الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع)


الجزء الثالث عشر


تأليف

إسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني‏


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

19

كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام): «و أنت تظلمين و عن حقك تدفعين».

كلام السيد حسن الأمين في وقوع الخلاف بين الزهراء (عليها السلام) و بين الخليفة الأول في فدك و الميراث.

كلام العلامة الحسن بن يوسف الحلي: من مطاعن أبي بكر منع فاطمة (عليها السلام) إرثها بحديث لا نورّث.

كلام عائشة في طلب فاطمة (عليها السلام) ميراثها و منعها أبو بكر بحديث لا نورّث.

في زيارة فاطمة (عليها السلام): السلام عليك أيتها المظلومة الممنوعة حقها.

كلام علي (عليه السلام) في استجازة العباس لحضوره في تشييع فاطمة (عليها السلام): إن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم تزل مظلومة، من حقها ممنوعة و عن ميراثها مدفوعة.

في زيارة فاطمة (عليها السلام): السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة ....

في ذكر الحيطان السبعة: أنها وقف على فاطمة (عليها السلام).

في مناظرة الحروري و الإمام الباقر (عليه السلام) في آية: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ» و في سدّ الأبواب و في سهم الأزواج من الإرث.

في دعاء صنمي قريش: ... اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه ... و إرث غصبوه و في‏ء اقتطعوه.

كلام الإمام الصادق (عليه السلام): علامة طيب الولادة محبة أهل البيت (عليهم السلام) و قول علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): أحلّي نصيبك من الفي‏ء لآباء شيعتنا ليطيّبوا، و قول الصادق (عليه السلام) أيضا في الخمس: أحللناه لشيعتنا لتطيب ولادتهم.

رؤيا أبي الوفاء الشيرازي في المنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بالتوسل إلى علي (عليه السلام) و قوله للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): فكيف ينتقم لي، أ ليس يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمت فاطمة (عليها السلام) و غصب على إرثك فصبر؟

23

4

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

لما أسري بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) قيل له: إني مختبرك في ثلاث لننظر كيف صبرك. قال: أسلم لأمرك يا رب و لا قوة لي على الصبر إلا بك. إلى أن قال: و أما ابنتك فتظلم و تحرم و يؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها.

المصادر:

1. تفسير البرهان: ج 4 ص 142 ح 1، عن كامل الزيارات.

2. كامل الزيارات: ص 332 ح 11.

3. ظلامات الصديقة الشهيدة (عليها السلام): ص 147 ح 171.

5

المتن:

قال علي بن إبراهيم القمي:

قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» (1)، قال: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقه و أخذ حق فاطمة (عليها السلام) و آذاها، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من آذاها في حياتي كمن آذاها بعد موتي كمن آذاها في حياتي، و من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه، و هو قول اللّه: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ...» و قوله: «وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ» (2)، يعني عليا و فاطمة (عليها السلام)، «بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً» (3)، و هي جارية في الناس كلهم.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

(2). سورة الأحزاب: الآية 58.

(3). سورة الأحزاب: الآية 58.

22

2

المتن:

في وصية فاطمة (عليها السلام):

أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني و أخذوا حقي، فإنهم عدوي و عدوّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا تترك أن يصلي عليّ أحد منهم و لا من أتباعهم ....

المصادر:

1. روضة الواعظين: ج 1 ص 151.

2. بحار الأنوار: ج 43 ص 192 ح 20، عن روضة الواعظين.

3

المتن:

قال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي:

من مطاعن أبي بكر ما رواه مسلم في صحيحه أنه لما بعث فاطمة (عليها السلام) تطلب إرثها و حقها من فدك و خمس خيبر، فلم يعطها شيئا و أقسم أن لا يغيّر شيئا من صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد غيّر ذلك و قد حنث في يمينه؛ ففي الجمع بين الصحيحين: و كان أبو بكر يقسّم نحو قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غير أنه كان لا يعطي قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم. قال ابن شهاب: و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 366 ح 196.

20

كلام اليعقوبي في طلب فاطمة (عليها السلام) ميراثها أبا بكر و منعه بحديث لا نورّث.

كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في فاطمة (عليها السلام): «ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي و يغصبها حقها و يقتلها».

من مطاعن عمر إعطاؤه عائشة و حفصة عشرة آلاف درهم في كل سنة و منعه أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم و منع فاطمة (عليها السلام) إرثها و نحلتها.

كلام الصدوق: إن أول ظالم لحق آل محمد المؤخّر عليا (عليه السلام) عن الخلافة و غاصب فاطمة (عليها السلام) ميراثها.

إعطاء معاوية الغنيمة على من شاء و اعتراض أبي حنيفة بفعله و إثباته الغنيمة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في البحث عن فاطمة (عليها السلام) العمل بحديث لا نورّث المجعول.

كلام محمد علي برّو في إرث فاطمة (عليها السلام) و خطبتها و آية الإرث و عموميتها و ردّ حديث لا نورّث و البحث و الاستدلال حوله.

كلام الإربلي في صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فدك و إرث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و نقل الروايات فيها.

شهادة عائشة و حفصة و مالك في حديث لا نورّث و مجيؤها إلى عثمان لأخذ الميراث و ردّهما عثمان.

مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر و طلبها ميراثها و قوله لها: النبي لا يورّث و احتجاجها بآية الإرث.

كلام يوحنّا جديد الإسلام في مجي‏ء العباس و علي (عليه السلام) إلى عمر لطلب الميراث و جواب عمر لهما بما قال أبو بكر لهما و البحث فيه.

21

1

المتن:

عن عائشة:

أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما أرثها من تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث ما تركناه صدقة، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت. فلما توفّيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام) ....

المصادر:

تاريخ الإسلام سراج الدين عثمان (مخطوط): ص 225.

26

7. شجرة طوبى: ج 2 ص 428، شطرا منه.

8. عوالم العلوم: ج 16 (مجلد الإمام الحسن (عليه السلام)) ص 292 ح 6، عن الخرائج.

8

المتن:

نقل ابن شهرآشوب عن الباقرين (عليهما السلام) في قوله: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ...» (1):

فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) ما نظر اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و تعاونوا عليه و كابروه و من تبعهم، و قال ابن صهاك: تزعم أن ما أفاء اللّه يفيك الكثكث؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): بل يكفيك الكثكث.

أجمع فقهاؤكم فيما نقلوا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقسّم الخمس من الغنائم في بني هاشم على فرائض اللّه، و أن الأول لما ولّى ادعى الخمس و ادعاه من تابعه، ثم اشترى به الخيل و السلاح فقسّموا بين جنوده، و يسأل البينة كما سأل فاطمة (عليها السلام) و العباس؛ فنحّى بني هاشم عن حقوقهم سنّي أطعم فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء ....

المصادر:

مثالب النواصب لابن شهرآشوب (مخطوط): ص 105.

9

المتن:

قال المفيد في أسباب بغض عائشة لأمير المؤمنين (عليه السلام):

و من ذلك ما اجتمع عليه أهل النقل من شهادتها لأبي بكر في صواب منعه فاطمة (عليها السلام) فدكا، و مباينتها في تلك الشهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ذهب إليه من استحقاقها، و مظاهرة أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) من ميراث أبيها و لا تشركها في ذلك إحدى الأزواج.

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 1.

27

المصادر:

الجمل و النصرة: ص 428.

10

المتن:

ذكر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي من مطاعن أبي بكر من طريقي العامة و الخاصة أمورا:

منها: منعه فاطمة (عليها السلام) قريتين من قرى خيبر نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لها، و قد ادعتها مع عصمتها في آية التطهير، و أورد في مناقبها: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، من آذاها فقد آذاني و من أغضبها فقد أغضبني»، و قد شهد لها علي (عليه السلام) مع قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «يدور مع الحق حيثما دار»، و قوله: «علي (عليه السلام) مع الحق و الحق مع علي (عليه السلام)».

مع أنه قد روي أنها كانت في يدها فأخرج عمّالها منها، و أيضا طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1) و هي محكمة- كما قال صاحب التقريب-، و عارضها برواية تفرّد بها، و خبر الواحد إذا عارض القرآن كان مردودا للأمر بعرضه على القرآن.

ثم قال: أ ليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري، و رواه أيضا عن مجاهد و السدي: أنه لما نزل: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (2)، دفع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إليها فدكا؟ ....

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 365 ح 192.

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة الإسراء: الآية 26.

25

روى الشيخ المفيد في مجالسه أن فضّال بن الحسن بن فضّال مرّ بأبي حنيفة و هو في جمع كثير، يملي عليهم شيئا من فقهه و حديثه، فقال لصاحب كان معه: و اللّه لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة. فدنا منه فسلّم عليه، فردّ و ردّ القوم بأجمعهم السلام عليه، فقال: يا أبا حنيفة رحمك اللّه، إن لي أخا يقول: إن خير الناس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أنا أقول أن أبا بكر خير الناس و بعده عمر، فما تقول أنت رحمك اللّه؟

فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كرما و فخرا؛ أ ما علمت أنهما ضجيعا في قبره؟ فأيّ حجة لك أوضح من هذه؟ فقال فضّال: إني قد قلت ذلك لأخي. فقال: و اللّه لئن كان الموضع لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، و إن كان الموضع لهما فوهباه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أساءا و أحسنا إذا رجعا في هبتهما و نكثا عهدهما.

فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له: لم يكن له و لا لهما خاصة و لكنهما نظرا في حق عائشة و حفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع و بحقوق ابنتيهما. فقال فضّال:

قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن تسع نساء، و نظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع من الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر؛ فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك؟ و بعد فما بال عائشة و حفصة ترثان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) ابنته تمنع الميراث؟!

فقال أبو حنيفة: يا قوم، نحّوه عني فإنه و اللّه رافضي خبيث.

المصادر:

1. سفينة البحار: ج 2 ص 370.

2. الأمالي للمفيد، على ما في السفينة.

3. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 87.

4. أين دفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ص 120.

5. بحار الأنوار: ج 44 ص 155 ح 24.

6. الخرائج و الجرائح: ص 224.

24

المصادر:

1. تفسير القمي: ج 2 ص 196.

2. بحار الأنوار: ج 17 ص 27 ح 2، عن تفسير القمي.

3. تفسير كنز الدقائق: ج 8 ص 222، عن تفسير القمي.

4. تفسير نور الثقلين: ج 4 ص 305 ح 237، عن تفسير القمي.

5. تفسير الصافي: ج 4 ص 202 ح 57، عن تفسير القمي، بزيادة و نقيصة.

6

المتن:

عن حمزة بن حمران، قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): من ورث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: فاطمة (عليها السلام)؛ ورثت متاع البيت و الحرثى و كل ما كان له.

المصادر:

1. البرهان: ج 1 ص 348 ح 6، عن الكافي.

2. الكافي: ج 7 ص 86 ح 2.

3. التهذيب: ج 9 ص 277 ح 12.

الأسانيد:

في الكافي: عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن علي، عن عبد الملك حيدر، عن حمزة بن حمران، قال.

7

المتن:

في احتجاج فضّال بن الحسن على أبي حنيفة:

28

11

المتن:

قال أبو الصلاح الحنبلي في وقائع سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة:

و فيها- كما قال في العبر- رفعت المنافقون رءوسها ببغداد و قامت الدولة الرافضية و كتبوا على أبواب المساجد: لعنة معاوية و لعنة من غصب فاطمة (عليها السلام) حقها و لعنة من نفى أبا ذر. فمحته أهل السنة في الليل، فأمر معز الدولة بإعادته، فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب: ألا لعنة اللّه على الظالمين و لعنة معاوية فقط.

المصادر:

1. شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الصلاح: ج 3 ص 7.

2. العبر في خبر من غبر: ج 2 ص 86.

12

المتن:

قال الصدوق في اعتقاداته:

و أما فاطمة (عليها السلام)، فاعتقادنا أنها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين، و أن اللّه عز و جل يغضب لغضبها و يرضى لرضاها، و أنها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالميها و غاصبيها و مانعي إرثها.

المصادر:

1. الاعتقادات للصدوق: ص 111.

2. بحار الأنوار: ج 27 ص 62 ح 21، عن الاعتقادات للصدوق.

30

فلما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، دخل إليها رجلان من الصحابة فقالا لها: كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه؟ قالت: أصدقاني هل سمعتما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني»؟ قالا: نعم، و اللّه قد سمعنا ذلك منه. فرفعت يديها إلى السماء و قالت:

اللهم إني أشهدك أنها قد آذياني و غصبا حقي. ثم أعرضت عنهما، فلم تكلّمهما بعد ذلك ...

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 36 ص 308 ح 146، عن كفاية الأثر.

2. كفاية الأثر: ص 9.

15

المتن:

قال الفضيل:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا و اللّه ما ورث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) العباس و لا علي (عليه السلام) و لا ورثته إلا فاطمة (عليها السلام)، و ما كان أخذ علي (عليه السلام) السلاح و غيره إلا أنه قضى عنه دينه. ثم قال (عليه السلام):

«وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ». (1)

المصادر:

1. من لا يحضره الفقيه: ح 4 ص 19 ح 660.

2. تفسير نور الثقلين: ج 2 ص 178، عن من لا يحضره الفقيه.

الأسانيد:

في من لا يحضره الفقيه: روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسن بن موسى الخياط، عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام).

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 75.

29

13

المتن:

قال أبو ذر الغفاري:

دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: يا أبا ذر! ايتني بابنتي فاطمة (عليها السلام). قال: فقمت و دخلت عليها و قلت: يا سيدة النسوان، أجيبي أباك. قال: فلبست جلبابها و خرجت حتى دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فلما رأت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انكبّت عليه و بكت و بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبكائها و ضمّها إليه، ثم قال: يا فاطمة! لا تبكي فداك أبوك، فأنت أول من تلحقين بي مظلومة مغصوبة، و سوف تظهر بعدي حسيكة النفاق و يسمل جلباب الدين ....

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 36 ص 288 ح 110، عن كفاية الأثر.

2. كفاية الأثر: ص 3.

الأسانيد:

في كفاية الأثر: أبو الفرج المعافا بن زكريا، عن محمد بن همام بن سهيل، عن محمد بن معافي السلماني، عن محمد بن عامر، عن عبد اللّه بن زاهر، عن عبد القدوس، عن الأعمش، عن جيش بن المعتمر، قال: قال أبو ذر الغفاري.

14

المتن:

عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال:

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الشكاة التي قبض فيها فإذا فاطمة (عليها السلام) عند رأسه؛ قال: فبكت حتى ارتفعت صوتها ....

31

16

المتن:

عن عمر بن الخطاب، قال:

لما كان اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بويع لأبي بكر في ذلك اليوم. فلما كان من الغد، جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر معها علي (عليه السلام)، فقالت: ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي. فقال أبو بكر: من الرئة أو من العقد؟ قالت: فدك و خيبر و صدقاته لمدينة إرثها كما يرثك بناتك إذا متّ. فقال أبو بكر: أبوك و اللّه خير مني و أنت خير من بناتي، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة (يعني هذه الأموال القائمة)، فتعلمين أن أباك أعطاكها؛ فو اللّه لئن قلت نعم لأقبلنّ قولك و لأصدّقنّك. قالت: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدك. قال عمر: فسمعته يقول: هي لك؟ فإذا قلت قد سمعته فهي لك فأنا أصدّقك فأقبل قولك. قالت: أخبرتك بما عندي.

المصادر:

1. مسند فاطمة (عليها السلام) للسيوطي: ص 33 ح 25.

2. طبقات ابن سعد: ج 2 ص 315، على ما في هامش المسند.

17

المتن:

عن ابن عباس، قال:

إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام). فلما رآه بكى ...، إلى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله): و إني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي؛ كأني بها و قد دخل الذلّ بيتها و انتهكت حرمتها و غصبت حقها و منعت إرثها ... فتقدّم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها و عاقب من غصبها و ذلّل من أذلّها و خلّد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

32

المصادر:

1. الأمالي للصدوق: ص 112 ح 2 المجلس الرابع و العشرون.

2. فرائد السمطين: ج 2 ص 34 ح 371.

3. بحار الأنوار: ج 43 ص 172 ح 13، عن الأمالي للصدوق.

4. بحار الأنوار: ج 28 ص 37 ح 1، عن الأمالي للصدوق.

5. إثبات الهداة: ج 1 ص 280 ح 150، عن الأمالي للصدوق، شطرا منه.

6. الفضائل لابن شاذان: ص 8.

7. إرشاد القلوب: ص 295.

الأسانيد:

1. في الأمالي للصدوق: علي بن أحمد بن موسى الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال.

2. في فرائد السمطين: أنبأني الشيخ أبو طالب علي بن أنجب بن عبيد اللّه بن الخازن، عن كتاب برهان الدين ناصر بن أبي المكارم، عن أبي المؤيد بن الموفق، أنبأنا علي بن أحمد بن موسى الدقاق، قال: أنبأنا محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال:

أنبأنا موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن الحسن بن علي بن حمزة، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

18

المتن:

قال النبهاني في جواهر البحار الفصل الثاني من الباب السادس في صدقاته و ما غرسه بيده الشريفة:

ثم قال: و قال الواقدي: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) وقف الحوائط السبعة المتقدمة سنة سبع من الهجرة.

و في سنن أبي داود، عن رجل من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فذكر قصة بني النضير إلى أن قال: فكانت نخل بني النضير لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، أعطاها اللّه إياه، فقال تعالى: «ما

33

أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ...» (1)، قال: فأعطى أكثرها المهاجرين و بقي منها صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي في أيدي بني فاطمة أي الحوائط السبعة.

و لابن زبالة، عن محمد بن كعب: أنها كانت أموالا لمخيريق؛ قال ليهود يوم أحد:

أ لا تنصرون محمدا؟ فو اللّه إنكم لتعلمون أن نصرته حق. قالوا: السبت؟ قال: فلا سبت لكم، و أخذ بسيفه فمضى مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله). فقاتل حتى اثخنته الجراح، فقال: أموالي إلى محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، يضعها حيث شاء؛ فهي عام صدقاته (صلّى اللّه عليه و آله).

ثم قال: و أما الصدقات السبع المتقدمة، فالصافية معروفة اليوم شرقي المدينة بجزع زهيرة تصغير زهرة، و برقة معروفة اليوم أيضا في قبلة المدينة و مما يلي المشرق و لناحيتها شهرة بها، و الدلال جزع أيضا معروف أيضا قبلي الصافية قرب المليكي وقف المدرسة الشهابية، و الميثب غير معروفة اليوم و يؤخذ مما سبق من كون هذه الأربعة مجاوات أنها قريبة من الثلاثة قبلها، و الأعواف جزع معروف بالعالية، و مشربة أم إبراهيم معروفة بالعالية، و حسنا- بضمّ الحاء- سبق أنها بالقف تشرب بمهزور.

قال السمهودي: و الذي ظهر لي أن حسنا اليوم هي الموضع المعروف بالحسينيات قرب جزع الدلال إذا هو بجهة القف و يشرب بمهزور، و هذه السبع الصدقات النبوية، و هذه الصدقات مما طلبته فاطمة من أبي بكر مع سهمه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر، و فدك كما في الصحيح أنها كانت تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. ثم دفع عمر صدقته (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة إلى علي (عليه السلام) و عباس، و أمسك خيبر و فدك و قال: هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانتا لحقوقه التي تعروه.

و فيه أن أبا بكر احتجّ عليها بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة، فغضبت. و في الصحيح أيضا: إن عليا (عليه السلام) و العباس جاءا إلى عمر يطلبان منه ما طلبته فاطمة (عليها السلام) من‏

____________

(1). سورة الحشر: الآية 6.

34

أبي بكر، مع اعترافهما له بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. فالوجه أنهما مع فاطمة (عليها السلام) فهموا من قوله: و ما تركناه صدقة الوقف، و رأوا أن حق النظر على الوقف يورث دون رقبته، و رأى أبو بكر أن الأمر في ذلك له؛ و لذا لما أعطاها عمر عليا (عليه السلام) و عباسا، أخذ عليهما أن يعملا بما عمل فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو بكر بعده.

و كانت هذه الصدقة بيد علي (عليه السلام) منع العباس فغلبه عليها. ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم بيد علي بن الحسين (عليهم السلام) و الحسن بن الحسن، ثم بيد بني الحسن رضي اللّه عنهم. قال معمر: ثم كانت بيد عبد اللّه بن الحسن حتى ولّي هؤلاء (يعني بني العباس) فقبضوها.

قال أبو غسان: صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بيد الخليفة، يولّي عليها و يعزل عنها و يقسّم ثمرها و غلّتها في أهل الحاجة من أهل المدينة على قدر ما يرى من هي في يده.

و قال الشافعي فيما نقله البيهقي: و صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قائمة عندنا و صدقة الزبير قريب منها و صدقة عمر قائمة و صدقة عثمان و صدقة علي (عليه السلام) و صدقة فاطمة (عليها السلام) و صدقة من لا أحصي من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة و أعراصها.

قال السمهودي: قلت: ثم تغيّرت الأمور بعد ذلك و اللّه المستعان.

قال: و ذكرنا في الأصل من روى أن فاطمة (عليها السلام) قالت في فدك: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنحلنيها و ما أنفق فيها.

المصادر:

جواهر البحار في فضائل النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله): ج 4 ص 86.

36

20

المتن:

قال السيد ابن طاوس نقلا عن كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه في طعن علي (عليه السلام) على من تقدّم عليه في الخلافة:

قال (عليه السلام): ... أ فيكم أحد يأخذ الخمس غيري و غير فاطمة (عليها السلام)؟ قالوا: لا.

المصادر:

1. جامع الأحاديث: ج 8 ص 562، عن كتاب الطرف.

2. الطرف لابن طاوس: ص 124، عن كتاب أبي بكر.

3. كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، على ما في كتاب الطرف.

21

المتن:

قال ابن قتيبة في حديث لا نورّث:

... قالوا: رويتم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و هذا خلاف قول اللّه عز و جل حكاية عن زكريا (عليه السلام).

المصادر:

تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ص 279.

22

المتن:

قال طه حسين المصري في فصل بيعة أبي بكر:

... إن عليا (عليه السلام) لم يسرع إلى بيعة أبي بكر و إنما تلبّث وقتا غير قصير، و لعله وجد على‏

35

19

المتن:

قال العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي في فصل: الزهراء (عليها السلام) في مواجهة التحدي:

إن مطالبة علي (عليه السلام) بأموال بني النضير و مطالبة الزهراء (عليها السلام) بفدك و بسهمهما بخيبر و بسهمهما من الخمس و بإرثها أيضا من أبيها الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) ... و إصرارها على تحدّي السلطة في إجراءاتها الظالمة، ثم مغاضبتها للسلطة حتى توفّيت حيث أوصت أن يدفن ليلا، إن ذلك كله لا يمكن تفسيره على أنه رغبة في حطام الدنيا و حبّ للحصول على المال ...، فإن حياتها و هي الصديقة الطاهرة و الزاهدة عن الدنيا و الفانية في اللّه حتى أنها كانت تقوم الليل حتى تورّمت قدماها ...، و كذلك ما شاع و ذاع حول كيفية تعاملها مع الأموال التي كانت تحصل عليها من ترك و غيرها.

و كيف كانت تصرفها؟ إن ذلك خير دليل على ما نقول و أوضح شاهد عليه، و هذا بالذات هو ما يجعلنا نتساءل عن السر الكامن وراء تلك المطالبة، و ذلك الإسرار.

و لعلنا نستطيع أن نفسّر ذلك بما يلي:

1. الانتصار للحق و رفض الباطل.

2. الصيانة عن الفهم الخاطئ و عن التحريف المترتب على سكوتها.

3. أن الوقوف في وجه الباطل لا يخصّص بغير الحاكم.

4. أن الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر لا يختص بالرجال بل يشمل النساء أيضا.

5. أن التصدي للمطالبة بالحق و تسجيل الموقف لا ينحصر بصورة العلم بإمكان الحصول بل يجب مع العلم بعدم الحصول أيضا.

المصادر:

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) للسيد جعفر مرتضى العاملي: ج 6 ص 212.

37

أبي بكر كما وجدت عليه فاطمة (عليها السلام)، لأنه أبى أن يدفع إليها ما طلبت من ميراث أبيها (صلّى اللّه عليه و آله)، و روي لها قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة ....

المصادر:

الفتنة الكبرى (علي و بنوه (عليهم السلام)): ص 18.

23

المتن:

قال البلاغي في ذيل آية: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ ...» (1):

و حاصله أن آيات: «الْأَقْرَبِينَ» (2) و «أُولُوا الْأَرْحامِ» و «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (3) تقتضي أن تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يرثها وارثه، و هي ابنته و بضعته فاطمة (عليها السلام).

المصادر:

آلاء الرحمن في تفسير القرآن للبلاغي: ص 37.

24

المتن:

قال السيد علي الطباطبائي في بحث اختصاص الخمس بفاطمة (عليها السلام) و نقل الرواية:

... و ظاهرها الاختصاص بسيدة النساء فاطمة و الحجج من ذريتها (عليهم السلام).

و استشكل السيد الطباطبائي فيه، و للبحث سعة في الفقه ليس هنا محله.

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 75.

(2). سورة البقرة: الآية 180.

(3). سورة النساء: الآية 11.

40

رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة و انعقد الإجماع على صحة ما ذهب إليه أبو بكر، فسقط هذا السؤال، و اللّه أعلم.

أقول: إن هذا الجواب ادعاء كاذب، فإن الرواة و المحدثين و المؤرخين قالوا: إن فاطمة (عليها السلام) بعد هذه المناظرة غضبت أو وجدت على أبي بكر فهجرته و لم تكلّمه حتى ماتت، و أوصت أن لا يحضر جنازتها و الصلاة عليها.

المصادر:

التفسير الكبير: ج 9 ص 210.

27

المتن:

عن عائشة:

أن فاطمة (عليها السلام) و العباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك و سهمهما من خيبر. فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) من هذا المال. قال أبو بكر: و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنعه فيه إلا صنعته. قال: فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرته، فلم تكلّمه حتى ماتت. فدفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر.

المصادر:

1. مناقب علي و الحسنين و أمهما (عليهم السلام): ص 268 ح 515.

2. تاريخ الأمم و الملوك: ج 2 ص 447.

3. المصنف لعبد الرزاق: ج 5 ص 472 ح 9774.

4. عبقات الأنوار: ج 2 ص 167.

5. العواصم من القواصم: ص 56، عن الطبري.

6. مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 4.

38

المصادر:

رياض المسائل للسيد الطباطبائي: ج 5 ص 245.

25

المتن:

قال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي في آية الميراث:

... فإن قيل: كيف قال: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1) و النبي لا يورّث؛ فقوله (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، قلنا: المراد بقوله «يرثني» أي يرث العلم و النبوة.

و استشكل المحقق في مقدمة الكتاب: أن هذا المؤلف قد أفتى هنا مقابل النص و استدلّ لمرامه بحديث واحد، قد وضعه أبو بكر لإسكات الزهراء (عليها السلام) و إبطال دعواها و إخماد النار ....

المصادر:

أسئلة القرآن المجيد و أجوبتها للرازي: ص 5.

26

المتن:

قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...» (2):

... الموضع الرابع من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء (عليه السلام) لا يورثون، و الشيعة خالفوا فيه.

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النساء: الآية 11.

39

روي أن فاطمة (عليها السلام) لما طلبت الميراث و منعوها منه، احتجّوا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. فعند هذا احتجّت فاطمة (عليها السلام) بعموم قوله تعالى:

«لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)، و كأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد.

ثم إن الشيعة قالوا بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز هاهنا، و بيانه من ثلاثة أوجه:

أحدها: إنه خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريا: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (3)؛ قالوا: و لا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم و الدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة بل يكون كسبا جديدا مبتدا، إنما التوريث لا يتحقّق إلا في المال على سبيل الحقيقة.

و ثانيها: إن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة و علي (عليهما السلام) و العباس و هؤلاء كانوا من أكابر الزهاد و العلماء و أهل الدين، و أما أبو بكر فإنه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فكيف يليق بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة إليها و لا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟!

و ثالثها: يحتمل أن قوله: ما تركناه صدقة، صلة لقوله لا نورّث، و التقدير أن الشي‏ء الذي تركناه صدقة كذلك الشي‏ء لا يورث.

فإن قيل: فعلي هذا التقدير لا يبقي للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) خاصية في ذلك، قلنا: فلتبق الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشي‏ء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم و يرثه وارث عنهم، و هذا المعنى مفقود في حق غيرهم. و الجواب: أن فاطمة (عليها السلام)

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة النمل: الآية 27.

41

7. صحيح البخاري: ج 8 ص 3.

8. بحار الأنوار: ج 28 ص 353، عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

9. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 ص 18.

10. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 6 ص 46، بتفاوت فيه.

الأسانيد:

1. في تاريخ الأمم و الملوك: حدثنا أبو صالح الضراري، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

2. في عبقات الأنوار: قال أبو عبد اللّه الحاكم في تاريخه: أنبأنا أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا الحسين بن حسن القاضي بأنطاكية، حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، حدثنا سعيد بن مريم، أخبرني محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

3. في مسند أحمد: قال يونس كبيرا: حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، ثنا حسن الأشيب، عن أبي لهيعة، قال: قال كبيرا، حدثنا عبد اللّه، قال: حدثني أبي، قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

28

المتن:

عن عائشة:

أن فاطمة بنت النبي (عليها السلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه بالمدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لا نورّث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) في هذا المال، و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن مالها التي كان عليها عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لأعملنّ فيها بما عمل به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) منها شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلّمه حتى توفّيت، و عاش بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر؛ فلما توفّيت دفنها زوجها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام).

42

المصادر:

1. صحيح البخاري: ج 5 ص 82.

2. العمدة لابن البطريق: ص 390 ح 776، عن صحيح البخاري.

3. بحار الأنوار: ج 29 ص 111، عن العمدة.

4. بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت: ص 61، عن صحيح البخاري.

5. صحيح مسلم: ج 12 ص 76.

6. مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 242 و ص 376، 463.

7. إحقاق الحق: ج 10 ص 478، عن صحيح البخاري.

8. السنن الكبرى: ج 6 ص 300، بتفاوت و نقيصة، على ما في الإحقاق.

9. تاريخ الأمم و الملوك: ج 2 ص 488، بتفاوت يسير، على ما في الإحقاق.

10. كفاية الطالب: ص 225، بتفاوت يسير، على ما في الإحقاق.

11. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 ص 18، بتفاوت.

12. تيسير الوصول: ج 1 ص 209، بتفاوت، على ما في الإحقاق.

13. الغدير: ج 7 ص 227، شطرا منه، عن صحيح البخاري.

14. بحار الأنوار: ج 43 ص 182 ح 16، عن المناقب.

15. المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 362، عن صحيح مسلم.

16. إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء: ص 15، على ما في الإحقاق.

17. الوقوف على ما في صحيح مسلم: ص 357، على ما في الإحقاق.

18. إحقاق الحق: ج 25 ص 535.

19. إحقاق الحق: ج 33 ص 356.

20. من مناقب علي و الحسنين و أمها فاطمة (عليهم السلام): ص 263 ح 505.

21. آل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): ص 267.

22. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ج 7 ص 156، على ما في الإحقاق، بزيادة فيه.

23. حياة فاطمة (عليها السلام) لشلبي: ص 317.

24. مناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشرواني: ص 412.

25. الفصول المهمة: ص 89.

26. الصواعق: ص 14، عن البخاري.

27. مناقب علي و الحسنين و أمهما (عليهم السلام): ص 268 ح 516.

28. تاريخ المدينة المنورة للنميري: ج 1 ص 196.

29. تاريخ المدينة المنورة للنميري: ج 1 ص 207، بتفاوت في الألفاظ.

30. التمهيد لابن عبد البر: ج 8 ص 152.

43

31. السنن الكبرى: ج 7 ص 65.

32. جامع الأصول لأحاديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): ص 386، بتفاوت يسير.

33. تاريخ الإسلام و وفيات مشاهير الأعلام: ص 21، بتفاوت يسير.

34. التاج الجامع للأصول: ج 3 ص 355.

35. جامع الأحاديث للسيوطي: ج 18 ص 217.

36. تاريخ الإسلام و وفيات مشاهير الاعلام: ص 591.

37. جامع الأحاديث للسيوطي: ج 13 ص 20.

38. إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء: ص 16.

39. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ج 8 ص 205.

40. السنن الكبرى: ج 7 ص 64.

41. مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 9.

42. جامع الأحاديث للسيوطي: ج 13 ص 246.

43. الحدائق في علم الحديث: ج 1 ص 322.

44. السنن الكبرى: ج 10 ص 142.

45. نبراس الضياء: ص 37.

46. زوجات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أولاده: ص 341.

47. الخلفاء الراشدين: ص 12.

48. النكت الظراف: ج 5 ص 308.

49. الرياض النضرة: ج 1 ص 164.

50. مسند أبي يعلي: ج 1 ص 45.

51. سنن النسائي: ج 7 ص 132.

52. العواصم من القواصم: ص 65.

53. دلائل النبوة للبيهقي: ج 7 ص 280.

54. روضة المتقين: ج 8 ص 586.

55. السقيفة و فدك: ص 105.

الأسانيد:

1. في صحيح البخاري: عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل بن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

2. في صحيح مسلم: حدثني محمد بن رافع، أخبرنا حجين، حدثنا ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها أخبرته.

44

3. في السنن الكبرى: أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن يحيى بن عبد الجبار ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، أنا معمّر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

4. في تاريخ الأمم و الملوك: حدثنا أبو صالح الضراري، قال: حدثنا عبد الرزاق، ... بقية الأسناد مثل ما في السنن.

5. في كفاية الطالب: أخبر الشيخ أبو محمد إبراهيم بن محمود بن سالم بن مهدي المقرئ قراءة عليه و أنا أسمع ببغداد، أخبرتنا خديجة بنت النهرواني، قالت: أخبرنا أبو عبد اللّه الحسين بن طلحة النعالي، قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد اللّه بن بشران، أخبرنا إسماعيل.

6. في الإحسان: أخبرنا محمد بن عبيد اللّه بن الفضل الكلاعي بحمص، قال: حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد، قال: حدثنا أبي، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال:

حدثني عروة بن الزبير: أن عائشة أخبرته.

7. في الإحسان: أخبرنا محمد بن الحسن، حدثنا يزيد بن موهب، حدثني الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

8. في الحدائق: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن صالح، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عروة، عن عائشة.

9. في مسند أحمد ج 1: حدثني عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب. عن عروة، عن عائشة.

10. في مسند أحمد ج 7: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا ابن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

11. في السقيفة و فدك: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدثنا سويد بن سعيد و الحسن بن عثمان، قالا: حدثنا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

12. في العمدة: بإسناده إلى البخاري من صحيحه، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل بن شهاب، عن عروة، عن عائشة.

29

المتن:

قال والد الشيخ البهائي في ذكر أبي بكر:

... و من لا يصلح لتبليغ سورة من القرآن كيف يسلّم إليه زمام الإيمان؟ و من منع‏

45

فاطمة (عليها السلام) إرثها برواية مخالفة للقرآن، و قد روى البخاري بطريقين أن فاطمة (عليها السلام) أرسلت تطالبه ميراثها، فمنعها ذلك، فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر و هجرته، فلم تكلّمه حتى ماتت، و دفنها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر.

المصادر:

وصول الأخيار إلى أصول الأخبار لحسين بن عبد الصمد العاملي: ص 69.

30

المتن:

قال المحقق الأردبيلي في بحث الإمامة و ذكر عمر بن الخطاب و مطاعنه:

منها: أنه منع فاطمة (عليها السلام) و سائر السادات عن الخمس الذي ثبت لهم في القرآن.

المصادر:

رسالة في أصول الدين: في بحث الإمامة.

31

المتن:

قال المجلسي:

وجدت بخط الشيخ محمد بن علي الجبعي نقلا من خط الشهيد رفع اللّه درجته نقلا من مصباح الشيخ أبي منصور طاب ثراه، قال: روي أنه دخل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يوما إلى فاطمة (عليها السلام)، فهيّأت له طعاما من تمر و قرص و سمن، و اجتمعوا على الأكل هو و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام). فلما أكلوا سجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أطال سجوده، ثم بكى ثم ضحك ثم جلس، و كان أجرؤهم في الكلام علي (عليه السلام) فقال: يا رسول اللّه! رأينا منك اليوم ما لم نره قبل ذلك!؟

47

33

المتن:

قال الجصّاص في آية الخمس و الذين يستحقونه و من ذوي القربى:

... فثبت أن بني المطلب ليسوا من آل النبي من الذين تحرم الصدقة عليهم كبني عبد الشمس، و موالي بني هاشم تحرم عليهم الصدقة و لا قرابة لهم و لا تستحقون من الخمس شيئا بالقرابة؛ و قد سألته فاطمة (عليها السلام) خادما من الخمس فوكلها إلى التكبير و التحميد و لم يعطها.

فإن قيل: إنما لم يعطها لأنها ليست من ذوي قرباه لأنه أقرب إليه من ذوي قرباه، قيل له: فقد خاطب عليا (عليه السلام) بمثل ذلك- و هو من ذوي القربى- و قال لبعض بنات عمه حين ذهبت مع فاطمة (عليها السلام) إليه تستخدمه: سبقكن يتامى بدر، و في يتامى بدر من لم يكن من بني هاشم لأن أكثرهم من الأنصار، و لو استحقّتا بالقرابه شيئا لا يجوز منعهما إياه لما منعهما حقهما و لا عدل بهما إلى غيرهما؛ و في هذا دليل على معنيين: أحدهما إن سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أن يعطيه من شاء منهم، و الثاني إن إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلّق له بتحريم الصدقة.

المصادر:

أحكام القرآن للرازي: ج 3 ص 65.

34

المتن:

قال ابن قتيبة:

... قالوا: و قد طالبت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر بميراث أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فلما لم يعطها إياه حلفت أن لا تكلّمه أبدا، و أوصت أن تدفن ليلا لئلا يحضرها، فدفنت ليلا ....

46

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إني لما أكلت معكم فرحت و سررت بسلامتكم و اجتماعكم فسجدت اللّه شكرا، فهبط جبرئيل يقول: سجدت شكرا لفرحك بأهلك؟ فقلت: نعم. فقال:

أ لا أخبرك بما يجري عليهم بعدك؟ فقلت: بلي يا أخي جبرئيل. فقال: أما ابنتك فهي أول أهلك لحاقا بك بعد أن تظلم و يؤخذ حقها و تمنع إرثها و يظلم بعلها و يكسر ضلعها.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 98 ص 44 ح 84.

2. المصباح لأبي منصور، على ما في البحار.

32

المتن:

نقل العلامة المجلسي كلام الشيخ الطوسي قال:

اعلم أن بعض الأصحاب ذكر أن أبا بكر ناقض روايته التي رواها في الميراث حيث دفع سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بغلته و عمامته و غير ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد نازعه العباس فيها فحكم بها لأمير المؤمنين (عليه السلام).

أما لأن ابن العم إذا كان أبوه عمّ من الأب و الأم أولى من العمّ الذي كان عمّ الميت من جانب الأب فقط، لأن المتقرّب إلى الميت بسببين أولى من المتقرّب إلى بسبب واحد.

و إما لعدم توريث العم مع البنت كما هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 70.

2. تلخيص الشافي: ج 3 ص 147، على ما في هامش البحار.

48

المصادر:

تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ص 279.

35

المتن:

قال آية اللّه السيد الميلاني بعد كلامه في حق الزهراء (عليها السلام) في الحوائط السبعة:

فتلخّص مما قدّمناه في مطالبة الزهراء (عليها السلام) بالميراث:

1. آيات الإرث تشمل جميع المسلمين.

2. آيات خاصة في إرث الأنبياء و تفنيد إنا معاشر الأنبياء لا نورّث.

3. حديث أبي بكر: لا نورّث، ما تركنا صدقة.

4. تفرّد أبي بكر برواية الحديث.

5. مستند أبي بكر في روايته.

6. مناقشة في متن الحديث بما لا يصحّح مذهب أبي بكر.

7. تحديد ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

8. حق الزهراء (عليها السلام) في الحوائط السبعة.

9. مطالبة الزهراء (عليها السلام) بحقها في الإرث في خطبتها الشهيرة بعد أن دفعت عن دعوى النحلة، و كانت محقّة في كلا الدعويين.

المصادر:

قادتنا كيف نعرفهم: ج 4 ص 379.

50

و قيل أن فاطمة (عليها السلام) ادعت الميراث أولا ثم ادعت النحلة ثانيا، و ليس الأمر كذلك بل الأمر بالعكس.

المصادر:

قادتنا كيف نعرفهم: ج 4 ص 343.

38

المتن:

قال ابن التركماني في باب سهم ذوي القربى:

ذكر فيه حديث جبير بن مطعم: إنما بنو هاشم و بنو المطلب شي‏ء واحد. قال جبير:

و لم يقسّم لبني عبد شمس و لا لبني نوفل من ذلك الخمس كما قسّم لبني هاشم و بني المطلب. قال: و كان أبو بكر يخمس الخمس نحو قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ....

ثم قال البيهقي: و أما رواية يونس عن الزهري فلم أعلم بعد أن الذي في آخرها من قول جبير فيكون موصولا، أو عن قول ابن المسيّب أو الزهري فيكون مرسلا. قلت:

قد تقدّم قبل ذلك: قال جبير، ثم قال: و كان أبو بكر؛ فالقائل ثانيا هو جبير القائل أولى و هذا ظاهر. فكيف لا يعلمه البيهقي و يتردّد فيه؟

ثم ذكر حديثا عن ابن نمير: ثنا هاشم بن بريد، حدثني حسين بن ميمون إلى آخره.

ثم قال: قال أبو عبد اللّه: رواته من ثقات الكوفيين، و قال في كتاب المعرفة هذا: أسناد صحيح. قلت: في هذا الحديث أمران.

و قال بعد البحث في سند الحديث: ... و في الاستذكار: أدخل بني المطلب مع بني هاشم الشافعي و أحمد و أبو ثور، و أما سائر الفقهاء فيقتصرون بسهم ذوي القربى على بني هاشم و هو مذهب عمر بن عبد العزيز، و روى عن ابن عباس و محمد بن الحنفية ....

51

المصادر:

الجوهر النقي في الرد على البيهقي: ج 2 ص 61.

39

المتن:

قال الزهري:

... عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه، فقال لها: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لا نورّث، ما تركنا صدقة. فغضبت و هجرت أبا بكر حتى توفّيت.

و أرسل أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) حتى كنت أنا رددتهن، فقلت لهنّ: أ لا تتقين اللّه؟ أ لم تسمعن من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (عليهم السلام) في هذا المال؟

المصادر:

1. الخلفاء الراشدون من تاريخ الإسلام للذهبي: ص 12.

2. الغدير: ج 7 ص 226، عن البخاري.

3. صحيح البخاري: ج 5 ص 5 باب فرض الخمس.

40

المتن:

قال ابن حجر العسقلاني:

أخبرني علي بن محمود، قال: كان البلخي الواعظ كثيرا ما يدمن في مجالسه سبّ الصحابة. فحضرت مرة مجلسه فقال: بكت فاطمة (عليها السلام) يوما من الأيام، فقال علي (عليه السلام): يا فاطمة، لم تبكين على أن أ أخذت منك فيئك؟ أ غصبتك حقك؟ أفعلت أفعلت و عدّ

49

36

المتن:

قال آية اللّه السيد الميلاني بعد البحث في سهم ذوي القربى:

هذا خلاصة البحث:

1. آيات الخمس صريحة في سهم ذوي القربى.

2. سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) تؤيد ذلك.

3. منع أبو بكر فاطمة (عليها السلام) و بني هاشم من ذوي القربى في الخمس.

4. لم يكن اجتهاده هذا صائبا.

5. كانت الزهراء (عليها السلام) محقّة في مطالبتها بالخمس أيضا لكنها حرمت منه، و النتيجة أن الزهراء (عليها السلام) كانت محقّة في دعاويها الثلاث فمنعها أبو بكر.

المصادر:

قادتنا كيف نعرفهم للميلاني: ج 4 ص 383.

37

المتن:

قال آية اللّه السيد الميلاني في مطالبة فاطمة (عليها السلام) حقها من أبي بكر:

تقدّمت الزهراء (عليها السلام) إلى أبي بكر في مطالبتها بحقها بثلاث دعاوي: ا. النحلة، ب.

الميراث، ج. سهم ذوي القربى.

قال ابن أبي الحديد: و اعلم إن الناس يظنّون أن نزاع فاطمة (عليها السلام) أبا بكر كان في أمرين، في الميراث و النحلة، و قد وجدت في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث و منعها أبو بكر إياه أيضا و هو سهم ذوي القربى.

52

أشياء مما يزعم الروافض أن الشيخين فعلاها في حق فاطمة (عليها السلام). قال: فضجّ المجلس بالبكاء من الرافضة الحاضرين.

المصادر:

لسان الميزان: ج 5 ص 218 ح 758.

41

المتن:

قال ابن حجر الهيتمي:

زعموا (الشيعة) أنه (أبا بكر) ظالم لفاطمة (عليها السلام) بمنعه إياها مخلف أبيها، و أنه لا دليل له في الخبر الذي رواه: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد، مع معارضته لآية المواريث و فيه ما هو المشهور عند الأصوليين.

و زعموا أيضا أن فاطمة (عليها السلام) معصومة بنصّ: «إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت»، و خبر: «فاطمة بضعة مني» و هو (صلّى اللّه عليه و آله) معصوم فتكون معصومة، و حينئذ فيلزم صدق دعواها الإرث.

و جواب ابن حجر عنها ....

المصادر:

الصواعق المحرقة: ص 37.

42

المتن:

كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد دفن الزهراء (عليها السلام) متوجّها إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

السلام عليك يا رسول اللّه مني، و السلام عليك من ابنتك و حبيبتك ...، و ستنبّئك‏

53

ابنتك بتضافر أمتك عليّ و على هضمها حقها .... فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا و تهتضم حقها قهرا و تمنع إرثها جهرا ....

المصادر:

1. الأمالي للمفيد: ص 281 ح 7 المجلس الثالث و الثلاثون.

2. الكافي: ج 1 ص 458 ح 3.

3. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1 ص 25 ح 200 شطرا منه.

الأسانيد:

في الأمالي للمفيد قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن عبد الجبار، عن القاسم بن محمد الرازي، عن علي بن محمد الهرمزاني، عن علي بن الحسين بن علي (عليه السلام)، عن أبيه الحسين (عليه السلام)، قال.

43

المتن:

في حديث طويل عن المفضل، قال:

يا مولاي ثم ما ذا؟ قال الصادق (عليه السلام): تقوم فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فتقول: اللهم انجز وعدك و موعدك لي فيمن ظلمني و غصبني و ضربني و جزعني بكل أولادي ....

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 53 ص 23، عن الهداية الكبرى.

2. الهداية الكبرى: ص 392.

الأسانيد:

في الهداية: عن الحسين بن حمدان، عن محمد بن إسماعيل و علي بن عبد اللّه الحسني، عن أبي شعيب محمد بن نصير، عن عمر بن الفرات، عن محمد بن المفضل، عن المفضل بن عمر، قال.

54

44

المتن:

في الصوارم:

لما أوقف علي (عليه السلام) تكلّم فقال: أيتها الغدرة الفجرة .... فاستعدّوا للمسألة جوابا و لظلمكم لنا أهل البيت احتسابا. أو تضرب الزهراء (عليها السلام) نهرا و يؤخذ منا حقنا قهرا و جبرا؟! فلا نصير و لا مجير و لا مسعد و لا منجد! ....

المصادر:

1. نوائب الدهور: ج 3 ص 157، عن الصوارم.

2. الصوارم الحاسمة، على ما في النوائب.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 575 ح 26، عن النوائب.

4. جزاء أعداء الصديقة الشهيدة الزهراء (عليها السلام): ص 72 ح 241.

45

المتن:

قال السيد ابن طاوس في باب زيارتها (عليها السلام):

و لقد انقطعت إعذار المتعذرين و حيلة المحتالين بدفنها ليلا و دعواهم أن أهل بيت النبي- صلوات اللّه عليه و آله و عترته الطاهرين- كانوا موافقين لمن تقدّم عليهم من المتقدمين.

و ذكر زيارتها (عليها السلام) و فيها: ... السلام عليك أيتها المعصومة المظلومة، السلام عليك أيتها الطاهرة المطهّرة، السلام عليك أيتها المضطهدة المغصوبة .... اللهم صلّ على محمد و أهل بيته، و صلّ على البتول الطاهرة الصديقة المعصومة التقية النقية الزكية الرشيدة المظلومة المقهورة المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسورة ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها ....

55

المصادر:

إقبال الأعمال: ص 625.

46

المتن:

عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام):

أن أبا بكر منع فاطمة (عليها السلام) و بني هاشم سهم ذوي القربى و جعله في سبيل اللّه في السلاح و الكراع.

المصادر:

1. السقيفة و فدك: ص 115.

2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 231.

47

المتن:

قال السيد محمد حسن القزويني في بحث إنكار أبي بكر و عمر سهم ذوي القربى المنصوص عليه في القرآن:

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح: إنه قال أبو بكر الجوهري: أخبرني زيد أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثني هارون بن عمير، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، قال:

حدثني صدقة أبو معاوية، عن محمد بن عبد اللّه، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك: أن فاطمة (عليها السلام) أتت أبا بكر فقالت:

لقد علمت الذي ظلفتنا (1) عنه أهل البيت من الصدقات و ما أفاء اللّه علينا من الغنائم في‏

____________

(1). الظلف: المنع.

56

القرآن من سهم ذوي القربى. ثم قرأت عليه قوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏». (1)

فقال أبو بكر: بأبي أنت و أمي و والد ولّدك، السمع و الطاعة لكتاب اللّه و لحق رسول اللّه و حق قرابته، و أنا أقرأ من كتاب اللّه الذي تقرئين منه، و لم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملا. قالت: أ فلك هو و لأقربائك؟ قال: لا، بل أنفق عليكم منه و أصرف الباقي في مصالح المسلمين.

قالت: ليس هذا حكم اللّه تعالى. قال: هذا حكم اللّه، فإن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عهد إليك في هذا عهدا أو أوجبه لكم حقا صدّقتك و سلّمته كله إليك و إلى أهلك. قالت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يعهد إليّ في ذلك بشي‏ء، إلا أني سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية:

أبشروا آل محمد، فقد جاءكم الغنى. قال أبو بكر: لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلّم إليكم هذا السهم كله كاملا، و لكن لكم الغنى الذي يغنيكم و يفضل عنكم، و هذا عمر بن الخطاب و أبو عبيدة بن الجرّاح، فاسأليهم عن ذلك و انظري هل يوافقك على ما طلبت أحد منهم.

فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر، فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر.

فعجبت فاطمة (عليها السلام) من ذلك و ظنّت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه.

قلت: هذا الحديث فيه شواهد على مطالب:

أولها: إن أبا بكر إنما منع فاطمة (عليها السلام) سهمها و سائر بني هاشم سهامهم لا لعهد إليه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنما عمل بذلك لرأي رآه، و ذلك لقوله: و لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلّم إليكم هذا السهم كله كاملا. فكان قد زعم أن الآية لا دلالة فيها على إعطاء ذي القربى سهامهم، و هذا خطأ منه في الرأي لدلالة الآية على كون سهم ذي القربى ملكا لهم لا فيئا للمسلمين، كما أن آية الصدقات- أعني قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ‏

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 41.

57

لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ» (1)- دالة على أن الزكاة ملك للمذكورين في الآية، و قد أجمعت علماء المذاهب على فساد الاجتهاد في قبال النص، و لذا ردّت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر قائلة له:

ليس هذا حكم اللّه و إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أبشروا آل محمد (عليهم السلام) فقد جاءكم الغنى، بل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لما علم بأن المال لذوي قرابته بشّرهم بالغنى، فلا يحتاجون إلى ما في أيدي الناس و أوساخهم.

ثانيها: إن فاطمة (عليها السلام) ظنّت أنهما كانا قد تذاكرا ذلك و اجتمعا عليه يدلّ على أن أبا بكر و عمر كانا متهمين عند فاطمة (عليها السلام) و أنهما اجتمعا على منعها و منع قرابتها سهامهم من الفي‏ء.

و يشهد على ذلك قول عمر في رواية مالك بن أوس المروية في الصواعق: ص 23 و غيرها، حين التفت إلى علي (عليه السلام) و العباس قائلا: و أنتما تزعمان أن أبا بكر فيها ظالم فاجر، ثم قال في حق نفسه: و أنتما تزعمان إني فيها ظالم فاجر. و في رواية البخاري و مسلم و جامع الأصول أنه قال عمر لعلي (عليه السلام) و العباس حين قال: قال أبو بكر: قال رسول اللّه: لا نورّث، ما تركناه صدقة؛ فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر فقلت: أنا وليّ رسول اللّه و وليّ أبي بكر؛ فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أني لصادق بارّ تابع للحق. فولّيتها ....

و روى أن ابن أبي الحديد، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مثل ذلك بأسانيده.

قلت: و هذا اليقين من علي (عليه السلام) و العباس في حق الشيخين و من فاطمة (عليها السلام) قبلهما لما غضبت على الشيخين و هجرتهما، إنما هو لمكان القرآن و نصوصه و دلالتها على صحة دعوى الجميع، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن تاركا لشي‏ء من أحكام القرآن، فكيف ينسب إليه خلافه و أنه قال: لا نورّث و لم يظهره لوراثه و أهل قرابته؟

ثالثهما: أن أبا بكر و عمر أسقطا سهم ذي القربى، و الحال أن اللّه تعالى أثبته في القرآن بقوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏

____________

(1). سورة التوبة: الآية 6.

58

وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى‏ عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ». (1)

قال الفخر الرازي في التفسير: يعني إن كنتم آمنتم باللّه فاحكموا بهذه القسمة، و يدلّ على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة لم يحصل الإيمان باللّه تعالى ....

قلت: العجب من أبي بكر و عمر أنهما مع صراحة الآية في حجية قول فاطمة (عليها السلام) و ادّعائها سهم ذي القربى على أبي بكر، كيف يسألانها إقامة الحجة على دعواها؟ و أيّ حجة و عهد أقوى و أتمّ من القرآن الذي هو الناطق بالصواب؟ و أيّ ذنب أعظم من ترك الحكم بما أنزل اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟

ثم أقول: الآية صريحة في أن لذي القربى حقا في الخمس و أن أول من أنكره أبو بكر، ثم من بعده عمر؛ فالمرويّ في جامع الأصول من سنن أبي داود: ج 3 ص 146 و النسائي، عن يزيد بن هرمز، قال: إن نجدة الحروري حين حجّ في فتنة ابن الزبير، أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن يراه. فقال له: لقربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ قسّمه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و قد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا، فرددناه عليه و أبينا أن نقبله. روى الحديث أحمد بن حنبل في مسنده: ج 1 ص 320 و مسلم في صحيحه: ج 5 ص 197 و السيوطي في الدر المنثور: ج 3 ص 186.

فالرواية مع أنها صحيحة عندهم، صريحة في أن عمر منع عن ذي القربى حقهم الذي أعطاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر من اللّه تعالى. و لكن في صحيح النسائي في أوائل كتاب قسم الفي‏ء: أن عمر بن عبد العزيز بعث بسهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سهم ذي القربى إلى بني هاشم .... و هذا صريح في أن ابن عبد العزيز لم يرض بحكم أبي بكر و عمر.

و في الصحيح المزبور أنه كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد: و قسّم أبوك لك الخمس كله، و إنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين و فيه حق اللّه و حق رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و حق ذي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل.

____________

(1). سورة الانفال: الآية 41.

59

المصادر:

1. هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 121.

2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 230، شطرا منه.

3. السقيفة و فدك: ص 114، شطرا منه.

الأسانيد:

في السقيفة و فدك: أخبرني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثني هارون بن عمير، قال:

حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صدقة أبو معاويه، عن محمد بن عبد اللّه، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك.

48

المتن:

ذكر السيد ابن طاوس بعد دعاء يوم عرفة:

... السلام عليك يا فاطمة البتول، السلام عليك يا زين نساء العالمين، السلام عليك يا بنت رسول اللّه رب العالمين صلّى اللّه عليك و عليه، السلام عليك يا أم الحسن و الحسين. لعن اللّه أمة غصبتك حقك و منعتك ما جعله اللّه لك حلالا؛ أنا بري‏ء إليك منهم و من شيعتهم ...

المصادر:

1. إقبال الأعمال: ص 382.

2. مستدرك الوسائل: ج 10 ص 370.

49

المتن:

قال عبد الزهراء عثمان محمد في ممتلكات فاطمة (عليها السلام) و ثروتها نقلا عن الماوردي:

تحدّثت الكثير من مصادر التاريخ الإسلامي و السنن عن ثروة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ممتلكاته‏

61

4. ممتلكاته من خيبر؛ و خيبر من قرى اليهود الكبيرة الغنية جدا، و تقع خارج المدينة لمن يقصد الشام، و كان يقطنها يهود متشدّدون، و تشتمل على سبعة حصون أو ثمانية، و كانت ذات مزارع و نخل كثير؛ و قد تحالف يهود خيبر مع المشركين من العرب في الجزيرة و جاهروا بالعدوان على الإسلام. فلما عاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الحديبية، غزاهم بين نهاية صفر و أوائل ربيع الأول من السنة السابعة من الهجرة بمن شهد معه إحداث الحديبية دون غيرهم.

و بعد حصار دام شهرا واحدا و بدءوا بالانهيار و الاستسلام و مما سقط من حصونهم بالقوة، قسّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين المسلمين و أخذ خمسه، و ما سقط من أرض يهود خيبر دون قتال، كان مما أفاء اللّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) دون المسلمين.

و هكذا صار نصف خيبر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ...، و هذه الأرض أقطع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قسما منها لأزواجه، كما كان يقسّم غلات الأرض التي امتلكها من الخمس على أصحابها من المساكين و ذوي القربى و أمثالهم، و ما عدا ما وهب كان ملكا خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ينفق منه كيف شاء.

هذا، و تشير بعض المصادر التاريخية: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان ما امتلكه ثلاثة حصون، هي الكتيبة و الوطيح و السلالم، و الأخيران صارا له ملكا مما أفاء اللّه عليه. أما حصن الكتيبة فقد أخذه بالخمس.

5. قرية فدك؛ تقع فدك خارج المدينة، بينها و بين المدينة يومان، و فيها نخل كثير و عين ماء فوّارة.

و بعد انصراف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر، دعا أهل فدك إلى الإسلام و كانوا على اليهودية. فامتلئوا رعبا، فأرسلوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن لهم رقابهم و نصف أرضهم و نخلهم و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النصف الآخر من الأرض بنخيلها.

فكان نصف فدك خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، و هذا مما اجمعت عليه الأمة. فأصبحت بذلك تحت تصرّف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،

60

الخاصة و قد عبّر عنها البعض من المؤرخين و الرواة بمصطلح «صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و آله)»، انسجاما مع حديث للصحابي أبي بكر انفرد بروايته: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و تبريرا من رواة البلاط لعملية مصادرة ممتلكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ثروته، و حرمان أهله منها بعد وفاته؛ و هذه الممتلكات هي:

1. الحوائط السبعة في المدينة المنوّرة، و الحائط في المصطلح القديم: البستان المسيّج، و قد أهداها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحد علماء اليهود بعد إسلامه، و يدعى مخيريق.

و قد أسلم مخيريق عند وصول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى قبا في بداية بلوغه يثرب مهاجرا، و استمرّ على إسلامه حتى قتل في معركة أحد، و كان من وصيته قبل موته: إذا أصيب في الحرب فأمواله لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و كانت بساتينه السبعة هي: الأعواف، الصافية، الدلال، الميثب، برقة، حسنى، و مشربة أم إبراهيم التي كانت تسكنها مارية القبطية جارية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد أوقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هذه الممتلكات دون الصافية، و جعلها صدقات؛ تصرّف مواردها في سبيل اللّه، و في مصالح المسلمين اعتبارا من السنة السابعة للهجرة.

2. ما وهبه الأنصار للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من أراضيهم، و هي كل أرض لا يبلغها الماء، يفعل بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما يشاء.

3. أرضه من أموال يهود بني النضير، و هذه الأرض مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة، حيث لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

فقد اختصّ اللّه تعالى بها رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) دون المسلمين لسقوطها دون قتال، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتصرّف بها تصرّف الملاك في أملاكهم؛ ينفق منها على أهله و يهب منها ما يشاء لمن يشاء.

و قد وهب منها شيئا للصحابي أبي بكر و للصحابي عبد الرحمن بن عوف و الصحابي أبي دجانة سمّاك بن خرشة الساعدي و آخرين، و كان ذلك عام 4 ه

62

ينفق ما يأتيه منها. فلما أنزل اللّه تعالى قوله: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، وهب حقه من فدك لابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ فقد حدّث الحسكاني في شواهد التنزيل و السيوطي في الدر المنثور و الذهبي في ميزان الاعتدال و الهيثمي في مجمع الزوائد و المتقي في كنز العمال و الطبرسي في مجمع البيان، رووا جميعا عن أبي سعيد الخدري: لما نزلت:

«وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (2)، و دعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) و أعطاها فدك.

و روى الحسكاني ذلك عن ابن عباس عند نزول الآية من سورة الروم، و هي الآية الثامنة و الثلاثين ....

و هكذا تحوّلت ملكية فدك بأمر اللّه عز و جل من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى يد ابنته الصديقة فاطمة (عليها السلام)، و منذ ذلك التاريخ عيّنت الزهراء (عليها السلام) وكيلا عنها و عمّالا لإدارة شئون ملكيتها تلك، و كانت تنفق غلّتها على شئونها، و ما يلمّ بها من أمور منذ ربيع الثاني من عام 7 ه حتى الأسبوع الأول من وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عام 11 ه، حيث صودرت من قبل حكومة الخلافة و تمّ تأميمها جهارا ضمن عملية التأميم الجائر لجميع ممتلكات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

6. وادي القرى؛ يقع بين المدينة و بلاد الشام بل بين تيماء و خيبر، و تيماء بأطراف الشام، و سمّي بوادي القرى لكثرة ما فيه من القرى التي تنتظم خلاله، و تسكنها قبائل يهودية.

و يذكر المؤرخون و أهل السير أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أتى وادي القرى في جمادي الآخرة سنة سبع من الهجرة، بعد فتحه لخيبر كما هو معلوم، و دعا اليهود إلى الدين الحق، فامتنعوا امتناعا شديدا، و قاتلوا جيش المسلمين فوقعت الحرب بين الجبهتين. فنصر اللّه عز و جل فيها نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) و فتحت تلك القرى عنوة من قبل جيش المسلمين المظفر.

و حسب مقرّرات أحكام اللّه تعالى في هذه الحالات، فقد أصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خمس هذا الوادي و قد أقطع منه الصحابي حمزة بن النعمان العذري رمية سوط من وادي القرى.

____________

(1). سورة الإسراء: الآية 26.

(2). سورة الإسراء: الآية 26.

63

و في تفصيل للماوردي و أبي يعلي: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان له الثلث من وادي القرى، لأن ثلث الوادي كان لبني عذرة و الثلثين الآخرين لليهود، فصالحهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نصفهما فصارت أثلاثا؛ منها ثلث لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ....

هذا، و يلاحظ أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد أبقى اليهود، يعملون في تلك الأراضي و النخل ضمن اتفاق له معهم.

7. سوق مهزوز؛ كان واديا في العالية من المدينة المنورة، و كان يسكنه يهود بني قريضة و يبدو أنه صار سوقا بعد ذلك، و قد تحوّلت هذه الأرض إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد نقض هؤلاء اليهود لميثاقهم مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذي أبرمه معهم بعد هجرته للمدينة المنورة. فنقضوه أيام معركة الأحزاب، فحاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فصالحوه على مغادرة أرضهم و أموالهم.

هذه، و من ممتلكات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أمه آمنة بنت وهب و كانت في شعب أبي طالب في مكة المكرمة، و دار زوجته الطاهرة خديجه بنت خويلد، ورثها بعد وفاتها، و كانت تلك الدار بين الصفا و المروة في مكة المكرمة أيضا.

هذه مفردات ثروة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي كان ينفق منها على شئونه و ما يهمه من أمور الحياة.

و قد أشرنا إلى ما وهبه إلى بعض أصحابه و نسائه و ابنته، فضلا عما تصدّق به و أوقفه، أما سوى ذلك فهو ملك خاص لنبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

المصادر:

1. الصديقة الزهراء (عليها السلام) بين المحنة و المقاومة: ص 57.

2. الأحكام السلطانية: ص 168، على ما في الصديقة الزهراء (عليها السلام).

3. المغازي للواقدي: ج 1 ص 263، شطرا منه.

4. فتوح البلدان: ج 18 ص 22، شطرا منه.

64

50

المتن:

قال السيد:

من تعظيم يوم العشرين من جمادي الآخرة زيارة سيدتنا (عليها السلام)، فيه تقول: السلام عليك يا بنت رسول اللّه ...، و صلّ على البتول الطاهرة الصديقة المعصومة التقية النقية الرضية المرضية الزكية الرشيدة المظلومة المقهورة المغصوبة حقها، الممنوعة إرثها، المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها ....

المصادر:

1. إقبال الأعمال: ص 100.

2. بحار الأنوار: ج 97 ص 200 ح 20، عن الإقبال.

51

المتن:

عن حنان بن سدير، قال:

سأل صدقة بن مسلم أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده فقال: من الشاهد على فاطمة (عليها السلام) بأنها لا ترث أباها؟ فقال: شهدت عليها عائشة و حفصة و رجل من العرب يقال له: أوس بن الحدثان من بني نصر، شهدوا عند أبي بكر بأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا أورّث، فمنعوا فاطمة (عليها السلام) ميراثها من أبيها.

المصادر:

1. قرب الأسناد: ص 47.

2. بحار الأنوار: ج 22 ص 101 ح 59، عن قرب الأسناد.

3. بحار الأنوار: ج 29 ص 156 ح 31، عن قرب الأسناد.

65

الأسانيد:

في قرب الأسناد: محمد بن عبد الحميد و عبد الصمد بن محمد جميعا، عن حنان بن سدير، قال: سأل صدقة بن مسلم أبا عبد اللّه (عليه السلام).

52

المتن:

أخرج أصحاب الصحيح و السنن و غيرهم عن عائشة:

أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه من المدينة و فدك و ما بقي من خمس خيبر. فقال لها أبو بكر: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة ....

و فكّرت فاطمة الزهراء (عليها السلام) فيما قاله أبو بكر، فهي لم تسمع ذلك من أبيها! و قد علمت أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر ليسالنه ميراثهن؛ فقالت عائشة: أ ليس قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقه .... و لما لم يعطها أبو بكر شيئا مما طلبت، قامت فاطمة الزهراء (عليها السلام) مغضبة و حلفت أن لا تكلّم أبا بكر أبدا، ثم هجرته.

المصادر:

نساء أهل البيت (عليهم السلام) في ضوء القرآن و الحديث: ص 595.

53

المتن:

قال الفيروزآبادي في ذكر تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد:

و احتجّ أبو بكر على فاطمة (عليها السلام) بقوله: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، و هذا تخصيص لعموم من القرآن بخبر الواحد ....

66

و بعد ذكر هذا الحديث أورد كلاما طويلا في أن عموم القرآن هل يخصّص بخبر واحد؟ و أورد حديث فاطمة بنت قيس المخالف للقرآن الذي ردّه عمر ...

المصادر:

التبصرة في أصول الفقه للفيروزآبادي: ص 133.

54

المتن:

روي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) زار فاطمة (عليها السلام) يوما، فصنعت له عصيدة من تمر فقدّمتها بين يديه، فأكل هو و علي و فاطمة و الحسنان (عليهم السلام). فلما فرغوا من الأكل، سجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأطال السجود، ثم بكى في سجوده، ثم ضحك ثم جلس. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)! لم سجدت و بكيت و ضحكت؟

فقال: لما رأيتكم مجتمعين سررت بذلك فسجدت للّه شكرا، فهبط جبرئيل و أنا ساجد فقال: إنك سررت باجتماع أهلك؟ فقلت: نعم. فقال: إني مخبرك بما يجري عليهم؛ إن فاطمة (عليها السلام) تغصب و تظلم حقها و هي أول من يلحق بك، و أمير المؤمنين (عليه السلام) يظلم حقه و يضطهد ....

المصادر:

غوالي اللآلي: ج 1 ص 199 ح 14.

55

المتن:

قال الحافظ البرسي في أسرار فاطمة الزهراء (عليها السلام):

... و من كراماتها على اللّه أنها لما منعت حقها أخذت بعضادة حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت:

ليست ناقة صالح عند اللّه بأعظم مني. ثم رفعت جنب قناعها إلى السماء و همّت أن تدعو،

67

فارتفعت جدران المسجد عن الأرض و تدلّ العذاب. فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فمسك يدها و قال: يا بقية النبوة و شمس الرسالة و معدن العصمة و الحكمة! إن أباك كان رحمة للعالمين، فلا تكوني عليهم نقمة؛ أقسم عليك بالرءوف الرحيم. فعادت إلى مصلاها.

المصادر:

مشارق أنوار اليقين: ص 86.

56

المتن:

قال أبو حنيفة القاضي النعمان المغربي في ذكر ميراث الأولاد:

قال اللّه عز و جل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏ ... فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ». (1)

روينا عن علي و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام) أنهم قالوا: على أصل قولهم إن الميت إذا مات و ترك أولادا ذكورا و إناثا لا وارث له غيرهم؛ فماله بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين.

فإن لم يترك غير ولد واحد ذكر فالميراث له كله، و إن ترك ابنة واحدة فللابنة النصف بالميراث المسمّى و يردّ عليها النصف الثاني بالرحم، إذا لم يكن للميت من هو أقرب إليه منها رحما، ليس كما يردّ من خالفنا ليبطل حق فاطمة (عليها السلام) من ميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على من هو في مثل حالها بدون سبب الرحم؛ فقد أبان اللّه عز و جل ردّ قولهم عليهم من قولهم لأنهم قالوا: ليس للبنت غير النصف المذكور لها في كتاب اللّه، و النصف الثاني للعصبة، و رفضوا قول اللّه: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ» (2)؛ دخل في ذلك العصبات و غيرهم، و هم يقولون: لو كان أبوها هذا مملوكا فاشترته فعتق لو رثت النصف بالميراث المسمّى لها، و النصف الثاني بالولاء لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «الولاء لمن أعتق». فورثوا بالولاء و تركوا الرحم الموجوب الذي هو أولى.

____________

(1). سورة النسا: الآية 11.

(2). سورة الأنفال: الآية 75.

68

روينا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، أنهم قالوا: أحرزت فاطمة (عليها السلام) ميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إن دفعها عنه من دفعها.

و عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال في رجل هلك و ترك ابنته و ابنة ابنه أو أخته، قال:

المال كله لابنته، و كذلك لو ترك معها ابن ابنه أو أخته. فالمال كله للبنت؛ النصف بالميراث و النصف بالرحم.

و كذلك قال علي و أبو جعفر و أبو عبد اللّه (عليهم السلام): إن ترك ابنتين فلكل واحدة منهما الثلث بالميراث كما قال اللّه، و يردّ عليهما الثلث الباقي بالرحم كما ذكرنا؛ يصير المال بينهما نصفين. فإن كان مع الولد من له فريضة مسمّاة، بدئ بفريضة فأعطيه و يجعل الفاضل للولد على ما ذكرناه. و ولد الولد، يقومون مقام الولد إذا لم يكن ولد؛ ذكورهم كذكورهم و إناثهم كإناثهم؛ يقوم ولد الابن في ذلك مقام الابن و ولد البنت مقام البنت.

و نفى من خالفنا أن يكون ولد البنت ولدا و قالوا: هو من ذرية قوم آخرين، يعنون آباءهم، و قد أكذبهم اللّه في كتابه و على لسان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و على ألسنتهم بأنفسهم، تأكيدا للحجة عليهم و إظهارا لقبيح انتحالهم و إبانة لما أضمروه و قصدوا إليه من إبطال توريث فاطمة (عليها السلام)، عداوة منهم لمن أوجب اللّه مودته عليهم في كتابه بقوله جلّ ذكره لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله): «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏». (1)

و قد رووا عن ابن عباس الذي ينتحلون اليوم إمامة ذريته، الغاصبين تراث الأئمة الراشدين (عليهم السلام)، المدّعين ما لم يدّعه أسلافهم الذين توسّلوا بأبوّتهم إلى ما ادّعوه بزعمهم. فقيل لعبد اللّه بن عباس: من قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، هؤلاء الذين عنى اللّه عز و جل بقوله: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏»؟ (2) فقال: علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و ذريتهم. فما ادعى شيئا من ذاك لنفسه و لا لأبيه من قبله و لا لأحد من ولده.

فهم يروون هذا عنه يثبتونه.

____________

(1). سورة الشورى: الآية 23.

(2). سورة الشورى: الآية 23.

69

فأما القرآن فقول اللّه: «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...». (1) فأيّهما عنى اللّه من نوح و إبراهيم فعيسى من ذريته من ابنته مريم لا من أحد من ذكور ولده.

و أما ما خالفوا من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيما رووا عنه و ثبت عندهم من طرق يكثر ذكرها و أخبار يطول وصفها، فإنه كان يدعوا الحسن و الحسين (عليهما السلام) بابنيه و ولديه، و أنه أول يوم رأى كل واحد منهما قال: أروني ابني، و لم يزل يدعوهما بذلك إلى أن قبضه اللّه إليه.

و لم يكن يقول ما يقول (صلّى اللّه عليه و آله) عبثا و لا تكلّفا، و لم يكن كما قال اللّه جلّ ذكره: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏». (2)

و إنما أخذ من خالفنا عنه ما أخذ من السنن بمثل هذا اللفظ و على هذا المعنى و بمثل هذا النقل، فنبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم و خالفوا سنة نبيهم، عداوة لمن افترض اللّه عليهم مودته و خلافا لمن أوجب اللّه عليهم طاعته. نعوذ باللّه من الضلال و الاقتداء في الدين بالجهّال.

المصادر:

دعائم الإسلام: لأبي حنيفة المغربي (مخطوط): ج 2 ص 365 ح 1329.

57

المتن:

قال ابن شهرآشوب في قوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» (3):

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 84.

(2). سورة النجم: الآية 3.

(3). سورة الفتح: الآية 29.

73

59

المتن:

قال المفيد في المسائل الصاغانية في جواب الشيخ الناصب:

... إنك أيها الشيخ قد خصّصت- و أئمتك من قبلك- عموم هذه الآية، بل رفعتم حكمها في أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حرّمتموهن من استحقاق بركات ميراثه جملة، و حرّمتموهن شيئا منها بخبر واحد ينقضه القرآن، و هو ما رواه صاحبكم عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. فردّ على اللّه قوله: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قوله: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2)، و خصّص عموم قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (3)، و قوله تعالى:

«وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ». (4)

و قصد بذلك منع سيدة نساء العالمين (عليها السلام) ميراثها من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله)، مع ما بيّنا من من إيجاب عموم القرآن ذلك و ظاهر قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (5)، و جعل هذه الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في معنى القاتلة الممنوعة من ميراث والدها لجرمها، و الذمية الممنوعة من الميراث لكفرها، و المملوكة المسترقة الممنوعة من الميراث لرقّها؛ فأعظم الفرية على اللّه عز و جل، و ردّ كتابه و لم تقشعرّ لذلك جلودكم و لا أبته نفوسكم! ....

المصادر:

المسائل الصاغانية: ص 99 ح 7.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 5.

(3). سورة النساء: الآية 7.

(4). سورة النساء: الآية 12.

(5). سورة النساء: الآية 11.

72

بيّن قوله و لا تعجّب منه، و إنما يكون ترك النكير على من لا رغبة و لا رهبة عنده دليلا على صدق قوله و صواب عمله.

فأما ترك النكير على من يملك الضعة و الرفعة و الأمر و النهي و القتل و الاستحياء و الحبس و الإطلاق، فليس بحجة تشفي و لا دلالة تضي‏ء. انتهت كلمة الجاحظ.

قال العلامة الأميني:

لا يسعنا أن نفوّه في الدفاع عن الخليفة بما قال ابن كثير في تاريخه: ج 5 ص 249 من أن فاطمة (عليها السلام) حصل لها- و هي امرأة من البشر ليست براجية العصمة- عتب و تغضّب، و لم تكلّم الصديق حتى ماتت.

و قال في ص 289: و هي امرأة من بنات آدم، تأسف كما يأسفون، و ليست بواجبة العصمة مع وجود نصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مخالفة أبي بكر الصديق.

أنّى لنا السّرف و المجازفة في القول بمثل هذا تجاه آية التطهير في كتاب اللّه العزيز، النازلة فيها و في أبيها و بعلها و بنيها.

أنّى لنا بذلك و بين يدينا هتاف النبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله): «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني فمن أغضبها أغضبني».

و في لفظة: «فاطمة (عليها السلام) بضعة مني، يؤذيني ما آذاها و يغضبني ما أغضبها».

المصادر:

1. الغدير: ج 7 ص 229، عن رسائل الجاحظ.

2. رسائل الجاحظ: ص 300.

3. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) و أسبابها: ص 347، عن رسائل الجاحظ.

4. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 293.

5. هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 110.

70

... و لا نسلّم أن من كان بهذه الصفة فهو مزكّى و مستحق لجميع صفات الآية. ثم إن في آخر الآية: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ»، يعني الجهاد و بذلك النفس، و هذا من صفات أمير المؤمنين (عليه السلام). و قال: «رحماء بينهم»، و الأول قد ظهرت منه الغلظة على فاطمة (عليها السلام) في كبس بيتها و منع حقها حتى خرجت من الدنيا و هي غضبى عليه.

المصادر:

متشابه القرآن و مختلفه لابن شهرآشوب: ص 67.

58

المتن:

قال الجاحظ في ذكر خبر منع أبي بكر ميراث فاطمة (عليها السلام):

... و قد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما- يعني أبا بكر و عمر- في منع الميراث و براءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النكير عليهما .... قد يقال لهم:

لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، إن ترك المتظلّمين و المحتجّين عليهما و المطالبين لهما دليل على صدق دعواهم أو استحسان مقالتهم، و لا سيما و قد طالت المناجاة و كثرت المراجعة و الملاحات و ظهرت الشكيّة و اشتدّت الموجدة، و قد بلغ ذلك من فاطمة (عليها السلام) أنها أوصت أن لا يصلّي عليها أبو بكر.

و لقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقها و محتجّة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال: أهلي و ولدي. قال: فما بالنا لا نرث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فلما منعها ميراثها و بخسها حقها و اعتلّ عليها و جلح أمرها و عاينت التهضّم و أيست في التورّع و وجدت نشوة الضعف و قلة الناصر، قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك. قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك. قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا أهجرك أبدا.

71

فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة (عليها السلام) دليلا على صواب طلبها، و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت و تذكيرها ما نسيت و صرفها عن الخطأ و رفع قدرها عن البذاء، و أن تقول هجرا و تجوّر عادلا أو تقطع واصلا. فإذا نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور و استوت الأسباب، و الرجوع إلى أصل حكم اللّه في المواريث أولى بنا و بكم و أوجب علينا و عليكم.

فإن قالوا: كيف تظنّ به ظلمها و التعدّي عليها، و كلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا و رقّة، حيث تقول له: و اللّه لا أكلّمك أبدا، فيقول: و اللّه لا أهجرك أبدا. ثم تقول: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك، فيقول: و اللّه لأدعونّ اللّه لك. ثم يتحمّل منها هذا الكلام الغليظ و القول الشديد في دار الخلافة و بحضرة قريش و الصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء و التنزيه و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة، ثم لم يمنعه ذلك عن أن قال معتذرا متقرّبا كلام المعظّم لحقها، المكبّر لمقامها، الصائن لوجهها، المتحنّن عليها: ما أحد أعزّ عليّ منك فقرا و لا أحبّ إليّ منك غنى، و لكن سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه فهو صدقة.

قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم و السلامة من الجور، و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر إذا كان أريبا و للخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم و ذلة المنتصف و حدب الوامق و مقت المحقّ، و كيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة و دلالة واضحة؟ و قد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، متعة النساء و متعة الحج، أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما. فما وجدتم أحدا أنكر قوله و لا استشنع مخرج نهيه و لا خطّأه في معناه و لا تعجّب منه و لا استفهمه!

و كيف تقضون بترك النكير؟ و قد شهد عمر يوم السقيفة و بعد ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«الأئمة من قريش»، ثم قال في شكايته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشك، حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى، و سالم عبد لامرأة من الأنصار و هي أعتقته و حازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، و لا قابل إنسان‏

74

60

المتن:

قال ابن قتيبة في كيفية بيعة علي (عليه السلام):

و إن أبا بكر تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند علي (عليه السلام)، ... إلى قول أبي بكر لفاطمة (عليها السلام):

يا حبيبة رسول اللّه، و اللّه إن قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي و إنك أحبّ إليّ من عائشة ابنتي، و لوددت يوم مات أبوك أني متّ و لا أبقى بعده. أ فتراني أعرفك و أعرف فضلك و شرفك و أمنعك حقك و ميراثك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ إلا أني سمعت أباك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة.

فقالت: أ رأيتكما إن حدّثتكما حديثا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تعرفانه و تفعلان به؟ قالا:

نعم. فقالت: نشدتكما اللّه أ لم تسمعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني»؟ قالا: نعم سمعناه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

قالت: فإني أشهد اللّه و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني، و لئن لقيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأشكونّكما إليه.

المصادر:

1. الإمامة و السياسة: ج 1 ص 19.

2. من حياة الخليفة عمر بن الخطاب: ص 86، عن الإمامة و السياسة.

3. إمام المتقين: ج 1 ص 70، على ما في حياة الخليفة.

61

المتن:

قال العلامة المجلسي في باب الزيارات الجامعة: الزيارة السابعة

قال السيد: هي مروية عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، إلى قوله:

75

اللهم و صلّ على الطاهرة البتول الزهراء، ابنة الرسول، أم الأئمة الهادين، سيدة نساء العالمين، وارثة خير الأنبياء و قرينة خير الأوصياء، القادمة عليك متألّمة من مصابها بأبيها، متظلّمة مما حلّ بها من غاصبيها، ساخطة على أمة لم ترع حقك في نصرتها بدليل دفنها ليلا في حفرتها، المغتصبة حقها و المغصّصة بريقها، صلاة لا غاية لأمدها و لا نهاية لمددها و لا انقضاء لعددها ....

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 99 ص 180، عن مصباح الزائر.

2. مصباح الزائر: ص 246.

62

المتن:

روى أحمد بن حنبل في مسنده و الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب من عدة طرق:

أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «يا أيها الناس! من آذى عليا (عليه السلام) فقد آذاني». قال: و زاد فيه ابن المغازلي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «يا أيها الناس! من آذى عليا (عليه السلام) بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا».

قال بعض العلماء: نزاعهم في الخلافة عند موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و جبره على البيعة و منع فاطمة (عليها السلام) ميراثها و منعها من فدك و إيذاؤهم عليا (عليه السلام) بالقول و الفعل لا يخفى على من نظر الأخبار و الآثار، و قد ورد في القرآن تهديد: «الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ...». (1)

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 332 ح 43.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

76

63

المتن:

قال الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي:

و من مطاعن عمر: أنه كان يعطي عائشة و حفصة كل سنة من بيت المال عشرة آلاف درهم و منع أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم و منع فاطمة (عليها السلام) إرثها و نحلتها.

و منها: أنه خرق كتاب فاطمة (عليها السلام)- الذي أعطاها أبو بكر- و قال: لا تعطها بغير بينة، و روي من طرق مختلفة.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 371 ح 230، 231.

64

المتن:

قال ابن حجر الهيتمي في منع أبي بكر حق فاطمة (عليها السلام) عن ميراثها:

... و تأمّل أن أبا بكر منع أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من ثمنهن أيضا، فلم يخص المنع بفاطمة (عليها السلام) و العباس، و لو كان مداره على محاباة لكان أولى محاباة ولده، فلما لم يحاب عائشة و لم يعطها شيئا علمنا أنه على الحق المرّ الذي لا يخشى فيه لومة لائم.

و تأمّل أيضا تقرير عمر للحاضرين و لعلي (عليه السلام) و العباس بحديث لا نورّث، و تقرير عائشة لأمهات المؤمنين به أيضا و قول كل منهما: أ لم تعلموا. يظهر لك من ذلك أن أبا بكر لم ينفرد برواية هذا الحديث، و أن أمهات المؤمنين و عليا (عليه السلام) و العباس و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد، كلهم كانوا يعلمون أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك ....

أقول: سبحان من لم ينزل البلاء و النقمة لهذه الأكاذيب و الإفترءات! فإن أبا بكر أولا لم يمنع حقا عن عائشة و حفصة كما منع حق فاطمة (عليها السلام) و نحلتها بل كان أبو بكر يقسم نحو

77

قسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، غير أنه لا يعطي قرابة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم، و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده كما في الجمع بين الصحيحين.

و أكذب من هذا قوله: أن أبا بكر لم ينفرد برواية حديث لا نورّث، فإن علماء العامة و الخاصة متّفقون بأن أبا بكر ينفرد في نقله و الشاهد بنقله ذنباه عائشة و حفصة و أعرابي يبول على عقبيه.

و أما أكذب الأكاذيب هو قوله أن أمهات المؤمنين و عليا (عليه السلام) و العباس و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد كلهم كانوا يعلمون أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك فإن هؤلاء المذكورين لم يعلموا أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك، لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقل ذلك أصلا حتى يعلمون.

و إذا نقل أبو بكر هذه الأكذوبة في المسجد و افترى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يوجد أحد يقول: و أنا سمعته عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و حتى لم يوجد أحد يشهد على هذا إلا هذا الأعرابي الذي، لم يعلم ما معنى الشهادة و لم يفهم ما يقول و ما يفعل و هو الذي يبول على عقبيه، و ابنته عائشة و ابنة عمر حفصة و هما مردودان في مبناهما على ما قالا في شهادة علي و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

المصادر:

الصواعق المحرقة: ص 39.

65

المتن:

ذكر القاضي النعمان عن سفيان بأسناده:

أن عليا (عليه السلام) ذكرت له بنت أبي جهل .... فماتت (عليها السلام) و هي غضبى على جميعهم لما منعوها و أخذوا من حقها، و استنصرت بهم فلم تجد أحدا ينصرها، و من أجل ذلك منعتهم‏

78

الصلاة عليها و أوصت أن تدفن ليلا- كما جاء ذلك- و لم يشهدها غير علي (عليه السلام) و خاصّته، و ذلك لما كان من أمرها.

المصادر:

شرح الأخبار: ج 3 ص 31 ح 972.

66

المتن:

روى شريك بن عبد اللّه في حديث رفعه:

أن عائشة و حفصة أتتا عثمان حين نقص أمهات المؤمنين ما كان يعطيهن عمر فسألتاه أن يعطيهما ما فرض لهما عمر، فقال: و اللّه ما ذاك لكما عندي. فقالتا له: فأتنا ميراثنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حيطانه. و كان عثمان متكئا، فجلس و كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) جالسا عنده، فقال: ستعلم فاطمة (عليها السلام) أني ابن عم لها اليوم، ثم قال: أ لستما اللتين شهدتما عند أبي بكر و لفقتما معكما أعرابيا يتطهّر ببوله، مالك بن الحويرث بن الحدثان، فشهدتم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة؟

فإن كنتما شهدتما بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما، و إن كنتما شهدتما بباطل فعلى من شهد بالباطل لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين. فقالتا له: يا نعثل، و اللّه لقد شبّهك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنعثل اليهودي. فقال لهما: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ» (1)، فخرجتا من عنده.

و روى أن الناس لما نقموا على عثمان ما نقموا، كان ذات يوم يخطب الناس على منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ رفعت عائشة قميصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على قصبة أو جريدة من جرائد النخل فقالت: يا عثمان! قميص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يبل و قد غيّرت سنته؟!

____________

(1). سورة التحريم: الآية 10.

79

و رويتم أن عثمان لما حصر و قد تهيّأت تريد الحج، فأتاها مروان بن الحكم فقال: يا أم المؤمنين! لو أقمت فلم تحجّي و دفعت عن هذا الرجل. فقالت: يا مروان، لعلك ترى أني في شكّ من صاحبك؟ و اللّه لوددت أنه في بعض غرائري فقذفته في البحر، ثم خرجت إلى مكة. فلما قتل عثمان و بايع الناس علي بن أبي طالب (عليه السلام) قالت: قتل عثمان مظلوما، ثم خرجت تطلب دمه.

المصادر:

1. الإيضاح لفضل بن شاذان: ص 256.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 769 ح 3، عن الإيضاح.

67

المتن:

قال السيد الخوئي في مستحق الخمس و مصرفه:

يقسّم الخمس في زماننا- زمان الغيبة- نصفين؛ نصف لإمام العصر (عليه السلام) و نصف لبني هاشم ....

المراد من بني هاشم من انتسب إليه بالأب، أما إذا كان بالأم فلا يحلّ له الخمس و تحلّ له الزكاة، و لا فرق في الهاشمي بين العلوي و العقيلي و العباسي، و إن كان الأولى تقديم العلوي بل الفاطمي.

المصادر:

منهاج الصالحين: ج 1 ص 354.

68

المتن:

قال السيد الشيرازي في شرح خطبتها (عليها السلام) في المسجد و مطالبتها حقها من أبي بكر:

81

أحدا منهم قال في مجلسه- و قد كان مجلسا عاما- كلمة تعضدها و لا مشورة تطيب قلبها و لا وساطة بخير.

أين نساء المهاجرين و الأنصار، و هلّا كنّ جميعا في خدمتها و صحبتها و معونتها؟

و أين بقايا المهاجرين و الأنصار و ما بالهم لم يسعدوا بنت نبيهم (عليها السلام) و يرغبوا في الوفاء لخاتم الأنبياء، و هلّا استحيوا من حقوقه عليهم و إحسانه إليهم، و هلا و صلوا جناحها أو عضدوا خطابتها؟ فقد كان بين أبيها و بين مجلس أبي بكر خطوات يسيرة؛ و هب أنهم شكوا فيها، أ ما كان في شهودها المشار إليهم حجة و عذر، توجب عليهم المساعدة لها بقول أو فعل؟

و من طريف ذلك أن عائشة بنت أبي بكر تخرج من مكة إلى البصرة لقتال علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قتل بني هاشم و سفك دماء جماعة من الصحابة و التابعين و الصالحين، فيخرج لنصرتها و صحبتها و صلة جناحها و مساعدتها على الظلم و العدوان الخلق الكثير و الجمّ الغفير! مع ما تقدّم ذكره من سوء أحوالها، و مع ما كانوا يعلمون أن عائشة هتكت حجاب اللّه تعالى و حجاب رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله تعالى: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ» (1)؛ فلم تقرّ في البيت و تبرّجت، و يعلم كل عاقل و كل أهل ملة أن الجهاد و إقامة الخلفاء لا يجوز الاقتداء فيه بالنساء.

و مع روايتهم في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي بكر أنه عرف ضلالة عائشة و من اتبعها إلى البصرة بما رواه عن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة».

و مع ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في مسند عبد اللّه بن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب فقال: من المرأتان من أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) اللتان قال اللّه عز و جل:

«إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما»؟ (2) فقال عمر: هما عائشة و حفصة.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

(2). سورة التحريم: الآية 4.

82

إن هذا الاتباع لعائشة و الخذلان لفاطمة (عليها السلام) مما يتعجّب منه ذو وا الألباب، و يدلّ على أن القوم العادلين عن بني هاشم كانوا على غاية من الضلال و الارتياب.

و من طريف تصديقهم لعائشة و عداوتهم لفاطمة (عليها السلام):

و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين و غيره: أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) لما هاجر إلى المدينة، أقام ببعض دور أهلها و استقرض مريدا (1) للثمن و كان لسهل و سهيل، كانا يتيمين في حجر سعد بن زرارة ليشتريه، فوهبها له، و روى أنه اشتراه و بني فيه مسجده، و بنى فيه بيوتا و مساكن لنفسه ليسكن عياله و أزواجه فيها. فلما فرغت، انتقل إليها.

و روى الحميدي في الحديث الرابع و الثلاثين بعد المائة في المتفق عليه من مسند أنس بن مالك، في موضع المسجد خاصة، و في رواية أخرى قال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أراد أن يشتري موضع المسجد من قوم بني النجار فوهبوه، و كان فيه نخل و قبور المشركين، فقلع النخل و خربت القبور.

و قد تضمن كتابهم أن البيوت لنبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ». (2)

و من المعلوم أن زوجته عائشة لم يكن لها دار بالمدينة و لا بيت و لا لأبيها و لا لقومها، لأنهم كانوا مقيمين بمكة، و لا روى أحد أنها بنت لنفسها دارا في المدينة و لا بنى لها أحد من قومها منزلا بها، و مع هذا كله فإنها ادعت حجرة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاته، التي دفن فيها.

فسلّمها أبوها أبو بكر إليها بمجرد سكناها أو دعواها، و يمنع فاطمة (عليها السلام) عن فدك و العوالي، مع طهارتها و جلالتها و طهارة شهودها، و شهادتهم بأن أباها و هبها لها ذلك‏

____________

(1). قيل: الظاهر كذا. و ستقرض لثمن مكان نخل كان.

(2). سورة الأحزاب: الآية 53.

80

يستحب و قد يجب المطالبة بالحق و إن كان يعلم بعدم نجاحه في التوصّل للحق و إحقاقه، و ذلك لما فيه من فضح الظالم و أداء الواجب و إتمام الحجة، كما طالبت (عليها السلام) بحقها و هي تعلم بأن القوم لا يعطونها حقها.

إضافة إلى أن إزعاج الظالم و مضايقته بالمطالبة بالحق و الإلحاح عليه و لو ممن يعلم أنه لا يعطيه حقه- و ما أكثرهم- سوف يروّعه عن كثير من ظلمه، فإن الظالم لو رأى أنه غصب حق زيد ثم عمرو ثم بكر و ... و لم يقم أحد بشي‏ء، تجرّأ على الغصب أكثر فأكثر، أما لو ضايقه بالمطالبة زيد و عمرو و بكر ... فإنه سوف لا يقدم- عادة- على مراتب جديده و من الظلم، أو سيكون إقدامه أضعف كيفيّا و أقل كمّيا مما لو ترك على هواه.

المصادر:

من فقه الزهراء (عليها السلام): ج 2 ص 71.

69

المتن:

قال السيد ابن طاوس في عدم مساعدة القوم لفاطمة (عليها السلام) و مساعدتهم لعائشة:

و من طريف الأمور أن سيدتهم فاطمة (عليها السلام) المشهود لها بالطهارة و العصمة و الفضائل التي لم يخلف نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) من ظهره ولدا في الدنيا سواها و كانت بقيته في المسلمين و تذكرته بين الصحابة و العارفين، يجري عليها ما تقدم ذكر بعضه.

ثم إن الحال تحوجها إلى أن تخرج بنفسها و العباس معها- كما تقدّم في إحدى روايتي الحميدي- و علي بن أبي طالب (عليه السلام)- كما تقدّم في رسالة المأمون- و أم أيمن و أسماء بنت عميس و تخاطب أبا بكر، فلا يسعدها من جلساء أبي بكر و أتباعه من كان حاضرا منهم حين مخاطبتها و من حضر بعد ذلك مسعد و لا ينطق بكلمة و لا ينقل أن‏

83

في حياته، و يمنع أيضا فاطمة (عليها السلام) من ميراثها مع عموم آيات قرآنهم و كتابهم في المواريث!

فإن كانت عائشة ملكت الحجرة بالسكنى، فقد مات نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) عن تسع زوجات في تسع بيوت، فهلّا ملك جميع نسائه جميع بيوته التي كانوا فيها؟

و إن كان بالميراث فلأيّ حال ترث عائشة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و لا ترثه فاطمة (عليها السلام)؟

ثم كيف تفرّدت عائشة بالحجرة و لها تسع الثمن من ميراثه، و من قسّم لها و خصّصها بها؟ إن هذا من عجائب الأمور!

و من طريف ذلك تهجّم جماعة من المسلمين على حجرة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و ترك الامتثال بقرآنهم في قوله تعالى: «لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» (1)، و دفنوا أمواتهم فيها.

فليت شعري من أذن للأموات بعد وفاته في دخول حجرته و ضرب المعاول عنده و نبش التراب حوله، و أن يجعلوا داره مقبرة و إن كانت داره ميراثا كما تضمن كتابهم؛ فهلا استأذنوا جميع الورثة؟

فكيف يكون ميراثا عندهم و قد ادعوا أنه لا يورث؟

و إن كانت أمواله و تركته للمسلمين، فهل استأذنوا جميع المسلمين من بعد منهم أو قرب؟

و إن كان ذلك تهيّأ فيه إذن جميع المسلمين، فهل استأذنوا جميع المسلمين في تسليم فدك و العوالي إلى ابنته فاطمة (عليها السلام)؟ فقد كان يجب لأبيها على المسلمين من الحقوق أعظم من ذلك.

و من طريف ذلك أن يكون أبو بكر قد سلّم حجرة نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ابنته عائشة دون ورثته و دون المسلمين، و كان يتمكّن كثير من المسلمين من الإنكار عليها و عليه، فيداهنون و يتغافلون؛ إنا للّه و إنا إليه راجعون.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 53.

84

و من طريف ذلك أن يكون بعض جهّالهم معتقدا و قائلا: إن البيت لعائشة، لما لعله يجده من لفظ مجمل أو محتمل في تسمية بيوت نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) باسم نسائه، فيتوهّم أن ذلك يدلّ على أن البيوت ملك لنساء نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله). و من المعلوم للعقلاء أن لو كان البيوت ملكا لنسائه، لكان نزيلا على نسائه بالمدينة و في سكناهن، و لا خلاف بين المسلمين في تكذيب ذلك و أن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) استأنف بيوته و عمّرها بعد قدومه بالمدينة.

و قد تقدّم ما يدلّ على أن عائشة لم يكن لها بيت تملكه بالمدينة، و إذا كنّ الزوجات ساكنات في بيوت الأزواج، فيقال للنساء على سبيل الاستعارة و المجاز أنها بيوتهن لأجل سكناهن بها، كما يقال: بيت النملة و بيت الدواب و نحو ذلك، و إن كانت النملة و نحوها لا تملك بيتا و لا شيئا.

و قد تضمّن كتابهم تصديق ذلك فقال: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (1)؛ و معلوم أن البيوت كانت للأزواج، فلو كانت البيوت للمطلّقات ما جاز إخراجهن منها، سواء أتين بفاحشة أو لم يأتين. فبطل أن يكون البيوت لنساء نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) على كل حال، و إن دعوى عائشة لذلك كان ظلما لا يحلّ بحيلة محتال.

و ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه من مسند عبد اللّه بن زيد بن عاصم الأنصاري عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أنه قال: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة»، و ما قال نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله): ما بين بيت عائشة و منبري.

و روى الحميدي أيضا هذا الحديث بألفاظه عن نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) في مسند أبي هريرة في المتفق عليه في الحديث السابع عشر بعد المائة.

و رأيت هذا الحديث في صحيح مسلم من نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) في المجلد الثاني بلفظ آخر و هو: «ما بين منبرى و بيتي روضة من رياض الجنة».

____________

(1). سورة الطلاق: الآية 1.

86

المصادر:

الطرائف: ص 283.

71

المتن:

قال لسان الملك سبهر:

اتفق علماء العامة و فقهاء الاثنى عشرية أن فاطمة (عليها السلام) بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كانت مغضبة على أبي بكر و عمر ما دام حيا، إلى أن توفّيت.

و في صحيح البخاري عن يحيى بن بكير، عن عائشة: أن فاطمة (عليها السلام) تكلّمت في طلب الميراث و أخذ فدك و خمس أموال خيبر، فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) منها شيئا.

فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في ذلك فهجرته، فما تكلّمته حتى توفّيت، و عاشت بعد النبي ستة أشهر. فلما توفّيت، دفنها زوجها علي (عليه السلام) و لم يأذن بها أبا بكر، و صلّى عليها علي (عليه السلام).

المصادر:

ناسخ التواريخ: مجلدات الخلفاء ج 1 ص 176.

72

المتن:

عن أبي هريرة:

أن فاطمة (عليها السلام) جاءت أبا بكر و عمر تسأل ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالا: سمعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إني لا أورّث. قالت: لا أكلّمكما أبدا؛ فماتت و لا تكلّمهما.

85

و في جميع ذلك يقول: «بيتي» و لم يقل بيت عائشة. أ فتراهم لا يصدّقونه في قوله أنه بيته، أو يجعلون دعوى عائشة في البيت أصدق من قول نبيهم (صلّى اللّه عليه و آله) و أصدق من تزكية اللّه تعالى له؟!

و قد ذكر صاحب كتاب الطبقات محمد بن سعد، عن ابن عباس، قال: لما فرغ من جهاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، وضع على سرير في بيته.

أقول: فهذه شهادة ابن عباس بعد وفاته و لم يقل بيت عائشة.

و ذكر الطبري في تاريخه: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «إذا غسّلتموني و كفّنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ...»، و ما قال: في بيت عائشة، و هذا آخر عهده بالدنيا.

المصادر:

الطرائف: ص 285.

70

المتن:

قال السيد ابن طاوس:

و من طريف ما يشتبه على رجال الأربعة المذاهب أنهم يتوهّمون أو يعتقدون أن العباس حضر مع فاطمة و علي (عليهما السلام) عند طلب الميراث و يطلب ميراثا لنفسه، و هذا غلط من قبل الأربعة المذاهب، و إنما حضر العباس مع فاطمة (عليها السلام) إما ليصل جناحها فإنه كان كالولد، أو ليزيل حجة أبي بكر فيما يقوله أن العمّ يرث مع البنت.

و كذلك يكون حضوره مع علي (عليه السلام)، يمكن أن يكون لهذا الحال، و الدليل على ذلك ما رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما ....

87

المصادر:

1. إحقاق الحق: ج 25 ص 539، عن آل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

2. آل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): ص 521.

73

المتن:

عن عائشة:

أن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركنا صدقة. فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفّيت؛ و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر.

فكانت تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقاته بالمدينة، فأبى أبو بكر ذلك ....

المصادر:

1. جامع الأحاديث للمدنيّان: ج 1 ص 18، على ما في الإحقاق.

2. جامع الأحاديث للمدنيّان: ج 4 ص 63، على ما في الإحقاق.

3. إحقاق الحق: ج 25 ص 533.

74

المتن:

قال المفيد في زيارتها بالروضة النبوية:

فإنها هناك مقبورة، فتوجّه إلى القبلة و قل:

90

فلم يؤمّن عليها و هي سورة واحدة، و هزيمته و هزيمة عمر في خيبر و عدة مواطن، و منعه فاطمة (عليها السلام) إرثها بحديث تفرّد بروايته.

المصادر:

مناظرة الشيخ حسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي: ص 57.

78

المتن:

قال السرخسي:

... و استدلّ بعض مشايخنا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة، فقالوا: معناه ما تركنا صدقة لا يورث ذلك عنا و ليس المراد أن أموال الأنبياء (عليهم السلام) لا تورث، و قد قال اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال تعالى: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2) فحاشا أن يتكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخلاف المنزل. فعلى هذا التأويل في الحديث بيان أن لزوم القوف من الأنبياء (عليهم السلام) خاصة، بناء على أن الوعد منهم كالعهد من غيرهم.

و لكن في هذا الكلام نظر؛ فقد استدلّ أبو بكر على فاطمة (عليها السلام) حين ادعت فدك بهذا الحديث، على ما روي أنها ادعت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وهب فدك لها و أقامت رجلا و امرأة.

فقال أبو بكر: ضمّي إلى الرجل رجلا أو إلى المرأة امرأة فلما لم تجد ذلك، جعلت تقول: من يرثك؟ فقال أبو بكر: أولادي. فقالت فاطمة (عليها السلام): أ يرثك أولادك و لا أرث أنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. فعرفنا أن المراد بيان أن ما تركه يكون صدقة و لا يكون ميراثا عنه.

و قد وقعت الفتنة بين الناس بسبب ذلك، فترك الاشتغال به أسلم.

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

88

السلام عليك يا رسول اللّه، السلام على ابنتك الصديقة الطاهرة، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول اللّه، السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة. لعن اللّه من ظلمك و منعك حقك و دفعك عن إرثك، و لعن اللّه من كذّبك و أعنتك و غصّصك بريقك و أدخل الذلّ بيتك، و لعن اللّه أشياعهم و ألحقهم بدرك الجحيم ....

المصادر:

1. المقنعة: ص 459.

2. المزار للمفيد: ص 156 ح 1، بتغيير فيه.

3. بحار الأنوار: ج 97 ص 197 ح 14، عن البلد الأمين.

4. البلد الأمين: ص 278.

5. بحار الأنوار: ج 97 ص 198، عن مصباح الزائر.

6. مصباح الزائر: ص 25، على ما في البحار.

75

المتن:

قال الصدوق في اعتقاداته:

... و إنها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالميها و غاصبيها و مانعي إرثها ....

المصادر:

الاعتقادات للصدوق: ص 105.

76

المتن:

عن زينب بنت علي بن أبي طالب، قالت:

لما اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي و آيست من إجابته لها،

89

عدلت إلى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فألقت نفسها عليها و شكت إليه ما فعله القوم بها، و بكت حتى بلّت تربته (صلّى اللّه عليه و آله) بدموعها (عليها السلام) و ندبته. ثم قالت في آخر ندبتها:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب‏

إنا فقد ناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

قد كان جبريل بالآيات يؤنسها * * * فغبت عنا فكل الخير محتجب‏

و كنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك ننزل من ذي العزة الكتب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * بعد النبي و كل الخير مغتصب‏

سيعلم المتولي ظلم حامتنا * * * يوم القيامة أنى سوف ينقلب‏

فقد لقينا الذي لم يلقه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏ * * * لنا العيون بتهمال له سكب‏

المصادر:

1. الأمالي للمفيد: ص 40 ح 8.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 107 ح 2، عن الأمالي للمفيد.

الأسانيد:

في الأمالي للمفيد: الجعابي، عن محمد بن جعفر الحسني، عن عيسى بن مهران، عن يونس، عن عبد اللّه بن محمد بن سليمان الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قالت.

77

المتن:

مناظرة الشيخ حسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي مع أحد علماء العامة في حلب:

قال الشيخ: و ذكرت له قول أبي بكر: إن لي شيطانا يعتريني، و عزله عن براءة

91

المصادر:

المبسوط للسرخسي: ج 12 ص 29.

79

المتن:

قال الشيخ الطوسي في تفسير قوله تعالى: «وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» (1):

يدلّ على أن فاطمة (عليها السلام) مستحقّة للميراث، لأنه عام في كل بنت، و الخبر المدّعى في أن الأنبياء لا يورّثون خبر واحد، لا يترك له عموم الآية، لأنه معلوم لا يترك بمظنون.

المصادر:

1. التبيان في تفسير القرآن: ج 3 ص 130.

2. تفسير جلاء الأذهان و جلاء الأحزان: ج 2 ص 194، بتفاوت يسير.

80

المتن:

جاء في تذكرة الحفاظ:

أنه بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) جمع أبو بكر الناس و خطب فيهم قائلا:

إنكم تحدّثون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحاديث تختلفون فيها و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا؛ فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه.

و كان هذا الإجراء تعسيفا لمنع الرواية و محاصرة السنة و الإبقاء على القرآن لكونه حمالا ذا وجوه، يسهل عليهم التلبيس و التضليل، و لا عليك من دفاع أهل التبرير من‏

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

92

خوف أبي بكر على كتاب اللّه و هو الذي منع من إرث أبيها لحديث انفرد به و هو لا نورّث، ما تركنا، و قد احتجّت عليه فاطمة (عليها السلام) بالقرآن و أبى عليهما ذلك عند ما قالت له: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». (2)

فلو كان كما قال: قولوا بيننا كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه، لما رفض نصّا قرآنيا و تمسّك لحديث انفرد به يخالف صريح القرآن.

المصادر:

الخلافة المغتصبة: ص 59.

81

المتن:

قال كاشف الغطاء في ميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

... إن فاطمة (عليها السلام) أرسلت تطالبه بميراثها، فمنعها من ذلك، فغضبت على أبي بكر و هجرته.

المصادر:

كشف الغطاء: ص 17.

82

المتن:

عن ابن عباس، قال:

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

93

قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أربعمائة من دوس، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «مرحبا بالأزد؛ أحسن الناس وجوها و أسمعها لقاء و أطيبه أفواها و أعظمهم أمانة، شعار إخوتي يا مبرور».

و بأسناده عن ابن عباس، قال: كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى حيّ من العرب، يدعوهم إلى الإسلام فلم يقبلوا الكتاب. فرجعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبروه، فقال لنا: «إني لو بعثت به إلى قوم بشطّ عمان من أزد شنوءة (1) و أسلم». و بعث إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بهدية، فقدّمت و قد قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجعل أبو بكر الهدية مورثا، فقسّمها بين فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) و بين العباس.

المصادر:

علل الحديث للرازي: ج 2 ص 360 ح 2596.

الأسانيد:

في علل الحديث: سألت أبا زرعة عن حديث رواه سليمان بن عبد الرحمن بن شرحبيل، قال: حدثنا عمر بن صالح الأزدي، قال: حدثنا أبو حمزة الضبعي، عن ابن عباس، قال.

83

المتن:

عن أم هاني بنت أبي طالب:

أن فاطمة (عليها السلام) أتت أبا بكر تسأله سهم ذوي القربى، فقال لها أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: سهم ذوي القربى لهم في حياتي و ليس لهم بعد موتي.

رواه إسحاق بن راهواه بسند ضعيف لضعف محمد بن السائب الكلبي. (2)

____________

(1). و الظاهر أنه: موروثا، فسقطت الواو الواو.

(2). هذا الحديث، ردّه البوصيري الشافعي من علماء العامة لضعف سندها.

94

المصادر:

مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: ج 6 ص 504 ح 5145.

84

المتن:

قال ابن عدي:

سمعت عبدان يقول: قلت لابن خراش: حديث: إن ما تركناه صدقة؟ قال: باطل؛ اتّهم مالك بن أوس بن حدثان. قال عبدان: و قد حدّث بمراسيل وصلها و مواقيف رفعها. (1)

المصادر:

تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام للذهبي: ص 214 ح 334.

85

المتن:

في الفصول المختارة في البحث عن حديث لا نورّث:

... و من حكايات الشيخ و كلامه: قال الشيخ أيّده اللّه: حضرت مجلسا لبعض الرؤساء و كان فيه جمع كثير من المتكلمين و الفقهاء. فألفيت أبا الحسن علي بن عيسى الرماني يكلّم رجلا من الشيعة يعرف بأبي القصر الموصلي في شي‏ء يتعلّق بالحكم في فدك.

و وجدته قد انتهى في كلامه إلى أن قال له: قد علمنا باضطرار أن أبا بكر قال لفاطمة (عليها السلام) عند مطالبتها له بالميراث: سمعت رسول اللّه يقول: نحن معاشر الأنبياء

____________

(1). حديث: ما تركناه صدقة، ردّه علماء العامة مثل ابن عدي و عبدان و حتى ابن الأثير بنقله بعين قبول قولهما.

96

الشي‏ء إذا اختلف العقلاء في وجوده أو صحته و فساده كان اختلافهم دليلا على بطلانه، أو قد يكون حقا و إن اختلفت العقلاء فيه؟

فقال: ليس يكون الشي‏ء باطلا من حيث اختلف الناس فيه و لا يذهب إلى ذلك عاقل.

فقلت له: فما أنكرت الآن أن تكون فاطمة (عليها السلام) قد أنكرت على أبي بكر حكمه و ردّت عليه في خبره و احتجّت عليه في بطلان قضائه و استشهدت بالقرآن على ما جاء الأثر به، و لا يجب أن يقع الاتفاق على ذلك و إن كان حقا و لا يكون الخلاف فيه علامة على كذب مدعيه، بل قد يكون صدقا و إن اختلف فيه على ما أعطيت في الفتيا التي قرّرناك عليها.

فقال: أنا لا أعتمد على ما سمعت مني من الكلام مع الرجل على الاختلاف فيما ادعاه إلا بعد أن قدّمت معه مقدمات لم تحضرها، و الذي أعتمد عليه الآن معك أن الذي يدلّ على صدق أبي بكر فيما رواه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أنه لا يورّث و وصّى به فيما حكم به، ما جاء به الخبر عن علي (عليه السلام) أنه قال: ما حدّثني أحد بحديث إلا استحلفته و لقد حدّثني أبو بكر و صدق أبو بكر. فلو لم يكن عنده صادقا أمينا عادلا لما عدل عن استحلافه و لا صدّقه في روايته، و لا ميز بينه و بين الكافة في خبره، و هذا يدلّ على أن ما يدعونه على أبي بكر من تخرّص الخبر فاسد محال.

فقلت له: أول ما في هذا الباب أنك قد تركت الاعتلال الذي اعتمدته بدا و رغبت عنه بعد أن كنت راغبا فيه و أحلتنا على شي‏ء لا نعرفه و لا سمعناه، و إنما بيّنا الكلام على الاعتلال الذي حضرناه و لسنا نشاحك في هذا الباب، لكنا نكلّمك على ما استأنفته من الكلام.

أنت تعلم و كل عاقل عرف المذاهب و سمع الأخبار، أن الشيعة لا تروي هذا الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا تصحّحه بل تشهد بفساده و كذب رواته، و إنما يرويه آحاد من العامة و يسلّمه من دان بإمامة أبي بكر خاصة. فإن لزم الشيعة أمر بحديث تفرّد

95

لا نورّث. فسلّمت (عليها السلام) لقوله و لم تردّه عليه، و ليس يجوز على فاطمة (عليها السلام) أن تصبر على المنكر و تترك المعروف و تسلّم للباطل، لا سيما و أنتم تقولون: إن عليا (عليه السلام) كان حاضرا للمجلس، و لا شك أن جماعة من المسلمين حضروه و اتصل خبره بالباقين. فلم ينكره أحد من الأمة و لا علمنا أن أحدا ردّ على أبي بكر و أكذبه في الخبر؛ فلو لا أنه كان محقّا فيما رواه من ذلك لما سلّمت الجماعة له ذلك.

فاعترضه الرجل الإمامي بما روي عن فاطمة (عليها السلام) من ردّها عليه و إنكارها لروايته و خطبتها في ذلك و استشهادها على بطلان خبره بظاهر القرآن، و أورد كلاما في هذا المعنى على حسب ما يقتضيه و اتسعت له الحال.

فقال علي بن عيسى: هذا الذي ذكرته شي‏ء تختصّ أنت و أصحابك به، و الذي ذكرته من الحكم عليها شي‏ء عليه الإجماع و به حاصل علم الاضطرار، فلو كان ما تدعونه من خلافه حقا لارتفع معه الخلاف و حصل عليه الإجماع، كما حصل على ما ذكرت لك من رواية أبي بكر و حكمه؛ فلما لم يكن الأمر كذلك دلّ على بطلانه.

فكلّمه الإمامي بكلام لم أرتضه و تكرّر منهما جميعا. فأشار صاحب المجلس إليّ لأخذ الكلام، فأحسّ بذلك علي بن عيسى فقال لي: إنني قد جعلت على نفسي أن لا أتكلّم في مسألة واحدة مع نفسين في مجلس واحد. فأمسكت عنه و تركته حتى انقطع الكلام بينه و بين الرجل.

ثم قلت له: خبّرني عن المختلف فيه، هل يدلّ الاختلاف على بطلانه؟ فظنّ أنني أريد شيئا غير المسألة الماضية و أنني لا أكسر شرطه. فقال: لست أدري أيّ شي‏ء تريد بهذا الكلام، فأبن لي عن غرضك لأتكلّم عليه.

فلت له: لم آتك بكلام مشكل و لا خاطبتك بغير العربية، و غرضي في نفس هذا السؤال مفهوم لكل ذي سمع من العرب إذا أصغى إليه و لم يله عنه، اللهم إلا أن تريد أن أبيّن لك عن غرضي فيما أجري بهذه المسألة إليه، فلست أفعل ذلك بأول وهلة إلا أن تلزمني في حكم النظر، و الذي استخبرتك عنه معروف صحته و أنا أكرّره؛ أ تقول إن‏

97

به خصومهم، لزم المخالفين ما تفرّدت الشيعة بروايته، و هذا على شرط الإنصاف و حقيقة النظر و العدل فيه. فيجب أن تصير إلى اعتقاد ضلالة كل من روت الشيعة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عن علي و الأئمة من ذريته (عليهم السلام) ما يوجب ضلالتهم، فإن لم تقبل ذلك و لم تلتزمه لتفرّد القوم بنقله دونك، فكيف استجزت إلزامهم الإقرار برواية ما تفرّدت به دونهم لو لا التحكم دون الإنصاف.

على أن أقرب الأمور في هذا الكلام أن تتكافأ الروايات و لا يلزم أحد الفريقين منهما إلا ما حصل عليه الإجماع أو يضمّ إليه دليل يقوم مقام الإجماع في الحجة و البيان، و في هذا إسقاط الاحتجاج بالخبر من أصله.

مع أني أسلّمه لك تسليم جدل و أبيّن لك أنك لم توف الدليل حقه و لا اعتمدت على برهان، و ذلك أنه ليس من شرط الكاذب في خبر أن يكون كاذبا في جميع الأخبار، و لا من شرط من صدق في شي‏ء أن يصدّق في كل الأخبار، و قد وجدنا اليهود و النصارى و الملحدين يكذّبون في أشياء و يصدّقون في غيرها، فلا يجب لصدقهم فيما صدقوا فيه أن نصدّقهم فيما كذبوا فيه و لا نكذّبهم فيما صدقوا لأجل كذبهم الأمور الآخر، و لا نعلم أن أحدا من العقلاء جعل التصديق لزيد في مقالة واحدة دليلا على صدقه في كل أخباره.

و إذا كان ذلك كذلك، فما أنكرت أن يكون الرجل مخطئا فيما رواه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الميراث و أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد صدّقه فيما رواه من الحديث الذي لم يستحلفه فيه فيكون وجه تصديقه له، و علة ذلك أنه (عليه السلام) شاركه في سماعه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فكان حفظه له عنه يغنيه عن استحلافه و يدلّه على صدقه فيما أخبر به، و لا يكون ذلك من حيث التعديل له و الحكم على ظاهره.

على أن الذي رواه أبو بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يدلّ على صحته العقل و يشهد بصوابه القرآن، فكان تصديق أمير المؤمنين (عليه السلام) له من حيث العقل و القرآن، لا من جهة روايته هو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا لحسن ظاهر له على ما قدّمناه.

98

و ذلك أن الخبر الذي رواه أبو بكر هو أن قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «ما من عبد يذنب ذنبا، فيندم عليه و يخرج إلى صحراء فلاة فيصلّي ركعتين ثم يعترف به و يستغفر اللّه عز و جل فيه إلا غفر اللّه له». و هذا شي‏ء قد نطق به القرآن؛ قال اللّه تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» (1)، و قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ». (2)

و إذا كان الأمر على ما وصفناه، بطل ما تعلّقت به و كان ذكره لأبي بكر خاصة، لأنه يحدّثه بحديث غير هذا، فصدّقه لما ذكرناه و أخبر عن تصديقه بما وصفناه، و لم يكن ذلك لتعديله على ما ظننت و لا لتصويبه في الأحكام كلها على ما قدّمت بما شرحناه.

فقال عند سماع هذا الكلام: أنا لم أعتمد في عدالة أبي بكر و صحة حكمه على الخبر و إنما جعلته توطئة للاعتماد، فطوّلت الكلام فيه و أطنبت في معناه، و الذي أعتمده في هذا الباب أني وجدت أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بايع أبا بكر و أخذ عطاءه و صلّى خلفه و لم ينكر عليه بيد و لا لسان، فلو كان أبو بكر ظالما لفاطمة (عليها السلام)، لما جاز أن يرضي به أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما ينتهي في طاعته إلى ما وصفت.

فقلت له: هذا انتقال ثان بعد انتقال أول و تدارك فائت و تلافي فارط و تذكر ما كان منسيا، و إن عملنا على هذه المجازفة انقطع المجلس بنشر المسائل و التنقل فيها و التحيّر، و خرج الأمر عن حده و صار مجلس مذاكرة دون تحقيق جدل و مناظرة، و أنت لا تزال تعذّر في كل دفعة عند ما يظهر من وهن متعمداتك بأنك لم تردّها، و لكنك وطأت بها. فخبّرني الآن هل هذا الذي ذكرته آخرا هو توطئة أو عماد؟ فإن كان توطئة عدلنا عن الكلام فيه و سألناك عن المعتمد، و إن كان أصلا كلّمناك عليه.

مع أني لست أفهم منك معنى التوطئة، لأن كل كلام اعتلّ به معتلّ ففسد فقد انهدم ما بناه عليه و وضح فساد ما بيّنه إن بناه عليه، فاعتذارك في فساد ما تقدم بأنه توطئة لا معنى له.

____________

(1). سورة الشورى: الآية 25.

(2). سورة البقرة: الآية 222.

100

86

المتن:

قال الشيخ جواد الكربلائي في شرح قوله (عليه السلام): «و ورثة الأنبياء»، و قوله: «و ميراث النبوة عندكم» في الزيارة الجامعة:

... للإشارة إلى أن الأنبياء كما يورّثون العلم و المعارف فكذلك يورّثون الأموال، دفعا لما يتوهّمه بعضهم أن الأنبياء لا يورّثون المال أبدا. و ذكر له رواية أيضا و علّل بأنهم- أي الأنبياء- كالآباء للأمة، فما لهم لهم لكلهم- أي للناس- لئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا.

قال في المجمع: و قد ردّ أصحابنا هذا الحديث و أنكروا صحته و هو الحق، لمخالفته القرآن الكريم و ما خالفا فهو زخرف مردود باطل لا يعتدّ به.

نعم روي عن الصادق (عليه السلام): إن العلماء ورثة الأنبياء، و ذلك أن الأنبياء لم يورّثوا درهما و لا دينارا و إنما ورّثوا أحاديث من أحاديثهم. فمن أخذ منها أخذ بحظّ وافر، و هو- بعد تسليم صحته- ليس فيه دلالة على عدم التوريث المطلق كما هو ظاهر، انتهى.

أقول: و ذلك لأن الحديث ظاهر في أن الأنبياء ليس من شأنهم الاعتناء بجمع أموال و توريثها من حيث شأن النبوة، بل المال الذي يأخذونه من حيث منصب النبوة و الولاية فإنما هو الحقوق الإلهية التي صرفها فيما عيّنه اللّه تعالى. فشأنهم بيان المعارف و العلوم و هذه مما يورّثوا بها لمن بعدهم من أوصيائهم أو العلماء، و لا يورّثون للناس من حيث نبوتهم.

نعم، و هذا لا ينافي تملّكهم الأموال التي كانت بأيديهم على نحو ما تكون الأموال بأيدي الناس من متملّكاتهم بالحيازة و البيع و الشراء و الإرث من الآباء و غيرهم.

فالأنبياء من هذه الجهة كغيرهم، يجري عليهم أحكام الدين و أحكام الإرث، إلا أن هذه الجهة ليست ملحوظة لهم و لا لغيرهم من أمتهم كما لا يخفى.

99

و لكننا نتجاوز هذا الباب و نقول لك: ما أنكرت على من قال لك إن ما ادعيته من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) بايع الرجل، دعوى عرية عن برهان، و لا فرق بينها و بين قولك إنه كان مصيبا فيما حكم به على فاطمة (عليها السلام). فدلّ على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بايع على ما ادعيت ثم ابن عليه؛ فإما أن تعتمد على الدعوى المحضة فإنها تضر و لا تنفع.

و قولك إنه (عليه السلام) صلّى خلف الرجل، فإن كنت تريد أنه صلّى متأخّرا عن مقامه فلسنا ننكر ذلك و ليس فيه دلالة على رضاه به، و إن أردت أنه صلّى مقتديا به و مؤتمّا فما الدليل على ذلك؟ فإنما نخالفك فيه و عنه ندفعك، و هذه دعوى كالأولى، تضرّ من اعتمد عليها أيضا و لا تنفع.

و أما قولك إنه أخذ العطاء فالأمر كما وصفت، و لكن لم زعمت أن في ذلك دلالة على رضاه بإمامته و التسليم له في حكمه؟ أو ليس تعلم أن خصومك يقولون في ذلك إنه أخذ بعض حقه و لم يكن يحلّ له الامتناع من أخذه، لأن في ذلك تضييعا لماله و قد نهى اللّه تعالى عن التضييع و أكل الأموال بالباطل. و بعد فما الفصل بينك و بين من جعل هذا الذي اعتمدت عليه بعينه حجة في إمامة معاوية؟

فقال: وجدت الحسن و الحسين (عليهما السلام) و عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن جعفر و غيرهم من المهاجرين و الأنصار قد بايعوا معاوية بن أبي سفيان بعد صلح الحسن (عليه السلام) و أخذوا منه العطاء و صلّوا خلفه الفرائض و لم ينكروا عليه بيد و لا لسان، فكل ما جعلته إسقاطا لهذا الاعتماد فهو بعينه دليل على فساد ما اعتمدته حذو النعل بالنعل، فلم يأت بشي‏ء تجب حكايته.

المصادر:

الفصول المختارة: ص 331.

101

و الحاصل أن شأن النبوة لا تعلّق بالمال، بل هو مصروف في العلم و المعارف و بيان الأحكام و الأحاديث. فالمراد من نفي ما سوى العلم في قوله (عليه السلام): لم يورّثوا دينارا و لا درهما عدم اعتدادهم به لخروجه من شأن النبوة لا أنهم لا يورّثون و لا يرثون.

كيف و قد قال اللّه تعالى مخبرا عن سؤال زكريا من ربه وارثا يرثه من قوله (عليه السلام): «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و عن سليمان من أنه ورث من أبيه داود الصافنات الجياد.

و كيف كان، فهم لا يعدّون المال إرثا لعدم التفاتهم إلى الدنيا و ما فيها، و أما اعتنائهم بالخصائص المذكورة مع أنها من المال و الدنيا لأجل أنها كانت ذا شأن عظيم، تدلّ على عظمتهم و معجزاتهم كما في بعضها، و تدلّ على تعيين الوصية و الوصي على الأمة كما في بعضها، على أن بعضها كانت منزلة من السماء فله خصوصية تدلّ على عظمة مقام المنزل إليه كما لا يخفى، فلهذا اختصّ بالذكر و بكونها ميراثا في الجملتين كما لا يخفى.

المصادر:

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة: ج 4 ص 33.

87

المتن:

قال العلامة السيد محمد حسن القزويني في معنى لفظ الميراث و الإرث في اللغة و العرف:

لفظ الميراث متى ما استعمل لغة و عرفا يراد منه المال، و كذلك لفظ الإرث، فإن له ظهورا عرفيا في إرث المال لا إرث العلم و المعرفة. فلو قيل: فلان وارث فلان، أريد به أنه وارثه في المال لا أنه وارثه في علمه إلا مع القرينة، كما في قوله تعالى: «وَ أَوْرَثْنا

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

102

بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ» (1)، و قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (2)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «العلماء ورثة الأنبياء».

فلو كان سؤال زكريا من اللّه تعالى أن يرزقه وارثا في علمه و نبوته لزم أن يقول هكذا: يرثنى في علمي و يرث من آل يعقوب النبوة، لعدم تمامية المجاز بلا قرينة، و إطلاق الكلام شاهد على أن السؤال من اللّه تعالى الذرية و النسل ليقوموا بعده في ماله لقوله: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي» (3)، و الموالي من بنو عمه، فخاف منهم عن أن يتصرّفوا في أمواله و يصرفوها في خلاف المشروع.

و لذا قال فخر الدين الرازي في التفسير: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال، و هذا قول ابن عباس و الحسن و ضحّاك، و لم ينقل كون المراد وراثة النبوة إلا عن أبي صالح ...

قلت: و هذا هو الظاهر المعقول الوارد في الشرع؛ أما كونه هو الظاهر فلأن الصحابة و غيرهم لم يفهموا من الحديث الذي تفرّد به أبو بكر: لا نورّث، ما تركناه صدقة، سوى وراثة المال دون وراثة العلم، و إن هو عندهم إلا تأويل لا يصار إليه. و أما أنه هو المعقول، فلأن العلم و النبوة لا يكونان من الأوصاف التي تحصل للإنسان بالإرث و إن لزم أن يكون جميع أولاد آدم علماء أنبياء و كذلك أولاد خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله)، و ليس كذلك بالبداهة.

و أما أنه الوارد في الشرع، فلما رواه المحدث الشهير محمد بن جرير الطبري في التفسير عن قتاده: أن رسول اللّه كان إذا قرأ هذه الآية: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ» (4)، و أنى على‏ «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (5)، قال (صلّى اللّه عليه و آله): رحم اللّه زكريا، ما كان عليه من ورثته.

____________

(1). سورة غافر: الآية 53.

(2). سورة فاطر: الآية 32.

(3). سورة مريم: الآية 19.

(4). سورة مريم: الآية 19.

(5). سورة مريم: الآية 6.

103

و روى عن الحسن قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «رحم اللّه أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (1)

و قال فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، اختلفوا فيه، فقال الحسن: المال لأن النبوة عطية مبتدأ و لا تورث.

قلت: أراد بذلك أن الموت يوجب انتقال المال من الأب إلى الولد، كما هو معنى الإرث حقيقة و ليس كذلك في النبوة، لأن الموت لا يكون سببا لنبوة الولد و لا يتصوّر انتقال العلم من محل إلى محل آخر، فافترقا من هذه الجهة.

و قال القزويني في عدم وقوع التأويل في الآيتين من المخاصمين:

روى صاحب كتاب كنز العمال: ج 4 ص 134 عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب ميراثها، و جاء عباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، و جاء معهما على (عليه السلام)، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة. فقال علي (عليه السلام):

(قال اللّه تعالى:) «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (3)، و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (4) قال أبو بكر: هو هكذا، و أنت تعلم مثل ما أعلم. فقال علي (عليه السلام):

هذا كتاب اللّه ينطق، فسكتوا.

قلت: في هذه الرواية و غيرها من الحكايات المشتملة على مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر لأجل المطالبة بفدك، بل و مجي‏ء علي (عليه السلام) و العباس عند أبي بكر و عمر، بل و حكاية استشهاد عمر بالسبعة من الصحابة على أن تركة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تكون صدقة، دلالة واضحة على عدم وقوع التأويل في الآية الشريفة- مجملها- على إرادة وراثة العلم و النبوة، و لذا لم يؤوّل أبو بكر و لم يرفع اليد عن نص القرآن و ما هو ناطق به من وراثة المال، و إنما ردّ على علي و فاطمة (عليهما السلام) و العباس بحديث تفرّد به و لم يروه غيره من قول‏

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة النمل: الآية 16.

(4). سورة مريم: الآية 6.

104

النبي (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و أجابه علي (عليه السلام) بأن القرآن ينطق بما يدعيه هو، و إنه إنما يعلم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما نطق به القرآن و شهد به من توريث الأنبياء أولادهم.

فالخصوم في طول مدة مخاصمتهم متفقون على صريح القرآن، و إنما جاء التأويل من أهل التأويل الذين يقولون برأيهم ما يشاؤون في مقابل النص الجلي، و أبو بكر كان أعرف بنص القرآن من هؤلاء المتأوّلين. و لذا قبل ظهور القرآن فيما استند إليه علي (عليه السلام) من توريث الأنبياء أولادهم، و إنما دافع عنه برواية تفرّد بها بزعمه أنها تخرج مخرج التخصيص و المعلوم خلافه.

و قال في توريث الأنبياء لأولادهم: قال العلامة الزمخشري في الكشّاف في الجزء الثالث و العشرين في ذيل قوله تعالى: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ» (1): روي أن سليمان غزا أهل دمشق و نصيبين فأصاب ألف فرس، و قيل ورثها من أبيه و أصابها أبوه من العمالقة.

و قال البيضاوي في ذيل الآية المزبورة: و قيل أصابها أبوه من العمالقة، فورثها منه فاستعرضها. فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس، و عقل عن العصر؛ و قاله أيضا الزمخشري في الباب الثاني و التسعين من كتاب «ربيع الأبرار».

و قال البغوي في تفسيره الموسوم بمعالم التنزيل في تفسير سورة مريم، في قوله تعالى: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، قال الحسن: يرثني من مالي.

و قال في قيام الشاهد على إرادة وراثة المال:

الشاهد الأول: كلام المفسرين ممن سمعت، حتى أنه لم ينقل إرادة وراثة النبوة إلا عن أبي صالح، لكنه في موضع واحد. قال محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ في تفسيره، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح:

____________

(1). سورة ص: الآية 31.

(2). سورة مريم: الآية 6.

105

قوله: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، يقول: يرث مالي و يرث من آل يعقوب النبوة.

و يتوجّه على أبي صالح سؤال: الفرق أولا و أنه تعالى لم يقل: يرث من يعقوب لتتوهم إرادة النبوة، بل الآية: «و يرث من آل يعقوب» و هم أقارب زكريا.

الشاهد الثاني: أن زكريا دعا ربه أن يجعل المسئول رضيّا يرضاه اللّه تعالى و يرضاه عباده، و هذا الدعاء يوافق كلام من لم يؤول بل حمل الميراث على ظاهره من المال دون العلم، لأنه متى سأل ربه أن يهب له وارثا في علمه و نبوته أدخل في سؤاله كونه «رضيا»، لأن من يطلب كونه يرث النبوة لا يكون غير رضي، فلا معنى لاشتراطه على اللّه تعالى ثانيا. فهذا السؤال حينئذ نظير من يقول: اللهم ابعث لنا نبيا كاملا بالغا عاقلا.

فإن قالوا: إن يحيى قتل قبل زكريا، فلو حمل الإرث على المال لما استجاب اللّه تعالى دعاء زكريا، و الحال أنه سبحانه استجاب دعاءه حيث يقول عزّ من قائل: «يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى‏». (2) قلنا: إن ذلك الإشكال بعينه متوجه في صورة إرادة وراثة العلم و النبوة، لأن يحيى قتل قبل زكريا، فلم تصل النبوة البعدية إليه بالوراثة و لو مجازا من أبيه زكريا.

و قال في إرث سليمان بن داود:

قال اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (3)، و هذا يراد من الإرث في المال أو الأعم منه و من الجاه و الملك، كما في تفسير الفخر الرازي، و ذلك بدلالة قوله تعالى: «وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» (4)، و لا يختص بالعلم و النبوة، لأن سليمان كان نبيا على بني إسرائيل حال حياة داود من غير احتياج إلى الإرث منه، و ذلك لقوله تعالى: «فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً» (5)، و قوله تعالى حكاية عن سليمان: «يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ». (6) إلى‏

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة مريم: الآية 7.

(3). سورة النمل: الآية 16.

(4). سورة الكهف: الآية 84.

(5). سورة الأنبياء: الآية 79.

(6). سورة النمل: الآية 16.

106

غير ذلك من دلائل نبوته حال حياة داود، نظير نبوة هارون في زمان أخيه موسى، و قال سبحانه: «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ». (1)

و قال في أن القرآن و آيات الإرث الشاملة لفاطمة (عليها السلام) و غيرها:

قال اللّه تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» (2)، و قال سبحانه: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (3)

أجمعت الأمة على عموم القرآن و عمومه في الإرث قطعي، و لا يخرج عنه إلا بمخرج قطعي لا بمثل حديث: لا نورّث. فحيث تحقّق أن زكريا موروث و كذلك داود، تحقّق أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا موروث لإجماع الأمة على عدم الفرق بين الأنبياء من هذه الحيثية، و لأن من زعم أن زكريا و غيره من الأنبياء لا يورّثون، إنما بنى في زعمه على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نصّ على أن معاشر الأنبياء لا يورّثون، و لما نهض القرآن بأقوى بيان على أن زكريا موروث و كذلك داود، دلّ على أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) موروث و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكذوب عليه بهذا الحديث.

و قال في تفرّد أبي بكر بحديث لا نورّث:

قال ابن حجر في ص 20 من الفصل الخامس من الصواعق المحرقة: اختلفوا في ميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فما وجدوا عند أحد في ذلك علما. فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

و في تاريخ الخلفاء للسيوطي في فصل خلافة أبي بكر ص 28: أنه أخرج أبو القاسم البغوي و أبو بكر الشافعى في فرائده و ابن عساكر، عن عائشة، قالت: اختلفوا في‏

____________

(1). سورة النمل: الآية 15.

(2). سورة النساء: الآية 6.

(3). سورة النساء: الآية 11.

107

ميراثه (صلّى اللّه عليه و آله) فما وجدوا عند أحد في ذلك علما. فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقوم:

إنا معاشر الأنبياء لا نورّث. و مثل ذلك في منتخب كنز العمال في باب خلافة أبي بكر.

قلت: و ليس عمر ممن سمع الحديث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنما كان يرويه من أبي بكر، كما في منتخب كنز العمال في الباب المذكور أيضا، أنه قال عمر لعلي (عليه السلام) و العباس: حدثني أبو بكر- و حلف باللّه إنه لصادق- أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث، و إنما ميراثه في فقراء المسلمين و المساكين. و قال في عدم العبرة بقول القائل قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كذا.

قال أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية في ج 2 ص 179 من كتابه منهاج السنة: أن مجرّد قول القائل: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليس حجة باتفاق أهل العلم، و لو كان حجة لكان كل حديث قال فيه واحد من أهل السنة: قال رسول اللّه حجة.

قلت: و لعله أراد بذلك عدم حجية الخبر الواحد الظني في قبال أصول المذهب، فإن المذهب انعقد على وجوب الأخذ بالكتاب الناطق عموما و خصوصا بالإرث من غير إخراج للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فلو كان خارجا لكان ذلك معلوما مقطوعا به بين الأمة، و ثابتا بالنصوص المتواترة القطعية لا برواية واحدة لم يروها أحد من الصحابة غير أبي بكر، و الضرورة قائمة على أنه لو ادعى أبو هريرة أو غيره على أبي بكر و قال: إني سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: إن دار أبي بكر لأبي هريرة أو في‏ء للمسلمين، لما سمع منه ذلك و لم يرجع إلى محصّل، و حال أبي بكر في دعواه على فاطمة (عليها السلام) حال أبي هريرة ما لم تقم الشهادة.

لو قيل: نعتبر حديث لا نورّث حيث ادعى به أبو بكر فيخرج مخرج القطعي، قلنا:

إن روايته حيث صدرت في مقام الخصومة و المنازعة كان هو المدّعى لفاطمة (عليها السلام).

فإن قيل: إن أبا بكر غير متهم في روايته: إن ما تركناه صدقة، قلنا: إن فاطمة (عليها السلام) غير متهمة في دعواها، و كذلك علي (عليه السلام) في شهادته لفاطمة (عليها السلام) و في قوله: بلى، كانت في أيدينا فدك.

108

و قال في أبو بكر كان متهما عند علي و فاطمة (عليهما السلام) و العباس:

إن المتأمل المنصف متى ما راجع الكتب المعتبرة من الصحاح و السنن و التواريخ، يقطع بأن أبا بكر لم يكن بريئا من التهمة عند علي و فاطمة (عليهما السلام) و العباس، و ذلك لما أسمعناك من حديث كنز العمال، و احتجاج علي (عليه السلام) على أبي بكر بالآيتين الناطقتين بتوريث الأنبياء (عليهم السلام)، و كذلك طول مطالبة الإرث من فاطمة (عليها السلام) في حياتها، و من علي (عليه السلام) و العباس من زمان أبي بكر و عمر إلى زمان عثمان، و كذلك احتجاج فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر قائلة: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ كما في مسند أحمد، و أنها لما علمت إصرار القوم على منعها فدكا هجرت أبا بكر و عمر و غضبت عليهما، حتى دخلا عليها لأجل الاسترضاء فلم ترضى عنهما- كما في كتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة:

ص 14- إلى أن ماتت و أوصت أن لا يصلى عليها أحد من هؤلاء الذين آذوها و غصبوا حقها، حتى أنها أوصت أن لا تدخل عليها عائشة بنت أبي بكر.

ففي تاريخ المدينة للعلامة السمهودي: أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأسماء: إذا أنا متّ فغسّليني أنت و علي (عليه السلام) و لا تدخلي عليّ أحدا. فلما توفّيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر و قالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا و بين بنت رسول اللّه. فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء! ما حملك على أن منعت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن يدخلن على ابنة رسول اللّه؟ فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد. قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف. و غسّلها علي (عليه السلام) و أسماء.

و قال ابن أبي الحديد في الشرح: ج 16 ص 280: أنه قال البلاذري في تاريخه: أن فاطمة (عليها السلام) لم تر متبسّمة بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يعلم أبو بكر و عمر بموتها، و الأمر في هذا أوضح و أشهر من أن نطنب في الاستشهاد عليه و نذكر الروايات فيه.

و قال النقيب أبو جعفر يحيى بن محمد البصري: أن عليا و فاطمة (عليهما السلام) و العباس ما زالوا على كلمة واحدة يكذّبون رواية: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و يقولون أنها مختلقة؛ قالوا: كيف كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يعرف هذا الحكم غيرنا و يكتمه عنا و نحن الورثة و نحن أولى الناس بأن يؤدّي هذا الحكم إليه؟

109

قلت: و مما يدلّ على كذب الرواية عند هؤلاء لا في صحيح مسلم في باب ما يصرف الفي‏ء الذي لم يوجف عليه بقتال.

و في البخاري في كتاب الخمس و كتاب المغازى، و في الصواعق المحرقة في باب خلافة أبي بكر من رواية مالك بن أوس المشتملة على نسبة عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس:

أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما- أعني الشيخين-. ففي الحديث أنه أقبل عمر على علي (عليه السلام) و العباس و قال: لما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللّه. فجئتما، أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورّث، ما تركناه صدقة. فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم أنه لصادق بارّ راشد تابع للحق. ثم توفّي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول اللّه و وليّ أبي بكر.

فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ....

قوله: فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، شهادة قطعية من علي (عليه السلام) و العباس على أن قوله: لا نورّث باطل مكذوب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 90.

88

المتن:

قال السيد محمد حسن القزويني في أن عليا (عليه السلام) و العباس لم يعتنيا بحديث أبي بكر في نفي الإرث:

إن عليا (عليه السلام) و العباس لم يقبلا من أبي بكر حديث: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، و لذا تخاصما في فدك و حضرا عند عمر و من بعده عند عثمان.

110

قال الشيخ ملا علي المتقي الحنفي في كنز العمال في خلافة الصديق: أخرج أحمد و البزّاز- و قال: حسن الإسناد- عن ابن عباس، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و استخلف أبو بكر، خاصم العباس عليا (عليه السلام) في أشياء تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال أبو بكر: شي‏ء تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يحرّكه فلا أحرّكه.

فلما استخلف عمر اختصما إليه. فقال: شي‏ء لم يحرّكه أبو بكر فلا أحرّكه. فلما استخلف عثمان اختصما إليه، فسكت عثمان و نكس رأسه. قال ابن عباس: فخشيت أن يأخذه أبي، فضربت بيدي بين كتفي العباس فقلت: يا أبت! أقسمت عليك إلا سلّمته له.

و لا يخفى على أحد أن الخبر متضمّن لأمور منها: دوام المطالبة و المنازعة و المشاجرة.

المصادر:

هدى الملة إلى إن فدك نحلة: ص 116.

89

المتن:

قال يوحنّا بن إسرائيل المصري جديد الإسلام في مناظرته مع العلماء العامة:

أن أبا بكر آذى فاطمة (عليها السلام). قال علماؤهم: إنا لا نقدر أن نجري هذا باللسان، و لكن نقل البخاري في موارد من صحيحه: أن فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى أبو بكر و طلبت ميراث أبيها و منعها أبو بكر. فغضبت فاطمة (عليها السلام) و ما تكلّمته، فهجرته حتى توفّيت، و لما توفّيت فاطمة (عليها السلام) غسّلها علي (عليه السلام) ليلا و دفنها و لم يخبر أبا بكر.

منها ما في خبر طويل عن عائشة: ... فأتت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر تطلب منها ميراثها من أبيها، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا. فوجدت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر في‏

111

ذلك فهجرته و لم تكلّمه حتى ماتت، و عاشت بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر. فلما توفّيت دفنها زوجها علي (عليه السلام) ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر.

و ذكر يوحنّا روايات في هذا الباب عن صحيح البخاري كلها، دلّت على أن أبا بكر آذى فاطمة (عليها السلام)، و قال لعلماء العامة: أيتها الأعزّة إذا خرجنا عن التعصب و الهوى رجئنا في طريق الإنصاف و قلنا أن أبا بكر آذى فاطمة (عليها السلام)، و من آذى فاطمة (عليها السلام) فكأنما آذى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فعلى هذا آذى أبو بكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قالت العامة علماؤهم: هكذا كان.

قال يوحنا: قال اللّه تعالى في كتابه: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً». (1) و إذا قرّرنا هذا، فإما أن قرآنكم هذا ليس بصحيح، و إما صحيح البخاري و أحاديثه كذب، و إما يلزم اللعن على أبي بكر، فلكم أن يختاروا واحدا منها. فسكت العلماء جميعا و لم يردّوا له جوابا.

فقال يوحنّا: لم لم يردّني جوابا و سكتوا جميعا؟ و وبّخهم فقالوا: جوابنا هذا أن الماضين أجمعوا على خلافة أبي بكر و صحتها و على أن أبا بكر من أهل الجنة ...، و من يقول بخلاف هذا القول أو يعتقد فهو ملعون في الدنيا و الآخرة و هو واجب القتل. فقال يوحنّا: كلما تقولون أنتم جدل و خلاف للحقيقة و لم يثبت الإجماع ....

المصادر:

1. كتاب يوحنّا الخليفة بن إسرائيل المصري الشيعي: ص 44.

2. الأنوار النعمانية: ج 2 ص 276.

90

المتن:

قال السيد القزوينى في قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...» (2):

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

(2). سورة النساء: الآية 11.

112

قال الفخر الرازي في التفسير: مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء لا يورّثون، و الشيعة خالفوا فيه.

روي أن فاطمة (عليها السلام) لما طلبت الميراث و منعوها عنه و احتجّوا عليها بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة. فعند هذا احتجّت فاطمة (عليها السلام) بعموم قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)، و كأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ....

قلت: إن فاطمة (عليها السلام) احتجّت على أبي بكر بالآية، عمومها و خصوصها و أن الرواية غير صحيحة عندها، و العجب من أنه كيف نسب الفخر الرازي الخلاف إلى الشيعة، و لم ينسبه إلى علي (عليه السلام) و العباس و فاطمة (عليها السلام) و الأزواج و ذوي قرابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فإنهم جميعا خالفوا أبا بكر في حديث ما تركناه صدقة و تمسّكوا بعموم القرآن و خصوصه في موروثية داود و زكريا و الشيعة، حيث أن مذهبهم مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و عنهم يأخذون؛ أنكروا على أبي بكر هذا الحديث تصديقا للعترة النبوة (عليهم السلام)، إذ أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالتمسك بهم و عدم التجاوز عنهم و العدول إلى غيرهم.

و قال في عدم مساس حديث نفي الإرث بأبي بكر:

قال الفخر الرازي في ذيل تفسير قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2): إن المحتاج إلى معرفة هذا المسألة ما كان إلا فاطمة و علي (عليهما السلام) و العباس، و هؤلاء كانوا من أكابر الزهاد و العلماء و أهل الدين. و أما أبو بكر، فإنه ما كان محتاجا إلى معرفة هذا المسألة البتة، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يورث من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). فكيف يليق بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة له إليها و لا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة.

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة النساء: الآية 11.

115

تارة وحدها و أخرى مع عمها العباس، حتى أنها لما رأت الإصرار من أبي بكر و عمر على أخذ فدك و هضمها حقها، هجرتهما و غضبت عليهما و قالت: لا أكلّمكما إلى أن ماتت.

و هذا موافق لما في الصواعق المحرقة: ص 9، و صحيح البخاري في باب فرض الخمس، و في باب غزوة خيبر عن عروة بن الزبير، عن عائشة، و مسلم في الجزء الأول ص 154، و الجمع بين الصحيحين للحميدي، و كتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري: ص 14، و كتاب تاريخ المدينة للعلامة السمهودي: ج 2 ص 157، و غير ذلك من الكتب التاريخية كشرح ابن أبي الحديد المعتزلي: ج 4 ص 104، و تاريخ البلاذري، و كتاب أبي بكر الجوهري.

و في ذلك كله دلالة واضحة على أن رواية أبي بكر لم تحسم المادة، و أن فاطمة (عليها السلام) لم تقنع بكلام أبي بكر. و لذا أصرّت في الإنكار عليه، حتى إذا رأت إصراره على ما قاله و ما فعله، غضبت عليه و هجرته بعد أن أغلظت عليه الخطاب، إلى أن ماتت لستة أشهر من وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

قال الرازي في مقام الجواب عن معارضة الحديث بكلام فاطمة (عليها السلام) مع أنها معصومة: إنا لا نعلم أنها أصرّت على المطالبة بعد أن روى أبو بكر ذلك، و إنما طالبت بالميراث قبل استماع الحديث و ذلك لا يقدح في عصمتها.

قلت: إن ذلك لا يليق صدوره من مثلها و خلاف للإنصاف، فإنه إن أراد الرازي أن فاطمة (عليها السلام) تركت المطالبة بسبب السلطة فهو مسلم، لكنه لا يجدي في نفي حقها شرعا، و إن كان مراده أنها تركت المطالبة بسبب وقوفها على الخطأ و إذعانها بصحة ما رواه أبو بكر و ما فعله، فهذا شي‏ء مردود بما عرفت من صراحة الكتب المذكورة في أن فاطمة (عليها السلام) غضبت على أبي بكر و هجرته حتى ماتت لستة أشهر من وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و قال في أن ترك النكير على أبي بكر لا يدلّ على حقيقة كلامه:

114

فلإنكاره ذلك، مضافا إلى كونه ليس حجة عليه، و له إنكاره شرعا إذا رجع إلى التداعي في المال. فحينئذ لا يجدي الحديث و يكون إظهاره لأبي بكر بلا فائدة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما ينطق عن الهوى.

فلئن قيل: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لما كان يعلم وقوع التشاح من بعده بين أبي بكر و بين ورّاثه لزمه البيان و إظهار الحق حسما لمادة الخلاف و النزاع كما لو لم يكن أبو بكر إماما، إذ ليس بيانه (صلّى اللّه عليه و آله) للحكم العاجل منوطا بإمامة من بعده بنحو الأجل، و لما لم يبيّن الحكم لأهل بيته (عليهم السلام)، علم منه عدم اختصاصهم بحكم خاص في باب الإرث و أنهم يورثون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كغيرهم، و أنهما إنما غلبا على علي و فاطمة (عليهما السلام) بواسطة السلطة كغيرها من السلطات اللاحقة.

قد جرت العادة على ضبط الأخبار خلفا عن سلف، سيما ما يتعلق بالأديان و المذاهب خصوصا عند أهلها، فإنهم مهتمّون بذلك غاية الاهتمام، فيرون الواجب عليهم ضبط أحوال أنبيائهم و ضبط خصائصهم و ما يجري من بعدهم، كما ضبطت التواريخ و الكتب الدينية ما يتعلق بشأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أوله إلى آخره.

و كذلك المعلوم جريان العادة من يوم وفاة آدم إلى هذا الزمان على أنه يرث الميت، الأقرب إليه فالأقرب، من غير اختصاص بأهل ملة أو نحلة، و إنا متى راجعنا المليّين و أهل النحل لما وجدنا من يظهر منه الحكم بعدم وقوع التوارث بين الأنبياء و أولادهم و الأقرب من أرحامهم، و أن تركة زكريا و داود رجعت لا إلى يحيى و سليمان على خلاف القرآن، و كيف يعقل أن يخفى حكم عدم توريث الأنبياء على سائر من في العالم من أرباب الملل و النحل و غيرهم و لم يسمعوا بذلك مع أنه أمر مهتم به عندهم و سمع بذلك أبو بكر وحده من بين الناس، إن ذلك لأمر مريب.

و قال في أن فاطمة (عليها السلام) وجدت على أبي بكر حتى ماتت:

دلّت الكتب المعتبرة عند أهل السنة و الجماعة حسبما ذكر جملة منها على أن فاطمة (عليها السلام) أتت إلى أبي بكر مرارا و التمست منه ميراثها فدكا و احتجت عليه؛ و هذا المجي‏ء

113

قلت: و تفصيل ما أجمله الفخر الرازي هو أن القرآن إنما ورد لبيان ما يجب على العباد الأخذ به أو الانتهاء عنه، و كان الغرض منه و من بعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هو الإنذار و التخويف من محارم اللّه تعالى، كما في قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» (1)، و قال سبحانه مخاطبا به النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (2)، و قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» (3)، و قوله سبحانه: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ». (4)

و تقتضي هذه الآيات وجوب تبليغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حكم عدم الإرث إلى علي و فاطمة (عليهما السلام) و العباس و سائر نسائه، و لا يجوز له (صلّى اللّه عليه و آله) التأخير عن بيان الحكم المختص بهم لهم، فكيف يجوز على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يبيّن الحكم الجاري فيما بيّنه و بين وارثه، و يتركهم في خلاف الواقع، و يبيّنه لرجل آخر أجنبي عنهم و عن إرثهم؟

أ فلم يكن بيان الحكم لهم من الإنذار الواجب عليه (صلّى اللّه عليه و آله) بنص القرآن؟

أو لم يكن تركه من الإغراء بالجهل و الإيقاع في الضلال؟

فأيّ قدح أعظم من كتمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لذلك في إنذاره و تبليغه و وصاياه، فلا يعرّف أهله و عشيرته أنهم لا يرثونه، و العقل لا يجوز ذلك بعد أن لم يكن من الأسرار المكنونة.

اللازم لذي العقل و العقلاء أن يكون تبليغ الحكم جاريا مجرى المتعارف و لا تجدي الاتفاقات القهرية؛ مثلا لو لم يكن أبو بكر حاكما و وليا لم يفد تعريف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) له حديث ما تركناه صدقة و إعلامه إياه فائدة أصلا، و لم يكن حجة قاطعة.

أما عند الخليفة و الحاكم على فرض كونه غير أبي بكر فلأن شهادة الواحد الغير المنصوص على عصمته و تطهيره من اللّه تعالى لا تقبل، و أما عند المدّعى عليه‏

____________

(1). سورة الطلاق: الآية 10، 11.

(2). سورة النحل: الآية 44.

(3). سورة الزخرف: الآية 44.

(4). سورة الشعراء: الآية 214.

117

قلت: و ذلك لقول اللّه تعالى: «وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ» (1)، و القرآن حكم عدل و قول فصل؛ يقول بعمومه و خصوصه بالإرث و أنه ورث سليمان داود و أن زكريا سأل ربه بقوله: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2)

ثم إن عليا (عليه السلام) أيام خلافته في الكوفة كتب جهرا لعثمان بن حنيف مصارحا بقوله:

بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء. فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و لم ينكر أيضا عليه أحد، و يكفي كلامه هذا في الإنكار على أبي بكر و يبطل بذلك حديث أبي بكر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إسناده إليه (صلّى اللّه عليه و آله) نفى الإرث عنه (صلّى اللّه عليه و آله).

المصادر:

هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 105.

91

المتن:

قال الشيخ محمد بن الحسن زين الدين الشهيد الثاني في أشعاره- و قد رأى الشيخ الحر العاملي بخطه-:

كيف ترقي دموع أهل الولاء * * * و الحسين الشهيد في كربلاء

...

منعوا فاطم البتول تراثا * * * من أبيها بفاسد الآراء

المصادر:

أمل الآمل: ج 1 ص 152.

____________

(1). سورة الشورى: الآية 10.

(2). سورة مريم: الآية 6.

116

قيل: إنه إذا كان أبو بكر مصرّا على الإنكار على فاطمة (عليها السلام) في منعها عن الإرث بلا حجة قاطعة، فما بال الصحابة و ما الموجب لترك النكير عليه و رضاهم بما حكم به مع خطئه عن الحق؟

قلت: إنا نقتصر فعلا في الجواب على ما حكاه ابن أبي الحديد المعتزلي في الشرح عن أبي عثمان الجاحظ، قال: قال أبو عثمان في كتاب العباسية: و قد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما- يعني أبا بكر و عمر- في منع الميراث و براءة ساحتهما ترك أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النكير عليهما.

ثم قال: قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلمين و المحتجّين عليهما و المطالبين لهما دليلا على صدق دعواهم أو استحسان مقالتهم، و لا سيما و قد طالت المناجاة و كثرت المراجعة و الملاحاة و ظهرت الشكية و اشتدت الموجدة، و قد بلغ ذلك من فاطمة (عليها السلام) حتى أنها أوصت ألا يصلي عليها أبو بكر، و لقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها و محتجّة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا متّ؟ قال: أهلي و ولدي. قالت: فما بالنا لا يرث النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فلما منعها ميراثها و بخسها حقها و اعتلّ عليها و جلح في أمرها و عاينت التهضم و آيست من التورّع و وجدت نشوة الضعف و قلة الناصر، قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك.

قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك. قالت: و اللّه لا أكلّمك أبدا. قال: و اللّه لا أهجرك أبدا.

فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة (عليها السلام) دليلا على صواب طلبها، و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك، تعريفها ما جهلت و تذكيرها ما نسيت و صرفها عن الخطأ و دفع قدرها عن النداء، و أن تقول هجرا أو تجوّر عادلا أو تقطع واصلا.

فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور و استوت الأسباب، و الرجوع إلى أصل حكم اللّه في المواريث أولى بنا و بكم و أوجب علينا و عليكم ....

118

92

المتن:

قال محمد سالم البيجاني في خلافة أبي بكر:

و أن أقوى رجل عليا * * * صاحب حق يبتغي لديا

حتى يؤدّي القوي الحقا * * * و يأخذ الضعيف ما استحقا

و عتبت فاطمة البتول‏ * * * عليه فيما خلّف الرسول‏

المصادر:

أشعة الأنوار على مرويات الأخبار: ج 1 ص 190.

93

المتن:

قصيدة طويلة منسوبه إلى السيد المرتضى، فيها ما جرى في غصب إرثها (عليها السلام):

...

و أتت فاطم تطالب بالإرث‏ * * * عن المصطفى فما و رثاها

ليت شعري لم خولفت سنن‏ * * * القرآن فيها و اللّه قد أبداها

نسخت آية المواريث فيها * * * أم هما بعد فرضها بدّلاها

فدعت و اشتكت إلى اللّه من ذاك‏ * * * و فاضت بدمعها عيناها

ثم قالت: فنحلة لي من والدي‏ * * * المصطفىفلم ينحلاها

فأقامت بها شهودا فقالوا * * * بعلها شاهد لها و ابناها

لم يجيزا شهادة ابني رسول اللّه‏ * * * هادي الأنام إذ ناصباها

لم يكن صادقا علي و لا * * * فاطم عندهم و لا ولداها

119

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 391.

94

المتن:

و ما أورده البرقي في غصب حقها (عليها السلام):

...

و لم يوار رسول اللّه في جدث‏ * * * حتى تعصّب فرعون لهامان‏

و استخرجا فدكا منها و قد علما * * * بأنها حقها حقا بتبيان‏

فإن يقولوا أصابا فاليهود إذن‏ * * * بإرث داود أولى من سليمان‏

و ما أورده لآخر من هذا الباب:

أ في فدك شك بأن محمدا * * * حواها لها من دون تيم بمشهد

و علي و سلمان و مقداد منهم‏ * * * و خبّاب مع عمار في وسط مسجد

و اشهدنا و الناس أن تراثه‏ * * * لفاطمة دون البعيد بعيد

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 396.

95

المتن:

و من ذلك قول الشيخ بهاء الدين محمد العاملي من أبياته:

...

120

أتيت تبغي قيام العذر في فدك‏ * * * أ تحسب الأمر بالتمويه مستترا

إن كان في غصب حق الطهر فاطمة * * * سيقبل العذر ممن جاء معتذرا

فكل ذنب له عذر غداة غد * * * و كل ظلم يرى في الحشر مغتفرا

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 395.

96

المتن:

و من ذلك قول الأمير علي بن معرّب من قصيدة طويلة:

...

أم للبتول فاطم إذ دفعت‏ * * * عن إرثها الحق بأمر مجمع‏

و قول من قال لها يا هذه‏ * * * لقد طلبت باطلا فارتدعي‏

أبوك قد قال بأعلى صوته‏ * * * مصرّحا في مجمع فمجمع‏

نحن جميع الأنبياء لا نرى‏ * * * أبناءنا من إرثنا بموضع‏

قالت: فهاتوا نحلتي من والدي‏ * * * خير الأنام الشافع المشفّع‏

قالوا: فهل عندك من بينة * * * تسمع دعواك جميعا و تعي‏

فقالت: ابناي و بعلي حيدر * * * أبوهما أبصر به و اسمع‏

فأبطلوا ظلما شهاداتهم‏ * * * و لم يكونوا عندهم بمقنع‏

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 392.

122

99

المتن:

شعر ابن داغر الحلي في الغدير و فيه غصب حق أمير المؤمنين و فاطمة (عليهما السلام):

حيّا الإله كتيبة مرتادها * * * يطوي له سهل الفلا و وهادها

قصدت أمير المؤمنين لقبّة * * * يا بنى على هام السماك عمادها

...

و اعصوصبوا في منع فاطم حقها * * * فقضت و قد شاب الحياة نكادها

و توفّيت غصصا و بعد وفاتها * * * قتل الحسين و ذبّحت أولادها

المصادر:

الغدير: ج 7 ص 24.

100

المتن:

شعر السيد علي خان المشعشعي:

أرجو من الدهر الخئون ودادا * * * و أرى الخليفة يخلف الأوعادا

...

دهر يحطّ الكاملين و يرفع‏ * * * الأنذال و الأوباش و الأوغادا

لو كان ذاك الدهر خير ما علا * * * التيمي بعد المصطفى أعوادا

و يذاد عنها حيدر مع أن خير * * * الخلق صرّح في الغدير و نادا

من كنت مولاه فذا مولاه من‏ * * * بعدي و أسمع بالنداء الأشهاد

و إذا نظرت إلى البتول و قد غدت‏ * * * مغصوبة بعد النبي تلادا

121

97

المتن:

قصيدة الشيخ مغامس:

كيف السلو و الخطوب تنوب‏ * * * و مصائب الدنيا عليك تصوب‏

...

و نسوا رعاية أحمد في حيدر * * * في خم و هو وزيره المصحوب‏

فأقام فيهم برهة حتى قضى‏ * * * في الفرض و هو بغضبهم مغضوب‏

و الطهر فاطمة ذوي ميراثها * * * شرّ الأنام و دمعها مسكوب‏

من بعد ما رمت الجنين بضربة * * * فقضت و حقها مغصوب‏

المصادر:

المنتخب للطريحي: ج 2 ص 293.

98

المتن:

شعر القاضي الجليس في غصب تراث فاطمة (عليها السلام):

إن خانها الدمع الغزير * * * فمن الدماء لها نصير

دعها تسحّ و لا تشحّ‏ * * * فرزؤها رزؤ كبير

ما غصب فاطمة تراث‏ * * * محمد خطب يسير

كلا و لا ظلم الوصي‏ * * * و حقه الحق الشهير

المصادر:

الغدير: ج 4 ص 386.

123

المصادر:

الغدير: ج 11 ص 310 ح 88.

101

المتن:

قال الشيخ الحر العاملي في منع أبي بكر عن أرث أبيها:

...

إذ نعت مما أبوها قد ترك‏ * * * و زادها غصب العوالي و فدك‏

و قيل إن ابن أبي قحافة * * * لما أتته ترتجي إنصافه‏

ثم أقامت الشهود كتبا * * * لها كتابا شافيا و ما أبى‏

ثم رآها في طريقها عمر * * * فأخذ الكتاب منها و بقر

قالت: بقرتها الإله يبقر * * * بطنك فاستهون ذاك عمر

فانظر إلى دعائها المجاب‏ * * * ما دونه للّه من حجاب‏

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) في ديوان الشعر العربي: ص 87.

2. تراجم أعلام النساء: ج 2 ص 313، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام).

3. منظومة في تاريخ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (مخطوط): ص 8.

102

المتن:

في القصيدة الطويلة التائية المعروفة لدعبل الخزاعي، على ما مرّ بمصادرها و أسانيدها منها:

هم نقضوا عهد الكتاب و فرضه‏ * * * و محكمه بالزور و الشبهات‏

و لم تك إلا محنة كشفتهم‏ * * * بدعوى ضلال من هن و هنات‏

125

حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (1)

المصادر:

1. تفسير العياشي: ج 1 ص 225 ح 49.

2. تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 450 ح 94، عن تفسير العياشي.

3. بحار الأنوار: ج 8 قديم ص 93.

4. البرهان: ج 1 ص 347 ح 1، عن تفسير العياشي.

5. وسائل الشيعة: ج 17 ص 439 ح 8، عن تفسير العياشي.

الأسانيد:

في تفسير العياشي: عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما، قال.

104

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

أن عليا ورث علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فاطمة (عليها السلام) أحرزت الميراث.

المصادر:

1. بصائر الدرجات: ص 294 ح 7.

2. مستدرك الوسائل: ج 17 ص 165، بتغيير فيه.

الأسانيد:

في البصائر: حدثنا يعقوب بن يزيد ابن أبي عمير، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

124

تراث بلا قربى و ملك بلا هدى‏ * * * و حكم بلا شورى بغير هداة

رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة * * * وردت أجاجا طعم كل فرات‏

و ما سهلت تلك المذاهب فيهم‏ * * * على الناس إلا بيعة الفلتات‏

و ما قيل أصحاب السقيفة جهرة * * * بدعوى تراث في الضلال نتات‏

و لو قلّدوا الموصي إليه أمورها * * * لزمت بمأمون عن العثرات‏

...

المصادر:

1. العدد القوية: ص 286 ح 15.

2. بحار الأنوار: ج 49 ص 245 ح 251.

3. زهر الآداب: ج 1 ص 86، على ما في هامش العدد القوية.

4. تاريخ ابن عساكر: ج 5 ص 234، على ما في العدد القوية.

5. مجمع الأدباء: ج 4 ص 196، على ما في العدد القوية.

6. مطالب السئول: ص 85، على ما في العدد القوية.

7. تذكرة الخواص: ص 130.

8. الوافي بالوفيات: ج 1 ص 156، على ما في العدد القوية.

9. الإتحاف: ص 165، على ما في العدد القوية.

10. نور الأبصار: ص 153، على ما في العدد القوية.

11. إثبات الهداة: ج 2 ص 390.

12. ديوان دعبل الخزاعي، على ما في إثبات الهداة.

103

المتن:

عن أحدهما (عليهما السلام)، قال:

إن فاطمة (عليها السلام) انطلقت إلى أبي بكر فطلبت ميراثها من نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: إن نبي اللّه لا يورّث. فقالت: أكفرت باللّه و كذبت بكتابه؟ قال اللّه: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ‏

127

صارت أفضل و كانت أصغرهنّ سنّا و أقلّهن صحبة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: لخصلتين خصّها اللّه بها؛ إنها ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و نسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منها و لم يخصّها بذلك إلا بفضل إخلاص عرفه من نيتها.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 43 ص 37 ح 40، عن المناقب.

2. المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 323.

107

المتن:

قال ابن أبي الثلج البغدادي في قبور النبي و الأئمة (عليهم السلام):

قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قبره بالمدينة المشرفة.

علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قبره بالغريّ.

فاطمة (عليها السلام)، بالمدينة المشرفة في الروضة أو بيتها أو بالبقيع؛ المجهولة قبرا، المدفونة سرّا، المغصوبة جهرا ....

المصادر:

تاريخ الأئمة (عليهم السلام) لابن أبي الثلج البغدادي: ص 19.

108

المتن:

قال القاضي نور اللّه التستري في رقم 25:

... قال ابن حجر في الصواعق: ... لكن جمع بعضهم بين الخبر المارّ عن عائشة الدال على تأخّر بيعة علي (عليه السلام) إلى موت فاطمة (عليها السلام)، و بين الخبر الذي مرّ عن أبي سعيد من‏

126

105

المتن:

عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال:

لما أجمع الحسن بن علي (عليه السلام) على صلح معاوية، خرج حتى لقيه. فلما اجتمعا، قام معاوية خطيبا فصعد المنبر و أمر الحسن (عليه السلام) أن يقوم أسفل منه بدرجة. ثم تكلّم ثم قال:

أيها الناس! هذا الحسن بن علي (عليه السلام) و ابن فاطمة، رآني للخلافة أهلا و لم ير نفسه لها أهلا و قد أتانا ليبايع طوعا. ثم قال: قم يا حسن. فقام الحسن (عليه السلام)، فخطب فقال:

الحمد للّه المستحمد بالآلاء ...، و أيم اللّه لأنّا أولى الناس بالناس في كتاب اللّه و على لسان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غير إنا لم نزل- أهل البيت- نحيفين مظلومين مضطهدين منذ قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فاللّه بيننا و بين من ظلمنا حقنا و نزل على رقابنا و حمل أناسا على أكتافنا و وضعنا سهمنا في كتاب اللّه من الفي‏ء و الغنائم، و منع أمنا فاطمة (عليها السلام) إرثها من أبيها ....

المصادر:

1. تفسير البرهان: ج 2 ص 152 ح 1، عن الأمالي للطوسي.

2. الأمالي للطوسي: ج 2 ص 178.

3. حلية الأبرار: ج 1 ص 253، عن الأمالي للطوسي.

الأسانيد:

في الأمالي، قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهمداني بالكوفة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن كثير، عن أبي جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال.

106

المتن:

سأل بز، الهروي الحسين بن روح فقال:

كم بنات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: أربع. فقال: أيتهن أفضل؟ فقال: فاطمة (عليها السلام). قال: و لم‏

129

و الزوجة لكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أحق بميراث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مع فاطمة (عليها السلام) من العباس، لما قدمت من انتظامه القرابة من جهتين و اختصاص العباس بها من جهة واحدة.

المصادر:

1. الفصول المختارة للمفيد: ص 171.

2. المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 261.

3. بحار الأنوار: ج 10 ص 380 ح 10.

110

المتن:

قال طه حسين في ردّ أبي بكر فاطمة (عليها السلام):

... و موقف آخر ليس من الخطورة بمكان موقف أبي بكر من الردّة، و لكنه كان عسيرا أشدّ العسر مع ذلك. و لعله آذى أبا بكر في نفسه و أمّضه و أرقّ ليله وقتا غير قصير؛ ذلك هو موقفه من فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين طلبت إليه حقها من ميراث أبيها، فلم يعطها ما طلبت، بل قال لها: إنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث ما تركناه صدقة.

و عسر هذا الموقف على أبي بكر يأتي من أنه منذ أسلم كان يؤثر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على نفسه في جميع المواطن، و كان أبرّ الناس به و بأهل بيته (عليهم السلام) و ذوي قرابته، و كان شديد الحرص على أن يحسن رضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان أبغض شي‏ء إليه أن يحسّ الجفاء من ذي قرابة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فلما طلبت فاطمة (عليها السلام) ما كانت ترى أنه حقها من ميراث أبيها، وجد نفسه بين شيئين، كلاهما عسير عليه أشد العسر؛ فإما أن يعطي فاطمة (عليها السلام) ما طلبت فيخالف عما أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الموت أهون عليه من هذا، و إما أن يمنعها ما طلبت فيؤذيها و أشد الأشياء كراهة إليه أن يؤذيها، فهي بنت أحبّ الناس إليه و أكرمهم عليه و آثرهم عنده.

128

أن عليا (عليه السلام) و الزبير بايعا من أول الأمر عليا (عليه السلام) بايع أولا ثم انقطع عن أبي بكر لما وقع بينه و بين فاطمة (عليها السلام) ما وقع في مخلفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم بعد موتها بايعه مبايعة أخرى.

فتوهّم من ذلك بعض من لا يعرف باطن الأمر أن تخلّفه إنما هو لعدم رضاه ببيعته، فأطلق ذلك من أطلق. و من ثمّ أظهر على مبايعته لأبي بكر ثانيا بعد موتها على المنبر لإزالة هذه الشبهة، انتهى.

و قال السيد التستري في جوابه: سيفرق هذا الجمع ما سيذكره قبيل الفصل الخامس حيث قال: إن أبا بكر أرسل إليهم بعد ذلك- يعني إلى علي (عليه السلام) و العباس و الزبير و المقداد-، فجاؤوا. فقال للصحابة: هذا علي و لا بيعة لي على عنقه و هو بالخيار في أمره، إلا فإنكم بالخيار جميعا في بيعتكم إياي. فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من بايعه ....

و أيضا لا وجه لتجديد البيعة الواقعة على رءوس الأشهاد لأجل انقطاع المبايع و عزلته في بيته لبعض الأغراض، من غير إظهاره لمن بايعه ليخلعه و ينكر عليه، و إلا لوجب تجديد بيعة كل من سافر عن أبي بكر مثلا بعد البيعة إلى مدة ثم رجع إليه، و هل هذا إلا أضحوكة يتلهّى به الصبيان، كما أن فساد تقييد ذلك التجديد بوقوعه على المنبر مما يكاد يبصره العميان.

المصادر:

الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة: ص 18 ح 25.

109

المتن:

قال المفيد فيمن أحقّ بميراث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بتركته:

... إنه لو لم تكن فاطمة (عليها السلام) موجودة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أحقّ بميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بتركته من العباس، و لو ورث مع الولد أحد غير الأبوين و الزوج‏

130

و مع ذلك فقد غلبت طاعته لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كل عاطفة أخرى في نفسه، فأبى على فاطمة (عليها السلام) ما طلبت، و اعتذر إليها من هذا الإباء، و بكى و أمعن في البكاء لأن قرابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحبّ إليه من قرابته، و لكنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول ما قال، فلم يسعه أن يغضب اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) ليرضي فاطمة (عليها السلام) على برّه بها و إيثاره إياها.

و ما أشك في أن الأشهر الستة التي عاشها فاطمة (عليها السلام) بعد أبيها قد ملأت نفس أبي بكر كآبة و حزنا لأن فاطمة (عليها السلام) هجرته و لم تكلّمه حتى توفّيت، و ما أشك في أن أبا بكر لم يمتحن بشي‏ء كان أشقّ على نفسه من وفاة فاطمة (عليها السلام) مغاضبة له، و من دفنها ليلا على غير علم منه و حرمانه أن يشهد جنازتها و يصلّي عليها و يبرّها بعد وفاتها بما كان يجب لها من البرّ ...، و امتحنه بهذه المحنة الخاصة حين اضطره إلى أن يرضي اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و يغضب فاطمة (عليها السلام)، مع أن غصبها عليه ثقيل. (1)

المصادر:

الشيخان لطاها حسين: ص 65.

111

المتن:

قال مخول: سألت موسى بن عبد اللّه عن أبي بكر و عمر فقال لي ما أكره ذكره، قلت لمخول: قال فيهما أشد من الظلم و الجور و الغدر قال: نعم.

قال مخول: و سألته عنهما مرة، فقال: أ تحسبني بتريا؟ ثم قال فيهما قولا سيئا.

و عن ابن مسعود، قال: سمعت موسى بن عبد اللّه يقول: هما أول من ظلمنا حقنا و ميراثنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فغصبانا فغصب الناس.

____________

(1). هذا كله فكر طه حسين المأخوذة من فكرة السقيفة و قد اشتبه عليه الحقائق حيث حسب أبا بكر بين المحذورين بينما هو أمام سيدة نساء العالمين.

131

المصادر:

تقريب المعارف: ص 252.

112

المتن:

رووا أنه أتى يزيد بن علي الثقفي إلى عبد اللّه بن الحسن- و هو بمكة- فقال:

أنشدك اللّه أتعلم أنهم منعوا فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ميراثها؟ قال: نعم. قال:

فأنشدك اللّه أتعلم أن فاطمة (عليها السلام) ماتت و هي لا تكلّمها- يعني أبا بكر و عمر- و أوصت أن لا يصلّيا عليها؟ قال: نعم. قال: فأنشدك باللّه أتعلم أنهم بايعوا قبل أن يدفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اغتنموا شغلهم؟ قال: نعم. قال: و أسألك باللّه أتعلم أن عليا (عليه السلام) لم يبايع لهما حتى أكره؟

قال: نعم. قال: فأشهدك أني منهما بري‏ء و أنا على رأي علي و فاطمة (عليهما السلام).

قال موسى: فأقبلت عليه، فقال أبي: أي بني! و اللّه لقد أتيا أمرا عظيما.

المصادر:

تقريب المعارف: ص 251.

113

المتن:

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

جاءت عائشة إلى عثمان فقالت له: اعطني ما كان يعطيني أبي و عمر بن الخطاب.

فقال: لم أجد لك موضعا في الكتاب و لا في السنة، و إنما كان أبوك و عمر بن الخطاب يعطيانك بطيبة من أنفسهما و أنا لا أفعل.

134

و احتجّ عليها برواية تفرّد هو بها عن جميع المسلمين، مع قلة رواياته و قلة علمه و كونه الغريم، لأن الصدقة تحلّ عليه؛ فقال لها: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

و القرآن مخالف لذلك، فإن صريحه يقتضي دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه بقوله تعالى:

«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و قد نصّ على أن الأنبياء يورّثون، فقال تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال عن زكريا: «إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3)

و ناقض فعله أيضا هذه الرواية، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس اختلفا في بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و عمامته و حكم لها ميراثا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو كانت صدقة لما حلّت على علي (عليه السلام)، و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، و لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه تعالى عنهم بأنه طهّرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز؛ نعوذ باللّه من هذه المقالات الرديّة و الاعتقادات الفاسدة ....

المصادر:

دلائل الصدق: ج 3 ص 22.

117

المتن:

قال الشيخ المظفّر في فصل منع فاطمة (عليها السلام) إرثها و ذكر كلامه و استدلاله للمقصود في تنبيهان:

الأول: قد يتساءل في أن المتقدم هو دعوى النحلة أو دعوى الميراث، و لا إشكال‏

____________

(1). سورة النساء: الآية ص 11.

(2). سورة مريم: الآية 5.

(3). سورة النمل: الآية ص 16.

132

قالت: فاعطني ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال لها: أو لم تحسبي أنت و مالك بن أوس النضري فشهدتما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث حتى منعتما فاطمة ميراثها و أبطلتما حقها! فكيف تطلبين اليوم ميراثا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فتركته و انصرفت.

و كان عثمان إذا خرج إلى الصلاة، أخذت قميص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على قصبة فرفعته عليها ثم قالت: إن عثمان قد خالف صاحب هذا القميص و ترك سنته.

المصادر:

1. الأمالي للمفيد: ص 125 ح 3.

2. بحار الأنوار: ج 31 ص 483 ح 7، عن الأمالي للمفيد.

3. تقريب المعارف: ص 286، بزيادة فيه، عن تاريخ الطبري و تاريخ الثقفي.

4. تاريخ الطبري، على ما في التقريب.

5. تاريخ الثقفي، على ما في التقريب.

6. جزاء أعداء الصديقة الشهيدة (عليها السلام): ص 33، عن كشف الغمة.

7. كشف الغمة، على ما في جزاء أعداء الصديقة (عليها السلام).

8. عوالم العلوم: ج 11 ص 768 ح 1، عن الأمالي للمفيد.

الأسانيد:

في الأمالي للمفيد: علي بن محمد الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي، عن الحسن بن الحسين الأنصاري، عن سفيان، عن فضيل بن الزبير، عن فروة بن مجاشع، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال.

114

المتن:

رووا عن سورة بن كليب، قال:

سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أبي بكر و عمر، قال: هما أول من ظلمنا حقنا و حملا الناس على رقابنا. قال: فأعدت عليه فأعاد عليّ ثلاثا، فأعدت عليه الرابعة فقال: ...

133

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * * * و ما علّم الإنسان إلا ليعلما

و عن كثير النواء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

سألته عن أبي بكر و عمر، فقال: هما أول من انتزى على حقنا و حملا الناس على أعناقنا و أكتافنا و أدخلا الذلّ بيوتنا.

المصادر:

تقريب المعارف: ص 245.

115

المتن:

عن أبي حمزة الثمالي، قال:

قلت لعلي بن الحسين (عليه السلام)- و قد خلا-: أخبرني عن هذين الرجلين؟ قال: هما أول من ظلمنا حقنا و أخذا ميراثنا و جلسا مجلسا كنا أحقّ به منهما، لا غفر اللّه لهما و لا رحمهما؛ كافران، كافر من تولّاهما.

المصادر:

تقريب المعارف: ص 244.

116

المتن:

ذكر الشيخ المظفر كلام العلامة الحلي في منع فاطمة (عليها السلام) إرثها:

و منها: أنه منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، فقالت: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟

135

عندهم على تقدير تقدم دعوى النحلة، و إنما الإشكال في العكس لأنها إذا ادعت الميراث أولا فقد أقرّت لزوما بأن المال ليس لها بل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى حين وفاته، فكيف تدّعي بعد هذه الإقرار النحلة و الملك في حياته.

و يمكن الجواب عنه بأنها إنما ادعت استحقاق متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مطلقا بالإرث أو ما عدا فدك، فلا ينافي دعواها بعد ذلك استحقاق خصوص فدك بالنحلة. و لو سلّم أنها سمّت فدك في دعوى الميراث فلا بأس به، لأن الشخص لا يلزم بالإقرار اللزومي ما لم يكن محل القصد في الإقرار، و إلا فالأشكال وارد أيضا على تقدير تقدّم دعوى النحلة، لأن دعوى النحلة تستلزم إقرارها بأن فدك ليست من مواريث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أملاكه، فكيف تدّعي بعد ذلك الميراث لها و هذا مما لا يقوله أحد؛ فلا بد من القول بأن الإقرار اللزومي غير معتبر.

و بالجملة، لم تقصد سيدة النساء (عليها السلام) في الدعويين إلا أن المال لها بلا خصوصية للأسباب، و إذ لا غرض لها يتعلق بذوات الأسباب و إنما ذكرتها آلة للتوصل إلى ملكها، فلا يضرّ ذكرها و إن استلزم كل سبب منها عدم مسبّب الآخر كما في كل سببين متضادّين، على أنها لما كانت اليد لها على فدك بوجه الملك بعد ما كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، لزم أن يكون انتقالها إليها بنحلة أو نحوها فتتضمّن يدها دعوى النحلة أو غيرها. فإذا ادعت الميراث كانت دعواها له متأخرة عن دعوى النحلة ذاتا.

و بالجملة، إن فدك كانت بيد الزهراء (عليها السلام) و لما توفّي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبضها أبو بكر بدعوى أنها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما قبض بقية مواريثه، فقالت إذن: ما هو له يكون لي إرثا؛ أ ترث أباك و لا أرث أبي. فردّها بأن الأنبياء لا يورّثون، فالتجأت إلى بيان وجه يدها على فدك و هو النحلة و استشهدت لها بالشهود، و ذلك أقرب إلى ظواهر الأخبار.

و كيف كان فقد ظهر مما بيّنا أن الزهراء (عليها السلام) في دعوى الإرث قد طالبت بجميع متروكات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) التي قبضها أبو بكر بلا فرق بين فدك و مال بني النظير و سهمه من خمس خيبر و غيرها. نعم، في دعوى النحلة إنما طالبت بخصوص فدك لأنها هي التي‏

136

نحلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بها طال النزاع، و كانت هي المظهر لدعواها لتعلق الدعويين بها و ظهور اغتصابه لها لسبق يدها عليها.

الثاني: إن لسيدة النساء (عليها السلام) دعوى ثالثة تتعلق بحقها من خمس خيبر الذي ملكته في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو سهمها من الخمس الذي قسّمه اللّه سبحانه بقوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ ...» (1)، و هو الذي عيّنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له و لذويه و ميّزه عن سهام المحاربين و هو حصن الكتيبة كما سبق في رواية الطبري، فملكوه بأشخاصهم. فللزهراء (عليها السلام) في خمس خيبر حقان؛ حق من حيث أنها شريكة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حق من جهة ميراثها لحقه، و قد استولى أبو بكر على خمس خيبر كله، فمنعها الحقين.

و نحن إن أصححنا له روايته أن الأنبياء لا تورث و سوّغنا له الاستيلاء على حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فما المسوغ له الاستيلاء على حق غيره و قد ملكوه في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عيّنه لهم، و ليس للحاكم أن يتولّاه كالصدقات إذا قبضها الفقراء، و لكن أبا بكر روى في ذلك رواية أخرى، جعلها حجة لاستيلائه عليه.

فقد نقل في الكنز عن أحمد و ابن جرير و البيهقي و غيرهم عن أبي الطفيل قال:

جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: أنت ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أم أهله؟ قال: بل أهله.

قالت: فما بال الخمس؟ فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إذا أطعم اللّه نبيا طعمة ثم قبضه، كانت للذي بعده. فلما ولّيت رأيت أن أردّه على المسلمين ....

و نقل أيضا عن ابن سعد عن أم هاني: إن فاطمة (عليها السلام) قالت: يا أبا بكر! من يرثك إذا متّ؟ قال: ولدي. قالت: فما شأنك ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دوننا؟ قال: يا أبنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ما ورثته ذهبا و لا فضة و لا شاة و لا بعيرا و لا دارا و لا عقارا و لا غلاما و لا مالا. قالت:

فسهم اللّه الذي جعله لنا و صافيتنا التي بيدك. فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه؛ فإذا متّ كانت بين المسلمين.

____________

(1). سورة الأنفال: الآية 41.

138

118

المتن:

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

ورث علي (عليه السلام) علم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ورثت فاطمة (عليها السلام) تركته.

المصادر:

1. بصائر الدرجات: ص 294 ح 6.

2. بحار الأنوار: ج 38 ص 154 ح 127، عن المناقب.

3. المناقب لابن شهرآشوب، على ما في البحار.

4. من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 190 ح 659.

5. تفسير برهان: ج 1 ص 348 ح 7، عن الكافي.

6. الكافي: ج 7 ص 86 ح 1.

7. التهذيب: ج 9 ص 277 ح 13.

الأسانيد:

1. في البصائر: حدثنا أحمد بن موسى، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال.

2. في من لا يحضر: روى جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال.

3. في الكافي و التهذيب: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال.

119

المتن:

عن سلمان الفارسي، قال:

قلنا يوما: يا رسول اللّه، من الخليفة بعدك حتى نعلمه؟ إلى أن قال:

137

و نحو الحديثين في شرح النهج عن كتاب السقيفة للجوهري، و هما ظاهران في أن الخمس المعيّن في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كخمس خيبر؛ قد زعم أبو بكر أنه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) للمسلمين، أو أنه له و ردّه على المسلمين و هو خطأ. فإن هذا الخمس ليس طعمة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصة حتى يشمله ما رواه هنا.

هذا، و للزهراء (عليها السلام) دعوى رابعة تتعلق بخمس الغنائم الحادثة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فإن أبا بكر كما قبض الخمس الذي كان لأهل البيت (عليهم السلام) في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كخمس خيبر منعهم خمس الغنائم الحادثة بعده.

فنازعته الزهراء (عليها السلام) في ذلك أيضا و الأخبار به كثيرة، و ذكر ابن أبي الحديد عدة أخبار في ذلك. و قد اشتهر النزاع بين الشيعة و السنة في أمر هذا الخمس و مستحقه، و للقوم فيه أقوال ليس هذا محل ذكرها، كما اشتهر أن أبا بكر و من لحقه منعوا بني هاشم خمسهم و أنهم عملوا بخلاف ما عمله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى روى أحمد في مسنده: أن نجدة الحروري سأل ابن عباس عن سهم ذي القربى فقال: هو لنا لقربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ قسّمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم، و كان عمر عرض علينا منه شيئا دون حقنا فرددناه عليه ....

و روى أحمد: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقسّم لعبد شمس و لا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسّم لبني هاشم و بني المطلب، و أن أبا بكر لم يكن يعطي قربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم، و كان عمر يعطيهم و عثمان من بعده منه.

و الأخبار في هذا الباب كثيرة، و قد طال بنا المقام. فلنمسك عنان القلم خوف الملال.

المصادر:

دلائل الصدق للمظفر: ج 3 ص 43.

139

فلما سمعت ذلك فاطمة (عليها السلام)، أقبلت حتى دخلت من وراء الحجاب و هي باكية. فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما يبكيك يا بنية؟ قالت: سمعتك تقول في ابن عمك و ولديّ ما تقول.

قال (صلّى اللّه عليه و آله): و أنت تظلمين و عن حقك تدفعين.

المصادر:

1. اليقين: ص 487 ح 188.

2. عوالم العلوم: ج 15/ 3 ص 127 ح 50، عن اليقين.

3. بحار الأنوار: ج 36 ص 264 ح 85، عن اليقين.

الأسانيد:

في اليقين: محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا زرات بن يعلي بن أحمد البغدادي، قال: أخبرنا أبو قتادة، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن بكير، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن سلمان الفارسي، قال.

120

المتن:

قال السيد حسن الأمين:

... و وقع الخلاف فيما بين الزهراء (عليها السلام) و الخليفة الأولى على فدك و على الميراث، و ماتت فاطمة (عليها السلام) و هي واجدة عليه، كما رواه البخاري و انفرد الخليفة الأول برواية: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و لم توافق على ذلك الزهراء (عليها السلام) و لا بعلها و لا أولياؤه.

المصادر:

دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: ج 1 ص 40.

141

يأمره اللّه تعالى بالاستعانة- و هو سيد المرسلين- بابنته، و هي كاذبة في دعواها غاصبة لمال غيرها؛ نعوذ باللّه من ذلك.

فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السلام) و شهد لها، فلم يقبل شهادته و قال: إنه يجرّ إلى نفسه، و هذا من قلة معرفته بالأحكام، و مع أن اللّه تعالى قد نصّ في آية المباهلة على أنه نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة و استعان به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه تعالى في الدعاء يوم المباهلة أن يشهد بالباطل و يكذب و يغصب المسلمين أموالهم؟ نعوذ باللّه من هذه المقالة.

و شهد لها الحسنان (عليهما السلام)، فردّ شهادتهما و قال: هذان ابنك، لا أقبل شهادتهما لأنهما يجرّان نفعا بشهادتهما، و هذا من قلة معرفته بالأحكام، مع أن اللّه تعالى قد أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالاستعانة بدعائهما يوم المباهلة فقال: «أبناءنا و أبناءكم»، و حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنهما سيدا شباب أهل الجنة. فكيف بجامع هذه؛ شهادتهما بالزور و الكذب و غصب المسلمين حقهم؟ نعوذ باللّه من ذلك.

ثم جاءت بأم أيمن، فقال لها: امرأة لا يقبل قولها، مع أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أم أيمن امرأة من أهل الجنة». فعند ذلك غضبت.

المصادر:

1. الدمعة الساكبة: ج 3 ص 60، عن نهج الحق.

2. نهج الحق على منا في الدمعة.

122

المتن:

عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه، فقال لها أبو بكر: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

140

121

المتن:

ذكر العلامة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي في نهج الحق المطاعن التي رواها العامة في أبي بكر:

و منها: أنه منع فاطمة (عليها السلام) إرثها، فقالت له: يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟

و احتجّ عليها برواية تفرّد بها هو عن جميع المسلمين، مع قلة رواياته و قلة علمه و كونه الغريم، لأن الصدقة تحلّ عليه. فقال لها: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

و القرآن مخالف لذلك، فإن صريحه يقتضي دخول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيه بقوله تعالى:

«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (1)، و قد نصّ على أن الأنبياء يورّثون؛ فقال اللّه تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و قال عن زكريا: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3)

و ناقض فعله أيضا هذه الرواية، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس اختلفا في بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سيفه و عمامته و حكم بها ميراثا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو كانت صدقة لما حلّت على علي (عليه السلام)، و كان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، و لكان أهل البيت (عليهم السلام) الذين حكى اللّه عنهم بأنه طهّرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز؛ نعوذ باللّه من هذه المقالات الردية و الاعتقادات الفاسدة.

و أخذ فدك من فاطمة (عليها السلام) و قد وهبها إياها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلم يصدّقها مع أن اللّه تعالى طهّرها و زكّاها و استعان بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الدعاء على الكفار على ما حكى اللّه تعالى و أمره بذلك، فقال له: «تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ». (4) فكيف‏

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآية 6.

(4). آل عمران: الآية 61.

142

لا نورّث، ما تركنا صدقة. فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفّيت؛ فعاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر.

فكانت فاطمة (عليها السلام) تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة. فأبى أبو بكر ذلك و قال: لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعمل به إلا عملت به، فإني أخشي إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس فغلب علي (عليه السلام) عليها.

و أما خيبر و فدك، فأمسكهما عمر و قال: هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانتا لحقوقه التي تعروه و نوائبه و أمرهما إلى من ولّى الأمر.

قال: فهما على ذلك إلى اليوم.

المصادر:

1. إحقاق الحق: ج 25 ص 533، عن جامع الأحاديث.

2. جامع الأحاديث للمدينان: ج 1 ص 18، على ما في الإحقاق.

3. جامع الأحاديث للمدينان: ج 4 ص 63، على ما في الإحقاق.

4. مسند فاطمة (عليها السلام): ص 28، على ما في الإحقاق.

123

المتن:

ذكر المجلسي عن جامع كتاب المسائل و أجوبتها من الأئمة (عليهم السلام) في زيارتها (عليها السلام):

السلام عليك يا سيدة نساء العالمين، السلام عليك يا والدة الحجج على الناس أجمعين، السلام عليك أيتها المظلومة الممنوعة حقها ....

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 97 ص 199 ح 18، عن جامع المسائل.

2. جامع كتاب المسائل و أجوبتها من الأئمة (عليهم السلام)، على ما في بحار الأنوار.

143

124

المتن:

محمد بن عمار في استجازة العباس لحضوره في تشييعها و الصلاة عليها بعد وفاتها (عليها السلام):

فقال علي (عليه السلام) و أنا حاضر عنده: أبلغ عمّي السلام و قل: لا عدمت إشفاقك و تحيتك، و قد عرفت مشورتك و لرأيك فضله. إن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) لم تزل مظلومة، من حقها ممنوعة و عن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا رعي فيها حقه و لا حق اللّه عز و جل، و كفى باللّه حاكما و من الظالمين منتقما، و أنا أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به، فإنها وصّتني بستر أمرها ...، إلى آخر الحديث كما سيجي‏ء مع المصادر و الأسانيد.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 43 ص 210 ح 38، عن الأمالي.

2. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: ج 1 ص 67 ح 15.

3. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 155.

الأسانيد:

في الأمالي للطوسي: بأسناده، قال: أخبرنا الشيخ أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، قال: أخبرنا الشيخ السعيد الوالد محمد بن الحسن الطوسي، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن عبيد اللّه المنصوري، قال: حدثنا سليمان بن سهل، قال: حدثنا عيسى بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا حمدان بن علي الخفاف، قال: حدثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، عن أبيه علي بن الحسين (عليه السلام)، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه عمار، قال.

144

125

المتن:

قال الشيخ الطوسي في زيارة فاطمة (عليها السلام) تقول:

السلام عليك يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ...، السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة، السلام عليك أيتها المضطهدة المقهورة ....

المصادر:

التهذيب: ج 6 ص 10.

126

المتن:

عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام)، قال: سألته عن الحيطان السبعة التي كانت ميراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) فقال: إنما كانت وقفا، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يأخذ إليه منها ما ينفق عليه أضيافه و التابعة تلزمه فيها. فلما قبض جاء العباس يخاصم فاطمة (عليها السلام) فيها، فشهد علي (عليه السلام) و غيره أنها وقف على فاطمة (عليها السلام)؛ و هي الدلال و العواف و الحسنى و الصافية و ما لأم إبراهيم و المبيت و البرقة.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 43 ص 236 ح 5، عن الكافي.

2. الكافي: ج 7 ص 47 ح 1.

الأسانيد:

في الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام)، قال.

145

127

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

المبيت هو الذي كاتب عليه سلمان، فأفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فهو في صدقتها.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 43 ص 236 ح 4، عن الكافي.

2. الكافي: ج 7 ص 48 ح 3.

الأسانيد:

في الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن إبراهيم بن أبي يحيى المزني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

128

المتن:

قال العلامة المجلسي:

وجدت في بعض مؤلفات قدماء أصحابنا في الأخبار ما هذا لفظه: مناظرة الحروري و الباقر (عليه السلام):

... قال أبو جعفر (عليه السلام): أو ليس قال اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» (1)، فهل استأذنه في ذلك؟ قال الحروري: نعم. قال أبو جعفر (عليه السلام): كذبت، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سدّ بابه عن المسجد و باب صاحبه عمر، فقال عمر: يا رسول اللّه! اترك لي كوّة أنظرك منها. قال: و لا مثل قلامة ظفر، فأخرجها و سدّ أبوابهما. فأقم البينة على أنه أذن لهما في ذلك.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 53.

146

فقال أبو جعفر (عليه السلام): بأيّ وحي و بأىّ نص؟ قال: بما لا يدفع بميراث ابنتيهما. قال جعفر (عليه السلام): أصبت أصبت يا حروري، استحقا بذلك تسعا من ثمن و هو جزء من اثنين و سبعين جزءا، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن ابنته فاطمة (عليها السلام) و عن تسع نسوة، و أنتم رويتم أن الأنبياء لا تورث. فانقطع الحروري.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 27 ص 324 ح 4، عن بعض مؤلفات قدماء الأصحاب.

2. بعض مؤلفات قدماء الأصحاب، على ما في البحار.

129

المتن:

في دعاء صنمي قريش عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

... اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه ...، و إرث غصبوه، و في‏ء اقتطعوه، و سحت أكلوه، و خمس استحلّوه، و باطل أسّسوه، و جور بسطوه، و ظلم نشروه، و وعد أخلفوه، و عقد نقضوه، و حلال حرّموه، و حرام حلّلوه، و نفاق أسرّوه، و غدر أضمروه، و بطن فتقوه، و ضلع كسروه، و صكّ مزّقوه، و شمل بدّدوه، و ذليل أعزّوه، و عزيز أذلّوه، و حق منعوه، و إمام خالفوه.

المصادر:

1. المصباح للكفعمي: ص 553.

2. بحار الأنوار: ج 82 ص 260 ح 5، عن البلد الأمين.

3. البلد الأمين: ص 551.

148

المصادر:

1. وسائل الشيعة: ج 6 ص 351 ح 8.

2. التهذيب: ج 1 ص 384.

الأسانيد:

في التهذيب: محمد بن الحسن بأسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرمي، عن عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام).

132

المتن:

حدّث أبو الوفاء الشيرازي، قال:

كنت مأسورا بكرمان في يد ابن إلياس مقيّدا مغلولا، فوقفت على أنهم همّوا بقتلي.

فاستشفعت إلى اللّه تعالى بمولانا أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام).

فحملتني عيني، فرأيت في المنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو يقول: لا تتوسّل بي و لا بابنتي و لا بابني في شي‏ء من عروض الدنيا، بل للآخرة و لما تؤمل من فضل اللّه تعالى فيها، و أما أخي أبو الحسن فإنه ينتقم لك ممن ظلمك.

فقلت: يا رسول اللّه! أ ليس ظلمت فاطمة (عليها السلام) فصبر و غصب على إرثك فصبر، فكيف ينتقم لي ممن ظلمني؟ فقال: ذاك عهد عهدته إليه و أمر أمرته به و لم يجز له إلا القيام به و قد أدّى الحق فيه، و الآن فالويل لمن يتعرّض لمواليه.

و أما علي بن الحسين (عليه السلام) فللنجاة من السلاطين و من معرة الشياطين، و أما محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليهما السلام) فللآخرة، و أما موسى بن جعفر (عليه السلام) فالتمس به العافية، و أما علي بن موسى (عليه السلام) فللنجاة من الأسفار في البرّ و البحر، و أما محمد بن علي (عليه السلام) فاستنزل به الرزق من اللّه تعالى، و أما علي بن محمد (عليه السلام) فلقضاء النوافل و برّ الإخوان، و أما الحسن بن علي (عليه السلام) فللآخرة، و أما الحجة (عليه السلام) فإذا بلغ منك السيف المذبح- و أومأ بيده إلى الحلق- فاستغث به، فإنه يعينك، و هو غياث و كهف لمن استغاث به.

147

130

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

من وجد برد حبّنا في كبده فليحمد اللّه على أول النعم. قال: قلت: جعلت فداك، ما أول النعم؟ قال: طيب الولادة.

ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): أحلّي نصيبك من الفي‏ء لآباء شيعتنا ليطيّبوا. ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنا أحللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيّبوا.

المصادر:

1. وسائل الشيعة: ج 6 ص 381 ح 10.

2. التهذيب: ج 1 ص 391.

الأسانيد:

في التهذيب: و بأسناده عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن القاسم بن يريد، عن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال.

131

المتن:

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة (عليها السلام) و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصة، يضعونه حيث شاءوا، و حرّم عليهم الصدقة حتى الخياط ليخيط قميصا بخمسة دوانيق؛ فلنا منه دانق إلا من أحللناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة، إنه ليس من شي‏ء عند اللّه يوم القيامة أعظم من الزنا، إنه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا.

150

المصادر:

تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 127.

134

المتن:

في المطاعن التي نقلها العامة في عمر بن الخطاب، أوردها العلامة الحلي في نهج الحق:

منها: أنه كان يعطي من بيت المال ما لا يجوز، حتى أنه أعفى عائشة و حفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم، و حرّم على أهل البيت (عليهم السلام) خمسهم و كان ثمانون ألف درهم لبيت المال.

و منع فاطمة (عليها السلام) إرثها و نحلتها التي وهبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

المصادر:

1. الدمعة الساكبة: ج 3 ص 71، عن نهج الحق.

2. نهج الحق، على ما في الدمعة الساكبة.

135

المتن:

قال الطريحي:

روى الصدوق أن جميع الأئمة (عليهم السلام) خرجوا من الدنيا على الشهادة ...، و كان أول من استفتح بالظلم من أخّر عليا (عليه السلام) عن الخلافة و غصب فاطمة (عليها السلام) ميراثها.

المصادر:

المنتخب للطريحي: ص 3.

149

فقلت: يا مولاي يا صاحب الزمان! أنا مستغيث بك. فإذا أنا بشخص قد نزل من السماء، تحته فرس و بيده حربة به نور. فقلت: يا مولاي! اكفني شر من يؤذيني. فقال:

قد كفيتك، فإني سألت اللّه عز و جل فيك و قد استجاب دعوتي.

فأصبحت فاستدعاني ابن إلياس و حلّ قيدي و خلع عليّ و قال: بمن استغثت؟

فقلت: استغثت بمن هو غياث المستغيثين حتى سأل ربه عز و جل، و الحمد للّه رب العالمين.

المصادر:

1. الدعوات للراوندي: ص 191 ح 530.

2. بحار الأنوار: ج 91 ص 35، عن بعض مؤلفات الأصحاب.

3. بعض مؤلفات الأصحاب، على ما في البحار.

4. جنة المأوى، على ما في هامش الدعوات.

133

المتن:

قال اليعقوبي:

و كانت بيعة أبي بكر يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة 11 في اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و اسم أبي بكر عبد اللّه بن عثمان بن عامر، و كان يسمّى عتيقا لجماله، و أمه سلمى بنت صخر من بني تيم بن مرة، و كان منزله بالسّخ خارج المدينة، و كانت امرأته حبيبة بنت خارجة فيه، و كان له أيضا منزل بالمدينة فيه أسماء بنت عميس، فلما ولّى كان منزله المدينة.

و أتته فاطمة ابنة رسول اللّه (عليها السلام) تطلب ميراثها من أبيها، فقال لها: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنا معشر الأنبياء لا نورّث، ما تركنا صدقة. فقالت: أ في كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟

أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): المرء يحفظ في ولده؟ فبكى أبو بكر بكاء شديدا.

151

136

المتن:

قال المحقق الأردبيلي:

إن أبا يوسف بن إبراهيم مصاحب أبي حنيفة قال في مجلس تدريسه: و في كتاب حاوية الألفاظ و هو موجود بعينه أن معاوية أول من أعطى الغنيمة ...، و حكم اللّه بقوله تعالى: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ ...». (1) فالغنيمة و الفي‏ء للّه و للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لمن ذكر في هذه الآية، لا بطريق أيام الجاهلية، يعطي لمن يشاء بالخيانة و على خلاف حكم اللّه جل ذكره.

فوا عجبا إذا كان البحث في فاطمة (عليها السلام) و فدك احتجوا بحديث المجعول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و أخذوا حق فاطمة (عليها السلام) و ردّوا آيات من القرآن، و إذا كان البحث في خصومة معاوية أثبتوا الميراث لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا فرق في هذا الحكم بين معاوية و غيره، بل اقتدى معاويه بالأصحاب- أبو بكر- بل فعله أشنع من معاويه ....

المصادر:

1. حديقة الشيعة: ص 345.

2. حاوية الألفاظ، على ما في الحديقة، شطرا من صدره.

137

المتن:

قال محمد علي برّو في نقل خطبة الزهراء (عليها السلام):

ثم قالت: أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمّي، أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟ ....

____________

(1). سورة الحشر: الآية 7.

153

و هذا المنع، روته عائشة كما تقدم و كانت شاهدة لما جرى بين الزهراء (عليها السلام) و أبيها، و لم تكن عائشة مجرد شاهد على الواقعة بل دعمت أباها و كانت خير معين له في دعواه، و لذا منعت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من المطالبة بإرثهن محتجّة عليهن بالحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم و غيرهما من المحدثين.

عن عروة بن الزبير: أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه مواريثهن من سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر و فدك. فقالت لهن عائشة: أ ما تتّقين اللّه؟

أ ما سمعتن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا نورّث، ما تركناه صدقة؟ إنما هذا المال لآل محمد لنائبتهم و ضعيفهم؛ فإذا متّ فهو إلى وليّ الأمر بعدي. قال: فأسكنّ.

و طلب نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إرثهن على حسب الجبلّة البشرية و العرف، إلا أن عائشة بعد موت الزهراء (عليها السلام) نسيت هذا الحديث و رجعت إلى الحق و الفطرة البشرية؛ فتراها تطرق باب عثمان للمطالبة بإرثها من النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

روى شريك بن عبد اللّه في حديث رفعه: أن عائشة و حفصة أتتا عثمان حين نقص أمهات المؤمنين ما كان يعطيهن عمر فسألتاه أن يعطيهما ما فرض عمر، فقال: لا و اللّه ما ذاك لكما عندي. فقالتا له: تأتنا ميراثنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حيطانه، و كان عثمان متكئا فجلس و كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) جالسا عنده، فقال: ستعلم فاطمة أني ابن عم لها اليوم، أ لستما اللتين شهدتما عند أبي بكر و لفقتما و معكما أعرابيا يتطهّر ببوله مالك بن الحويرث بن الحدثان، فشهدتم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة؟ فإن كنتما شهدتما بحق فقد أجزت شهادتكما على أنفسكما، و إن كنتما شهدتما بباطل فعلى من شهد بالباطل لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين.

فقالتا له: يا نعثل! و اللّه لقد شبّهك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنعثل اليهودي. فقال لهما: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ». (1) فخرجتا من عنده.

____________

(1). سورة التحريم: الآية 10.

152

فسبحان من خصّها بهذا البيان القاطع و البلاغة الواضحة، حيث أنها لم تبق للخليفة أيّ مهرب، و قد استدلّت بتوريث الأنبياء ثم بتوريث الناس، و هذه الآيات كلها عامة، فكيف يخصّ بها محمد (صلّى اللّه عليه و آله) دون غيره من سائر بني الإنسان، و لذا كان أبو بكر متّهما بحديثه الذي تفرّد به دون سائر الصحابة.

قال ابن ابي الحديد: و هذا الحديث غريب، لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده.

و الأعجب من هذا الحديث المخالف للقرآن و العرف البشري أن الجاحظ و ابن حجر في صواعقه جعلاه دليلا على أن أبا بكر أعلم الصحابة لتفرّده به.

و منع أبي بكر للزهراء (عليها السلام) من إرثها كان خلاف القرآن و السنة و الطبيعة البشرية، فلذا غضبت عليه و قاطعته، و قد منعته من الدخول عليها لعيادتها، و بقيت غاضبة عليه حتى ماتت، و أوصت أن تدفن ليلا و لا يصلّي عليها، و كانت تدعو عليه دبر كل صلاة كما تقدم.

و هذا المنع للزهراء (عليها السلام) إنما وقع عليها خاصة دون العالمين لأسباب سياسية حتى لا تأتي في اليوم الثاني و تطالب بالخلافة لزوجها فلا يمكن للخليفة الذي صدّقها في دعواها بالأمس في الإرث أن يكذّبها في دعواها الخلافة اليوم، و قد بيّن فلسفتها ابن أبي الحديد فراجع، و نحن لا نريد أن نتوسّع في الموضوع لأنه خارج عن دراستنا، و إلا فهو يحتاج إلى مجلدات متعددة.

و الحاصل أن مسألة عدم توريث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مسألة إجماعية عند السنة، و قد أخرجها أصحاب الصحاح و هي أشهر من نار على علم. (1) فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على مشرب العامة لا يورّث و هذا المنع عام لبناته و زوجاته، و نفس أبي بكر الذي ادعى تخصيص القرآن بخبره لم يخصّص المنع بالزهراء (عليها السلام) و إن كانت السياسة فرضت عليها المنع و الحرمان من الإرث خاصة دون نسائه.

____________

(1). هكذا في المصدر.

157

بنت رسول اللّه، إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث، و لكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أعطي ما كان يعطيه. قالت: و اللّه لا أكلّمك بكلمة ما حييت؛ فما كلّمته حتى ماتت.

و قيل جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى أبي بكر فقالت: اعطنى ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: إن الأنبياء لا يورث، ما تركوه فهو صدقة. فرجعت إلى علي (عليه السلام)، فقال: ارجعي فقولي: ما شأن سليمان و ورث داود، و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، فأبوا و أبى.

و عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام): أن أبا بكر قال لفاطمة (عليها السلام): النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. قالت: قد ورث سليمان داود، و قال زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (2) فنحن أقرب إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من زكريا إلى يعقوب.

و عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجاءت إلى أبي بكر فقالت: اعطنى ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال:

النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فقالت: أ لم يرث سليمان داود؟ فغضب و قال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث.

فقالت: أ لم يقل زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»؟ (3) فقال:

النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فقالت: أ لم يقل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (4)

فقال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث.

و عن أبي سعيد الخدري، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، جاءت فاطمة (عليها السلام) تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لأعلم إن شاء اللّه إنك لن تقولي إلا حقا، و لكن هاتي بينتك. فجاءت بعلي (عليه السلام) فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت. فقال: امرأة أخرى أو رجلا. فكتبت لك بها.

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة مريم: الآية 6.

(4). سورة النساء: الآية 11.

154

هذا الكلام من عثمان كان صاعقة عليهما، لأنه يحمل آيات الحق و يبيّن ظلمهما للزهراء (عليها السلام) و ما لفقتا كذبا و زورا لمنع الزهراء (عليها السلام) من إرثها أبيها.

و الحاصل أن عائشة لا ترث من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حتى تملك الحجرة و تمنع من تشاء و تدفن فيها من أحبّت.

و لو غضينا النظر عن هذا الأمر و قلنا بأنها ترث كما يقول الشيعة بنص القرآن و السنة و العرف البشري، فإن القرآن الكريم قد حدّد للزوجة سهمها؛ فإن كان الزوج ذا ولد فلها الثمن و إن لم يكن له ولد فلها الربع: «وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ». (1)

و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) توفّي عن تسعة نساء بإجماع المسلمين، فللعائشة التسع من الثمن. فإذا كانت ترث من الحجرة فلا بد أن يتجاوز من حقها مقدار شبر تقريبا.

المصادر:

أين دفن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ص 100.

138

المتن:

قال الإربلي بعد نقل قول الحميدي من إتيان فاطمة (عليها السلام) و العباس أبا بكر و طلبهما الميراث و بيعة علي (عليه السلام) و ما جرى بينه و بينهم:

... و قد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه.

ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى ملتزما بما اشترطته من العدل في القول و الفعل و علي اللّه قصد السبيل.

____________

(1). سورة النساء: الآية 12.

156

و عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فدك.

و عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت: أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدك؟ قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وقفها، فأنزل اللّه تبارك و تعالى عليه: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، فأعطاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقها. قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال: بل اللّه تبارك و تعالى أعطاها.

و قد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك و ثبت أن ذا القربى علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

و على هذا فقد كان أبو بكر و عمر لما وليّا هذا الأمر يرتبان في الأعمال و البلاد القريبة و النائبة من الصحابة و المهاجرين و الأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و لا يقاربها، فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة و سلّما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها و عرّفاهم ما روياه و قالا لهم أنتم أهل البيت و قد شهد اللّه لكم بالطهارة و أذهب عنكم الرجس، و قد عرفناكم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لا نورّث، ما تركنا صدقة.

و قد سلّمناها إليكم و شغلنا ذممكم بها، و اللّه من وراء أ فعالم فيها، و هو سبحانه بمرأى منكم و مسمع، فاعملوا فيها بما يقرّبكم منه و يزلفكم عنده. فعلى هذا سلّمناها إليكم و صرفناكم فيها، فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به و فعلتم فيها فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أصبتم و أصبنا، و إن تعدّيتم الواجب و خالفتم ما حدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أخطأتم و أصبنا، فإن الذي علينا الاجتهاد و لم نأل في اختياركم جهدا و ما علينا بعد بذل الجهد لائمة؛ و هذا الحديث من الإنصاف كما ترى، و اللّه الموفّق و المسدّد.

و روي إن فاطمة (عليها السلام) جاءت إلى أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا أبا بكر، من يرثك اذا متّ؟ قال: أهلى و ولدي. قالت: فما لى لا أرث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال: يا

____________

(1). سورة الروم: الآية 30.

155

قول أبي بكر في أول الحديث و آخره: و إني و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصنعه فيه إلا صنعته. و هو لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و آله) صنع فيها الا أنّه اصطفاها، و انما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورّث كما روى. فكان حق الحديث أن يحكي و يقول: و إني و اللّه لا أدع أمرا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول إلا عملت بمقتضى قوله أو ما هذا معناه.

و فيه: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس، فغلبه عليها علي (عليه السلام).

أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك و خيبر، فهلا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الأمر بضدّ ذلك.

فأما تسليم البعض و منع البعض فإنه ترجيح من غير مرجّح.

اللهم إلا أن يكونوا نقلوا شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك، و في قوله فغلبه عليها على دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام. فإن عليا (عليه السلام) لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة، إذ كان العباس أقرب من علي (عليه السلام) في ذلك، و غلبته إياه على سبيل الغلب و العنف مستحيل أن يقع من علي (عليه السلام) في حق العباس، و لم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة و بنيها (عليهم السلام).

و قول علي (عليه السلام): كنا نرى أن لنا فى هذه الأمر حقا فاستبددتم علينا، فتأمّل معناه يصحّ لك مغزاه و لا حاجة بنا إلى كشف مغطّاه.

و روى أحمد بن حنبل في مسنده ما يقارب ألفاظ ما رواه الحميدي و لم يذكر حديث علي (عليه السلام) و أبي بكر و مجيئه إليه في هذا الحديث.

و روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (1)، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة، لك فدك، و في رواية أخرى عن أبي سعيد مثله.

و عن عطية، قال: لما نزلت: «فَآتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ» (2)، دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك.

____________

(1). سورة الروم: الآية 30.

(2). سورة الروم: الآية 30.

158

أقول: هذا الحديث عجيب، فإن فاطمة (عليها السلام) إن كانت مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود، فإن المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه و اعتزائه إلى الدارج و ما أظنّهم شكّوا في نسبها (عليها السلام) و كونها ابنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و إن كانت تطلب فدكا و تدّعي أن أباها (صلّى اللّه عليه و آله) نحلها إياها، احتاجت إلى إقامة البينة و لم يبق لما رواه أبو بكر من قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث معني، و هذا واضح جدا، فتدبّره.

المصادر:

كشف الغمة: ج 1 ص 475.

139

المتن:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة (عليها السلام) ابنتي و يغصبها حقها و يقتلها، ثم قال: يا فاطمة، أبشري فلك عند اللّه مقام محمود، تشفعين فيه لمحبيك و شيعتك فتشفّعين. يا فاطمة، لو أن كل نبي بعثه اللّه و كل ملك قرّبه شفّعوا في كل مبغض لك غاصب لك، ما أخرجه اللّه من النار أبدا.

المصادر:

1. عوالم العلوم: ج 11 ص 708، عن كنز الفوائد.

2. كنز الفوائد: ج 1 ص 150، على ما في العوالم.

3. العدد القوية: ص 225 ح 19.

159

الأسانيد:

في كنز الفوائد: عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال.

140

المتن:

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

قال علي (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجاءت إلى أبي بكر فقالت: اعطني ميراثي من أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). قال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فقالت:

أ لم يرث سليمان داود؟ فغضب و قال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث. فقالت: أ لم يقل زكريا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ»؟ (1) فقال: النبي (عليهما السلام) لا يورّث. فقالت: أ لم يقل اللّه: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (2) فقال: النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث.

المصادر:

1. كشف الغمة: ج 1 ص 478.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 631 ح 20، عن كشف الغمة.

141

المتن:

روي أن عائشة و حفصة هما اللتان شهدتا بقوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و مالك بن أوس النصري.

____________

(1). سورة مريم: الآية 5.

(2). سورة النساء: الآية 11.

160

و لما ولّي عثمان قالت له عائشة: اعطني ما كان يعطيني أبي و عمر. فقال: لا أجد له موضعا في الكتاب و لا في السنة، و لكن كان أبوك و عمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما و أنا لا أفعل.

قالت: فاعطني ميراثي من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال: أ ليس جئت فشهدت أنت و مالك بن أوس النصري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، فأبطلت حق فاطمة (عليها السلام) و جئت تطلبينه؟! لا أفعل. قال: فكان إذا خرج إلى الصلاة نادت و ترفع القميص و تقول: إنه قد خالف صاحب هذا القميص.

فلما آذته صعد المنبر فقال: إن هذه الزعراء عدوة اللّه، ضرب اللّه مثلها و مثل صاحبتها حفصة في الكتاب: «امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما ... وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ». (1) فقالت له: يا نعثل يا عدو اللّه، إنما سمّاك رسول اللّه باسم نعثل اليهودي الذي باليمن، فلاعنته و لاعنها، و حلفت أن لا تساكنه بمصر أبدا و خرجت إلى مكة.

قلت: قد نقل ابن أعثم صاحب الفتوح أنها قالت: اقتلوا نعثلا، قتل اللّه نعثلا، فلقد أبلى سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هذه ثيابه لم تبل، و خرجت إلى مكة.

و روى غيره: إنه لما قتل جاءت إلى المدينة، فلقيها فلان فسألته عن الأحوال، فخبّرها فقال: إن الناس اجتمعوا على علي (عليه السلام). فقالت: و اللّه لأطالبنّ دمه. فقال لها: فأنت حرّصت على قتله! قالت: إنهم لم يقتلوه حيث قلت، و لكن تركوه حتى تاب و نقي من ذنبوه و صار كالسبيكة و قتلوه.

و أظنّ أن ابن أعثم رواه كذا أو قريبا منه، فإن كتابه لم يحضرني وقت بلوغي هذا الموضع.

____________

(1). سورة التحريم: الآية 10.

161

المصادر:

1. كشف الغمة: ج 1 ص 478.

2. عوالم العلوم: ج 11 ص 768 ح 2، عن كشف الغمة.

142

المتن:

قال المحقق الكنتوري في مطاعن أبي بكر:

الطعن الثاني عشر:

إن أبا بكر منع فاطمة (عليها السلام) عن ميراث أبيها. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا ابن أبي قحافة! أنت ترث أباك و أنا لا أرث أبي؟ و احتجّ أبو بكر بخبر واحد و هو نفسه، فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث و لا نورّث، و هذا الخبر مخالف للقرآن صريحا لقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (1)، و هو عام شامل للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و غيره، و أيضا مخالف لنصّ آخر و هو قوله تعالى: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». (3) فثبت أن الأنبياء يورّثون و يورّثون ....

و كلامه في إرث فاطمة (عليها السلام) و غصب فدكها طويل، و نحن نكتفي بهذا المقدار منه.

المصادر:

تشييد المطاعن للسيد محمد قلي الكنتوري: ج 1 ص 184.

____________

(1). سورة النساء: الآية 11.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة مريم: الآية 6.

163

الفصل الثاني خطبتها (عليها السلام) في المسجد

165

خطبة الزهراء (عليها السلام) عقيدة و دين و سعادة للبشرية إلى آخر الدهر.

خطبة الزهراء (عليها السلام) مدينة فاضلة و دار سلام، تدعو طالبها إلى جنات النعيم بأعلى صوتها مناديا: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ». (1)

خطبة الزهراء (عليها السلام) في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أنست خطب راحيل خطيب أهل الجنة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) ضوؤها و شعاعها جعلت خطب و مزامير داود دون شعاعها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في مسجد أبيها تذكّر مناجاة الكليم في طور سيناء.

خطبة الزهراء (عليها السلام) تجاه المنافقين سبقت كلمة الخليل في نار نمرود.

خطبة الزهراء (عليها السلام) احتجاج على أهل اللجاج في ساعة واحدة في أمة أبيها كاحتجاج و عظة نوح لأهله في ألف سنة إلا خمسين.

خطبة الزهراء (عليها السلام) درة بيضاء في ظلمات كفر يثرب.

خطبة الزهراء (عليها السلام) و كلماتها في نفسها نور و عن لسان الزهراء (عليها السلام) نور على نور.

خطبة الزهراء (عليها السلام) محك الكلام و فصل الخطاب بين الحق و الباطل.

خطبة الزهراء (عليها السلام) أبو البلاغة و أم الفصاحة و نهاية الفصاحة و البلاغة و غايتها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) مليئة بالبهاء و الضياء و الرفعة و الجلالة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) زلزلت الأرض منه زلزالها كما زلزلت المدينة و زلزلت جدران المسجد.

خطبة الزهراء (عليها السلام) كلّ منها بيان كلّ بليغ و أخرس لسان كل فصيح و تلجلج كلام كل خطيب.

____________

(1). سورة الحجر: الآية 46.

162

143

المتن:

قال يوحنّا بن إسرائيل المصري جديد الإسلام:

روى البخاري في صحيحها: أنه لما توفّي أبو بكر و جلس عمر مكانه، أتى العباس و عليا (عليه السلام) إلى عمر و طلب ميراثهما من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فغضب عمر و قال كلاما يقول فيه:

فلما توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال لكما أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه يكون صدقة. فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا.

ثم توفّي أبو بكر، فقلت: أنا وليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وليّ أبي بكر. فجئت أنت و علي و أنتما جميعا و أمركما واحد، فقلتم: الأمر لنا دونكم. فقلت لكما مقالة أبي بكر.

فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا.

قال يوحنا بعد نقل هذا الحديث لعلماء العامة: لو ألزموكم الرافضيون و قالوا لكم:

هل صدق عمر في كلامه هذا أو كذب، فما تقولون؟ فإن تقولوا: صدق، يلزم أن عليا (عليه السلام) و العباس يعتقدان بأن أبا بكر و عمر كاذبان آثمان خائنان غادران، و إذا شهد مثل علي (عليه السلام) و العباس على أحد بهذه الصفات لا شك أنه صدق و حق، لأنكم أجمعوا بأن الحق مع علي (عليه السلام) و هذا موافق لحديث صحيح قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «الحق مع علي (عليه السلام) و علي (عليه السلام) مع الحق».

و إن تقولوا: كذب عمر، فإذا هو لا يليق للخلافة، فإن من كذب في مثل أبو بكر و عمر لا ينبغي أن يكون إمام الأمة خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ....

المصادر:

كتاب الخليفة يوحنا بن إسرائيل المصري: ص 39.

164

في هذا الفصل‏

خطبة الزهراء (عليها السلام) في المسجد خلاصة الدين و تشريح الأحكام و تبيين الإسلام و نتيجة الإنسانية.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بركة في التاريخ و منشور في لوح محفوظ و مثبت في الصدور و في مكتوب الأوراق إلى بقاء العالم.

خطبة الزهراء (عليها السلام) من أكبر الوثائق التاريخية و الذخائر الإسلامية، تتحدّث عما جرى في صدر الإسلام.

خطبة الزهراء (عليها السلام) أعلى و أرقى و أوسع ثغور المذهب بل ثغور الإسلام، بل هو تنظر إلى الأفق المحيط بما تحت الخضراء.

خطبة الزهراء (عليها السلام) ينطوي على المجد و الشرف و فيه ارتقاء الملل.

خطبة الزهراء (عليها السلام) من محفوظات الزمان لا تبلي، بل تتجدّد و تتجلّى كل يوم أكثر مما كانت.

166

خطبة الزهراء (عليها السلام) خرج من فم بنت أفصح العرب و العجم و من لسان حليلة إمام الكلام و البيان و من شفتي أم فصحاء العالم.

خطبة الزهراء (عليها السلام) لم تتوقّف في جوّ المدينة و في فضاء مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و في لسان الصديقة (عليها السلام) في تجاه غاصب الخلافة و الحقوق، بل تكوّنت منها خطب أخرى و تولّدت في سكك الكوفة و في المسجد الأموي و فرغت عن اللسان العلوي الفاطمي شفتي ابنته الكبرى زينب الحوراء و فضحت خليفة الغاصب الخامس ابن خندف يزيد و عامله ابن مرجانة، و لم تتوقّف أن تولّدت منها مرة أخرى الخطبة السجادية فوق المنبر الأموية في حضور الخليفة و زلزلت عمود الخلافة و هدمت بنيان الحكومة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في ثلاثة أبعاد تنطق عن علوم ثلاثة: الاعتقاد و الأخلاق و الأحكام.

خطبة الزهراء (عليها السلام) على ما حقّقت لا شك و لا شبهه في صدورها عن الزهراء (عليها السلام) و لا يقدر بمثله بل بجملة منها أحد، لا أبو العيناء و لا أبو العمياء و لا أبو الأعمى و لا غيرها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) خطبة تليق بشأنها، فلم يخطب و لا يخطب و لن يخطب مثلها من أول الخليفة و الخليفة من لدن آدم و قبلها إلى فناء العالم إلا أبوها و بعلها و أبناؤها، صلوات اللّه عليهم.

خطبة الزهراء (عليها السلام) كلام قديسة الإسلام بل كلام قديسة الوجود، كلام الصديقة الطاهرة المطهرة، لا يمسّها إلا المطهّرون، صدر من سيدة نساء العالمين (عليها السلام).

هذه الخطبة تكفي لإصلاح الدين و الدنيا و الآخرة إذا جعلت نصب العين، و لكن المنافقون سمعوها منها فنبذوها وراء ظهورهم، فبئس ما صنعوا.

هذه الخطبة ألقت علامات استفهام كثيرة بين يدي أبي بكر لم يقدر لجواب واحدة منها.

167

كفى في فضل هذه الخطبة أن نقول: لو لم يكن للزهراء (عليها السلام) فضيلة إلا هذه الخطبة لكفى في فضلها و علوّ شأنها و شموخ قدرها.

فالعجب و الأسف لمن يزعم أن الزهراء (عليها السلام) تخطب هذه الخطبة الغرّاء لأجل نخيلات و مزارع في قرية فدك قطّ!

اللّه أكبر و سبحان من خلق الزهراء (عليها السلام) و سبحان من خلق الكائنات لأجلها و جعل مهرها الأرض كلها و فدك جزء منها!

الزهراء (عليها السلام) أكرم و أعظم من أن تخطب بهذه الخطبة لأجل فدك أو لأجل إرثها أو لأجل حطام الدنيا، و فدك و غير فدك دون أن تخطب سيدة النساء (عليها السلام) لها، و ما تصنع فاطمة و علي (عليهما السلام) بفدك و غير فدك و ما عند اللّه خير لهما و أبقى.

ما أصغر فدك بالنسبة إلى فوق الأرض و في الجغرافيا و ما أوسعها في خارطة التاريخ و في حدودها على مستوى الحكومة الإسلامية و الخلافة الإلهية، و أوسعتها الزهراء (عليها السلام) مرة أخرى على أوسعيتها بخطبتها الغراء الخالدة العالمية.

إن الزهراء (عليها السلام) انعقد مجلسا في مسجد أبيها في حشد من المسلمين لاستيضاح و محاكمة غاصب الخلافة الإلهية و الحكومة الإسلامية أولا، و استيضاح و محاكمة المسلمين من المهاجرين و الأنصار و غيرهم ثانيا. فلينظر أهل الملل و النحل قبل أن يعرف الزهراء (عليها السلام) و أبا بكر و ليقضوا بنظرة العدل و الإنصاف في ما جرى بينهما.

أيها الناس! أيها المسلمون! يا أهل العالم! يا ملائكة السماوات! هذه سيدتنا و هذه خطبتها و هذه بضاعتنا؛ اشهدوا على هؤلاء القوم، سرقوا الخلافة و الدين، و اختلسوا فدك و الميراث، و ظلموا و سخطوا و ألّموا و أهضموا حبيبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى طرحوها على الفراش، و جعلوها كالخيال حتى ألقت خطبتها جالسة على الأرض، مع أن الخطيب يخطب قائما أو جالسا على المنبر أو الكرسي.

168

فيا حسرة على خطبة ألقيت على رجال من المسلمين و لم ينتبهوا من غميزتهم و سنتهم و نيامهم، بل سمعوا الحقائق و الحكم عن السيدة؛ فاستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه و ابتاعوا لأنفسهم معيشة ضنكا و نبذوا هذه الحقائق وراء ظهورهم، فبئس ما يشترون.

هذه خطبة بدأت بأنّة الزهراء (عليها السلام) و أنّة المهاجرين و الأنصار و بكائهم، و بكاء و حنين من لم يبك و لا يبكي أبدا، و بكاء من كان قلبه كالصخر، و بكاء من غصب فدك الزهراء (عليها السلام).

فشرعت بها بالحمد و الثناء و بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و رسالته على الأمة و الخطاب للمهاجرين و الأنصار.

ثم في كتاب اللّه و العترة و في أسرار الأحكام و توصيف نفسها و مسيرة رسالة أبيها.

ثم في شأن علي (عليه السلام) في إبلاغ الرسالة و ما وقع بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و أخيرا في خطبتها في فدك و الإرث. ثم شكواها إلى قبر أبيها و خطابها مع الأنصار و تظلّمها و شكواها و جواب أبي بكر لها و حديث مجعولة، و خطابها في ردّ أبي بكر و جواب أبي بكر ثانيا.

ثم معاتبة الزهراء (عليها السلام) للمسلمين و أثر خطبتها.

ثم قصه أبي بكر و عمر بعد خطبتها، و اجتماع الناس في المسجد و خطبة أبي بكر، و استنكار أم سلمة و ما جرى بينها و بين رافع.

ثم رجوعها إلى المنزل و شكواها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و تسلية علي (عليه السلام) و آخر كلامها: حسبي اللّه.

يأتي في هذا الفصل عن خطبتها الفدكية العناوين التالية في 37 حديثا:

169

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الإمامي برواية زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليها السلام)، و فيها مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى المسجد النبوي في لمّة من حفدتها و نساء قومها تمشي مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حولها المهاجرين و الأنصار، و أنّتها و إجهاش القوم و أنّتهم بأنّتها، و افتتاح الخطبة بعد سكون روعتهم و هدوء فورتهم.

ابتداؤها بالحمد و الثناء على ما أنعم ببيانها الغرّاء و كلامها الفصيح و الشهادة برسالة أبيها محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

ثم التفاته إلى المهاجرين و الأنصار و خطابهم بأمر اللّه و نهيه و شرائع الإسلام و أسرار الأحكام، و تعريف نفسه و تبليغ أبيه في أمر الرسالة و إهدائه قومه إلى الصراط المستقيم و فعال الناس بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الإشارة إلى تراثه و ذكر آيات الإرث.

شكواها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و خطابها مع الأنصار و ظلمها و غصبها تراث أبيها و خذلان الناس عن الحق و خذلانهم ابنة نبيهم و تظلّمها بأني بنت نبيكم.

جواب أبي بكر لها بحديث مجعول، خطابها مع أبي بكر، تصريح القرآن بإرث الأنبياء و جواب أبي بكر لها، خطابها مع المسلمين و عتابهم و توبيخهم، أثر خطبتها و ما جرى بين أبي بكر و عمر بعد خطبتها، ثم النداء بالصلاة جامعة، استنكار أم سلمة خطابها مع رافع و تذكّر واقعة الغدير، شكواها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و تخفيف أمير المؤمنين (عليه السلام) آلامها و أحزانها.

رواية هذه الخطبة في أكثر من عشرين مصدرا مع عدة أسانيد و بطرق مختلفة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي جعفر الطبري أيضا برواية تنتهي إلى الحسين (عليه السلام)، و برواية تنتهي إلى الباقر (عليه السلام)، و برواية تنتهي إلى ابن عباس، و برواية تنتهي إلى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، و برواية محمد أبي هشام، و برواية عوانة، و برواية ابن عائشة، و برواية فاطمة بنت الحسين (عليه السلام).

170

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور برواية زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليه السلام)، و برواية الإمام الحسين (عليه السلام)، و برواية عبد اللّه بن الحسن بن الحسن.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي برواية عبد اللّه بن الحسن بأسناده عن آبائه (عليهم السلام).

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل السيد المرتضى برواية عائشة و برواية ابن عائشة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل القاضي النعمان أبي حنيفة المغربي برواية محمد بن سلام بأسناده.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل السيد رضي الدين علي بن طاوس برواية عائشة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي عن كتاب السقيفة و فدك الجوهري برواية عبد اللّه بن الحسن بن الحسن و علي بن الحسين عن أبيه (عليهما السلام)، و برواية أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام).

و بنقل ابن أبي الحديد بالروايات الثلاثة المذكورة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل يوسف بن حاتم الشامي برواية زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام).

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل أبي سعد منصور بن الحسين الآبي.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل الشيخ محمد الأخباري النيشابوري برواية عائشة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل الخوارزمي برواية عائشة شطرا منها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل ابن الأثير.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل السبط ابن الجوزي عن الشعبي شطرا منها.

171

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل الشيخ المفيد برواية زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السلام) شطرا منها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل الشيخ الصدوق برواية زينب بنت علي (عليها السلام) شطرا منها.

خطبة الزهراء (عليها السلام) بنقل ابن شهرآشوب شطرا منها.

نقل العلامة المجلسي هذه الخطبة عن الاحتجاج و شرحها ببيان أوفى.

كلام المولى محمد علي القراجه‏داغي الأنصاري في الاحتجاجات و ما ذكر من أمر فدك و شرح خطبتها الغرّاء و حلّ غوامض العبارات و اللغات بأحسن ما يمكن، و ذكر مصادرها و أسانيدها و طرقها المتكاثرة المتضافرة.

كلام الكعبي في تحكيم صدور الخطبة و أسانيده و جواب الإشكالات و النقض و الإبرام في ذلك و ما يتوهّم البعض من صدورها و وقوع بعض مقدماتها و ذكر متن الخطبة عن الاحتجاج.

ذكر ابن ميثم شطرا من خطبة الزهراء (عليها السلام) بعد ذكر كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف.

كلام السيد الأمين في خطبتها الغرّاء و الجواب عن بعض علماء العامة في طلب فاطمة (عليها السلام) و كفّها بعد الطلب و غضبها على غاصبها و ردّ قول أبي العيناء.

ذكر عبد الوهاب الكاشي شطرا كثيرا من خطبتها المنقولة خلفا عن سلف و رجوعها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و الكلام بينهما.

كلام السيد محمد كاظم القزويني في مقدمة خطبة الزهراء (عليها السلام) في سرّ مطالبة الزهراء (عليها السلام) فدك و التحدي و الإصرار فيها و الجواب عن بعض المشاكل المتوهمة في الأذهان.

كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في ذكر انصراف فاطمة (عليها السلام) من عند أبي بكر و كلامها لأمير المؤمنين (عليه السلام) و جوابه لها، دفع المجلسي الإشكال الذي يتوهّم من اعتراض فاطمة (عليها السلام) مع عصمتها (عليها السلام) و النقض و الإبرام و الاستدلال.

173

1

المتن:

عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قالت:

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و انصرف عاملها منها، لاثت خمارها، ثم أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ أذيالها، ما تخرم مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى دخلت على أبي بكر و قد حفل حوله المهاجرون و الأنصار.

فنيطت دونها ملاءة، فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء. ثم أمهلت حتى هدأت فورتهم و سكنت روعتهم، افتتحت الكلام فقالت:

أبتدئ بالحمد لمن هو أولى بالحمد و المجد و الطول؛ الحمد للّه على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم، و الثناء على ما قدم من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و إحسان متن والاها، جمّ عن الإحصاء عددها، و نأى عن المجاراة أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، استدعى الشكور بإفضالها، و استحمد إلى الخلائق بأجزالها، و أمر بالندب إلى أمثالها.

174

و أشهد أن لا إله إلا اللّه، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمّن القلوب موصولها، و أبان في الفكر معقولها؛ الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام الإحاطة به.

ابتدع الأشياء لا من شي‏ء كان قبله، و أنشأها بلا احتذاء مثله؛ وضعها لغير فائدة زادته إظهارا لقدرته، و تعبّدا لبريته، و إعزازا لأهل دعوته. ثم جعل الثواب على طاعته، و وضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنته.

و أشهد أن أبي محمدا عبده و رسوله؛ اختاره قبل أن يبعثه، و سمّاه قبل أن يستنجبه، إذ الخلائق في الغيب مكنونة، و بسدّ الأوهام مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه في غامض الأمور، و إحاطة من وراء حادثة الدهور، و معرفة بموقع المقدور.

ابتعثه اللّه إتماما لعلمه، و عزيمة على إمضاء حكمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها؛ فأنار اللّه بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمها و فرّج عن القلوب شبهها، و جلا عن الأبصار غممها، و عن الأنفس عمهها.

ثم قبضه اللّه إليه قبض رأفة و رحمة و اختيار، و رغبة لمحمد عن تعب هذه الدار، موضوعا عنه أعباء الأوزار، محفوة بالملائكة الأبرار و رضوان الرب الغفّار، و مجاورة الملك الجبار؛ أمينه على الوحي و صفيّه و رضيّه و خيرته من خلقه و نجيّه؛ فعليه الصلاة و السلام و رحمة اللّه و بركاته.

ثم التفتت إلى أهل المسجد فقالت للمهاجرين و الأنصار:

و أنتم عباد اللّه نصب أمره و نهيه، و حملة دينه و وحيه، و أمناء اللّه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم؛ زعيم اللّه فيكم، و عهد قدم إليكم.

و بقية استخلفها عليكم؛ كتاب اللّه بينة بصائره، و آية منكشفة سرائره و برهانه، متجلّية ظواهره، مديم للبرية استمامه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤد إلى النجاة أشياعه؛ فيه تبيان حجج اللّه المنيرة، و مواعظه المكرّرة، و عزائمه المفسّرة، و محارمه المحذّرة،

172

قصيدة عبد المنعم الفرطوسي في قصة فدك و خطبة الزهراء (عليها السلام).

كلام المسعودي في اختيار إمامة المفضول و كلام فاطمة (عليها السلام) متمثّلة عند قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله).

كلام ابن شهرآشوب في مناقب الصالحات، منها فقرة من خطبة فاطمة (عليها السلام).

كلام الشيخ الحر العاملي في ادعاء فاطمة (عليها السلام) من أبي بكر الميراث و النحلة و سهم ذوي القربى و منع أبي بكر منها و خطبة فاطمة (عليها السلام) و إنشاد الشعر و إظهار التظلّم و الشكوى.

كلام السيد شرف الدين في خطبة فاطمة (عليها السلام) و احتجاجات الهاشميين و الصحابة و التابعين كسلمان و أبي ذر و عمار و المقداد و بريدة و أبي الهيثم و سهل و عثمان ابني حنيف و خزيمة و أبيّ و أبي أيوب و غيرهم.

كلام النمازي في فصاحة خطبة فاطمة (عليها السلام) و بلاغتها في كلامها مع عائشة و في شكايتها من أهل المدينة و كلماتها مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حين انصرافها من المسجد.

كلام الزمخشري و الزبيدي و ابن المنظور و ابن الأثير في مادة لمّة بمعني الجماعة.

كلام كمال السيد في كيفية ورود الزهراء (عليها السلام) في المسجد و أنّتها و بكاء القوم.

قصيدة السيد المدرّسي في قصة فدك و خطبة الزهراء (عليها السلام).

كلام الجاحظ في سؤال و جواب فاطمة (عليها السلام) مع أبي بكر و ردّ تنزيه أبي بكر.

175

و أحكامه الكافية، و بيّناته الجالية، و فضائله المندبة، و رخصه الموهوبة، و رحمته، و شرائعه المكتوبة.

ففرض اللّه عليكم الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها لكم عن الكبر، و الزكاة تزييدا في الرزق، و الصيام إثباتا للإخلاص، و الحجّ تشييدا للدين، و الحق تسكينا للقلوب و تمكينا للدين، و طاعتنا نظاما للملة، و إمامتنا لما للفرقة، و الجهاد عزّا للإسلام، و الصبر معونة على الاستجابة، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و النهي عن المنكر تنزيها للدين، و البرّ بالوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منماة للعدد و زيادة في العمر، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالعهود تعرّضا للمغفرة، و وفاء المكيال و الميزان تعبيرا للبخس و التطفيف، و اجتناب قذف المحصنة حجابا عن اللعنة، و التناهي عن شرب الخمور تنزيها عن الرجس، و مجانية السرقة إيجابا للعفة، و أكل مال اليتيم و الاستيثار به إجارة من الظلم، و النهي عن الزنا تحصّنا عن المقت، و العدل في الأحكام إيناسا للرعية، و ترك و الجور في الحكم إثباتا للوعيد، و النهي عن الشرك إخلاصا له تعالى بالربوبية.

فاتقوا اللّه حق تقاته، و لا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون، و لا تتولّوا مدبرين، و أطيعوه فيما أمركم و نهاكم؛ ف «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». (1)

فاحمدوا اللّه الذي بنوره و عظمته ابتغى من في السماوات و من في الأرض إليه الوسيلة؛ فنحن وسيلته في خلقه، و نحن آل رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و نحن حجة غيبه، و ورثة أنبيائه.

ثم قالت: أنا فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ أقولها عودا على بدء، و ما أقولها إذ أقول سرفا و لا شططا؛ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (2) إن تعزّوه تجدوه أبي دون نسائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم؛ تبلغ النذارة صادعا بالرسالة، ناكبا عن سنن المشركين، ضاربا لأثباجهم، آخذا بأكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة.

____________

(1). سورة الفاطر: الآية 28.

(2). سورة التوبة: الآية 128.

176

يجذّ الأصنام و ينكت الهام، و حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و حتى تفرّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و هدأت فورة الكفر، و خرست شقاشق الشيطان، و فهتم بكلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ». (1)

فأنقذكم منها نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ تعبدون الأصنام، و تستقسمون بالأزلام، مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الرنق، و تقتاتون القدد، أذلّة خاشعين؛ تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم. فأنقذكم به بعد اللتيا و اللتي و بعد ما مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (2)، و كلّما نجم قرن الضلالة أو فغرت فاغرة للمشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحدّه؛ مكدودا في ذات اللّه، قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سيدا في أولياء اللّه و أنتم في بلهنية آمنون، وادعون فرحون؛ تتوكّفون الأخبار، و تنكصون عند النزال على الأعقاب، حتى أقام اللّه بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) عمود الدين.

و لما اختار له اللّه عز و جل دار أنبيائه و مأوى أصفيائه، ظهرت حسيكة النفاق و سمل جلباب الدين و أخلق ثوبه و نحل عظمه و أودت رمّته، و ظهر نابغ، و نبغ خامل، و نطق كاظم، و هدر فنيق الباطل.

يخطر في عرصاتكم، و اطّلع الشيطان رأسه من مغرزه، صارخا بكم. فألفاكم غضابا فحطمتم غير إبلكم و أوردتموها غير شربكم بدارا.

زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (3) هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجراح لمّا يندمل.

فهيهات منكم و أين بكم و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ زواجره لائحة، و أوامره لامحة، و دلائله واضحة، و أعلامه بيّنة، و قد خالفتموه رغبة عنه. ف «بِئْسَ‏

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 103.

(2). سورة المائدة: الآية 64.

(3). سورة التوبة: الآية 49.

177

لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا». (1)

ثم لم تريثوا شعثها إلا ريث أن تسكن نفرتها و يسلس قيادها؛ تسرّون حسوا بارتغاء، أو نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و زعمتم أن لا أرث لنا. أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تبغون‏ (2) وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏ «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

أيها معشر المسلمين! أ أبتزّ إرث أبي؟! يا ابن أبي قحافة؟ أبى اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا!

جرأة منكم على قطيعة الرحم و نكث العهد؛ فعلى عمد تركتم كتاب اللّه بين أظهركم و نبذتموه، إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (4)، و فيما قصّ من خبر يحيى و زكريا إذ يقول: «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (5)، و قال عز و جل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (6)، و قال تعالى: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ». (7)

زعمتم أن لا حظّ لي و لا أرث من أبي؟ أ فخصّكم اللّه بآية أخرج أبي منها أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من ملة واحدة؟ أم أنتم بخصوص القرآن و عمومه أعلم ممن جاء به؟

فدونكموها مرحولة مزمومة، تلقاكم يوم حشركم، فنعم الحكم اللّه و نعم الخصيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، و عما قليل تؤفكون و عند الساعة ما تخسرون، و لكل نبأ مستقرّ، و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه و يحلّ عليه عذاب مقيم.

____________

(1). سورة للكهف: الآية 50.

(2). سورة المائدة: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة النمل: الآية 16.

(5). سورة مريم: الآية 6.

(6). سورة النساء: الآية 11.

(7). سورة البقرة: الآية 180.

178

ثم التفتت إلى قبر أبيها و تمثّلت بأبيات صفية بنت عبد المطلب:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اجتثّ أهلك مذ غيّبت و اغتصبوا

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏ * * * لما نأيت و حالت بيننا الكثب‏

تهجّمتنا ليال و استخفّ بنا * * * دهر فقد أدركوا منا الذي طلبوا

قد كنت للخلق نورا يستضاء به‏ * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغاب عنا فكل الخير محتجب‏

فقال أبو بكر: صدقت يا بنت رسول اللّه، لقد كان أبوك بالمؤمنين رءوفا رحيما و على الكافرين عذابا أليما، و كان و اللّه إذا نسبناه وجدناه أباك دون النساء، و أخا ابن عمك دون الرجال؛ آثره على كل حميم و ساعده على الأمر العظيم، و أنتم عترة نبي اللّه الطيبون، و خيرته المنتجبون على طريق الجنة أدلّتنا، و أبواب الخير لسالكينا.

فأما ما سألت، فلك ما جعله أبوك و أنا مصدّق قولك، لا أظلم حقك.

و أما ما ذكرت من الميراث، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث.

فقالت فاطمة (عليها السلام): يا سبحان اللّه! ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال مخالفا و لا عن حكمه صادفا؛ فلقد كان يلتقط أثره و يقتفي سيره. أ فتجمعون إلى الظلامة الشنعاء و الغلبة الدهياء، اعتلالا بالكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إضافة الحيف إليه؛ و لا عجب إن كان ذلك منكم و في حياته ما بغيتم له الغوائل، و ترقّبتم به الدوائر.

هذا كتاب اللّه حكم عدل و قائل فصل عن بعض أنبيائه إذ قال: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و فصّل في بريته الميراث مما فرض من حظّ الذكور و الأناث. فلم سوّلت لكم أنفسكم أمرا؟ فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون.

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

179

قد زعمت أن النبوة لا تورّث و إنما يورّث ما دونها! فما لي أمنع إرث أبي؟ أ أنزل اللّه في كتابه: إلا فاطمة بنت محمد؟ فدلّني عليه أقنع به.

فقال أبو بكر لها: يا بنت رسول اللّه! أنت عين الحجة و منطق الحكمة، لا أدلى بجوابك و لا أدفعك عن صوابك، لكن المسلمون بيني و بينك؛ فهم قلّدوني ما تقلّدت و آتوني ما أخذت و ما تركت.

فقالت فاطمة (عليها السلام) لمن بحضرته: أ تجتمعون إلى المقبل بالباطل و الفعل الخاسر؛ لبئس ما اعتاض المسلمون؛ و ما يسمع الصمّ الدعاء إذا ولّوا مدبرين.

أما و اللّه لتجدنّ محملها ثقيلا و عبأها وبيلا إذا كشف لكم الغطاء، فحينئذ لات حين مناص، و بدأ لكم من اللّه ما كنتم تحذرون.

قالوا: و لم يكن الرجل حاضرا. فكتب لها أبو بكر كتابا إلى عامله بردّ فدك.

فأخرجته في يدها و استقبلها عمر، فأخذه منها و تفل فيه و مزّقه و قال: لقد خرف ابن أبي قحافة و ظلم. فقالت له: ما لك لا أمهلك اللّه تعالى و قتلك و مزّق بطنك، و أتت من فورها ذلك الأنصار فقالت:

معشر النقيبة و حصنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بحفظ المرء في ولده؟ فسرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة! أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب جليل استوسع وهيه، و استهتر فتقه، و فقد راتقه، فأظلمت الأرض لغيبته، و اكتأب خيرة اللّه لمصيبته، و أكدت الآمال، و خشعت الجبال و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة بموت محمد (صلّى اللّه عليه و آله).

فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه هتافا هتافا، و لقبل ما خلت به أنبياء اللّه و رسله، «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ..». (1)

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

183

موسى»، و قوله: «إني تارك فيكم الثقلين»؟ ما أسرع ما أحدثتم و أعجل ما نكثتم. و هو في بقية الحديث على السياقة.

المصادر:

1. دلائل الإمامة للطبري: ص 30.

2. علل الشرائع: ص 248 ح 2، شطرا منها.

3. علل الشرائع: ص 248 ح 3، شطرا منها.

4. علل الشرائع: ص 249 ح 4، شطرا منها.

5. بحار الأنوار: ج 6 ص 107 ح 1، عن العلل، شطرا منه.

6. بحار الأنوار: ج 6 ص 108، بسند آخر، عن العلل، شطرا منه.

7. بحار الأنوار: ج 29 ص 218 ح 3، عن العلل.

8. بحار الأنوار: ج 29 ص 218 ح 4، عن العلل.

9. بحار الأنوار: ج 29 ص 219 ح 5، عن العلل.

10. تذكرة الحمدونية لابن حمدون: ج 6 ص 255 ح 628، بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

11. الفاضل في صفة الأب الكامل: ص 210، بتفاوت يسير و نقيصة فيه.

12. بحار الأنوار: ج 89 ص 13 ح 5، شطرا منه، عن العلل.

13. بحار الأنوار: ج 93 ص 368 ح 47، عن العلل.

14. إحقاق الحق: ج 19 ص 163، عن أهل البيت (عليهم السلام).

15. أهل البيت (عليهم السلام) لتوفيق أبي علم: ص 88، على ما في الإحقاق.

16. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للإسلامي: ص 133، عن الدلائل.

17. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرّم: ص 83.

18. الزهراء (عليها السلام) في السنة و التاريخ و الأدب: ج 2 ص 522.

19. أعيان النساء عبر العصور المختلفة: ص 429.

20. أعلام النساء المؤمنات لمحمد الحسون: ص 556، عن الاحتجاج.

الأسانيد:

1. في دلائل الإمامة: حدثني أبو الفضل محمد بن عبد اللّه، قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان بن سعيد الزيات، قال حدثنا محمد بن الحسين العضباني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن نصر البزنطي، عن السكوني، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن أبان بن تغلب الربعي، عن‏

180

أ بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع؟ تلبسكم الدعوة و يشملكم الجبن؟ و فيكم العدة و العدد، و لكم الدار و الخيرة، و أنتم أنجبته التي امتحن، و نحلته التي انتحل، و خيرته التي انتخب لنا أهل البيت.

فنابذتم فينا العرب، و ناهضتم الأمم، و كافحتم البهم؛ لا نبرح و تبرحون، و نأمركم فتأتمرون، حتى دارت بنا و بكم رحى الإسلام، و درّ حلب البلاد، و خضعت بغوة الشرك، و هدأت روعة الهرج، و بلغت نار الحرب، و استوسق نظام الدين.

فأنّى جرتم بعد البيان و نكصتم بعد الإقدام عن قوم نكثوا أيمانهم و همّوا- الآية- أ لا أرى و اللّه إن أخلدتم إلى الخفض و ركنتم إلى الدعة، فحجتم الذي استرعيتم و رسعتم ما است‏ (1) رعيتم.

ألا «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...». (2)

ألا و قد قلت الذي قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، و لكنها فيضة النفس و نفأة الغيظ وبئة الصدر و معذرة الحجة، فدونكم فاحتقبوها دبرة الظهر، ناقية الخضا (3)، باقية العار.

موسومة (4) بشنار الأبد موصولة بنار اللّه المؤصدة- الآية-. فبعين اللّه ما تفعلون! «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (5)، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إنا عاملون و انتظروا إنا منتظرون. و سيعلم الكفار لمن عقبى الدار؛ «وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ» (6)، «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» (7)، «وَ مَنْ يَعْمَلْ‏

____________

(1). هكذا في المصدر و في وفاة الصديقة للمقرم: و لفظتم الذي سوغتم.

(2). سورة إبراهيم: الآية 9.

(3). هكذا في المصدر و في وفاة الصديقة: تاقية الخف.

(4). في وفاة الصديقة: مسمومة بشنار الأبد.

(5). سورة الشعراء: الآية 227.

(6). سورة التوبة: الآية 105.

(7). سورة الإسراء: الآية 13.

182

أيها الناس! ما هذه الرعة و مع كل قالة أمنية؟ أين كانت هذه الأماني في عهد نبيكم؟

فمن سمع فليقل و من شهد فليتكلّم. كلّا، بل هو ثعالة شهيده ذنبه؛ لعنه اللّه و قد لعنه رسوله مرات.

بكل أمنية يقول كروها جذعة ابتغاء الفتنة من بعد ما هرمت، كأم طحال؛ أحبّ أهلها الغوي. ألا لو شئت أن أقول لقلت و لو تكلّمت لبحت، و إني ساكت ما تركت. يستعينون بالصبية، و يستنهضون النساء؟ و قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، فو اللّه إن أحق الناس بلزوم عهد رسول اللّه لأنتم؛ لقد جاءكم الرسول فاويتم و نصرتم و أنتم اليوم أحق من لزم عهده، و مع ذلك فاغدوا على أعطياتكم. فإني لست كاشفا قناعا و لا باسطا ذراعا و لا لسانا إلا على من استحق ذلك، و السلام.

قال: فأطلعت أم سلمة رأسها من بابها و قالت: أ لمثل فاطمة (عليها السلام) يقال هذه، و هي الحوراء بين الإنس و الإنس للنفس؛ ربّيت في حجور الأنبياء، و تداولتها أيدي الملائكة، و نمت في المغارس الطاهرات؛ نشأت خير منشأ، و ربّيت خير مربّي. أ تزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حرّم عليها ميراثه و لم يعلمها و قد قال اللّه له: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)، أ فأنذرها؟

و جاءت تطلبه و هي خيرة النسوان و أم سادة الشبان و عديلة مريم ابنة عمران و حليلة ليث الأقران. تمّت بأبيها رسالات ربه، فو اللّه لقد كان يشفق عليها من الحر و القر فيوسدها يمينه و يدثرها شماله رويدا، فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمرأى لأعينكم و على اللّه تردّون؛ فواها لكم و سوف تعلمون.

قال: فحرّمت أم سلمة تلك السنة عطاءها، و رجعت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها، فشكت.

قال أبو جعفر: نظرت في جميع الروايات، فلم أجد فيها أتمّ شرح و أبلغ في الإلزام و أوكد في الحجة من هذه الرواية، و نظرت إلى رواية عبد الرحمن بن كثير، فوجدته زاد في هذا الموضع: أنسيتم قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بدأ بالولاية: «أنت مني بمنزلة هارون من‏

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 214.

181

مِثْقالَ ذَرَّةٍ ...» (1)، و كل الأمر قد قصر.

ثم ولّت، فتبعها رافع بن رفاعة الزرقي، فقال لها: يا سيدة النساء، لو كان أبو الحسن تكلّم في هذا الأمر و ذكر للناس قبل أن يجري هذا العقد، ما عدلنا به أحدا.

فقالت: يردنها إليك عني، فما جعل اللّه لأحد بعد غدير خم من حجة و لا عذر.

قال: فلم ير باك و باكية كان أكثر من ذلك اليوم؛ ارتجّت المدينة و هاج الناس و ارتفعت الأصوات.

فلما بلغ ذلك أبا بكر قال لعمر: تربت يداك، ما كان عليك لو تركتني؛ فربما فات الخرق و رتقت الفتق. أ لم يكن ذلك بنا أحق؟ فقال الرجل: قد كان في ذلك تضعيف سلطانك و توهين كافّتك، و ما أشفقت إلا عليك. قال: ويلك! فكيف بابنة محمد و قد علم الناس ما تدعو إليه و ما نحن من الغدر عليه. فقال: هل هي إلا غمرة انجلت و ساعة انقضت، و كأن ما قد كان لم يكن:

ما قد مضى مما مضى كما مضى‏ * * * و ما مضى مما مضى قد انقضى‏

أقم الصلاة و آت الزكاة و أمر بالمعروف و انه عن المنكر و وفّر الفي‏ء وصل القرابة، فإن اللّه يقول: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ» (2)، و يقول: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ...» (3)، و يقول: «وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ...» (4)، ذنب واحد في حسنات كثيرة قلّدني ما يكون من ذلك.

فضرب بيده على كتف عمر و قال: ربّ كربة فرّجتها يا عمر. ثم نادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و صعد المنبر، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

____________

(1). سورة الزلزلة: الآية 8.

(2). سورة هود: الآية 14.

(3). سورة الرعد: الآية 39.

(4). سورة آل عمران: الآية 135.

184

عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منع فدك.

2. دلائل الإمامة: و أخبرني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلّعكبريّ، قال:

حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثني محمد بن المفضل بن إبراهيم بن المفضل بن قيس الأشعري، قال: حدثنا علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قالت: لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدكا.

3. دلائل الإمامة: قال أبو العباس: و حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم الأشعري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمرو بن عثمان الجعفي، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين (عليهم السلام) و غير واحد: أن فاطمة (عليها السلام) لما أجمع أبو بكر على منعها فدكا.

4. دلائل الإمامة: و حدثني القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلّد بن جعفر بن سهل بن حمران الدقاق، قال: حدّثتنى أم الفضل خديجة بنت محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قالت:

حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الصفواني، قال: حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا جعفر بن عمارة الكندي، قال: حدثني أبي، عن الحسن بن صالح بن حي، قال: (و ما رأت عيناي مثله) قال: حدثني رجلان من بني هاشم، عن زينب بنت علي، قالت: لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منع فدك و انصراف وكيلها عنها، لاثت خمارها ....

5. دلائل الإمامة: قال الصفواني: و حدثني محمد بن محمد بن يزيد مولى بني هاشم، قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن سليمان بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن جماعة من أهله، و ذكر الحديث.

6. دلائل الإمامة: قال الصفواني: و حدثني أبي، عن عثمان، قال: حدثنا نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن آبائه (عليهم السلام)، و ذكر الحديث.

قال الصفواني: و حدثنا عبد اللّه بن ضحاك، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه ابن عوّانة.

قال الصفواني: و حدثنا ابن عائشة ببعضه.

7. دلائل الإمامة: و حدثنا العباس بن بكار، قال: حدثنا حرب بن ميمون، عن زيد بن علي، عن آبائه (عليهم السلام)، قالوا.

8. في علل الشرائع: حدثنا موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن الحسين السعدآبادي، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمد بن جابر، عن زينب بنت علي (عليها السلام)، قالت: قالت فاطمة (عليها السلام).

186

الأشياء لا من شي‏ء قبله، و احتذاها بلا مثال، لغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته، و تعبدا لبريته، و إعزازا لدعوته.

ثم جعل الثواب على طاعته، و العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، و جياشا لهم إلى جنته.

و أشهد أن أبي محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله؛ اختاره قبل أن يجتبله، و اصطفاه قبل أن ابتعثه، و سمّاه قبل أن استنجبه، إذا الخلائق بالغيوب مكنونة، و بستر الأهاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة؛ علما من اللّه عز و جل بمآئل الأمور، و إحاطة بحوادث الدهور، و معرفة بمواضع المقدور.

ابتعثه اللّه تعالى عز و جل إتماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه. فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها. فأنار اللّه عز و جل بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمها، و فرّج عن القلوب بهمها، و جلى عن الأبصار غمها.

ثم قبض اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) قبض رأفة و اختيار، رغبة بأبي عن هذه الدار، موضوع عنه العب‏ء و الأوزار، محتف بالملائكة الأبرار، و مجاورة الملك الجبار، و رضوان الرب الغفار؛ صلى اللّه على محمد نبي الرحمة و أمينه على وحيه وصفيه من الخلائق و رضيه و رحمة اللّه و بركاته.

ثم أنتم عباد اللّه! (تريد أهل المجلس) نصب أمر اللّه و نهيه، و حملة دينه و وحيه، و أمناء اللّه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم؛ زعمتم حقا لكم اللّه فيكم عهد قدمه إليكم؟

و نحن بقية استخلفنا عليكم، و معنا كتاب اللّه؛ بيّنة بصائره، و آي فينا منكشفة سرائره، و برهان منجلية ظواهره، مديم البرية اسماعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه؛ فيه بيان حجج اللّه المنورة، و عزائمه المفسّرة، و محارمه المحذّرة، و تبيانه الجالية، و جمله الكافية، و فضائله المندوبة، و رخصه الموهوبة، و شرائعه المكتوبة.

185

9. في علل الشرائع: أخبرني علي بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن أسلم، قال: حدثني عبد الجليل الباقلاني، قال: حدثني الحسن بن موسى الخشاب، قال: حدثني عبد اللّه بن محمد العلوي، عن رجال من أهل بيته، عن زينب بنت علي (عليها السلام)، عن فاطمة (عليها السلام).

10. في علل الشرائع: أخبرني علي بن حاتم أيضا، قال: حدثني محمد بن أبي عمير، قال: حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثني محمد بن إبراهيم المصري، قال: حدثني هارون بن يحيي الناشب، قال: حدثنا عبيد اللّه بن موسى العبيسى، عن عبيد اللّه بن موسى العمري، عن حفص الأحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت علي (عليها السلام)، عن فاطمة (عليها السلام).

2

المتن:

عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت الحسين‏ (1) (عليها السلام)، قالت:

لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها و خرجت في حشدة نسائها و لمّة من قومها، تجرّ أذراعها، ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا حتى وقفت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار.

فأنت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء. فلما سكنت فورتهم قالت: أبدأ بحمد اللّه. ثم أسبلت بينها و بينهم سجفا، ثم قالت:

الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر على ما ألهم، و الثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و إحسان منن والاها؛ جمّ عن الإحصاء عددها، و نأى عن المجازاة أمدها، و تفاوت عن الإدراك آمالها، و استثن الشكر بفضائلها، و استحمد إلى الخلائق بأجزالها، و ثنى بالندب إلى أمثالها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه؛ كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمّن القلوب موصولها، و أنّى في الفكرة معقولها؛ الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الأوهام الإحاطة به. ابتدع‏

____________

(1). سيأتي رفع هذا الاشتباه في أسناء الخطبة.

187

ففرض اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها عن الكبر، و الصيام تثبيتا للإخلاص، و الزكاة تزييدا في الرزق، و الحجّ تسلية للدين، و العدل تنسّكا للقلوب، و طاعتنا نظاما، و إمامتنا أمنا من الفرقة، و حبنا عزّا للإسلام، و الصبر منجاة، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذر تعرّضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تعبيرا للنحسة، و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، و قذف المحصنات اجتنابا للعنة، و ترك السرق إيجابا للعفة، و حرّم اللّه عز و جل الشرك إخلاصا بالربوبية.

فاتقوا اللّه حق تقاته و لا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون، و أطيعوه فيما أمركم به و نهاكم عنه، فإنه‏ «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». (1)

ثم قالت: أيها الناس! أنا فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ أقولها عودا على بدء. «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» (2)، ثم ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي في رواية أبيه. ثم قالت في متصل كلامها:

أ فعلي محمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول اللّه تبارك و تعالى:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (3)، و قال اللّه عز و جل فيما قصّ من خبر يحيى بن زكريا: «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (4)، و قال عز ذكره: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (5)، و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (6)، و قال: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (7)، و زعمتم أن لا حقّ و لا إرث لي من أبي و لا رحم بيننا؟! أ فخصّكم اللّه بآية أخرج نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) منها، أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة؟ لعلكم أعلم‏

____________

(1). سورة فاطر: الآية 28.

(2). سورة التوبه: الآية 128.

(3). سورة النمل: الآية 16.

(4). سورة مريم: الآية 6.

(5). سورة الأنفال: الآية 75.

(6). سورة النساء: الآية 11.

(7). سورة البقرة: الآية 180.

188

بخصوص القرآن و عمومه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»؟ (1) أ أغلب على إرثي جورا و ظلما؟ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (2)

و ذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر و المهاجرين، عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت:

معشر البقية و أعضاد الملة و حصون الإسلام! ما هذه الغميرة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «المرء يحفظ في ولده»؟ سرعان ما أجدبتم فأكديتم، و عجلان ذا إهانة تقولون: مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)! فخطب جليل استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و بعد وقته، و أظلمت الأرض لغيبته، و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، و أضيع الحريم، و أذيلت الحرمة عند مماته (صلّى اللّه عليه و آله)، و تلك نازل علينا بها كتاب اللّه في أفنيتكم في ممساكم و مصبحكم؛ يهتف بها في أسماعكم، و قبله حلّت بأنبياء اللّه عز و جل و رسله؛ «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (3)

أيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبيه‏ (4) و أنتم بمرأى و مسمع؟ تلبسكم الدعوة، و تمثّلكم الحيرة، و فيكم العدد و العدة، و لكم الدار، و عندكم الجنن، و أنتم الألى‏ (5) نخبة اللّه التي انتخب لدينه، و أنصار رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أهل الإسلام، و الخيرة التي اختار لنا أهل البيت.

فباديتم العرب، و ناهضتم الأمم، و كافحتم البهم؛ لا نبرح نأمركم و تأمرون حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأنام، و خضعت نعرة الشرك، و باخت نيران الحرب، و هدأت دعوة الهرج، و استوسق نظام الدين.

____________

(1). سورة البقرة: الآية 50.

(2). سورة الشعراء: الآية 227.

(3). سورة آل عمران: الآية 144.

(4). الظاهر أن الهاء زائدة كما في النسخ.

(5). كذا في المصدر.

189

فأنى حرتم بعد البيان، و نكصتم بعد الإقدام، و أسررتم بعد الإعلان لقوم نكثوا أيمانهم تخشونهم‏ «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (1)، إلا قد رأى أن أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة.

فعجتم عن الدين، و بحجتم الذي وعيتم، و دسعتم الذي سوّغتم؛ «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2) ألا و قد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم و استشعرته قلوبكم، و لكن قلته فيضة النفس، و نفثة الغيظ، و بثّة الصدر، و معذرة الحجة.

فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناكبة الحق، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة، «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (3) فبعين اللّه ما تفعلون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4)، و أنا ابنة نذير لكم، بين يدي عذاب شديد؛ فاعملوا إنا عاملون و انتظروا إنا منتظرون.

قال أبو الفضل: و قد ذكر قوم أن أبا العيناء ادعى هذا الكلام، و قد رواه قوم و صحّحوه و كتبناه على ما فيه.

و حدثني عبد اللّه بن أحمد العبدي، عن حسين بن علوان، عن عطية العوفي، أنه سمع أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة (عليها السلام): يا بنة رسول اللّه! لقد كان [ابوك‏] (صلّى اللّه عليه و آله) بالمؤمنين رءوفا رحيما و على الكافرين عذابا أليما، و إذا عزوناه كان أباك دون النساء و أخا ابن عمك دون الرجال؛ آثره على كل حميم و ساعده على الأمر العظيم؛ لا يحبكم إلا العظيم السعادة و لا يبغضكم إلا الردي‏ء الولادة، و أنتم عترة اللّه الطيبون، و خيرة اللّه المنتخبون؛ على الآخرة أدلّتنا، و باب الجنة لسالكنا.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

(4). سورة الشعراء: الآية 227.

190

و أما منعك ما سألت فلا ذلك لي، و أما فدك و ما جعل لك أبوك فإن منعتك فأنا ظالم، و أما الميراث فقد تعلمين أنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما أبقيناه صدقة.

قالت إن اللّه يقول عن نبي من أنبيائه: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و قال: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (2) فهذان نبيان، و قد علمت أن النبوة لا تورث و إنما يورث ما دونها. فما لي أمنع أرث أبي؟ أ أنزل اللّه في الكتاب: إلا فاطمة بنت محمد؟! فتدلّني عليه فأقنع به.

فقال: يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنت عين الحجة و منطق الرسالة، لا يدلي بجوابك و لا أدفعك عن صوابك، و لكن هذا أبو الحسن بيني و بينك، هو الذي أخبرني بما تفقدت و أنبأني بما أخذت و تركت.

قالت: فإن يكن ذلك كذلك، فصبرا لمرّ الحق و الحمد للّه إله الخلق.

قال أبو الفضل: ما وجدت هذا الحديث على التمام إلا عند أبي حفان.

المصادر:

1. بلاغات النساء: ص 26.

2. إحقاق الحق: ج 10 ص 296، عن بلاغات النساء.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 692 ح 3، عن بلاغات النساء.

4. بحار الأنوار: ج 29 ص 239 ح 9، عن بلاغات النساء.

5. أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) للحسني اليمني (مخطوط): ص 276، باختلاف و زيادة و نقيصة.

6. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للإسلامي: ص 132، عن بلاغات النساء، شطرا قليلا منها.

الأسانيد:

1. في بلاغات النساء: حدثني جعفر بن محمد- رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة-، قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بن عيسى، قال: أخبرنا عبد اللّه بن يونس،

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

192

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدك و بلغ ذلك فاطمة (عليها السلام)، لاثت خمارها على رأسها و أقبلت في لمّة من حفدتها، تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار.

فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء و ارتجّ المجلس. فأمهلت حتى سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فعاد القوم في بكائهم. فلما أمسكوا، عادت في كلامها فقالت:

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)؛ فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم. فبلغ النذارة صادعا بالرسالة، مائلا على مدرجة المشركين، ضاربا لثجنهم، آخذا بكظمهم؛ يهشم الأصنام، و ينكث الهام، حتى هزم الجمع و ولّوا الدبر، و تغرى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين.

و كنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق و تقتاتون الورق، أذلّة خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم اللّه برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد ما مني بهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب؛ «كُلَّما حشوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا» (2)، و نجم قرن للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها؛ فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحده، مكدودا في ذات اللّه، قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سيدا في أولياء اللّه، و أنتم في بلهنية وادعون آمنون.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة المائدة: الآية 64.

191

قال: أخبرنا الأحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت الحسين. (1)

2. في أنوار اليقين: حدثنا أبو زرعة أحمد بن محمد بن موسى الفارسي، قال: حدثنا القاسم بن محمد بن صعب الكوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن عمته زينب (عليهم السلام).

3

المتن:

قال أبو الفضل‏ (2):

ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كلام فاطمة (عليها السلام) عند منع أبي بكر إياها فدك و قلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع و أنه من كلام أبي العيناء «الخبر منسوق البلاغة على الكلام»!؟

فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم و يعلّمونه أبناءهم، و قد حدّثنيه أبي، عن جدي، يبلغ به فاطمة (عليها السلام) على هذه الحكاية، و رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، و قد حدّث به الحسن بن علوان، عن عطية العوفي، أنه سمع عبد اللّه بن الحسن يذكره عن أبيه.

ثم قال أبو الحسين: و كيف يذكر هذا من كلام فاطمة (عليها السلام) فينكرونه و هم يرون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة (عليها السلام)؟ يتحقّقونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت (عليهم السلام).

ثم ذكر الحديث، قال:

____________

(1). هكذا في المصدر، و معلوم أنه اشتباه من الناسخين أو تصحيف، و الصحيح فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، أو زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السلام) او فاطمة بنت الحسين (عليها السلام) عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين (عليه السلام).

(2). لما كانت هذه الخطبة مغايرا في أكثر مواردها و ألفاظها بما في دلائل الإمامة، أوردتها مستقلا.

193

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه، ظهرت خلة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الآفلين، و هدر فنيق المبطلين. فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، و للغرّة فيه ملاحظين. فاستنهضكم فوجدكم خفافا، و أجمشكم فألفاكم غضابا. فوسمتم غير إبلكم، و أوردتموها غير شربكم؛ هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل؛ بدار (و في نسخة إنما) زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم و أنّى بكم و أنّى تؤفكون!

و هذا كتاب اللّه بين أظهركم، و زواجره بينة، و شواهده لائحة، و أوامره واضحة؛ أرغبة عنه تدبّرون أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (2)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

ثم لم تريثوا إلا ريث أن تسكن نغرتها؛ تشربون حسوا، و تسرّون في ارتغاء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا؟ أ فحكم الجاهلية تبغون؟

و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون. (4)

ويها معشر المهاجرين! أ أبتزّ إرث أبي؟ أ في الكتاب أن ترث أباك و لا أرث أبي؟

لقد جئت شيئا فريا! فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون، و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون. (5)

ثم انحرفت إلى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هي تقول:

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة المائدة: الآية 50.

(5). سورة الأنعام: الآية 67.

194

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم.

المصادر:

1. بلاغات النساء: ص 23.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 235 ح 9، عن بلاغات النساء.

3. إحقاق الحق: ج 33 ص 361، عن بلاغات النساء.

4. العبقريات الإسلامية: ج 2 ص 318، على ما في الإحقاق.

5. عوالم العلوم: ج 11 ص 690، عن بلاغات النساء.

6. سفينة البحار: ج 2 ص 205.

7. مناقب أهل البيت (عليهم السلام): ص 415، عن بلاغات النساء.

8. إحقاق الحق: ج 19 ص 167، عن أهل البيت (عليهم السلام).

9. أهل البيت (عليهم السلام) لأبي علم: ص 161، شطرا منها، على ما في الإحقاق.

10. المرأة في ظلّ الإسلام: ص 216.

11. أعلام النساء لعمر رضا كحّالة: ج 4 ص 116، عن بلاغات النساء.

4

المتن:

روى عبد اللّه بن الحسن بأسناده، عن آبائه (عليهم السلام):

إنه لما أجمع أبو بكر و عمر على منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و بلغها ذلك ...، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.

195

فنيطت دونها ملاءة، فجلست. ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس.

ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فعاد القوم في بكائهم. فلما أمسكوا، عادت في كلامها، فقالت (عليها السلام):

الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر على ما ألهم، و الثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و تمام منن أولاها. جمّ عن الاحصاء عددها، و نأى عن الجزاء أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، و ندبهم لاستزادها بالشكر لاتصالها، و استحمد إلى الخلائق باجزالها، و ثني بالندب إلى أمثالها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمن القلوب موصولها، و أنار في التفكر معقولها؛ الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام كيفيته.

ابتدع الأشياء لا من شي‏ء كان قبلها، و أنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها؛ كوّنها بقدرته، و ذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، و لا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، و تنبيها على طاعته، و إظهارا لقدرته؛ تعبدا لبريته و إعزازا لدعوته.

ثم جعل الثواب على طاعته، و وضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده من نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته.

و أشهد أن أبي محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله؛ اختاره قبل أن أرسله، و سمّاه قبل أن اجتباه، و اصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، و بستر الأهاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه تعالى بما يلي الأمور، و إحاطة بحوادث الدهور، و معرفة بمواقع الأمور.

ابتعثه اللّه إتماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه، و انفاذا لمقادير حتمه. فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها. فأنار اللّه بأبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمها، و كشف عن القلوب بهمها، و جلى عن الأبصار غممها. و قام في الناس‏

196

بالهداية، فأنقذهم من الغواية، و بصّرهم من العماية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الطريق المستقيم.

ثم قبضه اللّه إليه قبض رأفة و اختيار و رغبة و إيثار. فمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) من تعب هذه الدار في راحة؛ قد حفّ بالملائكة الأبرار، و رضوان الرب الغفار، و مجاورة الملك الجبار؛ صلّى اللّه على نبيه و أمينه و خيرته من الخلق و صفيه، و السلام عليه و رحمة اللّه و بركاته.

ثم التفتت إلى أهل المجلس و قالت:

أنتم عباد اللّه نصب أمر اللّه و نهيه، و حملة دينه و وحيه، و أمناء اللّه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم؛ زعيم حقّ له فيكم، و عهد قدّمه إليكم، و بقية استخلفها عليكم؛ كتاب اللّه الناطق، و القرآن الصادق، و النور الساطع، و الضياء اللامع؛ بيّنة بصائره، و منكشفة سرائره، و منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائدا إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه؛ به تنال حجج اللّه المنورة، و عزائمه المفسّرة، و محارمه المحذّرة، و بيّناته الجالية، و براهينه الكافية، و فضائله المندوبة، و رخصه الموهوبة، و شرائعه المكتوبة.

فجعل اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها لكم عن الكبر، و الزكاة تزكية للنفس و نماء في الرزق، و الصيام تثبيتا للإخلاص، و الحجّ تشييدا للدين، و العدل تنسيقا للقلوب، و طاعتنا نظاما للملة، و إمامتنا أمانا للفرقة، و الجهاد عزّا للإسلام، و الصبر معونة على استيجاب الأجر، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و برّ الوالدين وقاية من السخط، و صلة الأرحام منساة في العمر و منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخس، و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، و اجتناب القذف حجابا عن اللعنة، و ترك السرقة إيجابا بالعفة، و حرّم اللّه الشرك إخلاصا له بالربوبية. فاتقوا اللّه حق تقاته، و لا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون، و أطيعوا اللّه فيما أمركم به و نهاكم عنه، فإنه‏ «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». (1)

____________

(1). سورة فاطر: الآية 28.

197

ثم قالت: أيها الناس! اعلموا أني فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ أقول عودا و بدوا، و لا أقول ما أقول غلطا، و لا أفعل ما أفعل شططا. «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعزّوه و تعرفوه، تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم، و لنعم المعزّى إليه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ فبلّغ الرسالة، صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا ثبجهم، آخذا بأكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة.

يجفّ الأصنام و ينكث الهام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و طاح وشيظ النفاق، و انحلّت عقد الكفر و الشقاق، و فهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)، مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلّة خاسئين؛ تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم اللّه تبارك و تعالى بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (3)، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه، و يخمد لهبها بسيفه؛ مكدودا في ذات اللّه، مجتهدا في أمر اللّه، قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سيدا في أولياء اللّه، مشمّرا ناصحا مجدّا كادحا، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و أنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون؛ تتربّصون بنا الدوائر، و تتوكّفون الأخبار، و تنكصون عند النزال، و تفرّون من القتال.

فلما اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و مأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الأقلّين، و هدر فنيق المبطلين. فخطر

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

(3). سورة المائدة: الآية 64.

198

في عرصاتكم، و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفا بكم؛ فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للعزة فيه ملاحظين.

ثم استنهضكم، فوجدكم خفافا، و أحشمكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير مشربكم؛ هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا يقبر ابتدارا زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم، و كيف بكم، و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ أموره ظاهرة، و أحكامه زاهرة، و أعلامه باهرة، و زواجره لائحة، و أوامره واضحة، و قد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (2)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها. ثم أخذتم تورون و قدتها، و تهيّجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغويّ، و إطفاء أنوار الدين الجليّ، و إهمال سنن النبي الصفي (صلّى اللّه عليه و آله)؛ تشربون حسوا في ارتغاء، و تمشون لأهله و ولده في الخمرة و الضراء، و يصير منكم على مثل حزّ المدى و وخز السنان في الحشاء.

و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا؟ أ فحكم الجاهلية تبغون؟ «و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون»؟ (4) أ فلا تعلمون؟ بلى، قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته.

أيها المسلمون! أ أغلب على إرثي؟ يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا! أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (5)، و قال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا اذ قال: «فَهَبْ‏

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة المائدة: الآية 50.

(5). سورة النمل: الآية 16.

200

«وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (1)

أيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع، و منتدى و مجمع؟ تلبسكم الدعوة، و تشملكم الخبرة، و أنتم ذو و العدد و العدة، و الأداة و القوة، و عندكم السلاح و الجنة. توافيكم الدعوة فلا تجيبون، و تأتيكم الصرخة فلا تغيثون، و أنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير و الصلاح، و النخبة التي انتخبت، و الخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت؛ قاتلتم العرب، و تحمّلتم الكدّ و التعب، و ناطحتم الأمم، و كافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت ثغرة الشرك، و سكنت فورة الإفك، و خمدت نيران الكفر، و هدأت دعوة الهرج، و استوسق نظام الدين.

فأنى حزتم بعد البيان، و أسررتم بعد الإعلان، و نكصتم بعد الإقدام، و أشركتم بعد الإيمان؟ بؤسا لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، و همّوا بإخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هم بدؤكم أول مرة. أ تخشونهم فاللّه أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، و أبعدتم من هو أحق بالبسط و القبض، و خلوتم بالدعة، و نجوتم بالضيق من السعة. فمججتم ما وعيتم، و دسعتم الذي تسوّغتم، فإن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإن اللّه لغني حميد.

ألا و قد قلت ما قلت هذا على معرفة مني بالجذلة التي خامرتكم، و الغدرة التي استشعرتها قلوبكم، و لكنها فيضة النفس، و نفثة الغيظ، و خور القناة و بثّة الصدر، و تقدمة الحجة؛ فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الجبار و شنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة، التي تطلع على الأفئدة. فبعين اللّه ما تفعلون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (2)، و أنا ابنة نذير لكم، بين يدي عذاب شديد؛ فاعملوا إنا عاملون، و انتظروا إنا منتظرون.

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

(2). سورة الشعراء: الآية 227.

201

فأجابها أبو بكر عبد اللّه بن عثمان و قال: يا بنت رسول اللّه، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما رءوفا رحيما، و على الكافرين عذابا أليما و عقابا عظيما؛ إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، و أخا إلفك دون الأخلّاء؛ آثره على كل حميم، و ساعده في كل أمر جسيم. لا يحبّكم إلا سعيد، و لا يبغضكم إلا شقي بعيد؛ فأنتم عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الطيبون، الخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، و إلى الجنة مسالكنا.

و أنت يا خيرة النساء و ابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، و لا مصدودة عن صدقك. و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا عملت إلا بإذنه، و الرائد لا يكذب أهله، و إني أشهد اللّه- و كفى به شهيدا- أني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا دارا و لا عقارا، و إنما نورّث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة، و ما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه.

و قد جعلنا ما حاولته في الكراع و السلاح، يقاتل بها المسلمون و يجاهدون الكفار و يجالدون المردة الفجار، و ذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، و لم أستبد بما كان الرأي عندي، و هذه حالي و مالي، هي لك و بين يديك، لا تزوي عنك، و لا ندّخر دونك، و إنك و أنت سيدة أمة أبيك، و الشجرة الطيبة لبنيك، لا ندفع مالك من فضلك، و لا يوضع في فرعك و أصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك؟

فقالت (صلّى اللّه عليه و آله): سبحان اللّه! ما كان أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن كتاب اللّه صادفا و لا لأحكامه مخالفا! بل كان يتّبع أثره، و يقفو سوره. أ فتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور؟ و هذا بعد وفاته شبيه بما بغى له من الغوائل في حياته. هذا كتاب اللّه حكما عدلا و ناطقا فصلا يقول: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (2)، و بيّن عز و جل فيما وزع من الأقساط، و شرع من الفرائض و الميراث، و أباح من حظّ الذكران و الأناث‏

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

202

ما أزاح به علة المبطلين، و أزال التظني و الشبهات في الغابرين. كلّا، بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا؛ فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون.

فقال أبو بكر: صدق اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و صدقت ابنته؛ أنت معدن الحكمة و موطن الهدى و الرحمة، و ركن الدين، و عين الحجة؛ لا أبعد صوابك، و لا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون- بيني و بينك- قلّدوني ما تقلّدت، و باتفاق منهم أخذت ما أخذت غير مكابر و لا مستبد و لا مستأثر، و هم بذلك شهود.

فالتفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس و قالت:

معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر! أ فلا تتدبّرون القرآن أم على قلوب اقفالها؟ كلّا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم و أبصاركم، و لبئس ما تأوّلتم، و ساء ما به أشرتم، و شرّ ما منه اغتصبتم؛ لتجدن و اللّه محمله ثقيلا، و غبه وبيلا إذا كشف لكم الغطاء، و بان باورائه الضراء، و بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، و خسر هنا لك المبطلون.

ثم عطفت على قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

و كل أهل له قربى و منزلة * * * عند الإله على الأدنين مقترب‏

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * لما فقدت و كل الأرض مغتصب‏

و كنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك ينزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فقد فقدت و كل الخير محتجب‏

فليت قبلك كان الموت صادفنا * * * لما مضيت و حالت دونك الكثب‏

199

لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و قال: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (2)، و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (3)، و قال:

«إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». (4)

و زعمتم أن لا حظوة لي و لا أرث من أبي و لا رحم بيننا؟! أ فخصّكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: أن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون، و لا ينفعكم إذ تندمون، «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (5)

ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت:

يا معشر النقيبة و أعضاد الملة و حضنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي يقول: «المرء يحفظ في ولده»؟ سرعان ما أحدثتم، و عجلان ذا إهالة! و لكم طاقة بما أحاول، و قوة على ما أطلب و أزاول.

أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب جليل استوسع وهنه، و استنهر فتقه، و انفتق رتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و كسفت الشمس و القمر، و انتثرت النجوم لمصيبته، و أكدت الآمال، و خشعت الجبال، و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة عند مماته.

فتلك و اللّه النازلة الكبرى، و المصيبة العظمى؛ لا مثلها نازلة، و لا بائقة عاجلة؛ أعلن بها كتاب اللّه جلّ ثناؤه في أفنيتكم، و في ممساكم و مصبحكم، يهتف في أفنيتكم هتافا و صراخا و تلاوة و ألحانا، و لقبله ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله، حكم فصل، و قضاء حتم؛

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة الأنفال: الآية 75.

(3). سورة النساء: الآية 11.

(4). سورة البقرة: الآية 180.

(5). سورة الزمر: الآية 40.

203

ثم انكفأت، و أمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقّع رجوعها إليه و يتطلّع طلوعها عليه. فلما استقرّت بها الدار، قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام):

يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الظنين؟ نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل؟ هذا ابن ابي قحافة يبتزّني نحلة أبي و بلغة ابنيّ! لقد أجهد في خصامي، و ألفيته ألدّ في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضت الجماعة دوني طرفها؛ فلا دافع و لا مانع، خرجت كاظمة، و عدت راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت حدك؟ افترست الذئاب، و افترشت التراب، ما كففت قائلا، و لا أغنيت طائلا و لا خيار لي.

ليتني متّ قبل هنيئتي و دون ذلتي، عذيري اللّه منه عاديا و منك حاميا، ويلاي في كل شارق! ويلاي في كل غارب! مات العمد، و وهن العضد. شكواي إلى أبي، و عدواي إلى ربي! اللهم إنك أشدّ منهم قوة و حولا، و أشدّ بأسا و تنكيلا.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل لك بل الويل لشانئك. ثم نهنهي عن وجدك يا بنة الصفوة، و بقية النبوة، فما ونيت عن دينى، و لا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون و كفيلك مأمون، و ما أعدّ لك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي اللّه.

فقالت: حسبي اللّه، و أمسكت.

المصادر:

1. الاحتجاج: ج 1 ص 131.

2. بحار الأنوار: ج 29 ص 220 ح 8، عن الاحتجاج.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 652 ح 1، عن الاحتجاج.

4. هدى الملة إلى أن فدك نحلة: ص 146، عن الاحتجاج.

5. النص و الاجتهاد: ص 117، عن الاحتجاج.

6. معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة (عليهم السلام): ج 1 ص 384، عن الاحتجاج.

7. الجنة العاصمة: ص 266، عن الاحتجاج، أوردها مع شرحها و تبيينها.

204

8. الفوائد الطوسية: ص 165، شطرا قليلا منها.

9. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 298.

10. شرح خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للخاقاني: ص 107، بنقيصة فيه.

11. شرح خطبة الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للخاقاني: ص 252، شطرا من آخرها.

12. من فقه الزهراء (عليها السلام): ج 2 ص 13، عن الاحتجاج.

13. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) و أسبابها لنزيه قميحا: ص 77، عن الاحتجاج.

14. فاطمة الزهراء (عليها السلام) أم الأئمة و سيدة النساء: ص 178، عن الاحتجاج.

15. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) للنقوي: ص 313، عن الاحتجاج.

16. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) للزنجاني: ج 1 ص 33، عن الاحتجاج.

17. فاطمة (عليها السلام) صوت الحق الإلهي: ص 25.

18. فدك و فاطمة (عليها السلام) قصة جهاد الزهراء (عليها السلام): ص 94.

19. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام): ص 85.

20. قدّيسة الإسلام: ص 146، عن الاحتجاج.

21. رياحين الشريعة: ج 1 ص 314، عن الاحتجاج.

22. ظلامات فاطمة الزهراء (عليها السلام): ص 78، عن الاحتجاج.

23. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 165، عن الاحتجاج.

24. الزهراء (عليها السلام) و خطبة فدك للشريعتمداري: ص 23.

25. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 259.

26. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 326.

27. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 326.

28. فاطمة الزهراء (عليها السلام) للكعبي: ج 2 ص 178.

29. أعلام النساء المؤمنات: ص 557، عن الاحتجاج.

30. إحقاق الحق: ج 19 ص 163، عن أهل البيت (عليهم السلام).

31. اعملوا أني فاطمة: ج 4 ص 17.

32. حق اليقين: ص 197.

33. أهل البيت (عليهم السلام) ص 158.

الأسانيد:

في النص و الاجتهاد: عن السلف من بني علي و فاطمة (عليهما السلام)، يروي خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده، و من بعده رواها لمن بعده حتى انتهت إلينا يدا عن يد. فنحن الفاطميين نرويها عن آبائنا، و آباؤنا يروونها عن آبائهم، و هكذا كانت في جميع الأجيال إلى زمن‏

205

الأئمة من أبناء علي و فاطمة (عليهم السلام)؛ دونكموها في كتاب الاحتجاج للطبرسي، و في بحار الأنوار للمجلسي.

و قد أخرجها من أثبات الجمهور و أعلامهم: أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة و فدك بطرق و أسانيد ينتهي بعضها إلى السيدة زينب بنت علي و فاطمة (عليها السلام)، و بعضها إلى الإمام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام)، و بعضها إلى عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، يرفعونها جميعا إلى الزهراء (عليها السلام)، كما في ج 4 ص 78 من شرح النهج، و أخرجها المرزباني أيضا كما في ص 94 من المجلد المذكور بالإسناد إلى أبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام)، يبلغ بها فاطمة (عليها السلام)، و نقل ثمة عن زيد، أنه قال: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم و يعلّمونها أولادهم.

5

المتن:

قال السيد مرتضى في ترك فاطمة (عليها السلام) طلبها فدك بعد خطبتها و جواب أبي بكر:

... فأما قوله: «إن فاطمة (عليها السلام) لما سمعت ذلك كفّت عن الطلب، فأصابت أولا و أصابت آخرا»، فلعمري أنها كفّت عن الطلب الذي هو المنازعة و المشاحة، لكنها انصرفت مغضبة متظلّمة متألّمة، و الأمر في غضبها و سخطها أظهر من أن يخفي على منصف.

فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتّهمون بتشيّع و لا عصبية فيه من كلامها (عليها السلام) في تلك الحال. و بعد انصرافها عن مقام المنازعة و المطالبة ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها و غضبها، و نحن نذكر من ذلك ما يستدلّ به على صحة قولنا:

أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عمران المرزباني، قال: حدثني محمد بن أحمد الكاتب، حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي، قال: حدثنا الزيادي، قال: حدثنا الشرقي بن القطامي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة.

206

قال المرزباني: و حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكّي، قال: حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم السيمامي، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أقبلت فاطمة (عليها السلام) في لمّة من حفدتها إلى أبي بكر، و في الرواية الأولى قالت عائشة: لما سمعت فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها على رأسها، و اشتملت بجلبابها، و أقبلت في لمّة من حفدتها.

[ثم اجتمعت الروايتان من هاهنا]: و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم. فنيطت دونها ملاءة.

ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء و ارتجّ المجلس. ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه عز و جل و الثناء عليه و الصلاة على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قالت:

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعزّوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن سنن المشركين، ضاربا ثبجهم، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، أخذا بأكظام المشركين، يهشّم الأصنام و يفلق الهام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و حتى تفرّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و تمّت كلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)، نهزة الطامع، و مذقة الشارب، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلّة خاسئين، يتخطّفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم اللّه عز و جل برسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني بسهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل النفاق، «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (3)، و نجم قرن للشيطان أو

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

(3). سورة المائدة: الآية 64.

207

فغرت للمشركين فاغرة قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يطفئ عادية لهبها- أو قالت: و يخمد لهبتها- بحده، مكدودا في ذات اللّه، و أنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون.

إلى هاهنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة، و زاد عروة بن الزبير عن عائشة:

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، و سمل جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الآفكين، و هدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، و اطلع الشيطان رأسه صارخا بكم. فدعاكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للغرة ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، و أحمشكم فألفاكم غضابا. فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم.

هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجرح لمّا يندمل، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم و أنّى بكم و أنّى تؤفكون و كتاب اللّه بين أظهركم، زواجره بيّنة، و شواهده لائحة، و أوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون؛ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (2)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرّون حسوا في ارتغاء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم الآن تزعمون ألّا إرث لنا، «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تبغون‏ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (4)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة المائدة: الآية 50.

208

يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ «لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا». (1) فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، و عند الساعة يخسر المبطلون، و «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ». (2)

ثم انكفأت إلى قبر أبيها فقالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

و روى جرمي بن أبي العلام مع هذين البيتين بيتا ثالثا، و هو:

فليت قبلك كان الموت صادفنا * * * لما قضيت و حالت دونك الكثب‏

قال: فحمد اللّه أبو بكر و صلّى على محمد و آله و قال: يا خير النساء و ابنة خير الأنبياء، و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عملت إلا بإذنه و إن الرائد لا يكذّب أهله، و أني أشهد اللّه و كفى باللّه شهيدا، إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا دارا و لا عقارا، و إنما نورث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة.

قال: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلّم في ردّ فدك فقال: إني لأستحي من اللّه أن أردّ شيئا منع منه أبو بكر و أمضاه عمر.

و أخبرنا أبو عبد اللّه المرزباني، قال: حدّثني علي بن هارون، قال: أخبرني عبد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر، عن أبيه، قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن [علي بن الحسين بن زيد بن‏] علي بن الحسين بن زيد بن علي كلام فاطمة (عليها السلام) عند منع أبي بكر إياها فدك، و قلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع و أنه كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة.

____________

(1). سورة مريم: الآية 27.

(2). سورة الانعام: الآية 67.

209

فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، و يعلّمونه أولادهم، و قد حدّثني به أبي، عن جدي، يبلغ به فاطمة (عليها السلام) على هذه الحكاية، و رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء، و قد حدّث الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد اللّه بن الحسن ذكر عن أبيه هذا.

ثم قال أبو الحسين: و كيف ينكر من هذا كلام فاطمة (عليها السلام)؟ و هم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة (عليها السلام) فيحقّقونه، لو لا عداوتهم لنا أهل البيت.

ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه و زاد في الأبيات بعد البيتين الأولين:

ضاقت عليّ بلادي بعد ما رحبت‏ * * * و سيم سبطاك خسفا فيه لي نصب‏

فليت قبلك كان الموت صادفنا * * * قوم تمنّوا فأعطوا كلما طلبوا

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * مذ غبت عنا و كل الإرث قد غصبوا

قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا و باكية من ذلك اليوم.

المصادر:

الشافي للسيد المرتضى: ج 4 ص 68.

6

المتن:

روى محمد بن سلام، بأسناده، عن فاطمة (عليها السلام):

أنه لما اعتزم أبو بكر على منعها فدك و العوالي، لاءت‏ (1) خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها. ثم أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم من‏

____________

(1). الظاهر أنه من اشتباه الناسخين فان المصادر كلها: لاثت خمارها.

210

مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مشيتها، حتى انتهت إلى أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار.

فنيطت دونها و دون الناس ملاءة فجلست. ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس. فأمسكت حتى سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم. ثم افتتحت الكلام بالحمد للّه و الثناء عليه بما هو أهله، و الصلاة على نبيه محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، فعلت أصوات الناس بالبكاء عند ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأمسكت حتى سكنوا، ثم قالت:

أيها الناس! اعلموا أني فاطمة و أبي محمد؛ أقول عودا و بدا، و لا أقول ما أقول غلطا، و لا أفعل ما أفعل شططا؛ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏، «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعزّوه تجدوه أبي دون نساءكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم.

قد بلغ النذارة صادعا بالرسالة، سائلا عن مدرجة المشركين، حائدا عن سنتهم، ضاربا ثبجهم، و آخذا بأكظامهم؛ يجذّ الهام و يكبّ الأصنام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و أوضح الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2) فأنقذكم.

مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطأ الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاشعين؛ تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم، فأنقذكم اللّه برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و بعد لفيف من ذوائب العرب؛ كلما أحشوا نارا للحرب أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغرة للمشركين فاها، قذف أخاه عليا (عليه السلام) في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ سماكها بأخمصه، و يخمد حرّ لهبها بحده؛ مكدودا في ذات اللّه، مجتهدا في أمر اللّه، قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، سيدا في أولياء اللّه، مشمّرا ناصحا، و أنتم في رفاهية وادعون آمنون.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

211

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أوليائه و محل أنبيائه، ظهرت حسكة النفاق، و استهتك جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الآفلين، و هذر فنيق المبطلين؛ يخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مجيبين، و لعزمه متطاولين، و استنهضكم فوجدكم خفافا، و أحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم؛ هذا، و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، و الرسول لمّا يقبر.

حذرا زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم و كيف بكم و أنّى لكم، أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ أموره ظاهرة، و أحكامه زاهرة، و أعلامه باهرة، و زواجره بيّنة، و شواهده لائحة، و أوامره واضحة. أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (2)؛ ألا «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

ثم أنتم هؤلاء تزعمون أن لا إرث لنا! أ فحكم الجاهلية تبغون؟ «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»؟ (4)

إيها معاشر الناس! أبتزّ إرثيه؟ (5) يا ابن أبي قحافة! أ في الكتاب أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! (6)

جرأة منكم على قطيعة الرحم و نكث العهد. أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (7)، و فيما اقتصّ من خبر يحيى و زكريا إذ يقول: «قالَ رَبِ‏ ... فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِ‏

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة المائدة: الآية 50.

(5). هكذا في المصدر.

(6). سورة مريم: الآية 27.

(7). سورة النمل: الآية 16.

213

إيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع؟ تشملكم الدعوة، و فيكم العدة و العدد و لكم الدار، و أنتم نخبة اللّه التي انتخب لدينه، و أنصار رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و الخيرة التي اختار لنا أهل البيت. فنابذتم فينا العرب، و كافحتم الأمم، حتى دارت بكم و بنا رحى الإسلام، و خضعت رقاب أهل الشرك، و خبت نيران الباطل، و وهنت دعوته، و استوسق نظام الدين. فنكصتم بعد الإقدام، و أسررتم بعد البيان لقوم نكثوا أيمانهم؛ «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا لا أرى و اللّه إلا أن أخلدتم إلى الخفض و ركنتم الى الدعة؛ فمججتم الذي استرعيتم، و لفظتم الذي سوّغتم؛ «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2) أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا اللّه؛ جاءتهم رسلهم بالبينات، فردّوا أيديهم إلى أفواههم و قالوا: «إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ». (3)

ألا لقد قلت ما قلت على علم مني بالخذلان الذي خامر صدوركم و استفزّ قلوبكم، و لكن قلت الذي قلت لبثّة الصدر، و نفثة الغيظ، و معذرة إليكم، و حجة عليكم، و «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (4)

فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، باقية العار، موسومة بغضب اللّه و شنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (5) فبعين اللّه ما تفعلون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (6)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة هود: الآية 62.

(4). سورة إبراهيم: الآية 8.

(5). سورة الهمزة: الآية 7.

(6). سورة الشعراء: الآية 227.

214

أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد؛ ف «اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (1)

ثم قالت: ربنا احكم بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الحاكمين.

ثم انحرفت إلى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فأشهدهم فقد شغبوا

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و غاب مذ غبت عنا الوحي و الكتب‏

أبدى رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ غبت عنا فكلّ الخلق قد غضبوا

و كنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فقد فقدت و كل الخير محتجب‏

فليت قبلك كان الموت حلّ بنا * * * قوم تمنّوا فعموا بالذي طلبوا

إنا رزئنا بما لم يرز ذو شجن‏ * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

ثم انصرفت (عليها السلام) إلى منزلها. فلم تزل ذات فراش حتى لحقت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كما أخبرها أنها أول لا حق به من أهل بيته (عليهم السلام).

شرح الخطبة

شرح ما في خطبة فاطمة (عليها السلام)، جملة ذلك أن معنى كلامها هذا (عليها السلام) ليس فيما منعت من فدك و العوالي خاصة، بل كان ذلك فيما تغلب فيه عليها من ذلك و علي بعلها و الأئمة من بعده بنيها (عليهم السلام) من الإمامة التي جعلها عز و جل فيهم و نصّ بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فما قدّمنا في هذا الكتاب ذكر جمل منه.

و أرادت بذلك (عليها السلام) ما قد ذكرته في كلامها من إقامة الحجة على الأمة، و إبلاغ المعذرة إليهم، و إيضاح الحق و البيان فيما فيها اهتضموه، و تغلب عليهم فيه و استأثر من حقهم به، لئلا يقولوا كما قالوا: أهل بيت رسول اللّه سلّموا ذلك طائعين.

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 158.

212

رَضِيًّا» (1)، و قال عز و جل: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)، و قال تعالى:

«إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». (3)

و زعمتم أن لا حظّ لي و لا أرث من أبي؟ أ فخصّكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم بخصوص القرآن و عمومه أعلم ممن جاء به؟

فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك. فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد يوم القيامة، «و عند الساعة يخسر المبطلون» (4)، و «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ» (5)، و «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (6)

ثم عدلت (عليها السلام) إلى مجلس الأنصار فقالت:

معاشر النقيبة و أعضاد الملة و حصون الإسلام! ما هذه الفترة في حقي و السنة عن ضلامتي؟ أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي يقول: «المرء يحفظ في ولده»؟

سرعان ما نسيتم و عجلان ما أحدثتم، ثم تقولون: مات محمد. فخطب جليل استوسع وهيه، و استشمر فتقه لفقدان راتقه. فأظلمت البلاد لغيبته، و اكتأب خيرة اللّه لموته، و أكدت الآمال، و أطيع الحريم و زالت الحرمة عند مماته (صلّى اللّه عليه و آله).

فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في أفنيتكم، و عند ممساكم و مصبحكم، هاتفا بكم و لقبل ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (7)

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النساء: الآية 11.

(3). سورة البقرة: الآية 180.

(4). إشارة إلى الآية 27 من سورة الجائية.

(5). سورة الأنعام: الآية 67.

(6). سورة هود: الآية 39. و في القرآن «فسوف تعلمون ...».

(7). سورة آل عمران: الآية 144.

215

و لم يكن خروجها لما خرجت له و قالته من ذلك إلا عن إذن علي (عليه السلام)، إذ لا يجوز أن تخرج من بيتها لمثل هذا المقام و أن تتكلم على رءوس الناس بمثل هذا من المهاجرين و الأنصار.

الحشد: الجمع، إذا دعوا فأتوا لما دعوا له.

كان أبو بكر قد علم بمجي‏ء فاطمة (عليها السلام)، فجمع الناس لئلا يعتابوا عليه رأيا إذ يكونوا بحضرته.

و قوله: «نيطت دونها و دون الناس ملاءة»؛ نيطت: علّقت، يقال منه: ناط الشي‏ء ينوطه، إذ علّقه؛ يقال منه: نطت القربة إذا علّقتها، و النوط علق الشي‏ء، و هو مصدر ناط؛ يقول:

ناط الشي‏ء ينوطه نوطا إذا علّقه.

و الملاءة: الربطة، و هي مثل الرداء في العرض و الطول.

و قوله: «أجهش القوم بالبكاء»؛ يقال منه: أجهش نفسي، إذ نهضت إليه و همّ بالبكاء.

قال الطرماح: أجهش نفسي و قلت ألا لا تبعدوا.

و قوله: «حتى سكن نشيج القوم»؛ يقال منه: نشيج الباكي، ينشج إذا غصّها البكاء في حلقه و لما ينتحب، و من ذلك نشيج الحمار، لأنه صوت في حلقه. و يقال منه: نشجت القدر: إذا غلت، و الطعنة إذا سمع خروج الدم منها صوت في داخلها.

و قولها: «فإن تعزوه»؛ من اعتزى، و الاعتزاء: الاتصال في الدعوة إذا كانت حرب، فكل من ادعى في شعاره أنا فلان بن فلان أو فلان الفلاني فقد اعتزى إليه.

قال نصر بن سيار:

فكيف و أصلي من تميم و فرعها إلى‏ * * * أصل فرعي و اعتزاي اعتزاؤها

216

و قولها: «صادعا بالرسالة»؛ من قول اللّه عز و جل: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» (1)، يقال منه: صدع الرجل بالحق إذا تكلّم به جهارا.

و قولها: «مائلا عن مدرجة المشركين»؛ أي عن طريق الباطل الذي هم عليه، و المدرجة: ممرّ الإنسان على مسلك الطريق، و كذلك مدارج الريح؛ يقال: ريح دروج، و هي التي تؤثر في الأرض خطوطا كالطريق. قال العجاج:

أمثالها في الراسيات مدرجة

و قولها: «ضاربا ثبجهم»؛ الثبج: أعلى الكاهل، و الكاهل: أصل العنق؛ تعني ضرب رقابهم.

و قولها: «آخذا بأكظامهم»؛ الكظم مخرج النفس، يقال منه: قد غمّه الشي‏ء فأخذ بكظمه، فما يقدر أن يتنفس فهو مكظوم، و كظيم: أي مكروب.

و قولها: «يجذّ الهام»؛ تقول: بقطع الرءوس، و الجذّ: القطع المستأصل الوحي و الكسر للشي‏ء الصلب.

و قولها: «يكبّ الأصنام»؛ تقول: يكفئها على وجوهها، و ذلك كسره (صلّى اللّه عليه و آله) إياها و قلّبه لها عن مواضعها التي كانت فيها على الكعبة و غيرها.

و قولها: «و نطق زعيم الدين»؛ الزعيم هاهنا الذي يسود قومه؛ يقال منه: زعم يزعم زعامة: أي صار لهم زعيما، و لذلك قيل للكفيل زعيم كأنه ساد من كفل به، و عنت (عليها السلام) بزعيم الدين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تقول: إنه نطق بالرسالة و بما أوحاه اللّه عز و جل إليه من القرآن.

و قولها: «خرست شقاشق الشياطين»؛ الخرس: ذهاب الكلام و ذهاب الصوت من الشي‏ء؛ يقال منه: كتيبة خرساء، إذا يسمع لها صوت و لا جلبة، و علم أخرس إذا لم يسمع صوت صدى.

____________

(1). سورة الحجر: الآية 94.

218

و قولها: «تشربون الطرق»؛ و الطرق: الماء الذي بالت فيه الدواب قد أصفر؛ تقول: هذا ماء قد طرقته الإبل و هي تطرقه طرقا، و هو ماء طرق. قال الشاعر:

و قال الذي يرجو الغلالة و ادعوا * * * عن الماء لا يطرق و من طوارق‏

فما زلن حتى صار طرقا و شسه‏ * * * بأصفر تذريه سجالا أيانق‏

و قولها: «تقتاتون القدّ»؛ من القوت، و القد: ما يقدّ من الجلد الني، و منه اشتق القديد الذي يقدّ من اللحم، و كانوا يأكلون ذلك عند المسغبة.

و قولها: «أذلّة خاشعين»؛ الذل: الهوان، و الخشوع: الخضوع.

و قولها: «بعد اللتيا و التي»؛ و اللتيا: تصغير التي، و التي: معرفة لتي، و لا تقول بها في المعرفة إلا على هذه اللغة، و جعلوا إحدى اللامين تقوية للأخرى، و جمعها اللاتي، و جمع الجمع اللواتي. و كأنهم كنّوا بها في قولهم اللتيا و التي عن شدة أو داهية صغرى و كبرى.

و قولها: «بعد لفيف ذوائب العرب»؛ فاللفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتّى؛ يقال منه: جاء القوم بلفّهم و لفيفهم، و لفّ الناس: ما يلفّ من هاهنا و هاهنا كما يلفّ الإنسان القوم لما يريده من شهادة زور و غير ذلك مما يريد أن يجمعهم إليه من مثل هذا.

و الذوائب: جمع ذؤابة. و ذؤابة القوم: موضع عزّهم و شرفهم؛ يقال منه: فلان من ذؤابة بني فلان إذا كان من أهل بيت شرفهم و عزهم، و الجمع ذوائب و القياس الذائب، و لكنهم يستثقلون الجمع بين همزتين، فلينوا الأولى منهما.

و قولها: «كلما أحشوا نارا للحرب أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغزة للمشركين فاها قذف أخاه عليا (عليه السلام) في لهواتها»؛ أحشوا: أوقدوا، حششت النار بالحطب و أنا أحشها، و هو ضمك ما تفرق من الحطب إلى النار لتستوقد. قال العجاج:

تاللّه لو لا أن تحشّ الطبخ‏ * * * بي الجحيم حيث لا مستصرخ‏

217

و الشقاشق: جمع شقشقة، و هي التي يغطّ بها البعير و تخرج من شدقه إذا هدر، و إذا نحر لم توجد كذلك، و إنما هي لحمة في آخر فيه تنتفخ إذا هاج و تمتدّ حتى تخرج من حلقه، فإذا سكن انفشت، و الناقة تهدر و لا تغطّ، لأنه لا شقشقة لها؛ تمتدّ كذلك إذ لا تهيج. فضربت ذلك مثلا لصولة الكفار و انقطاعها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و الشياطين: جمع الشيطان على قدر فيعال؛ يقال منه: تشيطن الرجل و تشطن: أي صار شيطانا و فعل فعله.

و قولها: «فهتم بكلمة الإخلاص»؛ يقال منه: فاه الرجل بالكلام، إذا لفظ به، و هو يفوه به شعر، و ما فاهوا به و لهم مقيم، و رجل مفوّه، قادر على الكلام.

و كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه.

و قولها: «مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطأ الأقدام»؛ المذاق في الشراب: خلط الماء باللبن؛ تقول مذقته، إذا خلطته مذقا.

و النهزة: اسم الشي‏ء الذي يتناول و يمكن تناوله كالغنيمة؛ يقال: انتهزها فقد أمكنتك قبل الفوت.

و القبس: شعلة النار؛ قال اللّه عز و جل حكاية عن موسى: «إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ» (1)؛ يقال للآخذ من ذلك قبس، و اقتبس إذا أخذ من لهب النار في طعم يعلق به، و من ذلك يقال: قبست العلم فاقتبسته، و اقتبست الرجل نارا، و أقبسته علما إذا أعطيته ذلك.

و موطأ الأقدام: الموضع الذي تطأه. ضربت ذلك (عليها السلام) مثلا لما كانوا فيه من الذلة حتى أعزّهم اللّه عز و جل برسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أن الناس كانوا يتخطّفونهم من حولهم كما أخبر اللّه عز و جل بذلك في كتابه: «و يطعمون فيهم و ينتهزونهم و يطؤونهم بالذل و الصغار».

____________

(1). سورة النمل: الآية 7.

219

يعني بالطبخ ملائكة النار الموكلين بالعذاب من فيها؛ شبّههم بالطباخين الذين يوقدون النار على اللحم ليطبخوه.

و نجم قرن للضلالة: تقول: ارتفع للضالّ و نجم قام؛ يقال للخارج الذي يخرج على السلطان، ناجم لقيامه على من يقوم عليه. و قرن الرجل ندّه في الشجاعة و القوة؛ و يقال منه: تبارزت الأقران و تواجهوا و اقتتلوا.

و فغرت فاغرة فاها؛ و الفغر: فتح الفم؛ يقال: فغر الرجل فاه أي فتحه، و الفاغرة: التي قد فتحت فمها. ضربت ذلك مثلا للحرب إذ اشتدت، و مثّلت من يقتل فيها بابتلاعها إياهم كأنها فغرت فاها، أي فتحته لتأتيهم من يقتل فيها.

قذف أخاه عليا (عليه السلام) في لهواتها: تعني: إنهاض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) لمبارزة الأقران من المشركين الشجعان.

و اللهوات: جمع لهات، و اللهات: لحمة مشرفة في أقصى الفم فيما يلي الحلق.

و يقال: إنها شقشقة البعير و لكل ذي حلق لهاه، و الجمع: اللها و اللهوات.

و قولها: فلا ينكفئ، تقول: لا ينقلب منهزما إذا بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحرب؛ يقال منه:

انكفئ القوم: إذا انهزموا و انكفئوا.

و قولها: «حتى يطأ سماكها بأخمصه»؛ فالسماك و السمك: المرتفع؛ قال اللّه عز و جل:

«رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها» (1)، و يقال: سنام سامك: أي مرتفع، و السماكان: نجمان مرتفعان، و من ذلك سمّي الرجل سماكا، يريدون به العلو و الرفعة؛ تقول: لا ينثني و لا يرجع في الحرب حتى يطأ أعلى من فيها، فمن يقاتله و يبارزه بأخمصه، و الأخمص: ما ارتفع من أسف القدم عن الأرض و هو وسطه، و يقال: و هو خميص القدم؛ قال الشاعر:

و كان أخمصها بالشوك منتعل‏

____________

(1). سورة النازعات: الآية 28.

220

و قولها: «و يخمد حرّ لهبا بحدّه»؛ تعني الحرب شبهتها، فإذا هو قتل المناحبين له فيها أو هزمهم، أخمدوا كحدّ السيف و حدّ السنان، و احتدّ الرجل: إذا غضب وحده و غضبه.

و قولها: «و أنتم في رفاهية»؛ يقال منه: رفهه عيش فلان رفاهية فهو رفيه العيش، أي هو في خير و خفض.

و قولها: «ظهرت حسكة النفاق»؛ من حسك الصدر، و هو حقد العداوة؛ و تقول إنه حسك الصدر على فلان.

و قولها: «و استهتك جلباب الدين»؛ استهتك استفعل من الهتك، و الهتك أن تجذب ثوبا أو سترا فتقطّعه من موضعه أو تشقّ طائفة فيبدوا لذلك ما وراءه؛ فلذلك يقال:

هتك اللّه ستره، و رجل مهتوك الستر: متهتّك، و رجل مستهتك: لا يبالي أن يهتك ستره عن عورته، و يقال ذلك لكل شي‏ء هتك و أهتك و استهتك.

و الجلباب: ثوب أوسع من الخمار و دون الرداء، تغطّي به المرأة رأسها و صدرها، فإذا فعلت ذلك قيل: تجلببت. فضربت فاطمة (عليها السلام) ذلك مثلا لهتكهم حرمان الدين و استخفافهم بها.

و قولها: «و نطق كاظم الغاوين»؛ فالكظم: السكوت، و الكاظم: الساكت؛ تقول: نطق من كان من الغد أن قد أسكته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الغاوون: جمع غاو من الغي، و الغيّ مصدر من قولك غوي الغاوي فهو يغوي غيا، و الغيّ: الضلال ضد الهدى.

و قولها: «نبغ خامل الآفلين»؛ يقال: نبغ فلان إذا قال الشعر و لم يكن قاله قبل ذلك، و قيل: إن زيادا قال الشعر بعد أن كبر فسمّي النابغة لذلك، و قيل: بل سمّي بذلك لقوله:

و قد نبغت لهم منا شئون‏

فمعنى نبغ هاهنا: ظهر اليوم من كان خاملا من الآفلين.

و قولها: «و هدر فنيق المبطلين»؛ البعير يهدر هديرا و هدرا. و الحمامة أيضا تهدر.

221

و الفنيق: الفحل من الإبل؛ ضربته مثلا لمن استفحل من المبطلين من الأمة، فرأس عليها و تناول ما ليس له منها.

و قولها: «يخطر في عرصاتكم»؛ تعني: الفحل من الإبل الذي ضربته مثلا، و الفحل من الإبل يخطر بزينه إذا مشى مختالا، و كذلك الناقة، و كذلك الإنسان إذا مشى يخطر بيديه كبرا، و العرصات: جمع عرصة، و عرصة الدار: وسطها.

و قولها: «و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم»؛ مغرز الشي‏ء: أصله، مثل مغارز الريش و مغارز الأضلاع.

و قولها: «و لعزمه متطاولين»؛ المتطاول: الشي‏ء المستشرف إليه؛ قال الشاعر:

تطاولت فاستشرفته فرأيته‏ * * * فقلت له أ أنت عمرو الفوارس‏

و قولها: «و أحمشكم فألفاكم غضابا»؛ تقول: أغضبكم فوجدكم كذلك؛ يقال منه الرجل إذا اشتدّ غضبه: قد استحمش غضبا.

و قولها: «فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم»؛ مثل ضربته لاغتصابهم الإمامة من أهلها و أخذهم غير حقهم منها.

و قولها: «هذا و العهد قريب»؛ تعني برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إن ذلك كان منهم بقرب وفاته.

و قولها: «و الكلم رحيب»؛ أي واسع، تعني ما تكلّم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في إمامة علي (عليه السلام) فما أوجبها و أكّدها.

و قولها: «و الجرح لمّا يندمل»؛ تقول يبرأ، و اندمال الجرح: برؤه، تعني: موت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و قولها: «أنّى تؤفكون»؛ تقول: أين تصدّون عن الحق، و الأفاك الذي يأفك الناس عن الحق بالكذب، و الإفك تقول: أفك الرجل عن أمر كذا، إذا صرف عنه بالكذب و الباطل.

و قولها: «أبتزّ إرثيه»؛ تقول: أسلب إرثي، تعني ميراثها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي استلبته‏

222

و منعته، و البزّ هاهنا الاستلاب، و العرب تقول: من عزّ بزّ، معناه من غلب سلب.

و الهاء من إرثيه زائدة، و هي تسمّى هاء الاستراحة من قول اللّه عز و جل: «ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ» (1)، و قوله تعالى: «وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ» (2)، و هي لغة قريشية.

و قولها: «لقد جئت شيئا فريّا»؛ و الفريّ هاهنا: الأمر العظيم، و الفري أيضا: الكذب، و الفري: القذف.

و قولها: «فدونكها مخطومة مرحولة»؛ تعني ظلامتها؛ مثّلتها بناقة عليها رحلها و خطامها، ضربتها مثلا لظلامتها التي ارتكبها منها.

و قولها: «و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)»؛ فالزعيم: الكفيل، لأن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) قد تكفّل لمن أطاعه بالجنة و تكفّل لمن بغي عليه بالنصر، و الانتصاف ممن بغى عليه و ظلمه.

و قولها: «ما هذه السنة عن ظلامتي»؛ السنة: الوسن؛ يقال منه: قد و سن الرجل، إذا أخذته سنة النعاس و قد غلبه و سنّة؛ قال اللّه عز و جل: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ». (3) فالسنة النعاس من غير استشغال نوم؛ قال الشاعر:

و سنان أقصده النعاس فرنقت‏ * * * في عينه سنة و ليس بنائم‏

و معنى قولها: ما هذه السنة عن ظلامتي، تعني التغافل عنها و التهاون بها، كما يكون الناعس عن الشي‏ء غافلا عنه إذا لم ينصروها في ذلك و لا أعانوها عليه.

و قولها: «سرعان ما نسيتم و عجلان ما أحدثتم»؛ هي كلمات تقولها العرب لسرعان ما صنعت كذا و كذا، تعني أسرع ما صنعته و لو شكان ما خرجت و لعجلان ما جئت؛ قال الشاعر:

أ يخطب فيكم بعد قتل رجالكم‏ * * * لسرعان هذا و الدماء تصبّب‏

____________

(1). سورة الحاقّة: الآية 28، 29.

(2). سورة القارعة: الآية 10.

(3). سورة البقرة: الآية 255.

223

قولها: «فخطب جليل استوسع وهيه»؛ فالخطب: الأمر؛ يقال: ما خطبك: أي ما أمرك، و يقال: هذا خطب جليل و خطب يسير و الجمع خطوب؛ قال اللّه تعالى: «فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ». (1)

و استوسع و هيه: أي اتسع ما و هي من أجله، تعني مصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما و هي من أجله من الأمر و اتسع وهيه لذلك.

و قولها: «و استشمر فتقه لفقدان راتقه»؛ يقال منه: رتق الفتق إذا لحمه و أصلحه، تعني فقدان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي كان يرتق ما انفتق من الأمور.

و قولها: «و اكتأبت خيرة اللّه في خلقه»؛ تعني بموت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الكابة من الهمة و الانكسار من الحزن في الوجه خاصة؛ تقول: كئب الرجل، و الكئب كآبة، يوقف الألف، و كآبة بالمد.

و قولها: «و أكدت الآمال»؛ تقول: انقطعت؛ قال اللّه عز و جل: «وَ أَعْطى‏ قَلِيلًا وَ أَكْدى‏» (2)، أي قطع ما كان يعطيه، و قد قيل: إن المعطي إذا أعطى عطاء نزرا قليلا قيل: أكدى، و الأول أشبه بالمعنى، و يقال: فلان قد بلغ الناس كديّته: أي إنه كان يعطي ثم أمسك؛ قالت الخنساء:

فتى الفتيان ما بلغوا كداها

و قولها: «إيها بني قيلة»؛ فهو من الدعاء المنسوب، تقول: يا بني قيلة، تعني الأنصار، و هم الأوس و الخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرؤ القيس بن مادر بن حبد اللّه بن الأمرد بن عوف بن نبتة بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، و هما ابنا قيلة، و هم الأنصار، نسبوا إلى أمهم.

____________

(1). سورة الحجر: الآية 57.

(2). سورة النجم: الآية 34.

224

و قولها: «اهتضم تراث أبي»؛ تقول: أنقص ميراث أبي، و يقال منه: هضمت حقي أي انتقصته، و هضمت من حقي طائفة: أي تركتها، و الهضام: الذي يترك من حقه و يعطي غيره؛ يقال: قد هضم له من حقه؛ قال لبيد:

و مقسّم يعطي العشيرة حقها * * * و معدلم لحقوقها هضامها

و التراث تاؤه واو و هو تركه الميراث و لا يجمع كما يجمع الميراث، فيقال: تواريث.

و قولها: «و أنتم نخبة اللّه التي انتخب لدينه»؛ و النخبة: الخيرة لما اختير و استخلص، نخبة و نخابة، و هو مصدر النخيب: المختار المستخلص المصطفى اختيارا على غيره، و تنخب: اختار و استخلص.

و قولها: «فنابذتم العرب و كافحتم الأمم»؛ المنابذة: انتباذ الفريقين للحرب؛ تقول:

نبذت إليهم الحرب على سواء: أي نابذناهم الحرب، و النبذ طرحك الشي‏ء، و المنبوذ:

ولد الزنا الذي تنبذه أمه، أي تطرحه ليخفي أمرها. فكأن المنابذة طرح ما بين الفريقين من الصلح و الاتفاق بين بعضهم و بعض.

و المكافحة في الحرب: المضاربة تلقاء الوجوه؛ قال الشاعر:

تكافح لو حات الهواجر بالضحى‏ * * * مكافحة للمنخرين و للفم‏

و قولها: «و خبت نيران الباطل»؛ الخبو: سكون لهب النار، و خبت النار: إذا سكنت، و خبت الحرب كذلك، و خبت النار تخبو خبوا: إذا طفأت.

و قولها: «و استوسق نظام الدين»؛ تقول: اجتمع و انضمّ بعضه إلى بعض، و الوسق:

ضمّك الشي‏ء بعضه إلى بعض، و الاتساق: الانضمام و الاستواء، و يقال: استوسقت الإبل: إذا اجتمعت و انضمّت، و استوسق النظام كذلك. و هذا مثل ضربته لاجتماع المؤمنين و ألفتهم على إقامة دين اللّه عز و جل في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

225

و قولها: «فنكصتم بعد الإقدام»؛ النكوص: الإحجام عن الشي‏ء؛ يقال لمن أراد أمرا ثم رجع عنه: نكص على عقبيه.

و قولها: «نكثوا أيمانهم»؛ نكث اليمين و نكث العهد و العقد: حلّه من بعد أن عقد و أبرم، و كذلك النقض؛ قال اللّه عز و جل: «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ» (1)، و قال أيضا: «وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» (2)، و قال: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ». (3) قيل: إن ذلك ضرب مثلا لامرأة حمقاء كانت تغزل الغزل، ثم تفتله على خلاف ما فتلته إذا غزلته، فينحلّ و يفسد ذلك النكث، و النكيثة اسم.

و قولها: «لقد قلت ما قلت على علم مني بالخذلان الذي خامر صدوركم و استفزّ قلوبكم»؛ خامر صدوركم: خالطها؛ يقال منه: خامره الداء: إذا خالط جوفه، و كلما يخمر بالماء يقال: اختمر، إذا خالطه يختمر به من طعم أو ريح لم يكن قبل ذلك فيه.

و استفزّ- استفعل-: من الإفزاز، و الإفزاز: الإفزاع و الذعر، و يقال: استفزّ الرجل حتى ألقي في الجهل، و استفزّ حتى أخرج من داره: بمعنى خوّف و أفزع حتى فعل ذلك.

و قولها: «لبثة الصدر و بعثة الغيظ»؛ فبثة الصدر: خروج ما في القلب و الحديث به، و أصل البثّ: تفريق الأشياء، كبث الخيل في الغارة و بثّ الكلاب للصيد، و خلق اللّه الخلق و بثّهم في الأرض، و تقول: أبثّه الحديث إبثاثا فأنا مبثّة و الحديث مبثّ؛ تقول (عليها السلام):

و لكنني بثثت ما في الصدر، و البثّ أيضا شدة الحزن، قيل: لأن صاحبه لا يصير حتى يبثّه: أي يشكوه؛ قال اللّه عز و جل حكاية عن يعقوب: «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ» (4)، و قد يكون قولها أيضا في هذا إنها تبثّ ما في قلبها من الغم بما ذكرته و إن كانت تعلم أن ذلك لا يصرفهم عما هم عليه.

____________

(1). سورة الفتح: الآية 10.

(2). سورة النحل: الآية 91.

(3). سورة النحل: الآية 92.

(4). سورة يوسف: الآية 86.

226

و بعثة الغيظ، ما يبعثه: أي يرسله و يبعث عنه من القول و غيره.

و قولها: «فدونكموها فاحتقبوها»؛ تعني ظلامتها التي تظلّمت إليهم؛ تقول: احتقبوا إثمها، و أصل الاحتقاب: شدّ الحقبة من خلف و كل ما حمل من خلف؛ تقول: احتقب و استحقب، و الإثم كذلك يحتقب؛ قال الشاعر:

فاليوم فاشرب غير مستحقب‏ * * * إثما من اللّه و لا واغل‏

و قولها: «دبرة الظهر»؛ تعني بثقلها، كما يدبر ظهر الدابة الحمل الثقيل.

و قولها: «موسومة بشنار الأبد»؛ العيب و العار يلزم الرجل من فعل يفعله عار و شنار، و قلّ ما يقرءون الشنار في العار، و كذلك في هذا الكلام بعد ذكر العار.

المصادر:

شرح الأخبار: ج 3 ص 34 ح 974.

7

المتن:

عن عائشة، أنها قالت:

لما بلغ فاطمة (عليها السلام) أن أبا بكر قد أظهر منعها فدك، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء من قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.

فنيطت دونها ملاءة فجلست. ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس. ثم أمهلت هنيئة حتى سكنت فورتهم، افتتحت كلامها بحمد اللّه و أثنت عليه، ثم قالت:

229

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

إنا رزئنا بما لم يرز ذو شجن‏ * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

و سوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏ * * * منا العيون بتهمال لها سكب‏

قال عبد المحمود: انظر رحمك اللّه و فكّر فيما قد رووه عن رجالهم و ثقاتهم من هذا التألّم العظيم من فاطمة (عليها السلام) و ما تقدّم من روايتهم له في صحاحهم من هجرانها لأبي بكر ستة أشهر حتى ماتت، فهل ترى هذا حديث من كان عندها شبهة في أنهم ظلموها عمدا و قصدا؟

و هل ترى هذا الكلام منها كلام من قد قبلت لهم عذرا؟

و هل ترى هذا حديث من لا يعرف صحة دعواها و ثبوت حجتها؟

و هل كان يحسن أن يسمع مثل هذا الكلام منها و تمنع مما طلبت أو العوض عنه؟

و لو كانت قد وفدت بهذا الكلام و الاسترحام على أعظم ملوك الكفار، أ ما كان تشهد العقول أنه كان يرفع شأنها و يشرّف مقامها و يحسن جائزتها؟

أ فيليق بمسلم أن يكون جواب هذا الكلام منعها و سوء معاملتها و تهوين حضورها و خطابها و القساوة عليها و ترك التلطف بها على كل حال؟

ما يقولون لو أن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) أباها رآها و هي تبكى و تقول مثل هذا الكلام؟ أ كان يغضب لغضبها كما رووه في صحاحهم، أو كان يرضى عنهم؟

إنما تشهد العقول أنه كان يشقّ عليه غضبها و يهجرهم بهجرانها و يستعظم إقدامها على تكذيبهم لها و ظلمها و كسرها و إسقاط منزلتها. فاختر لنفسك أيها المشفق على نفسه، هل توافق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك و يكون لك فيه أسوة حسنة، أو تكون في زمرة من أغضبها و أغضبه.

قال عبد المحمود مؤلف هذا الكتاب: و من طريف ما أكثر التعجب و يحق لي أن أعجب من شهادة هؤلاء الأربعة المذاهب بتصديق هذه الأحاديث و ما تقدم منهم‏

227

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)، فإن تعزّوه و تعرفوه، تجدوه أبي دون آبائكم، و أنا ابنته دون نسائكم، و أخوه ابن عمي دون رجالكم.

فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا ثبجهم، آخذا بأكظامهم و ينكث الالهام؛ يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، حتى تفرى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و تمّت كلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2) فأنقذكم منها، نهزة الطامع، و مذقة الشارب، و قبسة العجلان، و موطئ الاقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

حتى استنقذكم اللّه برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (3)، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يطفئ عادية لهبها بسيفه، مكدودا في ذات اللّه، و أنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون.

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه، أطلع الشيطان رأسه فدعاكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، و أحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم؛ هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل.

إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (4)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

(3). سورة المائدة: الآية 64.

(4). سورة التوبة: الآية 49.

228

ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، تسرّون حسوا في ارتغاء، و نحن نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم الآن تزعمون ألا إرث لنا؟! أ فحكم الجاهليه تبغون؟ و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون؟

يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون.

ثم انكفأت إلى قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

و في بعض الروايات من المشار إليه زيادة هذه ألفاظها:

أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول اللّه تعالى‏ «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (1)، و قال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، و قال: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (3)، و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (4)

ثم عطفت على قبر أبيها و بكت و تمثّلت بقول صفية بنت اثاثة و قيل أنابه:

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فقد فقدت و كل الخير محتجب‏

و كنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك ينزل من ذي العزة الكتب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * لما فقدت و كل الأرض مغتصب‏

____________

(1). سورة النمل: الآية 16.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة الأنفال: الآية 75.

(4). سورة النساء: الآية 11.

230

مدح فاطمة (عليها السلام) و أنها سيدة نساء العالمين، و أن من أغضبها فقد أغضب أباها محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و من آذاها فقد آذاه، و كتابهم يتضمّن: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» (1)، ثم يشهدون و يصحّحون أن أبا بكر أغضبها و آذاها و هجرته ستة أشهر حتى ماتت.

ثم و كيف تصدّق العقول أن سيدة نساء العالمين و سيدة نساء أهل الجنة (عليها السلام) تدّعي باطلا و تطلب محالا و تريد ظلم جميع المسلمين و تأخذ صدقتهم و تموت مصرّة على ذلك؟! ما يقبل هذا عقل صحيح و لا يعتقده ذو بصيرة.

و خاصة فإن علي بن أبي طالب و أهل بيت نبيهم (عليهم السلام) الذين رووا عنه فيهم أنهم أحد الثقلين الذين لا يفارقون كتابه و أن من تمسّك بهم و بالكتاب سلم من الضلالة، فقد تقدم بيان أن فاطمة (عليها السلام) منهم، و إذا كان التمسك بها يؤمن من الضلالة، فكيف يقول أبو بكر و أتباعه هي قد ضلّت في دعواها؟

و أما علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي هو إمام أهل بيت نبيهم (عليهم السلام)، فتارة يكون شاهدا لفاطمة (عليها السلام) كما تقدم، و تارة موافقا لها على الغضب على أبي بكر، و يدفنها ليلا و لا يعلم بها أبو بكر، ثم لا يسترضيها في مدة هذه الستة الأشهر و يهوّن عليه غضبها و أذيتها و هي أذية للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما رووه. إن ذلك كله شهادة منهم صريحة بضلال خليفتهم أبي بكر و خروجه عن حدود الإسلام و فضيحته بين الأنام.

المصادر:

1. الطرائف: ص 263 ح 368، عن كتاب الفائق.

2. الفائق، عن كتاب الأربعين لابن مردويه، على ما في الطرائف.

3. الأربعين، على ما في الطرائف.

4. المناقب لابن مردويه، على ما في الطرائف.

5. بحار الأنوار: ج 29 ص 219 ح 7، على ما في الطرائف.

6. إحقاق الحق: ج 10 ص 304، شطرا منها.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 57.

231

7. بحار الأنوار: ج 11 ص 219 ح 7، عن الطرائف.

8. الأنوار النعمانية: ج 1 ص 95، عن الفائق.

الأسانيد:

في الطرائف: ما ذكره الشيخ الأسعد سقروة في كتاب الفائق عن الأربعين، عن أحمد بن موسى بن مردويه في المناقب، قال: أخبرنا إسحاق بن عبد اللّه بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن عبيد اللّه بن صالح النحوي، قال: حدثنا الزيادي محمد بن زياد، قال: حدثنا شرفي بن قطامي، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت.

8

المتن:

قال الإربلي بعد ذكر قصة فدك:

و حيث انتهى بنا القول إلى هنا فلنذكر خطبة فاطمة (عليها السلام)، فإنها من محاسن الخطب و بدائعها؛ عليها مسحة من نور النبوة، و فيها عبقة من أرج الرسالة، و قد أوردها المؤالف و المخالف، و نقلتها من كتاب السقيفة عن عمر بن شبّه تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروّة على مؤلفها المذكور؛ قرأت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة.

روى عن رجاله من عدة طرق: أن فاطمة (عليها السلام) لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا، لاثت خمارها و أقبلت في لميمة من حفدتها و نساء قومها، تجرّ ادراعها، تطأ في ذيولها، ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و قد حشد المهاجرين و الأنصار.

فضرب بينهم بريطة بيضاء- و قيل قبطية-. فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت (عليها السلام):

232

أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد؛ الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر بما ألهم، و الثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و إحسان منن أولاها. جمّ عن الإحصاء عددها، و ناى عن المجازاة مزيدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، و استتب الشكر بفضائلها، و استحذى الخلق بإنزالها، و استحمد إلى الخلائق بإجزالها، و أمر بالندب إلى أمثالها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمن القلوب موصولها، و أبان في الفكر معقولها؛ الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام الإحاطة به.

أبدع الأشياء لا من شي‏ء كان قبله، و أنشأها بلا احتذاء مثله، و سمّاها بغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته، و تعبّدا لبريته، و إعزازا لأهل دعوته، ثم جعل الثواب لأهل طاعته، و وضع العذاب على أهل معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنته.

أشهد أن أبي محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله، اختاره قبل أن يجتبله، و اصطفاه قبل أن يبتعثه، و سمّاه قبل أن يستجيبه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، و بستر الأهاويل مضمونة، و بنهايا العدم مقرونة، علما منه بمآئل الأمور، و إحاطة بحوادث الدهور، و معرفة منه بمواقع المقدور، و ابتعثه إتماما لعلمه، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفاذا لمقادير حقه.

فرأى (صلّى اللّه عليه و آله) الأمم فرقا في أديانها، و عابدة لأوثانها، عكّفا على نيرانها، منكرة للّه مع عرفانها. فأنار اللّه بأبي (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمها، و فرّج عن القلوب بهمها، و جلا عن الأبصار عمهها.

ثم قبضه اللّه إليه قبض رأفة و اختيار، رغبة بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار، موضوعا عنه أعباء الأوزار، محفوظا بالملائكة الأبرار، و رضوان الرب الغفار، و جوار الملك الجبار.

فصلّى اللّه عليه، أمينه على الوحي و خيرته من الخلق و رضيّه، (عليه السلام) و رحمة اللّه و بركاته.

233

ثم قالت (عليها السلام): و أنتم عباد اللّه نصب أمره و نهيه، و حملة كتاب اللّه و وحيه، أمناء اللّه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم حولكم. للّه فيكم عهد قدّمه إليكم، و بقية استخلفها عليكم؛ كتاب اللّه بينة بصائره، و آي منكشفة سرائره، و برهان فينا متجلّية ظواهره، مديما للبرية استماعه، قائدا إلى الرضوان أتباعه، و مؤديا إلى النجاة أشياعه، فيه تبيان حجج اللّه المنيرة، و مواعظه المكرورة، و محارمه المحذورة، و أحكامه الكافية، و بيناته الجالية، و جمله الكافية (الشافية خ ل)، و شرائعه المكتوبة، (المكنونة خ ل)، و رخصه الموهوبة.

ففرض اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها لكم من الكبر، و الزكاة تزييدا لكم في الرزق، و الصيام تبيينا إمامتنا، و الحجّ تسنية للدين، و العدل تنسكا للقلوب، و طاعتنا نظاما للملة، و إمامتنا لمّا للفرقة، و الجهاد عزّ الإسلام، و الصبر مؤونة للاستيجاب، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و البرّ بالوالدين وقاية من السخطة، وصلة الأرحام منسأة للعمر و منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذور تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخسة، و اجتناب قذف المحصنات حجابا من اللعنة، و الاجتناب عن شرب الخمور تنزيها من الرجس، و مجانبة السرقة إيجابا للعفة، و التنزّه عن أكل أموال الأيتام و الاستيثار بفيئهم إجارة من الظلم، و العدل في الأحكام إيناسا للرعية، و التبري من الشرك إخلاصا للربوبية، فاتقوا اللّه حق تقاته و أطيعوه فيما أمركم به، ف «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». (1)

ثم قالت (عليها السلام): أنا فاطمة بنت محمد، أقول عودا على بدء و ما أقول ذلك سرفا و لا شططا. فاسمعوا إلىّ بأسماع واعية و قلوب راعية.

ثم قالت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (2)، فإن تعزّوه تجدوه أبي دون آبائكم، و أخا ابن عمى دون رجالكم، فبلغ الرسالة صار بالرسالة، ناكبا (مائلا خ ل) عن سنن مدرجة المشركين، ضاربا لثبجهم،

____________

(1). سورة فاطر: الآية 28.

(2). سورة التوبة: الآية 128.

236

قال: ثم التفتت إلى قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) متمثّله بقول هند ابنة اثاثة:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك لما غبت و انقلبوا

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏ * * * لما قضيت و حالت دونك الترب‏

و زاد في بعض الروايات هنا:

ضاقت عليّ بلادي بعد ما رحبت‏ * * * و سيم سبطاك خسفا فيه لي نصب‏

فليت قبلك كان الموت صادفنا * * * قوم تمنّوا فأعطوا كلما طلبوا

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * و ارغبت عنا فنحن اليوم نغتضب‏

قال: فما رأيت أكثر باكية و باك منه يومئذ.

ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت:

يا معشر البقية و يا عماد الملة و حصنة الإسلام! ما هذه الفترة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أ ما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة.

أ تزعمون مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب جليل استوسع وهنه، و استهتر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض له، و اكتأبت لخيرة اللّه، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، و أضيع الحريم، و أديلت الحرمة.

فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في قبلتكم (أفنيتكم خ ل)، ممساكم و مصبحكم هتافا هتافا، و لقبله ما حلّت بأنبياء اللّه و رسله: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (1)

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

235

تريدون، أم بغيره تحكمون، «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (1)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (2)

هذا، ثم لم تبرحوا ريثا- و قال بعضهم: هذا و لم يريثوا أختها الاريث- أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها. ثم أخذتم تورون و قدتها، تهيّجون جمرتها، تشربون حسوا في ارتغاء، و تمشون لأهله و ولده في الحمر و الضراء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى و وخز السنان في الحشاء.

ثم أنتم أولاء تزعمون أن لا ارث ليه؟ أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؛ يقول اللّه جل ثناؤه: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (3)، معما اقتص من خبر يحيى و زكريا إذ قال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ‏ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (4)، و قال تبارك و تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ». (5)

فزعمتم أن لا حظّ لي و لا إرث لي من أبيه؛ أ فحكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي (صلّى اللّه عليه و آله)؟

«أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (6)

أيها معاشر المسلمة! أ أبتزّ إرثيه؟ اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبيه؟ لقد جئتم شيئا فريّا! فدونكها مرحولة مخطومة مزمومة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ ما تُوعَدُونَ‏ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (7)

____________

(1). سورة الكهف: الآية 50.

(2). سورة آل عمران: الآية 85.

(3). سورة النمل: الآية 16.

(4). سورة مريم: الآية 6.

(5). سورة النساء: الآية 11.

(6). سورة المائدة: الآية 50.

(7). سورة الزمر: الآية 40.

237

أيها بني قيلة! أهضم تراث أبيه و أنتم بمرأى و بمسمع؟ تلبسكم الدعوة، و يشملكم الخبرة، و فيكم العدة و العدد، و لكم الدار و الجنن، و أنتم الاولى، نخبة اللّه التي انتخبت، و خيرته التي اختار لنا أهل البيت.

فباديتم العرب، و بادهتم الأمور، و كافحتم البهم؛ لا نبرح و تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب البلاد، و خبت نيران الحرب، و سكنت فورة الشرك، و هدّت دعوة الهرج، و استوسق نظام الدين، فأنى جرتم بعد البيان، و نكصتم بعد الإقدام عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، و طعنوا في دينكم.

فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. «أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (1)».

ألا و قد أرى و اللّه أن قد أخلدتم إلى الخفض و ركنتم إلى الدعة، فمحجتم الذي أوعيتم و لفظتم الذي سوّغتم، ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت الذي قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم و خور القناة، فدونكموها فاحتقبوها، مدبرة الظهر، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة، التي تطّلع على الأفئدة، إنها عليهم موصدة. فبعين اللّه ما تفعلون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (3)، و أنا بنت نذير لكم، بين يدي عذاب شديد، ف «اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (4)

هذه الخطبة نقلتها من كتاب السقيفة و كانت النسخة مع قدمها مغلوطة، فحقّقتها من مواضع أخر.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الشعراء: الآية 227.

(4). سورة الانعام: الآية 158.

234

آخذا بأكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة؛ يجذّ الأصنام، و ينكت الهام حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، و حتى تفري الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص مع النفر البيض الخماص الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

«وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (1)، فأنقذكم منها مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطاة (و مؤظاه خ ل و موطئ خ ل) الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

فانقذكم اللّه بنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب؛ «كُلَّما حشوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (2)، و نجم قرن الضلالة و فغر فاغر من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يحمد لهبها بسيفه، مكدودا دؤبا في ذات اللّه، و أنتم في رفهينة و رفغينة، وادعون آمنون، تتوكّفون الأخبار و تنكصون عن النزال.

فلما اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و أتمّ عليه ما وعده، ظهرت حسيكة النفاق، و سمل جلباب الإسلام، فنطق كاظم، و نبغ خامل، و هدر فينق الكفر يخطر في عرصاتكم. فاطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، و للغرة فيه ملاحظين، و استنهضكم فوجدكم خفافا، و أحمشكم فوجدكم غضابا، هذا و العهد قريب و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل؛ فوسمتم غير إبلكم و أوردتموها شربا ليس لكم، و الرسول لمّا يقبر بدار، أزعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (3)

فهيهات منكم و كيف بكم و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه جل و عز بين أظهركم، قائمة فرائضه، واضحة دلائله، نيّرة شرائعه؛ زواجره واضحة، و أوامره لايحة، أرغبة عنه‏

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 103.

(2). سورة المائدة: الآية 64.

(3). سورة التوبة: الآية 49.

238

المصادر:

1. كشف الغمة: ج 1 ص 480، عن السقيفة و فدك.

2. السقيفة و فدك: ص 98، شطرا منها.

3. شرح نهج البلاغة: ج 16 ص 211، شطرا منها.

4. بحار الأنوار: ج 29 ص 217 ح 2، عن كشف الغمة.

5. إحقاق الحق: ج 10 ص 303، عن شرح نهج البلاغة.

6. تظلّم الزهراء (عليها السلام): ص 38، على ما في الإحقاق.

7. إحقاق الحق: ج 10 ص 305، عن تظلّم الزهراء (عليها السلام).

8. بحار الأنوار: ج 11 ص 217، ذكره إشارة.

9. موسوعة الإمام الصادق (عليه السلام): ج 1 ص 399 ح 671، عن شرح نهج البلاغة.

10. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للإسلامي: ص 134، عن السقيفة و فدك.

11. فدك في التاريخ: ص 133، شطرا منه.

12. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للعطاردي: ص 572.

الأسانيد:

1. في السقيفة و فدك: حدثني أحمد بن محمد بن يزيد، عن عبد اللّه بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، قالوا جميعا.

2. في السقيفة و فدك: حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، قال: حدثني أبي، عن الحسين بن صالح بن حي، قال: حدثني رجلان من بني هاشم، عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و قال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه (عليهم السلام).

3. في السقيفة و فدك: حدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل بن نجيح بن عمير بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام).

9

المتن:

روى عبد اللّه بن علي بن عباس، عن أبيه علي بن عباس، عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، قالت:

240

ثم قبضه اللّه عز و جل إليه قبض رأفة و اختيار، و تكرمة و هبّ، و نقله عن تعب هذه الدار، موضوعا عن عنقه الأوزار، مخلّدا في دار القرار، محتفّا به الملائكة الأبرار، في مجاورة الملك الجبار، رضوانه عليه و على أهل بيته الأخيار، و صلّى اللّه على نبيه و أمينه على وحيه و صفيه من الخلائق و سلّم كثيرا.

ثم التفتت إلى أهل المجلس و قالت:

و أنتم عباد اللّه نصب أمره و نهيه، و حملة معالم علمه و وحيه، و أمناؤه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم؛ خوّلكم عهده الذي قدّمه إليكم، و بقيّته التي استخلفها فيكم، كتاب اللّه؛ بصائره نيّرة لذوي الألباب، و آي كاشفة سرائره و برهانه، و حججه النيرة، و مواعظه المكرّرة، و محارمه المحذّرة، و رخصه الموهوبة، و شرائعه المكتوبة، و فضائله المندوبة.

ففرض لكم الإيمان تطهيرا من الشرك، و الصلاة تنزيها عن الكبر، و الزكاة تحصينا للأموال و زيادة في الأرزاق، و الصيام تثبيتا للإخلاص و تنسّكا للقلوب و تنبيها لماسة الشعب لها على مواساة ذوي الإملاق و الإقتار و المسكنة و الافتقار، و الحجّ تشييدا للدين و إحياء للسنن و إعلانا للشريعة، و العدل في الحكم متناشا للرعية و تمسكا للقلوب، و طاعتنا أهل البيت نظاما للملة، و إمامتنا لمّا للفرقة، و الجهاد عزّا للإسلام، و الصبر معونة في الاستيجاب، و القصاص حقنا للدماء، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و الوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخسة، و اجتناب قذف المحصنات حجابا من اللعنة، و النهي عن أكل أموال الأيتام حماية من الآثام و كشفا للظلام، و برّ الوالدين وقاية من السخط، و صلة الأرحام مبقاة للعدد و إنساء في العمر، و تحريم الشرك إخلاصا للربوبية، و الانتهاء عن شرب الخمور صونا عن الرجس، و النهي عن المنكر جمعا للكلمة، و مجانبة السرقة نشرا للعفّة.

فاتّقوا اللّه حقّ تقاته، و أطيعوه فيما أمركم به، و انتهوا عمّا نهاكم عنه، و اتبعوا العلم و تمسّكوا به، فإنما يخشى اللّه من عباده العلماء.

241

ألا و إني فاطمة بنت محمد، أقولها عودا على بداء، و لا أقول إذ أقول سرفا و لا شططا، و ها أنا قائلة فاسمعوا ما أقول بأسماع واعية و قلوب ناهية: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم. فبلغ بالنذاره، و صدع بالرسالة، مائلا عن مدرجة الناكثين، ناكبا عن سنن المشركين، ضاربا لأثباجهم، آخذا بأكظامهم، يجذّ الأصنام، و ينكت الهام، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، حتى انهزم الجمع و ولى الدبر، و حتى تولّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)، مذقة الشارب، و نهزة الطاعن، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الرنق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم. فأنقذكم اللّه بنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (3)، و كلما نجم ناجم بالضلال أو فغرت فاغرة للمشركين، قذف أخاه في لهواتها. فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحد سيفه، مكدودا دءوبا في ذات اللّه عز و جل، و أنتم وادعون في رفاهية آمنون، تتوكّفون الأخبار، و تنكصون عن النزال، و ترمقون ما يصير إليه الحال.

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و محلّ أصفيائه، ظهرت حسكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم، و نبغ خامل، و هدر فنيق الباطل، يخطر في عرصاتكم.

فأطلع الشيطان رأسه من مغرسه صارخا بكم، فوجدكم لدعوته مستجيبين، و للغرة ملاحظين، و استنهضكم فوجدكم إليه سرّعا، و أحمشكم فألفاكم لدعوته غضابا.

فوسمتم غير إبلكم، و أوردتم غير شربكم، هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب و الجرح لمّا يندمل، و الرسول لمّا يقبر، إنذارا زعمتم خوف الفتنة: «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). آل عمران: الآية 103.

(3). سورة المائدة: الآية 64.

239

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك، بلغها ذلك. فلاثت خمارها على رأسها ثم أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيلها، لا تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى دخلت المسجد على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار.

فنيطت دونهم ملاءة، ثم أنّت أنّة ارتجت لها القلوب و ذرفت لها العيون و أجهش لها القوم بالبكاء. ثم أمهلتهم حتى هدأت فورتهم، و قالت:

الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر على ما ألهم، و الثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و تظاهر منن أولاها، و كمال مواهب والاها، أحمده بمحامد جلّ عن الإحصاء عددها، و نأى عن المجازات أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، و استثنى الشكر بإفضالها، و استحمد إلى الخلائق بأجزالها، و آمن بالندب إلى أمثالها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمّن القلوب موصولها، و أبان في الفكر محصولها، و أظهر فيها معقولها؛ الممتنعة من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام الإحاطة به. ابتدع الأشياء لا من شي‏ء كان قبله، و أنشأها بلا احتذاء امتثله، و فطرها لغير فائدة زادته إلا إظهارا لقدرته، و تعبدا لبريّته، و إعزازا لأهل دعوته، ثم جعل الثواب لأهل طاعته، و جعل العقاب لأهل معصيته، زيادة لأوليائه عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته.

و أشهد أن محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله، و اختاره قبل أن ينتجبه، و اصطفاه قبل أن يبعثه، إذ الخلائق تحت الغيوب مكنونة، و بستر الأهاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه تعالى بمآئل الأمور، و إحاطة منه بحوادث الدهر، و معرفة منه بمواضع المقدور؛ ابتعثه إتماما لعلمه، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفادا لمقادير حتمه.

فرأى الأمم فرقا في أديانها، عابدة لنيرانها، عاكفة على أوثانها، منكرة للّه عز و جل مع عرفانها. فأنار اللّه به ظلمها، و جلى عن الأبصار غممها، و فرّج عن القلوب بهمها، و قام في الناس بالهداية، و أنقذهم من الغواية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الطريق المستقيم.

242

وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم، و أين بكم، و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ شرائعه واضحة، و زواجره و أوامره لائحة، رغبة عنه إلى ما سواه، «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (2)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (3)

هذا و لم تلبثوا بعد أختها إلا ريث سكوتي حتى نفر نهادها، و سلس قيادها؛ يسرّون حسوا في ارتغاء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، كأنكم لم تسمعوا اللّه يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (4)، و بعض خبر زكريا حيث يقول:

«فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي» (5)، و يزعم زعيمكم أن النبوة و الخلافة لا تجتمع لأحد، خلافا على اللّه تعالى إذ يقول لنبيه داود: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» (6)، ثم جعل ابنه وارثه و جمع فيهما النبوة و الخلافة، و قال تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» (7)، و قال عز و جل: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» (8)، و قال تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ». (9)

و أنت تزعم أن لا إرث لي مع أبي! و تحتجّ بقول لم يقله و لا سمعه أحد منه، و نحن حضنة علمه، و عارفو سره و علانيته، أ فخصّكم اللّه بآية دوننا أخرجنا اللّه منها؟ أم تقولون إنا أهل ملّتين لا نتوارث؟! أم أنت أعلم بمخصوص القرآن منا؟! أبى اللّه ذلك و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و صالح المؤمنين، قد علمنا أن نبوة محمد لا تورث و إنما يورث ما دونها.

____________

(1). سورة التوبه: الآية 49.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة آل عمران: الآية 85.

(4). سورة النمل: الآية 16.

(5). سورة مريم: الآية 6.

(6). سورة ص: الآية 26.

(7). سورة النساء: الآية 11.

(8). سورة البقرة: الآية 180.

(9). سورة النساء: الآية 1.

243

إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد ملّكني فدك في حياته تمليكا صحيحا شرعيا لا شرط فيه و لا رجعة و لا مثنوية، و لم تزل في يدي، أحكم فيها برأيي و علي (عليه السلام) وكيلي فيها و اللّه شاهد بذلك عليّ.

فإن كنت لا تسمع قولي و لا تحفل بمقامي فاللّه حسبي و كهفي و رجاي، و أقول كما قال نبي اللّه يعقوب: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ» (1)، «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (2)

إيه يا معاشر المسلمين! أ أبتزّ إرثيه من أبيه؟ أ في كتاب اللّه يا ابن أبي قحافة أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! فدونكها مخطومة مزمومة، تلقاك يوم حشرك و نشرك، و نعم الحكم اللّه، و نعم الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ». (3)

ثم صمتت (عليها السلام) لاستماع الجواب، فقال أبو بكر: لقد صدقت، كان بالمؤمنين رءوفا رحيما و على الكافرين عذابا أليما، فإذا عزوناه وجدناه أباك و أخا خليلك دون الأخلّاء؛ آثره على كل حميم، و ساعده على الأمر الجسيم، لا يحبّهم إلا عظيم السعادة، و لا يبغضهم إلا ردي‏ء الولادة؛ أنتم آل رسول اللّه الطيبون، و أهل بيته المنتجبون، و خيرة اللّه المصطفون. أما ما ذكرت من الميراث، فقد دفعت إليكم ما خلّفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من آلة و أثاث و كراع و منعتك ما سواه، اتباعا لقوله حيث يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و الرائد لا يكذّب أهله، و كفى باللّه شهيدا.

ثم إنها (عليها السلام) نهضت فعطفت على قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) و طافت به، و تمثّلت بشعر هند ابنة إبانة، و قد يقال إنها القائلة له:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * فاختلّ لأهلك و احضرهم فقد نكبوا

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * أهل النفاق و نحن اليوم نغتصب‏

____________

(1). سورة يوسف: الآية 18.

(2). سورة المائدة: الآية 50.

(3). سورة الزمر: الآية 40.

245

التي انتجب لنا أهل البيت. فكافحتم إليهم؛ ينهاكم فتنتهون، و يأمركم فتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الإسلام، و سكنت ثغرة الشرك، و هدأت دعوة الهرج، و استوسق نظام الدين. فحرتم بعد البيان، و خمتم بعد البرهان، و نكصتم بعد ثبوت الأقدام، اتباعا لقوم نكثوا أيمانهم؛ «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا و قد و اللّه أراكم قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة، و عجتم عن الدين ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت الذي قلت على معرفة بالخذلة التي خامرتكم، و الفتنة التي غمّرتكم، و لكنها فيضة النفس، و نفثة الغيض، و بثّة الصدر، و معذرة الحجة.

فدونكم فاعنقوا بها، دبرة الظهر، نقبة الخفّ، موسومة بالعار، باقية الشنار، موصولة بنار اللّه الموقدة «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (3) فبعين اللّه ما تفعلون بنا؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4)، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، «وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (5)

ثم ولّت منصرفة.

فقال أبو بكر لعمر: تبّت يداك، لو تركتني لرفّيت الخرق، و رتّقت الفتق، و راجعت الحقّ، و أكففت عني غرب هذه الألسنة بردّ فدك على أهلها.

فقال عمر: إذا يكون في ذلك و هن أركانك و انهباط بنيانك و زوال سلطانك و حدوث ما أشفقت منه عليك. فقال له: كيف لك بابنة محمد و قد علم الناس ما دعت إليه و ما نحن لها عليه؟ فقال: هل هي إلا غمرة انجلت و ساعة انقضت؟ و كأنّ ما قد فات لم يكن. ثم قال:

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

(4). سورة الشعراء: الآية 227.

(5). سورة الأنعام: الآية 158.

244

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

فكنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك تنزل من ذي العزة الكتب‏

و كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغبت عنا فكل الخير محتجب‏

فقد رزينا بما لم يرزه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏ * * * منا العيون بتهمال لها سكب‏

و وصلت ذلك بأن قالت:

قد كنت ذات حمية ما عشت لي‏ * * * أمشي البراح و أنت كنت جناحي‏

فاليوم أخضع للذليل و أتّقي‏ * * * منه و أدفع ظالمي بالزاح‏

و إذا بكت قمرية شجنا لها ليلا * * * على غصن بكيت صباحي‏

ثم انحرفت إلى مجلس الأنصار و قالت:

معاشر البقية و أعضاد الملة و حضنة الإسلام! ما هذه الفترة عن نصرتي و السنة في ظلامتي و الونيّة عن معونتي و الغميزة في حقي؟! أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبي و المرء يحفظ في ولده؟ ما أسرع ما أخذتم و أعجل ما بدّلتم؟ تقولون أن محمدا مات؟ فخطب جليل استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، و أضيع الحريم، و نبذت الحرمة، و فتنت الأمة، و غشيت الظلمة، و مات الحق.

فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في أفنيتكم، ممساكم و مصبحكم، هتافا هتافا لقبله ما حلّت بأنبياء اللّه و رسله؛ «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (1)

أ بني قيلة! أ أهتضم إرثي بمرأى منكم و مسمع؟ تشملكم الدعوة و ينالكم الخبر، و فيكم العدة و العدد، و لكم الدار و الإيمان، و أنتم و اللّه نخبة اللّه التي انتخب، و خيرته‏

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

246

ما قد مضى مما كما مضى‏ * * * و ما مضى فما مضى قد انقضى‏

ثم إن فاطمة (عليها السلام) لقيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في فورتها و هي مغضبة، فقالت: يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين وقعت حجرة الظنين؟ نقضت قادمة الأجدل و خانك ريش الأعزل! هذا ابن أبي قحافة، يبتزّني نحلة أبي و بلغة ابنيّ؛ لقد أجهر في ظلامتي و ألدّ في خصامتي حين خلستنى بنو قيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع و لا دافع.

خرجت مخاصمة و رجعت راغمة، افترشت الدناة و آنست بالهنات، ما كففت قائلا و لا أغنيت طائلا. يا ليتني و لا خيار لي، ليتني متّ قبل ذلّتي و دون هينتي، عذيري اللّه منهم ماحيا و من عتيق عاديا. ويل ويل لي في كل شارق؛ ويل في كل غارب. مات العمد و استرذل العضد. شكواي إلى أبي و عدواي إلى ربي. اللهم أنت أشدّ قوة.

فقال لها علي (عليه السلام): لا ويل لك، الويل لمن ساءك، فنهنهي عن وجدك يا بنت الصفوة و بقية النبوة. ما ونّيت عن ديني و لا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مقدور و كفيلك مأمون و ما أعدّ لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي. فقالت: حسبي اللّه، و سكتت.

قال: فقالت أم سلمة حيث سمعت ما جرى لفاطمة (عليها السلام): أ لمثل فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقال هذا القول؟ و هي و اللّه الحوراء بين الإنس و النفس للنفس؛ ربّيت في حجور الأتقياء، و تناولتها أيدي الملائكة، و نمت في حجور الطاهرات، و نشأت خير نشاء، و ربّيت خير مربّى. أ تزعمون أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حرّم عليها ميراثه و لم يعلمها و قد قال اللّه تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ». (1) أ فأنذرها و خالفت متطلّبة؟! و هي خيرة النسوان، و؟ م سادة الشبّان، و عديلة ابنة عمران، تمّت بأبيها رسالات ربه. فو اللّه لقد كان شفق عليها من الحرّ و القرّ، و يوسّدها يمينه و يلحفها بشماله؛ رويدا، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمرأى منكم و على اللّه تردّون؛ واها لكم فسوف تعلمون.

قال: فحرّمت أم سلمة عطاءها في تلك السنة.

____________

(1). سورة الشعراء: الآية 214.

247

المصادر:

الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم (عليهم السلام): ص 465.

الأسانيد:

في الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم (عليهم السلام): روى عبد اللّه بن علي بن عباس، عن أبيه علي بن عباس، عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام).

10

المتن:

قال أبو سعد منصور بن الحسين الآبي في كلام النساء الشرائف، باب فاطمة ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

قالوا: لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر منعها فدكا، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.

فنيطت دونها ملاءة، ثمّ أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و ارتجّ المجلس. ثم أمهلت هنّية حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت كلامها بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قالت:

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم؛ فبلّغ الرسالة صادعا بالنذارة، بالغا بالرسالة، مائلا عن سنن المشركين، ضاربا لثبجهم، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، آخذا بأكظام المشركين؛ يهشّم الأصنام، و يفلق‏

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

248

الهام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، حتى تفرّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشيطان، و تمّت كلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (1)، تهزة الطامع، و مذقة الشارب، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق و تقتاتون القدّ، أذلة خاسئين، يخطّفكم الناس من حولكم.

حتى أنقذكم اللّه برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و اللتي، و بعد أن مني ببهم الرجال و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (2)، أو نجم قرن للشيطان أو فغرت فاغرة للمشركين، قذف أخاه في لهواتها؛ فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يطفئ عادية لهبها بسيفه- أو قالت: و يخمد لهيبها بحده-؛ مكدودا في ذات اللّه، و أنتم في رفاهة فكهون آمنون وادعون.

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه، ظهرت حسكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الأقلّين، و هدر فنيق المبطلين. فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للغرّة ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا و أحمشكم فألفاكم غضابا؛ فوسمتم غير إبلكم، و أوردتم غير شربكم؛ هذا و العهد قريب و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل.

أ بما ذا زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (3)

فهيهات فيكم و أنّى بكم و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ زواجره بيّنة، و شواهده لائحة، و أوامره واضحة. أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (4)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (5)

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 103.

(2). سورة المائدة: الآية 64.

(3). سورة التوبة: الآية 49.

(4). سورة الكهف: الآية 50.

(5). سورة آل عمران: الآية 85.

250

أيها بني قيلة؛ أ أهتضم تراث أبيه و أنتم بمرأى مني و مسمع؟! تلبسكم الدعوة، و تشملكم الحيرة، و فيكم العدد و العدة، و لكم الدار، و عندكم الجنن، و أنتم الألى نخبة اللّه التي انتخب لدينه، و أنصار رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أهل الإسلام، و الخيرة التي اختار اللّه لنا أهل البيت. فنابذتم العرب، و ناهضتم الأمم، و كافحتم البهم؛ لا نبرح نأمركم فتأتمرون.

حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت نعرة الشرك، و باخت نيران الحرب، و هدأت دعوة الهرج، و استوسق نظام الدين. فأنّى حرتم بعد البيان، و نكصتم بعد الإقدام، و أسررتم بعد التبيان، «لقوم‏ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ‏ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة. فعجتم عن الدين، و مججتم الذي وعيتم، و لفظتم الذي سوّغتم؛ «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم، و استشعرته قلوبكم، و لكن قلته فيضة النفس، و نفثة الغيظ، و بثّة الصدر، و معذرة الحجة.

فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة، «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (3)

فبعين اللّه ما تفعلون؛ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4)، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ف «اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (5)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

(4). سورة الشعراء: الآية 227.

(5). سورة الأنعام: الآية 158.

249

ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها؛ تشربون حسوا في ارتغاء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم الآن تزعمون لا إرث لنا؛ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (1)

إيها معشر المسلمة المهاجرة! أ أبتزّ إرث أبيه؟ أبى اللّه في الكتاب- يا ابن قحافة- أن ترث أباك و لا أرث أبيه؛ لقد جئت شيئا فريا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ». (2)

ثم انكفأت على قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت:

قد كان بعدك أبناء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ أهلك فاحضرهم و لا تغب‏

و ذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر و المهاجرين، عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت:

يا معشر الفئة و أعضاد الملة و حضنة الإسلام! ما هذه الفترة في حقي و السنة في ظلامتى؟ أ ما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحفظ في ولده؟ لسرع ما أحدثتم و عجلان ذا إهانة! أ تقولون: مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب جليل، استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته، و خشعت الحبال، و أكدت الآمال، و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة عند مماته (صلّى اللّه عليه و آله)؛ و تلك نازلة علن بها كتاب اللّه أفنيتكم فى ممساكم و مصبحكم، تهتف في أسماعكم و لقبله ما حلّت بأنبياء اللّه و رسله (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (3)

____________

(1). سورة المائدة: الآية 50.

(2). سورة الأنعام: الآية 67.

(3). سورة آل عمران: الآية 144.

251

المصادر:

1. نثر الدرّ للآبي: ج 4 ص 8.

2. جواهر المطالب للباعوني: ج 1 ص 155.

3. إحقاق الحق: ج 25 ص 506، عن جواهر المطالب، شطرا منها.

11

المتن:

قال الشيخ محمد الأخباري النيشابوري في كتاب مخطوط (1):

الرابع عشر: خطبة البتول فاطمة بنت الرسول (عليها السلام)؛ و إني رأيت كتابا عتيقا مكتوبا بالخط الكوفي الجديد، مسطورا عليه المجلد الثاني من كتاب المنظوم و المنثور في ذكر خطب النساء و أشعارها، و كان على الكتاب خاتم خزانة المتوكل على اللّه الخليفة العباسي، و كان فيه خطبة عائشة بعدها خطبة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (عليها السلام).

و ذكرها أرباب الحديث في الأصول المبسوط أيضا، و ها نحن نذكرها بأسانيدنا من مسند عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالإسناد، عن آبائي:

أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك و بلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت ملّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و غيرهم.

فنيطت دونها ملاءة فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء فارتجّ المجلس. ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم و هدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فعاد القوم في البكاء. فلما أمسكوا أعادت في كلامها فقالت:

____________

(1). نقلت هذه الخطبة عن ذلك الكتاب، و هو نقلها عن كتاب عتيق فيه خاتم خزانة المتوكل، و هي مطابق نسخة الاحتجاج، بتغيير يسير و اختلاف قليل، و مع هذا نقلتها مستقلا لنفاسة موضوعها و قدمة نسختها.

252

الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر على ألهم، و الثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و تمام منن والاها؛ جمّ عن الإحصاء عددها، و نأ عن الجزاء أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها، و ندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، و استحمد إلى الخلائق بإجزالها، و ثني بالندب إلى أمثالها.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمن القلوب موصولها، و أنار في التفكر معقولها؛ الممتنع من الأبصار رؤيته، و من الألسن صفته، و من الأوهام كيفيته.

ابتدع الأشياء [لا] من شي‏ء كان قبلها، و أنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها؛ كوّنها بقدرته، و ذرأها بمشيّته، لا من حاجة منه إلى تكوينها، و لا فائدة له في تصويرها، إلا تبيينا لحكمته، و تنبيها على طاعته، و إظهارا لقدرته، و تعبدا لبريته، و إعزازا لدعوته. ثم جعل الثواب على طاعته، و وضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنته.

و أشهد أن أبي محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله؛ اختاره و انتجبه قبل أن أرسله، و سمّاه قبل أن اجتباه، و اصطفاه قبل أن ابتعثه إلى الحلائق و الخلائق؛ بالغيب مكنونة، و بستر الأهاويل مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه تعالى بمائل الأمور، و إحاطة بحوادث الدهر، و معرفة بمواقع المقدور.

ابتعثه اللّه تماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفاذ المقادير حتمه. فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها. فأنار اللّه بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) ظلمها، و كشف عن القلوب بهمها، و جلّى عن الأبصار عماها، و قام في الناس بالهداية، و أنقذهم من الغواية، و بصّرهم من العماية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الصراط المستقيم.

ثم قبضه اللّه إليه قبض رأفة و اختيار و رغبة و إيثار؛ فمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار في راحة، قد حفّ بالملائكة الأبرار، و رضوان الرب الغفار، و مجاورة الملك الجبار؛ صلّى‏

253

اللّه على أبي نبيه و أمينه على وحيه و صفيه و خيرته من خلقه و رضيّه، و السلام عليه و رحمة اللّه و بركاته.

ثم التفت إلى أهل المجلس و قالت:

أنتم عباد اللّه نصب أمره و نهيه، و حملة دينه و وحيه، و أمناء اللّه على أنفسكم، و بلغاؤه إلى الأمم؛ زعيم حق له فيكم، و عهد قدّمه إليكم، و بقيّة استخلفها عليكم؛ كتاب اللّه الناطق، و القرآن الصادق، و النور الساطع، و الضياء اللامع؛ بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، متجلّية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائمة إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه؛ به تنال حجج اللّه المنوّرة، و عزائمه المفسّرة، و محارمه المحذّرة، و بيّناته الجالية، و براهينه الكافية، و فضائله المندوبة، و رخصه الموهوبة، و شرائعه المكتوبة.

فجعل اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، و الصلاة تنزيها لكم من الكبر، و الزكاة تزكية للنفس و نماء في الرزق، و الصيام تثبيتا للإخلاص، و الحجّ تشييدا للدين، و العدل تنسيقا للقلوب، و طاعتنا نظاما للملة، و إمامتنا أمانا من الفرقة، و الجهاد عزّ الإسلام، و الصبر معونة على استيجاب الأجر، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و برّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخس، و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، و اجتناب القذف حجابا عن اللعنة، و ترك السرقة إيجابا للعفة، و حرّم اللّه الشرك إخلاصا بالربوبية.

فاتقوا اللّه حقّ تقاته، «وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» (1)، و أطيعوا اللّه فيما أمركم به و نهاكم عنه، فإنه قال: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ». (2)

ثم قالت: أيها الناس! اعلموا أني فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ أقول عودا و بدا و لا أقول ما أقول غلطا و لا أفعل ما أفعل شططا؛ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ‏

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 102.

(2). سورة فاطر: الآية 28.

254

حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم، و لنعم المعزّي اللّه؛ (صلّى اللّه عليه و آله).

فبلّغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا ثبجهم، آخذا بأكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، بكسر الأصنام و بنكث الهام، حتى انهزم الجمع و ولّوا الدبر، حتى تغرّ الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقائق الشياطين، و طاح وسيط النفاق، و انتحلّت عقد الكفر و الشقاق، و فهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)، مذقة الشارب، و نهرة الطامع، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلّة خاسئين؛ تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم اللّه تبارك و تعالى بمحمد و آله (عليهم السلام) بعد اللتيا و اللتي، و بعد أن مني بهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا نارا للحرب أطفأ اللّه، و نجم قرن الشيطان و فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه، و يخمد لهبها بسيفه؛ مكدودا في ذات اللّه، مجتهدا أمر اللّه، قريبا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؛ سيد أولياء اللّه، مشمّرا ناصحا مجدّا كادحا، و أنتم في رفاهة العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربّصوا بنا الدوائر، و يتوكّفون الأخبار، و تنكصون عند النزال، و تفرّون من القتال.

فلما اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و مأوى أصفيائه، ظهر فيكم النفاق، و أسمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و ينغ خامل الآفلين، و هد فسق المبطلين. فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرورة هاتفا بكم. فألقاكم لدعوته مستجيبين، و اللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم ناهضين خفافا، و أحمشكم فألقاكم غضبابا. (3) فوسمتم غير إبلكم، و أوديتم غير مشربكم.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

(3). هكذا في المصدر و الظاهران الصحيح: غضبانا.

255

هذا، و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا يقبر، ابتدار زعمتم خوف الفتنة؟ «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

فهيهات منكم و كيف بكم و «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ»؟ (2) و كتاب اللّه بين أظهركم؛ أموره ظاهرة، و أحكامه زاهرة و أعلامه باهرة و زواجره و أوامره واضحة. خلّفتموه وراء ظهوركم.

أرغبة عنه تدبّرون، أم بغيره تحكمون؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (3)، «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ». (4)

ثم لم تلبثوا إلّا ريث أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، تهيّجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغويّ، و إطفاء أنوار الدين الجليّ، و إهماد سنن النبي الصفيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؛ تشربون حوا فى ارتقاء، تمشون لأهله و ولده في الجهراء و الضرّاء، و يصبر منكم على مثل جزّ المدى و حزّ السنان في الحشا دمهم، و أنتم الآن تزعمون لا إرث لنا! أ فحكم الجاهلية تبغون؟ «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏ ا فلا تعلمون». (5) بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته.

أيها المسلمون! أغلب في إرثيه؟ يا ابن أبي قحافة! أ في كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! أ فعلي عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ» (6)، و قال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (7)، و قال: «أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» (8)، و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (9)،

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة فاطر: الآية 3.

(3). سورة الكهف: الآية 50.

(4). سورة آل عمران: الآية 85.

(5). سورة المائدة: الآية 50.

(6). سورة النمل: الآية 16.

(7). سورة مريم: الآية 6.

(8). سورة الأنفال: الآية 75.

(9). سورة النساء: الآية 11.

256

و قال: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». (1)

و زعمتم أن لا حظوة لي و لا أرث من أبي و لا رحم بيننا؟! أ فخصّكم عموم عمومه من أبي و ابن عمي؟ فدونكما مخطومة مرحومة له، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ و لا ينفعكم إذ تندمون و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ». (2)

ثم رنّت بطرفها نحو الأنصار، ثم قالت: يا معاشر النقبية و أعضاد الملة و أنصار الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبى يقول:

«المرء يحفظ في ولده»؟ سرعان ما أخذتم و عجلان ذا هالة، و لكم طاقة بما أجادل و قوة على ما أطلب و أزاول.

أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب جليل استوسع وهنه، و استنهر فتقه، و انفتق رتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و انكسفت النجوم لمصيبته، و أكّدت الآمال، و خشعت الجبال، و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة عند مماته. فتلك و اللّه النازلة الكبرى و المصيبة العظمى، لا مثلها نازلة و لا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب اللّه جل ثناؤه أفنيتكم ممساكم و مصبحكم، يهتف به في أفنيتكم هتافا و صراخا و تلاوة و ألحانا، و لقبله ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله (صلّى اللّه عليه و آله)، حكم فصل و قضاء حتم: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (3)

أيها بني قيلة! أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع و منتدى و مجمع؟

تلبسكم الدعوة و تشملكم الخيرة، و أنتم دو العدد و العدة و العداد و القوة، و عندكم السلاح و الجنّة؛ توافيكم الدعوة فلا تحيبون، و تأتيكم الصرخة فلا تغيثون، و أنتم‏

____________

(1). سورة البقرة: الآية 180.

(2). سورة الأنعام: الآية 67.

(3). سورة آل عمران: الآية 144.

257

موصوفون بالكفاح، معرون بالخير و الصلاح، و النخبة التي انتخبت، و الخيرة التي اختيرت.

قاتلتم العرب، و تحملتم الكمّد و التّعب، و ناطحتم الأمم، و لاقحتم البهم؛ لا نبرح و لا تبرحون، تأمركم فتأمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت ثغرة الشرك، و سكنت فورة الإفك، و نيران الكفر، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين.

فأنّى حريم بعد البيان، و أسررتم بعد الإعلان، و نكصتم بعد الإقدام، و أشركتم بعد الإيمان؛ بؤسا «لقوم نكثوا بعد أيمانهم‏ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا قد أرى أن أخلدتم إلى الخفض، و أبعدتم من هو أحق بالبسط و القبض، و خلوتم بالدعة، و نجوتم من الضيق بالسعة؛ فحججتم ما وعيتم، و وسعتم الذي تسوّغتم، ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتم، و الغدرة التي استشعرتها قلوبكم، و لكنها فيضة النفس، و نفثة الغيض، و حوز القنا، و ثبة الصدر، و تقدمة الحجة. فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقية الخفّ، باقية العار، موسومة بغضب اللّه الواحد القهار و شنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (3)

فبعين اللّه ما تفعلون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (4)، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد؛ ف «اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (5)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

(4). سورة الشعراء: الآية 227.

(5). سورة الأنعام: الآية 158.

259

فبهنّ عز و جل فما مرزع من الاقساط، و شرع من الفرائض و الميراث، و أباح من حظّ الذكران و الأناث. ما أزاح علة المبطلين و أزال التظني و الشبهات في الغابرين. كلّا بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا، فصبر جميل‏ «وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ». (1)

فقال أبو بكر: صدق اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و صدقت ابنته. أنت معدن الحكمة، و موطن الهدى و الرحمة، و ركن الدين و الحجة؛ لا أبعد صوابك و لا أنكر خطابك. هؤلاء المسلمين بيني و بينك قلّدوني ما تقلّدت و باتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر و لا مستبدّ و لا مستأثر و هم بذلك شهود.

فالتفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس فقالت: معاشر المسرعة إلى قيل الباطل، المغضبة على الفعل الخاسر؛ «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها كلّا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم فأخذ بسمعكم و أبصاركم» (2)، و لبئس ما تأوّلتم و ساء ما به أشرتم و شرّ ما منه اغتصبتم. لتجدنّ و اللّه محمله ثقيلا و غبّه كفيلا إذا كشف لكم الغطاء بأن ما وراء الضرّاء و بدأ لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، «وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ». (3)

ثم عطف على قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إلى آخر الأشعار كما مرّ مرارا.

ثم انكفأت، و علي (عليه السلام) يتوقّع رجوعها إليه و يتطلّع طلوعها. فلما جاءت و دخلت عليه و استقرّت في الدار، قالت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الضنين؟ نقضت قادمة الأجدل و خانك ريش الأغزل؟ هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي و بلغة ابنيّ. قد أجهد في خصامي و ألفيته ألدّ في كلامي، حتى حبستني قيلة بضرّها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني لطرفها، فلا دافع و لا مانع؛ خرجت كاظمة و أعدت راغمة.

____________

(1). سورة يوسف: الآية 18.

(2). سورة محمد: الآية 24.

(3). سورة غافر: الآية 78.

258

فأجابها أبو بكر فقال: يا بنت رسول اللّه، لقد كان أبوك صلى اللّه عليه بالمؤمنين رءوفا رحيما عطوفا كريما و على الكافرين عذابا عظيما؛ إن غزوناه وجدناه أباك دون الناس و أخا لبعلك دون الأخلّاء؛ آثره على كل حميم و ساعده في كل أمر جسيم؛ لا يحبّكم إلا سعيد و لا يبغضكم إلا شقي.

فأنتم عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الطيبون و الخيرة المنتجبون؛ إلى الخير أدلّتنا و إلى الجنة مسالكنا، و أنت يا خيرة النساء و ابنة خير الأنبياء صادقة في قولك، سابقة في وقور عقلك، غير مردودة في حقك، و لا مصدودة عن صدقك. و اللّه ما عدوت رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عملت إلا بإذنه، و إن الرائد لا يكذّب أهله.

و أني أشهد اللّه‏ «وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً» (1)، إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضة و لا دارا و إنما نورّث الكتاب و الحكمة و العلم و النبوة، و ما كان لنا من طمعة، فلوالي الأمر من بعدنا أن يحكم فيه بحكم، و قد جعلنا ما حولتنيه الكراع و السراح، يقاتل بها المسلمون و يجاهدون الكفار و يجادلون الفجار.

و ذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي و لم أستبدل بما كان الرأي فيه عندي، و هذه مالي هي لك و بين يديك، لا تردى عنك لا تدّخر دونك، و أنت سيدة أمة أبيك و الشجرة الطيبة لبنيك؛ لا يدفع ما لك من فضلك و لا يوضع من فرعك و اصلك، و حكمك نافذ فيما ملكت يداي. فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك؟ فقالت (عليها السلام): سبحان اللّه! ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن كتاب اللّه صادقا و لا لأحكامه مخالفا، بل كان يتبع أثره و يقتفي سوره. فتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور، و هذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته؛ هذا كتاب اللّه حكما عدلا و ناطقا فصلا يقول: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2)، «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (3)

____________

(1). سورة الرعد: الآية 43.

(2). سورة مريم: الآية 6.

(3). سورة النمل: الآية 16.

260

أضرعت خدك يوم أضعت حدّك؛ افترست الذباب، و افترشت التراب. ما كففت قائلا و لا أغنيت طائلا و لا خيار لي. ليتني متّ قبل هنيئتي و دون ذلّتي، عذيري اللّه منه عاديا و منك حاصبا. ويلاى في كل سارق؛ بات العمد و دهت العضد. شكواي إلى أبي و عدواي إلى ربي؛ اللهم إنك أشد قوة و حولا و أشد بأسا و تنكيلا.

فقال علي (عليه السلام): لا ويل لك بل الويل لشانئيك، نهنهي عن وجدك يا بنت الصفوة و بقية النبوة. فما دنيت عن ديني و لا أخطأت مقدوري. فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون، و كفيلك مأمون، و أعدّ لك أفضل مما قطع عنك. فاحتسبي اللّه. فقالت: حسبي اللّه، و أمسكت.

يقول المؤلف: هذا ما رواه عبد اللّه بن الحسن الحسني، و قد روى أجزاء الخطبة غير واحد من المحدثين في غير واحد من المصنفات.

المصادر:

1. كتاب المبين للأخباري النيشابوري، عن كتاب المنظوم و المنثور في ذكر خطب النساء (مخطوط): ص 190.

2. كتاب المنظوم و المنثور في ذكر خطب النساء و أشعارها (مخطوط)، عن مسند عبد اللّه بن الحسن.

3. مسند عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب (مخطوط).

الأسانيد:

في الكتاب المبين: قال الشيخ سعيد بن سقر في كتاب الفائق و الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتاب المناقب: أخبرنا إسحاق بن عبد اللّه بن إبراهيم، قال:

حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا الزيادي محمد بن زياد، قال: حدثنا شرقي بن قطامي، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، قال: حدثنا عروة، عن عائشة.

261

12

المتن:

عن عائشة: أنها قالت:

لما بلغ فاطمة (عليها السلام) أن أبا بكر أظهر منعها فدكا، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.

فنيطت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة، أجهش لها القوم بالبكاء. ثم أمهلت هنيهة، حتى إذا سكنت فورتهم، افتتحت كلامها بحمد اللّه و الثناء عليه، ثم قالت:

«لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (1) فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم. فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا لحدتهم؛ يجذّ الأصنام، و ينكث الهام، و يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، حتى تفرى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و تمّت كلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)؛ نهزة الطامع، و مذقة الشارب، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام؛ تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلة خاسئين.

حتى استنقذكم اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بعد اللتيا و التي، و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب. كلما أوقدوا نارا للحرب و فغرت فاغرة، قذف أخاه في لهواتها؛ فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يطفئ عادية لهبها بسيفه، و أنتم في رفاهية آمنون وادعون.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

263

13

المتن:

قالت زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام):

لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها حقها من فدك، لاثت خمارها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ ذيولها، لا تخرم مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، حتى دخلت علي أبي بكر، و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار.

فلطّت دونها ملاءة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء و النحيب. ثم أمهلت حتى إذا هدأت فورتهم و سكنت روعتهم، افتتحت الكلام بالحمد للّه و الثناء عليه، و الصلاة علي رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) في كلام طويل من الثناء و التمجيد.

ثم قالت:

أنا فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ أقولها عودا على بدء، ما أقول إذ أقول سرفا و لا شططا؛ «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (1)، و إن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم، و لنعم المعزيّ إليه (صلّى اللّه عليه و آله).

فبلّغ النذارة صادعا بالرسالة، ناكبا عن سنن المشركين، ضاربا لأثباجهم، آخذا بأكظامهم، داعيا إلي سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، يفضّ الهام، و يجذّ الأصنام، حتى انهزم الجمع، و ولّوا الدبر، و حتى تفرّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه، و نطق زعيم الدين، و خرست شقاشق الشياطين، و فهتم بكلمة الإخلاص، «وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (2)، مذقة الشارب، و نهزة الطامع، و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 128.

(2). سورة آل عمران: الآية 103.

262

حتى إذا اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه، اطلع الشيطان رأسه، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للغرة ملاحظين. ثم استنهضكم فوجدكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و وردتم غير شربكم. هذا و العهد قريب و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل. إنما زعمتم خوف الفتنة، «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (1)

ثم لم تلبثوا حيث تسرّون حسوا في ارتغاء، و نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و أنتم تزعمون أن لا إرث لنا؟ أ فحكم الجاهلية تبغون؟ «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»؟ (2)

يا معشر المسلمين! أ أبتزّ إرث أبي؟ أبى اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا! فدونكها مرحولة مخطومة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد، و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ». (3)

ثم انكفأت إلى قبر أبيها تقول:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

المصادر:

مقتل الحسين (عليه السلام): ص 77.

الأسانيد:

في مقتل الخوارزمي: بأسناده، عن الحافظ أبي بكر هذا، أخبرنا عبد اللّه بن إسحاق، أخبرنا محمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن زياد، أخبرنا شرقي بن قطامي، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

(2). سورة المائدة: الآية 50.

(3). سورة الجاثية: الآية 27.

264

تشربون الطرق، و تقتاتون القدّ، أذلّة خاشعين، يتخطّفكم الناس من حولكم.

فأنقذكم اللّه بنبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، بعد اللتيا و التي، و بعد ما مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب؛ «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» (1)، أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغرة للمشركين، قذف أخاه عليا في لهواتها؛ فلا ينكفئ حتى يطأ ضماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بحده، مكظوظا في طاعة اللّه و طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، مشمّرا ناصحا مجدّا كادحا، و أنتم في بلهنية وادعون، و في رفاهية فكهون؛ تأكلون العفو، و تشربون الصفو، و تتوكّفون الأخبار، و تنكصون عند النزال.

فلما اختار اللّه لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و محل أصفيائه، ظهرت حسيكة النفاق، و انسمل جلباب الدين، و أخلق عهده، و انتقض عقده، و نطق كاظم، و نبغ خامل، و هدر فنيق الباطل.

يخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه، صارخا بكم، فألفاكم لدعوته مصيخين، و للغرّة ملاحظين، و استنهضكم فوجدكم خفافا، و أحمشكم فألفاكم غضابا.

فخطمتم غير إبلكم، و أوردتموها غير شربكم؛ بدارا زعمتم خوف الفتنة، «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ». (2)

هذا، و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا يقبر.

هيهات منكم و أين بكم و أنّى تؤفكون؟ و كتاب اللّه بين أظهركم؛ زواجره قاهرة، و أوامره لائحة، و أدلّته واضحة، و أعلامه بيّنة، أرغبة- و يحكم- عنه؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا». (3)

ثم لم تريثوا بعد اجتهاد، إلا ريثما سكنت نفرتها، و أسلس قيادها؛ تسرّون حسوا في ارتغاء، و نحن نصبر منكم علي مثل وخز المدى، و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا،

____________

(1). سورة المائدة: الآية 64.

(2). سورة التوبة: الآية 49.

(3). سورة الكهف: الآية 50.

265

و لا حظّ؟ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (1)

ويها معشر المسلمة! أ أبتزّ إرثيه؟ أ في كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبيه؟ لقد جئت شيئا فريا.

جرأة منكم علي قطيعة الرحم و نكث العهد؛ فعلي عمد ما تركتم كتاب اللّه بين أظهركم و نبذتموه.

فدونكها مرحولة مزمومة، تكون معك في قبرك، و تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللّه، و نعم الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ»، و «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ». (2)

ثم عدلت إلي مجلس الأنصار فقالت:

يا معشر الفئة، و أعضاد الملة، و حضنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي، و السّنة عن ظلامتي؟ أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «المرء يحفظ في ولده»؟ لسرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة!

أ تقولون: مات محمد؟ لعمري، خطب جليل استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، و أضيع الحريم، و أذيلت الحرمة؛ فتلك نازلة علن بها كتاب اللّه في أفنيتكم، ممساكم و مصبحكم، هتافا هتافا؛ «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (3)

____________

(1). سورة المائدة: الآية 50.

(2). سورة الأنعام: الآية 67.

(3). سورة الأنعام: الآية 67.

266

إيها بني قيلة! أ أهتضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع؟ تشملكم الدعوة، و ينالكم الخبر، و فيكم العدد و العدّة، و لكم الدار، و عندكم الجنن، و أنتم نخبة اللّه التي انتخب لدينه، و أنصار رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و خيرته التي انتجب لنا أهل البيت.

فنابذتم فينا صميم العرب، و ناهضتم الأمم، و كافحتم البهم؛ لا نبرح و لا تبرحون، و نأمركم فتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت نخوة الشرك، و باخت نيران الحرب، و هدأت روعة الهرج، و استوسق نظام الدين.

فأنّى جرتم بعد البيان، و نكصتم بعد الإقدام، عن قوم نكثوا أيمانهم، «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا قد أري أن قد أخلدتم إلي الخفض، و ركنتم إلي الدعة، و عجتم عن الدين، و مججتم الذي عرفتم، و لفظتم الذي سوّغتم، ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت الذي قلت؛ علي معرفة بالخذلة التي خامرتكم، و لكنها فيضة النفس، و منيّة الغيظ، و نفثة الصدر، و معذرة الحجة، فدونكم فاحتقبوها مدبرة الظهر، مهيضة العظم، خوراء القناة، ناقبة الخفّ، باقية العار، موصولة بشنار الأبد، متصلة بنار اللّه؛ فبعين اللّه ما تفعلون، و «اعْمَلُوا عَلى‏ مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» (3)، و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد؛ «فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ» (4)، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (5)

ثم انكفأت إلي قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) متمثّلة بقول صفيّة بنت عبد المطلب- و قيل: أمامة-:

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الأنعام: الآية 158.

(4). سورة هود: الآية 55.

(5). سورة الشعراء: الآية 227.

267

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و غاب مذ غبت عنا الوحي و الكتب‏

تهضّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ بنت عنّا فنحن اليوم نغتصب‏

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏ * * * لمّا فقدت و حالت دونك الكثب‏

قال: فما رأينا يوما أكثر باكيا و باكية من ذلك اليوم.

هذا الحديث أكثر ما يروى من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، و إن كان قد روي من طرق أخري أطول من هذا و أكثر، و أهل الحديث يقولون: إنه موضوع‏ (1) علي فاطمة (عليها السلام).

و قال ابن قتيبة: قد كنت كتبته و أنا أرى أن له أصلا، و سألت عنه رجال الحديث، فقال لي بعض نقلة الأخبار: أنا أسنّ من هذا الحديث، و أعرف من عمله.

قلت: هذا الحديث و إن كان موضوعا كما ذكروا، فهو من أفصح الكلام و أحسنه مأخذا و احتجاجا، و لعل واضعه لا ينقص درجة عن الحجّاج بن يوسف الثقفي، و كتب غريب الحديث مشحونة بشرح كلامه و خطبه. فلا بأس أن يجرى هذا الحديث مجراها، في شرح غريبه و معانيه، و لعل أكثر ما يروى من أحاديث الغريب الطوال جارية هذا المجرى في التصنّع. و اللّه أعلم.

المصادر:

منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير: ص 501.

____________

(1). أقول- دفاعا عن مظلومية فاطمة (عليها السلام) و خطبتها-: إنه ليس موضوعا و إنه من كلام سيدتنا فاطمة (عليها السلام) كما هو من فصاحتها و غزارة علمها، خرجت من صدر محترقة من ظلامات أهل السقيفة. نقل الخطبة علماء الشيعة و عدة من علماء العامة كابن طيفور و الجوهري و السبط ابن الجوزي و ابن قتيبة و غيرهم، و أما كلام ابن الأثير بعد نقل الخطبة فقد نشأ من حقده الكامن في صدره و الضغائن التي ملأت قلبه و جوارحه.

268

14

المتن:

قال سبط ابن الجوزي في ذكر خطبة فاطمة (عليها السلام):

و قال الشعبي: لما منعت ميراثها، لاثت خمارها على رأسها- أي عصّبت، يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لاثا أي عصّبها، و قيل: اللوث الاسترخاء، فعلى هذا يكون معنى لاثت أي أرخت- و حمدت اللّه تعالى و أثنت عليه، و وصفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأوصاف، فكانت مما قالت:

كان كلما فغرت فاغرة من المشركين فاها، أو نجم قرن من الشياطين وطأ صماخه بأخمصه، و أخمد لهيبها بسيفه، و كسر قرنه بعزمته، حتى إذا اختار اللّه له دار أنبيائه و مقرّ أصفيائه و أحبائه، اطلعت الدنيا رأسها إليكم، فوجدتكم لها مستجيبين، و لغرورها ملاحظين.

هذا و العهد قريب، و المدى غير بعيد، و الجرح لم يندمل؛ فأنّى تؤفكون و كتاب اللّه بين أظهركم؟

يا ابن أبي قحافة! أ ترث أباك و لا أرث أبي؟ و دونكها مرحولة مذمومة؛ فنعم الحكم الحق، و الموعد القيامة، و «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ». (1)

ثم أومأت إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قالت:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكبر النوب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اغتيل أهلك لما أغنا لك الترب‏

و قد رزينا بما لم يرزه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

ثم إنها اعتزلت القوم، و لم تزل تندب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تبكيه حتى لحقت به.

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 67.

269

المصادر:

تذكرة الخواص: ص 317.

15

المتن:

عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، قالت:

لما اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك و العوالي و آيست من إجابته لها، عدلت إلى قبر أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فألقت نفسها عليه و شكت إليه ما فعله القوم بها، و بكت حتى بلّت تربته بدموعها و ندبته. ثم قالت في آخر ندبتها:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * * * فغبت عنا فكل الخير محتجب‏

فكنت بدرا و نورا يستضاء به‏ * * * عليك ينزل من ذي العزة الكتب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * بعد النبي و كل الخير مغتصب‏

سيعلم المتولّي ظلم حامّتنا * * * يوم القيامة أنّى سوف ينقلب‏

فقد لقينا الذي لم يلقه أحد * * * من البرية لا عجم و لا عرب‏

فسوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت‏ * * * لنا العيون بتهمال له سكب‏

المصادر:

1. الأمالي للمفيد: ص 41 ح 8.

2. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للعطاردي: ص 378 ح 5، عن الإرشاد.

الأسانيد:

في الأمالى: أخبرني أبو بكر محمد بن عمر الجعابي، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه [جعفر محمد بن جعفر الحسني، قال: حدثنا عيسى بن مهران، عن يونس، عن عبد اللّه محمد بن سليمان الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، قالت.

270

16

المتن:

عن زينب بنت علي (عليها السلام)، قالت:

قالت فاطمة (عليها السلام) في خطبتها في معنى فدك:

للّه فيكم عهد قدّمه إليكم، و بقية استخلفها عليكم، كتاب اللّه؛ بيّنة بصائره، و آي منكشفة سرائره، و برهان متجلية ظواهره، مديم للبرية استماعه، و قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤدّيا إلى النجاة أشياعه؛ فيه تبيان حجج اللّه المنورة، و محارمه المحدودة، و فضائله المندوبة، و جمله الكافية، و رخصه الموهبة، و شرائعه المكتوبة، و بيّناته الخالية.

ففرض اللّه الإيمان تطهيرا من الشرك، و الصلاة تنزيها عن الكبر، و الزكاة زيادة في الرزق، و الصيام تبيينا للإخلاص، و الحجّ تسنية للدين، و العدل تسكينا للقلوب، و الطاعة نظاما للملة، و الإمامة لما من الفرقة، و الجهاد عزّا للإسلام، و الصبر معونة على الاستيجاب، و الأمر بالمعروف مصلحة للعامة، و برّ الوالدين وقاية عن السخطة، وصلة الأرحام منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و الوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، و توفية المكاييل و الموازين تغييرا للبخسة، و قذف المحصنات حجبا عن اللعنة، و ترك السرقة إيجابا للعفة، و أكل أموال اليتامى إجارة من الظلم، و العدل في الأحكام إيناسا للرعية و حرّم اللّه الشرك إخلاصا بالربوبية. فاتقوا اللّه حق تقاته فيما أمركم اللّه به، و انتهوا عمّا نهاكم عنه.

و الخطبة طويلة، أخذنا منها موضع الحاجة.

المصادر:

1. من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 372 ح 1754.

2. وسائل الشيعة: ج 1 ص 14 ح 22، عن من لا يحضره الفقيه.

الأسانيد:

في من لا يحضره الفقيه: روى عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمد، عن جابر، عن زينب بنت علي، قالت: قالت فاطمة (عليها السلام).

272

و تسمعون صرختي فلا تغيثون! و أنتم نخبة اللّه التي انتخب، و خيرته التي انتحل لنا أهل البيت.

فنابذتم العرب، و ناجزتم البهم، و كافحتم الأمم؛ لا نبرح و تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى دارت لنا بكم رحى الإسلام، و درّ حلب البلاد، و هدأت دعوة الهرج، و سكنت فورة الشر، و طفأت جمرة الكفر، و قرّ نقار الحق، و استوسق نظام الدين. فان حرتم بعد القصد، و نكصتم بعد الإقدام! «أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ‏ ... مُؤْمِنِينَ». (1)

ألا و اللّه لقد أخلدتم إلى الخفض، و كلفتم بالدعة، فمحجتم بالذي وعيتم؛ ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...». (2)

ألا و قد قلت الذي قلت عن عرفة مني بالخذلة التي خامرتم، و لكنها فيضة للنفس، و هيضة للعظم، و كظة الصدر، و نفثة الغيظ، و خور القبا، و معذرة الحجة؛ فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخفّ، باقية العار، موسومة الشنار، موصولة بنار اللّه الموقدة، «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» (3)، و الحاكم الواحد الأحد.

و من كلام لها (عليها السلام):

تشربون حسوا في ارتقاء، و تمشون لأهله و ولده في الخمر و الضراء؛ نصبر منكم على مثل حزّ المدى، و حفر السنان في الحشا.

و لما انصرفت من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت له:

يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الظنين! نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل! هذا ابن أبي قحافة، قد ابتزّني نحيلة أبي و بليغة ابنيّ، و اللّه لقد أجهد ظلامتي و ألدّ في خصامي حتى منعتني القيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني طرفها؛ فلا مانع و لا دافع. خرجت و اللّه كاظمة و عدت راغمة

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

271

17

المتن:

قال ابن شهرآشوب في ذكر كلماتها (عليها السلام):

و قالت (عليها السلام) لما تكلّمت مع الأول:

معاشر المسلمة المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل الخاسر! «أَ فَلا تتدبّرون‏ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها»؟ (1) كلّا، بل ران على قلوبكم بتتابع سيئاتكم، فأخذ بسمعكم و أبصاركم، و لبئس ما تأوّلتم، و ساء ما به أشرتم، و شرّ ما منه اعتصمتم؛ لتجدنّ و اللّه محلها ثقيلا، و غيّها وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء، و بان و زادويه الصراط، و بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، «وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ». (2)

ثم قالت للأنصار: معاشر النقباء و أعضاد البقية و أنصار الدين و الملة و حضنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي و الإعراض عن ظلامتي؟! أ ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«المرء يحفظ في ولده»؟ لسرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة و بكم ما حاورت طاقة! أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فخطب- لعمري- جليل استوسع وهيه و استهتر، و أظلمت لديكم و اللّه الأرض، و تكدّرت الصفوة، و احليت القرحة، و تقرحت السلعة، و الثابت خيرة اللّه، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال، وضيع الحريم، و أديلت المحرمة؛ هي و اللّه النازلة الكبرى و المصيبة العظمى، لا مثلها نازلة و لا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب اللّه في أفنيتكم، ممساكم و مصحبكم هتافا و صراخا و تلاوة و الحابا، و لقبله ما حلّ أنبياء اللّه و رسله، حكم فصل و قضاء حتم: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ‏ ... الشَّاكِرِينَ». (3)

أ بني قيلة! أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع؟ تمسّكم الدعوة و يشملكم الخبر؟ و فيكم العدة و العدد، و بكم الدار و الجنن. تقرع صيحتي آذانكم فلا تجيبون،

____________

(1). سورة محمد (صلّى اللّه عليه و آله): الآية 24.

(2). سورة غافر: الآية 78.

(3). سورة آل عمران: الآية 144.

274

غصب فدك منها.

اعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصة و العامة بأسانيد متضافرة. قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح كتابه (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف عند ذكر الأخبار الواردة في فدك، حيث قال:

الفصل الأول: فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم، و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك، و أبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته و غير مصنفاته.

ثم ذكر المجلسي مصادر و أسانيد أخرى و أورد الخطبة عن الاحتجاج و قال: رواها الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا، و نحن نوردها بلفظه ثم نشير إلى موضع التخالف بين الروايات في أثناء شرحها إن شاء اللّه تعالى.

فقال بعد نقل تمام الخطبة عن الاحتجاج:

و لنوضح تلك الخطبة الغراء الساطعة عن سيدة النساء (عليها السلام) التي تحيّر من العجب منها و الإعجاب بها أحلام الفصحاء و البلغاء، و نبني الشرح على رواية الاحتجاج و نشير أحيانا إلى الروايات الآخر.

قوله: أجمع أبو بكر، أي أحكم النية و العزيمة عليه.

لاثت خمارها على رأسها، أي عصبته و جمعته، يقال: لاث العمامة على رأسها يلوثها لوثا، أي شدّها و ربطها.

و الجلباب بالكسر، يطلق على الملحفة و الرداء و الإزار و الثوب الواسع للمرأة دون الملحفة، و الثوب كالمقنعة تغطّي بها المرأة رأسها و صدرها و ظهرها، و الأول هنا أظهر.

أقبلت في لمّة من حفدتها، اللمّة بضمّ اللام و تخفيف الميم الجماعة. قال في النهاية:

273

و لا خيار لي. ليتني متّ قبل ذلّتي و توفّيت دون منيتي، عذيري و اللّه فيك حاميا و منك داعيا. ويلاه في كل شارق، ويلاه مات العمد و وهن العضد. شكواي إلى ربي و عدواي إلى أبي؛ اللهم أنت أشد قوة.

فأجابها أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل لك بل الويل لشانئك، نهنهي عن وجدك يا بنت الصفوة و بقية النبوة، فو اللّه ما ونيت في دينى و لا أخطأت مقدوري. فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون و كفيلك مأمون و ما أعدّ لك خير مما قطع عنك فاحتسبي.

فقالت: حسبي اللّه و نعم الوكيل.

و لها (عليها السلام) ترثي أباها:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت حاضرها لم تكثر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * فاختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏ * * * لما فقدت و كل الإرث قد غصبوا

و كل قوم لهم قربى و منزلة * * * عند الإله و للأدنين مقترب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * جهرا و قد أدركونا بالذي طلبوا

سيعلم المتولّي ظلم خاصتنا * * * يوم القيامة عنا كيف ينقلب‏

المصادر:

المناقب لابن شهرآشوب: ج 2 ص 208.

18

المتن:

قال المجلسي:

فصل: نورد فيه خطبة خطبتها سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، احتجّ بها على من‏

276

فنيطت دونها ملاءة، الملاءة بالضمّ و المدّ: الريطة و الإزار، و نيطت بمعنى علّقت أي ضربوا بينها (عليها السلام) و بين القوم سترا و حجابا، و الريطة بالفتح الملاءة، إذا كانت قطعة واحدة و لم تكن لفقين، أو هي كل ثوب ليّن رقيق.

و القبطيّة بالكسر: ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر، و قد يضمّ لأنهم يغيّرون في النسبة.

و الجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره، و هو مع ذلك يريد البكاء كالصبيّ يفزع إلى أمه و قد تهيّأ للبكاء، يقال: جهش إليه كمنع و أجهش.

و الارتجاج: الاضطراب.

قوله: هنيئة، أي صبرت زمانا قليلا.

و النشيج: صوت معه توجّع و بكاء، كما يردّد الصبي بكاءه في صدره.

و هدأت كمنعت، أي سكنت.

و فورة الشي‏ء شدّته، و فار القدر أي جاشت.

قولها (عليها السلام): «بما قدّم»، أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقّوها، و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم الإيجاد و الفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء فيكون تأسيسا.

و «السبوغ»: الكمال.

و «الآلاء»: النعماء جمع ألى بالفتح و القصر و قد يكسر الهمزة.

و أسدى و أولى و أعطى بمعنى واحد.

قولها: «والاها»، أي تابعها بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل.

و «جمّ» الشي‏ء أي كثر، و الجمّ الكثير، و التعدية بعن لتضمين معنى التعدي و التجاوز.

278

«و ثنى بالندب إلى أمثالها»، أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيوية ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الأخروية أو الأعلم منها و من مزيد النعم الدنيوية، و يحتمل أن يكون المراد بالندب إلى أمثالها أمر العباد بالإحسان و المعروف، و هو إنعام على المحسن إليه و على المحسن أيضا، لأنه به يصير مستوجبا للأعواض و المثوبات الدنيوية و الأخروية.

«كلمة جعل الإخلاص تأويلها»، المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلها خالصة للّه تعالى، و عدم شوب الرياء و الأغراض الفاسدة، و عدم التوسل بغيره تعالى في شي‏ء من الأمور. فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنه الخالق و المدبّر، و بأنه شريك له في الإلهية. فحقّ له أن لا يشرك في العبادة غيره و لا يتوجّه في شي‏ء من الأمور إلى غيره.

«و ضمّن القلوب موصولها»، هذه الفقرة تحتمل وجوها:

الأول: إن اللّه تعالى ألزم و أوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركّبه تعالى، و عدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة و أشباه ذلك مما يؤوّل إلى التوحيد.

الثاني: أن يكون المعنى جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجا في القلوب مما أراهم من الآيات في الآفاق و في أنفسهم، أو بها فطرهم عليه من التوحيد.

الثالث: أن يكون المعنى لم يكلّف العقول الوصول إلى منتهى دقائق كلمة التوحيد و تأويلها، بل إنما كلّف عامة القلوب بالإذعان بظاهر معناها و صريح مغزاها، و هو المراد بالموصول.

الرابع: أن يكون الضمير في موصولها راجعا إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة، و الدقائق المستنبطة منها أو مطلقها، و لو لا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الأول بل مطلقا.

«و أنار في الفكر معقولها»، أي أوضح في الأذهان ما يتعقّل من تلك الكلمة بالتفكر في الدلائل و البراهين، و يحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب أو الفكر بصيغة الجمع، أي أوضح بالتفكر ما يعقلها العقول. و هذا يؤيّد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة.

277

قولها (عليها السلام): «و نأى عن الجزاء أمدها»، الأمد بالتحريك: الغاية المنتهى، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها. فالمراد بالأمد إما الأمد المفروض، إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الأمد الحقيقي لكل من حدودها المفروضة، و يحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، و قد مرّ في كثير من الخطب بهذا المعنى.

و قال في النهاية في حديث الحجاج: قال للحسن: ما أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر؛ أراد أنه ولد لسنتين من خلافته، و للإنسان أمدان، مولده و موته، انتهى.

إذا حمل عليه يكون أبلغ، و يحتمل- على بعد- أن يقرأ بكسر الميم. قال الفيروزآبادي: الأمد: المملوّ من خير و شر و السفينة المشحونة.

«و تفاوت عن الإدراك أبدها»، التفاوت البعد، و الأبد الدهر و الدائم و القديم الأزلي، و بعده عن الإدراك لعدم الانتهاء.

«و ندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها»، يقال: ندبه للأمر و إليه فانتدب، أي دعاه فأجاب، و اللام في قولها لاتصالها لتعليل الندب، أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم، و جعل اللام الأولى للتعليل و الثانية للصلة بعيد، و في بعض النسخ: لإفضالها، فيحتمل تعلّقه بالشكر.

«و استحمد إلى الخلائق بإجزالها»، أي طلب منهم الحمد بسبب إجزال النعم و إكمالها عليهم؛ يقال: أجزلت له من العطاء، أي أكثرت، و أجزاك النعم كأنه طلب الحمد أو طلب منهم الحمد حقيقة لإجزال النعم، و على التقديرين: التعدية بإلى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجه.

و هذه التعدية في الحمد شايع بوجه آخر؛ يقال: أحمد إليك اللّه، قيل: أي أحمده معك، و قيل: أي أحمد إليك نعمة اللّه بتحديثك إياها، و يحتمل أن يكون استحمد بمعنى تحمد؛ يقال: فلان يتحمّد عليّ أي يمتنّ، فيكون إلى بمعنى على، و فيه بعد.

275

في حديث فاطمة (عليها السلام) أنها خرجت في لمّة من نسائها تتوطّأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته، أي في جماعة من نسائها. قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، و قيل: اللمّة: المثل في السن و الترب.

و قال الجوهري: الهاء عوض من الهمزة الذاهبة من وسطة، و هو مما أخذت عينه كسر و مذ و أصلها فعلة من الملاءمة و هي الموافقة، انتهى.

أقول: و يحتمل أن يكون بتشديد الميم، قال الفيروزآبادي: اللمّة بالضمّ الصاحب و الأصحاب في السفر و المونس للواحد و الجمع.

و الحفدة بالتحريك: الأعوان و الخدم.

تطأ ذيولها، أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها، و تضع عليها قدمها عند المشي، و جمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدّد الثياب.

ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في بعض النسخ: من مشي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الخرم:

الترك و النقص و العدول، و المشية بالكسر، الاسم من مشى مشيا، أي تنقّص مشيها من مشيه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا كأنه هو بعينه. قال في النهاية: فيه ما خرمت من صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا، أي ما تركت، و منه الحديث: لم أخرم منه حرفا، أي لم أدع.

و الحشد بالفتح و قد يحرّك: الجماعة.

و في الكشف: إن فاطمة (عليها السلام) لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا، لاثت خمارها و أقبلت في لميمة من حفدتها و نساء قومها، تجرّ أدراعها و تطأ في ذيولها، ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ...، حتى دخلت على أبي بكر و قد حشد المهاجرين و الأنصار.

فضرب بينهم بريطة بيضاء، قيل: قبطية .... فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ...، ثم قالت (عليها السلام): أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد. الحمد للّه على ما أنعم.

280

و «بستر الأهاويل مصونة»، لعل المراد بالستر ستر العدم أو حجب الأصلاب و الأرحام، و نسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود و عوائقه، و يحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم، إذ هي إنما تلحقها بعد الوجود، و قيل: التعبير من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات.

«بمائل الأمور»، على صيغة الجمع أي عواقبها، و في بعض النسخ بصيغة المفرد.

«و معرفة بمواقع المقدور»، أي لمعرفته تعالى بما يصلح و ينبغي من أزمنة الأمور الممكنة المقدورة و أمكنتها، و يحتمل أن يكون المراد بالمقدور المقدّر، بل هو أظهر.

«إتماما لأمره»، أي للحكمة التي خلق الأشياء لأجلها، و الإضافة في مقادير حتمه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي مقاديره المحتومة.

و قولها (عليها السلام): «عكّفا على نيرانها»، تفصيل و بيان للفرق بذكر بعضها، و يقال: عكف على الشي‏ء كضرب و نصر، أي أقبل عليه مواظبا و لازمه فهو عافك، و يجمع على عكّف بضم العين و فتح الكاف المشدّدة، كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شهّد و غيّب.

و النيران جمع نار، و هو قياس مطرد في جمع الأجوف، نحو تيجان و جيران.

«منكرة للّه مع عرفانها»، لكون معرفته تعالى فطريّة، أو لقيام الدلائل الواضحة الدالة على وجوده سبحانه، و الضمير في ظلمها راجع إلى الأمم، و الضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها و إلى القلوب و الأبصار.

و الظلم بضم الظاء و فتح اللام جمع ظلمة استعيرت هنا للجهالة.

و البهم جمع بهمة بالضم، و هي مشكلات الأمور.

و جلوت الأمر، أوضحته و كشفته.

282

و في بعض النسخ: و زعمتم حق لكم فيكم و عهد، و في كتاب المناقب القديم:

زعمتم أن لا حق لي فيكم عهدا قدّمه إليكم؛ فيكون عهدا منصوبا ب «اذكروا» و نحوه.

و في الكشف: إلى الأمم خوّلكم اللّه فيكم عهد.

قولها (عليها السلام): «للّه فيكم عهد و بقية»، العهد الوصية، و بقية الرجل ما يخلّفه في أهله، و المراد بهما القرآن، أو بالأول ما أوصاهم به في أهل بيته و عترته، و بالثاني القرآن.

و في رواية أحمد بن أبي طاهر: «و بقية استخلفنا عليكم، و معنا كتاب اللّه»، فالمراد بالبقية أهل البيت (عليهم السلام)، و بالعهد ما أوصاهم به فيهم.

و البصائر جمع بصيرة و هي الحجة، و المراد بانكشاف السرائر وضوحها عند حملة القرآن و أهله.

«مغتبط به أشياعه»، الغبطة أن يتمنّى المرء مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها منه، تقول: غبطته فاغتبط، و الباء للسببية، أي أشياعه مغبوطون بسبب اتباعه، و تلك الفقرة غير موجودة في سائر الروايات.

«مؤدّ إلى النجاة أسماعه»، على بناء الأفعال أي تلاوته، و في بعض نسخ الاحتجاج و سائر الروايات: استماعه.

و المراد بالعزائم الفرائض، و بالفضائل السنن، و بالرخص المباحات بل ما يشمل المكروهات، و بالشرائع: ما سوى ذلك من الأحكام كالحدود و الديات أو الأعم. و أما الحجج و البينات و البراهين، فالظاهر أن بعضها مؤكّدة لبعض، و يمكن تخصيص كل منها ببعض ما يتعلق بأصول الدين لبعض المناسبات. و في رواية ابن أبي طاهر: «و بيّناته الجالية، و جمله الكافية»، فالمراد بالبينات المحكمات، و بالجمل المتشابهات، و وصفها بالكافية لدفع توهم نقص فيها لإجمالها، فإنها كافية فيما أريد منها؛ و يكفي معرفة الراسخين في العلم بالمقصود منها، فإنهم المفسّرون لغيرهم، و يحتمل أن يكون المراد بالجمل العمومات التي يستنبط منه الأحكام الكثيرة.

279

«الممتنع من الأبصار رؤيته»، يمكن أن يقرأ الأبصار بصيغة الجمع و المصدر، و المراد بالرؤية العلم الكامل و الظهر التام.

«و من الألسن صفته»، الظاهر أن الصفة هنا مصدر، و يحتمل المعنى المشهور بتقدير أي بيان صفته.

«لا من شي‏ء»، أي مادة.

«بلا احتذاء أمثلة امتثلها»، احتذى مثاله اقتدى به، و امتثلها أي تبعها.

«و لم يتعدّ عنها»، أي لم يخلقها على وفق صنع غيره.

«و تنبيها على طاعته»، لأن ذوي العقول يتنبّهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها و المنع بها واجب، أو أن خالقها مستحق للعبادة، أو بأن من قدر عليها يقدر على الإعادة و الانتقام.

«و تعبدا لبريته»، أي خلق البرية ليتعبّدهم، أو خلق الأشياء ليتعبّد البرايا بمعرفته و الاستدلال بها عليه.

«و إعزازا لدعوته»، أي خلق الأشياء ليغلب و يظهر دعوة الأنبياء إليه بالاستدلال بها.

«زيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنته»، الذود و الذّياد بالذال المعجمة، السوق و الطرد و الدفع و الإبعاد. و حشت الصيد أحوشه، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة. و لعل التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عما يوجب دخول الجنة.

«قبل أن اجتبله»، الجبل: الخلق، يقال: جبلهم اللّه أي خلقهم، و جبله على الشي‏ء أي طبعه عليه، و لعل المعنى أنه تعالى سمّاه لأنبيائه قبل أن يخلقه، و لعل زيادة البناء للمبالغة تنبيها على أنه خلق عظيم.

و في بعض النسخ بالحاء المهملة، يقال: احتبل الصيد أي أخذه بالحبالة، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازا، و في بعضها: قبل أن اجتباه أي اصطفاه بالبعثة، و كل منها لا يخلو من تكلّف.

281

و الغمم جمع غمّة، يقال أمر غمّه أي مبهم ملتبس، قال اللّه تعالى: «ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً». (1) قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة و ضيق، و تقول: غممت الشي‏ء، إذا غطّيته و سترته.

و العماية: الغواية و اللجاج، ذكره الفيروزآبادي.

و اختيار، أي من اللّه له ما هو خير له أو باختيار منه (صلّى اللّه عليه و آله) و رضى، و كذا الإيثار، و الأول أظهر فيهما.

«بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار»، لعل الظرف متعلّق بالإيثار بتضمين معنى الضّنة أو نحوها، و في بعض النسخ محمد بدون الباء، فتكون الجملة استينافية أو مؤكّدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو، و في بعض كتب المناقب القديمة: فمحمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو أظهر، و في رواية كشف الغمة: رغبته بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار، و في رواية أحمد بن أبي طاهر: بأبي (صلّى اللّه عليه و آله) عزت هذه الدار، و هو أظهر، و لعل المراد بالدار دار القرار، و لو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة، و على التقادير لا يخلو من تكلّف.

«نصب أمره»، قال الفيروزآبادي: النصب بالفتح: العلم المنصوب و يحرّك، و هذا نصب عيني بالضم و الفتح أي نصبكم اللّه لأوامره و نواهيه و هو خبر الضمير، و عباد اللّه منصوب على النداء.

«و بلغاؤه إلى الأمم»، أي تؤدّون الأحكام إلى سائر الناس، لأنكم أدركتم صحبة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

«زعمتم حق لكم»، أي زعمتم أن ما ذكر ثابت لكم، و تلك الأسماء صادقة عليكم بالاستحقاق، و يمكن أن يقرأ على الماضي المجهول، و في إيراد لفظ الزعم إشعار بأنهم ليسوا متّصفين بها حقيقة، و إنما يدعون ذلك كذبا. و يمكن أن يكون حق لكم جملة أخرى مستأنفة، أي زعمتم أنكم كذلك و كان يحق لكم، و ينبغي أن تكونوا كذلك لكن قصرتم.

____________

(1). سورة يونس: الآية 71.

283

«تزكية للنفس»، أي من دنس الذنوب أو من رذيلة البخل، إشارة إلى قوله تعالى:

«تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها». (1)

«و نماء في الرزق»، إيماء إلى قوله تعالى: «وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (2)، على بعض التفاسير.

«تثبيتا للإخلاص»، أي لتشييد الإخلاص و إبقائه أو لإثباته و بيانه، و يؤيد الأخير أن في بعض الروايات: تبيينا. و تخصيص الصوم بذلك لكونه أمرا عدميا لا يظهر لغيره تعالى، فهو أبعد من الرياء و أقرب إلى الإخلاص، و هذا أحد الوجوه في تفسير الحديث المشهور: «الصوم لي و أنا أجزي به»، و قد شرحناه في حواشي الكافي، و سيأتي في كتاب الصوم إن شاء اللّه تعالى.

«تشييدا للدين»، إنما خصّ التشييد به لظهوره و وضوحه و تحمّل المشاقّ فيه و بذل النفس و المال له، فالإتيان به أدلّ دليل على ثبوت الدين، أو يوجب استقرار الدين في النفس لتلك العلل و غيرهما مما لا نعرفه، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في الأخبار الكثيرة من أن علة الحجّ التشرف بخدمة الإمام و عرض النصرة عليه، و تعلّم شرائع الدين منه، فالتشييد لا يحتاج إلى تكلّف.

و في العلل و رواية ابن أبي طاهر: تسلية للدين. فلعل المعنى تسلية للنفس بتحمل المشاقّ و بذل الأموال بسبب التقيّد بالدين، أو المراد بالتسلية الكشف و الإيضاح فإنها كشف الهم، أو المراد بالدين أهل الدين، أو أسند إليه مجازا، و الظاهر أنه تصحيف تسنية، و كذا في الكشف، و في بعض نسخ العلل: أي يصير سببا لرفعة الدين و علوّه.

و التنسيق: التنظيم.

و في العلل: مسكا للقلوب أي ما يمسكها، و في القاموس: المسكة بالضمّ: ما يتمسّك به و ما يمسك الأبدان من الغذاء و الشراب، و الجمع كصرد، و المسك محرّكة

____________

(1). سورة التوبة: الآية 103.

(2). سورة الروم: الآية 39.

285

و «الشطط» بالتحريك، البعد عن الحق، و مجاوزة الحد في كل شي‏ء. و في الكشف:

«ما أقول ذلك سرفا و لا شططا من أنفسكم»، أي لم يصبه شي‏ء من ولادة الجاهلية بل عن نكاح طيّب كما روي عن الصادق (عليه السلام)، و قيل: أي من جنسكم من البشر، ثم من العرب، ثم من بني إسماعيل.

«عزيز عليه ما عنتّم»، أي شديد شاقّ عليه عنتكم، و ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان أو مطلقا.

«حريص عليكم»، أي على إيمانكم و صلاح شأنكم.

«بالمؤمنين رءوف رحيم»، أي رحيم بالمؤمنين، منكم و من غيركم، و الرأفة شدة الرحمة، و التقديم لرعاية الفواصل؛ و قيل: رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين، و قبل:

رءوف بأقربائه رحيم بأوليائه، و قيل: رءوف بمن رآه رحيم بمن لم يره؛ فالتقديم للاهتمام بالمتعلق.

«فإن تعزوه»، يقال: عزوته إلى أبيه، أي نسبته إليه، أي إن ذكرتم نسبه و عرفتموه تجدوه أبي أخا ابن عمّي، فلإخوة ذكرت استطرادا. و يمكن أن يكون الانتساب أعمّ من النسب، و مما طرأ أخيرا، و يمكن أن يقرأ: و آخى بصيغة الماضي، و في بعض الروايات:

فإن تعزروه و توقّروه.

«صادعا بالنذارة»، الصدع: الإظهار؛ تقول: صدعت الشي‏ء أي أظهرته، و صدعت بالحق إذا تكلّمت به جهارا؛ قال اللّه تعالى: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ». (1) و النذارة بالكسر الإنذار، و هو الإعلام على وجه التخويف.

و «المدرجة»، المذهب و المسلك، و في الكشف: ناكبا عن سنن مدرجة المشركين، و في رواية ابن أبي طاهر: ماثلا على مدرجة، أي قائما للرد عليهم و هو تصحيف.

____________

(1). سورة الحجر: الآية 94.

287

«و خرست شقاشق الشياطين»، خرس بكسر الراء و الشقاشق جمع شقشقة بالكسر و هي شي‏ء كالرّئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، و إذا قالوا للخطيب ذو شقشقة، فإنما يشبه بالفحل، و إسناد الخرس إلى الشقاشق مجازي.

«و طاح وشيظ النفاق»، يقال: طاح فلان يطوح إذا هلك أو أشرف على الهلاك و تاه في الأرض و سقط، و الوشيظ بالمعجمتين: الرذل و السفلة من الناس؛ و منه قولهم: إياكم و الوشائظ. و قال الجوهري: الوشيظ: لفيف من الناس ليس أصلهم واحدا، و بنو فلان وشيظة في قومهم، أي هم حشو فيهم.

و الوسيط بالمهملتين: أشرف القوم نسبا و أرفعهم محلا، و كذا في بعض النسخ، و هو أيضا مناسب.

«و فهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص»، يقال: فاه فلان بالكلام كقال، أي لفظ به كتفوّه.

و كلمة الإخلاص كلمة التوحيد، و فيه تعريض بأنه لم يكن إيمانهم عن قلوبهم، و البيض جمع أبيض و هو من الناس خلاف الأسود، و الخماص بالكسر جمع خميص، و الخماصة تطلق على دقّة البطن خلقة و على خلوّه من الطعام؛ يقال: فلان خميص البطن من أموال الناس أي عفيف عنها.

و في الحديث: كالطير تغدو خماصها و تروح بطانا، و المراد بالبيض الخماص، «الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» (1)، و وصفهم بالبيض لبياض وجوههم، أو هو من قبيل وصف الرجل بالأغرّ، و بالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم و قلة الأكل، أو لعفّتهم عن أكل أموال الناس بالباطل، أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان و غيره، و يقال لأهل فارس: بيض لغلبة البياض على ألوانهم و أموالهم، إذ الغالب في أموالهم الفضة، كما يقال لأهل الشام: حمر لحمرة ألوانهم و غلبة الذهب في أموالهم، و الأول أظهر.

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 33.

286

«ضاربا ثبجهم، آخذا بأكظامهم»، الثبج بالتحريك وسط الشي‏ء و معظمه، و الكظم بالتحريك مخرج النفس من الحلق، أي كان (صلّى اللّه عليه و آله) لا يبالي بكثرة المشركين و اجتماعهم و لا يداريهم في الدعوة.

«داعيا إلى سبيل ربه»، كما أمره سبحانه: «ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ». (1)

و قيل: المراد بالحكمة: البراهين القاطعة و هي للخواص، و بالموعظة الحسنة:

الخطابات المقنعة و العبر النافعة و هي للعوام، و بالمجادلة بالتي هي أحسن، إلزام المعاندين و الجاحدين بالمقدمات المشهورة و المسلمة، و أما المغالطات و الشعريات، فلا يناسب درجة أصحاب النبوات.

«يكسر الأصنام و ينكث الهام»، النكث: إلقاء الرجل على رأسه، يقال: طعنه فنكثه، و الهام جمع الهامة بالتخفيف فيهما و هي الرأس، و المراد قتل رؤساء المشركين و قمعهم و إذلالهم أو المشركين مطلقا، و قيل: أريد به إلقاء الأصنام على رءوسها، و لا يخفى بعده، لا سيما بالنظر إلى ما بعده؛ و في بعض النسخ: ينكس الهام، و في الكشف و غيره: يجذّ الأصنام، من قولهم: جذذت الشي‏ء أي كسّرته، و منه قوله تعالى:

«فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً». (2)

«حتى تفرّى الليل عن صبحه، و أسفر الحق عن محضه»، و الواو مكان حتى كما في رواية ابن أبي طاهر أظهر، و تفرّى الليل، أي انشقّ حتى ظهر سوء الصباح، و أسفر الحق عن محضه و خالصه، و يقال: أسفر الصبح أي أضاء.

«و نطق زعيم الدين»، زعيم القوم سيدهم و المتكلم عنهم، و الزعيم أيضا الكفيل، و الإضافة لاميّة و يحتمل البيانية ....

____________

(1). سورة النمل: الآية 125.

(2). سورة الأنبياء: الآية 58.

284

الموضع يمسك الماء. و في رواية ابن أبي طاهر و الكشف: تنسّكا للقلوب أي عبادة لها، لأن العدل أمر نفساني يظهر آثاره على الجوارح.

«و الصبر معونة على استيجاب الأجر»، إذ به يتمّ فعل الطاعات و ترك السيئات.

«وقاية من السخط»، أي سخطهما أو سخط اللّه تعالى، و الأول أظهر.

«منماة للعدد»، المنماة اسم مكان أو مصدر ميمي، أي يصير سببا لكثرة عدد الأولاد و العشائر، كما أن قطعها يذر الديار بلاقع من أهلها.

«تغييرا للبخس»، و في سائر الروايات: للبخسة، أي لئلّا ينقص مال من ينقص المكيال و الميزان، إذ التوفية موجبة للبركة و كثرة المال، أو لئلا ينقصوا أموال الناس، فيكون المقصود أن هذا أمر يحكم العقل بقبحه.

«عن الرجس»، أي النجس أو ما يجب التنزّه عنه عقلا، و الأول أوضح في التعليل، فيمكن الاستدلال على نجاستها.

«حجابا عن اللعنة»، أي لعنة اللّه أو لعنة المقذوف أو القاذف، فيرجع إلى الوجه الأخير في السابقة، و الأول أظهر، إشارة إلى قوله تعالى: «لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ». (1)

«إيجابا للعفة»، أي للعفة عن التصرف في أموال الناس مطلقا، أو يرجع إلى ما مرّ، و كذا الفقرة التالية.

و في الكشف بعد قوله للعفّة: «و التنزه عن أموال الأيتام، الاستئثار بفيئهم من الظلم، و العدل في الأحكام إيناسا للرعية، و التبرّي من الشرك إخلاصا للربوبية».

«عودا و بدا»، أي أولا و آخرا، و في رواية ابن أبي الحديد و غيره: أقول عودا على بدء، و المعنى واحد.

____________

(1). سورة النور: الآية 23.

288

و يمكن اعتبار نوع تخصيص في المخاطبين، فيكون المراد بهم غير الراسخين الكاملين في الإيمان، و بالبيض الخماص: الكمّل منهم.

«وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» (1)؛ شفا كل شي‏ء طرفه و شفيره، أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم و كفركم.

«مذقة الشارب، و نهزة الطامع، مذقة الشارب»؛ شربته، و النهزة بالضم: الفرصة، أي محل نهزته، أي كنتم قليلين أذلّاء، يتخطّفكم الناس بسهولة، و كذا قولها (عليها السلام):

«و قبسة العجلان، و موطئ الأقدام»؛ و القبسة بالضم شعلة من نار، يقتبس من معظمها، و الإضافة إلى العجلان لبيان القلّة و الحقارة، و وطئ الأقدام مثل مشهور في المغلوبية و المذلّة.

«تشربون الطرق، و تفتانون الورق»؛ الطرق بالفتح: ماء السماء الذي تبول فيه الإبل و تبعر، و الورق بالتحريك: و ورق الشجر، و في بعض النسخ: و تفتاتون القدّ، و هو بكسر القاف و تشديد الدال: سير يقدّ من جلد غير مدبوغ، و المقصود وصفهم بخباثة المشرب و جشوبة المأكل، لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم و لفقرهم و قلّة ذات يدهم و خوفهم من الأعادي.

«أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم»، الخاسئ: المبعد المطرود، و التخطّف: استلاب الشي‏ء و أخذه بسرعة؛ اقتبس من قوله تعالى: «وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». (2)

و في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إن الخطاب في تلك الآية لقريش خاصة، و المراد بالناس سائر العرب أو الأعم.

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 103.

(2). سورة الأنفال: الآية 26.

289

«و اللتيا»؛ بفتح اللام و تشديد الياء: تصغير التي، و جوّز بعضهم فيه ضمّ اللام، و هما كنايتان عن الداهية الصغيرة و الكبيرة.

«و بعد أن مني ببهم الرجال، و ذؤبان العرب، و مردة أهل الكتاب»؛ يقال: مني بكذا على صيغة المجهول: أي ابتلي. و بهم الرجال كصرد: الشجعان منهم، لأنهم لشدة بأسهم لا يدري من أين يؤتون. و ذؤبان العرب: لصوصهم و صعاليكهم الذين لا مال لهم و لا اعتماد عليهم. و المردة: العتاة المتكبّرون المجاوزون للحدّ.

«أو نجم قرن للشيطان، و فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها»؛ نجم الشي‏ء كنصر نجوما: ظهر و طلع. و المراد بالقرن: القوة، و فسّر قرن الشيطان بأمته و متابعيه. و فغر فاه: أي فتحه، و فغرفوه، أي انفتح؛ يتعدّى و لا يتعدّى. و الفاغرة من المشركين: الطائفة العادية منهم تشبيها بالحية أو السبع، و يمكن تقدير الموصوف مذكرا على أن يكون التاء للمبالغة. و القذف: الرمي، و يستعمل في الحجارة كما أن الحذف يستعمل في الحصا؛ يقال: هم بين حاذف و قاذف. اللهوات بالتحريك جمع لهاة، و هي اللحمة في أقصى سقف الفم، و في بعض الروايات: في مهواتها بالضم و هي بالتسكين: الحفرة و ما بين الجبلين و نحو ذلك.

و على أيّ حال، المراد أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كلما أراده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة، بعث عليا (عليه السلام) لدفعها و عرّضه للمهالك.

و في رواية الكشف و ابن أبي طاهر: كلّما حشوا نارا للحرب و نجم قرن للضلال؛ قال الجوهري: حششت النار: أو قدتها.

«فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بسيفه»؛ انكفأ بالهمزة: أي رجع، من قولهم: كفأت القوم كفأ: إذا أرادوا وجها فصرفتهم عنه إلى غيره فانكفؤوا، أي رجعوا. و الصماخ بالكسرة: ثقب الأذن، و الأذن نفسها، و بالسين- كما في بعض الروايات- لغة فيه.

291

«و تنكصون عند النزال»؛ النكوص: الإحجام و الرجوع عن الشي‏ء، و النزال بالكسر أن ينزل القرنان عن إبلهما إلى خيلهما فيتضاربا، و المقصود من تلك الفقرات أنهم يزالوا منافقين لم يؤمنوا قطّ.

«ظهر فيكم حسيكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الأقلّين، و هدر فنيق المبطلين»؛ الحسيكة: العداوة، قال الجوهري: الحسك: حسك السعدان، الواحدة حسكة، ... و قولهم: في صدره عليّ حسيكة و حساكة أي ضغن و عداوة، و في بعض الروايات: حسكة النفاق، فهو على الاستعارة.

و سمل الثوب كنصر: صار خلقا. و الجلباب بالكسر: الملحفة، و قيل: ثوب واسع للمرأة غير الملحفة، و قيل: هو إزار و رداء، و قيل: هو كالمقنعة تغطّي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها. و الكظوم: السكوت.

و نبغ الشي‏ء كمنع و نصر أي ظهر، و نبغ الرجل: إذا لم يكن في إرث الشعر ثم قال و أجاد. و الخامل: من خفي ذكره و صوته و كان ساقطا لا نباهة له. و المراد بالأقلّين:

الأذلّون، و في بعض الروايات: الأولين؛ و في الكشف: فنطق كاظم و نبغ خامل و هدر فنيق الكفر، يخطر في عرصاتكم.

و الهدر: تريد البعير صوته في حنجرته. و الفنيق: الفحل المكرّم من الإبل الذي لا يركب و لا يهان لكرامته على أهله.

«فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للعزّة فيه ملاحظين»؛ يقال: خطر البعير بذنبه يخطر بالكسر خطرا و خطرانا:

إذا رفعه مرة بعد مرة و ضرب به فخذيه، و منه قول الحجاج لما نصب المنجنيق على الكعبة: خطّارة كالجمل الفنيق ....؛ شبّه رميها بخطران الفنيق.

و مغرز الرأس بالكسر: ما يختفى فيه، و قيل: لعل في الكلام تشبيها للشيطان بالقنفذ، فإنه إنما يطّلع رأسه عند زوال الخوف، أو بالرجل الحريص المقدم على أمر فإنه يمدّ عنقه إليه. و الهتاف: الصياح. و ألفاكم: أي وجدكم. و الغرّة بالكسر: الاغترار و الانخداع،

290

و الأخمص: ما لا يصيب الأرض من باطن القدم عند المشي، و وطئ الصماخ بالأخمص عبارة عن القهر و الغلبة على أبلغ وجه، و كذا إخماد اللهب بماء السيف استعارة بليغة شائعة.

«مكدودا في ذات اللّه»؛ المكدود: من بلغه التعب و الأذى، و ذات اللّه: أمره و دينه، و كلما يتعلّق به سبحانه، و في الكشف: مكدودا دءوبا في ذات اللّه.

«سيد أولياء اللّه»؛ بالجرّ: صفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، أو بالنصب: عطفا على الأحوال السابقة، و يؤيد الأخير ما في رواية ابن أبي طاهر: سيدا في أولياء اللّه. و التشمير في الأمر: الجد و الاهتمام فيه. و الكدح: العمل و السعي، و قال الجوهري: الدعة: الخفض؛ تقول: منه ودع الرجل فهو وديع أي ساكن و وادع أيضا؛ يقال: نال فلان المكارم وادعا من غير كلفة.

و قال: الفاكهة بالضم: المزاح، و بالفتح: مصدر. فكه الرجل بالكسر فهو فكه: إذا كان طيّب النفس مزّاحا، و الفكة أيضا، الأشر و البطر، و قرئ: «وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ» (1) أي أشرين، و فاكهين أي ناعمين، و المفاكهة: الممازحة.

و في رواية ابن أبي طاهر: و أنتم في بلهنية وادعون آمنون؛ قال الجوهري: هو في بلهنية من العيش أي سعة و رفاهية، و هو ملحق بالخماسي بألف في آخره، و إنما صارت ياء لكسرة ما قبلها، و في الكشف: و أنتم في رفهنية، و هي مثلها لفظا و معنا.

«تتربّصون بنا الدوائر»؛ الدوائر: صروف الزمان و حوادث الأيام و العواقب المذمومة، و أكثر ما تستعمل الدائرة في تحوّل النعمة إلى الشدة، أي كنتم تنتظرون نزول البلايا علينا و زوال النعمة و الغلبة عنا.

«تتوكّفون الأخبار»؛ التوكّف: التوقع، و المراد أخبار المصائب و الفتن، و في بعض النسخ: تتواكفون الأخيار؛ يقال: واكفه في الحرب أي واجهه.

____________

(1). سورة الدخان: الآية 27.

292

و الضمير المجرور راجع إلى الشيطان. و ملاحظة الشي‏ء: مراعاته، و أصله من اللحظ و هو النظر بمؤخّر العين، و هو إنما يكون عند تعلق القلب بشي‏ء، أي وجدكم الشيطان لشدة قبولكم للانخداع كالذي كان مطمح نظره أن يغترّ بأباطيله.

و يحتمل أن يكون للعزّة بتقديم المهملة على المعجمة، و في الكشف: و للعزّة ملاحظين، أي وجدكم طالبين للعزّة.

«ثم استنهضكم فوجدكم خفاقا، و أحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، و أوردتم غير شربكم»؛ النهوض: القيام، و استنهضه لأمر أي أمره بالقيام إليه. فوجدكم خفافا: أي مسرعين إليه. و أحمشت الرجل: أغضبته، و أحمشت النار ألهبتها، أي حملكم الشيطان على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه أو من عند أنفسكم، و في المناقب القديم: عطافا بالعين المهملة و الفاء: من العطف بمعنى الميل و الشفقة، و لعله أظهر لفظا و معنا.

و الوسم: أثر الكيّ؛ يقال: وسمته- كوعدته- و سما. و الورود: حضور الماء للشرب.

و الإيراد: الإحضار. و الشرب بالكسر: الحظّ من الماء، و هما كنايتان عن أخذ ما ليس لهم بحق من الخلافة و الإمامة و ميراث النبوة، و في الكشف: و أوردتموها شربا ليس لكم.

«هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، و الرسول لمّا يقبر»؛ الكلم:

الجرح. و الرحب بالضم: السعة. و الجرح بالضم: الاسم، و بالفتح: المصدر. و لمّا يندمل:

أي لم يصلح بعد. و قبرته: دفنته.

«ابتدارا زعمتم خوف الفتنة «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» (1)»؛ ابتدارا: مفعول له للأفعال السابقة، و يحتمل المصدر بتقدير الفعل، و في بعض الروايات: بدارا زعمتم خوف الفتنة، أي ادعيتم و أظهرتم للناس كذبا و خديعة. إنا إنما

____________

(1). سورة التوبة: الآية 49.

293

اجتمعنا في السقيفة دفعا للفتنة، مع أن الغرض كان غصب الخلافة عن أهلها، و هو عين الفتنة. و الالتفات في سقطوا لموافقة الآية الكريمة.

«فهيهات منكم و كيف بكم و أنّى تؤفكون، و كتاب اللّه بين أظهركم»؛ هيهات: للتبعيد، و فيه معنى التعجب كما صرّح به الشيخ الرضي، و كذلك كيف و أنّى: تستعملان في التعجب.

و افكه كضربه: صرفه عن الشي‏ء و قلّبه أي إلى أين يصرفكم الشيطان و أنفسكم و الحال إن كتاب اللّه بينكم، و فلان بين أظهر قوم و بين ظهرانيّهم أي مقيم بينهم محفوف من جانبيه أو من جوانبه بهم. و الزهر: المتلألؤ المشرق.

و في الكشف: بين أظهركم قائمة فرائضه، واضحة دلائله، نيّرة شرائعه، زواجره واضحة، و أوامره لائحة.

أرغبة عنه؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (1)؛ أي من الكتاب ما اختاروه من الحكم الباطل.

«ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها. ثم أخذتم تورون وقدتها، و تهيجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغويّ، و إطفاء أنوار الدين الجليّ، و إهماد سنن النبي الصفي»؛ ريث بالفتح: بمعنى قدر، و هي كلمة يستعملها أهل الحجاز كثيرا، و قد يستعمل مع ما يقال: لم يلبث إلا ريثما فعل كذا، و في الكشف هكذا. ثم لم تبرحوا ريثا، و قال بعضهم: هذا و لم تريّثوا إلا ريث، و في رواية ابن أبي طاهر: ثم لم تريّثوا أختها، و على التقديرين ضمير المؤنث راجع إلى فتنة وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و حتّ الورق من الغصن: نثرها، أي لم تصبروا إلى ذهاب أثر تلك المصيبة. و نفرت الدابة بالفتح: ذهابها و عدم انقيادها. و السلس بكسر اللام: السهل اللّين المنقاد؛ ذكره الفيروزآبادي، و في مصباح اللغة: سلس سلسا من باب تعب: سهل و لان. و القياد بالكسر: ما يقاد به الدابّة من حبل و غيره، و في الصحاح: ورى الزند يري وريا: إذا

____________

(1). سورة الكهف: الآية 50.

294

خرجت ناره، و فيه لغة أخرى: وري الزند يرى- بالكسر فيهما- و أوريته أنا و كذلك ورّيته تورية و فلان يستوري زناد الضلالة.

و وقدة النار بالفتح: وقودها، و وقدها: لهبها. الجمرة: المتوقّد من الحطب، فإذا برد فهو فحم، و الجمر بدون التاء: جمعها [كذا].

و الهتاف بالكسر: الصياح، و هتف به أي دعاه. و إهماد النار: إطفاؤها بالكلية.

و الحاصل إنكم إنما صبرتم حتى استقرّت الخلافة المغصوبة عليكم، ثم شرعتم في تهييج الشرور و الفتن و اتباع الشيطان و إبداع البدع و تغيير السنن.

«تسرّون حسوا في ارتغاء، و تمشون لأهله و ولده في الخمر و الضراء، و نصبر منكم على مثل حظّ المدى، و وخز السنان في الحشا»؛ الإسرار ضد الإعلان. و الحسو بفتح الحاء و سكون السين المهملتين: شرب المرق و غيره شيئا بعد شي‏ء. و الارتغاء: شرب الرغوة، و هو زبد اللبن، قال الجوهري: الرغوة مثلّثة ...: زبد اللبن، و ارتغيت: شربت الرغوة، و في المثل، يسر حسوا في ارتغاء، يضرب لمن يظهر أمرا و يريد غيره؛ قال الشعبي لمن سأله عن رجل قبّل أم امرأته، قال: يسرّ حسوا في ارتغاء، و قد حرمت عليه امرأته، و قال الميداني: قال أبو زيد و الأصمعي: أصله الرجل، يؤتى باللبن فيظهر إنه يريد الرغوة خاصة و لا يريد غيرها، فيشربها و هو في ذلك ينال من اللبن؛ يضرب لمن يريك أنه يعينك و إنما يجرّ النفع إلى نفسه.

و الخمر بالتحريك: ما وراك من شجر و غيره؛ يقال: توارى الصيد عني في خمر الوادي، و منه قولهم: دخل فلان في خمار الناس بالضم، أي ما يواريه و يستره منهم.

و الضرّاء بالضاد المعجمة المفتوحة و الراء المخفّفة: الشجر الملتفّ في الوادي، و يقال لمن ختل صاحبه و خادعه: يدبّ له الضراء و يمشي له الخمر، و قال الميداني: قال ابن الأعرابي: الضرّاء ما انخفض من الأرض.

و الحزّ بفتح الحاء المهملة: القطع، أو قطع الشي‏ء من غير إبانة. و المدى بالضمّ:

جمع مدية و هي السكين و الشفرة. و الوخز: الطعن بالرمح و نحوه لا يكون نافذا؛ يقال:

295

و خزه بالخنجر، و في رواية ابن أبي طاهر: ويها معشر المهاجرة! أبتزّ إرث أبيه؟ قال الجوهري: إذا أغريته بالشي‏ء قلت: ويها يا فلان و هو تحريض، انتهى.

و لعل الأنسب هنا التعجب، و الهاء في «أبيه» في الموضعين. و إرثيه بكسر الهمزة بمعنى الميراث للسكت، كما في سورة الحاقة: «كتابيه» و «حسابيه» و «ماليه» و «سلطانيه» (1)؛ تثبت في الوقف و تسقط في الوصل، و قرأ بإثباتها في الوصل أيضا، و في الكشف: ثم أنتم أولا تزعمون أن لا إرث ليه، فهو أيضا كذلك.

«كالشمس الضاحية»؛ أي الظاهرة البيّنة، يقال: فعلت ذلك الأمر ضاحية أي علانية.

«شيئا فريّا»؛ أي أمرا عظيما بديعا، و قيل: أي أمرا منكرا قبيحا، و هو مأخوذ من الافتراء بمعنى الكذب.

و اعلم أنه قد وردت الروايات المتضافرة- كما ستعرف- في أنها (عليها السلام) ادّعت أن فدكا كانت نحلة لها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلعل عدم تعرّضها (عليها السلام) في هذه الخطبة لتلك الدعوى ليأسها عن قبولهم إياها، إذ كانت الخطبة بعد ما ردّ أبو بكر شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و من شهد معه، و قد كانت المنافقون الحاضرون معتقدين لصدقه. فتمسّكت بحديث الميراث لكونه من ضروريات الدين.

«و زعمتم أن لا حظوة لي»؛ الحظوة بكسر الحاء و ضمّها و سكون الظاء المعجمة:

المكانة و المنزلة، و يقال: حظيت المرأة عند زوجها، إذا دنت من قلبه.

و في الكشف: فزعمتم أن لا حظّ لي و لا إرث لي من أبيه؛ أ فحكم اللّه بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي؟! «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ ...». (2)

____________

(1). سورة الحاقة: الآيات 19، 20، 28، 29.

(2). سورة المائة: الآية 50.

297

«ما هذه الغميزة في حقي و السنة عن ظلامتي»؛ قال الجوهري: ليس في فلان غميزة أي مطعن، و نحوه ذكر الفيروزآبادي، و هو لا يناسب المقام إلا بتكلّف، و قال الجوهري: رجل غمز أي ضعيف، و قال الخليل في كتاب العين: الغميزة بفتح الغين المعجمة و الزاي: ضعفة في العمل و جهلة في العقل؛ و يقال: سمعت كلمة فاغتمزتها في عقله أي علمت أنه أحمق، و هذا المعنى أنسب، و في الكشف: ما هذه الفترة بالفاء المفتوحة و سكون التاء: و هو السكون، و هو أيضا مناسب.

و في رواية ابن أبي طاهر بالراء المهملة: و لعله من قولهم غمر على أخيه أي حقد و ضغن، أو من قولهم: غمر عليه أي أغمي عليه، أو من الغمر بمعنى الستر، و لعله كان بالضاد المعجمة فصحف؛ فان استعمال إغماض العين في مثل هذا المقام شايع.

و السنة بالكسر: مصدر و سن يوسن كعلم يعلم و سنا و سنة، و السنة: أول النوم أو النوم الخفيف، و الهاء عوض عن الواو.

و الظلامة بالضم كالمظلمة بالكسر: ما أخذه الظالم منك فتطلبه عنده، و الغرض تهييج الأنصار لنصرتها أو توبيخهم على عدمها. و في الكشف بعد ذلك: أ ما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحفظ ...؟

«سرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة»؛ سرعان مثلثه السين و عجلان بفتح العين:

كلاهما من أسماء الأفعال بمعنى سرع و عجل، و فيهما معنى التعجب، أي ما أسرع و أعجل.

و في رواية ابن أبي طاهر: سرعان ما أجدبتم فأكديتم؛ يقال: أجدب القوم أي أصابهم الجدب، و أكدى الرجل إذا قلّ خيره. و الإهالة بكسر الهمزة: الودك و هو دسم اللحم.

و قال الفيروزآبادي: قولهم سرعان ذا إهالة، أصله أن رجلا كانت له نعجة عجفاء و كانت رعامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟ فقال: و دكها. فقال السائل: سرعان ذا إهالة، و نصب إهالة على الحال و ذا إشارة إلى الرعام، أو تمييز على تقدير نقل الفعل؛ كقولهم: تصبّب زيد عرقا، و التقدير سرعان إهالة هذه، و هو مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشي‏ء قبل وقته، انتهى.

296

«أيها معاشر المسلمة! أ أبتزّ إرثيه! اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبيه! لقد جئت شيئا فريا.

فدونكها مخطومة مرحولة»؛ الضمير راجع إلى فدك المدلول عليها بالمقام، و الأمر بأخذها للتهديد. و الخطام بالكسر: كل ما يوضع في أنف البعير ليقاد به. و الرحل بالفتح:

للناقة كالسرج للفرس، و رحل البعير كمنع: شدّ على ظهره الرحل؛ شبّهتها (عليها السلام) في كونها مسلمة لا يعارضه في أخذها أحد بالناقة المنقادة المهيّأة للركوب.

«و الزعيم محمد»؛- في بعض الروايات: و الغريم-: أي طالب الحق.

«و عند الساعة ما تخسرون»؛ كلمة «ما» مصدرية، أي في القيامة يظهر خسرانكم.

و «لكل نبأ مستقر» (1)؛ أي لكل خبر، يريد نبأ العذاب أو الإيعاد به وقت استقرار و وقوع.

«و سوف تعلمون- عند وقوعه- من يأتيه عذاب يخزيه»؛ الاقتباس من موضعين:

أحدهما سورة الأنعام، و الآخرة في سورة هود في قصة نوح حيث قال: «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ» (2)؛ فالعذاب الذي يخزيهم الغرق، و العذاب المقيم عذاب النار.

«ثم رمت بطرفها»؛ الطرف بالفتح: مصدر طرفت عين فلان، إذا نظرت و هو أن ينظر ثم يغمض، و الطرف أيضا: العين. و المعشر: الجماعة. و الفتية بالكسر جمع فتى: و هو الشاب و الكريم السخي.

و في المناقب: يا معشر البقية، و أعضاد الملّة، و حصنة الإسلام. و في الكشف: يا معشر البقية، و يا عماد الملّة، و حصنة الإسلام.

و الأعضاد جمع عضد بالفتح: الأعوان؛ يقال: عضدته كنصرته لفظا و معنا.

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 67.

(2). سورة هود: الآية 38، 39.

298

و الرعام بالضم: ما يسيل من أنف الشاة و الخيل، و لعل المثل كان بلفظ عجلان فاشتبه على الفيروزآبادي أو غيره، أو كان كل منهما مستعملا في هذا المثل، و غرضها (عليها السلام) التعجب من تعجيل الأنصار و مبادرتهم إلى إحداث البدع و ترك السنن و الأحكام، و التخاذل عن نصرة عترة سيد الأنام مع قرب عهدهم به، و عدم نسيانهم ما أوصاهم به فيهم، و قدرتهم على نصرتها و أخذ حقها ممن ظلمها، و لا يبعد أن يكون المثل إخبارا مجملا بها يترتّب على هذه البدعة من المفاسد الدينية و ذهاب الآثار النبوية.

«فخطب جليل استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و انفتق رتقه، و أظلمت الأرض لغيبته، و كسفت النجوم لمصيبته»؛ الخطب بالفتح: الشأن و الأمر عظم أو صغر. و الوهي كالرمي:

الشقّ و الخرق؛ يقال: و هي الثوب إذا بلي و تخرّق. و استوسع و استنهر من النهر بالتحريك: بمعنى السعة أي اتّسع. و الفتق: الشقّ، و الرتق ضدّه. و انفتق: أي انشقّ، و الضمائر المجرورات الثلاثة راجعة إلى الخطب بخلاف المجرورين بعدها، فإنهما راجعان إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و كسف النجوم: ذهاب نورها، و الفعل منه يكون متعدّيا و لازما و الفعل كضرب، و في رواية ابن أبي طاهر مكان الفقرة الأخيرة: و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته، و الاكتئاب:

افتعال من الكابة بمعنى الحزن، و في الكشف: و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض و اكتأبت لخيرة اللّه، إلى قولها: و أديلت الحرمة: من الإدالة بمعنى الغلبة.

«و أكدت الآمال، و خشعت الجبال، و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة عند مماته»؛ يقال:

أكدى فلان: أي بخل أو قلّ خيره. و حريم الرجل ما يحميه و يقاتل عنه، و الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه، و في بعض النسخ: الرحمة مكان الحرمة.

«فتلك و اللّه النازلة الكبرى و المصيبة العظمى، لا مثلها نازلة و لا بائقة عاجلة؛ أعلن بها كتاب اللّه جل ثناؤه في أفنيتكم و في ممساكم و مصبحكم، هتافا و صراخا و تلاوة و ألحانا»؛ النازلة: الشديدة. و البائقة: الداهية. و فناء الدار ككساء: العرصة المتّسعة أمامها.

و الممسي و المصبح بضمّ الميم فيهما: مصدران و موضعان من الإصباح و الإمساء.

299

و الهتاف بالكسر: الصياح. و الصراخ كغراب: الصوت أو الشديد منه. و التلاوة بالكسر: القراءة. و الإلحان: الإفهام؛ يقال: ألحنه القول، أي أفهمه إيّاه، و يحتمل أن يكون من اللحن بمعنى الغناء و الطرب؛ قال الجوهري: اللحن واحد الألحان و اللحون، و منه الحديث: «اقرءوا القرآن بلحون العرب». و قد لحن في قراءته إذا طرّب بها و غرّد، و هو ألحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء، انتهى. و يمكن أن يقرأ على هذا بصيغة الجمع أيضا، و الأول أظهر.

و في الكشف: فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في قبلتكم، ممساكم و مصبحكم، هتافا هتافا، و لقبله ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله، حكم فصل و قضاء حتم: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1) ...؛ الحكم الفصل: هو المقطوع به الذي لا ريب فيه و لا مردّ له، و قد يكون بمعنى القاطع الفارق بين الحق و الباطل.

و الحتم في الأصل إحكام الأمور، و القضاء الحتم: هو الذي لا يتطرّق إليه التغيير.

و خلت أي مضت. و الانقلاب على العقب: الرجوع القهقرى، أريد به الارتداد بعد الإيمان، و الشاكرون المطيعون المعترفون بالنعم الحامدون عليها.

قال بعض الأماثل: و اعلم أن الشبهة العارضة للمخاطبين بموت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إما عدم تحتّم العمل بأوامره و حفظ حرمته في أهله لغيبته، فإن العقول الضعيفة مجبولة على رعاية الحاضر أكثر من الغائب، و أنه إذا غاب عن أبصارهم ذهب كلامه عن أسماعهم و وصاياه عن قلوبهم، فدفعها ما أشارت إليه (عليها السلام) من إعلان اللّه جل ثناؤه و إخباره بوقوع تلك الواقعة الهايلة قبل وقوعها، و إن الموت مما قد نزل بالماضين من أنبياء اللّه و رسله (عليهم السلام) تثبيتا للأمة على الإيمان، و إزالة لتلك الخصلة الذميمة عن نفوسهم.

و يمكن أن يكون معنى الكلام: أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد موته ليس لنا زاجر و لا مانع عما نريد، و لا نخاف أحدا في ترك الانقياد للأوامر و عدم الانزجار عن النواهي،

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

300

و يكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله سبحانه: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ ...» (1)، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان اللّه سبحانه و إخباره بموت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مدخل في الجواب إلا بتكلّف.

و يحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما أفصح عنه عمر بن الخطاب- و سيأتي في مطاعنه-. فبعد تحقّق موته عرض لهم شك في الإيمان و وهن في الأعمال. فلذلك خذلوها و قعدوا عن نصرتها، و حينئذ مدخلية حديث الإعلان و ما بعده في الجواب واضح.

و على التقادير لا يكون قولها (عليها السلام): «فخطب جليل» داخلا في الجواب و لا مقولا لقول المخاطبين على الاستفهام التوبيخي، بل هو كلام مستأنف لبثّ الحزن و الشكوى، بل يكون الجواب بما بعد قولها: «فتلك و اللّه النازلة الكبرى».

و يحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم أن موته (صلّى اللّه عليه و آله) الذي هو أعظم الدواهي قد وقع، فلا يبالي بما وقع بعده من المحظورات. فلذلك لم ينهضوا بنصرها و الإنصاف ممّن ظلمها، و لما تضمّن ما زعموه كون مماته (صلّى اللّه عليه و آله) أعظم المصائب سلّمت (عليها السلام) أولا في مقام جواب تلك المقدمة لكونها محض الحق، ثم نبّهت على خطئهم في أنها مستلزمة لقلة المبالاة بما وقع، و القعود عن نصرة الحق، و عدم اتباع أوامره (صلّى اللّه عليه و آله) بقولها:

«أعلن بها كتاب اللّه» إلى آخر الكلام.

فيكون حاصل الجواب أن اللّه قد أعلمكم بها قبل الوقوع و أخبركم بأنها سنّة ماضية في السلف من أنبيائه، و حذّركم الانقلاب على أعقابكم كي لا تتركوا العمل بلوازم الإيمان بعد وقوعها، و لا تهنوا عن نصرة الحق و قمع الباطل، و في تسليمها ما سلّمته أولا دلالة على أن كونها أعظم المصائب مما يؤيّد وجوب نصرتي، فإني أنا المصاب بها حقيقة، و إن شاركني فيها غيري. فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحق و أحرى.

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 144.

302

و تلبسكم على بناء المجرد: أي تغطيكم و تحيط بكم. و الدعوة: المرة من الدعاء أي النداء كالخبرة بالفتح من الخبر بالضم بمعنى العلم، أو الخبرة بالكسر بمعناه؛ و المراد بالدعوة نداء المظلوم للنصرة، و بالخبرة علمهم بمظلوميتها (عليها السلام)، و التعبير بالاحاطة و الشمول للمبالغة، أو للتصريح بأن ذلك قد عمّهم جميعا، و ليس من قبيل الحكم على الجماعة بحكم البعض أو الأكثر. و في رواية ابن أبي طاهر: الحيرة بالحاء المهملة، و لعله تصحيف، و لا يخفى توجيهه.

«و أنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير و الصلاح، و النجبة التي انتجبت، و الخيرة التي اختيرت»؛ الكفاح: استقبال العدو في الحرب بلا ترس و لا جنّة؛ و يقال: فلان يكافح الأمور أي يباشرها بنفسه. و النجبة كهمزة: النجيب الكريم، و قيل: يحتمل أن يكون بفتح الخاء المعجمة أو سكونها: بمعنى المنتخب المختار، و يظهر من ابن الأثير أنها بالسكون تكون جمعا.

و الخيرة كعنبة: المفضّل من القوم المختار منهم. قاتلتم العرب- في المناقب: لنا أهل البيت قاتلتم-، و ناطحتم الأمم، و كافحتم البهم؛ فلا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون.

«ناطحتم الأمم»؛ أي حاربتم الخصوم و دافعتموهم بجدّ و اهتمام، كما يدافع الكبش قرنه بقرنه. و البهم: الشجعان كما مرّ. و مكافحتها: التعرّض لدفعها من غير توان و ضعف.

و قولها (عليها السلام): «أو تبرحون» معطوف على مدخول النفي، فالمنفي أحد الأمرين، و لا ينتفي إلا بانتفائهما معا. فالمعنى لا نبرح و لا تبرحون، نأمركم فتأتمرون، أي كنّا لم نزل آمرين و كنتم مطيعين لنا في أوامرنا.

و في كشف الغمة: و تبرحون بالواو، فالعطف على مدخول النفي أيضا و يرجع إلى ما مرّ و عطفه على النفي، إشعارا بأنه قد كان يقع منهم براح عن الإطاعة، كما في غزوة

301

و يحتمل أن يكون قولها (عليها السلام): «فخطب جليل» من أجزاء الجواب، فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة، أو المركّب من بعضها مع بعض؛ و حاصل الجواب حينئذ أنه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى، و قد كان اللّه عز و جل أخبركم بها و أمركم أن ترتدّوا بعدها على أعقابكم.

فكان الجواب عليكم دفع الضيم عني و القيام بنصرتي، و لعل الأنسب بهذا الوجه ما في رواية ابن أبي طاهر من قولها: «و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه» بالواو دون الفاء.

و يحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها و للآخر أخرى، و يكون كل مقدمة من مقدمات الجواب إشارة إلى دفع واحدة منها.

أقول: و يحتمل أن لا تكون هناك شبهة حقيقة، بل يكون الغرض أنه ليس لهم في ارتكاب تلك الأمور الشنيعة حجة و متمسّك، إلا أن يتمسّك أحد بأمثال تلك الأمور الباطلة الواهية التي لا يخفى على أحد بطلانها، و هذا شائع في الاحتجاج.

«أيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع، و مبتدأ و مجمع؟ تلبسكم الدعوة، و تشملكم الخبرة»؛ أيها بفتح الهمزة و التنوين: بمعنى هيهات. و بنو قيلة: الأوس و الخزرج، قبيلتا الأنصار. و قيلة بالفتح: اسم أمّ لهم قديمة، و هي قيلة بنت كاهل.

و الهضم: الكسر؛ يقال: هضمت الشي‏ء أي كسرته، و هضمته حقه و اهتضمه إذا ظلمه و كسر عليه حقه.

و التراث بالضم: الميراث، و أصل التاء فيه واو. و أنتم بمرأى مني و مسمع: أي بحيث أراكم و أسمعكم كلامكم كذا. و في رواية ابن أبي طاهر: منه أي من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و المبتدأ في أكثر النسخ بالباء الموحّدة مهموزا، فلعل المعنى أنكم في مكان يبتدأ منه الأمور و الأحكام، و الأظهر أنه تصحيف المنتدى- بالنون غير مهموزة- بمعنى المجلس، و كذا في المناقب القديم. فيكون المجمع كالتفسير له، و الغرض الاحتجاج عليهم بالاجتماع الذي هو من أسباب القدرة على دفع الظلم، و اللفظان غير موجودين في رواية ابن أبي طاهر.

303

أحد و غيرها، بخلاف أهل البيت (عليهم السلام)، إذ لم يعرض لهم كلال عن الدعوة و الهداية، بعيد عن المقام، و الأظهر ما في رواية ابن أبي طاهر من ترك المعطوف رأسا.

لا نبرح نأمركم: أي لم يزل عادتنا و عادتكم الائتمار. و في المناقب: لا نبرح و لا تبرحون نأمركم، فيحتمل أن يكون أو في تلك النسخة أيضا بمعنى الواو، أي لا نزال نأمركم و لا تزالون تأتمرون، و لعل ما في المناقب أظهر النسخ و أصوبها.

«حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت نعرة الشرك، و سكنت فورة الإفك، و خمدت نيران الكفر، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين»؛ دوران الرحى: كناية عن انتظام أمرها، و الباء للسببية. و درّ اللبن: جريانه و كثرته. و الحلب بالفتح: استخراج ما في الضّرع من اللبن، و بالتحريك اللبن المحلوب، و الثاني أظهر للزوم ارتكاب تجوّز في الإسناد و في المسند إليه على الأول.

و النّعرة بالنون و العين و الراء المهملتين مثال همزة: الخيشوم و الخيلاء و الكبر، أو بفتح النون من قولهم: نعر العرق بالدم أي فار؛ فيكون الخضوع بمعنى السكون، أو بالغين المعجمة من نغرت القدر أي فارت. و قال الجوهري: نغر الرجل بالكسر، أي اغتاض. قال الأصمعي: هو الذي يغلي جوفه من الغيظ. و قال ابن السكّيت: يقال: ظلّ فلان يتتغّر على فلان، أي يتذمّر عليه، و في أكثر النسخ بالثاء المثلّثة المضمومة و الغين المعجمة، و هي نقرة النحر بين الترقوتين؛ فخضوع ثغرة الشرك كناية عن محقه و سقوطه كالحيوان الساقط على الأرض. نظيره قول أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا وضعت كلكل العرب، أي صدورهم.

و الإفك بالكسر: الكذب، و فوزة الإفك: غليانه و هيجانه. و خمدت النار: أي سكن لهبها و لم يطفأ جمرها؛ و يقال: همدت بالهاء: إذا طفئ جمرها، و فيه إشعار بنفاق بعضهم و بقاء مادة الكفر في قلوبهم. و في رواية ابن أبي طاهر: و باخت نيران الحرب.

قال الجوهري: باخ الحرّ و النار و الغضب و الحمّى، أي سكن و فتر، و هدأت: أي سكنت.

304

و الهرج: الفتنة و الاختلاط، و في الحديث: الهرج: القتل. و استوسق: أي اجتمع و انضمّ من الوسق بالفتح، و هو ضمّ الشي‏ء إلى الشي‏ء، و اتساق الشي‏ء: انتظامه. و في الكشف: فناويتم العرب و بادهتم الأمور، إلى قولها (عليها السلام): حتى دارت لكم بنا رحى الإسلام، و درّ حلب البلاد، و خبت نيران الحرب؛ يقال: بدهه بأمر: أي استقبله به، و بادهه: فاجأه.

«فأنّى حرتم بعد البيان، و أسررتم بعد الإعلان، و نكصتم بعد الإقدام، و أشركتم بعد الإيمان»؛ كلمة أنّى: ظرف مكان بمعنى أين، و قد يكون بمعنى كيف، أي من أين حرتم، و ما كان منشأه.

و جرتم: إما بالجيم من الجور و هو الميل عن القصد و العدول عن الطريق، أي لما ذا تركتم سبيل الحق بعد ما تبيّن لكم؟ أو بالحاء المهملة المضمومة من الحور، بمعنى الرجوع او النقصان؛ يقال: نعوذ باللّه من الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزيادة، و إما بكسرها من الحيرة. و النكوص: الرجوع إلى خلف.

«أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (1)؛ نكث العهد بالفتح: نقضه. و الأيمان جمع اليمين: و هو القسم.

و المشهور بين المفسرين أن الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهودهم و خرجوا مع الأحزاب و همّوا بإخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من المدينة و بدءوا بنقض العهد و القتال، و قيل: نزلت في مشركي قريش و أهل مكة، حيث نقضوا أيمانهم التي عقدوها مع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و المؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم أعداءهم. فعاونوا بني بكر على خزاعة، و قصدوا إخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من مكة حين تشاوروا بدار النداوة، و أتاهم إبليس بصورة شيخ نجدي، إلى آخر ما مرّ من القصة. فهم بدءوا بالمعاداة و المقاتلة في هذا الوقت، أو يوم بدر، أو بنقض العهد.

____________

(1). سورة التوبة: الآية 13.

305

و المراد بالقوم الذين نكثوا أيمانهم في كلامها (عليها السلام)، إما الذين نزلت فيهم الآية، فالغرض بيان وجوب قتال الغاصبين للإمارة و لحقها، الناكثين لما عهد إليهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيّه و ذوي قرباه و أهل بيته (عليهم السلام)، كما وجب بأمره سبحانه قتال من نزلت الآية فيهم.

أو المراد بهم الغاصبون لحقّ أهل البيت (عليهم السلام)؛ فالمراد بنكثهم أيمانهم: نقض ما عاهدوا إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حين بايعوه من الانقياد له في أوامره و الانتهاء عند نواهيه، و أن لا يضمروا له العداوة. فنقضوه و ناقضوا ما أمرهم به.

و المراد بقصدهم إخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، عزمهم على إخراج من هو كنفس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قائم مقامه بأمر اللّه و أمره عن مقام الخلافة و على إبطال أوامره و وصاياه في أهل بيته (عليهم السلام)، النازل منزلة إخراجه من مستقرّه، و حينئذ يكون من قبيل الاقتباس.

و في بعض الروايات: لقوم نكثوا أيمانهم و همّوا بإخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و هم بدءوكم أول مرة، أ تخشونهم؛ فقوله: لقوم متعلق بقوله: تخشونهم.

«ألا قد أرى أن قد أخلتم إلى الخفض، و أبعدتم من هو أحقّ بالبسط و القبض و خلوتم بالدعة، و نجوتم من الضيق بالسعة؛ فمججتم ما وعيتم، و دسعتم الذي تسوّغتم، ف «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» (1)»؛ الرؤية هنا بمعنى العلم أو النظر بالعين. و أخلد إليه: ركن و مال. و الخفض بالفتح: سعة العيش.

و المراد بمن هو أحقّ بالبسط و القبض أمير المؤمنين (عليه السلام)، و صيغة التفضيل مثلها في قوله تعالى: «قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ». (2) و خلوت بالشي‏ء: انفردت به و اجتمعت معه في خلوة. و الدعة: الراحة و السكون. و مجّ الشراب من فيه: رمى به. و وعيتم: أي حفظتم.

و الدسع كالمنع: الدفع و القي‏ء، و إخراج البعير جرّته إلى فيه. و ساغ الشراب يسوغ سوغا: إذا سهل مدخله في الحلق، و تسوّغه: شربه بسهولة. و صيغة تكفروا في‏

____________

(1). سورة إبراهيم: الآية 8.

(2). سورة الفرقان: الآية 15.

306

كلامها (عليها السلام): إما من الكفران و ترك الشكر، كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد، حيث قال تعالى: «إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ. وَ قالَ مُوسى‏ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» (1)، أو من الكفر بالمعنى الأخص، و التغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس، مع أن في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى، و المراد إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا من الثقلين فلا يضرّ ذلك إلا أنفسكم، فإنه سبحانه غنيّ عن شكركم و طاعتكم، مستحقّ للحمد في ذاته، أو محمود تحمده الملائكة بل جميع الموجودات بلسان الحال، و ضرر الكفران عائد إليكم حيث حرّمتم من فضله تعالى و مزيد إنعامه و إكرامه.

و الحاصل: إنكم إنما تركتم الإمام بالحق و خلعتم بيعته من رقابكم و رضيتم ببيعة أبي بكر، لعلمكم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يتهاون و لا يداهن في دين اللّه و لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و يأمركم بارتكاب الشدائد في الجهاد و غيره و ترك ما تشتهون من زخارف الدنيا، و يقسّم الفي‏ء بينكم بالسوية و لا يفضل الرؤساء و الأمراء، و إن أبا بكر سلس القياد، مداهن في الدين لإرضاء العباد. فلذا رفضتم الإيمان و خرجتم عن طاعته سبحانه إلى طاعة الشيطان، و لا يعود وباله إلا إليكم.

و في الكشف: ألا و قد أرى و اللّه أن قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة.

فمججتم الذي أوعيتم، و لفظتم الذي سوّغتم. و في رواية ابن أبي طاهر: فعجتم عن الدين؛ يقال: ركن إليه بفتح الكاف و قد يكسر: أي مال إليه و سكن. و قال الجوهري:

عجت بالمكان أعوج: أي أقمت به و عجت غيري؛ يتعدّى و لا يتعدّى.

و عجب البعير: عطفت رأسه بالزمام، و العائج: الواقف. و ذكر ابن الأعرابي: فلان ما يعوج من شي‏ء: أي ما يرجع عنه.

«ألا و قد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، و الغدرة التي استشعرتها قلوبكم، و لكنها فيضة النفس، و نفثة الغيظ، و خور القنا، و بثّة الصدر، و تقدمة الحجة»؛

____________

(1). سورة إبراهيم: الآيتان 7، 8.

307

الخذلة: ترك النصر. و خامرتكم: أي خالطتكم. و الغدر: ضدّ الوفاء. و استشعره: أي لبسه. و الشعار: الثوب الملاصق للبدن.

و الفيض: في الأصل كثرة الماء و سيلانه؛ يقال: فاض الخبر: أي شاع، و فاض صدره بالسرّ: أي باح به و أظهره، و يقال: فاضت نفسه: أي خرجت روحه، و المراد به هنا إظهار المضمر في النفس لاستيلاء الهمّ و غلبة الحزن. و النفث بالفم شبيه بالنفخ، و قد يكون للمغتاظ تنفّس عال تسكينا لحرّ القلب و إطفاء لنائرة الغضب.

و الخور بالفتح و التحريك: الضعف. و القنا: جمع قناة و هي الرمح، و قيل: كل عصا مستوية أو معوجّة قناة؛ و لعل المراد بخور القنا ضعف النفس عن الصبر على الشدة و كتمان الضر، أو ضعف ما يعتمد عليه في النصر على العدوّ، و الأول أنسب. و البثّ:

النشر و الإظهار و الهمّ الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثّه، أي يفرّقه. و تقدمة الحجة: إعلام الرجل قبل وقت الحاجة قطعا لاعتذاره بالغافلة.

و الحاصل: أن استنصاري منكم و تظلّمي لديكم و إقامة الحجة عليكم، لم يكن رجاء للعون و المظاهرة، بل تسلية للنفس و تسكينا للغضب و إتماما للحجة، لئلا تقولوا يوم القيامة: «إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ». (1)

«فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بغضب اللّه و شنار الأبد، موصولة ب «نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» (2)، فبعين اللّه ما تفعلون‏ «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (3)»؛ و الحقب بالتحريك: حبل يشدّ به الرحل إلى بطن البعير؛ يقال: احقبت البعير، أي شددته به، و كل ما شدّ في مؤخّر رحل أو قتب فقد احتقب، و منه قيل: احتقب فلان الإثم كأنه جمعه و احتقبه من خلفه. فظهر أن الأنسب في هذا المقام احقبوها بصيغة الإفعال، أي شدّوا عليها ذلك و هيّئوها للركوب، لكن فيما وصل إلينا من الروايات على بناء الافتعال.

____________

(1). سورة الأعراف: الآية 172.

(2). سورة الهمزة: الآيتان 6، 7.

(3). سورة الشعراء: الآية 227.

308

و الدبر بالتحريك: الجرح في ظهر البعير، و قيل: جرح الدابة مطلقا. و النقب بالتحريك: رقّة خفّ البعير. و العار الباقي: عيب لا يكون في معرض الزوال. و وسمته و سما و سمة: إذا أثّرت فيه بسمة و كيّ. و الشنار: العيب و العار.

و نار اللّه الموقدة: المؤجّجة على الدوام. و الاطلاع على الأفئدة: إشرافها على القلوب بحيث يبلغها ألمها كما يبلغ ظواهر البدن، و قيل معناه: إن هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا. و في الكشف: إنها عليهم مؤصدة و المؤصدة: المطبقة.

و بعين اللّه ما تفعلون: أي متلبس بعلم اللّه أعمالكم و يطّلع عليها كما يعلم أحدكم ما يراه و يبصره، و قيل في قوله تعالى: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنا» (1): أن المعنى تجري بأعين أوليائنا من الملائكة و الحفظة.

و المنقلب: المرجع و المنصرف، و أيّ منصوب على أنه صفة مصدر محذوف، و العامل فيه ينقلبون، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، و إنما يعمل فيه ما بعده، و التقدير سيعلم الذين ظلموا ينقلبون انقلابا أيّ انقلاب.

«و أنا ابنة نذير لكم»؛ أي أنا ابنة من أنذركم بعذاب اللّه على ظلمكم، فقد تمّت الحجة عليكم، و الأمر في اعملوا و انتظروا للتهديد.

و أما قول الملعون:

و الرائد لا يكذب أهله، فهو مثل استشهد به في صدق الخبر الذي افتراه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الرائد: من يتقدّم القوم، يبصر لهم الكلأ و مساقط الغيث، جعل نفسه- لاحتماله الخلافة التي هي الرئاسة العامة- بمنزلة الرائد للأمة الذي يجب عليه أن ينصحهم و يخبرهم بالصدق.

و المجالدة: المضاربة بالسيوف. و استبدّ فلان بالرأي: أي انفرد به و استقلّ.

و لا نزوي عنك: أي لا نقبض و لا نصرف. و لا نوضع من فرعك و أصلك: أي لا نحطّ

____________

(1). سورة القمر: الآية 14.

309

درجتك و لا ننكر فضل أصولك و أجدادك و فروعك و أولادك. و ترين من الرأي:

بمعنى الاعتقاد.

و قولها (عليها السلام): «سبحان اللّه! ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن كتاب اللّه صادفا، و لا لأحكامه مخالفا، بل كان يتّبع أثره و يقفو سوره. أ فتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور؟!»؛ الصادف عن الشي‏ء: المعرض عنه. و الأثر بالتحريك و بالكسر: أثر القدم. و القفوا: الاتّباع. و السور بالضم: كل مرتفع عال، و منه سور المدينة، و يكون جمع سورة، و هي كل منزلة من البناء و منه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة، و تجمع على سور بفتح الواو.

و في العبارة يحتملها، و الضمائر المجرورة تعود إلى اللّه تعالى أو إلى كتابه، و الثاني أظهر. و الاعتدال: إبداء العلة و الاعتذار. و الزور: الكذب، و هذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته؛ البغي: الطلب. و الغوائل: المهالك و الدواهي، أشارت (عليها السلام) بذلك إلى ما دبّروا- لعنهم اللّه- في إهلاك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و استئصال أهل بيته (عليهم السلام) في العقبتين و غيرهما مما أوردناه في هذا الكتاب متفرقا.

«هذا كتاب اللّه حكما عدلا و ناطقا فصلا، يقول: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (2) فبيّن عز و جل فيما وزع عليه من الأقساط، و شرع من الفرائض و الميراث، و أباح من حظّ الذكران و الأناث، ما أزاح علة المبطلين، و أزال التظنّي و الشبهات في الغابرين؛ كلّا «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ» (3)»؛ أقول: سيأتي الكلام في مواريث الأنبياء في باب المطاعن إن شاء اللّه تعالى.

و التوزيع: التقسيم. و القسط بالكسر: الحصّة و النصيب. و الإزاحة: الإذهاب و الإبعاد. و التظنّي: إعمال الظن، و أصله: التظنّن. و الغابر: الباقي. و قد يطلق على الماضي. و التسويل: تحسين ما ليس بحسن و تزيينه و تحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله، و قيل: هو تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه.

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

(3). سورة يوسف: الآية 18.

310

فصبر جميل: أي فصبري جميل، أو الصبر الجميل أولى من الجزع الذي لا يغني شيئا، و قيل: إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه اللّه تعالى و فعل للوجه الذي وجب ذكره السيد المرتضى، و خطابك في قول أبي بكر: من المصدر المضاف إلى الفاعل، و مراده بما تقلّدوا ما أخذ فدك أو الخلافة، أي أخذت الخلافة بقول المسلمين و اتفاقهم؛ فلزمني القيام بحدودها التي من جملتها أخذ فدك للحديث المذكور.

و المكابرة: المغالبة. و الاستبداد: الاستئثار و الانفراد بالشي‏ء.

قولها (عليها السلام): «معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر! «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها» (1)، «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ». (2) ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم و أبصاركم، و لبئس ما تأوّلتم، و ساء به ما أشرتم، و شرّ ما منه اعتضتم»؛ القيل: بمعنى القول و كذا القال، و قيل: القول في الخير و القيل و القال في الشر.

و قيل: القول مصدر و القيل و القال اسمان له.

و الإغضاء: إدناء الجفون، و أغضى على الشي‏ء أي سكت و رضي به، و روي عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) في الآية أن المعنى‏ «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» (3)، فيقضوا بما عليهم من الحق. و تنكير القلوب لإرادة قلوب هؤلاء و من كان مثلهم من غيرهم.

و الرين: الطبع و التغطية، و أصله الغلبة. و التأوّل و التأويل: التصيير و الإرجاع و نقل الشي‏ء عن موضعه، و منه تأويل الألفاظ، أي نقل اللفظ عن الظاهر. و الإشارة: الأمر بأحسن الوجوه في أمر. و شرّ كفرّ: بمعنى ساء. و الاعتياض: أخذ العوض و الرضا به، و المعنى ساء ما أخذتم منه عوضا عما تركتم.

«لتجدنّ و اللّه محمله ثقيلا، و غبّه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء و بان ما وراءه الضرّاء، و بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، و خسر هنالك المبطلون»؛ المحمل كمجلس:

____________

(1). سورة محمد (صلّى اللّه عليه و آله): الآية 24.

(2). سورة المطففين: الآية 14.

(3). سورة النساء: الآية 82. سورة محمد (صلّى اللّه عليه و آله): الآية 24.

311

مصدر. و الغبّ بالكسر: العاقبة. و الوبال في الأصل: الثقل و المكروه، و يراد به في عرف الشرع: عذاب الآخرة. و العذاب الوبيل: الشديد. و الضراء بالفتح و التخفيف: الشجر الملتف كما مرّ؛ يقال: توارى الصيد مني في ضراء.

و الوراء: يكون بمعنى قدّام، كما يكون بمعنى خلف، و بالأول فسّر قوله تعالى:

«وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً» (1)، و يحتمل أن تكون الهاء زيدت من النساخ أو الهمزة، فيكون على الأخير بتشديد الراء من قولهم: ورّى الشي‏ء تورية، أي أخفاه، و على التقادير فالمعنى: و ظهر لكم ما ستره عنكم الضرّاء.

و بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون: أي ظهر لكم من صنوف العذاب ما لم تكونوا تنتظرونه و لا تظنّونه و اصلا إليكم، و لم يكن في حسبانكم. و المبطل:

صاحب الباطل، من أبطل الرجل إذا أتى بالباطل.

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب‏

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك فاشهدهم فقد نكبوا

في الكشف: ثم التفتت إلى قبر أبيها متمثّلة بقول هند ابنة اثاثة، ثم ذكر الأبيات.

و قال في النهاية: الهنبثة واحدة الهنابث، و هي الأمور الشداد المختلفة، و الهنبثة:

الاختلاط في القول و النون زائدة، و ذكر فيه: أن فاطمة (عليها السلام) قالت بعد موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

قد كان بعدك أنباء، إلى آخر البيتين، إلا أنه قال: فاشهدهم و لا تغب.

و الشهود: الحظور. و الخطب بالفتح: الأمر الذي تقع فيه المخاطبة، و الشأن و الحال.

و الوابل: المطر الشديد. و نكب فلان عن الطريق كنصر و فرح: أي عدل و مال.

و كل أهل له قربى و منزلة * * * عند الإله على الأدنين مقترب‏

____________

(1). سورة الكهف: الآية 89.

312

القربى: في الأصل القرابة في الرحم. و المنزلة: المرتبة و الدرجة و لا تجمع.

و الأدنين: هم الأقربون، و اقترب أي تقارب. و قال في مجمع البيان: في اقترب زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر، و يمكن تصحيح تركيب البيت و تأويل معناه على وجوه:

الأول: و هو الأظهر، أن جملة «له قربى» صفة لأهل، و التنوين في «منزلة» للتعظيم، و الظرفان متعلقان بالمنزلة لما فيها من معنى الزيادة و الرجحان، و «مقترب» خبر لكل، أي ذو القرب الحقيقي، أو عند ذي الأهل، كل أهل كانت له مزيّة و زيادة على غيره من الأقربين عند اللّه تعالى.

و الثاني: تعلّق الظرفين بقولها: «مقترب»، أي كل أهل له قرب و منزلة من ذي الأهل، فهو عند اللّه تعالى مقترب مفضّل على سائر الأدنين.

و الثالث: تعلّق الظرف الأول ب «المنزلة» و الثاني ب «المقترب»، أي كل أهل اتّصف بالقربى بالرجل و بالمنزلة عند اللّه، فهو مفضّل على من هو أبعد منه.

و الرابع: أن يكون جملة: «له قربى» خبرا للكل، و «مقترب» خبرا ثانيا، و في الظرفين يجري الاحتمالات السابقة، و المعنى أن كل أهل نبيّ من الأنبياء له قرب و منزلة عند اللّه، و مفضّل على سائر الأقارب عند الأمة.

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما مضيت و حالت دونك الترب‏

بدا الأمر بدوّا: ظهر و أبداه و أظهره. و النجوى: الاسم من نجوته، إذا ساورته، و نجوى صدورهم: ما أضمروه في نفوسهم من العداوة و لم يتمكّنوا من إظهاره في حياته (صلّى اللّه عليه و آله)، و في بعض النسخ: فحوى صدورهم، و فحوى القول: معناه، و المال واحد.

و قال الفيروزآبادي: التّرب و التراب و التربة: معروف، و جمع التراب: أتربة و تربان، و لم يسمع لسائرها بجمع، انتهى.

313

فيمكن أن يكون بصيغة المفرد، و التأنيث بتأويل الأرض كما قيل، و الأظهر أنه بضمّ التاء و فتح الراء جمع تربة. قال في مصباح اللغة: التربة: المقبرة، و الجمع ترب مثل غرفة و غرف.

و حال الشي‏ء بيني و بينك: أي منعني من الوصول إليك. و دون الشي‏ء: قريب منه؛ يقال: دون النهر جماعة، أي قبل أن تصل إليه. و التهجّم: الاستقبال بالوجه الكريه.

و المغتصب على بناء المفعول: المغصوب. و المحتجب على بناء الفاعل. و صادفه:

وجده و لقيه. و الكثب بضمّتين: جمع كثيب و هو التلّ من الرمل. و الرزء بالضم مهموزا:

المصيبة بفقد الأعزّة، و رزئنا على بناء المجهول. و الشجن بالتحريك: الحزن. و في القاموس: العجم بالضم و بالتحريك: خلاف العرب.

قوله: ثم انكفأت، أقول: وجدت في نسخة قديمة لكشف الغمة منقولة من خطّ المصنف مكتوبا على هامشها بعد إيراد خطبتها (عليها السلام) ما هذا لفظه: وجد بخط السيد المرتضى علم الهدى الموسوي- قدس اللّه روحه- أنه لمّا خرجت فاطمة (عليها السلام) من عند أبي بكر حين ردّها عن فدك، استقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجعلت تعنّفه، ثم قالت:

اشتملت ...، إلى آخر كلامها (عليها السلام). و الانكفاء: الرجوع.

و توقّعت الشي‏ء و استوقعته: أي انتظرت وقوعه. و طلعت على القوم: أتيتهم، و تطلّع الطلوع: انتظاره.

«فلما استقرّت بها الدار»؛ أي سكنت كأنها اضطربت و تحرّكت بخروجها، أو على سبيل القلب، و هذا شائع؛ يقال: استقرّت نوى القوم و استقرّت بهم النوى، أي أقاموا.

«اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الظنين»؛ اشتمل بالثوب، أي أداره على جسده كله، و الشملة بالفتح: كساء يشتمل به، و الشملة بالكسر: هيئة الاشتمال، فالشملة إما مفعول مطلق من غير الباب كقوله تعالى: «نَباتاً» (1)، أو في الكلام حذف و إيصال.

____________

(1). سورة آل عمران: الآية 37. سورة نوح: الآية 17.

314

و في رواية السيد: مشيمة الجنين، و هي محلّ الولد في الرحم، و لعله أظهر.

و الجنين: الولد ما دام في البطن. و الحجرة بالضمّ: حظيرة الإبل، و منه حجرة الدار.

و الظنين: المتّهم، و المعنى اختفيت عن الناس كالجنين و قعدت عن طلب الحق و نزلت منزلة الخائف المتهم.

و في رواية السيد: الحجزة بالزاء المعجمة، و في بعض النسخ: قعدت حجزة الظنين، و قال في النهاية: الحجزة: موضع شدّ الإزار. ثم قيل للإزار: حجزة للمجاورة، و في القاموس: الحجزة بالضم: معقد الإزار، و من الفرس مركب مؤخّر الصفاق بالحقو، و قال: شدة الحجزة: كناية عن الصبر.

«نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل؟»؛ قوادم الطير: مقاديم ريشه و هي عشر في كل جناح، واحدتها قادمة. و الأجدل: الصقر. و الأعزل: الذي لا سلاح معه؛ قيل:

لعلها (عليها السلام) شبّهت الصقر الذي نقضت قوادمه بمن لا سلاح له، و المعنى تركت طلب الخلافة في أول الأمر قبل أن يتمكّنوا منها و يشيّدوا أركانها، و ظننت أن الناس لا يرون غيرك أهلا للخلافة، و لا يقدّمون عليك أحدا، فكنت كمن يتوقّع الطيران من صقر منقوضة القوادم.

أقول: و يحتمل أن يكون المراد أنك نازلت الأبطال و خضت الأهوال و لم تبال بكثرة الرجال حتى نقضت شوكتهم، و اليوم غلبت من هؤلاء الضعفاء و الأرذال و سلّمت لهم الأمر و لا تنازعهم؟! و على هذا، الأظهر أنه كان في الأصل: خاتك بالتاء المثنّاة الفوقانية، فصحف. قال الجوهري: خات البازي و اختات: أي انقضّ ليأخذه، و قال الشاعر:

يخوتون أخرى القوم خوت الأجادل ...

و الخائتة: العقاب إذا انقضّت فسمعت صوت انقضاضها، و الخوات، دويّ جناح العقاب، و الخوّات بالتشديد: الرجل الجري، و في رواية السيد: نفضت بالفاء و هو يؤيّد المعنى الأول.

315

«هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحيلة أبي، و بلغة ابنيّ، لقد أجهر في خصامي، و ألفيته ألدّ في كلامي»؛ قحافة بضمّ القاف و تخفيف المهملة. و الابتزاز: الاستلاب و أخذ الشي‏ء بقهر و غلبة من البز بمعنى السلب. و النحيلة فعيلة بمعنى مفعول من النحلة بالكسر: بمعنى الهبة و العطية عن طيبة نفس من غير مطالبة أو من غير عوض. و البلغة بالضمّ: ما يتبلّغ به من العيش و يكتفي به، و في أكثر النسخ: بليغة بالتصغير، فالتصغير في النحيلة أيضا أنسب.

و ابنيّ: إما بتخفيف الياء فالمراد به الجنس، أو تشديدها على التثنية. و إظهار الشي‏ء:

إعلانه. و الخصام: مصدر كالمخاصمة، و يحتمل أن يكون جمع خصم، أي أجهر العداوة أو الكلام لي بين الخصام، و الأول أظهر. و ألفيته: أي وجدته. و الألدّ: شديد الخصومة و ليس فعلا ماضيا، فإن فعله على بناء المجرد، و الإضافة في «كلامي» إما من قبيل الإضافة إلى المخاطب أو إلى المتكلم، و في: للظرفية أو السببية.

و في رواية السيد: هذا بني أبي قحافة، إلى قوله: لقد أجهد في ظلامتي و ألدّ في خصامتي؛ قال الجزري: يقال جهد الرجل في الأمر: إذا جدّ و بالغ فيه، و أجهد دابته: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها.

«حتى حبستني قيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع و لا مانع»؛ قيلة بالفتح: اسم أمّ قديمة لقبيلتي الأنصار، و المراد: بنو قيلة. و في رواية السيد: حين منعتنى الأنصار نصرها، و موصوف المهاجرة: الطائفة أو نحوها، و المراد بوصلها: عونها.

و الطرف بالفتح: العين. و غضّه: خفظه. و في رواية السيد بعد قولها: و لا مانع: و لا ناصر و لا شافع.

«خرجت كاظمة وعدت راغمة»؛ كظم الغيظ: تجرّعه و الصبر عليه. و رغم فلان بالفتح: إذا ذلّ و عجز عن الانتصاف ممن ظلمه، و الظاهر من الخروج، الخروج من البيت و هو لا يناسب كاظمة، إلا أن يراد بها الامتلاء من الغيظ، فإنه من لوازم الكظم،

316

و يحتمل أن يكون المراد الخروج من المسجد المعبّر عنه ثانيا بالعود، كما قيل، و في رواية السيد مكان عدت: رجعت.

«أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك؟ افترست الذئاب، و افترشت التراب»؛ ضرع الرجل مثلّثة: خضع و ذلّ و أضرعه غيره، و إسناد الضراعة إلى الخذلان أظهر أفرادها وضع الخدّ على التراب، أو لأن الذلّ يظهر في الوجه. و إضاعة الشي‏ء و تضييعه: إهماله و إهلاكه.

وحد الرجل بالحاء المهملة: بأسه و بطشه، و في بعض النسخ بالجيم، أي تركت اهتمامك و سعيك. و في رواية السيد: فقد أضعت جدك يوم أصرعت خدّك. و فرس الأسد فريسته كضرب و افترسها: دقّ عنقها، و يستعمل في كل قتل، و يمكن أن يقرأ بصيغة الغائب، فالذئاب مرفوع، و المعنى: قعدت عن طلب الخلافة و لزمت الأرض مع أنك أسد اللّه، و الخلافة كانت فريستك حتى افترسها و أخذها الذئب الغاصب لها.

و يحتمل أن يكون بصيغة الخطاب، أي كنت تفترس الذئاب و اليوم افترشت التراب. و في بعض النسخ: الذباب بالباءين الموحّدتين، جمع ذبابة، فيتعيّن الأول.

و في بعضها: افترست الذئاب و افترستك الذئاب. و في رواية السيد مكانهما: و توسدت الوراء كالوزغ و مسّتك الهناة و النزغ. و الوراء بمعنى خلف. و الهناة: الشدة و الفتنة.

و النزغ: الطعن و الفساد.

«ما كففت قائلا و لا أغنيت باطلا و لا خيار لي، ليتني متّ قبل هينتي و دون زلّتي»؛ الكفّ:

المنع. و الإغناء: الصرف و الكفّ؛ يقال: أغن عني شرّك: أي أصرفه و كفّه، و به فسّر قوله سبحانه: «إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً». (1)

و في رواية السيد: و لا أغنيت طائلا، و هو أظهر. قال الجوهري: يقال: هذا أمر طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء و مزيّة. فالمراد بالغناء: النفع، و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما يجديك و ما ينفعك.

____________

(1). سورة الجاثية: الآية 19.

317

و الهينة بالفتح: العادة في الرفق و السكون، و يقال: امش على هينتك، أي على رسلك، أي ليتني متّ قبل هذا اليوم الذي لا بدّ لي من الصبر على ظلمهم، و لا محيص لي عن الرفق.

و الزلّة بفتح الزاي كما في النسخ: الاسم من قولك: زللت في طين أو منطق: إذا زلقت، و يكون بمعنى السقطة، و المراد بها عدم القدرة على دفع الظلم، و لو كانت الكلمة بالذال المعجمة كان أظهر و أوضح، كما في رواية السيد، فإن فيها: وا لهفتاه! ليتني متّ قبل ذلّتي و دون هينتي، عذيري اللّه منك عاديا، و منك حاميا. العذير: بمعنى العاذر كالسميع، أو بمعنى العذر كالأليم.

و قولها: منك، أي من أجل الإساءة إليك و إيذائك. و عذيري اللّه: مرفوعان بالابتدائية و الخبرية. و عاديا: إما من قولهم عدوت فلانا عن الأمر أي صرفته عنه، أو من العدوان بمعنى تجاوز الحدّ و هو حال عن ضمير المخاطب أي اللّه يقيم العذر من قبلي في إساءتي إليك حال صرفك المكاره و دفعك الظلم عني، أو حال تجاوزك الحدّ في القعود عن نصري أي عذري في سوء الأدب أنّك قصّرت في إعانتي و الذبّ عني.

و الحماية عن الرجل: الدفع عنه، و يحتمل أن يكون عذيري منصوبا كما هو الشائع في هذا الكلمة، و «اللّه» مجرورا بالقسم؛ يقال: عذيرك من فلان، أي هات من يعذرك فيه، و منه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) حين نظر إلى ابن ملجم لعنه اللّه: عذيرك من خليلك من مراد ...، و الأول أظهر.

«ويلاي في كل شارق؛ مات العمد، و وهت العضد. شكواي إلى أبي و عدواي إلى ربي؛ اللهم أنت أشدّ قوة و حولا، و أحدّ بأسا و تنكيلا»؛ قال الجوهري: ويل: كلمة مثل: ويح إلا أنها كلمة عذاب؛ يقال: ويله و ويلك و ويلي، و في الندبة: ويلاه، و لعله جمع فيها بين ألف الندبة و ياء المتكلم، و يحتمل أن يكون بصيغة التثنية فيكون مبتدا و الظرف خبره، و المراد به تكرّر الويل. و في رواية السيد: ويلاه في كل شارق، ويلاه في كل غارب، ويلاه! مات العمد و ذلّ العضد، إلى قولها (عليها السلام): اللهم أنت أشدّ قوة و بطشا.

318

و الشارق: الشمس، أي عند كلّ شروق و طلوع صباح كل يوم. قال الجوهري:

الشرق: المشرق، و الشرق: الشمس يقال طلع الشرق و لا آتيك ما ذرّ شارق، و شرقت الشمس تشرق شروقا و شرقا أيضا أي طلعت، و أشرقت أي أضاءت.

و العمد بالتحريك و بضمتين: جمع العمود، و لعل المراد هنا ما يعتمد عليه في الأمور. و الشكوى: الاسم من قولك: شكوت فلانا شكاية. و العدوى: طلبك إلى وال لينتقم لك ممن ظلمك. و الحول: القوة و الحيلة و الدفع و المنع، و الكل هنا محتمل.

و البأس: العذاب. و التنكيل: العقوبة، و جعل الرجل نكالا و عبرة لغيره.

الويل لشانئك: أي العذاب و الشر لمبغضك، و الشناءة: البغض. و في رواية السيد:

لمن أحزنك. و نهنهت الرجل عن الشي‏ء فتنهنه: أي كففته و زجرته فكفّ. و الوجد:

الغضب، أي أمنع نفسك عن غضبك. و في بعض النسخ: تنهنهي، و هو أظهر. و الصفوة مثلّثة: خلاصة الشي‏ء و خياره.

و الونى كفتى: الضعف و الفتور و الكلال، و الفعل كوقى يقي: أي ما عجزت عن القيام بما أمرني به ربي و ما تركت ما دخل تحت قدرتي. و البلغة بالضمّ: ما يتبلّغ به من العيش. و الضامن و الكفيل للرزق هو اللّه تعالى، و ما أعدّ لها هو ثواب الآخرة.

و الاحتساب: الاعتداد، و يقال لمن ينوي بعمله وجه اللّه تعالى: احتسبه، أي اصبري و ادّخري ثوابه عند اللّه تعالى.

و في رواية السيد: فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل لك بل الويل لمن أحزنك.

نهنهي عن وجدك يا بنية الصفوة، و بقية النبوة، فما ونيت عن حظّك و لا أخطأت، فقد ترين مقدرتي، فإن ترزئي حقك فرزقك مضمون، و كفيلك مأمون، و ما عند اللّه خير لك مما قطع عنك. فرفعت يدها الكريمة فقالت: رضيت و سلّمت.

قال في القاموس: رزأه ماله كجعله و عمله، رزأ بالضمّ: أصاب منه شيئا. أقول: روى الشيخ كلامها الأخير مع جوابه قريبا مما رواه السيد، و لنذكره بسنده.

319

المصادر:

بحار الأنوار: ج 29 ص 216- 247.

19

المتن:

قال المولى محمد علي القراجه‏داغي الأنصاري في الاحتجاجات و ما ذكر في أمر فدك و شرح الخطبة الشريفة للزهراء (عليها السلام) و حلّ غوامض العبارات و اللغات بأحسن ما يمكن:

و منها: الاحتجاج المشهور كالنور على الطور المسطور، في كتاب مسطور، في رقّ منشور، المعروف بخطبة تظلّم الزهراء (عليها السلام) التي مقصودنا من هذا الكتاب شرحها، و كل ما ذكر إلى هنا كان مقدمة بالنسبة إليها، و نحن نشرع الآن في إيراد تلك الخطبة الشريفة المشتملة على الآيات البيّنات، و البراهين الساطعات، و الحجج الواضحات، و الدلائل القاطعات.

و نشرح فقراتها الكريمة على القواعد العربية و الضوابط اللفظية، و نشير في بعض المواضع إلى بعض المعاني الخفيّة بالإشارة الإجماليّة لا التفصيليّة، إذ ليس الغرض هنا إلا شرح ظواهرها و بسط الكلام في تنقيح ظاهرها.

و بعد إتمام الخطبة نذكر ما يتعلق بمضامينها الشريفة، من تحقيق حقيقة المسألة في أمر مرافعة فدك الواقعة بين فاطمة الزهراء (عليها السلام) و أبي بكر على وجه النقض و الإبرام توضيحا للمرام، و تنقيحا للحال و المقام.

مصادر الخطبة الشريفة

فنقول و باللّه التوفيق:

اعلم إن هذه الخطبة الشريفة من الخطب المشهورة و الاحتجاجات المأثورة، التي روتها الخاصة و العامة بأسانيد متظافرة و طرق متكاثرة.

320

قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة فيما ذكر من الأخبار الواردة في ذكر قصة فدك، عند شرح قوله (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين ...». خطب (عليه السلام) بها بسبعة أيام قبل موته كما قيل.

قال: الفصل الأول: فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم، لا من كتب الشيعة و رجالهم، و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك.

و أبو بكر الجوهري هذا، عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع، أثنى عليه المحدّثون و رووا عنه مصنّفاته و غير مصنّفاته، ثم قال: قال أبو بكر: حدّثني محمد بن زكريا- إلى آخر الطريق-، و حدّثنى عثمان بن عمران- إلى آخر-، و حدّثني أحمد بن محمد- إلى آخر-، قالوا جميعا: لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك ....

و قد أورد الخطبة علي بن عيسى الإربلي في كتاب كشف الغمة، و قال أيضا: نقلتها من كتاب السقيفة تأليف أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها المذكور، قرأت في سنة اثنتين و عشرين و ثلاثمائة، روى عن رجاله من عدة طرق أن فاطمة (عليها السلام) لما بلغها إجماع أبي بكر، إلى آخر الخطبة.

و قد أشار إليها المسعودي في تاريخ مروج الذهب، و ذكرها السيد المرتضى بعدة طرق منتهية إلى عائشة و غيرها، و الطبرسي في كتاب الاحتجاج، و لها طرق أخرى من كتاب أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر الذي صنّفه في بلاغات النساء، و روى الصدوق بعض فقراتها المتعلّقة بالعلل في كتابه علل الشرائع، و ذكر السيد ابن طاوس في كتاب الطرائف مواضع الشكوى منها، إلى غير ذلك.

و بالجملة لا إشكال و لا شبهة في كون الخطبة من فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و إن مشايخ آل أبي طالب كانوا يروونها عن آبائهم و يعلّمونها أبناءهم، و مشايخ الشيعة كانوا يتدارسونها بينهم و يتداولونها بأيديهم و ألسنتهم.

321

و نقل ابن أبي الحديد في الشرح عن السيد الأجل المرتضى أنه قال: و أخبرنا أبو عبد اللّه المرزباني، عن علي بن هارون، عن عبيد اللّه بن أحمد، عن أبيه، قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلام فاطمة عند منع أبي بكر إياها فدك، و قلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع و أنه من كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة.

فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، و يعلّمونه أولادهم، و قد حدّثني به أبي عن جدي، يبلغ به فاطمة (عليها السلام) على هذه الحكاية، و قد رواه مشايخ الشيعة، و تدارسوه قبل أن يوجد جد أبي العيناء.

و قد حدّث الحسين بن علوان، عن عطيّة العوفي أنه سمع عبد اللّه بن الحسن بن الحسين يذكر عن أبيه هذا الكلام، ثم قال أبو الحسين زيد: و كيف ينكرون هذا من كلام فاطمة (عليها السلام)، و هم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة (عليها السلام) و يحقّقونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت؟! ثم ذكر الحديث بطوله على نسقه، انتهى.

فقول بعض العامة العمياء بأن هذه الخطبة مصنوعة و أنها من كلام أبي العيناء، حيث ذكروا أن أبا العيناء ادّعى هذا الكلام لنفسه- كما ذكره أبو الفضل المذكور- نظير ما ذكروا أن خطب نهج البلاغة أو الخطبة الشقشقيّة وحدها من كلام الرضي و مصنوعاته، مع ما تحقّق من وجود تلك الخطب و الكلمات قبل ولادة الرضي بأعوام كثيرة، كما حقّقها في شرح نهج البلاغة، و ما تلك النسبة في المقامين إلا لإخفاء مثالب الخلفاء، حتى لا يتحقّق شكاية أهل البيت (عليهم السلام) منهم بين العامة فيوجب ذلك قدحهم.

و أبو العيناء المذكور هو أبو عبد اللّه بن قاسم بن خلّاد الضرير المعروف بأبي العيناء مولى أبي جعفر المنصور، أصله من اليمامة و ولد بالأهواز سنة إحدى و تسعين و مائة و نشأ بالبصرة، و كان من أحفظ الناس، و أفصحهم لسانا، و أسرعهم جوابا، كفّ بصره حين بلغ أربعين سنة، مات سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين، كان صاحب النوادر و الشعر و الأدب، و سمع من أبي عبيدة و الأصمعي و غيرهما، و الخلّاد، بفتح الخاء المعجمة و تشديد اللام.

322

و لقّب بأبي العيناء لأنه قال لأبي زيد الأنصاري: كيف تصغّر عينا؟ فقال: عيينا يا أبا العيناء.

و بالجملة لا شبهة في صدور أصل الخطبة منها (عليها السلام)، و لكن الروايات مختلفة من حيث تبديل بعض الفقرات، و تغيير بعض الكلمات مع زيادة أو نقيصة، حتى في أواخر بعض روايات أحمد بن أبي طاهر أنه قال عطيّة الأوفي: سمعت أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة (عليها السلام):

يا بنت رسول اللّه! لقد كان أبوك بالمؤمنين رحيما، و على الكافرين عذابا أليما، و إذا عزوناه كان أباك دون النساء، و أخا ابن عمك دون الرجال؛ آثره على كل حميم، و ساعده على الأمر العظيم، لا يحبّكم إلا العظيم السعادة، و لا يبغضكم إلا الردي‏ء الولادة، و أنتم عترة اللّه الطيبون، و خيرة اللّه المنتجبون؛ على الآخرة أدلّتنا، و إلى باب الجنة مسالكنا.

و أما منعك ما سألت فلا ذلك لي، و أما فدك و ما جعل أبوك لك فإن منعتك فأنا ظالم، و أما الميراث فقد تعلمين أن أباك قال: لا نورّث و ما أبقيناه صدقة.

قالت: إن اللّه تعالى يقول عن نبيّ من أنبيائه: «يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (1)، و قال:

«وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ». (2) فهذان نبيّان و قد علمت أن النبوة لا تورث، و إنما يورث ما دونها. فما لي أمنع إرث أبي؟ أ أنزل اللّه في كتابه إلا فاطمة بنت محمد؟ فتدلّني عليه فأقنع به؟

فقال: يا بنت رسول اللّه! أنت عين الحجة و منطق الرسالة، لا يدلى بجوابك و لا أدفعك عن صوابك، و لكن هذا أبو الحسن بيني و بينك، هو الذي أخبرني بما تفقّدت، و أنبأني بما أخذت و تركت. قالت: فإن يكن ذلك كذلك فصبرا لمرّ الحقّ، و الحمد للّه إله الحق، انتهى.

____________

(1). سورة مريم: الآية 6.

(2). سورة النمل: الآية 16.

323

و لا يخفى لذي عينين أن ما ألحقوه في آخر الخبر إن كان له أصل و فصل، فهو تعريض للعمرين، و إلا فلا يوافق شيئا من الروايات، و لا يلائم ما يأتي من الفقرات و التظلمات و الشكايات.

و سنفصّل المقال في ذلك المجال حتى يتبيّن جليّة الحال، بعد أن نوضّح تلك الخطبة الغرّاء الساطعة عن سيدة النساء التي تحيّر من العجب منها و الإعجاب بها أحلام الفصحاء و البلغاء، و نبني الشرح على رواية الاحتجاج، و نشير أحيانا إلى بعض مواضع الاختلاف الواقع في الروايات الآخر.

دفع إشكالين:

و لا بد أولا قبل الشروع في شرح الخطبة من التنبيه على أمرين، و الإشارة إلى دفع إشكالين:

أحدهما: إن فاطمة (عليها السلام) قد كانت سيدة النساء و بنت خير الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) و زوجة سيد الأوصياء (عليه السلام)، و هي المخدّرة العظمى و محلّ العصمة الكبرى. فكيف يصحّ لشأنها في شرع أبيها أن تخرج من خدرها و تدخل المسجد الغاصّ بالمهاجرين و الأنصار و الأخيار و الأشرار، و هم أجانبة عنها، تسمعهم صوتها، و تتكلّم معهم و يتكلّمون معها؟! و كيف رضي أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك منها، مع أنه كان يمكنه أن يطالب حقها الذي كانت تطلبه بالوكالة عنها حتى لا يسمع الأجانبة كلامها؟!

الثاني: إنها كانت من أهل بيت العصمة و الطهارة (عليهم السلام)، الذين اختاروا الزهادة في الدنيا بحسن اختيارهم، و كانت الدنيا أزهد عندهم من عفطة عنز أو قلامة حافر أو لحم خنزير في يد مجذوم كافر، و لم تكن الدنيا تزن عندهم جناح بعوضة، بل تركوا اختيارا- لا اضطرارا- جميع اللذائذ الدنيوية لأجل الحظوظ الاخرويّة و لم يذهبوا طيّباتهم في حياتهم الدنيا.

و قد جاء جبرئيل بمفاتيح جميع خزائن الأرض إليهم فلم يقبلوها، و أعرضوا بالكليّة عن الدنيا و ما فيها، مع أنهم لو شاءوا أن يبدّل اللّه جميع ما في الأرض لهم ذهبا،

324

أو أن يبتغوا إلى دفائن الأرض سببا، لكان ذلك أقرب إليهم و أسرع من رجع الطرف و مدّ البصر؛ فما وجه هذا الإصرار في خصوص فدك على هؤلاء الكفار الفجار؟

حتى انتهى الأمر إلى خروج إلى جامع المهاجرين و الأنصار، و محضر الشهود و النظار، و المكالمة مع الفجار و الأبرار، و كذا البكاء و الأنين عند جماعة الموافقين و المنافقين، و خطاب المعاتبة على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و غير ذلك مما يأتي تفصيله في محله.

و الجواب عن الأمرين معا كما يظهر من الروايات: إن الضرورات تبيح المحذورات، و أنهم (عليهم السلام) لم يكونوا مكلّفين إلا بالعمل على طبق الصورة الظاهرية، و الاتصاف بلوازم البشرية، و تأذّيهم مما يخالف القواعد الشرعية أشدّ من تأذّينا، لما فيهم من الأسرار الباطنية و السرائر الداخلية.

مع ما في هذا الإصرار من الإشارة إلى فظاعة أمر تلك الولاية الباطلة و شناعة هذه الخلافة التي تقمّصها غصبا ابن أبي قحافة، و أنه كان يعلم أن محلّ علي أمير المؤمنين (عليه السلام) منها محلّ القطب من الرحى.

و التنبيه على كفر العمرين للناس من باب إتمام الحجة و إيضاح المحجة، لئلا يقولوا يوم القيامة: «إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (1)، أو كنا نحن بهذا الأمر جاهلين؛ نظير ما فعل موسى بهارون أخيه من الأخذ بلحيته و الضرب على رأسه حتى يتّضح عند الناس قبح عبادة العجل و شناعتها؛ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ». (2)

بل كان معنى كلامه هذا في فدك راجعا إلى الكلام في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي غصبها أهل الجور و العناد، «الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ» (3)، و كان في هذه المعركة العظمى و البناء العظيم تمييز أهل الجنة من أهل الجحيم.

____________

(1). سورة الاعراف: الآية 172.

(2). سورة الأنفال: الآية 42.

(3). سورة الفجر: الآية 11.

325

و كان بكاؤها (عليها السلام) في الباطن لأجل الهالكين من أمة أبيها و السالكين لمسالك الضلالة، الثاوين في مهاويها، إلى غير ذلك مما يظهر من الأخبار و الآثار لمن كان من أولي الأيدي و الأبصار.

و قال الفاضل البهبهاني في المقامع: إن أخبار تكلّم فاطمة (عليها السلام) في أمر فدك في المسجد في حضور الصحابة متواترة البتة، و كانت هي (عليها السلام) أعلم من غيرها بالأحكام الشرعية، و لعله من باب الضرورة التي يجوز لأجلها تكلّم النساء مع الرجال بإجماع الأمة.

و أما تكلّمها مع سلمان و جابر و سائر الصحابة، فلم يتحقّق لنا، و بعض النظرات الواقعة منهم و منها لعله من باب الاتفاقيات الضرورية، أو أن الأحكام بالنسبة إلى الأعصار مختلفة، و لعله لم ينزل في تلك الأوقات آية الحجاب و نحوه، و على نحوه يحمل ما ورد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سمع صوت جماعة من النساء في ليلة زفاف فاطمة (عليها السلام)، على فرض أن كانت فيهنّ من لم تكن محرّما بالنسبة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، انتهى.

و قال الفاضل الدربندي: إن تكلّم فاطمة (عليها السلام) في غير مقام الضرورة المجوّزة إنما كان مع الصحابة الذين لم يكونوا من جملة أولي الإربة كسلمان و أبي ذر و نحوهما لا مطلقا، و كذلك الكلام في مسألة النظر، فإنه نظير الكلام في الكلام.

و قد استثنى اللّه في آية الحجاب غير أولي الإربة من الرجال و الطفل الذين يظهروا على عورات النساء، و المناط في النظر و الكلام متّحد و الكلام فيهما من واد واحد، إذ المدرك في حرمتهما- كما يظهر من الأخبار أيضا- هو كون الرجال من أولي الإربة في النساء لا غيره.

و على ذلك يحمل ما ورد أن الحسين (عليه السلام) أمر أهل بيته يوم الطفّ عند اشتداد الحرب بالخروج من الخدر، تحريضا للأصحاب على المجاهدة و القتال في ميدان المعركة، حيث قال: يا زينب و يا أم كلثوم و يا رقية و يا سكينة و يا أهل بيت النبوة! أخرجن من خدور كنّ.

326

فخرجن بارزات الوجوه، ناشرات الشعور، لاطمات الصدور، يندبن و يبكين و يقلن: يا أنصار دين اللّه! أ لا تدفعون عن بنات رسول اللّه؟ أ لا تذبّون عن حرم رسول اللّه؟ و الأصحاب ينظرون إليهنّ و يبكون بين أيديهنّ، فقالوا للحسين (عليه السلام):

يا ابن رسول اللّه! و اللّه لا يصيبك أحد بسوء ما دام منّا عرق نابض.

إلى غير ذلك، مع كون ذلك من باب الضرورة أيضا.

و قال الفاضل المجلسي بعد ذكر السؤال و الجواب الواقع بين علي و فاطمة (عليهما السلام) في آخر الخطبة- كما يأتي- ما لفظه: و لندفع الإشكال الذي قلّما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب و السؤال، و هو إن اعتراض فاطمة (عليها السلام) على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترك التعرّض للخلافة و عدم نصرتها و تخطأته فيهما، مع علمها بإمامته و وجوب اتباعه و عصمته و أنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى و وصية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، ممّا ينافي عصمتها و جلالتها.

فأقول: و يمكن أن يجاب عنه بأن هذه الكلمات صدرت منها لبعض المصالح و لم تكن واقعا منكرة لما فعله بل كانت راضية، و إنما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم و شناعة أفعالهم و أن سكوته (عليه السلام) ليس لرضاه بما أتوا به.

و مثل هذا كثيرا ما يقع في العادات و المحاورات، كما أن الملك يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا مع علمه ببراءته من جنايتهم ليظهر لهم عظم جرمهم، و أنه مما استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة.

و نظير ذلك ما فعله موسى لما رجع إلى قومه قضبان أسفا من إلقائه الألواح و أخذه برأس أخيه يجرّه إليه، و لم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرف القوم عظم جنايتهم و شدة جرمهم، كما مرّ الكلام فيه.

و أما حمله على أن شدة الغضب و الأسف و الغيظ حملتها على ذلك مع علمها بحقّية ما ارتكبه (عليه السلام)، فلا ينفع في دفع الفساد و ينافي عصمتها و جلالتها التي عجزت عن إدراكها أحلام العباد.

327

و بقي هنا إشكال آخر، و هو إن طلب الحق و المبالغة فيه و إن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها (عليها السلام) و تركها للدنيا و عدم اعتدادها بنعيمها و لذاتها و كمال عرفانها و يقينها بفناء الدنيا و توجه نفسها القدسية و انصراف همّتها العالية دائما إلى اللذات الدنيوية و الدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك و الخروج إلى مجمع الناس و المنازعة مع المنافقين في تحصيله.

و الجواب عنه و من وجهين:

الأول: إن ذلك لم يكن حقا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة و المساهلة و المحاباة و عدم المبالات في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمة الأعلام (عليهم السلام) و الأشراف الكرام. نعم، لو كان مختصّا بها كان لها تركه و الزهد فيه و عدم التأثّر من فوته.

الثاني: إن تلك الأمور لم تكن لمحبة فدك و حبّ الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم و جورهم و كفرهم و نفاقهم، و هذا كان من أهمّ أمور الدين و أعظم الحقوق على المسلمين.

و يؤيّده أنها (عليها السلام) صرّحت في آخر الكلام به حيث قالت: «قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة»، و كفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم و نفاقهم، انتهى.

و ظفرت بهذا الكلام منه بعد ما قدّمته في المقام، و بينهما عموم من وجه؛ اشتمل كل منهما على ما يشمل عليه الآخر، فلا يعدّ ذلك من باب الإعادة الخالية عن الفائدة.

المصادر:

1. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 321.

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) لملّا داود الكعبى عن اللمعة البيضاء بنقيصة منها.

328

20

المتن:

قال كمال الدين بن ميثم في شرح كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري في ذيل شرح قوله: «بلى كانت في أيدينا فدك ...» و إعطائها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لفاطمة (عليها السلام) و أخذها أبو بكر بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عنها و خطبتها (عليها السلام) في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

فلما بلغها ذلك، لاثت خمارها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها، تطأ في ذيولها، حتى دخلت عليه و معه جلّ المهاجرين و الأنصار. فضربت بينها و بينهم قطيفة، ثم أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء. ثم أمهلت طويلا حتى سكتوا من فورتهم، و قالت:

أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد. الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر بما ألهم.

ثم خطبت خطبة طويلة، قالت في آخرها: فاتقوا اللّه حق تقاته و أطيعوه فيما أمركم، ف «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (1)، و احمدوا اللّه الذي بعظمته و نوره يبتغي من في السماوات و من في الأرض إليه الوسيلة، و نحن وسيلته في خلقه، و نحن خاصّته و محل قدسه، و نحن حجته في غيبه، و نحن ورثة أنبيائه.

ثم قالت: أنا فاطمة بنت محمد؛ أقول عودا على بدء، ما أقول ذلك شرفا و لا شططا.

فاسمعوا بأسماع واعية.

ثم قالت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». (2) فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم، و أخا ابن عمي دون رجالكم.

ثم قالت: ثم أنتم تزعمون أن لا إرث لأبي؟ «أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ». (3) أيها معشر الملّة! أ في كتاب اللّه أن ترث- يا ابن أبي قحافة- أباك‏

____________

(1). سورة فاطر: الآية 28.

(2). سورة التوبة: الآية 128.

(3). سورة المائدة: الآية 50.

329

و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا. فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك؛ فنعم الحكم اللّه، و الزعيم محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموعد القيامة، «و عند السَّاعَةُ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ‏ و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ (1) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ‏ مُقِيمٌ».

قال: ثم التفتت إلى قبر أبيها فتمثّلت بقول هند بنت أمامة:

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏ * * * لما قضيت و حالت دونك الترب‏

تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا * * * إذ غبت عنا فنحن اليوم مغتصب‏

قال: فلم ير الناس أكثر باكيا و باكية منهم يومئذ.

ثم عدلت إلى مسجد الأنصار و قالت:

يا معشر الأنصار، و أعضاد الملة، و حضنة الإسلام! ما هذه الفترة عن نصرتي، و الونيّة عن معونتي، و الغميزة في حقي، و السنة عن ظلامتي؟ أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«المرء يحفظ في ولده»؟ سرعان ما أحدثتم، و عجلان ما آتيتم!

أ لإن مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمتّم دينه؛ ها إن موته- لعمري- خطب جليل، استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض له، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال.

أضيع بعده الحريم، و هتكت الحرمة، و أزيلت المصونة، و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته، و أنبأكم بها قبل وفاته، فقال: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». (2)

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 67.

(2). سورة آل عمران: الآية 144.

330

أيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع؟ تبلغكم الدعوة و تشملكم الصوت، و فيكم العدة و العدد، و لكم الدار و الجنن، و أنتم نجبة اللّه التي انتجت، و خيرة اللّه التي اختار؛ فاديتم العرب، و ناطحتم الأمم، و كافحتم البهم، حتى دارت بكم رحى الإسلام، و درّ حلبه، و خبت نيران الحرب، و سكنت فورة الشرك، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين. أ فتأخّرتم بعد الإقدام، و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد إيمانهم و طعنوا في دينكم؟ فقاتلوا أئمة الكفر، «إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ». (1)

ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة، و جحدتم الدين، و وسّعتم الذي سوّغتم؛ و «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ». (2)

ألا و قد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، و خور القنا، و ضعف اليقين. فدونكموها فاحتبقوها مدبرة الظهور، ناقبة الخفّ، باقية العار، موسومة الشنار، موصولة بنار اللّه الموقدة «الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ». (3) فبعين اللّه ما تعملون، «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (4)

ثم رجعت إلى بيتها و أقسمت أن لا تكلّم أبا بكر، و لتدعونّ اللّه عليه. و لم تزل كذلك حتى حضرتها الوفاة. فأوصت أن لا يصلّي عليها؛ فصلّى عليها العباس و دفنت ليلا.

المصادر:

1. شرح نهج البلاغة لابن ميثم: ج 5 ص 104، عن كتاب المنظوم و المنثور.

2. كتاب المنظوم و المنثور في كلام نسوان العرب من الخطب و الشعر: ج 5. (5)

____________

(1). سورة التوبة: الآية 12.

(2). سورة إبراهيم: الآية 8.

(3). سورة الهمزة: الآية 7.

(4). سورة الشعراء: الآية 227.

(5). قال ابن ميثم: وجدت هذه الخطبة عنها (عليها السلام) في ج 5 من كتاب «المنظوم و المنثور في كلام نسوان العرب من الخطب و الشعر»، و كان مؤلفه عن متقدّمي علماء العامة، و الكتاب في خزانة المتوكل العباسى.

331

21

المتن:

قال السيد محسن الأمين في ذكر خطبة الزهراء (عليها السلام) بمحضر المهاجرين و الأنصار:

ثم إن فاطمة (عليها السلام) لما منعت فدكا، خطبت خطبة طويلة عظيمة جليلة، غاية في الفصاحة و البلاغة و المتانة و قوة الحجة بمحضر من المهاجرين و الأنصار.

و في كشف الغمة أنها من محاسن الخطب و بدائعها، عليها مسحة من نور النبوة و فيها عبقة من أرج الرسالة، و قد أوردها المؤالف و المخالف؛ قال: و نقلها من كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها؛ قرأت عليه في ربيع الآخر سنة 322؛ رواها عن رجاله من عدة طرق ....

و أبو بكر الجوهري هذا من علماء أهل السنة. قال ابن أبي الحديد في شرح النهج أنه عالم محدث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون و رووا عنه مصنفاته و غير مصنفاته.

و رواها المرتضى في الشافي، الذي هو ردّ على المغني في الإمامة لقاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي. قال المرتضى:

فأما قوله: إن فاطمة (عليها السلام) لما سمعت ذلك- أي حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»، كفّت عن الطلب- فأصابت أولا و أصابت آخرا-. فلعمري أنها كفّت عن الطلب الذي هو المنازعة و المشاحنة، لكنها انصرفت مغضبة متظلّمة متظلّمة متألّمة، و الأمر في غضبها و سخطها أظهر من أن يخفى على منصف. فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتّهمون بتشيع و لا عصبية فيه من كلامها في تلك الحال و بعد انصرافها عن مقام المنازعة و المطالبة ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها و غضبها، إلى آخر كلام السيد المرتضى.

و قال صاحب كتاب بلاغات النساء أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر- المولود ببغداد سنة 204 و المتوفى سنة 280 ه- في الكتاب المذكور: موسى بن عيسى، أخبرنا عبد اللّه‏

332

بن يونس، أخبرنا جعفر الأحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت الحسين (عليها السلام)، قالت:

لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدكا، لاثت خمارها و خرجت في حشدة من نسائها و لمّة من قومها، إلى آخره.

و ذكر صاحب بلاغات النساء قبل هذا ما صورته: كلام فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)؛ قال أبو الفضل- يعني صاحب الكتاب-: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كلام فاطمة (عليها السلام) عند منع أبي بكر إياها فدكا و قلت له: إن هؤلاء يزعمون، إلى آخر ما تقدّم في رواية المرتضى عن المرزباني، إلى قوله: ثم ذكر الحديث ثم قال:

قال: لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) فدكا و بلغ فاطمة (عليها السلام)، لاثت خمارها على رأسها، و أقبلت في لمّة من حفدتها ....

ثم قال صاحب بلاغات النساء: و قد ذكر قوم إن أبا العيناء ادعى هذا الكلام، و قد رواه قوم و صحّحوه.

و أقول: الباعث على دعوى أنه لأبي العيناء هو الباعث على دعوى أن نهج البلاغة للشريف الرضي، و كلاهما باطل، لا يلتفت إليه بعد رواية الثقات له و تصحيحهم إياه.

ثم لا يخفى أنه وقع سقط في النسخة المطبوعة من «بلاغات النساء» في هذا الموضع، فإنه افتتح الكلام بقوله: ذكرت لأبي الحسين زيد ...، و صاحب البلاغات لم يدرك زيدا. فلا بد أن يكون حصل هنا سقط. و الذي قال: ذكرت لأبي الحسين زيد هو عبد اللّه بن أبي طاهر، كما مرّ في رواية المرتضى. فيكون صاحب البلاغات قد ساق السند إلى عبد اللّه و سقط من النسخة المطبوعة، و سبب الاشتباه وجود كلمة أبي طاهر في كليهما.

و ممن ذكر هذه الخطبة الطبرسي في الاحتجاج، و نحن نوردها بلفظه، قال:

333

روى عبد اللّه بن الحسن بأسناده، عن آبائه (عليهم السلام): إنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدكا و بلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها، و إلى آخرها، كما في الاحتجاج.

المصادر:

أعيان الشيعة: ج 2 ص 296.

22

المتن:

قال عبد الوهاب الكاشي في احتجاج فاطمة (عليها السلام) في فدك و خطبتها في المسجد:

... وجدت فاطمة (عليها السلام) مجالا رحبا للاحتجاج عليهم و فضح مؤامرتهم و كشف نفاقهم. فخرجت في مظاهرة نسائية صاخبة من بيتها إلى مسجد أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) و هو غاصّ بالمسلمين، و ألقت خطبتها البليغة الشهيرة؛ أبكت بها العيون و أثارت العواطف و كسبت الرأي العام و أقامت بها الحجة و فندت الادعاءات الكاذبة و ربحت المعركة على الصعيد الفكري و المنطقي، حتى اضطرّ خصمها إلى استعمال المراوغة و الخداع و المغالطة تارة، و لغة الوعد و الوعيد و التهديد تارة أخرى.

و هي خطبة مفصلة تناقلها الرواة و المؤرخون و أرباب الأدب و البلاغة خلفا عن سلف، و تشتمل على مقدمة و عدة فصول، نذكر منها ما يليق بهذا المختصر.

ففي الفصل الرابع منها قالت (عليها السلام):

و لما اختار اللّه لأبي (صلّى اللّه عليه و آله) دار أنبيائه و مأوى أصفيائه، ظهرت فيكم حسيكة النفاق، و سمل جلباب الدين، و نطق كاظم الغاوين، و نبغ خامل الآفلين، و هدر فنيق المبطلين.

الى آخر الخطبة كما مرّ عن الاحتجاج في هذا الفصل الرقم 4 بتفاوت و زيادة فيه.

334

المصادر:

في رحاب محمد و أهل بيته (عليهم السلام): ص 45.

23

المتن:

قال السيد القزويني في مقدمة خطبة الزهراء (عليها السلام) كلاما منه في سرّ مطالبتها بفدك:

من الممكن أن يقال: إن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) الزاهدة عن الدنيا و زخارفها و التي كانت بمعزل عن الدنيا و مغريات الحياة، ما الذي دعاها إلى هذه النهضة و إلى هذا السعي المتواصل و الجهود المستمرة في طلب حقوقها؟

و ما سبب هذا الإصرار و المتابعة بطلب فدك و الاهتمام بتلك الأراضي و النخيل، مع ما كانت تتمتّع به السيدة فاطمة (عليها السلام) من علوّ النفس و سموّ المقام؟

و ما الداعي إلى طلب الدنيا التي كانت أزهد عندهم من عفطة عنز، و أحقر من عظم خنزير في فم مجذوم، و أهون من جناح بعوضة؟

و ما الدافع بسيدة نساء العالمين (عليها السلام) أن تتكلّف هذا التكلّف، و تتجشّم هذه الصعوبات المجهدة للمطالبة بأراضيها، و هي تعلم أن مساعيها تبوء بالفشل و أنها لا تستطيع التغلب على الموقف، و لا تتمكن من انتزاع تلك الأراضي من المغتصبين؟

هذه أسئلة يمكن أن تتبادر إلى الأذهان حول الموضوع.

الجواب: أولا: إن السلطة حينما صادرت أموال السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و جعلتها في ميزانيّة الدولة- بالاصطلاح الحديث-، كان هدفهم تضعيف جانب أهل البيت (عليهم السلام)؛ أرادوا أن يحاربوا عليا (عليه السلام) محاربة اقتصادية؛ أرادوا أن يكون علي (عليه السلام) فقيرا حتى لا يلتف الناس حوله، و لا يكون له شأن على الصعيد الاقتصادي. و هذه سياسة أراد المنافقون‏

335

تنفيذها في حق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين قالوا: «لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا». (1)

ثانيا: لم تكن أراضي فدك قليلة الإنتاج ضئيلة الغلّات، بل كان لها وارد كثير يعبأ به، بل ذكر ابن أبي الحديد أن نخيلها كانت مثل نخيل الكوفة في زمان ابن أبي الحديد.

و ذكر الشيخ المجلسي عن كشف المحجة أن وارد فدك كان أربعة و عشرين ألف دينار في كل سنة، و في رواية أخرى سبعين ألف دينار، و لعل هذا الاختلاف في واردها بسبب اختلاف السنين. و على كل تقدير فهذه ثروة طائلة واسعة، لا يصح التغاضي عنها.

ثالثا: أنها كانت تطالب من وراء المطالبة بفدك الخلافة و السلطة لزوجها علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ تلك السلطة العامة و الولاية الكبرى التي كانت لأبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

فقد ذكر ابن أبي الحديد في شرحه قال: سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أ كانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟

فتبسّم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلّة دعابته، قال:

لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكنه الاعتذار، و الموافقة بشي‏ء، لأنه يكون سجّل على نفسه بأنها صادقة فيما تدّعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بيّنة و شهود.

رابعا: الحق يطلب و لا يعطى، فلا بدّ للإنسان المغصوب منه ماله أن يطالب بحقه لأنه حقه، حتى و إن كان مستغنيا عن ذلك المال و زاهدا فيه، و ذلك لا ينافي الزهد و ترك الدنيا و لا ينبغي السكوت عن الحق.

خامسا: إن الإنسان و إن كان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، فإنه مع ذلك يحتاج إلى المال ليصلح به شأنه، و يحفظ به ماء وجهه و يصل به رحمه، و يصرفه في سبيل اللّه كما تقتضيه الحكمة.

____________

(1). سورة المنافقون: الآية 7.

336

أ ما ترى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو أزهد الزهاد- كيف انتفع بأموال خديجة في سبيل تقوية الإسلام؟ كما مرّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) حول أموال خديجة.

سادسا: قد تقتضي الحكمة أن يطالب الإنسان بحقه المغضوب، فإن الأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يفوز الإنسان و يظفر بما يريد، و هو المطلوب و به يتحقّق هدفه من المطالبة، و إما أن لا يفوز في مطالبته فلن يظفر بالمال، فهو إذ ذاك قد أبدى ظلامته و أعلن للناس أنه مظلوم و أن أمواله غصبت منه.

هذا، و خاصة إذا كان الغاصب ممن يدّعي الصلاح و الفلاح و يتظاهر بالديانة و التقوى، فإن المظلوم يعرّفه للأجيال أنه غير صادق في دعواه.

سابعا: إن حملة المبادئ يتشبّثون بشتّى الوسائل الصحيحة لجلب القلوب إليهم؛ فهناك من يجلب القلوب بالمال أو بالأخلاق أو بالوعد و أشباه ذلك.

و لكن أفضل الوسائل لجلب القلوب- قلوب كافة الطبقات- هو التظلّم و إظهار المظلومية، فإن القلوب تعطف على المظلوم كائنا من كان، و تشمئزّ من الظالم كائنا من كان، و هذه خطة ناجحة و ناجعة لتحقيق أهداف حملة المبادئ الذين يريدون إيجاد الوعي في النفوس عن طريق جلب القلوب إليهم، و هناك أسباب و دواع أخرى لا مجال لذكرها.

لهذه الأسباب قامت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) و توجّهت نحو مسجد أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأجل المطالبة بحقها.

إنها لم تذهب إلى دار أبي بكر ليقع الحوار بينها و بينه فقط، بل اختارت المكان الأنسب و هو المركز الإسلامي يومذاك، و مجمع المسلمين حينذاك و هو مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

337

كما و أنها اختارت الزمان المناسب أيضا ليكون المسجد غاصّا بالناس على اختلاف طبقاتهم من المهاجرين و الأنصار، و لم تخرج وحدها إلى المسجد، بل خرجت في جماعة من النساء و كأنها في مسيرة نسائية، و قبل ذلك تقرّر اختيار موضع من المسجد لجلوس بضعة رسول اللّه و حبيبته، و علّقوا سترا لتجلس السيدة فاطمة (عليها السلام) خلف الستر، إذ هي فخر المخدرات و سيدة المحجّبات.

كانت هذه النقاط مهمة جدا.

و استعدّ أبو بكر لاستماع احتجاج سيدة نساء العالمين و ابنة أفصح من نطق بالضاد و أعلم امرأة في العالم كله.

خطبت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) خطبة ارتجالية منظّمة منسقة بعيدة عن الاضطراب في الكلام، و منزّهة عن المغالطة و المراوغة و التهريج و التشنيع، بل و عن كل ما لا يلائم عظمتها و شخصيتها الفذّة و مكانتها السامية.

و تعتبر هذه الخطبة معجزة خالدة للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، و آية باهرة تدلّ على جانب عظيم من الثقافة الدينية التي كانت تتمتّع بها هذه الصديقة.

و أما الفصاحة و البلاغة، و حلاوة البيان، و عذوبة المنطق، و قوة الحجة، و متانة الدليل، و تنسيق الكلام، و إيراد أنواع الاستعارة بالكناية، و علو المستوى، و التركيز على الهدف، و تنوّع البحث، فالقلم وحده لا يستطيع استيعاب الوصف، بل لا بدّ من الاستعانة بذهن القارئ.

كانت السيدة فاطمة (عليها السلام) مسلّحة بسلاح الحجة الواضحة و البرهان القاطع و الدليل القوي المقنع، و كان المسلمون الحاضرون في المسجد ينتظرون كلامها و يتلهّفون إلى نتيجة الحوار و الاحتجاج الذي لم يسبق له مثيل إلى ذلك اليوم.

جلست السيدة في المكان المعدّ لها خلف الستر، و لعل دخولها يومذاك كان لأول مرة بعد وفاة أبيها الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).

338

فلا عجب إذا هاجت بها الأحزان، و أنّت أنّة إنّني أعجز عن التعبير عن تحليل تلك الأنّة و مدى تأثيرها في النفوس.

أنّة واحدة فقط بلا كلام، يهيّج عواطف الناس فيجهش القوم بالبكاء.

أنا ما أدري ما كانت تحمل تلك الأنّة من المعاني، و لما ذا أجهش الناس بالبكاء؟

و هل الأنّة الواحدة تبكي العيون و تجري الدموع و تحرق القلوب؟

هذه ألغاز لا أعرف حلّها، و لعل غيري يستطيع حلّ هذه الألغاز!

المصادر:

فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 289.

24

المتن:

عن جعفر بن محمد (عليه السلام): لما انصرفت فاطمة (عليها السلام) من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين (عليه السلام): فقالت له: يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، و قعدت حجرة الظنين؟ نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل! هذا ابن أبي قحافة قد ابتزّني نحيلة أبي و بليغة ابنيّ. و اللّه لقد أجدّ في ظلامتي، و ألدّ في خصامي، حتى منعتني قيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع و لا دافع.

خرجت- و اللّه- كاظمة، و عدت راغمة، و ليتني لا خيار لي، ليتني متّ قبل ذلك، متّ قبل ذلّتي، و توفّيت قبل منيّتي، عذيري فيك اللّه حاميا و منك عاديا. ويلاه في كل شارق! ويلاه! مات المعتمد و وهن العضد. شكواي إلى ربي، و عدواي إلى أبي. اللهم أنت أشدّ قوة.

339

فأجابها أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل لك، بل الويل لشانئك. نهنهي من غربك يا بنت الصفوة و بقية النبوة، فو اللّه ما ونيت في ديني و لا أخطأت مقدوري، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون و لعيلتك مأمون، و ما أعدّ لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي.

فقالت: حسبي اللّه و نعم الوكيل.

و لندفع الإشكال الذي قلّما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب و السؤال، و هو:

إن اعتراض فاطمة (عليها السلام) على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترك التعرّض للخلافة و عدم نصرتها و تخطأته فيهما- مع علمها بإمامته و وجوب اتباعه و عصمته، و أنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى و وصية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- مما ينافي عصمتها و جلالتها.

فأقول: يمكن أن يجاب عنه بأن هذه الكلمات صدرت منها (عليها السلام) لبعض المصالح، و لم تكن واقعا منكرة لما فعله بل كانت راضية، و إنما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم و شناعة أفعالهم، و أن سكوته (عليه السلام) ليس لرضاه بما أتوا به.

و مثل هذا كثيرا ما يقع في العاديات و المحاورات، كما أن ملكا يعاتب بعض خواصه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، و أنه مما استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة.

و نظير ذلك ما فعله موسى لما رجع إلى قومه غضبان أسفا، من إلقائه الألواح و أخذه برأس أخيه يجرّه إليه، و لم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم و شدة جرمهم، كما مرّ الكلام فيه.

و أما حمله على أن شدة الغضب و الأسف و الغيظ حملتها على ذلك مع علمها بحقّية ما ارتكبه (عليه السلام)، فلا ينفع في دفع الفساد، و ينافي عصمتها و جلالتها التي عجزت عن إدراكها أحلام العباد.

بقي هاهنا إشكال آخر و هو: أن طلب الحق و المبالغة فيه و إن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها (عليها السلام) و تركها للدنيا و عدم اعتدادها بنعيمها و لذاتها و كمال عرفانها

340

و يقينها بفناء الدنيا و توجّه نفسها القدسية و انصراف همّتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية و الدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك و الخروج إلى مجمع الناس و المنازعة مع المنافقين في تحصيله.

و الجواب عنه من وجهين:

الأول: إن ذلك لم يكن حقا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة و المساهلة و المحاباة و عدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمة الأعلام (عليهم السلام) و الأشراف الكرام.

نعم، لو كان مختصّا بها، كان لها تركه و الزهد فيه و عدم التأثر من فوته.

الثاني: إن تلك الأمور لم تكن لمحبة فدك و حبّ الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم و جورهم و كفرهم و نفاقهم، و هذا كان من أهمّ أمور الدين و أعظم الحقوق على المسلمين.

و يؤيّده أنها (عليها السلام) صرّحت في آخر الكلام حيث قالت: «قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة». و كفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم و نفاقهم، و نشيّد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك:

روى ابن أبي الحديد في سياق أخبار فدك، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري: أن أبا بكر لما سمع خطبة فاطمة (عليها السلام) في فدك، شقّ عليه مقالتها. فصعد المنبر فقال: أيها الناس! ما هذه الرعة إلى كل قالة؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ ألا من سمع فليقل و من شهد فليتكلّم.

إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مربّ بكل فتنة؛ هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت؛ تستعينون بالضعفة و تستنصرون بالنساء، كأم طحال أحبّ أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت، و لو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت.

341

ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني- يا معاشر الأنصار- مقالة سفهائكم، و أحقّ من لزم عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنتم؛ فقد جاءكم فاويتم و نصرتم، ألا و إني لست باسطا يدا و لسانا على من لم يستحقّ ذلك منا .... ثم نزل.

فانصرفت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها.

ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى بن أبي زيد البصري، فقلت له: بمن يعرّض؟ فقال: بل يصرّح. قلت: لو صرّح لم أسألك. فضحك و قال: بعلي بن أبي طالب (عليه السلام). قلت: أ هذا الكلام كله لعلي (عليه السلام)؟! قال: نعم، إنه الملك يا بني. قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي (عليه السلام) فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم.

فسألته عن غريبه، فقال: ما هذه الرعة- بالتخفيف- أي: الاستماع و الإصغاء. و القالة:

القول. و ثعالة: اسم للثعلب علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب. و شهيده ذنبه أي:

لا شاهد على ما يدّعي إلا بعضه و جزء منه، و أصله مثل، قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب فقال: إنه أكل الشاة التي أعددتها لنفسك. قال: فمن يشهد لك بذلك؟

فرفع ذنبه و عليه دم، و كان الأسد قد افتقد الشاة. فقبل شهادته و قتل الذئب.

و مربّ: ملازم؛ أربّ: لازم بالمكان. و كرّوها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني: الفتنة و الهرج. و أم طحال: امرأة بغي في الجاهلية، فضرب بها المثل؛ يقال: أزنى من أم طحال، انتهى.

أقول: الرعة بالراء- كما في نسخ الشرح- بمعنى الاستماع، لم نجده في كلام اللغويين، و يمكن أن يكون بالدال المهملة بمعنى السكون، و يكون الغلط من النساخ، و يكون تفسير النقيب بيانا لحاصل المعنى.

و روى أيضا عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال:

قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها:

يا بنة رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك، و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك. و اللّه لأن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من‏

342

أن تفتقري. أ تراني أعطي الأسود و الأحمر حقه و أظلمك حقك و أنت بنت رسول اللّه؟

إن هذا المال لم يكن للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، إنما كان من أموال المسلمين، يحمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه. فلما توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ولّيته كما كان يليه.

قالت: و اللّه لا كلّمتك أبدا. قال: و اللّه لا هجرتك أبدا. قالت: و اللّه لأدعونّ اللّه عليك.

قال: و اللّه لأدعونّ اللّه لك.

فلما حضرتها الوفاة، أوصت أن لا يصلّي عليها. فدفنت ليلا، و صلّى عليها العباس بن عبد المطلب، و كان بين وفاتها و وفاة أبيها اثنتان و سبعون ليلة.

و من رواياتهم الصحيحة الصريحة في أنها (عليها السلام) استمرّت على الغضب حتى ماتت، ما رواه مسلم و أبو داود في صحاحهما، و أورده في جامع الأصول في الفصل الثالث من كتاب المواريث في حرف الفاء عن عائشة، قالت:

إن فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقسّم لها ميراثها مما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

لا نورّث، ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة (عليها السلام) فهجرته، فلم تزل بذلك حتى توفّيت.

و عاشت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ستة أشهر إلا ليالي.

و كانت تسأله أن يقسّم لها نصيبها مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من خيبر و فدك و من صدقته بالمدينة. فقال أبو بكر: لست بالذي أقسّم من ذلك، و لست تاركا شيئا كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعمل به فيها إلا عملته، فإني أخشي إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. ثم فعل ذلك عمر.

فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي (عليه السلام) و العباس و أمسك خيبر و فدك و قال:

هما صدقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كانتا لحقوقه و نوائبه و أمرهما إلى من ولّى الأمر. قال: فهما على ذلك إلى اليوم.

و قال في جامع الأصول: أخرجه مسلم، و لم يخرج منه البخاري إلا قوله: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورّث، ما تركناه صدقة. و لقلة ما أخرج منه لم تعلم له علامة، و أخرج داود نحو مسلم، انتهى.

343

تبيين: اعلم أن المخالفين في صحاحهم رووا أخبارا كثيرة في أن من خالف الإمام و خرج من طاعته و فارق الجماعة و لم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية.

روى في جامع الأصول من صحيح مسلم و النسائي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية.

و روى البخاري و مسلم في صحيحيهما، و روى في جامع الأصول أيضا عنهما، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من طاعة السلطان شبرا مات ميتة جاهلية.

و في رواية أخرى: فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية.

فروى مسلم في صحيحه، و ذكره في جامع الأصول أيضا عن نافع، قال: لما خلعوا يزيد و اجتمعوا على ابن مطيع، أتاه ابن عمر، فقال عبد اللّه: اطرحوا لأبي عبد الرحمن و سادة. فقال له عبد اللّه بن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من خلع يدا من طاعة لقى اللّه يوم القيامة و لا حجة له، و من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميته جاهلية.

و أما من طرق أصحابنا، فالأخبار فيه أكثر من أن تحصى و ستأتي في مضانّها، فنقول:

لا أظنك ترتاب بعد ما أسلفناه من الروايات المنقولة من طريق المخالف و المؤالف في أن فاطمة (عليها السلام) كانت ساخطة عليهم، حاكمة بكفرهم و ضلالهم، غير مذعنة بإمامتهم و لا مطيعة لهم، و أنها استمرّت على تلك الحالة حتى سبقت إلى كرامة اللّه و رضوانه.

فمن قال بإمامة أبي بكر، لا محيص له عن القول بأن سيدة نساء العالمين (عليها السلام) و من طهّرهم في كتابه من كل رجس و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في فضلها ما قال، قد ماتت ميتة جاهلية و ميتة كفر و ضلال و نفاق!

و لا أظن ملحدا و زنديقا رضي بهذا القول الشنيع.

344

و من الغرائب أن المخالفين لما اضطروا و انسدّت عليهم الطرق، لجئوا إلى منع دوام سخطها (عليها السلام) على أبي بكر، مع روايتهم تلك الأخبار في كتبهم المعتبرة.

و روايتهم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر في حياة فاطمة (عليها السلام) و لا بايعه أحد من بني هاشم إلا بعد موتها، و أنه كان لعلي (عليه السلام) وجه في الناس حياة فاطمة (عليها السلام)، فلما توفّيت انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه السلام)، فلما رأى ذلك ضرع إلى مصالحة أبي بكر؛ روى ذلك مسلم في صحيحه و ذكره في جامع الأصول في الباب الثاني من كتاب الخلافة في حرف الخاء.

و لا يخفى و هن هذا القول بعد ملاحظة ما تقدم على ذي مسكة.

المصادر:

1. بحار الأنوار: ج 29 ص 323 ح 9، عن الأمالي.

2. الأمالي للطوسي: ج 2 ص 295، شطرا من صدره.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 742 ح 1، عن الأمالي للطوسى.

4. مثالب النواصب لابن شهرآشوب (مخطوط): ص 71.

5. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للعطاردي: ص 377 ح 4.

الأسانيد:

في الأمالي: أخبرنا محمد بن أحمد بن شاذان، عن محمد بن علي بن المفضل، عن محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن الحسين الزيّات، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد (عليه السلام).

25

المتن:

قال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في خطبة الزهراء (عليها السلام):

345

بضعة المصطفى و ناهيك فيها * * * من بتول زكيّة زهراء

كلّهم قد وعوا مقالة طه‏ * * * في علاها و ما لها من علاء

هذه بضعتي رضاي رضاها * * * و استياء الزهراء عين استيائي‏

عجبا في البتول كيف أضاعوا * * * ذمّة المصطفى بغير وفاء

كيف شحّوا و أحمد قد حباها * * * فدكا نحلة بكل سخاء

منعوها عن إرثها من أبيها * * * دون ما حجة و دون اختشاء

غصبوا حقها جهارا فأبدوا * * * كل ما أضمروا لها في الخفاء

أنكروا فرض إرثها من أبيها * * * و هي كانت من أقرب الأقرباء

حين صدّوا ببدعة و نفاق‏ * * * فدكا عن سليلة الأنبياء

و هي مما أفاء اللّه لطفا * * * لأبيها محمد من عطاء

ناشدتهم باللّه عهدا فعهدا * * * أن يفيقوا من سكرة الجهلاء

فتعاموا عن الهداية جهلا * * * حين صمّوا عن منطق العقلاء

بعد ردّ منهم بما أثبتته‏ * * * أنها نحلة بخير ادعاء

و علي و أم أيمن للزه * * * راء كانا من خيرة الشهداء

و كفى حجة على عهد طه‏ * * * بيديها كانت بعدل القضاء

غير أن النفوس بالغيّ مرضي‏ * * * من قديم و ما لها من شفاء

فأتتهم بحجة قد تجلّت‏ * * * و هي أذكى توقّدا من ذكاء

و استثارت نفوسهم فرأتها * * * و هي موتى في صورة الأحياء

حين وافت و المسلمون حضور * * * تتهادى في لمّة من نساء

و أنيطت ملاءة ثم أنّت‏ * * * من أذاها فأجهشوا للبكاء

فاستفاضت منها بمسجد طه‏ * * * نفحات من خاتم الأنبياء

في بليغ من الخطاب حكيم‏ * * * قصرت عنه ألسن البلغاء

بدأت بالثناء للّه فيه‏ * * * لسبوغ أسدى من الآلاء

و أقرّت بما له من أياد * * * بعد توحيدها لرب السماء

ثم صلّت على النبي أبيها * * * خاتم الرسل سيد الأمناء

346

و أفاضت بالقول بعد نشيج‏ * * * متعال و أدمع خرساء

فله الحمد منعما بالعطايا * * * ملهما بالصواب و الاهتداء

مستفيضا بكل ما هو أسدى‏ * * * للبرايا من منّة و عطاء

و حباهم من كل خير عميم‏ * * * و نوال في ساعة الابتداء

جمّ من كثرة المواهب منه‏ * * * كلّ عدّ لها عن الإحصاء

و تناءى عن الجزاء علاها * * * أمدا لم ينل بأيّ جزاء

قطّ لا تدرك الخلائق منها * * * أبدا من تفاوت و تنائي‏

ندب الخلق لاستزادة هذا * * * منه بالشكر بغية الالتقاء

و استحقّ الثناء و الحمد منهم‏ * * * بعد إجزالها على الأولياء

و هو ثنّى لندبهم من سخاء * * * بجميع الأمثال و النظراء

كلمة التوحيد

و هو اللّه لا إله سواه‏ * * * جلّ عزّا عن سائر الشركاء

كلمة بالإخلاص يظهر منها * * * كنه تأويلها بدون خفاء

و هو قد ضمّن القلوب يقينا * * * منه موصولها بدون امتراء

و أنار العقول بالفكر منها * * * فأضاءت مدارك العقلاء

ليس ينقاد وصفه للسان‏ * * * لا تراه بالعين رؤية رائي‏

ليس تدري الأوهام بعد قصور * * * كيف أضحى من سائر الأنحاء

خلق الكائنات‏

أبدع الكائنات من دون شي‏ء * * * سابق قبلها من الأشياء

و براها من دون أيّ مثال‏ * * * قد بدا فاحتذاه خير احتذاء

كوّن الكائنات حين براها * * * و هو عن خلق مثلها في غناء

إنما رام أن يثبّت منه‏ * * * حكمة تستبين للحكماء

و لإظهار قدرة الصنع منه‏ * * * و لتنبيههم على الاهتداء

347

كلّ هذا تعبّدا للبرايا * * * مع إعزازه لأهدى دعاء

جاعلا للمطيع منهم ثوابا * * * و عقابا لمن عصى في الجزاء

ليذود العباد عن كل سخط * * * و يحاشوا لجنة السعداء

الشهادة بالنبوة

و أنا للنبي أشهد حقا * * * أنه كان خاتم الأنبياء

قبل إرساله اجتباه و سمّى‏ * * * اسمه قبل ساعة الاجتباء

و اصطفاه الإله قبل ابتعاث‏ * * * للبرايا بأحسن الاصطفاء

حينما كانت الخلائق بالغي * * * ب احتجابا مكنونة بغطاء

و بستر من الأهاويل صينت‏ * * * و تغشّت مقرونة بالفناء

بعد علم منه بما سوف يأتي‏ * * * شامل من حوادث الآناء

عارفا في مواقع تتجلّى‏ * * * لجميع الأمور في الانتهاء

بعث المصطفى ليكمل فيه‏ * * * كلّ أمر منه و كلّ مشاء

و لإمضاء حكمه في البرايا * * * نافذا في عزيمة و مضاء

و لإنفاذ ما يقدّر حتما * * * من إشاءاته و كلّ قضاء

فرأى هذه الخلائق طرّا * * * فرقا في الأديان دون التقاء

يعبدون الأوثان و النار كفرا * * * بعد عرفانهم لرب السماء

فأنار اللّه اهتداءً و رشدا * * * بأبي كل ظلمة عمياء

و محى فيه من قلوب البرايا * * * بهم الشرك بعد كشف الغطاء

جلا عن عيونهم حين ظلّت‏ * * * غمما للعمى بأبهى جلاء

و لقد قام بالهداية فيهم‏ * * * لهم منقذا من الإغواء

و حباهم بصيرة بعد غيّ‏ * * * و هداهم للدين خير اهتداء

و دعاهم لمنهج مستقيم‏ * * * بعد زيغ عن منهج الاستواء

348

قبض رحمة و اختيار

و توفّاه ربه حين أدّى‏ * * * ما عليه للناس خير أداء

قابضا روحه اختيارا لطه‏ * * * منه في قبض رحمة و ارتضاء

فهو أضحى في راحة و نعيم‏ * * * من بلاء الدنيا و كل عناء

حفّ من ربه الكريم امتنانا * * * بالرضا و الملائك الأمناء

و استفاض اللطف العميم عليه‏ * * * رغدا في جوار رب السماء

فصلاة البارئ على خير هاد * * * و أمين له من الأصفياء

و رنّت نحوهم و قالت بلطف‏ * * * يا عباد الإله للجلساء

كتاب اللّه‏

أنتم اليوم نصب أمر و نهي‏ * * * بائتمار منكم له و انتهاء

حاملو دينه و أكرم وحي‏ * * * لكم منزل بخير ضياء

أمناء على الرسالة منه‏ * * * للبرايا من خيرة البلغاء

و زعيم فيكم على الحق منه‏ * * * بعد عهد أوحاه رب القضاء

و بقايا من الرشاد عليكم‏ * * * خلّفت و هي أكرم الخلفاء

و هي ذكر اللّه الحكيم كتاب‏ * * * ناطق صادق بدون افتراء

و سنا ساطع و نور مبين‏ * * * لكم لا مع بخير اهتداء

قد أبينت منه البصائر كشفا * * * و تبدّت أسراره بجلاء

و تجلّت ظواهر الحق صدقا * * * لكم منه بعد كشف الغطاء

قائد للرضوان من شايعوه‏ * * * باتباع لنهجه و اقتداء

و مؤدّ إلى النجاة استماعا * * * و انقيادا له بدون إباء

حجج اللّه فيه تدرك نيلا * * * بعد قصد للحجة البيضاء

و جميع العزائم الغرّ منه‏ * * * بعد تفسيرها من العلماء

و صنوف المحارم اللّاء فيها * * * قد تجلّى التحذير للأولياء

و براهينه التي قد كفتكم‏ * * * منه بالبيّنات خير اكتفاء

و عظيم من الفضائل يتلو * * * رخصا أعطيت بخير عطاء

349

الشرائع المكتوبة

و حكيم من الشرائع مما * * * كتبت فيكم بأمر القضاء

فهو قد طهّر العباد من الشر * * * ك بنور الإيمان و الاهتداء

و بفرض الصلاة في الخلق منه‏ * * * أبعد الخلق عن عمى الكبرياء

و هو زكّاكم بخير زكاة * * * و هي منكم للرزق خير نماء

و أقرّ الإخلاص بالصوم فيكم‏ * * * بعد تثبيته بغير انتفاء

و أقام الإسلام بالحج فيكم‏ * * * بعد تشييده بخير بناء

و لقد نسّق القلوب بعدل‏ * * * شامل فيكم بدون اعتداء

و موالاة آل طه نظام‏ * * * مستقيم لملّة الحنفاء

و أمان إمامة الحق منّا * * * من جميع التفريق بعد التقاء

و كريم الجهاد للدين عزّ * * * منه و الصبر موجب للجزاء

و عليكم قد أوجب الأمر بالمع * * * روف رعيا لصالح الأولياء

و وقاء من سخط رب البرايا * * * كان برّ البنين للآباء

و صلاة الأرحام منساة العم * * * ر و منماته بأزكى نماء

و القصاص المفروض خير حياة * * * و هو حقن منه لسفك الدماء

و وفاء العباد بالنذر تعري * * * ض لغفران سائر الأخطاء

و اعتدال الميزان في الوزن تغيي * * * ر لبخس الحقوق عند الشراء

و نهى عن تناول الخمر تنزي * * * ها عن الرجس ساعة الانتهاء

و حجابا لهم عن اللعن منه‏ * * * كان تحريمه لقذف النساء

و اجتناب العباد عن سرقات‏ * * * ليصانوا في عفّة و حياء

و وجوب الإخلاص للّه تبعي * * * د عن الشرك للورى و الرياء

فاتقوه و راقبوا اللّه فيما * * * فرض اللّه أحسن الاتقاء

لا تموتوا إلا على دين طه‏ * * * أنتم يا معاشر الحنفاء

و أطيعوا في الأمر و النهي طرّا * * * خالق الخلق في أتمّ اختشاء

و هو في ذكره المبارك أوحى‏ * * * ليس يخشى البارئ سوى العلماء

351

فأنقذكم اللّه بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله)

فكفاكم محمد حين أضحى‏ * * * لكم منقذا عظيم البلاء

بعد بلوى مريرة برجال‏ * * * بهم من عتاة رهط الشقاء

و ذئاب الأعراب بعد غواة * * * من أهالي الكتاب أهل العداء

فهداكم بعد التي و اللتيّا * * * من عماكم إلى صراط سواء

كلما أوقدوا من الحرب نارا * * * أخمدت من هداه بالانطفاء

أو بدا ناجما من الشرك قرن‏ * * * للأعادي فيكم عظيم العناء

قذف المرتضى أخاه بأحمى‏ * * * لهوات من جمرة الهيجاء

فأتاها و ليس يرجع إلا * * * و هي برد في ساعة الانكفاء

واطئا و قدها بأخمص حق‏ * * * حاملا في الإله كل بلاء

و مجدّا في أمره غير وان‏ * * * و قريبا من خاتم الأنبياء

كادحا ناصحا لرب البرايا * * * سيّدا في عصابة الأولياء

و هو في اللّه ليس تأخذ فيه‏ * * * لومة اللائمين طول البقاء

حين أنتم في رغدة و أمان‏ * * * أبدا وادعون بعد الهناء

ترقبون الإيقاع و الفتك فينا * * * كل حين غدرا بدون وفاء

أبدا تنكصون عند نزال‏ * * * و تفرّون عند وقت اللقاء

و حين اختار اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)

و مذ اختار خالق الخلق زلفىّ‏ * * * خير دار لخاتم الأصفياء

نبغ الخامل الغويّ نشاطا * * * و تجلّت حسيكة للرياء

و اغتدى باليا و كان قشيبا * * * قبل هذا للدين خير رداء

و اعتلى هادرا فنيق ضلال‏ * * * بعد نطق لكاظم الأشقياء

و الخبيث الشيطان أطلع فيكم‏ * * * رأسه هاتفا بشرّ نداء

فرآكم لدعوة الكفر منه‏ * * * مستجيبين عند وقت الدعاء

و خفافا عند النهوض ضلالا * * * و غضابا له بدون رضاء

352

فنهضتم و الكلم بعد رحيب‏ * * * و كفرتم و العهد ليس بنائي‏

قبل أن يقبر الرسول و يلفى‏ * * * جرحنا فيه ماثلا للشفاء

حذر الفتنة التي قد زعمتم‏ * * * و لعمري سقطتم في البلاء

فابتعادا لكم و هيهات أنّى‏ * * * أنتم تؤفكون دون ارعواء

نبذتم كتاب اللّه‏

و كتاب الباري أمام الماقي‏ * * * و نبذتم أحكامه للوراء

واضحات منه الأوامر جهرا * * * و النواهي لكم بدون خفاء

باهرات أعلامه زاهرات‏ * * * كلّ أحكامه إلى كلّ رائي‏

لائحات منه الزواجر ردعا * * * لكم دون خيفة و انتهاء

قد رغبتم عنه عمّى و حكمتم‏ * * * بسواه من شدة الافتراء

بئس للظالمين منكم نكالا * * * بعد زيغ عن منهج الاستواء

و الذي يبتغي سوى الحق دينا * * * فمن الخاسرين يوم الجزاء

ثم لم تلبثوا قليلا إلى أن‏ * * * سلست في القياد دون إباء

فأخذتم تورون جمرة حقد * * * و تهيجو كامن البغضاء

تستجيبون رغبة و انقيادا * * * لهتاف الشيطان عند النداء

و لإطفاء نور دين جليّ‏ * * * و لإهمال سنة الأصفياء

تشربون الشراب حسوا فحسوا * * * حينما تشربونه في ارتغاء

و تسيرون بالعداء لأهل ال * * * بيت في الخمر ضلّة و الضراء

بعد صبر منهم على مثل حزّ الس * * * يف منكم و الوخز في الأحشاء

و زعمتم بأننا لم نورّث‏ * * * أيّ إرث منه و أيّ حباء

أ فحكما للجاهلية تبغو * * * ن و هذا عهد عن الدين نائي‏

أ ترى من يكون أحسن حكما * * * و قضاء من حكم رب القضاء

قد تجلّى بلى لديكم بأني‏ * * * بنت طه كطلعة من ذكاء

350

أنا فاطمة و أبي محمد (صلّى اللّه عليه و آله)

ثم قالت: أعود بالقول فيكم‏ * * * مثلما قلت ساعة الابتداء

أيها الناس إنّني بنت طه‏ * * * و أبي الطهر خاتم الأنبياء

و أنا لا أقول ما قلت فيكم‏ * * * غلطا من ضلالة و افتراء

و فعالي و لا تكون فعالي‏ * * * شططا عن مناهج الاستواء

قد أتاكم هاد عزيز عليه‏ * * * ما عنتّم فيكم من الرحماء

هو فيكم حقّا أبي حين يعزى‏ * * * دون ما كان عندكم من نساء

و أخ صادق الولاء لابن عمي‏ * * * دون باقي رجالكم في الإخاء

قد أتى صادعا نذيرا إليكم‏ * * * بالرسالات من إله السماء

مائلا عن مدارج الشرك عدلا * * * مستقيما في مسلك الاهتداء

ضاربا بعد أخذه الكظم منهم‏ * * * ثبج المشركين دون انثناء

داعيا بالهدى و بالوعظ رشدا * * * لإله الورى بخير دعاء

و هو ما زال ثابت العزم حتى‏ * * * هزم الجمع مدبرا للوراء

و تجلّى عن صبحه الليل و الحق‏ * * * تفرّى عن محضه بجلاء

و غدا الدين ناطقا و استكانت‏ * * * و هي خرسى شقاشق الجهلاء

و تردّى وشيظ كلّ نفاق‏ * * * و انبرت كل عقدة للرياء

و نطقتم بالحق في خير بيض‏ * * * من خماص البطون دون امتلاء

و قديما كنتم على نهج هلك‏ * * * و شفا حفرة لنار الشقاء

مذقة الشاربين في كل شرب‏ * * * نهزة الطامعين عند الرجاء

قبسة للعجلان من كل سار * * * موطئا للأقدام دون وقاء

طرقا تشربون و القدّ فيه‏ * * * أنتم تقتاتون عند الغذاء

ليس فيكم غير الأذلّة ذلّا * * * أبدا خاسئين دون إباء

و تخافون أن تنالوا اختطافا * * * و هوانا من كل دان و نائي‏

353

تقريع الأنصار

و رمت للأنصار بالطرف منها * * * ثم قالت بحسرة و رثاء

أنتم معشر النقيبة و الحز * * * م و أعضاد ملة الحنفاء

و رعاة الإسلام بعد احتضان‏ * * * منكم للإسلام في الابتداء

أ فلستم آويتم و نصرتم‏ * * * و بنيتم للدين خير بناء

كيف يعرو هذا التغافل منكم‏ * * * و التغاضي من رقدة و انطواء

أيّ شي‏ء هذي الغميزة منكم‏ * * * عن حقوقي بدون أيّ ارعواء

ما لكم عن إغاثتي أيّ عذر * * * بعد تقصيركم بوقت النداء

أو ما قال يحفظ المرء طه‏ * * * حين يرعى في ولده النجباء

بيد عجلان ذا إهالة أنتم‏ * * * قد خلّفتم إفكا بدون بطاء

و لكم طاقة على ردّ حقي‏ * * * و اقتدار لنصرة الأزكياء

أ تقولون مات محمد (صلّى اللّه عليه و آله)

أ تقولون أنتم مات طه‏ * * * و لعمري خطب جليل البلاء

واسع وهنه العظيم رحيب‏ * * * دون رتق لفتقه المترائي‏

و له الأرض أظلمت بعد كسف‏ * * * لسنا بدرها و نور ذكاء

و عرا في النجوم منه انتثار * * * حين أكدى عليه كلّ رجاء

و بدا في الجبال منه خشوع‏ * * * و أضيع الحريم دون وقاء

تلك و اللّه كربة لا تضاهى‏ * * * و هي أدهى مصيبة عشواء

أعلن الذكر بالتلاوة فيها * * * هاتفا فيكم بكلّ فناء

و هو حكم حتم و فصل قضاء * * * حلّ قدما في سائر الأنبياء

أ فإن مات أو أصيب انقلبتم‏ * * * بعد طه ضلالة للوراء

355

ما وعيتم مججتم و دسعتم‏ * * * ما تسوّغتم من الارتواء

إن كفرتم و من على الأرض طرّا * * * فهو عن سائر الورى في غناء

و أنا قلت كل ذلك ردعا * * * لكم عن ضلالة الكبرياء

بعد علم مني بخذلة كفر * * * خامرتكم و رغدة و رياء

غير أني من نفثة الغيض أدلي‏ * * * ببياني و شدّة البرحاء

و لحزن من فيضة النفس يطغى‏ * * * و لتقديم حجة بيضاء

دونكم بالشنار فاحتقبوها * * * نقبة دبرة بدون وطاء

و هي موسومة من اللّه بالسخ * * * ط ستبقي عارا بدون انقضاء

و عذاب الجحيم أسوأ عقبى‏ * * * و مالا لكم بيوم الجزاء

سيرى الظالمون أيّ انقلاب‏ * * * لهم عند ساعة الانتهاء

و أنا للبغاة بنت نذير * * * من شديد العذاب يوم البقاء

احتجاج الزهراء (عليها السلام) على أبي بكر

و تناهى بها الحديث فقالت‏ * * * و هي تدلي بالحجة البيضاء

لأبي بكر و هو يصغي إليها * * * بين حشد من مجمع الجلساء

أبدين اللّه الذي فيه جاءت‏ * * * للبرايا شرائع الأصفياء

أنت تعطى إرثا و أمنع إرثي‏ * * * من أبي دون سائر الأبناء

ما لكم قد تركتم الذكر عمدا * * * و هو يبدو أمامكم من وراء

أ خصّصتم بآية أخرجتنا * * * دون باقي الأبناء و الآباء

أم بحكم الكتاب أعلم أنتم‏ * * * من علي و أحمد في القضاء

أ تقولون أهل شرعين كانا * * * أ فلسنا من ملّة الحنفاء

ها هو الذكر شاهد و لسان‏ * * * ناطق صادق بغير افتراء

حين أضحى ميراث داود فيه‏ * * * لسليمان دون أيّ خفاء

و ليحيى الميراث من زكريا * * * و هو أمسى وليّه في الدعاء

قال: هب لي يا رب منك وليّا * * * وارثا لي فأنت ربّ العطاء

354

بني قيلة

يا بني قيلة أ أهضم إرثي‏ * * * من أبي جهرة بشرّ اعتداء

و بمر أىّ أنتم و مسمع مني‏ * * * في مكان دان بدون تنائي‏

و لكم عدّة و خير عديد * * * و سلاح و سطوة الأقوياء

لا تغيثون صرخة من صريخ‏ * * * لا تجيبون عند وقت الدعاء

أ فلستم وصفتم بصلاح‏ * * * و عرفتم في نجدة و إباء

خير جند و نخبة قد حبيتم‏ * * * لبني أحمد بخير اصطفاء

أو لستم قاتلتم العرب كدّا * * * و تحمّلتم عظيم العناء

و قديما كافحتم دون و هن‏ * * * أمة بعد أمة بمضاء

حيث كنا و حيث كنتم جميعا * * * معنا في تعاون و التقاء

قطّ لا تبرحون في كل حين‏ * * * بائتمار لأمرنا و انتهاء

أ فأنتم جبنا تفرّون عنا * * * بفراق منكم بدون اتقاء

حين دارت رحى الرشاد و درّت‏ * * * حلبة الدهر في معين الرواء

و استكانت للشرك ثغرة غيّ‏ * * * خضعت ذلّة بدون إباء

و عرى فورة الضلال سكوت‏ * * * و تلاشت نار العمى بانطفاء

و نظام الدين استتمّ كمالا * * * بعد فوضي عمت بكم و شقاء

كيف حزتم بعد البيان و صرتم‏ * * * بعد إعلانكم بهذا الخفاء

و نكصتم بعد النهوض نكولا * * * و رجعتم للشرك بعد اهتداء

فشنارا لكم و بؤسا لقوم‏ * * * نكثوا عهدهم بدون وفاء

أ فتخشونهم من الرعب خوفا * * * و هو أولى بالخوف و الاختشاء

فاعملوا إنكم ستجزون عدلا * * * أجر أعمالكم بيوم اللقاء

أ فأخلدتم إلى الخفض لهوا * * * بعد جدّ في دينكم و عناء

و دفعتم عنها الذي هو أحرى‏ * * * من سواه في منصب الخلفاء

و هو أولى بالبسط و القبض منهم‏ * * * بعد فقدان خاتم الأنبياء

و نجوتم بالضيق من كل وسع‏ * * * و خلوتم في رغدة و هناء

356

قال فيه: يوصيكم للبرايا * * * في اقتسام الميراث بعد الفناء

مثل حظّ للأنثيين يكافى‏ * * * ذكر من بنيكم في العطاء

و الوصايا للوالدين بخير * * * حين يبقي خير و للأقرباء

و جميع الأرحام أولى ببعض‏ * * * بعضهم في كتاب ربّ القضاء

أ فلا تكتفون فيما أتاكم‏ * * * منه نصّا و فيه خير اكتفاء

فتحمّل أعباءها سوف تأسي‏ * * * حين منها تنوء بالأعباء

يوم تلقاك عند حشر و نشر * * * مثقلا بالأوزار يوم اللقاء

فالزعيم النبي و الحكم الل * * * ه و نعم الميعاد يوم الجزاء

جواب أبي بكر

فتصدّى منهم أبو بكر ردّا * * * لاحتجاج الزهراء دون ارعواء

قال: يا بنت أحمد كان طه‏ * * * برجال الهدى من الرحماء

و على الكافرين كان عقابا * * * و عذابا صبّا عظيم البلاء

إن غزوناه في انتساب وجدنا * * * ه أباك من دون باقي النساء

و أخا إلفك الحميم علي‏ * * * دون باقي الأصحاب و الرفقاء

آثر المرتضى على كل خلّ‏ * * * و اغتدى عونه على الخصماء

لا يواليكم سوى السعداء * * * ليس يقلوكم سوى الأشقياء

أنتم عترة النبي اجتباكم‏ * * * ربكم للورى بخير اجتباء

و أدلّاؤنا على الخير رشدا * * * و طريق لجنّة السعداء

أنت يا خيرة النساء مقاما * * * و ابنة الحقّ خيرة الأصفياء

لا تقولين غير صدق و حقّ‏ * * * ليس فيه من ريبة و افتراء

غير مردودة عن الحق ظلما * * * و اغتصابا من سائر الحنفاء

و أنا رائد أ يكذب حقّا * * * رائد أهله بأيّ افتراء

و أنا أشهد الإله بصدق‏ * * * و هو بالحق خيرة الشهداء

أنّني قد سمعت من فم طه‏ * * * قال: إنا معاشر الأنبياء

357

كلّ فرد يورّث العلم منّا * * * لبنيه و حكمة الحكماء

كلّ ميراث فضّة و نضار * * * قد تركنا يكون للأولياء

فوليّ الأمور يحكم فيه‏ * * * حين يقضي بحكمه في استواء

و رأينا بأن يكون سلاحا * * * و كراعا لأمّة الحنفاء

فوضعناه فيهما كسواه‏ * * * لجهاد الكفار و الأشقياء

و أنا ما انفردت فيه برأيي‏ * * * مستقلّا عن سائر الآراء

حيث قام الإجماع منهم عليه‏ * * * باتفاق ما بينهم و التقاء

و أنا في يديك حالي و مالي‏ * * * فاحكمي فيهما بكل مشاء

ليس يزوى عليك منّي شي‏ء * * * لحجاب محصّن و وقاء

و لأنت الأمّ الزكية طهرا * * * و سموّا لولدك الأزكياء

و لك العزّ و السيادة فينا * * * شرفا بعد فضلك المترائي‏

دون وضع للأصل و الفرع طرّا * * * منك بعد العلوّ و الارتقاء

كلّ حكم عليّ يصدر ماض‏ * * * نافذ منك ساعة الإمضاء

أ تريدين أن أخالف طه‏ * * * بالذي تطلبين دون اهتداء

ردّها على أبي بكر

فأجابت سبحان ربّ البرايا * * * لم يكن قطّ خاتم الأصفياء

صادفا عن كتابه مستحلّا * * * بعض أحكامه بدون اختشاء

فهو طول الحياة ما زال يقفو * * * أثر الذكر في أتمّ اقتفاء

أ مع الغدر تجمعون ضلالا * * * قولة الزور ساعة الافتراء

مثلما كدتموه حيّا فهذا * * * هو كيد له عقيب الفناء

فكتاب الإله هذا لعمري‏ * * * حكم عادل بفصل القضاء

كلّ نصّ مخالف لكتاب الل * * * ه منكم أحقّ بالامتراء

و هو أوحى ميراث داود حقّا * * * لسليمان دون أيّ مراء

قال: هب لي من آل يعقوب بعدي‏ * * * يرث الفضل خيرة الأولياء

358

و أبان اللّه الفرائض طرّا * * * في المواريث دون أيّ خفاء

عند توزيعه السهام بعدل‏ * * * لذويها بدون أيّ اعتداء

ما أزاح الرحمن فيه جليّا * * * شبهات العمى بدون غشاء

إنما سوّلت لك النفس أمرا * * * فاصطبارا على عظيم البلاء

فتلا قائلا أبو بكر جهرا * * * قولها في صراحة و جلاء

صدق اللّه و الرسول و حقّا * * * صدقت بنت خاتم الأنبياء

معدن الحكمة البليغة ركن ال * * * دين عين المحجّة البيضاء

غير مستنكر خطابك فينا * * * دون قول منّي صوابك نائي‏

ها هم المسلمون قد قلّدوني‏ * * * فتقلّدت منصب الخلفاء

و أخذت الذي أخذت بشورى‏ * * * و اتفاق و هم من الشهداء

غير مستأثر بما كان منّي‏ * * * دونهم في بداية و انتهاء

و هي قالت لهم عقيب التفات‏ * * * معشر المسلمين و الحنفاء

كيف أسرعتم عقيب التغاضي‏ * * * عن قبيح الفعال للافتراء

أ فلا تقرءون قرآن ربي‏ * * * أنتم في تدبّر و اهتداء

أم على تلكم القلوب من الري * * * بة أقفال ضلّة و امتراء

بل عليها قد ران ما قد أسأتم‏ * * * من قبيح الأفعال و الأخطاء

آخذا عند ذاك بالسمع منكم‏ * * * و جميع الأبصار بعد غطاء

ساء و اللّه ما به قد أشرتم‏ * * * و اغتصبتم في ساعة الاعتداء

عن قريب يكون حملا عليكم‏ * * * بعد غبّ من أثقل الأعباء

عند كشف الغطاء و الستر عنكم‏ * * * حينما تصبحون دون وقاء

بئس للظالمين فالنار مثوى‏ * * * و مقرّ لهم بيوم البقاء

لم تزل تقرع المسامع منهم‏ * * * مرتجات باليأس دون رجاء

تهزّ المشاعر الصمّ لكن‏ * * * وجدتها كالصخرة الصماء

ثم قامت عنهم لقبر أبيها * * * تشتكي ما أصابها من بلاء

و استكانت لربها بانقطاع‏ * * * و أتت بيتها بدون غناء

359

علي و الزهراء (عليهما السلام) عتابها لأمير المؤمنين (عليه السلام)

و علي تطلّعا و انتظارا * * * لرجوع الزهراء من الرقباء

فرنّت نحوه بطرف حزين‏ * * * بين شكوى مريرة و بكاء

و أثيرت منها الشجون و قالت‏ * * * عتبا يا ابن سيد البطحاء

قد تواريت فاشتملت احتجابا * * * شملة للجنين خلف غطاء

من توان قعدت دون نهوض‏ * * * حجرة للظنين دون غناء

و لقد خان فيك من دون ريش‏ * * * أعزل عن منال كلّ رجاء

بعد ما قد نقضت قادمة الأج * * * دل من جانبيك دون بناء

كيف تغضي عنّي و هذا فلان‏ * * * بزّني نحلتي بغير اتقاء

أنا ألفيته الألدّ عداء * * * في خصامي من سائر الخصماء

هذه قيلة من الغدر عنّي‏ * * * حبست نصرها بغير وفاء

و قلاني المهاجرون جميعا * * * بعد قطع لوصلهم بجفاء

و لقد غضّت الجماعة دوني‏ * * * طرفها من غضابة و عداء

أنا لا دافع بقيت و لا ما * * * نع عنّي يصدّ كلّ اعتداء

و أنا قد خرجت كاظمة الغي * * * ظ بنفسي هوانا من شدة الاستياء

و لقد عدت منه راغمة الأن * * * ف هوانا من سطوة الكبرياء

و لعمري أضرعت خدّك ذلّا * * * و خضوعا لهم بدون إباء

حينما قد أضعت حدّك صبرا * * * فتبقّيت دون أيّ وقاء

و افترشت التراب و افترست غا * * * بك هذي الذئاب دون اتقاء

قائلا ما كففت بعد تغاض‏ * * * طائلا ما أغنيت أيّ غناء

ليت أنّى قد متّ من دون ذلّي‏ * * * و اضطهادي من قبل يوم فنائي‏

و عذيري منه إله البرايا * * * عاديا بعد محنتي و بلائي‏

و لنفسي منه و أنت كفيلي‏ * * * خير حام في ساعة الاحتماء

أنا ويلاي عند كلّ صباح‏ * * * أنا ويلاي عند كلّ مساء

360

عضدي قد وهت و قد مات منّي‏ * * * عمدي فاغتديت دون وقاء

أنا عدواي للإله و شكوا * * * ي لحزني بخاتم الأنبياء

أنت ربي أشدّ حولا و بأسا * * * و نكالا منهم بيوم الجزاء

قال و هو الصبور: لا ويل حقّا * * * لك لكن ويل لأهل العداء

نهنهي يا بنة النبوة عن وج * * * دك صبرا في سلوة و عزاء

أنا و اللّه ما ونيت عن الدي * * * ن بيوم و لا عدوت قضائي‏

و إذا كنت تبتغين بهذا * * * بلغة من حطام دار الفناء

فهو للرزق ضامن و كفيل‏ * * * لك فيه من خيرة الأمناء

و الذي قد أعدّ خير و أبقى‏ * * * لك مما زووا بدار البقاء

فأجابت و أمسكت: هو حسبي‏ * * * و كفى جازيا بربّ السماء

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) في ديوان الشعر العربي: ص 278، عن ملحمة أهل البيت (عليهم السلام).

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 570، عن ملحمة أهل البيت (عليهم السلام).

3. ملحمة أهل البيت (عليهم السلام): ج 3 ص 7.

26

المتن:

كلام المسعودي في قصة فدك و خطبتها (عليها السلام):

... و أخبار من قعد عن البيعة، و من بايع، و ما قالت بنو هاشم، و ما كان من قصة فدك، و ما قاله أصحاب النص و الاختيار في الإمامة، و من قال بإمامة المفضول و غيره، و ما كان من فاطمة (عليها السلام) و كلامها متمثّلة حين عدلت إلى قبر أبيها (صلّى اللّه عليه و آله).

361

المصادر:

1. مروج الذهب للمسعودي: ج 2 ص 311.

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 380، عن مروج الذهب.

27

المتن:

قال ابن شهرآشوب في عدّ مناقبها (عليها السلام):

... و خوّفت أربعة من الصالحات: آسية، عذّبت بأنواع العذاب، فكانت تقول: «رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ» (1)؛ و مريم، خافت من الناس و هربت، «فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي» (2)؛ و خديجه، عذلها النساء في النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فهجرنها، فقالت فاطمة (عليها السلام): أ ما كان أبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ أ لا يحفظ في ولده؟ أسرع ما أخذتم و أعجل ما نكصتم.

المصادر:

المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 322.

28

المتن:

قال الشيخ الحر العاملي أن فاطمة (عليها السلام) خطبت مرارا ....

و روى فيه: أن فاطمة ادّعت ثلاثة أشياء: الميراث و النحلة و سهم ذوي القربى، و أن أبا بكر لم يقبل شيئا منها بل منعها، و ان فاطمة (عليها السلام) خطبت في ذلك مرة بعد أخرى، و أنشدت شعرا، و أظهرت من التظلّم و الشكاية و التأذي و الغضب على من غصبها و على‏

____________

(1). سورة التحريم: الآية 11.

(2). سورة مريم: الآية 24.

363

و أوردها أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر في كتاب بلاغات النساء، و ذكر أن مشايخ آل أبي طالب يروونها من آبائهم و يعلّمونها أبناءهم كما في البحار (الطبع الكمباني):

ج 8 ص 112.

و كذا تظهر فصاحتها من كلامها مع عائشة بنت طلحة، كما في البحار (الطبع الكمباني): ج 8 ص 102.

و كذا تظهر من شكايتها من أهل المدينة في حال مرضها، كما في البحار (الطبع الكمباني): ج 10 ص 45، (و الطبع الجديد): ج 43 ص 158.

و كذا من كلماتها مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حين انصرفت من عند أبي بكر:

يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة شيمة الجنين، و قعدت حجرة الظنين؟ .... (الطبع الكمباني): ج 10 ص 43، (و الطبع الجديد): ج 43 ص 148.

المصادر:

مستدرك سفينة البحار للنمازي الشاهرودي: ج 8 ص 201.

31

المتن:

قال الزمخشري في لفظ لمّة:

... و في حديث فاطمة (عليها السلام): أنها خرجت في لمّة من نسائها، تتوطّأ ذيلها، حتى دخلت على أبي بكر، أي جماعة من نسائها.

المصادر:

الفائق في غريب الحديث: ج 3 ص 331.

364

32

المتن:

قال الزبيدي في لمم:

... اللمّة: الجماعة من الناس، و روي عن فاطمة البتول (عليها السلام): أنها خرجت في لمّة من نسائها، تتوطأ ذيلها، حتى دخلت على أبي بكر فعاتبته.

المصادر:

لسان العرب: ج 12 ص 336.

33

المتن:

قال ابن المنظور في مادة «لم»:

و في حديث فاطمة (عليها السلام): أنها خرجت- في لمّة من نسائها تتوطأ ذيلها- إلى أبي بكر فعاتبته ....

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 308.

2. لسان العرب، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام).

34

المتن:

قال ابن الأثير في باب اللام مع الميم:

... في حديث فاطمة (عليها السلام): أنها خرجت في لمّة من نسائها، تتوطأ ذيلها، إلى أبي بكر فعاتبته، أي في جماعة من نسائها؛ قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة.

362

من ساعده و على من خذلها و لم ينصرها شيئا كثيرا بليغا؛ لم أنقله خوفا من الإطالة، و جميع تلك الروايات من طرق السنة لا من طرق الشيعة.

المصادر:

إثبات الهداة: ج 2 ص 358 ح 160.

29

المتن:

قال السيد عبد الحسين شرف الدين في المراجعة 104 في خطبة الزهراء (عليها السلام).

و للزّهراء (عليها السلام) حجج بالغة، و خطبتاها في ذلك سائرتان، كان أهل البيت يلزمون أولادهم بحفظهما كما يلزمونهم بحفظ القرآن و قد تناولت أولئك الذين نقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير موضعه.

فقالت: يحهم أنّى زخزحودها- أي الخلافة- الطبن بأمور الدنيا و الدين، ألا ذلك هو الخسران المبين. و ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه منه نكير سيفه و شدة وطأته و تكال وقعته و تنمّره في ذات اللّه .... الخ.

المصادر:

المراجعات: ص 289 المرجعة 104 رقم 15.

30

المتن:

قال النمازي الشاهرودي في فصاحة سيدتنا فاطمة (عليها السلام):

فصاحة سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) تظهر من خطبتها الشريفة الغرّاء التي تحيّر من العجب منها و الإعجاب بها أحلام الفصحاء و البلغاء.

365

المصادر:

1. النهاية في غريب الحديث و الأثر لابن الأثير: ج 4 ص 373.

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 380.

35

المتن:

قال كمال السيد في كيفية مجي‏ء فاطمة (عليها السلام) إلى المسجد و إلقائها خطبتها الخالدة:

لفّت فاطمة (عليها السلام) خمارها و اشتملت بردائها و الإزار و نهضت بأمر اللّه.

ما بين دار فاطمة (عليها السلام) و المسجد خطوات، قطعتها ثابتة الخطى، لكأنّها محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و عاد يصحّح مسار الإنسان من جديد؛ يقوده إلى منابع النور و الخلود.

جاءت فاطمة (عليها السلام)، تحفّها نسوة و بنات، دخلت المسجد لتقول كلمتها للأمة و التاريخ.

و أنّت من وراء حجاب أنّة، هي أنّة هابيل قبل أن يموت؛ فيها عذابات آسية، و حزن مريم، و لوعة يوكابد؛ بكى المهاجرون و بكى الأنصار و اهتزّ قلب كالصخر و لان.

قالت بنت آخر الأنبياء و قرينة مؤسّس البلاغة في العرب:

الحمد للّه على ما أنعم، و له الشكر على ما ألهم و الثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، و سبوغ آلاء أسداها، و تمام منن أولاها؛ جمّ عن الإحصاء عددها ...، و ذكرها إلى قولها:

«وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ». (1)

غادرت الزهراء (عليها السلام) المسجد و قد زلزلت الأرض زلزالها، و صرخ رجل غصب ميراث أبيها: أقيلوني بيعتي ....

____________

(1). سورة الأنعام: الآية 158.

366

و نظر الرجال إلى حيث كشفت فاطمة (عليها السلام) آفاق المستقبل، فإذا السحب الحمراء مخزونة بالرعود، و الأرض ملغومة بالزلازل و أنهار من دم و جماجم و ضحايا، و فرّ الإنسان. ألقى أمانة تهيّبت السماوات و الأرض عن حملها «وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا». (1)

المصادر:

و كانت صديقة لكمال السيد: ص 217.

36

المتن:

شعر السيد عباس المدرّسي في قصة فدك و خطبة الزهراء (عليها السلام):

تاه في رفرف النّدى خضراها * * * فتثنّي بخصرها عطفاها

و ترامت غنّاء رائعة الحسن‏ * * * و طيف من الحيا يغشاها

فكأن الحسناء أتعبها المشي‏ * * * بصحراء تكتوي حصباها

في فلاة طغت بها الشمس حتى‏ * * * لا ترى قطرة تبلّ الشفاها

تتراءى تحت النخيل مروجا * * * يتبارى مع النسيم هواها

عين ماء مبرّد سقت الأر * * * ض و صابت بالبرد ريح صباها

قد تدلّت ثمارها و تناجت‏ * * * سعفاف النخيل في أجواها

فدك فتنة الزمان و سحراك‏ * * * أرض و الجنة التي تهواها

سلمت جنبها من الغزو الزّحف‏ * * * فلم توجف الخيول ثراها

و كذلك الأنفال ليس لغير ال * * * له و المصطفى الأمين جناها

و له حكمها فيعطي قليلا * * * أو كثيرا لمن يشا ما يشاها

و لكم أقطع النبي و أعطى الن * * * اس من نفلها التي أعطاها

____________

(1). سورة الأحزاب: الآية 72.

368

طاف في مجمع الزمان و ردّت‏ * * * ثائرات القرون رجع صداها

و على ذلك الهدير استقامت‏ * * * خطّة الدين باتّجاه هداها

و ستبقي الزهراء في كلّ عصر * * * يقتفي الثائرون نهج رآها

الثناء على اللّه‏

للإله العظيم حمدي تناهى‏ * * * و له الشكر دون أن يتناهى‏

فلنعمائه التي لا تجازى‏ * * * و لإلهامه النفوس هداها

و ثنائي بطيبات نعيم‏ * * * لم نطالبه بذلها فابتداها

و بآلاء جوده سابغات‏ * * * سائغات إلى الورى أسداها

و بما جاد من تمام عطايا * * * جمّ إعدادهنّ عن إحصاها

طال في مرقد الزمان نواها * * * و تنائى عن الجزاء مداها

و تناهى عن النهى درك نعمى‏ * * * أبد الدهر يستمرّ عطاها

و دعاها لتستزيد نداها * * * باتصال بشكر من أولادها

و بإجزالها لهم طلب الحم * * * د و ثنّى بند بها الأشباها

أشهد اللّه أنه ليس إلا ال * * * له ربا و خالقا و إلها

وحده اللّه لا شريك لديه‏ * * * كوّن الكون و البرايا براها

كلمة الحق و الهدى و التعالي‏ * * * و لباب الإخلاص في مغزاها

في مطاوي القلوب وصل لقاها * * * ولدى الفكر وهجها و رؤاها

ليس عين ترى جلالة ذات‏ * * * عجز الوصف أن يداني مداها

كلّت الألسن البليغة حتى‏ * * * ليس تعلو لوصفه أعلاها

جلّ حتى الأوهام لا تترقّى‏ * * * نحو أقداس كيفه أرقاها

خلق الكائنات خلق ابتداع‏ * * * ليس من شي‏ء قبله سوّاها

و براها بلا احتذاء مثال‏ * * * كان من قبل أن يسوّي بناها

خلق الخلق بالمشيّة منه‏ * * * و برى باقتداره أشياها

دون ما حاجة له و انتفاع‏ * * * منه للصورة التي أبداها

367

و اصطفى من جميع تلك المغاني‏ * * * فدكا كان عنده مجناها

آت حقّ القربى أتته باي‏ * * * لم تكن غير فاطم مرماها

فحباها لبنته و هو أدرى‏ * * * أن مرضى الإله في مرضاها

و توفّى عن فاطم ليس إلا * * * لم يكن عند أحمد إلا ها

و غدت في يد البتول تدرّ ال * * * خير من كفّها إلى فقراها

و توالت بعد النبي قضايا * * * فتن عمّت الجميع عماها

تلك مرويّة عن ابن الزكيّ ال * * * سبط صحّ الأسناد عمّن رواها

ذاك لما استوى الخليفة في الحك * * * م و صدّ الزهراء عن مرعاها

لبست ثوبها و لاثت خمارا * * * و بجلبابها استوت أنحاها

تطأ الأرض في ذيول ثياب‏ * * * سترت جسمها و غطّت علاها

فاطم مثل أحمد ممشاها * * * أو كأنّ الرسول يخطو خطاها

خطوات لو أنه كان حيّا * * * و جرى ما جرى لكان خطاها

فتمشّت في لمّة من حفيد * * * من بنيها و لمّة من نساها

رحبة المسجد المقدس غصّت‏ * * * بوفود تزاحمت بفناها

و جموع المهاجرين توالت‏ * * * و أتتها الأنصار من أنحاها

و أبو بكر و الخلافة و الحك * * * م و أسياف طوّقت أفناها

فأنيطت ملاءة و توارت‏ * * * بضعة المصطفى الأمين وراها

سكتت لحظة و أنّت أنينا * * * أجهش القوم من أليم أساها

جدّدت في نشيجها ذكريات‏ * * * كان لا زال ماثلا ذكراها

تلكم الذكريات عزّت فهزّت‏ * * * من نفوس الحضور مرّ شجاها

ثم إذ أمهلت قليلا و قرّت‏ * * * و استراح الأسى بصدر عزاها

هدؤوا فانبرت لتلقي عليهم‏ * * * خطبة ليس غيرها يؤتاها

حمدت ربها و أثنت عليه‏ * * * ثم صلّت على المكرّم طه‏

و على اسم النبي عادت بروق ال * * * وجد تستمطر العيون نداها

ثم إذ أمسكوا جرت في خطاب‏ * * * و كأنّ النبي يملي يداها

369

بل لتنبيهها على طاعة ال * * * له و تثبيت حكمة جلّاها

ليبين اقتداره سوّاها * * * و يعبّد عبيده أنشاها

و لإعزاز دعوة الحق و الخير * * * و تبقي على المدى دعواها

و يذود العباد شرّ جحيم‏ * * * سجّرت نقمة الإله لظاها

و إلى جنة الخلود يحاشي‏ * * * كلّ نفس قد لازمت تقواها

النبي الأكرم و فلسفة الرسالة

و أبي المصطفى محمد عبد * * * و رسول اللّه ليس يضاهى‏

تلكم النفس ربها أعلاها * * * و اجتباها من قبل أن يبراها

قبل أن يبعث الأمين نبيا * * * قدّس اللّه روحه و اصطفاها

إذ توارت خلائق اللّه بالغي * * * ب و ستر الأهوال قد غطّاها

و بأقصى نهاية العدم المح * * * ض تلاقي الأعدام في أجواها

فبعر فانه مال أمور ال * * * كون من بدئها إلى منتهاها

و بما حاط بالحوادث علما * * * و المجاري التي بها أجراها

و بعرفانه المواقع مما * * * حدّدتها الأقدار من مبداها

بعث المصطفى الأمير رسولا * * * و الرسالات كلّها أنهاها

ليتمّ الأمر الحكيم و يمضي‏ * * * حكمه للمقدّرات قضاها

و لإنفاذ ما تقدّر قدما * * * من مقادير حتمه أمضاها

فرأى الناس في الدورب حيارى‏ * * * فرقا في مسارها و رآها

بين من يعبد الحجارة ربّا * * * أو على النار عاكفا يهواها

برغم من علمهم ينكرون ال * * * له جهلا و ضلّة و سفاها

فأنار الجليل بالمصطفى المخ * * * تار ما اشتدّ من ظلام دجاها

و قلوب في الغيّ طال بقاها * * * قد أزاح النبي بهم غواها

و عيون عشت بغمّة جهل‏ * * * بضياء الهدى المنير جلاها

قام في الناس منذرا و بشيرا * * * و إلى الرشد و الفلاح دعاها

370

أنقذ القوم بعد طول ضلالي‏ * * * بصّر الناس من خطير عماها

مستقيم الصراط قد دلّاها * * * و إلى دينه القويم هداها

ثم عن رأفة به و اختيار * * * قبض اللّه روحه و اقتناها

رغبة في لقائه و اشتياقا * * * آثر اللّه روحه و اجتباها

و استراح الحبيب مذ راح عنا * * * عاف أتعاب دارنا و عناها

حفّ في موكب الملائكة الأب * * * رار فاز دان من ضياه ضياها

بجوار العزيز و الملك الجب * * * ار في الرتبة التي يرضاها

فعلى خيرة النبيين طه‏ * * * صلوات لا تنتهي ذكراها

رحمة اللّه وابلا و عليه‏ * * * بركات السماء لا تتناهى‏

ثم ألوت خطابها إذ تجارى الن * * * اس و ازّاحمت إلى لقياها

مسئولية الناس تجاه الرسالة الإسلامية

أيها الناس نصب أمر و نهي ال * * * له أنتم و للرجال نهاها

أمناء الإله جلّ على أن * * * فسكم و للورى بلغاها

قد حملتم ثقل الرسالة بدا * * * و بأكتافكم أبي ألقاها

ولديه فيكم منارة حقّ‏ * * * و له ذمّة عليكم وفاها

و قد استخلف النبي عليكم‏ * * * إذ تولّى بقيّة أبقاها

رحمة اللّه آية اللّه نور ال * * * له و الحجة التي جلّاها

ساطع النور دفّتاه و منه‏ * * * لمعة الضوء قد تلألأ ضياها

بيّنات فيه البصائر كالصب * * * ح و أسراره التي أبداها

و تجلّت ظواهر العلم فيه‏ * * * ليس تخفي على العقول رآها

يغبط العارفون شيعة سفر * * * هزّ من أنفس العباد نهاها

قائد من مشى وراه سبيلا * * * كان رضوان ربنا مسراها

و مؤدّ إلى النجاة نفوسا * * * ألقت السمع عنده فهداها

و به نالت الورى حجج الل * * * ه و أحكامه التي أملاها

371

من فروض عزائم واجبات‏ * * * و مناه محرّم إيتاها

بيّنات مجليّات حشاها * * * و براهين كافيات ملاها

و رياض من الفضائل تدعو * * * كل من رام خيرها و جناها

و المباحات فعلها مرخصات‏ * * * و هب الناس أمرها و حباها

كلّ مكتوب شرعة فيه فافهم‏ * * * سرّ آياته التي آتاها

فلسفة الشريعة الإسلامية

فلتطهيره النفوس من الشر * * * ك عيون الإيمان قد أجراها

و لتنزيهها مغرّرة الكب * * * ر أقرّ الصلاة في آناها

و لتزكوا النفوس و الرزق ينمو * * * أوجب الخمس و الزكاة قضاها

و لتثبيت جوهر الصدق و الإخ * * * لاص في النفس الصيام دعاها

و ليعلى برج الشريعة نادى ال * * * ناس بالحج داعيا إيّاها

و لتنسيقه القلوب جميعا * * * شرعة العدل سنّها و بناها

و أقرّت لنا الإطاعة حتى‏ * * * يستقيم العباد في مسراها

و أمانا لكم إمامة أهل ال * * * بيت من فرقة تشبّ لظاها

و لتعتزّ راية اللّه في الأر * * * ض قضى بالجهاد ضدّ عداها

و لتستوجبوا المثوبة أجرا * * * جعل الصبر سلّما لاجتناها

و صلاح العموم في الأمر بالمع * * * روف و النهي عن مسير غواها

و اتقاء من غصبة الرب أوصى ال * * * برّ بالوالدين من يخشاها

و صلات الأرحام منساة عمر * * * و نموّ لجمع من يرعاها

و لكم قال في القصاص حياة * * * حفظ اللّه في دماه دماها

عرضة العفو من إله البرايا * * * من عهود النذور قد وفّاها

و لحفظ الحقوق أن تبخسوها * * * للموازين قد قضى إيفاها

و لتنزيهكم نهي عن شراب ال * * * خمر حفظا للعقل من بلواها

و حجابا لكم عن اللعن لمّا * * * حرّم القذف للنساء تياها

372

و عفافا عن الخيانة في الما * * * ل بترك السرقات قد وصّاها

و لكي تخلصوا العبادة حقّا * * * حرّم الشرك و الرياء نزاها

فاتقوا اللّه ربكم حقّ تقوى‏ * * * و احذروا النار جمرها و لظاها

لا تموتوا إلا على شرعة الإس * * * لام و استعصموا جميعا عراها

و أطيعوا بفعل ما أمر الل * * * ه و بالترك للمناهي؟ الإلها

ثم قالت و جلجلت: أيها النا * * * س و رجّ المكان رجع صداها

اعلموا أني فاطمة

أيها الناس و اعلموا أنّي الزه * * * راء بنت الهادي المبشّر طه‏

و أعيد المقال عودا و بدا * * * خير ذكرى لمن وعى ذكراها

حاش قولي من غلطة و تعالى ال * * * فعل مني بأن يشطّ تياها

قد تجنّبت غلطة و اشتباها * * * و توثّقت حكمة و انتباها

جاءكم للهدى رسول و من أن * * * فسكم جاء مرشدا أهداها

ما عناها على النبي عزيز * * * و حريص بكل خير أتاها

هكذا أنقذ اللّه العرب من الجاهلية

فلقد بلّغ الرسالة لل * * * ه و أعلى إنذار من عاداها

و على المشركين مال فأقصى‏ * * * عن طريق العباد شرّ أذاها

ضاربا كاهل التجبّر منهم‏ * * * سدّ أكظامهم على مجراها

و على حكمة و أحسن وعظ * * * كان يدعو إلى سبيل هداها

كلّما قام هيكل صمنيّ‏ * * * هدّه من يد النبي عصاها

ينكت الهام من رءوس ضلال‏ * * * قد غواها عن ربها طغواها

أيّ برّ بالمؤمنين رحيم‏ * * * أيّ حصن لعزّها و حماها

فإذا ما عرفتموه جليّا * * * و نسبتم خير الورى أزكاها

دون نسوانكم أبي تجدوه‏ * * * و كفتني مزيّة أولاها

373

و هو من دونكم أخ لابن عمّي‏ * * * و كفته فضيلة يولاها

و لنعم الذي إليه انتسبنا * * * حينما الرب للنفوس براها

فعليه و آله اللّه صلّى‏ * * * و (عليه السلام) لا يتناهى‏

ذاك حتى الجموع ولّت جميعا * * * هزم اللّه جيشها و قواها

و تولّت أدبارها و استغاث ال * * * جيش أولى صفوفه أخراها

و انجلى الليل عن منار صباح‏ * * * و رؤى الحق أسفرت مرآها

و الشياطين حين قام زعيم ال * * * دين بالنطق خرّست أفواها

و وشيظ النفاق طاح و حلّت‏ * * * عقد الكفر و الشقاق عراها

بشفا حفرة من النار كنتم‏ * * * مذقة الشرب مجّها من دناها

نهزة الطامعين جاعوا و للعج * * * لان في الدرب قبسة أوراها

و مداسا كنتم لركب السرايا * * * أيّ هون على الذي ساراها

إذ تقتّون ورقة أو قديدا * * * و تشفّون خبط طرق مياها

و من الذل خاسئون همود * * * و من الناس خائفون أذاها

خوف من حولكم إذا ما أرادوا * * * خطفكم ليس رادع ينهاها

و قضي اللّه بالنبي خلاص ال * * * عرب من بؤسها و شرّ بلاها

فنجوتم إذ ذاك بعد اللتيّا * * * و التي من عذابها و شقاها

بعد أن ردّ للفناء علوجا * * * تتحدّى الكماة لا تخشاها

بهما صدّت السبيل عليه‏ * * * و ذآبا ليعرب أرداها

و من أهل الكتاب كلّ عتيّ‏ * * * مارد ردّ ضرّها و ضراها

كلما أوقدوا إلى الحرب نارا * * * أطفأ اللّه عزّ شأنا لظاها

أو نبا للرجيم قرن و إما * * * فتح المشركون للشرّ فاها

374

دور الإمام علي (عليه السلام) في بناء الإسلام‏

قذف المصطفى أخاه عليا * * * في خضمّ الأهوال وسط لهاها

لا يولّى أو أن بأخمص رجلي * * * ه لأصماخ كبرياها يطاها

سيفه يخمد الحروب و لو لا * * * سيفه ذو الفقار دام بقاها

تلك ذات مكدودة النفس في الل * * * ه و في أمره ارتهان قواها

و علي للمصطفى لمعة الضو * * * ء للضوء أو لمن أدناها

سيد المؤمنين في أولياء ال * * * له كالبدر نيّرا في سماها

ناصح الفعل كادح و مجدّ * * * همّة النفس في رضا مولاها

حين أنتم في رفرف العيش غرقى‏ * * * في حياة خصيبة مرعاها

في جنان من النعيم وداع‏ * * * تستطيبون آمنين جناها

و لأخبارنا مسامع رصد * * * ضدّنا أم لنا تدور رحاها

قد تربّصتموا بنا أيّ بلوى‏ * * * سوف تكفي برأسنا بلواها

فبسوح القتال سرج فرار * * * و بأرض النزال من أخزاها

الردّة و بدء المؤامرة ضد أهل البيت (عليهم السلام)

ثم لمّا الإله خار لذات ال * * * مصطفى دار قربه أخراها

دارة الأنبياء و الرسل مأوى ال * * * أصفياء الكرام دون سواها

سلّ فيكم سلّ النفاق و أبدى‏ * * * كلّ ما كان في النفوس اختفاها

سمل الدين ثوبه و عليه‏ * * * غيّرت كلّ عروة مرساها

و غدا الساكت الغويّ نطوقا * * * و الخمول الرديّ في أعلاها

و استوى كلّ مبطل ذا هدير * * * يتخطّى بعجبه مسعاها

و أطلّ الشيطان مما تخفّى‏ * * * رأسه هاتفا بكم أنهياها

فرآكم مطّوّعين لديه‏ * * * مستجيبين دعوة أبداها

و خفافا مبادرين ركضتم‏ * * * حينما فتنة الهوى ألقاها

و غضابا محمّسين و ثبتم‏ * * * حينما جمرة الحماس حماها

375

فنياقا لغيركم قد و سمتم‏ * * * و وردتم لمن سواكم مياها

كلّ هذا و العهد منه قريب‏ * * * و جروح الفراق رحب فضاها

المزاعم الباطلة للمتامرين‏

قبل أن تسكن النفوس و لمّا * * * يقبر المصطفى بطيّ ثراها

و زعمتم خوف افتتان بدر تم‏ * * * فلعمري سقطتموا في لهاها

سعّر اللّه للعصاة جحيما * * * قد أحاطت بنارها نزلاها

كيف هيهات منكم ثم أنّى‏ * * * يؤفك القوم عن سبيل نجاها

و منازات ذكره ليس يخفى‏ * * * نورها للذي استنار ضياها

زاهرات الأحكام لا تتخفّى‏ * * * باهرات الأعلام لا تعماها

واضحات أوامر لائحات‏ * * * تلكم الزاجرات عن أهواها

أو خلّفتموا الكتاب وراكم‏ * * * رائد العالمين درب هداها

أ بغير القرآن حكما رضيتم‏ * * * أم عن الذكر قد رغبتم سفاها

بئس للظالمين ذاك بديلا * * * كيف بالدّون بدّلت أزكاها

و بغير الإسلام من دان دينا * * * فهو في الخاسرين في أخراها

أبدا ليس يقبل اللّه منه‏ * * * شرعة غير ما بها وصّاها

ثم لم تلبثوا هنا لك إلا * * * ريث أن يستقرّ من ولّاها

نفرة الحكم تستريح و تخبو * * * و تسير الأحداث في مجراها

فتقودوا السواد سلسا علينا * * * و تثيروا بوجهنا غوغاها

و بصدر الثارات تورون نارا * * * و تهيجون جمرها و لظاها

و هناك الشيطان ألقى إليكم‏ * * * دعوة الشرّ فانطلقتم وراها

فسعيتم تطفون أنوار دين ال * * * له من بعد ما استتمّ ضياها

376

التأمّر عودة إلى الجاهلية

سنن المصطفى الأمين قصدتم‏ * * * محو آثارها و هدم بناها

و تسرّون حسوة في ارتغاء * * * و تراءون للعيون سواها

و لآل النبي تمشون مكرا * * * مشي‏ء من يختمر إلى ضرّاها

مثل وخز السنان منكم صبرنا * * * أو كحزّ المدى تحمّلناها

و تصدّوننا افتراء و زورا * * * عن مواريث ربنا أعطاها

أ فمن جاهلية قد تولّت‏ * * * تبتغون الأحكام بعد جلاها

القرآن الكريم يفنّد مزاعم المتآمرين في غصب فدك‏

أ ترى من يكون أحسن في الحك * * * م من اللّه أو أشدّ نزاها

إنما يعقل الحقيقة قوم‏ * * * أيقنوا أنها سبيل نجاها

أ فلا تعلمون بل قد تجلّى‏ * * * أنّني بنته كشمس ضحاها

أيها المسلمون بنت رسول ال * * * له في إرثها يردّ ادّعاها

أو في الذكر آية يا ابن تيم‏ * * * نزلت فيك دوننا معناها

حظوة الإرث من أبيك تليها * * * و أنا من أبي فلا أولاها

فلقد جئت إن زعمت فريّا * * * سترى ساعة الحساب جزاها

أ كتاب السماء عمدا تركتم‏ * * * أم ترى قد تركتموه اشتباها

هاكم من نصوصه أجلاها * * * إن أردتم إلى هداه هداها

لسليمان إرث داود أضحى‏ * * * سورة النمل أرّخت ذكراها

قال فيما قد قصّ عن زكريا * * * قصة بيّنت لكم مغزاها

ربّ هب لي من البنين وليّا * * * وارثا لي جنى الحياة وراها

و قضى اللّه أن بعض أولي الأر * * * حام أولى بالبعض إذ أولاها

كلّ أنثى لها من الإرث حقّ‏ * * * إنما للذكور مثلا عطاها

و على التاركين خيرا و قربى‏ * * * أن يوصّوا بخيرهم قرباها

و زعمتم في الإرث ما لي نصيب‏ * * * أجتنيه أو حظوة أولاها

377

أو خصّصتموا بآية إرث‏ * * * و زوى اللّه والدي معناها

أم ترى ليس والدي و أنا من‏ * * * ملّة واحد المرام اتّجاها

أو أنتم من والدي و ابن عمي‏ * * * بمعاني القرآن من أدراها

الإنذار

هاك مخطومة بدون عناء * * * و استلمها مرحولة طرفاها

فستلقاك يوم حشرك فانظر * * * أيّ وزر من الحرام علاها

إنما الموعد الحساب و نعم ال * * * حكم اللّه و المدافع طه‏

ساعة الحشر إذ يدوّي صداها * * * يخسر المبطلون في ملقاها

ثم لا تنفع الندامة نفسا * * * ذكّرت ثم خالفت ذكراها

و لأنبائها بذات صباح‏ * * * مستقرّ إلى هناك انتهاها

و غدا تعلمون من يتلظّى‏ * * * بعذاب يخزيه في أخراها

استنهاض الأنصار للدفاع عن الحق‏

ثم مالت بطرفها طرف الأن * * * صار و القوم في عظيم كراها

معشر النصر و النقيبة أيها * * * يا لأعضاد ملّة و قواها

أيّها الحاضنون راية دين ال * * * له تحمون عزّها و علاها

عجبا هذه الغميزة و الغف * * * لة من جمعكم بحقّي أراها

ما لكم عن ظلامتي في منام‏ * * * لا تردّون ضرّها و أذاها

يحفظ المرء في بينه أماكا * * * ن يقول الرسول من يرعاها

فلعجلان ذا إهالة فانظر * * * كيف سرعان ما قلبتم بناها

و لكم طاقة و قوة رهط * * * للتي قد طلبت منكم أداها

أ تقولون قد توفّي طه‏ * * * فاندفعتم إلى الوراء عقباها

فلقد جلّت المصيبة و الل * * * ه و هدّت من الجميع قواها

و قد استنهر الفتيق عريضا * * * مثلما استنفق الرتيق وراها

378

غاب و الأرض أظلمت و ادلهمّت‏ * * * و نجوم السماء غار ضياها

و عروش الآمال مالت و زالت‏ * * * عن قلوب المؤمّلين مناها

خشعت ذروة الجبال و ضاعت‏ * * * حرمات الإسلام بعد إباها

و أزيلت بموته و أبيحت‏ * * * حرمة كان ربنا أغلاها

تلك و اللّه في النوازل عظمى‏ * * * وقعة لن يكرّ مثل بلاها

و هي عظمى مصيبة لن يرى الده * * * ر قرينا لها و لا أشباها

ليس من بائقات سود الليالي‏ * * * مثل ما عجّلت عليكم سواها

و لقد أعلن الكتاب السماو * * * ي بأحداثها و سوء انقضاها

و عليكم تتلى صباحا مساء * * * آية الردّة التي أنباها

و لقبل النبي ما حلّ قدما * * * بالنبيين من عظيم بلاها

فصل حكم مقرّر و بلايا * * * حتّم اللّه من قديم قضاها

إنما المصطفى الأمين رسول‏ * * * قد خلت قبل بعثه أنبياها

أ فإن مات أو توفّي قتلا * * * لانقلبتم إلى الوراء وراها

و لمن ينقلب عن عقبيه‏ * * * و يولّي فلن يضرّ الإلها

و سيجزي الذي أتاه شكورا * * * جنّة الخلد نعمة و رفاها

يا بني قيلة النجادة أيها * * * أو هل أهضمنّ في إرث طه‏

و لأنتم بمسمع من ندائي‏ * * * بمرأى جمعكم و قواها

تتغشّاكم الدعاوة للنص * * * ر و ينمي لسمعكم أنباها

و لأنتم ذو عدّة ولديكم‏ * * * عدد تتّقي العدى بأساها

فأداة و قوّة لا تبارى‏ * * * و سلاح و جنّة لا تضاهى‏

أ سكوت و دعوة الحق صكّت‏ * * * سور آذانكم و دوّى صداها

أ جمود و دعوة العدل هزّت‏ * * * مجد تاريخكم و رنّ نداها

أو لستم على الصلاح عرفتم‏ * * * و بسيف الكفاح في هيجاها

نخبة الناصرين للحقّ كنتم‏ * * * خيرة المصطفى التي استصفاها

أو لستم قاتلتم العرب حتى‏ * * * ردّ بأساؤها بصدر أساها

379

و تحمّلتم المتاعب دهرا * * * و تحمّلتموا عظيم عناها

و تناطحتموا بدون توان‏ * * * أمم الأرض في بعيد قراها

و صددتم مكافحين علوجا * * * بهما لا تخاف من يلقاها

فلنا الأمر حيث كنّا و منكم‏ * * * حيث كنتم إطاعة عشناها

ذاك حتى رحى الشريعة دارت‏ * * * حين دارت بنا مدار رحاها

حلب الدهر درّ خيرا و غاضت‏ * * * نعرة الشرك و انتهى غوغاها

و خبا الكفر و الشقاق و قرّت‏ * * * فورة الإفك و انمحى غلواها

و هدير الهرج استقرّ و قامت‏ * * * نظم الدين في أتمّ بناها

كيف بعد البيان حرتم و أنّى‏ * * * قد نكصتم إلى الوراء تياها

كيف أخفيتموا الولاية سرّا * * * بعد إعلانها و رفع لواها

حبّ الراحة سبب خذلان الحق‏

كيف بعد الأيمان للشرك ملتم‏ * * * و سبيل الهدى تركتم هداها

أو لا تعلنون حرب عسير * * * نكثت ذمة اليمين وفاها

و بإخراج خاتم الرسل همّوا * * * بدءوا حربكم و أجّوا لظاها

أ فتخشونهم فللّه أولى‏ * * * بتقاكم و اللّه أعظم جاها

إن تكونوا عبدتموه بصدق‏ * * * و له عفّر التراب الجباها

إنما قد أرى إلى الخفض ملتم‏ * * * و استطبتم من الحياة حلاها

فنفيتم من بالخلافة أولى‏ * * * و أحقّ الأنام في استعلاها

و خلّدتم لراحة ليس تبقى‏ * * * و هربتم إلى نعيم هناها

ما وعيتم مججتموا و دسعتم‏ * * * ما تسوّغتموه غبّ امتلاها

فلئن تكفروا و من حلّ في الأر * * * ض جميعا لا تعجزون الإلها

إنما قلت ما ذكرت و إني‏ * * * عارف من نفوسكم مخباها

خذلة جالت النفوس و غدر * * * شعرته القلوب في مخفاها

380

المستقبل الخطير للمتخاذلين‏

لكن الظلم أترع النفس غيضا * * * فاستفاضت على الذي آذاها

و قنا لأن عوده بعوادي ال * * * جور فانشقّ بالأنين جواها

و من القلب إذ تميّز غيضا * * * نفثة تحرق اللهيب لظاها

و لتقديم حجة ليس إلا * * * حيث لا عذر عندكم عقباها

دونكم للركاب فاحتقبوها * * * ناقة صعبة المراس خطاها

فوق ظهر مقرّح و بخفّ‏ * * * رقّ دون الخطى إلى مرقاها

وصمة العار و الشنار و تبقى‏ * * * أبدا ليس ينمحي سيماها

و هي موسومة من اللّه بالسخ * * * ط، و باللعنة التي تصلاها

شرّ موصولة بنار جحيم‏ * * * جمّر اللّه من قديم حصاها

تلك نار تطلّ حتى على أف * * * ئدة الظالمين من أبناها

بعين المهيمن الفرد يجري‏ * * * كلّ ما قد فعلتموه سفاها

سيرى الظالمون أيّ مردّ * * * سيردّون في غد عقباها

و أنا تعلمون بنت نذير * * * لكم من أليم نار براها

فاعملوا نحن عاملون و إنا * * * مثلكم في انتظار يوم جزاها

فاستوى الخصم للجواب و كان ال * * * خصم في ذروة الدهاء أزاها

فاستهلّ الكلام مدحا طويلا * * * جاء في أهلها و خصّ أباها

فهو أدرى بفضلها و علاها * * * و هي أغنى من مدحه إيّاها

فلقد جلجل الكتاب و تكفي‏ * * * آية الطهر وحدها معناها

كان أولى أن يقبل الحق منها * * * لو أراد الهدى إلى مرضاها

غير أن المقصود كان سوى الح * * * قّ و إلا ما لجّ في إيذاها

و غثاء الجمهور أسلس حكما * * * حين بالمكر يستغلّ هواها

يا بنة المصطفى الأمين رسول‏ * * * اللّه و الرحمة التي أهداها

كان بالمؤمنين برّا أبوك‏ * * * أرأف الناس بالورى أرجاها

و على الكافرين كان عذابا * * * و عظيم العقاب ضدّ طغاها

381

إن عزونا محمدا لوجدنا * * * ه أباك من دون كلّ نساها

دوننا اختار إلفك و تاخى‏ * * * حين أحباب دينه آخاها

و على كلّ صاحب و حميم‏ * * * آثر المصطفى عليا و باهى‏

ساعد المصطفى على كلّ أمر * * * من أمور عصت على أقواها

كلّ من يرتضي المودّة فيكم‏ * * * لسعيد و من شقي يأباها

أنتم الخيرة التي انتجب الل * * * ه و الطيّبون عترة طه‏

الحديث، الفرية

و على الخير دربنا و جنان ال * * * خلد، أنتم سبيل من يهواها

أنت يا خيرة النساء بنت خير ال * * * ناس من بدئها إلى منتهاها

قولك الصدق دون ريب و أنت‏ * * * في وفور النهى على أرقاها

غير مردودة عن الحقّ شيئا * * * أو بمصدودة صديق ادعاها

بيد إني سمعت يوما أباك‏ * * * قال لي أن يموت شفاها

معشر الرسل لا تورّث دارا * * * أو نضارا أو فضة أو شياها

الدفاع الهزيل‏

إنما العلم و النبوة و الحك * * * مة و الذكر إرثها و ثراها

إنهم لا يورّثون سواهم‏ * * * مثلما تورث الورى أبناها

فله دون غيره الحكم فيها * * * كيفما شاء يستطيع قضاها

و جعلنا الذي طلبت كراعا * * * و سلاحا و جنّة لوغاها

لجهاد الكفار في ساحة الحر * * * ب و دحر الفجّار في لقياها

ها هم المسلمون بين يديك‏ * * * قرّروا كلّهم على استيفاها

أنا لم أنفرد بذاك لوحدي‏ * * * مستبدّا بما ارتأيت أزاها

ثم هذا حالي و مالي لديك‏ * * * هذه ثروتي إليك عطاها

ليس تزوى الأموال عنك و إني‏ * * * دونك لست داخرا مغناها

382

أنت بنت النبي سيدة النس * * * وان من أمّة أبوك بناها

أنت للروضة المطهّرة الأط * * * ياب ابنيك أصلها و بناها

و لك الفضل ليس يدفع عنك‏ * * * من مزايا جلالك أدناها

و لك ذروة المعالى فروعا * * * و أصولا سمت بك أقضاها

حكمك الآن نافذ فمريني‏ * * * أ تريدين أن أخالف طه‏

قد أتتهم بحجة من كتاب ال * * * له كالشمس في أتمّ ضياها

و أتوها بفرية لفّقوها * * * ليضلّوا بذلكم بسطاها

فتصدّت و مزّقت حجب الزو * * * ر و ألقت عن الوجوه غطاها

الحديث فرية و الرسول لا يخالف القرآن‏

و أجابت سبحان ربي و حاشا ال * * * مصطفى بالذي افتريتم فاها

لم يكن سيد الورى يتخطّى‏ * * * شرعة الذكر أو يروم سواها

أو لأحكامه يخالف نهجا * * * و هو يدعو الورى لنهج خطاها

بل لقد كان إثره يتقفّى‏ * * * سور الذكر تابعا إيّاها

أ مع الغدر تجمعون عليه ال * * * زور واها لقولكم ثم واها

إن ذا بعد موته لشبيه‏ * * * بالتي في حياته لاقاها

كم من الغدر و الغوائل كيدت‏ * * * ضدّه لكن الإله كفاها

هذه المحكمات تنطق فصلا * * * و هي تقضي بالعدل في فحواها

سورة الأنبياء إذ زكريا * * * سأل اللّه فاسألوا معناها

في يرثني و آل يعقوب حكم‏ * * * لا ترى فيه شبهة و اشتباها

و سليمان إذ تورث داو * * * د كمثل الأبناء من آباها

و أبان الجليل من كلّ قسط * * * و سهام قد وزّعت مرماها

و المواريث و الفرائض لمّا * * * فرض اللّه شرعها و عطاها

فلذكرانها حظوظ و أخرى‏ * * * للإناثي أباح حين قضاها

ما أزاح التعلّلات و أقصى‏ * * * علة المبطلين في إجراها

384

شرّ ما اعتضتموا باسن ماء * * * من غدير ترقرقت أمواها

ستلاقون و العظيم ثقيلا * * * محملا لا يطيقه ثقلاها

إذ لكم كشّف الغطاء و بان ال * * * ضرّ ممّا جنت يداكم وراها

و بدت من إلهكم سطوات‏ * * * لم تكونوا لتحسبوا أدناها

و هناكم ستعلمون هناكم‏ * * * خسر المبطلون في عقباها

ثم مالت إلى ضريح أبيها * * * تودع المصطفى الأمين شكاها

و توارت كسيرة القلب عنهم‏ * * * فلقد خيّب الجميع رجاها

و عادت فاطمة (عليها السلام) إلى دار علي (عليه السلام)

ثم عادت لدارها و دموع ال * * * وجد خطّت على الخدود خطاها

و أمير الإيمان في كلّ آن‏ * * * كان يرجو طلوعها و لقاها

و هناكم لمّا استقرّ بها الدا * * * ر تمادى الأسى بصدر شكاها

فرمت نحوه بطرف كسير * * * و جرت في دموعها عيناها

طمعت أن تثير فيه علي ال * * * عزم و النجدة المدوّي صداها

و بطولات خيبر و حنين‏ * * * و مروءاته التي أبداها

فلعل الذي مضى من مياه ال * * * نّبع غفلا يعود في مجراها

استنهاض الإمام الممتحن‏

خاطبته يا ابن المحامي أبي طا * * * لب زين الرجال رمز إباها

كيف يا فاتح الحصون اشتملت ال * * * يوم من شملة الجنين رداها

قاعدا حجرة الظنين كأن لم‏ * * * تلك للحرب سيفها و فتاها

أو ما قد نقضت من أجدل الطي * * * ر قواديم يتّقي بأساها

كيف قد خان أعزل الريش شهما * * * كان في كلّ وقعة لا فتاها

أو يبتزّها نحيلة طه‏ * * * بلغة ابنيّ يستحلّ جناها

جاهرا في عداوتي دون تقوى‏ * * * ماضيا في خصومتي أقصاها

385

قد وجدت العنيد لا زال خصما * * * من ألدّ الخصام في دعواها

ذاك حتى الأنصار قد حبستني ال * * * نصر و استعفّت الحماة حماها

و قرابى المهاجرين رباط ال * * * وصل قدّت و مزّقت قرباها

و الجماعات غضّت الطرف عنّي‏ * * * و كأنّي مخاطب ما سواها

ليس من دافع مهجّجة الظل * * * م و لا مانع أليم أذاها

رحت مكظومة بصبري حسرى‏ * * * ثم مرغومة رجعت وراها

حدّك الحق قد أضعت فأضحى‏ * * * ضارعا خدّك الذي لا يضاهى‏

افترست الذئاب كيف افترشت ال * * * يوم وجه التراب من بوغاها

ما كففت المهرّجين مقالا * * * و عن الظالمين شرّ أذاها

و أنا لا خيار لي فلو أنّي‏ * * * كنت أستطيع أن أردّ بلاها

ليتني قبل هينتي كان موتي‏ * * * و الرّدى دون ذلّتي أسقاها

فكفاني محاميا و كفاني‏ * * * منك ربي من العدى عداواها

آه ويلاي كلّما طلّ صبح‏ * * * فوق دنيا من الأسى ويلاها

قد توفّي العماد فانهدّ منّي‏ * * * عضد العزّ و الرجاء وراها

فشكاتي إلى أبي و لرب ال * * * عرش عدوى ظلامتي مرساها

يا إلهي لأنت أعظم بأسا * * * و أشدّ النكال في عقباها

هزّه في خطابها الوجد و المج * * * د و عزّ الإيمان في تقواها

و هو لو لا وصيّة من نبي ال * * * له أحرى بأن يجيب نداها

و يعيد الأمور ظهرا لبطن‏ * * * و ينيل المنافقين جزاها

فهو في البأس لا يدانيه بأس‏ * * * و هو أقوى باللّه من أعداها

كيف لا و هو في الحروب جميعا * * * قطب مهراسها و جمر وغاها

منعت سيد الوغى أن يثير ال * * * حرب أن الأمور في مبداها

كان دين الإسلام عودا طريّا * * * و الجماهير هشّة في انتماها

أشفق المرتضى على نبتة الإس * * * لام من فتنة تشبّ لظاها

غارس الروضة البهيّة أولى‏ * * * أن يحامي بروحه أفياها

383

ليس هذا كلّا و لكنّ أمرا * * * سوّلته نفوسكم من غواها

و عزائي الصبر الجميل و ربي‏ * * * مستعاني على عظيم جناها

جواب أبي بكر و الاعتراف بالخطإ

ثم لمّا رأى أخو تيم أن ال * * * حقّ أقوى من فرية سمّاها

فضح الحقّ كذبه و تعرّى ال * * * زور كالثلج تحت شمس نداها

ولدى الصبح طلعة إن تبدي‏ * * * ينمحي الليل في التمام سناها

أ يردّ القرآن أم من أتاه‏ * * * أ عليّا يردّه أم أباها

ليس يجدي الإنكار للشمس مهما * * * لجّ في حجب نورها و ضياها

صدق اللّه و الرسول و بنتال * * * مصطفى فاطم البتولة فاها

معدن الحكمة الأصيلة ركن ال * * * دين أنت، و للهدى مرساها

لست مستنكرا عليك خطابا * * * أو صواب احتجاجة آتاها

ها هم المسلمون بيني و ما بي * * * نك فاستوضحي الجموع رؤاها

باتفاق منهم أخذت ربوعا * * * كان للمصطفى الأمين رعاها

لا بمستكبر و لا مستبدّ * * * أو بمستأثر غنيّ ثراها

فأشارت بنت الرسول إلى النا * * * س و قهر المستضعفين طواها

عناد المتواطئين على الباطل‏

أيها المسرعون نحو الأباطي * * * ل تحامي عن شقشقات رغاها

أ تغضّون عن قبيح فعال‏ * * * هي من أخسر التي تغشاها

أ فلا يا عصاة تدبّرون ال * * * ذكر أم ملّت النفوس هداها

أم بأقفالها استبدّت قلوب‏ * * * فاستحبّت على الرشاد عماها

ليس بله القلوب ران عليها * * * للذي قد استأتموه صداها

و لهذا بسمعكم أخذ الل * * * ه، و أبصاركم فأعمى ضياها

بئس نهج أوّلتموه ضلالا * * * و سفاها لما أشرتم سفاها

386

و هو ثاني بناتها و المروّي‏ * * * زرعها الغضّ و هو حامي حماها

قال: مهلا بنت النبوة مهلا * * * إنما الصبر للتقاة حلاها

ما لك الويل بل لشانئك الوي * * * ل و أقسى العذاب في أخراها

يا بنة الصفوة الصفيّة عطر ال * * * نور بقيا نبوة أبقاها

نهنهي النفس وجدها و استقرّي‏ * * * حان للنفس أن تريحي جواها

فعن الدين ما ونيت و عمّا * * * قدّر اللّه ما خطوت اشتباها

فاطمئنّي لبلغة العيش إن ال * * * له في سابق الزمان قضاها

و كفيل ابنة النبي أمين‏ * * * و هو اللّه حافظ إيّاها

و جنان قد مهّدت لك خير * * * من قرى حرّموك عن مغناها

فلك اللّه جلّ فاحتسبيه‏ * * * هضمة الحقّ حاش أن ينساها

الكلمة الأخيرة لفاطمة (عليها السلام)

فأجابت: اللّه حسبي و قرّت‏ * * * و على الدهر رنّة من صداها

و مضت إذ مضت على القهر حسرى‏ * * * ثم ماتت مطويّة بأساها

المصادر:

فاطمة الزهراء (عليها السلام) في ديوان الشعر العربي: ص 197 ح 79.

37

المتن:

قال السيد الهاشمي بعد ذكر احتجاجات الزهراء (عليها السلام) مع أبي بكر و خطبتها الخالدة:

و هنا كلمة و سؤال:

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن يسأل: ما دعا أبا بكر أن يلين و يخضع هكذا؟ و ما دعا الزهراء (عليها السلام) أن تثبت على رأيها و لا تتضعضع عن موقفها؟

387

لقد أجاب الجاحظ عن هذا السؤال و كفانا مؤونة الجواب، قال في رسائله:

فإن قالوا: كيف تظنّ به ظلمها و التعدّي عليها؟ و كلّما إزدادت عليه غلظة ازداد لها لينا و رقّة، حيث تقول له: «و اللّه لا أكلّمك أبدا»، فيقول: و اللّه لا أهجرك أبدا، ثم تقول: «و اللّه لأدعونّ اللّه عليك»، فيقول: و اللّه لأدعونّ اللّه لك. ثم يتحمّل منها هذا الكلام الغليظ و القول الشديد في دار الخلافة و بحضرة قريش و الصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء و التنزيه و ما يجب لها من الرفعة و الهيبة، ثم لم يمنعه ذلك عن أن قال معتذرا متقرّبا بكلام المعظّم لحقّها و المكبّر لمقامها، الصائن لوجهها، المتحنّن عليها: ما أحد أعزّ عليّ منك فقرا و لا أحبّ إليّ منك غنى، و لكن سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة.

قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم و السلامة من الجور، و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر- إذا كان أريبا و للخصومة معتادا- أن يظهر كلام المظلوم و ذلّة المنتصف و حدب الوامق و مقت المحقّ ....

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 293، عن رسائل الجاحظ.

2. رسائل الجاحظ: ص 300، على ما في فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد.

390

في هذا الفصل‏

هذه الخطبة آخر تألّمات الصديقة الكبرى (عليها السلام) في أشدّ حالاتها في منزلها عند دخول نساء المهاجرات و الأنصاريات إليها عائدات لها، و شكوى السيدة عن رجالهنّ، و إعراضها عن دنياهن، و تنبيهها لهنّ بخسران الأمة في إعراضهم عن علي (عليه السلام) و استبدالهم الغير له (عليه السلام)، و إنذار هم بعاقبة هذا الاغتصاب و وقوعهم في الفتنة، و حسرتها لهم بفعالهم، و مراجعة النسوان إلى رجالهنّ و نقل كلام الزهراء (عليها السلام) لهم و عدم قبولها عذرهم بعد تقصيرهم.

يأتي في هذا الفصل خطبتها للنساء في 16 حديثا:

خطبة الزهراء (عليها السلام) عند عيادة نساء المهاجرين و الأنصار بنقل محمد بن جرير الطبري الإمامي برواية علي بن الحسين (عليه السلام)، و فيها شكوى فاطمة (عليها السلام) عن رجالهنّ و نقض عهدهم و إعراضهم عن علي (عليه السلام).

خطبة الزهراء (عليها السلام) للنسوان في شدة مرضها و هي صاحبة الفراش بنقل محمد بن جرير الطبري أيضا برواية فاطمة بنت الحسين (عليها السلام).

389

الفصل الثالث خطبتها (عليها السلام) في بيتها

391

خطبة الزهراء (عليها السلام) في مرض وفاتها لنساء المهاجرين و الأنصار بنقل ابن طيفور برواية عطيّة العوفي.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في بيتها في اجتماع نساء المهاجرين و الأنصار لعيادة علّتها بنقل الشيخ أبي جعفر الصدوق برواية فاطمة بنت الحسين (عليها السلام).

خطبة الزهراء (عليها السلام) عند دخول النسوة عليها لعيادتها في علّتها بنقل الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي برواية ابن عباس.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في مرض وفاتها لنساء المهاجرين و الأنصار بنقل الشيخ الطبرسي برواية سويد بن غفلة.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في اجتماع النساء لعيادتها في شدة وجعها في علتها بنقل أحمد بن عبد العزيز الجوهري برواية فاطمة بنت الحسين (عليها السلام).

خطبة الزهراء (عليها السلام) في عيادة النساء لها في مرضها بنقل الوزير الكاتب المنصور بن الحسين الآبي.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في مرضها عند دخول نساء المهاجرين و الأنصار عليها للعيادة بنقل يوسف بن حاتم الشامي.

ذكر النباطي البياضي شطرا من خطبة الزهراء (عليها السلام) في فراشها لنساء المهاجرين و الأنصار.

نقل الشيخ محمد السبزواري شطرا يسيرا من خطبة الزهراء (عليها السلام) للنسوان.

خطبة الزهراء (عليها السلام) في شدة مرضها في عيادة النساء بنقل توفيق أبي علم.

وصية فاطمة (عليها السلام) لعلي (عليه السلام) عند وفاتها بدفنها ليلا و منع رجلين حضورهما و شدة مرضها و اجتماع نساء المهاجرين و الأنصار لعيادتها و خطبتها لهنّ بنقل السيد أبي العباس الحسيني برواية علي بن أبي طالب (عليه السلام).

392

نقل شطر من قصيدة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في عيادة نساء المهاجرين و الأنصار و خطبة الزهراء (عليها السلام) في مرضها.

عيادة أم سلمة فاطمة (عليها السلام) و كلامها (عليها السلام) في شكواها عن فقد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ظلم الوصي و فعال القوم بأمير المؤمنين (عليه السلام) بنقل ابن شهرآشوب.

عيادة عائشة بنت طلحة فاطمة (عليها السلام) و كلامها و شكايتها عما جرى عليها من القوم بنقل أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي برواية أبي غانم المعلّم الأعرج.

393

1

المتن:

عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال:

رجعت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها و شكت و توفّيت في تلك الشكاية.

دخلن عليها النساء المهاجرات و الأنصاريات عائدات فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه؟ فقالت:

أصبحت و اللّه عائفة لدنيا كنّ، تالية لرجالكنّ؛ شنأتهم بعد أن عرفتهم، و لفظتهم بعد أن سيّرتهم، و رميتهم بعد أن عجمتهم؛ فقبحا لفلول الحد، و خطل الرأي، و عئور الجد، و خوف الفتن. «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

لا جرم، و اللّه لقد قلّدتهم ربقتها، و شفنت عليهم غارتها؛ فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين. يحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح‏

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

394

الأمين بالوحى المبين؛ الطبن بأمر الدنيا و الدين. ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (1)

ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه منه شدة وطأته، و نكال وقعته، و نكير سيفه، و تبحّره في كتاب اللّه، و تنمّره في ذات اللّه، و أيم اللّه لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتقله، ثم سار بهم سيرا سجحا لا يكلّم خشاشة، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا رويّا صافيا فضفاضا، تطفح ضفتاه، ثم لا صدرهم بطانا بغمرة الشارب و شبعة الساغب، و لانفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض، و لكنهم بغوا؛ فسيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا فاسمعنّ و من عاش أراه الدهر العجب، و إن تعجبن فانظرن إلى أيّ نحو اتّجهوا، و على أيّ سند استندوا، و بأيّ عروة تمسّكوا، و لمن اختاروا و لمن تركوا؛ لبئس المولى و لبئس العشير.

استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل؛ فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (2)، «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ» (3)، «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (4)

ألا لعمر اللّه لقد لقحت، فانظروها تنتج، و احتلبوا لطلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا؛ هنالك خسر المبطلون، و عرف التالون ما أسّس الأولون. فليطيبوا بعد ذلك نفسا و ليطأمنوا للفتنة جأشا، و ليبشّروا بسيف صارم، و هرج شامل، و استبدال من الظالمين؛ يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم حصيدا، فيا خسرى لكم و كيف بكم و قد عميت عليكم؛ «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (5)

____________

(1). سورة الحج: الآية 11.

(2). سورة الكهف: الآية 104.

(3). سورة البقرة: الآية 12.

(4). سورة يونس: الآية 35.

(5). سورة هود: الآية 28.

395

المصادر:

1. دلائل الإمامة: ص 40.

2. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرّم: ص 98.

3. عوالم العلوم: ج 11 ص 824 ح 2، عن الدلائل.

الأسانيد:

في دلائل الإمامة: حدثني أبو المفضل محمد بن عبد اللّه، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثني محمد بن الفضل بن إبراهيم بن الفضل بن قيس الأشعري، قال: حدثنا علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (عليهم السلام).

2

المتن:

عن فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، قالت:

لما اشتدّت علّة فاطمة (عليها السلام)، اجتمع عندها نساء المهاجرين و الأنصار و قلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه؟ فقالت:

أصبحت عائفة لدنياكنّ، تالية لرجالكنّ؛ لفظتهم بعد أن عجمتهم، و سئمتهم بعد أن سبرتهم؛ فقبحا لفلول الحد، و خور القناة، و خطل الرأي؛ «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذعانا ممقرا؛ «فهنالك يخسر المبطلون»، و يعرف التالون ما أسّس الأولون. فطيبوا عن أنفسكم نفسا، و اطمأنّوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف قاصل، و هرج شامل، و استبدال من الظالمين، يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم حصيدا؛ فيا خسرى لكم و أنّى بكم، و قد عميت عليكم. «أَ نُلْزِمُكُمُوها

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

396

وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (1) و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة على أبي سيد المرسلين.

المصادر:

1. دلائل الإمامة: ص 41.

2. تراجم أعلام النساء للأعلمي: ص 329.

الأسانيد:

و حدثني أبو اسحاق إبراهيم بن مخلّد بن جعفر الباقر حى، قال: حدّثتني أم الفضل خديجة بنت أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الصفواني، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن المهلّبي، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن سليمان المدائني، قال: حدثني أبي عن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، قالت.

3

المتن:

عن عطية العوفي، قال:

لمّا مرضت فاطمة (عليها السلام) المرضة التي توفّيت بها، دخل النساء عليها فقلن: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول اللّه؟ قالت:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم. لفظتهم بعد أن عجمتهم، و شنئتهم بعد أن سبرتهم؛ فقبحا لفلول الحد و خور القنا و خطل الرأي، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (2)

____________

(1). سورة هود: الآية 28.

(2). سورة المائدة: الآية 80.

397

لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، و شنت عليهم عارها؛ فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين. ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح الأمين، الطبن بأمور الدنيا و الدين؛ ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (1)

و ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه منه نكير سيفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمّره في ذات اللّه، و باللّه لو تكافئوا على زمام نبذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسار بهم سيرا سجحا، لا يكلّم خشاشه، و لا يتعتع راكبه، و لا وردهم منهلا رويّا فضفاضا، تطفح ضفّتاه، و لا صدرهم بطانا قد تحرى بهم الري غر متجل منهم بطائل بعمله الباهر، و ردعه سورة الساغب، و لفتحت عليهم بركات من السماء، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا هلمن فأسمعن و ما عشتن أراكن الدهر عجبا. إلى أيّ لجأ لجئوا و أسندوا، و بأيّ عروة تمسّكوا؟ و لبئس المولى و لبئس العشير.

استبدلوا و اللّه الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ‏ (2) يحهم‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (3)

أما لعمر إلهكن لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا «هنالك يخسر المبطلون»، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأولون.

ثم أطيبوا عن أنفسكم نفسا و طامنوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف صارم، و بقرح شامل، و استبداد من الظالمين؛ يدع فيكم زهيدا، و جمعكم حصيدا. فيا حسرة لكم و أنّى بكم، و قد عميت عليكم، «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (4) ثم أمسكت (عليها السلام).

____________

(1). سورة الزمر: الآية 15.

(2). سورة البقرة: الآية 12.

(3). سورة يونس: الآية 35.

(4). سورة هود: الآية 28.

398

المصادر:

1. بلاغات النساء: ص 32.

2. إحقاق الحق: ج 10 ص 306، عن بلاغات النساء.

3. أعلام النساء لعمر رضا كحالة: ج 2 ص 1219، على ما في الإحقاق.

4. حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) للقرشي: ص 365.

الأسانيد:

في بلاغات النساء: حدثني هارون بن مسلم بن سعدان، عن الحسن بن علوان، عن عطية العوفي، قال.

4

المتن:

عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، قال:

لما اشتدّت علّة فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام)، اجتمع عندها نساء المهاجرين و الأنصار فقلن لها: يا بنت رسول اللّه، كيف أصبحت من علّتك؟ فقالت:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتهم قبل أن عجمتهم، و شنأتهم بعد أن سبرتهم. فقبحا لفلول الحدّ، و خور القناة، و خطل الرأي، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ». (1)

و في بعض النسخ: عائفة لدنياكنّ، قالية لرجالكنّ؛ و سيأتي تفسير كلامها (عليها السلام) في المتن. العذاب هم خالدون.

لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، و شننت عليهم عارها؛ فجدعا و عقرا و سحقا للقوم الظالمين.

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

399

ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الوحي الأمين، و الطبين بأمر الدنيا و الدين. ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (1)

و ما نقموا من أبي حسن؛ نقموا و اللّه منه نكير سيفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمّره في ذات اللّه عز و جل. و اللّه لو تكافوا عن زمام نبذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتلقه، و لسار بهم سيرا سجحا؛ لا يكلّم خشاشه، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا نميرا.

فضفاضا تطفح ضفتاه، و لأصدرهم بطانا؛ قد تخيّر لهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء و ردعه سورة الساغب، و لفتحت عليهم بركات السماء و الأرض، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا هلم فأسمع، و ما عشت أراك الدهر العجب، و إن تعجب و قد أعجبك الحادث.

إلى أيّ سناد استندوا، و بأيّة عروة تمسّكوا؟ استبدلوا الذنابى و اللّه بالقوادم، و العجز بالكاهل؛ فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»؟ (2)

أما لعمر إلهك لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتجوا، ثم احتلبوا. ألا هلمّ فأسمع ما عشت أراك الدهر العجب، و إن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أيّ لجأ أسندوا و بأيّ عروة تمسّكوا، لبئس المولى و لبئس العشير، و بئس للظالمين بدلا. طلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا، هنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأولون.

ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسنا؛ فطامنوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف صارم، و هرج شامل، و استبداد من الظالمين، يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم حصيدا.

____________

(1). سورة الزمر: الآية 15.

(2). سورة البقرة: الآية 12.

400

فيا حسرة لكم، و أنّى لكم، و قد عميت عليكم. «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (1) و الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على محمد خاتم النبيين و سيد المرسلين.

المصادر:

1. معاني الأخبار: ج 2 ص 337.

2. بحار الأنوار: ج 43 ص 158 ح 9، عن معاني الأخبار.

3. جزاء أعداء الصديقة الشهيدة (عليها السلام) للناجي الجزائري: ص 76، عن معاني الأخبار.

4. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد: ص 323، عن معاني الأخبار.

5. الاكتفاء: ص 278 ح 119، عن البحار.

6. الجنّة العاصمة: ص 303، عن المعاني.

7. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 367.

8. عوالم العلوم: ج 11 ص 814 ح 1، عن معاني الأخبار.

9. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرّم: ص 107.

الأسانيد:

في معاني الأخبار: حدثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي، قال: حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلّبي، قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليها السلام).

5

المتن:

عن ابن عباس، قال:

دخلن نسوة من المهاجرين و الأنصار على فاطمة بنت رسول اللّه (عليها السلام) يعدنها في علّتها، فقلن لها: السلام عليك يا بنت رسول اللّه، كيف أصبحت؟ فقالت:

____________

(1). سورة هود: الآية 28.

401

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكنّ، قالية لرجالكن؛ لفظتهم بعد إذ عجمتهم، و سئمتهم بعد إذ سبرتهم. فقبحا لافون الرأي، و خطل القول، و خور القناة، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

و لا جرم، و اللّه لقد قلّدتهم ربقتها، و شننت عليهم عارها؛ فجدعا و رغما للقوم الظالمين.

و يحكم! أنّى زحزحوها عن أبي الحسن؛ ما نقموا و اللّه منه إلا نكير سيفه، و نكال وقعه، و تنمّره في ذات اللّه، و تاللّه لو تكافئوا عليه عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتلقه، ثم لسار بهم سيرة سجحا، فإنه قواعد الرسالة، و رواسي النبوة، و مهبط الروح الأمين، و الطّبين أمر الدين و الدنيا و الآخرة؛ ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (2)

و اللّه لا يكتلم حشاشه، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا رويّا، فضفاضا تطفح صفته، و لأصدرهم بطانا قد خثر بهم الريّ غير متحلّ بطائل، الا تغمر الناهل و ردع سورة سغب، و لفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

فهلمّ فاسمع، فما عشت أراك الدهر عجبا و إن تعجب بعد الحادث. فما بالهم، بأيّ سند استندوا، أم بأيّة عروة تمسّكوا؟ لبئس المولى و لبئس العشير، و «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا». (3)

استبدلوا الذنابي بالقوادم، و الحرون بالقاحم، و العجز بالكاهل؛ فتعسا لقوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (4)

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

(2). سورة الزمر: الآية 15.

(3). سورة الكهف: الآية 50.

(4). سورة البقرة: الآية 12.

402

لفحت فنظرة ريث ما تصبح، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و رعافا ممضّا، هنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غبّ ما أسكن الأولون. ثم طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم لفتنها، ثم اطمأنّوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف صارم، و هرج دائم شامل، و استبداد من الظالمين؛ فزرع فيكم زهيدا، و جمعكم حصيدا. فيا حسرة لهم و قد عميت عليهم الأنباء؛ «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (1)

المصادر:

1. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 384.

2. بحار الأنوار: ج 43 ص 161 ح 10، عن الأمالي.

3. الجنّة العاصمة: ص 303، عن الأمالي.

الأسانيد:

في الأمالي: أخبرنا الحفار، قال: حدثنا الدعبلي، قال: حدثنا أحمد بن علي الخزّاز ببغداد بالكرخ بدار كعب، قال: حدثنا أبو سهل الدّقاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال:

الدعبلي. حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الديري بصنعاء اليمن في سنة ثلاث و ثمانين و مأتين، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس.

6

المتن:

قال سويد بن غفلة:

لما مرضت فاطمة (عليها السلام) المرضة التي توفّيت فيها، دخلت عليها نساء المهاجرين و الأنصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول اللّه؟ فحمدت اللّه و صلّت على أبيها، ثم قالت:

____________

(1). سورة هود: الآية 28.

403

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكنّ، قالية لرجالكنّ؛ لفظتهم بعد أن عجمتهم، و سئمتهم بعد أن سبرتهم. فقبحا لفلول الحد، و اللعب بعد الجدّ، و قرع الصفات، و صدع القناة، و ختل الآراء، و زلل الأهواء، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

لا جرم، لقد قلّدتهم ربقتها، و حملتهم أوقتها، و شننت عليهم غاراتها؛ فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين.

يحهم! أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة و الدلالة، و مهبط الروح الأمين، و الطبين بأمور الدنيا و الدين؛ ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (2)

و ما الذي نقموا من أبي الحسن (عليه السلام)؟ نقموا و اللّه منه نكير سيفه، و قلّة مبالاته لحتفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمّره في ذات اللّه، و تاللّه لو مالوا عن المحجّة اللائحة و زالوا عن قبول الحجة الواضحة، لردّهم إليها، و حملهم عليها، و لسار بهم سيرا سبجحا لا يكلم حشاشه، و لا يكلّ سائره، و لا يملّ راكبه، و لأوردهم منهلا نميرا صافيا رويّا، تطفح صفتاه و لا يترنّق جانباه، و لأصدرهم بطانا، و نصح لهم سرا و إعلانا، و لم يكن يتحلى من الدنيا بطائل، و لا يحظّي منها بنائل، غير ري الناهل، و شبعة الكافل، و لبان لهم الزاهد من الراغب، و الصادق من الكاذب؛ «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ (3) وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ». (4)

ألا هلمّ فاسمع، و ما عشت أراك الدهر عجبا، و إن تعجب فعجب قولهم. ليت شعري إلى أيّ إسناد استندوا، و إلى أيّ عماد اعتمدوا، و بأيّة عروة تمسّكوا، و على أيّة

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

(2). سورة الزمر: الآية 15.

(3). سورة الأعراف: الآية 96.

(4). سورة الزمر: الآية 51.

404

ذرّية أقدموا و احتنكوا؟ لبئس المولى و لبئس العشير، و «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا». (1)

استبدلوا و اللّه الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل؛ فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ». (2) يحهم! «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (3)

أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دما عبيطا و زعافا مبيدا؛ «هنالك يخسر المبطلون»، و يعرف البطالون غبّ ما أسّس الأولون.

ثم طيبوا عن دنياكم أنفسا، و اطمأنّوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف صارم، و سطوة معتد غاشم، و بهرج شامل، و استبداد من الظالمين، يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم حصيدا.

فيا حسرة لكم و أنّى بكم و قد عميت عليكم. «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (4)

قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها (عليها السلام) على رجالهنّ، فجاء إليها قوم من المهاجرين و الأنصار معتذرين و قالوا: يا سيدة النساء! لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر قبل أن يبرم العهد و يحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره. فقالت: إليكم عني، فلا عذر بعد تعذيركم، و لا أمر بعد تقصيركم.

المصادر:

1. الاحتجاج: ج 1 ص 148.

2. المطالب المهمة في تاريخ النبي و الزهراء و الائمة (عليهم السلام): ص 20.

3. أعيان النساء عبر العصور المختلفة: ص 442.

4. أعلام النساء المؤمنات للحسّون: ص 564، عن الاحتجاج.

5. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) و أسبابها للقميحا: ص 316، عن الاحتجاج.

____________

(1). سورة الكهف: الآية 50.

(2). سورة الكهف: الآية 104.

(3). سورة يونس: الآية 35.

(4). سورة هود: الآية 28.

405

6. بحار الأنوار: ج 43 ص 159 ح 9، عن الاحتجاج.

7. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) لشيخ الإسلامي: ص 137، عن الاحتجاج.

8. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام) للعطاردي: ص 571، عن الاحتجاج.

9. الدمعة الساكبة: ج 1 ص 312، عن الاحتجاج.

10. الجنّة العاصمة: ص 304، عن الاحتجاج.

11. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام): ص 98، عن الاحتجاج.

12. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (عليها السلام): ص 192، بتفاوت يسير.

13. قدّيسة الإسلام: ص 174.

14. فاطمة الزهراء (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص 434.

15. الزهراء (عليها السلام) في السنة و التاريخ و الأدب: ج 2 ص 375.

16. الزهراء (عليها السلام) و خطبة فدك لمحمد تقي الشريعتمداري: ص 206.

17. شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) للسيد محمد تقي النقوي: ص 615.

18. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): ص 849.

19. عوالم العلوم: ج 11 ص 823.

20. ناسخ التواريخ: مجلد فاطمة الزهراء (عليها السلام) ج 1 ص 196.

21. بيت الأحزان: ص 145.

22. وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام): ص 57.

7

المتن:

عن عبد اللّه بن حسن بن حسن، عن أمّه فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، قالت:

لما اشتدّت بفاطمة (عليها السلام) الوجع و اشتدّت علّتها، اجتمعت عندها نساء المهاجرين و الأنصار، فقلن لها: يا بنت رسول اللّه، كيف أصبحت عن ليلتك؟ قالت:

أصبحت و اللّه عائفة دنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتهم بعد إذ عجمتهم، و شنئتهم بعد أن سبرتهم. فقبحا لفلول الحدّ، و الخور القناة، و خطل الرأي، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

406

لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، و سننت عليهم عارتها؛ فجدعا و عقرا و سحقا للقوم الظالمين.

ويحهم! أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح الامين، و الضنين بأمر الدنيا و الدين؛ ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (1)

و ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه نكير سيفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته و تنمّره في ذات اللّه عز و جل، و تاللّه لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتلقه، و لسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفّتاه، و لأصدرهم بطانا قد تختّر بهم الرىّ، غير متحلّ منه بطائل إلا بغمر الماء، و ردعه سورة الساغب، و لفتحت عليهم بركات السماء و الأرض، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا هلمّ فاسمع ما عشت أراك الدهر العجب، و إن تعجب فقد أعجبك الحادث.

إلى أيّ لجأ أسندوا، و بأيّ عروة تمسّكوا؟ لبئس المولى و لبئس العشير، و بئس للظالمين بدلا.

استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل؛ فرغما لمعاطس قوم «يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون». ويحهم! «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (2) أما لعمر إلهك لقد لقحت، فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا؛ «هنالك يخسر المبطلون»، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسنا، فطامنوا للفتنة جأشا و أبشروا بسيف صارم، و هرج شامل، و استبداد من الظالمين؛ يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم حصيدا. فيا حسرة لكم و أنّى لكم و قد عميت‏

____________

(1). سورة الزمر: الآية 15.

(2). سورة البقرة: الآية 12.

407

عليكم. «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (1)، و الحمد للّه رب العالمين، و صلّى اللّه على محمد خاتم النبيين و سيد المرسلين.

المصادر:

1. السقيفة و فدك: ص 117.

2. كشف الغمة: ج 1 ص 492.

3. شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: ج 16 ص 233.

4. نفحات اللاهوت: ص 96، شطرا منها، عن السقيفة و فدك.

5. إحقاق الحق: ج 10 ص 307، عن شرح نهج البلاغة.

الأسانيد:

في السقيفة و فدك: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد عبد الرحمن المهلبي، عن عبد اللّه بن حماد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، قالت.

8

المتن:

قال الوزير الكاتب منصور بن الحسين الآبي في عيادة النساء للزهراء (عليها السلام) و خطبتها:

قالوا: لما مرضت فاطمة (عليها السلام)، دخل النساء عليها و قلن: كيف أصبحت من علّتك يا بنة رسول اللّه؟ قالت:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتهم بعد أن عجمتهم، و شنئتهم بعد أن سبرتهم. فقبحا لفلول الحد، و خطل الرأي، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (2)

____________

(1). سورة هود: الآية 28.

(2). سورة المائدة: الآية 80.

408

لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، و شنت عليهم غارتها؛ فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين.

ويحهم! أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح الأمين، و الطبن بأمر الدنيا و الدين؟ «أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (1)

ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه نكير سيفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمّره في ذات اللّه، و تاللّه لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتقله، و لسار بهم سجحا لا يكلم خشاشه و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا رويّا فضفاضا تطفح ضفتاه، و لأصدرهم بطانا، و قد تحيّز بهم الري، غير مستحلّ منه بطائل إلا بغمر الناهل، أو دعة سورة الساغب، و لفتحت عليهم بركات من السماء، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا هلم فاستمع و ما عشت أراك الدهر عجبا، و إن تعجب فعجب لحادث‏

إلى أيّ ملجأ لجؤوا و استندوا [و اسندوا «خ»]، و بأيّ عروة تمسّكوا؟ «لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ». (2)

استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ» (3)، ويحهم! «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ». (4)

أما لعمر إلهك لقد لقحت، فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذعافا ممقرا، فهنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غبّ ما أسّسه الأولون.

____________

(1). سورة الزمر: الآية 115.

(2). سورة الحج: الآية 13.

(3). سورة البقرة: الآية 12.

(4). سورة يونس: الآية 35.

409

ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا، و طامنوا للفتنة جأشا، و أبشروا بسيف صارم، و بهرج شامل، و استبداد من الظالمين؛ يدع فيكم زهيدا، و جمعكم حصيدا؛ فيها حسرة بكم و قد عميت عليكم، «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (1)

و من ألفاظها (عليها السلام): و ما زالوا حتى استبدلوا الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل؛ فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ». (2)

لفظتم بعد أن أعجمتهم و شنأتهم [ظ] بعد أن خلط الرأي، و لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم- في كلام كثير اختصرناه-.

ثم قامت (عليها السلام) و انصرفت.

المصادر:

نثر الدرّ للآبي: ج 4 ص 13.

2. جواهر المطالب: ج 1 ص 158.

3. أعلام النساء لعمر رضا كحّالة: ص 128، بتفاوت يسير.

9

المتن:

قال يوسف بن حاتم الشامي في ذكر مرضها و عيادة النسوان و خطبتها (عليها السلام) لهنّ:

قيل: لما مرضت فاطمة (عليها السلام)، دخل عليها نساء المهاجرين و الأنصار يعدنها فقلن:

كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول اللّه؟ فقالت: أصبحت و اللّه عائفة لدنياكنّ، قالية لرجالكنّ؛ لفظتهم بعد أن عرفتهم، و شنأتهم بعد أن سبرتهم. فقبحا لفلول الحد، و خطل الرأي، و خور القناة: «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ». (3)

____________

(1). سورة هود: الآية 28.

(2). سورة البقرة: الآية 12.

(3). سورة المائدة: الآية 80.

411

10

المتن:

قال النباطي البياضي في ذكر فضائلها:

... و قد قالت في خطبتها المشهورة:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتم بعد أن عجمتم، و سبرتم بعد أن خبرتم.

ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و ما نقموا من أبي الحسن (عليه السلام)- تاللّه- إلا نكال سيفه، و نكير وقعه، و شدة وطئه، و تشهيره في ذات اللّه.

إلى أيّ لجأ أسندوا، و بأيّ عروة تمسّكوا؛ لبئس المولى و لبئس العشير. استبدلوا الذنابي بالقوادم، و الإعجاز بالكواهل؛ رغما لمعاطس قوم؛ يحسبون أنهم مصلحون، «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ». (1)

المصادر:

الصراط المستقيم: ج 1 ص 171.

11

المتن:

قال الشيخ محمد السبزواري في باب «فيما قيل في جواب كيف أصبحت»:

... قيل لفاطمة (عليها السلام): كيف أصبحت يا بنة المصطفى؟ قالت:

أصبحت عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتهم بعد أن عجمتهم؛ فأنا بين جهد و كرب، بينما فقد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ظلم الوصي.

____________

(1). سورة البقرة: الآية 12.

410

لقد قلّدتهم ربقتها، و شنئت عليهم غارتها، فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين.

ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح الأمين.

ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه شدة وطأته، و نكال وقعته، و نكير سيفه، و تنمّره في ذات اللّه.

و أيم اللّه لو تكافّوا (1) على زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لسار بهم سيرا سجحا، يكلم خشاشة، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا نميرا فضفاضا، و تطفح و صفتاه، و لأصدرهم بطانا، قد يحترق بهم الرأي غير منجلي منه بطائل، و لفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض.

ألا هلمّ فأعجب، و ما عشت أراك الدهر عجبا، فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (2)، و لعمر اللّه لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا و ذغافا ممقرا؛ فهنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غبّ ما أسّس الأولون.

فطيبوا عن أنفسكم نفسا، و طأمنوا الفتنة جاشا، و أبشروا بسيف صارم، و هرج شامل؛ يدع فيأكم زهيدا، و جمعكم فيكم حصيدا؛ فيا حسرة عليكم فأنّى بكم، و قد عميت عليكم؛ «أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ»؟ (3)

المصادر:

الدرّ النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم (عليهم السلام): ص 481.

____________

(1). التكافّ: تفاعل من الكفّ، و هو الدفع و الصرف.

(2). سورة الكهف: الآية 50.

(3). سورة هود: الآية 28.

414

13

المتن:

عن علي (عليه السلام) قال:

لما حضرت فاطمه (عليها السلام) الوفاة قالت لعلي (عليه السلام): أ تنفذ وصيتي و عهدي أو لأعهدنّ إلى غيرك؟ قال: بلى أنفذها. فأوصت إليه فقالت: إذا أنا متّ فادفنّي ليلا و لا تؤذننّ رجلين ذكرتهما.

قال: فلما اشتدّت علّتها، اجتمع إليها نساء المهاجرين و الأنصار- ذا صباح- فقلن:

كيف أصبحت- يا بنة رسول اللّه- من علّتك؟ قال:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ شنئتهم بعد إذ سبرتهم، و لفظتهم بعد إذ عجمتهم. فقبحا لفلول الجد، و خور القناة، و خطل الرأي، و «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

ويحهم! لقد زحزحوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة، و مهبط الروح الأمين، و الطيبين لأهل الدنيا و الدين؛ ألا «ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (2)

و ما الذي نقموا و اللّه من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه نكير سيفه، و نكال وقعته، و شدة وطئه، و تنمره في ذات اللّه. و اللّه لقد يكافوا على زمام نبذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لاعتقله، و لسار بهم سيرا سبجحا؛ لا يتكلم حشاشة، و لا تقعقع راكبه، و لا وردهم موردا نميرا ضفتاه، و لأصدرهم بطانا قد تحيّرهم الرّي، غير منحل منه بطائل إلا بغمزه الناهز، و ردعه سورة الثاغب.

تفسيره: الغمر: الكثير من الماء، و النهز: الضرب؛ يقال: نهز الدلو البئر، إذا ضرب بها الماء لتمتلئ، و الردعة: الوجل الشديد.

____________

(1). سورة المائد: الآية 80.

(2). سورة الزمر: الآية 15.

412

المصادر:

1. جامع الأخبار للسبزواري: ص 237.

2. بحار الأنوار: ج 73 ص 15 ح 2، عن جامع الأخبار.

12

المتن:

قال توفيق أبو علم:

و من خطبة لها (عليها السلام) لمّا عادتها من النساء لمّا اشتدّ عليها المرض؛ فحمدت اللّه تعالى و صلّت على أبيها و قالت:

أصبحت و اللّه عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم؛ لفظتهم بعد أن عجمتهم، و شنأتهم بعد أن صبرتهم. فقبحا لفلول الحد، و اللعب بعد الجدّ، و قرع الصفاة، و صدع القناة، و خطل الآراء، و زلل الأهواء؛ «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ». (1)

لا جرم، و اللّه لقد قلدتم ربقتها، و حملتهم أوبقتها، و شنت عليهم غارتها؛ فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين.

ويحهم! أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة، و قواعد النبوة و الدلالة، و مهبط الروح الأمين، و الطبين بأمور الدنيا و الدين؛ «أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ». (2)

و ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه و اللّه نكير سيفه، و قلّة مبالاته بحتفه، و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمره في ذات اللّه عز و جل؛ و تاللّه لو مالوا عن المحجّة اللائحة و زالوا عن قبول الحجة الواضحة لردّهم إليها و حملهم عليها، و تاللّه لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لسار بهم سيرا سجحا، لا يكلم خشته، و لا يكل سائره،

____________

(1). سورة المائدة: الآية 80.

(2). سورة الزمر: الآية 115.

413

و لا يميل راكبه، و لأوردهم منهلا نميرا صافيا رويا فضفاضا؛ تطفح ضفتاه، و لا يترنق جانباه، و لأصدرهم بطانا، و نصح لهم سرا و إعلانا، و لم يكن يتحلى‏ء من الغنى بطائل، و لا يحظى من الدنيا بنائل؛ غير ري الناهل، و شبعة الكافل، و لبان لهم الزاهد من الراغب، و الصادق من الكاذب؛ «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (1)، «وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ ما هُمْ بِمُعْجِزِينَ». (2)

ألا هلم فاستمع، و ما عشت أراك الدهر عجبا، و إن تعجب فعجب قولهم.

ليت شعري إلى أيّ لجأ لجئوا، و إلى أيّ سناد استندوا، و على أيّ عماد اعتمدوا، و بأيّ عروة تمسّكوا، و على أيّ ذرية قدّموا و احتنكوا؛ «لَبِئْسَ الْمَوْلى‏ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ و بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا». (3)

استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ». (4) يحهم! «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (5) ....

المصادر:

1. إحقاق الحق: ج 9 ص 167، عن أهل البيت (عليهم السلام).

2. أهل البيت (عليهم السلام): ص 161، على ما في الإحقاق.

____________

(1). سورة الاعراف: الآية 96.

(2). سورة الزمر: الآية 51.

(3). سورة الكهف: الآية 50.

(4). سورة الكهف: الآية 104.

(5). سورة البقرة: الآية 12.

415

و سورة الساغب: هاهنا

و لفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض، و لكن كذّبوا و سعد بهم اللّه بما كانوا يكسبون.

ألا هلمّنّ فاستمعن، و ما عسين أراكنّ الدهر عجبا.

إلى أيّ ركن لجئوا، أو بأيّ عروة تمسّكوا؛ لبئس المولى و لبئس العشير و بئس للظالمين بدلا.

استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم، و العجز بالكاهل، و بعدا و سحقا لقوم‏ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ». (1)

المصادر:

1. أنوار اليقين (مخطوط): ص 27.

2. الجنّة العاصمة: ص 303. بتغيير و اختصار.

الأسانيد:

1. في أنوار اليقين: روى السيد أبو العباس الحسيني، قال: حدثنا محمد بن تسهاد الكوفي، عن عبد الرحيم، عن محمد بن علي الهاشمي، عن عيسى بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام)، قال.

2. في الجنّة العاصمة: و قال: حدثنا علي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مغيرة القزويني، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه جعفر بن محمد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب.

____________

(1). سورة الكهف: الآية 50.

416

14

المتن:

أشعار الشيخ عبد المنعم الفرطوسي في عيادة نساء المهاجرين و الأنصار و خطبتها (عليهم السلام):

قلن يا بضعة النبي المزكّى‏ * * * كيف أصبحت بعد هذا العناء

فأجابت: أصبحت و اللّه مما قد * * * دهاني قد عفت دنيا الفناء

و قليت الرجال منكنّ لفظا * * * بعد عجم لهم و حسن بلاء

فشنارا اللعب من بعد جدّ * * * و فلول للّحد بعد المضاء

و لصدع القناة دون التئام‏ * * * و لقرع الصفاة دون ارتخاء

و لزيغ الأهواء دون اعتدال‏ * * * و لختل الأفكار و الآراء

بئس ما قدّموا من الخزي كفرا * * * بعد سخط البارئ ليوم الجزاء

و لعمري قلّدتهم حين مالوا * * * عن هدى الحق ربقة الأسراء

و بنصحي حمّلتهم حين صمّوا * * * و عموا عنه أوقه الأعباء

و شننت الغارات حربا عليهم‏ * * * غارة بعد غارة شعواء

ويحهم عن مهابط الوحي أنّى‏ * * * زعزعوها و معدن الأنبياء

و رواسي الإيمان و العدل منا * * * و الطبين الخبير في كل داء

في جميع الأمور دينا و دنيا * * * دون جهل فيها و دون اختفاء

إن هذا الخطء الذي ارتكبوه‏ * * * لهو شرّ الخسران دون اختشاء

ليت شعري و ما الذي نقموه‏ * * * من عليّ بعد الأذى و العناء

نقموا من عليّ بأسا شديدا * * * و جهادا في اللّه دون رخاء

و نكيرا من سيفه و نكالا * * * صارما في تنمّر و إباء

قلّة الخوف و المبالاة زهدا * * * منه في حتفه بيوم اللقاء

و يمينا لو أنهم بعد كفر * * * و ضلال مالوا عن الاستواء

لهداهم إلى المحجّة رشدا * * * فاستقاموا بالحجة البيضاء

و لساروا و سار بالقوم سيرا * * * سجحا في مناهج الاهتداء

417

لا يصاب الخشاش منه بكلم‏ * * * دون عنف منه و دون التواء

لا يملّ المسير فيه عناء * * * أو يكلّ الساري به من عياء

و سقاهم من منهل الحق وردا * * * عذبا سائغا لفرط الصفاء

تطفح الضفّتان منه معينا * * * خالصا من ترنّق الأقذاء

و لعادوا عند الصدور بطانا * * * بعد شبع الطاوي بخير امتلاء

مع رشد لهم و نصح مبين‏ * * * منه يبدو في الجهر شبه الخفاء

و هو في العيش لم يكن يتحلّى‏ * * * منه في طائل بطول البقاء

ليس يحظى بنائل قطّ منها * * * بعد زهد عن نيله و جفاء

غير ريّ لناهل حين يظمى‏ * * * مع شبع لكافل‏ (1)من غذاء

و تجلّى عن المطامع زهد * * * لهم صادق بغير افتراء

قال: لو آمنوا فتحنا عليهم‏ * * * بركات من الثرى و السماء

غير أن القرى بغت فاستحقّت‏ * * * بعد جحد النعماء سوء الجزاء

و بحق لو عشت أبصرت أمرا * * * عجبا في الزمان دون انقضاء

أيّ عذر لهم بما اكتسبوه‏ * * * من عظيم الإجرام و الأخطاء

أ فلا يعلمون ما اجترموه‏ * * * من حرام في عترة الأزكياء

حينما استبدلوا القوادم منا * * * بالذنابي منهم بغير ارعواء

و استعاضوا عن كاهل الدين كفرا * * * و ضلالا بالعجز دون اهتداء

فابتعادا لمن أساءوا و ظنّوا * * * أنهم يحسنون دون اتقاء

ويحهم للرشاد من كان يهدي‏ * * * من سواه أحقّ بالاقتداء

ما لهم يحكمون من غير علم‏ * * * بعد جهل منهم بعدل القضاء

فانتظارا فسوف تنتج مما * * * لقحت كل فتنة عشواء

و سيملى منها نجيعا عبيطا * * * و ذعافا في الحلب كلّ إناء

و يرى الآخرون ممّا بناه‏ * * * لهم الأوّلون غبّ البناء

و لتطيبوا عن الحياة نفوسا * * * و استعدّوا للفتنة العمياء

____________

(1). الكافل: الذي يصل الصيام و لم يصب غذاء و لا عشاء.

418

و ابشروا للدمار فيكم بسيف‏ * * * صارم لا يفلّ بعد المضاء

و بحكم لغاشم متعدّ * * * مستبدّ من سطوة الأمراء

يقتفيه مما تثير البلايا * * * هرج شامل بشرّ اقتفاء

يدع الفي‏ء و الجموع زهيدا * * * و حصيدا منكم بحدّ الفناء

ما لكم عمّيت عليكم فبعدا * * * لكم من معاشر جهلاء

كيف تهدون للصواب رشادا * * * بعد كره منكم لكلّ اهتداء

فأعادت تلك النساء عليهم‏ * * * ما وعته من خطبة الزهراء

فأتاها منهم رجال و قالوا * * * بعد عذر منهم بغير حياء

لو علمنا من قبل أن يبرم العهد * * * بهذا من سيد الأوصياء

ما عدلنا عنه فقالت: إليكم‏ * * * بعد هذا عني لفرط التنائي‏

أيّ عذر لكم بما كان منكم‏ * * * بعد تعذيركم بغير انتهاء

و حصول التقصير حين تجلّى‏ * * * لكم الأمر في أتمّ جلاء

و احتجاج الزهراء خير احتجاج‏ * * * فيه أدلت بالحق خير النساء

بحديث مسلسل قد تجلّى‏ * * * في حديث الغدير أبهى جلاء

حين قالت نقضا لما أبرموه‏ * * * دون رشد من بيعة الخلفاء

أنسيتم و العهد غير بعيد * * * قول طه في سيد الأوصياء

يوم خمّ من كنت مولاه حقا * * * فعلي مولاه دون افتراء

و مقال النبي و هو صريح‏ * * * لعلي في إمرة الخنفاء

أنت مني كما لموسى بحق‏ * * * كان هارون خيرة الوزراء

عند إبقائه بغزو تبوك‏ * * * خلفا في المدينة الغرّاء

المصادر:

1. فاطمة الزهراء (عليها السلام) في ديوان الشعر العربي: ص 299.

2. ملحمة أهل البيت (عليهم السلام): ص 7.

419

15

المتن:

قال ابن شهرآشوب في ذكر عيادة أم سلمة:

و دخلت أم سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول اللّه؟ قالت:

أصبحت بين كمد و كرب؛ فقد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ظلم الوصي (عليه السلام) و اللّه حجبه. أصبحت إمامته مقتصه على غير ما شرع اللّه في التنزيل، و سنّها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في التأويل، و لكنّها أحقاد بدرية و تراث أحدية، كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لإمكان الوشاة، فلما استهدف الأمر أرسلت علينا شابيب الآثار من مخيلة الشقاق.

فيقطع و تر الإيمان من قسي صدورها، و ليس عليّ ما وعد اللّه من حفظ الرسالة و كفالة المؤمنين. أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا، بعد انتصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكروب و منازل الشهادات.

المصادر:

1. المناقب لابن شهرآشوب: ج 2 ص 205.

2. مثالب النواصب لابن شهرآشوب (مخطوط): ص 70.

3. الجنّة العاصمة: ص 303.

4. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام) للمقرم: ص 100.

5. فاطمه الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 282.

6. الزهراء (عليها السلام) في السنة و التاريخ و الأدب: ج ص 377.

7. اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) للقراجه‏داغي: ص 848.

8. عوالم العلوم: ج 11 ص 829 ح 1، عن المناقب.

9. وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للبلادي: ص 58.

10. بحار الأنوار: ج 43 ص 156 ج 5، عن المناقب.

11. فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسوة المرأة المسلمة: ص 90.

420

16

المتن:

قال أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي:

هذا حديث وجدته بخط بعض المشايخ؛ ذكر أنه وجده في كتاب لأبي غانم المعلّم الأعرج، و كان مسكنه بباب الشعير. وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات و هو:

أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة (عليها السلام) فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت و أمي! ما الذي يبكيك؟ فقالت (عليها السلام):

أ سائلن عن هنة حلق بها الطائر، و حفي بها السائر، و رفع إلى السماء أمرا، و رزئت في الأرض خبرا. إن تخيف تيم و أحيوك عدي جازيا أبا الحسن في السباق حتى إذا تقربا بالخناق اسرّا له الشنان، و طوياه الإعلان.

فلما خبأ نور الدين و قبض النبي الأمين (صلّى اللّه عليه و آله)، نطقا بفورهما، و نفثا بسورهما، و أدلا بفدك؛ فيها لها لمن ملك، تلك أنها عطيّة الرب الأعلى للنجي الأوفى، و لقد نخلنيها للصبية السواغب من نجله و نسلي، و إنما ليعلم اللّه و شهادة أمينة، فإن انتزعا مني البلغة و منعاني اللمظة و احتسبتها يوم الحشر زلفة، و ليجدنّها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم.

المصادر:

1. الأمالي للطوسي: ج 1 ص 207.

2. فاطمة الزهراء (عليها السلام) بهجة قلب المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله): ص 283.

3. وفاة الصديقة الزهراء (عليها السلام): ص 101.

4. الزهراء (عليها السلام) في السنة و التاريخ و الأدب للكفائي: ج 2 ص 378.

5. عوالم العلوم: ج 11 ص 825 ح 1.

6. وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للبلادي: ص 59.

7. بحار الأنوار: ج 29 ص 182 ح 38، عن الأمالي للطوسي.

8. كتاب أبي غانم الأعرج، على ما في الأمالي للطوسي.

9. فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسوة المرأة المسلمة: ص 90.

421

الفهرست‏

بقية المطاف السادس: بعد وفاة أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) إلى شهادتها (عليها السلام) 6

الفصل الأول: إرثها من أبيها (صلّى اللّه عليه و آله) و غصب حقها (عليها السلام) 7

الفصل الثاني: خطبتها (عليها السلام) في المسجد 163