الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع)
الجزء الثاني عشر
تأليف
إسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

3
[الجزء الثاني عشر]
[المقدمة]
11
في هذا الفصل
نتحدّث عن «ف د ك»، و ما أدراك ما فدك! نتحدّث حتى نعرف ما هي فدك، و لا أظن أحدا من المسلمين بل و غير المسلمين ممن له أدنى وقوف على التاريخ، أن لا يعرف اسم فدك و لم يكن يطّلع عليها؛ فلا نطيل الكلام في ذلك، و نتكلم في كيفية المعرفة بها بوجوه شتّى:
الأول: ما هي فدك من حيث الجغرافية و من حيث تأسيسها و من حيث فتحها:
إن فدك أو الحائط أو الحويط من حيث الجغرافية، تقع في منطقة حوالي المدينة المنورة بمسافة يومين، و هي معروفة بخصوبة أرضها و كثرة نخيلها و زرعها و ثمارها و عيونها الفوّارة التي تغطي معظم المدينة، و قصورها ذات البروج و قلاعها المشيّدة بالأحجار و صناعتها الإبداعية و تمرها و عجوتها المعروفة.
و أما تأسيسها، فهو على ما في بعض التواريخ أكثر من ألف سنة قبل الإسلام بيد الزاهد الذرخاء من حواري موسى بن عمران (عليه السلام)، و هو أوصى أحفاده بقوله: إن هذا «فدك» أسّستها لكم و في أيديكم من أولادي و أحفادي يدا بيد، حتى يبعث نبي آخر الزمان- اسمه محمد و اسم ابن عمه علي- بعدي بخمسين و خمسمائة و ألف سنة؛
7
[بقية المطاف السادس: بعد وفاة أبيها ص إلى شهادتها ع]
هذا المجلد يحتوي على أربعة فصول من المطاف السادس:
الفصل الأول: ما هي فدك؟
الفصل الثاني: إعطاء فدك لفاطمة (عليها السلام)
الفصل الثالث: غصب فدك عن فاطمة (عليها السلام)
الفصل الرابع: تطوّرات فدك بعد غصبها
5
بسم اللّه الرحمن الرحيم تم إعداد الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خمسة و عشرين مجلدا، يختص الأول منها بخلقها النوري قبل هذا العالم و المجلد الرابع و العشرون بأحوالها (عليها السلام) بعد هذا العالم، و المجلد الأخير بالفهارس و الاثنان و العشرون البواقي بحياتها و سيرتها في هذا العالم.
و هذا هو المجلد الثاني عشر من الموسوعة في فدكها، و هو بقية المطاف السادس من قسم «فاطمة الزهراء (عليها السلام) في هذا العالم».
اللهم صل على فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها بعدد ما أحاط به علمك و احصاه كتابك، و اجعلنا من شيعتها و محبيها و الذابين عنها بأيدينا و ألسنتنا و قلوبنا و الحمد للّه رب العالمين.
قم المقدسة، يوم ميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) 20 جمادى الثانية 1427 إسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
9
الفصل الأول ما هي فدك؟
14
تسمية البكري لفدك بقرى عربية، حصنها مشروخ و أكثر أهلها أشجع، أقرب الطرق من المدينة إليها من النقرة مسيرة يوم على جبل الحبالة و القذال و جبار و يربع، و طريق مصدق و شرح مسيرها ....
كلام البكري في شرح قرى عربية و كلام عمر في آية: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...» (1).
كلام السيد الأمين في إرسال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة مع علي (عليه السلام) إلى فدك و مصالحتهم.
كلام ياقوت الحموي في معنى فدك و تعريفها و كيفية فتحها ....
كلام البكري في أن ذراة موضع في فدك.
بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة إلى بني سعد بفدك في مائة رجل مع رايات ثلاث يوم فتح مكة.
تحديد فدك في رواية ابن أسباط بعريش مصر و دومة الجندل و أحد و سيف البحر.
في أسئلة ابن صوريا و جماعة من أهل فدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن أشياء و أجوبته.
سؤال أهل فدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن حد الزاني بالرجم أو الجلد و جوابهم بتشريح أنواعه.
بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشير بن سعد إلى فدك و رجوعه جريحا.
كلام ابن خياط في وقائع سنة ست، منها بعث علي (عليه السلام) إلى بني عبد اللّه بن سعد و أخذها.
كلام ابن خياط في مصالحة أهل فدك مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف و كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
كلام ابن زنجويه في أخذ فدك بلا قتال و لا سفر و هو فيء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صافية.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
12
فعملوا كله له و انتحلوا دينها.
و قيل: سميت بهذا الاسم لأن فدك بن حام أول من نزلها.
و أما على ما في الآثار و السير:
إن فتحها كانت بيد رسول اللّه و علي (عليهما السلام) من دون أن يوجف عليها خيل و لا ركاب، فهي خاصة و خالصة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و لنا في معرفة فدك بحوث و دراسات أوفى، نوردها في مقدمة الفصل الثاني و الثالث و الرابع إن شاء اللّه.
يأتي في هذا الفصل العناوين التالية في 89 حديثا:
خروج اليهود لطلب موضع فدك و مرورهم بجبل حداد (أحد) و تفرقهم إلى الجبال و نزول بعضهم بفدك و بعضهم بخيبر و بعضهم بتيماء و وصولهم أرض المدينة، و أحد و عير، و نزولهم هناك و إخبارهم إخوانهم الذين بفدك و خيبر بإصابتهم الموضع.
تعريف أرض فدك بحرّة تكسوها الحجارة السوداء و كثرة النخيل بتقدير عشرين ألف نخلة قبل ستين عاما و جودة التمر و العجوة و التقدّم الصناعي فيها كالقطيفة الفدكية، و اختيارها اليهود بخصوبتها و كثرة مياهها و استقرارهم فيها منذ مئات السنين، و فيها القصور و القلاع المشيّدة بالأحجار المأخوذة من المنطقة، مصالحة أهل فدك ثمارهم و زرعهم على النصف مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ببقائهم فيها و عدم غزوهم.
كلام السيد الأمين في تعريفها بأنها قرية بينها و بين المدينة يومان أو ثلاثة أو ستّ ليال على اختلاف الأقوال، و هي أبعد عن المدينة من خيبر، و فتحها صلحا؛ بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في مائة رجل و بلوغه إلى معسكرهم و سوقه منهم إلى المدينة خمسمائة بعير و ألفي شاة.
تسميتها بفدك لنزول أول من نزلها فدك بن حام، و هي من الأماكن المحتلة للملك البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، و هي من أودية الحرّة و من أكبر قراها.
13
مجيء يهود فدك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لطلب الأمان و إعطاء فدك بإزائه، قذف الرعب في قلوب أهل فدك بعد فتح خيبر و مصالحتهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف منها و هي فيء خاصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لعدم الإيجاف عليها بخيل و لا ركاب، غرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عدة نخيل فيها بيدها و جعلها لفاطمة الزهراء (عليها السلام) و تصرفها و صرف حاصلها و كل خراجها في ما شاءت.
معنى فدك اللغوي و تعريفها من بدو تأسيسها، و تسميتها الآن بالحائط و الحويط.
فدك من فيء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إعطاؤه لفاطمة و ولدها (عليهم السلام).
نزول آية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) و جعلها في يد فاطمة (عليها السلام) و أخذها منها أبو بكر بالقهر و الغلبة، تحديد علي (عليه السلام) لها بالحدود الأربعة.
تعريف المنجد في الأعلام فدكا بالاختصار.
تعريف دهخدا لفدك و كيفية فتحها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مصالحته بالنصف، اختلاف علي (عليه السلام) و العباس، جعل عمر بن عبد العزيز فدك لأولاد فاطمة (عليها السلام).
تعريف السمهودي لفدك بحرّة النار بقرب خيبر و بها معدن؛ و تعريف الأصمعي بحرّة فدك و فيها نار أطفأها خالد بن سنان عن قومه.
تعريف فدك بعين فوّارة و نخيل كثيرة في شمال المدينة، فيها خصب بفضل مياهها المشهورة في التاريخ.
كلام عرّام بن الأصبغ في حدها من معدن النقرة إلى المدينة، فنصفها حجازي و نصفها تهامي.
____________
(1). سورة الاسراء: الآية 26.
15
كلام القلقشندي في تعريف بني كلاب و ديارهم في جهات المدينة و فدك و العوالي.
كلام الزبيدي في فدك و إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إياها لفاطمة (عليها السلام) و أخذ أبي بكر لها وردها عمر إليها.
غلبة المسلمين على يهود خيبر و استيلاؤهم على أموالهم و مصالحتهم بالنصف للناتج و النصف للمسلمين، ففدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة و إعطاؤها لفاطمة (عليها السلام).
تقدير المسافة بين مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فدك مائتين و سبعة و ثمانين كيلومترا و تقدير مسافة بعض البلاد إلى فدك و المدينة و علائم البلاد في الطريق.
سؤال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كنانة بن الربيع عن كنز بني النضير و جحوده.
حفر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الخربة التي فيها الكنز و إخراج بعضه، تعذيب كنانة لإخبار بعض آخر و إنكاره و ضرب محمد بن مسلمة عنقه و مصالحة أهل خيبر بالأموال و بعدهم أهل فدك بدون إيجاف خيل و لا ركاب.
قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى خيبر في صفر أو ربيع الأول من سنة سبع و قتالهم و مصالحتهم على حقن الدماء، بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أهل فدك و دعوتهم إلى الإسلام، و مصالحتهم على نصف الأرض.
حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في زنا رجل و امرأة من اليهود بالرجم على ما هو مكتوب في التوراة و نزول آية: «يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ». (1)
ذكر أمراء السرايا و الجيوش و توجيه بشير بن سعد إلى فدك ثم غالب بن عبد اللّه.
كلام أحمد بن إسحاق في رعب أهل فدك و مصالحتهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف من فدك، تقويم عامل عمر أموال أهل فدك و دفعه إليهم قيمة النصف من مال العراق
____________
(1). سورة آل عمران: الآية: 23.
16
و إجلاؤهم إلى الشام. إجلاء عمر يهود خيبر و فدك و إعطاؤهم النصف من كل شيء.
بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هشام بن الكلبي إلى فدك و استشهاده دون فدك، قول ابن حجر بأن اسمه غالب و فيه قول آخر.
كلام البخاري في قطيفة فدكية.
سريّة بشير بن سعد إلى فدك مع ثلاثين رجلا و تحامله و إصابته و إقامته عند يهودي لاندمال جراحه و إعادته إلى المدينة.
نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على فدك و محاربتهم، إعطاء جبرئيل مفاتيح الحصون و القلاع، إسلام بعض أهل فدك، إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدك لفاطمة (عليها السلام).
توصيف يهود أهل الحجاز و معاملة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع طوائفهم من بني النضير و بني قينقاع و بني قريظة و أهل خيبر و أهل فدك و أهل وادي القرى.
كلام الطبرسي في بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) إلى فدك و مصالحتهم بحقن دمائهم، إعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا و كتابته كتابا لها، إراءتها هذا الكتاب لأبي بكر بعد موت أبيها عند غصب فدك.
مصالحة أهل خيبر بحقن دماء من في حصونهم، مصالحة أهل فدك أيضا مثل أهل خيبر.
كلام المقريزي في مصالحة أهل خيبر و فدك كما مرّ.
كلام ابن سعد في الطبقات و كلام البيهقي في مصالحة أهل فدك.
كلام جابر في قوله تعالى: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ...» (1) إلى آخر الآية في أهل فدك.
معاملة يهود أهل فدك مع المسلمين معاملة أهل خيبر من المصالحة و غيره.
____________
(1). سورة المائدة: الآية 42.
18
تفسير قوله تعالى: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...» بأحوال بني قريظة و بني النضير بالمدينة و فدك و هي خالصة له ....
كلام ابن الأثير في مصالحة و تسليم أهل خيبر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تسليم أهل فدك بالمصالحة بنصف أموالهم.
إعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) راية خيبر عليا (عليه السلام) و فتحه خيبر و فدك.
توصيف تيماء بعين جارية من أصل جبل و خيبر بماء واتن و فدك بمثل ذلك قبل الإسلام.
كلام البلاذري في قتل السبى في فدك.
كلام ابن الكلبي في بعث غالب بن عبد اللّه على جيش إلى بني الملوح و بعثه إلى بني مرة بفدك.
كلام حسنين هيكل في بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أهل فدك و محاصرة المسلمين يهود خيبر و وقوع الرعب في نفوس أهل فدك، كلام الواقدي في بلوغ خبر خيبر و فدك إلى يهود تيماء و مصالحتهم على الجزية.
تقسيم خيبر على ألف سهم و خمسمائة و ثمانين سهما بين شهداء الحديبية ...
كلام القراجهداغي الأنصاري في صلح الحديبية و مصالحة خيبر و فدك و قدوم جعفر من الحبشة و تعليمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة جعفر و قصه أهل خيبر و فدك و رؤسائهم و ما وقع في فدك و بعض تطوّراتها.
مصالحة أهل خيبر و فدك لحقن دمائهم بالنصف.
كلام ابن شبّة في فتح خيبر و مصالحة أهل الوطيح و سلالم.
في ذكر سريّة مصاب ثم سريّة غالب و أصحاب بشير بفدك و معه مائتا رجل و قتلهم و إصابتهم نعما.
19
تاريخ تأسيس فدك في 1550 عام قبل الإسلام بيد ذرخاء الزاهد و وصيته لأحفاده أنها فدية لمحمد و علي (عليهما السلام) خليفته و ابن عمه و إعطاء أحفاده بعد مضيّ سنوات من الإسلام لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
17
كلام ابن أبي حاتم الرازي و السيد محمد جمال الهاشمي و بيومي مهران و يحيى بن سعيد و أبو عبيد في مصالحة أهل فدك مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بنصف أرضهم و نخلهم ....
مجيء طائفة من يهود فدك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد رؤيتهم أسمائه و صفاته في التوراة و الإنجيل.
كلام السيد ابن طاوس لولده محمد في إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدك و العوالي لفاطمة (عليها السلام) و إخباره عن حاصلها بسبعين ألف دينار.
توصيف فدك اقتصاديا: إرسال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مقوّما كل سنة إليهم لأخذ نصف الحاصل عينا أو قيمة، و البحث فيه عن زمانه و بعد وفاته، و بحث آخر مما يرتبط بها و بعض تطوّراتها.
ذكر ثلاثة أبطن من اليهود: بنو النضير، بنو قريظة، بنو قينقاع، و عهدهم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، نقض عهدهم و خروجهم إلى فدك و وادي القرى، كلام أبو عبيد في أنه لا حظّ لأهل خيبر في الأرض و الثمر لأنه من المفتوحة عنوة و فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفتحه مصالحة.
حضور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع أهل خيبر في حصنيهم الوطيح و السلالم و تسليمهم لحقن دمائهم على النصف في أموالهم.
سكونة جماعة من اليهود في فدك و استثمارهم، فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حصونهم و مصالحتهم على النصف، إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدكا لفاطمة (عليها السلام).
قصة فدك من موقعها الجغرافي و أن فتحها بدون المحاربة، غرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إحدى عشرة نخلة فيها بيده الكريمة، إعطاؤها لفاطمة (عليها السلام) و تصرفها فيها، إشارة الإمام في رسالته إليها: بلى كانت في أيدينا فدك.
تحديد فدك اللغوي و العقائدي و أنه يشمل جميع بلاد الإسلام.
20
1
المتن:
عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: «وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا» (1)، فقال:
كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ما بين عير و أحد. فخرجوا يطلبون الموضع، فمرّوا بجبل تسمّى حداد. فقالوا: حداد و أحد سواء، فتفرّقوا عنده فنزل بعضهم بفدك و بعضهم بخيبر و بعضهم بتيماء. فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم، فمرّ بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه و قال لهم: أمرّ بكم ما بين عير و أحد.
فقالوا: إذا مررت بهما فأرنا.
فلما توسّط بهم أرض المدينة قال لهم: ذاك عير و هذا أحد. فنزلوا عن ظهر إبله فقالوا له: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك فاذهب حيث شئت، و كتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك و خيبر: إنا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا ....
____________
(1). سورة البقرة: الآية 89.
22
و يقدّر نخيل فدك بنخيل الكوفة في القرن السادس عشر، و قد قدّر عدد نخيلها قبل ستين عاما تقريبا بعشرين ألف نخلة.
و وصفت تمور فدك بالجودة، و خاصة بنوع العجوة، و فيها قال الراجز:
من عجوة الشقّ نطوف بالودك * * * ليست من الوادي و لكن من فدك
و كذلك عرفت فدك في العهد القديم بتقدّمها الصناعي، فقد ذكر ابن هشام أن الرسول محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) ركب حمارا فوقه قطيفة فدكية.
و تعتبر الحائط- فدك- من المواقع الأثرية المهمة في منطقة حائل، إذ تحتوي على آثار تعود إلى فترتين: فترة ما قبل الإسلام، و تدلّ عليها بقايا القصور و القلاع المشيدة بالأحجار المأخوذة من المنطقة، و لا يزال بعضها قائما حتى الآن و لا يزال سور المدينة القديم موجودا أيضا. أما الفترة الثانية: فهي فترة ما بعد الإسلام، و يدل على ذلك ما تمّ العثور عليه من كتابات كوفية على الصخور.
و لقد اختار قسم من اليهود هذه الأرض المتميّزة بخصوبتها، و كثرة مياهها و استقرّوا فيها منذ مئات السنين قبل مجيء الإسلام.
و في السنة السادسة من الهجرة النبوية الشريفة، أرسل الرسول محمد (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة بقيادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مائة رجل إلى فدك، لتأديب أهلها اليهود و منعهم من إرسال المساعدات و السلاح ليهود خيبر.
و عند ما فرغ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من فتح خيبر سنة سبع هجرية، قذف اللّه تعالى الرعب في قلوب أهل فدك، و ذلك لما بلغهم مما أحل اللّه سبحانه بأهل خيبر، فبعثوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليصالحوه على النصف من ثمارها و زروعها مقابل بقائهم فيها و عدم غزوهم. فقبل ذلك منهم و أصبحت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و ذلك لقوله تعالى: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...». (1)
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
23
و لما نزلت الآية الكريمة: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً» (1)، جعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الأرض لا بنته فاطمة (عليها السلام) و نحلها إياها، و قد استثمرتها في حياة أبيه المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
1. فدك في الماضي و الحاضر: ص 15.
2. في شمال غرب الجزيرة: ص 222، شطرا منها، على ما في فدك.
3. ديوان زهير بن أبي سلمى: ص 51، شطرا منها، على ما في فدك.
4. لسان العرب: ج 10 ص 473، شطرا منها، على ما في فدك.
5. الأغاني: ج 2 ص 87، شطرا منها، على ما في فدك.
6. معجم معالم الحجاز: ج 2 ص 206، شطرا منها، على ما في فدك.
7. السيرة النبوية: ج 2 ص 587، بزيادة و نقيصة.
3
المتن:
قال السيد الأمين في ذكر فدك:
و فدك- بالتحريك في معجم البلدان- قرية بينها و بين المدينة يومان و قيل ثلاثة، و في السيرة الحلبية قرية (2) بينها و بين المدينة ست ليال، و في لفظ ثلث مراحل، و هي الآن خراب.
أقول: لعل الصواب القول بأن بينها و بين المدينة ست ليال. يأتي من أن عليا (عليه السلام) وصل إلى مكان بين خيبر و فدك، فدلّ على أن فدك أبعد عن المدينة من خيبر، و قد مرّ أن خيبر عن المدينة على نحو أربع مراحل؛ فكيف يكون بين فدك و المدينة ثلاث مراحل أو
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). كلمة قرية و خراب في السيرة الحلبية يرجع إلى زمانه، و هي الآن بلدة معمورة فيها مساجد و مؤسسات و إدارات و أسواق و مساكن قديمة و الحديثة.
21
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 15 ص 225 ح 49، عن تفسير العياشي.
2. تفسير العياشي: ج 1 ص 49 ح 69.
3. روضة الكافي: ص 308.
الأسانيد:
في الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن النضر، عن زرعة، عن أبي بصير.
2
المتن:
قال عبد اللّه اليوسف الفدكي في تاريخ و تكوّن فدك:
تتكوّن أرض فدك من حرة تكسوها الحجارة السوداء، و هي في ذلك شبيهة بأرض قريظة في المدينة المنورة، و لكن تتميّز عنها بأنها ذات و ديان و منخفضات عميقة، هما ناتجان عن ثورات بركانية تقذف حممها ثم تسيل على وجه الأرض، و بعد أن تبرد تكوّن صخورا سوداء، و بعض هذه الصخور يبقى ضخما و البعض الآخر يتفتّت و يغطّي الأرض بقشرة رقيقة.
و قد ذكرت فدك في العشر الجاهلي على لسان الشاعر زهير بن أبي سلمي بقوله:
لئن حللت بجوّ في بني أسد * * * في دين عمرو و حالت بيننا فدك
و تكثّر المياه الراكدة في فدك؛ لذلك كانت مشهورة قديما بكثرة الحمّى، كما هو الحال في خيبر، و فيها قال الشاعر رؤبة بن العجاج:
كأنه إذا عاد فينا أوزحك * * * حمى قطيف الخد و حمى فدك
و هي معروفة بخصوبة أرضها و كثرة نخيلها و زروعها و عينها الفوّارة التي تغطّي معظم المدينة سابقا، و لكنها يبست و جفّت في الوقت الحاضر.
24
يومان أو ثلاثة أيام؟ إلا أن يراد بالأيام الليل و النهار، فتتوافق رواية ثلاثة أيام و رواية ست ليال.
و في الصحاح و القاموس: فدك بلدة بخيبر ...، و لعل فيه تسامحا باعتبار مجاورتهما لخيبر، و أهل فدك كانوا من العرب لا من اليهود.
و مرّ الكلام على أن فدكا فتحت صلحا بعد فتح خيبر سنة سبع، فتكون هذه السيرة قبل فتح خيبر، لأن فتح خيبر كان في جمادي الأولى أو في المحرم سنة سبع، و هذه كانت في شعبان سنة ست.
و سببها أنه بلغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن بني سعد يريدون أن يجمعوا جمعا يمدّون به يهود خيبر و يعطوهم مقابل ذلك من تمر خيبر. و ينبغي أن يكون ذلك قبل محاصرة خيبر بأن يكون أهل خيبر لما رأوا ما جرى لقريظة و بني النضير لما نقضوا العهد، خافوا فاتفقوا مع أهل فدك على ذلك.
فبعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) من المدينة في مائة رجل. فجعل يسير الليل و يكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج- ماء بين فدك و خيبر-. فوجدوا رجلا فقالوا: ما أنت؟ قال: باغ- أي طالب لشيء ضلّ مني-. فقالوا: هل لك علم بجمع بني سعد؟ قال: لا علم لي به.
فشدّوا عليه، فأقرّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر يعرض على يهودها لنصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرها ما جعلوا لغيرهم. قالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم قد تجمّع منهم مائتا رجل. قالوا: فسر بنا حتى تدلّنا عليهم. قال: على أن تؤمنوني، فأمنوه.
فجاء بهم إلى سرحهم، فأغاروا عليه و هرب الرعاء إلى جمعهم فتفرقوا. فقال:
دعوني. فقال علي (عليه السلام): حتى نبلغ معسكرهم. فانتهى بهم إليه، فلم يروا أحدا. فتركوه و ساقوا النعم و كانت خمسمائة بعير و ألفي شاة. فاصطفى علي (عليه السلام) منها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ناقة لقوحا تسمّى الحفدة و قسّم الباقي على أصحابه؛ هكذا في السيرة الحلبية.
و ينبغي أن يكون أخرج بخمسها أولا لا اللقوح وحدها، ثم قسّم الباقي.
26
المصادر:
1. فدك في الماضي و الحاضر: ص 13.
2. جمهرة اللغة: ج 2 ص 290، شطرا منها، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
3. الصحاح للجوهري: ج 4 ص 1602، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
4. معجم البلدان: ج 4 ص 240، شطرا منها، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
5. لسان العرب: ج 10 ص 473، شطرا منها، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
6. معالم الجزيرة: ص 306، شطرا منها، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
7. معجم أودية الجزيرة: ج 2 ص 181، 316.
8. معجم بلاد الحجاز: ج 2 ص 205.
9. في شمال غرب الجزيرة: ص 224- 274، 296، 307- 572، شطرا منها، على ما في فدك في الماضي و الحاضر.
5
المتن:
قال ابن حجر في ذكر فدك:
بعث يهود فدك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين افتتح خيبر: أعطنا الأمان و هي لك. فبعث إليهم حويصة فقبضها؛ فكانت له خاصة.
المصادر:
الإصابة: ج 2 ص 14.
6
المتن:
قال الشرقاوي في بحث فدك:
و فدك قرية بخيبر، و عند ما فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر- و كانت راية المسلمين لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)-، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)
27
يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم و لم يغزهم، و كانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة.
فهي فيء خصّه به اللّه لأن المسلمين لم يأخذوها بقتال، فلا تقسم قسمة الغنائم لأنها لا يوجف عليها بخيل و لا ركاب ...، و كان الصحابة من قبل طلبوا من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم الفيء بينهم كما قسّم الغنيمة بينهم، فذكر اللّه الفرق بين الأمرين في سورة الحشر.
و قد غرس (صلّى اللّه عليه و آله) بعض النخيل في فدك و جعلها لفاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ فكانت هي التي تتصرّف فيها و كانت تتصدّق بكل خراجها بعد أن تستبقي ما يسدّ حاجة عام، و رأى أبو بكر أن تكون فدك بيد ولي الأمر- أي بيده- يوزع خراجها على الناس ....
المصادر:
1. علي (عليه السلام) إمام المتقين: ج 1 ص 59، على ما في الإحقاق.
2. إحقاق الحق: ج 33 ص 358، عن علي (عليه السلام) إمام المتقين.
7
المتن:
قال الزبيدي:
فدك قرية بخيبر، و قيل: بناحية الحجاز؛ فيها عين و نخل؛ أفاءه اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) ....
فذكر علي (عليه السلام) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان جعلها في حياته لفاطمة و ولدها (عليهم السلام).
المصادر:
لسان العرب: ج 10 ص 203.
25
المصادر:
1. أعيان الشيعة: ج 2 ص 208.
2. معجم البلدان: ج 4 ص 238، شطرا منه.
3. ظلامات فاطمة الزهراء (عليها السلام) في السنة و الآراء: ص 22، شطرا منه، عن المعجم.
4. إمتاع الأسماع: ج 1 ص 268، شطرا منه.
4
المتن:
قال عبد اللّه اليوسف في المعنى اللغوي لفدك:
فدك- بفتح الفاء و الدال- من فدّكت القطن تفديكا، أي نفّشته، و هي لغة أزدية، قيل: سمّيت بفدك لأن فدك بن حام أول من نزلها، و هو أحد الإخوة الأربعة لسلمى بنت حام من العماليق، و هم الغميم و المضلّ و فائد و فدك، و أن فدكا ألحق بهذه الأرض و استقر فيها ثم نسبت إليه.
و إن أرض فدك وردت ضمن الأماكن التي احتلّها الملك البابلي نيوبند، الذي حكم في القرن السادس قبل الميلاد من عام 539 إلى 556.
و فدك واد ذو نخيل و عيون، يعرف باسم «الحائط»، و أصبح الآن مدينة تابعة لإمارة حائل. قال الأستاذ حمد الجاسر: و من أودية الحرة أيضا الشرقية؛ أودية الحويط (يديع) و الحائط (فدك) ...، و مما هو مضاف إلى خيبر و داخل في منطقتها:
1. فدك، و تعرف الآن باسم «الحائط».
2. يديع، و هو اسم كان يطلق على واد فيه مياه مع نخيل كثيرة، و يعرف الآن باسم «الحويط».
و فدك من أكبر قرى حرّة خيبر، و عند ما يضاف إليها الجزء الشرقي تسمّى حرة فدك.
29
10
المتن:
قال علي أكبر دهخدا:
فدك قرية في الحجاز منها إلى المدنية يومان و قيل ثلاثة.
و إذا فتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر و قلاعه، استقام ثلاث قلاع إلا ثلاثا و اشتد بهم الحصار و استصعب محاصرتها و فتحها، و أرسل أهل فدك رسولا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أن أموالهم و ثمارهم يقسّموا نصفين بالمصالحة، و قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الغنيمة.
كانت في هذه الناحية عيونا و نخيلات ثم إن عمر استولى عليها، و لما وسعت فتوح المسلمين ردّها إلى ورثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
و فيه اختلف علي (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب؛ فقال علي (عليه السلام): إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها في حياته لفاطمة (عليها السلام)، و زعم العباس أنها ملك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو وارث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمر عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته إلى والي المدينة أن يجعلها لأولاد فاطمة (عليها السلام).
و الكلام في هذه القرية كثير جدا، و ما جرى بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها، الاختلاف في الروايات كثيرة:
ففي معجم البلدان: هي قرية كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها نخلات.
عن الصراح: هذه في خيبر؛ أعطاها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام)، و أخذ منها أبو بكر.
في منتهى الإرب: هي قرية في خيبر و منها الفدكي، و هذه القرية يسمّى باسم فدك بن حام بن نوح.
المصادر:
1. لغتنامه دهخدا: ج 10 ص 14991.
2. معجم البلدان، على ما في لغتنامه، شطرا من ذيله.
3. الصراح، على ما في لغتنامه، شطرا من ذيله.
28
8
المتن:
قال الطريحي في لفظ فدك:
فدك بفتحتين، قرية من قرى اليهود، بينها و بين مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يومان و بينها و بين خيبر دون مرحلة، و هي ما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه فتحها هو و أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يكن معهما أحد. فزال عنها حكم الفيء و لزمها حكم الأنفال؛ فلما نزل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) أي أعط فاطمة فدكا، أعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إياها، و كانت في يد فاطمة (عليها السلام) إلى أن توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأخذت من فاطمة (عليها السلام) بالقهر و الغلبة.
و قد حدّها علي (عليه السلام)؛ حدّ منها جبل أحد، و حدّ منها عريش مصر، و حدّ منها سيف البحر، و حدّ منها دومة الجندل يعني الجوف.
المصادر:
مجمع البحرين: ج 5 ص 283.
9
المتن:
ذكر في المنجد في الأعلام:
فدك واحة في الحجاز على مقربة من خيبر؛ كان أهلها من المزارعين اليهود، اشتهرت قديما بتمرها و قمحها.
أرسل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) على رأس مائة من رجاله لمحاربتهم، ثم صالحهم على نصف أملاكهم.
المصادر:
المنجد في الأعلام: ج 2 ص 520.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
30
4. منتهى الإرب، على ما في لغتنامه، شطرا من ذيله.
5. الإمام مالك مفسرا: ص 201.
11
المتن:
قال السمهودي: حرة النار ...، في القاموس: هي قرب خيبر.
و قال عياض: حرة النار في حديث عمر من بلاد بني سليم بناحية خيبر. و قال نصر:
حرة النار بين وادي القرى و تيما من ديار غطفان و بها معدن.
و ذكر الأصمعي: حرة فدك في تحديد بعض الأودية، ثم قال: و حرة النار فدك، و فدك قرية بها نخيل و صوافي فاقتضى أنها بفدك، و هي التي سألت منها النار التي أطفأها خالد بن سنان عن قومه لما سبق في نار الحجاز: أن قومه سألت عليهم نار من حرة النار في ناحية خيبر تأتي من ناحيتين جميعا ....
المصادر:
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ج 4 ص 1187.
12
المتن:
قال المقريزي في ذكر الخمس و قسمته:
... قال اللّه سبحانه: «وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ» (1)، يعني خيبر، و قد تخلّف عنها رجال و مات رجلان، و أسهل (صلّى اللّه عليه و آله) لمن تخلّف منهم و من مات، و أسهم
____________
(1). سورة الفتح: الآية 20.
31
لمن شهد خيبر و لم يشهد خيبر و لم يشهد الحديبية، و أسهم لرسل كانوا يختلفون إلى أهل فدك ...
المصادر:
إمتاع الإسماع: ج 1 ص 326.
13
المتن:
ذكر في موسوعة العتبات المقدسة، قسم المدينة في ذكر العيون:
... و في فدك عين فوّارة و نخيل كثيره هي أشهر عيون يثرب، و فدك هذه واقعة في شمال المدينة و على مسافة قليلة منها، كما سيأتي الحديث عنها، و لمياهها في التاريخ شهرة كثيرة ....
و قال في ص 89:
... و فدك قرية من قرى خيبر، تقع على مسافة يومين أو ثلاثة أيام من المدينة المنورة، و سكّانها يهود كسكّان المواقع الأخرى و القرى اليهودية من خيبر، و هي ذات شجر و نخيل و خصب بفضل مياهها الفوّارة و أرضها الصالحة.
و ليس من شك أنها كانت قد احتاطت لنفسها توقّيا من الغرو و الحروب بالقلاع الحصينة، كما فعلت سائر قرى خيبر دفاعها عن النعمة ....
المصادر:
موسوعة العتبات المقدسة: ج 3 ص 60، 89.
32
14
المتن:
قال عبد اللّه البكري في حد الحجاز:
... و زعم عرام بن الأصبغ أن حدها من معدن النقرة إلى المدينة؛ فنصفها حجازي و نصفها تهامي.
و قال في موضع آخر:
الجلس ما بين الجحفة إلى جبلي طيماء و المدينة جليسة، و أعمال المدينة فدك و خيبر و وادي القرى و المروها و الجار و الفرع، و لهذه المواضع عريضة واسعة إلا الجار فإنه ساحل.
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 1 ص 10.
15
المتن:
قال عبد اللّه البكري:
«قرى عربية» كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر و فدك و السوارقية و ما أشبه ذلك.
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 1 ص 15.
34
قال عمر في قول اللّه تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ» (1)، قال: هذه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ قرى عربية و فدك و كذا و كذا، و هي قرى بالحجاز معروفة.
و كتب أبو عبيد اللّه كاتب المهدي: قرى عربية: فنّون، و لم يضف، فقال له شبيب بن شيبة: إنما هي قرى عربية ...
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 3 ص 929.
18
المتن:
قال السيد الأمين نقلا عن معجم البلدان:
فدك بالتحريك و آخره كاف ...، و ذكرها في موضعين، أحدها بعد غزاة خيبر و ثانيها بعد سريّة ذات السلاسل. فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أرسل إلى فدك سريّة مع علي (عليه السلام) لما علم أن أهلها يريدون معاونة أهل خيبر عليه، و ذلك قبل فتح خيبر. فهرب أهل فدك و غنم علي (عليه السلام) من نعمهم و أموالهم و لكنها لم تفتح يومئذ، و إنما كان أثر هذه السرية أنهم خافوا و أجحموا من مساعدة أهل خيبر. ثم لما فتحت خيبر، خاف أهل فدك و أرسلوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و صالحوه.
المصادر:
1. أعيان الشيعة: ج 2 ص 293.
2. معجم البلدان: ج 4 ص 238، شطرا منه.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
33
16
المتن:
قال عبد اللّه البكري في مسيرة فدك:
... «فدك» بفتح أوله و ثانيه معروفة، بينها و بين خيبر يومان و حصنها يقال له الشمروخ، و أكثر أهلها أشجع، و أقرب الطرق من المدينة إليها من النقرة مسيرة يوم على جبل يقال له الحبالة و القذال، ثم جبل يقال له جبار ثم يربغ و هي قرية لولد الرضا، و هي كثيرة الفاكهة و الصون، ثم تركب الحرة عشر أميال فتهبط إلى فدك.
و طريق أخرى و هي طريق مصدق بني ذبيان و بني الحارث من المدينة إلى القصة، و هناك تصدق بنو عوال من بني ثعلبة بن سعد، ثم ينزل نخلات فتصدق الخضر خضر محارب، ثم ينزل المغيثة فتصدق سائر بني محارب، ثم الثاملية الأشجع، ثم الرقمتين لبني الصادر، ثم مرتفقا لبني قتال بن يربوع؛ هكذا قال السكوني و إنما هو رياح بن يربوع و أمه أم قتال بنت عبد اللّه بن عمر و لؤي بن التميم، ثم فدك، ثم الحراضة، ثم خيبر، ثم الصهباء لأشجع، ثم دارة.
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 3 ص 1015.
17
المتن:
قال عبد اللّه البكري في كلمة قرى عربية:
... «قرى عربية» على الإضافة لا تنصرف، و عربية منسوبة إلى العرب بن حديث الزهري.
35
19
المتن:
قال ياقوت الحموي الرومي:
فدك بالتحريك و آخره كاف؛ قال ابن دريد: فدّكت القطن تفديكا إذا نفّشته، و هي لغة أزدية.
و فدك قرية بالحجاز، بينها و بين المدينة يومان و قيل ثلاثة؛ أفاءها اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في سنة سبع صلحا، و ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما نزل خيبر و فتح حصونها و لم يبق إلا ثلث و اشتد بهم الحصار، أرسلوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن ينزلهم على الجلاء و فعل، و بلغ ذلك أهل فدك فأرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يصالحهم على النصف من ثمارهم و أموالهم فأجابهم إلى ذلك؛ فهي مما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فكانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و فيها عين فوّارة و نخيل كثيرة، و هي التي قال فاطمة (عليها السلام): إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلنيها، فقال أبو بكر: أريد لذلك شهودا، و لها قصة ....
المصادر:
معجم البلدان: ج 4 ص 238.
20
المتن:
قال البكري في ذكر حوالي فدك:
«ذراة» بفتح أوله و ثانيه و بهاء التأنيث، موضع مذكور في رسم فدك.
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 2 ص 610.
36
21
المتن:
قال محمد بن عمر:
و كان علي (عليه السلام) ممن ثبت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم أحد حين انهزم الناس و بايعه على الموت، و بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة إلى بني سعد بفدك في مائة رجل، و كان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يوم فتح مكة ....
المصادر:
الطبقات لا بن سعد: ج 3 ص 23.
22
المتن:
ابن شهرآشوب في رواية ابن أسباط، أنه قال:
أما الحد الأول فعريش مصر، و الثاني دومة الجندل، و الثالث: أحد، و الرابع:
سيف البحر؛ فقال: هذا كله هذه الدنيا. فقال (عليه السلام): هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هاله، فأفاءه اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بلا خيل و لا ركاب، فأمره اللّه أن يدفعه إلى فاطمة (عليها السلام).
المصادر:
1. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 3 ص 353.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 774 ح 2، عن المناقب.
37
23
المتن:
قال عبد اللّه البكري:
«الشمروخ» بضم أوله و إسكان ثانيه بعده راء مهملة و واو و خاء معجمة، و هو حصن فدك.
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 3 ص 808.
24
المتن:
قال صفي بور:
فدك محرّكة، قرية بخيبر و هو الذي قضى به أبو بكر ...، و منها ابن أعبد الفدكي أبو ميّا أم عمرو بن الأعثم، و قال: إن فدك اسم ولد حام بن نوح، قيل و باسمه سمّي فدك و خيبر.
المصادر:
منتهى الإرب لصفي بور: ج 3 ص 950.
25
المتن:
قال الفراهيدي:
فدك موضع بالحجاز مما أفاء اللّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).
38
المصادر:
كتاب العين: ج 5 ص 332.
26
المتن:
قال المقري:
فدك بفتحتين، بلدة بينها و بين مدينة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يومان و بينها و بين خيبر دون مرحلة، و هي مما أفاء اللّه علي رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و تنازعها علي (عليه السلام) و العباس في خلافة عمر؛ فقال علي (عليه السلام): جعلها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة و ولده (عليهم السلام)، و أنكره العباس. فسلّمها عمر لهما.
المصادر:
المصباح المنير للمقري: ج 2 ص 119.
27
المتن:
قال ابن فارس:
فدك، الفاء و الدال و الكاف كلمة واحدة، و هي فدك، بلد.
و من طرائف ابن دريد: فدّكت القطن نفّشته؛ قال: و هي لغة أزدية.
المصادر:
معجم مقائيس اللغة: ج 4 ص 483.
39
28
المتن:
قال الطبرسي في قوله تعالى: «قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ» (1):
عن ابن عباس، قال: سبب نزول هذه الآية ما روي أن ابن صوريا و جماعة من يهود أهل فدك- لما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة- سألوه فقالوا: يا محمد، كيف نومك؟
فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان. فقال: ينام عيناي و قلبي يقظان.
قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه شبه من أخواله، أو يشبه أخواله و ليس فيه شبه أعمامه شيء؟ فقال: أيهما علا ماؤه كان الشبه له. قالوا: صدقت يا محمد.
قالوا: فأخبرنا عن ربك ما هو؟ فأنزل اللّه سبحانه: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (2) إلى آخر السورة.
فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك و اتبعك؛ أيّ ملك يأتيك بما أنزل اللّه عليك؟ قال: فقال: جبرئيل. قال: ذلك عدونا ينزل بالقتال و لشدة و الحرب و ميكائيل ينزل بالبشر و الرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك. فأنزل اللّه هذه الآية جوابا لليهود و ردّا عليهم.
المصادر:
1. مجمع البيان: ج 1 ص 158.
2. بحار الأنوار: ج 9 ص 66، عن تفسير مجمع البيان.
3. بحار الأنوار: ج 56 ص 148، عن تفسير مجمع البيان.
29
المتن:
عن جابر بن عبد اللّه، قال:
____________
(1). سورة البقرة: الآية 97.
(2). سورة الإخلاص: الآية 1- 4.
41
30
المتن:
قال اليعقوبي في ذكر الأمراء على السرايا و الجيوش:
و وجّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على السرايا و الجيوش الأمراء و عقد لهم الألوية و الرايات ....
و علي بن أبي طالب (عليه السلام) على جيش إلى فدك. و بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن بها جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر، فسار علي بن أبي طالب (عليه السلام) الليل و كمن النهار، حتى صبّحهم فقتلهم.
المصادر:
تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 73.
31
المتن:
قال خليفة بن خياط في وقائع سنة خمس:
... و بعث بشير بن سعد أحد بني الحارث بن الخزرج إلى فدك. فقاتله بنو مرة، فأصيب أصحابه و رجع جريحا.
المصادر:
تاريخ خليفة بن خياط: ص 78.
32
المتن:
قال خليفة بن خياط في وقائع سنة ست:
40
زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى أناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك؛ فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه و إن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه.
فسألوه عن ذلك فقال: ارسلوا إليّ أعلم رجلين فيكم. فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا و آخر.
فقال لهما النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أنتما أعلم من قبلكما؟ فقالا: قد نحانا قومنا لذلك. قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):
أ ليس عندكما التوراة فيها حكم اللّه تعالى؟ قالا: بلى. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل و ظلّ عليكم الغمام و أنجاكم من آل فرعون و أنزل المنّ و السلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة من شأن الرجم؟
فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنيّة و الاعتناق زنية و القبل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدي و يعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): هو ذاك. فأمر به فرجم؛ فنزلت: «فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ». (1)
المصادر:
المسند للحميدي: ج 2 ص 541 ح 1294.
الأسانيد:
في المسند: حدثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللّه، قال.
____________
(1). سورة المائدة: الآية 42.
42
بعث بشير بن سعد إلى خيبر و لم يلق كيدا، و بعث كعب بن عمير الغفاري إلى ذات اطلاح فأصيب أصحابه فتلتهم قضاعة، و عبد الرحمن بن عوف إلى كلب فتزوّج تماضر بنت الأصبغ، و علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بني عبد اللّه بن سعد من أهل فدك فأخذها.
المصادر:
تاريخ خليفة بن خياط: ص 79.
33
المتن:
قال خليفة بن خياط في وقائع سنة سبع:
لما سمع أهل فدك بما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأهل خيبر، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيرهم و يحقن لهم دماءهم و يخلّون له الأموال، ففعل؛ فكانت خيبر فيئا بين المسلمين و فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب.
و قال في ص 85:
... و بعث أهل فدك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فصالحوه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم؛ فكانت له خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
المصادر:
تاريخ خليفة بن خياط: ص 83.
43
34
المتن:
قال حميد بن زنجويه:
قرأت على أبي عبيد القاسم بن سلام- و كل شيء أحدّثه عنه في هذا الكتاب فهو قراءة عليه-: أول ما نبدأ به من ذكر الأموال ما كان منها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خالصا دون الناس، و ذلك ثلاثة أموال:
أولها: ما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من المشركين مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل و لا ركاب، و هي فدك و أموال بني النضير؛ فإنهم صالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أموالهم و أرضهم بلا قتال كان منهم و لا سفر تجشّمه المسلمون إليهم. و المال الثاني: خمس الخمس بعد ما تقسّم الغنيمة تخمّس، و في كل ذلك آثار معروفة قائمة ....
المصادر:
كتاب الأموال لحميد بن زنجويه: ج 1 ص 90 ح 55.
35
المتن:
قال القلقشندي في حرف الكاف و اللام:
فدكها
بنو كلاب بطن من عامر بن صعصعة، منهم العناكب الشاعر المشهور. قال العبر:
كانت ديارهم حمى ضرّية و هي حمى كلب و الربذة في جهات المدينة و فدك و العوالي. ثم انتقلوا بعد ذلك إلى الشام، فكان لهم في الجزيرة الفراتية هيت و مكوا حلب و نواحيها و كثير من مدن الشام.
45
37
المتن:
قال الزبيدي في كلمة عري:
و في الحديث: كانت فدك لحقوق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تعروه أي تغشاه و تنتابه، و أعرى القوم صاحبهم: تركوه في مكانه و ذهبوا عنه.
المصادر:
لسان العرب: ج 9 ص 176.
38
المتن:
قال هاشم معروف الحسني في بحث فدك:
لقد جاء في كتب السيرة و التاريخ: إنه لما تغلب المسلمون على يهود خيبر و استولوا على أموالهم و تمّ الاتفاق بينهم و بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أن تبقى الأرض في أيديهم، يعملون فيها بنصف الناتج و النصف الثاني للمسلمين، استولى الخوف على أهل فدك و ظنّوا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سيغزوهم و أيقنوا أن لا طاقة لهم بمقابلته.
فأرسلوا إليه قبل أن يتّجه نحوهم أنهم على استعداد لأن يسلّموه الأرض و ما يملكونه على أن يحقن دماءهم، و عرضوا عليه أن يعملوا في الأرض بنصف الناتج و يلتزموا بما يفرضه عليهم كما اتفق مع يهود خيبر. فوافق على ذلك و صالحهم على نصف ناتج الأرض؛ فكانت خيبر ملكا للمسلمين لأنه استولى عليها بالحرب، و فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد وهبها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة الزهراء (عليها السلام) في حياته.
فكان يدفع لفاطمة (عليها السلام) من غلتها ما يكفيها و الباقي يصرفه في شئون المسلمين، كما أجمعت على ذلك المصادر الشيعية و بعض المصادر السنيّة. فقد جاء في الدر المنثور
44
المصادر:
نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب: ص 365 ح 1489.
36
المتن:
قال الزبيدي في لفظ فدك:
فدك محركة بخيبر، فيها نخل و عين؛ أفاء اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان علي (عليه السلام) و العباس يتنازعانها و سلّمها عمر إليهما. فذكر علي (عليه السلام) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) و ولدها و أبى العباس ذلك.
قال زهير بن سلمى:
لئن حللت بجوّ في بني أسد * * * في دين عمرو و حالت بيننا فدك
كأنه إذ عاد فينا أوزحك * * * حمى قطيف الخلط أو حمى فدك
و قال رؤبة: و «فدكي بن أعبد» كعربي «أبو سيا أم عمرو بن الأهتم» و أمها بنت علقمة بن زرارة.
قال عمرو بن الأهتم:
نمتني عروق من زرارة للعلى * * * و من فدكي و الأشد عروق
المصادر:
تاج العروس: ج 7 ص 166.
46
للسيوطي عن البزاز و أبي يعلي و ابن حاتم و ابن مردويه، عن سعيد الخدري أنه قال:
لما نزلت الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدكا، كما روى ذلك جماعة عن ابن عباس.
المصادر:
1. سيرة المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 559.
2. الدر المنثور: ج 4 ص 177، شطرا من ذيله.
3. مجمع الزوائد: ج 7 ص 49، شطرا من ذيله.
4. ميزان الاعتدال: ج 2 ص 288، شطرا من ذيله.
5. كنز العمال: ج 2 ص 158، بتفاوت، شطرا من ذيله.
6. فضائل الخمسة: ج 3 ص 136، شطرا من ذيله.
39
المتن:
قال مؤلف «فدك في الماضي و الحاضر» في كيفية طريق الوصول إليها:
تبعد فدك عن مدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بمسافة تقدّر بمائتين و سبعة و ثمانين كيلومترا، و يمكن للزائر الوصول إليها إذا سلك طريق المدينة المنورة المتّجه إلى الرياض عبر مدينة القصيم. و عند ما يقطع مسافة تقدر بمائة و أربعة كيلومترات يصل إلى مدينة الحناكية، ثم يجتازها بالسير في وسطها باتجاه القصيم، و بعدها يسير مسافة ثمان و عشرين كيلومترا يصل إلى قرية شقران، و هي التي يتّجه منها شرقا للوصول إلى الربذة، و هي المدينة التاريخية التي نفي إليها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان عام 30 ه و فيها توفّي و دفن عام 32 ه.
و تقدر المسافة من الشقران إلى الربذة بثلاثة و ثمانين كيلومترا و يستغرق الوصول إليها قرابة الساعتين، و يمرّ عبر طريق صحراويّ معلّم ببعض العلامات، و الذي يمرّ
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
47
بعدة جبال، أبرزها: الحبلي و الحصيّة أو القلب و وعلة و العبل الأبيض و الربذة أو أبو رقيبة، و قبر الصحابي المجاهد أبو ذر الغفاري قرب البئر القريب من المسجد الغربي و بعد السير مسافة ستة كيلومترات ... القصيم- حائل، و عند ما يسلك الطريق المتّجه إلى حائل و هو الأواقع في الجهة اليسرى من طريق القصيم العام، و عند ما يسير في طريق حائل بعد سبعة كيلومترات تقريبا علامة: حليفة- حائل.
و لما يسلك هذا الطريق و هو ذو اتجاه واحد و فيه بعض الجبال المتفرقة، و بعد مسافة مائة و سبعين كيلومترا عن المدينة توجد علامة حائل، و بعد ما يقطع مسافة تقدّر بمائة و كيلومترين يجد علامة الحليفة و هي قرية صغيرة تقع في الجهة اليمنى من الطريق المذكور.
و يلاحظ في أول هذا الطريق علامة الحائط و بعض القرى الواقعة في الطريق الموصل إليها ك «فيضة أثقب» و «العرادية». ثم يشاهد بعد مسافة قصيره أسماء قرى ثانية تقع قبل القرى الأولى: القسمة، الحليفة، العليا، الوسيطاء.
و الطريق الموصل من الحليفة إلى فدك ضيّق، و فيه بعض الحفر و التعرجات، و خاصة في أوله قرب قرية الحليفا العليا و في وسطه أيضا. و شقّ هذا الطريق بين جبال متفرقة، و تقدّر مسافته بأربعين كيلومترا، و يلاحظ فيه بعض النباتات الطبيعية و الأشجار المخضرّة في أشد أشهر الصيف حرارة، كما يلاحظ اعتدال الجو في الأرض الواقعة قبل فدك بعدّة كيلومترات، و ذلك لارتفاعها عن سطح الأرض.
و عند الوصول إلى مدخل مدينة فدك يتذكّر الزائر ما مضى لهذه البلدة في سيدتنا الصديقة الطاهرة (عليها السلام) من الغاصبين و الظالمين عليها.
و ترى فيها أيضا المساجد و المخطة و محل الضيافة العربية و الأسواق و الحدائق و عيون فوّارة و مساكنها القيّمة و الحديثة و النخيلات و المدارس و الادارات و المؤسسات و غيرها.
48
المصادر:
1. فدك في الماضي و الحاضر: ص 28.
2. الربذة: ص 29، شطرا منه، على ما في فدك.
40
المتن:
قال محمد بن جرير الطبري:
قال ابن إسحاق: و أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكنانة بن الربيع أبي الحقيق- و كان عنده كنز بني النضير- فسأله، فجحد أن يكون يعلم مكانه. فأتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برجل من يهود، فقال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إني قد رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لكنانة: أ رأيت إن وجدناه عندك، أ أقتلك؟ قال: نعم.
فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم. ثم سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه. فأمر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الزبير بن العوام، فقال: عذّبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه. ثم دفعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.
و حاصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أهل خيبر في حصنيهم الوطيح و السلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم و يحقن لهم دماءهم، ففعل، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد حاز الأموال كلها: الشق و نطاة و الكتيبة، و جميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين.
فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم لهم و يخلوا له الأموال، ففعل. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد حاز الأموال كلها: الشتق و نطاة و الكتيبة و جميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين.
و كان فيمن مشى بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة. فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم بالأموال على
49
النصف و قالوا: نحن أعلم بها منهم و أعمر لها. فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف على: إنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، و صالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت خيبر فيئا للمسلمين و كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب.
المصادر:
1. تاريخ الطبري: ج 3 ص 14.
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 393 ح 6.
41
المتن:
قال البلاذري في غزاة خيبر:
ثم غزاة خيبر في صفر سنة سبع و يقال في جمادي الأولى و يقال في شهر ربيع الأول. سار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى اليهود بخيبر، فماكثوه و طاولوه و قاتلوا المسلمين. ثم إن بعضهم نزل و معه ابن أبي الحقيق، فصالحا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على حقن الدماء و أن يخلوا بين المسلمين و بين الصفراء و البيضاء و بين أرضهم و البزّة إلا ما كان على الأجساد.
فأقرّهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الأرض عمارا لها و عاملهم على الشطر من التمر و الحب و قال: أقرّكم ما أقرّكم اللّه، و خاطر عباس بن مرداس حويطب منه مائة ناقة.
و بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أهل فدك منصرفه من خيبر يدعوهم إلى الإسلام، فأتوه فصالحوه على نصف الأرض بترتّبها، فقبل ذلك منهم. و كان خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غزاة خيبر سباع بن عرفطة الكناني، و يقال نميلة بن عبد اللّه الكناني.
المصادر:
أنساب الأشراف: ج 1 ص 352 ح 737.
50
42
المتن:
عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: «يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ» (1) أي في نبوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو في أمر إبراهيم و أن دينه الإسلام أو في أمر الرجم:
إن رجلا و امرأة من أهل خيبر زنيا و كان من ذوي شرف فيهم و كان في كتابهم الرجم. فكرهوا رجمهما لشرفهما و رجوا أن يكون عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فحكم عليهما بالرجم.
فقال له النعمان بن أوفى بحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد؟ ليس عليهما الرجم. فقال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بيني و بينكم التوراة. قالوا: قد أنصفتنا. قال: فمن أعلمكم بالتوراة؟ قال: رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا. فأرسلوا إليه فقدم المدينة، و كان جبرئيل قد وصفه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنت ابن صوريا؟ قال: نعم.
قال: أنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون.
قال: فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب، فقال له: اقرأ. فلما أتى آية الرجم وضع كفّه عليها و قرأ ما بعدها، فقال ابن سلام: يا رسول اللّه! قد جاوزها، و قام إلى ابن صوريا و رفع كفّه عنها و قرأ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على اليهود بأن المحصن و المحصنة إذا زنيا و قامت عليهما البينة رجما، و إن كانت المرأة حبلى انتظر بها حتى تضع ما في بطنها.
فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) باليهوديّين فرجما؛ فغضب اليهود لذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
المصادر:
1. مجمع البيان: ج 2 ص 424.
2. بحار الأنوار: ج 9 ص 69، عن مجمع البيان.
____________
(1). سورة آل عمران: الآية 23.
51
43
المتن:
قال عبد اللّه البكري في ذكر فدك:
الرقمتان بفتح أوله و إسكان ثانيه ....
و قال زهير:
و دار لها بالرقمتين كأنها * * * مراجع و شمّ في نواشر معصم
و قد ذكرته في رسم فدك.
و قال ابن دريد:
الرقمتان، هذا الموضع الذي ذكر زهير، و الرقمتان روضتان: إحداهما قريب من البصرة و الأخرى بنجد.
و قال قوم من أهل اللغة: بل كل روضة رقمة ....
المصادر:
معجم ما استعجم: ج 2 ص 667.
44
المتن:
قال اليعقوبي في إرسال الأمراء على السرايا و الجيوش:
... و وجّه بشير بن سعد الأنصاري على سريّة إلى فدك، فأصيب أصحابه جميعا و لم يرجع منهم أحد. ثم بعث إليهم غالب بن عبد اللّه الملوّحي، فجاء بمرداس بن نهيك الفدكي ...
52
المصادر:
تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 74.
45
المتن:
روى أحمد بن إسحاق أيضا:
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فرغ من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فصالحوه على النصف من فدك. فقدّمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعد ما أقام بالمدينة، فقبل ذلك منهم؛ و كانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خالصة له، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
و قد روى أنه صالحهم عليها كلها؛ اللّه أعلم أيّ الأمرين كان؛ قال: و كان مالك بن أنس يحدّث عن عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أنه صالحهم على النصف.
فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب و أجلاهم بعد أن عوّضهم عن النصف الذي كان لهم عوضا من إبل و غيرها.
و قال غير مالك بن أنس:
لما أجلاهم عمر بعث إليهم من يقوّم الأموال، بعث أبا الهيثم بن التيهان و فروة بن عمرو و حبّاب بن صخر و زيد بن ثابت، فقوّموا أرض فدك و نخلها. فأخذها عمر و دفع إليهم قيمة النصف الذي لهم، و كان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم؛ أعطاهم إياها من مال أتاه من العراق و أجلاهم إلى الشام.
المصادر:
1. السقيفة و فدك: ص 97.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 6 ص 210، على ما في السقيفة.
3. معجم البلدان: ج 4 ص 238، على ما في السقيفة، بتفاوت.
54
... و ذكر هشام بن الكلبي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعثه إلى فدك، فاستشهد دون فدك. قلت:
المبعوث إلى فدك غيره و اسمه أيضا غالب، لكن ابن فضالة؛ كما سيأتي ذلك في ترجمته.
و أما غالب بن عبد اللّه هذا، فله ذكر في فتح القادسية، و هو الذي قتل هرمز ملك الباب، و ذكره أحمد بن سيار.
المصادر:
الإصابة: ج 5 ص 186 ح 6898.
48
المتن:
روى البخاري و مسلم، عن أسامة بن زيد:
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ركب على حمار عليه قطيفة فدكية؛ فدكية منسوبة إلى فدك، قرية بالحجاز، بينها و بين المدينة يومان.
المصادر:
1. الجامع لأحكام القرآن: ج 2 ص 72.
2. السيرة النبوية لا بن هشام: ج 2 ص 586، بتفاوت فيه و زيادة.
49
المتن:
قال المقريزي في سريّة بشير بن سعد:
... و سريّة بشير بن سعد إلى فدك فيه أيضا، و معه ثلاثون رجلا ليوقع ببني مرة، فاستاق نعما و شاءا و انحدر إلى المدينة. فأدركوه ليلا و راموا بالنبل حتى فنيت نبل
53
4. فتوح البلدان: ص 36، على ما في السقيفة، بتفاوت يسير.
5. السيرة النبوية لا بن هشام: ج 3 ص 368، شطرا منه.
6. سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمطلّبي: ج 3 ص 813، شطرا منه.
7. ليالي پيشاور: ص 633، بتفاوت فيه، شطرا منه.
8. الروض الأنف: ج 6 ص 524، شطرا منه.
46
المتن:
عن شهاب، قال:
أجلى عمر بن الخطاب يهود خيبر فخرجوا منها، ليس لهم من الأرض و الثمر شيء.
و أما يهود فدك، فكان لهم نصف الثمر و نصف الأرض، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان صالحهم من ذهب و ورق و إبل و أقتاب ثم أعطاهم القيامة.
المصادر:
كتاب الأموال: ج 1 ص 94 ح 63.
الأسانيد:
في كتاب الأموال: قال أبو عبيد: و أنا سعيد بن عفير، عن مالك بن أنس: لا أدري أذكره عن شهاب أم لا، قال.
47
المتن:
قال ابن حجر في ذكر غالب بن عبد اللّه الكناني الليثي:
55
المسلمين و أحيط بهم و أصيبوا و استاق المرميّون نعمهم و شاءهم. فتحامل بشير بن سعد حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهودي حتى اندملت جراحه و عاد إلى المدينة.
المصادر:
1. إمتاع الأسماع: ج 1 ص 334.
2. المغازي للواقدي: ج 2 ص 723، بزيادة فيه.
3. لطبقات لا بن سعد: ج 2 ص 118، بتفاوت و زيادة.
4. شعر النعمان بن بشير الأنصاري: ص 7، بتغيير فيه.
5. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام: ص 447، بتفاوت يسير.
6. المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم: ج 3 ص 302، بتفاوت فيه.
7. الطبقات لا بن سعد: ج 3 ص 531.
الأسانيد:
في الطبقات، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد اللّه بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، قال.
50
المتن:
نزل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على فدك يحاربهم، ثم قال لهم: و ما يأمنكم أن تكونوا آمنين في هذا الحصن و أمضي إلى حصونكم فأفتتحها؟ فقالوا: إنها مقفّلة و عليها من يمنع عنها و مفاتيحها عندنا.
فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إن مفاتيحها دفعت إليّ. ثم أخرجها و أراها القوم، فاتّهموا ديّانهم أنه صبا (1) إلى دين محمد و دفع المفاتيح إليه. فحلف أن المفاتيح عنده و أنها في سفط في صندوق في بيت مقفّل عليه. فلما فتش عنها ففقدت، فقال الديّان: لقد أحرزتها و قرأت عليها من التوراة و خشيت من سحره، و أعلم الآن أنه ليس بساحر و أن أمره لعظيم.
____________
(1). أي مال.
56
فرجعوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قالوا: من أعطاكها؟ قال: أعطاني الذي أعطى موسى الألواح جبرئيل. فتشهّد الديان. ثم فتحوا الباب و خرجوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أسلم من أسلم منهم. فأقرّهم في بيوتهم و أخذ منهم أخماسهم.
فنزل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال: و ما هو؟ قال: أعط فاطمة (عليها السلام) فدكا و هي من ميراثها من أمها خديجة و من أختها هند بنت أبي هالة. فحمل إليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما أخذ منه و أخبرها بالآية.
فقالت: لست أحدث فيها حدثا و أنت حيّ؛ أنت أولى بي من نفسي و مالي لك.
فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أكره أن يجعلوها عليك سبّة فيمنعوك إياها من بعدي. فقالت: أنفد فيها أمرك.
فجمع الناس إلى منزلها و أخبرهم أن هذا المال لفاطمة (عليها السلام) ففرّقه فيهم. و كان كل سنة كذلك و يأخذ منه قوتها. فلما دنا وفاته دفعه إليها.
المصادر:
1. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 142.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 117 ح 11، عن المناقب.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 619 ح 22، عن المناقب.
4. ناسخ التواريخ: مجلدات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ج 2 ص 204، بتغيير فيه.
51
المتن:
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (2):
أي لحرب محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و في هذا دلالة و معجزة، لأنه أخبر فوافق خبره المخبر؛ فقد كانت اليهود أشد أهل الحجاز بأسا و أمنعهم دارا، حتى أن قريشا تعتضد بهم
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة المائدة: الآية 64.
59
55
المتن:
قال ابن سعد في سريّة علي (عليه السلام):
ثم سريّة علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ست من مهاجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ قالوا: بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن لهم جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر.
فبعث إليهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مائة رجل. فسار الليل و كمن النهار حتى انتهى إلى لهجح، و هو ماء بين خيبر و فدك و بين فدك و المدينة ليال. فوجدوا به رجلا، فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أنكم تؤمنوني. فامنوه فدلّهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير و ألفي شاة.
و هربت بنو سعد بالظعن و في رأسهم وبر بن عليم. فعزل عليّ (عليه السلام) صفيّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لقوحا تدعى الحفدة. ثم عزل الخمس و قسّم سائر الغنائم على أصحابه و قدم المدينة و لم يلق كيدا.
المصادر:
1. تاريخ الطبري: ج 2 ص 127.
2. دلائل النبوة: ج 4 ص 84.
3. الطبقات لا بن سعد: ج 2 ص 89.
4. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام: ج باب المغازي ص 447.
5. أنساب الأشراف: ج 1 ص 378، شطرا منه.
6. المنتظم: ج 3 ص 260.
الأسانيد:
1. في تاريخ الطبري: قال الطبري: و حدثني عبد اللّه بن جعفر، عن يعقوب بن عقبة، قال.
2. في دلائل النبوة: قال الواقدي: حدثنا عبد اللّه بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة، قال.
58
53
المتن:
في المناقب:
فتح خيبر في المحرّم سنة سبع، و لما رأت أهل خيبر عمل علي (عليه السلام)، قال ابن أبي الحقيق للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): انزل فأكلّمك. قال: نعم. فنزل و صالح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على حقن دماء من في حصونهم و يخرجون منها بثوب واحد. فلما سمع أهل فدك قصتهم، بعثوا محيّصة بن مسعود إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسترهم بأثواب. فلما نزلوا سألوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم الأموال على النصف، فصالحهم على ذلك، و كذلك فعل بأهل خيبر.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 21 ص 25 ح 21، عن المناقب.
2. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 176.
54
المتن:
قال المقريزي في مصالحة أهل فدك:
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما أقبل إلى خيبر، بعث محيّصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري إلى فدك، يدعوهم إلى الإسلام. فبعثوا معه بنفر منهم حتى صالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخلّوا بينه و بين الأموال، و أن لهم نصف الأرض. و صارت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبدا؛ أخذها بغير إيجاف خيل و ركاب.
المصادر:
1. إمتاع الإسماع: ج 1 ص 331.
2. الرحيق المختوم: ص 376، بتفاوت فيه.
3. تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون: ص 185، بتفاوت و زيادة.
57
و الأوس و الخزرج؛ تستبق إلى مخالفتهم و تتكثّر بنصرتهم. فأباد اللّه خضراءهم و استأصل شأفتهم و اجتثّ أصلهم. فأجلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بني النضير و بني قينقاع و قتل بني قريضة و شرد أهل خيبر و غلب على فدك و دان أهل وادي القرى؛ فمحا اللّه سبحانه آثارهم صاغرين.
المصادر:
1. مجمع البيان: ج 3 ص 221.
2. بحار الأنوار: ج 9 ص 81، عن مجمع البيان.
52
المتن:
قال الطبرسي:
... فلما فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، عقد لواء ثم قال: من يقوم فيأخذه بحقه؟ و هو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك. فقام الزبير إليه فقال: أنا. فقال له: أمط عنه. ثم قام سعد فقال: أمط عنه. ثم قال: يا علي، قم إليه فخذه. فأخذه فبعث به إلى فدك، فصالحهم على أن يحقن دماءهم؛ فكانت حوائط فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصا خالصا.
فنزل جبرئيل فقال: إن اللّه عز و جل يأمرك أن تؤتي ذوي القربى حقه. فقال: يا جبرئيل! و من قراباتي و ما حقها؟ قال: فاطمة (عليها السلام)، فأعطها حوائط فدك و ما للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فيها. فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و كتب لها كتابا جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر و قالت: هذا كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لي و لولايتي.
المصادر:
1. إعلام الورى بأعلام الهدى: ص 100.
2. كحل البصر: ص 159.
3. بحار الأنوار: ج 21 ص 22 ح 17، عن إعلام الورى.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 615 ح 13، عن إعلام الورى.
60
56
المتن:
قال البيهقي في انصراف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و توجّهه إلى وادي القرى:
... فأقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بوادي القرى أربعة أيام، و قسّم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى و ترك الأرض و النخل بأيدي اليهود و عاملهم عليها. فلما بلغ يهود تيماء ما وطأ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فدك و وادي القرى، صالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على الجزية و أقاموا بأيديهم بأموالهم.
المصادر:
دلائل النبوة: ج 4 ص 269.
57
المتن:
عن جابر بن عبد اللّه في قوله عز و جل: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ» (1):
يهود المدينة، «سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ» (2) أهل فدك؛ لم يأتوك «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ» (3) أهل فدك؛ يقولون: إن أتيتم هذا الجلد فخذوه و إن لم تؤتوه فاحذروا الرجم.
المصادر:
المسند للحميدي: ج 2 ص 542 ح 1295.
الأسانيد:
في المسند: حدثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا زكريا، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللّه.
____________
(1). سورة المائدة: الآيتان 21 و 42.
(2). سورة المائدة: الآية 42.
(3). سورة المائدة: الآية 41.
61
58
المتن:
في كتاب الأموال، قال قاسم بن سلام:
و أما فدك، فإن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عن أيوب، عن الزهري في قوله: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ» (1)، فقال: هذه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ قرى عربية: فدك و كذا ....
المصادر:
كتاب الأموال: ص 16 ح 23.
59
المتن:
قال الهاشمي البغدادي في ذكر سرايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
... سنة ست: فيها وجّه بشير بن سعد إلى ناحية فدك، فقتل هو و أصحابه.
... سنة سبع: فيها بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) محيّصة بن مسعود على سريّة إلى فدك، فنزلوا على الصلح.
و فيها أمر فدك، و كان سببها أهلها خافوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما صنع ببني قريظة. فتحوّلوا إلى خيبر؛ و هي مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بلا حرب و لا إيجاف خيل، و عامل أهلها معاملة أهل خيبر على النصف و متى شاء أخرجهم.
المصادر:
المحبّر: ص 120.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
62
60
المتن:
قال ابن أبي حاتم الرازي- و ذكر القرى العربية- فقال:
كانت اليهود في قرى العرب و العرب حولهم، و هي فدك و خيبر و هي قرى اليهود؛ بنوها في بلاد العرب و هي أشرف العرب، لأن العرب كثيرة المطلب.
قال عبد الرحمن: يعني القرى التي أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بلا خيل و لا ركاب ....
قال الزهري: قال عمر: قال اللّه عز و جل: ما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) منهم، فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب فهذه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ قرى عربية، فدك و كذا و كذا.
المصادر:
آداب الشافعي و مناقبه: ص 145.
61
المتن:
قال السيد محمد جمال الهاشمي في الفصل التاسع:
بحث فدك
فدك قرية بالحجاز، بينها و بين المدينة مسير يومين، منطقتها زراعية فيها عين فوّارة، تحوطها نخيل كثيفة تتخلّلها بعض الأشجار المثمرة.
قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك بعد فتح خيبر، فأرسلوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يصالحهم بنصف زراعتها و أراضيها على الجلاء، و كان ذلك في السنة السابعة بعد الهجرة.
فأجابهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على اقتراحهم؛ فلم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، فكانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لم يزاحمه عليها أحد من المسلمين، و ذلك بموجب نص التشريع
63
الإسلامي؛ قال اللّه عزّ شأنه في كتابه الكريم: و «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى». (1)
و قال تعالى في القرآن المجيد: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». (2)
و هكذا تثبت الشريعة الإسلامية: فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقط؛ لم يخالف هذا الحكم أحد المذاهب الإسلامية على إطلاقها، لأنها مأخوذة من نص القرآن الكريم.
المصادر:
الزهراء (عليها السلام) للسيد محمد جمال الهاشمي: ص 70.
62
المتن:
قال بيومي مهران في ذكر ميراث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله):
.... و أما فدك، فهي أرض يهودية في شمال الحجاز. فلما كانت السنة السابعة من الهجرة و حدثت غزوة خيبر، قذف اللّه في قلوب أهل فدك الرعب، فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف منها.
و روي أنه صالحهم عليها كلها، و من هنا بدأ تاريخها الإسلامي. فكانت ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنها لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب. ثم غرس فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النخيل، ثم وهبها لا بنته الزهراء (عليها السلام)، و بقيت عندها حتى توفّي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فكان في تصرف فيها، و كانت تتصدّق بكل خراجها بعد أن تستبقي ما يسدّ حاجة الإمام.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
(2). سورة الحشر: الآية 6.
65
المصادر:
كتاب الأموال لأبي عبيد: ج 1 ص 93 ح 61.
الأسانيد:
في كتاب الأموال: قال أبو عبيد: قال إسماعيل بن إبراهيم: أنا عن أيوب، عن الزهري.
65
المتن:
في تفسير قوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ» (1)، قال ابن العربي في أحكام القرآن:
قال ابن وهب: قال مالك: بلغني أن طائفة من اليهود نزلوا المدينة و طائفة خيبر و طائفة فدك مما كانوا يسمعون من صفة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و خروجه في أرض بين حرّتين و رجوا أن يكون منهم. فأخلفهم اللّه ذلك، و قد كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل بأسمائه و صفاته ....
المصادر:
1. الإمام مالك مفسّرا: ص 201.
2. أحكام القرآن، على ما في الإمام مالك مفسّرا.
66
المتن:
قال السيد ابن طاوس لولده في الفصل الحادي و الأربعون و المائة من كتاب كشف المحجة:
____________
(1). سورة الأعراف: الآية 157.
64
المصادر:
السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لبيومي مهران: ص 139.
63
المتن:
قال يحيى بن سعيد:
كان أهل فدك قد أرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فبايعوه على أن لهم رقابهم و نصف أرضيهم و نخلهم و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شطر أرضيهم و نخلهم. فلما أجلاهم عمر بن الخطاب، بعث من أقام لهم حظّهم من الأرض و النخل فأدّاه إليهم.
المصادر:
1. كتاب الأموال: ج 1 ص 94 ح 62.
2. حقوق آل البيت (عليهم السلام): ص 175، عن كتاب الأموال.
الأسانيد:
في كتاب الأموال: أنا حميد، قال أبو عبيد: و أنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، قال.
64
المتن:
قال أبو عبيد في قوله تعالى: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ» (1):
هذه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ قرى عربية فدك و كذا و كذا.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
67
لا سيما مع ملاحظة أن ما يكون الحاصل فيه يرجع إلى الزراعة لا ينضبط بل هو يختلف من عام لآخر لما يتأثر به من الطبيعة و غيرها؛ و عليه فالحصول على مقدار محدود قيمي أو غيره أمر متعذّر، و لكنه يمكن لنا تجميع بعض القرائن التي يمكن أن تشهد لضخامة المورد الاقتصادي لفدك ....
و لعل في قصة ما دفعه عمر لليهود عند ما أخرجهم من فدك شاهدا على ذلك، و هو أن عمر بن الخطاب لما أراد إجلاء يهود فدك، انتظر حتى ورد إليه مال من العراق.
فأعطى يهود فدك قيمة أنصابهم و أجلاهم منها؛ و عليه فدولة في عهد قد اتسعت رقعتها تنتظر ورود مال من العراق لتدفع مالا لقوم يدلّل على كونه أمرا باهظا بنسبة ما، مضافا إلى مقارنة المؤرخين و معادلتهم لفدك بنخيل الكوفة، و الكوفة من الأراضي الوافرة ذات المحصول المرتفع.
و نستطيع أن نجمع قرائن أخرى من أحداث دارت حول فدك، تشهد لوضعها الاقتصادي عبر ملازمات واضحة:
أحدها: ما صرّح به أبو بكر لدى محاجّة الزهراء (عليها السلام) له في شأن فدك؛ قال: معاشر المهاجرين! إني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقلتم: إن الأنبياء لا يورّثون، و إن هذه الأموال يجب أن تضاف إلى مال الفيء و تصرف في ثمن السلاح و أبواب الجهاد و مصالح الثغور. فهذا يشهد أن ماليات فدك لم تكن بالشيء القليل، ... فإن كون المال مما يجعل في السلاح و الكراع يعطي أهمية لهذا المال من الناحية القيمية.
الثاني: تولّي الخلافة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كان يرى لاجتهاده و رأيه وزنا أمام ما يعترضه من حوادث زمانه، و مسألة عمل الخليفة الأول و الثاني باجتهادهما مسألة مشهورة واضحة حتى أنه قد أصبحت آراؤهما محل اعتماد القوم ....
فسيرة الشيخين أصبحت من مصادر التشريع لدى القوم. ثم كان أن عقد الأمر لعثمان بن عفان و كثر النكير على عثمان بعد مدة وجيزة من حياته ....
66
و اعلم يا ولدي محمد، اطّلعك اللّه جل جلاله على ما تحتاج إليه و زادك إقبالا عليه، إن جماعة ممن أدركتهم كانوا يعتقدون أن النبي جدك محمد و أباك عليا- صلوات اللّه عليهما- كانا فقيرين لأجل ما يبلغهم إيثارهم بالقوت و احتمال الطوي و الجوع و الزهد في الدنيا ....
و قد وهب جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أمك فاطمة (عليها السلام) فدكا و العوالي من جملة مواهبه، و كان دخلها- في رواية الشيخ عبد اللّه بن حماد الأنصاري- أربعة و عشرون ألف دينار في كل سنة، و في رواية غيره سبعون ألف دينار ....
المصادر:
1. كشف المحجة لثمرة المهجة: ص 123.
2. سفينة البحار: ج 7 ص 45، عن كشف المحجة.
3. بحار الأنوار: ج 29 ص 123 ح 25، عن كشف المحجة.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 620 ح 23، عن كشف المحجة.
5. دار السلام للنوري: ج 3 ص 253، عن كشف المحجة.
6. رياحين الشريعة: ج 2 ص 62، عن كشف المحجة.
67
المتن:
قال السيد الموسوي في بحث فدك اقتصاديا:
... إن فدك كانت أرضا ذا شأن، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يرسل كل سنة إليهم من يقوّم عليهم الأرض ليأخذ نصف الحاصل عينا أو قيمة. فكانت فدك تشكل موردا من موارد الدولة و الحصول على المالية الدقيقة لها آنذاك؛ ليس بالأمر اليسير في ظل تعدد موارد الدولة آنذاك و عدم وجود ما حصل التعارف عليه في زمن لا حق بالديوان لتسجيل ما يرد للخلافة و ما يخرج منها، بل سارت الأمور بالنحو الطبيعي المحض، لم يهدف أحد إلى تدوين المقدار.
68
و مما كان النكير به عليه أنه أقطع فدك لمروان هذا. فنقم الناس منه و ليس نقمة الناس منه لأنها كانت ترى في فدك حقا للزهراء (عليها السلام)، بل نقمة الناس من إعطاء رجل واحد هذا المبلغ الوفير من المال، و هذا أمر لم يعهده الناس. و عليه يظهر أن فدك كانت من المال الخطير الذي يتحدّث به الناس و ينكرون أن يكون مال ضياع كاملة لرجل واحد.
الثالث: أن معاوية أقطع فدك ثلاثة أشخاص: يزيد بن معاوية و مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان بن عفان، و لا شك في أن تثليث الأرض أثلاثا يعطي قيمة للثلث فضلا عن قيمة المجموع، و بملاحظة أمرين يتّضح الأمر أكثر؛ فمن جهة نلحظ السخاء للأموي ....
و بطبيعة الحال فإن الذي نلاحظ أمام هذا العطاء أمران:
الأول: توجيه سياسي، ففدك كانت من محطّات الصراع بين الخلافة و بين بني هاشم؛ فقد كان بنو هاشم يرون في فدك حقا مغصوبا و إمعانا في توجيه فدك، توجيها سياسيا كان إعطاء فدك أمويا خالصا.
الثاني: دلالة هذا العطاء على القيامة المرتفعة له، لا سيما بملاحظة التثليث في العطاء؛ ففدك تعود بحاصل جيد على ثلاثة من سادة الأمويين.
الرابع: لقد كان بين معاوية و مروان بن الحكم مدّ و جزر، إذ علم معاوية إطماع مروان. فاعتمد معه سياسة الرضا تارة ليقرّبه منه، و سياسة الغضب أخرى ليحذّره من نفسه. و لذا نقرأ من أحداث سنة 48 للهجرة أن مروان حجّ بالناس و هو يتوقّع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه و ارتجاعه فدك منه، و كان قد وهبها له.
و عليه فإن كانت فدك بكاملها في يد مروان آنذاك، فهذا يدلّل على قيمة مرتفعة لفدك مادّيا، لأن من حصار معاوية على مروان حرمانها منها، و إن كان ثلثها فقط بيده فقيمتها أعلى، إذ الحصار يتشكّل بحرمانه من الثلث.
70
سبب ذلك أنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود: بني النضير و قريظة و قينقاع، و كان بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عهد و مدة. فنقضوا عهدهم ... فخرجوا على ذلك.
و وقع قوم منهم إلى فدك و وادي القرى، و خرج قوم منهم إلى الشام؛ فأنزل اللّه فيهم: «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...». (1)
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 20 ص 168 ح 4، عن تفسير القمي.
2. تفسير القمي: ص 671، على ما في البحار.
69
المتن:
قال أبو عبيد:
إنما صار أهل خيبر لا حظ لهم في الأرض و الثمر، لأن خيبر أخذت عنوة؛ فكانت للمسلمين لا شيء لليهود فيها.
و أما فدك، فكانت على ما جاء فيها من الصلح. فلما أخذوا قيمة بقيه أرضهم خلّصت كلها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لهذا تكلّم العباس و علي (عليه السلام) فيها ....
المصادر:
كتاب الأموال: ج 1 ص 95 ح 64.
الأسانيد:
في كتاب الأموال: أنا حميد، قال أبو عبيد.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 2.
71
70
المتن:
ذكر وقائع سنة ست في غزوات الرسول (صلّى اللّه عليه و آله):
... و غزوة علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى بني عبد اللّه بن سعد من أهل فدك، و ذلك أن لهم جمعا يريدون أن يمدّوا يهود خيبر ...، و غزوة بشير بن سعد إلى مرة بفدك.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 20 ص 293، عن إعلام الورى.
2. إعلام الورى بأعلام الهدى: ص 59.
3. تاريخ الطبري: ج 2 ص 207، شطرا منه.
4. بحار الأنوار: ج 20 ص 308، عن المناقب.
5. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 173.
6. بحار الأنوار: ج 20 ص 376 ح 15، عن الكامل.
7. الكامل لا بن الأثير: ج 2 ص 140.
71
المتن:
قال يونس، عن ابن إسحاق، حدثني ابن لمحمد بن مسلمة الأنصاري، عمن أدرك من أهله و حدّثنيه مكنف، قالا:
حاضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أهل خيبر في حصنيهم الوطيح و السلالم حتى إذا أيقنوا بالهلكة، سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يسيّرهم و يحقن دماءهم، ففعل. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حاز الأموال كلها: الشق و النطاء و الكتيبة و جميع حصونهم، إلا ما كان ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم و يخلون بينه و بين الأموال، ففعل.
69
كما نجد في أحداث سنة 54 للهجرة أن معاوية كان يغري بين مروان و سعيد بن العاص. فكتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها و يقبض منه فدك و كان قد وهبها له.
أقول: قيل إن واردات فدك- إذ أنها قرية كاملة- ثروة عظيمة تصلح، لأن توزع على أمراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض و الأموال الطائلة، و لعل هذا هو السبب الذي دعى الخليفة الأول من انتزاعها من يد الزهراء (عليها السلام) باعتبار أن دولة الخلافة غير الشرعية، لا تقوم إلا على القوة و شراء الضمائر. فكان من الضروري تقويتها بالأموال، و ذلك بواسطة واردات فدك، و لزوم إضعاف موقف أهل البيت (عليهم السلام) و ذلك بتجريدهم من واردات فدك ....
فالحاصل إن واردات فدك ثروة عظيمة تستطيع إدارة شطر من دولة الإسلامية؛ و ورد في الآثار أن وارداتها يعادل سبعين ألف دينارا، بل عشرين و مائة ألف دينار (1) في كل عام، و معلوم أن هذا المقدار يتزايد في كل عام.
المصادر:
فدك و فاطمة (عليها السلام) قصة جهاد الزهراء (عليها السلام): ص 33.
68
المتن:
قال القمي في تفسير قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا» (2):
____________
(1). و على محاسبة الديا نار بأن كل دينار يعادل مثقالا من الذهب المسكوك، و هو بتبديل الرايج في العالم يعادل 120 ألف دلار أو 9 ميليارد و 600 ميليون تومان الإيراني في هذا اليوم 7 رجب 1425 الهجرية.
(2). سورة الحشر: الآية 2.
73
الحصار، راسل أهلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يؤمّنهم على حياتهم و ينزلوا له عن حصونهم و أرضهم. فقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعرضهم هذا، و ما حدث يوم خيبر أرعب أهل فدك، و لكن اتفاقية أهل الحصون المحاصرة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فتحت أمام أهل فدك بابا للأمل.
فلما جاءهم رسول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يدعوهم إلى الإسلام أبوا أن يسلّموا، و لكنهم استعدّوا أن يقدّموا نصف أرضهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع الاحتفاظ لأنفسهم بالنصف الآخر على أن يعملوا في أرضهم و أرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و متى شاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يجليهم عن أرضهم فعل شريطة أن يعوّضهم عن أتعابهم و أرضهم.
فصارت فدك ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنص القرآن الكريم: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)، قال المفسرون: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال و لا إيجاف خيل و لا ركاب؛ كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى اللّه في قلوبهم من هيبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأفاءه اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، أي خصّه به و ملّكه وحده إياه، يتصرّف فيه كما يشاء.
فلما نزل قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، أعطى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدكا لفاطمة (عليها السلام). روى أبو سعيد الخدري أنه لما نزلت هذه الآية على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا و سلّمه إليها، و بقي الأمر هكذا حتى توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
1. معالم الفتن: ج 1 ص 314.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 236، شطرا منه.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
74
73
المتن:
قال نوري جعفر:
و خلاصة قصة فدك: إن فدك قرية حجازية قريبة من المدينة، سكنها اليهود منذ زمن بعيد، و عمّروها و زرعوها.
و في السنة السابعة للهجرة أعلن سكّانها خضوعهم للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- دون حرب- فأصبحت فدك خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) من دون المسلمين، وفق منطوق الآية الكريمة: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ». (1)
و قد وهب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته لا بنته فاطمة (عليها السلام) بعد أن غرس فيها بيده الكريمة إحدى عشرة نخلة. فكانت السيدة فاطمة (عليها السلام) هي التي تتصرّف بفدك منذ أن وهبها لها أبوها حتى وفاته، حيث انتزعها منها أبو بكر بعد تولّيته الخلافة مباشرة.
و قد أشار إلى ذلك الإمام في إحدى رسائله إلى عثمان بن حنيف حين قال: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت بها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين ...».
فالسيده فاطمة (عليها السلام) إذن، تستحق ميراث فدك من ناحيتين، هما الميراث و النحلة.
و كان على الخليفة- و قد ارتأى انتزاعها منها- أن يبقيها تحت تصرّفها مجاملة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لها، و يقترح في حالة اختلافه معها إنفاق بعض غلّتها في وجوه الخير التي ينفق عليها الطرفان.
هذا إذا سلّمنا- جدلا- بأنها لا ترث أبيها، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يهبها إياها في حياته، كما كان على الخليفة كذلك من الناحية القانونية العرفية، و قد قرّر أن ينتزعها من السيدة أن يستبقيها في يدها إلى أن يثبت له عدم أحقّيّتها بها.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
72
و كان ممن مشى بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بينهم في ذلك و محيّصة بن مسعود. فلما نزلوا على ذلك سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم في الأموال على النصف و قالوا: نحن أعلم بها منكم و أعمر لها، فصالحهم على النصف على إنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، و صالحه أهل فدك على مثل ذلك. فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين و كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب ...
المصادر:
1. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام للذهبي: ج باب المغازي ص 421.
2. كتاب الخراج للقرشي: ج 2 ص 42 ح 104، بنقيصة.
3. كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم: ص 50.
الأسانيد:
1. في كتاب الخراج للقرشي، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا زياد البكائي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكر، قال.
2. في كتاب الخراج للقاضي، قال: و حدثنا محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن عبد اللّه بن العباس، قال.
72
المتن:
في كتاب معالم الفتن:
فدك قرية تبعد عن المدينة يومين أو ثلاثة، أرضها زراعية خصبة، فيها عين فوّارة و نخيل كثيرة، يقدر نخيلها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري، و كان جماعة من اليهود يسكنون فدك و يستثمرونها حتى سنة السابعة للهجرة.
فلما حارب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يهود خيبر لنقضهم العهد بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فتح حصونهم و بقي حصنان أو ثلاثة منها لم تفتح، حاصرهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فلما اشتد بهم
75
المصادر:
علي (عليه السلام) و مناوءوه لنوري جعفر: ص 51.
74
المتن:
قال الميرزا محمد علي الأنصاري القراجهداغي في حدود فدك:
... قال الفاضل المجلسي: هذان التحديد إن خلاف المشهور بين اللغويين، و لعل مراد المعصوم (عليه السلام) أن تلك كلها في حكم فدك و كان الدعوى على جميعها، و إنما ذكروا فدك على المثال أو تغليبا. انتهى كلام المجلسي.
و حاصله أن فدك عنوان للأراضي التي تجري عليها يد الخلافة الإسلامية؛ فيكون مصداقه بهذا الاعتبار جميع بلاد الإسلام. فمن أراد فدك فلا بد أن يرد أمر الخلافة برمّته إلى محله و منزلته و من لا فلا.
المصادر:
1. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 294.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 201، شطرا من صدره.
75
المتن:
قال ابن عباس في قوله تعالى: و «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» (1):
نزل في أموال كفار أهل القرى، و هم قريظة و بنو النضير و هما بالمدينة و فدك و هي من المدينة على ثلاثة أميال و خيبر و قرى عرينة و ينبع، جعلها اللّه لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، يحكم فيها ما أراد، و أخبر أنها كلها له؛ فقال أناس: فهلّا قسّمها؟ فنزلت الآية.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
76
و قيل: إن الآية الأولى بيان أموال بني النضير، خاصة لقوله: «و ما أفاء اللّه على رسوله» منهم، و الآية الثانية بيان الأموال التي أصيبت بغير قتال.
و قيل: أنهما واحد، و الآية الثانية بيان قسم المال الذي ذكره اللّه في الآية الأولى ...
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 19 ص 161، عن مجمع البيان.
2. مجمع البيان: ج 9 ص 260.
76
المتن:
... و حاصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حصني أهل خيبر الوطيح و السلالم. فلما أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم، فأجابهم إلى ذلك، و كان قد حاز الأموال كلها الشق و نطاة و الكتيبة و جميع حصونهم. فلما سمع بذلك أهل فدك، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يخلون له الأموال، ففعل ذلك.
و لما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم في الأموال على النصف و أن يخرجهم إذا شاء. فساقاهم على الأموال على الشرط الذي طلبوا، و فعل مثل ذلك أهل فدك؛ و كانت خيبر فيئا للمسلمين و كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب.
المصادر:
1. الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج 2 ص 150.
2. مجمع البيان: ج 9 ص 119، بتفاوت يسير.
3. بحار الأنوار: ج 21 ص 6.
79
80
المتن:
قال البلاذري في سريّة غالب:
... و سريّة غالب بن عبد اللّه الليثي من كنانة إلى بني مرة بفدك، فقتل و سبى و ظفر.
و في المنتظم: و قتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد.
المصادر:
أنساب الأشراف: ج 1 ص 379 ح 800.
81
المتن:
... و غالب بن عبد اللّه بن مسفر بن جعفر بن كلب بن عوف، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعث غالبا على جيش إلى بني الملوّح بن يعمر، و استخلفه على المدينة في غزوة بني لحيان، و بعثه إلى بني مرة بفدك فاستشهد دون فدك.
المصادر:
جمهرة النسب: ج 1 ص 198.
82
المتن:
قال محمد حسنين هيكل في الفصل الحادي و العشرون:
... و لما طلب يهود خيبر الصلح أثناء محاصرة المسلمين إياهم في حصني الوطيح و السلالم، بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أهل فدك ليسلّموا برسالته أو يسلّموا أموالهم. و وقع في
78
هي قريظة و النضير و هما بالمدينة و فدك، و هى على ثلاثة أيام من المدينة و خيبر، و قرى عرينة و ينبع جعلها اللّه لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بيّن أن في ذلك المال الذي خصّه بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) سهمانا لغير الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نظرا منه لعباده؛ و قد تكلّم العلماء في هذه الآية و التي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف؟
المصادر:
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج 18 ص 12.
79
المتن:
عن سعد بن حزام، عن أبيه، قال:
كنا بالمدينة و المجاعة تصيبنا. فنخرج إلى خيبر فنقيم بها ما أقمنا ثم نرجع، و ربما خرجنا إلى فدك و تيماء. و كانت اليهود قوما لهم ثمار لا يصيبها قطعه؛ أما تيماء فعين جارية تخرج من أصل جبل لم يصبها قطعه منذ كانت، و أما خيبر فماء واتن فهي مغفّرة، و أما فدك فمثل ذلك و ذلك قبل الإسلام ...
المصادر:
المغازي للواقدي: ج 2 ص 713.
الأسانيد:
في المغازي: حدثني عبد اللّه بن نوح الحارثي، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن سعد بن حزام بن محيّصة، عن أبيه، قال.
77
77
المتن:
قال عبد اللّه بن عصمة:
سمعت أبا سعيد الخدري يقول: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ الراية فهزّها، ثم قال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان فقال: أنا. قال: أمط، ثم جاء رجل فقال: أمط، ثم قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):
و الذي كرّم وجه محمد لأعطينّها رجلا لا يفرّ؛ هاك يا علي. فانطلق حتى فتح اللّه خيبر و فدك و جاء بعجوتها و قديدها. قال مصعب: بعجولها و قديدها.
المصادر:
1. المسند لأحمد بن حنبل: ج 3 ص 16، على ما في الإحقاق.
2. المناقب لأحمد بن حنبل (مخطوط)، على ما في الإحقاق.
3. تذكرة الخواص: ص 29، على ما في الإحقاق.
4. ذخائر العقبى: ص 72، بتفاوت فيه، على ما في الإحقاق.
5. البداية و النهاية: ج 4 ص 185، على ما في الإحقاق.
6. البداية و النهاية: ج 7 ص 338، على ما في الإحقاق.
7. مجمع الزوائد: ج 6 ص 151، على ما في الإحقاق.
8. مجمع الزوائد: ج 9 ص 124، على ما في الإحقاق.
9. إحقاق الحق: ج 5 ص 403، عن الكتب المذكورة.
الأسانيد:
في مسند أحمد: عبد اللّه، حدثني أبي، ثنا مصعب بن المقدام و حجين بن المثنّى، قالا:
إسرائيل، ثنا عبد اللّه بن عصمة الجبلي، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول.
78
المتن:
قال القرطبي في قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى» (1)، قال ابن عباس:
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
80
نفوس أهل فدك الرعب بعد الذي علموا من أمر خيبر، فتصالحوا على نصف أموالهم من غير قتال؛ فكانت خيبر للمسلمين لأنهم قاتلوا لاستخلاصها، و كانت فدك خالصة لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب.
المصادر:
حياة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لمحمد حسنين هيكل: ص 247.
83
المتن:
قال الواقدي في مغازى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
... و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بوادي القرى أربعة أيام، و قسّم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى و ترك النخل و الأرض بأيدي اليهود و عاملهم عليها. فلما بلغ يهود تيماء ما وطىء به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر و فدك و وادي القرى، صالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على الجزية و أقاموا بأيديهم أموالهم.
فلما كان زمن عمر، أخرج يهود خيبر و فدك و لم يخرج أهل تيماء و وادي القرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام، و يرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز و إن ما وراء ذلك من الشام ...
المصادر:
المغازي للواقدي: ج 2 ص 711.
81
84
المتن:
عن ابن عباس، قال:
قسّمت خيبر على ألف سهم و خمسمائة و ثمانين سهما، و الذين شهدوا الحديبية ألف و خمس مائة و أربعون رجلا، و الذين كانوا مع جعفر بأرض الحبشة أربعون رجلا و كان معهم يومئذ مائتا فرس أو نحوها؛ فأسهم (صلّى اللّه عليه و آله) للفرس سهمين و لصاحبه سهما.
قال أبو بكر: ثم قسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أرض بني النضير و أرض بني قريضة، و لم يقسّم فدك و لم يقسّم عمر بن الخطاب سوانا هذا.
المصادر:
كتاب الخراج للقرشي: ج 2 ص 41 ح 100.
الأسانيد:
في الخراج: أخبرنا إسماعيل، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال.
85
المتن:
قال الفاضل الألمعي و المحقق الأديب البارع الميرزا محمد علي القراجهداغي الأنصاري في ذكر فدك:
و كان فتح خيبر و فدك في السنة السابعة من الهجرة و كان ذلك في أوائل هذه السنة، و قد وعد اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فتح خيبر و مضافاتها بقوله: «وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ...». (1)
____________
(1). سورة الفتح: الآية 20.
82
و هذه الوعدة كانت عند صلح الحديبية، و لما رجع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد الصلح في الحديبية- على التفصيل الواقع في الأخبار المروية- رجع إلى المدينة في السنة السادسة من الهجرة، نهض بألف و أربعمائة من جيشه المنتصر إلى فتح خيبر، و فتحها على النحو المفصل في كتب الأخبار و السير.
و قد وقعت خيبر من المدينة إلى سمت الشام على مسافة ثمانية بريدات، كل بريد أربعة فراسخ؛ لها مزارع معمورة و حصون موفورة؛ بناها خيبر أخو يثرب من العمالقة الذي بنا المدينة، فسمّي كلّ باسم بانيه. و قيل: خيبر في لغة اليهود بمعنى الحصن، فيقال لتلك الحصون خيابر من هذه الجهة.
و كان حصونها مسمّاة بثلاثة أسماء نوعية: الأول: حصن نطاة، و هي ثلاثة حصون:
حصن الناعم و حصن الصعب و حصن القلة، الثاني: حصن الشق، و هي حصن أبيّ و حصن البراء، و الثالث: حصن الكتيبة- بصيغة التصغير- و هي حصن قموص و حصن وطيح و حصن سلام- بضمّ السين- و يقال له سلالم أيضا؛ و المجموع ثمانية حصون.
و في يوم فتح خيبر قدم جعفر بن أبي طالب، و قد كان هاجر من مكة إلى الحبشة في جمع قليل من المؤمنين مع ستة نفر من الأشعريين منهم أبو موسى الأشعري. فاتفق قدوم جعفر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوم فتح خيبر. فلما قدم جعفر عليه في خيبر يوم فتحها و بشّر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقدومه، قال: و اللّه ما أدري بأيهما أشدّ سرورا: بقدوم جعفر أو بفتح خيبر.
فلما قدم وثب إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فالتزمه و قبّل ما بين عينيه و قال: يا جعفر! أ لا أمنحك، أ لا أعطيك، أ لا أحبوك؟ فقال جعفر: بلى يا رسول اللّه. فظنّ الناس أنه يعطيه ذهبا و فضة و تشرّفوا لذلك. فقال: أ لا أعلّمك صلاة إذا أنت صلّيتها و كنت فررت من الزحف و كان عليك مثل زبد البحر و رمل عالج ذنوبا غفر لك؟ قال: بلى.
فعلّمه الصلاة المشهورة بصلاة جعفر الطيار، و هي أربع ركعات بتسليمتين؛ في الركعة الأولى بعد الحمد الزلزلة و في الثانية بعدها العاديات و في الثالثة بعدها النصر و في الرابعة بعدها التوحيد، و بعد القراءة في كل من الركعات خمس عشرة مرة «سبحان
83
اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر»، و في كل من الركوع و الرفع منه، و في كل من السجدات و الرفع منها قولها عشر مرة. و أعطى لأصحاب جعفر من غنائم خيبر.
و روي أنه لما ورد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع أصحابه إلى حوالي خيبر، أرسل محيّصة بن مسعود الحارثي إلى فدك ليدعو أهلها إلى الإسلام و يحذّرهم عن مخالفة سيد الأنام. فلما وصل محيّصة إليهم بلغ الرسالة من معدن الرسالة عليهم و خوّفهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاء إلى حربهم كما أتى إلى حرب أهل خيبر.
فهم أجابوه بالكلام الخشن و الجواب الغير الحسن و اعتمدوا على شجعان خيبر و أبطالها، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يمكنه فتحها بل يكون هناك مغلوبا، فيكون عن التوجه إلى فدك محروما، و قالوا: إن عامرا و ياسرا و حارثا و سيد اليهود- يعنون مرحبا- في حصن نطاة و معهم ألف مقاتل من الكماة، و ما نظنّ أن يقاومهم جيش محمد و لا غيره، و لم يعلموا أن غالب أمره، فأرادوا ردّ محيّصة.
و لما رأى أن لا ميل لهم في المصالحة و المسالمة، أراد أن يرجع إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فتأمّل بعض عقلاء الجماعة في عاقبة المقدمة و خافوا من الوخامة و سوء الخاتمة، فتعلّلوا في الجواب بين النقض و الإبرام و لم يدروا ما يلقون إليه من الكلام، حتى وصل إليهم الخبر بعد ثلاثة أيام أن فتحت خيبر بجيش سيد الأنام (صلّى اللّه عليه و آله). فتقدّموا حينئذ بقدم الاعتذار و أرسلوا إلى النبي المختار واحدا من أكابرهم، مسمّى بنون بن يوشع مع جماعة كثيرة، لتمهيد بساط المصالحة و تأسيس بنيان المسالمة.
فلما تشرّفوا بخدمة سيد الأنام (صلّى اللّه عليه و آله) و تكلّموا بما يليق من الكلام، وقع القيل و القال في أمر المصالحة و كيفيتها بالنقض و الإبرام، إلى أن انعقد المصالحة بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يكون نصف أراضي فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و النصف الآخر لأهلها، بأن لا يتعرّض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليهم و يعفو عنهم و يقرّهم على دينهم.
فعامل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) معهم بهذه المعاملة؛ و هم كانوا على تلك الحالة حتى أخرجهم عمر بن الخطاب في أيام خلافته إلى الشام، بعد أن اشترى منهم النصف الذي كان حصتهم بشيء من بيت المال.
84
و روي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح خيبر، أرسل عليا (عليه السلام) إلى فدك؛ فصالح أهلها معه بأن يكون نصف أراضي فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع الحوائط و الأبنية العالية الموجودة فيها، فصالح (عليه السلام) معهم على هذا. فنزل جبرئيل بقوله تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): من ذا القربى و ما حقه؟ قال جبرئيل: ذا القربى فاطمة (عليها السلام)، و حقها ما كان لك من أراضي فدك و حوائطها.
فكتب (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك صكّا و وثيقة و جعلها لفاطمة (عليها السلام)، و هذه الوثيقة هي التي أتت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر حين غصب فدكا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، على ما سيجيء تفصيله.
و في رواية أخرى: إنه لما سمع أهل فدك أن المسلمين قد صنعوا ما صنعوا بأهل خيبر، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يخلّي عنهم فيخلّوا له أموالهم. فقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك منهم؛ ففعلوا كما ففعلوا و تقبّلوا.
و روي أيضا أن أهل خيبر لما ضاق عليهم الخناق من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طلبوا الأمان بأن يكون دماؤهم محقونة و يترك لهم نساءهم و أولادهم، و يكون للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أراضيهم و جميع أموالهم إلا ثيابهم على أبدانهم. فصالح (صلّى اللّه عليه و آله) على ذلك معهم. و لما سمع أهل فدك ذلك سألوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعامل معهم معاملتهم، ففعل (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك.
و في رواية أخرى: إنه لما بقيت بقية من أهل خيبر، تحصّنوا و سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع ذلك أهل فدك فكانوا على مثل ذلك، ثم قالوا له: إنا بتعمير هذه الأراضي أولى من غيرنا؛ فسلّمها لنا نعمّرها، على أن يكون نصف المنافع لنا و نصفها لك.
فرضي (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك و عاقد معهم على ذلك، و شرط عليهم أن يخرجوا كلما أراد خروجهم. فصار خيبر مال جميع المسلمين لما أوجفوا عليها من خيل و ركاب، و كان فدك مخصوصة بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) دون المسلمين و سائر الأصحاب لحصول فتحها بلا منازعة و لا قرع باب.
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
85
و روي عن الباقر (عليه السلام) أنه لما فرغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أمر خيبر، أراد إرسال الجيش إلى قلاع فدك. فعقد لواء و قال: من يأخذ هذا اللواء؟ فقام الزبير فردّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قام سعد فردّه أيضا، و قال: قم يا علي، فإن هذا حقك.
فأخذ علي (عليه السلام) اللواء و صار إلى فدك، و صالح معهم على أن يحقن دماءهم و يكون أموالهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله). فصار قلاعهم و بلادهم و مزارعهم و بساتينهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) دون أن يكون للمسلمين حق فيها، لأنها مما لم يوجف عليها من خيل و لا ركاب. فنزل جبرئيل بقوله تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ...» (1)، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): من ذو القربى و ما الحق؟ قال جبرئيل:
ذو القربى فاطمة (عليها السلام) و حقها فدك. فطلب (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و كتب بذلك وثيقة و أعطاها فدكا.
فلما مضى، غصبها عنها أبو بكر و عمر ...
و في كتاب الاختصاص عن الصادق (عليه السلام):
إن أم أيمن شهدت عند أبي بكر و عمر بأني كنت يوما في منزل فاطمة (عليها السلام) و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالس، فنزل جبرئيل و قال: يا محمد! بأمر اللّه سبحانه، فإن اللّه أمرني بأن أخطّ لك بجناحيّ ملك فدك و أعرفها لك و أسخّرها منك.
فقام (صلّى اللّه عليه و آله) و ذهب ثم رجع، فقالت فاطمة (عليها السلام): إلى أين ذهبت يا أبة؟ قال: إن جبرئيل خطّ لي أملاك فدك بجناحه و عرّفني حدودها، و أمرني أن أسلّمها لك. فسلّمها (صلّى اللّه عليه و آله) إياها و أشهدني على ذلك مع علي بن أبي طالب (عليه السلام).
و في البحار عن الصادق (عليه السلام):
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج في غزاة. فلما انصرف راجعا، نزل في بعض الطريق و الناس معه، إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمد! قم فاركب. فركب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و جبرئيل معه. فطويت له الأرض كطيّ الثوب حتى انتهى إلى فدك. فلما سمع أهل فدك وقع الخيل ظنّوا إن عدوهم قد جاءهم. فغلقوا أبواب المدينة و دفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لها خارج من المدينة و لحقوا برءوس الجبال.
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
86
فأتى جبرئيل إلى العجوز حتى أخذ المفاتيح، ثم فتح أبواب المدينة و دار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في بيوتها و داراتها. فقال جبرئيل: يا محمد! هذا ما خصّك اللّه به و أعطاكه دون الناس، و هو قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...». (1)
ثم غلق الباب و دفع المفاتيح إليه، فجعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غلاف سيفه و هو معلّق بالرحل، ثم ركب و طويت له الأرض. فأتاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هم على مجالسهم لا يتفرّقوا و لم يبرحوا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): قد انتهينا إلى فدك و إني قد أفاءها اللّه عليّ.
فغمز المنافقون بعضهم بعضا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): هذه مفاتيح فدك، فأخرجها من غلاف سيفه. فركبوا و لما دخلوا المدينة، دخل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على فاطمة (عليها السلام) و قال: يا بنية! إن اللّه قد أفاء على أبيك فدك و اختصّه بها؛ فهي له خاصة دون المؤمنين و أفعل بها ما أشاء، و إنه كان لأمك خديجة على أبيك مهر، و إن أباك قد جعلها لك بذلك و أنحلها لك و لولدك بعدك.
و دعا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: اكتب لفاطمة (عليها السلام) بفدك نحلة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فشهد على ذلك علي (عليه السلام) و مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أم أيمن. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن أم أيمن امرأة من أهل الجنة. و جاء أهل فدك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فقاطعهم في النصف على أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة.
و في رواية أخرى: سبعين ألف دينار.
قال ابن أبي الحديد بعد ذكر مصالحة فدك مع أهلها على النصف:
فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر و أجلاهم بعد أن عوّضهم عن النصف الآخر الذي كان لهم عوضا عن إبل و غيرها. (2)
و روى أيضا أنه لما أجلاهم عمر، بعث إليهم من يقوّم الأموال؛ بعث أبا الهيثم بن التيهان و فروة بن عمر و حباب بن صخر و زيد بن ثابت. فقوّموا أرض فدك و نخلها،
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 210 ب 45.
87
فأخذها عمر و دفع إليهم قيمة النصف الذي لهم، و كان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم؛ أعطاهم إياها من مال أتاه من العراق و أجلاهم إلى الشام.
و روى ابن شهرآشوب أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما توجّه إلى فتح قلاع فدك، تحصّن أهلها في واحدة منها. فناداهم بقوله: ما تفعلون و ما يؤمنكم أن تكونوا آمنين في هذا الحصن، لو تركتكم في هذه القلعة و أمضي إلى سائر قلاعكم و أفتحها و أتصرّف جميع أموالكم التي فيها؟ قالوا: إن لنا حفظة عليها و هي مقفّلة، عندهم أو عندنا مفاتيحها.
قال (صلّى اللّه عليه و آله): بل أعطاني اللّه مفاتيحها و هي الآن في يدي. فأخرجها من كمّه و قال: انظروا إليها. فلما رأوا ذلك اتهموا رجلا سلّموا المفاتيح إليه بأنه صبا إلى دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و أعطى المفاتيح له و عاتبوه في ذلك أشد معاتبة. فحلف أن المفاتيح عنده و أنه جعلها في سفط في صندوق أخفاه في دار محكمة مقفّلة.
فلما ذهب إليها، رأى الأقفال على حالها و لم ير المفاتيح في مكانها. فرجع و قال: أنا علمت أن هذا الرجل نبي لا غير، لأني كنت ضبطت الأقفال و قرأت عليها آيات من التوراة لدفع السحر عنها باعتقاد أن هذا الرجل ساحر و قوة عمله بالسحر، و حال جميع الأقفال على حالها و المفاتيح مفقودة من مواضعها و محالّها. فقالوا له (صلّى اللّه عليه و آله): من أعطاك المفاتيح؟ قال: الذي أعطى الألواح لموسى؛ أرسلها إليّ بيد جبرئيل.
ففتحوا حينئذ القلعة و أسرعوا إلى خدمته، فأسلم بعضهم. فأخذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الخمس من أموالهم و ترك الباقي لهم، و من لم يسلم تصرّف أملاكهم و أموالهم و خلّاهم و بالهم.
فنزل جبرئيل بقوله تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أي فاطمة (عليها السلام) فدكا فإنها ميراثها، أي بدل ميراثها من أمها خديجة و أختها هند بنت أبي هاله. فرجع (صلّى اللّه عليه و آله) إلى المدينة و طلب فاطمة (عليها السلام)، و كتب الوثيقة و أعطاها الغنائم الفدكية.
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
88
فقسّمت فاطمة (عليها السلام) الأموال المنقولة على فقراء المدينة، و كان الأملاك من أراضي فدك بيدها و هي متصرّفة فيها؛ تأخذ قوت سنتها من منافعها و تفرّق إلى الفقراء ما بقي من حاصلها، إلى أن غصبها العمران منها بعد وفاة أبيها.
و في رواية رواها في البحار عن السجاد (عليه السلام): أنه قال:
لما نزل جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه تعالى له بفتح أراضي فدك، شدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سلاحه و أسرج دابته و شدّ علي (عليه السلام) سلاحه و أسرج دابته، ثم توجّها في جوف الليل و علي (عليه السلام) لا يعلم حيث يريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى انتهى إلى فدك. فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي! تحملني أو أحملك؟ قال علي (عليه السلام): أحملك يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي! أنا أحملك، لأني أطول بك و لا تطول بي.
فحمل عليا (عليه السلام) على كتفه ثم قام به، فلم يزل يطول به حتى علا على سور الحصن.
فصعد علي (عليه السلام) على الحصن و معه سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأذّن على الحصن و كبّر. فابتدر أهل الحصن إلى باب الحصن هرابا حتى فتحوه و خرجوا منه، فاستقبلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بجمعهم و نزل علي (عليه السلام) إليهم. فقتل علي (عليه السلام) ثمانية عشر من عظمائهم و كبرائهم، و أعطى الباقون البيعة بأيديهم.
و ساق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذراريهم و من بقي منهم و غنائمهم، يحملونها على رقابهم إلى المدينة. فلم يوجف عليها غير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فهي له و لذريته خاصه دون المؤمنين.
المصادر:
1. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 295.
2. جمال الأسبوع: ص 282، شطرا منه.
3. بحار الأنوار: ج 21 ص 22 ح 17، شطرا منه.
4. الاختصاص: ص 183، شطرا منه.
5. بحار الأنوار: ج 29 ص 189 ح 39، شطرا منه.
6. عوالم العلوم: ج 11 ص 647 ح 2، شطرا منه.
7. الخرائج: ج 1 ص 112 ح 187، شطرا منه.
8. بحار الأنوار: ج 29 ص 114 ح 10، شطرا منه.
89
9. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 210 ح 45، شطرا منه.
10. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 142، شطرا منه.
11. بحار الأنوار: ج 29 ص 117 ح 11، شطرا منه.
12. العوالم: ج 11 ص 619 ح 22، شطرا منه.
13. بحار الأنوار: ج 29 ص 109 ح 3، شطرا منه.
14. تفسير فرات: ص 473 ح 619، شطرا منه.
15. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 1 ص 452، شطرا منه.
16. بحار الأنوار: ج 29 ص 105 ح 1، شطرا منه.
17. عوالم العلوم: ج 11 ص 619 ح 20، شطرا منه.
18. تفسير البرهان: ج 2 ص 415 ح 2، شطرا منه.
19. تفسير نور الثقلين: ج 5 ص 275، شطرا منه.
20. كنز الدقائق: ج 7 ص 288، شطرا منه.
21. تفسير الصافي: ج 3 ص 186، شطرا منه.
22. تفسير فرات: ص 323 ح 438، 441، شطرا منه.
23. تفسير مجمع البيان: ج 3 ص 411، شطرا منه.
24. تفسير القمي: ج 2 ص 18، شطرا منه.
25. تفسير العياشي: ج 2 ص 287، شطرا منه.
26. تفسير فرات: ص 239 ح 322، شطرا منه.
27. تفسير العياشي: ج 2 ص 87 ح 47، شطرا منه.
28. بحار الأنوار: ج 29 ص 121 ح 29، شطرا منه.
29. بحار الأنوار: ج 29 ص 119 ح 13، شطرا منه.
30. بحار الأنوار: ج 29 ص 113 ح 8، شطرا منه.
31. عوالم العلوم: ج 11 ص 619 ح 21، شطرا منه.
32. تفسير الصافي: ج 3 ص 186، شطرا منه.
33. كشف الغمة: ج 2 ص 105، شطرا منه.
34. بحار الأنوار: ج 29 ص 109، شطرا منه.
90
86
المتن:
قال بعض ولد محمد بن أبي سلمة:
بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك؛ فكانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خالصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
المصادر:
تاريخ المدينة المنورة لا بن شبة: ج 1 ص 193.
الأسانيد:
في تاريخ المدينة: حدثنا حبّان بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، و عبد اللّه بن أبي بكر، عن بعض ولد محمد بن أبي سلمة، قال.
87
المتن:
قال حسيل بن خارجة:
بعث يهود فدك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين افتتح خيبر: أعطنا الأمان منك و هي لك.
فبعث إليهم محيّصة بن حرام، فقبضها للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فكانت له خاصة. و صالحه أهل الوطيح و سلالم من أهل خيبر على الوطيح و سلالم، و هي من أموال خيبر؛ فكانت له خاصة.
و خرجت الكثيبة في الخمس، و هي مما يلي الوطيح و سلالم. فجمعت شيئا واحدا فاتت مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من صدقاته و فيما أطعم أزواجه.
المصادر:
تاريخ المدينة المنورة لا بن شبة: ج 1 ص 193.
91
الأسانيد:
في تاريخ المدينة: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز عمران، عن إبراهيم بن حويّصة الحارثي، عن خالد بن معن بن جويّة، عن حسيل بن خارجة، قال.
88
المتن:
قال تقي الدين المكي في سرايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة مصاب:
... ثم سريّة غالب أيضا إلى مصاب، أصاب بشير بفدك في صفر و معه مائتا رجل؛ فقتلوا قتلى و أصابوا نعما.
المصادر:
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين المكي: ج 1 ص 259.
89
المتن:
قال الشيخ علي أكبر النهاوندي في ذكر تأسيس فدك:
أن في عهد موسى بن عمران (عليه السلام) كان رجلا عابدا زاهدا عالما من حواري موسى (عليه السلام) يسمّى بالزاهد الذرخاء، و كان يسمع فضائل و صفات محمد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) من موسى (عليه السلام) و يذكره في دعائه و أوراده.
و لما توفّي موسى (عليه السلام)، زاد ذلك الرجل الزاهد في عبادته و رياضته، و ما زال يذهب إلى الجبال و الصحاري و يعبد اللّه تعالى، إلى أن وصل واديا بين المدينة و مصر و يسمّى بمدائن الحكماء، كان يرتع فيها آبال حكماء المدينة، و هذا الوادي قريب المدينة، ليس فيها ماء و لا شجر.
92
و لما وصل الذرخاء هذا المكان، أعجبه و اتخذه محلا للعبادة و اشتغل هناك بعبادته.
و كان يتلوا في التوراة صفات محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و مدحه و محبة علي (عليه السلام) و مودته، و عرف علم الأفلاك الثمانية و رحل دانيال، و كان قد ينظر في الأسطرلاب و حكم فيه.
و من إعجاز محمد و علي (عليهما السلام) و بكرامة الذرخاء العابد، ظهر في ذلك الوادي عين فوّارة و حفره الذرخاء و كثر ماؤه و بنى هناك العمارة و زرع الزرع، و ازداد كل يوم عمرانه و أقبل الزهاد و العباد و القبائل و العشائر و بنو فيها الدور و العمارات و أحدثوا البساتين و الروضات.
و في مدة قليلة أحدثت ثمانية قرية و جاء الناس من كل ناحية و ازداد النفوس و المزارع و البيوت، حتى بلغ عمر الزاهد الذرخاء إلى انتهائه و زاد أولاده و أولاد أولاده. فأمر أن يصنعوا صندوقا من فولاد و قفلا بلا مفتاح و لوحا من الذهب، و كتب وصيته بيده في هذا اللوح و وضع في الصندوق و قفل، و أوصى إلى أولاده بأن بعد مضيّ 1550 عام بعدي ظهر نبي اسمه محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و وصيه و خليفته ابن عمه سمّي بعلي (عليه السلام) و هو صهره و سمّي في التوراة بإيليا؛ لا يوجد مثله شجاعا من لدن آدم إلى آخر الدهور؛ لا نبي بعد محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و لا وصي بعد علي (عليه السلام) إلا من أولاده.
فامن به واحد من قومي دعاهم لضيافته، و في هذه الضيافة ظهر معجزة من علي (عليه السلام)، و هي أن خاتم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك المجلس سقط البئر و علي (عليه السلام) أخرجه بدون أن ينزل إلى البئر، و هو يطلب هذا الصندوق منك. فأته به فإن مفتاح ذلك الصندوق إصبعه، ففتحه بإصبعه. فإذا رأيتم تلك المعجزة من وصي النبي العربي (صلّى اللّه عليه و آله) ادخلوا على دينه، و إن تخلّفتم متّم كافرا عن دين موسى (عليه السلام)، و هذه القرية الثمانية سلّموا إليه و أعطوها له فإني فديتها له.
و بعد ما قال الذرخاء الزاهد هذه الكلمات توفّي.
94
و لما فرغوا من الطعام، أتوا قرطاسا عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حتى يمهره و خرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاتمه من يده، فسقط الخاتم إلى البئر. فلما رأوا هذا أولاد الذرخاء الزاهد تذكروا وصية جدهم.
فطلب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: يا علي! اخرج الخاتم من البئر، فأنت حلّال المشكلات. فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) عند البئر و قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، و قرأ الفاتحة. فنبع ماء البئر و فار و علا، فرأوا أن الخاتم على وجه الماء. فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) الخاتم من الماء و قبّل و ردّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فإذا رأوا قوم الذرخاء هذه المعجزة من أمير المؤمنين (عليه السلام) تذكّروا وصية جدهم، و كانوا في هذا المقام و ينتظرون أن يطالب الصندوق حتى جاءوا به.
أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قوم الذرخاء و قال: آتوني الأمانة التي ترك جدكم الأكبر عندكم و أوصى أن تسلّموه إلينا. فذهبوا و جاءوا بالصندوق و سلّموا إليه و قبّلوا الأرض للأدب و الإكرام. فرأى علي (عليه السلام) صندوق جميل من صنع الفولاد، و عليه قفل في غاية الاستحكام و ليس له مفتاح.
فنظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الصندوق و وضع عند أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: افتح الصندوق و افتح هذه المعجزة و اكشفه. و رفع علي (عليه السلام) يده إلى الدعاء و قرأ شيئا و ضرب إصبعه بذلك القفل، فصوّت القفل و افتتح بقدرة اللّه تعالى و بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). فنظر علي (عليه السلام) و رأى لوحا من الذهب، كتب فيه بفضة بيضاء بخط العبراني.
فرفع اللوح و أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و نظر فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ردّه إلى علي (عليه السلام) و قال: يا علي، أنت اقرأ هذا اللوح. فنظر علي (عليه السلام) إلى اللوح، فإذا كتب فيه بخط ذرخاء الزاهد و توقيعه في آخره:
أنه ظهر في آخر الزمان بعد 1550 عام محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عمه و صهره و وصيه، و آمن به واحدا من ذريتي و هو دعاه إلى ضيافته، و أسقط خاتم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) على البئر و أخرج وصيه منه. ثم طلب منكم الصندوق فأعطوه، و كلّكم
93
و أبناء الذرخاء- خلفا عن سلف- ينتظرون نبي آخر الزمان، حتى مضى من وفاته 1550 عام، أشرق نور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بعثته و صوت إعجازها علا في العالم، إلى أن ترك مكة و هاجر إلى المدينة.
و مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما مع أصحابه على باب حفدة الذرخاء. فلما رأى وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سأل: من هذا الرجل؟ قالوا له: ويحك! ما تعرف هذا؟! هو نبي آخر الزمان محمد (صلّى اللّه عليه و آله). فلما سمع اسم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، علم أنه نبي آخر الزمان، فشهق شهقة و سقط مغشيّة عليه. فأخبروا حاله إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فرجع عند رأسه و رأى نور الإيمان يلمع من جبهته، فجلس و رفع رأسه من الأرض و وضع على ركبته. فلما رأى قومه هذا الخلق الكريم، كانوا كلهم محبا له و جمع حوله، و أفاق هذا الشاب و فتح عينه و رأى رأسه في حجر النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فشهد على التوحيد و النبوة و إمامة علي (عليه السلام)، و سمع والديه هذه القضية و سكتوا.
و قام هذا الشاب و قبّل يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و رجلاهما و صافح الأصحاب و ذهب بيته، و كلما قال له والديه: اترك الإسلام ودع النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، ما سمع منهما و حضر كل يوم عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
فقال يوما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ادع لوالديّ أن يسلموا. قال: اطلب حتى اعرض الإسلام إليهم. قال: يا رسول اللّه، هما عدوان لك، ما يجيئان و ما يقبلان الإسلام، فإن أذن لي أن أقيم الضيافة و أدعوك؛ فإذا جئت أنت فلعل بيمن قدومك و لقائك أثّر نور الإيمان على قلبهما، فقبل النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
فذهب الشاب و هيّأ محفلا للضيافة، و جاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع أمير المؤمنين (عليه السلام) و عدة من خواص أصحابه و قدموا ضيافة هذا الشاب. و لما لم يكتف بيته للأصحاب، جلسوا في البستان عند الحوض و البئر الذي حضره ذرخاء العابد، و بسط المائدة و أحضر فيها أنواع النعم و الأطعمة، و قوم الذرخاء كلهم قائمون حضور النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للخدمة.
95
ادخلوا إلى دين الإسلام و أقرّوا بحقيقته فإن دينه ناسخ الأديان، و سلّموا هذه القراء الثمانية إليه، لأنه حق له و حرام عليكم و على كل الناس إلا أهل بيته (عليهم السلام). فإذا لم يعملوا بوصيتي فخصمكم اللّه و محمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فهذه القراء و ما عمّرت كلها فداء لوصي محمد و أهل بيته (عليهم السلام).
و لما رأى القوم خط جدهم و وصيته و سمعوا أسلموا كلهم، و فدا تلك القراء الثمانية لأمير المؤمنين (عليه السلام) و سمّوها فداك. ثم فداها أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم أعطاها كلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا بنته فاطمة (عليها السلام)، ثم سلّم فاطمة (عليها السلام) لعلي (عليه السلام)؛ فاسم فدك في الأصل «فداك»، و سقط الألف لكثرة الاستعمال.
و قال بعض: إن علة تسميتها بفدك لكثرة محصولها كان قطنا، و معنى لفظ فدك من حلج القطن و ندفه، و قال بعض آخر: سمّيت باسم فدك بن هام، و هو أول من سكن فيها.
المصادر:
1. خزينة الجواهر للنهاوندي (مخطوط).
97
الفصل الثاني إعطاء فدك لفاطمة (عليها السلام)
99
في هذا الفصل
نزل الأمين جبرائيل من عند رب العزة و أتى بآية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) و قال: أعط فدك فاطمة (عليها السلام).
إن فدك قبل نزول هذا الذكر الحكيم كانت ماء و ترابا و زروعا و نخيلات لليهود كسائر المياه و الأتربة و الزروع و النخيلات، و بعد نزولها و إضافتها إلى من لولاه لما خلق اللّه الأفلاك، صارت ذا شرف و منزلة عظيمة، لاقترانها بأعظم شخصية و صارت «فدك فاطمة (عليها السلام)».
نعم، «و آت ذا القربى حقه» سيف صارم للزهراء (عليها السلام) في معركة الخصم و جنة في هجمة أهل السقيفة و المعاندين إلى زماننا هذا، و الخصم يقرّ و يعتقد أن هذه الآية نزلت في حقها، و ثبت و كتب هذا في تفاسيرهم و تواريخهم و سيرهم و لا مفرّ لهم منه.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
100
و بعد نزول الآية في سنة سبع، لا نسميها «فدك» فقط بل نقول «فدك فاطمة (عليها السلام)»؛ فإن ما وراء هذا الاسم معطيات لمحبيها و لمن قام خلف باب فدك و لا يدخلها بدون إذن صاحبها فاطمة (عليها السلام).
و كيف لا؟ و هي منحولة أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر العلي الأعلى بنزول آية من عنده، و يغرس إحدى عشرة نخلة بيده المباركة فيها؛ فماء فدك و تمرها و كل حاصلها دواء الآلام و الأسقام و شفاء الصدور و القلوب، و حرام على غاصبيها و معانديها.
يأتي في هذا الفصل العناوين التالية في 48 حديثا:
نزول جبرئيل عند رجوع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من غزوة و إقامته و ذهابه إلى فدك، فرار أهل فدك إلى رءوس الجبال و إغلاق أبواب مدينتهم و دفع المفاتيح إلى عجوز لهم، وصول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و جبرئيل إلى فدك و أخذ جبرئيل المفاتيح من العجوز و فتح أبواب المدينة و دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بيوتهم، نزول آية: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...» (1) و رجوعهم إلى المدينة، إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) بقصة فدك و إعطاؤها لها عوضا عن مهر خديجة و نحلتها لها و لولدها و كتابته في أديم سندا و إشهاد علي (عليه السلام) و أم أيمن، مجيء أهل فدك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مقاطعتهم حاصلها على أربعة و عشرون ألف دينار أو سبعين ألف دينار في كل سنة.
كلام علي بن الحسين (عليه السلام) لرجل من أهل الشام و إخباره بأنهم ذووا القربى.
في أن حوائط فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خالصة و إعطاؤه لفاطمة (عليها السلام) بأمر اللّه و قصة فتح فدك كما ذكرنا قبيل هذا، كلام السيد ابن طاوس لابنه محمد على ما ذكرناه في الفصل السابق، تطوّرات فدك من الأخذ و الرد من عمر بن عبد العزيز و السفّاح و المنصور و المهدي و المأمون و المعتصم و المتوكل و حرمة بن الحجام و النازيار و المعتضد و المكتفي و المقتدر.
قصة فتح فدك كما ذكرناه، فهي للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لذريته.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
103
كلام الشيخ محمد جواد مغنية في مصالحة أهل فدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالنصف و إعطائه لفاطمة (عليها السلام) و أخذها أبي بكر و كلام علي (عليه السلام) في أمر فدك.
الإشارة في قوله (عليه السلام): «و ستنبئك ابنتك بتظافر أمتك» إلى قصة فدك.
كلام القراجهداغي في الآية و نقل الروايات في أن فدك خاصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إعطاؤها لفاطمة (عليها السلام) نحلة أو عطية و تصرف عاملها و وكيلها فيها و أن الخلفاء غصبوها كما غصبوا الخلافة لأغراض دنيوية.
102
عن أبي سعيد و عطية و علي بن الحسين (عليه السلام) و أبان و أبي عبد اللّه (عليه السلام) في تفسر الآية: أن فدك لفاطمة (عليها السلام).
في مسند أحمد أن فدك لفاطمة (عليها السلام) بموجب نص الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، انتزاع أبي بكر فدك عن يد فاطمة (عليها السلام) بعد حادثة السقيفة و تأييده كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك ...».
كلام ابن حزم بأن الشق و النطاط من أموال خيبر في سهمان المسلمين، و الكتيبة خمس اللّه و سهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذوي القربى و اليتامى و المساكين و طعام الأزواج و طعام رجال مشوا في الصلح و مشوا بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل فدك منهم، و إعطاؤه منها ثلاثين وسقا من التمر.
كلام القمي و عن الصادق (عليه السلام) و عن أبي سعيد و عن ابن عباس و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن عطية العوفي و كلام الأردبيلي في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) في أن الآية أمر للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لإعطاء فدك لفاطمة (عليها السلام).
كلام المظفري في أن الآية خاصة في فاطمة (عليها السلام) في عامة الأملاك و هي فدك و حوائط مخيريق اليهودي و هي سبع حوائط و أراضي اليهود، ردّ القول بأن الآية شاملة لسائر أقرباء المخاطبين في سائر أزمنة التكليف و الجرح و التعديل في هذا البحث.
عن أبي سعيد في شأن الآية مثل ما مرّ.
كلام السيد شكر الحسني في أن فدك لفاطمة (عليها السلام) من ثلاث وجوه: 1. لكونها ذات اليد 2. تملّك فدك للنحلة 3. استحقاقها بالإرث.
كلام علي بن الحسين في أن ذوي القربى هم فاطمة و أولاده (عليهم السلام).
____________
(1). سورة الاسراء: الآية 26.
101
حضور الإمام الرضا (عليه السلام) في مجلس المأمون- و فيه علماء العراق و خراسان- و البحث في تفسير بعض الآيات و آية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) و تفسيره (عليه السلام) الآية بإعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
كلام الراوندي في إعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك لفاطمة (عليها السلام) و كتابته لها و إشهاد علي (عليه السلام) و أم أيمن و أمره لفاطمة (عليها السلام) لتصرفها و أخذها، إرسال فاطمة (عليها السلام) وكيلها إلى فدك لجباية غلتها البالغة سبعين ألف دينارا.
رواية السيوطي و ابن مردويه في تفسير آية القربى أنها إيهاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك لفاطمة (عليها السلام).
كلام الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية و عن أبي سعيد الخدري و عن ابن عباس و عن تفسير التبيان و عن ابن تغلب و عن السيد الشيرازي و عن أبان و عن أبي مريم و عن أبان بن تغلب و عن أبي الفتوح الرازي أن فدك إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام).
في خطبة شافية وافية من البيان و البرهان و فيه إشارة أن له الإمامة و حلّه و عقده و لفاطمة (عليها السلام) فدك.
عن جعفر بن محمد (عليه السلام) في تفسير الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2) أن فدك لفاطمة (عليها السلام) و ابنيها بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو بأمر اللّه تعالى.
كلام أبي المكارم الحسني و أبي حاتم في تفسير الآية: أن فدك لفاطمة (عليها السلام).
وصية مخيريق اليهودي بماله لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو المبيت و الصافية و الحسنى و برقة و العوّاف و الكلاء و مشربة أم إبراهيم، إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدك و العوالي لفاطمة (عليها السلام).
____________
(1). سورة الاسراء: الآية 26.
(2). سورة الاسراء: الآية 26.
105
1
المتن:
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خرج في غزاة، فلما انصرف راجعا نزل في بعض الطريق. فبينما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يطعم الناس معه، إذ أتاه جبرئيل فقال: يا محمد! قم فاركب، فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فركب و جبرئيل معه. فطويت له الأرض كطيّ الثوب حتى انتهى إلى فدك.
فلما سمع أهل فدك وقع الخيل، ظنّوا أن عدوهم قد جاءهم. فغلقوا أبواب المدينة و دفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لهم خارج من المدينة، فلحقوا برءوس الجبال. فأتى جبرئيل العجوز حتى أخذ المفاتيح، ثم فتح أبواب المدينة و دار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في بيوتها و فرائها. فقال جبرئيل: يا محمد، هذا ما خصّك اللّه به و أعطاكه دون الناس، و هو قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (1)، و ذلك قوله: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» (2)؛
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
(2). سورة الحشر: الآية 6.
106
و لم يعرف المسلمون و لم يطؤوها، و لكن اللّه أفاءها على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله). و طوّف به جبرئيل في دورها و حيطانها و غلق الباب و رفع المفاتيح إليه، فجعلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غلاف سيفه و هو معلّق بالرجل.
ثم ركب و طويت له الأرض كطيّ الثوب، ثم أتاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هم على مجالسهم و لم يتفرّقوا و لم يبرحوا؛ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قد انتهيت إلى فدك و إني قد أفاءها اللّه عليّ. فغمّز المنافقون بعضهم بعضا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): هذا مفاتيح فدك، ثم أخرج من غلاف سيفه.
ثم ركب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ركب معه الناس. فلما دخل المدينة، دخل على فاطمة (عليها السلام) فقال: يا بنية! إن اللّه قد أفاء على أبيك بفدك و اختصّه بها، فهي له خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء، و إنه قد كان لأمك خديجة على أبيك مهر و إن أباك قد جعلها لك بذلك و إني نحلتكها لك و لولدك بعدك.
قال: فدعا بأديم و دعا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: اكتب لفاطمة (عليها السلام) نحلة من رسول اللّه. فشهد على ذلك علي بن أبي طالب (عليه السلام) و مولى الرسول و أم أيمن. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن أم أيمن امرأة من أهل الجنة».
و جاء أهل فدك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقاطعهم على أربعة و عشرون ألف دينار في كل سنة.
هذا في رواية الشيخ عبد اللّه بن حماد الأنصاري، و في رواية غير الشيخ سبعين ألف دينار كان دخل فدك.
المصادر:
1. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 152، عن الخرائج.
2. الخرائج: ص 185، على ما في البحار.
3. نور الأنوار: ص 219، عن الخرائج.
4. بحار الأنوار: ج 17 ص 378 ح 46، عن الخرائج.
5. بحار الأنوار: ج 29 ص 114 ح 10، عن الخرائج.
107
6. عوالم العلوم: ج 11 ص 617 ح 19، عن الخرائج.
7. ناسخ التواريخ: مجلدات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ج 5 ص 135 ح 160.
8. الجنة العاصمة: ص 263، عن البحار.
9. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين: ص 80، عن البحار.
2
المتن:
عن ابن عباس و الحسن:
و قيل: إن المراد قرابة الرسول.
عن السدي، قال:
إن علي بن الحسين (عليه السلام) قال لرجل من أهل الشام حين بعث به عبيد اللّه بن زياد إلى يزيد بن معاوية: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أ ما قرأت «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ»؟ (1) قال:
و إنكم ذوي القربى الذي أمر اللّه أن يؤتى حقه؟ قال: نعم.
المصادر:
1. مجمع البيان: ج 3 ص 411.
2. الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ص 72.
3. التمهيد في علوم القرآن: ج 1 ص 187.
4. تفسير الصافي: ج 3 ص 187، عن الاحتجاج، شطرا منه.
5. الاحتجاج: ج 2 ص 33 بتفاوت فيه.
6. بحار الأنوار: ج 29 ص 107، عن مجمع البيان.
7. تفسير البرهان: ج 2 ص 415 ح 3 و 4، بتفاوت فيه.
8. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 155، بتغيير فيه.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
108
الأسانيد:
1. في تفسير البرهان: عن ابن بابويه، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال:
حدثنا عبد العزيز بن يحيى البصري، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد، قال: حدثني أبو نعيم، قال: حدثني حاجب بن عبيد بن زياد، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، أنه قال.
2. في تفسير البرهان: من طريق المخالفين ما رواه الثعلبي، عن السدي، عن ابن الديلمي، قال: قال علي بن الحسين (عليه السلام).
3
المتن:
قال المحدث القمي في ذكر فدك في أن حوائط فدك كانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعطاها فاطمة (عليها السلام) بأمر من اللّه تعالى:
و في أنه طويت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الأرض حتى انتهى إلى فدك و أخذ جبرئيل مفاتيح فدك و فتح أبواب مدينتها و دار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في بيوتها و قراها، و قال جبرئيل: هذا ما خصّك اللّه به و أعطاكه، و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام): قد كان لأمك خديجة على أبيك محمد مهر، و أن أباك قد جعلها (أي فدك) لك بذلك و أنحلتكها، تكون لك و لولدك بعدك. و كتب كتاب النحلة علي (عليه السلام) في أديم، و شهد (عليه السلام) على ذلك و أم أيمن و مولى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
نزول الآيات في أمر فدك و قصصه
لما نزلت قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
قال السيد ابن طاوس في كشف المحجة فيما أوصى إلى ابنه:
قد وهب جدك محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أمك فاطمة (عليها السلام) فدكا و العوالي، و كان دخلها في رواية الشيخ عبد اللّه بن حماد الأنصاري أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة، و في رواية غيره سبعين ألف دينار.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
109
في الرواية الموسوية في الحدود الأربعة لفدك ذكر من ردّ فدك على ولد فاطمة (عليها السلام) مثل عمر بن عبد العزيز و غيره من الخلفاء.
في أنه انتزعها منهم بعد عمر بن عبد العزيز عبد الملك، ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي، ثم قبضها الهادي، ثم ردّها المأمون، قال دعبل الخزاعي:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا * * * بردّ مأمون هاشما فدكا
و حكي أن المعتصم و الواثق قالا: كان المأمون أعلم منا به، فنحن نمضي على ما مضى هو عليه. فلما ولّي المتوكل، قبضها و أقطعها حرملة الحجام و أقطعها بعده لفلان النازيار من أهل طبرستان، و ردّها المعتضد، و حازها المكتفي، و قيل: إن المقتدر ردّها عليهم.
المصادر:
سفينة البحار: ج 2 ص 350.
4
المتن:
عن محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال:
لما نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سلاحه و أسرج دابته و شدّ علي (عليه السلام) سلاحه و أسرج دابته، ثم توجّها في جوف الليل و علي (عليه السلام) لا يعلم حيث يريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى انتهى إلى فدك.
فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، تحملني أو أحملك؟ قال علي (عليه السلام): أحملك يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي، بل أنا أحملك لأني أطول بك و لا تطول بي.
110
فحمل عليا (عليه السلام) على كتفيه ثم قام به، فلم يزل يطول به حتى علا على سور الحصن. فصعد علي (عليه السلام) على الحصن و معه سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأذّن على الحصن و كبّرنا. فابتدر أهل الحصن إلى باب الحصن هرابا حتى فتحوه و خرجوا منه، فاستقبلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بجمعهم و نزل علي (عليه السلام) إليهم. فقتل علي (عليه السلام) ثمانية عشر من عظمائهم و كبرائهم و أعطى الباقون بأيديهم، و ساق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذراريهم و من بقي منهم و غنائمهم يحملونها على رقابهم إلى المدينة؛ فلم يوجف فيها غير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فهي له و لذريته خاصة دون المؤمنين.
المصادر:
1. نور الأنوار للمرندي: ص 219، عن تفسير فرات.
2. تفسير فرات: ص 159.
3. بحار الأنوار: ج 29 ص 110، عن تفسير فرات.
4. الجنة العاصمة: ص 262، عن تفسير فرات.
الأسانيد:
في تفسير فرات: زيد بن محمد بن جعفر العلوي، عن محمد بن مروان، عن عبيد بن يحيى، عن محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال.
5
المتن:
قال الكاشاني بعد ذكر أحاديث في ذيل آية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1):
... و بالجملة، الأخبار في هذا المعنى مستفيضة؛ و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) في حديث: ثم قال جل ذكره: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» و كان علي (عليه السلام)، و كان حقه الوصية التي جعلت له و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة.
____________
(1). الإسراء: الآية 26.
111
المصادر:
1. تفسير الصافي: ج 3 ص 187 ح 26، عن الكافي.
2. الكافي، على ما في الصافي.
6
المتن:
عن الريان بن الصلت، قال:
حضر الرضا (عليه السلام) مجلس المأمون بمرو و قد اجتمع في مجلسه جماعة من علماء أهل العراق و خراسان، فقال المأمون: أخبروني عن معنى هذه الآية: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا». (1) فقالت العلماء: أراد اللّه عز و جل بذلك الأمة كلها. فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال الرضا (عليه السلام): لا أقول كما قالوا، و لكني أقول: أراد اللّه عز و جل بذلك العترة الطاهرة.
و الحديث طويل، إلى أن قال:
قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر اللّه عز و جل الاصطفاء في الكتاب؟ فقال الرضا (عليه السلام):
فسّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثنا عشر موطنا و موضعا؛ فأول ذلك قوله عز و جل: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (2) ...
... و الآية الخامسة قول اللّه عز و جل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، خصوصية خصّهم اللّه العزيز الجبار بها و اصطفاهم على الأمة. فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
ادعوا لي فاطمة، فدعيت له فقال: يا فاطمة. قالت: لبيك يا رسول اللّه. فقال: هذه فدك مما هي لم يوجف عليه بالخيل و لا ركاب و هي لي خاصة دون المسلمين، و قد جعلتها لك لما أمرني اللّه تعالى؛ فخذيها لك و لولدك ...
____________
(1). سورة فاطر: الآية 32.
(2). سورة الشعراء: الآية 214.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
112
المصادر:
1. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 1 ص 183 ح 1.
2. الأمالي للصدوق: ص 312 ح 1 المجلس 79.
3. لوامع صاحبقراني: ج 5 ص 570، عن عيون الأخبار.
4. تفسير نور الثقلين: ج 5 ص 275 ح 12، عن عيون الأخبار.
5. تحف العقول: ص 321.
6. تفسير كنز الدقائق: ج 5 ص 503، عن عيون الأخبار.
7. ينابيع المودة: ص 44.
8. الدمعة الساكبة: ج 7 ص 162، عن عيون الأخبار.
9. تفسير الصافي: ج 3 ص 186 ح 26.
10. بحار الأنوار: ج 25 ص 225 ح 20، عن الأمالي و العيون.
11. بحار الأنوار: ج 17 ص 379 ح 46، عن الخرائج.
12. بحار الأنوار: ج 29 ص 105 ح 1، عن عيون الأخبار.
13. عوالم العلوم: ج 11 ص 619 ح 20، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام).
14. تفسير البرهان: ج 2 ص 415 ح 2، عن العيون.
الأسانيد:
في عيون الأخبار و الأمالي: حدثنا علي بن الحسن بن شاذويه المؤدب و جعفر بن محمد بن مسرور، قالا: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن الريان بن الصلت.
7
المتن:
قال الراوندي في ذكر فدك بعد أن كانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
... ثم نزل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (1) فدعا فاطمة (عليها السلام) و قال لها:
إن فدكا لك و لعقبك من بعدك، جزاء عما كان لأمك خديجة من الحق و هذه فدك نحلة
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
113
لك بذلك. و أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يكتب لفاطمة (عليها السلام) بها، فكتب (عليه السلام) و شهد هو و مولى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أم أيمن كان حضورا.
فقالت فاطمة (عليها السلام) لأبيها: لست أحدث فيها حدثا ما دمت حيا، فإنك أولى بها مني و من نفسي و مالي. فعرّفها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عواقب الأمور و نفسيات الرجال و ما يحدثونه بعده من انقلاب و تطورات، و قال: أكره أن أجعلها سبة فيمنعوك إياها من بعدي. فخضعت لأمره التابع لوحي السماء و جمع الناس في منزله، فأعلمهم بما نزل عليه في القرآن الحاكم بأن فدكا لفاطمة (عليها السلام).
فكان وكيلها يجيء لها غلتها البالغة كل سنة أربعة و عشرين ألف دينار أو سبعون ألف دينار. فكانت تفرّقها على الفقراء من بني هاشم و المهاجرين و الأنصار، حتى لا يبقى عندها ما يسع نفقة اليوم لها و لولدها.
المصادر:
1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الأحاديث النبوية: ص 194.
2. الخرائج للراوندي: ص 9، شطرا منه.
3. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 97، شطرا منه.
4. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 342، بتفاوت فيه.
5. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 81.
8
المتن:
قال البيومي في ذكر فدك بعد رد حديث أبي بكر أن النبي لا يورّث:
ثم إن الزهراء (عليها السلام) قالت: إن أباها وهبها أرض فدك؛ فهي إن لم تكن إرثا فهي هبة. روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور (5/ 273): أخرج البزاز و أبو يعلي و ابن أبي حاتم
114
و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري: لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدك.
و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
و روى الهيثمي في مجمعه عن أبي سعيد، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا. قال: رواه الطبراني و ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال و صحّحه المتقي في كنز العمال عن أبي سعيد قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (4)، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة، لك فدك. قال: أخرجه الحاكم في تاريخه و ابن النجار و فضائل الخمسة: ج 3 ص 136.
المصادر:
السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للبيومي: ص 140.
9
المتن:
عن جعفر (عليه السلام):
لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (5)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا.
قال أبو مريم: و زعم أبان أنه قال لجعفر (عليه السلام): رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: بلى، اللّه أعطاها.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
(4). سورة الإسراء: الآية 26.
(5). سورة الإسراء: الآية 26.
115
المصادر:
1. تفسير فرات: ص 119.
2. شواهد التنزيل: ج 1 ص 439 ح 468، شطرا من صدر الحديث.
3. شواهد التنزيل: ج 1 ص 442 ح 473، شطرا من صدر الحديث.
4. موسوعة الإمام الصادق (عليه السلام): ج 1 ص 323 ح 446، عن شواهد التنزيل.
5. إحقاق الحق: ج 14 ص 576، عن شواهد التنزيل.
6. إحقاق الحق: ج 14 ص 577، عن شواهد التنزيل.
7. شواهد التنزيل: ج 1 ص 439 ح 469 شطرا من صدر الحديث.
8. إحقاق الحق: ج 14 ص 576 عن شواهد التنزيل.
9. شواهد التنزيل: ج 1 ص 440 ح 470، 471، شطرا من صدره.
10. إحقاق الحق: ج 14 ص 576، 577.
11. شواهد التنزيل: ج 1 ص 442 ح 473، شطرا من صدر الحديث.
12. تأويل الآيات: ج 1 ص 435 ح 5، بزيادة.
13. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 47.
14. متشابه القرآن و مختلفه: ج 2 ص 60، أورد صدرها.
15. المطالب العالية: ج 3 ص 367، بسند آخر.
16. إحقاق الحق: ج 19 ص 119.
17. مقتل الخوارزمي: ج 1 ص 71.
18. مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ج 2 ص 202.
19. عوالم العلوم: ج 11 ص 613 ح 4.
20. نور الثقلين: ج 3 ص 156 ح 156.
21. السبعة من السلف: ص 325.
22. كنز العمال: ج 2 ص 158.
23. اعلموا أني فاطمة: ج 3 ص 643.
الأسانيد:
1. في تفسير فرات، قال: حدثنا أحمد بن جعفر معنعنا، عن أبان بن تغلب، عن جعفر (عليه السلام).
2. في شواهد التنزيل: حدثني أبو الحسن الفارسي، قال: حدثنا الحسين بن محمد الماسرجسي، قال: حدثنا جعفر بن سهل ببغداد، قال: حدثنا المنذر بن محمد القابوسي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي، عن أبيه، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد، عن
116
أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه عن علي (عليهم السلام).
3. في شواهد التنزيل: أخبرنا أبو بكر بن أبي سعيد الحيري، قال: حدثنا عمرو الحبري، قال: أخبرنا أبو يعلي الموصلي، قال: قرأت على الحسين بن يزيد الطحان، عن سعيد بن خثيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
4. عن شواهد التنزيل: أخبرنا أبو يحيى الخوري و أبو علي القاضي، قالا: أخبرنا محمد بن نعيم، قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا صالح بن أبي رميح الترمذي سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة، قال: حدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن أبي خيثمة، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثني علي بن هاشم، عن داود الطائي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
5. في شواهد التنزيل: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المديني بها، قال: أخبرتنا أم الفتح أمة السلام بنت أحمد بن كامل القاضي ببغداد، قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل البندار، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الدرهمي، أخبرنا عبد اللّه بن داود، عن فضيل بذلك.
6. في شواهد التنزيل: أخبرنا زكريا بن أحمد بقراءتي عليه في داري من أصل سماعة، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن النخاس ببغداد، قال: حدثنا عبد اللّه بن زيدان، قال:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام القصار، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
7. في تأويل الآيات: قال محمد بن العباس: حدثنا علي بن العباس القانعي، عن أبي كريب، عن معاوية بن هشام، عن فضل بن مرزوق، عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال.
8. في مقتل الحسين (عليه السلام)، قال سيد الحفاظ: و أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه الهمداني إجازة، حدثنا شعيب بن علي، حدثنا موسى بن سعيد، حدثنا الوليد بن علي، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا علي بن عياش، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
9. في مناقب الإمام: محمد بن سليمان، قال: حدثنا عثمان بن محمد الألثغ، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسلم، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثنا أبان بن عثمان، عن أبي مريم الأنصاري و أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد (عليه السلام).
120
النحلة، و القصة في ذلك مشهورة. فلما لم يقبل بيّنتها و لا قبل دعواها، طالبت بالميراث لأن من له الحق إذا منع منه من وجه، جاز له أن يتوصل إليه بوجه آخر. فقال لها: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث. فمنعها الميراث أيضا، و كلامها في ذلك مشهور.
المصادر:
التبيان في تفسير القرآن: ج 2 ص 468.
14
المتن:
عن ابن تغلب، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا؟ قال: كان لها من اللّه تعالى.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 48.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 120 ح 15، عن تفسير العياشي.
3. تفسير البرهان: ج 2 ص 415 ح 7، عن تفسير العياشي.
4. اعلموا أني فاطمة: ج 3 ص 645.
15
المتن:
قال السيد الشيرازي في بيان ملكية فدك للزهراء (عليها السلام):
... يلزم بيان أن فدك كانت ملكا للزهراء (عليها السلام)، كما يجب الاعتقاد بذلك على ما يستفاد من مطاوي الخطبة و من شدة اهتمام الزهراء (عليها السلام) بذلك، و لغير ذلك من الأدلة الكثيرة
117
10
المتن:
عن أبي سعيد الخدري قال:
لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدكا.
يقول علي بن موسى بن طاوس: و قد ذكرت في الطرائف روايات كثيرة عن المخالف و كشفت عن استحقاق الموالاة المعظمة فاطمة (عليها السلام) لفدك بغير ارتياب و ما ينبغي أن يتعجب من أخذها منها من هو عارف بالأسباب، لأن خلافة بني هاشم أعظم من فدك بكل طريق و أهل الإمامة من الأمة لا يحصيهم إلا اللّه مذ ستمائة سنة و زيادة، إلا أن يدينون بدين اللّه تعالى أن الخلافة كانت حقا من حقوقهم و أنهم منعوا منها كما منع كثير من الأنبياء و الأوصياء عن حقوقهم، و من وقف على كتاب الطرائف عرف ذلك على التحقيق.
المصادر:
1. سعد السعود: ص 101.
2. إحقاق الحق: ج 3 ص 549، عن مجمع الزوائد، شطرا من صدره.
3. مجمع الزوائد، على ما في الإحقاق.
4. إحقاق الحق: ج 25 ص 532، عن الكامل.
5. الكامل في الرجال: ج 5 ص 1835، صدر الحديث.
6. بحار الأنوار: ج 29 ص 123، شطرا منه.
7. عوالم العلوم: ج 11 ص 613 ح 5، عن سعد السعود.
الأسانيد:
في سعد السعود، قال السيد: فصل فيما نذكره من الكرّاس الآخر من الجزء الخامس قبل آخره بثمان قوائم من الوجهة الأوّلة في تفسير قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2): روي فيه حديث فدك من عشرين طريقا، فلذلك ذكرته؛ نذكر منها طريقا واحدا بلفظه:
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الاسراء: الآية 26.
118
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الأعبدي و إبراهيم بن خلف الدوري و عبد اللّه بن سليمان بن الأشعب و محمد بن القاسم بن زكريا، قالوا: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا علي بن عباس و حدثنا جعفر بن محمد الحسيني، قال: حدثنا علي بن المنذر الطريفي، قال:
حدثنا علي بن عباس، قال: حدثنا فضل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال.
11
المتن:
عن أبي سعيد، قال:
لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا؛ فكلما لم يوجف عليه أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بخيل و لا ركاب فهو لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يضعه حيث يشاء؛ و فدك مما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.
المصادر:
1. تفسير فرات: ص 119.
2. إحقاق الحق: ج 3 ص 549، عن روح المعاني.
3. تفسير روح المعاني: ج 15 ص 58، على ما في الإحقاق، بزيادة و نقيصة.
4. بحار الأنوار: ج 29 ص 122 ح 21.
الأسانيد:
في تفسير فرات، قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعنا، عن أبي سعيد، قال.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
119
12
المتن:
عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1):
و ذاك حين جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سهم ذا القربى لقرابته؛ فكانوا يأخذونه على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى توفّي. ثم حجب الخمس عن قرابته فلم يأخذوه.
المصادر:
تفسير فرات: ص 119.
الأسانيد:
في تفسير فرات، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفزاري معنعنا، عن ابن عباس.
13
المتن:
قال الشيخ الطوسي في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2):
... ثم قال اللّه تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ»، (3) و هو أمر من اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعطي ذوي القربى حقوقهم التي جعلها اللّه لهم.
فروي عن ابن عباس و الحسن أنهم قرابة الإنسان، و قال علي بن الحسين (عليه السلام): هم قرابة الرسول، و هو الذي رواه أيضا أصحابنا.
و روي أنه لما نزلت هذه الآية، استدعى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدكا و سلّمه إليها، و كان وكلاؤها فيها طول حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فلما مضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخذها أبو بكر و دفعها عن
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
122
17
المتن:
عن أبي مريم:
سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لما نزلت الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا. فقال أبان بن تغلب: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: فغضب أبو جعفر (عليه السلام) ثم قال: اللّه أعطاها.
المصادر:
1. تفسير فرات: ص 85.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 121 ح 19، عن تفسير فرات.
3. تفسير البرهان: ج 2 ص 415 ح 6، شطرا من ذيل الحديث.
18
المتن:
عن أبان بن تغلب، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا؟ قال: كان لها من اللّه.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 48.
2. تفسير البرهان: ج 2 ص 415.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
121
المذكورة في محالها، حيث أعطاها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته بأمر من اللّه سبحانه؛ كما ورد في متواتر الروايات و في تفسير قوله تبارك و تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (1)
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.
فقال أبان بن تغلب: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ فغضب جعفر (عليه السلام) ثم قال: اللّه أعطاها.
و عن أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، قال: دعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك.
المصادر:
من فقه الزهراء (عليها السلام): ص 63.
16
المتن:
عن أبان بن تغلب، قال:
قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا؟ قال: كان وقفها، فأنزل اللّه: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (4)، فأعطاها فدكا.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 47.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 119 ح 14، عن تفسير العياشي.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
(4). سورة الإسراء: الآية 26.
123
19
المتن:
قال أبو الفتوح الرازي في تفسير «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1):
لما نزلت هذه الآية، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدك؛ و كان في يدها و تصرّفها في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصرّف في عائده و تمره على مصالحها و ولدها. فلما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أخذوا منها، و لما طلب ميراث أبيها قالوا: أنت لا ترث أباك لأنا سمعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.
المصادر:
تفسير أبي الفتوح الرازي: ج 3 ص 349.
20
المتن:
في كتاب الإرشاد لكيفية الطلب في أئمة العباد، قال:
و قد كفانا أمير المؤمنين (عليه السلام) المئونة في خطبة خطبها؛ أودعها من البيان و البرهان ما يجلي الغشاوة عن أبصار متأمّليه و العمى عن عيون متدبّريه، و حلّينا هذا الكتاب بها ليزداد المسترشدون في هذا الأمر بصيرة، و هي منة اللّه جل ثناؤه علينا و عليهم يجب شكرها.
خطب (عليه السلام) فقال:
ما لنا و لقريش ...، اليوم أنطق الخرساء ذات البرهان و أفصح العجماء ذات البيان، فإنه شارطني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في كل موطن من مواطن الحروب و صافقني على أن أحارب للّه و أحامي للّه و أنصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جهدي و طاقتي و كدّي، و أحامي عن حريم الإسلام
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 38.
124
و أرفع عن أطناب الدين و أعزّ الإسلام و أهله، على أن ما فتحت و بيّنت عليه دعوة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قرأت فيه المصاحف و عبد فيه الرحمن و فهم به القرآن، فلي إمامته و حلّه و عقده و إصداره و إيراده، و لفاطمة (عليها السلام) فدك و مما خلّفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النصف.
فسبقاني إلى جميع نهاية الميدان يوم الرهان، و ما شككت في الحق منذ رأيته. هلك قوم أرجفوا عني أنه لم يوجس موسى نفسه خيفة ارتيابا و لا شكا فيما أتاه من عند اللّه، و لم أشكك فيما أتاني من حق اللّه، و لا ارتبت في إمامتي و خلافة ابن عمي و وصية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنما أشفق أخو موسى من غلبة الجهال و دون الضلال و غلبة الباطل على الحق.
و لما أنزل اللّه عز و جل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فنحلها فدك ...
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 558 ح 10، عن العدد القوية.
2. العدد القوية: ص 189 ح 19، عن كتاب الإرشاد.
3. الإرشاد لكيفية الطلب في أئمة العباد للصفار، على ما في العدد القوية.
21
المتن:
عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال:
لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و ابنيها بفدك. فقالوا: يا رسول اللّه! أمرت لهم بفدك؟ فقال: و اللّه ما أنا أمرت لهم بها و لكن اللّه أمر لهم بها، ثم تلا هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (3)
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
125
المصادر:
مناقب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ج 1 ص 159.
22
المتن:
قال أبو المكارم في تفسير: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (1):
أنه سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من هم قربى؟ قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): علي و فاطمة و الحسن و الحسين و أولادهم (عليهم السلام).
المصادر:
تفسير البلابل و القلاقل لأبي المكارم الحسني: ج 1 ص 243.
23
المتن:
في آداب الشافعي في مقدمته، في شأن فدك و أموال بني النضير:
قال علي (عليه السلام): أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها (أي فدك) في حياته لفاطمة (عليها السلام).
المصادر:
آداب الشافعي و مناقبه لأبي حاتم الرازي: ص 146.
____________
(1). سورة الشورى: الآية 23.
126
24
المتن:
قال ابن شهرآشوب:
أن مخيريق أحد بني النضير حبرا عالما، أسلم و قاتل مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصى بماله لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو سبع حوائط و هي: المبيت و الصائفة و الحسنى و برقة و العوّاف و الكلا و مشربة أم إبراهيم؛ و كان له صفايا ثلاثة: مال بني النضير و خيبر و فدك. فأعطى فدك و العوالي فاطمة (عليها السلام)، و روى أنه وقف عليها.
و كان له من الغنيمة: الخمس، و صفى يصطفيه من المغنم ما شاء قبل القسمة، و سهمه مع المسلمين كرجل منهم؛ و كانت له الأنفال، و كان ورث من أبيه أم أيمن فأعتقها، و ورث خمسة أجمال أوراك و قطعة غنم و سيفا ....
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 16 ص 109 ح 14، عن المناقب.
2. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 1 ص 116.
25
المتن:
عن مصباح الأنوار:
روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لك فدك.
و في رواية أخرى عنه أيضا مثله.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
129
الأسانيد:
في دلائل النبوة، قال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، قال أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا ابن لمحمد بن مسلمة، عمن أدرك من أهله، قال: و حدثنيه عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، قال.
28
المتن:
قال القمي في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» (1):
يعني قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنزلت في فاطمة (عليها السلام). فجعل لها فدك و المسكين من ولد فاطمة (عليها السلام) و ابن السبيل من آل محمد (عليهم السلام) و ولد فاطمة (عليها السلام).
المصادر:
1. تفسير القمي: ج 2 ص 18.
2. تفسير الصافي: ج 3 ص 186 ح 26، عن تفسير القمي.
3. بحار الأنوار: ج 93 ص 199 ج 5، عن تفسير القمي.
4. بحار الأنوار: ج 29 ص 113 ح 8، عن تفسير القمي.
5. عوالم العلوم: ج 11 ص 619 ح 21، عن تفسير القمي.
29
المتن:
قال أبو المحسن العاملي:
في الكافي، عن الصادق في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، قال:
و كان علي (عليه السلام) منهم، و كان حقه الوصية التي جعلت له و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
128
و يؤيد هذه الرواية قول علي (عليه السلام) في نهج البلاغة في حديثه عن فدك: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين».
و هو صريح بأن فدك كانت في أيديهم، أي في يد الزهراء (عليها السلام) و في يده التي كانت يدها في التصرف.
و يؤيدها أيضا- كما في شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد- أن أبا بكر بن أبي قحافة في شهادته للزهراء (عليها السلام)، حينما طلبت منه فدك بدعوى أنها نحلة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال لها:
قد أعطيتكها، و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها. فعمله هذا اعتراف منه بأن فدك نحلة للزهراء (عليها السلام).
و للزهراء (عليها السلام) دعاو ثلاث مرتبة حسب تقرير الآتي: دعوى النحلة، دعوى سهم ذوي القربى، دعوى الإرث ....
المصادر:
الزهراء (عليها السلام) للسيد محمد جمال الهاشمي: ص 73.
27
المتن:
قال عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم:
كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق و النطاة و الكتيبة، و كانت الشق و النطاة في سهمين للمسلمين، و كانت الكتيبة خمس اللّه و سهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذوي القربى و اليتامى و المساكين و طعام أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و طعام رجال مشوا في الصلح و مشوا بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل فدك؛ منهم محيصة بن مسعود؛ أعطاه منها ثلاثين وسقا تمرا.
المصادر:
دلائل النبوة: ج 4 ص 236.
127
و عن عطية، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك.
و عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.
و عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت: أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وقفها، فأنزل اللّه: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)؛ فأعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقها. قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: بل اللّه تبارك و تعالى أعطاها.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 93 ص 212 ح 18، عن مصباح الأنوار.
2. مصباح الأنوار، على ما في البحار.
26
المتن:
قال السيد محمد جمال الهاشمي في ذكر فدك:
... و في مسند أحمد في مسأله صلة الرحم، عن أبي سعيد الخدري، لما نزلت آية «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة، لك فدك.
ففدك بموجب هذا النص انتقلت من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الزهراء (عليها السلام)، و لم تزل في يد الزهراء (عليها السلام) حتى انتزعها منها أبو بكر بن أبي قحافة، و لم يتغيّر بعد هذا الانتزاع تاريخ فدك في نظر الزمن؛ فقد حازت بهذه الحادثة أهمية عظيمة في التاريخ و أصبحت تتصل بحادثة السقيفة مباشرة.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الروم: الآية 38.
130
و في رواية:
إن حق فاطمة (عليها السلام) كان فدكا، كما سيأتي في محله في سورة بني إسرائيل.
المصادر:
مقدمة تفسير مرآة الأنوار للعاملي: ص 128.
30
المتن:
عن أبي سعيد، قال:
لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فجعل لها فدك.
المصادر:
1. إحقاق الحق: ج 33 ص 254، عن الجرح و التعديل.
2. الجرح و التعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم: ج 1 ص 257، على ما في الإحقاق.
الأسانيد:
في الجرح و التعديل: سألت أبي و أبا زرعة، عن حديث رواه سعيد بن خثيم، عن فضيل بن مرزون، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
31
المتن:
عن أبي سعيد الخدري، قال:
لما نزلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الآية: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، قال: دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا، فقال: هذا لك و لعقبك من بعدك.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الروم: الآية 38.
132
المصادر:
1. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 79.
2. إحقاق الحق: ج 3 ص 136، عن الدر المنثور.
3. الدر المنثور، على ما في الإحقاق.
4. تاريخ الأحمدي: ص 84، على ما في الإحقاق.
5. إحقاق الحق: ج 25 ص 532، عن تاريخ الأحمدي، بتفاوت فيه و بزيادة.
6. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 336.
33
المتن:
قال الحنظلي:
سألت أبي و أبا زرعة عن حديث رواه سعيد بن خيثم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية عن أبي سعيد، قال: لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فجعل لها فدك.
و قالا: إنما هو عن عطية، قال: «لما نزلت» مرسل، قال: ليس فيه ذكر أبي سعيد. قال زرعه: حدثنا أبو نعيم، عن فضيل، عن عطية فقط، قال: «لما نزلت» ليس فيه ذكر أبي سعيد.
المصادر:
علل الحديث للرازي الحنظلي: ج 2 ص 57 ح 1656.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
133
34
المتن:
عن ابن عباس، قال:
لما أنزل اللّه: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدكا و ذلك لصلة القرابة، و «الْمِسْكِينَ» الطوّاف الذي يسألك. يقول: أطعمه، و «وَ ابْنَ السَّبِيلِ» و هو الضيف، حثّ على ضيافته ثلاثة أيام، و إنك يا محمد إذا فعلت هذا فافعله لوجه اللّه.
«وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (2)، يعني أنت و من فعل هذا من الناجين في الآخرة من النار الفائزين بالجنة.
المصادر:
1. شواهد التنزيل: ج 1 ص 570 ح 608.
2. شرح الأخبار: ج 3 ص 27 ح 963، شطرا من صدر الحديث.
3. إحقاق الحق: ج 14 ص 618، عن شواهد التنزيل.
الأسانيد:
1. في شواهد التنزيل: أخبرنا عقيل بن الحسين، قال: أخبرنا علي بن الحسين، قال:
حدثنا محمد بن عبيد اللّه، قال: حدثنا أبو مروان عبد الملك بن مروان قاضي مدينة الرسول بها سنة سبع و أربعين و ثلاثمائة، قال: حدثنا عبد اللّه بن منيع، قال: حدثنا آدم، قال حدثنا سفيان، عن واصل الأحدب، عن عطاء، عن ابن عباس، قال.
2. في شرح الأخبار: و بآخر، عن أبي سعيد الخدري.
35
المتن:
عن عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 38.
(2). سورة الإسراء: الآية 38.
131
المصادر:
1. تفسير فرات: ص 119.
2. المجالس المرضية في أيام الفاطمية: ص 75، بنقيصة فيه.
3. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 79، عن شرح النهج.
4. شرح نهج البلاغة، على ما في القبسات من طرق مختلفة.
5. مسند أبي يعلي الموصلي: ج 2 ص 334، بنقيصة فيه، على ما في الإحقاق.
6. مسند أبي يعلي الموصلي: ج 2 ص 534، بنقيصة فيه، على ما في الإحقاق.
7. ينابيع المودة: ص 119، بنقيصة فيه، على ما في الإحقاق.
8. إحقاق الحق: ج 33 ص 253، عن الكتب المذكورة.
9. بحار الأنوار: ج 29 ص 121، عن تفسير فرات.
10. عوالم العلوم: ج 11 ص 613 ح 6، عن تفسير فرات.
الأسانيد:
1. في تفسير فرات، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعنا، عن أبي سعيد الخدري، قال.
2. في مسند أبي يعلي: قرأت على الحسين بن يزيد الطحان هذا الحديث، فقال: هو ما قرأت على سعيد بن خثيم، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد.
32
المتن:
عن أبي سعيد الخدري، قال:
لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
رواه الحاكم في تاريخه عن تفسير الدر المنثور، و أخرج البزاز و أبو يعلي و ابن أبي حاتم و ابن مردويه.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
134
لما أنزل اللّه: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ» (1)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا جبرئيل، قد عرفت المسكين، فمن ذوي القربى؟ قال: هم أقاربك. فدعى حسنا و حسينا و فاطمة (عليهم السلام)، فقال: إن ربي أمرني أن أعطيكم مما أفاء عليّ؛ قال: أعطيتكم فدك.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 46.
2. تفسير البرهان: ج 2 ص 415.
3. تفسير الصافي: ج 3 ص 187.
4. بحار الأنوار: ج 29 ص 119 ح 13، عن تفسير العياشي.
5. عوالم العلوم: ج 11 ص 617 ح 18، عن تفسير العياشي.
6. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 156 ح 162.
36
المتن:
عن أبي سعيد و غيره في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2):
أنه لما نزلت هذه الآية على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا و سلّمه إليها.
المصادر:
1. منهج الصادقين: ج 7 ص 208.
2. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) للسيد أحمد شكر الحسيني: ص 79.
3. مجمع البيان، على ما في نور الثقلين.
4. نور الثقلين: ج 4 ص 189 ح 72، عن مجمع البيان.
5. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 336.
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
135
37
المتن:
عن أبي سعيد، قال:
لما نزلت «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة، لك فدك.
المصادر:
1. كنز العمال: ج 3 ص 767 ح 8696.
2. جامع الأحاديث للسيوطي: ج 12 ص 129 ح 282.
3. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 79.
4. حياة الصحابة: ج 2 ص 519، على ما في الإحقاق.
5. إحقاق الحق: ج 9 ص 119، عن حياة الصحابة.
6. جامع الأحاديث للمدينان: ج 5 ص 340.
7. عوالم العلوم: ج 11 ص 612 ح 1، بتفاوت يسير.
8. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 336.
38
المتن:
عن عطية العوفي، قال:
لما افتتح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر و أفاء اللّه عليه فدك و أنزل عليه: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، قال: يا فاطمة، لك فدك.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 50.
2. تفسير البرهان: ج 2 ص 415.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 135.
(2). سورة الاسراء: الآية 135.
136
3. بحار الأنوار: ج 29 ص 121 ح 17، عن تفسير العياشي.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 612 ح 3، عن تفسير العياشي.
39
المتن:
عن أبي سعيد الخدري، قال:
لما نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ،» (1) دعا فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا و العوالي و قال: هذا قسم قسّمه اللّه لك و لعقبك.
المصادر:
1. شواهد التنزيل: ج 1 ص 441 ج 472.
2. إحقاق الحق: ج 14 ص 577، عن شواهد التنزيل.
الأسانيد:
في شواهد التنزيل: أخبرنا أبو سعد السعدي بقراءتي عليه في الجامع من أصل سماعة، قال: أخبرنا أبو الفضل الطوسي، قال: أخبرنا أبو بكر العامري، قال: أخبرنا هارون بن عيسى، قال: أخبرنا بكار بن محمد بن شعبة، قال: حدثني أبي، قال: حدثني بكر بن الأعنق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد.
40
المتن:
قال الطبرسي:
أخبرنا السيد مهدي بن نزار الحسيني- بإسناد ذكره-، عن أبي سعيد الخدري، قال:
لما نزلت قوله: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.
____________
(1). سورة الاسراء: الآية 135.
(2). سورة الاسراء: الآية 135.
137
المصادر:
1. مجمع البيان: ج 3 ص 411.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 107 ح 1، عن مجمع البيان.
41
المتن:
قال المحقق الأردبيلي في آيات الزكاة و إعطائها المستحق:
... الآية الثالثة: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» (1)- و قال بعد كلام له-:
و قيل: معناها فأعط يا محمد حقوق ذوي قرابتك التي جعلها لهم من الأخماس. عن مجاهد و السدي.
و روى أبو سعيد و غيره:
أنها لما نزلت هذه الآية على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا و رسمه إليها و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام).
المصادر:
1. زبدة البيان في أحكام القرآن: ج 1 ص 254.
2. تفسير القمي: ج 2 ص 155، بزيادة و نقيصة.
3. القطرة: ص 223، عن تفسير القمي.
42
المتن:
قال المظفري في إرث فاطمة الزهراء (عليها السلام) و غصبها و نحلتها:
... قال اللّه تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، نزلت هذا الآية في فاطمة الزهراء (عليها السلام).
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
138
فأعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) عامة الأملاك التي يملكها، و هي فدك و حوائط مخيريق اليهودي، و هي سبع حوائط و أراضي اليهود التي أجلاهم عنها، و هي التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب؛ و هي جميع أراضي بني النضير و بني قينقاع و وادي القرى و سهامه من خمس خيبر و قريظة. فسلّم ذلك كله لفاطمة (عليها السلام)، فوضعت يدها عليها و وكّلت و كلاها.
و قد زعمت أهل السنة و الجماعة أن الآية عامة لا خاصة، أي أنها شاملة لسائر أقرباء المخاطبين في سائر أزمنة التكليف، و هذه الدعوى لا يضرّنا تسليمها لدخول الخاص في ضمن العام؛ فيكون خطاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لعامة المؤمنين و صدقه على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أولى لأن الخطاب بلفظ المفرد.
و لا يمكن دعوى التعميم إلا بإلغاء الخصوصية بأن يقال خصوص المورد لا يقتضي التخصيص. فدخول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ايصال الحق إلى قرابته متيقّن على كلا القولين، و لا يناقش في هذا إلا عصبيّ مبطل أو جاهل صرف لقواعد اللغة و معاني البيان و عاجز عن فهم مراد الوحي المعجز، و الآية مبيّنة لا إجمال فيها و لا احتمال.
فدلّت بنصها الصريح على وجوب تسليم حق فاطمة (عليها السلام) التي من جملتها الإخبار بالمغيّبات، لأن البارئ سبحانه علم ما سيصير إليه أمر فاطمة (عليها السلام) بعد أبيها و ما يجري في ذلك من الاستخفاف بها و بقواعد الدين و أصول الشريعة و مجانبة أحكامه المؤسسة لذلك، بادر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أسرع في تسليمها تلك الأراضي الواسعة و أمرها بالتصرف فيها في حياته.
فبثّت عمّالها و بعثت وكلاءها إليها حتى إذا مات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أسرع الغاصبون في رفع أيدي أولئك الوكلاء و العمال، و زعموا أنهم وكلاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عماله ليسهل عليهم دحض حجة الماسك باليد و المتشبّث بحق التصرف؛ و هذه فكرة ليست وليدة ليلتها و لا امتخضت فيها أم الدواهي الغاصمة بطلقة فجائية، بل هي حمل حقد مرّت عليه سنون و أعوام فضل يربو في بطون الحاملين له، و إنما سلبوها وثاقة التصرف ليجوّزوا
140
الحمقاء بقبولها ظانّين من غلط الاجتهاد و خطأ الاستنباط إن الأنبياء أهل آخرة و أهل دين لا أهل دنيا، فصانهم اللّه تعالى عنها لذلك؛ فهم وكلاء على ما في أيديهم، يصرفونها على المستحقّين أحيانا و يدفعونه إلى المتسلّطين بعدهم أمواتا.
و غفلوا لجهلهم بمدرك الحكم و علل التشريع إن المال أكبر عون على الدين، و هل تقام مراسم الشرع و معالم الملة إلا بالمال و هل نصر الإسلام الآيه؟ و ما أكثر الآيات القرآنية الناصّة على مدحه و الحثّ على إنفاقه، لا يستوي من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة؛ «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ». (1)
و لم تزل الأحاديث تترى بمثل ذلك على أن إعانة الأرحام من أعظم القرب و أفضل الطاعات بالأدلة الأربعة، القرآن و السنة و العقل و الإجماع.
و لا شك إن إعانة فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام)- بضعته و مهجته- و إعانة علي أمير المؤمنين و سيد المسلمين (عليه السلام)- نفسه و أخوه- و إعانة الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة (عليه السلام)- ريحانتاه و نفسه و هم أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس- من أعظم المقرّبات إلى اللّه و أفضل الطاعات عنده و أنها لأعظم و أفضل عنده بما لا يحدّ من إعانة أبي العادية الفزاري الأعرابي البوّال على عقبيه المنافق الذي أطلق عليه رسم الإسلام، و هو من أهل النار بنص النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله: «قاتل عمار و سالبه في النار» ....
فهل يسوغ في حكم العقل و الشرع المنزّه عن الغلط أن يحرم مساعدة الأطياب المشهود لهم بالجنة و يمنع برّ المطهرين الذين أذهب عنهم الرجس و يمنح المنافقين و يعين أهل النار، حصب جهنم و حشو الهاوية؟ إن هذا نزغة من نزغات الشيطان؛ شياطين الإنس و الجن؛ «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ». (2)
____________
(1). سورة البقرة: الآية 261.
(2). سورة الأنعام: الآية 112.
141
... و لو تأمل العاقل و حكم عقله الصحيح و فكره الصافي لعرف إن عذر اللاحق لا يدفع المعرّة و الهجنة عن السابق، إذ لو كان ذلك الاعتذار صحيحا لاحتجّ به.
و نحن نضرب صفحا عن جميع تلك المناقضات المطوّلة و نلخّص الأمر فيما استنبطناه لأن المسألة اجتهادية فيما يزعمون و الاجتهاد لا ينسدّ بابه إلى يوم النشور، فنقول: إن فاطمة (عليها السلام) لم تختلف في دعواها و لم تتناقض أقوالها، حتى كانت تزعم أنها تدّعي النحلة طورا و الإرث أخرى و هذه مناقضة؛ كلا و حاشا فاطمة (عليها السلام).
أجل، وافقه من أن تأتي بهذا التخليط الذي لا يرتضيه لنفسه من له لبّ و عقل، بل هي (عليها السلام) تخبرهم أنها ذات الملك و السلطنة الفعلية و لها اليد المحترمة بكل معنى و على كلا الأمرين.
أما النحلة فلنصرفها فيها فعلا، و أما الارث فلأن يد الوارث يد المورث، فلا ترفع إليه إلا بحجة قاطعة أو مانع معلوم؛ أما الحجة القاطعة لسبب التوارث فلكونه منتقلا عن الموروث بناقل عقلائي معتبر كالبيع و الهبة و غيرهما، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يهب و لم يبع و لم يوقف.
و دعواهم- إن صحّت- إنه إخبار و الإخبار لا يكون وقفا لأن الوقف إنشاء و الإنشاء لا يقع في الماضي إجماعا، و أما المانع فبأن يكون الوارث قاتلا للموروث أو رقّا له أو بينهما اختلاف في الدين، و كل هذه منتفية بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام). و أشارت إلى الأول بقولها (عليها السلام): ما لك ترث أباك و لا أرث أبي! و إلى الثاني بقولها: أم إنا أهل ملتين لا يتوارثان! فهذه دعوى فاطمة (عليها السلام) و إنها غير متناقضة، بل هي على منهاج واحد و إنها تقول: إن ملك أبي لي بالنحلة و الميراث و إن يدي يده. و من هنا منع الفقهاء- باتفاق منهم- تصرّف المريض بما زاد على الثلث، و قد روت أنصار مذهب أبي بكر في صحاحها كالبخاري قصة سعد بن أبي وقاص و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ليس لك من مالك إلا الثلث، و الثلث كثير؛ ففاطمة (عليها السلام) قائمة مقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يدها يده، فالبينة على أبي بكر لا عليها.
139
بها قنطرة التوثّق الخالص و التصرف المحض ليحوزها إلى ضيق الادعاء، ثم اضطرّوها إلى دعوى الميراث.
و هذه حرفة فنّية انتحبها النفاق الناجم بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، بعد اكتنانه أعواما ليتسنّى لهم في ذلك دعوى الأباطيل التي افتروها و الاضاليل التي اخترعوها؛ فكانت النتيجة ما أو عزنا له و أشرنا إليه إذ قالوا ما لم يقل: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.
هذه أول كلمة محقت بها الشريعة و زلزلت قواعد أحكامها المحكمة، و لعل الأكثر من الناس لا يفهم الفرق بين التسليم بالنحلة و بين التسليم بالميراث. إن الأول لا سبيل إلى جحوده بعد التسليم إذ يشترك عامة الطبقات في إدراك أن المتصرّف سلطان حاكم لا يعزل إلا بما هو مسلّم قطعي بخلاف الثاني، لأن أهل الحجاز مهما كانوا و مهما بلغوا من المنزلة العلمية و الفقاهة، فإنهم لجمود أدمغتهم تروج عليهم الخرافات.
و شاهد ذلك إن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أحد العبادلة الأربعة الفقهاء! و من بلغ للدرجة الراقية في الفقه قد ضلّ و غمر نفسه في لهوات الفتن و عرضها المهالك، حيث حارب أمير المؤمنين (عليه السلام) بصفين ناصرا للقاسطين عليه محتجّا بأن أباه عزم عليه بذلك؛ و قد قال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أطع أباك و لم يدري الجاهل أن قوله: أطع أباك، خاص فيما أمره به من الإرفاق بنفسه في تخفيف العبادة من الصلاة و الصيام؛ فظنّ الجاهل- مع فقهه العظيم عند السنة- إن انتهاك المحرمات من طاعة الوالدين؛ و قد أخطأ الاحمق طريق الفقاهة لأن اللّه تعالى يقول: «وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي شيئا فَلا تُطِعْهُما» (1)، و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق و لا يطاع اللّه من حيث يعصي، و أمثاله مما رواه هو بنفسه؛ فإذا كان مثل هذا من أعظم فقهاء أهل الحجاز.
و قد راجت عليه دعوى أطع أباك، فكيف لا يروج على غيره دعوى «إنا معاشر الأنبياء لا نورّث»؟ لذاك فكروا- و هم دهاة العرب- في رواج هذه الدعوى على أمثال هؤلاء المغفّلون؛ فادّعوها فتمّت و تهوّس أولئك المغفّلون الأغبياء و المتفقّهون
____________
(1). سورة العنكبوت: الآية 8.
142
ثم إن الحاكم المتولّي لأمور المسلمين لا بد له من إثبات دعوى ببينة يقيمها عند القاضي؛ و هذا أصل من أصول السنة، اتفقت عليه فقهاؤهم و احتجّوا بقصة أمير المؤمنين (عليه السلام) لما وجد درعه عند اليهودي و كانت لبيت مال المسلمين. فرافع اليهودي إلى شريح القاضي فطلب من أمير المؤمنين (عليه السلام) البينة. فشهد له الحسن (عليه السلام) و قنبر مولاه؛ ... القصة المعروفة التي رواها أهل السنن و احتج بها الفقهاء.
فإذا كان لا يقبل من علي (عليه السلام)- و هو إمام و ولي المسلمين- إلا ببينة، فكيف يقبل من أبي بكر دعواه لا نورّث؟ و لا فرق بين الدعويين؛ فدك في يد فاطمة (عليها السلام) و انتزعها أبو بكر و الدرع لم ينتزعها علي (عليه السلام) من يد اليهودي لئلا ينسب إلى الحيف و الجور؛ فالبينة على من ادّعى فيهما معا، فالقصتان سواء.
و لدينا أمور توجب تصديق فاطمة (عليها السلام) و أمور تبطل دعوى الخصم:
أما الأولى: فالأول قوله تعالى: «وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (1)، نص جماعة من المفسرين أهل البيت (عليهم السلام) و الصادق لا يكون كاذبا.
الثاني: قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» (2)، و من أذهب اللّه عنه الرجس لا يدّعي الباطل، لأن أكل المال الذي ليس له حرام و الحرام رجس، و الدعوى عليه كذب و الكذب رجس.
الثالث: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): ابنتي فاطمة (عليها السلام) صديقة.
الرابع: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): بضعة مني.
الخامس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): سيدة نساء أهل الجنة.
السادس: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): طاهرة و مطهرة.
____________
(1). سورة التوبة: الآية 119.
(2). سورة الأحزاب: الآية 33.
143
السابع: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أعاذها اللّه و ذريتها من الشيطان الرجيم، و من أعاذها اللّه من الشيطان لا تدّعي الباطل، لأنه من الشيطان.
الثامن: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه يرضى لرضاها و يغضب لغضبها، و محال أن يرضى لمن ادعى باطلا.
و أما بطلان دعوى الرجل فأمور:
أحدها: طلبه منها الشهود؛ فشهد لها علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن. فأبطل شهادتهم و قبول شهادتهم واجب، و لهذا عزل علي (عليه السلام) شريحا في القصة المشار إليها عن القضاء لأمرين: ردّه شهادة الحسن (عليه السلام) مع شهادة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأنه من أهل الجنة، و الثاني ردّه شهادة المولى و هو رجل من المسلمين؛ تقبل عهوده و أمانه و تمضي أحكامه في المسلمين له و عليهم.
ثانيهما: إن رواية حديث «ما تركناه صدقة»، محتمل نصب «صدقة» و رفعها، و على احتمال النصب تسقط حجة أبي بكر و على الرفع تحتمل الإخبار و تحتمل الإنشاء؛ فأصبح حديثهم- لو صحّ- مجملا و المجمل لا يجوز أن ينسخ به المبيّن، بل هو ساقط عن الحجية رأسا.
الثالث: النسخ بخبر الواحد لا يجوز عند أكثر أهل الإسلام و المنع مطلقا مذهب الحنفية جميعا.
الرابع: توريث عائشة حجرتها حتى لزم أبا بكر و عمر أن يستأذناها لدفنهما فيها، و لو كان الحديث صحيحا ما ورثت و لا جاز استئذانهما، بل كان الواجب عليهما أن يستأذنا جميع المسلمين. و لا يخلو دفنهما في حجرة عائشة- مع الاقتصار على إذنهما- عن أمرين: إما أن يكونا علما أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يرث و يورث فقد غصبا فاطمة (عليها السلام) حقها، و إن علما أنه لا يورث فاستئذان عائشة دون أهل الإسلام جور و ظلم، و دفنهما غصب و هو حرام قطعا.
144
الخامس: تملك نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لحجرهنّ و شراء عمر و عثمان منهم الحجر و إدخالها في المسجد إدخال المغصوب في بيت اللّه مسجد الإسلام و أول من أسّس على التقوى يكون مؤسّسا على الغصب، و الصلاة في هذه الزيادة لا تجوز لأنها لا تخلو إما أن تكون ملكا موروثا، فلفاطمة (عليها السلام) فيه حق مشاع و أخذه بغير إذنها غصب؛ و على التقديرين لا محيص عن الغصب و بطلان الصلاة في المغصوب إجماعية.
السادس: تنازع العباس و أمير المؤمنين (عليه السلام)- فيما زعموا و رواه بخاريهم في صحيحه- و ترافعهما إلى عمر في ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ هذا يدّعي إرث ابن أخيه و هذا يدّعي ميراث زوجته. و لو كان الحديث صحيحا و الإجماع منعقد عليه، فما هذا التنازع؟ أ ليس علي (عليه السلام) و العباس من العقلاء و عدول الصحابة و ثقاتهم؟!
السابع: تطلب أبو بكر و عمر رضا فاطمة (عليها السلام)، فأبت أن ترضي عنهما حتى جزع أبو بكر و بكى و تجلّد عمر، و لو كان الحديث صحيحا فما معنى الاسترضاء؟ لأن من أخذ منه الحق لا يسترضي، إنما يسترضى المظلوم المغصوب.
الثامن: تصرف الخلفاء فيها على شتى المناقضات؛ فعمر يحكم العباس و عليا (عليه السلام) فيها و عثمان يجعلها طعمة لمروان! و لو كانت وقفا للمسلمين ما جاز هذا.
التاسع: إن عمر بن عبد العزيز- و هو من الراشدين عندهم و إنه عمل بسيرة عمر بن الخطاب- قد ردّ فدكا على ولد فاطمة (عليها السلام)، و كانت أحب أملاكه إليه، و تلاه المأمون بذلك.
انتهى كلامه أي النوائب اتّقى بتجلّد.
المصادر:
الأمالي المنتخبة في العترة المنتجبة (عليهم السلام): ص 38.
145
43
المتن:
عن أبي سعيد، قال:
لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
المصادر:
1. شواهد التنزيل: ج 1 ص 438 ح 467.
2. إحقاق الحق: ج 13 ص 575، عن شواهد التنزيل.
3. حقوق آل البيت (عليهم السلام): ص 175.
4. تفسير جلاء الأذهان و جلاء الأحزان: ج 7 ص 251.
5. مسند أبي يعلي الموصلي: ج 2 ص 334 ح 1075، بتغيير فيه، أورد صدره.
6. مسند أبي يعلي الموصلي: ج 2 ص 534 ح 1409، بتغيير فيه، أورد صدره.
7. التفسير المنير: ج 15 ص 51، بتفاوت فيه.
8. تفسير مجمع البيان: ج 2 ص 633. (2)
9. تفسير القرآن العظيم لا بن كثير: ج 3 ص 36.
10. جوامع الجامع في تفسير القرآن الكريم للطبري: ج 1 ص 254.
11. تفسير العاملي: ج 5 ص 430.
12. ميزان الاعتدال: ج 3 ص 135 ح 5872.
13. تفسير الصافي: ج 3 ص 187 ح 26.
14. تأويل الآيات: ج 1 ص 435 ح 5، بتفاوت يسير.
15. بحار الأنوار: ج 29 ص 111 ح 4، عن تأويل الآيات.
16. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 155 ح 161.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). في مجمع البيان: قال عبد الرحمن الصالح: كتب المأمون إلى عبد اللّه بن موسى يسأله عن قصة فدك، فكتب إليه عبد اللّه بهذا الحديث؛ رواه الفضيل بن مرزوق عن عطية. فردّ المأمون فدكا إلى ولد فاطمة (عليها السلام)؛ أورده في تفسير الوجيز و تفسير العاملي.
146
الأسانيد:
1. في شواهد التنزيل: حدثنا الحاكم الوالد أبو محمد، قال: حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ببغداد شفاها، قال: أخبرني عمر بن الحسن بن علي بن مالك، قال: حدثنا جعفر بن محمد الأحمسي، قال: حدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا أبو معمر سعيد بن خثيم عن علي بن القاسم الكندي و يحيى بن يعلي و علي بن مسهر، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
2. في مسند أبي يعلي: قرأت على الحسين بن يزيد الطحان هذا الحديث فقال: هو ما قرأت على سعيد بن خثيم عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
3. في مجمع البيان: أخبرنا السيد أبو المحمد مهدي بن نزاز الحسيني قراءة، قال: حدثنا أبو القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه الحسكاني، قال: حدثنا الحاكم الواحد أبو محمد، قال: حدثنا عبد اللّه بن عمر بن أحمد بن عثمان ببغداد شفاها، قال: أخبرني عمر بن الحسن بن علي بن مالك، قال: حدثنا جعفر بن محمد الأحمسي، قال: حدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا أبو عمر سعيد بن خثيم و علي بن القاسم الكندي و يحيى بن يعلي و علي بن مسهر، عن فضل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد. (1)
4. في ميزان الاعتدال: القاسم بن زكريا، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا علي بن عابس، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، قال.
44
المتن:
قال السيد شكر الحسني:
قال أحد علمائنا: كانت فدك للسيدة فاطمة (عليها السلام) من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنها كانت ذات اليد أي كانت متصرّفة في فدك، فلا يجوز انتزاع فدك من يدها إلا بالدليل و البينة، كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر»؛ و ما كان على السيدة فاطمة (عليها السلام) أن تقيم البينة لأنها ذات يد.
____________
(1). في تأويل الآيات: محمد بن العباس، عن علي بن العباس المقانعي، عن أبي كرب، عن معاوية بن هشام، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال.
147
الوجه الثاني: أنها كانت تملك فدك بالنحلة و العطية و الهبة من أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
الوجه الثالث: أنها كانت تستحق فدك بالإرث من أبيها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و لكن القوم خالفوا هذه الوجوه الثلاثة؛ فقد طالبوها بالبينة و طالبوها بالشهود على النحلة و أنكروا وراثة الأنبياء، و بإمكان السيدة فاطمة (عليها السلام) أن تطالب بحقها بكل وجه من هذه الوجوه؛ و لهذا طالبت عن طريق النحلة أولا، ثم طالبت بها عن طريق الإرث ثانيا، كما صرّح بذلك الحلبي في سيرته ...
المصادر:
قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 80.
45
المتن:
قال أبو المكارم الحسني في تفسير: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1):
إن الواو للعطف و بالضرورة يلزم أن يقرّ الخصم بأن هذا الخطاب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تشترك الأمة معه في هذا الحكم، كما في: «وَ قَضى رَبُّكَ ...». (2)
قال السدي: أن ذا القربى، الذين نسبه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال علي بن الحسين (عليه السلام)- سألوا عن ذي القربى- قال: هم فاطمة و أولادها (عليهم السلام)، فإنه لما نزلت هذه الآية، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي، و نوّابها في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا فيها و يتصرّفونها، و لما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منع أبو بكر عنهم؛ و هذا معروف و مشهور.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
148
المصادر:
تفسير شريف البلابل و القلاقل: ج 2 ص 225.
46
المتن:
قال الشيخ محمد جواد مغنية في ذكر فدك:
... و هي قرية في الحجاز، كانت لجماعة من اليهود. فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليها أو على نصفها حسب اختلاف الروايات؛ فملكها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بنص الآية الأولى من سورة الأنفال، ثم وهبها لا بنته سيدة النساء (عليها السلام) و تصرّف بها في حياته.
و لما انتقل إلى الرفيق الأعلى، أخذها أبو بكر و قال: هي للمسلمين. فأغضى الإمام و تجاهل و لم يثرها حربا، عملا بمبدئه الذي أعلنه في الخطبة 72: و اللّه لأسلّمنّ ما سلّمت أمور المسلمين و لم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة.
و عليه يكون المراد ب «شحّت نفوس» نفس أبي بكر و من وافقه و آزره على عمله، و المراد ب «سخت عنها نفوس» نفس الإمام و فاطمة (عليهما السلام) ....
المصادر:
في ظلال نهج البلاغة: ج 4 ص 16.
47
المتن:
قال الشيخ جواد مغنية في شرح الخطبة 200 عند نقل قول علي (عليه السلام) في دفن فاطمة (عليها السلام) «و ستنبّئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها»:
149
يشير بهذا إلى قصة فدك؛ و لفدك في التاريخ الإسلامي أدوار و أخبار، و تتلخّص بأن فدكا قرية في الحجاز و كانت ملكا لليهود، فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليها. و لما انتقلت إليه، و هبها لا بنته فاطمة (عليها السلام) ...
المصادر:
في ظلال نهج البلاغة: ج 3 ص 220 ح 200.
48
المتن:
قال الميرزا محمد علي القراجهداغي الأنصاري في إعطاء فدك لفاطمة (عليها السلام):
و في العيون، عن الرضا (عليه السلام) في فضل العترة الطاهرة (عليهم السلام)، قال:
الآية الخامسة: قال تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، خصوصية خصّهم العزيز الجبار بها و اصطفاهم على الأمة. فلما نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ادعوا لي فاطمة (عليها السلام)، فدعيت له فقال: يا فاطمة. قالت: لبيك يا رسول اللّه. فقال: فدك هي مما لم يوجف عليه خيل و لا ركاب و هي لي خاصة دون المسلمين، و قد جعلتها لك لما أمرني اللّه به؛ فخذيها لك و لولدك ...
و لذا فسّر كثير من المفسرين- كالطبرسي و غيره- الآية بذلك و قالوا: إن المراد من ذوي القربى قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و في تفسير علي بن إبراهيم:
إن الآية نزلت في فاطمة (عليها السلام)، فإنها قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجعل لها فدك و للمساكين من ولد فاطمة (عليها السلام) و ابن السبيل منهم.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
150
و في الرواية عن الصادق (عليه السلام):
أنه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد نزول الآية: يا جبرئيل! عرفت المسكين فمن ذو القربى؟
قال: هم أقاربك. فدعا حسنا و حسينا و فاطمة (عليهم السلام) فقال: إن ربي أمرني أن أعطيكم ما أفاء عليّ؛ قال: أعطيتكم فدكا.
و في رواية أخرى قال أبان بن تغلب: فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ فغضب الباقر (عليه السلام) ثم قال: اللّه أعطاها.
و في خبر آخر:
فأعطاها فدكا؛ كلما لم يوجف عليه أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بخيل و لا ركاب فهو لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يضعه حيث يشاء، و فدك مما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.
و ورد في رواية أخرى في قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ»: (1).
و ذاك حين جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سهم ذي القربى لقرابته و أعطى فدكا لفاطمة (عليها السلام) و لولدها. فكانوا على ذلك على عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حتى توفّي. ثم حجبوها عن قرابته، إلى غير ذلك مما يتعلق بالمسألة.
و حاصل المقال على ما ظهر بنحو الإجمال، إن فدكا كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة دون سائر المسلمين كافة؛ فإما أن تكون نحلة و عطية لفاطمة (عليها السلام) أعطاها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لها في حياته، و كانت في يدها يتصرّف فيها عاملها و وكيلها كما دلّ عليه الأخبار و أفصح عنه الآثار، أو تكون إرثا لفاطمة (عليها السلام) حيث لم يكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وارث غيرها، و على أيّ تقدير كانت مختصّة بها.
و سيأتي بعد شرح الخطبة إن شاء اللّه تعالى ما يدل على تفصيل المسألة من أخبار العامة و الخاصة و الاستدلالات و الاحتجاجات الواردة من الفريقين و النقوض و الإبرامات الصادرة من الطرفين، بحيث لا يبقى شبهة عند أحد من أهل الدراية و أرباب الرواية أنها (عليها السلام) كانت محقّة في دعوى فدك، إما إرثا أو نحلة أو عطية، و إن الخلفاء
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
151
غصبوها كما غصبوا الخلافة لأغراض دنيوية دعتهم إلى ذلك؛ فأغشت أبصارهم و أعمت أنظارهم، بل جعلوا غصبها مقدمة لاستحكام غصبها، و كانت هي مظلومة في ذلك، مغصوبة في حقها كبعلها و زوجها.
المصادر:
اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 303.
153
الفصل الثالث غصب فدك من فاطمة (عليها السلام)
155
في هذا الفصل
«بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه، و ما أصنع بفدك و غير فدك».
ما يصنع أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السلام) بفدك و بكل ما تحت الخضراء و وجه الغبراء؟
أ ما قال (عليه السلام) للدنيا و زخارفها: «يا صفراء و يا بيضاء! غرّي غيري»؟
أ ما صرفت الزهراء (عليها السلام) حاصلات فدك للمساكين و الفقراء و قد كانت فاقدة قوت يومه، و قالت: و ما عند اللّه خير و أبقى.
فمطالبة الزهراء (عليها السلام) من أبي بكر و رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر و احتجاجه عليه فيها ليست للنيل بحاصلات فدك و زخارف الدنيا، بل هو أمور ظاهرية لأخذ الحق و الدفاع عنه، و كان وراءه حقائق هامة و أهداف فوق تصورنا و معطيات ثمينة لعلي و الزهراء (عليهما السلام) و للإسلام و لمحبيهم و شيعتهم، و إن لم يردها أبو بكر في الظاهر و رجعت السيدة (عليها السلام) متألّمة راغمة في أيام قلائل و بقيت لأبي بكر و أصحاب السقيفة خزايته و ذلته
156
و حسرته إلى آخر الدهر، و عذاب يوم القيامة أخزى و أشد في أسفل الجحيم في تابوت المعدّة له.
نعم، مطالبة فدك غير مطالبة ملك و أرض و حديقة و بستان و دار و دكان آخر! مطالبة فدك على مستوى مطالبة الحكومة الإسلامية المختصّة للمعصومين (عليهم السلام). مطالبة فدك مطالبة كل وجه الأرض التي يرثها عباد اللّه الصالحين. مطالبة أرض فدك مطالبة شبر من الأرض التي كان كلها صداقا لسيدتنا فاطمة (عليها السلام).
مطالبة فدك مطالبة بداية شرق العالم و غربها و شمالها و جنوبها إلى نهايتها؛ و من هناك إلى هناك التي يجرى حكم اللّه و حكم الإسلام و حكم خليفة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و ولاية الزهراء (عليها السلام)، و كلما كان له خليفة اللّه مفروض الطاعة كانت فاطمة (عليها السلام) مفروضة طاعتها؛ فإنها مفروضة الطاعة على جميع من خلق اللّه من الجن و الإنس و الطير و الوحش و الأنبياء و الملائكة ...
مطالبة فدك مطالبة لخلافة أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، مطالبة خلافة الغدير، مطالبة الخلافة من عند اللّه، مطالبة الخلافة على المسلمين و المؤمنين التي عيّنت في القرآن و كلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أنها لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و اختلسها ابن أبي قحافة و هو يعلم أن محلّ علي (عليه السلام) منها محل القطب من الرحا.
و بعد كل هذا، مطالبة فدك التي أعطاها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و بعد العطيّة و النحلة التي هي وارثه و في يدها ثلاث سنين، و مع هذا غمّض أبو بكر عينيه و أخذها فذلك بمثابة الإدبار على الدين و الديانة و الشرف و الفضيلة.
و ما أدري لأيّ شرع و أيّ شارع و أيّ قانون و أي دين؟!
و ما أدري هل هذا دين جديد أو قانون جديد أو قانون دين جديد؟! قنّنها عتيق، عبد اللّه بن عثمان، أبو بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب؛ و ليس من العجب، فإن من اختلس الخلافة يختلس القانون و الدين و كل شيء يمكنه!
158
يأتي في هذا الفصل العناوين التالية في 154 حديثا:
تحريض عمر أبا بكر على منع الخمس و الفيء عن علي و أهل بيته (عليهم السلام)، إرسال علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و مطالبته فدكا و الخمس و الفيء و مطالبة أبي بكر منها البينة، جواب فاطمة (عليها السلام) لها: أما فدك ففيه نزول: «و آت ذا القربى حقه» و نحلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كذلك آية الخمس في الخمس، كلام عمر لفاطمة (عليها السلام): إن الخمس و الفيء كله لكم و لمواليكم و أشياعكم.
مطالبة عمر البينة لفدك، إحضار فاطمة (عليها السلام) لبيّنتها عليا و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس و ردّ عمر شهادة الجميع.
سؤال أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا بكر عن منعه فاطمة (عليها السلام) فدكا و إخراج وكيلها، مطالبة أبي بكر البينة، احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) باليد و بآية التطهير، سكوت أبي بكر و بكاء الناس و رجوع أبي بكر إلى منزله، أمر أبي بكر خالدا بقتل علي (عليه السلام) في الصلاة.
رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر بعد منع الزهراء (عليها السلام) فدك.
رعب أبي بكر رعبا شديدا بعد قراءة الكتاب و تمسّكه إلى حديث مجعول إن الأنبياء لا يورّثون و وجوب ضمّ فدك إلى مال الفيء و صرفه في الكراع و السلاح و أبواب الجهاد و مصالح الثغور، مكالمة أبي بكر مع عمر طويلا في الحيلة لدفع علي (عليه السلام).
مجيء علي (عليه السلام) و العباس إلى أبي بكر مطالبان ميراثهما من فدك و سهمهما من خيبر، جواب أبي بكر لهما بإنا معاشر الأنبياء لا نورّث ...، هجران فاطمة (عليها السلام) أبا بكر إلى وفاتها و منعها حضور أبي بكر في تشييعها و الصلاة عليها.
تأويل «معتد أثيم» بالأول و الثاني، و في «المنّاع» ما يدل على تأويل «معتد مريب» بالثاني لاعتدائه على فاطمة (عليها السلام) لتمزيقه كتاب فدك.
157
و مع أن فاطمة (عليها السلام) صاحبة فدك باليد و التصرف فيها، و بالنحلة و العطية، و بالإرث، و بالبينة، و بآية التطهير و لطهارة فاطمة (عليها السلام) و عصمتها في ادّعائها، و بالتكريم لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إعطائها كإعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قلادة زينب، و بقوله تعالى: «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (1) في ردّ فداء زينب، و بدلائل و طرق أخرى.
و لكن لأبي بكر قانون جديد، قانون من عنده، فوق كل قوانين العالم من الإسلام و النصرانية و اليهودية و المجوسية و الدهرية و ...، و هو عمل به على وفق مراده و هواه؛ «أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ». (2)
فمن الإنصاف لمن اعتقد عصمة فاطمة (عليها السلام)، إذا ادّعت فدك يلزم ردّها إليها، و في مقابل فاطمة المعصومة (عليها السلام) لا يقبل شهادة سبعين شاهدا أو أكثر بل و كل العالم لا يقبل شهادتهم؛ و لكن نرى قد انعكس الحال، فلم يقبل شهود للزهراء (عليها السلام) مثل علي المعصوم (عليهم السلام)، فكيف يقبل شهادة سبعين أو أكثر!
و من الإنصاف إذا شهد القرآن بعصمة فاطمة (عليها السلام) و إذا جاء في الذكر الحكيم آيات في الإرث و أحدث أبو بكر حديث لا نورّث في رد كلام رب العزة، هذا بدعة شنيعة، و هل جرى في الإسلام بدعة أظلم و أجرّ أو أكفر من مخالفة صريح كتاب اللّه تعالى.
و كما أن للزهراء (عليها السلام) في مطالبتها أهداف و حقائق، كذا لأبي بكر في غصبها أهداف كثيرة.
إن أبا بكر يعلم أن فدك سيف مسلول و جنّة واقيه للزهراء (عليها السلام) و يلزم قبضها من يدها، حتى تصير صفر اليد، فاقدة من السيف و الجنّة.
و يكفي في مقدمة الفصل هذا المقدار لبصيرة الغافلين عن أسرار فدك.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 21.
(2). سورة الجاثية: الآية 23.
160
مجيء أبي بكر إلى باب فاطمة (عليها السلام) و غضبها عليه لمنعه فدك عنها.
كلام ابن أبي الحديد في خبر بعث زينب بنت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قلادتها فداء لأبي العاص و ردّها المسلمين عليها تكريما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كلام النقيب أبي جعفر إن اقتضاء الكرم و الإحسان إعطاء فدك لفاطمة (عليها السلام) من قبل المسلمين مع علوّ منزلة فاطمة (عليها السلام) و هي أكرم من زينب عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
كلام الفاضل الدربندي بعد نقل كلام ابن أبي الحديد و قصة زينب و النقيب: إن من الإنصاف و الإيمان باللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم بكفر أبي بكر و زندقته و إلحاده و ارتداده لمقاله لفاطمة (عليها السلام) و فعاله بها، احتجاج الدربندي في فدك و فعال أبي بكر و عمر.
كلام الشيخ الحرّ العاملي في مطاعن أبي بكر، منها منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من خيبر و إخراج عمّالها و طلبها منه نحلتها و إرثها مع عصمتها في آية التطهير و مناقبها.
كتاب أبي بكر لردّ فدك فاطمة (عليها السلام) و أخذ عمر الصحيفة من فاطمة (عليها السلام) و خرقها بعد تفله فيها و محوها، دعاء فاطمة (عليها السلام) عليها ببقر بطنها و استجابة دعائها، لقاء ابن أبي الحديد مع علوي من حلّة و كلامهما في غصب فدك و مناظرته مع علي بن تقي في فدك و ماهيتها.
منع أبي بكر فدك عن فاطمة (عليها السلام) و هجرة فاطمة (عليها السلام) عنه و دعاؤها عليه و وصيتها بمنعه الصلاة عليها، إعطاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا ثم العوالي و استغلالها حتى وفاة أبيها و أخذها عنها بعد بيعة أبي بكر و طلبها عنه و احتجاجها بالآيات و ردّه ب «لا يورث» و غضبها عليه إلى وفاتها.
كلام الكمرهاي في شرح «نفوس آخرين» و هم أهل البيت (عليهم السلام).
كلام البلاذري في قصة قلادة زينب و فدك فاطمة (عليها السلام) كما مرّ نظيره آنفا.
كلام العلامة الكبير السيد محمد حسن القزويني في أن فدك بتضافر النصوص في الصحاح و السنن و السير و التواريخ المعتبرة خاصة و خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا معنى لإنكار أبي بكر بعدم ملك الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لها و كونه فيئا للمسلمين فتوجّه سؤال البينة على
159
المنّاع في قوله تعالى: «منّاع للخير» الثاني و الخير ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و حقوق آل محمد (عليهم السلام) و منع كتاب فدك و تمزيقه الثاني فهو «معتد مريب».
اجتماع رأى أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي و يأس فاطمة (عليها السلام) من أجابته و ردّ فدك و عدولها إلى قبر أبيها و شكواها إليه (صلّى اللّه عليه و آله) من فعل القوم و بكاؤها و ندبتها و أشعارها.
طلب فاطمة (عليها السلام) فدكا و طلب أبي بكر عنها البينة و شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و طلب أبي بكر امرأة أخرى أو رجلا.
كلام الجاحظ في رد الدليل على صدق خبر أبي بكر و عمر في منع الميراث ترك أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) النكير عليهما و ردّه بدليل ترك النكير على المتظلّمين منهما و المطالبين لهما بدليل.
كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث المفضل في الرجعة، منها شكوى فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر و عمر و أخذ فدك و مشيها إليه في مجمع من المهاجرين و الأنصار و ردّ حديث أبي بكر بايّ من القرآن و خرق عمر صحيفتها.
بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) محيّصة بن مسعود إلى فدك و مكثه يومين و الكلام بينهم و بينه و وقوع الصلح بينهم بالنصف، إجلاء عمر يهود خيبر و تقويم أرض فدك و أخذها عمر و دفعها إليهم نصف قيمة النخيل خمسين ألف درهم أو يزيد.
انتزاع أبي بكر فدك من فاطمة (عليها السلام) و طلبه البينة من ذي اليد ورد شهادة علي (عليه السلام) لإرادته الفائدة لنفسه أو بحجة نقص الشهود.
كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب له إلى عثمان بن حنيف: «... بلى، كانت في أيدينا فدك ...، و ما أصنع بفدك و غير فدك».
كلام عائشة في مجيء فاطمة (عليها السلام) و طلب أرضها و ميراثها و ردّها أبو بكر و غضب فاطمة (عليها السلام) و هجرتها عنه إلى وفاتها و منعها عن حضوره في دفنها.
161
دعوائه الفيء لا طلب البينة من فاطمة (عليها السلام) و الكلام في هذا المسير في النقض و الإبرام و الاحتجاج بالتفصيل.
كلام القزويني في منازعة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في فدك صريح جميع المسطورات التاريخية و الاستدلال بكلام شافية.
كلام المسعودي في ذكر حوار فاطمة (عليها السلام) و أبي بكر و كتاب عمرو بن بحر الجاحظ و فيه فعل أبي بكر في فدك و مطالبة الزهراء (عليها السلام) بإرثها من أبيها و استشهادها ببعلها و ابنيها و أم أيمن و ما جرى بينها و بين أبي بكر و كثرة المنازعة بينهما.
دعوى فاطمة (عليها السلام) فدك بالميراث تارة و بالنحلة أخرى.
كلام الشيخ الحر العاملي في تقسيم أبي بكر صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
كلام الأستاذ أبي ريّة في أن بعد التسليم و القبول بالخبر الآحاد الظني أن أبي بكر في منعه في إعطاء بعض تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و البحث في جرح و تعديل القصة.
كلام الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: «كيف يهدي اللّه قوما كفروا ...» هو ردّ لحكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في علي و فاطمة (عليهما السلام) في الولاية و غصب فدك فاطمة (عليها السلام).
تصديق أبي بكر ادعاء زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ملكية الحجرات من غير شاهد و لا بينة و إنكار قول فاطمة (عليها السلام) في فدك و أن فاطمة (عليها السلام) أولى بقبول قولها.
كلام أبي المكارم في موضوعية حديث: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، و قبول قول عائشة في حق أبيها و ردّ شهادة علي و الحسنين (عليهم السلام) و قنبر و نساء بني هاشم في أمر فدك.
كلام الشيرواني في منع أبي بكر فدك بخبر متفرّد به، إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأن نسله من فاطمة (عليها السلام) ....
كلام العلامة المجلسي في خطاء أبي بكر و عمر في قضية فدك واضحة من وجوه شتّى: 1. كون فاطمة (عليها السلام) معصومة 2. إن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه 3. طلب
162
البينة من صاحب اليد 4. ردّ شهادة الزوج 5. ردّ شهادة الحسنين (عليهما السلام) 6. ثبوت المال بشاهد و يمين 7. إن خبر أبي بكر موضوع مطروح لكونه مخالفا للكتاب، استدلال المجلسي لإثبات كل من الوجوه السبعة بالتفصيل.
كلام القاضي نور اللّه التستري في بعض ما صدر عن أبي بكر و عمر مخالفا للشرع، كادعاء إمامة أبي بكر و منعه فاطمة (عليها السلام) إرثها، و قول عمر للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالهجر و الهذيان و إقدامه بتخريق كتاب فدك.
استدلال القاضي نور اللّه التستري بعد نقل كلام ابن حجر في الصواعق في قصة فدك و النقض و الإبرام في نظرات الشيعة و الجواب بكلام شاف و لسان واف بالتفصيل.
في الخلاف الرئيسي الظاهر بين فاطمة (عليها السلام) و بين أبي بكر و عمر حول فدك، انتزاع فدك من يد فاطمة (عليها السلام) بحجة أن الأنبياء لا يورّثون، و غفلة أبي بكر بأن هذا الحديث مخالف للقرآن.
تولية الحسن العفهف أموال فدك للمعتضد.
كلام المحقق الأردبيلي في علي (عليه السلام) إن عدم مطالبة حقه من الخلافة و فدك و دفع الظلم لمصالح في جواب الرازي بالتفصيل.
كلام القاضي نور اللّه التستري بأن كلام زيد في أمر فدك: «لو رجع الأمر إليّ لقضيت بقضاء أبي بكر» مثل ما قضى علي (عليه السلام) عند رجوع الأمر إليه في تصرف فدك.
كلام السيد الحسن القزويني في جواز إعطاء أبي بكر فدك لفاطمة (عليها السلام) من باب الولاية كإعطائه المنقول من تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مثل السيف و العصاء و اللباس و البغلة و غيرها لعلي و فاطمة (عليهما السلام) و استدلاله به.
رواية محمد بن سلام في أخذ فدك من يدي فاطمة (عليها السلام) و ردّ شهودها بحديث مخالف لكتاب اللّه.
164
الزهراء (عليها السلام) بعد إقامة سبعين أو أكثر بينة و شاهد على أن فدك منحولة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) فأبو بكر قائم على غصبه و منعها فدكا.
إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا و قبضها و تصرف و كلائها فيها، غصب أبي بكر فدكا و إخراجه وكلاء فاطمة (عليها السلام) بعد غصب حق علي (عليه السلام) و طلب الشهود من فاطمة (عليها السلام) بخلاف قانون الشرع، شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أم سلمة و ردّ أبي بكر جميعهم.
كلام حذيفة في حديث أحمد بن إسحاق المشهور في مطاعن عمر و منها ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و تكذيب فاطمة (عليها السلام)، و غصب فدك ....
كلام فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر عند جعل حديث لا يورّث: «أكفرت باللّه و كذبت بكتابه»؟
في كتب العامة و صحاحهم طلب فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر فدك و العوالي و منعه بعد إقامة البينة و غضب فاطمة (عليها السلام) عليه و وصيتها بمنع صلاته عليها.
احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في زعمه أن فدكا من أموال المسلمين، دعاء فاطمة (عليها السلام) عليها و وصيتها بدفنها ليلا و منع أبي بكر عن الصلاة عليها.
كلام عبد اللّه بن عباس عن سليم بن قيس في قبض أبي بكر فدك من فاطمة (عليها السلام) و مجيئها إلى أبي بكر و تظلّمها و كتاب أبي بكر لها برد فدك و منعها عمر عنه و طلب البينة و إشهادها عليا و أم أيمن و ردّ عمر شهودهما، رجوع فاطمة (عليها السلام) و غضبها.
استيلاء أبي بكر و عمر على كل تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و غضب الصديقة (عليها السلام) عليها لذلك إلى يوم استشهادها، مجيء أبو بكر و عمر إلى علي (عليه السلام) و سؤالهما عن تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي بخيبر و الذي بفدك، جواب علي (عليه السلام) لهما: «نحن أحق الناس برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» و قولهما عند ذلك: حزّ رقابنا بالمناشير أسهل من هذا.
شعر الشيخ الحر العاملي في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و ما ترك و أخذ فاطمة (عليها السلام) الكتاب من ابن أبي قحافة و خرق عمر للكتاب و دعاء فاطمة (عليها السلام) عليه و استجابة دعائها.
165
ادعاء فاطمة (عليها السلام) ثلاثة أشياء: الميراث و النحلة و سهم ذوي القربى و خطابتها مرة بعد أخرى و غضبها على ظالميها و رواياتها من طرق العامة.
تقسيم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الخمس من الغنائم في بني هاشم و صرف عمر و تابعيه للخمس في اشتراء الخيل و السلاح و تقسيمه بين الجند بلا بينة و صرفها بين الطلقاء و أبناء الطلقاء و وثوب معاوية و ابنه على حق النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
انتزاع فدك من يد فاطمة (عليها السلام) و طلب فاطمة (عليها السلام) فدكا و إشهادها و ردّ شهودها، قبول أبي بكر دعاوي الغير بغير بينة.
كلام الخواجه نصير الدين الطوسي في الدلالة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام) خرق عمر كتاب فاطمة (عليها السلام).
كلام الخواجه نصير الدين في دلالة الأدلة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام)، مخالفة أبي بكر كتاب اللّه في منع إرث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، كلام السيد الهاشمي في أهداف الزهراء (عليها السلام) في طلب فدك.
عن الصادق (عليه السلام): إن الدلال لامرأة من بني النضير و إعطاء أكثرها المهاجرين و التي في أيدي بني فاطمة الحوائط السبع و شرح الصدقات السبع.
كلام الفخر الرازي في تفسير آية الفيء و قصة فدك بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
كلام أبي الصلاح الحلبي في قدح عدالة الصحابة، منها ردّهم دعوى فاطمة (عليها السلام) و شهادة علي و الحسنين (عليهم السلام).
كلام الإمام الباقر (عليه السلام) في أخذهم من فاطمة (عليها السلام) عطيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنواضحها.
كلام السيد الميلاني في شرح قصة فدك و تلخيص ظلامات فدك في 12 موضوعا و تطوّراتها في الأخذ و الرد.
163
كلام المهاجر في عصمة فاطمة (عليها السلام) و عدم إمكان صدور الكذب عنها بشهادة اللّه تعالى و الروايات فيها، نقل قول أحد من شيوخ ابن أبي الحديد في منع أبي بكر فدك عن فاطمة (عليها السلام).
كلام المرتضى في جواب شبهة: لو ورثت الأنبياء الأموال لتطرّق إلى أهلهم تمنّي موتهم و هو كفر ...، إن جعل متروكاتهم صدقة فيه تمنّي جميع المسلمين موتهم و إن تمنّي موت الوالدين عقوق للوالدين ...
كلام الجبائي في تكميل بحث فدك بالنقض و الإبرام و الجرح و التعديل.
كلام العلامة الأميني في قولهم «إن أبا بكر أرحم الأمة» و النظر فيه و الجواب عنه و تناقض رحمه في المواقف!
انتزاع خيبر من اليهود بقوة السلاح فهو للمسلمين كافة و فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحيازتها بلا خيل و لا ركاب، استيلاء أبي بكر على فدك و ضمّها إلى مال المسلمين و هي ملك فاطمة (عليها السلام) من نحلة أبيها، إحضار فاطمة (عليها السلام) شهودها و ردّها أبو بكر و الكلام في هذا البحث من وجوه شتّى.
كلام المجلسي في ردّ قول فاطمة (عليها السلام) و شهودها في انتقال فدك إلى ملكها و قبول قول عائشة في تملّك حجرتها بدون ذكر سبب انتقاله و الحجة فيه.
كلام الديلمي في مثالب أبي بكر: تكذيبه لفاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك و ردّ شهادة أم أيمن و هي من أهل الجنة و ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام).
كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في شهود أبي بكر على فاطمة (عليها السلام) بأنها لا تورث أباها: عائشة و حفصة و أوس بن الحدثان.
كلام المقدسي في مقدمة كتاب فدك للسيد محمد حسن القزويني بعد ذكر احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر من طريق النحلة و الإرث و اليد و ردّ أبي بكر كلها و معنى ذلك أن
166
مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و طلبها ميراثها و شرح ميراثها و فدكها.
كلام الخوارزمي في دليل صدق فاطمة (عليها السلام) في دعواها.
كلام النباطي البياضي في مطاعن أبي بكر و منها منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من قرى خيبر و ادعائها من أبي بكر، ذكر نبذة من مناقبها، إخراج عمّال فاطمة (عليها السلام) من فدك، طلب فاطمة (عليها السلام) بالإرث و اليد و النحلة و استدلالها بآيات الميراث و غيره و النقض و الإبرام و الجرح و التعديل.
مجيء رجل إلى أبي بكر و نقل قصة جارية مظلومة مغصوبة إرثها من حاكم بلده، سؤال أبي بكر عن هذا الحاكم الجائر و جواب الرجل: أيّ حاكم أظلم ممن ظلم بنت الرسول (عليها السلام).
عن علي (عليه السلام) و عمر في مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و مطالبة فدكها و كتابة أبي بكر في أدم و أخذه عمر و محوه و خرقه.
بطلان كلام المخالف في عدم تصرّف فاطمة (عليها السلام) في فدك في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله (عليه السلام):
«كانت في أيدينا فدك» و بطلان قوله «دفعها الصديق إلى علي (عليه السلام)» معلوم من غضب فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك إلى وفاتها.
كلام الميرزا محمد على القراجهداغي في طلب فاطمة (عليها السلام) فدكا و طلب أبي بكر البينة، كلام بعض الأفاضل: إن كانت مطالبة فاطمة (عليها السلام) بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود و إن كانت نحلة فلا معنى بقوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.
كلام القراجهداغي في قول فاطمة (عليها السلام) في فدك أنها نحلة و جواب أبي بكر أنها فيء المسلمين و ما جرى بينهما من إحضار الشهود و ردّها أبو بكر ...
كلام الكراجكي في أن من عجائب الأمور طلب أبي بكر البينة من فاطمة (عليها السلام) و تكذيبها في أمر فدك و رجوعها خائبة إلى بيتها و تصديق عائشة في طلب الحجرة و قبول دعواها بدون البينة و البحث في تصرّف حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و دفن تيم و عديّ فيها و منع الحسن (عليه السلام).
167
كلام السيد شرف الدين في توريث الأنبياء المنصوص بعموم الآيات و البحث و الاستدلال فيه و ردّ حديث أبي بكر لا نورّث بدلائل شتّى.
كلام عبد الزهراء عثمان محمد في قيام الزهراء (عليها السلام) في هذا الموقف الصلب في مطالبتها بفدك أنها لهدف آخر من ورائه: 1. تهيّأ لها فرصة ذهبية في الإدلاء حول الحكومة القائمة 2. تبيان أحقّية علي (عليه السلام) في قيادة الأمة بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) 3. كشف اعتراضات الحكومة الجديدة على الشرع المقدس و اجتهاداتهم التي لا علاقة لها بأهداف الرسالة ...
كلام سليم بن قيس في منع عمر عن إغرام قنفذ شكرا له لضربها فاطمة (عليها السلام) بالسوط و قبضه و صاحبه فدك و هي في يد فاطمة (عليها السلام) مقبوضه غلّتها على عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تكذيبها و ردّ شهادة أم أيمن، استحسان الناس فعله هذا و حملهم له على ورعه و فضله، تظلّمها عند الناس عن فعال أبي بكر و ما جرى بينهما.
كلام العلامة الأميني في بحث الإرث و حديث أبي بكر و النقض و الإبرام بالتفصيل، الإشارة إلى تناقض فعال أبي بكر من أخذه فدكا و استدلاله بآية لا نورّث؛ ثم ردّها بعد ذلك إلى فاطمة (عليها السلام) مع كتاب له، ثم أخذ عمر هذا الكتاب من فاطمة (عليها السلام) و خرقه، ذكر تطوّرات فدك يدا بيد في الأخذ و الرد.
قصيدة الخليعي في قصة فدك و احتجاج فاطمة (عليها السلام) فيها.
كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في جلوس أبي بكر مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إخراج وكيل فاطمة (عليها السلام) من فدك، مجيء فاطمة (عليها السلام) و طلبها حقها و جواب أبي بكر بقوله: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث و ردّه فاطمة (عليها السلام) بقوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) و جواب أبي بكر بشهادة عائشة و عمر بسماعهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هذا أول شهادة زور، كلام فاطمة (عليها السلام) و شهودها في إعطائها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلة، ردّ عمر قول فاطمة (عليها السلام) و شهودهما، رجوع فاطمة (عليها السلام) مغضبة و دعاؤها عليهما، دور علي و فاطمة و الحسنين (عليهم السلام) في بيوت المهاجرين
____________
(1). سورة النمل: الآية: 16.
168
و الأنصار أربعين صباحا للاستنصار، قدوم فاطمة (عليها السلام) مرة أخرى إلى أبي بكر و أخذها كتابا بردّ فدك و ملاقاتها عمر و أخذه الكتاب و رفسها برجله و إسقاط المحسن (عليه السلام) و نقف قرطها، وصية فاطمة (عليها السلام) و استشهادها و تجهيزها و دفنها ليلا و ما جرى بعدها.
طلب فاطمة (عليها السلام) عن أبي بكر فدكا و أخذها منه كتابا و أخذ الكتاب منها عمر و خرقه، مرض فاطمة (عليها السلام) و عيادة الرجلين و ما جرى بينهم.
كلام الشيخ الأنصاري في تقدّم اليد على الاستصحاب مستشهدا بقضية فدك و استدلال سيدتنا فاطمة (عليها السلام) باليد مع أنها مدّعية لاستصحاب ملكها بهبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، محاجّة علي (عليه السلام) مع أبي بكر في أمر فدك ....
كلام السيد المرتضى في تعجّبه من رد شهادة علي (عليه السلام) في أن فدك نحلة و إعطاء السيف و البغلة و العمامة لعلي (عليه السلام) على سبيل النحلة بغير بينة، طلب أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الميراث و منازعة العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) في الميراث و ما جرى في هذه القضايا.
سؤال فاطمة (عليها السلام) أبا بكر في تقسيم ميراثها و طلب فاطمة (عليها السلام) و العباس ميراثهما من أرض فدك و خيبر، جواب أبي بكر بحديث لا نورّث، دفع عمر الصدقة إلى علي (عليه السلام) و العباس و غلبة علي (عليه السلام) عليه و إمساك عمر خيبر و فدك لأنهما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، غضب فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر و هجرته و شهادتها و دفنها ليلا و منعها أبا بكر عن الصلاة عليها، بيعة علي (عليه السلام) بعد وفاة فاطمة (عليها السلام).
كلام العلامة المجلسي في طلب فاطمة (عليها السلام) فدكا من أبي بكر وردها بقوله «لا يورّث الأنبياء» و ما جرى بينهما و تحليله بكلمات شافية ...
تبيين السيد الجزائري بعض كلمات خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أن المراد بقوله: «أرى تراثي نهبا» الخلافة ...، أو المراد ما يشمل فدك و العوالي.
كلام الأستاذ نوري جعفر في تطوّرات فدك بين الأمويين و العباسيين و محاجة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في الإرث و ما جرى في البحث و استكماله و استيفائه بحجة بالغة.
169
كلام المفيد في إثبات الحكم بقوله: «فاطمة معصومة»، و ردهم قولها و منعهم حقها و ظلمهم و إيذاؤهم إياها.
كلام المجلسي في بيان ما يدل على أن فاطمة (عليها السلام) محقّة في دعوى فدك مع قطع النظر عن عصمتها و أن فدك نحلة لفاطمة (عليها السلام) بدلائل كافية.
منع أبي بكر الخمس و الفيء و فدك عن علي (عليه السلام) و أهل بيته، مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر لطلب الخمس و الفيء و فدك و استدلالها بالآيات و إشهادها بعلي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء و ردّ أبي بكر جميع الشهود بتوجيه غلط.
قصة فدك من إخراج وكيل فاطمة (عليها السلام) و طلب فاطمة (عليها السلام) فدك من أبي بكر و طلب أبي بكر الشهود و شهادة أم أيمن و علي (عليه السلام) و كتاب أبي بكر و أخذ عمر الكتاب و تمزيقه، مجيء علي (عليه السلام) إلى أبي بكر و احتجاجه عليها و دخول فاطمة (عليها السلام) المسجد و طوافها بقبر أبيها و رجوع أبي بكر و عمر إلى منزلهما و أمره خالد بقتل علي (عليه السلام) في الصلاة و ندامة أبي بكر منها و أمره بتركها و ما جرى بعده بين علي (عليه السلام) و بين خالد و عمر.
كلام أبي الصلاح الحلبي في القبائح التي وقعت في خلافة أبي بكر، منها منعه فاطمة (عليها السلام) فدكا، و منها قبضه يد النائب عنها عن التصرف بغير حجة، و منها كونه حاكما فيما هو خصم فيه، و منها مطالبته بالبينة مع استغنائها (عليها السلام) عنها باليد، و منها قيام الدلالة على عصمتها من وجوه، و منها وجوب تسليم فدك لفاطمة (عليها السلام) في الشرع بدلائل مذكورة مشروحا، و منها ردّ شهادة علي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن بصحة النحلة مع إجماع الأمة على عدالتهم، و منها قبول دعوى جابر في الحثيات و عائشة و حفصة من ثياب النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و منها كذبه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنسبة حديث لا نورّث إليه بدلائل.
كلام السيد محمد كاظم القزويني في سرّ مطالبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فدكا مع أنها بمكان من الزهد عن الدنيا و زخارفها و الداعي و الدافع إليها.
قصيدة ياسين بن أحمد الصوّاف في قصة فدك من أولها إلى انتهائها و إحراق البيت و نسبته قول الزور على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و تحريمه حلال اللّه و إيذاء فاطمة (عليها السلام) و ضغطها بالباب
170
و ضربها بالسوط و إسقاطها الجنين و دعائها عليه ببقر بطنه و إجابة دعوتها في التاسع من ربيع الأول.
مؤتمر ملك شاه السلجوقي في بغداد و حضور علماء العامة و مناظرة العلوي و العباسي و البحث فيها في أمور هامة من عقائد الإمامية الحقة، منها إحراق باب فاطمة (عليها السلام) و ضربها و غضبها على أبي بكر و عمر، و منها تشييعها و تدفينها ليلا، و منها غصب فدك و البحث فيها ....
كلام الشيخ المفيد في البحث عن حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»، و هو رسالة مستقلة في بطلان الحديث و مجعوليته.
كلام السيد ابن طاوس في قصة فدك و ما جرى على فاطمة (عليها السلام) من غصبه و الإرث و الاستدلال فيها بالتفصيل.
كلام السيد في ردّ عمر بن عبد العزيز فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام) و إقطاع معاويه لمروان و عمرو بن عثمان و يزيد و تطوّراتها بعد، ردّ شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و البحث في ميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
قصة جماعة من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) مع المأمون في أمر فدك، إحضار المأمون مائتين من علماء الحجاز و العراق و روايتهم حديث إعطاء فدك فاطمة (عليها السلام) و قبضها أبو بكر و ردّ المأمون لها إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)، علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا في خلافته.
قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في مأساة الزهراء (عليها السلام) و غصب حقها و ميراثها و فدكها و إيذائها و احتجاجها مع أبي بكر و خطبتها.
كلام السيد المقرّم في قصة فدك و مقدار غلتها و ما يحصل منها و ما ينفق و يصرف، علة مطالبة الصديقة (عليها السلام) بفدك و طلب أبي بكر عنها الشهود و ردّ شهودها ...
كلام السيد محمد الحسيني الميلاني في ذكر فدك من فتحها و مقدار حاصلها و إعطاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) نحلة، انتزاعها بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من يد فاطمة (عليها السلام)، منازعة فاطمة (عليها السلام) و جعل حديث أبي بكر في تجاه آيات الإرث و البحث و الاستدلال فيها.
171
كلام السيد الميلاني في أن فدك نحلة الزهراء (عليها السلام) و أنها وارثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أن لها حق الخمس بنص القرآن و أنها صاحبة اليد و البينة على من ادّعى نفي الملكية عنها، البحث فى حديث لا يورّث و دفن الشيخين في الحجرة تصرّف غصبيّ فإن سهم كل من الزوجات أقل من الشبر على فرض الإرث.
كلام أبي الفتح الكراجكي في مطالبة الزهراء (عليها السلام) فدكا- نحلة أبيها- من أبي بكر و تكذيب قولها مع إجماع الأمة على طهارتها و عدالتها، ادعاء فاطمة (عليها السلام) بعد ردّ قولها و النحلة إرث أبيها و إلقاء أبي بكر حديثه: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» و البحث بطولها فيها كما مرّ الأقوال.
كلام علي بن أحمد الكوفي في ذكر بدع الأول، منها ظلم فاطمة (عليها السلام) و قبضها تركات أبيها من الضياع و البساتين و غيرها و طلب الشهود منها و ردّ شهادة علي (عليه السلام) على ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام) يدور معه حيث دار»، غضب فاطمة (عليها السلام) و وصيتها بدفنها ليلا.
كلام علي بن أحمد الكوفي أيضا في بدع الأول، مناظرة علي (عليه السلام) مع أبي بكر في طلب البينة من صاحب اليد فاطمة (عليها السلام) مخالف للإسلام و بحثه (عليه السلام) مع أبي بكر في البينة و الإرث.
كلام المحب الطبري في طلب أبي بكر البينة من رجل يشهد مع رجل آخر.
قال علي (عليه السلام) في تجاه حديث أبي بكر لا نورّث: «و ورث سليمان داود» و قول زكريا:
«يرثني و يرث من آل يعقوب».
كلام أبي حنيفة المغربي في إمامة أبي بكر في الصلاة و ردّها لاضطرابها و نقلها عن عائشة كردّ شهادة علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام).
كلام الشهرستاني في إرجاع أبي بكر الأمة إلى الأخذ بالقرآن و مخالفة نفسه من عمومات الذكر كما هو واضح من خلال مناقشة الزهراء (عليها السلام) بقولها: «أعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: «و ورث سليمان داود» ...».
172
كلام الإسكافي المعتزلي في قبول قول عائشة في الصلاة و ردّ قول فاطمة (عليها السلام) في فدك، من عظمة علي (عليه السلام) و صبره منازعة زوجته أبا بكر و عمر في فدك و حضوره في دعواهم و صبره على مرّ الحق ....
في معالم الفتن عدة منقولات و معقولات في ما يرتبط بقصة فدك و نحن نورد مختصرا من هذا الفصل: إرسال فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر لطلب إرثها و كذا إرسال نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عثمان إلى أبي بكر لأخذ ثمنهن من الفيء و ردّ أبي بكر كلهن بكلام و حديث.
مطالبة الزهراء (عليها السلام) بالنحلة و بالإرث و بسهم ذوي القربى و إباء أبي بكر عليها، منازعة علي (عليه السلام) و العباس في الميراث في مجلس عمر و جوابه بحديث لا نورّث و بكلام آخر، و كلامه و استدلاله في شرح ما ذكرنا طويل جدا ....
انتزاع الحكومة بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدك من يد الزهراء (عليها السلام)، طلب فاطمة (عليها السلام) ميراثها من الفيء و ردّها أبو بكر بحديث لا نورّث، غضب فاطمة (عليها السلام) إلى وفاتها، ردّ علي (عليه السلام) حديث لا نورّث باي من القرآن.
كلام المفيد في بغض عائشة لأمير المؤمنين (عليه السلام) و منها شهادتها لأبي بكر في صواب منعه فاطمة (عليها السلام) فدك ....
كلام القاضي نعمان المغربي في قبول قول عائشة في صلاة أبي بكر بالناس و ردّ قول فاطمة (عليها السلام) في فدك.
قول علي (عليه السلام) لأبي بكر في شهادة العدول على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة و جوابه: «أحدّها» و كلام علي (عليه السلام) في ردّ حكم أبي بكر بخروجه عن الإسلام لتركه شهادة اللّه بإذهاب الرجس عنها و تصديق الخلق بإثباته فيها.
جعل فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و منعها أبي بكر فاطمة (عليها السلام) بعد طلبها و تألّمها و تظلّمها، غضبها على أبي بكر إلى وفاتها و دفنها ليلا ....
173
كلام الشيخ الزنجاني بعد نقل خطبته (صلّى اللّه عليه و آله) في الفتن في قوله: «أتت الفتن»، يعني فتنة الخلافة و ردّها إلى غير أهلها و إيذائهم أهل بيته (عليهم السلام) خصوصا فاطمة (عليها السلام) و أخذهم فدكا من يدها و إخراجهم عاملها ....
كلام هاشم معروف في انتزاع فدك من يد فاطمة (عليها السلام) و دورانها في يد الخلفاء واحدا بعد واحد، وضع زينب زوجة سلام السمّ في طعام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إخبار ذراع الشاة بسمّها، قبول يهود تيماء الجزية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، استيلاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر و فدك على ما كرّرنا كيفيتها في الكتاب.
كلام ابن أبي الحديد المعتزلي على ما في بلغة الفقيه في احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر و شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و النقض و الإبرام و الاستدلال بالحكم ....
كلام كاشف الغطاء في مساوي و مطاعن أبي بكر، و منها منع فاطمة (عليها السلام) و طلب ميراثها و غضبها على أبي بكر و هجرها إياه إلى وفاتها، البحث في موضوع الإرث و النحلة و شهود فاطمة (عليها السلام) و ردّ أبي بكر كل واحد منها بكلام و مقال و حديث.
كلام علي (عليه السلام) إن في ردّ فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام) يعلو نداء أهل العسكر «يا أهل الإسلام» في تغيير سنة عمر.
في المنهاج في شرح قوله: «بلى، كانت في أيدينا فدك» كلاما شافيا كما في المتن.
تلخيص البحث في أمر فدك بما هو مذكور في شرح النهج عن منهاج البراعة بطولها.
في حديث المفضل عن الصادق (عليه السلام) في إخباره عما بعد الظهور منها شكوى فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر و عمر لأخذهما فدك من فاطمة (عليها السلام) و تمزيق كتاب فدك.
كلام العلامة المظفر في أن فدك نحلة و أن اليد لها (عليها السلام) و قبضها أبو بكر قهرا و طلبه البينة على خلاف حكم اللّه تعالى، جوابهم في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) ردّه و طلب البينة، و استدلاله بالنقل و العقل.
174
أيضا كلام العلامة المظفر في مطاعن أبي بكر: منها منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، و فيه بحث طويل من كلام المصنف و إشكال الخصم و جوابه.
مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و طلب إرثها و بكاء أبي بكر و كتابة أبي بكر لها بردّ فدك و أخذ عمر الكتاب و تمزيقه.
كلام الفيض الكاشاني في مطاعن الثلاثة و منها منع أبي بكر فاطمة (عليها السلام) فدكا مع ادعائها النحلة و ردّ شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و تصديق الأزواج في ادعاء الحجرة لهنّ من غير شاهد ....
طلب فاطمة (عليها السلام) فدك من أبا بكر و طلبه منها البينة و شهادة أم أيمن بمجيء جبرئيل و إتيان آية: «و آت ذا القربى حقه» و سؤاله (صلّى اللّه عليه و آله) عنه: من هم؟ و جوابه: فاطمة (عليها السلام) ذو القربى و إعطائه فدكا.
عظة فاطمة (عليها السلام) أبا بكر في فدك و كتابه لها بردّ فدك و خرقه عمر و دعاؤها عليه بما فعل أبو لؤلؤة به ....
كتاب أبي بكر لفاطمة (عليها السلام) بردّ فدك و أخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها السلام) و خرقه.
كلام ابن أبي الحديد في شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و كتاب أبي بكر بتسليم فدك إليها و اعتراض عمر و خرق كتابه.
كلام السبط ابن الجوزي في كتاب أبي بكر لها بفدك و دخول عمر حينئذ و أخذ الكتاب و تمزيقه.
قبول شهادة الزوج لزوجتها و إن النووي- من كبار علمائهم- هذا رأيه، فما بال هذا التناقض في ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
كلام السيد محمد الميلاني في جعل صداق فاطمة (عليها السلام) الأرض، و من له الأرض كلها كيف أخذت أراضي فدك منها مع أنها نحلتها.
178
جبرئيل: «وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ»، (1) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أين حق المسكين و ابن السبيل؟
فأنزل اللّه تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ». (2) فقسّم اللّه الخمس ستة أقسام فقال: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» (3)، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم؛ فما للّه فهو لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهو لذي القربى، و قد قال اللّه تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى». (4)
فنظر أبو بكر إلى عمر و قال له: ما تقول؟ فقال عمر: فأرى الخمس و الفيء كله لكم و لمواليكم و أشياعكم؟! فقالت فاطمة (عليها السلام): أما فدك فقد أوجبه اللّه لي و لولدي من دون موالينا و شيعتنا، و أما الخمس فقسّمه اللّه لنا و لموالينا و شيعتنا، كما تقرأ في كتاب اللّه تعالى.
قال عمر: فما لسائر المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان؟ فقالت فاطمة (عليها السلام):
إن كانوا من موالينا و أشياعنا فلهم ما لنا و عليهم ما علينا، و إن لم يكونوا من أشياعنا فلهم الصدقات التي أوجبها اللّه في كتابه فقال: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ». (5)
فقال عمر: فدك خاصة و الخمس و الفيء لكم و لأوليائكم، ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا! فقالت فاطمة (عليها السلام): إن اللّه تعالى رضي بذلك و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) رضي له و قسّمه على الموالاة و المتابعة لا على المعاداة و المخادعة، و من عادانا فقد عادا اللّه و من خالفنا فقد خالف اللّه، و من خالف اللّه فقد استوجب من اللّه العذاب الأليم و العقاب الشديد في الدنيا و الآخرة.
____________
(1). سورة الاسراء: الآية 26.
(2). سورة الأنفال: الآية 41.
(3). سورة الحشر: الآية 7.
(4). سورة الشورى: الآية 23.
(5). سورة التوبة: الآية 60.
177
1
المتن:
روي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:
لما ولّي أبو بكر بن أبي قحافة، قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي و أهل بيته (عليهم السلام) الخمس و الفيء و قد كان؛ فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليا (عليه السلام) و أقبلوا إليك رغبة في الدنيا و إيثارا لها و محاباة عليها. ففعل أبو بكر ذلك و أضرب عنهم جميع ذلك.
فلما أقام مناديه: من كان له عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): سيري إلى أبي بكر و ذكّريه. فسارت فاطمة (عليها السلام) إليه و ذكرت له فدكا مع الخمس و الفيء، فقال لها: هاتي بيّنة يا بنت رسول اللّه. فقالت: أما فدك فإن اللّه أنزل على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) قرآنا يأمره بأن يعطيني و ولدي حقي، قال اللّه تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)؛ فكنت أنا و ولدي أقرب الخلائق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فنحلني و ولدي خاصة فدكا. فلما تلا
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
175
كلام الخواجه نصير الدين الطوسي في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام)، و منها منع أبي بكر فاطمة (عليها السلام) فدكا مع ادعاء النحلة و شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و ردّهما، ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا على أولادها لكون فاطمة (عليها السلام) مظلومة.
كلام السيد محمد حسن القزويني: يدلّ على ما استظهرناه في الكتب المتقدمة من اختصاص فدك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنها ملكه الشخصي، قبض أبي بكر فدكا بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصرفه حسب اعتقاده، طلب فاطمة (عليها السلام) نصيبها من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة و إباء أبي بكر من ردّه عليها.
كلام المحقق الأردبيلي في مطاعن أبي بكر، منها اشتراك عائشة و حفصة في حجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دفن أبي بكر فيها من حصّتها و هذا تجاهل بأن هذا الدعوى مخالف لادعاء أبي بكر بأن الأنبياء لا يورّثون ....، فثبوت الملكية و الوارثية للأزواج بدفنهما أباهما في الحجرة و منع فاطمة (عليها السلام) عن الميراث عناد مع أهل البيت (عليهم السلام).
179
فقال عمر: هاتي بينة على ما تدّعين. فقالت فاطمة (عليها السلام): قد صدّقتم جابر بن عبد اللّه و جريرا بن عبد اللّه و لم تسألو هما البينة و بينتى في كتاب اللّه! فقال عمر: إن جابرا و جريرا ذكرا أمرا هيّنا و أنت تدّعين أمرا عظيما، تقع به الردّة من المهاجرين و الأنصار.
فقالت (عليها السلام): إن المهاجرين برسول اللّه و أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام) هاجروا إلى دينه و الأنصار بالإيمان باللّه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بذي القربى أحسنوا؛ فلا هجرة إلا إلينا و لا نصرة إلا لنا و لا اتباع بإحسان إلا لنا، و من ارتدّ عنا فإلى الجاهلية. فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك و احضرينا من شهد لك بما تقولين.
فبعثت إلى علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس- و كانت يومئذ تحت أبي بكر و كانت من قبل زوجة جعفر بن أبي طالب-، فشهدوا لها بجميع ما قالت. فردّ عمر شهادة الجميع و قال: كل هؤلاء يجرّون النفع إلى أنفسهم.
فقال له علي (عليه السلام): أما فاطمة (عليها السلام) فبضعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من آذاها فقد آذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من كذّبها فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما الحسن و الحسين (عليهم السلام) فابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيدا شباب أهل الجنة؛ من كذّبهما فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذا كان أهل الجنة صادقين! و أما أنا فقد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أنت مني و أنا منك و أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و الرادّ عليك كالرادّ عليّ، من أطاعك فقد أطاعني و من عصاك فقد عصاني»، و أما أم أيمن فقد شهد لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة، و دعا لأسماء بنت عميس و ذريتها.
فقال عمر: أنتم كما وصفتم به أنفسكم، و لكن شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل. فقال علي (عليه السلام): إذا كنا بحيث تعرفون و لا تنكرون، و شهادتنا لأنفسنا لا تقبل و شهادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تقبل، فإنا للّه و إنا إليه راجعون؛ إذا دعينا لأنفسنا سئلنا البينة؛ أ فما من معين يعين؟ و قد وثبتم على سلطان اللّه و سلطان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة و لا حجة؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (1) ثم قال لفاطمة (عليها السلام): انصرفي حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 227.
183
الأسانيد:
في علل الشرائع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال.
3
المتن:
رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي بكر، لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء (عليها السلام) فدك:
شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة و حطّوا تيجان أهل الفخر بجمع أهل الغدر و استضيؤوا بنور الأنوار و اقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار و احتقبوا ثقل الأوزار بغصبهم نحلة النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله).
فكأني بكم تتردّدون في العمى كما يتردّد البعير في الطاحونة؛ أما و اللّه لو أذن لي بما ليس لكم به علم، لحصدت رءوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد بقواضب من حديد، و لقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم و أوحش به محالكم.
فإني منذ عرفتموني مردي العساكر و مفني الجحافل و مبيد خضرائكم و مخمد ضوضائكم و جزّار الدوارين، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون و إني لصاحبكم بالأمس؛ لعمر أبي لن تحبّوا أن تكون فينا الخلافة و النبوة، و أنتم تذكرون أحقاد بدر و ثارات أحد.
أما و اللّه لو قلت ما سبق من اللّه فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوّارة الرحى، فإن نطقت تقولون حسد، و إن سكت فيقال جزع ابن أبي طالب من الموت. هيهات هيهات!
أنا الساعة يقال لي هذا و أنا الموت المميت، خوّاض المنيّات في جوف ليل خامد، حامل السيفين الثقيلين و الرمحين الطويلين، و مكسر الرايات في غطامط الغمرات، و مفرّج الكربات عن وجه خيرة البريات. ايهنوا فو اللّه لا بن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه؛ هبلتكم الهوابل!
182
فبعثت أسماء بنت عميس- و هي أم محمد بن أبي بكر- خادمتها فقالت: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) فاقرئيها السلام، فإذا دخلت من الباب فقولي: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (1)؛ فإن فهمتها و إلا فأعيديها مرة أخرى.
فجاءت فدخلت و قالت: إن مولاتي تقول: يا بنت رسول اللّه، كيف أنت؟ ثم قرأت هذه الآية: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ» (2)؛ فلما أرادت أن تخرج قرأتها. فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): اقرئيها السلام و قولي لها: إن اللّه عز و جل يحول بينهم و بين ما يريدون إن شاء اللّه.
فوقف خالد بن الوليد بجنبه؛ فلما أراد أن يسلّم لم يسلّم و قال: يا خالد! لا تفعل ما أمرتك، السلام عليكم. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما هذا الذي أمرك به ثم نهاك قبل أن يسلّم؟ قال: أمرني بضرب عنقك، و إنما أمرني بعد التسليم. فقال: و كنت فاعلا؟
فقال: إي و اللّه، لو لم ينهني لفعلت.
قال: فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخذ بمجامع ثوب خالد، ثم ضرب به الحائط و قال لعمر: يا ابن الصهاك! و اللّه لو لا عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كتاب من اللّه سبق، لعلمت أيّنا أضعف جندا و أقلّ عددا.
المصادر:
1. علل الشرائع: ص 190 ح 1.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 124 ح 26، عن علل الشرائع.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 762 ح 3، عن علل الشرائع.
4. نور الثقلين: ج 4 ص 272، شطرا من الحديث، عن علل الشرائع.
5. تفسير القمي: ص 500، بتفاوت و زيادة.
6. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 308.
____________
(1). سورة القصص: الآية 20.
(2). سورة القصص: الآية 20.
180
قال المفضل بن عمر: قال مولاي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): كل ظلامة حدثت في الإسلام أو تحدث و كل دم مسفوك حرام أو منكر مشهور و أمر غير محمود، فوزره في أعناقهما و أعناق من شايعهما و تابعهما و أعانهما و رضي ولايتهما إلى يوم تقوم الساعة.
و عن الحارث البصري، قال:
دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فجلست عنده، فإذا نجبة قد استأذن عليه، فأذن له. فدخل فجلس على ركبتيه، ثم قال: جعلت فداك، إني أريد أن أسألك عن مسألة ما أريد بها إلا فكاك رقبتي من النار. فكأنه رقّ له فاستوى جالسا، فقال: جعلت فداك، ما تقول في فلان و فلان؟
فقال: يا نجبة! لنا الخمس في كتاب اللّه و لنا الأنفال و لنا صفو المال؛ هما و اللّه أول من ظلمنا حقنا في كتاب اللّه و أول من حمل الناس على رقابتا و دماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت. فقال نجبة: «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» (1) ثلاث مرات؛ هلكنا و رب الكعبة.
فرفع (عليه السلام) فخذه عن الوسادة و استقبل القبلة و دعا بدعاء، فلم أفهم منه شيئا إلا إنا سمعناه في آخر دعائه و هو يقول: اللهم إنا أحللنا ذلك لشيعتنا. قال: ثم أقبل إلينا بوجهه و قال: يا نجبة! ما على فطرة إبراهيم غيرنا و غير شيعتنا.
المصادر:
1. المنتخب للطريحي: ص 131.
2. ناسخ التواريخ: مجلدات الخلفاء ج 1 ص 139.
____________
(1). سورة البقرة: الآية 156.
181
2
المتن:
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
لما منع أبو بكر فاطمة (عليها السلام) فدكا و أخرج وكيلها، جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد و أبو بكر جالس و حوله المهاجرون و الأنصار، فقال: يا أبا بكر! لم منعت فاطمة (عليها السلام) ما جعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها و وكيلها فيه منذ سنين؟!
فقال أبو بكر: هذا فيء للمسلمين، فإن أتت بشهود عدول و إلا فلا حق لها فيه. قال:
يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف ما تحكم في المسلمين؟! قال: لا. قال: أخبرني لو كان في يد المسلمين شيء فادّعيت أنا فيه، من كنت تسأل البينة؟ قال: إياك كنت أسأل. قال: فإذا كان في يدي شيء فادعى فيه المسلمون، تسألني فيه البينة؟ قال: فسكت أبو بكر. فقال عمر: هذا فيء للمسلمين و لسنا من خصومتك في شيء.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي بكر: يا أبا بكر! تقرّ بالقرآن؟ قال: بلى. قال: أخبرني عن قول اللّه عز و جل: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)؛ فينا أو في غيرنا نزلت؟ قال: فيكم. قال: فأخبرني لو أن شاهدين من المسلمين شهدا على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة ما كنت صانعا؟ قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين. قال: كنت إذا عند اللّه من الكافرين! قال: و لم؟! قال: لأنك كنت تردّ شهادة اللّه و تقبل شهادة غيره، لأن اللّه عز و جل قد شهد لها بالطهارة؛ فإذا رددت شهادة اللّه و قبلت شهادة غيره كنت عند اللّه من الكافرين. قال: فبكى الناس و تفرّقوا و دمدموا.
فلما رجع أبو بكر إلى منزله بعث إلى عمر فقال: ويحك يا ابن الخطاب! أ ما رأيت عليا و ما فعل بنا؟ و اللّه لإن قعد مقعدا آخر ليفسدنّ هذا الأمر علينا و لا نتهنّأ بشيء ما دام حيا. قال عمر: ما له إلا خالد بن الوليد. فبعثوا إليه، فقال له أبو بكر: نريد أن نحملك على أمر عظيم. قال: احملني على ما شئت و لو على قتل علي. قال: فهو قتل علي. قال: فصر بجنبه، فإذا أنا سلّمت فاضرب عنقه.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
184
لو بحت بما أنزل اللّه فيكم في كتابه لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة و لخرجتم من بيوتكم هاربين و على وجوهكم هائمين، و لكني أهون وجدي حتى ألقى ربي بيد جذّاء صفراء من لذاتكم، خلوّا من طحناتكم؛ فما مثل دنياكم عندي إلا كمثل غيم علا فاستعالى، ثم استغلظ فاستوى، ثم تمزّق فانجلى.
رويدا؛ فعن قليل ينجلي لكم القسطل، فتجدون ثمر فعلكم مرّا، أم تحصدون غرس أيديكم ذعافا ممزقا، سما قاتلا، و كفى باللّه حكما و برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خصيما و بالقيامة موقفا، و لا أبعد اللّه فيها سواكم و لا أتعس فيها غيركم. و السلام على من اتبع الهدى.
فلما قرأ أبو بكر الكتاب، رعب من ذلك رعبا شديدا و قال: يا سبحان اللّه! ما أجرأه عليّ و أنكله عن غيري!
معاشر المهاجرين و الأنصار! تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول اللّه فقلتم: إن الأنبياء لا يورّثون، و إن هذه أموال يجب أن تضاف إلى مال الفيء، و تصرف في ثمن الكراع و السلاح و أبواب الجهاد و مصالح الثغور؛ فأمضينا رأيكم و لم يمضه من يدّعيه، و هو ذا يبرق و عيدا و يرعد تهديدا؛ إيلاء بحق نبيه أن يمضخها دما ذعافا.
و اللّه لقد استقلت منها فلم أقل و استعزلتها عن نفسي فلم أعزل، كل ذلك احترازا من كراهية ابن أبي طالب و هربا من نزاعة، و ما لي لا بن أبي طالب، هل نازعه أحد ففلج عليه؟!
فقال له عمر: أبيت أن تقول إلا هكذا؟ فانت ابن من لم يكن مقداما في الحروب و لا سخيا في الجدوب. سبحان اللّه! ما أهلع فؤادك و أصغر نفسك! قد صفّيت لك سجّالا لتشربها فأبيت إلا أن تظمأ كظمائك، و أنخت لك رقاب العرب و ثبّت لك إمارة أهل الإشارة و التدبير، و لو لا ذلك لكان ابن أبي طالب قد صيّر عظامك رميما. فاحمد اللّه على ما قد وهب لك مني و اشكره على ذلك، فإنه من رقى منبر رسول اللّه كان حقيقا عليه أن يحدث اللّه شكرا.
185
و هذا علي بن أبي طالب الصخرة الصمّاء التي لا ينفجر ماؤها إلا بعد كسرها، و الحيّة الرقشاء التي لا تجيب إلا بالرّقى، (1) و الشجرة المرّة التي لو طليت بالعسل لم ينبت إلا مرّا؛ قتل سادات قريش فأبادهم و ألزم آخرهم العار ففضحهم. فطب نفسا و لا تغرّنك صواعقه و لا تهولنك رواعده، فإني أسدّ بابه قبل أن يسدّ بابك.
فقال أبو بكر: ناشدتك اللّه يا عمر لما تركتني من أغاليطك و تربيدك، فو اللّه لو همّ بقتلي و قتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ما ينجينا منه إلا ثلاث خصال: إحداها أنه واحد لا ناصر له، و الثانية أنه يتّبع فينا وصية رسول اللّه، و الثالثة فما من هذه القبائل أحد إلا و هو يتخضّمه كتخضّم ثنية الإبل أوان الربيع. فتعلم لو لا ذلك لرجع الأمر إليه و لو كنا له كارهين؛ أما إن هذه الدنيا أهون عليه من لقاء أحدنا الموت.
أنسيت له يوم أحد و قد فررنا بأجمعنا و صعدنا الجبل و قد أحاطت به ملوك القوم و صناديدهم موقنين بقتله، لا يجد محيصا للخروج من أوساطهم. فلما أن سدّد القوم رماحهم، نكس نفسه عن دابته حتى جاوزه طعان القوم، ثم قام قائما في ركابه و قد طرق عن سرجه و هو يقول: يا اللّه يا اللّه! يا جبرئيل يا جبرئيل! يا محمد يا محمد! النجاة النجاة!
ثم عهد إلى رئيس القوم فضربه ضربة على رأسه فبقي على فكّ و لسان، ثم عمد إلى صاحب الراية العظمى فضربه ضربة على جمجمته ففلقها، فمرّ السيف يهوي في جسده فبراه و دابته نصفين. فلما أن نظر القوم إلى ذلك، انجفلوا من بين يديه؛ فجعل يمسحهم بسيفه مسحا حتى تركهم جراثيم خمودا على تلعة من الأرض، يتمرّغون في حسرات المنايا و يتجرّعون كئوس الموت؛ قد اختطف أرواحهم بسيفه، و نحن نتوقع منه أكثر من ذلك.
و لم نكن نضبط أنفسنا من مخافته، حتى ابتدأت أنت منك إليه؛ فكان منه إليك ما تعلم، و لو لا أنه أنزل اللّه إليه آية من كتاب اللّه لكنا من الهالكين و هو قوله تعالى:
____________
(1). في نسخة: لا تؤثر فيه الرّقى.
187
فهجرته فاطمة (عليها السلام) و لم تكلّمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر ...
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 28 ص 353، من شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 2 ص 18، عن صحيح البخاري و مسلم.
3. صحيح البخاري: ج 8 ص 3.
4. صحيح مسلم: ج 12 ص 80.
5. تاريخ الطبري: ج 3 ص 208، على ما في العوالم.
6. السنن الكبرى: ج 6 ص 300، على ما في العوالم.
7. عوالم العلوم: ج 11 ص 625 ح 4، عن تاريخ الطبري، بتفاوت فيه.
8. تلخيص الشافي: ج 3 ص 131، على ما في العوالم، باختصار و تفاوت.
9. مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 4، على ما في العوالم، باختصار و تفاوت.
10. عوالم العلوم: ج 11 ص 626، عن تلخيص الشافي.
11. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 6 ص 46، بتفاوت يسير.
12. السقيفة و فدك: ص 106.
13. تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام للذهبي: ص 343 ح 527.
14. الثقات لا بن حبان: ج 2 ص 164.
15. جامع الأصول من أحاديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) للجزري: ج 4 ص 482.
16. تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 197.
17. كفاية الطالب: ص 370.
18. المصنف لعبد الرزاق: ج 5 ص 472.
الأسانيد:
1. في صحيح البخاري: حدثنا عبد اللّه بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
2. في السقيفة و فدك: و أخبرنا أبو زيد، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن أحمد، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
3. في تاريخ الإسلام: محمد بن يحيى بن عبد اللّه، قال الحاكم: أخبرني أبو الحسن محمد بن يعقوب، نا الحسين بن الحسن القاضي بأنطاكية، نا محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرني محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن
186
«وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ». (1)
فاترك هذا الرجل ما تركك، و لا يغرّنك قول خالد أنه يقتله فإنه لا يجسر على ذلك، و إن رامه كان أول مقتول بيده فإنه من ولد عبد مناف؛ إذا هاجوا أهيبوا و إذا غضبوا أذمّوا، و لا سيما علي بن أبي طالب، فإنه بابها الأكبر و سنامها الأطول و همامها الأعظم، و السلام على من اتبع الهدى.
المصادر:
1. الاحتجاج: ج 1 ص 127.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 140 ح 30، عن الاحتجاج.
3. نهج البلاغة: ص 52 ح 5، شطرا منها.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 755 ح 2، عن الاحتجاج.
5. بيت الأحزان: ص 113.
4
المتن:
قال ابن أبي الحديد:
و روى البخاري و مسلم في الصحيحين بإسنادهما إلى عائشة: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر.
فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه يصنعه إلا صنعته.
____________
(1). سورة آل عمران: الآية 152.
188
عروة، عن عائشة.
4. في المسند لأحمد: حدثني عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
5. في السنن الكبرى: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن يحيى بن عبد الجبار ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
6. في تاريخ المدينة: حدثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن ثورة، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال.
5
المتن:
عن الباقر (عليه السلام)، قال:
قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبته يوم الغدير: ألا إن أعداء علي (عليه السلام) هم العادون.
و قوله: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» متواترة و الأخبار في قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «عدو علي (عليه السلام) عدوي و عدوي عدو اللّه» كثيرة.
... و الباغي ما يدل على تأويل العادي بمن اعتدى على الإمام و قال بإمامة من ليس بإمام.
و سيأتي في الكذب ما يدل على تأويل «مُعْتَدٍ أَثِيمٍ» (1) بالأول و الثاني، و في «المنّاع» ما يدل على تأويل «مُعْتَدٍ مُرِيبٍ» (2) بالثاني، حيث اعتدى على فاطمة (عليها السلام) لما مزّق الكتاب الذي أعطاها الأول في ردّ فدك إليها ....
المصادر:
1. مقدمة تفسير البرهان: ص 245، عن الاحتجاج.
2. الاحتجاج: على ما في مقدمة البرهان.
____________
(1). سورة المطففين: الآية 12.
(2). سورة ق: الآية 25.
189
6
المتن:
في تفسير علي بن إبراهيم:
«مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» (1)، قال: المنّاع الثاني و الخير ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و حقوق آل محمد (عليهم السلام).
و لما كتب الأول كتاب فدك بردّها على فاطمة (عليها السلام)، منعه الثاني و مزّق الكتاب فهو «مُعْتَدٍ مُرِيبٍ». (2)
المصادر:
1. تفسير القمي: ج 2 ص 326.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 113 ح 9.
3. مقدمة تفسير البرهان: ص 301، عن تفسير القمي.
7
المتن:
عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قالت:
لما اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي و أيست من إجابته لها، عدلت إلى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فألقت نفسها عليه و شكت إليه ما فعله القوم بها و بكت حتى بلّت تربته (صلّى اللّه عليه و آله) بدموعها و ندبته، ثم قالت في آخر ندبتها:
قد كان بعدك أنباء و هنبثه * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا
____________
(1). سورة ق: الآية 25.
(2). سورة ق: الآية 25.
191
قال أبو عثمان الجاحظ على ما حكي عنه علم الهدي المرتضى:
و قد زعم الناس إن الدليل على صدق خبرهما- يعني أبا بكر و عمر- في منع الميراث و براءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النكير عليهما، ثم قال: فيقال لهم:
لإن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكون ترك النكير على المتظلّمين منهما و المحتجين عليهما و المطالبين لهما بدليل دليلا على صدق دعواهم و استحسان مقالتهم، لا سيما و قد طالت المحاجّات و كثرت المراجعة و الملاحات و ظهرت الشكيمة و اشتدت الموجدة، و قد بلغ ذلك من فاطمة (عليها السلام) حتى أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر.
و قد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها و محتجّة برهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال: أهلي و ولدي. قال: فما بالنا لا نرث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فلما منعها ميراثها و بخسها حقها و اعتلّ عليها و لجّ في أمرها و عاينت التهضّم و أيست من النزوع و وجدت من الضعف و قلة الناصر، قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك. قالت: و اللّه لا أكلّمك أبدا. قال: و اللّه لا أهجرك أبدا.
فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعه فإن في ترك النكير على فاطمة (عليها السلام) دليلا على صواب طلبها، و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت و تذكيرها ما نسيت و صرفها عن الخطاء و رفع قدرها عن البذاء و أن تقول هجرا أو تجور عادلا أو تقطع واصلا. فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا، فقد تكافأت الأمور و استوت الأسباب، و الرجوع إلى أصل حكم اللّه في المواريث أولى بنا و بكم و أوجب علينا و عليكم.
ثم قال: فإن قالوا: كيف يظنّ بأبي بكر ظلمها و التعدي عليها، و كلما ازداد فاطمة (عليها السلام) عليه غلظة ازداد لها لينا و رقّة حيث تقول: و اللّه لا أكلّمك أبدا، فيقول: و اللّه لا أهجرك أبدا، ثم تقول: و اللّه لأدعونّ عليك، فيقول: و اللّه لأدعونّ لك.
190
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغبت عنا فكل الخير محتجب
فكنت بدرا و نورا يستضاء به * * * عليك ينزل من ذي العزة الكتب
تجهمتنا رجال و استخف بنا * * * بعد النبي وكل الخير مغتصب
سيعلم المتولّي ظلم حامّتنا * * * يوم القيامة أنّى سوف ينقلب
فقد لقينا الذي لم يلقه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب
فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت * * * لنا العيون بتهمال له سكب
المصادر:
الأمالي: ص 40 ح 8.
8
المتن:
عن أبي سعيد الخدري، قال:
لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاءت فاطمة (عليها السلام) تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لأعلم إن شاء اللّه إنك لن تقولي إلا حقا، و لكن هاتي بينتك. فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت. فقال: امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها.
المصادر:
1. مصباح الأنوار (مخطوط): ص 245.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 630 ح 18، عن مصباح الأنوار.
3. بحار الأنوار: ج 29 ص 208 ح 43.
9
المتن:
قال المحدث القمي:
192
ثم يحتمل هذا الكلام الغليظ و القول الشديد في دار الخلافة و بحضرة قريش و الصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء و الرفعة و ما يجب لها من التنويه و الهيبة، ثم يمنعه ذلك أن قال متعذّرا أو متقرّبا الكلام المعظّم لحقها المكبّر لمقامها و الصائن لوجهها و المتحنّن عليها: ما أحد أعزّ عليّ منك فقرا و لا أحبّ إليّ منك غنا، و لكن سمعت رسول اللّه يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه فهو صدقة.
قيل لهم: أ ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم و السلامة من الجور العمد؟
و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر إذا كان أريبا و للخصومة معتادا أن يظهر كلام لمظلوم و ذلّة المنتصف و جدة الرامق و مقة المحق؛ انتهى كلام الجاحظ.
روى الطبري و الثقفي أنهما قالا في تاريخيهما:
أنه جاءت عائشة إلى عثمان فقالت: اعطني ما كان يعطيني أبي و عمر. قال: لا أجد له موضعا في الكتاب و لا في السنة، و لكن كان أبوك و عمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما و أنا لا أفعل. قالت: فاعطني ميراثي من رسول اللّه. قال: أو لم تجيء فاطمة تطلب ميراثها من رسول اللّه فشهدت أنت و مالك بن أوس البصري إن النبي لا يورّث و أبطلت حق فاطمة (عليها السلام)، و جئت تطلبينه؟! لا أفعل.
و زاد الطبري: و كان عثمان متّكأ، فاستوى جالسا و قال: ستعلم فاطمة أيّ ابن عم لها مني اليوم؛ أ لست و أعرابي يتوضّا ببوله شهدت عند أبيك؟
قالا جميعا في تاريخيهما.
المصادر:
بيت الأحزان: ص 126.
10
المتن:
كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث المفضل بن عمر فيما يكون عند ظهور المهدي (عليه السلام)، و هو حديث طويل جدا، إلى أن يقول (عليه السلام):
193
... ثم تبتدئ فاطمة (عليها السلام) و تشكو ما نالها من أبي بكر و عمر، و أخذ فدك منها، و مشيها إليه في مجمع من المهاجرين و الأنصار، و خطابها له في أمر فدك و ما ردّ عليها من قوله:
إن الأنبياء لا تورث، و احتجاجها بقول زكريا و يحيى و قصة داود و سليمان (عليهم السلام)، و قول عمر: هاتي صحيفتك التي ذكرت أن أباك كتبها لك، و إخراجها الصحيفة و أخذه إياها منها و نشره لها على رءوس الأشهاد من قريش و المهاجرين و الأنصار و سائر العرب و تفله فيها و تمزيقه إياها، و بكاءها و رجوعها إلى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) باكية حزينة، تمشي على الرمضاء قد أقلقتها و استغاثتها باللّه و بأبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تمثّلها بقول رقيقة بنت صيفي:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب
إلى آخر الأبيات.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 53 ص 18، عن الهداية.
2. الهداية: ص 392.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 749 ح 1، عن الهداية.
4. حلية الأبرار: ج 2 ص 652.
5. إلزام الناصب: ج 2 ص 267، عن الهداية.
6. نوائب الدهور: ج 3 ص 147، عن كتاب أحوال الأئمة (عليهم السلام) و دلائلهم.
7. أحوال الأئمة (عليهم السلام) و دلائلهم، على ما في النوائب.
8. صحيفة الأبرار، على ما في النوائب.
9. حلية الأبرار: ج 2 ص 666.
الأسانيد:
في البحار: روي في بعض مؤلفات أصحابنا، عن الحسين بن حمدان، عن محمد بن إسماعيل و علي بن عبد اللّه الحسني، عن أبي شعيب و محمد بن نصير، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر، قال.
194
11
المتن:
في ذكر مصالحة أهل فدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إجلائهم عمر إلى الشام:
لما أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى خيبر فدنا منها، بعث محيّصة بن مسعود الحارثي إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام و يخوّفهم أن يغزوهم كما غزا أهل خيبر و يحلّ بساحتهم.
قال محيّصة: فجئتهم فأقمت عندهم يومين، فجعلوا يتربّصون و يقولون بالنطاة عامر و ياسر و الحارث و سيد اليهود مرحب: ما نرى محمدا بقرب حراهم، (1) إن بها عشرة آلاف مقاتل. قال محيّصة: فلما رأيت خبثهم أردت أن أرجع، فقالوا: نحن نرسل معك رجلا منا يأخذون لنا الصلح، و يظنون أن يهود تمتنع.
فلم يزالوا كذلك حتى جاءهم قتل أهل حصن ناعم و أهل النجدة منهم، ففتّ ذلك أعضادهم. فقدم رجل من رؤسائهم يقال له نون بن يوشع في نفر من يهود، فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يحقن دماءهم و يجليهم، و يخلّوا بينه و بين الأموال. ففعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و يقال: عرضوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخرجوا من بلادهم و لا يكون للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليهم من الأموال شيء، فإذا كان أوان جذاذها جاءوا فجذّوها. فأبى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقبل ذلك، و قال لهم محيصة: ما لكم منعة و لا حصون و لا رجال، و لو بعث إليكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مائة رجل لساقوكم إليه. فوقع الصلح بينهم بأن لهم نصف الأرضين بتربتها، و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نصفها. فقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك؛ يقول محمد بن عمر: و هذا أثبت القولين.
و أقرّهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على ذلك و لم يأتهم. فلما كان عمر بن الخطاب و أجلى يهود خيبر، بعث إليهم من يقوّم أرضهم. فبعث أبا الهيثم مالك بن التيهان- بفتح الفوقية و كسر التحتية المشدّدة و بالنون و فروة بن عمرو بن جبار- بتشديد الموحدة- بن
____________
(1). قيل: ان حرارهم اسم مكان.
195
صخر و زيد بن ثابت، فقوّموها لهم النخل و الأرض. فأخذها عمر و دفع إليهم نصف قيمة النخل بتربتها؛ فبلغ ذلك خمسين ألف درهم أو يزيد، و كان ذلك المال جاء من العراق، و أجلاهم إلى الشام.
المصادر:
1. سبل الهدي و الرشاد: ج 5 ص 138.
2. المغازي للواقدي: ج 2 ص 706.
12
المتن:
لما تولّى أبو بكر الخلافة، أرسل إلى من ينتزع فدك من فاطمة (عليها السلام). فنازعته في ذلك، و لما طلب منها البينة على النحلة، قيل: عليه أنه الغريم لها فتكون عليه البينة و لا تطلب البينة من ذي اليد على ما في يده، بالضرورة من الدين.
أما شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن، فهي على وجه التبرع و الاستظهار و إلزام أبي بكر لفاطمة (عليها السلام) بالإشهاد، و إن عليا (عليه السلام) شهد لفاطمة (عليها السلام) بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدكا. فأسقطوا شهادته بحجة أنه يريد الفائدة لنفسه أو بحجة نقص الشهود.
و شهد أبو بكر أن ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيء للمسلمين، فقبلوا شهادته؛ فلما ذا هذه التفرقة في الشهادتين؟!
المصادر:
فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 252.
196
13
المتن:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها:
أما بعد يا ابن حنيف! فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها؛ يستطاب لك الألوان ....
ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه و من طعمه بقرصيه؛ ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، فو للّه ما كنزت من دنياكم تبرا و لا ادّخرت من غنائمها وفرا و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا.
بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها آخرين، و نعم الحكم اللّه، و ما أصنع بفدك و غير فدك.
المصادر:
1. نهج البلاغة: ص 416 ح 45 من رسائله (عليه السلام).
2. بحار الأنوار: ج 40 ص 340 ح 27، عن نهج البلاغة.
3. تقريب المعارف: ص 241، شطرا منه.
4. معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة (عليهم السلام): ج 1 ص 220، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
5. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 2 ص 75.
14
المتن:
قال محمد بن الحسن الحر العاملي في ذكر فدك:
و أخرج عن مسلم و البخاري، عن عائشة مجيء فاطمة (عليها السلام) يلتمس أرضها و ميراثها، فردّ أبو بكر ب «لا تورّث». فهجرته حتى ماتت، و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذنه بها.
197
قال: و من البخاري: من أغضبها فقد أغضبني، و في مسلم: يؤذيني ما آذاها، و رووا جميعا أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إن اللّه ليغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)، و قد قال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ». (1)
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 366 ح 194.
15
المتن:
البخاري بأسناده، عن عروة بن الزبير:
إن عائشة أخبرته: إن فاطمة ابنة رسول اللّه سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه قال:
لا نورّث ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه، فهجرت أبا بكر. فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه ستة أشهر.
قالت: و كانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة ...؛ فأما خيبر و فدك فأمسكهما عمر.
المصادر:
1. عوالم العلوم: ج 11 ص 624 ح 3، عن صحيح البخاري.
2. صحيح البخاري، على ما في العوالم.
3. صحيح مسلم: ج 12 ص 80.
4. جمع الفوائد من جامع الأصول و مجمع الزوائد: ج 1 ص 767 ح 18/ 5162.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 57.
198
الأسانيد:
1. في صحيح مسلم: حدثنا ابن نمير، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي و حدثنا زهير بن حرب و الحسن بن علي الحلواني، قالا: حدثنا يعقوب- و هو ابن إبراهيم-، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة.
2. في السنن الكبرى: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد القطان، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد العزيز الأويسى، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته.
16
المتن:
ذكر البخاري بأسناده، عن عائشة:
أن فاطمة بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول اللّه قال: لا نورّث ما تركناه صدقة ....
المصادر:
1. صحيح البخاري: ج 5 ص 82.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 624 ح 2، عن صحيح البخاري.
3. صحيح مسلم: ج 12 ص 76.
4. الفصول المهمة في تأليف الأمة: ص 89، بتفاوت فيه.
5. الصواعق المحرقة: ص 14، بتفاوت يسير.
6. السقيفة و فدك: ص 105.
7. شرح الآثار للطحاوي: ج 2 ص 4.
8. السنن الكبرى: ج 6 ص 300.
9. الطبقات الكبرى: ج 2 ص 314.
10. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ج 7 ص 156 ح 4803.
11. تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 196.
12. جامع الأصول: ص 387.
199
الأسانيد:
1. في صحيح مسلم: حدثني محمد بن رافع، أخبرنا حجين، حدثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
2. في صحيح البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
3. في السقيفة و فدك: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا سويد بن سعيد و الحسن بن عثمان، قالا: حدثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
4. في معاني الآثار: حدثنا فهد، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال: حدثني الليث، قال:
حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته.
5. في السنن الكبرى: أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، أخبرني أبو النضر محمد بن محمد الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: قلت لأبي اليمان: أخبرك شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته.
6. في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت.
7. تاريخ المدينة: حدثنا سويد بن سعيد و الحسن بن عثمان، قالا: حدثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
17
المتن:
قال الحسين بن مساعد الحائري في الفصل الخامس عشر من كتاب الزيادات، يرفعه إلى الحسين بن علي (عليه السلام)، قال:
جاء أبو بكر إلى فاطمة (عليها السلام)، فأمرت بالباب تصفق في وجهه، فقال: لم تغضبين عليّ يا بنت رسول اللّه، يا سيدتي؟! قالت: أغضبت عليك من منعك إيّاي فدك. فقال: بأبي أنت و أمي، قولي: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: هي لك خاصة؛ فو اللّه إني لظالم إذ دفعتك عنها. قالت:
لا أقول ذلك.
200
قلت: و قد نقلت من صحيحي مسلم و البخاري من الفصل السابع و الثلاثون في فضائل فاطمة (عليها السلام) حديثا في قصة فدك، فليطلب من هناك؛ و لفاطمة (عليها السلام) في معناها خطبة جليّة، ذكرها صاحب كتاب السقيفة و غيره من الأئمة، فليطلب ما هناك.
المصادر:
1. تحفة الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) للحائري (مخطوط): الفصل الخامس عشر.
2. كتاب الزيادات، على ما في تحفة الأبرار.
18
المتن:
قال ابن أبي الحديد بعد نقل خبر بعث زينب قلادتها في فداء أبي العاص و ردّ المسلمين عليها تكريما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
قلت: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر، فقال: أ ترى أبا بكر و عمر لم يشهدا هذا المشهد؟! أ ما كان يقتضى التكريم و الإحسان أن يطيّب قلب فاطمة (عليها السلام) بفدك و يستوهب لها من المسلمين، أ تقصر منزلتها عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن منزلة زينب أختها و هي سيدة نساء العالمين؟! هذا إذا لم يثبت لها حق، لا بالنحلة و لا بالإرث.
فقلت له: فدك بموجب خبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم. فقال: و فداء أبي العاص بن الربيع قد صار حقا من حقوق المسلمين، و قد أخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منهم.
فقلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب الشريعة و الحكم حكمه و ليس أبو بكر كذلك. فقال:
ما قلت: هلّا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا فدفعه إلى فاطمة (عليها السلام)، و إنما قلت: هلّا استنزل المسلمين عنه و استوهبه منهم لها كما استوهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين فداء
201
أبي العاص؟! أ تراه لو قال: هذه بنت نبيكم قد حضرت تطلب هذه النخلات، أ فتطيبون عنها نفسا؛ أ كانوا منعوها ذلك؟!
فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا؛ قال: إنهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرّم، و إن كان ما أتياه حسنا في الدين.
المصادر:
1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 13 ص 190.
2. الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): ج 3 ص 256.
3. القطرة للمظفري: ص 246، شطرا منه، بتفاوت فيه.
19
المتن:
قال الفاضل الدربندي بعد ذكر كلام أبي بكر بعد خطبة فاطمة (عليها السلام):
قال ابن أبي الحديد: قلت ذات يوم لأستادي و شيخي أبي جعفر النقيب المعتزلي:
إلى من يعترض أبو بكر في كلامه هذا؟ قال: يا ولدي، ليس هذا بتعريض بل تصريح.
فقلت له: لو كان تصريحا لما سألتك عنه. فاستحسن و تبسّم، ثم قال: يعترض به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). فقلت: أمثل أبي بكر يعترض بمثل ذلك الكلام إلى مثل علي (عليه السلام)؟! فقال لي يا ولدي، الملك عقيم.
أقول: لو كان ابن أبي الحديد و أستاده قد سلكا جادة الإنصاف و الإيمان باللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، لحكما بكفر أبي بكر و زندقته و إلحاده و ارتداده لأجل ذلك الكلام منه، إن قطعا النظر عن سائر الوجوه الدالة على كفره و زندقته و إلحاده و ارتداده لأجل ذلك الكلام منه، و إن قطعا النظر عن سائر الوجوه الدالة على كفره و زندقته.
202
ثم ذكر ابن أبي الحديد بعد كلام طويل منه، تمسّك الأخيف بأنه سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، فما تركناه صدقة، و ذكر بعد ذلك اعتراض السيد الأجل السيد المرتضى علم الهدى عليه بأن هذا مما انفرد بروايته أبو بكر فقط، حتى إن صاحبه عمر لم يدّع هذه الدعوى؛ على أن أخبار الآحاد ليست بحجة في الفروع فضلا عنا الأصول، و بعد التنزل عن ذلك إنها لا تقاوم لمعارضة العمومات الكثيرة من الكتاب.
ثم أورد ابن أبي الحديد إيرادات على المرتضى و أطال الكلام بما لا طائل تحته أصلا، بل أتى بالمتناقضات المتدافعات التي ليست إلا كالثياب الخلقة، كلما رقعت من جانب تهتك من جانب آخر.
ثم قال هذا الزنديق في آخر الشرح لهذه الكتابة: و أما ما زعمت الرفضة من أن فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى بيت أبي بكر فأعطاها قرطاس فدك. فلما خرجت من دار أبي بكر صادفها في الطريق عمر، فأخذ القرطاس من يدها فبقره، قالت: بقر اللّه بطنك كما بقرت قرطاسي؛ فهو من كثرة معاندتهم للصحابة؛ قاتلهم اللّه.
ثم قال أيضا: إني صادفت في الحلة الفيحاء عالما علويا من علمائهم، فقلت له: أنتم معشر الرفضة حمقاء جهلاء. قال: فلم ذا؟! قلت: أنتم تدّعون أن أبا بكر و عمر غصبا الخلافة و كانت حقا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و مع ذلك تذكرون قضية فدك في عنوان مستقل و تطيلون الكلام فيها مع إن ذلك ليس إلا من فضول الكلام و الأمر الصادر من الحماقة؛ أ ما يكفي عنوان غصب الخلافة الذي يقال في مثله: فكلّ الصيد في جوف الفرا عن عنوان غصب فدك و أضعاف أضعاف أمثاله؟
فقال لي: الآن قد ظهر لي جهالتكم المركّبة- يا معشر أهل السنة- مضافة إلى ضلالتكم و غوايتكم المحقّقة. فقلت له: فكيف ذا؟! فقال: أ ما علمتم أن إماميكم أبا بكر و عمر كانا صاحبي دهاء و نكراء؟ فقد تفكّرا عند أنفسهما و تخيّلا أن غصب الخلافة و نزعها عن أهلها لا يفيد لهما ثمرة بل لا يتمشّى أصلا بدون غصب فدك و نزعها عن
204
فكيف لا تكون تلك الكلمات الصادرة من الأخيف دالة على ارتداده و إلحاده و زندقته و كفره؟ و اللّه الذي فضّل محمدا و آله المعصومين (عليهم السلام) على العالمين إن ديدن هؤلاء المتنصّبين المتعصّبين ذوي الأذناب الطويلة و الآذان العريضة، يضحك الثكلى، حيث يقولون بصحة المقدمات البرهانية من حيث الشروط الجهاتية و المادية، و مع ذلك لا يحكمون بحصول النتيجة و ينقضون أصلهم المؤصّل من أن العلم بالنتيجة من باب جريان عادة اللّه تعالى على خلقه عقيب المقدمتين.
و بالجملة، فإن الواسطة غير معقولة، بمعنى أن العالم الخبير من أهل السنة إما أنه لا بد أن يتبصّر و يتشيّع و إما أنه مرتد و زنديق و في الضلالة و الطغيان و الكفران غريق.
المصادر:
أسرار الشهادة: ص 129.
20
المتن:
قال محمد بن الحسن الحر العاملي في مطاعن أبي بكر:
... و منها: منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من قرى خيبر، نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها و قد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير، و أورد في مناقبها: فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من أغضبها فقد أغضبني.
و قد شهد لها علي (عليه السلام) مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: يدور مع الحق حيثما دار، و قوله: علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، مع أنه قد روي أنها كانت في يدها فأخرج عمّالها منها.
و أيضا طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و هي محكمة كما قال صاحب التقريب و عارضها برواية تفرّد بها، و خبر الواحد إذا عارض القرآن
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
203
أهل بيت الرحمة و العصمة (عليهم السلام)، و ذلك إن منافع فدك كانت في كل سنة مقدار ما يبلغ اثني عشر ألف دينار. فلما أرادا أن يسدّا باب بيت الرحمة و النبوة و الخلافة و الإمامة و يقلّا زوّار هذا الباب و المتردّدين إليه بل أن ينفيا و يعدما رجوع أحد إليه، غصبا فدك و نزعاها عن أهله ليقطعا من الأصل ما به معيشتهم و معيشة أعضادهم و أنصارهم، حتى يأمنا عند خيالهما عن وثبة واثب عليهما.
ففي مثل غصب فدك يليق أن يقال: فكلّ الصيد في جوف الفرا. فجعل علماؤنا لقضية فدك عنوانا مستقلا في كتبهم؛ و تحقيق الحال في غصب الأخيف و صاحبه إياها ليس من فضول الكلام و ما لا طائل تحته، بل إن ذلك مما يجب أن يفصل و يبسط فيه الكلام حتى يطلع الناس على الخبايا في زوايا.
فهذا حاصل كلام هذا العالم العلوي، و اللّه لقد أفاد و أجاد و لم يتكلّم إلا بالصدق و الصواب؛ جزاه اللّه تعالى خيرا.
ثم قال ابن أبي الحديد في آخر كلامه بعد نقل كلام ذلك العالم العلوي:
انظروا إلى هذا الرافضي- قاتله اللّه- كيف يجادل و يغالط هذا!
أقول: إخواني! لا تغترّوا بما في السنة جمع دائر من أن ابن أبي الحديد تفيد كلماته شرح نهج البلاغة تشيّعه و تبصّره؛ لا و اللّه العلي العظيم. فإن هذا لا يقوله في شأنه إلا قليل التتبع في كلماته أو قليل التدبر في فهم المطالب، و قد عرفت إن ذلك الزنديق قد اختار- فيما تقدّمت إليه الإشارة- التنصب في النهاية و التعصب في غاية الغاية، مع صدور إقرار منه و من شيخه.
و هكذا من إمام مذهبهم أي الواقدي بأن فدك كانت لفاطمة الصديقة (عليها السلام) لتمليكها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إياها بالهبة، و صدور اعتراف منهم أيضا بأن خير البشر حجة اللّه على جميع خلقه، أخا الرسول و وصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام) قد شهد بذلك، و صدور إذعان منهم أيضا بأن الأخيف قد صعد المنبر و تكلم بتلك الكلمات: سبحان اللّه! و اعجبا من حماقة هؤلاء القوم أي أصحاب الأذناب الطويلة أو من زندقتهم، و كيف لا فإنه إذا كان من المتّفق عليه بين الفرقتين صحة رواية أن عليا (عليه السلام) خير البشر فمن أبى فقد كفر.
206
و قلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل: و هل كانت فدك إلا نخلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال لي: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألا يتقوّى علي (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة، لهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة و علي (عليهما السلام) و سائر بني هاشم و بني المطلب حقهم في الخمس؛ فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة.
المصادر:
1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 234.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 886 ح 99، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، شطرا منه.
3. فاطمة الزهراء (عليها السلام) للكعبي: ج 2 ص 146.
22
المتن:
روى الشيخ عبد علي بن حسين الجزائري من علمائنا في رسالته الموسومة بالعين العبري في تظلم الزهراء (عليها السلام)، نقلا من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري، و ذكر حديثا فيه:
إن فاطمة (عليها السلام) لما منعها أبو بكر فدكا، قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا، و اللّه لأدعون اللّه عليك.
فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها.
و روى رواية أخرى من كتاب السقيفة أنها طلبت منه ميراثها وهبتها فمنعها، و أن عليا (عليه السلام) و أم أيمن شهدا لها فلم يقبل شهادتهما.
207
و روى من عدة طرق من كتب أهل السنة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال: يا جبرئيل، و ما حقه؟ قال: فاطمة (عليها السلام) تدفع إليها فدكا. فدفع إليها فدكا ثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلّتهما حتى توفّي أبوها. فلما بويع أبو بكر كان منه ما كان.
و روى حديثا من صحيح البخاري من الجزء الخامس مضمونه: أن فاطمة (عليها السلام) طلبت ميراثها من أبيها فمنعها أبو بكر، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر.
و في رواية أخرى من كتاب السقيفة: أن فاطمة احتجّت على أبي بكر بقوله تعالى:
«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قوله تعالى عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)، و قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (4)، فلم يقبل منها و قال: النبي لا يورث؛ فهجرته حتى ماتت.
و في رواية أخرى: أن أبا بكر حكم لها أولا ثم منعه عمر ثم اتفقا على منعها، و نقل عن ابن أبي الحديد أنه قال: إن فاطمة (عليها السلام) انصرفت ساخطة، قال: و لست اعتقد أنها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة، بل أعلم و اعتقد أنها انصرفت ساخطة، و ماتت و هي على أبي بكر واجدة لأخبار أخرى و وقائع و مصائب تترى.
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 379.
23
المتن:
قال الكمرهاي- شارح شرح الخوئي لنهج البلاغة- في قوله: «و سخت عنها نفوس آخرين»:
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(4). سورة النساء: الآية 11.
205
كان مردودا للأمر بعرضه على القرآن، ثم قال: أ ليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري، و رواه أيضا عن مجاهد و السدي: إنه لما نزل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها فدكا.
قال: و أخرج البخاري أنها قالت: أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ أين أنت من قوله تعالى:
«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قوله في زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3)
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 365.
21
المتن:
قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الأقوال في ذكر فدك:
... و أما ما يرويه رجال الشيعة و الأخباريون منهم في كتبهم من قولهم: أنهما أهاناها و أسمعاها كلاما غليظا و إن أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن حاضرا، فكتب لها بفدك كتابا.
فلما خرجت به وجدها عمر، فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة فمنعته، فدفع بيده في صدرها و أخذ الصحيفة فخرقها بعد تفل فيها فمحاها، و أنها دعت عليه فقالت: بقر اللّه بطنك كما بقرت صحيفتي ....
و قال علوي من الحلة يعرف بعلي بن مهنّا، ذكيّ ذو فضائل: ما تظن قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قلت: ما قصدا؟ قال: ألا يظهرا لعلي- و قد اغتصباه الخلافة- رقّة و لينا و خذلانا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعا القرح بالقرح.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم: الآية 6.
208
يظهر من بعض الشّراح أن المراد من نفوس آخرين هم أهل البيت (عليهم السلام)، أي تركوها في أيدي الغاصبين و انصرفوا عنها. قال الشارح المعتزلي: «و سخت عنها نفوس آخرين» أي سامحت و أغضت و ليس يعني بالسخاء هاهنا إلا هذا لا السخاء الحقيقي، لأنه (عليه السلام) و أهله لم يسمحوا بفدك إلا غضبا و قسرا.
قال الكمرهاي: أقول: يمكن أن يكون المراد من الآخرين عموم الأنصار، حيث سكتوا عن مطالبة حقهم و قعدوا عن نصرتهم لاسترداده و إن لم يبخلوا بكونها في أيديهم؛ هذا هو الظاهر، لأنه (عليه السلام) في مقام الشكوى إلى اللّه عمن ظلمه و أهله في غصب فدك، و قد سامح الأنصار في نصرته لردّها بعد مطالبتها من جانب فاطمة (عليها السلام).
المصادر:
1. منهاج البراعة: ج 20 ص 96.
2. القطرة: ص 223، بتفاوت يسير.
24
المتن:
قال البلاذري في ذكر إسارة أبي العاص في يوم بدر و فداء زينب بقلادتها فداء له:
... فلما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، و بعثت معه بقلادة لها كانت خديجة و هبتها لها حين أدخلتها على أبي العاص. فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عرفها، فرقّ لها رقّة شديدة و قال للمسلمين: إن رأيتم أن تردّوا قلادة زينب و مالها عليها و تطلقوا أسيرها فافعلوا. فقالوا: نعم و نعمه (1) عين يا رسول اللّه، فأطلقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1). هكذا في المصدر.
209
قيل: فكما أن القلادة كانت للمسلمين و وهبوا لزينب على كرامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما بال أبو بكر أن يتأسّى برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و على أن فدك كانت للمسلمين و ما كانت أن وهبها لفاطمة (عليها السلام) و يرضى المسلمون بها ....
المصادر:
جمل من أنساب الأشراف للبلاذري: ج 2 ص 24.
25
المتن:
قال السيد حسن القزويني في إنكار و اعتذار أبي بكر:
تضافرت النصوص في الصحاح و السنن و السير و التواريخ المعتبرة أن فدك كانت خاصة خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع ذلك لا معنى لإنكار أبي بكر أن هذا المال ليس ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان فيئا للمسلمين، محتجّا بأنى كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه، فإنه يتوجّه عليه سؤال البينة على دعواه الفيء لا طلب البينة من فاطمة (عليها السلام)، و لا يصح الاعتذار بأنه وليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ ليس للولي التصرف الابتدائى في أموال المولّى عليه من غير تعيينه.
لا يجوز لولي الأمر من بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعمل في فدك حذو إرادته، بل يجب تركها لأهله من ذوي قرابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم ملاكها بصريح قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى» (1)؛ فهم يتصرفون فيها طبق إرادتهم.
المرء يفعل في أمواله ما يشاء و لا يكون لوليه ذلك من بعده في الزائد على ما أوصى به، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يوصي بشيء في فدك بالضرورة و إلا لم يقع الخلاف فيها- و قد وقع- حتى عدّه الشهرستاني في الملل و النحل من الاختلافات الواقعة بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
210
قائلا: الخلاف السادس في أمر فدك التوارث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و دعوى فاطمة (عليها السلام) وراثة تارة و تمليكا أخرى، أي عن طريق النحلة.
قال في معجم البلدان: و في فدك اختلاف كثير في أمره بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر و آل رسول اللّه (عليهم السلام)، و من رواة خبرها من رواه بحسب الأهواء و شدة المراء.
قلت: مع هذا الاختلاف الكثير كيف تطمئن النفس بالرواية المنسوبة إلى أبي بكر في دفع فاطمة (عليها السلام) عن ميراثها بحجة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، أم كيف يذعن بأن تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة في قبال القطع و الإذعان بأن ما تركه الميت فلوارثه.
و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فدك بما يراه من صرف حاصلاتها في ذوي قرابته و ما يفضل عنهم يصرفه في الجهاد يحتاج إلى الإثبات، و على تقديره لا يكون ذلك شاهدا على كون فدك فيئا للمسلمين، فلم لا يكون صرف المحصول في ذوي القرابة و الأهل شاهدا على أن فدك ملك شخصي للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) يرثونها منه.
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 41.
26
المتن:
قال السيد حسن القزويني في منازعة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في فدك:
صريح جميع المسطورات التاريخية و غيرها من الصحاح كالبخاري و مسلم و سنن أبي داود و كتب المناقب أن فاطمة (عليها السلام) لم تسكت عن فدك ما دامت في الحياة، بل كانت تأتي مرة بعد أخرى حتى في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمرأى من المسلمين، و تدّعي كون فدك لها تارة بعنوان النحلة من أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تقيم البينة على دعواها، و أخرى بعنوان: الوارثة.
211
و تحاجج مع أبي بكر بألسنة مختلفة:
تارة بقولها لأبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ قال: بل أهله كما في مسند أحمد.
و أخرى بقولها: يا أبا بكر! أ في كتاب اللّه أن ترثك ابنتك و لا أرث أبي؟ كما في سيرة الحلبي.
و ثالثة بقولها: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، كما في خطبتها التي حكاها بتمامها و ضبط أسانيدها ابن أبي الحديد المعتزلي؛ تركنا ذكرها طلبا للاختصار و هي أيضا مذكورة في كتاب «بلاغات النساء» لابن طيفور البغدادي.
و رابعة: مجيؤها مع علي (عليه السلام) إلى أبي بكر و الاحتجاج معه بالقرآن من قوله تعالى:
«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى: رب «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و قوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3)، كما في مختصر كنز العمال المطبوع في حاشية المسند لأحمد.
و خامسة: ما رواه ابن أبي الحديد، عن أبي بكر الجوهري، عمن رواه، قال: دخلت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر بعد ما استخلف، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها، فقالت له:
لإن متّ اليوم من كان يرثك؟ قال: ولدي و أهلي. قالت: فلم ورثت أنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دون ولده و أهله؟ قال: فما فعلت يا بنت رسول اللّه؟ قالت: بلى، إنك عمدت إلى فدك و كانت صافية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأخذتها و عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنا إلى غير ذلك من جهات الكلام و أطوار المنازعة و الخصام و وجوه الاحتجاج على أبي بكر.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(3). سورة النساء: الآية 11.
212
المستظهر من التواريخ و السير و الصحاح كما سيتلى عليك أن فدك كانت نحلة و عطيّة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و أنه دفعها إليها في حياته، و يوم وفاته كانت في يد فاطمة (عليها السلام).
و لما تولّى أبو بكر الخلافة، أرسل من ينتزع فدك من فاطمة (عليها السلام). فنازعته في ذلك، و لما طلب منها البينة على النحلة قيل عليه: أنه الغريم لها فتكون عليه البينة، و لا تطلب البينة من ذي اليد على ما في يده بالضرورة من الدين.
و أما شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن، فهي على وجه التبرع و الاستظهار و إلزام أبي بكر لفاطمة (عليها السلام) بالإشهاد.
إن عليا (عليه السلام) شهد لفاطمة بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدك، فأسقطوا شهادته و شهد أبو بكر أن ميراث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فيء للمسلمين. فقبلوا شهادته و لم يعلم الوجه في الإسقاط و القبول في المقامين!
قيل: إن فاطمة (عليها السلام) ادعت الميراث أولا ثم ادعت النحلة ثانيا، و ليس كذلك بل الأمر بالعكس.
قال في سيرة الحلبي: إن طلب فاطمة (عليها السلام) إرثها من فدك كان بعد أن ادعت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدكا و قال لها: هل لك بينة؟ فشهد لها على- كرّم اللّه وجهه- و أم أيمن. إن فاطمة (عليها السلام) أتت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت: إن فدك نحلة أبي، أعطانيها حال حياته، و أنكر عليها أبو بكر فقال: أريد بذلك شهودا، فشهد لها علي (عليه السلام). فطلب شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن، فقال: قد علمت يا بنت رسول اللّه إنه لا يجوز إلا شهادة رجل و امرأتين.
قال صاحب المعجم في فدك: و هي التي قالت فاطمة (عليها السلام): إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلنيها.
فقال أبو بكر: أريد لذلك شهودا، و لها قصة.
215
28
المتن:
قال آل الفقيه في هبات عثمان لأقربائه و ذوي أرحامه:
... منها: أقطع مروان بن الحكم فدك، و كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) بدعوى الميراث تارة و أخرى بالنحلة، فدفعت عنها.
المصادر:
1. أبو ذر الغفاري لآل الفقيه: ص 111.
2. عمار بن ياسر لآل الفقيه: ص 94.
29
المتن:
قال محمد بن الحسن الحر العاملي في ذكر مطاعن أبي بكر:
و منها ما رواه مسلم في صحيحه: أنه لما بعث فاطمة (عليها السلام) تطلب إرثها و حقها من فدك و خمس خيبر، فلم يعطها شيئا و أقسم أن لا يغيّر شيئا من صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد غيّر ذلك و قد حنث في يمينه.
ففي الجمع بين الصحيحين: و كان أبو بكر يقسّم نحو قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه كان لا يعطي قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم.
قال ابن شهاب: و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده.
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 366.
213
و قال ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح (1): إنه قال أبو بكر الجوهرى.
و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحب إليّ من رسول اللّه أبيك و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، و اللّه لأن تفتقر عائشة أحب إليّ من أن تفتقري؛ أ تراني أعطي الأحمر و الأبيض حقه و أظلمك حقك؟! أنت بنت رسول اللّه، إن هذا المال لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعون اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعون اللّه لك.
فلما حضرتها الوفاة أوصت أنه لا يصلّي عليها. فدفنت ليلا و صلّى عليها عباس بن عبد المطلب، و كان بين وفاتها و وفاة أبيها اثنتان و سبعون ليلة.
قلت: الذي يظهر من هذه الرواية و ما يضاهيها من الروايات التي سنذكرها، أن أبا بكر لم يكن بريئا من التهمة عند فاطمة (عليها السلام) و إلا لم يكن وجه للغضب و الوجد إلى هذا الحد، إلا أن فاطمة (عليها السلام) عرفت أن السياسة الوقتية اقتضت انتزاع فدك عنها و عدم تصديقها في دعواها.
قال ابن أبي الحديد: و سألت علي بن الفارقي، مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لأنه يكون قد سجّل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود.
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 214.
216
30
المتن:
قال السيد شرف الدين نقلا عن الأستاذ محمود أبو رية المصري:
... بقي أمر لا بد أن نقول فيه كلمة صريحة، ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما فعل معها في ميراث أبيها، لأنها إذا سلّمنا بأن خبر الآحاد الظني مخصّص الكتاب القطعي و أنه قد ثبت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد قال: أنه لا يورّث و أنه لا تخصيص في عموم هذا الخبر، فإن أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة (عليها السلام) بعض تركة أبيها كأن يخصّها بفدك، و هذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحد، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ من يشاء بما يشاء.
قال: و قد خصّ هو نفسه الزبير و كان صهره على أسماء أم عبد اللّه بن العوام و محمد بن مسلمة، و غيرهما ببعض متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كاختصاص بنته أم المؤمنين بالحجرة فدفنته حين مات فيها إلى جنب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم دفن فيها خليفته عمر برخصة منها.
فلما توفي الحسن (عليه السلام) ريحانة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد بنو هاشم تجديد العهد فيه بجده. فكان ما كان بما لست أذكره؛ فظنّ خيرا و لا تسأل عن الخبر، فإنا للّه و إنا إليه راجعون. على أن فدكا هذه التي منعها أبو بكر لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان. (1)
و نقل ابن أبي الحديد عن بعض السلف كلاما مضمونه العتب على الخليفتين، و العجب منها في مواقفها مع الزهراء (عليها السلام) بعد أبيها، قالوا في آخره: و قد كان الأجل أن يمنعها التكرم عما ارتكباه من بنت رسول اللّه (عليها السلام) فضلا عن الدين.
فذيّله ابن أبي الحديد بقوله: و هذا الكلام لا جواب عنه.
المصادر:
1. النص و الاجتهاد: ص 37، على ما في ما ذا تقضون.
2. ما ذا تقضون: ص 635، عن النص و الاجتهاد.
____________
(1). هذا كلامه بنصه، و قد نشرته مجلة الرسالة المصرية في عددها 518 من السنة 11، فراجعه صفحة 457.
214
قال المعتزلي: و هذا الكلام صحيح، و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل. قلت:
و عسى أن يكون الصواب ما فهمه علي بن الفارقي المدرس، غير أنه قد يؤدّي الاجتهاد و التأويل إلى الخطأ و الوقوع في خلاف الواقع.
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 43.
27
المتن:
قال المسعودي في فصل الدولة العباسية في ذكر حوار فاطمة الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر:
و قد صنّف هؤلاء كتبا في هذا المعنى الذي ادعوه و هي متداولة في أيدي أهلها و منتحليها.
منها كتاب صنّفه عمرو بن بحر الجاحظ، و هو المترجم بكتاب «إمامة ولد العباس»؛ يحتجّ فيه لهذا المذهب و يذكر فعل أبي بكر في فدك و غيرها و قصته مع فاطمة (عليها السلام) و مطالبتها بإرثها من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) و استشهادها ببعلها و ابنيها و أم أيمن و ما جرى بينها و بين أبي بكر من المخاطبة و ما كثر بينهم من المنازعة و ما قالت و ما قيل لها عن أبيها من أنه قال: نحن معاشر الأنبياء نرث و لا نورّث، و ما احتجّت به من قوله عز و جل: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)؛ على أن النبوة لا تورث، فلم يبق إلا التوارث، و غير ذلك من الخطاب، و لم يصنّف الجاحظ هذا الكتاب و لا استقصى فيه الحجاج للراوندية، و هم شيعة ولد العباس، لأنه لم يكن مذهبه و لا كان معتقده، و لكن فعل ذلك تماجنا و تطرّبا.
المصادر:
مروج الذهب: ج 3 ص 232.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
219
34
المتن:
قال أبو المكارم في وضع حديث: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس:
نقول أن هذا الحديث موضوع من وجوه:
الأول: أنه من أحاديث الآحاد و حديث الآحاد لا يوجب العمل فيه.
الثاني: أنه لا يرويها غير عائشة، و في مذهب الشافعي و الحنفي شهادة من يجرّ النفع إلى نفسه غير مسموع.
أقول: فما بالهم يثبتون و يقبلون شهادة عائشة في حق أبيها في حديث: مروا أبا بكر ...، و يردّون شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و قنبر و نساء بني هاشم في أمر فدك؟!
الثالث: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كل حديث تروون عني أعرضوا على القرآن، فإن كان مخالفا له لا تعتمدوا عليه.
المصادر:
تفسير شريف البلابل و القلاقل: ج 1 ص 374.
35
المتن:
قال الشيرواني في ذكر فدك:
... و منها أن أبا بكر منع فاطمة (عليها السلام) من فدك بخبر رواه متفرّدا به أو لم يكن له أن يخصّص النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من بين معاشر الأنبياء أو يخصّص فدك من عموم «ما تركناه»، رعاية لمصلحة فاطمة (عليها السلام)؛ و هي بضعة منه و إيذاؤها إيذاؤه، و هل يدّعي أحد المصلحة
220
في الدين و الدنيا يساوي مصلحته سلوة قلبها، و هي حديثة عهد بالمصيبة التي تهدّ الجبال الرواسي و تزري آلمها بجزّ الموسى.
و كيف لم يتحرّز من شناعة المسلمين و إطلاقهم اللسان فيه و ثوران طائفة لتعصبها و حمايتها؟ و أي مفسدة أعظم من وقوع طائفة كثيرة لا يحصيهم العدد في عرض خليفة يجب عليه حفظ ناموس الخلافة في اغتيابه و نسبته إلى القبائح الكثيرة و الفضائح الغزيرة في شرق الأرض و غربها؟ و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرهم أن نسله من فاطمة (عليها السلام). فلم يتماشوا من أن يورث أمهم عداوة مورثة يرثها الصغير من الكبير و يوصي بها السلف الخلف.
و قد قيل: أن العلوي و إن كان كراميا لا يخلو عن ميل على الشيخين و إنما نشأ ذلك من جور جرى على أمهم ....
المصادر:
جيش أسامة للشيرواني: ص 34.
36
المتن:
قال العلامة المجلسي في ردّ فاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك ورد شهودها:
... فنقول: خطاء أبي بكر و عمر في القضية واضحة من وجوه شتى:
الأول: إن فاطمة (عليها السلام) كانت معصومة، فكان يجب تصديقها في دعواها و قد بيّنا عصمتها فيما تقدم، و ما قيل من أن عصمتها لا تنافي طلب البينة منها، فلا يخفى سخافته، لأن الحاكم يحكم بعلمه، و قد دلّت الدلائل عليه، و أيضا اتفقت الخاصة و العامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.
218
32
المتن:
عن الباقر (عليه السلام) في قوله: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا ...» (1):
و اللّه ما آمنوا به، ثم ردّوا حكمه (صلّى اللّه عليه و آله) في علي و فاطمة (عليهما السلام) في الولاية لعلي (عليه السلام) و غصبوا فاطمة (عليها السلام) فدكا.
المصادر:
مثالب النواصب لا بن شهرآشوب: ص 183.
33
المتن:
قال السيد القزويني في أن فاطمة (عليها السلام) أولى بالتصديق من غيرها:
لا إشكال و لا شبهة في أن الزوجات ادعين ملكية الحجرات من غير شاهد و لا بينة و مع ذلك صدّقهن أبو بكر في ادعائهن، و فاطمة (عليها السلام) أولى بقبول قولها أن فدك نحلة أبيها، لأنها مأمونة عن الكذب بآية التطهير و آية المباهلة و أنها الحجة الإلهية لإثبات الرسالة، فتكون معصومة و مصونة عن الخطاء.
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 64.
____________
(1). سورة آل عمران: الآية 86.
217
3. كتاب محمود أبو رية، على ما في النص و الاجتهاد.
4. الرسالة المصرية: ح 518، على ما في كلام أبو رية.
31
المتن:
قال في الحقائق في تاريخ الإسلام في قصة فدك و كلام فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر و شهودها و البحث فيها:
عن جعونة، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل لي فدك فأعطني إياها، و شهد لها علي بن أبي طالب (عليه السلام). فسألها شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن، فقال:
علمت يا بنت رسول اللّه إنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل و امرأتين، فانصرفت.
أقول: الحاجة إلى البينة إذا فقد العلم و اليقين، و كيف لا يحصل اليقين لمسلم عند دعوى فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هي سيدة نساء العالمين و البضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أحب الخلق إليه؟ أو كيف لا يحصل إذا شهد لأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وليه و صفيه و حبيبه و حبيب اللّه بل و أحب الخلق إلى اللّه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من أغضب و آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و أغضبني»، و قال: «من آذى عليا (عليه السلام) فقد آذاني»، و قال أيضا: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)»، و قال: «علي (عليه السلام) مني و أنا منه و هو ولي كل مؤمن بعدي». فهل يحتمل مسلم أن تدّعي فاطمة (عليها السلام) و أن يشهد علي (عليه السلام) باطلا.
و أما أم أيمن فهي حاضنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال في حقها: إنها من أهل الجنة ....
المصادر:
الحقائق في تاريخ الإسلام و الفتن و الأحداث: ص 118.
221
الثاني: إنه لا ريب ممن له أدني تتبع في الآثار في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى فدكا حقا لفاطمة (عليها السلام) و قد اعترف بذلك جلّ أهل الخلاف و رووا أنه (عليه السلام) شهد لها، و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه بل يدور معه حيثما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد و غيره بصحة هذا الخبر.
و هل يشكّ عاقل في صحة دعوى كان المدّعى فيها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) باتفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين و سيدا شباب أهل الجنة أجمعين، صلوات اللّه عليهم أجمعين.
الثالث: إنه طلب البينة من صاحب اليد، مع أنه أجمع المسلمون على أن البينة على المدّعي و اليمين على من أنكر.
الرابع: إنه ردّ شهادة الزوج، و الزوجية غير مانعة من القبول كما بيّن في محله.
الخامس: إنه ردّ شهادة الحسنين (عليهما السلام) إما لجرّ النفع أو للصغر كما قيل، مع أنه لا ريب أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان أعرف منهم بالأحكام بالاتفاق و لو لم تكن شهادتهما جائزة مقبولة، لم يأت بهما للشهادة و القول في أم أيمن كذلك.
السادس: إنه لو لم تكن شهادة ما سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) مقبولا، فلم لم يحكم بالشاهد و اليمين، مع أنه قد حكم بهما جلّ المسلمين؛ قال شارح الينابيع من علمائهم:
ثبوت المال بشاهد و يمين مذهب الخلفاء الأربعة و غيرهم.
السابع: إن الخبر الذي رواه موضوع مطروح لكونه مخالفا للكتاب، و قد ورد بأسانيد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا روي عني حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه و إلا ردّوه».
و أما مخالفته للقرآن فمن وجوه:
الأول: عموم آيات الميراث، فإنه لا خلاف مجملا في عمومها إلا ما أخرجه الدليل.
الثاني: قوله تعالى مخبرا عن زكريا (عليه السلام): «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي
223
و أما المقدمة الثانية فللأخبار الدالة على أن عليا (عليه السلام) مع الحق يدور معه حيثما دار.
و منها: أن فاطمة (عليها السلام) أنكرت الخبر و حكمت بكذب أبي بكر في خطبتها المشهورة و غيرها، و عصمتها و جلالتها مما ينافي تكذيب ما كان يحتمل عندها صدقه لغرض دنيوي.
و منها: إنه لو كانت تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة و لم يكن لها حظّ فيها لبيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم لها، إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلق بها، و لو بيّنه لها لما طلبتها لعصمتها، و لا يرتاب عاقل في أنه لو كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيّن لأهل بيته (عليهم السلام) أن تركتي صدقة لا تحلّ لكم، لما خرجت ابنته و بضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين و الأنصار، تعاتب إمام زمانها- بزعمكم- و تنسبه إلى الجور و الظلم في غصب تراثها و تستنصر المهاجرة و الأنصار في الوثوب عليه و إثارة الفتنة بين المسلمين و تهيّج الشر، و لم يستقرّ بعد أمر الإمارة و الخلافة، و قد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أن الخليفة غاصب للخلافة، ناصب لأهل الإمامة، نصبوا عليه اللعن و الطعن إلى نفخ الصور و يوم النشور.
و كان ذلك من آكد الدواعي إلى شقّ عصا المسلمين و افتراق كلمتهم و تشتّت ألفتهم، و قد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها (عليها السلام) أو لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لعله لا يجسر من أوتى حظّا من الإسلام على القول بأن فاطمة (عليها السلام) مع علمها بأن ليس لها في التركة بأمر اللّه نصيب كانت تقدّم على مثل تلك الأمور، أو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مع علمه بحكم اللّه لم يزجرها عن الظلم و الاستعداء و لم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر اللّه فيها، و كان ينازع العباس بعد موتها و يتحاكم إلى عمر بن الخطاب.
فليت شعري هل كان ذلك الترك و الإهمال لعدم الاعتناء بشأن بضعته التي كانت يؤذيه ما آذاها أو بأمر زوجها و ابن عمه المساوي لنفسه و مواسيه بنفسه، أو لقلة المبالاة بتبليغ أحكام اللّه و أمر أمته و قد أرسله اللّه بالحق بشيرا و نذيرا للعالمين.
222
عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و لفظ الميراث في اللغة و الشريعة و العرف إذا أطلق و لم يقيّد لا يفهم منه إلا الأموال و ما معناها، و لا يستعمل في غيرها إلا مجازا؛ فمن ادعى أن المراد ميراث العلم و النبوة لا بد له من دليل.
علي أن القرائن على إرادة ما ذكرنا كثيرة:
منها: إن زكريا اشترط في وارثه أن يكون رضيا، و إذا حمل الميراث على العلم و النبوة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا لأنه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم و النبوة فقد دخل في سؤاله الرضا و ما هو أعظم منه، فلا معنى لاشتراطه. أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث إلينا نبيا و اجعله مكلّفا عاقلا.
منها: إن الخوف من بني العم و من يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوة و العلم، و كيف يخاف مثل زكريا أن يبعث اللّه تعالى إلى خلقه نبيا يقيمه مقام زكريا و لم يكن أهلا للنبوة و العلم، سواء كان من موالي زكريا أو غيرهم، على أن زكريا كان إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس؛ فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.
الثالث: قوله سبحانه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2) و التقريب ما مرّ.
أقول: و يدل على بطلان هذا الخبر وجوه أخرى:
منها: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى الخبر موضوعا باطلا و كان (عليه السلام) لا يرى إلا الحق الصدق، فلا بد من القول بأن من زعم أنه سمع الخبر كاذب. أما الأولى: فلما رواه مسلم في صحيحه في رواية طويلة أنه قال عمر لعلي (عليه السلام) و العباس: قال أبو بكر: قال رسول اللّه:
لا نورّث ما تركناه صدقة. فرأيتماه كاذبا آثما خائنا غادرا. و اللّه يعلم إنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولي أبي بكر، فرأيتمانى كاذبا غادرا خائنا. و اللّه يعلم إني لصادق بارّ تابع للحق فولّيتها.
و نحو ذلك روى البخاري و ابن أبي الحديد عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري.
____________
(1). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(2). سورة النمل: الآية 16.
224
و منها: إنا مع قطع النظر عن جميع ما تقدم نحكم قطعا بأن مدلول هذا الخبر كاذب باطل، و من أسند إليه لا يجوز عليه الكذب فلا محيص من القول بكذب من رواه و القطع بأنه وضعه و افتراه.
أما المقدمة الثانية فغنيّة عن البيان، و أما الأولى فبيانها أنه جرت عادة الناس قديما و حديثا بالأخبار عن كل ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس؛ سيما إذا وقع في كل عصر و زمان و توفّرت الدواعي إلى نقله و روايته.
و من المعلوم لكل أحد أن جميع الأمم على اختلافهم في مذاهبهم يهتمّون بضبط أحوال الأنبياء (عليهم السلام) و سيرتهم و أحوال أولادهم و ما يجرى عليهم بعد آبائهم و ضبط خصائصهم و ما يتفرّدون به عن غيرهم.
و من المعلوم أيضا أن العادة قد جرت من يوم خلق اللّه الدنيا و أهلها إلى انقضاء مدتها بأن يرث الأقربون من الأولاد و غيرهم أقاربهم و ذوي أرحامهم و ينتفعوا بأموالهم و ما خلفوه بعد موتهم، و لا شك لأحد في أن عامة الناس، عالمهم و جاهلهم و غنيهم و فقيرهم و ملوكهم و رعاياهم، يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف و فضيلة، و يتبرّكون به و يحرّزه الملوك في خزائنهم و يوصون به لأحب أهلهم، فكيف بسلاح الأنبياء و ثيابهم و أمتعتهم.
إذا تمهّدت تلك المقدمات فنقول: لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة، لقسّمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء و الأولاد و سائر الأقارب، و لا تخلو الحال إما أن يكون كل نبي يبيّن هذا الحكم لورثته بخلاف نبينا (صلّى اللّه عليه و آله) أو يتركون البيان كما تركه (صلّى اللّه عليه و آله).
فإن كان الأول فمع أنه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل و الأديان و لم يسمعه الصدقة إلى فلان، و سيف سليمان صار إلى فلان، و كذا ثياب سائر الأنبياء و أسلحتهم و أدواتهم فرّقت بين الناس و لم يكن في ورثته أكثر من مائة ألف نبي، قوم ينازعون في ذلك و إن كان بخلاف حكم اللّه عز و جل.
225
و قد كان أولاد يعقوب- مع علوّ قدرهم- يحسدون على أخيهم و يلقونه في الجبّ لما رأوه أحبهم إليه، و وقعت تلك المنازعة مرارا؛ ينقلها أحد في الملل السابقة و أرباب السير مع شدة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء و خصائصهم و ما جرى بعدهم.
و إن كان الثاني فكيف كانت حال ورثة الأنبياء؟ أ كانوا يرضون بذلك و لا ينكرون؟
فكيف كانت ورثة الأنبياء جميعا يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء و لم ترض به سيدة النساء (عليها السلام) أو كانت سنة المنازعة جارية في جميع الأمم و لم ينقلها أحد ممن تقدم و لا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم؛ إن هذا لشيء عجاب!
و أما أن فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمما لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبار المخالفين في الكتاب الكبير ما هو فوق الغاية.
و روى في جامع الأصول من صحيح أبي داود عن عمر، قال: إن أموال بني النضير مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة قرى عرينة و فدك و كذا و كذا؛ ينفق على أهله منها نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقى في السلاح و الكراع عدة في سبيل اللّه، و تلا: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ» (1).
و روى أيضا عن مالك بن أوس، قال: كان فيما احتجّ عمر أن قال: كانت لرسول اللّه ثلاث صفايا: بنو النضير و خيبر و فدك ....
و أما أنها كانت في يد فاطمة (عليها السلام)، فلأخبار كثيرة من كتبهم دلّت على ذلك، أوردتها في الكتاب الكبير.
و في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه».
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
226
و روى الطبرسي في الاحتجاج عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: لما بويع أبو بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) منها ....
المصادر:
مرآت العقول: 231.
37
المتن:
قال القاضي نور اللّه التستري في ذكر بعض ما صدر مما يخالف الشرع عن بعض أصحابه:
... مثل أبي بكر الذي ادعى الإمامة و نصّ الكتاب و الحديث المتواتر و دليل العقل ناطق بأنه حق علي (عليه السلام) و منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، و كتاب اللّه ناطق بأن لها الإرث.
و عمر الذي ادعى ما ادعاه، و قال للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في مرض موته من الهجر و الهذيان ما قال و فعل ما فعل من منع كتابته (صلّى اللّه عليه و آله) ما يصون الأمة عن الضلالة، و إقدامه بتخريق الكتاب الذي كتبه أبو بكر لفاطمة (عليها السلام) في أخذها لفدك.
المصادر:
الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: ص 9.
38
المتن:
كلام القاضي نور اللّه التستري بعد نقل قول ابن حجر في قصة فدك و النقض و الإبرام فيه:
227
قال ابن حجر في نظرات الشيعة:
زعموا أنه ظالم لفاطمة (عليها السلام) بمنعه إياها من مخلف أبيها و أنه لا دليل له في الخبر الذي رواه: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد، مع معارضته لآية المواريث؛ و فيه ما هو مشهور عند الأصولين.
و زعموا أيضا أن فاطمة (عليها السلام) معصومة بنص: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، و خبر: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني»، و هو معصوم فتكون معصومة، و حينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث.
و جوابها:
أما عن الأول: فهو لم يحكم بخبر الواحد الذي هو محل الخلاف و إنما حكم بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو عنده قطعي، فساوى آية المواريث في قطعية المتن، و أما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرّقها إليه عنه بقرينة الحال.
فصار عنده دليلا قطعيا مخصّصا لعموم تلك الآيات.
و أما عن الثاني: فمن أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) و لسن بمعصومات اتفاقا، فكذلك بقية أهل البيت.
و أما «بضعة مني» فمجاز قطعا، فلم يستلزم عصمتها، و أيضا فلا يلزم مساواة البعض للجملة في جميع الأحكام، بل الظاهر إن المراد أنها كبضعة مني فيما يرجع للحنو و الشفقة.
و دعواها أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدكا لم تأت عليها إلا بعلي و أم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، و عدم حكمه بشاهد و يمين اما لعلّه لكونه ممن لا يراه ككثيرين من العلماء أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها، و زعمهم أن الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع و الصغير غير مقبولة.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
228
و سيأتي عن الإمام زيد بن علي بن الحسين- رضي اللّه عنهم- أنه صوّب ما فعله أبو بكر و قال: لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به، و عن أخيه الباقر (عليه السلام) أنه قيل له:
أظلمكم الشيخان من حقكم شيئا؟ فقال: لا و منزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردلة.
و أخرج الدار قطني: أنه سئل ما كان يعمل علي (عليه السلام) في سهم ذوي القربى؟ قال: عمل فيه بما عمل أبو بكر و عمر؛ كان يكره أن يخالفهما. و أما عذر فاطمة (عليها السلام) في طلبها مع روايته لها الحديث، فيحتمل أنه لكونها رأت أن خبر الواحد لا يخصّص القرآن كما قيل به، فاتضح عذره في المنع و عذرها في الطلب. فلا يشكل عليك ذلك، و تأمّله فإنه مهم.
أما أولا: فلأنه يتوجه على جوابه عن الأول أن الخبر الذي رواه أبو بكر في ذلك أولى بأن يكون محل الخلاف، لأنه متهم في روايته بعداوته لأهل البيت (عليهم السلام). و جرّ النفع لنفسه لما روى الشيخ جلال الدين السيوطي في تاريخ الخلفاء من أن فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر و عمر، ثم اقتطعها مروان، و إن عمر بن عبد العزيز قد ردّ فدكا إلى بني هاشم، و روي أنه ردّها إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)؛ انتهى.
و في هذا دلالة على اتهام أبي بكر عند عمر بن عبد العزيز أيضا، كما وقع التصريح به في الروايات الآخر، على أن تخصيص الكتاب بغير الحديث المتواتر و المشهور مما خالف فيه جمع كثير؛ فمنهم أبو حنيفة كما ذكر في شروح منهاج البيضاوي، و أيضا المنصف المتأمل يجزم بأنه لا وجه لأن يكون مثل هذا الخبر موجودا و لم يسمعه غير أبي بكر حتى نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و فاطمة (عليهما السلام)، مع أنهم كانوا مداومين في ملازمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
و بالجملة كيف يبيّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم بغير ذريته و يخفيه عمن يرثه و لا يوصى إليهم بذلك حتى يقعوا ادعاء الباطل و التماس الحرام؟! على أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مأمورا- خصوصا في محكم الكتاب- بإنذار عشيرته الأقربين.
229
و قد أخرج في جامع الأصول حديث شهر بن حوشب، عن الترمذي و أبي داود، أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أن الرجل و المرأة ليعملان بطاعة اللّه تعالى ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فيجب لهما النار». فأيّ ضرر أعظم من أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كتم ذلك عن وصيه و ورثته و أودعه أجنبيا لا فائدة له فيه ظاهرا و حاشاه من ذلك، إذ هو رحيم رءوف بلا باعد، فضلا عن الأقارب.
لا يقال: كفى تعريفا و إعلاما بذلك الخبر الذي ذكره النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي بكر من كبار أصحابه، لأنا نقول: الكفاية ممنوعة، لأن أبا بكر إنما غلب على فاطمة (عليها السلام) بذلك الخبر من حيث أنه صار خليفة و قاضيا و ادعى أن علمه قد حصل بذلك من الخبر المذكور و علم القاضي كاف في إجراء الحكم.
و من البيّن أنه لو لم يتفق سوء اختيار القوم على خلافة أبي بكر، بل كان الخليفة غيره لما كان لذلك الخبر الواحد حجية عنده في إثبات كون تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة. أما عند الخليفة- على تقدير كونه غير أبي بكر- فلأن شهادة الواحد مردودة، فضلا عن روايته في مقام الشهادة.
و أما عند المدّعية- أعني فاطمة (عليها السلام)- فلما ظهر من أنها قد أنكرت ذلك و غضبت على أبي بكر في حكمه بما ذكر، و لا مجال لأن يقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما عيّن أبا بكر للخلافة لم يحتج إلى إظهار ذلك لغيره، لأن هذا خلاف ما عليه جمهور أهل السنة من عدم النص و التعيين لأحد كما مرّ؛ على أنه يجوز أن يكون الحديث الذي تفرّد به أبو بكر من قبيل «الغرانيق العلى» الذي جوّز أهل السنة إلقاء الشيطان له على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و كيف يستبعد إلقاء مثل ذلك له، مع ما روي سابقا عن أبي بكر من أنه قال: إن لي شيطانا يعتريني ....
و أما قوله: و إنما حكم بما سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ففيه: إن دعوى سماعه منه غير مسموع، لما سمعت من اتهامه سابقا.
و أما قوله: هو عنده قطعي، فمردود بقول شاعرنا:
232
و الآخر و هو الحديث الذي نقله عن كتاب المصابيح في بيان شأن النزول لأبي العباس أحمد بن الحسن المفسّر الضرير الأسفرايني، قد تضمّن أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لما أدخل عليا و فاطمة و سبطيه (عليهم السلام) في العباء قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي و أطهار عترتي و أطائب أرومتي من لحمي و دمي، إليك لا إلى النار؛ أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا»، و كرّر هذا الدعاء ثلاثا. قالت أم سلمة: يا رسول اللّه! و أنا معهم؟ قال: إنك إلى خير و أنت من خير أزواجي.
ثم قال السيد: فقد تحقق من هذه الأحاديث أن الآية إنما نزلت في شأن الخمسة المذكورين (عليهم السلام)، و لهذا يقال لهم: آل العباء، و للّه درّ من قال من أهل الكمال:
على اللّه في كل الأمور توكلي * * * و بالخمس أصحاب العباء توسلي
محمد المبعوث حقا و بنته * * * و سبطيه ثم المقتدى المرتضى علي
إن قيل: ما ذكر من الأحاديث معارضة بما روي أن أم سلمة قالت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
أ لست من أهل البيت؟ فقال: بلى إن شاء اللّه. قلنا: لا نسلّم صحة سندها، و لو سلّم نقول:
أنها في هذه الرواية في معرض التهمة بجرّ نفع لنفسها فلا يسمع قولها وحدها، و لو سلّم نقول: إن كونها من أهل البيت قد علق فيها بمشية اللّه تعالى فلا تكون من أهل البيت جزما، مع أنها لو كانت منهن لما سألته لأنها من أهل اللسان و الترجيح معنا بعد التعارض، و هو ظاهر.
و أيضا أهل بيت الرجل في العرف هم قرابته من عترته لا أزواجه، بدليل سبق الفهم إلى ذلك و هو السابق إلى فهم أهل كل عصر و المتداول في أشعارهم و أخبارهم؛ فما أحد يذكر أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في شعر أو غيره إلا و هو يريد من ذكرناه لأزواجه.
و لعل مناقشة الجمهور في هذا المقام إنما نشأت من حملهم البيت في الآية و الحديث على البيت المبني من الطين و الخشب المشتمل على الحجرات التي كان يسكنها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع أهل بيته و أزواجه، إذ لو أريد بالبيت ذلك لاحتمل فهمه من الآية و الرواية. لكن الظاهر أن المراد بأهل البيت- على طبق قولهم- أهل اللّه و أهل القرآن
230
و من أنتم حتى يكون لكم عند.
و أما ما ذكره من قوله: و أما حمله على ما فهمه منه فلانتفاء الاحتمالات ...، ففيه:
إن ذلك و هم لا فهم، و انتفاء الاحتمالات غير ثابت، لاحتمال أن يكون قوله:
«صدقة» في الحديث الحادث تميّزا، و يكون معنى الحديث أن ما تركناه على وجه الصدقة لا يورثه أحد، و قد وهم الراوي- و هو أبو بكر- في ذلك لاحتمال أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد وقف على لفظ صدقة؛ فظنّه أبو بكر موقوفا على الرفع بالخبرية لا على النصب بكونه تميّزا و التميّز إنما هو شأن أهل الاستبصار، لا كل قاصر يكثر منه العثار.
و لعل هذا الشيخ المعاند أراد بقرينة الحال الذي علم بها أبو بكر انتفاء الاحتمالات الآخر في ذلك الحديث قرينة حال أبي بكر و عمر في إرادتهما الظلم على أهل البيت (عليهم السلام)، و هذا مسلم لا شك فيه.
و أما ثانيا فلأنه يتوجّه على ما ذكره في الجواب عن الثاني: «أن من أهل البيت أزواجه على ما يأتي في فضائل أهل البيت ...»، إنا قد راجعنا إلى ما ذكرناه هناك فلم نجد فيه إلا ما يجديه من ذكره أحاديث موضوعة و أقاويل من أهل السنة مصنوعة، زعم معارضتها لما ذكره أيضا من الأحاديث الصحيحة اتفاقا الدالة على خروج الأزواج؛ فلنضرب عن نقلها هاهنا صفحا و لنذكر من الاحتجاج الدافع للعناد و اللحاج ما يدمر أيضا على ما أتى به ثمّة عن غاية الاعوجاج، فنقول:
قد اتفق المفسرون- من الشيعة و السنة- على ذلك، و هذا الاتفاق حجة متحقّقة بموافقة بعض المفسرين من أهل السنة مع الشيعة فضلا عن أكثرهم، كما أعترف به هذا الشيخ الجامد في أوائل الفصل العاشر من كتابه هذا، لظهور أن ما ذهب إليه بعض من طائفة حجة على الكل، سيما إذا وافقهم فيه غيرهم.
و أيضا قد انعقد الإجماع على ذلك قبل ظهور المخالف من اتباع بني أمية المعادين لأهل البيت (عليهم السلام)، و المخالف الحادث لا يقدح خلافه في انعقاد الإجماع السابق.
231
و أيضا و الذي يدل على ذلك أن من روى خلاف ذلك من المفسرين كانوا متأخرين عن قدماء المفسرين و المحدثين كالثعلبي و أحمد بن حنبل، و الظاهر إن منشأ المتأخرين ذكر آية التطهير متصلا بما قبله، من الآية التي وقع فيها النداء على نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الخطاب معهن؛ و فيه: أن رعاية هذه المقارنة و المناسبة إنما تجب إذا لم يمنع عنها مانع، و من البيّن أن تذكير ضمير «عَنْكُمُ» و «يُطَهِّرَكُمْ» و بعض الدلائل و القرائن الآخر الخارجة مانع عن ذلك.
منها: ما روى هذا الشيخ في كتابه هذا من أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لما نزلت آية المباهلة، جمع عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و جلّلهم بكساء فدكي فقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.
و منها: ما رواه أيضا في الباب الحادي عشر حيث قال في مسلم: عن زيد بن أرقم أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أذكّركم اللّه في أهل بيتي (عليهم السلام). قلنا لزيد: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا أيم اللّه، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أهله و عصبته الذين حرّموا الصدقة بعده. انتهى، و هو مذكور في جامع الأصول أيضا.
و لا يخفى أنه يفهم من قول زيد أن إطلاق أهل البيت ليس على الحقيقة اللغوية بل على الحقيقة الشرعية، و يمكن أن يكون مراده أن الذي يليق أن يراد في أمثال الحديث المذكور من أهل البيت، أهله و عصبته الذين لا يزول نسبتهم عنه أصلا دون الأزواج، و على التقديرين فهو مؤيد لمطلوبنا.
و ذكر سيد المحدثين جمال الملة و الدين عطاء اللّه الحسيني في كتاب تحفة الأحبّاء خمسة أحاديث؛ اثنان منها- و هما المسندان- إلى أم سلمة نص صريح في الباب، لأن أحدهما- و هو الذي نقله في جامع الترمذي و ذكر أن الحاكم حكم بصحته- قد اشتمل على أنه لما قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند إدخال علي و فاطمة و سبطيه (عليهم السلام) في العباء ما قال، قالت أم سلمة: يا رسول اللّه! أ لست من أهل بيتك؟ قال: إنك على خير، أو إلى خير.
233
أهل بيت النبوة، و لا ريب أن هذا منوط بحصول كمال الأهلية و الاستعداد المستعقب للتنصيص و التعيين من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) على المتّصف به، و لهذا احتاجت أم سلمة إلى السؤال عن أهليتها للدخول فيهم كما مرّ.
و فوق ما ذكرناه كلام، و هو إنه لا يبعد أن يكون اختلاف أسلوب آية التطهير لما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبي و أهل بيته (عليهم السلام) على معنى أن تأديب الأزواج و ترغيبهنّ إلى الصلاح و السداد من توابع إذهاب الرجس و الدنس عن أهل البيت (عليهم السلام).
فحاصل نظم الآية على هذا إن اللّه تعالى رغّب أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى العفة و الصلاح بأنه إنما أراد في الأزل أن يجعلكم معصومين يا أهل البيت، و اللائق أن يكون المنسوب إلى المعصوم عفيفا صالحا كما قال: «وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ». (1) على أنه قد وقع اختلاف كثير في ترتيب المصاحف حتى اصطلح الناس على مصحف واحد، و الاختلاف إنما هو في الترتيب البتة، لأن القرآن متواتر كما لا يخفى.
ثم أقول: يمكن أن يستدل على خروج الأزواج بأن الإرادة المدلول عليها في الآية بقوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ» إما أن تكون إرادة محضة لم يتبعها الفعل أو إرادة وقع الفعل عندها، و الأول باطل لأن ذلك لا تخصيص فيه بأهل البيت بل هو عام في جميع المكلفين، و لا مدح في الإرادة المجردة، و اجتمعت الأمة على أن الآية فيها تفضيل لأهل البيت و إبانة لهم عن سواهم؛ فثبت الوجه الثاني.
و في ثبوته ما يقتضى عصمة من عني بالآية و إن شيئا من القبائح لا يجوز أن يقع منهم، و لا شك في عدم القطع بعصمة الأزواج، و الآية موجبة للعصمة. فثبت أنها فيمن عداهنّ من آل العباء لبطلان تعلقها بغيرهم.
و أما ما ذكره هاهنا من أن «بضعة مني» مجاز، فهب أن يكون كذلك، لكنه يجب حمل المجاز على المعنى الأقرب إلى المعنى الحقيقي كما تقرّر في الأصول، و هو هاهنا ترتب الأحكام التي تترتب على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و منها العصمة و الطهارة.
____________
(1). سورة النور: الآية 26.
235
أما أولا: فلأن الآية دلّت على الحكم بالشاهدين أو الشاهد و المرأتين و إن شهادتهما حجة، و ليس فيها ما يدل على امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم و لا حجة فيه، فرفع الحكم الذي دلّ عليه المفهوم ليس بنسخ، فجاز الحكم بما دلّ عليه الخبر.
و أما ثانيا: فلأن قوله تعالى: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ» (1)، تخيير بين استشهاد رجلين أو رجل و امرأتين، و الحكم بالشاهد و اليمين زيادة في التخيير و هي ليست نسخا. و من قال: إن الحكم بالشاهد و اليمين نسخ لهذه الآية، يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ نسخا لقوله تعالى: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا». (2)
و قد علم بهذا إن الحكم بقصور شهادة الرجل و المرأة عن نصاب الشهادة شيء توهّمه بعض الجمهور من مفهوم الآية أو اختلقوه تعمدا لهدم ما هو الحق في المسألة، مع أن أكثر الجمهور يقول بموافقتنا من تكميل البينة باليمين، بل قال شارح الينابيع: إن ثبوت المال بشاهد و يمين مذهب الخلفاء الأربعة، فمذهب أبي بكر حجة عليه في قضية فاطمة (عليها السلام)، و على تقدير وقوع الاختلاف في المسألة هل يكون وجه لوقوع قرعة رأي أبي بكر على الطرف الذي أوجب تضييع حق أهل البيت (عليهم السلام) و أخذ ضياعهم و عقارهم إلا قصد إضرارهم و الاهتمام في فقرهم و افتقارهم و تفريق مواليهم و أنصارهم؟ كيف لا و «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا». (3)
و أيضا يعارض ذلك ما رواه البخاري من حديث جابر: «أن أبا بكر لما جاءه مال البحرين صبّه على نطع و قال: من له على رسول اللّه دين، من له عليه عدة؟ فقال جابر:
و عدني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بكذا و كذا. فحثا له أبو بكر حثوات في حجره. فكيف استجاز إعطاء مال المسلمين هاهنا من غير بينة و لم يجوز إعطاء حق فاطمة (عليها السلام) مع البينة؟! مع أنه
____________
(1). سورة البقرة: الآية 282.
(2). سورة النساء: الآية 43.
(3). سورة المنافقون: الآية 7.
234
و لو أغمضنا عن ذلك نقول: إن الاستدلال على عصمتها (عليها السلام) إنما وقع من الشيعة بمجموع الحديث، و تقريره إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال في حقها (عليها السلام): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه»، و في رواية: «من أغضبها فقد أغضبني»، و في رواية «يريا بني ما رابها»، و أمثالها كثيرة. فلو فرض عدم عصمتها لجاز عليها صدور معصية موجبة للحد أو التعزيز عليها، و لا ريب في إيذائها حينئذ بذلك و هو منهيّ عنه لما عرفت من أن إيذاءها إيذاء اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلو تكن معصومة لزم جواز إيذائها بالحد و التعزير، فلزم أن يكون إيذاؤها (عليها السلام) منهيا عنه و جائزا؛ هذا خلف. فسقط جميع ما نسجه في نفي دلالة الحديث على عصمتها (عليها السلام).
و بعبارة أخرى نقول: لا شك إن هذه الأحاديث جاءت في باب مناقبها و فضلها (عليها السلام)، و «من» و «ما» من ألفاظ العموم كما تقرّر في الأصول، فلو كانت تغضب و تتأذّى بالباطل- كما احتمله الناصبة في مقام التأويل- لما جاز من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يغضب لها، و لو أمكن صدور الباطل منها لما ساغ من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إطلاق لفظ الغضب، بل كان يجب أن يقيّده؛ و على هذا لم يبق لها مزيّة على غيرها، إذ يجب عليه أن يغضب لكل مسلم بل و لكل كتابي إذا أغضب بغير حق. فلم يبق إلا أن غضبها مطلقا يغضبه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك دليل على عصمتها (عليها السلام) و إنها لا يصدر عنها غضب إلا و هو حق.
و كذلك القول في حق بعلها (عليه السلام)، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دعا له على القطع في قوله: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله»، و مثله إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على القطع و هو قوله: «يدور الحق معه حيثما دار»، و قوله: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)»، و قوله: «من اقتدى بعلي (عليه السلام) فقد اهتدى»، كما ذكره فخر الدين الرازي في تفسير الفاتحة، و كذلك آية التطهير تدلّ على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) جميعهم، كما أوضحناها سابقا.
و أما ما ذكره من أن دعواها أنه نحلها فدكا، لم تأت عليها إلا بعلي (عليه السلام) و أم أيمن فلم يكمل نصاب البينة ...، فمدخول بأن الحكم بالشاهد و اليمين قد دلّ عليه الخبر، و ليس نسخا لمقتضى الآية كما توهّم.
236
لم يقل أحد أنه عرف صدق جابر، لأنه سمع من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أيضا فقد رووا في صحاحهم كالبخاري: «أنه لا ينبغي للحاكم أن يحكم بعلمه لموضع التهمة»، و أيّ تهمة أوضح مما قرّرناه من معاداة القوم لعلي و فاطمة (عليها السلام)؛ و يدلّ عليه تصفّح أخبارهم و تتبع آثارهم.
ثم أقول: حاصل كلام الشيعة في هذا المقام إن فدكا كانت مما أنحله النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و صرفه إليها في أيام حياته، و يوم مات أبوها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان ذلك في يدها و تصرّفها (عليها السلام). و لما تقمّص أبو بكر بالخلافة، أرسل إلى فدك و أخرج وكيل فاطمة (عليها السلام) و غصبه منها. فنازعته في ذلك؛ و لما طلب منها (عليها السلام) البينة على النحلة، قال له علي (عليه السلام):
حكمت فينا بخلاف ما حكم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في جميع المسلمين؛ فإنك طلبت البينة من فاطمة (عليها السلام) على شيء هو في يدها، و ذلك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر».
و أما شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن، فإنما وقعت على وجه التبرع و على جهة الاستظهار.
و أما ما ذكره في العلاوة من أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء، فأقول فيه: أنه لو سلّم الخلاف فهل لاختيار أبي بكر الطرف المخالف لدعوى فاطمة (عليها السلام) سوى ما ذكرناه من الضرر و الإضرار؟ على أنا قد بيّنا عصمة فاطمة (عليها السلام) بالآية و الرواية، و المدّعي إنما افتقر إلى الشهود إذا ارتفع العصمة عنه، و حيث جاز ادعاؤه باطلا استظهر بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم و جحد الحقوق الواجبة عليهم، و إذ كانت العصمة مغنية عن الشهادة، وجب القطع على قول فاطمة (عليها السلام) و على ظلم مانعها و طالب البينة عليها.
و يشهد على صحة ما ذكرناه إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) استشهد على قوله في بيعه لناقة الأعرابي، فشهد له خزيمة بن ثابت. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت يا خزيمة إن هذه الناقة لي؟
أشهدت ابتياعي لها؟ فقال: لا، و لكني علمت أنها لك من حيث علمت صدقك و عصمتك. فأجاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادته بشهادة رجلين و حكم بقوله؛ فلو لا أن العصمة دليل الصدق و يغني عن الشهادة لما صوّب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة على ما لم يره و لم يحضره باستدلاله عليه بدليل صدقه و عصمته.
237
و بمثل هذا قال مالك بن أنس على ما نقل عنه ابن حزم من أنه إذا هلكت الوديعة و ادعى من أودعت عنده، ردّها إلى المودع، فلا يمين عليه إذا كان ثقة.
و إذا وجب قبول قول فاطمة (عليها السلام) بدلائل صدقها و عصمتها و استغنت عن الشهود لها، ثبت إن الذي منعها حقها و أوجب عليها الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه و ظلم في فعله و آذى اللّه تعالى و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بإيذاء فاطمة (عليها السلام)، و قد قال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً». (1)
و أما ما ذكره من أن «زعمهم إن الحسن و الحسين (عليهما السلام) شهدا» باطل، فمجرد دعوى لا يعجز أحد عن الحكم ببطلانها.
و ما ذكره من أن شهادة الفرع و الصغير باطلة، مردود بأنه كيف خفي على أمير المؤمنين (عليه السلام)، باب مدينة العلم، إن شهادتهما غير مقبولة للفرعية او للصغر؟
و لو كان عالما كيف أقامهما شاهدين؟ على أن عدم شهادة الفرع إنما ذهب إليه مستندا بعمل أبي بكر؛ فلا حجة فيه.
و بعد اللتيّا و التي نقول: أين ذهب شرع الإحسان و التكرم ...؟! و لم لم يعامل أبو بكر مع فاطمة (عليها السلام) في فدك ما عامل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع زينب في التماسه عن المسلمين في أيام عسرتهم أن يردّوا إليها المال العظيم الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث أسّر يوم بدر؛ كما فصّل أبن أبي الحديد الكلام في ذلك في شرح نهج البلاغة.
و بالجملة، لو استنزل أبو بكر المسلمين عن فدك و استوهبه عنهم كما استوهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المسلمين عن فداء أبي العاص بأن قال: هذه بنت نبيكم تطلب هذه النخلات أ فتطيبون عنها نفسا؟ كانوا منعوها ذلك؟
و حيث لم يتأسّوا بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في شرع الإحسان و التكرم، فلا أقل من أن يستحقّوا اللعنة بمعنى البعد عن مرتبة الأبرار.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 57.
238
إن قلت: يتوجّه على ما ذكره أبن أبي الحديد إنا مع إمكان استيهاب أبي بكر فدكا من المسلمين على قياس ما أمكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) استيهاب ما بعثته زينب لأجل فداء أبي العاص، لأن المال الذي بعثته كان مشتركا بين جمع محصور من المسلمين و هم غزاة يوم بدر، فأمكن الاستيهاب منهم، بخلاف فدك، فإنه كان صدقة مشتركة بين سائر المسلمين الغير المحصورين.
قلت: لو سلّم كثرة المشاركين في فدك فنقول: من البيّن أنها على تقدير كونها صدقة لم تكن صدقة واجبة محرّمة على أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنما كانت الصدقة المستحبة المباحة عليهم أيضا و الصدقة المستحبة مما يجوز للإمام تخصيصها ببعض. كما روي من سيرة الثلاثة، سيما عثمان من أنه أعطى الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلث مال إفريقية، و قيل ثلاثين ألفا. فلو كان أبو بكر في مقام التكرم مع أهل بيت سيد الأنام (عليهم السلام) لخصّ فدكا بفاطمة (عليها السلام)، و لما جوّز إيذاءها المستعقب للطعن و الملام، إلى يوم القيام.
و الذي يدل على استحباب تلك الصدقة إن من جملة تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) السيف و الدرع و العمامة و البغلة. فلو كانت تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة واجبة، لكان كل ذلك داخلا في التركة معدودا من الصدقة الواجبة حراما على أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فكيف جاز لهم ترك ذلك عنده؟ و كيف أستحلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) التصرف في ذلك مع علمه بأنه مما حرّمه اللّه عليه ...؟!
و أيضا يدل عليه ما رواه هذا الجامد في كتابه هذا من أن العباس رافع عليا (عليه السلام) إلى أبي بكر في مطالبته بالميراث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الدرع و البغلة و السيف و العمامة، و زعم أنه عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنه أولى بتركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من ابن العم. فحكم أبو بكر بها لعلي (عليه السلام).
و كذا يدل عليه ما مرّ روايته عن جلال الدين السيوطي الشافعي في تاريخ الخلفاء من أن فدكا كان بعد ذلك حبوة أبي بكر و عمر، ثم اقتطعها مروان، و إن عمر بن عبد العزيز قد ردّ فدكا إلى بني هاشم و روي إلى أولاد فاطمة (عليها السلام).
239
و أنت خبير بأن جعل أبي بكر و عمر فدكا حبوة لأنفسهما دون سائر المسلمين- كما رواه السيوطي- يدل على أنهما لو أرادا إعطاءها لفاطمة (عليها السلام) لما نازعهما أحد من المسلمين، و لما توجّه إليهما حرج في الدنيا و الدين. لكن غلبتهم العصبية و ملكتهم الحميّة الجاهلية؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (1)
و أما ما نقله عن مولانا زين العابدين (عليه السلام)، فظاهر أنه افتراء، مع أن احتمال وقوعه تقية قائم، و يدل عليه إنه (عليه السلام) قد سلك في هذا المقال مسلك الإبهام و الإجمال، حيث قال:
«لو كنت مكانه لحكمت بمثل ما حكم به»، و لم يقل: لو كنت خليفة أو إماما؛ فما ذكره (عليه السلام) بمنزلة أن يقول أحد: لو كنت في مكان الشيطان و ما هو فيه من الطغيان لفعلت مثل ما يفعله من الشرور و العصيان. و حينئذ ليس في كلامه (عليه السلام) ما يدلّ على تصويب حكم أبي بكر.
و كذا الكلام فيما رواه عن الباقر (عليه السلام)، لأنه وقع السؤال فيه عن ظلم الشيخين و لم يقل (عليه السلام) في مقام الجواب إنهما ما ظلمانا، بل قال: «ما ظلمنا»، و الظاهر أنه يكون الضمير المستتر في «ظلمنا» راجعا إلى ما هو الأقرب، أعني «منزل الفرقان»، و هو حق لا ريب فيه.
هذا إن قرأ لفظ «ظلمنا» بصيغة الماضي المعلوم، و إن قرأ بصيغة المجهول فجاز حمل ضمير الجمع فيه على نفسه (عليه السلام) و من معه من أولاده و أصحابه؛ و من البيّن أن أبا بكر و عمر لم يظلماه (عليه السلام) حقه، و إنما ظلما حق جدته و جده (عليهما السلام).
المصادر:
الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة للتستري: ص 140.
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 227.
240
39
المتن:
قال في رحاب محمد و أهل بيته (عليهم السلام) في ذكر فدك:
.... و الخلاف الرئيسي الظاهر بين فاطمة (عليها السلام) و بين الصحابة الانقلابيين هو حول فدك، و هي قرية زراعية في ضواحي المدينة؛ كانت لليهود و استولى عليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد معركة خيبر ضمن شروط الاتفاقية التي وقعها معهم. فأصبحت ملكا خاصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأنها مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ...، أي لم تفتح بالحرب و إنما أخذت بالاتفاق و السلم و المصالحة ....
ثم إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنحل فدك لا بنته فاطمة (عليها السلام) بوحي من اللّه عام سبعة للهجرة، و كتب لها بهذه الهبة كتابا أشهد فيه وجوه أهل بيته (عليهم السلام) و على رأسهم الإمام علي (عليه السلام). و لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و وقع الانقلاب المعروف بانقلاب السقيفة و الذي أخبر عنه القرآن الكريم قبلا بقوله تعالى: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1)، عمد الانقلابيون و انتزعوا فدكا من يد فاطمة (عليها السلام) بحجة أنها من أملاك الدولة و أنكروا هبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إياها لفاطمة (عليها السلام).
و لما أبرزت لهم فاطمة (عليها السلام) كتاب الهبة و جاءت إليهم بالشهود و هم علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و آخرون، رفضوا كتابها و ردّوا شهادة الشهود بعد أن طعنوا فيهم.
و جاءتهم فاطمة (عليها السلام) بعد ذلك مطالبة بفدك عن طريق الميراث، إذ لا شك و لا خلاف في أن فدك كانت ملكا خاصا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) أبرز ورثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لها أكبر الحصص في فدك، لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن بنت واحدة و تسع زوجات.
و لما أحرجتهم فاطمة (عليها السلام) افتعلوا ضدها حديثا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو حديث: نحن
____________
(1). سورة آل عمران: الآية 134.
241
معاشر الأنبياء لا نورّث ...، و بما أن الذين اختلقوا هذا الحديث غفلوا عن كونه مخالفا لصريح القرآن و نصوص الآيات، بالإضافة إلى أنه حديث غريب لم يدّعي أحد من آل النبي (عليهم السلام) و أصحابه سماعه إلا أبو بكر فقط، و هو خصم لا تقبل دعواه منفردا.
و لذا وجدت فاطمة (عليها السلام) رحبا في الاحتجاج و مؤامرتهم و كشف نفاقهم، فخرجت في مظاهرة نسائية صاحبة من بيتها إلى مسجد أبيها ....
المصادر:
في رحاب محمد و أهل بيته (عليهم السلام): ص 44.
40
المتن:
قال العبيدلي في ذكر أولاد علي بن الحسين الأمير ابن زيد بن الحسين (عليه السلام):
فأما عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد فعقبه من أحمد، و قال قوم من النسبان: و من محمد بن عبد اللّه ولده بأبهر و كان الحسن يعرف بالعفهف؛ ولّي أموال فدك للمعتضد و انقرض و لا بقية له.
المصادر:
تهذيب الأنساب و نهاية الأعقاب للعبيدلي: في أولاد زيد بن الحسن (عليه السلام).
41
المتن:
قال المحقق الأردبيلي في أن الإمام بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أن عدم مطالبة حقه من الخلافة و فدك و دفع الظلم لمصالح في جواب كلام الرازي:
... و قول الرازي في المقدمة الثانية من مقدمات إثبات حقية إمامة أبي بكر: «إن عليا (عليه السلام) ما كان بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في العجز إلى حيث لا يمكنه طلب حق نفسه، و ما كان أبو بكر في القوة و السلطنة بحيث يمكّنه غصب الحق من علي (عليه السلام).
242
و الدليل عليه إن كان في غاية الشجاعة و الشهامة، و كانت فاطمة (عليها السلام) مع علوّ منصبها زوجة له و كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابنيه و كان العباس- مع علوّ منصبه عمه .... فثبت بما ذكرنا أن الإمامة لو كانت حقا لعلي (عليه السلام) بالنص، لكان في غاية القدرة على أخذها و منع الظالم المنازع».
و في هذا- كما ترى مما ذكرنا من حاله- أنه في زمان شوكته (عليه السلام) و خلافته و استقلاله ما كان قادرا على منع معاوية و لا على منع الخوارج، حتى خالفوه ألوف كثيرة منهم و خرجوا من حكمه و صاروا يقاتلونه، و بعد جمع العساكر و رجوع بعضهم قتلهم اللّه بيده بعون من اللّه و قد أخبره به نبيه (صلّى اللّه عليه و آله).
و خالفه عائشة و طلحة و الزبير مع علمهم بمنزلته و حاله من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نسبوه إلى الباطل و صاروا يقاتلونه، و لو تمكّنوا منه لقتلوه مع ما نقلوا و عرفوا من فضائله و أحقّيّته بالأمر حينئذ من غير شك؛ خصوصا عائشة، فإنها روت ما لا يحصى من فضائله و قرب منزلته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كونه أحب الرجال، و مع ذلك تترك المدينة و تركب الجمل و تظهر العساكر من المدينة إلى البصرة، على ما هو المعلوم و المشهور في التواريخ.
و غصب فدك من فاطمة (عليها السلام) معلوم بغير شك مع شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و ردّ شهادتهم. فلو كان قادرا لأخذه غضبا على أبي بكر فإنه سكت، مع أن ردّ شهادة أمثاله في غاية ما يكون من العار، فإنما كان ذلك عجزا.
بل روي ضرب فاطمة (عليها السلام) و إسقاط الولد، و لا يصبر على ذلك أدنى شخص من الرعية و خلق اللّه مع قدرته؛ فليس ذلك إلا عجزا أو بأمر من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لحكمة علمها اللّه تعالى. فلا استبعاد و هم لا يتجاوزون الحق، فلا معنى لقوله و قول غيره في ذلك.
المصادر:
الحاشية إلى إلهيات الشرح الجديد للتجريد: ص 213.
243
42
المتن:
كلام القاضي نور اللّه في جواب ابن حجر في نقل حديث زيد:
قال ابن حجر: و أخرج الحافظ عمر بن شبة: إن زيدا- هذا الإمام الجليل- قيل له: إن أبا بكر انتزع من فاطمة (عليها السلام) فدك. فقال: إنه كان رحيما، فكان يكره أن يغيّر شيئا ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت له: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال: هل لك بينة؟
فشهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن، فقال لها: فبرجل و امرأة تستحقّينها؟! ثم قال زيد: و اللّه لو رجع الأمر فيها إليّ لقضيت بقضاء أبي بكر.
قال القاضي التستري في جوابه: لا يخفى ما في هذا الخبر من التناقض الدال على تلاعب زيد- رضي اللّه عنه- مع السائل تقية، لأنه إذا كان أبو بكر لم يغيّر شيئا تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد كان فدك شيئا تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) كما مرّ، و يدلّ عليه قولها هاهنا: «أعطاني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك»؛ فكان يجب عليه أن لا يغيّره و لا يخرجه عن يدها (عليها السلام).
و قوله: قال لها: هل لك بينة، تذكّر لجوره في الحكم بطلب البينة عنها (عليها السلام)، لما مرّ من أن فدك كان مالا في يد فاطمة (عليها السلام) و البينة على المدعي و اليمين على من أنكر، كذا في قوله: فبرجل و امرأة تستحقّينها، تذكّر لظلمه عليها في عدم اكتفائه في الشهادة على ذلك كما سبق بيانه؛ فدلالة كلامه على الذم هو الظاهر، كما لا يخفى.
و أما قوله رضي اللّه عنه: «لو رجع الأمر فيها إليّ لقضبت بقضاء أبي بكر»، فليس أول قارورة كسرت في الإسلام، لأن عليا (عليه السلام) قضى في ذلك عند رجوع الأمر إليه بما قضى أبو بكر، لما مرّ من أن تصرفه في فدك كان يستلزم الطعن في عمل الشيخين و أنه (عليه السلام) لم يكن قادرا على تغيّر بدعهم و الطعن على أحكامهم. فكلامه دليل على وجوب إعمال التقية عليه بموافقة أبي بكر في القضاء عند رجوع الأمر إليه، كما فعل آباؤه (عليهم السلام)، فتدبّر.
المصادر:
الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: ص 243.
244
43
المتن:
قال السيد حسن القزويني في جواز إعطاء فدك من باب الولاية لو لا الغضاضة:
ثم إن أبا بكر لما كان واليا مطاعا عند المسلمين لا يتصوّر في حقه الوقوع في المحذور حتى يلتجئ إلى الاستقالة من الخلافة لأجل فدك. فإنه كان له أن يعطي فدك لفاطمة (عليها السلام) من باب الولاية، كما أنه أعطى المنقول من تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مثل السيف و العصا و اللباس و البغلة و غيرها لعلي و فاطمة (عليهما السلام) و أعطى الحجرات للنساء، كذلك و خلّى بينهن و بين مساكنهن. فإن كان ذلك لعهد من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأيّ عهد وقع منه إلى أبي بكر أو غيره في ذلك و لم يقع في فدك؟
مع أن الحديث المروي في نفي الإرث عامة يشمل فدك و غير فدك، و إن كان من باب الولاية العامة كما قيل، فإعطاء فدك إلى فاطمة (عليها السلام) بعد هذه الاحتجاجات أولى من إعطاء غيرها لغيرها، و كان موافقا للإحسان و مخالفا للإساءة و السخط و البغضاء.
و لذا قال قاضي القضاة حاكيا قول الشيعة: و قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبوا منها، فضلا عن الدين.
و لنعم ما قالوه في هذه المقام، فإن الإحسان و التكرم موجب لأن يعامل أبو بكر فاطمة (عليها السلام) في فدك مثل ما عامل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به زينب ابنته في التماسه من المسلمين أن يردّوا إليها المال الذي بعثته لفداء زوجها أبي العاص حيث أسّر يوم بدر، و قال (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين:
إن رأيتم أن تطلقوا لها أسرها و تردّوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا. فقالوا: نعم يا رسول اللّه، نفديك بأنفسنا و أموالنا. فردّوا عليها ما بعثت به من الفداء و أطلقوا أبا العاص بغير فداء، و هذا من مسلمات الحديث.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح عند بيان غزوة بدر: قرأت على النقيب جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر، فقال: أ ترى أبا بكر و عمر لم يشهدا هذا المشهد؟ أ ما كان يقتضى التكرم و الإحسان أن يطيبا قلب فاطمة (عليها السلام) بفدك و يستوهباها
245
من المسلمين؟ أ تقصر منزلتها عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن منزلة زينب أختها و هي سيدة نساء العالمين؟ هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة و لا بالإرث؛ فقلت له: فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم.
فقال: و فداء أبي العاص قد صار حقا من حقوق المسلمين و قد أخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منهم. فقلت: رسول اللّه صاحب الشريعة و الحكم حكمه و ليس أبو بكر كذلك. فقال: ما قلت: هلّا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا يدفعه إلى فاطمة (عليها السلام)، إنما قلت: هلّا استنزل المسلمين عنه و استوهبها منهم لها كما استوهب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المسلمين فداء أبي العاص؛ أ تراه لو قال لهم: هذه بنت نبيكم قد حضرت لهذه النخيلات، أ فتطيبون عنها نفسا؛ أ كانوا يمنعونها ذلك؟
فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو هذا. قال: إنما لم يأتيا بحسن في شرح التكرم، و إن كان ما أتياه عندنا حسنا في الدين. قلت: إن ذلك لم يكن حسنا أيضا في الدين.
و ليس قوله هذا إلا لحسن ظنه بهما، و إلا فقواعد الشرع على الخلاف، و ذلك لما روته العامة في كتبهم المعتبرة إلى أن بلغت حد التواتر اليقيني من أن اللّه تعالى يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها، و هو من أحاديث الحاكم في «المستدرك» و العلامة المناوى في «كنوز الدقائق» في حرف الألف.
و أبو بكر و عمر سمعا بالحديث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و شهدا بذلك عند فاطمة (عليها السلام) حسبما عرفت من كتاب «الإمامة و السياسة» لابن قتيبة؛ فإن فيه قالت فاطمة (عليها السلام) لهما: نشدتكما اللّه أ لم تسمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «رضا فاطمة (عليها السلام) من رضاي و سخط فاطمة (عليها السلام) من سخطي؛ فمن أحب فاطمة (عليها السلام) ابنتي فقد أحبّني و من أرضى فاطمة (عليها السلام) فقد أرضاني، و من أسخط فاطمة (عليها السلام) فقد أسخطني»؟ قالا: نعم سمعنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قالت: فإني أشهد اللّه و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لإن لقيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأشكونّكما إليه.
246
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 131.
44
المتن:
مما رواه محمد بن سلام بن سار الكوفي بأسناده، عنها (عليها السلام):
أنه أمر أبو بكر بأخذ فدك من يدها، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها إياها لما أنزل اللّه عز و جل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)؛ فكانت مما أفاء اللّه عز و جل عليه. فقال أبو بكر: هي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فشهد علي (عليه السلام) و أم أيمن- و هي ممن شهد له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة- إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقطعها ذلك فاطمة (عليها السلام). فردّ أبو بكر شهادتها و قال: علي (عليه السلام) جارّ إلى نفسه و شهادة أم أيمن وحده لا تجوز. فقالت فاطمة (عليها السلام): إن لا يكن ذلك فميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: إن الأنبياء لا يورّثون.
و هذا خلاف كتاب اللّه عز و جل، لأنه يقول جلّ من قائل: «وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال حكاية عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)، و ذكر فرض المواريث ذكرا عاما لم يستثن فيها أحدا.
خرجت (عليها السلام) في ذلك إلى مجلس أبي بكر و احتجّت فيه عليه، فلم ينصرف إلى قولها و استنصرت الأمة فلم تجد لها ناصرا. فلذلك و لما هو أعظم و أجلّ منه في الاستيثار بحق بعلها و بنيها، لزمت فراشها أسفا و كمدا حتى لحقت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سبعين يوما من وفاته غمّا و حزنا عليه، و هي ساخطة على الأمة لما اضطهدته فيها و ابتزّته من حق بعلها و بنيها.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
247
المصادر:
شرح الأخبار لأبي حنيفة النعمان: ج 3 ص 32 ح 973.
45
المتن:
قال الشيخ عبد الحميد المهاجر بعد ذكر عدة من أقوال العلماء في كتبهم في بحث فدك بأنها نحلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام):
فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي الصديقة الكبرى، و هي التي شهد اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنون بصدقها و عصمتها، و بالتالي ففاطمة (عليها السلام) تقول: أيها الناس! اعلموا أني فاطمة، أقول حقا عودا و بدا و لا أقول ما أقول غلطا و لا أفعل ما أفعل شططا.
و من هنا، فإنه ليس في إمكان أحد من العالمين أن يكذّب فاطمة (عليها السلام)، لأن مجرد تكذيب الزهراء (عليها السلام) يكفي لإخراج الإنسان من الإيمان و إبعاده عن الإسلام. هذا بالإضافة إلى نزول اللعنة و العذاب على من كذّب فاطمة (عليها السلام)، لأنها معصومة و اللّه يشهد لها بالصدق و الإخلاص و الوفاء و النصيحة، و هي الصادقة المصدّقة، بل هي الصديقة الكبرى و على معرفتها تدور الدوائر.
و هذا شيء ثابت و حقيقة راسخة لا يختلف فيها أحد، غير أننا نرد مع المعلم الذي دار الحديث بينه و بين ابن أبي الحديد في هذا المسعى و في هذا المضمار؛ فتؤكّد أن أبا بكر كان يدفع فاطمة (عليها السلام) حتى لا تفتح باب الخلافة و المطالبة بالإمامة .... و لذلك نجد أن الزهراء (عليها السلام) كانت قد ذكرت موضوع الإمامة و الدفاع عنها في خطبتها الثانية أكثر من الأولى، لأنها في الأولى اكتفت بذكر الإمامة و أنها لتنظيم المجتمع و حفظ الناس من التفرقة و النزاع، ثم ذكرت مواصفات الإمام علي (عليه السلام) و بلاءه في الدفاع عن الإسلام، إذ أبلى بلاء حسنا ....
248
و ليس لنا أن نردّد مع ابن أبي الحديد كلمته هذه التي نقرأها معا: و لكن الأمر كما حكاه علي بن الفارقي- و كان من أعلام بغداد مدرّسا في مدرستها الغربية و هو أحد شيوخ ابن أبي الحديد المعتزلي- إذ سأله فقال له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة في دعواها النحلة؟ قال: نعم. قال له ابن أبي الحديد: فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا و هي عنده صادقة؟
فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء لأنه يكون سجّل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود.
المصادر:
1. اعلموا أني فاطمة: ج 9 ص 258.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 284، شطرا من ذيله.
46
المتن:
قال النباطي البياضي في تكميل بحث فدك:
قال المرتضى: إن قيل: لو ورثت الأنبياء الأموال لتطرّق إلى أهلهم تمنّي موتهم و هو كفر، فنزّه اللّه أهل الأنبياء عن ذلك، قلنا: جعل متروكاتهم صدقة، فيه تمنّى جميع المسلمين موتهم، و لو لزم من الإرث تمني الموت لزم عقوق الوالدين و سري ذلك في الأولياء.
إن قيل: قد نهيت الأمم عن تمنّي موتهم، قلنا: و كذلك لحكم في أهلهم على أن اللّه أقدر الخلق على أنواع المعافي و لم يكن ذلك منه تعريضا لهذه القبائح، فيكف يكون
249
في ميراثهم تعريضا لتمنّي موتهم، و أيضا فالحكم بإرثهم مع نهي أهلهم عن تمنّي موتهم بمنزلة جليلة من التكليف لما فيه من مخالفة الهوى فيستحقّون جزيل الثواب، فكيف ينزهون عما هو إحسان إليهم.
المصادر:
الصراط المستقيم: ج 2 ص 291.
47
المتن:
قال النباطي البياضي في تكميل بحث فدك:
... قال الجبائي لا عفى اللّه عنه: طلبت فاطمة (عليها السلام) حقا و رجعت بحق، قلنا: كيف ذلك، فقد زعمتم أن من ظلم خردلة مخلّد في النار؛ فكيف من ظلم بنت نبيكم (عليها السلام)؟ قالوا: جاءت تطلب خادما من أبيها فلم يعطها و علّمها التسبيح المشهور بها، فكيف يعطيها أبو بكر فدكا بمجرد طلبها؟ قلنا: طلب الخادم نافلة من أبيها و طلب فدك بمستحقها فلا يقاس عليها، و لو منعها ذلك استهانة بها لوجب منعها من جميع حقوقها و لم يتجرّأ مسلم بذلك عليها، و أي عوض جعله الشيخ لها عند منعها كما جعله أبوها، إذ ناهيك شرفا و فضلا مشاركتها إلى القيامة من ثواب من أتى بتسبيحها.
قالوا: قلتم: إنما منعها كيلا ينتفع بها بعلها؛ كيف ذلك و قد أعطوه من غنيمة عساكرهم قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا؟ قلنا: ظاهر منعها عدم انتفاع أهل البيت (عليهم السلام) بها لتمالئهم عليها و انحرافهم عنها و عن أهلها و إقطاع ذلك مروان دونها مع كونه عدوا لأبيها و كان الواجب صلتها بها، و إن يكن ملكا تقرّبا إلى أبيها و ربها.
و إعطاء البساط- إن صحّ- لم يناف ما قلناه لكونه حقه، إذ الأمر و الإمارة له، و لو أمكن منعه لشبهة لفعلوها كغيرها، إذ كل الأمور لا يمكن التلبيس فيها، و العساكر للإسلام لا لأولئك اللئام؛ و قد أخرج البخاري قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر».
250
قالوا: قلتم: غضبت لذلك عليهما و دفنت ليلا لئلا يصلّيا عليها لتمنعهما غفران ذنبيهما، كيف نسبتم إلى علي (عليه السلام) ذلك و فيه منع الدعاء لها بالصلاة عليها و منع غفران ذنوب الصحابة بتركها، و هل يكون عليا (عليه السلام) إلا منّاعا للخير عنهم و عنها؟
قلنا: أما غضبها فقد صار من الأوليات لما جاء من الخائنين في الروايات، فقد أخرج في جامع الأصول و حكاه عن مسلم و البخاري عن عائشة مجيئها تلتمس أرضها و ميراثها، فردّها أبو بكر بلا نورّث، و هجرته حتى ماتت و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذنه بها، و في بعض الطرق أنه عتب فقال: بذلك أمرتني، على أنه لا حجة في دفنها ليلا لدفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن عمر و غيرهما ليلا.
و قد أسند عيسى بن مهران إلى ابن عباس أنها أوصت أن لا يعلمها بدفنها و لا يصلّيان عليها؛ رواه الواقدي و غيره، و هذا و نحوه دليل غضبها عليهما.
المصادر:
الصراط المستقيم للبياضي: ج 2 ص 291.
48
المتن:
قال الأميني في شواهد أن أبا بكر أرحم الأمة و النظر فيه و الجواب عنه:
... و هاهنا لا نناقش متن الرواية في الأوصاف التي حابت القوم بها، فلعل فيها ما هو مدعوم بالبرهنة.
فيشهد على كون أبي بكر أرحم الأمة إحراقه الفجاءة! و غضه الطرف عن وقيعة خالد بن الوليد في بني حنيفة و خزايته مع مالك بن نويرة و زوجته! و عدم اكتراثه لأمر الصديقة فاطمة (عليها السلام) في دعواها، و كانت له مندوحة عن مجابهتها باسترضاء المسلمين و استنزال كل منهم عن حصته من فدك؛ إن غاضينا القوم على الفتوى الباطلة و الرواية المكذوبة في انقطاع إرث النبوة خلافا لآيات المواريث المطلقة و إرث الأنبياء خاصة.
251
على أن فاطمة و ابن عمها (عليهما السلام) ما كانا يجهلان بما تفرّد بنقله أبو بكر و صافقته على قوله سما سرته من الساسة لأمر دبّر بليل، و أمير المؤمنين (عليه السلام) أقضى الأمة و باب مدينة علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الصديقة فاطمة (عليها السلام) بضعته، و ما كان يشحّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليها من إفاضته العلم، و لا سيما علم الأحكام و على الأخص ما يتعلق بها. و هو (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم أنها سوف تقيم الدعوى على صحابته المتغلّبين على فدك، و أنها ستمنع عنها و يحتدم بينها و بينهم الشجار و يستتبع ذلك انشقاقا بين الأمة إلى يوم القيامة؛ فمن مزدلفة إلى بضعة النبوة و من جانحة إلى من منعها عن حقها؛ فكان من الواجب أن يسبق (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ابنته بتفصيل حكم هذا شأنه قبل أبي بكر.
أ لم تكن لأبي بكر مندوحة تصحّح إقطاع فاطمة (عليها السلام) فدكا و ردّها إليها حتى لا يفتح باب السوءة على الأمة، كما ردّها عمر إلى ورثة النبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله)، و أقطعها عثمان مروان، و أقطعها معاوية مروان و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية على الأثلاث، إلى ما رأى فيها الخلفاء بعدهم من التصرف كتصرف الملّاك في أملاكهم.
سل عن صفة أبي بكر؛ هذه صفة فاطمة (عليها السلام)، و هي صديقة يوم خرجت خدرها و هي تبكي و تنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللّه! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة.
و سلها عنها يوم لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم. فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس.
و سل عنها يوم قالت لأبي بكر: و اللّه لأدعونّ عليك بعد كل صلاة أصلّيها.
و سل عنها يوم ماتت و هي واجدة على أبي بكر، و هي التي طهّرها الجليل بآية التطهير، و صحّ عن أبيها قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني فمن أغضبها أغضبني و يؤذيني ما آذاها و يغضبني ما أغضبها». و قوله: «فاطمة قلبي و روحي التي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني»، و قوله: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها».
252
المصادر:
الغدير: ج 9 ص 386.
49
المتن:
قال عبد الفتاح عبد المقصود في ذكر فدك:
... فلقد بعث إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يسلّموا برسالته، فيكون لهم و عليهم ما للمسلمين و على المسلمين. أو أن يسلّموا إليه ما يملكون و لهم دينهم الذي يدينون فيمنحهم السلام؛ فأبى كفرانهم عليهم الأولى.
و صالحوه على شرطه الأخير و رفع عنهم السيف، و غدت له أرضهم نصفها يزرعونه له و نصفها الثاني يزرعونه لأنفسهم. فيبقى تحت أيديهم يستثمرونه، إلا أن يرى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيهم رأيا فيجليهم عن القرية جميعا حين يريد و يعوّضهم عن نصيبهم المقسوم لقاء الجلاء.
و هكذا صارت خيبر للمسلمين كافة إذ انتزعوها من أصحابها بقوة السلاح، و صارت فدك خالصة لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه احتازها سلما و لم يجلب عليها المسلمون بخيل و لا ركاب؛ فتلك شرعة اللّه.
... فما أن انتقل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الرفيق الأعلى في غضون ما دون أربعة أعوام من ذلك النصر، حتى استولى الخليفة الأول أبو بكر على فدك، و ضمّها إلى مال المسلمين، و راجعته فاطمة (عليها السلام) في الأمر، و هل كانت فدك من المال العام أم كانت خالصة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من دون الناس؟! يقول اللّه: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ ...» (1)، فما أوجف عليه المسلمون بل صالح أهلها عليها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
253
ثم ذكر ذاكرون: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها الزهراء (عليها السلام):
قال أبو سعيد الخدري: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا، و قال ابن عباس:
أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا و تناقلت ألسن ما روياه، لكن الخليفة الأول رأى غير هذا الذي قيل، و عجب من عجب و غضب من غضب.
و كانت فاطمة (عليها السلام) في قمّة العاجبين و الغاضبين؛ قالت: فدك نحلة أبي، أعطانيها حال حياته. فسألها أبو بكر: و هل لك بينة؟ و هل عليها البينة؟! إنها صاحبة اليد و اليد حجة الملكية، و هو المدعي فالبينة إذن عليه!! و مع ذلك فإن أكثر من شاهد أيّدوا النحلة!! قيل:
شهد علي (عليه السلام) و شهدت أم أيمن حاضنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أن أبا بكر قال: أ فبرجل و امرأة لتستحقّينها؟!
و حق له، و ما له لا يقول ما قال؟ إن النصاب العددي للشهود رجلان أو رجل و امرأتان. أ فإذا شهدت امرأة أخرى كشهادة أم أيمن أ لا يكتمل بها النصاب؟ بلى؛ فاللّه يقول: «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ» (1)، و يأتي ما يمكن أن يكون فصل الخطاب.
نسمع نبأ يذكر: و شهدت أسماء بنت عميس. أ فيكتمل النصاب؟ و يحق للأمر أن ينحسم، و للنحلة أن تصح و للسجل أن يطوي على كتاب النزاع.
العجيب أن يردّ رأي بتنحية شهادة أسماء! ذلك لأنها فيما تحاجّ متحاجّون كانت زوجا لهاشمي هو جعفر بن أبي طالب؛ فهي إذن تجرّ إلى بني هاشم فتجرّ إلى فاطمة (عليها السلام).
و صلة القربى هذه التي تربط بينها و بين المشهود لها تثير خشية أصحاب الاحتجاج المعروض أن تنعطف أسماء إلى الزهراء (عليها السلام)، فلا تلزم جادة الشهادة و تزيع.
أ فهذا تعليل، و كيف و قد كان جعفر عندئذ شهيدا احتضنته أرض واقعة مؤتة من بضع سنين؟
____________
(1). سورة البقرة: الآية 282.
254
كيف و قد كانت أسماء- التي كانت في تلكم الآونة زوجا للخليفة الأول- خلف عليها بعد جعفر و أنجبت له ولده محمد بن أبي بكر الذي كان قد سلخ من عمره آنئذ ثلاثة أعوام ....
ثم تتعثّر روايات تهدر بقية الشهادات كما أهدرت شهادة أسماء!!
فشهادة علي (عليه السلام) لزوجته مردودة لأنها تجرّ إليه! و شهادة الحسن و الحسين (عليها السلام) مردودة لأنها حدثان فرعان و لا تقبل شهادة الصغار و الفروع! و شهادة أم أيمن مردودة لأنها أعجمية لا تفصح الكلام! فإن كان الردّ مستندا لهذه الأسباب، فما أشد تهافتها من أسباب! و ما أولاها بالإسقاط! إنها لتنهار من داخلها دون حاجة إلى هدمها بحجة مناهضة و لا برهان مضادّ ....
أم كيف تفسخ شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فيصمه الفسخ بما ينقض قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ وصفه بأنه أقضى الناس و المسلمون كلهم على قوله (صلّى اللّه عليه و آله) شهود عيان و سماع؟!
و هل نسي أولئك الفاسخون أنه كان امرأ لا يتدنّى إلى التطلع إلى عروض الحياة؟ إذ هو بإقرار الأعداء قبل الأولياء أزهد الزهّاد، و إذ إمرة المسلمين- بكل جاهها و سطوتها- لا تساوي عنده نعلا بالية، كما قال يوما لا بن عباس، و إذ الدنيا كلها- و ليس فقط الأرض المنحولة- و هي أهون من جناح بعوضة أو ورقة في فم جرادة.
و ما ذا تشكّل فدك في نظره و قد سمعناه من بعد يقول (عليه السلام): «و ما أصنع بفدك و غير فدك» ....
لقد كان ابن أبي طالب (عليه السلام) أنزه عن الانسياق وراء الذاتيات و كان أبو بكر أعرف بهذا التنزّه و أوثق به علما و تجربة من كل مسلم سواه ....
المصادر:
في نور محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة الزهراء (عليها السلام): ج 2 ص 215.
257
المال لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفّي ولّيته كما كان يليه. (1)
إذن ففدك على رأي أبي بكر ليست ملكا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) حتى يعطيها لمن يشاء، بل هي ملك للمسلمين، و معنى ذلك أن الزهراء (عليها السلام) لو أقامت سبعين بينة و شاهدا على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنحلها فدكا لا يعطيها أبو بكر إياها، بحجة أنها ليست للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ليس له أن يعطيها لفاطمة (عليها السلام)؛ و هذا خروج على حكم اللّه إذ يقول: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (2)؛ فاللّه تعالى جعل فدكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو بكر يأبى ذلك.
و إذا صحّ ما قاله الخليفة أن هذا المال لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، فلما ذا لم يرد الزهراء (عليها السلام) من أول وهله بهذا الكلام، و لما ذا طالبه بالبينة، ثم لما ذا اتهم الشهود؟!
و لما بلغ الأمر إلى هذا الحد، انسجت الزهراء (عليها السلام) من الميدان و ذهبت تشكو حالها إلى ابن عمها علي (عليه السلام) قائلة: هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي و بلغة ابنيّ؛ لقد أجهد في خصامي و ألدّ في كلامي.
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 17.
54
المتن:
كلام المحقق الأردبيلي في عدالة أبي بكر:
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 214.
(2). سورة الحشر: الآية 6.
255
50
المتن:
قال المجلسي في مثالب عمر:
الطعن التاسع عشر: إنه أوصى بدفنه في بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك تصدّى لدفن أبي بكر هناك، و هو تصرّف في ملك الغير من غير جهة شرعية؛ و قد نهى اللّه الناس عن دخول بيته (صلّى اللّه عليه و آله) من غير إذن بقوله: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» (1) ....
و إن كان نقل في حياته إلى عائشة فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله و الحجة فيه، فإن فاطمة (عليها السلام) لم يقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها و لا شهادة من شهد لها ...
المصادر:
بحار الأنوار: ج 31 ص 88 ح 19.
51
المتن:
ذكر الديلمي مثالبهم في إرشاده:
.... و منها- أي من مثالب أبي بكر-: تكذيبه لفاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك، ورد شهادة أم أيمن، مع أنهم رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة.
و ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، يدور معه حيثما دار»، و أخبرهم أيضا بتطهير علي و فاطمة (عليهما السلام) من الرجس عن اللّه تعالى؛ فمن توهّم أن عليا و فاطمة (عليهما السلام) يدخلان- بعد هذه الأخبار من اللّه عز و جل- في شيء من الكذب و الباطل فقد كذّب اللّه، و من كذّب اللّه كفر بغير خلاف.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 53.
258
فإنه إذا كان فيه صلاح و كان عادلا، ما تقدّم بغير حق على صاحب الحق و لم ينتزع فدك عن فاطمة (عليها السلام) ....
المصادر:
حديقة الشيعة: ص 39.
55
المتن:
قال المحقق الأردبيلي:
و من جملة مطاعن التي شارك فيه الشيوخ الثلاثة، منع فدك عن فاطمة (عليها السلام).
و فدك قرية نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- بعد نزول آية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)- لفاطمة (عليها السلام) و قبضتها فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت في يد وكلاء فاطمة (عليها السلام).
و لما غصب أبو بكر حق علي (عليه السلام) و جلس في مسند الخلافة، أخرج وكيل فاطمة (عليها السلام) عن فدك. فقالت فاطمة (عليها السلام) إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فاطمة (عليها السلام)، و طلب أبو بكر الشهود بخلاف قانون الشرع، و شهد عليها أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أم سلمة، و لا يصدّقهم أبو بكر و قال: أما علي (عليه السلام) فهو زوجك و غرضه أن يجرّ النفع و لا يكفي شهادة امرأتين، و هكذا الحسنين (عليهما السلام) يجرّان النفع ....
المصادر:
حديقة الشيعة: ص 235.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
256
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 30 ص 352 ح 164، عن إرشاد القلوب.
2. إرشاد القلوب، على ما في البحار.
52
المتن:
عنهما، عن حنان بن سدير، قال:
سأل صدقة بن مسلم أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا عنده- فقال: من الشاهد على فاطمة (عليها السلام) بأنها لا ترث أباها؟ فقال: شهدت عليها عائشة و حفصة و رجل من العرب يقال له أوس بن الحدثان من بني نضر؛ شهدوا عند أبي بكر بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا أورّث. فمنعوا فاطمة (عليها السلام) ميراثها من أبيها.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 22 ص 101 ح 59، عن قرب الأسناد.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 156 ح 31، عن قرب الأسناد.
3. قرب الأسناد: ص 47.
53
المتن:
قال باقر المقدسي في مقدمة كتاب فدك للسيد محمد حسن القزويني بعد ذكر احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في فدك من طريق النحلة و الإرث و اليد:
و لكن الزهراء (عليها السلام) لم تكف عن مطالبتها بفدك آملة نجاح مساعيها و هادفة إقامة الحجة على غاصبيها.
أعادت الكرّة عليه ثالثة، و في هذه المرة لما رأى أبو بكر إلحاحها الشديد، أراد أن يوصد الباب في وجهها و يقطع عليها خط العودة لتكفّ عن الطلب، فقال لها: إن هذا
259
56
المتن:
قال حذيفة في حديث أحمد بن إسحاق المشهور- و هو طويل جدا-:
.... و إنا غير شاك في أمر الشيخ (عمر بن الخطاب)، حتى ترأّس بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أعاد الكفر، و ارتدّ عن الدين، و شمّر للملك، و حرّف القرآن، و أحرق بيت الوحي، و أبدع السنن، و غيّر الملة، و بدّل السنة، و ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كذّب فاطمة (عليها السلام)، و اغتصب فدكا ....
المصادر:
المحتضر: ص 52.
57
المتن:
عن أحدهما (عليهما السلام)، قال:
إن فاطمة (عليها السلام) انطلقت إلى أبي بكر فطلبت ميراثها من نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: إن نبي اللّه لا يورّث. فقالت: أكفرت باللّه و كذّبت بكتابه؟ قال اللّه: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (1)
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 1 ص 225 ح 49.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 118 ح 12، عن تفسير العياشي.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 630 ج 19، عن تفسير العياشي.
4. تفسير البرهان: ج 1 ص 347 ح 1، عن تفسير العياشي.
5. تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 374 ح 1، عن تفسير العياشي.
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
260
الأسانيد:
في تفسير العياشي: عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال.
58
المتن:
قال محمد بن الحسن الحر العاملي:
روى مصنف كتاب أساس الجواهر، و روى من كتبهم و صحاحهم عدة أخبار في أن فاطمة (عليها السلام) طلبت من أبي بكر فدك و العوالي و أقامت البينة فمنعها منها، و أنها طلبت منه ميراثها فمنعها منه، و غضبت عليه و أوصت أن لا يصلّي عليها.
المصادر:
1. إثبات الهداة: ج 2 ص 334، عن أساس الجواهر.
2. أساس الجواهر، علي ما في إثبات الهداة.
59
المتن:
روى أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال:
قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه أبيك، و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك. و اللّه لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري؛ أ تراني أعطي الأسود و الأحمر حقه و أظلمك حقك، و أنت بنت رسول اللّه؟
إن هذا المال لم يكن للنبي، إنما كان من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال و ينفقه
261
في سبيل اللّه. فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال:
و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك.
فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن لا يصلّي عليها. فدفنت ليلا و صلّى عليها العباس بن عبد المطلب؛ و كان بين وفاتها و وفاة أبيها اثنتان و سبعون ليلة.
المصادر:
1. عوالم العلوم: ج 11 ص 328 ح 11، عن السقيفة و فدك.
2. السقيفة و فدك: ص 101.
3. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 214، عن السقيفة و فدك.
60
المتن:
أبان، عن سليم بن قيس الهلالي، قال:
كنت عند عبد اللّه بن عباس في بيته و معه جماعة من شيعة علي (عليه السلام) فحدّثنا. فكان فيما حدّثنا أن قال:
يا إخوتي، توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم توفّي، فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس و ارتدّوا و أجمعوا على الخلاف ....
ثم إن فاطمة (عليها السلام) بلغها أن أبا بكر قبض فدكا. فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر! تأخذ مني أرضا جعلها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تصدّق بها عليّ من الوجيف الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب؟! أ ما كان قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): المرء يحفظ في ولده؟ أو قد علمت أنه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يترك لولده شيئا غيرها؟
فلما سمع أبو بكر مقالتها و النسوة معها، دعا بدواة ليكتب به لها، فدخل عمر فقال:
يا خليفة رسول اللّه! لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدّعي. فقالت فاطمة (عليها السلام): نعم، أقيم
262
البينة. قال: من؟ قالت: علي (عليه السلام) و أم أيمن. فقال عمر: و لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح، و أما علي فيجرّ النار على قرصته.
فرجعت فاطمة (عليها السلام) و قد دخلها من الغيظ ما لا يوصف، فمرضت.
المصادر:
1. كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 2 ص 862 ح 48.
2. بحار الأنوار: ج 28 ص 297 ح 48، عن كتاب سليم.
3. بحار الأنوار: ج 43 ص 197 ح 29، عن كتاب سليم.
4. عوالم العلوم: ج 11 ص 594 ح 1، عن كتاب سليم.
5. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 327، عن كتاب سليم.
61
المتن:
قال العلامة الأميني في ذيل حديث: «أنا مدينة العلم و علي (عليه السلام) بابها»:
... أبو العصمة محمد معصوم بابا السمرقندي، ذكره في الفصل الثاني من رسالة الفصول الأربعه، و احتج به على من طعن أبا بكر بغصب فدك، و أنكر بذلك شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام) بمكانته العلمية الثابتة بالحديث.
المصادر:
1. الغدير: ج 6 ص 71 ح 97.
2. رسالة الفصول الأربعة، على ما في الغدير.
264
قالت بقرتها الإله يبقر * * * بطنك فاستهون ذاك عمر
فانظر إلى دعائها المجاب * * * ما دونها للّه من حجاب
المصادر:
منظومة في تاريخ النبي و الأئمة (عليهم السلام) (مخطوط): ص 8 باب الزهراء (عليها السلام).
64
المتن:
قال محمد بن الحسن الحر العاملي نقلا عن ابن أبي الحديد:
و روى فيه: أن فاطمة (عليها السلام) ادعت ثلاثة أشياء: الميراث و النحلة، و سهم ذوي القربى، و إن أبا بكر لم يقبل شيئا منها بل منعها، و إن فاطمة (عليها السلام) خطبت في ذلك مرة بعد أخرى، و أنشدت شعرا، و أظهرت من التظلم و الشكاية و التأذي و الغضب على من غصبها و على من ساعده و على من خذلها و لم ينصرها شيئا كثيرا بليغا، لم أنقله خوفا من الإطالة، و جميع تلك الروايات من طرق السنة لا من طرق الشيعة.
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 358.
65
المتن:
قال ابن شهرآشوب في مثالبه:
... إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقسّم الخمس من الغنائم في بني هاشم على فرائض اللّه، و إن الأول لما ولّى، ادعى الخمس و ادعاه من تابعه، ثم اشترى به الخيل و السلاح. فقسّموا
263
62
المتن:
عن ابن عباس، كذلك في تفسير الآية من سورة الروم:
لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، استولى أبو بكر و عمر على كل ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بما فيه فدك و النحلة، و من هنا نشأ الخلاف بين الصديقة فاطمة (عليها السلام) و بنيهما، و بقيت غاضبة عليهما حتى استشهدت.
و عن عمر: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، جئت أنا و أبو بكر إلى علي (عليه السلام) فقلنا: ما تقول فيما ترك رسول اللّه؟ قال: نحن أحق الناس برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: فقلت: و الذي بخيبر؟ قال:
و الذي بخيبر. قلت: و الذي بفدك؟ قال: و الذي بفدك. فقلت: أم و اللّه حتى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا.
المصادر:
1. حقوق آل البيت (عليهم السلام): ص 176.
2. شواهد التنزيل، على ما في حقوق آل البيت (عليهم السلام)، شطرا من صدر الحديث.
3. مجمع الزوائد: ج 9 ص 39، شطرا من ذيله.
63
المتن:
قال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في منظومته عند ذكر فدك:
...
إذ منعت مما أبوها قد ترك * * * و زادها غصب العوالي و فدك
و قيل إن ابن أبي قحافة * * * لما أتته ترتجي إنصافه
ثم أقامت الشهود كتبا * * * لها كتابا شافيا و ما أبى
ثم رآها في طريقها عمر * * * فأخذ الكتاب منها و بقر
265
بين جنوده و لم يسأل البينة كما سأل فاطمة (عليها السلام) و العباس. فنحّى بني هاشم عن حقوقهم سنيّ؛ أطعم فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء، و جاء معاوية و ابنه فوثبا على حق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أباها حريمه و قتلا أولاده، و سبا ذراريه ....
و قال في ص 106:
ثم انتزع فدك من يد فاطمة (عليها السلام) و بنى لها و في ملكها، تتصرف فيها سنين من أيام أبيها بلا دافع و لا مانع و لا منازع؛ إذ كانت لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و كانت خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأنه فتحها صلحا. فنزل جبرئيل فقال له: إن اللّه تعالى يقول: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال: من ذا القربى يا جبرئيل؟ قال: فاطمة (عليها السلام). قال: و ما حقها. قال: فدك. قال:
فاستدعاها فسلّمها إليها بأمر اللّه.
فلم يزل بعلها يتصرّف فيها بأعوانها، إلى أن قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فلما غلب الأول على الأمر، طرد أعوانها عنها و قبضها مع الإرث و ادعى أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (2) و أنها داخلة فيما قبضه من الميراث، و شهدت أسماء بنت عميس و أم أيمن لفاطمة (عليها السلام) و حلفت فاطمة (عليها السلام) فقال: يجوز أن تكون صادقة.
فما صدّق قولها و لا قبل شهادة من شهد لها و لا التفت إلى، (3) و هو شهد وحده شهادة قاطعة أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ثم ادعى جماعة من الصحابة دعاوي فقبلها بغير بينة و أمضاها؛ و خرج إليهم جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنه ادعى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وعده إذا ورد أهل البحرين أن تحثو له ثلاث حثوات، فأمضى له و انجز ذلك له من المسلمين و لم يضطره إلى إقامة البينة. و ادعى جوير بن عبد اللّه النحلي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وعده أن يقطعه قريتين من قرى الشام، فأعطاه القريتين لأنه صهره على أخته.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). في المصدر المخطوط كلمتان لا يقرأ.
(3). في المصدر المخطوط كلمتان لا يقرأ.
266
المصادر:
مثالب النواصب لا بن شهرآشوب (مخطوط): ص 105، 106.
66
المتن:
عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء صنمي قريش:
... اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه ...، و إرث غصبوه، و فيء اقتطعوه، و سحت أكلوه، و خمس استحلوه .....
المصادر:
المصباح للكفعمي: ص 552.
67
المتن:
قال محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام):
... و خرق عمر كتاب فاطمة (عليها السلام).
و قال العلامة الحلي في شرحه: هذا طعن آخر و هو إن فاطمة (عليها السلام) لما طالت المنازعة بينها و بين أبي بكر، ردّ أبو بكر عليها فدكا و كتب لها بذلك كتابا. فخرجت و الكتاب في يدها، فلقيها عمر فسألها عن شأنها، فقصّت قصتها. فأخذ منها الكتاب و خرقه و دعت عليه، و دخل علي أبي بكر و عاتبه على ذلك و اتفقا على منعها عن فدك.
المصادر:
كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 299.
268
المصادر:
كشف المراء في شرح تجريد الاعتقاد: ص 293.
69
المتن:
قال السيد الهاشمي في أهداف مهمة كانت وراء طلب الزهراء (عليها السلام) ما هذا ملخّصه:
1. أرادت الزهراء (عليها السلام) استرجاع حقها المغصوب ....
2. كان الحاكم قد استولى على جميع الحقوق السياسية و الاقتصادية لبني هاشم و ألغى جميع امتيازاتهم المادية و المعنوية .....
3. استهدفت الزهراء (عليها السلام) من مطالبتها الحثيثة بفدك فسح المجال أمامها للمطالبة بحق زواجها، و الواقع أن فدك صارت تتمشي مع الخلافة جنبا إلى جنب ....
4. أرادت الزهراء (عليها السلام) بمنازعة أبي بكر إظهار حاله و حال أصحابه للناس و كشفهم على حقيقتهم، ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حيي عن بينة، و إلا فبضعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أجلّ قدرا و أعلى شأنا من أن تقلب الدنيا على أبي بكر حرصا على الدنيا ....
و أهداف أخر كانت للزهراء (عليها السلام) في منازعاتها مع أبي بكر.
المصادر:
فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 255.
70
المتن:
عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهم السلام)، قال:
267
68
المتن:
قال محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي في المسألة السادسة في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام):
... و قد خالف أبو بكر كتاب اللّه تعالى في منع إرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخبر رواه.
و قال العلامة الحلي في شرحه: هذا دليل آخر على عدم صلاحية أبي بكر للإمامة، و تقريره أنه خالف كتاب اللّه تعالى في منع إرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يورث فاطمة (عليها السلام)، و استند إلى خبر رواه هو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.
و عموم الكتاب يدلّ على خلاف ذلك، و أيضا قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله في قصة زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2) ينافي هذا الخبر، و قالت له فاطمة (عليها السلام): أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا!
و مع ذلك فهو خبر واحد لم يعرف من أحد الصحابة موافقته على نقله، فكيف يعارض الكتاب العزيز المتواتر؟! و كيف بيّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم لغير ورثته و يخفيه عمن يرثه، و لو كان هذا الحديث صحيحا عند أهله لم يمسك أمير المؤمنين (عليه السلام) سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بغلته و عمامته و نازع العباس عليا (عليه السلام) بعد فوت فاطمة (عليها السلام)، و لو كان هذا الحديث معروفا عندهم لم يجز ذلك.
و روي أن فاطمة (عليها السلام) قالت: يا أبا بكر! أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم ورثه أهله؟ قال: بل ورثه أهله. فقالت: ما بال سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن اللّه إذا أطعم نبيا طعمة كانت لولي الأمر بعده، و ذلك يدل على أنه لا أصل لهذا الخبر.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآية 6.
270
71
المتن:
قال الفخر الرازي في تفسيره في ذيل الآية 6 من سورة الحشر:
قال المبرّد: يقال: فاء يفيء إذا رجع، و أفاءه اللّه إذا ردّه، و قال الأزهري: الفيء ما ردّه اللّه على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال؛ إما بأن يجلوا عن أوطانهم و يخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدّونها عن رءوسهم ....
ذكر المفسرون هاهنا وجهين: الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير، لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل و الركاب و حاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمون، بل هو في فدك، و ذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه. فصارت تلك القرى و الأموال في يد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من غير حرب ...
فلما مات (صلّى اللّه عليه و آله) ادعت فاطمة (عليها السلام) أنه كان ينحلها فدكا. فقال أبو بكر: أنت أعزّ الناس عليّ فقرا و أحبهم إليّ غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، فلا يجوز أن أحكم بذلك. فشهد لها أم أيمن و مولى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فطلب أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع! ...
المصادر:
1. التفسير الكبير: ج 29 ص 284.
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 396، عن تفسير الكبير.
72
المتن:
قال أبو الصلاح الحلبي:
و مما يقدح في عدالة الثلاثة، قصدهم أهل بيت نبيهم (عليهم السلام) بالتخفيف و الأذى و الوضع من أقدارهم و اجتناب ما يستحقّونه من التعظيم ...
269
كان الدلال لامرأة من بني النضير و كان لها سلمان الفارسي. فكاتبته على أن يحييها لها ثم هو حرّ. فأعلم بذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فخرج إليها فجلس على فقير. ثم جعل يحمل إليه الوديّ فيضعه بيده. فما عدت منها وديّة أن أطلعت. قال: ثم أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).
قال أبو غسان: الذي تظاهر عندنا أن الصدقات المذكورة من أموال بني النضير لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ أعطاه اللّه إياه فقال: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ...». (1) فأعطى أكثرها المهاجرين، و بقي منها صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي في أيدي بني فاطمة؛ الحوائط السبعة.
ثم قال: و أما الصدقات السبع، فالصافية معروفة اليوم شرقي المدينة بجزع زهيرة، و برقة معروفة اليوم أيضا في قبلة المدينة مما يلي المشرق، و الدلال جزع معروف أيضا قبل الصافية، و المثيب غير معروف اليوم، و الأعواف جزع معروف اليوم بالعالية، و مشربة أم إبراهيم أيضا معروفة بالعالية، و حسنا ضبطه المراغي بخطه بضم الحاء و سكون السين المهملتين ثم نون مفتوحة، و لا يعرف اليوم، و لعله تصحيف من الحنا بالنون بعد الحاء و هو معروف اليوم. قلت: هو خطاء، لأنه مخالف للضبط و لا تشرب من مهزور، و الذي يظهر أن الحسنا هي الموضع المعروف اليوم بالحسينيار قرب جزع الدلال، و هو يشرب من مهزور.
و هذه الصدقات مما طلبته فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر مع سهمه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر و فدك، كما في الصحيح. فأبى أبو بكر عليها ذلك. ثم دفع عمر صدقته بالمدينة إلى علي (عليه السلام) و العباس و أمسك خيبر و فدك، و قال: هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كانتا لحقوقه التي تعروه. و كانت هذه الصدقة بيد علي (عليه السلام) و منعها العباس فغلبه عليها. ثم كانت بيد الحسن (عليه السلام)، ثم بيد الحسين (عليه السلام)، ثم بيد عبد اللّه بن الحسن، حتى ولّى بنو العباس فقبضوها.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 22 ص 299، عن سنن أبي داود.
2. سنن أبي داود: ج 2 ص 140، على ما في البحار.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
271
و من ذلك ردّهم دعوى فاطمة (عليها السلام) و شهادة علي و الحسنين (عليهم السلام)، و قبول شهادة جابر بن عبد اللّه في الخبيثات و عائشة في الحجرة و القميص و النعل و غيرهما.
المصادر:
1. تقريب المعارف: ص 233.
2. بحار الأنوار: ج 30 ص 376 ح 165، عن تقريب المعارف.
73
المتن:
عن أبي الجارود، قال:
سئل أبو جعفر (عليه السلام) عنهما و أنا جالس، فقال: هما أول من ظلمنا حقنا و حملا الناس على رقابنا و أخذا من فاطمة (عليها السلام) عطيّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك بنواضحها. فقام ميسر فقال: اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) منهما بريئان. فقال أبو جعفر (عليه السلام):
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * * * و ما علّم الإنسان إلا ليعلما
المصادر:
1. تقريب المعارف: ص 246.
2. بحار الأنوار: ج 30 ص 382 ح 165، عن تقريب المعارف.
74
المتن:
قال العلم الحجة السيد محمد هادي الميلاني بعد ذكر انتقال فدك و ردّها و غصبها يدا بيد من زمان أبي بكر إلى زمان المتوكل:
272
تلخّص مما قدّمناه:
1. إن الزهراء (عليها السلام) نازعت أبا بكر في ثلاثة أمور: النحلة و الميراث و سهم ذوي القربى من الخمس.
2. إن مطالبتها بفدك من باب النحلة كانت متقدمة على الأمرين الآخرين.
3. إن فدك كانت خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل و لا ركاب.
4. إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وهب فدك لفاطمة (عليها السلام)، فصارت نحلة منه لها في حياته.
5. إن الزهراء (عليها السلام) كانت تتصرّف في فدك تصرف الأملاك.
6. إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة (عليها السلام) و أخرج وكلاءها منها.
7. عند ما طالبت الزهراء (عليها السلام) أبا بكر بردّ فدك إليها طالبها بالبينة.
8. أبو بكر كان بحاجة إلى بينة لا الزهراء (عليها السلام)، لأنها ذات يد.
9. شهود الزهراء (عليها السلام).
10. قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشاهد و يمين، فلم يتأسّ به أبو بكر.
11. لما ذا دفع عثمان فدكا إلى مروان؟
12. حرّمت الزهراء (عليها السلام) من حقها في فدك و ظلّت فدك في بني مروان إلى زمن عمر بن عبد العزيز.
و قال السيد الميلاني في ص 361، بعد ذكر تلخيص البحث:
بعد أن لم تفلح الزهراء (عليها السلام) في الحصول على حقها في فدك من باب النحلة، سلكت طريقا آخر على اعتبار أن فدك مما أفاء اللّه به على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فإذا لم تنتقل في حياته إلى الزهراء (عليها السلام)- حسب زعم أبي بكر- فلا بد أن تنتقل إليها بعد وفاته بالميراث.
273
المصادر:
قادتنا كيف نعرفهم: ج 4 ص 360.
75
المتن:
ابن أبي الحديد بأسناده، عن أبي صالح، عن مولى أم هاني، قال:
دخلت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر بعد ما استخلف، فسألته ميراثها من أبيها. فمنعها، فقالت له: لإن متّ اليوم من يرثك؟ قال: ولدي و أهلي. قالت: فلم ورثت أنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دون ولده و أهله؟! قال: فما فعلت يا بنت رسول اللّه؟! قالت: بلى، إنك عمدت إلى فدك- و كانت صافية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- فأخذتها، و عمدت إلى ما أنزل اللّه من السماء فرفعته عنا.
المصادر:
1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 6 ص 232.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 627 ح 9، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
76
المتن:
قال السيد المرتضى:
و من طرائف الأمور أن فاطمة (عليها السلام) تدفع من دعواها و تمنع فدك بقولها و قيام البينة لها بذلك، و تترك حجر الأزواج في أيديهن من غير بينة و لا شهادة ....
المصادر:
تلخيص الشافي: ج 3 ص 129.
275
78
المتن:
قال الزبيدي في ذكر فدك:
و فدك موضع بالحجاز؛ قال زهير:
لإن حللت بجوّ في بني أسد * * * في دين عمرو و حالت بيننا فدك
قال الأزهري: فدك قرية بخيبر، و قيل بناحية الحجاز فيها عين و نخل؛ أفاءها اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان علي (عليه السلام) و العباس يتنازعانها و سلّمها عمر إليها. فذكر علي (عليه السلام): إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) و ولدها و أبى العباس ذلك.
المصادر:
لسان العرب: ج 10 ص 203.
79
المتن:
قال يحيى بن سعيد:
كان أهل فدك أرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فبايعوه على أن لهم رقابهم و نصف أرضهم و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شطر أرضهم و نخلهم.
فلما أجلاهم عمر، بعث من أقام لهم حظّهم من النخل و الأرض، ثم أدّاه إليهم ثم أخرجهم.
المصادر:
تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 196.
277
إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر. قلنا: إنها أقامت على دعواها و على غصبها، ثم إن كان إنكاره مغنيا لهم عن إنكارهم عليها؛ فإنكارها مغن لهم عن إنكارهم عليه.
و أيضا لما طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، هي محكمة، كما قال صاحب التقريب: إنها نسخت المواريث المتقدمة، عارضها برواية تفرّد بها؛ هي قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة.
و الظاهر تزويرها و إلا كيف يخفى عن أهل بيته (عليهم السلام) و جميع المسلمين حالها، و خبر الواحد إذا يكن مشهورا و عارضه القرآن فكان مردودا، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا ورد عني حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه و إلا فردّوه». و لما سألته عن قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الغنيمة، قالت: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! قال: لا، بل ورثه أهله؛ فإذا كان لا يورث فأيّ شيء ورث أهله؟ و إذا صحّ هذا بطل ذلك لتناقضهما.
و قد شهدتما بعدم ميراثه و لفّقتما مالك بن أوس معكما؛ فو اللّه ما شكّ بعد هذا أنكما بالباطل شهدتما. فلعنة اللّه عليكما و على من أجاز شهادتكما. فولّتا تلعنانه و تقولان: أخذت سلطاننا و منعتنا مالنا. فقال: و أيّ سلطان لكما و لأبويكما؟
هب أنه لا ميراث، أ ليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري و رووه أيضا عن مجاهد و السدي، أنه لما نزّل «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها فدكا.
إن قيل: خبر الواحد يخصّص عموم آيات الميراث، كالقاتل و نحوه. قلنا: إنما خصّصناه بالإجماع لا بخبر الواحد، و لو سلّمت صحته فمعناه: لا نورّث ما تركناه صدقة بل ميراثا.
و قد أخرج ابن قتيبة قولها في جوابه: يرثك أهلك و لا نرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟!
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
276
الأسانيد:
تاريخ المدينة: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبد اللّه بن وهب، عن رجل، عن يحيى بن سعيد.
80
المتن:
قال النباطي البياضي في مطاعن أبي بكر:
و منها: منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من قرى خيبر، نحلهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها، و قد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير و أورد في مناقبها: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، يريا بني ما أرابها، و من أغضبها فقد أغضبني». و ليس للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يغضب لغضبها إلا و هو حق، و إلا لجاز أن يغضب لغضب كل مبطل.
و قد شهد لها علي (عليه السلام)، مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «علي (عليه السلام) يدور معه الحق حيث دار»، و قوله:
«علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)»، و أم أيمن و اسمها بركة و هي حاضنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قد كانت تخبر بفضائله قبل ظهور حاله، مع أنه روي أنها كانت في يدها فأخرج عمّالها منها.
إن قلت: فلعله كان لا يرى عصمتها و عصمة شاهدها. قلت: فكان يجب إحلافها لأنها في يدها.
إن قلت: فلعله كان لا يرى تكميل البينة باليمين. قلت: هذا مردود، فإن أكثر علمائكم و المشهور في كتبكم بل و في سائر المسلمين خلافه.
إن قلت: فالهبة لا بد من قبضها. قلت: قد بيّنّا تصرفها فيها و أنه أخرج عمالها منها.
قالوا: ترك النكير عليه دليل عدم ظلمها. قلنا: فترك النكير عليها دلّ على صدقها، مع أنه معلوم من عصمتها؛ فكان يجب الحكم بمجرد قولها. و لهذا أمضى للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة وحده و لم يكن حاضرا لما علم من عصمته و جعلها بشهادتين.
274
77
المتن:
قال المظفري في ذكر فدك:
قال محمود الخوارزمي في الفائق: ... قد ثبت أن فاطمة (عليها السلام) صادقة من أهل الجنة، فكيف يجوز الشك في دعواها فدك و العوالي، و كيف يقال: أنها أرادت ظلم جميع الناس و أصرّت ذلك إلى الوفاة؟! ....
و قيل: الدليل على أنها صادقة أمور:
1. عن أبي سعيد الخدري، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تطلب فدكا. فقال أبو بكر:
إني لأعلم- إن شاء اللّه- لن تقولي إلا حقا.
2. قد رووه بعدّة أسانيدهم عن عائشة، أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي (عليها السلام) قالت: ما رأيت أحدا أصدق لهجة منها.
3. و أيضا رووا بأسانيدهم عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت أحدا قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها.
4. روى جماعة أنه كان بين عائشة و بين فاطمة (عليها السلام) شيء، فقالت عائشة: يا رسول اللّه! سلها فإنها لا تكذب؛ و الفضل ما شهدت به الأعداء.
5. أنها سيدة نساء أهل الجنة و سيدة النساء لا تكذب.
6. أنها من مصداق آية التطهير و آية التطهير تدلّ على عصمتها، و المعصومة لا تكذب.
و الدليل على أنها صادقة كثير غير ما ذكر.
المصادر:
القطرة للمظفري: ص 190.
278
و أخرج الترمذي أنها قالت: من يرثك؟ قال: أهلي و ولدي. قالت: فما لي لا أرث أبي؟!
و أخرج البخاري أنها قالت: أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ أين أنت من قوله تعالى:
«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قول زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و إذا أجمع على أنها أتت بآيتي الميراث في احتجاجها و دلّت الدليل على عصمتها، وجب الجزم بحقّيّة قولها.
إن قيل: قد يورث غيره من المرسلين و لا يورث خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله). قلنا: هذا خلاف إجماع المسلمين، فإن من ورّثهم عمّهم و من منعهم عمّهم.
قالوا: المراد بالآيتين إرث العلم و النبوة، إذ لو أريد المال لما اختصّ سليمان دون زوجات أبيه و باقي وارثيه، و كذا الكلام في يحيى مع أبيه. قلنا: العلم و النبوة تابعان للمصلحة، لا مدخل للنسب و التوارث فيهما، و لا يرد قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) في حديث زيد بن آدمي: «ما ورث الأوصياء من قبلك كتاب اللّه و سنة نبيه»، لأنه من طريقكم و إنما نورده إلزاما لكم، على أن في إرثه للكتاب و السنة دليل لخلافة، إذ لو كان ثمّ أقرب منه و أولى لما ورثه الولاية العظمى.
و إذا قالوا: «لا تجتمع النبوة و الإمامة في بيت» عند قولنا: «لا تخرجوا سلطان محمد (صلّى اللّه عليه و آله) من بيته»، قلنا: فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد يولد منه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فما يمنع الوصي؟ مع إجماعكم بعد الثلاثة على علي (عليه السلام)، و إرث العلم موقوف على الاجتهاد لا الميراث، و لهذا إن سليمان أوتي حكما و علما في حياة أبيه؛ فلا مدخل للإرث فيه.
و ذكر سليمان في الإرث لا يدلّ على اختصاصه به، لعدم دلالة التخصيص الذكر على التخصيص بالحكم، و الإرث حقيقة في المال، و قصة زكريا تدلّ عليه حيث طلب ولدا يحجب بني عمه عنه و عن الإفساد فيه، لأنهم كانوا فساقا. التقدير: «خفت الموالي»
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآيتان 5، 6.
279
أن يعصوا اللّه بمالي؛ فذهب بهذا ما يتوهّم من نسبة البخل إليه. و العلم و النبوة لا حجب عنها بحال، لأنه بعث لإذاعة العلم، فكيف يخاف فيء بعث لأجله؟!
إن قيل: لم لا يكون خوفه من مواليه الفساق أن يرثوا علمه فيفسدون الرعية؟ قلنا:
هذا العلم، إن عنينا به الصحف فلا يسمّى علما إلا مجازا، مع أنه يرجع إلى إرث المال، و إن عني به العلم الذي محله القلوب، فهو إما شريعة فإنما بعث لنشرها و بنو عمه من جملة أمته، و إن عني علم العواقب و الحوادث فهذا لا يجب الإعلام به فلا خوف لأجله.
إن قيل: إنما سأل الولي خوفا من اندراس العلم. قلنا: قد كان يعلم من حكمة اللّه أنه لا يندرس العلم لإزاحة العلة.
إن قيل: خاف انتقاله إلى غير ولده. قلنا: هذا خوف دنياوي و ليس هو مما بعث الأنبياء له، فجهة خوفهم يحمل على المضارّ الدينية.
ثم نرجع و نقول: إنه اشترط في الولد كونه «رضيا»، أي عاملا بطاعة ربه مصلحا لماله و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يكون إلا رضيا، فلا معنى للتقييد بكونه رضيا.
إن قلت: يجوز الدعاء بالواقع، مثل «رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» (1)، «وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ». (2)
قلت: كان ذلك تعبدا و انقطاعا إليه تعالى فيما يعود إلى الداعي بخلاف هذا، لذلك لا يحسن: رب ابعث نبيا و اجعله عاقلا.
قالوا: روي أنه قال لها: إن كان أبوك يورث فخصمك الزوجات و عمك، و إن كان لا يورث فجميع المسلمين خصمك. قلنا: فما بال المسلمين لم يكونوا خصم جابر حيث قال له: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عدني بكذا، فحثى له من مال البحرين، كما أخرجه البخاري؛ فأعطاه بمجرد دعواه و منع فاطمة (عليها السلام) مع عصمتها و بيّنتها.
____________
(1). سورة الأنبياء: الآية 112.
(2). سورة البقرة: الآية 128.
282
النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأجل ابنته و ابنة صاحبه؛ أخرجه في جامع الأصول من طريقي البخاري و مسلم، و أبو بكر شريك مدّعي، شاهد جارّ، خصم حاكم.
إن قيل: لم يدع لنفسه بل بيّن ما سمعه. قلنا: لمّا جاءت الصدقة له دونهم كان جارّا لنفعه.
قالوا: لو شهد اثنان أن في التركة حقا وجب صرفها عن الإرث، فكذا هنا. قلنا:
الأخبار لا تشبه الشهادة، فإن كان ما ترك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة فجميع المسلمين خصمه و إلا ففاطمة (عليها السلام) عندنا. (1) فلا يجدون لهم جوابا عن سؤاله (صلّى اللّه عليه و آله): «كيف خلّفتموني فيهم؟» سوى:
آوينا من طردته و أبعدنا و زوينا عن حقّه من أوصيته. فعند ذلك إلى أشدّ العذاب يردّون؛ فويل لهم مما كسبت أيديهم و ويل لهم مما يكتبون.
قالوا: أبو بكر ما منع كتابيا حقه، فكيف فاطمة (عليها السلام) لو كان لها حق؟! قلنا: لم يقع من الشحناء للكتابيّين كما وقع لها و لأهلها، و قد ثبت بآية التطهير عصمتها و أثنت «هَلْ أَتى» على صدق طويّتها و ما ورد من قول أبيها في حقها و دخولها في العترة المأمون ضلالهم من تمسّك بها.
فإن كان أبوها بحديث: ما تركناه صدقة أعلمها، فلا فرية أعظم من ادعائها أموال المسلمين و ذلك يناقض ما تقدم فيها، و إن لم يكن عرّفها فقد أغراها على الفتنة و السقوط فيها و في ذلك وجوب النار له، و حاشاه منه، لما خرج من جامع الأصول عن الترمذي و أبي داود من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن الرجل ليعمل بطاعة اللّه ستين سنة حتى يحضره الموت، فيضارّ في الوصية فتجب له النار». و أيّ ضرر أعظم من كتم ذلك عن وصيه و وارثه. و سنذكر في ذلك زيادات في باب رد الشبهات.
قالوا: طلبت فدك تارة بالنحلة و تارة بالإرث، فإن وقع ذلك عمدا أو سهوا منها بطل عصمتها. قلنا: لما أنكر النحلة عدلت إلى الميراث إلزاما له بالحجة، بأن المسلم لو حاكم النصراني إلى جاثليقه فأبى أن يحكم له بشهادة المسلمين و استشهد ذميّين،
____________
(1). في المصدر كلمتان لا يقرأ.
283
لم يكن طالبا لحقه من غير وجهه و لا يتحظّر عليه في أخذه، و قد أمر اللّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقاضي اليهود بالتوراة- مع أنها محرّفة- ليلزمهم فيها بالحجة.
و ما أحسن قول البرقي في ذلك:
فلم يوار رسول اللّه في جدث * * * حتى تعصّب فرعون لهامان
و استخرجا فدكا منها و قد علما * * * بأنها حقها حقا بتبيان
و لا أقول أبا بكر و لا زفر * * * على الصواب و إن جاءوا ببرهان
فإن يقولوا أصابا فاليهود إذن * * * بإرث داود أولى من سليمان
المصادر:
الصراط المستقيم للبياضي: ج 2 ص 282.
81
المتن:
روي عن ابن عباس:
أنه دخل علي أبي بكر رجل فسلّم و قال: عزمت الحج فأتتني جارية و قالت لي:
أبلّغك رسالة و هي إني امرأة ضعيفة و إني عائلة و كان لأبي أريضة جعلها لي تعينني على دهري، فكنت أعيش منها أنا و زوجي و ولدي. فلما توفّي أبي انتزعها وليّ البلد مني فصيّرها في يد وكيله و استغلّها لنفسه و أطعم من شاء و حرّمني.
فقال أبو بكر: ليس له ذلك و لا كرامة؛ لأكتبنّ إليه و لأعذّبنّ هذا الظلوم الغشوم و لأعزلنّه عن ولايتي. و قال عمر: لا تمهله و أنفذ إليه من يتّكل به و يأتي به مكتوفا و أحسن أدبه على خيانته و فسقه.
فقال أبو بكر: من هذا الوالي و في أيّ بلد و ما اسم المرميّة بهذا المنكر؟! فقال الرجل: نعوذ باللّه من غضب اللّه! نعوذ باللّه من مقت اللّه! و أيّ حاكم أجور و أظلم ممن ظلم بنت رسول اللّه (عليها السلام)؟! ثم خرج.
280
إن قالوا: فلعله علم صدق جابر. قلنا: و من أين له ذلك؟ مع أن البخاري و غيره رووا أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة.
إن قيل: فمذهبكم إن الحاكم يحكم بعلمه. قلنا: فيدخل في قسم قوله تعالى:
«أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ». (1)
إن قيل: قولكم و لا نورّث ما تركناه صدقة- بالنصب- بل ميراثا، لم يتأوّله أحد. قلنا:
أوّله أصحابنا، فلا إجماع في غيره.
إن قيل: لو كان هذا التأويل صحيحا لم يكن لتخصيص الأنبياء بالذكر مزيّة، إذ غيرهم كذلك. قلنا: يجوز أن يريد إنما ننوي فيه الصدقة و نفرده، و إن لم نخرجه من أيدينا لا يناله وارثنا و هذه مزية، مع أنه يجوز ترجيح الخاص بالذكر ك «فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ» (2)، و ما يدريك أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) علم من حاله إنكار ميراثه، فأفرده بالذكر لهذه المزيّة.
إن قيل: إنما رويت «صدقة» بالرفع، و هو ينفي ذلك. قلنا: إن أهل الرواية ما يجري في هذا المجرى، أو لعلهم نسوا و اشتبه عليهم فرفعوها على ظنهم.
قالوا: لم تنكر الأمة عليه، فهو دليل على صوابه. قلنا: قد سلف ذلك و لم تنكر الأمة عليها، فهو دليل خطائه.
إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر عليها. قلنا: إنها قامت على دعواها و على غصبها؛ ثم إن كان إنكاره كافيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها كاف لهم عن إنكارهم عليه و قد سلف ذلك، و لو دلّ ترك النكير على الصواب، دلّ تركه على صواب عمر في إنكار المتعتين، و لكان ترك النكير دليل صوابه في الجمع بين النقيضين؛ أحدهما قوله في السقيفة: إن النبي قال: «الأئمة من قريش»، و قوله في شكائه: إن سالما- مع كونه عتيقا لامرأة- لو كان حيا لولّاه، و يد الخلافة لا تطاولها يد.
____________
(1). سورة البقرة: الآية 85.
(2). سورة الرحمن: الآية 68.
281
إن قيل: فما بال عثمان- مع كونه خليفة- تطاول الأيدي إليه بما لا خفاء فيه؟ قلنا:
عثمان كان ضعيفا في نفسه مستخفا بقدره و استأثر بالأموال، فلم يكن له من المحبة ما للشيخين.
إن قيل: فإنكار نص القرآن أولى من أحداث عثمان؟ قلنا: اشتبه عليهم أن خبر الواحد يخصّ القرآن، فلم يظهر للرعية الجحدان؛ على أن أكثرها لا تعرف القرآن و لا الحق بالبرهان و إنما ذلك لقليل من أفراد الإنسان.
قالوا: شهد لأبي بكر بصحة الخبر عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعيد و ابن عوف.
قلنا: لم يعرف ذلك منهم إلا بطريق ضعيف، مع أنهم لحلّ الصدقة لهم متّهمون و إلى دنياهم مائلون.
إن قيل: فعلى هذا لا تقبل شهادة مسلمين بصدقة في تركة المسلمين. قلنا: ليس في هذا إخراج أهل التركة منها بخلاف ما نحن فيه، إذ يخرجون بتحريم الصدقة عليهم؛ و في هذا نظر، إذ فيه قبول شهادة الإنسان فيما يشارك.
قال: و العجب أن كل صنف ممن خالفنا في الميراث يردّ أحاديث مخالفه مما هو أصحّ إسنادا من رواية أبي بكر: لا نورّث؛ فإذا صاروا إلى ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خصّوا الكتاب بخبر لا يداني بعض ما ردّوه!
قالوا: قال علي (عليه السلام): ما حدّث بحديث إلا استحلفته، و لقد حدّثني أبو بكر و صدق؛ و في هذا دليل صدقه في: لا نورّث. قلنا: هذا كذب عندنا، و قد روته آحادكم فليس حجة علينا، على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في خبر صدقه في كل خبر حتى يصدق في: لا نورّث، و يكون ترك استحلافه من حيث أن عليا (عليه السلام) سمعه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، لا لاستيمانه.
هذا، و لما تولّى عثمان أقطع فدك و آوى عدوّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طريده مروان لمّا زوّجه ابنته، فكأنه أولى من فاطمة و أولادها (عليهم السلام) بإقطاعها، و قد قسّم عمر خيبر على أزواج
284
إلى أن قال: فدخل ابن عباس على علي (عليه السلام) فحدّثه علي (عليه السلام) بالحديث. فلما أصبح أبو بكر دعا بفاطمة (عليها السلام) و كتب لها كتابا بفدك. فأخذه عمر و بقره، فدعت عليه بالبقر و استجيب لها فيه.
المصادر:
1. الصراط المستقيم: ج 2 ص 289.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 887 ح 100، عن الصراط المستقيم.
82
المتن:
عن علي (عليه السلام)، قال:
جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و قالت: إن أبي أعطاني فدكا و علي (عليه السلام) و أم أيمن يشهدان.
فقال: ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق، قد أعطيتكها. و دعا بصحيفة من أدم فكتب فيها.
فخرجت فلقيت عمر، فقال: من أين جئت يا فاطمة؟ قالت: جئت من عند أبي بكر؛ أخبرته أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدكا و أن عليا (عليه السلام) و أم أيمن يشهدان لي بذلك، فأعطانيها و كتب لي بها.
فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبي بكر فقال: أعطيت فاطمة فدكا و كتبت بها لها؟! قال: نعم. فقال: إن عليا يجرّ إلى نفسه و أم أيمن امرأة، و بصق في الكتاب فمحاه و خرقه.
المصادر:
1. عوالم العلوم: ج 11 ص 647 ح 1، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 274.
285
الأسانيد:
في شرح ابن أبي الحديد: روى إبراهيم بن السعيد الثقفي، عن إبراهيم بن ميمون، عن عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليهم السلام)، قال.
83
المتن:
عن عمر بن الخطاب، قال:
لما كان اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بويع لأبي بكر في ذلك اليوم. فلما كان من الغد، جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر معها علي (عليه السلام)، فقالت: ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي.
فقال أبو بكر: من الرثة أو من العقد؟ قالت: فدك و خيبر و صدقاته لمدينة إرثها، كما ترثك بناتك إذا متّ. فقال أبو بكر: أبوك و اللّه خير مني و أنت خير من بناتي، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث.
المصادر:
1. مسند فاطمة (عليها السلام) للسيوطي: ص 33 ح 25.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 624 ح 1، عن مسند فاطمة (عليها السلام) للسيوطي.
84
المتن:
قال المخالف في ذكر فدك:
فدك قرية خارج المدينة قرب خيبر ذات نخل، كانت من صفايا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) خالصة له، إذ لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
286
و لم ترها السيدة فاطمة (عليها السلام) قط و لا تتصرّف فيها حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أصلا؛ كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من غلّاتها ينفق على أهل بيته (عليهم السلام) و على أحبّ الخلق إليه السيدة فاطمة و أهل بيتها (عليهم السلام) قدر الكفاية و على ذوي الفاقة من أهل المدينة، و على الدافة، و بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دفعها الصديق إلى علي (عليه السلام) يصرف غلاتها في الجهات التي كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يجعلها فيها، كما سلّم لعلي (عليه السلام) السيف و البغلة و العمامة و كثيرا غير ذلك من الآثار المباركة، و لم يكن له من جهة الإرث لأن ابن العم لا يرث عند وجود العم.
قام علي (عليه السلام) بإرادة فدك مدة ....
و نقول في ردها:
أما إن فاطمة (عليها السلام) لم تر فدكا فممكن رأتها في سترها المتناهي، بحيث أنها كانت تخرج لزيارة مقابر الشهداء ليلا و لم تشأ أن يرى جنازتها أحد؛ فاتّخذ لها النعش المغطّى شبه الهودج؛ يمكن أن لا تخرج إلى فدك.
و أما أنها لم تتصرف فيها في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أصلا فباطل. روى أبو سعيد الخدري أنه لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك. حكاه المرتضى في الشافي الذي يرد به على المغنى للقاضي أبي بكر الباقلاني من علماء المعتزلة، ثم قال:
و قد روي من طرق مختلفة- غير طريق أبي سعيد- أنه لما نزل قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك، و في نهج البلاغة: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين.
و إذا كان قد دفعها أبو بكر إلى علي (عليه السلام) و قام بإدارتها مدة، فما وجه غضب فاطمة (عليها السلام) حتى ماتت واجدة عليه- كما رواه البخاري في صحيحه- و هجرته، و لما ذا دفنها علي (عليه السلام) سترا و خفي قبرها بوصية منها حتى أنه لا يعرف قبرها على التعيين إلى اليوم؟!
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
287
و أما السيف و البغلة و العمامة و غيرها من الآثار المباركة، فالذي ثبت عندنا و رواه ثقاتنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) دفعها كلها في حياته في مرض موته إلى علي (عليه السلام) بمحضر جمع كثير من المهاجرين و الأنصار، و لو لا ذلك لكانت إرثا لفاطمة (عليها السلام) وحدها.
و الصحيح أن عليا (عليه السلام) لم يقم بإدارة فدك و لم تدفعه إليه بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و خرجت عن يده و يد زوجته الزهراء (عليها السلام)، و لم تعد إلى ورثة الزهراء (عليها السلام) إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز و خلافة السفاح و المهدي و المأمون ....
المصادر:
الشيعة بين الحقائق و الأوهام: ص 441.
85
المتن:
قال الفاضل المحقق و الأديب المدقق الميرزا محمد علي الأنصاري القراجهداغي نقلا:
روى في الكشف و مصباح الأنوار بعد أن روى تمسك أبي بكر برواية نفي توريث الأنبياء في مقابل طلب فاطمة (عليها السلام) فدكا من جهة الوراثة:
إنه لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاءت فاطمة (عليها السلام) تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لأعلم إن شاء اللّه إنك لن تقولي إلا حقا، و لكن هاتي بينتك. فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت. فقال: امرأة أخرى أو رجلا، فأكتب لك بها.
فقال بعض الأفاضل حينئذ: هذا الحديث عجيب، فإن فاطمة (عليها السلام) إن كانت مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود، فإن المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لا يعرف صحة نسبه و اعتزائه إلى الدارج، و ما أظنهم شكّوا في نسب فاطمة (عليها السلام) و كونها ابنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و إن كانت تطلب فدكا و تدّعي أن أباها نحلها إياها احتاجت إلى إقامة البينة
289
و إن قال: يجوز ذلك، قيل له: فإن فاطمة (عليها السلام) ما اقتصرت على مجرد الدعوى بل قالت: أم أيمن تشهد لي، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب: شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة و لم يتضمن هذا الخبر ذلك، بل قال لها لما ادعت و ذكرت من يشهد لها:
هذا مال من مال اللّه، لم يكن لرسول اللّه ...، و هذا ليس بجواب صحيح.
و روي عن البحتري بن حسّان، قال: قلت لزيد بن علي و أنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة (عليها السلام). فقال: إن أبا بكر كان رجلا رحيما، و كان يكره أن يغيّر شيئا فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك.
فقال لها: هل لك على هذا بينة؟ فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت:
أ لستما تشهدان أني من أهل الجنة؟ قالا: بلى،- قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر و عمر-. قالت: فأنا أشهد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدك. فقال أبو بكر: فرجل آخر و امرأة أخرى لتستحقّي بها القضية. ثم قال أبو زيد: و أيم اللّه لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر.
و نقل في شرح ابن أبي الحديد إنه كان ذلك مطلقا، أي حديث حضور فاطمة (عليها السلام) عند أبي بكر لأجل فدك بعد عشرة أيام من وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
1. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 750.
2. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 219، 225، 263.
87
المتن:
قال العلامة أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي:
و من عجائب الأمور تأتي فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تطلب فدك و تظهر أنها تستحقّها، فيكذّب قولها و لا تصدّق في دعواها و تردّ خائبة إلى بيتها. ثم تأتي عائشة
288
و لم يبق لما رواه أبو بكر من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث معنى، و هذا واضح جدا؛ و الظاهر إن الروايتين الأخيرتين واحدة و وقع الاختلاف من جهة النقل.
و فيه عن عروة إنه كانت فاطمة (عليها السلام) قد سألت ميراثها أبا بكر مما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال لها: بأبي أنت و أمي و بأبي أبوك و أمي و نفسي، إن كنت سمعت من رسول اللّه شيئا أو أمرك بشيء لم أبتغ غير ما تقولين و أعطيتك ما تبتغين، و إلا فإني ابتغي ما أمرت به.
المصادر:
1. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 754، عن كشف الغمة و مصباح الأنوار.
2. كشف الغمة: ج 2 ص 107، على ما في اللمعة البيضاء.
3. مصباح الأنوار: ص 245، على ما في اللمعة البيضاء.
86
المتن:
قال الفاضل الألمعي و المحقق و الأديب البارع الميرزا محمد علي القراجهداغي الأنصاري بعد ذكر كلام فاطمة (عليها السلام) أن فدك نحلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جواب أبي بكر إنما هي فيء المسلمين:
... قال ابن أبي الحديد: فيه إشكال- أي في هذا الخبر- لأن فيه أنها طلبت فدك و قالت: إن أبي أعطانيها و إن أم أيمن تشهد لي بذلك. فقال لها أبو بكر في الجواب: إن هذا المال لم يكن لرسول اللّه و إنما كان مالا من أموال المسلمين ....
فلقائل أن يقول له: أ يجوز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يملّك ابنته أو غير ابنته في أفياء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين، لوحي أوحى اللّه إليه أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن حكم بالاجتهاد، أو لا يجوز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك؟! فإن قال: لا يجوز، قال ما لا يوافقه العقل و لا المسلمون عليه.
290
بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها إياها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تزعم أنها تستحقّها، فيصدّق قولها و يقبل دعواها و لا يطالب ببينة عليها و تسلّم هذه الحجرة إليها، فتصرّف فيها و تضرب عند رأس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمعاول حتى تدفن تيما و عديا فيها، ثم تمنع الحسن بن رسول اللّه (عليه السلام) بعد موته منها، و من أن يقرّبوا سريره إليها و تقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبّه، و إنما أتوا به ليتبرّك بوداع جده فصدّته عنه.
فعلى أيّ وجه دفعت هذه الحجرة إليها و أمضى حكمها؟ إن كان ذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها إياها، فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة (عليها السلام)؟ و كيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدّقا و قول فاطمة ابنة رسول اللّه (عليها السلام) مكذّبا مردودا؟ و أيّ عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة (عليها السلام)؟ و قد نزل القرآن بتزكية فاطمة (عليها السلام) في آية الطهارة و غيرها و نزل بذم عائشة و صاحبتها و شدة تظاهرهما على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أفصح بذمّها.
و إن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقّت هذه الزوجة من ميراثه و لم تستحق ابنته منه حظا و لا نصيبا؟ و كيف لم يقل هذا الحاكم لا بنته عائشة نظير ما قال لبنت رسول اللّه (عليها السلام): إن النبي لا يورّث و ما تركه صدقة؟
على أن في الحكم لعائشة بالحجرة عجبا آخر، و هو أنها واحدة من تسع أزواج خلّفهنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلها تسع الثمن بلا خلاف. و لو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة- مع ضيقها- لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، و كان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام) منها أضعاف بما ورثه من أمه فاطمة (عليها السلام) و من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) المنتقل إليه بحق الزوجية منها ....
المصادر:
1. كنز الفوائد: ص 361، عن رسالة التعجب، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام).
2. رسالة التعجب، على ما في كنز الفوائد.
3. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 405، عن كنز الفوائد.
291
88
المتن:
قال العلامة المجاهد السيد شرف الدين:
إن توريث الأنبياء المنصوص عليه بعموم قوله عزّ من قائل: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (1)، و قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)، إلى آخر آيات المواريث.
و كلها عامة تشمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمن دونه من سائر البشر؛ فهي على حدّ قوله عز و جل: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» (3)، و قوله سبحانه و تعالى:
«فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» (4)، و قوله تبارك و تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» (5)، و نحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية، يشترك فيها النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و كل مكلّف من البشر، لا فرق بينه و بينهم غير أن الخطاب فيها متوجّه إليه ليعمل به و ليبلّغه إلى من سواه؛ فهو من هذه الحيثية أولى في الالتزام بالحكم من غيره.
و منها قوله عز و علا: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ». (6) جعل اللّه عز و جل في هذه الآية الكريمة الحق في الإرث لأولي قرابات الموروث، و كان التوارث قبل نزولها من حقوق الولاية في الدين. ثم لما أعزّ اللّه الإسلام و أهله، نسخ بهذه الآية ما كان من ذي حق في الإرث قبلها و جعل حق الإرث منحصرا بأولي الأرحام، الأقرب منهم للموروث فالأقرب مطلقا، سواء أ كان الموروث هو النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أم
____________
(1). سورة النساء: الآية 7.
(2). سورة النساء: الآية 11.
(3). سورة البقرة: الآية 183.
(4). سورة البقرة: الآية 184.
(5). سورة المائدة: الآية 3.
(6). سورة الأنفال: الآية 75.
293
فإن قيل: هذا يرجع عليكم في وراثة المال، لأن في ذلك إضافة البخل إليه.
فالجواب: معاذ اللّه أن يستوي الأمران، فإن المال قد يرزقه المؤمن و الكافر و الصالح و الطالح و لا يمتنع أن يأسي على بني عمه، إذ كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي، بل في ذلك غاية الحكمة، فإن تقوية أهل الفساد و إعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين و العقل؛ فمن عدّ ذلك بخلا فهو غير منصف.
و قوله: «خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي»، يفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم و أفعالهم، و المراد «خِفْتُ الْمَوالِيَ» أن يرثوا بعدي أموالي فينفقوها في معاصيك؛ فهب لي يا رب ولدا رضيا لينفقها فيما يرضيك.
و بالجملة، لا بد من حمل الإرث في هذه الآية على إرث المال دون النبوة و شبهها، حملا للفظ «يَرِثُنِي» من معناه الحقيقي المتبادر منه إلى الأذهان، إذ لا قرينة هنا على النبوة و نحوها، بل القرائن في نفس الآية متوفّرة على إرادة المعنى الحقيقي دون المجاز؛ و هذا رأي العترة الطاهرة (عليهم السلام) في الآية، و هم أعدال الكتاب لا يفترقان أبدا.
و قد علم الناس ما كان بين الزهراء سيدة نساء العالمين (عليها السلام) و بين أبي بكر، إذ أرسلت إليه تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. قالت عائشة: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا و استأثر لبيت المال بكل ما تركه النبي من بلغة العيش، لا يبقي و لا يذر شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت؛ و عاشت بعد النبي ستة أشهر. فلما توفّيت، دفنها زوجها علي (عليه السلام) ليلا بوصية منها، و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها ....
نعم، غضبت على أثارة و استقلّت غضبا. فلاثت خمارها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها ....
تعظ القوم في أتمّ خطاب * * * حكت المصطفى به و حكاها
فخشعت الأبصار و بخعت النفوس، و لو لا السياسة ضاربة يومئذ بجرانها لردّت شوارد الأهواء و قادت حرون الشهوات، و لكنها السياسة! توغّل في غاياتها لا تلوي
292
كان غيره و سواء أ كان الوارث من عصبة الموروث أم من أصحاب الفرائض أم كان من غيرهما عملا بظاهر الآية الكريمة.
و منها قوله تعالى فيما اقتص من خبر زكريا: «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (1)
احتجّت الزهراء و الأئمة (عليهم السلام) من بنيها بهذه الآية على أن الأنبياء يورّثون المال، و أن الإرث المذكور فيها إنما هو المال لا العلم و لا النبوة. و تبعهم في ذلك أولياؤهم من أعلام الإمامية كافة، فقالوا: إن لفظ الميراث في اللغة و الشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، و لا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز و التوسّع، و لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.
و أيضا فإن زكريا قال في دعائه: «وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا»، أي اجعل يا رب ذلك الوليّ الذي يرثني مرضيا عندك، ممتثلا لأمرك. و متى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى و كان لغوا عبثا؛ أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث لنا نبيا و اجعله عاقلا مرضيا في أخلاقه! لأنه إذا كان نبيا فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في النبوة.
و يقوّي ما قلناه أن زكريا صرّح بأنه يخاف بني عم بعده بقوله: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي»، و إنما يطلب وارثا لأجل خوفه، و لا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة و العلم، لأنه كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من هو ليس بأهل للنبوة و أن يورث علمه و حكمته من ليس لهما بأهل، و لأنه إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس، فكيف يخاف الأمر الذي هو الغرض في بعثته.
____________
(1). سورة مريم: الآيات 3- 6.
294
على شيء؛ و من وقف على خطبتها في ذلك اليوم عرف ما كان بينها و بين القوم، حيث أقامت على إرثها آيات محكمات حججا لا تردّ و لا تكابر.
فكان مما أدلّت به يومئذ أن قالت: أعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال فيما أقتصّ من خبر زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2)، و قال: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (3)، و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (4)، و قال: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». (5)
ثم قالت: أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي، أم تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثان؟! ....
فانظر كيف احتجّت أولا على توريث الأنبياء بآيتي داود و زكريا الصريحتين بتوريثهما، و لعمري أنها (عليها السلام) أعلم بمفاد القرآن ممن جاءوا متأخرين عن تنزيله.
فصرفوا الإرث هنا إلى وراثة الحكمة و النبوة دون الأموال تقديما للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرّف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الإطلاق، و هذا مما لا يجوز. و لو صحّ هذا التكلّف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم، على أن هناك قرائن تعيّن وراثة الأموال، كما بيّناه سابقا.
و احتجّت ثانيا على استحقاقها الإرث من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) بعموم آيات المواريث و عموم آية الوصية، منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصّص شرعي من كتاب أو سنة.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(3). سورة الأنفال: الآية 75.
(4). سورة النساء: الآية 11.
(5). سورة البقرة: الآية 180.
297
و لأجل أن نبرز الحقائق التي دفعت الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للمطالبة بفدك نضع أمامنا النقاط الآتية:
1. إنها (عليها السلام) رأت أن تأميم فدك قد هيّأ لها فرصة ذهبية في الإدلاء برأيها حول الحكومة القائمة، و كان لا بد لها أن تدلي بتصريحاتها أمام الجماهير، و قد هيّأت لها قضية فدك هذه الملابسات المناسبة. فحضرت دار الحكومة في المسجد النبوي و ألقت بتصريحاتها التي لا تنطوي على أيّ لبس أو غموض.
2. تبيان أحقية علي (عليه السلام) في قيادة الأمة بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد تجلّى ذلك في خطبتها التي ألقتها في مسجد أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) على مسمع و مرأى من المسلمين و بضمنهم الحكومة الجديدة؛ فكان من بعض أقوالها: «أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟»، و قولها: «و أبعدتم من هو أحق بالبسط و القبض». حيث أوضحت أن عليا (عليه السلام) أعلم الناس بعد محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بمعرفة الرسالة و أحكامها و قوانينها، و هو لذلك أحق برعاية شئون الأمة التي صنعها الوحي المقدس.
3. كشف الأعيب من الحكومة الجديدة على الشرع المقدس و اجتهاداتهم التي لا علاقة لها بأهداف الرسالة ....
و هذه النقاط الثلاثة هي التي استهدفتها فاطمة (عليها السلام) في مطالبتها الحثيثة بفدك؛ ليس غير و ليس لها وراء ذلك هدف مادي رخيص، كما يعتقد البعض من مورّخي حياتها! فهي- لعمر الحق- قد تصرّفت ما من شأنه أن يحفظ الرسالة من شبح الانحراف الذي تنبّأت بوقوعه بعد انتخاب الحكومة الجديدة. فاتخذت من فدك خير فرصة لخدمة المبدأ و إلقاء الحجة على الأمة، تأدية للمسؤولية و نصرا للرسالة و حفظا لبيضة الإسلام.
المصادر:
1. الزهراء (عليها السلام) لعبد الزهراء عثمان محمد: ص 118.
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 448، عن الزهراء (عليها السلام).
295
و ما أشدّ إنكارها إذ قالت: «أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي؟». فنفت بهذا الاستفهام الإنكاري وجود المخصّص في الكتاب، ثم قالت: «أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟». فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصّص في السنة، بل نفت وجوده مطلقا، إذ لو كان ثمّة مخصّص لبيّنة لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الوصي (عليهم السلام) يستحيل عليهما الجهل به- لو كان في الواقع موجودا- و لا يجوز عليهما أن يهملا تبيينه لها، لما في ذلك من التفريط في البلاغ و التسويف في الإنذار و الكتمان للحق و الإغراء بالجهل و التعريض لطلب الباطل و التغرير بكرامتها و التهاون في صونها عن المجادلة و المجابهة و البغضاء و العداوة بغير حق؛ و كل ذلك محال ممتنع عن الأنبياء و أوصيائهم.
و بالجملة، كان كلف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ببضعته الزهراء (عليها السلام) و إشفاقه عليها فوق كلف الآباء الرحيمة و إشفاقهم على أبنائهم البررة؛ يؤويها إلى الوارف من ظلال رحمته و يفدّيها بنفسه مسترسلا إليها بأنسه، و كان يحرص بكل ما لديه على تأديبها و تهذيبها و تعليمها و تكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية؛ يزقّها المعرفة باللّه و العلم بشرائعه زقّا، لا يألو في ذلك جهدا و لا يدّخر وسعا، حتى عرج بها إلى أوج كل فضل و مستوى كل كرامة. فهل يمكن أن يكتم عليها أمرا يرجع إلى تكليفها الشرعي؟! حاشا للّه! و كيف يمكن أن يعرضها- بسبب الكتمان- لكل ما أصابها من بعده في سبيل الميراث من الامتهان، بل يعرض الأمة للفتنة التي ترتبت على منع إرثها.
و ما بال بعلها، خليل النبوة و المخصوص بالأخوّة، يجهل حديث لا نورّث مع ما آتاه اللّه من العلم و الحكمة و السبق و الصهر و القرابة و الكرامة و المنزلة و الخصيصة و الولاية و الوصاية و النجوى؟ و ما بال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكتم ذلك عنه، و هو حافظ سرّه و كاشف ضرّه و باب مدينة علمه و باب دار حكمته و أقضى أمته و باب حطّتها و سفينة نجاتها و أمانها من الاختلاف؟!
و ما بال أبي الفضل العباس، و هو صنو أبيه و بقية السلف من أهليه، لم يسمع بذلك الحديث؟
296
و ما بال الهاشميين كافة- و هم عيبته و بيضته التي تفقّأت عنه- لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟
و ما بال أمهات المؤمنين يجهلنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟
و كيف يجوز على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبيّن هذا الحكم لغير الوارث و يدع بيانه للوارث؟! ما هكذا كانت سيرته، إذ يصدع بالأحكام فيبلغها عن اللّه عز و جل، و لا هذا هو المعروف عنه في إنذار عشيرته الأقربين و لا مشبه لما كان يعاملهم به من جميل الرعاية و جليل العناية.
بقي للطاهرة البتول (عليها السلام) كلمة استفزّت بها حميّة القوم و استثارت حفائظهم، بلغت بها أبعد الغايات، ألا و هي قولها: «أم تقولون: أهل ملّتين لا يتوارثان». تريد بهذا أن عمومات المواريث لا تتخصّص بمثل ما زعمتم، و إنما تتخصّص بمثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله):
«لا توارث بين أهل ملّتين». و إذن فهل تقولون إذ تمنعونني الإرث من أبي: أني لست على ملته؟ فتكونون- لو أثبتم خروجي عن الملة- على حجة شرعية فيما تفعلون؛ فإنا للّه و إنا إليه راجعون.
المصادر:
1. النص و الاجتهاد: ص 103.
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 427، عن النص و الاجتهاد.
89
المتن:
قال عبد الزهراء عثمان محمد:
ربما يعترض البعض على موقف فاطمة (عليها السلام) فيقول: لما ذا إذن تقف فاطمة (عليها السلام) هذا الموقف الصلب في مطالبتها بفدك؛ فلو لم يكن هناك هدف آخر تبتغيه من ورائه لما طالبت هذا المطالبة الحقيقية به.
298
90
المتن:
قال أبان، عن سليم، قال:
انتهيت إلى حلقة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان و أبي ذر و المقداد و محمد بن أبي بكر و عمر بن أبي سلمة و قيس بن سعد بن عبادة.
فقال العباس لعلي (عليه السلام): ما ترى عمر منعه أن يغرم قنفذا كما أغرم جميع عماله؟!
فنظر علي (عليه السلام) إلى من حوله، ثم اغرورقت عيناه بالدموع ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة (عليها السلام) بالسوط؛ فماتت و في عضدها أثره كأنه الدملج ....
و قبضه و صاحبه فدك و هي في يدي فاطمة (عليها السلام) مقبوضة، قد أكلت غلّتها على عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فسألها البينة على ما في يدها و لم يصدّقها و لا صدّق أم أيمن، و هو يعلم يقينا- كما نعلم- أنها في يدها و لم يحلّ له أن يسألها البينة على ما في يدها، و لا أن يتّهمها.
ثم استحسن الناس ذلك و حمدوه و قالوا: إنما حمله على ذلك الورع و الفضل. ثم حسّن قبح فعلهما أن عدلا عنها فقالا: نظن أن فاطمة لن تقول إلا حقا و إن عليا لا يشهد إلا بحق، و لو كانت مع أم أيمن امرأة أخرى أمضينا لها. فحظيا بذلك عند الجهال و ما هما و من أمرهما أن يكونا حاكمين فيعطيان أو يمنعان؟! و لكن الامة ابتلوا بهما فأدخلا أنفسهما فيما لا حق لهما فيه و لا علم لهما به.
و قد قالت فاطمة (عليها السلام) حين أراد انتزاعها منها و هى في يدها: أ ليست في يديّ و فيها وكيلي و قد أكلت غلّتها و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيّ؟! قالا: بلى. قالت: فلم تسألاني البينة على ما في يديّ؟! قالا: لأنها فيء للمسلمين، فإن قامت بينة و إلا لم نمضها. فقالت لهما و الناس حولهما يسمعون: أ فتريدان أن تردّا ما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تحكما فينا خاصة بما لم تحكما في سائر المسلمين؟! أيها الناس! اسمعوا ما ركباها.
299
قالت: أ رأيتما إن ادعيت ما في أيدي المسلمين و من أموالهم تسألوني البينة أم تسألونهم؟. قالا: لا، بل نسألك. قالت: فإن ادعى جميع المسلمين ما في يديّ، تسألونهم البينة أم تسألوني؟
فغضب عمر و قال: إن هذا فيء للمسلمين و أرضهم و هي في يدي فاطمة (عليها السلام) تأكل غلتها، فإن أقامت بينة على ما ادعت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وهبها لها من بين المسلمين و هي فيؤهم و حقهم نظرنا في ذلك.
فقال: أنشدكم باللّه أ ما سمعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «إن ابنتي سيدة نساء أهل الجنة»؟
قالوا: اللهم نعم، قد سمعناها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قالت: أ فسيدة نساء أهل الجنة تدّعي الباطل و تأخذ ما ليس لها؟! أ رأيتم لو أن أربعة شهدوا عليّ بفاحشة أو رجلان بسرقة أ كنتم مصدّقين عليّ؟!
فأما أبا بكر فسكت، و أما عمر فقال: و نوقع عليك الحد. فقالت: كذبت و لئمت، إلا أن تقرّ أنك لست على دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إن الذي يجيز على سيدة نساء أهل الجنة شهادة أو يقيم عليها حدا لملعون كافر بما أنزل اللّه على محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ إن من أذهب اللّه عنهم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيرا لا يجوز عليهم شهادة، لأنهم معصومون من كل سوء، مطهّرون من كل فاحشة. حدّثني عن أهل هذه الآية، لو أن قوما شهدوا عليهم أو على أحد منهم بشرك أو كفر أو فاحشة كان المسلمون يتبرّؤون منهم و يحدّونهم؟ قال:
نعم، و ما هم و سائر الناس في ذلك إلا سواء. قالت: كذبت و كفرت، لأن اللّه عصمهم و أنزل عصمتهم و تطهيرهم و أذهب عنهم الرجس؛ فمن صدّق عليهم يكذّب اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله). فقال أبو بكر: أقسمت عليك- يا عمر- لما سكت.
فلما أن كان الليل، أرسل إلى خالد بن الوليد فقال: إنا نريد أن نسرّ إليك أمرا و نحملك عليه. فقال: احملاني على ما شئتما فإني طوع أيديكما. فقالا له: إنه لا ينفعنا ما نحن فيه من الملك و السلطان ما دام علي حيا؛ أ ما سمعت ما قال لنا و ما استقبلنا به؟
و نحن لا نأمنه أن يدعو في السر فيستجيب له قوم فيناهضنا، فإنه أشجع العرب،
301
و لما ذا يصدّق أبو بكر في دعواه الشاذّة عن الكتاب و السنة، فيما لا يعلم إلا من قبل ورثته (صلّى اللّه عليه و آله) و وصيه الذي هتف به و بوصايته من بدء دعوته في الأندية و المجتمعات؟
و لم تكن إذن واعية لدعوى الصديقة و زوجها الطاهر (عليهما السلام) بكون فدك نحلة لها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هي لا تعلم إلا من قبلهما.
قال مالك بن جعونة، عن أبيه، أنه قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل لي فدك، فأعطني إياها، و شهد لها علي بن أبي طالب (عليه السلام). فسألها شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن. فقال: قد علمت- يا بنت رسول اللّه- إنه لا تجوز إلا رجلين أو رجل و امرأتين، و انصرفت.
و في رواية خالد بن طهمان: إن فاطمة (عليها السلام) قالت لأبي بكر: أعطني فدك، فقد جعلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لي. فسألها البينة، فجاءت بأم أيمن و رياح مولى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فشهد لها بذلك.
فقال: إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل و امرأتين.
ثم ممّ كان غضب الصديقة الطاهرة (عليها السلام)؟ و هي التي جاء فيها عن أبيها الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه يرضى لرضاها و يغضب لغضبها؛ أمن حكم صدع به والدها؟ «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى»؟ (1) و حاشاها! أم لأن ذلك الحكم الباتّ رواه عنه صديق أمين يريد بثّ حكم الشريعة و تنفيذه و هي مصدّقة له؟ نحاشي ساحة البضعة الطاهرة (عليها السلام) بنص آية التطهير عن هذه الخزاية.
فلم يبق إلا شقّ ثالث و هو: إنها كانت تتّهم الراوي أو تعتقد خللا في الرواية و تراه حكما خلاف الكتاب و السنة، و هذا الذي دعاها إلى أن لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.
____________
(1). سورة النجم: الآيات 4، 5.
300
و قد ارتكبنا منهم ما رأيت و غلبناه على ملك ابن عمه و لا حقّ لنا فيه و انتزعنا فدك من امرأته. فإذا صلّيت بالناس الغداة، فقم إلى جانبه و ليكن سيفك معك. فإذا صلّيت فاضرب عنقه.
فقال: صلّى خالد بن الوليد بجنبي متقلّد السيف. فقام أبو بكر في الصلاة، فجعل يؤامر نفسه و ندم و أسقط في يده حتى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال قبل أن يسلّم:
لا تفعل يا خالد ما أمرتك، ثم سلّم. فقلت لخالد: ما ذلك؟ قال: قد كان أمرني إذا سلّم أضرب عنقك. قلت: أو كنت فاعلا؟! قال: إي و ربي إذا لفعلت.
المصادر:
1. كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 2 ص 304 ح 14.
2. بحار الأنوار: ج 30 ص 304 ص 152، عن كتاب سليم.
91
المتن:
قال العلامة الأميني في بحث الإرث و آياته و فدك:
أ لم يكن (صلّى اللّه عليه و آله) على بصيرة مما يحدث بعده من الفتن الناشئة من عدم إيقاف أهله و ذويه على هذا الحكم المختصّ به (صلّى اللّه عليه و آله)، المخصّص لشرعة الإرث؟ حاشاه! و عنده علم المنايا و البلايا و القضايا و الفتن و الملاحم.
و هل ترى أن دعوى الصديق الأكبر أمير المؤمنين و حليلته الصديقة الكبرى (عليها السلام) على أبي بكر ما استولت عليه يده مما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من ماله كانت بعد علم و تصديق منهما بتلك السنة المزعومة، صفحا منهما عنها لاقتناء حطام الدنيا؟ أو كانت عن جهل منهما بما جاء به أبو بكر؟ نحن نقدّس ساحتهما أخذا بالكتاب و السنة عن علم بسنة ثابتة و الصفح عنها، و عن جهل يربكهما في الميزان.
303
و المسألة في اختيار اللّه تعالى أحدا من عباده نبيا، و العلم موقوف على من يتعرّض له و يتعلّمه.
على أن زكريا إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه- كما هو صريح الآية- من بني عمه و عصبته من الميراث، و ذلك لا يليق إلا بالمال، و لا معنى لحجب الموالى عن النبوة و العلم.
ثم إن اشتراطه في وليه الوارث كونه رضيا بقوله: و اجعله رب رضيا لا يليق بالنبوة، إذ العصمة و القداسة في النفسيات و الملكات لا تفارق الأنبياء؛ فلا محصل عندئذ لمسألته ذلك. نعم، يتمّ هذا في المال و من يرثه، فإن وارثه قد يكون رضيا و قد لا يكون.
و أما كون الحكم من خاصة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فالقول به يستلزم تخصيص عموم آي الإرث، مثل قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)، و قوله سبحانه: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (2)، و قوله العزيز: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ». (3)
و لا يسوغ تخصيص الكتاب إلا بدليل ثابت مقطوع عليه لا بالخبر الواحد الذي لم يصحّ الأخذ بعموم ظاهره، لمخالفته ما ثبت من سيرة الأنبياء الماضين؛ صلوات اللّه على نبينا و آله و عليهم.
لا بالخبر الواحد الذي لم يخبت إليه صديقة الأمة و صديقها (عليها السلام) الذي ورث علم نبيها الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله)، و عدّه المولى سبحانه في الكتاب نفسا لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله).
لا بالخبر الواحد الذي لا ينبأ عنه قط خبير من الأمة و في مقدمها العترة الطاهرة (عليهم السلام) و قد اختصّ الحكم بهم، و هم الذين زحزحوا به عن حكم الكتاب و السنة الشريفة و حرّموا من وراثة أبيهم الطاهر، و كان حقا عليه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخبرهم بذلك و لا يؤخّر بيانه عن
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
(2). سورة الأنفال: الآية 75.
(3). سورة البقرة: الآية 180.
302
فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس. ثم مهّلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه عز و جل و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قالت ما قالت، و فيما قالت:
أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا؛ أ فحكم الجاهلية يبغون، و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون؟ يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الوعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون.
ثم انكفأت إلى قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب
فليت بعدك كان الموت صادفنا * * * لمّا قضيت و حالت دونك الكثب
و هذا الذي تركها غضبا على من خالفها و تدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة، كما سيوافيك تفصيله.
و هل هذا الحكم مطّرد بين الأنبياء جميعا أو أنه من خاصة نبينا (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و الأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله سبحانه عن زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)
و من المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه؛ فحمل الآية الكريمة على العلم و النبوة- كما فعله القوم- خلاف الظاهر، لأن النبوة و العلم لا يورثان، و النبوة تابعة للمصلحة العامة، مقدّرة لأهلها من أول يومها عند بارئها، و «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (3) و لا مدخل للنسب فيها، كما لا أثر للدعاء
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(3). سورة الأنعام: الآية 124.
304
وقت حاجتهم و لا يكتمه في نفسه عن كل أهله و ذويه و صاحبته و أمته، إلى آخر نفس لفظه.
لا بالخبر الواحد الذي جرّ على الأمة كل هذه المحن و الإحن و فتح عليها باب العداء المحتدم بمصراعيه و أجّج فيها نيران البغضاء و الشحناء في قرونها الخالية و شقّ عصا المسلمين من أول يومهم و أقلق من بينهم السلام و الوئام و توحيد الكلمة؛ جزى اللّه محدّثه عن الأمة خيرا!
ثم إن كان أبو بكر على ثقة من حديثه، فلم ناقضه بكتاب كتبه لفاطمة الصديقة (عليها السلام) بفدك؟ غير أن عمر بن الخطاب دخل عليه فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: مما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه؛ ذكره سبط ابن الجوزي، كما في السيرة الحلبية 3: 391.
و إن كان صحّ الخبر و كان الخليفة مصدّقا فيما جاء به، فما تلكم الآراء المتضاربة بعد الخليفة؟ و إليك شطرا منها:
1. لما ولّى عمر بن الخطاب الخلافة، ردّ فدكا إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها؛ فكان علي يقول: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام)، و كان العباس يأبى ذلك و يقول: هي ملك رسول اللّه و أنا وارثه. فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما و يقول: أنتما أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلّمتها إليكما. (1)
لفت نظر
____________
(1). راجع: صحيح البخاري: كتاب الجهاد و السير باب فرض الخمس ج 5 ص 3- 10. صحيح مسلم: كتاب الجهاد و السير باب حكم الفيء. الأموال لأبي عبيد: ص 11، ذكر حديث البخاري و بتره. السنن الكبرى للبيهقي: ج 6 ص 299. معجم البلدان: ج 6 ص 343. تفسير ابن كثير: ج 4 ص 335. تاريخ ابن كثير: ج 5 ص 288. تاج العروس، ج 7 ص 166.
305
نحن لا نناقش فيما نجده من المخازي في أحاديث الباب، كأصل التنازع المزعوم بين علي (عليه السلام) و العباس، و ما جاء في لفظ مسلم في صحيحه من قول العباس لعمر: يا أمير المؤمنين! اقض بيني و بين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن.
أ هكذا كان العباس يقذف سيد العترة الطاهر المطهر (عليه السلام) بهذا السباب المقذع؟! و بين يديه آية التطهير و غيرها مما نزّل في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في آي الكتاب العزيز. فما العباس و ما خطره عندئذ؟ و بما ذا يحكم عليه أخذا بقول النبي الطاهر (صلّى اللّه عليه و آله): «من سبّ عليا (عليه السلام) فقد سبّني، و من سبّني فقد سبّ اللّه، و من سبّ اللّه كبه اللّه على منخريه في النار»؟
لا ها اللّه!
نحن نحاشي العباس عن هذه النسب المخزية، و نرى القوم راقهم سبّ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فنحتوا هذه الأحاديث و جعلوها للنيل منه قنطرة و معذرة، و اللّه يعلم ما تكنّ صدورها و ما يعلنون، و إلى اللّه المشتكى.
2. قطع مروان بن الحكم فدكا في أيام عثمان بن عفان (1)، و ما كان إلا بأمر من الخليفة.
3. لما ولّي معاوية بن أبي سفيان الأمر أقطع مروان بن الحكم ثلث الفدك و أقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها، و ذلك بعد موت الحسن بن علي (عليه السلام). فلم يزالوا يتداولونها حتى خلّصت لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز.
4. و لما ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب فقال: إن فدك كانت مما أفاء اللّه على رسوله و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب. فسألته إياها فاطمة، فقال: ما كان لك أن تسأليني و كان لي أن أعطيك. فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل. ثم ولّي أبو بكر و عمر و عثمان و علي، فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). ثم ولّي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي و لعبد الملك، فصارت لي و للوليد
____________
(1). كما في سنن البيهقي: ج 6 ص 301.
306
و سليمان. فلما ولّي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي، و سألت سليمان حصته منها فوهبها لي فاستجمعتها، و ما كان لي من مال أحب إليّ منها. فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه.
5. فكانت فدك بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز. فلما ولّي يزيد بن عبد الملك قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان، كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم.
6. و لما ولّي أبو العباس السفاح ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين.
7. ثم لما ولّي أبو جعفر المنصور قبضها من بني حسن.
8. ثم ردّها المهدي بن المنصور على ولد فاطمة (عليها السلام).
9. ثم قبضها موسى بن المهدي و أخوه من أيدي بني فاطمة، فلم تزل في أيديهم حتى ولّي المأمون.
10. ردّها المأمون على الفاطميين سنة 210 و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله علي المدينة:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّه و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و القرابة به أولى من استنّ بسنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته، و باللّه توفيق أمير المؤمنين و عصمته، و إليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته. و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدكا و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (عليهم السلام). و لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه.
فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها و يسلّمها إليهم تقرّبا إلى اللّه تعالى بإقامة حقه و عدله، و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتنفيذ أمره و صدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه
308
المصادر:
1. الغدير: ج 7 ص 191.
2. عوالم العلوم: ج 6 ص 411، شطرا منها، عن فتوح البلدان.
3. فتوح البلدان، شطرا منه، على ما في العوالم.
4. الأوائل للتستري: ص 121، بتفاوت فيه.
92
المتن:
قصيدة الخليعي في فدك و محنة فاطمة (عليها السلام):
لم أبك ربعا للأحبة قد خلا * * * و عفا و غيّره الجديد و أمحلا
لكن بكيت لفاطم و لمنعها * * * فدكا و قد أتت الخئون الأوّلا
إذ طالبته بإرثها فروى لها * * * خبرا ينافي المحكم المنزلا
لهفي لها و جفونها قرحى * * * و قد حملت من الأحزان عبأ مثقلا
و قد اغتدت منفيّة و حميّها * * * متطيّرا ببكائها متثقّلا
تخفي تفجّعها و تخفض صوتها * * * و تظلّ نادبة أباها المرسلا
تبكي على تكدير دهر ما صفا * * * من بعده و قرير عيش ما حلا
...
لم أنسها إذ أقبلت في نسوة * * * من قومها تروي مدامعها الملأ
و تنفّست صعدا و نادت أيها * * * الأنصار يا أهل الحماية و الكلا
أ ترون يا نجب الرجال و أنتم * * * أنصارنا و حماتنا أن نخذلا
ما لي و لدعيّ تيم ادّعى * * * إرثي و ضلّ مكذّبا و مبدّلا
أ عليه قد نزل الكتاب مبينا * * * حكم الفرائض أم علينا نزّلا
أم خصّه المبعوث منه بعلم ما * * * أخفاه عنا كي نضلّ و نجهلا
أم أنزلت آي بمنعى إرثه * * * قد كان يخفيها النبي إذا تلا
307
و الكتاب إلى عماله؛ فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و تنفذ عدته؛ إن فاطمة (عليها السلام) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها.
و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين، يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك، و تسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.
فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفّقه له من التقرب إليه و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعلمه من قبلك، و عامل محمد بن يحيى و محمد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه، و السلام.
و كتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة، سنة 210 ه.
11. و لما استخلف المتوكل على اللّه، أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون. (1)
كل هذه تضادّ، ما جاء به الخليفة من خبره الشاذّ عن الكتاب و السنة. فأنّى لا بن حجر و من لفّ لفّه أن يعدّه من الأدلة الواضحة على علمه، و هذا شأنه. «فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً»؟! (2)
____________
(1). راجع: فتوح البلدان للبلاذري: ص 39- 41. تاريخ اليعقوبي: ج 3 ص 48. العقد الفريد: ج 2 ص 323.
معجم البلدان: ج 6 ص 344. تاريخ ابن كثير: ج 9 ص 200، و له هناك تحريف دعته إليه شنشنة أعرفها من أخزم. شرح ابن أبي الحديد: ج 4 ص 103. تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 154. جمهرة رسائل العرب:
ج 3 ص 510. أعلام النساء ج 3 ص 1211.
(2). سورة النساء: الآية 78.
310
بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، و قد تعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صدّق بها علي (عليه السلام)، و إن لي بذلك شهودا. فقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث.
فرجعت إلى علي (عليه السلام) فأخبرته، فقال: ارجعي إليه و قولي له: زعمت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث؛ «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1) و ورث يحيى زكريا، و كيف لا أرث أنا أبي؟! فقال عمر: أنت معلّمة. قالت: و إن كنت معلّمة فإنما علّمني ابن عمي و بعلي (عليه السلام). فقال أبو بكر:
فإن عائشة تشهد و عمر أنهما سمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يقول: النبي لا يورّث.
فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها، و إن لي بذلك شهودا بها في الإسلام، ثم قالت:
فإن فدك إنما هي صدّق بها عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لي بذلك بينة. فقال لها: هلمّي ببيّنتك.
قال: فجاءت بأم أيمن و علي (عليه السلام). فقال أبو بكر: يا أم أيمن! إنك سمعت من رسول اللّه يقول في فاطمة؟ فقالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة».
ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدّعي ما ليس لها؟! و أنا امرأة من أهل الجنة، ما كنت لأشهد بما لم أكن سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأيّ شيء تشهدين؟
فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (عليها السلام) و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالس حتى نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد! قم فإن اللّه تبارك و تعالى أمرني أن أخطّ لك فدكا بجناحي. فقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع جبرئيل، فما لبث أن رجع. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبة! أين ذهبت؟ فقال:
خطّ جبرئيل لي فدكا بجناحه و حدّ لي حدودها. فقالت: يا أبة! إني أخاف العيلة و الحاجة من بعدك، فصدّق بها عليّ. فقال: هي صدقة عليك. فقبضتها قالت: نعم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أم أيمن! اشهدي و يا علي اشهد.
فقال عمر: أنت امرأة و لا نجيز شهادة امرأة وحدها، و أما علي (عليه السلام) فيجرّ إلى نفسه. قال:
فقامت مغضبة و قالت: اللهم إنهما ظلما ابنة نبيك حقها؛ فاشدد وطأتك عليهما.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
309
أم كان في حكم النبي و شرعه * * * نقص فتمّمه الغوي و كمّلا
أم كان ديني غير دين أبي فلا * * * ميراث لي منه و ليس له و لا
قوموا بنصري إنها لغنيمة * * * لمن اغتدى لي ناصرا متكفلا
و استعطفوه و خوّفوه و أشهدوا * * * ذلي له و جفاه لي بين الملأ
إن لجّ في سخطي فقد عدم الرضى * * * من ذي الجلال و للعقاب تعجّلا
أو دام في طغيانه فقد اقتنى * * * لعنا على مرّ الزمان مطوّلا
أين المودة و القرابة يا ذوي * * * الإيمان ما هذا القطيعة و القلى
أ فهل عسيتم إن تولّيتم بأن * * * تمضوا على سنن الجبابرة الأولى
و تنكبوا نهج السبيل يقطع ما * * * أمر الإله عباده أن توصلا
و لقد أزالكم الهوى و أحلّكم * * * دار البوار من الجحيم و أدخلا
...
و لإن بقيت لأنظمنّ قلائدا * * * ينسي ترصّعها النظام الأولا
شهد الإله بأنني متبرّئ * * * من حبتر و من الدلام و نعثلا (1)
و براءة الخلعي من عصب الخنا * * * تنبئ عن أن البرا أصل الولا
المصادر:
ناسخ التواريخ: مجلدات سيد الشهداء (عليه السلام) ج 4 ص 166.
93
المتن:
عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جلس أبو بكر مجلسه، بعث إلى وكيل فاطمة (عليها السلام) فأخرجه من فدك. فأتته فاطمة (عليها السلام) فقالت: يا أبا بكر! ادعيت أنك خليفة أبي و جلست مجلسه و أنت
____________
(1). مقصود الخليعي من هذا الثلاث الخلفاء الثلاثة، أبو بكر و عمر و عثمان.
311
ثم خرجت و حملها علي (عليه السلام) على أتان عليه كساء له خمل. فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين و الأنصار و الحسن و الحسين (عليهما السلام) معها، و هي تقول: يا معشر المهاجرين و الأنصار! انصروا اللّه و ابنة نبيكم، و قد بايعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم بايعتموه أن تمنعوه و ذريته مما تمنعون منه أنفسكم و ذراريكم؛ ففوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ببيعتكم. قال: فما أعانها أحد و لا أجابها و لا نصرها.
قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل! إني قد جئتك مستنصرة، و قد بايعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن تنصره و ذريته و تمنع مما تمنع منه نفسك و ذريتك، و إن أبا بكر قد غصبني على فدك و أخرج وكيلي منها. قال: فمعي غيري؟ قالت: لا، ما أجابني أحد. قال: فأين أبلغ أنا من نصرك؟
قال: فخرجت من عنده و دخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد (عليها السلام) إليك؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر، فإنه أخذ منها فدكا. قال: فما أجبتها به؟ قال: قلت: و ما يبلغ من نصرتي أنا وحدي. قال: فأبيت أن تنصرها؟ قال: نعم. قال: فأيّ شيء قالت لك؟ قال:
قالت لي: و اللّه لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: فقال: أنا و اللّه لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ لم تجب ابنة محمد (عليها السلام).
قال: و خرجت فاطمة (عليها السلام) من عنده و هي تقول: و اللّه لا أكلّمك كلمة حتى أجتمع أنا و أنت عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم انصرفت.
فقال علي (عليه السلام) لها: ائتي أبا بكر وحده فإنه أرقّ من الآخر و قولي له: ادعيت مجلس أبي و إنك خليفته و جلست مجلسه، و لو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ. فلما أتته و قالت له ذلك، قال: صدقت. قال: فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك.
فخرجت و الكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد! ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك. فقال: هلمّيه إليّ، فأبت أن تدفعه إليه.
فرفسها برجله- و كانت (عليها السلام) حاملة بابن اسمه المحسن- فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقف، ثم أخذ الكتاب فخرقه.
312
فمضت و مكثت خمسة و سبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت.
فلما حضرتها الوفاة، دعت فقالت: إما تضمن و إلا أوصيت إلى ابن الزبير. فقال علي (صلّى اللّه عليه و آله): أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد. قالت: سألتك بحق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أنا متّ أن لا يشهداني و لا يصلّيا عليّ. قال: فلك ذلك. فلما قبضت (عليها السلام)، دفنها ليلا في بيتها.
و أصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، و أبو بكر و عمر كذلك. فخرج إليهما علي (عليه السلام)، فقالا له: ما فعلت بابنة محمد؟ أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟! فقال علي (عليه السلام):
قد و اللّه دفنتها. قالا: فما حملك على أن دفنتها و لم تعلمنا بموتها؟ قال: هي أمرتني.
فقال عمر: و اللّه لقد هممت بنبشها و الصلاة عليها. فقال علي (عليه السلام): أما و اللّه ما دام قلبي بين جوانحي و ذو الفقار في يدي فإنك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم. فقال أبو بكر: اذهب فإنه أحق بها منا، و انصرف الناس.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 189 ح 39، عن الاختصاص.
2. الاختصاص: ص 183.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 647 ح 2، عن الاختصاص.
4. اعلموا أني فاطمة: ج 3 ص 647.
الأسانيد:
في الاختصاص: أبو محمد، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال.
94
المتن:
لبعض علمائنا الأخيار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
313
دخلت فاطمة بنت محمد (عليها السلام) على أبي بكر فسألته فدكا، قال: النبي لا يورّث. فقالت:
قد قال اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (1) فلما حاجّته، أمر أن يكتب لها و شهد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أم أيمن.
قال: فخرجت فاطمة (عليها السلام)، فاستقبلها عمر فقال: من أين جئت يا بنت رسول اللّه؟
قالت: من عند أبي بكر من شأن فدك، قد كتب لي بها. فقال عمر: هاتي الكتاب، فأعطته.
فبصق فيه و محاه، عجّل اللّه جزاه. فاستقبلها علي (عليه السلام) فقال: ما لك يا بنت رسول اللّه غضبى؟! فذكرت له ما صنع عمر، فقال: ما ركبوا مني و من أبيك أعظم من هذا.
فمرضت، فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما. فجاءا ثانية من الغد، فأقسم عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأذنت لهما. فدخلا عليها فسلّما، فردّت ضعيفا. ثم قالت لهما:
سألتكما باللّه الذي لا إله إلا هو، أسمعتما يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حقي: «من آذى فاطمة فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه»؟ قالا: اللهم نعم. قالا: فأشهد أنكما قد آذيتماني.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 157 ج 32، عن مصباح الأنوار.
2. مصباح الأنوار: ص 246، على ما في البحار.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 631 ح 21، عن المصباح.
95
المتن:
قال الشيخ مرتضى الأنصاري في تقدم اليد على الاستصحاب مستشهدا بقضية فدك و استدلال سيدتنا فاطمة (عليها السلام) باليد، مع أنها (عليها السلام) كانت مدّعية لاستصحاب ملكها بهبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
314
... بل يظهر مما ورد في محاجّة علي (عليه السلام) مع أبي بكر في أمر فدك المرويّة في الاحتجاج، أنه لم يقدح في تشبّث فاطمة (عليها السلام) باليد دعواها تلقّى الملك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، مع أنه قد يقال: أنها حينئذ صارت مدعية لا تنفعها اليد.
المصادر:
فرائد الأصول للشيخ الأنصاري: ص 409.
96
المتن:
قال السيد الأجل المرتضى:
أما قول أبي علي (1): و كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه ...، فما نراه زاد على التعجب و مما عجب منه عجبنا! و لم نثبت عصمة أبي بكر فتنفي عن أفعاله التناقض.
و قوله: و يجوز أن يكون رأي الصلاح في أن يكون ذلك في يده لما فيه من تقوية الدين، أو أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحله.
فكل ما ذكره جائز، إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة و الشهادة بها و الحجة عليها، و لم يظهر شيء من ذلك فنعرفه.
و من العجائب أن تدعي فاطمة (عليها السلام) فدك نحلة و تستشهد على قولها أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيره، فلا يصغى إليها و إلى قولها و يترك السيف و البغلة و العمامة في يد أمير المؤمنين (عليه السلام) على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت و لا شهادة قامت، على أنه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك و يذكر وجهه بعينه، أيّ شيء كان لمّا نازع العباس فيه.
فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
____________
(1). و هو أن دفع أبي بكر سهم علي (عليه السلام) من خيبر لم يثبت أنه كان من الإرث.
315
و القول في البردة و القضيب- إن كان نحلة أو على الوجه الآخر- يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهر و الاستشهاد، و لسنا نرى أصحابنا يطالبون نفوسهم في هذا الموضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها و أسبابا و عللا مجوّزة، لأنهم لا يقنعون منا بما يجوز و يمكن، بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور و الاشتهار، و إذا كان ذلك عليهم نسوه أو تناسوه.
فأما قوله: إن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنما طلبن الميراث لأنهن لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر، و كذلك إنما نازع العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد موت فاطمة (عليها السلام) في الميراث لهذا الوجه؛ فمن أقبح ما يقال في هذا الباب و أبعده من الصواب.
و كيف لا يعرف أمير المؤمنين (عليه السلام) رواية أبي بكر و بها دفعت زوجته عن الميراث، و هل مثل ذلك المقام قامته؟
و ما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد، فضلا عمن هو في المدينة شاهدا حاضرا يعتني بالأخبار و يراعيها! إن هذا الخروج في المكابرة عن الحد.
و كيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرة بعد أخرى، و يكون عثمان المترسّل لهن و المطالب عنهن؟ و عثمان- على زعمهم- أحد من شهد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث، و قد سمعن- على كل حال- أن بنت النبي (عليها السلام) لم تورث ماله. و لا بد أن يكنّ سألن عن السبب في دفعها، فذكر لهن الخبر؛ فكيف يقال: إنهن لن يعرفنه؟
و الإكثار في هذا الموضع يوهم أنه موضع شبهة، و ليس كذلك. انتهى كلامه، رفع مقامه.
المصادر:
بحار الأنوار: ج 29 ص 73.
316
97
المتن:
قال الإربلي:
روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الجزء السادس عن عمر، عن أبي بكر المسند منه فقط، و هو: لا نورّث ما تركنا صدقة.
لمسلم من رواية جويرية بن أسماء، عن مالك و عن عائشة بطوله: أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر أن يقسّم لها ميراثها، و في رواية أخرى: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر.
فقال أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث ما تركنا صدقة؛ إنما يأكل آل محمد من هذا المال، و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه يصنعه فيه إلا صنعته. زاد في رواية صالح بن كيسان: إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ،
قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس فغلبه عليها علي (عليه السلام)، و أما خيبر و فدك فأمسكهما عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانت لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولّى الأمر، قال: فهما على ذلك اليوم.
قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر: فهجرته فاطمة (عليها السلام) فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يأذن بها أبا بكر. قال: و كان لعلي (عليه السلام) وجه من الناس حياة فاطمة (عليها السلام)، فلما توفّيت فاطمة (عليها السلام) انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه السلام).
و مكثت فاطمة (عليها السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر ثم توفّيت. فقال رجل للزهري:
فلم يبايعه علي ستة أشهر؟ قال: لا و اللّه و لا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي (عليه السلام).
في حديث عروة: فلما رأى علي (عليه السلام) انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر؛ فأرسل إلى أبي بكر: ائتينا و لا تأتنا معك بأحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من
317
شدة عمر. فقال عمر: لا تأتهم وحدك. فقال أبو بكر: و اللّه لآتينّهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي؟
فانطلق أبو بكر فدخل على علي (عليه السلام) و قد جمع بني هاشم عنده. فقام علي (عليه السلام) فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك و لا نفاسة عليك بخير ساقه اللّه إليك، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم علينا ... ثم ذكر قرابتهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حقهم.
فلم يزل علي (عليه السلام) يذكر حتى بكى أبو بكر و صمت علي (عليه السلام). و تشهد أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فو اللّه لقرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي، و إني و اللّه ما لكأت في هذه الأموال التي كانت بيني و بينكم عن الخير، و لكني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) في هذا المال؛ و إني و اللّه لا أدع أمرا صنعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلا صنعته إن شاء اللّه. و قال علي (عليه السلام):
موعدك للبيعة العشيّة.
فلما صلّى أبو بكر الظهر، أقبل على الناس يعذّر عليا (عليه السلام) ببعض ما اعتذر به. ثم قام علي (عليه السلام) فعظّم من حق أبي بكر و ذكر فضيلته و سابقته، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه. فأقبل الناس على علي (عليه السلام) فقالوا: أصبح و أحسنت، و كان المسلمون إلى علي (عليه السلام) قريبا حين راجع الأمر بالمعروف. هذا آخر ما ذكره الحميدي.
المصادر:
1. كشف الغمة: ج 1 ص 474.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 201 ح 42، عن كشف الغمة.
318
98
المتن:
قال المجلسي في مطالبة فاطمة (عليها السلام) فدك و جواب أبي بكر لها و ما جرى بينهما:
و قد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه. ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى، ملتزما بما اشترطه من العدل في القول و الفعل، و على اللّه قصد السبيل.
قول أبي بكر في أول الحديث و آخره: و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنع فيه إلا صنعته، و هو لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صنع فيها إلا أنه اصطفاها، و إنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورّث كما روى؛ فكان حق الحديث أن يحكى و يقول: و إني و اللّه لا أدع أمرا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقوله إلا عملت بمقتضى قوله، أو ما هذا معناه.
و فيه: فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و عباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام).
أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك و خيبر، فهلّا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الأمر بضد ذلك.
فأما تسليم البعض و منع البعض فإنه ترجيح من غير مرجّح، اللهم إلا أن يكونوا فعلوا شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك!
و في قوله: فغلبه عليها علي (عليه السلام)، دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام. فإن عليا (عليه السلام) لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العموم، إذ كان العباس أقرب من علي (عليه السلام) في ذلك و غلبه إياه على سبيل الغلب و العنف مستحيل أن يقع من علي (عليه السلام) في حق العباس، و لم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة و بنيها (عليهم السلام).
و قول علي (عليه السلام): كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددتم علينا ...، فتأمل معناه يضح لك مغزاه، و لا حاجة إلى كشف مغطّاه.
319
و روى أحمد بن حنبل في مسنده ما يقارب ألفاظ ما رواه الحميدي، و لم يذكر حديث علي (عليه السلام) و أبي بكر و مجيئه إليه في هذا الحديث.
روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة! لك فدك.
و في رواية أخرى عن أبي سعيد مثله.
و عن عطية، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك.
و عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.
و عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)؛ قال: قلت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وقفها، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، فأعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقها. قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: بل اللّه تبارك و تعالى أعطاها.
و قد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك و ثبت أن ذا القربى علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و على هذا فقد كان أبو بكر و عمر لما ولّيا هذا الأمر يرتّبان في الأعمال و البلاد القريبة و النائية من الصحابة و المهاجرين و الأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و لا يقاربها.
فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة و سلّما إليهم هذا الصدقة التي قامت النائرة في أخذها، و عرفاهم ما روياه و قالا لهم: أنتم أهل البيت و قد شهد اللّه لكم بالطهارة و أذهب عنكم الرجس، و قد عرفناكم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، و قد سلّمناها إليكم و شغلنا ذممكم بها، و اللّه من وراء أفعالكم فيها و اللّه سبحانه بمرأى منكم و مسمع. فاعملوا فيها
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
(2). سورة الروم: الآية 38.
(3). سورة الروم: الآية 38.
320
بما يقرّبكم منه و يزلفكم عنده، فعلى هذا سلّمناها إليكم و صرفناكم فيها. فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به و فعلتم فيها فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أصبتم و أصبنا، و إن تعدّيتم الواجب و خالفتم ما حدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أخطأتم و أصبنا؛ فإن الذي علينا الاجتهاد و لم نأل في اختياركم جهدا و ما علينا بعد بذل الجهد لائمة؛ و هذا الحديث من الإنصاف كما يروى، و اللّه الموفق و المسدد.
و روي أن فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: يا أبا بكر! من يرثك إذا متّ؟ قال: أهلي و ولدي. قالت: فما لي لا أرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: يا بنت رسول اللّه! إن النبي لا يورّث، و لكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول اللّه و أعطي ما كان يعطيه. قالت: و اللّه لا أكلّمك بكلمة ما حييت؛ فما كلّمته حتى ماتت.
و قيل: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: إن الأنبياء لا تورث، ما تركوه فهو صدقة. فرجعت إلى علي (عليه السلام) فقال: ارجعي فقولي: ما شأن سليمان ورث داود؟ و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»؟ (1) فأبوا و أبى.
و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام): أن أبا بكر قال لفاطمة (عليها السلام): النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث. قالت: قد «وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3) فنحن أقرب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من زكريا إلى يعقوب.
و عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجاءت إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال:
النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث. فقالت: أ لم يرث سليمان داود؟! فغضب و قال: النبي لا يورث. فقالت:
أ لم يقل زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (4) فقال: النبي
____________
(1). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم الآيتين 5، 6.
(4). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
321
لا يورّث. فقالت: أ لم يقل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»؟ (1) فقال:
النبي لا يورّث.
و عن أبي سعيد الخدري، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جاءت فاطمة (عليها السلام) تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لأعلم- إن شاء اللّه- أنك لن تقولي إلا حقا، و لكن هاتي بيّنتك.
فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت. فقال: امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها.
المصادر:
1. كشف الغمة: ج 1 ص 474.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 201 ح 42، عن كشف الغمة.
99
المتن:
قال الشيخ الطوسي:
هذا حديث وجدته بخط بعض المشايخ، ذكر أنه وجده في كتاب لأبي غانم الأعرج- و كان مسكنه بباب الشعير-. وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات، و هو:
أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة (عليها السلام) فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت و أمي! ما الذي يبكيك؟ فقالت لها: أ سائلتي عن هنة حلّق بها الطائر و حفي بها السائر، و رفعت إلى السماء أثرا و رزأت في الأرض خبرا إن قحيف تيم و أحيول عدي جاريا أبا الحسن في السباق، حتى إذا تفريا بالخناق أسرّا له الشنان و طوياه الإعلان.
فلما خبأ نور الدين و قبض النبي الأمين (صلّى اللّه عليه و آله)، نطقا بفهورهما و نفثا بسورهما و أدلّا بفدك؛ فيا لها كم من ملك ملك؛ إنها عطيّة الرب الأعلى للنجي الأوفى، و لقد نحلنيها للصبية
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
322
السواغب من نجله و نسلي و إنها لبعلم اللّه و شهادة أمينه، فإن انتزعا مني البلغة و منعاني اللمظة فأحتسبها يوم الحشر زلفة، و ليجدنّها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم.
المصادر:
1. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 207.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 182 ح 38، عن أمالى الطوسي.
3. كتاب أبي غانم الأعرج، على ما في الأمالي للطوسي.
100
المتن:
قال السيد الجزائري في تبيين بعض كلمات خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام):
و قوله (عليه السلام): «على هاتا أحجى» أي على الطخية أولى. «فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى»، الشجى ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه، و المراد به هنا المصيبة المانعة من لذيذ الأكل و الشرب.
و قوله (عليه السلام): «أرى تراثي نهبا»، التراث الميراث، و المراد به الخلافة؛ فإنها ميراثه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أو المراد ما هو أعم، يتناول فدك و العوالي. فإنه بعد فاطمة (عليها السلام) صار ميراثا.
قوله (عليه السلام): «حتى إذا مضى الأول (و هو أبو بكر) لسبيله فأدلى بها إلى فلان» يعني أنه دفعها إلى عمر بطريق النص و الوصية. و قوله (عليه السلام): «شتان» البيت- و هو للأعشى- يقول:
تفرق ما بين يوميّ، يوم سروري و هو منادمتي لأخي حيّان و يوم شدتي و ركوبي على متن ناقتي في البراري و القفار. فهو (عليه السلام) قد استعار هذا ليوميه؛ يوم فرحه لما كان نديمه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يوم تعبه و هو يوم ركوبه المشاقّ و الحروب وحده بلا معاون و نصير.
المصادر:
الأنوار النعمانية: ج 1 ص 115.
323
101
المتن:
قال نوري جعفر في تطورات فدك بين الأمويين و العباسيين و محاجة فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر في الإرث:
... و من الطريف أن نذكر قبل التصدي للبحث في طبيعة النزاع بين الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر في قضية فدك، أن فدك بقيت بيد الخلفاء الراشدين.
فلما استولى معاوية على الملك قسّمها مثالثة بين مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان بن عفان و يزيد ابنه و أمر على جانب كبير من الغرابة، غير أنها قد أصبحت خالصة لمروان في خلافته. فوهبها لابنه عبد العزيز، الذي وهبها بدوره لابنه عمر الذي ردّها عند تولية الخلافة لأولاد فاطمة (عليها السلام)، و كان ردّه إياها- على ما يقول المؤرخون- أول ظلامة ردها. فلما ولّى يزيد قبضها منهم. فصارت في أيدي بني مروان و بقيت كذلك إلى سقوط دولتهم.
فلما جاء العباسيون ردّها السفاح إلى أهلها، ثم قبضها المنصور، و ردّها ابنه المهدي، و قبضها الهادي و الرشيد، و ردّها المأمون بعد أن ناظره في أمره شيخ طاعن في السن، ثم قبضها المعتصم، و بعد ذلك ضاعت معالمها على المؤرخين.
و يلوح مما ذكرنا أن فدك كانت وسيلة بيد الخليفة، إن شاء ردّها لأهلها و إن شاء قبضها عنهم وفق مزاجه و حالته النفسية من جهة، و موقف الطالبيين في زمانه من الأحداث السياسية العامة في الدولة من جهة أخرى.
و لما كان إرجاع فدك إلى ورثة السيدة فاطمة (عليها السلام) قد حصل في عهد المأمون بشكل يدعوا إلى التأمل و يشير بصراحة، لا لبس فيها و لا غموض إلى حق السيدة (عليها السلام) في فدك، لذلك نرى إثباته هنا بالشكل الذي ذكره البلاذري: و لما كانت سنة عشرة و مائتين أمر المأمون ... برد فدك إلى ولد فاطمة (عليها السلام)، و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة:
أما بعد، فإن المؤمنين بمكانة من دين اللّه و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و القرابة به، أولى من
324
استنّ سنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته.
و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدك و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه ....
فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها و يسلّمها إليهم تقرّبا إلى اللّه بإقامة حقه و عدله، و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتنفيذ أمره و صدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه و الكتابة به إلى عماله: فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن يذكر كل من كان له صدقة أو عدة ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته؛ إن فاطمة (عليها السلام) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها.
و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري و مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.
فأعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفّقه له من التقرب إليه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أعلمه من قبلك.
و عامل محمد بن يحيى و محمد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه؛ و السلام.
و قد كتب ذلك في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210 ه، و تصدّى أبو بكر للرد على السيدة فاطمة (عليها السلام) في موضوع فدك من ناحية الميراث إلى حديث انفرد بذكره على ما يبدو هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.
و قد أنفرد أبو بكر كذلك يذكر حديثا آخر عند ما اختلف المسلمون في محل دفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: سمعت رسول اللّه يقول: «ما قبض نبي إلا و دفن حيث قبض». في حين أن التاريخ- على ما يذكر الطبري- يخبرنا أن الكثيرين من أنبياء بني إسرائيل قد دفنوا في
325
غير الأماكن التي قبضوا فيها.
و قد استغربت السيدة (عليها السلام) من ذلك أشد الاستغراب، و كانت هي دون شك أولى من غيرها بسماعه، لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) يخصّها أكثر مما يخصّ أبا بكر، كما أن عليا (عليه السلام) لم يسمعه كذلك بدليل أن فاطمة (عليها السلام) لم تخرج إلى أبي بكر مطالبة بميراثها من فدك إلا بعلم منه و إذن منه كذلك.
و لا ندري لما ذا همس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا الحديث إلى أبي بكر دون سائر المسلمين و قبل أن يصبح أبو بكر طرفا في النزاع على هذا الميراث الذي يتصل بفاطمة و بنيها (عليهم السلام) أشد الاتصال؟
و مما يضعف هذا الحديث بنظر فاطمة (عليها السلام) أنه يتنافى هو و كثير من الآيات القرآنية الصريحة في هذا الباب.
فقد جاء في ذكر الميراث بشكل مطلق، دون أن يستثني الأنبياء؛ من ذلك قوله تعالى في سورة النساء: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (1)
و جاء في ذكر الميراث الذي وقع بالفعل للأنبياء الذين سبقوا محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) قوله تعالى في سورة النمل: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ». (2)
و خاطب زكريا ربه في سورة مريم: «قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (3)
لقد أشارت السيدة فاطمة (عليها السلام) إلى ذلك كله في مناقشتها لأبي بكر بمحضر جماعة
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم: الآيات 4- 6.
326
من الصحابة، ثم ختمت محاورتها مع الخليفة قائلة:
فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك ...؛ فنعم الحكم اللّه ... و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون .... يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء أظهركم؟
أ لم تسمع قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ»؟ (1) أحكم اللّه بآية أخرج أبي منها أم تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟!
و لما رأت السيدة فاطمة (عليها السلام) أن الخليفة مصرّ على رأيه، تركت الأمر و أعرضت عنه.
و يلوح للباحث أن السيدة فاطمة (عليها السلام) كانت عارفة منذ البداية أن الخليفة سوف لا يعيد لها فدك و أنها ذهبت إليه لإلقاء الحجة عليه، و لعل ذلك راجع إلى أنها لم تعرف من حيث الأساس بشرعية خلافته. فالشخص الذي له القدرة و الجرأة على سلب الخلافة من صاحبها الشرعي بنظرها، لهو أقدر على سلب فدك و أمثالها.
و إذا أمعن الباحث في الحديث الذي ذكره أبو بكر في ضوء سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بصورة عامة، أمكنه أن يقول: إن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لم يستثن نفسه من الخضوع للقواعد العامة التي جاء بها الإسلام. فما عرف عنه أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نصلّي أو لا نصوم ...،
فكيف يعزل عن ميراث فدك وحده؟!
فهل لقضية فدك جانب سياسي؟
هل قصد بذلك إخضاع السيدة فاطمة (عليها السلام) و زوجها لأوامر الخليفة لإرغامها على الاعتراف بخلافته التي قابلاها بالصدور و الامتعاض؟
و هل لهذا الموضوع جانب اقتصادي؟
هل قصد بذلك حرمان علي (عليه السلام) من التمتع بواردات فدك و هي مورده الوحيد، وكيلا
____________
(1). سورة الأنفال: الآية 75.
327
يصبح مكتفيا من الناحية الاقتصادية و ليصرفه ذلك عن المطالبة بالخلافة؟
هل لموضوع فدك جانب مالي يتصل بوضع الدولة الإسلامية آنذاك و حاجتها إلى المال، لمواجهة الذين اتهموا بالارتداد عن دفع الزكاة؟
هل لقضية فدك جانب معنوي يتعلق بمحولة تضعيف موقف آل النبي (عليهم السلام) عند عامة المسلمين، فيقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد حرّمهم كل شيء حتى ميراثه من فدك، فتضعف حجتهم بالمطالبة بالخلافة؟
هل لموضوع فدك أكثر من عامل واحد؟
ثم لما ذا وضع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- إن صحّ الحديث الذي استشهد به الخليفة- صيغته بهذا الشكل من الإطلاق، بحيث جعله يشمل معاشر الأنبياء كافة؟ ما الهدف الذي كان يرمي إليه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من هذا الحديث؟
هل كان يخشى أن تتصرف السيدة فاطمة (عليها السلام) بعوائد فدك في غير أوجهها السليمة؟! و إذا كان الأمر كذلك فلما ذا وضعها تحت تصرفها في حياته؟
و يجمل بنا قبل أن نتصدّي لبحث فدك من ناحية النحلة أن ننبّه القارئ إلى أننا عثرنا على نقاش رائع من حيث الفكرة و الأسلوب حصل بين قاضي القضاة و الشريف المرتضى، ذكره ابن أبي الحديد؛ الأول ينفي أن يورث الأنبياء و الثاني يثبته.
يدلّل الأول- على رأيه- بأن ما ورد في القرآن لا يتضمن إلا وراثة العلم و الفضل، و يبرهن الثاني على أن الإرث يتضمّن المال و العقار أولا، و من ثمّ العلم و الفضل من باب التجوّز، و إن كلمة ميراث في اللغة و ما يتصل بها من المشتقات تعني ميراث الأمور المعنوية من باب التجوّز و الاتساع، و أن الدلالة إذا دلّت في بعض الألفاظ على معنى المجاز فلا يجب أن يقتصر عليه، بل يجب أن نحمل معناها على الحقيقة التي هي الأصل إذا يمنع من ذلك مانع.
و إذا فرضنا جدلا أن الميراث يقتصر على العلم و الفضل، أ لا يكون آل النبي (عليهم السلام)
328
- بحكم ذلك الميراث- أولى من غيرهم بالخلافة؟
ذلك ما يتصل بموضوع فدك من ناحية الميراث.
أما ما يتصل به من ناحية النحلة، فقد ذكرت السيدة فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد وهبها فدك. فطلب الخليفة منها البينة على ذلك، فقدّمت له عليا (عليه السلام) و أم أيمن مربّية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فلم يلتفت إلى ذلك و بدا كالمتشكّك في شهادة سيده، قمين بأبي بكر أن يسموا بها عن التشكّك.
فليس من المتوقّع أن تكذب السيدة فاطمة (عليها السلام) على أبيها بعد موته بعشرة أيام فقط، و في مسألة تافهة كفدك! أو أن تكذب أم أيمن العجوز الجليلة التي رافقت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من المهد إلى اللحد؛ أم أيمن التي خرجت مهاجرة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من مكة إلى المدينة و هي ماشية و ليس معها زاد؛ أم أيمن زوج زيد بن حارثة مولى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أم أسامة بن زيد! أو أن يكذب ابن أبي طالب (عليه السلام)!!
و لا ندري كيف فات أبا بكر أن يتذكّر أن اللّه قد أنزل قرآنا في علي و فاطمة (عليهما السلام) و أذهب عنهما الرجس.
و قد كان المتوقّع أن يكتفي الخليفة برواية فاطمة (عليها السلام) وحدها، كما اكتفى أبوها قبل ذلك حين نازعه أعرابي ناقة ادعى كل منهما أنها ناقته. فشهد خزيمة بن ثابت للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فأجاز شهادته و جعلها شهادتين؛ فسمّي «ذا الشهادتين». و لكن موضوع السيدة فاطمة (عليها السلام)- مع هذا- لا يحتاج إلى شهود؛ ذلك لأنها روت رواية عن أبيها، كما روى أبو بكر رواية أخرى.
و أن السيدة فاطمة (عليها السلام) لم تطلب منه البينة على ما ادعاه، على الرغم من شكها في صحته، أما الشهود فموقعهم في الدعوى استمع إلى قوله تعالى في سورة البقرة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
329
فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ». (1)
و الحجة التي نستند إليها في أهمية شهادة فاطمة (عليها السلام) أن موقفها عند الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- من حيث صدّقها- لا يقل- على أسوأ الفروض- عن موقع خزيمة بن ثابت. و يصدق الشيء نفسه على أم أيمن و ابن أبي طالب (عليه السلام) الذي لم يعرف عنه قط إلا اتّباع الحق و قول الصدق. فموقف أبي بكر غريب في بابه.
و أغرب منه أنه ترك سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نعله و عمامته في يد علي (عليه السلام) على سبيل النحلة، بغير بينة ظهرت و لا شهادة قامت. كما أنه لم ينتزع من علي (عليه السلام) الخاتم و السيف اللذين وهبهما له النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أثناء مرضه.
و لم يطالب كذلك بثياب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) التي مات فيها، فأخذتها فاطمة (عليها السلام) بعد موته، و لا بحجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي بقيت بيد نسائه.
و لم يطلب أبو بكر من جابر- على رواية البخاري- البينة على دعواه، حين زعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وعده بإعطائه مقدارا معيّنا من المال، بل سلّمه إياه عند ما و رده مال من قبل العلاء بن الحضرمي.
كما أن أبا بكر أيضا لم يطلب البينة- عند ما قدم عليه مال من البحرين- من أبي بشير المازني، حين ادعى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: إذا جاءنا شيء فائتنا. و إنما دفع له حفنتين أو ثلاثا من ذلك المال.
و إذا كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث و ما تركه صدقة، فكيف يجوز أن يواري جثمانه في الحجرة التي كانت تسكنها زوجته عائشة بنت الخليفة؟ لأن تلك الحجرة قد أصبحت صدقة بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مباشرة بحكم ذلك الحديث.
____________
(1). سورة البقرة: الآية 282.
330
ثم كيف نوفّق بين ذلك الحديث و بين الحديث الآخر الذي أنفرد بذكره أبو بكر القائل بأن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون؟ أ في الحديث ناسخ و منسوخ؟! ثم كيف نفّذ الخليفة محتويات الحديثين على تناقضهما؟
و بقدر ما يتعلّق الأمر بالحديث الثاني يمكّننا أن نقول: إن النبي يموت في أحد موضعين، ما كان يملكه قبل وفاته و ما كان يملكه غيره من الناس؛ و لا يجوز أن يدفن جثمانه في المحل الأول لأنه أصبح صدقة على رواية أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما لا يجوز دفنه في المحل الثاني لأن ملكيته عائدة لغيره. كيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق الحرج؟
ثم كيف جاز لأبي بكر نفسه أن يطلب بدفن جثمانه قرب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أرض لا حق له بها من الناحية الشرعية؟
و إذا كان دفن جثمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على الشكل الذي ذكرناه مستندا إلى الحديث الذي ذكره أبو بكر، فإلى أيّ حديث يستند أبو بكر في طلب دفنه بجوار النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ هل قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يدفن الخليفة الأول قريبا مني؟ كل ذلك غريب في بابه.
و أغرب منه أن كثيرا من المفسرين قد تكلّفوا فيما بعد تفسير آيات الميراث، فزعموا للردّ على من طعن بصحة الحديث بأن الوارثة المذكورة في القرآن مقصورة على العلم و الفضل دون سائر الأمور.
و لسنا نعلم كيف يورث العلم و الفضل؟! و هو أمر يخالف ما ألّفه الناس من قديم الزمان و يتعارض مع أبسط مبادئ علم النفس و علم الاجتماع.
و أغرب من ذلك كله أن الخليفة يحرم السيدة فاطمة (عليها السلام) ميراث فدك ليطبق الحديث الذي أنفرد بذكره، في الوقت الذي يخالف فيه حديثا آخر أجمع الرواة على صحته باعتراف أبي بكر نفسه: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه».
331
و لا ندري- بالإضافة إلى كل ما ذكرناه- كيف فات أبا بكر أن يتذكّر موقف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت خديجة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين أسّر في بدر مع المشركين؛ و إلى القارئ تلك القصة على ما رواها ابن الأثير: و كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس زوج زينب بنت خديجة.
فلما بعثت قريش في فداء الأسارى، بعثت زينب بفداء أبي العاص زوجها بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها معها. فلما رآها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رقّ لها رقّة شديدة و قال:
إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها و تردّوا عليها الذي لها فافعلوا. فأطلقوا لها أسيرها و ردّوا القلادة ....
فلما كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بأمواله و أموال رجال قريش.
فلما عاد لقيته سريّة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأخذوا ما معه و هرب منهم. فلما كان الليل أتى إلى المدينة فدخل على زينب.
فلما كان الصبح خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الصلاة فنادت زينب من صفة النساء: أيها الناس! إني قد أجرت أبا العاص .... فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن رأيتم أن تردّوا عليه الذي له فأنا نحب ذلك، و إذا أبيتم فهو في اللّه الذي أفاء عليكم و أنتم أحق به. قالوا: يا رسول اللّه، نردّه عليه. فردّوا ماله كله حتى الشظاظ.
نقول: أ لم يكن باستطاعة أبي بكر- في حالة التسليم معه بأن السيدة فاطمة (عليها السلام) لا ترث أبيها، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يهب فدكا لها- أن يتخذ موقفا كهذا الذي أشرنا إليه؟ مع وجود الفارق الكبير بين الحالتين؛ فقد وهب المسلمون حقهم لأبي العاص المشرك و كانوا- دون شك- على استعداد تام لوهب حقوقهم- في حالة التسليم بصحة الإجرءات التي اتخذها الخليفة- إلى ابنة الرسول. أ لم يكن تصرّف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مع أبي العاص- في الحالتين- سنة؟ فهل يعتبر ترك أبي بكر لها- في هذه الحالة- منسجما مع السنة؟!
332
المصادر:
علي (عليه السلام) و مناوءوه: ص 52.
102
المتن:
قال المفيد في إثبات الحكم بقول فاطمة (عليها السلام) و أن رد قولها و منع حقها ظلم و إيذاء لها:
قد ثبت عصمة فاطمة (عليها السلام) بإجماع الأمة على ذلك فتيا مطلقة، و إجماعهم على أنه لو شهد عليها شهود بما يوجب إقامة الحد من الفعل المنافي للعصمة لكان الشهود مبطلين في شهادتهم و وجب على الأمة تكذيبهم و على السلطان عقوبتهم؛ فإن اللّه تعالى قد دلّ على ذلك بقوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». (1)
و لا خلاف بين نقلة الآثار أن فاطمة (عليها السلام) كانت من أهل هذه الآية، و قد بيّنّا فيما سلف أن ذهاب الرجس عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين عنوا بالخطاب يوجب عصمتهم، لإجماع الأمة أيضا على قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل».
فلو لا أن فاطمة (عليها السلام) كانت معصومة من الخطاء مبرّاة من الزلل، لجاز منها وقوع ما يجب أذاها به بالأدب و العقوبة، و لو وجب ذلك لوجب أذاها و لو جاز وجوب أذاها لجاز أذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأذى للّه عز و جل. فلما بطل ذلك دلّ على أنها كانت معصومة حسبما ذكرناه.
و إذا ثبت عصمة فاطمة (عليها السلام)، وجب القطع بقولها و استغنت عن الشهود في دعواها، لأن المدعي إنما افتقر للشهود له لارتفاع العصمة عنه و جواز ادعائه الباطل. فيستظهر
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
333
بالشهود على قوله لئلا يطمع كثير من الناس في أموال غيرهم و جحد الحقوق الواجبة عليهم.
و إذا كانت العصمة مغنية عن الشهادة، وجب القطع على قول فاطمة (عليها السلام) و على ظلم مانعها فدكا و مطالبها بالبينة عليها.
و يكشف عن صحة ما ذكرناه أن الشاهدين إنما يقبل قولها على الظاهر مع جواز أن يكونا مبطلين كاذبين فيما شهدا به، و ليس يصحّ الاستظهار على قول من قد آمن منه الكذب بقول من لا يؤمن عليه ذلك، كما لا يصحّ الاستظهار على قول المؤمن بقول الكافر و على قول العدل البرّ بقول الفاسق الفاجر.
و يدلّ أيضا على ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) استشهد على قوله، فشهد خزيمة بن ثابت في ناقة نازعه فيها منازع. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت- يا خزيمة- أن هذه الناقة لي؛ أشهدت شراي لها؟ فقال: لا، و لكني علمت أنها لك من حيث علمت أنك رسول اللّه. فأجاز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شهادته كشهادة رجلين و حكم بقوله.
فلو أن العصمة دليل الصدق و تغني عن الاستشهاد لما حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بقول خزيمة بن ثابت وحده و صوّبه في الشهادة له على ما لم يره و لم يحضره باستدلاله عليه بدليل نبوته و صدقه على اللّه سبحانه فيما أداه إلى بريّته.
و إذا وجب قبول قول فاطمة (عليها السلام) بدلائل صدقها و استغنت عن الشهود لها، ثبت أن من منع حقها و أوجب الشهود على صحة قولها قد جار في حكمه و ظلم في فعله و آذى اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بإيذائه لفاطمة (عليها السلام)، و قد قال اللّه جل جلاله: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً». (1)
المصادر:
الفصول المختارة: ص 88.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 57.
334
103
المتن:
قال المجلسي في فوائد ما يستفاد من أخبار الباب الحادي عشر:
الفائدة الثانية في بيان ما يدلّ على كونها (عليها السلام) محقّة في دعوى فدك، مع قطع النظر عن عصمتها؛ فنقول:
لا ريب على من له أدنى تتبع في الآثار، و تنزل قليلا عن درجة التعصب و الإنكار في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يرى فدكا حقا لفاطمة (عليها السلام). و قد اعترف بذلك جلّ أهل الخلاف و رووا أنه (عليه السلام) شهد لها. و لذلك تراهم يجيبون تارة بعدم قبول شهادة الزوج، و تارة بأن أبا بكر لم يمض شهادة علي (عليه السلام) و شهادة أم أيمن لقصورها عن نصاب الشهادة؛ و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا (عليه السلام) لا يفارق الحق و الحق لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد بصحة هذا الخبر.
و روى ابن بطريق عن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة بأسناده، عن عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
و روى ابن شيرويه الديلمي في الفردوس، بالإسناد، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «رحم اللّه عليا (عليه السلام)، اللهم أدر الحق معه حيث دار».
و قد روى علي بن عيسى في كشف الغمة و ابن شهرآشوب في المناقب و ابن بطريق في المستدرك و العمدة و العلامة في كشف الحق و غيرهم في غيرها أخبارا كثيرة من كتب المخالفين في ذلك، و سنوردها بأسانيدها في المجلد التاسع.
فهل يشكّ عاقل في حقّيّة دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) من الأولين و الآخرين باتفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه إن الحق لا يفارقه و إنه الفاروق بين الحق و الباطل و إن من اتبعه اتبع الحق و من تركه ترك الحق، و غير ذلك مما سيأتي في أبواب فضائله و مناقبه (عليه السلام).
336
و قال البخاري في عنوان باب مناقب قرابة الرسول، أنه قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة (عليها السلام) سيدة نساء أهل الجنة».
و روى من طريق أصحابنا الكراجكي في كنز الفوائد، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة (عليها السلام) ابنتي و يغصبها حقها و يقتلها. ثم قال: يا فاطمة! أبشري فلك عند اللّه مقام محمود؛ تشفعين فيه لمحبيك و شيعتك و فتشفّعين.
يا فاطمة! لو أن كل نبي بعثه اللّه و كل ملك قرّبه شفّعوا في كل مبغض لك غاصب لك، ما أخرجه اللّه من النار أبدا».
الفائدة الثالثة
في أن فدكا نحلة لفاطمة (عليها السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أن أبا بكر ظلمها بمنعها.
قال أصحابنا رضوان اللّه عليهم: كانت فدك مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد فتح خيبر؛ فكانت خاصة له، إذ لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و قد وهبها لفاطمة (عليها السلام) و تصرّف فيها وكلاؤها و نوّابها.
فلما غصب أبو بكر الخلافة انتزعها. فجاءته فاطمة (عليها السلام) مستعدية، فطالبها بالبينة.
فجاءت بعلي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن المشهود لها بالجنة. فردّ شهادة أهل البيت (عليهم السلام) بجرّ النفع و شهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة. ثم ادعتها على وجه الميراث، فردّ عليها بما مرّ و سيأتي. فغضبت عليه و على عمر فهجرتهما، و أوصت بدفنها ليلا لئلا يصلّيا عليها؛ فأسخطا بذلك ربهما و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و استحقّا أليم النكال و شديد الوبال.
ثم لما انتهت الإمارة إلى عمر بن عبد العزيز، ردّها على بني فاطمة، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك، ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي، ثم قبضها الهادي، ثم ردّها المأمون لما جاءه رسول بني فاطمة؛ فنصب وكيلا من قبلهم و جلس محاكما فردّها عليهم، و في ذلك يقول دعبل الخزاعي:
335
و أما فضائل فاطمة (عليها السلام) فتأتي الأخبار المتواترة من الجانبين في المجلد التاسع و المجلد العاشر.
و روى في جامع الأصول من صحيح الترمذي، عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
«حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و آسية امرأة فرعون».
و روى البخاري و مسلم و الترمذي و أبو داود في صحاحهم- على ما رواه في جامع الأصول في حديث طويل-، قال في آخره: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام): «يا فاطمة! أ ما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء الأمة؟».
و في رواية أخرى رواها البخاري و مسلم: «أ ما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة و أنك أول أهلي لحوقا بي؟».
و روى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة خديجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران و ابنة مزاحم امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد».
و عن ابن عباس: إنهن أفضل نساء أهل الجنة.
و عن أنس: إنهن خير نساء العالمين.
و عن ابن عباس، قال: خطّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الأرض أربعة خطوط ثم قال: أ تدرون ما هذا؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون».
و روى في ترجمة فاطمة (عليها السلام) بالإسناد، عن عمران بن حصين: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عاد فاطمة (عليها السلام)- و هي مريضة- فقال لها: «كيف تجدينك يا بنية؟ قالت: إني لوجعة و إني ليزيدني أني ما لي طعام آكله. قال: يا بنية! أ لا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ فقالت: يا أبة! فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها و أنت سيدة نساء عالمك. أما و اللّه لقد زوّجتك سيدا في الدنيا و الآخرة».
337
أصبح وجه الزمان قد ضحكا * * * بردّ مأمون هاشما فدكا
و لنبيّن خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه:
أما أن فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فمما لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبارنا للمخالفين ما فيه كفاية، و نزيده وضوحا بما رواه في جامع الأصول مما أخرجه من صحيح أبي داود عن عمر، قال: إن أموال بني النظير مما أفاء اللّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب. فكانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة قرى عرينة و فدك و كذا و كذا ...؛ ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في السلاح و الكراع عدة في سبيل اللّه، و تلا: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ ...». (1)
و روى أيضا عن مالك بن أوس قال: كان فيما احتجّ عمر أن قال: كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث صفايا: بنو النضير و خيبر و فدك ....
و روى ابن أبي الحديد في شرح كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري، قال: حدثني أبو إسحاق، عن الزهري، قال:
بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل ذلك. فسمع أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك؛ فكانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
قال: و قال أبو بكر: و روى محمد بن إسحاق أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فرغ من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصالحونه على النصف من فدك. فقدّمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم؛ فكانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
قال: و قد روي أنه صالحهم عليها كلها، و اللّه أعلم أيّ الأمرين كان.
و سيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع علي (عليه السلام) و العباس.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
338
و أما أنه وهبها لفاطمة (عليها السلام)، فلأنه لا خلاف في أنها (عليها السلام) ادعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالأدلة المتقدمة، و شهد له من ثبتت عصمته بالأدلة الماضية و الآتية، و المعصوم لا يدّعي إلا الحق و لا يشهد إلا بالحق و يدور الحق معه حيثما دار.
و أما أنها كانت في يدها (عليها السلام)، فلأنها ادعتها بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على وجه الاستحقاق، و شهد المعصوم بذلك لها. فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب- كما هو المشهور- ثبت القبض، و إلا فلا حاجة إليه في إثبات المدّعى، و قد مرّ من الأخبار الدالة على نحلتها و أنها كانت في يدها (عليها السلام) ما يزيد على كفاية المنصف، بل يسدّ طريق إنكار المتعسّف.
و يدل على أنها كانت في يدها (عليها السلام) ما ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف، حيث قال: بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين، و نعم الحكم اللّه.
و أما أن أبا بكر و عمر أغضبا فاطمة (عليها السلام)، فقد اتضح بالأخبار المتقدمة.
ثم اعلم إنا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و لا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلا ما تفطّن به بعض الأفاضل من الأشارف، مع أنه يظهر من كثير من أخبار المؤالف و المخالف ذلك.
و قد تقدّم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري و غيرها من الأخبار، و لا يخفى أن ذلك يتضمّن إنكار الآية و إجماع المسلمين؛ إذ القائل بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصرف شيئا من غلة فدك و غيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين يقل بأنها لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل قال بأنه فعل ذلك على وجه التفضل و ابتغاء مرضاة اللّه تعالى. و ظاهر الحال أن ذلك دفعا لصحة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادعائه أنها كانت من أموال المسلمين؟!
و اعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة ...:
339
الأول: منع عصمتها (عليها السلام)، و قد تقدمت الدلائل المثبتة لها.
الثاني: أنه لو سلّم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرد دعواها و إن تيقّن صدقها.
و أجاب أصحابنا بالأدلة الدالة على أن الحاكم يحكم بعلمه، و أيضا اتفقت الخاصة و العامة على رواية قصة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين، لما شهد للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.
و قد روى أصحابنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطّأ شريحا في طلب البينة منه و قال: إن إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو أعظم من ذلك. و أخذ ما ادعاه من درع طلحة بغير حكم شريح، و المخالفون حرّفوا هذا الخبر و جعلوه حجة لهم.
و اعتذروا بوجوه أخرى سخيفة، لا يخفى على عاقل- بعد ما أوردنا في تلك الفصول- ضعفها و وهنها؛ فلا نطيل الكلام بذكرها.
المصادر:
بحار الأنوار: ج 29 ص 342.
104
المتن:
روى العلامة في كشكوله- المنسوب إليه- عن المفضل بن عمر، قال:
قال مولاي جعفر الصادق (عليه السلام): لما ولّى أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي و أهل بيته (عليهم السلام) الخمس و الفيء و فدكا، فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليا (عليه السلام) و أقبلوا إليك، رغبة في الدنيا و إيثارا و محاباة عليها.
ففعل أبو بكر ذلك و صرف عنهم جميع ذلك.
340
فلما قام- أبو بكر بن أبي قحافة- مناديه: من كان له عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، و أنجز لجابر بن عبد اللّه و لجرير بن عبد اللّه الجبلي. قال: قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): صيري إلى أبي بكر و ذكّريه فدكا.
فصارت فاطمة (عليها السلام) إليه و ذكرت له فدكا مع الخمس و الفيء. فقال: هاتي بينة يا بنت رسول اللّه. فقالت: أما فدك، فإن اللّه عز و جل أنزل على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) قرآنا يأمر فيه بأن يؤتيني و ولدي حقي. قال اللّه تعالى: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (1) فكنت أنا و ولدي أقرب الخلائق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنحلني و ولدي فدكا. فلما تلا عليه جبرئيل: «وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» (2)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما حق المسكين و ابن السبيل؟ فأنزل اللّه تعالى:
«وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ». (3)
فقسّم الخمس على خمسة أقسام، فقال: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ» (4)؛ فما للّه فهو لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و ما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهو لذي القربى، و نحن ذو القربى؛ قال اللّه تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى». (5)
فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب و قال: ما تقول؟ فقال عمر: و من اليتامى و المساكين و أبناء السبيل؟ فقالت فاطمة (عليها السلام): اليتامى الذين يأتمّون باللّه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بذي القربى، و المساكين الذين أسكنوا معهم في الدنيا و الآخرة و ابن السبيل الذي يسلك مسلكهم. قال عمر: فإذا الخمس و الفيء كله لكم و لمواليكم و أشياعكم؟! فقالت فاطمة (عليها السلام): أما فدك فأوجبها اللّه لي و لولدي دون موالينا و شيعتنا، و أما الخمس فقسّمه اللّه لنا و لموالينا و أشياعنا كما يقرأ في كتاب اللّه.
____________
(1). سورة الروم: الآية 38.
(2). سورة الروم: الآية 38.
(3). سورة الأنفال: الآية 41.
(4). سورة الحشر: الآية 7.
(5). سورة الشورى: الآية 23.
341
قال عمر: فما لسائر المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان؟ قالت فاطمة (عليها السلام): إن كانوا موالينا و من أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها اللّه و أوجبها في كتابه؛ فقال اللّه عز و جل: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ» (1).
....
قال عمر: فدك لك خاصة و الفيء لكم و لأوليائكم؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا! قالت فاطمة (عليها السلام): فإن اللّه عز و جل رضي بذلك و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) رضي به، و قسّم على الموالاة و المتابعة لا على المعاداة و المخالفة، و من عادانا فقد عادى اللّه و من خالفنا فقد خالف اللّه و من خالف اللّه فقد استوجب من اللّه العذاب الأليم و العقاب الشديد في الدنيا و الآخرة.
فقال عمر: هاتي بينة يا بنت محمد على ما تدّعين؟! فقالت فاطمة (عليها السلام): قد صدّقتم جابر بن عبد اللّه و جرير بن عبد اللّه و لم تسألوهما البينة، و بينتي في كتاب اللّه! فقال عمر:
إن جابرا و جريرا ذكرا أمرا هيّنا، و أنت تدّعين أمرا عظيما يقع به الردة من المهاجرين و الأنصار! فقالت: إن المهاجرين برسول اللّه و أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام) هاجروا إلى دينه، و الأنصار بالإيمان باللّه و رسوله و بذي القربى (عليهم السلام) أحسنوا؛ فلا هجرة إلا إلينا و لا نصرة إلا لنا و لا اتباع بإحسان إلا بنا، و من ارتدّ عنا فإلى الجاهلية.
فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك و احضرينا من يشهد لك بما تقولين. فبعثت إلى علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس- و كانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة- فأقبلوا إلى أبي بكر و شهدوا لها بجميع ما قالت وادعته.
فقال: أما علي (عليه السلام) فزوجها، و أما الحسن و الحسين (عليهما السلام) ابناها، و أما أم أيمن فمولاتها، و أما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم- و قد كانت تخدم فاطمة (عليها السلام)- و كل هؤلاء يجرّون إلى أنفسهم.
____________
(1). سورة التوبة: الآية 60.
342
فقال علي (عليه السلام): أما فاطمة (عليها السلام) فبضعة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من آذاها فقد آذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من كذّبها فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أما الحسن و الحسين (عليهما السلام) فابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيدا شباب أهل الجنة، من كذّبهما فقد كذّب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ كان أهل الجنة صادقين، و أما أنا فقد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أنت مني و أنا منك، و أنت أخي في الدنيا و الآخرة، و الرادّ عليك هو الراد عليّ؛ من أطاعك فقد أطاعني و من عصاك فقد عصاني»، و أما أم أيمن فقد شهد لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة، و دعا لأسماء بنت عميس و ذريتها.
قال عمر: أنتم كما وصفتم أنفسكم، و لكن شهادة الجارّ إلى نفسه لا تقبل. فقال علي (عليه السلام): إذا كنا كما نحن كما تعرفون و لا تنكرون و شهادتنا لأنفسنا لا تقبل و شهادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تقبل، فإنا للّه و إنا إليه راجعون. إذا ادعينا لأنفسنا تسألنا البينة، فما من معين يعين؟! و قد وثبتم على سلطان اللّه و سلطان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة و لا حجة؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (1)
ثم قال لفاطمة (عليها السلام): انصرفي حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.
قال المفضل: قال مولاي جعفر (عليه السلام): كل ظلامة حدثت في الإسلام أو تحدث و كل دم مسفوك حرام و منكر مشهور و أمر غير محمود، فوزره في أعناقهما و أعناق من شايعهما أو تابعهما و رضي بولايتهما إلى يوم القيامة.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 194 ح 40، عن الشكول.
2. الشكول فيما جرى على آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) المنسوب إلى العلامة: ص 203، على ما في البحار.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 633 ح 27، عن الشكول.
4. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد الى اللحد: ص 346.
5. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 81، عن الشكول.
6. أحوال المعصومين (عليهم السلام) للأردكاني: منزلة العشرين.
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 227.
343
7. سرور المؤمنين عن الشكول، على ما في أحوال المعصومين (عليهم السلام).
8. درر البحار: ج 3 ص 122، عن الكشكول.
105
المتن:
عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
لما بويع أبو بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) منها.
فجاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر! لم تمنعني ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أخرجت وكيلي من فدك؟ و قد جعلها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه تعالى.
فقال: هاتي على ذلك بشهود.
فجاءت بأم أيمن، فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج عليك بما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
أنشدك باللّه أ لست تعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إن أم أيمن امرأة من أهل الجنة؟ فقال: بلى.
قالت: فأشهد أن اللّه عز و جل أوحى إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، فجعل فدك لفاطمة (عليها السلام) بأمر اللّه. و جاء علي (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك. فكتب لها كتابا و دفعه إليها.
فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة ادعت في فدك و شهدت لها أم أيمن و علي فكتبته. فأخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها السلام) فمزّقه، فخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي.
فلما كان بعد ذلك، جاء علي (عليه السلام) إلى أبي بكر- و هو في المسجد و حوله المهاجرون و الأنصار- فقال: يا أبا بكر! لم منعت فاطمة (عليها السلام) ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد ملكته في
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
344
حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فقال أبو بكر: إن هذا فيء للمسلمين؛ فان أقامت شهودا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعله لها و إلا فلا حق لها فيه.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر! تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال:
لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثم ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال:
إياك كنت أسأل البينة. قال: فما بال فاطمة (عليها السلام) سألتها البينة على ما في يدها و قد ملكته في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بعده، و لم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوها شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟!
فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي! دعنا من كلامك، فإنا لا نقوّي على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول و إلا فهو فيء للمسلمين، لا حق لك و لا لفاطمة فيه. فقال علي (عليه السلام): يا أبا بكر! تقرأ كتاب اللّه؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن قول اللّه عز و جل: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، فينا نزلت أو في غيرنا؟ قال: بل فيكم.
قال: فلو أن شهودا شهودا على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بفاحشة ما كنت صانعا بها؟
قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر نساء العالمين! قال: كنت إذا عند اللّه من الكافرين. قال: و لم؟ قال: لأنك رددت شهادة اللّه لها بالطهارة و قبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم اللّه و حكم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن جعل لها فدك و قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها و أخذت منها فدكا و زعمت أنه فيء للمسلمين، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البيّنة على المدعي و اليمين على المدّعى عليه».
فرددت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) البينة على من ادّعى و اليمين على من ادّعى عليه.
قال: فدمدم الناس و أنكر بعضهم و قالوا: صدق و اللّه علي (عليه السلام)، و رجع علي (عليه السلام) إلى منزله.
قال: و دخلت فاطمة (عليها السلام) المسجد و طافت على قبر أبيها و هي تقول:
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
345
قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغاب عنا فكل الخير محتجب
قد كنت بدرا و نورا يستضاء به * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب
تهجّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب
فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت * * * منا العيون بتهمال لها سكب
قال: فرجع أبو بكر و عمر إلى منزلهما.
و بعث أبو بكر إلى عمر ثم دعاه، فقال: أ ما رأيت مجلس علي منا في هذا اليوم؟ و اللّه لإن قعد مقعدا مثله ليفسدن أمرنا؛ فما الرأي؟! قال عمر: الرأي أن نأمر بقتله. قال: فمن يقتله؟ قال: خالد بن الوليد.
فبعثا إلى خالد فأتاهم، فقالا له: نريد أن نحملك على أمر عظيم. فقال: احملوني على ما شئتم و لو على قتل علي بن أبي طالب. قالا: فهو ذاك. قال خالد: متى أقتله؟ قال أبو بكر: احضر المسجد و قم بجنبه في الصلاة، فإذا سلّمت قم إليه و اضرب عنقه. قال:
نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس- و كانت تحت أبي بكر-، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل علي و فاطمة (عليهما السلام) و اقرئيهما السلام، و قولي لعلي: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ». (1)
فجاءت الجارية إليهم فقالت لعلي (عليه السلام): إن أسماء بنت عميس تقرأ عليك السلام و تقول: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ». (2) فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): قولي لها: إن اللّه يحول بينهم و بين ما يريدون. ثم قام و تهيأ للصلاة، و حضر المسجد و صلّى لنفسه خلف أبي بكر و خالد بن الوليد بجنبه و معه السيف.
____________
(1). سورة القصص: الآية 20.
(2). سورة القصص: الآية 20.
346
فلما جلس أبو بكر للتشهد، ندم على ما قال و خاف الفتنة و عرف شدة علي (عليه السلام) و بأسه. فلم يزل متفكّرا لا يجسر أن يسلّم، حتى ظنّ الناس أنه سها. ثم التفت إلى خالد و قال: يا خالد! لا تفعلنّ ما أمرتك، السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا خالد! ما الذي أمرك به؟ قال: أمرني بضرب عنقك. قال: أو كنت فاعلا؟! قال: أي و اللّه، لو لا أنه قال لي: لا تفعله قبل التسليم لقتلتك.
قال: فأخذه علي (عليه السلام) فجلد به الأرض. فاجتمع الناس عليه، فقال عمر: يقتله و رب الكعبة. فقال الناس: يا أبا الحسن! اللّه اللّه، بحق صاحب القبر، فخلّى عنه.
ثم التفت إلى عمر، فأخذ بتلابيبه فقال: يا ابن صهاك! و اللّه لو لا عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كتاب من اللّه سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا، و دخل منزله.
المصادر:
1. بحار الأنوار: ج 29 ص 127 ح 27، عن الاحتجاج.
2. الاحتجاج: ج 1 ص 119.
3. تفسير القمي: ج 2 ص 155، بزيادة فيها. (1)
4. بحار الأنوار: ج 29 ص 134، عن تفسير القمي.
5. تفسير البرهان: ج 3 ص 263 ح 1، عن تفسير القمي.
6. تفسير نور الثقلين: ج 4 ص 186 ح 71، عن تفسير القمي.
____________
(1). و زاد في تفسير القمي: فأخذ عمر الكتاب من فاطمة (عليها السلام) فمزّقه و قال: هذا فيء المسلمين، و قال: أوس بن الحدثان و عائشة و حفصة يشهدون على رسول اللّه بأنه قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و أن عليا (عليه السلام) زوجها يجرّ إلى نفسه، و أم أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه.
فخرجت فاطمة (عليها السلام) من عندهما باكية حزينة. فلما كان بعد هذا جاء علي (عليه السلام).
و فيه أيضا بعد قولها: نغتصب:
فكل أهل له قربى و منزلة * * * عند الإله على الأدنين يقترب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * * * لما مضيت و حالت دونك الكتب
فقد رزينا بما لم يرزه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب
و قد رزينا به محضا خليقته * * * صافي الضرائب و الأعراق و النسب
فأنت خير عباد اللّه كلهم * * * و أصدق الناس حين الصدق و الكذب
و فيه بعد البيت الأخير:
سيعلم المتولى ظلم حامتنا * * * يوم القيامة أنّا كيف ننقلب
347
7. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 343.
8. بيت الأحزان: ص 108، عن الاحتجاج و تفسير القمي، بتفاوت فيه.
9. نور الأنوار: ص 221، عن الاحتجاج.
10. بهجة المباهج لأبي سعيد (مخطوط): في ذكر فدك.
الأسانيد:
في تفسير القمي: أبي، عن ابن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
106
المتن:
قال أبو الصلاح الحلبي في القبائح التي وقعت في خلافة أبي بكر:
و منها: قصة فدك و منعه فاطمة (عليها السلام) منها، و خطأه في ذلك من وجوه:
منها: قبضه يد النائب عنها عن التصرف فيها بغير حجة، مع استقرار الشرع و مطابقته لأدلة العقل بحظر قبض اليد المتصرفة في شيء عنه بغير بينة تمنع منه.
و منها: كونه حكما فيما هو خصم فيه، و ذلك ظاهر الفساد في الشرع.
و منها: مطالبته بالبينة مع استغنائها (عليها السلام) عنها باليد و وجوب ذلك عليه دونها، و ردّ دعواها و مطالبتها بالبينة، مع إجماع الأمة على صدقها في هذه الدعوى؛ فإن يجهل هذا الإجماع فليس من الأمة و إن يعلمه فقد ردّ دعوى يعلم صحتها و طالب بإمارة الظن مع ثبوت دلالة العلم و أخذ منها ما يعلم استحقاقها و إباحته لمن يعلم كونه غير مستحق له، و هذا عظيم جدا.
و منها: قيام الدلالة على عصمتها من وجوه:
348
منها: قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1)، و فاطمة (عليها السلام) من جملة المذكورين بإجماع، و لا وجه للإرادة هاهنا إلا الإخبار عن ذهاب الرجس عن المذكورين و ثبوت التطهير، لأن الإرادة المتعلقة بطاعات العباد لا تخصّ مكلّفا من مكلّف، و الإرادة في الآية خرجت مخرج التخصيص للمذكور فيها و الإبانة له من غيره، و لأن حرف إنما يثبت الحكم لما اتصل به و ينفيه عما انفصل عنه، و ذلك يمنع من حمل إرادة الآية على العموم.
و قوله (عليه السلام): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، يؤلمني ما يؤلمها و يؤذيني ما يؤذيها»، و ذلك لا يمكن إلا مع كونها معصومة، لأن تجويز القبح عليها يصحّح وقوعه، و وقوعه موجب لأذاها باللعن و الذم و الحد و التعزير و ذلك مناف للخبر، و لأنه لو شهد عليها شهود بما يوجب الحد لوجب جلدهم حدّ المفتري دونها بإجماع، و ذلك لا يصح إلا مع القول بعصمتها.
و إذا ثبتت عصمتها اقتضى ذلك قبول قولها لاقتضائه العلم بصحته، و أغنى عن البينة التي لا توجب علما.
و لا يجيء من ذلك القول بأن الرجل جهل عصمتها، لأنه لا تكليف له في ذلك، لأن صحة دعواها (عليها السلام) إذا كانت مستندة إلى ثبوت عصمتها فلا بد من أن تحتجّ عليه بدليلها الذي لا حجة لها غيره. و إذا فعلت ذلك تعيّن عليه فرض النظر الذي متى يفعله يعلم عصمتها، و إن لا يفعل يخلّ بالواجب عليه، و الإخلال بالواجب قبيح و مطالبة المعلوم الصدق بينة استظهار على العلم بالظن، و ذلك جهل قبيح و ظلم صريح.
و منها: أنه لا يخلو أن تكون فدك مما يجب في الشرع تسليمه لفاطمة (عليها السلام) أو مما يجب منعها منه، و لا ثالث هاهنا.
و القسم الأول يقتضي كون المانع ظالما، لإخلاله بالواجب من تسليم الحق إلى مستحقه، فاسقا لجهله بما يجب على الحاكم علمه. و الثاني يقتضي كونها (عليها السلام)- و حاشاها- مطالبة بما لا تستحقّه و كاذبة في دعواها و تظلّمها من الحق الواجب عليها،
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
349
و مشاركة أمير المؤمنين (عليه السلام) لها في ذلك للرضى به و إقرارها عليه و مشاركتها في الدعوى و التظلم، و الإجماع بخلاف ذلك. فصحّ القسم الأول.
و بهذا يسقط اعتذارهم للرجل بأنه حكم على الظاهر في الملة من اتفاق الحكم على البينة و أنه عادل في حكمه، و إن كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة، لاتفاق العقلاء على أنه لا حكم للظن مع إمكان العلم ظنا عن ثبوته، و قد أجمع المسلمون على صحة الحكم بالعلم، و أجاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة خزيمة بن ثابت فيما يعلم صحته، لاستناده إلى صدق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ثبوت نبوته و سمّاه «ذا الشهادتين».
فلا عذر إذا لمن منع مستحقا يعلمه كذلك، و لا يصح وصفه عادلا مع قبضه يدا عما يعلم كونه ملكا لها و إباحته لمن يعلم أنه لا يستحقه، لحصول العلم الضروري- الذي لا تصح مخالفته و لا انتظار دليل عقلي و لا شرعي بخلافه- بكون من كان كذلك ظالما.
و منها: ردّه شهادة أمير المؤمنين و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن بصحة النحلة، مع إجماع الأمة على عدالتهم و علمهم بموقع الشهادة. و ذلك يقتضي عدوله عن موجب الحكم إلى إرادة الظلم و فعله.
و اعتذاره للردّ بأن عليا (عليه السلام) زوج و الحسنين (عليهم السلام) ابنان و أم أيمن مولاة، و هم يجرّون إلى أنفسهم بشهادتهم ليس بعذر، لأنه يقتضي القدح في عدالتهم المعلوم ثبوتها بإجماع.
و يدل على شك القادح في عدالتهم في نبوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو جهله، لحصول العلم من دينه بصواب هؤلاء الشهود و كونهم من أعلا المباحين درجة، إذ التصديق بثبوت هذه الصفة لهم و القدح في عدالتهم لا يجتمع، و لأن هذا لو كان سببا مانعا من قبول شهادة العدل لكانت فاطمة و علي و الحسنان (عليهم السلام) أعلم به من أبي بكر؛ فكانت لا تعرضهم للشهادة و لا يتعرّضون لها لعلمهم بأنها لا تقبل، لأن ذلك فسق و سوء تدبير و سفه مأمون منهم بإجماع و غير مأمون من الرجل و كان به أحق.
350
و بهذا تسقط شبهة من قدح في شهادة الحسنين (عليهما السلام) بالصبا، لأن ذلك لو كان مانعا من قبول شهادتهما لكان علي (عليه السلام) به أعلم من أبي بكر، و كان لا يعرضهما للشهادة، و كان ردّ شهادتهما لذلك أولى من ردّها بالنبوّة. و لما لم يقل ذلك أبو بكر دلّ على أنهما معتدان بشهادتهما.
و منها: قبوله دعوى جابر في الحثيات و عائشة و حفصة من ثياب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إقرارهما في ثبوته بغير بينة، مع تميّز المردود دعواه و شهادته في الفضل و تبريزه عليهم في العدالة و الزهد و اختصاصهم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بمنزلة لم يشاركهم فيها أحد، و ذلك يوضح عن قصده أهل هذا البيت بالظلم و إرادة الوضع منهم و التصغير من قدرهم ... بأدنى تأمل.
و منها:- حين طالبت بفدك من جهة الإرث إذ دفعها عنها بالنحلة- كذبه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، ليتمّ له منع فاطمة (عليها السلام) لفدك من جهة الإرث كالنحلة؛ و الدلالة على كذبه من وجوه:
منها: تصريح القرآن بخلافه في قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى:
«يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و إطلاق الإرث مختص بانتقال الأعيان إلى الوارث فيما يصح نقله، و رفع الحظر، و صحة تصرفه فيما لا يصح نقله من الحرث و الرباع. فيجب عليه دون ما يدعى من علم و غيره، و لأن العلم و النبوة لا يورثان، لوقوف النبوة على ما يعلم اللّه سبحانه من صلاح الخلق، و يفعله من تصديق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لبيان ذلك و العلم على اكتساب العالم له، و لأن الظاهر من سليمان يتناول جميع الأشياء، من قوله: «وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (3) عقيب قوله: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (4) فلا وجه لتخصيصه بشيء من شيء، و اشتراط ذكره له كون الوارث مرضيا يمنع من تخصيص الميراث في الآية بالنبوة، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يكون إلا مرضيا، و خوفه من بني العم أيضا يمنع من النبوة و العلم، لأن النبوة موقوفة على المصالح و الغرض في العلم بذله، فلا وجه لخوفه إلا تعلقه بالمال.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآية 6.
(3). سورة النمل الآية 16.
(4). سورة النمل: الآية 16.
351
و منها: قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (1)، و هذا عام، و قوله تعالى:
«وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ» (2)، و هذا عام أيضا، و قوله تعالى:
«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3)، و هذا عام في جميع الأولاد، و قوله تعالى: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (4)، و هذا عام أيضا في جميع ذوي الأرحام.
و لأن المعلوم من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) ثبوت حكم التوريث بين ذوي الأنساب و الأسباب؛ و إذا كان حكم التوريث معلوما من دينه ضرورة و قد نطق به القرآن، وجب القطع على كذب المدعى لخلافه، لا سيما و لا نعلم مشاركا له في روايته.
و دعوى إمساك الصحابة عنه لا يغني شيئا، لاحتماله للرضى و غيره على ما بيّناه، و لحصول الإمساك منهم أيضا عن فاطمة (عليها السلام) و ترك النكير عليها في دعوى النحلة و الميراث.
و لا يجوز أن يقول جاهلهم في هذا: قد أنكر عليها أبو بكر، لأنه يقال له: و قد أنكرت هي أيضا على أبي بكر، و هل من فضل؟!
و منها: أن هذا الخبر- لو كان صدقا- لم يختص سماعه بأبي بكر، بل الوجوب في حكمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إعلام أهل بيته (عليهم السلام) به، لاختصاص فرض تبليغه إليهم بهم، لكونه من فروضهم دون أبي بكر.
و لو أعلمهم لم يطالبوا إلا عن علم منهم بتحريم المطالبة، و ذلك مأمون منهم بغير خلاف، و لأنه (صلّى اللّه عليه و آله) نصّ على أن عليا (عليه السلام) أعلم القوم و أقضاهم و باب مدينة علمه و من لا يفارق الحق و لا يفارقه، و ذلك يمنع من جهله بحكم شرعي يعلمه أبو بكر،
____________
(1). سورة النساء: الآية 7.
(2). سورة النساء: الآية 33.
(3). سورة النساء: الآية 11.
(4). سورة الأنفال: الآية 75.
352
و أن لا يبلغه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم و لا إلى من تقوم الحجة بنقله إخلال منه (صلّى اللّه عليه و آله) بواجب الأداء، و ذلك مأمون منه باتفاق. فلم يبق إلا كذب المخبر به.
و بعد، فلو سلّم الحديث، لم يمنع من مقصودنا من وجهين:
أحدهما: أن إعرابه غير مضبوط، فيصحّ أن تكون الرواية بنصب صدقة؛ فتكون فائدته أن المتروك للصدقة لا يورث، بخلاف كل موص بصدقة لا يمضي منها ما زاد على الثلث.
الثاني: أنه لو ثبت ما أرادوا من نفي التوريث، لكان مختصّا بما يصحّ ذلك فيه من أملاكه، و فدك خارجة عن هذا، لكونها من جملة الأنفال التي لا تملك على حال، و لا يصح تصرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا من يقوم مقامه من الحجة من الأئمة المستحقين للأنفال في شيء من منافعها بعد الوفاة، لاختصاص ذلك بالقيام في حفظ الملة مقام الماضي.
و ليس لأحد أن يقول: فأبو بكر بهذه الصفة، لأنا نعلم ضرورة أنه لم يدّعها لنفسه، و ذلك يقتضي جهله بهذا الحكم أو علمه بأنه ليس من أهله، و أيّ الأمرين كان قدح في عدالته.
إن قيل: فعلى أيّ وجه صحّ من فاطمة (عليها السلام) أن تدّعي استحقاقها بالنحلة تارة و بالميراث أخرى؟ قيل: للوجه الذي له حلّ لها التصرف فيها في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو إذنه لها بذلك، و بعد وفاته إذن أمير المؤمنين (عليه السلام) المستحق لها بنيابته في الحجة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم تتمكن (عليها السلام) أن تطلبها من هذا الوجه المقتضي لتضليل و لي الأمر دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما لم يتمكن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التصريح بذلك. فعدلت إلى دعوى النحلة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هي صادقة، لكونها منحولة منه.
و لما دفعت عنها بفعل من قد اعتقد كونها ملكا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، يصحّ ميراثه؛ قالت: فاذا تعطنيها بالنحلة و كانت عندك ملكا لأبي، فأنا أولى الخلق بميراثه. فعدل إلى الخبر الذي لا حجة فيه على وجه، و هي في ذلك واضحة و للاحتجاج عليه موضعه، و إن كان الوجه في استحقاقها ما بيّناه.
353
على أن الرجل قد ناقض ما ادعاه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حكم به على فاطمة (عليها السلام) بإقراره الأزواج في بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و القميص في يد عائشة الذي أخرجته للتأليب على عثمان، و السلاح و الفرس و النعلين و القضيب و البردة و العمامة و الحمار و الناقة العضباء و الراية في يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
و ذلك لا يعدو أحد أمرين: إما كونه كاذبا في الخبر، أو مانعا لأهل الصدقة ما يستحقونه من هذه الأشياء المقرة في يد من لا يستحق الصدقة، و إن استحقها فهو كبعض الفقراء.
و مما يدل على كونه ظالما يمنع فدك استمرار تظلّم فاطمة (عليها السلام) منه و قولها: فدونكها مزمومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحاكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و عندها هناك يخسر المبطون. أ في آية- يا ابن أبي قحافة- أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا!
إلى غير ذلك من كلامها و هجرانها إلى أن ماتت و إيلافها على ترك كلامه و إيصائها بدفنها ليلا لئلا يصلي عليها.
و تظلّم أمير المؤمنين (عليه السلام) في أحوال التمكن من منعهم فدك، و قوله المشهور: كانت لنا فدك من جميع ما أظلّه الفلك؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت نفوس آخرين، و نعم الحاكم اللّه.
المصادر:
تقريب المعارف: ص 336.
107
المتن:
قال السيد محمد كاظم القزويني في سرّ مطالبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بفدك:
354
من الممكن أن يقال: إن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الزاهدة عن الدنيا و زخارفها و التي كانت بمعزل عن الدنيا و مغريات الحياة، ما الذي دعاها إلى هذه النهضة و إلى هذا السعي المتواصل و الجهود المستمرة في طلب حقوقها؟
و ما سبب هذا الإصرار و المتابعة بطلب فدك و الاهتمام بتلك الأراضي و النخيل، مع ما كانت تتمتع به السيدة فاطمة (عليها السلام) من علو النفس و سمو المقام؟
و ما الداعلي إلى طلب الدنيا التي كانت أزهد عندهم من عفطة عنز و أحقر من عظم خنزير في فم مجذوم و أهون من جناح بعوضة؟
و ما الدافع بسيدة نساء العالمين (عليها السلام) أن تتكلّف هذا التكلف و تتجشّم هذه الصعوبات المجهدة للمطالبة بأراضيها، و هي تعلم أن مساعيها تبوء بالفشل و أنها لا تستطيع التغلب على الموقف و لا تتمكن من انتزاع تلك الأراضي من المغتصبين؟!
هذه تصورات يمكن أن تتبادر إلى الأذهان حول الموضوع.
أولا: إن السلطة حينما صادرت أموال السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و جعلتها في ميزانية الدولة- بالاصطلاح الحديث- كان هدفهم تضعيف جانب أهل البيت (عليهم السلام)؛ أرادوا أن يحاربوا عليا (عليه السلام) محاربة اقتصادية؛ أرادوا أن يكون علي (عليه السلام) فقيرا حتى لا يلتفّ الناس حوله و لا يكون له شأن على الصعيد الاقتصادي. و هذه سياسة أراد المنافقون تنفيذها في حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين قالوا: لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضّوا من حوله.
ثانيا: لم تكن أراضي فدك قليلة الإنتاج، ضئيلة الغلات، بل كان لها وارد كثير يعبأ به، بل ذكر ابن أبي الحديد أن نخيلها كانت مثل نخيل الكوفة في زمان ابن أبي الحديد.
و ذكر الشيخ المجلسي عن كشف المحجة أن وارد فدك كان أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة، و في رواية أخرى سبعين ألف دينار، و لعل هذا الاختلاف في واردها بسبب اختلاف السنين.
355
و على كل تقدير فهذه ثروة طائلة واسعة، لا يصح التغاضي عنها.
ثالثا: أنها كانت تطالب من وراء المطالبة بفدك، الخلافة و السلطة لزوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ تلك السلطة العامة و الولاية الكبرى التي كانت لأبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فقد ذكر ابن أبي الحديد في شرحه، قال: سألت علي بن الفارقي- مدرّس المدرسة الغربية ببغداد- فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء، لأنه يكون قد أسجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و شهود.
رابعا: الحق يطلب و لا يعطى، فلا بد للإنسان المغصوب منه ماله أن يطالب بحقه، لأنه حقه، حتى و إن كان مستغنيا عن ذلك المال و زاهدا فيه، و ذلك لا ينافي الزهد و ترك الدنيا و لا ينبغي السكوت عن الحق.
خامسا: إن الإنسان و إن كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، فإنه مع ذلك يحتاج إلى المال ليصلح به شأنه و يحفظ به ماء وجهه و يصل به رحمه و يصرفه في سبيل اللّه، كما تقتضيه الحكمة.
أ ما ترى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو أزهد الزهاد- كيف انتفع بأموال خديجة في سبيل تقوية الإسلام؟ كما مرّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) حول أموال خديجة في ص 39.
سادسا: قد تقتضي الحكمة أن يطالب الإنسان بحقه المغصوب، فإن الأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يفوز الإنسان و يظفر بما يريد، و هو المطلوب و به يتحقق هدفه من المطالبة، و إما أن لا يفوز في مطالبته فلن يظفر بالمال، فهو إذا ذاك قد أبدى ظلامته و أعلن للناس أنه مظلوم و أن أمواله غصبت منه.
356
هذا، و خاصة إذا كان الغاصب ممن يدعي الصلاح و الفلاح و يتظاهر بالديانة و التقوى، فإن المظلوم يعرّفه للأجيال أنه غير صادق فيما يدّعي.
سابعا: إن حملة المبادئ يتشبّثون بشتّى الوسائل الصحيحة لجلب القلوب إليهم؛ فهناك من يجلب القلوب بالمال أو بالأخلاق أو بالوعود و أشباه ذلك.
و لكن أفضل الوسائل لجلب القلوب- قلوب كافة الطبقات- هو التظلم و إظهار المظلومية، فإن القلوب تعطف على المظلوم، كائنا من كان، و تشمئز من الظالم، كائنا من كان.
و هذه خطّة ناجحة و ناجعة لتحقيق أهداف حملة المبادئ الذين يريدون إيجاد الوعي في النفوس عن طريق جلب القلوب إليهم، و هناك أسباب و دواع أخرى لا مجال لذكرها.
لهذه الأسباب قامت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و توجّهت نحو مسجد أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأجل المطالبة بحقها.
إنها لم تذهب إلى دار أبي بكر ليقع الحوار بينها و بينه فقط، بل اختارت المكان الأنسب و هو المركز الإسلامي يومذاك و مجمع المسلمين حينذاك، و هو مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ....
المصادر:
فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 353.
108
المتن:
قصيدة من ياسين بن أحمد الصواف، نظّمها قبل تأليف كتابه عقد الدرر، و نحن نورد بعض منها: ...
357
تبسّم الزهر عن ثغر من الدرر * * * لما فتكن بنات الدهر في عمر
لما ادعت فاطم الزهراء نحلتها * * * من النبي بما قد جاء في الخبر
في مجلس من أبي بكر تحاكمه * * * قد ضمّ مجلسه جمعا من البشر
إن العوالي و ما والاه في فدك * * * عطية من أبي بالي و مدّخر
فقال هاتي شهودا يشهدون على * * * دعواك حقا فهذا الأمر في وغر
فأقبلت بشهود يشهدون على * * * تصحيح عرفان ما في الأمر من نكر
لما تبيّن ما في الأمر من فدك * * * بأنها من عطايا سيد البشر
فردّها ثم أعطاها الكتاب على * * * تسليمها فدكا يا صاح فاعتبر
فجاءه عمر يسعى على عجل * * * في زمرة من أخسّ القوم في الزهر
معقّبا لأبي بكر اللعين بما * * * أعطى لفاطم من حكم و مستطر
مبطلا ضمن ما ضمّ الكتاب و ما * * * في حكمه سفها هذا من العبر
و ظلّ يزقّ فيه عامدا سفها * * * مبقّر البطن ما في الحكم من سطر
ودع فاطمة الزهراء و دافعها * * * عن إرث والدها المختار من مضر
مخالفا لكتاب اللّه مجتريا * * * على البدائع لم يجوب بمؤتمر
محرّفا لكتاب اللّه مفتريا * * * على الرسول بقول الزور و الهدر
مهدما ما بنى المختار من حكم * * * فأصبحت ملة الإسلام في دثر
مكذّبا كل ما أوحى الإله إلى * * * رسوله و بما في الكر من سطر
محرّما ما أحلّ اللّه من عمل * * * مخالفا كل ما قد جاء في الزبر
محرقا بيت وحي اللّه في سفه * * * و عاود الكفر لا يخشى من الوزر
و شمّر الدين و ارتد اللعين على ال * * * دين المبين كقول الكاذب الأشر
و عاند المرتضى الكرار حيدرة * * * مسفها رأيه للّه في كفر
زار على عترة الهادي النبي و هم * * * مطهّرون من الأدناس و القذر
ويل له كيف ردّ الطهر فاطمة * * * عن حقها لم يخف منشئ الصور
بأي وجه يلاقي المصطفى و لقد * * * آذى البتول بقول الفحش و الضرر
هذا و لم يكفه الطاغي فأضغطها * * * بالباب قسرا على ما جاء في الخبر
359
و ابن أبي قحافة! فالتفت عمر إلى من حوله و قال: اضربوا فاطمة. فانهالت السياط على حبيبة رسول اللّه و بضعته (عليها السلام) حتى أدموا جسمها.
و بقيت آثار هذه العصرة القاسية و الصدمة المريرة تنخر في جسم فاطمة (عليها السلام).
فأصبحت مريضة عليلة حزينة حتى فارقت الحياة بعد أبيها بأيام؛ ففاطمة (عليها السلام) شهيدة بيت النبوة؛ فاطمة (عليها السلام) قتلت بسبب عمر بن الخطاب.
قال الملك للوزير: هل ما يذكره العلوي صحيح؟ قال الوزير: نعم، إني رأيت في التواريخ ما يذكره العلوي. قال العلوي: و هذا هو السبب لكراهة الشيعة أبا بكر و عمر.
و أضاف العلوي قائلا: و يدلّك على وقوع هذه الجريمة من أبي بكر و عمر أن المؤرخين ذكروا إن فاطمة (عليها السلام) ماتت و هي غاضبة على أبي بكر و عمر، و قد ذكر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في عدة أحاديث له: «إن اللّه يرضى لرضا فاطمة (عليها السلام) و يغضب لغضبها»، و أنت- أيها الملك- تعرف ما هو مصير من غضب اللّه عليه.
قال الملك موجّها الخطاب للوزير: هل صحيح هذا الحديث و هل صحيح أن فاطمة (عليها السلام) ماتت و هي واجدة- أي غاضبة- على أبي بكر و عمر؟! قال الوزير: نعم، ذكر ذلك أهل الحديث و التاريخ.
قال العلوي: و يدلّك- أيها الملك- على صدق مقالتي أن فاطمة (عليها السلام) أوصت إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن لا يشهد أبا بكر و عمر و سائر الذين ظلموها جنازتها فلا يصلّوا عليها و لا يحضروا تشييعها، و أن يخفي علي (عليه السلام) قبرها حتى لا يحضروا على قبرها، و نفّذ علي (عليه السلام) وصاياها.
قال الملك: هذا أمر غريب، فهل صدر هذا الشيء من فاطمة و علي (عليهما السلام)؟ قال الوزير:
هكذا ذكر المؤرخون.
قال العلوي: و قد آذى أبو بكر و عمر فاطمة (عليها السلام) أذيّة أخرى. قال العباسي: و ما هي تلك الأذيّة؟ قال العلوي: هي أنهما غصبا ملكها فدك. قال العباسي: و ما هو الدليل على أنهما غصبا فدك؟
358
و أمّر قنفذا بالسوط يضربها * * * وا حسرتاه لما لا قت من الضرر
فأسقطت بجنين آه وا عجبا * * * ما في الصحابة من ناه و منتهر
يا للحمية للطهر فاطمة * * * من البرية من خادم و منتصر
هناك ستّ النساء الطهر فاطمة * * * بنت النبي على القدر و الحظر
دعت عليه ببقر البطن منه و ما * * * قد صار فيه بأمر غير مستتر
أجاب دعوتها البارئ و بلّغها * * * حسب المراد على ما جاء في الخبر
في تاسع من ربيع الأول انكسرت * * * عصا الفجور مع العصيان في الأثر
المصادر:
عقد الدرر للصواف: ص 85.
109
المتن:
قال مقاتل بن عطية في مناظرة العلوي و العباسي عند ملك شاه السلجوقي وزيره:
قال الملك: إنك- أيها العلوي- قلت في أول الكلام: إن أبا بكر أساء إلى فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (عليها السلام)، فما هي إساءته إلى فاطمة (عليها السلام)؟
قال العلوي: إن أبا بكر بعد ما أخذ البيعة لنفسه من الناس بالإرهاب و السيف و التهديد و القوة، أرسل عمرا و قنفذا و خالد بن الوليد و أبا عبيدة الجراح و جماعة أخرى- من المنافقين- إلى دار علي و فاطمة (عليهما السلام)، و جمع عمر الحطب على باب بيت فاطمة (عليها السلام)؛ ذلك الباب الذي طالما وقف عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة» و ما كان يدخله إلا بعد الاستئذان؛ و أحرق الباب بالنار.
و لما جاءت فاطمة (عليها السلام) خلف الباب لتردّ عمر و حزبه، عصّر عمر فاطمة (عليها السلام) بين الحائط و الباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها و نبت مسمار الباب في صدرها، و صاحت فاطمة: أبتاه يا رسول اللّه! أنظر ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب
360
قال العلوي: التواريخ ذكرت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فدكا لفاطمة (عليها السلام)، فكانت فدك في يدها في أيام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فلما قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أرسل أبو بكر و عمر من أخرج عمّال فاطمة (عليها السلام) من فدك بالجبر و السيف و القوة، و احتجّت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر و عمر، لكنهما لم يسمعا كلامها، بل نهراها و منعاها، و لذلك لم تكلّمهما حتى ماتت غاضبة عليهما.
قال العباسي: لكن عمر بن عبد العزيز ردّ فدك على أولاد فاطمة (عليها السلام) في أيام خلافته.
قال العلوي: و ما الفائدة؟ فهل لو أن إنسانا غصب منك دارك و شرّدك، ثم جاء إنسان آخر بعد أن متّ أنت و ردّ دارك على أولادك؛ كان ذلك يسمح ذنب الغاصب الأول؟
قال الملك: يظهر من كلامكها- أيها العباسي و العلوي- أن الكل متفقون على غصب أبي بكر و عمر فدكا؟ قال العباسي: نعم، ذكر ذلك التاريخ. قال الملك: و لما ذا فعلا ذلك؟
قال العلوي: لأنهما أرادا غصب الخلافة و علما بأن فدك لو بقيت بيد فاطمة (عليها السلام) لبذلت و وزّعت واردها الكثير- مائة و عشرون ألف دينار ذهب على قول بعض التواريخ- في الناس و بذلك يلتفّ الناس حول علي (عليه السلام)، و هذا ما كان يكرهه أبو بكر و عمر.
المصادر:
مؤتمر علماء بغداد: ص 62.
110
المتن:
قال الشيخ المفيد في ذكر حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة:
إذا سلّم للخصوم ما ادعوه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة، كان محمولا على أن الذي تركه الأنبياء (عليهم السلام) صدقة فإنه لا يورث، و لم يكن محمولا على أن ما خلّفوه من أملاكهم فهو صدقة لغيرهم لا يورث.
361
و الحجة على ذلك أن التأويل الأول موافق لعموم القرآن و تأويل الناصبة مانع من العموم، و ما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه.
فإن قالوا: هذا لا يصح، و ذلك لأن كل شيء تركه الخلق بأجمعهم صدقة، و كان من صدقاتهم لم يورث و لم يصح ميراثه. فلا يكون حينئذ لتخصيص الأنبياء (عليهم السلام) بذكره فائدة معقولة.
قيل لهم: ليس الأمر كما ذكرتم، و ذلك إن الشيء قد يعمّ بتخصيص البعض للتحقيق به أنهم أولى الناس بالعمل بمعناه و ألزم الخلق له، و إن كان دينا لمن سواهم من المكلفين؛ قال اللّه عز و جل: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» (1)، و إن كان منذرا لجميع العقلاء؛ و قال: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ» (2)، و إن كان يعمّرها الكفار و من هو بخلاف هذه الصفة؛ و قال: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» (3)، و إن كان في الكفار من إذا ذكر اللّه و جل قلبه و خاف و في المؤمنين من يسمع ذكر اللّه و هو مسرور بنعم اللّه أو مشغول بضرب من المباح، فلا يلحقه في الحال وجل و لا يعتريه خوف.
و هذا محسوس معروف بالعادات، و هو كقول القائل: نحن معاشر المسلمين لا نقرّ على منكر، و إن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرّون على ما يرونه من المنكرات و في المسلمين من يقرّ على منكر يعتقد صوابه بالشبهات؛ و كقول فقيه من الفقهاء: نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين، و قد ترى ذلك جماعة ممن ليس من الفقهاء؛ و كقول القائل: نحن معاشر القرّاء لا نستجيز خيانة الظالمين، و قد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القراء من العدول و الفاسقين؛ و أمثال هذا في القول المعتاد كثير.
و إنما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه و التقدم فيه، و أنهم قدوة لمن سواهم و أئمتهم في العلم نحو ما ذكرناه.
____________
(1). سورة النازعات: الآية 45.
(2). سورة التوبة: الآية 18.
(3). سورة الأنفال: الآية 2.
362
و وجهه آخر و هو أنه يحتمل أن يكون قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- إن صحّ عنه- أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة لا يورث، أي لا يستحقّه أحد من أولادنا و أقربائنا، و إن صاروا إلى حالة الفقراء التي من صار إليها من غيرهم حلّت لهم صدقات أهليهم، لأن اللّه تعالى حرّم الصدقة على أولاد الأنبياء و أقاربهم تعظيما لهم و رفعا لأقدارهم عن الأدناس، و ليس ذلك في من سواهم من الناس لأن غير الأنبياء إذا تركوا صدقات و وقوفا و وصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم و أقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الأباعد.
فمنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذريته و أهل بيته (عليهم السلام) من نيل ما تركه من صدقاته و إن افتقروا و خرجوا من حال الغنى، و كان المعنى في قوله: «لا نورّث» أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال، و هذا معروف في انتقال الأشياء من الأموات إلى الأحياء و الوصف له بأنه ميراث و إن لم يوجد من جهة الإرث؛ قال اللّه عز و جل: «وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ». (1)
فصل: و تعلّق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر فقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه هو صدقة، و هذا أيضا لا يصح.
فالوجه فيه: إن الذي تركناه من حقوقنا و ديوننا فلم نطالب في حياتنا و نستنجزه قبل مماتنا، فهو صدقة على من هو في يده من بعد موتنا، و ليس يجوز لورثتنا أن يتعرّضوا لتمليكه؛ فإنا قد عفونا لمن هو في يده عنه بتركنا قبضه منه في حياتنا، و ليس معناه ما تأوّله الخصوم.
و الدليل على ذلك: إن الذي ذكرناه فيه موافق لعموم القرآن و ظاهره، و ما ادعاه المخالف دافع لعموم القرآن و مخالف لظاهره، و حمل السنة على وفاق العموم أولى من حمله على خلاف ذلك.
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 27.
363
المصادر:
رسالة حول حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث للمفيد: ص 1.
111
المتن:
كلام السيد بن طاوس في قصة فدك و ما جرى على فاطمة (عليها السلام) من منع فدك و الإرث:
و من طريف مناقضاتهم ما رووه في كتبهم الصحيحة عندهم برجالهم عن مشايخهم حتى أسندوه عن سيد الحفاظ يعنون ابن مردويه، قال: أخبرنا محيي السنة أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه الهمداني إجازة، قال: حدثنا القاضي أبو نصر شعيب بن علي، قال: حدثنا موسى بن سعيد، قال: حدثنا الوليد بن علي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، عن ابن عباس، عن فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: لما نزلت هذه الآية:
«وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا.
قال: فهل ترى عذرا في منع فاطمة (عليها السلام) من فدك؟ و هل تراهم إلا قد شهدوا بتصديقها ثم منعوها و كذّبوها؟ و هل ترى شكا فيما ترويه الشيعة من ظلمها و دفعها من حقها؟
و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك و إقرارهم بظهور حجة اللّه و حجة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و حجة فاطمة (عليها السلام) عليهم و مبالغتهم في اعترافهم ببطلان، إعذارهم في منع فاطمة (عليها السلام) من فدك.
و ما ذكره المسمّى صدر الأئمة عندهم فخر خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتابه، قال ما هذا لفظه: و مما سمعت في المقادير بإسنادي عن أبن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي، إن اللّه تعالى زوّجك فاطمة (عليها السلام) و جعل صداقها الأرض؛ فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما».
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
365
و من طريف ما رأيت من اعتذارهم لأبي بكر في ظلم فاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) أن محمود الخوارزمي ذكر في كتاب الفائق في الأصول لما استدلّوا عليه بأن فاطمة (عليها السلام) صادقة و أنها من أهل الجنة، فكيف يجوز الشك في دعواها لفدك، و كيف يجوز أن يقال عنها أرادت ظلم جميع المسلمين و أصرّت على ذلك إلى الوفاة؟ فقال الخوارزمي ما هذا لفظه: إن كون فاطمة (عليها السلام) صادقة في دعواها و أنها من أهل الجنة، لا توجب العمل بما تدعيه إلا ببينة.
قال الخوارزمي: و إن أصحابه يقولون لا يكون حالها أعلى من حال نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو ادعى نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) مالا على ذمّيّ و حكم حكما، ما كان للحاكم أن يحكم له لنبوته و كونه من أهل الجنة إلا ببينة.
و قال: أ ما تضحك العقول الصحيحة من هذا الكلام؟! كيف يعدّون هؤلاء من أهل الإسلام و يزعمون أنهم قد صدّقوا نبيهم في التحريم و التحليل و العطاء و المنع و كل شيء ذكره لنفسه أو لغيره، و يكذّبونه أو يشكّون في صدقه في الدعوى على ذمّيّ حتى يقوم ببينة؟! إن هذا عقل ضعيف و دين سخيف!
و من طريف ذلك أن البينة، ما عرفوا ثبوتها و صحة العمل بها إلا من نبيهم و يكون ثبوت صدقه الآن في الدعوى على الذمي بالبينة.
و من طريف ما تجدّد في هذا المعنى أن فاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) المشهود لها بالفضائل و أنها سيدة نساء أهل الجنة، يكذّبونها و يكذّبون شهودها و يطعنون فيهم و فيها، مع ما تقدم في رواياتهم من مدائح اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و يدّعي بنو صهيب مولى بني جزعان ببيتين و حجرة من بيوت نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و حجراته و يطلبون ذلك بعد وفاته بمدة طويلة، تقتضى أن لو كان لهم حق فيما ادعوه لظهر، فيعطون ذلك بشهادة عبد اللّه بن عمر وحده و لا ينكر ذلك مسلم منهم، و لا يجري عند هؤلاء الأربعة المذاهب حال فاطمة (عليها السلام) و شهودها مجرى عبد اللّه بن عمر وحده! و قد روى الحديث في ذلك جماعة.
364
قال: فإذا كان الأمر كما قالوه و إن الأرض صداقها، أ فما كان يحسن أن تعطي من جملة صداقها فدكا؟ و هل رواياتهم لمثل هذا إلا زيادة في الحجة عليهم؟ فإن من شهدتم أن الأرض صداقها، فكيف جاز أن تكذّب و تمنع من فدك؟ إن هذا من عجائب ما نقلوه و مناقض ما قالوه.
و من طريف مناقضتهم أيضا ما رواه أبو بكر بن مردويه في كتابه بأسناده، قال: نابت أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نائبة، فجمعهم عمر فقال لعلي (عليه السلام): تكلّم فأنت خيرهم و أعلمهم؛ هذا لفظ الحديث.
و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك روايتهم في صحاحهم بأن عليا (عليه السلام) أقضاهم و أعلمهم.
و قد ذكر الحميدى في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الأول من أفراد البخاري في مسند أبيّ بن كعب طرفا من ذلك، و رووا في كتبهم: كان عمر يقول:
لا عاش عمر لمعضلة ليس لها أبو الحسن، يعني عليا، و أن: لو لا علي لهلك عمر.
فكيف يقال عن علي (عليه السلام)- و هو بهذا العلم و هذه الأوصاف و قد بلغ من الأمانة و الورع و الزهادة إلى الغايات- بأنه يترك زوجته المعظّمة في الإسلام تطلب حكما و شيئا لا يثبت لها و لا تقبل فيه شهادة شهودها، و إنه ممن لا يقبل شهادته في ذلك، ثم يشهد لها ثم يوافقها و يعاضدها في الحياة و يزكّيها بعد الوفاة؟!
و من طريف الأمور الدالة على تهوينهم بفاطمة بنت نبيهم (عليها السلام) و بوصايا أبيها فيها و عدم طلبهم لمراضيها، أنها تبقى ستة أشهر- على ما تقدّمت الرواية عنهم في صحاحهم- هاجرة لأبي بكر، فلا يقع توصّل في رضاها، و قد كان يمكن أبو بكر إذا عجز عن كل شيء أن يهب لها ما يخصّها من الحصّة التي ادعاها بشهادة في ميراث أبيها و يستوهب لها باقى فدك و العوالي من المسلمين أو يشتري ذلك منهم. أ فما كان لحق أبيها و حقها ما يوجب عليه و على المسلمين أن يؤثروها بذلك أو يبعثوا من يشتري لها ذلك؟!
366
و رواه الحميدي في مسند عبد اللّه بن عمر في الحديث الثامن و الستين من أفراد البخاري من كتاب الجمع بين الصحيحين بهذه الألفاظ: إن بني صهيب مولى بني جزعان أدعوا ببيتين و حجرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى ذلك صهيبا. فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ قالوا: عبد اللّه بن عمر. فشهد لهم بذلك، فقضى مروان بشهادته وحده لهم.
و من طريف ما تجدّد لفاطمة (عليها السلام) منهم أنها لما رأت تكذيبهم لها و شكهم فيها و في شهودها بأن أباها وهبها ذلك في حياته، أرسلت إلى أبي بكر- و رووا أنها حضرت بنفسها- تطلب فدكا بطريق ميراث أبيها، لأن المسلمين لا يختلفون في أن فدكا كانت لأبيها محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
فمنعها أيضا أبو بكر من ميراثها و هان عليه ظلمها و تكذيبها، و ادعى في منعها قولا من أبيها، لو كان قد قاله ما كان خفي عنها و عن جماعة من أهل الإسلام، و أذاها و قبح ذكر صدقها و أساء الخلافة لأبيها فيها، و طعن في تزكيته لها؛ فهجرته حتى ماتت.
فمن الرواية في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من أجزاء ثمانية في رابع كرّاس من أوله من النسخة المنقول منها، بأسناده عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه فهو صدقة؛ إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال. و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه، و لأعملن فيها بما عمل به رسول اللّه.
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) منها شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام) ....
367
و قال: و من الرواية في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في أواخره على نحو ثلاث كراريس من النسخة المنقول منها، بأسناده: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث ما تركناه صدقة؛ إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال. و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملن فيها بما عمل رسول اللّه.
فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك.
فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت، دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام).
قال عبد المحمود: في هذين الحديثين عدة طرائف:
فمن طريف ذلك أنهم نسبوا محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم إلى أنه أهمل أهل بيته (عليهم السلام) الذين قال اللّه تعالى عنهم: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، و قال في كتابهم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» (2)، و مع هذا ينقلون أنه لم ينذر عشيرته و لا وقى أهله و لا عرّفهم أنهم لا يرثونه و لا عرّف عليا (عليه السلام) و لا العباس و لا أحدا من بني هاشم و لا أزواجه و لا سمعوا و لا أحد منهم بذلك مدة حياة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و لا بعد وفاته، حتى خرج بعضهم يطلب ميراثه و بعضهم يرضى بذلك الطلب و تبذلوا و تبذلت ابنته فاطمة المعظّمة (عليها السلام) سيدة نساء العالمين، فطلبت على قولهم ظلم جميع المسلمين!
لا سيما و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي بكر من المتفق عليه في الحديث السادس: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر ....
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 214.
(2). سورة التحريم: الآية 6.
368
و روى أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة في الحديث الثالث و الأربعين من المتفق عليه أنها قالت: أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حين توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن .....
كيف يقبل العقول و يقتضي العوائد أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم أنه لا يورث و يكتم ذلك عن وراثه و نسائه و خاصته؛ إن ذلك دليل واضح على إنه قد كان موروثا على اليقين، و إنهم دفعوا فاطمة (عليها السلام) و ورّاثه بالمحال الذي لا يخفى على أهل البصائر و الدين.
و من طريف ذلك أن يكون بنو هاشم و أزواجه و ابنته مشاركين لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم في سرّه و جهره و مطّلعين على أحواله، و يستر عنهم أنهم لا يستحقون ميراثه و يعلم ذلك أبو بكر و من وافقه من الأباعد! و ليس لهم ما لبني هاشم من الاختصاص به و المخالطة له ليلا و نهارا و سرّا و جهرا. إن ذلك من طرائف ما يقال عن هؤلاء القوم من ارتكاب المحال.
و من طريف ذلك أن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم يبلغ الغايات من الشفقة على الأباعد، و قد تضمّن كتابهم: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فيصفه اللّه بهذه الرأفة و الرحمة و يشهدون بتصديق ذلك.
فكيف يقال عن هذا الشفيق الرءوف الرحيم أنه ترك الشفقة على مثل ابنته و عمه و أزواجه و بني هاشم و لم يعرفهم أنهم لا يستحقون ميراثه و يعرف بذلك الأباعد، حتى يجري ما جرى؟! إن ذلك من عجيب المناقضات و طريف المقالات!
و من طريف ذلك أن أبا بكر قد أقسم في الحديثين المذكورين أنه لا يغيّر ما كان من ذلك على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و قد روى الحميدى في الجمع بين الصحيحين من مسند جبير بن مطعم في الحديث الثالث من أفراد البخاري، قال: جاء جبير بن مطعم و عثمان بن عفان إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يكلّمانه فيما فيه من خمس خيبر من بني هاشم و بني عبد المطلب، فقالا: يا
____________
(1). سورة التوبة: الآية 128.
369
رسول اللّه! قسّمت لإخواننا بني عبد المطلب و لم تعطنا شيئا، و قرابتنا مثل قرابتهم بهما. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنما أرى هاشما و عبد المطلب شيئا واحدا. قال جبير:
و لم يقسّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبني عبد شمس و لا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا.
و زاد حرملة، عن أبن وهب، عن يونس: قال ابن شهاب: و كان أبو بكر يقسّم الخمس نحو قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه لم يكن يعطي قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم.
ثم رأيت في نسخة الحميدى و إن هذه صورتها، ثم قال: أظنّه كان يزيدهم. قال ابن شهاب: و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده.
قال: و قد استطرفت و استعظمت يمين أبي بكر و دفعه لفاطمة (عليها السلام)، أنه يعمل في خمس خيبر كما عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنه لا يغيّر ذلك. ثم شهادتهم على أبي بكر في هذا الحديث الصحيح أنه غير ذلك و ما كان يقسّم خمس خيبر بعد نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في قرابته كما كان يقسّمها نبيهم في حياته، و هذا من عظائم الأمور التي تدلّ على سوء أحوال الفاعلين و الراضين بالأمور المذكورة.
و من طريف ذلك اعتذار الحميدي لأبي بكر و قوله: «أظنّه كان يزيدهم». فهب أنه كان يزيدهم، أما ذلك خلاف ما كان يفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في خمس خيبر؟ ثم إن كان لأبي بكر أن يفعل ذلك، فهلا أعطى لفاطمة (عليها السلام) فدكا و العوالي بالحجة التي يزيد بها قرابة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاته و غيّر ما ذكر أنه لا يغيّره من عاداته؟! أما لهؤلاء المسلمين عقول يفكرون في مناقضات هذا المنقول؟
و من طريف الحديثين المذكورين و ما رووه و صحّحوه في ضد ذلك، و ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادي و الثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد اللّه بن عباس، في جواب ما كتب إليه نجدة بن عامر الحروري- و هو من رؤساء الخوارج-، قال: و كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ و إنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذلك.
370
قال: فهذه شهادة عبد اللّه بن عباس فيما صحّحوه أن فاطمة و أن عليا و الحسنين (عليهم السلام) منعوا من الخمس، و في ذلك ما فيه لمن كان له قلب عاقل و نظر فاصل.
المصادر:
الطرائف: ص 253.
112
المتن:
ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل:
أن أول من ردّ فدكا على ورثة فاطمة (عليها السلام) عمر بن عبد العزيز، و كان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية و جعلها بينهم أثلاثا، ثم قبضت من ورثة فاطمة (عليها السلام) فردّها عليهم السفّاح، ثم قبضت فردّها عليهم المهدي، ثم قبضت فردّها عليهم المأمون، كما تقدم شرحه.
و من غير كتاب أبي هلال العسكري بل في تواريخ متفرقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردّها عليهم الواثق، ثم قبضت فردّها عليهم المستعين، ثم قبضت فردّها عليهم المعتمد، ثم قبضت فردّها المعتضد، ثم قبضت فردّها عليهم الراضي.
قال: و من طريف ما رأيت من المناقضة في ذلك أن أبا بكر و عمر يردّان شهادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و يقولان: أنه يجرّ إلى نفسه، و قد عرف أهل الملل و العارفون بأحوال الإسلام أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما كان طالبا للدنيا و لا راغبا و لا متّكلا عليها كما فعل أبو بكر و عمر، حتى يقال أنه يجرّ إلى نفسه.
و من طريف ذلك، إن يكون اللّه العالم بالسرائر يشهد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) على لسان رسولهم (صلّى اللّه عليه و آله) على ما ذكروه في صحاحهم و قد تقدم بعضه أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ممدوح مزكّى في الحياة و بعد الوفاة و أنه أفضل الصحابة، فإن جاز الشك في علي (عليه السلام)
371
الموصوف بتلك الصفات فإنما هو شك فيمن أسندوا إليه تلك الروايات و تكذيب لأنفسهم فيما صحّحوه و نقص للإسلام الذي مدحوه.
و من طريف ذلك أن تسقط شهادة علي (عليه السلام) بدعوى أنه يجرّ إلى نفسه، و يشهد أبو بكر أن ميراث محمد (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين. فإذا كان أبو بكر من المسلمين فله في ميراثه حصّة و لكل من وافقه في الشهادة بذلك؛ فكيف لا يكونون جارّين إلى أنفسهم، و كيف لا يبطل شهادة أبي بكر و هو في تلك الحال؛ يزعم أنه وكيل المسلمين و شاهد لهم و شاهد لنفسه و مدّع لثبوت يده على فدك و العوالي، و لا يكون بعض هذه الأمور القادحة في الشهادات مبطلا لشهادته و لا جارّا إلى نفسه و لا مسقطا لروايته؟! إن ذلك من طرائف ما ادعاه المسلمون و عجائب السلف الماضين.
المصادر:
1. الطرائف: ص 252.
2. أخبار الأوائل، على ما في الطرائف.
3. الأوائل للتستري: ص 9.
113
المتن:
قال العالم الزاهد جمال السالكين السيد ابن طاوس:
إن جماعة من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) رفعوا قصة إلى المأمون؛ الخليفة العباسي من بني العباس؛ يذكرون أن فدك و العوالي كانت لأمهم فاطمة (عليها السلام) بنت محمد نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و أن أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، و سألوا المأمون انصافهم و كشف ظلامتهم.
فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز و العراق و غيرهم و هو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة و اتباع الصدق و عرّفهم ما ذكره ورثة فاطمة (عليها السلام) في قضيتهم و سألهم عما عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.
372
فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد و الواقدي و بشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم: لما فتح خيبر، اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود. فنزل عليه جبرئيل بهذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (1) فقال محمد (صلّى اللّه عليه و آله): و من ذو القربى و ما حقه؟ قال: فاطمة (عليها السلام)، تدفع إليها فدك. فدفع إليها فدك، ثم أعطاها العوالي بعد ذلك.
فاستغلّتها حتى توفّي أبوها محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
فلما بويع أبو بكر، منعها أبو بكر منها. فكلّمته فاطمة (عليها السلام) في ردّ فدك و العوالي عليها و قالت له: إنها لي و إن أبي دفعها إليّ. فقال أبو بكر: و لا أمنعك ما دفع إليك أبوك.
فأراد أن يكتب لها كتابا، فاستوقفه عمر بن الخطاب و قال: إنها امرأة، فادعها بالبينة على ما ادّعت. فأمر أبو بكر أن تفعل. فجاءت بأم أيمن و أسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فشهدوا لها جميعا بذلك، فكتب لها أبو بكر.
فبلغ ذلك عمر، فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر. فأخذ الصحيفة فماحاها فقال: إن فاطمة امرأة و علي بن أبي طالب زوجها و هو جارّ إلى نفسه، و لا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.
فأرسل أبو بكر إلى فاطمة (عليها السلام) فأعلمها بذلك. فحلفت باللّه الذي لا إله إلا هو أنهم ما شهدوا إلا بالحق. فقال أبو بكر: فلعل أن تكوني صادقة، و لكن احضري شاهدا لا يجرّ إلى نفسه. فقالت فاطمة (عليها السلام): أ لم تسمعا من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أسماء بنت عميس و أم أيمن من أهل الجنة؟ فقالا: بلى. فقالت: امرأتان من الجنة تشهدان بباطل؟!
فانصرفت صارخة تنادي أباها و تقول: قد أخبرني أبي بأني أول من يلحق به، فو اللّه لأشكونّهما. فلم تلبث أن مرضت، فأوصت عليا (عليه السلام) أن لا يصلّيا عليها و هجرتهما؛ فلم تكلّمهما حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) و العباس ليلا.
فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
373
ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه و العلم و شرح لهم الحال و أمرهم بتقوى اللّه و مراقبته. فتناظروا و استظهروا، ثم افترقوا فرقتين؛ فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جارّ إلى نفسه فلا شهادة له، و لكنا نرى يمين فاطمة (عليها السلام) قد أوجبت لها ما ادعت مع شهادة الامرأتين. و قالت طائفة: نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما، و لكن شهادة الزوج عندنا جائزة و لا نراه جارّا إلى نفسه. فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة (عليها السلام) ما ادعت. فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي.
فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب (عليه السلام). فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون و سألهم عن فاطمة (عليها السلام)، فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة. و سألهم عن أم أيمن و أسماء بنت عميس، فرووا عن نبيهم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أنهما من أهل الجنة.
فقال المأمون: أ يجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه و زهده يشهد لفاطمة بغير حق؟ و قد شهد اللّه تعالى و رسوله بهذه الفضائل له. أو يجوز مع علمه و فضله أن يقال أنه يمشي في شهادة و هو يجهل الحكم فيها؟ و هل يجوز أن يقال أن فاطمة مع طهارتها و عصمتها و أنها سيدة نساء العالمين و سيدة نساء أهل الجنة- كما رويتم- تطلب شيئا ليس لها تظلم فيه جميع المسلمين و تقسم عليه باللّه الذي لا إله إلا هو؟ أو يجوز أن يقال عن أم أيمن و أسماء بنت عميس أنهما شهدتا بالزور و هما من أهل الجنة؟! إن الطعن على فاطمة و شهودها طعن على كتاب اللّه و إلحاد في دين اللّه! حاشا اللّه أن يكون ذلك كذلك.
ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أقام مناديا بعد وفاة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) نبيهم ينادي: من كان له على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دين أو عدة فليحضر. فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما ذكروه بغير بينة، و أن أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك، فحضر جرير بن عبد اللّه و ادعى على نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) عدة فأعطاها أبو بكر بغير بينة، و حضر جابر بن عبد اللّه و ذكر أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال
374
البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بينة.
و قد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر، و أن جابرا قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة. فقال أبو بكر:
خذ مثليها.
قال رواة رسالة المأمون: فتعجّب المأمون من ذلك و قال: أ ما كانت فاطمة و شهودها يجرون مجرى جرير بن عبد اللّه و جابر بن عبد اللّه؟! ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار إليها و أمر أن تقرأ بالموسم على رءوس الأشهاد، و جعل فدك و العوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، يعمّرها و يستغلّها و يقسّم دخلها بين ورثة فاطمة (عليها السلام) بنت محمد نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله).
و من طرائف صحيح الأجوبة في ترك علي بن أبي طالب (عليه السلام) لاستعادة فدك لما بويع له بالخلافة.
ما ذكره ابن بابويه في أوائل كتاب العلل في باب العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس، بأسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- يعني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)- قال: قلت له: لم لم يأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس و لأيّ علة تركها؟ فقال: لأن الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه عز و جل، و أثاب اللّه المظلومة و عاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوبة.
و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا آخر، و رواه بأسناده إلى إبراهيم الكرخي، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: لأيّ علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولّى الناس؟ فقال:
للاقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول اللّه! أ لا ترجع إلى دارك؟ فقال: و هل ترك عقيل لنا دارا؟ إنا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما. فلذلك لم يسترجع فدك لما ولّى.
376
احتجاج الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر
و تناهى بها الحديث فقالت * * * و هي تدلي بالحجة البيضاء
لأبي بكر و هو يصغي إليها * * * بين حشد من مجمع الجلساء
أبدين اللّه الذي فيه جاءت * * * للبرايا شرائع الأصفياء
أنت تعطى إرثا و أمنع إرثي * * * من أبي دون سائر الأبناء
ما لكم قد تركتم الذكر عمدا * * * و هو يبدو أمامكم من وراء
أ خصّصتم بآية أخرجتنا * * * دون باقي الأبناء و الآباء
أم بحكم الكتاب أعلم أنتم * * * من علي و أحمد في القضاء
أ تقولون أهل شرعين كانا * * * أ فلسنا من ملة الحنفاء
ها هو الذكر شاهد و لسان * * * ناطق صادق بغير افتراء
حين أضحى ميراث داود فيه * * * لسليمان دون أيّ خفاء
و ليحيى الميراث من زكريا * * * و هو أمسى وليه في الدعاء
قال هب لي يا رب منك وليا * * * وارثا لي فأنت رب العطاء
قال فيه يوصيكم للبرايا * * * في اقتسام الميراث بعد الفناء
مثل حظّ الأنثيين يكافي * * * ذكر من بينكم في العطاء
و الوصايا للوالدين بخير * * * حين يبقى خير و للأقرباء
و جميع الأرحام أولى ببعض * * * بعضهم في كتاب رب القضاء
أ فلا تكتفون فيما أتاكم * * * منه نصا و فيه خير اكتفاء
فتحمل أعباءها سوف تأسى * * * حين منها تنوء بالأعباء
يوم تلقاك عند حشر و نشر * * * مثقلا بالأوزار يوم اللقاء
فالزعيم النبي و الحكم اللّه * * * و نعم الميعاد يوم الجزاء
جواب أبي بكر
فتصدّى منهم أبو بكر ردّا * * * لاحتجاج الزهراء دون ارعواء
قال: يا بنت أحمد كان طه * * * برجال الهدى من الرحماء
375
و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا ثالثا بأسناده إلى علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن- يعني موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)- قال: سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم لم يسترجع فدك لما ولّى الناس؟ فقال: لأنا أهل بيت لا يأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو- يعني إلا اللّه- و نحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا.
المصادر:
1. الطرائف: 248.
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 408، عن الطرائف.
114
المتن:
قال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في مأساة الزهراء (عليها السلام) في عضب حقها و إيذائها:
غصبوا حقها جهارا فأبدوا * * * كلما أضمروا لها في الخفاء
أنكروا فرض إرثها من أبيها * * * و هي كانت أقرب الأقرباء
حين صدّوا ببدعة و نفاق * * * فدكا عن سليلة الأنبياء
و هي مما أفاءه اللّه لطفا * * * لأبيها محمد من عطاء
ناشدتهم باللّه عهدا فعهدا * * * أن يفيقوا من سكرة الجهلاء
فتعاملوا عن الهداية جهلا * * * حين صمّوا عن منطق العقلاء
بعد ردّ منهم بما أثبتته * * * أنها نحلة بخير ادعاء
و علي و أم أيمن للزهراء * * * كانا من خيرة الشهداء
و كفى حجة على عهد طه * * * بيديها كانت بعدل القضاء
غير أن النفوس بالغيّ مرضي * * * من قديم و ما لها من شفاء
377
و على الكافرين كان عقابا * * * و عذابا صبا عظيم البلاء
إن عزوناه في انتساب وجدناه * * * أباك من دون باقي النساء
و أخا إلفك الحميم علي * * * دون باقي الأصحاب و الرفقاء
آثر المرتضى على كل خل * * * و اغتدى عونه على الخصماء
لا يواليكم سوى السعداء * * * ليس يقلوكم سوى الأشقياء
أنتم عترة النبي اجتباكم * * * ربكم للورى بخير اجتباء
و أدلّاؤنا على الخير رشدا * * * و طريق لجنة السعداء
أنت يا خيرة النساء مقاما * * * و ابنة الحق خيرة الأصفياء
لا تقولين غير صدق و حق * * * ليس فيه من ريبة و افتراء
غير مردودة عن الحق ظلما * * * و اغتصابا من سائر الحنفاء
و أنا ما عدوت سنة طه * * * و تحديث رأيه بالقضاء
و أنا رائد أ يكذّب حقا * * * رائد أهله بأيّ افتراء
و أنا أشهد الإله بصدق * * * و هو بالحق خيرة الشهداء
إنني قد سمعت من فم طه * * * قال إنا معاشر الأنبياء
كل فرد يورث العلم منا * * * لبنيه و حكمة الحكماء
كل ميراث فضة و نضار * * * قد تركنا يكون للأولياء
فوليّ الأمور يحكم فيه * * * حين يقضي بحكمه في استواء
و رأينا بأن يكون سلاحا * * * و كراعا لأمة الحنفاء
فوضعنا فيهما كسواه * * * لجهاد الكفار و الأشقياء
و أنا ما انفردت فيه برأيي * * * مستقلا عن سائر الآراء
حيث قام الإجماع منهم عليه * * * باتفاق ما بينهم و التقاء
و أنا في يديك حالي و مالي * * * فاحكمي فيهما بكل مشاء
ليس يزوي عليك مني شيء * * * لحجاب محصن و وقاء
و لأنت الأم الزكية طهرا * * * و سمو لولدك الأزكياء
و لك العزّ و السيادة فينا * * * شرفا بعد فضلك المترائي
378
دون وضع للأصل و الفرع طر * * * منك بعد العلو و الارتقاء
كل حكم علي يصدر ماض * * * نافذ منك ساعة الإمضاء
أ تريدين أن أخالف طه * * * بالذي تطلبين دون اهتداء
ردّها على أبي بكر
أجابت سبحان رب البرايا * * * لم يكن قط خاتم الأصفياء
صادفا عن كتابه مستحلّا * * * بعض أحكامه بدون اختشاء
فهو طول الحياة ما زال يقفو * * * أثر الذي في أتمّ اقتفاء
أ مع الغدر تجمعون ضلالا * * * قولة الزور ساعة الافتراء
مثلما كدتموه حيا فهذا * * * هو كيد له عقيب الفناء
فكتاب الإله هذا لعمري * * * حكم عادل بفصل القضاء
كل نص مخالف لكتاب اللّه * * * منكم أحق بالامتراء
و هو أوحى ميراث داود حقا * * * لسليمان دون أيّ مراء
قال هب لي من آل يعقوب بعدي * * * يرث الفضل خيرة الأولياء
و أبان اللّه الفرائض طرّا * * * في المواريث دون أيّ خفاء
عند توزيعه السهام بعدل * * * لذويها بدون أيّ اعتداء
ما أزاح الرحمن فيه جليّا * * * شبهات العمى بدون غشاء
إنما سوّلت لك النفس أمرا * * * فاصطبار على عظم البلاء
فتلا قائلا أبو بكر جهرا * * * قولها في صراحة و جلاء
صدق اللّه و الرسول و حقا * * * صدقت بنت خاتم الأنبياء
معدن الحكمة البليغة ركن الدين * * * عين المحجة البيضاء
غير مستنكر خطابك فينا * * * دون قولي مني صوابك نائي
ها هم المسلمون قد قلّدوني * * * فتقلّدت منصب الخلفاء
و أخذت الذي أخذت بشورى * * * و اتفاق و هم من الشهداء
غير مستأثر بما كان مني * * * دونهم في بداية و انتهاء
379
و هي قالت لهم عقيب التفات * * * معشر المسلمين و الحنفاء
كيف أسرعتم عقيب التغاضي * * * عن قبيح الفعال للافتراء
أ فلا تقرءون قرآن ربي * * * أنتم في تدبر و اهتداء
أم على تلكم القلوب من الريبة * * * أقفال ضلة و امتراء
بل عليها قد ران ما قد أسأتم * * * من قبيح الأفعال و الأخطاء
آخذا عند ذاك بالسمع منكم * * * و جميع الأبصار بعد غطاء
ساء و اللّه ما به قد أشرتم * * * و اغتصبتم في ساعة الاعتداء
عن قريبيكون حملا عليكم * * * بعد غبّ من أثقل الأعباء
عند كشف الغطاء و الستر عنكم * * * حينما تصبحون دون وقاء
بئس للظالمين فالنار مثوى * * * و مقرا لهم بيوم البقاء
لم تزل تقرع المسامع منهم * * * مرتجات باليأس دون رجاء
فدك
فدك قرية من النخل كانت * * * في مكان عن يثرب غير نائي
قطّ ما أوجفوا عليها بخيل * * * و ركاب في البدء و الانتهاء
فهي من جملة الصفايا لطه * * * و الصفايا لخاتم الأنبياء
و هي مما أفاء فيها عليه * * * ربه من كرامة و عطاء
فهي ملك لخاتم الرسل محض * * * خالص دون سائر الحنفاء
صالح المصطفى اليهود عليها * * * ليكونوا فيها من الأمناء
فاصطفاها لنفسه و حباها * * * نحلة للزكية الزهراء
حينما أنزلت عليه و آتوا * * * حق أدني الأرحام و الأقرباء
فدعاها و قال هذا عطاء * * * لك مني بأمر رب السماء
و هي كانت في عهده بيديها * * * خير ملك لها و خير حباء
قد أقامت وكيلها و هو حي * * * و استقلّت تصرّفا في النماء
و أبو بكر حين خلّف فيهم * * * بعد فقدان خاتم السفراء
380
طرد العامل الموكّل فيها * * * لابنة المصطفى بأقسى جفاء
و أتت عنوة لمسجد طه * * * و هي تسعى في لمّة من نساء
و أبانت ما جاء في الذكر نصا * * * في المواريث من حكيم القضاء
و أقامت ما حجه فأتاها * * * بعد دحض بالحجة البيضاء
بحديث ما أنزل اللّه فيه * * * آية قطّ في كتاب السماء
و سواه لم يروه فهو مما * * * خصّ فيه من بدعة و افتراء
و قد خاصمته أخرى فقالت * * * نحلة من أبي بأقوى ادعاء
أقامت شهودها فحباها * * * منه صكّا بها بغير وفاء
حينما في يديه بعد انتزاع * * * عمر شقّه بوقت اللقاء
و استمرّت في المنع حتى تولّى * * * عمر بعده على الحنفاء
فحباها لأهلها دون منع * * * بعد دفع من أول الخلفاء
تضارب الآراء من ولاة الأمور في فدك
و عجيب هذا التضارب فيها * * * من ولاة الأمور في الآراء
فهي إن كان نحلة و نصيبا * * * من فروض الميراث للأولياء
كيف صدّت عن أهلها و هي حق * * * من أبي بكر ساعة الابتداء
و هي إن كان مثل ما قال فيئا * * * كيف تعطى من آخر بسخاء
و اصطفاها عثمان بعد انتزاع * * * و حباها مروان دون اختشاء
حين أضحى من آل أحمد أولى * * * بمواريث خاتم الأنبياء
و طريد النبي لا شك أولى * * * عند عثمان من بني الأزكياء
و هي مما تنعى عليه و كانت * * * عاملا من عوامل الاستياء
و تولّى ابن هند فيمن تولّى * * * بعد هذا ظلما من الأمراء
فحبا ثلثها يزيدا و ثلثا * * * لابن عثمان دون أيّ اتقاء
و اجتباها مروان حين تولّى * * * مستقلا له بشرّ اجتباء
و حباها عبد العزيز فكانت * * * بيديه ملكا ليوم الفناء
381
و اصطفاها مستخلصا بانفراد * * * عمر أمرها بخير اصطفاء
و حباها في الملك حين تولّى * * * لبني فاطم بخير حباء
بعد رفع السباب و الشتم ممن * * * أبدعوه عن سيد الأوصياء
و إليه الرضي بالشعر أوحى * * * يا ابن عبد العزيز عند الرثاء
و تعدّى ابن عاتك بعد أخذ * * * فحواها بزيد دون إباء
و استمرّت في آل مروان حتى * * * أذهب اللّه دولة الطلقاء
و أعاد السفاح ما كان منها * * * أخذوه للعترة النجباء
و رجوع المنصور فيها رجوع * * * و نكوص عن مسلك الاستواء
و عدول المهدي عنها اعتدال * * * و استواء في منهج الاهتداء
و تمادى موسى و هارون فيها * * * و تعامى الأمين بالاقتداء
و تهادى المأمون حين أعيدت * * * لذويها في عهده بلواء
و اصطفاها لنفسه بعد أخذ * * * جعفر معلنا بنصب العداء
و حباها بعد اللّه من قد نماه * * * عمر البازيار شعر انتماء
و تعدّى ظلما فأرسل شخصا * * * صرم النخل في يد الاعتداء
فعراه بعد الجذاذ انتقاما * * * فلج فاتك بأعظم داء
جذّ منها ما قام من نخلات * * * هي من غرس خاتم الأنبياء
كان أبناء فاطم و علي * * * تجتني تمرها لأهل الولاء
فإذا جاء موسم الحج جاءوا * * * و أفاضوا فيها على الحنفاء
فيعيشون منهم بالهدايا * * * حين تهدى لهم بكل سخاء
المصادر:
1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 570، عن ديوان الفرطوسي.
2. ملحمة أهل البيت (عليهم السلام): ج 3 ص 7.
383
جَزاءً وَ لا شُكُوراً». (1)
إذا فما تصنع بفدك و غير فدك؟ و إنما ارادت بتلك المحاججة- مرة بعد أخرى- تعريف الأمة المتردّدة في الغيّ الضالّة عن الصراط السويّ، خطأ المتغلّبين على المقام الإلهي المتأمّرين على الأمة بغير رضى من اللّه و لا من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؛ «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (2)
أجل، إنها مطامع و غايات حسب أهل الشره لأجلها؛ إن التغالب على فدك و العوالي مما يوجب تضعيف الحالة الاقتصادية على أمير المؤمنين (عليه السلام) و انصراف الناس عنه و إن أصابوا الغرض في هذا. فقد وضح الصبح لذي عينين حين عرفوا عاقبة العثرة و إن ذلك التهجم فلتة.
ثم جاءوا من بعدها يستقيلون * * * و هيهات عثرة لا تقال
يا لها سوأة إذا أحمد قا * * * م غدا بينهم فقال و قالوا
و في حديث المفضل بن عمر، أن الصادق (عليه السلام) قال: لما بويع أبو بكر، أشار عليه عمر بن الخطاب أن يمنع عليا و أهل بيته (عليهم السلام) الخمس و الفيء و فدكا، فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوه و أقبلوا إليك رغبة في الدنيا.
فصرفهم أبو بكر عن جميع ما هو لهم و أمر بإخراج وكيل فاطمة من فدك. فقالت له:
لم أخرجت وكيلي من فدك و قد تصدّق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بها عليّ. فطلب منها البينة، فجاءته بأمير المؤمنين و الحسنين (عليهم السلام) و أسماء بنت عميس و أم سلمة، و لم تشهد أم أيمن إلا بعد أن استشهدت أبا بكر بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنها من أهل الجنة. فاعترف بذلك فقالت: أشهد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا.
____________
(1). سورة الإنسان: الآية 8 و 9.
(2). سورة يونس: الآية 35.
382
115
المتن:
قال السيد المقرّم في ذكر مقدار غلّة فدك و ما يحصل منها و ما ينفق و يصرف:
لقد كان وكيلها يجبي لها غلّتها البالغة كل سنة أربعة و عشرين ألف دينارا أو سبعون ألف دينارا.
فكانت تفرقها على الفقراء من بني هاشم و المهاجرين و الأنصار، حتى لم يبق عندها ما يسع نفقة اليوم لها و لولدها و لا بدع فيه، بعد أن كانت بضعة من الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)، و محدّثة من قبل المولى سبحانه على لسان ملك يتلو عليها حوادث الغابرين و التالين، حتى جمعت مصحفا عرف عند أهل البيت (عليهم السلام) ب «مصحف فاطمة (عليها السلام)».
و إذا كان أبوها مالكا لخزائن الأرض و أعطاه المهيمن جلّ شأنه قدرة التصرف في الأشياء، كيفما شاء و قد تمرّ عليه الأيام طاويا. فابنته الحوراء سيدة نساء العالمين المتشظية من روحه المشتقّة من النور الأقدس؛ لا تتخطى طريقته المثلى، فلم تعبأ بالدنيا و لذائذها، على أن سيرة ابن عمها (عليه السلام) سيد الأوصياء نصب عينها.
فإن صدقته كانت تساوي أربعين ألف دينارا أو أربعمائة ألف دينارا، و لو قسّمت على بني هاشم لوسعتهم و لكنه يفرّقها عليهم و على المحاويج من المهاجرين و الأنصار، حتى لم يبق عنده ما يمون به لعياله، و قد تبلغ به الحاجة إلى بيع سيفه أو إزاره لقوت يومه؛ و هذا شأن من تجرّد عن الحياة الذميمة و اتصل بالمبدإ الأعلى و كان واسطة الفيض الإلهي على الممكنات.
و لم تكن مطالبة الصديقة (عليها السلام) بفدك لرغبة فيما يعود منها عليها. أ ليست هي و أمير المؤمنين و الحسنان (عليهم السلام) آثروا المسكين و اليتيم و الأسير على نفوسهم، حتى يذقّوا شيئا غير الماء ثلاثة أيام. فنزل في الثناء عليهم قرآن يتلى في الليل و النهار:
«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ
384
فقال عمر بن الخطاب: أما علي فزوجها و الحسنان ابناهما و هم يجرّون إلى أنفسهم، و أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، و أم سلمة تحبّ فاطمة فتشهد لها، و أما أم أيمن فامرأة أعجمية لا تفصح.
أن العجب لا ينقضي من هذا التهوّر و الطغيان على سيد الأوصياء و ابنيه سيدي شباب أهل الجنة (عليهم السلام)، كيف ينسب إليهم الإقدام على غير الحق لمحض جرّ النفع إليهم؟! «كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ». (1) كأنهم تناسوا تنزيه اللّه تعالى لهم عن اقتراف الآثام في آية التطهير. و من أشدها شهادة الزور شرها في الحطام و طمعا في رضيخة فدك، و قد نصّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أن عليا (عليه السلام) مع الحق و الحق معه، لا يفترقان أبدا.
و المتأمل في هذا النص المتّفق عليه يتجلّى له سرّ دقيق توخاه سيد الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا اللون من البيان، و هو أن صدور الحق يعرف من أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما إذا تضاربت الأقوال و تباينت الآراء، لأنه المرجع الفذّ و الموئل الوحيد في المشكلات كلها و عند ما تلتبس الأحكام. فهذه الجملة من دلائل الخلافة العامة لسيد الاوصياء (عليه السلام) و ليس المراد منها محض الإخبار بأن أبا الحسن (عليه السلام) صادق في أقواله شأن الرجال العدول فيما يلفظونه من قول؛ و الذي يشهد للأول صدور هذه المضمون من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في موارد متعددة، و لو لا الإشارة إلى ما ذكرناه لما كان لتعدد موارده فائدة.
و لقد أدرك محض الحقيقة الفخر الرازي، فذكر في تفسيره عند بيان الجهر بالبسملة: أنه ثبت بالتواتر جهر علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبسملة، و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد اهتدى، و الدليل عليه قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «اللهم أدر الحق مع علي (عليه السلام) حيث دار».
و ليس ببعيد عن هذا في الغرابة طلب البينة من الصديقة (عليها السلام) بعد أن كانت يدها ثابتة على فدك، تتصرّف فيها تصرّف المالكين من دون نكير، و لها وكيل يشاهده المسلمون. و مع ثبوت اليد لا يحتاج إلى بينة و غيرها، مع أن البينة إنما تطلب من
____________
(1). سورة الكهف: الآية 5.
385
المدعي إذا احتمل فيه خلاف الواقع، و الزهراء (عليها السلام) ممن أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا؛ فهي معصومة عن الخطل و الآثام، فيستحيل في حقها أن تدّعي باطلا أو يحدوها المطاع إلى طلب ما لا يتفق مع شريعة أبيها الأقدس.
و يتحدّث علم الهدى و تلميذه شيخ الطائفة بأن أحدا من المسلمين لم يخالف في صدق الحوراء (عليها السلام)، و إنما وقع الخلاف في وجوب تسليم ما أودعته بلا بينة أو لا بد لها من إقامة البينة. و لكن طلب البينة منها خروج عن فقه الشريعة، لأن السر في إقامة البينة لحصول غلبة الظن بمطابقة ما تشهد به الواقع، و من هنا كان الإقرار أقوى منها لشدة تأثيره في أغلبيته للظن. و عليه فالعلم بصدق المدعى أقوى منهما معا و معه لا يحتاج إلى بينة أو إقرار ....
المصادر:
وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرّم: ص 72.
116
المتن:
قال السيد فاضل الحسيني الميلاني في ذكر فدك:
لما كان الرعب الذي وقع في قلوب أهل فدك من سقوط خيبر بيد المسلمين هو الذي أدّى إلى خضوعهم للحكم الإسلامي و لم يحصل ذلك بحرب أو غزوة، فإن الحكم في مثل ذلك أن تكون ملكا صرفا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما هو صريح قوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». (1)
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
386
و هذا ما لا مجال لنقاش فيه، إنما الاختلاف يظهر في أمر آخر هو مقدار ما تنازل به أهالي فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله):
أ. فمقتضى رواية محمد بن إسحاق عن الزهري أنهم صالحوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف من فدك.
ب. و يذكر أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صالحهم عليها كلها.
و يؤيد محمد بن إسحاق في روايته، مالك بن أنس محدّثا عن عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم. و لكن يظهر هنا اختلاف آخر، فيروي مالك بن أنس أن عمر لما أجلاهم إلى الشام عوّضهم عن النصف الذي لهم بمقدار من إبل و غيرها، بينما يروي غيره أنه عوّضهم عن نصفهم بمبلغ 50000 درهم.
و مهما يكن من أمر، الاختلاف الذي غالبا ما يحصل في أمثال هذه المسائل. فإن الراجح أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صالح أهالي فدك على النصف من نخيلها و أرضها و اشترى عمر النصف الآخر من بيت المال عند تولية الخلافة. لقد رأينا أن اختلاف الرواة ينصب على مقدار ما تنازل به أهالي فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أما أن فدك كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بمقتضى الآية الشريفة فذلك ما لم ينكره أحد.
و إذا انتهينا من كون فدك خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم كونها للمسلمين حتى تخضع لاجتهاد أحد من الصحابة- كائنا من كان- ساغ لنا أن نسأل: و ما فعل بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟
الصحيح أنه نحلها إلى فاطمة (عليها السلام) قبل وفاته، أي أنه وهبها لها فصارت ملكا للزهراء (عليها السلام) بلا منازع.
و إذا كنا نؤمن بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) معصوم و «ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى»!. (1) و إذا عرفنا أن الفقهاء يجمعون على أن «الناس مسلّطون على أموالهم»، فلا مجال لأن يعترض أحد على سبب منح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فدكا إلى ابنته الصديقة الطاهرة (عليها السلام).
____________
(1). سورة النجم: الآيات 4، 5.
387
أما كيف قلنا بأن فدكا كانت نحلة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فاطمة (عليها السلام) فسندنا في ذلك أمور:
الأول: قول الزهراء (عليها السلام) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «هذا ابن أبي قحافة، يبتزّني نحلة أبي».
الثاني: قول الزهراء (عليها السلام) لأبي بكر: «إن فدك وهبها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)»، و عصمتها تمنع من أن تكذب، و أن تطلب ما ليس لها.
الثالث: لقد ثبت في محله أن عليا (عليه السلام) معصوم و عصمته تمنع من أن يمكّن زوجته من أن تطلب ما ليس لها.
الرابع: قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالته إلى عثمان بن حنيف: «بلى! كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين». و لو كانت داخلة في تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يصح له التعبير بأنها كانت في أيدي أهل البيت (عليهم السلام)، نظرا لتعلّق حقوق زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك.
الخامس: شهادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هبها لفاطمة (عليها السلام) عند ما طلب أبو بكر من الزهراء (عليها السلام) أن تأتي بشاهد على ما تقول: بعد أن فاضت روح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الرفيق الأعلى، نشبت خلافات عظيمة بين المهاجرين و الأنصار حول الخلافة، و بدأ الأنصار ذلك الخلاف بأن اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لترشيح سعد بن عبادة للخلافة، و علم المهاجرون بذلك و هالهم الأمر.
فتدخّل عمر بن الخطاب و أبو بكر و أبو عبيدة الجراح في النزاع كممثّلين عن المهاجرين. و بعد مناوشات و مفاوضات و خطب و تهديدات من الطرفين، تنازل الأنصار عما كانوا يهدفون إليه، فوافقوا على أن يكون منهم أمير و من المهاجرين أمير.
فأجابهم عمر بأنه لا يلتقي قرنان في رأس واحد، و طلب أن يكونوا هم الأمراء و الأنصار الوزراء. و أخيرا غلب هؤلاء أولئك على أمرهم و تمّت البيعة لأبي بكر؛ كل هذا و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مسجى في داره و علي (عليه السلام) مشغول بتجهيزه و تكفينه و الصلاة عليه.
و يخرج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ثلاثة أيام ليرى أن المؤامرة قد أحبكت خيوطها و دبّرت على أتم ما يكون لنزع الخلافة عنه و إيكالها إلى غيره، و يتسلم أبو بكر زمام
388
الأمر و يبدأ حركاته الاصلاحية، و في مقدمة قائمة المشاريع التي كان يجب عليه تنفيذها، منازعة فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك و إرجاعها إلى بيت مال المسلمين.
أما مبرّراته في ذلك فهي:
1. إن ذلك لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل كان للمسلمين.
2. و على فرض أن فدكا كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.
3. رواية أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا يقسّم ورثتي دينارا و لا درهما؛ ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عيالي فهو صدقة.
هذه هي المبرّرات التي تذكر لقيام أبي بكر بانتزاع فدك من فاطمة (عليها السلام).
و إذا ما عرّضناها على طاولة المناقشة بموضوعية و أمانة تامّتين، متخلّين عن الرواسب الموجودة في أفكارنا تجاه القضية و محاولين التهرّب من إضفاء هالة التقديس على المسلمين الأولين- الأمر الذي وقع فيه أكثر الباحثين فغشّت عيونهم عن إبصار نور الحق- نجد ما يلي:
1. إن أبا بكر يدّعي أن فدكا لم تكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل كانت للمسلمين.
لقد وجدنا أن المؤرخين يجمعون على أن فدكا كانت خالصة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، هذا مضافا إلى أن الآية الكريمة صريحة في ذلك، و معه يكون كلام أبي بكر اجتهادا في مقابل النص، و هو باطل بلا ريب.
2. أما أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، فيمكن أن يناقش بوجوه:
389
أ. إنه خارج عن محل الكلام، لأننا أثبتنا أن فدكا كانت نحلة وهبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام)، و إذا كانت ملكا لفاطمة (عليها السلام) فلا تكون إرثا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لها ليقال أن الأنبياء لا يورثون.
ب. إن الراوي لها منحصر بأبي بكر، فلم يروها أحد غيره؛ و في ذلك يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: «المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده»، و أن القرآن الكريم أثبت الإرث لعموم الناس، و جاء التصريح به في خصوص بعض الأنبياء. فإن هذا الخبر- و هو خبر واحد- لا يصلح لتخصيص الكتاب العزيز.
ج. على أن التدقيق في الدوافع الحقيقية لمنع فدك من فاطمة (عليها السلام) يكشف لنا عن أن المسألة لم تكن على هذا المستوى من البساطة، و إنما كانت هناك عوامل سياسية تذهب دورها في هذا الصدد، و إلا فما الذي يمنع الخليفة أو المسلمين قاطبة من أن يتنازلوا عن حقهم في فدك إرضاء لبنت نبيهم (عليها السلام)؟ و قد سمعوا أباها يقول: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من أحبّها فقد أحبّني و من أغضبها فقد أغضبني».
3. و أما رواية أبي هريرة، فيكفينا اشتهاره بالوضع في الأحاديث، حتى أنه صرّح نفسه بذلك؛ و قد أغنانا الأستاذ المحقق الشيخ محمود أبو ريّة في كتابه «شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي» من تجشّم عناء البرهنة على كذب أبي هريرة و تزويره.
هذا مضافا إلى أن ابن أبي الحديد يستغرب من هذه الرواية قائلا: «و هذا حديث غريب، لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده».
الواقع أن التاريخ الإسلامي يحتاج إلى غربلة عنيفة؛ فقد كتب طبقا لأهواء الحكام، شأنه في ذلك شأن التاريخ عند بقية الأمم، و هذه غلطة فظيعة ارتكبها المؤرخون المسلمون حين راحوا يسجّلون الأحداث من زاوية الحكّام لا من زاوية المحكومين.
إن البحث التاريخي الحرّ يفرض على صاحبه كثيرا من التجرّد و الموضوعية إن وظيفة المؤرخ لا تعدو وظيفة عدسة للتصوير، يرسلها الجيل الحاضر إلى الأجيال
390
السابقة، لتعود عليه بصور ملتقطة من هنا و هناك، محتفظة بألوانها الأصلية، من دون أن تلعب فيها العدسة أو تغيّر شيئا. و لكن عكس ذلك هو الذي حدث.
و لسنا الآن بصدد البرهنة على ذلك من نماذج تاريخية معيّنة، و إنما نريد أن نخلّص من هذه المقدمة إلى أن التجرد و الموضوعية ضرورة حتميّة في البحث التاريخي.
نأتي إلى قضية معينة، فنحاول أن نكتشف الأسباب الخفية التي أدّت إلى وقوعها و العوامل اللاشعورية التي دفعت بأشخاص الرواية للظهور على خشية المسرح في الدور الذي ظهروا فيه، و إذا استطعنا ذلك كنا قد أدّينا مهمتنا بنجاح.
المصادر:
فاطمة الزهراء (عليها السلام) أم أبيها للميلاني: ص 146.
117
المتن:
قال السيد محمد الحسيني الميلاني بعد ما أورد خطبة الزهراء (عليها السلام):
فحينما نأتي إلى نهاية خطبة الزهراء (عليها السلام) و نعرف أن بلاغة فاطمة (عليها السلام) بلاغة ليس لها مثيل، لا بد أن نعرف أيضا أن فدك كانت نحلة الزهراء (عليها السلام)، حيث وهبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك في حياته.
ثم بعد النحلة كانت الزهراء (عليها السلام) وارثة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
ثم إن الصديقة الزهراء فاطمة (عليها السلام) كان بنت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أقرب الأقارب و ذوي قرباه؛ فكانت لها حق الخمس بنص القرآن.
فهذه أدلة ثلاثة تستوجب استحقاقها لفدك قطعا.
و بعد ذلك لا بد أن نعرف بأنها صديقة، لا تدّعي ما ليس لها أولا.
391
ثم أنها صاحبة اليد، فكان الفدك بيدها، فالذي ادّعى نفي الملكية كانت عليه أن يقيم البينة عليه لا أن يطلب منها البينة ثانيا.
و أما ثالثا، فإنها أقامت الشهادة و اليمين على النحلة.
و رابعا، إن الذي ادعى بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث، خالف نص القرآن، كما استشهدت بذلك الزهراء فاطمة (عليها السلام). فقوله باطل و ادعاؤه مردود شرعا.
و خامسا، لو كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يورث، فبأيّ الحجة دفن الشيخان في حجرته؟ فعلى قبول ادعاء أبو بكر يلزم أن زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- بما فيهن عائشة و حفصة- لم يرثا شيئا من الحجرة، فعليه يكون دفنهما فيها تصرفا غصبيا ممنوعا.
و سادسا، على فرض عدم ردّ دعواه بعدم توريث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي لا زمه توريثه فدكا للزهراء فاطمة (عليها السلام)، يلزم اشتراك جميع النساء في الحجرة؛ فإذا كانت حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مساحتها ثلاثة أمتار في ثلاثة ثلاثة أمتار- أي تسعة أمتار- و النساء بغير الزهراء (عليها السلام) كنّ تسعة زوجات. فيكون سهم كل من عائشة و حفصة التسع من الثمن، أي ينقسم الثمن الذي هو أقل من متر من الحجرة على تسعة زوجات. فيكون سهم كل واحدة أقل من شبر؛ و هذا من أعجب الأمور الواقعة في تاريخ الميراث.
فكيف دفن الشيخان هناك؟ ثم كيف يحرم الحسن (عليه السلام) ابن فاطمة (عليها السلام) من الدفن في ملكه الذي ورثه عن أمه و هي وارثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟!
هذا، و قد أجمع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) على أن الزوجة لا ترث من الأرض. فعليه فإن حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ملك خاص لفاطمة (عليها السلام)، لأنها الوارثة الوحيدة للحجرة؛ فلا ترث عائشة و حفصة شيئا من ذلك بإجماعهم و بادعاء الخليفة و نفي الإرث أيضا.
فالنتيجة أننا حينما نقرؤ خطبة الزهراء (عليها السلام) هذه، نستفيد- إضافة على الأدب الجمّ و الفصاحة و البلاغة الراقية- استفادة فقهية و قضائية و علمية عظمى من بيان سيدة النساء الصديقة (عليها السلام) و نستفيد أمورا كثيرة تاريخية، تكشف لنا حقيقة الأوضاع السياسية التي واجهتها فاطمة الزهراء (عليها السلام).
392
و بالتالي ليس لنا سوى أن ننحاز إلى جانب فاطمة المظلومة (عليها السلام) و نؤيد كلامها و استدلالها و احتجاجها و نذعن بصدقها و نصدّقها، فإنها صديقة طاهرة، لا تقول كذبا و لا تدّعي باطلا.
فالخطبة البليغة هذه تثبت حقانيتها و تدين غاصبيها، و لا حول و لا قوة إلا باللّه.
و قد صرّح أمير المؤمنين (عليه السلام) بملكية فدك لها و أنها كانت بيدها بقوله: «بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أفاء اللّه عليه؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، فنعم الحكم اللّه ...».
فلا مجال مطلقا لإنكار ملكية فدك للزهراء سيدة النساء (عليها السلام)، و لهذا فقد فازت الصديقة (عليها السلام) على الخليفة في الاحتجاج، فاستسلم لها و كتب لها كتابا و أقرّ لها بفدك.
لكن مشاوره استعمل القوة، فمزّق السند بحجة أن الخليفة بحاجة إلى واردات فدك في محاربته لقبائل العرب، و لو لا اذعان الخليفة لحقها لما كتب لها.
فكل سنّي ملزم بفعل أبي بكر و كتابته لسند فدك باسم فاطمة (عليها السلام) و الإقرار بأن فدك ملك لها قطعا.
و الذي ينكر ملكية فدك لفاطمة (عليها السلام) فهو لا سنّي و لا شيعي، بل هو منافق ناصبي خبيث، عدو للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و لفاطمة (عليها السلام).
المصادر:
قدّيسة الإسلام للميلاني: ص 159.
118
المتن:
قال أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي في ذكر فدك:
فمن عجيب الأمور و طريفها أن تخرج فاطمة الزهراء البتول سيدة نساء العالمين
393
ابنة خاتم النبيين (عليها السلام)، تندب أباها و تستغيث بأمته و من هدايتهم إلى شريعته في منع أبي بكر من ظلمها؛ فلا يساعدها أحد و لا يتكلّم معها بشر، مع قرب العهد برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع ما يدخل القلوب من الرقّة في مثل هذا الفعل، إذ ورد من مثلها حتى تحمل الناس أنفسهم على الظلم فضلا عن غيره.
ثم تخرج عائشة بنت أبي بكر إلى البصرة تحرّض الناس على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قتال من معه من خيار الناس، ساعية في سفك دمه و دماء أولاده و أهله و شيعته، فتجيبها عشرة ألوف من الناس و يقاتلون أمامها، إلى أن هلك أكثرهم بين يديها؛ إن هذا لمن الأمر العجيب!
و من العجب أن تأتي فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطالبه بفدك و تذكر أن أباها نحلها إياها، فيكذّب قولها و يقول لها: هذه دعوى لا بينة لها. هذا مع إجماع الأمة على طهارتها و عدالتها. فنقول له: إن لم يثبت عندك أنها نحلة فأنا أستحقّها ميراثا. فيدّعي أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و ما تركناه صدقة، و يلزمها تصديقه فيما ادعاه من هذا الخبر، مع اختلاف الناس في طهارته و عدالته، و هو فيما ادعاه خصم لأنه يريد أن يمنعها حقا جعله اللّه لها.
و من العجيب أن يقول لها أبو بكر- مع علمه بعظم خطرها في الشرف و طهارتها من كل دنس و كونها في مرتبة من لا يتّهم و منزلة من لا يجوز عليه الكذب-: ايتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها و خذيها- يعني فدك-.
فأحضرت إليه أمير المؤمنين و الإمامين الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم أيمن، فلم يقبل شهادتهم و أعلّها و زعم أنه لا تقبل شهادة الزوج لزوجته و لا الولد لوالده، و قال: هذه امرأة واحدة- يعني أم أيمن-. هذا مع إجماع المخالف و المؤالف على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
«علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، اللهم أدر الحق معه حيثما دار»، و قوله: «الحسن و الحسين (عليهما السلام) إمامان قاما أو قعدا»، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في أم أيمن: «أنت على خير و إلى خير». فردّ شهادة الجميع مع تميّزهم على الناس.
394
ثم لم يمض الأيام حتى أتاه مال البحرين. فلما ترك بين يديه، تقدم إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال له: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي: إذا أتى مال البحرين حبوت لك ثم حبوت لك، ثلاثا. فقال له: تقدّم فخذ بعددها. فأخذ ثلاث حفنات من أموال المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة و لا شهادة، و يكون أبو بكر عندهم مصيبا في الحالين عادلا في الحكمين!؟ إن هذا من الأمر المستطرف البديع.
و من عجيب أمر المعتزلة إقرارهم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أعلم الناس و أزهدهم بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم يعلمون أنه أتى مع فاطمة (عليها السلام) شاهدا لها بصحة ما ادعته من نحلتها، فلا يستدلون بذلك على صوابها و ظلم مانعها؛ و لا يتساءلون إن أعلم الناس لا يخفى عنه ما يصحّ من الشهادة و ما يبطل و إن أزهد الناس لا يشهد بباطل؛ و إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو كان لا يعلم إن شهادته بذلك- مع من حضره- لا يجوز قبولها و لا يؤثر في وجوب الحكم بها و كان أبو بكر يعلم ذلك، لبطل القول بأنه (عليه السلام) أعلم الناس بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و أنه لو كان يعلم أن فاطمة (عليها السلام) تطلب باطلا و التمست محالا و إن شهادته لا تحلّ في تلك الحال قبولها و لا يسوغ الحكم بها ثم أقدم مع ذلك عليها فشهد لها، لكان قد أخطأ معتمّدا و فعل ما لا يليق بالزهاد و الأتقياء؛ و يظلّ قولهم أنه (عليه السلام) أزهد الناس بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا ينتبهون بهذا الحال من رقدة الخلال!؟
و من عجيب أمرهم اعتقادهم في ردّ أبي بكر شهادة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) بقولهم أن هذا بعلها و هذان ابناها و كل منهم يجرّ إلى نفسه و لا يصحّ شهادة من له حظّ فيما يشهد به، ثم يقبلون مع ذلك قول سعيد بن زيد بن نفيل فيما رواه وحده من أن أبا بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعدا و سعيدا و عبد الرحمن بن عوف و أبا عبيدة من أهل الجنة و يصدّقونه في هذه الدعوى و يحتجّون بقوله! مع علمهم بأنه أحد من ذكره و له حظّ فيما شهد به، و لا يردّون بذلك قوله و لا يبطلون خبره، و يتغطى عليهم أنه لا للزوج من مال زوجته و لا للولد من مال والده إلا ما نحله أباه أو ورثه عنه.
و من عجيب الأمور و عظيم البدع في الدين أن يشهد رجل برّ تقيّ لم يكن قط باللّه مشركا و لا للدين منكرا و لا أكل من حرام سحتا و لا عاقر على خمر نديما و لا ارتكب
395
محرّما و لا جرّب أحد منه قط كذبا و لا علم منه ذنبا و لا كان في طاعة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) مقصّرا و لا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخّرا مع اختصاصه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نسبا و سببا، عند رجل أقام أربعين سنة من عمره كافرا و باللّه تعالى مشركا و لما ظهر و بطن من الفواحش مرتكبا و لمّا ظهر الإسلام لم يعلم أحد أن له فيه أثرا جميلا و لا كفى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مخوّفا، بل عن كل فضيلة متأخّرا و لعهود اللّه ناكثا و كان في علمه ضعيفا و إلى غيره فيه فقيرا.
فيردن شهادته و لا يقبل قوله، و يظهر أنه أعرف بالصواب منه! هذا، و الشاهد متّفق على طهارته و صدقه و إيمانه، و المشهود عنده مخالف في طهارته و صدقه و إيمانه؛ إن هذا مما تنفر منه النفوس السليمة و العقول المستقيمة.
و من العجب أنهم يدّعون على فاطمة البتول سيدة نساء العالمين (عليها السلام) التي أحضرها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمباهلة و شهد لها بالجنة و نزلت فيها آية الطهارة، أنها طلبت من أبي بكر باطلا و التمست لنفسها محالا و قالت كذبا، و يعتذرون في ذلك بأنها لم تعلم بدين أبيها، أنه لا حق لها في ميراثه و لا نصيب لها من تركته، و جهلت هذا الأصل في الشرع. و علم أبو بكر أن النساء لا يعلمن ما يعلم الرجال و لا جرت العادة بأن يتفقّهن في الأحكام.
ثم يدّعون مع هذا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: خذوا ثلث دينكم عن عائشة، لا بل خذوا ثلثي دينكم عن عائشة، لا بل خذوا كل دينكم عن عائشة. فتحفظ عائشة جميع الدين و تجهل فاطمة (عليها السلام) في مسألة واحدة مختصّة بها في الدين؟! إن هذا لشيء عجيب!
و الذي يكثر العجب و يطول فيه الفكر أن بعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعلمها و لم يصنها عن الخروج من منزلها لطلب المحال و الكلام بين الناس، بل يعرضها لا لتماس الباطل و يحضر معها فيشهد بما لا يسوغ و لا يحلّ! إن هذا من الأمر المهول الذي تحار فيه العقول.
و من عجيب أمرهم و ضعف دينهم أنهم نسبوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أنه لم يعلم ابنته- التي هي أعزّ الخلق عنده و الذي يلزم من صيانتها و يتعيّن عليه من حفظها أضعاف ما
396
يلزمه لغيرها- بأنه لا حق لها من ميراثه و لا نصيب له في تركته، و يأمرها أن تلزم بيتها و لا تخرج للمطالبة لما ليس لها و المخاصمة في أمر مصروف عنها؛ و قد جرت عادة الحكماء في تخصيص الأهل و الأقرباء بالإرشاد و التعليم و التأديب و التهذيب و حسن النظر بهم بالتنبيه و التنتيف و الحرص عليهم بالتعريف و التوقيف و الاجتهاد في إيداعهم معالم الدين و تميّزهم عن العالمين.
هذا مع قول اللّه تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، و قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ» (2)، و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «بعثت إلى أهل بيتي (عليهم السلام) خاصة و إلى الناس عامة». فنسبوه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى تضييع الواجب و التفريط في الحق اللازم من نصيحة والده و إعلامه ما عليه و له!
و من ذا الذي يشك في أن فاطمة (عليها السلام) كانت أقرب الخلق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعظمهم منزلة عنده و أجلّهم قدرا لديه، و أنه كان في كل يوم يغدو إليها لمشاهدتها و السؤال عن خبرها و المراعاة لأمرها و يروح كذلك إليها و يتوفّر على الدعاء لها و يبالغ في الإشفاق عليها، و ما خرج قطّ في بعض غزواته و أسفاره حتى ولج بيتها ليودعها و لا قدم من سفره إلا لقوه بولديها. فحملهما على صدره و توجّه بهما إليها. فهل يجوز في عقل أو يتصوّر في فهم أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أغفل إعلامها بما يجب لها و عليها و أهمل تعريفها بأنه لا حظّ في تركته لها و التقدّم إليها بلزوم بيتها بترك الاعتراض بما لم يجعله اللّه لها؟
اللهم إلا أن نقول إنه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصاها (عليها السلام) فخالفت و أمرها بترك الطلب فطلبت و عاندت! فيجاهرون بالطعن عليها و يوجبون بذلك ذمها و القدح فيها و يضيفون المعصية إلى من شهد القرآن بطهارتها، و ليس ذلك منهم بمستحيل، و هو في جنب عداوتهم لأهل البيت (عليهم السلام) قليل.
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 214.
(2). سورة التحريم: الآية 6.
397
و من العجب قول بعضهم لما أغضبه الحجّاج أنه (صلّى اللّه عليه و آله) أعلمها فنسيت و اعترضها الشك بعد علمها فطلبت، و هذا مخالف للعادات، لأنه لم يجر العادة بنسيان ما هذا سبيله، لأنه قال لها: لا ميراث لك مني و إنا معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه صدقة. كان الحكم في ذلك معلّقا بها، فكيف يصحّ في العادات أن تنسي شيئا يخصّها فرض العلم به و يصدّق حاجتها إليه حتى يذهب عنها علمه و تبرز للحاجة و يقال لها: إن أباك قال أنه لا يورث، و لا تذكّر مع وصيته- إن كان وصّاها- حتى تحاجهم بقول اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله تعالى حكاية عن زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2)، و لا تزال باكية شاكية إلى أن قبضت و أوصت أن لا يصلّي ظالمها و أصحابه عليها و لا يعرفوا قبرها.
و من العجب أن يعترض اللبس على أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى يحضر فيشهد لها مما ليس لها، مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا مدينة العلم و علي (عليه السلام) بابها».
و من العجب اعترافهم بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها»، و قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني يؤلمني ما يؤلمها»، و قال: «من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه».
ثم إنهم يعلمون و يتفقون أن أبا بكر أغضبها و آلمها و آذاها، فلا يقولون هو هذا أنه ظلمها و يدّعون أنها طلبت باطلا، فكيف يصحّ هذا و متى يتخلّص أبو بكر من أن يكون ظالما و قد أغضب من يغضب لغضبه اللّه و آلم هو بضعة لرسول اللّه و يتألّم لألمها و آذى من في أذيّته أذية اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و قد قال اللّه تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (3)؛ و هل هذا إلا مباهتة في تصويب الظالم و تهوّر في ارتكاب المظالم.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآية 6.
(3). سورة الأحزاب: الآية 57.
398
و من العجب قول بعضهم أيضا أن أبا بكر كان يعلم صدق الطاهرة فاطمة (عليها السلام) فيما طلبته من نحلته من أبيها، لكنه لم يكن يرى أن يحكم بعلمه فاحتاج في إمضاء الحكم لها إلى بيّنة تشهد بها. فإذا قيل لهم فلم لم يورثها من أبيها، قالوا: لأنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة. فإذا قيل لهم فهذا خبر تفرّد أبو بكر بروايته و لم يروه معه غيره، قالوا هو و إن كان كذلك فإنه السامع له من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يجز له مع سماعه منه و علمه به أن يحكم بخلافه.
فهم في النحلة يقولون أنه لا يحكم بعلمه و له المطالبة بالبينة و في الميراث يقولون أنه يحكم بعلمه و يقضي بما انفرد بسماعه، و المستعان باللّه على تلاعبهم بأحكام الملة و هو الحكم العدل بينهم و بين من عائد من أهله.
و من عجائب الأمور تأتي فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) تطلب فدك و تظهر أنها تستحقها، فيكذّب قولها و لا تصدّق في دعواها و تردّ خائبة إلى بيتها. ثم تأتي عائشة بنت أبي بكر تطلب الحجرة التي أسكنها أباها (عليها السلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تزعم أنها تستحقّها، فيصدّق قولها و يقبل دعواها و لا يطالب بينة عليها و تسلّم هذه الحجرة إليها، فتصرّف فيها و تضرب عند رأس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمعاول حتى تدفن تيما و عديّا فيها، ثم تمنع الحسن بن رسول اللّه (عليه السلام) بعد موته منها و من أن يقرّبوا سريره إليها و تقول: لا تدخلوا بيتي من لا أحبّه، و إنما أتوا به ليتبرّك بوداع جده؛ فصدّته عنه.
فعلى أيّ وجه دفعت هذه الحجرة إليها و أمضى حكمها؟ إن كان ذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها أباها، فكيف لم تطالب بالبينة على صحة نحلتها كما طولبت بمثل ذلك فاطمة (عليها السلام)؟ و كيف صار قول عائشة بنت أبي بكر مصدّقا و قول فاطمة ابنة رسول اللّه (عليها السلام) مكذّبا مردودا؟ و أيّ عذر لمن جعل عائشة أزكى من فاطمة (عليها السلام)، و قد نزل القرآن بتزكية فاطمة (عليها السلام) في آية الطهارة و غيرها و نزل بذم عائشة و صاحبتها و شدة تظاهرهما على النبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و أفصح بذمها.
399
و إن كانت الحجرة دفعت إليها ميراثا، فكيف استحقّت هذه الزوجة من ميراثه و لم تستحق ابنته منه حظا و لا نصيبا؟ و كيف لم يقل هذا الحاكم لا بنته عائشة نظير ما قالت لبنت رسول اللّه (عليها السلام) أن النبي لا يورث و ما تركه صدقة؟
على أن في الحكم لعائشة بالحجرة عجبا آخر و هو أنها واحدة من تسع أزواج خلّفهن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فلها تسع الثمن بلا خلاف، و لو اعتبر مقدار ذلك من الحجرة مع ضيقها لم يكن بمقدار ما يدفن أباها، و كان بحكم الميراث للحسن (عليه السلام) منها أضعاف مما ورثه من أمه فاطمة (عليها السلام) و من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) المنتقل إليه بحق الزوجية منها.
ثم إن العجب كله من أن يمنع فاطمة (عليها السلام) جميع ما جعله اللّه لها من النحلة و الميراث و نصيبها و نصيب أولادها من الأخماس التي خصّ اللّه تعالى بها أهل بيته (عليهم السلام) دون جميع الناس.
فإذا قيل للحاكم بهذه القضية أنها و ولدها يحتاجون إلى إنفاق جعل لهم في كل سنة بقدر قوتهم على تقدير الكفاف، ثم برأيه يجري على عائشة و حفصة في كل سنة اثنى عشر ألف درهم واصلة إليهما على الكمال و لا ينتطح في الحكم عنزان!
المصادر:
1. كنز الفوائد: ص 52، على ما في الإحقاق.
2. إحقاق الحق: ج 33 ص 350، عن كنز الفوائد.
119
المتن:
قال علي بن أحمد الكوفي في ذكر بدع الأول:
... ثم إنه عمد إلى الطامة الكبرى و المصيبة العظمى في ظلم فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)؛ فقبض دونها تركات أبيها مما خلّفه عليها من الضياع و البساتين و غيرها و جعل ذلك كله بزعمه صدقة للمسلمين، و أخرج أرض فدك من يدها فزعم أن هذه
400
الأرض كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إنما هي في يدك طعمة منه لك، و زعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه فهو صدقة.
فذكرت فاطمة (عليها السلام) برواية جميع أوليائه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد جعل لي أرض فدك هبة و هدية، فقال لها: هات بينة تشهد لك بذلك. فجاءت أم أيمن فشهدت لها، فقال: امرأة؛ لا نحكم بشهادة امرأة. و هم رووا جميعا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أم أيمن من أهل الجنة.
فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و شهد لها، فقال: هذا بعلك و إنما يجرّ إلى نفسه. و هم قد رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)، يدور معه حيث دار و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
هذا مع ما أخبر اللّه به من تطهيره لعلي و فاطمة (عليهما السلام) من الرجس و جميع الباطل بجميع وجوهه رجس. فمن توهّم أن عليا و فاطمة (عليهما السلام) يدخلان من بعد هذا الأخبار من اللّه في شيء من الكذب و الباطل على غفلة أو تعمد، فقد كذّب اللّه و من كذّب اللّه فقد كفر بغير خلاف.
فغضبت فاطمة (عليها السلام) عند ذلك، فانصرفت من عنده و حلفت أنها لا تكلّمه و صاحبه حتى تلقى أباها فتشكو إليه ما صنعا بها.
فلما حضرتها الوفاة، أوصت عليا (عليه السلام) أن يدفنها ليلا لئلا يصلي عليها أحد منهم، ففعل ذلك. فجاؤوا من الغد يسألون عنها، فعرفهم أنه قد دفنها، فقالوا له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أوصتني بذلك، فكرهت أن أخالف وصيتها، و هم قد رووا جميعا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل». و لم يجز أن أخالف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مخالفة وصيتها.
فقال عمر: اطلبوا قبرها حتى ننبشها و نصلى عليها. فطلبوه فلم يجدوه و لم يعرفوا لها قبرا إلى هذه الغاية.
401
المصادر:
الاستغاثة للكوفي: ص 35.
120
المتن:
قال علي بن أحمد الكوفي في ذكر بدع الأول:
... و رووا مشايخنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر حين لم يقبل شهادته: يا أبا بكر! أصدقني عما أسألك. قال: قل. قال: أخبرني لو أن رجلين احتكما إليك في شيء في يد أحدهما دون الآخر، أ كنت تخرجه من يده دون أن يثبت عندك ظلمه؟ قال: لا. قال:
فممن كنت تطلب البينة منهما أو على من كنت توجب اليمين منهما؟ قال: أطلب البينة من المدعي و أوجب اليمين على المنكر؛ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «البينة على المدعي و اليمين على المنكر».
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) أ فتحكم فينا بغير ما تحكم به في غيرنا؟! قال: فكيف ذلك؟
قال: إن الذين يزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما تركناه فهو صدقة، و أنت ممن له في هذه الصدقة- إذا صحّت- نصيب، و أنت فلا تجيز شهادة الشريك لشريكه فيما يشاركه فيه، و تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بحكم الإسلام في أيدينا إلى أن تقوم البينة العادلة بأنها لغيرنا. فعلى من أدعى ذلك علينا إقامة البينة ممن لا نصيب له فيما يشهد به علينا و علينا اليمين فيما تنكره؛ فقد خالفت حكم اللّه تعالى و حكم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) إذ قبلت شهادة الشريك في الصدقة و طالبتنا بإقامة البينة على ما ننكره مما أدعوه علينا. فهل هذا إلا ظلم و تحامل؟
ثم قال: يا أبا بكر، أ رأيت لو شهد عندك شهود من المسلمين المعدلين عندك على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة، ما كنت صانعا؟ قال: كنت و اللّه أقيم عليها حدّ اللّه في ذلك. قال له: إذا كنت تخرج من دين اللّه و دين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: لم؟ قال: لأنك تكذّب اللّه و تصدّق المخلوقين، إذ قد شهد اللّه لفاطمة (عليها السلام) بالطهارة من الرجس في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ
402
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً». (1) فقلت أنت: إنك تقبل شهادة من شهد عليها بالرجس- إذ الفواحش كلها رجس- و تترك شهادة اللّه لها بنفي الرجس عنها.
فلما لم يجد جوابا قام من مجلسه ذلك و ترك عليا (عليه السلام).
فانظروا يا أهل الفهم، هل جرى في الإسلام بدعة أظلم و أظهر و أفظع و أعظم و أشنع من طالب ورثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بإقامة البينة على تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؟ أنها لهم مع شهادة اللّه لورثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بإزالة جميع الباطل عنهم، و ذلك كله بحكم الإسلام في أيديهم.
و قد رووا أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن أهل بيت لا تحلّ علينا الصدقة. فيجوز لمسلم أن يتوهّم على أهل بيت الرسول (عليهم السلام) أنهم طلبوا شيئا من الحرام؟! هذا مع ما أخبرهم اللّه بتطهيرهم من الرجس.
كلا، و قد دلّ قول القوم أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: ما تركناه فهو صدقة. على أن المنازعة جرت بينهم و بين أهل البيت (عليهم السلام) في التركة، فلا يخلو أهل بيت الرسول (عليهم السلام) من أن يكونوا طلبوا الحرام بالباطل. فيلزم عند ذلك تكذيب اللّه تعالى فيما أخبر به من تطهيرهم من ذلك. و أما إن يكونوا طلبوا الحق، فقد ثبت ظلم من منعهم من حقهم، و لا يبعد اللّه إلا من ظلم و تعدّى و غشم.
هذا مع تكذيب اللّه لهم فيما ادعوه من صدقة تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إن الأنبياء لا يورّثون، إذ يقول اللّه في كتابه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال فيما أخبر به عن زكريا أنه قال: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (3) فأخبر اللّه بميراث أنبيائه و زعم واضع الخبر المتخرّص أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و ما تركناه فهو صدقة!
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
(2). سورة النمل: الآية 16.
(3). سورة مريم: الآيتان 5، 6.
403
و لعمري لقد كان واضع الخبر و متخرّصه جاهلا كتاب اللّه، إذ لم يعلم ما فيه من تكذيب خبره، و ذلك من امتنان اللّه على المؤمنين في كشف باطل المبطل، و لو كان واضع الخبر جعل ما تخرّصه في تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) منسوبا إلى رسولنا خاصة دون غيره من الأنبياء، لدخلت شبهة على كثير من الناس العارفين فضلا عن الأعجام و جمهور الأعوام. و لكن اللّه أعمى قلبه و سمعه حتى قال فيما اخترصه من ذلك كله ما يكذّبه كتاب اللّه.
المصادر:
الاستغاثة للكوفي: ص 41.
121
المتن:
ذكر المحب الطبري في ما روي عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام):
... و عنه- و قد مثّل عن أمر فدك- فقال: إن فاطمة (عليها السلام) ذكرت لأبي بكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدكا، فقال: ائتني على ما تقولين ببينة. فجاءت برجل و امرأة. فقال أبو بكر:
رجل مع الرجل أو امرأة مع امرأة (1)، فأعيت.
المصادر:
الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرين بالجنة: ج 1 ص 59.
122
المتن:
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
____________
(1). الظاهر إن فيه سقط و الأصل: أو رجل و امرأة مع امرأة.
404
جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب ميراثها و جاء العباس بن عبد المطلب يطب ميراثه و جاء معهما علي (عليه السلام)، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث ما تركناه صدقه.
و ما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعول فعليّ.
فقال علي (عليه السلام): «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)
قال أبو بكر: هو هكذا، و أنت و اللّه تعلم مثل ما أعلم. فقال علي (عليه السلام): هذا كتاب اللّه ينطق.
فسكتوا و انصرفوا ....
المصادر:
جامع الأحاديث للسيوطي: ج 13 ص 87 ح 309.
123
المتن:
قال أبي حنيفة المغربي في إمامة أبي بكر في الصلاة:
... إن الصلاة التي ادعيتموها لم يثبت عندكم لما جاء فيها من الاضطراب في النقل و الأخبار و اختلافهما و أنها كلها من عائشة بنت أبي بكر، و أنتم تقولون: أن من اختلف عنه في حديث كان كمن لم يأت عنه شيء، و رددتم شهادة علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام)؛ فكيف تجيزون شهادة عائشة لأبيها لو قد ثبت عنها ذلك؟ و كيف و هو لم يثبت أنه أمره بالصلاة إلا عن عائشة. فلما علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك خرج فأخّره و صلّى بالناس.
المصادر:
دعائم الإسلام: ج 1 ص 41.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآية 6.
405
124
المتن:
قال الشهرستاني:
و من الطرائف أنه- أبو بكر- ترجع الأمة إلى الأخذ بالقرآن و يخالف هو عمومات الذكر، كما اتضح ذلك من خلال مناقشة الزهراء (عليها السلام) له بقولها حين طالبت بفدك: أعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه من وراء ظهوركم إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»؟ (1) ....
المصادر:
السنة بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): المرحلة الثانية.
125
المتن:
قال الإسكافي المعتزلي في قول عائشة في الصلاة:
... و قد عارضتكم الرافضة في حديثكم، فقالت: كيف قبلتم قول عائشة في الصلاة و جعلتموها حجة و لم تقبلوا قول فاطمة (عليها السلام) في فدك و شهادة أم أيمن لها و علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قد شهد لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة؟
فإن قلتم: إن الحكم في الأصول لا تجب بشهادة امرأة. قلنا: و كذلك الحجة في الدين لا يثبت بقول امرأة ....
المصادر:
المعيار و الموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ص 229.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
406
126
المتن:
قال الإسكافي المعتزلي في ذكر أعمدة من شوامخ علوّه و عظمته و كظم الغيظ و صبره:
... فقد نازعت زوجته أبا بكر و عمر في فدك و شهد علي (عليه السلام) على دعواها، فلم يفد ذلك في استرجاع فدك إليها. فصبر على مرّ الحق عند ما ظهر من أبي بكر و عمر من الحرص البالغ و العزم القاطع على الحكم عليها. ثم ولّى الأمر، فأمضى ذلك على ما لم يزل ....
المصادر:
المعيار و الموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ص 229.
127
المتن:
روى أحمد بن حنبل:
لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أرسلت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ فقال: لا بل أهله. قالت: فأين سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن اللّه عز و جل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه اللّه، جعله للذي يقوم من بعده.
فرأيت أن أراده على المسلمين.
و في رواية عند ابن سعد، قالت: فسهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي جعله لنا و صافيتنا التي بيدك؟ فقال: إني سمعت رسول اللّه يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه؛ فإذا متّ كانت بيد المسلمين. و إذا كان من العجيب أن يترك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عترته دون أن يبيّن لهم حقيقة ميراثه، فإن الأعجب أنه لم يبيّن لنسائه أيضا.
407
روى البخاري عن عائشة قالت: أرسل أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء اللّه على رسوله؛ قالت عائشة: فكنت أنا أردّهنّ فقلت لهن: أ لا تتّقين اللّه، أ لم تعلمن أن النبي قال: لا نورّث و ما تركناه صدقة؟ فانتهين أزواج النبي إلى ما أخبرتهن.
مما سبق نرى أن الزهراء (عليها السلام) طالبت بنحلتها و بالإرث و بسهم ذي القربى، و لكن أبا بكر أبى عليها، و توفّيت بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بستة أشهر.
و في عهد عمر بن الخطاب ذهب علي (عليه السلام) و العباس ينازعان في الميراث، و كان في مجلس عمر يومئذ عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد. فقال لهم عمر:
أ تعلمون أن رسول اللّه قال: لا نورّث ما تركناه صدقة؟ قالوا: نعم. قال عمر: إن اللّه جلّ و عزّ كان خصّ رسوله بخاصة لم يخصّص بها أحدا غيره؛ قال: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ». (1) فقسّم رسول اللّه أموال بني النضير. فو اللّه ما استأثر عليكم و لا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول اللّه يأخذ منه نفقة سنة ثم يجعل لها بقية أسوة المال. أ تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم.
ثم نشد عباسا و عليا (عليه السلام) بمثل ما ناشد به القوم: أ تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما توفّي رسول اللّه قال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللّه. فجئت تطلب ميراثك من ابن أخيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه: ما نورّث ما تركناه صدقة.
فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر و أنا وليّ رسول اللّه و وليّ أبي بكر. فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أني لصادق بارّ راشد تابع للحق، فولّيتها. ثم جئتني أنت و هذا و أنتما جميع و أمركما واحد فقلتما: ادفعها إلينا.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 7.
408
و لنا تعليق على هذه الروايات، و في البداية نقول:
إن حديث لا نورّث لم يرويه إلا أبو بكر وحده. ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد. و في الحديث السابق استشهد عمر و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعدا فقالوا: سمعناه من رسول اللّه. فأين كانت هذه الروايات أيام أبي بكر؛ ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر روى من هذا شيئا.
و في الحديث السابق أيضا، جاء علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر يطلبان الميراث، و قد كان أبو بكر قد حسم هذا كله في عهده و قرّر أمام أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمام علي (عليه السلام) و العباس و فاطمة (عليها السلام)، و عمر حيث كان من المساعدين له: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فكيف يعود العباس و علي (عليه السلام) بعد وفاة أبي بكر يحاولان أمرا قد فرغ منه؟
اللهم إلا أن يكونا ظنّا أن عمر ينقض قضاء أبو بكر في هذه المسألة. و هذا بعيد لأن عليا (عليه السلام) و العباس كانا في هذه المسألة يتّهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك. أ لا تراه يصرّح بأنهما نسباه إلى الكذب و الغدر و الخيانة، فكيف يظنان أنه ينقض قضاء أبي بكر؟
ثم إن قول عمر لعلي (عليه السلام) و العباس عن أبي بكر: فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، ثم قال لما ذكر نفسه: فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا؛ فإذا كانا يزعمان ذلك، فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا أورّث؟
قال ابن أبي الحديد: إن هذا لمن أعجب العجائب، و لو لا أن هذا الحديث مذكور في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحته، و إنما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.
و ورد أيضا أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلوا عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن، و لقد ذكرنا الرواية في ذلك.
409
ثم وجدنا عثمان في مجلس عمر بعد ذلك و عمر يقول: أ تعلمون أن رسول اللّه قال:
لا نورّث ما تركناه صدقة؟ قالوا: نعم، و من جملة الذين أجابوا عثمان. فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلا لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، يسأله أن يعطيهن الميراث.
و روي أيضا أن عمر قال لعلي (عليه السلام) و العباس: أ تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس و فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر يطلبان الميراث على ما ذكر، و هل يجوز أن يقال: كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه؟ و هل يجوز أن يقال: أن عليا (عليه السلام) كان يعلم ذلك و يمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ خرجت من دارها إلى المسجد و نازعت أبا بكر و كلّمته بما كلّمته إلا بقوله و إذنه و رأيه؟!
و إذا تمّ التسليم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورث، فكيف نسلّم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو الذي أنزل عليه قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (1)، و قوله: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)، إلى قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» (3)، و الآيات هنا عامة يدخل فيها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و غيره، بدليل أن الآية لم تستثن أحدا- كيف نسلّم بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكتب وصيته و يقول فيها:
لا نورّث؟ و كيف يبيّن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم لغير الأقربين و يكتمه عن الأقربين و هم ورثته؟
و كيف يظلّ علي و العباس و فاطمة (عليها السلام) على كلمة واحدة، يكذّبون رواية نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و يقولون أنها مختلقة، بينما يزعم عمرو و أبو بكر أن عليا (عليه السلام) و العباس في قصة الميراث زعما هما كاذبين ظالمين فاجرين. و ما رأينا عليا (عليه السلام) و العباس اعتذرا و لا تنصّلا و لا رأينا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنكروا عليه ما حكاه عمر عنهما و نسبه إليهما؛ إن هذا التضارب فتح الأبواب للقيل و القال.
____________
(1). سورة البقرة: الآية 180.
(2). سورة النساء: الآية 11.
(3). سورة النساء: الآية 14.
410
و مما قيل: قيل لرجل من قرية تسمّى الحلة بين الكوفة و البصرة: ما تظنّ قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك، ما قصدا؟ قال: أرادا ألا يظهرا لعلي (عليه السلام)- بعد السقيفة- رقة و لينا و خذلانا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعاه القرح بالقرح.
و قيل لآخر من بلدة تسمّى بليدة في سواد الكوفة: و هل كانت فدك إلا نخيلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال: ليس الأمر كذلك بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألا يتقوّى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة. و لهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة (عليها السلام) و سائر بني هاشم و بني عبد المطلب حقهم في الخمس؛ فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة؛ و هكذا ضاعت فدك و ضاع سهم ذي القربى الذي نصّ عليه كتاب اللّه.
روى أبو داود: أن نجدة الحروري حين حجّ في أيام ابن الزبير، أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى و يقول: لمن تراه؟ قال ابن عباس: لقربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه و أبينا أن نقبله.
و ترتّب على ذلك فيما بعد اختلاف العلماء في الغنائم و كيف توزع و اختلفوا في الفيء و الخمس إلى غير ذلك، و جميع هذه الاختلافات أصلها مصادرة الدولة لنحلة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إرثه و سهم ذي القربى، و هذه الاختلافات ولدت فيما بعد الاختلاف الأعظم في معرفة أهل البيت (عليهم السلام)، و خصوصا عند ما أمر عمر بن الخطاب بعدم رواية الحديث.
فعندئذ اختلف عامة المسلمين في أهل البيت (عليهم السلام)؛ فمن عاكف عليهم هائم بهم و من معرض عنهم لا يعبأ بأمرهم و مكانتهم من علم القرآن، أو مبغض شانئ لهم، و قد وصّاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- بما لا يرتاب في صحته و دلالته مسلم- أن يتعلّموا منهم و لا يعلّموهم و هم أعلم منهم بكتاب اللّه، و ذكر لهم أنهم لن يغلطوا في تفسيره
411
و لن يخطئوا في فهمه. و لكن الوصايا لم تذاع وفقا للمصلحة العامة، حيث كان العديد من الدوائر يتربّص بالإسلام و المسلمين.
و إن أردت العجب، فلك أن تعجب إذا علمت أن مصير فدك بعد سنوات قليلة من منعها عن ريحانة رسول اللّه فاطمة الزهراء (عليها السلام)، قد أصبح في جعبة مروان بن الحكم الذي لعن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أباه و هو في صلبه.
قال في الفتح الرباني: فلما كان عهد عثمان، تصرّف في فدك بحسب ما رأى، فأقطعها لمروان لأنه تأوّل أن الذي يختصّ به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يكون للخليفة بعده. فوصل بها بعض أقاربه أنها التركة التي لغير وارث.
و من العجيب أن الحكام فيما بعد، كانوا يعتبرون التركة من غير وارث ليستولوا عليها. روي أنه في القرن الثالث الهجري أنشأ ديوان خاص يسمّى ديوان المواريث و ذلك في عهد الخليفة المعتمد (256- 279 ه)، و كان هذا الديوان مجالا واسعا لظلم الناس و الإعنات في مواريثهم و أخذ ما لم تجز به السنة. يقول ابن المعتز قرب أواخر القرن الثالث، يشكو ما يجري على أصحاب المواريث:
و ويل لمن مات أبوه موسرا * * * أ ليس هذا محكما شهرا
و طال في دار البلاء سجنه * * * و قيل من يدري بأنك ابنه
فقال جيراني و من يعرفني * * * فنتفوا سباله حتى فنى
و أسرفوا في لكمه و دفعه * * * و انطلقت أكفّهم في صفعه
و لم يزل في ضيق الحبوس * * * حتى رمى لهم بالكيس
و كان سيف الدولة يأخذ المواريث أخذا رسميا. ففي عام 333 ه عيّن ابن عبد الملك الرقي قاضيا على حلب. فكان هذا القاضي يصادر التركات و يقول:
التركة لسيف الدولة، و ليس لي إلا أخذ الجعالة. و كان كثير من الحكّام يحاولون أن يعتبروا التركة من غير وارث ليستولوا عليها.
412
و نعود إلى حيث ابتدأنا فنقول: إن فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت مصيبة فيما ادعته و لم تكن فاطمة (عليها السلام) في حاجة إلى شهادة و بينة، لأنها بنص الآية: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1) معصومة، و الآية تناولت جماعة منهم فاطمة (عليها السلام) بما تواترت الأخبار في ذلك.
و هي أيضا بنص الحديث: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل» معصومة، لأنها لو كانت ممن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل إن إقامة الحد عليها- إن كان صدر منها فعل- يقتضي ذلك أن يكون سارا له و مطيعا (2) و لأنها بعيدة عن كل هذا، كان من آذاها فقد آذاه.
و لا خلاف بين المسلمين في صدقها فيما ادعته، لأن أحدا لا يشك أنها تدّعي ما ادعته كاذبة، و ليس بعد لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة.
و لقد قال البعض عن الفعل الأصح الذي كان يجب أن يكون، قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرم مما ارتكبا منها، فضلا عن الدين. و قال ابن أبي الحديد في تعليقه على هذا القول المفيد: و هذا الكلام لا جواب عنه.
و لقد كان التكرّم و رعاية حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشيء يرضيها- إن لم يستنزل المسلمون عن فدك- و تسلّم إليها تطييبا لقلبها، و قد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه، و قد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان، و إلى اللّه ترجع الأمور.
و إذا تحدّثنا عن الزهراء (عليها السلام)، نجد أنفسنا أمام أسئلة حائرة تبحث لها عن أجوبة. من هذه الأسئلة:
هل بايعت فاطمة الزهراء (عليها السلام) أبا بكر؟ و الإجابة التي نجدها في البخاري و غيره من حديث عائشة عند ما أبو بكر أن يعطي فاطمة (عليها السلام) ما سألت: أن فاطمة (عليها السلام) غضبت و هجرت
____________
(1). سورة الأحزاب: الآية 33.
(2). هكذا في المصدر.
413
أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت. و عند البخاري: أن عليا (عليه السلام) دفنها و لم يخبر أبو بكر بموتها.
و على هذه الإجابة نقول: كيف يستقيم موقف الزهراء (عليها السلام) مع الحديث الصحيح: «من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية»، و حديث: «من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية»؛ هل كانت الزهراء (عليها السلام) مفارقة للجماعة، كيف؟!
و بخصوص علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فلقد روى البخاري و مسلم: كان لعلي (عليه السلام) من الناس وجهة حياة فاطمة (عليها السلام). فلما توفّيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر و مبايعته و لم يكن بايع تلك الأشهر. فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب. فقال عمر لأبي بكر: و اللّه لا تدخل عليهم وحدك! فقال أبو بكر: و ما عساهم أن يفعلوا بي، إني و اللّه لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر.
قال المفسّرون: إنه كان لعلي (عليه السلام) من الناس وجه حياة فاطمة (عليها السلام)، أي وجه و إقبال في مدة حياتها، و قيل: وجه من الناس حياة فاطمة (عليها السلام)، أي جاه و عزّ فقدهما بعدها، و بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) استنكر علي (عليه السلام) وجوه الناس، أي لم يعجبه نظرهم إليه. فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد. قال المفسرون: أي لئلا يحضر معه من يكره حضوره و هو عمر بن الخطاب، لما علم من شدته و صدعه بما يظهر له؛ فخاف هو و من معه ممن تخلّف عن البيعة أن ينتصر عمر لأبي بكر فيصدر عنه ما يوحش صدورهم على أبي بكر بعد أن طالبت و انشرحت له.
أما قول عمر: لا تدخل عليهم وحدك، فمن خوفه أن يغلظوا على أبي بكر في العتاب، و يحملهم على الإكثار من ذلك لين عريكة أبي بكر و صبره عن الجواب. و بين استنكار وجوه الناس و بين الخوف من غلظة عمر- كما قال المفسرون- روى البخاري و مسلم: فقال علي (عليه السلام) لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة.
و يبقى السؤال: هل يوجد دليل واحد يقول بأن عليا (عليه السلام) يستمدّ الجاه و العزّ من وجوه الناس، و هو الذي أطاح برقاب الجبابرة على امتداد حياته، و عاش مظلوما و مات مظلوما، و ما هو رزن بيعة مدخلها إرضاء الناس؟
415
و روى أن عليا (عليه السلام) عند ما سمع قول أبي بكر بأن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث و ما تركناه صدقة، قال علي (عليه السلام): «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ...». (2) هذا كتاب اللّه ينطق.
و روى أن فاطمة (عليها السلام) نازعت في سهم ذي القربى الذي نصّ القرآن عليه، و كانت الدولة قد وضعت يدها عليه.
المصادر:
معالم الفتن: ج 1 ص 315.
129
المتن:
قال المفيد في بغض عائشة لأمير المؤمنين (عليه السلام):
... و من ذلك ما اجتمع عليه أهل النقل في شهادتها لأبي بكر في صواب منعه فاطمة (عليها السلام) فدكا، و مباينتها في تلك الشهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ذهب إليه من استحقاقها، و مظاهرة أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) من ميراث أبيها؛ و لم تشركها في ذلك إحدى الأزواج.
المصادر:
الجمل و النصرة لسيد العترة (عليه السلام): ص 428.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآية 6.
414
ثم إذا كان الناس قد انفضّوا من حول علي (عليه السلام)، فلما ذا خاف عمر على أبي بكر أن يدخل عليهم وحده؟ و أيّ عتاب هذا الذي كان الفاروق يخشاه على أبي بكر؟
ثم نعود إلى حديث من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية، فنقول:
أ لم يعلم علي (عليه السلام) بهذا الحديث؟ فإذا كان قد بايع بعد وفاة الزهراء (عليها السلام)، فهل كان علي (عليه السلام) يعلم أنه سيعيش إلى ما بعد أبي بكر فتأخّر عن بيعته تلك الشهور الستة؟ و لقد لعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المسوّفون الذين يقولون: سوف أعمل غدا كذا و كذا، ثم يأتيهم الموت على شرّ و لم يعملوا شيئا؛ إن هذه أسئلة.
و لقد بعد العهد الآن بيننا و بينهم و لا نعلم حقيقة ما كان، و إلى اللّه ترجع الأمور.
المصادر:
معالم الفتن: ج 1 ص 316.
128
المتن:
في معالم الفتن:
و بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وضعت الدولة اليد على فدك و انتزعتها من يد الزهراء (عليها السلام)، و من هنا بدأ نزاع فاطمة (عليها السلام) و أبي بكر.
روى البخاري عن عائشة: إن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
لا نورّث، ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرت أبا بكر؛ فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. و كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك ....
417
المصادر:
الصراط المستقيم للنباطي البياضي: ج 2 ص 289.
132
المتن:
قال محمد بن الحسن الحرّ العاملي نقلا عن ابن أبي الحديد:
و روى روايات كثيرة في فدك و قال: إني نقلتها من كتب الحديث لا من كتب الشيعة.
فنقل من كتاب أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك أخبارا مضمونها:
أنها كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، و أنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و أن أبا بكر منعها فاطمة (عليها السلام) بعد ما طلبتها. فتألّمت و تظلّمت و قالت: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا.
و أنها بكت و استنجدت المهاجرين و الأنصار و استنصرتهم لطلب حقها و ما غصب منها، و أنها قالت لأبي بكر: و اللّه لا كلّمتك أبدا، إذا و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن لا يصلّي عليها فدفنت ليلا، و أنها ادعت النحلة و شهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن، فلم يقبل أبو بكر شهادتهما.
و روى: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و قال: لم يرو هذا الخبر غير أبي بكر.
و روى حديث مرافعة علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر، يطلبان الميراث و النحلة و أنه يقبل، و أن عمر قال لهما: أنكما تزعمان أن أبا بكر فاجر ظالم و اللّه يعلم أنه صادق بارّ، و تزعمان أني ظالم فاجر و اللّه يعلم إني صادق بارّ، و قال: هذا الحديث مرويّ في الصحاح، لا يمكن ردّه.
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 358.
416
130
المتن:
قال القاضي أبو حنيفة النعمان في صلاة أبي بكر بالناس مكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما جاء عن عائشة:
.... و قد عارضتكم الرافضة في حديثكم هذا، فقالوا لكم: قبلتم قول عائشة في الصلاة و جعلتموها حجة و لم تقبلوا قول فاطمة (عليها السلام) في فدك أو شهادة أم أيمن لها، و قد شهد لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالجنة و قال: إنها سيدة نساء العالمين.
فإن قلتم: لأن الحكم في الأموال لا يجب بشهادة امرأة. قلنا لكم: و كذلك الحكم في الدين لا يقبل بقول امرأة، و لإن كانت صلاة أبي بكر توجب له التقديم على من صلّى خلفه و أنه أفضل منهم، فصلاة عمرو بن العاص بأبي بكر و عمر توجب له التقدمة عليهما ....
المصادر:
شرح الأخبار لأبي حنيفة: ج 2 ص 233.
131
المتن:
قال علي (عليه السلام) لأبي بكر:
لو شهد العدول على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة، ما كنت صانعا؟ قال: أحدّها. قال: إذن تخرج من الإسلام، لأنك تركت شهادة اللّه لها بإذهاب الرجس عنها و صدّقت الخلق بإثباته فيها.
فقام من المجلس و ترك عليا (عليه السلام).
قالوا: لا يلزم من عصمتها أخذ مدّعاها بغير بينة منها، لأن أباها مع نبوته لا يحكم له بدون بينة. قلنا: هذا يضحك الثكلى، فإذا لم يعرف كون البينة حجة إلا بقوله، فكيف لا يقبل قوله إلا ببينة؟! إن هذا لشيء عجاب!
418
133
المتن:
قال الشيخ الزنجاني في مدينة البلاغة بعد نقل خطبته (صلّى اللّه عليه و آله) في الفتن، قالها في مرضه (صلّى اللّه عليه و آله):
قلت: هذا الحديث رواه الفريقان، غير أن كل ناس على وجه قوله: أتت الفتن، يعني فتنة الخلافة و ردّها إلى غير أهلها و إيذائهم أهل بيته (عليهم السلام)، خصوصا فاطمة (عليها السلام)، و أخذهم فدكا من يدها و إخراجهم عاملها منها و ادعائهم على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث. نعوذ باللّه أن يقال عليه ما لم يقله، خصوصا على خلاف ما نطق به القرآن بتوريث الأنبياء.
مضافا إلى أن فدكا كانت نحلة و هبة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها في حياته، و كانت فاطمة (عليها السلام) متصرفة فيها زائدا عليها، و ردّهم عليها شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و الحسنين (عليهما السلام) و إيذائهم الأنصار، إلى غير ذلك من الفتن.
و أما احتمال كون المراد منها خروج مسيلمة، فإنه مضافا إلى وحدته، كان موجودا في عصره بعيد على الظاهر، كما لا يخفى.
المصادر:
مدينة البلاغة: ج 1 ص 116.
134
المتن:
قال هاشم معروف الحسني:
و جاء في شرح النهج عن أبي سعيد الخدري: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) وهبها لفاطمة (عليها السلام)، و لما انتهت الخلافة لأبي بكر كان أول ما قام به أن انتزعها من يدها بحجة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على حد زعمه
419
قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و أصرّ على انتزاعها من يدها بالرغم من أنها طالبت بها و أقامت البينة على ملكيتها لها.
و في بعض الروايات أنها لما أفحمتهم بحجتها، كتب لها كتابا فيها و دفعه إليها، و لكن عمر بن الخطاب أبى عليه ذلك و انتزع الكتاب منها في حديث طويل، لا يعنينا منه أكثر من هذه الإشارة العابرة، و ظلّت في يد الخلفاء كمورد من موارد الدولة، حتى انتهى الحكم لمعاوية.
فقسّمها ثلاثا بين مروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية، و انتهت كلها لمروان أيام خلافته فوهبها لولده عبد العزيز، و عبد العزيز وهبها لولده عمر بن عبد العزيز. و لما انتهت الخلافة إليه، كانت أول ظلامة ردّها على العلويين و سلّمها للإمام علي بن الحسين (عليه السلام). فكان يوزع ناتجها على ذرية فاطمة (عليها السلام).
و بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، انتزعها من العلويين يزيد بن عبد الملك، و بقيت بيد خلفائهم إلى أن جاءت الدولة العباسية. فردّها أبو العباس السفاح- أحد حكّامهم- على العلويين، و انتزعها المنصور بعد ثورة عبد اللّه بن الحسن، ثم ردّها عليهم المهدي العباسي، و انتزعها منهم موسى بن المهدي العباسي، و بقيت في أيدي العباسيين إلى عهد المأمون فسلّمها للفاطميين، و بقيت في أيديهم إلى أن جاء المتوكل و كان شديد الكراهية لعلي (عليه السلام) و بنيه. فانتزعها منهم إلى كثير من المرويات حولها.
و مما يؤكّد أن فدكا كانت لفاطمة (عليها السلام) هبة لها من أبيها ما جاء في كتاب علي (عليه السلام) لعثمان بن حنيف الأنصاري، فقد قال فيه: بلى، كانت في أيدينا فدك من كل أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه.
و لما اطمأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على مصير الإسلام من اليهود و تضعضع مركزهم في بلاد العرب و أراد الرجوع إلى المدينة، جاءته زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم بشاة مطبوخة، كانت قد وضعت فيها السم و أكثرت منه في ذراعها بعد أن بلغها أنه يحبّ من الشاة لحم الذراع.
420
فلما وضعتها بين يديه، جلس هو و أصحابه ليأكلوا. فتناول منها الذراع و وضع قطعة منه في فمه، فلاكها و لم يستسغها، فلفظها و هو يقول: إن هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم، و كان بشير بن البراء قد تناول قطعة و ازدردها. ثم توقف هو (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه عن الأكل و دعا بزينب و سألها عن السمّ. فاعترفت و قالت: لقد بلغت من قومي ما بلغت، فصنعت لكم هذه الشاة و قلت في نفسي، إن كان ملكا قد أدركت ثأري منه و إن كان نبيا- كما يدعى- فسيخبره اللّه بذلك، و مات بشير بن البراء من ساعته.
و اختلف الرواة بشأن زينب بعد هذه الحادثة؛ فقيل: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبل عذرها و عفا عنها لأنها صنعت ذلك بدافع الثأر لأبيها و زوجها، و قيل: إنه أمر بقتلها في بشير بن البراء الذي قتله السم، و هو الأرجح، و لا يمكن أن يقبل لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عذرا في إقدامها على هذه الجريمة.
و يدّعي المؤرخون أن آثار السم بقيت في جسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تغلّبت عليه في مرضه الأخير، و بتأثيرها كانت وفاته كما يزعمون.
و تجهّز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك للعودة إلى المدينة عن طريق وادي القرى. فاستعدّ يهودها لقتال المسلمين، فعبأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أصحابه- كما جاء في رواية الواقدي- و دفع لواءه لسعد بن عبادة.
ثم دعاهم إلى الإسلام و قال لهم: إن أسلمتم تحرزون أموالكم و دماءكم، و لكنهم رفضوا الإسلام و أصرّوا على المقاومة. فبرز منهم رجل و طلب القتال، فخرج إليه الزبير و قتله. ثم برز رجل آخر من أبطالهم، فبرز إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) و احتدمت المعركة بين الطرفين حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، و كان كلما قتل علي (عليه السلام) منهم رجلا دعاهم إلى الإسلام و هم يرفضون.
و استمرّ القتال بينهم و بين المسلمين إلى اليوم الثاني. فلما ارتفعت الشمس، استسلموا؛ فاستولى المسلمون على أموالهم و أمتعتهم و ترك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لهم الأرض و النخيل على أن يستعملوها بنصف ناتجها كما صنع مع أهل خيبر.
421
أما يهود تيماء، فقد عرض عليهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية، فقبلوا بالجزية و التزموا بدفعها و لم يقع بينهم و بين المسلمين قتال، و انتهى بذلك كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة، و أصبح المسلمون بمأمن من ناحية الشمال إلى حدود الشام، كما أصبحوا بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية.
و جاء في كتب الحديث و السيرة أن أحد المسلمين ممن اشتركوا في غزوة خيبر يدّعي الحجاج بن ملاط السلمي كانت له ديون في مكة على جماعة من أهلها و خاف أن يمتنعوا عن وفائها. فجاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد سقوط خيبر و فدك في أيدي المسلمين و قال له: يا رسول اللّه، إن لي عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة و غيرها أموالا و لا استطيع تحصيلها إلا أن أقول ما ليس بواقع. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): قل ما تشاء يا حجاج.
فخرج الحجاج مسرعا حتى انتهى إلى مكة. قال: فوجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش، خرجوا يتطلّعون إلى أخبار معركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع اليهود و نتائجها و كان يهمّهم أن يهزم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في تلك الغزوة- كما ذكرنا-. فلما رأوني أسرعوا إليّ و لم يكونوا قد علموا بإسلامي و قالوا: لقد بلغنا أن القاطع سار بمن معه إلى خيبر، فأخبرنا بما عندك.
فقلت لهم: إن عندي من الخبر ما يسرّكم. فالتفّوا حول ناقتي، فقلت لهم: لقد هزم اللّه محمدا و أصحابه هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط؛ لقد قتل أصحاب محمد و وقع هو أسيرا بيد اليهود و اتفقوا على أن يرسلوه إليكم لتقتلوه بما أصاب من رجالكم.
فاستبشروا و صاحوا بمكة من جميع الجوانب يبشّرون أهلها بذلك و يقولون: إن محمدا وقع أسيرا في يد اليهود و سيقدّمون به عليكم ليقتل بين أظهركم.
ثم قال لهم الحجاج: أعينوني على جمع أموالي من غرمائي لأني أريد أن أرجع فورا إلى خيبر لأشتري مما غنمه اليهود من محمد قبل أن يسبقني التجار إلى ذلك. فأسرعوا في جمع الديون التي كانت لي بكاملها، و جئت صاحبتي فأخذت منها ما كان لي عندها
422
من المال، و قلت لها: إني راجع مسرعا لعلّي أصيب مما غنمه اليهود من محمد قبل أن يسبقني إليه التجار.
و انتشر الخبر بين أحياء مكة و بيوتها بأسرع ما يكون، و أخذ كل واحد يبشّر الآخر و علت الهتافات و الزغاريد، و شهدت مكة في تلك الساعات من الفرح و البهجة ما لم تشهده في تاريخها الطويل، و لكن هذه الشائعة كانت صدمة على الهاشميين، كادت تزهق لها نفوسهم.
و لما سمع العباس بن عبد المطلب، جاءني مسرعا و وقف إلى جانبي و أنا في خيمة من خيام التجار، فقال لي: يا حجاج! ما هذا الذي جئت به؟ فقلت له: هل عندك حفظ لما أضعه عندك؟ قال: نعم. فقلت له: تأخّر حتى ألقاك على خلاء، فإني مشغول بجمع مالي.
فانصرف عني حتى إذا انتهيت من جمع كل شيء كان لي بمكة و عزمت على الخروج منها، خلوت به و قلت له: احفظ عليّ حديثي يا أبا الفضل ثلاثا، فإني أخشى الطلب و بعد ذلك قل ما تشاء. فقال: أفعل ذلك.
فقلت له: و اللّه لقد تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم صفية بنت حيّ بن أخطب، و لقد افتتح خيبر و فدك و استولى على أموالهم و أصبحت له و لأصحابه. فقال:
ما تقول يا حجاج؟! فقلت: و اللّه أن الأمر كذلك، فاكتم عليّ ثلاثا، و إني قد أسلمت و جئتهم بهذا الخبر لآخذ أموالي خوفا من أن أغلب عليها، و انصرفت عنه.
فلما كان اليوم الثالث، لبس العباس حلّة له و تخلّق و أخذ عصاه، ثم خرج و أتى الكعبة فطاف بها. فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل! هذا و اللّه التجلّد لحرّ المصيبة. قال: كلا و الذي حلفتم به، لقد افتتح خيبرا و أحرز أموالهم و أصبح عروسا على ابنة ملكهم و أصبحت خيبر له و لأصحابه. فقالوا: من جاءك بهذا الخبر؟! قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، و لقد دخل عليكم و أخذ ماله ليلحق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه. فقالوا: لقد أفلت عدو اللّه؛ أما و اللّه لو علمنا بذلك لكان لنا و له شأن.
423
و ما لبثوا حتى جاءتهم الأخبار بانتصار الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و استيلائه على خيبر و فدك و غيرها و رجوعه إلى المدينة بمن معه من أصحابه فاتحين فرحين بنصر اللّه.
و كان رجوعه خلال النصف الثاني من صفر. فأقام بالمدينة شهري ربيع و جماديين و رجب و شعبان و رمضان و شوال من السنة السابعة.
و خلال المدة التي أقامها في المدينة، إلى أن جاء الموعد الذي تواعد فيه مع قريش على الرجوع إلى مكة لأداء مناسك الحج، خلال تلك الأشهر انصرف إلى تنظيم أمور المسلمين و تبليغ الأحكام حسبما كانت تنزل عليه بين الحين و الآخر، و كان مع ذلك يبعث السرايا، السريّة تلو الأخرى، يتعقّبون عبدة الأصنام من الأعراب عند ما يبلغه أنهم يفكّرون في الاعتداء على المسلمين، أو سلب شيء من أموالهم، و تمكّن المسلمون من أولئك الأجلاف الغلاظ قبيلة أثر قبيلة، بعد أن تبدّد شملهم في غزوة الأحزاب، و بعد موادعة قريش في الحديبية و القضاء على آخر معقل من معاقل اليهود في خيبر و فدك و تيماء و غيرها.
المصادر:
سيرة المصطفي (صلّى اللّه عليه و آله): ص 559.
135
المتن:
قال في بلغة الفقيه نقلا عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد بعنوان ما ورد من السير و الأخبار في أمر فدك:
و في نفس المصدر و غيره من مصادر التاريخ أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأبي بكر: إن فدك وهبها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشهد، و جاءت أم أيمن فشهدت أيضا.
424
فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف فشهدا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقسّمها.
قال أبو بكر: صدقت يا بنت رسول اللّه و صدق علي و صدقت أم أيمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن بن عوف ....
قال ابن أبي الحديد: و مثله غيره: طالبته أولا نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ...، مع اعترافه في احتجاج علي (عليه السلام) معه بعدم سؤال البينة من ذي اليد، بل تسأل ممن يدّعي عليه و ليس إلا لبطلان اليد بدعوى الانتقال بالنحلة التي لو تتمّ لكان فيئا لا ميراثا ....
و لما منعت منها طالبت ضرورة بالميراث، لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصّل إلى تناوله بكل وجه و سبب. فقال أبو بكر بعد أن احتجّت عليه الزهراء (عليها السلام) بتلك الخطبة البليغة: يا خير النساء و ابنة خير الأنبياء! و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عملت إلا بإذنه و إن الرائد لا يكذّب أهله، و إني أشهد اللّه- و كفى باللّه شهيدا- أني سمعت رسول اللّه يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا دارا و لا عقارا، و إنما نورّث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة.
هذا بإيجاز، و للتفصيل عن موضوع فدك يراجع ما كتبناه في تعليقنا على الجزء الثالث من تلخيص الشافي.
المصادر:
بلغة الفقيه: ج 3 ص 352.
136
المتن:
قال العلامة الجليل كاشف الغطاء في مساوئ و مطاعن أبي بكر:
و منها منع فاطمة الزهراء (عليها السلام) إرثها برواية مخالفة للقرآن، و قد روى البخاري بطريقين أن فاطمة (عليها السلام) أرسلت تطالبه بميراثها، فمنعها من ذلك. فغضبت على أبي بكر و هجرته و لم تكلّمه حتى ماتت، و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبو بكر.
425
و هذا لا يكون إلا من عدم إنذار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام)، فيلزم أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد خالف اللّه تعالى في قوله تبارك و تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، لأنه لم ينذر عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و العباس و لا أحدا من بني هاشم إلا مرّتين و لا أحدا من نسائه و لا أحدا من المسلمين.
و روى الحافظ ابن مردويه بأسناده إلى عائشه: أنها ذكرت كلام فاطمة (عليها السلام) لأبيها و قالت في آخره: و أنتم تزعمون أن لا إرث لنا؛ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ...»؟ (2) يا معشر المسلمين! إنه لا أرث أبي؟! يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه ترث أباك و لا أرث أبي؟
لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مرحولة مختومة في عنقك، تلقاه يوم حشرك و يوم نشرك؛ فنعم الحكم اللّه تعالى و المقيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد يوم القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون.
و روى الواقدي و غيرهم من العامة: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح خيبرا، اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرئيل بهذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (3) فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله):
و من ذا القربى و ما حقه؟ قال جبرئيل: فاطمة (عليها السلام). فدفع إليها فدك و العوالي. فاستعملتها حتى توفّي أبوها.
فلما بويع أبو بكر منعها، فكلّمته فقال: ما أمنعك عما دفع إليك أبوك. فأراد أن يكتب لها، فاستوقفه عمر فقال: امرأة، فلتأت على ما ادّعت ببينة. فأمرها أبو بكر، فجاءت بعلي و الحسنين (عليهم السلام) و أم أيمن و أسماء بنت عميس. فردّ شهادتهم فقال: لا؛ أما علي فإنه يجرّ نفعا إلى نفسه و الحسنان ابناك و أم أيمن و أسماء نساء. فعند ذلك غضبت عليه فاطمة الزهراء (عليها السلام) و حلفت أن لا تكلّمه حتى تلقى أباها و تشكو إليه.
و هذا يدلّ على نهاية جهله بالأحكام، على أنهما لم يكن عندهما مثقال ذرة من الإسلام، و هل يجوز على الذين طهّرهم اللّه بنصّ الكتاب أن يقدّموا على غصب المسلمين أموالهم و أن يدلّهم أبو بكر على طريق الصواب؟ فاعتبروا يا أولي الألباب.
____________
(1). سورة الشعراء: الآية 214.
(2). سورة المائدة: الآية 50.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
426
مع أنه قد روى مسلم في صحيحه بطريقين: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة الزهراء (عليها السلام) بضعة مني، يؤذيني من آذاها».
و روى البخاري في صحيحه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني».
و كذلك روى هذين الحديثين في الجمع بين الصحيحين و روى في الجمع بين الصحاح: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني و سيدة نساء العالمين»، ثم قال:
«سيدة نساء أهل الجنة».
و روى بطريق آخر أيضا: أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين- أو- سيدة نساء أهل الجنة؟».
و روى بطريق آخر أيضا: قال لها: «أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين- أو- سيدة نساء هذه الأمة؟».
و كذلك رواه البخاري في صحيحه، و كذلك رواه الثعلبي.
المصادر:
كشف الغطاء: ص 17.
137
المتن:
قال سليم بن قيس في الحديث 18 من كتابه:
... أ رأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى المكان الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رددت فدك إلى ورثة فاطمة (عليها السلام) و رددت ما قسّم من أرض خيبر و محوت ديوان الأعطية و أعطيت كما كان يعطي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم أجعله دولة بين الأغنياء ...، لنادى بعض الناس من أهل العسكر ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام! و قالوا: غيّرت سنة عمر؟ ....
427
المصادر:
كتاب سليم بن قيس الهلالي: ج 2 ص 721 ح 18.
138
المتن:
قال في المنهاج في شرح قوله (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك ...»:
... فبخلت بها قوم، سلبوها و أخذوها من أيدينا غصبا و هم المتصدون لغصب خلافته خوفا منهم أن يجمع الناس حول أهل البيت (عليهم السلام) برجاء هذا المال. فأيّدوهم و استردّوا حقهم.
«و سخت عنها نفوس آخرين»، يظهر من بعض الشراح أن المراد من نفوس آخرين هم أهل البيت (عليهم السلام)، أي تركوها في أيدي الغاصبين و انصرفوا عنها. قال الشارح المعتزلي: «و سخت عنها نفوس آخرين» أي سامحت و أغضت، و ليس يعني بالسخاء هاهنا إلا هذا لا السخاء الحقيقي، لأنه (عليه السلام) و أهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا و قسرا.
أقول: يمكن أن يكون المراد من الآخرين هم الأنصار، حيث سكتوا عن مطالبة حقهم و قعدوا عن نصرتهم لاسترداده و إن لم يبخلوا بكونها في أيديهم، و هذا هو الظاهر لأنه (عليه السلام) في مقام الشكوى إلى اللّه عمن ظلمه و أهله في غصب فدك، و قد سامح الأنصار في نصرته لردّها بعد مطالبتها من جانب فاطمة (عليها السلام).
قال في شرح المعتزلي: قال أبو بكر: حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا حيّان بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا، فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، و كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
428
و قال ابن ميثم: ثم المشهور بين الشيعة و المتفق عليه عندهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فاطمة (عليها السلام)، و رووا ذلك من طرق مختلفة.
منها: عن أبي سعيد الخدري، قال: لما أنزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك. فلما تولّى أبو بكر الخلافة، عزم على أخذها منها. فأرسلت إليها يطالبها بميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و تقول: إنه أعطاني فدكا في حياته، و استشهدت على ذلك عليا (عليه السلام) و أم أيمن. فشهدا لها بها.
فأجابها عن الميراث بخبر رواه هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث فما تركناه فهو صدقة، و عن دعوى فدك: أنها لم تكن للنبي و إنما كانت للمسلمين في يده، يحمل بها الرجال و ينفقه في سبيل اللّه، و أنا إليه كما كان يليه.
المصادر:
منهاج البراعة: ج 20 ص 96.
139
المتن:
قال في المنهاج بعد ذكر الخطبة و شطر مما ورد في أمر فدك من طريق أهل السنة:
... و قد بحث الفريقان في هذه المسألة بحثا وافيا لا مزيد عليه، و أوّلوا ما ورد فيه و ما صدر من النصوص بكل وجه ممكن لتأييد كل فريق مذهبه. و كفى في ذلك ما نقله الشارح المعتزلي عن قاضي القضاة و ما نقله من النقد و الردّ عليه من السيد المرتضى و ما علّق على نقوض السيد المرتضى انتصارا لقاضي القضاة؛ من أراد الاطلاع فليرجع إليه، و نحن نلخّص البحث في أمر فدك بما يلي:
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
429
الأول: لا خلاف و لا شك في أن فدك كانت ملكا صافيا خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأن أهلها ملّكوها إياها صلحا على أن يزرعوها بنصف عوائدها، و ما روي من أنه (صلّى اللّه عليه و آله) صالحهم على النصف، محمول على العوائد لا على صلب الملك، و لا ينافي مع ما دلّ على أن أهلها صالحوه على جميعها، و الدليل على ذلك من وجوه:
1. قوله تعالى: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». (1)
ظاهر هذه الآية أن ما عطاء اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من أهل القرى من غير إيجاف الخيل و الركاب و زحف المجاهد و المحارب فهو خاصة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، لا يشترك فيه سائر المسلمين، كأرض صالح أهلها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّموها إليه أو باد أهلها أو تركوها و هاجروا منها. و فدك مما سلّمها أهلها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من دون حرب و زحف، فهي له خاصة، و الآية التالية تنظر إلى الفيء الذي أخذ عنوة؛ فهو للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ذوي القربى و غيرهم.
2. اعتراف أبي بكر بأنه للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث تمسّك بمنعها عن فاطمة (عليها السلام) بحديث رواه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو قوله: لا نورّث، ما تركناه صدقة. مع أنه لو لم يعترف بكونها ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يحتاج إلى التمسك بهذا الحديث، بل يمنعها باعتبار عدم ارتباطها بها.
3. أنه بعد ما ادعت فاطمة (عليها السلام) أنها نحلة أبي و قد وهبها لي، طلب أبو بكر منها الشهود، و طلب الشهود على النحلة يدلّ على اعترافه بأنها ملك مخصوص بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه لا هبة إلا في ملك.
نعم، قال في الشرح المعتزلي: قال أبو بكر: و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال:
قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها:
يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك .... إن هذا المال
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
430
لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا ....
و يرد الإشكال على هذا الحديث بوجوه:
1. معارضته صريحا مع ما رواه في الشرح أيضا: قال أبو بكر: حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا يحيى بن بشر، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصّنوا. فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحقن دماءهم و يسيّرهم، ففعل. فسمع ذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك؛ و كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
و هذا الحديث صريح و معلّل و موافق للقرآن، و له وجوه من الترجيح سندا.
2. قال الشارح المعتزلي: و أما الخبر الثاني- و هو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه- ففيه إشكال أيضا، لأنه قال: إنها طلبت فدك و قالت: إن أبي أعطانيها و إن أم أيمن تشهد لي بذلك. فقال لها أبو بكر في الجواب: إن هذا المال لم يكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه.
فلقائل أن يقول له: أ يجوز للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين لوحي أوحى اللّه إليه؟ ... و هذا ليس بجواب صحيح.
3. مخالفته مع الآية السابقة السادسة من سورة الحشر كما بيّناه. فالقول بأن فدك لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) مردود و مخالف لما عليه الفريقان. فإذا ثبت أن فدك كانت خاصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يثبت أن انتقالها إلى فاطمة (عليها السلام) كان بهبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إياها لا بالإرث، فإنه لو كان بالإرث لا يختصّ بفاطمة (عليها السلام)؛ فإنها لم تك وارثة منحصرة له (صلّى اللّه عليه و آله)، بل تشترك معها أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التسع و عصبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، على مذهب العامة؛ فلا يصحّ لها دعوى كل فدك.
431
و لم يرد في رواية اشتراك غيرها معها في دعوى فدك، إلا ما رواه في الشرح عن أبي بكر بسنده، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هما حينئذ يطلبان أرضه بفدك و سهمه بخيبر. فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال، و إني و اللّه لا أجيز أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنعه إلا صنعته.
قال: فهجرته فاطمة (عليها السلام) فلم تكلّمه حتى ماتت.
و هذه رواية شاذّة تتضمّن إرث العصبة مع الأولاد، و هو مخالف لمذهب الإمامية، مع احتمال أن يكون أرضه بفدك غير ضيعة فدك، بل قطعة أرض مخصوصة فيها.
الثاني: لا بد و أن يكون في بحث فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر دعويان:
1. دعوى فدك بعنوان النحلة لا بعنوان الميراث.
2. دعوى ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مما تركه من غير فدك و هو أمور؛ منها سهمه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر، و منها سهم الخمس الذي كان له في حياته من سهم اللّه و سهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و منها سائر ما يملكه من الدار و المتاع و غيرهما؛ و قد حازها كلها أبو بكر بحجة ما تفرّد بروايته من قوله: لا نورّث ما تركناه صدقة.
فدعوى الهبة و الإرث لم تتعلق بموضوع واحد و هو فدك، بل الهبة متعلقة بفدك و دعوى الإرث بغيرها. كما يستفاد مما رواه في الشرح المعتزلي عن أبي بكر بسنده إلى أم هاني: أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي و أهلي. قالت: فما لك ترث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوننا؟ قال: يا بنت رسول اللّه، و ما ورّث أبوك دارا و لا مالا و لا ذهبا و لا فضة. قالت: بلى، سهم اللّه الذي جعله لنا و صار فيئنا الذي بيدك. فقال لها: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنما هي طعمة أطعمنا اللّه، فإذا متّ كانت بين المسلمين.
و لا بد من القول بأن الدعويين مختلفتان و لم تتواردا على مورد واحد، فإنهما متكاذبان، لأن دعوى الهبة تقتضي الاعتقاد بخروج المورد عن ملك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و دعوى الإرث تقتضي بقاءه في ملكه إلى حين الموت. اللهم إلا أن يقال: إن دعوى
432
الهبة مقدمة على دعوى الإرث، فلما ردّت طرحت دعوى الإرث على وجه التنزل عنها و على وجه الجدال مع الخصم، و فيه بعد.
و قد اختلف كلامهم في أن أيّ الدعويين مقدمة. قال في الشرح المعتزلي في الفصل الثالث من مباحثة التي طرحها في أمر فدك: (1) و قد أنكر أبو علي ما قاله السائل من أنها لما ردّت في دعوى النحلة ادّعته إرثا و قال: بل كانت طلبت الإرث قبل ذلك. فلما سمعت منه الخبر، كفّت و ادّعت النحلة.
و العجب كل العجب من أبي علي، كيف خفي عليه أنه لو كانت دعوى الإرث مقدمة فقد اعترفت فاطمة (عليها السلام) ببقاء المورد في ملك أبيه إلى حين الوفاة، فكيف يصحّ منها أن تدعي النحلة بعد ذلك.
و العجب من السيد المرتضى، حيث لم يتوجّه في جوابه عن كلامه هذا في الشافي إلى خبطه فقال: و أما إنكار أبي علي أن يكون النحل قبل ادعاء الميراث و عكسه الأمر فيه. فأول ما فيه أن لا نعرف له غرضا صحيحا في إنكار ذلك، لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحّح له مذهبا، فلا يعتد على مخالفه مذهبا، ثم قال:
ثم إن الأمر في أن الكلام في النحل كان المتقدم ظاهرا، و الروايات كلها به واردة، و كيف أن تبتدأ بطلب الميراث فيما تدّعيه بعينه نحلا أو ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الاختيار، و كيف يجوز ذلك و الميراث يشتركها فيه غيرها و النحل تنفرد به.
أقول: قد ترى أن السيد لم يشر إلى التكاذب و التناقض الذي يلزم على المدعي للميراث قبل ادعاء النحل، فإنه لو ادعى الميراث أولا فقد اعترف ببقاء الملك على ملك المورث إلى حين الموت. فلو ادعى النحل بعد ذلك فقد ناقض دعواه الأولى و كذّب نفسه، و لا يصحّ صدوره من فاطمة (عليها السلام) مع عصمته و طهارته. فلا بد من القطع بتقدم دعوى النحل على دعوى الإرث و لا يصحّ جعله ظاهر الحال أو ظاهر الأخبار، كما يستفاد من كلام السيد.
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 269.
433
و قد انتصر الشارح المعتزلي لأبي علي بما يلي (1): فأما تعجب المرتضى من قول أبي علي أن دعوى الإرث كانت متقدمة على دعوى النحل و قوله: إنا لا نعرف له غرضا في ذلك، فإنه لا يصحّ له بذلك مذهب و لا يبطل على مخالفيه مذهب، فإن المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي علي في ذلك و هذا شيء يرجع إلى أصول الفقه، فإن أصحابنا استدلوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة، لأنهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (2) برواية أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة، قالوا: و الصحيح في الخبر أن فاطمة (عليها السلام) طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث، فلهذا قال الشيخ أبو علي: إن دعوى الميراث تقدّمت على دعوى النحل، و ذلك لأنه ثبت أن فاطمة (عليها السلام) انصرفت على ذلك المجلس غير راضية و لا موافقة لأبي بكر، فلو كانت دعوى الإرث متأخرة و انصرفت عن سخط، لم يثبت الإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
أما إذا كانت دعوى الإرث متقدمه، فلمّا روى لها الخبر أمسكت و انتقلت إلى النزاع من جهة أخرى، فإنه يصحّ حينئذ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
فأما أنا فالأخبار عندي متعارضة؛ يدلّ بعضها على أن دعوى الإرث متأخرة، و بعضها على أنها متقدّمة، و أنا في هذا الموضع متوقف، و ما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح، انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلام الشارح المعتزلي من الاضطراب و التناقض! فتارة ينتصر لأبي علي جزما ليصحح الإجماع، و أخرى يحكم بتعارض الأخبار و يتوقّف، و ثالثة يصحّح كلام المرتضى في تقدم دعوى النحل.
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 285.
(2). سورة النساء: الآية 11.
434
و الأصح أن مورد دعوى النحل خصوص فدك و لم يرد عليها دعوى الإرث أصلا، لا قبلها و لا بعدها، و مورد دعوى الإرث سائر ما تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من سهمه بخيبر و سهمه في الخمس و غير ذلك من متاعه، و قد تصرّف أبو بكر في جميع ذلك و قام مقامه كلا و لم يمسك عن أموال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدا إلا من آلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و دابته و حذائه، حيث دفعها إلى علي (عليه السلام)، كما في رواية عوانة بن الحكم.
و العجب من الشارح المعتزلي حيث انتصر لأبي علي بما يوجب تكاذب فاطمة (عليها السلام) لنفسها و سقوط كلامها عن الاعتبار بالتناقض الظاهر! و كيف يصحّ لها (عليها السلام) دعوى النحل في فدك بعد الاعتراف بأنها ميراث لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد أصرّ في غير موضع من كلامه على اعتراف فاطمة (عليها السلام) بصحة ما رواه أبو بكر من قوله: لا نورّث، ما تركناه صدقة، و موافقتها معه في ذلك.
و من يتدبّر في كلام فاطمة (عليها السلام) تجاه أبي بكر و من وافقه، يفهم أن فاطمة (عليها السلام) أنكر حديثه و نسبت المعترف به إلى الكفر و الإلحاد و الخروج عن الإسلام و متابعة القرآن.
فانظر إلى قولها فيما ذكره الشارح المعتزلي بإسناد عدة:
ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي؛ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (1) أيها معاشر المسلمين! أبتزّ إرث أبي؟! أبى اللّه أن ترث- يا ابن أبي قحافة- أباك و لا أرث أبي؛ لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ و فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (2)
و قالت فيما خاطبت و عاتبت به الأنصار: ما هذه الفترة عن نصرتي و الونية عن معونتي و الغمزة في حقي و السنة عن ظلامتي ...؟! أيّها بني قيلة، أ أهتضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع؟ تبلغكم الدعوة و يشملكم الصوت و فيكم العدة و العدد و لكم الدار و الجنن،
____________
(1). سورة المائدة: الآية 50.
(2). سورة الأنعام: الآية 67.
435
و أنتم نخبة اللّه التي انتخب و خيرته التي اختار؛ باديتم العرب و بادهتم الأمور و كافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الإسلام و درّ حلبه و خبت نيران الفتنة و سكنت فورة الشرك و هدأت دعوة الهرج و استوثق نظام الدين.
أ فتأخّرتم بعد الإقدام و نكصتم بعد الشدة و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم «نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»؟ (1)
أقول: من تدبّر هذه الكلمات التي خرجت من قلب ملتهب و أسف عميق، يفهم بوضوح عدم طريق للموافقة بين بنت الرسول (عليها السلام) المظلومة الممنوعة عن حقها مع مخالفيها بوجه من الوجوه، و قد صرّحت فيها بنكث العهد و مخالفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عن أولئك المخالفين.
الثالث: مما يهمّ في المقام، بيان أن فدك كانت في تصرف فاطمة (عليها السلام)، فانتزعها منها أبو بكر، أو كانت في ضمن ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فمنعها أبو بكر من التصرف فيها.
حكى في الشرح المعتزلي عن قاضي القضاة ما يلي (2): و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك؛ فأما أنها كانت في يدها فغير مسلم، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنها لها. فإذا كانت في جملة التركة، فالظاهر أنها ميراث.
و نقل عن السيد المرتضى في ردّ كلامه (3): فأما إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها، فما رأيناه أعتمد في إنكار ذلك على حجة، بل قال: لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنها لها و الأمر على ما قال، فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه.
و قد روي من طرق مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي، ذكره صاحب الكتاب، أنه لما نزل قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (4)، دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك، و إذا كان ذلك مرويا فلا معنى لدفعه بغير حجة.
____________
(1). سورة التوبة: الآية 12.
(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 269.
(3). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 275.
(4). سورة الإسراء: الآية 26.
436
أقول: لا إشكال في أن ظاهر «فأعطاها فدك»- الواردة في غير واحد من الأخبار- هو إقباض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إياها، لا مجرد إنشاء صيغة الهبة؛ فإن العطاء حقيقة في العمل الخارجي.
و من هذه الجهة عنون الفقهاء المعاطاة في مقابل العقد و المعاملة الإنشائية، فالمعاطاة معاملة بالعمل و بالأخذ و الرد.
و أدلّ دليل على كونها في تصرف فاطمة (عليها السلام) حين موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الكتاب الموجّه إلى عثمان بن حنيف- من كبار الصحابة- حيث يقول (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك»، فإنه كاد أن يكون صريحا في كونها تحت تصرف أهل البيت (عليهم السلام).
الرابع: لقضية فدك جهتان هامتان:
الأولى: النظر إليها من الوجهة الحقوقية و القضائية و البحث من حيث أن فدك كانت حقا لفاطمة (عليها السلام) بهبة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو الظاهر، أو بالإرث كما ذكره غير واحد من الأصحاب و جمّ من المخالفين؛ فأخذت منها غصبا و تعمّدا، أو على وجه الشبهة باعتماد الحديث الذي رواه أبو بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة، و البحث في هذا الحديث يقع من وجهين:
الأول: من جهة السند، و يضعّف من وجوه شتّى كتفرد أبي بكر بنقله مع وفور الصحابة و توفّر الداعي ببيانه للناس لإزالة الشبهة، و كعدم اطلاع أهل البيت (عليهم السلام) و أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه مع مسيس الحاجة إلى إبلاغهم هذا الحكم من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليعرفوا تكليفهم في تركته من حين موته، و يكاد يقطع باستحالة إخفاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم عنهم مع ولعه بتقوى ذويه و أهل بيته (عليهم السلام).
الثاني: من جهة دلالته، حيث أن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) جهتان متمايزتان: الأولى: جهة شخصية و أنه كسائر أفراد البشر و المسلمين، يملك و يتزوّج و يصير أبا و يكون ابنا لأبيه، و له حقوق متساوية مع غيره فيملك و يملّك و يرث و يورّث.
437
الثانية: جهة نبوته (صلّى اللّه عليه و آله) و ما يتعلق به بعنوان أنه نبي، فيكون والد الأمة و مالك الوجوه العامة من الغنائم و السبايا و بيده مفتاح بيت المال، يتصرّف فيه على ما يراه صلاحا، فيمكن أن يكون مقصوده من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا نورث» الجهة الثانية، و معناه أن ما يملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعنوان أنه نبيّ غير مورث و تترك صدقة عامة للأمة و لا يشمل ما يملكه باعتبار شخصه من أمواله الخاصة، فإنها متروكة لوارثه كسائر الأفراد.
و حيث كانت فدك مطرحا لدعوى فاطمة (عليها السلام) من جهة النحلة و طلب أبو بكر منها البينة، فشهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن فردّت شهادتهما أو لم يكتف بهما لنقصانهما عن حد البينة الشرعية فإنها تتحقق بشهادة رجلين أو رجل و امرأتين، عرضت القضية لبحث قضائي من وجوه شتى.
منها: هل يصحّ أو يجب الاكتفاء بمجرد الدعوى من فاطمة (عليها السلام) للحكم لها أم حالها حال سائر الناس؟ و لا بد من عرض دعواها على الموازين القضائية العامة؟
و تحقيق البحث فيه يرجع إلى النظر في أمرين:
الأول: في أن البينة حجة لإثبات دعوى المدعى باعتبار صرف الحكاية عن الواقع من جهة الكاشفية فقط، فكل كاشف عن الواقع يساويها في البيان أو يقوّي عليها يقوم مقامها، أم هي حجة قضائية بخصوصها و لها موضوعية لفصل الدعوى و إثبات المدعى.
و الظاهر هو الأول، لأن البينة كاشفة عن الواقع و حجة بهذا الاعتبار و لذا يقوم مقامها الشياع، و حينئذ فعصمة فاطمة (عليها السلام) و طهارتها عن الكذب بحكم آية التطهير الشامل لها مما يوجب العلم بصدق دعواها، فيحكم لها لهذا العلم الناشي عن خصوصية المدعي.
و إن منعنا عن جواز حكم القاضي في موضوع النزاع بمجرد علمه الغير المستند إلى طرح الدعوى كالوحى أو الاستظهار بالغيب من الرياضة أو مثل علوم الجفر و الرمل و نحوهما لمن هو أهله.
438
ففي الشرح المعتزلي: قال المرتضى: نحن نبتدئ فندلّ على أن فاطمة (عليها السلام) ما ادّعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه، و أن مانعها و مطالبها بالبينة متعنّت عادل عن الصواب، لأنها لا تحتاج إلى شهادة و بينة .... أما الذي يدل على ما ذكرناه فهو أنها معصومة من الغلط مأمون منها فعل القبيح، و من هذا صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة و بينة.
ثم استشهد لإثبات عصمتها بآية التطهير و حديث: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه عز و جل»، و هذا يدل على عصمتها، لأنها لو كانت ممن يقترف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل متى فعل المستحق من ذمها أو إقامة الحد عليها، إن كان الفعل يقتضيه سارا له و مطيعا.
على أننا لا نحتاج في هذا الموضع على الدلالة على عصمتها، بل يكفي في هذا الموضوع العلم بصدقها فيما ادعته، و هذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأن أحدا لا يشك أنها لم تدّع ما ادعته كاذبة، و ليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة، و إنما اختلفوا في أنه هل يجب بعد العلم بصدقها تسليم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك؟
ثم استدل على أن البينة من جهة الكاشفية لا من جهة الموضوعية بوجوه:
1. اشتراط العدالة في البينة للاعتماد بصدقها.
2. جواز حكم الحاكم بعلمه من غير شهادة.
3. كون الإقرار أقوى من البينة من حيث أنه أكشف للواقع ....
و الذي يدل علي صحة ما ذكرناه أيضا أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن أعرابيا نازع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ناقة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): هذا لي و قد خرجت إليك من ثمنها. فقال الأعرابي: من يشهد لك بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد بذلك. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أين علمت و ما حضرت ذلك؟ قال: لا و لكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول اللّه. فقال:
439
قد أجزت شهادتك و جعلتها شهادتين؛ فسمّي ذا الشهادتين، و هذه القضية شبيهة لقصة فاطمة (عليها السلام).
و منها: أنه حيث كانت فاطمة (عليها السلام) مدّعية لفدك- باتفاق أهل الحديث- يستفاد أنها كانت متصرّفة فيها و صاحبة يد عليها، فلا يصح مطالبتها بالبينة، إلا أن يقال بأن دعواها مقرونة بالاستناد إلى ادعاء الهبة و بهذا الاعتبار تحتاج إلى البينة، و قد شهد لها علي (عليه السلام) و أم أيمن.
و يظهر مما نسب إلى أبي بكر التوقف في الحكم لها باعتبار نقصان البينة، فإنها تتحقق برجلين أو رجل و امرأتين. فيبحث عن خطأ أبي بكر في ذلك باعتبار أن عليا (عليه السلام) مشمول لآية التطهير و معصوم فيقوم شهادته مقام رجلين، و أم أيمن ممن ثبت كونها من أهل الجنة فيقطع بصدقها و يقوم شهادتها مقام امرأتين و أكثر.
و نسب إلى عمر ردّ شهادتهما باتهام علي (عليه السلام) بأنه يجرّ النار إلى قرصه، و القدح في أم أيمن بأنها عجمية مردودة الشهادة، فيا لهما من خطأ و جور!
الثانية: النظر إليها من الوجهة السياسية، و هي إن أخذ فدك من فاطمة (عليها السلام) و أخذ سائر مواريث النبي منها و من سائر الوراث، تابع للاستيلاء على الخلافة و الحكم، فلا يستقرّ بيعة سقيفة على أبي بكر إلا بهذين الأمرين، لأن الرئاسة علي الأمة من أهمّ مواريث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من أوفر ما تركه بعده. فتتعلق بذويه الأقربين من أهل بيته. و لا يكفي مجرد بيعة الناس مع أبي بكر لسلب هذا الحق عن أهل البيت (عليهم السلام) إلا بمنع التوريث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و منع الإرث يحتاج إلى قضية عامة و هي جملة لا نورّث، ما تركناه صدقة، التي ابتكرها أبو بكر و تفرّد بنقلها، و لم يكن لمن بايع معه من المهاجرين و الأنصار إلا التسليم لها و ترك النكير عليها؛ فإنهم لو أنكروها و قاموا في وجه أبي بكر لردّها يضطرّون إلى نقض بيعتهم معه بالرئاسة و الخلافة، فلا يستقيم قبول وراثة فاطمة (عليها السلام) و سائر أهل البيت (عليهم السلام) عما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع بيعتهم لأبي بكر بالخلافة.
440
و يدلّ على ذلك ما حكي أن هارون العباسي قال لموسى بن جعفر (عليه السلام): حدّ لي فدك حتى أردّه. فقال (عليه السلام): حدّها من سيف البحر إلى دومة الجندل إلى عريش مصر. فقال هارون:
حتى أنظر فيها. فالظاهر أن مقصوده (عليه السلام) أن فدك نموذج ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام) و هو ما استقرّ حكومته عليه في حياته.
و قال الشارح المعتزلى- (1): و سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود. و هذا كلام صحيح، و إن كان قد أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.
ثم إن عمق سياسة قضية فدك يظهر من التدبر في خطب أبي بكر و مكالمته مع فاطمة (عليها السلام)، حيث يستفاد منها أن أبا بكر كان داهية دهياء و لا يكون في المسلمين يومئذ أدهى منه و أمكر، و صوّر خطّة سياسته في هذه القضية من ثلاث:
الأولى: رقّته و لينه تجاه فاطمة (عليها السلام) بما لا مزيد عليه و تمسّكه بالاطاعة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولعه على العمل بسنته و سيرته حرفا بحرف و قدما على قدم، و تحريش الناس على فاطمة (عليها السلام) بأنها يريد خلاف قول أبيها طلبا لحطام الدنيا! فانظر فيما يلي:
في الشرح المعتزلي (2): و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك، و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، و اللّه لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري، أ تراني أعطي
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 284.
(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 214.
441
الأحمر و الأبيض حقه و أظلمك حقك، و أنت بنت رسول اللّه. إن هذا المال لم يكن للنبي و إنما كان مالا من أموال المسلمين، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه؛ فلما توفّي رسول اللّه ولّيته كما كان يليه. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك.
فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلّي عليها، فدفنت ليلا ....
و في الشرح أيضا (1): عن عوّانة بن الحكم، قال: لما كلّمت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر بما كلّمته به، حمد أبو بكر اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قال: يا خيرة النساء و ابنة خير الآباء، و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما عملت إلا بأمره و إن الرائد لا يكذّب أهله، و قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت، فغفر اللّه لنا و لك. أما بعد، فقد دفعت آلة رسول اللّه و دابته و حذاءه إلى علي (عليه السلام). فأما ما سوى ذلك فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا، و لكنا نورث الإيمان و الحكمة و العلم و السنة، فقد عملت بما أمرني و نصحت له، و ما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت و إليه أنيب.
فقد ترى أبا بكر في هذا المكالمة و هذه الخطبة القصيرة التي أجاب بها عن خطبة فاطمة (عليها السلام) الطويلة القاصعة، يظهر الخضوع و التذلل لفاطمة (عليها السلام) و الطوع و الانقياد لأمر أبيها حتى يصوّر فاطمة (عليها السلام) في نظر الناس عاقّة لأبيها و طالبة لحطام الدنيا!
الثانية: استصغار علي و أهل بيته (عليهم السلام) و إهانتهم في نظر الناس ليسقط عندهم هيبة أهل البيت (عليهم السلام) و ينتهك حرمتهم التي اكتسبوها في ضوء توصيات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حرمة مهبط الوحي و الرسالة، و يجترؤوا على الصول عليهم بما يقتضيه السياسة في مواقفها الآتية.
فانظر إلى قوله في تلك الخطبة: أما بعد، فقد دفعت آلة رسول اللّه و دابته و حذاءه إلى علي. فإن فيه من الإهانة بمقام علي (عليه السلام) ما لا يخفى؛ فيغصب أبو بكر منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و يدفع إلى علي (عليه السلام) حذاءه.
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 213.
443
فقد اتهم عليا (عليه السلام) في كلامه هذا بأنه يجرّ النار إلى قرصه و يشهد لجرّ النفع و جلب المنفعة، و أنه يريد إلقاء الفتنة بين المسلمين و إيقاد نيران الحرب و ردّ الإسلام قهقرى، فيستعين بالضعفة و النساء.
و كفى و هنا به و بفاطمة (عليها السلام) قوله: كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ؛ و هل قصد تشبيه علي (عليه السلام) بأم طحال أو فاطمة (عليها السلام) أو هما معا؟! و كفى به توهينا لهما و إظهارا للكفر و الزندقة.
و يقصد في ضمن ذلك سلب الفوائد عن علي (عليه السلام) بحيث لا يملك درهما و لا دينارا، فيكون قد اشتغل بتحصيل القوت، و يكون آكلا سهمه من بيت المال بنظارته كأحد أجرائه و أمرائه لئلا يتوجّه إليه الناس فيعتزّ بهم و يطلب حقه من الخلافة.
قال في الشرح المعتزلي (1): و قال لي علوي من الحلة يعرف بعلي بن مهنّا، ذكيّ ذو فضائل: ما تظنّ قصد أبي بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قلت: ما قصدا؟ قال: أراد أن لا يظهرا لعلي (عليه السلام)- و قد اغتصباه الخلافة- رقّة و لينا و لا يرى عندهما خورا، فأتبعا القرح بالقرح.
و قلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل: و هل كانت فدك إلا نخلا يسيرا و عقارا ليس بذلك الخطير؟ فقال لي: ليس الأمر كذلك، بل كانت جليلة جدا، و كان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، و ما قصد أبو بكر و عمر بمنع فاطمة (عليها السلام) عنها إلا ألّا يتقوّى علي (عليه السلام) بحاصلها و غلّتها على المنازعة في الخلافة، و لهذا اتبعا ذلك بمنع فاطمة و علي (عليهما السلام) و سائر بني هاشم و بني المطلب حقهم في الخمس، فإن الفقير الذي لا مال له تضعّف همته و يتصاغر عند نفسه و يكون مشغولا بالاحتراف و الاكتساب عن طلب الملك و الرئاسة. فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ....
الثالثة: إرعاب الناس و تخويفهم إلى حيث ينقادون لحكمهم و يتهيّئون لكل ما يقرّرونه بعد ذلك من مؤامراتهم، فتشديدهم الأمر على أهل بيت النبي (عليهم السلام) إلى حيث
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 236.
442
ثم انظر إلى ما أفاده في خطبته الثانية كما في الشرح المعتزلي (1): قال أبو بكر:
و حدّثني محمد بن زكريا، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول، قال:
فلما سمع أبو بكر خطبتها، شقّ عليه مقالتها. فصعد المنبر و قال: أيها الناس! ما هذه الرّعة إلى كل قالة؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ ألا من سمع فليقل و من شهد فليتكلّم؛ إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كرّوها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغيّ. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت و لو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت ....
قال الشارح المعتزلي: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري و قلت له: بمن يعرّض؟ فقال: بل يصرّح. قلت: لو صرّح لم أسألك.
فضحك و قال: بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). قلت: هذا الكلام كله لعلي (عليه السلام) يقوله؟! قال: نعم، إنه الملك يا بني، و يظهر نهاية استخفافه بعلي و فاطمة (عليهما السلام) و استصغاره لشأنهما بما فسّره من غريب ألفاظ الخطبة.
قال: فسألته عن غريبه، فقال: أما الرّعة بالتخفيف أي الاستماع و الإصغاء، و القالة القول، و ثعالة اسم الثعلب، علم غير مصروف مثل ذؤالة للذئب، و شهيده ذنبه أي لا شاهد له على ما يدعى إلا بعضه و جزء منه، و أصله مثل ما قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب فقال: إنه قد أكل الشاة التي قد أعددتها لنفسك و كنت حاضرا.
قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه و عليه دم، و كان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته و قتل الذئب.
و مربّ ملازم أربّ بالمكان، و كرّوها جذعة أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة و الهرج، و أم طحال امرأة بغي في الجاهلية، فيضرب بها المثل فيقال: أزني من أم طحال، انتهى.
____________
(1). نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 214.
444
هدّدوهم بإحراق بيتهم أو أشعلوا النار في باب فاطمة (عليها السلام)، و في روايات عدة أنهم ضربوها بالسياط تقريرا لهذه السياسة الحديدية النارية التي يرتكبها الطامعون في استقرار حكومتهم و كبح مخالفيهم.
قال في الشرح المعتزلي فيما نقله عن السيد المرتضى في جواب قاضي القضاة (1):
فأما قوله إن حديث الاحتراق لم يصح و لو صح لساغ لعمر مثل ذلك، فقد بيّنا أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة، و قوله أنه يسوغ مثل ذلك، فكيف يسوغ إحراق بيت علي و فاطمة (عليهما السلام) و هل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع، و إنما يكون علي (عليه السلام) و أصحابه خارقين للإجماع و مخالفين للمسلمين لو كان الإجماع قد تقرّر و ثبت، و ليس بمتقرّر و لا ثابت مع خلاف علي (عليه السلام) وحده، فضلا عن أن يوافقه على ذلك غيره ....
و تهديد أبي بكر للناس و خصوص الأنصار الذين هم العدة و العدد و صاحبوا الدار و الجنن يظهر من ذيل خطبته السابقة (2): ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني- يا معشر الأنصار- مقالة سفهائكم و أحقّ من لزم عهد رسول اللّه أنتم، فقد جاءكم فاويتم و نصرتم؛ ألا إني لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منا، ثم نزل.
فانصرفت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها.
قال الشارح المعتزلي في ضمن ما سأله عن النقيب أبي يحيى: قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي (عليه السلام)، فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم.
و بهذه السياسة الحديدية المقرونة بأشد الإرعاب أخمدوا نار الثورة الفاطمية التي أشعلتها عليهم بخطبتها الرنّانة الفائقة، و تمسكوا بالملك و الخلافة بكل قوة و شدة؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (3)
____________
(1). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 283.
(2). شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج 16 ص 215.
(3). سورة الشعراء: الآية 227.
445
المصادر:
منهاج البراعة: ج 20 ص 100.
140
المتن:
روى صاحب منتخب البصائر بسند معتبر إلى المفضل بن عمر، قال:
سألت سيدي الصادق (عليه السلام): هل للمهدي (عليه السلام) من وقت يوقت يعلمه الناس؟ ...،
الحديث طويل جدا أوردنا شطرا منه بالمناسبة، إلى أن قال الصادق (عليه السلام) فيما يقع في الرجعة:
... و كأني أرى- يا مفضل- إننا معاشر الأئمة واقفون عند جدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، نشكو إليه ما صنع بنا هذه الأمة من بعده من تكذيبنا و سبّنا و إخافتنا و الإخراج من حرم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و قتلنا و حبسنا. فيبكي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يقول: قد فعلوا بكم ما فعلوا بجدكم.
فأول من يشكو إليه فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر و عمر، فتقول له: إنهما أخذا فدك مني بعد ما أقمت البراهين عليهما، فلم ينفع و الكتاب الذي كتبته لي على فدك؛ أخذه مني عمر بحضور المهاجرين و الأنصار و تفل فيه و مزّقه. فأتيت إلى قبرك شاكية ....
المصادر:
1. الهداية: ص 392.
2. الأنوار النعمانية: ج 2 ص 81، عن منتخب البصائر.
3. منتخب البصائر: ص 182.
447
و لذا كان الأمر في قصة شهادة خزيمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو ثبوت ما ادعاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا بينة مع مخاصمة الأعرابي له، فإن شهادة خزيمة فرع عن قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصديق له فلا تفيد أكثر من دعوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل كان اللازم على أبي بكر و المسلمين أن يشهدوا للزهراء (عليها السلام) تصديقا لها، كما فعل خزيمة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعله.
و لكن يا للأسف، من اطلع على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، أخفى شهادته رعاية لأبي بكر- كما في الأكثر- أو خوفا منه و من أعوانه لما رأوه من شدتهم على أهل البيت (عليهم السلام)، أو علما بأن شهادتهم تردّ لما رأوه من ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتهاد الشيخين في غصب الزهراء (عليها السلام)، و لذا لم يشهد أبو سعيد و ابن عباس مع أنهم علموا و رووا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك.
و لا يبعد أن سيدة النساء (عليها السلام) لم تطلب شهادة ابن عباس و أبي سعيد و أمثالهما، لأنها ترد واقعا بمنازعة أبي بكر إلا إظهار حاله و حال أصحابه للناس إلى آخر الدهر، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)، و إلا فبضعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أجلّ قدرا و أعلى شأنا من أن تحرص على الدنيا، و لا سيما أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرها بقرب موتها و سرعة لحاقها.
و لو سلّم أن قول الزهراء (عليها السلام) وحده لا يفيد القطع، فهل يبقى مجال للشك بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و لو سلّم حصول الشك فقد كان اللازم على أبي بكر أن يعرض عليها اليمين حينئذ و لا يتصرّف بفدك قبله لوجوب الحكم بالشاهد و اليمين.
كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن أبن عباس، قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيمين و شاهد، و نقل في الكنز عن ابن راهواه، عن علي (عليه السلام)، قال: نزل جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) باليمين مع الشاهد، و نقل في الكنز أيضا عن الدار قطني، عن ابن عمر، قال: قضى اللّه في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه و إن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهد ....
____________
(1). سورة الأنفال: الآية 42.
448
و لو تنزّلنا عن ذلك كله، فقد زعم أبو بكر أن له الأمر على فدك و غيرها من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث روى أن أمرها إلى من ولّى الأمر، حتى زعموا أنه أعطى أمير المؤمنين (عليه السلام) عمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و بغلته و أن عمر أعطاه و العباس سهم بني النضير أو صدقته بالمدينة. فقد كان من شرع الإحسان أن يترك فدك لبضعة نبيه (عليها السلام) التي لم يخلف بينهم غيرها، تطيّبا لخاطرها و حفظا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها.
أ تراه يعتقد أن أبا سفيان و معاذا- و قد أعطاهما ما أعطاهما- أولى بالرعاية من سيدة النساء و بضعة المصطفى (عليها السلام)؟ أو أنه يحلّ له إعطاؤهما من مال الفيء دون الزهراء (عليها السلام) من مال أبيها؟ ... المنصف يعرف حقيقة الحال و يا بني على ما اللّه تعالى سائله يوم نشر الأعمال.
المصادر:
1. دلائل الصدق: ج 3 ص 66، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله).
2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 406، عن دلائل الصدق.
142
المتن:
قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر في مطاعن أبي بكر:
قال المصنف: و منها: أنه منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، فقالت: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي. و احتجّ عليها برواية تفرّد هو بها عن جميع المسلمين، مع قلة رواياته و قلة علمه و كونه الغريم لأن الصدقة تحلّ عليه، فقال لها: إن النبي قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. و القرآن مخالف لذلك، فإن صريحه يقتضي دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه بقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و قد نصّ على أن الأنبياء يورّثون،
____________
(1). سورة النساء: الآية 11.
446
141
المتن:
قال العلامة المظفر:
لا ريب عندنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، و أن اليد لها عليها من يوم أفاء اللّه تعالى بها عليه، و كان بأمر اللّه سبحانه حيث قال له: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، و أن أبا بكر قبضها قهرا و طلب منها البينة على خلاف حكم اللّه تعالى، لأنه هو المدّعي. و قد حاجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، فما كان جوابهم إلا أن قال عمر: لا نقوّي على حجتك و لا نقبل إلا أن تقيم فاطمة البينة؛ كما صرّحت به أخبارنا و شهدت به أخبارهم.
ثم قال بعد ذكر أخبار الباب: و حينئذ فتكون مطالبة أبي بكر للزهراء (عليها السلام) بالبينة خلاف الحق و ظلما محضا، لأنها صاحبة اليد و هو المدعي.
و يدل على أن اليد لها لفظ الإيتاء في الآية و الإقطاع و الإعطاء في الأخبار المذكورة، فإنها ظاهرة في التسليم و المناولة كما يشهد لكون اليد لها دعواها النحلة، و هي سيدة النساء و أكملهن، و شهادة أقضى الأمة بها، لأن الهبة لا تتمّ بلا إقباض؛ فلو لم تكن صاحبة اليد لما ادّعت النحلة، و لردّ القوم دعواها بلا كلفة و لم يحتاجوا إلى طلب البينة.
و لو سلّم عدم معلومية أن اليد لها فطلب أبي بكر منها البينة جور أيضا، لأن أدلة الإرث تقتضي بملكيتها لفدك، و دعواها النحلة لا تجعلها مدعية لما تملك بل من زعم الصدقة هو المدّعي و عليه البينة ....
على أن البينة طريق ظني مجهول لإثبات ما يحتمل ثبوته و عدمه، فلا مورد لها مع القطع و اليقين المستفاد في المقام من قول سيدة النساء (عليها السلام) التي طهّرها اللّه تعالى و جعلها بضعة من سيد أنبيائه، لأن القطع طريق ذاتي إلى الواقع لا بجعل جاعل، فلا يمكن رفع طريقيته أو جعل طريق ظاهري على خلافه.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
449
فقال تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال عن زكريا: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)
و ناقض فعله أيضا هذه الرواية، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس اختلفا في بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و عمامته و حكم بها ميراثا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو كانت صدقة لما حلّت على علي (عليه السلام) و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، و لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه تعالى عنهم بأنه طهّرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز؛ نعوذ باللّه من هذه المقالات الردية و الاعتقادات الفاسدة.
و أخذ فدكا من فاطمة (عليها السلام) و قد وهبها إياها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يصدّقها، مع أن اللّه قد طهّرها و زكّاها و استعان بها النبي في الدعاء (صلّى اللّه عليه و آله) على الكفار على ما حكى اللّه تعالى و أمره بذلك، فقال تعالى: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» (3)؛ فكيف يأمره اللّه تعالى بالاستعانة و هو سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) بابنته و هي كاذبة في دعواها غاصبة لمال غيرها؟! نعوذ باللّه من ذلك!
فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) فشهد لها، فلم يقبل شهادته، قال: إنه يجرّ إلى نفسه، و هذا من قلة معرفته بالأحكام، و مع أن اللّه تعالى قد نصّ في آية المباهلة أنه نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة و استعان به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه في الدعاء يوم المباهلة أن يشهد بالباطل و يكذب و يغصب المسلمين أموالهم؟! نعوذ باللّه من هذه المقالة!
و شهد لها الحسنان (عليهما السلام)، فردّ شهادتهما و قال: هذان ابناك، لا أقبل شهادتهما لأنهما يجرّان نفعا بشهادتهما. و هذا من قلة معرفته بالأحكام أيضا مع أن اللّه قد أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالاستعانة بدعائهما يوم المباهلة فقال: «أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (4) و حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنهما
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
(3). سورة آل عمران: الآية 61.
(4). سورة آل عمران: الآية 61.
450
سيدا شباب أهل الجنة؛ فكيف يجامع هذا شهادتهما بالزور و الكذب و غصب المسلمين حقهم؟! نعوذ باللّه من ذلك!
ثم جاءت بأم أيمن، فقال: امرأة لا يقبل قولها مع أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أم أيمن من أهل الجنة».
فعند ذلك غضبت (عليها السلام) عليه و علي صاحبه و حلفت أن لا تكلّمه و لا صاحبه حتى تلقى أباها و تشكو إليه. فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن تدفن ليلا و لا يدع أحدا منهم يصلّي عليها؛ و قد رووا جميعا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك».
و قال الفضل: لا بد في هذا المقام من تحقيق أمر فدك ليتبيّن حقيقة الأمر؛ فنقول:
كانت فدك قرية من قرى خيبر، و لما فتح اللّه خيبر على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، جلا أهل فدك ففتحت؛ فكان مما أفاء اللّه عليه من غير إيجاف خيل و لا ركاب. فصار من أقسام الفيء و كان تحت يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما يكون أموال الفيء تحت أيدي الائمة (عليهم السلام)، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينفق منها على عياله و أهل بيته (عليهم السلام)، ثم يصرف ما يفضل عن نفقة عياله في السلاح و الكراع.
فلما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ترك أزواجا و أهل بيت و لم يكن يحلّ لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التزويج بعده لأنهن كنّ أمهات المؤمنين و لم يكن سعة في أموال الفيء حتى ينفق الخليفة على أزواجه من سائر جهات الفيء و يترك فدك لفاطمة (عليها السلام) و أولادها. فعمل أبو بكر في فدك مثل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان ينفق منها على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة و أولادها (عليهم السلام)، ما كان يفضل عن نفقتهن يصرفها في السلاح و الكراع لسبيل اللّه، كما كان يفعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب، حصل في الفيء سعة و كثرت خمس الغنائم و أموال الفيء و الخراج. فجعل عمر لكل واحد من أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عطاء من بيت المال و ردّ سهم بني النظير إلى علي (عليه السلام) و عباس و جعلها فيهم ليعملوا بها كيف شاءوا؛ و قد ذكر في صحيح البخاري أن عليا (عليه السلام) و عباسا تنازعا في سهم بني النظير
451
و رفعا أمرها إلى عمر بن الخطاب. فذكر أن أمركم كان هكذا، ثم ذكر أنه تركها لهم ليعملوا كيف شاءوا؛ هذا ما كان من أمر حقيقة فدك.
و أما دعوى فاطمة (عليها السلام) ارث فدك و إنها منقولها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلم يثبت في الصحاح، و إن صحّ فكل ما ذكر من المطاعن في أبي بكر بحكمه في فدك فليس بطعن.
أما ما ذكر أنه احتج برواية الحديث و عارض به النص، فإن الحديث إذا صحّ بشرائطه فهو يخصّص حكم الكتاب.
و أما ما ذكر أن أبا بكر تفرّد برواية هذا الحديث من بين سائر المسلمين، فهذا كذب صراح، فإن عمر قال بمحضر علي (عليه السلام) و عباس و جمع من الصحابة: أنشدكم باللّه، هل سمعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة؟ فقالوا جميعا: اللهم نعم، كما رواه البخاري في صحيحه و روى أيضا في الصحيح، فقال:
حدثنا عبد اللّه بن يوسف، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة:
أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا تقسّم ورثتي دينارا و ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عاملي فهو صدقة، انتهى. فكيف يقول هذا الفاجر الكاذب أن أبا بكر تفرّد برواية حديث عدم توريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟
فإن قيل: لا بد لكم من بيان حجية هذا الحديث و من بيان ترجيحه على الآية، قلنا:
حجية خبر الواحد و الترجيح مما لا حاجة بنا إليه هاهنا، لأن أبا بكر كان حاكما بما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا اشتباه عنده في سنده، و علم أيضا دلالته على ما حمله عليه من المعنى لانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرّقها إليه بقرينة الحال؛ فصار عنده دليلا قطعيا مخصّصا للعمومات الواردة في بيان الإرث.
و أما ما ذكر أن أبا بكر لا يسمع عنه هذا الخبر لأنه كان غريما لأن الصدقة تحلّ له، فما أجهله بالفرق بين الشهادة و الرواية، فإن الشهادة لا تسمع من الغريم الذي يجرّ النفع و الرواية ليست كذلك، و هذا معلوم عند العامة و مجهول عنده.
452
و أما ما ذكر من النصوص على أن الأنبياء يورّثون لقوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، فالمراد ميراث العلم و النبوة و الحكمة، و أما دعاء زكريا فاتفق العلماء أن المراد النبوة و الحبورة و إلا لم يستجب دعاءه لأن الإجماع على أن يحيى قتل قبل زكريا، فكيف يصحّ حمله على الميراث و هو لم يرث منه.
و أما ما ذكره أنه ناقض فعله في توريث علي (عليه السلام) في السيف و العمامة، فالجواب أنه أعطاهما عليا (عليه السلام) لأنه كان المصالح و الصدقة في هذا الحديث لا يراد بها الزكاة المحرّمة على أهل البيت (عليهم السلام)، بل المراد أنها من جملة بيت مال المسلمين، و قد يطلق الصدقة بالمعنى الأعم و هو كل مال يرصد لمصالح المسلمين و الجنود.
و هذا المعنى يشمل خمس الغنائم و الفيء و الخراج و مال من لا وارث له من المسلمين و الزكوات، و قد يطلق و يراد به الزكوات المفروضة و الصدقة المسنونة المتبرّع بها، و هاتان الأخيرتان كانتا محرّمتين على أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام)؛ فأعطى أبو بكر سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عمامته عليا (عليه السلام) لأنه كان من جملة مال من لا وارث له من المسلمين، و لو كان ميراثا لكان العباس وارثا أيضا لأنه كان العم.
و أما قوله: لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه عنهم بأنه طهّرهم مرتكبين ما لا يجوز، فنقول: أهل البيت (عليهم السلام) على هذا التقدير كانوا مدّعين لحقهم و الإمام يفرض عليه أن يعامل الناس بالأحكام الشرعية، و لو أن ملكا من الملائكة يدّعي حقا له مع وجوب عصمته و تيقّن صدقه فليس للإمام أن يقول هو صادق و لا يحتاج إلى البينة لعصمته من الكذب، بل الواجب عليه أن يطلب الحجة في قوله. أ ما سمعت أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ادّعى على يهودي عند شريح القاضي فطلب منه الحجة، فأتي بالحسن بن علي (عليه السلام) فما قبل شهادته و قال: أنه فرع. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لست أهلا للقضاء؛ أ لا تعلم أن هذا الدعوى لحق بيت المال و هاهنا تسمع شهادة الفرع؟!
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
453
و الغرض أن الإمام و القاضي يجب عليهما مراعاة ظاهر الشرع و هو أن لا يسمع قول المدّعي إلا بالحجة و إن تحقّق عصمته عن الكذب، فلو تمّ حجة حكم و إلا توقّف.
و لو صحّ قصة مرافعة فدك فأبو بكر عمل فيه ما كان يجب عليه من طلب الحجة من المدّعي، و إن اعتقد عصمته من الكذب.
و أما ما ذكر أن الحسنين (عليهم السلام) شهدا له و لم يسمع أبو بكر- فإن صحّ- فربما كان لصغرهما و لعدم سماع شهادة الفرع كما فعل شريح، و هذا لا طعن فيه كما ذكرنا، لأنه مراع لقواعد الشرع و شريح حكم بطلب الحجة و إتمامها على وجه يرتضيه الشرع، فلا طعن.
و أما عدم سماع شهادة أم أيمن- إن صحّ- فلأنها قاصرة عن نصاب الشهادة، فإنها شهدت مع علي (عليه السلام) و هو من باب شهادة رجل و امرأة، و كان لا بد من التكميل، و لا طعن على الحاكم إذا راعى ظاهر الشرع في الأحكام و أبو بكر ليس أقل قدرا من شريح و قد عمل مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته مثل هذا و هو كان قاضيا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فكيف يتصوّر الطعن؟
فأما غضب فاطمة (عليها السلام)، فهو من العوارض البشرية، و البشر لا يخلو من الغضب، و الغاضب على الغير يغضب لغرض ديني لقصور المغضوب عليه في أداء حق اللّه، و هذا الغضب من باب العداوة الدينية؛ و ما ذكر من الحديث: «إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام)»، فالظاهر أن المراد هذا الغضب.
و أقول: ما زعمه من أن فدك قرية من قرى خيبر مخالف للضرورة و مناف أيضا لأخبارهم؛ روى الطبري في تاريخه بحوادث سنة سبع من الهجرة من حديث قال فيه:
حاصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أهل خيبر في حصنيهم الوطيس و السلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم ففعل، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد حاز الأموال كلها؛ الشق و نطاة و الكتيبة و جميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين.
454
فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونه أن يسيّرهم و يحقن دماءهم و يخلوا الأموال ففعل ...، فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعاملهم بالأموال على النصف. فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على النصف و صالحهم أهل فدك على مثل ذلك؛ فكانت خيبر فيئا للمسلمين و كانت فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل و لا ركاب ....
و روى الطبري أيضا، قال: كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق و نطاة و الكتيبة، فكانت الشق و نطاة في سهمين للمسلمين و كانت الكتيبة خمس اللّه و خمس النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذي القربى ....، و لما فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم من أوقع اللّه بأهل خيبر. فبعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم؛ فكانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.
و روى ابن الأثير في الكامل نحو هذين الخبرين، ثم قال: لما انصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، بعث إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام. فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نصف الأرض، فقبل منهم ذلك؛ و كان نصف فدك خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأنه لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.
و روى البخاري و مسلم: أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة؛ إنما يأكل آل محمد في هذا المال، و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا ....
و روى مسلم أيضا أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه قال:
456
تقشفا كاذبا، لأن عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حيث وقع كان بنحو الملك، فلا يلزم أبا بكر أن يعمل كعمله، و قد صارت بزعمهم صدقة من سائر صدقات المسلمين التي يجوز تخصيص بعضهم فيها، كما خصّ هو عليا (عليه السلام) بسلاح النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بغلته بعنوان الصدقة، كما أدّاه الخصم و خصّ عمر عليا (عليه السلام) و العباس بصدقة المدينة.
و أما ما زعمه من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينفق على عياله من فدك، فيكذّبه ما رواه البخاري و مسلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينفق على أهله نفقة سنة من أموال بني النظير و ما بقي يجعله في الكراع و السلاح.
و يكذّبه أيضا الحديث الذي أشار إليه الخصم المشتمل على قصة منازعة علي (عليه السلام) و العباس في مال بني النظير؛ فإن عمر قال فيه: كان رسول اللّه ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال.
و ما رواه البغوي في المصابيح في باب الفيء من الحسان، عن عمر، قال: كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث صفايا: بنو النظير و خيبر و فدك. فأما بنو النظير فكانت حبسا لنوائبه، و أما فدك فكانت حبسا لا بناء السبيل، و أما خيبر فجزّأها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة أجزاء؛ جزءين بين المسلمين و جزءا نفقة لأهله، فما فضّل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين.
فإن هذه الأخبار مكذّبة لما ادعاه الخصم من أن نفقة عيال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من فدك، كما أنها متكاذبة فيما بينها لدلالة الخبرين الأولين على أنها من بني النظير و دلالة خبر البغوي على أنها من خيبر، على أنه لو كانت فدك محل نفقة عيال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في سنين لما خفي ذلك على عياله و المسلمين، و لا سيما أن الفاضل عن نفقتهم بزعم الخصم يصرف في الكراع و السلاح، فكيف يمكن لفاطمة (عليها السلام) دعوى أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك من يوم ملكها ثم يشهد لها بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كيف لا تنعى عليها عائشة هذه الدعوى نصرة لأبيها.
455
لا نورّث، ما تركناه صدقة. و كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به إلا عملت به؛ إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و عباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام). و أما خيبر و فدك فأمسكها عمر و قال، هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانتا لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولي الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
و نحوه في صحيح البخاري و مسند أحمد، و ذكر البخاري في هذا الحديث أنها غضبت فهجرت أبا بكر، و لم تزل مهاجرته حتى توفّيت. و ذكر هو و مسلم في الحديث الأول أنها (عليها السلام) وجدت على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها.
فأنت ترى إن هذه الأخبار صريحة الدلالة على أن فدك غير خيبر، و مثلها في أخبارهم كثير. فكيف زعم الخصم أنها من قراها؟
و بهذه الأخبار التي ذكرناها يعلم أن فدك و كل ما لم يوجف عليه بخيل أو ركاب ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة. فقول الخصم: و كان تحت يد رسول اللّه كما يكون أموال الفيء تحت أيدي الأئمة باطل، فإن ظاهره أنه للمصالح العامة لا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، و هو مخالف للأخبار السابقة و ضرورة الإسلام، و لعله أخذ هذه الدعوى من قول أبي بكر في الحديث الأول: إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن حالها التي كانت عليها و لأعملنّ فيها بما عمل.
و قوله في الحديث الثاني: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعلم به، فإن هذين القولين دالّان على أن متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كانت صدقة في أيامه. و فيه: إن كلام أبي بكر متناقض، فلا ينبغي أن يعتمد عليه، لأن متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إن كانت من الصدقات في أيامه لم يكن محل لروايته إن الأنبياء لا يورّثون، إذ لا ميراث حتى يحتاج لرواية هذا الحديث؛ و إن كانت ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان خوف أبي بكر من مخالفة عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)
457
و أما قوله: و لم يكن سعة في أموال الفيء حتى ينفق الخليفة على أزواجه من سائر جهات الفيء و يترك فدك لفاطمة، فعذر بارد لأنّ الحقوق الشرعية، لم تكن تضيق عن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي تعوّدن عليها في أيامه، و لا أظن أنها كانت في ذلك الوقت تبلغ ما أعطاه جابر بن عبد اللّه في أيام وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما جاءه مال البحرين، فإنه أعطاه ألفا و خمسمائة درهم كما رواه البخاري و مسلم و أحمد في مسنده، و كذا أعطى غيره نحو ذلك.
ففي كنز العمال عن ابن سعد: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فليأت. فيأتيه رجال فيعطيهم؛ فجاءه أبو بشر المازني فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لي: إذا جاء ناشئ فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا، فوجدها ألفا و أربعمائة.
بل لم تكن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلا القليل مما وهبه أبو بكر لمعاذ بن جبل؛ روى في الاستيعاب بترجمة معاذ أنه مكث باليمن أميرا، و كان أول من اتجر بمال اللّه. فمكث حتى أصاب و حتى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فلما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه و خذ سائره منه .... فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئا قد وهبته لك؛ و نحوه في الكنز عن عبد الرزاق و ابن راهواه.
كما أن نفقتهن لا تبلغ إلا اليسير مما أعطاه لأبي سفيان؛ ففي شرح النهج عن الجوهري في كتاب السقيفة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعث أبا سفيان ساعيا. فرجع من سعايته و قد مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: من ولّى بعده؟ قيل أبو بكر. قال: أبو فصيل؟! قالوا: نعم ....
فكلّم عمر أبا بكر فقال: إن أبا سفيان قد قدم و إنا لا نأمن شره. فدفع له ما في يده، فتركه فرضي. و أنت تعلم أن مال السعاية التي يوجّه بها أبو سفيان و يرشى به في أمر الخلافة و يرضيه ممن ازدراه و استصغره لهو من أكثر الأموال، فإذا وسع مال اللّه هذه العطيات و نحوها فكيف يضيّق عن نفقة أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟
458
و لو فرض أنه يضيّق عنها فقد كان من شرع الإحسان و حفظ الذمام لسيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) أن يضيّقوا على أنفسهم و ينفقوا على الأزواج من مال اللّه أو يضمّ أبو بكر و عمر ابنتيهما إلى عيالهما و يطيّبوا نفس بضعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بإعطائها فدك التي أفاء اللّه بها عليه، و لا يلجؤها إلى النزاع في تلك المقامات و يغضبوها حتى الممات.
أ ترى أن من بنى لقومه بيت شرف و مجد و جعل لهم مملكة يزاحمون بها الممالك العظمى ثم مات و خلّف بينهم بنتا واحدة و ما لا يقوم بكفايتها، فهل يحسن منهم أن ينتزعوا منها ذلك المال قهرا بحجة أنه يعود إلى المملكة؟ و هل ترى من يفعل ذلك معدودا من حافظي حق الأب و ذمامه أو معدودا من المضيّعين لحقه و أعدائه؟ فكيف بسيد النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) الذي بنى لهم شرف الدنيا و الدين و أخرجهم من الظلمات إلى النور و هداهم- لو آمنوا- إلى الصراط المستقيم، و ما خلّف بينهم إلا بنتا وصفها بأنها بضعته و أنها سيدة نساء العالمين و أنها بغضبه ما يغضبها!
و أما قوله: فعمل أبو بكر في فدك مثل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان ينفق على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) و أولادها، فكذب ظاهر، إذ مع أن نفقة الأزواج بحسب أخبارهم السابقة كانت من مال بني النظير أو خيبر؛ إن سيدة النساء (عليها السلام) لم تقم بين أظهرهم إلا مدة يسيرة ساخطة عليهم، فمتى أخذت من أيديهم؟
مضافا إلى ما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يقتسم ورثتي دينارا نارا؛ ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤونة عاملي فهو صدقة. فإنه لم يستثن إلا نفقة نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مؤونة عامله، فلا تكون نفقة فاطمة (عليها السلام) و أولادها منها.
و الظاهر أن فدك صارت من مختصّات أبي بكر و عمر، كما عن السيوطى في تاريخ الخلفاء، و يدلّ عليه ما رواه أبو داود في سننه في باب صفايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كتاب الخراج عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب ميراثها من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن اللّه عز و جل إذا أطعم نبيا طعمة فهي للذي يقوم بعده. و نحوه في كنز العمال عن أحمد و أبي داود و ابن جريز و البيهقي.
459
بل الظاهر أن خيبر أيضا مختصّة بهما و صارت طعمة لهما، لما سبق عن البخاري و مسلم و أحمد أن عمر أمسك خيبر و فدك و قال: هما صدقة رسول اللّه، كانتا لحقوقه التي تعروه و أمرهما إلى من وليّ الأمر. فإنه دالّ على أن عمر و أبا بكر قد اتخذا فدك و خيبر لحقوقها و نوائبهما طعمة لهما، و هو مما يزيد في اللؤم و التقريع لهما في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و سهمها من خيبر.
و أما قوله: فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر ... ردّ سهم بني النظير إلى علي (عليه السلام) و عباس، فمن الجهل الواضح، لأنه يدلّ على زعمه اتحاد سهم بني النظير و فدك، لأن كلامه في فدك و تحقيق أمرها و هما بالضرورة مختلفان، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فتح بني النظير في سنة أربع و فدك في سنة سبع.
على أن عمر لم يردّ شيئا من فدك و سهم بني النظير، و إنما زعموا أنه ردّ صدقته بالمدينة كما سبق في حديث البخاري و مسلم و أحمد، لكن الظاهر إن الخصم أخذ دعوى ردّ عمر لسهم بني النظير من الخبر المشتمل على منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس، فإنه دالّ على ذلك. فيتناقض مع ما دلّ على أنه إنما ردّ صدقته بالمدينة.
فقد ظهر مما ذكرنا أن ما بيّنه الخصم في تاريخ فدك جهل في كذب، و هل هو أعلم بحقيقتها من الطاهرة العالمة.
و أما ما يظهر منه من التشكيك في دعوى فاطمة (عليها السلام) فمن الغرائب؛ ليت شعري إذا لم تدع أحدهما فما هذا الذي وقع بينها و بين أبي بكر مما ملأ العالم ذكره و شوّه وجه التاريخ أمره؟ و لنتكلّم في الدعويين.
أما دعوى الإرث فقد اشتملت عليها صحاح أخبارهم و قد سمعت بعضها، و لشهرتها و وضوحها لا نحتاج إلى تطويل الكلام بإثباتها. و لما ادعت الميراث ردّها أبو بكر بالحديث الذي رواه فكذّبته و قالت من خطبة طويلة: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، كما ذكره ابن أبي الحديد و استدلّت (عليها السلام) بالآيات التي ذكرها المصنف، كما استدلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا بآيتي سليمان و يحيى، كما في الكنز عن ابن سعد.
460
و أما قوله: الحديث إذا صحّ بشرائط يخصّص حكم الكتاب فصحيح، لكن الكلام في حصول الشرائط، كما ستعرف على أن آيتي إرث سليمان و يحيى خاصّتان فلا يعارضها الحديث و إن صحّ.
و أما تكذيبه للمصنف في دعوى تفرّد أبي بكر، فباطل لأن المصنف لم يستبدّ بهذه الدعوى، بل سبقته إليها عائشة و كانت أعلم بتفرّد أبيها؛ فقد نقل في الكنز في فضائل أبي بكر عن البغوي و أبي بكر في الغيلانيات و ابن عساكر، عن عائشة، قالت: لما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اشرأب النفاق و ارتدّت العرب و انحازت الأنصار؛ فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها. فما اختلفوا بنقطة إلا طار أبى بغنائها و فصلها. قالوا: أين يدفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه. و اختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. و نقله ابن حجر في الصواعق عن هؤلاء الجماعة.
و يدلّ أيضا على تفرّد أبي بكر ما رواه أحمد في مسند عن عمر، قال في جملة كلامه: حدثني أبو بكر- و حلف بأنه لصادق- أنه سمع النبي يقول: إن النبي لا يورّث و إنما ميراثه في الفقراء المسلمين و المساكين.
و قال ابن أبي الحديد: أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده؛ ذكر ذلك معظم المحدثين، حتى أن الفقهاء اطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد، و قال شيخنا أبو علي: لا يقبل في الرواية إلا رواية اثنين. فخالفه المتكلمون و الفقهاء كلهم و احتجّوا بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث. حتى أن بعض أصحاب أبي على تكلّف لذلك جوابا فقال: قد روي أن أبا بكر يوم حاجّ فاطمة (عليها السلام) قال: أنشد اللّه امرأ سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا شيئا، فروى مالك بن أوس بن الحدثان أنه سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
461
و أما استدلال الخصم لعدم تفرّد أبي بكر بقول عمر بمحضر علي (عليه السلام) و العباس و غيرهما، فهو مما رواه البخاري من طرق و مسلم و الألفاظ متقاربة، و هو من الكذب الصريح لأمور:
الأول: إنه يصرّح بأن عمر ناشد القوم و من جملتهم عثمان، فشهدوا بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، و هو مناف لما رواه البخاري عن عائشة أنها قالت: أرسلت أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء اللّه على رسوله، فكنت أنا أردّهن الحديث. فإنه يقتضي أن يكون عثمان جاهلا بذلك و إلا لامتنع أن يكون رسولا لهن، إلا أن يظن القوم فيه السوء.
الثاني: إنه لو كان القوم الذين ناشدهم عمر عالمين بما رواه أبو بكر لما تفرّد أبو بكر بروايته عند منازعة فاطمة (عليها السلام) له، فهل تراهم ذخروا شهادتهم لعمر و أخفوها عن أبي بكر و هو إليها أحوج؟
الثالث: إن أحاديث البخاري صريحة في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس طلبا من عمر الميراث حيث يقول في أحدها: جئتماني و كلّمتكما واحدة؛ جئتني- يا عباس- تسألني نصيبك من ابن أخيك و جاءني هذا يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. و قريب منه ما في حديثيه الآخرين.
فكيف يتصوّر أن يطلبا من عمر الميراث و هما يعلمان أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث؟ و هو من الكذب الفضيع لمنافاته لدينهما و شأنهما، و كونه من طلب المستحيل عادة، لأن أبا بكر قد حسم أمره و كان أكبر أعوانه عليه عمر، فكيف يطلبان منه الميراث؟ و مع ذلك فكيف دفع لهما عمر مال بني النظير ليعملا به عمله و عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر، و هما قد جاءاه و يطلبان الميراث مخالفين لعلمهما غير مبالين بحكم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟
حاشاهما! فيكون قدحا في عمر.
الرابع: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس لو سمعا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما رواه أبو بكر حتى أقرّا به لعمر، فكيف يقول لهما عمر- كما في حديث مسلم-: رأيتما أبا بكر كاذبا آثما غادرا خائنا و رأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا؟
462
الخامس: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو سمع ذلك فلم ترك بضعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن تطالب بما لا حق لها فيه؟ أ أخفى ذلك عنها راضيا بأن تغصب مال المسلمين؟ أو أعلمها فلم تبال وعدت على ما ليس لها فيه حق، فيكون الكتاب كاذبا أو غالطا بشهادته لهما بالطهارة؟! فلا مندوحة لمن صدّق اللّه و كتابه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقول بكذب هذه الأحاديث.
السادس: إنه ذكر في حديث مسلم- و يعزّ علىّ نقله و إن كان ناقل الكفر ليس بكافر- أن العباس قال لعمر: اقض بيني و بين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. و هذا مما لا يتصوّر صدوره من العباس، إذ كيف ينسب لعلي (عليه السلام) الكذب و الغدر و الخيانة و هو يعلم أنه نفس النبي الأمين (صلّى اللّه عليه و آله) و أن اللّه سبحانه شهد له بالطهارة؟ و كيف يسبّه و قد علم أن من سبّه سبّ اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟! اللهم إلا أن يكون كافرا مخالفا لما علم و ثبت بالضرورة، و العباس أجلّ قدرا و أعلى شأنا من ذلك. فلا بد أن يكون هذا القول مكذوبا على العباس من المنافقين الذين يريدون سبّ الإمام الحق و وضعوا هذا الحديث لإصلاح حال أبي بكر و عمر من دون فهم و رؤية.
و أما حديث أبي هريرة الذي استدلّ به الخصم لعدم تفرّد أبي بكر، فهو من الكذب المجمع عليه، لمخالفته لمذهبنا كما هو ظاهر و لمذهبهم، لأنهم يزعمون أن ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة كله، فلا وجه لاستثناء نفقة نسائه؛ و ليس هذا الكذب إلا من أبي هريرة، تزلّفا لأهل الخلاف بلا معرفة.
فإذا عرفت أن أبا بكر متفرّد بهذه الرواية، عرفت أنه لا يصحّ التعويل عليها، إذ لا يمكن أن يخفي نبي الرحمة و الهدى (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الحكم عمن هو محلّ الابتلاء به و هم ورثته و يعرف به أجنبيا واحدا حتى يصير سببا للفتنة و الخلاف بين ابنته الطاهرة و من يلي أمر الأمة، إلى أن ماتت غضبى عليه، و هو قد قال في حقها: «إن اللّه يغضب لغضبها و يرضى لرضاها و يؤذيني ما يؤذيها». فكان هذا البيان لفضلها مع ذلك الإخفاء عنها سببا لاختلاف أمته و العداوة بينهم إلى الأبد، لأنهم بين ناصر لها و قاطع بصوابها و بين ناصر لأبي بكر و راض بعمله.
463
و كيف يتصوّر أن يخفي هذا الحكم عن أخيه و نفسه و باب مدينة علمه و من عنده علم الكتاب و يظهره لغيره؟ ليت شعري أ لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رأفة على بضعته فيعلمها حكمها و يصوّنها عن الخروج إلى المحافل مطالبة بما لا تستحق و تعود بالفشل راغمة مهضومة؟! ما أظنّ مؤمنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عارفا بشأنه يلتزم بصحة هذا الخبر مع هذه المفاسد.
و أما ما أجاب به عن السؤال بقوله: فإن قيل: لا بد لكم من بيان حجية هذا الحديث و من بيان ترجيحه على الآية، ففيه أن دعوى الحكومة لأبي بكر في المقام خطأ، فإنه خصم بحت لاستحقاقه لهذه الصدقة، و إن فرض غناه لأنها من الصدقات بالمعنى الأعم الذي ادعاه الخصم، بل أبو بكر أظهر الناس خصومة لأنه يزعم أن أمر صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) راجع إلى وليّ الأمر بعده و أنه وليه.
و ليت شعري لم صار أمير المؤمنين (عليه السلام) خصما لليهودي في الرواية التي ذكرها الفضل و رجع إلى شريح و صار أبو بكر هو الحكم فيما ادعاه على الزكية الطاهرة (عليها السلام)؟
و لو سلّم أن له الحكومة- و إن كان خصما- فالحديث الذي استند إليه في الحكم عليها ليس قطعي الدلالة، لاحتمال أن يريد به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنا لا نترك شيئا من المال يبقي بعدنا لورثتنا، بل نصرفه في وجوه البراذ؛ ليس من شأننا جمع المال كالملوك، و ما نتركه بعدنا إنما هو من مال الصدقات التي لنا الولاية عليها.
و حينئذ لو اتفق بقاء مال يملكه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لسبب يرجح بقاءه، لا يمنع أن يكون إرثا لورثته، و قول الخصم لانتفاء الاحتمالات التي يمكن تطرقها إليه بقرينة الحال إلى آخر رجم بالغيب، إذ لا دليل على وجود قرينة الحال لو لا حمل أبي بكر على الصحة، و هو ليس أولى بالحمل على الصحة من أهل البيت (عليهم السلام) الملغين لحديثه. نعم، لا ينكر ظهور حديثه في مطلوبه، لكنه لو صحّ لا يصلح لمعارضة ظهور الآيات في توريث الأنبياء، لا سيما ما تعرض منها لإرث الأنبياء بخصوصهم.
464
و أما ما زعمه من الفرق بين الشهادة و الرواية، فممنوع إذا كانت الرواية لإثبات الحاكم مدّعاه بروايته إذ تلحقه التهمة بإرادة جرّ النفع إلى نفسه كالشاهد.
و أما ما أجاب به عن آية إرث سليمان، فمخالف للظاهر بل غير صحيح، لأن سليمان كان نبيا في حياة أبيه، فكيف يرث منه النبوة؟ و كذا العلم لقوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ...». (1) فإنه دالّ على أن كلا منهما قد أوتي علما بالاصالة، و لذا قال سبحانه: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ». (2) فيدلّ قوله: «وَ وَرِثَ» على أنه ورث منه أمرا آخر غير العلم و ينصرف إلى المال، و إنما بيّن سبحانه إرثه للمال للدلالة على أنه بقى بعده و أن الأنبياء تورث المال و ترث منه.
و أما ما ذكره بالنسبة إلى دعاء زكريا، فيرد عليه:
أولا: منع اتفاق العلماء على إرادة النبوة و الحبورة لمخالفة أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم جميعا و أكثر علماء التفسير من العامة. قال الرازي في تفسير الآية: اختلفوا في المراد بالميراث على وجوه: أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال، و هذا قول ابن عباس و الحسن و الضحاك. و ثانيها: إن المراد في الموضعين وراثة النبوة، و هو قول أبي صالح. و ثالثها: يرثني المال و من آل يعقوب النبوة، و هو قول السدي و مجاهد و الشعبي و روي أيضا عن ابن عباس و الحسن و الضحاك. رابعها: يرثني العلم و يرث من آل يعقوب النبوة و هو مرويّ عن مجاهد، و حكى السيوطي في الدر المنثور عن الفرياني أنه أخرج عن ابن عباس، قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه فقال: «رب فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (3)؛ قال: يرثني مالي و يرث من آل يعقوب النبوة.
____________
(1). سورة النمل: الآية 16.
(2). سورة الأنبياء: الآية 79.
(3). سورة مريم: الآيتين 5، 6.
465
و يرد عليه ثانيا: إن دعواه الإجماع على أن يحيى قتل قبل أبيه باطلة، لأنها من قبيل دعوى الإجماع على خلاف ما أنزل اللّه تعالى؛ قال سبحانه: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي». (1) فإنه يستلزم بمقتضى استجابة دعاء زكريا أن يكون يحيى قد بقى بعد أبيه، لأن الوراثة تستدعي بقاء الوارث بعد الموروث.
و ثالثا: إنه لا بد من حمل الآية على ميراث المال لا النبوة لأمور:
الأول: إن يحيى كان نبيا في حياة أبيه و هو صبي، فلا معنى لأن يكون وارثا للنبوة من أبيه، مع أن النبوة لا تحصل بالميراث إلا بالتجوّز، و هو خلاف الظاهر.
الثاني: إن الموالي كانوا شرار بني إسرائيل كما في الكشّاف و غيره، فلا يجوز أن يرثوا النبوة حتى يخافهم من ورائه و يدعو أن يهب اللّه له وارثا غيرهم. و لو فرض إمكان نبوتهم فلا وجه لخوفه من إرثهم للنبوة إلا البخل بنعمة اللّه على الغير و هو كما ترى، بل ينبغي سروره بذلك لخروجهم من الضلال إلى الهدى. و دعوى أنه ما خاف أن يرثوا النبوة بل خاف أن يضيّعوا الدين و يغيّروه فدعا ربه أن يهب له ولدا حافظا للدين مانعا لهم عن الفساد، ممنوعة لبعدها عن سوق الآيات و خصوصيات الكلام التي منها أنه طلب وليا و هو لا خصوصية له في تحصيل هذا الغرض، و طلب أن يكون رضيّا من دون قيد التمكّن من دفعهم عن الفساد.
الثالث: إنه لو كان المراد ولدا وارثا للنبوة لكان دعاؤه أن يجعله رضيا فضولا، إذ لا تكون النبوة إلا لرضي، و الحال أن ظاهره التقييد كما يشهد له ما حكاه السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن أبي حاتم أنه أخرج عن محمد بن كعب، قال: قال داود: يا رب هب لي ابنا، فولد له ابن خرج عليه. فبعث له داود جيشا، إلى أن قال: رب إني سألت أن تهب لي ابنا فخرج عليّ!؟ قال: إنك لم تستثن. قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا:
«وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (2)
____________
(1). سورة مريم: الآية 6.
(2). سورة مريم: الآيات 3- 6.
466
هذا، و لا يستبعد من زكريا أن يطلب وارثا لما له و إن لم يدخل المال تحت نظر الأنبياء، لأنه خاف أن يرث الموالي ماله فيستعينون به على معاصى اللّه تعالى، و لا يشكل بأنه اذا خاف ذلك أمكنه أن يتصدّق بماله فيحصل له ثواب الصدقة و يتمّ غرضه، و ذلك لأنه لا يرجح أن يفقر الإنسان نفسه باختياره ابتداء منه، و كلما نال مالا أخرجه في آنه؛ قال تعالى: «وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً». (1) على أن طلب الولد الصالح الذي يتعاهد أباه بماله و نتائجه و عمله أولى من الصدقة.
و أما ما أجاب به عن مناقضة فعل أبي بكر لروايته في توريث السيف و العمامة، فيبتنى ردّه على الإحاطة بأخبارهم الحاكية لكيفية وصول السيف و العمامة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لم يتيسّر لي الآن ذلك.
و لكن لأبي بكر مناقضة أخرى أطلعت عليها في مسند أحمد، فقد أخرج عن ابن عباس أنه قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و استخلف أبو بكر، خاصم العباس عليا (عليه السلام) في أشياء تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال أبو بكر: شيء تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يحرّكه فلا أحرّكه .... و مثله في كنز العمال في أول كتاب الخلافة عن أحمد و البزار، و قال حسن الأسناد.
فإن هذا الحديث صريح في أنهما اختصما بأشياء من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مقتضي رواية أبي بكر أن تكون هذه المتروكات من الصدقات، فكيف كان على أبي بكر أن لا يحرّكها و أيّ تحريك أكبر من حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأنها صدقة.
و أما قوله: و لو كان ميراثا لكان العباس وارثا أيضا لأنه العم، فمردود بأن العم لا يرث مع البنت، لبطلان التعصيب على الأحق. و لو سلّم فقد زعم بنو العباس أنهم ورثوا البردة و القضيب، و لعلهم يرون أنهما كانا سهم العباس من الميراث.
هذا كله في دعوى الإرث.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 29.
468
فإذا عرفت هذا فنقول: لا ريب عندنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك و أن اليد لها عليها من يوم أفاء اللّه تعالى بها عليه، و كان بأمر اللّه سبحانه حيث قال له: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، و أن أبا بكر قبضها قهرا و طلب منها البينة على خلاف حكم اللّه تعالى، لأنه هو المدّعي.
و قد حاجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، فما كان جوابهم إلا أن قال عمر: لا نقوّي على حجتك و لا نقبل إلا أن تقيم فاطمة (عليها السلام) البينة؛ كما صرّحت به أخبارنا و شهدت به أخبارهم!
قال السيوطي في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (2) من سورة بني إسرائيل: أخرج البزّاز و أبو يعلي و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (3)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك. قال: و أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (4) أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا.
و نقل السيوطي أيضا الحديثين في لباب النقول، و ذكر أن الطبراني أخرج أيضا الحديث الأول عن أبي سعيد، لكن قال: هذا مشكل. فإنه يشعر بأن الآية مدنيّة و المشهور خلافه.
و فيه- مع أنه يكفينا موافقة البعض- أن الشهرة لو سلّمت إنما هي على كون السورة مكية، و هو باعتبار أغلبها لا ينافي نزول آية منها بالمدينة. و حكى في كنز العمال عن ابن النجار و الحاكم في تاريخه، عن أبي سعيد، قال: لما نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (5) قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يا فاطمة، لك فدك». و حينئذ فتكون مطالبة أبي بكر للزهراء (عليها السلام) بالبينة خلاف الحق و ظلما محضا، لأنها صاحبة اليد و هو المدعي.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). سورة الإسراء: الآية 26.
(3). سورة الإسراء: الآية 26.
(4). سورة الإسراء: الآية 26.
(5). سورة الإسراء: الآية 26.
467
و أما دعوى النحلة، فلا ريب بصدورها من سيدة النساء (عليها السلام)، و هي مسلّمة من الصدر الأول إلى الآن.
قال قاضي القضاة فيما حكاه عنه ابن أبي الحديد: أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، و لسنا ننكر صحة ما روي من ادعائها فدك. فأما أنها كانت في يدها فغير مسلّم.
فأنت ترى أنه لم ينازع إلا في كون فدك بيدها، الذي هو محل الكلام في الصدر الأول و لم ينكر صحة ما روي من ادعائها النحلة.
و حكى ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة و فدك لأحمد بن عبد العزيز الجوهري أخبارا كثيرة في ادعائها نحلة فدك، و ذكر في المواقف و شرحها في المقصد الرابع من مقاصد الإمامة أنها ادعت النحلة و شهد لها علي و الحسنان (عليهم السلام)، و أضاف في المواقف أم كلثوم و قال في شرحها: الصحيح أم أيمن، و لم يناقش أحدهما في وقوع دعوى النحلة و صدور شهادة الشهود بها، و إنما أجابا بتصويب أبي بكر في ردّ شهادتهم.
و قال ابن حجر في الصواعق: و دعواها أنه (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدكا، لم تأت عليها إلا بعلي (عليه السلام) و أم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة، على أن في قبول شهادة الزوج لزوجته خلافا بين العلماء. و عدم حكمه بشاهد و يمين إما لعله لكونه ممن لا يراه ككثير من العلماء، أو أنها لم تطلب الحلف مع من شهد لها. و زعمهم أن الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أم كلثوم شهدوا لها باطل، على أن شهادة الفرع و الصغير غير مقبولة؛ انتهى. فإنه لم ينكر صدور الدعوى منها و شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و الصغير غير مقبولة؛ انتهى. فإنه لم ينكر صدور الدعوى منها و شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن لها، و إنما أنكر شهادة الحسنين (عليهما السلام) و أم كلثوم.
و قال الشهرستاني في أوائل الملل و النحل: الخلاف السادس في أمر فدك و التوارث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و دعوى فاطمة (عليها السلام) وراثة تارة و تمليكا أخرى حتى دفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.
469
و يدلّ على أن اليد لها لفظ الإيتاء في الآية و الاقطاع و الإعطاء في الأخبار المذكورة، فإنها ظاهرة في التسليم و المناولة، كما يشهد لكون اليد لها دعواها النحلة و هي سيدة النساء و أكملهن و شهادة أقضى الأمة بها، لأن الهبة لا تتمّ بلا إقباض. فلو لم تكن صاحبة اليد لما ادعت النحلة، و لردّ القوم دعواها بلا كلفة و لم يحتاجوا إلى طلب البينة.
و لو سلّم عدم معلومية أن اليد لها، فطلب أبي بكر منها البينة جور أيضا، لأن أدلة الإرث تقضي بملكيتها لفدك، و دعواها النحلة لا تجعلها مدعية لما تملك، بل من زعم الصدقة هو المدعي و عليه البينة، و لا تكفي روايته في إثبات ما يدعي لأنه الخصم كما عرفت، كما لا يقبل أيضا حكم الخصم على خصمه.
على أن البينة طريق ظني مجعول لإثبات ما يحتمل ثبوته و عدمه، فلا مورد لها مع القطع و اليقين المستفاد في المقام من قول سيدة النساء (عليها السلام) التي طهّرها اللّه تعالى و جعلها بضعة من سيد أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأن القطع طريق ذاتي إلى الواقع لا بجعل جاعل، فلا يمكن رفع طريقيته أو جعل طريق ظاهري على خلافه.
و لذا كان الأمر في قصة شهادة خزيمة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو ثبوت ما ادعاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا بينة مع مخاصمة الأعرابي له، فإن شهادة خزيمة فرع عن قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تصديق له فلا تفيد أكثر من دعوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل كان اللازم على أبي بكر و المسلمين أن يشهدوا الزهراء (عليها السلام) تصديقا لها كما فعل خزيمة مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و امضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فعله.
و لكن يا للأسف! من اطلع على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها فدك، أخفى شهادته رعاية لأبي بكر- كما في الأكثر- أو خوفا منه و من أعوانه لما رأوه من شدتهم على أهل البيت (عليهم السلام)، أو علما بأن شهادتهم تردّ لما رأوه من ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و اجتهاد الشيخين في غصب الزهراء (عليها السلام)؛ و لذا لم يشهد أبو سعيد و ابن عباس مع أنهم علموا و رووا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك.
و لا يبعد أن سيدة النساء (عليها السلام) لم تطلب شهادة ابن عباس و أبي سعيد و أمثالهما لأنها لم ترد واقعا بمنازعة أبي بكر إلا إظهار حاله و حال أصحابه للناس إلى آخر الدهر،
470
«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1)، و إلا فبضعة رسول اللّه (عليها السلام) أجلّ قدرا و أعلى شأنا من أن تحرص على الدنيا، و لا سيما أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أخبرها بقرب موتها و سرعة لحاقها به.
و لو سلّم أن قول الزهراء (عليها السلام) وحده لا يفيد القطع، فهل يبقى مجال للشك بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و لو سلّم حصول الشك فقد كان اللازم على أبي بكر أن يعرض عليها اليمين حينئذ و لا يتصرّف بفدك قبله لوجوب الحكم بالشاهد و اليمين، كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن ابن عباس، قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيمين و شاهد، و نقل في كنز العمال عن ابن راهواه عن علي (عليه السلام)، قال: نزل جبرئيل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) باليمين مع الشاهد.
و نقل في الكنز أيضا عن الدار قطني، عن ابن عمر، قال: قضى اللّه في الحق بشاهدين، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه و إن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده، و نقل أيضا عن البيهقي، عن علي (عليه السلام)، قال: اليمين مع الشاهد، فإن لم تكن له بينه فاليمين على المدّعى عليه .... مع أنهم قد رووا أن أبا بكر و عمر و عثمان يقضون باليمين مع الشاهد، كما نقله في الكنز أيضا عن الدار قطني و البيهقي، عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة، و نقله أيضا عن البيهقي، عن علي (عليه السلام).
فإذا كان الأمر كذلك، فلم أسقط حقها من فدك و تصرّف فيها بمجرد سكوتها عن طلب يمينها ما لم تسقط حقها في اليمين كسائر الحقوق؟ و لو فرض أن أبا بكر لا يرى الحكم بشاهد و يمين، فقد كان اللازم عليه أن لا يمسك فدك إلا بيمينه أو تعفو عنه، لأنه الخصم المنكر. و دعوى أنها صدقة لا خصم بها ظاهرة البطلان، لأن مستحق هذه الصدقة و مدعيها خصم فيها و أبو بكر من مستحقيها و صاحب الولاية عليها بزعمه و متظاهر في الخصومة بها.
____________
(1). سورة الأنفال: الآية 42.
471
و لو تنزّلنا عن ذلك كله، فقد زعم أبو بكر أن له الأمر على فدك و غيرها من متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث روى أن أمرها إلى من ولّى الأمر، حتى زعموا أنه أعطى أمير المؤمنين (عليه السلام) عمامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و بغلته و أن عمر أعطاه و العباس سهم بني النظير أو صدقته بالمدينة. فقد كان من شرع الإحسان أن يترك فدك لبضعة نبيه (عليها السلام) التي لم يخلف بينهم غيرها، تطييبا لخاطرها و حفظا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها.
أ تراه يعتقد أن أبا سفيان و معاذا- و قد أعطاهما ما أعطاهما- أولى بالرعاية من سيدة النساء و بضعة المصطفى (عليها السلام)، أو أنه يحلّ له إعطاؤهما من مال الفيء دون الزهراء (عليها السلام) من مال أبيها، أو أنه يعتقد صدق جابر و غيره ممن ادعوا عدة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأعطاهم، و لا يعتقد صدق الطاهرة البتول (عليها السلام) فمنعها، أو أنه عدوّ مكّنه الدهر من عدوه فاجتهد بأذاه و وجد سبيلا إلى أضعاف أمر سيده و مولاه، و المنصف يعرف حقيقة الحال و يا بني على ما اللّه تعالى سائله يوم تنشر الأعمال.
فقد ظهر مما بيّنا أن أبا بكر لم يعامل سيدة النساء (عليها السلام) بشرع الإسلام و لا شرع الإحسان و الوفاء، كما ظهر بطلان ما فعله شريح مع أمير المؤمنين (عليه السلام). فإن الواجب عليه أن لا يطلب من أمير المؤمنين (عليه السلام) البينة، بل عليه و على المسلمين أن يفعلوا فعل خزيمة لعلمهم بأن علّام الغيوب شهد بطهارته و عصمته. و لكن لا عجب من شريح، لأنه ليس أهلا للقضاء كما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد أراد عزله فقال كثير من أهل الكوفة: قاض نصبه عمر لا يعزل، و إنما حضر أمير المؤمنين (عليه السلام) عنده لرفع التهمة عن نفسه.
و ما نقله الخصم من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أ لا تعلم أن هذه الدعوى لحق بيت المال و هاهنا تسمع شهادة الفرع، فكذب ظاهر، لدلالته على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يقول بسماع شهادة الفرع لحق الأصل و هو خلاف مذهبه، و لذا رضي بشهادة الحسنين (عليهما السلام) لأمهما (عليها السلام). نعم، لا يرى أمير المؤمنين (عليه السلام) سماع شهادة الفرع على الأصل، كما دلّت الأخبار عنه و عن ابنائه الطاهرين.
472
و أما قوله: فلو تمّ حجة حكم و إلا توقف، ففيه إنا لم نر أبا بكر توقّف بل قبض فدك و تصرّف بها ساكن الجأش مطمئن النفس كأنه ورث مال أبيه! و لعل الخصم يزعم أن الحجة تمّت ظاهرا لأبي بكر فلا يبقى مجال لتوقفه و هو خطأ، إذ لا أقل من الحاجة إلى يمين أبي بكر أو امتناع الزهراء (عليها السلام) عن اليمين، لو لم تتمّ لها الحجة إلا به.
و أما ما أجاب به عن شهادة الحسنين (عليهما السلام) فغير صحيح، إذ لا يمكن أن يخفى ذلك على باب مدينة علم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من عنده علم الكتاب و يدور معه الحق حيث دار و يظهر لهذا الخصم و أشباهه.
فلا ريب بجواز شهادة الفرع للأصل لرضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بها مع طلب سيدة النساء (عليها السلام) لها، كما أن صغرهما غير مانع لأن اللّه تعالى عرّف الأمة كمالهما و فضلهما على جميع الأمة، حيث أمر سيد أنبيائه (صلّى اللّه عليه و آله) بأن يجعلهما عونا له في المباهلة و أمرهما بالتأمين على دعائه، و لو لا مضي شهادتهما مع صغرهما لما رضي أمير المؤمنين (عليه السلام) بها.
و ليث شعري أين منهم هذه المناقشات و التقشفات عن عائشة لما رأت أن الحجرة لها حتى استأذنها عمر في دفنه- كما رووا- و كذا بقية أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حجرهن و أثاثهن؟ فإنا لم نسمع أنهم سألوهن البينة على الملكية فأقمنها؛ و سيأتي لهذا تتمة في أواخر هذه المباحث.
و أما ما زعمه من أن غضب الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر كان من العوارض البشرية، فحاصل مقصوده منه أنه غضب باطل خارج عن الغضب المقصود بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك». و فيه أنه عليه يكون المراد بالحديث إن اللّه يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) إذا كان غضبا بحق و من باب العداوة الدينية، فلا يدلّ على فضلها إذ كل مؤمن كذلك، و هو مما لا يقوله ذو معرفة.
فلا بد أن يكون المراد أنها لا تغضب إلا بحق، كما يقتضيه إطلاق غضبها في الحديث؛ و سيأتي له زيادة تحقيق إن شاء اللّه تعالى، و هذا الحديث قد رواه الحاكم في المستدرك
474
و بالجملة إن فدك كانت بيد الزهراء (عليها السلام) و لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبضها أبو بكر بدعوى أنها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما قبض بقية مواريثه، فقالت: إذن ما هو له يكون لي إرثا؛ أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ فردّها بأن الأنبياء لا يورّثون. فالتجأت إلى بيان وجه يدها على فدك و هو النحلة و استشهدت لها بالشهود، و ذلك أقرب إلى ظواهر الأخبار.
و كيف كان فقد ظهر مما بيّنا أن الزهراء (عليها السلام) في دعوى الإرث قد طالبت بجميع متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي قبضها أبو بكر، بلا فرق بين فدك و مال بني النظير و سهمه من خمس خيبر و غيرها. نعم، في دعوى النحلة إنما طالبت بخصوص فدك، لأنها هي التي نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بها طال النزاع و كانت هي المظهر لدعواها، لتعلق الدعويين بها و ظهور اغتصابه لها لسبق يدها عليها.
الثاني: إن لسيدة النساء (عليها السلام) دعوى ثالثة تتعلّق بحقها من خمس خيبر الذي ملكته في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو سهمها من الخمس الذي قسّمه اللّه سبحانه بقوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى ...» (1)، و هو الذي عيّنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له و لذويه و ميّزه عن سهام المحاربين، و هو حصن الكتيبة كما سبق في رواية الطبري؛ فملكوه بأشخاصهم. فللزهراء (عليها السلام) في خمس خيبر حقان؛ حق من حيث أنها شريكة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حق من جهة ميراثها لحقه، و قد استولى أبو بكر على خمس خيبر كله فمنعها الحقّين.
و نحن إن أصححنا له روايته إن الأنبياء لا تورث و سوّغنا له الاستيلاء على حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما المسوغ له الاستيلاء على حق غيره و قد ملكوه في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عيّنه لهم، و ليس للحاكم أن يتولّاه كالصدقات إذا قبضها الفقراء.
و لكن أبا بكر روى في ذلك رواية أخرى جعلها حجة لاستيلائه عليه؛ فقد نقل في الكنز عن أحد و ابن جرير و البيهقي و غيرهم، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ قال: بل أهله. قالت: فما بال الخمس؟
____________
(1). سورة الأنفال: الآية 41.
473
و صحّحه و حكاه في كنز العمال عن أبي يعلى و الطبراني و أبي نعيم و ابن عساكر، و حكاه أيضا عن الديلمى بلفظ: «إن اللّه عز و جل يغضب لغضب فاطمة (عليها السلام) و يرضى لرضاها».
تنبيهان:
الأول: قد يتساءل في أن المتقدم دعوى النحلة أو دعوى الميراث، و لا إشكال عندهم على تقدير تقدم دعوى النحلة و إنما الإشكال في العكس، لأنها إذا ادّعت الميراث أولا فقد أقرّت لزوما بأن المال ليس لها بل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى حين وفاته، فكيف تدّعي بعد هذا الإقرار النحلة و الملك في حياته.
و يمكن الجواب عنه بأنها إنما ادّعت استحقاق متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مطلقا بالإرث أو ما عدا فدك، فلا ينافي دعواها بعد ذلك استحقاق خصوص فدك بالنحلة، و لو سلّم أنها سمت فدك في دعوى الميراث فلا بأس به، لأن الشخص لا يلزم بالإقرار اللزومي ما لم يكن محل القصد في الإقرار، و إلا فالإشكال وارد أيضا على تقدير تقدم دعوى النحلة، لأن دعوى النحلة تستلزم إقرارها بأن فدك ليست من مواريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أملاكه، فكيف تدّعي بعد ذلك الميراث لها؟ و هذا مما لا يقولها أحد؛ فلا بد من القول بأن الإقرار اللزومي غير معتبر!
و بالجملة لم تقصد سيدة النساء (عليها السلام) في الدعويين إلا أن المال لها بلا خصوصية للأسباب، إذ لا غرض لها يتعلّق بذوات الأسباب و إنما ذكرتها آلة للتوصل إلى ملكها، فلا يضرّ ذكرها و إن استلزم كل سبب منها عدم مسبب الآخر، كما في كل سببين متضادّين.
على أنها لما كانت اليد لها على فدك بوجه الملك بعد ما كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لزم أن يكون انتقالها إليها بنحلة أو نحوها، فتتضمّن يدها دعوى النحلة أو غيرها. فإذا ادعت الميراث كانت دعواها له متأخرة عن دعوى النحلة ذاتا.
476
المصادر:
دلائل الصدق: ج 3 ص 22.
143
المتن:
قال السيد ناصر حسين الهندي:
و من الخطوات التي أتت على سيدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ردّ فدك، و هو من الوقائع التي تورث العجب العجاب، فتحيّر عقول أولي الألباب.
و قال سبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه المسمّى مرآة الزمان، في الباب العاشر في طلب آل رسول اللّه (عليهم السلام) الميراث من أبواب مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في وقائع السنة الحادية عشر، ما لفظه:
و قال علي بن الحسين (عليه السلام): جاءت فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) إلى أبي بكر و هو على المنبر فقالت: يا أبا بكر! أ في كتاب اللّه أن ترث ابنتك و لا أرث أبي؟ فاستعبر أبو بكر باكيا، ثم قال: بآبائي أبوك و بآبائي أنت. ثم نزل فكتب لها بفدك، و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة ميراثها من أبيها. قال: فما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه.
و قال نور الدين الحلبي في إنسان العيون، في المجلد الثالث منه عند ذكره دعوى فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك ما لفظه: و في كلام سبط ابن الجوزي أنه كتب لها بفدك و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: فما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقّه.
المصادر:
1. إفحام الأعداء و الخصوم: ص 95.
2. مرآة الزمان: الباب العاشر، على ما في إفحام الأعداء و الخصوم، شطرا منه.
475
فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إذا أطعم اللّه نبيا طعمة ثم قبضه كانت للذي بعده؛ فلما ولّيت رأيت أن أردّه على المسلمين ....
و نقل أيضا عن ابن سعد عن أم هاني: إن فاطمة (عليها السلام) قالت: يا أبا بكر! من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي. قالت: فما شأنك ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوننا؟! قال: يا بنت رسول اللّه، ما ورثته ذهبا و لا فضة و لا شاة و لا بعيرا و لا دارا و لا عقارا و لا غلاما و لا مالا. قالت:
فسهم اللّه الذي جعله لنا و صافيتنا التي بيدك! فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه، فإذا متّ كانت بين المسلمين.
و نحو الحديثين في شرح النهج عن كتاب السقيفة للجوهري، و هما ظاهران في أن الخمس المعيّن في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كخمس خيبر، قد زعم أبو بكر أنه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين أو أنه له و ردّه على المسلمين، و هو خطأ، فإن هذا الخمس ليس طعمة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة حتى يشمله ما رواه هنا.
هذا، و للزهراء (عليها السلام) دعوى رابعة تتعلق بخمس الغنائم الحادثة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فإن أبا بكر كما قبض الخمس الذي كان لأهل البيت (عليهم السلام) في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كخمس خيبر، منعهم خمس الغنائم الحادثة بعده. فنازعته الزهراء (عليها السلام) في ذلك أيضا، و الأخبار به كثيرة. و ذكر ابن أبي الحديد عدة أخبار في ذلك، و قد اشتهر النزاع بين الشيعة و السنة في أمر هذا الخمس و مستحقّه، و للقوم فيه أقوال ليس هذا محل ذكرها.
كما اشتهر إن أبا بكر و من لحقه منعوا بني هاشم خمسهم و أنهم عملوا بخلاف ما عمله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى روى أحمد في مسنده: إن نجدة الحروري سأل ابن عباس عن سهم ذي القربى فقال: هو لنا لقربى رسول اللّه، قسّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و كان عمر عرض علينا منه شيئا دون حقنا فرددناه عليه ....
و روى أحمد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقسّم لعبد شمس و لا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسّم لبني هاشم و بني المطلب، و أن أبا بكر لم يكن يعطي قربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم، و كان عمر يعطيهم و عثمان من بعده منه، و الأخبار في هذا الباب كثيرة، و قد طال بنا المقام، فلنمسك عنان القلم خوف الملال.
477
3. إنسان العيون: على ما في إفحام الأعداء و الخصوم، شطرا منه.
4. السيرة الحلبية: ج 2 ص 485، شطرا منه، على ما في إفحام الأعداء و الخصوم.
144
المتن:
قال الكاشاني:
و مطاعن الثلاثة أكثر من أن تحصى و أشهر من تخفى، و كفاك منها تخلّفهم عن جيش أسامة مع علمهم بقصد التنفيذ و تأكيده (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك باللعن.
و منع أبي بكر فاطمة (عليها السلام) فدك مع ادعائها النحلة لها و شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن بذلك و عدم تصديقه لهم و تصديق الأزواج في ادعاء الحجرة لهن من غير شاهد، و لهذا ردّها عمر بن عبد العزيز و أوصت فاطمة (عليها السلام) أن لا يصلّي عليها فدفنت ليلا ....
و منع عمر أهل البيت (عليهم السلام) من خمسهم و خرقه كتاب فاطمة (عليها السلام).
المصادر:
المحجة البيضاء: ج 1 ص 236، 239.
145
المتن:
عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
أتت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر تريد فدك، فقال: هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك. قال: فأتت بأم أيمن. فقال لها: بم تشهدين؟ قالت: أشهد أن جبرئيل أتى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: إن اللّه
479
رسول اللّه تصدّق بها عليها، فأردت أن أكتب لها كتابا. فقال عمر: ناولني الكتاب. فناوله فخرقه ثم قال: لا و اللّه لا تكتب لها بفدك حتى يقيم البيّنة بالقصة.
و في رواية محمد بن أسلم، عن زيد بن علي (عليه السلام): أن الثاني بعث إلى ولد فاطمة بغلّة فدك ....
المصادر:
مثالب النواصب لا بن شهرآشوب: ص 50.
148
المتن:
قال ابن أبي الحديد:
... روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتب بتسليم فدك إليها. فاعترض عمر قضيته و خرق ما كتبه.
المصادر:
1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 16 ص 274.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 651 ح 4، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
149
المتن:
قال برهان الدين الشافعي:
و في كلام سبط ابن الجوزي أنه كتب لها (عليها السلام) بفدك، و دخل عليه عمر فقال: ما هذا؟
فقال: كتاب كتبته لفاطمة (عليها السلام) بميراثها من أبيها. فقال: مما ذا تنفق على المسلمين و قد حاربتك العرب؟ ثم أخذ الكتاب فشقّه.
478
تعالى يقول: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، فلم يدر محمد (صلّى اللّه عليه و آله) من هم، فقال: يا جبرئيل، سل ربك من هم. فقال: فاطمة (عليها السلام) ذو القربى؛ فأعطاها فدكا. فزعموا أن عمر محى الصحيفة.
و قد كان كتبها أبو بكر.
المصادر:
1. تفسير العياشي: ج 2 ص 287 ح 49.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 120 ح 16.
3. تفسير البرهان: ج 2 ص 415.
4. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 156 ح 164.
146
المتن:
قال محمد بن الحسن الحرّ العاملي في مطاعن الثلاثة:
... و لما وعظت فاطمة (عليها السلام) أبو بكر في فدك، كتب لها كتابا و ردّها عليها. فخرجت من عنده، فلقيها عمر فخرق الكتاب. فدعت عليه بما فعله أبو لؤلؤ به ....
المصادر:
1. إثبات الهداة: ج 2 ص 334 ح 109، عن منهاج الكرامة.
2. منهاج الكرامة، على ما في إثبات الهداة.
147
المتن:
عن محمد بن الصباح الكناني، عن الصادق (عليه السلام):
أنه لما سمع أبو بكر مقالة فاطمة (عليها السلام)، دعا بصحيفة يكتب لها كتابا. فأقبل عمر فقال: يا خليفة رسول اللّه! ما تصنع؟ فقال: هذه بنت رسول اللّه كلّمتني في فدك و زعمت أن
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
480
المصادر:
1. السيرة الحلبية: ج 3 ص 362، على ما في العوالم.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 651 ح 3، عن السيرة الحلبية.
150
المتن:
قال النووي:
تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر على الأظهر و قيل: قطعا، و في قول لا و في قول شهادة الزوج لها دون عكسه، و تقبل شهادة أحدهما على الآخر، إلا أنه لا يقبل شهادته عليها بزنا، لأنه دعوى خيانتها فراشه؛ قيل: فشهادة الزوج على كل يقبل لزوجتها.
و إن النووي من كبار فقهاء علمائهم و هذا رأيه، فما بال هذا التناقض في ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر فدك للزهراء (عليها السلام) و هذه فتواهم؟ بل هذا من مصاديق أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...».
المصادر:
روضة الطالبين للنووي: ج 11 ص 237.
151
المتن:
قال السيد الميلاني في ذكر بعض الأسرار الغامضة في حديث زواج فاطمة (عليها السلام):
.... و من تلك الأسرار هي نوعية المهر الحقيقي لفاطمة (عليها السلام) دون المهر الذي قدّمه علي (عليه السلام) لها و هو درعه ....
481
عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «يا علي، إن اللّه زوّجك فاطمة (عليها السلام) و جعل صداقها الأرض؛ فمن مشى عليها مبغضا لك مشى حراما».
و لا غرو في ذلك فإن اللّه مالك الأرض و السماوات و يهب ما يشاء لمن يشاء، جل جلاله و عمّ نواله، و قد جعل الأرض صداقا و مهرا للصديقة لتكون زوجة لعلي (عليه السلام)؛ و هو أبو تراب وحده و ليس للأرض أب غيره. لهذا فقد صدق الصادق الأمين (صلّى اللّه عليه و آله): إن اللّه جعل الأرض صداقا لسيدة نساء العالمين (عليها السلام).
فإذا كانت الأرض كلها لها كيف لا تكون أراضي فدك لها، و هي نحلتها التي نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كيف تحرم حتى من شبر من الأرض؟
المصادر:
قدّيسة الإسلام: ص 62.
152
المتن:
قال محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي في الأدلة الدالة على عدم إمامة غير علي (عليه السلام):
... و منع (أبو بكر) فاطمة (عليها السلام) فدكا مع ادعاء النحلة لها، و شهد بذلك علي (عليه السلام) و أم أيمن، و صدّق الأزواج في ادّعاء الحجرة لهن، و لهذا ردّها عمر بن عبد العزيز.
و قال العلامة الحلي في شرحه: هذا دليل آخر على الطعن في أبي بكر و عدم صلاحيته للإمامة، و هو أنه أظهر التعصّب على أمير المؤمنين (عليه السلام) و على فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)، لأنها ادعت فدكا و ذكرت أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها إياها فلم يصدّقها في قولها، مع أنها معصومة و مع علمه بأنها من أهل الجنة و استشهدت عليا (عليه السلام) و أم أيمن، و صدّق أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ادعاء أن الحجرة لهن و لم يجعل الحجرة صدقة.
482
و لمّا عرف عمر بن عبد العزيز كون فاطمة (عليها السلام) مظلومة ردّ على أولادها فدكا، و مع ذلك فإن فاطمة (عليها السلام) كان ينبغي لأبي بكر انحالها فدكا ابتداء لو لم تدعه أو يعطيها إياها بالميراث.
المصادر:
كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 293.
153
المتن:
قال السيد محمد حسن الموسوي القزويني في بحث فدك في شهادة عمر باختصاص فدك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
و يدلّ على ما استظهرناه من التواريخ المعتبرة زيادة على ما نطقت به الكتب المتقدمة من اختصاص فدك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنها ملكه الشخصي كسائر أملاكه من غير حظّ للمسلمين فيها؛ الذي ذكره ابن حجر في الصواعق: ص 23، و الشيخ السمهودي في تاريخ المدينة، و كذلك ما اشتملت عليه الصحاح و السنن من رواية مالك بن أوس بن الحدثان في شأن فدك، أن عمر قال:
إني أحدّثكم عن هذا الأمر؛ إن اللّه كان قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال: «وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)؛ فكانت هذه خالصة لرسول اللّه.
فما اختارها دونكم و لا استأثر بها عليكم. لقد أعطاكموها و ثبتها فيكم حتى بقي منها هذا المال، و كان ينفق منه على أهله سنتهم ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال اللّه عز و جل؛ فعل ذلك في حياته. ثم توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: أنا ولىّ رسول اللّه.
فقبضها و قد عمل فيها بما عمل به رسول اللّه.
____________
(1). سورة الحشر: الآية 6.
483
قلت: قوله: فكانت هذه خالصة لرسول اللّه، نصّ على أن فدك كانت من جملة أملاك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما هذا شأنه يرجع إلى ورثته من بعده لأن ما تركه الميت فلوارثه بالضرورة من الدين، و كونها فيئا للمسلمين موقوف على برهان ساطع و دليل قاطع.
تشهد الرواية السابقة عن الصواعق المحرقة بأن أبا بكر إنما تصرّف في فدك حسب اعتقاده أنه ولىّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقبضها و عمل فيها بما عمل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كيلا يقع الخلاف في العمل بين الولىّ و النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
و يشهد بذلك أيضا ما رواه العلامة السمهودي في تاريخه، قال: كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبا بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعمل به إلا إذا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.
قوله: أن أزيغ، أي أعدل عما فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فدك من صرف حاصلاتها في حوائجه الشخصية و المصالح النوعية الراجعة إلى المسلمين، فلو كانت رواية أنها طعمة صحيحة و أنها راجعة إلى الأمة و كونها من حقوقها، لكان اللازم جعلها علة للتصرف في فدك لا جعل السبب لصحة التصرف فيها.
قوله: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به، الذي هو اجتهاد و دراية من أبي بكر لا رواية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 37.
154
المتن:
قال المحقق الأردبيلي في مطاعن أبي بكر:
487
في هذا الفصل
إن فدك ما دامت في يد فاطمة (عليها السلام) كانت روضة مصفّاة و جنة نعيم، و لما غصبوها عن صاحبها و أخذوها عنها قهرا و لم يسمعوا تظلّمها و احتجاجها صارت قطعة أرض تبكى من أجلها عيون المحبين لفاطمة (عليها السلام).
و بعد فاجعة السقيفة و غصبها عن الزهراء (عليها السلام) و بعد ما تصرّف فيها الأيادي الخبيثة و بعد ما أحرقوا من أجلها قلب فاطمة (عليها السلام)، لم يأخذها المعصومون (عليهم السلام) و لم يتصرّفوا فيها تكريما لأمهم المظلومة الشهيدة.
و أعطاها الخلفاء الثلاثة و الخلفاء الأموي و العباسي واحدا بعد واحد إلى الذي بعده و فعلوا بفدك ما شاءوا. فصارت فدك مظلومة كصاحبها في يد الفجار و الطلقاء، و صرفوا غلّاتها و حاصلها في الملاهي و ابتاعوا بها الخمور و صرفوها إلى المضحكين و الساخرين!
فدك بعد غصب أبي بكر و عمر عن صاحبها وقع في تطوّرات التاريخ:
485
الفصل الرابع تطوّرات فدك بعد غصبها
484
... إن بعض الجهّال قالوا جدلا: إنه لما اشتركت عائشة و حفصة في حجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، دفن أبو بكر فيها من حصّتها.
و ما أدري أنهم لم يعلموا أو تجاهلوا بأن هذا الدعوى مخالف لا دعاء أبي بكر بأن الأنبياء لا يورّثون، فمنع فدك عن الزهراء (عليها السلام) بهذا الحديث الموضوع و غصب حقوق سيدة النساء (عليها السلام).
فإذا ثبت الملكية و الوارثية و ورثته نساء، فمنع فاطمة (عليها السلام) عن الميراث عناد مع أهل البيت (عليهم السلام).
و حصّة عائشة و حفصة من الحجرة لا يساوي محل دفن أبويهما ....
المصادر:
حديقة الشيعة: ص 255.
490
المهدي و هارون، و ردّها المأمون على الفاطميين، و أخذها المتوكل، و قطع عبد اللّه البازيار إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابتلائه بالإفليج.
مصالحة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أهل فدك على النصف، إجلاء عمر في خلافته أهل فدك و دفعه إليهم قيمة النصف خمسين ألف درهم.
تقسيم عمر مال خيبر بين المسلمين في ذي القعدة من سنة ست عشرة و إجلائه اليهود عنها.
إجلاء عمر يهود نجران و فدك و إعطائه ليهود فدك نصف الأرض و نصف النخل.
كلام السيد حسن القزويني في ردّ عمر فدك إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تنازع علي (عليه السلام) و العباس فيها و تسليمها عمر إليه، القول بإن ما سلّم عمر لهما هى الحوائط السبع لا فدك.
الصحيح إن فدك لم ترد إليهم أيام الخلفاء الثلاثة إلى أيام خلافة عمر بن عبد العزيز، نقمة بني أمية على عمر بن عبد العزيز و عتابهم له لردّها فدك إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ذكر تطوّرات فدك من الأخذ و الرد من عمر بن عبد العزيز إلى زمن المتوكل و ردّه إلى ولد الحسن و الحسين (عليهم السلام)، صرم بشران بن أبي أمية إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده.
كلام السيد الجزائري في ردّ عمر فدك و العوالي إلى ولد فاطمة (عليها السلام).
تلاعب عثمان ببيت المال و إعطائه من لا استحقاق له، تلاعب خلفاء الأموي و العباسي ببيت المال و فدك.
كلام الشيخ الحر العاملي في إقطاع عثمان فدكا لمروان، تقسيم عمر خيبر على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
489
13. أخذ المتوكل فدك عن بني فاطمة و جعلها في تصرف مازيار و أرسل هو رجلا من بصرة لقطع إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده المباركة و أقطعها و رجع إلى البصرة ففلج.
14. اعطاء المنتصر بن المتوكل لبنى فاطمة (عليها السلام) و كتاب فدك مفتوح من يوم غصبها إلى زماننا هذا، و هي صارت عيار الحب و البغض بين المسلمين إلى ظهور صاحبنا و قائمنا المهدي (عليه السلام)، حتى يخرج الجبت و الطاغوت و يحرقهما و يأخذ الانتقام لأمه المظلومة (عليها السلام).
يأتي في هذا الفصل العناوين التالية في 70 حديثا:
كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا في خلافته لثواب المظلوم و عقاب الظالم في غصبها.
سؤال الكرخي من أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) و جوابه له: اقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ترك داره بمكة بعد بيع عقيل.
جواب موسى بن جعفر (عليه السلام) لا بن فضال و جواب الشيخ المفيد في المسائل العكبرية و جواب المحقق الأردبيلي عن مناقشة سعد الدين في علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) رد فدك إلى أهله في خلافته.
كلام العلامة السيد محمد حسن القزويني في رد عمر فدك و تسليمها لأهلها و ترك علي (عليه السلام) ردّها و نقل اجتهاد عمر و إتيان علي (عليه السلام) و العباس إلى عمر في تخاصمهما في فدك و الجواب عنهما و نقل المحمل الصحيح فيها.
مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و كلامها في فدك و النقض و الإبرام، كما مرّ في الفصل الثالث من هذا المجلد و تطوّرات فدك في الأخذ و الرد؛ إقطاع عثمان ثم معاوية و إقطاعها أثلاثا و كونها بعد تخصيصه بمروان، و ردّها عمر بن عبد العزيز إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)، و أخذها يزيد بن عاتكة، و ردّها السفاح و المهدي، و أخذها موسى بن
488
1. ردّها عمر- على قول- إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يصرفوها فيما صرفها فيه أبو بكر و عمر.
2. أخذ عثمان بعد موت عمر من ورثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أقطعها لمروان بن الحكم.
3. قسّمها معاوية بعد موت عثمان و شهادة الإمام الحسن (عليه السلام) أثلاثا؛ أقطع ثلثها لمروان و ثلثها لعمرو بن عثمان و ثلثها لابنه يزيد، و بعد ما عزل مروان أخذ عنه، و بعد جعله حكما مرة ثانية أقطعها فدكا و أعطاها حاصلاتها الماضية أيضا.
4. تصرّف مروان في حكومته كل فدك، ثم أعطى نصفها لابنه عبد الملك و نصفها لابنه عبد العزيز.
5. أعطى عبد العزيز سهمه لابنه عمر بن عبد العزيز و بعد موت عبد الملك صارت كلها في تصرّف عمر بن عبد العزيز.
6. ثم أعلن عمر بن عبد العزيز في خلافته أنه أخرج فدكا عن ملكه الشخصي و جعله في بيت المال على أن يصرف فيه بتصدي بني فاطمة؛ قالوا له: إنك أطعنت و استهجنت بفدك هذا على أبي بكر و عمر. قال: إنهما طعنا أنفسهما طعنا بغصب فدك.
7. أخذها يزيد بن عبد الملك من بني فاطمة و جعلها في تصرفه.
و في حكومة العباسيين:
8. ردّها السفّاح و جعلها في يد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
9. أخرجها المنصور الدوانيقي من يد بني فاطمة.
10. أعطاها مهدي العباسي لبني فاطمة.
11. أخذها الهادي العباسي منهم.
12. أعطاها المأمون لبني فاطمة.
491
كلام ابن قتيبة في إقطاع عثمان فدك لمروان و ذكر تطوراتها من يد إلى يد، كلام العلامة الأميني و تحقيقه في إقطاع مروان، إعطاء أبي بكر صكّ فدك للزهراء (عليها السلام) و خرق عمر لهذا الصكّ ....
نقمة الناس على عثمان لإعطائه طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مائة ألف و لجوؤه إلى بيته و إعطاء فدك لمروان و إعطاء خمس فيء الإفريقية إياه.
إقطاع عثمان فدكا إلى مروان و نهروان إلى أبي الحرث شقيق مروان.
ذكر تطورات فدك مفصلا من الأخذ و الرد من المروان إلى المتوكل بأسنادها و مصادرها.
نقل أبي حنيفة المغربي في تطوّرات فدك في حديث أبي جعفر (عليه السلام).
خرق عمر سجل المزارع غير خيبر و السويداء، إعطاء عثمان فدك إلى مروان بن الحكم.
تقسيم عمر بن عبد العزيز غلّة فدك و أربعة آلاف دينار في ولد فاطمة (عليها السلام).
كلام المحدث القمي في ردّ عمر بن عبد العزيز فدك إلى ولد فاطمة و ما جرى بينه و بين علماء السوء من مشايخ الشام و استدلاله لفعله.
ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا بعد استخلافه إلى محمد بن علي الباقر (عليه السلام) و كتابه له.
كلام الذهبي و النباطي البياضي و السيد ابن طاوس عن حماد بن عيسى و اليعقوبي و في سيرة عمر بن عبد العزيز و تاريخ دمشق و المجلسي الأول و الإربلي و السيد المرتضى و الصدوق في ردّ عمر بن عبد العزيز بالشرح و التفصيل ....
كلام الطريحي في مجيء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و كلامها و محاجّتها معه في أمر فدك و ما جرى بين الخلفاء الأموي و العباسي و تطوّراتها و كيفية الأخذ و الردّ.
تحديد موسى بن جعفر (عليه السلام) فدك عند هارون بعدن و سمرقند و إفريقية و سيف البحر و تغيّر لون الرشيد و عزمه على قتله (عليه السلام).
492
ورود موسى بن جعفر (عليه السلام) على المهدي العباسي و نقله (عليه السلام) قصة فدك و إعطائها لفاطمة (عليها السلام) و غصبها أبو بكر و احتجاج فاطمة (عليها السلام) و ردّ أبي بكر و كتابة صكّ بها و انتزاعه عمر من يدها و تفله فيه و محوه و خرقه.
تحديد الإمام (عليه السلام) فدك و قول المهدي: هذا كثير ....
تحديد الإمام الكاظم (عليه السلام) فدكا لهارون الرشيد و تغيّر لونه و حالته و كلامه في جوابه:
هذا كل الدنيا ....
كتاب المأمون إلى عبيد اللّه بن موسى العبسي و سؤاله عن قصة فدك و ردّ مأمون فدك إلى ولد فاطمة.
جعل مأمون علي بن موسى (عليه السلام) وليّ عهده و ضرب الدراهم الرضوية باسمه و رده فدك إلى ولد فاطمة و سمّه بعد كيد طويل.
شكوى جماعة من ولد الحسن و الحسين إلى المأمون في أمر فدك من إعطائها إلى فاطمة (عليها السلام) و غصبها و طلب البينة و ردّ بيّنتها و ذكر احتجاج فاطمة (عليها السلام) عند المأمون بطولها.
كلام صفي علي شاه بالشعر الفارسي في نزول آية: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1) و انتزاع فدك من يدها و ما جرى بعده ملخّصة مترجمة بالعربية.
كلام هشام بن الحكم في إمامة علي (عليه السلام) و مكانة أبي بكر و عمر و عثمان و طلحة و الزبير و عائشة، مرور أبي بكر على فاطمة (عليها السلام) و ضربها بالرفسة على بطنها و غصبها فدكها.
بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) إلى ناحية فدك في حاجة و لبثه فيها أياما، أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالتسليم على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين.
ملاقاة عمر أبا لؤلؤة في السوق و سؤاله عن صناعته و شكوى أبي لؤلؤة عن كثرة خراجه، استفتاء أبي لؤلؤة عن جزاء من عصى مولاه و جواب عمر له بوجوب قتله،
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
493
ضربة أبي لؤلؤة بأربع ضربات على عمر، استجابة دعوة الزهراء (عليها السلام) وقت مزق كتاب فدك ببقر بطنه.
كلام أبي الصلاح الحلبي في دفن الرجلين مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حجرته بلا استيذان بدعوى عائشة و ردّ دعوى فاطمة (عليها السلام) في فدك.
أحوال أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاتها و جعل طلاقهن إلى علي (عليه السلام) و استنابة علي (عليه السلام) في مبيته على فراشه ليلة الغار و بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى فدك.
عن جعفر بن محمد (عليه السلام): قصة رؤية علي (عليه السلام) الدنيا في حيطان فدك و في يده مسحاة على شكل امرأة جميلة باذلة نفسها للنكاح له (عليه السلام) و تزويجها، طردها و إقباله على مسحاته قائلا:
و ما أنا و الدنيا و أن محمدا * * * رهين بفقر بين تلك الجنادل
كلام المحقق الأردبيلي في قبول الحسنين (عليهما السلام) عطاء معاوية و حمله بأنه من خالصة ماله أو كونه من فيئهم و من غلّة أراضيهم من فدك و غيره.
كلام رجل من آل أبي طالب عند خطبة السفاح في قرية العباسة من ظلم أبي بكر في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا ....
تقسيم الإمام الصادق (عليه السلام) نحلة فدك بعد رجوعها عليهم ....
كلام الفخر الرازي في تصدّي عبد اللّه بن الحسن بن جعفر بن الحسن المثنّى في صدقات علي (عليه السلام) و صدقات فاطمة (عليها السلام) و هي فدك.
كلام آية اللّه الميلاني في الارتباط بين حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» و بين حديثين في الكافي من أن الأنبياء لا يورّثون درهما و لا دينارا و إنما يورّثون الأحاديث و العلم.
الكلام في أن منازعة علي (عليه السلام) و العباس في الميراث في فدك لا للخلافة.
497
1
المتن:
عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
قلت له: لم لم يأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لمّا ولّى الناس و لأيّ علة تركها؟ فقال له:
لأن الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه عز و جل و أثاب اللّه المظلومة و عاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوبة.
المصادر:
1. علل الشرائع: ج 1 ص 154 ح 1.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 395 ح 1، عن العلل.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 766 ح 2، عن العلل.
4. كشف الغمة: ج 1 ص 494، بتفاوت فيه.
5. الطرائف: ص 251 ح 349، عن العلل.
6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.
7. مفتاح الكتب الأربعة: ج 17 ص 168.
494
جعل السمّ في طعام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بشر بن براء في فدك، و وفاة بشر من هذا السمّ.
كلام النباطي البياضي في مطاعن عمر، منها إعطاؤه عائشة و حفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم و منع أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم و منها خرق كتاب فاطمة (عليها السلام) في فدك ....
كلام الإمام الصادق (عليه السلام): ... البراءة ممن أخذوا من فاطمة (عليها السلام) فدك واجبة.
نقل الذهبي كلام الواعظ البلخي في بكاء فاطمة (عليها السلام) و ضجّة الجالسين.
كلام أبي بكر في مرض موته و ندامته من منع فدك عن فاطمة (عليها السلام).
في قضايا سنة 44 إعطاء معاوية فدكا لمروان بن الحكم.
من وقائع سنة 351 لعن معاوية و لعن من غصب فاطمة (عليها السلام) فدكا.
جواب رجل مزّاح عن سلطان البصرة أن عائشة أفضل من فاطمة (عليها السلام) لقوله تعالى:
«فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» (1) و عائشة خرجت من المدينة إلى البصرة و جهّزت العساكر و جاهدت عليا (عليه السلام) و بني هاشم و أكابر الصحابة حتى قتل بسببها خلق كثير، و أما فاطمة (عليها السلام) فقد لزمت بيتها و ما خرجت إلا لطلب فدك و العوالي و لما منعها استقرّت في مكانها إلى يوم موتها.
أشعار بعض النواصب في حب علي (عليه السلام) و منع سبّ أبي بكر و عمر و جواب الشيخ البهائي في ردّه.
اعتراض الكميت للسيد الحميري لشعره في مداهنة منع فدك و جوابه أنه للتقية عن بني أمية.
جلدة مملوكة زانية لا بن عمر و نفيها إلى فدك.
قصة قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أشجعا عامل أبي بكر.
____________
(1). سورة النساء: الآية 95.
495
انتحال السيد غلام شاه و أهل قريته إلى مذهب التشيع لكتمان علماء العامة ذلك.
مناظرة السيدة حسنية مع علماء العامة حول فدك.
أهل السنة و حقيقة مسألة فدك.
498
الأسانيد:
في العلل: الدقّاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:
2
المتن:
عن إبراهيم الكرخي، قال:
سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له: لأيّ علة ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا لما ولّى الناس؟
فقال: للاقتداء برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره. فقيل له: يا رسول اللّه! أ لا ترجع إلى دارك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): و هل ترك عقيل لنا دارا؛ إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما؛ فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولّى.
المصادر:
1. علل الشرائع: ج 1 ص 155 ح 2.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 396 ح 2، عن العلل.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 766 ح 3، عن العلل.
4. كشف الغمة: ج 1 ص 494.
5. الطرائف: ص 251 ح 349، عن العلل.
6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.
7. ناسخ التواريخ: مجلدات الإمام الباقر (عليه السلام) ج 2 ص 183.
الأسانيد:
في العلل: ابن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، قال.
499
3
المتن:
عن الحسن بن فضّال، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال:
سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم لم يسترجع فدك لما ولّى الناس؟ فقال: لأنا أهل بيت ولّينا اللّه عز و جل، لا يأخذ لنا حقوقنا ممن يظلمنا إلا هو، و نحن أولياء المؤمنين؛ إنما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممن يظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا.
المصادر:
1. علل الشرائع: ج 1 ص 155 ح 3.
2. عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 86 ح 31.
3. بحار الأنوار: ج 29 ص 396 ح 3.
4. الطرائف: ص 251 ح 349.
5. عوالم العلوم: ج 11 ص 767 ح 5، عن عيون الأخبار و علل الشرائع.
6. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46، عن العلل.
الأسانيد:
في العلل و العيون: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال.
4
المتن:
قال الشيخ المفيد في المسائل العكبرية في المسألة الحادية و الخمسون:
و سأل فقال: لم لم يرد أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكا لمّا أفضى الأمر إليه و تابعه الناس و كيف وسعه ذلك؟ و ما بال عمر بن عبد العزيز تيّسر له ردّها و تعذّر على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ و كيف ردّها المأمون و لم يمنعه من ذلك مانع، و علي (عليه السلام) أتقى للّه منهما و أعظم سلطانا و أجلّ في النفوس؟!
500
و الجواب عن ذلك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان ممتحنا في زمانه بما لم يمتحن به عمر بن عبد العزيز و المأمون بل لم يمتحن به أحد من الخلق أجمعين، و هي مباينة عائشة بنت أبي بكر له و هي عند الجمهور أفضل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و مباينة طلحة و الزبير و هما عند أنفسهما و جمهور من العامة نظراؤه في الجلالة، و اجتماع الثلاثة على حربه و الطعن في إمامته و الاجتهاد في التماس الحيل لحلّ أمره و تفريق جمعه و سفك دمه و دماء ذريته و أنصاره و التشنيع عليه بالأباطيل، مع كون ناصريه في الحروب ممن يرى صواب أبي بكر في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و ضلالة ناقض كلمته في ذلك.
و مني (عليه السلام) (1) بمعاوية بن أبي سفيان و من كان في حيّزه من الصحابة و الوجوه عند العامة بأعظم مما مني به طلحة و الزبير و عائشة، و اتفق عليه من أصحابه الذين كانوا بطانته و خاصته ما شهرته من المحنة له به يغني عن ذكره مفصلا، حتى أكفره فريق منهم و ألحد فيه آخرون فاتخذوه ربا معبودا.
فاضطر لذلك إلى الاستنصار عليهم من جمهورهم القائلين بتصويب المتقدمين عليه في منع فاطمة (عليها السلام) فدكا، و تخطئة من شكّ في ذلك. فلم يجد لهذه الأسباب طريقا لاسترجاع فدك و إظهار التضليل من تقدّمه و قضائه فيها بنقيض الصواب عند اللّه تعالى و خلاف المنزل من القرآن.
و رأى (عليه السلام) أن تركه بعض حقوقه و استنزال ولده عن الطلب بميراثه للتوصل بذلك إلى إقامة حقوق اللّه تعالى و هي أعظم حراسة الدين و هو أولى. فوجّه الرأي و صواب التدبير أنه لا يسعه تضييع معظم الدين بالنظر في صغيره و إهمال كثيره بحفظ قليله، لا سيما و قد علم أن ما يرومه من ذلك لا يتمّ و أن السعي فيه يفسد عليه نظام الدين و الدنيا معا و يحلّ عليه عقد التدبير.
و قد بيّن ذلك (عليه السلام) في قوله لقضاته و قد سألوه: بم نقضي؟ فقال: أقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي.
____________
(1). أي ابتلي.
502
و رابعا: كان أكثر الناس يعتقدون لأعمال الشيخين في خلافة علي (عليه السلام) و يزعمون أن فعالهما و سيرتهما كان حقا، فلا يقبلون مخالفتهما و إن كان بدعة، كما أنهم خالفوا أمير المؤمنين (عليه السلام) في منع صلاة التراويح.
و خامسا: لما دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكة يوم الفتح قالوا: انزل على دارك في مكة. قال: إن عقيل هل يترك لنا دارا؟ و نحن أهل بيت لا نرجع ما غصب عنا ظلما.
و ذكر أيضا مناقشة ملا علي القوشچي بأن الحاكم لا يحكم بمجرد شهادة رجل واحد و امرأة واحدة و إن كان المدعي معصوما، و إذا لم يكن نفسه شاهدا فيحكم بعلمه.
فأجاب عنه:
أولا: إنه ليس رجلا واحدا بل كان معه الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و كذا ليست امرأة واحدة بل كانت أم أيمن و أم سلمة معا.
و أما ما يقال: إنه لم يثبت مال بينة واحدة أو يمين واحد إذا كان له منازع به أو مدعي عليه، و فدك مال في تصرف الزهراء (عليها السلام) و لم يكن لها منازع؛ فعلى هذا طلب البينة عن الزهراء (عليها السلام) و ردّ شهودها مع وجود النص من القرآن في باب ميراث الأنبياء و جعل الحديث على خلافه، كله خلاف الحقيقة و معارضة و مخالفة حكم اللّه و الظلم على أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام).
و أما ما قال: يحكم الحاكم بعلمه، نقول: إن أبا بكر يعلم بعلم اليقين أن المدعي صادق في ما يدعيه، و أن أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة (عليهم السلام) معصومون بمقتضى آية التطهير و آية «كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (1) باتفاق المفسرين.
المصادر:
حديقة الشيعة: ص 241.
____________
(1). سورة التوبة: الآية 119.
504
الواقع، فكيف يجوز ذلك؟ أم كيف يجوز التسليم إلى من لا يرى للمسلمين نصيبا فيها؟ فهذا الاجتهاد خال عن السداد و إيقاع للمال في التلف.
و المحمل الصحيح هو أن يكون وضع اليد من عمر ابتداء على فدك لمحض المتابعة لأبي بكر، أو أنه كان رأيه في فدك مطابقا لرأي أبي بكر ثم بعد ذلك عدل عن رأيه و أدّى اجتهاده ثانيا إلى أن يرد فدك إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ هذا هو المحمل الصحيح و إلا فلا محمل غيره.
المصادر:
هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 39.
7
المتن:
قال عبد اللّه بن أبي بكر:
إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صالح أهل فدك على النصف له و النصف لهم. فلم يزالوا على ذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب و أجلاهم، فعرض لهم بالنصف الذي كان عوضا من إبل و رجال و نقد، حتى أوفاهم قيمة نصف فدك عوضا و نقدا، ثم أجلاهم منها.
قال أبو غسان و قال غير مالك: لما استخلف عمر، أجلى يهود خيبر فبعث إليهم من يقوّم الأموال. فبعث أبا الهيثم بن التيهان و فروة بن عمرو و جبار بن صخر و زيد بن ثابت، فقوّموا أرض فدك و نخلها، فأخذها عمر و دفع إليهم قيمة النصف الذي لهم، و كان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم، و قال بعض العلماء: كان يزيد على ذلك شيئا؛ و كان ذلك من مال أتى عمر من مال العراق. فأجلى عمر أهل فدك إلى الشام.
المصادر:
تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 194.
503
6
المتن:
قال السيد حسن الموسوي القزويني في بحث فدك:
... لو كانت رواية أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن فدك طعمة و إذا متّ فهي للمسلمين صحيحة، فكيف يجوز لعمر رفع اليد عن فدك و تسليمها إلى علي (عليه السلام) و العباس و هي للمسلمين و لهم فيها حق؟ و علي (عليه السلام) لم يقبضها من عمر إلا على وجه الميراث لا على أنه واحد من المسلمين. و لذا كان هو و العباس يختصمان في فدك و في إرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إن العباس يقول: هي ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا وارثه و علي (عليه السلام) يأبى عليه ذلك و يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام).
و قال ابن حجر: ذكر البخاري بسنده أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما؛ أرضه من فدك و سهمه من خيبر ....
قال العلامة السمهودي في تاريخ المدينة و ياقوت الحموي في المعجم و اللفظ للأول: أنه ذكر المجد في ترجمة فدك أنها هي التي وقعت الخصومة فيها، و هي التي قالت فاطمة (عليها السلام): ثم إن رسول اللّه نحلنيها. فقال أبو بكر: أريد بذلك شهودا. فشهد لها علي (عليه السلام). فطلب شاهدا آخر، فشهدت لها أم أيمن، فقال: قد علمت- يا بنت رسول اللّه- إنه لا يجوز إلا شهادة رجل و امرأتين.
ثم أدّى اجتهاد عمر بن الخطاب بعده لما ولّى الخلافة و فتحت الفتوح، أن يدفعها إلى علي (عليه السلام) و العباس، و كان علي (عليه السلام) يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) و كان العباس يأبى ذلك. فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما و يقول: أنتم أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلّمتها إليكما.
قلت: ما معنى إباء عمر أن يحكم بين علي (عليه السلام) و العباس و الحال أنهما يدعيان الميراث و النحلة و يختصمان في فدك من هذه الجهة؛ فلو كانت مالا من أموال المسلمين لما جاز له رفع اليد عما يقتضي رفعها تفويت الحق و الوقوع في خلاف
501
و قوله (عليه السلام): لو ثنّيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل القرآن بقرآنهم، حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب و يقول: يا رب إن عليا قضى بقضائك.
و قوله (عليه السلام): إذا حدّثتكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحديث فلئن أخرّ من السماء فيخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أقول على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم يقل، و إذا حدّثتكم عن نفسي فإنما أنا رجل محارب و الحرب خدعة.
فبيّن (عليه السلام) أنه كان مضطرّا إلى التألّف و المداراة و غير متمكّن من القضاء لما يراه في الدين، و محتاجا إلى التقية و الاستصلاح.
و في هذا القدر كفاية و غناء عما سواه في جواب ما سأل عنه السائل من أمر فدك و ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) نقض أحكام المتقدمين عليه فيها مع بيعة الناس له، و بذلك يندفع ما توهّمه و تظناه.
المصادر:
المسائل العكبرية: ص 121.
5
المتن:
ذكر المحقق الأردبيلي مناقشة ملا سعد الدين شارح المقاصد بأنه لو كان لفاطمة (عليها السلام) حق في فدك فلم لم يتصرّفها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أيام خلافته، فأجاب عنه:
أولا: لرفع تهمة أن شهادة علي (عليه السلام) في نحلتها بجرّ النفع إلى نفسه كما قال الشيخان.
و ثانيا: هذا مشهور في فعالهم بأن ما أخذ منا ظلما و غصبا لا نرجع إليه.
و ثالثا: إن الذي كان سببا لإيذاء فاطمة (عليها السلام) لا ينبغي أن يكون سبب سرور أولادها.
505
الأسانيد:
في تاريخ المدينة: قال محمد بن يحيى، و كان مالك بن أنس يحدّث عن عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم.
8
المتن:
قال الطبري في وقائع سنة ست عشرة:
قال سيف: و لما كان ذو القعدة من سنة ست عشرة ...، و فيها قسّم عمر خيبر بين المسلمين و أجلى اليهود منها، و بعث أبا حبيبة إلى فدك فأقام لهم نصف ... فأعطاهم و مضى إلى وادي القرى فقسّمها ...
المصادر:
تاريخ الطبري: ج 2 ص 516.
9
المتن:
قال يوسف المزّي في إجلاء عمر اليهود:
عن مالك قال: .... و قد أجلى عمر يهود نجران و فدك.
المصادر:
تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف: ج 13 ص 347 ح 19252.
506
10
المتن:
قال القرطبي في إجلاء عمر يهود نجران و فدك:
قال: و قال مالك: قد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران و فدك؛ فأما يهود نجران فخرجوا منها ليس لهم من التمر و لا من الأرض شيء، و أما يهود فدك فكان لهم نصف الأرض و نصف النخل، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان صالحهم على نصف الأرض و نصف النخل. فأقام لهم عمر بن الخطاب نصف النخل و نصف الأرض قيمة من ذهب و ورق و إبل و حبال و أقتاب، ثم أعطاهم القيامة و أجلاهم منها.
المصادر:
البيان و التحصيل: ج 18 ص 283.
11
المتن:
قال الأستاد الفاضل باقر المقدسي في تاريخ فدك في عصر الخلفاء و عصر الأمويين و العباسيين:
لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبض أبو بكر فدكا و انتزعها من يد الزهراء (عليها السلام)، و لما تولّى عمر بن الخطاب أمسك فدك و عمل فيها عمل أبي بكر.
تحدّث ياقوت الحموي في معجم البلدان عن فدك و مطالبة الزهراء (عليها السلام) بها: ... ثم ادعى اجتهاده (أي عمر بن الخطاب) بعده (أي بعد أبي بكر)- لمّا ولّى الخلافة و فتحت الفتوح و اتسعت على المسلمين- أن يردّها إلى ورثة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) و العباس يتنازعان فيها، فكان علي (عليه السلام) يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام)، و كان العباس يأبى ذلك و يقول: هي ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا وارثه. فكانا
507
يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما و يقول: أنتما أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلّمتها إليكما.
و مثله في لسان العرب لا بن منظور، قال: و كان علي (عليه السلام) و العباس يتنازعانها و سلّمها عمر إليهما. فذكر علي (عليه السلام) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) و ولدها و أبي العباس ذلك.
فالذى يظهر من كلام ياقوت الحموي و ابن منظور إن عمر ردّ فدكا على علي (عليه السلام) و العباس، و لكن لدى التحقيق تبيّن أن الذي ردّه عمر عليهما- و كانا يتنازعان فيها- هو الحوائط السبعة التي وهبها مخيريق اليهودي من بني النضير لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي المعبّر عنها بصدقة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، و ما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة لا فدك، و ذلك بدلائل:
1. كان النزاع المزعوم بين علي (عليه السلام) و العباس في الصوافي التي أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من بني النضير لا في فدك، و إليك الرواية التي ذكرها ابن أبي الحديد في الشرح:
16/ 221 و السمهودي في وفاء الوفاء: 2/ 158، عن مالك بن أوس بن الحدثان: أن عليا (عليه السلام) و العباس استأذنا بالدخول على عمر، فأذن لهما. فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني و بين هذا- يعني عليا (عليه السلام)- و هما يختصمان في الصوافي التي أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من أموال بني النضير ...؛ و ذكره البخاري في صحيحه.
2. ذكر الفخر الرازي و الشيخ الطبرسي في تفسيريهما و غيرهما: أن أموال بني النضير التي حصل عليها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حربه معهم، قسّمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين المهاجرين و لم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، و هم أبو دجانة سمّاك بن خرشة و سهل بن حنيف و الحارث بن الصمة، و لم يبق من أموال بني النضير التي حصل عليها في حربه معهم شيء في يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
3. قال السمهودي في وفاء الوفاء ج 2 ص 153: قال المجد: قال الواقدي: كان مخيريق من بني النضير حبرا عالما، فامن بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و جعل ماله- و هو سبع حوائط- لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
508
ثم قال: و روى ابن زبالة عن محمد بن كعب: إن صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت أموال لمخيريق اليهودي ... و كان ذا مال؛ فهي عامة صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ...، و أوقفها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على خصوص فاطمة (عليها السلام)، و كان يأخذ منها لأضيافه و حوائجه. و عند وفاتها أوصت بهذه البساتين و كل ما كان لها من مال إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
و قال الشيخ الطريحي في مجمع البحرين في مادة «حسن»: الحسنى أحد الحيطان الموقوفة على فاطمة (عليها السلام).
فالحوائط السبعة هي من أموال بني النضير، أي من أموال مخيريق الذي وهبها للنبي (صلّى اللّه عليه و آله). ثم إنها عامة صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أن النبيّ أوقفها على خصوص فاطمة (عليها السلام).
4. إن بعض الروايات تصرّح بأن أبا بكر و عمر أمسكا فدكا و أموال خيبر و لم يعطياها إلى أحد، و دفع صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة إلى علي (عليه السلام) و العباس.
روى مسلم في باب قول النبي: لا نورّث، ما تركناه صدقة، من كتاب الجهاد: إن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. و كانت فاطمة (عليها السلام) تسأل نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.
فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام).
و أما خيبر و فدك فأمسكهما عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه، كانتا لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولّى الأمر.
قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
و قد صرّح الفضل بن روزبهان بأن الذي ردّه عمر على علي (عليه السلام) و العباس هو سهم بني النضير، قال: فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب، حصل في الفيء سعة
509
و كثرت خمس الغنائم و أموال الفيء و الخراج. فجعل عمر لكل واحدة من أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عطاء من بيت المال و ردّ سهم بني النضير إلى علي (عليه السلام) و العباس و جعلها فيهم ليعملوا بها كيف شاءوا.
ثم قال: و قد ذكر في صحيح البخاري أن عليا (عليه السلام) و عباسا تنازعا في سهم بني النضير و رفعا أمرها إلى عمر بن الخطاب.
فتبيّن مما سبق أن المال الذي ردّه عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس كان من أموال بني النضير و كان صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة، و كان علي (عليه السلام) يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) و لم يقل أنحلها و لا أعطاها لفاطمة (عليها السلام)؛ و هذه الصفات الثلاثة تجتمع في الحوائط السبعة، بالإضافة إلى رواية البخاري و مسلم و أحمد التي تؤكّد على أن خيبر و فدك أمسكها عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه و أمرهما إلى من ولّى الأمر.
و يؤكّده قول السيد المرتضى: لما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كلّم في ردّ فدك فقال: إني لأستحي من اللّه أن أردّ شيئا منع منه أبو بكر و أمضاه عمر، أي أمضى المنع عمر.
5. ذكر بعض المؤرخين أن فدك أقطعها عثمان بن عفان لمروان بن الحكم، و لم يذكر أحد من المؤرخين و لا أحد من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و أتباعهم أن عثمان أخذ فدك من علي (عليه السلام) ثم أقطعها عثمان، فلا بد أنها انتقلت إليه من أبي بكر و عمر، و عثمان أضيق استا من أن يأخذ فدكا من علي (عليه السلام) و يعطيها لمروان.
6. قول علي (عليه السلام) في رسالته إلى ابن حنيف: بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه. و هذا القول يناسب ما نذهب إليه بأن فدكا غصبت من أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم تردّ إليهم أيام الخلفاء الثلاثة.
7. قال السيد المرتضى: روى محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه، عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان، قال: لمّا ولّى عمر بن عبد العزيز ردّ فدك على ولد فاطمة (عليها السلام)، و كتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك ....
510
ثم قال: قال المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز و عاتبوه فيه و قالوا له: هجنت فعل الشيخين، و خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة.
فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم و علمت و نسيتم و ذكرت؛ إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه، عن جده: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني يسخطها ما يسخطني و يرضيني ما أرضاها»، و إن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر و عمر. ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لعبد العزيز أبي. فورثتها أنا و إخوتي عنه، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، فمن بائع و واهب حتى استجمعت لي، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة (عليها السلام). قالوا: فإن أبيت إلا هذا فامسك الأصل و اقسم الغلّة، ففعل.
فنقمة بني أمية على عمر بن عبد العزيز و عتابهم له و قولهم له: هجنت فعل الشيخين، دليل على أنه خرج على فعل الشيخين و أن الشيخين طول حياتهما لم يردّا فدكا على أهل البيت (عليهم السلام)، و لو أن عمر ردّها عليهم لا ستدلّ بفعله عمر بن عبد العزيز على صحة ردّها على ولد فاطمة (عليها السلام).
ثم قول عمر بن عبد العزيز: إن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر و عمر ثم صار أمرها إلى مروان، دليل على عدم وصولها بيد أهل البيت (عليهم السلام) في عهد الشيخين.
و بالإضافة إلى هذا، فقد تخلّص عمر بن عبد العزيز من لؤمهم و عتابهم بأن ادعى أنها استجمعت له و ملكها، ثم رأى أن يردّها على ولد فاطمة (عليها السلام).
فظهر من مجموع ما تقدم أن الشيخين أمسكا فدك و لم يردّاها إلى أحد من أهل البيت (عليهم السلام)، لا وراثة و لا تولية، و أن الذي ردّه عمر على علي (عليه السلام) و العباس هو صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة و المعبّر عنها بما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في المدينة- أي الحوائط السبعة- لا فدك.
كما قال الحموي و ابن منظور: و هي التي كان علي بن أبي طالب و العباس يتنازعان فيها؛ فكان علي (عليه السلام) يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها في حياته لفاطمة (عليها السلام) (كما سبق في رواية السمهودي عن ابن زبالة، عن محمد بن كعب: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أوقفها على خصوص
511
فاطمة (عليها السلام))، و كان العباس يأبى ذلك و يقول: هي ملك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا وارثه. فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما و يقول: أنتما أعرف بشأنكما، أما أنا فقد سلّمتها إليكما.
و كان نزاع علي (عليه السلام) و العباس صوريا أرادا من عمر أن يحكم لأحدهما على الآخر حتى يحتجّا عليه بما حكم؛ فإن حكم لعلي (عليه السلام) فقد أقرّ بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جعلها لفاطمة (عليها السلام) في حياته، فكيف غصبها منها أبو بكر و أعانه عمر على ذلك؟ و إن حكم للعباس أقرّ بالميراث و قد أنكره أبو بكر برواية لا نورّث و ساعده عمر على ذلك. و لذا لم يحكم بينهما عمر لئلا يقع في أحد المحذورين.
و تخاصم علي (عليه السلام) و العباس عند عمر يشبه تخاصم الملكية عند داود في النعاج و طلب الحكم بينهما بالحق، و إنما أرادا أن يفهما داود وجوب التثبّت في الحكم و عدم التسريع فيه.
فعلى ما تحقّق كانت فدك بيد الشيخين و لم يردّاها على أهل البيت (عليهم السلام)، و كان أبو بكر يأخذ نحلتها فيدفع إليهم ما يكفيهم و يقسّم الباقي، و كان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي (عليه السلام) كذلك.
و يروي أن عثمان بن عفان لما استخلف، أقطعها لمروان بن الحكم.
قال الحافظ ابن حجر في الصواعق المحرقة: إنما أقطع عثمان فدك لمروان لأنه تأوّل أن الذي يختصّ بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله فوصل بها بعض قرابته.
و أما علي (عليه السلام)، فلم يسترجع فدك إلى أهل البيت (عليهم السلام) أيام خلافته، و كان الإمام لما وصل الأمر إليه قد كلّم في ردّ فدك فقال: إني لأستحي من اللّه تعالى أن أردّ شيئا منع منه أبو بكر و أمضاه عمر، و هو القائل: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء؛ فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه.
512
و أجاب السيد المرتضى قاضي القضاة عن هذا الأمر قائلا: الوجه في تركه (عليه السلام) ردّ فدك هو الوجه في إقراره أحكام القوم و كفّه عن نقضها و تغييرها، لأنه كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.
و أجاب الإمام الكاظم (عليه السلام) عن عدم استرجاع علي (عليه السلام) فدكا، قال: لأنا أهل البيت لا يأخذ لنا حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو (يعني البارئ عز و جل) و نحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا.
و أجاب الصادق (عليه السلام): لأن الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه و أثاب اللّه المظلومة و عاقبت الظالم. فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوب منه.
و إذا لم يردّها أمير المؤمنين (عليه السلام) أيام خلافته على أهل البيت (عليهم السلام)، فمن المستبعد أن يبقيها في يد مروان على تقدير وجودها عنده، لأن الإمام قد خطب في اليوم الثاني من خلافته قائلا: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان و كل مال أعطاه من مال اللّه، فهو مردود في بيت المال؛ فإن الحق القديم لا يبطله شيء، و لو وجدته قد تزوّج به النساء و ملك به الإمام لرددته؛ فإن في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.
و هذه من جملة قطائع عثمان، فكيف يستبقيها في يد مروان؟ و إذا كان الإمام أخذها من مروان و لم يردّها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فما ذا فعل بها؟
1. يحتمل أنه عمل بها عمل الشيخين.
2. يحتمل أنه كان ينفق غلّاتها في مصالح المسلمين برضى منه و من أولاده. فلما ولّى الأمر معاوية بن أبي سفيان، أقطعها مروان بن الحكم، ثم ارتجعها منه لموجدة وجدها عليه. و روي أن معاوية أقطع مروان بن الحكم ثلثها و أقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها، و ذلك بعد موت الحسن بن علي (عليه السلام).
513
فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام خلافته. فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز. فلما ولّى عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت أول ظلامة ردّها، دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب- و قيل: بل دعا علي بن الحسين (عليه السلام)- فردّها عليه.
و قيل: إن مروان وهبها لعبد العزيز ابنه، فورثها عمر بن عبد العزيز و إخوته. فسألهم أن يبيعوه حصّتهم منها؛ فمن بائع و واهب حتى استجمعت لعمر بن عبد العزيز، فردّها على ولد فاطمة (عليها السلام)، و كانت بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز. فلما ولّى يزيد بن عاتكة (أي ابن عبد الملك) قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتى انتقلت الخلافة عنهم.
فلما ولّى أبو العباس السفّاح، ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن. ثم قبضها أبو جعفر، لما حدث من بني حسن ما حدث. ثم ردّها محمد المهدي ابنه على ولد فاطمة (عليها السلام). ثم قبضها موسى الهادي بن المهدي و هارون أخوه. فلم تزل في أيديهم حتى ولّى المأمون، فردّها على الفاطميين.
فلم تزل في أيدي الفاطميين حتى كان في أيام المتوكل، فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار؛ و كان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون تمرها. فإذا قدم الحجّاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل. فصرم عبد اللّه بن عمر البازيار ذلك التمر و وجّه رجلا- يقال له بشران بن أبي أمية الثقفي- إلى المدينة فصرمه، ثم عاد إلى البصرة ففلج. و لما استخلف المنتصر بن المتوكل، أمر بردّ فدك إلى ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام).
و انتهى تاريخ فدك بعد مدّ و جزر و بعد أخذ و ردّ، حتى صارت قاعا صفصفا و قطع آخر غرس فيها، و معلوم أن الأرض غير المستقرة لا يعتنى بتعميرها و لا تشجيرها.
و قد صارت لفدك أهمية كبيرة في تاريخ المسلمين، فهي تتمشي مع الخلافة الإسلامية جنبا إلى جنب، و نستطيع أن نعرف اتجاه الخلفاء و موقفهم من العلويين بموقفهم من فدك.
514
المصادر:
ملحق هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 184.
12
المتن:
حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني ابن عائشة، قال: حدثني أبي، عن عمه، قال:
لما كلّمت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر، بكى ثم قال: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما ورث أبوك دينارا و لا درهما، و أنه قال: إن الأنبياء لا يورّثون. فقالت: إن فدك وهبها لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال:
فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشهد، و جاءت أم أيمن فشهدت أيضا.
فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف، فشهد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقسّمها.
قال أبو بكر: صدقت يا ابنة رسول اللّه و صدق علي و صدقت أم أيمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن بن عوف، و ذلك أن مالك لأبيك كان رسول اللّه يأخذ من فدك قوتكم و يقسّم الباقي و يحمل منه في سبيل اللّه، فما تصنعين بها؟ قال: أصنع بها كما يصنع بها أبي. قال: فلك على اللّه أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك. قالت: اللّه لتفعلن؟
قال: اللّه لأفعلن. قالت: اللهم اشهد.
و كان أبو بكر يأخذ غلّتها، فيدفع إليهم منها ما يكفيهم و يقسّم الباقي، و كان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي (عليه السلام) كذلك. فلما ولّى الأمر معاوية بن أبي سفيان، أقطع مروان بن الحكم ثلثها و أقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها و أقطع يزيد بن معاوية ثلثها، و ذلك بعد موت الحسن بن علي (عليه السلام). فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام خلافته. فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها ابنه عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز.
فلما ولّى عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أول ظلامة ردّها دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب- و قيل: بل دعا علي بن الحسين (عليه السلام)- فردّها عليه، و كانت بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز.
515
فلما ولّى يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتى انتقلت الخلافة عنهم. فلما ولّى أبو العباس السفّاح، ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لما حدث من بني حسن ما حدث، ثم ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة، ثم قبضهما موسى بن المهدي و هارون أخوه، لم تزل في أيديهم حتى ولّى المأمون، فردّها على الفاطميين.
حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني مهدي بن سابق، قال: جلس المأمون للمظالم، فأول وقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى و قال للذي على رأسه: ناد أين وكيل فاطمة (عليها السلام). فقام شيخ عليه دراعة و عمامة و خف تعزى، فتقدّم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتجّ عليه و هو يحتجّ على المأمون. ثم أمر أن يسجّل لهم بها، فكتب التسجيل و قرئ عليه فأنفذه.
فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا * * * بردّ مأمون هاشم فدكا
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل، فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار.
و كان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده؛ فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا أقدم الحجّاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل. فصرم عبد اللّه بن عمر البازيار ذلك التمر؛ وجّه رجلا- يقال له بشران بن أبي أمية الثقفي- إلى المدينة فصرمه، ثم عاد إلى البصرة ففلج.
المصادر:
1. السقيفة و فدك: ص 103.
2. عوالم العلوم: ج 11 ص 775 ح 1، شطرا منها، عن السقيفة و فدك.
516
13
المتن:
قال الجزائري فيما صنع عمر في خلافته:
... و منه ردّ فدك و العوالي إلى أولاد فاطمة (عليها السلام)، فإنه كان مظنّة الفتنة و الفساد بتغليط من تقدمه ....
المصادر:
الأنوار النعمانية: ج 1 ص 46.
14
المتن:
قال الواقدي في مغازيه:
إنما خرج عمر بن الخطاب من القسّام برجلين؛ جبار بن صخر و زيد بن ثابت، هما قاسما المدينة و حاسباها. فقسّما خيبر و أقاما نخل فدك و أرضها، و دفع عمر إلى يهود فدك نصف القيامة، و قسّما السهمان بوادي القرى. ثم أجلى عمر يهود الحجاز و كان زيد بن ثابت قد تصدّق بالذي صار له من وادي القرى مع غيره.
المصادر:
المغازي للواقدي: ج 2 ص 721.
الأسانيد:
حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن عبد اللّه بن أبي بكر، عن عبد اللّه بن مكنف الحارثي، قال.
517
15
المتن:
قال الشرواني في ذكر عثمان بن عفان الأموي:
قال ابن أبي الحديد في الشرح: و افتتحت أرمينية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان. فقال عبد الرحمن بن حنبل الجمحي:
أحلف باللّه رب الأنام * * * ما ترك اللّه شيئا سدى
و لكن جعلت لنا فتنة * * * لكي نبتلي بها أو تبتلى
...
و أعطيت مروان خمس الغنيمة * * * آثرته و حميت الحمى
و طلب إليه عبد اللّه بن خالد بن أسيد صلة، فأعطاه أربعمائة ألف درهم.
و أعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد سيّره، ثم لم يردّه أبو بكر و لا عمر و أعطاه مائة ألف درهم.
و تصدّق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بموضع سوق بالمدينة بمهروز على المسلمين، فأقطعها عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان بن الحكم.
و أقطع مروان فدك و قد كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها تارة بالميراث و تارة بالنحلة، فدفعت عنها.
و حمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين إلا عن بني أميه.
و أعطى عبد اللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح إفريقية بالمغرب و هي من طرابلس المغرب إلى طنجة، من غير أن يشرك فيه أحدا من المسلمين.
و أعطى لأبي سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، و قد كان زوّجه ابنته أم أبان. فجاء زيد بن أرقم
518
صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى. فقال عثمان: أ تبكي إن وصلت رحمي؟! قال: لا و لكن أبكي لأني أخلتك، إنك أخذت هذا المال عوضا عما أنفقته في سبيل اللّه في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و اللّه لو أعطيت مروان مائتي درهما لكان كثيرا. فقال: ألق المفاتيح يا ابن أرقم، فإنا سنجد غيرك.
و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة، فقسّمها كلها في بني أمية.
و أنكح الحرث بن الحكم ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا، بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه.
المصادر:
1. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد: ج 1 ص 66.
2. مناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشرواني: ص 359، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
16
المتن:
قال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في تطوّرات فدك:
.... و لمّا تولّى عثمان، أقطع فدكا عدوّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طريده مروان لمّا زوجه ابنته، فكأنه أولى من فاطمة (عليها السلام) و أولادها بإقطاعها!
و قد قسّم عمر خيبر على أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأجل ابنته و ابنة صاحبه؛ أخرجه في جامع الأصول من طريقي البخاري و مسلم.
المصادر:
إثبات الهداة: ج 2 ص 366 ح 194.
519
17
المتن:
قال العلامة الأميني في إقطاع فدك لمروان:
عدّ ابن قتيبة في المعارف: ص 84، و أبو الفداء في تاريخه: ج 1 ص 168، مما نقم الناس على عثمان قطعه فدك لمروان و هي صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال أبو الفداء: و أقطع مروان بن الحكم فدك و هي صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي طلبتها فاطمة (عليها السلام) ميراثا، فروى أبو بكر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقه. و لم تزل فدك في يد مروان و بنيه إلى أن تولّى عمر بن عبد العزيز، فانتزعها من أهله و ردّها صدقة.
و أخرج البيهقي في السنن الكبرى: ج 6 ص 301، من طريق المغيرة حديثا في فدك و فيه: إنها أقطعها مروان لما مضى عمر لسبيله. فقال: قال الشيخ: إنما أقطع مروان فدكا في أيام عثمان بن عفان و كأنه تأوّل في ذلك ما روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا أطعم اللّه نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده، و كان مستغنيا عنها بماله فجعلها لأقربائه و وصل بها رحمهم! و ذهب آخرون إلى أن المراد بذلك التولية، و قطع جريان الإرث فيه ثم تصرّف في مصالح المسلمين كما كان أبو بكر و عمر يفعلان.
و في العقد الفريد: ج 2 ص 261، في عدّ ما نقم الناس على عثمان: أنه أقطع فدك مروان و هي صدقة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و افتتح إفريقية و أخذ خمسه فوهبه لمروان.
و قال ابن أبي الحديد في شرحه: ج 1 ص 67: و أقطع عثمان مروان فدك، و قد كانت فاطمة (عليها السلام) طلبتها بعد وفاة أبيها تارة بالميراث و تارة بالنحلة، فدفعت عنها.
قال الأميني: أنا لا أعرف كنه هذا الإقطاع و حقيقة هذا العمل؛ فإن فدك إن كان فيء للمسلمين- كما ادعاه أبو بكر- فما وجه تخصيصه بمروان؟ و إن كان ميراثا لآل رسول اللّه (عليهم السلام)- كما احتجّت له الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في خطبتها و احتجّ له أئمة الهدى من العترة الطاهرة (عليهم السلام) و في مقدمهم سيدهم أمير المؤمنين (عليه السلام)- فليس مروان منهم و لا كان للخليفة فيه رفع و وضع، و إن كان نحلة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبضعته الطاهرة فاطمة
520
المعصومة (عليها السلام)؛ كما ادعته و شهد لها أمير المؤمنين و ابناها الإمامان السبطان (عليهما السلام) و أم أيمن المشهود لها بالجنة، فردّت شهادتهم بما لا يرضى اللّه و لا رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و إذا ردّت شهادة أهل آية التطهير فبأيّ شيء يعتمد و على أيّ حجة يعوّل؟
إن دام هذا و لم يحدث به غير * * * لم يبك ميت و لم يفرح بمولود
فإن كان فدك نحلة، فأيّ مساس بها لمروان و أيّ سلطة عليها لعثمان حتى يقطعها لأحد؟
و لقد تضاربت أعمال الخلفاء الثلاثة في أمر فدك؛ فانتزعها أبو بكر من أهل البيت (عليهم السلام)، و ردّها عمر إليهم، و أقطعها عثمان لمروان.
ثم كان فيها ما كان في أدوار المستحوذين على الأمر منذ عهد معاوية و هلم جرا فكانت تؤخذ و تعطى و يفعلون بها ما يفعلون بقضاء من الشهوات، كما فصّلناه في الجزء السابع ص 195- 197 ط 3، و لم يعمل برواية أبي بكر في عصر من العصور، فإن صانعه الملأ الحضور على سماع ما رواه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حابوه و جاملوه، فقد أبطله من جاء بعده بأعمالهم و تقلّباتهم فيها بأنحاء مختلفة.
بل إن أبا بكر نفسه أراد أن يبطل روايته بإعطاء الصكّ للزهراء فاطمة (عليها السلام)، غير أن ابن الخطاب منعه و خرق الكتاب، كما مرّ في الجزء السابع عن السيرة الحلبية.
و بذلك كله تعرف قيمة تلك الرواية و مقدار العمل عليها و قيمة هذا الإقطاع، و سيوافيك قول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في قطائع عثمان.
المصادر:
الغدير: ج 8 ص 237، 238.
521
18
المتن:
قال ابن عبد البر:
و مما نقم الناس على عثمان أنه آوى طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم بن أبي العاص و لم يؤوه أبو بكر و عمر، و أعطاه مائة ألف ....
و أقطع فدك مروان و هي صدقة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و افتتح إفريقية فأخذ خمس الفيء فوهبه لمروان.
المصادر:
العقد الفريد: ج 5 ص 35.
19
المتن:
قال معروف الحسني:
... و قال المحدثون و المؤرخون كما جاء في شرح النهج و غيره: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تصدّق بموضع سوق في المدينة- يعرف بنهرون- على المسلمين، فأقطعه ابن عفان إلى الحرث بن الحكم شقيق مروان، و قطع مروان بن الحكم فدكا و كانت لفاطمة الزهراء (عليها السلام) و أخذت منها قسرا بعد وفاة أبيها، و لما افتتح المسلمون إرمينية استولى ابن عفان على خمسها و أعطاه لمروان الحكم طريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
الانتفاضات الشيعية عبر التاريخ: ص 48.
522
20
المتن:
في العوالم: و ملخّص ما آل إليه أمر فدك بين الأخذ و الردّ هو:
1. أقطع مروان بن الحكم فدكا في أيام عثمان بن عفان بأمره، كما في سنن البيهقي:
ج 6 ص 301.
2. و لما ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة، خطب فقال: إن فدكا كانت مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فسألته إياها فاطمة (عليها السلام). ثم ولّى معاوية فأقطعها مروان بن الحكم، فوهبها مروان لأبي و لعبد الملك، فصارت لي و للوليد و سليمان. فلما ولّى الوليد سألت حصته منها فوهبها لي، و سألت سليمان حصته منها فوهبها لي فاستجمعتها، و ما كان لي من مال أحبّ إليّ منها. فاشهدوا إني رددتها إلى ما كانت عليه.
فكانت فدك بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز.
3. فلما ولّى يزيد بن عبد الملك قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان، كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم.
4. و لما ولّى أبو العباس السفّاح، ردّها على عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين.
5. ثم لما ولّى أبو جعفر المنصور، قبضها من بني حسن.
6. ثم ردّها المهدي بن المنصور على ولد فاطمة (عليها السلام).
7. ثم قبضها موسى بن المهدي و أخوه من أيدي بني فاطمة (عليها السلام)، فلم تزل في أيديهم حتى ولّى المأمون.
523
8. و ردّها المأمون على الفاطميين سنة 210، و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّه و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و القرابة به، أولى من استنّ بسنته و نفّذ أمره و سلّم لمن منحه منحة و تصدّق عليه بصدقة منحته و صدقته، و باللّه توفيق أمير المؤمنين و عصمته و إليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدكا و تصدّق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّه (عليهم السلام)، و لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه.
فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها و يسلّمها إليهم، تقرّبا إلى اللّه تعالى بإقامة حقه و عدله و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بتنفيذ أمره و صدقته. فأمر بإثبات ذلك في دواوينه و الكتاب إلى عماله؛ فلئن كان ينادي في كل موسم بعد أن قبض نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و تنفّذ عدّته، إن فاطمة (عليها السلام) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها.
و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة بنت رسول اللّه (عليها السلام) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق و الغلات و غير ذلك، و تسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها.
فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفّقه له من التقرّب إليه و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعلمه من قبلك.
و عامل محمد بن يحيى و محمد بن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلّاتها إن شاء اللّه.
و السلام، و كتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210 ه.
524
9. و لما استخلف المتوكل على اللّه، أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون. راجع فتوح البلدان للبلاذري: 39- 41، تاريخ اليعقوبي: ج 3 ص 48، العقد الفريد: ج 2 ص 323، معجم البلدان: ج 6 ص 344، تاريخ ابن كثير: ج 9 ص 200، و له هناك تحريف دعته إليه شنشنة أعرفها من أخزم، شرح ابن أبي الحديد: ج 4 ص 103، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 154، جمهرة رسائل العرب: ج 3 ص 510، أعلام النساء: ج 3 ص 1211.
كل هذه تضادّ ما جاء به الخليفة أبي بكر و صاحبه عمر و جماعته الأوباش من خبره الشاذ معرضا عن كتاب اللّه و سنة رسوله الأكرم محمد (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
1. عوالم العلوم: ج 11 ص 780.
21
المتن:
روينا عن جعفر بن محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال:
إن فدكا كانت مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بغير قتال؛ فلما أنزل اللّه: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» (1)، أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدكا. فلما قبض أخذ منها أبو بكر، فلما ولّى عثمان أقطعها مروان، فلما ولّى مروان جعل الثلثين منها لابنه عبد الملك و الثلث لابنه سليمان، فلما ولّى عبد الملك جعل ثلثيه لعبد العزيز و بقي الثلث لسليمان، فلما ولّى سليمان جعل ثلثه لعمر بن عبد العزيز، فلما ولّى عمر بن عبد العزيز ردّها كلها على ولد فاطمة (عليها السلام).
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
525
فاجتمع إليه بنو أمية و قالوا: يرى الناس أنك أنكرت فعل أبي بكر و عمر و عثمان و الخلفاء من آبائك، فردّها. و كان يجمع غلّتها في كل سنة و يزيد عليها مثلها، و يقسّمها في ولد فاطمة، عليها و عليهم أفضل السلام.
و كان الأمر فيها- كما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)- أيام عمر بن عبد العزيز. ثم استأثر بها آل العباس من بعده، إلى أن ولّى المتسمّى بالمأمون. فجمع فقهاء البلدان من العامة و غيرهم و تناظروا فيها، فثبت أمرهم بإجماع أنها لفاطمة (عليها السلام) و شهدوا بأجمعهم على ظلم من انتزعها منها. فردّها في ولد فاطمة (عليها السلام)، و ذلك من الأمر المشهور المعروف.
المصادر:
دعائم الإسلام لأبي حنيفة: ج 1 ص 385.
22
المتن:
قال سليمان:
إن عمر نظر في مزارعه فخرق سجلّاتها، غير مزرعتي خيبر و السويداء. فسأل عن خيبر من أين كانت لأبيه؟ قيل: كانت فيئا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فتركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيئا على المسلمين حتى كان عثمان بن عفان. فأعطاها مروان بن الحكم، و أعطاها مروان عبد العزيز أبا عمر، و أعطاها عبد العزيز عمر، فخرق سجلّها و قال: أنا أتركها حيث تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و بلغني أنها فدك.
المصادر:
1. تاريخ مدينة دمشق: ج 45 ص 179.
2. المعرفة و التاريخ للبسوي: ج 1 ص 587.
526
الأسانيد:
1. في تاريخ مدينة دمشق: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو بكر محمد بن هبة اللّه، أنا محمد بن الحسين، أنا عبد اللّه، نا يعقوب، نا هشام بن عمار، نا يحيى بن حمزة، حدثني سليمان.
2. في المعرفة و التاريخ: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثني سليمان.
23
المتن:
عن أبي بكر بن عمر، قال:
عرض في نفس عمر بن عبد العزيز شيء من فدك، فكتب إلى أبي بكر و هو على المدينة: انظر ستة آلاف دينار فزد عليها غلّة فدك أربعة آلاف دينار، فقسّمها في ولد فاطمة (عليها السلام) من بني هاشم. و كانت فدك للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة؛ فكانت مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب. قال: و كانت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) أموال سمّاها العواف و برقط و المثيب و الكلا و حسنا و الصانعة و بيت أم إبراهيم. فأما العواف فمن سهمه من بني قريظة.
المصادر:
1. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 272.
2. بحار الأنوار: ج 22 ص 295 ح 1، عن الأمالي.
3. عوالم العلوم: ج 19 ص 263 ح 2، عن الأمالي.
4. بحار الأنوار: ج 46 ص 335 ح 20، عن الأمالي.
5. الدمعة الساكبة: ج 6 ص 207.
الأسانيد:
في الأمالي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال.
527
24
المتن:
كلام المحدث القمي في أن عمر بن عبد العزيز ردّ فدك على ولد فاطمة (عليها السلام):
فاجتمع عنده قريش و مشايخ أهل الشام من علماء السوء، قالوا له: نقمت على الرجلين فعلهما و طعنت عليهما و نسبتهما إلى الظلم و الغصب. فقال: قد صحّ عندي و عندكم أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) ادعت فدك و كانت في يدها، و ما كانت لتكذّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و أم سلمة، و فاطمة (عليها السلام) عندي صادقة فيما تدعي و إن لم تقم البينة، و هي سيدة نساء الجنة؛ فأنا اليوم أردّها على ورثتها، أتقرّب بذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أرجو أن تكون فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) يشفعون لي يوم القيامة، و لو كنت بدل أبي بكر و ادعت فاطمة (عليها السلام)، كنت أصدّقها على دعوتها. فسلّمها إلى الباقر (عليه السلام).
و قال: و في رواية الشافي قال: إن فدك كانت صافية في عهد أبي بكر و عمر. ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لأبي عبد العزيز؛ فورثت أنا و إخوتي، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها؛ فمنهم من باعني و منهم من وهب لي حتى استجمعتها، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة (عليها السلام).
المصادر:
سفينة البحار: ج 2 ص 272.
25
المتن:
قال النوبختي في ذكر فدك:
... جاء في ماخذ الشيعة أنه كانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، وادعتها فاطمة (عليها السلام) إرثا، و امتنع أبو بكر عن ردّها إليها. و لما استخلف عمر بن عبد العزيز، ردّها إلى محمد بن علي
528
الباقر (عليه السلام) و كتب له كتابا بهذا الشرح: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي الباقر فدك ....
المصادر:
فرق الشيعة لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي (القرن الثالث): ص 47.
26
المتن:
قال النباطي البياضي:
ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا في أيامه، و هو من أئمة العدل عندهم. فعوتب عليه و قيل له: ظلمت الشيخين. فقال: هما و اللّه ظلما أنفسهما و طعنا عليهما. و جمع المأمون العلماء لأجلها، فاضطرّته الحجة إلى ردّها، فردّها.
المصادر:
الصراط المستقيم: ج 2 ص 291.
27
المتن:
قال السيد ابن طاوس: رأيت في كتاب حمّاد بن عثمان ذي الناب- و هو من أصول أصحابنا- في مدح عمر بن عبد العزيز ما هذا الفظه:
و عنه، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إن عمر بن عبد العزيز قسّم غلة فدك بيننا و أعطى الكبير و الصغير منا سواء. فكتب إليه زيد بن الحسن: إن أبي أعطي كما تعطي أصغر صبي فينا!؟ فكتب إليه عمر: يا زيد بن الحسن، لقد كنت ما ترى إنك تعيش حتى ترى رجلا من بني أمية يصنع بك هذا.
529
قال: و كتب عامل المدينة إلى عمر: إن في ولد علي (عليه السلام) من ليس من ولد فاطمة (عليها السلام)!؟
فكتب إليه عمر: لا تعطيها إلا ولد علي (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام).
قال: و إن سهل بن عبد العزيز- أخا عمر- قال له: أيّ شيء تصنع؟ إن هذا طعن على الخلفاء قبلك! فقال له عمر: دعني، فإني كنت عاملا على المدينة، فسمعت ذلك و سألت عنه حتى علمت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من آذى فاطمة (عليها السلام) فقد آذاني».
و في هذا الباب حديث عمر بن عبد العزيز.
المصادر:
1. الملاحم و الفتن للسيد ابن طاوس: ص 119، عن كتاب حمّاد.
2. كتاب حمّاد بن عثمان، على ما في الملاحم.
28
المتن:
قال اليعقوبي في ذكر عمر بن عبد العزيز:
... و أعطى بني هاشم الخمس و ردّ فدكا، و كان معاوية أقطعها مروان؛ فوهبها لابنه عبد العزيز، فورثها عمر منه فردّها على ولد فاطمة (عليها السلام). فلم تزل في أيديهم حتى ولّى يزيد بن عبد الملك، فقبضها.
المصادر:
تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 305.
530
29
المتن:
فلما ولّى عمر بن عبد العزيز، خطب الناس و قصّ قصة فدك و خلوصها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنه كان ينفق منها و يضع فضلها في ابناء السبيل، و ذكر أن فاطمة (عليها السلام) سألته أن يهبها لها، فأبى و قال: ما كان لك أن تسأليني و ما كان لي أن أعطيك. و كان يضع ما يأتيه منها في ابناء السبيل.
و إنه (صلّى اللّه عليه و آله) لما قبض، فعل أبو بكر و عمر و عثمان و علي مثله. فلما ولّى معاوية، أقطعها مروان بن الحكم، و إن مروان وهبها لعبد العزيز و لعبد الملك ابنيه. ثم إنها صارت لي و للوليد و سليمان، و إنه لما ولّى الوليد سألته فوهبها لي و سألت سليمان حصته فوهبها لي أيضا فاستجمعتها، و إنه ما كان لي مال أحبّ إليّ منها و إنني أشهدكم أنني رددتها على ما كانت عليه في أيام النبي (صلّى اللّه عليه و آله).
فلما كانت سنة 210 ه، أمر المأمون بدفعها إلى ولد فاطمة (عليها السلام) و كتب إلى قثم بن جعفر- عامله على المدينة- أنه كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى ابنته فاطمة (عليها السلام) فدك و تصدّق عليها بها و أن ذلك كان أمرا ظاهرا معروفا عند آله. ثم لم تزل فاطمة (عليها السلام) تدّعي منه بما هي أولى من صدّق عليه، و أنه قد رأى ردّها إلى ورثتها و تسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و محمد بن عبد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما، ليقوما بها لأهلهما.
فلما استخلف جعفر المتوكل، ردّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
سيرة عمر بن عبد العزيز: ص 45.
531
30
المتن:
جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان حين استخلف فقال:
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت له فدك، ينفق منها و يعود منها على صغير بني هاشم و يزوّج منها أيّمهم، و إن فاطمة (عليها السلام) سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى مضى لسبيله.
فلما أن ولّى أبو بكر، عمل فيها بما عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته حتى مضى لسبيله. فلما أن ولّى عمر، عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله. ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز. قال عمر- يعني ابن عبد العزيز-: فرأيت أمرا منعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) ليس لي بحق، و إني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
المصادر:
1. تاريخ مدينة دمشق: ج 45 ص 178.
2. سير أعلام النبلاء: ج 5 ص 128.
الأسانيد:
في تاريخ مدينة دمشق: أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن عبد اللّه بن داود الفقيه، و أبو غالب محمد بن الحسن، قالا: أنا أبو علي بن أحمد بن علي، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد، أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنا أبو داود سليمان بن الأشعث، نا عبد اللّه بن الجراح، نا جرير، عن المغيرة، قال.
31
المتن:
و سئل محمد بن الحسن الوليد عما يستعمله العامة من التهليل و التكبير على إثر الجمعة ما هو، فقال:
532
رأيت أن بني أمية كانوا يلعنون أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد صلاة الجمعة ثلاث مرات.
فلما ولّي عمر بن عبد العزيز، نهى عن ذلك و قال للناس: التهليل و التكبير بعد الصلاة أفضل، و هو منع لعن علي (عليه السلام).
و ردّ فدك إلى أولاد فاطمة (عليها السلام) و صنع كثيرا من أفعال الخير، و لكنه على مذهب العامة و اعتقد إمامة الثلاثة و غصب حق الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام). و لما توفّي عمر بن عبد العزيز، قال (عليه السلام): اليوم توفّي من بكى عليها أهل الأرض و ترحم عليها، و يلعنه أهل السماء ....
المصادر:
لوامع صاحبقراني: ج 4 ص 590.
32
المتن:
و روي مرفوعا: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف قال: يا أيها الناس! إني رددت عليكم مظالمكم، و أول ما أردّ منها ما كان في يديّ؛ قد رددت فدك على ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فكان أول من ردّها.
و روي أنه ردّها بغلّاتها منذ ولّي، فقيل له: نقمت على أبي بكر و عمر فعلهما و طعنت عليهما و نسبتهما إلى الظلم و الغصب، و قد اجتمع عنده في ذلك قريش و مشايخ أهل الشام من علماء السوء!
فقال عمر بن عبد العزيز: قد صحّ عندي و عندكم أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) ادعت فدك و كانت في يدها، و ما كانت لتكذّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع شهادة علي (عليه السلام) و أم أيمن و أم سلمة، و فاطمة (عليها السلام) عندي صادقة فيما تدّعي و إن لم تقم البينة، و هي سيدة نساء أهل الجنة. فأنا اليوم أردّ على ورثتها، أتقرّب بذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أرجو أن تكون فاطمة
533
و الحسن و الحسين (عليهم السلام) يشفعون لي يوم القيامة، و لو كنت بدل أبي بكر و ادعت فاطمة (عليها السلام)، كنت أصدّقها على دعواها. فسلمها إلى محمد بن علي الباقر (عليه السلام). فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز.
و روي أنه لما صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، ردّ عليهم سهام الخمس؛ سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذي القربى، و هما من أربعة أسهم؛ ردّ على جميع بني هاشم و سلّم ذلك إلى محمد بن علي (عليه السلام) و عبد اللّه بن الحسن.
و قيل: أنه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق و العين من مال الخمس، فردّ عليهم ذلك، و كذلك كل ما كان لبني فاطمة و بني هاشم مما حازه أبو بكر و عمر و بعدهما عثمان و معاوية و يزيد و عبد الملك ردّ عليهم، و استغني بنو هاشم في تلك السنين و حسنت أحوالهم.
و ردّ عليهم المأمون و المعتصم و الواثق و قالا: كان المأمون أعلم منا به، فنحن نمضي على ما مضى هو عليه. فلما ولّي المتوكل، قبضها و أقطعها حرملة الحجام، و أقطعها بعده لفلان النازيار من أهل طبرستان، و ردّها المعتضد، و حازها المكتفي، و قيل: إن المقتدر ردّها عليهم.
قال شريك: كان يجب على أبي بكر أن يعمل مع فاطمة (عليها السلام) بموجب الشرع، و أقلّ ما يجب عليه أن يستحلفها على دعواها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها فدك في حياته، فإن عليا (عليه السلام) و أم أيمن شهدا لها و بقي ربع الشهادة. فردّها بعد الشاهدين لا وجه له؛ فإما أن يصدّقها أو يستحلفها و يمضي الحكم لها. قال شريك: اللّه المستعان! مثل هذا الأمر يجهله أو يتعمّده؟!
و قال الحسن بن علي الوشّاء: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): هل خلّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غير فدك شيئا؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خلّف حيطانا بالمدينة صدقة، و خلّف ستة أفراس و ثلاث نوق: العضباء و الصهباء و الديباج، و بغلتين:
الشهباء و الدلدل، و حماره اليعفور، و شاتين حلوبتين، و أربعين ناقة حلوبا، و سيفه
534
ذا الفقار، و درعه ذات الفضول، و عمامته السحاب، و حبرتين يمانيتين، و خاتمه الفاضل، و قضيبه الممشوق، و فراشا من ليف، و عباءتين قطوانيتين، و مخادّا من أدم؛ صار ذلك إلى فاطمة (عليها السلام)، ما خلا درعه و سيفه و عمامته و خاتمه، فإنه جعله لأمير المؤمنين (عليه السلام).
المصادر:
1. كشف الغمة: ج 1 ص 494.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 208، عن كشف الغمة.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 771 ح 3، عن كشف الغمة.
33
المتن:
روى السيد في الشافي عن محمد بن زكريا الغلابي، عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان، قال:
لما ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فردّ فدك على ولد فاطمة (عليها السلام)، و كتب إلى واليه على المدينة- أبي بكر بن عمرو بن حزم- يأمره بذلك. فكتب إليه: إن فاطمة قد ولدت في آل عثمان و آل فلان و آل فلان!؟ فعلى من أردّ منهم؟ فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء، أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فأقسمها بين ولد فاطمة (عليها السلام) من علي (عليه السلام).
قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز و عاتبوه فيه و قالوا له:
قبحت فعل الشيخين، و خرج إليه عمرو بن عبيس في جماعة من أهل الكوفة. فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم و علمت و نسيتم و ذكرت، إن أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، يسخطني ما يسخطها و يرضيني ما يرضيها». و إن فدك كانت صافية في عهد أبي بكر و عمر. ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لأبي عبد العزيز. فورثتها أنا و إخوتي، فسألتهم أن يبيعوني
535
حصتهم منها، و منهم من باعني و منهم من وهب لي حتى استجمعتها. فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة (عليها السلام)، فقالوا: إن أبيت إلا هذا فأمسك الأصل و اقسم الغلّة، ففعل.
أقول: سيأتي في أبواب تاريخ أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا إليه (عليه السلام).
المصادر:
1. الشافي: ج 4 ص 102، على ما في البحار.
2. بحار الأنوار: ج 29 ص 212، عن الشافي.
3. عوالم العلوم: ج 11 ص 771 ح 2، عن الشافي.
4. الدمعة الساكبة: ج 6 ص 207، عن شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد.
5. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد، على ما في الدمعة الساكبة.
34
المتن:
عن هشام بن معاذ، قال:
كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة، فأمر مناديه فنادى: من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب. فأتى محمد بن علي- يعني الباقر (عليه السلام)-، فدخل إليه مولاه مزاحم فقال: إن محمد بن علي بالباب. فقال: له: ادخله يا مزاحم. قال: فدخل و عمر يمسح عينيه من الدموع، فقال له محمد بن علي (عليه السلام): ما أبكاك يا عمر؟ فقال: هشام أبكاني كذا و كذا يا ابن رسول اللّه. فقال محمد بن علي (عليه السلام): يا عمر، إنما الدنيا سوق من الأسواق، منها خرج قوم بما ينفعهم و منها خرجوا بما يضرّهم، و كم من قوم قد غرّتهم بمثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فاستوعبوا. فخرجوا من الدنيا ملومين لمّا لم يأخذوا لما أحبّوا من الآخرة عدة، و لا مما كرهوا جنّة؛ قسم ما جمعوا من لا يحمدهم و صاروا إلى من لا يعذرهم. فنحن و اللّه محقوقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم فيها، و ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نتخوّف عليهم منها فنكفّ عنها.
536
فاتق اللّه و اجعل في قلبك اثنتين تنظر الذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدّمه بين يديك، و تنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ به البدل، و لا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك، ترجو أن تجوز عنك. و اتق اللّه- يا عمر- و افتح الأبواب و سهّل الحجاب و انصر المظلوم و ردّ المظالم.
ثم قال: ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان باللّه. فجثا عمر على ركبتيه و قال: إيه يا أهل بيت النبوة! فقال: نعم يا عمر؛ من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، و إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.
فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي (عليه السلام) فدك.
المصادر:
1. الخصال: ج 1 ص 51 ح 64 باب الثلاثة.
2. بحار الأنوار: ج 46 ص 326 ح 3، عن الخصال.
3. بحار الأنوار: ج 75 ص 181 ح 6، عن الخصال.
4. المناقب لا بن شهرآشوب: ج 4 ص 207.
5. عوالم العلوم: ج 19 ص 261 ح 1، عن الخصال.
الأسانيد:
في الخصال: عن الطالقاني، عن محمد بن جرير الطبري، عن أبي صالح الكناني، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، عن شريك، عن هشام بن معاذ، قال.
35
المتن:
روي أنه لما جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و كلّمته في أمر فدك و العوالي، قال لها:
538
قال صاحب الحديث: فلما جلس المأمون تخت الملك، ناول رقعة وقعت في يد المأمون قصة فدك. فنظر إليها طويلا و بكى و قال لبعض غلمانه: أدع لي أولاد فاطمة (عليها السلام)، فقدم إليه شيخ كبير علوي من نسل فاطمة (عليها السلام). فجعل العلوي يناظر المأمون و يباحثه فيها و المأمون يحتجّ عليه و العلوي يحتجّ المأمون، إلى أن حصحص الحق. فأمر المأمون له بها و أمر القاضي أن يسجّلها. فلما كتب السجل و قرأ عليه الواقعة استحسنه.
و لم تزل فدك في أيدي أولاد فاطمة (عليها السلام) إلى أيام سلطنة المتوكل من بني العباس، و قد تبقي من نخل فدك أحد عشر نخلة من غرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان بنو فاطمة يأخذون ثمرها و يحفظونه عندهم في مدينة الرسول. فإذا قدم الحاجّ إلى المدينة، أهدوا إليهم ثمرا من غرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيتبرّكون به و يأخذونه إلى بلادهم و أهاليهم، ثم يوصلون أولاد فاطمة (عليها السلام) نفقة من الدراهم و الدنانير؛ فيصير إليهم من ذلك مال جزيل فيتعيّشون به طول سنتهم، و ذلك كله من بركات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم تزل بركات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى آخر الدهر.
فانظروا يا أهل العقول و الافهام إلى فعل هؤلاء الكفرة اللئام، كيف تطاولت أيديهم على غصب ميراث ابنة رسول الملك العلام و ابنة خيرة اللّه في الأنام، و استمرّ ظلمهم لفاطمة (عليها السلام) إلى الذرية و العترة النبوية. فشردوهم في أطراف البلاد، و قتلوا منهم الآباء و الأجداد و الابناء و الأولاد، و سبوا حريمهم على الأقتاب بالمذلّة و الاكتئاب و لم يخشوا من أهوال يوم الحساب. فلعنة اللّه تغشاهم أجمعين، إلى يوم الجزاء و الدين.
المصادر:
المنتخب للطريحي: ص 266.
537
يا بنت رسول اللّه، ما أرثكى (1) أبوك، لا درهما و لا دينارا، و أنه قال: الأنبياء لا يورّثون.
فقالت له: يا أبا بكر! إن فدكا و العوالي قد وهبهما لى أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال لها: من يشهد لك بذلك؟ فجاء علي (عليه السلام) فشهد لها بذلك، ثم جاءت أم أيمن فقالت: يا أبا بكر! إن السماء تشهد أني من أهل الجنة و إني ما أقول إلا حقا، و إني أشهد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فدكا و العوالي لا بنته فاطمة (عليها السلام).
فقال أبو بكر: يا بنت رسول اللّه، صدق علي و صدقت، و لكن رسول اللّه يدفع إليكم من فدك و العوالي قوتكم و يقسّم الباقي على المؤمنين من أصحابه و ينفق الباقي في سبيل اللّه، و أنت فما تصنعين بها؟ فقالت: و أنا أصنع بها ما كان يصنع بها أبي.
فارتجّ الأمر بينهم و غضب أبو بكر من قولها، و خرجت فاطمة الزهراء (عليها السلام) غضبانة عليه، إلى أن قضت نحبها و صارت إلى ربها في المدة القليلة. و لم تزل فدك و العوالي في أيديهم، إلى أن ولّي الأمر معاوية بن أبي سفيان. فاقتطع مروان بن الحكم ثلثها و اقتطع يزيد بن معاوية ثلثها.
و لم يزالوا يتداولونها إلى أن انحصرت كلها في يد مروان بن الحكم في أيام خلافته؛ فوهبها مروان لوالده عبد العزيز لابنه عمر. فلما تولّى الأمر عمر بن عبد العزيز، كانت فدك أول ظلامة ردّها على أهل بيت رسول اللّه (عليهم السلام)، و رفع السبّ عن علي (عليه السلام). ثم إن عمر بن عبد العزيز دعا بعلي بن الحسين (عليه السلام)، فدفع فدك إليه و صارت فدك بيد أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) مدة خلافة عمر بن عبد العزيز.
فلما توفّي و صار الأمر إلى بني أمية، جعلوا يتداولونها، إلى أن نقلت الخلافة عنهم.
فلما آل الأمر إلى السفاح، ردّها إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ثم غصبها منهم موسى بن المهدي و أخوه هارون الرشيد. و لم تزل في أيدي بني العباس، إلى أن آل الأمر إلى المأمون، فردّها إلى نسل فاطمة (عليها السلام).
____________
(1). هكذا في المصدر: لعله من باب افعال، أرث و الكاف ضمير المخاطب لفاطمة (عليها السلام) و الياء إشباع من الكسرة.
539
36
المتن:
قال المرندي نقلا عن ابن شهرآشوب عن كتاب أخبار الخلفاء:
إن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر (عليه السلام): حدّ فدك حتى أردّها إليك. فيأبى حتى ألحّ عليه، فقال (عليه السلام): لا آخذها إلا بحدودها. قال و ما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردّها. قال: بحق جدك إلا فعلت. قال: أما الحد الأول فعدن، فتغيّر وجه الرشيد و قال: أيها و الحدّ الثاني سمرقند، فارتدّ وجهه، قال: و الحد الثالث إفريقية، فاسودّ وجهه و قال: هيه، قال: و الرابع سيف البحر مما يلي الخزر و إرمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء! فتحول إلى مجلسي قال موسى (عليه السلام): علمتك إنني إن حددتها لم تردّها. فعند ذلك عزم على قتله.
و في رواية ابن أسباط أنه قال: أما الحد الأول فعريش مصر و الثاني دومة الجندل و الثالث أحد و الرابع سيف البحر. فقال: هذا كله، هذه الدنيا! فقال: هذا كان في أيدي اليهود و بعد موت أبيها له، فأفاءه اللّه لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بلا خيل و لا ركاب. فأمره اللّه أن يدفعه إلى فاطمة (عليها السلام).
أقول: إن غرض العالم موسى بن جعفر (عليه السلام) من تعيين حدود فدك بهذه الحدود الأربعة من باب المثال، و إشارة و تنبيه إلى الرشيد أن من غصب فدك عن فاطمة بنت محمد (عليهما السلام) غصب جميع ما بين المشرق و المغرب، لأن الأرض و ما فيها لفاطمة (عليها السلام).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن فلانا و فلانا- أعنى الأعرابيين- غصبونا حقنا و اشتروا به الإماء و تزوّجوا النساء؛ ألا قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حلّ لتطيّب مواليدهم.
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): هلك الناس في بطونهم و فروجهم، لأنهم لا يؤدّون إلينا حقنا؛ ألا و إن شيعتنا من ذلك و ابناءهم في حلّ.
540
المصادر:
نور الأنوار: ص 230.
37
المتن:
عن علي بن أسباط، قال:
لما ورد أبو الحسن موسى (عليه السلام) على المهدي، رآه يردّ المظالم فقال: يا أمير المؤمنين! ما بال مظلمتنا لا ترد؟ فقال له: و ما ذاك يا أبا الحسن؟! قال: إن اللّه تبارك و تعالى لما فتح على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) فدكا و ما والاها، لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فأنزل اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله):
«وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ». (1) فلم يدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من هم، فراجع في ذلك جبرئيل و راجع جبرئيل ربه، فأوحى اللّه إليه أن ادفع فدكا إلى فاطمة (عليها السلام). فدعاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لها: يا فاطمة، إن اللّه أمرني أن أدفع إليك فدكا. فقالت: قد قبلت يا رسول اللّه من اللّه و منك.
فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فلما ولّي أبو بكر، أخرج عنها وكلاءها. فأتته فسألته أن يردّها عليها، فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك. فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) و أم أيمن، فشهدا لها. فكتب لها بترك التعرض. فخرجت و الكتاب معها، فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد؟ قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة. قال: أرينيه، فأبت، فانتزعه من يدها و نظر فيه، ثم تفل فيه و محاه و خرقه. فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل و لا ركاب، فضعي (2) الحبال في رقابنا.
____________
(1). سورة الإسراء: الآية 26.
(2). قال المجلسي في بعض النسخ: الجبال، و المعنى: إنك إذا أعطيت ذلك وضعت الجبال على رقابنا بالعبودية.
541
فقال له المهدي: يا أبا الحسن، حدّها لي. فقال: حدّ منها جبل أحد و حدّ منها عريش مصر و حدّ منها سيف البحر و حدّ منها دومة الجندل. فقال له: كل هذا؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هذا كله؛ إن هذا مما لم يوجف على أهله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيل و لا ركاب.
فقال: كثير، و أنظر فيه.
المصادر:
1. الكافي: ج 1 ص 543 ح 5.
2. المقنعة للمفيد: ص 290.
3. التهذيب: ج 4 ص 148 ح 36.
4. عوالم العلوم: ج 21 ص 223 ح 1، عن الكافي.
5. بحار الأنوار: ج 48 ص 156 ح 29.
6. تفسير البرهان: ج 2 ص 414 ح 1.
7. التهذيب: ج 4 ص 148 ح 36.
8. وسائل الشيعة: ج 6 ص 366 ح 5.
9. تفسير الصافي: ج 3 ص 186 ح 26، شطرا منه.
10. عوالم العلوم: ج 11 ص 772 ح 1، عن الكافي.
11. غاية المرام: ص 323 ح 1.
12. المقنعة: ص 288.
13. روضة المتقين: ج 4 ص 144.
14. تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 154.
15. اعلموا أني فاطمة: ج 3 ص 657.
16. مفتاح الكتب الأربعة: ج 2 ص 169.
الأسانيد:
في الكافي: علي بن محمد بن عبد اللّه، عن بعض أصحابنا أظنّه السياري، عن علي بن أسباط، قال.
542
38
المتن:
كلام الشيخ المظفر في منع فاطمة (عليها السلام) إرثها و ذكر كلامه و استدلاله للمقصود في تنبيهين.
