الصفحة 3
بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولو لا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم (1) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ (2) وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق، فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا ألسنتكم ألا من خير.
وإياكم أن تزلقوا ألسنتكم (3) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تزلقوا ألسنتكم به فإن زلق اللسان فيما يكره الله وما [ي] نهى عنه مرداة (4) للعبد عند الله ومقت من الله وصم وعمي وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فتصيروا كما قال الله: " صم بكم عمي فهم لا يرجعون (5) " يعني لا ينطقون " ولا يؤذن لهم فيعتذرون ".
____________
(1) السطو: القهر اي وقبوا عليكم وقهروكم. (2) قال العلامة المجلسي رحمه الله: اعلم انه يظهر من بعض النسخ المصححة انه قد اختل نظم هذا الحديث وترتيبه بسبب تقديم بعض الورقات تاخير بعضها وفيها قوله: (ولا صبر لهم)
متصل بقوله فيما بعد: (من اموركم) هكذا: (ولا صبر لهم على شئ من اموركم تدفعون انتم السيئة إلى آخر ما سيأتي) وهو الصواب وسيظهر لك مما سنشير اليه في كل موضع من مواضع الاختلاف صحة تلك النسخة واختلال النسخ المشهورة اه. اقول: نقل هذه الرسالة صاحب الوافي رحمه الله عن الكافي في روضة الوافي عن مثل تلك النسخة التي اشار اليها العلامة المجلسي ولكن لم نعثر عليها مع كثرة ما لدينا من النسخ ولا يسعنا تغييرها عن هذه الصورة المشوشة فاثبتناها هكذا واوردناها بتمامها عن الوافي في آخر هذا المجلد مشفوعة بتفسير غريبها وتوضيح مشكلها.
(3) (ان تزلقوا) بالزاي المعجمة بمعنى النصر والفرح. وفي بعض النسخ بالذال المعجمة اخت الدال والمعنى ظاهر.
(4) في بعض النسخ [وفيما ينهى] والمرداة بغير الهمزة مفعلة من الردى بمعنى الهلاك.
(5) في بعض النسخ [لا يعقلون] وكلاهما في سورة البقرة: 18 و 171.
(6) المرسلات: 36. (*)
الصفحة 4
وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد، فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التى تعقب أهلها خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة [له] فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله وإياكم أن تشره أنفسكم (1) إلى شئ مما حرم الله عليكم فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين.
واعلموا أنه بئس الحظ الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها، ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم وأسوأ حالهم عندربهم يوم القيامة، استجيروا بالله أن يجيركم (2) في مثالهم ابدا وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به.
فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم به (3) فإنه لايتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم
____________
(1) في بعض النسخ (لتفلحوا وتنجحوا من عذاب الله الخ). وشره كفرح: غلبه حرصه.
(2) اي استعيذوا بالله من ان يكون اجارته تعالى اياكم على مثال اجارته لهم فانه لا يجيرهم من عذابه في الاخرة وانما اجارهم في الدنيا. وفي بعض النسخ (ان يجريكم) وفي بعضها (من مثالهم)
فالمراد استجيروا بالله لان يجيركم من مثالهم اي من ان تكونوا مثلهم. (آت).
(3) لعل المراد: اتقوا الله ولا تتركوا التقوى عن الشرك والمعاصي عند ارادة الله اتمام ما اعطاكم من دين الحق، ثم بين (عليه السلام) الاتمام بانه انما يكون بالابتلاء والافتتان وتسليط من يؤذيكم عليكم. فالمراد الامر بالتقوى عند الابتلاء بالفتن وذكر فائدة الابتلاء بانه سبب لتمام الايمان فلذا يبتليكم. (آت). (*)
الصفحة 5
وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا (1) بجنوبكم وحتى يستذلوكم ويبغضوكم وحتى يحملوا [عليكم] الضيم فتحملوا منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله عزوجل يجترمونه (2) إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل (عليه السلام) على نبيكم (صلى الله عليه وآله) سمعتم قول الله عزوجل لنبيكم (صلى الله عليه وآله): " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم (3) " ثم قال:
" وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا (4) " فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق فإن سركم أمر الله (5) فيهم الذي خلقهم له في الاصل - أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله: " وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار "
فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه فإنه من يجهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر الله به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله فأكبه الله على وجهه في النار.
وقال: أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى لا رأي ولا مقائيس أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم
____________
(1) يقال: عرك الاذى بجنبه اي احتمله.
(2) في القاموس: اجترم عليهم واليهم جريمة: جنى جناية.
(3) الاحقاف: 35.
(4) الانعام: 34. وفيها (ولقد كذبت.. الخ).
(5) في النسخة المصححة التي اومأنا اليها قوله: (أن سركم) متصل بما سيأتي في آخر الرسالة: (أن تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله)) إلى آخر الرسالة وهو الاصوب. (آت)
(6) القصص: 41. وفيها (وجعلناهم ائمة يدعون... الخ). (*)
الصفحة 6
بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم - أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه وإلى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذى أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة (1) فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله صلى عليه وآله قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه راى الناس بعد ما قبض الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) وبعدعهده الذي عهده إلينا وأمرنا به مخالفا لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه والله إن لله علي خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته هل يستطيع أولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد (صلى الله عليه وآله) أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا وإن قال: لا، لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه فقد آقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله وقوله الحق:
" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (2) " وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد قبض الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وكما لم يكن لاحد من الناس مع محمد (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد (صلى الله عليه وآله) فكذلك لم يكن لاحد من الناس بعد محمد (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه.
____________
(1) اي عالم الارواح. (آت).
(2) آل عمران: 144. (*)
الصفحة 7
وقال: دعوا رفع أيديكم في الصلاة (1) إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فإن الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال: أكثروا من أن تدعوا الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه وقد وعد الله عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فإن الله أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده إلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه فإن الله تبارك وتعالى قال في كتابه وقوله الحق: " وذروا ظاهر الاثم وباطنه (2) "
واعلموا أن ما أمر الله به أن تجتنبوه فقد حرمه، واتبعوا آثار رسول الله صلى عليه وآله وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله، وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا (3) مع ذلك طاعة ربكم. وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو؟ إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب
____________
(1) اعلم ان رفع اليدين في تكبير الافتتاح لا خلاف في انه مطلوب للشارع بين العامة والخاصة والمشهور بين الاصحاب الاستحباب وذهب السيد ره من علمائنا إلى الوجوب واما الرفع في سائر التكبيرات فالمشهور بين الفريقين ايضا استحبابه وقال الثوري وابوحنيفة وابراهيم النخعي: لا رفع الا عند الافتتاح وذهب السيد ره إلى الوجوب في جميع التكبيرات ولما كان في زمانه (عليه السلام) عدم استحباب الرفع اشهر بين العامة فلذا منع الشيعة عن ذلك يشهروا بذلك فيعرفونهم. (آت).
(2) الانعام: 120.
(3) جواب للامر اي انكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الامن وعدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربكم فيما امركم به من التقية. وفي بعض النسخ (تجمعون) فيكون حالا عن ضميري الخطاب اي ان اجمعوا طاعة الله مع المجاملة، لا بأن تتابعوهم في المعاصي وتشاركوهم في دينهم بل بالعمل بالتقية فيما أمركم الله فيه بالتقية. (آت). (*)
الصفحة 8
الله ومن أظلم عند الله ممن أستسب لله ولاولياء الله، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال: أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته واثار الائمه الهداة من اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل لانهم هم الذين امر الله بطاعتهم و ولايتهم وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء، ألا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله إلا بطاعته والصبر والرضا لان الصبر والرضا من طاعة الله، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره، وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم (1)، وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمرني ربي بحب المساكين المسلمين [منهم]، وعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا، قاتقوا الله في إخوانكم الملسمين المساكين فإن لهم عليكم حقا أن تحبوهم فإن الله أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) بحبهم فمن لمن يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين.
وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله عزوجل فمن نازع الله رداء ه قصمه الله وأذله يوم القيامة، وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله، وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد، و إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم فإن أبانا رسول الله
____________
(1) (اياكم) عطف على المؤمنين. (*)
الصفحة 9
(صلى الله عليه وآله) كان يقول: إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة، وليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم الملسمين أن تعسروه (1) بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فإن من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل، وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب الله لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولا كنه فضلها إلا الله رب العالمين.
وقال: اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم أن لا يكون منكم محرج الامام فإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح من أتباع الامام، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين لحرمته، واعلموا أنه من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج الامام، فإذا فعل ذلك عند الامام أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من أتباعه، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه العارفين بحرمته، فإذا لعنهم لاحراج أعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسله على اولئك (2).
____________
(1) عسر الغريم يعسره: طلب منهه على عسرته كاعسره. (القاموس).
(2) (محرج الامام) في الصحاح: احرجه اليه الجأه. وفيه: سعى به إلى الوالي إذا وشى به يعني نمه وذمه عنده. اقول: الظاهر ان المراد لا تكونوا محرج الامام اي بان تجعلوه مضطرا إلى شئ لا يرضى به، ثم بين (عليه السلام) بان المحرج هو الذي يذم اهل الصلاح عند الامام ويشهد عليهم بفساد وهو كاذب في ذلك فيثبت ذلك بظاهر حكم الشريعة عند الامام فيلزم الامام ان يلعنهم فاذا لعنهم وهم غير مستحقين لذلك تصير اللعنة عليهم رحمة وترجع اللعنة إلى الواشي الكاذب الذي الجأ الامام إلى ذلك. او المراد انه ينسب الواشي إلى اهل الصلاح عند الامام شيئا بمحضر جماعة يتقى منهم الامام فيضطر الامام إلى ان يلعن من نسب اليه ذلك تقية. ويحتمل ان يكون المراد ان (*)
الصفحة 10
واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين قبل. وقال: من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فليتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوهم ويسلم لما انتهى إليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، ألم تسمعوا ماذكر الله من فضل أتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال: " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا (1) " فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ومن سره ان يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا وإجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فم يبق شئ مما فسر مما حرم الله إلا وقد دخل في جملة قوله (2)، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا، وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن و بطنه وقد قال الله تعالى: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (3) " (إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع (4) يعنى المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ".
____________
محرج الامام هو من يسعى باهل الصلاح إلى ائمة الجور ويجعلهم معروفين عند ائمة الجور بالتشيع فيلزم ائمة الحق لرفع الضرر عن انفسهم وعن اهل الصلاح ان يلعنوهم ويتبرؤوا منهم فيصير اللعنة إلى الساعين وائمة الجور معا وعلى هذا المراد باعداء الله ائمة الجور وقوله: (إذا فعل ذلك عند الامام) يؤيد المعنى الاول. هذه من الوجوه التي خطر بالبال والله اعلم ومن صدر عنه صلوات الله عليه. (آت).
(1) النساء: 69.
(2) اي في الفواحش، فقوله تعالى اجتناب الفواحش يشمل اجتناب جميع المحرمات. وقوله:
(فمن دان الله) اي عبدالله فيما بينه وبين ربه اي مختفيا ولا ينظر إلى غيره ولا يلتفت إلى من سواه.
(3) آل عمران: 135.
(4) اي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص واسماعيل. (*)
الصفحة 11
وعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عمانهى عنه فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه فإن مات على معصيته أكبه الله على وجهه في النار.
واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له، فاجتهدوا في طاعة الله (1)، إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة إلا بالله. وقال: وعليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم.
واعلموا أن الاسلام هو التسليم والتسليم هو الاسلام فمن سلم فقد أسلم ومن لم يسلم فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فإنه من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الاحسان.
وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها فإنه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة، فلاهل الاحسان عند ربهم الجنة ولاهل الاساءة عند ربهم النار، فاعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئالا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه، واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضى الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد صلوات الله عليهم ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكرلهم فضلا عظم أو صغر.
واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله عزوجل قال للمنافقين وقوله الحق: " إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (2) " ولا يفرقن (3) أحد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس ممن أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها فإن من لم يجعل الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الانس والجن وإن لشياطين الانس حيلة ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق
____________
(1) في بعض النسخ (فجدوا) وفي بعضها (فخذوا). (2) النساء: 5 14.
(3) الفرق: الخوف. اي ولا يخافن. وفي بعض النسخ (لا يعرفن). (*)
الصفحة 12
في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواءا كما وصف الله تعالى في كتابه من قوله:
" ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءا (1) " ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله به من حيلة شياطين الانس ومكرهم من اموركم تدفعون أنتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم، تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم لا خير عندهم لا يحل لكم أن تظهروهم على اصول دين الله فإنهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم وجهدوا على هلاككم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصفة منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فإنه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزله أهل الباطل لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ألم يعرفوا وجه قوله الله في كتابه إذ يقول: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار (2) " أكرموا أنفكسم عن أهل الباطل ولا تجعلوا الله تبارك وتعالى وله المثل الاعلى وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لاهل الباطل (3) فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا، فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمة، أحبوا في الله من وصف صفتكم وأبغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم [لمن وصف صفتكم] ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغى [ل] كم الغوائل، هذا أدبنا أدب الله فخذوا به وتفهموه واعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به وإياكم والتجبر على الله واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله إلا تجبر على دين الله، فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ولا قوة لنا ولكم إلا بالله.
وقال (ع): إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل - أصل الخلق _ مؤمنا لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده عنه ومن كره الله اليه الشر وباعده عنه (4) عافاه الله من الكبر
____________
(1) النساء: 88.
(2) ص: 8 2. (3) العرضة: الحيلة.
(4) في بعض النسخ (منه) في الموضعين. (*)
الصفحة 13
أن يدخله والجبرية، فلانت عريكته (1) وحسن خلقه وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه ورزقه الله مودة الناس ومجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق _ كافرا لم يمت حتى يحبب اليه الشر ويقربه منه فإذا حبب إليه الشر وقربه منه ابتلى بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر.
سلوا الله العافيه واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، صبروا النفس على البلاء في الدنيا فإن تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الآخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم الله في كتابه في قوله: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (2) " وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلالة الذين قضى الله أن يكون لهم دول في الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله) ليحق عليهم كلمة العذاب وليتم أن تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى به انبياءه وأتباعهم المؤمنين، ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم، وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم.
واعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام: فإذا أعطاه ذلك أنطق
____________
(1) الجبرية بكسر الجيم والراء وسكون الباء وبكسر الباء ايضا وبفتح الجيم وسكون الباء:
التكبر. والعريكة الطبيعة.
(2) الانبياء: 73. (*)
الصفحة 14
لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك تم له إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذى لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه يوم القيامة، فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفيكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين.
ومن سره ان يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألم يسمع قول الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله) قل: " إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم (1) "؟ والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين.
صحيفة علي بن الحسين (عليهما السلام)
(وكلامه في الزهد)
2 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبى حمزة قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين (ع) إلا ما بلغنى من على بن أبي طالب (ع)، قال أبوحمزة: كان الامام علي بن الحسين (ع) إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته، قال أبوحمزة و قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين (ع) وكتبت ما فيها ثم أتيت علي بن الحسين صلوات الله عليه فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصححه وكان ما فيها:
____________
(1) آل عمران: 31. (*)
الصفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين، أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا المائلون إليها، المفتتنون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد (1)
غدا واحذروا ما حذركم الله منها وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، والله إن لكم مما فيها عليها [ل] دليلا وتنبيها من تصريف أيامها وتغير انقلابها ومثلاتها (2) وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل (3) وتضع الشريف وتورد أقواما إلى النار غدا ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه، إن الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن (4) وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب (5) عن تنبهها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله، فليس يعرف تصرف أيامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله ونهج سبيل الرشد و سلك طريق القصد ثم استعان على ذلك بالزهد فكرر الفكر واتعظ بالصبر فازدجر وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذاتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها وراقب الموت وشنأ الحياة (6) مع القوم الظالمين، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة البصر (7) وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة، فلقد لعمري استدبرتم الامور الماضية في الايام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك (8) فيما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الارض بغير الحق، فاستعينوا بالله و ارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع فاطيع.
____________
(1) الحطام: ما يكسر من اليبس والهامد: البالي المسود المتغير، واليابس من النبات والهشيم من النبات: اليابس المتكسر. والبائد: الذاهب المنقطع أو الهالك.
(2) المثلات: العقوبات.
(3) الخامل: الساقط الذي لا نباهة له.
(4) في بعض النسخ (ملمات).
(5) التثبيط: التعويق والشغل عن المراد.
(6) الشناءة: البغض وشنأه: أبغضه.
(7) في بعض النسخ (حديدة النظر).
(8) الانهماك: التمادي في الشئ واللجاج فيه. (*)
الصفحة 16
فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان (1) فمن عرف الله خافه وحثه الخوف على العمل بطاعة الله وإن ارباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له و رغبوا إليه وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء (2) " فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله فإن ذلك أقل للتبعة وأدنى من العذر وأرجا للنجاة فقدموا أمر الله وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم.
واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسائلة والعرض على رب العالمين يومئذ لا تكلم نفس إلا باذنه.
وأعلموا أن الله لا يصدق يومئذ كاذبا ولا يكذب صادقا ولا يرد عذر مستحق ولا يعذر غير معذور، له الحجة على خلقه بالرسل والاوصياء بعد الرسل فاتقوا الله عباد الله واستقبلوا في إصلاح أنفسكم وطاعة الله (3) وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم فيما فرط بالامس في جنب الله وضيع من حقوق الله واستغفروا الله وتوبوا إليه فإنه يقبل التوبة ويعفوا عن السيئة ويعلم ما تفعلون وإياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم (4) واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولى الله كان في نار تلتهب، تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض (5) حر النار
____________
(1) الالف: الاليف.
(2) فاطر: 28.
(3) في بعض النسخ (في اصلاح انفسكم في طاعة الله).
(4) الساحة: الناحية.
(5) (مضض) كفرح: الم. والمضض محركة وجع المصيبة.
الصفحة 17
واعتبروا يا أولي الابصار وأحمدوا الله على ما هداكم واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ورسوله ثم إليه تحشرون، فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين.
3 أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي وهو العاصمي، عن عبدالواحد بن الصواف، عن محمد ابن اسماعيل الهمداني، عن أبى الحسن موسى (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجي واستشعروا التقوى شعارا باطنا واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طريق النجاة، انظروا في الدنيا نظر الزاهد المفارق لها فإنها تزيل الثاوي (1) الساكن وتفجع المترف الآمن من لا يرجى منها ما تولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، وصل البلاء منها بالرخاء والبقاء منها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن والبقاء فيها إلى الضعف والوهن، فهى كروضة اعتم مرعاها واعجبت من يراها، عذب شربها، طيب تربها، تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها الندى، حتى إذا بلغ العشب إبانه واستوى بنانه (4) هاجت ريح تحت الورق وتفرق ما اتسق فأصبحت كما قال الله: " هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا (5) "، انظروا في الدنيا في كثرة ما يعجبكم وقلة ما ينفعكم.
____________
(1) الثاوي: القائم. والمترف الطاغى، اترفته النعمة: اطغته.
(2) اعتم النبت اي اكتهل واكتهل النبات اي تم طوله وظهر نوره.
(3) في المصباح: مج الرجل الماء من فيه من باب قتل: رمى به. وقال: الثرى وزان الحصا:
ندى الارض انتهى. ونطف الماء ينطف بكسر وضم: إذا قطر قليل قليل.
(4) العشب: الكلاء الرطب: وإبان الشئ حينه أو أوله.
(5) الكهف: 46. (*)
الصفحة 18
(خطبة لامير المؤمنين (ع))
(وهي خطبة الوسيلة)
4 محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبى جعفر (ع) فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني (1) اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيامه، يا جابر اسمع وع، قلت: إذا شئت (2)، قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين (ع) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك حين فرغ من جمع القرآن، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبة والتشاكل بل هو الذى لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان، فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا.
نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان
____________
(1) ارمضني اي احرقني واوجعني.
(2) اي إذا شئت يا ابن رسول الله سمعت منك ووعيت وما اخبرت احدا من الناس، فحسب جابر ان مراد الامام (عليه السلام) بقوله: (وع) يعني لا تخبر احدا من الناس فاجابه (عليه السلام) بان قال:
اسمع وع إلى ان تبلغ بلادك فاذا انتهت بك راحلتك إلى بلادك فبلغ شيعتنا. (*)
الصفحة 19
العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (صلى الله عليه وآله) تسليما.
أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجع من التوبة ولا لباس أجمل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة (1) والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين والحرص داع إلى التقحم (2) في الذنوب وهو داعي للحرمان و البغي سائق إلى الحين والشره (3) جامع لمساوي العيوب، رب طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب (4) وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.
أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب ولا نصب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوءة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت ولاغائب أقرب من الموت.
أيها الناس [إنه] من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ومن نسي زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل
____________
(1) اي تمكن واستقر في متسع الراحة. والاحتكار: الجمع والامساك. (في)
(2) التقحم: الدخول في الامر من غير روية.
(3) الحين بالفتح: الهلاك والشره: الحرص.
(4) في بعض النسخ (مفظعات).
(5) السوءة: الخصلة القبيحة.
(6) في بعض النسخ (انهتك حجاب بيته). (*)
الصفحة 20
ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الانذال حقر (1)، ومن حمل ما لا يطيق عجز.
أيها الناس إنه لا مال [هو] أعود من العقل (2)، ولا فقر [هو] أشد من الجهل، ولا واعظ [هو] أبلغ من النصح، ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت.
أيها الناس في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، حاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان (3) وحاضر تجلى به الضغائن (4)، ومونق تلتذ به الاسماع.
أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم (5) كما أنه لا خير في القول بالجهل.
واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن لايوقر يتوبخ (6)، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم (7) ومن لم يعط قاعدا منع قائما (8)، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد.
____________
(1) الانذال: السفهاء والاخساء.
(2) الاعود: الانفع.
(3) (معز) من التعزية بمعنى التسلية.
(4) في تحف العقول (وحامد تجلى به الضغائن) والضغينة: الحقد والمونق: المعجب وفي بعض النسخ (تلهى به الاسماع) وفي بعضها (يلهى الاسماع).
(5) الحكم بالضم: الحكمة.
(6) في بعض النسخ (ومن يتق ينج) موضع (ومن لا يوقر يتوبخ).
(7) يعني من لا يدع الشر ومالا ينبغي على اختيار يدعه على اضطرار. (في)
(8) يعني ان الرزق قد قسمه الله فمن لم يرزق قاعدا لم يجد له القيام والحركة. (في). (*)
الصفحة 21
أيها الناس إن المنية قبل الدينة والتجلد قبل التبلد (1)، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر، وغض البصر (2) خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر (3) وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن (4). - وفي نسخة وكلاهما سيختبر.
أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ (5)، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته العزة (6) وفي نسخة أخذته العزة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء (7) وفي نسخة جهده البكاء وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة (8)، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد.
أيها الناس إنه من فل ذل (9)، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس ومن كثر حلمه
____________
(1) يعني ان الموت خير من الذلة فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف وفي نهج البلاغة: (المنية ولا الدنية والتقلل ولا التوسل وهو اوضح وعلى هذا يكون معنى (والحساب قبل العقاب) أن محاسبة النفس في الدنيا خير من التعرض للعقاب في الاخرى والتجلد: تكلف الشدة والقوة والتبلد ضده. (في).
(2) في بعض النسخ (عمى البصر) ولعله اظهر. (آت).
(3) البطر: شدة الفرح.
(4) في بعض النسخ (سيخسر) وفي بعضها (سيحسر) بالمهملات بمعنى الكشف.
(5) لعل المراد انه إذا اعين بالرضا وسر لم يتحفظ عما يوجب شينه من قول وفعل. (في).
(6) كانها بالاهمال والزاى ويحتمل الاعجام والراء وكذا في اختها الا انه ينبغي ان تكون الثالثة على خلاف الاوليين او احداهما. (في).
(7) عضه: امسكه باسنانه.
(8) اي ملاءته حتى لا يطيق النفس.
(9) فل بالفاء اي كسر (في). وفى بعض النسخ بالقاف اي من قل في الاحسان والجود في كل ما هو كمال إما في الاخرة أو في الدنيا فهو ذليل أو من أعوانه ذل. (ماخوذ من آت). (*)
الصفحة 22
نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق (1)، ومن أكثر من شئ عرف به ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لاقلاله.
أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج واللئيم الملهوج (2).
أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة الفهم (3) للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك (اجتناب) ما تكرهه لغيرك، وعليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر (4) قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ (5) ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول (6)، ومن حصن
____________
(1) النبالة: الفضل والشرف والفعل بضم الباء. وقوله: (افكر) افكر في الشئ وفكر وتفكر بمعنى واحد. وتزندق اي صار زنديقا. (آت).
(2) الملهوج هو الحريص مفعول بمعنى الفاعل كسعود ووجه اشترائهما الموت رضائهما به لان الكريم إذا اشتهر توجه الناس اليه بما عجز عن قدر اشتهاره وعلو همته وخجل مما نسب اليه فرضى بالموت. واما الحريص فلانه لم يبلغ ما حرص عليه فلا يزال يتعب نفسه ويزيد حرصه فيتمنى بذلك الموت. (في) وقال العلامة مجلسى (ره): الكريم يتمنى الموت لشدة حرصه في الكرم وقلة بضاعته واللئيم يشتراه لانه لا يحصل له ماهو مقتضى حرصه وينقص من ماله شئ بالضرورة وهو مخالف لسجيته ويرى الناس في نعمة فيحسدهم عليها فهو في شدة لازمة لا ينفك عنها بدون الموت فيتمناه.
(3) في الوافى (وتفطنه الفهم) وقال الفيض رحمه الله تذكير البارز باعتبار المرء وما يدعو بدل من المواعظ.
(4) في بعض النسخ (والتدبير).
(6) استقبال وجوه الاراء ملاحظتها واحدا واحدا. (في).
(6) عدلت من التعديل ويحتمل ان يكون بالتخفيف بمعنى المعادلة أي بمفرده يعدله ساير العقول. (في) وفي بعض النسخ (ومن حصر شهوته). (*)
الصفحة 23
شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجه، وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (1) ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم (2) خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه (3)، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان (4) ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره (5) ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن (6) وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد، ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت.
أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان وفي نسخة اخرى يتسارعان (7) في هدم الاعمار.
____________
لعل المراد انه لا ينفعك ما يقرع سمعك من العلوم النادرة كالبرق الخاطف بل ينبغي أن تواظب على سماع المواعظ وتستضئ دائما بانوار الحكم لتخرجك من ظلم الجهالات ويحتمل ان يكون المراد لا ينفع سماع العلم مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب. (آت).
(2) بفتح الواو أي البار والمعدم: الفقير لانه اعدم المال كما أن المكثر أكثره. (في).
(3) اي متى اطلق عينه ونظره كثر اسفه لانه ربما يتعلق بقلبه مما نظر إليه ما يلهيه عن المهمات أو يوقعه في الافات. (في).
(4) يعني يحملك في الاكثر على المبالغة والزيادة في القول. (في).
(5) يعني وهو في آخر عمره ولا يدرى به والغرض منه الترغيب في الانتهاء عن الذنب و المبادرة إلى التوبة منه. (في). (6) اي اقصد الوسط العدل من القول وجانب التعدي والافراط والتفريط ليخف عليك المؤون فان من قال جورا او ادعى امرا باطلا يشتد عليه الامر لعدم امكانه اثباته. (آت).
(7) في بعض النسخ (والليل والنهار يتسارعان وفي نسخة اخرى يتنازعان في هدم الاعمار). (*)
الصفحة 24
يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك (1)، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه وفي نسخة من خاف ربه كفي عذابه ومن لم يزغ (2) في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لمافيكم من المعاصي والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار، كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب.
أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة (4) ونهاية غاية الامنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام (5) وهو مابين مرقاة درة
____________
(1) في بعض النسخ (لما تعلمها). والمقيل من القيلولة.
(2) اي من لم يمل في كلامه عن الحق. وفي بعض النسخ بالمهملة من رعى يرعى اي عدم الرعاية في الكلام يوجب اظهار الفخر ويمكن ان يكون بضم الراء من الروع بمعنى الخوف وفي بعض النسخ بالمعجمة يقال: كلام مرغ إذا لم يفصح عن المعنى فالمراد ان انتظام الكلام والفصاحة فيه اظهار للفخر والكمال فيكون مدحا لازما وفي امالى الصدوق (والفقيه) ومن لم يرع في كلامه اظهر هجره والهجر: الفحش وكثرة الكلام في ما لا ينبغي ولعله اظهر. (ماخوذ من آت).
(3) الدهاء: جودة الرأي والفطنة.
(4) اي اعلاها والزلفة: القرب ولا يخفى لطف الاستعارة. (في).
(5) حضر الفرس بالضم عدوه. وزاد في بعض النسخ (وفي نسخة الف عام). (*)
الصفحة 25
إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوته، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج (1)، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور (2) قد أنافت على كل الجنان ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قاعد عليها، مرتد بريطتين (3) ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة (4) قد أشرق بنوره الموقف وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهى دون درجته وعلي ريطتان ريطة من أرجوان النور (5) وريطة من كافور والرسل والانبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الازمنة وحجج الدهور (6) عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة (7) البصر يأتى منها النداء:
يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصى وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر فالنار موعده وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول (صلى الله عليه وآله) ظلة (8) يأتي منها النداء: يا أهل الموفق طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي والذي له الملك الاعلى، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقى خالقه بالاخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الازمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءا بما كنتم تعملون وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده ومبشرا برسول الله
____________
(1) يلنجوج: عود البخور.
(2) تشبيه المراقي بالجواهر إشارة إلى اختلاف الدرجات في الشرف والفضل. (في). وقوله:
(قد انافت) اي ارتفعت واشرفت.
(3) الريطة: كل ثوب رقيق لين. (4) الاكليل: التاج.
(5) اي ثياب حمر وشجر له ورد.
(6) اي الاوصياء وسائر الائمة (عليهم السلام).
(7) اي قدر مد البصر.
(8) في بعض النسخ (ظلمة). (*)
الصفحة 26
(صلى الله عليه وآله) وموصيا قومه باتباعه ومحليه عند قومه ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك [أ] وضل بعد وقوع الاعذار والانذار عن بينة وتعيين حجة، فكانت الامم في رجاء من الرسل وورود من الانبياء ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبى على عظم مصائبهم وفجائعها بهم (1) فقد كانت على سعة من الامل ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله) لان الله ختم به الانذار (2) و الاعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه (3) الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته، وقال: في محكم كتابه: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (4) " فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على من اتبعه وعصاه وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم (5) " فاتباعه (صلى الله عليه وآله) محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة وفى التولي عنه والاعراض محادة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار و ذلك قوله: " ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده (6) " يعني الجحود به والعصيان له فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده و جعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين وسيفه على المجرمين وشد بي أزر رسوله وأكرمنى بنصره وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في امته فقال (صلى الله عليه وآله) وقد حشده (7) المهاجرون والانصار وانغصت (8) بهم المحافل:
أيها الناس إن عليا مني كهارون (9) من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون
____________
(1) في بعض النسخ (وفجايعهم).
(2) في بعض النسخ (حسم) اي قطع. (3) المهيمن: القائم الحافظ والمشاهد والمؤتمن.
(4) النساء: 80. (5) آل عمران: 31. (6) هود: 17.
(7) حشد القوم اي اجتمعوا. (8) اي تضيقت بهم المحافل.
(9) في بعض النسخ (بمنزلة هارون). (*)
الصفحة 27
عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لابيه وامه كما كان هارون أخا موسى لابيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون (ع) حيث يقول: " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (1) "
وقوله (صلى الله عليه وآله) حين تكلمت طائفة فقالت: " نحن موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجة الوادع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه و عاد من عاداه " فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عزوجل في ذلك اليوم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (2) " فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) منحنيه (3) وهو قوله تعالى منحنيه وهو قوله تعالى: " ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (4) " في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهاله فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا، يتلاعنان (5) في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا إلتقيا: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فيحيبة الاشقى على رثوثة (6): يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد
____________
(1) الاعراف: 2 14.
(2) المائدة: 3.
(3) قوله (عليه السلام): (انزل الله تعالى اختصاصا لي وتكريما نحلنيه) لعل مراده (عليه السلام) ان الله سبحانه سمى نفسه بمولى الناس وكذلك سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه به، ثم نحلاني ومنحاني واختصاني من بين الامة بهذه التسمية تكريما منهما لي وتفضيلا وإعظاما. أو أراد (عليه السلام) ان رد الامة اليه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رد إلى الله عزوجل وان هذه الاية انما نزلت بهذا المعنى كما نبه عليه بقوله: (وكانت على ولايتي ولاية الله) وذلك لانه به كمل الدين وتمت النعمة ودام من رجع اليه من الامة واحدا بعد واحد إلى يوم القيامة. او اراد (عليه السلام) ان المراد بالمولى في هذه الاية نفسه (عليه السلام) وانه مولاهم الحق لان ردهم اليه رد إلى الله تعالى. (في).
(4) الانعام: 62.
(5) ظاهر الفقرات ان هذه الخطبة كانت بعد انقضاء دولتهما وهو ينافي مامر في اول الخبر من انها كانت بعد سبعة ايام من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ولعله اخبار عما سيكون.
(6) الرثاثة: البذاذة ومن اللباس: البالي. وفي الوافي (على وثوبه). (*)
الصفحة 28
اضللتني عن الذكر بعد إذ جاء ني وكان الشيطان للانسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضل والسبيل الذي عنه مال والايمان الذي به كفر والقرآن الذي إياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب، ولئن رتعا في الحطام المنصرم (1)
والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة (2)، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك و ينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالازلام (3) عامهين عن الله عز ذكره حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد (4)، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة (5) فأخرجنا الله إليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة واسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه، فتبوؤوا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة وهابتهم القلوب والابصار وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة ميسورة وأمن بعد خوف وجمع بعد كوف (6) وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان وأولجناهم (7) باب الهدى وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الايمان وفلجوا بنا في العالمين وابدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد ومصل
____________
(1) الرتع: التنعم. والحطام: الهشيم ومن الدنيا كل ما فيها يفنى ويبقى. والمنصرم:
المنقطع. (2) نعق بغنمه: صاح.
(3) العتائر: جمع العتيرة وهي شاة كانوا يذبحونها في رجب لالهتهم. والبحيرة والسائبة:
ناقتان مخصوصتان كانوا يحرمون الانتفاع بهما. والوصيلة: شاة مخصوصة يذبحونها على بعض الوجوه ويحرمونها على بعض. والحام: الفحل من الامل الذي طال مكثه عندهم فلا يركب ولا يمنع من كلاة وماء. والاستقسام بالازلام: طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم بالاقداح. والعمه:
التحير والتردد. (في).
(4) المندوحة: السعة. والاهطاع: الاسراع. وفي بعض النسخ (جائزين عن الرشاد). و الاستحواذ: الاستيلاء.
(5) في بعض النسخ (رضعوا جهالة وانفطموا ضلالة). والانفطام: الفصل عن الرضاع اي كانوا في صغرهم وكبرهم في الجهالة والضلالة وفي بعض النسخ (وانتظموها ضلالة) فالضمير راجع إلى الجهالة اي انتظموها مع الجهالة في سلك ولعله تصحيف. (آت).
(6) اي تفرق وتقطع. وفي بعض النسخ (حوب). وهو الوحشة والحزن. (7) أي ادخلناهم. (*)
الصفحة 29
قانت ومعتكف زاهد، يظهرون الامانة ويأتون المثابة حتى إذا دعا الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه وآله) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة (1) أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا بالاوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا (2)
الديار وغيروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغبوا عن أحكامه وبعدوامن أنواره واستبدلوا بسمتخلفه بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمقامه وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الانصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف، ألا وإن أول شهادة زور وقعت في
الاسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الاسلام وعن قليل يجدون غب ما أسسه الاولون (3) ولئن كانوا في مندوحة من المهل (4) وشفاء من الاجل وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال وإدراك من الامل فقد أمهل الله عز و جل شداد بن عاد وثمود بن عبود (5) وبلعم بن باعور وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأمدهم بالاموال والاعمار وأتتهم الارض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الاهابة له (6) والانابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار فما بلغوا المدة واستتموا الاكلة أخذهم
____________
(1) الفلج: الفوز والظفر. والمثابة: موضع الثواب ومجتمع الناس بعد تفرقهم. والخفقة:
النعاس. والوميض: اللمع الخفي.
(2) والانتكاس: الرجوع. والردم: السد. و (فلوا) بالفاء واللام الشاذة اي كسروا ولعله كناية عن السعي في تزلزل بنيانهم وبذل الجهد في خذلانهم وفي بعض النسخ (وقلوا) بالقاف اي ابعضوا داره واظهروا عداوة البيت. (آت).
(3) الغب بتشديد الباء: العاقبة.
(4) اي كانوا في سعة من المهلة. والشفا مقصورا: الطرف. اراد (عليه السلام) به طول العمر فكانهم في طرف والاجل في طرف آخر. (في).
(5) ثمود بن عبود كتنور وثمود: اسم قوم صالح النبي (عليه السلام). (آت).
(6) في بعض النسخ (ليعترفوا الاهابة له) وفي بعضها (ليقترفوا) والاهابة بمعنى الزجر يقال:
اهاب اهابة الراعي بغنمه: صاح لتقف او لترجع بالابل وايضا زجرها بقوله: (هاب). (*)
الصفحة 30
الله عزوجل (1) واصطلمهم فمنهم من حصب (2) ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من أحرقته الظلة (3) ومنهم من أودته الرجفة (4) ومنهم من أردته الخسفة (5) " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ألا وإن لكل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الاخسرون لهربت إلى الله عزوجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون، ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون وكباب حطة في بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح، إني النبأ العظيم والصديق والاكبر وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل هي إلا كلعقة الآكل ومذقة الشارب (6)
وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات (7) خزيا في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون فما جزاء من تنكب محجته؟ وأنكر حجته، وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترفه (8) وسوء خلافه فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون، " يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الارض عنهم سراعا إلى آخر السورة (9).
____________
(1) الاصطلام: الاستيصال.
(2) على بناء المفعول اي رمى بالحصباء وهي الحصا من السماء.
(3) الظلة: السحاب. وفي بعض النسخ (الظلمة).
(4) اي اهلكته الزلزلة.
(5) اي اهلكته الخسف والسوخ في الارض كقارون. (آت).
(6) اللعقة بضم اللام مصدر: ما تاخذ باصبعك او في الملعقة وايضا: القليل مما يلعق.
وبالفتح: المرة. والوسنان: من اخذته السنة وهو النائم الذي لم يستغرق في النوم.
(7) المعرة: الاثم والغرم والاذى. ومكان (خزيا) في بعض النسخ (جزاءا).
(8) استثناء من النفي المفهوم من قوله: (فما جزاء). (آت).
(9) سورة ق وفيها: (يوم يسمعون الصيحة بالحق) وتمام السورة (يوم تشقق الارض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير. نحن اعلم يما يقولون وما انت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد). (*)
الصفحة 31
خطبة الطالوتية
5 - محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي قال: حدثنا عبدالله بن أيوب الاشعري عن عمر والاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين (ع) خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف (1) ولم يكن له كان، ولا كان لكانه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ ولا كان على شئ ولا ابتدع لكانه مكانا، ولا قوي بعدما كون شيئا، ولاضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا، ولا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، ومالكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالكا بعد إنشائه للكون، وليس يكون لله كيف ولا أين ولا حد يعرف، ولا شئ يشبهه، وليهرم لطول بقائه، ولا يضعف لذعرة (2)، ولا يخاف كما تخاف خليقته من شئ ولكن سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين ولا يحيط بسمعه سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشورة ولا مظاهرة ولا مخابرة ولا يسأل أحدا عن شئ من خلقه أراده، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فبلغ الرسالة وأنهج الدلالة (صلى الله عليه وآله).
____________
(1) أي بلا حياة زائدة يتكيف بها ولا كيفية من الكيفيات التي تتبع الحياة في المخلوقين، بل حياته علمه وقدرته وهما غير زائدتين على ذاته. وقوله: (ولم يكن له كان) الظاهر ان (كان)
اسم (لم يكن) لانه لما قال (عليه السلام): (كان) او هم العبارة زمانا، فنفى (عليه السلام) ذلك بانه كان بلا زمان. او لان الكون يتبادر منه الحدوث عرفا ويخترع الوهم للكون مبدء ا فنفى (عليه السلام) ذلك بان وجوده تعالى ازلي لا يمكن ان يقال: حدث في ذلك الزمان فالمراد: ب (كان) على التقديرين ما يفهم ويتبادر او يتوهم منه.
(2) في بعض النسخ (لا يصعق). والذعرة بالضم: الخوف وبالتحريك: الدهش. (*)
الصفحة 32
ايها الامة التي خدعت فانخدعت وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت واتبعت أهواءها وضربت في عشواء غوايتها وقد استبان لها الحق فصدت عنه (1)
والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته وادخرتم الخير من موضعه وأخذتم الطريق من واضحه وسلكتم من الحق نهجه لنهجت (2) بكم السبل وبدت لكم الاعلام وأضاء لكم الاسلام فأكلتم رغدا (3) وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد ولكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها (4) وسدت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين الله بغير علم واتبعتم الغواة فأغوتكم وتركتم الائمه فتركوكم، فأصبحتم تحكمون باهوائكم إذا ذكر الامر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف وقد تركتموه ونبذتموم وخالفتموه؟ (5) رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم وتجدون وخيم ما اجترمتم (6) وما اجتلبتم، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد علمتم أني صاحبكم والذي به أمرتم وأني عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ووصي نبيكم وخيرة ربكم ولسان نوركم والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم وما نزل بالامم قبلكم وسيسألكم الله عزوجل عن أئمتكم، معهم تحشرون وإلى الله عزوجل غدا تصيرون، أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق وتنيبوا للصدق فكان أرتق للفتق و آخذ بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق وانت خير الحاكمين.
____________
(1) في بعض النسخ (صدعت).
(2) في بعض النسخ (لتنهجت) وفي بعضها (لابتهجت). والابتهاج: السرور ونهج اي وضح وتنهج قريب منه. (3) اي واسعة طيبة.
(4) الرحب بالضم: السعة، اي مع سعتها.
(5) اي كيف ينفعكم هذا الاقرار والاذعان وقد تركتم متابعة قائله او كيف تقولون هذا مع انه مخالف لافعالكم. (آت).
(6) الاجترام: الاكتساب. والاجتلاب: جلب الشئ إلى النفس. وفي بعض النسخ (اجتنيتم)
من اجتناء الثمرة او بمعنى كسب الجرم. (*)
الصفحة 33
قال ثم خرج من المسجد فمر بصيرة (1) فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: والله لو أن لي رجالا ينصحون لله عزوجل ولرسوله بعدد هذه الشياه لازلت أبن أكلة الذبان (2)
عن ملكه.
قال: فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت فقال لهم أمير المؤمنين (ع):
اغدوا بنا إلى أحجار الزيت (3) محلقين، وحلق أمير المؤمنين (ع) فما وافى من القوم محلقا إلا أبوذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وجاء سلمان في القوم، فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك شئ في الارض ولا في السماء، توفني مسلما وألحقنى بالصالحين، أما والبيت والمفضي (4) إلى البيت وفي نسخة والمزدلفة والخفاف إلى التجمير لو لا عهد عهده إلي النبي الامي (صلى الله عليه وآله) لاوردت المخالفين خليج المنية ولارسلت عليهم شآبيب صواعق الموت وعن قليل سيعملون.
6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه قال:
كنت عند أبي عبدالله (ع) إذ دخل عليه أبوبصير وقد خفره النفس (6) فلما أخذ مجلسه قاله له أبوعبدالله (ع): يا أبا محمد ما هذا النفس العالي؟ فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبر سني ودق عظمي واقترب أجلي مع أنني لست أدري ماأرد عليه من أمر آخرتي، فقال أبوعبدالله (ع): يا أبا محمد وإنك لتقول هذا؟! قال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا؟! فقال، يا أبا محمد أما علمت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم
____________
(1) الصيرة: حظيرة تتخذ من الحجارة واغصان الشجرة للغنم والبقر.
(2) الذبان بالكسر والتشديد: جمع ذباب وكنى بابن آكلتها عن سلطان الوقت فانهم كانوا في الجاهلية ياكلون من كل خبيث نالوه. (في).
(3) احجار الزيت: موضع داخل المدينة.
(4) المفضى إلى البيت: ماسه بيده. والخفاف: سرعة الحركة. ولعل المراد بالتجمير رمى الجمار. والخليج: النهر. (في).
(5) شآبيب: جمع شؤبوب بالضم مهموزا وهو الدفعة من المطر. (آت).
(6) الخفر: الحث والاعجال. (*)
الصفحة 34
ويستحيي من الكهول؟ قال: قلت: جعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول؟
فقال: يكرم الله الشباب أن يعذبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم، قال: قلت:
جعلت فداك هذا لنا خاصة أم لاهل التوحيد؟ قال فقال: لا والله إلا لكم خاصة دون العالم، قال: قلت: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزا (1) انكسرت له ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبوعبدالله
(ع): الرافضة؟ قال: قال: قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سموكم ولكن الله سماكم به (2)
أما علمت يا أبا محمد أن سبعين رجلا من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه لما استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى (ع) لما استبان لهم هداه فسموا في عسكر موسى الرافضة لانهم رفضوا فرعون وكانوا أشد أهل ذلك العسكر عبادة وأشدهم حبا لموسى وهارون وذريتهما (ع) فأوحى الله عزوجل إلى موسى (ع) أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فإني قد سميتهم به ونحلتهم إياه، فأثبت موسى (ع) الاسم لهم ثم ذخر الله عزوجل لكم هذا الاسم حتى نحلكمون، يا أبا محمد رفضوا الخير ورفضتم الشر، افترق الناس كل فرقة وتشعبوا كل شعبة فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم (صلى الله عليه وآله) وذهبتم حيث ذهبوا و اخترتم من اختار الله لكم وأردتم من أراد الله فأبشروا ثم ابشروا، فأنتم والله المرحومون المتقبل من محسنكم والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت الله عزوجل بما انتم عليه يوم القيامة لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت:
جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد إن لله عزوجل ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه وذلك قوله عزوجل: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم... ويستغفرون للذين آمنوا (3) " استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا
____________
(1) النبز بالتحريك: اللقب.
(2) في بعض النسخ (بل الله سماكم به).
(3) المؤمن: 7. (*)
الصفحة 35
الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (1) " إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا ولو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم حيث يقول جل ذكره: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (2) " يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " إخوانا على سرر متقابلين (3) " والله ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (4) " والله ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمد فهل سررتك قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكرنا الله عزوجل وشيعتنا و عدونا في آية من كتابه فقال عزوجل: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب (5) " فنحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون و شيعتنا هم أولوا الالباب، يا ابا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدنى، فقال: يا أبا محمد والله ما استثنى الله عزوجل بأحد من أوصياء الانبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين (ع) وشيعته فقال في كتابه وقوله الحق: " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا "
ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله (6) " يعني بذلك عليا (ع) وشيعته، يا ابا محمد فهل سررتك؟
قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله تعالى في كتابه إذ يقول:
" يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (7) " والله ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت:
جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (8) " والله ما أراد بهذا إلا الائمة (عل) وشيعتهم، فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال:
" فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن
____________
(1) الاحزاب: 23. (2) الاعراف: 102.
(3) الحجر: 47. (4) الزخرف: 67.
(5) الزمر: 9. (6) الدخان 42 و 43.
(7) الزمر: 53. (8) الحجر: 42. (*)
الصفحة 36
اولئك رفيقا (1) " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الآية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عزوجل، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوكم في النار بقوله: " وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار.
إتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (2) " والله ما عنى ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون (3) وفى النار تطلبون با ابا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا تذكر أهلها بخير إلا وهي فينا وفي شيعتنا وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر ولا تسوق إلى النار إلا وهي في عدونا ومن خالفنا، فهل سررتك يا أبا محمد؟
قال: قلت: جعلت فداك، زدني، فقال: يا أبا محمد ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس من ذلك براء (4) يا أبا محمد فهل سررتك؟ وفي رواية اخرى فقال: حسبي.
حديث أبي عبدالله (ع)
* (مع المنصور في موكبه) *
7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير جميعا، عن محمد بن ابي حمزة، عن حمران قال: قال أبوعبدالله (ع) و ذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال: إني سرت مع أبي جعفر المنصور (5) وهو في موكبه وهو على فرس وبين يديه خيل ومن خلفه خيل وأنا على حمار إلى جانبه فقال لي: يا أبا عبدالله قد كان فينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة وفتح لنا من العز
____________
(1) النساء: 69.
(2) ص: 62 و 63.
(3) اي تكرمون وتنعمون وتسرون.
(4) براء ككرام وفي بعض النسخ (براء) كفقهاء وكلاهما جمع بريئ.
(5) يعني الدوانيقي.
(*)
الصفحة 37
ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الامر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم (1)، قال: فقلت:
ومن رفع هذا إليك عني فقد كذب فقال: لي أتحلف على ما تقول؟ فقلت: إن الناس سحرة (2) يعني يحبون أن يفسدوا قلبك علي فلا تمكنهم من سمعك فإنا إليك أحوج منك إلينا فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك؟ فقلت: نعم طويل عريض شديد فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة من دنياكم حتى تصيبوا منا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام، فعرفت أنه قد حفظ الحديث، فقلت: لعل الله عزوجل أن يكفيك (3)
فإني لم أخصك بهذا وإنما هوحديث رويته ثم لعل غيرك من أهل بيتك يتولى ذلك فسكت عني، فلما رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال: جعلت فداك والله لقد رأيتك في موكب أبي جعفر وأنت على حمار وهو على فرس وقد أشرف عليك يكلمك كأنك تحته، فقلت بيني وبين نفسي: هذا حجة الله على الخلق وصاحب هذا الامر الذي يقتدي به وهذا الآخر يعمل بالجور ويقتل أولاد الانبياء ويسفك الدماء في الارض بما لا يحب الله وهو في موكبه وأنت على حمار فدخلني من ذلك شك حتى خفت على دينى ونفسي، قال: فقلت: لو رأيت من كان حولي وبين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي من الملائكه لاحتقرته واحتقرت ما هو فيه فقال: الآن سكن قلبي، ثم قال: إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟ فقلت:
أليس تعلم أن لكل شئ مدة؟ قال: بلى فقلت: هل ينفعك علمك أن هذا الامر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين؟ إنك لو تعلم حالهم عند الله عزوجل وكيف هي كنت لهم أشد بغضا ولو جهدت أو جهد أهل الارض أن يدخلوهم في أشد ما هم فيه من الاثم لم يقدروا فلا يستفزنك الشيطان (4) فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ألا تعلم أن من أنتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الاذى والخوف هو غدا في زمرتنا فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورايت القرآن قد خلق واحدث فيه ما ليس فيه ووجه على الاهواء، ورأيت الدين قد انكفى كما ينكفي
____________
(1) (تغرينا) في بعض النسخ (تعزينا) والاغراء: التحريص على الشر.
(2) في بعض النسخ (شجرة) ولعله تصحيف. والسحر في كلامهم صرف الشئ عن وجهه.
(3) اي يصونك من ان يقع منك هذا الامر.
(4) اي لا يستخفنك الشيطان. (*)
الصفحة 38
الماء (1)، ورايت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحق، ورأيت الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه، ورأيت الفسق قد ظهر واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته (2)، ورأيت الصغير يستحقر بالكبير، ورأيت الارحام قد تقطعت، ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يرد عليه قوله، ورأيت الغلام يعطى ما تعطى المرأة، ورأيت النساء يتزوجن النساء، ورأيت الثناء قد كثر (3) ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه، ورأيت الناظر يتعوذ بالله مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد، ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع، ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في االارض من الفساد (4)، ورأيت الخمور تشرب علانية ويجتمع عليها من لا يخاف الله عزوجل، ورأيت الامر بالمعروف ذليلا، ورأيت الفاسق فيما لا يحب الله قويا محمودا، ورأيت اصحاب الايات يحتقرون ويحتقر من يحبهم (5)، ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا، ورأيت بيت الله قدعطل ويؤمربتركه، ورأيت الرجل يقول ما لا يفعله، ورأيت الرجال يتسمنون (6) للرجال والنساء للنساء، ورأيت الرجال معيشته من دبره ومعيشة المرأة من فرجها، ورأيت النساء يتخذن المجالس كما يتخذها الرجال، ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ظهر وأظهروا الخضاب وامتشطوا كما تمتشط المرأة لزوجها واعطوا
____________
(1) اي انقلب، كفأت الاناء اي قلبته.
(2) الفرية: الكذب والبهتان.
(3) في بعض النسخ (رايت البناء قد كثر).
(4) المرح بالتحريك: شدة الفرح والنشاط.
(5) اصحاب الايات اي اصحاب العلامات والمعجزات او الذين نزلت فيهم الايات وهم الائمة أو المفسرون. وفى بعض النسخ (اصحاب الاثار) وهم المحدثون. (آت).
(6) اي يستعملون الاغذية والادوية للسمن ليعمل معهم القبيح، قال في النهاية: فيه: (يكون في آخر الزمان قوم يتسمنون) اي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وقيل:
اراد جمعهم الاموال، وقيل: يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي اسباب السمن، ومنه الحديث الاخر (ويظهر فيهم السمن) وفيه: (ويل للمسمنات يوم القيامة من فترة في العظام) اي اللاتي يستعملن السمنة وهو دواء يتسمن به النساء انتهى. (آت). (*)
الصفحة 39
الرجال الاموال على فروجهم وتنوفس في الرجل (1) وتغاير عليه الرجال، وكان صاحب المال أعز من المؤمن، وكانت الربا ظاهرا لا يعير، وكان الزنى تمتدح به النساء، ورأيت المرأة تصانع زوجها (2) على نكاح الرجال، ورأيت أكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على فسقهن، ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا، ورأيت البدع والزنى قد ظهر، ورايت الناس يعتدون بشاهد الزور، ورأيت الحرام يحلل ورأيت الحلال يحرم، ورأيت الدين بالرأى وعطل الكتاب وأحكامه، ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على الله (3)، ورأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه، ورأيت العظيم من المال ينفق في سخط الله عزوجل، ورأيت الولاة يقربون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير، ورأيت الولاة يرتشون في الحكم، ورأيت الولاية قبالة لمن زاد، ورأيت ذوات الارحام ينكحن ويكتفى بهن ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنة ويتغاير على الرجل الذكر فيبذل له نفسه و ماله، ورأيت الرجل يعير على إتيان النساء، ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور، يعلم ذلك ويقيم عليه، ورأيت المرأة تقهر زوجها، وتعمل ما لا يشتهي وتنفق على زوجها، ورأيت الرجل يكري امرأته وجاريته ويرضى بالدني من الطعام والشراب، ورأيت الايمان بالله عزوجل كثيرة على الزور، ورأيت القمار قد ظهر، ورأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له مانع، ورأيت النساء يبذلن أنفسهن لاهل الكفر، ورأيت الملاهي قد ظهرت يمر بها، لا يمنها أحد أحدا ولا يجترئ أحد على منعها، ورأيت الشريف يستذله الذى يخاف سلطانه، ورأيت أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ورأيت من يحبنا يزور ولا تقبل شهادته، ورأيت الزور من القول يتنافس فيه، ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع
____________
(1) اي فروج نسائهم للدياثة ويمكن ان يقرء الرجال بالرفع واعطوا على المعلوم او المجهول من باب اكلوني البراغيث والاول اظهر. والتنافس: الرغبة في الشئ والافراد به والمنافسة:
المغالبة على الشئ وهي المراد ههنا. (آت) وفي بعض النسخ (وتغار عليه الرجال).
(2) المصانعة: الرشوة والمداهنة.
(3) اي لا ينتظرون دخول الليل ليستتروا به المعاصي بل يعملونها في النهار علانية. (آت). (*)
الصفحة 40
الباطل، ورأيت الجار يكرم الجار خوفا من لسانه، ورأيت الحدود قد عطلت وعمل فيها بالاهواء، ورأيت المساجد قدزخرفت، ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب ورأيت الشر قد ظهر والسعي بالنميمة، ورأيت أصدق البغي قد فشا، ورأيت الغيبة تستملح (1) و يبشر بها الناس بعضهم بعضا، ورأيت طلب الحج والجهاد لغيرالله، ورأيت السلطان يذل للكافر المؤمن، ورأيت الخراب قد أديل من العمران (2)، ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان ورأيت سفك الدماء يستخف بها، ورأيت الرجل يطلب الرئاسة لعرض الدنيا ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتقى وتسند إليه الامور، ورأيت الصلاة قد استخف بها، ورأيت الرجل عنده المال الكثير ثم لم يزكه منذ ملكه، ورأيت الميت ينبش من قبره (3) ويؤذى وتباع أكفانه، ورأيت الهرج قد كثر، ورأيت الرجل يمسي نشوان (4)
ويصبح سكرانالا يهتم بماالناس فيه، ورأيت البهائم تنكح، ورأيت البهائم يفرس بعضها بعضا ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ويرجع وليس عليه شئ من ثيابه، ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه، ورأيت المصلي إنما يصلى ليراه الناس، ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين، يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع من غلب، ورأيت طالب الحلال يذم ويعير وطالب الحرام يمدح ويعظم، ورأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحب الله، لا يمنعهم مانع ولا يحول بينهم وبين العمل القبيح أحد ورايت المعازف ظاهرة في الحرمين، ورأيت الرجل يتكلم بشئ من الحق ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقوم إليه من ينصحه في نفسه فيقول: هذا عنك موضوع، ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشرور، ورايت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه أحد، ورأيت الميت يهزأ به فلا يفزع له أحد، ورايت كل عام يحدث فيه من الشر والبدعة أكثر مما كانت، ورأيت الخلق والمجالس لا يتابعون إلا الاغنياء، ورأيت المحتاج يعطى على الضحك به ويرحم لغير وجه الله، ورأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد، ورأيت الناس يتسافدون (5) كما يتسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوفا من
____________
(1) استملح أي عده مليحا. (2) الادالة: الغلبة.
(3) في بعض النسخ (ينشر من قبره). (4) نشوان اي سكران.
(5) السفاد: نزو الذكر على الانثى. اي جهرة في الطرق والشوارع. (*)
الصفحة 41
الناس، ورأيت الرجل ينفق الكثر في غير طاعة الله ويمنع اليسير في طاعة الله، ورأيت العقوق قد ظهر واستخف بالوالدين وكانا من أسوء الناس حالا عند الولد ويفرح بأن يفتري عليهما، ورأيت النساء وقد غلبن على الملك وغلبن على كل أمر لا يؤتى إلا مالهن فيه هوى، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح بموتهما، ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر كئيبا حزينا يحسب أن ذلك اليوم عليه وضيعة (1)
من عمره، ورأيت السلطان يحتكر الطعام، ورأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزور ويتقامر بها وتشرب بها الخمور، ورأيت الخمر يتداوى بها ويوصف للمريض ويستشفى بها، ورأيت الناس قد استووا في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التدين به، ورأيت رياح المنافقين (2) وأهل النفاق قائمة ورياح أهل الحق لا تحرك، ورأيت الاذان بالاجر والصلاة بالاجر، ورأيت المساجد محتشية ممن لا يخاف الله، مجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحق ويتواصفون فيها شراب المسكر، ورأيت السكران يصلي بالناس وهو لا يعقل ولا يشان (3) بالسكر وإذاسكر أكرم واتقى وخيف وترك، لا يعاقب ويعذر بسكره، ورايت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه، ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله، ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع ورأيت الميراث قد وضعته الولاة لاهل الفسوق والجرأة على الله (4)، يأخذون منهم ويخلونهم وما يشتهون ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر، ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة (5) لا يراد بها وجه الله ويعطى لطلب الناس، ورأيت
____________
(1) اي خسران ونقص.
(2) تطلق الريح على الغلبة والقوة والرحمة والنصرة والدولة والنفس والكل محتمل و الاخير اظهر. (آت).
(3) من الشين اي العيب.
(4) اي ميراث اليتيم بان تولوا عليها خائنا يأكل بعضها ويعطيهم بعضها. او يحكمون لكل ميراث للفاسق من الورثة لما ياخذون منه من الرشوة. (آت). (5) اي لا يتصدقون الا لمن يشفع له شفيع فيعطون لوجه الشفيع لا لوجه الله. او يعطون لطلب الناس وابرامهم. (آت). (*)
الصفحة 42
الناس همهم بطونهم وفروجهم، لا يبالون بما أكلوا وما نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحق قد درست فكن على حذر واطلب إلى الله عزوجل النجاة وأعلم أن الناس في سخط الله عزوجل وإنما يمهلهم لامر يراد بهم فكن مترقبا واجتهد ليراك الله عزوجل في خلاف ما هم عليه فإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجلت إلى رحمة الله وإن أخرت ابتوا وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عزوجل وأعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين وأن رحمة الله قريب من المحسنين.
حديث موسى (عليه السلام)
8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه قال (1): إن موسى (ع) ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته:
يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد.
يا موسى كن كمسرتي فيك (2) فإن مسرتي أن أطاع فلا اعصي، فأمت قلبك بالخشية وكن خلق الثياب (3) جديد القلب تخفى على أهل الارض وتعرف في أهل السماء، حلس البيوت (4) مصباح الليل واقنت بين يدي قنوت الصابرين وصح إلي من كثرة الذنوب صياح المذنب الهارب من عدوه واستعن بي على ذلك فإني نعم العون ونعم المستعان.
يا موسى إني أنا الله فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون (5) فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين.
____________
(1) كذا مرفوعا، مجهولا، موقوفا.
(2) هذا تشبيه للمبالغة وحاصله: كن على حال أكون مسرورا بفعالك فكانك تكون مسرورا.
(3) الخلق محركة: البالي.
(4) الحلس: بساط يبسط في البيت.
(5) اي صاغرون، عاجزون. (*)
الصفحة 43
يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين.
يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون (1) واحكم بينهم بما أنزلت عليك فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما كان في الاولين وبما هو كائن في الآخرين.
اوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى ابن مريم صاحب الاتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب (2) ومن بعده بصاحب الجمل الاحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن (3) على الكتب كلها وأنه راكع ساجد، راغب، راهب، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون (4) ويكون في زمانه أزل وزلزال (5) وقتل، وقلة من المال، اسمه أحمد، محمد الامين من الباقين من ثلة الاولين الماضين، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين ويشهد بالاخلاص لجميع النبيين امته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه، لهم ساعات مؤقتات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فبه فصدق ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك.
يا موسى إنه أمي وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، وبه أفتح الساعة وبامته أختم مفاتيح الدنيا (6) فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون، وحبه لي حسنة، فأنا معه
____________
(1) التشاجر: التنازع والتخاصم.
(2) الاتان بالفتح: الحمارة. والبرنس بالضم: قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام. والمراد بالزيتون والزيت: التمرة المعروفد ودهنها لانه (عليه السلام) كان ياكلهما او نزلتا له في المائدة من السماء او المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادى اي اعطاه الله بلاد الشام. وبالزيت الدهن الذي روى انه كان في بنى اسرائيل وكان غليانها من علامات النبوة. والمحراب لزومه وكثرة العبادة فيه. (آت).
(3) المهيمن هنا: المشاهد والمؤتمن.
(4) اي ليسوا من قومه وعشيرته. (5) الازل: الضيق والشدة.
(6) (به افتح) الباء للملابسة والغرض اتصال امته ودولته ونبوته بقيام الساعة. (آت). (*)
الصفحة 44
وأنا من حزبه (1) وهو من حزبي وحزبهم الغالبون، فتمت كلماتي لاظهرن دينه على الاديان كلها ولاعبدن بكل مكان ولانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاءا لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا ابن عمران فإني أصلي عليه وملائكتي.
يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك، لا تستذل الحقير الفقير ولا تغبط الغني بشئ يسير وكن عند ذكري خاشعا وعند تلاوته برحمتي طامعا واسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئن عند ذكري وذكر بي من يطمئن إلي واعبدني ولا تشرك بي شيئا وتحر مسرتي (2) إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين (3)، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة (4) فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا فتبارك وجهي وتقدس صنيعي (5)، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم لا أزول.
يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك لي في التراب واسجد لي بمكارم بدنك واقنت بين يدي في القيام وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل واحي بتوراتي أيام الحياة وعلم الجهال محامدي وذكرهم آلائي ونعمتي وقل لهم لا يتمادون في غي ماهم فيه، فإن أخذي أليم شديد.
ياموسى إذا انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير الفقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم ولا تتطاول بكتابي على بني اسرائيل فكفى بهذا واعظا لقلبك ومنيرا وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.
يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ماكان منك، السماء تسبح لي وجلا والملائكة من مخافتي مشفقون والارض تسبح لي طمعا وكل الخلق
____________
(1) اي انصره واعينه. (آت).
(2) التحري: الطلب.
(3) المهين: الحقير والقليل والضعيف.
(4) اي مخلوطة من انواع والمراد: اني خليقتك من نطفة واصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الارض وهو آدم (عليه السلام) واخذت طينته من جميع وجه الارض المشتملة على ألوان وأنواع مختلفة. (آت).
(5) في بعض النسخ (صنعى). (*)
الصفحة 45
يسبحون لي داخرون (1) ثم عليك بالصلاة، الصلاة فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق وألحق بها ما هو منها زكاة القربان من طيب المال والطعام فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به وجهي.
واقرن مع ذلك صلة الارحام فإني أنا الله الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فضلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد ولها عندي سلطان في معاد الآخرة وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.
يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مؤاساتك فيما خولتك (2)؟ واخشع لي بالتضرع واهتف لي بولولة الكتاب (3) واعلم أني أدعوك دعاء السيد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الاولين.
يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال فإن نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب، الارض مطيعة والسماء مطيعة والبحار مطيعة وعصياني شقاء الثقلين وانا الرحمن الرحيم، رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء وبالرخاء بعد الشدة وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الارض ولا في السماء وكيف يخفى علي ما مني مبتداه وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة.
يا موسى اجعلني حرزك وضع عندى كنزك من الصالحات وخفني ولا تخف غيري إلي المصير.
يا موسى ارحم من هو أسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
____________
(1) في بعض النسخ (داخرين) وهو حال عن الضمير في يسبحون.
(2) التخويل: التمليك.
(3) الولولة: صوت متتابع بالويل والاستغاثة، ورفع الصوت بالبكاء والصياح. (*)
الصفحة 46
يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينا لا بها من فضلي ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين، فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الاخ والوزير.
يا موسى ضع الكبر ودع الفخر واذكر أنك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات.
يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور.
يا موسى كيف تخشع لى خليقة لا تعرف فضلي عليها وكيف تعرف فضلي عليها وهي لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهي لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهي لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين.
يا موسى نافس في الخير أهله فإن الخير كاسمه ودع الشر لكل مفتون.
يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم ولا تتبع الخطايا فتندم فإن الخطايا موعدها النار (1).
يا موسى أطب الكلام لاهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك (2).
يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد على اليقين.
يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله وما أريد به غيري فقليل كثيره وإن أصلح أيامك: الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال فكن مرتادا لنفسك (3)
يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال فهنالك يخسر المبطلون.
يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فإنك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا أكرم القادرين.
____________
(1) يعني إذا اردت الكلام فابدأ باستعمال قلبك وعقلك.
(2) في بعض النسخ (يجودون معك).
(3) الارتياد: الطلب. (*)
الصفحة 47
يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي لا يملكهما أحد غيري وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء وقد يجزي الكفور بما سعى.
يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها مالك ولدار الظالمين إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار.
يا موسى ما آمرك به فاسمع ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى صدرك و تيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير (1).
يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن من زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فادلجته بالاسحار (2) كفعل الراكب السائق إلى غايته يظل كئيبا ويمسى حزينا (3) فطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور.
يا موسى الدنيا نطفة (4) ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعسة لم تدم (5) وكذلك فكن كما أمرتك وكل أمري رشاد.
____________
(1) الوكر والوكرة: عش الطائر.
(2) الادلاج: السير بالليل وظاهر العبارة انه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل ولم يات فيما عندنا من كتب اللغة قال الفيروزآبادي: الدلج محركة والدلجة بالضم والفتح:
السير من اول الليل وقد ادلجوا، فان ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد انتهى ويمكن ان يكون على الحذف والايصال ان ادلجت الشهوة معه وسيرته بالاسحار كالراكب الذي يسابق قرينه إلى الغاية التي يتسابقان اليها والغاية هنا الجنة والفوز بالكرامة والقرب والحب والوصال او الموت وهو الاظهر. (آت) وقال الفيض رحمه الله: هو كناية عن عبادته واجتهاده.
(3) الكآبة: الغم وسوة الحال والانكسار من الحزن والمعنى انه يكون في نهاره مغموما وفي ليله محزونا لطلب الاخرة ولكن لو كشف الغطاء حتى يرى ماله في الاخرة يحصل له السرور ما لا يخفى. (آت).
(4) النطفة: ما يبقى في الدلو او القربة من الماء، كنى بها عن قلتها. (في). (5) اللعقة: القليل مما يلعق واللعس بالفتح: العض والمراد هنا ما يقطعه باسنانه وفي بعض النسخ (بلعقة لم تبق وبلعة لم تدم). (*)
الصفحة 48
يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت لي عقوبته وإذا رايت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا.
ياموسى ماعمر وإن طال يذم آخره وماضرك ما زوى عنك إذا حمدت مغبته (1)
يا موسى صرخ الكتاب إليك صرخا بما أنت إليه صائر فكيف ترقد على هذا العيون أم كيف يجد قوم لذة العيش لو لا التمادي في الغفلة والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة ومن دون هذا يجزع الصديقون.
يا موسى مر عبادي يدعوني على ماكان بعد أن يقروا لي أني أرحم الراحمين، مجيب المضطرين وأكشف السوء وابدل الزمان وآتي بالرخاء وأشكر اليسير واثيب الكثير وأغني الفقير وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك (2) من الخاطئين فقل: أهلا وسهلا، يا رحب (3) الفناء بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله وقل لهم فليسألوني من فضلي ورحمتي فإنه لا يمكلها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم.
طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وجليس المضطرين ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضى فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق وكن كما أمرتك أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتداه وتقرب إلي فإني منك قريب فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولحمله إنما سألتك أن تدعوني فأجيبك وأن تسألني فأعطيك وان تتقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.
يا موسى انظر إلى الارض فإنها عن قريب قبرك وارفع عينك إلى السماء فإن فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما دمت في الدنيا وتخوف العطب (4) و
____________
(1) زوى عنك اي بعد عنك: والمغبة: العاقبة.
(2) انضوى اليه: انضم، وفي بعض النسخ (وانطوى). (3) الرحب بالضم: السعة. وبالفتح: الواسع. ولعل المراد ان من لجأ اليك يا موسى من عبادي الخاطئين لتستغفر له وتدخل باستشفاعك في زمرة الساكنين في جوار قبولي فلا ترد مسألته فان رحمتي قد سبقت عضبي، فقل له: اهلا وسهلا ومرحبا فانك رحب الفناء بسبب كونك في فناء قبولي ورحمتي الواسعة، فآمنه من سخطي واسكنه باستغفارك وشفاعتك المقبولة في فناء فضلي ومغفرتي.
(كذا وجدته في هامش بعض النسخ المخطوطة) وقد يقرء في بعض نسخ الحديث (بأرحب الفناء) والظاهر هو الاصح.
(4) العطب بالتحريك: الهلاك. (*)
الصفحة 49
المهالك ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد (1) حتى اديل منه المظلوم.
يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد (2) وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار وكذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة (3)
الليل تأتي على ضوء النهار وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها.
9 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن الحسين، وحميد بن زياد، عن الحسن ابن محمد الكندي جميعا، عن أحمد بن الحسن الهيثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبدالله (ع) إلى رجل من أصحابه، أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه فإن الله عزوجل لا يخدع عن جنته ولاينال ماعنده إلا بطاعته إن شاء الله.
10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أشيم (4)
عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورا فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سرورا فقال:
رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عزوجل اختار من بني هاشم سبعة، لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي، أنت يا رسول الله سيد النبيين وعلي بن أبي طالب وصيك سيد
____________
(1) اي رقيب، منتظر لجزائه وفي تحف العقول (بمرصد) واديل اي اغلب المظلوم عليه. (آت).
(2) (قارب وسدد) قال في النهاية: وفيه سددوا وقاربوا اي اقتصدوا في الامور كلها واتركوا العلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في الامور إذا اقتصد. وقال في السين والدال:
فيه: قاربوا وسددوا اي اطلبوا باعمالكم السداد والاستقامة وهو القصد في الامر والعدل فيه. (آت).
(3) عشوة الليل: ظلمته.
(4) في بعض النسخ (عثيم) ولعله الاظهر. (*)
الصفحة 50
الوصيين والحسن والحسين سبطاك سيد الاسباط وحمزة عمك سيد الشهداء وجعفر ابن عمك الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الارض من ذرية علي وفاطمة من ولد الحسين (ع).
11 - سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي المصري (1)، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له قول الله عزوجل: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " (2) قال: فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب قال الله عزوجل: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) ولكن فيما حرف من كتاب الله.
12 - جماعة، عن سهل، عن محمد، عن أبيه [عن أبي محمد]، عن أبي عبدالله (ع) قال:
سألته عن قول الله عزوجل: " والشمس وضحيها " قال: الشمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) به أوضح الله عزوجل للناس دينهم، قال: قلت: " القمر إذا تليها "؟ قال: ذاك أميرالمؤمنين (ع)
تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفثه بالعلم نفثا، قال: قلت: " والليل إذايغشيها "؟ قال: ذاك أئمة الجور الذين استبدوا بالامر دون آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم والجور فحكى الله فعلهم فقال: " والليل إذا يغشيها "
: قال: قلت: " والنار إذا جليها "؟ قال: ذلك الامام من ذريتة فاطمة (عه) يسأل عن دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيجليه لمن سأله فحكى الله عزوجل قوله فقال: " والنهار إذا جليها ".
13 - سهل، عن محمد، عن أبيه، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت: " هل أتيك حديث الغاشية "؟ قال: يغشاهم القائم بالسيف، قال: قلت: " وجوه يومئذ خاشعة "؟
قال: خاضعة لا تطيق الامتناع، قال: قلت: " عاملة "؟ قال: عملت بغير ما أنزل الله، قال:
قلت: " ناصبة "؟ قال: نصبت غير ولاة الامر، قال: قلت: " تصلى نارا حامية "؟ قال:
تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم وفي الآخرة نار جهنم.
14 - سهل، عن محمد، عن، أبيه، عن أبي بصير قال: قلت: لابي عبدالله (ع)
____________
(1) في رجال الشيخ (البصري) وذكر ابن داود (النصري) بالنون. (آت).
(2) الجاثية: 28. (3) الشمس: 1 إلى 4. (*)
الصفحة 51
- قوله تبارك وتعالى: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (1) "؟ قال: فقال لى: يا أبا بصير ماتقول في هذه الآية؟ قال:
قلت: إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله لا يبعث الموتى قال: فقال:
تبا لمن قال هذا، سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قال:
قلت: جعلت فداك فأوجدنيه قال: فقال لي: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم (2) على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون:
بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم فيبلغ ذلك قوما من عدونا فيقولون:
يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة قال: فحكى الله قولهم فقال: " وأقسموا بالله جهد أيمانكم لا يبعث الله من يموت ".
15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر ابن الخليل الاسدي قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول في قول الله عزوجل: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني امية بالشام [ف] هربوا إلى الروم
____________
(1) النحل: 41. (2) قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضة او حديد.
(3) الانبياء: 12. اي فلما ادركوا شدة عذابنا ادراك المشاهد المحسوس إذا هم منها يركضون اي يهربون مسرعين، راكضين دوابهم ومشبهين بهم من فرط اسراعهم. (لا تركضوا) على ارادة القول اي قيل لهم استهزاء ا: لا تركضوا اما بلسان الحال او المقال والقائل ملك او من مضى من المؤمنين، (وارجعوا إلى ما اترفتم فيه من التنعم والتلذذ او الاتراف إبطار النعمة، (ومساكنكم).
التي كانت لكم. (لعلكم تسالون) غدا عن اعمالكم او تعذبون فان السؤال من مقدمات العذاب ولم يروا وجه النجاة فلذلك لم ينفعهم (فما زالت تلك دعواهم) فما زالوا يرددون ذلك وانما سماه دعوى لان المولول كانه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا اوانك. وكل من (تلك)
و (دعواهم) يحتمل الاسمية والخبرية (حتى جعلناهم حصيدا) مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع. (خامدين) ميتين من خمدت النار وهو مع (حصيدا) بمنزلة المفعول الثاني كقولك:
جعلته حلوا حامضا اذ المعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود او صفة له او حال من ضميره
(آت عن البيضاوي). (*)
الصفحة 52
فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان والصلح فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: " لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال: فيقولون " يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جلعناهم حصيدا خامدين (1) " بالسيف.
رسالة أبي جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخير (2)
16 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، والحسين بن محمد الاشعري، عن أحمد بن محمد بن عبدالله، عن يزيد بن عند الله، عمن حدثه قال: كتب أبوجعفر (ع) إلى سعد الخير:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله عزوجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله (3) ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة و صالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب (4) من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الايراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد وذموا أنفسهم على مافرطوا وهم أهل الذم وعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه وإنما
____________
(1) الانبياء: 14 و 15.
(2) في هامش غير واحد من النسخ: (وهو سعد بن عبدالملك الاموي صاحب نهر السعيد بالرحبة)
وكانه من المؤلف رحمه الله كما يظهر من بعض النسخ حيث جعلها في المتن قبل ذكر الرسالة.
(3) عزب اي بعد، وفي بعض النسخ (نفي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله).
(4) العصب: جمع العصبة او هي من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الاربعين. (آت). (*)
الصفحة 53
يضل من لم يقبل منه هداه، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا، فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه وذلك من علم اليقين وعلم التقوى وكل امة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون (1) فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا (2) فالامة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون، فبئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله (3) وثواب الناس بعد ثواب الله ورضا الناس بعد رضا الله فأصبحت الامة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون مفتونون، فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين إن نبيا من الانبياء كان يستكمل الطاعة (4)، ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد فخرج به من الجنة (5) وينبذ به في بطن
____________
(1) اي جعلوا ولي الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه وجعلوهم رؤساء على انفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها. (آت).
(2) اي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل او صبي غير عاقل وقوله: (بعد امر الله) اي صدوره او الاطلاع عليه او تركه، والورود والصدور كنايتان عن الاتيان للسؤال والاخذ والرجوع بالقبول. (آت).
(3) (ولاية الناس) هو المخصوص بالذم.
(4) اشار به إلى يونس (عليه السلام). والمراد بعصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير اذن ربه، روى انه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل ان يامره الله تعالى. واعلم ان العصيان هنا ترك الافضل والاولى وذلك لانه لم يكن هناك امر من الله تعلى حتى عصاه بترك الاتيان به او نهى منه حتى خالفه بارتكابه فاطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الاولى والافضل وذلك بالنسبة إلى درجات كمالهم بمنزلة العصيان.
(5) اطلاق الجنة على الدنيا لعل بالاضافة إلى بطن الحوت. كما قاله الفيض رحمه الله. (*)
الصفحة 54
الحوت، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة، فاعرف أشباه الاحبار والرهبان الذين
ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثم أعرف أشباههم من هذه الامة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده (1) فهم مع السادة والكبرة (2) فإذا تفرقت قادة الاهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم (3)، لا يزالون كذلك في طبع وطمع، لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير، يصبر منهم العلماء على الاذى والتعنيف ويعيبون على العلماء بالتكليف والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه أو ميتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لان الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروابه وان ينهوا عما نهوا عنه وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الاثم والعدوان، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد إن وعظت قالوا:
طغت وإن علموا الحق (5) الذي تركوا قالوا: خالفت وإن اعتزلوهم قالوا: فارقت وإن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدثون قالوا: نافقت وإن أطاعوهم قالوا: عصيت الله عزوجل فهلك جهال فيما لا يعلمون، اميون فيما يتلون يصدقون بالكتاب عند التعريف (6) ويكذبون به عند التحريف، فلا ينكرون، اولئك أشباه الاحبار والرهبان قادة في الهوى، سادة في الردى وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى لا يعرفون إحدى الطائفتين من الاخرى، يقولون ما كان الناس يعرفون هذا ولا يدرون ما هو وصدقوا تركهم رسول الله
____________
(1) انما شبه هؤلاء العباد وعلماء العوام المفتونين بالحطام بالاحبار والرهبان لشرائهم الدنيا بالاخرة بكتمانهم العلم وتحريفهم الكلم عن مواضعها واكلهم اموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله كما انهم كانواكذلك على ما وصفهم الله في القرآن في عدة مواضع والمراد بالسادة والكثرة السلاطين والحكام واعوانهم الظلمة. (في).
(2) في بعض النسخ (والكثرة).
(3) اشارة إلى الاية 31 من سورة النجم. والطبع بالتحريك: الرين وبالسكون: الختم.
(4) (منهم) اي من اشباه الاحبار والرهبان (العلماء) يعني العلماء بالله الربانيين.
(بالتكليف) يعني تكليفهم بالحق (في). (5) في بعض النسخ (عملوا الحق).
(6) في بعض النسخ (عند التحريف). (*)
الصفحة 55
(صلى الله عليه وآله) على البيضاء (1) ليلها من نهارها، لم يظهر فيهم بدعة ولم يبدل فيهم سنة لا خلاف عندهم ولا اختلاف فلما غشى الناس ظلمة خطاياهم، صاروا إمامين داع إلى الله تبارك وتعالى وداع إلى النار فعند ذلك نطق الشيطان فعلا صوته على لسان أوليائه و كثر خيله ورجله (2) وشارك في المال والولد من أشركه فعمل بالبدعة وترك الكتاب والسنة ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل (3) وتهادن أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه فاعرف هذا الصنف وصنف آخر فأبصرهم رأي العين نجباء (4) وألزمهم حتى ترد اهلك، فإن الخاسرين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين.
إلى ههنا رواية الحسين وفي رواية محمد بن يحيى زيادة:
لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليهم فإن كان دونهم (5) عسف من أهل العسف وخسف (6) ودونهم بلاياتنقضي، ثم تصير إلى رخاء ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولولا أتذهب بك الظنون عني (7) لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ولكني أتقيك وأستبقيك وليس الحليم الذي لا يتقي أحدافي مكان التقوى والحلم لباس العالم فلا تعرين منه والسلام.
____________
(1) يعني الشريعة الواضح مجهولها عن معلومها وعالمها عن جاهلها.
(2) الخيل: جماعة الفرسان والرجل: جماعة المشاة اي اعوانه القوية والضعيفة. (آت).
(3) اي تركوا نصرة الحق. وفي بعض النسخ (تخادن) من الخدن وهو الصديق. وتهادن من المهادنة بمعنى المصالح وفي بعض النسخ (تهاون) اي عن نصرة الحق وهذا انسب بالتخاذل كما ان التهادن انسب بالتخادن. (آت).
(4) بالنون والجيم والباء الموحدة وفي بعض النسخ (تحيا) من الحياة. (في).
(5) في بعض النسخ (اليه فان دونهم) وهو الصواب اي فلا ينظرون إلى البلاء لانه ينقضى ولا يبقى.
(6) العسف: الجور والظلم وهو في الاصل ان ياخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم وقبل: هو ركوب الامر من غير روية. والخسف: النقصان والهوان. وقوله: (ينقضى) جزاء الشرط. (في).
(7) أي يصير ظنك السئ بي سببا لانحرافك عني وعدم اصغائك الي بعد ذلك. (آت). (*)
الصفحة 56
رسالة منه (عليه السلام) إليه أيضا
17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة ابن بزيع قال: كتب أبوجعفر (ع) إلى سعد الخير:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه وطاعة من رضى الله رضاه، فقلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب (1) إن رضى الله وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلا في عباد غرباء، أخلاء من الناس قد اتخذهم الناس سخريا لما يرمونهم به من المنكرات وكان يقال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار ولو لا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل فتنة الناس كعذاب الله - واعيذك بالله وإيانا من ذلك - لقربت على بعد منزلتك.
واعلم رحمك الله أنه لا تنال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون.
يا أخي إن الله عزوجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون معهم على الاذى، يجيبون داعي الله ويدعون إلى الله فأبصرهم رحمك الله فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة أنهم يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرن بنور الله من العمى، كم من قتيل لابليس قد أحيوه وكم من تائه ضال
____________
(1) في بعض النسخ (فعجب).
(2) المستفاد من قوله (عليه السلام): تذكر فيه إلى آخره) ان سعدا ذكر في كتابه انه عرف كذا وانه قبل منه لنفسه كذا وانه تعجب من كذا بان يكون إلى قوله: (ومن جيفة الحمار)
من كلام سعد ويحتمل ان يكون فعجب او تعجب على اختلاف النسختين من كلام الامام (عليه السلام). (في)
وقوله: (اخلاء). جمع خلو بالكسر وهو الخالى عن الشئ ويكون بمعنى المنفرد ويقال: اخلاء إذا انفرد اي هم اخلاء عن اخلاق عامة الناس واطوارهم الباطلة او منفردون عن الناس معتزلون عن شرارهم. (آت). (*)
الصفحة 57
قد هدوه، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد وما أحسن أثرهم على العباد وأقبح آثار العباد عليهم.
18 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين (ع) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فيك شبها من عيسى بن مريم (1) ولو لا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة قال: فغضب الاعرابيان و المغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى ابن مريم فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالواء آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم (يعني من بني هاشم) ملائكة في الارض يخلفون (2) " قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الآية " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (3) " ثم قال له:
يا بن عمروإما تبت وإما رحلت؟ فقال: يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يديك فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ليس ذلك إلي ذلك إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا محمد قلبي ما يتابعني على التوبة ولكن ارحل عنك فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة (4) فرضخت هامته ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين بولاية علي) (5) ليس له دافع *
____________
(1) اي لزهده وعبادته وافتراق الناس فيه ثلاث فرق. (آت).
(2) الزخرف: 56 إلى 59. (3) الانفال: 33.
(4) الجندل كجعفر: ما يعمله الرجل من الحجارة (فرضخت) اي كسرت وفي بعض النسخ
(فرضت) اي دقت. والهامة: وسط الرأس.
(5) ليست جملة (بولاية علي) في بعض النسخ في المتن بل تكون في الهامش. (*)
الصفحة 58
من الله ذي المعارج (1) " قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة (عه) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به قال الله عز وجل: " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " (2).
19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن أبن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) في قوله عزوجل: " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس (3) " قال: ذاك والله حين قالت الانصار: " منا أمير ومنكم أمير ". 20 - وعنه وعن محمد بن علي، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (ع) قال:
قلت: قول الله عزوجل: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها (4) " قال: فقال: يا ميسر إن الارض كانت فاسدة فأصلحها الله عزوجل بنبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ".
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
21 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال:
ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان (5): اتباع الهوى وطول الامل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الامل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكن واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا عمل وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالا، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى (6) لكنه يؤخذ
____________
(1) المعارج: 1 إلى 3. (2) ابراهيم: 15. (3) الروم: 41.
(4) الاعراف 55 و 84. (5) اي خصلتان. (6) الحجى بالكسر: العقل. (*)
الصفحة 59
من هذا ضغث ومن هذا ضغث (1) فيمزجان فيجللان (2) معا فهنالك يستولى الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير (3) ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شئ قيل: قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحا بثفالها (4) ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة. ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزوجل وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع) (5) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (عه) (6) و رددت صاع رسول (صلى الله عليه وآله) كما كان (7)، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)
____________
(1) الضغث بالكسر: قبضة من حشيش مخالطة الرطب باليابس.
(2) جللت الشئ: إذا غطيته. وفي بعض النسخ (فيجتمعان) وفي بعضها (فيجلبان).
(3) اي يكبر وهو كناية عن امتدادها.
(4) بالمثلثة والفاء في النهاية: في حديث على (عليه السلام): (وتدقهم الفتن دق الرحا بثفالها)
الثفال بالكسر: جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمى الحجر الاسفل: ثفالا بها والمعنى انها تدقهم دق الرحا للحب إذا كانت مثفلة ولا تثفل الا عند الطحن.
(5) اشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى موضع كان فيه في الجاهلية رواه الخاصة والعامة. راجع كتاب النص والاجتهاد للعلامة الجليل سماحة السيد شرف الدين العاملى مد ظله.
(6) قصة فدك مشهورة لا تحتاج إلى البيان.
(7) الصاع في النهاية هو مكيال يسع اربعة امداد والمد عند الشافعي وفقهاء الحجاز رطل و ثلث بالعراقي وعند ابوحنيفة المد رطلان وبه اخذ فقهاء العراق فيكون الصاع خمسة ارطلان وثلثا او ثمانية ارطال وعند الشيعة على ما في كتاب الخلاف في حديث زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) يقال:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمد ويغتسل بصاع والمد رطل ونصف والصاع ستة ارطال يعني رطل المدينة ا ه. وهو تسعة بالعراقي. (*)
الصفحة 60
لاقوام لم تمض لهم ولم تنفذ (1)، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد (2) ورددت قضايا من الجور قضي بها (3)، ونزعت نساءا تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن (4)
واستقبلت بهن الحكم في الفروج والارحام، وسبيت ذراري بني تغلب (5)، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا (6) وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7)
____________
(1) القطيعة: طائفة من ارض الخراج (اقطعها) اي عينها وعزلها. (في).
(2) كانهم غصبوها وادخلوها في المسجد. (في).
(3) ذلك كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الارث وكقضائه بقطع السارق من معصم الكف ومفصل ساق الرجل خلافا لما امر به النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم من ترك الكف والعقب وانفاذه في الطلاق الثلاث المرسلة ومعنه من بيع امهات الاولاد وان مات الولد وقال: هذا راى رايته فامضاه على الناس إلى غير ذلك من قضاياه وقضايا الاخرين. (في).
(4) كمن طلقت بغير شهود وعلى غير طهر كما ابدعوه ونفذوه وغير ذلك. (في)
(5) لان عمر رفع عنهم الجزية فيهم ليسوا باهل ذمة فيحل سبى ذراريهم كما روى عن الرضا (عليه السلام) انه قال: ان بنى تغلب من نصارى العرب انفوا واستنكفوا من قبول الجزية وسألوا عمر ان يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفا فخشى ان يلحقوا بالروم فصالحهم على ان صرف ذلك عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك وقال محيي السنة (البغوى) روى ان عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية فراضاهم على ان ضعف عليهم الصدقة. (آت).
(6) أشار بذلك إلى ما ابتدعه عمر في عهده من وضعه الخراج على أرباب الزراعات و الصناعات والتجارات لاهل العلم واصحاب الولايات والرئاسات والجند وجعل ذلك عليهم بمنزلة الزكاة المفروضة ودون دواوين واثبت فيها اسماء هؤلاء واسماء هؤلاء واثبت لكل رجل من الاصناف الاربعة ما يعطى من الخراج الذي وضعه على الاصناف الثلاثة وفضل في الاعطاء بعضهم على بعض ووضع الدواوين على يد شخص سماه صاحب الديوان واثبت له أجرة من ذلك الخراج وعلى هذه البدعة جرت سلاطين الجور وحكامهم إلى الان ولم يكن شئ من ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا على عهد ابي بكر وانما الخراج للامام فيما يختص به من الاراضي خاصة يصنع به ما يشاء. (في).
(7) اي لا اجعله لقوم دون قوم حتى يتداولوه بينهم ويحرموا الفقراء. (*)
الصفحة 61
يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الاغنياء وألقيت المساحة (1)، وسويت بين المناكح (2) وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عزوجل وفرضه (3) ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ماكان عليه (4)، وسددت مافتح فيه من الابواب، وفتحت ماسد منه، وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ (5) وأمرت باحلال المتعتين (6) وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات (7) وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (8)
____________
(1) اشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر انه قال: ينبغي مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم ناخذها من ارباب الاملاك فبعث إلى البلدان من مسح على اهلها فالزمهم الخراج فاخذ من العراق يوما يليها ما كان اخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا وقفيزا من اصناف الحبوب واخذ من مصر ونواحيها دينارا وإردبا عن مساحة جريب كما كان ياخذ منهم ملوك الاسكندرية وقد روى محيى السنة وغيره عن علمائهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال:
(منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها) والاردب لاهل مصر اربعة وستون منا وفسره اكثرهم بانه قد محى ذلك شريعة الاسلام وكان اول بلد مسحه عمر بلد الكوفة وتفصيل الكلام في ذكر هذه البدع موكول إلى الكتب المبسوطة التي دونها اصحابنا لذلك كالشافي للسيد المرتضى. (آت).
(2) بان يزوج الشريف والوضيع كما فعله رسول الله صلى عليه وآله وزوج بنت عمه مقدادا
(آت). او اشارة إلى ما ابتدعه عمر من منعه غير قريش ان يتزوج في قريش ومنعه العجم من التزويج في العرب. (في).
(3) اشارة إلى منع عمر اهل البيت خمسهم كما ياتي بيانه في آخر هذه الخطبة. (في).
(4) يعني اخرجت منع ما زادوه فيه. (وسددت ما فتح فيه من الابواب) اشارة إلى ما نزل به جبرئيل (عليه السلام) من الله سبحانه من امره النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم بسد الابواب من مسجده الاباب على وكانهم قد عكسوا الامر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم (في).
(5) اشارة إلى ما ابتدعه عمر من اجازته لمسح على الخفين في الوضوء ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم وقد روت عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (اشد الناس حسرة يوم القيامة من راى وضوءه على جلد غيره. (وحددت على النبيذ) وذلك انهم استحلوه. (في).
(6) يعني متعة النساء ومتعة الحج، قال عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وانا احرمهما واعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج). (في).
(7) وذلك ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكبر على الجنائز خمسا، لكن الخليفة الثاني راقه ان يكون التكبير في الصلاة عليها اربعا فجمع الناس على الاربع، نص على ذلك جماعة من اعلام الامة كالسيوطي (نقلا عن العسكري) حيث ذكر اوليات عمر من كتابه (تاريخ الخلفاء) وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر سنة 3 2 من كتابه (روضة المناظر) المطبوع في هامش تاريخ ابن الاثير وغيرهما من اثبات المتتبعين. (نقل عن كتاب النص والاجتهاد ص 152).
(8) وذلك انهم يتخافتون بها او يسقطونها في الصلاة. (في). (*)
الصفحة 62
وأخرجت من أدخل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه، وأدخلت من اخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخله (1) وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة (2)، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (3)، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشائعها ومواضعها (4)، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم (5)، ورددت سبايا فارس وسائر الامم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) إذا لتفرقوا عني والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في
____________
(1) لعل المراد اخراجهما حيث دفنا والمراد باخراج الرسول اياهما سد بابهما عن المسجد.
(وادخلت من اخرج) لعل المراد به نفسه (عليه السلام) وباخراجه سد بابه وبادخاله فتحه. (في).
(2) وذلك انهم خالفوا القرآن في كثير من الاحكام منها وجوب الاشهاد على الطلاق وعدم وجوبه على النكاح فانهم عكسوا الامر في ذلك وابطلوا عدة من احكام الطلاق وابدعوا فيه بارائهم. (في).
(3) اي اخذتها من اجناسها التسعة وهي الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والغنم والبقر فانهم اوجبوها في غير ذلك وتفصيل الكلام توجد في كتب القوم. وقوله (عليه السلام): (وحدودها) اي نصابها.
(4) ذلك انهم خالفوا في كثير منها كابداعهم في الوضوء مسح الاذنين وغسل الرجلين والمسح على العمامة والخفين وانتقاضه بملامسة النساء ومس الذكر واكل مامسته النار وغير ذلك مما لا ينقضه وكابداعهم الوضوء مع غسل الجنابة واسقاط الغسل في التقاء الختانين من غير انزال واسقاطهم من الاذان (حي على خير العمل) وزيادتهم فيه (الصلاة خير من النوم) وتقديمهم التسليم على التشهد الاول في الصلاة مع ان الفرض من وضعه التحليل منها وابداعهم وضع اليمين على الشمال فيها وحملهم الناس على الجماعة في النافلة وعلى صلاة الضحى وغير ذلك. (في) اقول: راجع في اثبات كل ذلك كتاب الشافي للسيد المرتضى رحمه الله وكتاب النص والاجتهاد للعلامة العاملي.
(5) نجران بالفتح ثم السكون وآخره نون وهو في عدة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الاخدود واليها تنسب كعبة نجران وكانت ربيعة بها اساقفة مقيمون منهم السيد والعاقب اللذين جاء ا إلى النبي (عليه السلام) في اصحابهما ودعاهم إلى المباهلة وبقوا بها حتى اجلاهم عمر ونجران ايضا موضع على يومين من الكوفة إلى آخر ما قاله الحموي في مراصد الاطلاع ج 3 ص 1359 وفي كيفية اجلاء عمر اياهم وسببه راجع فتوح البلدان للبلاذري ص 70 إلى ص 75. (*)
الصفحة 63
فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري (1) ما لقيت من هذه الامة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار. وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عزوجل: " إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (3) " فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) (4) فقال تعالى: " فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (فينا خاصة) كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتيكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله (في ظلم آل محمد) إن الله شديد العقاب (5) " لمن ظلمهم رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به ووصى به نبيه (صلى الله عليه وآله) ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله رسوله (صلى الله عليه وآله) وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا الله وكذبوا رسوله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ومنعونا فرضا فرضه الله لنا، ما لقى أهل بيت نبي من أمته ما لقينا بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) والله المستعان على من ظلمنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
خطبة لامير المؤمنين (ع)
22 - أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبدالله المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبدالله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (ع) قال: خطب أمير المؤمنين (ع)
بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى
____________
(1) يثوروا اي يهيجوا: وقوله: (ما لقيت من هذه الامة) كلام مستأنف للتعجب.
(2) رجوع إلى الكلام السابق ولعل التأخير من الرواة. (آت).
(3) الانفال: 41. وصدر الاية: (فاعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم.. الخ).
(4) لان سهمهم دائم قادم لهم إلى يوم القبامة كما كان لله ولرسوله واما اليتيم إذا انقطع يتمه ليس له سهم وكذلك أخويه.
(5) الحشر: 7. وصدر الاية (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول.. إلخ). (*)
الصفحة 64
لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء (1)، أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر (2)
وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد الله!
أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه (3)، ثم انظرواإلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه (4)، كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزرع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور.
فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون (5) أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ، لاينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامى (صلى الله عليه وآله) ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والارض أهل حسرات وكهوف شبهات (6) وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورايه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها وواأسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الاصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أن الله - وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع
____________
(1) الازل: الشدة والضيق.
(2) الخطب: الشان والامر. وفي بعض النسخ (ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من خطب).
(3) اي فيما يهمكم. وفي بعض النسخ باعجام الغين وهو تصحيف. (في). (4) من القود فانهم قد اصابوا دماءا بغير حق. (في).
(5) في بعض النسخ (لا يقتفون) وهو بمعناه.
(6) في بعض النسخ (اهل خسران وكفر وشبهات). والعشوة بالتثليث: ركوب الامر على غير بيان. (*)
الصفحة 65
قزع الخريف (1) يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب (2)، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم (3) كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رض طود يذعذعهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما قي ديار قوم تشريدا لبني امية (4)
ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون (5) فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني
____________
(1) القزع بالقاف والزاي ثم العين المهملة: قطع السحاب المتفرقة وانما خص الخريف لانه اول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك
(كذا في النهاية).
(2) الركام: المتراكب بعضه فوق بعض ونسبة هذا التاليف اليه تعالى مع انه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك وتمكينهم من اسبابه وتركهم واختيارهم بتاليفهم وحثهم عليه ومثل هذا كثير في الايات والاخبار. (آت)
(3) اي محل انبعاثهم وتهييجهم وكانه اشار (عليه السلام) بذلك إلى فتن ابي مسلم المروزى و استئصالهم لبني امية وانما شبههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد واهلها الذين كانوا في خفض و دعة واريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم وجماعة عن شمالها، روى انها كانت اخصب البلاد واطيبها، لم تكن فيها عاهة ولا هامة. وفسر العرم تارة بالصعب واخرى بالمطر الشديد واخرى بالجرذ واخرى بالوادي واخرى بالاحباس التي تبنى في الاودية. ومنه قيل: انه اصطرخ اهل سبأ، قيل: انما اضيف السيل إلى الجرذ لانه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء وتركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون اليه او المسناة التي عقدت سدا على انه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة وكان ذلك بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله). (في).
(4) الاكمة: التل. والرض: الدق الجريش. والطود: الجبل. وفي بعض النسخ (رص طود)
بالصاد المهملة فيكون بمعنى الالزاق والضم والشد ولعله الصواب والمجرور في (سننه) يرجع إلى السيل او إلى الله تعالى. والذعذعة بالذالين المعجمتين والعينين المهملتين:
التفريق. والتشريد: التنفير. (في). وفي بعض النسخ (يدغدغهم).
(5) التضعضع: الهدم. والجنادل جمع جندل وهخو الصخر العظيم اي ينقض الله ويكسر بهم البنيان التي طويت وبنيت بالجنادل والاحجار من بلاد إرم وهي دمشق والشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الازمان تلك البلاد لا سيما زمانه (صلى الله عليه وآله) (قاله المجلسي رحمه الله) والمراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام أو بلد بالصين كما في القاموس. (*)
الصفحة 66
أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم (1) وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار (2) من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج (3) ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا.
أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع (4) عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها (5) لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [بن عمران] (ع) ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو اسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الادنى من أهل بدر ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله) فتداويتم من العمى والصم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح (6) عن الاعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ماليس له " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".
____________
(1) الصهيل كامير: صوت الفرس. والطمطمة في الكلام ان يكون فيه عجمة. (في).
(2) الالية: الشحمة.
(3) اي يرجع من مات و (في) وفي بعض النسخ (يقضى).
(4) في بعض النسخ (يتجشع).
(5) الازواء: الصرف.
(6) اي طريق الديون المثقلة ومظالم العباد أو طاعة أهل الجور وظلمهم عليكم عن أعناقكم وقوله: (ولا يبعد الله) اي في ذلك الزمان أو مطلقا. (آت) والفادح: الصعب المثقل. (*)
الصفحة 67
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
23 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، ويعقوب السراج، عن أبي عبدالله (ع) أن أمير المؤمنين (ع) لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي علا فاستعلى ودنا فتعالى وارتفع فوق كل منظر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وحجة الله على العالمين مصدقا للرسل الاولين وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله.
أما بعد أيها الناس فإن البغي يقود أصحابه إلى النار وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم وأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا [من الارض]
في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين (1) فسلط الله عزوجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا وأمات هامان وأهلك فرعون وقد قتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عات كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوطة القدر (2) حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سابقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة (3) ولا كذبت كذبه ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا
____________
المنجل كمنبر: ما يحصد به.
(2) لتبلبلن اي لتخلطن، تبلبلت الالسن اي اختلطت والبلبلة أيضا الهم والحزن ووسوسة الصدر. ولتغربلن من الغربال الذي يغربل به الدقيق والغربلة ايضا: القتل. والسوط: التخليط والمسوط والمسواط: خشبة يحرك بها ما في القدر ليختلط.
(3) الوشمة: المرة، يقال: ما عصيت فلانا وشمة اي طرفة عين وفي بعض النسخ بالمهملة وهي العلامة.
(4) خيل الشمس بالضم جمع شموس وهي الدابة التي تمنع ظهرها ولا تطيع راكبها و هو مقابل الذلول (*).
الصفحة 68
أزمتها فأوردتهم الجنة وفتحت لهم أبوابها وجدوا ريحها وطيبها وقيل لهم: " ادخلوها بسلام آمنين "، ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه ومن لم أهبه له ومن ليست له منه نوبة (1) إلا بنبي يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل (2) ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل ولئن رد عليكم أمركم أنكم سعداء وما علي إلا الجهد وإني لاخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولو أشاء لقلت: عفا الله عما سلف، سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة والنار أمامه، ثلاثة وإثنان خمسة ليس لهم سادس: ملك يطير بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه (3) وساع مجتهد وطالب برجوا ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها يأتي (7) الكتاب وآثار النبوة، هلك من ادعى وخاب من افترى إن الله أدب هذه الامة بالسيف والسوط وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة (4)
فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك (5).
* (حديث علي بن الحسين (عليهما السلام)) *
24 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هلال ابن عطية (6) عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (ع) قال: كان يقول: إن أحبكم إلى الله عزوجل أحسنكم عملا وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة
____________
(1) في بعض النسخ (توبة). (2) امر كفرح امرا وامرة: كثر.
(3) اي عضديه. يعني ان عباد الله المكلفين على خمسة اقسام: ملك يطير... الخ.
(4) الهوادة: السكون والرخصة والمحاباة.
(5) صفحة كل شئ وجهه، يعني من كاشف الحق مخاصما له هلك هلاكا اخرويا وهي كلمة جارية مجرى المثل. (في).
(6) في الفقيه (مالك بن عطية) وهو الظاهر. (آت). (*)
الصفحة 69
وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله.
25 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن أبي شعيب المحاملي، عن عبدالله بن سليمان، عن أبي عبدالله (ع) [قال:] قال أمير المؤمنين
(ع): ليأتين على الناس زمان يظرف فيه الفاجر ويقرب فيه الماجن (1) ويضعف فيه المنصف، قال: فقيل له: متى ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إذا اتخذت الامانة مغنما.
والزكاة مغرما. والعبادة استطالة. والصلة منا، قال: فقيل: متى ذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال: إذا تسلطن النساء وسلطن الاماء وأمر الصبيان.
26 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبى رفعه قال: خطب أمير المؤمنين (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عزوجل ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال:
فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالامس تجعلني وإياه سواء ا؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا.
* (حديث النبي (صلى الله عليه وآله) حين عرضت عليه الخيل) *
27 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن سالم، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن أحمد بن النضر، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي القاسم، عن الحسين بن أبي قتاده جميعا، عن عمرو بن
____________
(1) (يظرف) في بعض النسخ بالمهملة وكذا في بعض نسخ النهج والطريف ضد التالد وهو الامر المستطرف الذي يعده الناس حسنا لانهم يرغبون إلى الامور المحدثة والظريف من الظرافة بمعنى الفطنة والكياسة. والمجون ان لا يبالي الانسان ما صنع وقد مجن يمجن فهو ماجن. (مأخوذ من آت). (*)
الصفحة 70
شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعرض الخيل فمر بقبر أبي احيحة (1) فقال أبوبكر: لعن الله صاحب هذا القبر فوالله إن كان ليصد عن سبيل الله ويكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: خالد إبنه بل لعن الله أباقحافة فوالله ما كان يقري الضيف (2) ولا يقاتل العدو، فلعن الله أهونهما على العشيرة فقدا فألفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطام راحلته (3) على غاربها ثم قال: إذا أنتم تناولتم المشركين فعموا ولا تخصوا فيغضب ولده ثم وقف فعرضت عليه الخيل فمر به فرس فقال عيينة بن حصن: إن من أمر هذا الفرس كيت وكيت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذرنا فأنا أعلم بالخيل منك فقال: عيينة وأنا أعلم بالرجال منك، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر الدم في وجهه فقال له: فأي الرجال أفضل؟ فقال: عيينة بن حصن: رجال يكونون بنجد يضعون سيوفهم على عواتقهم ورماحهم على كواثب خيلهم (4) ثم يضربون بها قدما قدما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبت بل رجال أهل اليمن أفضل، الايمان يماني والحكمة يمانية (5) ولولا الهجرة لكنت امرءا من أهل اليمن، الجفا والقسوة في الفدادين (6) أصحاب الوبر، ربيعة ومضر من حيث يطلع قرن الشمس (7) ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة وحضرموت خير من عامر بن صعصعة - و
____________
(1) بضم الهمزة والمهملتين بينهما مثناة تحتانية مصغر يسمى بها ويكنى (في).
(2) اقراء الضيف: إكرامه.
(3) بالخاء المعجمة المكسورة زمام البعير. والغارب ما بين السنام والعنق.
(4) في النهاية: الكواثب جمع كاثبة وهي من الفرس مجتمع كتفيه فدام السرج.
(5) في النهاية: الايمان يمان، الحكمة يمانية، انما قال (عليه السلام) ذلك لان الايمان بدا من مكة وهي من تهامة من ارض اليمن ولهذا يقال: الكعبة الثمانية.
(6) في النهاية. ان الجفاء والقسوة في الفدادين، الفدادون بالتشديد: الذين تعلوا اصواتهم في حروثهم ومواشيهم واحدهم فداد، يقال: فد الرجل يفد فد يدا إذا اشتد صوته وقيل: هم المكثرون من الابل وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان وقيل: انما هم الفدادين مخففا واحدها فدان مشددا وهي البقر التي يحرث بها واهلها اهل جفاء وقسوة. (انتهى)
واصحاب الوبر هم الذين يتخذون بيوتهم منه.
(7) قال الجوهري: قرن الشمس: اعلاها واول ما يبدو منها في الطلوع لعل المراد اهل البوادي من هاتين القبيلتين الكائنتين في مطلع الشمس اي في شرقي المدينة. (آت). وربيعة ومضر ابوقبيلتين وكانا اخوين. ومذحج بالمعجمة ثم المهملة ثم الجيم على وزن مسجد ابوقبيلة باليمن. و حضر موت اسم قبيلة اسمان جعلا واحدا وقد جاء اسم بلد ايضا. (في). (*)
الصفحة 71
روى بعضهم خير من الحارث بن معاوية - وبجيلة خير من رعل وذكوان وإن يهلك لحيان (1)
فلا أبالي ثم قال: لعن الله الملوك الاربعة جمدا ومخوسا ومشرحا وأبضعة واختهم العمردة لعن الله المحلل والمحلل له (2) ومن يوالي غير مواليه ومن ادعي نسبا لا يعرف والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ومن أحدث حدثا في الاسلام أو آوى محدثا ومن قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه ومن لعن أبويه فقال رجل: يا رسول الله أيوجد رجل يلعن أبويه؟ فقال: نعم، يلعن آباء الرجال وامهاتهم فيلعنون أبويه لعن
____________
(1) في القاموس بجيلة كسفينة: حي باليمن من معد. ورعل وذكوان قبيلتان من سليم ا ه.
ولحيان ابوقبيلة وهو لحيان بن هذيل بن مدركة. (الصحاح)، وفي الوافي (ان يهلك الحيان) وقال الفيض رحمه الله في بيانه: الحيان تثنية الحي يعني القبيلتين المذكورتين وحيان ابوقبيلة ايضا.
(2) في القاموس: مخوس كمنبر ومشرح وجمد وابضعة: بنو معد يكرب الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعن اختهم العمردة وفدوا مع الاشعث فاسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير. في النهاية: لعن الله المحلل والمحلل له وفي رواية المحل والمحل له وفي حديث بعض الصحابة لا اوتي بحال ولا محلل الا رحمتها، جعل الزمخشري هذا الاخير حديثا لا اثرا وفي هذه اللفظة ثلاث لغات: حللت بتششديد اللام واحللت وحللت مخففا فعلى الاولى جاء الحديث الاول يقال: حلل فهو محلل ومحلل له وعلى الثانية جاء الثاني تقول: احل فهو محل له وعلى الثالثة جاء الثالث تقول: حللت فانا حال وهو محلول له، وقيل: اراد بقوله: (لا اوتي بحال) اي بذي احلال مثل قولهم: ريح لاقح اي ذات القاح والمعنى في الجميع هو ان يطلق الرجل امراته ثلاثا فيتزوجها رجل اخر على شريطة ان يطلقها بعد وطئها لتحل لزوجها الاول، وقيل: سمى محللا بقصده إلى التحليل كما يسمى مشتريا إذا قصد الشراء انتهى. وقال المجلسي ره: يمكن ان يكون المراد: النسئ في الاشهر الحرم قال الزمخشرى كان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهلية وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول باعلى صوته: ان آلهتكم قد احلت لكم المحرم فاحلوه ثم يقوم في القابل فيقول: ان آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. وقال علي بن ابراهيم:
كان رجل من بني كنانة يقف في الموسم فيقول: قد احللت دماء المحللين طي وخثعم في شهر المحرم وانسأته وحرمت بدله صفر فاذا كان العام المقبل يقول: قد احللت صفر وانسأته وحرمت بدله شهر المحرم انتهى. ولعل هذا أوفق بروايات اصحابنا واصولهم. ويحتمل ان يكون المراد مطلق تحليل ما حرم الله انتهى. (*)
الصفحة 72
الله رعلا وذكوان وعضلا ولحيان والمجذمين من أسد وغطفان (1) وأبا سفيان بن حرب وشهبلا ذا الاسنان وابني مليكة بن جزيم (2) ومروان وهوذة وهونة.
28 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن مولى لامير المؤمنين (ع) ساله مالا فقال: يخرج عطائى فاقاسمك هو، فقال: لا أكتفي وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين (ع) يخبره بما أصاب من المال فكتب إليه أمير المؤمنين (ع): أما بعد فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهله بعدك وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فآثر نفسك على صلاح ولدك فإنما أنت جامع لاحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقى بما جمعت له وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك، فارج لمن مضى رحمة الله وثق لم بقي برزق الله.
كلام علي بن الحسين (عليما السلام)
29 - حدثني محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالله بن غالب الاسدي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين (ع) يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظ عنه وكتب كان يقول:
أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون فتجد كل نفس ماعملت في هذه الدنيا من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه، ويحك يا ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه.
____________
(1) (عضلا) بالتحريك: ابوقبيلة. (والمجذمين) لعل المراد المنسوبين إلى الجذيمة ولعل اسدا وغطفان كلاهما منسوبتان اليها. قال الجوهرى: جذيمة: قبيلة من عبدالقيس ينسب اليهم جذمى بالتحريك وكذلك إلى جذيمة اسد. وقال الفيروزآبادى: غطفان محركة: حي من قيس. وشهيلا بالشين المعجمة والباءة الموحدة في بعض النسخ بالسين المهملة والياء المثناة ولعله اسم رجل وكذا ما ذكر بهده إلى آخر الخبر. (آت).
(2) في بعض النسخ (جريم... الخ) وفي بعضها (وهودة).
(3) اي لا تثبت له وزرا على ظهرك. (آت) وفي النهج (تحمل) وفي بعض نسخه (تحتمل). (*)
الصفحة 73
يا ابن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك (1) ويوشك أن يدركك وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيدا فرد إليك فيه روحك واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمسائلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما كنت أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أنت أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسائلة والاختبار فإن تك مؤمنا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لاولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك (2) بالصواب وأحسنت الجواب وبشرت بالرضوان والجنة من الله عزوجل واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب (3) وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم.
واعلم يا ابن آدم إن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله عزوجل فيه الاولين والآخرين ذلك يوم ينفخ في الصور وتبعثر فيه القبور (4) وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين وذلك يوم لا تقال فيه عثرة (5) ولا يؤخذ من أحد فدية ولا تقبل من أحد معذرة ولا لاحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من
____________
(1) أي مسرعا، حريصا.
(2) في بعض النسخ (انطلق لسانك).
(3) التلجلج: التردد في الكلام. ودحضت حجته دحوضا اي بطلت. وعييت عن الجواب اي عجزت عنه.
(4) بعثرت الشئ إذا استخرجته وكشفته وبعثرت حوضي اي هدمته وجعلت اسفله اعلاه وسمبت القيامة بالازفة لازوفتها اي لقربها إذا القلوب لدى الحناجر فانها ترتفع عن اماكنها فتلتصق بحلوقهم فلا تعود، فيتروحوا فلا تخرج فيستريحوا. (آت).
(5) من الاقالة وهي نقض البيع. والعثرة: الزلة. (*)
الصفحة 74
المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده.
فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله عزوجل يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (1) "
وأشعروا قلوبكم خوف الله (2) وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد العقاب فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات فإن الله يقول في محكم كتابه: " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف (3) " فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنواأن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم فإن السعيد من وعظ بغيره ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " وإنما عنى بالقرية أهلها حيث يقول:
" وأنشأنا بعدها قوما آخرين " فقال عزوجل: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * (يعني يهربون قال:) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * (فلما أتاهم العذاب) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (4) " وأيم الله إن هذه عظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم، ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عزوجل
____________
(1) الاعراف: 201، اي لمم من الشيطان وطائف فاعل منه، يقال طاف يطيف طيفا فهو طائف.
(2) اي اجعلوا خوف الله شعار قلوبكم ملازما لها غير مفارق عنها.
(3) النحل: 44 إلى 47. و (تخوف) اي تنقص.
(4) الانبياء: 11 إلى 15. ومضى بيان ما فيه ص 51 من هذا المجلد.
الصفحة 75
ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين (1) " فإن قلتم:
أيها الناس إن الله عزوجل إنما عنى بهذا أهل الشرك فكيف ذلك وهو يقول: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاوإن كان مثقال حبة من خردل أتينابها وكفى بنا حاسبين (2) ".
إعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين و إنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لاهل الاسلام.
قاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله عزوجل لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لاحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الامثال وصرف الآيات لقوم يعقلون ولا قوة إلا بالله.
فازهدوا فيما زهدكم الله عزوجل فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق: " إنما مثل الحيوة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما ياكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (3) " فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله عزوجل قال لمحمد (صلى الله عليه وآله): " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (4) " ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان فإنها دار بلغة ومنزل قلعة (5) ودار عمل، فتزودوا الاعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها وقبل الاذن من الله في خرابها فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها فأسأل الله العون لناولكم على تزود التقوى
____________
(1) الانبياء: 46. والنفحة: الدفعة من الشئ دون معظمه.
(2) الانبياء: 47.
(3) يونس: 24. واخذت الارض زخرفها اي زينتها بالنبات.
(4) هود: 113. اي تطمئنوا اليهم وتسكنوا إلى قولهم.
(5) اي ليس بمستوطن. (*)
الصفحة 76
والزهد فيها، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، الراغبين لآجل ثواب الآخرة فإنما نحن به وله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حديث الشيخ مع الباقر (عليه السلام)
30 - محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار قال: حدثني رجل من أصحابنا، عن الحكم بن عتيبة قال: بينما أنا مع أبي جعفر (ع)
والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكؤ على عنزة له (1) حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك با ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم سكت فقال أبوجعفر
(ع): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال:
السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا (عليه السلام) ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر (ع) ثم قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لاحبكم وأحب من يحبكم ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا (والله) إني لابغض عدوكم وأبرأ منه ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لو تر كان (2)
بيني وبينه والله إني لاحل حلالكم وأحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك؟ فقال أبوجعفر (ع): إلي إلي حتى أقعده إلى جنبه ثم قال:
أيها الشيخ إن أبي علي بن الحسين (ع) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي (ع): إن تمت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن و الحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين ولو قد بلغت نفسك ههنا وأهوى بيده إلى حلقه وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك وتكون معنا في السنام الاعلى، [ف] قال الشيخ: كيف قلت: يا
____________
(1) العنزة عصا في رأسها حديد. وهي بالتحريك اطول من العصا واقصر من الرمح.
(2) الوتر: الذحل وهو: الحقد والعداوة. وايضا: الجناية. (*)
الصفحة 77
أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر إن أنا مت أرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عل) وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا وإن أعش أرى ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الاعلى؟! ثم أقبل الشيخ ينتحب، ينشج (1) هاهاها حتى لصق بالارض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبوجعفر (ع) يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لابي جعفر (ع): يا ابن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك فناوله يده فقبلها ووضعها على عيينه وخده، ثم حسر عن بطنه (3)
وصدره فوضع يده على بطنه وصدره، ثم قام فقال: السلام عليكم وأقبل أبوجعفر (ع)
ينظر في قفاه وهو مدبر ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقال: الحكم بن عتيبة لم أر ماتما قط يشبه ذلك المجلس.
قصة صاحب الزيت
31 - عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (ع) قال: كان رجل يبيع الزيت وكان يحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبا شديدا كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد عرف ذلك منه فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه، حتى إذا كانت ذات يوم دخل عليه فتطاول له رسول
____________
النحب والنحيب والانتحاب: البكاء بصوت طويل. والنشج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره. (النهاية).
(2) حملاق العين بالكسر والضم وكعصور: باطن اجفانها الذي يسود بالكحلة او ما غطته الاجفان من بياض المقلة او باطن الجفن الاحمر الذي إذا قلب للكحل رايت حمرته او ما لزق بالعين من موضع الكحل من باطن جمع حماليق. (القاموس).
(3) اي كشف. (*)
الصفحة 78
الله (صلى الله عليه وآله) حتى نظر إليه ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع فلما رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد فعل ذلك أشار إليه بيده إجلس فجلس بين يديه فقال: مالك فعلت اليوم شيئا لم تكن تفعله قبل ذلك؟ فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا لغشى قلبي شئ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك، فدعاله وقال له خيرا ثم مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) اياما لا يراه فلما فقده سأل عنه فقيل: يا رسول الله ما رأيناه منذ أيام فانتعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانتعل معه أصحابه وانطلق حتى أتوا سوق الزيت فإذا دكان الرجل ليس فيه أحد، فسأل عنه جيرته فقيل: يا رسول الله مات ولقد كان عندنا أمينا صدوقا إلا أنه قد كان فيه خصلة، قال: وما هي؟ قالوا: كان يرهق (1) يعنون يتبع النساء فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رحمه الله والله لقد كان يحبني حبا لو كان نخاسا (2) لغفر الله له.
32 - علي بن محمد، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن عثمان بن عيسى، عن ميسرقال:
دخلت على أبي عبدالله (ع) فقال: كيف أصحابك؟ فقلت: جعلت فداك لنحن عندهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، قال: وكان متكئا فاستوى جالسا، ثم قال: كيف قلت؟ قلت والله لنحن عندهم أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا فقال: " أماوالله لاتدخل النارمنكم إثنان لاوالله ولاواحد، والله إنكم الذين قال الله عزوجل: " وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنانعدهم من الاشرار * اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " ثم قال: طلبوكم والله في النار فما وجدوا منكم أحدا.
____________
(1) الرهق محركة: ركوب الشر والظلم وغشيان المحارم.
(2) لعل المراد من يبيع الاحرار عمدا. (آت). (3) ص: 61 إلى 64. (*)
الصفحة 79
وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لاميرالمؤمنين (ع)
33 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: كان في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (ع) أن قال: يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عني ثم قال: اللهم أعنه، أما الاولى:
فالصدق ولا تخرجن من فيك كذبة أبدا. والثانية: والورع ولا تجترئ على خيانة أبدا.
والثالثة: الخوف من الله عز ذكره كأنك تراه. والرابعة: كثرة البكاء من خشية الله يبنى لك بكل دمعة ألف بيت في الجنة. والخامسة: بذلك مالك ودمك دون دينك. و السادسة الاخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي أما الصلاة فالخمسون ركعة و أما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أوله والاربعاء في وسطه والخميس في آخره وأما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت ولم تسرف، وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الزوال وعليك بصلاة الزوال، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بتلاوة القرآن على كل حال وعليك برفع يديك في صلاتك وتقليبهما، وعليك بالسواك عند كل وضوء وعليك بمحاسن الاخلاق فاركبها ومساوي الاخلاق فاجتنبها فإن لم تفعل فلا تلومن إلا نفسك.
34 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبدالله بن المغيرة قال: حدثني جعفر بن إبراهيم [بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر الطيار]، عن أبي عبدالله، عن أبيه (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حسب المرء دينه ومروء ته وعقله وشرفه وجماله، وكرمه تقواه.
35 - عنهم، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، وثعلبة بن ميمون، وغالب بن عثمان، وهارون بن مسلم، عن بريد بن معاوية قال: كنت عند أبي جعفر (ع) في فسطاط له بمنى فنظر إلى زياد الاسود منقلع الرجل
الصفحة 80
فرثا له (1) فقال له: مالرجليك هكذا؟ قال: جئت على بكر لي نضو فكنت (2)
أمشي عنه عامة الطريق، فرثى له وقال له عند ذلك زياد: إني الم بالذنوب حتى إذا ظننت أني قد هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة وتجلى عني فقال أبوجعفر
(ع): وهل الدين إلا الحب؟ قال الله تعالى: " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم (3) "
وقال: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (4) " وقال: " يحبون من هاجر إليهم (5) "
إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يارسول الله احب المصلين ولا أصلي (6) واحب الصوامين ولا أصوم؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت وقال: ما تبغون وما تريدون أما إنها لو كان فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم وفزعنا إلى نبينا وفزعتهم إلينا.
36 - سهل، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، وعبدالله بن بكير، عن سعيد بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: الحمد الله صارت فرقة مرجئه وصارت فرقة حرورية وصارت فرقة قدرية وسميتم الترابية وشيعة علي، أما والله ما هو إلا الله وحده لاشريك له ورسوله (صلى الله عليه وآله) وآل رسول الله (عل) وشيعة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما الناس إلا هم، كان علي (ع) أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأولى الناس بالناس حتى قالها ثلاثا.
37 - عنه، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عمر بن أبان الكلبي، عن عبدالحميد الواسطي، عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا أنتظارا لهذا الامر حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده؟ فقال: يا [أبا] عبدالحميد أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجا؟ بلى والله ليجعلن الله له مخرجا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا، قلت: أصلحك الله إن هؤلاء المرجئه يقولون ما علينا أن نكون على الذين نحن عليه
____________
(1) انقلع المال إلى مالكه: وصل اليه من يد المستعير وانقلع البعير: انخرع اي كان صحيحا فوقع ميتا. وفي بعض النسخ (منقطع الرجلين). وقوله: (رثا له) اي رق وتوجع.
(2) النضو: الدابة التي هزلتها الاسفار.
(3) الحجرات: 7.
(4) آل عمران: 31.
الحشر: 9.
(6) المراد بها النوافل وكذ في اختها المراد بها التطوع كما يشعر بها لفظة (الصوامين). (*)
الصفحة 81
حتى إذا جاء ما تقولون كنا نحن وأنتم سواء؟ فقال: يا عبدالحميد صدقوا من تاب تاب الله عليه ومن أسر نفاقا فلا يرغم الله إلا بأنفه ومن أظهر أمرنا أهرق الله دمه (1) يذبحهم الله على الاسلام كما يذبح القصاب شاته، قال: قلت: فنحن يومئذ والناس فيه سواء؟ قال:
لا أنتم يومئذ سنام الارض وحكامها (2) لا يسعنا في ديننا إلا ذلك، قلت: فإن مت قبل أن أدرك القائم (ع)؟ قال: إن القائل منكم إذا قال: إن أدركت قائم آل محمد نصرته كالمقارع (3) معه بسيفه والشهادة (4) معه شهادتان.
38 - عنه، عن الحسن بن علي، عن عبدالله بن الوليد الكندي قال: ذخلنا على أبي عبدالله (ع) في زمن مروان فقال: من أنتم؟ فقلنا: من أهل الكوفة، فقال: ما من بلدة من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة ولا سيما هذه العصابة، إن الله جل ذكره هداكم لامر جهله الناس وأحببتمونا وأبغضنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس و صدقتمونا وكذبنا الناس فأحياكم الله محيانا وأماتكم [الله] مماتنا فأشهد على أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر الله به عينه وأن يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هذه وأهوى بيده إلى حلقه وقد قال الله عزوجل في كتابه: " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية (5) " فنحن ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله).
39 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن عديس، عن أبان عن عثمان، عن أبي الصباح قال: سمعت كلاما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن علي (ع) وعن ابن مسعود فعرضته على أبي عبدالله (ع) فقال: هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعرفه قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره وأكيس الكيس التقي وأحمق الحمق الفجور وشر الروي روي الكذب (6) وشر الامور محدثاتها واعمى العمى
____________
(1) كذا. (2) اي مرتفع الارض والمراد هنا عزتهم ورفعتهم ودولتهم.
(3) قارع وتقارع القوم بعضهم بعضا: ضاربوا، وبالرماح: تطاعنوا.
(4) اي لمتمنى الشهادة معه اجر شهيد وللشهادة معه اجر شهيدين.
(5) الرعد: 38.
(6) رواه الصدوق في الفقيه والامالى بسند حسن وفيهما (وشر الرواية رواية الكذب) و الروى من الروية وهو النظر والتفكر في الامور، او من الرواية ولو من روى الماء والثاني اظهر. (*)
الصفحة 82
عمى القلب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وأعظم الخطايا عند الله لسان الكذاب وشر الكسب كسب الربا وشر المآكل أكل مال اليتيم وأحسن الزينة زينة الرجل (1) هدي حسن مع إيمان وأملك أمره به وقوام خواتيمه ومن يتبع السمعة يسمع الله به (2)
الكذبة ومن يتول الدنيا يعجز عنها ومن يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرفه ينكل (3) و الريب كفر ومن يستكبر يضعه الله ومن يطع الشيطان يعص الله ومن يعص الله يعذبه الله ومن يشكر يزيده الله ومن يصبر على الرزية يعنه الله ومن يتوكل على الله فحسبه الله، لا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه ولا تقربوا إلى أحد من الخلق تتباعدوا من الله فإن الله عزوجل ليس بينه وبين أحد من الخلق شئ يعطيه به خيرا ولا يدفع به عنه شرا إلا بطاعته واتباع مرضاته، وإن طاعة الله نجاح من كل خير يبتغى ونجاة من كل شر يتقى وإن الله عز ذكره يعصم من أطاعه ولا يعتصم به من عصاه ولا يجد الهارب من الله عزوجل مهربا وإن أمر الله نازل ولو كره الخلائق وكل ما هو آت قريب، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
40 - وبهذا الاسناد، عن أبان، عن يعقوب بن شعيب أنه سأل أبا عبدالله (ع)
عن قول الله عزوجل: " كان الناس أمة واحدة " فقال: كان الناس قبل نوح امة ضلال فبد الله فبعث المرسلين وليس كما يقولون: لم يزل وكذبوا، يفرق الله في ليلة القدر ما كان من شدة أو رخاء أو مطر بقدر ما يشاء الله عزوجل أن يقدر إلى مثلها من قابل.
____________
(1) (زينة الرجل) عطف بيان او بدل للزينة و (املك امره به) معطوف على احسن الزينة.
(2) اي اظهره وفي بعض النسخ (يبتغ) وهو الاصوب.
(3) النكول: الجبن والامتناع وفي الكتابين (ينكر).
(4) البقرة: 213.
(5) اي ليس كما يقولون: (ان الله تعالى قدر الامر في الازل وقد فرغ منها فلا يتغير تقديراته تعالى).
بل لله البداء فيما كتب في لوح المحو والاثبات. (آت). (*)
الصفحة 83
حديث البحر مع الشمس
41 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستورد (1)، عن علي بن الحسين (ع) قال: إن من الاقوات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر الذي خلقه الله وجل بين السماء والارض، قال: وإن الله قد قدرفيها مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب وقدر ذلك كله على الفلك، ثم وكل بالفلك ملكا ومعه سبعون ألف ملك، فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس والقمر والنجوم والكواكب معه فنزلت في منازلها التي قدرها الله عزوجل فيها ليومها وليلتها فإذا كثرت ذنوب العباد وأراد الله تبارك وتعالى أن يستعتبهم بآية من آياته أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذى عليه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب فيأمر الملك اولئك السبعين ألف ملك أن يزيلوه عن مجاريه قال: فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري في الفلك قال: فيطمس
ضوءها ويتغير لونها فإذا أراد الله عزوجل أن يعظم الآية طمست الشمس في البحر على ما يحب الله أن يخوف خلقه بالآية قال: وذلك عند انكساف الشمس، قال: وكذلك يفعل بالقمر، قال: فإذا أراد الله أن يجليها أويردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك فترجع الشمس إلى مجراها، قال: فتخرج من الماء وهي كدرة، قال: والقمر مثل ذلك قال: ثم قال علي بن الحسين (ع): أما إنه لا يفزع لهما ولا يرهب بهاتين الآيتين إلا من كان من شيعتنا فإذا كان كذلك فافزعوا إلى الله عزوجل ثم ارجعوا إليه.
42 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن سليمان، عن الفضل بن إسماعيل الهاشمي، عن أبيه قال: شكوت إلى أبي عبدالله (ع) ما ألقى من أهل بيتي من
____________
(1) هذا الخبر مجول بحكم بن مستورد ولم اظفر في المعاجم بهذا العنوان الا ان صاحب جامع الرواة ذكره بعنوان حكم بن مستور وقال: معروف بن خربوذ عنه عن على بن الحسين (عليهما السلام) في حديث البحر مع الشمس في الروضة من الكافي. (*)
الصفحة 84
استخفافهم بالدين فقال: يا إسماعيل لا تنكر ذلك من أهل بيتك فإن الله تبارك وتعالى جعل لكم أهل بيت حجة يحتج بها على أهل بيته في القيامة فيقال لهم: ألم تروا فلانا فيكم، ألم تروا هديه فيكم، ألم تروا صلاته فيكم (1)، ألم تروا دينه، فهلا اقتديتم به، فيكون حجة عليهم في القيامة.
43 - عنه، عن أبيه عن محمد بن عثيم النخاس (2)، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن الرجل منكم ليكون في المحلة فيحتج الله عزوجل يوم القيامة على جيرانه [به] فيقال لهم: ألم يكن فلانا بينكم، ألم تسمعوا كلامه، ألم تسمعوا بكاءه في الليل، فيكون حجة الله عليهم (3).
44 - محمدبن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن قول الله عزوجل: " وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل (4) " قال: كان طير ساف (5) جاءهم من قبل البحر، رؤوسها كأمثال رؤوس السباع وأظفارها كأظفار السباع من الطير، مع كل طائر ثلاثة أحجار: في رجليه حجران وفي منقاره حجر، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم فقتلهم بها وما كان قبل ذلك رئي شئ من الجدري (6) ولا رأوا ذلك من الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده، قال: ومن أفلت (7) منهم يومئذ انطلق حتى إذا بلغوا حضرموت و هو واد دون اليمن، أرسل الله عليهم سيلا فغرقهم أجمعين، قال: وما رئي في ذلك الوادي ماء قط قبل ذلك اليوم بخمسة عشر سنة، قال: فلذلكم سمى حضرموت حين ماتوا فيه.
45 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن عبدالله بن بكير، وثعلبة بن ميمون، وعلي بن عقبة، عن زرارة، عن عبدالملك قال وقع بين
____________
(1) الهدى: الطريقة. (2) في بعض النسخ (النحاس).
(3) في بعض النسخ (عليكم). (4) الفيل، 3 و 4.
(5) سف الطائر: إذا دنا من الارض. (6) الجدر بالضم والفتح وفتح الدال في كلاهما: البثور الناتئة على الجسم. وايضا آثار ضرب او جرح مرتفعة على الجلد. (7) اي هربت. (*)
الصفحة 85
أبي جعفر وبين ولد الحسن، (ع) كلام فبلغني ذلك فدخلت على أبي جعفر (ع) فذهبت أتكلم فقال لي: مه، لا تدخل فيما بيننا فإنما مثلنا ومثل بني عمنا كمثل رجل كان في بني إسرائيل، كانت له ابنتان فزوج إحداهما من رجل زراع وزوج الاخرى من رجل فخار، ثم زارهما فبدأ بامرأة الزراع فقال لها: كيف حالكم؟ فقالت: قد زرع زوجي زرعا كثير فإن أرسل الله السماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالا، ثم مضى إلى امرأة الفخار فقال لها: كيف حالكم؟ فقالت: فد عمل زوجي فخارا كثيرا فإن أمسك الله السماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالا، فانصرف وهو يقول: اللهم أنت لهما، وكذلك نحن (1).
46 - محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن ذريح قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يعوذ بعض ولده ويقول: " عزمت عليك (2) يا ريح ويا وجع، كائنا ما كنت بالعزيمة التي عزم بها علي بن أبى طالب أمير المؤمنين (ع) رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جن وادي الصبرة (3) فأجابوا وأطاعوا لما أجبت وأطعت وخرجت عن ابني فلان ابن ابنتي فلانة، الساعة الساعة ".
____________
(1) (انت لهما) اي المقدر لهما، تختار لكل منهما ما يصلحها ولا اشفع لاحدهما لانك اعلم بصلاحهما او لا ارجح احدهما على الاخر. وقوله: (وكذلك نحن) اي ليس لكم ان تحاكموا بيننا لان الخصمين كلاهما من اولاد الرسول ويلزمكما احترامهما لذلك. (آت).
(2) قال الجوهري: (عزمت عليك) اي اقسمت عليك.
(3) كذا. ولعل هذا اشارة إلى ما رواه الشيخ المفيد (ره) في ارشاده باسناده عن ابن عباس قال: لما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني المصطلق جنب عن الطريق فادركه الليل ونزل بقرب واد وعر فلما كان في آخر الليل هبط جبرئيل عليه يخبره ان طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون كيده (عليه السلام) وايقاع الشر باصحابه عند سلوكهم اياه فدعا امير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: اذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من اعداء الله الجن من يريدك فادفعه القوة التي اعطاك الله عزوجل اياها وتحصن منهم باسماء الله عزوجل التي خصك بها وبعلمها وانفذ معه مائة رجل من اخلاط الناس وقال لهم: كونوا معه وامتثلوا أمره، فتوجه امير المؤمنين (عليه السلام) إلى الوادي فلما قرب من شفيره أمر المائة الذين صحبوا ان يقفوا بقرب الشفير ولا يحدوا شيئا حتى يؤذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من اعدائه وسمى الله عز اسمه وأومأ إلى القوم الذين اتبعوه ان يقربوا منه وكان بينه وبينم فرجة مسافتها غلوة ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد ان تقع القوم على وجوههم (*)
الصفحة 86
47 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبن فضال، عن أبن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يتفقد يفقد ومن لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز، ومن قرض الناس قرضوه (1) ومن تركهم لم يتركوه، قيل:
فاصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: أقرضهم من عرضك ليوم فقرك.
48 - عنه (2)، عن أحمد، عن البرقي، عن محمد بن يحيى، عن حماد بن عثمان قال:
بينا موسى في داره التي في المسعى يشرف على المسعى إذ رأى أبا الحسن موسى
____________
لشدتها ولم تثبت اقدامهم على الارض من هول الخصم ومن هول ما لحقهم، فصاح أمير المؤمنين (عليه السلام) أنا علي بن ابي طالب بن عبدالمطلب وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابن عمه، اثبتوا ان شئتم فظهر للقوم أشخاص على صور الزط يخيل في أيديهم شعل النيران قد اطمأنوا واطافوا بجنبات الوادي فتوغل أمير المؤمنين (عليه السلام) بطن الوادي وهو يتلوا القرآن ويومي بسيفه يمينا وشمالا فما لبثت الاشخاص حتى صارت كالدخان الاسود وكبر أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم صعد من حيث هبط فقام مع القوم الذين اتبعوه حتى اسفر الموضع عما اعتراه فقال له اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما لقيت يا ابا الحسن فلقد كدنا ان نهلك خوفا واشفقنا عليك اكثر مما لحقنا؟ فقال (عليه السلام) لهم: انه لما تراءى لي العدو جهرت فيهم باسماء الله تعالى فتضاء لوا وعلمت ما حل بهم من الجزع فتوغلت الوادي غير خائف منهم ولو بقوا على هيئاتهم لاتيت على اخرهم وقد كفى الله كيدهم وكفى المسلمين شرهم وستسبقني بقيتهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤمنون به وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) بمن معه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واخبره الخبر فسرى عنه ودعا له بخير وقال له: قد سبقك يا علي إلى من أخافه الله بك فاسلم وقبلت اسلامه، ثم ارتحل بجماعة المسلمين حتى قطعوا الوادي آمنين غير خائفين وهذا الحديث قد روته العامة كما روته الخاصة ولم يتناكروا شيئا. انتهى (آت).
(1) قال الجزري: في حديث ابي الدرداء: (من يتفقد يفقد) اي من يتفقد احوال الناس ويتعرفها فانه لا يجد ما يرضيه لان الخير في الناس قليل. وقال وفيه أيضا: ان قارضت الناس قارضوك أي إن سابيتهم ونلت منهم سبوك ونالوا منك ومنه الحديث الاخر: (اقرض من عرضك ليوم فقرك) اي إذا نال احد من عرضك فلا تجازه ولكن اجعله قرضا في ذمته لتاخذه منه يوم حاجتك إليه، يعني يوم القيامة.
(2) اي عن محمد بن يحيى العطار والاتي هو محمد بن يحيى الصيرفي الذي روى عنه ابوعبدالله البرقي والعباس بن معرف وعلى بن اسماعيل وعبدالله جبلة وايوب بن نوح ومحمد بن عمرو بن سعيد وروى عن حماد بن عثمان ومحمد بن سفيان كما في جامع الرواة. (*)
الصفحة 87
(ع) مقبلا من المروة على بغلة فأمر ابن هياج رجلا من همدان منقطعا إليه أن يتعلق بلجامه ويدعي البغلة، فأتاه فتعلق باللجام وادعى البغلة فثنى أبوالحسن (ع) رجله فنزل عنها وقال لغلمانه: خذوا سرجها وادفعوها إليه، فقال: والسرج أيضا لي، فقال أبوالحسن (ع): كذبت عندنا البينة بأنه سرج محمد بن علي وأما البغلة فانا اشتريناها منذ قريب وأنت أعلم وما قلت (1).
49 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن مرازم، عن أبيه قال: خرجنا مع أبي عبدالله (ع) حيث خرج من عند أبي جعفر المنصور من الحيرة فخرج ساعة أذن له و انتهى إلى السالحين في أول الليل فعرض له عاشر كان يكون في السالحين (2) في أول الليل فقال له: لا أدعك أن تجوز فألح عليه وطلب إليه، فأبى إباءا وأنا ومصادف:
معه فقال له مصادف: جعلت فداك إنما هذا كلب قد آذاك وأخاف أن يردك وما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر (3) وأنا ومرازم (4) أتأذن لنا أن نضرب عنقه، ثم نطرحه في النهر فقال: كف (5) يا مصادف، فلم يزل يطلب إليه حتى ذهب من الليل أكثره فأذن له فمضى فقال: يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه؟ قلت: هذا جعلت فداك، فقال: إن الرجل يخرج من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير.
50 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن حفص بن أبي عائشة قال: بعث أبوعبدالله (ع) غلاما في حاجة فأبطأ فخرج أبوعبدالله (ع) على أثره لما أبطأ عليه فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه فلما انتبه قال له أبوعبدالله (ع):
يا فلان والله ما ذاك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار.
51 عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن حسان [عن] أبي علي (6)
____________
(1) لعله (عليه السلام) سلم البغلة مع علمه بكذب المدعى اما صونا لعرضه عن الترافع إلى الوالى او دفعا لليمين او تعليما ليتأسى به الناس فيما لم يعلموا كذب المدعى احتياطا واستحبابا. (آت).
(2) السالحون موضع على اربع فراسخ من بغداد إلى المغرب. (كذا في المغرب).
(3) اي المنصور. (4) اي نكون معك. (5) في بعض النسخ (كيف).
(6) كذا في غير واحد من النسخ والظاهر انه حسان بن المعلم، من اصحاب الصادق (عليه السلام) لرواية على بن الحكم عنه وابوعلى. لم نقف عليه في احد من المعاجم وفي بعض النسخ (عن حسان بن ابي على)
ولعله هو كنية لمعلم ابي حسان او لحسان كما في بعض النسخ (حسان ابى على) (*).
الصفحة 88
قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: لا تذكروا سرنا بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا، حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت، إنكم قد رأيتم أن الله عز و جل لم يجعل لاحد من الناس في خلافنا خيرا، إن الله عزوجل يقول: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (1) ".
حديث الطبيب
52 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن زياد بن أبي الحلال، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال موسى (عليه السلام): يا رب من أين الداء؟ قال: مني، قال:
فالشفاء؟ قال: مني، قال: فما يصنع عبادك بالمعالج؟ قال: يطيب بأنفسهم فيومئذ سمى المعالج الطبيب (2).
53 - عنه، عن أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما من داء إلا وهو سارع إلى الجسد (3) ينتظر متى يؤمر به فيأخذه.
وفي رواية أخرى إلا الحمى فإنها ترد ورودا.
54 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن عبدالعزيز بن المهتدي، عن يونس بن عبدالرحمن، عن داود بن زربي قال: مرضت بالمدينة مرضا شديدا فبلغ ذلك أبا عبدالله (ع) فكتب إلي: قد بلغني علتك فاشتر صاعا من بر ثم استلق على قفاك (4) وانثره على صدرك كيفما انتثر وقل: " اللهم إني أسألك باسمك الذي سألك به المضطر كشفت ما به من ضر ومكنت له في الارض وجعلته خليفتك على خلقك أن تصلي على محمد وعلى أهل بيته (5)
____________
(1) النور: 63.
(2) الطبيب في الاصل الحاذق بالامور والعارف بها. (النهاية).
(3) اي له طريق اليه والمراد ان غالب الادواء لها مادة في الجسد تشتد ذلك حتى ترد عليه باذن الله. (آت) وفي بعض النسخ (يسارع).
(4) اي نم على قفاك. (5) قد مضى في كتاب الدعاء من المجلد الثاني ص 564 وفيه. (ان تصلي على محمد وآل محمد). (*)
الصفحة 89
وأن تعافيني من علتي " ثم استو جالسا واجمع البر من حولك وقل مثل ذلك وأقسمه مدا مدا لكل مسكين وقل مثل ذلك، قال داود: ففعلت مثل ذلك فكأنما نشطت من عقال (1) وقد فعله غير واحد فانتفع به.
حديث الحوت على أي شئ هو
55 - محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله (ع) قال: سألته عن الارض على أي شئ هي؟ قال: هي على حوت، قلت:
فالحوت على أي شئ هو؟ قال: على الماء، قلت: فالماء على أي شئ هو؟ قال: على صخرة، قلت: فعلى أي شئ الصخرة؟ قال: على قرن ثور أملس (2)، قلت: فعلى أي شئ الثور؟ قال: على الثرى، قلت: فعلى أي شئ الثرى؟ فقال: هيهات عند ذلك ضل علم العلماء (3).
56 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (ع) قال: إن الله عزوجل خلق الارض ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحا والماء العذب أربعين صباحا حتى إذا التقت واختلطت أخذ بيده قبضة فعركها عركا شديدا جميعا ثم فرقها فرقتين، فخرج من كل واحدة منهما عنق مثل (4) عنق الذر فأخذ عنق إلى الجنة وعنق إلى النار.
____________
(1) نشط الدلو: نزعها وانشطته اي حللته، يقال: كما انشط من عقال وانتشطت الحبل اي مددته حتى ينحل.
(2) اي صحيح الظهر.
(3) في هذا الحديث رموز انما يحلها من كان من اهلها. (في) وذلك لان حديثهم صعب مستصعب.
(4) العنق: الجماعة من الناس.
(*)
الصفحة 90
حديث الاحلام والحجة على أهل ذلك الزمان
57 - بعض أصحابنا، عن علي بن العباس (1)، عن الحسن بن عبدالرحمن، عن أبي الحسن (ع) قال: إن الاحلام لم تكن فيما مضى في أول الخلق وإنما حدثت فقلت: وما العلة في ذلك؟ فقال: إن الله عز ذكره بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا فوالله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزنا عشيرة: فقال: إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة وإن عصيتموني أدخلكم الله النار فقالوا: وما الجنة والنار؟ فوصف لهم ذلك فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟ فقال: إذا متم فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا، فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافا فأحدث الله عزوجل فيهم الاحلام فأتوه فأخبروه بمارأوا وماأنكروا من ذلك فقال:
إن الله عزوجل أراد أن يحتج عليكم بهذا هكذا تكون أرواحكم إذا متم وإن بليت أبدانكم تصير الارواح إلى عقاب حتى تبعث الابدان.
58 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعته يقول: رأى المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءا من أجزاء النبوة.
59 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد، عن الرضا (ع) قال:
إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أصبح قال: لاصحابه: هل من مبشرات. يعني به الرؤيا.
60 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر
(ع) قال: قال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): في قول الله عزوجل: " لهم البشرى في الحياة الدنيا (2) " قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بهافي دنياه.
61 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبدالله (ع) قال: الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام.
____________
(1) رمى بالغلو وغمز عليه، ضعيف جدا (صه، جش). (2) يونس: 65. (*)
الصفحة 91
62 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير قال: قلت: لابي عبدالله (ع): جعلت فداك الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد؟ قال: صدقت أما الكاذبة [ال] مختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة وإنما هي شئ يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة، لا خير فيها وأما الصادقة إذا راها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة وذلك قبل السحر فهي صادقة، لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو ينام على غير طهور ولم يذكر الله عزوجل حقيقة ذكره فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها.
حديث الرياح
63 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، وهشام بن سالم، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (ع)، عن الرياح الاربع الشمال والجنوب والصبا والدبور وقلت: إن الناس يذكرون أن الشمال من الجنة و الجنوب من النار؟ فقال: إن لله عزوجل جنودا من رياح يعذب بها من يشاء ممن عصاه ولكل ريح منها ملك موكل بها فإذا أراد الله عزوجل أن يعذب قوما بنوع من العذاب أوحى إلى الملك الموكل بذلك النوع من الريح التي يريد أن يعذبهم بها
قال: فيأمرها الملك فيهيج كما يهيج الاسد المغضب، قال: ولكل ريح منهن اسم أما تسمع قوله تعالى: " كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر * إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (1) " وقال: " الريح العقيم (2) " وقال: " ريح فيها عذاب أليم (3) "
وقال: " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت (4) " وما ذكر من الرياح التي يعذب الله بها من عصاه، قال: ولله عز ذكره رياح رحمة لواقح وغير ذلك ينشرها بين يدي رحمته منها ما يهيج السحاب للمطر، ومنها رياح تحبس السحاب بين السماء والارض، و
____________
(1) القمر: 18 و 19. (2) الذاريات: 41.
(3) الاحقاف: 24. (4) البقرة: 266. (*)
الصفحة 92
رياح تعصر السحاب فتمطره بإذن الله، ومنها رياح مما عدد الله في الكتاب فأما الرياح الاربع: الشمال والجنوب والصبا والدبور فإنما هي أسماء الملائكة الموكلين بها فإذا أراد الله أن يهب شمالا أمر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله من البر والبحر وإذ أراد الله أن يبعث جنوبا أمر الملك الذي أسمه اجنوب فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الجنوب في البر والبحر حيث يريد الله وإذا أراد الله أن يبعث ريح الصبا أمر الملك الذي اسمه الصبا فهبط على البيت الحرام فقال على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الصبا حيث يريد الله عزوجل في البر والبحر وإذا أراد الله أن يبعث دبورا أمر الملك الذي أسمه الدبور فهبط على البيت الحرام فقام على الركن الشامي فضرب بجناحه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله من البر والبحر، ثم قال أبوجعفر (ع): أما تسمع لقوله (1): ريح الشمال وريح الجنوب وريح الدبور وريح الصبا، إنما تضاف إلى الملائكة الموكلين بها.
64 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر (ع) قال: إن لله عزوجل رياح رحمة ورياح عذاب فإن شاء الله أن يجعل العذاب من الرياح رحمة (2) فعل، قال: ولن يجعل الرحمة من الريح عذابا قال: وذلك أنه لم يرحم قوما قط أطاعوه وكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم إلا من بعد تحولهم عن طاعته (3) قال: وكذلك فعل بقوم يونس لما آمنوا رحمهم الله بعد ما كان قدر عليهم العذاب وقضاه ثم تداركهم برحمته فجعل العذاب المقدر عليهم رحمة فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم وذلك لما آمنوا به وتضرعوا إليه، قال: وأما الريح العقيم فإنها ريح عذاب لا تلقح شيئا من الارحام ولا شيئا من النبات وهي ريح تخرج من تحت الارضين السبع وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزان أن يخرجوا منها على مقدار سعة الخاتم، قال: فعتت (4) على الخزان فخرج
____________
(1) اي لقول القائل.
(2) في بعض النسخ (ان يجعل الرياح من العذاب رحمة). (3) كذا.
(4) في بعض النسخ (فعلت على الخزان) من على يعلو اي ترفعت وما في المتن اظهر. (*)
الصفحة 93
منها على مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد، قال: فضج الخزان إلى الله عز وجل من ذلك فقالوا: ربنا إنها قد عتت عن أمرنا إنا نخاف أن تهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك، قال: فبعث الله عزوجل إليها جبرئيل (ع) فاستقبلها بجناحيه فردها إلى موضعها وقال لها: اخرجي على ما أمرت به، قال: فخرجت على ما أمرت به و أهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم.
65 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (ع)
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر " الحمد لله " ومن كثرت همومه فعليه: بالاستغفار ومن ألح عليه الفقر فليكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ينفي عنه الفقر، وقال: فقد النبي (صلى الله عليه وآله) رجلا من الانصار، فقال: ما غيبك عنا؟ فقال: الفقر يا رسول الله وطول السقم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا أعلمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم؟ فقال: بلى يا رسول الله، فقال: إذا أصبحت وأمسيت فقل: " لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (1) "، فقال الرجل: فوالله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عني الفقر والسقم.
66 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسماعيل ابن عبدالخالق قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول لابي جعفر الاحول وأنا أسمع: أتيت البصرة؟ فقال: نعم، قال: كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الامر ودخولهم فيه؟ قال: والله إنهم لقليل ولقد فعلوا وإن ذلك لقليل، فقال: عليك بالاحداث فإنهم أسرع إلى كل خير، ثم قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية: " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (2) "؟ قلت: جعلت فداك إنهم يقولون: إنها لاقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء (عل).
____________
(1) لا يبعد ان يكون في الاصل (وأكبره تكبيرا). (آت). (2) الشورى: 23. (*)
الصفحة 94
حديث أهل الشام
67 عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن داود، عن محمد بن عطية قال: جاء رجل إلى أبي جعفر (ع) من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر فقال له أبوجعفر (ع): ما ذاك؟ قال: فإني أسألك عن أول ما خلق الله من خلقه فإن بعض من سألته قال: القدر وقال بعضهم: القلم وقال بعضهم: الروح فقال أبوجعفر (ع): ما قالوا شيئا، اخبرك أن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ غيره، وكان عزيزا، ولا أحد كان: قبل عزه وذلك قوله: " سبحان ربك رب العزة عما يصفون (1) " وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشئ من الشئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ ليس هو يتقدمه ولكنه كان إذ لا شئ غيره وخلق الشئ الذى جميع الاشياء منه وهو الماء الذي خلق الاشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه وخلق الريح من الماء ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ماشاء أن يثور (2) فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع (3) ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة، ثم طواها (4) فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماءا صافية نقية ليس فيها صدع ولا ثقب وذلك قوله: " والسماء بناها * رفع سمكها فسويها * و اغطش ليلها واخرج ضحيها (5) " قال: ولا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا سحاب، ثم طواها
____________
(1) الصافات: 180.
(2) ثار يثور ثورا: هاج ومنه ثارت القتنة بينهم. وثارت الدخان او الغبار: ارتفع.
(3) الصدع: الشق. وفي بعض النسخ (نقب) مكان (ثقت) وكذا ما ياتي.
(4) طواها اي جمعها.
(5) النازعات: 27 إلى 29. وفيها (ء أنتم اشد خلقا ام السماء بناها). (*)
الصفحة 95
فوضعها فوق الارض ثم نسب الخليقتين (1) فرفع السماء فذلك قوله عز ذكره.
" والارض بعد ذلك دحيها " يقول: بسطها، فقال له الشامي:: يا أبا جعفر قول الله تعالى:
" أولم يرالذين كفروا أن السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما (2) " فقال له أبوجعفر
(ع): فعلك تزعم أنهما كانت رتقا ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الاخرى؟
فقال: نعم، فقال أبوجعفر (ع): استغفر ربك فإن قول الله عزوجل: " كانتا رتقا " يقول:
كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الارض رتقا لا تنبت الحب فما خلق الله تبارك وتعالى الخلق وبث فيها من كل دابة فتق السماء بالمطر والارض بنبات الحب، فقال الشامي أشهد أنك من ولد الانبياء وأن علمك علمهم.
68 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبوجعفر (ع): كان كل شئ ماء ا وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نار ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله السماوات من ذلك الدخان وخلق الارض من الرماد ثم اختصم الماء والنار والريح فقال: الماء أنا جند الله الاكبر وقالت الريح: أنا جند الله الاكبر، وقالت النار أنا جند الله الاكبر، فأوحى الله عزوجل إلى الريح أنت جندي الاكبر.
حديث الجنان والنوق
69 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي جعفر (ع) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن قول الله عزوجل: " يوم نحشر المتقين
إلى الرحمن وفدا (4) " فقال: يا علي إن الوفد لا يكون إلا ركبانا اولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله واختصهم ورضي أعمالهم فسماهم المتقين، ثم قال له: يا علي أما والذي فلق
____________
(1) في بعض النسخ (الخلقتين). (2) الانبياء: 29.
(3) اضطرمت النار وتضرمت: اشتعلت. (4) مريم: 85. (*)
الصفحة 96
الحبة وبرأ النسمة إنهم ليخرجون من قبورهم وإن الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العز عليها رحائل الذهب مكللة بالدر والياقوت (1) وجلائلها الاستبرق والسندس وخطمها جدل الارجوان، تطير بهم إلى المحشر (2) مع كل رجل منهم ألف ملك من قدامه وعن يمينه وعن شماله يزفونهم زفا حتى (3) ينتهوا بهم إلى باب الجنة الاعظم وعلى باب الجنة شجرة إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس، وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية قال: فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد ويسقط من أبشارهم الشعر (4) وذلك قول الله عزوجل: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا (5) "
من تلك العين المطهرة، قال: ثم ينصرفون إلى عين اخرى عن يسار الشجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا، قال: ثم يوقف بهم قدام العرش (6) وقد سلموا من الآفات والاسقام والحر والبرد أبدا، قال: فيقول الجبار جل ذكره للملائكة الذين معهم: احشروا أوليائي إلى الجنة ولا توقفوهم مع الخلائق فقد سبق رضاي عنهم ووجبت رحمتي لهم وكيف اريد أن أوقفهم مع أصحاب الحسنات والسيئات، قال: فتسوقهم الملائكة إلى الجنة، فإذا انتهوا بهم إلى باب الجنة الاعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة فتصر صريرا (7) يبلغ صوت صريرها كل حوراء أعدهاالله عزوجل لاوليائه في الجنان فيتباشرون بهم إذا سمعوا صرير الحلقة فيقول بعضهن لبعض: قد جاءنا أولياء الله، فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنة وتشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميين فيقلن:
____________
(1) (مكللة) اي محفوفة، مزينة. وقوله: (جلائلها) كذا في جميع النسخ التي بايدينا وفي تفسير علي بن ابراهيم (جلالها) وهو بالكسر: جمع جل بالضم وهو للدابة كالثوب للانسان تصان به جمعه جلال واجلال.
(2) استبرق: الديباج الغليظ والسندس الديباج الرقيق، والخطم: اللجام: والجذل بالكسر و الفتح: اصل الشجرة يقطع وقد يجعل العود جذلا. والارجوان معرب ارغوان.
(3) اي يذهبون بهم على غابة الكرامة كما يزف العروس زوجها، او يسرعون بهم. (آت).
(4) جمع بشرة.
(5) الانسان: 21.
(6) ظاهره انهم يردون اولا باب الجنة ثم إلى الموقف ثم يرجعون إلى الجنة. (آت).
(7) صر يصر صرا وصريرا: صوت وصاح شديدا. (*)
الصفحة 97
مرحبا بكم فما كان أشد شوقنا إليكم ويقول لهن أولياء الله مثل ذلك، فقال علي
(ع): يا ر سول الله أخبرنا عن قول الله عزوجل: " غرف مبنية من فوقها غرف (1) "
بماذا بنيت يا رسول الله؟ فقال: يا علي تلك غرف بناها الله عزوجل لاوليائه بالدر والياقوت والزبرجد، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة (2) لكل غرفة منها ألف باب من ذهب، على كل باب منها ملك موكل به، فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير و الديباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والكافور والعنبر وذلك قول الله عزوجل:
" وفرش مرفوعة (3) " إذا ادخل المؤمن إلى منازله في الجنة ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ألبس حلل الذهب والفضة والياقوت والدر المنظوم في الاكليل (4)
تحت التاج، قال: وألبس سبعين حلة حرير بألوان مختلفة وضروب مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الاحمر فذلك قوله عزوجل: " يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير (5) " فإذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا فإذا استقر لولي الله عزوجل منازله في الجنان استأذن عليه الملك الموكل بجنانه ليهنئه بكرامة الله عزوجل إياه فيقول له خدام المؤمن من الوصفاء والوصائف (6): مكانك فإن ولي الله قد اتكأ على أريكته (7) وزوجته الحوراء تهيأ له فاصبر لولي الله، قال: فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمة لها تمشى مقبله وحولها وصائفها وعليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وهي من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وعليها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ، شراكها ياقوت أحمر، فإذا دنت من ولي الله فهم أن يقوم إليها شوقا فتقول له: يا ولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب فلا تقم
____________
(1) الزمر: 20. وفيها (غرف من فوقها غرف مبنية).
(2) الحبك: الشد والاحكام وتحسين اثر الصنعة في الثوب. والتحبيك: التوثيق والتخطيط.
(3) الواقعة: 4 3.
(4) الاكليل: التاج وشبه العصابة تزين بالجواهر.
(5) الحج: 22.
(6) الوصفاء جمع الوصيف وهو كامير: الخادم والخادمة.
(7) الاريكة كسفينة: السرير. (*)
الصفحة 98
أنا لك وأنت لي، قال: فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا لا يملها ولا تمله، قال، فإذا فتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فإذا عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحته درة مكتوب فيها: أنت يا ولي الله حبيبي وأنا الحوراء حبيبتك، إليك تناهت نفسي وإلي تناهت نفسك، ثم يبعث الله إليه ألف ملك يهنئونه بالجنة ويزوجونه بالحوراء، قال: فينتهون إلى أول باب من جنانه فيقولون للملك الموكل بأبواب جنانه: استأذن لنا على ولي الله فإن الله بعثنا إليه نهنئه، فيقول لهم الملك: حتى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم قال: فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه و بين الحاجب ثلاث جنان حتى ينتهي إلى أول باب فيقول للحاجب: إن على باب العرصة (1) ألف ملك أرسلهم رب العالمين تبارك وتعالى ليهنئوا ولي الله وقد سألوني أن آذن لهم عليه فيقول الحاجب: إنه ليعظم علي أن أستأذن لاحد على ولي الله وهو مع زوجته الحوراء، قال: وبين الحاجب وبين ولي الله جنتان، قال: فيدخل الحاجب إلى القيم فيقول له: إن على باب العرصة ألف ملك أرسلهم رب العزة يهنئون ولي الله فاستأذن لهم فيتقدم القيم إلى الخدام فيقول لهم: إن رسل الجبار على باب العرصة وهم ألف ملك أرسلهم الله يهنئون ولي الله فأعلموه مكانهم قال: فيعلمونه فيؤذن للملائكة فيدخلون على ولي الله وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كل باب من أبوابها ملك موكل به فإذا أذن للملائكة بالدخول على ولي الله فتح كل ملك بابه الموكل به قال:
فيدخل القيم كل ملك من باب من أبواب الغرفة قال: فيبلغونه رسالة الجبار جل و عز وذلك قول الله تعالى: " والملائكه يدخلون عليهم كل باب (من أبواب الغرفة)
سلام عليكم - إلى آخر الآية - (2) " قال: وذلك قوله عزوجل: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (3) " يعنى بذلك ولي الله وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم الكبير، إن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون [في الدخول] عليه فلا يدخلون عليه إلا بإذنه فلذلك الملك العظيم الكبير، قال: والانهار تجري من تحت مساكنهم وذلك
____________
(1) العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها شئ من بناء.
(2) الرعد: 23. (3) الانسان: 20. (*)
الصفحة 99
قول الله عزوجل: " تجري من تحتهم الانهار (1) " والثمار دانية منهم وهو قوله عزوجل:
" ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (2) " من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ وإن الانواع من الفاكهة ليقلن لولي الله: يا ولي الله كني قبل أن تأكل هذا قبلي، قال: وليس من مؤمن في الجنة إلا وله جنان كثيرة معروشات وغير معروشات وأنهار من خمر وأنهار من ماء وأنهار من لبن وأنهار من عسل فإذا دعا ولي الله بغذائه اتي بما تشتهي نفسه عند طلبه الغذاء من غير أن يسمى شهوته قال: ثم يتخلى مع إخوانه ويزور بعضهم بعضا ويتنعمون في جناتهم في ظل ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وأطيب من ذلك لكل مؤمن سبعون زوجة حوراء وأربع نسوة من الآدميين والمؤمن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدمية وساعة يخلو بنفسه على الارائك متكئا ينظر بعضهم إلى بعض وإن المؤمن ليغشاه شعاع نور و هو على أريكته ويقول لخدامه: ما هذا الشعاع اللامع لعل الجبار لحظني (3) " فيقول له خدامه: قدوس قدوس جل جلال الله بل هذه حوراء من نسائك ممن لم تدخل بها بعد قد أشرفت عليك من خيمتها شوقا إليك وقد تعرضت لك وأحبت لقاءك فلما أن رأتك متكئا على سريرك تبسمت نحوك شوقا إليك فالشعاع الذي رأيت والنور الذي غشيك هو من بياض ثغرها (4) وصفائه ونقائه ورقته، قال: فيقول ولي الله: ائذنوا لها فتنزل إلي فيبتدر إليها ألف وصيف وألف وصيفة يبشرونها بذلك فتنزل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلة منسوجة بالذهب والفضة، مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، صبغهن المسك والعنبر بألوان مختلفة، يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة طولها سبعون ذراعا وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي الله أقبل الخدام بصحائف
____________
(1) الكهف: 31. (2) الانسان: 14.
(3) لعل مراده انه افاض على من انواره فتقدس الخدام لما يوهمه ظاهر كلامه، او انه اراد نوعا من اللحظ المعنوي لا يناسب رفعة شأنه تعالى. (آت).
(4) الثغر: مقدم الاسنان. (*)
الصفحة 100
الذهب والفضة، فيها الدر والياقوت والزبرجد فينثرونها عليها ثم يعانقها وتعانقه فلا يمل ولا تمل.
قال: ثم قال أبوجعفر (ع): أما الجنات المذكورة في الكتاب فإنهن جنة عدن وجنة الفردوس وجنة نعيم وجنة المأوى، قال: وإن لله عزوجل جنانا محفوفة بهذه الجنان وإن المؤمن ليكون له من الجنان ما أحب واشتهى، يتنعم فيهن كيف [ي] شاء وإذا أراد المؤمن شيئا أو اشتهى إنما دعواه فيها إذا أراد أن يقول: " سبحانك اللهم " فإذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به، وذلك قول الله عزوجل: " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام (1) " يعني الخدام قال:
" وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (1) " يعنى بذلك عندما يقضون من لذاتهم من الجماع والطعام والشراب، يحمدون الله عزوجل عند فراغتهم وأما قوله: " اولئك لهم رزق معلوم (2) " قال: يعلمه الخدام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله عزوجل: " فواكه وهم مكرمون (3) " قال: فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به.
70 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: قيل لابي جعفر (ع): وأنا عنده إن سالم بن أبي حفصة وأصحابه يروون عنك أنك تكلم على سبعين وجهها لك منها المخرج؟ فقال: ما يريد سالم مني أيريد أن أجئ بالملائكة والله ما جاءت بهذا النبيون ولقد قال إبراهيم (ع): " إني سقيم (4) " وما كان سقيما وما كذب، ولقد قال إبراهيم (ع): " بل فعله كبيرهم هذا (5) "
وما فعله وما كذب، ولقد قال يوسف (ع): " أيتها العير إنكم لسارقون (6) " والله ماكانوا سارقين وما كذب.
____________
(1) يونس: 11. (2) الصافات: 41.
(3) الصافات: 42. (4) الصافات: 88.
الانبياء: 63. (6) يوسف: 0 7. (*)
الصفحة 101
} حديث أبي بصير مع المرأة { 71 - أبان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبدالله (ع) إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبوعبدالله (ع): أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسه قال:
ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما، فقال لها: توليهما؟ قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم، قال فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك؟ قال: هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا تخاصم فيقول: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (2) " " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون (3) "
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون " (4).
72 - محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال عن علي بن عقبة، عن عمر بن أبان، عن عبدالحميد الوابشي، عن أبي جعفر (ع) قال:
قلت له: إن لنا جار ينتهك المحارم كلها حتى أنه ليترك الصلاة فضلا عن غيرها؟ فقال سبحان الله وأعظم ذلك ألا أخبركم بمن هو شر منه؟ قلت: بلى قال: الناصب لنا شر منه،
أما إنه ليس من عبد يذكر عنده أهل البيت فيرق لذكرنا إلا مسحت الملائكة ظهره وغفر له ذنوبه كلها، إلا أن يجئ بذنب يخرجه من الايمان وإن الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب وإن المؤمن ليشفع لجاره وماله حسنة، فيقول: يا رب جاري كان يكف عني الاذى فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى: " أنا ربك وأنا أحق من كافى عنك فيدخله الجنة وماله من حسنة وإن أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا فعند ذلك يقول؟
أهل النار: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (5) ".
____________
(1) في النهاية الطنفسة هي بكسر الطاء والفاء وبضمهما وبكسر الطاء وفتح الفاء: البساط الذي له خمل رقيق.
(2) المائدة: 4 4. (3) المائدة: 45.
(4) المائدة: 47. (5) الشعراء: 100 و 101. (*)
الصفحة 102
3 7 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، أبي هارون عن أبي عبدالله (ع) قال: " قال لنفر عنده وأنا حاضر:
مالكم تستخفون بنا؟ قال: فقام إليه رجل من خراسان فقال: معاذ لوجه الله أن نستخف بك أو بشئ من أمرك (1) فقال: بلى إنك أحد من استخف بي، فقال: معاذ لوجه الله أن أستخف بك، فقال له: ويحك أو لم تسمع فلانا ونخن بقرب الجحفة وهو يقول لك:
احملني قدر ميل فقد والله أعييت، والله ما رفعت به رأسا ولقد استخففت به ومن استخف بمؤمن فينا استخف وضيع حرمة الله عزوجل.
4 7 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: قلت لابي عبدالله (ع): إن الله عزوجل من علينا بأن عرفنا توحيده، ثم من علينا بأن أقررنا بمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة ثم اختصنا بحبكم أهل البيت نتولاكم ونتبرأ من عدوكم وإنما نريد بذلك خلاص أنفسنا من النار، قال: ورققت فبكيت، فقال أبوعبدالله (ع): سلني فوالله لا تسألني عن شئ إلا أخبرتك به، قال: فقال له عبدالملك بن أعين: ما سمعته قالها لمخلوق قبلك، قال: قلت:
خبرني عن الرجلين؟ قال: ظلمانا حقنا في كتاب الله عزوجل ومنعا فاطمة صلوات الله عليها ميراثها من أبيها وجرى ظلمهما إلى اليوم، قال - وأشار إلى خلفه - ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما.
75 - وبهذا الاسناد، عن أبان، عن عقبة بن بشير الاسدي، عن الكميت بن زيد الاسدي قال: دخلت على أبي جعفر (ع) فقال: والله ياكميت لو كان عندنا مال لاعطيناك منه ولكن لك ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحسان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا (2)، قال: قلت: خبرني عن الرجلين قال: فأخذ الوسادة فكسرها
____________
(1) (معاذ لوجه الله): المعاذ بفتح الميم: مصدر بمعنى التعوذ والالتجاء أي أمرنا وشأننا تعوذ بالله من هذا فاللام بمعنى الباء ويحتمل ان يكون في الكلام تقدير اي نتعوذ بالله خالصا لوجهه من ان نستخف بك. (آت).
(2) اي رفعت بمدحك عنا استخفاف الجاحدين وفيه اشعار برجوع حسان عن ذلك كما نقل عنه. (آت). (*)
الصفحة 103
في صدره ثم قال: والله يا كميت ما اهريق محجمة من دم ولا أخذ مال من غير حله ولا قلب حجر عن حجر إلا ذاك في أعناقهما.
76 - وبهذا الاسناد، عن أبان، عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي العباس المكي قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إن عمر لقى عليا صلوات الله عليه فقال له:
أنت الذي تقرأ هذه الآية " بأيكم المفتون (1) " وتعرض بي وبصاحبي؟ قال: فقال له أفلا اخبرك بآية نزلت في بني أمية: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض و تقطعوا أرحامكم (2) " فقال: كذبت، بنو أمية أوصل للرحم منك ولكنك أبيت إلا عداوة لبني تيم وبني عدي وبني أميه.
77 - وبهذا الاسناد، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النصري قال: سألت أبا جعفر
(ع) عن قول الله عزوجل: " الذين بدلوا نعمة الله كفرا (3) " قال: ما تقولون في ذلك؟
قلت: نقول: هم الافجران من قريش بنو امية وبنو المغيرة، قال: ثم قال: هي والله قريش قاطبة إن الله تبارك وتعالى خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله): فقال إنى فضلت قريشا على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولي فبدلوا نعمتي كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (4).
78 - وبهذا الاسناد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع)
أنهما قالا: إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) هم الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الارض إلا عليا فما سواه بقوله: " فتول عنهم فما أنت بملوم (5) " ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (6) ".
____________
(1) القلم: 8 و (المفتون) بمعنى الفتنة كما تقول: ليس له معقول اي عقل وقوله تعالى: (بايكم المفتون اي بأي الفريقين منكم الجنون بفريق المؤمنين او الكافرين، وتعريضه (عليه السلام) بهما لنزول الاية فيهما حيث نسبا النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الجنون كما ذكروه في نزول الاية.
فراجع.
(2) محمد: 22. (3) ابراهيم: 28.
(4) البوار: الهلاك. (5) الذاريات: 54.
(6) الذاريات: 55. (*)
الصفحة 104
79 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن ثوير بن أبي فاختة فقال: سمعت علي بن الحسين (ع)
يحدث في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حدثني أبي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب
(ع) يحدث الناس قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى الناس من حفرهم عزلا بهما، جردا مردا في صعيد واحد (1) يسوقهم النور وتجمعهم الظلمة حتى يقفوا على عقبة المحشر فيركب بعضهم بعضا ويزدحمون دونها فيمنعون من المضي، فتشتد أنفاسهم ويكثر عرقهم وتضيق بهم امورهم ويشتد ضجيجهم (2) وترتفع أصواتهم قال: وهو أول هول من أهوال يوم القيامة، قال فيشرف الجبار تبارك وتعالى عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة (3) فيأمر ملكا من الملائكة فينادي فيهم: يا معشر الخلائق انصتوا و استمعوا منادي الجبار، قال فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك وتخشع أبصارهم وتضطرب فرائصهم (4) وتفزع قلوبهم ويرفعون رؤوسهم إلى ناحيه الصوت " مهطعين إلى الداع (5) " قال: عند ذلك يقول الكافر: " هذا يوم عسر (6) "
____________
(1) عزلا: لا سلاح لهم بضم العين وسكون الزاي ججمع اعزل وكذلك اخواته، (بهما) اي ليس معهم شئ وقيل: يعني اصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشئ، (جردا) لا ثياب لهم، (مردا)
ليس لهم لحية وهذه كلها كناية عن تجردهم عنما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقائقهم مماكان معهم في الدنيا، (يسوقهم النور) اي نور الايمان والشرع فانه سبب ترقيهم طورا بعد طور وفي بعض النسخ
(بالنار) اي نار التكاليف فان التكليف بالنسبة إلى بعض المكلفين نار وبالاضافة إلى اخرين نور
(يجمعهم الظلمة) اي ما يمنعهم من تمام النور والايقان فانه سبب تباينهم الموجب لكثرتهم التي يتفرع عليها الجمعية ويحتمل ان يكون المراد كلما اضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا و المعنيان متقاربان. وهذا كلام الفيض رحمه الله في الوافى. والله العالم بحقائق الامور.
(2) اي صياحهم واصواتهم.
(3) يمكن ان يكون اشراف الله تعالى كناية عن توجهه إلى محاسبتهم فالاشراف في حقه مجاز وفي المالائكة حقيقة. (آت).
(4) اي اوداج اعناقهم، قال الفيروزآبادي: الفريص: اوداج العنق والفريصة واحدته و اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد.
(5) اي يمدون اعناقهم لسماع صوته. مهطعين اي مسرعين. واهطع؟ إذا مد عنقه.
(6) القمر: 8. (*)
الصفحة 105
قال: فيشرف الجبار عزوجل الحكم العدل عليهم فيقول: أنا الله لا إله إلا أنا الحكم العدل الذي لا يجور اليوم أحكم بينكم بعدلي وقسطي لا يظلم اليوم عندي أحد، اليوم آخذ للضعيف من القوي بحقه ولصاحب المظلمة بالمظلمة بالقصاص من الحسنات والسيئات واثيب على الهبات (1) ولا يجوز هذه العقبة اليوم عندي ظالم ولا حد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها صاحبها واثيبه عليها وآخذ له بها عند الحساب، فتلازموا أيها الخلائق واطلبوا مظالمكم عند من ظلمكم بها في الدنيا وأنا شاهد لكم عليهم وكفى بي شهيدا.
قال: فيتعارفون ويتلازمون فلا يبقى أحد له عند أحد مظلمة أو حق إلا لزمه بها، قال: فيمكثون ما شاء الله فيشتد حالهم ويكثر عرقهم (2) ويشتد غمهم وترتفع أصواتهم بضجيج شديد، فيتمنون المخلص منه بترك مظالمهم لاهلها قال: ويطلع الله عزوجل على جهدهم (3) فينادي مناد من عند الله تبارك وتعالى - يسمع آخرهم كما يسمع أولهم -:
يا معشر الخلائق أنصتوا لداعي الله تبارك وتعالى واسمعوا إن الله تبارك وتعالى يقول
الصفحة لكم]: أنا الوهاب إن أحببتم أن تواهبوا فتواهبوا وإن لم تواهبوا أخذت لكم بمظالمكم قال: فيفرحون بذلك لشدة جهدهم وضيق مسلكهم وتزاحمهمقال: فيهب بعضهم مظالمهم رجاء أن يتخلصوا مما هم فيه ويبقى بعضهم قيقول: يا رب مظالمنا أعظم من أن نهبها قال: فينادي منادمن تلقاء العرش أين رضوان خازن الجنان جنان الفردوس قال: فيأمره الله عزوجل أن يطلع (4) من الفردوس قصرا من فضة بما فيه من الابنية (5) والخدم، قال:
فيطلعه عليهم في حفافة القصر الوصائف والخدم (6) قال: فينادي مناد من عند الله تبارك
____________
(1) اي هبات المظالم وابراء الذمم. (في).
(2) لما رأوا من شغل ذممهم بالمظالم وترددهم في ابراء خصمائهم من مظالمهم او اخذهم بها لجهلهم. (في). (3) يعني انهم يطلعون وقتئذ على اطلاع الله على مشقتهم والا فان الله سبحانه لم يزل مطلعا على السرائر والعلن. (في) و (4) من باب الافعال اي يظهره لهم.
(5) في غير واحد من النسخ (من الانية).
(6) (حفافة القصر) اي جوانبه. والوصائف والخدم من باب عطف احد المترادفين على الاخر والخدم أعم من الاثاث. (في). (*)
الصفحة 106
وتعالى: يا معشر الخلائق ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى هذا القصر، قال: فيرفعون رؤوسهم فكلهم يتمناه، قال: فينادي مناد من عند الله تعالى: يا معشر الخلائق هذا لكل من عفا عن مؤمن، قال: فيعفون كلهم إلا القليل، قال: فيقولن الله عزو جل لا يجوز إلى جنتي اليوم ظالم ولا يجوز إلى ناري اليوم ظالم ولاحد من المسلمين عنده مظلمة حتى يأخذها منه عند الحساب، أيها الخلائق استعدوا للحساب، قال: ثم يخلى سبيلهم فينطلقون إلى العقبة يكرد بعضهم بعضا (1) حتى ينتهوا إلى العرصة والجبار تبارك وتعالى على العرش (2) قد نشرت الدواوين ونصبت الموازين واحضر النبيون والشهداء وهم الائمة يشهد كل إمام على أهل عالمه بأنه قد قام فيهم بأمر الله عزوجل ودعاهم إلى سبيل الله قال: فقال له رجل من قريش يا ابن رسول الله إذا كان للرجل المؤمن عند الرجل الكافر مظلمة أي شئ يأخذ من الكافر وهو من أهل النار؟ قال: فقال له علي بن الحسين (ع):
يطرح عن المسلم من سيئاته بقدر ما له على الكافر فيعذب الكافر بها مع عذابه بكفره عذابا بقدر ما للمسلم قبله من مظلمة.
قال: فقال له القرشي: فإذا كانت المظلمه للمسلم عند مسلم كيف تؤخذ مظلمته من المسلم؟ قال: يؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر حق المظلوم فتزاد على حسنات المظلوم، قال: فقال: له القرشي: فإن لم يكن للظالم حسنات؟ قال: إن لم يكن للظالم حسنات فإن للمظلوم سيئات يؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم.
80 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي امية يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبدالله (ع)
أنهم قالوا حين دخلوا عليه: إنما أحببناكم لقرابتكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولماأوجب الله عزوجل من حقكم، ما أحببناكم للدنيا نصيبها منكم إلا لوجه الله والدار الآخرة وليصلح لامرء منا دينه، فقال أبوعبدالله (ع): صدقتم صدقتم، ثم قال: من أحبنا كان معنا
____________
(1) الكرد: الطرد والدفع.
(2) اي مستولى على العرش يأتي أمره من قبل العرش. (آت). (*)
الصفحة 107
أو جاء معنا (1) يوم القيامة هكذا ثم جمع بين السبابتين ثم قال: والله لو أن رجلا صام النهار وقام الليل ثم لقى الله عزوجل بغير ولايتنا أهل البيت للقيه وهو عنه غير راض أو ساخط (1)
عليه، ثم قال: وذلك قول الله عزوجل: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ياتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون * فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " ثم قال: وكذلك الايمان لا يضر معه العمل وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل ثم قال: إن تكونوا وحدانيين فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحدانيا يدعو الناس فلا يستجيبون له وكان أول من استجاب له علي بن أبي طالب (ع) وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ".
81 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس (3) قال: قال:
أبوعبدالله (ع) لعباد بن كثير البصري الصوفي: ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك و فرجك إن الله عزوجل يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا *
يصلح لكم أعمالكم (4) " إعلم أنه لا يتقبل الله منك شيئا حتى تقول قولا عدلا.
2 8 - يونس، عن علي بن شجرة، عن أبي عبدالله (ع) قال: لله عزوجل في بلاده خمس حرم (5): حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحرمة آل رسول الله صلى الله عليهم وحرمة كتاب الله عزوجل وحرمة كعبة الله وحرمة المؤمن.
83 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نجران، عن محمد بن القاسم عن علي بن المغيرة، عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعته يقول: إذا بلغ المؤمن (6) أربعين سنة آمنه الله من الادواء الثلاثة: البرص والجذام والجنون، فإذا بلغ الخمسين خفف
____________
(1) الترديد من الراوي. (آت).
(2) التوبة: 54 و 55. وقوله: (تزهق انفسهم) اي تهلك وتبطل.
(3) الظاهر انه يونس بن عبدالرحمن ولم تعهد روايته عن الصادق (عليه السلام) ويحتمل على بعد ان يكون ابن يعقوب فيكون الخبر موثقا لكن رواية محمد بن عيسى عنه غير معهود. (آت).
(4) الاحزاب: 70 و 71.
(5) الحرمة ما يجب احترامه واكرامه على الخلق لوجهه تعالى. (آت).
(6) محمول على الغالب او مخصوص بالمؤمن الكامل. (آت). (*)
الصفحة 108
الله عزوجل حسابه، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الانابة، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين أمر الله عزوجل بإثبات حسناته وإلقاء سيئاته، فإذا بلغ التسعين عفر الله تبارك وتعالى له ما تقدم وما تأخر (1) وكتب أسير الله في أرضه، وفي رواية أخرى فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر.
84 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن، علي بن الحكم، عن داود، عن سيف، عن أبي بصير قال: قال أبوعبدالله (ع): إن العبد لفي فسحة من أمره (2)
ما بينه وبين أربعين سنة فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عزوجل إلى ملكيه قد عمرت عبدي هذا عمرا فغلظا وشددا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره.
85 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن حمادبن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبدالله (ع) قال: سألت أباعبدالله (ع) عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية اخرى أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره قال: لا بأس إنما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو (3) فوقع فيهم الوباء فهربوا منه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الفار منه كالفار من الزحف كراهية أن يخلو مراكزهم.
86 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي مالك الحضرمي، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبدالله (ع) قال: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق (4) والطيرة والحسد إلا أن المؤمن لا يستعمل حسده.
____________
(1) اي القديم والحديث لا ما ياتي لانه ينافي الغفران الذي هو بمعنى التجافي عن الذنب فاذا لم يذنب العبد ذنبا فلا مورد للغفران. والدليل على ان المراد بهما القديم والحديث قوله تعالى: (إلى ربك يومئذ المستقر ينبؤا الانسان بما قدم واخر). وبمكن ان يكون الغفران بمعنى ان الله يصونه من ان يمسه العذاب.
(2) اي في وسعة من عفو الله وغفرانه.
(3) ربيئة على وزن فعيلة بالهمز وهي العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو. آت.
(4) الظاهر ان المراد التفكر فيما يحصل في نفس الانسان من الوساوس في خالق الاشياء و كيفية خلقها وخلق اعمال العباد والتفكر في الحكمة في خلق بعض الشرور في العالم من غير استقرار في النفس وحصول شك بسببها كما رواه المؤلف عن محمد بن حمران قال سألت أبا عبدالله عن الوسوسة فقال: لا شئ فيها تقول: لا اله الا الله. (آت). (*)
الصفحة 109
87 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (ع) قال: قال لي: إني لموعوك (1) منذ سبعة أشهر ولقد وعك أبني إثنى عشر شهرا وهي تضاعف علينا أشعرت (2)
أنها لا تأخذ في الجسد كله ربما أخذت في أعلى الجسد ولم تأخذ في أسفله وربما أخذت في أسفله ولم تأخذ في أعلى الجسد كله؟ قلت: جعلت فداك إن أذنت لي حدثتك بحديث عن أبي بصير، عن جدك، أنه كان إذا وعك استعان بالماء البارد فيكون له ثوبان: ثوب في الماء البارد وثوب على جسده يراوح بينهما ثم ينادي حتى يسمع صوته على باب الدار (3)
يا فاطمة بنت محمد، فقال: صدقت، قلت: جعلت فداك فما وجدتم للحمى عندكم دواء؟ فقال:
ما وجدنا لها عندنا دواء إلا الدعاء والماء البارد إني أشتكيت فأرسل إلي محمد بن إبراهيم بطبيب له فجاء ني بدواء فيه قي فأبيت أن أشربه لاني إذا قييت زال كل مفصل مني.
88 - الحسين بن محمد الاشعري، عن محمد بن إسحاق الاشعري، عن بكر بن محمد الازدي قال: قال أبوعبدالله (ع): حم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه جبرئيل (ع) فعوذه فقال: بسم الله أرقيك يا محمد، وبسم الله أشفيك وبسم الله من كل داء يعييك، بسم الله والله شافيك، بسم الله خذها فلتهنيك، بسم الله الرحمن الرحيم فلا أقسم بمواقع النجوم لتبرأن بإذن الله، قال بكر: وسألته عن رقية الحمى فحدثني بهذا.
89 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قال: " بسم الله الرحمن الرحيم لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ثلاث مرات كفاه الله عزوجل تسعة وتسعين نوعا من أنواع البلاء أيسرهن الخنق.
____________
(1) الوعك: الحمى.
(2) اشعرت على البناء للمجهول او على صيغة الخطاب المعلوم مع همزة الاستفهام اي هل احسست بذلك ولعل مراده (عليه السلام): ان الحرارة قد تظهر آثارها في اعالي الجسد وقد تظهر في أسافلها. (آت). (3) لعل نداؤه كان للاستشفاء بها. (آت). (*)
الصفحة 110
90 - حميدبن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان عثمان، عن نعمان الرازي، عن أبي عبدالله (ع) قال: انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب غضبا شديدا، قال: وكان إذا غضب انحدر عن جبينيه مثل اللؤلؤ من العرق، قال: فنظر فإذا علي (ع) إلى جنبه فقال: له إلحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله، فقال: يارسول الله لي بك أسوة قال: فاكفني هؤلاء فحمل فضرب أول من لقى (1) منهم، فقال: جبرئيل (ع) إن هذه لهي المواساة يامحمد فقال: إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما يا محمد، فقال أبوعبدالله (ع)
فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جبرئيل (ع) على كرسي من ذهب بين السماء والارض وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
91 - حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بن عيسى بياع السابري، عن أبان بن عثمان قال: حدثني فضيل
____________
(1) مضمون تلك الرواية من المشهورات بين الخاصة والعامة قال ابن ابي الحديد: روى ابو عمرو محمد بن عبدالواحد الزاهد اللغوي غلام ثعلب ورواه ايضا محمد بن حبيب في اماليه ان رسول الله لما فر معظم اصحابه عن يوم احد كثرت عليه كتائب المشركين وقصدته كتيبة من بني كنانة ثم من بني عبد مناف بن كنانة فيها بنو سفيان بن عوف وهم عوف خالد بن ثعلب وابوالشعثاء بن سفيان وابوالحمراء بن سفيان وغراب بن سفيان فقال رسول الله: يا علي اكفني هذه الكتيبة فحمل عليها وانها لتقارب خمسين فارسا وهو (عليه السلام) راجل فما زال يضربها بالسيف فتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عوف الاربعة وتمام العشرة منها ممن لا يعرف باسمائهم، فقال جبرئيل (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ان هذه للمؤاساة لعقد عجبت الملائكة من مؤاساة هذا الفتى فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما يمنعه وهو مني وانا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام) وانا منكما، قال: وسمع ذلك اليومك صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به، ينادي مرارا
(لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي) فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه فقال: جبرئيل (عليه السلام)، قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة ووقفت عليه عن بعض مغازي محمد بن سحاق ورايت بعضها خاليا عنه وسألت شيخي عبدالوهاب بن سكينة عن هذا الخبر فقال: خبر صحيح، فقلت له: فما بال الصحاح لم اشتمل عليه؟ قال: وكلما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح، كم قد اهمل جامعوا الصحاح من الاخبار الصحيحة انتهى كلامه. (آت). (*)
الصفحة 111
البرجمي قال: كنت بمكة وخالد بن عبدالله أمير وكان في المسجد عند زمزم فقال:
ادعوا لي قتادة (1) قال: فجاء شيخ أحمر الرأس واللحية فدنوت لاسمع، فقال خالد: يا قتادة أخبرني بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب وأذل وقعة كانت في العرب، فقال: أصلح الله الامير أخبرك بأكرم وقعة كانت في العرب وأعز وقعة كانت في العرب وأذل وقعة كانت في العرب واحدة، قال خالد: ويحك واحدة! قال: نعم أصلح الله الامير، قال: أخبرني؟ قال: بدر، قال: وكيف ذا؟ قال: إن بدرا أكرم وقعة كانت في العرب بها أكرم الله عزو جل الاسلام وأهله وهي أعز وقعة كانت في العرب، بها أعز الله الاسلام وأهله وهي أذل وقعة كانت في العرب، فلما قتلت قريش يومئذ ذلت العرب، فقال له خالد: كذبت لعمر الله إن كان في العرب يومئذ من هو أعز منهم (2) ويلك يا قتادة أخبرني ببعض أشعارهم؟ قال: خرج أبوجهل يومئذ وقد اعلم ليرى مكانه (3) وعليه عمامة حمراء وبيده ترس مذهب وهو يقول:
ما تنقم الحرب الشموس مني * بازل عامين حديث السن لمثل هذا ولدتني أمي (4)
____________
(1) قتادة هو من اكابر محدثي العامة، من تابعي العامة البصرة، روى عن انس وابي الطفيل وسعد بن المسيب والحسن البصري. (آت).
(2) لعله لعنه الله حملته الحمية والكفر على ان يتعصب للمشركين بانهم لم يذلوا بقتل هؤلاء بل كان فيهم اعز منهم او عرضه الحمية لابي سفيان وسائر بني امية وخالد بن الوليد فانهم كانوا يومئذ بين المشركين ويحتمل ان يكون مراده ان غلبة رسول الله وهو سيد العرب كان يكفي لعزهم ولم يذلوا بفقد هؤلاء.
(3) اعلم الفرس اي علق عليه صوفا ملونا في الحرب، ونفسه: وسمها بسيماء الحرب.
لعلمها (القاموس) وقال الجوهري: اعلم الفارس: جعل لنفسه علامة الشجعان.
(4) (ما تنقم) قال الجوهري: نقمت على الرجل انقم بالكسر فانا ناقم إذا عتبت عليه، يقال:
ما نقمت منه الا الاحسان. وقال الكسائي: نقمت بالكسر لغة ونقمت الامر ايضا ونقمته إذا كرهته وانتقم الله منه اي عاقبه. وقال: شمس الفرس شموسا وشماسا اي منع ظهره وهو فرس شموس و به شماس ورجل شموس: صعب الخلق وقال الفيروزآبادي: نعم منه كضرب وعلم وانتقم (*)
الصفحة 112
فقال: كذب عدو الله إن كان ابن أخي لا فر س منه يعني خالد بن الوليد وكانت امه قشيرية (1) ويلك ياقتادة من الذي يقول: " أوفي بميعادي وأحمي عن حسب "؟ فقال:
أصلح الله الامير ليس هذا يومئذ، هذا يوم احد خرج طلحة بن أبي طلحة وهو ينادي من يبارز فلم يخرج إليه أحد، فقال: إنكم تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار (2)
ونحن نجهزكم بأسيافنا إلى الجنة فليبرزن إلي رجل يجهزني بسيفه إلى النار وأجهزه بسيفي إلى الجنة، فخرج إليه علي بن أبي طالب (ع) وهو يقول:
أنا ابن ذي الحوضين عبدالمطلب * وهاشم المطعم في العام السغب (3)
أوفي بميعادي وأحمي عن حسب (4)
____________
عاقبه. اقول: الظاهر ان كلمة (ما) للاستفهام ويحتمل على ان بعد ان تكون نافية ومآلهما واحد اي لا يقدر الحرب التي لا يقدر عليها بسهولة ولا تطيع المرء فيما يريد منها ان تنتقم مني او ان تعيبني او تظهر عيبي قوله: (بازل عامين حديث السن) الظاهر انهما حالان عن الضمير المجرور في قوله: (منى) وقد روى هذا عن امير المؤمنين (عليه السلام) ايضا هكذا:
قد عرف الحرب العوان اني * بازل عامين حديث السن سنحنح الليل كاني جنى * استقبل الحرب بكل فن معي سلاحي ومعي مجنى * وصارم يذهب كل ضغن امض به كل عدو عنى * لمثل هذا ولدتني امى قال الجزري: ومنه حديث على بن اي طالب (بازل عامين حديث السن) البازل من الابل الذي تم لها ثمان سنين ودخل في التاسعة وحينئد يطلع نابه وتكمل قوته ثم يقال له بعد ذلك:
بازل عام وبازل عامين يقول: انا مستجمع الشباب، مستكمل القوة. (آت).
(1) اي لذلك يقال ابن اخي لان خالدا كانت امه من قبيلته والاصوب ما في بعض النسخ قسرية لان خالد بن عبدالله مشهور بالقسري. (آت).
(2) التجهير اعداد مايحتاج اليه المسافر أوالعروس او الميت ويحتمل ان يكون من قولهم: اجهز على الجريح اي اثبت قتله واسرعه وتم عليه. (3) (ابن الحوضين) اي اللتين صنعهما عبدالمطلب عند زمزم لسقاية الحاج. و (العام السغب)
الظاهر انه بكسر الغين اي عام القحط والمجاعة. (آت).
(4) اي مع الرسول في نصره. و (احمى) اي ادفع العار عن احسابي واحساب آبائي ويحتمل على بعد ان يقرأ بكسر السين اي عن ذي حسب هو الرسول (صلى الله عليه وآله). (آت). (*)
الصفحة 113
فقال خالد لعنه الله: كذب لعمري والله أبوتراب ما كان كذلك، فقال الشيخ:
أيها الامير إئذن لي في الانصراف، قال: فقام الشيخ يفرج الناس بيده وخرج وهو يقول:
زنديق ورب الكعبة، زنديق ورب الكعبة.
} حديث آدم (ع) مع الشجرة { 92 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (ع) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم (ع) أن لا يقرب هذه الشجرة فلما بلغ الوقت الذى كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منهاوهو قول الله عزوجل
" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (1) " فلما أكل آدم (ع) من الشجرة أهبط إلى الارض فولد له هابيل وأخته توأم وولد له قابيل وأخته توأم، ثم إن آدم
(ع) أمرهابيل وقابيل أن يقربا قربانا وكان هابيل صاحب غنم وكان قابيل صاحب زرع فقرب هابيل كبشا من أفاضل غنمه وقرب قابيل من زرعه ما لم ينق فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل وهو قول الله عزوجل: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر - إلى آخر الآية - (2) " وكان القربان تأكله النار فعمد قابيل إلى النار فبنى لها بيتا وهو أول من بنى بيوت النارفقال: لاعبدن هذه النار حتى تتقبل مني قرباني، ثم إن إبليس لعنه الله أتاه - وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق - فقال له: يا قابيل قد تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك وإنك إن تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك ويقولون نحن أبناء الذي تقبل قربانه فاقتله كيلا يكون له عقب يفتخرون على عقبك فقتله فلما رجع قابيل إلى آدم (ع) قال
____________
(1) طه: 115، والنهي ارشادي وليس بتحريمي ومعنى النسيان في الاية الترك كما ذكره جماعة من المفسرين وقد ورد في كثير من الاخبار منها ما رواه علي بن ابراهيم باسناده عن ابي جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم الاية) قال عهد اليه في محمد والائمة من بعده فترك
ولم يكن له عزم الخ. ولا يخفى ان محمد بن الفضيل يرمى بالغلو وضعفه غير واحد من الاصحاب.
(2) المائدة: 27. (*)
الصفحة 114
له: يا قابيل أين هابيل؟ فقال: اطلبه حيث قربنا القربان فانطلق آدم (ع) فوجد هابيل قتيلا فقال آدم (ع): لعنت من أرض كما قبلت دم هابيل وبكى آدم (ع) على هابيل أربعين ليلة ثم إن آدم سأل ربه ولدا فولد له غلام فسماه هبة الله لان الله عزوجل وهبه له واخته توأم.
فلما انقضت نبوة آدم (ع) واستكمل أيامه أوحى الله عزوجل إليه أن يا آدم قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لن أقطع العلم والايمان والاسم الاكبر وآثار النبوة من العقب من ذريتك إلى يوم القيامة ولن أدع الارض إلا وفيها عالم يعرف به ديني ويعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بينك وبين نوح وبشر آدم بنوح (ع) فقال: إن الله تبارك وتعالى باعث نبيا اسمه نوح وإنه يدعو إلى الله عز ذكره ويكذبه قومه، فيهلكهم الله بالطوفان وكان بين آدم وبين نوح (ع) عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلهم وأوصى آدم (ع) إلى هبة الله أن من أدركه منكم فليؤمن له وليتبعه وليصدق به فإنه ينجو من الغرق، ثم إن آدم
(ع) مرض المرضة التي مات فيها فأرسل هبة الله وقال له: إن لقيت جبرئيل أو من لقيت من الملائكة فاقرأه مني السلام وقل له: يا جبرئيل إن أبي يستهديك من ثمار الجنة، فقال له جبرئيل: يا هبة الله إن أباك قد قبض وإنا نزلنا للصلاة عليه فارجع فرجع فوجد آدم (ع) قد قبض فأراه جبرئيل كيف يغسله فغسله حتى إذا بلغ الصلاة عليه، قال هبة الله:
يا جبرئيل تقدم فصل على آدم فقال له جبرئيل: إن الله عزو جل أمرنا أن نسجد
لابيك آدم وهو في الجنة فليس لنا أن يؤم شيئا من ولده، فتقدم هبة الله فصلى على أبيه وجبرئيل خلفه وجنود الملائكة وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأمر جبرئيل (ع) فرفع خمسا وعشرين تكبيرة - والسنة اليوم فينا خمس تكبيرات، وقد كان يكبر على أهل بدر تسعا وسبعا - ثم إن هبة الله لما دفن أباه أتاه قابيل فقال: يا هبة الله إني قد رأيت أبي آدم قد خصك من العلم بما لم أخص به أنا وهو العلم الذي دعا به أخوك هابيل فتقبل قربانه وإنماقتلته لكيلا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي فيقولون: نحن أبناء الذي تقبل قربانه وأنتم أبناء الدي ترك قربانه فإنك إن أظهرت من العلم الذي اختصك به
الصفحة 115
أبوك شيئا قتلتك كما قتلت أخاك هابيل فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث النبوة وآثار علم النبوة حتى بعث الله نوحا
(ع) وظهرت وصية هبه الله حين نظروا في وصية آدم (ع) فوجدوا نوحا (ع) نبيا قد بشر به آدم (ع) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه وقد كان آدم (ع) وصى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يوم عيدهم فيتعاهدون نوحا وزمانه الذي يخرج فيه وكذلك جاء في وصية كل نبي حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وإنما عرفوا نوحا بالعلم الذي عندهم وهو قول الله عزوجل: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه - إلى آخر الآية - (1) "
وكان من بين آدم ونوح من الانبياء مستخفين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسموا كما سمي من استعلن من الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين وهو قول الله عزوجل: " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك (2) " يعني لم أسم المستخفين كما سميت المستعلنين من الانبياء (عل).
فمكث نوح (ع) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يشاركه في نبوته أحد ولكنه قدم على قوم مكذبين لانبياء (عل) الذين كانوا بينه وبين آدم (ع)
وذلك قول الله عزوجل: " كذبت قوم نوح المرسلين (3) " يعني من كان بينه وبين آدم (ع) إلى أن انتهى إلى قوله عزوجل: " وإن ربك لهو العزيز الرحيم (4) " ثم إن نوحا (ع) لما انقضت نبوته واستكملت أيامه أوحى الله عزوجل إليه أن يا نوح قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في العقب من ذريتك، فإني لن أقطعهما كما لم أقطعها من بيوتات الانبياء (عل) التي بينك وبين آدم (ع) ولن أدع الارض إلا وفيها عالم يعرف به ديني وتعرف به طاعتي ويكون نجاة لمن يولد فيما بين قبض النبي إلى خروج النبي الآخر وبشر نوح ساما بهود (ع) وكان فيما بين نوح وهود من الانبياء (عل) (5)
وقال نوح: إن الله باعث نبيا يقال له: هود وإنه يدعو قومه إلى الله عزوجل فيكذبونه
____________
(1) الاعراف: 58. هود: 5 2. العنكبوت: 14. (2) النساء: 163.
(3) الشعراء: 105. (4) الشعراء: 191.
(5) اي كثير منهم أو جماعة منهم. (آت). (*)
الصفحة 116
والله عزوجل مهلكهم بالريح فمن أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإن الله عزوجل ينجيه من عذاب الريح وأمر نوح (ع) ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصية عند رأس كل سنة فيكون يومئذ عيدا لهم، فيتعاهدون فيه ما عندهم من العلم والايمان والاسم الاكبر ومواريث العلم وآثار النبوة فوجدوا هودا نبيا (ع) وقد بشر به أبوهم نوح (ع) فآمنوا به واتبعوه وصدقوه فنجوا من عذاب الريح وهو قول الله عزوجل: " وإلى عاد أخاهم هودا " (1) وقوله عزوجل: " كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (2) " وقال تبارك وتعالى: " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب (3) " وقوله:
" ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا (لنجعلها في أهل بيته) ونوحا هدينا من قبل (4) "
لنجعلها في أهل بيته وأمر العقب (5) من ذرية الانبياء (عل) من كان قبل إبراهيم لابراهيم (ع) وكان بين إبراهيم وهودمن الانبياء صلوات الله عليهم وهو قول الله عز و جل وما قوم لوط منكم ببعيد (6) " وقوله عز ذكره: " فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي (7) " وقوله: عز جل " وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدواالله واتقوه ذلكم خير لكم (8) [إن كنتم تعلمون] " فجرى بين كل نبيين عشرة أنبياء وتسعة وثمانية أنبياء كلهم أنبياء وجرى لكل نبي ما جرى لنوح صلى الله عليه وكما جرى لآدم وهود وصالح وشعيب وإبراهيم صلوات الله عليهم حتى انتهت إلى يوسف بن يعقوب (ع)، ثم صارت من بعد يوسف في أسباط إخوته حتى انتهت إلى موسى (ع) فكان بين يوسف وبين موسى من الانبياء (عل)
فأرسل الله موسى وهارون (ع) إلى فرعون وهامان وقارون ثم أرسل الرسل تترى (9)
: كلما جاء امة رسولهم كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث (10) " وكانت بنو إسرائيل تقتل نبيا واثنان قائمان ويقتلون اثنين وأربعة قيام حتى أنه كان ربما قتلوا في اليوم
____________
(1) الاعراف: 4 6. (2) الشعراء: 123 و 124.
(3) البقرة: 132. (4) الانعام: 84.
(5) في بعض النسخ (أمن). (6) هود: 89.
(7) العنكبوت: 26. (8) العنكبوت: 16.
(9) أي متواترا. (10) المؤمنون: 45 وفيها (رسولها). (*)
الصفحة 117
الواحد سبعين نبيا ويقوم سوق قتلهم آخر النهار فلما نزلت التوراة على موسى (ع)
بشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) كان بين يوسف وموسى من الانبياء وكان وصي موسى يوشع بن نون
(ع) وهو فتاه الذي ذكره الله عزوجل في كتابه، فلم تزل الانبياء تبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى ابن مريم فبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله تعالى:
" يجدونه (يعني اليهود والنصارى) مكتوبا (يعني صفة محمد (صلى الله عليه وآله) عندهم (يعني) في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر (2) " وهو قول الله عزوجل يخبر عن عيسى:
" ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد (3) وبشر موسى وعيسى بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما بشر الانبياء (عل) بعضهم ببعض حتى بلغت محمدا (صلى الله عليه وآله)، فلما قضى محمد (صلى الله عليه وآله) نبوته واستكملت أيامه أوحى الله تبارك وتعالى إليه يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب (ع) فإني لم أقطع العلم والايمان والاسم الاكبر وميراث العلم واثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الانبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم وذلك قوله الله تبارك وتعالى: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (4) " وإن الله تبارك وتعالى لم يجعل العلم جهلا (5) ولم يكل أمره إلى أحد من خلقه لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل
____________
(1) الظاهر (سوق بقلهم) كما روى في غيره اي كانوا لا يبالون بذلك بحيث كان يقوم بعد قتل سبعين نبيا جميع اسواقهم حتى سوق بقلهم إلى آخر النهار لعدم اعتنائهم بذلك او المراد انه ربما كان يمتد زمان قتلهم إلى آخر النهار او ربما ياخذون في قتلهم اخر النهار فيقتلون في هذا الزمان القليل مثل هذا العدد الكثير وعلى اخيرين يكون سوق القتل كناية عن المعركة التي اقاموها لقتلهم ولا يخفى بعدهما. (آت).
(2) الاعراف: 156. (3) الصف: 6.
(4) آل عمران: 33 و 34.
(5) اي لم يجعل العلم مبنيا على الجهل بان يكون امر الحجة مجهولا، لا يعلمه الناس ولا بينة لهم. او لم يجعل اعلم مخلوطا بالجهل بل لا بد ان يكون العالم عالما بجميع ما يحتاج اليه الخلف ولا يكون اختيار مثله الا منه تعالى. (آت). (*)
الصفحة 118
ولكنه أرسل رسولا من ملائكته فقال له: قل كذا وكذا فأمرهم بما يحب ونهاهم عما يكره فقص إليهم أمر خلقه بعلم فعلم ذلك العلم وعلم أنبياءه وأصفياءه من الانبياء والاخوان والذرية التي بعضها من بعض فذلك قوله عزوجل: " فقد اتينا آل إبراهيم الكتاب الحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (1) " فأما الكتاب فهو النبوة وأما الحكمة فهم الحكماء من الانبياء من الصفوة وأما الملك العظيم فهم الائمة [الهداة] من الصفوة وكل هؤلاء من الذرية التي بعضها من بعض والعلماء الذين جعل الله فيهم البقية وفيهم العاقبة (2) وحفظ الميثاق حتى تنقضي الدنيا والعلماء، ولولاة الامر استنباط العلم وللهداة (3) فهذا شأن الفضل (4) من الصفوة والرسل والانبياء والحكماء وأئمة الهدى والخلفاء الذين هم ولاة أمر الله عزوجل واستنباط علم الله وأهل آثار علم الله من الذرية التي بعضها من بعض من الصفوة بعد الانبياء (عل) من الآباء والاخوان والذرية من الانبياء، فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم ونجا بنصرتهم ومن وضع ولاة أمر الله عزو جل وأهل استنباط علمه في غير الصفوة من بيوتات الانبياء (عل) فقد خالف أمر
____________
(1) النساء: 54. وفيها (فقد آتينا آل ابراهيم) ولعله من النساخ.
(2) اي بقية علوم الانبياء وآثارهم ويحتمل ان يكون اشارة إلى قوله تعالى: (بقية الله خير لكم)
وفسرت في الاخبار الكثيرة بالائمة (عليهم السلام). قوله: وفيهم العاقبة كما قال: (والعاقبة للمتقين). (آت).
وفي هامش بعض النسخ بقوله (عليه السلام): (جعل الله فيهم البقية) لعل المراد بالبقية بقية احكام الدين التي يستنبطها الائمة (عليهم السلام) من الايات الفرقانية وما وصل اليهم من رسول الله صليل الله عليه وآله من الاصول الكلية وبالعاقبة النجاة فان شيعة الائمة الاثني عشرية (عليهم السلام) والعارفين لحقهم من الامة هم الناجون لا غير بالروايات المتفق عليها الجمع على صحتها بين اكثر الامة من المؤالف والمخالف مثل قوله (صلى الله عليه وآله): (خلفائي اثني عشر). و (بحفظ الميثاق): هو عبادة العباد الله عزوجل حيث عاهد بحكم قابليتهم الفطرية لعبادة خالقهم وربهم ان يقبلوا تكليفه واطاعته والسعي إلى مراضيه ولا يحفظ هذا العهد والميثاق الا بمعرفة النبي (صلى الله عليه وآله) ومعرفة حفظة دينه وعلمه واطاعتهم كما قال: (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم). انتهى.
(3) قوله: (والعلماء) معطوف على العاقبة وقوله: (للهداة) معطوف على يقوله: (لولاة الامر). (ماخوذ من آت).
(4) بضم الفاء وتشديد الضاد المفتوحة جمع فاضل كخلص وغيب. (آت). (*)
الصفحة 119
الله عزوجل وجعل الجهال ولاة أمر الله والمتكلفين بغير هدى (1) من الله عزوجل وزعموا أنهم أهل استنباط علم الله فقد كذبوا على الله ورسوله ورغبوا عن وصيه (ع) وطاعته ولم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله تبارك وتعالى، فضلوا وأضلوا أتباعهم ولم يكن لهم حجة يوم القيامه إنما الحجة في آل إبراهيم (ع) لقول الله عزوجل: " ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما (2) " فالحجة الانبياء (عل)
وأهل بيوتات الانبياء (عل) حتى تقوم الساعة لان كتاب الله ينطق بذلك، وصية الله بعضها من بعض التي وضعها على الناس فقال: عزوجل: " في بيوت أذن الله أن ترفع " (3)
وهي بيو [تا] ت الانبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى فهذا بنيان وعروة الايمان التي نجا بها من نجا قبلكم وبها ينجو من يتبع الائمة وقال الله عزوجل في كتابه: " ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وأسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم وإجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم... اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (4) " فإنه وكل بالفضل (5)
من أهل بيته والاخوان والذرية وهو قول الله تبارك وتعالى: إن تكفر به امتك (6)
فقدوكلت اهل بيتك بالايمان الذى ارسلتك به فلا يكفرون بة أبدا ولا أضيع الايمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء امتك وولاة أمري بعدك وأهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب ولا إثم ولا زور ولا بطر ولا رياء فهذا بنيان ما ينتهي إليه أمر هذه
____________
(1) (متكلفين) عطف على الجهال اي جعل المتكلفين ولاة امر الله (آت).
(2) مضمون ماخوذ من القرآن. (3) النور: 36.
(3) اي هذه الامور المذكورة سابقا وصية من الله اخذها كل امام ونبي عمن قبله ووجب على الناس قبولها. (آت).
(4) الانعام: 84 إلى 87.
(5) لعل الباء زائد من النساخ. (آت).
(6) اشارة إلى قوله تعالى: (ان تكفروا فان الله عني عن العالمين) سورة الزمر: 7. (*)
الصفحة 120
الامة، إن الله عزوجل طهر أهل بيت نبيه (عل) وسألهم (1) أجر المودة وأجرى لهم الولاية وجعلهم أوصياءه وأحباءه ثابتة بعده في امته، فاعتبروا يا أيها الناس فيما قلت حيث وضع الله عز جل ولايته وطاعته ومودته واستنباط علمه وحججه فاياه فتقبلوا وبه فاستمسكوا تنجو به وتكون لكم الحجة يوم القيامة وطريق ربكم (2)
عزوجل ولا تصل ولاية إلى الله عزوجل إلا بهم فمن فعل ذلك كان حقاعلى الله أن يكرمه ولا يعذبه ومن يأت الله عزوجل بغيرما أمره كان حقا على الله عزوجل أن يذله وأن يعذبه.
93 - عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبى حمزة ثابت بن دينار الثمالي وأبومنصور، عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (ع)
في السنة التي كان حج فيها هشام بن عبدالملك وكان معه نافع مولى عمر بن الخطاب (3)
فنظر نافع إلى أبي جعفر (ع) في ركن البيت وقد اجتمع عليه الناس فقال نافع: يا أمير المؤمنين من هذا الذي قد تداك عليه الناس (4) فقال: هذا نبي أهل الكوفة هذا محمد بن علي، فقال: أشهد لآتينه فلاسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو ابن نبي أو وصي نبي، قال: فاذهب إليه وسله لعلك تخجله فجاء نافع حتى اتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر (ع)
فقال: يا محمد بن علي إني قرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد عرفت حلالها وحرامها وقد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي، قال: فرفع أبوجعفر (ع) رأسه فقال: سل عما بدالك، فقال: اخبرني كم بين، عيسى وبين محمد (صلى الله عليه وآله) من سنة قال: اخبرك بقولي أو بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال:
____________
(1) كان فيه حذفا وايصالا اي سأل لهم. (آت).
(2) كان معطوف على الحجة أي يكون لكم طريق إلى ربكم في الدنيا او الطريق الموصل إلى الجنة في الاخرة ويحتمل ان يكون خبر مبتدا محذوف اي هم طريق ربكم. (آت).
(3) هو نافع بن سرجس مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب كان ذميا وهو من التابعين المدينين و العامة رووا عنه اخبارا كثيرة ومعظم رواياته عن ابن عمر وهو من الثقات عندهم وكان ناصبيا خبيثا معاندا لاهل البيت (عليهم السلام) ويظهر من اخبارنا انه كان يميل إلى رأي الخوارج كما يدل عليه هذا الخبر (آت).
(4) اي ازدحموا عليه. (*)
الصفحة 121
أما في قولي فخمسمائة سنة (1) وأما في قولك فستمائة سنة قال: فأخبرني عنه قول الله عزوجل لنبية: " واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (2) من الذي سأل محمد (صلى الله عليه وآله) وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة فقال: فتلا أبوجعفر
(ع) هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنرية من آياتنا (3) " فكان من الآيات التي أراها الله تبارك وتعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) حيث أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الاولين والآخرين من النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل (ع) فأذن شفعا وأقام شفعا وقال في أذانه: حي على خير العمل، ثم تقدم محمد (صلى الله عليه وآله) فصلى بالقوم فلما انصرف قال لهم:
على ما تشهدون وما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " أولم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما (4) "؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم إلى الارض وكانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا وكانت الارض رتقا لا تنبت شيئا فلما أن تاب الله عزوجل على آدم (ع) أمر السماء فتقطرت بالغمام ثم أمرها فأرخت عزاليها (5) ثم أمر الارض فأنبتت الاشجار وأثمرت الثمار وتفهقت بالانهار (6) فكان ذلك رتقها وهذا فتقها، قال نافع: صدقت يا ابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عزوجل: " يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات (7) "
أي أرض تبدل يومئذ؟ فقال أبوجعفر (ع): أرض تبقى خبزة (8) يأكلون منها
____________
(1) هو الذي دلت عليه اخبارنا في قدر زمان الفترة وقد روى الصدوق رحمه الله في كتاب كمال الدين باسناده عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان بين عيسى وبين محمد (صلى الله عليه وآله) خمسمائة عام وهذا هو الصحيح. (آت).
(2) الزخرف: 45. وفيها (من قبلك).
(3) الاسراء: 2. (4) الانبياء: 30.
(5) العزالي جمع العزلاء وهو فم المزادة.
(6) فهق الاناء كفرج فهقا: امتلاء. وفي اكثر النسخ تفيهت اي انها فتحت افواهها ولكن كان القياس تفوهت ويحتمل كونه (تفتقت) فصحف. (7) ابراهيم: 48.
(8) رواه علي ابن ابراهيم في تفسيره وفيه فقال ابوجعفر (عليه السلام): (بخبزة بيضاء ياكلون منها حتى يفرغ الله من حساب الخلائق). (*)
الصفحة 122
حتى يفرغ الله عزوجل من الحساب، فقال نافع إنهم عن الاكل لمشغولون؟ فقال أبوجعفر (ع): أهم يومئذ أشغل أم إذ هم في النار؟ فقال نافع: بل إذ هم في النار قال: فوالله ما شغلهم إذ دعوا بالطعام فاطعموا الزقوم ودعوا بالشراب فسقوا الحميم، قال: صدقت يا ابن رسول الله ولقد بقيت مسألة واحدة قال: وما هي؟ قال: أخبرني عن الله تبارك وتعالى متى كان؟ قال: ويلك متى لم يكن حتى اخبرك متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم قال: يا نافع أخبرني عما أسألك عنه، قال:
وما هو؟ قال: ما تقول في أصحاب النهروان فإن قلت: إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت (1) وإن قلت: إنه قتلهم باطلا فقد كفرت، قال: فولى من عنده وهو يقول:
أنت والله أعلم الناس حقا حقا، فأتى هشاما فقال له: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك هذا والله أعلم الناس حقا حقا وهو ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حقا ويحق لاصحابه أن يتخذوه نبيا.
} حديث نصراني الشام مع الباقر (ع) { 94 - عنه، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبدالله الثقفي قال: أخرج هشام بن عبدالملك أبا جعفر (ع) من المدينة إلى الشام فأنزله منه وكان يقعد مع الناس في مجالسهم فبينما هو قاعد وعنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال: ما لهؤلاء؟ ألهم عيد اليوم؟ فقالوا: لا يا ابن رسول الله ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه فيسألونه عما يريدون وعما يكون في عامهم فقال أبوجعفر (ع): وله علم؟ فقالوا: هو من أعلم الناس قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى (ع) قال: فهل نذهب إليه؟ قالوا: ذاك إليك يا ابن رسول الله، قال:
فقنع أبوجعفر (ع) رأسه بثوبه ومضى هو وأصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتوا الجبل فقعد أبوجعفر (ع) وسط النصارى هو وأصحابه وأخرج النصارى بساطا، ثم وضعوا الوسائد، ثم دخلوا فأخرجوه ثم ربطوا عينيه، فقلب عينيه كأنهما عينا أفعى ثم قصد
____________
(1) اي ارتددت ورجعت عن مذهبك. اراد (عليه السلام) الاحتجاج عليه فيما كان يعتقده من رأي الخوارج. (*)
الصفحة 123
إلى أبي جعفر (ع) فقال: يا شيخ أمنا أنت أم من الامه المرحومة؟ فقال أبوجعفر (ع):
بل من الامة المرحومة، فقال: أفمن علمائهم أنت أم من جهالهم؟ فقال: لست من جهالهم فقال: النصراني أسألك أم تسألني؟ فقال أبوجعفر (ع): سلني، فقال النصراني: يا معشر النصارى رجل من امة محمد يقول: سلني إن هذا لملئ (1) بالمسائل ثم قال: يا عبدالله أخبرني عن ساعة ما هي من الليل ولا من النهار أي ساعة هي؟ فقال أبوجعفر (ع): ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فقال النصراني: فإذا لم تكن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي؟ فقال أبوجعفر (ع): من ساعات الجنة وفيها تفيق مرضانا (2)، فقال النصراني: فأسألك أم تسألني؟ فقال أبوجعفر (ع): سلني، فقال النصراني: يا معشر النصارى إن هذا لملئ بالمسائل، أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون ولا يتغوطون أعطني مثلهم في الدنيا؟ فقال أبوجعفر (ع): هذا الجنين، في بطن امه يأكل مما تأكل امه ولا يتغوط، فقال النصراني: ألم تقل: ما أنا من علمائهم؟ فقال أبوجعفر
(ع): إنما قلت لك: ما أنا من جهالهم، فقال النصرانى: فأسألك أو تسألني، فقال أبوجعفر (ع): سلني، فقال: يا معشر النصارى والله لاسألنه عن مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل (3)، فقال له، سل، فقال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت باثنين حملتهما جميعا في ساعة واحدة وولدتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنا في قبر واحد عاش أحدهما خمسين ومائة سنه وعاش الآخر خمسين سنة من هما؟ فقال أبوجعفر (ع): عزير وعزرة كانا حملت أمهما بهما على ما وصفت ووضعتهما على ما وصفت وعاش عزير وعزرة كذا وكذا سنة ثم أمات الله تبارك وتعالى عزيرا مائة سنة ثم بعث وعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة وماتا كلاهما في ساعة واحدة فقال: النصراني يا معشر النصارى: ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرجل لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني، قال: فردوه إلى كهفه ورجع النصارى مع أبي جعفر (ع).
____________
(1) اي جدير بان يسأل عنه.
(2) افاق من مرضه: رجعت الصحة اليه.
(3) رطمته في الوحل فارتطم هو اي ارتبك فيه ولم يكد يتخلص. (*)
الصفحة 124
} حديث ابي الحسن موسى (عليه السلام) { 95 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور، عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (ع) وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الارض إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والاديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتدي، وسميع وأصم وبصير وأعمى حيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد (صلى الله عليه وآله) أما بعد فإنك أمرؤ أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما استرعاك من دينه وما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الامور إليهم، كتبت تسألني عن امور كنت منها في تقية ومن كتمانها في سعة فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن افسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الامر أهله واحذر أن تكون سبب بلية على الاوصياء أو حارشا عليهم (1) بإفشاء ما استودعتك وإظهار ما استكتمتك ولن تفعل إن شاء الله، إن أول ما أنهى إليك أني أنعي إليك نفسي في ليالي هذه غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عزوجل وحتم فاستمسك بعروة الدين، آل محمد والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي والمسالمة لهم والرضا بما قالوا ولا تلتمس دين من
____________
(1) التحريش بين البهائم هو الاغراء وتهيج بعضها على بعض. (النهاية). (*)
الصفحة 125
ليس من شيعتك ولا تحبن دينهم فإنهم الخائنون الذين خانوا لله ورسوله وخانوا أماناتهم وتدري ما خانوا أماناتهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ودلوا على ولاة الامر منهم فانصرفوا عنهم فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء والمساكين وابناء السبيل وفي سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا؟ فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عزوجل كلامه وهزئا برسوله (صلى الله عليه وآله) وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والله ما دخل قلب أحد منهما شئ من الايمان منذ خروجهما من حالتيها وما ازدادا إلا شكا، كانوا خذاعين، مرتابين، منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام، وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فاولئك أهل الردة الاولى من هذه الامة فعليهم لغنة الله والملائكة والناس أجمعين، وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه ماض وغابر وحادث فأما الماضي فمفسر وأما الغابر فمزبور (1) وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الاسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، وسألت عن امهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم فأما امهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة نكاح بغير ولي وطلاق في غير عدة وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلالة ويقينه شكه، وسألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لانا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم وأين كان وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم يرفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف، وسألت عن الشهادات لهم فأقم الشهادة لله عزوجل ولو على نفسك والوالدين والاقربين فيما بينك وبينهم فإن خفت على أخيك ضيما (2)
فلا وادع إلى شرائط الله عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته ولا تحصن بحصن رياء (3)
ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا هذا باطل وإن كنت تعرف منا خلافه
____________
(1) في بعض النسخ (فمرموز).
(2) الضيم: الظلم.
(3) في بعض النسخ (ولا تحضر حصن زنا). (*)
الصفحة 126
فإنك لا تدري لما قلناه وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما اخبرك و، لا تفش ما استكتمناك من خبرك، إن واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لامر دنياه وآخرته ولا تحقد عليه وإن أساء وأجب دعوته إذا دعاك ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس و إن كان أقرب إليه منك وعده في مرضه، ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الاذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الامر به (1) فإذا رأيت المشوه الاعرابي في جحفل (2) جرار فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين وإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عزوجل بالمجرمين فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الاخيار. } حديث نادر { 96 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن أيوب، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: أتى أبوذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني قد اجتويت المدينة (3) أفتأذن لي أن أخرج أناوابن أخي إلى المدينة فنكون بها؟ فقال: إني أخشى أن يغير (4) عليك خيل من العرب فيقتل ابن أخيك فتأتيني شعثا (5) فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول: قتل ابن أخي وأخذ السرج (6) فقال: يارسول الله بل لا يكون إلا خير إن شاء الله (7) فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج هو وابن أخيه وامرأته فم يلبث هنا إلا يسيرا حتى غارت خيل لبني فزارة فيها عيينة بن حصن فاخذت السرج وقتل
____________
(1) في بعض النسخ (أمر به).
(2) كجعفر: الجيش الكبير والرجل العظيم والسيد الكريم وكانه اشارة إلى جيش سفيان وفتنته.
(3) اي كرهت المقام فيها.
(4) من الغارة.
(5) الشعث محركة: انتشار الامر.
(6) السرح بالفتح الماشية. والمال السايم من الغنم والبقر وعير ذلك.
(7) لعل (صلى الله عليه وآله) لم ينهه عن الخروج وانما اخبره بوقوع ذلك. (*)
الصفحة 127
ابن أخيه واخذت امرأته من بني غفار وأقبل أبوذر يشتد حيت وقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبه طعنة جائفة (1) فاعتمد على عصاه وقال: صدق الله ورسوله اخذ السرج وقتل ابن أخي وقمت بين يديك على عصاي فصاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسلمين فخرجوا في الطلب فردوا السرج وقتلوا نفرا من المشكرين.
97 - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا فجاء وشد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ فقال: ربي وربك فنسفه (2) جبرئيل (ع) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني يا غورث فقال جودك وكرمك يا محمد، فتركه فقال وهو يقول: والله لانت خير مني وأكرم (3).
____________
(1) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف.
(2) نسف البناء: قلعه من اصله.
(3) رواه الواقدي في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا إليكم ايديهم فكف ايديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) ان رسول الله غزا جمعا من بني ربيان ومحارب بذي إمر فتحصنوا برؤوس الجبال ونزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحيث يراهم فذهب لحاجته فاصابه مطر فبل ثوبه فنشره على شجرة واضطجع تحته والاعراب ينظرون اليه فجاء سيدهم دعثور بن الحرث حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا فقال: يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ فقال: الله، فدفع جبرئيل (عليه السلام) في صدره ووقع السيف من يده فاخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام على رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لا أحد وأنا أشهد أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فنزلت الاية. وروى ابن شهر آشوب عن الثمالي نحوا من ذلك وقال في اخره:
فسئل بعد انصرافه عن حاله فقال: نظرت إلى رجل طويل ابيض دفع في صدري فعرفت انه ملك ويقال: إنه أسلم وجعل يدعو قومه إلى الاسلام. (آت). (*)
الصفحة 128
980 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد [وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد] عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبدالله (ع) قال:
قال: إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا وما عليك أن لم يثن الناس عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محموداعند الله تبارك وتعالى، إن أمير المؤمنين (ع)
كان يقول: لا خير في الدنيا إلا لاحد رجلين: رجل يزداد فيها كل يوم إحسانا ورجل يتدارك
منيته بالتوبة وأنى له بالتوبة فوالله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله عزوجل منه عملا إلا بولايتنا أهل البيت، ألا ومن عرف حقنا أورجا الثواب بنا ورضي بقوته نصف مدكل يوم وما يستر به عورته وما أكن به رأسه وهم مع ذلك والله خائفون وجلون ودوا أنه حظهم (1) من الدنيا وكذلك وصفهم الله عزوجل حيث يقول: " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة (2) " ما الذي أتوا به أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون أن لا يقبل منهم وليس والله خوفهم خوف شك فيماهم فيه من أصابة الدين، ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا.
ثم قال: إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن.
ثم قال: نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه، إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عزوجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين، فقلت له: إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي؟ فقال: هيهات هيهات فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب أما تلوت قصة سحرة موسى (ع) ثم قال: كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه وكم من مستدرج بستر الله عليه وكم من مفتون بثناء الناس عليه ثم قال: إني لارجو النجاة لمن عرف حقنا من هذه الامة إلا لاحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر وصاحب هوى والفاسق المعلن.
____________
(1) اي هم راضون بما قدر لهم من التقية في الدنيا ولا يريدون اكثر من ذلك حذرا من ان يصير سببا لطغيانهم. (آت). (2) المؤمنون: 60. (*)
الصفحة 129
ثم تلا: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (1) " ثم قال: يا حفص الحب أفضل من الخوف، ثم قال: والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تبارك وتعالى، فبكى رجل فقال: أتبكي لو أن أهل السماوات والارض كلهم اجتمعوا يتضرعون إلى الله عزوجل أن ينجيك من النار ويدخلك الجنة لم يشفعوا فيك [ثم كان لك قلب حي لكنت أخوف الناس لله عز وجل في تلك الحال] ثم قال له: يا حفص كن ذنبا ولاتكن رأسا، يا حفص قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
من خاف الله كل لسانه.
ثم قال: بينما موسى بن عمران (ع) يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصه فأوحى الله عزوجل إليه يا موسى قل له: لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك.
ثم قال: مر موسى بن عمران (ع) برجل من أصحابه وهو ساجد فانصرف من حاجته وهو ساجد على حاله فقال له موسى (ع): لو كنت حاجتك بيدي لقضيتها لك، فأوحى الله عز جل إليه يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبلته حتى يتحول عما أكره إلى ما أحب.
} حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) { 99 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وغيره، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل (2) جائعا خائفا في الله.
100 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعا، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن سعيد بن عمرو الجعفي، عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر (ع) ذات يوم وهو يأكل متكئا (3) قال: وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره فجعلت أنظر إليه فدعاني إلى طعامه فلما فرغ قال: يا محمد لعلك ترى
____________
(1) آل عمران: 31. (2) في بعض النسخ (يصل).
(3) لعله كان فعله (عليه السلام) لبيان الجواز او لعذر الضعف. (آت). (*)
الصفحة 130
أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما رأته عين وهو يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه، قال: ثم رد على نفسه فقال: لا والله ما رأته عين يأكل وهو متكئ من أن بعثه الله إلى أن قبضه ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيلام متوالية من أن بعثه الله إلى أن قبضه، ثم رد على نفسه ثم قال: لا والله ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية منذ بعثه الله إلى ان قبضه، أما إني لا أقول: إنه كان لا يجد لقد كان يجيز الرجل (1) الواحد بالمائة من الابل فلو أدار أن يأكل لاكل ولقد أتاه جبرئيل (ع) بمفاتيح خزائن الارض ثلاث مرات يخيره من غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى مما أعد الله له يوم القيامة شيئا فيختار التواضع لربه عزوجل وما سئل شيئا قط فيقول: لا إن كان أعطى وإن لم يكن قال: يكون (2) وما أعطى على الله شيئا قط إلا سلم ذلك إليه حتى أن كان ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له، ثم تناولني بيده (3) وقال: وإن كان صاحبكم (4) ليجلس جلسه العبد ويأكل أكلة العبد ويطعم الناس خبز البر واللحم ويرجع إلى أهله فيأكل الخبز والزيت وإن كان ليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه خيرهما، (5) ثم يلبس الباقي فإذا جاز أصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذفه وما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه ولقد ولى الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا أقطع قطيعة ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع لاهله بها خادما وما أطاق أحد عمله وإن كان
____________
(1) من الجائزة بمعنى العطية (آت).
(2) اي يحصل بعد ذلك فنعطيك وقوله: (ما أعطى على الله) أي معتمدا ومتوكلا على الله و يحتمل ان يكون (على) بمعنى (عن) اي عنه ومن قبله تعالى. (آت)
(3) في كثير من النسخ (من يناوله بيده) فلعله بيان وتفسير او بدل لقوله ذلك او الباء السببية فيه مقدرة اي يسلم ذلك له بان يبعث اليه من يعطيه بيده ولعله تصحيف. (آت).
(4) (وإن كان صاحبكم) يعني امير المؤمنين و (آن) مخففة. (آت).
(5) (القميص السنبلاني) قال الفيروزآبادي قميص سنبلاني: سابغ الطول او منسوب إلى بلد بالروم وفي امالي الصدوق: (القميص سنبلاني). (*)
الصفحة 131
علي بن الحسين (ع) لينظر في الكتاب من كتب علي (ع) فيضرب به الارض ويقول:
من يطيق هذا.
1 10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان قال: حدثني علي بن المغيرة قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن جبرئيل (ع) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخيره وأشار عليه بالتواضع وكان له ناصحا، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل أكلة العبد ويجلس جلسة العبد تواضعا لله تبارك وتعالى، ثم أتاه عند الموت بمفاتيح حزائن الدنيا فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، بعث بها إليك ربك ليكون لك ما أقلت الارض (1) من غير أن ينقصك شيئا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في الرفيق الاعلى.
102 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن عبدالمؤمن، الانصاري، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عرضت علي بطحاء مكة ذهبا فقلت: يا رب لا ولكن اشبع يوم أو أجوع يوما فإذا شبعت حمدتك وشكرتك وإذا جعت دعوتك وذكرتك.
} حديث عيسى ابن مريم (عليهما السلام) { 103 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن علي بن أسباط عنهم (عل) قال: فيما وعظ الله عزوجل به عيسى (ع):
يا عيسى أنا ربك ورب آبائك، إسمي واحد وأنا الاحد المتفرد بخلق كل شئ وكل شئ من صنعي وكل إلي راجعون.
يا عيسى أنت المسيح بأمري وأنت تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني وأنت تحيي الموتى بكلامي فكن إلي راغبا ومني راهبا ولن تجد مني ملجأ إلا إلي.
يا عيسى اوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة (2) حتى حقت لك مني الولاية
____________
(1) اي حملت الارض.
(2) المتحنن: المترحم. (*)
الصفحة 132
بتحريك مني المسرة (1) فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيث ما كنت، اشهد أنك عبدي، ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك واجعل ذكري لمعادك وتقرب إلي بالنوافل وتوكل علي أكفك ولا توكل على غيري فآخذ لك.
يا عيسى اصبر على البلاء وارض بالقضاء وكن كمسرتي فيك فإن مسرتي أن أطاع فلاأعصى.
يا عيسى أحي ذكري بلسانك وليكن ودي في قلبك.
يا عيسى تيقظ في ساعات الغفلة واحكم لي لطيف الحكمة.
يا عيسى كن راغبا راهبا وأمت قلبك بالخشية.
ياعيسى راع الليل لتحري مسرتي واظمأر نهارك ليوم حاجتك عندي ياعيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيثما توجهت.
يا عيسى احكم في عبادي بنصحي وقم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاءا لما في الصدور من مرض الشيطان.
يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون.
يا عيسى حقا أقول: ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فأشهد أنها آمنة من عقابي ما لم تبدل أو تغير سنتي.
يا عيسى ابن البكر البتول ابك على نفسك بكاء من ودع الاهل وقلى الدنيا (2)
وتركها لاهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه.
يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام، يقظان إذا نامت عيون الابرار، حذرا للمعاد والزلازل الشداد وأهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل ولا ولد ولا مال.
يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطالون.
يا عيسى كن خاشعا صابرا، فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون.
يا عيسى رح من الدنيا يوما فيوما وذق لما قد ذهب طعمه، فحقا أقول: ما أنت
____________
(1) التحري: الطلب.
(2) اي ابغضها. (*)
الصفحة 133
إلا بساعتك ويومك، فرح من الدنيا ببلغة وليكفيك الخشن الجشب (1) فقد رأيت إلى ماتصير ومكتوب ما أخذت وكيف أتلفت.
يا عيسى إنك مسؤول فارحم الضعيف كرحمتي إياك ولا تقهر اليتيم.
يا عيسى ابك على نفسك في الخلوات وانقل قدميك إلى مواقيت الصلوات (2) واسمعني لذاذة نطقك بذكري فإن صنيعي إليك حسن.
يا عيسى كم من امة قد أهلكتها بسالف ذنوب قد عصمتك منها.
يا عيسى ارفق بالضعيف وارفع طرفك الكليل إلى السماء (3) وادعني فإني منك قريب ولا تدعني إلا متضرعا إلي وهمك هما واحدا فإنك متى تدعني كذلك اجبك.
يا عيسى إني لم أرض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك ولا عقابا لمن انتقمت منه.
يا عيسى إنك تفني وأنا أبقي ومني رزقك وعندي ميقات أجلك وإلي إيابك وعلي حسابك فسلني ولا تسأل غيري فيحسن منك الدعاء ومني الاجابة.
يا عيسى ما أكثر البشر وأقل عدد من صبر، الاشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها.
يا عيسى لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان يأكل رزقي ويعبد غيري ثم يدعوني عند الكرب فاجيبه ثم يرجع إلى ما كان عليه فعلي يتمرد أم بسخطي يتعرض، فبي حلفت لآخذنه أخذة ليس له منها منجا ولا دوني ملجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي، يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل لا تدعونى والسحت تحت أحضانكم والاصنام في بيوتكم (4)، فإني آليت أن اجيب من دعاني وأن أجعل إجابتي إياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا.
____________
(1) الجشب: الغليظ.
(2) اي مواضعها وفي الامالي مواضع الصلوات.
(3) الكليل: الكال: يقال: (بصر كليل) اي ضعيف و (سيف كليل) اي لا يقطع والجمع كلال.
(4) الاحضان جمع الحضن وهو ما دون الابط إلى الكشح. وهو كناية عن ضبط الحرام وحفظه وعدم رده إلى اهله. (آت) وقوله: (آليت) اي حلفت. (*)
الصفحة 134
يا عيسى كم أطيل النظر وأحسن الطلب والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج الكلمة من أفواههم، لا تعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي ويتحببون بقربي إلى المؤمنين (1).
يا عيسى ليكن في السر والعلانية واحدا وكذلك فليكن قلبك وبصرك واطو قلبك ولسانك عن المحارم وكف بصرك عمالا خير فيه فكم من ناظر نظرة قد زرعت في قلبه شهوة ووردت به موارد حياض الهلكة.
يا عيسى كن رحيما مترحما وكن كما تشاء أن يكون العباد لك وأكثر ذلكر [ك]
الموت ومفارقة الاهلين ولا تله فإن اللهو يفسد صاحبه ولا تغفل فإن الغافل مني بعيد واذكرني بالصالحات حتى أذكرك.
يا عيسى تب إلي بعد الذنب وذكر بي الاوابين وآمن بي وتقرب بي إلى المؤمنين ومرهم يدعوني معك وإياك ودعوة المظلوم فإني آليت على نفسي أن أفتح لها بابا من السماء بالقبول وان أجيبه ولو بعد حين.
يا عيسى اعلم أن صاحب السوء يعدي وقرين السوء يردي، واعلم من تقارن و اختر لنفسك إخوانا من المؤمنين.
يا عيسى تب إلي فإني لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأنا أرحم الراحمين اعمل لنفسك في مهلة من أجلك قبل أن لا يعمل لها غيرك واعبدني ليوم كألف سنة مما تعدون فيه اجزي بالحسنة أضعافها وإن السيئه توبق صاحبها (2) فامهد لنفسك في مهلة ونافس في العمل الصالح، فكم من مجلس قد نهض أهله وهم مجارون من النار.
يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم وناجهم هل تحس منهم من أحد وخذ موعظتك منهم، واعلم أنك ستلحقهم في اللاحقين.
يا عيسى قل لمن تمرد علي بالعصيان وعمل بالادهان (3) ليتوقع عقوبتي وينتظر إهلاكي إياه سيصطلم مع الهالكين (4) طوبى لك يا ابن مريم، ثم طوبى لك إن أخذت
____________
(1) في بعض النسخ (يتحببون بي إلى المؤمنين).
(2) اوبقه اي اهلكه.
(3) من المداهنة. وهي اظهر خلاف ما تضمر.
(4) اصطلمه اي استاصله. (*)
الصفحة 135
بأدب إلهك الذي يتحنن عليك ترحما (1) وبدأ النعم منه تكرما وكان لك في الشدائد. لا تعصيه ياعيسى فإنه لا يحلك عصيانه قد عهدت إليكم ما عهدت إلى من كان قبلك وأنا على ذلك من الشاهدين.
ياعيسى ماأكرمت خليقة بمثل ديني (2) ولا أنعمت عليها بمثل رحمتي.
ياعيسى اغسل بالماء منك ما ظهر وداو بالحسنات منك ما بطن فإنك إلي راجع.
يا عيسى أعطيتك ما أنعمت به عليك فيضا من غير تكدير وطلبت منك قرضا لنفسك فبخلت به عليها لتكون من الهالكين (3).
يا عيسى تزين بالدين (4) وحب المساكين وامش على الارض هونا وصل على البقاع فكلها طاهر (5).
ياعيسى شمر فكل ماهو ات قريب (6) واقرأ كتابي وأنت طاهر واسمعني منك صوتا حزينا.
ياعيسى لا خير في لذاذة لا تدوم وعيش من صاحبه يزول، ياابن مريم لو رأت عينك ما أعددت لاوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك شوقا إليه، فليس كدار
____________
(1) الحنان: الرحمة.
(2) اي بشئ مثل ديني وضمير (عليها) راجع إلى الخليقة. (آت).
(3) قوله تعالى: (فيضا) اي كثيرا واسعا وفيه استعارة مكنية والتكدير الترشيح اذ الفيض يطلق على كثرة الماء وسيلانه والظاهر ان الغرض بهذا الخطاب امة عيسى (عليه السلام) كما ورد في القرآن آيات كثيرة المخاطب بها الرسول والمراد بها امته كقوله تعالى: (ولئن اشركت ليحبطن عملك)
واضرابها. (آت).
(4) اي بآثاره واعماله واخلاقه فانها زينة المتقين ومن احسن زينتهم حب المساكين والمعاشرة معهم. وقوله: (هونا) قال الجوهري: الهون: الوقار والسكينة وفلان يمشي على الارض هونا. (آت). (5) هذا خلاف المشهور من ان جواز الصلاة في كل البقاع من خصائص نبينا (صلى الله عليه وآله) بل كان يلزمهم الصلاة في بيعهم وكنايسهم فيمكن ان بكون هذا الحكم فيهم مختصا بالفرائض. (آت)
(6) (شمر) اي هئ. (*)
الصفحة 136
الآخرة دار تجاور فيها الطيبون ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون وهم مما يأتي يوم القيامة من أهوالهما آمنون، دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن أهلها. يا ابن مريم نافس فيها مع المتنافسين فإنها أمنية المتمنين، حسنة المنظر، طوبى لك يا ابن مريم إن كنت لها من العاملين مع آبائك آدم وإبراهيم في جنات ونعيم لا تبغي لها بدلا ولا تحويلا كذلك أفعل بالمتقين.
يا عيسى اهرب إلي مع من يهرب من نار ذات لهب ونار ذات أغلال وأنكال (1)
لا يدخلها روح، ولايخرج منها غم أبدا، قطع كقطع الليل المظلم من ينج منها يفز ولن ينجو منها من كان من الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ وكل مختار فخور.
يا عيسى بئست الدار لمن ركن إليها وبئس القرار دار الظالمين إني أحذرك نفسك فكن بي خبيرا.
يا عيسى كن حيث ماكنت مراقبا لي واشهد على أني خلقتك وأنت عبدي وأني صورتك وإلى الارض أهبطتك.
يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الاذهان.
يا عيسى لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا (2) وأفطم نفسك عن الشهوات الموبقات وكل شهوة تباعدك منى فاهجرها، واعلم أنك مني بمكان الرسول الامين فكن مني على حذر والعم أن دنياك مؤديتك إلي وأني آخذك بعلمي فكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلب حين تذكرني، يقظانا عند نوم الغافلين.
يا عيسى هذه نصيحتي إياك وموعظتي لك فخذهامنى وإني رب العالمين.
يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي وكنت عنده حين يدعوني وكفا بي منتقما ممن عصاني، أين يهرب مني الظالمون.
____________
(1) النكل: القيد الشديد والجمع انكال او قيد من نار. (القاموس).
(2) (عاصيا) نصب على الحال وكذا (لاهيا) وفي بعض النسخ (ولا تسترحن لاهيا) وقوله:
(افطم) اي اقطع. والموبقات: المهلكات. (*)
الصفحة 137
ياعيسى أطب الكلام وكن حيثما كنت عالما متعلما.
يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي وتمسك بوصيتي فإن فيها شفاءا للقلوب.
يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.
يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي حتى تتنجز ثواب ماعمله العاملون اولئك يؤتون أجرهم وانا خير المؤتين.
يا عيسى كنت خلقا بكلامي (1) ولدتك مريم بأمري المرسل إليها روحي
جبرئيل الامين من ملائكتي حتى قمت على الارض حيا تمشي، كل ذلك في سابق علمي.
يا عيسى زكريا بمنزلة ابيك وكفيل أمك إذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ونظيرك يحيى (2) من خلقي وهبته لامه بعد الكبر من غير قوة بها أردت بذلك أن يظهر لها سلطاني ويظهر فيك قدرتي، أحبكم إلي أطوعكم لي وأشدكم خوفا مني.
يا عيسى تيقظ ولا تيأس من روحي وسبحني مع من يسبحني وبطيب الكلام فقد سني.
يا عيسى كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتى وتقلبهم في أرضي، يجهلون نعمتي ويتولون عدوي وكذلك يهلك الكافرون.
يا عيسى إن الدنيا سجن منتن الريح وحسن فيها ما قد ترى مما قد تذابح عليه الجبارون (3) وإياك والدنيا فكل نعيمها يزول وما نعيمها إلا قليل.
يا عيسى إبغني عند وسادك (4) تجدني وادعني وأنت لي محب فإني أسمع السامعين أستجيب للداعين إذا دعوني.
____________
(1) اي بلفظ (كن) من غير والد. (آت).
(2) اي في الزهد والعبادة وساتر الكمالات. (آت).
(3) (حسن فيها) اي زين للناس فيها ما قد ترى من زخارفها التي اقتتل عليها الجبارون وذبح بعضهم بعضا لاجلها. (آت).
(4) اي اطلبني وتقرب بي عندما تتكئ عند وسادك للنوم بذكرى تجدني لك حافظا في نومك مجيبا في تلك الحال ايضا. (آت).
(*)
الصفحة 138
يا عيسى خفني وخوف بي عبادي، لعل المذنبين أن يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون (1).
يا عيسى ارهبني رهبتك من السبع والموت الذي أنت لاقيه فكل هذا أنا خلقته فإياي فارهبون.
ياعيسى إن الملك لي وبيدي وأنا الملك فإن تطعني أدخلتك جنتي في جوار الصالحين.
يا عيسى إني إذا غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك وإن رضيت عنك لم يضرك غضب المغضبين.
يا عيسى اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي (2) واذكرني في ملائك أذكرك في ملاء خير من ملاء الآدميين.
يا عيسى ادعني دعاء الغريق الحزين الذي ليس له مغيث.
يا عيسى لا تحلف بي كاذبا فيهتز عرشي غضبا، الدنيا قصيرة العمر طويلة الامل وعندي دار خير مما تجمعون.
يا عيسى كيف أنتم صانعون إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسرائر قد كتمتموها وأعمال كنتم بها عاملين.
يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، أبي تغترون أم علي تجترئون، تطيبون بالطيب لاهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزله الجيف المنتنة كأنكم أقوام ميتون.
ياعيسى قل لهم: قلموا أظفاركم من كسب الحرام وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا وأقبلوا علي بقلوبكم فإني لست أريد صوركم.
يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضى وابك على السيئة فإنها شين وما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك وإن لطم خدك الايمن فأعطه الايسر وتقرب إلي بالمودة جهدك وأعرض عن الجاهلين.
____________
(1) اي ان هلكوا وضلوا واصروا على المعاصي يكون بعد اتمام الحجة عليهم. (آت).
(2) اي افيض عليك من رحماتي الخاصة من غير ان يطلع عليها غيري. (آت).
(*)
الصفحة 139
يا عيسى ذل لاهل الحسنة وشاركهم فيها وكن عليهم شهيدا وقل لظلمة بني إسرائيل:
يا أخدان السوء (1) والجلساء عليه إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير.
يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل: الحكمة تبكي فرقامني (2) وأنتم بالضحك تهجرون، أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون لعقوبتي، فبي حلفت لاتركنكم مثلا للغابرين.
ثم اوصيك يا ابن مريم البكر البتول بسيد المرسلين وحبيبي فهو أحمد صاحب الجمل الاحمر والوجه الاقمر، المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد البأس الحيي المتكرم، فإنه رحمة للعالمين وسيد ولد آدم يوم يلقاني، أكرم السابقين علي وأقرب المرسلين مني، العربي الامين، الديان بديني، الصابر في ذاتي، المجاهد المشركين بيده عن ديني أن تخبر به بني إسرائيل وتأمرهم أن يصدقوا به وأن يؤمنوا به وأن يتبعون وأن ينصروه.
قال عيسى (ع): إلهي من هو حتى ارضيه؟ فلك الرضا قال: هو محمد رسول الله إلى الناس كافة أقربهم مني منزلة وأحضرهم شفاعة، طوبى له من نبي وطوبى لامته إن هم (3) لقوني على سبيله، يحمده أهل الارض ويستغفر له أهل السماء، أمين ميمون طيب مطيب، خير الباقين عندي، يكون في آخر الزمان إذا خرج أرخت السماء عزاليها (4) وأخرجت الارض زهرتها حتى يروا البركة وابارك لهم فيماوضع يده عليه، كثير الازواج، قليل الاولاد، يسكن بكة موضع أساس إبراهيم.
يا عيسى دينه الحنيفية وقبلته يمانية وهو من حزبي وأنامعه فطوبى له ثم طوبى له، له الكوثر والمقام الاكبر في جنات عدن يعيش أكرم من عاش ويقبض شهيدا، له حوض أكبر من بكة إلى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء وأكواب مثل مدر الارض عذب فيه من كل شراب وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب
____________
(1) الخدن والخدين: الصديق. وفي بعض النسخ (اخوان).
(2) الفرق بالتحريك: الخوف.
(3) في بعض النسخ (إذ هم).
(4) العزالى جمع العزل وهو فم المزادة. (*)
الصفحة 140
منه شربة لم يظمأأبدا وذلك من قسمي له وتفضيلي إياه على فترة بينك وبينة، يوافق سره علانيته وقوله فعله، لا يأمر الناس إلا بما يبدأهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر تنقاد له البلاد ويخضع له صاحب الروم على دين إبراهيم يسمى عند الطعام (1) و يفشي السلام ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلوات متواليات، ينادي إلى الصلاة كنداء الجيش بالشعار ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم ويصف قدميه في الصلاة كما تصف الملائكة أقدامها ويخشع لي قلبه ورأسه، النور في صدره والحق على لسانه وهو على الحق حيثما كان أصله يتيم ضال برهة من زمانه عما يراد به (2)، تنام عيناه ولا ينام قلبه له الشفاعة وعلى امته تقوم الساعة، ويدي فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفي بما عاهد عليه أوفيت له بالجنة، فمر ظلمة بني إسرائيل ألا يدرسوا كتبه ولا يحرفوا سنته وأن يقرؤوه السلام فإن له قي المقام شأنا من الشأن.
يا عيسى كلما يقربك مني فقد دللتك عليه وكلما يباعدك منى فقد نهيتك عنه فارتد (3) لنفسك.
يا عيسى إن الدنيا حلوة وإنما استعملتك فيها فجانب منها ما حذرتك وخذ منها ما أعطيتك عفوا (4).
يا عيسى انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ ولا تنظر في عمل غيرك بمنزلة الرب، كن فيها زاهدا ولا ترغب فيها فتعطب.
ياعيسى اعقل وتفكر وانظر في نواحي الارض كيف كان عاقبة الظالمين.
يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق وأنا الحق المبين فحقا أقول: لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك، ما لك من دوني ولي ولا نصير.
يا عيسى أذل قلبك بالخشية وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو
____________
(1) اي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
(2) (يتيم) اي بلا اب او بلا نظير او متفرد عن الخلق (ضال برهة) اي طائفة من زمانه عما يراد به اي الوحي والبعثة او ضال بين قومه لا يعرفونه بالنبوة فكانه ضل عنهم ثم وجدوه. (آت).
(2) اي فاطلب.
(3) اي فضلا واحسانا، او حلالا طيبا. (آت). (*)
الصفحة 141
فوقك واعلم أن رأس كل خطيئة وذنب هو حب الدنيا فلا تحبها فإني لا أحبها.
يا عيسى أطب لي قلبك وأكثر ذكري في الخلوات واعلم أن سروري أن تبصبص إلي، كن في ذلك حيا ولا تكن ميتا.
يا عيسى لا تشرك بي شيئا وكن مني على حذر ولا تغتر بالصحة وتغبط نفسك فإن الدنيا كفيئ زائل وما أقبل منها كما أدبر، فنافس في الصالحات جهدك وكن مع الحق حيثما كان وإن قطعت واحرقت بالنار، فلا تكفر بي بعد المعرفة فلا تكونن من الجاهلين، فإن الشئ يكون مع الشئ.
يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك.
يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني اغيث المكروبين واجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين.
104 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة، عن أبي عبدالله (ع) قال: إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا، فيقول بعضهم لبعض: " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار *
اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (2) " قال: وذلك قول الله عزوجل: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (3) " يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا.
} حديث ابليس { 105 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب قال: قال لي أبوعبدالله (ع): من أشد الناس عليكم؟ قال: قلت: جعلت فداك كل، قال: أتدري مم ذاك يا يعقوب؟ قال: قلت: لا ادري جعلت فداك: قال إن إبليس دعاهم فأجابوه وأمرهم فأطاعوه ودعاكم فلم تجيبوه وأمركم فلم تطيعوه فاغري بكم الناس.
____________
(1) في بعض النسخ (بالنصيحة).
(2) ص: 61 و 62. (3) ص: 63.
(4) اغريت الكلب بالصيد وغرى به اي أولع به. (*)
الصفحة 142
106 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: إذا رأى الرجل ما يكره في منامه فلتيحول عن شقه الذى كان عليه نائما وليقل: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا (1) إلا بإذن الله " ثم ليقل: " عذت بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن شر الشيطان الرجيم ".
107 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هارون بن منصور العبدي، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عه) في رؤياها التي رأتها (2): قولي: " أعوذ بما عاذت به
____________
(1) المجادلة: 9.
(2) اشارة إلى ما رواه على بن ابراهيم في تفسيره باسناده عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان سبب نزول هذه الاية ان فاطمة عليها السلام رات في منامها ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم ان يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) من المدينة فخرجوا جتى جاوزوا من حيطان المدينة فعرض لهم طريقان فاخذ رسول الله صلى الله على وآله ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله وآله شاة كنزا وهي التي في احد اذنيها نقط بيض فامر بذبحها فلما اكلوا ماتوا في مكانهم فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فلما اصبحت جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحمار معه فاركب عليه فاطمة عليها السلام وامر ان يخرج امير المؤمنين والحسن والحسين عليهم إلى المدينة كما رأت فاطمة عليها السلام حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاة كنزا كما رات فاطمة فامر بذبحها فذبحت وشويت فلما ارادوا اكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة ان يموتوا طلبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وقع عليها وهي تبكي فقال: ما شأنك يا بنية؟
قالت: يا رسول الله اني رايت البارحة كذا وكذا في نومي وفعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم لان لا أراكم تموتون فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلى ركعتين ثم ناجى ربه فنزل جبرئيل فقال:
يا رسول الله هذا شيطان يقال له: الزها (الدهان) وهو الذي أرى فاطمة هذا الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به فامر جبرئيل فجاء به إلى رسول الله فقال له: انت الذي ارى فاطمة هذه الرؤيا قال: نعم يا محمد فبصق عليه ثلاث بصقات فشجه في ثلاث مواضع ثم قال جبرئيل: قل يا رسول الله إذا رايت في منامك شيئا تكرهه او رأى أحد من المؤمنين فليقل: (اعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وانبياءه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت من رؤياي) وتقرأ الحمد لله و المعوذتين ويقال هو الله أحد وتتفل عن يسارك ثلاث تفلات فانه لا يضره ما رأى، فانزل الله على رسوله
(انما النجوى من الشيطان). (آت). (*)
الصفحة 143
ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت في ليلتي هذه أن يصيبني منه سوء أو شئ أكرهه ثم انقلبي عن يسارك ثلاث مرات (1).
} حديث محاسبة النفس { 108 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبدالله: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ولا يكون له رجاء إلا من عند الله عز ذكره، فإذا علم الله عزوجل ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة ثم تلا: " في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ". (2)
109 - وبهذا الاسناد، عن حفص (3)، عن أبي عبدالله (ع) قال: من كان مسافرا فليسافر يوم السبت فلو أن أن حجرا زال عن جبل يوم السبت لرده الله عز ذكره إلى موضعه ومن تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (ع).
110 - وبهذا الاسناد، عن حفص، عن أبي عبدالله (ع) قال: مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القرب اليس له من الارض إلا موضع قدمه كالسهم في الكنانة (4) لا يقدر أن يزول هنا ولا ههنا.
111 - وبهذا الاسناد، عن حفص قال: رأيت أبا عبدالله (ع) يتخلل بساتين الكوفة فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات، ثم قال: يا [أبا] حفص إنها والله النخلة التي
____________
(1) استظهر المجلسي رحمه الله رحمه الله (ثم اتفلى عن يسارك ثلاث مرات) كما يدل عليه خبر رؤيا فاطمة عليها السلام.
(2) التنزيل: 7. (3) حفص بن غياث كان عاميا.
(4) الكنانة: * جعبة من جلد لا خشب فيها او بالعكس. (القاموس). (*)
الصفحة 144
قال الله عزوجل لمريم (عه): " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (1) "
112 - حفص، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال عيسى (ع): اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة أما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليها وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليها.
113 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يونس بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر أو إلى من يخالفه على دينه فكأنما شكا الله عزوجل إلى عدو من أعداء الله وايما رجل مؤمن شكا حاجته وضره إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عزوجل.
114 - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبدالله (ع)
قال: إن الله عزوجل أوحى إلى سليمان بن داود (ع) أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها: الخرنوبة (2)، قال: فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة، قال: فولى سليمان مدبرا إلى محرابه فقام فيه متكئا على عصاه فقبض روحه من ساعته، قال: فجعلت الجن والانس يخدمونه ويسعون في أمره كما كانوا وهم يظنون أنه حي لم يمت، يغدون ويروحون وهو قايم ثابت حتى دبت الارضة من عصاه فأكلت منسأته (3) فانكسرت وحز سليمان إلى الارض أفلا تسمع لقوله عزوجل: " فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (4) ".
115 - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر (ع) قال: أخبرني جابر بن عبدالله أن المشركين كانوا إذا مروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا وغطى رأسه بثوبه لا يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عزوجل: " ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون (5) ".
____________
(1) مريم: 25. (2) الخرنوب: نبت.
(2) المنسأة: العصا. والارضة: دويبة معروفة.
(4) سبأ: 14. (5) هود: 5. (*)
الصفحة 145
116 - ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (ع)
قال: إن الله عزوجل خلق الجنة قبل أن يخلق النار وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية وخلق الرحمة قبل الغضب وخلق الخير قبل الشر وخلق الارض قبل السماء وخلق الحياة قبل الموت وخلق الشمس قبل القمر وخلق النور قبل الظلمة.
117 - عنه، عن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن الله خلق الخير يوم الاحد وما كان ليخلق الشر قبل الخير وفي يوم الاحد والاثنين خلق الارضين وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء وخلق السماوات يوم الاربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قوله عزوجل: " خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة أيام " (2).
118 - ابن محبوب، عن حنان، وعلي بن رئاب، عن زرارة قال: قلت له: قوله عزوجل: " لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (3) " قال: فقال أبوجعفر (ع):
يا زرارة إنه إنما صمد لك (4) ولاصحابك فأما الآخرون فقد فرغ منهم.
119 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمدبن خالد، والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن عبدالله بن مسكان، عن بدر بن الوليد الخثعمي قال: دخل يحيى بن سابور على أبي عبدالله (ع) ليودعه فقال له أبوعبدالله
(ع): أما والله إنكم لعلى الحق وإن من خالفكم لعلى غير الحق، والله ما أشك لكم في الجنة وإني لارجو أن يقر الله لاعينكم عن قريب (5).
____________
(1) (وخلق الطاعة) اي قدرها قبل المعصية وتقديرها وكذا في الفقرتين بعدها والخلق بمعنى التقدير شائع ولعل المراد بخلق الشر خلف ما يترتب عليه شر وان كان ايجاده خيرا وصلاحا. (آت).
(2) السجدة: 4.
(3) الاعراف: 17. وقوله: (لاقعدن) اي لاحبسن. ونصب الصراط على الطرف.
(4) اي معظم ترصده انما هو لمن تبع دين الحق لعلمه بانهم ينتفعون باعمالهم واديانهم فيريد ان يضلهم إما عن دينهم وإما عن اعمالهم فاما الاخرون اي المخالفون فلا ترصد لهم لانه اضلهم عن دينهم فقد فرغ عن امرهم لانهم لضلالتهم لا ينتفعون بما يعملون من الطاعات بل هي موجبة لشدة نصبهم وتعبهم في الدنيا ووفور عذابهم في الاخرة. (آت).
(5) في بعض النسخ (باعينكم إلى قريب). (*)
الصفحة 146
120 - يحيى الحلبي، عن عبدالله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت: جعلت فداك أرأيت الراد علي هذا الامر فهو كالراد عليكم؟ فقال: يا أبا محمد من رد عليك هذا الامر فهو كالراد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى الله تبارك وتعالى، يا أبا محمد إن الميت
الصفحة منكم] على هذا الامرشهيد، قال: قلت: وإن مات على فراشه؟ قال: إي والله وإن مات على فراشه حي عند ربه يرزق
121 - يحيى الحلبي، عن عبدالله بن مسكان، عن حبيب قال: أبا عبدالله
(ع) يقول: أما والله ما أحد من الناس أحب إلي منكم وإن الناس سلكوا سبلا شتى فمنهم من أخذ برأيه ومنهم من اتبع هواه ومنهم من اتبع الرواية وإنكم اخذتم بأمر له أصل فعليكم بالورع والاجتهاد واشهدوا الجنائز وعودوا المرضى واحضروا مع قومكم في مساجدهم للصلاة أما يستحيى الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره.
122 - عنه، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني قال: قال لي أبوعبدالله (ع):
يا مالك أما ترضون أن تقيموالصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا (1) وتدخلوا الجنة؟
يا مالك إنه ليس من قوم ائتموا بإمام في الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلا أنتم ومن كان على مثل حالكم، يا مالك إن الميت والله منكم على هذا الامر لشهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله.
123 - يحيى الحلبي، عن بشير الكناسي قال: سمعت أباعبدالله (ع) يقول:
وصلتم وقطع الناس وأحببتم وأبغض الناس وعرفتم وأنكر الناس وهو الحق إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله) عبداقبل أن يتخذه نبيا وإن عليا (ع) كان عبدا ناصحا لله عزوجل فنصحه وأحب الله عزوجل فأحبه، إن حقنا في كتاب الله بين، لنا صفو الاموال ولنا الانفال وإنا قوم فرض الله عزو جل طاعتنا وإنكم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، عليكم بالطاعة فقد رأيتم أصحاب علي (ع)، ثم قال إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفي فيه:
____________
(1) اي عن المعاصي أو عن الناس بالتقية. (آت). (*)
الصفحة 147
أدعوا لي خليلي فأرسلتا إلى أبويهما فلما جاءا أعرض بوجهه، قال: ادعوا لي خليلي فقالا: قد رآنا لو أرادنا لكلمنا، فأرسلتا إلى علي (ع) فلما جاء أكب عليه يحدثه ويحدثه حتى إذا فرغ لقياه فقالا: ما حدثك؟ فقال: حدثني بالف باب من العلم يفتح كل باب إلى ألف باب (1).
124 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي ، عن موسى بن عمر بن بزيع قال: قلت للرضا (ع): إن الناس رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره، فهكذا كان يفعل؟ قال: فقال: نعم فأنا أفعله كثيرا فافعله، ثم قال لي: أما إنه أرزق لك.
125 - سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الاول (ع) قال: قلت له: جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه فأساله عن ذلك فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات فقال لي: يا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة (2)
وقال لك قولا فصدقة وكذبهم لا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به مروءته فتكون من الذين قال الله في كتابه: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم (5) ".
____________
(1) اي الف نوع او الف قاعدة من القواعد الكلية التي تستنبط من كل قاعدة منها الف قاعدة اخرى والاول اظهر. (آت).
(2) اي خمسون رجلا يشهدون ويقسمون عليه ولعل هذا مختص بما إذا كان فيما يتعلق بنفسه من غيبته او الازراء به ونحو ذلك فاذا انكرها واعتذر اليه يلزمه ان يقبل عذره ولا يؤاخذه بما بلغه عنه ويحتمل التعميم ايضا فان الثبوت عند الحاكم بعدلين او اربعة واجراء الحد عليه لا ينافي ان يكون غير الحاكم مكلفا باستتار ما ثبت عنده من اخيه من الفسوق التي كان مستترا بها. (آت).
(3) الاذاعة: الافشاء. وفي بعض النسخ (تدعين عليه).
(4) الشين: العيب.
(5) النور: 18. (*)
الصفحة 148
} حديث من ولد في الاسلام { 126 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن عبد ربه بن رافع، عن الحباب ابن موسى، عن أبي جعفر (ع) قال: من ولد في الاسلام حرا فهو عربي ومن كان له عهد فخفر في عهده (1) فهو مولى لرسول الله (ص) ومن دخل في الاسلام طوعا فهو مهاجر (2).
127 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصبح وأمسى وعنده ثلاث فقد تمت عليه النعمة في الدنيا: من أصبح وأمسى معافا في بدنه آمنا في سربه (3) عنده قوت يومه فإن كانت عنده الرابعة فقد تمت عليه النعمة في الدنيا والآخرة وهو الاسلام.
128 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة، عن أبي عبدالله (ع) [عن أبيه (عليه السلام)] أنه قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير فقال: أيها الرجل تحتقر الكلام وتستصغره، إعلم أن الله عزوجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولا فضة و لكن بعثها بالكلام وإنما عرف الله عزوجل نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والاعلام.
129 - وبهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما خلق الله عزوجل خلقا إلا وقد أمر عليه آخر يغلبه فيه وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق البحار السفلى فخرت وزخرت (4) وقالت: أي شئ يغلبني فخلق الارض فسطحها على ظهرها فذلت، ثم قال:
____________
(1) يقال: خفر به خفرا وخفورا اي نقض عهده والخفر ايضا الاجارة والمنع وحفظ الامان و على التقديرين اقيم علة الجزاء هنا مقامه اي من كان له عهد وامان وذمة من قبل احد من المسلمين فروعى امانه فقد روعى امان حليف رسول الله (صلى الله عليه وآله) اي معتقه او من آمنه لانه (صلى الله عليه وآله) حكم بحفظ امانه واعتقه من القتل فهو مولاه وان نقض عهده فقد نقض عهد مولى الرسول (صلى الله عليه وآله) لانه مولاه. (آت).
(2) اي في هذا الزمان الذي ارتفع حكم الهجرة. (آت).
(3) في سربه بالكسر اي في نفسه.
(4) زخر البحر اي مد وكثر ماؤه وارتفعت امواجه. (*)
الصفحة 149
إن الارض فخرت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد (1) بما عليها فذلت الارض واستقرت، ثم إن الجبال فخرت على الارض فشمخت (2) واستطالت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الحديد فقطعها فقرت الجبال وذلت، ثم إن الحديد فخرت على الجبال وقال: أي شئ يغلبني؟ فخلق النار فأذابت الحديد فذل الحديد، ثم إن النار زفرت وشهقت (3) وفخرت وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الماء فأطفأها فذلت، ثم إن الماء فخر وزخر وقال: أي شئ يغلبني؟ فخلق الريح فحركت أمواجه وأثارت ما في قعره (4) وحبسته عن مجاريه فذل الماء، ثم إن الريح فخرت وعصفت وأرخت أذيالها (5) وقالت: أي شئ يغلبني؟ فخلق الانسان فبنى واحتال واتخذ ما يستتر به من الريح وغيرها فذلت الريح، ثم إن الانسان طغى وقال: من أشد مني قوة؟ فخلق الله له الموت فقهره فذل الانسان، ثم إن الموت فخر في نفسه فقال الله عزوجل: لا تفخر فإني ذابحك بنى الفريقين: أهل الجنة و أهل النار ثم لا احييك أبدا فترجى أو تخاف (6)، وقال: أيضا والحلم يغلب الغضب والرحمة تغلب السخط والصدقة تغلب الخطيئة، ثم قال أبوعبدالله (ع): ما أشبه هذا مما قد يغلب غيره.
130 - عنه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (ع)
____________
(1) ماد الشئ يميد ميدا: تحرك.
(2) شمخ شموخا اي ارتفعت، وشمخ بانفه تكبر.
(3) الزفير: اغتراق النفس للشدة وايضا اول صوت الحمار والشهيق آخره لان الزفير ادخال النفس والشهيق اخراجه. وزفر النار: سمع لتوقدها صوت.
(4) اثارت اي هاجت.
(5) عصفت اي اشتدت. وارخت اي وسعت وفي بعض النسخ (لوحت اذيالها) اي رفعتها و حركتها تبخترا وتكبرا وهذا من احسن الاستعارات. (آت)
(6) اي لا احييك فتكون حياتك رجاء ا لاهل النار وخوفا لاهل الجنة وذبح الموت لعل المراد به ذبح شئ مسمى بهذا الاسم ليعرف الفريقان رفع الموت عنهما على المشاهدة والعيان إن لم نقل بتجسم الاعراض في تلك النشأة لبعده عن طور العقل. (آت). (*)
الصفحة 150
قال: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له: يارسول الله أوصني فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله):
فهل أنت مستوص (1) إن أنا اوصيتك حتى قال له ذلك ثلاثا وفي كلها يقول له الرجل:
نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فإني اوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن يك رشدا فامضه وإن يك غيا فانته عنه.
131 - وبهذا الاسناد أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع في زمان جهال (2).
132 - وبهذا الاسناد قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول لاصحابه يوما: لا تطعنوا (3) في عيوب من أقبل إليكم بمودته ولا توقفوه على سيئة يخضع لها فإنها ليست من أخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا من أخلاق أوليائه.
قال: وقال أبوعبدالله (ع) إن خير ما ورث الآباء لابنائهم الادب لا المال.
فإن المال يذهب والادب يبقى، قال مسعدة: يعني بالادب العلم.
قال: وقال أبوعبدالله (ع) إن اجلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لادبك لتستعين به على يوم موتك، فقيل له: وما تلك الاستعانة؟ قال: تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه.
قال: وكتب أبوعبدالله (ع) إلى رجل: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن
____________
(1) اي متقبل وصيتي وعامل بها.
(2) نظمه بعض شعراء الفرس واجاد بقوله:
كفت بيغمبر كه رحم آريد بر * حال من كان غنيا فافتقر والذي كان عزيزا فاحتقر * او صفيا عالما بين المضر اى مهان يعنى كه بر اين سه كروه * رحم آريد ار زسنكيد ار ز كوه آنكه او بعد از عزيزى خوار شد * وانكه بد با مال بىاموال شد وان سون آن عالمى كاندر جهان * مبتلا كشته ميان ابلهان.
(3) اي لا تجسسوا عيوب من اقبل عليكم بمودته واظهر محبته لكم ولا تفشوها، قال الجزري:
فيه (لا يكون المؤمن طعانا) اي وقاعا في اعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالضم والفتح إذا عابه (ولا توقفوه) اي لا تطلعوه على سيئة اطلعتم عليها منه فيعلم اطلاعكم عليها فيخضع ويذل لها. (آت). (*)
الصفحة 151
المنافق لا يرغب فيما قد سعد به المؤمنون والسعيد يتعظ بموعظة التقوى وإن كان يراد بالموعظة غيره.
133 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط قال: أخبرني بعض أصحابنا عن محمد بن مسلم قال: قال أبوجعفر (ع): يا ابن مسلم الناس أهل رياء غيركم وذلكم أنكم أخفيتم ما يحب الله عزوجل وأظهرتم ما يحب الناس والناس أظهروا ما يسخط الله عزوجل وأخفوا مايحبه الله (1)، يا ابن مسلم إن الله تبارك وتعالى رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم عن الاشربة (2).
134 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن معمر بن خلاد قال: قال لي أبوالحسن الرضا (ع): قال لي المأمون: يا أبا الحسن لو كتبت إلى بعض من يطيعك في هذه النواحي التي قد فسدت علينا (3)، قال: قلت له: يا أمير المؤمنين إن وفيت لي وفيت لك إنما دخلت في هذا الامرالذي دخلت فيه (4) على أن لا آمر ولا أنهي ولا أولي ولا أعزل وما زادني هذا الامر الذي دخلت فيه في النعمة عندى شيئا ولقد كنت بالمدينة وكتابي ينفذ في المشرق والمغرب ولقد كنت أركب حماري وأمر في سكك المدينة (5) وما بها أعز مني وما كان بها أحد منهم يسألني حاجة يمكنني قضاؤها له إلا قضيتها له، قال: فقال لي: أفي لك.
135 - علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله
____________
(1) اي اخفوا ما يحب الله اظهاره.
(2) اي كما انهم يتلذذون بالفقاع والانبذة التي هم يستحلونها وانتم تحرمونها ولا تنتفعون بها فكذلك المتعة انتم تتلذذون بها وهم لاعتقادهم حرمتها لا ينتفعون ولا يتلذذون بها وفي بعض النسخ صحف بالاسرية بالسين المهملة والياء المثناة من تحت جمع السرية اي انكم لفقركم لا تقدرون على التسرى فجعل الله لكم المتعة عوضا عنهن وفي سائر كتب الحديث كما ذكرنا اولا و هو الظاهر من وجوه كما لا يخفى. (آت).
(3) (لو كتبت) للتمني.
(4) اي ولاية العهد.
(5) اي طرقها. (*)
الصفحة 152
(ع) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): حق على المسلم إذا أراد السفر أن يعلم إخوانه وحق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه.
136 - وبهذا الاسناد قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): خلتان (1) كثير من الناس فيهما مفتون: الصحة والفراغ.
137 - وبهذا الاسناد قال: أمير المؤمنين (ع): من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده 138 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن شاذان، عن أبي الحسن موسى (ع) قال: قال لي أبي: إن في الجنة نهرا يقال له: جعفر على شاطئه الايمن (2) درة بيضاء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى شاطئه الايسر درة صفراء فيها ألف قصر في كل قصر ألف قصر لابراهيم وآل إبراهيم (عل).
139 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام ابن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما التقت فئتان قط من أهل الباطل إلا كان النصر مع أحسنهما بقية على [أهل] الاسلام (3).
140 - عنه، عن أحمد، عن علي بن حديد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله
(ع) قال: جبلت القلوب على حب من ينفعها وبغض من أضر بها (4).
141 - محمد بن أبي عبدالله، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن عيسى ابن عبدالله، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن موسى (ع) قال: أخذ أبي بيدي ثم قال: يا بني إن أبي محمدبن على (ع) أخذ بيدي كما أخذت بيدك قال: إن أبي
____________
(1) اي خصلتان.
(2) شاطئ النهر: جانبه وطرفه.
(3) اي احسنهما رعاية وحفظا للاسلام. من قولك: ابقيت على فلان إذا رعيت عليه و رحمته. ومنه قوله تعالى: (اولو بقية ينهون عن الفساد في الارض) والحاصل ان رعاية الدين و الاسلام سبب للنصرة والغلبة. (آت).
(4) الغرض التحريص على ايصال النفع إلى الناس لجلب مودتهم والتخدير عن الاضرار لرفع بغضهم. (آت).
(5) هو محمد بن جعفر بن عون الاسدي كما يظهر من تبتع كتب الصدوق وغيرها. (آت). (*)
الصفحة 153
علي بن الحسين (ع) أخذ بيدي وقال: يا بني إفعل الخير إلى كل من طلبه منك فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه وإن لم يكن من أهله كنت انت من أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك فاعتذر إليك فاقبل عذره.
142 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، والحجال، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال لي أبوجعفر (ع):
كان كل شئ ماءا وكان عرشه على الماء فأمر الله عز ذكره الماء فاضطرم نارا ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان فخلق الله عزوجل السماوات من ذلك الدخان وخلق الله عزوجل الارض من الرماد، ثم اختصم الماء والنار والريح فقال الماء:
أنا جند الله الاكبر وقالت النار: أنا جند الله الاكبر وقالت الريح: أنا جند الله الاكبر، فأوحى الله عزوجل إلى الريح أنت جندي الله الاكبر.
} حديث زينب العطارة { 143 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن صفوان، عن خلف بن حماد، عن الحسين بن زيد الهاشمي، عن أبي عبدالله (ع) قال:
جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء النبي (صلى الله عليه وآله) وبناته وكانت تبيع منهن العطر فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) وهي عندهم فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، قال إذا بعت فأحسني ولا تغشي فإنه أتقى وأبقى للمال، فقالت: يا رسول الله ما أتيت بشئ من بيعي وإما أتيت أسألك عن عظمة الله عزوجل، فقال:
جل جلال الله ساحدثك عن بعض ذلك، ثم قال: إن هذه الارض بمن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي (2) وهاتان بمن فيهما ومن عليهما عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قي والثالثة حتى إنتهى إلى السابعة وتلاهذه الآية " خلق
____________
(1) فد مر بعينه سندا ومتنا تحت رقم 8 6.
(2) القى بالكسر والتشديد فعل من القواء وهي الارض القفر الخالية. (*).
الصفحة 154
سبع سماوات ومن الارض مثلهن (1) " والسبع الارضين بمن فيهن ومن عليهن على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة قي والديك له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم السبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخره كحلقة ملقاة في فلاة قي والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت بمن فيه ومن عليه على البحر المظلم كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم على الهواء الذاهب كحلقة ملقاة في فلاة قي والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء على الثرى كحلقة في فلاة قي، ثم تلا هذه الاية " له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (2) " ثم انقطع الخبر عن الثرى، والسبع و الديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الاولى كحلقة في فلاة قي وهذا كله وسماء الدنيا بمن عليها ومن فيها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قي وهاتان السماء ان ومن فيهما ومن عليهما عند التي فوقهما كحلقة في فلاة قي وهذه الثلاث بمن فيهن ومن عليهن عند الرابعة كحلقة في فلاة قي حتى انتهى إلى السابعة وهن ومن فيهن ومن عليهن عند البحر المكفوف عن أهل الارض كحلقة في فلاة قي وهذه السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قي وتلا هذه الآية: " وينزل من السماء من جبال فيها من برد (3) " و هذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسي كحلقة في فلاة قي ثم تلا هذه الآية: " وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم (4) " وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد و الهواء وحجب النور والكرسي عند العرش كحلقة في فلاة في وتلا هذه الآية: " الرحمن
____________
(1) الطلاق: 12. (2) طه: 6. والثرى: التراب الندى وهو الذي تحت ظاهر وجه الارض.
(3) النور: 43. (4) البقرة: 255. (*).
الصفحة 155
على العرش استوى (1) ". وفي رواية الحسن (2) الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب.
} حديث الذي أضاف رسول الله (ع) بالطائف { 144 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن يزيد الكناسي، عن أبي جعفر (ع) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان نزل على رجل بالطائف قبل الاسلام فأكرمه فلما أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الناس قيل للرجل:
أتدري من الذي أرسله الله عزوجل إلى الناس؟ قال: لا، قالوا له: هو محمد بن عبدالله يتيم أبي طالب وهو الذي كان نزل بك بالطائف يوم كذا وكذا فأكرمته، قال:
فقدم الرجل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلم عليه وأسلم، ثم قال له: أتعرفني يا رسول الله؟
قال: ومن أنت؟ قال: أنا رب المنزل الذى نزلت به بالطائف في الجاهلية يوم كذا و كذا فأكرمتك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): مرحبا بك سل حاجتك، فقال: أسألك مأتي شاة برعاتها، فأمر له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما سأل، ثم قال لاصحابه: ما كان على هذا الرجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى (ع) بما سأل، فقالوا: وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى؟ فقال: إن الله عز ذكره أوحى إلى موسى أن أحمل عظام يوسف من مصر قبل أن تخرج منها إلى الارض المقدسة بالشام فسأل موسى عن قبر يوسف (ع) فجاء ه شيخ فقال: إن كان أحد يعرف قبره ففلانة، فارسل موسى (ع) إليها فلما جاء ته قال:
تعلمين موضع قبر يوسف (ع)؟ قالت: نعم قال: فدليني عليه ولك ما سألت: قال: لا أدلك عليه إلا بحكمي، قال: فلك الجنة، قالت: لا إلا بحكمي عليك، فأوحى الله عز وجل إلى موسى لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها فقال: لها موسى فلك حكمك، قالت: فإن حكمي أن أكون معك في درجتك التي تكون فيهايوم القيامة في الجنة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان على هذا لو سألني ما سألت عجوز بني إسرائيل.
____________
(1) طه: 5. اي استولى.
(2) لعله ابن محبوب، يعني ان هذا الخبر كان في كتابه كذلك. (آت). (*)
الصفحة 156
145 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان قال:
سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: كانت أمرأة من الانصار تودنا أهل البيت وتكثر التعاهد لنا وإن عمر بن الخطاب لقيها ذات يوم وهي تريدنا فقال لها: أين تذهبين يا عجوز الانصار؟ فقالت: أذهب إلى آل محمد اسلم عليهم وأجدد بهم عهدا وأقضي حقهم، فقال لها عمر: ويلك ليس لهم اليوم حق عليك ولا علينا إنما كان لهم حق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأما اليوم فليس لهم حق فانصرفي، فانصرفت حتى أتت أم سلمة فقالت لها أم سلمة: ماذا أبطأ بك عنا؟ فقالت: إني لقيت عمر بن الخطاب وأخبرتها بما قالت لعمر وما قال لها عمر، فقالت لها أم سلمة: كذب لا يزال حق آل محمد (صلى الله عليه وآله) واجبا على المسلمين إلى يوم القيامة.
146 - ابن محبوب، عن الحارث بن محمد بن النعمان، عن بريد العجلي قال:
سألت أبا جعفر (ع) عن قول الله عزوجل: " ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال: هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة واستقبلوا الكرامة من الله عزوجل، علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عزوجل واستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
7 14 - عنه، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " فيهن خيرات حسان (2) " قال: هن صوالح المؤمنات العارفات، قال: قلت: " حور مقصورات في الخيام (3) "؟ قال: الحورهن البيض المضمومات (4) المخدرات في خيام الدر والياقوت والمرجان، لكن خيمة أربعة
____________
(1) آل عمران: 170.
(2) الرحمن: 70. و (خيرات) يريد خيرات فخفف.
(3) الرحمن: 72. (حور) جمع حوراء وهي الشديدة البياض بياض العين في شدة سوادها.
والمقصورات: المخدرات.
(4) المضمومات اي اللاتي ضممن إلى خدورهن لا يفارقنه وفي بعض النسخ (المضمرات) وقال الجزري: تضمير الخيل هو ان تضامر عليها بالعلف حتى تسمن. (آت). (*).
الصفحة 157
أبواب، على كل باب سبعون كاعبا (1) حجابا لهن ويأتيهن في كل يوم كرامة من الله عز ذكره [ل] يبشر الله عزوجل بهن المؤمنين.
148 - علي بن إبراهيم، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني (2)، عن الاصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين (ع): إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا كل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، فتنزل كل يوم على برج منها فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش فلم تزل ساجدة إلى الغد ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها وإن وجهها لاهل السماء وقفاها لاهل الارض ولو كان وجهها لاهل الارض لاحترقت الارض ومن عليها من شدة حرها ومعنى سجودها ما قال سبحانه وتعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " (3).
149 - عدة من أصحابنا، عن صالح بن أبي حماد، عن إسماعيل بن مهران، عمن حدثه، عن جابر بن يزيد قال: حدثني محمد بن علي (ع) سبعين حديثا لم احدث بها أحدا قط ولا احدث بها أحدا أبدا فلما مضى محمد بن علي (ع) ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فأتيت أبا عبدالله (ع) فقلت: جعلت فداك إن أباك حدثني سبعين حديثا لم يخرج مني شيئا منها ولا يخرج شئ منها إلى أحد وأمرني بسترها وقد ثقلت على عنقي وضاق بها صدري فما تأمرني؟ فقال: يا جابر إذا ضاق بك من ذلك شئ فأخرج إلى الجبانة (4) واحتفر حفيرة ثم دل رأسك فيها وقل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا ثم طمه (5) فإن الارض تستر عليك، قال: جابرففعلت ذلك فخف عني ما كنت أجده.
____________
(1) الكاعب: الجارية حين تبدو ثديها للنبود اي الارتفاع عن الصدر.
(2) رواية الكناني عن الاصبغ بلا واسطة بعيد.
(3) الحج: 18. (4) الجبانة: الصحراء.
(5) طم الاناء: ملاه، والركية يطمها ويطمها: دفنها وسواها. (*)
الصفحة 158
عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران مثله.
150 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن صفوان بن يحيى، عن الحارث ابن المغيرة قال: قال أبوعبدالله (ع): لآخذن البرئ منكم بذنب السقيم (1) ولم لا أفعل ويبلغكم عن الرجل ما يشينكم ويشينني فتجالسونهم وتحدثونهم فيمر بكم المار فيقول: هؤلاء شر من هذا (2)، فلو أنكم إذا بلغكم عنه ماتكرهون زبرتموهم (3)
ونهيتموهم كان أبر بكم وبي.
151 - سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن عبدالله بن المغيرة، عن طلحة ابن زيد، عن أبي عبدالله (ع) في قوله تعالى: " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء (4) " قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف أئتمروا وأمروا فنجوا وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا.
152 - عنه، عن علي بن أسباط، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال:
كتب أبوعبدالله (ع) إلى الشيعة: ليعطفن ذوو السن منكم والنهى على ذوي الجهل و طلاب الرئاسة أو لتصيبنكم لعنتي أجمعين.
153 - محمد بن أبي عبدالله، ومحمد بن الحسن جميعا، عن صالح بن أبي حماد، عن أبي جعفر الكوفي، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله عزوجل جعل الدين دولتين دولة لآدم (ع) ودولة لابليس فدولة آدم هي دولة الله عزو جل فإذا أراد الله عزوجل أن يعبد علانية أظهر دولة آدم وإذا أراد الله أن يعبد سرا كانت دولة إبليس، فالمذيع لما أراد الله ستره مارق من الدين (6).
____________
(1) انما سمى (عليه السلام) تارك النهي عن المنكر بريئا بحسب ظنه انه برئ من الذنب او البراءة من الذنوب التي يرتكبها غيره.
(2) اي هؤلاء الذين يجالسون هذا الفاسق ولا يزبرونه ولا ينهونه شر منه. (آت).
(3) قال الجزري: فيه (فلا عليك ان تزبره) اي تنهره وتغلظه في القول.
(4) الاعراف: 164.
(5) (ليعطفن، من العطف بمعنى الميل والشفقة اي ليترحموا ويعطفوا على ذوى الجهل بان ينهونهم عما ارتكبوه من المنكرات وفي بعض النسخ (عن ذوي الجهل) فالمراد هجرانهم واعراضه عنهم. (آت).
(6) اي خارج عن كمال الدين. (*)
الصفحة 159
} حديث الناس يوم القيامة { 154 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: قال: يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الاولين والآخرين لفصل الخطاب دعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعي أمير المؤمنين (ع)
فيكسا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة خضراء تضئ ما بين المشرق والمغرب ويكسا علي (ع) مثلها وكسا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة وردية يضئ لهامابين المشرق والمغرب ويكسا علي (ع)
مثلها ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعى بالنبيين (عل) فيقامون صفين عند عرش الله عزوجل حتى نفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث رب العزة عليا (ع) فأنزلهم منازلهم من الجنة وزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وما ذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عز ذكره وفضلا فضله الله به ومن به عليه وهو والله يدخل أهل النار النار وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوافيها أبوابها لان أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه.
155 - على بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفربن بشير، عن عنبسة عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعته يقول: خالطوا الناس فإنه إن لم ينفعكم حب علي وفاطمة (ع) في السر لم ينفعكم في العلانية.
156 - جعفرعن عنبسة، عن أبي عبدالله (ع): إياكم وذكر علي وفاطمة
(ع) (1) فإن الناس ليس شئ أبغض إليهم من ذكر علي وفاطمة (ع).
157 - جعفر، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر (ع قال: إن الله عز ذكره إذا أراد فناء دولة قوم أمر الفلك فأسرع السير فكانت على مقدار ما يريد (2).
158 - جعفر بن بشير، عن عمرو بن عثمان، عن أبي شبل قال: دخلت أنا و
____________
(1) اي عند المخالفين النواصب. (آت).
(2) لعل المراد تسبيب اسباب زوال دولتهم على الاستعارة التمثيلية. (آت). (*)
الصفحة 160
سليمان بن خالد على أبي عبدالله (ع) فقال له سليمان بن خالد: إن الزيدية قوم قد عرفوا وجربوا وشهرهم الناس وما في الارض محمدي أحب إليهم منك فإن رأيت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل، فقال: يا سليمان بن خالد إن كان هؤلاء السفهاء يريدون أن يصدونا عن علمنا إلى جهلهم (1) فلا مرحبا بهم ولا أهلا وإن كانوا يسمعون قولنا وينتظرون أمرنا فلا بأس.
159 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) قال: انقط شسع نعل أبي عبدالله (ع) وهو في جنازة فجاء رجل بشسعه ليناوله فقال: أمسك عليك شسعك فإن صاحب المصيبة (2) أولى بالصبر عليها.
160 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبدالله قال:
الحجامة في الرأس هي المغيثة تنفع من كل داء إلا السام (3)، وشبر من الحاجبين إلى حيث بلغ إبهامه ثم قال: ههنا (4).
161 - محمد بن يحيى، أحمد بن محمد، عن مروك بن عبيد، عن رفاعة، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قال أتدرى يا رفاعة لم سمي المؤمن مؤمنا؟ قال: قلت: لا أدري، قال:
لانه يؤمن على الله عزوجل فيجيز [الله] له أمانه.
162 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن حنان، عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: لا يبالي الناصب صلى أم زنى (5) وهذه الآيه نزلت فيهم
____________
(1) اي يريدون ان نتبعهم على جهاتهم بما يرون من الخروج بالسيف في غير اوانه. (آت).
(2) المصيبة هنا انقطاع شسع النعل.
(3) (هي المغيثة) يعني يغيث الانسان من الادواء. والسام: الموت. (آت).
(4) (وشبر من الحاجبين) اي من منتهى الحاجبين من يمين الراس وشماله حاى انتهى الشبران إلى النقرة خلف الراس او من بين الحاجبين إلى حيث انتهت من مقدم الراس كما رواه الصدوق باسناده عن ابي حديجة عن ابي عبدالله (4) قال: الحجامة على الراس على شبر من طرف الانف وفتر من بين الحاجبين وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسميها بالمنقذة وفي حديث آخر قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحتجم على راسه ويسميه المغيثة او المنقذة. (آت). (5) اذ هو معاقب باعماله الباطلة لاخلاله بما هو من اعظم شروطها وهو الولاية فهو كمن صلى بغير وضوء. (آت). (*)
الصفحة 161
" عاملة ناصبة تصلى نارا حامية (1) ".
163 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمدبن مرازم، ويزيد بن حماد جميعا، عن عبدالله بن سنان فيما أظن، عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: لو أن غير ولي
علي (ع) أتى الفرات وقال وقد أشرف ماؤه على جنبيه وهو يزخ زخيخا (2) فتناول بكفه وقال بسم الله فلما فرغ قال: الحمدلله كان دما مسفوحا أو لحم خنزير.
164 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل ذكره، عن سليمان بن خالد قال: قال لي أبوعبدالله (ع): كيف صنعتم بعمي زيد؟ قلت: إنهم كانوا يحرسونه فلما شف (3) الناس أخذنا جثته فدفناه في جرف على شاطئ الفرات (4)
فما أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه، فقال: أفلا أوقرتموه حديدا و وألقيتموه في الفرات، صلى الله عليه ولعن الله قاتله (5).
165 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله عز ذكره أذن في هلاك بني أمية بعد إحراقهم زيدا بسبعة أيام (6).
____________
(1) الغاشية: الظاهر انه (عليه السلام) فسر الناصبة بنصب العداوة لاهل البيت (عليه السلام) ويحتمل ان يكون (عليه السلام) فسر النصب بمعنى التعب اي يتعب في مشاق الاعمال ولا ينفعه. (آت)
(2) بيان لوفور الماء وعدم احتياج الناس اليه وعدم توهم ضرر على احد في شربه ليظهر ان الحرمة عليه ليس الا لعقيدته الفاسدة وقد خلق الله تعالى نعم الدارين للمؤمنين وهما حرامان على الكافرين. (وهو يزخ رخيخا) اي يبرق بريقا لصفائه او لوفوره او يدفع ماءه إلى الساحل. و قال الفيروزآبادي: زخه: رفعه في وهدة. وزيد: اعتاظ ووثب. وببوله: رماه. والحادي:
سار سيرا عنيفا وزخ الجمر يزخ رخا ورخيخا: برق. (آت).
(3) اي رقوا ونقصوا.
(4) الجرف: الجانب الذي اكله الماء من حاشية النهر.
(5) يدل على جواز ترك الدفن والتثقيل والالقاء في البحر عند الضرورة. (آت).
(6) لعل هذا العمل كان من متممات اسباب نزول النقمة والعذاب عليهم والا فهم فعلوا اشد واقبح من ذلك كقتل الحسن (عليه السلام) ويدل هذا الخبر كسابقه على كون زيد مشكورا في جهاده مأجورا ولم يكون مدعيا للخلافة والامامة بل كان غرضه طلب ثار الحسين (عليه السلام) ورد الحق إلى مستحقه كما يدل عليه أخبار كثيرة. (آت) (*)
الصفحة 162
166 - سهل بن زياد عن منصور بن العباس عمن ذكره عن عبيدبن زرارة عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله جل ذكره ليحفظ من يحفظ صديقه.
167 - سهل بن زياد (1)، عن ابن سنان، عن ابن سعدان، عن سماعة قال: كنت قاعدا مع أبي الحسن الاول (ع) والناس في الطواف في جوف الليل فقال: يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عزوجل حتمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك وما كان بينه وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عزوجل.
168 - سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن سليمان المسترق، عن صالح الاحول قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: اخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين سلمان وأبي ذر واشترط على أبي ذر أن لا يعصي سلمان 169 - سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن خطاب بن محمد، عن الحارث بن المغيرة قال لقيني أبوعبدالله (ع) في طريق المدينة فقال: من ذا أحارث؟ قلت: نعم قال: أما لاحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، ثم مضى فأتيته فاستأذنت عليه فدخلت فقلت: لقيتني؟
فقلت لاحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم، فدخلني من ذلك أمر عظيم، قال: نعم ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم مما تكرهوا وما يدخل علينا به الاذى أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه (2) وتقولوا له قولا بليغا؟ فقلت [له]: جعلت فداك إذا لا يطيعونا ولا يقبلون منا؟ فقال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم (3).
170 - سهل بن زياد، عن إبراهيم بن عقبة، عن سيابة بن أيوب، ومحمد بن الوليد، وعلي بن أسباط يرفعونه إلى أمير المؤمنين (ع) قال: إن الله يعذب الستة
____________
(1) سهل بن زياد ضعيف في الحديث غير متعمد عليه فيه وكان احمد بن عيسى شهد عليه بالغلو والكذب واخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها. (نقله العلامة في القسم الثاني من الخلاصة
عن النجاشي).
(2) التانيب: المبالغة في التوبيخ والتعيف والعذل: الملامة.
(3) يدل على وجوب النهي عن المنكر وعلى وجوب الهجران عن اهل المعاصي وترك مجالستهم ان لم يأتمروا ولم يتعظوا. (آت). (*)
الصفحة 163
بالستة: العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة وأهل الرساتيق بالجهل.
171 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام وغيره، عن أبي عبدالله قال: ما كان شئ أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أن يظل خائفا جائعا في الله عزوجل.
172 - علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عبدالرحمن بن الحجاج، وحفص بن البختري وسلمة بياع السابري، عن أبي عبدالله (ع) قال كان علي بن الحسين (ع) إذا أخذ كتاب علي (ع) فنظر فيه قال:
من يطيق هذا، من يطيق ذا؟ قال: ثم يعمل به وكان إذا قام إلى الصلاة تغيرلونه حتى يعرف ذلك في وجهه وما أطاق أحد عمل علي (ع) من ولده من بعده إلا علي بن الحسين (ع).
173 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن ولي علي (ع) لا يأكل إلا الحلال (2) لان صاحبه كان كذلك وإن ولى عثمان لا يبالي أحلالا أكل أو حراما لان صاحبه كذلك، قال: ثم عاد إلى ذكر علي (ع) فقال: أما والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما، قليلا ولا كثيرا حتى فارقها ولا عرض له أمران كلاهما لله طاعة إلا أخذ بأشدهما على بدنه ولا نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) شديدة قط إلا وجهه فيها ثقة به ولا أطاق أحد من هذه الامة عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده غيره ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر إلى الجنة والنار ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله كل ذلك تحفى فيه يداه (3) وتعرق جبينه التماس وجه الله عزوجل والخلاص من النار وما كان قوته إلا الخل والزيت وحلواه التمر إذا وجده وملبوسه الكرابيس، فإذا
____________
(1) اي يجعله في حفظه صباحا ومساءا.
(2) يفهم منه أن من ياكل الحرام فهو ليس من اوليائه وشيعته (عليه السلام). (آت).
(3) حفى من كثرة المشي حتى رقت قدمه من باب تعب. (المصباح) وتحفى في الشئ اجتهد. (*)
الصفحة 164
فضل عن ثيابه شئ دعا بالجلم فجزه (1).
174 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحسن بن علي، عن يونس بن يعقوب، عن سليمان بن خالد، عن عامل كان لمحمد بن راشد قال: حضرت عشاء جعفر بن محمد (ع) في الصيف فاتي بخوان عليه خبز واتي بجفنة فيها ثريد ولحم تفور فوضع يده فيها فوجدها حارة ثم رفعها وهو يقول: نستجير بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نحن لا نقوى على هذا فكيف النار، وجعل يكرر هذا الكلام حتى أمكنت القصعة فوضع يده فيها ووضعنا أيدينا حين أمكنتنا فأكل وأكلنا معه، ثم إن الخوان رفع فقال: يا غلام ائتنا بشئ فاتي بتمر في طبق فمددت يدي فإذا هو تمر، فقلت: أصلحك الله هذا زمان الاعناب والفاكهة؟ فال: إنه تمر، ثم قال: ارفع هذا وائتنا بشئ فاتى بتمر فمددت يدي فقلت: هذا تمر؟ فقال: إنه طيب.
175 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن أبى عبدالله (ع) قال: ما أكل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متكئا منذ بعثه الله عزوجل إلى أن قبضه تواضعا لله عزوجل وما رأى ركبتيه أمام جليسه في مجلس قط ولا صافح رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل قط فنزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ولا كافأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيئة قط قال الله تعالى له: " إدفع بالتي هي أحسن السيئة (3) "
ففعل وما منع سائلا قط، إن كان عنده أعطى وإلا قال: يأتي الله به، ولا أعطي على الله عزوجل شيئا قط إلا أجازه الله إن كان ليعطي الجنة فيجيز الله عزوجل له ذلك، قال: وكان أخوه من بعده والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما قط حتى خرج منها والله إن كان ليعرض له الامران كلاهما لله عزوجل طاعة فيأخذ بأشدهما
____________
(1) الجلم: المقراض.
(2) اي ان احتاج لعلة إلى كشف ركبتيه ليراه لم يفعل ذلك عند جليسه حباء ا منه وفي بعض النسخ (ارى ركبتيه) اي لم يكشفها عند جليس وعلى النسختين يحتمل ان يكون المراد لم يكن يتقدمهم في الجلوس بان تسبق ركبتاه إلى ركبهم. (آت) وفي بعض النسخ (ما زوى ركبتيه).
(3) المؤمنون: 96.
(4) يعني امير المؤمنين (عليه السلام). (*)
الصفحة 165
على بدنه، والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عزوجل دبرت فيهم يداه (1) والله ما أطاق عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده أحد غيره، والله ما نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلة قط إلا قدمه فيها ثقة منه به وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليبعثه برايته فيقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ثم ما يرجع حتى يفتح الله عزوجل له.
176 - عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: كان علي
(ع) أشبه الناس طعمة وسيرة برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم، قال: وكان علي (ع) يستقي ويحتطب وكانت فاطمة (عه) تطحن و تعجن وتخبز وترقع وكانت من أحسن الناس وجها كأن وجنتيها وردتان (2) صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وولدها الطاهرين.
177 - سهل بن زياد، عن الريان بن الصلت، عن يونس رفعه قال: قال أبوعبدالله
(ع): إن الله عزوجل لم يبعث نبيا قط إلا صاحب مرة سوداء صافية (3) وما بعث الله نبيا قط حتى يقرله بالبداء.
178 - سهل، عن يعقوب بن يزيد، عن عبدالحميد، عمن ذكره، عن أبي عبدالله
(ع) قال: لما نفروا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ناقته قالت له الناقة: والله لا أزلت خفا عن خف ولو قطعت إربا إربا (4).
179 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب ابن يزيد جميعا، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع)
____________
(1) قال الجزرى: الدبر بالتحريك: الجرح الذي يكون في ظهر البعير.
(2) الوجنة: ما ارتفع من الخدين.
(3) لعله كناية عن شدة غضبهم فيما يسخط الله وتنمرهم قي ذات الله وحدة ذهنهم وفهمهم، وتوصيفها بالصفاء لبيان خلوصها عما يلزم تلك المرة غالبا من الاخلاق الذميمة والخيالات الفاسدة
(4) اشارة إلى ليلة العقبة وما فعله المنافقون في تلك الليلة. (*)
الصفحة 166
أنه قال: يا ليتنا سيارة مثل آل يعقوب حتى يحكم الله بيننا وبين خلقه (1).
18 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن إسماعيل بن قتيبة، عن حفص بن عمر، عن إسماعيل بن محمد، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله عزوجل يقول: إني لست كل كلام الحكيم أتقبل إنما أتقبل هواه وهمه فإن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تقديسا وتسبيحا (2).
181 - سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن الطيار، عن أبي عبدالله (ع) في قوله الله عزوجل: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (3) " قال: خسف ومسخ وقذف، قال: قلت: حتى يتبين لهم؟
قال: دع ذاذاك قيام القائم.
182 - سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبدالله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، وابن سنان، وسماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
طاعة علي ذل ومعصيته كفر بالله، قيل: يا رسول الله كيف تكون طاعة علي ذلا ومعصيته كفرا بالله؟ فقال: إن عليا يحملكم على الحق فإن أطعتموه ذللتم وإن عصيتموه كفرتم بالله.
183 - عنه، عن يحيى بن المبارك، عن عبدالله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار أو غيره قال: قال أبوعبدالله (ع): نحن بنو هاشم وشيعتنا العرب وسائر الناس الاعراب.
184 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن حنان، عن زرارة قال: قال أبوعبدالله
(ع): نحن قريش وشيعتنا العرب وسائر الناس علوج الروم (4).
____________
(1) (ياليتنا) على الحذف والايصال اي يا ليت لنا. وفي بعض النسخ (يا ليتنا سائرة).
(2) (هواه وهمه) اي ما يحبه وعزم عليه من النيات الحسنة والحاصل ان الله تعالى لا يقبل كلام حكيم لا يعقد قلبه على نية صادقة في العمل بما يتكلم به واما مع النية الحسنة واليقين الكامل فيكتب له ثوال التسبيح والتقديس وان لم يات بها. (آت).
(3) فصلت: 53.
(4) العلج: الرجل القوي الضخم والرجل من كفار العجم والاعلاج جمعه ويجمع على علوج ايضا. (النهاية) (*)
الصفحة 167
185 - سهل، عن الحسن بن محبوب، عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: كأني بالقائم (ع) على منبر الكوفة عليه قباء فيخرج من وريان قبائه (1) كتابا مختوما بخاتم من ذهب فيفكه فيقرأه على الناس فيجفلون عنه إجفال الغنم (2) فلم يبق إلا النقباء فيتكلم بكلام فلا يلحقون ملجأ حتى يرجعوا إليه وإني لاعرف الكلام الذي يتكلم به.
186 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن ابن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبدالله (ع) قال: الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجد أحدكم ضالته فليأخذها.
187 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي بن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين (ع) وابنته جعدة سمت الحسن (ع) ومحمد ابنه شرك في دم الحسين (عليه السلام).
188 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن صباح الحذاء، عن أبي اسامة قال: زاملت أبا عبدالله (ع) قال: فقال لي: إقرأ [قال]:
فافتتحت سورة من القرآن فقرأتهما فرق وبكى، ثم قال: ياأبا اسامة ارعوا قلوبكم بذكر الله عزوجل (3) واحذروا النكت فإنه يأتي على القلب تارات أو ساعات الشك من صباح ليس فيه إيمان ولا كفر شبه الخرقه البالية أو العظم النخر (4). يا أبا اسامة أليس ربما تفقدت قلبك فلا تذكر به خيرا ولا شرا ولا تدري أين هو؟ قال: قلت له: بلى
____________
(1) (من وريان قبائه) اي من جيبه كما ذكره المطرزى. (آت).
(2) الجفل: النفر والشرد. واجفلوا اي هربوا مسرعين. وقوله: (الا النقباء) قال الجوهرى:
النقيب: العريف وهو شاهد على القوم وضمينهم والجمع: النقباء.
(3) من الرعاية اي احفظوها بذكره تعالى من وساوس الشيطان. والنكت ما يلقيه الشيطان في القلب من الوسواس والشبهات. (آت).
(4) في القاموس: النخر ككتف والناخر: البالي المتفتت. (*)
الصفحة 168
إنه ليصيبني وأراه يصيب الناس، قال أجل ليس يعرى منه أحد. قال: فإذا كان ذلك فاذكروا الله عزوجل واحذروا النكت فإنه إذا أراد بعبد خيرا نكت إيمانا وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك، قال: قلت: ما غير ذلك جعلت فداك [ماهو]؟ قال: إذا أراد كفرا نكت كفرا.
189 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي المغرا، عن زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبدالله (ع):
إني لا أكاد ألقاك إلا في السنين فأوصني بشئ آخذ به، قال: اوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه وإياك أن تطمح نفسك إلى من فوقك (1)، وكفى بما قال الله عزوجل لرسوله (صلى الله عليه وآله): " فلا تعجبك أموالهم لا أولادهم (2) " وقال الله عزوجل لرسوله: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا (3) " فإن خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنما كان قوته الشعير وحلواه التمر ووقوده السعف إذا وجده وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن الخلق لم يصابوا بمثله (ع) قط.
190 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن السري، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (ع) قال: سمعت جاتبر بن عبدالله يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مربنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع (4) فوقف علينا فسلم فرددنا (عليه السلام)، ثم قال: ما لي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب وكأن الحق في هذه
____________
(1) طمح بصره اليه ارتفع. و (ان تطمح نفسك) اي ترفعها إلى حال من هو فوقك وتتمنى حاله.
(2) التوبة: 55.
(3) طه: 131. والزهرة: الزينة. والزهرة بفتح الهاء والزاي نور النبات والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء: النجم وبنو زهرة باسكان الهاء.
(4) قد ذكر السيد في باب الحكم من النهج بعض فقرات هذا الخبر مع اختلاف ونسبها إلى امير المؤمنين (عليه السلام) انه قالها حين تبع جنازة فسمع رجلا يضحك وقال في اخره: (ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)). ورواه على بن ابراهيم ايضا عن امير المؤمنين (عليه السلام). (*)
الصفحة 169
الدنيا على غيرهم وجب وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الاموات قبلهم، سبيلهم سبيل قوم سفر (1) عما قليل إليهم راجعون، بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم، فيظنون أنهم مخلدون بعدهم (2) هيهات هيهات [أ] ما يتعظ آخرهم بأولهم لقد جهلوا ونسوا كل واعظ في كتاب الله وآمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة (3) وبوائق حادثة.
طوبى لمن شغله خوف الله عزوجل عن خوف الناس.
طوبى لمن منع عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه.
طوبى لمن تواضع لله عز ذكره وزهد فيما أحل الله له من غير رغبة عن سيرتي ورفض زهرة الدنيا من غير تحول عن سنتي (4) واتبع الاخيار من عترتي من بعدي و جانب أهل الخيلاء والتفاخر والرغبة في الدنيا، المبتدعين خلاف سنتي، العاملين بغير سيرتي.
طوبى لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقة في غير معصية وعادبه على أهل المسكنة.
طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره.
طوبى لم أنفق القصد وبذل الفضل وأمسك قوله عن الفضول وقبيح الفعل.
____________
(1) السفر جمع مسافر فيحتمل ارجاع الضمير في قوله: (سبيلهم) إلى الاحياء وفي قوله:
(اليهم) إلى الاموات اي هؤلاء الاحياء مسافرون يقطعون منازل اعمارهم من السنين والشهور حتى يلحقوا بهؤلاء الاموات ويحتمل العكس في ارجاع الضميرين فالمراد ان سبيل هؤلاء الاموات عند هؤلاء الاحياء لعدم اتعاظهم بموتهم وعدم مبالاتهم كانوا ذهبوا إلى سفر وعن قريب يرجعون اليهم ويؤيده ما في النهج والتفسير: وكان الذي نرى من الاموات سفر عما قليل الينا راجعون.
(2) الاجداث جمع الجدث وهو القبر اي يرون ان بيوت هؤلاء الاموات اجداثهم ومع ذلك ياكلون تراثهم او يرون ان تراث هؤلاء قد زالت عنهم وبقي في ايديهم ومع ذلك لا يتعظون ويظنون انهم مخلدون بعدهم. والتراث: ما يخلفه الرجل لورثته. والظاهر انه وفع في نسخ الكتاب تصحيف والاظهر ما في النهج نبوئهم اجداثهم وناكل تراثهم وفي التفسير: تنزلهم اجداثهم. (آت)
(3) الفادحة: النازلة والبلية يثقل حملها.
(4) في بعض النسخ (عن نفسي). (*)
الصفحة 170
191 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد رفعه، عن بعض الحكماء (1)
قال: إن أحق الناس أن يتمنى الغنى للناس أهل البخل لان الناس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم وإن أحق الناس أن يتمنى صلاح الناس أهل العيوب لان الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم وإن أحق الناس أن يتمنى حلم الناس أهل السفة الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم فأصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس وأصبح أهل العيوب يتمنون فسقهم وأصبح أهل الذنوب يتمنون سفههم وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب وفي السفه المكافأة بالذنوب.
192 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد قال: قال أبوعبدالله (ع): يا حسن إذا نزلت بك نازله فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية بمال وإما معونة بجاه أو دعوة فتستجاب أو مشورة برأي.
} خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام) { 193 - علي بن الحسن المودب وغيره، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل ابن مهران، عن عبدالله بن أبي الحارث الهمدانى، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال:
خطب أميرالمؤمنين (ع) فقال: الحمد لله الخافض الرافع، الضار النافع، الجواد الواسع، الجليل ثناؤه، الصادقة أسماؤه، المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب الذي جعل الموت بين خلقه عدلا وأنعم بالحياة عليهم فضلا، فأحيا وأمات وقدر الاقوات، أحكمها بعلمه تقديرا وأتقنها بحكمته تدبيرا إنه كان خبيرا بصيرا، هو الدائم بلا فناء والباقي إلى غير منتهى، يعلم ما في الارض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى.
____________
(1) اي الائمة اذ قد روى الصدوق في الامالى باسناده عن ابي عبدالله (عليه السلام) مع انه ليس من دأبهم الرواية عن غير المعصوم. (آت). (*)
الصفحة 171
أحمده بخالص حمده المخزون بما حمده به الملائكة والنبيون، حمدا لا يحصى له عدد ولا يتقدمه أمد (1) ولا يأتي بمثله أحد، أومن به وأتوكل عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقضيه بخير وأسترضيه (2).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (صلى الله عليه وآله).
أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولا قرار، إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا (3) ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوا خفافا وراحوا خفافا (4) لم يجدوا عن مضي نزوعا (5) ولا إلى ما تركوا رجوعا، جد بهم فجدوا وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا أخذ بكظمهم وخلصواإلى دارقوم جفت أقلامهم (6) لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم، فأصبحتم حلولا في ديارهم، ظاعنين على آثارهم والمطايا بكم تسير سيرا، ما فيه أين ولا تفتير، نهاركم بأنفسكم دؤوب وليلكم بارواحكم ذهوب فأصبحتم تحكون من حالهم حالا وتحتذون من مسلكهم
____________
(1) في بعض النسخ (احد) اي بالتقدم المعنوي بأن يحمد افضل منه او بالتقدم الزماني بان يكون حمده احد قبل ذلك. (آت).
(2) (استقصيه) بالصاد المهملة من قولهم: استقصى في المسألة وتقصى إذا بلغ الغاية او بالضاد المعجمة كما في بعض النسخ من قولهم: استقضى فلان اي طلب اليه ان يقضيه. وقوله: (بخير) اي بسبب طلب الخير. (آت).
(3) الركب جمع راكب. والتعريس: نزول القوم في السفر في اخر الليل نزلة للنوم و الاستراحة. (آت).
وقوله: (اناخوا) اي اقاموا. و (استقلوا) اي مضوا وارتحلوا.
(4) اي دخلوا في الدنيا عند ولادتهم خفافا بلا زاد ولا مال وراحوا عند الموت كذلك ويحتمل ان يكون كناية عن الاسراع. (آت).
(5) نزع عن الشئ نزوعا: كف وقلع عنه اي لم يقدروا على الكف عن المضى والظرفان متعلقان بالنزوع والرجوع. (آت).
(6) اي جفت اقلام الناس عن كتابة آثارهم لبعد عهدهم ومحو ذكرهم. (آت).
(7) (حلولا) جمع حال. و (ظاعنين) اي سائرين. والاين: الاعياء. (ولا تفتير) اي ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن عن السير زمانا و (نهاركم بانفسكم دؤوب) اي نهاركم يسرع ويجد ويتعب بسبب انفسكم ليذهبها ويحتمل ان يكون الباء للتعدية اي نهاركم يتعبكم في اعمالكم وحركاتكم وذلك سبب لفناء اجسادكم. (آت). (*)
الصفحة 172
مثالا (1) فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول (2)، الموت بكم نزول تنتضل فيكم مناياه (3) وتمضى بأخباركم مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء و الحساب.
فرحم الله أمرءا راقب ربه وتنكب ذنبه (4) وكابر هواه وكذب مناه، امرء ا زم نفسه من التقوى بزمام وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها وقدعها عن المعصية بلجامها (5)، رافعا إلى المعاد طرفه (6) متوقعا في كل أوان حتفه (7)
دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا (8) عن الدنيا سأما (9)، كدوحا لآخرته متحافظا، امرء ا جعل الصبر مطية نجاته والتقوى عدة وفاته ودواء أجوائه، فاعتبر وقاس وترك الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد وقد وقر قلبه ذكر المعاد وطوى مهاده وهجر وساده (10)، منتصبا على أطرافه، داخلا في أعطافه، خاشعا لله عزوجل، يراوح بين الوجه والكفين (11) خشوع في السر لربه، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب (12)، شديدة أسباله
____________
(1) (تحكون) اي احوالكم تحكي وتخبر عن احوالهم. والاحتذاء: الاقتداء. (آت).
(2) هما جمعان اي مسافرون حللتم بالدنيا والنزول بفتح النون اي نازل. (آت).
(3) الانتضال: رمى السهام للسبق. والمنايا جمع المنية وهي الموت ولعل الضمير راجع إلى الدنيا بتاويل الدهر أو بتشبيهها بالرجل الرامي اي ترمى اليكم المنايا في الدنيا سهاما فتهلككم والسهام الامراض والبلايا الموجبة للموت ويحتمل ان يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع إلى الدنيا ويكون المرمى المنايا. (آت).
(4) تنكب اي تجنب. وكابر اي خالف وغالب وفي بعض النسخ (كابد) ان قاساه وتحمل المشاق في فعله.
(5) قدعه كمنعه: كفه. وفي بعض النسخ (وقرعها). (6) طرفه أي عينه.
(7) الحتف: الموت.
(8) عزفت عن كذا اي زهدت فيه وانصرفت عنه. (9) اي ملولا. والكدح: السعي والاهتمام.
(10) (طوى مهاده) اي على اقدامه واعطافه جمع عطاف وهو الرداء.
(11) اي يضع جبهته تارة للسجود ويرفع بدنه تارة في الدعاء في اعمال كل واحد منهما راحة للاخرى. (آت).
(12) اي هو صاب كثير الصب ولقلبه اضطراب. واسبال جمع سبل بالتحريك: المرطر والدمع إذا اهطل. (*)
الصفحة 173
ترتعد من خوف الله عزوجل أوصاله (1)، قدعظمت فيماعند الله رغبته واشتدت منه رهبته، راضيا بالكفاف من أمره (2) يظهر دون ما يكتم ويكتفي بأقل مما يعلم أولئك ودائع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره لابره أو دعا على احد نصره الله، يسمع إذا ناجاه ويستجيب له إذا دعاه، جعل الله العاقبة للتقوى والجنة لاهلها مأوى، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء " سبحانك اللهم " دعاؤهم المولى على ما آتاهم " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". } خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام) { 194 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أو غيره، عن أبي عبدالله (ع) أنه ذكر هذه الخطبة لامير المؤمنين (ع) يوم الجمعة.
الحمد لله أهل الحمد ووليه ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع، الاجل الاعظم، الاعز الاكرم، المتوحد بالكبرياء، والمتفرد بالآلاء، القاهر بعزه، والمسلط بقهره، الممتنع بقوته المهيمن بقدرته، والمتعالى فوق كل شئ بجبروته، المحمود بامتنانه وبإحسانه، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده، الموسع برزقه، المسبغ بنعمه، نحمده على الآئه وتظاهر نعمائه حمدا يزن عظمة جلاله ويملاء قدر آلائه و كبريائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الذي كان في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا (3)، خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته ودانوا لدوام أبديته (4).
وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وخيرته من خلقه اختاره بعلمه واصطفاه لوحيه وائتمنه على سره وارتضاه لخلقه وانتدبه لعظيم أمره ولضياء معالم دينه ومناهج سبيله
____________
(1) الاوصال: المفاصل.
(2) في الوافي زاد (وان احسن طول عمره).
(3) اي هو في دوامه مسلط على جميع خلقه.
(4) اي اقروا واذعنوا بدوام ابديته او اطاعوا وخضعوا وذلوا لكونه دائم الابدية. (آت). (*)
الصفحة 174
ومفتاح وحيه وسببا لباب رحمته، ابتعثه على حين فتره من الرسل وهدأة من العلم (1) واختلاف من الملل وضلال عن الحق وجهالة بالرب وكفر بالبعث والوعد، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد، ضرب للناس فيه الامثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا ونذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ويكون بلاغا لقوم عابدين فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين (صلى الله عليه وآله) تسليما كثيرا.
أوصيكم عباد عباد الله واوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدا بدأ الامور بعلمه وإليه يصير غدا ميعادها وبيده فناؤها وفناؤكم وتصرم أيامكم وفناء آجالم وانقطاع مدتكم فكأن قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل فإنها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فإن المغتر من اغتر بها، لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها المحبين لها، المطمئنين إليها، المفتونين بها أن تكون كما قال الله عزوجل: " كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام (2) - الآية " مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته عبرة ولا يصبح فيها في جناح آمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة (3) أو تغير نعمة أو زوال عافية مع أن الموت من وراء ذلك وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كل نفس بما عملت " ليجزي الذين أساؤا بما علموا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ".
فاتقوا الله عز ذكره وسارعواإلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فإنه قريب مجيب، جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه
____________
(1) الهدأة بفتح الهاء وسكون الدال: السكون عن الحركات. (آت).
(2) يونس: 24.
(3) الجائحة: الافة التي تهلك الثمار والاموال. وكل مصيبة عظيمة. (*)
الصفحة 175
ثم إن أحسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التذكر كتاب الله عزوجل قال الله عزوجل:
" وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (1) ".
أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والعصر * إن الانسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (2) "
" إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (3) "
اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وتحنن (4) على محمد وآل محمد وسلم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم أعط محمد الوسيلة والشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة، اللهم اجعل محمدا وآل محمد اعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة وأقربهم منك مقعدا وأوجههم عندك يوم القيامة جاها وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا، اللهم أعط محمدا أشرف المقام وحباء السلام (5) وشفاعة الاسلام، اللهم وألحقنا به غير خزايا ولا ناكبين (6)
ولا نادمين ولا مبدلين إله الحق آمين.
ثم جلس قليلا ثم قام فقال:
الحمد لله أحق من خشي وحمد وأفضل من اتقي وعبد وأولى من عظم ومجد نحمده لعظيم غنائه، وجزيل عطائه، وتظاهر نعمائه، وحسن بلائه، ونؤمن بهداه الذي لا يخبوضياؤه ولا يتمهد سناؤه (7) ولا يوهن عراه ونعوذ بالله من سوء كل الريب (8) وظلم الفتن ونستغفره من مكاسب الذنوب ونستعصمه من مساوي الاعمال ومكاره الآمال
____________
(1) الاعراف: 203. (2) العصر: 1 إلى 3.
(3) الاحزاب: 56. (4) التحنن: الترحم.
(5) الحباء: العطاء اي اعطه عطية سلامتك بان يكون سالما عن جميع ما يوجب نقصا او خزيا. (آت).
(6) في بعض النسخ (ولا ناكثين).
(7) في بعض النسخ (لا يهد) والسنا مقصورا ضوء البرق وممدودا: الرفعة.
(8) اي من شر كل شك وشبهة يعترى في الدين. (آت). (*)
الصفحة 176
والهجوم في الاهوال ومشاركة أهل الريب (1) والرضا بما يعمل الفجار في الارض بغير الحق، أللهم اغفر لنا وللمؤمنين وللمؤمنات الاحياء منهم والاموات الذين توفيتهم على دينك وملة نبيك (صلى الله عليه وآله)، اللهم تقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأدخل عليهم الرحمة والمغفرة والرضوان واغفر للاحياء من المؤمنين والمؤمنات الذين وحدوك وصدقوا رسولك وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك واقتدوا بنبيك وسنوا سنتك وأحلوا حلالك وحرموا حرامك وخافوا عقابك ورجوا ثوابك ووالوا أولياءك وعادوا أعداءك، اللهم اقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين إله الحق آمين.
195 - الحسين بن محمد الاشعري عن معلي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء عن محمد بن الفضيل. عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: لكل مؤمن حافظ وسايب، قلت: ماالحافظ وما السايب يا أبا جعفر؟ قال: الحافظ من الله تبارك وتعالى حافظ من الولاية (2) يحفظ به المؤمن أينما كان وأما السايب فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله) يبشر الله تبارك وتعالى بها المؤمن اينما كان وحيثما كان.
196 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحجال، عن حماد، عن الحلبي عن أبي عبدالله (ع) قال: خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم (3).
____________
(1) اي الذين يشكون ويرتابون في الدين او الذين يريبون الناس فيهم بالخيانة والسرقة.
(آت).
(2) كلمة (من) اما تعليلية اي له حافط من البلايا بسبب ولاية ائمة الحق اله حافظ بسبب الولاية لتحرس ولايته لئلا تضيع وتذهب بتشكيلات اهل الباطل او صلة للحفظ اما بتقدير مضاف اي يحفظه من ضياع الولاية وذهابها او بان يكون المراد ولاية غير ائمة الحق او بيانية اي الحافظ هي الولاية عن البلايا والفتن. قوله (واما السايب) لعله من السيب بمعنى العطاء او بمعنى الجريان اي جارية من الدهور او من السايبة التي لا مالك لها بخصوصه اي سيب بجميع المؤمنين. (قوله فبشارة محمد (صلى الله عليه وآله)) اي البشارة عند الموت بالسعادة الابدية و يحتمل على بعد ان يكون المراد بالقرآن أو الرؤيا الحسنة. (آت).
(3) قلى كرضى: ابغضه وكرهه غاية الكراهة. قال الجزري: في حديث ابي الدرداء
(وجدت الناس اخبر تقله) القلى: البغض، يقال: قلاه يقيله قلى وقلى إذا ابغضه. وقال الجوهري: إذا فتحت مددت ويقلاه لغة طي، يقول: جرب الناس فانك إذا جربتهم قليتهم و تركتهم لما يظهر لك من بواطن سرائرهم، لفظه لفظ الامر ومعناه معنى الخبر اي جربهم وخبرهم ابغضهم وتركهم والهاء في (تقله) للسكت ومعنى نظم الحديث وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول انتهى. اقول: الظاهر ان الامر الوارد في هذا الخبر ايضا كذلك اي متى خالطت الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم فلا تخالطهم مخالطة شديدة تكون موجبة لقلاك لهم. (آت). (*)
الصفحة 177
197 - سهل، عن بكر بن صالح رفعه، عن أبي عبدالله (ع) قال: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فمن كان كله في الجاهلية أصل فله في الاسلام (1) أصل.
98 - سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن محمد بن سنان، عن معاوية بن وهب قال تمثل أبوعبدالله (ع) ببيت شعر لابن أبي عقب.
وينحر بالزوراء منهم لدى الضحى * ثمانون ألفا مثل ماتنحر البدن وروي غير: البزل.
ثم قال لي: تعرف الزوراء؟
قال: قلت: جعلت فداك يقولون: إنها بغداد قال: لا، ثم قال (ع): دخلت الري؟ قلت: نعم، قال: أتيت سوق الدواب؟ قلت: نعم، قال: رأيت الجبل الاسود عن يمين الطريق؟ تلك الزوراء يقتل فيها ثمانون ألفا منهم ثمانون رجلا (2) من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة، قلت: ومن يقتلهم جعلت فداك؟ قال: يقتلهم أو العجم (3).
____________
(1) روى العامة هذا الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا تفقهوا) ويحتمل وجهين احدهما ان يكون المراد ان الناس مختلفون بحسب استعداداتهم وقابلياتهم واخلاقهم وقولهم كاختلاف المعادن فان بعضها ذهب وبعضها فضة فمن كان في الجاهلية خيرا حسن الخلق عاقلا فهما ففي الاسلام ايضا يسرع إلى قبول الحق ويتصف بمعالى الاخلاق ويجتنب مساوي الاعمال بعد العلم بها والثاني ان يكون المراد أن الناس مختلفون في شرافة النسب والحسب كاختلاف المعادن فمن كان في الجاهلية من اهل بيت شرف ورفعة فهو في الاسلام ايضا يصير من اهل الشرف بمتابعة الدين وانقياد الحق والاتصاف بمكارم الاخلاق، فشبههم (عليه السلام) عند كونهم في الجاهلية بما يكون في المعدن قبل استخراجه وعند دخولهم في الاسلام بما يظهر من كمال ما يخرج من المعدن ونقصه بعد العمل فيه. (آت).
(2) في بعض النسخ (يقتل فيها ثمانون الفا من ولد فلان كلهم يصلح للخلافة).
(3) في القاموس: الزوراء ما كان لاحيحة والبئر البعيدة والقدح واناء من فضة والقوس و دجلة وبغداد لان ابوابها الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة، وموضع بالمدينة قرب المسجد و دار كانت بالحيرة والبعيدة من الاراضي وارض عند ذي خيم انتهى. واحتمل المجلسي ره ان يكون الزوراء في الخبر اسما لموضع بالري وان يكون زوراء بغداد الجديد وقال: انما نفى (عليه السلام) بغداد القديم ولعله كان هناك موضع يسمى بالري ويكون اشارة إلى المقاتلة التي وقعت في زمان مأمون هناك وقتل فيها كثير من ولد العباس وعلى الاول يكون اشارة إلى واقعة تكون في زمن القائم (عليه السلام) او في قريب منه وابن ابي عقب لعله كان سمع هذا من المعصوم فنظمه. (آت). (*)
الصفحة 178
199 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن محمد بن زياد، عن أبي بصير قال:
سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (1) "؟ قال: مستبصرين ليسوا بشكاك.
200 - عنه، عن علي، عن إسماعيل بن مهران (1)، عن حماد بن عثمان قال: سمعت
أبا عبدالله (ع) يقول في قول الله تبارك وتعالى: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون (3) " فقال: الله أجل وأعدل [وأعظم] من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به، ولكنه فلج فلم يكن له عذر. (4)
201 - علي، عن علي بن الحسين، عن محمد الكناسي قال: حدثنا من رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله عز ذكره: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب (5) "
قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا فيرحل قوم فوقهم (6) وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى
____________
(1) قال الزمخشري: ليس بنفي للخرور وانما هو اثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول:
لا يلقاني زيد مسلما هو نفى للسلام لا لللقاء والمعنى انهم إذا ذكروا بها اكبوا عليها حرصا على استماعها واقبلوا على المذكر بها وهم في اكبابهم عليها سامعون بآذان واعية مبصرون بعيون راعية لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم العميان حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها كالمنافقين واشباههم.
وقوله: (مستبصرين) اي اكبوا واقبلوا مستبصرين. (آت) والاية في سورة الفرقان: 73.
(2) في بعض النسخ كذا (عن علي عن اسماعيل) وهو الظاهر وفي بعضها (عن علي بن اسماعيل)
فهو مجهول. (آت).
(3) المرسلات: 36. (4) يقال: فلج اصحابه وعلى اصحابه إذا غلبهم اي صار مغلوبا بالحجة فليس له عذر فالمراد انه ليس لهم عذر حتى يؤذن لهم فيعتذروا قال البيضاوي: عطف فيعتذرون على يؤذن ليدل على نفي الاذن والاعتذار عقيبه مطلقا ولو جعله جوابا لدل على عدم اعتذارهم لعدم الاذن واوهم ذلك ان لهم غدا لكن لم يؤذن لهم فيه. (آت).
(5) الطلاق: 3.
(6) اي في القدرة والمال. (*)
الصفحة 179
يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلونه إليهم فيعيه هؤلاء (1) وتضيعه هؤلاء، فاولئك الذين يجعل الله عز ذكره لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون.
وفي قول الله عزوجل: " هل أتيك حديث الغاشية (2) "؟ قال: الذين يغشون الامام إلى قوله عزوجل: " لا يسمن ولا يغني من جوع " قال: لا ينفعهم ولا يغنيهم لا ينفعهم الدخول ولا يغنيهم القعود.
202 - عنه، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم (3) " قال: نزلت هذه الآية في فلان وفلان وأبي عبيدة الجراح و
____________
(1) اي الفقراء والحاصل ان البدن كما يتقوى بالرزق الجسماني وتبقى حياته به فكذلك الروح يتقوى وتحيى بالاغذية الروحانية من العلم والايمان والهداية والحكمة وبدونها ميت في لباس الاحياء فمراده (عليه السلام) ان الاية كما تدل على ان التقوى سبب لتيسر الزرق الجسماني وحصوله من غير احتساب فكذلك تدل على انها تصير سببا لتيسر الرزق الروحاني الذي هو العلم والحكمة من غير احتساب وهي تشتملهما معا. (آت).
(2) الغاشية: 2. وقال البيضاوي: الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة او النار من قوله: (وتغشى وجوههم النار) انتهى وقوله: (الذين يغشون الامام) فسرها (عليه السلام) بالجماعة فالمراد على هذا البطن الطعام الروحاني اي ليس غذاؤهم الروحاني الا الشكوك و الشبهات والاراء الفاسدة التي هي كالضريع في عدم النفع والاضرار بالروح. (آت).
(3) من نجوى ثلاثة قال البيضاوي: ما يقع من تناجي ثلاثة ويجوز ان يقدر مضاف او يؤول نجوى بمتناجين ويجعل ثلاثة صفة لها واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الارض فان السر امر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل احد ان يطلع عليه،، (الا وهو رابعهم) الا الله يجعلهم أربعة من حيث انه يشاركم في الاطلاع عليها والاستثناء من اعم الاحوال، (ولا خمسة الا هو سادسهم) وتخصيص العددين اما لخصوص الواقعة فان الاية نزلت في تناجي المنافقين او لان الله وتر يحب الوتر والثلاثة اول الاوتار او لان التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينهما، (ولا ادنى من ذلك)
ولا اقل مما ذكر كالواحد والاثنين، (ولا اكثر الا هو معهم) يعلم ما يجري بينهم (اينما كانوا) فان علمه بالاشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الامكنة (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) تفضيحا لهم وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء، (ان الله بكل شئ عليم) لان نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء. انتهى. والاية في سورة المجادلة آية 7. (*)
الصفحة 180
عبدالرحمن بن عوف وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة حيث كتبوا الكتاب بينهم وتعاهدوا وتوافقوا: لئن مضى محمد لا تكون الخلافة في بني هاشم ولا النبوة ابدا، فأنزل اآلله عزوجل فيهم هذه الآية، قال: قلت: قوله عزو جل: " أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (1) " قال: وهاتان الآيتان نزلتا فيهم ذلك اليوم، قال أبو عبدالله (ع): لعلك ترى أنه كان يوم يشبه يوم كتب الكتاب إلا يوم قتل الحسين (ع) وهكذا كان في سابق علم الله عزوجل الذي أعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن إذا كتب الكتاب قتل الحسين وخرج الملك من بني هاشم فقد كان ذلك كله.
قلت: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فاصلحوا بينهما بالعدل "
قال: الفئتان (2) إنما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة وهم أهل هذه الآية وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (ع) فكان الواجب عليه قتالهم وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ولو لو يفيئوا لكان الواجب عليه فيما أنزل الله أن لايرفع السيف عنهم حتى يفيئوا و يرجعوا عن رأيهم لانهم بايعوا طائعين غير كارهين وهي الفئة الباغية كما قال الله تعالى فكان الواجب على أمير المؤمنين (ع) أن يعدل فيهم حيث كان ظفر بهم كما عدل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة إنما من عليهم وعفا وكذلك صنع أمير المؤمنين (ع)
بأهل البصرة حيث ظفر بهم مثل ما صنع النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل مكة حذو النعل بالنعل.
قال: قلت: قوله عزوجل: " والمؤتفكة أهوى (4) " قال: هم أهل البصرة هي
____________
(1) الزخرف: 79 و 80 وقوله: (ابرموا) اي احكموا.
(2) الفئتان تفسير للطائفتين. (آت) والاية في سورة الحجرات: 9. وقوله: (تفئ) اي ترجع.
(3) هذا البيان كفرهم وبغيهم على جميع المذاهب فان مذهب المخالفين ان مدار وجوب الاطاعة على البيعة فهم بايعوا طائعين غير مكرهين فاذا نكثوا فهم على مذهبهم ايضا من الباغين. (آت).
(4) النجم: 53. والمؤتفكة فسر بالقرى المخسوف بها وقوله: (اهوى) اي جعلها تهوى.
وهي قرى قوم لوط وفسرها (عليه السلام) بالبصرة وقد ورد في اخبار الفريقين انها احدى المؤتفكات وفي تفسير علي بن ابراهيم انها ائتفكت باهلها مرتين وعلى الله تمام الثالثة وتمام الثالثة في الرجعة وفي النهاية: في حديث انس: (البصرة احدى المؤتفكات) يعني انها غرقت مرتين فشبه غرقها بانقلابها انتهى. ولا استبعاد في حملها على الحقيقة. (من آت). (*)
الصفحة 181
المؤتفكة، قلت: " والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات (1) "؟ قال: أولئك قوم لوط ائتفكت عليهم انقلبت عليهم.
203 - علي بن إبراهيم، عن عبدالله بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن حنان قال: سمعت أبي يروي عن أبي جعفر (ع): قال: كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر ابن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبدالله كنت ضالا فهداني الله عزوجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي، قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلمان رضي الله عنه يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إلي قال عمر ابن الخطاب: من أنت وما أصلك وما حسبك؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): فما قلت له يا سلمان؟
قال: قلت له: أنا سلمان بن عبدالله كنت ضالا فهداني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) و كنت عائلا فأغناني الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) وكنت مملوكا فأعتقنى الله عز ذكره بمحمد (صلى الله عليه وآله) هذا نسبي وهذا حسبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه (2) ومروء ته خلقه وأصله عقله (3) وقال الله عزوجل: " إنا خلقناكم من ذكر و انثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (4) " ثم قال النبي
____________
(1) التوبة: 70.
(2) الحسب: الشرافة ويطلق غالبا على الشرافة الحاصلة من جهة الاباء. (آت).
(3) المروءة مهموزة: الانسانية، مشتقة من المرء وقد تخفف بالقلب والادغام.
(4) الحجرات: 11. وقوله تعالى (من ذكر وانثى) اي من آدم وحواء او خلقنا كل واحد منكم من اب وام فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ويجوز ان يكون: تقريرا للاخوة المانعة عن الاغتياب، (وجعلناكم شعوبا وقبائل) الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى اصل واحد وهو يجمع القبائل والقبيلة تجمع العماير والعمارة تجمع البطون والبطن يجمع على الافخاذ والفخذ يجمع الفصائل فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ وعباس فصيلة، (لتعارفوا) اي ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالاباء والقبائل، (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) فان التقوى بها تكمل النفوس ويتفاضل الاشخاص فمن اراد شرفا فليلتمس منها. (البيضاوى). (*)
الصفحة 182
(صلى الله عليه وآله) لسلمان: ليس لاحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عزوجل وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل. 4 20 - علي، عن أبيه، عن ابن عمير، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن محمد ابن مسلم، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما ولى علي (ع) صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني والله لا أرزؤكم من فيئكم درهما (1) ما قام لي عذق بيثرب فليصدقكم أنفسكم أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم؟ قال: فقام إليه عقيل فقال له: والله لتجعلني وأسود بالمدينة سواءا، فقال: اجلس أما كان ههنا أحد يتكلم غيرك وما فضلك عليه إلا بسابقة أو بتقوى.
205 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (ع) قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا فقال:
يا بني هاشم، يا بني عبدالمطلب إني رسول الله إليكم وإني شفيق عليكم وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله، لا تقولوا: إن محمدا منا وسندخل مدخله، فلاوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبدالمطلب إلا المتقون، ألا فلا أعرفكم (3) يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخرة، ألا إني قد أعذرت إليكم (4) فيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عزوجل فيكم.
206 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: رأيت كأني
____________
(1) قال الجوهري: يقال: ما رزأته ماله اي ما نقصته. انتهى. والفئ: الغنيمة والخراج.
واليثرب مدينة الرسول اي ماانقصكم من غنائمكم وخراجكم مابقي لي عذق بالفتح اي نخلة بالمدينة. (آت).
(2) اي ارجعوا إلى انفسكم وانصفوا وليقل انفسكم لكم صدقا في ذلك. (آت)
(3) اي لا تكونوا كذلك حتى اعرفكم في ذلك اليوم هكذا وفي بعض النسخ (فلا اعرفكم)
استفهام انكاري اي بلى اعرفكم كذلك. (آت) (4) يقال: اعذر اليه اي ابدى عذره واثبته. (آت). (*)
الصفحة 183
على راس جبل والناس يصعدون إليه من كل جانب حتى إذا كثروا عليه تطاول بهم في السماء وجعل الناس يتساقطون عنه (1) من كل جانب حتى لم يبق منهم أحد إلا عصابة يسيرة ففعل ذلك خمس مرات في كل ذلك يتساقط عنه الناس ويبقي تلك العصابة أماإن قيس بن عبدالله بن عجلان (2) في تلك العصابة، قال: فما مكث بعد ذلك إلا نحوا من خمس (3) حتى هلك.
207 - عنه (4)، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان قال: حدثني أبو بصير قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إن رجلا كان على أميال من المدينة فرأى في منامه فقيل له: انطلق فصل على أبي جعفر (ع) فإن الملائكة تغسله في البقيع فجاء الرجل فوجد أبا جعفر (ع) قد توفي.
208 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه (5)، عن أبي عبدالله
(ع) قوله تعالى: " وكنتم على شفاحفرة من النار فأنقذكم منها (بمحمد) (6) " هكذا والله أنزل بها جبرئيل (ع) على محمد (صلى الله عليه وآله).
209 - عنه، عن أبيه، عن عمر بن عبدالعزيز، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبدالله (ع) " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (7) " هكذا فاقرأها.
____________
(1) لعله اشارة إلى الفتن التي حدثت بعده صلوات الله عليه في الشيعة فارتدوا. (آت).
(2) رواه الكشي ص 158 من رجاله عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن النضر مثله الا ان فيه (اما ان ميسر بن عبدالعزيز وعبدالله بن عجلان في تلك العصابة فما مكث بعد ذلك الا نحوا من سنتين حتى هلك صلوات الله عليه). انتهى. وفي نسخة من الروضة (ميسر وعبدالله بن عجلان) وهو الصحيح.
(3) في نسخة (سنتين) وهو الصواب.
(4) ضمير (عنه) راجع إلى احمد بن محمد بن خالد.
(5) فيه ارسال ورواه العياشي عن محمد ين سليمان الديلمي عن ابيه ولعلهما سقطا في هذا السند وفي بعض النسخ هكذا وهو الظاهر. (آت) ومحمد ين سليمان كان غاليا كذابا وكذا ابوه.
(6) آل عمران: 103. وقوله تعالى: (على شفا حفرة) اي طرفها ومشرفا على السقوط فيها بسبب الكفر والمعاصي. قله: (بمحمد) يعني انقذكم الله بمحمد (صلى الله عليه وآله). وقوله:
(هكذا والله نزل بها جبرئيل) اي بهذا المعنى.
(7) كذا في اكثر النسخ وفي سورة آل عمران اية 92. ولعله في الحديث (حتى تنفقوا ما تحبون)
كما يقرا في بعض النسخ اي جميع ما تحبون. (*)
الصفحة 184
210 - عنه، عن أبيه، عن علي بن اسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبصير، عن أبي عبدالله (ع) " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم (وسلموا للامام تسليما) أو اخرجوا من دياركم (رضى له) ما فعلوه إلا قليل منهم ولو (أن أهل الخلاف) فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (1) " وفي هذه الآية " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت (من أمر الوالي) ويسلموا (لله الطاعة) تسليما (2) ".
" 211 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبي جنادة الحصين بن المخارق ابن عبدالرحمن بن ورقاء بن حبشي بن جنادة السلولي صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عن أبي الحسن الاول (ع) في قول الله عزوجل: " اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم (3)
(فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسبق لهم العذاب (4) وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (5) ".
212 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية قال: تلا أبوجعفر (ع) " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم (6) " فإن خفتم تنازعا في الامر فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الامر
____________
(1) (ان اقتلوا انفسكم) اي عرضوا انفسكم للقتل بالجهاد او اقتلوها كما قتل بنو اسرائيل وان مصدرية او مفسرة لان كتبنا في معنى امرنا. قوله: (وسلموا) يحتمل ان يكون من كلامه (عليه السلام) اضافة للتقسير اي المراد بالقتل القتل الذي يكون في امر التسليم للامام (عليه السلام) وكذا فيما يذكر بعد ذلك وقوله: (رضى) اي يكون خروجكم لرضا الامام او على وفق رضاه. (آت).
والاية في سورة النساء: 66.
(2) اشارة إلى الاية الواردة في سورة النساء آية 64. وهذا احد بطون الاية الكريمة.
(3) النساء: 63. قوله: (ما في قلوبهم) اي من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب، (فاعرص عنهم) اي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم او عن قبول معذرتهم كما قيل. (آت).
(4) اوردهما عليها السلام للتفسير اي انما امر تعالى بالاعراض عنهم لسبق كلمة الشقاء عليهم اي علمه تعالى بشقائهم وببق تقدير العذاب لهم لعلمه بانهم يصيرون اشقياء بسوء اختيارهم ولعل الامر بالاعراض لعدم المبالغة والاهتمام في دعوتهم والحزن على عدم قبولهم او جبرهم على الاسلام. (آت). (5) في المصحف: (وعظهم وقل لهم قولا بليغا) وتركه في الخبر اما من النساخ او لظهوره.
(6) النساء: 59. (*)
الصفحة 185
منكم (1) ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ".
} حديث قوم صالح (ع) { 213 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (ع) قال: قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سأل جبرئيل (ع) كيف كان مهلك قوم صالح
(ع) فقال: يا محمدإن صالحا بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة ولا يجيبونه إلى خير قال: وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله عزوجل فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ست عشر سنة وقد بلغت عشرين ومائة سنة وأنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم فقد سئمتمكم وسئمتموني (2)، قالوا: قد أنصفت يا صالح فاتعدوا ليوم يخرجون فيه قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم (3) ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا فلما أن فرغوا دعوه.
فقالوا: يا صالح سل، فقال لكبيرهم: ما اسم هذا قالوا: فلان، فقال له صالح: يا فلان أجب فلم يجبه، فقال صالح: ما له لا يجيب؟ قالوا: ادع غيره، قال: فدعاها كلها بأسمائها فلم يجبه منها شئ، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها: ما لك لا تجيبين (5)، صالحا؟ فلم تجب فقالوا: تنح عنا ودعنا وآلهتنا ساعة، ثم نحوا بسطهم وفرشهم و نحوا ثيابهم وتمرغوا على التراب وطرحوا التراب على رؤوسهم وقالوا لاصنامهم:
____________
(1) مأخوذ من تتمة الاية السابقة. والغرض انه ليس المراد تنازع الرعية واولى الامر كما ذهب اليه اكثر المفسرين بل هو خطاب للمأمورين الذين قيل لهم: (اطيعوا الله) اي ان اشتبه عليكم امر وخضتم فيه تنازعا له لعدم علمكم فردوه إلى الله الخ. (آت).
(2) اي مللتكم ومللتموني.
(3) اي ز إلى ظهر بلدهم. (آت) وفي بعض النسخ (ظهورهم).
(4) اي لكبير الاصنام بناء ا على زعمهم حيث يعدونها من ذوي العقول. (آت)
(5) كذا وفي تفسير العياشي (ما بالكن لا تجبن).
(6) تمرغ في التراب: تقلب. (*)
الصفحة 186
لئن لم تجبن صالحا اليوم لتفضحن، قال: ثم دعوه فقالوا: يا صالح ادعها، فدعاها فلم تجبه، فقال لهم: يا قوم قد ذهب صدر النهار ولا أرى آلهتكم تجيبوني فاسألوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة فانتدب له (1) منهم سبعون رجلا من كبرائهم والمنظور إليهم منهم، فقالوا: يا صالح نحن نسألك فإن أجابك ربك اتبعناك وأجبناك ويبايعك جميع أهل قريتنا، فقال لهم صالح (ع): سلوني ما شئتم، فقالوا: تقدم بنا إلى هذا الجبل وكان الجبل قريبا منهم فانطلق معهم صالح فلما انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنامن هذا الجبل الساعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء (2) بين جنبيها ميل، فقال لهم صالح: لقد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي عزوجل قال:
فسأل الله تعالى صالح ذلك فانصدع الجبل صدعا (3) كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك ثم اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا كالمرأة إذا أخذها المخاض ثم لم يفجأهم إلا رأسها (4) قد طلع عليهم من ذلك الصدع فما استتمت رقبتها حتى اجترت (5) ثم خرج سائر جسدها ثم استوت قائمة على الارض فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك، ادع لنا ربك يخرج لنا فصيلها (6)، فسأل الله عزوجل ذلك فرمت به فدب حولها فقال لهم: يا قوم أبقي شئ؟ قالوا: لا انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون بك قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة و ستون رجلا وقالوا: سحر وكذب، قالوا: فانتهوا إلى الجميع فقال الستة: حق وقال الجميع: كذب وسحر، قال: فانصرفوا على ذلك، ثم ارتاب من الستة واحد فكان فيمن عقرها.
____________
(1) قال الجوهري: ندبه للامر فانتدب له اي دعاه له فاجاب.
(2) شقراء اي شديد الحمرة. وبراء اي كثير الوبر. عشراء اي اتى على حملها عشرة اشهر.
وقوله: (بين جنبيها ميل) اي يكون عرضها قدر ميل. (آت).
(3) اي انشق الجبل شقا.
(4) اي لم يظهر لهم فجأة شئ الا رأسها. (آت).
(5) الاجترار هو ما يفعله بعض الدواب من إخراجها ما في بطنها مضغة وابتلاعه ثانيا. (آت). (6) الفصيل: ولد الناقة.
(7) قال الجوهري: الجميع صد المتفرق، والجميع: الجيش، والجميع: الحي المجتمع. (آت). (*)
الصفحة 187
قال ابن محبوب: فحدثت بهذا الحديث رجلا من أصحابنا يقال له: سعيد بن يزيد فأخبرني أنه رأى الجبل الذي خرجت منه بالشام قال: فرأيت جنبها قد حك الجبل فأثر جنبها فيه وجبل آخر (1) بينه وبين هذا ميل.
214 - على بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبدالرحمن، عن علي بن أبي حمزة، عن أبى بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له: " كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشر منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر * أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (2) " قال: هذا بما كذبوا به صالحا وما أهلك الله عزوجل قوما قط حتى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم فبعث الله إليهم صالحا فدعاهم إلى الله فلم يجيبوا وعتوا عليه وقالوا: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة ويجتمعون عندها فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا فادع لنا إلهك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء، فأخرجها الله كما طلبوا منه.
ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه أن يا صالح قل لهم: أن الله قد جعل لهذه الناقة [من الماء] شرب يوم (3) ولكم شرب يوم وكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم فمكثوا بذلك ما شاء الله.
____________
(1) الحاصل انها راى جبلين بينهما قدر ميل بقدر عرض البعير وكان في كل من الجانبين اثر جنبها.
وفي تفسير المجمع عن ابن محبوب عن الرجل الذي راى ارض ثمود والجبلين انه قال وجدته ثمانين ذراعا.
(2) القمر: 24 إلى 26. وقوله: (منا) اي من جنسنا وجملتنا، لا فضل له علينا، وانتصابه بفعل يفسره ما بعده، واحدا منفردا لا تبع له من آحادهم دون اشرافهم، (نتبعه انا إذا لفي ضلال وسعر) كانهم عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم اياه ما رتبه على ترك اتباعهم له. وقيل: السعر:
الجنون ومنه: ناقة مسعورة، (أء لقى الذكر) الكتاب والوحى عليه (من بيننا) وفينا من هو احق منه بذلك (بل هو كذاب اشر) حمله بطره على الترفع علينا بادعائه. (آت).
(3) الشرب بالكسر: النصيب من الماء. (*)
الصفحة 188
ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقرواهذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم، ثم قالوا من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب، فجاء هم رجل أحمر، أشقر، أزرق (1) ولد زنا لا يعرف له أب يقال له: قدار، شقي من الاشقياء (2) مشؤوم عليهم فجعلوا له جعلا فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت الماء وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا فضربها ضربة اخرى فقتلها وخرت إلى الارض على جنبها وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل فرغى ثلاث مرات (3) إلى السماء وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد منهم إلا شركه في ضربته واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها فلما راى ذلك صالحا أقبل إليهم فقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصيتم ربكم، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح (ع) أن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم ولم يكن عليهم فيها ضرر وكان لهم منها أعظم المنفعة فقل لهم: إني مرسل عليكم عذابي إلى ثلاثة أيام فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث، فأتاهم صالح (ع) فقال يا قوم إني رسول ربكم إليكم وهو يقول لكم:
إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتا ما كانوا وأخبث وقالوا: " يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (4) " قال:
يا قوم إنكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة واليوم الثاني وجوهكم محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة فما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوههم مصفرة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح
____________
(1) في القاموس: الاشقر من الناس من تعلو بياضه حمرة.
(2) (قدار) قال الجوهري: قدار بضم القاف وتخفيف الدار يقال له: احمر ثمود وعاقر ناقة صالح.
(3) (فرغى) قال في القاموس: رغى البعير: صوت وضج.
(4) الاعراف: 77، وفيها (ان كنت من المرسلين) ولعلها نقل بالمعنى، او من النساخ، او ماخوذة من الاية لا لفظها. (*)
الصفحة 189
ولا نقبل قوله وإن كان عظيما، فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ولم يتوبوا ولم يرجعوا فلما كان اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا:
يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل (ع) فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم وقد كانوا في تلك الثلاثة الايام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعون في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق لهم ناعقة ولا راغية ولا شئ إلا أهلكه الله (1) فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصتهم.
215 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن الزبير قال: حدثني فروة، عن أبي جعفر (ع) قال:
ذاكرته شيئامن أمرهما فقال: ضربوكم على دم عثمان ثمانين سنة (2) وهم يعلمون أنه كان ظالما فكيف يا فروة إذا ذكرتهم صنميهم.
216 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن على بن النعمان عن عبدالله بن مسكان، عن سدير قال: كنا عند أبي جعفر (ع) فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) واستذلالهم أمير المؤمنين (ع) فقال رجل من القوم: أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟ فقال أبوجعفر (ع): ومن كان بقي من
____________
(1) النعيق وهو صوت الراعي بغنمه اي لم تبق منهم جماعة يتأتى منهم النعيق والرعي وفي بعض النسخ
(فلم يبق لهم ثاغية ولا راغية) قال الجوهرى: الثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلهما والثاغية:
الشاة والراغية: البعير، وما بالدار ثاغ ولا راغ اي احد وقال: قولهم: ماله ثاغية ولا راغية اي ماله شاة ولا ناقة انتهى. وهو الاظهر. وهو الموجود في روايات العامة ايضا في تلك القصة. (من آت).
(2) لعله كان هذا الكلام في قرب وفاته (عليه السلام) اذ كان مقتل عثمان إلى وفاته صلوات الله عليه نحو من ثمانين سنة لانه كان وفاته (عليه السلام) سنة اربع عشر ومائة (آت). (*)
الصفحة 190
بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالاسلام: عباس وعقيل وكانا من الطلقاء أما والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ولو كانا شاهديهما لاتلفا نفسيهما (1).
217 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي عبدالله (ع) قال: من اشتكى الواهنة أو كان به صداع أو غمرة بول (2) فليضع يده على ذلك الموضع وليقل: " اسكن سكنتك بالذي سكن له ما في الليل والنهار وهو السميع العليم ".
218 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمدبن محمد بن أبي نصر، والحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة (3)، عن أبي عبدالله (ع) قال الحزم في القلب (4) والرحمة في والغلظة في الكبد والحياء في الرية.
وفي حديث آخر لابى جميلة العقل مسكنه في القلب.
219 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر قال اشتكى غلام إلى أبي الحسن (ع) فسأل عنه، فقيل: إنه به طحالا (5) فقال:
____________
(1) اي لفتلهما.
(2) الواهنة: الضعف. والعضد. وفقرة في القفا. وريح تاخذ في المنكبين او في العضد او في الاخدعين و (هما عرقان) ويكون ذلك عند الكبر. واسفل الاضلاع يقال: انه لشديد الواهنتين اي شديد الصدر (المنجد) وقوله: (غمرة بول) بالراء المهملة وفي بعضها (بوله). وفي بعض النسخ بالزاي المعجمة. وغمرة الشئ شدته ومزدحمه والغمز بالزاي: العصر وعلى تقادير الظاهر احتباس البول. (آت) وفي بعض النسخ (غمرة تؤلمه).
(3) ابوجميلة هو مفضل بن صالح الاسدى النخاس مولاهم ضعيف كذاب يضع الحديث روى عن ابي عبدالله وابى الحسن موسى (عليهما السلام) ومات في حياة الرضا (عليه السلام) (قاله العلامة في خلاصة).
(4) الحزم: ضبط الامر والاخذ فيه بالثقة.
(5) الطحال بكسر الطاء: غدة اسفنجية في يسار جوف الانسان وغيره من الحيوانات لازقة بالجنب والجمع: اطحله وطحل وطحالات. والطحال بضم الطاء: داء يصيب الطحال بكسر الطاء. (*)
الصفحة 191
أطعموه الكراث ثلاثة أيام، فأطعمناه إياه (1) فقعد الدم ثم برأ.
220 - محمد بن يحيى، عن غير واحد، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عمرو بن إبراهيم قال: سألت أبا جعفر (ع) وشكوت إليه ضعف معدتي، فقال: اشرب الحزاء بالماء البارد (2)، ففعلت فوجدت منه ما أحب.
221 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بكر بن صالح قال: سمعت أبا الحسن الاول (ع) يقول: من الريح الشابكة والحام والابردة في المفاصل (3)
تأخذ كف حلبة وكف تين يابس تغمرهما بالماء وتطبخهما في قدر نظيفة ثم تصفى ثم تبرد ثم تشربه يوما وتغب يوما حتى تشرب منه تمام أيامك قدر قدح روي.
222 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن نوح بن شعيب، عمن ذكره، عن أبي الحسن (ع) قال: من تغير عليه ماء الظهر (4)
فلينقع له اللبن الحليب والعسل (5).
223 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد (6) عن محمد بن جمهور، عن حمران قال:
قال أبوعبدالله (ع): فيم يختلف الناس؟ قلت: يزعمون أن الحجامة في يوم الثلاثاء أصلح،
____________
(1) في بعض النسخ (فاطعموه اياه). وقوله: (فقعد الدم) اي سكن ولعله كان طحاله من غليان الدم فقد يكون منه نادرا او انهم ظنوا انه الطحال فاخطأوا ويحتمل ان يكون المراد انه انفصل عنه الدم. (آت).
(2) الحزاء نبت بالبادية يشبه الكرفس الا انه اعرض ورقا منه. (آت).
(3) الريح الشابكة: لعل المراد الريح التي تحدث في الجلد فتشبك بين اللحم والجلد والحام لم نعرف له معنى ولعله من حام الطير على الشئ اي دوم اي الريح اللازمة (آت). والابردة بكسر الهمزة والراء: علة معروفة من غلبة البرد والرطوبة يفتر عن الجماع (الصحاح). والحلبة بالضم:
نبت نافع للصدر والسعال والربو والبلغم والبواسير والظهر والكبد والمثانة والباءة. (القاموس)
(4) اي لم ينعقد الولد من مائه ويحتمل ان يكون المراد قلة الباه. (آت).
(5) اللبن الحليب هو الذي لم يغير ولم يصنع منه شئ آخر وانما وصف به اذ قد يطلق اللبن على الماست (آت). (6) معلى بن محمد هذا ابوالحسن البصري مضطرب الحديث والمذهب (قاله العلامة في الخلاصة) وفي بعض النسخ (عن علي بن محمد). (*)
الصفحة 192
قال: فقال لي: وإلى ما يذهبون في ذلك؟ قلت: يزعمون أنه يوم الدم، قال: فقال:
صدقوا فأحرى أن لا يهيجوه في يومه أما علموا أن في يوم الثلاثاء ساعة من وافقها لم يرق دمه حتى يموت أو ما شاء الله.
224 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن رجل من الكوفيين، عن أبي عروة أخي شعيب أو عن شعيب العقرقو في قال: دخلت على أبي الحسن الاول (ع) وهو يحتجم يوم الاربعاء في الحبس فقلت له: إن هذا يوم يقول الناس: إن من احتجم فيه أصابه البرص، فقال: إنما يخاف ذلك على من حملته امه في حيضها.
225 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة (1)، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: لا تحتجموا في يوم الجمعة مع الزوال فإن من احتجم مع الزوال في يوم الجمعة فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه.
226 - محمدبن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي (2)، عن أبي سلمة، عن معتب عن أبي عبدالله (ع) قال: الدواء أربعة: السعوط والحجامة والنورة والحقنة (3).
227 - علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة قال: شكا رجل إلى أبي عبدالله (ع) السعال وأنا حاضر، فقال له: خذ في راحلتك شيئا من كاشم (4)
____________
(1) صالح بن عقبة يرمى بالغلو لا يلتفت اليه. على ما في الخلاصة.
(2) هو الحسن بن على الوشاء وابوسلمة هو سالم بن المكرم ابوخديجة ثقة على ما ذكره النجاشي فعلى هذا فالسند صحيح لان معتب مولى ابي عبدالله الصادق (عليه السلام) ثقة وهو من افضل مواليه وخيرهم.
(3) اي معظم الادوية وغيرها لفلة نفعها ليست بدواء.
(4) الكاشم: الانجدان الرومى. واعلم ان ما ورد في معالجة الامراض في الروايات ينبغي في استعماله مراعاة الاهوية والازمنة والامكنة والامزجة وغيرها قال الصدوق رحمه الله اعتقادنا في الاخبار الواردة في الطب انها على وجوه منها ما قيل على هواء مكة والمدينة ولا يجوز استعماله في سائر الاهوية ومنها ما اخبر به العالم على ما عرف من طبع السائل ولم يعتبر بوصفه إذا كان اعرف بطبعه منه ومنها مادلسه المخالفون في الكتب لتقبيح صورة المذهب عند الناس ومنها ما وقع فهى سهو من ناقله ومنها ما حفظه بعضه ونسي بعضه وما روى في العسل انه في شفاء من كل داء فهو صحيح ومعناه انه شفاء من كل داء بارد وما روى في الاستنجاء بالماء البارد لصاحب البواسير فان ذلك إذا كان بواسيره من الحرارة الخ. راجع سفينة البحار ج 2 عنوان (طبب). (*)
الصفحة 193
ومثله من سكر فاستفه يوما أو يومين، قال: ابن اذينة فلقيت الرجل بعد ذلك، فقال:
ما فعلته إلا مرة واحدة حتى ذهب.
228 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن موسى بن عمران (ع) شكا إلى ربه تعالى البلة والرطوبة فأمر الله تعالى أن يأخذ الهليلج، والبليلج والاملج (1) فيعجنه بالعسل ويأخذه، ثم قال أبوعبدالله (ع): هو الذي يسمونه عندكم الطريفل.
229 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن يحيى، عن أخيه العلاء، عن إسماعيل بن الحسن المتطبب قال: قلت لابي عبدالله (ع): إني رجل من العرب ولي بالطب بصر وطبي طب عربي ولست آخذ عليه صفدا؟
فقال: لا بأس، قلت: إنا نبط الجرح ونكوي بالنار؟ قال: لابأس، قلت: و نسقي هذه السموم الاسمحيقون والغاريقون؟ فقال: لا بأس، قالت: إنه ربما مات؟
قال وإن مات، قلت: نسقي عليه النبيذ؟ قال: ليس في حرام شفاء (5)، قد اشتكى
____________
(1) الهليلج: ثمر منه اصفر ومنه اسود ومنه كابلى له نفع ويحفظ العقل ويزيل الصدع. و البليلج: بكسر الباء واللام الاولى وفتح الثانية: دواء هندي معروف يتداوى به (مجمع البحرين) والاملج ثمر شجر يكثر في الهند وهو نوع من الادوية يتداوى به ويسمونه الطريفل.
(2) الصفد: العطاء.
(3) البط: الشق، وبط الدمل والجرح والصرة ونحوهما: شقه.
(4) (الاسمحيقون) قال المجلسي رحمه الله: لم نجده في كتب الطب واللغة والذي وجدته هو اسطمخيقون وهو حب مسهل للسوداء والبلغم ولعل مات في النسخ تصحيف هذا. وفي مجمع البحرين: الاسمحيقون بالسين والحاء المهملتين بينهما ميم والقاف بعد الياء المثناة من تحتها كما صحت به النسخ ثم الواو والنون: نوع من الادوية يتداوى به ومنه الحديث نسقى هذه السموم الاسمحيقون والغاريقون. انتهى.
(5) يدل على عدم جواز التداوى بالحرام مطلقا كما هو ظاهر اكثر الاخبار وان كان خلاف المشهور وحمل على ما إذا لم يضطر اليه ولا اضطرار اليه وقوله (عليه السلام): (قد اشتكى) لعله استشهاد للتداوي بالدواء المر. (آت). (*)
الصفحة 194
رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت له عائشة: بك ذات الجنب؟ فقال: أنا أكرم على الله عزوجل (1) من أن يبتليني بذات الجنب، قال: فأمر فلد بصبر (2).
230 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن يونس بن يعقوب قال:
قلت لابي عبدالله (ع): الرجل يشرب الدواء ويقطع العرق وربما انتفع به، وربما قتله؟ قال: يقطع ويشرب (3).
231 - أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن محمد ابن عبد الحميد، عن الحكم بن مسكين، عن حمزة بن الطيار (4) قال: كنت عند أبي الحسن الاول (ع) فرآني أتأوه، فقال: مالك؟ قلت: ضرسي،، فقال: لو احتجمت (5)
فاحتجمت فسكن فأعلمته فقال لي: ما تداوي الناس بشئ خير من مصة دم أو مزعة عسل (6)، قال: قلت: جعلت فداك ما المزعة عسل؟ قال: لعقة عسل (7).
232 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، عن سليمان ابن جعفر الجعفري قال: سمعت أبا الحسن موسى (ع) يقول: دواء الضرس تأخذ حنظلة فتقشرها ثم تستخرج دهنها فإن كان الضرس مأكولا منحفرا تقطر فيه قطرات وتجعل منه في قطنة شيئا وتجعل في جوف الضرس وينام صاحبه مستلقيا يأخذه ثلاث ليال فإن كان الضرس لا أكل فيه وكانت ريحا قطر في الاذن التي تلي ذلك الضرس
____________
(1) لعله لاستلزام ذلك المرض اختلال العقر وتشويش الدماغ غالبا. (آت)
(2) في القاموس: اللدود كصبور: ما يصب بالمسعط من الدواء في احد شقي الفم وقد لده لدا ولدودا ولده اياه ولدة وألده ولد فهو ملدود.
(3) يدل على جواز التداوي بالادوية والاعمال خطيرة. (آت).
(4) حمزة بن الطيار مات في حياة الصادق (عليه السلام) وترحم عليه فروايته عن ابي الحسن (عليه السلام) لعلها كانت في حياة ابيه (عليهما السلام).
(5) (لو) للتمني.
(6) (مزعة عسل) بالزاي المعجمة والعين المهملة قال الجوهري: المزعة بالضم والكسر:
قطعة لحم يقال: ما عليه مزعة لحم وما في الاناء مزعة من الماء أي جرعة (آت).
(7) اللعقة بضم اللام مصدر: ما تاخذه في الملعقة او باصبعك، والقليل مما يلعق. (*).
الصفحة 195
ليالي كل ليلة قطرتين، أو ثلاث قطرات يبرأ بأذن الله، قال: وسمعته يقول: لوجع الفم و الدم الذي يخرج من الاسنان والضربان والحمرة التي تقع في الفم تأخذ حنظلة رطبة قد اصفرت فتجعل عليها قالبا من طين (1) ثم تثقب راسها وتدخل سكينا جوفها فتحك جوانبها برفق ثم تصب عليها خل تمر (2) حامضا شديد الحموضة ثم تضعها على النار فتغليها غليانا شديدا ثم يأخذ صاحبه منه كلما احتمل ظفره فيدلك به فيه و يتمضمض بخل وإن أحب أن يحول ما في الحنظلة في زجاجة أو بستوقة (3) فعل وكلما فنى خله أعاد مكانه وكلما عتق كان خيرا له إن شاء الله (4).
233 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن الحسن ابن أسباط، عن عبدالرحمن بن سيابة قال: قلت لابي عبدالله (ع): جعلت لك الفداء إن الناس يقولون: إن النجوم لا يحل النظر فيها وهي تعجبني فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني وإن كانت لاتضر بديني فوالله إني لاشتهيها وأشتهي النظر فيها؟ فقال: ليس كما يقولون، لا تضر بدينك، ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك وقليلة لا ينتفع به، تحسبون على طالع القمر، ثم قال أتدرى كم بين المشتري والزهرة من دقيقة؟ قلت: لا والله، قال: أفتدري كم بين الزهرة و بين القمر من دقيقة؟ قلت: لا، قال: أفتدري كم بين الشمس وبين السنبلة (5) من دقيقة؟
قلت: لا والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط، قال: أفتدري كم بين السنبلة و بين اللوح المحفوظ من دقيقة؟ قلت: لا والله ما سمعته من منجم قط، قال: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستون أو سبعون دقيقة، شك عبدالرحمن، ثم قال: يا عبد الرحمن هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف القصبة التي وسط الاجمة
____________
(1) اي يطلى جميعها بالطين لئلا يفسدها النار إذا وضعت عليها ولا يخرج مها شئ إذا حصل خرق اوثقب. (آت).
(2) في بعض النسخ (خل خمر) اي صار بالعلاج خلا. (آت).
(3) معرب بستو. (4) عتق الخمر قدمت وحسنت.
(5) في بعض النسخ (السكينة) فتكون اسم كوكب غير معروف وهذا انسب بقوله: (ما سمعته من منجم). (آت). (*)
الصفحة 196
وعدد ما عن يمينها وعدد ما عن يسارها وعدد ما خلفها وعدد ما أمامها حتى لا يخفى عليه قصب الاجمة واحدة.
234 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال:
أخبرنا النضر بن قرواش الجمال قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن الجمال يكون بها أعزلها من إبلي مخافة أن يعديها جربها والدابة ربما صفرت (1) لها حتى تشرب الماء؟ فقال أبوعبدالله (ع): إن أعرابيا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني اصيب الشاة والبقرة والناقة بالثمن اليسير وبها جرب فاكره شراء ها مخافة أن يعدي ذلك الجرب إبلي وغنمي؟ فقال له رسول الله (ع): يا أعرابي فمن أعدى الاول، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا عدوى، ولا طيرة، ولاهامة، ولا شوم، ولا صفر، ولا رضاع بعد فصال ولا تعرب بعد هجرة، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك ولا يتم بعد إدراك (2).
____________
(1) من الصفير.
(2) قال الجزري: العدوى: اسم من الاعداء كالرعوى والبقوى من الارعاء والابقاء، يقال:
اعداء الداء يعديه اعداءا وهو ان يصيبه مثل ما بصاحب الداء وذلك ان يكون ببعير جرب مثلا فتتقى مخالطته بابل اخرى حذار أن يتعدى ما به من الجرب اليها فيصيبها ما اصابه وقد ابطله الاسلام لانهم كانوا يظنون ان المرض بنفسه يتعدى فاعلمهم النبي (صلى الله عليه وآله) انه ليس الامر كذلك وانما الله تعالى هو الري يمرض وينزل الداء ولهذا قال في بعض الاحاديث (فمن اعدى البعير الاول)
اي من اين صار فيه الجرب انتهى. اقول: يمكن ان يكون المراد نفي استقلال العدوى بدون مدخلية مشيئة الله تعالى بل مع الاستعاذة بالله يصرفه عنه فلا ينافي الامر بالفرار من المجذوم وامثاله لعامة الناس الذين لضعف يقينهم لا يستعيذون به تعالى وتتأثر نفوسهم بامثاله وقد روى ان على بن الحسين (عليهما السلام) اكل مع الجذومين ودعاهم إلى طعامه وشاركهم في الاكل. وقيل: الجذام مستثنى من هذه الكلية وقال الطيبي العدوى مجاوزة العلة او الخلق إلى الغير وهو يزعم الطب في سبع: الجذام والجرب والجدري والحصبة والنجر والرمد والامراض الوبائية. (فابطله الشرع) اي لا تسري علة إلى شخص وقيل: بل نفى استقلال تاثيره بل هو متعلق بمشيئة الله ولذا منع مقاربته كمقاربة الجدار المائل و السفينة المعيبة واجاب الاولون بان النهي عنها للشفقة خشية ان يعتقد حقيته إن اتفق اصابة عاهة (*)
الصفحة 197
235 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن عمرو بن حريث قال: قال أبوعبدالله (ع): الطيرة، على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها
____________
وارى هذا القول اولى لما فيه من التوفيق بين الاحاديث والاصول الطبية التي ورد الشرع باعتبارها على وجه لا يناقض اصول التوحيد.
وقوله: (ولا طيرة) هذا ايضا مثل السابق والمراد انه لا يجور التطير والتشؤم بالامور او لا تأثير للطيرة على الاستقلال بل مع قوة النفس وعدم التاثر بها والتوكل على الله تعالى ترتفع تاثيرها ويؤيده ما ورد في بعض الاخبار من الدلالة على تاثيرها في الجملة وما ورد في بعض الادعية من الاستعاذة منها، قال الجزري: فيه لا عدوى ولا طيرة. الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد يسكن هي التشؤم بالشئ وهو مصدر تطير يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما و كان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وابطله ونهى عنه واخبر انه ليس له تعثير في جلب نفع او دفع ضرر.
قوله: (ولا هامة) قال الجزرى: فيه لا عدوى ولا هامة. الهامة: الراس واسم طائر وهو المراد في الحديث وذلك انهم كانوا يتشامون بها وهي من طير الليل وقيل: هي البومة وقيل: كانت العرب تزعم ان روح القتيل الذي لا يدرك بثاره تصير هامة فتقول: اسفوني اسفوني فاذا ادرك بثاره طارت وقيل: كانوا يزعمون ان عظام الميت وقيل: روحه تصير هامة فتطير ويسمونه الصدى فنفاه الاسلام ونهاهم عنه وذكره الهروى في الهاء والواو وذكره الجوهري في الهاء والياء.
قوله (صلى الله عليه وآله): (ولا صفر) قال الجزرى: فيه لا عدوى ولا هامة ولا صفر. كانت العرب تزعم ان في البطن حية يقال لها: الصفر تصيب الانسان إذا جاع وتؤذيه وانها تعدى فابطل الاسلام ذلك. وقيل: اراد به النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلونه صفر هو الشهر الحرام فابطله. انتهى. وقيل: هو الشهر المعروف زعموا انه يكثر فيه الدواهي والفتن فنفاه الشارع ويحتمل ان يكون المراد هنا النهي عن الصفير بقرينة انه (عليه السلام) لم يذكر الجواب عنه وهو بعيد والظاهر ان الراوى ترك جواب الصفير ويظهر من بعض الاخبار كراهته.
قوله: (ولا رضاع بعد فصال) اي لا حكم للرضاع بعد الزمان الذي يجب فيه قطع اللبن عن الولد اي بعد الحولين فلا ينشر الحرمة.
قوله: (ولا تعرب بعد هجرة) اي لا يجوز اللحوق بالاعراب وترك الهجرة بعدها وعد في كثير من الاخبار من الكبائر. (*)
الصفحة 198
تشددت وإن لم تجعلها شيئا لم تكن شيئا (1).
236 - على بن إبراهيم، عنه أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (ع)
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كفارة الطيرة التوكل.
237 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد وغيره، عن بعضهم، عن أبي عبدالله (ع) وبعضهم، عن أبي جعفر (ع) في قول الله عز وجل: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (2) " فقال: إن هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت وكان الطاعون يقع فيهم في كل أوان، فكانوا إذا أحسوا به خرج من المدينة الاغنياء لقوتهم وبقي فيها الفقراء لضعفهم فكان الموت يكثر في الذين أقاموا ويقل في الذين خرجوا فيقول الذين خرجوا لو كنا أقمنا لكثر فينا الموت ويقول الذين أقاموا: لو كنا خرجنا لقل فينا الموت قال: فاجتمع رأيهم جميعا أنه إذا وقع الطاعون فيهم وأحسوا به خرجوا كلهم من المدينة فلما أحسوا بالطاعون خرجوا جميعا وتنحوا عن الطاعون حذر الموت فساروا في البلاد ما شاء الله.
ثم إنهم مروا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون فنزلوا بها فلما حطوا رحالهم واطمأنوا بها قال الله عزوجل: موتوا جميعا فماتوا
____________
قوله: (ولا صمت يوما إلى الليل) اي لا يجوز التعبد بصوم الصمت الذي كان في الامم السابقة فانه منسوخ في هذا الشرع.
قوله: (ولا طلاق قبل نكاح) كان يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق. فلا يتحقق هذا الطلاق وكذا قوله: (لا عتق قبل ملك).
قوله (صلى الله عليه وآله): (ولا يتم بعد ادراك) اي يرفع حكم اليتيم من حجره وولاية الولى عليه وحرمة اكل ماله بغير اذن وليه وغيرها بعد بلوغه. (آت).
(1) يدل على ان تاثير الطيرة ينتفى بعدم الاعتناء بالتوكل على الله تعالى. (آت).
(2) البقرة: 243. (*)
الصفحة 199
من ساعتهم وصاروا رميما يلوح (1) وكانوا على طريق المارة فكنستهم المارة فنحوهم وجمعوهم في موضع فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل فلما رأى تلك العظام بكى واستعبر وقال: يا رب لو شئت لاحييتهم الساعة كما أمتهم فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك فأوحى الله تعالى إليه: أفتحب ذلك قال: نعم يارب فاحيهم (2) قال: فأوحى الله عزوجل إليه أن قل كذاوكذا، فقال الذي أمره الله عزوجل أن يقوله - فقال أبوعبدالله (ع): وهو الاسم الاعظم فلما قال:
حزقيل ذلك الكلام نظر إلى العظام يطير بعضها إلى بعض فعادوا أحياء ا ينظر بعضهم إلى بعض يسبحون الله عز ذكره ويكبرونه ويهللونه، فقال حزقيل عند ذلك:
أشهد أن الله على كل شئ قدير. قال عمر بن يزيد: فقال أبوعبدالله (ع): فيهم نزلت هذه الآية.
238 - ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: أخبرني عن قول يعقوب (ع) لبنيه: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (3) " أكان يعلم أنه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة، قال: نعم، قال: قلت: كيف علم؟ قال: إنه دعا في السحر وسأل الله عزوجل أن يهبط عليه ملك الموت فهبط عليه بريال وهو ملك الموت، فقال له بريال:
ما حاجتك يا يعقوب؟ قال أخبرني عن الارواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة؟ قال: بل أقبضها متفرقة روحا روحا، قال له: فأخبرني هل مر بك روح يوسف فيما مر بك؟
قال: لا فعلم يعقوب أنه حي فعند ذلك قال لولده: " إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ".
239 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الحصين، عن خالد بن يزيد القمى، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (ع)
____________
(1) اي يظهر للناس عظامهم المندرسة من غير جلد ولحم. (آت).
(2) في بعض النسخ (فاحياهم الله) فيكون قوله: (فاوحى الله) تفصيلا وتفسيرا للاحياء. (آت).
(3) يوسف: 87. والتحسس: طلب الاحساس اي تعرفوا منها وتفحصوا عن حالهما. (آت). (*)
الصفحة 200
في قول الله عزوجل " وحسبوا ألا تكون فتنة (1) " قال: حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله) بين أظهرهم " فعموا وصموا " حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ثم تاب الله عليهم " حيث قام أمير المؤمنين (ع)، قال: " ثم عموا وصموا " إلى الساعة.
240 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم (2) " قال: الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى ابن مريم (ع) (3).
241 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد بن أبي حمزة، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قرأ رجل على أمير المؤمنين (ع): " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (4) " فقال: بلى والله لقد كذبوه أشد التكذيب ولكنها مخففة
" لا يكذبونك " لا يأتون بباطل يكذبون به حقك.
242 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن
____________
(1) المائدة: 71. وتمام الاية: (وحسبوا الا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون). والمشهور بين المفسرين انها لبيان حال بنى اسرائيل اي حسبت بنو اسرائيل الا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الانبياء وتكذيبهم وعلى تفسيره (عليه السلام) المراد الفتنة التي حدثت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من غصب الخلافة وعماهم عن دين الحق وصممهم عن استماعه وقبوله. (آت).
(2) المائدة: 78.
(3) المشهور بين المفسرين والمؤرخين وظاهر الاية الكريمة بل صريحها حيث قال في قصة اصحاب السبت: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين). عكس ذلك وقد ورد في اكثر رواياتنا ايضا كذلك اي مسخهم قردة كان في زمان داود ومسخهم خنازير في زمان عيسى (عليهما السلام) ولعله من النساخ لكن في تفسيري العياشي وعلى بن ابراهيم في هذا المقام كما في الكتاب. (آت).
(4) الانعام: 33. قال الطبرسي: قرأ نافع والكسائي والاعشى عن ابي بكر (لا يكذبونك)
بالتخفيف وهو قراءة علي (عليه السلام) والمروى عن جعفر الصادق (عليهما السلام) والباقون: بفتح الكاف والتشديد. (*)
الصفحة 201
ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (ع) قال: سألته عن قول الله عزو جل:
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ (1) " قال نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة هدر دمه (2) وكان يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا أنزل الله عزوجل " إن الله عزيز حكيم " كتب " إن الله عليم حكيم " فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله): دعها (3) فإن الله عليم حكيم وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إني لاقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل.
242 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن محمد ابن مسلم قال: قلت لابي جعفر (ع): قول الله عزوجل: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " (4) فقال: لم يجئ تأويل هذه الآيه بعد، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخص لهم (5) لحاجته وحاجة أصحابه فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم لكنهم يقتلون حتى يوحد الله عزوجل وحتى لا يكون شرك.
____________
(1) الانعام: 93.
(2) ذلك قبل ان يحاميه عثمان ويحسر على رسول الله في اخذ الامان له. (آت).
(3) اي اتركها كما نزلت ولا تغيرها وان ما كتبت وان كان حقا لا يجوز تغيير ما نزل من القرآن فقوله: (فما يغير على، اما افتراء منه على الرسول او هو اشارة إلى ماجرى على لسانه ونزل الوحي مطابقا له. (آت).
(4) الانفال: 39. قال الطبرسي رحمه الله: هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين ان يقاتلوا الكفار حتى لا تكون فتنة اي شرك عن ابن عباس والحسن ومعناه حتى لا يكون كافرا بغير عهد لان الكافر إذا كان بغير عهد كان عزيزا في قومه ويدعو الناس إلى دينه فتكون الفتنة في الدين. وقيل: حتى لا يكون يفتن مؤمن عن دينه ويكون الدين كله لله اي ويجمع اهل الحق واهل الباطل على الدين الحق فيما يعتقدونه ويعملون به فيكون الدين حينئذ كله لله باجتماع الناس عليه وروى زرارة وغيره عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لم يجئ تأويل هذه الاية ولو قد قام قائمنا بعد وسيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الاية ولو قد قام قائمنا بعد وسيرى من يدركه كما يكون من تأويل هذه الاية وليبلغن دين محمد (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك على ظهر الارض.
(5) اي بقبول الجزية من اهل الكتاب والفداء من المشركين واظهار الاسلام من المنافقين مع علمه بكفرهم. (آت). (*)
الصفحة 202
244 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعته يقول في هذه الآية: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم (1) " قال:
نزلت في العباس وعقيل ونوفل وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبوالبختري فاسروا فأرسل عليها (ع) فقال: انظر من ههنا من بني هاشم قال: فمر علي (ع) على عقيل بن أبي طالب كرم الله وجهه فحاد عنه فقال له عقيل:
يا ابن ام علي (2) أما والله لقد رأيت مكاني قال: فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: هذا أبوالفضل (3) في يد فلان وهذا عقيل في يد فلان وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى إلى عقيل فقال: له: يا أبا يزيد قتل أبوجهل قال: إذا لا تنازعون في تهامة فقال: إن كنتم أثخنتم (4) القوم وإلا فاركبوا أكتافهم (5) فقال: فجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابن أخيك (6) فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي فقال:
أعط مما خلفت عند ام الفضل وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شئ فانفقيه على ولدك ونفسك، فقال له: يا ابن أخي من أخبرك بهذا؟ فقال: أتاني به جبرئيل (ع) من عند الله عزوجل، فقال ومحلوفه (7): ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي أشهد أنك رسول الله، قال: فرجع الاسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم وفيهم نزلت هذه الآية " قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا إلى آخر الآية ".
____________
(1) الانفال: 70.
(2) اي ارحم علي او اقبل علي.
(3) هو كنية عباس بن عبدالمطلب.
(4) (فقال) اي عقيل وقال الجوهري: اثخنه اي اوهنه بالجراحة واضعفه. (آت).
(5) اي اتبعوهم وشدوا خلفهم وان اثخنتموهم فخلوهم. وقيل: القائل النبي صلى الله عليه و آله وركوب الاكتاف كناية عن شد وثاقهم اي ان ضعفوا بالجراحات فلا يقدرون على الهرب فخلوهم والا فشدوهم لئلا يهربوا وتكونوا راكبين على اكتافهم اي مسلطين عليهم. (آت).
(6) في بعض النسخ (ابني اخيك) اي نوفلا وعقيلا. (7) اي بالذي حلف به.
(8) قال الطبرسي رحمه الله انما ذكر الايدي لان من كان في وثاقهم فهو بمنزلة من يكون في ايديهم لاستيلائهم عليه، (من الاسرى) يعني اسراء بدر الذين اخذ منهم الفداء، (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) (*)
الصفحة 203
245 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن أبن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (ع) في قول الله عزوجل: " أجعلتم سقاية الحاج
____________
اي اسلاما واخلاصا او رغبة في الايمان وصحة نية، (يؤتكم خيرا) اي يعطكم خيرا (مما اخذ منكم)
من الفداء اما في الدنيا والاخرة واما في الاخرة، (ويغقر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) روى عن العباس ابن عبدالمطلب إنه قال: نزلت هذه الاية في وفي اصحابي كان معي عشرون اوقية ذهبا فاخذت مني فاعطاني الله مكانها عشرين عبدا كل منهم يضرب بمال كثير وادناهم يضرب بعشرى الف درهم مكان العشرين اوقية واعطاني زمزم وما احب ان لى بها جميع اموال اهل مكة وانا انتظر المغفرة من ربي، قال قتاده: ذكر لنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما قدم عليه مال البحرين ثمانون الفا وقد توضأ لصلاة الظهر فما صلى يومئذ حتى فرقه وامر العباس ان ياخذ منه يحثى فاخذ فكان العباس يقول: هذا خير مما اخذ مني وارجو المغفرة. انتهى.
وابوالبختري هو العاص بن هشام بن الحارث بن اسد ولم يقبل امان النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك اليوم وقتل فالضمير في قوله (ع): (اسروا) راجع إلى بني هاشم وابوالبختري معطوف على احد لانه لم يكن من بني هاشم وقد كان نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن قتله ايضا قال: ابن ابي الحدبد قال: الواقدي نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن قتل ابي البختري وكان قد لبس السلاح بمكة يوما قبل الهجرة في بعض ما كان ينال النبي (صلى الله عليه وآله) من الاذى وقال: لا يعرض اليوم احد لمحمد باذى الا وضعت فيه السلاح فشكر ذلك له النبي (صلى الله عليه وآله) وقال ابوداود المازني: فلحقته يوم بدر فقلت له: ان رسول لله نهى عن قتلك ان اعطيت بيدك قال: وما تريد إلى ان كان قد نهى عن قتلى فقد كنت ابليته ذلك فاما ان اعطى بيدى فواللات والعزى لقد علمت نسوة مكة اني لا اعطي بيدي وقد عرفت انك لا تدعني فافعل الذي تريد فرماه ابوداود بسهم وقال: اللهم سهمك وابوالبخترى عبدك فضعه في مقتله وابوالبختري دارع ففتق السهم الدرع فقتله قتال الواقدي: ويقال ان المجذر بن زياد قتل ابا البختري ولا يعرفه فقال المجذر في ذلك شعرا عرف منه انه قاتله.
وفي رواية محمد بن اسحاق ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى يوم بدر عن قتل ابي البختري واسمه الوليد بن هشام بن الحارث بن اسد بن عبد الغزى لانه كان اكف الناس عن رسول الله لمكة كان لا يؤديه ولا يبلغه عني شئ يكرهه وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بن هاشم فلقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الانصار فقال له: ان رسول الله نهانا عن قتلك ومع ابي البخترى زميل له خرج معه من مكة يقال له: جنادة بن مليحة فقال ابوالبخترى: وزميلي قال المجرد:
والله ما نحن بتاركي زميلك مانهانا رسول الله الا عنك وحدك قال: إذا والله لاموتن انا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء اهل مكة اني تركت زميلي حرصا على الحياة فنازله المجذر وارتجز ابوالبختري فقال:
لن يسلم ابن حرة زميله * حتى يموت او يرى سبيله ثم اقتتلا فقتله الجدر وجاء إلى رسول الله فاخبره وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت ان يستاسر فاتيك به فابى الا القتال فقاتلته فقتلته ثم قال: قال: محمد بن اسحاق: وقد كان رسول الله في اول الواقعة نهى ان يقتل احد من بني هاشم وروى باسناده عن ابن عباس انه قال: قال النبي لاصحابه: اني عد عرفت ان رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لنا بقتلهم فمن لقى منكم احدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقى ابا البخترى فلا يقتله ومن لقى العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله فلا يقتله فانه انما اخرج مستكرها. (آت). (*)
الصفحة 204
وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر (1) " نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجابة فأنزل الله عزوجل " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر " وكان علي وحمزة وجعفر صلوات الله عليهم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله لا يستوون عند الله.
246 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام ابن سالم، عن عمار الساباطي قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله تعالى: " وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه (2) " قال: نزلت في أبي الفصيل إنه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنده ساحرا فكان إذا مسه الضر يعني السقم دعا ربه منيبا إليه يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يقول " ثم إذا خوله نعمة منه (يعني العافية) نسي ما كان يدعوا إليه من قبل " يعني نسي التوبة إلى الله عزوجل مما كان يقول في رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه ساحرولذلك قال الله عزوجل: " قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (3) " يعني إمرتك على الناس بغير حق من الله عزوجل ومن رسوله (صلى الله عليه وآله) قال:
ثم قال أبوعبدالله (ع) ثم عطف القول من الله عزوجل في علي (ع) يخبر بحاله و فضله عند الله تبارك وتعالى فقال: " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر
____________
(1) التوبة: 19. قال الطبرسي: قيل: انها نزلت في على (عليه السلام) وعباس بن عبدالمطلب وطلحة بن شيبة وذلك انهم افتخروا، فقال طلحة: انا صاحب البيت ويبدي مفتاحه ولو اشاء بت فيه، وقال العباس: انا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي بن ابي طالب (عليه السلام):
لا ادري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة اشهر قبل الناس وانا صاحب الجهاد، عن الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرظي. انتهى.
(2) الزمر: 8. وقوله: (منيبا) اي لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على ان مبدأ الكل منه،
(ثم إذا خوله) اي اعطاه من الخول وهو التعهد او الخول وهو الافتخار، (نعمة منه) اي من الله
(نسي) اي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه او ربه الذي كان يتضرع اليه. (البيضاوي) واعلم ان ما ذكره عله السلام في معنى الاية هو التأويل كما صرح به.
(3) الزمر: 8.
الصفحة 205
الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون (أن محمد رسول الله) والذين لا يعلمون (أن محمدا رسول الله وأنه ساحر كذاب) إنما يتذكروا اولوا الالباب (1) " قال:
ثم قال أبوعبدالله (ع): هذا تأويله يا عمار.
247 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان قال: تلوت عند أبي عبدالله (ع) " ذوا عدل منكم " فقال " ذو عدل منكم " هذا مما أخطأت فيه الكتاب.
248 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن رجل، عن أبي جعفر (ع) " لا تسألواعن أشياء (لم تبدلكم) إن تبدلكم تسؤكم (3) ".
249 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن محمد بن مروان قال: تلا أبوعبدالله (ع) " وتمت كلمت ربك (الحسنى) صدقا
____________
(1) الزمر: 9.
(2) المائدة 95. وهذا ورد في جزاء الصيد حيث قال تعالى (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) والمشهور بين المفسرين وما دلت عليه اخبار اهل البيت (عليهم السلام) وانعقد عليه احماع الاصحاب هو ان المماثلة معتبرة في الخلقة، ففي النعامة بدنة وفي حمار الوحش شبه البقرة وفي الظبي شاة. وقال ابراهيم النخعي: يوم الصيد قيمة عادلة ثم يشتري بثمنه مثله من النعم، (يحكم به ذوا عدل منكم) ذهب المفسرون إلى ان المراد انه يحكم في التقويم والمماثلة في الخلقة العدلان لانهما يحتاجان إلى نظر واجتهاد، هذا مبني على القراءة المشهورة من لفظ التثنية وقد اشتهر بين المفسرين ان قراءة اهل البيت (عليهم السلام) بلفظ المفرد وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله: قراءة محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): (يحكم به ذو عدل منكم) وقال البيضاوي وقرئ (ذو عدل) على ارادة الجنس. والمعنى على هذه القراءة انه يحكم بالمماثلة النبي أو الامام الموصوفان بالعدل والاستقامة في جميع الاقوال والافعال وقد حكموا بما ورد في اخبارهم من بيان المماثلة وعلى قراءة التثنية ايصضا يحتمل ان يكون المعنى ذلك بان يكون المراد النبي والامام (عليهما السلام). (آت).
(3) المائدة: 100 (لم تبد لكم) ذكره (عليه السلام) تفسيرا للاية الكريمة. (*)
الصفحة 206
وعدلا " فقلت: جعلت فداك إنما نقرؤها " وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا (1) " فقال إن فيهاالحسنى.
250 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبدالله بن عبدالرحمن الاصم، عن عبدالله بن القاسم البطل، عن أبي عبدالله (ع) في قوله تعالى: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين (2) " قال: قتل علي بن أبي طالب (ع) وطعن الحسن (ع) " ولتعلن علوا كبيرا " قال: قتل الحسين (ع)
" فإذا جاء وعد أوليهما " فإذا جاء نصر دم الحسين (ع): بعثنا عليكم عبادا لنا أولي باس شديد فجاسوا خلال الديار " قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (ع) فلا يدعون وترا لآل محمد (3) إلا قتلوه " وكان وعدا مفعولا " خروج القائم (ع) " ثم رددنا لكم الكرة عليهم " خروج الحسين (ع) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب لكل بيضة وجهان (4) المؤدون إلي الناس أن هذا الحسين قد خرج حتى لا يشك المؤمنون فيه وإنه ليس بدجال ولا شيطان والحجة القائم بين أظهرهم فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين (ع) جاء الحجة الموت فيكون الذي يغسله ويكفنه و يحنطه ويلحده في حفرته الحسين بن علي (ع) (5) ولا يلي الوصي إلا الوصي.
1 25 - سهل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن حفص التميمي قال: حدثني أبو جعفر الخثعمي (6) قال: قال لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة (7) شيعه أمير المؤمنين وعقيل و الحسن والحسين (عل) وعمار بن ياسر رضى الله عنه فما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين
____________
(1) الانعام: 115. (فيها الحسنى) اي تمة كلمته الحسنى وهو بيان الاية.
(2) الاسراء: 4. وما ذكره (عليه السلام) هو التأويل. (3) الوتر بالكسر: الجناية اي صاحب وتر وجناية على آل محمد (عليهم السلام). (آت).
(4) لعل المراد انها صقلت وذهبت في موضعين: امامها وخلفها. وقوله: (المؤدون) اي هم المؤدون. (آت).
(5) انما يغسله (عليه السلام) لانه من بين الائمة (عليهم السلام) شهيد في المعركة ولا يجب عليه الغسل وان مات بعد الرجعة. (آت).
(6) الظاهر انه محمد بن حكيم من اصحاب ابي عبدالله وابي الحسن (عليهما السلام) والخبر مضمر او موقوف.
(7) هي مدفن ابي ذر قرب المدينة. (*)
الصفحة 207
(ع): يا أبا ذر إنك إنما غضبت لله عزوجل فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فارحلوك عن الفناء (1) وامتحنوك بالبلاء والله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله عزوجل جعل له منها مخرجا فلا يؤنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل.
ثم تكلم عقيل فقال: يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبك ونحن نعلم أنك تحبنا وأنت قد حفظت فينا ما ضيع الناس إلا القليل فثوابك على الله عزوجل ولذلك أخرجك المخرجون وسيرك المسيرون فثوابك على الله عزوجل فاتق الله واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع وقل: حسبي الله ونعم الوكيل.
ثم تكلم الحسن (ع) فقال: يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى وإن الله عزوجل بالمنظر الاعلى (2) فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها وشدة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض إن شاء الله.
ثم تكلم الحسين (ع) فقال: يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغير ماترى وهو كل يوم في شأن (3) إن القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك فما أغناك عما منعوك وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك بالصبر فإن الخير في الصبر والصبر من الكرم ودع الجزع فإن الجزع لا يغنيك.
ثم تكلم عمار رضي الله عنه فقال: يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك وأخاف من أخافك إنه والله مامنع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحب لها، ألا
____________
(1) فناء الدار: ما امتد من جوانبها والمراد اما فناء دارهم او دارك او دار رسول الله (صلى الله عليه وآله). (آت)
(2) اي مشرف على جميع الخلق وهو كناية عن علمه بما يصدر عنهم وانه لا يعزب عن علمه شئ من امورهم. (آت).
(3) اي في خلق وتقدير وتغيير وقضاء حاجة ودفع كربة ورفع قوم ووضع آخرين ورزق و تربية وسائر ما يتعلق بقدرته وحكمته تعالى والغرض تسلية ابي ذر بانه يمكن ان يتغير الحال. (آت). (*)
الصفحة 208
إنما الطاعة مع الجماعة (1) والملك لمن غلب وإن هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
ثم تكلم أبوذر رضي الله عنه فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته بأبي وامي هذه الوجوه فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكم ومالي بالمدينة شجن (2)
لاسكن غيركم وإنه ثقل على عثمان جواري بالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام فآلى أن يسيرني إلى بلدة (3) فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة فزعم أنه يخاف أن أفسد على أخيه (4) الناس بالكوفة وآلى بالله ليسيرني إلى بلدة لا أرى فيهاأنيسا ولا أسمع بها حسيسا (5) وإني والله ما أريد إلا الله عزوجل صاحبا ومالي مع الله وحشة، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين.
252 - أبوعلى الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن ابن فضال، والحجال جميعا، عن ثعلبة، عن عبدالرحمن بن مسلمة الجريري قال: قلت لابي عبدالله (ع)
يوبخونا ويكذبونا إنا نقول: إن صيحتين تكونان (6)، يقولون: من أين تعرف المحقة من المبطلة إذا كانتا؟ قال: فماذا تردون عليهم؟ قلت: ما نرد عليهم شيئا، قال: قولوا:
يصدق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل إن الله عزوجل يقول: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (7) ".
____________
(1) اكثر الناس يتبعون الجماعات وان كانوا على الباطل، على وفق الفقرة التالية. (آت).
(2) الشجن بالتحريك: الحاجة.
(3) (فآلى) اي حلف. (4) يعني الوليد بن عقبة آخا عثمان لامه وكان عثمان ولاه الكوفة وذكر الزمخشري وغيره انه صلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر اربعا وقال: هل ازيدكم. (آت).
(5) الحسيس: الصوت الخفي.
(6) اي التي كانت في اول النهار وهي الحق والتي كانت في اخره وهي الباطل وذلك عند قيام القائم.
(7) يونس: 35 وقوله: (يهدي) اصله يهتدي فادغمت التاء في الدال. (*).
الصفحة 209
253 - عنه، عن محمد، عن ابن فضال، والحجال، عن داود بن فرقد قال: سمع رجل من العجلية هذا الحديث قوله (1): ينادي مناد ألا إن فلان بن فلان وشيعته هم الفائزون أول النهار وينادي آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون، قال:
وينادي أول النهار منادي آخر النهار (2) فقال الرجل: فما يدرينا أيما الصادق من الكاذب؟ فقال: يصدقه (3) عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي، إن الله عزوجل يقول:
" أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى - الآية - ".
254 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: لا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان (4) فيما بينهم فإذا اختلفوا طمع الناس وتفرقت الكلمة وخرج السفياني.
حديث الصيحة
255 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران وغيره، عن إسماعيل بن الصباح قال: سمعت شيخا يذكر عن سيف بن عميرة قال: كنت عند أبي الدوانيق فسمعته يقول ابتداء من نفسه: يا سيف بن عميرة لا بد من مناد ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب، قلت: يرويه أحد من الناس؟ قال: والذي نفسي بيده لسمعت اذني منه يقول:
لا بد من مناد ينادي باسم رجل، قلت: يا أمير المؤمنين إن هذا الحديث ما سمعت بمثله
____________
(1) هذا الخبر مضمر او موقوف وقوله: من العجلية كانها نسبة إلى قبيلة، وفي بعض النسخ
(العجلية). (آت).
(2) (منادى آخر النهار) بصيغة المجهول اي يخبر منادى اول النهار عن منادى آخر النهار ويقول: انه شيطان فلا تتبعوه. (آت).
(3) اي قال الامام او الراوى الذي يناظر الرجل العجلى. (آت).
(4) اي بنو العباس وهذا احذ اسباب خروج القائم (عليه السلام) وان تأخر، قال الفاضل الاسترآبادي المراد ان بنى العباس لم يتفق الملوك على خليفة وهذا معنى تفرق الكلمة ثم تمضى بعد ذلك مدة مديدة إلى خروج السفياني ثم إلى ظهور القائم. (آت). (*)
الصفحة 210
قط، فقال لي: يا سيف إذا كان ذلك فنحن أول من يجيبه أما إنه أحد بني عمنا، قلت:
أي بني عمكم؟ قال: رجل من ولد فاطمة (عه)، ثم قال: يا سيف لو لا أني سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقوله، ثم حدثني به أهل الارض ما قبلته منهم ولكنه محمد بن علي (ع).
256 - على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: كنت مع أبي جعفر (ع) جالسا في المسجد إذا أقبل داود بن علي وسليمان بن خالد وأبوجعفر عبدالله بن محمد أبوالدوانيق فقعدوا ناحية من المسجد فقيل لهم: هذا محمد بن علي جالس، فقام إليه داود بن علي وسليمان بن خالد (1) وقعد أبوالدوانيق مكانه حتى سلموا على أبي جعفر (ع) فقال لهم أبوجعفر (ع): ما منع جباركم من أن يأتيني فعذروه عنده (2) فقال عند ذلك أبوجعفر محمد بن علي (ع): أما والله لا تذهب الليالي والايام حتى يملك ما بين قطريها (3)، ثم ليطان الرجال عقبه ثم لتذلن له رقاب الرجال ثم ليملكن ملكا شديدا، فقال له داود بن علي: وإن ملكنا قبل ملككم؟
قال: نعم يا داود إن ملككم قبل ملكنا وسلطانكم قبل سلطاننا، فقال له داود:
أصلحك الله فهل له من مدة؟ فقال: نعم يا داود والله لا يملك بنو أمية يوما إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثليها (4) وليتلقفها الصبيان منكم كما تلقف الصبيان الكرة،
____________
(1) داود بن على هو عم السفاح وسليمان بن خالد في بعض النسخ (سليمان بن مخالد) وفي بعضها (مجالد) وفي بعضها (مخلد).
(2) بالتخفيف اي اظهر واعذره وبالتشديد اي ذكروا في العذر اشياء لا حقيقة لها فان المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة له في العذر كما ذكره الجوهري. (آت).
(3) اي الارض المعلومة بقرينة المقام.
(4) لعل المراد اصل الكثرة والزيادة لا الضعف الحقيقي كما يقال في كرتين ولبيك اذ كان ملكهم اضعاف ملك بني امية وفي هذا الابهام حكم كثيرة منها عدم طغيانهم ومنها عدم يأس اهل الحق. وتلقف الشئ: تناوله بسرعة اي يسهل لهم تناول الخلافة بحيث يتيسر لصبيانهم من غير منازع. (آت). (*)
الصفحة 211
فقام داود بن علي من عند أبي جعفر (ع) فرحا يريد أن يخبر أبا الدوانيق بذلك فلما نهضا جميعا هو وسليمان بن خالد ناداه أبوجعفر (ع) من خلفه يا سليمان بن خالد لا يزال القوم في فسحة من ملكهم مالم يصيبوا منا دما حراما - وأومأ بيده إلى صدره - فإذا أصابوا ذلك الدم فبطن الارض خير لهم من ظهرها فيومئذ لا يكون لهم في الارض ناصر ولا في لاسماء عاذر، ثم انتطلق سليمان بن خالد فأخبر أبا الدوانيق فجاء أبوالدوانيق إلى أبى جعفر (ع) فسلم عليه ثم أخبره بما قال له داود بن علي وسليمان بن خالد، فقال له: نعم يا أبا جعفر دولتكم قبل دولتنا وسلطانكم قبل سلطاننا، سلطانكم شديد عسر لا يسر فيه. وله مدة طويلة والله لا يملك بنو امية يوما إلا ملكتم مثليه ولا سنة إلا ملكتم مثليها ليتلقفها صبيان منكم فضلا عن رجالكم كما يتلقف الصبيان الكرة أفهمت؟ ثم قال: لا تزالون في عنفوان الملك ترغدون فيه ما لم تصيبوا منا دما حراما (1)
فإاذ اصبتم ذلك الدم غضب الله عزوجل عليكم فذهب بملككم وسلطانكم وذهب بريحكم (2) وسلط الله عزوجل عليكم عبدامن عبيده أعور (3) - وليس بأعور من آل
____________
(1) (عنفوان) بضم العين والفاء اي أوله. وقوله: (ترغذون) يقال: رغد اي واسعة طيبة. وقوله: (ما لم تصيبوا منا دما حراما) المراد قتل اهل البيت (عليهم السلام) ولو كان بالسم مجازا ويكون قتل الائمة (عليهم السلام) سببا لسرعة زوال ملك كل واحد منهم فعل ذلك او قتل السادات الذين قتلوا في زمان ابي جعفر الدوانيقي وفي زمان الرشيد على ما ذكره الصدوق في العيون وكذا ما قتلوا في الفخ من السادات ويحتمل ان يكون اشارة إلى قتل رجل من العلويين قتلوه مقارنا لانقضاء دولتهم. (آت).
(2) الريح قد تكون بمعنى الغلبة والقوة ومنه قوله تعالى: (وتذهب ريحكم) (الصحاح).
(3) (اعور) اي الدني الاصل، السئ الخلق وهو اشارة إلى هلا كوخان. قال الجزري:
فيه: لما اعترض ابولهب على النبي (صلى الله عليه وآله) عند اظهاره الدعوة قال له ابوطالب: يا اعور ما انت وهذا لم يكن ابولهب اعور لكن العرب تقول لمن ليس له اخ من ابيه وامه: اعور و قيل: انهم يقولون للردى من كل شئ من الامور والاخلاق: اعور وللمؤنث عوراء. وقوله:
(ليس باعور من آل ابي سفيان) اي ليس ذلك الاعور من آل ابي سفيان بل من طائفة الترك. (آت). (*)
الصفحة 212
أبي سفيان - يكون استيصالكم على يديه وأيدي أصحابه ثم قطع الكلام.
7 25 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضل بن مزيد، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له أيام عبدالله بن علي (1): قد اختلف هؤلاء فيما بينهم فقال:
دع ذاعنك إنما يجئ فساد أمرهم من حيث بدا صلاحهم (2).
8 25 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الازدى قال: كنت جالسا عند أبي جعفر
(ع) فقال: آيتان تكونان قبل قيام القائم (ع) لم تكونا منذ هبط آدم إلى الارض:
تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره فقال، رجل: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف؟! فقال أبوجعفر (ع): إني أعلم ما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (ع).
259 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: خرجت أنا وأبي حتى إذا كنا بين القبر والمنبر إذا هو باناس من الشيعة فسلم عليهم ثم قال: إني والله لاحب رياحكم وأرواحكم (4)
فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد (5) واعلموا أن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد
____________
(1) لعل المراد عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس ثاني خلفاء بني العباس نسب إلى جده. (آت).
(2) اي كما انه ظهرت دولتهم على يد رجل جاء من قبل المشرف وهو ابومسلم المروزى كذلك يكون انقراض دولتهم على يد رجل يخرج من هذه الناحية وهو هلاكو. (آت) هذا من اخبار الغيب لان الكافي صنف في صدر الدولة العباسية.
(3) اي انت تقول: ان هذا خلاف المعهود وما يحكم به المنجمون ولد قلت: انهما من الايات الغريبة التي لم يعهد وقوعها، وعلى مثل هذا حمل الصدوق رحمه الله ما ورد من ادخالهما في البحر عند الانكساف والانخساف. (آت)
(4) الرياح جمع الريح والمراد هنا الريح الطيب والغلبة او القوة او النصرة او الدولة. والارواح اما جمع الروح بالضم او بالفتح بمعنى نسيم الريح والراحة. (آت). (5) اي على ماهو لازم الحب من الشفاعة. (آت) (*)
الصفحة 213
ومن ائتم منكم بعبد فليعمل بعمله، أنتم شيعة الله وأنتم أنصارالله وأنتم السابقون الاولون والسابقون الآخرون والسابقون في الدنيا والسابقون في الآخرة إلى الجنة، قد ضمنا لكم الجنة بضمان الله (1) عزوجل وضمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله ما على درجة الجنة أكثر أرواحا منكم فتنافسوا في فضايل الدرجات، أنتم الطيبون ونساؤكم الطيبات كل مؤمنة حوراء عيناء (2) وكل مؤمن صديق ولقد قال أمير المؤمنين (ع):
لقنبر: يا قنبر ابشر وبشر واستبشر (3) فوالله لقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو على امته ساخط إلا الشيعة.
ألا وإن لكل شئ عزا وعز الاسلام الشيعة.
ألا وإن لكل شئ دعامة ودعامة الاسلام الشيعة (4).
ألا وإن لكل شئ ذروة وذروة الاسلام الشيعة (5).
ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الاسلام الشيعة.
ألا وإن لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجالس الشيعة.
ألا وإن لكل شئ إماما وإمام الارض أرض تسكنها الشيعة، والله لو لا ما في الارض منكم ما رأيت بعين عشيبا أبدا والله لو ما في الارض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات مالهم في الدنيا ولا لهم في الآخرة من نصيب، كل ناصب وإن تعبد واجتهد منسوب إلى هذه الآية " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية (6) " فكل ناصب مجتهد فعمله هباء، شيعتنا ينطقون بنور الله عزوجل (7) ومن خالفهم ينطقون بتفلت (8)، والله ما من عبد من شيعتناينام إلا أصعد الله عزوجل روحه إلى السماء
____________
(1) اي بسبب ان الله ضمن لكم الجنة او ضمناها لكم من قبل الله وبامره ويحتمل ان يكون الباء بمعنى مع. (آت)
(2) اي في الجنة على صفة الحورية في الحسن والجمال. (آت 9.
(3) اي خذ هذه البشارة و (بشر) اي غيرك و (استبشر) اي افرح وسر بذلك. (آت).
(4) الدعامة بالكسر: عماد البيت. (5) الذروة من كل شئ اعلاه.
(6) الغاشية: 3 و 4.
(7) في بعض النسخ (بامر الله عزوجل).
(8) اي يصدر عنهم فلتة من غير تفكر وروية واخذ عن صادق. (آت). (*)
الصفحة 214
فيبارك عليها فإن كان قد أتى عليها أجلها جعلها في كنوز رحمته وفي رياض جنة وفي ظل عرشه وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة ليردوها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه، والله إن حاجكم وعماركم لخاصة الله عزو جل وإن فقراءكم لاهل الغنى (1) وإن أغنياءكم لاهل القناعة وإنكم كلكم لاهل دعوته وأهل إجابته (2).
260 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبدالله عن عبدالرحمن، عن عبدالله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبدالله
(ع) مثله وزاد فيه ألا وإن لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد (صلى الله عليه وآله) (3)
ونحن وشيعتنا بعدنا، حبذاشيعتنا ماأقربهم من عرش الله عزوجل وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة والله لولا أن يتعاظم الناس ذلك (4) أويدخلهم زهو (5) لسلمت عليهم الملائكة قبلا والله ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائما إلا وله بكل حرف مائة حسنة ولا قرأ في صلوته جالساإلا وله بكل حرف خمسون حسنة ولا في غير الصلاة إلا وله بكل حرف عشر حسنات وإن للصامت من شيعتنا لاجر من قرأ القرآن ممن خالفه (6)
أنتم والله على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين (7) وأنتم والله في صلاتكم لكم أجر الصافين في سبيله، أنتم والله الذين قال الله عزوجل: " ونزعناما في صدوهم من غل إخوانا على
____________
(1) اي غنى النفس والاستغناء عن الخلق بتوكلهم على ربهم. (آت).
(2) اي دعاكم الله إلى دينه وطاعته فاجبتموه اليها. (آت).
(3) اي كما ان الجواهر ممتازة من سائر اجزاء الارض بالحسن والبهاء والنفاسة والندرة فكذاهم بالنسبة إلى سائر ولد آدم (عليه السلام). (آت)
(4) اي لولا ان يعدوه عظيما ويصير سببا لغلوهم فيهم. (آت)
(5) والزهو. الكبر والفخر وقوله: (قبلا) اي عيانا ومقابلة.
(6) اي اجره التقديري اي لو كان له اجر مع قطع النظر عما يتفضل به على الشيعة كانه له اجر واحد فهذا ثابت للساكت من الشيعة. (آت)
(7) اي في سائر احوالهم غير حالة المصافة مع العدد. (آت) (*)
الصفحة 215
سرر متقابلين (1) " إنما شيعتنا اصحاب الاربعة الاعين: عينان في الرأس وعينان في القلب ألا والخلائق كلهم كذلك، ألا إن الله عزوجل فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم.
261 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة بن مصعب قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: أشكو إلى الله عزوجل وحدتي وتقلقلي (2) بين أهل المدينة حتى تقدموا وأراكم وآنس بكم فليت هذه الطاغية أذن لي فأتخذ قصرا في الطائف فسكنته وأسكنتكم معي وأضمن له أن لا يجئ من ناحيتنا مكروه أبدا.
262 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب قال: أنشد الكميت أبا عبدالله (ع) شعرا فقال:
أخلص الله لي هواي فما اغرق نزعا ولا تطيش سهامي (3).
فقال أبوعبدالله (ع): لا تقل هكذا فما أغرق نزعا ولكن قل: فقد أغرق نزعا ولا تطيش سهامي (4).
263 - سهل بن زياد، عن محمد بن الحسين، عن أبي داود المسترق، عن سفيان بن
____________
(1) الحجر: 47. والغل: العداوة والشحناء ويقال: الغل: الحسد.
(2) التقلقل: التحرك والاضطراب وفي بعض النسخ (تقلقى) والقلق الانزعاج.
(3) اي جعل الله محبتي خالصة لكم فصار تاييده تعالى سببا لان لا اخطئ الهدف واصيب كلما اريده من مدحكم وان لم ابالغ فيه. يقال: اغرق النازع في القوس إذا استوفى مدها ثم استعير لمن بالغ في كل شئ ويقال: طاش السهم عن الهدف اي عدل. (آت)
(4) لعله (عليه السلام) نهاه عن ذلك لايهامه تقصير او عدم اعتناء في مدحهم (عليهم السلام) وهذا لا يناسب مقام المدح، او لان الاغراق في النزع لا مدخل له في اصابة الهدف بل الامر بالعكس مع ان فيما ذكره معنى لطيفا كاملا وهو ان المداحون إذا بالغوا في مدح ممدوحهم خرجوا عن الحق وكذبوا فيما اثبتوا للممدوح كما ان الرامى إذا اغرق نزعا اخطا الهدف، واني في مدحكم كلما ابالغ في المدح لا يخرج سهمى عن هدف الحق والصدق ويكون مطابقا للواقع. ويحتمل على بعد ان يكون غرضه (عليه السلام) مدحه وتحسينه بانك لا تقصر في مدحنا بل تبذل جهدك فيه. (آت) (*)
الصفحة 216
مصعب العبدي قال: دخلت على أبي عبدالله (ع) فقال: قولوا لام فروة تجئ (1)
فتسمع ماصنع بجدها، قال: فجاءت فقعدت خلف الستر ثم قال: أنشدنا قال: فقلت:
" فروجودي بدمعك المسكوب (2) "
قال: فصاحت وصحن النساء فقال: أبوعبدالله (ع) الباب الباب (3) فاجتمع أهل المدينة على الباب قال: فبعث إليهم أبوعبدالله (ع) صبي لنا غشي عليه فصحن النساء.
264 - سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بأبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن بعض رجاله عن أبي عبدالله (ع) قال: لما حفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق مروا بكدية (4) فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعول من يد أمير المؤمنين (ع) أو من يد سلمان رضي الله عنه (5) فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد فتح علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر، فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا بكنوز كسرى وقيصر ما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى (6).
____________
(1) ام فروة هز كنية لام الصادق (عليه السلام) ينت القاسم بن محمد بن ابي بكر ولبنته (عليه السلام) على ما ذكره الشيخ الطبرسي رحمه الله في اعلام الورى والمراد هنا الثانية والمراد بجدها الحسين ابن على (عليهما السلام). (آت)
(2) قوله: (فروجودي) خطاب لام فروة فاختصر من اوله واخره ضرورة وترخيما ويدل على عدم حرمة سماع صوت الرجال على النساء. (آت)
(3) اي راقبوا الباب وواظبوه لئلا يطلع علينا المخالفون.
(4) قال الجزرى: الكدية بالضم: قطعة غليظة صلبد لا يعمل فيه الفاس.
(5) الترديد من الراوى ويحتمل ان يكون من الامام اشارد بذلك إلى اختلاف روايات العامة وهو بعيد. (آت)
(6) خبر الصخرة من المتواترات قد رواه الخاصة والعامة باسانيد كثيرة فقد روى الصدوق باسناده إلى البراء بن عازب قال. لما امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحفر الخندق عرض له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تاخذ منها امعاول فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما رآها وضع ثوبه واخذ المعول قال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله اكبر اعطيت مفاتيح الشام والله اني لابصر قصورها الحمراء الساعة ثم ضرب الثانية فقال: بسم الله ففلق ثلثا (*)
الصفحة 217
5 26 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبى يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن لله تبارك وتعالى ريحا يقال لها:
الازيب (1) لو أرسل منها مقدار منخر ثور لاثارت ما بين السماء والارض وهي الجنوب.
266 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن رزيق أبي العباس، عن أبي عبدالله (ع) قال: أتى قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله إن بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا فادع الله تبارك وتعالى يرسل السماء علينا فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمنبر فاخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا وأمر الناس أن يؤمنوا فلم يلبث أن هبط جبرئيل فقال: يا محمد أخبر الناس أن ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم وتلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله عزوجل ريحا فأثارت سحابا وجللت السماء وأرخت عزاليها فجاء اولئك النفر بأعيانهم إلى النبى (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يارسول الله
____________
آخر فقال: الله اكبر اعطيت مفاتيح فارس والله انى لابصر قصر المدائن الابيض، ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر وقال: الله اكبر اعطيت مفاتيح اليمن والله لابصر ابواب الصنعاء مكاني هذا.
وقال على بن ابراهيم: فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر وقعد رسول الله في مسجد الفتح فبينا المهاجرون يحفرون اذ عرض لهم جبل لم يعمل المعاول فيه فبعثوا جابر بن عبدالله الانصارى إلى رسول الله يعلمه ذلك يقال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلق على قفاه ورداءه تحت رأسه وقد شد على بطنه حجرا فقلت: يا رسول الله انه قد عرض لنا جبل لا يعمل المعاول فيه فقام مسرعا حتى جاءه ثم دعا بماء في اناه وغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه ثم شرب ومج ذلك الماء في فيه ثم صبه على ذلك الحجر ثم اخذ معولا فضرب اخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن ثم ضرب اخرى فبرقت برقة نطرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اما انه سيفتح عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البر ثم انهاك عليها الجبل كما ينهاك الرمل. (آت) (1) في القاموس: الازيب كاحمر: الجنوب والنكباء تجري بينها وبين الصبا.
(2) المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وبضمتين وكمجلس: الانف. (*).
الصفحة 218
ادع الله لنا أن يكف السماء (1) عنا فإنا كدنا أن نغرق فاجتمع الناس ودعا النبي (صلى الله عليه وآله) وأمر الناس أن يؤمنوا على دعائه فقال له رجل من الناس: يا رسول الله أسمعنا فإن كل ما تقول ليس نسمع فقال: قولوا: اللهم حوالينا ولا علينا (2) اللهم صبها في بطون الاودية وفي نبات الشجر وحيث يرعى أهل الوبر (3)، الله اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا.
267 - جعفر بن بشير، عن رزيق أبي عبدالله (ع) قال: ما أبرقت (4) قط في ظلمة ليل ولا ضوء نهار إلا وهي ماطرة.
268 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العزرمي رفعه قال: قال أمير المؤمنين (ع) وسئل عن السحاب أين يكون؟ قال: يكون على شجر على كثيب (5) على شاطئ البحر يأوي إليه فإذا أراد الله عزوجل أن يرسله أرسل ريحا فأثارته ووكل به ملائكة يضربون بالمخاريق (6) وهو البرق فيرتفع ثم
____________
(1) اي يمنع المطر عنا.
(2) قال الجزري: في حديث الاستسقاء: اللهم حوالينا ولا علينا يقال: رايت الناس حوله و حواليه اي مطيفين من جوانبه، يريد اللهم انزل الغيث في مواضع النبات لا في مواضع الابنية.
وقال الجوهري: يقال قعدوا حوله وحواله وحواليه وحوليه ولا تقل: حواليه بكسر اللام.
(3) اي حيث يرعى سكان البادية انعامهم فانهم يسكنون في خيام الوبر لا بيوت المدر ولا يضرهم كثرة المطر. (آت)
(4) اي ابرقت السماء وقال الفيروزآبادي: برقت السماء بروقا لمعت او جاءت برق. والبرق بدا. والرجل تهدد وتوعد كأبرق. والحاصل ان البرق يلزمه المطر وان لم يمطر في كل موضع يظهر فيه البرق. (آت)
(5) (على شجرة) يحتمل ان يكون نوع من السحاب كذلك وان يكون كناية عن انبعاثه عن الثحر وحواليه. (آت) والكثيب: الرمل المستطيل، التل.
(6) قال الجزري: في حديث علي (عليه السلام): البرق مخاريق الملائكة. هي جمع مخراق وهو في الاصل ثوب يلف به الصبيان بعضهم بعضا اراد انها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه ويفسره حديث ابن عباس: (البرق سوط من نور تزجر بها الملائكة السحاب). (آت) (*)
الصفحة 219
قرأ هذه الآية: " الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت - الآية - (1) "
والملك اسمه الرعد.
269 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن مثنى الحناط، ومحمد بن مسلم قالا: قال أبوعبدالله (ع): من صدق لسانه زكا عمله ومن حسنت نيته زاد الله عزوجل في رزقه ومن حسن بره بأهله زاد الله في عمره.
270 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسن بن محمد الهاشمي قال: حدثني أبي، عن أحمد بن محمد بن عيسى (2) قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي (عل) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول الله تبارك وتعالى لابن آدم: إن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فاطبق ولا تنظر وإن نازعك لسانك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فاطبق ولا تكلم وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ولا تأت حراما.
271 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن مولى لبني هاشم، عن أبي عبدالله (ع) قال: ثلاث من كن فيه فلا يرج خيره من لم يستح من العيب ويخشى الله بالغيب (3) ويرعو عند الشيب.
272 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحجال قال: قلت لجميل ابن دراج: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أتاكم شريف قوم فأكرموه، قال: نعم، قلت له:
____________
(1) فاطر: 9.
(2) استظهر المجلسي رحمه الله انه زيد (احمد بن محمد بن عيسى) هنا من النساخ.
(3) اي متلبسا بالغيب اي غائبا عن الخلق اوبسبب الامر المغيب عنه من النار وبسبب ايمانه به باخبار الرسل والاول اظهر اذ اكثر الخلق يظهرون خشية الله بمحضر الناس رياءا ولا يبالون بارتكاب المحرمات في الخلوات قوله: (يرعو عند الشيب) قال الجزري: فيه شر الناس رجل يقرء كتاب الله لا يرعوى إلى شئ منه. اي لا ينكف ولا ينزجر من رعى يرعو إذا كف عن الامور وقد ارعوى عن القبيح يرعوى ارعواء، وقيل: الارعواء الندم على الشئ والانصراف عنه. (آت) (*)
الصفحة 220
وما الشريف؟ قال: قد سألت أبا عبدالله (ع) عن ذلك فقال: الشريف من كان له مال (1) [قال:] قلت: فما الحسيب؟ قال: الذي يفعل الافعال الحسنة بماله وغير ماله قلت: فما الكرم قال: التقوى.
273 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أشد حزن النساء وأبعد فراق الموت (2) وأشد من ذلك كله فقر يتملق صاحبه ثم لا يعطى شيئا.
حديث يأجوج ومأجوج
274 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبدالله، عن العباس بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سئل أمير المؤمنين (ع) عن الخلق فقال: خلق الله ألفا ومائتين في البر وألفا ومائتين في البحر وأجناس بني آدم سبعون جنسا والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج (3).
275 - الحسن بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن مثنى، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: [إن] الناس طبقات ثلاث: طبقة هم منا ونحن منهم وطبقة يتزينون بنا (4) وطبقة يأكل بعضهم بعضا [بنا] (5).
____________
(1) اي بحسب الدنيا. (آت).
(2) اي المفارقة الواقعة بالموت بعيدة عن المواصلة. (آت)
(3) سند الخبر ضعيف ويدل على ان ياجوج وماجوج ليسوا من ولد آدم (عليه السلام) وروى الصدوق باسناده عن عبدالعظيم الحسني عن علي بن محمد العسكري ان جميع الترك والصقالبة و ياجوج وماجوج والصين من ولد يافت والحديث كبير وهذا الخبر عندي اقوى سندا من خبر المتن فيمكن حمله على ان المراد انهم ليسوا من الناس وان اقوى سندا من خبر المتن فيمكن حمله على ان المراد انهم ليسوا من الناس وان كان من ولد آدم. (آت)
(4) ان يجعلون حبنا وما وصل اليهم من علومنا زينة لهم عند الناس ووسيلة لتحصيل الجاه و ليس توسلهم بالائمة (عليهم السلام) خالصا لوجه الله. (آت)
(5) اي ياخذ بعضهم اموال بعضهم وياكلونها باظهار مودتنا ومدحنا وعلومنا. (آت) (*)
الصفحة 221
276 - عنه، عن معلى، عن الوشاء، عن عبدالكريم بن عمرو، عن عمار بن مروان، عن الفضيل بن يسار قال: قال أبوجعفر (ع): إذا رأيت الفاقة والحاجة قد كثرت وأنكر الناس بعضهم بعضا (1) فعند ذلك فانتظر أمر الله عزوجل (2) قلت: جعلت فداك هذه الفاقة والحاجة قد عرفتهما فما إنكار الناس بعضهم بعضا؟ قال: يأتي الرجل منكم أخاه فيسأله الحاجة فينظر إليه بغير الوجه الذي كان ينظر إليه ويكلمه بغير اللسان الذي كان يكلمه به.
277 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن عبيد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده قال: قال أمير المؤمنين (ع) (3) وكل الرزق بالحمق ووكل الحرمان بالعقل ووكل البلاء بالصبر (4).
278 - عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحميد العطار، عن يونس بن يعقوب، عن عمر أخي عذافر قال: دفع إلي إنسان ستمائة درهم أو سبعمائة درهم لابي عبدالله (ع) فكانت في جوالقي فلما انتهيت إلى الحفيرة (5) شق جوالقي وذهب بجميع ما فيه ووافقت (6) عامل المدينة بها فقال: أنت الذي شقت زاملتك (7) وذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم فقال: إذا قدمنا المدينة فأتنا حتى اعوضك قال: فلما انتهيت إلى المدينة دخلت على أبي عبدالله (ع) فقال: يا عمر شقت زاملتك و ذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم، فقال: ما أعطاك الله (8) خير مما أخذ منك، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
____________
(1) الانكار استعمل هنا مقابل المعرفة. (آت).
(2) اي خروج القائم (عليه السلام).
(3) اي قال علي بن الحسين (عليه السلام): قال امير المؤمنين ولعله (قال: قال) زيد من النساخ.
(4) قوله: (وكل الزرق بالحمق) اي الاحمق في غالب احوال مرزوق موسع عليه والعاقل محروم مقتر عليه. (آت)
(5) الحفيرة موضع بالعراق.
(6) اي صادفت وفي بعض النسخ (واقفت) بتقديم القاف من المواقفة.
(7) الزميل: الرفيق والزاملة: بعير يستظهر به الرجل، يحمل متاعه وطعامه عليه.
(8) اي من دين الحق وولاية اهل البيت (عليهم السلام). (آت) (*)
الصفحة 222
ضلت ناقتة (1) فقال الناس فيها: يخبرنا عن السماء ولا يخبرناعن ناقته فهبط عليه جبرئيل (ع)
فقال: يا محمد ناقتك في وادي كذا وكذا ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس أكثرتم علي في ناقتي ألا وما أعطاني الله (2) خير مما أخذ منى، ألا وإن ناقتي في وادي كذا وكذا ملفوف خطامها بشجرة كذا وكذا، فابتدرها الناس (3) فوجدوهاكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: ثم قال: ائت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك فإنما هو شئ دعاك الله إليه لم تطلبه منه (4).
279 - سهل، عن محمد بن عبدالحميد، عن يونس، عن شعيب العقرقوقي قال:
قلت لابي عبدالله (ع): شئ يروى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: ثلاث يبغضها الناس وأنا احبها: أحب الموت واحب الفقر واحب البلاء؟ فقال: إن هذا ليس على ما يروون إنما عنى الموت في طاعة الله أحب إلي من الحياة في معصية الله والبلاء في طاعة الله أحب إلي من الصحة في معصية الله والفقر في طاعة الله أحب إلي من الغنى في معصية الله.
280 - سهل بن زياد، عن محمد بن عبدالحميد، عن يونس، عن على بن عيسى القماط، عن عمه قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: هبط جبرئيل (ع) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كئيب حزين فقال: يا رسول الله مالي أراك كئيبا حزينا؟
فقال: إنى رأيت الليلة رؤيا قال: وماالذى رأيت؟ قال: رأيت بني امية يصعدون المنابر وينزلون منها قال: والذي بعثك بالحق نبيا ماعلمت بشئ من هذا وصعد جبرئيل (ع) إلى السماء ثم أهبطه الله جل ذكره بآي من القرآن يعزيه (5) بها قوله: " أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاء هم ماكانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا
____________
(1) هذه المعجزة من المعجزات المشهورات رواها الخاصة والعامة بطرق كثيرة.
(2) اي من النبوة والقرب والكمال. (آت)
(3) اي يسرعون اليه.
(4) اي يسره الله لك من غير طلب. (آت)
(5) اي يسليه. (*)
الصفحة 223
يمتعون (1) " وأنزل الله جل ذكره " إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر (2) " للقوم فجعل الله عزوجل ليلة القدر لرسوله خيرا من ألف شهر.
281 - سهل، عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس، عن عبدالاعلى قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (3) " قال: فتنة في دينه أو جراحة (4) لا يأجره الله عليها.
282 - سهل بن زياد، عن محمد، عن يونس، عن عبدالاعلى قال: قلت لابي عبدالله (ع): إن شيعتك قد تباغضوا وشنئ بعضهم بعضا فلو نظرت جعلت فداك في أمرهم فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا لا يختلف علي منهم إثنان، قال: فقلت: ما كنا قط أحوج إلى ذلك منا اليوم، قال: ثم قال: أني هذا ومروان وابن ذر قال: (5)
فظننت أنه قد منعني ذلك، قال: فقمت من عنده فدخلت على إسماعيل فقلت:
يا أبا محمد إنى ذكرت لابيك اختلاف شيعته وتباغضهم فقال: لقد هممت أن أكتب كتابا لا يختلف علي منهم إثنان، قال: فقال: (6) ما قال مروان وابن ذر، قلت: بلى قال: يا عبد
____________
(1) الشعراء: 206 إلى 208. وقوله: (ما كانوا يوعدون) فسره الاكثر بقيام الساعة وفسر في اكثر اخبارنا بقيام القائم (عليه السلام) وهذا انسب بالتسلية. (آت).
(2) القدر: 2 إلى 5.
(3) النور: 63.
(4) اما تفسير للفتنة ايضا او للعذاب.
(5) اي لا ينفع هذا في رفع منازعة مروان والمراد به احد اصحابه (عليه السلام) وابن ذر رجل آخر من اصحابه ولعله كان بينهما منازعة شديدة لتفاوت درجتهما واختلاف فهمهما فافاد (عليه السلام) ان الكتاب لا يرفع النزاع الذي منشاؤه سوء الفهم واختلاف مراتب الفضل. ويحتمل ان يكون المراد بابن ذر عمر بن ذر القاضي العامي، وقد روى انه دخل على الصادق (عليه السلام) وناظره فالمراد ان هذا لا يرفع النزاع بين الاصحاب والمخالفين بل يصير النزاع بذلك اشد ويصير سببا لتضرر الشيعة بذلك كما ورد في كثير من الاخبار ذلك لبيان سبب اختلاف الاخبار فظن عبدالاعلى عند سماع هذا الكلام انه (عليه السلام) لا يجيبه إلى كتابه هذا الكتاب فآيس وقام ودخل على اسماعيل ابنه (عليه السلام) وذكر ما جرى بينه وبينه (عليه السلام).
(6) اي قال عبدالاعلى قال الصادق (عليه السلام) وذكر ما جرى بين مروان وابن ذر من المخاصمة فصدقه الراوى على ذلك قال: بلى جرى ذلك بينهم وهذا يحتمل ان يكون في وقت آخر أتاه (عليه السلام) او في هذا الوقت الذي كان يتكلم اسماعيل سمع كلامه (عليه السلام) فاجابه. ويحتمل ان يكون فاعل
(فقال) اسماعيل اي قال عبدالاعلى: قال اسماعيل عندما ذكرت بعض كلام ابيه (عليه السلام) مبادرا: (*)
الصفحة 224
الاعلى إن لكم علينا لحقا كحقنا عليكم والله ما أنتم إلينا بحقوقنا أسرع منا إليكم، ثم قال: سأنظر، ثم قال: ياعبدالاعلى ماعلى قوم إذا كان أمرهم أمرا واحدا متوجهين إلى رجل واحد يأخذون عنه ألا يختلفوا عليه ويسندوا أمرهم إليه، يا عبدالاعلى إنه ليس ينبغي للمؤمن وقد سبقه أخوه إلى درجة من درجات الجنة أن يجذبه عن مكانه الذي هو به ولا ينبغي لهذا الاخر الذي لم يبلغ أن يدفع في صدر الذي لم يلحق به ولكن يستلحق إليه ويستغفر الله.
283 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر (ع) قال: " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا " (1) قال: أما الذي فيه شركاء متشاكسون فلان الاول يجمع المتفرقون ولايته وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا ويبرأ بعضهم من بعض فأما رجل سلم رجل فإنه الاول حقا وشيعته ثم قال: إن اليهود تفرقوا من بعد موسى (ع) على إحدى وسبعين فرقة منها فرقة في الجنة و وسبعون فرقة في النار وتفرقت النصارى بعد عيسى (ع) على إثنين وسبعين فرقة، فرقة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار وتفرقت هذه الامة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون فرقة في النار وفرقة في الجنة ومن الثلاث وسبعين فرقة ثلاث عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودتنا اثنتا عشرة فرقة منها في النار وفرقة في الجنة وستون فرقة من سائر الناس في النار.
284 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (ع) قال: لم تزل دولة الباطل طويلة ودولة الحق قصيرة.
285 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج قال: قلت لابي عبدالله (ع): متى فرج شيعتكم؟ قال: فقال إذا اختلف ولد العباس وهي سلطانهم
____________
ما قال ابي في جوابك قصة مروان وابن ذر قال عبدالاعلى: بلى قال ابوك ذلك فيكون إلى اخر الخبر كلام اسماعيل حيث كان سمع من ابيه (عليه السلام) علة ذلك فافاده وهذا أظهر لفظاوالاول معنى. (آت). (1) الزمر: 30. (*)
الصفحة 225
وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم وخلعت العرب أعنتها (1) ورفع كل ذي صيصية صيصيته (2) وظهر الشامي وأقبل اليماني وتحرك الحسني وخرج صاحب هذا الامر من المدينة إلى مكة بتراث رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقلت: ما تراث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سيف رسول الله ودرعه وعمامته وبرده و قضيبه ورايته ولامته (3) وسرجه حتى ينزل مكة فيخرج السيف من غمده ويلبس الدرع وينشر الراية والبردة والعمامة ويتناول القضيب بيده ويستأذن الله في ظهوره فيطلع على ذلك بعض مواليه فيأتي الحسني فيخبره الخبر فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيثب عليه أهل مكة فيقتلونه ويبعثون برأسه إلى الشامي فيظهر عند ذلك صاحب هذا الامر فيبايعه الناس ويتبعونه.
ويبعث الشامي عند ذلك جيشا إلى المدينة فيهلكهم الله عزوجل دونها (4) و يهرب يومئذ من كان بالمدينة من ولد علي (ع) إلى مكة فيلحقون بصاحب هذا الامر.
ويقبل صاحب هذا الامر نحو العراق ويبعث جيشا إلى المدينة فيأمن أهلها ويرجعون إليها (5).
286 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن بعض أصحاب أبي عبدالله (ع) قال: خرج إلينا أبوعبدالله (ع) وهو مغضب فقال: إني خرجت آنفا في حاجة فتعرض لي بعض سودان المدينة فهتف بي لبيك يا
____________
(1) العنان ككتاب: سير اللجام الذي يمسك به الدابة والجمع اعنة.
(2) شوكة الحائك وكل شئ تحصن به فهو صيصية اي اظهر كل ذي قدرة قدرته وقوته. (3) اللامة مهموزة الدرع، وقيل: السلاح. (النهاية).
(4) اي قبل الوصول إلى المدينة بالبيداء يخسف الله به وبجيشه الارض كما وردت به الاخبار المتظافرة. (آت)
(5) اي يبذل القائم (عليه السلام) لاهل المدينة الامان فيرجعون إلى المدينة مستأمنين. (آت). (*)
الصفحة 226
جعفر بن محمد لبيك، فرجعت عودي على بدئي (1) إلى منزلي خائفا ذعرا مما قال حتى سجدت في مسجدي لربي وعفرت له وجهي وذللت نفسي وبرئت إليه مما هتف بي ولو ان عيسى ابن مريم عدا ماقال الله فيه (2) إذا لصم صما لا يسمع بعده أبدا وعمي عمى لا يبصر بعده أبدا وخرس خرسا لا يتكلم بعد أبدا، ثم قال: لعن الله أبا الخطاب و قتله بالحديد (3).
287 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جهم بن أبي جهيمة، عن بعض موالي أبي الحسن (ع) قال: كان عبد أبي الحسن موسى (ع) رجل من قريش فجعل يذكر قريشا والعرب (4) فقال له أبوالحسن (ع) عند ذلك: دع هذا، الناس ثلاثة: عربي ومولى وعلج فنحن العرب وشيعتنا الموالي (5) ومن لم يكن على مثل ما نحن
____________
(1) (لبيك يا جعفر بن محمد) الظاهر ان هذا الكافر من اصحاب ابي الخطاب (محمد بن مقلاص الاسدي) وكان يعتقد ربوبيته (عليه السلام) كاعتقاد ابي الخطاب فانه اثبت ذلك له (عليه السلام) وادعى النبوة من قبله (عليه السلام) على اهل الكوفة فناداه (عليه السلام) هذا الكافر بما ينائي به الله في الحج وقال ذلك على هذا الوجه، فذعر من ذلك لعظيم ما نسب اليه وسجد لربه وبرا نفسه عند الله مما قال ولعن ابا الخطاب لانه كان مخترع هذا المذهب الفاسد وقوله: (رجعت عودي على بدئي) قال الجوهري: رجع عودا على بدء وعوده على بدئه اي لم ينفع ذهابه حتى وصله برجوعه. (آت). (*)
(2) اي جاوز ما قال الله فيه.
(3) هذا عاء عليه واستجيب دعاءه (عليه السلام) فيه ذكر الكشي انه بعث عيسى بن موسى بن على ابن عبدالله بن العباس وكان عامل المنصور على الكوفة إلى ابي الخطاب واصحابه لما بلغه انهم قد اظهروا الاباحات ودعوا الناس إلى نبوة ابي الخطاب فانهم مجتمعون في المسجد لزموا الاساطين يروون الناس انهم لزموها للجادة وبعص اليهم رجلا فقتلهم جميعا فلم يفلت منهم الا رجل واحد اصابته جراحات فسقط بين العتلى يعد فيهم فلما جنه الليل خرج من بينهم فتخلص وهو ابوسلمة سالم بن مكرم الجمال وروى انهم كانوا سبعين رجلا. (آت). (4) اي كان يذكر فضائلهم ويفتخر باللانتساب بهم. (آت).
(5) الموالي هنا غير العربي الصليب الذي صار حليفا لم ودخل بينهم وصار في حكمهم و وليس منهم. (آت). (*)
الصفحة 227
فهو علج (1) فقال القرشي: تقول هذا يا أبا الحسن فأين أفخاذ قريش والعرب (2)؟
فقال أبوالحسن (ع): هو ماقلت لك.
288 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الاحول، عن سلام بن المستنير قال: سمعت أبا جعفر (ع) يحدث إذا قام القائم عرض الايمان على كل ناصب فإن دخل فيه بحقيقة وإلا ضرب عنقه أو يؤدي الجزية (3) كما يؤديها اليوم أهل الذمة ويشد على وسطه الهميان ويخرجهم من الامصار إلى السواد (4).
9 28 - الحسين بن محمد الاشعري، عن علي بن محمد بن سعيد، عن محمد بن مسلم ابن أبي سلمة، عن محمد بن سعيد بن غزوان، عن محمد بن بنان، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (ع) قال: قال أبي يوما وعنده أصحابه: من منكم تطيب نفسه أن يأخذ جمرة في كفه فيمسكها حتى تطفأ؟ قال: فكاع الناس كلهم ونكلوا (6)، فقمت وقلت:
يا أبة أتأمر أن أفعل؟ فقال: ليس إياك عنيت إنما أنت مني وأنا منك، بل إياهم أردت [قال:] وكررها ثلاثا، ثم قال: ما أكثر الوصف وأقل الفعل إن أهل الفعل قليل إن أهل الفعل قليل، ألا وإنا لنعرف أهل الفعل والوصف معا وما كان هذا منا
____________
(1) اي رجل من كفار العجم وان كان صليبا كما مر.
(2) مر معنى الفخذ ص 181 من هذا المجلد.
(3) لعل هذا في اوائل زمانه (عليه السلام) والا فالظاهر من الاخبار انه لا يقبل منهم الا الايمان او القتل. (آت)
(4) الهميان بالكسر: التكة والمنطقة وكيس للنفقة. ولعله كناية عن علامة جعلها لهم ليعرفوا بها مثل الزنار.
(5) الظاهر هو محمد بن سالم ابي سلمة الاتي تحت رقم 314 وقال الشيخ في الفهرست محمد بن سالم بن ابي سلمة، له كتاب، اخبرنا به ابن ابي جيد عن ابن الوليد عن علي بن محمد بن ابي سعيد القيرواني عن محمد بن سالم بن ابي سلمة السجستاني. انتهى اقول: محمد بن مسلم كان تصحيف محمد سالم وذلك نشأ من اختلاف الكتابة في سالم وسلم وعثمان وعثمن وسفيان وسفين ونظائرها وهذا كثير في كتب القدماء. وعلي بن محمد بن سعيد غير موجود في كتب الرجال والظاهر انه علي بن محمد بن ابي سعيد المذكور ولكن ذكر الشيخ في الرجال على بن محمد بن سعد الاشعري وقال: له كتاب اخبرنا به ابن ابي جيد عن ابن الوليد عن علي بن محمد عن رجاله.
(6) كعت عنه اكيع إذا هبته وجبنت عنه. (القاموس). (*)
الصفحة 228
تعاميا عليكم بل لنبلو أخباركم ونكتب آثاركم فقال: والله لكأنما مادت بهم الارض حياءا مما قال (1) حتى أني لانظر إلى الرجل منهم يرفض عرقا (2) ما يرفع عينيه من الارض فلما رأي ذلك منهم قال: رحمكم الله فما أردت إلا خيرا، إن الجنة درجات فدرجة أهل الفعل لا يدركها أحد من أهل القول ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم.
قال: فوالله لكانما نشطوا من عقال (3).
290 - وبهذا الاسناد، عن محمد بن سليمان (4)، عن إبراهيم بن عبدالله الصوفي قال: حدثني موسى بن بكر الواسطي قال: قال لي أبوالحسن (ع) لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة (5) ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتهم (6) لما خلص من الالف واحد ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم إلا ما كان لي إنهم طال ما اتكوا على الارائك، فقالوا: نحن شيعة علي، إنما شيعة علي من صدق قوله فعله 291 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن احمد بن الحسن الميثمي عن أبان بن عثمان: عن عبدالاعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
تؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها فتقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت فيجاء بمريم (ع) فيقال: أنت أحسن أو هذه؟ قد حسناها فلم تفتتن ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه فيقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت فيجاء بيوسف (ع) فيقال: أنت أحسن أو هذا؟ قد حسناه فلم يفتتن ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول: يا رب شددت علي
____________
(1) ماد الشئ يميد ميدا: تحرك ومادت الاغصان: تمايلت. (الصحاح) وهو كناية عن اضطرابهم وشدة حالهم.
(2) أي جرى وسال عرقه. (النهاية)
(3) اي حلت عقالهم.
(4) في بعض النسخ (محمد بن مسلم) ولعله اظهر. (آت)
(5) في بعض النسخ (ما وجدتهم الا واصفة).
(6) كذا. والمحص: التصفية والتخليص من الغش والتمحيص: الاختبار والابتلاء. (*)
الصفحة 229
البلاء حتى افتتنت فيؤتى بأيوب (ع) فيقال: أبليتك أشد أو بلية هذا؟ قد ابتلى فلم يفتتن.
292 - وبهذا الاسناد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل البصري (1) قال:
سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: تقعدون في المكان فتحدثون وتقولون ما شئتم وتتبرؤون ممن شئتم وتولون من شئتم؟ قلت: نعم، قال: وهل العيش إلا هكذا.
293 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن وهيب بن حفص، عن ابى بصير قال:
سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، أما والله لو يروون (2) محاسن كلامنا لكانوا به أعز وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشرا (3).
4 29 - وهيب، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: سألته عن قول الله عزوجل: " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة (4) " قال: هي شفاعتهم (5) و رجاؤهم يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره ويرجون أن يقبل منهم.
295 - وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبوعبدالله (ع): ما من عبد يدعو إلى ضلالة إلا وجد من يتابعه.
____________
(1) الظاهر انه اسماعيل بن الفضل. (آت).
(2) (لو يروون) هذا على مذهب من لا يجزم ب (لو) وان دخلت على المضارع لغلبة دخولها على الماضي اي لو لم يغيروا كلامنا ولم يزيدوا فيها لكانوا بذلك اعز عند الناس اما لانهم كانوا يؤدون الكلام على وجه لا يترتب عليه فساد او لان كلامهم لبلاغته يوجب حب الناس لهم وعلم الناس بفضلهم إذا لم يغير فيكون قوله: (وما استطاع) بيان فائدة اخرى لعدم التغيير يرجع إلى المعنى الاول وعلى الاول يكون تفسيرا للسابق. (آت).
(3) اي ينزل عليها ويضم بعضها معها عشرا من عند نفسه فيفسد كلامنا ويصير ذلك سببا لاضرار الناس لهم. (آت) وفي بعض النسخ (لها عشرا).
(4) المؤمنون: 60.
(5) لعل المراد دعاؤهم وتضرعهم كانهم شفعوا لانفسهم او طلب الشفاعة من غيرهم او تضاعف حسناتهم ولعله تصحيف شفقتهم. (من آت) (*)
الصفحة 230
296 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبدالله بن الصلت، عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة؟ (1)
فقال: مه إن الرب تبارك وتعالى واحد والام واحدة والاب واحد والجزاء بالاعمال.
297 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان قال سمعت أبا الحسن
(ع) يقول: طبايع الجسم على أربعة فمنها الهواء الذي لا تحيا النفس إلا به وبنسيمه و يخرج ما في الجسم من داء وعفونة، والارض (2) التي قد تولد اليبس والحرارة، والطعام (3) ومنه يتولد الدم ألا ترى أنه يصير إلى المعدة فتغذيه حتى يلين ثم يصفو فتأخذ الطبيعة صفوه دما ثم ينحدر الثفل والماء هو يولد البلغم.
298 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسين ابن أعين أخو مالك بن أعين قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الرجل للرجل: جزاك الله خيرا، ما يعني به؟ فقال أبوعبدالله (ع): إن خيرا نهر في الجنة (4) مخرجه من الكوثر والكوثر مخرجه من ساق العرش، عليه منازل الاوصياء وشيعتهم على حافتي ذلك النهر جواري نابتات، كلما قلعت واحدة نبتت اخرى سمي (5) بذلك النهر وذلك قوله تعالى:
____________
(1) (لو) للتمني. وقوله: (عزلت) اي جعلت لهم مائدة غير هذه.
(2) اي الثانية منها الارض وهي تولد اليبس بطبعها والحرارة بانعكاس اشعة الشمس عنها فلها مدخل في تولد المرة الصفراء والسوداء. (آت) (3) اي الثالثة وانما نسب الدم فقط اليها لانها ادخل في دوام البدن من سائر الاخلاط مع عدم مدخلية الاشياء الخارجة كثيرا فيها. (آت)
(4) يحتمل ان يكون اصل استعمال هذه الكلمة كن ممن عرف هذا المعنى وارادة من لا يعرف غيره لا ينافيه على انه يحتمل ان يكون المراد ان الجزاء الخير هو هذا وينصرف واقعا اليه وان لم يعرف ذلك من يتكلم بهذه الكلمة. (آت)
(5) كذا في اكثر النسخ والظاهر سمين ويمكن ان يقرء على البناء للمعلوم اي سماهن الله بها في قوله: (خيرات) ويحتمل ان يكون المسار اليه النابت اي سمى النهر باسم ذلك النابت اي الجواري لان الله سماهن خيرات. (آت) (*)
الصفحة 231
" فيهن خيرات حسان (1) " فإذا قال الرجل لصاحبه: جزاك خيرا فإنما يعني بذلك تلك المنازل التي قد أعدها الله عزوجل لصفوته وخيرته من خلقه.
299 - وعنه، عن احمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن في الجنة نهرا حافتاه حور نابتات فإذا مر المؤمن بإحديهن فأعجبته اقتلعها فأنبت الله عزوجل مكانها.
حديث القباب
300 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء عن عبدالله بن سنان، عن أبي حمزة قال: قال لي أبوجعفر (ع) ليلة وأنا عنده ونظر إلى السماء فقال: يا أبا حمزة
هذه قبة أبينا آدم (ع) وإن الله عزوجل سواها تسعة وثلاثين قبة فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين.
301 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن عجلان أبي صالح قال: دخل رجل على أبي عبدالله (ع) فقال له: جعلت فداك هذه قبة آدم (ع)؟ قال:
نعم ولله قباب كثيرة، ألا إن خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثون مغربا أرضا بيضاء مملوة خلقا يستضيئون بنوره لم يعصوا الله عزوجل طرفة عين ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق، يبرؤون من فلان وفلان.
302 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن يحيى بن المبارك، عن عبدالله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) قال: من خصف نعله ورقع ثوبه وحمل سلعته (2) فقد برئ من الكبر.
303 - عنه، عن صالح، عن محمد بن اورمة، عن ابن سنان، عن المفضل بن عمر قال: كنت أنا والقاسم شريكي ونجم بن حطيم وصالح بن سهل بالمدينة فتناظرنا في
____________
(1) الرحمن: 70.
(2) السلعة بكسر السين: المتاع وما يشتري الانسان لاهله. (*)
الصفحة 232
الربوبية، قال (1): فقال بعضنا لبعض: ماتصنعون بهذا نحن بالقرب منه (2) وليس منا في تقية قوموا بنا إليه، قال: فقمنا فوالله ما بلغنا الباب إلا وقد خرج علينا بلا حذاء ولا رداء قد قام كل شعره من رأسه منه وهو يقول: لا لا يا مفضل ويا قاسم ويا نجم، لا لا بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
304 - عنه، عن صالح، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبدالله
(ع) قال: إن لابليس عونا يقال له: تمريح إذا جاء الليل ملا ما بين الخافقين (3).
305 - عنه، عن صالح، عن الوشاء، عن كرام، عن عبدالله بن طلحة قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن الوزغ فقال: رجس وهو مسخ كله فإذا قتلته فاغتسل (4) فقال:
إن أبي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه فإذا هو بوزغ يولول بلسانه فقال أبي للرجل: أتدري ما يقول هذا الوزغ؟ قال: لا علم لي بما يقول، قال: فإنه يقول: والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لاشتمن عليا حتى يقوم من ههنا، قال: وقال: أبي ليس بموت من بني أمية ميت إلا مسخ وزغا، قال: وقال: إن عبدالملك بن مروان لمانزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده وكان عنده ولده فلما أن فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا فيصنعوه كهيئة
____________
(1) اي في ربوبية الصادق (عليه السلام) او جميع الائمة (عليهم السلام) ولعله كان غرضهم ما نسب اليهم من انه تعالى لما خلق انوار الائمة (عليهم السلام) فوض اليهم امر خلق العامل فهم خلقوا جميع العالم وقد نفوا (عليهم السلام) ذلك وتبرؤوا منه ولعنوا من قال به وقد وضعوا الغلاة اخبارا في ذلك ويحتمل ان يكونوا توهموا حلولا او اتحادا كالنصارى في عيسى (عليه السلام).
(2) يعني الصادق (عليه السلام).
(3) اي لاضلال الناس واضرارهم او للوساوس في المنام كما رواه الصدوق رحمه الله في اماليه عن ابيه باسناده عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: ان لابليس شيطانا يقال له: هزع يملا المشرق والمغرب في كل ليلة يأتي الناس في المنام ولعله هذا الخبرفسقط عنه بعض الكلمات في المتن والسند ووقع فيه بعض التصحيف. (آت) وفي بعض النسخ (تمريخ).
(4) المشهور بين الاصحاب استحباب ذلك الغسل. (آت). (*)
الصفحة 233
الرجل قال: ففعلوا ذلك وألبسوا الجذع درع حديد (1) ثم لفوه في الاكفان فلم يطلع عليه أحد من الناس إلا أنا وولده.
306 - عنه، عن صالح، عن محمد بن عبدالله بن مهران، عن عبدالملك بن بشير، عن عثيم بن سليمان، عن معاوية ين عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: إذا تمنى أحدكم القائم فليتمنه في عافية فإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة ويبعث القائم نقمة (2).
307 - عنه، عن صالح، عن محمد بن عبدالله، عن عبدالملك بن بشير، عن أبي الحسن الاول (ع) قال: كان الحسن (ع) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين رأسه إلى سرته وإن الحسين (ع) أشبه الناس بموسى بن عمران ما بين سرته إلى قدمه.
308 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مقاتل بن سليمان (3)
قال: سألت أبا عبدالله (ع) كم كان طول آدم (ع) حيث هبط به إلى الارض وكم كان طول حواء؟ قال: وجدنا في كتاب علي بن أبي طالب (ع) أن الله عزوجل لما أهبط آدم وزوجته حواء (ع) إلى الارض كانت رجلا ه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء وإنه شكا إلى الله ما يصيبه من حر الشمس فأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل (ع)
أن آدم قد شكا ما يصيبه من حر الشمس فأغمزه غمزة وصير طوله سبعين ذراعا بذراعه وأغمز حواء، غمزة فيصيرطولها خمسة وثلاثين ذراعا بذراعها.
____________
(1) لعلهم انها فعلوا ذلك ليصير ثقيلا او لانه ان مسه احد فوق الكفن لا يحسس بانه خشب. (آت).
(2) اي على الكافرين.
(3) مقاتل بن سليمان رجل عامي ضعيف ضعفه الفريقان نقل بن داود في الباب الثاني من رجاله عن البرقي انه عامي وهو مذكور في الحاوي في فصل الضعفاء. وفي تنقيح المقال عن ملحقات الصراح في ذكر معارف اهل التفسير من التابعين ومن تبعهم: الامام ابو الحسن مقاتل بن سليمان تفسيره مجلدان، وقال:
لما قيل: لابي حنيفة: قدم مقاتل بن سليمان قال: إذا يجيئك بكذب كثير. إلى آخر ما قال وقال ابن حجر: مقاتل بن سليمان بن بشير البجلي الازدي الخراساني ابوالحسن البلخي، نزيل مرو ويقال له: ابن دوال دوز البصري المفسر، عن مجاهد وضحاك وعنه على بن الجعد وابن عيينة، اجمعوا على تضعيفه (لسان الميزان ج 6 ص 728) فعلى هذا لم نتعرض لما قالوا ائمة الحديث في توجيه هذا الخبر لانه لم يثبت عندنا صدوره عنهم (عليهم السلام).
(4) الثنية في الجبل كالعقبة فيه وقيل: هو الطريق العالي فيه وقيل: اعلى الميل في رأسه. (النهاية) (*)
الصفحة 234
209 - عنه، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الحارث بن المغيرة قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن رجل أصاب أباه سبي في الجاهلية فلم يعلم أنه كان أصاب أباه سبي في الجاهلية إلا بعد ما توالدته العبيد في الاسلام واعتق؟ قال: فقال:
فلينسب إلى آبائه العبيد في الاسلام ثم هو يعد من القبيلة التي كان أبوه سبي فيها إن كان [أبوه] معروفا فيهم ويرثهم ويرثونه.
310 - ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن عبدالمؤمن الانصاري، عن أبي جعفر
(ع) قال: إن الله تبارك وتعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والآخرة والفلج في الدنيا والآخرة والمهابة في صدور الظالمين.
311 - ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
ثلاث هن فخر المؤمن وزينه في الدنيا والآخرة: الصلاة في آخر الليل ويأسه مما في أيدي الناس وولايته الامام من آل محمد (صلى الله عليه وآله) قال: وثلاثة هم شرار الخلق ابتلى بهم خيار الخلق: أبوسفيان أحدهم قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاداه ومعاويه قاتل عليا (ع) وعاداه ويزيد بن معاوية لعنه الله قاتل الحسين بن علي (ع) وعاداه حتى قتله 312 - ابن محبوب، عن مالك بن عطية، بن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (ع) قال: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع ولا كرم إلا بتقوى ولا عمل إلا بالنية (1) ولا عبادة إلا بالتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله.
313 - إبن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر
(ع) يقول: إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج (2) فبعث إلى رجل من
____________
(1) اي لا يكون العمل مقبولا الا مع الاخلاص في النية وترك شوائب الرياء.
(2) هذا غريب اذ المعروف بين اهل السير ان هذا الملعون بعد الخلافة لم يات المدينة بل لم يخرج من الشام حتى مات ودخل النار ولعل هذا كان من مسلم بن عقبة والى هذا الملعون حيث بعثه لقتل اهل المدينة فجرى منه ما في قتل الحرة ما جرى وقد نقل انه جرى بينه وبين علي بن الحسين (عليهما السلام) قريب من ذلك فاشتبه على بعض الرواة. (آت) هذا الاحتمال في غاية البعد فان مسلم بن عقبة لم يكن قرشيا. ثم ان المسعودي روى عكس ذلك قال ان مسلم بن عقبة لما نظر إلى على بن الحسين (عليه السلام) سقط في يديه وقام واعتذر منه، فقيل له في ذلك فقال قد ملا قلبي منه رعبا. (*)
الصفحة 235
قريش فأتاه فقال له يزيد: اتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسبا ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والاسلام وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني فكيف أقرلك بماسألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي (ع) ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمر به فقتل.
(حديث على بن الحسن (ع) مع يزيد لعنه الله)
ثم أرسل إلى علي بن الحسين (ع) فقال له: مثل مقالته للقرشي فقال له علي بن الحسين (ع): أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالامس؟
فقال له يزيد لعنه الله: بلى فقال له علي بن الحسين (ع): قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع، فقال له يزيد لعنه الله: أولى لك (1)
حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك.
314 - الحسين بن محمد الاشعري، عن علي بن محمد بن سعيد (2)، عن محمد بن سالم بن أبي سلمة، عن محمد بن سعيد بن غزوان قال: حدثني عبدالله بن المغيرة قال:
قلت لابي الحسن (ع): إن لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولا بد من معاشرتهما فمن أعاشر فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الاسلام وراء ظهره وهوالمكذب بجميع القرآن والانبياء والمرسلين، قال: ثم قال: إن هذا نصب لك وهذا الزيدي نصب لنا.
315 - محمد بن سعيد قال: حدثني القاسم بن عروة، عن عبيد بن زرارة، عن
____________
(1) اي الشر قريب بك، وفي المرآة (قال الجوهري: قولهم: اولى لك تهدد ووعيد وقال الاصمعي: معناه قاربه ما يهلكه اي نزل له انتهى وهذا لا يناسب المقام وان يكون الملعون بعد في مقام التهديد ولم يرض بذلك عنه (عليه السلام) ويحتمل ان يكون مراده ان هذا أولى لك وأحرى مما صنع القرشي).
(2) كذا في اكثر النسخ وقال المجلسي رحمه الله الظاهر إما سعد أو علي بن محمد بن ابي سعيد. وقد مر الكلام فيه ص 227. تحت رقم 5 في الهامش.
(3) لعل مراد الراوي بالناصب المخالف كما هو المصطلح في الاخبار وانهم لا يبغضون اهل البيت ولكنهم يبغضون من قال بامامتهم بخلاف الزيدية فانهم كانوا يعاندون اهل البيت ويحكمون بفسقهم لعدم خروجهم بالسيف. (آت) (4) اي مثلان. (*)
الصفحة 236
أبيه، عن أبي جعفر (ع) قال: من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الائمة يقدر على الانتصاف (1) فلم يفعل ألبسه الله عزوجل الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة وسلبه صالح ما من به عليه من معرفتنا.
316 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن ابن فضال، عن إبراهيم ابن أخي أبي شبل، عن أبي شبل قال: قال لي أبوعبدالله (ع) ابتداء امنه أحببتمونا وأبغضنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس ووصلتمونا وجفانا الناس فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا (2) أما والله ما بين الرجل وبين أن يقرالله عينه (3) إلا أن تبلغ نفسه هذا المكان وأومأ بيده إلى حلقه فمد الجلدة، ثم أعاد ذلك فوالله ما رضي حتى حلف لي فقال: والله الذي لا إله إلا هو لحدثني أبي محمد بن علي (ع) بذلك يا أبا شبل أماترضون أن تصلوا ويصلوا فيقبل منكم ولا يقبل منهم، أما ترضون أن تزكوا ويزكوا فيقبل منكم ولا يقبل منهم، أماترضون ان تحجوا ويحجوا فيقبل الله جل ذكره منكم ولا يقبل منهم والله ما تقبل الصلاة إلا منكم ولا الزكاة إلا منكم ولا الحج إلا منكم فاتقوا الله عزوجل فإنكم في هدنة (4) وأدوا الامانة فإذا تميز الناس فعند ذلك ذهب كل قوم بهواهم وذهبتم بالحق ما أطعتمونا (5) أليس القضاة والامراء وأصحاب المسائل منهم؟ قلت: بلى، قال (ع): فاتقوا الله عزوجل فإنكم لا تطيقون الناس كلهم إن الناس أخذوا ههنا وههنا وإنكم أخذتم حيث أخذ الله عزوجل، إن الله عزوجل اختار من عباده محمدا (صلى الله عليه وآله) فاخترتم خيرة الله، فاتقوا الله وأدوا الامانات إلى الاسود والابيض وإن كان حروريا وإن كان شاميا (6).
____________
(1) الانتصاف: الانتقام.
(2) اي كمحيانا في التوفيق والهداية والرحمة ومماتكم كمماتنا في الوصول إلى السعادة الابدية. (آت).
(3) برؤية مكانه في الجنة ومشاهدة النبي والائمة صلوات الله عليهم وسماع البشارات منهم زرقنا الله وسائر المؤمنين. (آت).
(4) (هدنة) اي مصالحة مع المخالفين والمنافقين، لا يجوز لكم الان منازعتهم. (آت)
(5) اي مادمتم مطيعين لنا. (آت)
(6) (ان كانت حروريا) اي من خوارج العراق. (وان كان شاميا) اي من نواصب الشام. (*)
الصفحة 237
317 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن أخي أبي شبل، عن أبي شبل، عن أبي عبدالله (ع) مثله (1).
318 - سهب بن زياد، عن محمد بن سنان، عن حماد بن أبي طلحة، عن معاذ بن كثير قال: نظرت إلى الموقف والناس فيه كثير فدنوت إلى أبي عبدالله (ع) فقلت، له:
إن أهل الموقف لكثير قال: فصرف ببصره فأداره فيهم ثم قال: ادن مني يا أبا عبدالله غثاء (2) يأتي به الموج من كل مكان، لا والله ما الحج إلا لكم، لا والله ما يتقبل الله إلا منكم.
319 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن على الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير قال: كنت جالسا عند أبي عبدالله (ع) إذ دخلت عليه، أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه فقال أبوعبدالله (ع): أيسرك أن تسمع كلامها فقلت: نعم فقال: أما الآن فأذن لها قال: وأجلسني معه على الطنفسة (3) ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة فسألته عنهما فقال لها: توليهما؟ قالت: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني بولايتهما قال: نعم، قالت: فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمرني بالبراءة منهما وكثير النوا يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك؟ قال: هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (4) " " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (5) " " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (6) ".
320 - عنه، عن المعلى، عن الحسن، عن أبان، عن أبي هاشم قال: لما أخرج
____________
(1) رقمه المجلسي رحمه الله سهوا من قلمه الشريف ولا يكون لنا بد الا ان نرقمه لئلا نوقع في التكلف لدى التطبيق.
(2) الغثاء بالضم والمد: ما يجئ فوق السيل مما يحتمله من الزبد والوسخ وغيره.
(3) هي البساط الذي له حمل رقيق.
(4) المائدة: 44.
(5) المائدة: 45.
(6) المائدة: 47 وقد مضى بعينه سندا ومتنا تحت رقم 71. (*)
الصفحة 238
بعلي (ع) (1) خرجت فاطمة (عه) واضعة قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رأسها آخذة بيدي إبنيها فقالت: مالي ومالك يا أبا بكر تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي (2) والله لو لا أن تكون سيئة لنشرت شعري ولصرخت إلى ربي، فقال رجل من القوم: ما تريد إلى (3) هذا ثم أخذت بيده فانطلقت به.
321 - أبان، عن علي بن عبدالعزيز، عن عبدالحميد الطائي، عن أبي جعفر (ع)
قال: والله لونشرت شعرها ما تواطرا (4).
322 - أبان، عن ابن أبي يعفور قال: قال أبوعبدالله (ع): إن ولد الزنى يستعمل إن عمر خيرا جزئ به وإن عمل شرا جزئ به.
3 32 - أبان، عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجرته ومروان وأبوه يستمعان إلى حديثه (5) فقال له: الوزغ ابن الوزغ، قال أبوعبدالله (ع) فمن يومئذ يرون أن الوزغ يسمع الحديث.
324 - أبان، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: لما ولد مروان عرضوا به لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدعو له، فأرسلوا به إلى عائشة ليدعو له، فلما قربته منه قال: أخرجوا عني الوزغ ابن الزوغ، قال زرارة: ولا أعلم إلا أنه قال: ولعنه.
____________
(1) مضمر او موقوف.
(2) المشهور في كتب اللغة ان الايتام ينسب إلى المرأة يقال: ايتمت المراة اي صار اولادها يتامى. وقولها عليها السلام: (ترملني) الارملة: المراة التي لا زوج لها وقولها سلام الله عليها:
(ان يكون سيئة) اي مكافأة السيئة بالسيئة وليست من دأب الكرام فيكون اطلاق السيئة عليها مجازا او المراد مطلق الاضرار ويحتمل ان يكون المراد المعصية اي فنهيت عن ذلك ولا يجوز لي فعله. (آت) اقول: اي لولا ان يكون هذا العمل سيئة لفعلت.
(3) لعل فيه تضمين معنى القصد اي قال مخاطبا لابي بكر او عمر: ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل اتريد ان تنزل عذاب الله على هذه الامة. (آت)
(4) (طرا) اي جميعا، نصبه على المصدر او على الحال.
(5) اي كانا يسترقان السمع ليسمعا ما يخبر به ويحكيه النبي (صلى الله عليه وآله) مع اهل بيته وازواجه ويخبرا به المنافقين وانما سماهما وزغا لما مر ان بني امية يمسخون بعد الموت وزغا لان الوزغ يستمع الحديث فشبههما لذلك به. (آت) اقول: لا يبعد كونهما جاسوسين مبعوثين من قبل حزبهم الاموي لذلك وقوله (يرون) اي يعلمون. (*)
الصفحة 239
325 - أبان، عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله، عن أبي العباس المكي قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إن عمر لقى أمير المؤمنين (ع) فقال: أنت الذي تقرأ هذه الآية
" بأيكم المفتون (1) " تعرضا بي وبصاحبي؟ قال: أفلا اخبرك بآية نزلت في بني امية " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم (2) " فقال:
كذبت، بنو امية أوصل للرحم منك ولكنك أبيت إلا عداوة لبني تيم وعدي وبني امية (3).
326 - علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، (4) عن أبي عبدالله (ع) قال: كان علي (ع) يقوم في المطر أول مايمطر حتى يبتل رأسه و لحيته وثيابه، فقيل له: يا أمير المؤمنين الكن الكن (5) فقال: إن هذا ماء قريب عهد بالعرش.
ثم أنشا يحدث فقال: إن تحت العرش بحرا فيه ماء ينبت أرزاق الحيوانات فإذا أراد الله عز ذكره أن ينبت به ما يشاء لهم رحمة منه لهم أوحى الله إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء حتى يصير إلى سماء الدنيا فيما أظن (6) فيلقيه إلى السحاب والسحاب بمنزلة الغربال، ثم يوحى الله إلى الريح أن اطحنيه واذيبيه ذوبان الماء، ثم انطلقي به إلى موضع كذا وكذا فأمطري عليهم فيكون كذا وكذا عبابا (7) وغير ذلك فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك حتى يضعها موضعها ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بعدد معدود ووزن معلوم إلا ما كان من يوم الطوفان
____________
(1) القلم: 6.
(2) محمد: 22.
(3) قد مر بعينه تحت رقم. 76
(4) مسعدة ابن صدقة على ما ذكره الشيخ في رجاله رجل عامي بترى له كتاب. ضعفه غير واحد من الاعلام، وقال ابن الحجر بعد عنوانه في لسان الميزان: عن مالك وعنه سعيد بن عمرو، قال الدار قطني:
متروك إلى اخر ما قال.
(5) بالنصب اي ادخل الكن او اطلبه. والكن بالكسر: وقاء كل شئ وما يستتر به من بناء ونحوه.
(6) هذا كلام الراوي.
(7) العباب: معظم السيل وارتفاعه. (*)
الصفحة 240
على عهد نوح (ع) فإنه نزل ماء منهمر (1) بلا وزن ولا عدد.
قال: وحدثني أبوعبدالله (ع) قال: قال لي أبي (ع): قال أمير المؤمنين (ع):
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزوجل جعل السحاب غرابيل للمطر، هي تذيب البرد حتى يصير ماء ا لكي لا يضر به شيئا يصيبه، الذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله عزوجل يصيب بها من يشاء من عباده.
ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تشيروا إلى المطر ولا إلى الهلال فإن الله يكره ذلك.
327 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط رفعه قال: كتب أمير المؤمنين (ع) إلى ابن عباس: أما بعد فقد يسر المرء ما لم يكن ليفوته ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم (2) أو قول وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا (3) وليكن همك فيما بعد الموت والسلام.
328 - سهل بن زياد، عن الحسن بن علي، عن كرام، عن أبي الصامت، عن أبي عبدالله (ع) قال: مررت أنا وأبوجعفر (ع) على الشيعة وهم ما بين القبر والمنبر، فقلت لابي جعفر (ع): شيعتك ومواليك جعلني الله فداك، قال: أين هم؟ فقلت: أراهم ما بين القبر والمنبر، فقال: اذهب بي إليهم فذهب فسلم عليهم، ثم قال: والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم فأعينوا مع هذا بورع واجتهاد، إنه لا ينال ما عند الله إلا بورع و اجتهاد وإذا ائتممتم بعبد فاقتدوا به، أما والله إنكم لعلى ديني ودين آبائي إبراهيم و إسماعيل وإن كان هؤلاء على دين اولئك فأعينوا على هذا بورع واجتهاد (4).
329 - أبوعلي الاشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر،
____________
(1) اي منصب سائل من غير تقاطر او كثير من غير ان يعلم وزنها وعددها الملائكة. (آت)
(2) اي حكمة او قضاء حق قضى به على نفسه او غيره. (آت)
(3) اي لا تزد في السرور ولا تبالغ فيه.
(4) قد مر مثله تحت رقم 259. (*)
الصفحة 241
عن الربيع بن محمد المسلي، عن أبي الربيع الشامي قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
إن قائمنا إذا قام مد الله عزوجل لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى [لا] يكون بينهم وبين القائم بريد (1) يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه.
330 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عثمان بن عيسى، عن هارون ابن خارجة، عن أبي عبدالله (ع) قال: من استخار الله راضيا بما صنع الله له خار الله له حتما (2)
331 - سهل بن زياد، عن داود بن مهران، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن رجل، عن جويرية بن مسهر قال: اشتددت خلف (3) أمير المؤمنين (ع) فقال لي: يا جويرية إنه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم ما جاء بك قلت: جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف وعن المروءة وعن العقل، قال: أما الشرف فمن شرفه السلطان شرف وأما المروءة فإصلاح المعيشة وأما العقل فمن اتقى الله عقل.
332 - سهل بن زياد (5)، عن علي بن حسان، عن علي بن أبي النوار، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر (ع): جعلت فداك لاي شئ صارت الشمس أشد حرارة من القمر؟ فقال: إن الله خلق الشمسن من نور النار وصفو الماء، طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار فمن ثم صارت أشد حرارة من القمر، قلت: جعلت فداك والقمر؟ قال: إن الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النار وصفو الماء، طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء فمن ثم صار القمر أبرد من الشمس.
____________
(1) البريد: أربع فراسخ وفي بعض النسخ (لا يكون) فالمراد بالبريد الرسول اي يكلمهم في المسافات البعيدة بلا رسول وبريد. (آت).
(2) اي طلب في كل امر يريده وياخذ فيه ان يتيسر الله له ماهو خير له ي دنياه واخرته ثم يكون راضيا بما صنع الله له يات الله بخيره البتة. (آت)
(3) الاشتداد والشد: العدو.
(4) خفق النعل: صوتت. وخفق النعال: صوتها.
(5) سهل بن زياد هو ابوسعيد الادمى الرازي كان ضعيفا في الحديث غير معتمد فيه. (قاله النجاشي). (*)
الصفحة 242
333 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن الهيثم، عن زيد أبي الحسن قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: من كانت له حقيقة ثابتة (1) لم يقم على شبهة هامدة حتى يعلم منتهى الغاية ويطلب الحادث من الناطق عن الوارث وبأي شئ جهلتم ما أنكرتم (2) وبأي شئ عرفتم ماأبصرتم إن كنتم مؤمنين.
334 - عنه، عن أبيه، عن يونس بن عبد الحمن رفعه قال: قال أبوعبدالله (ع)
ليس من باطل يقوم بإزاء الحق إلا غلب الحق الباطل وذلك قوله: عزوجل: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق (3) ".
335 - عنه، عن أبيه مرسلا قال: قال أبوجعفر (ع): لا تتخذوا من دون الله وليجة (4) فلا تكونوا مؤمنين، فإن كل سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع مضمحل كما يضمحل الغبار (5) الذي يكون على الحجر الصلد إذا أصابه المطر الجود (6) إلا ما أثبته القرآن.
336 - علي بن محمد بن عبدالله، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبدالله بن حماد، عن ابن مسكان، عن أبي عبدالله (ع) قال: نحن أصل كل خير ومن فروعنا كل بر، فمن البر التوحيد والصلاة والصيام وكظم الغيظ والعفو عن المسئ ورحمة الفقير وتعهد
____________
(1) اي حقيقة ثابتة من الايمان وهي خالصه ومحضه وما يحق ان يقال: انه ايمان ثابت لا يتغير من الفتن والشبهات. وقوله: (لم يقم على شبهة هامدة) اي على امر مشتبه باطل في دينه لم يعلم حقيقته بل يطلب اليقين حتى يصل إلى غاية ذلك الامر او غاية امتداد ذلك الامر. (آت)
(2) اي فارجعوا إلى انفسكم وتفكروا في ان ما جهلتموه لاي شئ جهلتموه، ليس جهلكم الا من تقصيركم في الرجوع إلى ائمتكم وفي ان ما عرفتموه لان كل شئ عرفتموه لم تعرفوه الا بما وصل اليكم عن علومهم ان كنتم مؤمنين بهم عرفتم ذلك. (آت)
(3) الانبياء: 18.
(4) وليجة الرجل: بطانته واخلاء ه وخاصته.
(5) في بعض النسخ (كالغبار).
(6) الجود بالفتح: المطر الواسع الغزير. (*)
الصفحة 243
الجار والاقرار بالفضل لاهله وعدونا أصل كل شر ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة فمنهم الكذب والبخل والنميمة والقطيعة وأكل الربا وأكل مال اليتيم بغير حقه و تعدي الحدود التي أمر الله وركوب الفواحش ما ظهر منها ما وبطن والزنى والسرقة وكل ما وافق ذلك من القبيح فكذب من زعم أنه معنا وهو متعلق بفروع غيرنا.
337 - عنه، وعن غيره، وعن أحمدبن محمدبن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال لرجل: اقنع بما قسم الله لك ولا تنظر إلى ما عند غيرك ولا تتمن ما لست نائله فإنه من قنع شبع ومن لم يقنع لم يشبع وخذ حظك من آخرتك.
وقال أبوعبدالله (ع): أنفع الاشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه وأشد شئ مؤونة إخفاء الفاقة وأقل الاشياء غناءا (1) النصيحة لمن لا يقبلها ومجاورة الحريص و أرواح الروح اليأس من الناس (2).
وقال: لا تكن ضجرا ولا غلقا (3) وذلل نفسك باحتمال من خالفك ممن هو فوقك ومن له الفضل عليك فإنما أقررت بفضله لئلا تخالفه ومن لا يعرف لاحد الفضل فهو المعجب برأيه (5).
وقال لرجل: إعلم أنه لا عز لمن لا يتذلل لله تبارك وتعالى ولا رفعة لمن لم يتواضع لله عزوجل.
وقال لرجل: أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم فإنما جعلت
____________
(1) الغناء بالفتح والمد: النفع.
(2) اي اكثر الاشياء راحة.
(3) (ضجرا) اي تبرما عند البلايا. وقوله: (غلقا) بكسر اللام: اي سئ الخلق قال الجزري: الغلق بالتحريك: ضيق الصدر وقلة الصبر. ورجل غلق اي: سئ الخلق.
(4) الظاهر ان المراد بمن خالفه من كان فوقه في العلم والكمال من الائمة (عليهم السلام) والعلماء من اتباعهم وما يامرون به غالبا مخالف لشهوات الخلق فالمراد بالاحتمال قبول قولهم وترك الانكار لهم وان خالف عقله وهواه ويمكن ان يكون المراد بمن خالفه سلاطين الجور وبمن له الفضل الائمة العدل فالمراد احتمال أذاهم ومخالفتهم. (آت).
(5) (المعجب) بفتح الجيم اي عد رايه حسنا ونفسه كاملا. (*)
الصفحة 244
الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الاخرة فاعرف الاخرة بها ولا تنظر إلى الدنيا إلا بالاعتبار (1).
338 - عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول لحمران بن أعين: يا حمران انظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك، اعلم أن العمل الدائم القليل على يقين أفضل عند الله جل ذكره من العمل الكثير على غير يقين.
واعلم انه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله (2) والكف عن أذى المؤمنين و اغتيابهم ولا عيش أهنأ من حسن الخلق ولا مال انفع من القنوع باليسير المجزي ولا جهل أضر من العجب.
339 - ابن محبوب، عن عبدالله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال:
سمعت علي بن الحسين (ع) يقول: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: أخبرني إن كنت عالما عن الناس وعن أشباه الناس وعن النسناس؟
فقال أمير المؤمنين (ع): يا حسين أجب الرجل.
فقال الحسين (ع): أما قولك: أخبرني عن الناس، فنحن الناس ولذلك قال الله تعالى ذكره في كتابه: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس (4) " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أفاض بالناس.
____________
(1) أي كما أن أهل الدنيا بذلوا جهدهم في تحصيل دنياهم الفانية فابذل انت جهدك في تعمير النشأة الباقية وانظر النعم الدنيا ولذاتها واعرف بها فضل الاخرة التي ليس فيها شئ منها. (آت)
(2) اي هذا الورع انفع من ورع من تجنب المكروهات والشبهات ولا يبالي بارتكاب المحرمات. (آت)
(3) لانه ينشأ من الجهل بعيوب النفس وجهلالاتها ونقائصها. (آت)
(4) البقرة: 199. (*)
الصفحة 245
وأما قولك: أشباه الناس، فهم شيعتنا وهم موالينا وهم منا ولذلك قال إبراهيم (عليه السلام): " فمن تبعني فإنه مني (1) ".
وأما قولك: النسناس، فهم السواد الاعظم واشار بيده إلى جماعة الناس ثم قال: " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا (2) ".
340 - علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (ع) عنهما (3) فقال: يا أبا الفضل ما تسألني عنهما فوالله ما مات منا ميت قط إلا ساخطا عليهما وما منا اليوم إلا ساخطا عليهما يوصي بذلك البير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا ومنعانا فيئنا وكانا أول من ركب أعناقنا وبثقا علينا بثقا (4) في الاسلام لا يسكر ابدا حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا (5).
ثم قال: أما والله لو قد قام قائمنا [أ] وتكلم متكلمنا لابدى من امورهما ما كان يكتم ولكتم من امورهما ما كان يظهر والله ما أسست من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلا هما أسسا أولها فعليمهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
341 - حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (ع) قال: كان الناس أهل ردة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الاسود وأبوذر الغفاري و سلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم ثم عرف اناس بعد يسير وقال: هؤلاء الذين
____________
(1) ابراهيم: 36.
(2) الفرقان: 44.
(3) هما رجلان معروفان عند الراوي.
(4) بثق السيل موضع كذا يبثق بثقا بفتح الباء وبتقا بكسرها عن يعقوب اي خرقه وبثقه اي انفجر. (الصحاح) وقوله: (لا يسكر) اي لا يسد.
(5) لعل كلمة (او) بمعنى الواو كما يدل عليه ذكره ثانيا بالواو ويحتمل ان يكون الترديد من الراوي ويحتمل ان يكون المراد بالقائم الامام الثاني عشر (عليه السلام) كما هو المتبادر وبالمتكلم من تصدى لذلك قبله (عليه السلام).
(6) (اهل رده) بالكسر اي ارتداد. (*)
الصفحة 246
دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا حتى جاؤوا بأمير المؤمنين (ع) مكرها فبايع وذلك قول الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (1) ".
342 - حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر (ع) قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر يوم فتح مكة فقال: إيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ألا إنكم من آدم (ع) وآدم من طين، ألا إن خير عباد الله عبد اتقاه، إن العربية ليست باب والد ولكنها لسان ناطق فمن قصر به عمله لم يبلغه حسبه، ألا إن كان دم كان في الجاهلية أو إحنة - والاحنة الشحناء - فهى تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة.
343 - حنان عن أبيه، عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: ما كان ولد يعقوب أنبياء؟ قال: لا ولكنهم كانوا أسباط أولاد الانبياء (3) ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا وتذكروا ما صنعوا وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين (ع) فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
344 - حنان، عن أبي الخطاب، عن عبد صالح (ع) قال: إن الناس أصابهم قحط شديد على عهد سليمان بن داود (ع) فشكوا ذلك إليه وطلبوا إليه أن يستسقي لهم قال: فقال: لهم إذا صليت الغداة مضيت فلما صلى الغداة مضى ومضوا، فلما أن كان في بعض الطريق إذا هو بنملة رافعة يدها إلى السماء واضعة قدميها إلى الارض وهي تقول:
اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، قال: فقال سليمان (ع): ارجعوا فقد سقيتم بغيركم، قال: فسقوا في ذلك العام ما لم يسقوا مثله قط.
345 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن جعفر، عن عمرو بن
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) في بعض النسخ (لم يبلغ حسبه).
(3) فيه رد على بعض المخالفين الذين قالوا بنبوتهم وما ورد في اخبارنا موافقا لهم محمول على التقية. (آت)
(4) هما رجلان معلومان عند الراوي. (*)
الصفحة 247
سعيد، عن خلف بن عيسى، عن أبي عبيد المدائني، عن أبي جعفر (ع) قال: إن لله تعالى ذكره عبادا ميامين مياسير، يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم (1) وهم في عباده بمنزلة القطر ولله عزوجل عباد ملاعين مناكير، لا يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده بمنزله الجراد لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه (2).
346 - الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى [جميعا] عن محمد بن سالم بن أبي سلمة، عن الحسن (3) بن شاذان الواسطي قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع) أشكوا جفاء أهل واسط وحملهم علي وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني.
فوقع بخطه:
إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل فاصبر لحكم ربك، فلو قد قام سيد الخلق (4) لقالوا: " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (5) ".
347 - محمد بن سالم بن أبي سلمة، عن أحمد بن الريان، عن أبيه عن جميل بن دراج، عن أبي عبدالله (ع) قال: لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عزوجل ما مدوا أعينهم إلى ما متع الله به الاعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله عزوجل وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله.
إن معرفة الله عزوجل آنس من كل وحشة وصاحب من كل وحدة ونور من كل ظلمة وقوة من كل ضعف وشفاء من كل سقم.
____________
(1) الكنف: الجانب، الظل، جناح الطائر والجمع اكناف وكنف الانسان: حضنه او العضدان والصدر ويقال: انت في كنف الله اي في حرزه ورحمته. قال المجلسي رحمه الله: الحاصل ان الناس مختلفون في اليمن واليسر والبركة ونفع الخلق واضدادها فمنهم نفاعون كقطر المطر يوسع الله عليهم ويوسعون على الناس ويعيش الناس في ظل حمايتهم وحفظههم ونفعهم ومنهم من هو بضد ذلك (ملاعين) اي مبعدون من رحمه الله، (مناكير) جمع منكر اي لا يتأتي منهم المعروف.
(2) قال الجوهري: اتى عليه اي اهلكه.
(3) في بعض النسخ (الحسين). (4) اي المهدى (عليه السلام).
(5) يس: 51. (*)
الصفحة 248
ثم قال (ع): وقد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الارض برحبها فما يردهم عما هم عليه (1) شئ مما هم فيه من غير ترة وتروا (2) من فعل ذلك بهم ولا أذى بل ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، فاسألوا ربكم درجاتهم واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم.
348 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما خلق الله عزوجل خلقا أصغر من البعوض (3)
والجرجس أصغر من البعوض والذي نسميه نحن الولع أصغر من الجرجس (4) ومافي الفيل شئ إلا وفيه مثله وفضل على الفيل بالجناحين.
349 - محمد بن يحيى عن أحمدبن محمد بن عيسى، عن محمدبن خالد، والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبدالله بن مسكان، عن زيد بن الوليد الخثعمي، عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم (5) "، قال: نزلت في ولاية علي (ع).
قال: وسألته عن قول الله عزوجل: " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في
____________
(1) (مناشير) جمع منشار: آلة ذات اسنان ينشر به الحشب. وقوله: (عماهم عليه) اي من دينهم الحق.
(2) اي مكروه او جناية اصابوا منهم قال الفيروزآبادي: وتر الرجل افزعه وادركه بمكروه ووتره ماله نقصه اياه وقال الجزري: الترة: النقص وقيل التبعة والهاء فيه عوض الواو المحذوفة. (آت).
(3) لعل مراده (عليه السلام) اي من سائر انواعه ليستقيم. (آت) والجرجس بالكسر: البعوض الصغار.
(4) يحتمل ان يكون الحصر في الاول اضافيا كما ان الظاهر انه لا بد من تخصيصه بالطيور اذ قد يحس من الحيوانات ماهو اصغر من البعوض الا ان يقال: يمكن ان يكون للبعوض انواع صغار ولا يكون شئ من الحيوان اصغر منها. والولع غير مذكور في كتب اللغة والظاهر انه ايضا من البعوض اي من سائر انواعه. (آت) (5) الانفال: 24. (*)
الصفحة 249
ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (1) " قال: فقال الورقة السقط والحبة الولد وظلمات الارض الارحام والرطب ما يحيا من الناس واليابس ما يقبض و كل ذلك في إمام مبين (2).
قال: وسألته عن قول الله عزوجل: " قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم (3) " فقال: عنى بذلك أي انظروا في القرآن فاعلموا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم وما أخبركم عنه.
قال: فقلت: فقوله عزوجل: " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون (4) "؟ قال: تمرون عليهم في القرآن، إذا قرأتم القرآن، تقرأ ما قص الله عزوجل عليكم من خبرهم.
350 - عنه، عن ابن مسكان، عن رجل من أهل الجبل لم يسمه قال: قال أبوعبدالله (ع): عليك بالتلاد (5) وإياك وكل محدث لا عهد له ولا أمانة ولا ذمة ولا ميثاق وكن على حذر من أوثق الناس في نفسك فإن الناس أعداء النعم (6).
____________
(1) الانعام: 59.
(2) يعني في اللوح المحفوظ وهذا كقوله سبحانه: (وكل شئ احصيناه في امام مبين)
وهو تفسير للكتاب المبين ولعله انما سمى بالامام لتقدمه على سائر الكتب وانما فسر السير في الارض بالنظر في القرآن لمشاركتها في كونهما طريقا إلى معرفة احوالهم. (وانكم لتمرون عليهم مصبحين)
اي حين دخولكم في الصباح، نزلت في قوم لوط يعني انكم يا اهل مكة لتمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام فان سدوم التي هي بلدتهم في طريقة. (في)
(3) الروم: 42. وفيها (كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين).
(4) الصافات: 1374، 138.
(5) بكسر التاء وقال الجوهري: التالد: المال القديم الاصلي الذي ولد عندك وهو نقيض الطارف وكذلك التلاد والاتلاد واصل التاء فيه واو. اقول: الاظهر ان المراد عليك بمصاحبة الصاحب القديم الذي جربته وبينك وبينه ذمم وعهود واحذر عن مصاحبة كل صاحب محدث جديد لا عهد له معك ولم تعرف له امانة ولم يحصل بينك وبينه ذمة وعهد وميثاق. (آت).
(6) اي يريدون زوالها عن صاحبها حسدا او يفعلون ما يوجب زوال النعمة وان كان بجهالتهم. (آت) (*)
الصفحة 250
351 - يحيى الحلبي، عن أبي المستهل (1)، عن سليمان بن خالد قال: سألني أبوعبدالله (ع) (2) فقال: ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه زيدا؟ قال: قلت:
____________
(1) الظاهر انه هو الكميت (آت).
(2) انما سأله (عليه السلام) ذلك لانه كان خرج مع زيد ولم يخرج من اصحاب ابي جعفر (عليه السلام) معه غيره ولنذكر بعض اخبار زيد ليتضح مفاد هذا الخبر. روى السدى عن اشياخه ان زيد بن علي ومحمد بن عمر بن علي بن ابي طالب وداود بن علي بن عبدالله بن العباس دخلوا على خالد بن عبدالله القسرى وهو وال على العراق فاكرمهم واجازهم ورجعوا إلى المدينة فلما ولى يوسف عمر العراق وغزل خالد كتب إلى هشام بن عبدالملك يخبره بقدومهم على خالد وانه احسن جوارهم وابتاع من زيد بن علي ارضا بعشرة الاف دينا رثم رد الارض اليه فكتب هشام إلى واليه بالمدينة ان يسرحهم اليه ففعل فلما دخلوا عليه سألهم عن القصة فقالوا: اما الجوائز فنعم واما الارض فلا فاحلفهم فحلفوا له فصدقهم وردهم مكرمين وقال وهب بن منبه: جرت بين زيد بن علي وبين عبدالله ابن الحسن بن الحسن خشونة تسابا فيها وذكرا امهات الاولاد فقدم زيد على هشام بهذا السبب فقال له هشام: بلغني انك تذكر الخلافة ولست هناك فقال: ولم؟ فقال: لانك ابن امة، فقال قد كان اسماعيل (عليه السلام) ابن امة فضربه هشام ثمانين سوطا. وذكر ابن سعد عن الواقدي ان زيد بن ؟ قدم على هشام، رفع اليه دينا كثيرا وحوائج فلم يقض منها شيئا فاسمعه هشام كلاما غليظا فخرج من عند هشام وقال: ما احب احد الحياة الا ذل ثم مضى إلى الكوفة وبها يوسف بن عمر عامل هشام. قال الواقدي: وكان دينه خمسمائة الاف درهم، فلما قتل قال هشام: ليتنا قضيناها وكان اهون مما صار اليه. قال الواقدي: وبلغ هشام بن عبدالملك مقام زيد بالكوفة فكتب إلى يوسف بن عمر ان اشخص زيدا إلى المدينة فاني اخاف ان يخرجه اهل الكوفة لانه حلو الكلام لسن مع ما فيه من قرابة رسول الله، فبعث يوسف بن عمر إلى زيد يامره بالخروج إلى المدينة وهو يتعلل عليه والشيعة تتردد اليه فأقام زيد بالكوفة خمسة اشهر ويوسف بن عمر مقيم بالحيرة فبعث اليه يقول: لا بد من اشخاصك، فخرج زيد المدينة وتبعة الشيعة يقولون: اين تذهب ومعك منا مائة الف يضربون دونك بسيوفهم ولم يزالوا به حتى رجع إلى الكوفة فبايعه جماعة منهم سلمة بن كهيل ومنصور بن حزيمة في آخرين فقال له داود بن علي: يا ابن ام لا يغرنك هؤلاء من نفسك ففي اهل بيتك لك اتم العبرة وفي خذلانهم اياهم كفاية ولم يزل به حتى شخص إلى القادسية فتبعه جماعة يقولون له: ارجع فانت المهدي وداود يقول: لا تفعل فهؤلاء قتلوا أخاك واخوتك وفعلوا ما فعلوا فبايعه منهم خمسة عشر الفا على نصر كتاب الله وسنة رسوله وجهاد الظالمين ونصر المظلومين واعطاء المحرومين ونصرة
الصفحة 251
خصال ثلاث أما إحداهن فقلة من تخلف معنا (1) إنما كنا ثمانية نفر وأما الاخرى فالذي تخوفنا من الصبح أن يفضحنا وأما الثالثة فإنه كان مضجعه الذي كان سبق إليه (2)
فقال: كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه؟ قلت: قذفة حجر، فقال:
سبحان الله أفلا كنتم أوقرتموه حديدا وقذفتموه في الفرات وكان أفضل، فقلت: جعلت فداك لا والله ما طقنا لهذا (3) فقال: أي شئ كنتم يوم خرجتم مع زيد؟ قلت: مؤمنين قال: فما كان عدوكم؟ قلت: كفارا، قال: فإني أجد في كتاب الله عزوجل: يا أيها الذين آمنوا " إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (4) " فابتدأتم أنتم بتخلية من
____________
أهل البيت على عدوهم فاقام مختفيا على هذا سبعة عشر شهرا والناس يتناوبونه من الامصار والقرى ثم اذن للناس بالخروج فتقاعد عنه جماعة ممن بايعه وقالوا: ان الامام جعفر بن محمد بن علي فواعد من وافقه على الخروج في اول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة فخرج فوفى اليه مائتا رجل وعشرين رجلا فقال: سبحان الله أين القوم؟ فقالوا: في المسجد محسورون وجاء يوسف بن عمر في جموع اهل الشام فاقتتلوا فهزمهم زيد ومن معه فجاء سهم في جبهته فوقع فادخلوه بيتا ونزعوا السم من وجهه فمات وجاؤوا به إلى نهر فاسكروا الماء وحفروا له ودفنوه واجروا عليه الماء وتفرق الناس وتوارى ولده يحيى بن زيد فلما سكن الطلب خرج في نفر من الزيدية إلى الخراسان وجاء واحد ممن حضر دفن زيد إلى يوسف بن عمر فدله على قبره فنبشه وقطع رأسه وبعث إلى هشام فنصبه على باب دمشق ثم أعاده إلى المدينة فنصبه بها ونصب يوسف بدنه بالكوفة حتى مات هشام بن عبدالملك وقام الوليد فامر به فاحرق. وقيل: ان هشاما احرقه فلما ظهر بنو العباس على بني امية نبش عبدالصمد ابن علي وقيل: عبدالله على هشام بن عبدالملك فوجده صحيحا فضربه ثمانين سوطا واحرقه بالنار كما فعل بزيد وكان سنة يوم قتل اثنين وعشرين ومائة. وقال الواقدي: سنة ثلاث وعشرين ومائة يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر. وقيل: سنة عشرين وقيل: سنة إحدى وعشرين. (آت).
(1) اي من اتباع زيد فان بعضهم قتل وبعضهم هرب. (آت)
(2) اي كان نزل فيه اولا او كان سبق في علم الله. (آت)
(3) كذا في اكثر النسخ والظاهر اطقنا. (آت)
(4) محمد: 4. (يا ايها الذين آمنوا) ليست من القرآن. (*)
الصفحة 252
أسرتم (1) سبحان الله مااستطعتم أن تسيروا بالعدل ساعة.
352 - يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله
(ع) قال: إن الله عزوجل أعفى نبيكم (2) أن يلقى من امته ما لقيت الانبياء من أممها وجعل ذلك علينا 353 - يحيى، عن عبدالله بن مسكان، عن ضريس قال: تمارى الناس عند أبي جعفر (ع) فقال بعضهم: حرب علي شر (3) من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال بعضهم:
حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شرمن حرب علي (ع) قال: فسمعهم أبوجعفر (ع) فقال:
ما تقولون؟ فقالوا: أصلحك الله تمارينا في حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي حرب علي (ع)
فقال بعضنا: حرب علي (ع) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال بعضنا: حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) شر من حرب علي (ع)، فقال أبوجعفر (ع): لا بل حرب علي (ع) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت له: جعلت فداك أحرب علي (ع) شر من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم وساخبرك عن ذلك، إن حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقروا بالاسلام وإن حرب علي (ع) أقروا بالاسلام ثم جحدوه.
4 35 - يحيى بن عمران، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله
(ع) قي قول الله عزوجل: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم (4) " قلت: ولده كيف اوتي مثلهم معهم؟ قال: أحياله من ولده الذين كانواماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الذين هلكوا يومئذ.
355 - يحيى، عن الحلبي، عن المثني، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) في قول
____________
(1) اي كان الحكم ان تقتلوا من اسرتم في اثناء الحرب فخليتموهم ولم تقتلوهم فاذا ظفروا عليكم فما استطعتم ان تسيروا بالعدل اي بالحق ساعة ويحتمل ان يكون غرضه بيان انهم لم يكونوا مستأهلين لجهلهم كما ورد في اخبار آخر. (آت)
(2) اي وهب الله له العافية (آت)
(3) اي محاربوه (عليه السلام).
(4) الانبياء: 84. والضمير راجع إلى ايوب (عليه السلام). (*)
الصفحة 253
الله عزوجل: " كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما (1) " قال: أما ترى البيت إذا كان الليل كان أشد سوادا من خارج فلذلك هم يزدادون سوادا.
356 - الحسين بن محمد، عن المعلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة قال: سمعت عبدالملك بن أعين يسأل أبا عبدالله (ع) فلم يزل يسائله حتى قال: فهلك الناس إذا، قال: إي والله يا ابن أعين فهلك الناس أجمعون قلت: من في المشرق ومن في المغرب؟ قال: إنها فتحت بضلال إي والله لهلكوا إلا ثلاثة.
357 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن إسحاق بن يزيد، عن مهران، عن أبان بن تغلب، وعذة قالوا: كنا عند أبي عبدالله (ع) جلوسا فقال (ع): لا يستحق عبد حقيقة الايمان حتى يكون الموت أحب إليه من الحياة ويكون المرض أحب إليه من الصحة ويكون الفقر أحب إليه من الغنى فأنتم كذا فقالوا: لا والله جعلنا الله فداك وسقط في أيديهم (2) ووقع اليأس في قلوبهم فلما رأى ما داخلهم من ذلك قال: أيسر أحدكم أنه عمر ما عمر ثم يموت على غير هذا الامر أو يموت على ما هو عليه؟ قالوا: بل يموت على ما هو عليه الساعة قال: فأرى الموت أحب إليكم من الحياة.
ثم قال: أيسر أحدكم أن بقي ما بقي لا يصيبه شئ من هذه الامراض والاوجاع حتى يموت على غير هذا الامر؟ قالوا: لا يا ابن رسول الله. قال: فأرى المرض أحب إليكم من الصحة.
ثم قال: أيسر أحدكم أن له ما طلعت عليه الشمس وهو على غير هذا الامر؟ قالوا لا يا ابن رسول الله، قال: فأرى الفقر أحب إليكم من الغنى.
8 35 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن حماد اللحام،
____________
(1) يونس: 28. (قطعا) جمع قطعة.
(2) قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (ولما سقط في ايديهم) اي لما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادتهم العجل لان من شأن من اشتد ندمه وحسرته ان يعض يده غما فيصير يده مسقوطا فيها لان فاه قد وقع فيها وسقط مسند إلى في ايديهم وهو من باب الكناية. (آت) (*)
الصفحة 254
عن أبي عبدالله (ع) أن أباه قال: يا بني إنك إن خالفتني في العمل لم تنزل معي غدا في المنزل ثم قال: أبى الله عزوجل أن يتولى قوم قوما يخالفونهم في أعمالهم ينزلون معهم يوم القيامة كلا ورب الكعبة.
359 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: ما أحد من هذه الامة يدين يدين إبراهيم (ع) إلا نحن وشيعتنا ولا هدى من هدى هذه الامة، إلا بنا ولا ضل من ضل من هذه الامة إلا بنا.
360 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن عطية، عن أبي عبدالله (ع) قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجئ منه الشئ على حد الغضب يؤاخذه الله به؟ فقال: الله أكرم من أن يستغلق عبده (1).
وفي نسخة أبي الحسن الاول (ع): يستقلق عبده (2)
361 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة، وغير واحد، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن لكم في حياتي خيرا وفي مماتي خيرا، قال: فقيل: يارسول الله أما حياتك فقد علمنا فما لنا في وفاتك؟ فقال: أما في حياتي فإن الله عزوجل قال: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم (3) " وأما في مماتي فتعرض علي أعمالكم فأستغفر لكم.
362 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قال أبوعبدالله (ع): إن ممن ينتحل هذا الامر (4) ليكذب حتى أنا الشيطان ليحتاج إلى كذبه (5).
الصفحة 255
363 - علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن علي بن الحكم، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة قال: إن أول ما عرفت علي بن الحسين (ع) أني رأيت رجلا دخل من باب الفيل فصلى أربع ركعات (1) فتبعته حتى أتى بئر الزكاة وهي عند دار صالح ابن علي وإذا بناقتين معقولتين ومعهما غلام أسود، فقلت له: من هذا؟ فقال: هذا علي بن الحسين (ع) فدنوت إليه فسلمت عليه وقلت له: ما أقدمك بلادا قتل فيها أبوك وجدك؟ فقال: زرت أبي وصليت في هذا المسجد ثم قال: ها هو ذا وجهي صلى الله عليه (2).
364 - عنه، عن صالح، عن الحجال، عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (ع)
قال: سألته عن قول الله عزوجل: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل (3) " قال: نزلت في الحسين (ع)، لو قتل أهل الارض به ما كان سرفا.
5 36 - عنه، عن صالح (4)، عن بعض أصحابه، عن عبدالصمد بن بشير، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الحوت الذي يحمل الارض أسر في نفسه أنه إنما يحمل الارض بقوته فأرسل الله تعالى إليه حوبا أصغر من شبر وأكبر من فتر (5) فدخلت في خياشيمه فصعق، فمكث بذلك أربعين يوما ثم إن الله عزوجل رؤف به ورحمه وخرج فإذا أراد الله عزوجل بأرض زلزلة بعث ذلك الحوت إلى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزلت الارض.
366 - عنه، عن صالح، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بكر الحضرمي،
____________
(1) كان هذا الباب مشتهرا بباب الثعبان لدخول ثعبان الذي كلم امير المؤمنين (عليه السلام) منه وحكايته مشهورة بين الخاصة والعامة مسطورة في كتب الفريقين ثم ان بني امية لعنهم الله لا خفاء معجزته (عليه السلام) ربطوا هناك فيلا فاشتهر بذلك. (آت). وفي بعض النسخ (بئر الركوة).
(2) الوجه مستقبل كل شئ ان اتوجه الساعة إلى المدينة ولا اقف هناك فلا تخف على. (آت)
اقول: لعل المعنى ان هذا سبب قدومي.
(3) الاسراء: 33.
(4) قال النجاشي: ان كان ملتبسا يعرف وينكر وقال ابن الغضائري: ضعيف.
(5) الفتر بالكسر: ما بين طرف الابهام وطرف السبابة إذا فتحها. (*)
الصفحة 256
عن تميم بن حاتم قال: كنا مع أمير المؤمنين (ع) فاضطربت الارض فوحاها بيده (1)
ثم قال لها: اسكني مالك ثم التفت إلينا وقال: أما إنها لو كانت التي قال الله عز وجل لاجابتني (2) ولكن ليست بتلك.
367 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي اليسع، عن أبي شبل قال صفوان: ولا أعلم إلا أني قد سمعت من أبي شبل (3) قال: قال أبوعبدالله (ع): من أحبكم على ما أنتم عليه دخل الجنة وإن لم يقل كما تقولون.
368 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (ع) قال: قال إن أمير المؤمنين (ع) لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة والزبير وعائشة بالبصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال:
يا أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة تفتن الناس بالشهوات وتزين لهم بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها وتخلفق من رجاها وستورث أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما و عدوانا وبغيا وأشرا وبطرا (5) وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله عزوجل وتهاون بشكر نعمة الله لان الله عزوجل يقول في محكم كتابه: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال (6) " ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمه وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم، فاقلعوا و
____________
(1) اي لو كانت زلزلة القيامة التي ذكرها الله في سورة الزلزال لاجابتني عندما سالت عنها مالك لقوله تعالى: (يومئذ تحدث اخبارها) و (آت) (2) الوحي: الاشارة.
(3) الظاهر ان ابا شبل هو عبدالله بن سعيد الثقة. (آت) (4) اي غضة ناعمة طرية.
(5) الاشر: شدة الفرح والنشاط. والبطر: قلة احتمال النعمة والسعة.
(6) الرعد: 11. (*)
الصفحة 257
تابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدق من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساء تهم لصفح لهم عن كل ذنب وإذا لاقالهم كل عثرة ولرد عليهم كل كرامة نعمة، ثم أعاد لهم من صلاح أمرهم ومما كان أنعم به عليهم كل ما زال عنهم وأفسد عليهم.
فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته، واستشعروا خوف الله جل ذكره، وأخلصوا اليقين (1)، وتوبوا إليه من قبيح ما استفزكم (2) الشيطان من قتال ولي الامر وأهل العلم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الامر وفساد صلاح ذات البين، إن الله عزوجل " يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون ".
9 36 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد عن الحسن بن علي بن عثمان قال:
حدثني أبوعبدالله المدائني، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله عزوجل خلق نجما في الفلك السابع فخلقه من ماء بارد وسائر النجوم الستة الجاريات من ماء حار وهو نجم الانبياء والاوصياء وهو نجم أمير المؤمنين (ع) يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها ويأمر بافتراش التراب وتوسد اللبن ولباس الخشن وأكل الجشب (3) وماخلق الله نجما أقرب إلى الله تعالى منه.
370 - الحسين بن أحمد بن هلال، (4) عن ياسر الخادم قال: قلت لابي الحسن الرضا (ع): رأيت في النوم كان قفصا فيه سبعة عشر قارورة إذ وقع القفص فتكسرت القوارير، فقال: إن صدقت رؤياك يخرج رجل من أهل بيتي يملك سبعة عشر يوما ثم يموت. فخرج محمد بن إبراهيم بالكوفة مع أبي السرايا فمكث سبعة عشر يوما ثم مات (5).
371 - عنه، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن سنان قال: قلت: لابي الحسن الرضا
(ع) في أيام هارون: إنك قد شهرت نفسك بهذا الامر وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم، فقال جراني على هذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أخذ أبوجهل من
____________
(1) في بعض النسخ (اخلصوا النفس).
(2) اي استخفكم ووجدكم مسرعين إلى مادعاكم اليه. (آت)
(3) الجشب من الطعام ما غلظ ولا ادم معه.
(4) الظاهر الصواب: الحسين عن احمد بن هلال كما في بعض النسخ وكما يدل عليه سند الخبر الذي بعده. والحسين هو ابن محمد الاشعري ويحتمل ابن احمد ايضا كما في المرآة.
(5) ابوالسرايا اسمه سرى بن منصور وكان من امراء المأمون ثم بايع محمد بن ابراهيم طباطبا ثم محمد بن محمد بن زيد ثم اسر وقتل. راجع مقاتل الطالبين 518 إلى 550. ط 1368 قاهرة. (*)
الصفحة 258
رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي وأنا أقول لكم: إن أخذ هاورن من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بإمام.
372 - عنه، عن أحمد، عن زرعة، عن سماعة قال: تعرض رجل (1) من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل عقيلي فقالت له: (2) إن هذا العمري قد آذاني فقال: لها عديه وأدخليه الدهليز فأدخلته فشد عليه (3) فقتله وألقاه في الطريق فاجتمع البكريون والعمريون والعثمانيون وقالوا: ما لصاحبنا كفولن نقتل به إلا جعفر بن محمد وما قتل صاحبنا غيره وكان أبوعبدالله (ع) قد مضى نحو قبا فلقيته بما اجتمع القوم (4)
عليه، فقال: دعهم، قال: فلما جاء ورأوه وثبوا عليه وقالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك وما نقتل به أحدا غيرك، فقال: ليكلمني منكم جماعة فاعتزل قوم منهم فأخذ، بأيديهم فأدخلهم المسجد فخرجوا وهم يقولون: شيخنا أبوعبدالله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا ولا يأمر به انصرفوا، قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم، قال: نعم دعوتهم فقلت: امسكوا وإلا أخرجت الصحيفة، فقلت: وما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟ فقال: إن أم الخطاب كانت أمة للزبير بن عبدالمطلب فسطر بها نفيل (5) فأحبلها فطلبه الزبير فخرج هاربا إلى الطائف فخرج الزبير خلفه فبصرت به ثقيف فقالوا: يا أبا عبدالله ماتعمل ههنا؟ قال: جاريتي سطر بها نفيلكم فهرب منه إلى الشام وخرج الزبير في تجارة له إلى الشام فدخل على ملك الدومة (6) فقال له: يا أبا عبدالله لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك أيها الملك؟
فقال: رجل من أهلك قد أخذت ولده فاحب أن ترده عليه، قال: ليظهر لي حتى
____________
(1) اي اراد الفجور معها ومراودتها. (آت)
(2) الخبر موضوع جدا والواضع احمد بن هلال الملعون على لسان العسكري (عليه السلام).
(3) اي حمل عليه وقد كان كمن له في الدهليز (آت)
(4) اي قال سماعة: ذهبت اليه (عليه السلام) واخبرته بالواقعة.
(5) بالسين المهملة اي زخرف لها الكلام وخدعها. وفي بعض النسخ بالشين المعجمة (شطر بها)
اي قصدها.
(6) اي دومة الجندل وهي بالضم: حصن بين المدينة وبين الشام ومنهم من يفتح الدال. (آت) (*)
الصفحة 259
أعرفه فلما أن كان من الغد دخل على الملك فلما رآه الملك ضحك: فقال: ما يضحكك أيها الملك؟ قال: ماأظن هذا الرجل ولدته عربية لما رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط، فقال: أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك فلما قدم الزبير، تحمل عليه ببطون قريش كلها (1) أن يدفع إليه ابنه فأبي، ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال: ما بيني وبينه عمل، أما علمتم ما فعل في ابني فلان ولكن امضوا أنتم إليه فقصدوه وكلموه فقال لهم الزبير: إن الشيطان له دولة وإن ابن هذاابن الشيطان ولست آمن أن يترأس علينا ولكن ادخلوه من باب المسجد علي على أن أحمي له حديدة و أخط في وجهه خطوطا وأكتب عليه وعلى ابنه ألا يتصدر (2) في مجلس ولا يتأمر على أولادنا ولا يضرب معنا بسهم (3)، قال: ففعلوا وخط وجهه بالحديدة وكتب عليه الكتاب وذلك الكتاب عندنا فقلت لهم: إن أمسكتم وإلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم فامسكوا.
وتوفي مولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخلف وارثا فخاصم فيه ولد العباس أبا عبدالله
(ع) وكان هشام بن عبدالملك قد حج في تلك السنة فجلس لهم فقال داود بن علي:
الولاء لنا وقال أبوعبدالله (ع): بل الولاء لي فقال داود بن علي (4): إن أباك قاتل معاوية فقال: إن كان أبي قاتل معاوية فقد كان حظ أبيك فيه الاوفر (5)، ثم فر بخيانته وقال:
____________
(1) اي كلفهم الشفاعة عند الزبير ليدفع اليه الخطاب ثم انه لما يئس من تاثير شفاعة قريش عنده ذهب إلى عبدالمطلب ليتحمل على زبير بعبد المطلب مضافا إلى بطون قريش فقال عبدالمطلب لنفيل: ما بيني وبينه عمل الا معاملة والفة وقوله: (اما علمتم) انه يعني زبيرا ما فعل بي في ابني فلان واشار بذلك إلى ما سيأتي من قصة العباس في آخر الخبر وقال: ولكن امضوا انتم يعني نفيلا مع بطون قريش إلى الزبير. (آت)
(2) اي لا يجلس في صدر المجلس. (آت)
(3) اي لا يشرك معنا في قسمة شئ لا ميراث ولا غيره. (آت)
(4) داود بن علي من بني العباس عم السفاح والمنصور صارا اميرا على الحجاز في صدر دولتهم سنة 2 13 وحج هشام بن عبدالملك الاموي سنة 106 وهذا من علامة كذب الخبر.
(5) اي حظ جدك عبدالله بن العباس فيه الاوفر اي اخذ حظا وافرا من غنائم تلك الغزوة وكان من شركائنا واعوانه (عليه السلام) عليها. وقوله: (ثم فر بخيانته) اشارة إلى خيانة عبدالله في بيت مال البصرة كما رواه الكشي (40) باسناده عن الزهري قال: سمعت الحرث يقول: استعمل على (عليه السلام) على البصرة عبدالله بن عباس فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك عليا (عليه السلام) وكان مبلغه الفي الف درهم فصعد علي (عليه السلام) المنبر حين بلغه ذلك فبكى فقال: هذا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه اللهم اني قد مللتهم فارحنى منهم واقبضني اليك غير عاجز ولا ملول. وفيه ما فيه (*)
الصفحة 260
والله لاطوقنك غدا طوق الحمامة (1)، فقال له داود بن علي: كلامك هذا أهون علي من بعرة في وادي الازرق، فقال: أما إنه واد ليس لك ولا لابيك فيه حق (2) قال:
فقال هشام: إذا كان غدا جلست لكم فلما أن كان من الغد خرج أبو عبدالله (ع) ومعه كتاب في كرباسة وجلس لهم هشام فوضع أبوعبدالله (ع) الكتاب بين يديه فلما أن قرأه قال: اعدوا لي جندل الخزاعي عكاشة الضمري وكانا شيخين قد أدركا الجاهلية فرما بالكتاب إليهما فقال: تعرفان هذه الخطوط؟ قالا: نعم هذا خط العاص بن امية وهذا خط فلان وفلان لفلان من قريش وهذا خط حرب بن امية، فقال هشام:
يا أبا عبدالله أرى الخطوط أجدادي عنكم؟ فقال: نعم، قال: فقد قضيت بالولاء لك، قال: فخرج وهو يقول:
إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضرة قال: فقلت: ما هذا الكتاب جعلت فداك؟ قال: فإن نثيلة كانت أمة لام الزبير ولابي طالب وعبدالله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا (3) فقال له الزبير: هذه الجارية ورثناها من امنا وابنك هذا عبد لنا فتحمل عليه (4) ببطون قريش، قال: فقال: قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا في مجلس ولا يضرب معنا بسهم فكتب عليه كتابا وأشهد عليه فهو هذا الكتاب.
3 37 - الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن معاوية بن حكيم، عن بعض رجاله، عن عنبسة بن بجاد، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " فأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين (5) " فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (ع): هم شيعتك فسلم ولدك منهم أن يقتلوهم.
____________
(1) أي طوقا لازما لا يفارقك عاره وشناره كما لا يفارق عنق الحمامة طوقها. (آت)
(2) اي والا ادعيت بعرة ذلك الوادي واخذتها ولم تتركها ويحتمل ان يكون اسما لواد كان بينه (عليه السلام) وبينه فيه ايضا منازعة فاجاب (عليه السلام) عن سفهه بكلام حق مفيد في الحجاج (آت)
(3) (فاولدها فلانا) يعني العباس. وهذا ايضا من علائم كذب الخبر حيث نسب الزنا إلى عبدالمطلب.
(4) اي عبدالمطلب على الزبير. (آت)
(5) الواقعة: 90، 91. (*)
الصفحة 261
374 - حدثنا محمدبن يحيى، عن أحمدبن محمدبن عيسى، عن الحسن بن علي، عن صفوان، عن محمد بن زياد بن عيسى، عن الحسين بن مصعب، عن أبي عبدالله (ع)
قال: قال أمير المؤمنين (ع) كنت أبايع (1) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على العسر واليسر والبسط و والكره إلى إن كثر الاسلام وكثف (2) قال: وأخذ عليهم علي (ع) (3) أن يمنعوا محمدا وذريته مما يمنعون منه أنفسهم وذراريهم فأخذتها عليهم، نجا من نجا وهلك من هلك.
375 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن من وراء اليمن واد يقال له: وادي برهوت ولا يجاوز ذلك الوادي إلا الحيات السود والبوم من الطيور، في ذلك الوادي بئر يقال لها: بلهوت يغدى ويراح إليها بأرواح المشركين (4)، يسقون من ماء الصديد (5)، خلف ذلك الوادي قوم يقال لهم: الذريح (6) لما أن بعث الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وآله) صاح عجل لهم فيهم وضرب بذنبه فنادى فيهم يا آل الذريح - بصوت فصيح - أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله قالوا: لامرما أنطق الله هذا العجل؟ قال: فنادى فيهم ثانية فعزموا على أن يبنوا سفينة فبنوها نزل فيها سبعة منهم وحملوا من الزاد ما قذف الله في قلوبهم ثم رفعوا شراعها وسيبوها (7) في البحر فما زالت تسير بهم حتى رمت بهم بجدة فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): أنتم أهل الذريح نادى فيكم العجل؟ قالوا: نعم، قالوا: أعرض علينا يا رسول الله الدين والكتاب، فعرض عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدين والكتاب
____________
(1) في بعض النسخ (كنت انا مع رسول الله).
(2) الكثف: الجماعة والكثرة.
(3) اي اخذ على الشيعة عند بيعتهم له فقوله: (فاخذتها) كلام الصادق (عليه السلام) اي وانا ايضا اخذت على شيعتي هذا العهد. ولعله كان في الاصل: قال، خذ عليهم ان يمنعوا فصحف إلى ما ترى فقوله: (فاخذتها) من كلام امير المؤمنين (عليه السلام) (آت)
(4) اي إذا ماتوا يؤتى بارواحهم إلى ذلك البئر كل صباح ومساء وان ماتوا صباحا يؤتى بهم صباحا وان ماتوا مساء ا يؤتى بهم مساء ا ثم يكونون دائما في ذلك الوادي. (آت).
(5) الصديد: ماء الجرح الرقيق.
(6) ذريح: ابوحي. (القاموس)
(7) اي اجروها، يقال: ساب الماء وانساب إذا جرى. وشراع السفينة: ما يرفع فوقها من ثوب لتدخل فيه الريح فتجريها. (*)
الصفحة 262
والسنن والفرائض والشرائع كما جاء من عند الله عزوجل وولى عليهم رجلا من بني هاشم سيره معهم فما بينهم اختلاف حتى الساعة (1).
376 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حديد، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما أسرى برسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح فقعد فحدثهم بذلك فقالوا له: صف لنا بيت المقدس؟ قال: فوصف لهم وإنما دخله ليلا فاشتبه على النعت فأتاه جبرئيل (ع) فقال: انظر ههنا فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه ثم نعت لهم ما كان من عير لهم (2) فيما بينهم وبين الشام ثم قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشمس يتقدمها جمل أورق (3) أو أحمر، قال: وبعثت قريش رجلا على فرس ليردها، قال: وبلغ مع طلوع الشمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لهفا ألا أكون لك جذعا حين تزعم أنك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك (4).
377 - حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن علي بن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبدالله (ع) قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول:
إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقبل يقول لابي بكر في الغار: اسكن فإن الله معنا وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاله قال له: تريد أن اريك أصحابي من الانصار في مجالسهم يتحدثون فاريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون؟ قال:
____________
(1) لعل المراد من الخبر انه إذا كان الحكم في يد بني هاشم لما اختلف اثنان، وهذا الاختلاف الموجود بين الامة نشأ من جهل الحكام وعدم قابليتهم.
(2) العير بالكسر: الابل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة.
(3) الاورق: الاسمر يقال: جمل اورق وناقة ورقاء. وهو الذي في لونه بياض إلى السواد.
والترديد من الراوي.
(4) قال الجزري في حديث المبعث: ان ورقة بن نوقل قال: يا ليتني فيها جذعا. الضمير في قوله: (فيها) للنبوة اي ليتني كنت شابا عند ظهورها حتى ابالغ في نصرتها وحمايتها انتهى اقول: يحتمل ان يكون كلامه جاريا على سبيل الاستهزاء، ويكون مراده ليتني كنت شابا قويا على نصرتك حين ظهر انك اتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك ويحتمل ان يكون مراده:
يا لهفا على ان كبرت وضعفت ولا اقدر على اضرارك حين سمعتك تقول هذا. (آت) (*)
الصفحة 263
نعم، فمسح رسول الله (صلى الله عليه وآله): بيده على وجهه فنظر إلى الانصار يتحدثون ونظر إلى جعفر (ع) وأصحابه في البحر يغوصون فأضمر تلك الساعة أنه ساحر.
378 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الابل، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم اكفني شر سراقة بما شئت فساخت (1) قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتد فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنماهو من قبلك فادع الله أن يطلق لي فرسي فلعمري إن لم يصبكم (2)
مني خير لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطلق الله عزوجل فرسه فعاد في طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى فعل ذلك ثلاث مرات كل ذلك يدعو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتأخذ الارض قوائم فرسه فلما أطلقه في الثالثة قال: يا محمد هذه إبلي بين يديك فيها غلامي فإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه وهذا سهم من كنانتي علامة وأنا أرجع فأرد عنك الطلب، فقال: لا حاجة لنا فيما عندك.
379 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: لا ترون الذي تنتظرون حتى تكونوا كالمعزى المواة التي لا يبالي الخابس أين يضع يده فيها (4)، ليس لكم شرف ترقونه ولا سناد تسندون إليه أمركم (5).
380 - وعنه، عن علي بن الحكم، عن ابن سنان، عن أبي الجارود مثله،
____________
(1) في النهاية في حديث سراقة: (فساخت يد فرسي) اي غاصت في الارض.
(2) في بعض النسخ (يصيبك).
(3) المعز خلاف الضأن.
(4) في القاموس خبس الشئ بكفه اخذه، وفلانا حقه: ظلمه وغشمه والتبس الاسد كالخابس انتهى. اي حتى تكونوا في الذلة والصغار واستيلاء الظلمة عليكم كالمعز الميت التي لا يبالي الاسد من افتراس اي عضو من اعضائه اراد. وفي بعض النسخ (الجاس) من جسه بيده اي مسه وفي بعض النسخ (ان يضع).
(5) ترقونه اي تعلونه. والشرف: العلو والمكان العالي. والسناد ما يعتمد عليه. (*)
الصفحة 264
قال: قلت لعلي بن الحكم: ما المواة من المعز؟ قال التي قد استوت لا يفضل بعضها على بعض.
381 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم قال:
سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لانفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو اعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجئ، بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لاحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الاخرى باقية فعمل على ما قد استبان لهاولكن له نفس واحدة إذا ذهبت، فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لانفسكم، إن أتاكم آت منا (1) فانظروا على أي شئ تخرجون ولا تقولوا خرج زيدفإن زيدا كان عالماوكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (عل) ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شئ يدعوكم إلى الرضا من آل محمد (عل)
فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والالوية أجدر أن لا يسمع منا إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عزوجل وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلاضير (2) وإن أحببتم أن تصوموافي أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم وكفاكم بالسفياني علامة.
382 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي رفعه، عن علي بن الحسين (ع) قال: والله لا يخرج واحد منا قل خروج القائم (ع) إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به.
383 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن بكر بن محمد، عن سدير قال: قال أبوعبدالله (ع): يا سدير ألزم بيتك وكن حلسا من
____________
(1) اي خرج احد من الهاشمين او العلويين. (آت).
(2) ظاهره ان خروج القائم (عليه السلام) في رجب ويحتمل ان يكون المراد انه مبدأ ظهور علامات خروجه فاقبلوا إلى مكة في ذلك الشهر لتكونوا شاهدين هناك عند خروجه. (آت) (*)
الصفحة 265
أحلاسه (1) واسكن ماسكن الليل والنهار فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك.
384 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن كامل ابن محمد، عن محمد بن إبراهيم الجعفي قال: حدثني أبي قال: دخلت على أبي عبدالله (ع)
فقال: مالي أراك ساهم الوجه؟ فقلت: إن بي حمى الربع، فقال: ما [ذا] يمنعك من المبارك الطيب اسحق السكر ثم امخضه بالماء واشربه على الريق وعند المساء قال: ففعلت فما عادت إلي.
385 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن بعض أصحابنا قال: شكوت إلى أبي عبدالله (ع) الوجع، فقال: إذا أويت إلى فراشك فكل سكرتين قال: ففعلت فبرأت وأخبرت به بعض المتطببين وكان أفره أهل (4) بلادنا فقال:
من أين عرف أبوعبدالله (ع) هذا، هذا من مخزون علمنا، أما إنه صاحب كتب ينبغي أن يكون أصابه في بعض كتبه.
386 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى الخزاعي، عن الحسين بن الحسن، عن عاصم بن يونس، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال لرجل: بأي شئ تعالجون محمومكم إذا حم؟ قال: أصلحك الله بهذه الادوية المرة بسفايج والغافث (5)
وما أشبهه، فقال: سبحان الله الذي يقدر أن يبرئ بالمر يقدر أن يبرئ بالحلو، ثم قال:
إذا حم أحدكم فليأخذ إناء نظيف فيجعل فيه سكرة ونصفا، ثم يقرأ عليه ما حضر من القرآن ثم يضعها تحت النجوم ويجعل عليها حديدة فإذا كان في الغداة صب عليها الماء ومرسه (6) بيده ثم شربه فإذا كانت الليلة الثانية زاده سكرة اخرى فصارت سكرتين
____________
(1) اي لا تبرح قال الجوهري: احلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب.
(2) السهوم: العبوس، المتغير.
(3) السكر معرب شكر والواحدة بهاء ورطب طيب، والظاهر هذا الاول بقرينة السحق.
وامحضه اي حركه تحريكا شديدا.
(4) يدل على انه كان معموله في ذلك الزمان مقدار صغير معلوم. والفاره: الحاذق.
(5) في هامش بعض النسخ نقلا عن مجمع البحرين السفايج دواء معروف مسهل السوداء والغافث ايضا معروف عند الاطباء هو من الخشايش الشائكة له ورق كورق الشهد انج.
(6) مرست التمر وغيره في الماء إذا انقعته. (*)
الصفحة 266
ونصفا فإذا كانت الليلة الثالثة زاده سكرة أخرى فصارت ثلاث سكرات ونصفا.
387 - أحمد بن محمد الكوفي (1)، عن علي بن الحسن بن علي، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن هارون، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال لي: كتموا بسم الله الرحمن الرحيم (2) فنعم والله الاسماء كتموها: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل إلى منزله و اجتمعت عليه قريش يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولى قريش فرارا فأنزل الله عزوجل في ذلك " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولو على أدبارهم نفورا (3) ".
388 - عنه، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبدالله (ع) قال (4): كان أبوعبدالله (ع) إذا ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بأبي وامي وقومي وعشيرتي، عجب للعرب كيف لا تحملنا على رؤوسها والله عزوجل يقول في كتابه: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها (5) " فبرسول الله (صلى الله عليه وآله) أنقذوا.
389 - عنه، عن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي سماك، عن داود بن فرقد، عن عبد الاعلى مولى آل سام، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء (6) " أليس قد آتى الله عزوجل بني امية الملك؟
قال: ليس حيث تذهب إليه إن الله عزوجل آتانا الملك وأخذته بنو امية بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه.
____________
(1) الظاهر انه العاصمي. وعلي بن الحسن هو ابن فضال وفي اكثر النسخ (علي بن الحسين)
وهو تصحيف.
(2) (كتموا) استفهام على التفريع والتوبيخ او اخبار والمراد بكتمانها تركها في السور والقول بعدم جزئيتها لها. (آت).
(3) الاسراء: 46. (وحده) اي واحدا وحده وهو مصدر وقع موفع الحال. (البيضاوي)
(4) اي قال المكفوف: كان الخ.
(5) آل عمران: 103. وشفا الحفرة طرفها الذي يشرف على السقوط فيها ممن كان به.
(6) آل عمران: 26. والتعليق على المشيئة في افعاله تعالى ليس معناه وقوع الفعل جزافا تعالى عن ذلك بل المراد عدم كونه تعالى مجبرا في فعله ملزما عليه فهو تعالى يفعل ما يفعل بمشيئته المطلقة من غير ان يجبره احد او يكرهه وان جرى فعله على المصلحة دائما. (الميزان في تفسير القرآن). (*)
الصفحة 267
390 - محمد بن أحمد بن الصلت، عن عبدالله بن الصلت، عن يونس، عن المفضل ابن صالح، عن محمد الحلبي أنه سأل أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها (1) " قال: العدل بعد الجور.
391 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن محمد بن أشيم (2)، عن صفوان بن يحيى قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن ذي الفقار سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: نزل به جبرئيل (ع) من السماء وكانت حلقته فضة (3).
حديث نوح (ع) يوم القيامة
392 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن محمد، عن جميل بن صالح، عن يوسف بن أبي سعيد (4) قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) ذات يوم فقال لي: إذا كان يوم القيامة وجمع الله تبارك وتعالى الخلائق كان نوح صلى الله عليه أول من يدعى به فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) قال: فيخرج نوح (ع) فيتخطا الناس حتى يجئ إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وهو على كثيب المسك (5) ومعه علي (ع) وهو يقول الله عزوجل: " فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا (6) " فيقول نوح لمحمد (صلى الله عليه وآله): يا محمد إن الله تبارك وتعالى سألني هل بلغت؟ فقلت: نعم فقال: من يشهد لك؟ فقلت: محمد (صلى الله عليه وآله) فيقول: يا جعفر يا حمزة اذهبا واشهدا له أنه قد بلغ. فقال أبوعبدالله (ع): فجعفر وحمزة هما الشاهدان للانبياء (عل)
بما بلغوا، فقلت: جعلت فداك فعلي (ع) أين هو؟ فقال: هو أعظم منزلة من ذلك.
____________
(1) الحديد: 17.
(2) كذا في اكثر النسخ والظاهر علي بن احمد. (آت).
(3) يدل على جواز كون حلقة السيف على ما في بعض النسخ وحليته على ما في بعضها من فضة. (آت) اقول يعني وصول السيف إلى علي (عليه السلام) كان بامر الله وتقديره لاتفاقهم ان السيف كان لعاص بن منبه.
(4) يوسف بن ابى سعيد غير مذكور في كتب الرجال ولعله يوسف بن ثابت بن ابى سعد او ابى سعيدة ابوامية الكوفى الثقة الذى روى عن أبي عبدالله (عليه السلام).
(5) الكثيب: التل من الرمل.
(6) الملك: 27، أي ساءتها رؤيته (عليه السلام).
الصفحة 268
393 - حدثني محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن عمر بن عبدالعزيز، عن جميل، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لحظاته بين اصحابه ينظر إلى ذا و ينظر إلى ذا بالسوية.
394 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبدالله (ع): ماكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط، قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنا معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم (1).
395 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية قال: قلت لابي عبدالله (ع): إني رجل من بجيلة وأنا أدين الله عزوجل بأنكم موالي وقد يسألني بعض من لا يعرفني فيقول لي:
ممن الرجل؟ فأقول له: أنا رجل من العرب ثم من بجيلة، فعلي في هذا إثم حيث لم أقل:
إني مولى لبني هاشم؟ فقال: لا أليس قلبك وهواك منعقدا (2) على أنك من موالينا؟ فقلت:
بلى والله، فقال: ليس عليك في أن تقول: أنا من العرب، إنما أنت من العرب في النسب والعطاء والعدد (3) والحسب فأنت في الدين وما حوى الدين بما تدين الله عزوجل به من طاعتنا والاخذ به منا من موالينا ومنا وإلينا.
396 - حدثنا ابن محبوب، عن أبي يحيى كوكب الدم، عن أبي عبدالله (ع)
قال: إن حواري عيسى (ع) كانوا شيعته وإن شيعتنا حواريونا وما كان حواري عيسى بأطوع له من حوارينا لنا وإنما قال عيسى (ع) الحواريين: " من أنصاري إلى
الله قال الحواريون نحن أنصار الله " فلا والله ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه وشيعتنا والله لم يزالوا منذ قبض الله عز ذكره سوله (صلى الله عليه وآله) ينصرونا ويقاتلون دوننا ويحرقون ويعذبون ويشردون في البلدان، جزاهم الله عنا خيرا.
وقد قال أمير المؤمنين (ع): والله لو ضربت خيشوم محبينا بالسيف ما أبغضونا،
____________
(1) قد مد الحديث في المجلد الاول ص 21 من هذا الكتاب. (2) كذا.
(3) اي انت من عدادهم او في الاعوان واتباع.
(4) الصف: 14 و (إلى الله) اي متوجها اليه (*).
الصفحة 269
ووالله لو أدنيت إلى مبغضينا وحثوت لهم (1) من المال ما أحبونا.
397 - ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (ع)
عن قول الله عزوجل: " الم * غلبت الروم في أدنى الارض (2) " قال: فقال: يا أبا عبيدة إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من آل محمد صلوات الله عليهم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما هاجر إلى المدينة و [أ] ظهر الاسلام كتب إلى ملك الروم كتابا وبعث به مع رسول يدعوه إلى الاسلام وكتب إلى ملك الروم فارس كتابا يدعوه إلى الاسلام وبعثه إليه مع رسوله فأما ملك الروم فعظم كتاب رسول (صلى الله عليه وآله) وأكرم رسوله وأما ملك فارس فإنه استخف بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومزقه واستخف برسوله وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم وكان المسلمون يهوون (3) أن يغلب ملك الروم ملك فارس وكانوا لناحيته أرجا منهم لملك فارس فلما غلب ملك فارس الروم كره ذلك المسلمون واغتموا به فأنزل الله عزوجل بذلك كتابا قرآنا " الم * غلبت الروم في أدنى الارض (يعني غلبتها فارس) في أدنى الارض (وهي الشامات وما حولها) وهم (يعني وفارس)
من بعد غلبهم (الروم) سيغلبون * (يعني يغلبهم المسلمون) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء " عزوجل فلما غزا المسلمون وافتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عزوجل قال: قلت: أليس الله عزوجل يقول:
" في بضع سنين (4) " وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي إمارة
____________
(1) كناية عن كثرة العطاء في القاموس: حثوت له اي اعطيته كثيرا.
(2) سورة الروم من السور التي نزلت قبل الهجرة بالاتفاق والاخبار بغلبة الروم على الفارس في مكة.
(3) اي يحبون. وكتابه (صلى الله عليه وآله) إلى ملوك الارض كان بعد الهجرة وكان رجوع دحية من رسالته بعد وفات؟
(4) كل ما دون العشرة بضع إلى الثلاثة. وقال المفسرون: غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفرح بذلك كفار قريش من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب وساء ذلك المسلمين وكان بيت المقدس اهل الروم كالكعبة للمسلمين فدفعهم فارس عنه في ادنى الارض من ارض العرب وقيل: من ارض الشام إلى ارض فارس يريد الجزيرة وهي اقرب ارض الروم إلى فارس وهم يعني الروم من بعد ان غلبت فارس اياهم يتغلبون فارس وهذه الاية دالة على ان القرآن من عند الله تعالى لان فيه انباء ما سيكون. (مجمع البيان). (*)
الصفحة 270
أبي بكر وإنما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر فقال: ألم أقل لكم إن لهذا تأويلا وتفسيرا والقرآن - يا أبا عبيدة - ناسخ ومنسوخ. أما تسمع لقول عزوجل: " لله الامر من قبل ومن بعد "؟ يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين فذلك قوله عزوجل: " ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله [ينصر من يشاء] أي يوم يحتم القضاء بالنصر.
398 - ابن محبوب، عن عمروبن أبي المقادم، عن أبيه قال: قلت لابي جعفر (ع):
إن العامة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا لله جل ذكره وما كان الله ليفتن امة محمد (صلى الله عليه وآله) من بعده؟ فقال أبوجعفر (ع): أو ما يقرؤون كتاب الله أو ليس الله يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (1) " قال:
فقلت له: إنهم يفسرون على وجه آخر، فقال: أو ليس قد أخبر الله عزوجل عن الذين من قبلهم من الامم أنهم قد اختلفوا من بعدما جاءتهم البينات حيث قال: " وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (2) " وفي هذا ما يستدل له على أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا من بعده فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
399 - عنه، عن هشام بن سالم، عن عبدالحميد بن أبي العلاء قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت مولى لابي عبدالله (ع) فملت إليه لاسأله عن أبي عبدالله (ع)
فإذا أنا بأبي عبدالله (ع) ساجدا فانتظرته طويلا فطال سجوده علي، فقمت وصليت ركعات وانصرفت وهو بعد ساجد فسألت مولاه متى سجد؟ فقال: قبل أن تاتينا فلما سمع، كلامي رفع رأسه ثم قال: ابا محمد! ادن مني فدنوت منه فسلمت عليه فسمع صوتا خلفه فقال: ما هذه الاصوات المرتفعة؟ فقلت: هؤلاء قوم من المرجئة والقدرية والمعتزلة، فقال: إن القوم يريدوني فقم بنا، فقمت معه فلما أن رأوه نهضوا نحوه فقال لهم: كفوا
____________
(1) آل عمران: 144. (ينقلب) اي يرتدد.
(2) البقرة: 253. في القاموس تقاتلوا واقتتلوا بمعنى. (*)
الصفحة 271
أنفسكم عني ولا تؤذوني وتعرضوني للسلطان (1) فإني لست بمفت لكم ثم أخذ بيدي و تركهم ومضى فلما خرج من المسجد قال: لي يا أبا محمد والله لو أن إبليس سجد لله عز ذكره بعد المعصية والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك ولا قبله الله عز ذكره ما لم يسجد لآدم كما أمره الله عزوجل أن يسجد له وكذلك هذه الامة العاصية المفتونة بعد نبيها (صلى الله عليه وآله) وبعد تركهم الامام الذي نصبه نبيهم (صلى الله عليه وآله) لهم فلن يقبل الله تبارك وتعالى لهم عملا ولن يرفع لهم حسنة حتى يأتوا الله عزوجل من حيث أمرهم ويتولوا الامام الذي أمروا بولايته ويدخلوا من الباب الذي فتحه الله عزوجل ورسوله لهم، يا أبا محمد إن الله افترض على امة محمد (صلى الله عليه وآله) خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا فرخص لهم في أشياء من الفرائض الاربعة (2) ولم يرخص لاحدمن المسلمين في ترك ولايتنا لا والله ما فيها رخصة.
400 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي إسحاق الجرجاني، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله عزوجل جعل لمن جعل له سلطانا أجلا ومدة من ليال وأيام وسنين وشهور فإن عدلوا في الناس أمر الله عزوجل صاحب الفلك أن يبطئ بادارته فطالت أيامهم ولياليهم وسنينهم وشهورهم وإن جاروا في الناس ولم يعدلوا أمر الله تبارك وتعالى صاحب الفلك فأسرع بادارته فقصرت لياليهم وايامهم وسنينهم وشهورهم وقد وفالهم عزوجل بعدد الليالي والشهور.
1 40 - أبو علي الاشعري، عن بعض أصحابه، عن محمد بن الفضيل، عن العرزمي قال: كنت مع أبي عبدالله (ع) جالسا في الحجر تحت الميزاب ورجل تخاصم رجلا وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما تدري من أين تهب الريح، فلما أكثر عليه قال أبوعبدالله (ع): فهل تدري أنت؟ قال: لا ولكني أسمع الناس يقولون. فقلت أنا
____________
(1) اي لا تجعلوني عرضة لايذاء الخليفة واضرارة باتماعكم على وسؤالكم عني. (آت)
(2) كقصر الصلاة وتركها لفاقد الطهورين على القول به وللحائض والنفساء وترك كثير من اركانها في حال الضرورة والخوف والقتال وكترك الصيام في السفر والمرض والكبر وكترك الحج والزكاة مع عدم الاستطاعة والمال ولم يرخص في ترك الولاية في حال من الاحوال. (آت)
(3) قد مر نحوه تحت رقم 157. ص مع توجيهه. (*)
الصفحة 272
لابي عبدالله (ع): جعلت من أين تهب الريح؟ فقال: إن الريح مسجونة تحت هذا الركن الشامي (1) فإذا أراد الله عزوجل أن يخرج منها شيئا أخرجه أما جنوب فجنوب وأما شمال فشمال وصبا فصبا ودبور فدبور ثم قال: من آية ذلك أنك لا تزال ترى هذا الركن متحركا أبدا في الشتاء والصيف والليل والنهار.
402 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم [عن أبيه] جميعا، عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبدالله (ع) قال: ليس خلق أكثر من الملائكة إنه لينزل كل ليلة من السماء سبعون ألف ملك فيطوفون بالبيت الحرام ليلتهم و كذلك في كل يوم (2).
403 - حدثنا ابن محبوب، عن عبدالله بن طلحة رفعه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله):
الملائكة على ثلاثة أجزاء: جزء له جناحان وجزء له ثلاثة أجنحة وجزء له أربعة أجنحة 404 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن ميسرة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر (ع) قال: إن في الجنة نهرا يغتمس فيه جبرئيل (ع) كل غداة ثم يخرج منه فينتفض فيخلق الله عزوجل من كل قطرة تقطر منه ملكا.
405 - عنه، عن بعض أصحابه، عن زياد القندي، عن، درست بن أبي منصور، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن لله عزوجل ملكا ما بين شحمة اذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير (3).
406 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر (ع) قال: إن لله عزوجل ديكا رجلاه في الارض السابعة وعنقه مثبتة تحت العرش وجناحاه في الهوى إلذا كان في نصف الليل أو الثلث الثاني من آخر الليل
____________
(1) يحتمل ان يكون كناية عن قيام الملائكة الذين بهم تهب تلك الرياح فوقه عند ارادة ذلك كما مر. (آت) اقول: هذا الخبر على فرض صحة صدوره عنهم صلوات الله عليهم من الاخبار التي امرنا ان نرد علمه اليهم (عليهم السلام).
(2) الظاهر عدم تكررهم في كل يوم وكل ليلة كما يدل عليه اخبار اخر. (آت)
(3) خفق الطائر خفوقا: طار. (*)
الصفحة 273
ضرب بجناحيه وصاح " سبوح قدوس ربنا الله الملك الحق المبين (1) فلا إله غيره رب الملائكة والروح " فتضرب الديكة بأجنحتها وتصيح (2).
407 - محمد بن يحيى عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمار الساباطي قال قال أبوعبدالله (ع): ما يقول من قبلكم في الحجامة؟
قلت: يزعمون أنها على الريق أفضل منهاعلى الطعام، قال: لا هي على الطعام أدر للعروق وأقوى للبدن (3).
408 - عنه، عن ابن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن أبي عبدالله (ع)
قال: اقرأ آية الكرسي واحتجم أي يوم شئت وتصدق واخرج أي يوم شئت.
409 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن معاوية بن حكيم قال: سمعت عثمان الاحول يقول: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: ليس من دواء إلا وهو يهيج داءا وليس شئ في البدن أنفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه.
410 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد رفعه إلى أبي عبدالله (ع) قال:
الحمى تخرج في ثلاث: في العرق والبطن والقئ.
411 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن حفص بن عاصم، عن سيف التمار، عن أبي المرهف، عن أبي جعفر (ع) قال: الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير قلت: جعلت فداك وما المحاضير (4) قال: المستعجلون أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم، ثم قال: يا أبا المرهب أما إنهم لم يريدوكم بمجحفة (5) إلا عرض الله عزوجل لهم بشاغل، ثم نكت أبوجعفر (ع) في الارض ثم
____________
(1) (المبين) اي مظهر الاشياء بخلقها والمعارف بافاضتها. (آت) (2) الديكة جمع الديك. (آت)
(3) اي يمتلئ العروق ويخرج منها الدم اكثرمما إذا كان على الريق و (آت)
(4) (الغبرة على من أثارها) الغبرة بالضم وبالتحريك: الغبار اي يعود ضرر الغبار على من اثاره وهذه تشبيه وتمثيل لبيان ان مثير الفتنة يعود ضررها اليه اكثر من غيره. وقوله:
(هلك المحاضير) اي المستعجلون في ظهور دولة الحق قبل أوانها.
(5) بتقديم الجيم أي الداهية. (*)
الصفحة 274
قال: يا أبا المرهف! قلت: لبيك قال: أترى قوما حبسوا أنفسهم على الله عز ذكره لا يجعل الله لهم فرجا؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجا.
412 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن الفضل الكاتب قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) فأتاه كتاب أبي مسلم فقال ليس لكتابك جواب اخرج عنا فجعلنا يسار بعضنا بعضا (1)، فقال: أي شئ تسارون يا فضل إن الله عزوجل ذكره لا يعجل لعجلة العباد، ولازالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقص أجله ثم: قال: إن فلان بن فلان حتى بلغ السابع من ولد فلان، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك؟ قال: لاترح الارض يا فضل حتى يخرج السفياني فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثا - وهو من المحتوم.
413 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن علي بن حديد، عن جميل ابن دراج قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن إبليس أكان من الملائكة أم كان يلي شيئا من أمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة، فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكره وقال: وكيف لا يكون من الملائكة؟ والله عزوجل يقول: " وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس (2) " فدخل عليه الطيار فسأله وأناعنده فقال له: جعلت فداك رأيت قوله عزوجل: " يا أيهاالذين آمنوا "
في غير مكان من مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذا المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذا المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.
414 - عنه، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبدالله (ع) إن رجلا أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني اصلي فأجعل بعض صلاتي لك، فقال: ذلك خير لك فقال: يا رسول الله فأجعل نصف صلاتي لك، فقال: ذلك أفضل لك، فقال: يا رسول الله فإني أصلي فأجعل كل صلوتي لك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك، ثم قال أبوعبدالله (ع): إن الله كلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم
____________
(1) سر الحديث: اصغاؤه وسار مسارة وسرارا.
(2) الكهف: 49. (*)
الصفحة 275
يكلفه أحدا من خلقه كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه ولم يكلف هذا أحدا من خلقه قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك (1) " ثم قال: وجعل الله أن يأخذ له ما أخذ لنفسه (2) فقال عزوجل:
" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (3) " وجعلت الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعشر حسنات (4).
415 - عنه، عن علي بن حديد، عن منصور بن روح، عن فضيل الصايغ (5)
قال: سعت ابا عبدالله (ع) يقول: أنتم والله نور في ظلمات الارض والله إن أهل السماء لينظرون إليكم في ظلمات الارض كما تنظرون أنتم إلى الكوكب الدري في السماء وإن: بعضهم ليقول لبعض: يا فلان عجبا لفلان كيف أصاب هذا الامر وهو قول أبي (ع) والله: ما أعجب ممن هلك (6) كيف هلك ولكن أعجب ممن نجا كيف نجا.
416 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن أسباط، عن إبراهيم بن محمد بن حمران، عن أبيه، عن أبي عبدالله (ع) قال: من سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم ير الحسنى (7).
____________
(1) النساء: 83.
(2) اي يأخذ بالعهد من الخلق في مضاعفة الاعمال له (صلى الله عليه وآله) مثل ما اخذ في المضاعفة لنفسه او ياخذ العهد بتعظيمه مثل ما اخذ لنفسه.
(3) الانعام: 159.
(4) (جعلت الصلاة) يحتمل وجهين: الاول ان يكون المراد انه جعل تعظيمه والصلاة عليه من طاعاته التي يضاعف لها الثواب عشرة اضعافها. والثاني ان يكونه المراد انه ضاعف لنفسه الصلاة لكونها عبادة له عشرة اضعاف ثم ضاعفها له (صلى الله عليه وآله) لكونها متعلقة به لكل حسنة عشرة اضعافها فصارت للصلاة مائة حسنة. (آت)
(5) استظهر الاردبيلي رحمه الله في جامع الرواة انه هو فصل بن عثمان المرادي.
(6) ذلك لكون اكثر الخلق كذلك ودواعي الهلاك والضلال كثيرة. (آت).
(7) ذلك اي في بروجها او محاذاة كواكبها. (آت) (*)
الصفحة 276
417 - عنه، عن ابن فضال، عن عبيس بن هشام، عن عبدالكريم بن عمرو، عن الحكم بن محمد بن القاسم أنه سمع عبدالله بن عطاء يقول: قال أبوجعفر (ع) قم فأسرج دابتين حمارا وبغلا فاسرجت حمارا وبغلا فقدمت إليه البغل ورأيت انه أحبهما إليه، فقال: من أمرك أن تقدم إلي هذا البغل؟ قلت: اخترته لك، قال: وأمرتك أن تختار لي، ثم قال: إن أحب المطايا إلي الحمر، قال: فقدمت إليه الحمار وأمسكت له بالركاب فركب فقال: الحمد لله الذي هدانا بالاسلام وعلمنا القرآن ومن علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله) الحمد الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (1) وإنا إلى ربنا لمنقلبون والحمد لله رب العالمين. وسار وسرت حتى إذا بلغنا موضعا آخر قلت له: الصلاة جعلت فداك، فقال: هذا وادي النمل لا يصلى فيه (2)، حتى إذا بلغنا موضعا آخر قلت له مثل ذلك، فقال: هذه الارض مالحة لا يصلى فيها قال: حتى نزل هو من قبل نفسه فقال:
لي صليت أو تصلي سبحتك؟ (3) قلت: هذه صلاة تسميها أهل العراق الزوال فقال: أما هؤلاء الذين يصلون هم شيعة علي بن أبي طالب (ع) وهي صلاة الاوابين فصلى وصليت ثم أمسكت له بالركاب ثم قال: مثل ما قال في بدايته ثم قال: اللهم العن المرجئة فإنهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة، فقلت له: ما ذكرك جعلت فداك المرجئة؟ فقال:
خطروا على بالي.
418 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبن أبي عمير، وعلي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي حمزة، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما أرادت قريش قتل النبي (صلى الله عليه وآله) قالت: كيف لنا بأبي لهب؟ فقالت ام جميل: أنا أكفيكموه أنا أقول له: إني احب أن تقعد اليوم في البيت نصطبح فلما أن كان من الغد وتهيأ
____________
(1) اي مطيقين من اقرن الشئ اذ اطاقه واصله وجد قرينة إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف.
وقوله: (منقلبون) اي راجعون. (آت)
(2) يدل على كراهة الصلاة في الوادي التي تكون فيها قرى النمل كما ذكره الاصحاب وكذا يدل على كراهة الصلاة في الارض السبحة. (آت)
(3) الترديد من الراوي. والسبحة: صلاة النافلة. (آت).
(4) يقال: اصطبح الرجل اي شرب صبوحا. (*)
الصفحة 277
المشركون للنبي (صلى الله عليه وآله) قعد أبولهب وامرأته يشربان فدعا أبوطالب عليا (ع) فقال له: يا بني اذهب إلى عمك أبي لهب فاستفتح عليه فإن فتح لك فأدخل وإن لم يفتح لك فتحامل على الباب واكسره وادخل عليه فإذا دخلت عليه فقل له: يقول لك أبي:
إن امرءا عمه عينه في القوم (1) فليس بذليل، قال فذهب أمير المؤمنين (ع) فوجد الباب مغلقا فاستفتح فلم يفتح له فتحامل على الباب وكسره ودخل فلما رآه أبولهب قال له:
ما لك يا ابن أخي؟ فقال له: إن أبي يقول لك: إن امرءا عمه عينه في القوم ليس بذليل فقال له: صدق أبوك فما ذاك يا ابن أخي؟ فقال له: يقتل ابن أخيك وأنت تأكل وتشرب فوثب وأخذ سيفه فتعلقت به ام جميل فرفع يده ولطم وجهها لطمة ففقى عينها، فماتت وهي عوراء وخرج أبولهب ومعه السيف فلما رأته قريش عرفت الغضب في وجهه، فقالت:
ما لك يا أبا لهب؟ فقال: ابايعكم على ابن أخي (2) ثم تريدون قتله واللات والعزى لقد هممت أن أسلم، ثم تنظرون ما أصنع فاعتذورا إليه ورجع.
419 - عنه، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين المسلمين فشد عليه جبرئيل (ع) بالسيف فهرب منه وهو يقول: يا جيرئيل إني مؤجل، إني مؤجل حتى وقع في البحر قال زرارة: فقلت لابي جعفر (ع): لاي شئ كان يخاف وهو مؤجل قال: يقطع بعض أطرافه.
420 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن أبان بن عثمان، عمن حدثه، عن أبي عبدالله (ع) قال: قام رسول الله
____________
(1) المراد بالعم اما ابولهب او نفسه والاول اظهر اذ الظاهر ان الغرض حمله على الحمية.
(2) والمراد بالعين السيد والرقيب والحافظ والحاصل ان من كان عمه مثلك سيد القوم وزعيمهم لا ينبغي ان يكون ذليلا بينهم. (آت)
(2) اي على ايذائه وانتم تفرطون في ذلك وتريدون قتله او على محافظته وترك ايذائه والاول اظهر. (آت)
(3) الضمير راجع إلى ابن ابي عمير. (*)
الصفحة 278
(صلى الله عليه وآله) على التل الذي عليه مسجد الفتح في غزوة الاحزاب في ليلة ظلماء قرة (1) فقال:
من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة؟ فلم يقم أحد، ثم أعادها، فلم يقم أحد، فقال أبوعبدالله (ع) بيده (2) وما أراد القوم؟! أرادوا أفضل من الجنة؟! ثم قال: من هذا؟ فقال: حذيفة، فقال: أما تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلم أقبرت فقام حذيفة و هو يقول: القر والضر (3) جعلني الله فداك منعني أن اجيبك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم فلما ذهب قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى ترده وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا حذيفة لا تحدث شيئا حتى تأتيني فأخذ سيفه وقوسه وحجفته (4) قال حذيفة:
فخرجت وما بي من ضر ولا قر فمررت على باب الخندق وقد اعتراه المؤمنون (5) والكفار، فلما توجه حذيفة قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونادى: يا صريخ المكروبين (6) ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي قد ترى حالي وحال أصحابي، فنزل عليه جبرئيل
(ع) فقال: يا رسول الله إن الله عز ذكره قد سمع مقالتك ودعاءك وقد أجابك وكفاك هول عدوك فجثا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ركبتيه وبسط يديه وأرسل عينيه، ثم قال: شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد بعث الله عزوجل
عليهم ريحا من السماء الدنيا فيها حصى وريحا من السماء الرابعة فيها جندل (7).
قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم وأقبل جند الله الاول ريح فيها حصى فماتركت لهم نارا إلا أذرتها ولاخباءا إلا طرحته ولا رمحا إلا ألقته حتى جعلوا
____________
(1) اي باردة.
(2) اي اشار او حرك يده على وجه التعجب. (آت)
(3) (اقبرت) في بعض النسخ (اقترب) وقوله: (القر) بالضم: البرد. والضر:
سوء الحال.
(4) يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب: حجفة ودرقة. (الصحاح)
(5) عراه: اتاه واعتراه مثله.
(6) اي ارسل ماء هما بالبكاء.
(7) الجندل: الحجارة وهي اكبر من الحصى.
(8) ذرت الحب والملح الدواء اذره ذرا: فرقته. واذريت الشئ إذا ألقية كالقاءك الحب للزرع. والخباء واحد الاخبية من وبر أو صوف ولا يكون من شعر وهو على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت. (الصحاح) (*)
الصفحة 279
يتترسون (1) من الحصى فجعلنا نسمع وقع الحصى في الاترسه، فجلس حذيفة بين رجلين من المشركين فقام إبليس في صورة رجل مطاع في المشركين، فقال: أيها الناس إنكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا وإنه لن يفوتكم من أمره شئ (2) فإنه ليس سنة مقام قد هلك الخف والحافر فارجعوا ولينظر كل رجل منكم من جليسه (3)
قال حذيفة: فنظرت عن يميني فضربت بيدي، فقلت: من أنت؟ فقال: معاوية فقلت للذي عن يساري: من أنت؟ فقال سهيل بن عمرو، قال حذيفة: وأقبل جند الله الاعظم فقام أبوسفيان إلى راحلته ثم صاح في قريش: النجاء النجاء (4) وقال طلحة الازدي: لقد زادكم محمد بشر (5)، ثم قام إلى راحلته وصاح في بني أشجع: النجاء النجاء وفعل عيينة ابن حصن مثلها، ثم فعل الحرث بن عوف المزني مثلها ثم فعل الاقرع بن حابس مثلها وذهب الاحزاب ورجع حذيفة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبره الخبر وقال أبوعبدالله (ع):
إنه كان ليشبه يوم القيامة (6).
421 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراساني، عن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) بالكوفة أيام قدم على أبي العباس (7)
____________
(1) الترس من جلد ويقال: لهذا الترس: الدرقة ايضا.
(2) اي لا تيأسوا منه ولا تعجلوا في امره فانه لن يفوتكم من امر قتاله وقمعه واستيصاله شئ والوقت واسع. (آت)
(3) انما قال ذلك ليعلم القوم بعد السؤال هل بينهم عين فتنبه حذيفة وبادر إلى السؤال لكي يظنوا انه من اهلهم ولا يسأل عنه احد. (آت)
(4) اي اسرع اسرغ، قال الجزري: فيه وانا النذير العريان فالنجاء النجاء اي انجوا بانفسكم وهو مصدر منصوب بفعل مضمر اي انجوا النجاء وتكراره للتاكيد وقد تكرر في الحديث. والنجاء:
السرعة، يقال: نجا ينجو نجاءا إذا اسرع ونجا من الامر إذا خلص وانجا غيره.
(5) في بعض النسخ (رادكم محمد بشر) وراده اي طلبه.
(6) اي ليلة الكفار من هبوب الرياح عليهم واضطرابهم وحيرتهم وخوفهم ويحتمل ان يكون الغرض بيان شدة حال المسلمين قبل نزول هذا الظفر من البرد والخوف والجوع. (آت)
(7) يعني السفاح اول خلفاء بني العباس. (*)
الصفحة 280
فلما انتهينا إلى الكناسة (1) قال: ههنا صلب عمي زيد رحمه الله ثم مضى حتى انتهى إلى طاق الزياتين وهو آخر السراجين فنزل وقال: أنزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الاول الذي خطه آدم (ع) وأنا أكره أن أدخله راكبا قال: قلت: فمن غيره عن خطته؟ قال: أما أول ذلك الطوفان في زمن نوح (ع) ثم غيره أصحاب كسرى ونعمان (2) ثم غيره بعد زياد بن أبي سفيان، فقلت: وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح (ع) فقال لي: نعم يا مفضل وكان منزل نوح وقومه في قرية على منزل من الفرات مما يلي غربي الكوفة قال: وكان نوح (ع) رجلا نجارا فجعله الله عزوجل نبيا و انتجبه ونوح (ع) أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء، قال: ولبث نوح (ع) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عزوجل فيهزؤون به ويسخرون منه، فلما رأي ذلك منهم دعا عليهم فقال: " رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (3) " فأوحى الله عزوجل إلى نوح أن اصنع سفينة وأوسعها وعجل عملها فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده فاتى بالخشب من بعد حتى فرغ منها.
قال: المفضل ثم انقطع حديث أبي عبدالله (ع) عند زوال الشمس، فقام أبوعبدالله (ع) فصلى الظهر والعصر، ثم انصرف من المسجد فالتفت عن يساره وأشار بيده إلى موضع دار الداريين (4) وهو موضع دار ابن حكيم وذاك فرات اليوم، فقل لي:
يا مفضل [و] ههنا نصبت أصنام قوم نوح (ع) " يغوث ويعوق ونسرا " ثم مضى حتى ركب دابته.
فقلت: جعلت فداك في كم عمل نوح سفينته حتى فرغ منها؟ قال: في دورين، قلت: وكم الدورين؟ قال: ثمانين سنة.
____________
(1) هي بالضم: محلة بالكوفة مشهورة.
(2) يعني النعمان بن المنذر احد ملوك العرب. (آت)
(3) نوح: 25 و 26، (فاجرا) اي مائلا عن الحق.
(4) باليائين اي العطارين. (*)
الصفحة 281
قلت: وإن العامة يقولون: عملها في خمسمائة عام، فقال: كلا كيف والله ويقول: " ووحينا (1) ".
قال: قلت: فأخبرني عن قول الله عزوجل: " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور (2)
فأين كان موضعه؟ وكيف كان؟ فقال: التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد، فقلت له: فإن ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم. ثم قلت له: وكان بدء خروج الماء من ذلك التنور؟ فقال: نعم إن الله عزوجل أحب أن يرى قوم نوح آية، ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل عليهم المطر يفيض فيضا وفاض الفرات فيضا والعيون كلهم فيضا فغرقهم الله عز ذكره وأنجى نوحا ومن معه في السفينة.
فقلت له: كم لبث نوح في السفينة حتى نضب الماء (3) وخرجوا منها؟ فقال: لبثوا فيها سبعة أيام ولياليها وطافت بالبيت اسبوعا ثم استوت على الجودي وهو
فرات الكوفة (4).
فقلت له: إن مسجد الكوفة قديم؟ فقال: نعم وهو مصلى الانبياء (عل) ولقد صلى فيه رسول (صلى الله عليه وآله) حين اسري به إلى السماء فقال له جبرئيل (ع): يا محمد هذا مسجد أبيك آدم (ع) ومصلى الانبياء (عل) فأنزل فصل فيه، فنزل فصلى فيه، ثم إن جبرئيل
(ع) عرج به إلى السماء.
422 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي رزين الاسدي، عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:
إن نوحا صلى الله عليه لما فرغ من السفنية وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه في إهلاك
____________
(1) هود: 36 ومؤمنون: 27. ولعل المراد ان ما اوحاه الله تعالى وامره لا يناسب هذا التاخير.
(2) هود: 39 ومؤمنون 27.
(3) نضب الماء نضوبا اي غار في الارض.
(4) لعل المراد قريب من الفرات ويحتمل ان يكون في الاصل قريب الكوفة فصحف إذا قد ورد في الاخبار انه نجف الكوفة. (آت) (*)
الصفحة 282
قومه أن يفور التنور ففار فقالت امرأته: إن التنور قد فار فقام إليه فختمه فقام الماء (1)
وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج، ثم جاء إلى خاتمه فنزعه، يقول الله عز وجل: " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر (2) " قال: وكان نجرها في وسط مسجدكم ولقد نقص عن (3) ذرعه سبعمائة ذراع.
423 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (ع) قال: جاءت امرأة نوح (ع) وهو يعمل السفينة فقال له: إن التنور قد خرج منه ماء فقال إليه مسرعا حتى جعل الطبق عليه وختمه بخاتمه فقام الماء (1)
فلما فرغ من السفينة جاء إلى الخاتم ففضه وكشف الطبق ففار الماء 4 42 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (ع) قال: كانت شريعة نوح (ع) أن يعبد الله بالتوحيد والاخلاص وخلع الانداد وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وأخذ
____________
(1) قام الماء: جمد.
(2) القمر: 11 إلى 13 وقوله تعالى: (ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر) قال البيضاوي:
منصب وهو مبالغة وتمثيل كثرة الامطار وشدة انصبابها وقرأ ابن عامر ويعقوب ففتحنا بالتشديد لكثرة الابواب (وفجرنا الارض عيونا) وجعلنا الارض كلها كانها عيون منفجرة واصله وفجرنا عيون الارض فغير للمبالغة (فالتقى الماء) ماء السماء وماء الارض وقرئ الماآن لاختلاف النوعين والماوان يقلب الهمزة واوا (على امر قد قدر) على حال قدرها الله في الازل من غير تفاوت او على حال قدرت وسويت وهو ان قدر ما انزل على قدر ما اخرج او على امر قدره الله وهو هلاك قوم نوح بالطوفان (وحملناه على ذات الواح) ذات اخشاب عريضة (ودسر) ومسامير جمع دسار من الدسر وهو الدفع الشديد وهي صفة للسفينة اقيمت مقامها من حيث انها شرح لها يؤدي مؤداها.
(3) لعل الغيرض رفع الاستبعاد عن عمل السفينة في المسجد مع ما اشتهر من عظمها اي نقصوا المسجد عنما كان عليه في زمن نوح سبعمائة ذراع ويدل على اصل النقص اخبار اخر. (آت)
(4) اي شئ ينطبق عليه او الطبق الذي يؤكل فيه او الاجر. قال الفيروزآبادي: الطبق محركة: غطاء كل شئ والطبق ايضا من كل شئ ما ساواه والذي يؤء كل عليه، والطابق كهاجر وصاحب الاجر الكبير. (آت) (*)
الصفحة 283
الله ميثاقه على نوح (ع) وعلى النبيين (عل) أن يعبدوا الله تبارك وتعالى ولا يشركوا به شيئا وأمر بالصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث فهذه شريعته فلبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية فلما أبوا وعتوا قال: " رب إني مغلوب فانتصر (1) " فأوحى الله عزوجل إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " فلا تبتئس بما كانوا يعملون (2) "
فلذلك قال نوح (ع): " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (3) " فأوحى الله عزوجل إليه:
" أن اصنع الفلك (4) ".
425 - عنه، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن الحسن بن علي عن عمر بن أبان، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (ع) قال: إن نوحا (ع) لما غرس النوى مر عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون قد قعد غراسا (5) حتى إذا طال النخل وكان جبارا طوالا قطعه ثم نحته فقالوا: قد قعد نجارا ثم ألفه فجعله سفينة فمروا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا في فلاة من الارض حتى فرغ منها.
426 - علي، عن أبيه، عن أبن محبوب، عن الحسن بن صالح الثوري، عن أبي عبدالله (ع) قال: كان طول سفينة نوح (ع) ألف ذراع وما ئتي ذراع وعرضها ثمانمائة ذراع وطولها في السماء ثمانين [ذراعا] وسعت بين الصفا والمروة وطافت بالبيت سبعة أشواط ثم استوت على الجودي.
427 - محمد بن أبي عبدالله (7)، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل
____________
(1) ماخوذ من سورة القمر: 10 اي فانتقم لي منهم.
(2) هود: 36. وفي المصحف (بما كانوا يفعلون) وهو من النساخ. وقوله تعالى: (فلا تبتئس)
اي لا تغتم ولا تحزن.
(3) نوح: 27. (فاجرا) اي مائلا عن الحق.
(4) مؤمنون: 26.
(5) لعله بمعنى صار نحو قولهم: جدد شفرته حتى قعدت كانها حربة اي صارت. (آت)
(6) الجبار من النخل ما طال. والطوال بالضم: الطويل. (آت) ونحت العود: براه.
والحجر سواه.
(7) هو محمد بن جعفر الاسدي. (*)
الصفحة 284
الجعفي، وعبدالكريم بن عمرو، عبدالحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبدالله (ع) قال:
حمل نوح (ع) في السفينة الازواج الثمانية (1) التي قال الله عزوجل: " ثمانية أزواج من الضان اثنين ومن المعز اثنين ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين (2) " فكان من الضان اثنين زوج داجنة يربيها الناس (3) والزوج الآخر الضان الي تكون في الجبال الوحشية احل لهم صيدها، ومن المعز اثنين زوج داجنة يربيها الناس والزوج الاخر الظبي التي تكون في المفاوز ومن الابل اثنين البخاتي والعراب (4) ومن البقر اثنين زوج داجنه للناس والزوج الآخر البقر الوحشية، وكل طير طيب وحشي [أ] وانسي ثم غرقت الارض.
8 42 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن داود بن أبي يزيد، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) قال: ارتفع الماء على كل جبل وعلى كل سهل خمسة عشر ذراعا.
429 - عدة من أصحابنا، عن أحمد عن محمد، عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (ع) قال: عاش نوح (ع) ألفي سنة وثلاثمائة سنة منها ثمانمائة وخمسين سنة (5) قبل أن يبعث وألف سنة إلا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء فمصر الامصار وأسكن ولده والبلدان ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك فرد عليه نوح (ع) قال: ما جاء بك يا ملك الموت؟ قال: جئتك لاقبض روحك، قال، دعني أدخل من الشمس إلى الظل فقال له: نعم، فتحول ثم قال: يا ملك الموت كل مامر بي من الدنيا مثل تحويلي (6) من الشمس إلى الظل فامض لما أمرت به فقبض روحه (ع).
____________
(1) قال الله تعالى: (قلنا احمل فيها من كل زوج اثنين) وقرأ حفص (من كل) بالتنوين والباقون اضافوا وفسرهما المفسرون بالذكر والانثى وقالوا على قراءة الثانية: معناه احمل اثنين من كل زوجين اي كل صنف ذكر وصنف انثى ولا يخفى ان تفسيره (عليه السلام) ينطبق على القراءتين من غير تكلف. (آت)
(2) انعام: 143.
(3) اي مقيمة عند الناس اهلية غير وحشية.
(4) البخاتي: الابل الخراساني والعراب خلافه والهيل العراب خلاف البراذين.
(5) كذا. والظاهر خمسون. (6) في بعض النسخ (مثل تحولى). (*)
الصفحة 285
430 - محمد بن أبي عبدالله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل ابن جابر، وعبد الكريم بن عمرو، وعبدالحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبدالله (ع)
قال: عاش نوح (ع) بعد الطوفان خمسمائة سنة، ثم أتاه جبرئيل (ع) فقال: يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستكملت أيامك فانظر إلى الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فادفعها إلى إبنك سام فإني لا أترك الارض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي ويعرف به هداي (1) ويكون نجاة فيما بين مقبض النبي ومبعث النبي الآخر ولم أكن أترك الناس بغير حجة لي وداع إلي وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري، فإني قد قضيت أن أجعل لكل قوم هاديا أهدي به السعداء ويكون حجة لي على الاشقياء.
قال: فدفع نوح (ع) الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة إلى سام وأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به، قال: وبشرهم نوح (ع) بهود (ع) وأمرهم
باتباعه وأمرهم أن يفتحوا الوصية في كل عام وينظروا فيها ويكون عيدا لهم (2).
431 - علي بن محمد، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبدالرحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم (3)؟ فقال لي: الكف عنهم أجمل، ثم قال: والله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا، قلت: كيف لي بالمخرج من هذا؟ فقال لي:
يا أبا حمزة كتاب الله المنزل يدل عليه أن الله تبارك وتعالى جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفئ ثم قال عزوجل: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل (4) فنحن أصحاب الخمس
____________
(1) في بعض النسخ [هواى] أى ما أهواه وأحبه من الطاعات. (آت)
(2) رواه الصدوق في كتاب كمال الدين عن محمدبن على بن ماجيلويه ومحمد بن موسى بن المتوكل وأحمد بن محمد بن يحيى جميعا عن محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن الحسن بن أبان عن محمد بن اورمة عن محمد بن سنان عن اسماعيل وعبدالكريم معا عن عبدالحميد.
(3) أى يقذفونهم بالزنا فأجاب (عليه السلام) بانه لا ينبغى لهم ترك التقية لكن لكلامهم محمل صدق. قوله: (كيف لى بالمخرج) أى بم أستدل وأحتج على من أنكر هذا. (آت)
(4) الانفال: 40. (*)
الصفحة 286
والفئ وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا والله يا أبا حمزة ما من أرض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شئ منه إلا كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا ولو قد ظهر الحق لقد بيع الرجل الكريمة عليه نفسه فيمن لا يزيد (1) حتى أن الرجل منهم ليفتدي بجميع ماله (2) ويطلب النجاة لنفسه فلا يصل إلى شئ من ذلك وقد أخرجونا وشيعتنا من حقنا ذلك بلا عذر ولاحق ولا حجة.
قلت: قوله عزوجل: " هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين (3) " قال: إما موت في طاعة الله أو أدرك ظهور إمام ونحن نتربص بهم مع ما نحن فيه من الشدة " أن يصيبهم الله بعذاب من عنده " قال: هو المسخ " أو بأيدينا " وهو القتل، قال الله عزوجل
____________
(1) قال الفاضل الاسترابادى: المراد أن ما يؤخذ باسم الخراج أو المقاسمة أو الخمس او الضريبة حرام على آخذيه ولو قد ظهر الحق لقد باع الرجل نفسه العزيزة عليه فيمن لا يريد - بالراء بدون نقطة - وفى ذكر " لا " هنا مبالغة لطيفة وفى اختيار لفظ بيع من باب التفعيل على باع مبالغة اخرى لطيفة انتهى. أقول: لعله قرأ " الكريمة " بالنصب ليكون مفعولا لبيع وجعل " نفسه " عطف بيان للكريمة أو بدلا عنها. والاظهر أن يقرأ " بيع " على بناء المجهول فالرجل مرفوع به " الكريمة عليه نفسه " صفة للرجل أى يبيع الامام أو من ياذن له الامام أو من أصحاب الخمس والخراج والغنائم المخالف الذى تولد من هذه الاموال مع كونه عزيزا في نفسه كريما وفى سوق المراد ولا يزيد أحد على ثمنه لهواته وحقارقه عندهم. هذا إذا قرئ بالزاء المعجمة كما في اكثر النسخ بالمهملة أيضا يؤول إلى هذا المعنى. (آت).
(2) اى ليفك من قيد الرقية فلا يتيسر له ذلك اذلا يقبل الامام منه ذلك. (آت)
(3) التوبة: 52. " تربصون " أصله تتربصون حذفت احدى التائين أى تنتظرون وقوله:
" إلا احدى الحسنيين " أى إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منها حسنى العواقب وذكر المفسرون أن المراد النصرة والشهادة ولعل الخبر محمول على ان ظاهر الاية متوجه إلى هؤلاء وباطنها متوجه إلى الشيعة في زمان عدم استيلاء الحق فانهم ايضا بين احدى الحسنيين اما موت على دين الحق و في طاعة الله او ادراك ظهور امام ويحتمل ان يكون المراد ان نظير مورد الاية وشبيهه جار في حال الشيعة وما يقاسون من الشدايد من المخالفين. قوله تعالى " ونحن نتربص بكم " اى نحن ننتطر فيكم احدى السوئين اين يصيبكم الله بعذاب من عنده اى بقارعة ونازلة من السماء وعلى تفسيره (عليه السلام) المسخ او بعذاب بايدينا وهو القتل في زمن استيلاء الحق فتربصوا ما هو عاقبتنا انا معكم متربصون ما هو عاقبتكم. (آت) وفى المصحف " ان يصيبكم الله " (*).
الصفحة 287
لنبيه (صلى الله عليه وآله): " قل تربصوا فإنا معكم المتربصون " والتربص انتظار وقوع البلاء بأعداءهم.
432 - وبهذا الاسناد، عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله عزوجل: " قل ما أسألكم عليه من أجروما أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين " قال: هو أمير المؤمنين (عليه السلام)
" ولتعلمن نبأه بعد حين (1) " قال: عند خروج القائم (عليه السلام).
وفي قوله عزوجل: " ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه (2) " قال:
اختلفوا كما اختلفت هذه الامة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم فيضرب أعناقهم.
وأما قوله عزوجل: " ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (3) " قال: لولا ما تقدم فيهم من الله عزوجل ماأبقى القائم (عليه السلام) منهم واحدا (4).
وفي قوله عزوجل: " الذين يصدقون بيوم الدين (5) " قال: بخروج علي (عليه السلام).
وفي قوله عزوجل: " وقل جاء الحق وزهق الباطل (7)، قال: إذا قام القائم (عليه السلام) ذهبت دولة الباطل.
____________
(1) ص: 86 إلى 88. قوله: " متكلفين " أى متصنعين.
(2) هود: 111. أى فآمن به قوم وكفر به قوم كما في القرآن.
(3) الشورى: 21.
(4) " لولا ما تقدم فيهم " أى بأنه سيجزيهم يوم القيامة أو يولد منهم أولاد مؤمنون لقتلهم القائم (عليه السلام) أجمعين ويحتمل أن يكون " ما أبقى القائم (عليه السلام) " بيانا لما تقدم فيهم أى لولا أن قدر الله أن يكون قتلهم على يد القائم (عليه السلام) لاهلكهم الله وعذبهم قبل ذلك ولم يمهلهم ولكن لا تخلو من بعد. (آت).
(5) المعارج: 26. يوم الدين أى يوم الجزاء.
(6) أنعام: 22.
(7) الاسراء: 81. والزهوق: البطلان. (*)
الصفحة 288
433 - عنه عن علي بن الحسن، عن منصور بن يونس، عن أبى بصير، عن أبى عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (1) "؟ فقال:
يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه، قد سلط على أيوب عليه لاسلام فشوه خلقه ولم يسلط على دينه وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولايسلط على دينهم قلت: قوله تعالى ز " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (2) "؟
قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم.
434 - عنه، عن علي بن الحسن، عن منصور، عن حريز بن عبدالله، عن الفضيل قال: دخلت مع أبى جعفر (عليه السلام) المسجد الحرام وهو متكئ علي فنظر إلى الناس ونحن على باب بني شيبة فقال: يا فضيل هكذا كان يطوفون في الجاهلية لا يعرفون حقا ولا يدنون دينا، يا فضيل انظر إليهم مكبين على وجوههم لعنهم الله من خلق مسخوربهم مكبين على وجوههم (3)، ثم تلاهذه الآية: " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم (4) " يعني والله عليا (عليه السلام) والاوصياء (عليهم السلام)، ثم تلا هذه الآية: " فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (5) أمير المؤمنين (عليه السلام) يا فضيل لم يتسم بهذا الاسم غير علي (عليه السلام) إلا مفتر كذاب إلى يوم البأس هذا، أما والله يا فضيل مالله عز ذكره حاج غيركم ولا يغفر الذنوب إلا لكم ولا يتقبل إلا منكم وإنكم لاهل هذه الآية: " إن تجتبنوا كبائر
____________
(1) النحل: 98، 99. أى أنه لا يقدر على إكراه المؤمنين على الكفر والمعاصى.
(2) النحل: 100. قيل: الضمير راجع إلى الرب وقيل: إلى الشيطان أى بسببه والاول أظهر. (آت)
(3) " مسخوربهم " أى مسخرون كالبهائم، مستعمرون للاجانب ولا يدون ما بهم ولا يشعرون.
" مكبين على وجوههم " أى يعثرون كل ساعة على وجوههم وهو كناية عن شدة تحيرهم وترددهم وغفلتهم وعدم تباتهم، وفى بعض النسخ [مسخوا بهم].
(4) الملك: 23. " سويا " أى سالما من العثار.
(5) الملك: 28 " زلفة " أى ذا زلفة وقرب. (*)
الصفحة 289
ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (1) ".
يا فضيل أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا ألسنتم وتدخلوا الجنة، ثم قرأ " ألم تر إلى الذين قبل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة (2) " أنتم والله أهل هذه الآية.
435 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن محمد بن سلمان الازدي، عن أبي الجارود، عن أبي إسحاق، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل (بظلمه وسوء سيرته) والله لا يحب الفساد (3) ".
436 - سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) " والذين كفروا أولياؤهم الطواغيت (4) ".
437 - علي بن إبراهيم. عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سنان (5)
____________
(1) النساء 31: " مدخلا " اسم مكان اى الجنة أو مصدر أى إدخالا مع كرامة.
(2) النساء 77. " كفوا " أى امسكوا عن قتال الكفار فانى لم آمر بقتالهم.
(3) البقرة: " 205 وفى بعض النسخ [بظلمه وسوه سريرته].
(4) البقرة: 257. وسهل بن زياد ضعيف ضعفه جماعة من الاصحاب.
(5) ممد بن سنان أبوجعفر الزاهرى من ولد زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعى وكان أبوعبدالله بن عياش يقول: حدثنا أبوعيسى محمد بن أحمد بن سنان قال: هو محمد بن الحسن بن سنان مولى زاهر توفى أبوه الحسن وهو طفل وكفه جده سنان فنسب ة ليه وقال ابن الغضائري:
أبوجعفر الهمدانى مولاهم هذا أصع ما نسب إليه. وفى (صه) واختلف علماؤنا في شأنه فالمفيد - ره - قال:
إنه ثقة واما الشيخ الطوسى - ره - ضعفه وكذا النجاشى وقال ابن الغضائري: انه ضعيف غال لا يلتفت إليه الخ وفى (جش) وذكر ابوعمرو في رجاله قال أبوالحسن على بن محمد بن قتيبة النيسابوري:
قال: قال أبومحمد الفضل بن شاذان: لا احب لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان وذكر ايضا أنه وجد بخط أبى عبدالله الشذانى إنى سمعت العاصمى يقول: إن عبدالله بن ممد بن عيسى الاسدى الملقب ببنان قال: كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل إذ دخل علينا محمد ابن سنان فقال صفوان:
هذا ابن سنان لقدهم ان يطير غير مرة فقصصناه حتى ثبت معناه وهذا يدل على اضطراب كان وزال انتهى
الصفحة 290
عن أبي جيرير القمي - وهو محمد بن عبيدالله وفي نسخة عبدالله - عن أبي الحسن (عليه السلام):
" له ما في السموات وما في الارض (وما بينهما وما تحن الثرى عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم) من ذا الذى يشفع عنده إلا باذنه ".
438 - محمد بن خالد، عن حمزة بن عبيد، عن إسماعيل بن عباد، عنأ بي عبدالله (عليه السلام)
" ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " وآخرها " وهو العلي العظيم " والحمد لله رب العالمين وآيتين بعدها (1).
439 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي بكر بن محمد (") قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقرأ " وزلزلوا (ثم زلزلوا " حتى يقول الرسول (3) ".
440 - علي بن ابراهيم. عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) " واتبعوا ما تتلوا الشياطين (بولاية الشياطين) على ملك سليمان (4) ".
ويقرأ أيضا: " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة (فمنهم من آمن ومنهم
____________
وقد مر أن ابن الغضائري قال: " إنه ضعيف قال لا يلتفت إليه وفى (صه) والوجه عندى التوقف فيما يرويه فان الفضل بن شاذان رحمه الله تعالى قال في بعض كتبه: أن من الكذابين المشهورين ابن سنان وليس بعبدالله ودفع أيوب بن نوح إلى حمدويه دفترا فيه أحاديث محمد بن سنان فقال: إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا فانى كتبت عن محمد بن سنان ولكن لا أروى لكم عنه شيئا فانه قال فقبل موته ز كلما حدثتكم به لم يكن لى سماعا ولا رواية وإنما وجدته ونقل عنه أشياء أخر رديه ذكرناها في كتابنا الكبير ومات سنة عشرين ومائتين انتهى.
(1) أى ذكر آيتن بعدها وعدهما من آية الكرسى فاطلاق آية الكرسى عليها على إرادة الجنس وتكون ثلاث آيات كما يدل عليه بعض الاخبار. (آت).
(2) الظاهر أنه كان عن بكر بن محدم فزيد فيه " أبي " من النساخ (آت) والسند مجهول.
(3) البقرة: 214.
(4) البقرة: 102. (*)
الصفحة 291
من حجد ومنهم من أقر ومنهم من بدل) ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب (1) ".
441 - محمد بن يحيى. عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبدالرحمن بن حماد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الفيض قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): يمرض منا المريض فيأمره المعالجون بالحمية (2) فقال: لكنا أهل بيت لا نحتمي إلا من التمر ونتداوي بالتفاح والماء البارد، قلت: ولم تحتمون من التمر؟ قال: لان نبي الله حمى عليا (عليه السلام) منه في مرضه.
442 - عنه عن أحمد، عن ابن محبوب، عن ابن بئاب. عن الحلبي قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لا تنفع الحمية لمريض بعد سبعة أيام.
443 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: ليس الحمية أن تدع الشئ أصلا لا تأكله ولكن الحمية أن تأكل من الشئ وتخفف.
444 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى. عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): إن المشي للمريض نكس، إن أبي (عليه السلام).
كان إذا اعتل جعل في ثوب فحمل لحاجته يعني الوضوء وذاك أنه كان يقول: إن المشى للمريض نكس (3).
445 - علي بن إبراهيم، عن أبهى عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة أن رجلا دخل على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال: رأيت كأن الشمس طالعة على رأسي دون جسدي فقال: تنال أمرا جسيما ونورا ساطعا ودينا شاملا فلو غطتك لا نغمست فيه ولكنها غطت رأسك أما قرأت " فلما رأى الشمس بازعة قال هذا ربي... فلما أفلت (4) "
____________
(1) البقرة: 211، وقوله (عليه السلام)، " فمنهم من آمن الخ " ذكره توضيحا وتفسيرا للاية.
(2) الحمية - بالكسر -: ما حمى من الشئ وضع المريض عما يضره، يقال: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء.
(3) نكس المريض: عاوده المرض.
(4) أنعام: 78. وبزغت الشمس بزغا وبزوغا: شرقت، وبازغة أى طالعة. (*)
الصفحة 292
تبرأ منها إبراهيم (عليه السلام)، قال: قلت: جعلت فداك إنهم يقولون: إن الشمس خليفة أو ملك؟ فقال: ما أراك تنال الخلافة ولم يكن في آبائك وأجدادك ملك (1) وأي خلافة وملوكية أكبر من الدين والنور ترجوبه دخول الجنة، إنهم يغلطون، قلت:
صدقت جعلت فداك.
446 - عنه (2)، عن رجل رأى كأن الشمس طالعة على قدميه دون جسده، قال:
ما يناله نبات من الارض من بر أو تمريطأه بقدميه ويتسع فيه وهو حلال إلا أنه يكد فيه كما كد آدم (عليه السلام) (3).
447 - علي، عن أبيه، عن الحسن بن علئ. عن أبي جعفر الصائغ، عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) وعنده أبوحنيفة فقلت له: جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة فقال لي: يا ابن مسلم ها تها فإن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، قال: فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزا كثيرا ونثرته علي، فتعجبت من هذه الرؤيا فقال: أبوحنيفة أنت رجل تخاصم و تجادل لئاما (4) في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال:
أبوعبدالله (عليه السلام): أصبت والله يا أبا حنيفة، قال: ثم خرج أبوحنيفة عن عنده، فقلت:
جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسؤك الله، فما يواطى تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ، قال:
فقلت له: فما تأوليها؟ قال: يا ابن مسلم إنك تتمتع بامرأة فتعلم بها أهلك فتمزق عليك ثيابا جددا فإن القشر كسوة اللب، قال ابن مسلم: فوالله ما كان بين تعبيره وتصحيح الرؤيا إلا صبيحة الجمعة فلما كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرت بي جارية
____________
(1) يظهر منه أن تعبير الرؤيا يختلف باختلاف الاشخاص ويحتمل أن يكون الغرض بيان خطاء أصل تعبيرهم بان ذلك غير محمل لا أن هذا غير مستقيم في خصوص تلك المادة. (آت)
(2) الضمير راجع ة لى ابن اذينة ويحتمل الارسال. (آت)
(3) الكد: الشدة والالحاح والطلب.
(4) في بعض النسخ [أياما]. (*)
الصفحة 293
فأعجبتني فأمرت غلامي فردها ثم أدخلها داري فتمتعت بها فأحست بى وبها أهلي فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب وبقيت أنا فمزقت علي ثيابا جددا كنت ألبسها في الاعياد.
وجاء موسى الزوار العطار (1) إلى أبى عبدالله (عليه السلام) فقال له: يا ابن رسول الله رأيت رويا هالتني، رأيت صهرا لي ميتا وقد عانقني، وقد خفت أن يكون الاجل قد اقترب، فقال: ياموسى: توقع الموت صباحا ومساءا فإنه ملاقينا ومعانقة الاموات للاحياء أطول لاعمارهم فلما كان اسم صهرك؟ قال: حسين فقال: أما إن رؤياك تدل على بقائك وزيارتك أبا عبدالله (عليه السلام) فإن كل من عانق سمي الحسين يزوره إن شاء الله 448 - إسماعيل بن عبدالله القرشي قال: أتى إلى أبي عبدالله (عليه السلام) رجل فقال له: يا ابن رسول الله رأتى في منامي كأني خارج من مدينة لاكوفة في موضع أعرفه وكان شبحا من خشب أو رجلا منحوتا (2) من خشب على فرس من خشب يلوح بسفيه (3) وأنا [ا] شاهده، فزع مرعوبا، فقال له (عليه السلام): أنت رجل تريد اغتيال رجل في معيشته (4)، فاتق الله الذي خلقك ثم يميتك فقال الرجل: أشهد أنك قد أوتيت علما واستنبطته من معدنه، اخبرك يا ابن رسول الله عما [قد] فسرت لي أن رجلا من جيراني جاءني وعرض علي ضيعته فهممت أن أملكها بوكس كثير (5) لما عرفت أنه ليس لها طالب غيري، فقال أبوعبدالله (عليه السلام): وصاحب يتولانا ويبرأ من عدونا؟ فقال: نعم يا ابن رسول الله رجل جيد البصيرة، مستحكم الدين وأنا تائب إلى الله عزوجل و إليك مما هممت به نويته، فأخبرني يا ابن رسول الله لو كان ناصبا حل لي اغيتاله؟
فقال: أد الامانة لمن ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الحسين (عليه السلام).
____________
(1) الظاهر أنه ايضا من كلام محمد بن مسلم وكأن الزوار كان لقب موسى (آت)
(") الترديد من الراوي. (آت) وقوله: " رجلا منحوتا " من النحت يعنى تراشيده شده أز جوب.
(3) يقال: لوح بسيفه - على بناء التفعيل - أى لمع به. (آت)
(4) أى إهلاكه خدعة بسبب سلب معيشته.
(5) الوكس - كالوعد -: النقصان. (*)
الصفحة 294
449 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب. عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي، عن عبدالملك بن أعين قال: قمت من عند أبي جعفر (عليه السلام) فاعتمدت على يدي فبكيت، فقال: ما لك؟ فقلت:
كنت أرجو أن أدرك هذا الامر وبي قوة، فقال: أما ترضون أن عدوكم يقتل بعضهم بعضا وأنتم آمنون في بيوتكم. إنه لو قد كان ذلك أعطى الرجل منكم قوة أربعين رجلا وجعلت قلوبكم كزبر الحديد (1) لو قذف بها الجبال لقلعتها وكنتم قوام الارض وخزانها (2).
450 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ممد بن علي، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن سفيان الجريري، عن أبي مريم الانصاري، عن هارون ابن عنترة، عن أبيه قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) مرة بعد مرة وهو يقول وشبك أصابعه بعضها في بعض ثم قال: تفرجي تضيقى وتضيقى تفرجي (3)، ثم قال: هلكت المحاضير ونجى المقربون وثبت الحصى على أوتادهم، أقسم بالله قسما حقا إن بعد الغم فتحا عجبا.
____________
(1) قال الجوهري: الزبرة: القطعة من الحديد والجمع زبر - بالضم -
(2) " قوام الخلق " أى القائمين بامور الخلق والحكام عليهم في الارض، وقوله: " وخزانها "
أى يجعل الامام ضبط أموال المسلمين في أيديكم. وفى بعض النسخ [وجيرانها] أى تجيرون الناس من الظلم وتنصرونهم. (آت).
(3) " وشبك بين أصابعه " بأن أدخل أصابع إحدى اليدين في الاخر وكان يدخلها إلى أصول الاصباغ تم يخرجها إلى رؤوسها تشبيها لتضيق الدنيا وتفرجها بهاتين الحالتين (آت). وقوله (عليه السلام):
" تقرجى تضيقى وتضيقى تفرجى " يعنى من كان في الدنيا يختلف عليه الاحوال فربما يكون في فرج وربما يكون في ضيق قال الله سحبانه: " فان مع العسر يسرا] إن مع العسر يسرا " فالحزم أن لا يستعجل الفرج من كان في الضيق بل يصير حتى يأتى الله له بالفرج لانه في الضيق يتوقع الفرج وفى الفرج يخاف الضيق. قوله: " والمقربون " على صيغة الفاعل من التقريب هم الذين يعدون الفرج قريبا كما قال الله سبحانه: " إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا " وإنما نجو التيقنهم بمجيئه وانشراح صدورهم بنور اليقين وقوله " وثبت الحصى على أوتادهم كأنه كناية عن استقامة امرهم وثباته. (في)
وقوله: " هلكت المحاضير " أى المستعجلون للفرج قبل أواته وقد مر تفسيره. (آت). (*)
الصفحة 295
451 - محمد بن يحيى. عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا ميسر كم بينكم وبين قرقيسا (1)؟ قلت: هي قريب على شاطئ الفرات فقال: أما إنه سيكون بها وقعة لم يكن مثلها منذ خلق الله تبارك وتعالى السماوات والارض ولا يكون مثلها مادامت السماوات والارض مأدبة للطير (2)
تشبع منها سباع الارض وطيور السماء يهلك فيها قيس ولا يدعى لها داعية (3)
قال: وروي غير واحد وزاد فيه وينادي مناد هلموا إلى لحوم الجبارين (4).
452 - عنه، عن أحمد بن محم د، عن الحسين بن سعيد. عن حماد بن عيى. عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل.
453 - عنه، عن أحمد بن محدم، عن علي بن الحكم. عن هشام بن سالم، عن شهاب بن عبد ربه قال: قال لي أبوعبدالله عليهالسلام: يا شهاب يكثر القتل في أهل بيت من قريش حتى يدعى الرجل منهم إلى الخلافة فيأباها، ثم قال: ياشهاب ولا تقل: إني عنيت بني عمي (5) هؤلاء، قال شهاب: أشهد أنه قد عناهم.
454 - حميد بن زياد. عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد. عن أبان بن عثمان، عن الفضيل عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن يدعو إلى نفسه إلا نظرا للناس و
____________
(1) في البعض النسخ [قرقيسيا].
(2) أى تكون هذه البلدة لكثرة لحوم القتلى فيها مأدبة للطيور.
(3) " يهلك فيها قيس " أى قبيلة بنى قيس وهى بطن من أسد. " ولا تدعى " على بناء المجهول أى لا يدعوا حد لنصر تلك القبيلة نفسا أو فئة تدعو الناس إلى نصرهم أو تشفع عند القاتلين وتدعوهم إلى رفع القتل عنهم. ويمكن أن يقرء بتشديد الدال على بناء. المعلوم أى لا تدعى بعد قتلهم فئة تقوم وتطلب ثارهم وتقدعوا الناس إلى ذلك. (آ ت).
(4) هلموا نداء للطيور والسباع. (آت)
(5) أى بنى الحسن او بنى العباس وما حمل شهاب كلامه عليه من التقية يؤيد الثانى ولكن ما ذكره (عليه السلام) من كثرة القتل كان في بنى الحسن أظهرو إن كان وقع في بنى العباس أيضا في أواخر دولتهم (آت) (*)
الصفحة 296
تخوفا عليهم أن يرتدوا عن الاسلام (1) فيعبدوا الاوثان ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان الاحب إليه أن يقرهم على ما صنعوا من أن يرتدوا عن جميع الاسلام وإنما هلك الذين ركبوا ما ركبوا. فأما من لم يصنع ذلك ودخل فيما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لامير المؤمنين (عليه السلام) فإن ذلك لا يكفره ولا يخرجه من الاسلام ولذلك كتم علي (عليه السلام) أمره وبايع مكرها حيث لم يجد أعوانا.
455 - حدثنا محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى. عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعما، عن عبدالله بن مسكان، عن عبدالرحيم القصير قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: يا عبدالرحيم إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل جاهلية، إن الانصار اعتزلت فلم تعتزل بخير (2) جعلوا يبايعون سعدا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية (3)، يا سعد أنت المرجاء وشعرك المرجل وفحلك المرجم.
456 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن غير واحد من أصحابه عن أبان بن عثمان، عن أبي جعفر الاحول: والفضيل بن يسار، عن زكريا النقاض (4).
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة من اتبع هارون (عليه السلام) ومن اتبع العجل وإن أبا بكر دعا فأبى علي (عليه السلام) (5) إلا القرآن
____________
(1) اين عن ظاهر الاسلام والتكلم بالشهادتين فابقاؤهم على ظاهر الاسلام كان صلاحا للامة ليكون لهم طريق إلى قبول الحق وإلى الدخول في الايمان. (آت)
(2) اى لم يكن اعتزالهم لاختيار الحق او لترك الباطل بل اختاروا باطلا مكان باطل آخر للحمية والعصبية. (آت)
(3) قال الفيروز آبادى: الرجز - بالتحريك -: ضرب من الشعروزنه مستفعلن ست مرأت سمى به لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل أنه ليس بشعر وانما هو أنصاف ابيات أو ثلاث، و قوله: " انت المرجاء " - بالتشديد - من الرجاء. قوله: " وفحلك المرجم " أى خصمك مرجوم مطرود. (آت)
(4) هو زكريا بن عبدالله النقاض أبويحيى
(5) كذا. ى أى دعا عليا (عليه السلام) إلى موافقته أو جميع الناس إلى بيعته ومتابعته وموافقته فلم يعمل أمير المؤمنين في زمانه الا بالقرآن ولم يوافقه. (آت) (*)
الصفحة 297
وإن عمر دعا فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن وإن عثمان دعا فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه ومن رفع راية ضلال [ة] فصاحبها طاغوت.
(حديث ابى ذر رضى الله عنه)
457 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن عبدالله بن محمد، عن سملة اللؤلوئي، عن رجل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ألا اخبركم كيف كان إسلام سلمان و أبي ذر فقال الرجل وأخطأ: أما إسلام سلمان فقد عرفته فأخبرني باسلام أبي ذر فقال: إن أباذر كان في بطن مر (1) يرعا غنما له فأتى ذئب عن يمين غنمه فهش بعصاه على الذئب فجاء الذئب عن شماله فهش عليه أبوذر ثم قال له أبوذر: ما رأيت ذئبا أخبث منك ولا شرا، فقال له الذئب: شر والله مني أهل مكة بعث الله عزوجل إليهم نبيا فكذبوه وشتموه فوقع في اذن أبي ذر. فقال لامرأته: هلمي مزودي (2) وأداوتي وعصاي، ثم خرج على رجليه يريد مكة ليعلم خبر الذئب وما أتاه به، حتى بلغ مكة فدخلها في ساعة حارة وقد تعب ونصب فأتي زمزم وقد عطش فاغترف دلوا فخرج لبن فقال في نفسه: هذا والله يدلنى على أن ما خبرني الذئب وما جئبت له حق، فشرب وجاء إلى جانب من جوانب المسجد فإذا حلقة من قريش فجلس إليهم فرآهم يشتمون النبي (صلى الله عليه وآله) كما قال الذئب، فما زالوا في ذلك من ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) والشتم له حتى جاء أبوطالب من آخر النهار فلما رأوه قال بعضهم لبعض: كفوا فقد جاء عمه، قال: فكفوا فما زال يحدثهم ويكلمهم حتى كان آخر النهار، ثم قام وقمت على أثره فالتفت إلي فقال: اذكر حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما تصنع به؟ قلت: أو من
____________
(1) " بطن مر " هو - بفتح الميم وتشديد الراء - موضع على مرحلة من مكة. (آت)
(2) هلم بمعنى تعال ويستوى فيه الواحد والجمع والمذكور والمؤنث وأهل نجد يصرفونها فتقولون: هلما وهلموا وهلمى. والمزود: ما يجعل فيه الزاد. (القاموس) (*)
الصفحة 298
به واصدقه واعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: وتفعل؟ فقلت: نعم قال: فتعال غدا في هذا الوقت إلي حتى أدفعك إليه، قال: بت تلك الليلة في المسجد حتى إذا كان الغد جلست معهم فما زالوا في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وشتمه حتى إذا طلع أبوطالب فلما رأوه قال بعضهم لبعض: أمسكوا فقد جاء عمه، فأمسكوا فما زال يحدثهم حتى قام فتبعته فسلمت عليه فقال: اذكر حاجتك؟ فقلت: النبي المبعوث فيكم قال: وما تصنع به؟ فقلت: أومن به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، قال: وتفعل؟ قلت: نعم، فقال: قم معي، فتبعته فدفعني إلى بيت فيه حمزة
(ع) فسلمت عليه وجلست فقال: لي ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم فقال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أومن به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فشهدت قال: فدفعني حمزة إلى بيت فيه جعفر (ع) فسلمت عليه وجلست فقال لي جعفر (ع): ما حاجتك؟
فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه؟ فقلت: أومن به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: فشهدت فدفعني إلى بيت فيه علي (ع)
فسلمت وجلست، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: هذا النبي المبعوث فيكم قال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أومن به واصدقه وأعرض عليه نفسي ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال:
تشده أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فشهدت فدفعني إلى بيت فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسلمت وجلست، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما حاجتك؟ قلت: النبي المبعوث فيكم، قال: وما حاجتك إليه؟ قلت: أومن به وأصدقه ولا يأمرني بشئ إلا أطعته، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا ذر انطلق إلى بلادك فإنك تجد ابن عم لك قد مات وليس له وارث غيرك فخذ ماله وأقم عند أهلك حتى يظهر أمرنا، قال: فرجع أبوذر فأخذ المال وأقام عند أهله حتى ظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال أبوعبدالله (ع): هذا حديث أبي ذر وإسلامه رضي الله عنه وأما حديث
الصفحة 299
سلمان (1) فقد سمعته فقال: جعلت فداك حدثني بحديث سلمان، فقال: قد سمعته، ولم يحدثه لسوء أدبه.
458 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) أن ثمامة بن أثال (2) أسرته خيل النبي (صلى الله عليه وآله) وقد
____________
(1) حديث اسلام سلمان رضي الله عنه رواه الصدوق رحمه الله في كتاب كمال الدين مفصلا عن موسى بن جعفر (عليه السلام) واورده صاحب الوافي في روضة الوافي ابواب القصص باب قصة سلمان رضي الله عنه فليراجع.
(2) قال ابن عبدالبر القرطبي في الاستيعاب: ثمامة بن اثال الحنفي سيد اهل اليمامة روى حديثه ابوهريرة، ذكزه عبد الزراق عن عبيد الله ابني عمر عن سعيد المقبري عن ابي هريرة ان ثمامة الحنفي اسر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ان تقتل تقتل ذا دم وان تمنن تمنن على شاكر وان ترد المال تعط ما شئت، قال: فغدا عليه يوما فقال له مثل ذلك واسلم فامره النبي صلى الله عليه وسلم ان يغتسل، وروى عمارة بن غزية عن سعيد المقبري عن ابي هريرة قال: خرج ثمامة بن اثال الحنفي معتمرا فظفرت به خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنجد فجاؤوا به فاصبح مربوطا باسطوانة عند باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم فرآه فعرفه فقال: ما تقول يا ثمام؟ قال: إن تسأل مالا تعطه وإن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر فمضى عنه وهو يقول: اللهم ان اكلة من لحم جزور احب الي من دم ثمامة ثم كر عليه فقال ما تقول يا ثمام؟ فقال ان تسال مالا تعطه وان تقتل تقتل ذا دم وان تنعم تنعم على شاكر فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اللهم ان اكلة من لحم جزور احب إلى من دم ثمامة، ثم خرج فقال: ما تقول يا ثمام؟ قال: ان تسأل مالا تعطه وان تقتل تقتل ذا دم وان تنعم تنعم على شاكر قال اللهم ان أكلة من لحم جزور احب إلى من دم ثمامة، ثم امر به فأطلق فذهب ثمامة إلى المصانع فغسل ثيابه واغتسل، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد شهادة الحق وقال:
يا رسول الله ان خيلك اخذتني وانا أريد العمرة فمر من يسيرني إلى الطريق فامر من يسيره فخرج حتى إذا قدم مكة فلما سمع به المشركون جاؤوه فقالوا: يا ثمامة صبوت وتركت دين آبائك؟ قال لا ادري ما تقولون الا اني أقسمت برب هذه البينة لا يصل اليكم من اليمامة شئ مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا من آخركم قال: وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج فحبس عنهم ما كان ياتيهم منها من ميرتهم ومنافعهم فلما اضر بهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ان عهدنا بك وانت تأمر بصلة الرحم وتحض عليها وان ثمامة قد قطع عنا ميرتنا و أضر بنا فان رايت ان تكتب اليه ان يخلى بيننا وبين ميرتنا فافعل فكتب اليه رسول الله صلى الله عليه (*)
الصفحة 300
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم أمكني من ثمامة فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخيرك واحدة من ثلاث: أقتلك، قال: إذا تقتل عظيما أو أفاديك، قال: إذا تجدني غاليا، أو أمن عليك قال: إذا تجدني شاكرا، قال: فإني قد مننت عليك قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وقد والله أنك رسول الله حيث رأيتك وما كنت لاشهد بها وأنا في الوثاق.
459 - عنه، عن أبيه، عن أحمد بن محمد، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع)
قال: لما ولد النبي (صلى الله عليه وآله) جاء رجل من أهل الكتاب إلى ملا من قريش فيهم هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة والعاص بن هشام وأبووجزة بن أبي عمرو بن امية وعتبة بن ربيعة فقال: وسلم ان خل بين قومي وبين ميرتهم. وكان ثمامة حين اسلم قال: يا رسول الله والله لقد قدمت عليك وما على الارض وجه ابغض الي من وجهك ولا دين ابغض إلى من دينك ولا بلد ابغض إلى من بلدك وما اصبح على الارض وجه احب الي من وجهك ولا دين احب إلى من دينك ولا بلد احب الي من بلدك، وقال محمد بن اسحاق ارتد اهل اليمامة عن الاسلام غير ثمامة بن أثال ومن اتبعه من قومه فكان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه ويقول اياكم وامرا مظلما لا نور فيه وانه لشقاء كتبه الله عزوجل على من اخذ به منكم وبلاء على من لم ياخذ به منكم يا بني حنيفة فلما عصوه ورأى انهم قد اصفقوا على اتباع مسيلمة عزم على مفارقتهم ومر العلاء بن الحضرمى ومن معه على جانب اليمامة فلما بلغه ذلك قال لاصحابه من المسلمين: اني والله ما ارى ان اقيم مع هؤلاء مع ما قد احدثوا وان الله تعالى لضار بهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون وما نرى انت نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون وقد عرفنا الذي يريدون وقد مروا قريبا ولا أرى الا الخروج اليهم فمن أراد الخروج منكم فليخرج فخرج ممدا للعلاء بن الحضرمى ومعه اصحابه من المسلمين فكان ذلك قد فت في اعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة وقال ثمامة بن أثال في ذلك:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى * مسيلمة الكذاب اذ جاء يسجع فيا عجبا من معشر قد تتابعوا * له في سبيل الغي والغي اشنع في ابيات كثيرة ذكرها ابن اسحق في الردة وآخرها:
وفي البعد عن دار وقد ضل اهلها * هدى واجتماع كل ذلك مهيع وروى ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن ابي هريرة نحو حديث عمارة بن غزية ولم يذكر الشعر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فرات بن حيان إلى ثمامة بن أثال في قتال مسيلمة وقتله. انتهى. (*)
الصفحة 301
أولد فيكم مولود الليلة؟ فقالوا: لا، قال: فولد إذا بفلسطين (1) غلام اسمه أحمد به شامة كلون الخز الادكن (2) ويكون هلاك أهل الكتاب واليهود على يديه قد أخطاكم والله يا معشر قريش (3) فتفرقوا وسألوا فاخبروا أنه ولد لعبد الله بن عبدالمطلب غلام فطلبوا الرجل فلقوه، فقالوا: إنه قد ولد فيناوالله غلام قال: قبل أن أقول لكم أو بعد ما قلت لكم؟
قالوا: قبل أن تقول لنا، قال: فانطلقوا بنا إليه حتى ننظر إليه، فانطلقوا حتى أتوا امه فقالوا: اخرجي ابنك حتى ننظر إليه، فقالت: إن ابني والله لقد سقط وما سقط كمايسقط الصبيان لقد اتقى الارض بيديه ورفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى (4) وسمعت هاتفا في الجو يقول: لقد ولدتيه سيد الامة فإذا وضعتيه فقولي: اعيذه بالواحد من شر كل حاسد وسميه محمدا، قال الرجل: فأخرجيه فأخرجته فنظر إليه ثم قلبه ونظر إلى الشامة بين كتفيه فخر مغشيا عليه فأخذوا الغلام فأدخلوه إلى امه وقالوا: بارك الله لك فيه، فلما خرجوا أفاق فقالوا له: مالك ويلك؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة هذا والله من يبيرهم (5) ففرحت قريش بذلك فلما رآهم قد فرحوا قال [قد]: فرحتم أما والله ليسطون بكم سطوة (6) يتحدث بها أهل المشرق والمغرب وكان أبوسفيان يقول: يسطو بمصره (7).
____________
(1) فلسطين: كورة بالشام وقرية بالعراق، (القاموس)
(2) (شامة) اي خال وعلامة والمراد خاتم النبوة. وقوله (كلون الخز الادكن) قال الجوهري: الدكنة: لون يضرب إلى السواد والشئ ادكن.
(3) الظاهر: اخطأتم كما في تفسير على بن ابراهيم وعلى ما في اكثر نسخ الكتاب يمكن ان يقرأ بالهمزة وغيره وعلى التقديرين يكون المراد جاوزكم خبره ولم يصل بعد إليكم أو جاوزكم أمره ولا محيص لكم عنه. (آت)
(4) بصرى بالضم والقصر: بلد بالشام وهي التي وصل اليها النبي (صلى الله عليه وآله) للتجارة وهي المشهورة عند العرب والاخرى قرية من قرى بعداد قرب عكبر. (المراصد)
(5) أباره: اهلكه.
(6) السطو: القهر بالبطش، يقال: سطا به، والسطوة المرة الواحدة قوله: (يسطو بمصره)
الظاهر انه قاله على الهزء والانكار اي كيف يقدر على ان يسطو بمصره او كيف يسطو بقومه وعشيرته. (آت)
(7) في خرائج الراوندي وبعض نسخ الكتاب (يسطو بمضره). (*)
الصفحة 302
460 - حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن محمد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: كان حيث طلقت آمنة (1) بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي (صلى الله عليه وآله) حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت فقالت، إحداهما للاخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذا دخل عليهما أبوطالب فقال لهما:
ما لكما من أي شئ تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال: لها أبوطالب:
ألا ابشرك؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود (2).
461 - محمد بن أحمد (3)، عن عبدالله بن الصلت، عن يونس، وعن عبد العزيز بن المهتدي، عن رجل، عن أبي الحسن الماضي (ع) قي قوله تعالى: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (4) " قال: صلة الامام في دولة الفسقة (5).
462 - يونس، عن سنان بن طرفة قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: ينبغي للمؤمن أن يخاف الله تبارك وتعالى خوفا كأنه مشرف على النار ويرجوه رجاءا كأنه من أهل الجنة ثم قال: إن الله عزوجل عند ظن عبده إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
463 - محمد بن يحيى، عن أحمدبن محمد، عن ابن سنان، عن إسماعيل بن جابر قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) بمكة إذ جاءه رسول من المدينة فقال له: من صحبت؟
قال: ما صحبت أحدا، فقال له أبوعبدالله (ع): أما لو كنت تقدمت إليك (6) لاحسنت أدبك؟ ثم قال: واحد الشيطان واثنان شيطانان وثلاث صحب وأربعة رفقاء.
____________
(1) طلقت بكسر اللام: اي اخذها الطلق وهو وجع المخاض.
(2) روى الصدوق باسناده عن عبدالله بنت مسكان قال: قال ابوعبدالله (عليه السلام): ان فاطمة بنت اسد جاءت إلى ابي طالب تبشره بمولد النبي فقال لها ابوطالب: اصبري لي سبتا اتيك بمثله الا النبوة وقال: السبت ثلاثون سنة وكان بين رسول الله وامير المؤمنين ثلاثون سنة. (آت)
(3) الظاهر انه محمد بن احمد بن علي بن الصلت القمي روى عن عبدالله بن الصلت كما مر وياتي.
(4) الحديد: 11.
(5) اي هي افضل افراده ويحتمل اختصاصه بها. (آت)
(6) اي لو كنت ادركتك عند خروجك من المدينة لعلمتك ان لا تفعل ما فعلت، او المراد لو كنت نصحتك واوصيت اليك قبل هذا وعلمت انه لا ينبغي ذلك ثم فعلت ما فعلت لضربتك وأدبتك. (آت) (*)
الصفحة 303
464 - عنه، عن أحمد، عن الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن أبيه قال:
حدثني محمد بن المثنى قال: حدثني رجل من بني نوفل بن عبدالمطلب قال: حدثنا أبوجعفر محمد بن علي (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحب الصحابة إلى الله أربعة وما زاد قوم على سبعة إلا كثر لغطهم (1).
465 - عدة من أصحابنا، عن احمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عمن ذكره، عن أبي الحسن موسى (ع)، عن أبيه، عن جده (ع) في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي
(ع): لا تخرج في سفر وحدك فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد يا علي إن الرجل إذا سافر وحده فهو غاو (2) والاثنان غاويان والثلاثة نفر، قال:
وروي بعضهم سفر.
466 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد بن وعلي بن محمد القاساني عن سليمان بن داود، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبدالله (ع) قال: في وصية لقمان لابنه:
يا بني سافر بسيفك وخفك وعمامتك وخبائك وسقائك وأبرتك وخيوطك ومخرزك (3)
وتزود معك من الادوية ماتنتفع بها أنت ومن معك وكن لاصحابك موافقا إلا في معصية الله عزوجل.
467 - علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (ع) عن آبائه (عل) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من شرف الرجل أن يطيب زاده إذا خرج في سفره.
468 - علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله
(ع) قال: كان علي بن الحسين (ع) إذا سافر إلى الحج والعمرة تزود من أطيب الزاد، من اللوز والسكر والسويق المحمص والمحلي.
____________
(1) اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناه. (النهاية).
(2) اي ضال عن طريق الحق او يضل في سفره والاول اظهر وقوله: (والثلاثة نفر) اي جماعة يصح ان يجتزى بهم في السفر ثم اعلم ان ظاهر بعض الاخبار ان المراد رفيق الزاد وظاهر بعضها رفيق السير فلا تغفل. (آت)
(3) (وخبائك) هي ككتاب: الخيمة والمخرز: ما يخرز به الخف ونحوه. (آت) (*)
الصفحة 304
469 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبدالله (ع) أنه قال: دخلت عليه يوما فألفى إلى ثيابا وقال: يا وليد ردها على مطاويها فقمت بين يديه، فقال أبوعبدالله (ع): رحم الله المعلى بن خنيس، فظننت أنه شبه قيامي بن يديه بقيام المعلى بين يديه، ثم قال: اف للدنيا أف للدنيا إنما الدنيا دار بلاء يسلط الله فيها عدوه على وليه وإن بعدها دارا ليست هكذا، فقلت: جعلت فداك وأين تلك الدار؟ فقال: ههنا وأشار بيده إلى الارض (1).
470 - محمد بن أحمد، عن عبدالله بن الصلت، عن يونس عمن ذكره، عن أبي بصير قال: قال أبوعبدالله (ع) يا أبا محمد إن لله عزوجل ملائكة يسقطون الذنوب (2).
عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق من الشجر في أوان سقوطه وذلك قوله عزوجل:
" يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا (3) " والله ما أراد بهذا غيركم.
471 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن عمر بن اذينه، عن زرارة قال:
حدثني أبوالخطاب في أحسن ما يكون حالا قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة " فقال: وإذا ذكر الله وحده (بطاعة من أمر الله بطاعته من آل محمد) اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين لم يأمر الله بطاعتهم إذا هم يستبشرون (4) ".
472 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم صاحب الشعير، عن كثير بن كلثمة، عن أحدهما (ع) في قول الله عزوجل: " فتلقى آدم من ربه كلمات (5) " قال: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سواءا وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سواء وظلمت
____________
(1) اي القبر او الجنة الدنيا ونارها اللتان تكون فيهما ارواح المؤمنين والكفار في البرزخ او الارض في زمن القائم او ارض القيامة ولا يخفى بعد الاولين. (آت)
(2) اي بالاستغفار لهم كما يشهد به استشهاده بالاية. (آت)
(3) المؤمن: 7.
(4) الزمر: 45. لما كان ترك طاعة من أمر الله تعالى بطاعته بمنزلة الشرك بالله حيث لم يطع الله في ذلك واطاع شياطين الجن والانس فلذا عبر عن طاعة اولى الامر بذكر الله وحده، او لان توحيده تعالى لما لم يعلم الا بالاخذ عنهم سمى ولايتهم توحيدا. والاشمئزاز: الانقباض والانكار (آت)
(5) البقرة: 37. (*)
الصفحة 305
نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمد عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وفي رواية أخرى في قوله عزوجل: " فتلقى آدم من ربه كلمات " قال: سأله بحق محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة صلى الله عليهم.
473 - محمد بن يحيى، بن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي ايوب الخزاز، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع): قال لما رأى إبراهيم (ع) ملكوت السماوات والارض (1) التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات ثم رأى آخر فدعا عليه فمات حتى رأى
الصفحة 306
474 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدالله (ع)، عن الحر والبرد مما يكونان؟ فقال لي:
يا أبا أيوب (1) إن المريخ كوكب حار وزحل كوكب بارد فإذا بدأالمريخ في الارتفاع انحط زحل وذلك في الربيع فلا يزالان كذلك كلما ارتفع المريخ درجة انحط زحل درجة ثلاثة أشهر حتى ينتهي المريخ في الارتفاع وينتهي زحل في الهبوط فيجلو المريخ فلذلك يشتد الحر فإذا كان في آخر الصيف وأول الخريف بدأ زحل في الارتفاع وبدأ المريخ في الهبوط فلا يزالان كذلك كلما ارتفع زحل درجة انحط المريخ درجة حتى ينتهي المريخ في الهبوط وينتهي زحل في الارتفاع فيجلو زحل وذلك في أول الشتاء وآخر الخريف فلذلك يشتد البرد وكلما ارتفع هذا هبط هذا و كلما هبط هذا ارتفع هذا فإذاكان في الصيف يوم بارد فالفعل في ذلك للقمر وإذا كان في الشتاء يوم حار فالفعل في ذلك للشمس هذا تقدير العزيز العليم وأنا عبد رب العالمين (2).
475 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن عبدالله بن ميمون القداح، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي من أحبك ثم مات فقد قضى نحبه ومن أحبك ولم يمت فهو ينتظر وما طلعت شمس ولا غربت إلا طلعت عليه برزق وإيمان - وفي نسخة نور.
476 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على امتي زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا ولا يريدون به ما عند الله ربهم، يكون دينهم رياء ا، لا
____________
(1) لم يكن سليمان معروفا بهذه الكنية في كتب الرجال بل يكنى بابي الربيع.
(2) لعله كان في المجلس من يذهب مذهب الغلاة أو علم (عليه السلام) ان في قلب الراوي شيئا من ذلك فنفاه واذعن بعبودية نفسه وان الله رب العالمين. (آت). ولا ينافي هذا الحديث حدوث الحرارة في الصيف بارتفاع الشمس والبرودة في الشتاء بانخفاضها لجواز ان يكون لكلا الامرين مدخل في ذلك احدهما يكون خفيا والاخر جليا. (في)
(3) اشارة إلى قوله تعالى في سورة الاحزاب: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهد الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). وقال الطبرسي: (من قضى نحبه) اي مات او قتل في سبيل الله فادرك ما تمنى فذلك قضاء النحب وقيل: (قضى نحبه) اي فرغ من عمله ورجع إلى ربه. (*)
الصفحة 307
يخالطهم خوف يعمهم الله (1) منه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم.
حديث الفقهاء والعلماء
477 - عنه، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله (ع) قال:
قال أمير المؤمنين (ع): كانت الفقهاء والعلماء إذا كتب بعضهم إلى بعض كتبوا بثلاثة ليس معهم رابعة: من كانت همته آخرته كفاه الله همه من الدنيا ومن أصلح سريرته (2)
أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله عزوجل أصلح الله تبارك وتعالى فيما بينه وبين الناس.
478 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن سعدان بن مسلم، عن بعض اصحابنا، عن أبي عبدالله (ع) قال. كان رجل بالمدينة يدخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: اللهم آنس وحشتي وصل وحدتي وارزقني جليسا صالحا، فإذا هو برجل في أقصى المسجد فسلم عليه وقال له: من أنت يا عبدالله فقال:
أنا أبوذر، فقال الرجل: الله أكبر الله أكبر، فقال أبوذر: ولم تكبر يا عبدالله؟ فقال: إني دخلت المسجد فدعوت الله عزوجل أن يؤنس وحشتي وأن يصل وحدتى وأن يرزقني جليسا صالحا، فقال له أبوذر: أنا أحق بالتكبير منك إذا كنت ذلك الجليس فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وأنتم على ترعة يوم القيامة (3) حيت يفرغ الناس من الحساب قم يا عبدالله فقد نهى السلطان (4) عن مجالستي.
479 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله
____________
(1) كاستيلاء الظلمة واهل الجور وغير ذلك مما ابتلى به الناس.
(2) اي قلبه ونيته.
(3) الترعة: الباب، يقال: (فتح ترعة الدار) والروضة ومسيل الماء إلى الروضة ونهر عميق مصنوع بين نهرين اوبحرين او قطع اخرى من الماء، جمع ترع. وقال: ذلك مخاطبا لقوم كان ابوذر فيهم وانما ذكر ذلك لتأييد كلام الرجل.
(4) أراد بالسلطان عثمان بن عفان. (*)
الصفحة 308
(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (ع): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سيأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه ومن الاسلام إلا اسمه، يسمعون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود.
480 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الحسين بن يزيد قال: سمعت الرضا (ع) بخراسان وهو يقول: إنا أهل بيت ورثنا العفو من آل يعقوب وورثنا الشكر من آل داود - وزعم أنه كان كلمة اخرى و نسيها محمد، فقلت: له: لعله وورثنا الصبر من آل أيوب؟ فقال: ينبغي.
قال علي بن أسباط: وإنما قلت ذلك لاني سمعت يعقوب بن يقطين يحدث عن بعض رجاله قال: لما قدم أبوجعفر المنصور المدينة سنة قتل محمد وإبراهيم ابني عبدالله ابن الحسن التفت إليه عمه عيسى بن علي فقال له: يا أبا العباس إن أمير المؤمنين قد رأى أن يعضد شجر المدينة (1) وأن يعور عيونها وأن يجعل أعلاها أسفلها، فقال له: يا أمير المؤمنين هذا ابن عمك جعفر بن محمد بالحضرة فابعث إليه فسله عن هذا الرأي، قال:
فبعث إليه فأعلمه عيسى فأقبل عليه فقال له: يا أمير المؤمنين إن داود (ع) اعطى فشكر وإن أيوب (ع) ابتلى فصبر وإن يوسف (ع) عفا بعد ما قدر، فاعف فإنك من نسل اولئك.
481 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن زرعة بن محمد، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل:
" وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا " فقال: كانت اليهود تجد في كتبها
____________
(1) اراد بامير المؤمنين نفسه الخبيثة ويريد بقوله: (يعضد شجر المدينة) قطعها وبقوله: (يعور عيونها)
سدا عينها التي ينبع منها الماء. (آت)
(2) البقرة: 89. وقوله: (يستفتحون) في المجمع عن ابن عباس والعياشى كانت اليهود يستفتحون اي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه فلما بعثه الله تعالى من العرب ولم يكن من بني اسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء: يا معشر اليهود اتقوا الله واسلموا ققد كنتم تستفتحون علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله) ونحن اهل الشرك وتصفونه وتذكرونه انه مبعوث فقال سلام بن مثكم اخو بني النضير:
ما جاءنا بشئ تعرفه وما هو بالذي كنا نذكره لكم فانزل الله تبارك وتعالى هذه الاية. (*)
الصفحة 309
أن مهاجر محمد (صلى الله عليه وآله) ما بين عير واحد (1) فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يسمى حداد فقالوا: حداد (2) وأحد سواء فتفرقوا عنده فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا (3) منه وقال لهم: أمر بكم ما بين عير واحد، فقال له: إذا مررت بهما فآذنا بهما، فلما توسط بهم أرض المدينة قال لهم: ذاك عير وهذا احد فنزلوا عن ظهر إبله، وقالوا: قد أصبنا بغيتنا (4) فلا حاجة لنا في إبلك فاذهب حيث شئت وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك وخيبر: أنا قد أصبنا الموضع فهلموا إلينا، كتبوا إليهم: أنا قد استقرت بنا الدار واتخذنا الاموال وما أقربنا منكم فإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم فاتخذوا بأرض المدينة الاموال فلما كثر أموالهم بلغ تبع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم وكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع (5) فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير فبلغ ذلك تبع فرق لهم وآمنهم فنزلوا إليه فقال لهم: إني قد استطبت بلادكم ولا أراني إلا مقيما فيكم فقالوا له: إنه ليس ذاك لك، إنها مهاجر نبي وليس ذلك لاحد (6) حتى يكون ذلك، فقال لهم: إني مخلف فيكم من اسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره فخلف حيين الاوس والخزرج فلما كثروا بهاكانوا يتناولون أموال اليهود وكانت اليهود تقول لهم: أما لو قد بعث محمد ليخرجنكم من ديارنا وأموالنا فلما بعث الله عز وجل محمدا (صلى الله عليه وآله) آمنت به الانصار وكفرت به اليهود وهو قول الله عزوجل: " وكانوا
____________
(1) عير: جبل بالمدينة. (الصحاح)
(2) حدد محركة: جبل بتيماء وتيماء اسم موضع قريب من المدينة (القاموس) وقال المجلسي رحمه الله: لعله زيد الف حداد من النساخ أو كان جبل يسمى بكل منها.
(3) من الكراء اي استاجروا منه.
(4) اي حاجتنا. ومطلوبنا.
(5) (تبع) كسكر: واحد التبايعة من ملوك حمير سمى تبعا لكثرة اتباعه وقيل: سموا تبايعة لان الاخير يتبع الاول في الملك وهم سبعون تبعا ملكوا جميع الارض ومن فيها من العرب والعجم. (مجمع البحرين).
(6) اي السلطنة في المدينة لان نزوله فيها كان على جهة السلطنة. (آت)
(7) الاسرة بالضم من الرجل: الرهط الادنون (القاموس) (*)
الصفحة 310
من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاء هم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله عن الكافرين "
482 - علي بن إبراهيم، عن أييه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله تبارك وتعالى: " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاء هم ما عرفوا كفروا به " قال: كان قوم فيما بين محمد وعيسى صلى الله عليهما وكانوا يتوعدون أهل الاصنام بالنبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون: ليخرجن نبي فليكسرن أصنامكم وليفعلن بكم [وليفعلن] فلماخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفروا به.
483 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة (1) والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني، فقلت:
جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا، فلما كان من الغد تلوت هذه الآية " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (2) " فقلت له: أهي الصيحة؟ فقال: أما لو كانت خضعت أعناق أعداء الله عزوجل (3).
484 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد بن علي الحلبي قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: اختلاف بني العباس من المحتوم والنداء من المحتوم وخروج القائم من المحتوم، قلت: وكيف النداء؟ قال: ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن عليا وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد [في] آخر النهار: ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون (4).
____________
(1) اي النداء الذي يأتي ذكره في الخبر الاتي. والخسف هي خسف جيش السفياني بالبيداء. (آت)
(2) الشعراء: 4 اي منزل من السماء علامة تلجئهم وتضطرهم إلى الايمان. (فظلت اعناقهم)
اي جماعاتهم ورؤساؤهم كما تقول: اتاني عنق من الناس، اي جماعة ويقال: ظلت اعناقهم اضاف الاعناق اليهم، يريد الرقاب ثم جعل الخبر عنهم لان خضوعهم بخضوع الاعناق. وقيل: اصله فظلوا خاضعين فاقحمت الاعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على اصله.
(3) الظاهر انه (عليه السلام) قرره على انت المراد بها الصيحة وبين أن الصيحة تصير سببا لخضوع اعناق أعداء الله. (آت)
(4) قد مر مثله مع بيانه. (*)
الصفحة 311
485 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة (1) على أبي جعفر (ع) فقال: يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: هكذا يزعمون فقال أبوجعفر (ع): بلغني أنك تفسر القرآن؟
فقال له قتادة: نعم، فقال له أبوجعفر (ع) بعلم تفسره أم بجهل؟ قال: لا بعلم، فقال له أبوجعفر (ع): فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت (2) وأنا أسألك؟ قال قتادة: سل قال:
أخبرني عن قول الله عزوجل في سبأ: " وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (3) " فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتى يرجع إلى أهله، فقال أبوجعفر (ع): نشدتك الله يا قتادة هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق فتذهب نفقته ويضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟ (4) قال قتادة: اللهم نعم، فقال أبوجعفر (ع): ويحك يا قتادة إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت وإن كنت قد اخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقنا يهوانا قلبه كما قال الله عزوجل: " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم (5) " ولم يعن البيت
____________
(1) هو من مشاهير محدثي العامة ومفسريهم روى عن انس بن مالك وابي الطفيل وسعيد بن المسيب والحسن البصري. (آت)
(2) اي فأنت العالم المتوحد الذي لا يحتاج إلى المدح والوصف وينبغي ان يرجع اليك في العلوم. (آت)
(3) 18. واعلم ان المشهور بين المفسرين ان هذه الاية لبيان حال تلك القرى في زمان قوم سبأ اي قدرنا سيرهم في القرى على قدر مقيلهم ومبيتهم لا يحتاجون إلى ماء ولا زاد لقرب المنازل والامر في قوله: (سيروا) متوجه اليهم على ارادة القول بلسان الحال او المقال ويظهر من كثير من اخبارنا ان الامر متوجه إلى هذه الامة او خطاب عام يشملهم ايضا. (آت)
(4) الاجتياح: الاهلاك.
(5) ابراهيم: 37 (تهوى اليهم) بكسر الواو اي تقصدهم وتهوى اليهم بفتح الواو على قراءة امير المؤمنين وابي جعفر الباقر وجعفر بن محمد (عليهم السلام) بمعنى يحبهم ويهواهم ويميل اليهم.
من هويت الشئ إذا احببته وجاء تعديته بالى لان معنى هويت: ملت اليه. (*)
الصفحة 312
فيقول: إليه، فنحن والله دعوة إبراهيم (ع) التي من هوانا قلبه قبلت حجته وإلا فلا، يا قتادة فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنم يوم القيامة، قال قتادة: لا جرم والله لا فسرتها إلا هكذا، فقال أبوجعفر (ع): ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به.
486 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مفضل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أخبرني الروح الامين أن الله لا إله غيره إذا وقف الخلائق وجمع الاولين والآخرين اتي بجنهم تقاد بألف زمام، أخذ بكل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد ولها هدة وتحطم (1) وزفير وشهيق، وإنها لتزفر الزفرة فلو لاأن الله عزوجل أخرها إلى الحساب لاهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق يحيط بالخلائق البر منهم والفاجر، فما خلق الله عبدا من عباده ملك ولا نبي إلا وينادي يا رب نفسي نفسي وأنت تقول: يا رب امتي أمتي، ثم يوضع عليها صراط أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه ثلاث قناطر: الاولى عليها الامانة والرحمة (2) والثانية عليها الصلاة والثالثة عليها رب العالمين (3) لا إله غيره، فيكفلون الممر عليها فتحبسهم الرحمة والامانة فإن نجوا منها حبستهم الصلاة فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين جل ذكره وهو قول الله تبارك وتعالى: " وإن ربك لبالمرصاد (4) " والناس على الصراط فمتعلق تزل قدمه وتثبت قدمه والملائكة حولها ينادون يا كريم يا حليم اعف واصفح وعد بفضلك وسلم، والناس يتهافتون (5) فيها كالفراش
____________
(1) الهدة: صوت وقع الحائط ونحوه والتحطم: التلظي، ويقال: تحطم الرجل غيظا اي تلظى.
(2) رواه علي بن ابراهيم في التفسير والصدوق في الامالى وفيهما (الامانة والرحم) والرحمة هنا بمعني الرحم وترك ظلم العباد وعلى روايتي الصدوق وعلي بن ابراهيم يمكن ان يقرء (الرخم)
بكسرالحاء بمعنى صلة الرحم.
(3) كذا في التفسير ولكن في الامالى (عليها عدل رب العاملين). (4) الفجر: 14. والمرصاد: الطريق والمكان يرصد فيه العدو.
(5) التهافت: التساقط قطعة قطعة. (*)
الصفحة 313
فإذا نجا ناج برحمة الله تبارك وتعالى نظر إليها فقال: الحمد لله الذي نجاني منك بعد يأس بفضله ومنه إن ربنا لغفور شكور.
487 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد، عن أبي جعفر (ع) في قول الله عزوجل: " فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا (1) " قال: الخيرات الولاية وقوله تبارك وتعالى:
" أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا " يعني أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، قال: وهم والله الامة المعدودة قال: يجتمعون والله في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف (2).
488 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منذر بن جعفر، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: سيروا البردين (3)؟ قلت: إنا نتخوف من الهوام، فقال: إن أصابكم شئ فهو خير لكم مع أنكم مضمونون (4).
____________
(1) البقرة: 148.
(2) (الامة المعدودة) اي الذين ذكرهم الله في قوله: (ولئن اخرنا عنهم العذاب إلى امة معدودة ليقولن ما نحبسه) وقال الطبرسي رحمه الله معناه ولئن اخرناه عن هؤلاء الكفار عذاب استيصال إلى أجل مسمى ووقت معلوم. والامة: الحين وقيل: إلى امة اي إلى جماعة يتعاقبون فيصيرون على الكفر ولا يكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح وقيل: معناه إلى امة بعد هؤلاء نكلفهم فيعصون فيقتضى الحكمة اهلاكهم واقامة القيامة وقيل: ان الامة المعدودة هم اصحاب المهدي في آخر الزمان ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا كعدة اهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخزيف وهو المروى عن ابي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام). انتهى، وقزع الخريف اي قطع السحاب المتفرقة وانما خص الخريف لانه اول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك. (آت)
(3) اي الغداة والعشي. وقوله: (انا نتخوف الهوام) هي جمع هامة وهي الدابة او كل ذات سم يقتل والاول اظهر ويمكن ان يقرء بتشدديد الواو وتخفيف الميم قال الفيروزآبادي:
الهوام كشداد: الاسد
(4) اي انتم معشر الشيعة ضمن الله لكم حفظكم، اي غالبا او مع التوكل والتفويض التام.
(آت) ويحتمل ان يكون المراد ما في قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر). (*)
الصفحة 314
489 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله
(ع) قال: قال رسول الله (ع): عليكم بالسفر بالليل فإن الارض تطوى بالليل (1).
490 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن بشير النبال، عن حمران بن أعين قال: قلت لابي جعفر (ع):
يقول الناس: تطوى لنا الارض بالليل كيف تطوى؟ قال: هكذا - ثم عطف ثوبه - (2).
491 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبدالله (ع) قال: الارض تطوى في آخر الليل (3).
492 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز قال: أردنا أن نخرج فجئنا نسلم على أبي عبدالله (ع) فقال:
كأنكم طلبتم بركة الاثنين؟ فقلنا: نعم فقال: وأي يوم أعظم شوما من يوم الاثنين يوم فقدنا فيه نبينا وارتفع الوحي عنا لا تخرجوا واخرجوا يوم الثلاثاء.
493 - عنه، عن بكر بن صالح (4)، عن سليمان الجعفري، عن أبي الحسن موسى (ع) قال: الشوم (5) للمسافر في طريقه خمسة أشياء (6): الغراب الناعق، عن يمينه، والناشر لذنبه (7)، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقع على
____________
(1) هذا كناية عن سهولة السير.
(2) قال الجزري: في حديث السفر: اطو لنا الارض اي قربها وسهل السير فيها حتى لا تطول علينا فكانها قد طويت ومنه الحديث ان الارض لتطوى بالليل مالا تطوى بالنهار اي يقطع مسافتها لان الانسان فية انشط من النهار واقدر على المشي والسير لعدم الحر وغيره.
(3) يدل على ان السير في آخر الليل اسهل من سائره. (آت)
(4) هو بكر بن صالح الرازي الضبي مولى بي ضبة روى عن ابي الحسن الكاظم (عليه السلام) ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب. (صه عن جش)
(5) اي ما يتشأم به الناس وربما تؤثر بتأثر النفس بها ويرتفع تاثيرها بالتوكل وبالدعاء المذكور في هذا الخبر وغيره. (آت)
(6) الظاهر سبعة كما في بعض نسخ الفقيه وفي بعضها ستة. ولكن في المحاسن كما في الكتاب
(7) في الفقيه (الكلب الناشر لذنبه) وفي الخصال (الناشر) وكذا في المحاسن بدون الواو والمعنى الغراب الناشر لذنبه. (*)
الصفحة 315
ذنبه يعوي (1) ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا، والظبي السانح من يمين إلى شمال، والبومة الصارخة، والمرأة الشمطاء تلقاء فرجها (2)، والاتان العضباء يعني الجدعاء فمن أوجس في نفسه منهن شيئا فليقل: " اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي " قال: فيعصم من ذلك.
494 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبدالله (2)، عن محمد بن سنان، عن عبدالله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام قال: قال أبو عبدالله (ع): إن الله تبارك وتعالى زين شيعتنا بالحلم وغشاهم بالعلم لعلمه بهم قبل أن يخلق آدم (ع).
495 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عمر بن أبان، عن الصباح ابن سيابه، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الرجل ليحبكم وما يدري ما تقولون فيدخله الله عزوجل الجنة وإن الرجل ليبغضكم وما يدري ماتقولون فيدخله الله عزوجل النار وإن الرجل منكم لتملا صحيفته من غير عمل، قلت: وكيف يكون ذلك؟ قال:
يمر بالقوم ينالون منا فإذا رأوه قال: بعضهم لبعض كفوا فإن هذا الرجل من شيعتهم ويمر بهم الرجل من شيعتنا فيهمزونه (5) ويقولون فيه فيكتب الله له بذلك حسنات حتى يملاء صحيفته من غير عمل.
496 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة قال: قابل لي أبوعبدالله (ع): كم بينك وبين البصرة؟ قلت: في الماء خمس إذا طابت الريح وعلى الظهر ثمان ونحو ذلك، فقال: ما أقرب هذا تزاوروا
____________
(1) اقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه وناصبا يديه.
(2) السانح مامر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك. والشمطاء: قال الجوهرى: الشمط: بياض شعر الراس يخالط سواده والرجل اشمط والمراة شمطاء. وقوله: (تلقاء فرجها) كذا في الاربعة ولعله تصحيف (تلقاء وجهها) اي شعر ناصيتها بياض مخلوط بالسواد وقيل: الظاهر انه كناية عن استقبالها اياك ومجيئها من قبل وجهك فان فرجها من قدامها وقيل فيه وجوه اخر لا يخلو الجميع عن الركاكة. وقوله: (والاتان العضباء) اي المقطوعة الاذن وقال المجلسي رحمه الله: فسره بالجدعاء لئلا يتوهم ان المراد الشمقوقة الاذن.
(3) كذا. ولعله هو عبدالله بن الصلت.
(4) اي يسبوننا ويعادوننا.
(5) اي يعيبونه. (*)
الصفحة 316
ويتعاهد بعضكم بعضا فإنه لا بد يوم القيامة من أن يأتي كل إنسان بشاهد يشهد له على دينه. وقال إن المسلم إذا رأى أخاه كان حياة لدينه إذا ذكر الله عزوجل.
497 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن أبي عبدالله
(ع) قال: والله لا يحبنا من العرب والعجم إلا أهل البيوتات والشرف والمعدن (1) ولا يبغضنا من هؤلاء وهؤلاء إلا كل دنس ملصق (2).
498 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمدبن خالد، والحسن بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر
(ع) في قول الله عزوجل: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه " قال: لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط المملكة، قال: " إن الله اصطفاه عليكم " وقال: " إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون " فجاءت به الملائكة تحمله وقال الله جل ذكره: " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني " فشربوا منه إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، منهم من اغترف ومنهم من لم يشرب فلما برزوا قال الذين اغترفوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " وقال الذين لم يغترفوا: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ".
____________
(1) (اهل البيوتات) اي ذوي الانساب والاحساب الشريفة والبيت يكون بمعنى الرف و
(المعدن) قال الجزري: المعدن مركز كل شئ مومنه الحديث: (فعن معادن العرب تسالوني قالوا: نعم) اي اصولها التي ينسبون اليها وبتفاخرون بها. (آت)
(2) (من هؤلاء وهؤلاء) اي العرب والعجم. والدنس محركة: الوسخ وينسب إلى الثوب والعرض والنسب والخلق اي ذى النسب او الاخلاق. و (الملصق) بتشديد اذلصاد ويخفف الدعى المتهم في نسبه والرجل المقيم في الحيي وليس منهم بنسب ووردت الاخبار المتواترد على ان حب اهل البيت علامة طيب الولادة وبغضهم علامة خبثها. (آت)
(3) الايات في سورة البقرة: 246 إلى 249. (*)
الصفحة 317
499 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن يحيى الحلبي، عن عبدالله بن سليمان، عن أبي جعفر (ع) أنه قرأ " أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة "؟ قال: كانت تحمله في صورة البقرة.
500 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر (ع) في قول الله تبارك وتعالى: " يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة " قال: رضراض الالواح فيها العلم والحكمة (1).
501 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن ظريف، عن عبدالصمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: قال [لي] أبوجعفر (ع):
يا أبا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين (ع)؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال: فأي شئ إحتججتم عليهم؟.
قلت: احتججنا عليهم بقول الله عزوجل في عيسى ابن مريم (ع): " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى (2) " فجعل عيسى ابن مريم من ذرية نوح (ع).
قال: فأي شئ قالوا لكم؟.
قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب.
قال: فأي شئ احتججتم عليهم؟.
قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله): " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفكسم (3) ".
____________
(1) الرضراض: مادق من الحصى وفي بعض النسخ (رضاض) وهو بالضم: فتاته، و المراد اجزاؤها المنكسرة بعد ان القاها موسى (عليه السلام) وضمير فيها راجع إلى الالواح (آت).
(2) انعام: 84 و 85.
(3) آل عمران: 61. (*)
الصفحة 318
قال: فأي شئ قالوا؟.
قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب أبناءرجل وآخر يقول: ابناؤنا.
قال: فقال أبوجعفر (ع): يا أبا الجارود لاعطينكها من كتاب الله جل وتعالى أنهما من صلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يردها إلا الكافر.
قلت: وأين ذلك جعلت فداك؟.
قال: من حيث قال الله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم "
الآية إلى أن انتهى إلى قوله تبارك تعالى: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم (1) "
فسلهم يا ابا الجارود هل كان يحل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم كذبوا وفجروا وإن قالوا: لا فهما ابناه لصلبه.
502 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين أبي العلاء الخفاف، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما انهزم الناس يوم احد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انصرف إليهم بوجهه وهو يقول: أنا محمد أنارسول الله لم أقتل ولم أمت، فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا أيضا وقد هزمنا وبقي معه علي (ع) وسماك بن خرشة أبودجانة رحمه الله (2) فدعاه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ياابا دجانة انصرف وأنت في حل من
____________
(1) النساء: 23.
(2) ظاهر اكثر الاخبار يدل على انه لم يثبت مع النبي (صلى الله عليه وآله) يومئذ إلا علي (عليه السلام) وابودجانة ولا خلاف بين العامة في ان عثمان كان من الفارين واختلفوا في عمر وروى كثير منهم انه فر وذهب اكثرهم إلى ان ابا بكر لم يفر قال ابن ابي الحديد: قال الواقدي: حدثني موسى بن يعقوب عن عمته عن امها عن المقداد قال: لما تصاف القوم للقتال يوم أحد جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت راية مصعب بن عمير فلما قتل اصحاب اللواء وهزم المشركون الهزيمة الاولى وأغار المسلمون على معسكرهم ينهبونه ثم كر المشركون على المسلمين فاتوهم من خلفهم فتفرق الناس ونادى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في اصحاب الالوية فقتل مصعب بن عمير حامل لوائه (صلى الله عليه وآله) واخذ راية الخزرج سعد بن عبادة فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحتها و اصحابه محدقون به ودفع لواء المهاجرين إلى ابي الردم أحد بني عبد الدار آخر نهار ذلك اليوم و (*)
الصفحة 319
بيعتك، فأما علي فأناهو وهو أنا فتحول وجلس بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) وبكى وقال:
لا والله ورفع رأسه إلى السماء وقال: لا والله لا جعلت نفسي في حل من بيعتي إني بايعتك فإلى من أنصرف يا رسول الله إلى زوجة تموت أو ولد يموت أو دار تخرب ومال يفنى
____________
نظرت إلى لواء الاوس مع أسيد بن حضير فناوشوا المشركين ساعة واقتتلوا على اختلاط من الصفوف ونادى المشركون بشعارهم يا للعزى يا لهبل فاوجعوا والله فينا قتلا ذريعا ونالوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نالوا لا والذي بعثه بالحق مازال شبرا واحدا انه لفي وجه العدو وتثوب اليه طائفة من اصحابه مرة وتتفرق عنه مرة، (فربما رايته قائما يرمى عن قوسه او يرمى بالحجر حتى تحاجزوا)، وكانت العصابة التي ثبتت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربعة عشر رجلا:
سبعة من المهاجرين وسبعة من الانصار، فاما المهاجرون فعلي (عليه السلام) وابوبكر و عبدالرحمن بن عوف وسعد بن ابي وقاص وطلحة بن عبيد الله وابوعبيدة بن الجراح والزبير بن العوام، واما الانصار فالحباب ابن المنذر وابودجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ واسيد بن حضير، قال الواقدي: وقد روى ان سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة ثبتا يومئذ ولم يفرا ومن روى ذلك جعلهما مكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. قال الواقدي: وبايعه يومئذ على الموت ثمانية ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الانصار اما المهاجرون فعلي (عليه السلام) وطلحة والزبير واما الانصار فابو دجانة والحارث بن الصمة والحباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل ابن حنيف، قال: ولم يقتل منهم ذلك اليوم احد واما باقي المسلمين ففروا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوهم في اخراهم حتى انتهى من انتهى منهم إلى قريب من المهراس، قال الواقدي: وحدثني عتبة بن جبيرة عن يعقوب بن عمير بن قتادة قال: ثبت يومئذ بين يديه ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، نفسي دون نفسك وعليك السلام غير مودع، قلت: قد اختلف في عمر ابن الخطاب هل ثبت يومئذ ام لا مع اتفاق الرواة كافة على ان عثمان لم يثبت فالواقدي ذكر انه لم يثبت واما محمد بن اسحاق والبلاذرى فجعلاه مع من ثبت ولم يفر ولم يختلف الرواة من اهل الحديث: ان ابا بكر لم يفر يومئذ وانه ثبت فيمن ثبت وان لم يكن نقل عنه قتل او قتال والثبوت جهاد وفيه وحده كفاية واما رواة الشيعة فانهم يروون انه لم يثبت الا علي وطلحة والزبير وابو دجانة وسهل بن حنيف وعاصم بن ثابت منهم من يروى انه ثبت معه اربعة عشر رجلا من المهاجرين والانصار ولا يعدون ابا بكر وعمر منهم، روى كثير من اصحاب الحديث ان عثمان جاء بعد ثالثة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله إلى اين انتهيت؟ فقال: إلى الاعوص فقال: لقد ذهب
الصفحة 320
وأجل قد اقترب، فرق له النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة (1) وهو في وجه وعلي (ع) في وجه فلما أسقط احتمله علي (ع) فجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه عنده، فقال: يا رسول الله اوفيت ببيعتي؟ قال: نعم، وقال له النبي (صلى الله عليه وآله) خيرا، وكان الناس يحملون على النبي (صلى الله عليه وآله) الميمنة فيكشفهم علي (ع) فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فلم يزل كذلك حتى تقطع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فطرحه بين يديه وقال: هذا سيفي قد تقطع فيومئذ أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله) ذا الفقار ولما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) اختلاج (2) ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه إلى السماء وهو يبكي وقال:
____________
فيها عريضة. (إلى هنا كلام ابن ابي الحديد والعجب منه انه نقل هنا اتفاق الرواة على انه ثبت ابوبكر وقال عند ذكر اجوبة شيخه ابي جعفر الاسكافي عما ذكره الجاحظ في فضل اسلام ابي بكر على اسلام علي (عليه السلام): قال الجاحظ: وقد ثبت ابوبكر مع النبي يوم احد كما ثبت علي فلا فخر لاحدهما على صاحبه في ذلك اليوم، قال شيخنا ابوجعفر: اما ثباته يوم احد فاكثر المؤرخين وارباب السيرة ينكرونه وجمهورهم يروى انه لم يبق مع النبي الا علي وطلحة والزبير وابودجانة وقد روى عن ابن عباس انه قال ولهم خامس وهو عبدالله بن مسعود ومنهم من اثبت سادسا وهو المقداد بن عمر وروى يحيى بن سلمة بن كهيل قال: قلت لابي: كم ثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم احد كل منهم يدعيه؟ فقال: اثنان، قلت: من هما؟ قال: علي وابودجانة. انتهى فقد ظهر انه ليس ثبات ابي بكر ايضا مما اجمعت عليه رواتهم مع اتفاق روايات الشيعة على عدمه وهي محفوفة بالقرائن الظاهرة اذ من المعلوم انه مع ثباته لا بد ان ينقل منه اما ضرب او طعن والعجب منه انه حيث لم يكن من الطاعنين كيف لم يصر من المطعونين ولما لم يكن من الجارحين لم لم يكن من المجروحين وان لم يتحرك لقتال فلم لم يذكر في المقتولين، بل يمكن ان يقال: لو كان حضر ميت تلك الواقعة مكان يذكر منه بعض ما ينسب إلى الاحياء. واما الاخبار الدالة من طرق الشيعة على كون الثلاثة من المنهزمين فقد اوردناها في كتاب بحار الانوار وذكرها ههنا يوجب الاكثار. (آت) اقول: هذا الاعتراض منه رحمه الله على ابن ابي الحديد مبني على ادعائه اتفاق الرواة على عدم انهزام ابي بكر بقوله: (ولم يختلف الرواة من اهل الحديث الخ) ولكن العبارة في النسخ التي رايناها هكذا (قال الرواة من اهل الحديث) ولا يخفى انها في قوة ذلك.
(1) (اثخنته الجراحة): اوهنته واثرت فيه. وقوله: (فلما اسقط) هذا لا يدل على انه قتل في تلك الواقعة فلا ينافي ما هو المشهور بين ارباب السير والاخبار انه بقي بعد النبي (صلى الله عليه وآله). (آت)
(2) خلج كعلم: اشتكى عظامه من مشى او تعب. (*)
الصفحة 321
يا رب وعدتنى أن تظهر دينك وإن شئت لم يعيك (1) فأقبل علي (ع) إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أسمع دويا شديدا وأسمع أقدم حيزوم (2) وما أهم أضرب أحدا إلا سقط ميتا قبل أن أضربه؟ فقال هذا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في الملائكة ثم جاء جبرئيل (ع) فوقف إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد إن هذه لهي المواساة فقال: إن عليا مني وأنا منه فقال جبرئيل: وانا منكما، ثم انهزم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (ع): يا علي أمض بسيفك حتى تعارضهم فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص (3) وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل وهم يجنبون القلاص فإنهم يريدون المدينة فأتاهم علي (ع) فكانوا على القلاص، فقال أبوسفيان لعلي (ع): يا علي ما تريد هوذا نحن ذاهبون إلى مكة فانصرف إلى صاحبك فأتبعهم جبرئيل (ع) فكلما سمعواوقع حافر فرسه جدوا في السير وكان يتلوهم فإذا ارتحلوا قالوا: هوذا عسكر محمد قد أقبل فدخل أبوسفيان مكة فأخبرهم الخبر وجاء الرعاة و الحطابون فدخلوا مكة فقالوا: رأينا عسكر محمد (4) كلما رحل أبوسفيان نزلوا يقدمهم فارس على فرس أشقر (5) يطلب آثارهم، فأقبل أهل مكة على أبي سفيان يوبخونه ورحل النبي (صلى الله عليه وآله) والراية مع علي (ع) وهو بين يديه فلما أن أشرف بالراية من العقبة ورآه الناس نادى علي (ع) أيها الناس هذا محمد لم يمت ولم يقتل، فقال صاحب الكلام الذي قال: " الآن يسخر بنا وقد هزمنا ": هذا علي والراية بيده حتى هجم عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) ونساء الانصار في أفنيتهم على أبواب دورهم وخرج الرجال إليه يلوذون به و
____________
(1) العي: العجز وعى بشأنها اي يعجز عنها واشكل عليه امرها.
(2) اراد اقدم يا حيزوم فحذف حرف النداء وحيزوم اسم فرس جبرئيل (عليه السلام).
(3) القلايص جمع قوص وهي الناقة الشابة ويجمع على قلاص وقلص ايضا. (النهاية)
(4) انما قالوا ذلك لما رأووا من عسكر الملائكة المتمثلين بصور المسلمين وكان تعيين اهل مكة لابي سفيان لهربه عن ذلك العسكر. (آت)
(5) قال الجوهري: الشقرة في الخيل: حمرة صافية يحمر معها العرف والذنب قال: فان كان اسود فهو الكميت. (*)
الصفحة 322
يثوبون إليه (1) والنساء نساء الانصار قد خدشن الوجوه ونشرن الشعور وجززن النواصي وخرقن الجيوب وحر من البطون على النبي (صلى الله عليه وآله) فلما رأينه قال لهن خيرا وأمرهن أنت يستترن ويدخلن منازلهن وقال: إن الله عزوجل وعدني أن يظهر دينه على الاديان كلها وأنزل الله على محمد (صلى الله عليه وآله): " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا - الآية (2) ".
503 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، وغيره، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة الحديبية خرج في ذي القعدة فلما انتهى إلى المكان الذي أحرم فيه أحرموا ولبسوا السلاح فلما بلغه أن المشركين قد أرسلوا إليه خالد بن الوليد ليرده قال: ابغوني (3) رجلا يأخذني على غير هذا الطريق فأتي برجل من مزينة أو من جهينة فسأله فلم يوافقه فقال: ابغوني رجلا غيره فأتى برجل آخر إما من مزينة وإما من جهينة، قال: فذكر له فأخذه معه حتى انتهى إلى العقبة، فقال: من يصعدها حط الله عنه كماحط الله عن بني إسرائيل، فقال لهم:
" ادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم " قال: فابتدرها خيل الانصار: الاوس والخزرج، قال: وكانوا ألفا: وثمانمائة، فلما هبطوا إلى الحديبية (5) إذا امرأة معها ابنها على القليب فسعى ابنها هاربا فلما أثبتت أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صرخت به هؤلاء الصابئون (6) ليس عليك منهم بأس فأتاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمرها فاستقت دلوا من ماء
____________
(1) في اكثر النسخ (يثوبون) اي يرجعون وفي بعضها (يتوبون) اي يعتذرون من الهزيمة وترك القتال. (آت)
(2) آل عمران: 144.
(3) قال الجزري: يقال: ابغني كذا بهمزة الوصل اي اطلب لي. وابغني بهمزة القطع:
اي اعني عن الطلب.
(4) الترديد من الراوي ومزينة بضم الميم: قبيلة من مضر. وجهينة ايضا بالضم:
اسم قبيلة. (آت)
(5) بضم الحاء وفتح الدال والياء الساكنة والباء والياء مخففا قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة.
(6) قال الجزري: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره. (*)
الصفحة 323
فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشرب وغسل وجهه فأخذت فضلته فأعادته في البئر فلم تبرح حتى الساعة (1).
وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسل إليه المشركون أبان بن سعيد في الخيل (2)
فكان بإزائه، ثم أرسلوا الحليس (3) فرأى البدن وهي تأكل بعضها أوبار بعض (4)
فرجع ولم يأت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لابي سفيان: يا أبا سفيان أما والله ما على هذا حالفناكم على أن تردوا الهدي عن محله (5).
فقال: اسكت فإنما أنت أعرابي، فقال: أما والله لتخلين عن محمد وما أراد أو لانفردن في الاحابيش (6).
فقال: اسكت حتى نأخذ من محمد ولثا (7).
فأرسلوا إليه عروة بن مسعود وقد كان جاء (8) إلى قريش في القوم الذين أصابهم
____________
(1) اي لم يزل الماء من تلك البئر. وقد نقل هذا الاعجاز في روايات كثيرة على وجه آخر. (آت)
(2) ذكر اكثر المؤرخون مكانه بديل بن ورقاء الخزاغي ولا عبرة بقولتهم في مقابلة الخبر المعتبر. (آت)
(3) هر حليس بن علقمة او ابن زبان وكان يومئذ سيد الاحابيش وهو احد بني الحارث بن عبد المناة بن كنانة.
(4) كناية عن كثرتها وازدحامها واجتماعها وانما قدم (صلى الله عليه وآله) البدن ليعلموا انه لا يريد القتال بل يريد النسك. (آت)
(5) (حالفناكم) اي عاهدناكم وحلفنا على الوفاء به. وقوله: (على ان تردوا الهدى)
بدل او عطف بيان لقوله: (على هذا حالفناكم). (آت)
(6) في القاموس حبشي بالضم: جبل باسفل مكة ومنه احابيش قريش لانهم تحالفوا بالله انهم ليد على غيرهم ما سجى ليل ووضح نهار ومارسى حبشى انتهى. اي اعتزل معهم عنكم وامنعهم عن معاونتكم. (آت)
(7) الولث: العهد بين القوم يقع من غير قصد ان يكون غير مؤكد (الصحاح). وفي بعض النسخ (وليا).
(8) هذه الفصة على ما ذكره الواقدي انه ذهب مع ثلاثة عشر رجلا من بني مالك إلى مقوقس سلطان الاسكندرية وفضل مقوقس بني مالك على المغيرة في العطاء فلما رجعوا وكانوا في الطريق شرب بنو مالك ذات ليلة خمرا وسكروا فقتلهم المغيرة حسدا واخذ اموالهم واتى النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم فقبل (صلى الله عليه وآله) اسلامه ولم يقبل من ماله شيئا ولم يأخذ منه الخمس لغدره فلما بلغ (*)
الصفحة 324
المغيرة بن شعبة كان خرج معهم من الطائف وكانوا تجارا فقتلهم وجاء بأموالهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقبلها وقال: هذا غدر ولا حاجة لنا فيه.
فأرسلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله هذا عروة بن مسعود قد أتاكم وهو يعظم البدن، قال: فأقيموها، فأقاموها.
فقال: يا محمد مجيئ من جئت؟
قال: جئت أطوف بالبيت وأسعى بين الصفا والمروة وأنحر هذه الابل واخلي عنكم عن لحمانها (1).
قال: لا واللات والعزى فما رأيت مثلك رد عما جئت له (2) إن قومك يذكرونك الله والرحم أن تدخل عليهم بلادهم يغير إذنهم وأن تقطع أرحامهم وأن تجري عليهم عدوهم.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا بفاعل حتى أدخلها.
قال وكان عروة بن مسعود حين كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تناول لحيته (3) والمغيرة قائم على رأسه فضرب بيده.
____________
ذلك ابا سفيان اخبر عروة بذلك فاتى عروة رئيس بني مالك وهو مسعود بن عمرة وكلمه في ان يرضى بالدية فلم يرض بنو مالك بذلك وطلبوا القصاص من عشائر المغيرة واشتعلت بينهم نائرة الحرب فاطفأها عروة بلطائف حيله وضمن دية الجماعة من ماله والاشارة إلى هذه القصة ههنا لتمهيد ما سيذكر بعد ذلك من قوله: (والله ما جئت الا في غسل سلحتك) فقوله: (جاء إلى قريش)
اي عروة وقوله: (وفي القوم) اي لان يتكلم ويشفع في امر المقتولين. وقوله: (كان خرج)
اي المغيرة. (آت) (1) بكسر اللام جمع اللحم. وفي بعض النسخ (لحمامها).
(2) قال هذا على سبيل التعجب اي كيف يكون مثلك في الشرافة وعظم الشأن مرددا عن مثل هذا المقصد الذي لا يصلح ان يرد عنه احد والحاصل انك في جلالتك ينبغي ان لا ترد عن اي مقصد قصدته ومقصدك في الخيرية بحيث لا ينبغي ان يمنع عنه احد ومع اجتماعهما يريد قومك ان يصدوك عن ذلك. (آت)
(3) اي لحية الرسول (صلى الله عليه وآله) وكانت عادتهم ذلك فيما بينهم عند مكالمتهم ولجهله بشأنه (صلى الله عليه وآله) وعدم إيمانه لم يعرف أن ذلك لا يليق بجنابه. (آت) (*)
الصفحة 325
فقال: من هذا يا محمد؟.
فقال: هذا، ابن أخيك المغيرة.
فقال: يا غدر (1) والله ماجئت إلا في غسل سلحتك (2).
قال: فرجع إليهم فقال لابي سفيان وأصحابه: لا والله ما رأيت مثل محمد رد عما جاء له فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبدالعزى فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأثيرت في وجوههم البدن فقالا: مجيئ من جئت؟
قال: جئت لاطوف بالبيت وأسعى بين الصفا والمروة وأنحر البدن واخلي بينكم وبين لحمانها.
فقالا: إن قومك يناشدونك الله والرحم (3) أن تدخل عليهم بلادهم بغير إذنهم وتقطع أرحامهم وتجري عليهم عدوهم، قال: فأبى عليهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن يدخلها.
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أن يبعث عمر، فقال: يا رسول الله إن عشيرتي قليل وإني فيهم على ما تعلم ولكني أدلك على عثمان بن عفان، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة فلما انطلق عثمان لقى أبان بن سعيد فتأخر عن السرح (4) فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة (5) فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجلس عثمان في عسكر المشركين وبايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين وضرب بإحدى يديه على الاخرى
____________
(1) قال الجزري: في حديث الحديبية: قال عروة بن مسعود للمغير: يا غدر هل غسلت غدرتك الا بالامس. غدر معدول غادر للمبالغة يقال للذكر: غدر (بضم الغين وفتح الدال)
وللاثنى: غدار كقطام وهما مختصان بالنداء في الغالب.
(2) في المغرب: السلح: التغوط.
(3) اي يقسمون عليك بالله وبالرحم التي بينك وبينهم في ان تدخل عليهم اي في تركه. (آت)
(4) السرح والسارح والسارحة سواء: الماشية.
(5) المناوشة: المناولة في القتال اي كان المشركون في تهيئة القتال اي عند ذلك وقع بين المسلمين وبينهم محاربة كما نقل. (آت) (*)
الصفحة 326
لعثمان (1) وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما كان ليفعل فلما جاء عثمان قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لاطوف بالبيت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يطف به ثم ذكر القصة (2)
وما كان فيها.
فقال لعلي (ع): أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: ما أدري ما الرحمن الرحيم إلا أني أظن هذا الذي باليمامة (3)
ولكن اكتب كما نكتب بسمك اللهم.
قال: واكتب: هذا ما قاضى [عليه] (4) رسول الله سهيل بن عمرو.
فقال: سهيل: فعلى ما نقاتلك يا محمد؟!.
فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبدالله.
فقال الناس: أنت رسول الله.
قال: اكتب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله.
فقال الناس: أنت رسول الله وكان في القضية أن من كان منا أتى إليكم رددتموه إلينا ورسول الله غير مستكره عن دينه ومن جاء إلينا منكم لم نرده إليكم.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا حاجة لنا فيهم وعلى أن يعبد الله فيكم علانية (5) غير سر وإن كانوا ليتهادون السيور (6) في المدينة إلى مكة وما كانت قضية أعظم بركة منها
____________
(1) ذلك ليتأكد عليه الحجة والعهد والميثاق فيستوجب بنكثه أشد العذاب. (آت)
(2) اي ما جرى بينه وبين قريش من حبسه ومنعه عن الرجوع او من طلبهم للصلح او اصرارهم على عدم دخوله في هذه السنة. وقيل: هذا كلام الراوي اي ثم ذكر الصادق (عليه السلام) القصة وما جرى فيها وترك الراوي ذكرها اختصارا. (آت)
(3) كانوا يقولون لمسيلمة الكذاب: رحمن اليمامة. (آت)
(4) (هذا ما قاضى) هو فاعل من القضاء الفصل والحكم لانه كان بينه وبين اهل مكة. (النهاية)
(5) اي وعلى ان يعبد الله علانية من غير تقية.
(6) السير بالفتح: الذي يعد من الجلد الجمع السيور وفي بعض النسخ (الستور) وهي جمع الستر المعلق على الابواب وعلى التقادير هذا كلام الصادق (عليه السلام) لبيان ثمرة هذه المصالحة وكثرة فوائدها بانها صارت موجبة لا من المسلمين بحيث كانوا يبعثون الهدايا من المدينة إلى مكة من غير منع وخوف ورغب اهل مكة في الاسلام واسلم جم غفير منهم من غير حرب. (*)
الصفحة 327
لقد كان أن يستولي على أهل مكة الاسلام.
فضرب سهيل بن عمرو على أبي جندل ابنه (1).
فقال: أول ما قاضينا عليه.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وهل قاضيت على شئ؟.
فقال: يا محمد ما كنت بغدار.
قال: فذهب بأبي جندل، فقال: يا رسول الله تدفعني إليه؟.
قال: ولم أشترط لك، قال: وقال: اللهم اجعل لابي جندل مخرجا.
504 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن الفضل أبي العباس، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم (2) " قال: نزلت في بني مدلج لانهم جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إنا قد حصرت صدورنا أن نشهد إنك رسول الله فلسنا معك ولا مع قومنا عليك، قال: قلت: كيف صنع بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: وأعدهم إلى أن يفرغ (3)
من العرب ثم يدعوهم فإن أجابوا وإلا قاتلهم.
505 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن داود بن
____________
(1) قال الطبرسي: فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك الا رددته الينا ومن جاءنا ممن معك لم نرده عليك، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من جاءهم منا فابعده الله ومن جاءنا منهم رددناه اليهم فمن علم الله الاسلام من قلبه جعل له مخرجا إلى ان قال: فبيناهم كذلك اذ جاء ابوجندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من اسفل مكة حتى رمى بنفسه بين اظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد اول ما اقاضيك عليه ان ترده فقال النبي (صلى الله عليه وآله): انا لم نقض بالكتاب بعد، قال:
والله إذا لا أصالحك على شئ أبدا فقال النبي (صلى الله عليه وآله) فاجره لي قال: انا بمجيره لك، قال:
بلى فافعل، قال وما انا بفاعل، قال مكرز: بلى قد اجرناه قال ابوجندل بن سهيل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما الا ترون ما قد لقيت وكان قد عذب عذابا شديدا. (مجمع البيان)
(2) النساء: 92. الحصر: الضيق والانقباض.
(3) في بعض النسخ (أدعهم حتى أن يفرع). (*)
الصفحة 328
أبي يزيد وهو فرقد، عن أبي يزيد الحمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن الله تعالى بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: حبرئيل وميكائيل وإسرافيل وكروبيل (عل)
فمروا بإبراهيم (ع) وهم معتمون فسلموا عليه فلم يعرفهم ورأى هيئة حسنة فقال: لا يخدم هؤلاء أحد إلا أنا بنفسي وكان صاحب أضياف (1) فشوى لهم عجلا سمينا حتى انضجه ثم قربه إليهم فلما وضعه بين أيديهم " رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة (2) " فلما رأى ذلك جبرئيل (ع) حسر العمامة (3) عن وجهه وعن رأسه فعرفه إبراهيم (ع) فقال: أنت هو؟ فقال: نعم ومرت امرأته سارة فبشرها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقالت ما قال الله عزوجل؟ قأجابوا بما في الكتاب العزيز (4)
فقال إبراهيم (ع) لهم: فيماذا جئتم؟ قالوا له: في إهلاك قوم لوط، فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين تهلكونهم؟ فقال جبرئيل (ع): لا، قال: فإن كانوا خمسين؟ قال:
لا، قال: فان كانوا ثلاثين؟ قال: لا، قال: فإن كانواعشرين؟ قال: لا، قال: فإن كانوا عشرة؟ قال: لا، قال: فإن كانوا خمسة؟ قال: لا، قال: فإن كانوا واحدا؟ قال: لا، قال:
إن فيها لوطا قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ثم مضوا وقال الحسن العسكري أبومحمد (5) لا أعلم ذا القول إلا وهو يستبقيهم.
وهو قول الله عزوجل: " يجادلنا في قوم لوط (6) " فأتوا لوطا وهو في زراعة له قرب المدينة
____________
(1) اي يدعوهم كثيرا ويحبهم ويكرمهم.
(2) اي أنكرهم وقوله: (اوجس) الا يجاس الاحساس اي اضمر منهم خوفا والاية في سورة هود: 70. (3) اي كشفها.
(4) اي (قالت ياويلتى ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ان هذا لشئ عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميد مجيد).
(5) لعل العسكرى من طغيان القلم وابومحمد كنية للحسن بن علي بن فضال ويحتمل ان يكون كلام محمد بن يحيى ووقع في اثناء الحديث وقد مضى هذا الخبر فيما سبق من كتاب الطلاق وفيه (قال الحسن بن علي) بدون ابومحمد فيمكن ان يكون من كلام الصادق (عليه السلام) والمراد الحسن بن علي (عليهما السلام). (من آت)
(6) هود: 74. (*)
الصفحة 329
فسلموا عليه وهم معتمون فلما رآهم رأى هيئة حسنة عليهم عمائم بيض وثياب بيض فقال لهم: المنزل (1) فقالوا: نعم فتقدمهم ومشواخلفه فندم على عرضه عليهم المنزل و قال: أي شئ صنعت آتي بهم قومي وأنا أعرفهم فالتفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله وقد قال جبرئيل (ع): لا نعجل عليهم حتى يشهد ثلاث شهادات، فقال جبرئيل (ع):
هذه واحدة، ثم مشى ساعة ثم التفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله، فقال جبرئيل
(ع): هذه اثنتان، ثم مضى فلما بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال: إنكم تأتون شرار خلق الله، فقال جبرئيل (ع): هذه ثالثة ثم دخل ودخلوا معه فلما رأتهم أمرأته رأت هيئة حسنة فصعدت فوق السطح وصعقت فلم يسمعوا (2) فدخنت فلما رأوا الدخان أقبلوا يهرعون إلى الباب فنزلت إليهم فقالت: عنده قوم ما رأيت قط أحسن منهم هيئة، فجاؤوا إلى الباب ليدخلوها فلما رآهم لوط قام إليهم فقال: يا قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد فقال: هؤلاء بناتي هن أطهرلكم فدعاهم إلى الحلال فقالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، فقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (3) فقال جبرئيل (ع): لو يعلم أي قوة له. فكاثروه حتى دخلوا البيت قال: فصاح به جبرئيل يا لوط دعهم يدخلون فلما دخلوا أهوى جبرئيل باصبعه نحوهم فذهبت أعينهم وهو قوله: " فطمسنا أعينهم (4) " ثم نادى جبرئيل فقال:
" إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل " وقال له جبرئيل: إنا بعثنا في إهلاكهم فقال: يا جبرئيل عجل فقال: " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب "، قال: فأمره فتحمل ومن معه إلا امرأته، قال: ثم اقتلعها جبرئيل بجناحيه
____________
(1) اي عرض لهم المنزل والتمس منهم النزول.
(آت)
(2) الصعق: شدة الصوت وفي بعض النسخ (صفقت) والصقق: الضرب الذي يسمع له الصوت كالتصفيق اي ضربت احدى يديها على الاخرى وقوله: (يهرعون) اي يسرعون.
(3) مضمون ماخوذ من الايات التي كانت في سورة هود.
(4) تمام الاية في سورة القمر آية 37: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا اعينهم فذوقوا عذابي ونذر). (*)
الصفحة 330
من سبع أرضين ثم رفعها حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح الكلاب وصياح الديكة (1)
ثم قلبها وأمطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجيل (2).
506 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الصباح ابن عبدالحميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: والله للذي صنعه الحسن ابن علي (ع) (3) كان خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس والله لقد نزلت هذه الآية " ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة (4) "
إنما هي طاعة الامام (5) وطلبوا القتال فلما كتب عليهم القتال مع الحسين (ع)
قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا اخرتنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل (6) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم (ع).
507 - محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد (7) جميعا، عن علي بن حسان، عن علي بن عطية الزيات، عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن النجوم أحق هي؟ فقال: نعم إن الله عزوجل بعث المشتري إلى الارض في صورة رجل فأخذ رجلا من العجم فعلمه النجوم حتى ظن انه قد بلغ ثم قال له: انظر أين المشتري، فقال: ما أراه في الفلك وما أدري أين هو، قال:
فنحاه وأخذ بيد رجل من الهند فعلمه حتى ظن أنه قد بلغ وقال: انظر إلى المشتري أين هو، فقال: إن حسابي ليدل على أنك أنت المشتري، قال: وشهق شهقة فمات وورث علمه أهله فالعلم هناك.
508 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عمن
____________
(1) الديكة: جمع الديك.
(2) (السجيل) قال الزمخشرى: قيل: هي كلمة معربة عن (سنك وكل).
(3) اي صلحه مع معاوية.
(4) النساء: 77.
(5) اي الغرض والمقصود في الاية طاعة الامام الذي ينهى عن القتال لعدم كونه مأمورا به ويأمر بالصلاة والزكاة وسائر أبواب البر والحال ان اصحاب الحسن كانوا بهذه الاية مأمورين باطاعة امامهم في ترك القتال فلم يرضوا به وطلبوا القتال. (آت)
(6) مأخوذ من الاية السبعة والسبعين في سورة النساء والاية الاربعة والاربعين في سورة ابراهيم.
(7) قد مر ان سهل بن زياد ضعيف غير معتمد على ما تفرد وسلمة بن الخطاب ايضا كان ضعيفا في حديثه ضعفه النجاشي وابن الغضائرى والعلامة وغيرهم والحديث مجعول بلا شبهة. (*)
الصفحة 331
أخبره، عن أبي عبدالله (صلى الله عليه وآله) قال: سئل عن النجوم قال: ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند.
509 - حميد بن زياد، عن أبي العباس عبيد الله بن أحمد الدهقان (1)، عن علي ابن الحسن الطاطري، عن محمدبن زياد بياع السابري، عن أبان، صباح بن سيابة عن المعلى بن خنيس قال: ذهبت بكتاب (2) عبدالسلام بن نعيم وسدير وكتب غير واحد إلى أبي عبدالله (ع) حين ظهرت المسودة قبل أن يظهر ولد العباس بأنا قد قدرنا أن يؤول هذا الامر إليك فماترى (3)؟ قال: فضرب بالكتب الارض ثم قال: أف أف ما أنا لهؤلاء بإمام أمام (4) يعلمون أنه إنما يقتل السفياني.
510 - أبان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (ع) عن قول الله عزوجل
" في بيوت أذن الله أن ترفع (5) " قال: هي بيوت النبي (صلى الله عليه وآله).
511 - أبان، عن يحيى بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمها وحلقتان من ورق في مؤخرها وقال: لبسها علي (ع) يوم الجمل.
512 - أبان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبدالله (ع) قال: شد علي (ع)
على بطنه يوم الجمل بعقال أبرق (6) نزل به جبرئيل (ع) من السماء وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشد به على بطنه إذا لبس الدرع.
513 - أبان، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (ع) قال: إن عثمان قال للمقداد: أما والله لتنتهين أو لاردنك إلى ربك الاول (7)، قال: فلما حضرت المقداد الوفاة قال لعمار: أبلغ عثمان عني أني قد رددت إلى ربي الاول.
____________
(1) الظاهر انه ابن نهيك.
(2) في بعض النسخ (ذهب).
(3) اي امر الخلافة الاسلامية والمسودة: اصحاب ابي مسلم المروزي.
(4) اي انهم لاستعجالهم وعدم التسليم لامامهم خارجون عن شيعته والمقتدين به.
(5) النور: 36.
(6): الحبل الذي فيه لونان، وكل شئ اجتمع فيه سواد وبياض فهو ابرق (الصحاح)
(7) هذا تهديد له بالقتل. (*)
الصفحة 332
514 - أبان، عن فضيل وعبيد، عن أبي عبدالله (ع) قال: لما حضر محمد بن اسامة الموت دخلت عليه بنو هاشم فقال لهم: قد عرفتم قرابتي ومنزلتي منكم وعلي دين فاحب أن تضمنوه عني، فقال علي بن الحسين (ع): أما والله ثلث دينك علي، ثم سكت وسكتوا، فقال علي بن الحسين (ع) علي دينك كله، ثم قال: علي بن الحسين
(ع): أما إنه لم يمنعني أن أضمنه أولا إلا كراهية أن يقولوا: سبقنا.
515 - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: كانت ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القصواء إذا نزل عنها علق عليها زمامها قال: فتخرج فتأتي المسلمين قال: فيناولها الرجل الشئ ويناوله هذا الشئ فلا تلبث أن تشبع، قال: فأدخلت رأسها في خباء سمرة بن جندب فتناول عنزة فضرب بها على رأسها فشجها فخرجت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فشكته (1).
516 - أبان، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن مريم (عه) حملت بعيسى (ع) تسع ساعات كل ساعة شهرا 7 51 - أبان، عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبدالله (ع): إن المغيرية (2)
يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة؟ فقال: كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية إن أهل بطن نخلة حيث (3) رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام.
____________
(1) اما باللسان او بالاشارات وعلى التقديرين فهو من معجزاته. (آت)
(2) اي اتباع المغيرة بن سعيد البجلي.
(3) إشارة إلى ما ذكره المؤرخون ان النبي بعث عبدالله بن جحش معه ثمانية رهط من المهاجرين وقيل: اثني عشر وامره ان ينزل نخلة بين مكة والطائف فيرصد قريشا ويعلم اخبارهم فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمى في غير تجارة قريش في اخر يوم جمادى الاخرة وكانوا يرون انه من جمادى وهو رجب فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو و غنم رزقتموه فلا ندري امن شهر الحرام هذا اليوم ام لا فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم الا من الشهر الحرام ولا نرى ان تستحلوه لطمع اشفيتم عليه، فشدوا على ابن الحضرمى فقتلوه وغنموه غيره فبلغ ذلك كفار قريش فركب وفدهم حتى قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا ايحل القتال في الشهر الحرام؟ فانزل الله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الاية) ويظهر من بعض السير انهم انما فعلوا ذلك بعد علمهم كونه من شهر رجب بان راوا الهلال واستشهاده (عليه السلام) بان اصحابه حكموا بعد رؤية الهلال بدخول رجب فالليل السابق على النهار ويحسب معه يوما. (آت) (*)
الصفحة 333
518 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سلار أبي عمرة، عن أبي مر [يم] الثقفي: عن عمار بن ياسر قال: بينما أنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الشيعة الخاصة الخالصة (1) منا أهل البيت فقال عمر: يارسول الله عرفناهم حتى نعرفهم، فقال رسول (صلى الله عليه وآله): ماقلت لكم إلاوأناأريد أن أخبركم ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا الدليل على الله عزوجل وعلي نصر الدين ومناره أهل البيت وهم المصابيح الذين يستضاء بهم، فقال عمر: يا رسول الله فمن لم يكن قلبه موافقا لهذا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما وضع القلب في ذلك الموضع إلا ليوافق أو ليخالف (2) فمن كان قلبه موافقا لنا أهل البيت كان ناجيا ومن كان قلبه مخالفا لنا أهل البيت كان هالكا.
519 - أحمد، عن علي بن الحكم، عن قتبية الاعشى، قال: سمعت أبا عبدالله (ع)
يقول: عاديتم فينا الآباء والابناء والازواج وثوابكم على الله عزوجل أما إن أحوج ما تكونون (3) إذا بلغت الانفس إلى هذه - وأومأ بيده إلى حلقه.
520 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن داود بن سليمان الحمار عن سعيد بن يسار قال: أستأذنا على أبي عبدالله (ع) أنا والحارث بن المغيرة النصري ومنصور الصيقل فواعدنا دار طاهر مولاه فصلينا العصر ثم رحنا إليه فوجدنا متكئا على سرير قريب من الارض فجلسنا حوله، ثم استوى جالسا، ثم أرسل رجليه حتى وضع قدميه على الارض ثم قال: الحمد لله الذي ذهب الناس يمينا و شمالا فرقة مرجئة وفرقة خوارج وفرقة قدرية وسميتم أنتم الترابية ثم قال بيمين منه:
أما والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له ورسوله وآل رسوله (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم كرم الله وجوههم وما كان سوى ذلك فلا، كان علي والله أولى الناس بالناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " يقولها ثلاثا.
____________
(1) اي من يتابعني في جميع اقوالي وافعالى.
(2) اي ليعلم به المخانف والموافق. (آت)
(3) أي إلى ولايتنا. (*)
الصفحة 334
521 - عنه، عن أحمد، عن علي بن المستورد النخعي (1)، عمن رواه، عن أبي عبدالله
(ع) قال: إن من الملائكة الذين في سماء الدنيا ليطلعون على الواحد والاثنين والثلاثة وهم يذكرون فضل آل محمد (عل) فيقولون: أما ترون هؤلاء في قلتهم وكثرة عدوهم يصفون فضل آل محمد (عل) فتقول الطائفة الاخرى من الملائكة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
522 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبدالله (ع) قال: يا عمر لا تحملوا على شيعتنا وارفقوا بهم فإن الناس لا يحتملون ما تحملون (2).
523 - محمد بن أحمد القمي، عن عمه عبدالله بن الصلت، عن يونس بن عبد الرحمن عن عبدالله بن سنان، عن حسين الجمال، عن أبي عبدالله (ع) قي قول الله تبارك و تعالى: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنها ليكونا من الاسفلين (3) " قال: هما ثم قال: وكان فلان شيطانا.
524 - يونس، عن سورة بن كليب عن أبي عبدالله (ع) في قول الله تبارك و تعالى: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين " قال: يا سورة هماوالله هما - ثلاثا - والله يا سورة إنا لخزان علم الله في السماء وإنا لخزان علم الله في الارض.
525 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول في قول الله تبارك وتعالى: " إذ يبيتون مالا يرضى من القول (4) " قال: يعني فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح.
526 - علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، وغيره، عن منصور بن
____________
(1) لم نجد له ذكر في كتب التراجم والرجال.
(2) اي لا تكلفوا اوساط الشيعة بالتكاليف الشاقة في العلم والعمل بل علموهم وادعوهم إلى العمل برفق ليكملوا فانهم لا يحتملون من العلوم والاسرار وتحمل المشاق في الطاعات ما تحتملون. (آت)
(3) فصلت: 29.
(4) النساء: 108. (*)
الصفحة 335
يونس عن ابن اذينة، عن عبدالله بن النجاشي قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول في قول الله عزوجل: " اولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا (1) " يعني والله فلانا وفلانا، " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (2) " يعني والله النبي (صلى الله عليه وآله) وعليا (ع) مما صنعوا أي لو جاؤوك بها يا علي فاستغفروا الله مما صنعوا واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم (3) " فقال أبوعبدالله (ع): هو والله علي بعينه، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت (على لسانك يا رسول الله يعني به من ولاية علي) ويسلموا تسليما (4) " لعلي.
527 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: ربما رأيت الرؤيا فأعبرها والرؤيا على ما تعبر (5).
528 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن جهم قال: سمعت أبا الحسن (ع) يقول: الرؤيا على ماتعبر، فقلت له: إن بعض أصحابنا روى ان رؤيا الملك كانت أضغاث أحلام، فقال أبوالحسن (ع): إن امرأة رأت على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) أن جذع بيتها فد انكسر فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقصت عليه الرؤيا فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله):
يقدم زوجك ويأتي وهو صالح، وقد كان زوجها غائبا فقد كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) ثم غاب عنها زوجها غيبة اخرى فرأت في المنام كان جذع بيتها قد انكسر فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقصت عليه الرؤيا فقال لها: يقدم زوجك ويأتي صالحا فقدم على ما قال، ثم غاب زوجها ثالثة
____________
(1) النساء: 63. وقوله: (فاعرض عنهم) اي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم او عن قبول معذرتهم. (آت) (2) النساء: 63.
(3) النساء: 603.
(4) الظاهر انه كان في مصحفهم (عليه السلام) على صيغة المتكلم ويحتمل ان يكون بيانا لحاصل المعنى اي المراد بقضاء الرسول ما يقضى الله على لسانه. (آت)
(5) اي تقع مطابقة لما عبرت به. (آت) (*)
الصفحة 336
فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر فلقيت رجلا أعسر فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء: يموت زوجك، قال فبلغ [ذلك] النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ألا كان عبر لها خيرا.
529 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، [جميعا]، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن غالب، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (ع) أن رسول الله كان يقول: إن رؤيا المؤمن ترف بين السماء والارض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أويعبرها له مثله فإذا عبرت لزمت الارض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل.
530 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن عروة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي.
531 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبدالله (ع) قال: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل يقال له: ذو النمرة وكان من أقبح الناس وإنما سمي ذو النمرة من قبحه فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عزوجل علي فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فرض الله عليك سبعة عشر ركعة في اليوم والليلة وصوم شهر رمضان إذا أدركته والحج إذا استطعت إليه سبيلا والزكاة وفسرها له، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما أزيد ربي على مافرض علي شيئا، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ولم ياذا النمرة فقال:
كما خلقني قبيحا قال: فهبط جبرئيل (ع) على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله: إن ربك يامرك أن تبلغ ذا النمرة عنه السلام وتقول له: يقول لك ربك تبارك وتعالى: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل (ع) يوم القيامة؟ فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ذا النمرة هذا جبرئيل يأمرني أن أبلغك السلام ويقول لك ربك: أما ترضى أن أحشرك على جمال جبرئيل؟ فقال: ذوالنمرة فإني رضيت يا رب فوعزتك لازيدنك حتى ترضى.
الصفحة 337
حديث الذي أحياه عيسى (عليه السلام)
532 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جميلة (1)، عن أبان بن تغلب وغيره، عن أبي عبدالله (ع) أنه سئل هل كان عيسى ابن مريم أحيا أحدا بعد موته حتى كان له أكل ورزق ومدة وولد؟ فقال: نعم إنه كان له صديق مواخ له في الله تبارك وتعالى وكان عيسى (ع) يمر به وينزل عليه وإن عيسى غاب عنه حينا ثم مر به ليسلم عليه فخرجت إليه امه فسألها عنه، فقالت: مات يا رسول الله، فقال: أفتحبين أن تراه؟ قال: نعم، فقال لها: فإذا كان غدا [ف] آتيك حتى احييه لك بإذن الله تبارك وتعالى فلما كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره، فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى (ع) ثم دعا الله عزوجل فانفرج القبر وخرج ابنها حيا فلما رأته امه ورآها بكيا فرحمهما عيسى (ع) فقال له عيسى: أتحب أن تبقي مع امك في الدنيا؟ فقال: يا نبي الله بأكل ورزق ومدة أم بغير أكل ولا رزق ولا مدة؟ فقال له عيسى (ع): بأكل ورزق ومدة وتعمر عشرين سنة وتزوج ويولد لك؟ قال: نعم إذا، قال: فدفعه عيسى إلى امه فعاش عشرين سنة وتزوج وولد له.
533 - ابن محبوب، عن أبي ولاد، وغيره من أصحابنا، عن أبى عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم (2) " فقال: من عبد فيه غير الله عزوجل أو تولى فيه غير أولياء الله فهو ملحد بظلم وعلى الله تبارك وتعالى ان يذيقه من عذاب أليم.
534 - ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر
(ع) في قول الله تبارك وتعالى: " الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا
____________
(1) هو المفضل بن صالح الاسدي النخاس مولاهم مات في حياة الرضا، ضعيف.
(2) الحج: 25. (*)
الصفحة 338
ربنا الله (1) " قال: نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي وحمزة وجعفروجرت في الحسين (عليهم السلام) أجمعين.
535 - ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن بريد الكناسي قال: سألت أبا جعفر
(ع) عن قول الله عزوجل: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا اجبتم قالوا لا علم لنا (2) " قال: فقال: إن لهذا تأويلا يقول: ماذا اجبتم في أوصيائكم الذين خلفتموهم على أممكم؟ قال: فيقولون: لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا.
حديث اسلام علي (عليه السلام) (3)
536 - ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة عن سعيد بن المسيب قال:
____________
(1) الحج: 40. (ديابهم) قال البيضاوي: اي من مكة (بغير حق) بغير موجب استحقوا به
(الا ان يقولوا ربنا الله) على طريقة قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب وقيل: منقطع.
(2) المائدة: 109 (3) اجمعت علماء الشيعة على سبق اسلامه (عليه السلام) على جميع الصحابة وبه قال جماعة كثيرة من المخالفين وقد تواترت الروايات الدالة عليه من طرق العامة والخاصة وقد اوردنا في كتاب بحار الانوار الاخبار المستفيضة من كتبهم المعتبرة كتاريخ الطبرى وانساب الصحابة عنه والمعارف عن القتيبي وتاريخ يعقوب النسوى وعثمانية الجاحظ وتفسير الثعلبي و كتاب ابي زرعة الدمشقي وخصائص النطزى وكتاب المعرفة لابي يوسف النسوى واربعين الخطيب وفردوس الديلمي وشرف النبي للخركوشي وجامع الترمذي وابانة العكبري وتاريخ الخطيب و مسند احمد بن حنبل وكتاب الطبقات لمحمد بن سعد وفضائل الصحابة للعكبرى و (عبدالله بن) احمد بن حنبل و كتاب بن مردوية الاصفهانى وكتاب المظفر السمعاني وامالي سهل بن عبدالله المروزى وتاريخ بغداد والرسالة القوامية ومسند الموصلي وتفسير قتادة وكتاب الشيرازي وغيرها مما يطول ذكرها رووا سبق اسلامه (عليه السلام) بطرق متعددة عن سلمان وابي ذر والمقداد وعمار وزيد بن صوحان و حذيفة وابي الهيثم وخزيمة وابي ايوب والخدري وابي رافع وام سلمة وسعد بن ابي وقاص وابي موسى الاشعرى وانس بن مالك وابي الطفيل وجبير بن مطعم وعمرو بن الحمق وحبة العرني و جابر الحضرمى والحارث الاعور وعباية الاسدي ومالك بن الحويرث وقثم بن العباس وسعيد بن قيس ومالك الاشتر وهاشم بن عتبة ومحمد بن كعب وابن مجاز والشعبي والحسن البصري وابي (*)
الصفحة 339
سألت علي بن الحسين (ع) إبن كم كان علي بن أبي طالب (ع) يوم أسلم؟ فقال: أو كان كافرا قط، إنما كان لعلي (ع) حيث بعث الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) عشر سنين ولم يكن يومئذ كافرا ولقد آمن بالله تبارك وتعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله) وسبق الناس كلهم إلى الايمان بالله وبرسوله (صلى الله عليه وآله) وإلى الصلاة بثلاث سنين وكانت أول صلاة صلاها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر ركعتين وكذلك فرضها الله تبارك وتعالى على من أسلم بمكة ركعتين ركعتين وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصليها بمكة ركعتين ويصليها علي (ع) معه بمكة ركعتين مدة عشر سنين حتى هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وخلف عليا (ع)
في امور لم يكن يقوم بها أحد غيره وكان خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة في أول يوم من ربيع الاول وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول مع زوال الشمس فنزل بقبا فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ثم لم يزل مقيما ينتظر عليا (ع) يصلي الخمس صلوات ركعتين ركعتين وكان نازلا على عمرو بن عوف فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلا ومسجدا فيقول: لا إني أنتظر علي بن أبي طالب وقد امرته أن يلحقني ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي وما أسرعه إن شاء الله، فقدم علي (ع)
والنبي (صلى الله عليه وآله) في بيت عمرو بن عوف فنزل معه ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لماقدم عليه علي
(ع) تحول من قبا إلى بني سالم بن عوف وعلي (ع) معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس فخط لهم مسجدا ونصب قبلته فصلى بهم فيه الجمعة ركعتين وخطب خطبتين، ثم راح يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها وعلي (ع) معه لا يفارقه، يمشي بمشيه وليس يمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببطن من بطون الانصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم فيقول لهم: خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة، فانطلقت به ورسول الله (صلى الله عليه وآله) واضع لها زمامها حتى انتهت إلى الموضع الذي ترى - وأشار بيده إلى باب مسجد
____________
البحتري والواقدي وعبدالرزاق ومعمر والسدى وغيرهم ونسبوا القول بذلك إلى ابن عباس و جابر بن عبدالله وانس وزيد بن ارقم ومجاهد وقتادة وابن اسحق وغيرهم. (آت)
اقول: قد اورد الحجة الفذ العلامة الاميني صاحب الغدير في المجلد الثاني ص 219 من كتابه الاغر شطرا وافيا بما لا مزيد عليه من اخبارهم في ان اول من اسلم هو علي بن ابي طالب (عليه السلام) فليراجع واغتنم. (*)
الصفحة 340
رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يصلي عنده بالجنائز - فوقفت عنده وبركت ووضعت جرانها على الارض (1) فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقبل أبوأيوب مبادرا حتى احتمل رحله فأدخله منزله ونزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (ع) معه حتى بني له مسجده بنيت له مساكنه ومنزل علي (ع) فتحولا إلى منازلهما.
فقال سعيد بن المسيب لعلي بن الحسين (ع): جعلت فداك كان أبوبكر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أقبل إلى المدينة فأين فارقه؟ فقال: إن أبا بكر لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قبا فنزل بهم ينتظر قدوم علي (ع) فقال له أبوبكر: انهض بنا إلى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك وهم يستريثون إقبالك إليهم (2) فانطلق بنا ولا تقم ههنا تنتظر عليا فما أظنه يقدم عليك إلى شهر، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلا ما أسرعه ولست أريم (3) حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عزوجل وأحب أهل بيتي إلي فقد وقاني بنفسه من المشركين، قال: فغضب عند ذلك أبوبكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي (ع) وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (ع) وأول خلاف على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانطلق حتى دخل المدينة وتخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقبا ينتظر عليا (ع).
قال: فقلت لعلى بن الحسين (ع) فمتى زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة من علي (ع) فقال: بالمدينة بعد الهجرة بسنة وكان لها يومئذ تسع سنين، قال: علي ابن الحسين (ع): ولم يولد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من خديجة (عه) على فطرة الاسلام (4)
إلا فاطمة (عه) وقد كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة ومات أبوطالب بعد موت خديجة بسنة فلما فقدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئم المقام بمكة (5) ودخله حزن شديد وأشفق على نفسه من كفار قريش فشكا إلى جبرئيل (ع) ذلك، فأوحى الله عزوجل إليه: اخرج
____________
(1) برك اي يقع على بركه اي صدره. جران البعير بالكسر: مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره.
(2) الاستثراء: الاستبطاء. (الصحاح)
(3) يقال: رام يريم إذا برح وزال من مكانه. (النهاية)
(4) اي بعد البعثة.
(5) اي ملله المقام فيها. (*)
الصفحة 341
من القرية الظالم أهلها وهاجر إلى المدينة فليس لك اليوم بمكة ناصر وانصب للمشركين حربا. فعند ذلك توجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، فقلت له: فمتى فرضت الصلاة على المسلمين على ماهم عليه اليوم؟ فقال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة وقوي الاسلام وكتب الله عزوجل على المسلمين الجهاد [و] زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصلاة سبع ركعات في الظهر ركعتين وفي العصر ركعتين وفي المغرب ركعة وفي العشاء الآخرة ركعتين وأقر الفجر على ما فرضت لتعجيل نزول ملائكة النهار من السماء ولتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء وكان ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الفجر فلذلك قال الله عزوجل: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (1) " يشهده المسلمون ويشهده ملائكة النهار وملائكة الليل.
537 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: ما أيسر ما رضي به الناس عنكم، كفوا ألسنتكم عنهم (3).
538 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وأبوعلي الاشعري، عن محمد ابن عبدالجبار جميعا، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج، عن زرارة قال: كان أبوجعفر (ع) في المسجد الحرام فذكر بني أمية ودولتهم، فقال له بعض أصحابه:
إنما نرجو أن تكون صاحبهم وأن يظهر الله عزوجل هذا الامر على يديك، فقال:
ما أنا بصاحبهم ولا يسيرني أن أكون صاحبهم إن أصحابهم (3) أولاد الزنى، إن الله تبارك وتعالى لم يخلق منذ خلق السماوات والارض سنين ولا أياما اقصر من سنينهم (4)
وأيامهم إن الله عزوجل يأمر الملك الذي في يده الفلك فيطويه طيا.
539 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبدالله (ع) قال: ولد المرداس (5) من تقرب منهم أكفروه ومن تباعد منهم أفقروه
____________
(1) الاسراء: 78.
(2) جملة (كفوا السنتكم عنهم) تفسير (ما رضي به الناس).
(3) اي من يستأصلهم ويقتلهم اولاد الزنا بني العباس واتباعهم. (آت)
(4) اي بني امية ويحتمل بني العباس واما امر الفلك قد سبق الكلام في مثله. (آت)
(5) ولد المرداس كناية عن العباس وهذا التعبير للتقية والاخفاء والوجه فيه ان عباس بن مرداس السلمى صحابي شاعر فلعل المراد ولد سمى ابن المرداس. (آت) (*)
الصفحة 342
ومن ناواهم قتلوه (1) ومن تحصن منهم أنزلوه ومن هرب منهم أدركوه، حتى تنقضي دولتهم.
450 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، واحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن عمرو بن أيمن جميعا، عن محسن بن أحمد بن معاذ، عن أبان بن عثمان، عن بشير النبال، عن أبي عبدالله (ع) قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالسا إذ جاء ته امرأة فرحب بهاوأخذ بيدها وأقعدها ثم قال: إبنة نبي ضيعه قومه، خالد بن سنان (2) دعاهم فأبوا أن يؤمنوا وكانت نار يقال لها: نار الحدثان (3) تأتيهم كل سنة فتأكل بعضهم وكانت تخرج في وقت معلوم فقال لهم: إن رددتها عنكم تؤمنون؟ قالوا: نعم، قال: فجاءت فاستقبلها بثوبه فردها ثم تبعها حتى دخلت كهفها ودخل معها وجلسوا على باب الكهف وهم يرون ألا يخرج أبدا فخرج وهو يقول: هذا هذا وكل هذا من ذا (4)، زعمت بنو عبس أني لا أخرج وجبيني يندى (5)، ثم قال: تؤمنون بي؟ قالوا: لا، قال: فإني ميت يوم كذا وكذا فإذا أنا مت فادفنوني فإنها ستجئ عانة (6) من حمر يقدمها عير أبتر حتى يقف على قبري فانبشوني وسلوني عما شئتم، فلمامات دفنوه وكان ذلك اليوم إذ جاءت
____________
(1) ناواهم اي عاداهم.
(2) ذكروا انه كان في الفترة واختلفوا في نبوته وهذا الخبر يدل على انه كان نبيا وذكر ابن الاثير وغيره هذه القصة نحوا مما في الخبر. (آت)
(3) قال السيوطي في شرح شواهد المغني ناقلا عن العسكري في ذكر اقسام النار: نار الحرتين كانت في بلاد عبس، تخرج من الارض فتؤذي من مر بها وهي التي دفنها خالد بن سنان النبي (عليه السلام).
قال خليد: كنار الحرتين لها زفير * تصم مسامع الرجل السميع اقول: لعل الحدثان تصحيف الحرتين. (آت)
(4) اي هذا شأني وإعجازي. و (كل هذا من ذا) اي من الله تعالى وفي نسخة (وكل هذا مؤذ ازعم).
(5) عبس بالفتح ابو قبيلة من قيس. وقوله: (جبيني يندى) كيرضى اي يبتل من العرق. (آت)
(6) العانة: القطيع من حمر الوحش. والعير بالفتح: الحمار الوحشي وقد يطلق على الاهلي ايضا. والابتر: المقطوع الذنب. (آت) (*)
الصفحة 343
العانة اجتمعوا وجاؤوا يريدون نبشه فقالوا: ما آمنتم به في حياته فكيف تؤمنون به بعد موته ولئن نبشتموه ليكون سبة عليكم فاتركوه فتركوه (1).
541 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت سلمان الفارسي رضي الله عنه يقول:
لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصنع الناس ما صنعوا وخاصم أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح الانصار فخصموهم بحجة علي (ع) قالوا: يا معشر الانصار قريش أحق بالامر منكم لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قريش والمهاجرين منهم إن الله تعالى بدأبهم في كتابه وفضلهم وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة من قريش، قال سلمان رضي الله عنه: فأتيت عليا (ع) وهو يغسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله فأخبرته بما صنع الناس وقلت: إن أبا بكر الساعة على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله ما يرضى أن يبايعوه بيد واحدة إنهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه وشماله، فقال لي: يا سلمان هل تدري من أول من بايعه على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قلت: لا أدري، إلا أني رأيت في ظلة بني ساعدة حين خصمت الانصار وكان أول من بايعه بشير بن سعد وأبوعبيدة بن الجراح ثم عمر ثم سالم قال: لست أسألك عن هذا ولكن تدري أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قلت:
لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجاده شديد التشمير صعد إليه أول من صعد وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان، أبسط يدك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد فقال علي (ع):
____________
(1) قال الجوهري: يقال: هذا الامر صار سبة عليه بالضم اي عارا يسب به انتهى. اي هذا عار عليكم ان تحبوه ولا تؤمنوا به او هو يسبكم بترك الايمان والكفر او يكون هذا النبش عارا لكم عند العرب فيقولون: نبشوا قبر نبيهم ويؤيده ما ذكره ابن الاثير قال: فارادوا نبشه فكره ذلك بعضهم قالوا: نخاف إن نبشناه ان يسبنا العرب بأنا نبشنا نبينا فتركوه. (آت)
(2) اي غلب هؤلاء الثلاثة على الانصار في المخاصمة بحجة هي تدل على كون الامر لعلي (عليه السلام) دونهم لانهم احتجوا عليهم بقرابة الرسول وامير المؤمنين كان اقرب منهم اجمعين وقد احتج (عليه السلام) عليهم بذلك في مواطن (ذكروها). (آت)
(3) في الاحتجاج للطبرسي: (ما يرضى الناس ان يبايعوه).
(4) (سجادة) اي أثر سجود. والتشمير: الجد والاجتهاد في العبادة. (آت) (*)
الصفحة 344
هل تدري من هو؟ قلت: لا ولقد ساء تني مقالته كأنه شامت بموت النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال:
ذاك إبليس لعنه الله، أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدا نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياي للناس بغدير خم بأمر الله عزوجل فأخبرهم أني أولى بهم من أنفسهم وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب فأقبل إلى إبليس أبالسته ومردة أصحابه فقالوا:
إن هذه أمة مرحومة ومعصومة ومالك ولا لنا عليهم سبيل قد أعلموا إمامهم ومفزعهم بعد نبيهم، فأنطلق إبليس لعنه الله كئيبا حزينا وأخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه لو قبض أن الناس يبايعون أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد ما يختصمون، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس لعنه الله في صورة رجل شيخ مشمر يقول كذا وكذا، ثم يخرج فيجمع شياطينه وأبالسته فينخر ويكسع (1) ويقول: كلا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف رأيتم ما صنعت بهم حتى تركوا أمر الله عزوجل وطاعته وما أمرهم به رسول الله (صلى الله عليه وآله).
542 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن سليمان، عن عبدالله بن محمد اليماني، عن مسمع ابن الحجاج (2)، عن صباح الحذاء، عن صباح المزني، عن جابر، عن أبي جعفر (ع)
قال: لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي (ع) يوم الغدير صرخ إبليس في جنوده صرخة فلم يبق منهم أحد في بر ولا بحر إلا أتاه فقالوا: يا سيدهم ومولاهم (3) ماذا دهاك فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟ فقال لهم: فعل هذا النبي فعلا إن تم لم يعص الله أبدا فقالوا: يا سيدهم أنت كنت لآدم، فلما قال المنافقون: إنه ينطق على الهوى وقال أحدهما لصاحبه: أما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنه مجنون، يعنون رسول الله (صلى الله عليه وآله) صرخ إبليس صرخة بطرب، فجمع أولياء ه فقال: أما علمتم أني كنت لآدم من قبل؟ قالوا: نعم قال: آدم نقض العهد ولم يكفر بالرب وهؤلاء نقضوا العهد وكفروا
____________
(1) النخير: صوت الانف. وكسعه كمنعه ضرب دبره بيده او بصدر قدمه وانما كان يفعل ذلك نشاطا وفرحا وفخرا وفرجا ومخرجا وطربا. (آت)
(2) في بعض النسخ (منيع ابن الحجاج) وعلى كلتا النسختين غير مذكور في كتب الرجال.
(3) اي قالوا: ياسيدنا ويا مولانا وانما غيره لئلا يوهم انصرافه اليه (عليه السلام) وهذا شايع في كلام البلغاء في نقل امر لا يرضى القائل لنفسه كما في قوله تعالى: (ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين) وقوله: (ماذا دهاك) يقال: دهاه إذا اصابته داهنة. (آت) (*)
الصفحة 345
بالرسول. فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقام الناس غير علي لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا وقعد في الوثبة (1) وجمع خليلة ورجله ثم قال لهم: اطربوا لا يطاع الله حتى يقوم الامام.
وتلا أبوجعفر (ع): " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (2) " قال أبوجعفر (ع): كان تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله). والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ينطق على الهوى فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه.
543 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما (ع) قال: أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما كئيبا حزينا؟
فقال له: علي (ع) مالي أراك يا رسول الله كئيبا حزينا؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه إن بني تيم وبني عدي وبني امية يصعدون منبري هذا، يردون الناس عن الاسلام القهقرى، فقلت: يا رب في حياتي أو بعد موتي؟ فقال: بعد موتك.
544 - جميل، عن زرارة، عن أحدهما (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لولا أني أكره أن يقال: إن محمدا استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم لضربت أعناق قوم كثير.
545 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبيد الله الدهقان، عن عبدالله بن القاسم، عن ابن أبي نجران، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله (ع)
قال: كان المسيح (ع) يقول: إن التارك شفاء المجروح من جرحه شريك لجارحه لا محالة وذلك أن الجارح أراد فساد المجروح والتارك لاشفائه لم يشأ صلاحه فإذا لم يشأ صلاحه فقد شاء فساده اضطرارا فكذلك لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتجهلوا ولا تمنعوها أهلها فتأثموا وليكن أحدكم بمنزلة الطبيب المداوئ إن رأى موضعا لدوائه وإلا أمسك.
____________
(1) الوثبة: الوسادة وفي بعض النسخ (الزينة).
(2) سبأ: 20. (*)
الصفحة 346
546 - سهل، عن عبيد الله، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرضا
(ع) أنا وحسين بن ثوير بن أبي فاختة (1) فقلت له: جعلت فداك إنا كنا في سعة من الرزق وغضارة من العيش فتغيرت الحال بعض التغيير فادع الله عزوجل أن يرد ذلك إلينا، فقال: أي شئ تريدون تكونون ملوكا؟ أيسرك أن تكون مثل طاهر وهرثمة (2)
وأنك على خلاف ما أنت عليه؟ قلت: لا والله ما يسرني أن لي الدنيا بما فيها ذهبا
____________
(1) رواه الحسن بن علي بن شعبة الحراني رحمه الله في تحف العقول ص 448 وفيه (والحسين بن يزيد) وهو النوفلي المتطبب.
(2) الطاهر هو ابوالطيب او ابوطلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقب ب (ذو اليمينين) والي خراسان كان من اكبر قواد المامون والمجاهدين في تثبيت دولته كان جده زريق بن ماهان او باذان مجوسيا فاسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والي سجستان وكان مولاه ولذلك اشتهر الطاهر بالخزاعي وكان هو الذي سيره المأمون من خراسان إلى محاربة اخيه الامين محمد بن زبيدة ببغداد لما خلع المأمون بيعته وسير الامين علي بن عيسى بن ماهان لدفعه فالتقيا بالري وقتل علي بن عيسى وكسر جيش الامين وتقدم الطاهر إلى بغداد واخذ ما في طريقه من البلاد وحاصر بغداد وقتل الامين سنة 198 وحمل برأسه إلى خراسان وعقد للمأمون على الخلافة فلما استقل المأمون بالملك كتب اليه وهو مقيم ببغداد وكان واليا عليها بان يسلم إلى الحسن بن سهل جميع ما افتتحه من البلاد وهي العراق وبلاد الجبل وفارس واهواز والحجاز واليمن وان يتوجه هو إلى الرقة وولاه الموصل وبلاد الجزيرة والشام والمغرب فكان فيها إلى ان قدم المأمون بغداد فجاء اليه وكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته. ولقبه ذو اليمينين وذلك انه ضرب شخصا بيساره فقده نصفين في وقعه مع علي بن عيسى بن ماهان حتى قال بعض الشعراء:
(كلتا يديك يمين حين تضربه) فبعثه إلى خراسان فكان واليا عليها إلى ان توفى سنة 207 بمرو وهو الذي أسس دولة آل طاهر في خراسان وماوالاها من سنة 205 إلى 259 وكان طاهر من اصحاب الرضا (عليه السلام) كان متشيعا وينسب التشيع ايضا إلى بني طاهر كما في مروج الذهب وغيره. ولد طاهر سنة 159 في توشنج من بلاد خراسان وله عهد إلى ابنه وهو من احسن الرسائل.
وهرثمة هو هرثمة بن اعين كان ايضا من قواد المامون وفي خدمته وكان مشهورا معروفا بالتشيع ومحبا لاهل البيت من اصحاب الرضا (عليه السلام) بل من خواصه واصحاب سره وياخذ نفسه انه من شيعته وكان قائما بمصالحه وكانت له محبة تامة واخلاص كامل له (عليه السلام). (*)
الصفحة 347
وفضة وأني على خلاف ما أنا عليه، قال: فقال فمن أيسر منكم فليشكر الله، إن الله عزوجل يقول: " لئن شكرتم لازيدنكم (1) " وقال سبحانه وتعالى: " اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (2) " وأحسنوا الظن بالله فإن أبا عبدالله (ع) كان يقول: من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه به ومن رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته وتنعم أهله وبصره الله داء الدنيا ودواء ها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام.
قال: ثم قال: ما فعل ابن قياما (3)؟ قال: قلت: والله إنه ليلقانا فيحسن اللقاء فقال: وأي شئ يمنعه من ذلك، ثم تلا هذه الآية " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم (4): قال: ثم قال: تدري لاي شئ تحير ابن قياما؟ قال: قلت:
لا، قال: إنه تبع أبا الحسن (ع) فأتاه عن يمينه وعن شماله وهو يريد مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فالتفت إليه أبو الحسن (ع) فقال: ماتريد حيرك الله (5) قال: ثم قال أرأيت لو رجع إليهم موسى فقالوا: لو نصبته لنا فاتبعناه واقتصصنا أثره، أهم كانوا أصوب قولا أو من قال: " لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (6) "؟ قال: قلت: لا بل
____________
(1) ابراهيم: 7.
(2) سبأ: 12.
(3) هو الحسين بن قياما كان رجلا واقفيا خبيثا وقيل برجوعه عن الوقف وعلى اي هو من اصحاب الكاظم (عليه السلام).
(4) التوبة: 110. وقال الطبرسي رحمه الله اي لا يزال بناء المبنى الذي بنوه شكا في قلوبهم فيما كان من اظهار اسلامهم وثباتا على النفاق.
(5) انما دعا عليه بالحيرة لما علم في قلبه من الشك والنفاق. آت)
(6) شبه (عليه السلام) قصة الواقفية بقصة من عبد العجل حيث ترك موسى (عليه السلام) هارون بينهم فلم يطيعوه وعبدوا العجل ولم يرجعوا بقوله عن ذلك وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى وكذا موسى بن جعفر (عليه السلام) خلف الرضا (عليه السلام) بينهم عند ذهابه إلى العراق ونص عليه فلما توفى (عليه السلام) تركوا وصيه ولم يطيعوه واختاروا الوقف عليه وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى فإنه غاب ولم يمت. (آت) (*)
الصفحة 348
من قال: نصبته لنا فاتبعناه واقتصصنا أثره قال: فقال: من ههنا اتي (1) ابن قياما ومن قال بقوله.
قال: ثم ذكر ابن السراج (2) فقال: إنه قد أقر بموت أبي الحسن (ع) وذلك أنه أوصى عند موته فقال: كل ما خلفت من شئ حتى قميصي هذا الذي في عنقي لورثة أبي الحسن (ع) ولم يقل: هو لابي الحسن (ع) وهذا إقرار (3) ولكن أي شئ ينفعه من ذلك ومما قال ثم أمسك.
547 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حماد، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال لقمان لابنه: إذاسافرت مع قوم فأكثر استشارتك إياهم في أمرك وامورهم وأكثر التبسم في وجوههم وكن كريما على زادك وإذا دعوك فأجبهم وإذا استعانوا بك فأعنهم واغلبهم بثلاث: بطول الصمت وكثرة الصلاة وسخاء النفس بما معك من دابة أو مال أو زاد وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم واجهد رأيك لهم إذا استشاروك ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرك وحكمتك في مشورته فإن من لم يمحض النصيحة لمن استشاره سلبه الله تبارك وتعالى رأيه ونزع عنه الامانة وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم وإذا تصدقوا وأعطوا قرضا فأعط معهم واسمع لمن هو أكبر منك سنا وإذا أمروك بأمر وسألوك فقل:
نعم ولا تقل: لا، فإن لاعي ولؤم وإذا تحيرتم في طريقكم فأنزلوا وإذاشككتم في القصد فقفوا وتؤامروا (4) وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدون فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب لعله أن يكون عينا للصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيركم، واحذروا الشخصين أيضا إلا أن تروا ما لا أرى فإن العاقل
____________
(1) بصيغة المجهول: اي هلك.
(2) هو احمد بن ابي بشر، كان من الواقفة.
(3) اي يموت موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث لم يقل: ان المال لورثته. (آت)
(4) المؤامرة: المشاورة. (*)
الصفحة 349
إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، يا بني وإذا جاء وقت صلاة فلا تؤخرها لشئ وصلها واسترح منها فإنها دين وصل في جماعة ولو على رأس زج (1) ولا تنامن على دابتك فإن ذلك سريع في دبرها (2) وليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل وإذا قربت من المنزل فأنزل عن دابتك وابدأ بعلفها قبل نفسك وإذا أردت النزول فعليك من بقاع الارض بأحسنا لونا وألينها تربة وأكثرها عشبا وإذا نزلت فصل ركعتين قبل أن تجلس وإذا أردت قضاء حاجة فابعد المذهب في الارض وإذا ارتحلت فصل ركعتين وودع الارض التي حللت بها وسلم عليها وعلى أهلها فإن لكل بعقة أهلا من الملائكة وإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدأ فتتصدق منه فافعل وعليك بقراءة كتاب الله عزوجل ما دمت راكبا وعليكم بالتسبيح مادمت عاملا وعليك بالدعاء مادمت خاليا وإياك والسير من أول الليل وعليك بالتعريس والدلجة (3) من لدن نصف الليل إلى آخره وإياك ورفع الصوت في مسيرك.
548 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسين بن يزيد النوفلي (4)، عن علي بن داود اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله العلوي قال: حدثني الاسيدي ومحمد بن مبشر أن عبدالله بن نافع الازرق (5) كان يقول: لو أني علمت أن بين قطريها أحدا تبلغني إليه المطايا يخصمني أن عليا قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحلت إليه فقيل له: ولا ولده؟ فقال: أفي ولده عالم؟ فقيل له: هذا أول جهلك
____________
(1) الزج بالضم: الحديدة في أسفل الرمح ونصل السهم.
(2) الدبر: قرحة الدابة في ظهرها.
(3) قال الجوهري: التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون فيه وقعة الاستراحة ثم يرتحلون وقال الجزري: فيه عليكم بالدلجة وهو سير الليل: يقال: ادلج بالتخفيف إذا سار من اول الليل وادلج بالتشديد إذا سار من آخره والاسم منهما الدلجة والدلجة بالضم والفتح اقول:
لا يبعد ان يكون المراد بالتعريس هنا النزل اول الليل. (آت)
(4) في بعض النسخ (حسن بن زيد النوفلي).
(5) الظاهر انه كان هو من الخوارج. (*)
الصفحة 350
وهم يخلون من عالم؟! قال: فمن عالمهم اليوم؟ قيل: محمد بن علي بن الحسين بن علي
(عل) قال: فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة فأستأذن على أبي جعفر
(ع)، فقيل له: هذا عبدالله بن نافع، فقال: وما يصنع بي وهو يبرأ مني ومن أبي طرفي النهار؟ فقال له أبوبصير الكوفي: جعلت فداك إن هذا يزعم أنه لو علم أن بين قطريها أحدا تبلغه المطايا إليه يخصمه أن عليها (ع) قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحل إليه، فقال له أبوجعفر: أتراه جاءني مناظرا؟ قال: نعم، قال: يا غلام اخرج فحط رجاله وقل له: إذا كان الغد فأتنا قال: فلما أصبح عبدالله بن نافع غدا في صناديد أصحابه (1) وبعث أبوجعفر (ع) إلى جميع أبناء المهاجرين والانصار فجمعهم ثم خرج إلى الناس في ثوبين ممغرين وأقبل على الناس كأنه فلقة قمر (3) فقال:
الحمد لله محيث الحيث (4) ومكيف الكيف ومؤين الاين (5) الحمد لله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الارض - إلى آخر الآية - وأشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله إجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.
الحمد لله الذي أكرمنا بنبوته واختصنا بولايته، يا معشر أبناء المهاجرين و الانصار من كانت عنده منقبة في علي بن أبي طالب (ع) فليقم وليتحدث قال: فقام الناس فسردوا (6) تلك المناقب - فقال عبدالله: أنا أروي لهذه المناقب من هؤلاء وإنما
____________
(1) الصنديد: السيد الشجاع.
(2) قال الفيروزآبادي: المغرة ويحرك: طين احمر والممغر كمعظم: المصبوغ بها.
(3) الفلقة بالكسر: القطعة والشقة.
(4) اي جاعل المكان مكانا بايجاده. (آت)
(5) اي موجد الدهر والزمان فان الاين يكون بمعنى الزمان، يقال: آن اينك اي حان حينك.
ذكره الجوهري ويحتمل ان يكون بمعنى المكان لها تاكيدا للاول او بان يكون حيث للزمان، قال ابن هشام: قال الاخفش: وقد ترد حيث للزمان ويحتمل ان يكون حيث تعليلية اي هو علة العلل و وجاعل العلل عللا. (آت)
(6) قال الجوهري: فلان يسرد الحديث سردا إذا كان جيد السياق. (*)
الصفحة 351
أحدث علي الكفر بعد تحكيمه الحكمين - حتى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر
" لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه " فقال أبوجعفر (ع): ما تقول في هذا الحديث فقال:
هو حق لا شك فيه ولكن أحدث الكفر بعد، فقال له أبوجعفر (ع): ثكلتك أمك أخبرني عن الله عزوجل أحب علي بن أبي طالب يوم أحبه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم؟ قال ابن نافع: أعد علي فقال له أبوجعفر (ع): أخبرني عن الله جل ذكره أحب علي بن أبي طالب يوم أحبه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم؟
قال: إن قلت: لا، كفرت قال: فقال: قد علم قال: فأحبه الله على أن يعمل بطاعته أو على أن يعمل بمعصيته؟ فقال: على أن يعمل بطاعته (1)، فقال له أبوجعفر (ع): فقم مخصوما، فقام وهو يقول: حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
549 - أحمد بن محمد، وعلي بن محمد جميعا، عن علي بن الحسن التيمي، عن محمد بن الخطاب الواسطي، عن يونس بن عبدالرحمن، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن حماد الازدي، عن هشام الخفاف فقال قال لي أبوعبدالله (ع): كيف بصرك بالنجوم؟ قال:
قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني، فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟ قال:
فأخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها (2) قال: فقال: إن كان الامر على ماتقول فما بال بنات النعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوما من الدهر في القبلة؟ قال:
قلت: هذا والله شئ لا اعرفه ولا سمعت أحدا من أهل الحساب يذكره، فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟ قال: قلت: هذا والله نجم ماسمعت به ولا سمعت أحدا من الناس يذكره، فقال: سبحان الله فأسقطتم نجما بأسره فعلى ماتحسبون؟! ثم قال: فكم الزهرة من القمر جزء ا في ضوئه؟ قال: قلت: هذا شئ لا يعلمه إلا الله
____________
(1) اي لان يعمل والحاصل ان الله انما يحب من يعمل بطاعته لانه كذلك فكيف يحب من يعلم انه على زعمك الفاسد يكفر ويحبط جميع اعماله. (آت)
(2) كانه زعم ان حركة الفلك في جميع المواضع دحوية. (آت) (*)
الصفحة 352
عزوجل، قال: فكم القمر جزء ا من الشمس في ضوئها؟ قال: قلت: ما أعرف هذا؟ قال:
صدقت، ثم قال: ما بال العسكرين (1) يلتقيان في هذا حاسب وفي هذا حاسب فيحسب هذا لصاحبه بالظفر ويحسب هذا لصاحبه بالظفر، ثم يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر فأين كانت النحوس؟ قال: فقلت: لا والله ما أعلم ذلك، قال: فقال: صدقت إن أصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم.
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
550 - علي بن الحسن المودب، عن أحمد بن محمد بن خالد، وأحمد بن محمد (2)، عن علي بن الحسن التيمي جميعا، عن إسماعيل بن مهران قال: حدثنى عبدالله بن الحارث، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: خطب أمير المؤمنين (ع) الناس بصفين فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي (صلى الله عليه وآله) ثم قال:
أما بعد فقد جعل الله تعالى لي عليكم حقا بولاية أمركم (3) ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم والحق أجمل الاشياء في التواصف وأوسعها في التناصف (4) لا يجري لاحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه إلا
____________
(1) هذا بيان لخطأ المنجمين فان لك منجم يحكم لمن يريد ظفره بالظفر ويزعم ان السعد الذي رآه يتعلق به وهذا لعدم احاطتهم بارتباط النجوم بالاشخاص. (آت)
(2) احمد بن محمد عطف على علي بن الحسن وهو العاصمي والتيمي هو ابن فضال وقل من تفطن لذلك. (آت) وفي بعض النسخ (احمد بن محمد بن احمد) وفي بعضها (على بن الحسين المؤدب).
(3) الذي له عليهم من الحق هو وجوب طاعته وامحاض نصيحته والذي لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم. (في)
(4) التواصف ان يصف بعضهم لبعض والتناصف ان ينصف بعضهم بعضا وانما كان الحق اجمل الاشياء في التواصف لانه يوصف بالحسن والوجوب وكل جميل وانما كان اوسعها في التناصف لان الناس لو تناصفوا في الحقوق لما ضاق عليهما مر من الامور وفي النهج (والحق اوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف) وهو اوضع معناه ان الناس كلهم يصفون الحق ولكن لا ينصف بعضهم بعضا
(في). وفي بعض النسخ (التراصف) موضع التواصف. (*)
الصفحة 353
جرى له ولو كان لاحد أن يجري ذلك له ولا يجري عليه لكان ذلك لله عزوجل خالصا دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه (1) ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل كفارتهم (2) عليه بحسن الثواب تفضلا منه وتطولا بكرمه وتوسعا بما هو من المزيد له أهلا، ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى (3) في وجوهها ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها إلا ببعض (4)، فأعظم مما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عزوجل لكل على كل فجعلها نظام الفتهم وعزا لدينهم (5) وقواما لسنن الحق فيهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى إليها الوالي كذلك عز الحق بينهم فقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السنن (6) فصلح بذلك الزمان وطاب به العيش وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء وإذا غلبت الرعية واليهم وعلا الوالي الرعية اختلفت هنالك الكلمة وظهرت
____________
(1) اي انواعة المتغيرة المتوالية وفي بعض النسخ (صروف قضائه).
(2) انما سمى جزاؤه تعالى على الطاعة كفارة لانه يكفر ما يزعمون من ان طاعتهم له تعالى حق لهم عليه يستوجبون به الثواب مع انه ليس كذلك لان الحق له عليهم حيث اقدرهم على الطاعة والهمهم اياها ولهذا سماه التفضل والتطول والتوسع بالانعام الذي هو للمزيد منه اهل لانه الكريم الذي لا تنفد خزائنه بالاعطاء والجود تعالى مجده وتقدس وفي نهج البلاغة (وجعل جزاءهم عليه)
وعلى هذا فلا يحتاج إلى التكليف. (في) (*)
(3) اي جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالي وهو الطاعة من الرعية مقابل بمثله وهو العدل فيهم وحسن السيرة. (آت)
(4) كما ان الوالي إذا لم يعدل لم يستحق الطاعة. (آت)
(5) فانها سبب اجتماعهم به ويقهرون اعدائهم ويغز دينهم. وقوله: (قواما) اي به يقوم جريان الحق فيهم وبينهم. (آت)
(6) في القاموس: ذل الطريق بالكسر: محجته. وامور الله جارية اذلالها وعلى اذلالها اي مجاريها جمع ذل بالكسر. (*)
الصفحة 354
مطامع الجور وكثر الادغال في الدين وتركت معالم السنن (1) فعمل بالهواء وعطلت الآثار وكثرت علل النفوس (2) ولا يستوحش لجسيم حد عطل ولا لعظيم باطل اثل فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار وتخرب البلاد (3) وتعظم تبعات الله عزوجل عند العباد فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عزوجل والقيام بعدله والوفاء بعهده والانصاف له في جميع حقه، فإنه ليس العباد إلى شئ أحوج منهم إلى التناصح في ذلك وحسن التعاون عليه وليس أحد وإن اشتد على رضى الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله ولكن من واجب حقوق الله عزوجل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق فيهم، ثم ليس امرء وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الحق فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عزوجل من حقه ولا لامرئ مع ذلك خسئت به الامور واقتحمته العيون (4) بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة وكل في الحاجة إلى الله عزوجل شرع سواء (5).
____________
(1) الادغال: بكسر الهمزة وهو ان يدخل في الشئ ما ليس منه وهو الابداع والتلبيس او بفتحها جمع الدغل بالتحريك: الفساد. (آت)
(2) قال البحراني: علل النفوس امراضها بملكات السوء كالغل والحسد والعدوات ونحوها و قيل: عللها وجوه ارتكابها للمنكرات فتاتي في كل منكر بوجه ورأي فاسد.
(3) التأثيل: التأصيل ومجد مؤثل اي مجموع ذو أصل وفي النهج (فعل) مكان اثل. والتبعة ما يتبع اعمال العباد من العقاب وسوء العاقبة.
(4) (ولا لامرئ) يعني مع عدم الاستغناء عن الاستعانة وقوله: (خسئت به الامور) يقال:
خسئت والكلب خسا طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعذى ولا يتعدى. وقد تعدى بالباء اي طردته الامور او يكون بالباء للسببية اي بعدت بسببه الامور. (آت) وفي بعض النسخ (حست) بالمهملتين اي اختبرته. واقتحمه: احتقره. وفي النهج (ولا امرؤ وان صغرته النفوس واقتحمته العيون). وقوله:
(بدون ما ان يعين) اي باقل من ان يستعان به ويعان والحاصل ان الشريف والوضيع جميعا محتاجون في اداء الحقوق إلى اعانة بعضهم بعضا واستعانة بعضهم ببعض وكل من كانت النعمة عليه اعظم فاحتياجه في ذلك اكثر لان الحقوق عليه اوفر لازدياد الحقوق بحسب ازدياد النعم (في)
(5) (سواء) بيان لقوله: (شرع) وتاكيد وانما ذكره (عليه السلام) ذلك لئلا يتوهم انهم يستغنون باعانة بعضهم بعضا عن ربهم تعالى بل هو الموفق والمعين لهم في جميع امورهم ولا يستغنون بشئ عن الله تعالى وانما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم ويثيبهم على ذلك واقتضت حكمته البالغة ان يجري الاشياء باسبابها وهو المسبب لها والقادر على امضائها بلا سبب. (آت) (*)
الصفحة 355
فأجابه رجل من عسكره لا يدري من هو ويقال: إنه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم ولا بعده.
فقام وأحسن الثناء على الله عزوجل بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم والاقرار (1) بكل ما ذكر من تصرف الحالات به وبهم.
ثم قال: أنت أميرنا ونحن رعيتك بك أخرجنا الله عزوجل من الذل وباعزازك أطلق عباده من الغل (2). فاختر علينا وامض اختيارك وائتمر فأمض ائتمارك (3) فإنك القائل المصدق والحاكم الموفق والملك المخول، (4) لا نستحل في شئ معصيتك ولا نقيس علما بعلمك، يعظم عندنا في ذلك (5) خطرك ويجل عنه في أنفسنا فضلك.
فأجابه أمير المؤمنين (ع).
فقال: إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قبله أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه و لطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما وإن من أسخف حالاة الولاة عند صالح الناس (6) أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني احب الاطراء (7) واستماع الثناء
____________
(1) (ابلاهم): انعمهم. (من واجب حقه) يعني من حق امير المؤمنين (عليه السلام). (في)
(2) اشار به إلى قوله تعالى: (ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) اي يخفف عنهم ما كانوا به من التكاليف الشاقة. (في)
(3) من الايتمار بمعنى المشاورة.
(4) اي الملك الذي اعطاك الله للامرة علينا وجعلنا خدمك وتبعك. (آت)
(5) اي في العلم بان تكون كلمة (في) تعليلية ويحتمل ان يكون اشارة إلى مادل عليه الكلام من اطاعته (عليه السلام). والخطر: القدر والمنزلة. (آت)
(6) السخف: رقة العيش ورقة العقل والسخافة رقة كل شئ اي اضعف احوال الولاة عند الرعية ان يكونوا متهمين عندهم بهذا الخصلة المذمومة. (آت)
(7) جال بالجيم من الجولان بالواو. والاطراء: مجاوزة الحد في الثناء. (*)
الصفحة 356
ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس (2) الثناء بعد البلاء. فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم (3) من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة (4) ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق ماأن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي (5) إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون
____________
(1) اي تواضعا له تعالى وفي بعض النسخ القديمة (ولو كنت أحب ان يقال ذلك لتناهيت له اغنانا الله وإياكم عن تناول ماهو احق به من التعاظم وحسن الثناء) والتناهي: قبول النهي و الضمير في (له) راجع إلى الله تعالى وفي النهج كما في النسخ المشهورة. (آت)
(2) يقال: استحلاه اي وجده حلوا قال ابن ميثم رحمه الله: هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن اثنى عليه، فكأنه يقول: وانت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في الله واحث الناس على ذلك ومن عادة الناس ان يستهل الثناء عند ان يبلو بلاء ا حسنا في جهاد او غيره من سائر الطاعات ثم اجاب ان هذا العذر في نفسه بقوله: (ولا تثنوا علي بجميل ثناء) اي لا تثنوا علي لاجل ما ترونه مني من طاعة الله فان ذلك انما هو اخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم افرغ بعد من ادائها وهي حقوق نعمه وفرائضه التي لا بد من المضي فيها وكذلك اليكم من الحقوق التي اوجبها الله علي من النصيحة في الدين والارشاد إلى الطريق الافضل والتعليم لكيفية سلوكه.
(3) اي لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم، ان علي حقوقا في ايالتكم ورياستي عليكم لم اقم بها بعد وارجو من الله القيام بها وفي بعض النسخ (من التقية) يعني من ان يتقوني في مطالبة حقوق لكم لم افرغ من ادائها وعلى هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم وخوفا من بأسهم. (في)
(4) أهل البادرة الملوك والسلاطين. والبادرة: الحدة والكلام الذي يسبق من الانسان في الغضب اي لا تثنوا علي كما يثنى على اهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم او لا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين والامراء كترك المسارة والحديث اجلالا وخوفا منهم وترك مشاورتهم او اعلامهم والامراء كترك المسارة والحديث اجلالا وخوفا منهم وترك مشاورتهم او اعلامهم ببعض الامور والقيام بين ايديهم. (آت) والمصانعة: الرشوة والمداراة.
(5) هذا من قبيل هضم النفس، ليس بنفي العصمة مع ان الاستثناء يكفينا مؤونة ذلك. (في)
وقال المجلسي رحمه الله هذا من الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية والاقرار بان عصمته من نعمه تعالى عليه. (*)
الصفحة 357
لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه (1) إلى ماصلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.
فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل.
فقال: أنت أهل ما قلت والله والله فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا يكفر (2) وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا وولاك سياسة أمورنا، فأصبح علمنا الذي نهتدي به وإمامنا الذي نقتدي به وأمرك كله رشد وقولك كله أدب، قد قرت بك في الحياة أعيننا و امتلاءت من سرور بك قلوبنا وتحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل (3) عقولنا ولسنا نقول لك: أيها الامام الصالح تزكية لك ولا نجاوز القصد في الثناء عليك ولم يكن (4) في أنفسنا طعن على يقينك أو غش في دينك فنتخوف أن تكون احدثت بنعمة الله تبارك وتعالى تجبرا أو دخلك كبر ولكنا نقول لك ما قلنا تقربا إلى الله عزوجل بتوقيرك وتوسعها بتفضيلك وشكر ا بإعظام أمرك، فانطر لنفسك ولنا وآثر أمر الله على نفسك وعلينا، فنحن طوع فيما أمرتنا ننقاد من الامور مع ذلك فيما ينفعنا.
فأجابه أمير المؤمنين (ع).
فقال: وأنا أستشهدكم عند الله على نفسي لعلمكم فيما وليت به من اموركم وعما قليل يجمعني وإياكم الموقف بين يديه والسؤال عما كنا فيه، ثم يشهد بعضنا
____________
(1) اي من الجهالة وعدم العلم والمعرفة والكمالات التي يسرها الله تعالى لنا ببعثة الرسول (صلى الله عليه وآله) قال ابن ابي الحديد: ليس هذا اشارة إلى خاص نفسه (عليه السلام) لانه لم يكن كافرا فاسلم ولكنه كلام يقوله ويشير به إلى القوم الذين يخاطبهم في افناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا. (آت)
(2) اي نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها وسترها او لا يجوز كفرانها وترك شكرها. (آت)
(3) برع في الشئ فاق أقرانه فيه.
(4) قال المجلسي رحمه الله: (لم يكن) على بناء المجهول من كننت الشئ: سترته. او
(بفتح الياء وكسر الكاف من وكنت الطائر بيضه يكنه إذا حضنه وفي بعض النسخ (لم يكن)
وفي النسخة القديمة (لن يكون). (*)
الصفحة 358
على بعض فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا فإن الله عزوجل لا يخفى عليه خافية ولا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الامور.
فأجابه الرجل ويقال: لم ير الرجل بعد كلامه هذا لامير المؤمنين (ع) فأجابه وقد عال الذي (1) في صدره فقال والبكاء يقطع منطقه وغصص الشجا تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته ووحشة من كون فجيعته (2).
فحمد الله وأثنى عليه، ثم شكا إليه هول ما أشفى عليه (3) من الخطر العظيم و الذل الطويل في فساد زمانه وانقلاب حده (4) وانقطاع ما كان من دولته ثم نصب المسألة إلى الله عزوجل بالامتنان عليه والمدافعة عنه بالتفجيع وحسن الثناء فقال:
يا رباني العباد ويا سكن البلاد (5) أين يقع قولنامن فضلك وأين يبلغ وصفنا من فعلك وأنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك فكيف وبك جرت نعم الله علينا و على يدك اتصلت أسباب الخير إلينا، ألم تكن لذل الذليل ملاذا وللعصاة الكفار إخوانا (6)؟ فبمن إلا بأهل بيتك وبك أخرجنا الله عزوجل من فظاعة تلك الخطرات؟
أو بمن فرج عنا غمرات الكربات؟ (7) وبمن؟ إلا بكم أظهر الله معالم ديننا واستصلح ما كان فسد من دنيانا حتى استبان بعد الجور ذكرنا (8) وقرت من رخاء العيش أعيننا لما
____________
(1) عال بالمهملة اشتد وتفاقم وغلبه وثقل عليه واهمه. (في)
(2) الغصة بالضم: ما اعترض في الحلق وكذا الشجا. والمرزئة: المصيبة وكذا الفجيعة والضميران راجعان إلى امير المؤمنين (عليه السلام).
(3) اي اشرف عليه والضمير في قوله: (اليه) راجع إلى الله تعالى.
(4) الجد: البحث والتفجع والتضرع.
(5) السكن بالتحريك: كل ما يسكن اليه وفي بعض النسخ (يا ساكن البلاد).
(6) اي كنت تعاشر من يعصيك ويكفر نعمتك معاشرة الاخوان شفقة منك عليهم او المراد الشفقة على الكفار والعصاة والاهتمام في هدايتهم ويحتمل ان يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره وكان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع. (آت)
(7) الفظاعة: الشناعة. وفظاعة تلك الخطرات: شناعتها وشدتها والغمرات الشدائد والمزدحمات. (8) قال الجوهري: نعوذ بالله من الحور بعد الكور اى من النقصان بعد الزيادة. وفي بعض النسخ
(بعد الجور) بالمعجمة. (*)
الصفحة 359
وليتنا بالاحسان جهدك ووفيت لنا بجميع وعدك وقمت لنا على جميع عهدك فكنت شاهد من غاب منا وخلف أهل البيت لنا وكنت عز ضعفائنا وثمال فقرائنا (1) وعماد عظمائنا، يجمعنا في الامور عدلك ويتسع لنا في الحق تأنيك (2)، فكنت لنا انسا إذا رأيناك وسكنا إذا ذكرناك، فأي الخيرات لم تفعل؟ وأي الصالحات لم تعمل؟ ولو لا أن الامر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحويله جهدنا (3) وتقوي لمدافعته طاقتنا أو يجوز الفداء عنك وبمن نفديه بالنفوس من أبنائنا لقدمنا أنفسنا وأبناءنا قبلك ولاخطرناها (4) وقل خطرها دونك ولقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك وفي مدافعة من ناواك (5) ولكنه سلطان لا يحاول وعز لا يزاول (6) ورب لا يغالب، فإن يمنن علينا بعافيتك ويترحم علينا ببقائك ويتحنن علينا بتفريج (7) هذا من حالك إلى سلامة منك لنا وبقاء منك بين أظهرنا نحدث لله عزوجل بذلك شكرا نعظمه، وذكرا نديمه (8) ونقسم أنصاف أموالنا صدقات وأنصاف رقيقنا عتقاء (9) ونحدث له تواضعا في أنفسنا ونخشع في جميع أمورنا وإن يمض بك إلى الجنان ويجري عليك حتم سبيله فغير متهم فيك قضاؤه ولا مدفوع عنك بلاؤه ولا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره
____________
(1) الثمال بالكسر: الملجأ والغياث وقيل: هو المطعم في الشدة. (النهاية)
(2) اي صار مداراتك وتأنيك وعدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة الحق علينا وعدم تضيق الامور بنا (آت)
(3) في بعض النسخ (تحريكه) اي تغييره وصرفه.
(4) اي جعلناها في معرض المخاطرة والهلاك او صيرناها خطرا ورهنا وعوضا لك قال الجزري:
فيه: الاهل مشمر للجنة فان الجنة لا خطر لها. اي لا عوض لها ولا مثل. والخطر بالتحريك في الاصل: الرهن وما يخاطر عليه ومثل الشئ وعدله ولا يقال الا في الشئ الذي له قدر ومزية. (آت)
(5) (حاولك) اي قصدك. و (ناواك) اي عاداك. وقوله: (ولكنه) اي الرب تعالى. (6) اي ذو عز وغلبة. وزاوله اي حاوله وطالبه.
(7) في بعض النسخ (بتفريح).
(8) الضميران راجعان إلى الشكر والذكر. (9) الرقيق: المملوك. (*)
الصفحة 360
لك ما عنده على ما كنت فيه ولكنا نبكي من غر إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا (1)
وللدين والدنيا أكيلا (2) فلا نرى لك خلفا نشكوا إليه ولا نظيرا نأمله ولانقيمه (3).
خطبة لامير المؤمنين (ع)
551 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن علي جميعا، عن إسماعيل بن مهران، و أحمد بن محمد بن أحمد، عن علي بن الحسن التيمي، وعلي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا، عن إسماعيل بن مهران، عن المنذر بن جيفر، عن الحكم بن ظهير، عن عبدالله بن جرير (4) العبدي، عن الاصبغ بن نباتة قال: أتى أمير المؤمنين (ع) عبدالله بن عمر وولد أبي بكر وسعد بن أبي وقاص يطلبون منه التفضيل (5) لهم فصعد المنبر ومال الناس إليه فقال:
الحمد لله ولي الحمد ومنتهى الكرم، لا تدركه الصفات، ولا يحد باللغات، ولا يعرف بالغايات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبي الهدى وموضع التقوى ورسول الرب الاعلى، جاء بالحق من عند الحق لينذر بالقرآن المنير والبرهان المستنير فصدع (6) بالكتاب المبين (7) ومضى على ما مضت عليه الرسل الاولون أما بعد.
أيها الناس فلا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم فاتخذوا العقار وفجروا الانهار وركبوا أفره الدواب (8) ولبسوا ألين الثياب فصار ذلك عليهم عارا وشنارا (9)
____________
(1) في اكثر النسخ (لعز هذا السلطان) فقوله (لعز) متعلق بالبكاء و (ان يعود) بدل اشتمال له اي نبكي لتبدل عز هذا السلطان ذلا. (آت) وفي بعض النسخ (لعن الله هذا السلطان) اي هذه السطنة التي لا تكون صاحبها.
(2) الاكيل يكون بمعنى المأكول وبمعنى الاكل والمراد هنا الثاني.
(3) كأن الرجل كان هو الخضر (عليه السلام). (في)
(4) في بعض النسخ (حريز) وفي جامع الرواة ص 107 ج 1 (حريث)
(5) يعني في قسمة الاموال والعطاء بين المسلمين. (في)
(6) في بعض النسخ (بالقران المبين والبرهان المستبين).
(7) اي تكلم به جهارا او شق جماعاتهم بالتوحيد وفصل بين الحق والباطل.
(8) الدابة الفارهة: النشيطة القوية.
(9) الشنار: العيب والعار. (*)
الصفحة 361
إن لم يغفر لهم الغفار إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون وصيرتهم إلى ما يستوجبون فيفقدون ذلك فيسألون ويقولون: ظلمنا ابن أبي طالب وحرمنا ومنعنا حقوقنا، فالله عليهم المستعان من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وآمن بنبينا وشهد شهادتنا ودخل في ديننا اجرينا عليه حكم القرآن وحدود الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى، ألا وإن للمتقين عند الله تعالى أفضل الثواب وأحسن الجزاء والمآب لم يجعل الله تبارك وتعالى الدينا للمتقين ثوابا وما عند الله خير للابرار، انظروا أهل دين الله فيما أصبتم في كتاب الله (1)
وتركتم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاهدتم به في ذات الله أبحسب أم بنسب أم بعمل أم بطاعة أم زهادة (2) وفيما أصبحتم فيه راغبين فسارعوا إلى منازلكم - رحمكم الله - التي امرتم بعمارتها، العامرة التي لا تخرب الباقية التي لا تنفد، التي دعاكم إليها وحضكم عليها (3) ورغبكم فيها وجعل الثواب عنده عنها فاستتموا نعم الله عز ذكره بالتسليم لقضائه والشكر على نعمائه، فمن لم يرض بهذا فليس منا ولا إلينا وإن الحاكم يحكم بحكم الله ولا خشية عليه من ذلك اولئك هم المفلحون - وفي نسخة ولا وحشة واولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وقال: وقد عاتبتكم بدرتي التي اعاتب بها أهلي فلم ترعوا وضربتكم بسوطي الذي أقيم به حدود ربي فلم ترعووا (4) أتريدون أن أضربكم بسيفي أما إني أعلم الذي تريدون ويقيم أودكم (5) ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي (6) بل يسلط الله
____________
(1) اي من مواعيده الصادقة على الاعمال الصالحة واراد بتركهم عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم ضمانه لهم بذلك كانه وديعة لهم عنده. (في)
(2) استفهام انكار يعنز ليس ذلك بحسب ولا نسب بل بعمل وطاعة وزهادة. وقوله: (فيما اصبحتم فيه راغبين) اي انظروا ايضا فيما اصبحتم فيه راغبين هل هو الذي اصبتم في كتاب الله يعني ليس هو بذاك وانما هو الدنيا وزهرتها. (في)
(3) الحض: الحث والترغيب.
(4) الارعواء: الكف والانزجار، وقيل: هو الندم والانصراف عن الشئ. (في)
(5) الاود بالتحريك: الاعوجاج.
(6) اي لا اطلب صلاحكم بالظلم وبما لم يأمرني به ربي فأكون قد اصلحتكم بإفساد نفسي. (آت)
(*)
الصفحة 362
عليكم قوما فينتقم لي منكم فلا دنيا استمتعتم بها ولا آخرة صرتم إليها فبعدا وسحقا لاصحاب السعير.
552 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وأبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار جميعا، عن علي بن حديد، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال:
سأله حمران فقال: جعلني الله فداك لو حدثتنا متى يكون هذا الامر فسررنا به؟ فقال:
يا حمران إن لك أصدقاء وإخوانا ومعارف إن رجلا كان فيما مضى من العلماء وكان له ابن لم يكن يرغب في علم أبيه ولا يسأله عن شئ وكان له جار يأتيه ويسأله ويأخذ عنه فحضر الرجل الموت فدعا ابنه فقال: يا بني إنك قد كنت تزهد فيما عندي وتقل رغبتك فيه ولم تكن تسألني عن شئ ولي جار قد كان ياتيني ويسألني ويأخذ مني ويحفظ عني فإن احتجت إلى شئ فأته، وعرفه جاره فهلك الرجل وبقي ابنه فرأى ملك ذلك الزمان رؤيا فسأل عن الرجل، فقيل له: قد هلك، فقال الملك: هل ترك ولدا؟ فقيل له:
نعم ترك ابنا، فقال: ايتوني به، فبعث إليه ليأتي الملك، فقال الغلام: والله ما أدري لما يدعوني الملك وما عندي علم ولئن سألني عن شئ لافتضحن، فدكر ما كان أوصاه أبوه به فأتى الرجل الذي كان يأخذ العلم من أبيه فقال له: إن الملك قد بعث إلي يسألني ولست أدري فيم بعث إلي وقد كان أبي أمرني أن آتيك إن احتجت إلى شئ فقال الرجل: ولكني أدري فيما بعث إليك فإن أخبرتك فما أخرج الله لك من شئ فهو بيني وبينك فقال: نعم فاستحلفه واستوثق منه أن يفئ له فأوثق له الغلام فقال: إنه يريد أن يسألك عن رؤيا رآها أى زمان هذا؟ فقل له: هذا زمان الذئب، فأتاه الغلام فقال له الملك: هل تدري لم أرسلت إليك؟ فقال: أرسلت إلي تريد أن تسألني عن رؤيا رأيتها أي زمان هذا، فقال له الملك: صدقت فأخبرني أي زمان هذا؟ فقال له:
زمان الذئب، فأمر له بجائزة فقبضها الغلام وانصرف إلى منزله وأبى أن يفئ لصاحبه وقال: لعلي لا أنفد هذا المال ولا آكله حتى أهلك ولعلي لا أحتاج ولا اسأل عن مثل هذا الذي سئلت عنه، فكمث ما شاء الله ثم إن الملك رأى رؤيا فبعث إليه يدعوه فندم على ما صنع وقال: والله ما عندي علم آتيه به وما أدري كيف أصنع بصاحبي وقد غدرت
الصفحة 363
به ولم أف له، ثم قال: لآتينه على كل حال ولاعتذرن إليه ولاحلفن له فلعله يخبرني فأتاه فقال له: إني قد صنعت الذي صنعت ولم أف لك بما كان بيني وبينك وتفرق ما كان في يدي وقد احتجت إليك فانشدك الله أن لا تخذلني وأنا أوثق لك أن لا يخرج لي شئ إلا كان بيني وبينك وقد بعث إلي الملك ولست أدري عما يسألني فقال: إنه يريد أن يسألك عن رؤيا رآها أي زمان هذا فقل له: إن هذا زمان الكبش، فأتى الملك فدخل عليه فقال: لما بعثت إليك؟ فقال: إنك رأيت رؤيا وإنك تريد أن تسألني أي زمان هذا، فقال له: صدقت فأخبرني أي زمان هذا فقال: هذا زمان الكبش فأمر له بصلة، فقبضها وانصرف إلى منزله وتدبر في رأيه في أن يفئ لصاحبه أولا يفئ له فهم مرة أن يفعل ومرة أن لا يفعل ثم قال: لعلي أن لا احتاج إليه بعد هذه المرة أبدا و أجمع رأيه على الغدر وترك الوفاء، فمكث ما شاء الله ثم إن الملك رأى رؤيا فبعث إليه فندم على ما صنع فيما بينه وبين صاحبه وقال: بعد غدر مرتين كيف أصنع وليس عندي علم ثم أجمع رأيه على إتيان الرجل فأتاه فناشده الله تبارك وتعالى وسأله أن يعلمه وأخبره إن هذ المرة يفئ منه وأوثق له وقال: لا تدعني على هذه الحال فإني لا أعود إلى الغدر وسأفي لك فاستوثق منه وقال: إنه يدعوك يسألك عن رؤيا رآها أي زمان هذا فإذا سألك فأخبره أنه زمان الميزان، قال: فأتى الملك فدخل عليه فقال له: لم بعثت إليك؟ فقال: إنك رأيت رؤيا وتريد أن تسألني أي زمان هذا، فقال: صدقت فأخبرني أي زمان هذا؟ فقال: هذا زمان الميزان فأمر له بصلة فقبضها وانطلق بها إلى الرجل فوضعها بين يديه وقال: قد جئتك بما خرج لي فقاسمنيه، فقال له: العالم: إن الزمان الاول كان زمان الذئب وإنك كنت من الذئاب وإن الزمان الثاني كان زمان الكبش يهم ولا يفعل وكذلك كنت أنت تهم ولا تفئ وكان هذا الزمان زمان الميزان و كنت فيه على الوفاء فاقبض مالك لا حاجة لي فيه ورده عليه.
553 - أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي، عن علي بن الحسن التيمي، عن علي بن أسباط، عن على بن جعفر قال: حدثني معتب أو غيره قال: بعث عبدالله بن الحسن إلى أبي عبدالله (ع) يقول لك أبومحمد: أنا أشجع منك وأنا أسخى منك وأنا أعلم منك
الصفحة 364
فقال لرسوله: أما الشجاعة فوالله ما كان لك موقف يعرف فيه جبنك من شجاعتك وأما السخاء فهو الذي يأخذ الشئ من جهته فيضعه في حقه وأماالعلم فقد أعتق أبوك علي ابن أبي طالب (ع) ألف مملوك فسم لنا خمسة منهم وأنت عالم، فعاد إليه فأعلمه ثم عاد إليه فقال له: يقول لك أنت رجل صحفي، فقال له أبوعبدالله (ع): قل له: إي والله صحف إبراهيم وموسى وعيسى ورثتها عن آبائي (عل).
554 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله تبارك وتعالى: " وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم (3) " فقال: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله).
555 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبدالله بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبدالله (ع) في قول الله عزوجل: " وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (4) " قال: لمااسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه جبرئيل بالبراق فركبها فأتى بيت المقدس فلقى من لقى من إخوانه من الانبياء (عل)، ثم رجع فحدث أصحابه إني أتيت بيت المقدس ورجعت من الليلة وقد جاء ني جبرئيل بالبراق فركبتها وآية ذلك أني مررت بعير لابي سفيان على ماء لبني فلان وقد أضلوا جملا لهم أحمر وقد هم القوم في طلبه، فقال بعضهم لبعض إنما جاء الشام وهو راكب سريع ولكنكم قد أتيتم الشام وعرفتموها فسلوه عن أسواقها وأبوابها وتجارها، فقالوا: يا رسول الله كيف الشام وكيف أسواقها؟ - قال: (5) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا سئل عن الشئ لا يعرفه شق عليه حتى يرى
____________
(1) اي لست انت كذلك بل تأخذ أموال الامام وتصرفه في تحصيل خلافة الجور لولدك محمد. (آت)
(2) اي لم تاخذ العلم من الرجال بل اخذت من الكتب. وهذا الخبر يدل على ذم عبدالله بن الحسن. (آت)
(3) يونس: 2. وقال الطبرسي رحمه الله: قال الازهري: القدم: الشئ تقدمه قدامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه.
(4) يونس: 101. وقال الطبرسي رحمه الله. معناه ما تغني هذه الدلالات والبراهين الواضحة مع كثرتها وظهورها ولا الرسل المخوفة عن قوم لا ينظرون في الادلة تفكرا وتدبرا ولا يريدون الايمان.
(5) اي قال ابوعبدالله (عليه السلام). (*)
الصفحة 365
ذلك في وجهه - قال: فبينما هو كذلك إذ أتاه جبرئيل (ع) فقال: يا رسول الله هذه الشام قد رفعت لك، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا هو بالشام بأبوابها وأسواقها وتجارها فقال:
أين السائل عن الشام؟ فقالوا له: فلان وفلان، فأجابهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ما سألوه عنه فلم يؤمن منهم إلا قليل وهو قول الله تبارك وتعالى: " وما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون ".
ثم قال أبوعبدالله (ع): نعوذ بالله أن لا نؤمن بالله وبرسوله، آمنا بالله و برسوله (صلى الله عليه وآله).
556 - أحمد بن محمد بن أحمد، عن علي بن الحسن التيمي، عن محمد بن عبدالله، عن زرارة، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إذا قال المؤمن لاخيه: أف خرج من ولايته (1) وإذا قال: أنت عدوي كفر أحدهما لانه لا يقبل الله عزوجل من أحد عملا في تثريب على مؤمن نصيحة (2) ولا يقبل من مؤمن عملا وهو يضمر في قلبه على المؤمن سوءا، لو كشف الغطاء عن الناس فنظروا إلى وصل ما بين الله عزوجل وبين المؤمن خضعت للمؤمنين رقابهم وتسهلت لهم أمورهم ولانت لهم طاعتهم ولو نظروا إلى مردود الاعمال من الله عز وجل لقالوا: ما يتقبل الله عزوجل من أحد عملا.
وسمعته يقول لرجل من الشيعة: أنتم الطيبون ونساؤكم الطيبات، كل مؤمنة حوراء عيناء وكل مؤمن صديق.
قال: وسمعته يقول: شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله عزوجل يوم القيامة بعدنا، وما من شيعتنا أحد يقوم إلى الصلاة إلا اكتنفته فيها عدد من خالفه من الملائكة
____________
(1) اي من محبته وولايته التي ذكرها الله بقوله: (المؤمنون بعضهم اولياء بعض) او ولاية الله حيث قال تعالى: (الله ولي المؤمنين).
(2) التثريب: التعيير والاستقصاء في اللوم. وقوله: (نصيحة) اما بدل أو بيان لقوله: (عملا)
اي لا يقبل من احد نصيحة لمؤمن يشتمل على تعيير أو مفعول لاجله للتثريب اي لا يقبل عملا من اعماله إذا عيره على وجه النصيحة فكيف بدونها. (آت) (*)
الصفحة 366
- يصلون عليه، جماعة حتى (1) يفرغ من صلاته وإن الصائم منكم ليرتع (2) في رياض الجنة تعدوا له الملائكة حتى يفطر.
وسمعته يقول: أنتم أهل تحية الله بسلامه وأهل أثرة الله برحمته (3) وأهل توفيق الله بعصمته وأهل دعوة الله بطاعته، لا حساب عليكم ولا خوف ولا حزن، أنتم للجنة والجنة لكم، أسماؤكم عندنا الصالحون والمصلحون وأنتم أهل الرضا عن الله عز و جل برضاه عنكم والملائكة إخوانكم في الخير فإذا جهدتم (4) ادعوا وإذا غفلتم اجهدوا وأنتم خير البرية، دياركم لكم جنة (5) وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم وفي الجنة نعيمكم وإلى الجنة تصيرون.
557 - أحمد بن محمد بن أحمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن محمد بن الوليد، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل، عن أبي جعفر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجعفر (ع) (6)
حين قدم من الحبشة أي شئ أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت حبشية مرت وعلى رأسها مكتل فمر رجل (7) فزحمها فطرحها ووقع المكتل عن رأسها فجلست، ثم قالت: ويل لك من ديان يوم الدين إذا جلس على الكرسي وأخذ للمظلوم من الظالم. فتعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
558 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبصير، عن أبي عبدالله (ع): أن آزر أبا إبراهيم (ع) (8)
____________
(1) قوله: (عدد من خالفه) اي من فرق المسلمين او كل من يخالفه في الدين من اي الفرق.
وقوله: (يصلون عليه) اي يدعون ويستغفرون له. وقوله: (جماعة) اي مجتمعين. (آت)
(2) اي ليتنعم في رياضها او يستوجب بذلك دخولها حتى كانه فيها.
(3) الاثرة بالضم: المكرمة المتوارثة.
(4) اي وقعتم في الجهد والمشقة ادعوا الله لكشفها. وفي بعض النسخ (اجتهدتم).
(5) الجنة بضم الجيم: الستر.
(6) يعني جعفر بن ابي طالب (عليهما السلام) الطيار.
(7) المكتل كمنبر: زنبيل يسع خمسة عشر صاعا.
(8) الاخبار الدالة على اسلام آباء النبي (صلى الله عليه وآله) من طرق الشيعة مستفيضة بل متواترة وكذا في خصوص والد ابراهيم قد وردت بعض الاخبار واما العامة اختلفوا في ابراهيم وهذا الخبر صريح في كون والده (عليه السلام) آزر فلعله ورد تقية. (من آت) (*)
الصفحة 367
كان منجما لنمرود ولم يكن يصدر إلا عن أمره فنظر ليلة في النجوم فاصبح وهويقول لنمرود: لقد رأيت عجبا، قال: وما هو؟ قال: رأيت مولودا يولد في أرضنا يكون هلاكنا على يديه ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به، قال: فتعجب من ذلك وقال:
هل حملت به النساء؟ قال: لا، قال: فحجب النساء عن الرجال فلم يدع امرأة إلا جعلها في المدينة لا يخلص إليها ووقع آزر بأهله فعلقت بإبراهيم (صلى الله عليه وآله) فظن أنه صاحبه فأرسل إلى نساء من القوابل في ذلك الزمان لا يكون في الرحم شئ إلا علمن به فنظرن فألزم الله عزوجل ما في الرحم [إلى] الظهر فقلن،: ما نرى في بطنها شيئا وكان فيما أوتي من العلم أنه سيحرق بالنار ولم يؤت علم أن الله تعالى سينجيه، قال: فلما وضعت أم إبراهيم أراد آزر أن يذهب به إلى نمرود ليقتله، فقالت له امرأته لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض الغيران (1) أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا تكون أنت الذي تقتل ابنك، فقال لها: فامضي به، قال: فذهبت به إلى غار ثم ارضعته، ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه، قال: فجعل الله عزوجل رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشخب لبنها (2) وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة، فمكث ما شاء الله أن يمكث. ثم إن امه قالت لابيه: لو أذنت لي حتى أذهب إلى ذلك الصبي فعلت: قال: فافعلي، فذهبت فإذا هي بإبراهيم (ع) وإذا عيناه تزهران كأنها سراجان قال: فأخذته فضمته إلى صدرها وارضعته ثم انصرفت عنه، فسألها آزر عنه، فقالت قد واريته في التراب فمكثت تفعل فتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم (ع) فتضمه إليها وترضعه، ثم تنصرف فلما تحرك أتته كما كانت تأتيه فصنعت به كما كانت تصنع فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها فقالت له: مالك؟ فقال لها: اذهبي بي معك، فقالت له: حتى استأمر أباك، قال: فأتت أم إبراهيم (ع) آزر فأعلمته القصة، فقال لها: إيتيني به فأقعديه على الطريق فإذا مر به إخوته دخل
____________
(1) الغار: الكهف والجمع: الغيران.
(2) فيشخب بضم الخاء وفتحها اي يسيل. وقوله: (يشب) بكسر الشين اي ينمو. (*)
الصفحة 368
معهم ولا يعرف، قال: وكان إخوة إبراهيم (ع) يعملون الاصنام ويذهبون بها إلى الاسواق ويبيعونها، قال: فذهبت إليه فجاءت به حتى أقعدته على الطريق ومر إخوته فدخل معهم فلما راه أبوه وقعت عليه المحبة منه فمكث ما شاء الله قال: فبينما إخوته يعملون يوما من الايام الاصنام إذا أخذ إبراهيم (ع) القدوم (1) وأخذ خشبة فنجر منها صنما لم يروا قط مثله، فقال آزر لامه: إني لارجوا أن نصيب خيرا ببركة ابنك هذا، قال: فبينما هم كذلك إذا أخذ إبراهيم القدوم فكسر الصنم الذي عمله ففزع أبوه من ذلك فزعا شديدا، فقال له: أي شئ عملت؟ فقال له، إبراهيم (ع)، وما تصنعون به؟ فقال آزر: نعبده، فقال له إبراهيم (ع): " أتعبدون ماتنحتون "؟
فقال آزر [لامه]: هذا الذي يكون ذهاب ملكنا على يديه.
559 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبدالله (ع) قال خالف إبراهيم (ع) قومه وعاب آلهتهم حتى أدخل على نمرود فخاصمه، فقال: إبراهيم (ع): " ربي الذي يحيي ويميت قال:
أنا احيي وأميت " قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (2) " وقال ابوجعفر (ع): عاب آلهتهم
____________
(1) بفتح القاف وضم الدال: آلة للنحت والنجر.
(2) البقرة: 258. وقوله: (انا احيي واميت) قال الطبرسي رحمه الله: اي فقال نمرود: انا احيي بالتخلية من الحبس من وجب عليه القتل واميت بالقتل من شئت اي ممن هو حي وهذا جهل من الكافر لانه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت او الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد سبحانه به ولا يقدر عليه سواه.
انتهى، اقول: الظاهر من سياق الاية ان المراد من قوله: (انا احيي واميت) ان الرب الذي وصفته بكذا هو انا. وهذا تلبيس ومغالطة منه. وفي تفسير الميزان: (قوله تعالى): (قال انا احيي و اميت.. الاية) اي فانا ربك الذي وصفته بانه يحيي ويميت قوله تعالى: قال ابراهيم: (فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر.. الاية) لما آيس (عليه السلام) من مضى احتجاجه بان ربه الذي يحيي ويميت، لسوء فهم الخصم وتمويهه وتلبيسه الامر على من حضر عندهما عدل عن بيان ما هو مراده من الاحياء والاماتة إلى حجة اخرى، الا انه بنى هذه الحجة (*)
الصفحة 369
" فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم (1) " قال أبوجعفر (ع): والله ما كان سقيما وما كذب، فلما تولوا عنه مدبرين إلى عيد لهم دخل إبراهيم (ع) إلى آلهتهم بقدوم فكسرها إلا كبيرا لهم ووضع القدوم في عنقه فرجعوا إلى آلهتهم فنظروا إلى ما صنع بها فقالوا: لا والله ما اجترأ عليها ولا كسرها إلا الفتى الذي كان يعيبها ويبرأ منها، فلم يجدوا له قتلة أعظم من النار، فجمع له الحطب واستجادوه حتى إذا كان اليوم الذي يحرق فيه برز له نمرود وجنوده وقد بنى له بناء ا لينظر إليه كيف تأخذه النار ووضع إبراهيم (ع) في منجنيق، وقالت الارض: يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره يحرق بالنار؟ قال الرب: إن دعاني كفيته. فذكر أبان، عن محمد بن مروان، عمن رواه (2)
عن أبي جعفر (ع) أن دعاء إبراهيم (ع) يومئذ كان " يا أحد [يا أحد، يا صمد] يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ثم قال: " توكلت على الله " فقال الرب تبارك وتعالى: كفيت، فقال للنار: " كوني بردا " قال: فاضطربت أسنان إبراهيم (ع)
من البرد حتى قال الله عزوجل: " وسلاما " على إبراهيم. وانحط جبرئيل (ع) وإذا هو جالس مع إبراهيم (ع) يحدثه في النار، قال نمرود: من اتخذ إلها فليتخذ مثل
____________
الثانية على دعوى الخصم في الحجة الاولى كما يدل عليه التفريع بالفاء في قوله: (فان الله... الاية)
والمعنى: ان كان الامر كما تقول: انك ربي ومن شان الرب ان يتصرف في تدبير امر هذا النظام الكوني فالله سبحانه يتصرف في الشمس باتيانها من المشرق فتصرف انت باتيانها م المفرب حتى يتضح انك رب كما ان الله رب كل شئ او انك الرب فوق الارباب فبهت الذي كفر، وانما فرع الحجة على ما تقدمها لئلا يظن ان الحجة الاولى تمت لنمرود وانتجت ما ادعاه، ولذلك ايضا قال:
(فان الله) ولم يقل: فان ربي لان الخصم استفاد من قوله (ربي) سوءا وطبقه على نفسه بالمغالطة فاتى (عليه السلام) ثانيا بلفظة الجلالة ليكون مصونا عن مثل التطبيق السابق: وقد مر بيان ان نمرود ما كان يسعه ان يتفوه في مقابل هذه الحجة بشئ دوه ان يبهت فيسكت.
1) الصافات: 88 و 9 8. (فقال اني سقيم) قيل: أراهم انه استدل بها على انه مشارف لسقم لئلا يخرجوه إلى معبدهم لانهم كانوا منجمين وذلك حين سألوه ان يعيد معهم وكان اغلب اسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى. (الصافي) (2) في بعض النسخ (عن زرارة). (*)
الصفحة 370
إله إبراهيم، قال: فقال عظيم من عظمائهم: إني عزمت على النار أن لا تحرقه، [قال]
فأخذ عنق من النار نحوه حتى أحرقه، قال: فآمن له لوط وخرج مهاجرا إلى الشام هو وسارة ولوط.
560 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول:
إن إبراهيم (ع) كان مولده بكوثى ربا (1) وكان أبوه من أهلها وكان ام إبراهيم وام لوط (2) سارة وورقة - وفي نسخة رقية اختين وهما ابنتان للاحج وكان اللاحج نبيا منذرا ولم يكن رسولا (3) وكان إبراهيم (ع) في شبيبته (4) على الفطرة التي فطر الله عزوجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه وأنه تزوج سارة ابنة لاحج (5) وهي ابنة خالته وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة و حال حسنة وكانت قد ملكت إبراهيم (ع) جميع ما كانت تملكه فقام فيه وأصلحه و كثرت الماشية والزرع حتى لم يكن بأرض كوثى ربا رجل أحسن حالا منه وإن
____________
(1) قال الجزري: كوثى سرة السواد وبها ولد ابراهيم الخليل (عليه السلام). وقال الفيروز آبادي: كوثى كطوبى: قرية بالعراق وقال: الربى كهدى: موضع. وقال الحموي في مراصد الاطلاع: كوثى بالعراق في موضعين كوثى الطريق وكوثى ربا وبها مشهد ابراهيم الخليل (عليه السلام) وهما قريتان وبينهما تلول من رماد يقال: انها رماد النار التي اوقدها نمرود لاحراقه.
(2) كذا في اكثر النسخ، وفي بعض النسخ (امرأة ابراهيم وامرأة لوط). وهو الصواب و في كامل التواريخ: (ان لوطا كان ابن اخي ابراهيم (عليه السلام)).
(3) اي لم يكن ممن يأتيه الملك فيعاينه كما يظهر من الاخبار. او لم يكن صاحب شريعة مبتدأ كما قيل. (آت)
(4) اي في حداثته على الفطرة او التوحيد اي كان موحدا بما آتاه الله من العقل والهبة حتى جعله الله نبيا وآتاه الملك. (آت)
(5) الظاهر انه كان ابنة ابنة لاحج فتوهم النساخ التكرار فاسقطوا احداهما وعلى ما في النسخ المراد ابنة الابنة مجازا وسارة ولاحج هنا غير المتقدمين وانما الاشتراك في الاسم وعلى نسخة (الامراة) لا يحتاج إلى التكلف. (آت) (*)
الصفحة 371
ابراهيم (ع) لما كسر أصنام نمرود أمر به نمرود فأوثق وعمل له حيرا (1) وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار، ثم قذف إبراهيم (ع) في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم (ع) سليما مطلقا من وثاقه فاخبر نمرود خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم (ع) من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله، فحاجهم إبراهيم (ع) عند ذلك فقال: إن أخذتهم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في بلادكم واختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم (ع) أن يسلم إليهم جميع ماأصاب في بلادهم وقضى على أصحاب نمرود أن يردواعلى إبراهيم (ع) ماذهب من عمره في بلادهم فأخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وما له وأن يخرجوه وقال: إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطا معه صلى الله عليهما من بلادهم إلى الشام فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة وقال لهم: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " يعني بيت المقدس.
فتحمل إبراهيم (ع) بماشيته وماله وعمل تابوتا وجعل فيه سارة وشد عليها الاغلاق غيره منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان نمرود وصار إلى سلطان رجل من القبط يقال له: عرارة فمر بعاشر له (2) فاعترضه العاشر ليعشر مامعه فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت، قال العاشر لابراهيم (ع): افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه، فقال له إبراهيم (ع): قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطي عشره ولا نفتحه، قال: فأبى العاشر إلا فتحه، قال: وغضب إبراهيم (ع) على فتحه فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال، قال له العاشر: ما هذه المرأة منك؟ قال إبراهيم (ع): هي حرمتي وابنة خالتي، فقال له العاشر: فما دعاك إلى أن خبيتها (3) في هذا التابوت؟ فقال إبراهيم (ع): الغيرة عليها أن يراها أحد،
____________
(1) الحير بفتح المهملة وآخره راء: شبه الخطيرة. (2) اي ملتزم اخذ العشر. (*)
الصفحة 372
فقال له العاشر: لست أدعك تبرح حتى اعلم الملك حالها وحالك، قال: فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم (ع): إني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي، فاخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه، فحملوا إبراهيم (ع) والتابوت وجميع ما كان معه حتى أدخل على الملك فقاله له الملك: افتح التابوت، فقال إبراهيم (ع): أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي قال: فغضب الملك (1)
إبراهيم (ع) على فتحه، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم (ع) بوجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي، فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه، فقال له الملك: إن إلهك الذي فعل بي هذا؟ فقال له: نعم إن إلهي غيور يكره الحرام وهو الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام فقال له الملك: فادع إلهك يرد علي يدي فإن أجابك فلم أعرض لها، فقال: إبراهيم
(ع): إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي: قال: فرد الله عزوجل عليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم أعاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم (ع) عنه بوجهه غيرة منه و قال: اللهم احبس يده عنها، قال: فيبست يده ولم تصل إليها، فقال الملك لابراهيم
(ع): إن إلهك لغيور وإنك لغيور فادع إلهك يرد علي يدي فإنه إن فعل لم أعد، فقال له إبراهيم (ع): أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله، فقال الملك:
نعم، فقال إبراهيم (ع): اللهم إن كان صادقا فرد عليه يده، فرجعت إليه يده فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ورأى الآية في يده عظم إبراهيم (ع) وهابه وأكرمه واتقاه وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشئ مما معك فانطلق حيث شئت و لكن لي إليك حاجة، فقال إبراهيم (ع): ما هي؟ فقال له: أحب أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما، قال: فأذن له إبراهيم (ع) فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر أم إسماعيل (ع)، فسار إبراهيم (ع) بجميع ما معه وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم (ع) إعظاما لابراهيم (ع) وهيبة له فأوحى الله تبارك و
____________
(1) غضب فلانا على الشئ قهره. (القاموس)
الصفحة 373
تعالى إلى إبراهيم أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي هو خلفك ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الارض برة أو فاجرة فوقف إبراهيم (ع) وقال الملك: امض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك و اهابك وأن أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالا لك، فقال له الملك: أوحى إليك بهذا؟
فقال له إبراهيم (ع): نعم، فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغبني في دينك، قال: وودعه الملك فسار إبراهيم (ع) حتى نزل بأعلى الشامات وخلف لوط (ع) في أدنى الشامات، ثم إن إبراهيم (ع) لما أبطا عليه الولد قال لسارة:
لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا، فابتاع إبراهيم
(ع) هاجر من سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل (ع).
561 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن أحمد المنقري، عن يونس ابن ظبيان قال: قلت لابي عبدالله (ع): ألا تنهى هذين الرجلين عن هذا الرجل؟ فقال:
من هذا الرجل ومن هذين الرجلين؟ قلت: ألا تنهى حجر بن زائدة وعامر بن جذاعة عن المفضل بن عمر (1) فقال: يا يونس قد سألتهما أن يكفا عنه فلم يفعلا فدعوتهما وسألتهما
____________
(1) حجر بن زائدة الحضرمي قال النجاشي: روى عن ابي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) ثقة صحيح المذهب صالح من هذه الطائفة وروى الكشي عن محمد بن قولويه عن سعد عن علي بن سليمان بن داود عن علي بن اسباط عن ابيه عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) انه من حواري محمد ابن على وجعفر بن محمد (عليهما السلام). وعن علي بن محمد عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسين ابن سعيد يرفعه عن عبدالله بن الوليد قال: قال لي ابوعبدالله (عليه السلام) ما تقول في مفضل؟ قلت وما عسيت ان أقول فيه بعد ما سمعت منك. فقال: رحمه لله لكن عامر بن جذاعة وحجر بن زائدة اتياني فعاباه عندي فسألتهما الكف عنه فلم يفعلا ثم سألتهما ان يكفا عنه واخبرتهما بسروري بذلك فلم يفعلا فلا غفر الله لهما. وفي الفهرست لشيخ الطائفة: له كتاب اخبرنا به ثم ذكر رحمه الله طريقه إلى ابن مسكان عنه. انتهى وعامر بن عبدالله بن جذاعة الازدي روى عن ابي عبدالله (عليه السلام) وله كتاب كذا ذكره (*)
الصفحة 374
وكتبت إليهما وجعلته حاجتي إليهما فلم يكفا عنه فلا غفر الله لهما فوالله لكثير عزة (1)
أصدق في مودته منهما فيما ينتحلان من مودتي حيث يقول:
ألا زعمت بالغيب ألا أحبها * إذا أنا لم يكرم علي كريمها (2)
أما والله لو أحباني لاحبا من أحب.
562 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن القاسم شريك المفضل وكان رجل صدق قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: حلق في المسجد يشهرونا ويشهرون أنفسهم أولئك ليسوا منا ولا نحن منهم، أنطلق فأواري (3) و أستر فيهتكون ستري هتك الله ستورهم (4)، يقولون: إمام، أما والله ما أنا بإمام إلا لمن أطاعني فأما من عصاني فلست له بإمام، لم يتعلقون باسمي، ألا يكفون (5) اسمي من أفواههم فوالله لا يجمعني الله وإياهم في دار.
____________
المنجاشي. وقال: مفضل بن عمر كوفي فاسد المذهب مضطرب الرواية لا يعبأ به. وفي (الخلاصة):
متهافت مرتفع القول خطابي وقد زيد عليه شئ كثير وحمل الغلاة في حديثه حملا عظيما ولا يجوز ان يكتب حديثه روى عن ابي عبدالله وابي الحسن (عليهما السلام) وقيل: انه كان خطابيا وقد ذكرت له مصنفات لا يعول عليها انتهى وعده المفيد رحمه الله في ارشاده من شيوخ اصحاب ابي عبدالله (عليه السلام) وخاصته وبطانته وثقاة الفقهاء الصالحين وقال الشيخ الطوسي رحمه الله في كتاب الغيبة: ومنهم المفضل بن عمر اي من المحمودين ممن كان يختص بامام ويتولى له الامر. انتهى وروى روايات غير نقية الطريق في مدحه واورد الكشي احاديث تقتضي مدحه والثناء عليه لكن طرقها غير نقية كلها واحاديث تقتضي ذمه والبراءة منه كما في الخلاصة وهي اقرب إلى الصحة فالاولى عدم الاعتماد والله اعلم بحاله. (جامع الرواة) وقال المجلسي رحمه الله: ان هذا الخبر يدل على جلالة المفضل وذمهما لكنه على مصطلح القوم ضعيف.
(1) بضم الكاف وفتح الثاء وتشديد الياء المكسورة اسم شاعر. وعزة بفتح العين المهملة والزاي المعجمة المشددة اسم معشوقته. (آت)
(2) (الا زعمت) اي قالت أو زعمت (بالغيب) اي غائبة عني اي انها تعلم أني إذا لم أكن محبا لمن يحبها لم أكن محبا لها. (آت)
(3) في بعض النسخ (فادارى). (4) في بعض النسخ (سرهم).
(5) في بعض النسخ (ألا يلقون اسمي من افواههم). (*)
الصفحة 375
563 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن ذريح، عن أبي عبدالله
(ع) قال: لما خرجت قريش إلى بدر وأخرجوا بني عبدالمطلب معهم خرج طالب بن أبي طالب فنزل رجازهم وهم يرتجزون ونزل طالب بن أبي طالب يرتجز ويقول:
يا رب إما يغزون بطالب * في مقنب من هذه المقانب (1)
في مقنب المغالب المحارب * بجعله المسلوب غير السالب (2)
وجعله المغلوب غير الغالب فقالت قريش: إن هذا ليغلبنا فردوه (3).
وفي رواية اخرى عن أبي عبدالله (ع) أنه كان أسلم.
564 - حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي
____________
(1) المقنب بالكسر جماعة الخيل والفرسان وفي بعض ما ظفرنا عليه من السير هكذا:
يارب اما اخرجوا بطالب * في مقنب من هذه المقانب فاجعلهم المغلوب غير الغالب * وارددهم المسلوب غير السالب قال صاحب الكامل في ذكر قصته: وكان بين طالب بن ابي طالب وهو في القوم وبين بعض قريش محاورة: فقالوا: والله لقد عرفنا ان هواكم مع محمد فرجع طالب فيمن رجع إلى مكة. وقيل: انه اخرج كرها فلم يوجد في الاسرى ولا في القتلى ولا فيمن رجع إلى مكة وهو الذي يقول:
يارب اما يغزون طالب * في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب اقول: على ما نقلناه من الكتابين ظهر انه لم يكن راضيا بهذه المقاتلة وكان يريد ظفر النبي (صلى الله عليه وآله)، إما لانه قد أسلم كما تدل عليه المرسلة او لمحبة القرابة، فالذي يخطر بالبال في توجيه ما في الخبر ان يكون قوله: (بجعله) بدل اشتمال لقوله: (بطالب) اي اما تجعل الرسول غالبا بمغلوبية طالب حال كونه في مقانب عسكر مخالفيه الذين يطلبون الغلبة عليه بان تجعل طالبا مسلوب الثياب والسلاح غير سالب لاحد من عسكر النبي (صلى الله عليه وآله) وبجعله مغلوبا منهم غير غالب عليهم. (آت)
(2) في بعض النسخ القديمة (فاجعله المسلوب غير السالب) (آت)
(3) (ليغلبنا) على ما ذكرنا اي يريد غلبة الخصوم علينا او يصير تخاذله سببا لغلبتهم علينا. (آت) (*)
الصفحة 376
عن أبان بن عثمان، عن محمد بن المفضل (1) قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: جاءت فاظمة
(عه) إلى سارية في المسجد (2) وهي تقول وتخاطب النبي (صلى الله عليه وآله):
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قوم فاشهدهم ولا تغب (3)
565 - أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد إذ خفض له كل رفيع ورفع له كل خفيض حتى نظر إلى جعفر (ع) (4) يقاتل الكفار قال: فقتل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتل جعفر وأخذه المغص في بطنه (5).
566 - حميد بن زياد، عن عبيد الله بن أحمد الدهقان، عن علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن زياد بياع السابري، عن عجلان أبي صالح قال: سمعت أبا عبدالله
(ع) يقول: قتل علي بن أبي طالب (ع) بيده يوم حنين أربعين (6).
567 - أبان، عن عبدالله بن عطاء، عن أبي جعفر (ع) قال: أتى جبرئيل (ع)
رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبراق أصغر من البغل وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عينيه في حافره وخطاه مد بصره وإذا انتهى إلى جبل قصرت يداه وطالت رجلاه فإذا هبط طالت يداه وقصرت رجلاه، أهدب العرف (7) الايمن له جناحان من خلفه.
____________
(1) في بعض النسخ (محمد بن الفضيل). والمختار اظهر بقرينة رواية أبان عنه وروايته عن ابي عبدالله (عليه السلام).
(2) اي إلى اسطوانة وكانت هذه المطالبة والشكاية عند اخراج امير المؤمنين (عليه السلام) للبيعة او عند غصب فدك. (آت)
(3) الهنبثة: الامر المختلف الشديد والاختلاط من القول والاختلاف فيه. والخطب الامر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن، والحال ويمكن ان يقرأ الخطب بضم الخاء وفتح الطاء جمع خطبة. والوابل: المطر الشديد الضخم القطر. وفي كشف الغمة (واختل قومك لما غبت وانقلبوا)
وفي الكتب زوائد اوردناها في البحار. (آت)
(4) يعني جعفر بن ابي طالب (عليه السلام).
(5) المغص بالتسكين ويحرك: وجع في البطن والظاهر ان الضمير في قوله: (في بطنه)
راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) اي اخذه هذه الداء لشدة اغتمامه وحزنه عليه. (آت)
(6) كذا دكره الشيخ المفيد قدس سره في ارشاده وبعض اهل السير. (آت)
(7) اي طويلة وكان مرسلا في جانب الايمن. (آت) (*)
الصفحة 377
568 - علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن فيض ابن المختار قال: قال أبوعبدالله (ع): كيف تقرأ " وعلى الثلاثة الذين خلفوا (1) "
قال: لو كان خلفوا لكانوا: في حال طاعة ولكنهم " خالفوا " عثمان وصاحباه أما والله ما سمعوا صوت حافر ولا قعقعة (2) حجر إلا قالوا: أتينا، وصاحباه أما والله ما سمعوا صوت حافر ولا قعقعة (2) حجر إلا قالوا: أتينا، فسلط الله عليهم الخوف حتى أصبحوا.
569 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن أبي حمزة
____________
(1) التوبة: 118. قال الشيخ امين الدين الطبرسي: القراءة المشهورة (الذين خلفوا) و قرأ علي بن الحسين وابوجعفر الباقر وجعفر الصادق (عليهم السلام) وابوعبدالرحمن السلمى (خالفوا)
وقرأ عكرمة وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد (خلفوا) بفتح الخاء واللام خفيفة. ثم قال: نزلت في كعب ابن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن امية وذلك انهم تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يخرجوا معه لا عن نفاق ولكن عن توان ثم ندموا فلما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة جاؤوا اليه واعتذروا فلم يكلمهم النبي (صلى الله عليه وآله) وتقدم إلى المسلمين بان لا يكلمهم احد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان وجاءت نساؤهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلن له يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال: لا ولكن لا يقربوكن، فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال وكان اهاليهم يجيؤون لهم بالطعام ولا يكلمونهم فقال بعضهم لبعض قد هجرنا الناس ولا يكلمنا احد منهم فهلا نتهاجر نحن ايضا فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا على ذلك خمسين يوما يتضرعون إلى الله تعالى ويتوبون اليه فقبل الله تعالى توبتهم وانزل فيهم هذه الاية. ثم قال: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) قال مجاهد: معناه خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول التوبة ممن قبل توبتهم من المنافقين كما قال سبحانه فيما مضى: (وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) وقال الحسن وقتاده: معناه خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوهم واما قراءة اهل البيت (عليهم السلام) خالفوا فانهم قالوا: لو كانوا خلفوا لما توجه عليهم العتب و لكنهم خالفوا. انتهى.
اقول: يدل هذا الخبر على ان ابا بكر وعمر وعثمان كان وقع منهم ايضا تخلف عند خروج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى تبوك فسلط الله عليهم الخوف في تلك الليلة حتى ضاقت عليهم الارض برحبها وسعتها وضاقت عليهم انفسهم لكثرة خوفهم وحزنهم حتى اصبحوا ولحقوا بالنبي صلى الله عليه و آله واعتذروا اليه. (آت)
(2) قعقع السلاح: صوت. والشئ اليابس: حركه مع صوت: والقعقعة حكاية حركة الشئ يسمع له صوت. (*)
الصفحة 378
عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) قال: تلوت " التائبون العابدون (1) " فقال: لا، اقرأ التائبين العابدين - إلى آخرها - " فسئل عن العلة في ذلك، فقال: اشترى من المؤمنين التائبين العابدين.
570 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبدالله ابن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: هكذا أنزل الله تبارك و تعالى " لقد جاءنا رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤف رحيم (2) ".
571 - محمد، عن احمد، عن ابن فضال عن الرضا (ع) " فأنزل الله سكينته على رسوله وأيده بجنود لم تروها (3) " قلت: هكذا؟ قال: هكذا نقرؤها وهكذا تنزيلها.
572 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن عمار بن سويد قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: في هذه الآية: " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك (4) " فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزل قديد (5) قال لعلي (ع): يا علي إني سألت ربي أن يوالي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يواخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال رجلان من قريش: والله لصاع من تمر في شن بال احب إلينا مما سأل محمد ربه فهلا سأل ربه ملكا يعضده على عدوه أو كنزا يستغني به عن فاقته والله ما دعاه
____________
(1) التوبة: 112. وهذا اختلاف القراءة، قال الطبرسي: في قراءة ابي وعبدالله بن مسعود و الاعمش (التائبين العابدين) بالياء إلى آخرها وروى ذلك عن ابي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام).
(2) السند ضعيف بسهل بن زياد والاية في سورة التوبة: 128 هكذا (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم).
(3) السند موثق والاية في سورة التوبة: 40 وفيها (فأنزل الله سكينته عليه وأيده. الاية)
والضمير لا بد من ارجاعه إلى الرسول ويدل عليه آيات أخر وهذا اختلاف القراءة فقط.
(4) هود: 12.
(5) كزبير: اسم واد وموضع. والشن بالفتح: القربة البالية. (*)
الصفحة 379
إلى حق ولا باطل إلا أجابه إليه فأنزل الله سبحانه وتعالى " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك إلى آخر الآية - ".
573 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان قال:
سئل أبوعبدالله (ع) عن قول الله عزوجل: " ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك (1) " فقال: كانوا امة واحدة فبعث الله النبيين ليتخذ عليهم الحجة.
574 - علي بن محمد، علي بن العباس، عن علي بن حماد، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر (ع) في قول الله عزوجل: " ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا (2) " قال: من تولى الاوصياء من آل محمد واتبع آثارهم فذلك يزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الاولين حتى تصل ولايتهم إلى آدم (ع) وهو قول الله عزوجل " من جاء بالحسنة فله خير منها (3) " يدخله الجنة وهو قول الله عزوجل:
" قل ما سألتكم من أجر فهو لكم (4) " يقول: أجر المودة الذي لم أسألكم غيره فهو لكم تهتدون به وتنجون من عذاب يوم القيامة وقال لاعداء الله أولياء الشيطان أهل التكذيب والانكار " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (5) " يقول متكلفا أن اسألكم ما لستم بأهله فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعض: أما يكفي محمدا (6) أن يكون قهرنا عشرين سنة حتى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا فقالوا:
ما أنزل الله هذا وما هو إلا شئ يتقوله يريد أن يرفع أهل بيته على رقابنا ولئن قتل محمد أو مات لننزعنها من أهل بيته ثم لا نعيدها فيهم أبدا وأراد الله عزوجل أن يعلم نبيه (صلى الله عليه وآله) الذي أخفوا في صدورهم وأسروا به فقال في كتابه عزوجل " أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك (7) " يقول: لو شئت حبست
____________
(1) هود: 118 و 119.
(2) الشورى: 23 وقوله: (يقترف) اي يكتسب.
(3) النمل: 89. (4) سبأ: 47.
(5) ص: 86. (6) كذا. (7) الشورى: 24. (*)
الصفحة 380
عنك الوحي فلم تكلم بفضل أهل بيتك ولا بمودتهم وقد قال الله عزوجل: " ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته (يقول: الحق لاهل بيتك الولاية) إنه عليم بذات الصدور (1) " ويقول: بما ألقوه في صدورهم من العداوة لاهل بيتك والظلم بعدك و هو قول الله عزوجل: " وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتاتون السحر وأنتم تبصرون (2) " وفي قوله عزوجل: " والنجم إذا هوى " قال: أقسم بقبض محمد إذا قبض " ما ضل صاحبكم (بتفضيله أهل بيته) وما غوى * وما ينطق عن الهوى "
يقول: ما يتكلم بفضل أهل بيته بهواه وهو قول الله عزوجل: " إن هو إلا وحي يوحى (3) "
وقال الله عزوجل لمحمد (صلى الله عليه وآله): " قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم (4) " قال: لو أني أمرت أن اعلمكم الذي أخفيتم في صدوركم من استعجالكم بموتي لتظلموا أهل بيتي من بعدي، فكان مثلكم كما قال الله عزوجل: " كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله (5) " يقول: أضاءت الارض بنور محمد كما تضئ الشمس فضرب الله مثل محمد (صلى الله عليه وآله) الشمس ومثل الوصي القمر وهو قوله عزوجل:
" جعل الشمس ضياء ا والقمر نورا " وقوله: " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (7) " وقوله عزوجل: " ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (8) "
يعني قبض محمد (صلى الله عليه وآله) وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل أهل بيته وهو قوله عزوجل:
" وإن تدعهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظروا إليك وهم لا يبصرون (9) " ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضع العلم الذي كان عنده عند الوصي وهو قول الله عزوجل: " الله نور السموات والارض (10) " يقول: أنا هادي السماوات والارض مثل العلم الذي أعطيته وهو نور [ي] الذي يهتدى به مثل المشكاة فيها المصباح، فالمشكاة قلب محمد (صلى الله عليه وآله) و
____________
(1) الشورى: 24. (2) الانبياء: 3.
(3) الايات في سورة النجم: 1 إلى 4. (4) الانعام: 58.
(5) البقرة: 17. (6) يونس: 5.
(7) يس: 37. (8) البقرة: 18.
(9) الاعراف: 197 وفيها (ان تدعوهم) (10) النور: 35. (*)
الصفحة 381
المصباح النور الذي فيه العلم وقوله: " المصباح في زجاجة " يقول: إني اريد أن اقبضك فاجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في الزجاجة، " كأنها كوكب دري " فأعلمهم فضل الوصي، " توقد من شجرة مباركة " فأصل الشجرة المباركة إبراهيم (ع) وهو قول الله عزوجل: " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (1) " وهو قول الله عزوجل: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (2) "، " لا شرقية ولا غربية " يقول:
لستم بيهود فتصلوا قبل المغرب ولا نصارى فتصلوا قبل المشرق وأنتم على ملة إبراهيم
(ع) وقد قال الله عزوجل " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان المشركين (3) " وقوله عزوجل: " يكاد زيتهايضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول: مثل أولادكم الذين يولدون منكم كمثل الزيت الذي يعصر من الزيتون " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء " يقول: يكادون أن يتكلموا بالنبوة ولو لم ينزل عليهم ملك.
575 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن الحسن بن علي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: سألته عن قول الله عزوجل:
" سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (4) " قال: يريهم في أنفسهم المسخ ويريهم في الافاق انتقاض الآفاق عليهم فيرون قدرة الله عزوجل في أنفسهم وفي الآفاق، قلت له: " حتى يتبين لهم أنه الحق " قال: خروج القائم هو الحق من عند الله عزوجل، يراه الخلق لا بد منه.
576 - محمد بن يحيى، والحسين بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد، عن عباد بن يعقوب، عن أحمد بن إسماعيل، عن عمرو بن كيسان، عن أبي عبدالله الجعفي (5) قال: قال لي أبوجعفر محمد بن علي (ع): كم الرباط عندكم؟ قلت: أربعون قال: لكن رباطنا
____________
(1) هود: 73. (2) آل عمران: 33 و 34.
(3) آل عمران: 67. (4) فصلت: 53.
(5) هو عمرو بن شمر والسند ضعيف به. (*)
الصفحة 382
رباط الدهر (1) ومن ارتبط فينا دابة كان له وزنها ووزن وزنها (2) ما كانت عنده، ومن ارتبط فينا سلاحا كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرة ولا من مرتين ولا من ثلاث (3) ولا من أربع فإنما مثلنا ومثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل فأوحى الله عزوجل إليه أن ادع قومك للقتال فإني سأنصرك فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثم أوحى الله تعالى إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك، فجمعهم ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثم أوحى الله إليه أن ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك فدعاهم فقالوا: وعدتنا النصر فما نصرنا فأوحيب الله تعالى إليه إما أن يختاروا القتال أو النار، فقال: يا رب القتال أحب إلي من النار فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر فتوجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى فتح الله عزوجل لهم.
577 - عدة من أصحابنا، [عن سهل بن زياد، عن بكر بن صالح، والنوفلي، و غيرهما يرفعونه إلى أبي عبدالله (ع) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتداوى من الزكام و يقول: ما من أحد إلا وبه عرق من الجذام فإذا أصابه الزكام قمعه.
578 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الزكام جند من جنود الله عز وجل يبعثه عزوجل على الداء فيزيله.
579 - محمد بن يحيى، عن موسى بن الحسن، عن محمد بن عبدالحميد باسناده رفعه إلى أبي عبدالله (ع) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من أحد من ولد آدم إلا وفيه عرقان عرق في رأسه يهيج الجذام وعرق في بدنه يهيج البرص فإذا هاج العرق الذي في الرأس سلط الله عزوجل عليه الزكام حتى يسيل ما فيه من الداء، وإذا هاج العرق الذي في
____________
(1) أي يجب على الشيعة ان يربطوا انفسهم على إطاعة الامام الحق وانتظار فرجه وتهيؤوا دائما لنصرته. (آت). والرباط: ملازمة ثغر العدو. (القاموس)
(2) هذا من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس اي له من الثواب كمثلى وزن الدابة.
(3) اي لا تجزعوا من عدم نصرنا وغلبة العدو علينا مرة أو مرتين. (*)
الصفحة 383
الجسد سلط الله عليه الدماميل حتى يسيل ما فيه من الداء فإذا رأى أحدكم به زكاما ودماميل فليحمد الله عزوجل على العافية وقال: الزكام فضول في الرأس.
580 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن رجل قال:
دخل رجل على أبي عبدالله (ع) وهو يشتكي عينيه فقال له: أين أنت عن هذه الاجزاء الثلاثة: الصبر والكافور والمر؟ ففعل الرجل ذلك فذهبت عنه (1).
581 - عنه، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح قال: قلت لابي عبدالله (ع): إن لنافتاة كانت ترى الكوكب مثل الجرة، قال: نعم وتراه مثل الحب (2)، قلت: إن بصرها ضعف، فقال: اكحلها بالصبر والمر والكافور أجزاء سواء فكحلناها به فنفعها.
582 - عنه، عن أحمد، عن داود بن محمد، عن محمد بن الفيض، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كنت عند أبي جعفر يعني أبا الدوانيق فجاء ته خريطة فحلها ونظر فيها فأخرج منها شيئا فقال: يا أبا عبدالله أتدري ما هذا؟ قلت: ما هو قال: هذا شئ يؤتى به من خلف إفريقية من طنجة أو طبنة (3) - شك محمد قلت: ما هو؟ قال: جبل هناك يقطر منه في السنة قطرات فتجمد وهو جيد للبياض يكون في العين يكتحل بهذا فيذهب بإذن الله عزوجل، قلت: نعم أعرفه وإن شئت أخبرتك باسمه وحاله؟
قال: فلم يسألني عن اسمه، قال: وما حاله؟ فقلت: هذا جبل كان عليه نبي من أنبياء بني إسرائيل هاربا من قومه يعبد الله عليه فعلم به قومه فقتلوه فهو يبكي على ذلك النبي
(ع) وهذه القطرات من بكائه وله ومن الجانب الآخر عين تنبع من ذلك الماء بالليل و النهار ولا يوصل إلى تلك العين.
583 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن سليم مولى علي بن
____________
(1) راجع الهامش الرابع من ص 192 في هذا المجلد.
(2) اي ان لم تعالجها بعد ذلك تراه مثل الحب.
(3) (طنجة) بالفتح ثم السكون والجيم بلد بساحل بحر المغرب وهي احد حدود افريقية من جهة المغرب و (طبنة) بالضم ثم السكون ونون مفتوحة بلدة في طرف افريقية مما يلي المغرب. (المراصد) (*)
الصفحة 384
يقطين أنه كان يلقى من رمد عينيه أذى قال: فكتب إليه أبوالحسن (ع) إبتداء من عنده ما يمنعك من كحل أبي جعفر (ع) جزء كافور رباحي (1) وجزء صبر اصقوطرى يدقان جميعا وينخلان بحريرة يكتحل منه مثل ما يكتحل من الاثمد (2) الكحلة في الشهر تحدر كل داء في الرأس وتخرجه من البدن، قال: فكان يكتحل به فما اشتكى عينيه حتى مات.
حديث العابد
584 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن محمد بن سنان، عمن أخبره، عن أبي عبدالله (ع) قال: كان عابد في بني إسرائيل لم يقارف (3)
من أمر الدنيا شيئا فنخر إبليس نخرة (4) فاجتمع إليه جنوده فقال: من لي بفلان؟
فقال بعضهم: أنا له، فقال: من أين تأتيه؟ فقال: من ناحية النساء، قال: لست له لم يجرب النساء، فقال له: آخر: فاناله، فقال له: من أين تأتيه؟ قال: من ناحية الشراب واللذات، قال: لست له ليس هذا بهذا، قال آخر: فأنا له، قال: من أين تأتيه؟ قال:
من ناحية البر قال: انطلق فأنت صاحبه، فانطلق إلى موضع الرجل فأقام حذاه يصلي قال: وكان الرجل ينام والشيطان لا ينام، ويستريح والشيطان لا يستريح، فتحول إليه الرجل وقد تقاصرت إليه نفسه (5) واستصغر عمله، فقال: يا عبدالله بأي شئ قويت على
____________
(1) بالموحدة بين المهلتين وقال صاحب القاموس: الرباحي جنس من الكافور. وقال: مكان
(صقوطرى): اسقطرى: هي جزيرة ببحر الهند على يسار الجائي من بلاد الزنج والعامة تقول:
سقوطرة، يجلب منها الصبر ودم الاخوين. قال الحموي في المراصد: (سطرى) بضمتين وطاء ساكنة وراء وألف مقصورة ويروى بالمد: جزيرة عظيمة كبيرة فيها عدة قرى ومدن يناوح عدن جنوبية وهي إلى بر العرب اقرب من بر الهند والسالك إلى بلاد الزنج يمر عليها واكثر اهلها نصارى عرب، يجلب منها الصبر ودم الاخوين وهو صمغ شجر لا يوجد الا في هذه الجزيرة ويسمونه القاطر قيل طولها ثمانون فرسخا.
(2) الاثمد بالمثلثة وكسر الهمزة: حجر الكحل.
(3) اي يكتسب.
(4) نخر ينخر بالفتح وينخر بالضم مد الصوت في خياشيمه.
(5) اي اظهر له التقصير من نفسه، يقال: تقاصر اي اظهر القصور. (آت) (*)
الصفحة 385
هذه الصلاة؟ فلم يجبه، ثم أعاد عليه، فلم يجبه ثم أعاد عليه، فقال: يا عبدالله إني أذنبت ذنبا وأنا تائب منه فإذا ذكرت الذنب قويت على الصلاة، قال: فأخبرني بذنبك حتى أعمله وأتوب فإذا فعلته قويت على الصلاة؟ قال: ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية فأعطها درهمين ونل منها، قال: ومن أين لي درهمين ما أدري ما الدرهمين فتناول الشيطان من تحت قدميه درهمين فناوله إياهما فقام فدخل المدينة بجلابيبه (1) يسأل عن منزل فلانة البغية فأرشده الناس وظنوا أنه جاء يعظها فأرشدوه فجاء إليها فرمى إليها بالدرهمين وقال: قومي فقامت فدخلت منزلها وقالت: ادخل وقالت: إنك جئتني في هيئة ليس يؤتي مثلي في مثلها فأخبرني بخبرك فأخبرها فقالت له: يا عبدالله إن ترك الذنب أهون من طلب التوبة وليس كل من طلب التوبة وجدها وإنما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثل لك فانصرف فإنك لا ترى شيئا فانصرف وماتت من ليلتها فأصبحت فإذا على بابها مكتوب: احضروا فلانة فإنها من أهل الجنة فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا لم يدفنوها ارتيابا في أمرها فأوحى الله عزوجل إلى نبي من الانبياء لا أعلمه إلا موسى بن عمران (ع) (2) أن ائت فلانة فصل عليها ومر الناس أن يصلوا عليها فإني قد غفرت لها وأوجبت لها الجنة بتثبيطها (3) عبدي فلانا عن معصيتي.
585 - أحمد بن محمد [بن أحمد] عن علي بن الحسن، عن محمد بن عبدالله بن زرارة، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (ع) قال: كان في بني إسرائيل رجل عابد وكان محارفا (4) لا يتوجه في شئ فيصيب فيه شيئا، فانفقت عليه امرأته حتى لم يبق عندها شئ فجاعوا يوما من الايام فدفعت إليه نصلا من غزل (5) وقالت له: ما عندي غيره
____________
(1) الجلباب بالكسر كسرداب: القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما تغطي به ثيابها من فوق كالملحفة او هو الخمار. (القاموس)
(2) الشك من الراوي.
(3) ثبطه عن الامر تثبيطا: شغله عنه.
(4) المحارف بفتح الراء هو المحروم المحدود الذي اذ طلب فلا يرزق وهو خلاف المبارك.
(5) النصل: الغزل قد خرج من المغزل. (القاموس) (*)
الصفحة 386
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
586 - أحمد بن محمد، عن سعد (1) بن المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن أبيه قال: خطب أمير المؤمنين (ع) - ورواها غيره بغير هذا الاسناد وذكر أنه خطب بذي قار (2) - فحمد الله وأثنى عليه.
ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عهوده ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، عودا
____________
(1) في بعض النسخ (سعيد بن المنذر) (2) موضع بين الكوفة وواسط. (القاموس) (*)
الصفحة 387
وبدء ا وعذرا ونذرا، بحكم قد فصله (1) وتفصيل قد أحكمه وفرقان قد فرقه (2) وقرآن قد بينه ليعلم العباد ربهم إذ جلهوه وليقروا به إذ جحدوه وليثبتوه بعد إذ أنكروه فتجلى لهم سبحانه في كتابه (3) من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم و أراهم عفوه كيف عفا وأراهم قدرته كيف قدر، وخوفهم من سطوته وكيف خلق ما خلق من الآيات وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات (4)
وكيف رزق وهدى وأعطا، وأراهم حكمه كيف حكم وصبر حتى يسمع ما يسمع ويرى.
فبعث الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) بذلك ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة (5) أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا سلعة أنفق بيعا (6) ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شئ هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى (7) من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الاهواء وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذبا
____________
(1) (عودا وبدء ا) يعني عودا إلى الدعوة بعدما بدا فيها والمراد تكرير الدعوة (في). (عذرا ونذرا) كل منهما مفعول له لقوله: (بعث) اي عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين، او حال اي عاذرا ومنذرا. قوله: (بحكم) المراد به الجنس اي بعثه مع احكام مفصلة مبينة. (آت)
(2) الفرقان هو القرآن وكل ما فرق بين الحق والباطل والمراد بتفريقه انزاله متفرقا او تعلقه بالاحكام المتفرقة. (آت)
(3) اي ظهر من غير ان يرى بالبصر بل نبههم عليه في القرآن من قصص الاولين وما حل بهم من النقمة عند مخالفة الرسل. (في)
(4) بفتح الميم وضم الثاء جمع المثلة وهي العقوبة. والاحتصاد: المبالغة في القتل والاستيصال ماخوذ من حصد الزرع. (في)
(5) السلعة بالكسر: المتاع. والبوار: الكساد.
(6) النفاق: الرواج.
(7) النكاية: الجرح والقرح. (*)
الصفحة 388
وتكذيبا فباعوه بالبخس (1) وكانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يأويهما مؤو، فحبذا ذانك الصاحبان واها لهما ولما يعملان له (2)، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ومعهم وليسوا معهم وذلك لان الضلالة لا توافق الهدى وان اجتمعا، وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره (3)، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون (4) وإن كيده متين بالامل والرجاء حتى توالدوا في المعصية ودانوا بالجور والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحا ضلالا تائهين، قد دانوا بغير دين الله عزوجل وأدانوا لغير الله (5).
مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى [قد بدل فيها من الهدى] فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته، من عندهم جرت
____________
(1) البخس: بالموحدة ثم المعجمة ثم المهملة: الناقص. (في)
(2) (واها) كلمة تلهف وتوجع. وقوله: (لما يعملان) في بعض النسخ (لما يعمدان له) بالدال اي العلة الغائية من خلقهما. (في)
(3) بسكون الباء اي كتابته. وقوله: (يدخل الداخل) اي في الدين وخروجه لما يرى من عدم عمل اهله به وبدعهم وجورهم. (آت)
(4) استدراج الله تعالى عباده انه كلما جدد العبد خطيئة جدد له نعمة وأنساه استغفار وان يأخذه قليلا يباغته.
(5) اي أمروا بطاعة غيره تعالى ولم يرد هذا البناء فيما عندنا من كتب اللغة وفي النسخة القديمة
(وكانوا لغير الله) (*)
الصفحة 389
الضلالة وإليهم تعود، فحضور مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة قد بدلت سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفئ ولا يوفون بذمة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا قد أتوا الله بالافتراء و الجحود واستغنوا بالجهل عن العلم ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة (1) وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة وقد بعث الله عزوجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم (2) بالمؤمنين رؤف رحيم (صلى الله عليه وآله) وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا (3) ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل ولا يطولن عليكم الاجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود (4) الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة (5) وقد أبلغ الله عزوجل إليكم بالوعد وفصل لكم القول و علمكم السنة وشرح لكم المناهج ليزيح العلة (6) وحث على الذكر ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم (7) ووفقه للرشاد وسدده
____________
(1) المثلة بالضم: النكال، قال الفيض رحمه الله: ومن روى مثلوا بالتشديد اراد جدعوهم بقطع الاذن والانوف.
(2) (من انفسكم) اي من جنسكم عربي مثلكم. وقرء من انفسكم بفتح الفاء اي من اشرفكم
(عزيز عليه) اي شديد شاق. (ماعنتم) عنتكم ولقاؤكم المكروه. (حريص عليكم) اي على ايمانكم وصلاح شأنكم. (في)
(3) اي عاقلا فهما فان الغافل كالميت. (في)
(4) اي الموت.
(5) القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.
(6) زاح الشئ يزيح زيحا اي بعد وذهب وازاحه غيره. (الصحاح)
(7) الانتصاح: قبول النصيحة يعنى من اطاع اوامر الله وعلم انه انما يهديه إلى مصالحه ويرده عن مفاسده يهديه للحالة التي اتباعها اقوم وهي من الالفاظ القرآنية (ان هذا القران يهدي للتي هي أقوم) وتلك الحالة هي المعرفة بالله وتوحيده. (في) (*)
الصفحة 390
ويسره للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عزوجل بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقى وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب قال الله عزوجل: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (1) " فاستجيبوا لله وآمنوابه وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم (2) فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدره الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب (3) والبارئ من ذي السقم.
واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ولم تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم (4) الذين لا يعلمون، إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله وبصربه عماه (5) وسمع به صممه وأدرك به علم ما فات وحيي به بعد إذ مات
____________
(1) البقرة: 186.
(2) اي يطلب لنفسه العظمة.
(3) اي الذي به الجرب وهو داء معروف.
(4) من التجهيل اي لا ينسبوكم إلى الجهل. (5) (فعلم بالعلم جهله) اي ما جهل مما يحتاج اليه في جميع الامور، او كونه جاهلا قبل ذلك او كمل علمه حتى اقر بانه جاهل فان غاية كل كمال في المخلوق الاقرار بالعجز عن استكماله والاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى او يقال: ان الجاهل لتساوي نسبة الاشياء اليه لجهله بجميعها يدعى علم كل شئ واما العالم فهو يميز بين ما يعلمه وما لا يعلمه فبالعلم عرف جهله ولا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين وان الاول اظهر في الجميع بأن يكون المراد بقوله: (وبصر به عماه)
اي ابصر به ما عمى عنه او تبدلت عماه بصيرة. (وسمع به) ويمكن ان يقرء بالتخفيف اي سمع ما كان صم عنه او بالتشديد اي بدل بالعلم صممه بكونه سميعا. (آت) (*)
الصفحة 391
وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة (1) فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يقتدى بهم وهو عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم (2) وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الذين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق (3)
فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق (4) لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله السابقة ومضى فيهم من الله عزوجل حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان.
587 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عمر بن علي، عن عمه محمد بن عمر، عن ابن اذينة قال: سمعت عمر بن يزيد يقول: حدثني معروف بن خربوذ، عن علي بن الحسين (ع) أنه كان يقول: ويلمه فاسقا (5) من لا يزال ممارئا، ويلمه فاجرا من لا يزال مخاصما، ويلمه آثما من كثر كلامه في غير ذات الله عزوجل.
588 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن عمارة، عن نعيم القضاعي
____________
(1) كنى (عليه السلام) بقوله: (من عند اهله) عن نفسه ومن يحذو حذوه من اولاده (عليهم السلام). (في)
(2) ذلك لان صمت العارف ابلغ من نطق غيره. (في)
(3) انما لا يخالفون الدين لانهم قوامه واربابه وانما لا يختلفون فيه لان الحق في التوحيد واحد فالدين او القران بينهم شاهد صادق ياخذون بحكمه كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق. و (صامت ناطق) لانه لا ينطق بنفسه بل لا بد له من مترجم فهو صامت في الصورة وفي المعنى انطق الناطقين لان الاوامر والنواهي والاداب كلها مبنية عليه ومتفرعة عنه فهو شأن من شأنهم. (في)
(4) مخبر صادق في حقهم حال كونهم شهداء بالحق غير مخالفين له ولا مختلفين فيه. (في)
(5) ويلمه اي ويل لامه كما في القاموس. والويل: الحزن والهلاك من العذاب وقد يرد الويل بمعنى التعجب ومنه الحديث (ويلمه مسعر حرب) تعجبا من شجاعته وحربه. (النهاية) (*)
الصفحة 392
عن أبي جعفر (ع) قال: أصبح إبراهيم (ع) فرأى في لحيته شعرة بيضاء فقال: الحمد لله رب العالمين الذي بلغني هذا المبلغ لم أعص الله طرفة عين.
589 - أبان بن عثمان، عن محمد بن مروان، عمن رواه، عن أبي جعفر (ع)
قال: لما اتخذ الله عزوجل إبراهيم خليلا أتاه بشراه بالخلة فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان يقطر رأسه ماءا ودهنا (1) فدخل إبراهيم (ع)
الدار فاستقبله خارجا من الدار وكان إبراهيم (ع) رجلا غيورا وكان إذا خرج في حاجة أغلق بابه واخذ مفتاحه معه ثم رجع ففتح فإذا هو برجل قائم أحسن ما يكون من الرجال فأخذه بيده وقال: ياعبدالله من أدخلك داري فقال: ربها أدخلنيها فقال: ربها أحق بها مني فمن أنت؟ قال: أنا ملك الموت ففزع إبراهيم (ع) فقال: جئتني لتسلبني روحي؟
قال: لا ولكن اتخذ الله عبدا خليلا فجئت لبشارته (2) قال: فمن هو لعلي أخدمه حتى أموت؟ قال: أنت هو، فدخل على سارة (عه) فقال لها: إن الله تبارك وتعالى اتخذني خليلا.
590 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سليم الفراء، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (ع) مثله إلا أنه قال في حديثه: إن الملك لما قال: أدخلنيها ربها عرف إبراهيم (ع) أنه ملك الموت (ع) فقال له: ما أهبطك قال: جئت ابشر رجلا أن الله تبارك وتعالى اتخذه خليلا، فقال له إبراهيم (ع): فمن هذا الرجل؟ فقال له الملك: وما تريه منه؟ فقال له إبراهيم (ع): أخدمه أيام حياتي، فقال له الملك:
فأنت هو.
591 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع) أن إبراهيم (ع) خرج ذات يوم يسير ببعير فمر بفلاة من الارض فإذا هو برجل قائم يصلي قد قطع الارض (3) إلى السماء طوله ولباسه
____________
(1) كناية عن طراوته وصفائه. (آت)
(2) لعل السر في تخصيص ملك الموت بالبشارة بالخلة كونه سببا للقاء الله سبحانه والوصول اليه وبالبشارة بالخلة يشتاق قلب الخليل إلى لقاء خليله ووصوله اليه. (في)
(3) القطع: العمود. (في) (*)
الصفحة 393
شعر، قال: فوقف عليه إبراهيم (ع) وعجب منه وجلس ينتظر فراغه، فلما طال عليه حركه بيده فقال له: إن لي حاجة فخفف، قال: فخفف الرجل وجلس إبراهيم (ع)، فقال له إبراهيم (ع): لمن تصلي؟ فقال: لاله إبراهيم، فقال له: ومن إله إبراهيم، فقال: الذي خلقك وخلقني، فقال له إبراهيم (ع): قد أعجبني نحوك (1) وأنا احب أن أواخيك في الله، أين منزلك إذا أردت زيارتك ولقاءك؟ فقال له الرجل: منزلي خلف هذه النطفة - وأشار بيده إلى البحر (2) - وأما مصلاي فهذا الموضع تصيبني فيه إذا أردتني إن شاء الله.
قال: ثم قال الرجل لابراهيم (ع): ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: نعم، فقال له: وما هي؟
قال: تدعو الله واؤمن على دعائك وأدعو أنا فتؤمن على دعائي، فقال الرجل: فبم ندعو الله؟ فقال إبراهيم (ع): للمذنبين من المؤمنين، فقال الرجل لا، فقال إبراهيم
(ع): ولم؟ فقال: لاني قد دعوت الله عزوجل منذ ثلاث سنين بدعوة لم أر إجابتها حتى الساعة وأنا أستحيي من الله تعالى أن أدعوه حتى أعلم أنه قد أجابني، فقال إبراهيم (ع): فبم دعوته؟ فقال له الرجل: إني في مصلاي هذا ذات يوم إذ مر بي غلام أروع، النور يطلع من جبهته، له ذؤابة من خلفة (3) ومعه بقر يسوقها كأنما دهنت دهنا وغنم يسوقها كأنما دخست دخسا (4) فأعجبني ما رأيت منه فقلت له: يا غلام لمن هذا البقر والغنم؟ فقال لي: لابراهيم (ع)، فقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا إسماعيل بن
____________
(1) اي طريقتك في العبادة او مثلك.
(2) قال الفيروز آبادي: النطفة بالضم: الماء الصافي، قل او كثر. وقال المطرزي:
النطفة: البحر.
(3) (اروع) قال الجوهري: الاروع من الرجال الذي يعجبك حسنه. والذؤابة في اللغة:
الناصية وهي شعر في مقدم الرأس وذؤابة كل شئ اعلاه ومنه (هو ذؤابة قومه) اي المقدم فيهم.
(4) يقال: دهنه اي طلاه بالدهن وهو كناية عن سمنها اي ملئت دهنا او صفائها اي طليت به.
وقوله: (كانما دخست دخسا) في اكثر النسخ بالخاء المعجمة وفي بعضها بالمهملة قال الجوهري:
الدخيس: اللحم المكتنز وكل ذي سمن دخيس، وقال الجزري: كل شئ ملاته فقد دحسته والدحاس الامتلاء والزحام. (آت) (*)
الصفحة 394
إبراهيم خليل الرحمن فدعوت الله عزوجل وسألته أن يريني خليله فقال له إبراهيم (ع):
فأنا إبراهيم خليل الرحمن وذلك الغلام ابني فقال له الرجل عند ذلك: الحمد لله الذي أجاب دعوتي، ثم قبل الرجل صفحتي إبراهيم (ع) وعانقة، ثم قال: أما الآن فقم فادع حتى اؤمن على دعائك، فدعا إبراهيم (ع) للمؤمنين والمؤمنات والمذنبين من يومه ذلك (1) بالمغفرة والرضا عنهم، قال: وأمن الرجل على دعائه.
قال أبوجعفر (ع) فدعوة إبراهيم (ع) بالغة للمؤمنين المذنبين من شيعتنا إلى يوم القيامة.
592 - علي بن محمد، عن بعض أصحابه رفعه قال: كان علي بن الحسين (ع)
إذا قرأ هذه الآية " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (2) " يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفه نعمة إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فشكر عزوجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفته بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنه قد وسع العبار (3) فلا يتجاوز ذلك فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته وكيف يبلغ مدى عبادته ومن لا مدى له ولا كيف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
593 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن عنبسة بن بجاد العابد، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: كنا عنده وذكروا سلطان
____________
(1) اي إلى يوم القيامة كما هو الموجود في كتاب كمال الدين الصدوق. (آت)
(2) النحل: 18. (3) القد: القدر. وقوله (ايمانا) قال الفيض رحمه الله اشارة إلى قوله سبحانه: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قال امير المؤمنين (عليه السلام): (ان الراسخين في العلم هم الذين اغناهم الله عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا). (*)
الصفحة 395
بني أمية فقال أبوجعفر (ع): لا يخرج على هشام أحد إلا قتله، قال: وذكر ملكه عشرين سنة، قال: فجزعنا، فقال: مالكم إذا أراد الله عزوجل أن يهلك سلطان قوم أمر الملك فأسرع بسير الفلك فقدر على ما يريد؟ قال: فقلنا لزيد (ع) هذه المقالة، فقال: إني شهدت هشاما ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسب عنده فلم ينكر ذلك ولم يغيره فوالله لو لم يكن إلا أنا وابني لخرجت عليه.
594 - وبهذا الاسناد، عن عنبسة، عن معلى بن خنيس قال: كنت عند أبي عبدالله (ع) إذ أقبل محمد بن عبدالله فسلم ثم ذهب فرق له أبوعبدالله (ع) ودمعت عيناه فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟ فقال: رققت له لانه ينسب إلى أمر ليس له (2) لم أجده في كتاب علي (ع) من خلفاء هذه الامة ولا من ملوكها.
595 - علي بن إبراهيم رفعه قال: قال ابوعبدالله (ع) لرجل: ما الفتى عنكم؟
فقال له: الشاب، فقال: لا، الفتى: المؤمن، إن أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسماهم الله عزوجل فتية بإيمانهم.
596 - محمد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير قال:
سأل رجل أبا جعفر (ع) عن قول الله عزوجل: " فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا فظلموا أنفسهم (3) " فقال: هؤلاء قوم كان لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا بأنعم الله وغيروا ما بأنفسهم فأرسل الله عزوجل عليهم سيل العرم فغرق قراهم وأخرب ديارهم وأذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جناتهم جنتين ذواتي اكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل (4) ثم قال الله عزوجل: " ذلك جزيناهم بما كفروا
____________
(1) هو محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن امير المؤمنين (عليه السلام) وقد مر بعض احواله في المجلد الاول ص 358.
(2) اي إلى الخلافة او إلى الملك والسلطنة. (آت)
(3) سبأ: 19.
(4) العرم: الجرذ الذكر، والمطر الشديد، وواد وبكل فسر قوله تعالى: سيل العرم. وقال الرازي: الاكل: الثمرة وأكل خمط اي مر بشع وقيل: الخمط كل شجر له شوك وقيل: الاراك.
والاثل: الطرفاء وقيل: السدر لانه اكرم ما بدلوا به. والاثل والسدر معطوفان على اكل لا على خمط لان الاثل لا اكل له وكذا السدر. (آت) (*)
الصفحة 396
وهل نجازي إلا الكفور "
597 - الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبي بصير، عن أحمد بن عمر قال: أبوجعفر (ع) وأتاه رجل فقال له: إنكم أهل بيت رحمة اختصكم الله تبارك وتعالى بها، فقال له: كذلك نحن والحمد لله لا ندخل أحدا في ضلالة ولا نخرجه من هدى إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله عزوجل رجلا منا أهل البيت يعمل بكتاب الله لا يرى فيكم منكرا إلا أنكره.
تم كتاب الروضة من الكافي وهو آخره والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
أحمد الله سبحانه على ما من علي ووفقني لاتمام هذا الكتاب الكريم تصحيحا وتعليقا وضبطا وأشكره وأثني عليه جزيل عطائه وجميل فعاله إنه جواد كريم.
علي أكبر الغفاري 1377 ه
الصفحة 397
الحاق
قد وعدنا في اول هذا المجلد ان نورد رسالة ابي عبدالله (عليه السلام) إلى اصحابه بتمامه عن كتاب الوافي في اخره وقد حان ان نفي بما وعدناه.
علي، عن ابيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن ابي عبدالله (عليه السلام)، وعن ابن بزيع، عن محمد بن سنان، عن اسماعيل بن جابر، عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه كتب بهذه الرسالة إلى اصحابه وامرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها، وعن ابن سماعة عن جفقر بن محمد بن مالك الكوفي عن القاسم بن الربيع الصحاف عن اسماعيل بن مخلد السراج قال: خرجت هذه الرسالة من ابي عبدالله (عليه السلام) إلى اصحابه:
بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فاسألوا الله ربكم العافية، وعليكم بالدعة (1) والوقار والسكينة، و عليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، واياكم ومماظتهم (2)، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا انتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام فانه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها (3) فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولولا ان الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم (4) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء اكثرمما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة وارواحكم وارواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير ان الله تعالى اكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من اهله فتجاملونهم وتصيرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ من أموركم، تدفعون انتم السيئة بالتي هي أحسن فيا بينكم وبينهم تلتمسون بذلك وجه ربكم
____________
(1) الدعة: خفض العيش والطمأنينة.
(2) المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة: بالمعجمة: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم.
(3) (بالتقية) متعلق بدينوا وما بينهما معترض.
(4) السطو: القهر بالبطش. (*)
الصفحة 398
بطاعته وهم لا خير عندهم، لا يحل لكم ان تظهروهم (1) على اصول دين الله فانه ان سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم (2) وجاهدوا على هلاكهم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصف منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لاهل الحق ان ينزلوا انفسهم منزلة اهل الباطل لان الله لم يجعل اهل الحق عنده بمنزلة اهل الباطل، ألم تعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه اذ يقول: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) اكرموا انفسكم عن اهل الباطل فلا تجعلوا الله تعالى وله المثل الاعلى وامامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لاهل الباطل (3) فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا، فمهلا مهلا (4) يا اهل الصلاح لا تتركوا امر الله وامر من امركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمه، احبوا في الله من وصف صفتكم وابغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم (5) ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغا لكم الغوائل (6)، هذا ادبنا ادب الله فخذوا به وتفهموه و اعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم اخذتم به وما وافق هواكم اطرحتموه ولم تاخذوا به، واياكم والتجبر (7) على الله واعلموا ان عبدا لم يبتل بالتجبر على الله الا تجبر على دين الله فاستقيموا لله ولا ترتدوا على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين، اجارنا الله واياكم من التجبر على الله، ولا قوة لنا ولا لكم الا بالله. وقال: ان العبد إذا كان خلقه الله في الاصل اصل الخلقة مؤمنا لم يمت حتى يكره الله اليه الشر ويباعده منه ومن كره الله اليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر ان يدخله و الجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه (8) وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام و
____________
(1) اي ان تطلعوهم وفي بعض النسخ (تطلعوهم).
(2) (رفعوه عليكم) اي رفعوه إلى ولاتهم لينالكم الضرر منهم.
(3) عرضة اي معترضا بينكم وبينهم. (4) مهلا: اي امهلوا مهلا.
(5) اي قال بقولكم ودان بدينكم. (6) اي طلب لكم الغوائل اي المهالك.
(7) التجبر: التكبر ولعل المراد بالتحبر على الله عدم المبالاة باوامره ونواهيه سبحانه.
والجبرية: الكبر والعطف للبيان.
(8) العريكة: الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف والنفور. (*)
الصفحة 399
سكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من اهلها في شئ، و ان العبد إذا كان الله خلقه في الاصل اصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب اليه الشر ويقربه منه، فاذا حبب اليه الشر وقربه منه ابتلى بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء حلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وابغض طاعته واهلها، فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر، سلوا الله العافية واطلبوها اليه ولا حول ولا قوة الا بالله.
صبروا النفس على البلاء في الدنيا فان تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من امر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا وان طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة (1) عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته و طاعته فان الله امر بولاية الائمة الذين سماهم في كتابه في قوله: (وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا) وهم الذين امر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم و طاعتهم وهم ائمة الضلال الذين قضى الله ان يكون لهم دول الدنيا على اولياء الله الائمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله) ليحق عليهم كلمة العذاب وليتم امر الله فيهم الذي خلقهم له في الاصل اصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله ان يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتاله في قوله: (وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار) فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه فان من جهل هذا واشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله فاكبه الله على وجهه في النار.
وقال: ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله تعالى اتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا انه ليس من علم الله ولا من امره ان يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، قد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل للقران وتعلم القران اهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه ان ياخذوا فيه بهوى ولا
____________
(1) زهرة الدنيا: حسنها وبهجتها. وغضارة العيش طبيها ولذتها. (*)
الصفحة 400
رأي ولا مقائيس اغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم و كرامة من الله تعالى اكرمهم بها وهم اهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم، أرشدوه واعطوه من علم القرآن مايهتدي به إلى الله بإذنه والى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة (1) فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله تعالى علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم، فأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا اهل الايمان في علم القران عند الله كافرين وجعلوا اهل الضلالة في علم القران عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما احل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك اصل ثمرة اهوائهم وقد عهد اليهم رسول الله (عليه السلام) (2)
قبل موئته فقالوا: نحن بعدما قبض الله رسوله يسعنا ان ناخذ بما اجتمع عليه راي الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهد الذي عهده الينا وأمرنا به، مخالفة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وآله) فما أحد أجرء على الله ولا ابين ضلالة ممن اخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه والله ان لله على خلقه ان يطيعوه ويتبعوا امره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته، هل يستطيع اولئك اعداء الله (3) ان يزعموا ان احدا ممن أسلم مع محمد (صلى الله عليه وآله) وسلم اخذ بقوله ورأيه ومقائيسه فان قال: نعم فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا وان قال: لا، لم يكن لاحد ان ياخذ برأيه وهواه ومقائيسه فقد اقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم ان الله يطاع ويتبع امره بعد قبض الله رسوله (صلى الله عليه وآله) وسلم وقد قال الله تعالى وقوله الحق: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) وذلك ليعلموا ان الله تعالى يطاع ويتبع امره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد قبض الله محمدا صلى الله على وآله وسلم وكما لم يكن لاحد من الناس
____________
(1) اي أظلة العرش يوم الميثاق ولعله اشير به إلى عالم القدر.
(2) يعني بالنص على الوصي صلوات الله عليهما.
(3) الغرض من هذا الكلام إلى آخره أن يبين انه لا فرق بين زمان حياته (صلى الله عليه وآله) وموته في عدم جواز العمل بالرأي كما أنه لا فرق بينهما في وجوب طاعة الله واتباع امره. (*)
الصفحة 401
مع محمد (صلى الله عليه وآله) ان ياخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد (صلى الله عليه وآله) فكذلك لم يكن لاحد من الناس من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ان ياخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه.
وقال: دعوا رفع ايديكم في الصلاة (1) الا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله.
وقال: اكثروا من ان تدعوا الله فان الله يحب من عباده المؤمنين ان يدعوه و قد وعد عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فاكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فان الله تعالى أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا ان الله لم يذكره احد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير فاعطوا الله من انفسكم الاجتهاد في طاعته فان الله لا يدرك شئ من الخير عنده الا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله تعالى في ظاهر القران وباطنه (2) فان الله تعالى قال في كتابه وقوله الحق: (وذروا ظاهر الاثم وباطنه) واعلموا ان ما امر الله ان تجتنبوه فقد حرمه الله واتبعوا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا اهواءكم وآراءكم فتضلوا فان أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله واحسنوا إلى انفسكم ما استطعتم فان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اسأتم فلها، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم واياكم وسب اعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا (3) بغير علم وقد ينبغي لكم ان تعلموا حد سبهم لله كيف هو، انه من سب اولياء
____________
(1) انما امر (عليه السلام) اصحابه بالتقية في رفع الايدي في الصلاة لانه كان يومئد من علامات التشيع.
(2) لعل المراد مما حرم الله تعالى في باطن القرآن مخالفة ولي الامر ومتابعة اهل الضلال و اتباع آرائهم واعتقاد الولاية فيهم وذلك لان ثلث القرآن ورد فيهم كما ورد عنهم (عليهم السلام) وهو المراد بباطن الاثم أو هو أحد أفراده.
(3) عدوا اي تجاوزا عن الحق إلى الباطل. (بغير علم) اي على جهالة بالله، أشار بذلك إلى قوله سبحانه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم). (*)
الصفحة 402
الله فقد انتهك سب الله ومن اظلم عند الله من استسب لله ولاوليائه، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا قوة الا بالله.
وقال: ايتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم (1) عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته واثار الائمة الهداة من اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم فانه من اخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل لاهم هم الذين امر الله بطاعتهم وولايتهم وقد قال ابونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المداومة على العمل في اتباع الاثار والسنن وانت قل ارضى الله وانفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء) الا ان اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلال بدعة و كل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله الا بطاعته والصبر والرضا لان الصبر والرضا من طاعة الله.
واعلموا انه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله اليه وصنع به على ما احب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله الا ما هو اهله وهو خير له مما احب وكره وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما امر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم واياكم وعليكم بحب المساكين المسلمين فانه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر وماقت وقد قال ابونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم) واعلموا انه من حقر احدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له اشد مقتا فاتقوا الله في اخوانكم المسلمين المساكين منهم فان لهم عليكم حقا انت تحبوههم فان الله أمر نبيه (صلى الله عليه وآله) بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين.
واياكم والعظمة والكبر فان الكبر رداء الله تعالى فمن نازع الله رداء ه قصمه الله وأذله يوم القيامة.
____________
(1) لعل المراد به حفظ امر دينهم باقامة امم لهم بعد امام ومع غيبة امامهم بتبليغ كلام ائمتهم إليهم وابقاء آثارهم لديهم لئلا يحتاجوا إلى الاراء والاهواء والمقائيس. (*)
الصفحة 403
وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فانها ليست من خصال الصالحين فانه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب و أصاب الظفر من الله.
واياكم ان يحسد بعضكم بعضا فان الكفر اصله الحسد.
واياكم ان تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم فان ابانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: (ان دعوة المسلم المظلوم مستجابة) وليعن بعضكم بعضا فان ابانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: (ان معونة المسلم خير واعظم اجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام).
وإياكم واعسار احد من اخوانكم المؤمنين (1) ان تعسروه بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: (ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله).
وإياكم ايتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فانه من عجل حقوق الله قبله كان الله اقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والاجل وانه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير زرقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه، فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكنه فضلها اللا الله رب العالمين.
وقال: (2) اتقوا الله ايتها العصابة وان استطعتم (3) ان لا يكون منكم محرجا للامام وان محرج الامام هو الذي يسعى باهل الصلاح (4) من اتباع الامام، المسلمين لفضله الصابرين على أداء حقه العارفين بحرمته.
____________
(1) اعسار الغريم ان يطلب منه الدين على عسرته. (2) كذا.
(3) جواب (ان) مجروفف يدل عليه مابعده. واحراج الامام: الجاؤه إلى مايريد من الحرج بمعنى الضيق.
(4) يعني إلى الامام من السعاية يقال: سعى به إلى الوالى إذا وشى به إليه. (*)
الصفحة 404
واعلموا أن من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج للامام فاذا فعل ذلك عند الامام احرج الامام إلى ان يلعن اهل الصلاح من اتباعه، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين بحرمته، فاذا لعنهم لاحراج اعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسوله على أولئك.
واعلموا ايتها العصابة ان السنة من الله قد جرت في الصالحين (1) قبل وقال: من سره ان يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فيتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوهم وليسلم لما انتهى اليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، الم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال:
(اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا) فهذا وجه من وجوه فضل اتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ومن سره ان يتم الله له ايمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فانه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين (عليهم السلام) إقام الصلاة وايتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله الا وقد دخل في جملة قوله، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا.
وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله:
(ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع (2) يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا انهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
____________
(1) يعني ان هذه السنة قد جرت فيهم قبل ذلك فيمن سلف من الامم بان يسعى بهم إلى الامام فيلعنوا فاذا لعنوا صارت اللعنة عليهم رحمة.
(2) (إلى هنا رواية قاسم بن الربيع) قال المجلسي رحمه الله: اي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص واسماعيل. (*)
الصفحة 405
واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهي عما نهى عنه، فمن اتبع امره فقد اطاعه وقد ادرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه فان مات على معصيته أكبه الله على وجه في النار.
واعلموا انه ليس بين الله وبين احد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم الا طاعتهم له، فجدوا في طاعة الله ان سركم ان تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة الا بالله.
وقال: (1) عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فان الله ربكم واعلموا ان الاسلام هو التسليم والتسليم هو الاسلام فمن سلم فقد اسلم ومن لم يسلم فلا اسلام له ومن سره ان يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فانه من اطاع الله فقد ابلغ إلى نفسه في الاحسان.
واياكم ومعاصي الله ان تركبوها فانه من انتهك معاصي الله فركبها فقد ابلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة فلاهل الاحسان عند ربهم الجنة ولاهل الاساءة عند ربهم النار، فاعلموا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه واعلموا انه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره ان تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله ان يرضى عنه.
واعلموا ان احدا من خلق الله لم يصب رضا الله الا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة امره من آل محمد صلى الله عليهم ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلا عظم ولا صغر.
واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وان المكذبين هم المنافقون وان الله تعالى قال للمنافقين وقوله الحق: (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) ولا يفرقن أحد منكم (2) الزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من اهلها، فإن من لم يجعله الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الانس والجن (3) فان لشياطين الانس حيلا ومكرا وخدائع
____________
(1) كذا. (2) (يفرقن) من الفرق بالتحريك بمعنى الخوف.
(3) يعني شياطين الانس ان كانوا من الانس، وشياطين الجن إن كانوا من الجن. (*)
الصفحة 406
ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون ان استطاعوا ان يردوا اهل الحق عما اكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من اهله ارادة ان يستوي اعداء الله واهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواء ا كما وصف الله في كتابه من قوله سبحانه: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) ثم نهى الله اهل النصر بالحق ان يتخذوا من اعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله له من حيلة شياطين الانس ومكرهم وحيلهم و وساوس بعضهم إلى بعض فان اعداء الله ان استطاعوا صدوكم عن الحق فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا السنتكم الا من خير واياكم ان تذلقوا السنتكم (1) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فانكم ان كففتم السنتكم عما يكره الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من ان تذلقوا السنتكم به فان ذلق اللسان فيما يكره الله وفيما ينهى عنه لدناءة (2) للعبد عند الله ومقت من الله وصمم وعمى وبكم يورثه الله اياه يوم القيامة فيصيروا كما قال الله: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون (يعني لا ينطقون) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (3).
واياكم وما نهاكم الله عنه ان تركبوه وعليكم بالصمت الا فيما ينفعكم الله به في أمر آخرتكم ويؤجركم عليه.
واكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع اليه و الرغبة فما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه احد فاشغلوا السنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار لمن مات عليها ولم يتب إلى الله منها ولم ينزع عليها، وعليكم بالدعاء فان المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة
____________
(1) ذلق اللسان: حدته.
(2) في بعض النسخ (لذراءة) بالذال المعجمة والراء بمعنى الغضب.
(3) (فيعتذرون) عطف على يؤذن ليدل على نفي الاذن والاعتذار عقيبه مطلقا ولو جعل جوابا لدل على ان عدم اعتذارهم لعدم الاذن فأوهم ذلك أن لهم عذرا لكن لا يؤذن لهم فيه. (*)
الصفحة 407
له فارغبوا فيما رغبكم الله فيه واجيبوا اله إلى ما دعاكم اليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله.
واياكم ان تشره انفسكم (1) إلى شئ مما حرم الله عليكم فانه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة ابدالا بدين.
واعلموا انه بئس الحظ (2) الخطر لمن خاطر بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار ان ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن اهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة اهلها ويل لاولئك ما اخيب حظهم واخسر كرتهم (3) واسوء حالهم عند ربهم يوم القيامة، استجيروا الله ان يجريكم في مثالهم ابدا وان يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم الا به.
فاتقوا الله ايتها العصابة الناجية ان اتم الله لكم ما اعطاكم فانه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في انفسكم واموالكم وحتى تسمعوا من اعداء الله اذى كثيرا فتصبوا وتعركوا بجنوبكم وحتى تستذلوكم او يبغضوكم وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحتملوه منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله يجترمونه اليكم وحتى يكذبوكم بالحق وبعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي انزله حبرئيل على نبيكم (صلى الله عليه وآله) سمعتم قول الله تعالى لنبيكم (صلى الله عليه وآله): (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم) ثم قال: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا)
فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق، فان سركم ان تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه
____________
(1) الشره: غلبة الحرص.
(2) في بعض النسخ (بئس الخطر الخطر) ولعله اصوب.
(3) يعني رجوعهم إلى الله تعالى. (*)
الصفحة 408
مما ابتلى انبياء ه واتباعهم المؤمنين ثم سلوا الله ان يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي اعطاهم.
واياكم ومماظة اهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فانكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم، واعلموا ان الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام، فاذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فاذا جمع الله له ذلك تم اسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعط الله العمل به، فاذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه.
فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وان يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وان يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالاه والحمد لله رب العالمين.
ومن سره ان بعلم ان الله عزوجل يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)
والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله والا والله لا يدع اتباعنا أحد أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين.
أقول: توضيح لغات الحديث كلها من الوافي عدا واحد منها.
علي أكبر الغفاري 1377.
الصفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - محمد بن يعقوب الكليني (1) قال: حدثني على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن حفص المؤذن، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع (2)، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبى عبدالله (عليه السلام) أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.
قال: وحدثني (3) الحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن إسماعيل بن مخلد السراج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خرجت هذه الرسالة من أبي عبدالله (عليه السلام) إلى أصحابه:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاسألوا ربكم العافية وعليكم بالدعة (4) والوقار والسكينة وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم وإياكم ومماظتهم دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التى أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم
____________
(1) هذا قول احد رواة الكافي، النعماني او الصفواني او غيرهما.
(2) معطوف على ابن فضال لان ابراهيم بن هاشم من رواته. (آت). (3) اي قال ابراهيم بن هاشم: وحدثني... الخ.
(4) الدعة: الخفض والطمأنينة.
(5) المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة بالمعجمة: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم. وقوله: (بالتقية) متعلق (بدينوا) وما بينهما معترض. (في) (*)
كتاب الروضة
الكافي الجزء الثامن
تأليف
ثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي
المتوفى
سنة 328 / 329 ه
مع تعليقات نافعة مأخوذة من عدة شروح صححه وعلق عليه
علي اكبر الغفاري نهض بمشروعه الشيخ محمد الاخوندي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

