971
الباب الثامن عشر في أم المعجزات و هو القرآن المجيد
الحمد لله الذي جعل القرآن لنبينا(ص)أم المعجزات و معظمها و صلى الله على خيرته من خلقه محمد و آله أشرف الصلوات و أعظمها.
و بعد فإن كتاب الله المجيد ليس هو مصدقا لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط بل هو مصدق لسائر الأنبياء و الأوصياء قبله و سائر الأوصياء بعده جملة و تفصيلا و ليست جملة الكتاب معجزة واحدة بل هو معجزات لا تحصى و فيه أعلام عدد الرمل و الحصى لأن أقصر سورة منه إنما هي الكوثر و فيها الإعجاز من وجهين أحدهما أنه قد تضمن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه و هو قوله تعالى إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ لما قال قائلهم إن محمدا رجل صنبور و إذا مات انقطع ذكره و لا خلف له يبقى به ذكره
972
فعكس ذلك على قائله و كان كذلك.
و الثاني من طريق نظمه لأنه على قلة عدد حروفه و قصر آيه يجمع نظما بديعا و أمرا عجيبا و بشارة للرسول و تعبدا للعبادات بأقرب لفظ و أوجز بيان و قد نبهنا على ذلك في كتاب مفرد لذلك.
ثم إن السور الطوال متضمنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظما و جزالة و خبرا عن الغيوب فلذلك لا يجوز أن يقال إن القرآن معجز واحد و لا ألف معجز و لا أضعافه.
فلذلك خطأنا قول من قال إن للمصطفى(ص)ألف معجزة أو ألفي معجزة بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف
[باب في كيفية الاستدلال بالقرآن]
فصل في أن القرآن المجيد معجز
اعلم أن الكلام في كيفية الاستدلال بالقرآن فرع على الكلام في الاستدلال بالقرآن و الاستدلال به لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء أحدها ظهور محمد(ص)بمكة و ادعاؤه أنه مبعوث إلى الخلق و رسول إليهم.
و ثانيها تحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده و ادعاؤه أن الله سبحانه أنزله عليه و خصه به.
و ثالثها أن العرب مع طول المدة لم يعارضوه.
و رابعها أنهم لم يعارضوه للتعذر و العجز.
و خامسها أن هذا التعذر خارق للعادة.
973
فإذا ثبت ذلك فإما أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه أو لأن الله سبحانه و تعالى صرفهم عن معارضته و لو لا الصرف لعارضوه و أي الأمرين ثبت ثبتت صحة نبوته(ص)لأنه تعالى لا يصدق كذابا و لا يخرق العادة لمبطل
[فصل في بعض التساؤلات حول القرآن]
فصل:
و أما ظهوره(ص)بمكة و دعاؤه إلى نفسه فلا شبهة فيه بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل فظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة و الشك في أحدهما كالشك في الآخر.
و أما الذي يدل على أنه(ص)تحدى بالقرآن فهو أن معنى قولنا إنه تحدى بالقرآن أنه كان يدعي أن الله سبحانه خصه بهذا القرآن و إنبائه به و أن جبرئيل(ع)أتاه به و ذلك معلوم ضرورة لا يمكن لأحد دفعه و هذا غاية التحدي في المعنى و المبعث على إظهار معارضتهم له إن كان معذورا.
و أما الكلام في أنه لم يعارض فهو أنه لو عورض لوجب أن ينقل و لو نقل لعلم كما علم نفس القرآن فلما لم يعلم دل على أنه لم يعارض كما يعلم أنه ليس بين بغداد و البصرة بلد أكبر منهما لأنه لو كان كذلك لنقل و علم.
و إنما قلنا إن المعارضة لو كانت لوجب نقلها لأن الدواعي تتوفر إلى
974
نقلها و لأنها لو كانت لكانت هي الحجة و القرآن شبهة و نقل الحجة أولى من نقل الشبهة.
و أما الذي به يعلم أن جهة انتفاء المعارضة التعذر لا غير فهو أن كل فعل ارتفع عن فاعله مع توفر دواعيه إليه علم إنما ارتفع للتعذر و لهذا قلنا إن هذه الجواهر و الألوان ليست في مقدورنا و خاصة إذا علمنا أن الموانع المعقولة مرتفعة كلها فيجب أن نقطع على ذلك في جهة التعذر لا غير.
و إذا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذر لا غير.
و إذا ثبت كون القرآن معجزا و أن معارضته تعذرت لكونه خارقا للعادة ثبت بذلك نبوته المطلوبة
[فصل في الطريق إلى معرفة صدق النبي(ص)و الوصي(ع)و بيان شروط مفهوم المعجزات]
فصل:
و الطريق إلى معرفة صدق النبي(ص)و الوصي(ع)ليس إلا ظهور المعجز عليه أو خبر نبي ثابت نبوته بالمعجز.
و المعجز في اللغة ما يجعل غيره عاجزا ثم تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن الإتيان بمثله و في الشرع هو كل حادث من فعل الله أو بأمره أو تمكينه ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته أو ما يجري مجراه.
975
و اعلم أن شروط مفهوم المعجزات أمور منها أن يعجز عن مثله أو عما يقاربه المبعوث إليه و جنسه لأنه لو قدر عليه أو واحد من جنسه في الحال لما دل على صدقه و وصي النبي(ع)حكمه حكمه و منها: أن يكون من فعل الله تعالى أو بأمره و تمكينه لأن المصدق للنبي بالمعجز هو الله تعالى فلا بد أن يكون من جهته تعالى ما يصدق به النبي أو الوصي و منها: أن يكون ناقضا للعادة لأنه لو فعل معتادا لم يدل على صدقه كطلوع الشمس من مشرقها.
و منها: أن يحدث عقيب دعوى المدعي أو جاريا مجراه و الذي يجري مجرى ذلك هو أن يدعي النبوة و يظهر عليه معجزا ثم تشيع دعواه في الناس ثم يظهر معجز من دون تجديد دعوى لذلك لأنه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلقه بالدعوى فلا يعلم أنه تصديق له في دعواه.
و منها: أن يظهر ذلك في زمان التكليف لأن أشراط الساعة تنتقض بها عادته تعالى و لا يدل على صدق مدع
976
[فصل في أن القرآن معجز تحدى العرب و بيان بعض الشبهات]
فصل:
و القرآن معجز لأنه(ص)تحدى العرب الإتيان بمثله و هم النهاية في البلاغة و قويت دواعيهم إلى الإتيان بما تحداهم به و لم يكن لهم صارف عنه و لا مانع منه و لم يأتوا به فعلمنا أنهم عجزوا عن الإتيان بمثله.
و إنما قلنا إنه(ص)تحداهم لأن القرآن الكريم نفسه نطق بذلك كقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
و معلوم أن العرب في زمانه و بعده كانوا يتباهون بالبلاغة و يفخرون بالفصاحة و كانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم و حضر زمانه من يعد في الطبقة الأولى كالأعشى و لبيد و طرفة.
و في زمانه كانت العرب قد مالت إلى استعمال المستأنس من الكلام دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة.
و إنما قلنا إن دواعيهم اشتدت إلى الإتيان بمثله لأنه(ص)تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه كقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
977
و قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا.
فإن قيل لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن لانحطاطه في البلاغة.
قلنا لا شبهة أنه(ص)كان من الشط في التثبيت حتى سموه الأمين و الصدوق فكيف لا يحتفلون به و هم كانوا يستعظمون القرآن حتى شبهوه بالسحر و منعوا الناس من استماعه لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين فكيف يرغبون عن معارضته.
فصل:
فإن قيل أ لستم تقولون إن ما أتى به محمد من القرآن هو كلام الله و فعله و قلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة و قلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى و ليس بحادث في وقت نزوله و الناقض للعادة لا بد أن يكون هو متجدد الحدوث و لأن الكلام مقدور للعباد فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة فلا يكون معجزا للعباد.
و الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن عليه في مثل بلاغته المعجزة و ذلك يتجدد و ليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل
978
ملك أظهر عليه بأمره تعالى و أوحى الله تعالى به إليه فإذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه و حبسه عن مثله و عما يقاربه فكان ناقضا للعادة كان معجزا دالا على صدقه و لم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به من قبل إذا لم تجر عادته تعالى في إظهاره على أحد غيره.
فصل:
و قولهم إنه مركب من جنس مقدور العباد لا يقدح في كونه ناقضا للعادة و لا في كونه معجزا لأن الإعجاز فيه هو من جهة البلاغة و فيها يقع التفاوت بين البلغاء أ لا ترى أن الشعراء و الخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم و خطبهم فصح أن يكون في الكلام ما يبلغ حدا في البلاغة ينتقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد.
يبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا تحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة و إنما تظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ و تلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه و إنما تحصل له من قبل الله تعالى ابتداء و عند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده و تلك العلوم من قبله تعالى.
و قد أجرى الله سبحانه عادته فيما يمنحه العباد من العلوم بالبلاغة فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتقارب فيه بلاغة البلغاء فيتفاوتون في ذلك بعد تقارب بلاغاتهم.
979
فإذا تجاوز بلاغة البليغ المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبيد و تجاوز ذلك بلاغة أبلغهم ظهر كونه ناقضا للعادة.
و إنما نتبين ذلك بما ذكرنا و بينا أنه تحداهم بمثل القرآن فعجزوا عنه و عما يقاربه.
فصل:
فإن قيل بما ذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره و ما أنكرتم أن الله سبحانه بعث نبيا غير محمد(ص)و آمن محمد(ص)به فتلقاه منه محمد(ص)ثم قتل ذلك النبي فادعاه معجزة لنفسه.
و الجواب أنا نعلم باضطرار أنه مختص به(ص)كما نعلم في كثير من الأشعار و التصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر إمرئ القيس و كتاب العين للخليل.
ثم إن القرآن المجيد ظهر عنه و سمع منه و لم يجر في الناس ذكر أنه ظهر لغيره و لا جوزوه و كيف يجوز في حكمة الحكيم سبحانه أن يمكن أحدا من مثل ذلك و قد علم حال محمد(ص)في عزوف نفسه عن ملاذ الدنيا و طلق النفس من أول أمره و آخره فكيف يتهم بما قالوا.
980
فصل:
فإن قيل لعل من تقدم محمدا(ص)كإمرئ القيس و أضرابه لو عاصره لأمكنه معارضته.
قلنا إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قلته و من كان في زمانه(ص)و قريبا منه لم تقصر بلاغتهم في البدلة عن بدلهم كإمرئ القيس بل كانت في زمانه قريبا منه من قدم في البلاغة على من تقدم.
و لأنه(ص)ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم و إنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم.
فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لأتوا به و قالوا إن هذا كلام من ليس بنبي و هو مساو للقرآن في بلاغته.
و معلوم أن محمدا(ص)ما قرأ الكتب و لا تتلمذ لأحد من أهل الكتاب و كان ذلك معلوما لأعدائه ثم قص عليهم(ص)قصة نوح و موسى و يوسف و هود و صالح و شعيب و لوط و عيسى و قصة مريم على طولها.
فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها و لا خطئوه في شيء من ذلك.
و مثل هذه الأخبار لا يتمكن منها بالبحث و الاتفاق و قد نبه الله تعالى بقوله ذٰلِكَ مِنْ أَنْبٰاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ و نحوها من قصص الأنبياء و أمم الماضين
981
فصل في وجه إعجاز القرآن
اعلم أن المسلمين اتفقوا على ثبوت دلالة القرآن على النبوة و صدق الدعوة و اختلف المتكلمون في جهة إعجاز القرآن على سبعة أوجه و قد ذهب قوم إلى أنه معجز من حيث كان قديما أو لأنه حكاية للكلام القديم و عبارة عنه.
فقولهم هذا أظهر فسادا من أن يخلط بالمذاهب المذكورة في إعجاز القرآن.
فأول ما ذكر من تلك الوجوه ما اختاره السيد المرتضى رض و هو أن وجه الإعجاز في القرآن أن الله سبحانه صرف الخلق عن معارضته و سلبهم العلم بكيفية نظمه و فصاحته و قد كانوا لو لا هذا الصرف قادرين على معارضته و متمكنين منها.
و الثاني ما ذهب إليه الشيخ المفيد ره أنهم لم يعارضوا من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة لأن مراتب البلاغة محصورة متناهية فيكون ما زاد على المعتاد معجزا و خارقا للعادة.
و الثالث ما قال قوم و هو أن إعجازه من حيث كانت معانيه صحيحة مستمرة على النظر موافقة للعقل.
982
و الرابع أن جماعة جعلوه معجزا من حيث زال عنه الاختلال و التناقض على وجه لم تجر العادة بمثله.
و الخامس ما ذهب إليه أقوام و هو أن وجه إعجازه أنه يتضمن الإخبار عن الغيوب.
و السادس ما قاله آخرون و هو أن القرآن إنما كان معجزا لاختصاصه بنظم مخصوص مخالف للمعهود.
و السابع ما ذكره أكثر المعتزلة و هو أن تأليف القرآن و نظمه معجزان لا لأن الله أعجز عنهما بمنع خلقه في العباد و قد كان يجوز أن يرتفع فيقدروا عليه لكن محال وقوعه منهم كاستحالة إحداث الأجسام و الألوان و إبراء الأكمه و الأبرص من غير دواء.
و لو قلنا إن هذه الوجوه السبعة كلها هو وجه إعجاز القرآن على وجه دون وجه لكان حسنا
فصل في أن التعجيز هو الإعجاز
استدل السيد المرتضى رضي الله عنه على أنه تعالى صرفهم عن المعارضة و أن العدول عنها كان لهذا لا لأن فصاحة القرآن خرقت عادتهم لأن الفصل بين الشيئين أو أكثر لم تقف المعرفة بحالهما على ذوي القرائح الذكية
983
دون من لم يساوهم بل يغني ظهور أمرهما عن الروية بينهما و لهذا لا يحتاج في الفرق بين الخز و الصوف إلى أحذق البزازين.
و إنما يحتاج إلى التأمل الشديد المتقارب الذي يشكل مثله.
و نحن نعلم أنا على مبلغ علمنا بالفصاحة نفرق بين شعر إمرئ القيس و شعر غيره من المحدثين و لا يحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة بل يستغنى معه عن الفكرة.
و ليس بين الفاضل و المفضول من أشعار هؤلاء و كلام هؤلاء قدر ما بين الممكن و المعجز و المعتاد و الخارج عن العادة لأن جميع الشعراء لو كانوا بفصاحة الطائيين و في منزلتهما ثم أتى آت بمثل شعر إمرئ القيس لم يكن معجزا و كذلك لو كان البلغاء في الكتابة في طبقة أهل عصرنا لم يكن كلام عبد الحميد و إبراهيم بن العباس و نحوهما خارقا لعادتهم و معجزا لهم و إذا استقر هذا
984
و كان الفرق بين قصار سور المفصل و بين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظهور الذي ذكرناه و لعله إن كان ثم فرق فهو مما يقف عليه غيرنا و لا يبلغه علمنا فقد دل على أن القوم صرفوا عن المعارضة و أخذوا عن طريقها
فصل في أن الإعجاز هو الفصاحة
و الأشبه بالحق و الأقرب إلى الحجة بعد ذلك القول قول من قال إن وجه معجز القرآن المجيد خروجه عن العادة في الفصاحة فيكون ما زاد على المعتاد هو المعجز كما أنه لما أجرى الله تعالى العادة في القدر التي يتمكن بها من ضروب أفعال الجوارح كالظفر للنخر و حمل الخيل بقدر كثيرة خارجة عن العادة كانت لاحقة بالمعجزات فكذلك القرآن الكريم
985
فصل إن الفصاحة مع النظم معجز
و اعلم أن هؤلاء الذين قالوا إن جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين منهم من اقتصر على ذلك و لم يعتبر النظم و منهم من اعتبر الفصاحة و النظم و الأسلوب المخصوص.
و قال الفريقان إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته دل على نبوته لأنه إن كان من فعل الله تعالى فهو دال على نبوته و معجز له.
و إن كان من فعل النبي(ص)فإنه لم يتمكن من ذلك مع خرقه العادة لفصاحته إلا لأن الله تعالى خلق فيه علوما خرق بها العادة فإذا علمنا بقوله أن القرآن من فعل الله دون فعله قطعنا على ذلك دون غيره
فصل في أن معناه أو لفظه هو المعجز
و أما القول الثالث و الرابع فكلاهما مأخوذ من قول الله تعالى وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً.
فحمل الأولون ذلك على المعنى و الآخرون على اللفظ و الآية الكريمة مشتملة عليهما عامة فيهما.
و يجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه لارتفاع التناقض منه و الاختلاف فيه على وجه مخالف للعادة
986
فصل في أن المعجز هو إخباره بالغيب
و أما من جعل جهة إعجازه ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب فذلك لا شك في أنه معجز لكن ليس هو الذي قصد به التحدي و جعل العلم المعجز لأن كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب و التحدي وقع بسورة غير معينة و الله أعلم
فصل في أن النظم هو المعجز
و أما الذين قالوا إنما كان معجزا لاختصاصه بأسلوب مخصوص ليس بمعهود فإن النظم دون الفصاحة لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق لأن ذلك لا يقع فيه التفاضل.
و في ذلك كفاية لأن السابق إلى ذلك لا بد أن يقع فيه مشاركة بمجرى العادة على ما تبين
فصل في أن تأليفه المستحيل من العباد هو المعجز
و أما من قال إن القرآن نظمه و تأليفه مستحيلان من العباد كخلق الجواهر و الألوان فقوله على الإطلاق باطل لأن الحروف كلها من مقدورنا و الكلام كله يتركب من الحروف التي يقدر عليها كل متكلم.
فأما التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن لأن حقيقته في الأحكام و إنما يراد في القرآن حدوث بعضه في أثر بعض.
987
فإن أريد ذلك فهو إنما يتعذر لفقد العلم بالفصاحة و كيفية إيقاع الحروف لا أن ذلك مستحيل كما أن الشعر يتعذر على العجز لعدم علمه بذلك لا أنه مستحيل منه من حيث القدرة.
و متى أريد باستحالة ذلك ما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى
باب في الصرفة و الاعتراض عليها و الجواب عنه
و تقرير ذلك في الصرفة هو أنه لو كانت فصاحة القرآن خارقة فقط لوجب أن يكون بينه و بين أفصح كلام العرب التفاوت الشديد الذي يكون بين الممكن و المعجز و كان لا يشتبه فصل بينه و بين ما يضاف إليه من أفصح كلام العرب كما لا يشتبه الحال بين كلامين فصيحين و إن لم يكن بينهما ما بين الممكن و المعجز.
أ لا ترى أن الفرق بين شعر الطبقة العليا من الشعراء و بين شعر المحدثين يدرك بأول نظر و لا نحتاج في معرفة ذلك الفصل إلى الرجوع إلى من تناهى في العلم بالفصاحة.
988
و قد علمنا أنه ليس بين هذين الشعرين ما بين المعتاد و الخارق للعادة فإذا ثبت ذلك و كنا لا نفرق بين بعض قصار سور المفصل و بين أفصح شعر العرب و لا يظهر لنا التفاوت بين الكلامين الظهور الذي قدمناه فلم حصل الفرق القليل و لم يحصل الكثير و لم ارتفع اللبس مع التقارب و لم يرتفع مع التفاوت.
فصل:
و الاعتراضات على ذلك كثيرة منها قولهم إن الفرق بين أفصح كلام العرب و بين القرآن موقوف على متقدمي الفصحاء الذين تحدوا به.
و الجواب أن ذلك لو وقف عليهم مع التفاوت العظيم لوقف ما دونه أيضا عليهم و قد علمنا خلافه.
فأما من ينكر الفرق بين أشعار الجاهلية و المحدثين فإن أشار بذلك إلى عوام الناس و الأعاجم فلا ينكر ذلك و إن أشار إلى الذين عرفوا الفصاحة فإنه لا يخفى عليهم.
فإن قالوا الصرف عن ما ذا وقع قلنا الصرف وقع عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته و طريقة نظمه بأن سلب كل من رام المعارضة التي يتأتى بها ذلك.
فإن العلوم التي يتمكن بها من ذلك ضرورية من فعل الله تعالى بمجرى العادة و على هذا لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين.
يدل عليه أنه(ص)أطلق التحدي و أرسله فوجب أن يكون إنما أطلق تعويلا على ما تعارفوه في تحدي بعضهم بعضا فإنهم اعتادوا ذلك بالفصاحة و طريقة النظم
989
و لهذا لم يتحد الخطيب الشاعر و لا الشاعر الخطيب و لو شكوا في مراده لاستفهموه فلما لم يستفهموه دل على أنهم فهموا غرضه و لو لم يفهموه لعارضوه بالشعر الذي له فصاحة كثير من القرآن و اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر النظم يعلم ضرورة.
فصل:
و الذي يدل على أنه لو لا الصرف لعارضوه هو أنه إذا ثبت في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من القرآن و النظم لا يصح فيه التزايد و التفاضل بدلالة أنه يشترك الشاعران في نظم واحد لا يزيد أحدهما على صاحبه و إن تباينت فصاحتهما.
و إذا لم يدخل النظم تفاضل لم يبق إلا أن يقال الفضل في السبق إليه و ذلك يقتضي أن يكون من سبق إلى ابتداء الشعر و وزن من أوزانه أتى بمعجز و ذلك باطل و لا يتعذر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكن من نظوم غيره و لا يحتاج في ذلك إلى زيادة علم كما يقول في الفصاحة.
فمن قدر على البسيط يقدر على الطويل و غيره و لو كان على سبيل الاحتذاء و إن خلا كلامه من فصاحة فعلم بذلك أن النظم لا يقع فيه تفاضل.
فصل:
و الاعتراض على ذلك من وجوه أحدها أنهم قالوا يخرج قولكم هذا القرآن من كونه معجزا على ذلك لأن على هذا المذهب المعجز هو الصرف و ذلك خلاف إجماع المسلمين.
990
الجواب أن هذه مسألة خلاف لا يجوز أن يدعى فيها الإجماع على أن معنى قولنا معجز في العرف بخلاف ما في اللغة و المراد به في العرف ما له حظ في الدلالة على صدق من ظهر على يده.
و القرآن بهذه الصفة عند من قال بالصرفة فجاز أن يوصف بأنه معجز و إنما ينكر العوام أن يقال القرآن ليس بمعجز متى أريد به أنه غير دال على النبوة و أن العباد يقدرون عليه و أما أنه معجز بمعنى أنه خارق للعادة بنفسه و بما يسند إليه فموقوف على العلماء المبرزين.
على أنه يلزم من جعل جهة إعجاز القرآن الفصاحة الشناعة لأنهم يقولون إن من قدر على الكلام من العرب و العجم يقدرون على مثل القرآن و إنما ليست له علوم بمثل فصاحته.
فصل:
و اعترضوا فقالوا إذا كان الصرف هو المعجز فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام و أقله فصاحة ليكون أبهر في باب الإعجاز.
الجواب لو فعل ذلك لجاز لكن المصلحة معتبرة في ذلك فلا تمتنع أنها اقتضت أن يكون القرآن على ما هو عليه من الفصاحة فلأجل ذلك لم ينقص منه شيء.
و لا يلزم في باب المعجزات أن يفعل ما هو أبهر و أظهر و إنما يفعل ما تقتضيه المصلحة بعد أن تكون دلالة الإعجاز قائمة فيه.
ثم يقال هلا جعل الله القرآن أفصح مما هو عليه فما قالوا فهو جوابنا عنه و ليس لأحد أن يقول ليس وراء هذه الفصاحة زيادة لأن الغايات التي ينتهي إليها الكلام الفصيح غير متناهية
991
فصل:
و من اعتراضاتهم قولهم لو كان المعجز الصرف لما خفي ذلك على فصحاء العرب لأنهم إذا كانوا يتأتى منهم فعل التحدي ما تعذر بعده و عند روم المعارضة فالحال في أنهم صرفوا عنها ظاهرة فكيف لم ينقادوا.
و الجواب لا بد أن يعلموا تعذر ما كان متأتيا منهم لكنهم يجوز أن ينسبوه إلى الاتفاقات أو إلى السحر أو العناد.
و يجوز أن يدخل عليهم الشبهة على أنهم يلزمهم مثل ما ألزمونا بأن يقال إن العرب إذا علموا أن القرآن خرق العادة بفصاحته فأي شبهة بقيت عليهم و لم لا ينقادوا فجوابهم جوابنا.
فصل:
و اعترضوا فقالوا إذا لم يخرق القرآن العادة بفصاحته فلم شهد له بالفصاحة متقدمو العرب كالوليد بن المغيرة و كعب بن زهير و الأعشى الكبير لأنه ورد ليسلم فمنعه أبو جهل و خدعه و قال إنه يحرم عليك الأطيبين فلو لا أنه بهرهم بفصاحته لم ينقادوا له.
و الجواب جميع ما شهد به الفصحاء من بلاغة القرآن فواقعة موقعه لأن من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بفصاحته و إنما يقول تلك المزية ليست مما يخرق العادة و تبلغ حد الإعجاز.
فليس في قول الفصحاء و شهادتهم بفصاحة القرآن ما يوجب القول ببطلان الصرفة
992
و أما دخولهم في الإسلام فلأمر بهرهم و أعجزهم و أي شيء أبلغ من الصرفة في ذلك
باب في أن إعجازه الفصاحة
قالوا إن الله تعالى جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطاه قومه أ لا ترى أن في زمان موسى على نبينا و (عليه السلام) لما كان الغالب على قومه السحر جعل الله سبحانه معجزته من ذلك القبيل.
فأظهر على يده قلب العصا حية و اليد البيضاء و غير ذلك فعلم أولئك الأقوام أن ذلك مما لا يتعلق بالسحر فآمنوا به.
و كذلك زمان عيسى على نبينا و (عليه السلام) لما كان الغالب على قومه الطب جعل الله سبحانه معجزته من ذلك القبيل فأظهر الله سبحانه على يده إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص فعلم أولئك الأقوام أن ذلك مما لا يوصل إليه بالطب فآمنوا به.
و كذلك لما كان زمن محمد(ص)الغالب على قومه الفصاحة و البلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها جعل الله سبحانه معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده هذا القرآن فعلم الفصحاء منهم أن ذلك ليس من كلام البشر فآمنوا به و لهذا جاء المحضرمون و آمنوا برسول الله(ص)منهم قيس بن زهير و كعب
993
بن زهير و جاء الأعشى و مدح رسول الله(ص)بقصيدة معروفة فأراد أن يؤمن فدافعته قريش و جعلوا يحدثونه بأسوإ ما يقدرون عليه و قالوا إنه يحرم عليك الخمر و الزنا.
فقال لقد كبرت و ما لي في الزنا من حاجة.
فقالوا أنشدنا ما مدحته به فأنشدهم
أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * * * و بت كما بات السليم مسهدا
نبيا يرى ما لا ترون و ذكره * * * أغار لعمري في البلاد و أنجدا
. قالوا لو أنشدته هذا لم يقبله منك فلم يزالوا بالسعي حتى صدوه.
994
فقال أخرج إلى اليمامة ألزمه عامي هذا.
فمكث زمانا يسيرا و مات باليمامة.
نعوذ بالله من الشقاء في الدنيا و الآخرة و من سوء القضاء و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و سلم.
و جاء لبيد و آمن برسول الله(ص)و ترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن فقيل له ما فعلت قصيدتاك
إن تقوى ربنا خير نفل * * * و بإذن الله ريثي و العجل
و قولك
عفت الديار محلها فمقامها
قال أبدلني الله بهما سورتي البقرة و آل عمران.
995
فصل:
قالوا و من خالفنا في هذا الباب يقول إن الطريق إلى النبوة ليس إلا المعجز و زعموا أن المعجز يلتبس بالحيلة و الشعوذة و خفة اليد فلا يكون طريقا إلى النبوة فقوله باطل لأن هذا إنما كان يجب لو لم يكن هاهنا طريق إلى الفصل بين المعجز و الحيلة و هاهنا وجوه من الفصل بينه و بينها منها أن المعجز لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد كقلب العصا حية و إحياء الموتى و غير ذلك.
و منها: أن المعجز لا يحتاج إلى التعليم بخلاف الحيلة فإنها تحتاج إلى الآلات.
و منها: أن المعجز يكون ناقضا للعادة بخلاف الحيلة فإنها لا تكون ناقضة العادة.
و منها: أن المعجز لا يحتاج إلى الآلات بخلاف الحيلة فإنها تحتاج إلى الآلات.
و منها: أن المعجز إنما يظهر عند من يكون من أهل ذلك الباب و يروج عليهم و الحيلة إنما تظهر عند العوام و الذين لا يكونون من أهل ذلك الباب و يروج على الجهال.
996
فصل:
و من قال من مخالفينا إن محمدا(ص)لم يكن نبيا لأنه لم يكن معه معجز فالكلام عليه أن نقول إنا نعلم ضرورة أنه ادعى النبوة كما نعلم أنه ظهر بمكة و هاجر إلى المدينة و تحدى العرب بالقرآن و ادعى مزية القرآن على كلامهم و هذا يكون تحديا من جهة المعنى و علموا أن شأنه يبطل بمعارضته.
فلم يأتوا بها لضعفهم و عجزهم لانتقاض العادة بالقرآن فأوجب انتفاض العادة كونه معجزا دالا على نبوته.
فإن قيل إنما لم يعارضوه لكونهم أعتاما جهالا لا لعجزهم.
قلنا المعارضة كانت مسلوكة فيما بينهم فإمرؤ القيس عارض علقمة بن عبدة الطبيب و ناقضه و طريقة المعارضة لا تخفى على الصبيان فكيف على دهاة
997
العرب مع ذكائها.
فإن قيل أخطئوا طريق المعارضة كما أخطئوا في عبادة الأصنام أو لأن القرآن يشتمل على الأخبار بالماضيات و هم لم يكونوا من أهلها.
قلنا في الأول فرق بينهما لأن عبادة الأصنام طريقها الدلالة و النظر و ما كان طريقه الدلالة و النظر يجوز فيه الخطأ بخلاف المعارضة لأن التحدي وقع بها و هي ضرورية لا يجوز فيها الخطأ إذ ليست من النظريات.
و أما الثاني فقد سألهم ذلك فوجب أن يأتوا بمثله و يعارضوه على أنهم طلبوا ذلك و جاءوا بأشياء و حاولوا أن يجعلوها معارضة للقرآن.
998
و اليهود و النصارى كانوا أهل الأقاصيص و كان من الواجب أن يعرفوها منهم و فعلوها معارضة و حاولوا ذلك فعجزوا عنه.
فصل:
فإن قيل لا يجوز أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته من حيث إنه ناقض العادة فلا يمتنع أن يكون العرب أفصح الناس و فيهم جماعة أفصح العرب و في تلك الجماعة واحد هو أفصح منهم فإذا أتى بكلام لا يمكنهم أن يأتوا بمثله لا يدل على نبوته.
قلنا هذا لا يصح لأنه لا يجوز أن يبلغ كلام ذلك الواحد في الفصاحة إلى حد لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و لا بما يقاربه.
فإذا أتى بكلام مختص بالفصاحة لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و لا بما يقاربه يوجب أن يكون معجزا.
فمثالهم لا يصح و لو اتفق لكان دليلا على صدقه.
فإن قيل لو كان القرآن معجزا لكان نبيا مبعوثا إلى العرب و العجم و كان يجب أن يعلم سائر الناس إعجاز القرآن من حيث الفصاحة و العجم لا يمكنهم ذلك.
قلنا هذا لا يصح لأن الفصاحة ليست مقصورة على بعض اللغات و العجم يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة إذ أمكن أن يعرفوا بالأخبار المتواترة أن محمدا(ص)كان ظهر عليه القرآن و تحدى به العرب و عجزوا أن يأتوا بمثله فيجب أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته.
999
و العرب يعرفون ذلك على التفصيل لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم و العلم به على سبيل الجملة في هذا الباب كاف.
و إنما قلنا أنه معجز من حيث إنه ناقض العادة لأن العادة لم تجر أن يتعلم واحد الفصاحة ثم يبرز عليهم بحيث لم يمكنهم أن يأتوا بما يقاربه فإذا أتى به كذلك كان معجزا
باب في أن إعجازه بالفصاحة و النظم معا
قالوا إن الذي يدل على أن التحدي كان بالفصاحة و النظم معا أنا رأينا النبي(ص)أرسل التحدي إرسالا و أطلقه إطلاقا من غير تخصيص يحصره أو استثناء يقصره فقال مخبرا عن ربه تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا الْقُرْآنِ لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و قال تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فترك القوم استفهامه عن مراده بالتحدي هل أراد مثله في الفصاحة دون النظم أو في النظم وحده أو فيهما معا أو في غيرهما فعل من سبق الفهم إلى قلبه و زال الريب عنه.
لأنهم لو ارتابوا و شكوا لاستفهموا و لم يجر ذلك على هذا إلا و التحدي
1000
واقع عندهم و معروف بينهم.
و قد علمنا أن عادتهم جارية في التحدي باعتبار الفن الذي يقع فيه التحدي و تفاوته في الفصاحة و لهذا لا يتحدى الشاعر الخطيب الذي لا يتمكن من الشعر بالشعر و لا الخطيب الشاعر.
و إنما يتحدى كل بنضيره و لا يقنع المعارض حتى يأتي بمثل عروض صاحبه كمناقضة جرير للفرزدق و جرير للأخطل.
و إذا كانت هذه عادتهم جرى الحكم في التحدي عليها.
فصل:
فإن قيل عادة العرب و إن جرت في التحدي بما ذكرتموه فلا يمتنع صحة التحدي بالفصاحة دون طريقة النظم لا سيما و الفصاحة هي التي يصح فيها التفاضل و إذا لم يمتنع ذلك فما أنكرتم أن يكون تحداهم بالفصاحة دون النظم و أفهمهم قصده فلهذا لم يستعملوه.
قلنا ليس بممتنع أن يقع التحدي بالفصاحة دون النظم و إنما
1001
منعناه بالقرآن من حيث أطلق التحدي به و عري عما يخصه بوجه دون وجه فحملناه على ما عهده القوم و ألفوه في التحدي.
و لو كان(ص)أفهمهم تخصيص التحدي بقول مسموع لوجب أن ينقل إلينا لفظه و لا نجد له نقلا و لو كان أخطرهم إلى قصده بمخارج الكلام أو بإشارة و غيرها لوجب اتصاله بنا أيضا لأن ما يدعو إلى النقل للألفاظ يدعو إلى نقل ما يتصل بها من مقاصد و مخارج سيما فيما تمس الحاجة إليه.
أ لا ترى أنه لما نفى النبوة بعد نبوته
- بِقَوْلِهِ(ص)لَا نَبِيَّ بَعْدِي
أفهم مراده السامعين من هذا القول أنه عنى به لا نبي من بعدي لا نبي من البشر كلهم و أراد(ص)بالبعد عموم سائر الأوقات اتصل ذلك بها على حد اتصال اللفظ حتى شركنا سامعيه في معرفة الغرض و كنا في العلم به كأحدهم و في ارتفاع كل ذلك من النقل دليل على صحة قولنا.
فصل:
على أن التحدي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النظم لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم لأنا نعلم حقا الفرق بين قصار السور و فصيح كلام العرب.
و هذا يدل على التقارب المزيل للإعجاز و العرب بهذا أعلم فكان يجب
1002
أن يعارضوه فإذ لم يفعلوا فلأنهم فهموا من التحدي الفصاحة و طريقة النظم و لم يجتمعا لهم.
و اختصاص القرآن الكريم بنظم مخالف لسائر ضروب الكلام أوضح من أن نتكلف الدلالة عليه فالدليل ينصب حيث تتطرق الشبهة فأما في مثل هذا فلا.
فصل:
و قد قال السيد عندي أن التحدي وقع بالإتيان بمثله في فصاحته و طريقته في النظم و لم يكن بأحد الأمرين.
فلو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز موزون أو بمنثور من الكلام ليس له طريقة القرآن في النظم و الفصاحة لكانت واقعة وقعها.
فالصرفة على هذا إنما كانت بأن سلب الله تعالى من البشر جميع العلوم التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن الكريم و طريقته في النظم.
و لهذا لا ينصب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته و نظمه
1003
باب في أن إعجاز القرآن المعاني التي اشتمل عليها من الفصاحة
قالوا لما وجدنا الكلام منظوما موزونا و منثورا غير موزون و المنظوم هو الشعر و أكثر الناس لا يقدرون عليه فجعل الله تعالى معجز نبيه النمط الذي يقدر عليه كل أحد و لا يتعذر نوعه على كلهم و هو الذي ليس بموزون فتلزم حجته للجميع.
و الذي يجب أن يعلم في العلم بإعجاز النظم هو أن يعلم مباني الكلام و أسباب الفصاحة في ألفاظها و كيفية ترتيبها و تباين ألفاظها و كيفية الفرق بين الفصيح و الأفصح و البليغ و الأبلغ و يعلم مقادير النظم و الأوزان و ما به يتبين المنظوم من المنثور و فواصل الكلام و مقاطعه و مباديه و أنواع مؤلفه و منظومه.
ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أي نوع هو و كيف فضل على ما فضل عليه من أنواع الكلام حتى يعلم أنه نظم مباين لسائر المنظوم و نمط خارج عن جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم من أنواع الخطب و الرسائل و الشعر و المنظوم و المنثور و الرجز و المخمس و المزدوج و العريض و القصير.
1004
فإذا تأملت ذلك و تدبرت مقاطعه و مفاتحه و سهولة ألفاظه و استجماع معانيه و أن كل لفظة منها لو غيرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة و أدل على المعنى منها و أجمع للفوائد و الزوائد منها.
و إذا كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق و المعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة و إن اجتهد البليغ و الخطيب
[باب في خواص نظم القرآن]
فصل في خواص نظم القرآن أولها خروج نظمه عن صور جميع أسباب المنظومات و لو لا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواه و لذلك
قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَمَّا اخْتَارَهُ قُرَيْشٌ لِلْمَصِير إِلَى النَّبِيِّ(ص)قَرَأَ(ص)عَلَيْهِ حم السَّجْدَةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ سَمِعْتُ أَنْوَاعَ كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَا أَشْبَهَهُ شَيْءٌ مِنْهَا إِنَّهُ أَوْرَدَ عَلَيَّ مَا أَرَاعَنِي.
و نحوه ما حكى الله عن الجن إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ من قُلْ أُوحِيَ.
فلما عدم وجود شبه القرآن من أنواع المنظوم انقطعت أطماعهم عن معارضته.
1005
و الخاصة الثانية هي الروعة التي له في قلوب السامعين فمن كان مؤمنا يجد هشاشة إليه و انجذابا نحوه و حكي أن نصرانيا مر برجل يقرأ القرآن فبكى فقيل له ما أبكاك قال النظم.
و الثالثة أنه لم يزل نظما طريا لا يمل و لا يمل و الكتب المتقدمة عارية عن رتبة النظم و أهل الكتاب لا يدعون ذلك لها.
و الرابعة أنه في صورة كلام هو خطاب لرسوله تارة و لخلقه أخرى.
و الخامسة ما يوجد من جمعه فإن له صفتي الجزالة و العذوبة و هما كالمتضادين.
و السادسة ما وقع في أجزائه من امتزاج بعض أنواع الكلام ببعض و عادة ناظمي البشر تقسيم معاني الكلام.
و السابعة أن كل فضيلة تنعش في تأسيس اللغة في اللسان العربي هي موجودة في القرآن.
و الثامنة وجود التفاضل بين بعض أجزائه من السور و بين بعض و الصورة الحسنة تظهر بين المختلفات كما في التوراة كلمات عشر تشتمل على
1006
الوصايا يستحلفون بها لجلالة قدرها و كذا في الإنجيل أربع صحف و كذا في الزبور تحاميد و تسابيح يقرءونها في صلواتهم.
و التاسعة وجود ما يحتاج العباد إلى علمه من أصول دينهم و فروعه من التنبيه على طرق العقليات و إقامة الحجج على الملاحدة و البراهمة و الثنوية و المنكرة للبعث و القائلين بالطبائع بأوجز كلام و أبلغه ففيه من أنواع الإعراب و العربية و الحقيقة و المجاز حتى الطب في قوله كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا فهذا أصل الطب و المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ و هو مهيمن على جميع الكتب المتقدمة.
و العاشرة وجود قوة النظم في أجزائه كلها حتى لا يظهر في شيء من ذلك تفاوت و لا اختلاف و له خواص سواها كثير.
1007
فصل:
فإن قيل فهلا كانت ألفاظ القرآن بكليتها مؤلفة من مثل الألفاظ الوجيزة التي إذا وقعت في الكلام زادته حسنا ليكون كلام الله على النظم الأحسن الأفضل إذ كان لا يعجزه شيء عن بلوغ الغاية كما يعجز الخلق عن ذلك.
الجواب قلنا إن هذا يعود إلى أنه كيف لم ترتفع أسباب التفاضل بين الأشياء حتى تكون كلها كشيء واحد متشابه الأجزاء و الأبعاض و كيف فضل بعض الملائكة على بعض و متى كان كذلك لم يوجد اختلاف بين الأشياء يعرف به الشيء و ضده.
على أنه لو كان كلام الله كما ذكر لخرج في صورة المعمى الذي لا يوجد له لذة البسط و الشرح و لو كان مبسوطا لم تبق فضيلة الراسخين في العلم على من سواهم.
ثم إنه تعالى حكيم علم أن ألطاف المبعوث إليهم إنما هو في النمط الذي أنزله فلو كان على تركيب آخر لم يكن لطفا لهم.
فصل:
ثم لنذكر وجها آخر للصرفة و هو أن الأمر لو كان بخلافه و كان تعذر المعارضة المبتغاة و العدول عنها لعلمهم بفضله على سائر كلامهم في الفصاحة و تجاوزه له في الجزالة لوجب أن يقع منهم معارضة على كل حال.
1008
لأن العرب الذين خوطبوا بالتحدي و التقريع و وجهوا بالتعنيف و التبكيت كانوا متى أضافوا فصاحة القرآن إلى فصاحتهم و قاسوا بكلامهم كلامه علموا أن المزية بينهما إنما تظهر لهم دون غيرهم.
فمن نقص عن طريقتهم و نزل عن درجتهم دون الناس أجمعين ممن لا يعرف الفصاحة و لا يأنس بالعربية و كان ما عليه دون المعرفة لفصيح الكلام من أهل زماننا ممن خفي الفرق عليهم بين مواضع من القرآن و بين فقرات العرب البديعة و كلمهم الغريبة.
فأي شيء أقعد بهم عن أن يعتمدوا إلى بعض أشعارهم الفصيحة و ألفاظهم المنثورة فيقابلوه و يدعوا أنه مماثل لفصاحته أو أزيد عليها لا سيما و خصمنا في هذه الطريقة يدعي أن التحدي وقع بالفصاحة دون النظم و غيره من المعاني المدعاة في هذا الموضع.
فسواء حصلت المعارضة بمنظوم الكلام أو بمنثوره فمن هذا الذي كان يكون الحكم في هذه الدعوى و في جماعة الفصحاء أو جمهورهم كانوا أعداء رسول الله(ص)و من أهل الخلاف عليه و الرد لدعوته و الصدود عن محجته لا سيما في بدو الأمر و أوله و قبل استقرار الحجة و ظهور الدعوة و كثرة عدد الموافقين و تظافر الأنصار و المهاجرين.
و لا يعمل إلا على أن هذه الدعوى لو حصلت لردها بالتكذيب من كان في حرب النبي(ص)من الفصحاء لكن كان اللبس يحصل و الشبهة تقع لكل من لم يساو هؤلاء في المعرفة من المستجيبين للدعوة و المنحرفين عنها من العرب.
ثم لطوائف الناس جميعا كالفرس و الروم و الترك و من ماثلهم ممن لا حظ له في العربية عند تقابل الدعاوي في وقوع المعارضة موقعها و تعارض الأقوال في
1009
الإصابة بها مكانها ما تتأكد الشبهة و تعظم المحنة و يرتفع الطريق إلى إصابة الحق لأن الناظر إذا رأى جل أصحاب الفصاحة و أكثرهم يدعي وقوع المعارضة و المكافأة و المماثلة و قوما منهم كلهم ينكر ذلك و يدفعه كان أحسن حاله أن يشك في القولين و يجوز في كل واحد منهما الصدق و الكذب.
فأي شيء يبقى من المعجز بعد هذا و الإعجاز لا يتم إلا بالقطع على تعذر المعارضة على القوم و قصورهم عن المعارضة و المقاربة و التعذر لا يحصل إلا بعد حصول العلم بأن المعارضة لم تقع مع توفر الدواعي و قوة الأسباب فكانت حينئذ لا تقع الاستجابة من عاقل و لا المؤازرة من متدين.
فصل:
و ليس يحجز العرب عما ذكرناه ورع و لا حياء لأنا وجدناهم لم يراعوهما و لم يرعووا عن السب و الهجاء و لم يستحيوا من القذف و الافتراء و ليس في ذلك ما يكون حجة و لا شبهة بل هو كاشف عن شدة عداوتهم و أن الحيرة قد بلغت بهم إلى استحسان القبيح الذي كانت نفوسهم تأباه و أخرجهم ضيق الخناق إلى أن أحضر أحدهم أخبار رستم و إسفنديار و جعل يقص بها و يوهم الناس أنه قد عارض و أن المطلوب بالتحدي هو القصص و الأخبار و ليس يبلغ بهم الأمر إلى هذا و هم متمكنون مما يرفع الشبهة فيعدلوا عنه مختارين.
و أخلاقهم و إن وقرت فإن الحال التي دفعوا إليها حال تصغر الكبير و من أشرف على الهوان بعد العزة جف علمه و غرب غلمه و أقدم على ما لم يكن يقدم عليه.
و ليس يمكن لأحد أن يدعي أن ذلك مما لم يهتد إليه العرب و أنه لو اتفق خطوره ببالهم لفعلوه غير أنه لم يتفق لأنهم كانوا من الفطنة و اللبابة على ما لا يخفى عليهم معه أنفذ الكيدين فضلا عن أن يدفعوا عن الحيلة و هي بادئة هذا مع صدق الحاجة و فوتها و الحاجة تفتق الحيل.
و هب لم يفطنوا لذلك بالبديهة كيف لم يقعوا عليه مع التغلغل و كيف لم يتفق
1010
لهم ذلك مع فرط الذكاء و جودة الذهن.
و هذا من قبيح الغفلة التي ينزه القوم عنها و وصفهم الله بخلافها.
و ليس يورد مثل هذا الاعتراض من موافق في إعجاز القرآن و إنما يصير إليه من خالفنا في الملة أو أبهرته الحجة فيرمي العرب بالبله و الغفلة فيقول لعلهم لم يعلموا أن المعارضة أنجع و أنفع و طريق الحجة أصوب و أقرب لأنهم لم يكونوا أصحاب نظر و فكر و إنما كانت الفصاحة صنعتهم فعدلوا إلى الحرب.
و هذا الاعتراض إذا ورد علينا كانت كلمة جماعتنا واحدة في رده و قلنا في جوابه إن العرب إن لم يكونوا نظارين فلم يكونوا غفلة مجانين وته العقول أن مساواة التحدي في فعله و معارضته بمثله أبلغ في الاحتجاج عليه من كل فعل و لا يجوز أن يذهب العرب الألباء عما لا يذهب عنه العامة و الأغبياء.
و الحرب غير مانعة عن المعارضة و قد كانوا يستعملون في حروبهم من الارتجاز ما لو جعلوا مكانه معارضة القرآن كان أنفع لهم و هذا كان في جواب من جعل ذلك كفهم عن المعارضة
باب في مطاعن المخالفين في القرآن
قالوا إن في القرآن تفاوتا كقوله لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ عَسىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ففي هذا تكرير بغير فائدة فيه لأن قوله قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ يغني عن قوله نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ فالنساء يدخلن في قوم يقال هؤلاء قوم فلان للرجال و للنساء من عشيرته.
الجواب أن قوم لا يقع في حقيقة اللغة إلا على الرجال و لا يقال
1011
للنساء التي ليس فيهن رجل هؤلاء قوم فلان و إنما سمي الرجال قوما لأنهم هم القائمون بالأمور عند الشدائد الواحد قائم كتاجر و تجرة و مسافر و سفرة و نائم و نومة و زائر و زورة و يدل عليه قول زهير
و ما أدري و سوف أخال أدري * * * أ قوم آل حصن أم نساء
. و قالوا في قوله تعالى الَّذِينَ كٰانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطٰاءٍ عَنْ ذِكْرِي تفاوت كيف تكون العيون في غطاء عن ذكر و إنما تكون الأسماع في غطاء عنه.
الجواب أن الله أراد بذلك عيون القلوب يدل عليه قول الناس عمي قلب فلان و فلان أعمى القلب إذا لم يفهم.
و قال تعالى وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ و بصر القلوب أو عماها هو المؤثر في باب الدين المانع من الاهتداء فجاز أن يقال للقلب أعمى و إن كان العمى في العين.
و مثله قوله وَ جَعَلْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ و الأكنة الأغطية.
فصل:
و يسألوا [سألوا عن قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمٰنُ وُدًّا قالوا لا يقال فلان يجعل لفلان حبا إذا أحبه.
الجواب أن الله إنما أراد سيجعل لهم الرحمن ودا في قلوب المؤمنين و المعنى أني حببتهم إلى القلوب.
و قالوا في قوله أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ما الكتاب من علم الغيب و كانت قريش أميين فكيف جعلهم يكتبون.
1012
الجواب أن معنى الكتابة هنا الحكم يريد أ عندهم علم الغيب فهم يحكمون فيقولون سنقهرك و نطردك و تكون العاقبة لنا لا لك و مثله قول الجعدي
و مال الولاء بالبلاء فملتم * * * و ما ذاك حكم الله إذ هو يكتب
أي يحكم و مثله وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و مثله
- قَوْلُهُ(ص)لِلْمُتَحَاكِمَيْنِ إِلَيْهِ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ
أي بحكم الله لأنه أراد الرجم و التعذيب و ليس ذلك في ظاهر كتاب الله.
فصل:
و قالوا في قوله وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمٰا أَنْزَلْنٰا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ كيف يليق أحد الكلامين و لفظ كما يأتي لتشبيه شيء بشيء تقدم ذكره و لم يتقدم في أول الكلام ما يشبه به ما تأخر عنه.
كذلك قالوا في قوله لَهُمْ دَرَجٰاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ما الذي يشبه بالكلام الأول من إخراج الله إياه.
و قالوا في قوله وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمٰا أَرْسَلْنٰا.
الجواب أن القرآن نزل على لسان العرب و فيه حذف و إيماء و وحي و إشارة فقوله أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ فيه حذف كأنه قال أنا النذير المبين عذابا مثلما أنزل على المقتسمين فحذف العذاب إذ كان الإنذار يدل عليه كقوله في موضع
1013
أَنْذَرْتُكُمْ صٰاعِقَةً مِثْلَ صٰاعِقَةِ عٰادٍ وَ ثَمُودَ و لو أراد مريد أن يمثل هذا بذاك لقال أنا النذير المبين كما أنزل على عاد و ثمود و مثله من المحذوف كثير من أشعار العرب و كلامهم.
و أما قوله كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال و جادل كثير منهم رسول الله(ص)فيما فعله في الأنفال فأنزل الله سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ يجعلها لمن يشاء فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ أي فرقوها بينكم على السواء وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فيما بعد إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و وصف المؤمنين ثم قال كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يريد أن كراهتهم في الغنائم ككراهتهم للخروج معك.
و أما قوله وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمٰا أَرْسَلْنٰا فإنه أراد و لأتم نعمتي كإرسالي فيكم رسولا أنعمت به عليكم يبين لكم.
فصل:
سألوا عن قوله وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ و لا يقول أحد منهما ذلك.
الجواب أنه لما أحرق بختنصر بيت المقدس نفى بني إسرائيل و سبى ذراريهم و خرق التوراة حتى لم يبق لهم رسم و كان في سباياه دانيال فعبر رؤياه فنزل منه بأحسن المنازل.
فأقام عزير لهم التوراة بعينها حين عاد إلى الشام بعد فوتها
1014
فقالت طائفة من اليهود هو ابن الله و لم يقل ذلك كل اليهود و هذا خصوص خرج مخرج العموم.
و سألوا عن قوله فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ قالوا كيف جمع الله بينه و بين قوله لَوْ لٰا أَنْ تَدٰارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ و هذا خلاف الأول لأنه قال أولا نبذناه مطلقا ثم قال لو لا أن تداركه لنبذ فجعله شرطا.
الجواب معنى ذلك لو لا أنا رحمناه بإجابة دعائه لنبذناه حين نبذناه بالعراء مذموما و قد كان نبذه في حالته الأولى سقيما يدل عليه قوله فَاجْتَبٰاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّٰالِحِينَ لكن تداركه الله بنعمة من عنده فطرح بالفضاء و هو غير مذموم فاختاره الله و بعثه نبيا و لا تناقض بين الآيتين و إن كان في موضع نبذناه مطلقا و هو سقيم و لم يكن في هذه الحالة بمليم.
و في موضع آخر نبذ مشروطا و معناه لو لا أن رحمنا يونس(ع)لنبذناه ملوما و إن كان لوم عتاب لا لوم عقاب لأنه ترك الأولى.
1015
فصل:
و سألوا عن قوله وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ و اسمه في التوراة تارخ فيقال لا ينكر أن يكون له اسمان فقد يكون للرجل اسمان و كنيتان هذا إدريس في التوراة أخنوخ و يعقوب إسرائيل و عيسى يدعى المسيح و قد
- قَالَ نَبِيُّنَا لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَ أَنَا أَحْمَدُ وَ الْمَاحِي وَ الْعَاقِبُ وَ الْحَاشِرُ
. و قد يكون للرجل كنيتان كما كان له اسمان فإن حمزة يكنى أبا يعلى و أبا عتبة و صخر بن حرب والد معاوية يكنى أبا سفيان و أبا حنظلة.
و قيل معنى آزر يا ضعيف أو يا جاهل و يقال يا معاوني و يا مصاحبي أو يا شيخي فعلى هذا يكون ذلك وصفا له و قال الأكثرون إن آزر كان عم إبراهيم و العرب تجعل العم أبا.
و الصحيح أن آزر ما كان أبا إبراهيم.
فصل:
و سألوا عن قوله وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلٰاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً ثم قال قُلِ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا لَبِثُوا و هذا كلام متفاوت لأنه أخبرنا بمدة لبثهم ثم قال اللّٰهُ أَعْلَمُ بِمٰا لَبِثُوا و قد علمنا ذلك بما أعلمنا.
الجواب أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فأعلمنا الله
1016
أنهم لبثوا ثلاثمائة فقالوا سنين و شهورا و أياما فأنزل الله سنين ثم قال ازْدَادُوا تِسْعاً و أنا أعلم بما لبثوا من المختلفين.
فصل:
و سألوا عن قوله يٰا أُخْتَ هٰارُونَ مٰا كٰانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ و لم يكن لمريم أخ يقال له هارون الجواب اعلم أنه لم يرد بهذا إخوة النسب بل أراد يا شبيهة هارون و مثل هارون في الصلاح.
و كان في بني إسرائيل رجل صالح اسمه هارون و قد يقول الرجل لغيره يا أخي و لا يريد إخوة النسب و يقال هذا الشيء أخو هذا الشيء إذا كان متشاكلا له و قال تعالى وَ مٰا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلّٰا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهٰا.
فصل:
و قالوا كيف يكون هذا النظم بالوصف الذي ذكرتم في البلاغة و النهاية و قد وجد التكرار من ألفاظه كقوله فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكُمٰا تُكَذِّبٰانِ و نحوه من تكرير القصص.
الجواب أن التكرير على وجوه
1017
منها: ما يوجد في اللفظ دون المعنى كقولهم أطعني و لا تعصني.
و منها: ما يوجد فيها معا كقولهم عجل عجل أي سرا و علانية و الله و الله أي في الماضي و المستقبل و قد يقع كل ذلك لتأكيد المعنى و المبالغة فيه و يقع مرة لتزيين النظم و حسنه و الحاجة إلى استعمال كليهما.
فالمستعمل للإيجاز و الحذف ربما عمى على السامع و إنما ذم أهل البلاغة التكرار الواقع في الألفاظ إذا وجد فضلا من القول غير مفيد فائدة في التأكيد لمعنى أو لتزيين لفظ و نظم و إذا وجد كذلك كان هذرا و لغوا.
و أما إذا أفاد فائدة في كل من النوعين كان من أفضل اللواحق للكلام المنظوم و لم يسم تكريرا على الذم و تكرير اللفظ لتزيين النظم أمر لا يدفعه عارف بالبلاغة و هو موجود في أشعارهم
1018
الباب التاسع عشر في الفرق بين الحيل و المعجزات
أما بعد حمد الله تعالى الذي فرق لجميع المكلفين بين الحق و الباطل و الصلاة على محمد و آله الذين أعادوا الدين كعود الحلي إلى العاطل.
فإني أذكر ما ينكشف به الفصل بين الحيل و المعجزات و يظهر به الشعوذة و المخاريق و حقيقة الدلالات و العلامات لكل ذي رأي صائب و نظر ثاقب و الله الموفق و المعين
باب في ذكر الحيل و أسبابها و آلاتها و كيفية التوصل إلى استعمالها و ذكر وجه إعجاز المعجزات
اعلم أن الحيل هي أن يرى صاحب الحيلة الأمر في الظاهر على وجه لا يكون عليه و يخفى وجه الحيلة فيه نحو عجل السامري الذي جعل فيه خروقا تدخل فيها الريح فيسمع منه صوت.
و منها: مخرقة المشعبذ نحو أن يرى الناظر ذلك في خفة حركاته كأنه ذبح حيوانا و لا يذبحه في الحقيقة ثم يرى من بعد أنه أحياه بعد الذبح
1019
و يشبه هذا الجنس من الحيل السحر.
و ليست معجزات الأنبياء و الأوصياء(ع)من هذا الجنس لأن الذي يأتون به من المعجزات يكون على ما يأتون به.
و العقلاء يعلمون أنها كذلك لا يشكون فيه و أنه ليس فيها وجه حيلة نحو قلب العصا حية و إحياء الميت و كلام الجماد و الحيوانات من البهائم و السباع و الطيور على الاستمرار في أشياء مختلفة و الإخبار عن الغيب و الإتيان بخرق العادة و نحو القرآن في مثل بلاغته و الصرفة و إن كان يعلم كونه معجزا أكثر الناس بالاستدلال.
و لهذا قال تعالى في قوم فرعون و ما رأوه من معجزات موسى على نبينا و (عليه السلام) وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا.
1020
فصل:
فإن قيل ما أنكرتم أن يكون في الأدوية ما إذا مس به ميت حيي و عاش و إذا جعل في عصا و نحوها صارت حية و إذا سقي حيوانا تكلم و إذا شربه الإنسان صار بليغا بحيث يتمكن من مثل بلاغة القرآن.
قلنا ليس يخلو إما أن يكون للناس طريق إلى معرفة ذلك الدواء أو لا يكون لهم طريق إلى معرفته فإن كان لهم إليه طريق لزم أن يكون الظفر به ممكنا و كانوا يعارضونه به فلا يكون معجزا و إن لم يمكن الظفر به لزم أن يكون الظفر به معجزا لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن أطلعه الله تعالى عليه و إن كان تعالى لا يطلع عليه أحدا ليس برسول فعلم بذلك صدقه ثم يعلم من بعد بخبره أن ذلك ليس من قبله نحو القرآن بل هو منه تعالى أنزله عليه.
و كذلك هذا في الدواء الذي جوز به السائل إحياء الموتى لا يخلو إما أن لا يمكن الظفر به أو يمكن فعلى الأول لزم أن يكون الظفر به معجزا للنبي أو الوصي لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن أطلعه الله تعالى عليه فيعلم بذلك صدقه و إن أمكن الظفر به و هو الوجه الثاني فالواجب أن يسهل الإحياء لكل أحد و المعلوم خلافه.
فصل:
و اعلم أن الحيل و السحر و خفة اليد لها وجوه متى فتش عنها المعني بذلك فإنه يقف على تلك الوجوه و لهذا يصح فيها التلمذ و التعلم و لا يختص به واحد دون آخر.
1021
مثاله أن المحتالين يأخذون البيض و يضعونه في الخل و نحوه و يتركونه يومين و ثلاثة حتى يصير قشره الفوقاني لينا بحيث يمكن أن يطول فإذا صار طويلا بمده كذلك يطرح في قارورة ضيقة الرأس فإذا صار فيها يصب فيها الماء البارد و تحرك القارورة حتى يصير البيض مدورا كما كان و يذهب ذلك اللين من قشره الفوقاني بذلك بعد ساعات و يشتد بحيث ينكسر انكساره أولا فيظن الغفلة أن المعجز مثله و هو حيلة.
و نحو ذلك ما ألقى سحرة فرعون من حبالهم و عصيهم حتى خيل إلى الناظر إليها من سحرهم أنها تسعى احتالوا في تحريك العصا و الحبال لأنهم جعلوا فيها من الزئبق فلما طلعت الشمس عليها تحركت بحرارة الشمس.
و غير ذلك من أنواع الحيل و أنواع التمويه و التلبيس و خيل إلى الناس أنها تتحرك كما تتحرك الحية و إنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوه و دخل عليهم الشبهة في ذلك لبعده منهم فإنهم لم يتركوا الناس يدخلون بينهم.
و في هذه دلالة على أن السحر لا حقيقة له لأنها لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ بل كان يقول سبحانه فلما ألقوا صارت حيات ثم قال تعالى وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ مُوسىٰ أَنْ أَلْقِ عَصٰاكَ فَإِذٰا هِيَ تَلْقَفُ مٰا يَأْفِكُونَ أي ألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يأفكون فيه من الحبال و العصي و إنما ظهر ذلك للسحرة على الفور لأنهم لما رأوا تلك الآيات و المعجزات في العصا علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله تعالى.
فمن تلك الآيات قلب العصا حية.
و منها: أكلها حبالهم و عصيهم مع كثرتها.
1022
و منها: فناء حبالهم و عصيهم في بطنها إما بالتفرق أو الخسف و إما بالفناء عند من جوزه.
و منها: عودها عصا كما كانت من غير زيادة و لا نقصان و كل عاقل يعلم أن مثل هذه الأمور لا تدخل تحت مقدور البشر فاعترفوا كلهم و اعترف كثير من الناس معهم بالتوحيد و النبوة و صار إسلامهم حجة على فرعون و قومه.
فصل:
و أما معجزات الأنبياء و الأوصياء(ع)فإن أعداء الدين يعتنون بالتفتيش عنها فلم يعثروا على وجه حيلة فيها.
و كذلك كل من سعى في كشف عوراتهم و تكذيبهم يفتش عن دلالاتهم أ هي شبهات أم لا فلم يوقف فيها على مكر و خديعة منهم(ع)و لا في شيء من ذلك.
أ لا ترى أن سحرة فرعون كانت همتهم أشد في تفتيش معجزة موسى على 14 نبينا و (عليه السلام) فصاروا هم أعلم الناس بأن ما جاء به موسى(ع)ليس بسحر و هم كانوا أحذق أهل الأرض بالسحر و آمنوا و قالوا لفرعون وَ مٰا تَنْقِمُ مِنّٰا إِلّٰا أَنْ آمَنّٰا بِآيٰاتِ رَبِّنٰا لَمّٰا جٰاءَتْنٰا رَبَّنٰا أَفْرِغْ عَلَيْنٰا صَبْراً وَ تَوَفَّنٰا مُسْلِمِينَ فقتلهم فرعون و هم يقولون لٰا ضَيْرَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا مُنْقَلِبُونَ.
و قيل إن فرعون لم يصل إليهم و عصمهم الله تعالى منه.
1023
فصل:
و أما القمر المعروف بالمقنعي فإنه ليس بأمر خارق للعادة و إنما هو إخراج عين من العيون التي تنبع في الجبال في ذلك الموضع متى كانت الشمس في برج الثور أو الجوزاء سامتت تلك العين و انعكس منها الشعاع إلى الجو و هناك تكثر الأبخرة في الجو و تتراكم و تتكاثف فيركد الشعاع الذي انعكس من العين فيها فتراءى إلى الناس صورة قمر.
و لهذا لما طمت تلك العين فسد ما فعله المقنع و قد عثر على ذلك و اطلع عليه و كل من اطلع على ذلك و راقب الوقت و أنفق المال و أتعب الفكر فيه أمكنه أن يطلع مثل ما أطلعه المقنع إلا أن الناس يرغبون عن إنفاق المال و إتيان الفكر فيما يجري هذا المجرى سيما و إن تم لهم ذلك نسبوه إلى الشعوذة.
و أما الطلسمات فإن من الناس من يسمي الحيل الباقية بها و ذلك مجاز و استعارة و إلا فالطلسمات التي ظاهرها و باطنها سواء و لا يظهر منها وجه حيلة خافية كما كان على منارة الإسكندرية.
1024
و كما روي أن الله تعالى بفضله أمر نبيا من الأنبياء المتقدمين أن يأخذ طيرا من نحاس أو شبه و يجعله على رأس منارة كانت في تلك الولاية و لم يكن فيها شجر الزيتون و كان أهلها محتاجين إلى دهن الزيت للمأدوم و غيره فإذا كان عند إدراك الزيتون بالشامات خلق الله صوتا في ذلك الطير فيذهب ذلك الصوت في الهواء فيجتمع إلى ذلك ألوف ألوف من أجناسه في منقار كل واحد زيتونة فيطرحها على ذلك الطير فيمتلئ حوالي المنارة من الزيتون إلى رأسها و كان ذلك الطير غير مجوف.
فلا يدعى أنها من الحيل التي يأخذها الناس لصندوق الساعة و نحوها.
و لا يسمع لذلك الطير صوت إلا عند إدراك الزيتون في السنة و كان أهلوها ينتفعون به طول السنة بذلك.
1025
فعندنا هي معجزات باقية للأنبياء الماضين و الأوصياء المتقدمين صلى الله عليهم أجمعين و لهذا لم تظهر طلسمات بعد النبي(ص)و في حال قصور أيدي الأئمة ع.
فصل:
و أما الزراقون الذين يتحدثون على غير أصل كالشغراني فإنه كان ذكيا حاضر الجواب فطنا بالزرق معروفا بكثرة الإصابة فيما يخرجه حتى ظنوا أن هذا كله هو ما اقتضاه مولده و تولاه كوكبه من غير علم.
1026
و هذا كله باطل لأنه لو كانت الإصابة بالمواليد لكان النظر في علم النجوم عبثا لا يحتاج إليه لأن المولد إذا اقتضى الإصابة أو الخطأ فالتعلم لا ينفع و تركه لا يضر و هذه علة تسري إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق و صانع حاذق و ناسج الديباج موفق لا علم له بذلك و إنما اتفقت له الصنعة بغير علم لما يقتضي كواكب مولده و ما يلزم من الجهالة على هذا لا يحصى.
فصل:
و كان النبي(ص)يذكر أخبار الأولين و الآخرين من ابتداء خلق الدنيا إلى انتهائها و أمر الجنة و النار و ذكر ما فيها على الوجه الذي صدقه عليها أهل الكتاب و كان(ص)لم يتعلم و لم يقعد عند حبر و لم يقرأ الكتب.
و إذا كان كذلك فقد بان اختصاصه بمعجزة لأن ما أتى به من هذه الأخبار لا على الوجه المعتاد في معرفتها من تلقفها من ألسنة الناطقين لا يكون إلا بدلالة تكون علما على صدقه.
و ما أخبر به عن الغيوب التي تكون على التفصيل لا على الإجمال كقوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ فكان كما أخبر به.
و لم يكن عليه و آله السلام صاحب تقويم و حساب و أسطرلاب و معرفة مطلع نجم و ريح و كان(ص)ينكر على المنجمين
- فَيَقُولُ
1027
مَنْ أَتَى عَرَّافاً أَوْ كَاهِناً فَآمَنَ بِمَا قَالَ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ
. و قد علمنا أن الإخبار عن الغيوب على التفصيل من حيث لا يقع فيه خلاف بقليل و لا بكثير من غير استعانة على ذلك بآلة و حساب و تقويم كوكب و طالع أو على التنجيم الذي يخطئ مرة و يصيب مرة لا يمكن إلا من ذي معجزة مخصوصة قد خصه الله تعالى بها بإلهام من عنده أو أمر يكون ناقضا للعادة الجارية في معرفة مثلها إظهارا لصدق من يظهرها عليه و علامة له فصل و اعلم أن ما تضمنه القرآن أو الأحاديث الصحيحة من الإخبار عن الغيوب الماضية و المستقبلة فأما الماضية فكالإخبار عن أقاصيص الأولين و الآخرين من غير تعلم من الكتب المتقدمة على ما ذكرنا.
و أما المستقبلة فكالإخبار عما يكون من الكائنات فكان كما أخبر عنها على الوجه الذي أخبر عنها على التفصيل من غير تعلق بما يستعان به على ذلك من تلقين ملقن أو إرشاد مرشد أو حكم بتقويم أو رجوع إلى حساب كالكسوف و الخسوف و من غير اعتماد على أسطرلاب و طالع.
و ذلك كقوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و كقوله تعالى مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ.
1028
و كقوله تعالى سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ.
و كقوله تعالى لٰا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
و كقوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا.
و كقوله تعالى وَعَدَكُمُ اللّٰهُ مَغٰانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهٰا إلى قوله قَدْ أَحٰاطَ اللّٰهُ بِهٰا و نحو ذلك من الآيات و كانت كلها كما قال تعالى.
و الأحاديث في مثل ذلك كثيرة لا يتفق أمثالها على كثرتها مع ما فيها من تفصيل الأحكام المفصلة عن المنجمين فتقع كلها صدقا فيعلم أن ذلك بإلهام ملهم علام الغيوب معرفا له حقائق الأمور.
و وجه آخر و هو ما في القرآن و الأحاديث من الإخبار عن الضمائر مثل قوله تعالى إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلٰا من غير أن يظهر منهم قول أو فعل بخلاف ذلك.
و كذلك قوله تعالى وَ إِذٰا جٰاؤُكَ حَيَّوْكَ بِمٰا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللّٰهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ من غير أن يسمعه أحد منهم فلا ينكرونه.
و كذلك قوله تعالى وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّٰهُ إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ
1029
غَيْرَ ذٰاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ فأخبره تعالى بما يريدون في أنفسهم و ما يهمون به.
و كعرضه تعالى تمني الموت على اليهود في قوله تعالى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ.
و قوله تعالى وَ لٰا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
فعرفوا صدقه فلم يجسر أحد منهم أن يتمنى الموت
- لِأَنَّهُ(ص)قَالَ لَهُمْ إِنْ تَمَنَّيْتُمُ الْمَوْتَ مِتُّمْ
فدل جميع ذلك على صدقه بإخباره عن الضمائر.
و كذلك ما ذكرناه من معجزات الأوصياء يدل على صدقهم و كونهم حججا لله تعالى.
فصل:
فإن قيل فما الدليل على أن أسباب الحيل مفقودة في أخباركم حتى حكمتم بصحة كونها معجزة.
قلنا كثير من تلك المعجزات لا يمكن فيها الحيل مثل انشقاق القمر و حديث الاستسقاء و إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير و خروج الماء من بين الأصابع و الإخبار بالغائبات قبل كونها و مجيء الشجرة ثم رجوعها إلى مكانها لا تتم الحيلة فيها.
و إنما تتم الحيلة في الأجسام الخفيفة التي تحدث بالتفكك و القسر و غير
1030
ذلك و لا يتم مثله في الشجر و الجبل لأنه لو كان لوجب أن يشاهد.
فإن قيل جوزوا أن يكون هاهنا جسم يجذب الشجرة كما أن هاهنا حجرا يجذب الحديد يسمى المغناطيس.
قلنا لو كان الأمر على هذا لعثر عليه و لظفر به مع تطاول الزمان كما عثر على حجر المغناطيس حتى علمه كل أحد.
و لو جاز ما قالوه للزم أن يقال هاهنا حجر يجذب الكواكب و يقلع الجبال من أماكنها و إذا قرب من ميت عاش فيؤدي إلى أن لا يثق بشيء أصلا و يؤدي ذلك إلى الجهالات و كان ينبغي أن يطعن بذلك أعداء الدين و مخالفو الإسلام لأنهم إلى ذلك أحوج و به أشغف.
و كذلك القول في خروج الماء من بين أصابعه(ص)إن ادعي طبيعة فيه أو حيلة لزم تجويز ذلك في قلع الجبال و جذب الكواكب و إحياء الموتى و كل ذلك فاسد.
و حنين الجذع لا يمكن أن يدعى أنه كان لتجويف فيه لأنه لو كان كذلك لعثر عليه مع المشاهدة و لكان لا يسكن مع الالتزام.
و تسبيح الحصى و تكليم الذراع لا يمكن فيه حيلة البتة.
و قيل في سماع الكلام من الذراع وجهان أحدهما أن الله تعالى بنى الذراع بنية حي صغير و جعل له آلة النطق و التمييز فيتكلم بما سمع.
و الآخر أن الله تعالى خلق فيه كلاما سمع من جهته و أضافه إلى الذراع مجازا.
و قول من قال لو انشق القمر لرآه جميع الناس لا يلزم لأنه لا يمتنع أن تكون للناس في تلك الحال مشاغيل فإنه كان بالليل فلم يتفق لهم مراعاة ذلك فإنه بقي ساعة ثم التأم.
1031
و أيضا فإنه لا يمتنع أن يكون حال بينه و بين من لم يشاهده الغيم فلأجل ذلك لم يره الكل و أكثر معجزات الأئمة(ع)تجري مجرى ذلك فالكلام فيها كالكلام في هذه و الله أعلم
باب في الفرق بين المعجزة و الشعبذة
قد فرق قوم من المسلمين بين المعجزات و المخاريق بأن قالوا إن المعجزة لا تكون إلا على يد رسول أو وصي رسول عند الأفاضل من أهل عصره و الأماثل من قومه فيعرفونها عند التأمل لها و النظر فيها على كل حال.
و الشعبذة تظهر على يد أطراف الناس و سقطهم عند الضعفة من العوام و العجائز فإذا بحث عن أسبابها المبرزون وجدوها مخرقة و المعجزة على مر الأيام لا تزداد إلا ظهور صحة لها و لا تنكشف إلا عن حقيقة فيها.
و إن المعجزة ربما لم يعلم من تظهر عليه مخرجها و طريقها و كيف تتأتى و تظهر و الشعبذة إنما يهتدي صاحبها إلى أسبابها و يعلم أن من شاركه فيها أتى بمثل ما أتى هو به.
و إن المعجزة يجري أمرها مجرى ما ظهر في عصا موسى على نبينا و (عليه السلام) من انقلابها حية تسعى حتى انقادت له السحرة.
1032
و خاف موسى على نبينا و (عليه السلام) أن تلتبس الشعبذة على أكثر الحاضرين.
و إن المعجزة تظهر عند دعاء الرسول أو الوصي ابتداء من غير تكلف آلة و أداة منه أكثر من دعائه لله تعالى أن يفعل ذلك.
و الشعبذة مخرقة و خفة يد تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة لها و حيل متعلمة أو موضوعة و يمكن المساواة فيها و لا يتهيأ ذلك إلا لمن عرف مبادئها و لا بد له من آلات يستعين بها في إتمام ذلك و يتوصل بها إليه فصل:
و اعلم أن المعجزة أمر يتعذر على كل من في العصر مثله عند التكلف و الاجتهاد على المشعوذين فضلا عن غيرهم كعصا موسى الذي أعجز السحرة أمره مع حذقهم في السحر و صنعته.
و الشعوذة مخرقة و خفة تظهر على أيدي المحتالين بأسباب مقدرة تخفى على قوم دون قوم.
و المعجزة تظهر على أيدي من عرف بالصدق و الصيانة و الصلاح و السداد.
و الشعوذة تظهر على أيدي المحتالين و الخبثاء و الأرذال.
و المعجزة يظهرها صاحبها متحديا و دلائل العقل توافقها على سبيل الجملة و يباهي بها جميع الخلائق و لا تزيده الأيام إلا وضوحا و لا تكشف الأوقات إلا عن صحته.
و للمعجزات شرائط ذكرناها على أنها من باب الممكن للمتوهم الذي لا يمتنع مثله في المقدور لله و نفسه قول المنكرين لكونها من حيث الإحالة
1033
لوقوعها و الله سبحانه و تعالى هو المظهر لها تصديقا للنبي أو الوصي.
و لأن أكثر الشعوذة و المخرقة تتعلق بزمان مخصوص و مكان معلوم و يستعان في فعلها بالأدوات و المعاونات و المعالجة.
و المعجزة لا تتعلق بزمان مخصوص و لا ببقعة مخصوصة و لا يستعين فيها صاحبها بآلة و لا أداة و إنما يظهرها الله على يديه عند دعائه و دعواه و هو لم يتكلف في ذلك سببا و لا استعان فيها بعلاقة و لا معالجة و لا أداة و لا آلة.
و أنها على الوجه الناقض للعادات و الباهر للعقول القاهر للنفوس حتى تذعن لها الرقاب و الأعناق و تخضع لها النفوس و تسمو إليها القلوب ممن أراد أن يعلم صدق من أظهرها عليه فصل و المعجزة علامة الصدق حيث وجدت سواء كان نبيا مرسلا أو وصيا معظما و إنما تظهر للتصديق لمن تظهر عليه إما في دعواه النبوة أو في تحقيق حاله و الذي يدل على أنها علامة التصديق أنه قد ثبت أن خبر المخبر لا بد من أن يكون صدقا أو كذبا.
و الباري تعالى موصوف بالقدرة على التمييز بين الصادق و الكاذب بأمارات ينصبها و علامات يضعها دلالات على صدق الصادق كما أنه القادر على إعلامنا صدق الصادق و كذب الكاذب بأن يضطرنا إلى صدق الصادق و كذب الكاذب و لكنه تعالى لا يفعل الاضطرار فيه مع بقاء التكليف.
و لو لم يكن تعالى موصوفا بالقدرة على نصب دلالة على صدق الصادق لم يمكن المستدل أن يستدل بها على صدقه فيما يقوله كان في ذلك تعجيزه و وصفه بالعجز عما يصح أن يقدر عليه و ذلك باطل لأنه تعالى قادر لذاته فعلم أنه لا بد
1034
أن يكون قادرا على نصب دلالة يستدل بها على صدق الصادق.
ثم تلك الدلالة لا تخلو إما أن تكون أمرا معتادا حدوثه أو أمرا يخص الصادق و ينقض العادة بذلك المعنى الذي أشرنا إليه و لا يكون أمرا معتادا بل يكون خارقا للعادات و إذا كان هذا هكذا صح أن الذي ذكرناه من المعجزة علامة الصدق و أنها تخصه كما تخص الأفعال المحكمة إذ أظهرت علم من يظهر ذلك منه و يترتب على حسب علمه بترتيبه لها و لم يجز أن توجد مع الكاذب لأن حكم الأمارة مثل حكم الدلالة و لا يصح أن تكون الدلالة موجودة مع فقد المدلول لأن ذلك يخرجه من أن تكون دلالة كما أن العلة توجب الحكم فإذا وجدت و هي غير موجبة للحكم خرجت من أن تكون علة للحكم.
و المعجزة علامة الصدق و علامة الشيء كدلالته يلزمه حكمه فلا يجوز ظهورها على كذاب
باب في مطاعن المعجزات و جواباتها و إبطالها
ذكر ابن زكريا المتطبب في مقابل المعجزات أمورا يسيرة لا يتمكن منها إلا بالمواطاة و الحيل و أعجب منها ما يفعله المشعبذون في كل زمان.
فذكر ما نقل عن زرادشت من صب الصفر المذاب على صدره و من بعض سدنة
1035
بيت الأوثان أنه كان منحنيا على سيف و قد خرج من ظهره لا يسيل منه دم بل ماء أصفر و كان يخبرهم بأمور.
قال و رأيت رجلا كان يتكلم من إبطه و آخر لم يأكل خمسة و عشرين يوما و هو مع ذلك حصيف البدن.
و أين ما ذكره من فلق البحر حتى صار كل فرق منه كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ و من إحياء ميت متقادم العهد و يبقى حيا حتى يولد و انفجار الماء الكثير من حجر صغير أو من بين الأصابع حتى يشرب الخلق الكثير. فصل و الذي ذكره ابن زكريا عن زرادشت إنما يمكن منه بطلاء الطلق و هو دواء يمنع من الاحتراق و في زماننا نسمع أن أناسا يدخلون التنور المسجور بالغضى.
و أما إراءة السيف نافذا في البطن فهو شعبذة معروفة فإنه يكون مجوفا يدخل بعضه في البعض فيري المشعبذ أنه يدخل في جوفه.
و أما الإمساك عن أكل الطعام فهو عادة يعتادها كثير من الناس و المتصوفة يعودون أنفسهم التجويع أربعين يوما.
و قيل إن بعض الصحابة من يصوم صوم الوصال خمسة عشر يوما.
1036
و أما المتكلم من الإبط فيجوز أن يكون ذلك أصواتا مقطعة قريبة من الحروف و أن يكون حروفا متميزة كأصوات كثير من الطيور و قد يسمع من صرير الباب ما يقرب من الحروف و هو مبهم في هذه الحكاية.
فيجوز أن يخبر أن ذلك كان كلاما خالصا و يجوز أن يتعمد ذلك الإنسان له و يصل إلى ذلك بالتجربة و الاستعمال و قد رأينا في زماننا من كان يحكى عنه مثل ذلك و الذي يحكى عن الحلاج أغرب و أعجب.
و قد وقع العلماء على وجوه الحيل فيها و كل من تفكر في حيلهم أياما وقف عليها و ما من حيلة إلا و تحصل عقيب سبب و ليس فيها ما تنقض به العادة.
فصل:
و طعن ابن زكريا في المعجزات من وجه آخر فقال و قد يوجد في طبائع الأشياء أعاجيب و ذكر حجر المغناطيس و جذبه للحديد و باغض الخل و هو حجر إذا ألقي في إناء خل فإنه يهرب منه و لا ينزل إلى الخل و الزمرد يسيل عين الأفعى و السمكة الرعادة يرتعد صاحبها ما دامت في شبكته و كان آخذا بخيط الشبكة.
قال فلا يمتنع أيضا فيما يأتي به الدعاة أنها ليست منها بل ببعض
1037
الطبائع إلا أن يدعي مدع أنه أحاط علما بجميع طبائع جواهر العالم و امتناع ذلك بين.
و ذكر أبو إسحاق ابن عياش أنه أخذ هذا على ابن الراوندي فإنه قال في كتاب له سماه الزمرد على من يحتج بصحة النبوة بالمعجزات فقال من أين لكم أن الخلق يعجزون عنه هل شاهدتم الخلق أو أحطتم علما بمنتهى قواهم و حيلهم فإن قالوا نعم فقد كذبوا لأنهم لم يجوبوا الشرق و الغرب و لا امتحنوا الناس جميعا ثم ذكر أفعال الأحجار كحجر المغناطيس و غيره.
قال أبو إسحاق فأجابه أبو علي في نقضه عليه أنه يجوز أن يكون في الطبائع ما تجذب به النجوم و تسير به الجبال في الهواء و يحيى به الموتى بعد ما صاروا رميما فإذا لا يمكن أن يفصل بين الممكن المعتاد و ما ليس بمعتاد و لا بين ما ينفذ فيه حيلة و بين ما لا ينفذ فيه حيلة إلا أن يجوب البلاد شرقا و غربا و يعرف جميع قوى الخلق.
فأما إذا سلم أن يعلم باضطرار المعتاد و غيره و ما لا تنفذ فيه حيلة لزمه النظر في
1038
المعجزات قبل أن يجوب البلاد فليس يحتاج في معرفة كون الجاذب معجزا إلى ما ذكر من معرفة قوى الخلق و طبائع الجواهر.
و لهذا لو ادعى واحد النبوة و جذب بالتراب الجبل علمنا أنه ليس فيه وجه حيلة و إنا نعلم بذلك صدقه قبل أن نجوب البلاد و نعرف جميع الطبائع.
و قال أبو إسحاق إن جميع ما يذكر في خصائص الأحجار أكثره كذب و ذكر أن واحدا أمر أن يجيء بالأفاعي في سبد و جعل الزمرد الفائق في رأس قصبة و وجه به عين الأفاعي فلم تسل.
ثم إن جميع ما ذكره يسقط بما شرطناه في المعجزات و نقش عند أهل البصر.
و من تقوى دواعيه إلى كشف عوارة الزمان الطويل فلا يوقف منه على وجه حيلة فيما ذكروه ما هو معناه ظاهر لأكثر الناس كحجر المغناطيس أو يوقف فيه على وجهه.
فصل:
و ربما يقول المنكرون لمعجزات النبي و الأئمة عليهم أفضل الصلوات و التحية إن الأخبار التي يذكرون و الأحاديث التي يعولون عليها في معجزاتهم و يصولون بها إنما رواها الواحد و الاثنان و مثل ذلك لا يمكن القطع عليه بعينه و الحكم بصحته و أمر المعجزات أمر خارج عن العادات يجب أن يكون معلوما متيقنا غير مظنون متوهم.
و الجواب عن ذلك أن أخبارنا في معجزات النبي و الأئمة(ص)جاءت من طرق مختلفة و مواضع متفرقة و مظان متباعدة و فرق مخالفة و موافقة في زمان بعد زمان و قرن بعد قرن و لذلك كررنا المعجزات من جنس واحد من
1039
كل واحد منهم(ع)و لا يمكن أن يتواطأ الناس على مثل هذا فلا يكون مخبرهم على ما أخبروا به جميعا لأن ذلك ينقض عادتهم كما ينقض العادة الاجتماع على الكذب في الجماعات الكثيرة.
و مما يدل على ذلك أنا رأينا من تواطؤ الخبر عنه رجال منفردون بخبر الكذب فأما إن أخبر جمهور من الناس فقال بعضهم إن رجلا له مال من ذهب و ورق.
و آخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له أثاثا و جهازا و أواني و آلات و أسبابا.
و فرق يخبرون أنهم رأوا له غلات و ارتفاعات و ضياعا و عقارات.
و آخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له خيلا و بغالا و حميرا.
إن الخبر إذا ورد عن الإنسان بما ذكرنا اضطر إلى العلم بأن المخبر عنه غني موسر لا يقدر أحد على دفع علم ذلك عن نفسه إذا نظر بعين الإنصاف في تلك الأخبار و إن كان يجوز على كل واحد من المخبرين الغلط و الكذب في خبره إذ لو انفرد من مضامة غيره.
ثم إن إجماع الفرقة المحقة منعقد على صحة أخبار معجزات الرسول و الأئمة من أهل بيته(ع)و إجماعهم حجة لأن فيهم معصوما.
فصل:
و من أخبار المعجزات أخبار تقارب أخبار الجماعات الكثيرة نحو خبر الحصاة و إشباع الخلق الكثير بالطعام اليسير و ذلك أن المخبرين بهذه الأخبار إنما أخبروا عن حضرة جماعة فادعوا حضورهم كذلك فقد كانوا خلائق كثيرين مجتمعين شاهدي الحال و كانوا فيمن شرب الماء و أكل من الطعام فلم ينكروا عليهم.
و لو كان الخبر كذبا لمنعت الجماعة التي ادعى المخبرون حضورهم بذلك و أنكروا عليهم و لقالوا لم يكن هذا و لا شاهدناه فلما سكتوا عن ذلك دل
1040
على تصديقهم لهم و أن ذلك يجري مجرى المتواتر نقلا في الصحة و القطع به.
و مما يدل على ذلك أن رجلا لو عمد إلى الجامع و الناس مجتمعون و قال لهم إنكم كنتم في موضع كذا في دار كذا لأملاك فلان فأطعمكم كذا من الطعام و كذا من الشراب لم يمتنعوا أن ينكروا عليه و لا يسكتوا على تكذيبه في الأمر الذي لا يمتنع في العادة فكيف في الأمر الذي خرج عن العادة و النفوس إلى إنكار المنكر فيها أشد إنذارا.
و من هذه الأخبار أخبار انتشرت في الأمة و لم يوجد لها منكر و لا مكذب بل تلقوها بالقبول فيجب المصير إليها لاجتماع عليها من الأمة أو من الطائفة المحقة و هم لا يجتمعون على خطأ ففيهم معصوم في كل زمان.
و ما رووا أن زوجين من الطير جادلا إلى أحدهم(ع)فصالح بينهما أو شكا طير من حية في موضع تأكل فراخه فأمر بقتل الحية فلا خفاء في كونه معجزا.
فأما ما سئل الحسين(ع)و هو صبي عن أصوات الطيور و الحيوانات فإعجازه من وجه آخر و نحوه قول عيسى في المهد إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ.
و كلاهما نقض العادة إذ ليس في مقدور الأطفال التكلم بما تكلم به و قيل إن نفس الدعوى في بعض المواضع معجز.
فصل:
و الأخبار المتواترة توجب العلم على الإطلاق و كذلك إذا كانت غير متواترة و قد اقترن بها قرينة من أحد خمسة أشياء من أدلة العقل و الكتاب و السنة المقطوع بها أو إجماع المسلمين أو إجماع الطائفة فهذه القرائن تدخل الأخبار و إن كانت آحادا في باب المعلوم فتكون ملحقة بالمتواتر.
و العلوم التي تحصل عند الأخبار المتواترة لكل عاقل مكتسبة عند
1041
الشيخ المفيد و ذهب المرتضى إلى تقسيم ذلك فقال العلوم بأخبار البلدان و الوقائع و نحوها يجوز أن تكون ضرورية و يجوز أن تكون مكتسبة.
و ما عداها كالعلم بمعجزات النبي و الأئمة(ع)و كثير من أحكام الشريعة فيقطع على أنه مستدل عليه و هذا أصح لأن الأدلة في أن الأول فعل لله أو فعل للعباد كالمتكافئة.
و إذا كان كذلك وجب التوقف و تجويز كل واحد منهما.
و الخبر إذا لم يكن من باب ما يجب وقوع العلم عنده و اشتراك العقلاء فيه و جاز وقوع الشبهة عليه فهو أيضا صحيح على وجه و هو أن يرويه جماعة قد بلغت من الكثرة إلى حد لا يصح معه أن يتفق فيها و أن يعلم مضافا إلى ذلك أنه لم يجمعها على الكذب جامع كالتواطؤ أو ما يقوم مقامه و يعلم أيضا أن اللبس و الشبهة زائلان عما خبروا عنه.
هذا إذا كانت الجماعة تخبر بلا واسطة عن المخبر فإن كان بينها و بينه واسطة وجب اعتبار هذه الشروط في جميع من خبرت عنه من الجماعات حتى يقع الانتهاء إلى نفس المخبر.
و إذا صحت هذه الجملة في صحة الخبر الذي لا بد أن يكون المخبر صادقا من طريق الاستدلال بنينا عليها صحة المعجزات و غيرها من أحكام الشرع.
فصل:
و قد ذكرنا من قبل أنهم كثيرا ما يوردون السؤال علينا و يقولون قد وجدنا في العالم حجرا يجذب الحديد إلى نفسه فلم يجب اتباع من يجذب الشجر إلى نفسه كذلك إذ لا نأمن أن يكون معه شيء مما يفعل به ذلك.
و يؤكدون قولهم بأن المقرين لمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق و لم
1042
يعرفوا نهايتها و لم يقفوا على طبائع العالم و كيف يستعان بها على الأفعال و لم يحيطوا علما بأكثرهم و لم يأتوهم في مظانهم و لا امتحنوا قواهم و مبالغ حيلهم و مخرقة أصحاب الخفة و أشكالهم.
الجواب عنه أن يقال قد لزم النفس العلم لزوما لا يقدر على دفعه بأن ما ذكروا ليس في العالم كما لزمها العلم بأن ليس في العالم حجر إذا أمسكه الإنسان عاش أبدا و إذا وضعه على الموات عاد حيوانا و إذا وضعه على العين العمياء عادت صحيحة و لا فيه ما يرد الرجل المقطوعة و لا ما به يزال الزمانة الحالة و لا فيه شيء يجذب به الشمس و القمر من أماكنهما.
فلما لزم النفس علم ما ذكرناه كذلك لزم العلم للنفس بأن ليس في العالم حجر يجذب الشجر من أماكنها و يشق به البحور و يحيي به الأموات.
و أيضا فإن حجر المغناطيس لما كان موجودا في العالم طلبه ذوو الحاجة إليه حتى قدروا عليه لما فيه من الأعجوبة و خاصة أمره و لإرادة التكسب به و استخراج نصل السهم من البدن.
فلو كان فيه حجر أو شيء مثله يجذب الشجر فإنه كان أعز من حجر المغناطيس و كان سبيله سبيل الجواهر في عزها لا يخفى على من في العالم.
و هيئتها كالجوهر الذي يقال له الكبريت الأحمر و لعزته ضرب به المثل فقيل أعز من الكبريت الأحمر و كانت الملوك أقدر على هذا الحجر كما هم أقدر على ما عز من الأدوية و السموم و غيرها من الأشياء العزيزة.
1043
فلما لم يكن لهذا أثر عندهم و لا خبر لكونه بطل أن يكون له كون و وجود و لو كان فكيف قدر الرسل و أوصياؤهم عليه مع فقرهم و عجزهم في الدنيا و ما فيها و يكون معروف المنشأ و لم يغب عنهم طويلا.
فصل:
ثم إن النبي(ص)لما دعا الشجرة و كذا وصي من أوصيائه ثم ردها إلى مكانها فإن جذبها بشيء و ردها بلا شيء كان ردها آية عظيمة.
و إن كان شيء كان معه فذلك محال من قبل أن ذلك الشيء يضاد ما جذبها.
فإذا كان الجذب به فإمساكها و ردها لم يجب أن يكون به أو معه ما يرد به لأنه يوجب أن تكون مقبلة مدبرة و ذلك محال.
و لأن الحجر لو كان معه كما قالوا لكان فيه آية لأنه ليس في العالم مثله فهو خارج عن العرف كخروج مجيء الشجرة بدعائه.
و قد أنبع الله لموسى من الحجر الماء فانبجست من الحجر اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين و الحجارة يتفجر منها الأنهار فلما كان حجر موسى خارجا عن العادة التي في العالم كان آية فكذلك لو كان جذب حجر الشجرة لكان خارجا عن عادات الناس فكان دليلا على نبوته.
و ليس في الحيل ما يمكن به نقل الجبال و المدن.
و أما قولهم إن المقرين بمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق إلى آخره.
فإنه يقال لهم و لم يمتحن أحد من الجاحدين للرسل طبائع العالم و لا عرفوا ما فيه فيعلموا أن جميع حيوانه يموت بحقله و لا أن حيوانا لا يموت يبقى على الدهر أبدا لا يتغير و لعل في العالم نارا لا تحرق إذ لو كان لم يمتحن قوى العالم و لا أحاط علمه بخواصه و سرائره لزمه قلب أكثر الحقائق و بطلانها
1044
باب في مقالات المنكرين للنبوات أو الإمامة من قبل الله و جواباتها و إبطالها
اعلم أن المنكرين للنبوات فرقتان ملحدة و دهرية و موحدة البراهمة و الفلاسفة عندنا من جملة الدهرية و الملحدة أيضا و قد اجتمعوا على إبطال النبوات و إنكار المعجزات و إحالتها تصريحا و تلويحا و زعمت أن تصحيح أمرها يؤدي إلى نقض وجوب الطبائع و قد استقر أمرها على وجه لا يصح انتقاضها.
و كلهم يطعنون في معجزات الأنبياء و أوصيائهم حتى قالوا في القرآن تناقض و اختلاف و أخبار زعموا وجدنا مخبراتها على خلافها.
منها قوله وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
ثم وجدناكم تقولون إن يحيى بن زكريا قتله ملك من الملوك و نشر رأس والده زكريا بالمنشار مع ما لا يحصى من الخلق من المؤمنين الذين قتلهم الكفار و في القرآن أيضا إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ و قد ينكح كثير فيبقى فقيرا أو يزداد فقره و قد قال لنبيه وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ ثم وجدناه كسرت رباعيته و شج رأسه.
و فيه أيضا ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و إن الخلق يدعونه دائما فلا يجيبهم و في القرآن فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ و هذا دليل على أن محمدا لم يكن واثقا بما عنده لأنه ردهم إلى قوم شهد عليهم بكتمان الحق و قول الباطل و هم عنده غير ثقات في الدعوى و الخبر.
1045
فصل:
الجواب عما ذكروه أولا أن تأويل ما حكيتم على خلاف ما توهمتم لأن الذي نفاه من كون سبيل الكفار على المؤمنين إنما هو من طريق قيام الحجة منهم على المسلمين في دينهم في إقامة دليل على فساد دينهم و لم يرد بذلك المسالبة و المغالبة و هو معنى قوله لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أي بالدلالة و الحجة لا بالمغالبة و المعازة.
و يحيى بن زكريا لما قتل كانت حجته ثابتة على من قتله و كان هو الظاهر عليه بحقه و إن كان في ظاهر أمر الدنيا مغلوبا فإذا قهر بحق لم يدل على ذلك بطلان أمره و فساد طريقه.
و أما قوله إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ ففيه جوابان أحدهما أنه أراد إن كان بهم فقر إلى الجماع استغنوا بالنكاح.
و الثاني أنه خرج على الأغلب من أحوالهم و قد قال تعالى بعد ما تزوج محمد(ص)خديجة وَ وَجَدَكَ عٰائِلًا فَأَغْنىٰ أي أغناك بمالها.
و أما قوله وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ فالمعنى أنه يعصمك من قتلهم إياك.
و قوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فيه أجوبة أحدها أن فيه إضمارا أي إن رأيت لكم مصلحة في الدين و قد صرح به في قوله فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ.
و الثاني أن الدعاء هو العبادة أي اعبدوني بالتوحيد أجزكم عليه يدل على ذلك قوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي.
1046
و الثالث أن يكون اللفظ عموما و المراد به الخصوص و هذا في العرف كثير.
و أما قوله فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ فإن الله لما احتج لنبيه بالبراهين المعجزة و رأى قومه و من حسده على نعمة الله عنده من عشيرته يميلون إلى أهل الكتاب و يعدلونهم عليه و على أنفسهم و يعتمدون في الاحتجاج لباطلهم على جحدهم إياه أراد أن يدلهم على صدقه بإقرار عدوه و من أعظم استدلالا من الذي استشهد عدوه و يحتج بإقراره له و انقياده إياه.
ثم إن في التوراة و الإنجيل صفات محمد(ص)و كل من أنصف منهم شهد له بذلك.
فصل: و قالوا كيف تدعون أن جميع إخبار محمد عن الغيب وقع صدقا و عدلا و حقا و قد وجدنا بعضها بخلافه
- لِأَنَّ مُحَمَّداً قَالَ إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ
و قد وجدنا بعده قياصر كثيرة و أملاكهم ثابتة.
- وَ قَالَ أَيْضاً شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
و قد وجدنا الأمر بخلاف ذلك كثيرا.
- وَ قَدْ قَالَ مَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ
و قد وجدناه ينقص من حسابها.
- وَ قَالَ إِنَّ يُوسُفَ أُعْطِيَ نِصْفَ الْحُسْنِ
ثم قال الله في قصة إخوانه لما دخلوا عليه فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ و من كان في حسنه بائنا بهذه البينونة العظمى كيف يخفى أمره.
1047
و في كتابكم أن عيسى ما قتل و ما صلب و قد اجتمعت اليهود و النصارى على أنه قتل و صلب.
و في كتابكم وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ إِلّٰا رِجٰالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
- وَ قَالَ نَبِيُّكُمْ إِنَّ فِي نِسَائِكُمْ أَرْبَعَ نَبِيَّاتٍ
. و في كتابكم قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا هٰامٰانُ ابْنِ لِي صَرْحاً و كان هامان قبل فرعون بزمان طويل.
و في كتابكم وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ الشِّعْرَ و الشعر كلام موزون و نحن نجد في القرآن كلاما موزونا و هو الشعر في غير موضع فمنه وَ جِفٰانٍ كَالْجَوٰابِ وَ قُدُورٍ رٰاسِيٰاتٍ و وزنه عند العروضيين فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
و منه قوله و يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وزنه قول الشاعر
أ لا حييت عنا يا ردينا * * * نحييها و إن كرمت علينا
. و منه قوله مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ قٰانِتٰاتٍ تٰائِبٰاتٍ عٰابِدٰاتٍ سٰائِحٰاتٍ
1048
وزنه
فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن * * * فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
. قالوا و مثله موجود في كلام
- نَبِيِّكُمْ مَعَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مَا أُبَالِي مَا أُتِيتُ إِنْ أُتِيْتُ تِرْيَاقاً أَوْ عُلِّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي
- ثُمَّ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ * * * أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
- وَ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمَّا قَالَ الْأَنْصَارُ
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّداً * * * عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَداً
لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ * * * فَأَكْرِمِ الْأَنْصَارَ وَ الْمُهَاجِرَةَ
- وَ قَالَ أَيْضاً
غَيْرَ الْإِلَهِ قَطُّ مَا نَدِينَا * * * وَ لَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا
فَحَبَّذَا رَبّاً وَ حَبَّذَا دِيناً
1049
- وَ قَالَ لَمَّا دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ * * * وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
. فصل: أما الجواب عما قالوه أولا فهو من أدل الأعلام على صدقه فيما أخبر به من الغيوب و ذلك
أَنَّهُ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى وَ هُوَ مَزَّقَ كِتَابَهُ(ص)قَالَ(ص)مَزَّقَ اللَّهُ مَمْلَكَتَهُ كَمَا مَزَّقَ كِتَابِي
فوقع ذلك كما دعا و أخبر به.
وَ لَمَّا كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ لَمْ يُمَزِّقْ كِتَابَهُ قَالَ ثَبَّتَ اللَّهُ مَمْلَكَتَهُ وَ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَى الشَّامِ وَ كَانَ النَّبِيُّ يُخْبِرُ بِفَتْحِهَا لَهُ
. فمعنى
- قَوْلِهِ وَ لَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ
يعني في كل أرض الشام.
و أما
- قَوْلُهُ شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
ففيه ثلاثة أجوبة أحدها أنه خرج على سنة بعينها أشار إليها و كان كذلك و هذا
- كَمَا قَالَ يَوْمُ صَوْمِكُمْ يَوْمُ فِطْرِكُمْ
لسنة بعينها.
- وَ كَمَا قَالَ الْجَالِسُ فِي وَسَطِ الْقَوْمِ مَلْعُونٌ
أشار إلى واحد كان يتسمع الأخبار من وسط الحلقة.
و الثاني أنهما لا ينقصان على الاجتماع غالبا بل يكون أحدهما ناقصا و الآخر تاما.
1050
و الثالث أن يكون معناه لا ينقص أجر من صامهما و إن كان في العدد نقصان لأن الشهر الهلالي ربما كمل و ربما نقص.
و على أي هذه الوجوه حملته لم يكن في خبره خلف و لا كذب.
و أما خبر الزكاة فلأن من تصرف فيه بالتجارة استفاد من ثوابه أكثر مما تصدق به فكأنه لم ينتقص من المال شيء ثم إن المال الذي زكى منه يكون له بركة.
و أما تأويل خبر يوسف فقد قيل إن الله أعطى يوسف نصف حسن آدم أ فلم يقع فيه التفاوت الشديد و قد كانوا فارقوه طفلا و رأوه كهلا و دفعوه أسيرا ذليلا و رأوه ملكا عزيزا و بأقل هذه المدة و اختلاف هذه الأحوال تتغير فيها الخلق و تختلف المناظر فما فيه تناقض.
على أن الله ربما يرى المصالح أن يشتبه شيء على إنسان فيعرفه جملة و لا يعرفه تفصيلا و يحتمل أن يكون معنى قوله وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي مظهرون لإنكاره عارفون به.
و أما ما قالوا من قتل عيسى و صلبه فقد
- قَالَ نَبِيُّنَا(ص)حِينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ
و روى القوم أنه قتل و صلب فقد جمعنا بين خبرين لأن إسقاط أحدهما لا يصح و استعمالهما ممكن و هو أن نقلهم عن مشاهدة صلب مصلوب يشبه عيسى صحيح لا خلف فيه و لكن لما كان الصادق أخبرنا أن الذي رأوه كان جسما ألقي عليه شبه عيسى فقلنا نجمع بين تواترهم و خبر نبينا قد قامت دلالة صحتهما.
فنقول إن ما تقولوا من مشاهدة الجسم الذي كان في صورة المسيح مصلوبا صحيح و أما أنهم ظنوا أنه المسيح و كان رجلا ألقي عليه شبه المسيح فلأجل خبر الصادق به على أن خبر النصارى يرجع إلى أربعة نفر لا عصمة لهم.
1051
- وَ أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ فِي نِسَائِكُمْ أَرْبَعَ نَبِيَّاتٍ
فإنه لا يناقض قوله وَ مٰا أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ إِلّٰا رِجٰالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فإن معنى النبي غير الرسول فيجوز أن يكون نبيات غير مرسلات و قيل المراد به سارة و أخت موسى و مريم و آسية بعثهن الله لولادة البتول فاطمة إلى خديجة ليلين أمرها.
و أما هامان فلا ينكر من أن يكون من اسمه هامان قبل فرعون و في وقته من يسمى بذلك.
و الجواب عما ذكره أخيرا أن النبي(ص)قد كان يعاف قول الشعر و قد أمره الله تعالى بذلك لئلا يتوهم الكفار أن القرآن من قيله و ليخلص قلبه و لسانه للقرآن و يصون الوحي عن صنعة الشعر لأن المشركين كانوا يقولون في القرآن إنه شعر و هم يعلمون أنه ليس بشعر و لو كان معروفا بصنعة الشعر لنقموا عليه بذلك و عابوه به.
و قد سئل أبو عبيدة عن ذلك فقال هو كلام وافق وزنه وزن الشعر إلا أنه لم يقصد به الشعر و لا قاربه بأمثاله و القليل من الكلام مما يتزن بوزن الشعر.
- وَ رُوِيَ
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ
- وَ هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
فقد أخرج عن وزن الشعر.
فصل: و ربما قالوا إذا كان إخبار المنجمين و الكهنة قد تتفق مخبراتها كما أخبروا كذلك إخبار الأنبياء و الأوصياء فبما ذا يعرف الفرق بينهما.
قلنا في الجواب إن إخبار الأنبياء و أوصيائهم إنما كانت متعلقة بمخبراتها على التفصيل دون الجملة من غير أن يكون قد اطلع عليها بتكلف معالجة و استعانة
1052
عليها بآلة و أداة لا حدس و لا تخمين فيتفق في جميع ذلك أن تكون مخبراتها كما أخبر بها على حسب ما تعلق به الخبر من غير أن يقع به خلف أو كذب في شيء منها.
فأما إخبار المنجمين فإنه يقع بحساب و بالنظر في كل طالع بحدس و تخمين ثم قد يتفق في بعضها الإصابة دون بعض كما يتفق إصابة أصحاب الفأل و الزوج و الفرد من غير أن يكون ذلك على أصل معتمد و أمر يوثق به فإذا وقعت الأخبار منهم على هذا الحد لم توجب العلم و لم يكن معتمدا و لا علما معجزا و لا دالة على صدقهم.
و متى كان على هذا الوجه الذي أصاب في الكل كان علما معجزا و دلالة قاطعة لأن العادات لم تجر بأن يخبر المخبر عن الغائبات فيتفق و يكون جميعها على ما أخبر به على التفصيل من غير أن يقع في شيء منها خلف أو كذب.
فمتى وقعت المخبرات كذلك كان دليل الصدق ناقضا للعادات فدلنا ذلك على أنه من عند الله خصه بعلمه ليجعله علما على نبوته.
و كذلك ما يظهر علمه على يد وصي النبي(ص)يكون شاهدا لصدقه فعلى هذا يكون إخبار النبي و الأئمة عن الغائبات إعلاما لصدقهم.
فصل: و معنى الغيب ما غاب عن الحس أو ما غاب علمه عن النفس و لا يمكن الوصول إليه إلا بخبر الصادق الذي يعلم الغيوب و ليس كل ما غاب عن الحس لا يمكن الوصول إلى علمه إلا بجبرئيل لأن منه ما يعلم بالاستدلال عليه بما شوهد و ما هو مبني على ما شوهد و النوع الذي كان الخبر عنه حجة مما لا دليل عليه من
1053
الشاهد كذلك كان معجزا.
فإن قيل ما أنكرتم أن لا يدل خبره عن الغائبات على صدقه لأن قوله تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ حكم عليه بالخسران و لو آمن لكان له أن يقول إنما أردت أن يكون ذلك حكمه إن لم يؤمن كقوله مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإن المراد به إذا مات عليه و لما لم يقل إن أبا لهب يموت على كفره كان ذلك وعيدا له كما لسائر الكفار.
الجواب أن قوله تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ مفارق لما ذكرتم لأنه خبر عن وقوع العذاب به لا محالة و ليس هذا من الوعيد الذي يفرق بالشريطة يدل عليه سَيَصْلىٰ نٰاراً ذٰاتَ لَهَبٍ من حيث قطع على دخوله النار لا محالة فلما مات على كفره كان ذلك دليلا على نبوته.
فإن قيل إخباره عن خسران أبي لهب كان على حسب ما رأى من جده في الشرك فعمل على ما جرت به العادة في أمثاله.
قلنا كون جده فيه لا يدل على أنه ينتقل عنه إلى غيره.
ثم إن المنجم يخبر بمائة خبر حتى يقع واحد على ما قال صدقا و قد أخبر النبي(ص)نيفا و عشرين سنة و كان جميع ما خبر به صدقا و أخبر عن ضمائر قوم و كان كما قال ص
1054
باب في مقالات من يقول بصحة النبوة منهم على الظاهر و من لا يقول و الكلام عليهما
من الفلاسفة من يقول لمجاملة أهل الإسلام إن الطريق إلى معرفة صدق المدعي للنبوة هو أن يعلم أن ما أتى به مطابق لما يصلحون به في دنياهم و لأغراضهم التي بسببها يحتاجون إلى النبي(ص)و لم يشترطوا ظهور معجزة عليه و ذكر بعضهم ظهور المعجز عليه.
ثم قال إن ظهور المعجز عليه و قلب العصا حية لا يوصل إلى العلم اليقيني أنه صادق لأنه يمكن أن يظن في المعجز أنه سحر و أنه حيلة نحو انشقاق القمر.
فأما إذا علم مطابقة ما أتى به لمصالحهم الدنياوية فهو طريق لا يدخله الشبهة و من قال بهذا قال في العلم بصدقة للمعجز فهو طريق العوام و المتكلمين.
و أما العلم بمطابقة شرعه للمصالح الدنياوية فهو طريقة المحققين.
و قد حكي عنهم أنهم قالوا إن صدق المدعي لصنعة من الصنائع إنما يظهر إذا أتى بتلك الصنعة التي ادعى العلم بها.
و مثله على الناقل بمن ادعى حفظ القرآن ثم قرأ و ادعى آخر حفظ القرآن فإذا قيل له ما دليلك على أنك تحفظ القرآن قال دليلي أني أقلب العصا حية و أشق القمر نصفين ثم فعلهما و من ادعى حفظ القرآن. فإذا قيل له ما دليلك على حفظك له قرأه كله فإن علمنا بحفظ هذا القارئ يكون أقوى من علمنا بحفظ الثاني للقرآن لأنه يشتبه الحال في معجزاته فيظن أنه من باب السحر أو أنه طلسم و لا تدخل الشبهة في حفظ القارئ للقرآن.
1055
فصل: يقال لهؤلاء و بما ذا علمتم مطابقة ما أتى به النبي(ص)من الشرائع للمصالح و نفرض الكلام في شريعة نبينا(ص)لأنكم و نحن نصدقه في النبوة و صحة شرعه أ بطريقة عقلية علمتم المطابقة أم بطريقة سمعية فإن قالوا بطريقة عقلية قيل لهم إن من جملة ما أتى به من الشرائع وجوب الصلوات الخمس و صوم شهر رمضان و وجوب أفعال الحج فما تلك الطريقة التي علمتم بها مطابقتها للمصلحة أ ظفرتم بجهة وجوب لها في العقل فحكمتم لذلك بوجوبها أم ظفرتم بحكم في العقل يدل على وجوبها نحو أن يقول علمنا من جهة العقل أن من لم يصل هذه الصلوات بشروطها في أوقاتها فإنه يستحق الذم من العقلاء كما يستحق الذم من لم يرد الوديعة على صاحبها بعد ما طولب بردها و لا عذر له في الامتناع عن ذلك.
و القول به باطل لأنا لا نجد في عقول العقلاء العلم بجهة وجوب شهر رمضان دون العيدين و أيام التشريق على وجه و لا نجد لصلاة الظهر على شروطها بعد الزوال جهة تقتضي وجوبها في ذلك الوقت دون ما قبله.
و قالوا إن في أفعال الحج مثل أفعال المجانين.
و قالوا في وجوب غسل الجنابة إنه سفه و شبهوه بمن نجس طرف من أطراف ثوبه فأوجب غسله كله فإنه يعد سفيها.
و قالوا في المحرمات الشرعية كشرب الخمر أو الزنا إنه ظلم إلى غير ذلك مما يقوله القائلون بالإباحة و غيرها فكيف يمكن أن يدعى أنه يمكن الوصول إلى معرفة وجوبها أو قبحها بطريقة عقلية و لا يمكن أن يعرف تلك المصالح بقول النبي إلا بعد العلم بصدقه من جهة المعجز.
فصح أنه لا طريق إلى العلم بذلك إلا من جهة المعجز.
1056
فصل: و أما تشبيههم ذلك بمن ادعى حفظ القرآن أو صنعة من الصنائع الدنيوية إذا أتى بها على الوجه الذي حفظه غيره أو علم تلك الصناعة.
فليس نظير مسألتنا لأن ذلك من جملة المعرفة بالمشاهدات لأن بالمشاهدة تعلم الصنعة بعد وقوعها على ترتيب و إحكام و مطابقة لما سبق من العلم بتلك الصنعة و بالحفظ لذلك المقرو.
و ليس كذلك ما أتى به النبي(ص)لأنه لا طريق إلى المعرفة بكونه مصلحة في أوقاتها دون ما قبلها و ما بعدها و في مكان دون مكان و على شرائطها من دون تلك الشرائط لا بمشاهدة و لا بطريقة عقلية.
أ لا ترى أن المخالفين القائلين بالعقليات المنكرين للنبوات و الشرائع لما لم ينظروا في الطريقة التي سلكها المسلمون في تصديق الرسل(ع)من النظر في المعجزات دفعوا النبوة و القول بالشرائع لما لم يجدوا طريقة عقلية إلى معرفة شرائعهم و مطابقتها للمصالح الدنياوية.
فصل: و قولهم المعرفة بصدق النبي(ص)بالمعجزات معرفة غير يقينية لأنه يجوز أن يكون فيها من باب السحر.
1057
فيقال لهم إذا جوزتم في المعجزات أن تكون من باب السحر و لا يحصل بظهورها لكم العلم اليقيني بصدق النبي فجوزوا فيمن قرأ القرآن أنه ساحر و في من عمل صنعة من الصنائع أن صانعها ساحر لا يحكمها لكنه يرى بسحره أنه أحكمها و في ذلك سد الطريق عليكم إلى معرفة ما يسهو على أصولكم لأنكم تقولون بصحة السحر و أن الساحر بفضل علومه يتمكن من إحداث ما لا يقدر عليه بشر مثله.
و قلتم إن هذا السحر هو علم قد كان ثم انقطع بإحراق المسلمين كتب الأكاسرة التي صنفها الفلاسفة في علم السحر.
فمن يقول منكم بصحة النبوة هو أولى بأن يقول الساحر نبي من الأنبياء.
لأن على قوله من بلغ في علومه إلى أن يتمكن مما لا يتمكن منه بشر مثله فإنه يتمكن بفضل علومه أن يضع شرائع و سننا مطابقة لمصالح الناس يصلح بها دنياهم إذا قبلوا منه.
فعلى هذا إذا أتى النبي بمعجز وجب القول بصدقه و حصول اليقين بنبوته.
فصل: قالوا علمنا هذه الشرعيات فاستعملنا هذه العبادات فوجدناها راتعة في رياضة النفس و التنزه عن رذائل الأخلاق و داعية إلى محاسنها.
و إلى هذا أشار بعضهم فقال إذا فهمت معنى النبوة فأكثر النظر في القرآن و الأخبار يحصل لك العلم الضروري بكون محمد(ص)على أعلى درجات النبوة
1058
و أعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات و تأثيرها في تصفية القلوب.
و كيف صدق
- فِيمَا قَالَ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
- وَ فِي قَوْلِهِ(ص)مَنْ أَعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ
- وَ فِي قَوْلِهِ مَنْ أَصْبَحَ وَ هَمُّهُ وَاحِدٌ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ
. قالوا فإذا جربت هذا في ألف و آلاف حصل لك علم ضروري لا يتمارى فيه فمن هذا الطريق يطلب اليقين بالنبوة لا من قلب العصا حية و شق القمر.
فهذا هو الإيمان العلمي و يصير به الدين كالمشاهدة و الأخذ باليد و لا يوجد إلا في طريق التصوف.
فصل: فيقال لهم إنه من اعتقد في طريقة أنها حق و دين و زهد في الدنيا و رغبة في الآخرة و راض نفسه بتلك الطريقة و استعمل نفسه بما يعتقده عبادات في ذلك التدين فإنه يجد لنفسه تميزا ممن ليس في حاله من الاجتهاد في ذلك التدين
1059
و عباداته و اعتقاده في حقية ذلك الدين حقا كان ذلك أم باطلا.
فرهبان النصارى و أحبار اليهود يجتهدون في كفرهم الذي يعتقدونه حقا فيجدون لأنفسهم تميزا على عوامهم و متبعيهم و يدعون لأنفسهم من صفاء القلوب و النسك و الزهد في الدنيا.
و كذا عباد الأوثان إذا اجتهدوا في عبادتها فإنهم يجدون أنفسهم خائفة مستحيية من أوثانهم أن يقدموا على ما يعتقدونه معصية لها.
و لهذا حكي عن الصابئيين المعتقدين عبادة النجوم لاعتقادهم أنها المدبرة للعالم أنهم نحتوا على صورها أصناما ليعبدونها بالنهار إذا خفيت تلك النجوم و يستحيون أن يقدموا على رذائل الأفعال لما يجدون من أنفسهم على ما ذهبوا إليه في تدينهم أنه حق.
و كذلك أهل العمل بشرائع نبينا(ص)و اعتقادهم صدقه من دون نظر في معجزاته.
فصل: قالوا حقيقة المعجز هو أن يؤثر نفس النبي في هيولى العالم فيغير صورة بعض أجزائه إلى صورة أخرى بخلاف تأثيرات سائر النفوس.
فإذا كان هذا هو المعجز عندهم لزم أن يكون العلم به يقينا و أن يعلم أن صاحب تلك النفس هو نبي فبطل قولهم إن العلم بالمعجز غير يقيني و أما على قول المسلمين فهذا ساقط لأن للمعجزة شروطا عندهم متى عرفت كانت معجزة صحيحة دالة على صدق المدعي منها أنها ليست من جنس السحر لأن السحر عندهم
1060
تمويه و تلبيس يرى الساحر أنه حقيقة و يخفى وجه الحيلة فيه فهو يرى أنه يذبح الحيوان ثم يحييه بعد الذبح و هو لا يذبحه بل لخفة حركات اليد يرى و لا يفعل.
فمن لم يعلم أن المعجزة جنس و أن المخرقة و الشعوذة من غير ذلك الجنس لم يعلمها معجزة.
فصل: ثم اعلم أن بين المعجزة و المخرقة و الشعوذة و الحيل التي تبقى فروقا توصل إلى العلم بها بالنظر و الاستدلال في ذلك بأن يعرف أولا ما يصح أن يكون مقدورا للبشر و ما لا يصح و أن يعلم بمقتضى العادة كيف جرت في مقدورات البشر و على أي وجه تقع أفعاله و أن ما يصح أن يقدر عليه من أي نوع يجب أن يكون و كيف يكون حالهم إذا خرجوا من المقدرة عليه و هل يصح أن يعجز البشر عما لا يصح أن يقدروا عليه و ينظر فيما يمكن أن يتوصل إليه بحيلة و خفة و يعلم السبب المؤدي إليه و ما لا يمكن ذلك فيه.
فإذا أحاط علمه بهذه المقدورات عرف حينئذ ما يظهر من المعجزة عليهم ففصل بين حالها و بين ما يجري مجرى الشعوذة و المخرقة كالعجل الذي صاغه السامري من ذهب لبس به على الناس و كان له صوت و خوار إذ احتال إلى إدخال الريح فيه من مداخلة و مجاريه كما تعمل هذه الآلات التي تصوت بالحيل أو صندوق الساعات أو طاس المفصد الذي تعلم به مقادير الدم.
و إنما أضاف الله تعالى الصوت إليه لأنه كان محله عند دخول الريح فيه
1061
فصل: و اعلم أن الفلاسفة أخذوا أصول الإسلام ثم أخرجوها على رأيهم فقالوا في الشرع و النبي إنما أريدا كلاهما لإصلاح الدنيا.
فالأنبياء يرشدون العوام لإصلاح دنياهم و الشرعيات تهذب أخلاقهم لا أن الشرع و الدين كما يقول المسلمون من أن النبي يراد لتعريف مصالح الدين تفصيلا و أن الشرعيات ألطاف في التكليف العقلي.
فهم يوافقون المسلمين في الظاهر و إلا فكل ما يذهبون إليه هدم للإسلام و إطفاء لنور شرعه وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلّٰا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكٰافِرُونَ
1062
الباب العشرون في علامات و مراتب نبينا و أوصيائه عليه و عليهم أفضل الصلاة و أتم السلام
الحمد لله الذي خصنا بفضله بالمعارف و الصلاة على محمد و آله الذين بهم عمنا باللطائف فإن علامات النبي(ص)و الأئمة من أهل بيته(ع)في الكتب المتقدمة كثيرة.
و أنا أشير في هذا المختصر إلى جمل منها خطيرة و أضيف إليها من الرؤيا الدالة على مراتبهم ما يليق بها إن شاء الله تعالى
[باب في علامات النبي و الأئمة جملة و تفصيلا]
فصل في علامات نبينا محمد(ص)و وصيه و سبطيه الحسن و الحسين(ع)تفصيلا و في جميع الأئمة(ع)من ذرية الحسين جملة
رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنِ السَّيِّدِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ
1063
بَابَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَ كَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ قَالَ قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ صَدِّقُوا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ صَاحِبَ الْجَمَلِ وَ الْمِدْرَعَةِ وَ التَّاجِ وَ النَّعْلَيْنِ وَ الْهِرَاوَةِ وَ هِيَ الْقَضِيبُ الْأَنْجَلَ الْعَيْنَيْنِ الصَّلْتَ الْجَبِينِ السَّهْلَ الْخَدَّيْنِ الْأَقْنَى الْأَنْفِ مُفَلَّجَ الثَّنَايَا كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ كَأَنَّ الذَّهَبَ نُحِتَ فِي تَرَاقِيهِ لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى سُرَّتِهِ لَيْسَ عَلَى بَطْنِهِ وَ لَا عَلَى صَدْرِهِ شَعْرٌ أَسْمَرَ اللَّوْنِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ شَثْنَ الْكَفِّ وَ الْقَدَمِ إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعاً وَ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْقَلِعُ مِنَ الصَّخْرِ وَ يَنْحَدِرُ فِي صَبَبٍ وَ إِذَا جَامَعَ الْقَوْمَ بَذَّهُمْ عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ وَ رِيحُ الْمِسْكِ يَنْفَحُ مِنْهُ لَمْ يُرَ
1064
قَبْلَهُ مِثْلُهُ وَ لَا بَعْدَهُ طَيِّبُ الرِّيحِ نَكَّاحٌ لِلنِّسَاءِ ذُو النَّسْلِ الْقَلِيلِ إِنَّمَا نَسْلُهُ مِنْ مُبَارَكَةٍ لَهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ لَا صَخَبَ فِيهِ وَ لَا نَصَبَ تَكْفُلُهَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا كَفَلَ زَكَرِيَّا أُمَّكَ يَا عِيسَى لَهَا فَرْخَانِ يُسْتَشْهَدَانِ كَلَامُهُ الْقُرْآنُ وَ دِينُهُ الْإِسْلَامُ أُهْبِطُكَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِتُصَلِّيَ مَعَهُمْ إِنَّهُمْ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لِتُعِينَهُمْ عَلَى اللَّعِينِ الدَّجَّالِ
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ بَابَوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ
1065
بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَنِي أَمْرُهَا فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ وَ عَلَيَّ مِطْرَفُ خَزٍّ وَ جُمَّتِي تَضْرِبُ مَنْكِبِي فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْ فِي وَجْهِيَ التَّغَيُّرَ فَاسْتَوَتْ وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَوْمِي.
فَقَالَتْ مَا شَأْنُ سَيِّدِ الْعَرَبِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ هَلْ رَابَهُ مِنْ حَدَثَانِ الدَّهْرِ رَيْبٌ فَقُلْتُ بَلَى إِنِّي رَأَيْتُ وَ أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ كَأَنَّ شَجَرَةً نَبَتَتْ عَلَى ظَهْرِي قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّمَاءَ وَ ضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا إِلَى الشَّرْقِ وَ الْغَرْبِ.
وَ رَأَيْتُ نُوراً يَظْهَرُ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفاً.
وَ رَأَيْتُ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ سَاجِدَةً لَهَا وَ هِيَ كُلَّ يَوْمٍ تَزْدَادُ نُوراً وَ عِظَماً.
وَ رَأَيْتُ رَهْطاً مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ قَطْعَهَا فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَخَذَهُمْ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وَ أَنْظَفِهِمْ ثَوْباً فَيَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ وَ يَقْلَعُ أَعْيُنَهُمْ فَرَفَعْتُ يَدَيِ لِآخُذَ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا فَصَاحَ بِيَ الشَّابُّ وَ قَالَ مَهْلًا لَيْسَ لَكَ فِيهَا نَصِيبٌ.
فَقُلْتُ لِمَ ذَلِكَ وَ الشَّجَرَةُ لِي فَقَالَ النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِهَا وَ سَتَعُودُ إِلَيْهَا فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوباً فَزِعاً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ فَرَأَيْتُ لَوْنَ الْكَاهِنَةِ قَدْ تَغَيَّرَ ثُمَّ قَالَتْ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ وَلَدٌ يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ
1066
وَ يَتَنَبَّأُ فِي النَّاسِ فَسُرِّيَ عَنِّي غَمِّي فَلَمَّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ كَانَ يَقُولُ كَأَنَّ الشَّجَرَةَ وَ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَمِينُ ص
فصل:
وَ لَمَّا تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ آمِنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَمَلَتْ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا حَمَلْتُ بِهِ لَمْ أَشُكَّ بِالْحَمْلِ وَ لَمْ يُصِبْنِي مَا يُصِيبُ النِّسَاءَ مِنْ ثِقَلِ الْحَمْلِ وَ رَأَيْتُ كَأَنَّ آتِياً أَتَانِي فَقَالَ لِي قَدْ حَمَلْتِ بِخَيْرِ الْأَنَامِ فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الْوِلَادَةِ خَفَّ عَلَيَّ ذَلِكَ حَتَّى وَضَعْتُهُ وَ هُوَ يَتَّقِي الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَ رُكْبَتَيْهِ وَ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ وَضَعْتِ خَيْرَ الْبَشَرِ فَعَوِّذِيهِ بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ بَاغٍ وَ حَاسِدٍ فَقَالَتْ آمِنَةُ لَمَّا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اتَّقَى الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ رُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بِالنُّجُومِ وَ حُجِبُوا عَنِ السَّمَاءِ وَ رَأَتْ قُرَيْشٌ الشُّهُبَ وَ النُّجُومَ تَسِيرُ فِي السَّمَاءِ فَفَزِعُوا لِذَلِكَ وَ قَالُوا هَذَا قِيَامُ السَّاعَةِ فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً مُجَرَّباً
1067
فَقَالَ انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَتْ قَدْ زَالَتْ فَهُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ وَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ ثَابِتَةً فَهُوَ لِأَمْرٍ حَدَثَ.
وَ كَانَ بِمَكَّةَ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ فَلَمَّا رَأَى النُّجُومَ يُقْذَفُ بِهَا وَ تَتَحَرَّكُ قَالَ هَذَا نَبِيٌّ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَ هُوَ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ إِذَا وُلِدَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ رُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ وَ حُجِبُوا عَنِ السَّمَاءِ فَلَمَّا رَأَى مُحَمَّداً وَ قَدْ وُلِدَ وَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ عَلَى كَتِفِهِ خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَذَا نَبِيُّ السَّيْفِ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِخَبَرِ الْيَهُودِيِّ.
وَ نَشَأَ مُحَمَّدٌ(ص)فِي الْيَوْمِ كَمَا يَنْشَأُ غَيْرُهُ فِي الْجُمْعَةِ.
وَ نَشَأَ فِي الْجُمْعَةِ كَمَا يَنْشَأُ غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مُرَادٍ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ وَالِدِيَ الْعَبَّاسُ لَمَّا وُلِدَ لِوَالِدِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَبْدُ اللَّهِ رَأَيْنَا فِي وَجْهِهِ نُوراً يَزْهَرُ كَنُورِ الشَّمْسِ فَقَالَ أَبِي إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً
1068
قَالَ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْخِرِهِ طَيْرٌ أَبْيَضُ فَطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى سَقَطَ عَلَى بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَسَجَدَتْ لَهُ قُرَيْشٌ كُلُّهَا فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَتَأَمَّلُونَهُ إِذْ صَارَ نُوراً بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ امْتَدَّ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا انْتَبَهْتُ سَأَلْتُ كَاهِنَةَ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالَتْ يَا عَبَّاسُ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِهِ وَلَدٌ يَصِيرُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ تَبَعاً لَهُ.
قَالَ أَبِي فَهَمَّنِي أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تَزَوَّجَ بِآمِنَةَ وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَ أَتَمِّهَا خَلْقاً.
فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ وَلَدَتْ آمِنَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَتَيْتُهُ فَرَأَيْتُ النُّورَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَزْهَرُ فَحَمَلْتُهُ وَ تَفَرَّسْتُ فِي وَجْهِهِ فَوَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ وَ صِرْتُ كَأَنِّي قِطْعَةُ مِسْكٍ مِنْ شِدَّةِ رِيحِهِ.
فَحَدَّثَتْنِي آمِنَةُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَنِي الطَّلْقُ وَ اشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ سَمِعْتُ جَلَبَةً وَ كَلَاماً لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَ رَأَيْتُ عَلَماً مِنْ سُنْدُسٍ عَلَى قَضِيبٍ مِنْ يَاقُوتٍ قَدْ ضُرِبَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ رَأَيْتُ نُوراً يَسْطَعُ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاءَ.
وَ رَأَيْتُ قُصُورَ الشَّامَاتِ كُلَّهَا كَأَنَّهَا شُعْلَةُ نَارٍ.
وَ رَأَيْتُ مِنَ الْقَطَاةِ شَيْئاً عَظِيماً قَدْ نَشَرَتْ أَجْنِحَتَهَا حَوْلِي فَرَأَيْتُ شُعَيرَةَ الْأَسَدِيَّةَ قَدْ مَرَّتْ وَ هِيَ تَقُولُ آمِنَةُ مَا لَقِيَتِ الْكُهَّانُ وَ الْأَصْنَامُ مِنْ وَلَدِكَ
1069
وَ رَأَيْتُ شَابّاً مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ طُولًا وَ أَشَدِّهِمْ بَيَاضاً وَ أَحْسَنُهُمْ ثِيَاباً مَا ظَنَنْتُهُ إِلَّا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدْ دَنَا مِنْهُ وَ تَفَلَ فِي فِيهِ وَ اسْتَنْطَقَهُ فَنَطَقَ فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَالَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي أَمَانِ اللَّهِ وَ حِفْظِهِ وَ كِلَاءَتِهِ أَنْتَ خَيْرُ الْبَشَرِ ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ فَضَرَبَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَ أَلْبَسَهُ قَمِيصاً وَ قَالَ هَذَا أَمَانُكَ مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا فَهَذَا مَا رَأَيْتُ يَا عَبَّاسُ.
ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ وَ إِذَا خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَ نَسِيتُ الْحَدِيثَ فَلَمْ أَذْكُرْهُ إِلَى وَقْتِ إِسْلَامِي حَتَّى ذَكَّرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِجْلَالًا لَهُ وَ كَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَخْرُجُ وَ هُوَ غُلَامٌ فَيَمْشِي حَتَّى يَجْلِسَ عَلَى الْفِرَاشِ فَيَعْظُمُ ذَلِكَ أَعْمَامَهُ وَ يَأْخُذُونَهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ
1070
دَعُوا ابْنِي فَوَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْناً عَظِيماً إِنِّي أَرَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ وَ هُوَ سَيِّدُكُمْ ثُمَّ يَحْمِلُهُ فَيُجْلِسُهُ مَعَهُ ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ وَ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً فَاحْفَظْهُ وَ اسْتَمْسِكْ بِهِ فَإِنَّهُ فَرْدٌ وَحِيدٌ وَ كُنْ لَهُ كَالْأُمِّ لَا يَصِلْ إِلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ.
ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَيَطُوفُ بِهِ أُسْبُوعاً ثُمَّ قَدِمَتْ بِهِ أُمُّهُ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَمَاتَتْ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ وَ دُفِنَتْ بِهَا.
فَازْدَادَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَهُ رِقَّةً وَ حِفْظاً أَنْ لَا أَبَ لَهُ وَ لَا أُمَّ.
فَلَمَّا أَدْرَكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْوَفَاةُ وَ مُحَمَّدٌ(ص)عَلَى صَدْرِهِ وَ هُوَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَ هُوَ يَبْكِي وَ يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَقُولُ أَبْصِرْ أَنْ تَكُونَ حَافِظاً لِهَذَا الْوَحِيدِ الَّذِي لَمْ يَشَمَّ رَائِحَةَ أَبِيهِ وَ لَا ذَاقَ شَفَقَةَ أُمِّهِ.
يَا أَبَا طَالِبٍ إِذَا أَدْرَكْتَ أَيَّامَهُ فَاعْلَمْ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أَبْصَرِ النَّاسِ لَهُ وَ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّبِعَهُ فَافْعَلْ وَ انْصُرْهُ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ مَالِكَ فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ سَيَسُودُكُمْ وَ يَمْلِكُ مَا لَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي هَلْ قَبِلْتَ وَصِيَّتِي
1071
فَقَالَ نَعَمْ قَدْ قَبِلْتُ وَ اللَّهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ شَاهِدٌ.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمُدَّ يَدَكَ إِلَيَّ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ.
ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْآنَ خَفَّ عَلَيَّ الْمَوْتُ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُهُ وَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ حَتَّى يُدْرِكَ زَمَانَهُ.
فَمَاتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَضَمَّهُ أَبُو طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى نَفْسِهِ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ بِالْحَبَشَةِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)بِسَنَتَيْنِ أَتَاهُ وَفْدُ الْعَرَبِ وَ مَعَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ فَقَالَ نَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزِئَةِ فَقَالَ أَيُّهُمْ أَنْتَ قَالَ أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ أُخْتِنَا قَالَ نَعَمْ فَأَدْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ وَ قَالَ قَدْ عَرَفَ الْمَلِكُ قَرَابَتَكُمْ لَكُمُ الْكَرَامَةُ
1072
مَا أَقَمْتُمُ وَ الْحَبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ انْهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ.
وَ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ سِرّاً إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيّاً حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ خَبَراً عَظِيماً فِيهِ شَرَفٌ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَ لِرَهْطِكَ خَاصَّةً.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَيُّهَا الْمَلِكُ مِثْلُكَ مَنْ سَرَّ وَ بَرَّ فَمَا هُوَ.
قَالَ إِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ غُلَامٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ وَ كَذَلِكَ وَ لِوُلْدِكَ بِهِ الرِّعَايَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ أَوْ قَدْ وُلِدَ وَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَمُوتُ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ وَ يَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَ عَمُّهُ وَ قَدْ وُلِدَ سِرَاراً وَ اللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَاراً وَ جَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَاراً يُعِزُّ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ وَ يُذِلُّ بِهِ أَعْدَاءَهُ يَكْسِرُ الْأَوْثَانَ وَ يُخْمِدُ النِّيرَانَ وَ يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ وَ يَدْحَرُ الشَّيْطَانَ قَوْلُهُ فَصْلٌ وَ حُكْمُهُ عَدْلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَفْعَلُهُ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُبْطِلُهُ.
وَ إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَدُّهُ غَيْرُ كَذِبٍ فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِداً لِلَّهِ.
فَقَالَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئاً مِمَّا ذَكَرْتُهُ.
قَالَ كَانَ لِيَ ابْنٌ وَ كُنْتُ بِهِ مُعْجَباً فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً مِنْ قَوْمِي فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّداً مَاتَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ وَ كَفَلْتُهُ أَنَا وَ عَمُّهُ.
فَقَالَ الْمَلِكُ فَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ وَ اطْوِ مَا ذَكَرْتُ دُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَكَ
1073
فَلَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ فَيَطْلُبُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ وَ يَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ وَ هُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ وَ لَوْ لَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي لَصِرْتُ بِيَثْرِبَ دَارِ مُلْكِهِ نُصْرَةً لَهُ وَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ بِهَا وَ هِيَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ
الخبر إلى آخره قد مضى شيء منه فصل
وَ كَانَ تُبَّعٌ الْمَلِكُ مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ النَّبِيَّ(ص)وَ انْتَظَرَ خُرُوجَهُ وَ قَالَ سَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ يَعْنِي مَكَّةَ نَبِيٌّ يَكُونُ مُهَاجَرُهُ يَثْرِبَ فَأَخَذَ قَوْماً مِنَ الْيَمَنِ فَأَنْزَلَهُمْ مَعَ الْيَهُودِ لِيَنْصُرُوهُ إِذَا خَرَجَ.
1074
و قال ابن عباس لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما.
- وَ رَوَى لَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ جَعْفَرٍ الدُّورْيَسْتِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ بَابَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ إِنَّ تُبَّعاً قَالَ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ كُونُوا هَاهُنَا حَتَّى يَخْرُجَ هَذَا النَّبِيُّ أَمَّا أَنَا لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وَ لَخَرَجْتُ مَعَهُ
و قد مضى شيء من دلائله و معجزاته(ع)في حديث تبع فصل و كان أبو طالب و أبوه عبد المطلب من أعرف العلماء و أعلمهم بشأن النبي(ص)و كانا يكتمان الإيمان به عن الجهال و أهل الكفر و الضلال.
قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْلِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)يَقُولُ
1075
وَ اللَّهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَ لَا جَدِّي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ لَا هَاشِمٌ وَ لَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ قِيلَ وَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسِّكِينَ بِهِ.
وَ قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ نَفِيسٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مَا مَعْنَى قَوْلِ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ(ص)إِنَّ عَمَّكَ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَسْلَمَ بِحِسَابِ الْجُمَّلِ وَ عَقَدَ بِيَدِهِ ثَلَاثاً وَ سِتِّينَ.
1078
فَقَالَ عَنَى بِذَلِكَ إِلَهٌ أَحَدٌ جَوَادٌ.
و تفسير ذلك أن الألف واحد و اللام ثلاثون و الهاء خمسة و الألف واحد و الحاء ثمانية و الدال أربعة و الجيم ثلاثة و الواو ستة و الألف واحد و الدال أربعة فذلك ثلاثة و ستون.
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ أَسَرَّ الْإِيمَانَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ اخْرُجْ مِنْهَا يَعْنِي مَكَّةَ فَلَيْسَ لَكَ بِهَا نَاصِرٌ فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ إِنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ لِسَلْمَانَ أَ لَا تُخْبِرُنَا بِبَدْءِ أَمْرِكَ قَالَ أَنَا كُنْتُ مِنْ أَهْلِ شِيرَازَ وَ كُنْتُ عَزِيزاً عَلَى وَالِدِي بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ مَعَهُ فِي عِيدٍ لَهُمْ إِذَا أَنَا بِصَوْمَعَةٍ فَإِذَا رَجُلٌ مِنْهَا يُنَادِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَ أَنَّ مُحَمَّداً حَبِيبُ اللَّهِ فَوَقَعَ حُبُّ مُحَمَّدٍ فِي لَحْمِي وَ دَمِي
1079
فَقَالَ لِي أَبِي مَا لَكَ لَا تَسْجُدُ لِمَطْلَعِ الشَّمْسِ فَكَابَرْتُهُ حَتَّى سَكَتَ فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي إِذَا أَنَا بِكِتَابٍ مُعَلَّقٍ فِي السَّقْفِ فَقُلْتُ لِأُمِّي مَا هَذَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ يَا رُوزْبِهُ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِيدِنَا رَأَيْنَاهُ مُعَلَّقاً فَلَا تَقْرَبْ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِنَّكَ إِنْ قَرِبْتَهُ قَتَلَكَ أَبُوكَ قَالَ فَجَاهَدْتُهَا حَتَّى جُنَّ اللَّيْلُ وَ نَامَ أَبِي وَ أُمِّي فَقُمْتُ وَ أَخَذْتُ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ بسم الله الرحمن الرحيم هَذَا عَهْدٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى آدَمَ أَنَّهُ خَالِقٌ مِنْ صُلْبِهِ نَبِيّاً يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ يَا رُوزْبِهُ ائْتِ وَصِيَّ وَصِيِّ عِيسَى فَاخْدِمْهُ فَهُوَ يُرْشِدُكَ إِلَى مُرَادِكَ
1080
فَصَعِقْتُ صَعْقَةً فَعَلِمَ أَبَوَايَ بِذَلِكَ فَجَعَلُونِي فِي بِئْرٍ وَ قَالُوا إِنْ رَجَعْتَ وَ إِلَّا قَتَلْنَاكَ فَقُلْتُ افْعَلُوا بِي مَا شِئْتُمْ حُبُّ مُحَمَّدٍ لَا يَذْهَبُ مِنْ صَدْرِي قَالَ وَ كُنْتُ لَا أَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَ لَقَدْ فَهَّمَنِيَ اللَّهُ الْعَرَبِيَّةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ كَانُوا يُنْزِلُونَ عَلَيَّ قُرْصاً صِغَاراً فَلَمَّا طَالَ أَمْرِي فِي الْبِئْرِ رَفَعْتُ يَدَيَّ إِلَى السَّمَاءِ وَ قُلْتُ يَا رَبِّ إِنَّكَ حَبَّبْتَ مُحَمَّداً وَ وَصِيَّهُ إِلَيَّ فَبِحَقِّ وَسِيلَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي فَأَتَانِي آتٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَقَالَ قُمْ يَا رُوزْبِهُ فَأَخَذَ بِيَدِي وَ أَتَى بِي إِلَى الصَّوْمَعَةِ وَ صَعِدْتُهَا فَقَالَ الدَّيْرَانِيُّ أَنْتَ رُوزْبِهُ قُلْتُ نَعَمْ وَ أَقَمْتُ عِنْدَهُ وَ خَدَمْتُهُ حَوْلَيْنِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَلَّنِي عَلَى رَاهِبٍ بِأَنْطَاكِيَةَ وَ نَاوَلَنِي لَوْحاً فِيهِ صِفَاتُ مُحَمَّدٍ(ص)فَلَمَّا أَتَيْتُ رَاهِبَ أَنْطَاكِيَةَ وَ صَعِدْتُ صَوْمَعَتَهُ قَالَ أَنْتَ رُوزْبِهُ قُلْتُ نَعَمْ فَرَحَّبَ بِي وَ خَدَمْتُهُ حَوْلَيْنِ أَيْضاً وَ عَرَّفَنِي بِصِفَاتِ مُحَمَّدٍ وَ وَصِيِّهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِي يَا رُوزْبِهُ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ حَانَ خُرُوجُهُ فَخَرَجْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ قَوْمٍ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحِجَازِ فَصِرْتُ أَخْدُمُهُمْ فَقَتَلُوا شَاةً
1081
بِالضَّرْبِ وَ شَوَوْا وَ أَحْضَرُوا الْخَمْرَ وَ قَالُوا لِي كُلْ وَ اشْرَبْ فَامْتَنَعْتُ فَأَرَادُوا قَتْلِي فَقُلْتُ لَا تَقْتُلُونِي أُقِرُّ لَكُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ فَبَاعُونِي مِنْ يَهُودِيٍّ فَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِي فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَقَالَ إِنِّي أُبْغِضُكَ وَ أُبْغِضُ مُحَمَّداً فَأَخْرَجَنِي إِلَى خَارِجِ دَارِهِ وَ إِذَا رَمْلٌ كَثِيرٌ عَلَى بَابِهِ فَقَالَ إِنْ أَصْبَحْتُ وَ لَمْ تَنْقُلْ هَذَا الرَّمْلَ كُلَّهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لَأَقْتُلَنَّكَ فَجَعَلْتُ أَحْمِلُ طُولَ لَيْلَتِي فَلَمَّا تَعِبْتُ وَ لَمْ أَنْقُلْ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلَ فَقُلْتُ يَا رَبِّ إِنَّكَ حَبَّبْتَ مُحَمَّداً وَ وَصِيَّهُ إِلَيَّ فَبِحَقِّ وَسِيلَتِهِ أَرِحْنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحاً قَلَعَتْ ذَلِكَ الرَّمْلَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قَالَ الْيَهُودِيُّ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لِي إِنَّكَ سَاحِرٌ لَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِئَلَّا تُهْلِكَنَا فَأَخْرَجَنِي فَبَاعَنِي مِنِ امْرَأَةٍ سَلِيمَةٍ فَأَحَبَّتْنِي وَ كَانَ لَهَا حَائِطٌ فَجَعَلَتْنِي فِيهِ فَقَالَتْ كُلْ مِنْهُ وَ هَبْ وَ تَصَدَّقْ فَبَيْنَا أَنَا فِي الْحَائِطِ يَوْماً إِذَا أَنَا بِسَبْعَةِ رَهْطٍ قَدْ أَقْبَلُوا تُظِلُّهُمْ غَمَامَةٌ تَسِيرُ مَعَهُمْ قُلْتُ إِنَّ فِيهِمْ نَبِيّاً
الخبر بتمامه قد مضى
1082
فصل: و إن قس بن ساعدة الأيادي أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية عاش ستمائة سنة و كان يعرف النبي باسمه و نسبه و يبشر الناس بخروجه و كان يستعمل التقية و من شجون الحديث
أَنَّهُ كَانَ النَّبِيُّ(ص)يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ قَاعِداً بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَفْدٌ قَالَ مَنِ الْقَوْمُ قَالُوا وَفْدُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ فَهَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ مِنْ خَبَرِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ قَالُوا مَاتَ فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ قُسّاً يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ
وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ قَالَ لَهُ
1083
أَ مَا نَفَعَكَ وَصِيَّةُ أَبِي حَوَّاسٍ الْحِبْرِ الَّذِي أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ قَالَ تَرَكْتُ الْخَمْرَ وَ الْخَمِيرَ وَ الْحَمْدَ وَ جِئْتُ إِلَى الْبُؤْسِ وَ التُّمُورِ لِنَبِيٍّ يُبْعَثُ هَذَا أَوَانُ خُرُوجِهِ يَكُونُ مَخْرَجُهُ بِمَكَّةَ وَ يَثْرِبُ دَارُ هِجْرَتِهِ وَ هُوَ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ يَجْتَزِي بِالتَّمَرَاتِ وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ وَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ مُنْقَطَعَ الْخُفِّ وَ الْحَافِرِ قَالَ كَعْبٌ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ وَ لَوْ لَا أَنَّ الْيَهُودَ تُعَيِّرُنِي أَنِّي خِفْتُ عِنْدَ التَّقْتِيلِ لَآمَنْتُ بِكَ وَ صَدَّقْتُكَ وَ لَكِنِّي عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ
وَ أَتَى النَّبِيَّ يَهُودِيٌّ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إِلَّا وَ كَانَ لَهُ هَامَانُ فَمَنْ هَامَانُكَ قَالَ إِذَا أَرَيْتُكَهُ تُسْلِمُ قَالَ نَعَمْ
1084
قَالَ إِنَّ فِيهِ عَشْرَ عَلَامَاتٍ أَدْلَمُ أَكْشَفُ أَجْلَحُ أَحْوَلُ أَقْبَلُ أَعْسَرُ أَيْسَرُ أَفْحَجُ أَقْصَى فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ هُوَ ذَا قَالَ لَا فَدَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ هُوَ ذَا فَقَالَ نَعَمْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ تَاجِراً سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرِّ وَ كُنْتُ أَقُولُ أَنْ لَا أُخَلِّفَ مُحَمَّداً فَقِيلَ لِي غُلَامٌ صَغِيرٌ فِي
1085
حَرٍّ مِثْلِ هَذَا فَقُلْتُ يَكُونُ مَعِي أَرْوَحُ لِخَاطِرِي فَحَشَوْتُ لَهُ حَشِيَّةً وَ اسْتَأْجَرْتُ لَهُ نَاقَةً وَ أَرْكَبْتُهُ.
وَ كُنَّا رُكْبَاناً كَثِيراً فَكَانَ الْبَعِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ(ص)أَمَامِي لَا يُفَارِقُنِي وَ كَانَ يَسْبِقُ الرَّكْبَ كُلَّهُمْ وَ كَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَتَتْهُ سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ مِثْلُ قِطْعَةِ ثَلْجٍ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَ تَقِفُ عَلَى رَأْسِهِ لَا تُفَارِقُهُ.
وَ كَانَتْ رُبَّمَا أَمْطَرَتْ عَلَيْنَا السَّحَابَةُ أَنْوَاعَ الْفَوَاكِهِ وَ هِيَ تَسِيرُ مَعَنَا.
وَ قَدْ ضَاقَ الْمَاءُ أَبَداً فِي طَرِيقِنَا مِنْ قَبْلُ حَتَّى كُنَّا لَا نَجِدُ قِرْبَةً إِلَّا بِدِينَارَيْنِ فَحَيْثُمَا نَزَلْنَا فِي هَذَا السَّفَرِ تَمْتَلِئُ الْحِيَاضُ وَ يَكْثُرُ الْمَاءُ وَ تَخْضَرُّ الْأَرْضُ فَكُنَّا فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي خِصْبٍ وَ طِيبٍ مِنَ الْخَيْرِ.
وَ كَانَ مَعَنَا قَوْمٌ قَدْ وَقَفَتْ جِمَالُهُمْ فَمَشَى إِلَيْهَا مُحَمَّدٌ(ص)وَ مَسَحَ عَلَيْهَا فَسَارَتْ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ بُصْرَى إِذَا نَحْنُ بِصَوْمَعَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ تَمْشِي كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ السَّرِيعَةُ حَتَّى إِذَا قَرُبَتْ مِنَّا وَقَفَتْ فَإِذَا فِيهَا رَاهِبٌ وَ كَانَتِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُ مُحَمَّداً(ص)سَاعَةً وَاحِدَةً.
وَ كَانَ الرَّاهِبُ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَ لَا يَدْرِي مَا الرَّكْبُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى مُحَمَّدٍ ص
1086
عَرَفَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ فَأَنْتَ أَنْتَ فَنَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الرَّاهِبِ وَ كَانَتْ يَابِسَةً قَلِيلَةَ الْأَغْصَانِ لَيْسَ لَهَا حَمْلٌ.
فَلَمَّا نَزَلَ تَحْتَهَا مُحَمَّدٌ(ص)اهْتَزَّتِ الشَّجَرَةُ وَ أَلْقَتْ أَغْصَانَهَا عَلَى مُحَمَّدٍ(ص)وَ حَمَلَتْ مِنْ حِينِهَا ثَلَاثَةَ أَلْوَانٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ فَاكِهَتَانِ لِلصَّيْفِ وَ فَاكِهَةٌ لِلشِّتَاءِ فَتَعَجَّبَ جَمِيعُ مَنْ مَعَنَا مِنْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا رَأَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ ذَهَبَ فَأَعَدَّ طَعَاماً لِمُحَمَّدٍ(ص)بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ جَاءَ وَ قَالَ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا الْغُلَامِ قُلْتُ أَنَا قَالَ أَيَّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنْهُ.
قُلْتُ عَمَّهُ قَالَ يَا هَذَا لَهُ أَعْمَامٌ فَأَيُّ الْأَعْمَامِ أَنْتَ.
قُلْتُ أَنَا أَخُو أَبِيهِ مِنْ أَبٍ وَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ.
فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ وَ إِلَّا فَلَسْتُ بَحِيرَاءَ.
ثُمَّ قَالَ لِي أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أُقَرِّبَ هَذَا الطَّعَامَ مِنْهُ قُلْتُ قَرِّبْهُ إِلَيْهِ.
فَالْتَفَتُّ إِلَى مُحَمَّدٍ(ص)فَقُلْتُ رَجُلٌ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَكَ فَكُلْ.
قَالَ هُوَ لِي دُونَ أَصْحَابِي فَقَالَ بَحِيرَاءُ نَعَمْ هُوَ لَكَ خَاصَّةً.
فَقَالَ مُحَمَّدٌ(ص)إِنِّي لَا آكُلُ دُونَ هَؤُلَاءِ.
فَقَالَ بَحِيرَاءُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
فَقَالَ أَ فَتَأْذَنُ يَا بَحِيرَاءُ أَنْ يَأْكُلُوا مَعِي فَقَالَ بَلَى.
فَقَالَ كُلُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَأَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَتَّى شَبِعَ وَ بَحِيرَاءُ قَائِمٌ
1087
عَلَى رَأْسِهِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَ يَافُوخَهُ وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ وَ رَبِّ الْمَسِيحِ وَ النَّاسُ لَا يَفْهَمُونَ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الرَّكْبِ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ وَ لَا تَفْعَلُ بِنَا هَذَا الْبِرَّ.
فَقَالَ بَحِيرَاءُ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ هَذَا الْغُلَامُ لَوْ تَعْلَمُونَ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ لَحَمَلْتُمُوهُ عَلَى أَعْنَاقِكُمْ حَتَّى تَرُدُّوهُ إِلَى وَطَنِهِ.
وَ لَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ وَ قَدْ أَقْبَلَ نُوراً أَمَامَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.
وَ لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا فِي أَيْدِيهِمْ مَرَاوِحُ الْيَاقُوتِ وَ الزَّبَرْجَدِ يُرَوِّحُونَهُ وَ آخَرِينَ يَنْثُرُونَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْفَوَاكِهِ.
ثُمَّ هَذِهِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُهُ ثُمَّ صَوْمَعَتِي مَشَتْ إِلَيْهِ كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ عَلَى رِجْلِهَا وَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ لَمْ تَزَلْ يَابِسَةً قَلِيلَةَ الْأَغْصَانِ وَ قَدْ كَثُرَتْ أَغْصَانُهَا وَ اهْتَزَّتْ وَ حَمَلَتْ ثُمَّ هَذِهِ الْحِيَاضُ الَّتِي غَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا أَيَّاماً مُنْذُ الْحَوَارِيِّينَ حِينَ وَرَدُوا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعَصَوْا.
فَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ شَمْعُونَ الصَّفَا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِمْ فَغَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا.
ثُمَّ قَالَ إِذَا مَا رَأَيْتُمْ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْحِيَاضِ الْمَاءُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ نَبِيٍّ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ تِهَامَةَ مُهَاجَرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ الْأَمِينُ وَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وَ هُوَ مِنْ عِتْرَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ.
1088
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَرَادَ بَحِيرَاءُ أَنْ يُفَارِقَ مُحَمَّداً بَكَى بُكَاءً شَدِيداً فَأَخَذَ يَقُولُ يَا ابْنَ آمِنَةَ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ رَمَاكَ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدٍ بِوَتَرِهَا وَ قَدْ قَطَعَكَ الْأَقَارِبُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَمَّ مُحَمَّدٍ فَارْعَ فِيهِ قَرَابَتَكَ الْمَوْصُولَةَ وَ احْفَظْ فِيهِ وَصِيَّةَ أَبِيكَ وَ إِنَّ قُرَيْشاً سَتَهْجُرُ بِكَ فِيهِ فَلَا تُبَالِي وَ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ ظَاهِراً.
وَ لَكِنْ يُؤْمِنُ بِهِ ظَاهِراً وَلَدٌ تَلِدُهُ وَ سيَنَصْرُهُ نَصْراً عَزِيزاً اسْمُهُ فِي السَّمَاوَاتِ الْبَطَلُ الْمَاضِي وَ الشُّجَاعُ الْأَنْزَعُ أَبُو الْفَرْخَيْنِ الْمُسْتَشْهَدَيْنِ وَ هُوَ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ رُبَّانُهَا وَ ذُو قَرْنَيْهَا وَ هُوَ فِي الْكُتُبِ أَعْرَفُ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى ع.
1089
ثُمَّ قَالَ بَحِيرَاءُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَطْيَبَكَ وَ أَطْيَبَ رِيحَكَ يَا أَكْثَرَ النَّبِيِّينَ أَتْبَاعاً يَا مَنْ بَهَاءُ نُورِ الدُّنْيَا مِنْ نُورِهِ يَا مَنْ بِذِكْرِهِ تُعْمَرُ الْمَسَاجِدُ كَأَنِّي بِكَ قَدْ قُدْتَ الْأَجْنَابَ وَ الْخَيْلَ وَ قَدْ تَبِعَكَ الْعَرَبُ وَ الْعَجَمُ طَوْعاً وَ كَرْهاً.
كَأَنِّي بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى قَدْ كَسَرْتَهُمَا وَ قَدْ صَارَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ تَضَعُ مَفَاتِيحَهُ حَيْثُ تُرِيدُ كَمْ مِنْ بَطَلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْعَرَبِ تَصْرَعُهُ مَعَكَ مَفَاتِيحُ الْجِنَانِ وَ النِّيرَانِ مَعَكَ الذَّبْحُ الْأَكْبَرُ وَ هَلَاكُ الْأَصْنَامِ.
أَنْتَ الَّذِي لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَدْخُلَ الْمُلُوكُ كُلُّهَا فِي دِينِكَ صَاغِرَةً قَمِئَةً.
فَلَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُ وَجْهَهُ مَرَّةً وَ يَدَيْهِ مَرَّةً وَ يَقُولُ لَئِنْ أَدْرَكْتُ زَمَانَكَ لَأَضْرِبَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ أَنْتَ وَ اللَّهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ.
وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَحِكَتِ الْأَرْضُ يَوْمَ وُلِدْتَ فَهِيَ ضَاحِكَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَرَحاً بِكَ.
وَ اللَّهِ لَقَدْ بَكَتِ الْبِيَعُ وَ الْأَصْنَامُ وَ الشَّيَاطِينُ فَهِيَ بَاكِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَنْتَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَ بُشْرَى عِيسَى أَنْتَ الْمُقَدَّسُ الْمُطَهَّرُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ وَ إِنِّي أَرَى أَنْ تَرُدَّهُ إِلَى بَلَدِهِ فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ يَهُودِيٌّ وَ لَا نَصْرَانِيٌّ وَ صَاحِبُ كِتَابٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ بِمَوْلِدِ هَذَا الْغُلَامِ وَ لَوْ رَأَوْهُ لَابْتَغَوْهُ بِشَرٍّ
1090
وَ أَكْثَرُ أَعْدَائِهِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ.
قُلْتُ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذِهِ النُّبُوَّةُ وَ الرِّسَالَةُ وَ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَ عِيسَى ع.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ فَخَرَجْنَا إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهَا رَأَيْتُ وَ اللَّهِ قُصُورَ الشَّامَاتِ كُلَّهَا قَدِ اهْتَزَّتْ وَ عَلَا مِنْهَا نُورٌ أَعْظَمُ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ ذَهَبَ الْخَبَرُ فِي جَمِيعِ الشَّامَاتِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِيهَا حِبْرٌ وَ لَا رَاهِبٌ إِلَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ.
فَجَاءَ حِبْرٌ عَظِيمٌ كَانَ اسْمُهُ نسطورا [نَسْطُورَ فَجَلَسَ بِحِذَائِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ فَدَارَ خَلْفَهُ كَأَنَّهُ يَلْتَمِسُ مِنْهُ شَيْئاً فَقَالَ لِي مَا اسْمُهُ فَقُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَغَيَّرَ وَ اللَّهِ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ فَتَرَى أَنْ تَأْمُرَهُ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ ظَهْرِهِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَكَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَلَمَّا رَأَى الْخَاتَمَ انْكَبَّ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَ يَبْكِي ثُمَّ قَالَ يَا هَذَا أَسْرِعْ مِنْ رَدِّ هَذَا الْغُلَامِ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ فَإِنَّكَ لَوْ تَدْرِي كَمْ عَدُوٍّ لَهُ فِي أَرْضِنَا لَمْ تَكُنْ بِالَّذِي تُقَدِّمُهُ مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ الطَّعَامَ.
فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْهَا أَتَاهُ بِقَمِيصٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ تَرَى أَنْ يَلْبَسَ هَذَا الْقَمِيصَ وَ يَذْكُرَنِي بِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَ رَأَيْتُهُ كَارِهاً لِذَلِكَ فَأَخَذْتُ أَنَا الْقَمِيصَ مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَمَّ
1091
وَ قُلْتُ أَنَا أَلْبَسُهُ وَ عَجَّلْتُ بِهِ حَتَّى رَدَدْتُهُ إِلَى مَكَّةَ فَوَ اللَّهِ مَا بَقِيَ بِمَكَّةَ امْرَأَةٌ وَ لَا كَهْلٌ وَ لَا شَابٌّ وَ لَا صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ إِلَّا اسْتَقْبَلُوهُ شَوْقاً إِلَيْهِ مَا خَلَا أَبَا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ ثَمِلَ مِنَ السُّكْرِ
. و قد مضى من هذا الحديث شيء لم نعده هنا فصل
وَ عَنْ يَعْلَى النَّسَّابَةِ قَالَ خَرَجَ خَالِدُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ وَ طَلِيقُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ تُجَّاراً سَنَةَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ إِلَى الشَّامِ وَ كَانَا يَحْكِيَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا فِي مَسِيرِهِ وَ رُكُوبِهِ مَا يَصْنَعُ الْوَحْشُ وَ الطَّيْرُ مَعَهُ.
قَالا وَ لَمَّا تَوَسَّطْنَا سُوقَ بُصْرَى إِذَا نَحْنُ بِقَوْمٍ مِنَ الرُّهْبَانِ قَدْ جَاءُوا مُتَغَيِّرِي الْأَلْوَانِ نَرَى مِنْهُمُ الرِّعْدَةَ كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمُ الزَّعْفَرَانَ.
فَقَالُوا نُحِبُّ أَنْ تَأْتُوا كَبِيرَنَا فَإِنَّهُ هَاهُنَا قَرِيبٌ فِي الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى
1092
فَقُلْنَا مَا لَنَا وَ لَكُمْ فَقَالُوا لَيْسَ يَضُرُّكُمُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَ لَعَلَّنَا نُكْرِمُكُمْ فَظَنُّوا أَنَّ وَاحِداً مِنَّا مُحَمَّدٌ(ص)فَذَهَبْنَا مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلْنَا مَعَهُمُ الْكَنِيسَةَ الْعَظِيمَةَ الْبُنْيَانِ فَإِذَا كَبِيرُهُمْ قَدْ تَوَسَّطَهُمْ وَ حَوْلَهُ تَلَامِذَتُهُ وَ قَدْ نَشَرَ كِتَاباً فِي يَدَيْهِ فَأَخَذَ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مَرَّةً وَ فِي الْكِتَابِ أُخْرَى ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مَا صَنَعْتُمْ شَيْئاً لَمْ تَأْتُونِي بِالَّذِي أُرِيدُ وَ هُوَ الْآنَ هَاهُنَا.
ثُمَّ قَالَ لَنَا مَنْ أَنْتُمْ قُلْنَا رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ قُلْنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ قَالَ أَ غَيْرُكُمْ مَعَكُمْ قُلْنَا بَلَى شَخْصٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ نُسَمِّيهِ يَتِيمَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ نَخَرَ نَخْرَةً كَادَ أَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ ثُمَّ وَثَبَ قَائِماً فَقَالَ أَرُوهُ لِي هَلَكَتِ النَّصْرَانِيَّةُ وَ الْمَسِيحِ.
ثُمَّ قَامَ وَ اتَّكَأَ عَلَى صَلِيبٍ مِنْ صُلْبَانِهِ وَ هُوَ يُفَكِّرُ وَ حَوْلَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ الْبَطَارِقَةِ وَ التَّلَامِذَةِ فَقَالَ لَنَا فَبِحَقِّهِ عَلَيْكُمْ أَنْ تُرُونِيهِ.
فَقُلْنَا نَعَمْ فَجَاءَ مَعَنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمُحَمَّدٍ قَائِمٌ فِي سُوقِ بُصْرَى وَ اللَّهِ لَكَأَنَّا لَمْ نَرَ وَجْهَهُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ كَأَنَّ هِلَالًا يَتَلَأْلَأُ مِنْ وَجْهِهِ وَ قَدِ اشْتَرَى الْكَثِيرَ وَ رَبِحَ الْكَثِيرَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَقُولَ لِلْقُسِّ هُوَ هَذَا فَإِذَا هُوَ قَدْ سَبَقَنَا فَقَالَ
1093
هُوَ هُوَ قَدْ عَرَفْتُهُ وَ الْمَسِيحِ.
فَدَنَا مِنْهُ وَ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ الْمُقَدَّسُ ثُمَّ أَخَذَ يُسَائِلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ عَلَامَاتِهِ ثُمَّ كَانَ يَقُولُ لَوْ أَدْرَكْتُ زَمَانَكَ لَأَعْطَيْتُ السَّيْفَ حَقَّهُ.
ثُمَّ قَالَ لَنَا أَ تَعْلَمُونَ مَا مَعَهُ قُلْنَا اللَّهُمَّ لَا.
فَقَالَ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَ الْمَوْتُ وَ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَيِيَ حَيَاةً طَوِيلَةً وَ مَنْ زَاغَ عَنْهُ مَاتَ مَوْتاً لَا يَحْيَى بَعْدَهُ أَبَداً مَعَهُ الذَّبْحُ الْأَعْظَمُ ثُمَّ قَبَّلَ وَجْهَهُ وَ رَجَعَ رَاجِعاً
فصل:
وَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ آبَائِهِ قَالَ خَرَجَ سَنَةَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى الشَّامِ عَبْدُ مَنَاةَ بْنُ كِنَانَةَ وَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَيْضاً فَلَقِيَهُمَا أَبُو الْمُوَيْهِبِ الرَّاهِبُ فَقَالَ لَهُمَا مَنْ أَنْتُمَا
1094
قَالا نَحْنُ تُجَّارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ.
قَالَ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ لَهُمَا هَلْ قَدِمَ مَعَكُمَا مِنْ قُرَيْشٍ أَحَدٌ غَيْرُكُمَا قَالا نَعَمْ شَابٌّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ.
فَقَالَ أَبُو الْمُوَيْهِبِ إِيَّاهُ وَ اللَّهِ أَرَدْتُ.
فَقَالا وَ اللَّهِ مَا فِي قُرَيْشٍ أَخْمَلُ ذِكْراً مِنْهُ إِنَّمَا يُسَمُّونَهُ بِيَتِيمِ قُرَيْشٍ وَ هُوَ أَجِيرٌ لِامْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا خَدِيجَةُ مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ.
فَأَخَذَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ فَقَالَ لَهُمَا تَدُلَّانِّي عَلَيْهِ.
فَقَالا تَرَكْنَاهُ فِي سُوقِ بُصْرَى فَبَيْنَا هُمْ فِي الْكَلَامِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ(ص)فَقَالَ هُوَ هُوَ فَخَلَا بِهِ سَاعَةً يُنَاجِيهِ وَ يُكَلِّمُهُ ثُمَّ أَخَذَ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ أَخْرَجَ شَيْئاً مِنْ كُمِّهِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَ مُحَمَّدٌ(ص)يَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ.
فَلَمَّا فَارَقَهُ قَالَ لَنَا تسمعا [تَسْمَعَانِ مِنِّي هَذَا وَ اللَّهِ نَبِيُّ هَذَا الزَّمَانِ فَسَيَخْرُجُ إِلَى قَرِيبٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ.
ثُمَّ قَالَ لَنَا هَلْ وُلِدَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَلَدٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ فَقُلْنَا لَا.
قَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ أَوْ يُولَدُ فِي سَنَتِهِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ نَعْرِفُهُ.
إِنَّا لَنَجِدُ صِفَتَهُ عِنْدَنَا بِالْوَصِيَّةِ كَمَا نَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ.
وَ إِنَّهُ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ رُبَّانُهَا يُعْطِي السَّيْفَ حَقَّهُ اسْمُهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلِيٌّ هُوَ أَعْلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ذِكْراً وَ تُسَمِّيهِ الْمَلَائِكَةُ الْبَطَلَ الْأَزْهَرَ
1095
الْمُفْلِحَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى وَجْهٍ إِلَّا أَفْلَحَ وَ ظَفِرَ وَ اللَّهِ لَهُوَ أَعْرَفُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ
باب العلامات السارة الدالة على صاحب الزمان حجة الرحمن (صلوات الله عليه) ما دار فلك و ما سبح ملك
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ بَابَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ النَّوْفَلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقَصَبَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَارِسِيُّ الْمُلَقَّبُ بِابْنِ أَفْرِيسُونَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بِلَالٍ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا الْأَزْهَرُ بْنُ مَسْرُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ غَانِمَ بْنَ سَعِيدٍ الْهِنْدِيَّ بِالْكُوفَةِ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ فَلَمَّا طَالَتْ مُجَالَسَتِي إِيَّاهُ سَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ وَ قَدْ كَانَ وَقَعَ إِلَيَّ شَيْءٌ مِنْ خَبَرِهِ.
1096
قَالَ كُنْتُ بِبَلَدِ الْهِنْدِ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا قِشْمِيرُ الدَّاخِلَةُ وَ نَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا نَقْعُدُ حَوْلَ كُرْسِيِّ الْمَلِكِ نَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ وَ يَفْزَعُ إِلَيْنَا فِي الْعِلْمِ فَتَذَاكَرْنَا مُحَمَّداً يَوْماً وَ قُلْنَا نَجِدْهُ فِي كُتُبِنَا فَاتَّفَقْنَا عَلَى الْخُرُوجِ فِي طَلَبِهِ وَ الْبَحْثِ عَنْهُ فَخَرَجْتُ وَ مَعِي مَالٌ فَقَطَعَ عَلَيَّ التُّرْكُ وَ سَلَخُونِي فَوَقَعْتُ إِلَى كَابُلَ.
وَ خَرَجْتُ مِنْ كَابُلَ إِلَى بَلْخٍ وَ الْأَمِيرُ بِهَا ابْنُ أَبِي شَمُّونٍ فَأَتَيْتُهُ وَ عَرَّفْتُهُ مَا خَرَجْتُ لَهُ فَجَمَعَ الْفُقَهَاءَ وَ الْعُلَمَاءَ لِمُنَاظَرَتِي.
فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ(ص)فَقَالُوا هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ قَدْ مَاتَ فَقُلْتُ مَنْ كَانَ خَلِيفَتَهُ فَقَالُوا أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ انْسُبُوهُ لِي فَنَسَبُوهُ إِلَى قُرَيْشٍ فَقُلْتُ لَيْسَ هَذَا بِنَبِيٍّ إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا خَلِيفَتُهُ ابْنُ عَمِّهِ وَ زَوْجُ
1097
ابْنَتِهِ وَ أَبُو وُلْدِهِ فَقَالُوا لِلْأَمِيرِ إِنَّ هَذَا قَدْ خَرَجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الْكُفْرِ وَ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ يُضْرَبُ عُنُقُهُ.
فَقُلْتُ لَهُمْ إِنِّي مُتَمَسِّكٌ بِدِينٍ لَا أَدَعُهُ إِلَّا بِبَيَانٍ فَدَعَا الْأَمِيرُ الْحُسَيْنَ بْنَ إِشْكِيبَ وَ قَالَ لَهُ يَا حُسَيْنُ نَاظِرِ الرَّجُلَ فَقَالَ حَوْلَكَ الْعُلَمَاءُ وَ الْفُقَهَاءُ فَأْمُرْهُمْ لِمُنَاظَرَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ نَاظِرْهُ كَمَا أَقُولُ لَكَ وَ اخْلُ بِهِ وَ الْطُفْ لَهُ.
قَالَ فَخَلَا بِيَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِشْكِيبَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ هُوَ كَمَا قَالُوهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ خَلِيفَتُهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ زَوْجُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ وَ أَبُو وَلَدَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ.
فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
فَصِرْتُ إِلَى الْأَمِيرِ فَأَسْلَمْتُ فَمَضَى بِي إِلَى الْحُسَيْنِ فَفَقَّهَنِي.
فَقُلْتُ لَهُ إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ لَا يَمْضِي خَلِيفَةٌ إِلَّا عَنْ خَلِيفَةٍ فَمَنْ كَانَ خَلِيفَةَ عَلِيٍّ فَقَالَ وَلَدُهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ سَمَّى الْأَئِمَّةَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ(ع)ثُمَّ قَالَ لِي تَحْتَاجُ أَنْ تَطْلُبَ خَلِيفَةَ الْحَسَنِ وَ تَسْأَلَ عَنْهُ فَخَرَجْتُ فِي الطَّلَبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ وَافَى مَعَنَا بَغْدَادَ وَ ذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ رَفِيقٌ قَدْ صَحِبَهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ فَكَرِهَ بَعْضَ أَخْلَاقِهِ فَفَارَقَهُ.
1098
قَالَ فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً وَ قَدْ تَمَسَّحْتُ فِي الصَّرَاةِ وَ أَنَا مُفَكِّرٌ فِيمَا خَرَجْتُ لَهُ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ أَجِبْ مَوْلَاكَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَرِقُ فِي الْمَجَالِ حَتَّى أَدْخَلَنِي دَاراً أَوْ بُسْتَاناً فَإِذَا مَوْلَايَ(ع)قَاعِدٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ كَلَّمَنِي بِالْهِنْدِيَّةِ وَ سَلَّمَ عَلَيَّ وَ أَخْبَرَنِي بِاسْمِي وَ سَأَلَنِي عَنِ الْأَرْبَعِينَ رَجُلًا بِأَسْمَائِهِمْ عَنِ اسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ.
ثُمَّ قَالَ لِي تُرِيدُ الْحَجَّ مَعَ أَهْلِ قُمَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَلَا تَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَ انْصَرِفْ إِلَى خُرَاسَانَ وَ حُجَّ مِنْ قَابِلٍ قَالَ وَ رَمَى إِلَيَّ بِصُرَّةٍ وَ قَالَ اجْعَلْ هَذِهِ فِي نَفَقَتِكَ وَ لَا تَدْخُلْ فِي بَغْدَادَ دَارَ أَحَدٍ وَ لَا تُخْبِرْ بِشَيْءٍ مِمَّا رَأَيْتَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فَانْصَرَفْنَا مِنَ الْعَقَبَةِ وَ لَمْ يُقْضَ لَنَا الْحَجُّ وَ خَرَجَ غَانِمٌ إِلَى خُرَاسَانَ وَ انْصَرَفَ مِنْ قَابِلٍ وَ حَجَّ فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِأَلْطَافٍ وَ لَمْ يَدْخُلْ قُمَّ وَ انْصَرَفَ إِلَى خُرَاسَانَ فَمَاتَ بِهَا (رَحِمَهُ اللَّهُ)
1099
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ مَدِينَةَ الرَّسُولِ(ص)فَبَحَثْتُ عَنْ أَخْبَارِ آلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَخِيرِ(ع)فَلَمْ أَقَعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا.
فَدَخَلْتُ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ مُسْتَبْحِثاً عَنْ ذَلِكَ فَبَيْنَا أَنَا فِي الطَّوَافِ إِذْ تَرَاءَى لِي فَتًى أَسْمَرُ اللَّوْنِ رَائِعُ الْحُسْنِ جَمِيلُ الْمَخِيلَةِ يُطِيلُ التَّوَسُّمَ فِيَّ فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ مُؤَمِّلًا عِرْفَانَ مَا قَصَدْتُ لَهُ فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ سَلَّمْتُ فَأَحْسَنَ الْإِجَابَةَ.
فَقَالَ مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ فَقُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ مِنْ أَيِّ الْعِرَاقِ قُلْتُ مِنَ الْأَهْوَازِ قَالَ مَرْحَباً بِلِقَائِكَ هَلْ تَعْرِفُ بِهَا جَعْفَرَ بْنَ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيَّ قُلْتُ دُعِيَ فَأَجَابَ قَالَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) هَلْ تَعْرِفُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مَهْزِيَارَ قُلْتُ أَنَا إِبْرَاهِيمُ
1100
فَعَانَقَنِي مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ لِي مَرْحَباً يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا فَعَلْتَ بِالْعَلَامَةِ الَّتِي وَشَجَتْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَبِي مُحَمَّدٍ ع.
فَقُلْتُ لَعَلَّكَ تُرِيدُ الْخَاتَمَ الَّذِي آثَرَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطَّيِّبِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ مَا أَرَدْتُ سِوَاهُ.
فَأَخْرَجْتُهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ اسْتَعْبَرَ وَ قَبَّلَهُ ثُمَّ قَرَأَ كِتَابَتَهُ فَكَانَتْ يَا اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ يَا عَلِيُّ ثُمَّ قَالَ بِأَبِي بَنَانٌ طَالَمَا جُلْتَ فِيهَا.
فَقُلْتُ لَهُ مَا تَوَخَّيْتُ بَعْدَ الْحَجِّ فَقَالَ لِي إِنِّي لَرَسُولُهُ إِلَيْكَ فَارْتَحِلْ إِلَى الطَّائِفِ وَ لْيَكُنْ ذَلِكَ فِي خُفْيَةٍ مِنْ رِجَالِكَ فَشَخَصْتُ مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ أَتَخَلَّلُ رَمْلَةً فَرَمْلَةً حَتَّى أَخَذَ فِي بَعْضِ مَخَارِجِ الْفَلَاةِ فَبَدَتْ لَنَا خَيْمَةُ شَعْرٍ تَتَلَأْلَأُ تِلْكَ الْبِقَاعُ مِنْهَا فَلَمَّا مُثِّلَ لِي مَوْلَايَ أَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أَلْثِمُ كُلَّ جَارِحَةٍ مِنْهُ فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ
1101
حِيناً ثُمَّ انْصَرَفْتُ
. و هذا مثل حكاية أخيه
عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ فَإِنَّهُ قَالَ حَجَجْتُ عِشْرِينَ حِجَّةً لِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي قَالَ قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَكَ فِي مُشَاهَدَتِهِ ع
تمام الخبر قد مضى
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الْأَدْيَانِ قَالَ كُنْتُ أَخْدُمُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيَّ(ع)وَ أَحْمِلُ كُتُبَهُ إِلَى الْأَمْصَارِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَ كَتَبَ مَعِي كُتُباً فَقَالَ امْضِ بِهَا إِلَى الْمَدَائِنِ فَإِنَّكَ سَتَغِيبُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً وَ تَدْخُلُ إِلَى سُرَّمَنْرَأَى يَوْمَ الْخَامِسَ عَشَرَ وَ تَسْمَعُ الْوَاعِيَةَ فِي دَارِي وَ تَجِدُنِي عَلَى الْمُغْتَسَلِ قَالَ أَبُو الْأَدْيَانِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ مَنْ طَالَبَكَ بِجَوَابَاتِ كُتُبِي فَهُوَ الْقَائِمُ بَعْدِي فَقُلْتُ زِدْنِي قَالَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ فَهُوَ الْقَائِمُ بَعْدِي فَقُلْتُ زِدْنِي قَالَ فَمَنْ خَبَّرَ بِمَا فِي الْهِمْيَانِ فَهُوَ الْقَائِمُ بَعْدِي فَمَنَعَتْنِي هَيْبَتُهُ أَنْ أَسْأَلَهُ مَا فِي الْهِمْيَانِ وَ خَرَجْتُ بِالْكُتُبِ إِلَى الْمَدَائِنِ
1102
وَ أَخَذْتُ جَوَابَاتِهَا وَ دَخَلْتُ سُرَّمَنْرَأَى يَوْمَ الْخَامِسَ عَشَرَ كَمَا قَالَ ع.
فَإِذَا أَنَا بِالْوَاعِيَةِ فِي دَارِهِ وَ إِذَا بِهِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ وَ إِذَا أَنَا بِجَعْفَرٍ الْكَذَّابِ أَخِيهِ بِبَابِ الدَّارِ وَ الشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ يُعَزُّونَهُ وَ يُهَنُّونَهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي إِنْ يَكُنْ هَذَا الْإِمَامَ فَقَدْ بَطَلَتِ الْإِمَامَةُ لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُهُ يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَ يُقَامِرُ فِي الْجَوْسَقِ وَ يَلْعَبُ بِالطُّنْبُورِ فَتَقَدَّمْتُ بَغْتَةً فَعَزَّيْتُ وَ هَنَّيْتُ فَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ.
ثُمَّ خَرَجَ عَقِيلٌ غُلَامُ الْعَسْكَرِيِّ فَقَالَ يَا سَيِّدِي قَدْ كُفِّنَ أَخُوكَ فَقُمْ فَصَلِّ عَلَيْهِ.
فَدَخَلَ جَعْفَرٌ وَ الشِّيعَةُ مِنْ حَوْلِهِ فَلَمَّا صِرْنَا فِي الدَّارِ إِذَا نَحْنُ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)عَلَى نَعْشِهِ مُكَفَّناً فَتَقَدَّمَ جَعْفَرٌ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا هَمَّ بِالتَّكْبِيرِ خَرَجَ صَبِيٌّ بِوَجْهِهِ سُمْرَةٌ بِشَعْرِهِ قَطَطٌ وَ بِأَسْنَانِهِ تَفَلُّجٌ فَجَذَبَ رِدَاءَ جَعْفَرٍ وَ قَالَ تَأَخَّرْ يَا عَمِّ فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَبِي فَتَأَخَّرَ جَعْفَرٌ وَ قَدِ ارْبَدَّ وَجْهُهُ فَتَقَدَّمَ الصَّبِيُّ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ دُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَبِيهِ.
1103
ثُمَّ قَالَ لِي يَا بَصْرِيُّ هَاتِ جَوَابَاتِ الْكُتُبِ الَّتِي مَعَكَ.
فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ عَلَامَتَانِ اثْنَتَانِ بَقِيَ الْهِمْيَانُ.
ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى جَعْفَرٍ وَ هُوَ يَزْفِرُ فَقَالَ لَهُ حَاجِزٌ الْوَشَّاءُ يَا سَيِّدِي مَنِ الصَّبِيُّ لِنُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ وَ لَا أَعْرِفُهُ.
فَنَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ قَدِمَ نَفَرٌ مِنْ قُمَّ فَسَأَلُوا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)فَعَرَفُوا مَوْتَهُ فَقَالُوا فَمَنْ بَعْدَهُ فَأَشَارَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ.
فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ عَزَّوْهُ وَ قَالُوا مَعَنَا كُتُبٌ وَ مَالٌ فَقُلْ لَنَا مِمَّنِ الْكُتُبُ وَ كَمِ الْمَالُ فَقَامَ جَعْفَرٌ يَنْفُضُ أَثْوَابَهُ وَ يَقُولُ يُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نَعْلَمَ الْغَيْبَ وَ خَرَجَ جَعْفَرٌ.
قَالَ فَجَاءَ الْخَادِمُ وَ قَالَ مَعَكُمْ كُتُبُ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ هِمْيَانٌ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ وَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فِيهَا مَطْلِيَّةٌ فَدَفَعُوا الْكُتُبَ وَ الْمَالَ وَ قَالُوا الَّذِي وَجَّهَ بِكَ لِأَخْذِ الْمَالِ هُوَ الْإِمَامُ فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْأَدْيَانِ فَعَلِمْتُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ(ع)مِنْ أَمْرِ الْهِمْيَانِ.
فَدَخَلَ جَعْفَرٌ الْكَذَّابُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَ كَشَفَ لَهُ وُجُودَ خَلَفِ الْحَسَنِ فَوَجَّهَ
1104
الْمُعْتَمَدُ بِخَدَمِهِ فَقَبَضُوا عَلَى صَيْقَلَ الْجَارِيَةِ وَ طَالَبُوهَا بِالصَّبِيِّ فَأَنْكَرَتْهُ وَ ادَّعَتْ حَبْلًا بِهَا لِتُغَطِّيَ حَالَ الصَّبِيِّ.
فَسُلِّمَتْ إِلَى ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ الْقَاضِي وَ بَلَغَهُمْ مَوْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ فَجْأَةً وَ خُرُوجُ صَاحِبِ الزِّنْجِ بِالْبَصْرَةِ فَشُغِلُوا بِذَلِكَ عَنِ الْجَارِيَةِ فَخَرَجَتْ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الْآبِيُّ الْعَرُوضِيُّ بِمَرْوَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سِنَانٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ(ع)وَفَدَ مِنَ الْجِبَالِ وَ مِنْ قُمَّ وُفُودٌ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّسْمِ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ الْحَسَنِ ع
1105
فَلَمَّا أَنْ وَصَلُوا إِلَى سُرَّمَنْرَأَى سَأَلُوا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ع.
فَقِيلَ لَهُمْ قَدْ فُقِدَ قَالُوا فَمَنْ وَارِثُهُ قَالُوا أَخُوهُ جَعْفَرٌ.
فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقِيلَ خَرَجَ مُتَنَزِّهاً وَ قَدْ رَكِبَ زَوْرَقاً فِي دِجْلَةَ لِيَشْرَبَ وَ مَعَهُ الْمُغَنُّونَ قَالَ فَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ وَ قَالُوا لَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْإِمَامِ.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ امْضِ بِنَا حَتَّى نَرُدَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إِلَى أَصْحَابِهَا.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُمِّيُّ قِفُوا بِنَا حَتَّى يَنْصَرِفَ هَذَا الرَّجُلُ وَ نَخْتَبِرُ أَمْرَهُ عَلَى صِحَّةٍ.
قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ دَخَلُوا إِلَيْهِ وَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا يَا سَيِّدَنَا نَحْنُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ كُنَّا نَحْمِلُ إِلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)الْأَمْوَالَ قَالَ وَ أَيْنَ هِيَ قَالُوا مَعَنَا قَالَ احْمِلُوهَا إِلَيَّ قَالُوا لَا إِنَّ لِهَذِهِ الْأَمْوَالِ خَبَراً طَرِيفاً قَالَ وَ مَا هُوَ.
قَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ تُجْمَعُ وَ يَكُونُ لَهَا مِنْ عَامَّةِ الشِّيعَةِ الدِّينَارُ وَ الدِّينَارَانِ وَ الثَّلَاثَةُ ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي كِيسٍ وَ يَخْتِمُونَ عَلَيْهِ وَ كُنَّا إِذَا وَرَدْنَا بِالْمَالِ إِلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ لَنَا جُمْلَةُ الْمَالِ كَذَا وَ كَذَا مِنْ عِنْدِ فُلَانٍ وَ كَذَا مِنْ عِنْدِ فُلَانٍ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى أَسْمَاءِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ يَقُولُ مَا عَلَى نَقْشِ الْخَاتَمِ.
فَقَالَ جَعْفَرٌ كَذَبْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى أَخِي مَا لَمْ يَفْعَلْهُ هَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ كَلَامَ جَعْفَرٍ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ لَهُمُ احْمِلُوا الْمَالَ إِلَيَّ قَالُوا إِنَّا قَوْمٌ مُسْتَأْجَرُونَ وُكَلَاءُ وَ إِنَّا لَا نُسَلِّمُ الْمَالَ إِلَّا بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي كُنَّا نَعْرِفُهَا مِنْ سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)فَإِنْ كُنْتَ الْإِمَامَ فَبَرْهِنْ لَنَا وَ إِلَّا رَدَدْنَاهُ
1106
إِلَى أَصْحَابِهِ يَرَوْنَ فِيهِ مَا يَرَوْنَهُ.
قَالَ فَدَخَلَ جَعْفَرٌ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَ كَانَ بِسُرَّمَنْرَأَى فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أُحْضِرُوا قَالَ الْخَلِيفَةُ احْمِلُوا هَذَا الْمَالَ إِلَى جَعْفَرٍ.
قَالُوا أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا قَوْمٌ مُسْتَأْجَرُونَ وُكَلَاءُ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ وَ هِيَ لِجَمَاعَةٍ وَ قَدْ أَمَرُونَا أَنْ لَا نُسَلِّمَهَا إِلَّا بِعَلَامَةٍ وَ دَلَالَةٍ وَ قَدْ جَرَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ ع.
فَقَالَ الْخَلِيفَةُ وَ مَا الْعَلَامَةُ وَ الدَّلَالَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ الْقَوْمُ كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ(ع)يَصِفُ الدَّنَانِيرَ وَ أَصْحَابَهَا وَ الْأَمْوَالَ وَ كَمْ هِيَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ وَ قَدْ وَفَدْنَا عَلَيْهِ مِرَاراً فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَتَنَا مَعَهُ وَ دَلَالَتَنَا وَ قَدْ مَاتَ فَإِنْ يَكُنْ هَذَا الرَّجُلُ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فَلْيَقُمْ بِمَا كَانَ يَقُومُ أَخُوهُ وَ إِلَّا رَدَدْنَاهَا إِلَى أَصْحَابِهَا.
فَقَالَ جَعْفَرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَذَّابُونَ يَكْذِبُونَ عَلَى أَخِي وَ هَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ الْقَوْمُ رُسُلٌ وَ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ.
قَالَ فَبُهِتَ جَعْفَرٌ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً فَقَالَ الْقَوْمُ يَتَطَوَّلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
1107
بِإِخْرَاجِ أَمْرِهِ إِلَى مَنْ يُبَدْرِقُ بِهَا حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ.
قَالَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنَقِيبٍ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا فَلَمَّا أَنْ خَرَجُوا مِنَ الْبَلَدِ وَ انْصَرَفَ النَّقِيبُ خَرَجَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً كَأَنَّهُ خَادِمٌ فَنَادَى يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ وَ يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَجِيبُوا مَوْلَاكُمْ.
قَالُوا أَنْتَ مَوْلَانَا قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنَا عَبْدُ مَوْلَاكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِ.
قَالُوا فَسِرْنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا دَارَ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)فَإِذَا وَ اللَّهِ الْقَائِمُ(ع)قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ.
ثُمَّ قَالَ جُمْلَةُ الْمَالِ كَذَا وَ كَذَا دِينَاراً حَمَلَ فُلَانٌ كَذَا وَ كَذَا لِفُلَانٍ وَ كَذَا لِفُلَانٍ وَ لَمْ يَزَلْ يَصِفُ حَتَّى وَصَفَ الْجَمِيعَ ثُمَّ وَصَفَ ثِيَابَنَا وَ رِحَالَنَا وَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الدَّوَابِّ وَ غَيْرِهَا فَخَرَرْنَا سُجَّداً لِلَّهِ وَ قَبَّلْنَا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
ثُمَّ سَأَلْنَاهُ عَمَّا أَرَدْنَا فَأَجَابَ فَحَمَلْنَا إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ فَأَمَرَنَا الْقَائِمُ(ع)أَنْ لَا نَحْمِلَ بَعْدَهَا إِلَى سُرَّمَنْرَأَى شَيْئاً مِنَ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَنْصِبُ لَنَا بِبَغْدَادَ رَجُلًا نَحْمِلُ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَ تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ التَّوْقِيعَاتُ.
قَالُوا فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَ دَفَعَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ الْقُمِّيُّ شَيْئاً مِنَ الْحَنُوطِ وَ الْكَفَنِ وَ قَالَ لَهُ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكَ فِي نَفْسِكَ.
1108
قَالُوا فَلَمَّا بَلَغَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَقَبَةَ هَمَدَانَ تُوُفِّيَ (رَحِمَهُ اللَّهُ)
. فصل: و كان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها و تخرج من عندهم التوقيعات أولهم وكيل أبي محمد(ع)الشيخ عثمان بن سعيد العمري.
ثم ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان.
ثم أبو القاسم الحسين بن روح ثم الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري.
ثم كانت الغيبة الطولى و كانوا كل واحد منهم يعرفون كمية المال جملة و تفصيلا و يسمون أربابها بإعلامهم ذلك من القائم ع.
و الخبر الذي ذكرناه آنفا يدل على أن خلفاء بني العباس خلفا عن سلف منذ عهد الصادق(ع)إلى ذلك الوقت كانوا يعرفون هذا الأمر و يطلعون على
1109
أحوال أئمتنا فقد كانوا يرون معجزاتهم على ما تقدم كثير منها.
فلهذا كف الخليفة جعفر عن القوم و عما معهم و عما يصل إليهم من الأموال و دفع جعفر الكذاب عن مطالبتهم و لم يأمرهم بتسليمها إليه و أنه كان يحب أن يخفى هذا الأمر و لا يشتهر لئلا يهتدي الناس إليهم.
- وَ قَدْ كَانَ جَعْفَرٌ حَمَلَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ لَمَّا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَجْعَلُ لِي مَرْتَبَةَ أَخِي وَ مَنْزِلَتَهُ.
فَقَالَ الْخَلِيفَةُ إِنَّ مَنْزِلَةَ أَخِيكَ لَيْسَتْ مِنَّا إِنَّمَا كَانَتْ مِنَ اللَّهِ وَ نَحْنُ كُنَّا نَجْتَهِدُ فِي حَطِّ مَنْزِلَتِهِ وَ الْوَضْعِ مِنْهُ وَ كَانَ اللَّهُ يَأْبَى إِلَّا أَنْ يَزِيدَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الصِّيَانَةِ وَ حُسْنِ السَّمْتِ وَ الْعِلْمِ وَ كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ.
وَ إِنْ كُنْتَ عِنْدَ شِيعَةِ أَخِيكَ بِمَنْزِلَتِهِ فَلَا حَاجَةَ بِكَ إِلَيْنَا وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ فِيكَ مَا فِي أَخِيكَ لَمْ نُغْنِ عَنْكَ فِي ذَلِكَ شَيْئاً
فصل:
وَ قَدْ خَرَجَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ وَ ابْنِهِ مِنْ صَاحِبِ الزَّمَانِ(ع)وَفَّقَكُمَا اللَّهُ لِطَاعَتِهِ انْتَهَى إِلَيْنَا مَا ذَكَرْتُمَا أَنَّ الْمِيثَمِيَّ أَخْبَرَكُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ
1110
وَ مُنَاظَرَتِهِ مَنْ لَقِيَ وَ احْتِجَاجِهِ بِأَنَّهُ لَا خَلَفَ غَيْرُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ وَ تَصْدِيقِهِ إِيَّاهُ وَ أَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْعَمَى بَعْدَ الْجَلَاءِ فَكَيْفَ يَتَسَاقَطُونَ فِي الْفِتْنَةِ أَ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةِ اللَّهِ أَ وَ لَمْ يَرَوُا انْتِظَامَ أَئِمَّتِهِمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ إِلَى أَنْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى الْمَاضِي يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)ثُمَّ أَوْصَى بِهَا إِلَى وَصِيٍّ سَتَرَهُ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِلَى غَايَةٍ فَلْيَدَعُوا عَنْهُمُ اتِّبَاعَ الْهَوَى وَ لَا يَبْحَثُوا عَمَّا سُتِرَ عَنْهُمْ فَيَأْثَمُوا فَلْيَقْتَصِرُوا مِنَّا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْسِيرِ
1111
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ اجْتَمَعْتُ أَنَا وَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ وَ مَا أَنَا شَاكٌّ بِاعْتِقَادِي أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ رَأَيْتَ الْخَلَفَ.
فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ وَافَيْتُهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ قُلْتُ الِاسْمُ.
قَالَ الْأَمْرُ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ مَضَى وَ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً وَ قُسِمَ مِيرَاثُهُ وَ أَخَذَهُ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَ هُوَ ذَا عِيَالُهُ يَجُولُونَ لَيْسَ أَحَدٌ يَجْسُرُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِمْ أَوْ يُنِيلَهُمْ شَيْئاً فَإِذَا وَقَعَ الِاسْمُ وَقَعَ الطَّلَبُ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَمْسِكُوا
1112
عَنْ ذَلِكَ
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ خَرَجَ التَّوْقِيعُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْعَمْرِيِّ فِي التَّعْزِيَةِ لِأَبِيهِ:
عَاشَ أَبُوكَ سَعِيداً وَ مَاتَ حَمِيداً أَجْزَلَ اللَّهُ لَكَ الثَّوَابَ رُزِئْتَ وَ رُزِئْنَا وَ أَوْحَشَكَ وَ أَوْحَشَنَا وَ مِنْ كَمَالِ سَعَادَتِهِ أَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَداً مِثْلَكَ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ أَقُولُ إِنَّ الْأَنْفُسَ طَيِّبَةٌ لِمَكَانِكِ
و كان عثمان بن سعيد وكيل العسكري(ع)ثم نائب القائم ع
1113
فصل:
وَ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي جَعْفَرٍ الْعَمْرِيِّ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَى أَبِيهَا مِنْ قُمَّ مَالٌ يُنْفِذُهُ إِلَى صَاحِبِ الْأَمْرِ(ع)فَأَوْصَلَ الرَّسُولَ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ وَ جَاءَ لِيَنْصَرِفَ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ قَدْ بَقِيَ شَيْءٌ وَ أَيْنَ هُوَ قَالَ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا وَ قَدْ سَلَّمْتُهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ امْضِ إِلَى فُلَانٍ الْقَطَّانِ الَّذِي حَمَلْتَ إِلَيْهِ الْعِدْلَيْنِ مِنَ الْقُطْنِ فَافْتُقْ أَحَدَهُمَا الَّذِي عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ كَذَا وَ كَذَا فَإِنَّهُ فِي جَانِبِهِ فَتَحَيَّرَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ كَمَا قَالَ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَصَّامٍ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ- أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِيَّ أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ فَوَرَدَ التَّوْقِيعُ بِخَطِّ مَوْلَانَا صَاحِبِ الزَّمَانِ(ع)أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَ ثَبَّتَكَ مِنْ أَمْرِ الْمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ بَنِي عَمِّنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ فَمَنْ أَنْكَرَنِي فَلَيْسَ مِنِّي وَ سَبِيلُهُ سَبِيلُ ابْنِ نُوحٍ وَ أَمَّا سَبِيلُ عَمِّي جَعْفَرٍ وَ وُلْدِهِ فَسَبِيلُ إِخْوَةِ يُوسُفَ
1114
وَ أَمَّا الْفُقَّاعُ فَشُرْبُهُ حَرَامٌ وَ لَا بَأْسَ بِالشَّلْمَابِ.
وَ أَمَّا أَمْوَالُكُمْ فَمَا نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتُطَهَّرُوا فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصِلْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ مَا آتَانَا اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ.
وَ أَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ.
وَ أَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)لَمْ يُقْتَلْ فَكُفْرٌ وَ تَكْذِيبٌ وَ ضَلَالٌ.
وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللَّهِ.
وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ فَإِنَّهُ ثِقَتِي وَ كِتَابُهُ كِتَابِي وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ الْأَهْوَازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اللَّهُ قَلْبَهُ وَ يُزِيلُ عَنْهُ شَكَّهُ وَ أَمَّا مَا وَصَلْتَنَا بِهِ فَلَا قَبُولَ عِنْدَنَا إِلَّا لِمَا طَابَ وَ طَهُرَ وَ ثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ وَ كَانَ لِإِسْحَاقَ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَبَاعَهَا وَ بَعَثَ ثَمَنَهَا إِلَيْهِ فَرَدَّهُ.
وَ أَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
وَ أَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْأَجْدَعُ فَمَلْعُونٌ وَ أَصْحَابُهُ مَلْعُونُونَ فَلَا تُجَالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ فَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَ آبَائِي(ع)مِنْهُمْ بِرَاءٌ وَ أَمَّا الْمُتَلَبِّسُونَ بِأَمْوَالِنَا فَمَنِ اسْتَحَلَّ مِنْهَا شَيْئاً فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النِّيرَانَ.
وَ أَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا وَ جُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا لِتَطْهُرَ
1115
وِلَادَتُهُمْ وَ لَا تَخْبُثَ.
وَ أَمَّا نَدَامَةُ قَوْمٍ شَكُّوا فِي دِينِ اللَّهِ عَلَى مَا وَصَلُونَا بِهِ فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اسْتَقَالَ وَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي صِلَةِ الشَّاكِّينَ.
وَ أَمَّا عَلَّةُ وُقُوعِ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي(ع)إِلَّا وَ قَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ وَ إِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَ لَا بِيعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ فِي عُنُقِي.
وَ أَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ وَ إِنِّي لَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ فَأَغْلِقُوا بَابَ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ وَ لَا تَتَكَلَّفُوا عِلْمَ مَا قَدْ كُفِيتُمْ وَ أَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ فَرَجَكُمْ.
وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ وَ عَلىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدىٰ
1116
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانٍ الْكُلَيْنِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَبْرَائِيلَ الْأَهْوَازِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَ مُحَمَّدٍ ابْنَيِ الْفَرَجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ أَنَّهُ وَرَدَ الْعِرَاقَ شَاكّاً مُرْتَاباً فَخَرَجَ إِلَيْهِ قُلْ لِلْمَهْزِيَارِيِّ قَدْ فَهِمْنَا مَا قَدْ حَكَيْتَهُ عَنْ مَوَالِينَا بِنَاحِيَتِكُمْ فَقُلْ لَهُمْ أَ مَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ هَلْ أَمَرَ إِلَّا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَ وَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ مَعَاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْهَا وَ أَعْلَاماً تَهْتَدُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ ظَهَرَ الْمَاضِي(ص)كُلَّمَا غَابَ عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ وَ إِذَا أَفَلَ نَجْمٌ بَدَا نَجْمٌ فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ السَّبَبَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ كَلَّا مَا كَانَ ذَاكَ وَ لَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ وَ يَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كَارِهُونَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَا يَدْخُلْكَ الشَّكُّ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ حُجَّتِهِ أَ لَيْسَ قَالَ لَكَ أَبُوكَ قَبْلَ وَفَاتِهِ أَحْضِرِ السَّاعَةَ مَنْ يُعَيِّرُ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ الَّتِي عِنْدَنَا فَلَمَّا أَبْطَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَ خَافَ الشَّيْخُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْوَفَاةِ قَالَ لَكَ عَيِّرْهَا عَلَى
1117
نَفْسِكَ وَ أَخْرَجَ إِلَيْكَ كِيساً لَوْنُهُ كَذَا وَ عِنْدَكَ بِالْحَضْرَةِ ثَلَاثَةُ أَكْيَاسٍ وَ صُرَّةٌ فِيهَا دَنَانِيرُ مُخْتَلِفَةُ النَّقْدِ فَعَيَّرْتَهَا وَ خَتَمَ الشَّيْخُ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ وَ قَالَ لَكَ اخْتِمْ مَعَ خَاتَمِي فَإِنْ أَعِشْ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا وَ إِنْ أَمُتْ فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَوَّلًا ثُمَّ فِيَّ وَ خَلِّصْنِي وَ كُنْ عِنْدَ ظَنِّي بِكَ أَخْرِجْ رَحِمَكَ اللَّهُ الدَّنَانِيرَ الَّتِي اسْتَفْضَلْتَهَا مِنْ بَيْنِ النَّقْدَيْنِ مِنْ حِسَابِنَا وَ هِيَ بِضْعَةَ عَشَرَ دِينَاراً وَ اسْتَرِدَّ مِنْ قِبَلِكَ فَإِنَّ الزَّمَانَ أَصْعَبُ مِمَّا كَانَ وَ حَسْبُنَا اللّٰهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
فصل:
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَدِمْتُ الْعَسْكَرَ زَائِراً فَقَصَدْتُ النَّاحِيَةَ فَلَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَتِ انْصَرِفْ فَإِنَّكَ لَا تَصِلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَ ارْجِعِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّ الْبَابَ مَفْتُوحٌ لَكَ فَادْخُلِ الدَّارَ وَ اقْصِدِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ السِّرَاجُ فَفَعَلْتُ وَ قَصَدْتُ الْبَابَ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ فَدَخَلْتُ الدَّارَ وَ قَصَدْتُ الْبَيْتَ الَّذِي وَصَفَتْهُ فَإِذَا أَنَا بَيْنَ الْقَبْرَيْنِ أَنْحِبُ وَ أَبْكِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً وَ هُوَ يَقُولُ
1118
يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُبْ مِنْ كُلِّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَدْ قُلِّدْتَ أَمْراً عَظِيماً
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيُّ عَنْ أَبِيهِ رض قَالَ وَرَدَ عَلَيَّ تَوْقِيعٌ مِنَ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَمْرِيِّ ابْتِدَاءً لَمْ يَتَقَدَّمْهُ سُؤَالٌ بسم الله الرحمن الرحيم لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ مِنْ مَالِنَا دِرْهَماً قَالَ الْأَسَدِيُّ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ مُحَرَّماً فَأَيُّ فَضْلٍ فِي ذَلِكَ لِلْحُجَّةِ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ بَشِيراً لَقَدْ نَظَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَّوْقِيعِ فَوَجَدْتُهُ قَدِ انْقَلَبَ إِلَى مَا كَانَ فِي نَفْسِي بسم الله الرحمن الرحيم لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْ مَالِنَا دِرْهَماً حَرَاماً قَالَ الْخُزَاعِيُّ أَخْرَجَ إِلَيْنَا الْأَسَدِيُّ هَذَا التَّوْقِيعَ حَتَّى نَظَرْنَا إِلَيْهِ وَ قَرَأْنَاهُ
وَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْأَسَدِيِّ فِيمَا وَرَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْعَمْرِيِّ فِي جَوَابِ مَسَائِلِهِ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْمَوْلُودِ الَّذِي نَبَتَتْ قُلْفَتُهُ بَعْدَ مَا يُخْتَنُ مَرَّةً أُخْرَى
1119
فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُقْطَعَ قُلْفَتُهُ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَضِجُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَوْلِ الْأَقْلَفِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً وَ أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوْلَادِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَ النَّارِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَ النَّارُ وَ الصُّورَةُ وَ السِّرَاجُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ عَبَدَةِ النَّارِ وَ الْأَصْنَامِ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتِّيلٍ حَدَّثَنِي عَمِّي جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَتِّيلٍ قَالَ دَعَانِي أَبُو جَعْفَرٍ الْعَمْرِيُّ فَأَخْرَجَ إِلَيَّ ثُوَيْبَاتٍ مُعْلَمَةً وَ صُرَّةً فِيهَا دَرَاهِمُ.
فَقَالَ يُحْتَاجُ أَنْ تَصِيرَ بِنَفْسِكَ إِلَى وَاسِطٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَ تَدْفَعَ مَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ إِلَى أَوَّلِ رَجُلٍ يَلْقَاكَ عِنْدَ صُعُودِكَ مِنَ الْمَرْكَبِ إِلَى الشَّطِّ بِوَاسِطٍ.
قَالَ فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ غَمٌّ شَدِيدٌ فَقُلْتُ مِثْلِي يُرْسَلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ وَ يَحْمِلُ هَذَا الشَّيْءَ الْوَتِحَ قَالَ فَخَرَجْتُ إِلَى وَاسِطٍ وَ صَعِدْتُ مِنَ الْمَرْكَبِ فَأَوَّلُ رَجُلٍ تَلَقَّانِي سَأَلْتُهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَطَاةٍ الصَّيْدَلَانِيِّ وَكِيلِ الْوَقْفِ بِوَاسِطٍ
1120
فَقَالَ أَنَا هُوَ مَنْ أَنْتَ قُلْتُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتِّيلٍ.
قَالَ فَعَرَفَنِي بِاسْمِي وَ سَلَّمَ عَلَيَّ وَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ تَعَانَقْنَا فَقُلْتُ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعَمْرِيُّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَ دَفَعَ إِلَيَّ الثُوَيْبَاتِ وَ هَذِهِ الصُّرَّةَ لِأُسَلِّمَهَا إِلَيْكَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَائِرِيَّ قَدْ مَاتَ وَ خَرَجْتُ لِأُصْلِحَ كَفَنَهُ فَحَلَّ الثِّيَابَ فَإِذَا هِيَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ حِبَرٍ وَ ثِيَابٍ وَ كَافُورٍ وَ فِي الصُّرَّةِ كِرَى الْحَمَّالِينَ وَ الْحَفَّارِ.
قَالَ فَشَيَّعْنَا جَنَازَتَهُ وَ انْصَرَفْتُ
وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْعَمْرِيَّ قَدْ حَفَرَ لِنَفْسِهِ قَبْراً وَ سَوَّاهُ بِالسَّاجِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أُمِرْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَمْرِي فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتِّيلٍ عَنْ عَمِّهِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَتِّيلٍ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا جَعْفَرٍ الْعَمْرِيَّ الْوَفَاةُ كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ رَأْسِهِ أُسَائِلُهُ
1121
وَ أُحَدِّثُهُ وَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ رَوْحٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أُوصِيَ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ.
فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَ أَخَذْتُ بِيَدِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ فَأَجْلَسْتُهُ فِي مَكَانِي وَ قَعَدْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.
قال و قال علي بن محمد بن متيل كانت امرأة يقال لها زينب و كانت من أهل آبه و كانت امرأة محمد بن عبدل الآبي معها ثلاثمائة دينار و صارت إلى عمي جعفر بن أحمد بن متيل فقالت أحب أن أسلم هذا المال من يدي إلى يد الشيخ أبي القاسم بن روح فأنفذني معها أترجم عنها.
فلما دخلت على أبي القاسم قال بلسان آوي فصيح لها زينب چونا خويذا كوابذا چون استه و معناه كيف أنت و كيف كنت و ما حال صبيانك.
فاستغنت عن الترجمان و سلمت المال إليه
1122
فصل: و عن أبي علي بن همام قال أنفذ محمد بن علي الشلمغاني العزاقري إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح يسأله أن يباهله و قال إنما أنا صاحب الرجل و قد أمرت بإظهار العلم و قد أظهرته باطنا و ظاهرا فباهلني.
فأنفذ إليه ابن روح أينا تقدم صاحبه فهو المخصوم فتقدم العزاقري فقتل و صلب و أخذ معه ابن أبي عون و ذلك في سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة.
وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سَوْرَةَ الْقُمِّيُّ عَنْ رَجُلٍ مُتَهَجِّدٍ فِي الْأَهْوَازِ يُسَمَّى سَرْوَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَخْرَسَ لَا أَتَكَلَّمُ فَحَمَلَنِي أَبِي وَ عَمِّي وَ سِنِّي إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ أَوْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَاهُ أَنْ يَسْأَلَ الْحَضْرَةَ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ لِسَانِي.
1123
فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إِنَّكُمْ أُمِرْتُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْحَائِرِ.
قَالَ سَرْوَرُ فَخَرَجْنَا إِلَى الْحَائِرِ فَاغْتَسَلْنَا وَ زُرْنَا فَصَاحَ أَبِي أَوْ عَمِّي يَا سَرْوَرُ فَقُلْتُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ لَبَّيْكَ فَقَالَ تَكَلَّمْتَ فَقُلْتُ نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ سَوْرَةَ وَ نَسِيتُ نَسَبَهُ وَ كَانَ سَرْوَرُ هَذَا رَجُلًا لَيْسَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ كُنْتُ بِبُخَارَى فَدَفَعَ إِلَيَّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ جابشير عَشْرَ سَبَائِكَ ذَهَبٍ وَ أَمَرَ أَنَّ أُسَلِّمَهَا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ.
فَحَمَلْتُهَا مَعِي فَلَمَّا بَلَغْتُ مَفَازَةَ أَمُّويَةْ ضَاعَتْ مِنِّي سَبِيكَةٌ وَ لَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى دَخَلْتُ مَدِينَةَ السَّلَامِ
1124
فَأَخْرَجْتُ السَّبَائِكَ لِأُسَلِّمَهَا فَوَجَدْتُهَا قَدْ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فَاشْتَرَيْتُ سَبِيكَةً مَكَانَهَا بِوَزْنِهَا مِنْ مَالِي وَ أَضَفْتُهَا إِلَى التِّسْعِ سَبَائِكَ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ فَوَضَعْتُ السَّبَائِكَ عِنْدَهُ.
فَقَالَ لِي خُذْ تِلْكَ السَّبِيكَةَ الَّتِي اشْتَرَيْتَهَا وَ أَشَارَ إِلَيْهَا بِيَدِهِ فَإِنَّ السَّبِيكَةَ الَّتِي ضَيَّعْتَهَا قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا وَ هِيَ ذَا هِيَ.
ثُمَّ أَخْرَجَ تِلْكَ السَّبِيكَةَ الَّتِي كَانَتْ ضَاعَتْ مِنِّي فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا وَ عَرَفْتُهَا
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَسْوَدُ قَالَ سَأَلَنِي أَبُوكَ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا الْقَاسِمِ الرَّوْحِيَّ أَنْ يَسْأَلَ مَوْلَانَا صَاحِبَ الزَّمَانِ(ع)لِيَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَداً ذَكَراً.
فَسَأَلْتُهُ فَأَخْبَرَنِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ أَنَّهُ قَدْ دَعَا لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ أَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ مُبَارَكٌ يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ وَ بَعْدَهُ أَوْلَادٌ.
قَالَ وَ سَأَلْتُهُ فِي أَمْرِي أَنْ يَدْعُوَ لِي أَنْ أُرْزَقَ وَلَداً ذَكَراً.
فَقَالَ لَيْسَ إِلَى هَذَا سَبِيلٌ فَوُلِدَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ لَمْ يُولَدْ لِي.
1125
قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ رَأَيْتُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ امْرَأَةً تَسْأَلُ عَنْ وَكِيلِ مَوْلَانَا(ع)مَنْ هُوَ فَأَخْبَرَهَا بَعْضُ الْقُمِّيِّينَ أَنَّهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ وَ أَشَارَ لَهَا إِلَيْهِ وَ أَنَا عِنْدَهُ فَقَالَتْ لَهُ أَيُّهَا الشَّيْخُ أَيُّ شَيْءٍ مَعِي.
فَقَالَ مَا مَعَكِ اذْهَبِي فَأَلْقِيهِ فِي دِجْلَةَ ثُمَّ ائْتِينِي حَتَّى أُخْبِرَكِ.
قَالَ فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ وَ حَمَلَتْ مَا كَانَ مَعَهَا فَأَلْقَتْهُ فِي دِجْلَةَ ثُمَّ رَجَعَتْ وَ دَخَلَتْ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ الرَّوْحِيِّ وَ أَنَا عِنْدَهُ.
فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ لِمَمْلُوكَتِهِ أَخْرِجِي إِلَيَّ الْحُقَّةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْهِ الْحُقَّةَ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ هَذِهِ الْحُقَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَكِ وَ رَمَيْتِ بِهَا فِي دِجْلَةَ أُخْبِرُكِ بِمَا فِيهَا أَمْ تُخْبِرِينِي قَالَتْ بَلْ تُخْبِرُنِي أَنْتَ قَالَ فِي هَذِهِ الْحُقَّةِ زَوْجُ سِوَارِ ذَهَبٍ وَ حَلْقَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا جَوَاهِرُ وَ خَاتَمَانِ أَحَدُهُمَا فَيْرُوزَجٌ وَ الْآخَرُ عَقِيقٌ.
وَ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ فَتَحَ الْحُقَّةَ فَعَرَضَ عَلَيَّ مَا فِيهَا وَ نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ فَقَالَتْ هَذِهِ الَّتِي حَمَلْتُهَا بِعَيْنِهَا وَ رَمَيْتُ بِهَا فِي دِجْلَةَ.
1126
فَغُشِيَ عَلَيَّ وَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَمَّا شَاهَدْنَاهُ مِنْ صِدْقِ الدَّلَالَةِ وَ الْعَلَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا حَدَّثْتُ بِهِ كَمَا ذَكَرْتُهُ لَمْ أَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ أَنْقُصْ مِنْهُ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بُزُرْجَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ بُزُرْجَ صَاحِبُ الصَّادِقِ(ع)قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الصَّيْرَفِيَّ الْمُقِيمَ بِأَرْضِ بَلْخٍ يَقُولُ أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ وَ كَانَ مَعِي مَالٌ بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَ بَعْضُهُ فِضَّةٌ فَجَعَلْتُ مَا كَانَ مَعِي مِنْ ذَهَبٍ سَبَائِكَ وَ مَا كَانَ مَعِي مِنْ فِضَّةٍ نُقَراً وَ كَانَ قَدْ دُفِعَ ذَلِكَ
1127
الْمَالُ إِلَيْهِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَوْحٍ.
قَالَ فَلَمَّا نَزَلْتُ سَرَخْسَ ضَرَبْتُ خَيْمَتِي عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ رَمْلٌ وَ جَعَلْتُ أُمَيِّزُ تِلْكَ السَّبَائِكَ وَ النُّقَرَ فَسَقَطَتْ سَبِيكَةٌ مِنْ تِلْكَ السَّبَائِكِ وَ غَاصَتْ فِي الرَّمْلِ وَ أَنَا لَا أَعْلَمُ.
قَالَ فَلَمَّا دَخَلْتُ هَمَدَانَ مَيَّزْتُ تِلْكَ السَّبَائِكَ وَ النُّقَرَ مَرَّةً أُخْرَى اهْتِمَاماً مِنِّي بِحِفْظِهَا فَفَقَدْتُ مِنْهَا سَبِيكَةً وَزْنُهَا مِائَةُ مِثْقَالٍ وَ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ أَوْ قَالَ ثَلَاثٌ وَ سَبْعُونَ مِثْقَالًا.
قَالَ فَسَبَكْتُ مِنْ مَالِي مَكَانَهَا بِوَزْنِهَا وَ جَعَلْتُهَا بَيْنَ السَّبَائِكِ وَ لَمَّا وَرَدْتُ مَدِينَةَ السَّلَامِ قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْقَاسِمِ الْحُسَيْنَ بْنَ رَوْحٍ وَ سَلَّمْتُ إِلَيْهِ مَا كَانَ مَعِي مِنَ السَّبَائِكِ وَ النُّقَرِ فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ بَيْنِ السَّبَائِكِ إِلَى السَّبِيكَةِ الَّتِي كُنْتُ سَبَكْتُهَا مِنْ مَالِي بَدَلًا مِمَّا ضَاعَ مِنِّي فَرَمَى بِهَا إِلَيَّ وَ قَالَ لِي لَيْسَتْ هَذِهِ السَّبِيكَةُ لَنَا سَبِيكَتَنَا ضَيَّعْتَهَا بِسَرَخْسَ حَيْثُ ضَرَبْتَ الْخَيْمَةَ فِي الرَّمْلِ فَارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ وَ انْزِلْ حَيْثُ نَزَلْتَ وَ اطْلُبِ السَّبِيكَةَ هُنَاكَ تَحْتَ الرَّمْلِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهَا وَ سَتَعُودُ إِلَى هَاهُنَا وَ لَا تَرَانِي.
قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى سَرَخْسَ وَ نَزَلْتُ حَيْثُ كُنْتُ نَزَلْتُ وَ وَجَدْتُ السَّبِيكَةَ تَحْتَ الرَّمْلِ وَ قَدْ نَبَتَ عَلَيْهَا الْحَشِيشُ فَأَخَذْتُ السَّبِيكَةَ وَ انْصَرَفْتُ إِلَى بَلَدِي.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَجْتُ وَ مَعِيَ السَّبِيكَةُ فَدَخَلْتُ مَدِينَةَ السَّلَامِ وَ قَدْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ تُوُفِّيَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَ لَقِيتُ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ وَ طَلَبَ مِنِّي السَّبِيكَةَ فَسَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ
1128
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ صَالِحُ بْنُ شُعَيْبٍ الطَّالَقَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ قَالَ حَضَرْتُ بَغْدَادَ عِنْدَ الْمَشَايِخِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ ابْتِدَاءً مِنْهُ رَحِمَ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ الْقُمِّيَّ.
قَالَ وَ كَتَبَ الْمَشَايِخُ تَارِيخَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَوَرَدَ الْخَبَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ مَضَى أَبُو الْحَسَنِ السَّمُرِيُّ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ
وَ قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُكَتِّبُ قَالَ كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ بِهَا أَبُو الْحَسَنِ السَّمُرِيُّ فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ
1129
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامِ فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَ لَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ وَ لَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ وَ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَ امْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً وَ سَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَ الصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ وَ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ
فصل:
وَ عَنِ ابْنِ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْمَرَاغِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ نُعَيْمٍ قَالَ بَعَثَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ بِمَالٍ وَ رُقْعَةٍ لَيْسَ فِيهَا كِتَابَةٌ قَدْ خَطَّ فِيهَا بِإِصْبَعِهِ كَمَا تَدُورُ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ وَ قَالَ لِلرَّسُولِ
1130
احْمِلْ هَذَا الْمَالَ فَمَنْ أَخْبَرَكَ بِقِصَّتِهِ وَ أَجَابَ عَنِ الرُّقْعَةِ فَأَوْصِلْ إِلَيْهِ الْمَالَ فَصَارَ الرَّجُلُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَ قَصَدَ جَعْفَراً وَ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ أَ تُقِرُّ بِالْبَدَاءِ فَقَالَ الرَّجُلُ نَعَمْ قَالَ إِنَّ صَاحِبَكَ قَدْ بَدَا لَهُ وَ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعْطِيَنِي الْمَالَ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ لَا يُقْنِعُنِي هَذَا الْجَوَابُ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَ جَعَلَ يَدُورُ عَلَى أَصْحَابِنَا فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ رُقْعَةٌ قَالَ هَذَا مَالٌ قَدْ كَانَ غُرِرَ بِهِ وَ كَانَ فَوْقَ صُنْدُوقٍ فَدَخَلَ اللُّصُوصُ الْبَيْتَ وَ أَخَذُوا مَا فِي الصُّنْدُوقِ وَ سَلِمَ الْمَالُ وَ رُدَّتْ عَلَيْهِ الرُّقْعَةُ وَ قَدْ كُتِبَ فِيهَا كَمَا تَدُورُ سَأَلْتَ الدُّعَاءَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَ فَعَلَ
. عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّمْشَاطِيُّ خَرَجْتُ زَائِراً إِلَى الْعَسْكَرِ وَ أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ غُلَامٌ فَقَالَ قُمْ.
1131
فَقُلْتُ مَنْ أَنَا وَ إِلَى أَيْنَ أَقُومُ قَالَ أَنْتَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَسُولُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْيَمَانِيِّ قُمْ إِلَى الْمَنْزِلِ وَ مَا كَانَ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِمُوَافَاتِي.
فَقُمْتُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ مِنْ دَاخِلٍ فَأَذِنَ لِي
. وَ قَالَ سَعْدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي حُلَيْسٍ اعْتَلَلْتُ بِسُرَّمَنْرَأَى عِلَّةً شَدِيدَةً أَشْرَفْتُ بِهَا عَلَى الْمَوْتِ فَاطَّلَيْتُ مُسْتَعِدّاً لِلْمَوْتِ.
فَبَعَثَ إِلَيَّ بِبُسْتُوقَةٍ فِيهَا بَنَفْسَجِينٌ وَ أُمِرْتُ بِأَخْذِهِ فَمَا فَرَغْتُ حَتَّى أَفَقْتُ.
وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو خَرَجْتُ إِلَى الْعَسْكَرِ وَ أُمُّ أَبِي مُحَمَّدٍ(ع)فِي الْحَيَاةِ وَ مَعِي جَمَاعَةٌ فَوَافَيْنَا الْعَسْكَرَ.
1132
فَكَتَبَ أَصْحَابِي يَسْتَأْذِنُونَ فِي الزِّيَارَةِ مِنْ دَاخِلٍ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ فَقُلْتُ لَهُمْ لَا تَكْتُبُوا اسْمِي فَإِنِّي لَا أَسْتَأْذِنُ فَتَرَكُوا اسْمِي فَخَرَجَ التَّوْقِيعُ ادْخُلُوا وَ مَنْ أَبَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ
. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَرْوَزِيِّ بَعَثْنَا مَعَ رَجُلٍ إِلَى الْعَسْكَرِ شَيْئاً فَعَمَدَ وَ دَسَّ فِيمَا مَعَهُ رُقْعَةً مِنْ غَيْرِ عِلْمِنَا فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الرُّقْعَةُ بِلَا جَوَابٍ
. قَالَ وَ كَانَ بِقُمَّ رَجُلٌ بَزَّازٌ مُؤْمِنٌ وَ لَهُ شَرِيكٌ مُرْجِئٌ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ نَفِيسٌ فَقَالَ الْمُؤْمِنُ يَصْلُحُ هَذَا الثَّوْبُ لِمَوْلَايَ.
فَقَالَ شَرِيكُهُ لَسْتُ أَعْرِفُ مَوْلَاكَ وَ لَكِنِ افْعَلْ بِالثَّوْبِ مَا تُحِبُّ.
فَلَمَّا وَصَلَ الثَّوْبُ شَقَّهُ(ع)بِنِصْفَيْنِ طُولًا فَأَخَذَ نِصْفَهُ وَ رَدَّ النِّصْفَ وَ قَالَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي مَالِ الْمُرْجِئِ
1133
باب في العلامات الحزينة الدالة على صاحب الزمان و آبائه ع
أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ جَعْفَرٍ الدُّورْيَسْتِيِّ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ بَابَوَيْهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْجَلُودِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أَبِي سَيَّارٍ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الضَّحَاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ثَلَاثاً فَقَامَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَتَى يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَ لَكِنْ لِذَلِكَ عَلَامَاتٌ وَ هَيْئَاتٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ إِنَّ عَلَامَاتِ ذَلِكَ إِذَا أَمَاتَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَ أَضَاعُوا الْأَمَانَةَ وَ اسْتَحَلُّوا الْكَذِبَ وَ أَكَلُوا الرِّبَا وَ شَيَّدُوا الْبُنْيَانَ وَ بَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا وَ اسْتَعْمَلُوا السُّفَهَاءَ وَ شَاوَرُوا النِّسَاءَ وَ قَطَعُوا الْأَرْحَامَ وَ اتَّبَعُوا الْأَهْوَاءَ وَ اسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ وَ كَانَ الْحِلْمُ ضَعْفاً وَ الظُّلْمُ فَخْراً وَ كَانَتِ الْأُمَرَاءُ فَجَرَةً وَ الْوُزَرَاءُ ظَلَمَةً وَ الْعُرَفَاءُ خَوَنَةً وَ الْقُرَّاءُ فَسَقَةً وَ ظَهَرَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ وَ اسْتَعْلَنَ الْفُجُورُ وَ قَوْلُ الْبُهْتَانِ وَ الْإِثْمُ وَ الطُّغْيَانُ
1134
وَ حُلِّيَتِ الْمَصَاحِفُ وَ زُخْرِفَتِ الْمَسَاجِدُ وَ طُوِّلَتِ الْمَنَارَةُ وَ أُكْرِمَ الْأَشْرَارُ وَ ازْدَحَمَتِ الصُّفُوفُ وَ اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَ نُقِضَتِ الْعُهُودُ وَ اقْتَرَبَ الْمَوْعُودُ وَ شَارَكَ النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ فِي التِّجَارَةِ حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا وَ عَلَتْ أَصْوَاتُ الْفُسَّاقِ وَ اسْتُمِعَ مِنْهُمْ وَ كَانَ رَئِيسُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَ اتُّقِيَ الْفَاجِرُ مَخَافَةَ شَرِّهِ وَ صُدِّقَ الْكَاذِبُ وَ اؤْتُمِنَ الْخَائِنُ وَ اتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ وَ الْمَعَازِفُ وَ لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا وَ رَكِبَ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ وَ تَشَبَّهَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَ النِّسَاءُ بِالرِّجَالِ وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَ شَهِدَ الْآخَرُ قَضَاءً لِذِمَامٍ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ عَرَفَهُ وَ تُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَ آثَرُوا عَمَلَ الدُّنْيَا عَلَى عَمِلِ الْآخِرَةِ وَ لَبِسُوا جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ وَ قُلُوبُهُمْ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيَفِ وَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ الْوَحَا الْوَحَا الْعَجَلَ الْعَجَلَ خَيْرُ الْمَسَاكِنِ يَوْمَئِذٍ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَمَنَّى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ مِنْ سُكَّانِهِ
1135
فصل: ثُمَّ قَامَ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الدَّجَّالُ فَقَالَ الدَّجَّالُ صَائِدُ بْنُ الصَّائِدِ فَالشَّقِيُّ مَنْ صَدَّقَهُ وَ السَّعِيدُ مَنْ كَذَّبَهُ يَخْرُجُ مِنْ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا أَصْفَهَانُ مِنْ قَرْيَةٍ تُعْرَفُ بِالْيَهُودِيَّةِ عَيْنُهُ الْيُمْنَى مَمْسُوحَةٌ وَ الْعَيْنُ الْأُخْرَى فِي جَبْهَتِهِ تُضِيءُ كَأَنَّهَا كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِيهَا عَلَقَةٌ كَأَنَّهَا مَمْزُوجَةٌ بِالدَّمِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ كَاتِبٍ وَ أُمِّيٍّ يَخُوضُ الْبِحَارَ وَ تَسِيرُ مَعَهُ الشَّمْسُ بَيْنَ يَدَيْهِ جَبَلٌ مِنْ دُخَانٍ وَ خَلْفَهُ جَبَلٌ أَبْيَضُ يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ طَعَامٌ يَخْرُجُ حِينَ يَخْرُجُ فِي قَحْطٍ شَدِيدٍ تَحْتَهُ حِمَارٌ أَقْمَرُ خُطْوَةُ حِمَارِهِ مِيلٌ تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ مَنْهَلًا مَنْهَلًا لَا يَمُرُّ بِمَاءٍ إِلَّا غَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَسْمَعُ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الشَّيَاطِينِ يَقُولُ
1136
إِلَيَّ أَوْلِيَائِي أَنَا الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ قَدَّرَ فَهَدَى أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى وَ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ إِنَّهُ أَعْوَرُ يَطْعَمُ الطَّعَامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَ إِنَّ رَبَّكُمْ جَلَّ وَ عَزَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَ لَا يَطْعَمُ الطَّعَامَ وَ لَا يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَ لَا يَزُولُ أَلَا وَ إِنَّ أَكْثَرَ أَتْبَاعِهِ يَوْمَئِذٍ أَوْلَادُ الزِّنَا وَ أَصْحَابُ الطَّيَالِسَةِ الْخُضْرِ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِالشَّامِ عَلَى عَقَبَةٍ تُعْرَفُ بِعَقَبَةِ أَفِيقٍ لِثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى يَدِ مَنْ يُصَلِّي الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ أَلَا وَ إِنَّ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى فَصْلٌ قَالُوا قُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا ذَلِكَ قَالَ(ع)خُرُوجُ دَابَّةِ الْأَرْضِ مِنْ عِنْدِ الصَّفَا مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَ عَصَا مُوسَى يَضَعُ الْخَاتَمَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ مُؤْمِنٍ فَيَنْطَبِعُ فِيهِ هَذَا مُؤْمِنٌ حَقّاً وَ يَضَعُهُ عَلَى وَجْهِ كُلِّ كَافِرٍ فَيَنْطَبِعُ فِيهِ هَذَا كَافِرٌ حَقّاً حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُنَادِي الْوَيْلُ لَكَ يَا كَافِرُ وَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيُنَادِي طُوبَى لَكَ يَا مُؤْمِنُ وَدِدْتُ أَنِّي الْيَوْمَ مِثْلُكَ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً
1137
ثُمَّ تَرْفَعُ الدَّابَّةُ رَأْسَهَا فَيَرَاهَا مَنْ بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ تُرْفَعُ التَّوْبَةُ فَلَا تَوْبَةٌ تُقْبَلُ وَ لَا عَمَلٌ يُرْفَعُ وَ لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً ثُمَّ قَالَ(ع)لَا تَسْأَلُونِي عَمَّا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا فَإِنَّهُ عَهِدَ إِلَيَّ حَبِيبِي(ص)أَلَّا أُخْبِرَ بِهِ غَيْرَ عِتْرَتِي
فصل:
قَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ فَقُلْتُ لِصَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ مَا عَنَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ هُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْعِتْرَةِ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)وَ هُوَ الشَّمْسُ الطَّالِعَةُ مِنْ مَغْرِبِهَا يَظْهَرُ عِنْدَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ فَيُطَهِّرُ الْأَرْضَ وَ يَضَعُ مِيزَانَ الْعَدْلِ فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً فَأَخْبَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّ حَبِيبَهُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ عِتْرَتِهِ الْأَئِمَّةِ ع
1138
فصل: و المخالفون من أصحاب الحديث يروون عن نافع عن ابن عمر الخبر في الدجال و غيبته و بقائه المدة الطويلة و خروجه في آخر الزمان على ما نذكره من بعد هذا الفصل و هم لا يصدقون بأمر القائم(ع)و أنه يغيب مدة طويلة ثم يظهر فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا مع نص النبي و الأئمة(ع)باسمه و كنيته و نسبه و إخبارهم بطول غيبته إرادة لإطفاء نور الله و إبطالا لأمر وليه وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلّٰا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ... وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
و أكثر ما يحتجون به في دفعهم لأمر الحجة(ع)أنهم يقولون لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه و لا نعرفها و كذا يقول من يجحد بنبينا(ص)و البراهمة و اليهود و النصارى أنه ما صح عندنا مما تروونه من معجزاته و دلائله و لا نعرفها فنعتقد بطلان أمره لهذه الجهة.
و متى لزمنا ما يقولون لزمهم ما تقوله هذه الطوائف و هم أكثر عددا منهم.
و نقول لهم لو نظرتم في أخبارنا في المهدي(ع)و نظر مخالفو الإسلام في أخبار المسلمين في النبي(ص)لعلمتم و علموا الحق من النبوة و الشريعة و الإمامة و ما يتعلق بها
فصل:
وَ قَدْ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأَصْبَهَانَ وَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ هَمَدَانَ وَ خُرَاسَانَ سَمَاعاً وَ إِجَازَةً عَنْ مَشَايِخِهِمُ الثِّقَاتِ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ
1139
بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْفَضْلِ الْعُقَيْلِيِّ الْفَقِيهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُظَفَّرِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ الصَّيْدَانِيِّ أبو [أَبِي سَعِيدٍ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيِّ وَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَبِيحٍ الْجَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ النَّرْسِيِّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ الْفَجْرَ بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ قَامَ مَعَ أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى بَابَ دَارٍ بِالْمَدِينَةِ وَ طَرَقَ الْبَابَ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ مَا تُرِيدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ(ص)يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَأْذِنِي لِي عَلَيْهِ قَالَتْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا تَصْنَعُ بِعَبْدِ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَجْهُودٌ فِي عَقْلِهِ يُحْدِثُ فِي ثَوْبِهِ وَ إِنَّهُ لَيُرَاوِدُنِي عَلَى الْأَمْرِ الْعَظِيمِ فَقَالَ اسْتَأْذِنِي لِي عَلَيْهِ قَالَتْ أَ عَلَى ذِمَّتِكَ قَالَ نَعَمْ وَ قَالَتِ ادْخُلْ فَدَخَلَ
1140
فَإِذَا هُوَ فِي قَطِيفَةٍ يُهَيْنِمُ فِيهَا فَقَالَتْ أُمُّهُ اسْكُتْ وَ اجْلِسْ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ أَتَاكَ فَسَكَتَ وَ جَلَسَ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ(ص)مَا لَهَا لَعَنَهَا اللَّهُ لَوْ تَرَكَتْنِي لَأَخْبَرْتُكُمْ أَ هُوَ هُوَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ مَا تَرَى قَالَ أَرَى حَقّاً وَ بَاطِلًا وَ أَرَى عَرْشاً عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ بَلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ أَحَقَّ مِنِّي فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْفَجْرَ ثُمَّ نَهَضَ وَ نَهَضُوا مَعَهُ حَتَّى طَرَقَ الْبَابَ فَقَالَتْ أُمُّهُ ادْخُلْ فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ فِي نَخْلَةٍ يُغَرِّدُ فِيهَا فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ اسْكُتْ وَ انْزِلْ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ أَتَاكَ فَسَكَتَ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ(ص)مَا لَهَا قَاتَلَهَا اللَّهُ لَوْ تَرَكَتْنِي لَأَخْبَرْتُكُمْ أَ هُوَ هُوَ
1141
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْفَجْرَ ثُمَّ نَهَضَ وَ نَهَضُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِذَا هُوَ فِي غَنَمٍ يَنْعِقُ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ اسْكُتْ وَ اجْلِسْ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ أَتَاكَ فَسَكَتَ وَ قَدْ كَانَتْ آيَاتٌ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ سُورَةِ الدُّخَانِ فَقَرَأَهَا بِهِمُ النَّبِيُّ(ص)فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ثُمَّ قَالَ اشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ بَلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَمَا جَعَلَكَ اللَّهُ بِذَلِكَ أَحَقَّ مِنِّي فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)إِنِّي خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئاً فَمَا هُوَ قَالَ الدَّخُّ الدَّخُّ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)اخْسَأْ اخْسَأْ إِنَّكَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَنَالَ إِلَّا مَا قُدِّرَ لَكَ
1142
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَ قَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ وَ إِنَّ اللَّهَ أَخَّرَهُ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا فَمَهْمَا تَشَابَهَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِهِ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَ إِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى حِمَارٍ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ مِيلٌ يَخْرُجُ وَ مَعَهُ جَنَّةٌ وَ نَارٌ وَ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَ نَهَرٌ مِنْ مَاءٍ أَكْثَرُ أَتْبَاعِهِ الْيَهُودُ وَ النِّسَاءُ وَ الْأَعْرَابُ يَدْخُلُ آفَاقَ الْأَرْضِ كُلَّهَا إِلَّا مَكَّةَ وَ لَابَتَيْهَا وَ الْمَدِينَةَ وَ لَابَتَيْهَا
1143
فصل: وَ مِنَ الْعَجَبِ
- أَنَّ الْمُخَالِفِينَ يَرْوُونَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي أَمْرِ عَمَّارٍ أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ
- وَ فِي عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ تُخْضَبُ لِحْيَتُهُ مِنْ دَمِ رَأْسِهِ
- وَ فِي الْحُسَيْنِ(ع)أَنَّهُ مَقْتُولٌ بِالسَّيْفِ
- وَ فِي الْحَسَنِ(ع)أَنَّهُ مَقْتُولٌ بِالسَّمِّ
و لا يصدقون فيما أخبر به من أمر القائم(ع)و وقوع الغيبة و التعيين عليه باسمه و نسبه و هو(ص)صادق في جميع ذلك.
و أعجب من هذا
رِوَايَةُ مُخَالِفِينَا أَنَّ عِيسَى مَرَّ بِأَرْضِ كَرْبَلَاءَ فَرَأَى عِدَّةً مِنَ الظِّبَاءِ هُنَاكَ مُجْتَمِعَةً فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ وَ هِيَ تَبْكِي وَ أَنَّهُ جَلَسَ وَ جَلَسَ الْحَوَارِيُّونَ ثُمَّ بَكَى وَ هُمْ لَا يَدْرُونَ لِمَ جَلَسَ وَ لِمَ يَبْكِي فَقَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ قَالَ أَ تَعْلَمُونَ أَيُّ أَرْضٍ هَذِهِ قَالُوا لَا قَالَ هَذِهِ أَرْضٌ يُقْتَلُ فِيهَا فَرْخُ رَسُولِ اللَّهِ أَحْمَدَ وَ فَرْخُ الْحُرَّةِ الطَّاهِرَةِ الْبَتُولِ شَبِيهَةِ أُمِّي وَ يُلْحَدُ فِيهَا وَ هِيَ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ لِأَنَّهَا طِينَةُ الْفَرْخِ الْمُسْتَشْهَدِ وَ هَكَذَا تَكُونُ طِينَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذِهِ الظِّبَاءُ تُكَلِّمُنِي وَ تَقُولُ إِنَّهَا تَرْعَى فِي هَذِهِ الْأَرْضِ شَوْقاً إِلَى تُرْبَةِ الْفَرْخِ الْمُبَارَكِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى بَعْرِ تِلْكَ الظِّبَاءِ فَشَمَّهَا وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَبْقِهَا أَبَداً حَتَّى يَشَمَّهَا أَبُوهُ فَتَكُونَ لَهُ عَزَاءً وَ سَلْوَةً وَ بَكَى.
1144
و أخبر بقصتها علي بن أبي طالب(ع)لما مر بكربلاء فتصدقون أن بعر تلك الظباء بقي زيادة على ستمائة عام لم تغيره الأمطار و الرياح و لا تصدقون بأن القائم من آل محمد(ع)يبقى حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا و عدلا و تروون أنه يكون المهدي فصل و سياق ذلك الخبر على لفظه
يُرْوَى عَنْ مَشِيخَةِ الْمُخَالِفِينَ عَنْ شَيْخٍ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِالرَّيِّ يُعْرَفُ بِأَبِي عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ تُرْوَى عَنْ شَيْخٍ لَهُمْ بِأَصْفَهَانَ يُعْرَفُ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فِي خَرْجَتِهِ إِلَى صِفِّينَ فَلَمَّا نَزَلَ بِنَيْنَوَى وَ هُوَ شَطُّ الْفُرَاتِ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ
1145
أَ تَعْرِفُ هَذَا الْمَوْضِعَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَوْ عَرَفْتَهُ كَمَعْرِفَتِي لَمْ تَكُنْ تَجُوزُهُ حَتَّى تَبْكِيَ كَبُكَائِي قَالَ فَبَكَى طَوِيلًا حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَ سَالَتِ الدُّمُوعُ عَلَى صَدْرِهِ وَ بَكَيْنَا مَعَهُ وَ هُوَ يَقُولُ أَوْهِ أَوْهِ مَا لِي وَ لآِلِ أَبِي سُفْيَانَ مَا لِي وَ لآِلِ حَرْبٍ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَ أَوْلِيَاءِ الْكُفْرِ صَبْراً أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ لَقِيَ أَبُوكَ مِثْلَ الَّذِي تَلْقَى مِنْهُمْ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ نَعَسَ عِنْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِهِ سَاعَةً ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ هَا أَنَا ذَا قَالَ أَ لَا أُحَدِّثُكَ بِمَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي آنِفاً عِنْدَ رَقْدَتِي قُلْتُ نَامَتْ عَيْنَاكَ وَ رَأَيْتَ خَيْراً قَالَ رَأَيْتُ كَأَنِّي بِرِجَالٍ بِيْضٍ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُمْ أَعْلَامٌ بِيضٌ قَدْ تَقَلَّدُوا سُيُوفَهُمْ وَ هِيَ بِيضٌ تَلْمَعُ وَ قَدْ خَطُّوا حَوْلَ هَذِهِ الْأَرْضِ خَطَّةً ثُمَّ رَأَيْتُ كَأَنَّ هَذِهِ النَّخِيلَ وَ قَدْ ضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الْأَرْضَ وَ هِيَ تَضْطَرِبُ بِدَمٍ عَبِيطٍ وَ كَأَنِّي بِالْحُسَيْنِ سَخْلِي وَ فَرْخِي وَ بَضْعَتِي قَدْ غَرِقَ فِيهِ يَسْتَغِيثُ فَلَا يُغَاثُ
1146
وَ كَأَنَّ الرِّجَالَ الْبِيضَ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ يُنَادُونَهُ وَ يَقُولُونَ صَبْراً آلَ الرَّسُولِ فَإِنَّكُمْ تُقْتَلُونَ عَلَى أَيْدِي شِرَارِ النَّاسِ وَ هَذِهِ الْجَنَّةُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْكَ مُشْتَاقَةٌ ثُمَّ يُعَزُّونَنِي وَ يَقُولُونَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَبْشِرْ فَقَدْ أَقَرَّ اللَّهُ بِهِ عَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ ثُمَّ انْتَبَهْتُ هَكَذَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ أَبُو الْقَاسِمِ(ص)أَنِّي سَأَرَاهَا فِي خُرُوجِي إِلَى أَهْلِ الْبَغْيِ عَلَيْنَا وَ هَذِهِ أَرْضُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ يُدْفَنُ فِيهَا الْحُسَيْنُ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مِنْ وُلْدِي وَ وُلْدِ فَاطِمَةَ وَ أَنَّهَا لَفِي السَّمَاوَاتِ مَعْرُوفَةٌ تُذْكَرُ أَرْضُ كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ كَمَا تُذْكَرُ بُقْعَةُ الْحَرَمَيْنِ وَ بُقْعَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ اطْلُبْ لِي حَوْلَنَا بَعْرَ الظِّبَاءِ فَوَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا كَذَبَنِي قَطُّ وَ هِيَ مُصْفَرَّةٌ لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَطَلَبْتُهَا فَوَجَدْتُهَا مُجْتَمِعَةً فَنَادَيْتُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَصَبْتُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْتَهَا فَقَالَ عَلِيٌّ صَدَقَ اللَّهُ وَ صَدَقَ رَسُولُهُ ثُمَّ قَامَ يُهَرْوِلُ إِلَيْنَا فَحَمَلَهَا وَ شَمَّهَا فَقَالَ هِيَ هِيَ بِعَيْنِهَا أَ تَعْلَمُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا هَذِهِ الْأَبَاعِرُ هَذِهِ قَدْ شَمَّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ هَذَا الطِّيبُ لِمَكَانِ حَشِيشِهَا وَ تَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا قَدَّمْنَاهُ إِلَى أَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَأَبْقِهَا أَبَداً حَتَّى يَشَمَّهَا أَبُوهُ فَتَكُونَ لَهُ عَزَاءً قَالَ فَبَقِيَتْ إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ اللَّهُمَّ يَا رَبَّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَا تُبَارِكْ فِي قَتَلَتِهِ وَ الْحَامِلِ عَلَيْهِ وَ الْمُعِينِ عَلَيْهِ وَ الْخَاذِلِ لَهُ
1147
ثُمَّ بَكَى طَوِيلًا فَبَكَيْنَا مَعَهُ حَتَّى سَقَطَ لِوَجْهِهِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَ أَخَذَ الْبَعْرَ وَ صَرَّهُ فِي رِدَائِهِ وَ أَمَرَنِي أَنْ أَصُرَّهَا كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ إِذَا رَأَيْتَهَا تَنْفَجِرُ دَماً عَبِيطاً فَاعْلَمْ أَنْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ بِهَا وَ دُفِنَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَقَدْ كُنْتُ أَحْفَظُهَا وَ لَا أَحُلُّهَا مِنْ طَرَفِ كُمِّي فَبَيْنَا أَنَا فِي الْبَيْتِ نَائِمٌ وَ قَدْ خَلَا عَشْرُ الْمُحَرَّمِ إِذِ انْتَبَهْتُ فَإِذَا تَسِيلُ دَماً فَجَلَسْتُ وَ أَنَا بَاكٍ فَقُلْتُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَ ذَلِكَ عِنْدَ الْفَجْرِ فَرَأَيْتُ الْمَدِينَةَ كَأَنَّهَا ضَبَابٌ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَ كَأَنَّهَا مُنْكَسِفَةٌ وَ كَأَنَّ عَلَى الْجُدْرَانِ دَماً فَسَمِعْتُ صَوْتاً يَقُولُ وَ أَنَا بَاكٍ
اصْبِرُوا آلَ الرَّسُولِ * * * قُتِلَ الْفَرْخُ الْبَجُولُ
نَزَلَ الرُّوحُ الْأَمِينُ * * * بِبُكَاءٍ وَ عَوِيلٍ
ثُمَّ بَكَى وَ بَكَيْتُ ثُمَّ حَدَّثْتُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْحُسَيْنِ فَقَالُوا لَقَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ وَ نَحْنُ فِي الْمَعْرَكَةِ فَكُنَّا نَرَى أَنَّهُ الْخَضِرُ ع
1148
باب العلامات الكائنة قبل خروج المهدي و معه ع
قَالَ النَّبِيُّ(ص)عَشْرُ عَلَامَاتٍ قَبْلَ السَّاعَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا السُّفْيَانِيُّ وَ الدَّجَّالُ وَ الدُّخَانُ وَ الدَّابَّةُ وَ خُرُوجُ الْقَائِمِ وَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَ نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَ خَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ
وَ قَالَ(ص)يَخْرُجُ بِقَزْوِينَ رَجُلٌ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ فَيُسْرِعُ النَّاسُ إِلَى طَاعَتِهِ الْمُشْرِكُ وَ الْمُؤْمِنُ يَمْلَأُ الْجِبَالَ خَوْفاً
وَ قَالَ(ص)طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَ قَائِمِ أَهْلِ بَيْتِي وَ هُوَ مُعْتَقِدٌ بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ وَ يَتَوَلَّى وَلِيَّهُ وَ يَتَبَرَّأُ مِنْ عَدُوِّهِ وَ يَتَوَلَّى الْأَئِمَّةَ الْهَادِيَةَ مِنْ قَبْلِهِ أُولَئِكَ أَكْرَمُ خَلْقِ
1149
اللَّهِ عَلَيَّ
وَ قَالَ(ص)سَيَأْتِي قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ كُنَّا مَعَكَ بِبَدْرٍ وَ أُحُدٍ وَ حُنَيْنٍ وَ نَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ قَالَ إِنَّكُمْ إِنْ تُحَمَّلُوا مَا حُمِّلُوا لَمْ تَصْبِرُوا صَبْرَهُمْ
وَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)وَ قَدْ ذَكَرَ الْمَهْدِيَّ فَقَالَ إِنَّهُ يُبَايَعُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَ عَبْدُ اللَّهِ وَ الْمَهْدِيُّ فَهَذِهِ أَسْمَاؤُهُ ثَلَاثَتُهَا
وَ قَالَ(ص)لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ نَحْوٌ مِنْ سِتِّينَ كَذَّاباً
فصل:
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ
1150
أَبْيَضُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً مُنْدَحُّ الْبَطْنِ عَرِيضُ الْفَخِذَيْنِ عَظِيمٌ مُشَاشُ الْمَنْكِبَيْنِ بِظَهْرِهِ شَامَتَانِ شَامَةٌ عَلَى لَوْنِ جِلْدِهِ وَ شَامَةٌ عَلَى شِبْهِ شَامَةِ النَّبِيِّ(ص)لَهُ اسْمَانِ اسْمٌ يَخْفَى وَ اسْمٌ يَعْلُنُ فَأَمَّا الَّذِي يَخْفَى فَأَحْمَدُ وَ أَمَّا الَّذِي يَعْلُنُ فَمُحَمَّدٌ فَإِذَا هَزَّ رَايَتَهُ أَضَاءَ لَهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَلَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا صَارَ قَلْبُهُ أَشَدَّ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ وَ أَعْطَاهُ اللَّهُ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَ لَا يَبْقَى مَيِّتٌ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَرْحَةُ فِي قَبْرِهِ وَ هُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَ يَتَبَاشَرُونَ بِقِيَامِ الْقَائِمِ
وَ قَالَ(ع)يَخْرُجُ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ مِنَ الْوَادِي الْيَابِسِ وَ هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ وَحْشُ الْوَجْهِ ضَخْمُ الْهَامَةِ بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ إِذَا رَأَيْتَهُ حَسِبْتَهُ أَعْوَرَ وَ اسْمُهُ عُثْمَانُ وَ أَبُوهُ عَنْبَسَةُ وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ أَبِي سُفْيَانَ حَتَّى يَأْتِيَ أَرْضاً ذَاتَ قَرَارٍ وَ مَعِينٍ فَيَسْتَوِيَ عَلَى مِنْبَرِهَا
1151
وَ قَالَ(ع)إِذَا اخْتَلَفَ رُمْحَانِ فِي الشَّامِ فَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَهْ قَالَ ثُمَّ رَجْفَةٌ تَكُونُ بِالشَّامِ يَهْلِكُ فِيهَا مِائَةُ أَلْفٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ عَذَاباً عَلَى الْكَافِرِينَ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْظُرُوا إِلَى أَصْحَابِ الْبَرَاذِينِ الشُّهُبِ وَ الرَّايَاتِ الصُّفْرِ تُقْبِلُ مِنَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَحُلَّ بِالشَّامِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْتَظِرُوا خَسْفاً بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْتَظِرُوا ابْنَ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ بِالْوَادِي الْيَابِسِ
1152
وَ قَالَ(ع)أَظَلَّتْكُمْ فِتْنَةٌ مُظْلِمَةٌ عَمْيَاءُ مُنْكَسِفَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا النُّوَمَةُ قِيلَ وَ مَا النُّوَمَةُ قَالَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ النَّاسُ مَا فِي نَفْسِهِ
وَ سَأَلَهُ(ع)عُمَرُ عَنْ صِفَةِ الْمَهْدِيِّ فَقَالَ هُوَ شَابٌّ مَرْبُوعٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشَّعْرِ يَسِيلُ شَعْرُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَ نُورُ وَجْهِهِ يَعْلُو سَوَادَ لِحْيَتِهِ وَ رَأْسِهِ بِأَبِي ابْنُ خَيْرِ الْإِمَاءِ
وَ قَالَ(ع)بَيْنَ يَدَيِ الْقَائِمِ مَوْتٌ أَحْمَرُ وَ مَوْتٌ أَبْيَضُ وَ جَرَادٌ فِي حِينِهِ وَ جَرَادٌ فِي غَيْرِ حِينِهِ أَحْمَرُ كَأَلْوَانِ الدَّمِ فَأَمَّا الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ فَالسَّيْفُ وَ أَمَّا الْمَوْتُ الْأَبْيَضُ فَالطَّاعُونُ
1153
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)لَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ حَتَّى يَتَبَرَّأَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَ يَلْعَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَ يَتْفُلَ بَعْضُكُمْ فِي وَجْهِ بَعْضٍ وَ حَتَّى يَشْهَدَ بَعْضُكُمْ بِالْكُفْرِ عَلَى بَعْضٍ قِيلَ مَا فِي ذَلِكَ خَيْرٌ قَالَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذَلِكَ يَقُومُ قَائِمُنَا فَيَرْفَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ
فصل:
وَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَلَا وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ يَوْماً لَنَا مِنْ هَؤُلَاءِ أَلَا وَ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَانْطَلِقُوا جَمِيعاً فِي حِلٍّ فَقَالُوا مَعَاذَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ قُدَّامَ الْقَائِمِ(ع)عَلَامَاتٌ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ هِيَ قَوْلُ اللَّهِ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ خُرُوجِ الْقَائِمِ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ مُلُوكِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي آخِرِ سُلْطَانِهِمْ وَ الْجُوعِ لِغَلَاءِ أَسْعَارِهِمْ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوٰالِ فَسَادِ التِّجَارَاتِ وَ قِلَّةِ الْفَضْلِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَنْفُسِ مَوْتٍ ذَرِيعٍ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَرٰاتِ قِلَّةِ زَكَاءِ مَا يُزْرَعُ وَ بَشِّرِ الصّٰابِرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ بِتَعْجِيلِ خُرُوجِ الْقَائِمِ
1154
وَ رَوَى جَعْفَرٌ أَنَّ دَوْلَةَ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لَهَا أَمَارَاتٌ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ وَ كُفُّوا حَتَّى تَجِيءَ أَمَارَتُهَا فَإِذَا اسْتَثَارَتْ عَلَيْكُمُ الرُّومُ وَ التُّرْكُ وَ جُهِّزَتِ الْجُيُوشُ وَ مَاتَ خَلِيفَتُكُمُ الَّذِي يَجْمَعُ الْأَمْوَالَ وَ اسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ رَجُلٌ صَحِيحٌ فَيُخْلَعُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ بَيْعَتِهِ وَ يَأْتِي هَلَاكُ مُلْكِهِمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ
وَ قَالَ إِنَّ النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ هُوَ غُلَامٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُقْتَلُ بِلَا جُرْمٍ فَإِذَا قُتِلَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَبْعَثُ اللَّهُ قَائِمَ آلِ مُحَمَّدٍ ع
وَ قَالَ لَا يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى تَطْلُعَ مَعَ الشَّمْسِ آيَةٌ
1155
فصل:
وَ قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(ع)صِفْ لَنَا خُرُوجَ الْمَهْدِيِّ وَ عَرِّفْنَا دَلَائِلَهُ وَ عَلَامَاتِهِ فَقَالَ يَكُونُ قَبْلَ خُرُوجِهِ خُرُوجُ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَوْفٌ السُّلَمِيُّ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَ يَكُونُ مَأْوَاهُ تَكْرِيتَ وَ قَتْلُهُ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ ثُمَّ يَكُونُ خُرُوجُ شُعَيْبِ بْنِ صَالِحٍ بِسَمَرْقَنْدَ ثُمَّ يَخْرُجُ السُّفْيَانِيُّ الْمَلْعُونُ بِالْوَادِي الْيَابِسِ وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَإِذَا ظَهَرَ السُّفْيَانِيُّ أَخَذَ فِي الْمَهْدِيِّ ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ وَ قَالَ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِخُرُوجِ الْقَائِمِ فَوَ اللَّهِ مَا لِبَاسُهُ إِلَّا الْغَلِيظُ وَ مَا طَعَامُهُ إِلَّا الشَّعِيرُ الْجَشِيبُ وَ مَا هُوَ إِلَّا السَّيْفُ وَ الْمَوْتُ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ فَمَا تَمُدُّونَ أَعْيُنَكُمْ أَ لَسْتُمْ آمِنِينَ لَقَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ مَنْ هُوَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ يُؤْخَذُ
1156
فَيُقْطَعُ يَدُهُ وَ رِجْلُهُ وَ يُصْلَبُ ثُمَّ تَلَا أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسٰاءُ وَ الضَّرّٰاءُ وَ زُلْزِلُوا
وَ قَالَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ(ع)الْمَفْقُودُونَ عَنْ فُرُشِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ فَيُصْبِحُونَ بِمَكَّةَ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً وَ هُمْ أَصْحَابُ الْقَائِمِ
وَ قَالَ(ع)إِذَا بَنَى بَنُو الْعَبَّاسِ مَدِينَةً عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ كَانَ بَقَاؤُهُمْ بَعْدَهَا سَنَةً
فصل:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ(ع)لِجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ الْزَمِ الْأَرْضَ وَ لَا تُحَرِّكْ يَداً وَ لَا رِجْلًا حَتَّى تَرَى عَلَامَاتٍ أَذْكُرُهَا لَكَ وَ مَا أَرَاكَ تُدْرِكُ اخْتِلَافَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَ مُنَادِياً يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ وَ يَجِيئُكُمُ الصَّوْتُ مِنْ نَاحِيَةِ دِمَشْقَ وَ تُخْسَفُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الشَّامِ تُسَمَّى الْجَابِيَةَ
1157
وَ سَتُقْبِلُ إِخْوَانُ التُّرْكِ حَتَّى يَنْزِلُوا الْجَزِيرَةَ وَ سَتُقْبِلُ مَارِقَةُ الرُّومِ حَتَّى يَنْزِلُوا الرَّمْلَةَ فَتِلْكَ السَّنَةَ فِيهَا اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي كُلِّ أَرْضٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ فَأَوَّلُ أَرْضٍ تُخَرَّبُ الشَّامُ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ عَلَى ثَلَاثِ رَايَاتٍ رَايَةِ الْأَصْهَبِ وَ رَايَةِ الْأَشْهَبِ وَ رَايَةِ السُّفْيَانِيِّ
وَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ لَا بُدَّ مِنْ مُنَادٍ يُنَادِي بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ أَبِي طَالِبٍ إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ ع
1158
وَ قَالَ(ع)آيَتَانِ تَكُونَانِ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ هَبَطَ آدَمُ إِلَى الْأَرْضِ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ الْقَمَرُ فِي آخِرِهِ وَ عِنْدَ ذَلِكَ يَسْقُطُ حِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ
وَ قَالَ(ع)تَنْزِلُ الرَّايَاتُ السُّودُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْكُوفَةِ فَإِذَا ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ
1159
وَ قَالَ(ع)كَأَنِّي بِالْقَائِمِ(ع)يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ قَائِماً بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ يَدُ جَبْرَئِيلَ عَلَى يَدِهِ يُنَادِي بِالْبَيْعَةِ لِلَّهِ فَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا
وَ قَالَ(ع)إِذَا دَخَلَ الْقَائِمُ(ع)الْكُوفَةَ لَمْ يَبْقَ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَ هُوَ بِهَا أَوْ يَجِيءُ إِلَيْهَا
وَ قَالَ(ع)لِعَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ كَمْ تَعُدُّونَ بَقَاءَ السُّفْيَانِيِّ فِيكُمْ قُلْتُ حَمْلَ امْرَأَةٍ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ قَالَ مَا أَعْلَمَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَ قَدْ رُوِيَ حَمْلَ جَمَلٍ
1160
وَ قَالَ(ع)يَمُوتُ سَفِيهٌ مِنْ آلِ عَبَّاسٍ بِالسِّرِّ يَكُونُ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ يَنْكِحُ خَصِيّاً فَيَقُومُ وَ يَذْبَحُهُ وَ يَكْتُمُ مَوْتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَإِذَا سَارَتِ الرُّكْبَانُ فِي بَيْعَةِ الصَّبِيِّ لَمْ يَرْجِعْ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَى آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ حَتَّى يَذْهَبَ مُلْكُهُمْ
وَ قَالَ(ع)إِنَّ أَمْرَنَا لَوْ قَدْ كَانَ لَكَانَ أَبْيَنَ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ ثُمَّ قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ هُوَ الْإِمَامُ بِاسْمِهِ وَ يُنَادِي إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا نَادَى بِرَسُولِ اللَّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ
1161
وَ قَالَ أَنَّى يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ وَ لَمَّا تَكْثُرِ الْقَتْلَى بَيْنَ الْحِيرَةِ وَ الْكُوفَةِ
فصل:
وَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ(ع)لَا يَخْرُجُ الْقَائِمُ(ع)إِلَّا فِي وَتْرٍ مِنَ السِّنِينَ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ إِحْدَى
وَ قَالَ(ع)اخْتِلَافُ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَحْتُومِ وَ خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ الْمَحْتُومِ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ مِنَ الْمَحْتُومِ وَ النِّدَاءُ مِنَ الْمَحْتُومِ يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَسْمَعُهُ كُلُّ قَوْمٍ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَلَا إِنَّ الْحَقَّ فِي عَلِيٍّ وَ شِيعَتِهِ
1162
ثُمَّ يُنَادِي إِبْلِيسُ الْمَلْعُونُ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنَ الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ الْحَقَّ فِي عُثْمَانَ وَ شِيعَتِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ الْمُبْطِلُونَ
وَ قَالَ(ع)لَا يَخْرُجُ الْقَائِمُ حَتَّى يَخْرُجَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كُلُّهُمْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ
وَ قَالَ(ع)لَيْسَ بَيْنَ قِيَامِ الْقَائِمِ وَ قَتْلِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ إِلَّا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً
1163
وَ قَالَ(ع)إِذَا هُدِمَ حَائِطُ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مُؤَخَّرُهُ مِمَّا يَلِي دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ زَوَالُ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ أَمَا إِنَّ هَادِمَهُ لَا يَبْنِيهِ
وَ قَالَ(ع)خُرُوجُ الثَّلَاثَةِ الْخُرَاسَانِيِّ وَ السُّفْيَانِيِّ وَ الْيَمَانِيِّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَ لَيْسَ فِيهَا رَايَةٌ بِأَهْدَى مِنْ رَايَةِ الْيَمَانِيِّ تَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
وَ قَالَ(ع)مَنْ يَضْمَنْ لِي مَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ أَضْمَنْ لَهُ الْقَائِمَ(ع)ثُمَّ قَالَ إِذَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ لَمْ يَجْتَمِعِ النَّاسُ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدٍ
1164
وَ قَالَ(ع)لَا يَكُونُ فَسَادُ مُلْكِ بَنِي فُلَانٍ حَتَّى يَخْتَلِفَ سَيْفَاهُمْ فَإِذَا اخْتَلَفُوا كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ فَسَادُ مُلْكِهِمْ
قَالَ(ع)إِنَّ قُدَّامَ الْقَائِمِ(ع)لَسَنَةً غَيْدَاقَةً يَفْسُدُ التَّمْرُ فِي النَّخْلِ فَلَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ
وَ قَالَ(ع)عَامَ الْفَتْحِ يَنْبَثِقُ الْفُرَاتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَزِقَّةَ الْكُوفَةِ
1165
فصل:
وَ قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً الظَّاهِرَةُ الْإِمَامُ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنَةُ الْإِمَامُ الْغَائِبُ يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ شَخْصُهُ تَظْهَرُ لَهُ كُنُوزُ الْأَرْضِ وَ يُقَرَّبُ عَلَيْهِ كُلُّ بَعِيدٍ
وَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَهْمٍ سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا الْحَسَنِ(ع)عَنِ الْفَرَجِ فَقَالَ تُرِيدُ الْإِكْثَارَ أَوْ أُجْمِلُ لَكَ قَالَ بَلْ تُجْمِلُهُ لِي قَالَ إِذَا تَحَرَّكَتْ رَايَاتُ قَيْسٍ بِمِصْرَ وَ رَايَاتُ كِنْدَةَ بِخُرَاسَانَ أَوْ ذَكَرَ غَيْرَ كِنْدَةَ
وَ قَالَ(ع)إِنَّ الْقَائِمَ يُنَادَى بِاسْمِهِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ يَقُومُ
1166
يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَلَا يَبْقَى رَاقِدٌ إِلَّا قَامَ وَ لَا قَائِمٌ إِلَّا قَعَدَ وَ لَا قَاعِدٌ إِلَّا قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْتِ وَ هُوَ صَوْتُ جَبْرَئِيلَ
وَ قَالَ إِذَا قَامَ الْقَائِمُ(ع)أُتِيَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ يَا هَذَا إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ صَاحِبُكَ فَإِنْ تَشَأْ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ فَالْحَقْ وَ إِنْ تَشَأْ أَنْ تقم [تُقِيمَ فِي كَرَامَةِ رَبِّكَ فَقُمْ
وَ قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ الْحُسَيْنِ(ع)قَالَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ عِنْدَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَا زَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ فَقَالَ أُبَيٌّ كَيْفَ يَكُونُ غَيْرُكَ زَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ(ص)الْحُسَيْنُ فِي السَّمَاءِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى يَمِينِ عَرْشِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ انْتَهَى إِلَى ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ(ع)مِنْ وُلْدِهِ يَرْضَى بِهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْكُمُ بِالْعَدْلِ وَ يَأْمُرُ بِهِ وَ يَخْرُجُ مِنْ تِهَامَةَ حَتَّى تَظْهَرَ الدَّلَائِلُ وَ الْعَلَامَاتُ يَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَقْصَى الْبِلَادِ عَدَدَ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا عَدَدُ أَسْمَاءِ أَصْحَابِهِ وَ آبَائِهِمْ وَ بُلْدَانِهِمْ وَ حُلَاهُمْ وَ كُنَاهُمْ
1167
قَالَ أُبَيٌّ وَ مَا عَلَامَاتُهُ وَ دَلَالاتُهُ قَالَ(ص)لَهُ عَلَمٌ إِذَا حَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ انْتَشَرَ ذَلِكَ الْعَلَمُ بِنَفْسِهِ فَنَادَاهُ الْعَلَمُ اخْرُجْ يَا وَلِيَّ اللَّهِ وَ اقْتُلْ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَ لَهُ سَيْفٌ إِذَا حَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ اقْتَلَعَ مِنْ غِمْدِهِ فَنَادَاهُ السَّيْفُ اخْرُجْ يَا وَلِيَّ اللَّهِ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَقْعُدَ عَنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَيَخْرُجُ وَ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَ مِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ وَ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيَّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صَحِيفَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ خَاتَماً فَعَمَلُ كُلِّ إِمَامٍ عَلَى خَاتَمٍ وَ صِفَتُهُ فِي صَحِيفَتِهِ
وَ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشَّارٍ رَضِيعِ الْحُسَيْنِ(ع)شِعْراً
إِذَا كَمُلَتْ إِحْدَى وَ ستين [سِتُّونَ حِجَّةً * * * إِلَى التِّسْعِ مِنْ بَعْدِهِنَّ ضَرَائِحُ
وَ قَامَ بَنُو لَيْثٍ بِنَصْرِ ابْنِ أَحْمَدَ * * * يَهُزُّونَ أَطْرَافَ الْقَنَا وَ الصَّفَائِحِ
تَعْرِفُهُمْ شُعْثَ النَّوَاصِي يَقُودُهَا * * * مِنَ الْمَنْزِلِ الْأَقْصَى شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ
وَ حَدَّثَنِي ذَا أَعْلَمُ النَّاسِ كُلِّهِمْ * * * أَبُو حَسَنٍ أَهْلُ التُّقَى وَ الْمَدَائِحِ.
ذَكَرَ ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابِ النُّبُوَّةِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَعَثَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَسْتَخْرِجُ لَهُ بِئْراً فِي أَرْضِنَا فَحَفَرْنَا فِيهَا مِائَتَيْ قَامَةٍ ثُمَّ بَدَتْ لَنَا جُمْجُمَةٌ فَحَفَرْنَا حَوْلَهَا فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَ إِذَا كَفُّهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِهِ عَلَى مَوْضِعِ ضَرْبَتِهِ فَكُنَّا إِذَا نَحَّيْنَا يَدَهُ عَنْ رَأْسِهِ سَالَتِ الدِّمَاءُ وَ إِذَا أَعَدْنَاهَا سُتِرَتِ الْجُرْحُ وَ إِذَا فِي ثَوْبِهِ مَكْتُوبٌ أَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ(ع)إِلَى قَوْمِهِ فَضَرَبُونِي وَ طَرَحُونِي فِي هَذَا الْجُبِّ وَ هَالُوا عَلَيَّ التُّرَابَ
1168
فصل:
وَ قَالَ الرِّضَا(ع)لَا بُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ صَمَّاءَ صَيْلَمٍ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَ وَلِيجَةٍ وَ ذَلِكَ عِنْدَ فِقْدَانِ الشِّيعَةِ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي يَبْكِي عَلَيْهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَ أَهْلُ الْأَرْضِ وَ كَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ مُتَأَسِّفٍ حَرَّانَ حَيْرَانَ حَزِينٍ عِنْدَ فِقْدَانِ الْمَاءِ الْمَعِينِ كَأَنِّي بِهِمْ شَرَّ مَا يَكُونُونَ وَ قَدْ نُودُوا نِدَاءً يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ يَكُونُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ عَذَاباً عَلَى الْكَافِرِينَ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ وَ أَيُّ نِدَاءٍ هُوَ قَالَ يُنَادَوْنَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ صَوْتاً أَلٰا لَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الظّٰالِمِينَ
1169
وَ الصَّوْتُ الثَّانِي أَزِفَتِ الْآزِفَةُ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الصَّوْتُ الثَّالِثُ يَرَوْنَ بَدَناً بَارِزاً نَحْوَ عَيْنِ الشَّمْسِ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَرَّ فِي هَلَاكِ الظَّالِمِينَ وَ فِي رِوَايَةِ الْحِمْيَرِيِّ وَ الصَّوْتُ الثَّالِثُ بَدَنٌ يُرَى فِي قَرْنِ الشَّمْسِ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فُلَاناً فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا وَ قَالا جَمِيعاً فَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْتِي لِلنَّاسِ الْفَرَجُ وَ يَوَدُّ الْأَمْوَاتُ أَنْ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً وَ يَشْفِي اللَّهُ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وَ قَالَ الْبَزَنْطِيُّ قَالَ الْإِمَامُ الرِّضَا(ع)إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الْفَرَجِ حَدَثاً يَكُونُ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قُلْتُ وَ أَيُّ شَيْءٍ الْحَدَثُ فَقَالَ عَصَبِيَّةٌ تَكُونُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ
1170
وَ يَقْتُلُ فُلَانٌ مِنْ وُلْدِ فُلَانٍ خَمْسَةَ عَشَرَ كَبْشاً مِنَ الْعَرَبِ
وَ قَالَ(ع)لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْنَاقَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُوا وَ تُمَحَّصُوا فَلَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا الْأَنْدَرُ
وَ عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ قُلْتُ لِلرِّضَا(ع)مَا عَلَامَةُ الْقَائِمِ مِنْكُمْ إِذَا خَرَجَ فَقَالَ عَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخَ السِّنِّ شَابَّ الْمَنْظَرِ حَتَّى إِنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهِ لَيَحْسَبُهُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ دُونَهَا وَ إِنَّ مِنْ عَلَامَاتِهِ أَنْ لَا يَهْرَمَ بِمُرُورِ الْأَيَّامِ
1171
وَ اللَّيَالِي حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ
و أمثال هذه العلامات لا تعد كثرة.
و إذا خرج القائم(ع)يقال له في التسليم (عليه السلام) عليك يا بقية الله في أرضه
فصل:
وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّقِيُّ(ع)لِعَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ فِي غَيْبَتِهِ وَ يُطَاعَ فِي ظُهُورِهِ وَ هُوَ الثَّالِثُ مِنْ وُلْدِي وَ إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ كَمَا أَصْلَحَ أَمْرَ كَلِيمِهِ مُوسَى(ع)حَيْثُ ذَهَبَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً هُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَنِيُّهُ تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ
1172
قِيلَ وَ لِمَ سُمِّيَ الْقَائِمَ قَالَ لِأَنَّهُ يَقُومُ بَعْدَ مَوْتِ ذِكْرِهِ وَ ارْتِدَادِ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ وَ سُمِّيَ الْمُنْتَظَرَ لِأَنَّ لَهُ غَيْبَةً يَطُولُ أَمَدُهَا فَيَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ الْمُخْلِصُونَ وَ يُنْكِرُهُ الْمُرْتَابُونَ وَ يَهْلِكُ الْمُسْتَعْجِلُونَ
فصل:
وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّقِيِّ(ع)قَالَ إِذَا غَابَ صَاحِبُكُمْ عَنْ دَارِ الظَّالِمِينَ فَتَوَقَّعُوا الْفَرَجَ
1173
وَ قَالَ(ع)صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ
وَ قَالَ(ع)الْجُمُعَةُ ابْنُ ابْنِي إِلَيْهِ تَجْتَمِعُ عِصَابَةُ الْحَقِّ
1174
فصل:
وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ(ع)لِأَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ وَ قَدْ أَتَاهُ لِيَسْأَلَهُ عَنِ الْخَلَفِ بَعْدَهُ فَقَالَ مُبْتَدِئاً مَثَلُهُ مَثَلُ الْخَضِرِ وَ مَثَلُهُ مَثَلُ ذِي الْقَرْنَيْنِ إِنَّ الْخَضِرَ شَرِبَ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ فَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ وَ إِنَّهُ لَيَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ وَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيُونِسُ اللَّهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ وَ يَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ فَلَهُ الْبَقَاءُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْغَيْبَةِ عَنِ الْأَبْصَارِ
وَ سُئِلَ عَلِيٌّ(ع)عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ فَقَالَ سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ وَ مُدَّ لَهُ الْأَسْبَابُ وَ بُسِطَ لَهُ النُّورُ وَ كَانَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ
1175
عَلَيْهِ سَوَاءً وَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ دَنَا مِنَ الشَّمْسِ حَتَّى أَخَذَ بِقَرْنِهَا فِي شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا فَلَمَّا قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى قَوْمِهِ عَزَّ فِيهِمْ وَ سَمَّوْهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَأَسْلَمُوا ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَبْنُوا لَهُ مَسْجِداً فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ فَأَمَرَ أَنْ يَجْعَلُوا طُولَهُ أَرْبَعَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَ عَرْضَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَ عَرْضَ حَائِطِهِ اثْنَيْنِ وَ عِشْرِينَ ذِرَاعاً وَ عُلُوَّهُ إِلَى السَّمَاءِ مِائَةَ ذِرَاعٍ فَقَالُوا كَيْفَ لَكَ بِخَشَبٍ يَبْلُغُ مَا بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ فَقَالَ إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ بُنْيَانِ الْحَائِطَيْنِ فَاكْبِسُوا بِالتُّرَابِ حَتَّى يَسْتَوِيَ مَعَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ وَ إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ ذَلِكَ أَخَذْتُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ عَلَى قَدْرِهِ ثُمَّ قَطَعْتُمُوهُ مِثْلَ قُلَامَةِ الْأَظْفَارِ ثُمَّ خَلَطْتُمُوهُ مَعَ ذَلِكَ الْكَبْسِ وَ عَمِلْتُمْ لَهُ خَشَباً مِنْ نُحَاسٍ وَ صَفَائِحَ مِنْ نُحَاسٍ تَذُوبُونَ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الْعَمَلِ كَيْفَ شِئْتُمْ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ ذَلِكَ دَعَوْتُمُ الْمَسَاكِينَ لِنَقْلِ ذَلِكَ التُّرَابِ فَيُسَارِعُونَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ فَبَنَوُا الْمَسْجِدَ وَ أَخْرَجَ الْمَسَاكِينُ ذَلِكَ التُّرَابَ وَ قَدِ اسْتَقَلَّ السَّقْفُ بِمَا فِيهِ وَ اسْتَغْنَى الْمَسَاكِينُ فَجَنَّدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْنَادٍ فِي كُلِّ جُنْدٍ عَشْرَةُ آلَافٍ وَ نَشَرَهُمْ
1176
فِي الْبِلَادِ
وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِذَا قَامَ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ(ع)يَبْنِي فِي ظَهْرِ الْكُوفَةِ مَسْجِداً لَهُ أَلْفُ بَابٍ
الخرائج و الجرائح
الجزء الثالث
تأليف
قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

