحتمل قريبا ان صاحب المعتبر انما أراد بالأخبار الأخبار الواردة في القراءة مما يؤذن بمغايرة الحمد للسورة كالأخبار الدالة على وجوب الحمد و انه لا تصح الصلاة إلا بها مع دلالة الاخبار على صحتها بترك السورة في مقام العذر و الضرورة و النافلة، و كذا مع اختلافها في وجوبها و استحبابها في الفريضة و جواز تبعيضها، فان جميع ذلك مما يدل على المغايرة التي هي مناط المضي، و بالجملة فإن التسمية منفردة و الأوامر الواردة في كل منهما مؤيدة و أحكامهما المتغايرة شاهدة و الى هذا القول يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة مستندا الى ثبوت الغيرية و دلالة الاخبار على انها هي المناط في المضي و عدم الرجوع. و اختاره ايضا شيخنا المجلسي في البحار مستندا الى الدليل المذكور، و قبلهما المحقق الأردبيلي

____________

(1) ص 170.

182

(طاب ثراه) في شرح الإرشاد.

و اما ما استند اليه في المدارك- من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «شك في القراءة و قد ركع» من دلالة مفهومه على عدم المضي لو لم يركع- ففيه أولا- انه معارض بما اشتملت عليه الصحيحة المذكورة و غيرها من جعل مناط المضي الغيرية و قد بينا ثبوتها بين الحمد و السورة.

و ثانيا- ما أجاب به في الذخيرة حيث قال: حجة القول الأول

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «قلت شك في القراءة و قد ركع».

فان التقييد بالركوع يقتضي مغايرة حكم ما قبل الركوع له. و قد تعلق بهذا الوجه جماعة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و هو ضعيف، لان التقييد ليس في كلامه (عليه السلام) بل في كلام الراوي فلا يصلح للاحتجاج، على انه ليس في كلام الراوي أيضا حكم على محل الوصف حتى يقتضي نفيه عما عداه بل سؤال عن حكم محل الوصف و لا دلالة في ذلك على شيء، سلمنا لكن دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق. انتهى.

و ربما استدل بعضهم للقول الأول بأن القراءة فعل واحد، و هو مردود بما ذكرناه من إثبات المغايرة، على انه يطلق على جميع الأفعال اسم الصلاة أيضا مع انه غير مانع من المغايرة في أفعالها اتفاقا.

أقول: القول بالفصل في المقام بناء على ما قدمنا تحقيقه من حمل الغير الذي يجب المضي فيه على تلك الأفعال المعدودة هو وجوب الرجوع في الصورة المذكورة و ما استدل به في المدارك على ذلك صحيح و الإيراد عليه بحديث الغيرية قد عرفت جوابه. و جواب صاحب الذخيرة عن الخبر المذكور مدخول بان الاعتماد في الاستدلال ليس على كلام السائل بل انما هو على جواب الامام (عليه السلام) فإنه في قوة قوله «إذا شك في القراءة و قد ركع فليمض» و مفهومه الشرطي الذي هو حجة عند المحققين انه إذا لم يكن كذلك فلا يمضى. و بالجملة فإن تقرير الإمام السائل

____________

(1) ص 170.

183

على ما ذكره و جوابه عنه بالمضي في قوة قوله هو نفسه (عليه السلام) بذلك. و قوله- ان دلالة المفهوم لا تعارض المنطوق- مردود بما قدمنا تحقيقه من حمل الغير في الرواية على تلك الأفعال المخصوصة جمعا بين الأخبار كما أوضحنا بيانه و شددنا أركانه و به يتجه قوة القول المشهور.

و ما أبعد ما بين هذا القول الأخير و بين ما نقل عن العلامة من وجوب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع، نقله عنه في الروض.

بقي الكلام في الآيات في كل من الفاتحة و السورة، و الظاهر من المحقق الأردبيلي القول بالمضي أيضا لحصول المغايرة، و به صرح ايضا الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال بعد نقل كلام في المقام: و مما ذكرنا يظهر ان الشك في أبعاض الحمد أو السورة بعد التجاوز عنه و الدخول في بعض آخر حكمه عدم الالتفات. انتهى.

و نفى عنه البعد شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار إلا انه قال: و يمكن ان يقال الرجوع هنا أحوط إذ القرآن و الدعاء غير ممنوع في الصلاة و دخول ذلك في القرآن الممنوع غير معلوم. انتهى.

و المسألة لا تخلو من توقف إذ الظاهر ان الأمر لا يبلغ الى هذا المقدار و إلا لجرى في الحروف في الكلمة الواحدة ايضا كأن يشك في إخراج الحرف الأول من الكلمة من مخرجه أو تشديده أو إعرابه بعد انتقاله الى آخرها، و هو بعيد لا أظن أحدا يلتزمه خصوصا على القول بتغيير الفعل الموجب للمضى فيه بتلك الأفعال المعدودة خاصة كما هو ظاهر الشهيدين و تخصيص الغيرية به أو مع العموم لمقدمات تلك الأفعال، و اما البلوغ في الغيرية الموجبة للمضى الى هذا الحد من الآيات في السورة الواحدة فمشكل و الأخبار تقتضي الرجوع كما ذكره شيخنا المشار اليه آنفا. و الله العالم.

و منها- الشك في السجود و هو في التشهد أو بعد ما تشهد و قبل الاستكمال قائما

، و مقتضى ما قدمناه من التحقيق هو عدم الرجوع لان التشهد أحد أفعال

184

الصلاة المعدودة مع ثبوت الغيرية بالدخول فيه، و به صرح الشيخ في المبسوط و جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم).

و ظاهر شيخنا الشهيد في الذكرى هو الرجوع في الصورة المذكورة استنادا الى قوله (عليه السلام)

في صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله المتقدمة (1) «رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال يسجد».

فإنه مطلق في العود الى السجود قبل استكمال القيام فيشمل ما لو كان بعد السجود تشهد أم لم يكن.

قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: لو شك في السجود و هو متشهد أو قد فرغ منه و لم يقم أو قام و لم يستكمل القيام يأتي به، و كذا لو شك في التشهد يأتي به ما لم يستكمل القيام لأصالة عدم فعل ذلك كله و بقاء محل استدراكه، و

لرواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (2) «في رجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ فقال يسجد».

انتهى.

و رده جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بحمل الخبر المذكور على ما إذا كان النهوض بعد السجود من غير تشهد في البين، و لا ريب انه هو ظاهر الخبر المذكور لقوله في الخبر: «رجل نهض من سجوده فشك» فان عطف الشك على النهوض بالفاء المقتضية للتعقيب بغير مهلة ظاهر في عدم تخلل التشهد بينهما، هذا مع دلالة صحيحة زرارة و إسماعيل بن جابر على المضي بالدخول في الغير و غيرية التشهد للسجود أمر ظاهر. و بالجملة فالظاهر بعد ما ذكره (قدس سره) و الله العالم.

و منها- الشك في الركوع و هو هاو الى السجود و لم يسجد

، و قد صرح في

____________

(1) ص 176 و في الوسائل الباب 15 من السجود.

(2) الوسائل الباب 15 من السجود. و الراوي لهذه الرواية- كما في التهذيب ج 1 ص 189 و الوافي باب الشك في اجزاء الصلاة و الوسائل- هو عبد الرحمن بن ابى عبد الله لا عبد الرحمن بن الحجاج.

185

المدارك بأن الأظهر عدم وجوب تداركه

لصحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله المتقدمة (1) الواردة «في رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟ قال قد ركع».

و قد صرح جده في الروض بان الواجب هو العود ما لم يصر الى حد السجود، و هو الذي استظهرناه في ما تقدم و بينا حمل الرواية المذكورة على غير ما ادعاه السيد المشار اليه ههنا. و يزيده تأييدا

قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر (2) «ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض».

فان مفهومه انه لو لم يسجد فلا يمضى بل يعود. و نحوه مفهوم صحيحتي حماد و محمد بن مسلم المذكورتين آنفا (3)

و منها- الشك في السجود أو التشهد بعد ان قام و استكمل القيام

، و الأشهر الأظهر المضي لأن القيام فعل آخر فيمضي بالدخول فيه حسبما دلت عليه الروايات المتقدمة.

قال في الذكرى: و به قال الشيخ في المبسوط. ثم نقل عنه انه قال في النهاية يرجع الى السجود و التشهد ما لم يركع إذا شك في فعله.

و في المدارك نقل هذا القول عن المبسوط حيث قال: و قال الشيخ في المبسوط يرجع الى السجود و التشهد ما لم يركع. و هو بعيد جدا. انتهى.

أقول: و كل من النقلين لا يخلو من خلل و سهو، اما ما نقله في المدارك عن المبسوط فليس كذلك بل كلامه فيه صريح في موافقة القول المشهور كما ذكره في الذكرى، و هذه عبارته في المبسوط، و ان شك في القراءة في حال الركوع أو في الركوع في حال السجود أو في السجود في حال القيام أو في التشهد الأول و قد قام إلى الثالثة فإنه لا يلتفت.

و اما ما نقله في الذكرى عن النهاية فهو كذلك بالنسبة إلى السجود خاصة دون التشهد، حيث قال في الكتاب المذكور: فان شك في السجدتين و هو قاعد أو قد قام قبل أن يركع عاد فسجد السجدتين. الى ان قال: و من شك في التشهد و هو

____________

(1) ص 76 و 177.

(2) ص 170.

(3) ص 171.

186

جالس فليتشهد فان كان شكه في التشهد الأول بعد قيامه إلى الثالثة مضى في صلاته و ليس عليه شيء.

ثم انه في الذكرى بعد ان نقل عن النهاية القول المتقدم ذكره احتج له

بحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (1) «في رجل سها فلم يدر سجد سجدة أم اثنتين؟

قال يسجد اخرى. الحديث».

و قد تقدم، قال و هو يشمل الشاك بعد القيام كما يشمل الشاك في الجلوس. ثم قال: و جوابه الحمل على الشك و لما يقم توفيقا بين الأخبار. انتهى. و هو جيد، و نحن قد أشرنا الى هذا الحمل ذيل الرواية المذكورة في ما تقدم.

و نقل العلامة في النهاية و الشهيد في الذكرى عن القاضي انه فرق في بعض كلامه بين السجود و التشهد فأوجب الرجوع بالشك في التشهد حال قيامه دون السجود و في موضع آخر سوى بينهما في عدم الرجوع. و حمل على انه أراد بالشك في التشهد تركه ناسيا لئلا يتناقض كلامه.

و قد تقدم النقل عن العلامة انه أوجب العود الى السجود عند الشك فيه بعد القراءة ما لم يركع. و لو حمل كلامه على السهو و أراد السهو كما حمل عليه كلام القاضي لكان وجها، و يدل صريحا على وجوب المضي بالشك في السجود بعد القيام

قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة (2) «و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض».

و الله العالم.

و منها- ما لو شك في القراءة و هو قانت

، و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض الميل الى وجوب الرجوع بناء على تخصيص المضي بالأفعال المعدودة المتقدمة التي هي واجبات الصلاة.

قال (قدس سره): مقتضى الصحيحتين عدم وجوب العود و مفهوم

قوله (عليه السلام) في خبر زرارة (3) «قلت شك في القراءة و قد ركع؟ قال يمضى».

انه لو لم يكن

____________

(1) الوسائل الباب 15 من السجود.

(2) ص 170.

(3) ص 170.

187

ركع يعود فيدخل فيه ما لو كان قانتا، و خبر عبد الرحمن يقتضيه أيضا فإن العود الى الفعل مع الشروع في واجب و ان لم يكن مقصودا بالذات قد يقتضي العود مع الشروع في المندوب بطريق اولى. و يمكن أن يقال هنا ان القنوت ليس من أفعال الصلاة المعهودة فلا يدخل في الخبرين. ثم قال: و لا يكاد يوجد في هذا المحل احتمال أو إشكال إلا و بمضمونه قائل من الأصحاب. انتهى.

أقول: اما ما ذكره من ان مقتضى الصحيحتين- يعنى صحيحتي زرارة و إسماعيل ابن جابر- ذلك فهو جيد من حيث الغيرية و يعضده انه فعل آخر من أفعال الصلاة و ان لم يكن من الواجبات المعدودة.

و اما الاستناد إلى صحيحة زرارة المذكورة في وجوب العود في غير ظاهر، و ذلك فان الظاهر من سؤالات زرارة في هذا الخبر الترتيب فيها و ان مراده بالقراءة و الركوع انما هو باعتبار الركعة الأولى التي لا قنوت فيها، و إدخال الركعة الثانية و ان أمكن باعتبار عموم الكلام أو إطلاقه لكن سياق الخبر يشعر بان المراد انما هو الركعة الأولى و لا أقل أن يكون ما ذكرناه احتمالا يسقط به الاستدلال في هذا المجال.

و اما الاستناد الى خبر عبد الرحمن بالتقريب الذي ذكره ففيه ان الأظهر ان يقال- باعتبار ما قدمه من الفرق بين الأفعال و بين مقدماتها و هي التي أشار إليها هنا بأنها غير مقصودة بالذات من انه بالدخول في الأفعال يمضي و بالدخول في المقدمات يرجع- ان الواجب هنا هو المضي لأن القنوت من جملة الأفعال و ان كان مستحبا على المشهور و الرجوع مخصوص بالمقدمات و القنوت ليس كذلك، و الرجوع و المضي ليس معلقا بالواجب و عدمه ليتجه هنا انه متى جاز الرجوع من الواجب و ان لم يكن مقصودا ذاتيا جاز من المستحب بطريق اولى بل المناط فيه انما هو آخرية الفعل و كونه فعلا مستقلا ليس مقدمة لغيره واجبا كان أو مستحبا.

188

فروع

الأول- لو تدارك ما شك فيه

في محله ثم ذكر فعله فالمشهور انه ان كان ركنا أعاد للزوم زيادة ركن في الصلاة و ان كان واجبا آخر فلا بأس سجدة كان أو غيرها و قال المرتضى (رضى الله عنه): ان شك في سجدة فاتى بها ثم ذكر فعلها أعاد الصلاة و هو قول ابى الصلاح و ابن ابى عقيل، و لعله لقولهم بركنية السجدة الواحدة، إلا ان الدليل عليه غير ناهض بالدلالة.

و يدل على عدم الإبطال بزيادة السجدة

صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل صلى فذكر انه زاد سجدة؟ فقال لا يعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة».

و موثقة عبيد بن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر أسجد ثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثم استيقن انه قد زاد سجدة؟ فقال لا و الله لا تفسد الصلاة زيادة سجدة- و قال لا يعيد صلاته من سجدة و يعيدها من ركعة».

الثاني- لو تلافى ما شك فيه بعد الانتقال

فالظاهر البطلان كما صرح به جملة من الأصحاب ان تعمد ذلك، و عللوه بالإخلال بنظم الصلاة، و لأن المأتي به ليس من أفعال الصلاة. و قال في الذخيرة بعد نقل ذلك: و فيه تأمل نعم يتوقف تحصيل البراءة اليقينية من التكليف على ترك التدارك. انتهى. و احتمل الشهيد في الذكرى عدم البطلان بناء على ان ترك الرجوع رخصة.

أقول: لا ريب أن الأخبار المتقدمة قد اتفقت على الأمر بالمضي فالواجب حينئذ هو المضي، و حمل ذلك على الرخصة تخرص لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر النصوص و العبادات توقيفية، و هذا هو الذي رسمه صاحب الشريعة (صلى الله

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الركوع.

(2) الوسائل الباب 14 من الركوع.

189

عليه و آله) فيها فالخروج عنه من غير دليل يدل عليه تشريع محض موجب لبطلان العبادة. و الله العالم.

الثالث- لو شك في الركوع و هو قائم

فركع ثم ذكر في أثناء الركوع انه قد ركع سابقا فالمشهور بين المتأخرين بطلان الصلاة، و ذهب الكليني في الكافي و الشيخ و المرتضى و ابن إدريس إلى أنه يرسل نفسه الى السجود و لا شيء عليه.

حجة الأولين انه قد زاد ركوعا إذ ليس رفع الرأس جزء من الركوع.

و قال في الذكرى بعد نقل القول الثاني: و هو قوي لأن ذلك و ان كان بصورة الركوع إلا انه في الحقيقة ليس بركوع لتبين خلافه، و الهوى إلى السجود مشتمل عليه و هو واجب فيتأدى الهوي إلى السجود به فلا تتحقق الزيادة حينئذ بخلاف ما لو ذكر بعد رفع رأسه من الركوع فإن الزيادة حينئذ متحققة لافتقاره إلى هوي السجود قال في المدارك بعد نقله ذلك: و لا يخفى ضعف هذا التوجيه نعم يمكن توجيهه بان هذه الزيادة لم تقتض تغيير الهيئة الصلاة و لا خروجا عن الترتيب الموظف فلا تكون مبطلة و ان تحقق مسمى الركوع لانتفاء ما يدل على بطلان الصلاة بزيادته على هذا الوجه من نص أو إجماع. و لا يشكل ذلك بوجوب إعادة الهوي للسجود حيث لم يقع بقصده و انما وقع بقصد الركوع، لأن الأظهر ان ذلك لا يقتضي وجوب إعادته كما يدل عليه فحوى صحيحة حريز المتضمنة لان من سها في الفريضة فأتمها على انها نافلة لا يضره (1) و قد ظهر بذلك قوة هذا القول و ان كان الإتمام ثم الإعادة طريق الاحتياط. انتهى.

أقول: و مرجع ما ذكره جملة من المتأخرين في توجيه كلام المتقدمين مما نقلناه و ما لم ننقله يرجع الى وجوه: (أحدها) ان الانحناء الخاص مشترك بين الركوع و الهوى إلى السجود و انما يتميز الأول عن الثاني بالرفع منه و لم يثبت ان مجرد القصد يكفي في كونه ركوعا فإذا لا يلزم زيادة الركن. و (ثانيها) ما ذكره الشهيد في

____________

(1) الوسائل الباب 2 من النية.

190

الذكرى. و (ثالثها) ما ذكره في المدارك. و (رابعها) انه بعد تسليم تحقق الزيادة فإن المنساق الى الذهن مما دل على ان الزيادة في الصلاة مبطلة و كذا ما دل على ان زيادة الركوع مبطلة غير هذا النحو من الزيادة.

و لا يخفى ما في الجميع من الوهن و الضعف فان بناء الأحكام الشرعية التي استفاضت الآيات و الروايات بوجوب كونها عن علم و يقين بمثل هذه التخريجات الضعيفة و التقريبات السخيفة لا يخلو من المجازفة في أحكام سبحانه.

و الظاهر ان الحامل لهم على ارتكاب هذه التكلفات في توجيه القول المذكور هو ذهاب صاحب الكافي اليه و إفتاؤه به و إلا فإنهم لا يعبأون بأقوال الشيخ و المرتضى و نحوهما و لا يحافظون عليها و يتكلفون تصحيحها ان لم يقابلوها بالرد و الاعتراض.

أقول: ان الله لا يستحيى من الحق، فإن كان صاحب الكافي إنما افتى بذلك لنص وصل اليه- و هو الظاهر لأنه من أرباب النصوص- فان حكمنا في ذلك غير حكمه لعدم وصول النص إلينا و عدم وجوب تقليده علينا، و ان كان انما هو لمجرد استنباط كما ذهب اليه غيره فالأمر أظهر من ذلك. نعم لو كان لهذه الفتوى شهرة في كلام غيره من المعاصرين له و المتقدمين عليه و المتأخرين عنه من المتقدمين لأمكن الاعتماد عليها كما تقدم التصريح به في صدر كتاب الطهارة في المقدمة التي في الإجماع و كيف كان فكلام المتأخرين و ما عللوا به الإبطال لا يخلو من قوة كما اعترف به هؤلاء المخالفون في المسألة في غير موضع- إلا انه لعدم النص في المسألة فالواجب فيها الاحتياط بالإتمام كما ذكره القائلون بالصحة ثم الإعادة كما ذكره الآخرون فإن المسألة عندي من المتشابهات الواجب فيها الاحتياط. و الله العالم.

الرابع [ضابط التجاوز عن المحل]

- قد عرفت ان ضابط التجاوز عن المحل في الشك هو الشروع في فعل موضعه بعد ذلك الفعل ركنا كان أو غيره، بقي الكلام في التخصيص بأفعال مخصوصة أو ما هو أعم و قد تقدم الكلام فيه.

191

و ضابط التجاوز في السهو فوت المحل بان يدخل في ركن يكون بعد ذلك المنسي أو يكون تداركه مستلزما لتكرار ركن أو تكرار جزء من ركن، أما تكرار الركن فكنسيان ذكر الركوع حتى رفع رأسه منه و انتصب قائما، و كذا نسيان الطمأنينة فيه، فان تدارك ذلك موجب لتكرار الركوع. و اما تكرار جزء من الركن فهو كنسيان ذكر احدى السجدتين و تذكره بعد الرفع، فان العود اليه و ان لم يوجب تكرار الركن لكن يوجب تكرار جزء منه فإن السجدة الواحدة جزء من الركن و هو السجدتان، و حينئذ فليس لناسي ذكر الركوع أو الطمأنينة فيه حتى ينتصب الرجوع فيه و لا لناسي الرفع من الركوع أو الطمأنينة في الرفع حتى يسجد الرجوع و كذا ناسي الذكر في السجدتين حتى رفع رأسه من السجدة الثانية أو الذكر في إحدى السجدتين أو السجود على الأعضاء السبعة سوى الجبهة أو الطمأنينة فيهما أو في الجلوس بينهما أو إكمال الرفع من السجدة الأولى حتى سجد ثانيا. و كذا لو شك في شيء من ذلك فليس له الرجوع الى استدراك شيء من ذلك. و لا تبطل صلاته بتركها و لا يلزمه شيء سوى سجود السهو على القول بكونه لكل زيادة و نقيصة.

و المستند في الجميع فوات محل التدارك و عدم الدليل على الرجوع إليها أو على بطلان الصلاة بتركها ناسيا، و قد وردت جملة من الروايات بخصوص بعض هذه المواضع. و الله العالم.

الخامس- لو شك بعد رفع رأسه من الركوع هل وصل الى حد الراكع أم لا؟

مع جزمه بتحقق الانحناء في الجملة و كون هويه بقصد الركوع فالأقرب العود، لانه يرجع الى حكم الشاك في الركوع قائما و قد صرحت الأخبار بوجوب الرجوع عليه و كذا صرح الأصحاب.

و من الأخبار

صحيحة عمران الحلبي (1) قال: «قلت الرجل يشك و هو قائم فلا يدرى أ ركع أم لا؟ قال فليركع».

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الركوع.

192

و احتمل بعض مشايخنا عدم العود

لرواية الفضيل بن يسار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) استتم قائما فلا أدرى ركعت أم لا؟ فقال بلى قد ركعت فامض في صلاتك فإنما ذلك من الشيطان».

و قد قدمنا الكلام في هذا الخبر و انه لا يصلح لمعارضة تلك الأخبار الناصة على وجوب الرجوع المعتضدة بكلام الأصحاب و بينا ان الظاهر حمله على كثير الشك فان الغالب ان مثل هذا الشك لا يصدر الا منه، و قوله (عليه السلام) «فإنما ذلك من الشيطان» ظاهر في التأييد لما قلناه. و ربما حمل الخبر المذكور على القيام من السجود أو التشهد. و هو و ان كان لا يخلو عن بعد إلا انه لضرورة الجمع بين الأخبار غير بعيد، و كم مثله بل أبعد منه في أمثال هذه المقامات و لا سيما في كلام الشيخ (قدس سره) و الله العالم.

(المسألة الثالثة) [بطلان الصلاة بالشك في عدد الأوليين]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في بطلان الصلاة بالشك في عدد الأوليين.

و قد نقل الأصحاب من العلامة فمن بعده عن الصدوق هنا ايضا القول بجواز البناء على الأقل، قال العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى انه قول علمائنا أجمع إلا أبا جعفر ابن بابويه فإنه قال: «لو شك بين الركعة و الركعتين فله البناء على الأقل» و تناقل هذه العبارة عن الصدوق جملة من تأخر عنهم كصاحب المدارك و غيره مع انا لم نقف عليها في كلامه بل الموجود فيه ما يخالفها و يطابق القول المشهور.

و هذا الموضع الثاني من مواضع نقولاتهم المختلفة عنه (رضى الله عنه) في هذا المقام فإنه قال في كتاب الفقيه: و الأصل في السهو ان من سها في الركعتين الأولتين من كل صلاة فعليه الإعادة و من شك في المغرب. الى آخر ما قدمناه عنه في صدر المسألة الاولى.

و لا يخفى ان مراده بالسهو هنا- كما ذكره ايضا المحقق المشهور بخليفة سلطان

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الركوع.

193

في حواشيه على الكتاب- انما هو الشك بقرينة ما بعد العبارة المذكورة، قال المحقق المذكور: الظاهر ان المراد الشك في عدد الأولتين لا كل سهو وقع فيهما فإنه لو كان السهو فيهما عن غير الركن أو عن الركن و تمكن من استدراكه في محله فليس عليه إعادة الصلاة. انتهى.

أقول: و يوضح ذلك قوله في آخر العبارة: و معنى الخبر الذي

روى (1) «ان الفقيه لا يعيد الصلاة».

انما هو في الثلاث و الأربع لا في الأولتين. و هو كما ترى صريح في حكمه بوجوب الإعادة بالشك في الأولتين. هذا كلامه في الكتاب المذكور و قال أيضا في كتاب المقنع: إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فأعد الصلاة و روى ابن على ركعة. انتهى. و هو كما ترى صريح في الفتوى بوجوب الإعادة كما عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) و انما نسب البناء على الأقل إلى الرواية.

ففي أي موضع هذه العبارة التي نقلوها عنه و تبع المتأخر فيها المتقدم؟ و هذا كلامه في الكتابين صريح في موافقة الأصحاب (رضوان الله عليهم) و جل الروايات الواردة في الباب، ما هذا إلا عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الأطياب. و نحوه ما سيأتي ان شاء الله تعالى أيضا في المقام.

و نقل في الذكرى عن الشيخ على بن بابويه انه قال: إذا شك في الركعة الاولى و الثانية أعاد، و ان شك ثانيا و توهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا، و ان توهم الأولى بنى عليها و تشهد في كل ركعة، فإن تيقن بعد التسليم الزيادة لم يضر لان التسليم حائل بين الرابعة و الخامسة، و ان تساوى الاحتمالان تخير بين ركعة قائما و ركعتين جالسا. انتهى. ثم قال في الذكرى: و أطبق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الإعادة و لم نقف له على رواية تدل على ما ذكره من التفصيل.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 225 و في الوسائل الباب 1 رقم (5) و الباب 9 رقم (3) و الباب 29 رقم (1) من الخلل في الصلاة.

194

أقول: و الذي يدل على القول المشهور و هو المؤيد المنصور جملة من الأخبار المتكاثرة:

و منها-

ما رواه الشيخ عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: «قال لي إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك».

و عن ابى بصير في الصحيح أو الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا سهوت في الركعتين الأولتين فأعدهما حتى تثبتهما».

و عن رفاعة في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يدرى أ ركعة صلى أم ثنتين؟ قال يعيد».

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين؟ قال يعيد».

و عن الحسن بن على الوشاء (5) قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الإعادة في الركعتين الأولتين و السهو في الركعتين الأخيرتين».

و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (6) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل شك في الركعة الأولى؟ قال يستأنف».

و عن عنبسة بن مصعب (7) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا شككت في الركعتين الأولتين فأعد».

و عن سماعة في الموثق (8) قال قال: «إذا سها الرجل في الركعتين الأولتين من الظهر و العصر و لم يدر واحدة صلى أم ثنتين فعليه ان يعيد الصلاة».

و عن إسماعيل الجعفي و ابن ابى يعفور عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (9) انهما قالا: «إذا لم تدر أ واحدة صليت أم ثنتين فاستقبل».

هذه جملة ما حضرني من الأخبار الدالة على القول المشهور و هي في دلالتها

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(6) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(7) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(8) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(9) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

195

واضحة الظهور لا يعتريها خلل و لا قصور.

إلا انه قد ورد بإزائها بعض الأخبار الدالة على البناء على الأقل و استدل من نسب بزعمه الى ابن بابويه القول بالبناء على الأقل بهذه الأخبار و قد عرفت فساد النسبة و انها غلط بلا ريبة.

و من الأخبار المشار إليها

ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أ ركعتين صلى أم واحدة؟ قال يتم».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (2) قال:

«في الرجل لا يدرى ركعة صلى أم ثنتين؟ قال يبنى على الركعة».

و عن عبد الله بن ابى يعفور في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أ ركعتين صلى أم واحدة؟ قال يتم بركعة».

و أجاب الشيخ عن هذه الأخبار (أولا) بأنها أخبار قليلة و ما تضمن الإعادة كثير جدا و لا يجوز العدول عن الأكثر إلى الأقل. و (ثانيا) بالحمل على النافلة إذ لا تصريح فيها بكون الشك في الفريضة.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هذا الحمل و ان كان بعيدا إلا انه لا بأس بالمصير اليه لضعف هذه الروايات من حيث السند و لو صح سندها لأمكن القول بالتخيير بين البناء على الأقل و الاستئناف كما اختاره ابن بابويه. انتهى.

أقول: بل الحق في ذلك انما هو حمل هذه الأخبار على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية.

و يدل على ذلك

ما رواه مسلم في صحيحة (4) بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(4) رواه الترمذي في صحيحة على هامش شرحه لابن العربي ج 2 ص 188 و حكاه العيني في عمدة القارئ ج 3 ص 749 عنه كما في تيسير الوصول ج 2 ص 260 ايضا و رواه البيهقي في السنن ج 2 ص 332، و رواه ابن تيمية في المنتقى على هامش شرحه نيل الأوطار ج 3 ص 96 و ذكر رواية أحمد و ابن ماجة و الترمذي له و لم يذكر الشوكانى في الشرح رواية مسلم له كما لم يذكر ذلك في السنن، و لم نجده في صحيح مسلم في باب سجود السهو. و لكن في البحار ج 18 الصلاة ص 649 حكاه عن مسلم.

196

قال: «سمعت النبي (صلى الله عليه و آله) يقول إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، و ان لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليبن على اثنتين، و ان لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليبن على ثلاث و يسجد سجدتين قبل ان يسلم».

قال البغوي في شرح السنة بعد نقل الخبر المذكور: هذا الحديث يشتمل على حكمين (أحدهما) انه إذا شك في صلاته فلم يدر كم ركعة صلى يأخذ بالأقل.

و (الثاني) ان محل سجدتي السهو قبل السلام. اما الأول فأكثر العلماء على انه يبنى على الأقل و يسجد للسهو. الى آخر كلامه.

و بذلك يظهر بطلان ما ذكره من الاحتمال و ان فرضنا صحة تلك الأخبار و ان الحمل على التقية كما هو القاعدة المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) مما لا ريب فيه و لا اشكال، و سيأتي ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد إيضاح و تأييد لذلك بتوفيق الملك المتعال.

هذا. و اما ما ذكره الشيخ أبو الحسن على بن بابويه و اعترضه من وصل اليه كلامه بعدم الوقوف له على دليل فدليله انما هو كتاب الفقه الرضوي على الطريق التي عرفت و ستعرف في غير مقام

حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) «و ان شككت في الركعة الاولى و الثانية فأعد صلاتك، و ان شككت مرة أخرى فيهما و كان أكثر وهمك إلى الثانية فابن عليها و اجعلها ثانية فإذا سلمت صليت ركعتين من قعود بأم الكتاب، و ان ذهب وهمك إلى الأولى جعلتها الاولى و تشهدت في كل ركعة، و ان استيقنت بعد ما سلمت ان التي بنيت عليها واحدة كانت ثانية

____________

(1) ص 10.

197

و زدت في صلاتك ركعة لم يكن عليك شيء لأن التشهد حائل بين الرابعة و الخامسة و ان اعتدل وهمك فأنت بالخيار ان شئت صليت ركعتين من قيام و إلا ركعتين و أنت جالس».

ثم انه نقل في الذكرى ايضا عن الشيخ على بن بابويه على اثر العبارة المتقدمة انه قال أيضا: فإن شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام و ركعتين من جلوس. ثم قال: و ربما استند إلى

صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) «عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم ثلاثا؟ قال يبنى على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهد تشهدا خفيفا».

قال: و ظاهر الجزم الاحتياط بما ذكر لانه بناء على الأكثر ثم التدارك. انتهى.

أقول: و هذا ايضا من قبيل ما قدمناه فإن عبارة الشيخ المذكور عين عبارة الكتاب المشار إليه في هذا الموضع ايضا

حيث قال (عليه السلام) (2): و ان شككت فلم تدر ثنتين صليت أم ثلاثا أم أربعا فصل ركعة من قيام و ركعتين و أنت جالس، و كذلك ان شككت فلم تدر واحدة صليت أم ثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام و ركعتين و أنت جالس.

انتهى.

و أنت خبير بان اعتماد الشيخ المشار اليه على الإفتاء بعبارة الكتاب المذكور- في المسألة التي هي محل البحث في مقابلة تلك الاخبار الصحاح الصراح المتكاثرة و ترجيحه العمل بهذا التفصيل على ما دلت عليه تلك الأخبار- أظهر ظاهر في صحة نسبة هذا الكتاب اليه (عليه السلام) زيادة على نسبة تلك الأخبار إليهم (عليهم السلام) كما لا يخفى، و منه يظهر قوة الاعتماد على الكتاب المذكور و الرجوع إليه في الأحكام الشرعية لاعتماد هذا العمدة في رسالته من أولها إلى آخرها عليه كما أوضحناه في غير مقام مما تقدم. و سيأتي مثاله في الأبواب الآتية و الكتب التالية. و الله العالم

(المسألة الرابعة) [وجوب الإعادة على من لم يدر كم صلى]

- لا خلاف بين الأصحاب (عطر الله مراقدهم) في انه لو لم

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 10.

198

يدر كم صلى فإنه يجب عليه الإعادة.

و قد نسبوا الى الصدوق أيضا في هذه المسألة الخلاف السابق الذي زعموا قوله به، قال في المدارك بعد ذكر هذا الحكم: و مقتضى كلام ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه جواز البناء على الأقل في مثل هذه المسألة أيضا. و نحوه قال الفاضل الخراساني في الذخيرة.

أقول: الظاهر انه أشار في المدارك بقوله «و مقتضى كلام ابن بابويه» الى ما قدمنا نقله عنه في المسألة السابقة من نقل تلك العبارة المتقدمة عن الصدوق مع انك قد عرفت انه لا عين لها و لا اثر بل المصرح به فيه خلاف ذلك، و كذلك في هذا الموضع فإنه قد صرح فيه بما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث انه قال في الكتاب المذكور: و من لم يدر كم صلى و لم يقع وهمه على شيء فليعد الصلاة. انتهى. و هو عين ما افتى به الأصحاب و دلت عليه أخبار الباب.

و لا أدرى كيف اتفقوا على هذه النقولات الظاهرة الخلل و اجتمعوا على الوقوع في هذا الخلل و الزلل و كتاب الفقيه بمنظر منهم و سيأتي مثله ايضا.

نعم ربما ظهرت المخالفة في هذه المسألة من كلام والده في الرسالة على ما تقدم نقله في الذكرى عنه من قوله: فان شككت فلم تدر واحدة صليت أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام و ركعتين من جلوس. و قد قدمنا ان ذلك مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي.

و كيف كان فالمعتمد هو القول المشهور لدلالة الأخبار المتكاثرة عليه، و منها

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «ان كنت لا تدري كم صليت و لم يقع وهمك على شيء فأعد الصلاة».

و عن عبد الله بن ابى يعفور بإسنادين أحدهما في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا شككت فلم تدر أ في ثلاث أنت أم في

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

199

اثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد و لا تمض على الشك».

و عن ابى بصير و زرارة بإسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن (1) قالا:

«قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى و لا ما بقي عليه؟ قال يعيد. قلنا فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك؟ قال يمضى في شكه. الحديث».

و عن على بن النعمان الرازي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «إنما يعيد من لا يدرى ما صلى».

و يعضده

ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدرى صلى شيئا أم لا؟ فقال يستقبل».

و يدل عليه ايضا ما تقدم من الأخبار الدالة على بطلان الصلاة مع عدم سلامة الأوليين (4).

إلا انه قد ورد بإزاء هذه الروايات ما يدل بظاهره على جواز البناء على الأقل و استدل بها الصدوق بناء على زعمهم قوله بذلك.

و من الأخبار المذكورة

ما رواه الشيخ عن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أم ثلاثا؟ قال يبنى على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهد تشهدا خفيفا».

و حملها الشيخ على ان المراد بالجزم استئناف الصلاة و حمل الأمر بالسجود على الاستحباب. و أجاب العلامة عنها بالحمل على من كثر سهوه. و الجميع بمحل من البعد و انما الوجه فيها الحمل على التقية كما قدمنا ذكره في سابق هذه المسألة (6)

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 و 15 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(4) ص 194.

(5) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(6) ص 195 و 196.

200

فإنك قد عرفت ان الحكم عندهم البناء على الأقل و سجود السهو.

و عن عنبسة بن مصعب (1) قال: «سألته عن الرجل لا يدرى ركعتين ركع أو واحدة أو ثلاثا؟ قال يبنى صلاته على ركعة واحدة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب و يسجد سجدتي السهو».

و عن عبد الله بن المغيرة عن على بن أبي حمزة عن رجل صالح (2) قال:

«سألته عن الرجل يشك فلا يدرى واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته؟ قال كل ذا؟ قلت نعم. قال فليمض في صلاته و يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإنه يوشك ان يذهب عنه».

قال في الفقيه (3) بعد نقل رواية على بن أبي حمزة المذكورة:

و روى سهل بن اليسع في ذلك عن الرضا (عليه السلام) انه قال: «يبنى على يقينه و يسجد سجدتي السهو بعد التسليم و يتشهد تشهدا خفيفا».

و الوجه في هذه الأخبار ما عرفت من الحمل على التقية مع زيادة احتمال الحمل على كثرة السهو في رواية على بن أبي حمزة. و احتمل الشيخ فيها الحمل على السهو في النوافل ثم احتمل الحمل على من كثر سهوه. و احتمل جملة من المتأخرين الجمع بين الأخبار المختلفة في هذه المسألة بالحمل على التخيير، قال في الذخيرة: و الأقرب في الجمع بين الأخبار الحمل على التخيير و لكن العدول عن الأخبار الكثيرة المعتضدة بالشهرة إلى غيرها مشكل. و بالجملة لا ريب في ان الاحتياط في الإعادة.

و قال في المدارك بعد رد تأويلي الشيخ و العلامة في المختلف بالبعد: و كيف كان فلا ريب أن الاستئناف اولى و أحوط.

أقول: بل الظاهر الذي لا يكاد يختلجه الريب هو أن هذه الأخبار انما

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(3) ج 1 ص 230 و في الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

201

خرجت مخرج التقية كما سيأتيك ان شاء الله تعالى مزيد بيان لذلك، و لكنهم (رضوان الله عليهم) حيث الغوا هذه القواعد بالكلية و كذا غيرها من القواعد المنصوصة في مقام اختلاف الأخبار وقعوا في ما وقعوا فيه من هذا الكلام و أمثاله الناقص العيار، و ربما ارتكبوا التأويلات الباردة و التمحلات الشاردة، و الحق أحق أن يتبع.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان مما نقل عن الصدوق أيضا في أحكام الشكوك جواز البناء على الأقل في الشكوك الآتية المتعلقة بالأخيرتين و جعلوه مخالفا للأصحاب و الأخبار القائلين بالبناء على الأكثر في تلك الشكوك، و هنا موضع اشتباه في كلامه (قدس سره) في الفقيه ربما كان هو الحامل لهم على ما وقع لهم من الوهم و ان كانت بعض نقولاتهم عنه يأبى ذلك مثل نقل العبارة المتقدمة عنه مع انه لا وجود لها في كلامه.

و ها انا اذكر لك ملخص كلامه (قدس سره) في الكتاب المذكور و اشرح لك ما تضمنه و دل عليه ليظهر لك ما في كلامهم من القصور:

قال (قدس سره) في أحكام السهو في الصلاة قريبا من أول الباب (1) ما صورته: و الأصل في السهو ان من سها في الركعتين الأولتين من كل صلاة فعليه الإعادة، و من شك في المغرب فعليه الإعادة، و من شك في الغداة فعليه الإعادة و من شك في الجمعة فعليه الإعادة، و من شك في الثانية و الثالثة أو في الثالثة و الرابعة أخذ بالأكثر فإذا سلم أتم ما ظن انه قد نقص.

و قال أبو عبد الله (عليه السلام) (2) لعمار بن موسى «يا عمار اجمع لك السهو كله في كلمتين متى شككت فخذ بالأكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت».

و معنى الخبر الذي

روى (3) «ان الفقيه لا يعيد الصلاة».

إنما هو في الثلاث و الأربع لا في الأولتين. انتهى. و هذا الكلام كما ترى

____________

(1) ج 1 ص 225.

(2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 1 و 9 و 29 من الخلل في الصلاة.

202

من أوله الى آخره موافق لما عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) و دلت عليه أخبار تلك الأبواب.

ثم ساق الكلام بعد ما ذكرناه في جملة من مسائل السهو و الشك الخارجة عن ما نحن فيه بما يقرب من ورقة كبرى الى أن قال:

و روى الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعا و لم يذهب و همك إلى شيء فتشهد و سلم ثم صل ركعتين. الرواية إلى آخرها».

و هذا الخبر هو مستند الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه الصورة التي اشتمل عليها الخبر، و ظاهر روايته له و جموده عليه يؤذن بموافقته الأصحاب في ذلك.

ثم ساق الكلام و الأخبار في مسائل خارجة عما نحن فيه الى أن قال:

و روى الحلبي عنه (عليه السلام) (2) انه قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا. الحديث الى آخره».

و التقريب فيه ما تقدم في سابقه.

ثم ساق الكلام في أمور خارجة الى أن قال:

و روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (3) قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا. الحديث».

و التقريب فيه أيضا كما ذكرناه.

ثم قال: و روى على بن أبي حمزة عن العبد الصالح (عليه السلام) ثم ساقها كما قدمناه (4) ثم قال: و روى سهل بن اليسع. الى آخر ما قدمنا نقله أيضا عنه (5) ثم قال:

و قد روى انه يصلى ركعة من قيام و ركعتين من جلوس (6).

و ليست هذه الأخبار مختلفة و صاحب السهو بالخيار بأي خبر أخذ منها فهو مصيب.

و روى عن إسحاق بن عمار (7) انه قال «قال لي أبو الحسن (عليه السلام) إذا شككت فابن

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

(4) ص 200.

(5) ص 200.

(6) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

(7) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

203

على اليقين. قال قلت هذا أصل؟ قال نعم».

ثم ساق الكلام في غير ما نحن فيه و أطال الى أن قال: و من لم يدر كم صلى و لم يقع و همه على شيء فليعد الصلاة. هذا خلاصة ما ذكره في الكتاب المذكور بالنسبة إلى المسائل التي نقلوها عنه.

و من المحتمل قريبا- بل هو الظاهر من كلام المحدث الكاشاني في الوافي- ان منشأ الشبهة في ما نقلوه عنه قوله هنا «و ليست هذه الأخبار مختلفة و صاحب السهو بالخيار.» باعتبار إرجاع الإشارة الى جميع ما تقدم من تلك المسائل المتفرقة.

و فيه (أولا) ان الظاهر- بل هو المقطوع به كما سنشرحه لك ان شاء الله تعالى- ان مراده بالإشارة انما هو الى هذه الأخبار الثلاثة المتصلة في هذا المقام المتضمنة للشك بين الواحدة و الثنتين و الثلاث و الأربع، فإنها كما ترى قد اختلفت في ذلك، فظاهر رواية على بن أبي حمزة و قوله فيها «فليمض في صلاته» انه يتمها بالبناء على الأكثر من غير احتياط، و ظاهر رواية سهل بن اليسع في ذلك أيضا انه يبنى على الواحدة و يتم صلاته و يسجد سجدتي السهو، و ظاهر قوله «و قد روى انه يصلى» انه يبنى على الأكثر و يحتاط بهذا الاحتياط المذكور. و الظاهر ان مراده بقوله «روى» هو الإشارة الى كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتضمن لهذه الصورة و انه يحتاط فيها بما ذكر، و هي التي قدمنا نقلها عن أبيه في الرسالة بنقل صاحب الذكرى. و ان هذه الروايات الثلاث مع كون موردها أمرا واحدا قد اختلفت في حكمه و هو قد جمع بينها بالتخيير بين العمل بأي الأخبار الثلاثة شاء، و الظاهر من نقله رواية إسحاق بن عمار هو ان مراده تأييد البناء على الأقل. هذا هو ظاهر كلامه.

و (ثانيا) انه كيف يصح حمل الإشارة بهذه الأخبار الى أخبار مسائل الشكوك التي نقلوا عنه الخلاف فيها؟ و الحال ان جملة من تلك المسائل التي قدمنا نقلها عنه في الكتاب المذكور انما ذكرها بطريق الفتوى المؤذن بالجزم بذلك لا بطريق الرواية كما عرفت من صدر عبارته التي قدمناها أول الكلام مثل مسألة الشك

204

في أولتي الرباعية و مسألة الشك في الثنائية و الثلاثية و مسألتي الشك بين الثنتين و الثلاث و الثلاث و الأربع، فإنه لم ينقل في شيء من هذه المسائل خبرا، و مثل مسألة «من لم يدر كم صلى» المتأخرة عن هذه الإشارة بكثير، فكيف يصح الإشارة الى هذه الفتاوى الغير المقرونة بخبر بالكلية بقوله «و ليست هذه الأخبار»؟ سيما مع تأخر بعضها عن الإشارة، ما هذا إلا تعسف صرف و تكلف بحت.

و (ثالثا) انه مع الإغماض عن ذلك كيف يصح الإشارة الى هذه المسائل المتفرقة المتقدمة و فيها ما هو متقدم بورقة كبرى مع تفرقها بين الأخبار و الأحكام الخارجة عما نحن فيه؟

و (رابعا) انهم قد نقلوا عنه عبارات في بعض الخلافات التي نسبوها اليه مع ان تلك العبارات لا وجود لها في كتابه بل الموجود انما هو ما يدل على خلاف ذلك.

و بالجملة فإن حمل الإشارة في هذه العبارة- على الإشارة الى جميع ما تقدم و ما تأخر من المسائل المذكورة و الحال ما عرفت- تعسف ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر فضلا عن الخبير الماهر، بل كلامه المتقدم في أول الباب و الأخبار التي نقلها في الأثناء كله صريح في مطابقة كلام الأصحاب و لم يورد له مناقضا في الباب و انما نقل هذه الأخبار الثلاثة المختلفة في خصوص هذه الصورة و جمع بينها بما ذكر.

بقي الكلام في شيء آخر و هو انه قد دل صدر كلامه الذي قدمنا نقله على ان الشك متى تعلق بالأولتين كان مبطلا و في هذه الصورة التي اختلفت فيها هذه الأخبار الأمر كذلك، فكيف حكم بالصحة هنا و خير بين ما دلت عليه هذه الأخبار و الواجب هو الحكم بالبطلان و تأويل هذه الأخبار؟

و يمكن الجواب باستثناء هذه الصورة عنده بهذه الأخبار مما دلت عليه أخبار ذلك الحكم، و أما غيرها فهو جار على ما ذكره أولا لاتفاق الأخبار و عدم ذكره المخالف في شيء من تلك المسائل فلا منافاة حينئذ.

ثم انه لا يخفى ان ما حملنا عليه كلامه و وجهناه به ان لم يكن متعينا و متحتما

205

لما ذكرناه فلا أقل ان يكون هو الأرجح و الأظهر و مع التنزل فلا أقل أن يكون مساويا لما ذكروه، و به يبطل ما زعموه من حمل كلامه على الخلاف في تلك المسائل فإنه متى قام الاحتمال بطل الاستدلال كما هو بينهم مسلم في مقام البحث و الجدال. و الله العالم.

(المسألة الخامسة) [اعتبار الظن في عدد الركعات]

قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الشك انما يعتبر مع تساوى الطرفين و اما مع الظن بأحدهما فإنه يبنى على الظن، و معناه تقدير الصلاة كأنها وقعت على هذا الوجه المظنون سواء اقتضى الصحة أو الفساد.

و ظاهر كلامهم انه لا فرق في حمل الشك على هذا المعنى بين ما إذا شك في الأعداد أو الأفعال، و قد عرفت في ما تقدم انه في الأفعال محل اشكال لما قدمناه في المسألة الثانية، و أما في الأعداد فإنه لا اشكال فيه لدلالة الأخبار على البناء على الظن فيها فالمراد بالشك فيها ما هو عبارة عن تساوى طرفي ما شك فيه، فلو شك بين الاثنتين و الثلاث و ظن الثلاث بنى عليه من غير احتياط، و لو شك بين الأربع و الخمس و ظن الأربع بنى عليه من غير سجود السهو، و لو ظن كونها خمسا كان كمن زاد ركعة فيجيء فيه الخلاف المتقدم في هذه المسألة.

و قد وقع في كثير من عبائر الأصحاب التعبير هنا بغلبة الظن و ربما أشعر بعدم الاكتفاء بمطلق الظن مع انه خلاف النص و الفتوى

كقوله (عليه السلام) (1) «إذا وقع و همك على الثلاث فابن عليه و ان وقع و همك على الأربع فسلم و انصرف».

و المراد بالوهم هنا هو الظن و هو الطرف الراجح و يرجع الى مطلق ترجيح أحد النقيضين، و لا يمكن حمله على معناه المصرح به في كلام أهل المعقول فإنه باطل إجماعا، و حينئذ فلا وجه لاعتبار ما زاد على مجرد الظن. قال في الروض: و كأن من عبر بالغلبة تجوز بسبب ان الظن لما كان غالبا بالنسبة إلى الشك و الوهم وصفه بما

____________

(1) هذا المضمون ورد في رواية عبد الرحمن بن سيابة و ابى العباس الواردة في الوسائل في الباب 7 من الخلل في الصلاة. و اللفظ فيها الرأي بدل الوهم.

206

هو لازم له و أضاف الصفة إلى موصوفها بنوع من التكلف.

و المشهور بين الأصحاب انه لا فرق في هذا الحكم بين الأوليين و الأخيرتين و لا بين الرباعية و الثلاثية و الثنائية، فإن حصل الشك في موضع يوجب البطلان كالثنائية و غلب الظن على أحد الطرفين بنى عليه و ان تساويا بطلت حتى لو لم يدر كم صلى و ظن عددا معينا بنى عليه. و كذا لا فرق في ذلك بين الأفعال و الاعداد في الركعات. و نقل عن ابن إدريس ان غلبة الظن انما تعتبر فيما عدا الأوليين و ان الأوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما و ان غلب الظن.

قال في الذكرى: لو غلب على ظنه أحد طرفي ما شك فيه بنى عليه لأن تحصيل اليقين عسر في كثير من الأحوال فاكتفي بالظن تحصيلا لليسر و دفعا للحرج و العسر

و روى العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك الى الصواب فليبن عليه».

و عن الصادق (عليه السلام) (2) بعدة طرق «إذا وقع و همك على الثلاث فابن عليه و ان وقع و همك على الأربع فسلم و انصرف» و لا فرق بين الشك في الأفعال و الاعداد و لا بين الأوليين و الأخيرتين في ذلك. و يظهر من كلام ابن إدريس ان غلبة الظن تعتبر فيما عدا الأوليين و ان الأوليين تبطل الصلاة بالشك فيهما و ان غلب الظن، فان أراده فهو بعيد و خلاف فتوى الأصحاب و تخصيص لعموم الأدلة. انتهى.

و اعترضه في المدارك بأن لقائل أن يقول ان مخالفته لفتوى المعلومين من الأصحاب لا محذور فيه إذا لم يكن الحكم إجماعيا. و ما ادعاه من العموم غير ثابت فان الخبر الأول عامي و باقي الروايات مختص بالأخيرتين. نعم يمكن الاستدلال

____________

(1)

في صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة في حديث «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين».

و في رواية ابن بشر «فلينظر أحرى ذلك للصواب» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 165 هكذا أورد الرواية:

«إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر أقربه إلى الصواب و ليبن عليه» ..

(2) ص 205.

207

على اعتبار الظن في الأولتين

بما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن سعد بن سعد عن صفوان عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال «ان كنت لا تدري كم صليت و لم يقع و همك على شيء فأعد الصلاة».

و مقتضى الرواية اعتبار الظن في أعداد الأولتين. انتهى ملخصا. و نحوه ما ذكره في الذخيرة أيضا.

أقول: لقائل أن يقول ان مفهوم هذه الرواية الدال على انه إذا وقع و همه على شيء فإنه لا يعيد بل يبنى على ظنه الشامل للأوليين في أعدادهما و أفعالهما معارض بمنطوق جملة من الأخبار المتقدمة في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2) بتقريب ما بيناه في ذيل الرواية الأولى منها، إلا انك قد عرفت (3) معارضة صحيحة زرارة المذكورة ثمة و رواية محمد بن منصور لما دلت عليه و ان وجه الجمع بين الجميع هو تخصيص الروايات المشار إليها بالشك في الأعداد كما هو المتفق عليه بين جملة علمائنا الأمجاد، و حينئذ فالشك في الأفعال فيها غير مبطل و اما انه مع ترجح أحد الطرفين هل يبنى على الظن الحاصل له أم لا سواء كان قبل التجاوز أو بعده؟ فهو راجع الى ما قدمناه من الاشكال المذكور في آخر المقام الأول من المسألة الثانية. و بالجملة فإنه يجب استثناء الشك في الأفعال إذ لا تعلق للأخبار المشار إليها بالافعال بناء على مقتضى الجمع المذكور، نعم لا بد في الأعداد فيهما من اليقين فلو شك في عددهما ثم ترجح عنده أحد الأعداد بطريق الظن فإنه لا يجوز البناء بمقتضى الاخبار المشار إليها على ذلك الظن لتصريحها باعتبار العلم و اليقين

كقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (4) التي هي إحدى تلك الروايات «فمن شك في الأولتين أعاد حتى يحفظ و يكون على يقين و من شك في الأخيرتين عمل

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 173.

(3) ص 175.

(4) الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

208

بالوهم».

فإنه صريح كما ترى في ان البناء على الظن الذي عبر عنه بالوهم إنما هو في الأخيرتين و ان الأولتين لا بد فيهما من اليقين فما لم يحصل له اليقين تجب عليه الإعادة. و على هذا النحو جملة من الروايات الباقية فإنها صريحة أو ظاهرة في اشتراط اليقين في الأولتين. و هي و ان كانت بإطلاقها شاملة للأفعال و الأعداد إلا انك قد عرفت تخصيصها بالأعداد جمعا بينها و بين صحيحة زرارة المتقدمة و رواية محمد بن منصور.

و مما ذكرنا يظهر لك قوة كلام ابن إدريس في هذه المسألة بالنسبة إلى اعداد الأولتين و انه لا يجوز البناء فيهما على الظن، و ان ما استدل به في المدارك للقول المشهور من مفهوم الرواية التي ذكرها ليس بجيد لمعارضة هذا المفهوم بمنطوق هذه الاخبار الصحاح الصراح في ما ذكرنا، و ربما يظهر من كلام ابن إدريس (قدس سره) في سرائره ان حكم المغرب و الغداة حكم الأولتين في وجوب البناء على اليقين حيث قال في جملة كلام له: و السهو المعتدل فيه الظن على ضروب ستة: فأولها ما يجب إعادة الصلاة على كل حال، و عد منه السهو في الركعتين و المغرب و الغداة. و كلامه في الكتاب المشار اليه لا يخلو من نوع تشويش و اضطراب كما لا يخفى على من راجعه.

و يشير الى ذلك أيضا كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار حيث قال: الأولى ان الشك إنما يعتبر مع تساوى الطرفين و مع غلبة الظن يبنى عليه و هذا في الأخيرتين إجماعي و اما في الأولتين و الصبح و المغرب فالمشهور أيضا ذلك، و نسب الى ظاهر ابن إدريس تخصيص الحكم بالأخيرتين من الرباعية. ثم نقل الاحتجاج للمشهور برواية صفوان المتقدمة في كلام السيد السند (قدس سره) ثم قال: و بمفهوم الأخبار الواردة في انه إذا شككت في المغرب فأعد و إذا شككت في الفجر فأعد و إذا شككت في الركعتين الأولتين فأعد.

أقول: أما الاستدلال للمشهور برواية صفوان المذكورة فقد عرفت ما فيه، و أما الاستدلال بالنسبة إلى المغرب و الفجر و الركعتين الأوليين بالأخبار المشار

209

إليها فهو مبنى على ما تقرر في كلامهم من ان الشك عبارة عن تساوى الاعتقادين و تكافؤهما، و نحن قد قدمنا لك في صدر هذا المطلب ان الشك لغة- كما صرح به جملة من أئمة اللغة- أعم من هذا المعنى و من الظن، و هم قد قرروا في غير مقام ان الواجب مع فقد الحقيقة الشرعية و العرفية الخاصة الرجوع الى الحقيقة اللغوية و كلام أهل اللغة كما ترى أعم، و حينئذ فكما يجوز حمل الشك في هذه الاخبار على المعنى الذي ذكروه يجوز حمله على الظن أيضا الذي هو أحد معنييه لغة، و حينئذ فلا تقوم هذه الأخبار حجة على ما ادعوه مع ما عرفت من تصريح الأخبار المتقدمة باشتراط اليقين في الأوليين في صحة الصلاة فلا يبعد ان تكون الثنائية و الثلاثية كذلك و به يحصل الإشكال في هذا المجال لتشابه الدليل المذكور بتعدد الاحتمال.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من النصوص و كلام جل الأصحاب- كما أشرنا إليه آنفا- انه مع حصول الظن و البناء عليه فإنه في قوة وقوع الصلاة كذلك عن علم و يقين إن أوجب صحة أو إبطالا و انه لا احتياط مع ذلك. و لم يوجد الخلاف في هذا الحكم إلا في كلام الشيخ على بن بابويه (قدس سره) في الرسالة و منه ما تقدم في المسألة الثالثة من قوله «و ان شك ثانيا و توهم الثانية بنى عليها ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا» و ما سيأتي ان شاء الله في مسألة الشك بين الاثنتين و الثلاث من انه إذا حصل الظن بالثلاث يبنى عليه و يتم و يصلى صلاة الاحتياط ركعة قائما و يسجد سجدتي السهو. و هو شاذ و ان كان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي كما عرفت و ستعرف.

ثم انه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني بأن من عرض له الشك في شيء من أفعال الصلاة يجب عليه التروي فإن ترجح عنده أحد الطرفين بنى عليه و ان بقي الشك بلا ترجح لزمه حكم الشاك.

و أنت خبير بأن الأخبار خالية من ذلك و تقييد إطلاقها من غير دليل مشكل و ان كان الأحوط ما ذكره (قدس سره) و الله العالم.

210

(المسألة السادسة) إذا شك في الرباعية بين الاثنتين و الثلاث

فالأشهر الأظهر انه يبنى على الثلاث و يتم ثم يأتي بصلاة الاحتياط الآتية ان شاء الله تعالى.

و في المسألة أقوال أخر: منها- البناء على الأقل نقل، عن المرتضى في المسائل الناصرية حيث قال: من شك في الأولتين استأنف و من شك في الأخيرتين بنى على اليقين. و في الانتصار وافق المشهور.

و منها- قول الشيخ على بن الحسين بن بابويه حيث قال: و ان ذهب و همك إلى الثالثة فأضف إليها رابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، و ان ذهب و همك إلى الأقل فابن عليه و تشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتين بعد التسليم، فان اعتدل وهمك فأنت بالخيار ان شئت بنيت على الأقل و تشهدت في كل ركعة و ان شئت بنيت على الأكثر و عملت على ما وصفناه. انتهى.

و منها- ما نقلوه بزعمهم عن الصدوق من تجويزه البناء على الأقل. و فيه ما عرفت مما قدمنا تحقيقه في المسألة الرابعة فإنه قد صرح في ما نقلناه عنه ثمة بأن من شك في الثانية و الثالثة أو في الثالثة و الرابعة أخذ بالأكثر فإذا سلم أتم ما ظن انه نقص. و هذا هو الذي عليه الأصحاب في هذه المسألة، و لم يصرح بما يخالفه الا بما أشرنا إليه ثمة من موضع الاشتباه الذي ربما كان سببا لارتكابهم لهذه الأوهام السخيفة و الخيالات الضعيفة.

و منها-

ما نسب إليه في كتاب المقنع من القول بالإبطال متى عرض له هذا الشك حيث قال «سئل الصادق (عليه السلام) (1) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال يعيد. قيل فأين ما روى عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) الفقيه لا يعيد الصلاة؟ قال انما ذلك في الثلاث و الأربع».

و التقريب فيه ان من عادته في هذا الكتاب الإفتاء بمتون الاخبار و لهذا نقل جملة من الأصحاب القول بذلك عنه في الكتاب المذكور الا ان الفاضلين نقلا الإجماع على عدم الإعادة في صور الشك

____________

(1) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة.

211

في الأخيرتين، و هو المؤيد بالأخبار كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.

و تحقيق البحث في هذه المسألة يقع في مواضع:

(الموضع الأول) [المناقشة في ما استدل به للشك بين الاثنتين و الثلاث]

- قال في الذكرى: و أما الشك بين الاثنتين و الثلاث فأجراه معظم الأصحاب مجرى الشك بين الثلاث و الأربع و لم نقف فيه على رواية صريحة و نقل فيه ابن ابى عقيل تواتر الاخبار. انتهى.

و نحوه الشهيد الثاني في الروض حيث قال: و ليس في مسألة الشك بين الاثنتين و الثلاث الآن نص خاص و لكن الأصحاب أجروه مجرى الشك بين الثلاث و الأربع.

ثم نقل عن ابن ابى عقيل كما نقل في الذكرى.

و ظاهر هما- كما ترى- عدم الوقوف على نص صريح في المسألة مع ان الشيخ استدل في التهذيب

بما رواه في الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «قلت له رجل لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين؟ قال يعيد. قلت رجل لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى و لا شيء عليه و يسلم».

و عن عمار بن موسى الساباطي (2) قال «قال أبو عبد الله (عليه السلام) كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر، قال فإذا انصرفت فأتم ما ظننت انك نقصت».

إلا ان السيد السند (قدس سره) في المدارك اعترضه فقال: و يتوجه عليه ان الرواية الثانية ضعيفة السند باشتماله على جماعة من الفطحية فلا تنهض حجة، و الرواية الأولى غير دالة على المطلوب و انما تدل على البناء على الأقل إذا وقع الشك بعد الدخول في الثالثة و هي الركعة المترددة بين الثالثة و الرابعة حيث قال:

«مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى و لا شيء عليه» و لا يجوز حمل الثالثة على الركعة

____________

(1) الوسائل الباب 1 و 9 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

212

المترددة بين الثانية و الثالثة لأن ذلك شك في الأولتين و هو مبطل. انتهى.

و قد تبعه على هذا التوجيه لمعنى الحسنة المذكورة من تأخر عنه من الفضلاء كما هي عادتهم غالبا كالفاضل الخراساني و المحدث الكاشاني و الفاضل المجلسي و غيرهم.

و التحقيق عندي ان ما ذكروه بمحل من القصور بل الرواية المذكورة واضحة الظهور في الدلالة على القول المشهور.

و حاصل كلام السيد المزبور ان قوله (عليه السلام): «ان دخله الشك بعد الدخول في الثالثة يمضي فيها. إلخ» يدل على أن الشك عرض له في أول الدخول في تلك الركعة المعبر عنها بالثالثة. و هذه الركعة التي سماها (عليه السلام) ثالثة اما ان تكون مترددة بين الثانية و الثالثة فيلزم منه الشك قبل إكمال الأولتين و هو مبطل فلا يجوز حمل الخبر عليه، و اما أن تكون مترددة بين الثالثة و الرابعة كما هو ظاهر الخبر و حينئذ فلا يكون من محل الاستدلال في شيء لأنه شك بين الثلاث و الأربع و قد أمره (عليه السلام) بالبناء على الثلاث التي هي الأقل.

أقول: و الظاهر ان منشأ الشبهة الذي أوجب للسيد المذكور الطعن في الخبر و حمله على ما ذكره من وجهين:

(أحدهما)- قوله (عليه السلام) «ثم صلى الأخرى» فإنه حملها على الركعة الرابعة بمعنى انه بعد البناء على الثالثة و هي التي شك في حال القيام لها أردفها بالركعة الرابعة. و هذا و ان توهم في بادئ النظر إلا انه ليس هو المراد بل المراد بالأخرى في الخبر إنما هي ركعة الاحتياط كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.

و (ثانيهما)- قوله (عليه السلام): «فان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة» فإن ظاهر كلام السيد حمل الالف و اللام في الشك على العهد الذهني أي شك ما من الشكوك و هو الشك في كون هذه الركعة ثالثة أو رابعة. و التحقيق ان الالف و اللام إنما هي للعهد الخارجي و المراد انما هو الشك المسؤول عنه و هو الشك بين الاثنتين و الثلاث فحكم (عليه السلام) بأنه يمضي في الثالثة التي هي الأكثر و يتمها

213

بعد البناء على الثلاث فتكون هذه رابعة ثم يصلى اخرى و هي ركعة الاحتياط.

و توضيح ما قلناه انه لا يخفى على من تأمل روايات هذه المسائل المشتملة على البناء على الأكثر و التعبير عن الاحتياط فيها انها مختلفة في تأدية هذا المعنى و الدلالة عليه، ففي بعضها جعل الاحتياط في عبارة الخبر موصولا كما هنا بمعنى انه لم يصرح في الرواية بأنه يتشهد و يسلم ثم يحتاط بل عبر عنه بمثل هذه العبارة المجملة الموهمة لدخوله في الصلاة الأصلية، و بعض منها قد صرحت بالفصل و ان تفاوتت أيضا تأديته كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، و سنشير الى ذلك ان شاء الله تعالى ذيل الروايات الآتية في صورة الشكوك الباقية مذيلا ببيان ما قلناه و إيضاح ما ادعيناه.

و حينئذ فمعنى الخبر المذكور بناء على ما ذكرناه- و هو الذي فهمه من استدل به من علمائنا الأعلام- انه ان دخله الشك المسؤول عنه بعد إكماله الثنتين و دخوله في الثالثة المتيقنة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة مضى في الثالثة يعني بنى على الثلاث و أتمها بهذه الركعة التي شك حال قيامها ثم أردفها بالركعة الأخرى التي هي صلاة الاحتياط، لأنه بشكه حال القيام بكونها ثالثة أو رابعة قد حصل له الشك في ما تقدم من انه ركعتان فتكون هذه ثالثة أو ثلاث فتكون هذه رابعة فهو شاك حينئذ في ما قدمه هل هو ثلاث أو اثنتان فأمره (عليه السلام) بالمضي في الثالثة بالمعنى الذي ذكرناه، و في العطف ب«ثم» اشعار بذلك غاية الأمر انه (عليه السلام) جعل صلاة الاحتياط هنا موصولة و لم يصرح بما يوجب الفصل بينها و بين الصلاة الأصلية مما يؤذن بكونها خارجة عن الصلاة الأصلية و منه نشأ الاشتباه كما عرفت.

و مما يوضح ما قلناه بأظهر إيضاح و يفصح عنه بأنور إفصاح (أولا) ان الشك في جميع الصور انما يطلق على ما تقدم من الصلاة لا ما يأتي فإذا قيل شك بين الاثنتين و الثلاث فالمراد ان ما قدمه هل هو اثنتان أو ثلاث، و كذلك قولك شك بين الثلاث و الأربع انما هو بمعنى ان ما قدمه هل هو ثلاث أو أربع، و لهذا صرح العلامة في القواعد و المنتهى و المختلف بأنه لو قال: لا أدرى قيامي هذا

214

للثالثة أو الرابعة فهو شك بين الاثنتين و الثلاث و هو عين ما اشتملت عليه الرواية المذكورة لا انه شك بين الثلاث و الأربع كما توهموه و بنوا عليه ما بنوا من الإيراد و عدم دلالة الخبر على ما هو المطلوب و المراد. و قد صرح العلامة في المختلف و غيره أيضا بأنه لو قال: لا أدرى قيامي هذا للخامسة أو الرابعة فإنه شك بين الثلاث و الأربع و انه يجلس و يبنى على الأربع. و مما ينبه على هذا الألف و اللام في قوله: «فان دخله الشك» أى الشك المسؤول عنه و هو الشك بين الاثنتين و الثلاث.

و (ثانيا)- انه يلزم بناء على ما توهموه ان الامام (عليه السلام) لم يجب عن أصل السؤال بشيء بالكلية لأن السائل إنما سأله عن من لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فكيف يجيبه الامام بحكم الثلاث و الأربع و انه يبنى على الثلاث التي هي الأقل؟

و كيف سكت السائل و قنع بذلك و هو زرارة الذي من عادته تنقيح أجوبة المسائل و طلب الحجج فيها و الدلائل؟ و كيف ينسب الى الامام (عليه السلام) العدول عن ذلك و لا مانع في البين.

و (ثالثا) ان البناء على الأقل في هذه الصور المنصوصة بل مطلقا لا مستند له و لا دليل عليه و ان ظهر من جملة منهم- لعدم إمعان النظر في الاخبار- الركون اليه، و أخباره كلها محمولة على التقية كما عرفت آنفا (1) و ستعرف ان شاء الله تعالى، و حينئذ فلا يصح حمل هذه الرواية عليه بالكلية.

و إذا ثبت بما ذكرناه ان مورد الرواية إنما هو الشك بين الاثنتين و الثلاث و انه (عليه السلام) أمره في ذلك بالبناء على الثلاث فإنه يتحتم البتة حمل قوله (عليه السلام) (2): «ثم صلى الأخرى» على ركعة الاحتياط و إلا لزم البناء على الأكثر في الصورة المذكورة مع عدم الاحتياط بالكلية و هو باطل إجماعا.

و بالجملة فإن الخبر المذكور بتقريب ما أوضحناه في هذه السطور ظاهر الدلالة

____________

(1) ص 195.

(2) ص 211.

215

عار عن القصور.

و مثله في ذلك

ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن خالد عن العلاء (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صلى ركعتين و شك في الثالثة؟ قال: يبنى على اليقين فإذا فرغ تشهد و قام قائما فصلى ركعة بفاتحة الكتاب».

و المراد باليقين هنا ما يحصل به يقين البراءة و هو البناء على الأكثر فإنه ان ظهر التمام كان الاحتياط نافلة و ان ظهر النقصان كان الاحتياط متمما. و أما حمل اليقين هنا على البناء على الأقل فإنه ينافيه الاحتياط المذكور.

و هذه الرواية من الاخبار التي صرح فيها بفصل الاحتياط بالتشهد الشامل للتسليم تجوزا. و الله العالم.

(الموضع الثاني) [الشك بين الاثنتين و الثلاث قبل الدخول في الثالثة]

قال في المدارك على اثر الكلام المتقدم نقله عنه: و ربما ظهر من هذه الرواية بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين و الثلاث إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة، و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل لم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا؟ قال: يعيد. قلت: أ ليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه؟ قال: انما ذلك في الثلاث و الأربع».

و بمضمون هذه الرواية أفتى ابن بابويه (قدس سره) في كتاب المقنع، و أجاب عنها الشيخ في التهذيب بالحمل على صلاة المغرب. و يدفعه الحصر المستفاد من قوله (عليه السلام): «انما ذلك في الثلاث و الأربع». الى ان قال: و المسألة قوية الإشكال و لا ريب ان الإتمام و الاحتياط مع الإعادة إذا عرض الشك قبل الدخول في الثالثة طريق الاحتياط. انتهى.

أقول: لا يخفى ان مقتضى ما ذكره من انه بعروض الشك حال القيام في الثالثة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة و انه يصير من قبيل الشك بين الثلاث و الأربع هو بطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين و الثلاث، فان المفهوم من الخبر على هذا انه

____________

(1) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 9 من الخلل في الصلاة.

216

ان دخله الشك قبل الدخول في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته، و هو ظاهر في الإبطال بالشك بين الاثنتين و الثلاث، لانه متى شك بعد السجدة الثانية بين كون ما صلاة اثنتين أو ثلاثا فإن الصلاة باطلة بمقتضى ظاهر التعليق، و لهذا استدل بصحيحة عبيد بن زرارة الظاهرة في بطلان الصلاة بالشك في الصورة المذكورة.

و اما على ما ذكرناه من ان هذا الشك الذي وقع منه بعد القيام للركعة المذكورة انما هو الشك بين الاثنتين و الثلاث فإنه لا فرق بين عروض هذا الشك في حال القيام أو قبله بعد إتمام الركعتين المتيقنتين بالسجدة الثانية فإنه يجب العمل فيه بالبناء على الأكثر و الاحتياط كما هو المشهور.

و أما ما دل عليه الخبر بمفهومه- من انه لو دخله الشك قبل دخوله في الثالثة لم يمض بل تبطل صلاته كما ذكره- فإنه يجب ارتكاب التأويل فيه، و لهذا ان جملة ممن تبع السيد السند في الطعن في الخبر بما تقدم ذكره أجابوا عن مفهوم ما دل عليه الخبر الموجب لبطلان الصلاة بالشك بين الاثنتين و الثلاث بحمل الدخول في الثالثة على ما هو أعم من الدخول فيها أو في مقدماتها و الرفع من السجود من جملة مقدماتها. و أجاب بعضهم بتقييد المفهوم بما إذا وقع الشك قبل إكمال الأوليين، و لا يخفى ما في الجميع من البعد.

و الذي يقرب عندي ان هذه العبارة إنما خرجت مخرج التجوز و ان التعليق غير مراد منها بمعنى ان قوله (عليه السلام): «ان دخله الشك بعد دخوله في الثالثة» إنما هو كناية عن إتمام الأولتين فكأنه قال: «إذا دخله الشك بعد إكمال الأولتين مضى. إلخ» و باب المجاز في الكلام واسع، و لعل الإجمال في هذه الرواية في كل من هذا الحكم و الحكم الأول مبنى على معلومية ذلك يومئذ عند أصحابهم (عليهم السلام) كما هو الآن معلوم بين علمائنا.

و بالجملة فإنه متى ثبت ما حققناه آنفا من ان الرواية دالة على حكم الشك بين الاثنتين و الثلاث حسبما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قد علم اتفاقا

217

نصا و فتوى ان المدار في العمل في الشك في الأخيرتين على إتمام الأوليين فلا معنى لصحته حال القيام و بطلانه قبله بعد إتمام الأوليين و أيضا فإن القاعدة الجارية في سائر الشكوك المنصوصة لا يفرق فيها بين عروض الشك جالسا أو قائما، و به يظهر ان هذه العبارة إنما خرجت مخرج التجوز و كم مثلها و أمثالها في الكتاب العزيز و الأخبار.

و أما ما استند اليه في حجية هذا المفهوم- من صحيحة عبيد بن زرارة التي من أجلها استشكل في المسألة كما صرح به في آخر كلامه- فهو أيضا بمحل من الوهن و الضعف:

(أما أولا) فلما شرحناه من معنى حسنة زرارة و بيان دلالتها على حكم المسألة فتكون معارضة لهذه الرواية، و كذا رواية العلاء التي قدمنا نقلها عن كتاب قرب الاسناد.

و (أما ثانيا) فلمعارضتها بالروايات الكثيرة الدالة بإطلاقها على وجوب البناء على الأكثر في جميع الشكوك كموثقة عمار التي قدمنا نقلها عن الشيخ (1) و ان كان السيد المذكور قد ردها بضعف السند بناء على هذا الاصطلاح الغير المعتمد مع ما جرى له من التمسك بالموثقات إذا احتاج إليها كما نبهنا عليه في غير موضع مما تقدم.

و (أما ثالثا) فلمعارضتها بالأخبار الصحيحة الصريحة الدالة على ان الإعادة في الأوليين و السهو في الأخيرتين، و قد تقدمت في المقام الثاني من المسألة الثانية من هذا المطلب (2).

و حينئذ فلا بد من تأويل هذه الرواية و إلا فارجائها إلى قائلها و لكنه لما كان من عادته انه إنما يحوم حول الأسانيد في جميع الأحكام و المقامات و لا ينظر الى ما اشتمل عليه متن الرواية من المخالفات و المناقضات وقع في الإشكال الذي أشار اليه. و من تأمل ما ذكرناه حق التأمل ظهر له ان ما ذكره الأصحاب (رضوان الله

____________

(1) ص 211.

(2) ص 173.

218

عليهم) هو الحق الذي لا غشاوة عليه و لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه.

و الأظهر في صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة هو الحمل على الشك قبل إكمال الركعتين كما ذكره جملة من متأخري الأصحاب في البين. و الله العالم.

(الموضع الثالث) [ما نقل من البناء على الأقل في الشك في الأخيرتين]

قال في المدارك أيضا على اثر الكلام المتقدم في سابق هذا الموضع: و نقل عن السيد المرتضى في المسائل الناصرية انه جوز البناء على الأقل في جميع هذه الصور، و هو الظاهر من كلام ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه، و يدل عليه

ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام) إذا شككت فابن على اليقين. قلت: هذا أصل؟

قال: نعم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج و على عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (2) «في السهو في الصلاة؟ فقال: يبنى على اليقين و يأخذ بالجزم و يحتاط بالصلاة كلها».

ثم نقل كلام الشيخ على بن بابويه حسبما قدمنا نقله عنه و قال بعده قال في الذكرى: و لم نقف على مأخذه. ثم قال: و المسألة قوية الإشكال.

إلى آخر ما قدمناه.

أقول: و هذه الروايات أيضا هنا حيث ان فيها الصحيح باصطلاحه مما قوى هذا الإشكال عنده في هذا المجال و لكن قد عرفت و ستعرف انه لا إشكال بحمد الملك المتعال.

و لا بأس بالتعرض لبيان ما في كلامه (قدس سره) أيضا هنا من الاختلال ليظهر لك صحة ما ذكره و قوة ما قويناه:

فنقول: أما ما نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) من انه جوز البناء على الأقل فالمنقول عنه في الكتاب المذكور إنما هو تعين البناء على الأقل، و هذا هو الذي تنادي به عبارة الكتاب المشار اليه حيث ان جده الناصر قال: «و من شك في الأولتين استأنف الصلاة و من شك في الأخيرتين بنى على اليقين» فقال السيد

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

219

«(قدس سره)»: هذا مذهبنا و هو الصحيح عندنا. إلخ. و هو كما ترى صريح في تعين البناء على الأقل لا تجويزه، و لا ريب في ضعف هذا القول ان حمل اليقين على البناء على الأقل كما هو الظاهر من سياق عبارة جده لأن فيه طرحا للأخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في أحكام هذه الصور في البناء على الأكثر، و يشبه ان يكون قائله لم يراجع الاخبار في هذا المجال و لم يخطر له يومئذ بالبال. و لا يخفى ان الناصر جد السيد المذكور كان من كبراء الزيدية علما و شرفا و جاها (1)

____________

(1) هو أبو محمد الحسن بن على بن الحسن بن على الأصغر بن عمر الأشرف بن الامام السجاد بن الحسين الشهيد بن على بن ابى طالب «(عليهم السلام)» قيل له الأطروش من ضربة سيف على رأسه في حرب الداعي أذهبت سمعه، و اشتهر بالناصر الكبير لظهور ناصر بعده من أئمة الزيدية. كان شريفا فاضلا كبيرا إماميا اثنى عشريا متفننا في العلوم له كتب في الإمامة كبير و صغير و في الطلاق و في فدك و الخمس و فضل الشهداء و فصاحة أبي طالب و معاذير بنى هاشم في ما نقم عليهم و مواليد الأئمة إلى الحجة «(عجل الله فرجه)» خرج مع الداعي الكبير الحسن بن زيد و أخيه محمد بن زيد و اتصل بعماد الدولة الديلمي و في سنة 301 ظهر بطبرستان و ملك أكثر بلادها و لعدالته و حسن سيرته أثرت دعوته للحق في أولئك المجوس فدان بدين الإسلام أهل طبرستان و آمل فبنى المساجد و أسس مدرسة درس فيها الفقه و الحديث. و رميه باعتناق المذهب الزيدي لا أساس له في قرارة نفسه و السر فيه اعتقاد الزيدية إمامته من جهة خروجه بالسيف في وجه المنكر و رأيهم على امامة الناهض لذلك و زاد عليه تحره في فقه الزيدية فكان في مؤلفاته يوافقهم تارة و يرد عليهم اخرى فتخيل من لا خبرة له بحقيقته انه زيدي الطريقة التي لا تبتعد عن خلافة الشيخين و ان كان علي «(عليه السلام)» أفضل منهما، و فقه الزيدية يتفق مع الفقه السني كثيرا كما يشهد به من كتبهم البحر الزخار و نيل الأوطار و الروض النضير في شرح فقه زيد و المجموع الفقهي لزيد، و من هنا سجل المحققون في آثار الرجال اعتقادهم ببراءته من الانتساب إلى الزيدية إشارة و تصريحا و ان وردت النسبة إلى الزيدية في فهرست ابن النديم و معالم العلماء لابن شهرآشوب و كامل ابن الأثير و عمدة الطالب، فهذا الشيخ الصدوق المعاصر له يقول عند ذكره: «(قدس الله سره)» و يترحم عليه النجاشي المتوفى سنة 450 بعد اعترافه بأنه امامى المذهب و يقول سبطه على الهدى الشريف المرتضى في مقدمة المسائل «الناصريات»: و انا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع «كرم الله وجهه» أحق و أولى.

الى أن يقول: و الناصر كما تراه من أرومتي و غصن من أغصان دو حتى و هذا نسب عريق في الفضل و النجابة و الرئاسة. الى أن يقول: و أما أبو محمد الناصر الكبير و هو الحسن بن علي ففضله في علمه و زهده و فقهه أظهر من الشمس الباهرة و هو الذي نشر الإسلام في الديلم حتى اهتدوا به بعد الضلالة و عدلوا بدعايته عن الجهالة، و سيرته الجميلة أكثر من أن تحصى و أظهر من أن تخفى. هذا رأي الشريف المرتضى في جدة الناصر الأكبر و لو كان للزيدية في نفسه أثر لنبه عليه و لما اطراه و افتخر بالانتساب اليه و هو البعيد عن هذا المذهب المشلول و الرأي المؤسس على كثيب رمل. و لو ضاءة مذهبه الحق و سطوع رأيه الصريح في إمامة أهل البيت من آل الرسول «ص» الى الحجة المنتظر «(عجل الله فرجه)» سجل اعتقاده فيه صاحب رياض العلماء فقال: الناصر الكبير من عظماء الإمامية و ان كان الزيدية يعتقدون انه من جملة أئمتهم فظن من ذلك انه زيدي المذهب و ليس كذلك. و تابعه أبو على الحائري في منتهى المقال قال: لا غبار في مدحه و الثناء عليه لانه من علماء الإمامية و مصنفي الاثني عشرية. و كلمة شيخنا البهائي في رسالة إثبات الحجة المنتظر «(عليه السلام)» تنادي بأعلى صوتها باعتدال طريقته و حسن سريرته و تباعده عما لا يلتئم مع المذهب الحق، قال: ان المحققين من علمائنا اعتقدوا انه ناصر الحق و تابع طريقة ابى عبد الله الصادق «(عليه السلام)» فرضوان الله عليه و تحياته. نعم لما اقتضت دعوته تأليف النفوس المائلة عن الصراط السوي و الداعية الى عبادة النار أظهر بعض الأمور التي تدين بها أهل المذاهب و ان كانت نفسه نافرة عنها لئلا تفشل دعوته و يذهب جهاده سدى و ارجاء تعديل ميلهم الى الظروف المناسبة كما هي طريقة آبائه المعصومين «(عليهم السلام)» فتراه يجمع في الوضوء بين الغسل و المسح و في القنوت على مذهب الشيعة و الشافعية و يتردد في تحليل المتعة، إلى أمثالها مما اعتنقه أرباب المذاهب، و الذي يشهد بذلك رأيه الذي سجله في كتابه المسترشد على طبق الحديث المروي

عن على «(عليه السلام)» «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة اما ظاهر مشهور أو خائف مغمور».

و هذا كما يراه النابه نص في اعتقاد إمامة الحجة المنتظر «(عليه السلام)». و اعتقاد أصحابه إمامته لا يستلزم رضاه به فقد ادعى جماعة ألوهية أمير المؤمنين «ع» و لم ينتهوا بزجره و لا بمجاهرته بالعبودية لله حتى أحرقهم بالنار، إذا فلا عجب من اعتقاد جماعة زيدية الناصر. انتهى كلام الشيخ البهائي ملخصا. هذا ما أفاده بعض المحققين الباحثين في ترجمة الناصر الكبير و عقيدته تلخيصا من المصادر، و إليك أسماء من تعرض لترجمته مختصرا أو مفصلا: تاريخ الطبري و كامل ابن الأثير و مختصر ابى الفداء في حوادث سنة 301 و سنة 304 و مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 553 و فهرست ابن النديم و عمدة الطالب و رجال الشيخ الطوسي و فهرست النجاشي و منهج المقال للاسترابادى و التعليقة عليه للاقا البهبهاني و منتهى المقال للحائرى و روضات الجنات و رياض العلماء و مجالس المؤمنين للتستري و شرح النهج لابن ابى الحديد و مفاخرة بنى هاشم و بنى أمية للجاحظ و المجدي للنسابة العمرى و تاريخ رويان و الكنى و الألقاب و أعيان الشيعة ج 22 ص 288، و النقل عن فهرست ابن النديم و المجدي و تاريخ رويان بواسطته.

220

و الزيدية قد جروا في فقههم غالبا على فقه العامة و السيد (قدس سره) قد جرى

221

قلمه بذلك غفلة عن الاخبار المشار إليها.

و أما ما نقله عن ابن بابويه فقد عرفت ما فيه مما كشف عن ضعف باطنه و خافية.

و أما ما نقله من الاخبار الدالة على البناء على الأقل التي هي معظم الشبهة له و لغيره في هذا المقام و نحوه فقد تقدم الجواب عنها، و نزيده هنا بيانا ببسط الكلام بما يرفع عن المسألة إن شاء الله تعالى غشاوة الإبهام:

فنقول: لا يخفى انه قد اختلفت الاخبار في البناء في مطلق الشك على الأقل و الأكثر، فمما يدل على البناء على الأقل ما نقله من موثقة إسحاق بن عمار و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المذكورتين، مع انه قد رد موثقة عمار الدالة على البناء على الأكثر بضعف السند بكونها موثقة، فان كان الأمر كما زعمه من ضعف الموثقات فكيف يستدل هنا بموثقة إسحاق بن عمار؟ و إلا فلا وجه لطعنه في موثقة عمار. و أعجب من ذلك انه حيث اختار العمل بهذه الرواية عبر عنها بموثقة إسحاق بن عمار و حيث لم يختر موثقة عمار عبر عنها برواية عمار من غير أن

222

يعبر عنها بلفظ «موثقة» إيذانا بمزيد الضعف، و كل ذلك خلاف قواعد الإنصاف كما لا يخفى على ذوي المعرفة و العفاف.

و مما يدل على ذلك أيضا

صحيحة على بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ قال: يبنى على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهد تشهدا خفيفا».

و رواية سهل بن اليسع المروية في الفقيه عن الرضا (عليه السلام) (2) في ذلك انه قال: «يبنى على يقينه و يسجد سجدتي السهو بعد التسليم و يتشهد تشهدا خفيفا».

و روايته الأخرى (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى أثلاثا صلى أم اثنتين؟ قال: يبنى على النقصان و يأخذ بالجزم».

و مما يدل على البناء على الأكثر موثقة عمار المتقدمة في صدر الموضع الأول

و موثقته الأخرى برواية صاحب التهذيب (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شيء من السهو في الصلاة؟ فقال: الا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟ قلت: بلى. قال: إذا سهوت فابن على الأكثر فإذا فرغت و سلمت فقم فصل ما ظننت انك نقصت فان كنت قد أتممت لم يكن في هذه عليك شيء و ان ذكرت انك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت».

و موثقة ثالثة له أيضا برواية صاحب الفقيه (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعمار بن موسى: يا عمار أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى ما شككت فخذ بالأكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك قد نقصت».

و لا يخفى ان الترجيح للأخبار الأخيرة و ذلك من وجوه: (أحدها) الاعتضاد بالأخبار الصحاح الصراح الواردة في خصوصيات الصور المذكورة في

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

223

هذا المقام فإنها متفقة الدلالة على البناء على الأكثر في جميع الصور كما سنشرحه إن شاء الله تعالى. و يعضدها زيادة على ذلك إجماع الطائفة سلفا و خلفا على العمل بمضمونها إلا الشاذ النادر و هم انما يتوهمون بخلاف المرتضى و الصدوق و قد عرفت ما فيه.

و (ثانيها)- صراحة هذه الأخبار في المدعى و تطرق وجوه الاحتمالات الى كثير من تلك الأخبار المخالفة كموثقة إسحاق بن عمار المشتملة على البناء على اليقين، فإنه من المحتمل قريبا ان المراد انما هو البناء على ما يوجب اليقين أى يقين البراءة و ذلك في البناء على الأكثر كما فصلته موثقة عمار الثانية، و قد عرفت من رواية قرب الاسناد المتقدمة إطلاق هذا اللفظ على هذا المعنى بحيث لا يحتمل غيره فلا يبعد إرادته هنا أيضا. و مثلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) فإنها محتملة لما ذكرناه و يؤيده قوله فيها: «يأخذ بالجزم و يحتاط بالصلاة كلها» فان الاحتياط و هو فعل ما يوجب براءة الذمة على جميع الوجوه و الاحتمالات انما يحصل بالحمل على ما قلناه و إلا فمع البناء على الأقل و الإتمام لو ذكر تمام الصلاة فإنه يلزم زيادة ما يوجب بطلانها فتجب الإعادة حينئذ. و بالجملة فإنه لو لم يكن ما ذكرناه في هاتين الروايتين هو الأظهر فلا أقل ان يكون مساويا و به يسقط الاستدلال بهما. و نحوهما في ذلك أيضا رواية سهل بن اليسع الاولى. و أما صحيحة على بن يقطين فهي معارضة بالأخبار الكثيرة الدالة على الابطال متى تعلق الشك بالأوليين المعتضدة باتفاق الأصحاب سلفا و خلفا على ذلك فلا تصلح للعمل عليها. و أما رواية سهل الثانية فهي معارضة بخصوص حسنة زرارة و رواية قرب الاسناد و عموم الروايات المتقدمة المعتضدة بعمل الطائفة.

و (ثالثها)- و هو المعتمد ما قدمنا ذكره آنفا من ان هذه الروايات انما خرجت مخرج التقية لما عرفت من حديث مسلم المتقدم (2) و كلام البغوي في شرح السنة

____________

(1) ص 218.

(2) ارجع الى التعليقة 4 ص 195.

224

و يؤيده اشتمال صحيحة على بن يقطين و رواية سهل الاولى على سجدتي السهو بعد الأمر بالبناء على الأقل حسبما تضمنته الرواية العامية، و قد صرح المحقق في المعتبر بنسبة ذلك إليهم أيضا حيث نقل عن الشافعي البناء على اليقين و عن أبي حنيفة البناء على الظن فان فقده بنى على اليقين (1) محتجا على ذلك بأن الأصل عدم المشكوك فيه،

و لما رووه عنه (صلى الله عليه و آله) (2) قال: «من لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليلق الشك و ليبن على اليقين».

و ممن أشار الى ما ذكرنا أيضا شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب روض الجنان حيث قال بعد نقل رواية ابن اليسع: و رواية ابن اليسع مطرحة لموافقتها لمذهب العامة. و رأيت في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا المجلسي (قدس سره) استصواب الحمل على التقية، و به صرح المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (طاب ثراه).

____________

(1) في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 165: «إذا سها في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فان لم يكن السهو له عادة بأن لم يعرض له كثيرا فعند الشافعي يبنى على الأقل

لحديث ابى سعيد الخدري: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليلغ الشك و ليبن على الأقل».

و عندنا يستقبل الصلاة

لحديث عبد الله بن مسعود: «إذا شك أحدكم في صلاته انه كم صلى فليستقبل الصلاة».

و ان كان السهو يعرض له كثيرا تحرى و بنى على ما وقع عليه التحري في ظاهر الروايات. و روى الحسن عن أبي حنيفة انه يبنى على الأقل و هو قول الشافعي و لنا

رواية ابن مسعود: إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر أقربه إلى الصواب و ليبن عليه».

و في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 108 و 110 «إذا شك انه كم صلى و كان عروض الشك له أول مرة استقبل العمل و ان كان يعرض له كثيرا يتحرى و هو ما يكون أكبر رأيه عليه، و عبر عنه تارة بالظن و اخرى بغالب الظن فان لم يترجح عنده شيء بنى على الأقل».

و يرجع أيضا الى التعليقة 2 ص 165.

(2) صحيح مسلم ج 2 باب السهو في الصلاة إلا ان فيه «فليطرح الشك و ليبن على ما استيقن» و بدائع الصنائع ج 1 ص 165 و فيه «و ليبن على الأقل».

225

و مما يستأنس به للحمل على التقية في هذه الأخبار انها كلها إنما خرجت عن الكاظم (عليه السلام) و لا يخفى على المتتبع للسير و الآثار و العارف بالقصص و الأخبار اضطر أم نار التقية في وقته (عليه السلام) زيادة على غيره من الأوقات و ما وقع عليه (عليه السلام) و على شيعته من المخافات. و مما يومئ الى ذلك التعبير بهذا اللفظ المجمل في جل تلك الأخبار، و لهذا تكاثرت الأخبار بالتقية بالنقل عنه (عليه السلام) بغير اسمه الشريف من العبد الصالح أو عبد صالح و نحو ذلك.

و بالجملة فالحمل على التقية عندي مما لا ريب فيه و لا شك يعتزيه عملا بالقاعدة المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) في عرض الأخبار عند اختلافها على مذهب العامة و الأخذ بخلافه كما استفاضت به النصوص (1) و لكن أصحابنا (رضوان الله عليهم) لما الغوا العمل بهذه القواعد فاتهم ما يترتب عليها من الفائدة و وقعوا في ما وقعوا فيه من مشكلات هذه الإشكالات و ارتكاب التمحلات و التكلفات.

و أما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه في هذه المسألة- و قوله في الذكرى:

انه لم يقف على مأخذه- فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على نحو ما عرفت من الطريقة المعروفة و السجية المألوفة

حيث قال (عليه السلام) (2): و ان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا و ذهب و همك إلى الثالثة فأضف إليها الرابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها، و ان ذهب و همك إلى الأقل فابن عليه و تشهد في كل ركعة ثم اسجد سجدتي السهو بعد التسليم، و ان اعتدل وهمك فأنت بالخيار ان شئت بنيت على الأقل و تشهدت في كل ركعة و ان شئت بنيت على الأكثر و عملت ما وصفناه لك.

انتهى.

و كيف كان فالظاهر ان الترجيح للقول المشهور المؤيد بالأخبار الموافقة لمقتضى الأصول المعتضدة بعمل الطائفة، و هذه الرواية لا تبلغ قوة

____________

(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) ص 10.

226

المعارضة فهي مفوضة إلى قائلها (عليه السلام).

و أنت خبير أيضا بما في عدول الشيخ المذكور عن القول المشهور المعتضد بالأخبار المشار إليها إلى القول بعبارة الكتاب من الدلالة على مزيد الاعتماد على الكتاب المذكور و ثبوت حجيته عنده.

و بما حققناه في المقام و كشفنا عنه في هذه المواضع الثلاثة نقاب الإبهام يظهر لك ان المسألة بحمد الله سبحانه ذي الجلال خالية من الاشكال كما وقع فيه صاحب المدارك و من نسج معه على ذلك المنوال حيث لم يعطوا التأمل حقه في ما شرحناه في هذا المجال من واضح المقال. و الله العالم.

(الموضع الرابع) [التخيير في احتياط هذه الصورة بين ركعة من قيام و ركعتين من جلوس]

المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) التخيير في احتياط هذه الصورة بين ركعة من قيام و ركعتين من جلوس، و نقل عن ابن ابى عقيل و الجعفي انهما لم يذكرا التخيير و انما ذكرا الركعتين من جلوس. و الموجود في حسنة زرارة (1) التي هي مستند هذا الحكم كما عرفت إنما هو الركعة من قيام، و كذا في رواية قرب الاسناد (2) و نحوهما في عبارة كتاب الفقه على تقدير البناء على الأكثر و هو فتوى الشيخ على بن الحسين بن بابويه كما عرفت، و المعتمد ما دلت عليه هذه الأخبار. و أما القولان الآخران فلم أقف فيهما على دليل.

(الموضع الخامس) [ما يتحقق به سلامة الأوليين في الشك المتعلق بالاثنتين]

قال في المدارك في هذا المقام: و اعلم ان ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان كل موضع تعلق فيه الشك بالاثنتين يشترط فيه إكمال السجدتين محافظة على ما سبق من اعتبار سلامة الأولتين، و نقل عن بعض الأصحاب الاكتفاء بالركوع لصدق مسمى الركعة و هو غير واضح، قال في الذكرى نعم لو كان ساجدا في الثانية و لما يرفع رأسه و تعلق الشك لم استبعد صحته لحصول مسمى الركعة. و هو غير بعيد. انتهى. أقول: قد صرح بما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى.

____________

(1) ص 211.

(2) ص 215.

227

و أنت خبير بأن هنا شيئين: (أحدهما)- أن ما يصدق عليه الركعة هل هو عبارة عن ما يدخل فيه السجود أو يكفي مجرد الركوع؟ قولان: المشهور الأول و به صرح السيد السند هنا و في ما تقدم في بحث المواقيت في شرح قول المصنف:

«و لو زال المانع فإن أدرك الطهارة و ركعة. إلخ» و نقله عن العلامة أيضا حيث قال: و تتحقق الركعة برفع الرأس من السجدة الثانية كما صرح به في التذكرة.

و احتمل الشهيد في الذكرى الاجتزاء بالركوع للتسمية لغة و عرفا و لأنه المعظم. و هو بعيد.

أقول: و نحن قد حققنا في مقدمة المواقيت بأن حكمهم بكون الركعة عبارة عن ما ذكروه يوجب انقداح اشكال عليهم في مسألة الشك بين الأربع و الخمس فيما إذا حصل الشك بعد الركوع و قبل السجود، حيث انهم قالوا بالصحة في هذه الصورة مع انه لم يأت بالركعة بزعمهم فلا يكون داخلا تحت النص الوارد في المسألة. و المحقق في أجوبة المسائل البغدادية إنما تخلص من هذا الاشكال بالتزام كون الركعة عبارة عن مجرد الركوع كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في المسألة المذكورة و نقل كلامه في ذلك.

و (ثانيهما)- انه على تقدير القول المشهور هل تتحقق الركعة بمجرد إتمام ذكر السجدة الثانية أو يتوقف على رفع الرأس من السجود؟ وجهان: جزم بالأول منهما شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال: و يتحقق إكمالها بتمام السجدة الثانية و ان لم يرفع رأسه منها على الظاهر لأن الرفع ليس جزء من السجود و إنما هو واجب آخر. انتهى. و هو جيد. و المشهور الثاني و لهذا انه في الذكرى إنما أشار إليه احتمالا في المقام.

(المسألة السابعة)- إذا شك بين الثلاث و الأربع [و الأقوال في المسألة]

فالمشهور انه يجب البناء على الأكثر و يحتاط بركعة قائما أو ركعتين جالسا، و نقل في المختلف و مثله السيد السند في المدارك و من تبعهما عن ابن بابويه و ابن الجنيد انهما قالا: يتخير الشاك بين

228

الثلاث و الأربع بين البناء على الأقل و لا احتياط و الأكثر مع الاحتياط.

و أنت خبير بما في هذا النقل عن ابن بابويه في هذا المقام فإنه على قياس ما قدمناه من النقولات المختلفة و الحكايات المعتلة، حيث انه لا وجود لشيء من ذلك في كتابه بالمرة بل الموجود فيه انما هو ما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما عرفت من البناء على الأكثر من غير تردد و لا ذكر لفرد آخر، و نسبة هذه العبارة إليه- باعتبار التوهم الذي ينشأ من قوله: «و ليست هذه الأخبار مختلفة» كما قدمنا ذكره- بعيد عن سياق الكلام و خارج عن سلك ذلك النظام.

و بالجملة فإن هذه النقولات في هذه المقامات محل عجب عجاب سيما مع متابعة الخلف للسلف في هذا الباب، و الفقيه بمنظر منهم مطبقين على درسه و شرحه و مراجعته فكيف اتفق لهم هذا الأمر الغريب و لم يتنبه أحد منهم الى هذا العجب العجيب؟

و أما نقل ذلك عن ابن الجنيد فان كلامه لا يحضرني و لا أعلم صحته و لا بطلانه.

و كيف كان فالمعتمد هو القول المشهور و هو المؤيد المنصور للأخبار الكثيرة و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن سيابة و ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، و ان وقع رأيك على الأربع فسلم و انصرف، و ان اعتدل وهمك فانصرف و صل ركعتين و أنت جالس».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و ان كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا و لم يذهب و همك إلى شيء فسلم ثم صل ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأم الكتاب و ان ذهب و همك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة و لا تسجد سجدتي السهو،

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

229

فإن ذهب و همك إلى الأربع فتشهد و سلم ثم اسجد سجدتي السهو».

قال في الوافي: لعل الأمر بسجدتي السهو في الصورة الأخيرة لتدارك النقصان الموهوم و ينبغي حمله على الاستحباب. أقول: و سيأتي تحقيق القول في ذلك في موجبات سجدتي السهو إن شاء الله تعالى.

و عن جميل عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«في من لا يدرى أثلاثا صلى أم أربعا و وهمه في ذلك سواء؟ قال فقال: إذا اعتدل الوهم في الثلاث و الأربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة و هو قائم و ان شاء صلى ركعتين و اربع سجدات و هو جالس».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن الحسين بن ابى العلاء في الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إن استوى و همه في الثلاث و الأربع سلم و صلى ركعتين و أربع سجدات بفاتحة الكتاب و هو جالس يقصر في التشهد».

قوله «يقصر في التشهد» أى يخففه. و ربما وجد في بعض النسخ «يقصد» بالدال من القصد و هو بمعنى التوسط.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): «و ان شككت فلم تدر ثلاثا صليت أم أربعا و ذهب و همك إلى الثالثة فأضف إليها ركعة من قيام و ان اعتدل وهمك فصل ركعتين و أنت جالس».

و من أخبار المسألة التي لا تخلو من الإشكال

ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «انما السهو ما بين الثلاث و الأربع و في الاثنتين و الأربع بتلك المنزلة، و من سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا و اعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد و يسلم و يصلى ركعتين و اربع سجدات و هو جالس، و ان كان أكثر

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 10.

(4) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

230

و همه إلى الأربع تشهد و سلم ثم قرأ فاتحة الكتاب و ركع و سجد ثم قرأ و سجد سجدتين و تشهد و سلم، و ان كان أكثر و همه الى الثنتين نهض فصلى ركعتين و تشهد و سلم».

وجه الإشكال فيه انه حكم في من شك بين الثلاث و الأربع و اعتدل شكه بأنه يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد و يسلم و يصلى ركعتين و أربع سجدات و هو جالس، و هو ظاهر في انه يبنى على الأقل و يتم صلاته ثم يحتاط مع ذلك بركعتين جالسا و لا قائل به. و أيضا فإن الاحتياط إنما هو مع البناء على الأكثر لا مع البناء على الأقل. و كذا الإشكال في قوله: «و ان كان أكثر وهمه إلى الأربع تشهد و سلم ثم قرأ فاتحة الكتاب. الى آخره» فإنه ظاهر في انه مع ظن الأربع و ترجيحها يبنى عليها و يحتاط مع ذلك بركعتين جالسا مع انه لا خلاف و لا إشكال في انه مع ترجيح أحد الطرفين و ظنه يبنى عليه زيادة أو نقصانا و لا احتياط بالكلية.

و ما ذكره في الوافي بالنسبة إلى الأول- حيث قال: الظاهر ان «أو» بدل الواو في قوله: «و يصلى ركعتين»- لا يدفع الإشكال فإن غايته انه مع تساوى طرفي الشك في الصورة المذكورة يتخير بين البناء على الأقل و الأكثر و لا قائل به ايضا.

و كيف كان فان الخبر المذكور لما لم يكن مسندا عن الإمام (عليه السلام) و إنما هو كلام محمد بن مسلم كان الخطب هينا.

و من ذلك-

ما رواه في الكافي و التهذيب عن ابى بصير في الموثق (1) قال:

«سألته عن رجل صلى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة؟ قال: فما ذهب وهمه اليه، ان رأى أنه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شيء سلم بينه و بين نفسه ثم يصلى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب».

و ظاهره انه مع غلبة ظنه انه في الثالثة يبنى على الأربع و يصلى صلاة الاحتياط و هو خلاف فتوى الأصحاب (رضوان الله عليهم) و خلاف ما عليه غير هذا الخبر من الأخبار. و يمكن تأويله بحمل جوابه (عليه السلام) على التفصيل بين ما ذهب

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

231

إليه وهمه فيبني عليه و بين ما لم يكن كذلك فيعمل فيه بموجب الشك في المسألة.

و قوله: «ان رأى أنه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شيء» بمعنى مساواته لما رآه في الثالثة فيحمل على الشك الموجب لتساوى الطرفين.

و أما ما ذكره المحدث الكاشاني- بعد نقله لهذه الرواية حيث قال: هذا برزخ بين الفصل و الوصل لان سهوه برزخ بين الظن و الشك. انتهى- فلا أعرف له وجها وجيها لما عرفت من انه مع ظن أحد الطرفين فإنه يجب البناء عليه و لا احتياط كما ذكره الأصحاب (رحمهم الله) و عليه دلت صحيحة عبد الرحمن ابن سيابة و ابى العباس و صحيحة الحلبي أو حسنته و غيرهما (1) و ان تساوى 2 الطرفان فالواجب البناء على الأكثر و الاحتياط كما هو المشهور و هو الذي عبر عنه بالفصل، و على القول الآخر يتخير بينه و بين البناء على الأقل و الإتمام و هو الذي عبر عنه بالوصل، و حينئذ فهذه الرواية ان حملت على المعنى الأول أشكل الأمر فيها بالاحتياط المذكور و ان حملت على المعنى الثاني- و ان كان خلاف ظاهرها- فلا إشكال. و الفصل و الوصل الذي ذكره محله إنما هو في صورة الشك و تساوى الطرفين فإنه عنده يتخير بين البناء على الأقل و لا احتياط و هو المسمى بالوصل و بين البناء على الأكثر و الاحتياط، و ما في هذا الخبر لا يخرج عن أحد الفردين المتقدمين ليكون برزخا و واسطة في البين، فان زعم ان ذلك باعتبار قوله: «و في قلبه من الرابعة شيء» فإنه لا يخفى ان كل من رجح أحد الطرفين و ظنه فان في قلبه شيئا من الطرف الآخر و هو المسمى عندهم بالوهم و لكن لا عمل عليه في مقابلة الظن. و بالجملة فإن كلامه غير موجه و لا واضح.

و أما ما نقل عن ابن الجنيد- من القول بالتخيير، و عن الصدوق بزعمهم- فلم أقف له على خبر يدل عليه، إلا انه قال في المدارك: احتج القائلون بالتخيير بأن فيه جمعا بين ما تضمن البناء على الأكثر و بين ما تضمن البناء على الأقل

____________

(1) ص 228.

232

كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى و لا شيء عليه.».

و هذا القول لا يخلو من رجحان إلا أن الأول أجود. انتهى.

أقول- و بالله الثقة لإدراك المأمول و نيل المسؤول- الظاهر ان هذا الدليل الذي نقله عن القائلين بالتخيير إنما هو من مخترعاته (قدس سره) بناء على ما توهمه من الصحيحة المذكورة و انها دالة على البناء على الأقل حسبما جرى له في حسنة زرارة المتقدمة، و يدل على ذلك (أولا) ان العلامة في المختلف إنما احتج لأصحاب هذا القول بدليل عقلي إقناعي ثم رده و أبطله. و (ثانيا) انه قد نسب هذا القول و الاحتجاج بهذا الدليل الى ابن بابويه مع انه ليس له في كتابه عين و لا اثر كما عرفت، و لكنه (قدس سره) حيث فهم من الرواية المذكورة- و قوله فيها:

«قام فأضاف إليها أخرى» يعني بنى على الثلاث و قام فأضاف إليها رابعة- البناء على الأقل مع صراحة الأخبار المتقدمة في البناء على الأكثر جمع بينها بالتخيير و جعله دليلا لهذا القول، و كان الاولى على هذا ان يقول: و يدل على هذا القول ان فيه جمعا بين الاخبار لا انه ينسب ذلك الى أصحاب هذا القول و الحال كما عرفت.

و تحقيق القول في هذا المقام على وجه تنكشف به غشاوة الاشكال و يتضح به هذا الإجمال هو ان يقال: لا يخفى على المتأمل في اخبار الاحتياط التي وردت في هذه الصور المنصوصة بعين الإنصاف أن الأئمة (عليهم السلام) ربما أجملوا في التعبير عن ذلك الاحتياط إجمالا زائدا يوهم الناظر ما وقع فيه السيد المشار اليه و من تبعه من توهم انه من نفس الصلاة الأصلية و ربما أوضحوا ذلك إيضاحا تاما و بينهما مراتب متفاوتة في الوضوح و الخفاء و كل ذلك بالنظر الى أحوال السامعين و زيادة الغباوة و البلادة و الفهم و الذكاء، و لهذا ان أصحابنا (رضوان الله عليهم)

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

233

قديما و حديثا لم يزالوا يستدلون بهذه الأخبار على وجوب الاحتياط في كل صورة صورة من هذه الصور مجملها و مفصلها و موصولها و مفصولها فيحملون المجمل على المفصل و الموصول على المفصول حتى انتهت النوبة إلى السيد السند فوقع في هذا الإشكال و تبعه جملة ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا مثل المحدث الكاشاني و الفاضل الخراساني و غيرهما، حتى ان المحدث الكاشاني في الوافي عمد الى هذه الأخبار الغير المصرح فيها بالفصل فجعلها أصلا و قاعدة كلية و قابلها بالأخبار الصريحة في الفصل و جعلها قاعدة ثانية فأثبت هنا ضابطتين، و قوى الشبهة عنده في ذلك (أولا) ما ورد في الأخبار من الروايات الدالة على البناء على الأكثر بقول مطلق و ما ورد منها دالا على البناء على الأقل مطلقا كما تقدم نقله في المسألة المتقدمة.

و (ثانيا) توهم ذهاب الصدوق الى ما ذكروه و استدلاله بهذا الخبر كما سمعت من كلام صاحب المدارك. و الجميع من قبيل البناء على غير أساس فلهذا عظم فيه الاشتباه و الالتباس و هو عند التأمل في ما ذكرناه ظاهر الانهدام و الانطماس.

و قال المحدث المشار إليه في الكتاب المذكور بعد نقل صحيحة زرارة أو حسنته التي استند السيد السند هنا الى عجزها الوارد في حكم هذه الصورة، و صورتها كملا هكذا:

زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «قلت له من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال: يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شيء عليه، و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى و لا شيء عليه».

فقال المحدث المشار اليه بعد نقلها بطولها ما صورته: لم يتعرض في هذا الحديث لذكر فصل الركعتين أو الركعة المضافة للاحتياط و وصلها كما تعرض في الخبر السابق و الاخبار في ذلك مختلفة و في بعضها إجمال كما ستقف عليه، و طريق التوفيق بينها التخيير كما ذكره في الفقيه و يأتي كلامه فيه، و ربما يسمى الفصل بالبناء على الأكثر و الوصل

____________

(1) الوسائل الباب 10 و 11 من الخلل في الصلاة.

234

بالبناء على الأقل و ما سمعت أحدا تعرض لهذه الدقيقة، و في حديث عمار الآتي إشارة الى ذلك فلا تكونن من الغافلين. انتهى.

أقول: أشار

بحديث عمار الى روايته التي قدمناها (1) و هي قوله (عليه السلام):

«كل ما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر. إلخ».

فإنه قد قال بعدها: هذه هي الضابطة الكلية المشتملة على أكثر أخبار هذا الباب و هي فذلكتها و في مقابلتها ضابطة أخرى هي البناء على الأقل و إتمام الصلاة جملة واحدة. انتهى.

و لا بد في دفع هذه الأوهام التي وقع فيها هؤلاء الأعلام من نقل جملة من الروايات الواردة في المقام و بيان ما اشتملت عليه من المراتب في الإيضاح و الإفهام عن ذلك المعنى الذي اضطربت فيه هذه الافهام. لكن ينبغي أن يعلم أولا انه لما ثبت بما حققناه آنفا ان هذه الاخبار الصريحة في البناء على الأقل مطلقا إنما خرجت مخرج التقية (2) و العمل إنما هو على الاخبار الدالة على البناء على الأكثر مطلقا كان أو في خصوص هذه الصور فالواجب حمل ما دل من هذه الأخبار الواردة في هذه الصور المذكورة على التقية أيضا لو كان صريحا في البناء على الأقل و الإعراض عن العمل به فكيف و هو قابل للحمل على تلك الروايات المفصلة بل بعضه ظاهر في ذلك. و هذه الجملة كافية في دفع شبهة هذا الخصم و لكنا مع ذلك نستظهر بنقل الروايات التي أشرنا إليها:

فمن ذلك- الصحيحة التي ذكر المحدث المذكور هذا الكلام على أثرها فإنه (عليه السلام) قد أجمل في صدرها و عجزها إلا ان صدرها أظهر في الدلالة على ما ندعيه لأن ذكر فاتحة الكتاب قرينة على إرادة الاحتياط كما هو مصرح به في غيرها و ان كانت القراءة في الأخيرتين جائزة من حيث التخيير بناء على المشهور لكنه لم يجر في هذه الأخبار و لا عبر به في شيء منها بل ذكر القراءة في روايات الاحتياط كلها إنما هو من حيث الفصل، و كأنهم (ع) قصدوا إلى أنها صلاة منفردة لا بد فيها

____________

(1) ص 211.

(2) ص 223.

235

من فاتحة الكتاب كما ربما ذكروا أيضا فيها التشهد و التسليم.

و من ذلك-

قوله (عليه السلام) في صحيحة البقباق (1): «و ان اعتدل وهمك فانصرف و صل ركعتين و أنت جالس».

و الاحتياط ههنا موصول لكن قرينة الأمر بالجلوس دفع توهم دخوله في الصلاة.

و من ذلك-

قوله (عليه السلام) في مرسلة جميل (2): «إذا اعتدل الوهم في الثلاث و الأربع فهو بالخيار ان شاء صلى ركعة و هو قائم و ان شاء صلى ركعتين و اربع سجدات و هو جالس».

و هذه الرواية أيضا لم يصرح فيها بالفصل و انما علم من حيث التخيير في الاحتياط بين الفردين المذكورين، و لو لم يذكر الركعتين من جلوس لسبق الى الوهم كون تلك الركعة من قيام متصلة داخلة في الصلاة الأصلية و كل ذلك انما جرى على التوسع في التعبير كما أشرنا إليه آنفا.

و من ذلك-

قوله (عليه السلام) في رواية ابن ابى يعفور (3): «في رجل لا يدرى ركعتين صلى أم أربعا؟ قال: يتشهد و يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين و أربع سجدات».

و في صحيحة محمد بن مسلم (4): «في رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو أربع؟ قال: يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب».

و قد أفصح (عليه السلام) في هذين الخبرين أى إفصاح و صرح بالفصل الصراح.

و في موثقة أبي بصير (5): «إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين ثم سلم و اسجد سجدتين».

و قد أجمل (عليه السلام) في هذا الخبر كمل أجمل في صدر صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة إلا أنه هناك صرح بفاتحة الكتاب التي هي قرينة على كونها صلاة الاحتياط كما قدمنا ذكره.

و هذه كلها كما ترى في الشك بين الاثنتين و الأربع و الاحتياط فيها واحد

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

236

لكن الأخبار اختلفت في الإجمال و التصريح، و الأصحاب قد حملوا مجملها على مفصلها كما هو القاعدة في أمثال ذلك.

و هؤلاء الأعلام باعتبار الروايات الدالة على جواز البناء على الأقل مطلقا و نسبتهم ذلك الى الصدوق عمدوا الى هذه الأخبار المجملة و ألحقوها بتلك الروايات المطلقة. و أنت قد عرفت ما في أساسهم الذي بنوا عليه من الخراب و الانهدام لوجوب حمل تلك الروايات على التقية و فساد ما نسبوه الى الصدوق في هذا المقام و متى بطل الأصل الذي بنوا عليه بطل ما فرعوه و جعلوه راجعا اليه.

هذا. و أما ما ذكره المحدث المذكور- و سجل به مما قدمنا نقله عنه و ان ما ذكره دقيقة لم يتفطن لها غيره- ففيه (أولا)- ان هذه الدقيقة ان أراد بها ما فهمه من الأخبار المجملة من حيث عدم التصريح بالفصل بين الصلاة الأصلية و بين صلاة الاحتياط فقال فيها بالبناء على الأقل و جعلها ضابطة كلية و قابلها بالأخبار الصريحة في الفصل الدالة على البناء على الأكثر فجعلها ضابطة اخرى، ففيه انه قد سبقه صاحب المدارك الى ذلك بل الصدوق أيضا بزعمهم. نعم ان السيد قد وقف على مورد تلك الأخبار المجملة و هو قد جعل ذلك قاعدة كلية في جميع الشكوك اعتضادا بعموم تلك الأخبار المطلقة. و أنت قد عرفت ان تلك الأخبار التي هي أصل الشبهة الحاملة له على جعل ذلك ضابطة كلية إنما خرجت مخرج التقية. و أما هذه الأخبار المجملة في هذه الصور فيجب حمل إجمالها على الروايات المفصلة كما هي القاعدة الكلية.

و (ثانيا)- ان ما زعمه من نسبة التخيير في جميع الشكوك الى الفقيه بناء على قوله: «و ليست هذه الاخبار مختلفة و صاحب السهو بالخيار. إلخ» و هو الذي أشار إليه في كلامه المتقدم بقوله «و يأتي كلامه فيه» فقد أوضحنا بطلانه بما لا مزيد عليه. و الله العالم و رسوله و أولياؤه (عليهم السلام).

237

بقي الكلام في الاحتياط في هذه الصورة و المشهور ما قدمناه من التخيير و نقل عن ظاهر ابن ابى عقيل و الجعفي تعين الركعتين من جلوس و هو الذي تضمنه أكثر أخبار المسألة المتقدمة إلا ان مرسلة جميل قد دلت على التخيير و عليها عمل الأصحاب (رضوان الله عليهم) و بها قيدوا إطلاق تلك الاخبار. و صاحب المدارك و من حذا حذوه بناء على الاصطلاح المحدث بينهم قد ردوا الرواية بضعف السند فلا تصلح لتخصيص تلك الاخبار، و هو جيد على ذلك الأصل الغير الأصل.

و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على ما تضمنه أكثر الاخبار من الركعتين من جلوس. و الله العالم.

(المسألة الثامنة)- لو شك بين الاثنتين و الأربع

فالمشهور هو البناء على الأكثر و الاحتياط بركعتين من قيام.

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدرى ركعتان هي أو أربع؟ قال يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب و يتشهد و ينصرف و ليس عليه شيء».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن و الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا لم تدر اثنتين صليت أم أربعا و لم يذهب وهمك إلى شيء فتشهد و سلم ثم صل ركعتين و اربع سجدات تقرأ فيهما بأم القرآن ثم تشهد و سلم، فان كنت إنما صليت ركعتين كانت هاتان تمام الأربع، و ان كنت صليت الأربع كانت هاتان نافلة».

و ما رواه في الكافي عن ابن ابى يعفور (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى ركعتين صلى أم أربعا؟ قال يتشهد و يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين و أربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد و يسلم، فان كان

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

238

صلى أربعا كانت هاتان نافلة و ان كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربع، و ان تكلم فليسجد سجدتي السهو».

و عن زرارة في الصحيح (1) قال: «قلت له من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين و قد أحرز الثنتين؟ قال يركع ركعتين و اربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهد و لا شيء عليه. الحديث».

و عن جميل عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«في رجل لم يدر ركعتين صلى أم أربعا و وهمه يذهب إلى الأربع و الى الركعتين؟ فقال يصلى ركعتين و اربع سجدات. الحديث».

قوله: «و وهمه يذهب إلى الأربع و الى الركعتين» اى من غير ترجيح و لا ظن أحدهما».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) «و ان شككت في الثانية أو الرابعة فصل ركعتين من قيام بالحمد».

و روى الشيخ عن ابى بصير في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين ثم سلم و اسجد سجدتين و أنت جالس ثم سلم بعدهما».

و حمل الشيخ و العلامة سجدتي السهو هنا على ما إذا تكلم ناسيا. و لا يخلو من البعد. و جملة من متأخري المتأخرين حملوهما على الاستحباب. و من المحتمل قريبا ان الأمر بالسجود هنا انما هو من حيث البناء على الأقل و ان الحديث يراد به البناء على الأقل و يكون حينئذ محمولا على التقية لما قدمنا (5) تحقيقه من ان العامة على البناء على الأقل و سجود السهو كما مر في خبر صحيح مسلم (6) عن عبد الرحمن بن عوف و به صرح البغوي في شرح السنة. و حينئذ فلا يكون هذا الخبر من اخبار المسألة في شيء لخروجه مخرج التقية.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 10.

(4) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(5) ص 223 و 224.

(6) ارجع الى التعليقة 4 ص 195.

239

و نحوه في ذلك

ما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في المحاسن عن بكير بن أعين في الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له رجل شك فلم يدر أربعا صلى أم اثنتين و هو قاعد؟ قال يركع ركعتين و اربع سجدات و يسلم ثم يسجد سجدتين و هو جالس».

قال في المدارك في هذا المقام بعد ذكر صحيحة محمد بن مسلم و الحلبي دليلا للقول المشهور: و يحتمل قويا التخيير في هذه المسألة بين ذلك و بين البناء على الأقل و لا احتياط جمعا بين هذه الروايات و بين ما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت له من لم يدر.» ثم ساق الخبر المتقدم (2) أقول: هذا من جملة ما قدمنا ذكره من توهم و صل الاحتياط بالصلاة الأصلية في الأخبار لعدم ذكر الفصل بالتشهد و التسليم بينه و بين الصلاة الأصلية أو أحدهما، و هذه الرواية هي التي قدمنا الكلام عليها و بينا ان قوله فيها «بفاتحة الكتاب» قرينة على ان المراد صلاة الاحتياط لا كونهما أخيرتي الرباعية لما شرحناه آنفا، فان التعبير بذلك وقع في جملة من الروايات كصحيحة محمد بن مسلم المذكورة في هذه المسألة، و كذا صحيحة الحلبي المذكورة هنا ايضا، و مثلهما حسنة الحلبي المتقدمة في صورة الشك بين الثلاث و الأربع، و عبارة كتاب الفقه.

و هو مع هذه القرينة الظاهرة تعسف في حملهما على الركعتين الأخيرتين و ان قراءة الفاتحة انما هي لكونها أحد الفردين المخير بينهما. و لا يخفى عليك ما فيه من التعسف و بالجملة فإنه إنما وقع في هذا الوهم من حيث انه ذكر في صحيحتي محمد بن مسلم و الحلبي المذكورتين في كلامه الفصل بالتشهد و التسليم أو التسليم و في هذه الرواية قال:

«يركع ركعتين. الى آخره» و لم يذكر انه يتشهد أو يسلم، فهو يدل على كون هاتين الركعتين من الصلاة الأصلية بأنه يكون قد بنى على الأقل.

و فيه انه كيف يتم الاستناد الى مجرد هذه العبارة و الحال انه قد وقع التعبير

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 233.

240

بها في جملة من الروايات التي علم الفصل فيها بقرائن آخر كما قدمنا ذكره، و غاية ما يلزم انها باعتبار عدم التصريح بالفصل و عدم وجود قرينة أخرى على ارادة الفصل مجملة محتملة لكل من الأمرين لا انها تكون صريحة أو ظاهرة في ما يدعيه و لهذا ان صاحب الذخيرة- بعد نقل رواية أبي بصير المتقدمة التي هي في الإجمال مثل هذه الرواية- قال يمكن ان يحمل على البناء على الأقل و الأكثر و لا يبعد ادعاء ظهوره في الأول. انتهى. و ادعاء ظهوره في الأول ممنوع لما عرفت.

و بالجملة فإنه مع هذا الإجمال لا يصح الاستناد إليها أو الى غيرها متى كان كذلك في إثبات حكم شرعي مخالف للاخبار الصحيحة الصريحة المتكاثرة المعتضدة بفتوى الأصحاب قديما و حديثا عدا من وقع في هذا الوهم من هؤلاء المذكورين و لا ريب ان هذا التعبير و هذا الإجمال انما نشأ من معلومية الحكم يومئذ و كم مثله في سعة التجوز في العبارات كما لا يخفى على من خاض بحور الاستدلالات و تتبع المقالات، بل الواجب حمل إجمالها على ما فصل في غيرها.

و كيف كان فإنك قد عرفت ان كلامهم في هذه الروايات انما نشأ من تلك الأخبار المطلقة في البناء على الأقل فإنهم اتخذوها كالأساس، و نحن قد هدمنا بحمد الله سبحانه بنيانها و زعزعنا أركانها فزال الالتباس. و لم تر مثل هذا التحقيق الرشيق في غير زبرنا و مصنفاتنا فتأمله بعين البصيرة و أنظره بمقلة عير حسيرة ليظهر لك ما في الزوايا من الخبايا.

و نقل في المختلف عن ابن بابويه في كتاب المقنع انه يعيد الصلاة، و ربما كان مستنده

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد (1)- و هو ابن مسلم على الظاهر- قال:

«سألته عن الرجل لا يدرى صلى ركعتين أم أربعا؟ قال يعيد الصلاة».

و الجواب عنها ما تقدم من الجواب عن صحيحة عبيد بن زرارة المذكورة في مسألة الشك بين الاثنتين و الثلاث و يجب حملها على ما حملت تلك عليه. و الشيخ حملها على الشك في

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.

241

الصبح أو المغرب و بعده ظاهر. قيل: و الصدوق قال بالتخيير لهذه الرواية. و هو ضعيف لما عرفت.

و قال في البحار: و احتمل الشهيد في الذكرى و العلامة في النهاية كون البناء على الأكثر و صلاة الاحتياط للرخصة و التخفيف و تكون الإعادة أيضا مجزئة. ثم رده و قال لا يخفى بعد هذا الكلام عن ظواهر النصوص و لا داعي الى ذلك و لم يعلم قائل بذلك ايضا قبلهما انتهى. و هو جيد فان الخروج عن ظواهر تلك الأخبار بل صريحها الدال على وجوب البناء على الأكثر و الاحتياط بما ذكر بهذا الخبر الشاذ النادر لا يخلو من مجازفة، و قد سبق نظيره في مسألة الشك بين الاثنتين و الثلاث مع ان المعارض ثمة أقل مما هنا، و ما ذكراه هنا انسب بتلك المسألة سيما مع دعوى جملة منهم عدم الدليل كما عرفت ثمة. و الله العالم.

(المسألة التاسعة)- لو شك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع

فالمشهور انه يبنى على الأكثر و يتم صلاته ثم يصلى ركعتين من قيام و ركعتين من جلوس، و ذهب الصدوقان و ابن الجنيد إلى انه يبنى على الأربع و يصلى ركعة من قيام و ركعتين من جلوس. و نقل عن ابن الجنيد البناء على الأقل ما لم يخرج الوقت.

و يدل على القول المشهور

ما رواه الكليني و الشيخ عن ابن ابى عمير في الصحيح عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا؟ قال يقوم فيصلي ركعتين من قيام و يسلم ثم يصلى ركعتين من جلوس و يسلم فان كان صلى اربع ركعات كانت الركعتان نافلة و إلا تمت الأربع».

و أنت خبير بان هذه الرواية قد اشتملت على وصل الاحتياط بالفريضة مثل ما وقع في حسنتي زرارة المتقدمتين اللتين صارتا منشأ لتوهم السيد و من تبعه و لكن لمعلومية الاحتياط هنا و انه لا يصلح للجزئية من حيث ركعتي الجلوس زال الوهم المذكور. إلا ان اللازم بمقتضى ما توهمه- لو كان صحيحا- ان يكون الحكم

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة. و الشيخ يرويه عن الكليني.

242

في هذه الرواية هو البناء على الأقل ثم الإتمام بتلك الركعتين من قيام يجعلهما من الصلاة الأصلية ثم الاحتياط بركعتين جالسا و هو لا يقول به و لا يلتزمه.

و الظاهر انه لا خلاف هنا في البناء على الأكثر إلا ما يتوهمون به من قول الصدوق بالتخيير في جميع افراد الشكوك، و ما تقدم من المرتضى في المسائل الناصرية من البناء على الأقل مطلقا و قد عرفت ما في الجميع. و الخلاف المشهور هنا انما هو في الاحتياط و قد عرفت ما هو المشهور و ما يدل عليه.

و اما القول الثاني من الاحتياط بركعة قائما و ركعتين جالسا فقال في الذكرى انه قوى من حيث الاعتبار لأنهما تنضمان حيث تكون الصلاة اثنتين و يجتزأ بأحدهما حيث تكون ثلاثا إلا ان النقل و الاشتهار يدفعه.

و كأنه أشار بالنص إلى مرسلة ابن ابى عمير المذكورة مع انه

قد روى الصدوق عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا؟

فقال يصلى ركعة من قيام ثم يسلم ثم يصلى ركعتين و هو جالس».

و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): «و ان شككت فلم تدر اثنتين صليت أم ثلاثا أم أربعا فصل ركعة من قيام و ركعتين من جلوس».

و ربما استشكل في الرواية المذكورة من حيث تضمنها لسؤال الكاظم من أبيه (عليهما السلام) كما أشار إليه في المدارك حيث قال- بعد رد مرسلة ابن ابى عمير بأنها قاصرة من حيث الإرسال و ذكر الصحيحة المذكورة- ما لفظه: إلا ان ما تضمنته الرواية من سؤال الكاظم من أبيه (عليهما السلام) على هذا الوجه غير معهود و المسألة محل اشكال. انتهى.

أقول: لا يخفى ان المعلوم من قاعدته- كما نبهنا عليه في غير موضع- انه متى صح سند الرواية جمد على القول بما تضمنته و ان خالف مقتضى القواعد و الأصول

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 10.

243

أو خالف ما هو المعلوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أو نحو ذلك فلا وجه لهذا الإشكال باعتبار عدم معهودية رواية الكاظم عن أبيه (عليهما السلام) و قد اشتمل كتاب الفقه الرضوي على الرواية عن أبيه (عليهما السلام) في مواضع لا تخفى بقوله (1):

«و اروى عن العالم و كنت يوما عند العالم».

و نحو ذلك و رواياتهم عن آبائهم (عليهم السلام) بعد الموت كثيرة. و بالجملة فإن هذا ليس مما يوجب الطعن في السند باصطلاحه. إلا ان نسخ من لا يحضره الفقيه في هذا الخبر مختلفة ففي بعضها «يصلى ركعتين من قيام» و في سند الرواية أيضا اختلاف ففي بعضها عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «قلت له.» إلا ان أكثر النسخ على ما ذكرناه في الخبر.

و يؤيده بالنسبة إلى الأول خبر كتاب الفقه.

و كيف كان فالظاهر في الجمع بين الأخبار المذكورة هو القول بالتخيير و ان لم يعلم به قائل من الأصحاب (رضوان الله عليهم).

ثم انه على تقدير القول المشهور فهل يجوز ان يصلى بدل الركعتين جالسا ركعة قائما أم لا؟ أقوال ثلاثة: (أحدها) تحتمه و نسبه في الذكرى الى ظاهر الشيخ المفيد في الغرية و سلار. و (ثانيها) عدم الجواز و نسبه في الذكرى الى الأصحاب.

و (ثالثها) التخيير لتساويهما في البدلية بل الركعة من قيام أقرب الى حقيقة المحتمل و هو قول العلامة و الشهيدين. قال في الذخيرة و الأوسط أقرب وقوفا على النص.

أقول: ما ذكره جيد لو لم يكن في المسألة إلا رواية ابن ابى عمير المذكورة و أما بالنظر الى ما ذكرناه من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و رواية كتاب الفقه فالثالث هو الأصح لا باعتبار ما ذكروه من التعليل فإنه عليل بل من حيث الجمع بين الخبرين و ان كان ما ذكر انما هو تفريع على القول المشهور.

و هل يجب تقديم الركعتين من قيام؟ فيه أيضا أقوال: (الأول) وجوب ذلك و هو قول الشيخ المفيد في المقنعة و المرتضى في أحد قوليه (الثاني) التخيير و نقل

____________

(1) من ص 45 الى ص 52.

244

عن ظاهر المرتضى (قدس سره) في الانتصار. (الثالث) تحتم تقديم الركعتين جالسا و قد نقل بعض الأصحاب حكاية قول به. (الرابع) تحتم تقديم الركعة من قيام و هو قول الشيخ المفيد في الغرية. و الصواب هو الأخذ بما دل عليه النص في الباب.

فائدة

قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض و انما خص المصنف و أكثر الجماعة من مسائل الشك هذه الأربع لأنها مورد النص على ما مر، و لعموم البلوى بها للمكلفين فمعرفة حكمها واجب عينا كباقي واجبات الصلاة، و مثلها الشك بين الأربع و الخمس و حكم الشك في الركعتين الأوليين و الثنائية و الثلاثية بخلاف باقي مسائل الشك المتشعبة فإنها تقع نادرا و لا تكاد تنضبط لكثير من الفقهاء. و هل العلم بحكم ما يجب معرفته منها شرط في صحة الصلاة فتقع بدون معرفتها باطلة و ان لم تعرض في تلك الصلاة؟ يحتمله تسوية بينها و بين باقي الواجبات و الشرائط التي لا تصح الصلاة بدون معرفتها و ان اتى بها على ذلك الوجه، و عدمه لأن الإتيان بالفعل على الوجه المأمور به يقتضي الاجزاء، و لأن أكثر الصحابة لم يكونوا في ابتداء الإسلام عارفين بأحكام السهو و الشك مع مواظبتهم على الصلاة و السؤال عند عروضه.

و لأصالة عدم عروض الشك و ان كان عروضه أكثريا. و في هذه الأوجه نظر واضح و للتوقف مجال. انتهى.

أقول: و الأصح ما ذكره أخيرا بقوله «و عدمه. إلخ» لما حققناه في كتاب الدرر النجفية في درة الجاهل بالأحكام الشرعية و في مطاوي أبحاث الكتاب من صحة العبادة بدون ذلك. و قد تقدم أيضا في كتاب الطهارة في المقام التاسع من مقامات البحث في النية ما فيه إشارة الى ذلك.

(المسألة العاشرة)- لو شك بين الأربع و الخمس

فالمشهور انه يتم صلاته و يسجد سجدتي السهو.

245

و على ذلك تدل جملة من الاخبار: منها-

ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت لا تدري أربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا».

و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثم سلم بعدهما».

و مما استدل به بعض الأصحاب في هذا المقام أيضا

صحيحة زرارة أو حسنته (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس و سماهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) المرغمتين».

و المفهوم من هذه الرواية انما هو ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة و النقيصة كما هو ظاهر بعض الاخبار التي قبلها ايضا.

و أظهر منها في ذلك

ما رواه الصدوق بطريقه إلى الفضيل بن يسار (5) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو فقال من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو و انما السهو على من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص منها».

و المراد بالسهو الشك كما يطلق عليه في الاخبار في غير مقام، و سيأتي ان شاء الله تعالى ان من مواضع سجدتي السهو الشك في الزيادة و النقيصة لهذه الاخبار و بموجب ذلك يجب سجود السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة و هو قول الصدوق

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة، و هذه الرواية رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 98 و لم ينقلها في الوسائل من التهذيب نعم نقلها في الوافي عنهما.

(4) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

246

إلا انه يجب تقييد هذه الاخبار بالاخبار الدالة على إبطال الشك المتعلق بالأولتين و الثنائية و الثلاثية فيخص بما عدا ذلك.

و الخلاف في هذه المسألة قد وقع في موضعين (أحدهما) ما ذهب اليه الصدوق في المقنع من الاحتياط في هذه الصورة بركعتين جالسا حيث قال في الكتاب المذكور: إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد و سلم و صل ركعتين بأربع سجدات و أنت جالس بعد تسليمك. و في حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة. انتهى.

و قال في المختلف- بعد ذكر القول المشهور و نقل قول ابن بابويه المذكور و الاستدلال للقول المشهور بصحيحة الحلبي المتقدمة- ما لفظه: و لأن الأصل عدم الإتيان بالزيادة فلا يجب عليه شيء، و لان الركعتين جعلتا تماما لما نقص من الصلاة و التقدير انه شك في الزيادة بعد حفظ الكمال فلا يجب عليه بدل المأتي به.

نعم ان قصد الشيخ أبو جعفر ابن بابويه ان الشك إذا وقع في حالة القيام كأنه يقول قيامي هذا لا أدرى أنه لرابعة أو خامسة فإنه يجلس إذا لم يكن قد ركع و يسلم و يصلى ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس و يسجد للسهو و ان كان بعد ركوعه قبل السجود فإنه يعيد الصلاة. انتهى.

أقول: ما ذكره و أورده على الصدوق جيد لو كان ما ذكره الصدوق هنا من نفسه و انما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على الطريقة التي قدمنا ذكرها، و هذه صورة عبارته (عليه السلام) في الكتاب المشار اليه: و ان لم تدر أربعا صليت أم خمسا أو زدت أو نقصت فتشهد و سلم و صل ركعتين بأربع سجدات و أنت جالس بعد تسليمك. و في حديث آخر تسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة و تشهد فيهما تشهدا خفيفا. انتهى. و هي كما ترى طبق عبارة المقنع كلمة كلمة و حرفا و حرفا إلا في زيادة قوله «و تشهد فيهما تشهدا خفيفا» في عبارة كتاب الفقه.

و هو (عليه السلام) قد أفتى أولا بالاحتياط و نسب ما دلت عليه الاخبار المتقدمة

247

المعمول عليه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) إلى الرواية مؤذنا بتضعيفه.

و قد روى الشيخ عن زيد الشحام عن أبي أسامة (1) قال: «سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد و ان كان لا يدرى أ زاد أم نقص فليكبر و هو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد. الحديث».

و رده بعضهم بضعف السند و انه غير معمول عليه بين الأصحاب.

و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور للأخبار المتقدمة المعتضدة بفتوى الأصحاب (رضوان الله عليهم) قديما و حديثا و هم (عليهم السلام) اعرف بما قالوه في الخبرين المذكورين.

الموضع الثاني- ما ذهب إليه جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ المفيد و الشيخ في الخلاف و الصدوق و سلار و أبو الصلاح من عدم وجوب سجدتي السهو في هذا الموضع و الأخبار المتقدمة كما ترى على خلافه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان للشك بين الأربع و الخمس صورا أنهاها بعضهم الى ثلاث عشرة صورة إلا انها ترجع عند التحقيق الى ثلاث صور:

الأولى- ان يشك قبل الركوع و الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في انه يجلس و ينقلب شكه الى الثلاث و الأربع فيعمل فيه على ما تقدم في تلك المسألة و يزيد مع ذلك سجدتي السهو لمكان القيام، و قد تقدم ذلك في كلام العلامة في المختلف و هو مؤيد لما حققناه سابقا من انه إذا شك في حال قيامه بين كون قيامه لثالثة أو رابعة فإنه لا يكون شكا بين الثلاث و الأربع كما توهمه السيد و اتباعه بل يكون شكا بين الثنتين و الثلاث كما انه في هذه الصورة لا يكون شكا بين الأربع و الخمس و انما هو

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة. و لا يخفى ان «أبا أسامة» كنية زيد الشحام و في التهذيب ج 1 ص 236 هكذا «عن زيد الشحام أبي أسامة» فكلمة «عن» يحتمل ان تكون من زيادة النساخ.

248

شك بين الثلاث و الأربع.

و قال شيخنا المحدث الشيخ عبد الله بن الحاج صالح البحراني في شرح رسالة شيخه الصلاتية- بعد ان ذكر هذه الصورة و ذكر انه لا خلاف فيها بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)- انه لا مستند لها بالخصوص إلا

ما روى انه «ما أعاد الصلاة فقيه يحتال فيها و يدبرها حتى لا يعيدها» كما في موثقة عمار المروية في الفقيه (1).

انتهى أقول: لا يخفى ما فيه فان أخبار الشك بين الثلاث و الأربع شاملة لهذه الصورة فإنه ما لم يدخل في الركوع يرجع الى ما تقدم، إذ لا فرق بين ان يشك و هو جالس قبل القيام أو بعد القيام و قبل الركوع حسبما فصل في هذه الصورة.

الثانية- ان يشك بعد رفع رأسه من السجود أو بعد تمام ذكر السجدة الثانية و ان لم يرفع على القولين المتقدمين قريبا، فإنه يبنى على الأربع و يتشهد و يسلم و يسجد سجدتي السهو، و على ذلك دلت الأخبار المتقدمة في صدر المسألة.

الثالثة- الشك بعد الركوع و قبل تمام السجود و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان حكمها كحكم سابقتها في الصحة و البناء على الأربع و سجود السهو.

و قطع العلامة (قدس سره) في جملة من كتبه بالبطلان و اقتفاه المحقق الشيخ على (قدس سره) على ما نقل عنه.

و احتجوا على ذلك بلزوم التردد بين محذورين: الإكمال المعرض للزيادة و الهدم المعرض للنقيصة. و رد بان المبطل إنما هو يقين الزيادة لا احتمالها و لو اثر ذلك

____________

(1) هذا اللفظ ورد في رواية حمزة بن حمران المروية في التهذيب ج 1 ص 236 و في الوسائل في الباب 29 من الخلل في الصلاة من التهذيب و اما الصدوق فإنه بعد ان ذكر في ج 1 ص 225 رواية عمار المتضمنة للبناء على الأكثر في كل شك المتقدمة ص 222 قال: و معنى الخبر الذي روى «ان الفقيه لا يعيد الصلاة» انما هو في الثلاث و الأربع لا في الأولتين. و يحتمل انه يريد بيان وجه الحيلة و التدبير في موثقة عمار.

249

لأثر في ما لو عرض الشك بعد السجود ايضا مع انهم اتفقوا هناك على الصحة.

إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في الروضة نقل الاحتجاج للعلامة هنا بحجة اخرى و هو ان في القول بالصحة هنا خروجا عن مقتضى النصوص فإنه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينها و بين ما قبلها، قال (قدس سره)- بعد قول المصنف:

و قيل تبطل الصلاة لو شك و لما يكمل السجود إذا كان قد ركع- ما صورته: لخروجه عن المنصوص فإنه لم يكمل الركعة حتى يصدق عليه انه شك بينهما. ثم نقل الحجة الثانية و هو تردده بين محذورين ثم ردها بما قدمنا ذكره. و لم يتعرض للجواب عن الحجة الاولى، و السبب فيه انه قد صرح هو و غيره بان الركعة عبارة عن الركوع و السجود فما لم يكملها بتمام السجود لا يصدق حصول الركعة و متى لم يصدق لم يدخل تحت النصوص، و انما الكلام في تحقق إتمامها بالرفع من السجود أو بإتمام ذكر السجدة الثانية و قد تقدم، و لهذا أوجبوا في صحة الشك و العمل به إتمام الأوليين بالسجود و حينئذ فإذا ثبت ان الركعة عبارة عما ذكر فالشك قبل السجود شك قبل إكمال الركعة و تمامها فلا يدخل تحت النص، لان مرجع الشك بين الأربع و الخمس إلى انه لا يدرى اتى بخمس أو أربع فإذا لم يتمها فكيف يصدق الشك فيها؟

و بذلك يظهر لك ان ما ذكروه في المقام- من الحكم بالصحة في ما إذا وقع الشك بين السجدتين و كذا بين الركوع و السجود- مدافع لما ذكروه من عدم تحقق الركعة إلا بالإتمام بالسجود بل بالرفع منه فكيف يصح شكه هنا و يبنى على الأربع؟

و بالجملة فإنه ما لم تتحقق الركعة و تتم بالسجود أو مع الرفع لا يتجه دخوله في الصورة المفروضة، و من أجل ذلك ان شيخنا المشار إليه في الروضة أغمض النظر عن احتجاجه للعلامة أولا بالخروج عن محل النص و لم يجب عنه بشيء لاتفاقهم على هذه المقالة المؤذنة بصحة الحجة المذكورة، و لا طريق الى الجواب عن ذلك و الخروج من هذا الإشكال إلا بمنع ما ادعوه من ان الركعة عبارة عما ذكروه و القول بأنها عبارة عن مجرد الركوع كما هو القول الآخر الذي تقدم ذكره و ان تقدم رد صاحب

250

المدارك له بالضعف إلا انه ناشىء عن الغفلة عن هذا الإشكال.

و الى هذا القول مال المحقق في أجوبة المسائل البغدادية و جعله وجه الجواب عن القول بالصحة في المسألة حيث قال- بعد حكمه بالصحة و عدم البطلان في الصورة المذكورة- ما نصه: لأن الركعة واحدة الركوع جنس كالسجدة و السجود و الركبة و الركوب. انتهى.

و بذلك يظهر ان المدار هنا في الجواب عن الإشكال المذكور مبنى على بيان معنى الركعة شرعا و انها عبارة عما ذا؟ فان كانت عبارة عما ذكروه فالحكم بالصحة غير متجه لما عرفت و ان كانت عبارة عن مجرد الركوع فما ذكروه من الحكم بالصحة جيد. و المفهوم من الأخبار انها تطلق تارة على مجرد الركوع و اخرى على ما يدخل فيه السجود بل التشهد ايضا كقولهم: يتشهد في الركعة الثانية و يسلم في الركعة الرابعة و نحو ذلك.

و لعل الكلام في ما عدا الأول انما خرج مخرج التجوز تسمية للكل باسم الجزء و مما يؤيده الأخبار الواردة في صلاة الكسوف حيث اشتملت على التعبير عن الركوع فيها بالركعة كما لا يخفى على من راجعها و هو أقوى حجة في ما ذكرناه.

قال في الذكرى: و اما الشك بين الأربع و الخمس فالنص ان عليه سجدتي السهو كما يأتي، و فصل متأخر و الأصحاب (رضوان الله عليهم) بما حاصله ان ههنا صورا:

(أحدها) ان يقع بعد إكمال السجدتين و الأمر فيه ظاهر. و (ثانيها) ان يقع قبل رفع رأسه من السجدة الثانية و الظاهر الحاقه به لان الرفع لا مدخل له في الزيادة.

و (ثالثها) ان يقع بين السجدتين فيحتمل الحاقه بها تنزيلا لمعظم الركعة منزلة جميعها و يحتمل عدمه لعدم الإكمال و تجويز الزيادة. و (رابعها) ان يقع بين الركوع و السجود و هي أشكل مسائله، قطع الفاضل فيها بالبطلان لتردده بين محذورين اما القطع و هو معرض للأربع و اما الإتمام و هو معرض للخمس. و قطع شيخه المحقق في الفتاوى بالصحة تنزيلا للركعة على الركوع و الباقي تابع. و تجويز الزيادة لا ينفى ما هو ثابت بالأصالة، إذ الأصل عدم الزيادة، و لان تجويز الزيادة لو منع لأثر

251

في جميع صوره. و (خامسها) ان يقع في أثناء الركوع فيحتمل الوجهين و ان يرسل نفسه فكأنه شاك بين الثلاث و الأربع. و (سادسها) ان يقع بعد القراءة و قبل الركوع سواء كان قد انحنى و لم يبلغ حد الراكع أو لم ينحن أصلا. و (سابعها) ان يقع في أثناء القراءة. و (ثامنها) ان يقع قبل القراءة و قد استكمل القيام. و (تاسعها) ان يقع في أثناء القيام. و في هذه الصور الأربع يلزم الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا لانه شك بين الثلاث و الأربع و يرسل نفسه في جميعها و لا يترتب على التعدد فيها شيء سوى احتمال سقوط سجود السهو ما لم يستكمل القيام و احتمال تعدده إذا قرأ. و هذه الاحتمالات التسعة واردة في كل مسألة من المسائل الأربع المتقدمة فلو أريد تركيب مسائل الشك الخمسة تركيبا ثنائيا و ثلاثيا و رباعيا حصل منه إحدى عشرة مسألة: ست من الثنائي و اربع من الثلاثي و واحد من الرباعي، فإذا ضربت في الصور التسع كانت تسعا و تسعين مسألة تظهر بأدنى تأمل. انتهى كلامه زيد إكرامه.

أقول: و مرجع هذه التسع التي ذكرها عند التحقيق و التأمل بالنظر الثاقب الدقيق الى ما قدمناه من الثلاث، أما الأربع الأخيرة فلما اعترف به بقوله «و في هذه الصور الأربع.» من حيث انقلاب الشك الى ما بين الثلاث و الأربع و الخروج عن محل البحث، و مرجع هذه الأربع إلى الصورة الاولى من الثلاث المتقدمة، و اما الاولى و الثانية فمرجعهما الى ما ذكرناه من الصورة الثانية، و ما ذكره من التعدد يرجع الى الخلاف في ما يتحقق به إتمام الثانية من الرفع أو مجرد إتمام ذكر سجود الثانية، و قد عرفت ان الذي اختاره و مثله الشهيد الثاني في الروض هو الثاني، و اما الثالثة و الرابعة و الخامسة فمرجعها الى ما ذكرناه من الصورة الثالثة لاشتراك الصور الثلاث المذكورة في عدم الدخول تحت النصوص المتقدمة بالتقريب الذي تقدم تحقيقه لا لما ذكره من الاحتمالات.

و اما ما ذكره (قدس سره) من ورود هذه الاحتمالات التسعة في كل من المسائل الأربع المتقدمة فصحيح إلا انه يرجع على ما ذكرناه من التحقيق الى الثلاث المتقدمة.

252

و اما ما ذكره- من تركيب مسائل الشكوك الخمس تركيبا ثنائيا. إلخ- فتوضيحه أن الثنائي ما كان مشتملا على التردد بين طرفين منها و هي الشك بين الاثنتين و الثلاث و بين الاثنتين و الأربع و بين الاثنتين و الخمس و بين الثلاث و الأربع و بين الثلاث و الخمس و بين الأربع و الخمس، فهذه ست صور للثنائى، و الثلاثي ما كان مشتملا على التردد بين أطراف ثلاثة و هي الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و بين الاثنتين و الأربع و الخمس و بين الثلاث و الأربع و الخمس، و الرباعي ما كان مشتملا على أربعة أطراف كالشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، فهذه إحدى عشرة صورة حاصلة من تركيب الشكوك الخمسة و ضم بعضها الى بعض إذا ضربت في ما ذكرناه من الثلاث المتقدمة تبلغ ثلاثا و ثلاثين مسألة و ان ضربت في ما ذكروه من الاحتمالات التسعة بلغت الى ما ذكره شيخنا المذكور.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد أنهى جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) افراد الشكوك الى اعداد أكثرها لا يرجع الى طائل لخلوه من الدلائل سوى مجرد التخريجات العقلية و الاحتمالات الظنية، و لنشر إلى جملة من ذلك و نبين ما هو الأصح لدينا باعتبار المدارك:

فمنها- ما لو شك بين الاثنتين و الأربع و الخمس، و هذا الفرد يشتمل على شكين منصوصين فيلزم فيه ما يلزم فيهما فيبني على الأربع حينئذ و يحتاط بركعتين قائما ثم يسجد للسهو.

و منها- ما لو شك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس، و يزيد فيها على الاحتياط الذي في الصورة الأولى ركعتين جالسا لتضمنه الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الحكم فيها ركعتان من قيام و ركعتان من جلوس.

و منها- الشك بين الثلاث و الأربع و الخمس، و هو ايضا يشتمل على شكين

253

منصوصين فيجب فيه ما يجب فيهما و هو الاحتياط بركعة قائما أو ركعتين جالسا ثم السجود للسهو.

و تنظر بعض أفاضل متأخري المتأخرين في الاحتياط في هذه الصور الثلاث بما قدمناه لخروجها عن النص فإنه إنما تضمن حكم كل منها على حدة و اختار في كل منها البناء على الأقل نظرا الى عموم ما دل على البناء على الأقل (1) و شموله لكل شك و فيه أولا- ان النصوص الواردة في أحكام تلك الصور التي أسلفناها في المسائل المتقدمة مطلقة لا تقييد فيها بحال انفراد أو اجتماع و ان كان الأكثر الانفراد فإنها تضمنت ان من شك بين الثلاث و الأربع مثلا فالحكم فيه كذا و كذا. و هو كما ترى مطلق شامل بإطلاقه الحالين المذكورين فالشاك بين الثلاث و الأربع و الخمس يصدق عليه انه شاك بين الثلاث و الأربع فيدخل تحت عموم اخباره و انه شاك بين الأربع و الخمس فيدخل تحت عموم دليله ايضا.

و ثانيا- ان ما دل بإطلاقه على البناء على الأقل قد أوضحنا في ما تقدم انه انما خرج مخرج التقية (2) و انه غير معمول عليه و ان اشتهر في كلامهم الأخذ به و العمل عليه غفلة عما ذكرناه من التحقيق المتقدم في المسألة.

و منها- الشك بين الاثنتين و الخمس و الشك بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و الشك بين الثلاث و الخمس.

قالوا: و فيه وجه بالبناء على الأقل بناء على أصالة الصحة

و لقوله (عليه السلام) (3) «ما أعاد الصلاة فقيه».

و لعموم الروايات الدالة على البناء على الأقل (4) و وجه بالإبطال لتعذر البناء على أحد الطرفين لاستلزامه التردد بين محذورين، فان البناء على الأكثر موجب للزيادة و معرض للنقصان و البناء على الأقل معرض للزيادة.

و رجح في الذخيرة الأول استنادا إلى الأدلة المذكورة.

____________

(1) ص 218 و 221 و 222.

(2) ص 223.

(3) الوسائل الباب 29 من الخلل في الصلاة.

(4) ص 218 و 221 و 222.

254

و الأظهر البطلان لعدم النص الواضح في ذلك. و ما ذكروه من أصالة الصحة كلام شعري، و من عموم تلك الروايات فقد عرفت ما فيه.

و اما حديث «ما أعاد الصلاة فقيه» فالعجب منهم في الاستدلال به في غير موضع مع ورود النص بتخصيصه بالثلاث و الأربع كما تقدم في صحيحة عبيد ابن زرارة الواردة بالإبطال في صورة الشك بين الاثنتين و الثلاث (1) حيث قال له الراوي: «أ ليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه؟ قال انما ذلك في الثلاث و الأربع».

و مثلها ايضا

ما رواه الصدوق في معاني الأخبار (2) بسنده عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: «كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل فسأله عن رجل لم يدر واحدة صلى أو اثنتين؟ فقال له يعيد الصلاة. فقال له فأين ما روى ان الفقيه لا يعيد الصلاة؟ قال انما ذلك في الثلاث و الأربع».

و ما قدمنا ذكره في المسألة السادسة (3) نقلا

عن الصدوق في المقنع حيث قال: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن من لا يدرى اثنتين صلى أم ثلاثا؟ قال يعيد الصلاة. قيل فأين ما روى عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) الفقيه لا يعيد الصلاة؟ قال إنما ذلك في الثلاث و الأربع».

فهذه جملة من الروايات الدالة على التخصيص فكيف يحسن مع ذلك الاستناد الى عموم الخبر المذكور كما صاروا إليه؟

تتمة [لو شك بين الأربع و ما زاد على الخمس]

قال في المختلف: لو شك بين الأربع و ما زاد على الخمس قال ابن ابى عقيل ما يقتضي انه يصنع كما لو شك بين الأربع و الخمس، لانه قال تجب سجدتا السهو في موضعين: من تكلم ساهيا و دخول الشك عليه في أربع ركعات أو خمس فما عداها و استوى و همه في ذلك حتى لا يدرى صلى أربعا أو خمسا أو ما عداها. و لم نقف

____________

(1) ص 215.

(2) ص 51 و في الوسائل الباب 1 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 210.

255

لغيره في ذلك على شيء. و ما قاله محتمل لأن رواية الحلبي تدل عليه من حيث المفهوم و لانه شك في الزيادة فلا يكون مبطلا للصلاة لإحراز العدد و لا مقتضيا للاحتياط إذ الاحتياط يجب مع شك النقصان فلم يبق إلا القول بالصحة مع سجدتي السهو، مع انه يحتمل الإعادة لأن الزيادة مبطلة فلا يقين بالبراءة. و الحمل على المشكوك فيه قياس فلا يتعدى صورة المنصوص. انتهى.

أقول: و ما احتمله أولا قد مال إليه جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم):

منهم الشهيدان و غيرهما، قالا في الرسالة الصلاتية و شرحها: الثاني عشر- ان يتعلق الشك بالسادسة فما زاد و فيه وجه بالبطلان مطلقا لأن زيادة الركن مبطلة إجماعا و مع احتمالها لا يتيقن البراءة من الصلاة التي قد اشتغلت الذمة بها بيقين. و ضعفه ظاهر فان تجويز زيادة الركن لو اثر لبطل حكم كثير من الصور السابقة مع النص على صحتها و الإجماع على صحة بعضها. و احتمال خروج تلك عن الحكم بالنص يندفع بأصالة عدم الزيادة و الشك في المبطل. و وجه آخر بالبناء على الأقل لأصالة عدم الزيادة و البناء على الأكثر أو الأربع موقوف على النص لخروجه عن الأصل و هو مفقود هنا و الفساد غير معلوم. و فيه وجه ثالث أشار إليه بقوله: «أو يجعل حكمه حكم ما يتعلق بالخمس فيصح حيث يصح و يبطل حيث يبطل و يجب سجود السهو في موضع الصحة و يلزمه الاحتياط مع السجود في موضع اجتماعهما» و الى هذا الاحتمال ذهب ابن ابى عقيل من القدماء و مال اليه المصنف و العلامة و رجحه الشارح المحقق، و هو الظاهر تمسكا بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة، و لعموم قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (1)

و ان الفقيه لا يعيد صلاته (2).

و إطلاق

قول الصادق (عليه السلام) (3) في صحيحة الحلبي «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم زدت أم نقصت فتشهد و سلم و اسجد سجدتي السهو».

انتهى.

____________

(1) سورة محمد، الآية 35.

(2) في صحيح عبيد بن زرارة ص 215.

(3) الوسائل الباب 14 و 20 من الخلل في الصلاة.

256

أقول و بالله التوفيق للهداية إلى سواء الطريق: لا يخفى ان ما استند اليه من الأدلة في إلحاق حكم تعلق الشك بالسادسة بتعلقه بالخامسة لا يخلو من شوب النظر و الإشكال:

أما تمسكه بظواهر النصوص الدالة على عدم بطلان الصلاة بمجرد احتمال الزيادة أي زيادة الركن، فإن أريد بها النصوص الواردة في الشك بين الأربع و الخمس مع البناء على الأربع المستلزم لاحتمال زيادة الخامسة فهو صحيح بالنسبة إلى مورده، و حمل تعلقه بالسادسة على ذلك قياس محض، إذ ليس فيها ما يدل على أزيد من هذه الصورة، و ان أراد النصوص الواردة في بقية صور الشكوك المتقدمة فليس فيها ما يدعيه فإنه مع البناء على الأكثر و الاحتياط بما ذكر فيها من إتمام الناقص على تقدير احتمال النقص لا يتضمن احتمال زيادة الركن، لأنه مع بنائه على الأكثر فإن كان الأمر كذلك واقعا صار الاحتياط نافلة و إلا كان متمما فلا احتمال فيها لزيادة الركن و ليس هنا نصوص واردة بوجه كلى حسبما ادعاه ليتم الاستناد إليها.

و اما تمسكه بعموم قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» فقد تقدم ما فيه في غير موضع، و الظاهر من سياق الآية انما هو إبطال الأعمال بالكفر لا ما يتناقلونه في كلامهم و يتداولونه على رؤوس أقلامهم من مثل هذا المقام و نحوه من الأحكام.

و اما التمسك بحديث «ان الفقيه لا يعيد صلاته» فقد عرفت ما فيه آنفا.

و اما صحيحة الحلبي فهي لا تخلو من الإجمال القابل لتعدد الاحتمال، و الاستدلال بها هنا مبنى على ان المراد فيها بيان نوع واحد من الشك بين التمام و بين الناقص و الزائد بركعة و أزيد كالشك بين الثلاث و الأربع و الخمس و الست فيكون تقدير الكلام: إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت عن الأربع أم زدت على الخمس، فيكون شاملا للشك بين الأربع و الخمس و الأزيد منهما و الأنقص، نعم يخرج ما اشتمل على الشك في الأوليين بالأخبار الدالة على الإبطال و يبقى ما عدا ذلك. و الاحتمال الثاني في الرواية المذكورة ان يكون «أم» في قوله «أم نقصت

257

أم زدت» بمعنى «أو» و هو المصرح به في روايتي المقنع و كتاب الفقه الرضوي و ان كان الظاهر أنهما رواية واحدة كما تقدم ذكره في صدر هذه المسألة، فيكون بيانا لنوع آخر من الشك و هو الشك في الزيادة و النقيصة و هو أحد موجبات سجود السهو.

و هذا الاحتمال هو الأظهر لما تقدم في صدر المسألة من دلالة صحيحة زرارة أو حسنته و كذا صحيحة الفضيل بن يسار على هذا الفرد و انه أحد موجبات سجدتي السهو، و ان لم يكن هذا الاحتمال أرجح فلا أقل ان يكون مساويا و به يبطل الاستدلال معتضدا ذلك بروايتي المقنع و كتاب الفقه.

و زاد بعض مشايخنا المحدثين من متأخرين المتأخرين في الاستدلال على ما ذكره في شرح الألفية الاستدلال

بقول الكاظم (عليه السلام) في موثقة إسحاق ابن عمار المروية في الفقيه (1) «إذا شككت فابن على اليقين. قال: قلت هذا أصل؟ قال نعم».

و فيه ما عرفت آنفا من ان هذا الخبر و نحوه إنما خرج مخرج التقية لما قدمناه من بيان مذهب العامة (2) و معارضته و نحوه بما هو أصح سندا و أكثر عددا و أصرح دلالة فلا يبقى للتمسك به وجه.

ثم انه على تقدير ما ذكره هؤلاء الأعلام من تصحيح الشك المتعلق بالسادسة قالوا تكون الصور فيها خمس عشرة صورة: سبع منها مع ضميمة ما زاد على الخامسة إليها و إدخال ما نقص عنها و سبع مع انفرادها عنها و واحدة مع الشك فيهما خاصة بأن تحقق الزيادة على الأربع، فأربع من الجميع ثنائية و ست ثلاثية و اربع رباعية و واحدة خماسية.

فالأولى أعني الأربع الثنائية الشك بين الاثنتين و الست و الشك بين الثلاث و الست و الشك بين الأربع و الست و الشك بين الخمس و الست.

و الثانية أعني الست الثلاثية الشك بين الاثنتين و الثلاث و الست، و الشك

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 222 و 223.

258

بين الاثنتين و الأربع و الست، و الشك بين الاثنتين و الخمس و الست، و الشك بين الثلاث و الأربع و الست، و الشك بين الثلاث و الخمس و الست، و الشك بين الأربع و الخمس و الست.

و الثالثة أعني الأربع الرباعية الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الست و الشك بين الاثنتين و الثلاث و الخمس و الست، و الشك بين الاثنتين و الأربع و الخمس و الست، و الشك بين الثلاث و الأربع و الخمس و الست.

و الرابعة اعنى الواحدة الخماسية الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع و الخمس و الست.

قالوا: و المراد بالست في جميع ما ذكر الست فما فوقها لاشتراك الجميع في الوصف و هو الزيادة على الخامسة المشار إليها في صحيحة الحلبي بقوله «زدت» و الاشتراك أيضا في الحكم بناء على ما قدمنا نقله عنهم.

فهذه خمس عشرة صورة تضاف الى ما تقدم في كلام الشهيد في الذكرى من الصور الأحد عشر ثم تضرب في الأحوال التسعة المتقدمة ثمة أيضا و المجتمع مائتان و أربعة و ثلاثون هي مسائل الشك التي يقع البحث عنها من حيث الصحة و البطلان. و أنت خبير بأنه على ما اخترناه من بطلان الشك المتعلق بالسادسة تسقط هذه الصور الخمس عشرة رأسا و على تقدير ما ذكروه من الصحة يصح منها ما صححوه في صور التعلق بالخامسة. و الله العالم.

(المسألة الحادية عشرة) [لا سهو في سهو]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا سهو في سهو. و هذه العبارة لا تخلو من الإجمال و تعدد الاحتمال في هذا المجال و الأصل في هذا الحكم

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن حفص ابن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس على الإمام سهو و لا على من خلف الامام سهو و لا على السهو سهو و لا على الإعادة إعادة».

____________

(1) الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة.

259

و ما رواه الكليني في مرسلة يونس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) من قوله: «و لا سهو في سهو».

قال العلامة في كتاب المنتهى: و معنى قول العلماء: «لا سهو في السهو» أى لا حكم للسهو في الاحتياط الذي يوجبه السهو كمن شك بين الاثنتين و الأربع فإنه يصلى ركعتين احتياطا فلو سها فيهما و لم يدر صلى واحدة أو اثنتين لم يلتفت الى ذلك. و قيل معناه ان من سها فلم يدر هل سها أم لا؟ لا يعتد به و لا يجب عليه شيء. و الأول أقرب.

و الظاهر ان مراده بعدم الالتفات الى ذلك البناء على الفعل المشكوك فيه كما هو ظاهر المحقق في المعتبر فإنه يحذو في المنتهى حذوه في الأكثر حيث قال في المعتبر: و لا حكم للسهو في السهو لانه لو تداركه أمكن ان يسهو ثانيا فلا يتخلص من ورطة السهو، و لأن ذلك حرج فيسقط اعتباره، و لأنه شرع لازالة حكم السهو فلا يكون سببا لزيادته.

ثم انه ذكر جمع من أصحابنا المتأخرين (رضوان الله عليهم) انه يمكن أن يراد بالسهو في كل من الموضعين معناه المتعارف الذي هو عبارة عن نسيان بعض الأفعال، و يمكن أن يراد به الشك فيحصل من ذلك صور أربع.

أقول: و تفصيل الكلام في هذا المقام بوجه واضح لجميع الافهام لا يحوم حوله ان شاء الله تعالى نقض و لا إبرام هو انه لما كان السهو يطلق في الأخبار على الشك زيادة على معناه اللغوي و على ما هو أعم إطلاقا شائعا كما لا يخفى على من راجعها و تتبع مظانها و مواضعها فيحتمل هنا حمل كل من اللفظين على كل من المعنيين فتحصل من ذلك صور أربع و هي التي ذكرها الأصحاب، و هي السهو في السهو و الشك في الشك و السهو في الشك و الشك في السهو، إلا انه لما كان الثاني من اللفظين على اى كان من المعنيين محتملا للموجب بكسر الجيم و الموجب بفتحها فإنه يلزم انحلال هذه

____________

(1) الوسائل الباب 25 من الخلل في الصلاة.

260

الصور الأربع إلى ثمان صور ناشئة من ضرب أربعة في اثنين.

و ها نحن نفصل الكلام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم الصلاة و السلام) و ان طال به زمام الكلام لما فيه من عموم النفع و الفائدة في المقام فنقول:

(الصورة الأولى)- الشك في موجب الشك بكسر الجيم

اى شك في انه هل شك في الفعل أم لا؟ و قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا يلتفت اليه و فصل بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين (رضوان الله عليهم) فقال بعد ذكر ما نقلناه عن الأصحاب: و التحقيق انه ان كان الشكان في زمان واحد و كان محل الفعل المشكوك فيه باقيا و لا يترجح عنده في هذا الوقت الفعل أو الترك فهو شاك في أصل الفعل و لم يتجاوز محله فمقتضى عمومات الأدلة وجوب الإتيان بالفعل و لا يظهر من النصوص استثناء تلك الصورة، و يشكل تخصيص العمومات ببعض المحامل البعيدة لقوله (عليه السلام): «و لا سهو في سهو» و لو ترجح عنده أحد طرفي الفعل و الترك فهو جازم بالظن غير شاك في الشك، و لو كان بعد تجاوز المحل فلا عبرة به. و لو كان الشكان في زمانين- و لعل هذا هو المعنى الصحيح لتلك العبارة- بأن شك في هذا الوقت في انه هل شك سابقا أم لا؟ فلا يخلو اما ان يكون شاكا في هذا الوقت ايضا و محل التدارك باق فيأتي به أو تجاوز عنه فلا يلتفت اليه، أو لم يبق شكه بل اما جازم أو ظان بالفعل أو الترك فيأتي بحكمهما.

و لو تيقن بعد تجاوز المحل حصول الشك قبل تجاوز محله و لم يعمل بمقتضاه فلو كان عمدا بطلت صلاته و لو كان سهوا فيرجع الى السهو في الشك و سيأتي حكمه هذا إذا استمر الشك، و لو تيقن الشك و أهمل حتى جاز محله عمدا بطلت صلاته و لو كان سهوا يعمل بحكم السهو، و لو تيقن الفعل و كان تأخير الفعل المشكوك فيه الى حصول اليقين عمدا بطلت صلاته ايضا ان جاوز محله و ان كان سهوا فلا تبطل صلاته. و كذا الكلام لو شك في انه هل شك سابقا بين الاثنتين و الثلاث أو بين الثلاث و الأربع، فإن ذهب شكه الآن و انقلب باليقين أو الظن فلا عبرة به

261

و يأتي بما تيقنه أو ظنه، و إذا استمر شكه فهو شاك في هذا الوقت بين الاثنتين و الثلاث و الأربع. و كذا الكلام لو شك في أن شكه كان في التشهد أو في السجدة قبل تجاوز المحل أو بعده. و بالجملة الركون الى تلك العبارة المجملة و ترك القواعد المقررة المفصلة لا يخلو من إشكال. انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: ما فصله (قدس سره) من التحقيق جيد رشيق لكنه من مفهوم العبارة بمحل سحيق، فإنه لا يخفى ان الشك في الشيء يقتضي تقدم زمان المشكوك فيه بمعنى انه لا يدرى الآن ان هذا الفعل المشكوك فيه وقع في الزمان المتقدم أم لا غاية الأمر أنه بالنسبة إلى الشك في الأفعال قد يكون الوقت الذي حصل فيه الشك مما يمكن التدارك فيه بان لم يدخل في فعل آخر و قد يكون مما لا يمكن التدارك فيه لدخوله في شيء آخر، فمعنى قوله: «انه شك بين الثنتين و الثلاث» انه لا يدرى الآن هل صلى قبل هذه الحالة التي عرض فيها الشك ثنتين أو ثلاثا؟ و كذا لو شك في التشهد و السجود بمعنى انه الآن لا يدرى انه قد حصل منه سابقا سجود أو تشهد مثلا، فكذا في هذه العبارة أيضا بعين ما ذكرنا، ففرضه اجتماع الشكين مما لا وجه له في البين. و هذا المعنى هو الذي رتب عليه الفقهاء الحكم بعدم الالتفات ثم ان ظاهر عبائر الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو كون المشكوك فيه الشك بقول مطلق لا شك مقيد بكونه في سجدة أو تشهد أو بين الركعات أو نحو ذلك حتى يلزم فيه هذا التفصيل، فإنه لا ريب انه يجب فيه لو كان كذلك ما رتبه من الأحكام و لا أظن أحدا من الفقهاء يتجشم الخروج عن هذه الأحكام الظاهرة المتفق عليها بينهم نصا و فتوى بمثل هذا اللفظ المجمل كما ظنه (قدس سره) بل ظاهر عبائرهم إنما هو ما قلناه من الشك المطلق، و لهذا اتفقوا على عدم الالتفات اليه بقول مطلق، و كلامهم هنا إنما هو مجرد فرض احتملوه في ظاهر هذا اللفظ و أسقطوه لعدم ترتب حكم شرعي عليه بالكلية. و الله العالم.

(الثانية)- الشك في موجب الشك بفتح الجيم

بمعنى انه شك في ما أوجبه

262

الشك من صلاة احتياط أو سجود سهو و له أفراد:

منها- ان يشك بعد الفراغ من الصلاة في انه هل اتى بالفعل الذي أوجبه الشك من صلاة احتياط أو سجود سهو أو لم يأت به؟ و الظاهر انه لا إشكال في وجوب الإتيان به لتيقن حصول السبب الموجب و تيقن اشتغال الذمة و الشك في الخروج عن عهدة التكليف مع بقاء الوقت كما لو شك في الوقت هل صلى أم لا؟

و منها- ان يعلم بعد الصلاة حصول شك منه يوجب الاحتياط مثلا إلا انه شك في انه هل يوجب ركعتين من قيام أو ركعتين من جلوس؟ و الظاهر هنا هو وجوب الإتيان بهما معا لتوقف البراءة اليقينية على ذلك، و نظيره في الأحكام الشرعية غير عزيز، و منه من فاتته فريضة و شك في كونها ظهرا أو صبحا مثلا فإنه يجب عليه الإتيان بهما معا.

و منها- ما لو شك في ركعات الاحتياط أو في أفعالها أو في عدد سجدتي السهو أو في أفعالهما، و هذا الفرد هو الذي ينطبق عليه مدلول الخبر المذكور، و أكثر الأصحاب خصوا الخبر بهذا الفرد و بصورة الشك في موجب السهو.

و على هذا فلو شك في عدد ركعتي الاحتياط يبنى على الأكثر و يتم ما لم يستلزم الزيادة المبطلة و إلا بنى على الأقل فيبني على الصحيح دائما و لا يلزمه احتياط و لا سجود سهو. و لو وقع شك في فعل من أفعالهما لم يلتفت اليه و ان كان في محله بل يبنى على وقوعه.

و قيل يبنى على الأقل في أعداد الركعات و يأتي بالفعل المشكوك فيه لو لم يتجاوز محله، و نقل عن المحقق المولى الأردبيلي (قدس سره) الميل اليه معلللا له بعدم صراحة النص في سقوط ذلك و أصل بقاء شغل الذمة، و لعموم ما ورد في وجوب العود الى المشكوك فيه. و في هذه الأدلة مناقشات سيأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى.

و الحكم و ان كان ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه و كلام المحقق المذكور انما هو

263

على جهة الإيراد و المناقشة للأصحاب و إلا فهو لم يجزم به إلا انه عندي لا يخلو من اشتباه و العمل فيه بالاحتياط عندي لازم فيأتي بالاحتياط على ما ذكره الأصحاب ثم يعيد الصلاة من رأس.

و بالجملة فإن ما ذكرناه من هذا الفرد الأخير هو الذي ينطبق عليه الخبر كما ذكرنا و إلا فالأفراد المتقدمة من حيث وجوب التدارك فيها لا يمكن حمل الخبر عليها كما هو ظاهر، و يحتمل دخولها تحت الخبر المذكور باعتبار انه لم يترتب عليها في خصوص هذا الشك شيء زائد على ما تقرر في سائر المواضع و الظاهر بعده.

(الثالثة)- الشك في موجب السهو بكسر الجيم

أي في نفس السهو كان شك في انه هل عرض له سهو أم لا؟ و ظاهر الأصحاب الإطلاق في انه لا يلتفت اليه.

و فصل شيخنا المشار اليه آنفا هنا ايضا فقال بعد نقل كلام الأصحاب و إطلاقهم عدم الالتفات فيه: و التحقيق انه لا يخلو اما ان يكون ذلك الشك بعد الصلاة أو في أثنائها، و على الثاني لا يخلو اما أن يكون محل الفعل باقيا بحيث إذا شك في الفعل يلزمه العود إليه أم لا؟ ففي الأول و الثالث لا شك انه لا يلتفت إليه لأنه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل و قد دلت الأخبار الكثيرة على عدم الالتفات اليه، و اما الثاني فيرجع الى الشك في الفعل قبل تجاوز محله و قد دلت الاخبار على وجوب الإتيان بالفعل المشكوك فيه، و لعل كلام الأصحاب أيضا مخصوص بغير تلك الصورة. انتهى.

أقول: الظاهر ان كلام الأصحاب انما ابتنى على تعلق الشك بمطلق السهو من غير تقييد بعين ما قلنا في الصورة الاولى، و لهذا ان جملة منهم ممن صرح بعدم الالتفات ذكروا فروعا في المسألة بالنسبة إلى السهو المقيد و رتبوا عليه أحكام الشك كما لا يخفى على من راجع مطولاتهم.

(الرابعة)- الشك في موجب السهو بفتح الجيم

و له ايضا صور: منها- ان يقع منه سهو يلزمه تدارك ذلك بعد الصلاة كالتشهد و السجود مثلا أو سجدتي السهو

264

ثم يشك بعد الصلاة في انه هل اتى به أم لا؟ و الظاهر انه لا إشكال و لا خلاف في وجوب الإتيان به بعين ما قدمناه في الفرد الأول من افراد الصورة الثانية.

و منها- ان يشك في أثناء السجدة المنسية أو التشهد المنسي في التسبيح أو الطمأنينة أو بعض فقرات التشهد، و لا إشكال في انه يجب عليه الإتيان به متى كان المحل باقيا و أنت خبير بأن شيئا من هذين الفردين لا يدخل في مصداق الخبر المذكور إلا على المعنى الذي احتملناه أخيرا في الصورة الثانية.

و منها- أن يشك في عدد سجدتي السهو أو أفعالهما قبل تجاوز المحل فإنه يبنى على وقوع المشكوك فيه إلا ان يستلزم الزيادة فيبني على الصحيح. و هذا الفرد مصداق الخبر في هذه الصورة يقينا.

(الخامسة)- السهو في موجب الشك بكسر الجيم

أي في الشك نفسه، و الظاهر انه غير داخل في مصداق النص المذكور.

و يمكن فرضه في ما لو شك في فعل يجب تداركه كالسجدة قبل القيام و كان يجب عليه فعلها فسها و لم يأت بها فلو ذكر الشك و المحل باق يأتي بها و لو ذكر بعد تجاوز المحل لا يلتفت إليه لأنه يرجع الى الشك بعد تجاوز المحل.

و استشكل فيه بعض الأفاضل بأنه يمكن ان يقال ان هذا الفعل الواجب بسبب الشك بمنزلة الفعل الأصلي في الوجوب، لان هذه السجدة صارت واجبة بالشك فيها في محل يجب تداركها فيه و هو قد سها عن ذلك الشك، فكما ان السجدة الأصلية إذا سها عنها و ذكر قبل الركوع يأتي بها و لو ذكر بعد الركوع يقضيها بعد الصلاة فكذا هذه السجدة الواجبة يجب الإتيان بها لو ذكرها بعد القيام و قبل الركوع لانه خرج عن حكم الشك في أصل الفعل بسبب ما لزمه من السجدة بسبب الشك فقد تيقن ترك سجدة واجبة و الوقت باق فيجب الإتيان بها.

و يمكن ان يجاب بان شمول أدلة السهو في أفعال الصلاة و اجزائها لما نحن فيه غير معلوم و لا متيقن، فان المتبادر منها كون تلك الأفعال التي عرض الشك فيها

265

إجزاء حقيقية للصلاة فإن قولهم «من شك في سجدة فحكمه كذا و من شك في الركوع فحكمه كذا» انما يتبادر الى الأجزاء الأصلية التي تركبت الصلاة منها لا مثل هذه السجدة التي إنما حصل وجوبها بالشك، و في ما نحن فيه لم يحصل اليقين بترك الفعل الأصلي و الجزء الحقيقي حتى يجب تداركه في الصلاة أو بعدها بتلك العمومات بل انما حصل اليقين بترك فعل وجب الإتيان به بسبب الشك و دخول مثله في العمومات غير معلوم فيرجع الى حكم الأصل و هو عدم وجوب قضاء الفعل.

و بالجملة فإنهم قد قرروا في غير مقام ان الأحكام المودعة في الأخبار إنما تنصرف الى الافراد الشائعة المتكررة الوقوع، و لا ريب في ان هذه الفروض المذكورة نادرة أتم الندور و التكرار في أحكام الشكوك و السهو إنما هو بالنسبة إلى أفعال الصلاة الأصلية.

و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال و الأحوط- لو اتفق ذلك- المضي في الشك ثم الإعادة.

و مما يتفرع على هذا الإشكال ما لو شك في السجدتين معا في حال الجلوس فنسي أن يأتي بهما حتى قام فذكر في القيام أو بعد الركوع فعلى تقدير كونهما بحكم الأجزاء الأصلية يجب عليه العود في الأول و تبطل الصلاة في الثاني و على الوجه الآخر لا يلتفت إليه أصلا.

(السادسة)- السهو في موجب الشك بفتح الجيم

و يحصل فرض ذلك في مواضع:

منها- ان يسهو عن فعل في صلاة الاحتياط أو في سجدتي السهو اللتين لزمتا بسبب الشك في الصلاة، و الأشهر الأظهر انه لا يجب عليه لذلك سجود السهو لأن الأدلة الدالة على وجوب سجدتي السهو غير معلوم شمولها لمثل صلاة الاحتياط و سجود السهو بل الظاهر اختصاصها بأصل الفرائض.

و منها- ان يسهو في فعل من أفعال صلاة الاحتياط أو سجود السهو و ذكر في محله الحقيقي، و الظاهر انه لا إشكال في وجوب الإتيان به كما إذا نسي سجدة من

266

صلاة الاحتياط و ذكرها قبل القيام أو قبل الشروع في التشهد، إذ ليس الإتيان بها من جهة السهو حتى يسقط بالسهو في السهو بل وجوب الإتيان بها إنما نشأ من أصل الأمر بصلاة الاحتياط و الأمر بسجدتي السهو فإن الأمر بالشيء يقتضي الأمر بجميع اجزائه.

هذا إذا كان في محل الفعل و اما إذا جاز عنه و لم يجز عن محل تدارك الفعل المنسي إذا كان في أصل الصلاة فهل يكون الحكم هنا كالحكم في الصلاة في وجوب التدارك و السجود أم لا؟ ظاهر جملة من المتأخرين: منهم- شيخنا الشهيد الثاني الأول، و تنظر فيه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين معللا ذلك بأنه بعد الشروع في فعل آخر فات محله المأمور به بالأمر الأول و التدارك و العود يحتاج الى دليل و شمول دلائل العود الواردة في الصلاة لصلاة الاحتياط ممنوع. و المسألة لا تخلو من الإشكال.

و منها- ان يسهو عن صلاة الاحتياط و سجدتي السهو الواجبتين بسبب الشك فلا يأتي بشيء من ذلك بعد الصلاة ثم انه يذكر بعد ذلك فهذا السهو لا يترتب عليه حكم، فإنه ان ذكر قبل عروض المبطل للصلاة فلا خلاف و لا إشكال في صحة الصلاة و وجوب الإتيان بهما كما سيأتي بيانه في المسألتين المذكورتين ان شاء الله تعالى و مع عروض المبطل فهو محل خلاف كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله تعالى و ان الأظهر الصحة أيضا فلا يترتب على هذا السهو حكم.

(السابعة)- السهو في موجب السهو بكسر الجيم

أي في نفس السهو كأن يترك السجدة الواحدة أو التشهد سهوا ثم يذكر بعد القيام و كان الواجب عليه العود الى ما نسيه فنسي العود و السهو، و حينئذ فإن ذكر قبل الركوع اتى به و ان ذكر بعده تداركه بعد الصلاة مع سجدتي السهو على المشهور. و لو كان السهو عن السجدتين معا و ذكرهما في حال القيام و لم يأت بهما سهوا ثم ذكرهما بعد الركوع بطلت صلاته.

و من ذلك يظهر انه لا يترتب على السهو هنا حكم جديد بل ليس حكمه إلا حكم السهو

267

في أصل الفعل. و كذا لو نسي ما يجب تداركه بعد الصلاة من الاجزاء المنسية التي يجب قضاؤها أو سجود السهو لها فإنه يجب الإتيان بهما بعد الذكر إذ ليس لهما وقت معين و مع عروض المبطل فالأظهر أيضا وجوب الإتيان بهما كما عرفت في تلك المسألة

(الثامنة)- السهو في موجب السهو بفتح الجيم

، و السهو قد يوجب سجدتي السهو و قد يوجب قضاء السجدة و التشهد و قد يوجب الرجوع الى الفعل و تداركه في الصلاة ما لم يتجاوز محل التدارك.

و في جميع هذه الصور قد يتعلق السهو بنفس الفعل المتروك أو باجزائه، فإذا سها في الثلاثة الأول عن نفس الفعل بعد الفراغ من الصلاة ثم ذكر بعد ذلك وجب عليه الإتيان به بعد الذكر، و في الرابع يأتي به ان ذكره في محل التدارك و إلا فإن كان مما يقضى قضاه و إلا سقط، فالسهو في جميع هذه الافراد ليس فيه زيادة على الأحكام المقررة قبله. و على هذا تكون هذه الصورة غير داخلة في مصداق الخبر كما ذكرنا سابقا.

و يحتمل انه باعتبار عدم ترتب شيء على خصوص هذا السهو يصدق عليه انه لا سهو في سهو اى لا شيء يترتب عليه. إلا ان المتبادر من هذه العبارة المذكورة انه من حيث كونه سهوا في سهو لا يترتب عليه شيء بالكلية بل يكون حكمه حكم ما لو لم يكن ثمة سهو بالمرة و عدم الترتب هنا ليس من هذه الحيثية بل من حيثية أخرى.

و قد يتعلق باجزاء ذلك الفعل كأن يسهو في فعل من أفعال الفعل الذي يقضيه بعد الصلاة و هو السجدة أو التشهد، و هل يلحقه ما يلحق أفعال الصلاة من الأحكام؟

ظاهر الأصحاب العدم لظاهر هذا الخبر. و احتمل بعض مشايخنا المحققين مساواته للصلاة في الأحكام و هو الأحوط.

هذا. و اما قوله في الخبر «و لا على الإعادة إعادة» فإنه قد ذكر أصحابنا (رضوان الله عليهم) فيه احتمالين (أحدهما) ما رجحه شيخنا المجلسي و نقله عن والده (طاب ثراهما) من انه إذا صدر منه شك أو سهو مبطل بحيث لزمته الإعادة ثم صدر في

268

الإعادة ما يوجب الإعادة أيضا فإنه لا يلتفت اليه. و (ثانيهما) ان من صلى منفردا ثم وجد الإمام فأعاد استحبابا فإنه لا يعيد مع امام آخر. و الظاهر رجحان الأول فإن نظم هذه العبارة مع قوله «لا سهو في سهو» في محل واحد و مقام واحد قرينة على ذلك، إذ المعنى الثاني لا مناسبة له في المقام و ان كان صحيحا في حد ذاته. إلا ان الأحوط الإعادة في الصورة الأولى أيضا لتشابه الخبر و عدم تيقن هذا المعنى منه. و في الخبر ايضا احتمالات أخر لا تخلو من البعد. و الله العالم.

(المسألة الثانية عشرة) [ما يتعلق من الشك بين الإمام و المأموم]

- لا يخفى ان ما تقدم في أحكام السهو في سابق هذا المطلب و ما تقدم في هذا المطلب من أحكام الشك كله مخصوص بالإنسان نفسه و اما ما يتعلق بالإمام و المأموم فلم يجر له ذكر في البين في شيء من الموضعين، فلا بد من بيان ذلك هنا ان شاء الله تعالى في مقامين:

[المقام] (الأول)- في الشك الحاصل لهما

، لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في رجوع كل من الامام و المأموم إلى الآخر لو شك و حفظ عليه الآخر، و هو مقطوع به في كلامهم كما نقله غير واحد من المتأخرين.

و يدل عليه زيادة على ما تقدم في سابق هذه المسألة من صحيحة حفص أو حسنته (1)

ما رواه ثقة الإسلام (قدس سره) عن يونس عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الامام يصلى بأربعة أنفس أو خمسة أنفس فيسبح اثنان على انهم صلوا ثلاثا و يسبح ثلاثة على انهم صلوا أربعا و يقول هؤلاء قوموا و يقول هؤلاء اقعدوا و الامام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه؟ قال ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم (3) و ليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام، و لا سهو في سهو، و ليس في المغرب و الفجر سهو و لا في الركعتين الأولتين من كل صلاة و لا في نافلة، فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه و عليهم

____________

(1) ص 258.

(2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 و في الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(3) راجع التعليقة 1 و 2 ص 269.

269

في الاحتياط الإعادة و الأخذ بالجزم».

و في التهذيب (1) «بإيقان» عوض لفظ «اتفاق».

و قال في من لا يحضره الفقيه (2): في نوادر إبراهيم بن هاشم «انه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن امام يصلى بأربعة نفر أو خمسة فيسبح. الحديث» بدون قوله «و لا في نافلة».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل يصلى خلف الامام لا يدرى كم صلى هل عليه سهو؟ قال لا».

و ما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن سهل عن الرضا (عليه السلام) (4) قال:

«الامام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح».

و نحوه

روى الكليني و الشيخ عنه عن محمد بن يحيى رفعه عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «الامام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح».

و تحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بيان أمور (أحدها) قد عرفت مما قدمنا ان السهو يطلق في الاخبار كثيرا على الشك و على ما يشمله و المعنى المشهور و لا ريب في شمول الأخبار المذكورة لكل منهما، و لا خلاف في رجوع كل من الامام و المأموم عند عروض الشك الى الآخر مع حفظه له في الجملة سواء

____________

(1) ج 1 ص 261 و في المطبوع من الكافي «بإيقان» أيضا، نعم في الوافي عن الكافي «باتفاق» و سيأتي في الأمر الثاني ص 270 التصريح منه «(قدس سره)» باتفاق الكافي و التهذيب في لفظ «إيقان» و ان كلمة «اتفاق» انما هي في الفقيه. و كذا في الصورة الرابعة ص 273.

(2) ج 1 ص 231 و في الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة. و رواه الشيخ عن محمد بن سهل ايضا كما في نفس الباب من الوسائل.

(5) الوسائل الباب 2 من تكبيرة الإحرام رقم 12.

270

كان الشك في الركعات أو في الأفعال، و لا فرق بين الشك الموجب للإبطال لو كان منفردا أو الموجب للاحتياط كالشك بين الثلاث و الأربع مثلا أو سجود السهو كالشك بين الأربع و الخمس، و الى الأول يشير قوله في صحيحة على بن جعفر «لا يدرى كم صلى» و نحوه الشك قبل الركعتين و في الفجر و المغرب.

و مقتضى الأخبار المذكورة انه لا إبطال في الأول و لا احتياط في الثاني و لا سجود للسهو في الثالث.

و (ثانيها)- قال في المدارك: و كما يرجع الشاك من الامام و المأموم إلى المتيقن كذا يرجع الظان الى المتيقن و الشاك الى الظان. انتهى. و بنحو ذلك صرح غيره أيضا.

أقول: ما ذكروه من رجوع الظان منهما الى المتيقن و الشاك الى الظان و ان كان ظاهر الأصحاب في هذا الباب إلا انه لا يخلو من الاشكال عند التأمل بعين الحق و الصواب، و ذلك فإن غاية ما يستفاد من الدليل هو رجوع الشاك منهما الى المتيقن، و اما رجوع الظان منهما الى المتيقن ففيه ما ذكره بعض أفاضل متأخري المتأخرين من عدم ثبوت الدليل عليه مع انه متعبد بظنه. و كون اليقين أقوى من الظن غير نافع هنا لأن قوة اليقين الموجبة للترجيح مختصة بمن حصل له اليقين لا غيره. نعم ان حصل له ظن أقوى بسبب يقين الغير كان عليه العمل بمقتضاه إلا انه خارج عن محل المسألة.

و اما رجوع الشاك الى الظان فاستدلوا عليه بان الظن في باب الشك بمنزلة اليقين و فيه (أولا) انه ان أريد انه بمنزلة اليقين لمن حصل له الظن فمسلم لأن الإنسان في باب الشكوك يبنى على ظنه كما يبنى على يقينه و لكن لا يجدى نفعا في المقام، و ان أريد انه متى كان شاكا يبنى على ظن غيره فلا دليل عليه.

و (ثانيا) قوله (عليه السلام) في المرسلة التي هي مستند الحكم «بإيقان منهم» كما في التهذيب و الكافي «و باتفاق منهم» كما في الفقيه (1).

____________

(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 268 و التعليقة 1 و 2 ص 269.

271

و (ثالثها)- المشهور في كلام الأصحاب انه لا فرق في رجوع الإمام إلى المأموم بين كون المأموم ذكرا أو أنثى و لا بين كونه عدلا أو فاسقا و لا بين كونه واحدا أو متعددا مع اتفاقهم و لا بين حصول الظن بقولهم أم لا، لإطلاق النصوص المتقدمة في جميع ذلك و عدم التعرض للتفصيل في شيء منها.

و اما مع كون المأموم صبيا مميزا فقيل ان فيه اشكالا، و ذهب جمع الى قبول قوله للاعتماد على قوله في كثير من الأحكام كقبول الهدية و اذن الدخول و أمثالهما.

و فيه ما فيه. و الأظهر التمسك في ذلك بإطلاق النصوص المذكورة. و ان حصل الظن بقوله فلا إشكال.

و ربما يستأنس لهذا الحكم

بما روى عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزيه عنها و عن الصبي؟ فقال نعم ألا ترى أنك تأتم بالإمام إذا صليت خلفه فهو مثله».

و اما غير المأموم فلا تعويل عليه إلا ان يفيد قوله الظن فيدخل في عمومات ما ورد في هذا الباب من التعويل على الظن.

و (رابعها)- قوله (عليه السلام) في آخر مرسلة يونس «فإذا اختلف على الامام من خلفه فعليه و عليهم في الاحتياط الإعادة و الأخذ بالجزم» كذا في نسخ الكافي و التهذيب و بعض نسخ الفقيه، و في أكثر نسخ الفقيه (2) «فعليه و عليهم في الاحتياط و الإعادة الأخذ بالجزم» بتقديم العاطف في الإعادة، و ظاهر الكلام على تقدير النسخة الأولى ان على الجميع في صورة اختلاف المأمومين خلف الامام و لا سيما في مخالفة الإمام لكل من الفريقين الإعادة. و فيه منافاة لما ذكره الأصحاب في كثير من الصور الآتية في المقام ان شاء الله تعالى و كذا كثير من عمومات أحكام اليقين و الشك. و اما على النسخة الثانية من تقديم العاطف فالظاهر ان

____________

(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(2) الفروع ج 1 ص 99 و 100 و التهذيب ج 1 ص 261 و الفقيه ج 1 ص 231.

272

معنى الكلام حينئذ ان على الامام و على كل من المأمومين في صورة اختلافهم ان يعمل كل منهم على ما يقتضيه شكه أو يقينه من الاحتياط أو الإعادة حتى يحصل له الجزم ببراءة الذمة. و هذا هو الموافق للقواعد الشرعية و الضوابط المرعية و ليس كلامه (عليه السلام) مقصورا على الحكم المنقول عنه حتى يقال انه لا تلزم الإعادة في الصورة المذكورة على أحد منهم بل هو حكم عام يشمل جميع صور الاختلاف بين الجميع فيشمل ما إذا شك الإمام أو بعض المأمومين بين الواحدة و الاثنتين فإنه تلزمه الإعادة و كذا كل صورة تجب فيها الإعادة.

و (خامسها)- لا يخفى انه متى كان الامام موقنا أو ظانا أو شاكا فالمأموم لا يخلو اما ان يكون موافقا له في المواضع الثلاثة فلا إشكال في الأولين و اما الثالث فسيجيء حكمه على حدة، و اما ان يكون مخالفا له في كل من الأمور الثلاثة فههنا صور:

(الأولى) ان يكون الامام موقنا و المأموم شاكا

، و الحكم هنا هو رجوع المأمومين الى الامام سواء كانوا متفقين في الشك أو مختلفين إلا ان يكونوا مع شكهم موقنين بخلاف يقين الامام فينفردون حينئذ.

(الثانية) ان يكون المأموم موقنا و الامام شاكا مع اتفاق المأمومين

، و لا شك حينئذ في رجوع الإمام إلى يقينهم إلا ان يكون مع شكه موقنا بخلاف يقينهم فيرجع كل منهم الى يقينه.

(الثالثة) ان يكون الامام موقنا و المأمومون موقنين بخلافه

اتفقوا في يقينهم أو اختلفوا، و لا خلاف أيضا في انه يرجع كل منهم الى يقينه.

(الرابعة) ان يكون الامام شاكا و المأمومون موقنين مع اختلافهم

كما هو المفروض في مرسلة يونس، و المشهور في كلام الأصحاب وجوب انفراد كل منهم و العمل بما يقتضيه شكه أو يقينه، إذ لا يمكن رجوع المأمومين مع يقينهم الى شك الإمام و لا رجوع الإمام الى أحد اليقينين لانه ترجيح من غير مرجح. نعم لو حصل له بالقرائن ظن بقول أحدهما عمل بمقتضى ظنه. و حينئذ فلا ينفرد عنه

273

الموقن الذي وافقه ظن الإمام و ينفرد الآخر.

و ربما احتمل تخير الإمام في الرجوع الى أحد اليقينين مع عدم حصول الظن له لعموم

قوله (عليه السلام) (1) «ليس على الإمام سهو».

و فيه ما يظهر من المرسلة المذكورة من عدم رجوع الإمام إلى المأمومين إلا مع اتفاقهم سيما على رواية الفقيه من قوله «باتفاق منهم».

نعم يبقى الكلام على تقدير نسخة تأخير العاطف فإنك قد عرفت في الأمر الرابع ان ظاهر الكلام على هذه النسخة وجوب الإعادة على الجميع و هو مخالف كما ترى لما ذكرناه من الحكم المشهور في هذه الصورة المؤيد بعمومات أحكام المتيقن و الشاك، فان حكم كل منهما البناء على ما يقتضيه شكه و يقينه، و تخصيص تلك العمومات بهذه الرواية سيما مع ضعفها و إرسالها لا يخلو من الإشكال. و الاحتياط بالعمل بكل من الأمرين.

(الخامسة)- ان يكون المأمومون متيقنين متفقين مع ظن الإمام بخلافهم

، و المشهور في كلام الأصحاب رجوع الإمام إليهم، و مال المحقق الأردبيلي على ما نقل عنه في شرح الإرشاد إلى عمل الامام بظنه و انفراده عن المأمومين. و قوى بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين الأول بأن الظاهر من

قوله (عليه السلام) (2) «لا سهو على الإمام».

عدم ترتب أحكام السهو على سهوه، قال و لا يخفى على المتتبع ان في الأخبار يطلق السهو على ما يشمل الظن كما يظهر من مرسلة يونس بل و من صحيحة على بن جعفر (3) ايضا. انتهى. أقول قد عرفت في الأمر الثاني ما يؤيد كلام المحقق المذكور و انه هو الاولى بالظهور.

(السادسة)- تيقن المأمومين مع اختلافهم و ظن الامام بخلافهم

، و الأشهر الأظهر الانفراد لكل منهم و عمل كل بظنه أو يقينه كما تقدم في الصورة الرابعة.

____________

(1) في صحيحة حفص ص 258 و مرسلة يونس ص 268.

(2) في صحيحة حفص ص 258 و مرسلة يونس ص 268.

(3) ص 269.

274

و يأتي الإشكال المذكور ثمة هنا ايضا، و الاحتياط في الإعادة بعد إتيان كل منهم بما يلزمه من ظنه و يقينه.

(السابعة)- اختلاف المأمومين في اليقين و ظن الإمام بأحدهما

، و الظاهر انه يعمل هنا بظنه و يتبعه الموافقون له في ذلك بيقين منهم و ينفرد المخالفون، و ظاهر المرسلة المتقدمة بناء على نسخة تأخير العاطف وجوب الإعادة على الجميع.

و الاحتياط كما عرفت في العمل بما ذكرنا ثم اعادة الجميع.

(الثامنة)- يقين الامام مع ظن المأمومين بخلافه متفقين أو مختلفين

، و المشهور هنا رجوع المأمومين إلى يقين الامام.

و توقف فيه المحقق الأردبيلي كما عرفت في الصورة الخامسة. و رد بما تقدم من عمومات الأخبار الدالة على وجوب متابعة الإمام مطلقا خرج منه اليقين إجماعا فيبقى الظن. و فيه ما عرفت آنفا كما حققناه في الأمر الثاني، و الأخبار الدالة على وجوب متابعة الإمام لا عموم فيها على وجه يشمل هذه الصورة، و لو سلم فكما خصت باليقين فلتخص بالظن ايضا لما تقرر عندهم و دلت عليه الأخبار من تعبد الإنسان بظنه و انه لا دليل على التعبد بيقين الغير.

و استدل شيخنا الشهيد الثاني على القول المشهور بما تقدم (1) في رواية محمد بن سهل و مرفوعة

محمد بن يحيى من قول الرضا (عليه السلام) «الإمام يحمل أوهام من خلفه».

و التقريب ان الوهم يطلق في الأخبار على الظن كقوله (عليه السلام) (2)

«ان ذهب وهمك الى الثلاث فابن عليها».

و نحوه مما تقدم، فيدل الخبران المذكوران على ان الامام يحمل ظنون من خلفه فلا عبرة بظنهم مع يقين الامام.

و فيه ان ما ذكره (قدس سره) من إطلاق الوهم على الظن في الأخبار و ان كان كذلك إلا ان إرادته في الخبرين المذكورين غير معلوم بل الظاهر منهما إنما هو السهو أو الأعم منه و من الشك و ان احتمل إرادة الأعم منهما و من الظن لكنه

____________

(1) ص 269.

(2) ص 205 و 206.

275

يشكل الاستدلال به على ذلك لما ذكرناه.

(التاسعة)- ظن الإمام أو المأموم مع شك الآخر

، و المشهور في كلام الأصحاب انه يرجع الشاك منهما الى الظان.

و استدل عليه بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين بعموم النصوص الدالة على عدم اعتبار شك الامام و المأموم، قال: و ايضا عموم أخبار متابعة الإمام تدل على عدم العبرة بشك المأموم مع ظن الامام و لا قائل بالفرق في ذلك بين الامام و المأموم، و لا معارض في ذلك إلا ما يتراءى من مرسلة يونس من اشتراط اليقين في المرجوع اليه، و ليس فيه شيء يكون صريحا في ذلك سوى ما في أكثر النسخ من قوله (عليه السلام) «بإيقان» و اتفاق نسخ الفقيه على قوله «باتفاق» مكانه و مخالفة مدلوله لما هو المشهور بين الأصحاب، مع ما عرفت من أن ضعف السند يضعف الاحتجاج به و سبيل الاحتياط واضح. انتهى.

و ما ذكره (قدس سره) من الاستدلال للقول المشهور بما تكلفه من الدليلين المذكورين لا يخلو من نظر و للمناقشة فيهما مجال و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال.

قال المحقق الأردبيلي (قدس سره): لا شك في رجوع أحدهما إلى الآخر مع شكه و يقين الآخر و اما إذا ظن الآخر فهو ايضا محتمل لأن الظن في باب الشك معمول به و انه بمنزلة اليقين. و ظاهر قوله في المرسلة المتقدمة «مع إيقان» العدم و كأنه محمول على ما يجب لهم ان يعملوا به من الظن أو اليقين مع احتمال العدم و الحمل على الظاهر إلا انها مرسلة. انتهى.

(العاشرة)- كون كل من الامام و المأموم ظانا بخلاف الآخر

، و ظاهر الأصحاب هو عدم رجوع أحدهما إلى الآخر و ان كل واحد منهما ينفرد بحكمه، و يمكن ترجيحه بان المتبادر من النصوص الدالة على رجوع أحدهما الى صاحبه ان يكون بينهما تفاوت في مراتب ما اختلفا فيه بحيث ان المرجوع اليه ذو مرتبة زائدة و لا سيما المرسلة المذكورة حيث قال: «إذا حفظ عليه من خلفه». و ربما احتمل

276

هنا التمسك بوجوب متابعة الامام و هو ضعيف سيما مع ما عرفت.

(الحادية عشرة)- يقين الامام و يقين بعض المأمومين بخلافه و شك آخرين

فالشاك منهم يرجع الى يقين الامام للأخبار المتقدمة و ينفرد الآخرون الموقنون بخلاف الإمام.

(الثانية عشرة)- شك الامام و بعض المأمومين مختلفين في الشك أو متفقين مع يقين بعض المأمومين

، و الأشهر الأظهر رجوع الإمام إلى الموقن من المأمومين و رجوع الشاك من المأمومين الى الإمام، إلا ان مقتضى مرسلة يونس المتقدمة عدم رجوع الإمام إلى المأمومين مع اختلافهم و عدم متابعة المأموم للإمام و الحال كذلك، قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: و يمكن حملها على ان المراد بقوله (عليه السلام) «إذا حفظ عليه من خلفه بإيقان» أعم من يقين الجميع بأمر واحد و يقين البعض مع عدم معارضة يقين آخرين، و حمل قوله «فإذا اختلف على الامام من خلفه» على الاختلاف في اليقين. و بالجملة يشكل التعويل على المرسلة المزبورة لضعفها مع معارضة النصوص المعتبرة و ان كان الاحتياط يقتضي العمل بما قلناه ثم اعادة الجميع لظاهر المرسلة لا سيما على نسخ الفقيه من قوله (عليه السلام) «باتفاق منهم».

(الثالثة عشرة)- ان يشترك الامام و المأموم في الشك مع الاتفاق منهم في نوع الشك

، و الأشهر الأظهر انه يلزمهم جميعا حكم ذلك الشك.

قال في الذخيرة بعد ذكر هذه الصورة أولا ثم الصورة الآتية و ان حكم هذه الصورة ما ذكرناه: و يحكى عن بعض المتأخرين وجوب الانفراد و اختصاص كل منهما بشكه في الصورة الأولى مع الموافقة في الصورة الثانية. و لا وجه له. انتهى و ذكر بعضهم انه لا يبعد التخيير بين الائتمام و الانفراد في ما يلزمهم من صلاة الاحتياط.

(الرابعة عشرة)- اشتراكهما في الشك مع اختلافهما في نوعه و وجود رابطة

277

بين الشكين، و المشهور رجوعهما الى تلك الرابطة و العمل عليها، كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع، فهما متفقان في تجويز الثلاث و الامام موقن بعدم احتمال الأربع و المأموم موقن بعدم احتمال الثنتين، فإذا رجع كل منهما الى يقين الآخر تعين اختيار الثلاث و حينئذ فيبنون عليها و يتمون الصلاة من غير احتياط.

و ربما قيل في هذه الصورة بانفراد كل منهما بشكه. و يمكن ان يستأنس له بما يفهم من مرسلة يونس من عدم رجوع أحدهما إلى الآخر مع شك الآخر و انما يرجع مع اليقين. إلا انه يمكن دفعه بأنه ليس الرجوع هنا إلا الى ما أيقنا به.

(الخامسة عشرة)- الصورة المتقدمة مع عدم الرابطة الجامعة بين الشكين

كما إذا شك أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الأربع و الخمس، و المشهور انه ينفرد كل منهما بحكم شكه. و ربما كان وجهه عموم النصوص الدالة على حكم شك كل منهما و عدم دخوله ظاهرا في عموم نصوص رجوع أحدهما إلى الآخر.

ثم انه لا يخفى ان المشهور انه لا فرق في هاتين الصورتين بين الركعات و الأفعال و كذا لا فرق في صورة وجود الرابطة بين كون شك أحدهما مبطلا أم لا، و لا بين كون الرابطة شكا أيضا أم لا، و لا بين اختلاف المأمومين أيضا في الشك الذي انفردوا به أو اتفاقهم، فان المدار على وجود الرابطة و عدمه، فالأول كما لو شك أحدهما بين الواحدة و الثنتين و الثلاث و الآخر بين الثنتين و الثلاث، فإنهم يرجعون الى الشك بين الثنتين و الثلاث و الرابطة هنا شك، و به يحصل المثال الثاني أيضا، و الثالث كالمثال المتقدم من شك أحدهما بين الثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع فإن الرابطة الثلاث يعملون عليها من غير احتياط، و الرابع كما إذا شك أحدهم بين الواحدة و الثنتين و الثلاث و الآخر بين الثنتين و الثلاث و الأربع و الثالث بين الثنتين و الثلاث و الخمس و الرابطة هنا هو الشك بين الاثنتين و الثلاث فيرجع الجميع اليه و يعملون بمقتضاه، و الخامس هو عدم وجود الرابطة مع التعدد كما لو

278

شك أحدهم بين الثنتين و الثلاث و الآخر بين الأربع و الخمس و آخر بين الثنتين و الأربع

(المقام الثاني)- في السهو

و لنذكر أولا الأخبار المتعلقة بذلك ثم نعطف الكلام على ما ذكره الأصحاب و ما يفهم من الأخبار في هذا الباب مستمدين منه عن شأنه الهداية إلى جادة الصواب:

فمن الأخبار المشار إليها ما تقدم في المقام الأول، و منها-

ما رواه الكليني و الشيخ (طيب الله تعالى مرقديهما) عن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام يضمن صلاة القوم؟ قال لا».

و منها-

ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة (2) قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه لم يكن على وضوء؟

قال يتم القوم صلاتهم فإنه ليس على الامام ضمان».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قلت أ يضمن الإمام الصلاة؟ قال لا ليس بضامن».

و ما روياه أيضا في الكتابين المذكورين عن الحسين بن بشير كما في التهذيب و ابن كثير كما في الفقيه- و الرجلان مجهولان- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «انه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام فقال لا ان الإمام ضامن للقراءة و ليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه إنما يضمن القراءة».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب (5) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يضمن الإمام صلاة الفريضة فإن هؤلاء يزعمون انه يضمن؟

فقال لا يضمن أي شيء يضمن إلا ان يصلى بهم جنبا أو على غير طهر».

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الجماعة. و في الفروع ج 1 ص 105 و التهذيب ج 1 ص 329 و 330 و الوافي باب «ضمان الامام.» و الوسائل «سألت أحدهما ع».

(2) الوسائل الباب 36 من الجماعة.

(3) الوسائل الباب 30 من الجماعة.

(4) الوسائل الباب 30 من الجماعة.

(5) الوسائل الباب 36 من الجماعة.

279

و ما رواه في التهذيب و الفقيه عن عمار بن موسى الساباطي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل سها خلف امام بعد ما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا و لم يكبر و لم يسبح و لم يتشهد حتى سلم؟ فقال قد جازت صلاته و ليس عليه شيء إذا سها خلف الامام و لا سجدتا السهو لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه».

و ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الرجل ينسى و هو خلف الامام ان يسبح في السجود أو في الركوع أو ينسى أن يقول بين السجدتين شيئا؟ فقال ليس عليه شيء».

و عن عمار أيضا في الموثق (3) قال: «سألته عن الرجل يدخل مع الامام و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فسها الامام كيف يصنع؟ فقال إذا سلم الامام فسجد سجدتي السهو فلا يسجد الرجل الذي دخل معه و إذا قام و بنى على صلاته و أتمها و سلم سجد الرجل سجدتي السهو. الى ان قال: و عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة؟ قال يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول أقيموا صفوفكم؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد؟ قال بعد».

و عن منهال القصاب (5)- في الصحيح اليه و هو مجهول- قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أسهو في الصلاة و انا خلف الامام؟ قال فقال إذا سلم فاسجد سجدتين و لا تهب».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع:

(الأول) [الجمع بين ما دل على ضمان الإمام و ما دل على عدمه]

- ما اشتمل عليه بعضها من ضمان الامام و بعض آخر من عدم الضمان يمكن الجمع بينها بوجوه:

____________

(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(5) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

280

(أحدها)- ما ذكره الصدوق (قدس سره) حيث قال بعد إيراد رواية أبي بصير: ليس هذا بخلاف خبر عمار و خبر الرضا (عليه السلام) (1) لأن الإمام ضامن لصلاة من صلى خلفه متى سها عن شيء منها غير تكبيرة الإحرام و ليس بضامن لما يتركه المأموم متعمدا.

و (ثانيها)- ما ذكره (طاب ثراه) ايضا حيث قال: و وجه آخر و هو انه ليس على الإمام ضمان لإتمام الصلاة بالقوم فربما حدث به حادث قبل ان يتمها أو يذكر انه على غير طهر. ثم استشهد برواية زرارة المتقدمة.

و (ثالثها)- ان يكون المراد بالضمان ضمان القراءة و بعدمه سائر الأذكار و الأفعال. و اليه يشير خبر الحسين بن بشير أو ابن كثير المتقدم.

و (رابعها)- ما ذكره بعض مشايخنا الكرام (رفع الله أقدارهم في دار السلام) و هو ان يكون المراد بالضمان الإثم و العقاب على الإخلال بالشرائط و الواجبات من جهة المأمومين و بعدمه عدم الإثم إذا كان ذلك سهوا، أو عدم التأثير في بطلان صلاة المأمومين مطلقا كما يومئ اليه بعض الأخبار السالفة، أو عدم وجوب إعلامهم بذلك كما يشير إليه أيضا بعض الأخبار. انتهى.

و الظاهر بعده.

و (خامسها)- و هو الأظهر حمل ما دل على الضمان على التقية و اليه تشير صحيحة معاوية بن وهب و يعضده ما نقله في المنتهى من أنه أطبق الجمهور إلا مكحول على انه لا سهو على المأموم (2).

(الثاني)- لو اشترك الامام و المأموم في السهو

فالظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في وجوب العمل عليهما بما يقتضيه حكم ذلك السهو اتفقا في خصوصه أو اختلفا، فالأول كما إذا تركا سجدة واحدة سهوا فذكراها بعد الركوع فإنهما يمضيان في الصلاة و يقضيان السجود بعدها اتفاقا و يسجدان للسهو بناء على المشهور من وجوب

____________

(1) ص 279 و 269.

(2) المغني ج 2 ص 41.

281

سجود السهو في هذا الموضع، و لو ذكراها قبل الركوع فإنهما يجلسان و يأتيان بها ثم يستأنفان الركعة. و الثاني كما إذا ذكر الإمام السجدة المنسية بعد الركوع و المأموم قبله فإنه يأتي المأموم بها ثم يلحق الامام و أما الامام فإنه يقضيها بعد صلاته كما تقدم و في السجود للسهو ما مر. و لو كانا قد نسيانا السجدتين معا و ذكرهما الامام بعد الركوع و المأموم قبله بطلت صلاة الإمام و أما المأموم فإنه يأتي بهما و ينفرد و يتم صلاته.

(الثالث)- لو اختص السهو بالمأموم

فلا خلاف و لا إشكال في عدم وجوب شيء لذلك على الإمام، إنما الخلاف بالنسبة إلى المأموم في انه هل يجب عليه الإتيان بموجب ذلك السهو أم لا؟ و الأشهر الأظهر انه يجب عليه الإتيان بموجبه، و ذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط إلى انه لا حكم لسهو المأموم هنا و لا يجب عليه سجود السهو بل ادعى عليه الإجماع، و اختاره المرتضى (رضى الله عنه) و نقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (1) و مال اليه الشهيد في الذكرى و المحقق في المعتبر على اختلاف بينهما في بعض الأحكام كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام.

قال في الذكرى: و لا حكم لسهو المأموم الموجب لسجدتي السهو في حال الانفراد بمعنى انه لو فعل المأموم موجب سجدتي السهو كالتكلم ناسيا أو نسيان السجدة أو التشهد لم تجبا عليه و ان وجب قضاء السجدة و التشهد، و كذا لو نسي ذكر الركوع أو السجود أو الطمأنينة فيهما لم يسجد لهما و ان أوجبنا السجود للنقيصة و ذلك كله ظاهر قول الشيخ في الخلاف و المبسوط و اختاره المرتضى و نقله عن جميع الفقهاء إلا مكحولا (2) و رواه العامة عن عمر (3). الى آخر كلامه (قدس سره) و قال المحقق في المعتبر- بعد نقل ذلك عن الخلاف و علم الهدى و جميع الفقهاء إلا مكحولا و الاستدلال عليه بالرواية العامية و رواية حفص بن البختري و الرواية المتقدمة عن الرضا (عليه السلام) في سابق هذا المقام (4)- ما لفظه: و الذي أراه ان ما يسهو

____________

(1) المغني ج 2 ص 41.

(2) المغني ج 2 ص 41.

(3) سنن الدار قطني ص 145.

(4) ص 258 و 269.

282

عنه المأموم ان كان محله باقيا اتى به و ان تجاوز محله و كان مبطلا استأنف و ان كان مما لا يبطل فلا قضاء عليه و لا سجود سهو عملا بالأحاديث المذكورة.

و ظاهره كما ترى عدم وجوب القضاء في ما يقضى من الأجزاء المنسية لو كان منفردا و عدم سجود السهو في ما أوجب السجود كذلك، و ظاهر كلام الشهيد المتقدم انما هو سقوط سجود السهو خاصة و اما قضاء الأجزاء المنسية فإنه يجب.

استدل الشهيد في الذكرى على ما قدمنا نقله عنه فقال على اثر الكلام المتقدم:

و رواه العامة عن عمر عن النبي (صلى الله عليه و آله) «انه ليس عليك خلف الإمام سهو الإمام كافيه و ان سها الامام فعليه و على من خلفه» و هذا الحديث رواه الدار قطني (1) و في طريقه ضعف عند المحدثين (2) و لأن معاوية بن الحكم تكلم خلف النبي (صلى الله عليه و آله) فلم يأمره بالسجود (3)

و روينا في الحسن عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«ليس على الامام سهو و لا على من خلف الامام سهو و لا على السهو سهو و لا على الإعادة اعادة».

و قال الفاضل لو انفرد المأموم بموجب السهو وجب عليه السجدتان كالمنفرد

لقول أحدهما (عليهما السلام) (5) «ليس على الامام ضمان».

قلنا الخاص مقدم، و يعارض

بما رواه عيسى الهاشمي عن أبيه عن جده عن على (عليه السلام) (6) انه قال:

«الامام ضامن».

و قد يحتج بما رواه في التهذيب عن منهال القصاب، ثم نقل الرواية

____________

(1) ص 145 من سنته و لفظ الحديث فيه هكذا قال: «ليس على من خلف الامام سهو فان سها الامام فعليه و على من خلفه السهو و ان سها من خلف الامام فليس عليه سهو و الامام كافيه».

(2) قال في هامش سنن الدار قطني في التعليق على سند الحديث: و الحديث أخرجه البيهقي و البزار كما في بلوغ المرام و الكل من الروايات فيها خارجة بن مصعب و هو ضعيف.

(3) سنن البيهقي ج 2 ص 250 و أشرنا إليه في التعليقة 5 ص 100.

(4) ص 258 و في الوسائل الباب 24 و 25 من الخلل في الصلاة.

(5) ص 278 و في الوسائل الباب 24 من الجماعة رقم 2.

(6) الوسائل الباب 3 من الأذان و الإقامة.

283

كما قدمناه. ثم قال و يمكن حملها على الاستحباب. انتهى كلامه زيد إكرامه.

أقول: أنت خبير بأن أدلة هذا القول ترجع إلى رواية حفص و حديث الرضا (عليه السلام) و موثقة عمار الأولى و الثانية، و الجميع لا يخلو من الإشكال فإن منها ما هو في غاية الإجمال الموجب للقدح في الاستدلال و منها ما هو ظاهر إلا ان تطرق الحمل على التقية اليه متوجه لما عرفت آنفا من أن ذلك مذهب الجمهور.

فاما رواية حفص فلما تقدم من ان السهو فيها مجمل يحتمل شموله للسهو بالمعنى المشهور و عدمه، و الظاهر من مرسلة يونس و صحيحة على بن جعفر هو حمل السهو على الشك فيمكن أن يكون في هذه الرواية كذلك.

و اما رواية الرضا (عليه السلام) فهي أشد إجمالا و أكثر احتمالا و قد قيل فيها وجوه:

(أحدها) أن يكون المراد بالوهم الشك أو ما يشمله و الظن، فإن المأموم الشاك يرجع الى يقين الامام اتفاقا و الى ظنه على الأشهر كما تقدم، و الظان الى يقينه على الأشهر كما تقدم ايضا، فيصدق انه يحمل أوهام من خلفه. و اما استثناء التكبير فيه فلأنه مع الشك فيه لم يتحقق الدخول في الصلاة فضلا عن تحقق المأمومية فلا يرجع اليه.

و (ثانيها)- ان يكون المراد بالوهم الأعم من الشك و السهو و يكون المقصود بيان فضيلة الجماعة و فوائدها و انه لا يقع من المأموم سهو و شك غالبا في الركعات و الأفعال لتذكير الامام له. و لا يخلو من بعد.

و (ثالثها)- ان يكون المراد بالوهم ما يشمل الشك و الظن و السهو أو يختص بالسهو كما فهمه جماعة، فيدل على عدم ترتب حكم السهو على سهو المأموم كما هو مطلوب المستدل. و منه يظهر عدم بطلان صلاة المأموم بزيادة الركن سهوا في ما إذا ركع أو سجد قبل الإمام أو رفع رأسه منهما قبله فإنه يرجع في تلك الصور و لا يضره زيادة الركن.

و (رابعها)- ان يكون المراد ما يسهو عنه من الأذكار غير تكبيرة الإحرام

284

إذ ليس فيها ركن غيرها، و لعل المراد انه يثاب عليها مع تركه لها سهوا و إتيان الإمام بها بخلاف المنفرد فان غايته انه لا يعاقب على تركها دون أن يثاب عليها و حينئذ فمع تعدد ما ذكرنا من الاحتمال فكيف يصلح للاستدلال.

و أما موثقتا عمار فالأظهر حملهما على التقية، على ان الثانية منهما غير ظاهرة لأن وجوب سجود السهو في الأمور التي اشتملت عليها إنما يتجه على قول من قال بذلك لكل زيادة و نقيصة و هو خلاف المشهور و دليله لا يخلو من القصور كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى في تلك المسألة.

هذا. و اما ما يدل على القول المشهور من وجوب سجود السهو بعروض أحد أسبابه المروية فصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و رواية منهال القصاب و منها روايات نفى الضمان و قد تقدم جميع ذلك (1).

و اما احتمال حمل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على ان القائل كان منفردا كما قيل فبعيد جدا بل تعسف محض.

و اما حمل الشهيد (قدس سره) في ما تقدم من كلامه رواية منهال على الاستحباب ففيه ان الدليل ليس منحصرا فيها مع ما عرفت في هذا الحمل في غير مقام و اما ما ذكره (قدس سره) ايضا- من ان نفى الضمان عام و نفى السجود خاص و الخاص مقدم على العام مع المعارضة برواية عيسى بن عبد الله الهاشمي- ففيه ما عرفت في تلك الروايات من الإجمال و تعدد الاحتمال في بعض و الحمل على التقية في آخر.

و بالجملة فإنه مع تسليم تعارض الأخبار يشكل ترك العمل بالأحكام الثابتة بالعمومات القوية عند عروض السهو مع انه الأوفق بالاحتياط و مؤيد بالأخبار الدالة عليه، فالأقوى و الأحوط عدم ترك سجود السهو للمأموم متى عرض له أحد أسبابه. و الله العالم.

____________

(1) ص 279 و 278.

285

(الرابع)- لو اختص السهو بالإمام

كما لو تكلم ناسيا و الحال ان المأموم لم يتابعه فالمشهور سيما بين المتأخرين اختصاصه بحكم السهو، و ذهب الشيخ و جملة من أتباعه إلى انه يجب على المأموم متابعته في سجدتي السهو و ان لم يعرض له السبب و بهذا القول قال أكثر العامة (1).

استدل الشيخ بوجوه: (أحدها) وجوب متابعة الامام. و رد بأنه انما تجب متابعته حال كونه اماما و سجدتا السهو إنما هما بعد الفراغ من الصلاة و انقضاء الائتمام على ان صلاة المأموم لا تبنى على صلاة الإمام فقد تبطل صلاة الإمام مع صحة صلاة المأموم كما لو تبين حدثه أو فسقه أو كفره فان ذلك لا يقدح في صحة صلاة المأموم فكذا مع حصول النقص فيها و استدراكه بالسجود مثلا فإنه لا يستلزم تعدى ذلك الى المأموم.

و (ثانيها)-

ما رواه العامة عن عمر عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «ليس على من خلف الامام سهو الإمام كافيه و ان سها الامام فعليه و على من خلفه» رواه الدار قطني (2).

و رد بان الخبر من روايات العامة فلا يقوم حجة مع انه عندهم ايضا ضعيف (3) و (ثالثها)- موثقة عمار المتقدمة و هي الثالثة من رواياته و الجواب عنه بالحمل على التقية كما عرفت فان القول بذلك مذهب جمهور العامة (4).

و اما ما يشعر به كلام صاحب الذخيرة- من التردد هنا و الميل الى مذهب الشيخ لما ذكره من الدليل الأول و الثالث- فهو من تشكيكاته الواهية.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشهيد في الذكرى قد ذكر فروعا على قول الشيخ في القاعدتين، قال (الأول) لو رأى المأموم الإمام يسجد للسهو وجب عليه السجود و ان لم يعلم عروض السبب حملا على ان الظاهر منه انه يؤدى ما وجب

____________

(1) المغني ج 2 ص 41 «إذا سها الامام فعلى المأموم متابعته في السجود سواء سها معه أو انفرد الامام بالسهو، قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك و ذكر إسحاق انه إجماع أهل العلم».

(2) ارجع الى التعليقة 1 ص 282.

(3) ارجع الى التعليقة 2 ص 282.

(4) المغني ج 2 ص 41 «إذا سها الامام فعلى المأموم متابعته في السجود سواء سها معه أو انفرد الامام بالسهو، قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك و ذكر إسحاق انه إجماع أهل العلم».

286

عليه، و لعدم شرعية التطوع بسجدتي السهو.

و اعترضه المحقق الأردبيلي (قدس سره) بأنه يحتمل أن يكون عرض له السبب في صلاة أخرى و ذكره في هذا الوقت فلا يجب على المأموم متابعته.

و أورد عليه بعض مشايخنا المحققين أيضا بالنسبة إلى ادعائه عدم مشروعية التطوع بهما انه في محل المنع، قال إذ الأصحاب كثيرا ما يحملون الأخبار الواردة بهما مع المعارض أو مخالفة المشهور على الاستحباب.

أقول: يمكن دفع هذا الإيراد بأن الظاهر ان مراد الشيخ الشهيد إنما هو عدم مشروعية سجدتي السهو بدون أحد الأسباب المعدودة في الأخبار و كلام الأصحاب كما انه يستحب السجود مطلقا بل إنما يقع و يشرع مع أحد الأسباب المذكورة، و حينئذ فلا يرد عليه حمل الأصحاب لهما على الاستحباب باعتبار وجود أحد الأسباب. و مرجع كلام الأصحاب إلى أصل السبب و صلوحه للسببية لا الى نفس السجود فمن حيث عدم صلوحه للسببية لمعارض و نحوه يحملون السجود على الاستحباب و هذا لا يأباه كلام الشهيد بناء على ما فسرناه به.

ثم ذكر جملة من الفروع التي ليس في إيرادها كثير فائدة مع ما عرفت من ضعف القول الذي فرعت عليه.

(الخامس) [تفسير رواية منهال]

- قوله (عليه السلام) في رواية منهال القصاب «فاسجد سجدتين و لا تهب» يحتمل أن يكون من المضاعف اى لا تقم من مكانك حتى تأتى بهما، قال في النهاية:

فيه «لقد رأيت أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) يهبون إليها كما يهبون الى المكتوبة» يعنى ركعتي المغرب اى ينهضون إليها. و في القاموس الهب الانتباه من النوم و نشاط كل سائر و سرعته. و يحتمل أن يكون على بناء الأجوف و على هذا فيحتمل أن يكون المراد به عدم الخوف عليه من تشنيع الناس عليه بالسهو في الصلاة أو عدم الخوف من المخالفين للخلاف بينهم في ذلك. و الله العالم.

فائدة [توجيه رواية سماعة]

روى الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن سماعة عن ابى عبد الله

287

(عليه السلام) (1) «في رجل سبقه الإمام بركعة ثم أوهم الإمام فصلى خمسا؟ قال يعيد تلك الركعة و لا يعتد بوهم الامام».

كذا في التهذيب (2) و في الفقيه (3) «يقضى تلك الركعة» عوض «يعيد».

قال في الوافي: «يعيد تلك الركعة» أي يصليها منفردا أسماها اعادة لانه قد فاتته مع الامام. انتهى.

أقول: لعل المراد من كلامه ان السؤال وقع عن حكم المأموم قبل الإتمام مع الامام، بمعنى انه لما صلى ثلاثا و بقيت عليه ركعة واحدة و لكن الإمام في تلك الحال سها فزاد رابعة فما حكم المأموم في حال قيام الإمام للخامسة؟ قال يأتي بما بقي عليه و هي الركعة التي فاتته. و لكنه عبر عن الإتيان بالإعادة، و لا يخلو من بعد فان ظاهر الخبر ان الرجل أكمل صلاته أربعا مع الامام و تابعه في الخامسة التي زادها الامام سهوا، و حينئذ فيشكل امره بإعادة تلك الركعة التي تابع الامام فيها حال سهوه لانه يلزم أن تكون صلاته خمسا حينئذ، فإن هذا ظاهر الخبر و الاشكال فيه من جهة ما ذكرناه ظاهر ايضا، و الأقرب على هذا ان قوله «يعيد تلك الركعة» وقع تصحيف «يعتد» بالتاء الفوقانية من الاعتداد عوض الياء التحتانية من الإعادة فإنه لا معنى لإعادة الركعة هنا بالكلية، و حاصل المعنى انه يعتد بتلك الركعة التي تابع فيها الامام و لكن يجب حمله على نية الانفراد فيها أو مشاركته للإمام في سهوه، فان بطلان صلاة الإمام بزيادة تلك الركعة لا يوجب بطلان صلاة المأموم لعدم حصول الزيادة في صلاته و الاقتداء به فيها على تقديره إنما وقع سهوا فلا اشكال. هذا على ما في التهذيب و اما على ما في الفقيه من قوله «يقضى» فالمراد من القضاء مجرد الفعل كقوله «فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ» (4) لا المعنى المشهور، و حاصله أن يأتي بتلك الركعة و يتم صلاته و لا يعتد ببطلان صلاة

____________

(1) الوسائل الباب 68 من الجماعة.

(2) ج 1 ص 331.

(3) ج 1 ص 266.

(4) سورة الجمعة، الآية 10.

288

الإمام، و هو اما بقصد الانفراد ان تابع الإمام في خامسته أو انه انفرد من أول الأمر و لم يتابع فيها. و الله العالم.

(المسألة الثالثة عشرة) [لا حكم للسهو مع الكثرة]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بأنه لا حكم للسهو مع الكثرة لكن ظاهر جملة منهم ان المراد بالسهو هنا الشك كما صرح به في المعتبر و هو ظاهر العلامة في المنتهى و التذكرة و اختاره في المدارك و نقل بعض مشايخنا انه مذهب الأكثر، و ظاهر آخرين- و منهم الشيخ و ابن زهرة و ابن إدريس و غيرهم و الظاهر انه المشهور- هو العموم للشك و السهو و به صرح شيخنا الشهيد الثاني و غيره و هو الأظهر.

و الأصل في المسألة الأخبار، و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة و ابى بصير (1) قالا: «قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى و لا ما بقي عليه؟ قال يعيد. قلنا فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك؟ قال يمضى في شكه ثم قال لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد اليه الشك. قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصى لم يعد إلى أحدكم».

و ما رواه المشايخ الثلاثة عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك فإنه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان».

و في الفقيه (3) «فدعه» مكان «فامض في صلاتك».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان- و الظاهر انه عبد الله الثقة- عن غير واحد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك».

و عن عمار الساباطي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يكثر

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(3) ج 1 ص 224.

(4) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(5) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

289

عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدرى أ ركع أم لا و يشك في السجود فلا يدرى أ سجد أم لا؟ فقال لا يسجد و لا يركع و يمضى في صلاته حتى يستيقن يقينا».

و روى الصدوق مرسلا عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض على صلاتك».

و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن على بن أبي حمزة عن رجل صالح (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل يشك فلا يدرى أ واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته؟ قال كل ذي؟ قال قلت نعم. قال فليمض في صلاته و يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإنه يوشك أن يذهب عنه».

و هذا الخبر حمله الشيخ على النوافل أولا ثم حمله ثانيا على كثير الشك و هو الصواب و لذا أوردناه في اخبار الباب إذا عرفت هذا فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا المقام يحتاج إلى بسطه في موارد

(الأول) [الأمر بعدم الالتفات في كثرة الشك رخصة أو عزيمة؟]

- قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و ابى بصير المتقدمة أو حسنتهما «الرجل يشك كثيرا في صلاته» الظاهر ان المراد بالكثرة هنا كثرة أطراف الشك و محتملاته و ان كان شكا واحدا كأن يشك لا يدرى واحدة صلى أم اثنتين أم ثلاثا أم أربعا و من ثم أمره بالإعادة و ليس المراد به كثرة افراد الشك الذي هو محل البحث فإنه لا اعادة معه اتفاقا نصا و فتوى إلا ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام من بعض الأعلام، ثم انه لما راجعه السائل و قال: «انه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك» امره بما هو الحكم في كثير الشك من المضي في شكه و عدم الالتفات فإنه بكثرة ذلك عليه قد دخل تحت كثير الشك فوجب عليه ما ذكرناه من حكمه.

و احتمل المحقق الأردبيلي حمل قوله في صدر الخبر «يشك كثيرا» على كثرة افراد الشك اى يقع منه الشك كثيرا حتى يبلغ الى حد لا يعرف عدد ركعاته، و يدل الخبر على ما اختاره من التخيير في الحكم في كثير الشك بين ان يكون حكمه المضي و عدم الالتفات أو العمل بمقتضى الشك فهو عنده مخير بين العمل بالشك

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

290

و عدم الالتفات اليه مستندا إلى انه (عليه السلام) أمره أولا بالإعادة ثم لما بالغ في الكثرة أمره بعدم الالتفات اليه.

و أنت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور كما لا يخفى على المتأمل البصير و لا ينبئك مثل خبير، فان نهيه (عليه السلام) عن تعويد الخبيث و امره بالمضي في الشك و نهيه عن إكثار نقض الصلاة و ذكر التعليلات المذكورة لا يجامع شيء منها التخيير فضلا عن اجتماعها و صراحتها في المدعى. و بالجملة فإن معنى الخبر انما هو ما قدمنا ذكره من حمل الكثرة في صدر الخبر على كثرة أطراف الشك و محتملاته و الكثرة بالمعنى المراد في المقام انما هي ما أشار إليه السائل بعد المراجعة بقوله:

«فإنه يكثر عليه ذلك. إلخ» و من ثم أمره (عليه السلام) بالإعادة في الأول و المضي في الثاني و بذلك يظهر لك ان ما ذكره المحقق المشار اليه غير موجه و ان سبقه الى ذلك ايضا الشهيد الأول (طاب ثراه) في الذكرى حيث انه احتمل حمل الأمر بالمضي في الشك على الرخصة.

قال (قدس سره) في الكتاب المذكور لو اتى بعد الحكم بالكثرة بما شك فيه فالظاهر بطلان صلاته لأنه في حكم الزيادة في الصلاة متعمدا إلا ان يقال هذا رخصة

لقول الباقر (عليه السلام) (1) «فامض في صلاتك فإنه يوشك ان يدعك الشيطان».

إذ الرخصة هنا غير واجبة. انتهى.

و لا يخفى ما فيه سيما مع عدم دلالة الخبر على ما يدعيه ان لم يدل على خلافه كما لا يخفى على من يتدبر في ما ذكرناه و يعيه، فإن الأصل في الأوامر الواردة في هذه الأخبار بالمضي هو الوجوب و النواهي المانعة عن تعويد الشيطان من نفسه و عن إكثار نقض الصلاة هو التحريم، و حملهما على المجاز يحتاج الى دليل لا بمجرد التشهي و الظن.

و اما ما يظهر من خبر على بن أبي حمزة من ان كثرة الشك تحصل بتعدد

____________

(1) في صحيح محمد بن مسلم ص 288.

291

الاحتمالات في الشك الواحد- و قد أشرنا سابقا الى ان مثل هذا ليس من كثرة الشك في شيء- فينبغي حمله على علم الامام (عليه السلام) من حال السائل انه كان كثير الشك لا من مجرد هذا السؤال أو دلالة قرائن الأحوال يومئذ على انه لا يصدر عنه مثل هذا الشك إلا من حيث كونه كثير الشك دائما.

(الثاني) [الأمر بعدم الالتفات هل يعم كثرة السهو؟]

- قد تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ان الحكم المذكور هنا هل هو مخصوص بالشك أو شامل له و للسهو؟ و ربما رجح الأول بنسبة ذلك الى الشيطان و الذي يقع من الشيطان انما هو الشك و اما السهو فهو من لوازم طبيعة الإنسان.

و فيه نظر لتصريح الآيات و الروايات بنسبة السهو ايضا الى الشيطان كقوله عز و جل «وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ» (1) و قوله «وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلَّا الشَّيْطٰانُ» (2) مع ان الشك انما يحصل من الشيطان فلا فرق بينهما في ان كلا منهما من الشيطان.

و الظاهر عندي هو العموم لان اخبار المسألة منها ما ورد بلفظ الشك و منها ما ورد بلفظ السهو و القول بالعموم جامع للعمل بالأخبار كملا و اما التخصيص بالشك فيحتاج إلى التأويل في اخبار السهو بالحمل على الشك و إخراجه عن ظاهر حقيقته اللغوية التي هي النسيان و هو يحتاج الى دليل مع انه لا ضرورة تلجئ اليه.

و يؤيد ما قلناه ما تشير إليه الأخبار المذكورة من ان العلة في هذا الحكم هو رفع الحرج و التخفيف على المكلفين لأن الإعادة موجبة للزيادة حيث ان ذلك من الشيطان و هو معتاد لما عود، و هذا مما يجري في الشك و السهو.

و ممن وافقنا في المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه أثر صاحب المدارك غالبا فقال: و اعلم ان ظاهر عبارات كثير من الأصحاب التسوية بين الشك و السهو في عدم الالتفات إليهما بل شمول الحكم للسهو في كلامهم أظهر. و هو ظاهر النصوص. و في عبارة المعتبر و كلام المصنف في عدة من كتبه اشعار باختصاص الحكم بالشك. و الأول يقتضي عدم الإبطال بالسهو في الركن و عدم

____________

(1) سورة الانعام الآية 67.

(2) سورة الكهف الآية 62.

292

القضاء إذا كان السهو موجبا له، و لم أجد من الأصحاب من صرح بهما بل صرح جماعة منهم بخلافهما مع تصريح بعضهم بسقوط سجود السهو و الفرق بينه و بين القضاء محل تأمل و احتمل الشارح الفاضل عدم وجوب القضاء. انتهى. و هو جيد و سيأتي في المقام ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد تحقيق لما اخترناه و تأييد لما ذكرناه.

(الثالث) [مناقشة كلام صاحب المدارك و المجلسي في المقام]

- قال في المدارك: و لو كثر السهو عن واجب يستدرك اما في محله أو في غير محله وجب الإتيان به، و لو كان عن ركن و تجاوز محله فلا بد من الإعادة تمسكا بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو و غيره السالم من المعارض.

و هل تؤثر الكثرة في سقوط سجدات السهو؟ قيل نعم و هو خيرة الذكرى دفعا للحرج، و قيل لا و هو الأظهر لأن أقصى ما تدل عليه الروايات المتقدمة وجوب المضي في الصلاة و عدم الالتفات الى الشك فتبقى الأوامر المتضمنة للسجود بفعل موجبه سالمة من المعارض. انتهى.

أقول: فيه ان هذا الكلام لا يلائم ما قدمه في صدر البحث من اختصاص الحكم بالشك، فان اللازم من ذلك ان كثرة السهو ليس من هذه المسألة في شيء حتى يستثني منه هذين الفردين. اللّهمّ إلا ان يقال ان غرضه بيان حكم هذين الفردين بناء على القول بالعموم. و فيه ان عبارته قاصرة عن افادة هذا المفهوم.

و كيف كان فإنه على تقدير القول بالعموم فهل يكون الحكم في هذين الفردين ما ذكره من عدم العمل بموجب الكثرة فيهما و بقاء حكمهما على ما كان أو انه يجرى حكم الكثرة فيهما؟ ظاهر كلامهم الأول كما تقدمت الإشارة إليه في كلام الفاضل الخراساني و به صرح في الذكرى كما ذكره السيد السند هنا.

و ما استدل به السيد من التمسك بعموم ما دل على الحكمين المتناول لكثرة السهو و غيره معارض بعموم ما دل على المضي في الصلاة مع الكثرة و إلغاء السهو الشامل لهذين الفردين و غيرهما، و كيف استجاز تخصيص عموم اخبار السهو في غير هذين الموضعين و اخبار الشك بهذه الأخبار و يمنعه في هذين الموضعين مع عدم ظهور

293

الفرق في البين و هل هو إلا تحكم محض؟ و اما ما دل على وجوب الاحتياط في افراد الشكوك فشامل بإطلاقه لكثير السهو و غيره.

و بالجملة فإنه قد تعارض هنا عمومان عموم أخبار المضي مع كثرة الشك و السهو الشامل للسهو في ركن و غيره و لما كان في محله أو غير محله مما يقضي أو لا يقضى، و عموم ما دل على البطلان بالسهو عن الركن حتى تجاوز محله أو دل على التدارك في المحل و القضاء بعده الشامل لكثير السهو و غيره، فدعوى تخصيص العموم الأول بالثاني دون العكس ترجيح من غير مرجح بل الأمر بالعكس لما ثبت في جملة أفراد الشك و أفراد السهو في غير الموضعين المذكورين من تخصيص أدلة تلك الأحكام فليكن مثله في هذين الفردين مؤيدا بما اشتملت عليه التعليلات في الأخبار من مراعاة حال المكلف و تخفيف الأمر عليه و تخليصه من شباك الوسواس الخناس.

و بذلك يتبين لك ايضا ما في كلام شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) حيث انه من جملة من مال الى تخصيص حكم الكثرة بالشك تبعا لصاحب المدارك و من تقدمه حيث قال- بعد الكلام في المقام و اختيار حمل الأخبار كملا على الشك- ما صورته: بل الأصوب ان يقال شمول لفظ السهو في تلك الأخبار للسهو المقابل للشك غير معلوم و ان سلم كونه بحسب أصل اللغة حقيقة فيه، إذ كثرة استعماله في المعنى الآخر بلغت حدا لا يمكن فهم أحدهما منه إلا بالقرينة، و شمولها للشك معلوم بمعونة الأخبار الصريحة، فيشكل الاستدلال على المعنى الآخر بمجرد الاحتمال، مع ان حمله عليه يوجب تخصيصات كثيرة تخرجه عن الظهور لو كان ظاهرا فيه، إذ لو ترك بعض الركعات أو الأفعال سهوا يجب عليه الإتيان به في محله إجماعا، و لو ترك ركنا سهوا و فات محله تبطل صلاته إجماعا و لو كان غير ركن يأتي به بعد الصلاة لو كان مما يتدارك، فلم يبق للتعميم فائدة إلا في سقوط سجود السهو و تحمل تلك التخصيصات الكثيرة أبعد من حمل السهو على خصوص الشك لو كان بعيدا، مع ان مدلول الروايات المضي في الصلاة و هو لا ينافي وجوب سجود السهو

294

إذ هو خارج عن الصلاة، فظهر ان من عمم النصوص لا تحصل له في التعميم فائدة. انتهى أقول: لا يخفى ان ما ذكره و أورده وارد على من قال بهذه الإجماعات و وافق عليها و جعلها حججا شرعية و مع ذلك كله يقول بالعموم، و اما من لا يعتبر هذه الإجماعات و لا يجعلها دليلا شرعيا و إنما يعتمد على الروايات و يجعل البحث منوطا بها و معلقا عليها من غير نظر الى خلاف أو وفاق فلا ريب ان الحق عنده في المسألة هو ما قدمناه كما قدمناه في سابق هذا المورد و أوضحناه.

و اما دعواه- ان كثرة استعمال السهو بمعنى الشك أوجبت الاشتراك بين المعنى الحقيقي للسهو و بين هذا المعنى المجازي لشيوعه و كثرته حتى انه لا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة. إلخ. فإن فيه مع غض النظر عن المناقشة انه و ان كان الأمر كما ذكره إلا ان التعليلات التي اشتملت عليها الأخبار ظاهرة في العموم، فان الغرض من المضي في السهو و الشك و عدم الالتفات إليهما إنما هو رعاية حال المكلف و تخفيف الأمر عليه بعدم استيلاء الشيطان و تطرقه اليه و هذا أمر مشترك بين الشك و السهو بل ربما كان أظهر في السهو كما يشعر به نقض الصلاة بمعنى ابطالها بالكلية الناشئ عن السهو في ركن حتى تجاوز محله و نحو ذلك.

و اما قوله- مع ان مدلول الروايات المضي في الصلاة. الى آخره- ففيه ان الظاهر من قولهم «يمضي في شكه و يمضى في صلاته» انما هو الكناية عن عدم الالتفات الى ما يوجبه الشك أو السهو من الإتيان بالمشكوك فيه أو الاحتياط أو الإتيان بما سها عنه في محله أو بعد فوات محله أو ما أوجباه من سجود سهو و نحوه، و بالجملة فالمراد جعل ذلك في حكم العدم كأنه لم يكن ثمة سهو و لا شك بالمرة، و هذا هو المعنى الملائم لتلك التعليلات المشار إليها آنفا من التخفيف على المصلى و ان لا يطمع الشيطان في العود اليه و هو الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر.

و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال و الاحتياط مما لا ينبغي تركه بحال. و الله العالم.

295

(الرابع) [الحكم المترتب على كثرة الشك]

- اعلم ان ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف ان حكم الشك مع الكثرة عدم الالتفات إليه بالكلية كما تقدمت الإشارة إليه، فلو اشتمل على ما يبطلها في غير تلك الحال من الأركان أو الأفعال لم تبطل في صورة الكثرة بل يمضي في صلاته و يبنى على وقوع المشكوك فيه و ان كان محله باقيا ركنا كان أو غيره ما لم يستلزم الزيادة فيبني على الصحيح، و قد دلت موثقة عمار (1) على انه بالشك في الركوع و السجود و ان كان في محله فإنه يمضى و لا يركع و لا يسجد. و إذا ثبت ذلك في الأركان ثبت في غيرها من الأفعال بطريق اولى، مضافا الى الأمر بالمضي في الأخبار و هكذا يقال بالنسبة إلى السهو على ما اخترناه من العموم. و من جملة ذلك أيضا صلاة الاحتياط في صور الشك المتقدمة فإنه لا يأتي بها، و تردد المحقق الأردبيلي (طاب ثراه) في سقوط صلاة الاحتياط. و لا يخفى ما فيه.

و قد أشرنا في ما تقدم ايضا الى ان الحكم بما ذكرناه من عدم الالتفات الى الشك أو السهو حتى لظواهر الأوامر و النواهي الواردة في الأخبار، و لم يظهر خلاف في ذلك إلا ما قدمناه عن المحقق الأردبيلي و قبله الشهيد في الذكرى.

و مقتضى كلام الأصحاب ان من كثر شكه فإنه يبنى على الأكثر و تسقط عنه صلاة الاحتياط لعلة الكثرة، و اختار المحقق الأردبيلي (قدس سره) البناء على الأقل للأصل مع العمل بعدم اعتبار الشك مع الكثرة في الجملة. و لم أقف على قائل بذلك سواه.

و لا يخفى على الناظر في الأخبار بعين التأمل و الاعتبار انه ليس العلة في تغيير الحكم في كثير الشك عن ما كان عليه غيره إلا مراعاة جانبه و التخفيف عليه بدفع وساوس الشياطين عنه، و التخفيف إنما يحصل بما عليه الأصحاب من البناء على الأكثر و جعل المشكوك فيه كأنه فعله و اتى به من غير ان يترتب على ذلك شيء زائد على إتمامه الصلاة على تلك الحال، إذ في البناء على الأقل يحصل زيادة تكليف موجب

____________

(1) ص 288 و في الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

296

لإعادة الشيطان له و رغبته في تشكيكه.

و بالجملة فإن جميع ما ذكره هذا المحقق من الأقوال و خلاف الأصحاب كله خلاف ظواهر النصوص الدالة على تسهيل التكليف مضافا الى عموم النصوص الدالة على ان دينه (صلى الله عليه و آله) سمح سهل كما تمدح به (صلى الله عليه و آله) (1) من

قوله «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة».

قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد الكلام في الشك بنحو ما ذكرناه:

و اما السهو فقد عرفت ان المشهور بين الأصحاب عدم ترتب حكم على الكثرة فيه، و ذهب الشهيد الثاني إلى ترتب الحكم عليه مع موافقته لسائر الأصحاب في وجوب العود الى الفعل الذي سها فيه إذا ذكره مع بقاء محله، و قضائه بعد الصلاة مع تذكره بعد فوات محله، و بطلان الصلاة بترك الركن أو الركعة نسيانا مع مضى وقت التدارك و كذا زيادة الركن و الركعة على التفصيل المقرر في أحكام السهو، فلم يبق النزاع إلا في سجود السهو و يشكل الاستدلال بالنصوص على سقوطه فالأحوط الإتيان به. و احتمل الشهيد في الذكرى اغتفار زيادة الركن سهوا، من كثير السهو دفعا للحرج و لاغتفار زيادته في بعض المواضع. أقول طريق الاحتياط واضح. انتهى.

أقول: اما ما ذكره من نسبة الاختصاص بالشك الى المشهور فهو اعرف به فإنه لم ينقل ذلك إلا عن ظاهر المحقق و العلامة. و أما تخصيص العموم بالشهيد الثاني ففيه ما تقدم من ان ذلك مذهب الشيخ و ابن زهرة و ابن إدريس، نقل ذلك الفاضل الخراساني في الذخيرة. و اما ما أورده على الشهيد الثاني فهو في محله كما تقدمت الإشارة اليه و لكن ظواهر الأخبار- كما قدمنا بيانه- تدفع ذلك لظهور عمومها للسهو و الشك في ركن كان أو غيره في محله أو في غير محله كما تقدم تحقيقه.

____________

(1) الوسائل الباب 48 من مقدمات النكاح و آدابه و في نهج الفصاحة ص 219 «بعثت بالحنيفية السمحة».

297

و اما ما ذكره من الإشكال في الاستدلال بالنصوص على سقوط سجدتي السهو فقد تقدم الجواب عنه ايضا، و ان العبارة المذكورة في النصوص إنما خرجت مخرج الكناية عن عدم الالتفات بالكلية الى ما يترتب على ذلك السهو و الشك. و الله العالم.

(الخامس) [ما تتحقق به الكثرة الموجبة لسقوط الأحكام]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما تتحقق به الكثرة الموجبة لسقوط الأحكام في هذا المقام، فظاهر المشهور بين المتأخرين و متأخريهم هو إرجاع ذلك الى العرف، ذهب اليه الفاضلان و الشهيدان و من بعدهم، و قال الشيخ في المبسوط: و اما ما لا حكم له ففي اثنى عشر موضعا: من كثر سهوه و تواتر و قيل ان حد ذلك ان يسهو ثلاث مرات متوالية.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هذا يدل على عدم الرضا بهذا القول.

و قال ابن إدريس السهو الذي لا حكم له هو الذي يكثر و يتواتر، وحده ان يسهو في شيء واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات فيسقط بعد ذلك حكمه أو يسهو في أكثر الخمس فرائض أعني ثلاث صلوات من الخمس كل منهن قام إليها فسها فيها فيسقط بعد ذلك حكم السهو و لا يلتفت الى سهوه في الفريضة الرابعة. و قال ابن حمزة لا حكم له إذا سها ثلاث مرات متواليات و أطلق في فريضة أو فرائض.

و أنكر المحقق ما ذكره ابن إدريس تمام الإنكار و قال بعد نقل ذلك عنه انه يجب ان يطالب هذا القائل بمأخذ دعواه فانا لا نعلم لذلك أصلا في لغة و لا شرع و الدعوى من غير دلالة تحكم. انتهى.

أقول: يمكن أن يكون الوجه في ما ذكره ابن إدريس هو ان النصوص تضمنت سقوط حكم السهو مع الكثرة و لم تحد هذه الكثرة في الأخبار بحد معين و الكثرة لغة و عرفا تحصل بثلاث مرات، إلا انه يبقى الكلام في محلها و هو أعم من الشيء الواحد أو الفريضة الواحدة أو الفرائض الخمس حسبما ذكره، فلو سها أو شك في شيء واحد ثلاث مرات مضى في الرابعة و لم يلتفت، أو كان كذلك في فريضة واحدة شخصية فإنه يمضى في الرابع و لا يلتفت، أو كان كذلك في

298

ثلاث فرائض متوالية فيسقط حكمه في الفريضة الرابعة. و هذا القول ليس بذلك البعيد إلا ان المحقق لما كان مولعا بتتبع سقطات الشيخ المزبور و التشنيع عليه سارع قلمه الى ما ذكره.

و الذي ورد في هذا المقام من الأخبار

ما رواه الصدوق عن محمد بن ابى عمير عن محمد بن أبي حمزة في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو».

و لا يخفى ما فيه من الإجمال الموجب لسعة دائرة الاحتمال.

قال في الذخيرة بعد الحكم بترجيح القول المشهور و هو الرجوع الى العرف ثم نقل الخبر: انه يحتمل وجهين (أحدهما) ان يكون المراد الشك في جميع الثلاث بان يكون المراد الشك في كل واحد واحد من اجزاء الثلاث اى ثلاث كان.

و (ثانيهما) ان يكون المراد انه كلما صلى ثلاث صلوات يقع فيها الشك بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من الشك ثبت له حكم الكثرة، و حينئذ يقع الاحتياج الى العرف أيضا إذ ليس المراد كل ثلاث صلوات تجب على المكلف على التعاقب الى انقضاء التكليف و إلا يلزم انتفاء حكم الكثرة و سقوطه بالكلية. و ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر على وجه واضح لا يخلو من إشكال و ان لم يبعد ترجيح الأخير و مع هذا فالثلاث مجمل فيحتمل أن يكون المراد الصلوات أو الفرائض أو الركعات أو الأفعال مطلقا و لا يبعد ترجيح الأولين، و مع هذا فغاية ما يستفاد من الرواية حصول الكثرة بذلك و هو غير مناف للعرف لا حصرها فيه فاذن لا معدل عن الإحالة إلى العرف. انتهى.

أقول: ما ذكره من المعنى الأول فهو الذي فهمه المحقق الأردبيلي (نور الله مرقده) من الخبر المذكور، حيث قال: و يمكن ان يكون معنى رواية محمد بن ابى عمير ان السهو في كل واحدة واحدة من اجزاء الثلاث بحيث يتحقق في جميعه موجب

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة.

299

لصدق الكثرة و انه لا خصوصية له بثلاث دون ثلاث بل في كل ثلاث تحقق تتحقق كثرة السهو فتزول بواحدة و اثنتين ايضا و يتحقق حكمها في المرتبة الثالثة فيكون تحديد التحقق و زوال حكم الشك معا، فتأمل فإنه قريب. انتهى كلامه (علا مقامه) و الظاهر انه لا يخلو من البعد من لفظ الخبر.

و اما المعنى الثاني فالظاهر انه الأقرب الى لفظ الخبر و هو ان يسهو في كل ثلاث صلوات متواليات سهوا واحدا و لا تكون ثلاث صلوات متواليات خالية من السهو، كأن يسهو مثلا في الصبح ثم في المغرب ثم في الظهر و هكذا، فهو إنما يفيد تحديد انقطاع كثرة السهو بخلو ثلاث فرائض متواليات من السهو فيها لا تحديد حصول الكثرة، فإن مقتضى لفظ «كل» هو الدوام، فان جعل ذلك باعتبار الاستمرار الى آخر عمره لزم ان لا يعلم كونه كثير السهو إلا بعد موته؛ و ان جعل باعتبار اليوم و الليلة أو الأسبوع أو الشهر فلا دلالة للخبر على شيء من ذلك، مع انه لا تتعدد الثلاث في اليوم و الليلة و ظاهر الخبر كون ذلك في زمان تتعدد فيه الثلاث، فلا بد من الخروج عن ظاهر لفظ الخبر و الرجوع الى العرف بمعنى انه تكررت تلك الحال منه بحيث يقال في العرف انه ليس له ثلاث صلوات خالية من الشك، فيصير الخبر من هذه الجهة خاليا من الفائدة إذ ظاهر سياقه انما هو لبيان حكم الانقطاع فقط ففي حصول الكثرة يرجع الى العرف و في انقطاعها الى خلو ثلاث صلوات متوالية عن السهو.

ثم أقول: لا يخفى انه لما كان من القواعد المقررة في كلامهم انه مع عدم وجود الحقيقة الشرعية أو العرفية الخاصة فإنه يجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية أو العرفية حيث كانت الحقيقة اللغوية أو العرفية، و حيث كانت الحقيقة اللغوية هنا غير معلومة حملوا لفظ الكثرة على العرف و العادة.

قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و المرجع في الكثرة إلى العرف لعدم تقديرها شرعا، و قيل تتحقق بالسهو في ثلاث فرائض متوالية أو في فريضة واحدة

300

ثلاث مرات، و الظاهر انه غير مناف للعرف. و في حكمه السهو ثلاثا في فريضتين متواليتين، و ربما خصها بعضهم بالسهو في ثلاث فرائض

لقول الصادق (عليه السلام) في رواية ابن ابى عمير (1) «إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن يكثر عليه السهو».

و هي غير صريحة في ذلك فان ظاهرها ان المراد وجود الشك في كل ثلاث بحيث لا تسلم له ثلاث صلوات خالية من شك. و لم يقل أحد بانحصار الاعتبار في ذلك. انتهى.

و أنت خبير بما في حوالة الأحكام الشرعية على العرف من الإشكال كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم:

اما (أولا) فلما علم اختلاف الناس و الأقاليم و البلدان في العرف و العادات فان لكل بلد عرفا و عادة خاصة.

و (ثانيا) انه ان أريد العرف الخاص بمعنى عرف كل بلد بالنسبة الى من فيها فإنه موجب لاختلاف الحكم الشرعي باختلاف الناس في عرفهم و هو غير معهود من الشارع و لا دليل عليه بل الدليل على خلافه واضح السبيل، و ان أريد العام فهو في تعذر الوقوف عليه و الاطلاع أظهر من أن يحتاج الى البيان. و من ذا الذي يدعى الإحاطة بعرف عامة البلدان في حكم واحد فضلا عن أحكام عديدة مما ناطوه بالعرف.

و (ثالثا) ان المفهوم من الأخبار انه مع تعذر الوقوف على المعنى المراد من اللفظ و ما عنى به و قصده الشارع فان الواجب الوقوف عن الفتوى و العمل بالاحتياط متى احتيج الى العمل بذلك لدخول هذا الفرد في الشبهات المأمور فيها بذلك (2) و الاحتياط في المقام بالعمل بأحكام الشك و السهو ثم الإعادة من رأس.

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الخلل في الصلاة. و ابن ابى عمير روى هذه الرواية عن محمد بن أبي حمزة عن الصادق «ع» و قد تقدمت ص 298.

(2) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

301

ثم انه على تقدير تخصيص الكثرة بالثلاث فهل الحكم يتعلق بالثالثة أو الرابعة؟ قولان، قال في الروض: و متى حكم بثبوتها بالثلاثة تعلق الحكم بالرابع و يستمر الى أن يخلو من السهو و الشك فرائض يتحقق بها الوصف فيتعلق به حكم السهو الطارئ و هكذا. انتهى.

و تمسك القائلون بذلك- على ما نقله بعض مشايخنا (رضوان الله عليهم)- بان حصول الثلاث سبب لتحقق حكم الكثرة و السبب مقدم على المسبب. و يرد عليه ان تقدم السبب ذاتي و لا تنافيه المعية الزمانية. مع ان التقدم الزماني لا يخل هنا بالمقصود و ظاهر ما قدمنا نقله عن المحقق الأردبيلي تعلق الحكم بالثالث. و احتمل في الذكرى حصول الكثرة بالثانية، قال: و يظهر من

قوله (عليه السلام) في حسنة حفص بن البختري (1) «و لا على الإعادة اعادة».

ان السهو يكثر بالثانية. إلا أن يقال يختص بموضع وجوب الإعادة. انتهى.

أقول: قد قدمنا ان الأظهر في معنى هذه العبارة هو انه لو صدر منه شك أو سهو موجب لإعادة الصلاة ثم حصل في الصلاة المعادة ما يوجب الإعادة أيضا فإنه لا يعيد و لا يلتفت اليه بل يتم صلاته، و لا منافاة بينه و بين التحديد الواقع في صحيحة محمد بن ابى عمير (2) إذ لا يلزم ان يكون عدم الإعادة في الصلاة المعادة إنما هو لحصول الكثرة بل هما حكمان شرعيان بينهما عموم و خصوص من وجه، إذ السهو الموجب للكثرة لا ينحصر في ما كان سببا للإعادة، و السهو في المعادة لا يستلزم كثرة السهو (3) و ان اجتمع الحكمان في بعض الموارد و لا تنافي بينهما.

و قد عرفت ان ظاهر كلام الذكرى ان الإعادة تستلزم الكثرة، و يظهر من المدارك موافقته على ذلك حيث قال بعد نقل عبارة الذكرى المتقدمة: و هو كذلك إلا انى لا أعلم بمضمونها قائلا.

____________

(1) ص 258.

(2) راجع التعليقة 1 ص 300.

(3) العبارة في ما وقفنا عليه من النسخ الخطية هكذا «و الإعادة لا تستلزم كثرة السهو».

302

قال شيخنا المجلسي بعد نقل ذلك عنه: أقول لما لم يعلم تحقق إجماع على خلافه و الرواية المعتبرة دلت عليه فلا مانع من القول به و لذا مال إليه والدي العلامة (قدس الله روحه) و الأحوط الإتمام و الإعادة رعاية للمشهور بين الأصحاب. انتهى.

أقول: ان كان مراده و كذا مراد السيد السند بتقوية ما ذكره في الذكرى و دلالة الرواية عليه بالنسبة الى عدم الإعادة في الصلاة المعادة لو حصل فيها موجب الإعادة فهو جيد إلا انه بعيد عن سياق كلام الذكرى، و ان أراد بالنسبة إلى حصول الكثرة و ان عدم الإعادة في الصلاة المعادة إنما هو من حيث حصول الكثرة كما هو ظاهر كلام الذكرى و كلام السيد ايضا ففيه ان الرواية لا دلالة فيها على ذلك و مجرد نفى الإعادة لا دلالة فيه على ان ذلك لحصول الكثرة. و بالجملة فإن الظاهر ان كلام شيخنا المشار اليه لا يخلو من غفلة. و الله العالم.

(المسألة الرابعة عشرة) [أحكام صور الشكوك الأربعة]

- قد تقدم في صور الشكوك الأربعة وجوب صلاة الاحتياط و لم نتعرض ثمة للبحث عنها و لا عن أحكامها و تحقيق ذلك هنا يقع في مواضع:

(الأول) [هل يجب تكبيرة الإحرام في صلاة الاحتياط]

- الظاهر من كلام الأصحاب وجوب تكبيرة الإحرام في صلاة الاحتياط بل كاد ان يكون اتفاقا بينهم، إلا ان بعض متأخري أصحابنا نقل عن القطب الراوندي في شرح النهاية الطوسية انه قال: من أصحابنا من قال انه لو شك بين الاثنتين و الأربع أو غيرهما من تلك الأربعة فإذا سلم قام ليضيف ما شك فيه الى ما يتحقق قام بلا تكبيرة الإحرام و لا تجديد نية و يكتفى في ذلك بعلمه و إرادته و يقول لا تصح نية مترددة بين الفريضة و النافلة على الاستئناف و ان صلاة واحدة تكفيها نية واحدة و ليس في كلامهم ما يدل على خلافه. و قيل ينبغي ان ينوي انه يؤدى ركعات الاحتياط قربة الى الله و يكبر ثم يصلى. انتهى.

و هذا القول و ان لم يشتهر نقله بين الأصحاب إلا أن إطلاق الأخبار المتقدمة في الأمر بالاحتياط يعضده، فإن أقصى ما تضمنته تلك الأخبار انه يقوم و يركع ركعة أو ركعتين من قيام أو جلوس، و ليس فيها على تعددها و كثرتها تعرض

303

لذكر تكبيرة الإحرام كما لا يخفى على من راجعها مع اشتمالها على قراءة الفاتحة و التشهد و التسليم، و المقام فيها مقام البيان لأنها مسوقة لتعليم المكلفين، فلو كان ذلك واجبا لذكر و لو في بعض كما ذكر غيره مما أشرنا اليه.

و الذي وقفت عليه من عبائر جملة من المتقدمين و جل المتأخرين خال من ذكر التكبير ايضا.

نعم

روى الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام (1) قال: «سألته عن الرجل يصلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات؟ قال ان استيقن انه صلى خمسا أو ستا فليعد، و ان كان لا يدرى أ زاد أم نقص فليكبر و هو جالس ثم ليركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد».

فان ظاهره ان هاتين الركعتين إنما هما للاحتياط و ان كان الاحتياط هنا غير مشهور في كلام الأصحاب إلا ان ظاهر الصدوق في المقنع القول بذلك، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة، و حينئذ فيمكن أن تخصص تلك الأخبار بهذا الخبر. و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على القول المشهور.

(الثاني)- لو فعل المبطل قبل الإتيان بصلاة الاحتياط

فهل تبطل الفريضة و يسقط الاحتياط أم تبقى على الصحة و يجب الإتيان بالاحتياط؟ قولان يلتفتان الى ان صلاة الاحتياط هل هي جزء من الفريضة المتقدمة أم هي صلاة برأسها خارجة عن تلك الصلاة؟ فالأول مبنى على الأول و الثاني على الثاني. و القول بالبطلان منقول عن ظاهر الشيخ المفيد و اختاره العلامة في المختلف و الشهيد في الذكرى، و الى الثاني ذهب جمع: منهم- ابن إدريس و العلامة في الإرشاد و الظاهر انه الأشهر في كلام المتأخرين.

قال في الذكرى: ظاهر الفتاوى و الأخبار وجوب تعقيب الاحتياط للصلاة من غير تخلل حدث أو كلام أو غيره حتى ورد وجوب سجدتي السهو للكلام قبله

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

304

ناسيا كما مر، و قال ابن إدريس لا تفسد الصلاة بالحدث قبله لخروجه عن الصلاة بالتسليم و هذا فرض جديد. و هو ضعيف لان شرعيته ليكون استدراكا للفائت من الصلاة فهو على تقدير وجوبه جزء من الصلاة فيكون الحدث واقعا في الصلاة فيبطلها. انتهى.

و استدل العلامة في المختلف على ما ذهب اليه من الابطال بتخلل الحدث بوجوه (أحدها) ان الاحتياط معرض لان يكون تماما للصلاة فكما تبطل الصلاة بالحدث المتخلل بين أجزائها المحققة فكذا ما هو بمنزلتها. و (ثانيها) قوله (عليه السلام) في آخر رواية

ابن ابي يعفور المتقدمة في مسألة الشك بين الاثنتين و الأربع (1) «فإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربع و ان كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة و ان تكلم فليسجد سجدتي السهو».

و (ثالثها) قوله (عليه السلام)

في رواية أبي بصير المتقدمة (2) «إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم و اركع ركعتين».

و الفاء للتعقيب و إيجاب التعقيب ينافي تسويغ الحدث. و (رابعها)

قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (3) «و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع. قام فأضاف إليها أخرى».

فإن جعل القيام جزء يقتضي تعقيب فعله بالشرط، هذا حاصل ما استدلوا به على هذا القول و ما يمكن تكلفه له من الأدلة.

و رده جملة من متأخري المتأخرين (أما الأول) فلان شرعية فعل الاحتياط استدراكا للفائت لا يقتضي جزئيته من الصلاة، مع انه منفصل عنها بما يوجب الانفصال و الانفراد من النية و التكبير و التسليم. و (اما الثاني) فمع عدم صحة الرواية فهي غير صريحة في المدعى لاحتمال ان يكون المراد سجود السهو للكلام الصادر في أثناء الصلاة أو أثناء صلاة الاحتياط لا الكلام المتخلل بين الصلاتين، على ان ترتب السجود عليه غير صريح في تحريمه، مع انه لو سلم تحريمه لا يلزم منه بطلان الصلاة به. و (اما الثالث) فبعد تسليم دلالة الفاء الجزئية على التعقيب مع- انه

____________

(1) ص 237 و 238.

(2) ص 238.

(3) ص 233.

305

قد منعه بعض العلماء، و ان مجرد الحدث مناف للتعقيب الذي دلت عليه الفاء- فانا نقول ليس المراد بها هنا التعقيب بدلالة ذكر «ثم» في مثل هذا الموضع في بعض الأخبار كصحيحة محمد بن مسلم و حسنة الحلبي و رواية ابن ابى يعفور و عدم ذكر شيء منهما في بعض الأخبار ايضا كحسنة زرارة (1) و بالجملة فإنه لا يخفى على المتتبع ان الفاء في أمثال هذا المقام منسلخة عن معنى التعقيب و انما المراد منها مجرد ترتب ما بعدها على السابق، و مع تسليم ذلك لا يلزم منه بطلان الصلاة بترك المبادرة و إنما اللازم منه وجوب المبادرة و هو غير محل البحث. و (اما الرابع) فإنه لا يعتبر في الجزاء ان يكون بعد الشرط بلا فصل، مع ان ذلك لا يقتضي إلا مجرد الوجوب و هو غير محل البحث أيضا.

أقول: و التحقيق ان هذه التعليلات المذكورة كما عرفت عليلة و قصارى ما تدل عليه اخبار الاحتياط هو وجوب المبادرة به بعد إتمام الصلاة و هو غير موجب لبطلان ما تقدم بالحدث المتجدد بينهما، مع ما ورد من ان تحليل الصلاة التسليم (2) و هو عام و تخصيصه بغير موضع النزاع يحتاج الى دليل و ليس فليس، و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه ابن إدريس. و يؤيده أيضا ما ورد من الأخبار الدالة على صحة الصلاة مع تخلل الحدث قبل التسليم (3) بناء على استحباب التسليم كما هو أحد الأقوال أو كونه واجبا خارجا كما هو المختار، فإنها شاملة بإطلاقها لهذا الموضع و تخصيصها يحتاج الى مخصص و ليس فليس.

و كيف كان فإنه و ان كان الأرجح لما ذكرناه هو القول بالصحة إلا ان المسألة لما كانت خالية من النصوص بالخصوص فالأحوط الإتيان بالاحتياط ثم اعادة الصلاة من رأس.

ثم اعلم ان العلامة في المختلف أورد على ابن إدريس التناقض بين فتواه بعدم

____________

(1) ص 237 و 233.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

(3) الوسائل الباب 13 من التشهد و 3 من التسليم و 1 من قواطع الصلاة.

306

البطلان بالحدث المتخلل و قوله بجواز التسبيح، لأن الأول يقتضي كونها صلاة منفردة و الثاني يقتضي كونها جزء.

قال في الذكرى: و يمكن دفعه بان التسليم جعل لها حكما مغايرا للجزء باعتبار الانفصال عن الصلاة و لا ينافي ذلك تبعية الجزء في باقي الأحكام. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو جيد لو ثبت التبعية بدليل من خارج لكنه غير ثابت بل الدليل قائم على خلافه. انتهى. و هو جيد.

أقول: لا يخفى ان ظاهر الأخبار الدالة على انه مع ظهور تمام الصلاة فالاحتياط نافلة و مع ظهور النقصان فهو متمم هو أن هذه الصلاة ذات جهتين فهي من جهة صلاة مستقلة برأسها و من جهة أخرى تكون سادة للنقص الواقع في الصلاة و بالنظر الى هذا الوجه الأخير جوز ابن إدريس التسبيح إلا ان الأخبار كما ستعرف ان شاء الله تعالى تدفعه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الأصحاب ترتب الوجهين المتقدمين في صلاة الاحتياط على الأجزاء المنسية فلو فاتته السجدة أو التشهد أو أبعاضه على القول بوجوب القضاء ففعل المنافي قبل الإتيان بها ففيه الوجهان المتقدمان في الاحتياط.

قال في الذكرى: و اولى بالبطلان عند بعضهم للحكم بالجزئية هنا يقينا، و لا خلاف في انه يشترط فيها ما يشترط في الصلاة حتى الأداء في الوقت، فان فات الوقت و لما يفعلها تعمدا بطلت صلاته عند بعض الأصحاب لأنه لم يأت بالماهية على وجهها، و ان كان سهوا لم تبطل عنده و نوى بها القضاء و كانت مترتبة على الفوائت قبلها أبعاضا كانت أو صلوات مستقلة. انتهى.

أقول: اما ما نقله من الأولوية استنادا الى الحكم بالجزئية يقينا فلا يخلو من شيء، إذ لو تم ذلك لوجب الحكم ببطلان الصلاة و بتخلل الأركان بين محلها أولا و محل تلافيها أخيرا على انه ليس كذلك، و بالجملة فإنه لا ريب في خروجها عن محض الجزئية، و وجوب الإتيان بها بعد الصلاة حكم آخر. و اما ما ذكره

307

من كونها مترتبة على الفوائت قبلها فلم نقف له على دليل بل إطلاق الأدلة يقتضي انتفاءه و بالجملة فحيث كانت المسألة كسابقتها خالية من النصوص فالاحتياط فيها مطلوب و ان كان الظاهر هو القول بالصحة كما عرفت في تلك المسألة. و الله العالم.

(الثالث) [هل تتعين الفاتحة في صلاة الاحتياط؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) تعين الفاتحة في صلاة الاحتياط، و ذهب ابن إدريس إلى التخيير بينها و بين التسبيح. و القول الأول هو المعتضد بالنصوص المتقدمة الصريحة في وجوب قراءة الفاتحة فيها، و لا ينافي ذلك إطلاق بعض الأخبار بذكر ركعة أو ركعتين من غير تعرض لذكر الفاتحة، فإنه محمول على تلك الأخبار حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المشهورة المنصوصة أيضا.

و اما ما ذكره في الذخيرة هنا- من احتمال حمل الأخبار الدالة على التعيين على الاستحباب حتى ادعى انه لا ترجيح لأحد التأويلين على الآخر- ففيه (أولا) ما عرفت من ان هذه القاعدة في الجمع بين الأخبار و ان اشتهر العمل بها بين الأصحاب بل لا عمل لهم على غيرها في جميع الأبواب إلا انه لا دليل عليها من سنة و لا كتاب بل ظاهر الأدلة المذكورة ردها، فان الحمل على الاستحباب مجاز لا يجوز القول به إلا مع القرينة الصارفة عن الحمل على الحقيقة و ليس فليس.

و (ثانيا) ان اللازم بمقتضى ما ذكره انه يتخير بين القراءة و عدمها و ان كانت القراءة أفضل و لا قائل به و لا دلالة في ذلك على قول ابن إدريس.

و بالجملة فإن ما ذكره لا اعرف له وجها وجيها و انما التجأ إلى موافقة القول المشهور

لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».

قال و ان لم يصل الى حد الحقيقة فالحمل عليه أقرب. و لا يخفى عليك ما فيه من الوهن لما عرفت في غير مقام مما تقدم من ان إطلاق الأحكام في الأخبار إنما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة فإنها هي التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة، على انك قد عرفت

____________

(1)

في صحيح مسلم ج 2 ص 9 «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ..

308

ان صلاة الاحتياط غير متمحضة للاستقلال و المتبادر من الخبر انما هو الصلاة المستقلة. و بالجملة فالأولى في الاستدلال على ذلك انما هو ما ذكرناه.

و نقل عن ابن إدريس انه احتج بان الاحتياط قائم مقام الركعتين الأخيرتين فيثبت فيه ما ثبت في مبدله. و ضعفه أظهر من ان يتصدى الى بيانه. و الله العالم.

(الرابع) [لو ذكر نقصان الصلاة بعد الفراغ]

- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في صحة الصلاة لو ذكر تمامها بعد الإتيان بصلاة الاحتياط لدلالة الأخبار على ذلك و ان الاحتياط هنا يكون نافلة. اما لو ذكر في حال الاحتياط و الحال هذه فهل يقطع الاحتياط لظهور الاستغناء عنه أم يتمه؟ الظاهر التخيير في ذلك و ان كان الأفضل الإتمام حيث انه بظهور الاستغناء عنه يكون نافلة و من شأن النافلة ذلك.

اما لو ذكر نقصان صلاته فلا يخلو اما ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة و الاحتياط معا أو بعد الفراغ من الصلاة و قبل الاحتياط أو في أثناء الاحتياط فههنا صور ثلاث:

(الأولى)- ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة و الاحتياط معا

و المشهور عدم الالتفات مطلقا، و عليه تدل ظواهر الأخبار المصرحة بأنه متى اتى بالاحتياط فان كانت صلاته تامة كان احتياطه نافلة و ان كانت ناقصة كان متمما.

و ذهب بعض الأصحاب إلى البطلان في صورة المخالفة يعني مخالفة الاحتياط للناقص الذي ظهر نقصه كما إذا كان الشك بين الثنتين و الثلاث و الأربع و قد احتاط بركعتين من قيام ثم ركعتين من جلوس ثم ظهر له بعد ذلك كون ما صلى ثلاث ركعات.

و لعل وجه البطلان عنده من حيث لزوم اختلال نظم الصلاة حيث انه متى ذكر ان الناقص ركعة و المبدو به من الاحتياط انما هو الركعتان من قيام و هو مخالف للناقص و المطابق له انما هو الركعتان من جلوس و هي المتأخرة فيلزم اختلال نظم الصلاة. و فيه ان ذلك إنما يشكل إذا قلنا بأن صلاة الاحتياط جزء لا صلاة مستقلة و قد عرفت في ما تقدم ان الأظهر هو الاستقلال فلا إشكال.

309

(الثانية)- ان يذكر بعد الفراغ من الصلاة و قبل الاحتياط

، و حينئذ فلا يخلو اما ان يكون قد فعل منافيا يبطل الصلاة أم لا، و على الثاني لا إشكال في وجوب الإتمام ثم السجود للسهو لما زاده من التشهد و التسليم، و على الأول يبنى على مسألة من فعل المنافي بعد تسليمه على ركعتين من كون ذلك المنافي مبطلا عمدا لا سهوا أو عمدا و سهوا أو غير مبطل. و قد تقدم تحقيق ذلك في المسألة المذكورة

(الثالثة)- ان يذكر النقص في أثناء الاحتياط

، و حينئذ اما ان يكون ذلك الاحتياط مطابقا للناقص كما إذا شك بين الثنتين و الثلاث فأتم و شرع في ركعة الاحتياط من قيام ثم ذكر في أثنائها النقصان، أو غير مطابق كما إذا شك بين الثنتين و الثلاث و الأربع ثم شرع في الركعتين من قيام و ذكر في أثنائها نقصان ركعة. فعلى الأول هل تبطل الصلاة و يستأنف نظرا الى ان القدر المعلوم ثبوته من تلك الأدلة ورودها بالنسبة إلى الشك المستمر الى الفراغ من الاحتياط، فان هذا الترديد المتقدم في الأخبار انما هو بالنظر الى صلاته واقعا بمعنى انه ان كانت في الواقع صلاته تامة فاحتياطه نافلة و ان كانت ناقصة فاحتياطه متمم لا بالنظر الى ظهور ذلك للمكلف و ان أمكن الجري على ذلك في بعض المواضع و لهذا لم تجد لهذه الصور التي فرعها الأصحاب في هذا المقام في الأخبار أثرا، أو يجب الإتمام نظرا الى عموم الأدلة؟ قولان. و على الثاني فهل يتم الاحتياط و لا شيء عليه أو يقتصر على القدر المطابق ان لم يتجاوزه أو يبطل الاحتياط و يرجع الى حكم تذكر النقصان أو تبطل الصلاة؟ احتمالات و الاحتياط في مثل هذه المواضع المشتبهة الخالية من النصوص واجب. و الله العالم.

فروع

(الأول)

- قال في الذكرى: لو صلى قبل الاحتياط غيره بطل فرضا كان أو نفلا ترتب على الصلاة السابقة أولا، لأن الفورية تقتضي النهي عن ضده

310

و هو عبادة. هذا إذا كان متعمدا و لو فعل ذلك سهوا و كانت نافلة بطلت، و كذا إذا كانت فريضة لا يمكن العدول فيها اما لاختلاف نوعها كالكسوف و اما لتجاوز محل العدول، و يحتمل الصحة بناء على ان الإتيان بالمنافي قبله لا يبطل الصلاة و ان أمكن العدول يحتمل قويا صحته كما يعدل الى جميع الصلاة.

(الثاني)

- يترتب الاحتياط ترتب المجبورات، و هو بناء على انه لا يبطله فعل المنافي، و كذا الأجزاء المنسية تترتب، و لو فاتته سجدة من الأولى و ركعة احتياط قدم السجدة، و لو كانت من الركعة الأخيرة احتمل تقديم الاحتياط لتقدمه عليها و تقديم السجدة لكثرة الفصل بالاحتياط بينها و بين الصلاة.

(الثالث)

لو أعاد الصلاة من وجب عليه الاحتياط لم يجزئ لعدم إتيانه بالمأمور به، و ربما احتمل الإجزاء لإتيانه على الواجب و زيادة.

كذا صرح بذلك في الذكرى. و في كثير منها اشكال و الاحتياط في أمثال هذه المواضع مطلوب على كل حال كما عرفت في غير موضع مما تقدم.

خاتمة في أحكام سجدتي السهو

اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في موجب سجدتي السهو على أقوال متعددة و اراء متفرقة، فقال ابن ابى عقيل: الذي تجب فيه سجدتا السهو عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله) شيئان: الكلام ساهيا خاطب المصلى نفسه أو غيره، و الآخر دخول الشك عليه في أربع ركعات أو خمس فما عداها.

و الشيخ المفيد في المقنعة قد عد ثلاثة مواضع تجب فيها سجدتا السهو أحدها- السهو عن سجدة حتى يفوت محلها، و من نسي التشهد و لم يذكر حتى يركع في الثالثة، و من تكلم ناسيا. و لم يذكر شيئا آخر و لم ينص على عدد.

و قال في الرسالة الغرية: لو نسي التشهد الأول و ذكره بعد الركوع مضى في صلاته فإذا سلم من الرابعة سجد سجدتي السهو، و كذلك ان تكلم ناسيا في صلاته فليسجد بعد التسليم سجدتي السهو، و ان لم يدر أ زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد

311

ركوعا أو نقص ركوعا و لم يتيقن ذلك و كان الشك له فيه حاصلا بعد تقضى وقته و هو في الصلاة سجد سجدتي السهو، قال و ليس لسجدتي السهو موضع في الشك في الصلاة إلا في هذه الثلاثة المواضع و الباقي بين مطرح أو متدارك بالجبران أو فيه اعادة و قال ثقة الإسلام في الكافي بعد تقسيمه مواضع السهو الواردة في الأخبار الى ما يجب على الساهي فيه اعادة الصلاة و هي سبعة مواضع ثم عدها، و ما لا يجب فيها إعادة الصلاة و تجب فيها سجدتا السهو: الذي يسهو فيسلم في الركعتين ثم يتكلم من غير ان يحول وجهه و ينصرف عن القبلة، قال فعليه أن يتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو، و الذي ينسى تشهده و لا يجلس في الركعتين وفاته ذلك حتى يركع في الثالثة فعليه سجدتا السهو و قضاء تشهده إذا فرغ من صلاته، و الذي لا يدرى أربعا صلى أو خمسا عليه سجدتا السهو، و الذي يسهو في بعض صلاته فيتكلم بكلام لا ينبغي له مثل أمر و نهى من غير تعمد فعليه سجدتا السهو، فهذه أربعة مواضع تجب فيها سجدتا السهو. الى آخر كلامه.

و قال الشيخ في المبسوط: و اما ما يوجب الجبران بسجدتي السهو فخمسة مواضع: من تكلم في الصلاة ساهيا، و من سلم في الأولتين ناسيا، و من نسي التشهد الأول حتى يركع في الثالثة، و من ترك واحدة من السجدتين حتى يركع في ما بعد، و من شك بين الأربع و الخمس، قال و في أصحابنا من قال ان من قام في حال قعود أو قعد في حال قيام فتلافاه كان عليه سجدتا السهو. و قال في الجمل ما يوجب الجبران بسجدتي السهو أربعة مواضع، و عد ما تقدم و أسقط التشهد.

و قال في الخلاف: و سجدتا السهو لا تجبان في الصلاة إلا في أربعة مواضع (أحدها) إذا تكلم في الصلاة ناسيا. و (الثاني) إذا سلم في الصلاة في غير موضع السلام ناسيا. و (الثالث) إذا نسي سجدة واحدة و لا يذكر حتى يركع في الركعة التي بعدها. و (الرابع) إذا نسي التشهد الأول و لا يذكر حتى يركع في الثالثة، فإن هذه المواضع يجب عليه المضي في الصلاة ثم سجدتا السهو بعد التسليم، قال و اما

312

ما عدا ذلك فهو كل سهو يلحق الإنسان و لا يجب عليه سجدتا السهو فعلا كان أو قولا زيادة كان أو نقصانا متحققة كانت أو متوهمة و على كل حال، قال و في أصحابنا (رضوان الله عليهم) من قال عليه سجدتا السهو في كل زيادة و نقصان.

و في الاقتصاد مثل الجمل.

و قال السيد المرتضى في الجمل: تجب سجدتا السهو في خمسة مواضع: في نسيان السجدة و التشهد و لم يذكر حتى يركع، و في الكلام ساهيا، و في القعود حالة القيام و بالعكس، و في الشك بين الأربع و الخمس.

و قال أبو جعفر بن بابويه، و لا تجب سجدتا السهو إلا على من قعد في حال قيام أو قام في حال قعود أو ترك التشهد أو لم يدر أ زاد أو نقص. ثم قال في موضع آخر: و ان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت «أقيموا صفوفكم» فأتم صلاتك و اسجد سجدتي السهو.

و قال في المقنع: و اعلم ان السهو الذي تجب فيه سجدتا السهو هو انك إذا أردت أن تقعد قمت و إذا أردت أن تقوم قعدت، قال و روى أنه لا يجب عليك سجدتا السهو إلا ان سهوت في الركعتين الأخيرتين لأنك إذا شككت في الأولتين أعدت الصلاة، قال و روى ان سجدتي السهو تجب على من ترك التشهد. و أوجب أبوه سجدتي السهو في نسيان التشهد و في الشك بين الثلاث و الأربع إذا ذهب وهمه إلى الرابعة.

و أوجب سلار سجدتي السهو في نسيان التشهد و السجدة و الكلام ناسيا و القعود في حالة القيام و بالعكس. و أوجبهما أبو الصلاح على من شك في كمال الفرض و زيادة ركعة عليه فيلزمه أن يتشهد و يسلم و يسجد بعد التسليم سجدتي السهو و على من جلس ساهيا في موضع قيام و بالعكس و على من تكلم ساهيا و على الساهي عن سجدة و على من يسهو عن ركعة أو اثنتين و يسلم ثم يذكر ذلك قبل ان ينصرف فيلزمه التلافي و سجدتا السهو و التسليم. و ابن البراج أوجبهما في ما أوجبهما السيد

313

المرتضى و زاد التسليم في غير موضعه، و كذا ابن حمزة إلا انه أسقط التسليم في غير موضعه و جعل عوضه السهو عن سجدتين من الأخيرتين.

و قال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في ما يوجب سجدتي السهو فذهب بعضهم إلى أنها أربعة مواضع و قال آخرون في خمسة مواضع و قال الباقون الأكثرون المحققون في ستة مواضع، قال و هو الذي اخترناه لما فيه من الاحتياط لان العبادات يجب أن يحتاط لها و لا يحتاط عليها. و المواضع التي عدها نسيان السجدة و التشهد و الكلام ناسيا و التسليم في غير موضعه و القعود حالة القيام و بالعكس و الشك بين الأربع و الخمس.

و قال المحقق في المعتبر بوجوبهما في نسيان السجدة و التشهد و السلام و الكلام و الشك بين الأربع و الخمس، و حكى القيام و القعود و رده برواية سماعة الآتية ان شاء الله تعالى، و حكى الزيادة و النقصان و الخلاف فيه و المستمسك من الجانبين و لم يرجح شيئا في البين. و قال ابن عمه نجيب الدين في الجامع بمقالته و حكى القيام و القعود.

و قال العلامة في المنتهى بوجوبهما في الكلام سهوا و التسليم في غير موضعه كالأولتين من الرباعيات و الثلاثية و الأولة من الثنائية، و الشك بين الأربع و الخمس و القعود في حال قيام و بالعكس (1) و السهو عن السجدة الواحدة. و في المختلف أنهاه إلى ستة مواضع: الكلام ناسيا و التسليم في غير موضعه و ترك التشهد ناسيا و ترك السجدة كذلك و من شك بين الأربع و الخمس و من شك فلا يدرى زاد أو نقص.

هذا ما وقفت عليه من كلام الأصحاب و اختلافهم في هذا الباب و الواجب ان نبين من ذلك مما ذكره الأصحاب كلا أو بعضا ما اقترن بالأخبار عنهم (عليهم السلام) و دلت عليه الأدلة في المقام و ذلك في مواضع:

(الأول) الكلام ناسيا

، و المشهور بين الأصحاب وجوبهما بل نقل العلامة

____________

(1) سيأتي في الموضع السابع حكاية عدم الوجوب فيهما عن المنتهى.

314

في المنتهى إجماع الأصحاب عليه إلا انه نقل في الذخيرة عن المختلف و الذكرى انهما نقلا خلاف ابني بابويه في ذلك. و أنت خبير بأنه قد تقدم النقل عن ابن بابويه بان قال: «و ان تكلمت في صلاتك ناسيا فقلت «أقيموا صفوفكم» فأتم صلاتك و اسجد سجدتي السهو» إلا ان يحمل كلامه على وجوب سجدتي السهو في خصوص هذا الكلام كما هو ظاهر عبارته لا مطلق الكلام كما فهمه الأصحاب من الخبر الوارد بهذه العبارة، نعم عبارة أبيه ظاهرة في عدم عد الكلام في ما يوجب سجود السهو حيث اقتصر على ذينك الموضعين. إلا انه يمكن القول بان كلامه غير دال على الحصر في الموضعين المذكورين و غايته أن يكون مطلقا بالنسبة الى غير ذينك الموضعين لما ستعرف ان شاء الله تعالى من دلالة الأخبار على جملة من المواضع الزائدة عليهما فيبعد منه الاقتصار على ذينك الموضعين و الحصر فيهما.

و يدل على المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول «أقيموا صفوفكم»؟ قال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد؟ قال بعد» و الظاهر فيه كما فهمه الأصحاب ان ذكر قوله «أقيموا صفوفكم».

إنما خرج مخرج التمثيل فيكون الخبر دالا على السجود لمطلق الكلام لا التخصيص كما هو ظاهر عبارة الصدوق المتقدمة.

و رواية عبد الله بن ابى يعفور المتقدمة في المسألة الثامنة (2) و قوله فيها: «و ان تكلم فليسجد سجدتي السهو».

و الظاهر انه لا فرق في وجوب السجود بين التكلم في الصلاة ناسيا أو ظانا الخروج من الصلاة.

و يدل على ذلك

ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن سعيد الأعرج (3)

____________

(1) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) ص 237 و 238.

(3) الفروع ج 1 ص 99 و التهذيب ج 1 ص 234 و في الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

315

قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم سلم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحدث في الصلاة شيء؟ فقال و ما ذاك؟ قالوا إنما صليت ركعتين. فقال أ كذلك يا ذا اليدين؟- و كان يدعى ذا الشمالين- فقال نعم. فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا. و قال ان الله عز و جل هو الذي أنساه رحمة للأمة، ألا ترى لو ان رجلا صنع هذا لعير و قيل ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك قال قد سن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و صارت أسوة. و سجد سجدتين لمكان الكلام».

إلا انه قد ورد في مقابلة هذا الخبر في خصوص السجدتين المذكورتين

ما رواه الشيخ في الموثق بعبد الله بن بكير عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل سجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) سجدتي السهو قط؟ فقال لا و لا يسجدهما فقيه».

قال في التهذيب: الذي افتى به ما تضمنه هذا الخبر و اما الأخبار التي قدمناها من ان النبي (صلى الله عليه و آله) سها فسجد فإنها موافقة للعامة و انما ذكرناها لأن ما تتضمنه من الأحكام معمول بها على ما بيناه.

ثم ان مما يدل على عدم السجدتين في هذا الموضع عدة أخبار أيضا: منها

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «في الرجل يسهو في الركعتين و يتكلم؟ قال يتم ما بقي من صلاته تكلم أو لم يتكلم و لا شيء عليه».

و عن زيد الشحام (3) قال: سألته عن الرجل. ثم ساق الخبر كما في صحيح زرارة المذكور (4) الى ان قال: و ان هو استيقن انه صلى ركعتين أو ثلاثا ثم انصرف و تكلم فلم يعلم انه لم يتم الصلاة فإنما عليه ان يتم الصلاة ما بقي منها فإن نبي الله (صلى الله عليه و آله) صلى بالناس ركعتين ثم نسي حتى انصرف فقال له ذو الشمالين يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحدث

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 3 و 14 من الخلل في الصلاة.

(4) ص 233 و خبر الشحام تقدم صدره في ص 247 و 303.

316

في الصلاة شيء؟ فقال ايها الناس أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا نعم لم تصل إلا ركعتين.

فقام فأتم ما بقي من صلاته.

و عن الفضيل بن يسار في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أكون في الصلاة فأجد غمزا في بطني أو أذى أو ضربانا؟ فقال انصرف ثم توضأ و ابن على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمدا و ان تكلمت ناسيا فلا شيء عليك فهو بمنزلة من تكلم في الصلاة ناسيا. الحديث».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) «في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم و هو يرى انه قد أتم الصلاة و تكلم ثم ذكر انه لم يصل غير ركعتين؟ فقال يتم ما بقي من صلاته و لا شيء عليه».

و أنت خبير بان هذه الأخبار غير صريحة بل و لا ظاهرة في المنافاة لاحتمال قوله «و لا شيء عليه» يعنى من إعادة الصلاة و صحيحة الفضيل ظاهرة في هذا المعنى، أو لا شيء عليه من الإثم. و الأول أقرب. و اما حمل الروايات المتقدمة على الاستحباب كما اختاره بعض الأصحاب فظني بعده لما عرفت ما في هذا الحمل في غير باب، و يعضد الأخبار المتقدمة شهرة العمل بها بين الأصحاب و انها الأوفق بالاحتياط و عدم ظهور الأخبار الأخيرة في المنافاة.

و اما ما أريد به بعضهم القول بالعدم- من حديث على بن النعمان الرازي (3) المشتمل على انه سلم في المغرب في الركعتين الأولتين سهوا و تكلم فأعاد أصحابه الصلاة و هو لم يعد بل أتم بركعة، حيث ان ظاهره انه لم يسجد سجدتي السهو و إلا لذكر و الصادق (عليه السلام) صوب فعله- ففيه ما قدمنا بيانه في المقام الثاني في ما يبطل الصلاة من المطلب الأول في قواطع الصلاة (4) و بالجملة فالأظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت. و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من قواطع الصلاة.

(2) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 24.

(4) ص 24.

317

(الثاني)- من سلم في غير موضعه ناسيا

، و المشهور وجوب السجود فيه بل نقل العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك و نسبه المحقق إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه.

و أنت خبير بأنه يظهر من عبائر جملة ممن قدمنا كلامهم سقوط السجود في هذا الموضع كابن ابى عقيل و الشيخ المفيد و المرتضى و ابن زهرة و سلار و ابن حمزة.

احتج العلامة في المختلف على ذلك بأنه لما كان في غير موضعه كان كلاما غير مشروع صدر نسيانا من المصلى فيدخل في مطلق الكلام. و احتج على ذلك في بعض كتبه بصحيحة سعيد الأعرج المتقدمة بالتقريب الذي ذكره في المختلف.

و فيه ان الظاهر من الصحيحة المذكورة ان المراد بالكلام فيها انما هو ما تكلم (صلى الله عليه و آله) به بعد التسليم و خاطب به القوم لا نفس التسليم.

و احتج المحقق

بما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث؟ قال يبنى على صلاته متى ما ذكر و يصلى ركعة و يتشهد و يسلم و يسجد سجدتي السهو».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): «و كنت يوما عند العالم و رجل سأله عن رجل سها فسلم في ركعتين من المكتوبة ثم ذكر انه لم يتم صلاته؟ قال فليتمها و يسجد سجدتي السهو».

فان الظاهر ان المراد بالسهو في الركعتين يعنى التسليم على الركعتين لقوله «ثم ذكر انه لم يتم صلاته» و حينئذ فيكون ذلك دالا على وجوب سجدتي السهو للتسليم في غير موضعه.

إلا انه يمكن تطرق القدح إلى دلالة رواية عمار بأنه يجوز ان يكون السجود لغير التسليم و ذلك فإنه قد جلس في الثالثة و تشهد و سلم و كل من الجلوس و التشهد صالح لان يكون سببا للسجود فيجوز ان يكون السجود لأجل الجلوس في موضع

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 10.

318

القيام أو لزيادة التشهد فلا يكون الخبر ظاهرا في المدعى. و بنحو ذلك يمكن القول في عبارة كتاب الفقه (1).

و يدل على عدم الوجوب في هذه الصورة صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في سابق هذا الموضع و رواية على بن النعمان الرازي المشار إليها ثمة و رواية زيد الشحام (2) و فيه ما عرفت مما قدمنا ذكره.

نعم يمكن ان يستدل على ذلك بصحيحة الحارث بن المغيرة و رواية أبي بكر الحضرمي و حسنة الحسين بن ابى العلاء المتقدم جميع ذلك في صدر المسألة الرابعة من المطلب الثاني (3).

إلا انه يمكن الجواب عن ذلك بان مساق الأخبار المذكورة انما هو في بيان صحة الصلاة و عدم بطلانها بذلك و مقام البيان فيها إنما تعلق بذلك، فغايتها ان تكون مطلقة بالنسبة إلى وجوب سجدتي السهو. إلا ان صحة هذا الكلام يتوقف على وجود المخصص و قد عرفت ان رواية عمار قاصرة عن ذلك. و الاحتياط لا يخفى قال في المدارك- بعد نقل الاتفاق في الصورة المذكورة على وجوب السجود عن العلامة في المنتهى- ما لفظه: و استدل عليه بصحيحة سعيد الأعرج الواردة في حكاية تسليم النبي (صلى الله عليه و آله) على ركعتين في الرباعية و تكلمه مع ذي الشمالين في ذلك حيث قال في آخرها: «و سجد سجدتين لمكان الكلام» و في الدلالة نظر إذ من المحتمل ان يكون الموجب للسجود التكلم الواقع بعد التسليم كما هو مذهب الكليني (رضى الله عنه) و لا ينافي ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال لأنا نجيب عنه بالحمل على نفى الإثم أو الإعادة كما تقدم و لو لا الاتفاق على هذا الحكم لأمكن الجمع بين الروايتين بحمل الأولى على الاستحباب. انتهى كلامه زيد مقامه.

و فيه (أولا) ان جعله ما ذكره احتمالا في الرواية مشعر بكون الظاهر من

____________

(1) سيأتي في موضعين من ص 319 تأييد ظهورهما.

(2) ص 316 و 125 و 315.

(3) ص 125 و 126.

319

الرواية هو ما ذكره العلامة من حمل الكلام على التسليم لان هذه العبارة إنما ترمى في هذا المقام، مع انه ليس الأمر كذلك عند النظر في الخبر بعين التحقيق بل هذا الاحتمال الذي ذكره هو ظاهر الخبر بل ربما يدعى تعينه، فان المتبادر من الكلام إنما هو الكلام الأجنبي من الصلاة لا اجزاء الصلاة المعدودة منها و أما اجزاء الصلاة فإنه لو أريد التعبير عنها فإنما يعبر عنها بصورتها من سجود أو تسليم أو تشهد أو نحو ذلك مع التقييد بالسهو أو العمد، و المراد به في الخبر انما هو كلامه (صلى الله عليه و آله) مع ذي الشمالين أو مع الصحابة و مخاطبته لهم، فركونه (قدس سره) الى ما ذكروه من المعنى السحيق البعيد عن جارة التحقيق حتى انه يجعل ما قابله احتمالا مخالفا للظاهر ليس مما ينبغي، بل الرواية المذكورة ظاهرة الدلالة في ان المراد انما هو كلامه (صلى الله عليه و آله) مع المأمومين. و الظاهر ان الحامل لهم على الاستدلال بهذه الرواية انما هو ضيق الخناق بعد دعوى الاتفاق في عدم الدليل من الأخبار مع ما عرفت من ظهور الدلالة في موثقة عمار إلا انها لم تجر يومئذ على خواطرهم فالتجأوا الى هذه الرواية بالتقريب المتقدم في كلام المختلف.

و (ثانيا)- ان هذه الرواية قد تضمنت وقوع السهو منه (صلى الله عليه و آله) مع اتفاقهم على عدم جوازه عليه (صلى الله عليه و آله) و ردهم لأخباره أو حملهم لها على التقية و طعنهم على الصدوق و شيخه ابن الوليد حيث جوزا ذلك، فكيف قبلوها هنا و اعتمدوا في الاستدلال عليها و حكموا انه (صلى الله عليه و آله) سها و سجد للسهو؟ ما هذا إلا تناقض ظاهر كما لا يخفى على كل ناظر.

و (ثالثا)- دلالة موثقة عمار المتقدمة على الحكم المذكور و ظهورها فيه تمام الظهور و لقد كانت هي الأولى بالإيراد و الاستدلال بها على المراد مع اعتضادها بكلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه و قد قدمنا بيانه.

و (رابعا)- قوله «و لو لا الاتفاق على هذا الحكم» نظرا الى دعوى العلامة ذلك مع انه في غير موضع من شرحه طعن في أمثال هذه الدعاوي و ناقش في هذه

320

الإجماعات و لا سيما مع ظهور المخالف هنا كما اعترف به من ان مذهب ثقة الإسلام في المقام هو نفى السجود في هذه الصورة و هو من قدماء المحدثين و رؤساء أساطين الدين و هو أعرف من العلامة (رضوان الله عليهما) بمواقع الأحكام في تلك الأيام لأنه في عصرهم (عليهم السلام) فإنه قال في الكتاب المذكور- في ضمن عده ما يجب فيه سجدتا السهو و ما لا يجب- ما صورته: و منها مواضع لا يجب لها سجدتا السهو. الى ان قال و الذي يسلم في الركعتين الأولتين ثم يذكر فيتم قبل أن يتكلم فلا سهو عليه. و هو ظاهر الجماعة الذين قدمنا ذكرهم في صدر الكلام.

و (خامسا)- ما ذكر من الحمل على الاستحباب الذي اتخذوه ذريعة في هذه الأبواب مع ما فيه من الخروج عن جادة التحقيق و الصواب. و الله العالم.

(الثالث)- من شك بين الأربع و الخمس

، و قد تقدم تحقيق البحث في ذلك في المسألة العاشرة في بيان الخلاف في المسألة و نقل الأخبار الدالة على القول المشهور و قد عرفت من جملة من العبارات المتقدمة عدم ذكر هذا الموضع في موجبات سجود السهو. و لم نقف للنافين على دليل و العلامة في المختلف انما استدل لهم بأصالة البراءة ثم رده بأن الأصل يخرج عنه بالدليل المنافي. و هو جيد.

و قد تقدم في المسألة الثامنة (1) رواية أبي بصير الدالة على سجود السهو في الشك بين الاثنتين و الأربع و قد تقدم تحقيق القول في ذلك.

(الرابع و الخامس)- نسيان السجدة الواحدة و ذكرها بعد تجاوز المحل و نسيان التشهد و ذكره بعد تجاوز المحل

، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة من مسائل المطلب الثاني من هذا المقصد (2).

(السادس)- الشك بين الثلاث و الأربع مع غلبة الظن بالأربع

، قال الصدوق بوجوب سجدتي السهو في الموضع المذكور. و نسب في الذكرى الى الصدوقين القول بوجوبهما في كل شك ظن الأكثر و بنى عليه، قال في الذكرى: لو ظن الأكثر

____________

(1) ص 238.

(2) في المسألة الخامسة ص 150 و 154.

321

بنى عليه لما سلف و لا يجب معه سجدتا السهو للأصل و لعدم ذكرهما في أحاديث الاحتياط هنا و لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. و أوجبهما الصدوقان و لعله

لرواية إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع أ فهمت؟ قلت نعم».

و حملت على الاستحباب. انتهى.

أقول:

روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و ان كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا و لم يذهب وهمك إلى شيء فسلم ثم صل ركعتين و أنت جالس تقرأ فيهما بأم الكتاب و ان ذهب وهمك الى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة و لا تسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد و سلم ثم اسجد سجدتي السهو».

و هذا الحديث كما ترى مع صحة سنده صريح في ما ذكره الصدوقان و به يحصل الجواب عما ذكره في الذكرى من عدم ذكر السجدتين في هذا الموضع في أحاديث الاحتياط فان هذا من أحاديث الاحتياط و هو صريح في ذلك مع اعتضاده بخبر إسحاق بن عمار المذكور في كلامه.

ثم ان الظاهر ان ما نقله عن الصدوقين في المقام انما استندا فيه الى كتاب الفقه الرضوي حيث انه أفتى فيه بمضمون صحيحة الحلبي أو حسنته المذكورة كما هي عادتهما المعروفة و طريقتهما المألوفة كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى

حيث قال (عليه السلام) (3) «و ان لم تدر ثلاثا صليت أم أربعا و لم يذهب وهمك إلى شيء فسلم ثم صل ركعتين و اربع سجدات و أنت جالس تقرأ فيهما بأم القرآن، و ان ذهب وهمك إلى الثالثة فقم فصل الركعة الرابعة و لا تسجد سجدتي السهو، و ان ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد و سلم و اسجد سجدتي السهو».

انتهى

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 10 من الخلل في الصلاة.

(3) ص 10.

322

و قد ظهر من ذلك انه قد تطابق على هذا الحكم صحيحة الحلبي أو حسنته و رواية إسحاق بن عمار و كلامه (عليه السلام) في هذا الكتاب فلا مجال للتوقف فيه مع عدم المنافي و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا المجلسي في البحار حيث قال- بعد ذكر رواية إسحاق و حسنة الحلبي أو صحيحته و ان الحكم بذلك لا يخلو من قوة- ما لفظه:

و لكن موثقة أبان عن ابى العباس ظاهرة في عدم الوجوب فيمكن حمله على الاستحباب. انتهى. و الرواية التي أشار إليها هي

ما رواه الراوي المذكور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث و ان وقع رأيك على الأربع فسلم و انصرف و ان اعتدل وهمك فانصرف و صل ركعتين و أنت جالس».

و أنت خبير بأن غاية هذه الرواية ان تكون مطلقة بالنسبة إلى الحكم المذكور فيجب تقييدها بالأخبار المتقدمة و حملها عليها من قبيل حمل المطلق على المقيد فلا منافاة. و لا يخفى على المتتبع ان أحكام المسألة الواحدة لا تكاد تجتمع في خبر واحد و إنما تؤخذ من مجموع اخبارها بضم بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها و عامها على خاصها و نحو ذلك.

و بما حققناه يظهر قوة القول المذكور و ان كان خلاف ما هو المشهور لاعتضاده بالدليل المأثور. و الله العالم.

(السابع)- القيام في موضع قعود و بالعكس

، صرح به الصدوق و المرتضى و سلار و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و العلامة، و خالف فيه الشيخان و الكليني و الشيخ على بن بابويه و ابن ابى عقيل و ابن الجنيد و المحقق و ابن عمه الشيخ نجيب الدين في الجامع و هو اختيار العلامة في المنتهى و قد تقدم ذلك في عبائر الجماعة المذكورة، و الأخبار في المسألة ايضا ظاهرة الاختلاف.

احتج في المختلف بأنه زاد على صلاته و كل من زاد على صلاته وجب عليه

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة.

323

سجود السهو، اما الصغرى فظاهرة و اما الكبرى فلان الشك في الزيادة و النقيصة يقتضي وجوب السجدتين كما تقدم فاليقين بهما اولى. انتهى.

و مما يدل على الوجوب من الأخبار

ما رواه الشيخ عن منهال القصاب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أسهو في الصلاة و انا خلف الإمام؟ فقال إذا سلم فاسجد سجدتين و لا تهب».

قال في المختلف بعد إيراده دليلا على ذلك: وجه الاستدلال انه علق وجوب السجدتين على السهو المطلق و هو يتناول صورة النزاع.

و عن عمار الساباطي في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو ما يجب فيه سجدتا السهو؟ فقال إذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت ان تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو و ليس في شيء مما تتم به الصلاة سهو».

إلا ان في هذه الرواية ما يضعف الاحتجاج بها حيث قال بعد السؤال الأول و هو ما قدمناه (3)

«و عن الرجل إذا أراد ان يقعد فقام ثم ذكر من قبل ان يقوم شيئا أو يحدث شيئا؟ قال ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشيء».

و هذه المناقضة في الخبر قد أوردها جملة من مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين.

و يمكن الجواب عنها بأنه لما استفيد من السؤال الأول ان سجود السهو انما هو بالإتيان بالقيام كملا في موضع القعود و بالعكس سأل ثانيا بأنه لو ذكر قبل ان يأتي بشيء من القيام بالكلية أو يفعل شيئا مطلقا أجاب (عليه السلام) بأنه لا سجود للسهو هنا إلا ان يتكلم بشيء. و هو معنى صحيح لا منافاة فيه للحكم الأول كما لا يخفى.

بقي الكلام في ما ذكره (عليه السلام) من عد التسبيح في موضع القراءة أو القراءة في موضع التسبيح ساهيا من الموجبات، و يمكن حمله على ان السجود حينئذ لوقوع

____________

(1) الوسائل الباب 24 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

324

القراءة أو التسبيح في غير محلهما و زيادتهما في الصلاة، هذا إذا كان الذكر في موضع السهو و تلافى ما أخل به و ان كان بعد التجاوز فيكون لنقصان القراءة أو التسبيح، و الجميع مبنى على وجوب السجدتين لكل زيادة و نقيصة كما سيأتي ان شاء الله تعالى.

ثم ان القراءة في موضع التسبيح يمكن حمله على الأخيرتين بناء على تعين التسبيح كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة في المسألة و به قال بعض الأصحاب إلا انه خلاف المشهور من التخيير، و سجود السهو هنا متى حملنا الخبر على هذا الموضع لا يتجه إلا على ما ذكرناه إذ مع التخيير لا معنى لسجود السهو. و يحتمل على بعد الحمل على تسبيح الركوع و السجود بأن يقرأ ساهيا في الموضعين أو أحدهما. و وجوب سجدتي السهو هنا نقله في الخلاف عن الشافعي (1).

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس- و هو ضعيف عند جمع و صحيح عند آخرين- عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألته عن الرجل يسهو فيقوم في حال قعود أو يقعد في حال قيام؟ قال يسجد سجدتين بعد التسليم و هما المرغمتان ترغمان الشيطان».

و مما يدل على خلاف ما دلت عليه هذه الأخبار

ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق (3) قال: «من حفظ سهوه و أتمه فليس عليه سجدتا السهو انما السهو على من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص منها».

و رواه في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (4).

____________

(1) لم أقف عليه بالخصوص في ما اطلعت عليه من كتب العامة إلا انه يفهم من ما ذكره الشيرازي الشافعي في المهذب ج 1 ص 90 حيث قال «و ان قرأ في غير موضع القراءة سجد لانه قول في غير موضعه فصار كالسلام» بضميمة ما تقدم ج 8 ص 271 التعليقة 1 من منع الجمهور من القراءة في الركوع و السجود، و كذا يفهم من عبارة الأم ج 1 ص 114 «قال الشافعي سجود السهو كله عندنا في الزيادة و النقصان قبل السلام و هو الناسخ و الآخر من الأمرين» بالضميمة المتقدمة.

(2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

325



و ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر و هو قائم انه لم يسجد؟

قال فليسجد ما لم يركع فإذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فإنها قضاء».

و في مضمونها صحيحة أبي بصير مع اشتمالها زيادة على هذه الرواية على قوله: «و ليس عليه سهو» فهي صريحة في نفى سجدتي السهو و قد تقدمتا في المسألة الرابعة من المطلب الثاني من هذا المقصد (2).

و بالجملة فإن جملة روايات نسيان السجدة و كذا روايات نسيان التشهد و انه يرجع إليهما ما لم يركع ما بين ظاهر و صريح في نفى السجدتين، و روايات السجدة و ذكر انها بعد الركوع ظاهرة ايضا في قضاء السجدة خاصة من غير سجود و ان كان المشهور في كلامهم وجوب السجود كما تقدم.

و استدل العلامة في المنتهى على ما اختاره فيه من عدم السجود

بما رواه الشيخ في الموثق عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد؟ فقال يرجع فيتشهد. فقلت أ يسجد سجدتي السهو؟

فقال لا ليس في هذا سجدتا السهو».

قال: و هذا من صورة النزاع.

أقول: الاستدلال بهذا الخبر إنما يتم مع الحمل على التشهد الأول اما مع الحمل على الثاني فلا، و الاستدلال مستند هنا إلى إطلاق الخبر. و الجمع بين الأخبار في هذا المقام لا يخلو من الإشكال، و جملة من متأخري المتأخرين جمعوا بين الأخبار هنا بحمل اخبار السجود على الاستحباب كما هي القاعدة المطردة عندهم في جميع الأحكام و الأبواب. و لا يبعد عندي حمل اخبار السجود على التقية فإن القول بوجوب السجود هنا مذهب أبي حنيفة و الشافعي و أتباعهما (4) و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من السجود.

(2) في المسألة الخامسة ص 136.

(3) الوسائل الباب 9 من التشهد.

(4) البحر الرائق ج 2 ص 105 و المحلى ج 4 ص 160 و المبسوط ج 1 ص 220 و المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 90 و يفهم ايضا مذهب الشافعي في ذلك مما تقدم في التعليقة 1 ص 324.

326

الثامن- كل زيادة و نقيصة

، و هذا القول نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب كما تقدم في نقل عبارته، و ظاهر الأكثر عدم عده في موجبات السجود و جملة عبائر من قدمنا نقل كلامه خالية من ذلك، و قال في الدروس انه لم يظفر بقائله و لا بمأخذه مع انه من القائلين به في اللمعة و جعله في الألفية أحوط و نقله في الذكرى عن الفاضل و اختاره بعد ذلك من بين الأقوال، و نقله شيخنا الشهيد الثاني في شرح اللمعة عن الصدوق ايضا و اختاره في كتاب الروض، و نقل هذا القول عن الصدوق قد وقع في التحرير للعلامة ثم قال: و هو الأقوى عندي.

و يمكن ان يستدل عليه

بما رواه الشيخ عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن سفيان بن السمط عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان».

و ردها جملة من متأخري المتأخرين بضعف الاسناد و ربما استدل على ذلك أيضا بصحيحة الحلبي الواردة في الشك بين الأربع و الخمس (2) و قوله (عليه السلام) فيها «أم نقصت أم زدت» فإنه إذا وجب السجود بالشك في الزيادة و النقيصة ففي صورة اليقين اولى.

و يظهر من المبسوط ان قولهم بالسجود للزيادة و النقصان شامل للمستحبات و ظاهر العلامة تخصيصه بالواجبات، و قال ابن الجنيد بوجوبهما في خصوص القنوت ان تركه، و عد أبو الصلاح من جملة موجباتهما لحن القراءة سهوا.

و أنت خبير بأن جملة الأخبار المتقدمة الدالة على عدم سجدتي السهو في المواضع المتقدمة كلها دالة على عدم الوجوب، و منها أخبار السجدة و التشهد و ذكرهما قبل الركوع أو بعده، فإن أخبارهما في الحالتين دالة على عدم الوجوب. نعم اخبار التشهد دلت على السجود لنقص التشهد لا لزيادة القيام الذي ذكره قبل ركوعه أو

____________

(1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 328.

327

بعده، و منها اخبار نسيان القراءة في الصلاة كصحيحة محمد بن مسلم و صحيحة زرارة و موثقة منصور بن حازم و رواية معاوية بن عمار و غيرها من الأخبار الدالة على ذلك، و منها اخبار الجهر و الإخفات كصحيحة زرارة و الأخبار الواردة في نسيان ذكر الركوع، الى غير ذلك من الأخبار الواردة في جملة من الأحكام مما تدل على عدم السجود في هذه المقامات، و بعض منها صريح في المطلوب و بعض باعتبار عمومه و إطلاقه و بعض باعتبار السكوت عن سجدتي السهو في مقام البيان. و منه يظهر قوة القول المشهور إلا ان الاحتياط يقتضي الإتيان بالسجود حيث لا محمل للخبر المذكور ظاهرا مع احتمال حمله على الزيادة و النقصان في الركعات لا مطلقا، و كيف كان فهو مردود إلى قائله (عليه السلام)، و الله العالم.

التاسع- الشك في الزيادة و النقيصة

. ذهب إليه العلامة كما تقدم في عبارته في المختلف، قيل و هو ظاهر ما نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب. و فيه ما لا يخفى، و كلام الصدوق في الفقيه يحتمله و قد تقدم نقل عبارته في المقام. و يحتمل ان يكون مراده زيادة الركعة أو نقصانها. و الى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في الروض و كذا الى ما قبله كما قدمنا ذكره. و ذهب المفيد في الغرية كما قدمناه في عبارته الى وجوبهما ان لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعا أو نقص ركوعا و لم يتيقن ذلك و كان الشك بعد تقضى وقته. و المشهور بين الأصحاب هو عدم الوجوب في جميع ما ذكر.

أقول: و يدل على هذا القول جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الفضيل بن يسار (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن السهو فقال من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو و انما السهو على من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص منها».

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن سماعة في الموثق (2) قال قال «من حفظ

____________

(1) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 23 من الخلل في الصلاة.

328

سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو إنما السهو على من لم يدر أ زاد في صلاته أم نقص منها».

و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أ زاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس و سماهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) المرغمتين».

و إطلاق هذه الأخبار شامل للافعال و الاعداد.

و احتج جملة من الأصحاب لهذا القول أيضا

بصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا».

و أنت خبير بان هذه الرواية محتملة لوجهين (أحدهما) حمل الزيادة و النقيصة على أن يكونا من أسباب سجدتي السهو كما دلت عليه الأخبار المتقدمة، و حينئذ فتكون الرواية مشتملة على سببين من الأسباب المذكورة و هي الشك بين الأربع و الخمس و الشك في الزيادة و النقيصة. و (ثانيهما) ان يكون المراد انما هو بيان نوع واحد من الأسباب المذكورة و هو الشك بين الأربع و الخمس و النقيصة عن الأربع و الزيادة عن الخمس، فيكون تقدير الكلام إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت من الأربع أم زدت على الخمس، و حينئذ فيشمل كل شك بين الأربع و الخمس و الأزيد منهما و الأنقص كالشك بين الثلاث و الأربع و الخمس و الست و الشك بين الاثنتين و الأربع و الخمس و السبع مثلا. نعم لا بد من استثناء ما تعلق به الشك في الأولتين بالأخبار الدالة على الإبطال و يبقى ما سوى ذلك، و على هذا الاحتمال فلا تصلح الرواية هنا للاستدلال. و الظاهر هو الاحتمال الأول المؤيد بالأخبار المذكورة، و على هذا فتجب سجدتا السهو في جميع صور الشكوك المتقدمة.

[فوائد]

و تمام الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مقامات

(الأول) [موضع سجدتي السهو]

المشهور بين

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

329

الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع السجدتين المذكورتين بعد التسليم سواء كانتا لزيادة أو نقصان، و نقله في المختلف عن ابن ابى عقيل و الشيخ في المبسوط و الشيخ المفيد و السيد المرتضى، قال و هو الظاهر من كلام على بن بابويه و ابى الصلاح و هو قول سلار و الصدوق ابن بابويه. و قيل انهما ان كانتا للزيادة فمحلهما بعد التسليم و ان كانتا للنقيصة فمحلهما قبله، و نسبه في المعتبر الى قوم من أصحابنا و نقله في المختلف عن ابن الجنيد، قال و قال ابن الجنيد ان كان السهو للزيادة كان محلهما بعد التسليم و ان كان للنقصان كان قبل التسليم. و الشهيد في الذكرى نقل كلام ابن الجنيد و لم يذكر هذه العبارة التي ذكرها في المختلف، ثم قال و ليس في هذا كله تصريح بما يرويه بعض الأصحاب ان ابن الجنيد قائل بالتفصيل، نعم هو مذهب أبي حنيفة من العامة (1) و الظاهر ان ذكر العلامة هذه العبارة انما وقع من كلامه بناء على اشتهار النقل بذلك عن ابن الجنيد. و احتمال ان يكون ابن الجنيد قال ذلك في غير الموضع الذي نقله عنه في الذكرى بعيد. و نقل المحقق في الشرائع قولا بان محلهما قبل التسليم مطلقا قال في المدارك و القول بأنهما قبل التسليم منقول عن بعض علمائنا و لم نظفر بقائله.

ثم انه مما يدل على القول المشهور و هو المؤيد المنصور جملة من الأخبار:

منها-

صحيحة ابن ابى يعفور الواردة في نسيان التشهد (2) حيث قال فيها «و ان لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ثم يسجد سجدتين و هو جالس قبل ان يتكلم».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا كنت لا تدري

____________

(1) المذكور في كتب العامة- كالمحلى ج 4 ص 171 و عمدة القارئ ج 3 ص 738 و نيل الأوطار ج 3 ص 135 و بدائع الصنائع ج 1 ص 172 و الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 350 و كذا كتب الخاصة كالمنتهى ج 1 ص 418- نسبة التفصيل المذكور الى مالك و ان أبا حنيفة يقول بان محله بعد السلام و الشافعي يقول بأنه قبل السلام.

(2) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

330

أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما».

و رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا لم تدر خمسا صليت أم أربعا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك و أنت جالس ثم سلم بعدهما».

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول «أقيموا صفوفكم»؟ فقال يتم صلاته ثم يسجد سجدتين. فقلت سجدتا السهو قبل التسليم هما أو بعد؟ قال بعد».

و رواية عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: «سجدتا السهو بعد التسليم و قبل الكلام».

الى غير ذلك من الأخبار المتقدمة في مواضع وجوب سجدتي السهو.

و مما يدل على القول بالتفصيل

ما رواه الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري (4) قال: «قال الرضا (عليه السلام) في سجدتي السهو إذا نقصت قبل التسليم و إذا زدت فبعده».

قال شيخنا الصدوق إني افتى به في حال التقية (5).

و اما القول بأنهما قبل التسليم مطلقا فربما كان مستنده

ما رواه الشيخ عن محمد ابن سنان عن ابى الجارود (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى اسجد سجدتي السهو؟

قال قبل التسليم فإنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك».

و أجاب الشيخ في الاستبصار عن هذه الرواية و رواية سعد بن سعد بالحمل على ضرب من التقية، قال لأنهما موافقان لمذهب كثير من العامة (7) و نقل عن ابن بابويه انه قال إنما أفتي بهما في حال التقية. و هو جيد.

و اما ما ذكره في الذخيرة- من قوله و يمكن الجمع بين الأخبار بالتخيير أيضا

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 4 و 5 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 5 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 5 من الخلل في الصلاة.

(5) ارجع الى التعليقة 1 ص 329.

(6) الوسائل الباب 5 من الخلل في الصلاة.

(7) ارجع الى التعليقة 1 ص 329 و الى الاستدراكات.

331

إلا ان الترجيح للتأويل المذكور- فضعيف لان التخيير (أولا) فرع قيام المعارض بالمعارضة و الأمر هنا ليس كذلك كما عرفت. و (ثانيا) عدم وجود المحمل الشرعي و قد عرفت ان الحمل على التقية أحد المحامل الشرعية المنصوصة عن أهل العصمة (عليهم السلام) فلا معدل عنه الى هذه الوجوه التخريجية. و الله العالم.

(الثاني) [استحباب التكبير فيها]

- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب التكبير فيهما و استدلوا عليه

بما رواه الصدوق في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ فقال لا إنما هما سجدتان فقط فان كان الذي سها هو الإمام كبر إذا سجد و إذا رفع رأسه ليعلم من خلفه انه قد سها، و ليس عليه ان يسبح فيهما و لا فيهما تشهد بعد السجدتين».

و أنت خبير بما في الدلالة من القصور لاختصاص ذلك بالإمام مضافا الى ما دلت عليه من نفى التسبيح فيهما و التشهد مع دلالة الأخبار على ذلك، و بالجملة فإن ما يقولون به لا تدل عليه و ما تدل عليه الرواية لا يقولون به فلا وجه للتعلق بها

(الثالث) [هل يجب التشهد و التسليم في سجدتي السهو؟]

- المشهور وجوب التشهد فيهما و التسليم، بل قال الفاضلان في المعتبر و المنتهى انه قول علمائنا اجمع، و استدلا على وجوب التشهد

بقول الصادق (عليه السلام) (2) في صحيحة الحلبي «و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا».

و على وجوب التسليم

بقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (3) «إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما».

أقول: و مما يدل على ذلك

موثقة أبي بصير (4) قال: «سألته عن الرجل ينسى ان يتشهد؟ قال يسجد سجدتين يتشهد فيهما».

و رواية على بن أبي حمزة (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا قمت في الركعتين

____________

(1) الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 328.

(3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 7 من التشهد.

(5) الوسائل الباب 26 من الخلل في الصلاة.

332

الأولتين و لم تتشهد. الى ان قال: فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذي فاتك».

و المعنى انه ينوي بتشهده في السجدتين قضاء ما فاته من التشهد كما قدمنا تحقيقه في المسألة.

و رواية الحسن الصيقل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلى الركعتين من الوتر ثم يقوم فينسى التشهد حتى يركع و يذكر و هو راكع؟ قال يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم. قال قلت أ ليس قلت في الفريضة إذا ذكره بعد ما ركع مضى ثم سجد سجدتين بعد ما ينصرف يتشهد فيهما؟ قال ليس النافلة مثل الفريضة».

و صحيحة على بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يدرى كم صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ قال: يبنى على الجزم و يسجد سجدتي السهو و يتشهد خفيفا».

و رواية سهل بن اليسع عن الرضا (عليه السلام) (3) انه قال: «يبنى على يقينه و يسجد سجدتي السهو بعد التسليم و يتشهد تشهدا خفيفا».

و قال العلامة في المختلف: الأقرب عندي ان ذلك كله للاستحباب بل الواجب فيه النية لا غير، و استدل عليه بأصالة البراءة و رواية عمار المتقدمة.

قال في المدارك: و يؤيده انتفاء الأمر بالتسليم في صحيحة الحلبي و الأمر بالتشهد في صحيحة ابن سنان مع ورودهما في مقام البيان. انتهى.

و فيه ان أصل الدليل عليل لا اعتماد عليه و لا تعويل فلا ينفع هذا التأييد مع بطلان ما يبنى عليه، اما الأصل فإنه يجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفته مما أوردناه من الأخبار المذكورة. و اما رواية عمار فهي مردودة بما اعترف به في المقام من ضعفها فلا تنهض حجة في مقابلة تلك الأخبار، مضافا الى ما في متنها

____________

(1) الوسائل الباب 8 من التشهد.

(2) الوسائل الباب 15 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 13 من الخلل في الصلاة.

333

من التهافت و المخالفات كما سيأتي إيضاحه ان شاء الله تعالى. و وجود هذه الأحكام في اخبار متفرقة و عدم اجتماعها في خبر واحد لا يمنع من العمل بها لوجود النظير في جملة من المسائل بأن يضم بعض أخبار المسألة الى بعض فيجتمع من المجموع جملة الأحكام، و غاية ما فيها إطلاق بعض بالنسبة إلى الآخر فيحمل المطلق على المقيد عملا بالقاعدة المقررة. و ما ادعاه من ان المقام البيان فيجب فيه ذكر جملة الأحكام ممنوع كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام.

و بالجملة فإن ما ذكره بمحل من الضعف و ان كان قد تبعه في ذلك صاحب الذخيرة فقال- بعد الإشارة الى بعض الأخبار الدالة على وجوب ذكرهما و ما دل على عدم ذكرهما مع وروده في مقام البيان- ما صورته: فيحصل الجمع بين الأخبار بحمل ما دل على التشهد و التسليم على الاستحباب فإذا قول المصنف في المختلف قوى. انتهى

(الرابع) [هل يجب الذكر في سجود السهو؟]

- المشهور وجوب الذكر فيهما و تردد فيه المحقق في الشرائع، قال في المدارك منشأ التردد من إطلاق

قوله (عليه السلام) (1) «فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما».

و قوله (عليه السلام) (2) «و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا».

و غير ذلك من الأخبار الكثيرة المتضمنة لإطلاق الأمر بالسجود من غير تعرض للذكر و لو كان واجبا لذكر في مقام البيان. و يدل على عدم الوجوب صريحا

رواية عمار المتقدمة حيث قال: «و ليس عليه ان يسبح فيهما».

و من رواية الحلبي الصحيحة عن الصادق (عليه السلام) (3) الدالة بظاهرها على الوجوب. الى ان قال و جزم المصنف في النافع و المعتبر بعدم وجوب الذكر مطلقا و هو غير بعيد و ان كان العمل بمضمون هذه الرواية أولى و أحوط. انتهى.

و تبعه في ذلك في الذخيرة كما هي عادته غالبا فقال: و هل يجب فيهما الذكر مطلقا؟ المشهور نعم خلافا للمحقق في المعتبر و المصنف في المنتهى و هو لا يخلو من قوة

____________

(1) ص 329 و 330.

(2) ص 328.

(3) ص 334.

334

نظرا إلى إطلاق الأمر بالسجود من غير تعرض للذكر في مقام البيان.

أقول- و بالله التوفيق إلى هداية الطريق- الأظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الذكر في السجدتين المذكورتين و ان المراد به الذكر المخصوص في هذا الموضع لا مطلق الذكر.

و المستند في ما قلناه

ما رواه في الكافي و التهذيب عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال «يقول في سجدتي السهو بسم الله و بالله اللهم صل على محمد و آل محمد. قال الحلبي و سمعته مرة أخرى يقول فيهما بسم الله و بالله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته».

و رواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن الحلبي.

الحديث إلا ان فيه «و صلى الله على محمد و آل محمد».

و في بعض نسخ الفقيه مثل ما نقلناه عن الكافي أيضا، و رواه الشيخ عن عبيد الله الحلبي في الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) مثل ما في الفقيه لكن فيه «و السلام» بإضافة الواو؟ و الظاهر اجزاء الكل إلا ان تطرق السهو إلى زيادة هذه الواو في رواية الشيخ غير بعيد لما علم من عدم محافظته على ضبط الأخبار فالأحوط ان لا يؤتى بها.

و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4): «و قال يقول في سجدتي السهو بسم الله و بالله و صلى الله على محمد و آل محمد و سلم. و سمعته مرة أخرى يقول بسم الله و بالله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته».

____________

(1) الفروع ج 1 ص 99 و في الوسائل الباب 20 من الخلل في الصلاة، و قد سقط النقل عن الكافي في الطبع الحديث من الوسائل. و الظاهر ان كلمة «التهذيب» في المتن هنا من سهو القلم أو زيادة النساخ لان لفظ الحديث في التهذيب يختلف عن لفظه في الكافي و سينقله عن التهذيب مستقلا.

(2) ج 1 ص 226 و في الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة.

(3) التهذيب ج 1 ص 191 و لفظه هكذا «قال سمعت أبا عبد الله «ع» يقول في سجدتي السهو.» و في الوسائل في الباب 20 من الخلل في الصلاة.

(4) ص 10.

335

و اما ما يتوهم- من إطلاق سجدتي السهو في تلك الأخبار التي استند إليها المحقق الذي هو منشأ هذا الخلاف فتبعه من تبعه فيه من الاسلاف و الاخلاف استنادا إلى انه لو كان الذكر واجبا فيهما لذكر لان المقام مقام البيان و حيث لم يذكر علم انه غير واجب- ففيه ان المقام و ان كان مقام بيان إلا انه ليس لبيان سجدتي السهو و كيفيتهما و أحكامهما كما توهموه و انما هو لبيان أحكام أخر و ذكر سجدتي السهو انما وقع استطرادا لبيان أحكام تلك المسائل.

و ها أنا أسوق لك جملة من أخبارهم التي استندوا إليها ليظهر لك صحة ما ذكرناه:

ففي صحيحة الحلبي (1) «إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد و سلم و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة تتشهد فيهما تشهدا خفيفا».

و في رواية عبد الله بن سنان (2) «فان كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما».

و في حسنة زرارة (3) «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أ زاد أم نقص فليسجد سجدتين و هو جالس. الحديث».

و في موثقة إسحاق بن عمار (4) «إذا ذهب وهمك الى التمام ابدا في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع».

الى غير ذلك من الأخبار التي ذكر فيها سجود السهو.

فإنه لا يخفى ان المقام انما هو في بيان تلك الموجبات للسجود و ان من جملة ما يترتب على حصول تلك الأسباب سجود السهو، فذكر سجود السهو انما وقع استطرادا لما يترتب على الأسباب لا ان المقام مقام بيان سجود السهو و ما يترتب عليه و يتعلق به من الأحكام. نعم ربما عبروا (عليهم السلام) بمجرد الإتيان بالسجدتين و ربما أضافوا الى ذلك بعض أحكامهما من كونهما بعد التسليم و كونه يسلم فيهما و كونه يتشهد

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(3) الوسائل الباب 14 من الخلل في الصلاة.

(4) الوسائل الباب 7 من الخلل في الصلاة.

336

فيهما، و حينئذ فغاية الأخبار المذكورة ان تكون مطلقة بالنسبة إلى أحكام السجدتين حيث لم يتعرض لذكر شيء منها فيهما و القاعدة تقتضي حمل مطلقها على مقيدها.

و اما صحيحتا الحلبي الواردتان بالذكر فيهما فان المقام فيهما مقام البيان لسجدتي السهو و ما يجب فيهما من الذكر و انما سيقتا لذلك فيجب تقييد إطلاق تلك الأخبار بهما.

و بالجملة فإنك إذا لاحظت روايات المسألة كملا و ضممت مطلقها الى مقيدها و مجملها الى مفصلها ظهر لك صحة ما قلناه و قوة ما ادعيناه.

و اما رواية عمار (1) فهي لا تبلغ حجة في معارضة صحيحتي الحلبي و لا غيرهما من الأخبار المشار إليها آنفا، مضافا الى نفى التشهد فيها مع استفاضة الأخبار به كما عرفت، و ما تضمنته من إيجاب التكبير على الإمام إذا سها مع انهم لا يقولون به، مع ما في روايات عمار من الغرائب التي قد تقدم الطعن عليه بذلك من جملة من الأصحاب. و حملها بعض الأصحاب على التقية لموافقة ما اشتملت عليه لجملة من العامة (2) و هو جيد. على ان الرواية إنما تضمنت نفى التسبيح فيهما يعنى مثل تسبيح سجود الصلاة و هو كذلك، و هو لا يستلزم نفى غيره من الذكر الذي اشتملت عليه صحيحتا الحلبي. و بالجملة فالأظهر عندي هو القول المشهور لما عرفت.

ثم ان المحقق في المعتبر طعن في صحيحة الحلبي بأنها منافية للمذهب من حيث تضمنها وقوع السهو من الامام، قال ثم لو سلمناه لما وجب فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون ما قاله على وجه الجواز لا اللزوم.

____________

(1) ص 331.

(2) اشتملت الرواية على متابعة المأموم للإمام في السجود إذا كان السهو من الامام و قد تقدم في ص 285 انه مذهب العامة. و قد اختلفوا في التشهد و السلام لهما على أقوال كما في عمدة القارئ ج 3 ص 745 و 746 و فيه ايضا ج 3 ص 738 التكبير مشروع لسجود السهو بالإجماع.

337

و رد بان سماع ذلك من الإمام لا يستلزم وقوع السهو منه لجواز كونه اخبارا عما يقال فيهما بل الظاهر انه هو المراد

لقوله (عليه السلام) في الرواية المتقدمة (1) بنقل صاحبي الكافي و الفقيه قال: «يقول في سجدتي السهو بسم الله. الحديث».

و اما ما ذكره- من انه لو سلم وجوب الذكر فيهما فإنه لا يتعين فيهما ما سمعه لاحتمال ان يكون على وجه الجواز لا اللزوم- ففيه ما حققناه في مسألة الابتداء بالأعلى في غسل الوجه من كتاب الطهارة من ان فعله (عليه السلام) إذا وقع بيانا للمجمل وجب اتباعه و تعين فعله و الأمر هنا كذلك. و قد تقدم تحقيق المسألة في الموضع المذكور. و الله العالم.

و قد تلخص مما حققناه في المقام ان الواجب فيهما هو الذكر المذكور في الأخبار- و جوز الشيخ في المبسوط فيهما ما شاء من الأذكار و لا اعرف له دليلا- و التشهد و التسليم، و نقل عن ابى الصلاح هنا انه ينصرف منهما بالسلام على محمد (صلى الله عليه و آله) و لم ينقلوا عليه دليلا. و المراد بالتشهد الخفيف فيهما هو الاقتصار على الواجب منه كما ذكره بعض الأصحاب. و يحتمل- و لعله الأقرب- الحمل على التشهد الخالي من الأذكار الطويلة المستحبة في التشهد و ان اشتمل على بعض المستحبات.

(الخامس) [هل يجب في سجود السهو ما يجب في سجود الصلاة؟]

- قال في المدارك: و يجب فيهما السجود على الأعضاء السبعة و وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، لانه المعهود من لفظ السجود في الشرع فينصرف اليه اللفظ عند الإطلاق. و في وجوب الطهارة و الستر و الاستقبال قولان أحوطهما الوجوب. انتهى.

أقول: لا يخفى ان دعوى ان المعهود من لفظ السجود ما ذكره لا يخلو من بعد، لأن هذا انما يتم في سجود الصلاة حيث انه اشترط فيه ذلك لا مطلق السجود، كيف؟ و هو قد قال في سجود التلاوة: و في اشتراط وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه و السجود على الأعضاء السبعة و اعتبار المساواة بين المسجد

____________

(1) ص 334.

338

و الموقوف نظر، و لا ريب ان اعتبار ذلك أحوط. انتهى. و ما نحن فيه كذلك و لو تم ما ذكره هنا لجرى في سجود التلاوة أيضا لأن المسألتين من باب واحد و هو قد تنظر فيه و إنما تمسك بالاحتياط فكذا القول في هذه المسألة، لأن المسألة خالية من النص و لفظ السجود من حيث هو لا يدل على ذلك. لكن يقين البراءة من التكليف الثابت بيقين يقتضي ما ذكره. و اما ما ذكره من وجوب الطهارة و الستر و الاستقبال فالأمر فيه كذلك ايضا لعدم النص إلا ان المفهوم من ظاهر النصوص الدالة على الفورية و المبادرة بهما بعد التسليم و قبل الكلام (1) ذلك بناء على ما هو الغالب من حال المكلف من بقائه على الحال التي كان عليها في الصلاة. و بالجملة فإنه لا مستمسك في هذا المقام زيادة على الاحتياط و يقين البراءة من التكليف الثابت. و الله العالم.

(السادس) [لو ترك سجدتي السهو عمدا]

- المشهور بين الأصحاب انه لو تركهما عمدا لم تبطل صلاته و وجب عليه الإتيان بهما و ان طالت المدة، إذ غاية ما يفهم من الأخبار هو وجوبهما لا اشتراط صحة الصلاة بهما.

و نقل عن الشيخ في الخلاف اشتراط صحة الصلاة بهما، قال في الذخيرة و هو أحوط، ثم قال و تحقيق الأمر مبنى على ان الصلاة اسم للأركان مطلقا أو مقيدا باستجماعها شرائط الصحة، و على الأول يقوى الأول و على الثاني الثاني لتوقف اليقين بالبراءة عليه. انتهى.

و فيه انه لا ريب ان الصلاة اسم لهذه الأفعال المخصوصة التي مفتاحها التكبير و تحليلها التسليم (2) و هو اتفاقي نصا و فتوى، و لا ريب ان المكلف متى سلم فقد تمت صلاته و مضت على الصحة ما لم يعرض لها شيء من القواطع المتقدمة، و إيجاب الشارع بعد ذلك بعض الأفعال- تداركا لخلل واقع فيها غير مبطل لها مثل صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهد على القول به أو سجود السهو مثلا- لا يدل على

____________

(1) ص 330.

(2) الوسائل الباب 1 من التسليم.

339

اشتراط صحتها به و انه ان لم يأت به بطلت صلاته لعدم الدليل على ذلك، و مجرد الأمر بتلك الأشياء لا يدل عليه بل غايته التأثيم بالإخلال بذلك كما تقدم تحقيقه.

و يدل على وجوب الإتيان بهما متى نسيهما ثم ذكر بعد ذلك

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو؟ قال يسجدهما متى ذكر».

و المفهوم من الأخبار كما تقدمت الإشارة إليه وجوبهما فورا لاشتمال الاخبار على ان محلهما بعد التسليم و قبل الكلام إلا انه

قد روى الشيخ عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر ذلك حتى يصلى الفجر كيف يصنع؟ قال لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس و يذهب شعاعها».

و الظاهر انه لا قائل به من الأصحاب (رضوان الله عليهم).

(السابع) [كلام الشهيد في الذكرى و التعليق عليه]

- قال في الذكرى: لو جلس في موضع قيام ناسيا و لما يتشهد كالجلوس على الأول أو الثالثة صرف إلى جلسة الاستراحة و لا سجود عليه على الأقوى، و ان تشهد وجب السجود للتشهد لا للجلوس على الأصح. و في الخلاف ان كان الجلوس بقدر الاستراحة و لم يتشهد فلا سجود عليه و ان تشهد أو جلس بقدر التشهد سجد على القول بالزيادة و النقيصة و في المختلف ان جلس ليتشهد و لم يتشهد فالزائد على جلسة الاستراحة يوجب السجود و الظاهر انه مراد الشيخ.

و لكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد إشكال لأن جلسة الاستراحة لا قدر لها بل يجوز تطويلها و تركه فان صرف الجلوس للتشهد إليها فلا يضر طولها و ان لم يصرف فلا ينفع قصرها في سقوط سجود السهو. انتهى كلامه زيد إكرامه أقول: لا يخفى ان الأفعال تابعة للقصود و النيات فيها تصير عبادة تارة و لغوا اخرى، و هذا الجالس في أحد هذين الموضعين ان قصد بجلوسه جلسة الاستراحة خاصة طول أو قصر فلا اشكال، و ان قصد به التشهد و لم يأت بالتشهد فالحق ما قاله

____________

(1) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 32 من الخلل في الصلاة.

340

في المختلف من ان ما زاد على جلسة الاستراحة يوجب سجدتي السهو بناء على القول بأنهما لكل زيادة و نقيصة لتحقق حصول الزيادة. و قول شيخنا (قدس سره) هنا- و لكن في وجوب السجود للزائد عن قدرها للتشهد إشكال. الى آخره- مردود بأنه انما قصد الجلوس للتشهد و بهذا القصد يكون هذا الجلوس زيادة في الصلاة حيث انه غير محل التشهد، نعم استثنى منه قدر ما يحصل به جلوس الاستراحة حيث انه لا يشترط في الإتيان به قصد الاستراحة به بل يكفي الإتيان به كيف اتفق و به تتحقق سنة الاستراحة و لو اتفق وقوعه سهوا. و قوله- فان صرف الجلوس للتشهد إليها. الى آخره- لا اعرف له وجها فان المفروض ان هذا الجلوس جميعه انما وقع بقصد التشهد مع زيادته على ما هو المتعارف من جلسة الاستراحة لا انه صرف جلوس التشهد الزائد إلى جلسة الاستراحة و نوى به انه من الاستراحة و الفرق بين الأمرين واضح. و الله العالم.

(الثامن) [هل يتداخل سجود السهو لو تعدد موجبه؟]

- اختلف الأصحاب في ما لو تعدد الموجب للسجود فهل يتداخل مطلقا أو لا مطلقا أو التداخل ان تجانس السبب و إلا فلا؟ أقوال: و الى الأول ذهب في المبسوط و جعل التعدد أحوط، و الى الثاني ذهب العلامة في المختلف و جمع من المتأخرين، و الى الثالث ذهب ابن إدريس، قال في كتابه: ان تجانس اكتفى بالسجدتين لعدم الدليل و لقولهم (عليهم السلام) (1) «من تكلم في صلاته ساهيا تجب عليه سجدتا السهو» و لم يقولوا دفعة واحدة أو دفعات، فاما إذا اختلف الجنس فالأولى عندي بل الواجب الإتيان عن كل جنس بسجدتي السهو لعدم الدليل على تداخل الأجناس بل الواجب إعطاء عن كل جنس ما يتناوله اللفظ لانه قد تكلم و قام في حال قعود و قالوا (عليهم السلام) «من تكلم تجب عليه سجدتا السهو (2) و من قام في حال قعود تجب عليه سجدتا السهو» (3) و هذا قد فعل الفعلين فيجب عليه

____________

(1) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314.

(2) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314.

(3) هذا مضمون ما استدل به لذلك راجع ص 323.

341

امتثال الأمر، و لا دليل على التداخل لان الفرضين لا يتداخلان بلا خلاف محقق. انتهى.

و استدل العلامة في المختلف على ما ذهب اليه من عدم التداخل و أطال بما لا يرجع الى طائل، و مرجعه الى وجوب تعدد المسبب بتعدد السبب و إلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة لغير مانع أو تعدد العلل المستقلة على المعلول الواحد الشخصي و كل واحد منهما محال فالملزوم محال، ثم أطال في بيان هذه المقدمات.

و أنت خبير بان هذا انما يجرى في العلل العقلية لا العلل الشرعية فإنها ليست من قبيل العلل العقلية التي يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و انما هي معرفات كما تقدم التصريح به في غير موضع، و هذا أمر ظاهر لمن تدبر الأخبار المنقولة في كتاب علل الشرائع و ما اشتملت عليه من العلل لتلك الأحكام.

و قال في الذكرى: و الأقرب عدم التداخل لقيام السبب و اشتغال الذمة، و لما

روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «لكل سهو سجدتان».

و فيه انه لو ثبت الخبر المذكور لكان حجة واضحة إلا ان الظاهر انه ليس من طرقنا و انما هو من طريق العامة. و اما التعليل بما ذكره فستعرف ما فيه مما يبين عن ضعف باطنه و خافية.

و الأقرب- كما استقربه جمع من أفاضل متأخري المتأخرين- هو القول بالتداخل مطلقا

لما روى عنهم (عليهم السلام) (2) بأسانيد عديدة «إذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأك عنها حق واحد».

و ما ذكره العلامة من وجوب تعدد المسببات بتعدد الأسباب انما هو في الأسباب الحقيقية التي يدور المسبب فيها مدار السبب وجودا و عدما، و كذا قولهم «انه لا يجوز اجتماع علتين على معلول واحد» انما هو في تلك العلل العقلية لا الشرعية، ألا ترى انه قد ورد في تعليل وجوب

____________

(1)

في سنن ابى داود ج 1 ص 374 «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم» ..

(2) الوسائل الباب 43 من الجنابة.

342

العدة على المطلقة ان ذلك لاستبراء الرحم من الولد (1) مع وجوب العدة و ان كان قد فارقها قبل الطلاق بعشر سنين مثلا، و ورد في علة استحباب غسل الجمعة ان الأنصار كانت تحضر الصلاة و تأتى من نواضحها فيتأذى الناس بريح آباطهم فأمر (صلى الله عليه و آله) بالغسل لذلك (2) مع ما عرفت من عموم الاستحباب لمن كان ريحه أطيب من ريح المسك بل جواز تقديمه و قضائه، الى غير ذلك من العلل التي يقف عليها المتتبع و قال في الذخيرة حيث اختار التداخل: لنا ان الأمر مطلق فيحصل الامتثال بفرد واحد من المأمور به،

فإنهم (عليهم السلام) قالوا «إذا تكلم سجد للسهو (3).

و إذا سلم في غير موضعه سجد للسهو» (4).

و ليس في أحد النصين تقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر بل النص مطلق فيحصل امتثال كل من التكليفين بكل ما كان فردا للسجود.

و يمكن تطرق المناقشة إليه بأن المتبادر من قوله «إذا تكلم سجد للسهو» مثلا هو ان ذلك السجود للكلام خاصة و الاكتفاء به عن السلام و غيره يحتاج الى دليل و مجرد عدم التقييد للسجود بكونه سجودا مغايرا لسجود يتدارك به خلل آخر لا يكفي في الاكتفاء به، فإنه متى انصرف هذا السجود الى الكلام مثلا بهذا الخبر و تعين ترتبه عليه فدخول غيره من الأسباب و مشاركته لهذا السبب يتوقف على الدليل.

و بالجملة فالأظهر انما هو الاستناد الى ما ذكرنا من عموم النص المتقدم.

و مما يستأنس به لذلك- بل يمكن أن يكون دليلا واضحا في المقام و ان لم يخطر ببال أحد من علمائنا الأعلام رفع الله تعالى أقدارهم في دار السلام-

____________

(1) الوسائل الباب 30 من العدد.

(2) الوسائل الباب 6 من الأغسال المسنونة.

(3) هذا مضمون ما يدل على ذلك راجع ص 314.

(4) يمكن ان يكون ذكر هذا المضمون من باب المثال إذ ورود ما يدل على ذلك محل الكلام كما تقدم في الأمر الثاني ص 317 و كما تقدم من صاحب الذخيرة في المسألة الثانية من المسائل التي عقدها تعليقا على بيان العلامة «(قدس سره)» أسباب سجود السهو.

343

موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سأله عن رجل صلى ثلاث ركعات فظن انها اربع فسلم ثم ذكر انها ثلاث؟ قال يبنى على صلاته و يصلى ركعة و يتشهد و يسلم و يسجد سجدتي السهو».

و التقريب فيها انه جلس في موضع قيام و هو أحد موجبات سجود السهو كما تقدم و دلت عليه جملة من الأخبار، و تشهد و هو أحد الموجبات بناء على القول بالزيادة و النقصان (2) و سلم و هو كذلك، فهذه موجبات ثلاثة للسجود مع انه (عليه السلام) لم يأمره إلا بسجود واحد.

و نحوها عبارة كتاب الفقه المتقدمة مع هذه الرواية في الموضع الثاني من صدر الخاتمة (3).

إلا ان الاستدلال بهذين الخبرين انما يقوم دليلا واضحا مع اتفاق الأخبار على سببية هذه الأسباب الثلاثة و قد عرفت الاختلاف في كل واحد من المواضع الثلاثة. و الله العالم.

(التاسع) [ترتيب السجود بترتيب السبب]

- قال شيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) في الذكرى: ينبغي ترتيبه بترتيب الأسباب. و لو كان هناك ما يقضى من الاجزاء قدمه على سجدتي السهو وجوبا على الأقوى. و لو تكلم و نسي سجدة سجدها أو لا ثم سجد لسهوها و ان كان متأخرا عن الكلام لارتباطه بها، و يحتمل تقديم سجود الكلام لتقدم سببه. و لو ظن ان سهوه كلام فسجد له فتبين انه كان نسيان سجدة فالأقرب الإعادة بناء على ان تعيين السبب شرط و هو اختيار الفاضل. و لو نسي سجدات اتى بها متتاليا و سجد للسهو بعدها و ليس له ان يخلله بينها على الأقرب صونا للصلاة عن الأجنبي. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الخلل في الصلاة.

(2) الظاهر منه «(قدس سره)» عند تحريره لهذه المسألة ص 154 انه بنفسه موجب للسجود و ان لم يجب لكل زيادة و نقصان.

(3) ص 317.

344

و في أكثر هذه الأحكام تأمل سيما بعد ما عرفت من ان عمدة ما يقضى عندهم من الأجزاء المنسية هو السجدة، و التشهد، و قد عرفت ان الروايات الواردة بقضاء السجدة ليس فيها ما يدل على سجود السهو بل الذي فيها انما يدل على عدمه، و الروايات الواردة في التشهد لا دلالة فيها على قضاء التشهد كما يدعونه و انما تضمنت سجود السهو خاصة، و مع الإغماض عن ذلك و النظر الى استدلالهم فما اشتمل منها على قضاء التشهد ليس فيه تعرض للسجود بالكلية و ما اشتمل منها على السجود ليس فيه تعرض لذكر القضاء بالكلية.

(العاشر) [هل يجب الفور في سجود السهو؟]

- المشهور بين الأصحاب (عطر الله مراقدهم) ان وجوب السجدتين المذكورتين فوري مستندين الى كون الأمر للفور. و فيه منع ظاهر لما صرح به محققوا الأصوليين في المسألة من عدم ذلك كما لا يخفى على من راجع كتبهم.

و استندوا ايضا الى الأخبار المتقدمة الدالة على إيقاعهما جالسا قبل ان يتكلم و انهما بعد السلام و قبل الكلام (1).

و أورد عليه بان غاية ما تدل عليه كون إيقاعهما قبل الكلام و لا تلازم بينه و بين الفورية.

أقول: لا يخفى انه و ان كان هذا الوجه لا يصلح دليلا إلا ان إشعاره بالفورية ظاهر، فان المتبادر- من كونه بعد السلام و قبل الكلام كما اشتمل عليه بعض الأخبار مع حمل البعدية على البعدية القريبة كما هو المتبادر من الإطلاق- هو الفورية به و ظاهر الشهيد في الألفية جعل الفورية مستحبة فيهما حيث قال: و لا يجب فعلهما في الوقت و لا قبل الكلام و الاولى وجوبه. قال شيخنا الشهيد الثاني في الشرح: لورود أخبار كثيرة و فيها إشعار بالفورية، و لما كانت الأخبار ليست سليمة من الطعن لم يكن التزام مدلولها متعينا بل اولى. ثم نقل القول بالفورية عن الذكرى. و ظاهر كلامه (قدس سره) ان سبب العدول الى استحباب الفورية

____________

(1) ص 330.

345

دون الوجوب إنما هو من حيث عدم سلامة الأخبار المشار إليها من الطعن.

و الظاهر ان مراده الطعن في الدلالة لما قدمنا ذكره و إلا فجملة من الأخبار المشار إليها لا طعن فيها من حيث السند.

ثم انه على القولين المذكورين لا يقدح تأخيرهما في صحة الصلاة و يجب الإتيان بهما و ان طالت المدة.

و نقل ايضا عن ظاهر العلامة في النهاية استحباب الفورية.

و ظاهر جملة من الأصحاب تحريم سائر المنافيات قبلهما، و ربما كان التفاتهم الى ان الأمر بهما بعد التسليم و قبل الكلام الذي هو من المنافيات و تخصيصه بالذكر حيث ان الغالب وقوعه بعد الفراغ و ذكره انما خرج مخرج التمثيل لذلك. و به يظهر ما في رد بعض المتأخرين لما ذكروه بأنه غير مستفاد من الأخبار. و كيف كان فالاحتياط يقتضيه البتة.

و ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب إيقاعهما في وقت الصلاة التي لزمتا بسببها و لم يذكروا له دليلا معتمدا، و ظاهر الألفية كما تقدم في عبارتها الاستحباب.

و ظاهر أكثر الأصحاب الاتفاق على انه لو أخل بالفور أو الوقت أو تكلم عمدا أو سهوا لا تبطل الصلاة به و لا يسقط السجود إذ لا دليل يدل على اشتراط صحة الصلاة به كما تقدم ذكره، و تدل عليه رواية عمار المتقدمة في المقام السادس و كذا روايته الثانية المذكورة ثمة (1) إلا ان موردهما النسيان. و ظاهر الثانية وقوع السهو في الصلاة السابقة على الفجر.

تتمة تشتمل على فائدتين

(الأولى) [حكم الشك في النافلة]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في التخيير في النافلة بين البناء على الأكثر أو الأقل لو عرض له الشك فيها مع أفضلية البناء على الأقل، قال في المدارك: لا ريب في أفضلية البناء على الأقل لأنه المتيقن، و اما جواز البناء على

____________

(1) ص 339.

346

الأكثر فقال المصنف في المعتبر انه متفق عليه بين الأصحاب، و استدل عليه بان النافلة لا تجب بالشروع فكان للمكلف الاقتصار على ما أراد. ثم قال في المدارك:

و هو استدلال ضعيف إذ ليس الكلام في جواز القطع و انما هو في تحقق الامتثال بذلك و هو يتوقف على الدليل إذ مقتضى الأصل عدم وقوع ما تعلق به الشك.

انتهى. و هو جيد.

أقول يمكن ان يستدل لافضلية البناء على الأقل هنا

بما رواه ثقة الإسلام في الكافي مرسلا (1) قال «و روى انه إذا سها في النافلة بنى على الأقل».

و الظاهر من إيراده هذا الخبر هو التنبيه على الفرق بين الفريضة و النافلة، فإن حكم الفريضة- كما قدمنا تحقيقه- هو البناء على الأكثر مطلقا و ما ورد فيها من البناء على الأقل فقد بينا وجهه، و اما النافلة فإن الحكم فيها هو البناء على الأقل لهذا الخبر. و اما ما ذكره أصحابنا من جواز البناء على الأكثر فالظاهر انه لا مستند له إلا ما يدعونه من الاتفاق كما سمعت من عبارة المعتبر.

قال في المدارك: و اعلم انه لا فرق في مسائل السهو و الشك بين الفريضة و النافلة إلا في الشك في الأعداد فإن الثنائية من الفريضة تبطل بذلك بخلاف النافلة، و في لزوم سجود السهو فإن النافلة لا سجود فيها بفعل ما يوجبه في الفريضة للأصل

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن السهو في النافلة؟ قال ليس عليك سهو».

انتهى. و هو جيد. و الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم المذكورة ان السهو في النافلة لا يوجب ما يوجبه السهو في الفريضة من سجدتي السهو أو غيرهما فمعنى قوله «ليس عليك سهو» رفع أحكام السهو بالكلية.

و اما ما ورد في بعض الأخبار من الإعادة بالشك في الوتر فحمله الأصحاب

____________

(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة.

(2) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة، و فيه هكذا «ليس عليك شيء» و كذا في الفروع ج 1 ص 100 و التهذيب ج 1 ص 234 و الوافي باب «من لا يعتد بشكه.».

347

على الاستحباب دون البطلان و قد تقدم ذكره.

و روى الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) قال: «سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة؟ قال يدع ركعة و يجلس و يتشهد و يسلم ثم يستأنف الصلاة بعد».

و هذا الخبر مؤيد لما ذكرناه في معنى صحيحة محمد بن مسلم من العموم فإنه في هذه الصورة المفروضة قد صلى النافلة ثلاث ركعات و لم يذكر إلا في حال ركوعه في الثالثة فأمره (عليه السلام) بإلغاء الركعة الثالثة و البناء على الركعتين الأولتين و لم يحكم ببطلان النافلة للزيادة كما حكموا به في الفريضة. و في معناها رواية الحسن الصيقل المتقدمة في المقام الثالث (2) و الله العالم.

(الثانية) [علاج وسوسة الصدر و كثرة الشك]

-

روى ثقة الإسلام و الصدوق عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «أتى رجل النبي (صلى الله عليه و آله) فقال يا رسول الله أشكو إليك ما القى من الوسوسة في صلاتي حتى لا أدرى ما صليت من زيادة أو نقصان؟ فقال: إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك الأيسر بإصبعك اليمنى المسبحة ثم قل: بسم الله و بالله توكلت على الله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. فإنك تنحره و تطرده».

و روى الصدوق في الفقيه (4) عن عمر بن يزيد في الصحيح انه قال «شكوت الى ابى عبد الله (عليه السلام) السهو في المغرب فقال صلها بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون ففعلت ذلك فذهب عنى».

و عن أبي حمزة الثمالي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «اتى النبي (صلى الله عليه و آله) رجل فقال يا رسول الله لقيت من وسوسة صدري شدة و انا رجل معيل مدين محوج؟

فقال له كرر هذه الكلمات «توكلت على الحي الذي لا يموت و الحمد لله الذي لم يتخذ

____________

(1) الوسائل الباب 18 من الخلل في الصلاة.

(2) ص 332.

(3) الوسائل الباب 31 من الخلل في الصلاة.

(4) ج 1 ص 224.

(5) ج 1 ص 224.

348

صاحبة و لا ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولى من الذل و كبره تكبيرا» قال فلم يلبث ان عاد اليه فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) اذهب الله عنى وسوسة صدري و قضى ديني و وسع رزقي».

نسأل الله ان يذهب عنا وسوسة الصدور و ينجينا من عداوة الشيطان الرجيم في الورود و الصدور و يقضى عنا ديون الدنيا و الآخرة و يصلح لنا الأمور و يوسع في أرزاقنا و يقينا كل محذور.

الى هنا انتهى الكلام في المجلد الثالث (1) من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و يتلوه ان شاء الله تعالى المجلد الرابع في صلاة الجمعة و ما يتبعها من الصلوات و الملحقات وفق الله تعالى لإتمامه و الفوز بسعادة ختامه و دفع عنا عوائق هذه الأيام و ما تبديه و لا سيما عروض الأمراض و الأسقام و بوائقها التي لا تنيم و لا تنام. و كان ذلك في الأرض المقدسة التي على التقوى مؤسسة كربلاء المعلى على ساكنها و أجداده و أبنائه صلوات ذي العلاء في اليوم الأول من الشهر المبارك شهر رمضان ختم بالخير و العافية و الرضوان من السنة الثامنة و السبعين بعد المائة و الألف من الهجرة النبوية على مهاجرها و آله أفضل التحية.

الباب الثالث في بقية الصلوات

و فيه فصول

(الفصل الأول)- في صلاة الجمعة

و فيه مقدمة و مطالب:

[فضل يوم الجمعة و ليلته]

أما المقدمة ففي فضل يوم الجمعة و ليلته،

روى في الكافي عن ابى بصير (2) قال «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة».

____________

(1) هذا بحسب تقسيمه «(قدس سره)» و اما بحسب تقسيمنا فهذا هو الجزء التاسع و ينتهى- حفظا للتوازن بين الاجزاء- بنهاية المطلب الأول في بيان حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة، و يبتدئ الجزء العاشر من المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة.

(2) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

349

و عن احمد بن محمد عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يوم الجمعة سيد الأيام يضاعف الله تعالى فيه الحسنات و يمحو فيه السيئات و يرفع فيه الدرجات و يستجيب فيه الدعوات و يكشف فيه الكربات و يقضى فيه الحوائج العظام، و هو يوم المزيد لله فيه عتقاء و طلقاء من النار، ما دعا به أحد من الناس و عرف حقه و حرمته إلا كان حقا على الله تعالى ان يجعله من عتقائه و طلقائه من النار، فان مات في يومه و ليلته مات شهيدا و بعث آمنا، و ما استخف أحد بحرمته و ضيّع حقه إلا كان حقا على الله عز و جل ان يصليه نار جهنم إلا ان يتوب».

و عن ابان عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «ان للجمعة حقا و حرمة فإياك أن تضيع أو تقصر في شيء من عبادة الله تعالى و التقرب اليه بالعمل الصالح و ترك المحارم كلها، فان الله يضاعف فيه الحسنات و يمحو فيه السيئات و يرفع فيه الدرجات. و ذكر ان يومه مثل ليلته فان استطعت ان تحييها بالصلاة و الدعاء فافعل فان ربك ينزل في أول ليلة الجمعة إلى السماء الدنيا فيضاعف فيه الحسنات و يمحو فيه السيئات و ان الله واسع كريم».

أقول: الظاهر كما استظهره في الوافي وقوع التقديم و التأخير في قوله في الخبر «يومه مثل ليلته» سهوا من بعض النقلة و انه انما كان «ليلته مثل يومه».

و عن ابن ابى يعفور عن الباقر (عليه السلام) (3) قال: «قال له رجل كيف سميت الجمعة؟ قال ان الله عز و جل جمع فيها خلقه لولاية محمد (صلى الله عليه و آله) و وصيه في الميثاق فسماه يوم الجمعة لجمعه فيه خلقه».

و عن جابر عن الباقر (عليه السلام) (4) قال: «سئل عن يوم الجمعة و ليلتها فقال ليلتها ليلة غراء و يومها يوم أزهر، و ليس على وجه الأرض يوم تغرب فيه

____________

(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها. و السند فيه هكذا: عن ابن ابى يعفور عن أبي حمزة عن ابى جعفر «ع» و كذا في الفروع ج 1 ص 115. و في التهذيب ج 1 ص 246 عن الكليني كما في المتن و كذا في الوافي باب فضل يوم الجمعة و ليلته.

(4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

350

الشمس أكثر معافى من النار، من مات يوم الجمعة عارفا بحق أهل البيت (عليهم السلام) كتب الله تعالى له براءة من النار و براءة من عذاب القبر، و من مات ليلة الجمعة أعتق من النار».

و عن إبراهيم ابن ابى البلاد عن بعض أصحابه عن الباقر أو الصادق (عليهما السلام) (1) قال: «ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة و ان كلام الطير فيه إذا لقي بعضها بعضا سلام سلام يوم صالح».

و عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «قلت له بلغني ان يوم الجمعة أقصر الأيام؟ قال كذلك هو. قلت جعلت فداك كيف ذاك؟ قال ان الله تعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس فإذا ركدت الشمس عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود رفع الله تعالى عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة فلا يكون للشمس ركود».

و روى في الفقيه (3) مرسلا قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن الشمس كيف تركد كل يوم و لا يكون لها يوم الجمعة ركود؟ قال لان الله تعالى جعل يوم الجمعة أضيق الأيام. فقيل له و لم جعله أضيق الأيام؟ قال لأنه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده».

و روى في الفقيه و التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«ان الله تبارك و تعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من أول الليل الى آخره ألا عبد مؤمن يدعوني لآخرته و دنياه قبل طلوع الفجر فأجيبه؟ ألا عبد مؤمن يتوب الى من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه؟ ألا عبد مؤمن قد قترت عليه

____________

(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الفروع ج 1 ص 116 و في الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) ج 1 ص 145 و في الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة و آدابها. و الرواية عن ابى جعفر «ع».

351

رزقه يسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده و أوسع عليه؟ ألا عبد مؤمن سقيم يسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فأعافيه؟ ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألني ان أطلقه من حبسه و أخلي سربه؟ ألا عبد مؤمن مظلوم يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فانتصر له و آخذ له بظلامته؟ قال فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر».

و روى في الفقيه عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنى عن إبراهيم بن ابى محمود (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) انه قال ان الله تبارك تعالى ينزل في كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا؟ فقال (عليه السلام) لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه و الله ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) كذلك انما قال ان الله تبارك و تعالى ينزل ملكا الى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير و ليلة الجمعة من أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ يا طالب الخير أقبل و يا طالب الشر اقصر. فلا يزال ينادى بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد الى محله من ملكوت السماء.

حدثني بذلك ابى عن جدي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)».

أقول: يمكن ان يكون وجه الجمع بين هذا الخبر و ما تقدم في حديث ابان بحمل تحريف الكلم عن مواضعه في هذا الخبر على فهم المخالفين من هذا الحديث الذي نقلوه عنه (صلى الله عليه و آله) التجسيم و ان نزوله عز و جل انما هو باعتبار نزول من يأمره بذلك، فان هذا المجاز شائع في الكلام كما تقول «قتل الملك فلانا» باعتبار امره بذلك، و يكون الخبر الذي نقله (عليه السلام) هنا انما هو عبارة عن معنى ذلك الخبر و ان المراد به ذلك لا ما فهموه من التجسيم و جواز الانتقال عليه عز و جل كما هو مذهب الحنابلة (2).

____________

(1) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) نسبه إليهم العلامة «(قدس سره)» في (نهج الحق و كشف الصدق) و أنكر النسبة ابن روزبهان و أيد القاضي التستري في إحقاق الحق نسبة المصنف إليهم بنسبة الفخر الرازي ذلك إليهم في رسالته في ترجيح مذهب الشافعي، راجع دلائل الصدق للحجة المظفر ج 1 ص 133. و في كتاب السنة لأحمد بن حنبل ص 48 و 49 «و الله تعالى سميع لا يشك. الى ان قال: و يبصر و يضحك. ثم قال و ينزل تبارك و تعالى كل ليلة جمعة الى السماء الدنيا كيف يشاء «42: 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» و قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرب و خلق الله عز و جل آدم «(عليه السلام)» بيده و السماوات و الأرض يوم القيامة في كفه و يخرج قوما من النار بيده و ينظر أهل الجنة إلى وجهه و يرونه فيكرمهم و يتجلى لهم فيعطيهم».

352

و روى في الفقيه (1) مرسلا قال: «و روى انه ما طلعت الشمس في يوم أفضل من يوم الجمعة و كان اليوم الذي نصب فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) بغدير خم يوم الجمعة، و قيام القائم (عليه السلام) يكون في يوم الجمعة، و تقوم القيامة في يوم الجمعة يجمع الله تعالى فيه الأولين و الآخرين، قال الله عز و جل ذٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّٰاسُ وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (2).

و روى محمد عن الصادق (عليه السلام) (3) في قول يعقوب لبنيه سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي (4) قال: «أخرها إلى السحر ليلة الجمعة».

و روى أبو بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «ان العبد المؤمن ليسأل الله عز و جل الحاجة فيؤخر الله عز و جل قضاء حاجته التي سأل الى يوم الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة».

و روى داود بن سرحان عن الصادق (عليه السلام) (6) في قول الله عز و جل وَ شٰاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ (7) قال «الشاهد يوم الجمعة».

____________

(1) ج 1 ص 272.

(2) سورة هود الآية 105.

(3) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) سورة يوسف الآية 99.

(5) الوسائل الباب 44 من صلاة الجمعة و آدابها.

(6) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(7) سورة البروج الآية 3.

353

قال في مجمع البيان (1) في تفسير قوله تعالى «وَ شٰاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ» فيه أقوال:

(أحدها)-

ان الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة عن ابن عباس و قتادة، و روى ذلك عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و عن النبي (صلى الله عليه و آله) ايضا.

و سمى يوم الجمعة شاهدا لانه يشهد على كل عامل بما عمل فيه،

و في الحديث «ما طلعت الشمس على يوم و لا غربت على يوم أفضل منه و فيه ساعة لا يوافقها من يدعو فيها الله تعالى بخير إلا استجاب له و لا استعاذ من شر إلا أعاذه منه».

و يوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج و تشهده الملائكة. و (ثانيها) ان الشاهد يوم النحر و المشهود يوم عرفة عن إبراهيم. و (ثالثها)

ان الشاهد محمد (صلى الله عليه و آله) و المشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية أخرى و سعيد بن المسيب و هو المروي عن الحسن بن على (عليهما السلام).

و روى ان رجلا دخل مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فإذا رجل يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فسألته عن الشاهد و المشهود فقال: نعم الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة. فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسألته عن ذلك فقال نعم: اما الشاهد فيوم الجمعة و اما المشهود فيوم النحر. فجزتهما الى غلام كأن وجهه الدينار و هو يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فسألته عن ذلك فقال: نعم اما الشاهد فمحمد (صلى الله عليه و آله) و اما المشهود فيوم القيامة، أما سمعته سبحانه يقول «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً» (2) و قال «ذٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّٰاسُ وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (3) فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس و سألت عن الثاني فقالوا ابن عمر و سألت عن الثالث فقالوا الحسن بن على (عليهما السلام).

و (رابعها) ان الشاهد يوم عرفة و المشهود يوم الجمعة،

و عن ابى الدرداء عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة و ان أحدا لا يصلى على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها. قال

____________

(1) ج 5 ص 466.

(2) سورة الأحزاب الآية 44.

(3) سورة هود الآية 105.

354

فقلت و بعد الموت؟ فقال ان الله تعالى حرم على الأرض ان تأكل أجساد الأنبياء فنبى الله حتى يرزق».

و (خامسها) ان الشاهد الملك يشهد على ابن آدم و المشهود يوم القيامة عن عكرمة، و تلا هاتين الآيتين «وَ جٰاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهٰا سٰائِقٌ وَ شَهِيدٌ» (1) «وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (2) و (سادسها) ان الشاهد الذين يشهدون على الناس و المشهود هم الذين يشهد عليهم عن الجبائي. و (سابعها) الشاهد هذه الأمة و المشهود سائر الأمم لقوله «لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ» (3) عن الحسن ابن الفضل. و (ثامنها) الشاهد أعضاء بنى آدم و المشهود هم لقوله تعالى «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ. الآية» (4) و (تاسعها) الشاهد الحجر الأسود و المشهود الحاج.

و (عاشرها) الشاهد الأيام و الليالي و المشهود بنو آدم، و ينشد للحسين بن على (عليه السلام):

مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا * * * و خلفت في يوم عليك شهيد

فإن أنت بالأمس اقترفت إساءة * * * فقيد بإحسان و أنت حميد

و لا ترج فعل الخير يوما الى غد * * * لعل غدا يأتي و أنت فقيد

(الحادي عشر) الشاهد الأنبياء و المشهود محمد (صلى الله عليه و آله) لقوله سبحانه «وَ إِذْ أَخَذَ اللّٰهُ مِيثٰاقَ النَّبِيِّينَ. الى قوله فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّٰاهِدِينَ» (5) (الثاني عشر) الشاهد الخلق و المشهود الحق «و في كل شيء له آية تدل على انه واحد» و قيل الشاهد الله و المشهود لا إله إلا الله لقوله تعالى: «شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ. الآية» (6). انتهى.

و روى الصدوق في الفقيه عن المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (7) انه قال «من وافق منكم يوم الجمعة فلا يشتغلن بشيء غير العبادة فإن فيه يغفر للعباد و تنزل عليهم الرحمة».

____________

(1) سورة ق الآية 20.

(2) سورة هود الآية 105.

(3) سورة البقرة الآية 137.

(4) سورة النور الآية 24.

(5) سورة آل عمران الآية 75.

(6) سورة آل عمران الآية 16.

(7) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

355

قال: و روى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) انه قال: «ليلة الجمعة ليلة غراء و يومها يوم أزهر من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من ضغطة القبر و من مات يوم الجمعة كتب الله له براءة من النار».

و عن هشام بن الحكم في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل يريد ان يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة و الصوم و نحو هذا؟ قال يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة فإن العمل يوم الجمعة يضاعف».

و روى في الخصال بسنده عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) قال: «ان ليلة الجمعة و يوم الجمعة أربع و عشرون ساعة لله عز و جل في كل ساعة ستمائة ألف عتيق من النار».

و عن ابن ابى عمير عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «السبت لنا و الأحد لشيعتنا و الاثنين لأعدائنا و الثلاثاء لبني أمية (لعنهم الله) و الأربعاء يوم شرب الدواء و الخميس تقضى فيه الحوائج و الجمعة للتنظيف و هو عيد المسلمين و هو أفضل من الفطر و الأضحى، و يوم غدير خم أفضل الأعياد و هو الثامن عشر من ذي الحجة. و يخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة و تقوم القيامة يوم الجمعة، و ما من عمل أفضل يوم الجمعة من الصلاة على محمد و آله».

الى غير ذلك من الأخبار و في ما ذكرناه كفاية لذوي الاعتبار.

المطلب الأول في بيان حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة

و نقل الأقوال و الأخبار و بيان ما هو المختار الظاهر من الآية و أحاديث العترة الأطهار (صلوات الله عليهم) آناء الليل و النهار» إلا أنا قبل الخوض في المقام نقدم من التحقيق الظاهر لذوي الأفهام ما عسى به تنكشف غشاوة الإبهام و تنجلي به غياهب الظلام:

فنقول: لا ريب ان الظاهر من الأخبار حتى كاد ان يكون كالشمس الساطعة

____________

(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجمعة و آدابها.

356

على جميع الأقطار هو الوجوب العيني الذي لا يختلجه الشك منها و الإنكار متى لوحظت في حد ذاتها بعين الإنصاف و الاعتبار إلا ان الشبهة قد دخلت على جل أصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة من وجهين فاسقطوا بذلك فيها الوجوب العيني من البين: (أحدهما) عدم جواز العمل بخبر الواحد فان بعضا منهم منع من العمل به و بعضا توقف في ذلك و تحقيق ذلك في الأصول. و (ثانيهما) من أخذ الإجماع مدركا شرعيا كالكتاب و السنة النبوية و جعله دليلا مرعيا يعتمد عليه في الأحكام الشرعية، فالكلام هنا يقع في مقامين:

[المقام] (الأول)- في العمل بخبر الواحد

فانا نقول بتوفيق الله تعالى و هدايته و عنايته: ان أخبارنا المروية في كتب الأخبار المصنفة من علمائنا الأبرار و ان صدق عليها اخبار الآحاد باعتبار المقابلة بالمتواتر إلا انها قد اعتضدت بالقرائن الدالة على صحتها عن الأئمة الطاهرين كما صرح به جملة من علمائنا المحققين: منهم- شيخ الطائفة في صدر كتاب الاستبصار و كتاب العدة و غيره في غيرهما، بل صرح بذلك المرتضى (رضى الله عنه) الذي هو أحد المنقول عنه تلك المقالة كما نقله عنه في المعالم.

و لا يخفى ان عمل أصحابنا (رضوان الله عليهم) قديمهم و حديثهم مجتهدهم و اخباريهم إنما هو على هذه الأخبار و بناء مذهبهم إنما هو عليها، و قد قيض الله تعالى بلطيف حكمته و منيف عنايته أقواما من الثقات الصادقين في زمن الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) لجمع الأخبار المسموعة عنهم (عليهم السلام) و تدوينها في الأصول المشهورة و هي أربعمائة أصل كما صرح به جملة من الأصحاب و أمروا من أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) بتدوينها و حفظها لعلهم بما يحدث من التقية و الحيرة بعد غيبة قائمهم (عليهم السلام) و انسداد أبواب استفادة الأحكام التي كانت في زمانهم و زمان نواب قائمهم مشرعة لجملة الأنام فالعمل و المدار في الإيراد و الإصدار إنما هو على هذه الاخبار كما لا يخفى على ذوي البصائر و الأبصار.

و لنكتف هنا بنقل كلام المحقق المدقق صاحب المعالم في المقام و نذكره مع طوله لجودة محصوله و ان طال به زمام الكلام فنقول:

357

قال المحقق المذكور بعد ان ذكر أولا ان خبر الواحد يفيد العلم مع انضمام القرائن اليه و احتجاجه بما ذكره من الحجج عليه، ثم ذكر ان ما عرى من خبر الواحد عن القرائن المفيدة للعلم يجوز التعبد به عقلا، و هل هو واقع أو لا؟

خلاف بين الأصحاب، فذهب جمع من المتقدمين كالمرتضى و ابن زهرة و ابن البراج و ابن إدريس الى الثاني و صار جمهور المتأخرين إلى الأول و هو الأقرب، ثم استدل على ذلك بوجوه ثم ذكر الأول و الثاني ثم قال ما صورته: الثالث- اطباق قدماء الأصحاب الذين عاصروا الأئمة (عليهم السلام) و أخذوا منهم أو قاربوا عصرهم على رواية أخبار الآحاد و تدوينها و الاعتناء بحال الرواة و التفحص عن المقبول و المردود و البحث عن الثقة و الضعيف و اشتهار ذلك بينهم في كل عصر من تلك الأعصار و في زمان امام بعد امام و لم ينقل عن أحد منهم إنكار لذلك أو مصير الى الى خلافه و لا روى عن الأئمة (عليهم السلام) حديث يضاده مع كثرة الروايات عنهم في فنون الأحكام، قال العلامة في النهاية: اما الإمامية فالاخباريون منهم لم يعولوا في أصول الدين و فروعه إلا على اخبار الآحاد المروية عن الأئمة (عليهم السلام) و الأصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي و غيره وافقوا على قبول الخبر الواحد في الفروع و لم ينكره أحد سوى المرتضى و اتباعه لشبهة حصلت لهم. و حكى المحقق عن الشيخ سلوك هذا الطريق في الاحتجاج للعمل بأخبارنا المروية عن الأئمة (عليهم السلام) مقتصرا عليه فادعى الإجماع على ذلك و ذكر ان قديم الأصحاب و حديثهم إذا طولبوا بصحة ما افتى به المفتي منهم عولوا على المنقول في أصولهم المعتمدة و كتبهم المدونة فيسلم له خصمه منهم الدعوى في ذلك، و هذه سجيتهم من زمن النبي (صلى الله عليه و آله) الى زمن الأئمة (عليهم السلام) فلو لا ان العمل بهذه الأخبار جائز لأنكروه و تبرأوا من العامل به. و موافقونا من أهل الخلاف احتجوا بمثل هذه الطريقة ايضا فقالوا ان الصحابة و التابعين أجمعوا على ذلك بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد و عملهم به في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى، و قد تكرر ذلك مرة بعد اخرى و شاع و ذاع بينهم و لم ينكر عليهم أحد و الا لنقل، و ذلك يوجب العلم العادي

358

باتفاقهم كالقول الصريح. (الرابع)- ان باب العلم القطعي بالأحكام الشرعية التي لم تعلم بالضرورة من الدين أو من مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في نحو زماننا منسد قطعا، إذ الموجود من أدلتها لا يفيد غير الظن لفقد السنة المتواترة و انقطاع طريق الاطلاع على الإجماع من غير النقل بخبر الواحد و وضوح كون أصالة البراءة لا تفيد غير الظن و كون الكتاب ظني الدلالة، و إذا تحقق انسداد باب العلم في حكم شرعي كان التكليف فيه بالظن قطعا، و العقل قاض بان الظن إذا كانت له جهات متعددة تتفاوت بالقوة و الضعف فالعدول عن القوى منها الى الضعيف قبيح، و لا ريب ان كثيرا من أخبار الآحاد يحصل بها من الظن ما لا يحصل بشيء من سائر الأدلة فيجب تقديم العمل بها. ثم ساق الكلام في الذنب عن ما ذكره في المقام و رد حجج أولئك الأعلام على ما ذهبوا اليه من ذلك القول الناقص العيار و القليل المقدار، الى ان قال: و قد أورد السيد على نفسه في بعض كلامه سؤالا هذا لفظه: فان قيل إذا سددتم طريق العمل بالأخبار فعلى أي شيء تعولون في الفقه كله؟ و أجاب بما حاصله ان معظم الفقه يعلم بالضرورة من مذهب أئمتنا (عليهم السلام) فيه بالأخبار المتواترة و ما لم يتحقق ذلك فيه- و لعله الأقل- يعول فيه على إجماع الإمامية. و ذكر كلاما طويلا في بيان ما يقع فيه الاختلاف بينهم و محصوله انه إذا أمكن تحصيل القطع بأحد الأقوال من طرق ذكرناها تعين العمل عليه و إلا كنا مخيرين بين الأقوال المختلفة لتعذر دليل التعيين. و لا ريب ان ما ادعاه من علم معظم الفقه بالضرورة و بإجماع الإمامية أمر ممتنع في هذا الزمان و أشباهه و التكليف فيها بحصول العلم غير جائز و الاكتفاء بالظن في ما يتعذر فيه العلم مما لا شك فيه و لا نزاع- و قد ذكره في غير موضع من كلامه أيضا- فتستوي حينئذ الأخبار و غيرها من الأدلة المفيدة للظن في الصلاحية لإثبات الأحكام الشرعية في الجملة كما حققناه، مع ان السيد قد اعترف في جواب المسائل التبانيات بأن أكثر أخبارنا المروية في كتبنا معلومة مقطوع على صحتها اما بالتواتر و اما بأمارة و علامة دلت على صحتها و صدق رواتها فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع و ان وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد.

359

الى هنا ما نقلناه من كلام المحقق المشار اليه آنفا و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه إلا ان جعله (قدس سره) الأخبار تبعا لما ذكره غيره من علمائنا الأبرار من قبيل اخبار الآحاد العارية عن القرائن الموجبة للعلم بصحتها محل مناقشة يطول بذكرها الكلام.

ثم ان مما يدل على الاعتماد على اخبار الآحاد و صحة العمل بها

ما روى عنه (صلى الله عليه و آله) (1) في خطبة الغدير و غيرها من قوله «فليبلغ الشاهد الغائب».

و قوله (صلى الله عليه و آله) في خطبته في مسجد الخيف المروية في الكافي و غيره عن الصادق (عليه السلام) (2) «رحم الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه. الحديث».

و حديث (3) «من حفظ على أمتي أربعين حديثا».

و ما علم من إرساله (صلى الله عليه و آله) و كذا أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده في وقت خلافته الى جباية الخراج و الصدقات و المقاسمات بل غير ذلك من الولايات الى البلدان البعيدة آحاد الناس ممن لم يبلغ عددهم التواتر فان جميع ذلك و نحوه مما يدل على ان المرجع في العمل بالأخبار ليس إلا الى ما يقتضي سكون النفس و اطمئنان الخاطر لا الى ما يقتضي القطع و اليقين بصحة المخبر به من عدد أو قرينة كما توهمه من لم يعض بضرس قاطع على تتبع السير

____________

(1) الوسائل الباب 8 من صفات القاضي و الغدير ج 1 ص 33.

(2) الوسائل الباب 8 من صفات القاضي عن الكافي بطريقين و لفظ الأول هكذا:

«نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها و حفظها و بلغها من لم يسمعها فرب حامل فقه غير فقيه و رب حامل فقه الى من هو أفقه منه.» و الثاني بمعناه بأدنى تفاوت في اللفظ. و في مجمع البحرين نقل الحديث في مادة «نضر» هكذا «نضر الله امرا» و في مستدرك الوسائل الباب 8 من صفات القاضي نقله بلفظ «نضر» أيضا إلا في رواية عوالي اللئالي فإن فيها «رحم» و في رسالة الأصول للشافعي في مقدمة كتاب الام ص 65 نقل الحديث كما في الوسائل.

(3) نقله في الوسائل بطرق متعددة في الباب 8 من صفات القاضي و فيها هكذا:

«من حفظ من أمتي.» أو «من حفظ من شيعتنا.» نعم اللفظ في رواية الخصال كما في المتن و كذا في المستدرك الباب 8 من صفات القاضي عن العوالي.

360

و الأخبار و لم يعط التأمل حقه في الآثار.

و بالجملة فإن ما ذهب إليه أولئك المتقدم ذكرهم من المنع من العمل بخبر الواحد و دعوى كون أخبارنا المذكورة من جملة ذلك في البطلان أظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان، إذ ليس مع رد هذه الأخبار المدونة في كتب الأصحاب إلا الخروج من هذا الدين أو العمل على غير مذهب و دين، و ذلك فإنه ليس بعد هذه الأخبار عندهم إلا الكتاب و الإجماع و دليل العقل، و لا ريب ان الكتاب لما هو عليه من الإجمال و قبول الاحتمال لا يفي بالمراد، و اما الإجماع فقد عرفت و ستعرف ما فيه من انه ليس في عدة إلا تكثير السواد و تضييع المداد، و اما دليل العقل فاضعف و مع تسليمه فهو لا يأتي على جميع الأحكام.

ثم انه مما يزيد ما ذكرناه تأييدا و يعلى منارة تشييدا ما استفاض بل تواتر معنى بين الخاصة و العامة من

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «انى تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض».

و هو مروي بطرق عديدة و متون متقاربة، و نحوه خبر (2)

«أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى و من تخلف عنها غرق».

____________

(1) في الوسائل الباب 5 من صفات القاضي

«قد تواتر بين العامة و الخاصة عن النبي «ص» انه قال «انى تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض».

و رواه الترمذي في سننه ج 13 ص 200 و 201 باختلاف يسير في اللفظ و مسلم في صحيحة ج 7 ص 122 و 123 و احمد في مسنده ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 و ج 4 ص 366 و الدارمي في سننه ج 2 ص 432، و قد ذكر الشيخ قوام الدين الوشنوي في رسالته «حديث الثقلين» المطبوعة بالقاهرة بإشراف دار التقريب ص 6 مصادر هذا الحديث من كتب العامة و هي كثيرة و ذكر فيها اختلاف المتن ايضا. و قد روى الحديث أيضا في كتب العامة بلفظ الكتاب و السنة دون العترة و قد ذكر مصادر ذلك في مفتاح كنوز السنة ص 447.

(2) الوسائل الباب 5 من صفات القاضي و نقله في الغدير ج 2 ص 301 عن مستدرك الحاكم ج 3 ص 151 عن ابى ذر و صححه. و لفظه فيه «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى و من تخلف عنها غرق» و نقله ايضا عن تاريخ الخطيب ج 12 ص 91 و كثير من غيرهما. قال و أشار إليه الإمام الشافعي بقوله المأثور عنه في رشفة الصادي ص 24

و لما رأيت الناس قد ذهبت بهم * * * مذاهبهم في أبحر الغى و الجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا * * * و هم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

و أمسكت حل الله و هو ولاؤهم * * * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

.

361

و التقريب فيهما هو دلالتهما على ان النجاة و الأمن من الوقوع في مهاوي الضلال انما هو في التمسك بحبل الآل (عليهم صلوات ذي الجلال) و الاقتداء بهم في الأقوال و الأفعال، و حينئذ فاما ان يخص هذا بزمان وجودهم (صلوات الله عليهم) و ما قاربه و اللازم منه تضييع باقي الأمة إلى يوم القيامة، لانه (صلى الله عليه و آله) كان عالما بامتداد أمته إلى يوم القيامة و كان عالما بان زمان وجود الأئمة (عليهم السلام) الى وقت الغيبة إنما هو زمان يسير، و على هذا فلو قصر الأمر بالتمسك بهم على زمان وجودهم و ما قاربه فاللازم ما ذكرناه و هو مما يقطع بفساده، و اما ان يجعل هذا الخطاب للأمة و الأمر لهم بالإتباع و التمسك الى يوم القيامة و هو لا يتم إلا بالعمل بهذه الأخبار المروية عن أبنائه الأطهار التي هي محل البحث، إذ لا طريق في مثل زماننا هذا و أمثاله من أزمان الغيبة إلى اتباعهم و الأخذ بدينهم و التمسك بهم سواها. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.

ثم لا يخفى ان ظاهر الخبرين المذكورين الإشارة إلى سد باب التمسك بسوى الثقلين المذكورين حيث كان رفع الضلال على وجه الشمول لافراده و افراد زمانه و النجاة ليس مرتبا إلا على التمسك بهما، و بالجملة فإن التمسك بهما طريق علم انها مخلصة من الضلال على كل حال و اما غيرهما فما أشد الإشكال فيه و الإعضال سيما مع عدم ورود الإذن بالأخذ به في حال من الأحوال.

(المقام الثاني) في الإجماع

و قد تقدم في مقدمات الكتاب نزر من القول

362

في بيان بطلان القول به و الاعتماد عليه في الأحكام الشرعية و عدم كونه مدركا لها و ان اشتهر في كلامهم عده من المدارك القطعية كالكتاب العزيز و السنة النبوية، و نزيده هنا بمزيد من التحقيق الرشيق و التدقيق الأنيق:

فنقول: قد عرفت مما قدمنا في المقام الأول دلالة خبر الثقلين على ان ما يعمل به أو عليه من حكم فرعى أو مدرك أصلي يجب أن يكون متمسكا فيه بكتاب الله تعالى و اخبار العترة على ما مر من البيان لتحقق الأمن من الضلال و النجاة من أهوال المبدأ و المآل، و الزاعم لكون ذلك مدركا شرعيا زائدا على ما ذكره (صلى الله عليه و آله) يحتاج إلى إقامة البرهان و الدليل و ليس له الى ذلك سبيل إلا مجرد القال و القيل و من الظاهر عند التأمل بعين الإنصاف و تجنب العصبية للمشهورات الموجبة للاعتسافات ان عد أصحابنا (رضوان الله عليهم) الإجماع مدركا إنما اقتفوا فيه العامة العمياء لاقتفائهم لهم في هذا العلم المسمى بعلم أصول الفقه و ما اشتمل عليه من المسائل و الأحكام و الأبحاث و هذه المسألة من أمهات مسائله، و لو ان لهذا العلم من أصله أصلا أصيلا لخرج عنهم (عليهم السلام) ما يؤذن بذلك، إذ لا يخفى على من لاحظ الأخبار انه لم يبق أمر من الأمور التي يجري عليها الإنسان في ورود أو صدور من أكل و شرب و نوم و نكاح و تزويج و خلاء و سفر و حضر و لبس ثياب و نحو ذلك إلا و قد خرجت الأخبار ببيان السنن فيه و كذا في الأحكام الشرعية نقيرها و قطميرها، فكيف غفلوا (عليهم السلام) عن هذا العلم مع انه كما زعموه مشتمل على أصول الأحكام الشرعية فهو كالأساس لها لابتنائها عليه و رجوعها اليه هذا، و علماء العامة كالشافعي و غيره في زمانهم (عليهم السلام) كانوا عاكفين على هذه العلوم تصنيفا و تأليفا و استنباطا للأحكام الشرعية بها و جميع ذلك معلوم للشيعة في تلك الأيام فكيف غفلوا عن السؤال منهم عن شيء من مسائله؟ و مع غفلة الشيعة كيف رضيت الأئمة (عليهم السلام) بذلك لهم و لم يهدوهم اليه و لم يوقفوهم عليه؟

مع كون مسائله أصولا للأحكام كما زعمه أولئك الأعلام، ما هذا إلا عجب عجيب

363

كما لا يخفى على الموفق المصيب [1].

____________

[1] أقول: ان توقف معرفة الأحكام الشرعية و استنباطها من أدلتها على الأبحاث الأصولية من الوضوح بمكان لا مجال للشك فيه و الارتياب، فإنه بعد ما كان معظم الأحكام الشرعية نظريا تتوقف معرفته على البحث و الاستدلال كما هو واضح و لم تكن دليلية أدلتها مستغنية عن الإثبات أصبح من الضروري لمن يريد التفقه في الدين و معرفة أحكام سيد المرسلين «ص» أن يمهد الطريق لذلك بنحو يقطع بكونه طريقا بحكم الشارع تأسيسا أو إمضاء و يبحث عن كل ما يأمن بسلوكه و اتباعه مسؤولية مخالفة الحكم الشرعي المعلوم له إجمالا بالالتفات إلى الشريعة الإسلامية و الاعتقاد و التدين بها و ان المسائل المتكفلة بالبحث عن ذلك هي مسائل أصول الفقه، و وجه التسمية مذكور في المتن. و ان الأمور التي يلزم ان يبحث عنها الفقيه في المسائل الأصولية أربعة: «الأول» الحجج فيبحث في كل ما يحتمل فيه الحجية و الدليلية كالخبر الواحد و الشهرة الفتوائية و الإجماع و ظواهر الكتاب المجيد، و من ذلك بحث التعادل و الترجيح لانه بحث عن الحجة في فرض التعارض «الثاني» ظواهر المواد و الهيئات الإفرادية و التركيبية التي تستعمل في الكتاب و السنة و غيرهما في مقام بيان الحكم بوجه كلى من دون اختصاص بمورد دون مورد كالأمر و النهى و العام و المطلق و غير ذلك مما يبحث عنه في مباحث الألفاظ مما يلزم تشخيص مدلوله و ظهوره بعد الفراغ عن حجية الظهور «الثالث» الملازمات العقلية كالملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدمته و الملازمة بين وجوب الشيء و حرمة ضده و الملازمة بين حرمة العبادة أو المعاملة و فسادها و الملازمة بين وجوب الشيء و عدم حرمة مقارنه و ملابسه و بين حرمة الشيء و عدم وجوب مقارنه، و يعبر عن البحث في الأخير ببحث اجتماع الأمر و النهى، و كالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع. و لا مناص للفقيه من البحث في هذه الملازمات لينتهي بالدليل القطعي إلى الملازمة أو عدمها و بذلك يستكشف الحكم الشرعي «الرابع» الأصول العملية و هي القواعد التي ينتهي إليها الفقيه بعد فحصة و عجزه عن الظفر بالدليل على الحكم الشرعي فيبحث عن وظيفته في هذا الفرض من الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير حسب اختلاف الموارد. و هنا يقع البحث عن الوظيفة الشرعية أولا و عن الوظيفة العقلية ثانيا على تقدير عدم الانتهاء إلى الوظيفة الشرعية. هذه هي مباحث

364

و مما يعضد ما ذكرناه بأوضح تأييد رسالة الصادق (عليه السلام) الى الشيعة و امره لهم

____________

الأصول التي تبتنى عليها معرفة الأحكام الشرعية و لا يستغنى الفقيه عن الاستعانة بها في استنباط الأحكام بنحو يكون معذورا و آمنا من المسؤولية في المخالفة و لا تكون فتواه مصداقا لعنوان التشريع، و ما خرج عن هذه الأمور فليس البحث فيه من المسائل الأصولية نعم قد تذكر في كتب الأصول بعض المباحث الخارجة عن العناوين الأربعة استطرادا لتشريح الأذهان و لا يوجب ذلك هدم البحث الأصولي و قلعه من أساسه بما اشتمل عليه من المسائل و الأحكام و الأبحاث على حد تعبيره «(قدس سره)» و كيف كان فيندفع ما ذكره «أولا» بما تقدم. و «ثانيا» بالنقض بتحريره المسائل الأصولية في مقدمات كتابه و سيره عليها في الأبحاث الفقهية. و «ثالثا» ان القواعد الأصولية- و ان لم ترد في كلامهم «ع» بعنوانها الخاص- قد وردت متفرقة في الكتاب و السنة في ضمن الآيات و الروايات التي يستدل بها في المباحث الأصولية كالآيات و الروايات التي يستدل بها على حجية الخبر الواحد على تقدير تمامية الدلالة و كالأخبار العلاجية لتعارض الخبرين و اخبار الاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية و اخبار البراءة و الاحتياط

و كقوله «ع» «علينا ان نلقى إليكم الأصول و عليكم ان تفرعوا».

المتقدم ج 1 ص 133 فإنه شامل للقواعد الأصولية و الفقهية و كالأخبار الآمرة بطرح الخبر المخالف للكتاب و انه باطل و زخرف فإنها تتضمن قاعدتين أصوليتين: إحداهما- عدم حجية الخبر المخالف للكتاب. الثانية- حجية ظواهر الكتاب كما يدل عليها قوله «ع» في رواية عبد الأعلى المتقدمة ج 1 ص 151 «يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله». و «رابعا» ان علماء العامة- كما هو واضح- لم يرجعوا إلى الأئمة (ع) في شيء من الأحكام الشرعية و لم يعترفوا لهم بالمرجعية فيها و استقلوا في فهم الكتاب و السنة و التزموا بحجية القياس و الاستحسان و عملوا بالمصالح المرسلة، الى غير ذلك من الاستنباطات الظنية المتبعة عندهم، و لم يعملوا بمقتضى حديث الثقلين الذي أناط الأمن من الضلال بالتمسك بالكتاب و العترة و جعل العترة عدل الكتاب في المرجعية في أمر الدين، و قد وردت عنهم «ع» الأخبار الكثيرة في ذم هذه الطريقة و النهى عن الاستقلال في الفتوى و انهم هم المرجع في الأحكام الشرعية مع الكتاب، فهذا النحو من الأصول المبتني على الاستقلال في الفتوى و الاستغناء عن الأئمة «ع» و عدم

365

____________

الأخذ منهم «ع» قد منعوا عنه و أسقطوه عن درجة الاعتبار بالكلية، و اما علم الأصول المتبع عند فقهاء الإمامية فمرجعه في الحجج و التعارض بينها و في الأصول العملية الشرعية هو الكتاب و الأخبار الواردة عن المعصومين «(صلوات الله عليهم أجمعين)» و لا يتخطى فيه قيد شعرة عن أقوالهم تصريحا أو إمضاء، و مرجعه في الملازمات و الأصول العقلية حكم العقل القطعي من حيث كشفه عن الحكم الشرعي أو من حيث المنجزية و المعذرية. و من الواضح عدم توجه الاعتراض على هذا النحو أصلا لاختلافه تماما من حيث المدرك و الدليل عن علم الأصول المتبع عند العامة و تقيده بالمتابعة لأقوال العترة «ع» و الاستناد الى حديث الثقلين و تقيد ذاك بعدم المتابعة لهم، فكيف ينسب علم الأصول المدون على ضوء حديث الثقلين و نحوه و المبتني على اتباع الحجتين الى من لم يرجع في الأحكام إلى العترة أصلا و استقل عنها تماما. و بذلك يتضح ايضا حال الإجماع المتبع عند الإمامية و أنه لا يمت إلى إجماع العامة بصلة إذ بعد ان كان اعتباره عند الإمامية من حيث كشفه عن قول المعصوم- و ان اختلفوا في وجهه- و لم يكن له من حيث كونه اتفاقا آية قيمة عندهم كان مؤسسا على أساس التمسك بالعترة و سائرا على النهج الذي سنه حديث الثقلين و غيره مما يؤدي مؤداه. و لا ينحصر التمسك بالعترة بالعمل بأخبارهم فإن تعيين النبي «ص» المرجع بعده في شرعه و التأكيد الصادر منه «ص» في هذا الشأن في حديث الثقلين و غيره إنما هو في قبال من علم «ص» انهم يرومون عزل العترة بعده عن هذا المنصب و الاستغناء عنهم و الاكتفاء بكتاب الله تعالى بزعمهم كما جرى ذلك على لسان بعضهم عند ما طلب النبي «ص» ما يكتب به كتابا يضمن سلامة الأمة بعده من الضلال فحال بينه و بين ذلك و قال «يكفينا كتاب الله» و نسب اليه (ص) ما أوجب عدم الأثر في ما يكتبه بل إخلاله بمقام النبوة كما أشار إليه بقوله «ص» «أبعد الذي قلتم» راجع مفتاح كنوز السنة ص 445 فالمخالف لمدلول الحديث هم الذين لم يعترفوا للعترة بمقامها الشامخ و لم يرجعوا إليهم في أمر الدين و اكتفوا بالكتاب بزعمهم و اما من يرى أن العترة عدل الكتاب و يرجع في الدين إليهما معا و لا يرجع الى الكتاب إلا بعد الفحص عن ما ورد من العترة في بيانه و يأخذ أقوالهم «ع» مما ورد من الأخبار عنهم و يستكشفها ايضا من اتفاق أصحابهم و تابعيهم و لا يتخطاها أصلا فهو ليس مخالفا الحديث الثقلين

366

بمدارستها و التعهد لها المروية في روضة الكافي (1) بأسانيد ثلاثة و نحن ننقل موضع الحاجة منها:

قال (عليه السلام) «أيتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله عز و جل أتم لكم ما آتاكم من الخير، و اعلموا انه ليس من علم الله تعالى و لا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى و لا رأى و لا مقاييس، قد انزل الله تعالى القرآن و جعل فيه تبيان كل شيء و جعل للقرآن و لتعلم القرآن أهلا، لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى و لا رأى و لا مقاييس، أغناهم الله تعالى عن ذلك بما آتاهم من علمه و خصهم به و وضعه عندهم كرامة من الله تعالى أكرمهم بها و هم أهل الذكر الذين أمر الله تعالى هذه الأمة بسؤالهم (2) و هم الذين قد سبق في علم الله تعالى ان من يتبعهم و يصدق أثرهم أرشدوه و أعطوه من علم القرآن ما يهتدى به الى الله

____________

قطعا فكيف تنسب الى مثل هذا الشخص في استكشافه قول العترة من اتفاق أصحابهم و تابعيهم المتابعة لمن خالف النبي «ص» في شأن العترة و لم يرجع إليهم في أمر الدين أصلا، و قد اعترف هو «(قدس سره)» بحجيته و كشفه عن قول المعصوم في موردين، راجع ج 1 ص 36. نعم استند الفقهاء في موارد كثيرة الى الإجماع و ليس فيها اتفاق أو ليس الاتفاق فيها كاشفا عن قول المعصوم بنظر الآخرين كما انه قد يناقش بعض في كاشفية الاتفاق الكلية، و لا يصحح شيء من ذلك هذه النسبة إليهم و انما تتوجه عليهم المناقشة بعدم تحقق الكاشف فقط. و قد وجه بعض الفقهاء هذه الدعاوي بما ذكره «(قدس سره)» ج 1 ص 39 و 40. و بما ذكرناه يتضح جليا ان ما ذكره «(قدس سره)» في شأن علم الأصول عموما و الإجماع خصوصا لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه. و لعله «(قدس سره)» كتب ذلك قبل أن يكتب المقدمة الثانية عشرة من مقدمات الكتاب التي عقدها لبيان الفرق بين المجتهد و الاخبارى فإنها إذا كانت متأخرة عن ما ذكره في المقام يمكن ان تكون رجوعا عنه و بمراجعتها يظهر ذلك جليا.

____________

(1) ص 5 و في الوسائل الباب 6 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) سورة النحل الآية 45.

367

باذنه و الى جميع سبل الحق، و هم الذين لا يرغب عنهم و لا عن مسألتهم و عن علمهم الذي أكرمهم الله تعالى به و جعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله تعالى الشقاء في أصل الخلق تحت الأظلة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر و أولئك الذين يأخذون بأهوائهم و آرائهم و مقاييسهم حتى دخلهم الشيطان، لأنهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند الله كافرين و جعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين و حتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الأمر حراما و جعلوا ما حرم الله تعالى في كثير من الأمر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم، و قد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قبل موته فقالوا نحن بعد ما قبض الله عز و جل رسوله (صلى الله عليه و آله) يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد قبض الله تعالى رسوله و بعد عهده الذي عهد إلينا و أمرنا به مخالفا لله تعالى و رسوله (صلى الله عليه و آله) فما أحد اجرأ على الله تعالى و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك و زعم ان ذلك يسعه، و الله ان لله تعالى على خلقه أن يطيعوه و يتبعوا أمره في حياة محمد (صلى الله عليه و آله) و بعد موته. الحديث».

أقول: و كما يستفاد من هذا الخبر ان أصل الإجماع من مخترعات العامة و بدعهم يستفاد منه ان الرجوع الى القرآن و أخذ الأحكام منه يتوقف على تفسيرهم (عليهم السلام) و بيان معانيه عنهم، و منه يعلم ان الأخبار كالأصل لمعرفة الكتاب و حل مشكلاته و بيان مفصلاته و تفسير مجملاته و تعيين المراد من أحكامه و بيان إبهامه، و هو المشار إليه في خبر الثقلين بعدم الافتراق بين العترة و القرآن بمعنى ان القرآن لما كان المرجع فيه إليهم و أحكامه لا تؤخذ إلا منهم (عليهم السلام) فهو لا يفارقهم و انه لما كانت أفعالهم و أقوالهم (عليهم السلام) مقتبسة من القرآن فهم لا يفارقونه.

و كيف كان فهذا الخبر الشريف ظاهر في ما دل عليه خبر الثقلين من ان الاعتماد ليس الا على القرآن و الأخبار و ان ما عداهما فهو ساقط عن درجة النظر اليه و الاعتبار.

368

و لا يخفى ان تكرر كلامه (عليه السلام) و مقابلته عدم الأخذ عنهم (عليهم السلام) بالرأي و الهوى و المقاييس مما يشير الى ان الاستناد الى هذا الإجماع من جملة الهوى و الرأي حيث انه لما لم يكن مستندا إليهم (عليهم السلام) حيث لم يأمروا به و لم يشيروا إليه بالكلية فهو إنما استند إلى رأى ذلك القائل به و هواه، و لهذا ان أصحابنا لما اقتفوهم في جعله من مدارك الأحكام الشرعية عدلوا عن معناه عند العامة بأنه عبارة عن إجماع الناس الى اعتبار دخول المعصوم (عليه السلام) فيه و كشفه عن دخوله و ان الحجة في ذلك انما هو قول المعصوم (عليه السلام).

على ان التحقيق ان الذين هم الأصل في الإجماع كالشيخ و المرتضى قد كفونا مؤنة القدح فيه و بيان بطلانه بما وقع لهم من دعوى الإجماعات المتناقضة تارة و دعوى الإجماع على ما تفرد به أحدهما تارة أو تبعه عليه شذوذ من أصحابه كما لا يخفى على المطلع على أقوالهم، و قد وقفت على رسالة لشيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) قد عد فيها إلا جماعات التي ناقض الشيخ فيها نفسه في مسألة واحدة انتهى عددها الى نيف و سبعين مسألة، قال (قدس سره) فيها: افردناها للتنبيه على ان لا يغتر الفقيه بدعوى الإجماع فقد وقع فيه الخطأ و المجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ و المرتضى، قال و مما ادعى الإجماع من كتاب النكاح دعواه في الخلاف.

ثم ساق الكلام في تعداد تلك المسائل إلى آخرها بما يقرب مما ذكرنا.

قال شيخنا زين الملة و الدين في رسالته التي في هذه المسألة: الإجماع عند أصحابنا إنما هو حجة بواسطة دخول قول المعصوم (عليه السلام) في جملة أقوال القائلين و العبرة عندهم إنما هي بقوله دون قولهم، و قد اعترفوا بان قولهم «الإجماع حجة» إنما هو مشى مع المخالف حيث انه كلام حق في نفسه و ان كان حيثية الحجية مختلفة عندنا و عندهم على ما هو محقق في محله، و إذا كان الأمر كذلك فلا بد من العلم بدخول قول المعصوم (عليه السلام) في جملة أقوالهم حتى يتحقق حجية قولهم و من اين لهم العلم في أمثال هذه المواضع مع عدم وقوفهم على خبره فضلا عن قوله (عليه السلام)؟ و اما

369

ما اشتهر بينهم- من انه متى لم يعلم في المسألة مخالف أو علم مع معرفة أصل المخالف و نسبه يتحقق الإجماع و يكون حجة و يجعل قول الإمام في الجانب الذي لا ينحصر و نحو ذلك مما بينوه و اعتمدوه- فهو قول مجانب للتحقيق جدا ضعيف المأخذ، و من اين يعلم ان قوله (عليه السلام) و هو بهذه الحالة من جملة أقوال هذه الجماعة المخصوصة دون غيرهم من المسلمين خصوصا في هذه المسألة فإن قوله بالجانب الآخر أشبه و به اولى لموافقته لقول الله تعالى و رسوله و الأئمة (صلوات الله عليهم) على ما قد عرفت.

ثم متى بلغ قول أهل الاستدلال من أصحابنا في عصر من الأعصار السالفة حدا لا ينحصر و لا يعلم به بلد القائل و لا نسبه و هم في جميع الأعصار محصورون منضبطون بالاشتهار و الكتابة و التحرير لأحوالهم على وجه لا يتخالجه شك و لا تقع معه شبهة، و مجرد احتمال وجود واحد منهم مجهول الحال مغمور في جملة الناس مع بعده مشترك من الجانبين، فان هذا ان اثر كان احتمال وجوده مع كل قائل ممكنا و مثل هذا لا يلتفت إليه أصلا و رأسا، و قد قال المحقق في المعتبر- و نعم ما قال- الإجماع حجة بانضمام المعصوم (عليه السلام) فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (عليه السلام) فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهالة قول الباقين إلا مع العلم القطعي بدخول الامام (عليه السلام) في الجملة. انتهى. و من اين يحصل العلم القطعي بموافقة قوله (عليه السلام) لأقوال الأصحاب مع هذا الانقطاع المحض و المفارقة الكلية و الجهل بما يقوله على الإطلاق من مدة تزيد عن ستمائة سنة. انتهى ما أردنا نقله من كلامه زيد في مقامه.

و قال في المسالك- في مسألة «ما لو اوصى له بأبيه فقبل الوصية» بعد الطعن في الإجماع- ما هذا لفظه: و بهذا يظهر جواز مخالفة الفقيه المتأخر لغيره من المتقدمين في كثير من المسائل التي ادعوا فيها الإجماع إذا قام عنده الدليل على ما يقتضي خلافهم و قد اتفق لهم ذلك كثيرا و لكن زلة المتقدم متسامحة بين الناس دون المتأخر.

و قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: و من جملة ما عد مدركا من المدارك الأصلية لفروع الأحكام ما يسمونه إجماعا المفسر عند العامة

370

باتفاق فقهاء امة محمد (صلى الله عليه و آله) في عصر على أمر شرعي و عند الخاصة باتفاق الفرقة المحقة منها فيه عليه. و قد حاولت العامة في استخراج مدرك حجيته من الكتاب بأدلة (1) كلها مزيفة و من السنة بخبر رووه

عنه (صلى الله عليه و آله) (2) «لا تجتمع أمتي على خطأ».

و فيه من النقوض ما هو مذكور في محله و لا طائل في ذكره، و اما أصحابنا الذين حذوا حذو العامة في عده مدركا فحاولوا في الاستدلال على حجيته بأنه إذا تحقق اتفاق فقهاء الطائفة المحقة على أمر اقتضى دخول المعصوم (عليه السلام) فيهم لكونه من الفقهاء و عدم خلو عصر من معصوم يكون قوله حجة و الحجة حينئذ قوله و الإجماع كاشف عنه. و هذا إقرار بأنه ليس دليلا و ان كان كاشفا عنه و ليس في عده من الأدلة إلا تكثير العدد و اطالة الطريق و إيهام جواز خلو العصر من معصوم حجة كما هو معتقد أولئك الذين هم عن الحق بمرمى سحيق، و لذا خلا ظاهر الكتاب و ما وصل إلينا من اخبار العترة الطاهرة عن ما يشعر بالأمر بالعمل بما يسمى إجماعا.

و قال (قدس سره) في موضع آخر: ثم انه على تقدير ما ذكروه في بيان الإجماع و حجيته ان الحجة انما هو دخول المعصوم فان علم دخوله فلا بحث و لا مشاحة في إطلاق اسم الإجماع عليه ثم اسناد الحجية اليه و لو تجوزا فيهما، و ان لم

____________

(1) استدلوا من الكتاب- كما في أصول الفقه لأبي زهرة ص 193 و 140- بقوله تعالى «وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» قال: و ان هذا النص الكريم اثبت ان اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لان من يفعل ذلك يشاقق الله و رسوله و يصليه الله تعالى جهنم و ساءت مصيرا و إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما فان اتباع سبيلهم واجب و من يخالفهم و يقرر نقيض رأيهم لا يكون متبعا لسبيلهم. و نقل في الهامش عن الغزالي المناقشة في دلالة الآية و غيرها من أدلتهم و استدلوا من السنة بما دل على عدم اجتماع الأمة على الضلال و ان ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن و بان عمل الصحابة على ان ما يجمعون عليه حجة، و نقل عن الشافعي وجها اعتباريا و هو في رسالته ص 65 في مقدمة كتاب الام.

(2)

مفتاح كنوز السنة ص 63 «ان أمتي لا تجتمع على ضلالة» ..

371

يعلم فان ظن و لو بمعاضدة خبر واحد يحكى فعله أو قوله أو تقريره فكذلك و إلا فليس نقل الإجماع بمجرده موجبا للظن بدخول المعصوم و لا كاشفا عنه كما زعموه. ثم ان العلم بدخول المعصوم في زمان ظهوره و انحصار حملة الحديث في قوم معروفين أو بلدة محصورة ممكن اما في مثل زماننا هذا كزمان الغيبة الكبرى فالحق انه لا طريق الى العلم به- لأنه إنما يكون بطريق التواتر بان ينقله في كل طبقة جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب مستندون الى الحس بمعاينة اعمال جميع من يتوقف انعقاد الإجماع عليه أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول و العمل على نوع من التقية و نحوها مع تشتتهم و انتشارهم في أقطار الأرض و انزوائهم في الطوامير و السراديب و حرصهم على ان لا يطلع عليهم و لا على عقائدهم و مذاهبهم و هو كما لا يخفى ممتنع عادة- و لا الى ظنه بنقله بطريق الآحاد لما ذكرنا من التشتت و الانزواء المانعين من اطلاع آحاد الناس.

و قال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المعالم- بعد ان أسلف انه يتجه ان يقال ان المدار في الحجية على العلم بدخول المعصوم (عليه السلام) من غير حاجة الى اشتراط اتفاق جميع المجتهدين أو أكثرهم و لا سيما معروفى النسب، و نقل عن المحقق في المعتبر ما تقدم نقله في كلام والده مما يتضمن التصريح باشتراط العلم القطعي بدخول المعصوم (عليه السلام) في حجية الإجماع- ما هذا لفظه: هنا فوائد (الأولى) الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا و ما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل الى العلم بقول الامام كيف و هو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم و يكون قوله مستورا بين أقوالهم و هذا مما يقطع بانتفائه، فكل إجماع يذكر في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) مما يقرب من عصر الشيخ الى زماننا هذا و ليس مستندا الى نقل متواترا أو آحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم فلا بد ان يراد به ما ذكره الشهيد (قدس سره) من الشهرة، و اما الزمان السابق على ما ذكرنا المقارب لعصر ظهور الأئمة (عليهم السلام) و إمكان الاطلاع على أقوالهم فيمكن فيه

372

حصول الإجماع و العلم بطريق التتبع، و الى مثل هذا نظر بعض علماء أهل الخلاف حيث قال: و الإنصاف يقتضي ان لا طريق إلى معرفة حصول الإجماع إلا في زمن الصحابة حيث كان المؤمنون قليلين لا يتعذر معرفتهم بالتفصيل.

و قال الفاضل المولى محمد باقر الخراساني (قدس سره) صاحب الذخيرة و الكفاية في رسالته في المسألة بعد الكلام في المسألة: (فإن قلت) الآية و الأخبار كما ذكرت دالة على الوجوب العيني إلا ان الأصحاب نقلوا الإجماع على انتفاء الوجوب العيني، و ممن نقل ذلك العلامة في النهاية و التذكرة و الشيخ على و الشهيد الثاني في شرح اللمعة و شرح الألفية و هو ظاهر كلام المحقق و الشهيد، و الإجماع الذي نقله هؤلاء الأعيان من فضلاء أصحابنا حجة إذ التعويل في موارد الإجماع و الخلاف على قولهم فاذن سقط القول بالوجوب العيني، و اعترف جماعة منهم بان الكتاب و السنة دالان على الوجوب العيني لكن دعاهم الى عدم القول به إجماع الأصحاب (رضوان الله عليهم) على انتفائه (قلت) هذا هو الداء العضال و الشبهة التي بها زلت اقدام و عدلت عن الحق أقوام و أخطأت التحقيق افهام لكنه عند الفحص الصحيح و النظر بمكان من الضعف، ثم أطال في بيان عدم تحققه و إمكانه زمن الغيبة الى ان قال: (الثاني) نجد في كثير من المسائل ادعى بعضهم الإجماع عليه مع وجود الخلاف فيه بل من المدعى نفسه في كتاب آخر سابق عليه أولا حق به، و كذلك نجد بعض من ادعى الإجماع على حكم و ادعى آخر الإجماع على خلافه حتى قد يتفق ذلك من المدعى نفسه، و حسبك في هذا الباب ما وقع للسيد المرتضى و الشيخ ابى جعفر في الانتصار و الخلاف مع كونهما امامى الطائفة و مقتدييها، و من أغرب ذلك دعوى السيد المرتضى في الكتاب المذكور إجماع الإمامية على وجوب التكبيرات الخمس في كل ركعة للركوع و السجود و القيام منهما، ثم ساق جملة من إجماعاته التي من هذا القبيل، ثم نقل ذلك عن العلامة و عن المحقق الشيخ على.

و لهذا الفاضل المذكور في الذخيرة بحث طويل في الطعن في الإجماع في باب

373

غسل الجنابة في مسألة الوطء في الدبر و قد أشبع الكلام فيه و نفى كونه من الأدلة الشرعية و إنما غايته الصلوح للتأييد.

و اما صاحب المدارك فإنه نقل في الكتاب المذكور انه صنف رسالة في رد الإجماع و إبطاله.

فإن قيل: ان هؤلاء المذكورين كثيرا ما يستندون إليه في جملة من المسائل.

(قلنا) نعم ربما يستسلقونه مجازفة في مواضع و ربما قيدوه بقولهم «ان تم» أو «ان ثبت» و اما في مقام التحقيق فإنهم يمزقونه تمزيقا و يجعلونه حريقا. و على هذا النهج كلام جملة من متأخري المتأخرين.

و بالجملة فإن ملخص القول في ذلك هو انه غير متحقق الوقوع و لا الإمكان لما عرفت من اتفاق كلمة هؤلاء الأعيان، و غاية ما ربما يتشبث به الخصم هو ان الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة و هو باطل من وجوه:

الأول- انه حيث قد عرفت ما وقع لهم من الاختلاف و الاضطراب في دعوى الإجماع كما قدمنا نقله عن رسالة شيخنا الشهيد الثاني من ضبط جملة من الإجماعات التي ادعى الشيخ فيها الإجماع على حكم و ادعى الإجماع على خلافه و هكذا دعاوي المرتضى الإجماع على ما يتفرد به و نحوه غيره، فإنه لا وثوق حينئذ بنقلهم لهذا الإجماع في هذه المسألة فلعله من قبيل تلك الإجماعات التي نفاها عليهم من تأخر عنهم.

الثاني- انه مع غض النظر عن ذلك فإنه من المقرر في كلامهم و الجاري في قواعدهم انهم لا يجمعون بين الدليلين متى تعارضا إلا مع التكافؤ في الصحة و إلا فتراهم يطرحون المرجوح أو يأولونه بما يرجع به الى الراجح، و لا ريب في ان هذا الإجماع المدعى إنما هو في قوة خبر مرسل بل أضعف فلا يقوم بمعارضة ما سنذكره ان شاء الله تعالى من الأخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة فالواجب طرحه من البين.

الثالث- انه من القواعد المقررة عن أهل العصمة (عليهم السلام) عرض

374

الأخبار في مقام الاختلاف على الكتاب العزيز و الأخذ بما وافقه و ما خالفه يضرب به عرض الحائط (1) فإذا كانت اخبارهم الصحيحة الصريحة ترد مع مخالفة الكتاب العزيز فكيف هذا الإجماع الذي يرجع في التحقيق الى قول جماعة قليلة من الأصحاب؟

الرابع- تحقق الخلاف في المسألة كما سيأتي ان شاء الله تعالى نقله عن جماعة من متقدمي الأصحاب كالشيخ المفيد و الكليني و الصدوق و ابى الصلاح و الكراجكي بل هو ظاهر غيرهم من المتقدمين كما ذكره شيخنا زين الدين في الرسالة و تلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد في كتاب العقد الطهماسى، و سيأتي نقل كلامهما ان شاء الله تعالى و حينئذ فكيف تتم دعوى الإجماع و الحال كما عرفت؟

الخامس- انهم عللوا هذا الإجماع بعلة ضعيفة روما لتقويته و زيادته على سائر الإجماعات كما سيأتي نقله عن المحقق في المعتبر، و سيأتي الكلام عليها و بيان ضعفها ان شاء الله تعالى عند نقل القول بالتخيير.

السادس- ان ظاهر كلام أكثرهم ان هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام (عليه السلام) و التمكن منه كما أومأ إليه المحقق (قدس سره) حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام (عليه السلام) و اما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه.

و أظهر منها عبارة الشهيد في الذكرى حيث قال: التاسع- اذن الامام كما كان النبي (صلى الله عليه و آله) يأذن لأئمة الجماعات و أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده و عليه اتفاق الإمامية، هذا مع حضور الامام و اما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان. الى آخر كلامه و سيأتي نقله ان شاء الله تعالى بتمامه.

و نحوه كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروضة و قال (قدس سره): ان الذي يدل عليه كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان موضع الإجماع المدعى انما هو

____________

(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

375

حال حضور الامام و تمكنه و الشرط المذكور حينئذ انما هو إمكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة، لأنهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب و يدعون الإجماع عليه أولا ثم يذكرون حال الغيبة و ينقلون الخلاف فيه و يختارون جوازها حينئذ أو استحبابها معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به في المسألة و صرحوا به في الموضعين، فلو كان الإجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك بل اختيار جواز فعلها بدونه أيضا، فإنهم يصرحون بأنه شرط للوجوب ثم يذكرون الحكم حال الغيبة و يجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب، و هو دليل بين على ان الوجوب الذي يجعلونه مشروطا بالإمام و ما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العيني حال حضوره بناء منهم على ان ما عداه لا يسمونه واجبا و ان أمكن إطلاقه عليه من حيث انه واجب تخييري. و على هذا الوجه يسقط الاستدلال بالإجماع في موضع النزاع لو سلمنا تمامه في غيره.

السابع- ان كلامهم في الاذن لا يخلو من تشويش لدلالة بعض عباراتهم على ان المراد الاذن لخصوص شخص بعينه لهذه الصلاة بخصوصها أو لما يشملها و بعض يدل على الاذن العام الشامل للفقيه، و بعضها على الأعم الشامل لكل من يصلح للإمامة و على هذا تسقط فائدة النزاع.

قال الشيخ في الخلاف- بعد ان اشترط أولا في الجمعة الإمام أو نائبه و نقل فيه الإجماع- ما هذا لفظه (فان قيل) أ ليس قد رويتم في ما مضى من كتبكم انه يجوز لأهل القرى و السواد من المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذي تنعقد بهم ان يصلوا جمعة؟ (قلنا) ذلك مأذون فيه مرغب فيه فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم. انتهى. و ظاهره ان الاذن الذي ادعى الإجماع على اشتراطه أولا يشمل الاذن العام كما ينادى به قوله «فجرى مجرى ان ينصب الامام من يصلى بهم» و حينئذ فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص فأي مانع من الوجوب العيني

376

و لهذا نسب الوجوب العيني إلى الشيخ في الخلاف لظاهر هذه العبارة، قالوا: و قوله «مأذون و مرغب» لا ينافي ذلك.

أقول: فلينظر العاقل الفطن المنصف المتقيد بقيود الشريعة في هذا الإجماع المدعى في هذا المقام و المعول عليه عند هؤلاء الاعلام ما هو عليه من الضعف و تطرق الطعن اليه الظاهر لكل ناظر من الأنام، و هل يستجيز مؤمن يخاف الله تعالى ان يخرج عن ظواهر الأخبار الساطعة الأنوار المستفيضة الصحيحة الصريحة مضافا الى الآية الشريفة (1) بهذا الإجماع (2) الذي لما عرفت تمجه الطباع مضافا الى ما عرفت في أصل الإجماع. ثم انه كيف يشترط في العمل بالكتاب و السنة عمل الشيخ و المرتضى و أتباعهما بذلك (3) و اى فرق بين الشيخ و من تبعه في هذه المسألة و بين الشهيد الثاني و من تأخر عنه؟ حيث تعتبر أقوال أولئك و لا تعتبر أقوال

____________

(1) سورة الجمعة الآية 9.

(2) قد ظهر بما تقدم ص 365 في التعليقة 1 ص 363 ان هذا الإجماع ان كان بنظر الفقيه كاشفا عن قول المعصوم فلا مناص له من رفع اليد عن ظهور الأخبار و الآية في الوجوب التعييني إن تم ظهورهما فيه عنده لان قول المعصوم المستكشف بالإجماع يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، و ان لم يكن كاشفا عنه عنده فلا مسوغ لتقديمه على ظهور الآية و الأخبار إلا إذا كان قائلا بحجية الشهرة الفتوائية و كانت الشهرة متحققة في جانب نفى الوجوب التعييني بنظره فإنه يمكن القول بترجيحها على ظهور الأدلة لكونها قرينة على عدم ارادة الظاهر منها كالخبر الصحيح الصريح في نفى الوجوب التعييني.

(3) لم يعتبر فقيه من فقهاء الإمامية عمل الشيخ و المرتضى و أتباعهما بالكتاب في العمل به و لا وجه لتوهم ذلك و انما المعتبر فيه عند الفقهاء الرجوع الى ما ورد عن الأئمة «ع» في بيانه فان ورد شيء عنهم «ع» يكون بيانا فهو المتبع و إلا كان ظاهره حجة خلافا لبعض حيث أوقف جواز العمل به في كل مورد على ورود البيان عنهم «ع» و قد تقدم الكلام منه «(قدس سره)» في هذا الموضوع في المقدمة الثالثة ج 1 ص 27 و ان أردت تجلى الحقيقة في هذا البحث فارجع الى البيان الآية الله الخوئي ج 1 ص 182.

377

هؤلاء مع انه لا ريب عند كل ناظر و سامع ممن عرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ان هؤلاء أدق فهما و اذكى ذهنا و أشد تيقظا و أكثر تتبعا و أقرب الى الصواب (1) و ابتداء الفحص و التحقيق و ترك التقليد للسلف نشأ من زمن الشهيد الأول و ان أحدث المحقق و العلامة شيئا من ذلك.

قال شيخنا الشهيد الثاني في الدراية: ان أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ و متابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء و ما دروا ان مرجعها الى الشيخ (قدس سره) و ان الشهرة إنما حصلت بمتابعته. ثم قال: و ممن اطلع على هذا الذي تبينته و تحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي و السيد رضى الدين بن طاوس و جماعة، قال السيد (قدس سره) في كتابه المسمى بالبهجة لثمرة المهجة: أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس (قدس الله تعالى روحه) ان الحمصي حدثه انه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك. و قال السيد عقيب ذلك: و الآن قد ظهر ان الذي يفتي به و يجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين. انتهى.

أقول: و من إبطال هذين الأصلين يظهر بطلان ما ابتنى عليهما من القول

____________

(1) المعروف بين الفقهاء عدم جواز العمل بالخبر الذي يعرض عنه القدماء منهم و ان كان واجدا لشروط الحجية، و السر في ذلك ان إعراضهم عنه مع كونه بمرأى منهم يكشف عن اطلاعهم على خلل فيه يوجب سقوطه عن الحجية، و بهذا يظهر وجه اعتبار عمل المتقدمين و ان عمل المتأخرين دون المتقدمين لا اثر له لأن الأخبار انما وصلت الى المتأخرين من طريق المتقدمين و عصرهم قريب من عصر الأئمة «ع» فيمكن ان يطلعوا على ما لا يطلع عليه المتأخرون مما يكشف عن وجود خلل في الخبر و لهذا ينسب الى بعضهم ان الخبر المعرض عنه كلما ازداد صحة ازداد و هنا. و اما كون المتأخرين أدق فهما فهذا شيء لا يرتبط بناحية سند الخبر و الاطلاع على ان فيه خللا أو لا و لا دخل له فيه أصلا و هو واضح.

378

بالتحريم في هذه المسألة كما هو القول النادر الشديد الندور، و القول بالوجوب التخييري كما هو بين جملة من المتأخرين مشهور، و منه يظهر قوة القول بالوجوب العيني المؤيد بالآية و الأخبار و المنصور كما ستأتي أدلته ان شاء الله تعالى ساطعة الظهور كالنور على الطور.

و إذ قد عرفت ذلك فلنشرع الآن في الأقوال المذكورة في المسألة و ما يتعلق بها من الكلام و تحقيق البحث فيها و ما ذكر فيها من نقض و إبرام مستمدين منه سبحانه التوفيق للسلامة من زلل الاقدام و زيغ الافهام متوسلين في ذلك بأهل الذكر (عليهم السلام):

فنقول: ينبغي أن يعلم أولا ان هنا مقامات (الأول) انه هل يشترط الامام المعصوم في الجمعة أو نائبه أم لا؟ (الثاني) انه هل هذا الشرط شرط في الانعقاد أو الوجوب؟ (الثالث) ان هذا الشرط مخصوص بزمان الحضور أو يشمل الغيبة أيضا؟ (الرابع) ان المراد بالنائب هل هو الخاص أو العام الذي يشمل الفقيه حال الغيبة أو الأعم الشامل لإمام الجماعة؟ (الخامس) ان وجوبها على تقدير اشتراط الفقيه عيني أو تخييري؟ أقوال و لكل من هذه الشقوق قائل، و الذي استقر عليه رأي جملة من محققي متأخري المتأخرين و هو الحق اليقين الذي لا يداخله الظن و لا التخمين هو ان وجوب هذه الفريضة مع اجتماع شرائطها الآتية ان شاء الله تعالى كغيرها من الفرائض اليومية لا توقف فيها على حضور الامام و لا غيبته و لا اذنه و لا غير ذلك وقوفا على ظواهر الأدلة الواردة فيها من الكتاب و السنة.

و لا خلاف بين أصحابنا في وجوبها عينا مع حضوره (عليه السلام) أو نائبه الخاص و انما الخلاف في زمن الغيبة و عدم وجود الاذن على الخصوص على أقوال:

[القائلين بالوجوب العيني]

(الأول) القول بالوجوب العيني و هو المختار المعتضد بالآية و الأخبار و به صرح جملة من مشاهير علمائنا الأبرار (رضوان الله عليهم) متقدميهم و متأخريهم:

أحدهم- الشيخ المفيد (قدس سره)

حيث قال في المقنعة: و اعلم ان الرواية

379

جاءت

عن الصادقين (عليهم السلام) (1) «ان الله جل جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة فقال جل من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (2).

و قال الصادق (عليه السلام) (3) «من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة طبع الله على قلبه».

ففرضها- وفقك الله- الاجتماع على ما قدمناه إلا انه بشريطة حضور إمام مأمون على صفات يتقدم الجماعة و يخطبهم خطبتين يسقط بهما و بالاجتماع عن المجتمعين من الأربع ركعات ركعتان، و إذا حضر الإمام وجبت الجمعة على سائر المكلفين إلا من عذره الله تعالى منهم، و ان لم يحضر امام سقط فرض الاجتماع، و ان حضر امام يخل شرائطه بشريطة من يتقدم فيصلح به الاجتماع فحكم حضوره حكم عدم الإمام. و الشرائط التي تجب في من يجب معه الاجتماع ان يكون حرا بالغا طاهرا في ولادته مجنبا من الأمراض الجذام و البرص خاصة في خلقته مسلما مؤمنا معتقدا للحق في ديانته مصليا للفرض في ساعته، فإذا كان كذلك و اجتمع معه أربعة نفر وجب الاجتماع. و من صلى خلف امام بهذه الصفات وجب عليه الإنصات عند قراءته و القنوت في الاولى من الركعتين في فريضته و من صلى خلف امام بخلاف ما وصفناه رتب الفرض على المشروح في ما قدمناه.

و يجب حضور الجمعة مع من وصفناه من الأئمة فرضا و يستحب مع من خالفهم تقية. انتهى.

و ظاهر الشيخ في التهذيب موافقته في ذلك حيث انه بعد نقل هذا الكلام استدل له بجملة من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى الدالة على ما نقله عنه و لم يتعرض لتأويلها و لا الجواب عنها كما هو دأبه في ما يخالف اختياره.

____________

(1) المقنعة ص 27 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) سورة الجمعة الآية 9.

(3) المقنعة ص 27 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

380

و قال (قدس سره) في كتاب الاشراف باب عدد ما يجب به الاجتماع في صلاة الجمعة: عدد ذلك ثمانية عشرة خصلة: الحرية و البلوغ و التذكير و سلامة العقل و صحة الجسم و السلامة من العمى و حضور المصر و الشهادة للنداء و تخلية السرب و وجود أربعة نفر بما تقدم ذكره من هذه الصفات و وجود خامس يؤمهم له صفات يختص بها على الإيجاب: ظاهر الإيمان و الطهارة في المولد من السفاح و السلامة من ثلاثة أدواء البرص و الجذام و المعرة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام و المعرفة بفقه الصلاة و الإفصاح بالخطبة و القرآن و اقامة فرض الصلاة في وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه بحال و الخطبة بما تصدق عليه من الكلام. و إذا اجتمعت هذه الثمانية عشرة خصلة وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرناه و كان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الأيام. انتهى. و هو صريح في ان المعتبر في إمام الجمعة هو المعتبر في إمام الجماعة.

و المراد من الوجوب في عبارته هو الوجوب العيني لأن ذلك هو ظاهر الإطلاق و المنصرف اليه اللفظ بالاتفاق سيما مع قوله في العبارة الاولى: و يجب الحضور مع من ذكرناه فرضا.

ثم عقب ما ذكره في كتاب الاشراف بقوله: باب من يجتمع في الجمعة و هو خمسة نفر في عدد الامام و الشاهدين و المشهود عليه و المتولي لإقامة الحدود. و هو ظاهر بل صريح في ان المعتبر حضور قوم بعدد المذكورين لا عينهم كما توهمه من ذهب الى ذلك استنادا الى خبر محمد بن مسلم الآتي ان شاء الله تعالى (1) و ان اشتمل على سبعة بزيادة القاضي و المدعى.

الثاني- الشيخ أبو الصلاح الحلبي

في كتابه الكافي حيث قال: لا تنعقد الجمعة إلا بإمام الملة أو منصوب من قبله أو من تتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذر الأمرين. هذه عبارته و هي صريحة الدلالة في الاكتفاء عند تعذر الامام و منصوبه

____________

(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

381

بإمام الجماعة، و ليس في عبارات الأصحاب في هذا الباب اجلى و لا أوضح منها، و يؤكد ذلك قوله في باب الجماعة من الكتاب المذكور: و اولى الناس بها إمام الملة أو من نصبه فان تعذر الأمر ان لم تنعقد إلا بإمام عدل. الى آخره. و منه يعلم ان حكم الجمعة و الجماعة عنده أمر واحد.

و مراده بالوجوب العيني كما صرح به أخيرا في كتابه حيث قال بعد ذلك:

و إذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة و انتقل فرض الظهر من أربع ركعات الى ركعتين بعد الخطبة، و تعين فرض الحضور على كل رجل مسلم بالغ سليم مخلى السرب حاضر بينه و بينها فرسخان فما دونهما و يسقط فرضها عن من عداه فان حضرها تعين عليه فرض الدخول فيها جمعة.

و من العجيب مع تصريحه بذلك في الكتاب المذكور ما اتفق لشيخنا الشهيد في البيان حيث انه نقل عنه القول بعدم شرعيتها في حال الغيبة كما ذهب اليه سلار و ابن إدريس مع تصريحه كما سمعت بالوجوب العيني، مع انه نقل عنه في كتاب نكت الإرشاد القول بالاستحباب الراجع الى الوجوب التخييري و كذا نقله عنه العلامة في المختلف، و كل من النقلين كما ترى ليس في محله لما عرفت من تصريحه بالوجوب العيني.

الثالث- الشيخ أبو الفتح الكراجكي

في كتابه المسمى بتهذيب المسترشدين قال- بعد ان ذكر جملة من أحكام الجمعة و ان العدد المعتبر فيها خمسة- ما هذا لفظه: و إذا حضرت العدة التي يصح أن تنعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة و كان امامهم مرضيا متمكنا من اقامة الصلاة في وقتها و إيراد الخطبة على وجهها و كانوا حاضرين آمنين ذكورا بالغين كاملين العقول أصحاء وجبت عليهم فريضة الجمعة جماعة و كان على الامام ان يخطب بهم خطبتين و يصلى بهم بعدهما ركعتين. الى آخره. و هذه العبارة أيضا صريحة في الاكتفاء للجمعة بإمام مرضى للجماعة و هي لعمومها لحال الحضور و الغيبة كعبارة المفيد في الإشراف.

382

الرابع- الشيخ عماد الدين الطبرسي

في كتاب نهج العرفان إلى هداية الإيمان حيث قال بعد نقل الخلاف بين المسلمين في وجوب الجمعة: ان الإمامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور و مع ذلك يشنعون عليهم بتركها حيث انهم لم يجوزوا الائتمام بالفاسق و مرتكب الكبائر و المخالف في العقيدة الصحيحة. و تقريب الدلالة فيها- على ما ذكره شيخنا زين الدين في رسالة الجمعة- ان العلة في ترك الشيعة الإمامية صلاة الجمعة و التهاون بها ما عهد من قاعدة مذهبهم انهم لا يقتدون بالمخالف و لا الفاسق و الجمعة إنما تقع في الأغلب من أئمة المخالفين و نوابهم فكانوا متهاونين بها لهذا الوجه، فتركهم الجمعة لهذه العلة لا لأمر آخر فلو كانوا يشترطون في وجوبها بل في جوازها مطلقا اذن الامام المفقود حال الغيبة أصلا أو أكثريا بالنسبة إلى الموضع الذي يحضر فيه النائب بل في زمان حضوره ايضا لعدم تمكنه غالبا من نصب الأئمة لها حينئذ أيضا و لا مباشرتها بنفسه لما تصور العاقل ان الإمامية أكثر إيجابا لها من العامة، لأن ذلك معلوم البطلان ضرورة و إنما يكونون أكثر إيجابا من حيث انهم لا يشترطون فيها المصر كما يقوله الحنفي و لا جوفه و لا حضور أربعين كما يقوله الشافعي (1) و يكتفون في إيجابها بإمام يقتدي به أربعة مكلفون بها، فيظهر بذلك كونهم أكثر إيجابا من الجمهور و إنما منعهم من إقامتها غالبا ما ذكرناه من فسق الأئمة. انتهى.

الخامس- شيخنا ثقة الإسلام الكليني (قدس سره)

في الكافي حيث قال في كتاب الصلاة: باب «وجوب الجمعة و على كم تجب» ثم نقل

صحيحة محمد بن مسلم و ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان الله تعالى فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة.

____________

(1) عمدة القارئ ج 3 ص 263 و البحر الرائق ج 2 ص 151 و نيل الأوطار ج 3 ص 287 و المهذب ج 1 ص 110 و الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 291 و 292.

(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

383

الى آخرها»

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) «فرض الله تعالى على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله عز و جل في جماعة و هي الجمعة. إلى آخرها».

و سيأتي نقلها بتمامها. ثم روى أخبار أخر في تعيين العدد و وجوب حضور من كان على رأس فرسخين و اشتراط الفصل بين الجمعتين بثلاثة أميال و اقتصر على ذلك. و هو ظاهر في ان مذهبه و ما يفتي به هو الوجوب العيني من دون شرط اذن و لا تجويز الترك الى بدل، إذ لو كان يعتقد شيئا من ذلك أو وصل اليه حديث بذلك لذكره و لو اشارة. و إنما نسبنا ذلك اليه مذهبا لما صرح به في صدر كتابه من قوله لبعض إخوانه الذي صنف لأجله الكتاب الذي شكى اليه ان أمورا قد أشكلت عليه لا يعرف وجهها و انه يجب ان يكون عنده كتاب كاف يجمع من جميع فنون العلم ما يكتفى به المتعلم و يرجع اليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) و السنن القائمة التي عليها العمل و بها يؤدى فرض الله تعالى و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله): و قد يسر الله تعالى و له الحمد تأليف ما سألت. الى آخره.

السادس- شيخنا رئيس المحدثين الصدوق أبو جعفر محمد بن على بن الحسين ابن بابويه القمي

في كتاب الفقيه حيث قال فيه- بعد ان قدم ما صدر به كتابه من انه إنما قصد إلى إيراد ما يفتي به و يحكم بصحته و يعتقد انه حجة بينه و بين ربه- باب «وجوب الجمعة و فضلها و من وضعت عنه و الصلاة و الخطبة فيها»

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لزرارة بن أعين «إنما فرض الله عز و جل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله عز و جل في جماعة و هي الجمعة.».

ثم ذكر الحديث بتمامه. و هو ظاهر بل صريح بالنظر الى ما صرح به في صدر كتابه (2) في ان مذهبه و ما يفتي به هو مضمون هذه الرواية. و لا ريب ان

____________

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) تقدم منه «(قدس سره)» ص 115 خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة.

384

مقتضى مضمونها هو الوجوب العيني من غير شرط و لا تخيير فإن أصحابنا المخالفين لنا في المسألة- كما عرفت آنفا و ستعرف- معترفون بدلالة هذه الأخبار على الوجوب العيني و انما صرفهم عنها ما يزعمه شذوذ منهم أنها اخبار آحاد و آخرون الإجماع على نفى الوجوب العيني فيرتكب التأويل فيها بالحمل على الوجوب التخييري جمعا بين الأدلة، و حينئذ فمن ليس لهذا الإجماع عنده عين و لا أثر كالصدوق و نحوه من المتقدمين الذين لا يتجاوزون مدلول الأخبار و بها افتاؤهم و عليها عملهم مع الكتاب العزيز على ممر الأدوار و الأعصار فلا ريب في نسبة هذا القول اليه بذكره هذه الاخبار و نقلها في كتابه بعد ان يعنون الباب بالوجوب.

و قال (قدس سره) في المقنع في باب صلاة الجمعة: و ان صليت الظهر مع الإمام بخطبة صليت ركعتين و ان صليت بغير خطبة صليتها أربعا و قد فرض الله تعالى من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله تعالى في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين، و من صلاها وحده فليصلها أربعا كصلاة الظهر في سائر الأيام.

قال شيخنا الشهيد الثاني في الرسالة الموضوعة في المسألة: و دلالة هذه العبارة على المراد واضحة. من وجوه: (منها) قوله «و ان صليت الظهر مع الإمام. الى آخره» فان المراد بالإمام حيث يطلق في مقام الاقتداء من يقتدى به في الصلاة أعم من كونه السلطان العادل أو غيره. و هذه العبارة خلاصة

قول الصادق (عليه السلام) في موثقة سماعة (1) حيث سأله عن الصلاة يوم الجمعة فقال: «اما مع الامام فركعتان و اما من يصلى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر يعني إذا كان امام يخطب فإذا لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و ان صلوا جماعة».

هذا آخر الحديث و الصدوق طريقته في هذا الكتاب ان يذكر متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد

____________

(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة و آدابها.

385

و لا يغيرها غالبا. و ايضا فلا يمكن حمله على السلطان من وجه آخر و هو انه ليس بشرط بإجماع المسلمين فان الشرط عند القائل به هو أو من نصبه و لا شك ان منصوبه غيره. و (منها) قوله «تسقط عن تسعة» و عدهم، و هو مدلول رواية زرارة المتقدمة (1) الدالة على المطلوب، فان مفهومها عدم سقوطها عن غيرهم فيتناول موضع النزاع. و (منها) قوله

«و من صلاها وحده فليصلها أربعا»

و هذا يقابل قوله سابقا

«و ان صليت الظهر مع الامام»

و مقتضاه ان من صلاها في جماعة مطلقا يصليها اثنتين كما تقدم. و لا تعرض لجميع العبارة باشتراط السلطان العادل و ما في معناه مطلقا. انتهى كلامه.

و قال (قدس سره) في الأمالي في وصف دين الإمامية: و الجماعة يوم الجمعة فريضة واجبة و في سائر الأيام سنة فمن تركها رغبة عنها و عن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له. و وضعت الجمعة عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين. انتهى.

و تأويلها بالتخصيص بزمان الحضور- مع انه بصدد بيان مذهب الإمامية للعمل به في جميع الأحوال و الأزمان- تعسف محض لا يخفى على ذوي الأذهان و الافهام.

هذا ما وقفت عليه من كلام المتقدمين و اما المتأخرون عن عصر شيخنا الشهيد الثاني ممن قال بهذا القول فهم أكثر من أن يأتي عليهم قلم الإحصاء و ان يدخلوا في حيز الاستقصاء إلا انه لا بأس بذكر جملة من مشاهيرهم و نقل عبائرهم في المقام تتمة لما قدمناه من متقدمي علمائنا الأعلام:

السابع- شيخنا الشيخ زين الدين

في رسالته المشهورة و هو أول من كشف الغطاء عن هذه المسألة بعد اندراسها و أحيا رسومها بعد انطماسها، و قد تقدم و سيأتي ان شاء الله تعالى نقل جملة من كلماته.

الثامن- حافده سيد المحققين السيد محمد

في كتاب المدارك، قال بعد نقل

____________

(1) ص 383.

386

جملة من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى: فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثنى تقتضي الوجوب العيني، إذ لا اشعار فيها بالتخيير بينها و بين فرد آخر خصوصا

قوله (عليه السلام) (1) «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه».

فإنه لو جاز تركها الى بدل لم يحسن هذا الإطلاق، و ليس فيها دلالة على اعتبار حضور الامام (عليه السلام) أو نائبه بوجه بل الظاهر من

قوله (عليه السلام) (2) «فان كان لهم من يخطب جمعوا».

و قوله (3) «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم».

خلافه كما سيجيء تحقيقه ان شاء الله تعالى و قال جدي في رسالته الشريفة التي وضعها في هذه المسألة بعد ان أورد نحو ما أوردناه من الأخبار و نعم ما قال: فكيف يسع المسلم الذي يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع أمر الله و رسوله و الأئمة (صلوات الله عليهم) بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم ان يقصر في أمرها و يهملها الى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها و أمر الله و رسوله و خاصته (صلوات الله عليهم) أحق و مراعاته اولى، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (4) و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله و يسامح (5) نسأل الله العفو و الرحمة بمنه و كرمه. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) سورة النور الآية 63.

(5) أقول: ان كان نظره «(قدس سره)» في ما ذكره الى الفقيه و هو من تكون وظيفته الرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى الأدلة و استنباطها منها فاللازم على مثل هذا الشخص في هذه المسألة- كسائر المسائل الفقهية- أن يفحص بالمقدار الميسور له عن أدلتها و ينظر فيها و يستفرغ وسعه و يعمل غاية جهده في ذلك و لا يكون منه ادنى تهاون في هذا الشأن، و يلزمه العمل على طبق ما يؤدى إليه نظره ان ادى الى اللزوم، و يجزئه ذلك ان ادى الى عدم اللزوم و يكون معذورا في مخالفة الواقع ان كانت كما هو واضح، و عليه فان تم بنظره ظهور الآية و الأخبار في الوجوب التعييني و تحقق عنده الإجماع الكاشف عن قول المعصوم على عدم الوجوب التعييني فاللازم عليه ان يفتي بالوجوب التخييري لأن قول المعصوم يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، و ان لم يتحقق عنده الإجماع على ذلك فمن الواضح انه يجب عليه الجري على ظواهر الأدلة و الفتوى على طبقها، و هل يحتمل في حق فقيه من فقهائنا أن يقصر في أمر الحكم الشرعي و يفتي بما لا يعتقد صحته بينه و بين الله و يعرض عن أمر الله تعالى و رسوله «(صلى الله عليه و آله)» المعلوم له بالدليل و يتعلل في ذلك بخلاف بعض العلماء؟ كلا ثم كلا، و انما الخلاف و الاشكال في تشخيص أمر الله و انه بأي شيء تعلق. نعم هنا شيء ربما يوجب اطمئنان الفقيه بعدم كون الحكم هو الوجوب التعييني و ان تم بنظره ظهور الآية و الأخبار فيه و لم يقم عنده إجماع على الخلاف و هو انه إذا كان الفرض يوم الجمعة هو صلاة الجمعة على التعيين لكان اللازم- مع ظهور الآية فيه و ورود الأخبار الكثيرة عنهم «ع» في شأنها بحد لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم «ع» في هذه المسألة من الاخبار البالغة في الاشتهار و الانتشار و التهديد و التشديد و الحث الأكيد إلى حد لا يقبل الإنكار كما ذكر ذلك المصنف «(قدس سره)» في نهاية القول الثاني من الأقوال- اشتهار هذا الحكم بين أصحاب الأئمة «ع» و الفقهاء و تسالمهم عليه بل كونه من الأمور الواضحة الضرورية بين جميع الشيعة كسائر الفرائض اليومية، و حيث ان الأمر ليس كذلك بالوجدان- بل عمل الطائفة على عدم الوجوب التعييني في سائر الأعصار و الأمصار كما ذكره الشهيد في كلامه الآتي ص 392- يكشف ذلك عن ان الحكم الواضح المعروف بين أصحاب الأئمة «ع» لم يكن ذلك و إلا لاستمر وضوح الحكم الى يومنا هذا و تواتر بحيث لم يكن فيه مجال للشك و الارتياب. هذا كله إذا كان نظره الى الفقيه الذي وظيفته الاستنباط و إذا كان نظره الى من لم يبلغ مرتبة الاستنباط فمن الواضح ان وظيفته الرجوع الى الفقيه و أخذ الحكم الشرعي منه، و كل ما يفتي به من يجب عليه الرجوع اليه فهو حكم الله في حقه و ليس له العمل بما يفهمه من الأخبار. و بما ذكرناه يظهر ما في الكلام المذكور من التهويل من دون ان يقتضيه دليل.

387

التاسع- شيخنا الفاضل الشيخ حسين بن عبد الصمد

تلميذ شيخنا الشهيد الثاني

388

و والد شيخنا البهائي، قال في رسالته المعروفة بالعقد الطهماسى: تتمة مهمة- و مما يتحتم فعله في زماننا صلاة الجمعة اما لدفع تشنيع أهل السنة إذ يعتقدون انا نخالف الله و الرسول (صلى الله عليه و آله) و إجماع العلماء في تركها و ظاهر الحال معهم، و اما بطريق الوجوب الحتمي و الإعراض عن الخلاف لضعفه لقيام الأدلة القاطعة الباهرة على وجوبها من القرآن و أحاديث النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة المعصومين الصحيحة الصريحة التي لا تحتمل التأويل بوجه، و كلها خالية من اشتراط الإمام و المجتهد بحيث انه لم تحضرني مسألة من مسائل الفقه عليها أدلة بقدر أدلة صلاة الجمعة من كثرتها و صحتها و المبالغة فيها، و لم نقف لمن اشترط المجتهد على دليل ناهض و كيف مع معارضة القرآن و الأحاديث الصحيحة، و لا قال باشتراطه أحد من العلماء المتقدمين و لا المتأخرين ما عدا الشهيد في اللمعة و في باقي كتبه وافق العلماء و لم يشترطه نعم تبعه عليه المحقق الشيخ على. ثم قال و ملخص الأقوال ثلاثة: الوجوب الحتمي من غير تعرض للمجتهدين و هو ظاهر كلام كل العلماء المتقدمين و جماعة من المتأخرين. و الثاني- الوجوب التخييري بينها و بين الظهر و هو مذهب المتأخرين ما عدا سلار و ابن إدريس، و ادعوا عليه الإجماع و لم يشترطوا مجتهدا. و الثالث- المنع منها حال الغيبة مطلقا سواء حضر المجتهد أو لا و هو مذهب سلار و ابن إدريس، و اتفق الكل على ضعف دليله و بطلانه. و الذي يصلى الجمعة يكون قد برئت ذمته و ادى الفرض بمقتضى كلام الله و رسوله و الأئمة (صلوات الله عليهم) و جميع العلماء، و خلاف سلار و ابن إدريس و الشيخ لا يقدح في الإجماع لما تقرر من قواعدنا ان خلاف الثلاثة و الأربعة بل و العشرة و العشرين لا يقدح في الإجماع إذا كانوا معلومي النسب و هذا من قواعدنا الأصولية الإجماعية، و الذي يصلى الظهر تصح صلاته على مذهب هذين الرجلين و المتأخرين لأنهم ذهبوا الى التخيير و لا تصح بمقتضى كلام الله و رسوله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة المعصومين و العلماء المتقدمين «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (1) نعم لو أراد أحد تمام الاحتياط للخروج من خلاف هذين

____________

(1) سورة الانعام الآية 81.

389

الرجلين صلى الظهر بعدها. و ليهيئ تاركها الجواب لله تعالى لو سأله يوم القيامة لم تركت صلاة الجمعة و قد أمرت بها في كتابي العزيز على أبلغ وجه و أمر بها رسولي الصادق (صلى الله عليه و آله) على آكد وجه و أمر بها الأئمة الهادون (عليهم السلام) و أكدوا فيها غاية التأكيد و وقع إجماع المسلمين على وجوبها في الجملة؟ فهل يليق من العاقل الرشيد ان يقول تركتها لأجل خلاف سلار و ابن إدريس؟ ما هذا إلا عمى أو تعامى أو تعصب مضر بالدين أجارنا الله و إياكم منه و جميع المسلمين (1) انتهى كلامه زيد مقامه

العاشر- الفاضل المحقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني

في رسالته الموسومة بالاثني عشرية و ابنه الفاضل الشيخ محمد، قال في الرسالة: شرط وجوب الجمعة الآن حضور خمسة من المؤمنين فما زاد و يتأكد في السبعة و ان يكون فيهم من يصلح للإمامة و يتمكن من الخطبة. و قال ابنه الفاضل في شرح هذه الرسالة مشيرا الى الأخبار المتقدمة: و هذه الأخبار كما ترى مطلقة في وجوب الجمعة عينا و الحمل على التخييري موقوف على قيام ما يصلح للدلالة على وجوب الآخر و إلا فالدلالة على الفرد المذكور وحده لا يعتريه شوب الارتياب و لا يخفى مفادها على ذوي الألباب. و ما ينقل من الإجماع على انتفاء العيني في زمن الغيبة فقد سمعت الكلام في نظيره. انتهى.

الحادي عشر- الشيخ الفقيه الزاهد الشيخ فخر الدين بن طريح النجفي

في شرح الرسالة المتقدمة، حيث قال: اما في زمن الغيبة كهذا الزمان الذي عبر عنه المصنف بالآن فللعلماء في انعقادها و عدمه أقوال ثلاثة. الى ان قال: و (ثالثها) الوجوب العيني من غير تعرض للمجتهد و هو ظاهر كلام أكثر المتقدمين كما نقل عنهم، و ما ظفرنا فيه شاهد على هذا النقل كعبارة المفيد في المقنعة فإنها صريحة في عدم اشتراط الإمام أو نائبه في الوجوب العيني و قد نقل ذلك عنه في كتاب الاشراف، ثم ساق ملخص العبارة و نقل القول بذلك من جملة ممن قدمنا ذكره، الى

____________

(1) راجع التعليقة 5 ص 386 لتظهر لك حقيقة الحال.

390

أن قال: و ما ادعوه من الإجماع غير تام فإنه لو تم فإنما هو بنقل الواحد، و على تقدير تسليم حجيته لا يزيد عن الخبر بل ربما يكون بمنزلة الخبر المرسل فإذا عارض الأخبار رجعنا الى الترجيح و رجحان الأخبار هنا غير خفي لصراحتها. ثم قال و لله در الشهيد الثاني حيث قال في بعض كتبه كيف يسع المسلم. الى آخر ما قدمناه.

الثاني عشر- الفقيه المحدث محمد تقى المشهور بالمجلسي

والد شيخنا صاحب البحار في رسالة مبسوطة ألفها في تحقيق هذه المسألة و إثبات الوجوب العيني من غير اشتراط، و قد أبلغ الكلام فيها غايته و جاوز نهايته بنقل آيات باهرة و اخبار كثيرة ظاهرة و ذكر وجوه دلالتها متعاضدة متكاثرة، قال (قدس سره) فذلكة:

فصار مجموع الأخبار مائتي حديث، فالذي يدل على الوجوب بصريحه من الصحاح و الحسان و الموثقات و غيرها أربعون حديثا، و الذي يدل بظاهره على الوجوب خمسون حديثا، و الذي يدل على المشروعية في الجملة أعم من أن يكون عينيا أو تخييريا تسعون حديثا، و الذي يدل بعمومه على وجوب الجمعة و فضلها عشرون حديثا ثم الذي يدل بصريحه على وجوب الجمعة إلى يوم القيامة حديثان، و الذي يدل على عدم اشتراط الاذن بظاهره ستة عشر حديثا بل أكثرها كذلك كما مرت الإشارة إليه في تضاعيف الفصول، و أكثرها أيضا يدل على الوجوب العيني كما أشير إليه، فظهر من هذه الأخبار المتواترة الواضحة الدلالة التي لا يشوبها شك و لا يحوم حولها شبهة من طرف سيد الأنبياء و المرسلين و الأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) ان صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم عدا ما استثنى.

و ليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام و لا من نصبه و لا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة العظيمة، فكيف يليق بالمؤمن الذي يخاف الله إذا سمع مواقع أمر الله و رسوله و أئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) و إيجابها على كل مسلم و على كل مؤمن و على كل عاقل ان يقصر في أمرها و يتعلل بخلاف سلار و ابن إدريس فيها مع اتفاق كافة العلماء على وجوبها؟ و أمر الله تعالى و رسوله و أئمته (صلوات الله عليهم أجمعين) أحق و مراعاته أولى «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ

391

يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (1) انتهى.

الثالث عشر- الفقيه الفاضل المولى محمد باقر السبزواري

في رسالة ألفها في الوجوب العيني في هذه المسألة فإنه قال فيها- بعد نقل الأدلة و البراهين على الوجوب العيني بلا شرط- ما صورته: و مما ذكرنا ظهر ان الذي يقتضيه التحقيق و الأدلة القاهرة الظاهرة ان صلاة الجمعة في زمن الغيبة واجبة عينا و انه لا يعتبر فيها الفقيه بل يكفى العدل الجامع لشرائط الإمامة. الى ان قال فلا يليق إهمالها و تعطيلها و هجرها استنادا الى العلل العليلة و الأهواء الردية و مع ذلك فقد أهمل الناس مثل هذه الفريضة المؤكدة و تركوها و هجروها في بلاد المؤمنين مع انتفاء التقية من قبل المخالفين.

و قال في موضع آخر من هذه الرسالة أيضا: و ما كان حق هذه الفريضة العظيمة من فرائض الدين ان يبلغ التهاون بها الى هذا الحد مع أن شرائط الوجوب متحققة في أكثر بلاد الايمان خصوصا في هذه الأعصار و الأزمان، و العجب كل العجب من طائفة من المسلمين كيف يقدمون على إنكار هذه الفريضة العظيمة و يشنعون على من فعلها أو قصد الإتيان بها و يبالغون في ذلك أشد المبالغة من غير أن يكونوا على بينة و يتمسكوا في ذلك بحجة؟ فيا عجبا كيف جرأتهم على الله تعالى و رسوله (صلى الله عليه و آله) و اقدامهم على الحق و اهله. و سيجمع الله بين الفريقين في موقف واحد هناك و يرفع حجاب كل مكتوم و يعرف الظالم من المظلوم «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2) فالى الله المشتكى في كل حال و عليه التوكل في المبدأ و المآل. انتهى.

الرابع عشر- المحدث الكاشاني

و له في المسألة رسالة اختار فيها الوجوب العيني، قال في صدر الرسالة المذكورة: مقدمة- اعلم أيدك الله بروح منه ان وجوب صلاة الجمعة أظهر من الشمس في رابعة النهار و انه مما اتفق عليه علماء الإسلام في جميع الأعصار و سائر الأمصار و الأقطار كما صرح به جم غفير من

____________

(1) التعليقة 5 ص 386.

(2) سورة الشعراء الآية 228 و يرجع الى التعليقة 5 ص 386.

392

الأخبار، و ان جميع علماء الإسلام طبقة بعد طبقة قاطعون بأن النبي (صلى الله عليه و آله) استمر بفعلها على الوجوب العيني طول حياته المقدسة و ان النسخ لا يكون بعده، و لم يذهب الى اشتراط وجوبها بشرط يوجب سقوطها إلا رجل أو رجلان من متأخري فقهائنا الذين هم أصحاب الرأي و الاجتهاد دون الأخباريين من القدماء الذين هم لا يتجاوزون مدلول ألفاظ الكتاب و السنة و اخبار أهل البيت (عليهم السلام) (1) فإنه لا خلاف بينهم في وجوبها العيني الحتمي و عدم سقوطها أصلا إلا للتقية، كما لا اختلاف في ألفاظ القرآن و الحديث في ذلك، و انما وقعت في الشبهة أصحاب الآراء من المتأخرين لما رأوا من ترك أجلة الأصحاب لها برهة من الزمان دون برهة فزعموا ان لها شرطا آخر غير ما ثبت من الأخبار الصحيحة و انه قد يوجد و قد لا يوجد و إلا لما تركها هؤلاء الأجلاء وقتا دون وقت كما قال الشيخ الشهيد (قدس سره) بعد إثباته الوجوب العيني بالبرهان: إلا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار (2) و اتفقت آراؤهم على ان ذلك الشرط إنما هو حضور السلطان العادل أو من نصبه لذلك، و كأنهم عنوا بالسلطان العادل- كما صرح به بعضهم- الإمام المعصوم (عليه السلام) فاشترطوا حضوره إذا تيسر كما في بلد إقامته في دولة الحق و اذنه (عليه السلام) لها إذا لم يتيسر الحضور كما في البلاد الأخر ذلك الوقت، و لذلك لما رأوا أن الأئمة كانوا كذلك يفعلون في دولتهم محقين كانوا أو مبطلين و لما رأوا ان العامة يستدلون عليه بان الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن و الحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف و لن يستمر الأمر إلا مع السلطان فاستحسنوا هذا الاستدلال كما استحسنوا أصل الاجتهاد و القول بالرأي منهم ثم زعموا ان ذلك كان شرطا لشرعية هذه الصلاة. ثم اختلف هؤلاء فمنهم من عمم هذا الشرط لزمان الحضور و الغيبة

____________

(1) مقتضى كلامه (قدس سره) ان المجتهدين لا يتقيدون في استنباط الأحكام بالكتاب و السنة و اخبار أهل البيت «ع» و قد تقدم في التعليقة 1 ص 363 ما يرتبط بالمقام.

(2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 فقد تقدم فيها ما يتعلق بالمقام.

393

فحكم بسقوط الصلاة في الغيبة لعدم إمكان الشرط حينئذ و هو محمد بن إدريس صريحا و سلار بن عبد العزيز ظاهرا و هما اللذان كنينا عنهما بالرجل و الرجلين، و انما أتينا بالترديد لاحتمال كلام سلار التأويل بما يرجع الى الحق، و منهم من خص الشرط بزمان الظهور و أسقطه في زمان الغيبة لامتناعه. ثم اختلف هؤلاء فمنهم من جعل الوجوب حينئذ حتميا من دون رخصة في تركها فوافق رأيهم مذهب القدماء الأخباريين و سائر الأمة، و منهم من زعم ان في تركها حينئذ رخصة و ان وجوبها حينئذ تخييري و انها أفضل الفردين الواجبين تخييرا فهي مستحبة عينا واجبة تخييرا و اليه ذهب شرذمة من مشاهيرهم، و ذلك لما رأوا من ترك أصحابنا لها في بعض الأوقات كما ذكرناه، و الاشتباه وقع لهم من عبارات بعض من تقدم عليهم و لا سيما الشيخ الطوسي الذي هو قدوتهم كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى.

و كأنهم عنوا بالتخيير- كما صرح به بعضهم- ان الناس بالخيار في إنشائها و جمع العدد لها و تعيين الإمام لأجلها فإذا فعلوا ذلك و عزموا على فعلها تعين على كل من اجتمعت له الشرائط الأخر حضورها و لا يسع أحدا التخلف عنها حينئذ لا ان لآحاد الناس حينئذ التخيير في حضورها و عدمه، و منهم من زعم ان الإذن العام قائم مقام الإذن الخاص في زمان الغيبة فاشترط فيها حضور الفقيه لأنه نائب الامام على العموم و مأذون من قبله في إجراء الأحكام، و اليه ذهب واحد أو اثنان من متأخريهم.

و كل من أصحاب هذه الآراء ادعى الإجماع على رأيه مع انه لا مستند لإجماعه من كتاب و لا سنة و لا خبر و ليس لرأيه من هذه الدلائل الثلاثة عين و لا اثر. انتهى ما أردنا نقله من كلام المحدث المتقدم ذكره.

الخامس عشر- شيخنا غواص بحار الأنوار

و مستخرج ليالي النكت و الآثار قال (قدس سره) في كتاب البحار- بعد الأبحاث الطويلة و ذكر جملة من اخبار المسألة- تتميم: جملة القول في هذه المسألة التي تحيرت فيها الأفهام و اضطربت فيها الإعلام انه لا أظن عاقلا يترتب في انه لو لم يكن الإجماع المدعى فيها لم يكن لأحد

394

مجال شك في وجوبها على الأعيان في جميع الأحيان و الأزمان كما في سائر الفرائض الثابتة بالكتاب و السنة، فكما ليس لأحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر و زكاة الغنم مشروطان بوجود الإمام و حضوره و اذنه فكذا ههنا لعدم الفرق بين الأدلة الدالة عليها، لكن طرأ ههنا نقل إجماع من الشيخ و تبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في سائر المسائل فهو عروتهم الوثقى و حجتهم العظمى به يتصاولون فاشتهر في الأصقاع و مالت اليه الطباع، و الإجماع عندنا- على ما حققه علماؤنا في الأصول- هو قول جماعة من الأمة يعلم دخول قول المعصوم (عليه السلام) في أقوالهم و حجيته إنما هو باعتبار دخول قوله (عليه السلام) فهو كاشف عن الحجة و الحجة إنما هو قوله (عليه السلام) قال المحقق في المعتبر. ثم نقل كلامه المؤذن بذلك ثم قال و الإجماع بهذا المعنى لا ريب في حجيته على فرض تحققه و الكلام في ذلك. ثم انهم (قدس الله أرواحهم) لما رجعوا الى الفروع كأنهم نسوا ما أسسوه في الأصول فادعوا الإجماع في أكثر المسائل سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا وافق الروايات المنقولة فيها أم لا، حتى ان السيد (رضى الله عنه) و أضرابه كثيرا ما يدعون الإجماع في ما ينفردون بالقول به أو يوافقهم عليه قليل من اتباعهم، و قد يختار هذا المدعى للإجماع قولا آخر في كتابه الآخر، و كثيرا ما يدعى أحدهم الإجماع على مسألة و يدعى غيره الإجماع على خلافه، فيغلب على الظن ان مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول بأن سموا الشهرة عند جماعة من الأصحاب إجماعا كما نبه عليه الشهيد في الذكرى و هذا بمعزل عن الحجية، و لعلهم انما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره من الدلائل التي ظهرت لهم. و لا يخفى ان في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الإجماع إذ مع فرض الاطلاع على مذاهب جميع الإمامية مع تفرقهم و انتشارهم في أقطار البلاد و العلم بكونهم متفقين على مذهب واحد لا حجة فيه، لما عرفت ان العبرة عندنا بقول المعصوم و لا يعلم دخوله فيها. و ما يقال- من انه يجب حينئذ على المعصوم ان يظهر القول بخلاف ما أجمعوا عليه لو كان باطلا فلما لم

395

يظهر ظهر انه حق (1)- لا يتم سيما إذا كانت في روايات أصحابنا رواية بخلاف ما أجمعوا عليه، إذ لا فرق بين ان يكون إظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان انه قول فقيه و بين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجودة في روايات أصحابنا. الى ان قال: و ايضا دعوى الإجماع إنما نشأ من زمن السيد و الشيخ و من عاصرهما ثم تابعهما القوم و معلوم عدم تحقق الإجماع في زمانهم فهم ناقلون عن من تقدمهم فعلى تقدير كون مرادهم بالإجماع هذا المعنى لكان في قوة خبر مرسل فكيف ترد به الأخبار الصحيحة المستفيضة (2) و مثل هذا يمكن أن يركن اليه عند الضرورة و فقد دليل آخر أصلا. إلى آخر كلامه زيد في إكرامه

فهذه جملة من عبائر من وصل إلينا كلامهم في القول بالوجوب العيني، و اما غيرهم ممن قال بهذا القول فقد ذكرنا آنفا ان قلم الإحصاء لا يأتي عليهم إلا ان الذي حضرني الآن منهم جماعة: منهم-

المحقق العماد مير محمد باقر الداماد

، قال المحدث الكاشاني في رسالته المشار إليها آنفا انه كان يواظب على فعلها متى تيسر له، قال و قد صلينا معه غير مرة.

و منهم-

العلامة السيد الماجد البحراني

، قال المحدث المشار إليه في الرسالة: و كان استاذنا المتبحر السيد ماجد بن هاشم الصادقي البحراني (طاب ثراه) من المواظبين عليها بشيراز و قد صليت معه زمانا طويلا و كنا في ذلك الأوان نستفيد من بركات صحبته بكرة و أصيلا، و كان يقول مقتضى الدليل

____________

(1) اختلف الاعلام في مستند القطع برأي المعصوم «ع» من الإجماع، فقيل انه دخول شخصه «ع» في المجمعين و يحكى ذلك عن السيد المرتضى، و قيل انه قاعدة اللطف بالتقريب المذكور في المتن و يحكى ذلك عن شيخ الطائفة، و قيل ان سببه هو الحدس برأيه «ع» و رضاه بما أجمع عليه للملازمة العادية بين اتفاق المرؤوسين المنقادين على شيء و بين رضا الرئيس بذلك الشيء و يحكى ذلك عن بعض المتقدمين، و قيل ان سببه هو تراكم الظنون من الفتاوى الى حد يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر و قيل ان سببه هو كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين.

(2) قد تقدم في التعليقة 5 ص 386 ما يرتبط بالمقام.

396

الوجوب الحتمي و لم يثبت الإجماع على خلافه. انتهى.

و قال أيضا في الرسالة: و كان السيدان الجليلان أمير محمد زمان ولد أمير محمد جعفر و أمير معز الدين محمد (رحمهم الله) تعالى) مواظبين على هذه الصلاة بمشهد الرضا (صلوات الله عليه) برهة من الزمان، و قد صنف أحدهما في الوجوب العيني في زمان الغيبة رسالة رأيتها و لم تحضرني الآن. انتهى.

و منهم-

المحقق المدقق الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني

صاحب كتاب رياض المسائل، و له في المسألة رسالة قد رد فيها على الشيخ الفقيه الشيخ سليمان ابن على بن أبي ظبية الشاخورى البحراني، حيث ان الشيخ سليمان المذكور كان يذهب الى التحريم في هذه المسألة و كتب فيها رسالة فكتب الشيخ المحقق المذكور رسالة في ردها و نقضها.

و منهم-

الشيخ العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني

و تلميذه المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني- و قد جرى بين الشيخ عبد الله المذكور و بين الفاضل المشهور بالفاضل الهندي من علماء أصفهان- و كان يقول بالتحريم- مباحثات في المسألة و صنف الشيخ المذكور رسالة في الرد عليه سماها اسالة الدمعة للقائل بتحريم صلاة الجمعة، كذا ذكر في بعض تحقيقاته. و لم أقف على الرسالة المذكورة- و الفاضل المشهور المولى عبد الله التستري، و نقله شيخنا المحقق المدقق الشيخ احمد بن الشيخ محمد بن يوسف البحراني عن الشيخ ابن ميثم البحراني صاحب شرح نهج البلاغة.

و منهم-

الآخوند المشهور بملا رفيعا

المجاور بالمشهد الرضوي حيا و ميتا و المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي و الشيخ على بن الشيخ جعفر بن الشيخ على بن سليمان البحراني و الشيخ أحمد بن عبد الله البحراني أحد تلامذة شيخنا الشيخ سليمان و الفاضل الشريف الملا أبو الحسن بن الشيخ محمد طاهر المجاور بالنجف الأشرف حيا و ميتا في شرحه على المفاتيح.

397

و بالجملة فجملة من تأخر عن شيخنا الشهيد الثاني و وقفت على رسالته من الفضلاء المحققين فكلهم على الوجوب العيني إلا الشاذ النادر ممن قال بالتحريم أو الوجوب التخييري كما لا يخفى على من له انس و اطلاع على العلماء و سيرهم و أحوالهم و انما أطلنا الكلام بنقل كلام هؤلاء الأعلام و أسماء من ذهب الى هذا القول و ان كان خارجا عن ما هو المقصود و المرام لما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين (سامحه الله بعفوه و غفرانه) مما لا يليق ان ينسب إليه في هذا المقام، حيث قال: الصنف السادس- جماعة جاهلون قاصرون أو غافلون أو متجاهلون متغافلون و هم الذين يقولون وجوب الجمعة في زمن الغيبة بالوجوب العيني أيضا من اليقينيات، ينسبون فقهاءنا المتقدمين و المتأخرين إلى الإجماع على الجهل و القصور و الغفلة و الغرور نعوذ بالله من هذا. الى آخر كلامه، فان فيه (أولا) ان القائلين بالوجوب العيني هم الأكثر كما عرفت من كلامنا و كلام شيخنا الشهيد الثاني و غيره. و (ثانيا) ان أحدا لم يقل ما ذكره من هذه الألفاظ الظاهرة في سوء الأدب و غاية ما ربما يقولون ان منشأ القول بالتخيير هو الغفلة عن تتبع الأدلة و إعطاء التأمل حقه في المسألة. و هذا ليس ببدع و لا منكر كما هو شائع في كلام علمائنا جيلا بعد جيلا، على انه قد وقع منهم ما هو أعظم من ذلك كما سجل به المحقق و العلامة على ابن إدريس من الطعن فيه حتى نسبوه الى الجهل في جملة من المواضع، و من شيخنا المفيد في كتاب تصحيح اعتقادات الصدوق و رسالته التي في الرد عليه في عدم جواز السهو على المعصوم كما لا يخفى على من راجعها، و هذه سجية بين العلماء جارية قديما و حديثا.

و بالجملة فكلامه- دام ظله- لا يخلو من غفلة عن تتبع أقوال من نقلنا عنه القول بالوجوب و عدم الاطلاع على مذاهبهم و أقوالهم و عدم إعطاء النظر حقه في الأدلة و الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و التقط من لذيذ هذه الثمار. و في كلامه سلمه الله تعالى مناقشات واسعة ليس في التعرض لها كثير فائدة. فهذا ما ذكر من معى و ذكر من قبلي (1) في إيجاب هذه الفريضة المعظمة و الصلاة المحتمة.

[الأول ما استدل به على الوجوب التعييني]

____________

(1) اقتباس من الآية 24 سورة الأنبياء.

398

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الدليل على هذا القول المختار منحصر في الآية و الأخبار و هما الثقلان المأمور بالتمسك بهما من النبي المختار (صلى الله عليه و آله) اللذان من أخذ بهما نجى من أهوال المبدأ و المآل و من تنكب عنهما وقع في تيه الضلال.

و الكلام هنا يقع في مقامين

(المقام الأول) الآية الشريفة

أعني قوله عز و جل «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (1) و التقريب فيها اتفاق المفسرين على ان المراد بالذكر في الآية صلاة الجمعة أو خطبتها أو هما معا، نقل ذلك غير واحد من العلماء، و الأمر للوجوب على ما تحقق في الأصول، و قد قدمنا في مقدمات الكتاب ما يدل على ذلك من الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية، فلا حاجة الى الأدلة الأصولية القابلة للبحث و النزاع، و لا سيما الأوامر القرآنية فإن الخلاف بينهم إنما هو في أوامر السنة كما تقدم ذكره في المقدمات المشار إليها. و سياق الآية ظاهر في إرادة الصلاة أو ما يشمل الخطبة فكأنه قال: «إذا نودي للصلاة فاسعوا إليها» و سماها ذكرا تنويها بشأنها، و به أيضا ينادى قوله تعالى «فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ» و يعضد ذلك

ما رواه في الكافي عن جابر بن يزيد عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قلت له قول الله عز و جل فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ؟ قال اعملوا و عجلوا فإنه يوم مضيق على المسلمين فيه و ثواب اعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم و الحسنة و السيئة تضاعف فيه. قال و قال أبو جعفر (عليه السلام) و الله لقد بلغني ان أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخميس لانه يوم مضيق على المسلمين».

أقول: الظاهر ان المراد من الخبر المذكور انه حيث كان وقت صلاة الجمعة مضيقا بساعة زوال الشمس- كما ستأتيك الأخبار به ان شاء الله تعالى في المقام- لا اتساع فيه كغيره من أوقات الصلاة في سائر الأيام وقع الحث على تقطيع العلائق و ازالة

____________

(1) سورة الجمعة الآية 9.

(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجمعة و آدابها.

399

العوائق عن الإتيان بالصلاة في ذلك الوقت إذ لا سعة فيه كما عرفت حتى انهم كانوا يتجهزون للفراغ للصلاة و يقضون اعراضهم التي ربما تمنع من الإتيان بها في وقتها في يوم الخميس كما دل عليه الخبر المذكور.

و المراد بالنداء الأذان أو دخول وقته كما ذكره المفسرون،

و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: «روى انه كان بالمدينة إذا أذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد حرم البيع لقول الله عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» (2).

و حينئذ فالمستفاد من الآية المذكورة الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة لكل واحد من المؤمنين متى تحقق الأذان لها أو دخول وقته، و حيث ان الأصل عدم التقييد بشرط يلزم عموم الوجوب بالنسبة إلى زمان الغيبة و الحضور.

و قد أورد على هذا الدليل وجوه من الإيرادات لا بأس بذكرها و ذكر ما أجيب به عنها:

الأول- ان كلمة «إذا» غير موضوعة للعموم لغة فلا يلزم وجوب السعى كلما تحقق النداء بل يتحقق بالمرة و هي عند تحقق الشرط.

و الجواب عن ذلك ان «إذا» و ان لم تكن موضوعة للعموم لغة إلا انه يستفاد منها العموم في أمثال هذه المواضع اما بحسب الوضع العرفي أو بحسب القرائن الدالة عليه كما قالوه في آية الوضوء و أمثالها، على ان حملها على الإهمال يجعل الكلام خاليا من الفائدة المعتد بها و هو مما يجب تنزيه كلام الحكيم عنه. و أيضا فإنه لا يخلو اما أن يكون المراد إيجاب السعي و لو في العمر مرة واحدة أو إيجابه على سبيل العموم أو إيجابه بشرط حضور الإمام أو نائبه، لا سبيل إلى الأول لمخالفته لإجماع المسلمين إذ الظاهر انهم متفقون على انه ليس المراد من الآية إيجاب

____________

(1) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) سورة الجمعة الآية 9.

400

السعي و لو في الجملة بحيث يتحقق بالمرة بل الظاهر المعلوم اطباقهم على ان المراد التكرار، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا يقبل الإنكار. و اما الثالث فإنه لا سبيل إليه أيضا لكونه خلاف الظاهر من اللفظ إذ لا دلالة للفظ عليه و لا قرينة تؤنس به و تشير اليه، و العدول عن الظاهر يحتاج الى دليل قاهر. على انك قد عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى انه لا وجود لهذا الشرط الذي ذكروه و لا معنى لهذا الاعتبار الذي اعتبروه. و حينئذ فيتعين الثاني و هو المطلوب.

و زاد بعض الأفاضل في الجواب قال: و ايضا الخطاب عام بالنسبة الى جميع المؤمنين سواء تحقق الشرط المدعى بالنسبة إليه أم لا فعلى تقدير تجويز ان لم يكن المراد بالآية التكرار يلزم إيجاب السعي على من لم يتحقق الشرط بالنسبة اليه و لو مرة و يلزم منه الدوام و التكرار لعدم القائل بالفصل. انتهى.

و بالجملة فإنه لا يخفى على المتأمل بعين التحقيق و المنصف الناظر بالفكر الصائب الدقيق ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية المضاهية لبيت العنكبوت و انه لا ضعف البيوت، إذ لا يخفى على من تأمل سياق السورة المذكورة و فعله (صلى الله عليه و آله) مدة حياته و الخلفاء من بعده حقا أو جورا ان المراد من الآية انما هو التكرار و الاستمرار مدى الأزمان و الأعصار لا ما توهمه هذا المورد من صدق ذلك و لو مرة واحدة.

الثاني- ان الأمر في الآية معلق على ثبوت الأذان فمن اين ثبت الوجوب مطلقا؟

و الجواب انه يلزم بصريح الآية الإيجاب متى تحقق الأذان و يلزم منه الإيجاب مطلقا لعدم القائل بالفصل و اتفاق المسلمين على ان الأذان ليس شرطا لوجوب الجمعة، و لعل فائدة التعليق على الأذان الحث على فعله لتأكد استحباب الأذان لها حتى ذهب بعضهم الى وجوبه لها. و يحتمل أن يكون المراد من النداء دخول الوقت على سبيل الكناية كما ذكره في الكشاف.

(فان قيل) لنا ان نعارض ذلك و نقول انه يستفاد من الآية عدم وجوب السعى عند عدم الأذان و يلزم من ذلك انتفاء الوجوب في بعض صور انتفاء الشرط

401

المتنازع فيه و يلزم منه عدم الوجوب عند عدم الشرط المذكور مطلقا لعدم القائل بالفصل.

(قلنا) إذا حصلت المعارضة بين منطوق الكلام و مفهومه فدلالة المفهوم مطرحة باتفاق المحققين كما حقق في محله، على ان التعليق بالأذان إنما خرج مخرج الغالب و يعتبر في دلالة المفهوم ان لا يكون للتعليق فائدة سوى انتفاء الجزاء بانتفاء شرطه و الأمر هنا بناء على ما ذكرنا ليس كذلك.

قال شيخنا زين الملة و الدين في رسالته الموضوعة في المسألة: (لا يقال) الأمر بالسعي في الآية معلق على النداء لها و هو الأذان لا مطلقا و المشروط عدم عند عدم شرطه فيلزم عدم الأمر بها على تقدير عدم الأذان. سلمنا لكن الأمر بالسعي إليها مغاير للأمر بفعلها ضرورة انهما غير ان فلا يدل على المدعى. سلمنا لكن المحققين على ان الأمر لا يدل على التكرار فيحصل الامتثال بفعلها مرة واحدة (لأنا نقول) إذا ثبت بالأمر أصل الوجوب حصل المطلوب لإجماع المسلمين قاطبة فضلا عن الأصحاب على ان الوجوب غير مقيد بالأذان و انما علقه على الأذان حثا على فعله لها حتى ذهب بعضهم الى وجوبه لها لذلك، و كذا القول في تعليق الأمر بالسعي فإنه أمر مقدماتها على أبلغ وجه، و إذا وجب السعى لها وجبت هي أيضا إذ لا يحسن الأمر بالسعي إليها و إيجابه مع عدم إيجابها، و لإجماع المسلمين على عدم وجوبه بدونها، كما أجمعوا على انها متى وجبت وجب تكرارها في كل وقت من أوقاتها على الوجه المقرر ما بقي التكليف بها كغيرها من الصلوات اليومية و العبادات الواجبة مع ورود الأوامر بها مطلقة كذلك، و الأوامر المطلقة و ان لم تدل على التكرار لم تدل على الوحدة فيبقى إثبات التكرار حاصلا من خارج بالإجماع و النصوص، و سنتلوا عليك ما يدل على التكرار صريحا. انتهى كلامه زيد مقامه.

قال شيخنا غواص بحار الأنوار في الكتاب المذكور- و نعم ما قال- بعد ذكر أصل الاعتراض الذي قدمنا ذكره: و الجواب انه يلزم بصريح الآية الإيجاب متى

402

تحقق الأذان و يلزم منه الإيجاب مطلقا، مع انا قد قدمنا ان الظاهر ان المراد دخول وقت النداء. و اعترض عليه بوجوه سخيفة اخرى الاعراض عنها أحرى و بعضها يتضمن الاعتراض على الله تعالى، إذ لا يترتب متتبع في ان الآية إنما نزلت لوجوب صلاة الجمعة و الحث عليها فقصورها عن افادة المرام يؤول إلى الاعتراض على الملك العلام، و يظهر الجواب عن بعضها مما قررناه سابقا في تفسير الآيات. ثم ان أمثال تلك الاعتراضات انما يحسن ممن لم يستدل في عمره بآية و لا خبر في حكم من الأحكام و اما من كان دأبه الاستدلال بالظواهر و الإيهامات على الأحكام الغريبة لا يليق به تلك المناقشات و هل توجد آية أو خبر لا يمكن المناقشة في الاستدلال به بأمثال ذلك؟ و من العجب انهم يقولون ورد في الخبر ان الذكر رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيمكن أن يكون المراد به هنا السعي إليه (صلى الله عليه و آله) و لا يعرفون ان الأخبار الواردة في تأويل الآيات و بطونها لا تنافي الاستدلال بظواهرها، فقد ورد في كثير من الأخبار ان الصلاة رجل و الزكاة رجل و ان العدل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الإحسان أمير المؤمنين (عليه السلام) و الفحشاء و المنكر و البغي الثلاثة، و أمثال ذلك أكثر من ان يحصى، و شيء منها لا ينافي العمل بظواهرها و الاستدلال بها، و قد حققنا معانيها و أشبعنا الكلام فيها في تضاعيف هذا الكتاب و الله الموفق للصواب. انتهى كلامه (رفع مقامه) و هو جيد رشيق و سيأتي في كلامنا ان شاء الله ما يؤيده من التحقيق.

الثالث- ان الخطاب انما يتوجه الى الموجودين عند المحققين و لا يشمل من سيوجد إلا بدليل من خارج و ليس إلا الإجماع و هو لا يجري في موضع الخلاف.

و الجواب ان التحقيق- كما ذكره غير واحد من المحققين- ان الخطاب يتوجه الى المعدومين بتبعية الموجودين إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم كهذه الآية و قد حقق في محله. و الإجماع على عدم اختصاص الأحكام بزمانه (صلى الله عليه و آله) لم يتحقق على كل مسألة مسألة حتى يقال لا يجري في موضع الخلاف بل على هذا المفهوم الكلى مجملا و إلا فلا يمكن الاستدلال بالآيات و الأخبار على شيء من المسائل الخلافية إذا ورد بلفظ

403

الخطاب و هذا سفسطة.

على ان التحقيق ان الأخبار المستفيضة دالة على عدم اختصاص أحكام السنة و الكتاب بزمان دون زمان

و ان حلال محمد (صلى الله عليه و آله) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة (1).

بل جملة منها دالة على ان الخطابات القرآنية شاملة للموجودين في أيامه (صلى الله عليه و آله) و لمن يأتي بعدهم:

روى ثقة الإسلام في الكافي (2) عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب و لكنه حي يجري في من بقي كما جرى في من مضى».

و روى الصدوق في كتاب العلل عن الرضا عن أبيه (عليهما السلام) (3) «ان رجلا سأل أبا عبد الله (عليه السلام) ما بال القرآن لا يزداد على النشر و الدرس إلا غضاضة؟ فقال ان الله لم يجعله لزمان دون زمان و ناس دون ناس فهو في كل زمان جديد و عند كل قوم غض الى يوم القيامة».

و روى في الكافي و التهذيب عن ابى عمرو الزبيري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) حين سأله عن أحكام الجهاد و ساق الخبر الى ان قال «فمن كان قد تمت فيه شرائط الله عز و جل التي وصف بها أهلها من أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) و هو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد كما اذن لهم لان حكم الله في الأولين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون و الأولون و الآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء و الفرائض عليهم واحدة يسأل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسأل الأولون و يحاسبون كما يحاسبون به. الحديث».

____________

(1) الفصول المهمة للحر العاملي ص 84 عن الكليني، و في أصول الكافي باب الشرائع

و في الوسائل الباب 12 من صفات القاضي عن الباقر «ع» عن النبي (ص) قال «حلالي حلال الى يوم القيامة و حرامي حرام الى يوم القيامة» ...

(2) الأصول ج 1 ص 192 الطبع الحديث باب ان الأئمة هم الهداة.

(3) رواه في العيون ص 239 و نقله في البحار ج 19 باب «فضل القرآن و اعجازه» عن العيون و تفسير العياشي و لم ينقله من العلل.

(4) الوسائل الباب 9 من جهاد العدو.

404

و روى في الكافي (1) عن ضريس عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:

«ان الآية تنزل في الرجل ثم تكون في أتباعه. الحديث».

و هذه الأخبار- كما ترى- ظاهرة في المراد لا تعتريها شبهة النقض و لا الإيراد قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين في بعض تحقيقاته: اعلم أيدك الله تعالى انه يدل على وجوب الجمعة عينا مطلقا كتاب الله تعالى حيث أمر فيه المؤمنين بالسعي إلى ذكر الله و ترك البيع بعد النداء للصلاة يوم الجمعة، و هذا الأمر يعم جميعهم الى يوم القيامة على القول بان خطاب المشافهة يعم الكل و لا كلام فيه، و اما على القول بأنه يخص الموجودين زمنه (صلى الله عليه و آله) فلا ريب ان حكمه لم ينسخ في زمنه فهو باق بشروطه الثابتة إلى آخر التكليف لا ناسخ له بعده (صلى الله عليه و آله) و منع ثبوته هنا في بعض الأزمنة كزمان الغيبة للإجماع المنقول مما لا يليق، فإن الإجماع المدعى انما هو على اشتراطه بشرط و لا كلام في انتفاء المشروط حيث انتفى الشرط، انما الكلام في إثبات الاشتراط و هو على مدعيه و ليس على المستدل إثبات العدم و يكفيه عدم وجدان دليله و أصالة العدم و هو واضح، و الأمر حقيقة في الوجوب على ما حقق. انتهى المراد من نقل كلامه زيد مقامه.

أقول: و بذلك يظهر لك ضعف ما ذهب اليه الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في كتاب الذخيرة من جعل الآية المذكورة من المؤيدات لا من الأدلة لهذا الإيراد المذكور في المقام مع ما هو عليه كما عرفت من الانتقاض و الانهدام، حيث قال (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد ذكر الروايات الدالة على ما اختاره من الوجوب العيني: و يؤيده قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ(2) ثم ساق الآية و ساق الكلام في بيان دلالتها الى ان قال: و انما جعلنا الآية من المؤيدات دون الدلائل إذ لقائل ان ينازع في دلالة الآية و يقول المشهور بين المحققين ان الخطابات القرآنية لا تشمل غير الموجودين في زمن الخطاب و انما

____________

(1) الأصول باب الشرك.

(2) سورة الجمعة الآية 9.

405

يعلم شمولها للموجودين و غيرهم بدليل من خارج من الإجماع و غيره، و على هذا فيجوز أن يكون الإيجاب بالنسبة إلى الموجودين في زمن الخطاب بناء على تحقق شرط الوجوب و هو الإمام الصالح لإمامة الجمعة و لا يلزم وجوبه بالنسبة الى غير الموجودين إيجابا مطلقا سواء تحقق الشرط أم لا، نعم صلاحيتها للتأييد غير منكر كما لا يخفى على المتدبر. انتهى. إلا انه في رسالته التي له في المسألة أورد الآية دليلا و أجاب عن ما أورد عليها في المقام و لم يتعرض لهذا الإيراد. و كيف كان فقد عرفت انه لا ورود له.

الرابع- ان الأمر بها معلق على النداء لها و النداء لها يتوقف على الأمر بها للقطع بأنها لو لم تكن مشروعة لم يصح الأذان لها فيلزم الدور. و ايضا الحكم معلق على الأذان لها و هو لا يشرع لها إلا إذا كانت مأمورا بها و تحقق ذلك بدون الشرط المتنازع فيه ممنوع و الجواب عن ذلك ما افاده شيخنا زين الملة و الدين في الرسالة حيث قال:

مقتضى الآية ان الأمر بالسعي معلق على مطلق النداء للصلاة الصالح لجميع افراده، و خروج بعض الافراد بدليل خارج و اشتراط بعض الشرائط فيه لا ينافي أصل الإطلاق، و كل ما لا يدل دليل على خروجه فالآية متناولة له و به يحصل المطلوب قال: و يمكن دفع الدور بوجه آخر و هو ان المعلق على النداء هو الأمر بها الدال على الوجوب و الأذان غير متوقف على الوجوب بل على أصل المشروعية فيرجع الأمر الى ان الوجوب متوقف على الأذان و الأذان متوقف على المشروعية و المشروعية أعم من الوجوب فلا دور. و أيضا فإن النداء المعلق عليه الأمر هو النداء للصلاة يوم الجمعة أعم من كونها أربع ركعات و هي الظهر المعهودة أو ركعتين و هي الجمعة و لا شبهة في مشروعية النداء للصلاة يوم الجمعة مطلقا و حيث ينادى لها يجب السعي إلى ذكر الله و هي صلاة الجمعة أو سماع خطبتها المقتضى لوجوبها و كأنه تعالى قال: إذا نودي للصلاة عند زوال يوم الجمعة فصلوا الجمعة أو فاسعوا إلى صلاة الجمعة و صلوها.

و هذا واضح الدلالة لا إشكال فيه. و لعل السر في قوله تعالى «فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ»

406

و لم يقل «فاسعوا إليها» لئلا يلزم الإشكال المتقدم. انتهى. و منه يعلم الجواب عن وجهي الإيراد.

الخامس- ان مطلق النداء لها غير مراد في الأمر بالسعي عنده بل يحتمل ان يراد به نداء خاص و هو حال وجود الامام (عليه السلام) و قرينة الخصوص الأمر بالسعي الدال على الوجوب لأن الأصحاب لا يقولون به عينا حال الغيبة بل غايتهم القول بالوجوب التخييري و من ثم عبر أكثرهم بالاستحباب أو الجواز حينئذ.

و الجواب ما افاده شيخنا المتقدم ذكره في الرسالة، قال: لأنا نقول لا شك ان النداء المأمور بالسعي معه مطلق شامل بإطلاقه لجميع الأزمان التي من جملتها زمان الغيبة فيدل بإطلاقه على الوجوب المضيق، و الوجوب التخييري الذي ادعاه متأخرو الأصحاب ستعرف ضعف مبناه ان شاء الله تعالى و لكن على تقدير تسليمه يمكن ان يقال ان الأمر بالسعي المقتضي للوجوب لا ينافيه لان الوجوب التخييري داخل في مطلق الوجوب الذي يدل عليه الأمر و فرد من أفراده، فإن الأمر لا يدل على وجوب خاص بل على مطلقه الشامل للعيني المضيق و التخييري و الكفائي و غيرها و ان كان إطلاقه على الفرد الأول منها أظهر و تخصيص كل منها في مورده بدليل خارج عن أصل الأمر الدال على ماهية الوجوب الكلية كما لا يخفى.

السادس- ان الأمر بالسعي على تقدير النداء المذكور ليس عاما بحيث يشمل جميع المكلفين للإجماع على ان الوجوب مشروط بشرائط خاصة كالعدد و الجماعة و غيرهما، و إذا كان مشروطا بشرائط غير معينة في الآية كانت مجملة بالنسبة إلى الدلالة على الوجوب المتنازع فلا يثبت بها المطلوب.

و الجواب ما افاده شيخنا المذكور (منحه الله بالقرب و الحبور) قال: لأنا نقول مقتضى الأمر المذكور و إطلاقه يدل على وجوبها على كل مؤمن و تبقى دلالة باقي الشروط من خارج، فكل شرط يدل عليه دليل صالح يثبت به و يكون مقيدا لهذا

407

الأمر المطلق و ما لا يدل عليه دليل صالح تبقى دلالة هذه الآية الكريمة على أصل الوجوب ثابتة مطلقا. انتهى.

أقول: و التحقيق ان هذه المناقشات في هذه الآية إنما حمل عليها التعصب للقول المشهور و إلا فأي آية من الآيات التي استدلوا بها في الأحكام بل و الأخبار ايضا لا يتطرق إليها أمثال ذلك من الاحتمالات البعيدة و التمحلات السخيفة العديدة؟

و لو قامت هذه الاحتمالات في مقابلة الظواهر لانسد باب الاستدلال إذ لا قول إلا و للقائل فيه مجال، فكيف تقوم الحجة لهم على مخالفيهم في الإمامة بل و أصحاب الملل و الأديان إذا قابلوهم بالاحتمالات في ما يستدلون به من الآيات و الأخبار و نحوها؟ مع ان الناظر المنصف إذا تأمل الآية المذكورة و ما قرنت به في هذه السورة من أولها إلى آخرها لا تخفى عليه دلالة الآية على ما قلناه، و هل المناقش بهذه المناقشات الواهية إلا متعرض للرد على الله و رسوله (صلى الله عليه و آله)؟ إذ من المعلوم ضرورة من الدين وجوب هذه الفريضة المعظمة و لو في الجملة، و من المعلوم بين الخاصة و العامة ان هذه الآية إنما نزلت في الأمر بها و الحث عليها منه تعالى، و الراد لدلالة الآية راد عليه تعالى و على رسوله (صلى الله عليه و آله) كما لا يخفى (1) و من أراد الاطلاع على ما في السورة المذكورة من الإيماء و الإشارة الى ما ذكرنا فليرجع الى ما فصله شيخنا غواص بحار الأنوار (نور الله مرقده) في الكتاب المذكور.

ثم ان مما يؤيد هذه الآية أيضا قوله عز و جل «لٰا تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ» (2) حيث فسر الذكر هنا أيضا بصلاة الجمعة كما نقله جمع من الأصحاب، و قوله عز و جل «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» (3) حيث ان الذي عليه المحققون ان الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر في غير يوم الجمعة و في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة لا غير، و قد مر تحقيق ذلك في مقدمات هذا الكتاب في شرح صحيحة

____________

(1) بالرجوع إلى التعليقة 5 ص 386 يهون أمر هذا التهويل.

(2) سورة المنافقين الآية 9.

(3) سورة البقرة الآية 239.

408

زرارة الواردة بذلك (1) بل قال جماعة من الأصحاب انها هي الجمعة لا غير كما نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن الشهيد الثاني في بعض فوائده.

(المقام الثاني) [الاستدلال بالأخبار]

- و هو الدليل الواضح الظهور بل الساطع النور الذي لا يعتريه نقص و لا قصور إلا عند من غطت على قلبه و لبه غشاوة العصبية للقول المشهور الأخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة كالنور على الطور:

و منها-

صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) قال: «فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين».

أقول: لا يخفى ان غير الجمعة من هذه الفرائض المشار إليها مما لا خلاف و لا إشكال في وجوبها عينا من غير شرط زائد على ما قرر في الصلوات اليومية، و نظم الجمعة فيها و عدها معها أظهر ظاهر في أنها مثلها في الوجوب العيني مع استكمال ما دلت عليه الاخبار و اتفقت عليه علماؤنا الأبرار من الشرائط فيها. و ادعاء الوجوب التخييري على بعض الوجوه موجب لتهافت الكلام و اختلاف حكم الفرائض بغير مائز. و ايضا لو كان وجوبها تخييريا على بعض الوجوه لاستثني ذلك الوجه كما استثنى المملوك و المسافر و غيرهما، فان استثناء هؤلاء إنما هو من الوجوب العيني لا مطلق الوجوب لوجوبها عليهم لو حضروا و إنما لهم الخيرة في الحضور كما تقرر عندهم فالوجوب التخييري ثابت لهم فلا وجه لاستثنائهم دون شركائهم.

و اما تخصيص الوجوب بزمان حضور الإمام (عليه السلام) فغير جائز (أما أولا) فلأنه خلاف الظاهر فيحتاج الى دليل واضح و ليس فليس كما ظهر و سيظهر ان شاء الله تعالى تمام الظهور.

____________

(1) ج 6 ص 20 و 21.

(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

409

و (اما ثانيا) فلأنه ان أريد بزمان حضوره زمان ظهوره على وجه الشوكة و السلطنة و الاستيلاء كما نقل عن جماعة منهم التصريح به فاللازم حينئذ خروج أكثر الجمعات و أكثر الناس عن هذا الحكم لأن أيام ظهور الامام على وجه السلطنة و الاستيلاء قليلة جدا بالنسبة إلى غيرها، و يلزم منه خروج أكثر أفراد العام و هو غير جائز عند المحققين و سياق الخبر ظاهر في رده، و هل يستقيم في الطباع السليمة تجويز أن يكون المعصوم (عليه السلام) في بيان الحكم الشرعي و افادته يبالغ في وجوب شيء و يقول انه واجب على كل مسلم في كل أسبوع إلا جماعة خاصة و يقرنه بصلوات واجبة التكرار في اليوم و الليلة و مع ذلك لا يثبت ذلك الحكم لأحد من أهل عصره و لا لمعظم المسلمين بل انما ثبت لقليل مضوا في زمان النبي (صلى الله عليه و آله) و زمان خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) و سوف يثبت في آخر الزمان بعد ظهور القائم (عليه السلام) ليس إلا؟

و ان أريد بزمن الحضور ما هو أعم من السلطنة و الاستيلاء فلا وجه للتخصيص المذكور، إذ لا فرق بين حضوره مع الخوف و بين غيبته في عدم تمكنه من الصلاة بنفسه و لا بتعيين نائب عنه الذي هو مناط الوجوب العيني عند من نفاه في زمن الغيبة و منها-

صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «ان الله فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة: منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها إلا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي».

و التقريب في هذا الخبر كما في سابقه من المبالغة و التأكيد و الإتيان بلفظ الفرض الدال على تأكد الوجوب كما في سابقه الصريح بلفظ «كل» الذي هو أوضح الألفاظ في العموم في الموضعين مع الاستثناء الموجب لزيادة التأكيد في العموم و الشمول لسائر الأزمنة كالصلوات الأخر التي جمع بينها و بين الجمعة في الحكم و منها-

صحيحة زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب

____________

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

410

الجمعة؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم».

قال بعض المحدثين من متأخري المتأخرين: و هذا نص في عدم اشتراط الإذن الذي ادعوه، و ان مرادهم بالإمام في مثل هذا الموضع امام الصلاة لا المعصوم (عليه السلام) فان سموا مثل هذا إذنا من الإمام و اكتفوا به فهو ثابت الى يوم القيامة لكل من يصلح لان يخطب و يؤم.

و منها-

صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا فان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم. و الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبي».

قال بعض المحدثين «يجمع القوم» بتشديد الميم اى يصلون الجمعة.

و منها-

صحيحة عمر بن يزيد عنه (عليه السلام) (2) «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة و ليلبس البرد و العمامة و يتوكأ على قوس أو عصى و ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة و يقنت في الركعة الأولى منهما قبل الركوع».

و منها-

صحيحة الفضل بن عبد الملك (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر و إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».

أقول: و هذا نص أيضا في عدم اشتراط اذن الامام أو حضوره إلا ان يكتفوا بمثل هذا الإذن العام.

و منها-

صحيحة زرارة (4) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الجمعة واجبة على من ان صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) انما يصلى العصر

____________

(1) الوسائل الباب 2 و 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 2 و 3 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة و آدابها.

411

في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) رجعوا الى رحالهم قبل الليل و ذلك سنة الى يوم القيامة».

و منها-

صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «من ترك الجمعة ثلاث جمع متوالية طبع الله على قلبه».

و منها-

صحيحة زرارة (2) قال «حثنا أبو عبد الله (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه فقلت نغدو عليك؟ فقال لا انما عنيت عندكم» (3).

____________

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.

(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة.

(3) أورد الوحيد البهبهاني «(قدس سره)» في تعليقته على المدارك على عد المصنف هذه الصحيحة من أدلة الوجوب التعيني بما ملخصه: ان الاستدلال بها على مدعاه في غاية الغرابة لان الحث لا يدل على أزيد من الترغيب بل لا خفاء في ظهوره في الاستحباب، أضف الى ذلك ان زرارة مع عدالته و جلالته و فقاهته كيف يروي عن الباقر «ع» في مرات متعددة ما يدل على وجوب الجمعة تعيينا و يكون شاملا له و يضبطه في أصله المشتهر بين الشيعة و يرويه الأجلة عنه و يدونونه في أصولهم و مع ذلك يتركها حتى يحتاج الى حث الصادق «ع» عليها، و كيف يكتفى «ع» بالحث و لم ينفعه الإيجاب و التشديد و التأكيد المتعدد من الباقر «ع» و فظاعة عدم الإتيان بها و شناعته، و كان المناسب ان يستفسر «ع» أولا عن سبب تركه فان اعتذر بوجه صحيح تركه على حاله و إلا بين خطأه فان لم يرتدع عن تركها أنكر عليه أشد الإنكار و هدده بأزيد مما صدر من الباقر «ع» و هو «ع» قد أنكر على حماد عدم إتيانه بالصلاة بحدودها تامة مع انها من المستحبات بقوله «ع» «ما أقبح بالرجل منكم.» بل كانوا ينكرون «ع» ترك مثل غسل الجمعة و النوافل اليومية و نحو ذلك فكيف بمثل هذه الفريضة من مثل هذا الجليل و لا سيما بعد إيجابات سابقة كثيرة أكيدة شديدة رواها هو بنفسه و كذا نظراؤه كابن مسلم و ابى بصير و غيرهما من الأجلة و دونوها في أصولهم المشهورة، على انهم كانوا دائما يقرأون القرآن و سورة الجمعة و يفهمون المعنى أحسن منا و كذا الأخبار الصادرة عن المعصومين «ع» و لا سيما ما رووه بأنفسهم و كان بإمكانهم الرجوع الى المعصوم (ع) في معرفة القيود و الشروط. الى ان قال بعد كلام من هذا القبيل: و مما يدل بظاهره على عدم الوجوب عينا

ما رواه الشيخ في مصباحه و الصدوق في أماليه بسند صحيح انه «ع» قال: «انى أحب للرجل ان لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع و لو مرة و يصلى الجمعة و لو مرة».

ثم قال: و يظهر منه «(قدس سره)» في المصباح ان مستند التخيير عندهم هو هذا الحديث ثم قال ما ملخصه: و يؤيده أيضا رواية عبد الملك فان المراد من الهلاك فيها الموت لا الوقوع في العذاب لان المناسب لذلك التعليل بترك الفريضة لا الإتيان بالواو الحالية، و الظاهر من الخبر ان ترك عبد الملك للجمعة لم يكن عصيانا بل من جهة انه لم يكن يدري ما يصنع حيث كان يعتقد انه لا يجوز ان تقام بغير المنصوب من قبل الإمام فأزال حيرته بقوله (ع) «صلوا جماعة» أي لا تتوقف إقامتها على المنصوب، و لو كان تركه للتقية لم يكن لسؤاله مناسبة و كذا جوابه (ع) و المستفاد من الخبر- كما لا يخفى على المتأمل فيه- ان منشأ التوبيخ فيه هو عدم صدور الفريضة منه أصلا بحيث لو تحققت منه مرة لم يتوجه التوبيخ اليه و لو كان المراد الوجوب التعييني لكان المناسب أن يقول له كيف تترك فريضة الله في مدة عمرك مرة واحدة لا ان يقول له كيف ينقضي عمرك و لم تتحقق منك فريضة الله أصلا. إلى آخر كلامه في المقام و من أراد الاطلاع عليه فليراجعه.

412

و منها-

موثقة عبد الملك عن الباقر (عليه السلام) (1) قال «مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها الله؟ قال قلت كيف أصنع؟ قال صلوا جماعة يعني صلاة الجمعة».

و منها-

حسنة محمد بن مسلم بإبراهيم بن هاشم التي هي عندنا و عند جملة من المحققين من الصحيح على الاصطلاح الغير الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجمعة فقال تجب على من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شيء».

و منها-

حسنة محمد بن مسلم و زرارة- بإبراهيم الذي قد عرفت ان حديثه عندنا من الصحيح- عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين».

و منها-

موثقة سماعة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم

____________

(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) الوسائل الباب 5 من صلاة الجمعة و آدابها.

413

الجمعة؟ فقال اما مع الإمام فركعتان و اما من يصلى وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر يعني إذا كان امام يخطب فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و ان صلوا جماعة».

و منها-

موثقة سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «صلاة الجمعة مع الامام ركعتان فمن صلى وحده فهي أربع ركعات».

و منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن أناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال نعم يصلونها أربعا إذا لم يكن من يخطب».

و منها-

حسنة زرارة (3) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الإمام و أربعة».

و منها-

صحيحة زرارة برواية الفقيه (4) قال: «قال زرارة قلت له على من تجب الجمعة؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم».

و منها-

ما نقله جمع من الأصحاب: منهم- شيخنا الشهيد الثاني في رسالته و المحدث الكاشاني في الوافي (5) و غيرهما من الأخبار المرسلة عنه (صلى الله عليه و آله) «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه».

و عنه (صلى الله عليه و آله) «من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة ختم الله على قلبه بخاتم النفاق».

و عنه (صلى الله عليه و آله) «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم

____________

(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

(5) باب (وجوب صلاة الجمعة و شرائطها) و الرسالة ص 54 و 55 و 61.

414

ثم ليكونن من الغافلين».

و عنه (صلى الله عليه و آله) في خطبة طويلة حث فيها على صلاة الجمعة «ان الله تبارك و تعالى قد فرض عليكم الجمعة فمن تركها في حياتي أو بعد موتى و له امام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله و لا بارك له في امره، ألا و لا صلاة له ألا و لا زكاة له ألا و لا حج له ألا و لا صوم له ألا و لا بر له حتى يتوب».

قال في الوافي: قوله (صلى الله عليه و آله) «و له امام عادل» ليس في بعض الروايات، و رواه العامة هكذا «و له امام عادل أو فاجر» (1) انتهى.

و عنه (صلى الله عليه و آله) «كتبت عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة».

و عنه (صلى الله عليه و آله) «الجمعة واجبة على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض».

و منها-

ما نقله شيخنا مفيد الطائفة (2) قال: و اعلم ان الرواية جاءت عن الصادقين (عليهم السلام) «ان الله جل جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة فقال عز من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (3).

و منها-

صحيحة زرارة بن أعين عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق».

رواه الصدوق في كتاب المجالس (5).

____________

(1) سنن ابن ماجة ج 1 ص 334 باب (فرض الجمعة) و فيه هكذا «و له امام عادل أو جائر».

(2) ص 27.

(3) سورة الجمعة الآية 9.

(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(5) ص 290.

415

و منها-

ما رواه في كتاب ثواب الأعمال في الصحيح أو الموثق عن ابى بصير و محمد بن مسلم (1) قالا «سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متوالية بغير علة طبع الله على قلبه».

و منها-

ما رواه في كتاب عقاب الأعمال في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام.».

أقول: فلينظر العاقل المنصف الى ما دلت عليه هذه الأخبار من الدلالة الصريحة الواضحة على وجوب هذه الفريضة المعظمة وجوبا عينيا من غير ما زعموه من الشرائط التي تمحلوها بمجرد آرائهم و عقولهم، و هل ورد في مسألة من مسائل الفقه المسلمة بينهم مثل ما ورد في هذه المسألة من الأخبار؟ و لا معارض لها إلا ما يدعونه و يصولون به من الإجماع على نفى الوجوب العيني زمن الغيبة و قد عرفت آنفا ما فيه مما أوضح فساد باطنه و خافية، و قصاراه مع تسليمه انه في قوة خبر مرسل و من المقرر في كلامهم و المتفق عليه من قواعدهم انهم لا يجمعون بين الأدلة إلا مع التكافؤ في الصحة، و هل يبلغ هذا الإجماع على تقدير ما ذكرنا إلى مقاومة خبر من هذه الأخبار فضلا عنها كلها حتى انه يجب تخصيصها به؟ ما هذا إلا قلة تأمل و انصاف بل عدم صيانة و عفاف و جرأة تامة على ترك هذه الفريضة الجليلة نعوذ بالله من زيغ الافهام و طغيان الأحلام و زلل أقدام الأقلام في أحكام الملك العلام (3).

و ممن اعترف بما قلناه من دلالة الأخبار المذكورة على الوجوب العيني شيخنا الشهيد في الذكرى إلا انه تعلل بان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار.

و فيه انك قد عرفت من كلام المشايخ الذين قدمنا نقل عبائرهم دلالة كلامهم

____________

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.

(3) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة الآتية على كلام الشهيد الثاني.

416

على الوجوب العيني كالشيخ المفيد و ثقة الإسلام و الصدوق في كتبهم المتقدم ذكرها و غيرهم ما بين صريح في ذلك و ظاهر، و الظاهر ان جملة المتقدمين و ان لم يبلغ إلينا كلامهم كانوا كذلك فان هذا القول الذي ادعاه انما ثبت عن الشيخ و المرتضى و من تأخر عنهما و إلا فمن تقدمهما لم يصرح بشيء من ذلك، و يوضح صحة ما قلناه ان جملة المتقدمين كانوا من أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالخصوص و ليس لهذا الإجماع في هذه المسألة و لا في غيرها في كلامهم عين و لا أثر، و كتبهم التي تشتمل على مذاهبهم انما تضمنت النصوص خاصة و فتاويهم فيها تعلم من تبويب الأبواب للنصوص التي ينقلونها كما عرفت من الصدوق و ثقة الإسلام، و نصوص هذه المسألة كما عرفت كلها دالة على الوجوب العيني، و لعله لما ذكرنا نقل جملة من متأخري أصحابنا المتأخرين القائلين بالوجوب العيني عن القدماء هذا القول مع انه لم يوجد مصرح منهم بذلك إلا من قدمنا نقله عنه من المشايخ المتقدم ذكرهم و ما ذكرناه واضح في صحة نسبة القول إليهم بذلك. و بالجملة فدعوى شيخنا المشار اليه اتفاق الطائفة على ما ذكره دعوى عارية عن البرهان يكذبها صريح العيان (1).

قال المحدث الكاشاني في كتاب الوافي- بعد نقل أخبار المسألة المذكورة في الكتب الأربعة- ما لفظه: لا يخفى دلالة هذه الأخبار المستفيضة على وجوب صلاة الجمعة على كل مسلم عدا من استثنى من غير شرط سوى ما ذكر كوجوب سائر الصلوات اليومية وجوب حتم و تعيين من غير تخيير في تركها و لا توقف على حضور معصوم أو اذن منه (صلوات الله عليه) و ذلك لانه ليس في شيء منها ذكر لشيء من ذلك و أوامر الشارع إنما تكون شاملة للازمان و الأشخاص إلا ما خرج بدليل خاص، فما زعمته طائفة من متأخري أصحابنا من التخيير في هذه الصلاة في زمن غيبة الإمام أو عدم جواز فعلها حينئذ أو عدم جوازه مطلقا من دون اذن منه فلا وجه له و لا دليل عليه من كتاب و لا سنة (2).

____________

(1) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة الآتية على كلام الشهيد الثاني (قدس سره).

(2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة الآتية على كلام الشهيد الثاني (قدس سره).

417

و قال شيخنا زين المحققين في الرسالة بعد نقل الآية و بعض ما قدمناه من الأخبار: فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة التي لا يشوبها شك و لا تحوم حولها شبهة من طرق أهل البيت (عليهم السلام) في الأمر بصلاة الجمعة و الحث عليها و إيجابها على كل مسلم عدا من استثنى و التوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر و العياذ بالله كما نبه عليه في كتابه العزيز. و تركنا ذكر غيرها من الأخبار الموثقة و غيرها حسما لمادة النزاع و دفعا لشبهة المعارضة في الطريق، و ليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام و لا من نصبه و لا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة، فكيف يسع المسلم الذي يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع أمر الله و رسوله و أئمته (عليهم السلام) بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم ان يقصر في أمرها و يهملها الى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها؟ و أمر الله و رسوله و خاصته (عليهم السلام) أحق و مراعاته اولى «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (1) و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله و يسامح نسأل الله العفو و الرحمة.

و قد تحصل بهذين الدليلين ان من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله و أمره في الآية الكريمة بهذه الفريضة العظيمة و نهيه عن الانتهاء عنها، و من كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي (صلى الله عليه و آله) و قول الأئمة (عليهم السلام) انها واجبة على كل مسلم، و من كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ- يعنى الانتهاء عنها- فَأُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ» (2)

و قولهم (عليهم السلام) «من تركها على ذلك الوجه طبع الله على قلبه».

لان من موضوعة لمن يعقل ان لم تكن أعم، فاختر لنفسك واحدة من هذه الثلاث و انتسب الى اسم من هذه الأسماء اعنى الإيمان أو الإسلام أو العقل و ادخل تحت مقتضاه أو اختر قسما رابعا ان شئت. نعوذ بالله من قبح الزلة و سنة الغفلة (3).

____________

(1) سورة النور الآية 63.

(2) سورة المنافقين الآية 9.

(3) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 ففيها ما يتعلق بالمقام. و قال الوحيد البهبهاني (قدس سره) في تعليقته على المدارك تعليقا على نقل المصنف عبارة رسالة جده: في هذه الرسالة ما لا يرضى المتأمل أن ينسب الى جاهل فضلا عن العاقل فضلا عن الفقيه فضلا عن الشهيد (قدس سره) فإنه ما كان يرضى ان ينسب الفسق الى المجاهر بالفسق فكيف يحكم بفسق علمائنا و فقهائنا العظام الزهاد الكرام الثقات العدول بلا كلام، أمناء الله في الحلال و الحرام و المروجين لحلالهم و حرامهم و حجج الله على الأنام بعد الأئمة، المتكفلين لأيتامهم و المؤسسين لشرعهم و أحكامهم، و عليهم المدار في الدين و المذهب في الأعصار و الأمصار، الراد عليهم كالراد على الله، الى غير ذلك مما ورد عن الله تعالى و رسوله (ص) و الأئمة (عليهم السلام) حيث قال بعد التوبيخ و التقريع و التشنيع و التفظيع: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ.» مع ان الجماعة الذين كانوا تاركين أكثرهم كان تركهم من جهة التقية و منهم الشهيد الثاني و من كان متمكنا منها أكثرهم كانوا يصلونها لكونها واجبة عندهم و ان كان بالوجوب التخييري و مستحبة عندنا عينا، و من لا يصلى اما لانه كان يعتقد الحرمة فكيف يمكنه فعل الحرام و كيف يتأتى منه قصد القربة؟ فما ندري ان الشنيعة على اى جماعة و أى شخص؟. الى أن قال: و قيل انه كتبها في الطفولية و صغر السن. و حاشاه ثم حاشاه من هذه الشنائع و القبائح كيف و هو في جميع تأليفاته المعلومة أنها منه اختار عدم الوجوب العيني. إلى آخر كلامه و قد أطنب فيه و من أراد الاطلاع عليه فليراجعه.

418

ثم انه اعترض على نفسه بأن دلالة هذه الأخبار مطلقة فلا ينافي تقييدها بشرط من دليل خارج.

و أجاب بأن مقتضى القواعد الأصولية وجوب إجرائها على إطلاقها و العمل على مدلولها الى ان يتحقق الدليل المقيد، و سنبين ان شاء الله تعالى انه غير متحقق.

ثم اعترض على نفسه ثانيا بأنه يجوز استناد الوجوب في خبري حث زرارة و عتاب عبد الملك إلى إذن الإمامين (عليهما السلام) كما نبه عليه العلامة في النهاية بقوله:

لما أذنا لزرارة و عبد الملك جاز لوجود المقتضى و هو اذن الإمام (عليه السلام).

و أجاب بأن المعتبر عند القائل بهذا الشرط كون إمام الجمعة الإمام (عليه السلام) أو من نصبه و ليس في الخبرين ان الإمام نصب أحد الرجلين إماما لصلاة الجمعة و إنما أمرهما

419

بصلاتها أعم من فعلهما لها إمامين أو مؤتمين و ليس في الخبرين زيادة على غيرهما من الأوامر الواقعة بها من الله تعالى و رسوله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) لسائر المكلفين، فان كان هذا كافيا في الاذن فلتكن تلك الأوامر كافية و يكون كل مكلف جامع لشرائط الإمامة مأذونا فيها منهم أو كل مكلف مطلقا مأذونا فيها و لو بالائتمام بغيره كما يقتضيه الإطلاق، إذ لا فرق في الشرع بين الأمر الخاص و العام من حيث العمل بمقتضاه. و ايضا فامرهما (عليهما السلام) للرجلين ورد بطريق يشمل الرجلين و غيرهما من المكلفين أو من المؤمنين كقوله

«صلوا جماعة».

و قول زرارة

«حثنا أبو عبد الله (عليه السلام) على صلاة الجمعة».

و قوله

«إنما عنيت عندكم».

من غير فرق بين المخاطبين و غيرهما إلا في قوله (عليه السلام)

«مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها الله».

و ذلك أمر خارج عن موضع الدلالة، و على تقدير اختصاص المخاطبين فظاهر رواية زرارة انهم كانوا بحضرته (عليه السلام) جماعة و لم يعين أحدا منهم للإمامة و لا خصه بالأمر و الحث. انتهى.

[الثاني الاستدلال للقول بالوجوب التخييري و رده]

الثاني من الأقوال في المسألة القول بالوجوب التخييري، و المراد به- كما تقدم في كلام المحدث الكاشاني (قدس سره) نقله عن بعض أصحاب هذا القول- ان للناس الخيار في إنشائها و جمع العدد لها و تعيين الامام لها فإذا فعلوا ذلك تعين على كل من اجتمعت له الشرائط حضورها و الإتيان بها و يصير الوجوب حينئذ عينيا لا ان لآحاد الناس التخيير في حضورها و عدمه بعد اجتماع الامام و العدد المشترط معه. و الظاهر ان البعض المصرح بما ذكر هو شيخنا الشهيد في كتاب نكت الإرشاد حيث صرح- بعد قول المصنف: و في استحبابها حال الغيبة و إمكان الاجتماع قولان- بان الاستحباب انما هو في الاجتماع لها في الحالة المذكورة لا في إيقاع الجمعة فإنه مع الاجتماع يجب الإيقاع و تتحقق البدلية عن الظهر.

و استدلوا على هذا القول بأدلة أقواها و أمتنها بزعمهم ان الكتاب و السنة و ان دلا على الوجوب العيني إلا انه يعارضهما الإجماع المدعى على اشتراط الإمام أو اذنه في الوجوب العيني و يرجع الى الإجماع على نفى الوجوب العيني زمان الغيبة.

420

قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض- حيث انه في أول الأمر قبل تسريح النظر و إمعان الفكر في أدلة المسألة من الجماعة القائلين بالقول المشهور- ما لفظه بعد الكلام في المسألة و ذكر الآية و جملة من روايات المسألة: و الدليل الدال على الوجوب أعم من الحتمي و التخييري و لما انتفى الحتمي في حال الغيبة بالإجماع تعين الحمل على التخييري و لولا الإجماع على عدم العيني لما كان لنا عنه عدول. انتهى.

و قال (قدس سره) في الروضة بعد الكلام في المسألة: و لو لا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية القوة. انتهى.

و شيخنا الشهيد في الذكرى بسبب هذا الإجماع قد تخطى بعد اختياره القول المشهور الى القول بالتحريم في المسألة و تبع ابن إدريس حيث انه ان عمل بمقتضى الأدلة المذكورة فاللازم هو الوجوب العيني، قال في الكتاب المذكور في تعداد شروط الوجوب:

التاسع- اذن الامام كما كان النبي (صلى الله عليه و آله) يأذن لأئمة الجمعات و أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده و عليه إطباق الإمامية، هذا مع حضور الامام و اما مع غيبته كهذا الزمان ففي انعقادها قولان أصحهما و به قال معظم الأصحاب الجواز إذا أمكن الاجتماع و الخطبتان، و يعلل بأمرين: أحدهما- ان الاذن حاصل من الأئمة الماضين (عليهم السلام) فهو كالاذن من امام الوقت، و اليه أشار الشيخ في الخلاف، و يؤيده صحيح زرارة (1) قال:

«حثنا أبو عبد الله (عليه السلام). الحديث كما تقدم» ثم قال: و لان الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو أعظم من ذلك بالاذن كالحكم و الإفتاء فهذا اولى. و التعليل الثاني ان الاذن إنما يعتبر مع إمكانه اما مع عدمه فيسقط اعتباره و يبقى عموم القرآن و الأخبار خاليا من المعارض، و قد روى عمر بن يزيد. ثم ساق الرواية و قد تقدمت (2) ثم نقل بعدها موثقة عبد الملك (3) ثم قال: في اخبار كثيرة مطلقة و التعليلان حسنان و الاعتماد على الثاني. ثم نقل عن الفاضلين سقوط وجوب الجمعة حال الغيبة و عدم سقوط الاستحباب، قال و ظاهرهما انه لو اتى بها كانت واجبة مجزية عن الظهر

____________

(1) ص 411.

(2) ص 410.

(3) ص 412.

421

و الاستحباب انما هو في الاجتماع أو بمعنى أنها أفضل الأمرين الواجبين على التخيير ثم قال: و ربما يقال بالوجوب المضيق حال الغيبة لأن قضية التعليلين ذلك فما الذي اقتضى سقوط الوجوب؟ إلا ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار، و نقل الفاضل فيه الإجماع. و بالغ بعضهم فنفى الشرعية أصلا و رأسا و هو ظاهر كلام المرتضى و صريح سلار و ابن إدريس و هو القول الثاني من القولين بناء على ان اذن الامام شرط الصحة و هو مفقود. الى ان قال: و هذا القول متوجه و إلا لزم الوجوب العيني. انتهى ملخصا.

و بالجملة فإنهم مصرحون بان مقتضى الكتاب و السنة هو الوجوب العيني كما عرفت و انما صرفهم عنه الإجماع حيث انه أحد الأدلة الشرعية و الجمع بينه و بين دليلي الكتاب و السنة يقتضي حمل الوجوب على الوجوب التخييري كما هو المشهور فيبقى الكلام معهم في هذا الإجماع و حجيته و قد عرفت مما حققناه آنفا ما يبطل التمسك به و الاعتماد عليه.

و نزيده تأكيدا (أولا)- انه لا ريب ان هؤلاء المتأخرين إنما تلقوا هذا الإجماع من الشيخ و المرتضى اللذين هما أصل الخلاف في هذه المسألة، و قد قدمنا لك ما في دعاويهم الإجماع في غير مقام من المجازفة و المساهلة سيما ما عدده شيخنا الشهيد الثاني في رسالته التي قدمنا ذكرها، و حينئذ فهل يثق أحد ممن وقف على ذلك بالركون الى هذا الإجماع و الخروج به عن صريح قول الله عز و جل و رسوله (صلى الله عليه و آله) الصريحين في الوجوب العيني بمزيد التأكيد و التشديد؟ ما هذه إلا جرأة تامة على الله و رسوله و أئمته (صلى الله عليه و آله). و التستر بأن الإجماع المنقول بخبر الواحد مقبول لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت.

و (ثانيا)- انه مع تسليم قبوله فهو لا يخرج عن أن يكون من قبيل خبر مرسل في الباب و هو مما لا يعارض به تلك الأدلة الصحيحة الصريحة من السنة و الكتاب، و تخصيصها به متوقف على كونه في الصحة و الصراحة مثلها ليجب الجمع بينه و بينها

422

و إلا فهو مما يرمى به جزافا كما هو المقرر في قواعدهم فإنهم لا يجمعون بين الدليلين إلا مع التكافؤ في الصحة و الصراحة و إلا فتراهم يطرحون المرجوح. و هذا بحمد الله سبحانه واضح للمنصف غاية الوضوح.

و (ثالثا)- ما عرفته في ما تقدم من اتفاق كلمات جملة من علمائنا الاعلام على تعذر الإجماع في زمن الغيبة لما وجهوه به من الوجوه النيرة الظاهرة التي لا يتطرق المنع إليها إلا بطريق المكابرة.

و جملة منهم قد تمحلوا لتصحيح هذا الإجماع المدعى في المقام فاصطنعوا له دليلا ليجدوا اليه سبيلا، فقالوا- كما تقدمهم فيه العامة العمياء (1) و كم قد تبعوهم في أمثال هذه الظلماء- ان الاجتماع لما كان مظنة النزاع و مثار الفتن و الحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف فالواجب قصر الأمر في ذلك على الإمام بأن يكون هو المباشر لهذه الصلاة أو الاذن فيها و ان النبي (صلى الله عليه و آله) و من بعده من الخلفاء كانوا يعينون أئمة الجمعات.

قال المحقق في المعتبر: مسألة- السلطان العادل أو نائبه شرط في وجوب الجمعة و هو قول علمائنا، ثم نقل الخلاف فيه عن فقهاء العامة، ثم قال و البحث في مقامين (أحدهما) في اشتراط الإمام أو نائبه و المصادمة مع الشافعي (2) و معتمدنا فعل النبي

____________

(1) قال في بدائع الصنائع ج 1 ص 261 «شرط أداء الجمعة عندنا السلطان حتى لا تجوز إقامتها بدون حضرته أو حضرة نائبه خلافا للشافعي فلم يعتبر السلطان، و لنا ان النبي (ص) شرط الإمام لإلحاق الوعيد بتارك الجمعة بقوله في الحديث عنه (ص) «و له امام عادل أو جائر» و لانه لو لم يشترط السلطان لأدى إلى الفتنة لأن هذه الصلاة تؤدى بجمع عظيم و التقدم على جميع أهل المصر يعد من باب الشرف و الرفعة فيتسارع الى ذلك كل من جبل على علو الهمة و الميل إلى الرئاسة فيقع بينهم التجاذب و التنازع فيؤدي ذلك الى التقاتل ففوض ذلك الى الوالي ليقوم به أو ينصب من رآه أهلا له فيمتنع غيره من الناس عن المنازعة لما يرى من طاعة الوالي أو خوفا من عقوبته».

(2) بدائع الصنائع ج 1 ص 261 و في المغني ج 2 ص 330 «اختلفت الرواية في شرط اذن الامام و الصحيح لا يشترط اذن الامام و به قال مالك و الشافعي و أبو ثور و الثانية هو شرط روى ذلك عن الحسن و الأوزاعي و حبيب بن ثابت و ابى حنيفة» و في البحر الرائق لابن نخيم الحنفي ج 2 ص 144 «و شرطها السلطان العادل و الجائر و المتغلب».

423

(صلى الله عليه و آله) فإنه كان يعين لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء، فكما لا يصح للإنسان أن ينصب نفسه قاضيا من دون اذن الامام فكذا إمام الجمعة. و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الأعصار فمخالفته خرق للإجماع. ثم أيده

برواية محمد ابن مسلم (1) قال: «لا تجب الجمعة على أقل من سبعة: الامام و قاضيه و مدعى حقا و مدعى عليه و شاهدان و من يضرب الحدود بين يدي الإمام».

ثم قال: المقام الثاني- اشتراط عدالة السلطان و هو انفراد الأصحاب خلافا للباقين (2) و موضع النظر ان الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن غالبا و الحكمة موجبة لحسم مادة الهرج و قطع نائرة الاختلاف و لن يستمر إلا مع السلطان. ثم المعنى الذي باعتباره توقفت نيابة إمامة الجمعة على اذن الامام يوجب عدالته إذ الفاسق يسرع الى بواعث طبعه و مرامي أهويته لا الى مواقع المصلحة فلا يتحقق حسم مادة الهرج على الوجه الصواب ما لم يكن العادل. و لان الفاسق لا يكون اماما فلا يكون له أهلية الاستنابة (لا يقال) لو لزم ما ذكرتم لما انعقدت الجمعة ندبا مع عدمه لانسحاب العلة في الموضعين و قد أجزتم ذلك إذا أمكنت الخطبة، لأنا نجيب بان الندب لا تتوفر الدواعي على اعتماده فلا يحصل الاجتماع المستلزم للفتن إلا نادرا. الى آخر كلامه (زيد في مقامه) و نحوه كلام العلامة في التذكرة فإنه يحذو حذوه غالبا في كتبه و لا سيما المنتهى و التذكرة.

و جملة من أصحاب هذا القول أيدوا ذلك بما تقدم (3) من حديثي زرارة

____________

(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.

(2) المغني ج 2 ص 189 و البحر الرائق ج 2 ص 144 و بدائع الصنائع ج 1 ص 261.

(3) ص 411 و 412.

424

و عبد الملك الدال أولهما على قوله

«حثنا أبو عبد الله (عليه السلام). الى آخره».

و ثانيهما على قوله (عليه السلام)

«مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها الله».

باعتبار ان ظاهر الخبرين يشعر بان الرجلين كانا متهاونين بالجمعة مع انهما من أجلاء الأصحاب و فقهاء أصحابهما (عليهما السلام) و لم يقع منهما إنكار بليغ عليهما بل حثاهما على فعلها فدل ذلك على ان الوجوب ليس عينيا و إلا لانكرا عليهما بتركها كمال الإنكار، نعم يستفاد من حثهما و قوله (عليه السلام) «فريضة فرضها الله» وجوبها في الجملة فيحمل على التخييري (1) أقول- و بالله سبحانه الاستعانة و التوفيق إلى هداية سواء الطريق و ازالة شبه التعويق-: لا يخفى ما في هذا الكلام من انحلال الزمام و اختلال النظام بعد ما عرفت في المقام و لكن لا مندوحة عن بيان ما فيه مما يكشف عن فساد باطنه و خافية و ذلك من وجوه:

(الأول)- ما ادعاه من الإجماع على اشتراط السلطان العادل أو نائبه في وجوب الجمعة فإن فيه (أولا) ما عرفت من الطعن في الإجماع و عدم تحققه في زمن الغيبة و لا سيما بعد وجود المخالف كما تقدم، و لا ريب ان هذا الاشتراط مذهب المخالفين كالحنفية و غيرهم (2) و أصحابنا قد تبعوهم فيه كما تبعوهم في حجية الإجماع و الاعتماد عليه و نحو ذلك مما استحسنوه من أصولهم فلا اعتداد به و لا سيما في مقابلة الأخبار التي قدمناها بل لو فرضنا وجود خبر بهذا الشرط لوجب حمله على التقية لما عرفت، بل لقائل أن يقول لو قلبت هذه الدعوى بان يدعى الإجماع على الوجوب العيني لكان وجها إذ لا كلام في الوجوب زمانه (صلى الله عليه و آله) الى ان مات بغير نسخ و مقتضى الأصل و الاستصحاب و الأدلة الشرعية بقاؤه، أما الأولان فظاهران. و اما الثالث

فللخبر المسلم (3) «حلال محمد (صلى الله عليه و آله) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة».

و وجوب التأسي به في ما علم جهة وجوبه معلوم. و مجرد

____________

(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 411 ليتضح لك المطلب المذكور تماما.

(2) ارجع الى التعليقة 2 ص 422.

(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 403.

425

احتمال أن يكون الوجوب مقيدا بشرط حاصل بالنسبة إليه (صلى الله عليه و آله) و غير حاصل بالنسبة إلينا يتوقف على إثباته بالدليل القاطع،

و لقوله (عليه السلام) (1) «إياك أن تنقض اليقين بالشك».

و ما تقدم (2)

في حديث ابى عمرو الزبيري من قول الصادق (عليه السلام) «لان حكم الله في الأولين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء إلا من علة أو حادث يكون، و الأولون و الآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء و الفرائض عليهم واحدة يسأل الآخرون عن أداء الفرائض كما يسأل عنه الأولون و يحاسبون كما يحاسبون به».

و يعضد ذلك و يؤكده و يعلى منارة و يشيده ما قدمنا الإشارة إليه من ان الوجوب العيني مذهب قدماء أصحابنا بالتقريب الذي ذكرناه ذيل الأخبار المتقدمة.

و اما الشيخ (قدس سره) فان كلامه في كتبه في هذه المسألة لا يخلو من اضطراب و هو الى القول بالوجوب العيني في زمن الغيبة أقرب منه الى الوجوب التخييري الذي ادعوه عليه كما لا يخفى على من راجع كلامه في الخلاف و المبسوط و النهاية، و لم يظهر هذا القول صريحا إلا من المحقق و العلامة و الشهيد في غير الذكرى و اما من تأخر عن شيخنا زين الملة و الحق و الدين بعد تصنيفه هذه الرسالة فإنهم كلهم إلا الشاذ النادر على القول بالوجوب العيني كما أسلفنا لك نقل كلام جملة من مشاهيرهم فينحصر الخلاف هنا في المحقق و العلامة و الشهيد، و قد قرروا ان مخالفة معلوم النسب غير قادح، و لهذا ان شيخنا المشار اليه (قدس سره) في الرسالة لم يذكر القول بالتخيير في جملة أقوال المسألة التي عدها و تعرض لنقضها إيذانا بشذوذه و ضعفه و إنما أشار إليه في ضمن بعض المباحث:

فقال: و اعلم انه قد ظهر من كلام بعض المتأخرين أن الوجوب العيني

____________

(1) لم نقف في اخبار الاستصحاب على لفظ «إياك» و إنما الوارد

في مضمرة زرارة الأولى «و لا ينقض اليقين ابدا بالشك».

و في الثانية «فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك».

و قد تقدمتا ج 1 ص 143 و ج 5 ص 427.

(2) ص 403.

426

منتف في هذه الصلاة حال الغيبة و إنما يبقى الجواز بالمعنى الأعم، و المراد منه استحبابها بمعنى كونها أفضل الفردين الواجبين تخييرا اعنى الجمعة و الظهر لا انه ينوي الاستحباب لان ذلك منتف عنها على كل حال بإجماع المسلمين بل إما تجتمع شرائطها فتجب أو تنتفي فتسقط، و قد عرفت أيضا ان هذا الحكم و هو وجوبها تخييرا و ان كان أفضل الفردين لا دليل عليه إلا ما ادعوه من الإجماع و لم يدعه منهم صريحا سوى ما ظهر من عبارة التذكرة و دونها في الدلالة عبارة الشهيد في الذكرى، فإنه قال فيها: إذا عرفت ذلك فقد قال الفاضلان يسقط وجوب الجمعة حال الغيبة و لا يسقط الاستحباب، و ظاهرهما انه لو اتى بها كانت واجبة مجزية عن الظهر. الى قوله و نقل الفاضل فيه الإجماع- و قد تقدمت العبارة المذكورة كملا- ثم قال: و في هذه العبارة مع ما اشتملت عليه من المبالغة إشعار بعدم ظهور الإجماع عنده و من ثم نسبه الى الفاضل، و قد عرفت مما حكيناه من عبارات المتقدمين ما يقدح في الإجماع و عمل الطائفة معا، و لعله أشار بقوله: «و ربما قيل بالوجوب المضيق» الى ذلك. و الظاهر ان عمل الطائفة لا يتم إلا في المتأخرين منهم أو من بعضهم لا من الطائفة مطلقا لما سمعت من كلام المتقدمين الذين هم عمدة فقهاء الطائفة. و ما اقتصرت على من ذكرت لخصوصية قولهم في ذلك بل لعدم وقوفي على مصنفاتهم و لا على باقي مصنفات من ذكرت، و في وجود ما نقلته في ما حضرني من ذلك دليل بين على أن ذلك من الأحكام المقررة عندهم المفروغ عنها لأن أحدا منهم لم ينقل في ذلك خلافا فكيف يتم للمتأخرين الحكم بخلافه؟ و لا يخفى عليك ان مجرد عمل الطائفة على هذا الوجه لا يكون حجة و لا قريبا منها خصوصا مع دلالة الأدلة القاطعة من الكتاب و السنة على خلاف ذلك فكيف مع انحصار القول في قليل منهم؟ و القدح في ذلك بمعلومية نسب المخالف مشترك الإلزام ان لم يكن في جانب المخالف أرجح لما عرفت من ان القائل بالوجوب العيني أكثر من القائل بالتخييري مع اشتراكهما في الوصف (1).

____________

(1) لا يخفى ان عمل الطائفة في مثل هذه المسألة يكشف بنحو القطع عن مطابقته للحكم الشرعي، إذ لازم المخالفة بينهما هو خفاء الحكم على الطائفة و هو- في مثل هذه المسألة التي تعم بها البلوى و في هذه الفريضة المعظمة التي إقامتها من أعظم شعائر الدين مع كثرة ما ورد فيها من الآية و الأخبار الواضحة الدلالة- كما ادعوا- و التأكيدات و التشديدات- مستحيل عادة كما يظهر ذلك جليا بالرجوع إلى التعليقة 5 ص 386، و قد تقدم عن الشهيد (قدس سره) ص 415 ان عمل الطائفة على عدم الوجوب العيني في سائر الأعصار و الأمصار. و صرح الشهيد الثاني (قدس سره) بذلك في رسالته ص 60 حيث قال- في الجواب عن استئناس بعض الأصحاب للوجوب التخييري بظاهر روايتي زرارة و عبد الملك- و الذي يظهر لي ان السر في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عهد من قاعدة مذهبهم لأنهم لا يقتدون بالمخالف و لا بالفاسق و الجمعة انما تقع في الأغلب من أئمة المخالفين و نوابهم. الى ان قال فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه، و لما كانت الجمعة من أعظم فرائض الله تعالى و أجلها ما رضى الامام (ع) لهم بتركها مطلقا فلذلك حثهم على فعلها حيث يتمكنون منها. و على هذا الوجه استمر حالها مع أصحابنا الى هذا الزمان فأهمل لذلك الوجوب العيني و أثبت التخييري لوجه نرجو من الله تعالى ان يعذرهم فيه و آل الحال منه الى تركها رأسا في أكثر الأوقات و معظم الأصقاع مع إمكان إقامتها على وجهها. و ما كان حق هذه الفريضة المعظم ان يبلغ بها هذا المقدار من التهاون بمجرد هذا العذر الذي يمكن رفعه في كثير من بلاد الايمان سيما هذا الزمان. انتهى. فهو (قدس سره) يصرح بأن السيرة مستمرة من زمن الأئمة (ع) الى زمانه على ترك الجمعة، و قد تقدم في كلام الفقيه السبزواري (قدس سره) ص 391 ما هو صريح في ذلك ايضا، فاستمرار السيرة العملية على ترك الجمعة- من زمن الأئمة «ع» الى زماننا هذا في جميع بلاد الشيعة إلا في بعض الأزمنة و الأمكنة على وجه الندور- غير قابل للإنكار. و لا يخفى ان ما صرح به الشهيد الثاني «(قدس سره)» من استمرار السيرة على الترك يناقض ما أفاده في كلامه المنقول في المتن من انحصار القائل بالوجوب التخييري في قليل من المتأخرين إلا ان يلتزم بما لا يمكن ان يلتزم به أحد من الإمامية و هو ان معظم فقهاء الإمامية كانوا يرون الوجوب التعييني و أطبقوا على مخالفة فتاويهم و استمروا على ترك هذه الفريضة المعظمة من دون مسوغ. و بذلك تعرف ما في كلام المحدث الكاشاني المتقدم ص 391 و 392 من نسبة القول بالوجوب التخييري إلى طائفة من متأخري الأصحاب، و قد نسبه المصنف «(قدس سره)» الى المشهور ص 408 و 420 و 421 و لكنه سينفى الشهرة عنه في ما سيأتي من كلامه بعد الوجه الخامس.

427

انتهى كلامه زيد مقامه. و هو صريح في ما قلناه و واضح في ما ادعيناه.

428

(الثاني)- ما استندوا اليه من قولهم: ان الاجتماع مظنة النزاع و الفتن.

و الجواب عنه ما افاده شيخنا الشهيد الثاني في الرسالة حيث قال (قدس سره) و نعم ما قال: و بقي من استدلاله ان الاجتماع مظنة النزاع الذي لا يندفع إلا بالإمام العادل أو من نصبه. و هذا بالإعراض عنه حقيق بل ينبغي رفعه من البين و ستره فان اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى لو توقف على حضور الامام العادل و ما في معناه لما قام للإسلام نظام و لا ارتفع له مقام، و لا ارتاب مريب من الاجتماع في سائر الصلوات و حضور الخلق عرفات و غيرها من القربات و بها شرف مقامهم و تضاعف ثوابهم و لم يختل نظامهم، بل وجدنا الخلل حال وجوده و حضوره أكثر و الاختلاف أزيد كما لا يخفى على من وقف على سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمن خلافته و حاله مع الناس أجمعين و حال غيره من أئمة الضلال و انتظام الأمر و قلة الخلاف و الشقاق في زمنهم. و بالجملة فالحكمة الباعثة على الإمام أمر آخر وراء مجرد الاجتماع في حال الصلاة و غيرها من الطاعات. انتهى.

أقول: لا يخفى عليك ما في الركون الى هذه التعليلات الواهية- في مقابلة ما قدمناه من الآية الشريفة و الأخبار المنيفة و دفعها عن ما دلت عليه بهذه الترهات و تزييفها بهذه الخرافات- من المجازفة في أحكام الملك العلام، و لو تم ما ذكروه للزم ترك سائر الاجتماعات و الجماعات في سائر الفرائض اليومية و غيرها من الصلوات كالاجتماع لصلاة العيدين و الاستسقاء و الكسوفين و الجنائز و أفعال الحج كالوقوفين- كما تقدم في كلام شيخنا- و أفعال منى.

و ما اعتذر به في المعتبر- من أن وجوب الاجتماع مظنة ذلك دون الجواز إذ لا تتوفر الدواعي على الحضور الجائز توفرها على الحضور الواجب- مما لا يسمن

429

و لا يغني من جوع، لأنا نرى بالفعل في جميع الأوقات التي مرت بنا و بمن تقدمنا في زمن الغيبة ما وقع من الاجتماع في هذه الفرائض المعدودة و الكثرة مثل ما في الاجتماع الواجب للجمعة مع انه لم يترتب عليه مفسدة و لا ضرر و ليس العيان كالخبر. على ان الأخبار المتقدمة المصرحة بوجوب الجمعة قد دلت على اشتراط الوجوب بعدم خوف ضرر أو حدوث فتنة كما يرشد اليه قولهم (عليهم السلام) «و لم يخافوا» (1) و معه فلا جواز فضلا عن الوجوب. على انا نقول مجرد حصول النزاع على شيء لا يقتضي عدم شرعيته فإنه أمر ينشأ من فعل المكلفين من غير ان يكون لأصل الحكم الشرعي مدخل فيه، و لو كان الأمر كما ذكروا لبطل كثير من الأحكام التي هي أعظم من ما نحن فيه بل ما أخضر للإسلام عود و لا استقام له عمود ثم انه لا يخفى عليك ان المحقق المذكور و نحوه قد تبعوا في ذلك علماء العامة، قال بعض محققي متأخري المتأخرين من مشايخنا الأخباريين بعد نسبة اشتراط حصول الإمام أو نائبه الى ابى حنيفة و اتباعه من المخالفين القائلين بهذا الاشتراط ما سوى الحسن البصري و الأوزاعي و حبيب بن ابى ثابت بل محمد بن الحسن أيضا و احمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (2): و عمدة مستندهم ان الاجتماع مظنة النزاع و مثار الفتن و الحكمة موجبة لحسم مادة الاختلاف و لن يستمر إلا مع السلطان (3). انتهى. و هو كما ترى عين ما قدمنا نقله عنهم (رضوان الله عليهم).

(الثالث)- ما ذكروه من أن النبي (صلى الله عليه و آله) و الخلفاء من بعده كانوا يعينون أئمة للجمعات.

و فيه (أولا)- انه منقوض بالوجوب التخييري الذي ذهبوا إليه إذ لا فرق بين الوجوبين في ذلك فكيف أثبتوه في أحدهما و نفوه في الآخر؟

و (ثانيا)- بالنقض بإمامة الجماعة و الأذان فإنهم كانوا يعينون لأمثال ذلك أيضا فيلزم بمقتضى ما ذكروه سقوطهما زمن الغيبة.

____________

(1) ص 413.

(2) المغني ج 2 ص 330.

(3) ارجع الى التعليقة 1 و 2 ص 422.

430

و (ثالثا)- بالقضاء كما اعترفوا به فيلزم سقوطه و عدم مشروعيته في زمن الغيبة مطلقا و يلزم تعطيل الأحكام، فان أجيب بأنه قد ورد عنهم (عليهم السلام) الاذن بالقضاء

بقولهم (1) «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما. الحديث».

و نحوه غيره، قلنا قد ورد أيضا في ما قدمناه من الأخبار (2) ما يدل على انه إذا كان قوم في قرية و لهم من يخطب جمعوا أى صلوا الجمعة.

و في آخر (3) «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة».

و نحو ذلك مما تقدم.

و (رابعا)- مع تسليم اطراده في جميع الأمة نمنع دلالته على الشرطية بل هو أعم منها و العام لا يدل على الخاص.

قال بعض مشايخنا المحققين: و الظاهر ان التعيين إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة ورد الناس الى منصوبه من غير تردد و اعتمادهم على تقليده بغير ريبة كما انهم كانوا يعينون لإمامة الجماعة و الأذان مع عدم توقفهما على اذن الامام إجماعا.

و أيضا فإن حسن الأدب يقتضي ان يرجع القوم في مهمات أمورهم إلى رأي سيدهم و إمامهم إذا كان فيهم بل غير هذا لا يكون، و لا يلزم من ذلك تعطيل الأمور و تركها رأسا إذا لم يوجد فيهم الإمام إلا إذا علم ان لوجوده و اذنه مدخلا و دون ثبوته في ما نحن فيه خرط القتاد. انتهى.

أقول: و يؤيده

رواية حماد عن الصادق عن أبيه عن على (عليهم السلام) (4) قال «إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمع بالناس ليس لأحد ذلك غيره».

فإنه يدل بالمفهوم على جواز تجميع غير الإمام إذا لم يكن هو شاهدا و تقديمه من حيث كونه

____________

(1) في مقبولة عمر بن حنظلة المروية في الوسائل بالتقطيع في الباب 1 و 9 و 11 و 12 من صفات القاضي و تقدم ما يتعلق بالترجيح منها ج 1 ص 91.

(2) ص 410.

(3) ص 410.

(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجمعة و آدابها.

431

اماما ظاهرا. و نحن لا ننكر تقدم الإمام أو نائبه إذا وجد أحدهما و إنما نمنع سقوط التقديم عند عدم حضور أحدهما. على انك قد عرفت ان أصل هذا الاشتراط إنما هو من العامة تبعهم فيه من تبعهم توهما أنه مذهبنا، و أخبارنا و كلام قدمائنا كما عرفت خال من ذلك.

(الرابع)- ما ذكره من رواية محمد بن مسلم (1) فقد أجاب عنه شيخنا الشهيد الثاني في الرسالة بوجوه نذكر المعتمد منها ملخصا:

(أحدها)- الطعن في سند الرواية بان في طريقها الحكم بن مسكين و هو مجهول و ما هذا شأنه يرد الحديث لأجله، و شهرته بين الأصحاب على وجه العمل بمضمونه بحيث يجبر ضعفه ممنوعة فإن مدلوله لا يقول به الأكثر.

و (ثانيها)- ان الخبر متروك الظاهر لان مقتضى الظاهر ان الجمعة لا تنعقد إلا باجتماع هؤلاء، و اجتماعهم جميعا ليس بشرط إجماعا و إنما الخلاف في حضور أحدهم و هو الامام، فما يدل عليه الخبر لا يقول به أحد و ما استدل به منه لا يدل عليه بخصوصه (فان قيل) حضور غيره خرج بالإجماع فيكون هو المخصص لمدلول الخبر فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باقية (قلنا) يكفي في إطراحه و تهافته مع ضعفه مخالفة أكثر مدلوله لإجماع المسلمين و ما الذي يضطر معه الى العمل ببعضه مع هذه الحالة العجيبة.

و (ثالثها)- ان مدلوله من حيث العدد و هو السبعة متروك ايضا و معارض بالأخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة (2) و ما ذكر فيه السبعة غير هذا فإنه نفى فيه وجوبها عن أقل من سبعة.

و (رابعها)- انه مع تقدير سلامته من هذه القوادح يمكن حمله على حالة إمكان حضور الإمام و اما مع تعذره فيسقط اعتباره جمعا بين الأدلة. و يؤيده

____________

(1) ص 423.

(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة، و قد تقدم بعضها ص 410 و 413.

432

إطلاق الوجوب فيه الدال بظاهره على الوجوب العيني المشروط عند من اعتبر هذا الحديث بحالة الحضور، و اما حالة الغيبة فلا يطلقون على حكم الصلاة اسم الوجوب بل الاستحباب بناء على ذهابهم الى الوجوب التخييري مع كون الجمعة أفضل الفردين الواجبين تخييرا.

و (خامسها)- حمل العدد في الخبر المذكور على اعتبار حضور قوم من المكلفين بها بعدد المذكورين اعنى حضور سبعة و ان لم يكونوا عين المذكورين نظرا الى فساد حمله على ظاهره من اعتبار أعيان المذكورين لإجماع المسلمين على عدم اعتباره. و قد نبه على هذا التأويل شيخنا المتقدم السعيد أبو عبد الله المفيد في كتاب الاشراف فقال: و عددهم في عدد الامام و الشاهدين و المشهود عليه و المتولي لإقامة الحدود أقول: قد تقدم ذلك في عبارته المنقولة من الكتاب المذكور، و هذا الوجه عندي أقرب الوجوه في معنى الخبر فإنهم (عليهم السلام) كثيرا ما يأتون بمثل ذلك في قالب التعليل تقريبا للأذهان، و الغرض هنا بيان علية السبعة في الوجوب دون ما زاد و ما نقص فعلله (عليه السلام) بان الامام بحسب العادة و الطريقة المستمرة لا يخلو من هؤلاء من حيث ترافع الناس اليه و اقامة الحدود بين يديه فلا بد من هذه السبعة فجعل في الجمعة هذا العدد لذلك.

ثم ذكر وجها سادسا و هو لا يخلو من تكلف و غموض و الغرض منه تكثير الجواب فلم نتعرض لنقله.

ثم قال: و (سابعها)- ان العمل بظاهر الخبر يقتضي أن لا يقوم نائبه مقامه و هو خلاف إجماع المسلمين.

و (ثامنها)- انه معارض

بما رواه محمد بن مسلم- راوي هذا الحديث- في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن أناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال نعم يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب».

و مفهوم الشرط

____________

(1) الوسائل الباب 3 من صلاة الجمعة و آدابها.

433

انه إذا كان فيهم من يخطب يصلون الجمعة ركعتين، و هي عامة في من يمكنه الخطبة الشامل لمنصوب الامام و غيره، و مفهوم الشرط حجة عند المحققين، و إذا تعارضت رواية الرجل الواحد سقط الاستدلال فكيف مع حصول الترجيح لهذا الجانب بصحة طريقه و موافقته لغيره من الأخبار الصحيحة و غير ذلك؟ انتهى ملخصا أقول: و (تاسعها) ما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين من ارادة التمثيل دون التخصيص، و حذف المضاف خصوصا لفظ «مثل» كثير.

و (عاشرها) ما ذكره من ان تخصيصهم بالذكر ليس لاختصاص مطلق الوجوب بهم لما مر بل لاختصاص الوجوب المطلق بهم بمعنى ان عند اجتماع هذه السبعة يكون وجوب الجمعة وجوبا مطلقا لا يتوقف على شرط آخر لتحقق جميع شرائط الوجوب و ارتفاع جميع موانعه حتى الخوف عند اجتماعهم، فان وجود من هو معد للقضاء و آخر يضرب الحدود من جهته (عليه السلام) عند ثبوته لأحد المتداعيين على الآخر بالشاهدين يقتضي بسطه اليد و انتفاء الخوف بخلاف ما لو اجتمعت سبعة سواهم و ان كان المعصوم أحدهم فإنه يجامع الخوف فلا يتحقق الوجوب إذ هو مشروط بفقده.

و قد يزاد هذا الجواب إيضاحا و تقريرا بان يقال: لا ريب انه ليس المراد حصر متعلق الوجوب في السبعة بمعنى السقوط عن غيرهم بل ان اجتماع هذه السبعة بأعيانها سبب لتعلق الوجوب المطلق بكل واحد منهم و بغيرهم ممن تعلق به الخطاب بوجوب الجمعة، فليس تخصيص السبعة المعينة بالذكر إلا بيانا لسبب الوجوب المطلق لا حصرا لمتعلق الوجوب فيها، ف«على» للسببية. فتأمل فإنه من غوامض الأسرار و عرائس الأفكار.

و (حادي عشرها) ما ذكره أيضا من انه بتقدير تسليم ان ذكر أعيان السبعة لبيان متعلق الوجوب دون سببه- مع ما قد عرفت من وضوح فساده- لا يدل على انتفاء الوجوب عند انتفائها إلا من حيث المفهوم، و هو- بعد تسليم انه مفهوم

434

وصف و انه حجة و ان الخبر صحيح- واجب الطرح عند معارضة ما هو أقوى منه من مناطيق الكتاب و السنة و عموماتها. انتهى. و هو جيد نفيس.

(الخامس) ما اعتضد به جملة منهم من خبري زرارة و عبد الملك بالتقريب المتقدم في كلامهم، فان فيه انه لا ريب ان ذلك الزمان الذي كانا فيه زمان تقية و خوف و كانت الشيعة لا يتمكنون من اقامة الجمعة منفردين عن المخالفين لاشتراطها باذن الخليفة، و امام ذلك الوقت و الأئمة المنصوبون لها كانوا من المخالفين المنصوبين من أئمة الضلال، و هم لا يجوزون الاقتداء بهم و انما يصلون يوم الجمعة و غيره في بيوتهم ثم يخرجون الى جماعتهم و يصلون معهم تقية يجعلونها نافلة أو يصلون معهم و يقرأون لأنفسهم فيصيرون منفردين، و ربما صلوا الجمعة معهم بهذه الكيفية ثم صلوا على أثرها ركعتين كما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاته خلف اللصوص الثلاثة و هذا هو السبب في تركهم الجمعة يومئذ. و هذه احدى الشبه الباعثة لمتأخرى أصحابنا على القول بالتخيير في هذه الفريضة فإنهم ظنوا ان ترك أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لها زمانا و صلاتها زمانا آخر إنما كان لذلك، و ليس الأمر كما زعموه بل ان السر في ذلك هو ما ذكرناه، و كأنه لما كان في ذلك الوقت الذي صدر منهما (عليهما السلام) ما ذكر في هذين الخبرين كانت سورة التقية أهون و هو زمن الباقر و الصادق (عليهما السلام) لم يرضوا للشيعة بتركها بل حثوهم على فعلها سرا في بيوتهم و لم يرضوا لهم بترك هذه الفريضة الجليلة و إهمالها مع إمكان الإتيان بها على الوجه المذكور (1).

و ملخص الكلام في هذا المقام ان العمدة في ثبوت هذا القول هو الإجماع المدعى على اشتراط الإمام أو نائبه في هذه الفريضة كما سمعته من كلام شيخنا المجلسي المتقدم ذكره و قوله فيه: لو لم يكن الإجماع المدعى فيها لم يكن لأحد مجال شك

____________

(1) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة 1 ص 426 لتتجلى لك الحقيقة.

435

في وجوبها على الأعيان في جميع الأحيان و الأزمان. إلى آخر ما قدمنا ذكره.

و أنت قد عرفت ما في ثبوت الإجماع و ان دونه خرط القتاد و خصوصا في هذه المسألة كما هو ظاهر لمن وفق للسداد و الرشاد، و لهذا ان جملة من أفاضل المتأخرين عن عصر شيخنا الشهيد الثاني إلا الشاذ النادر ممن لا يعبأ به و لا يعد قوله في أقوال العلماء المشهورين كلهم على القول بالوجوب العيني كما أسلفنا لك نقل أسماء جملة ممن حضرنا كلامهم و أطلعنا على مذهبهم. و اما من أخذته العصبية للقول بالتخيير الذي ظن بزعمه انه المشهور- مع ان الأمر بالعكس (1) كما عرفت مما قدمناه في هذه السطور، لما اعتراه في ذهنه من الفتور و القصور فحاد عن هذا القول المؤيد المنصور بالآيات و الروايات الساطعة الظهور- فهو أقصى نصيبه في المقام و غاية حظه من الافهام. و يا عجبا انهم يستندون الى الآيات القرآنية في جملة من الأحكام مع انه ليس فيها ما هو أظهر دلالة و لا أوضح مقالة من آية الجمعة (2) المشتملة على مزيد التأكيد و الحث الشديد و يستندون في الأحكام الى خبر أو خبرين من الأخبار و لو بالإطلاق أو العموم كما هو مسلم بينهم و معلوم، و يقابلون هذه الأخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور بما عرفت من التمحلات البعيدة و التأويلات الغير السديدة، مع انه لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم (عليهم السلام) في هذه المسألة من الأخبار البالغة في الاشتهار و الانتشار و التهديد و التشديد و الحث الأكيد إلى حد لا يقبل الإنكار، إلا انها لٰا تَعْمَى الْأَبْصٰارُ وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (3) و لله در من قال:

لقد أسمعت لو ناديت حيا * * * و لكن لا حياة لمن تنادي

و نار لو نفخت بها أضاءت * * * و لكن أنت تنفخ في رماد

(4)

____________

(1) قد وصف القول بالتخيير بالشهرة في ما تقدم من كلامه ص 408 و 420 و 421.

(2) سورة الجمعة الآية 9.

(3) سورة الحج الآية 45 «فَإِنَّهٰا لٰا تَعْمَى.».

(4) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة 1 ص 426 لتتجلى لك الحقيقة و يهون عليك التهويل.

436

(الثالث) [أدلة القول بحرمة الجمعة في زمن الغيبة و ردها]

- من الأقوال في المسألة المذكورة القول بالتحريم في زمن الغيبة، و هذا القول صريح ابن إدريس و سلار و ظاهر المرتضى في أجوبة المسائل الميافارقيات و العلامة في المنتهى و جهاد التحرير و الشهيد في الذكرى، و هؤلاء الثلاثة في غير هذه الكتب المذكورة قد وافقوا أصحاب القول بالتخيير. و أنت خبير بان من عدا الأولين فإن كلامهم في المسألة صار متعارضا فيصير من قبيل ما قيل: تعارضا تساقطا. و اما نقل القول به عن الشيخ في الخلاف فهو ليس بصحيح كما لا يخفى على من راجع العبارة المذكورة. و اما نقله عن ابى الصلاح فقد بينا آنفا فساده.

و لنذكر في هذا المقام جملة ما وصل إلينا من أدلة أصحاب هذا القول مما ذكره ابن إدريس و غيره و هي ثلاثة:

(الأول)- ان وجوب الظهر ثابت بيقين و لا يعدل عنه إلا بيقين مثله فلا تقابله و تزيله صلاة مشكوك فيها، لان اليقين لا ينقضه الشك ابدا للإجماع

و لما رواه زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) (1) «ليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك ابدا».

و الجواب- و الله الهادي إلى جادة الصواب- ان نقول (أولا)- انه ان أراد بالظهر الثابت وجوبها بيقين الفريضة الواجبة عند الظهيرة مقدمة على غيرها ليكون يقينية وجوبها شاملا لجميع الأحوال و الأوضاع فيكون متناولا لموضع النزاع، فنحن قائلون به و لكن لا يجديه نفعا إذ هي بهذا المعنى شاملة لذات الركعتين المفروضتين قبل ان تسن الزيادة و بعدها مع الخطبتين و بدونهما و لذات الأربع، و تيقن وجوب مفهوم كلى لا ينقض تيقن وجوب جزئي خاص منه إلا بدليل خارج، و الثابت وجوبه بيقين في موضع النزاع ذلك المفهوم الكلى، و المشكوك فيه خصوصية أحد الفردين: الأربع بدون الخطبة أم الاثنتين معها، و هما سيان في تعلق الشك بهما، فأين العدول عن اليقين الى الشك و اين نقضه به؟ إذ تيقن وجوب ذلك المفهوم لا ينقضه الشك في أن ذلك الوجوب المحقق بأي الفردين على الخصوص

____________

(1) الوسائل الباب 41 و 44 من النجاسات.

437

يتعلق أو انه بأي الفردين يتحقق. و ان أراد بالظهر الثابتة بيقين ذات الأربع أو مقصورتها بلا تعويض الخطبتين، ففيه انه ان أراد عموم وجوبها بالنسبة الى جميع المكلفين في جميع الأزمان فهو أوضح واضح في البطلان، إذ عينية الركعتين بالخطبتين على بعض المكلفين في بعض الأزمان و تحريم فعل الأربع حينئذ على ذلك البعض في ذلك البعض غنى عن البيان في المقام إذ هو من ضروريات دين الإسلام، و ان أراد أن يقين وجوبها ثابت في الجملة فلا يجديه نفعا إذ يقين وجوب الجمعة ثابت كذلك. و ان أراد ان وجوب الظهر ثابت في يوم الجمعة باعتبار تناول عموم وجوب خمس فرائض كل يوم إحداها الظهر ففيه- بعد تسليم اختصاص الظهر بما هو قسيم للركعتين ذات الخطبتين لا ما يعمهما- انه أول المسألة و محل البحث و هل الكلام و النزاع إلا في ذلك؟ و تناول عمومات وجوب الجمعة في يومها لموضع النزاع أقوى و العمل به أظهر و أولى. و ان أراد معنى آخر غير ما ذكرنا فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه.

و (ثانيا)- ان ما ذكره من الدليل مقلوب عليه في المقام بالنظر الى أصل مشروعية الصلاة و ما ورد في ذلك عنهم (عليهم السلام) فان الثابت بأصل الشرع إنما هو ركعتان على جميع الناس في جميع الأزمان مقرونة بالخطبتين في يوم الجمعة. ثم زيد فيهما حضرا في غير يوم الجمعة و بقي يوم الجمعة و السفر على ما كان عليه الأمر سابقا و الذي يفصح عن ذلك

ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) في حديث طويل قال فيه: «و قال تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (2) و هي صلاة الظهر و هي أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هي وسط النهار و وسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة و صلاة العصر، و في بعض القراءة «حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر و قوموا لله قانتين».

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أعداد الفرائض.

(2) سورة البقرة الآية 239.

438

قال: و نزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سفر فقنت فيها و تركها على حالها في السفر و الحضر و أضاف للمقيم ركعتين، و انما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي (صلى الله عليه و آله) يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام فمن صلى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام».

و التقريب فيها ان قوله (عليه السلام) «و تركها رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حالها في السفر و الحضر» مع قوله: «و أضاف للمقيم ركعتين» صريح في بقاء يوم الجمعة على حكم الركعتين و تساوى حالها في الحالين لان ضمير «تركها» راجع الى صلاة الجمعة المدلول عليها بسياق الكلام و ان اختلاف الحالين باعتبار اضافة الركعتين للمقيم إنما هو في غيرها، إلا انه لما كان مقتضى ذلك نفى الأربع فيها مطلقا حتى بالنسبة الى من لم يصل الجمعة ذات الخطبتين لفقد شرائطها أو لتعمد تفويتها استدرك (عليه السلام) بما هو كالتخصيص فقال «و انما وضعت الركعتان. الى قوله كصلاة الظهر في سائر الأيام» و في ذلك إشارة الى ان صلاة الظهر كما تطلق على الأربع في سائر الأيام كذا تطلق على الركعتين مع الخطبتين في يوم الجمعة و إلا لم يكن للتشبيه معنى.

و نحوه في ذلك- و ان كان ليس فيه من مزيد البيان ما في الخبر المتقدم-

ما رواه ثقة الإسلام في الحسن عن زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر و ركعتان من العصر و ركعتا الصبح و ركعتا المغرب و ركعتا العشاء الآخرة.

الى أن قال و هي الصلاة التي فرضها الله تعالى على المؤمنين في القرآن و فوض الى محمد (صلى الله عليه و آله). الى ان قال فزاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر و العصر و العشاء الآخرة و ركعة في المغرب للمقيم و المسافر».

و نحوها غيرها.

الثاني- ان شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه لها إجماعا و في حال الغيبة الشرط منتف فينتفى المشروط.

و الجواب منع هذا الشرط مطلقا و لو مع حضور الامام كما تقدم بيانه، و الإجماع

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض.

439

قد عرفت ما فيه. و ما اعتمدوه في تقريب هذا الإجماع و الدلالة عليه- من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الخلفاء من بعده و انه مع عدمه يكون موجبا للفتنة و الاختلاف- فقد عرفت ما فيه أيضا في ما تقدم مشروحا مبرهنا بما لا يحوم حوله للمتأمل الطالب للحق شك و لا شبهة.

و نزيده بيانا و تأكيدا فنقول (أولا)- انه على تقدير إمكان انعقاد مثل هذا الإجماع فلا بد من نقله مسلسلا من زمان الانعقاد الى زمان النزاع و لو آحاد ان اكتفينا به و ليس فليس، فلم يبق إلا إجماع منقول بخبر واحد مرسل، فان نقلة هذا الإجماع كابن إدريس و المقداد و غيرهما ليس أحد منهم ممن عاين سيرة الأئمة (عليهم السلام) فكيف يمكن نقلها فضلا عن انها مجمع عليها بدون واسطة بل لا بد من وسائط معلومة تنتهي الى من عاين تلك السيرة، و ليس لناقل هذا الإجماع دليل يلجأ اليه و لا مستمسك يعتمد عليه سوى ما عرفت من دعوى ان النبي (صلى الله عليه و آله) و الخلفاء الراشدين بعده كانوا يباشرون هذه الصلاة أو يعينون لها من يقوم بها كما عرفت، مع ان المباشرة و التعيين الثابتين أعم من الواجبين بالأصالة أو بالعارض و لو باعتبار مصلحة مدنية و الندبين و المختلفين، و لا دلالة للعام على الخاص و لو دل لدل تعيين المؤذنين و أئمة الجماعات و سقاة الحج و قابضى مفاتيح الكعبة و امارة الحجيج و نحو ذلك على الوجوب، و شيء من ذلك ليس بواجب إلا لعروض عارض مدني؛ و بالجملة فإنه إنما يدل على رجحان عارض يختلف باختلاف المعين و المعين و الزمان و المكان و السكان لا رجحان أصلي شرعي لا يختلف باختلافها فأين دلالته على الوجوب الشرعي المدعى؟

ثم من العجب العجاب عند ذوي البصائر و الألباب و الدعوى التي هي أبعد شيء من الصواب ادعاء الإجماع على سنة من سنن النبي (صلى الله عليه و آله) بل على سيرة من سيره لم يخرج عن مستودعي سره و خازني علمه أهل بيت العصمة و الطهارة فيها نبأ من الإنباء الآحادية يدل على ثبوتها و لو دلالة إيماء و اشارة، هذا و الصوارف عن نقلها

440

من جهة التقية- حيث كان مقتضاها أشبه بمذهب أبي حنيفة (1)- مصروفة و البواعث عليها- لشدة الحاجة الى الحكم المبنى عليه- بالتحقيق معروفة، أو ما علموا انه ليس لسره و سريرته و سنته مظهر سوى ما ظهر منهم (عليهم السلام) من الآثار؟ أو ما سمعوا مناديهم ينادى ان لا شيء من الحق و الصواب في أيدي الناس إلا ما برز من وراء تلك الحجب و الأستار؟

قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين: و لعل تعيين من يباشر صلاة الجمعة كان من جملة المحدثات التي أحدثها من كان بعده (صلى الله عليه و آله) و بدعهم التي لم يجر عليها قلم التغيير أو آراء أبي حنيفة التي بنيت أكثرها على الاستحسان و ملائمة طباع سلاطين الوقت و المنصوبين من قبلهم من قاض أو أمير ثم عمت البلية فسرى الاشتباه الى هذه الفرقة الناجية و انقدح في بعض الأذهان حيث كان منسوبا إلى سيرة النبي (صلى الله عليه و آله) و صادف قلوبا عن التحلي بحلية ما هو الحق الواقعي خالية كما قيل «و صادف قلبا خاليا فتمكنا» و انضاف الى ذلك عموم التقية المقتضية لعدم مباشرتهم (عليهم السلام) و شيعتهم تلك الوظيفة إلا سرا و لزوم حضورهم جمعة أهل الخلاف و جماعاتهم و حثهم عليها نهيا و امرا. و لعل الله ان يجعل هذه الشبهة في حق من ذهب الى الإبداع أو التخيير علة و عذرا (2). انتهى كلامه زيد مقامه. و هو جيد نفيس مؤيد لما قلناه مؤكد لما سطرناه.

و (ثانيا)- ما أجاب به شيخنا زين المحققين في الرسالة من انه على تقدير تسليمه لا يلزم منه تحريم فعلها حال الغيبة مطلقا كما زعمه هذا القائل، فإن الفقهاء نواب الامام على العموم

لقول الصادق (3) «انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما. الحديث».

و غيره مما في معناه. و جعله حاكما من قبله (عليه السلام) على العموم

____________

(1) ارجع الى التعليقة 1 و 2 ص 422.

(2) ارجع الى التعليقة 5 ص 386 و التعليقة 3 ص 411 و التعليقة 1 ص 426 ليتضح لك الحق.

(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 430.

441

الشامل للمناصب الجليلة التي هي وظيفة الإمام كالقضاء و اقامة الحدود و غيرها فتدخل فيه الصلاة المذكورة بطريق أولى لأن شرطيتها به أضعف. و من ثم اختلف فيها بخلاف هذه المناصب فإنها متوقفة على اذنه قطعا. الى ان قال: و مع هذا كله فعمدة الأمر عندي على منع الإجماع المذكور على وجه يوجب مدعاهم، ثم أطال بذكر وجه ذلك (الثالث)- انه يلزم من عدم القول به الوجوب العيني لإفضاء الأدلة اليه و المسوغون لها لا يقولون به كما أشار إليه في الذكرى مما قدمناه من نقل عبارته في صدر القول الثاني.

و الجواب عنه (أولا)- ان تقريره و صحة دليله مبنى على عدم ثبوت الوجوب العيني و قد عرفت ثبوته بالآيات الشريفة و الأخبار الصحيحة الصريحة المنيفة.

و (ثانيا)- ما ذكره شيخنا زين المحققين في الرسالة من انه مع تسليم عدم الوجوب العيني ان بعض الأخبار المتقدمة دال على الوجوب المطلق اعنى الوجوب الكلى المحتمل لكل واحد من افراده المنقسم إليها كالعيني و التخييري و غيرهما و ان كان ظاهرا في أحدها إلا ان الصارف عنه موجود و هو الإجماع الذي زعمه القائل و أى صارف عن هذا الفرد أكبر من الإجماع إذا تم فيحمل على غيره من الأفراد و الإجماع منحصر في إرادة أحد الفردين العيني أو التخييري فإذا انتفى الأول بقي الآخر، هذا على تقدير انسداد باب القول بالوجوب العيني و ان قامت عليه الأدلة و دلت عليه عبارات الأصحاب، لكن قد عرفت ان دليله قائم و القائل به من الأصحاب موجود و دعوى الإجماع على عدمه ممنوعة. ثم غايته انه نقل إجماع بخبر الواحد و هو غير مفيد هنا لان دليل القائل بحجيته من الأصوليين- مع ظهور الخلاف فيه- انه مفيد للظن المجوز للعمل بمقتضاه، و هو منتف هنا خصوصا مع ما قد أطلعنا عليه من ظهور خطأهم في هذه الدعوى كثيرا، و يكفيك في نقل العلامة الإجماع و ظهور خلاف ما نقله في كثير من كتبه من الإجماع على ان الكعبين هما مفصل الساق و القدم مع ظهور الإجماع على عدمه من جميع الأصحاب

442

بل من المسلمين. الى أن قال: و كيف يحصل الظن بنقل الإجماع في مسألة ظاهرة الخلاف واضحة الأدلة على ما خالفه: و اما ما اتفق لكثير من الأصحاب- خصوصا المرتضى في الانتصار و الشيخ في الخلاف مع أنهما اماما الطائفة و مقتدياها في دعوى الإجماع على مسائل كثيرة مع اختصاصهما بذلك القول من بين الأصحاب أو شذوذ الموافق لهما- فهو كثير لا يقتضي الحال ذكره. ثم نقل جملة من إجماعات المرتضى (رضى الله عنه) التي هي من هذا القبيل. الى أن قال: و لو ضممنا اليه ما ادعاه كثير من المتأخرين خصوصا الشيخ على لطال الخطب، و من غريبها دعوى الشيخ على في شرح الألفية الإجماع، ثم ساق جملة من دعاويه الإجماع التي هي من هذا القبيل. الى أن قال: و لو أتيت لك على جميع ما ذكره من ذلك في رسائله و مسائله لطال و في هذا القدر كفاية، فإذا أضفت هذا الى ما قررناه سابقا كفاك في الدلالة على حال هذا الإجماع و نقله بخبر الواحد المنقول به الإجماع.

و الله يشهد- و كفى به شهيدا- ان ليس الغرض من كشف هذا كله إلا بيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذي تألفه الأنام و لولاه لكان لنا عنه أعظم صارف و الله تعالى يتولى اسرار عباده. انتهى كلامه زيد مقامه و علت في الفردوس أقدامه.

و بعض المجتهدين من متأخري المتأخرين من علماء بلادنا البحرين قد اختار القول بالتحريم في هذه المسألة و كتب فيها رسالة ذكر فيها زيادة على ما نقلناه من الأدلة، و لولا ان هذا القول لمزيد ظهور ضعفه و شذوذ القائل به سيما في زماننا هذا غنى عن الإطالة في رده لتعرضنا لنقل أدلته و بيان ما فيها من القصور.

و أظهرها شبهة في ما يدعيه

قول زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة (1) «اللّهمّ هذا يوم مبارك ميمون و المسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك. الى ان قال اللهم ان هذا المقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي

____________

(1) في دعائه (ع) في الأضحى و الجمعة رقم 48.

443

اختصصتهم بها قد ابتزوها و أنت المقدر لذلك. الى قوله (عليه السلام) حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا و لا كتابك منبوذا. الى قوله (عليه السلام) و عجل الفرج و الروح و النصرة و التمكين و التأييد لهم».

وجه الاستدلال ان الإشارة في قوله «هذا المقام» ترجع إلى الجمعة و العيد و الخطبة، و قوله «لخلفائك» يدل على الاختصاص بهم، و كذا قوله (عليه السلام) «قد اختصصتهم بها» و قوله «قد ابتزوها» فان الابتزاز هو الاستيلاء و الأخذ قهرا.

و الجواب عنه من وجوه (أحدها)- احتمال ان يكون المشار اليه إنما هو الخلافة الكبرى لظهور آثارها في هذا اليوم لما فيه من الحكم العظيمة بظهور دولتهم و تمكنهم و أمرهم و نهيهم و هدايتهم العباد و إرشادهم و اقتداء الخلق بهم، و الى ذلك يشير قوله (عليه السلام) «حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرفة عن جهات إشراعك و سنن نبيك متروكة» إذ من الظاهر ان الأمور المذكورة مما يترتب على الخلافة الكبرى و الولاية العظمى.

و (ثانيها)- ان اللام كما يحتمل الملك و الاختصاص يحتمل الاستحقاق و لا دلالة لاستحقاق شخص لأمر على نفى استحقاق غيره لذلك الأمر إذ ليس معناه إلا استيهاله إياه و كونه أهلا له و هو لا يدل على الاختصاص به و إلا لرجع الاستحقاق اليه فلم يكن لجعله معنى آخر وجه و يؤيده ما نقله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين عن المحقق الدواني في حواشيه على شرح المختصر للعضدى من ان هذا الاختصاص ليس بمعنى الحصر بل يكفى فيه ارتباط مخصوص كما يقال: الجل للفرس. قيل و من هنا نجد فرقا بينا بين قولنا «الحمد لله» و قولنا «لله الحمد» و قولنا «الأمر لله» و «لله الأمر».

و (ثالثها)- حمل الخلفاء على ما هو أعم من الامام الشامل لعلماء الشيعة و فقهائهم لأنهم ورثة علومهم و رواة أحاديثهم التي من أخذ منها أخذ بحظ وافر لان العلماء لم يورثوا درهما و لا دينارا و انما ورثوا علما من علومهم، و يؤيده

444

ما رواه الصدوق و غيره عنه (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «اللّهمّ ارحم خلفائي. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و من خلفاؤك؟ قال الذين يأتون من بعدي يروون حديثي و سنتي».

و في رواية أخرى (2) زاد: «و يعلمون الناس بعدي».

على انه لا بد للخصم من الحمل على المعنى العام الشامل للمنصوب الخاص و التفاوت بالشدة و الضعف ان أوجب الحمل على الأشد تعين الحمل على الأخص، و دعوى صدق اسم خليفة الله على المأذون له إذنا خاصا دون الاذن العام محل منع.

و (رابعها)- ان عطف الأصفياء على الخلفاء يؤذن بالمغايرة كما هو مقتضى الأصل فيمكن أن يكون المراد بالخلفاء هم (عليهم السلام) أو هم و منصوبوهم على الخصوص و بالأصفياء عدول الشيعة، و التأسيس أولى من التأكيد.

و (خامسها)- بتقدير استفادة الحصر من هذه العبارة فإنها في قوة قولك «ليس هذا المقام إلا لخلفائك. الى آخره» فالحصر هنا ليس منحصرا في الحقيقي بل يعمه و الإضافي، و كثرة استعماله و شيوعه في الإضافي غير منكور و لا مدافع بل في ما نحن فيه من قصر الموصوف على الصفة لا يصدق إلا إضافيا كما حقق في محله، و دعوى كونه مجازا فيه غير مسموع، و حينئذ فليس المراد إلا ان هذا المقام مقصور على الاتصاف بكونه لخلفاء الله قصرا إضافيا أفراديا أو قلبيا أو تعيينيا ردا على من اعتقد مشاركة أعدائهم لهم (عليهم السلام) أو اختصاصهم به دونهم أو تردد في ذلك، و لا يلزم من ذلك نفى ان يقوم بهذا المقام أولياؤهم المعترفون بان يدهم يد فرعية لاحظ لها في الشركة فضلا عن الاختصاص و الابتزاز.

و (سادسها)- بتقدير تسليم الدلالة بطريق الحصر على نفى الاستحقاق عن ما سوى الخلفاء و الأصفياء بالمعنى الخاص فهو عام مخصوص بما قدمنا من الأدلة الدالة على عموم الاذن بالتصرف في هذا الحق حضورا و غيبة بل الأمر به من غير تخصيص للاذن بمخاطب دون مخاطب و لا في زمان دون زمان، هذا و هم مضطرون

____________

(1) الوسائل الباب 8 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) الوسائل الباب 8 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

445

لإدراج النائب الخاص الى ما وجهنا به هذا الدليل لكونه مشترك الورود علينا و عليهم فما وجهوه به فنحن نوجهه بمثله و قد كفيناهم- و لله الحمد- مؤنة خطبه.

(الرابع) [أدلة القول بالتخيير بشرط حضور الفقيه و ردها]

- من الأقوال في المسألة وجوب الصلاة المذكورة وجوبا تخييريا حال الغيبة لكن بشرط حضور الفقيه الجامع لشرائط الفتوى و إلا لم تشرع، و هذا القول مذهب المحقق الشيخ على (قدس سره) قد رجحه و نصره و اعتنى به و استدل عليه، و ربما نسب الى ظاهر كلام العلامة في التذكرة و النهاية و الشهيد في اللمعة و الدروس القول بذلك أيضا، و رد بعدم ظهور الدلالة.

و الأصل في هذا القول ان اذن الامام معتبر فيها فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه و مع غيبته يقوم الفقيه المذكور مقامه لأنه نائبه على العموم.

و عمدة ما استدل به على هذا الشرط وجوه ثلاثة (الأول)- ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يعين لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء من بعده كما يعين للقضاء، و كما لا يصح ان ينصب الإنسان نفسه قاضيا بدون اذن الامام فكذا إمام الجمعة. قالوا و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الأعصار و الأمصار و مخالفته خرق للإجماع.

(الثاني)-

رواية محمد بن مسلم قال: «لا تجب الجمعة على أقل من سبعة. الحديث».

و قد تقدم (1).

(الثالث)- انه إجماع كما نقله جماعة من الأصحاب: منهم- المحقق نجم الدين ابن سعيد في المعتبر و العلامة جمال الدين بن المطهر و الشهيد في الدروس و الذكرى و الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة فكيف بنقل هؤلاء الأعيان.

و أجيب عن الأصل المذكور بأنه لو تم لزمهم القول بوجوبها مع الفقيه عينا على حد وجوبها مع الامام و نائبه الخاص قضية لوجود الشرط، و هؤلاء المتأخرون لا يقولون به بل يجعلونها حال الغيبة مستحبة بمعنى أنها أفضل الفردين الواجبين على التخيير فهي مستحبة عينا واجبة تخييرا فما يقتضيه دليلهم لا يقولون به

____________

(1) ص 423.

446

و ما يقولون به لا يقتضيه دليلهم. على انهم يعتبرون في هذه الحال عدم وجود شرط الوجوب الذي هو الإمام أو نائبه كما وقع في عبائرهم و حكاية كلامهم، فلا فرق حينئذ بين وجود الفقيه و عدمه حيث لا يوجد هذا الشرط بل اما ان يحكموا بوجوبها نظرا الى ان الشرط المذكور انما يعتبر مع إمكانه لا مطلقا أو يحكموا بعدم مشروعيتها التفاتا الى فقد الشرط.

فان قيل: انهم يختارون الأول و هو حصول الشرط بوجود الفقيه و لكن الوجوب العيني منتف بالإجماع كما ندعيه فقلنا بالوجوب التخييري حيث دل الدليل على الوجوب و لم يمكن القول الأول.

قلنا: قد اعترفتم في كلامكم بفقد الشرط في هذه الحالة و هو خلاف ما التزمتموه هنا و دعوى الإجماع المذكور ممنوعة.

أقول: مدار هذه الأقوال الخارجة عن جادة الاعتدال و ثبوتها على هذا الإجماع الذي يدعونه في المسألة و ببطلانه يبطل ما فرعوه عليه و قد عرفت- بحمد الله سبحانه الملك المنان- بطلانه بأوضح بيان. و اما ما ذكره من الوجوه الثلاثة للاستدلال على هذا الإجماع فقد عرفت الكلام فيها منقحا. و الله العالم.

قد تم الجزء التاسع من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و يتلوه الجزء العاشر و الحمد لله أولا و آخرا

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء التاسع


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org