بحار الأنوار
الجزء الخامس عشر
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

2
باب 1 بدء خلقه و ما جرى له في الميثاق و بدء نوره و ظهوره(ص)من لدن آدم(ع)و بيان حال (1) آبائه العظام و أجداده الكرام لا سيما عبد المطلب و والديه عليهم الصلاة و السلام و بعض أحوال العرب في الجاهلية و قصة الفيل و بعض النوادر
الآيات آل عمران وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ الأعراف وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ الشعراء الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ الأحزاب وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ أي و اذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق من النبيين خصوصا بأن يصدق بعضهم بعضا و يتبع بعضهم بعضا و قيل أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله و يدعوا إلى عبادة الله و أن يصدق
____________
(1) في النسختين المطبوعتين: أحوال.
3
بعضهم بعضا و أن ينصحوا لقومهم وَ مِنْكَ يا محمد و إنما قدمه لفضله و شرفه وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ خص هؤلاء لأنهم أصحاب الشرائع وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا من أعباء الرسالة و تبليغ الشرائع و قيل على أن يعلنوا أن محمدا رسول الله و يعلن محمد أن لا نبي بعده لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ قيل معناه إنما فعل ذلك ليسأل الأنبياء و المرسلين ما الذي جاءت به أممكم (1) و قيل ليسأل الصادقين في توحيد الله و عدله و الشرائع عَنْ صِدْقِهِمْ أي عما كانوا يقولونه فيه تعالى فيقال لهم هل ظلم الله أحدا هل جازى كل إنسان بفعله هل عذب بغير ذنب و نحو ذلك فيقولون نعم عدل في حكمه و جازى كلا بفعله و قيل معناه ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم و قيل ليسأل الصادقين ما ذا قصدتم بصدقكم وجه الله أو غيره. (2)
أقول سيأتي تفسير سائر الآيات و سنورد الأخبار المتضمنة لتأويلها في هذا الباب و غيره.
1- فس، تفسير القمي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ فِي النُّبُوَّةِ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ فِي أَصْلَابِ النَّبِيِّينَ (3).
2- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ هَارُونَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ أَخِيهِ عَنِ ابْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ يَرَى تَقَلُّبَهُ فِي أَصْلَابِ النَّبِيِّينَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ(ع)(4).
3- ير، بصائر الدرجات بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى
____________
(1) في المصدر: ما الذي أجاب به أممكم؟ و هو الصواب.
(2) مجمع البيان 8: 339.
(3) تفسير القمّيّ: 474.
(4) مخطوط.
4
قَالَ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّداً(ص)حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ (1).
4- ل، الخصال مع، معاني الأخبار الْحَاكِمُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَدَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ أَنْ خَلَقَ (2) السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ الْعَرْشَ وَ الْكُرْسِيَّ وَ اللَّوْحَ وَ الْقَلَمَ وَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ وَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ (3) آدَمَ وَ نُوحاً وَ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ(ع)وَ كُلَّ مَنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَوْلِهِ وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ إِلَى قَوْلِهِ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِ مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَ أَرْبَعٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ خَلَقَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَ حِجَابَ الْعَظَمَةِ وَ حِجَابَ الْمِنَّةِ (4) وَ حِجَابَ الرَّحْمَةِ وَ حِجَابَ السَّعَادَةِ وَ حِجَابَ الْكَرَامَةِ وَ حِجَابَ الْمَنْزِلَةِ وَ حِجَابَ الْهِدَايَةِ وَ حِجَابَ النُّبُوَّةِ وَ حِجَابَ الرِّفْعَةِ وَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ وَ حِجَابَ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ حَبَسَ نُورَ مُحَمَّدٍ(ص)فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ فِي حِجَابِ الْعَظَمَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ عَالِمِ السِّرِّ وَ فِي حِجَابِ الْمِنَّةِ عَشْرَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ لَا يَلْهُو وَ فِي حِجَابِ الرَّحْمَةِ تِسْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الرَّفِيعِ الْأَعْلَى وَ فِي حِجَابِ السَّعَادَةِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ دَائِمٌ لَا يَسْهُو وَ فِي حِجَابِ الْكَرَامَةِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ وَ فِي حِجَابِ الْمَنْزِلَةِ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَلِيمِ الْكَرِيمِ (5) وَ فِي حِجَابِ الْهِدَايَةِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (6) وَ فِي حِجَابِ النُّبُوَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِ
____________
(1) بصائر الدرجات: 24.
(2) في نسخة: قبل أن يخلق.
(3) في نسخة: قبل أن يخلق.
(4) و في الأنوار على ما يأتي «و حجاب العزة» و لعله أحسن.
(5) في المصدر: سبحان ربى العلى الكريم.
(6) في المصدر: سبحان ربّ العرش العظيم.
1
كتاب تاريخ نبينا (ص)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أكرم سيد أنبيائه محمدا بالرسالة و شرفها به شرائف الصلوات و كرائم التحيات و التسليمات عليه و على الأفاخم الأنجبين من عترته و آله.
أما بعد فيقول الخاطئ القاصر العاثر محمد بن محمد التقي المدعو بباقر عفا الله عن عثراتهما و حشرهما مع مواليهما و ساداتهما هذا هو المجلد السادس من كتاب بحار الأنوار المشتمل على تاريخ سيد الأبرار و نخبة الأخيار زين الرسالة و النبوة و ينبوع الحكمة و الفتوة (1) نبي الأنبياء و صفي الأصفياء نجي الله و نجيبه و خليل الله و حبيبه محمول الأفلاك و مخدوم الأملاك صاحب المقام المحمود و غاية إيجاد كل موجود شمس سماء العرفان و أس بناء الإيمان شرف الأشراف و غرة (2) عبد مناف بحر السخاء و معدن الحياء رحمة العباد و ربيع البلاد الذي به اكتسى الفخر فخرا و الشرف شرفا و به تضمنت الجنان غرفا و القصور شرفا فركعت السماوات لأعباء نعمه و سجدت الأرضون لموطئ قدمه و بنوره استضاءت الأنوار و استنارت الشموس و الأقمار و بظهوره تجلّت الأسرار عن جلابيب الأستار إمام المرسلين و فخر العالمين أبي القاسم محمد بن عبد الله خاتم النبيين صلوات الله عليه و على أهل بيته الأطهرين و بيان فضائله (3) و مناقبه و معجزاته و مكارمه و غزواته و سائر أحواله ص.
____________
(1) الفتوة: السخاء و الكرم. المروءة. و يقال بالفارسية «جوانمردى» و هو أنسب باشتقاقه.
(2) الغرة من كل شيء: أوله و معظمه و طلعته، و من القوم: شريفهم.
(3) عطف على قوله: على تاريخ.
5
الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ فِي حِجَابِ الرِّفْعَةِ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَ الْمَلَكُوتِ وَ فِي حِجَابِ الْهَيْبَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ بِحَمْدِهِ وَ فِي حِجَابِ الشَّفَاعَةِ أَلْفَ سَنَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَ بِحَمْدِهِ ثُمَّ أَظْهَرَ اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ فَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)(1) ثُمَّ نَقَلَهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ(ع)إِلَى صُلْبِ نُوحٍ(ع)ثُمَّ مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْبٍ (2) حَتَّى أَخْرَجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَكْرَمَهُ بِسِتِّ كَرَامَاتٍ أَلْبَسَهُ قَمِيصَ الرِّضَا وَ رَدَّاهُ بِرِدَاءِ الْهَيْبَةِ وَ تَوَّجَهُ بِتَاجِ الْهِدَايَةِ (3) وَ أَلْبَسَهُ سَرَاوِيلَ الْمَعْرِفَةِ وَ جَعَلَ تِكَّتَهُ تِكَّةَ الْمَحَبَّةِ يَشُدُّ بِهَا سَرَاوِيلَهُ وَ جَعَلَ نَعْلَهُ نَعْلَ الْخَوْفِ وَ نَاوَلَهُ عَصَا الْمَنْزِلَةِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اذْهَبْ إِلَى النَّاسِ فَقُلْ لَهُمْ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَانَ أَصْلُ ذَلِكَ الْقَمِيصِ مِنْ سِتَّةِ أَشْيَاءَ قَامَتُهُ مِنَ الْيَاقُوتِ وَ كُمَّاهُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَ دِخْرِيصُهُ مِنَ الْبِلَّوْرِ الْأَصْفَرِ وَ إِبْطَاهُ مِنَ الزَّبَرْجَدِ وَ جُرُبَّانُهُ مِنَ الْمَرْجَانِ الْأَحْمَرِ وَ جَيْبُهُ مِنْ نُورِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ فَقَبِلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ تَوْبَةَ آدَمَ(ع)بِذَلِكَ الْقَمِيصِ وَ رَدَّ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ(ع)بِهِ وَ رَدَّ يُوسُفَ(ع)إِلَى يَعْقُوبَ(ع)بِهِ وَ نَجَّى يُونُسَ(ع)مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ بِهِ وَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ(ع)أَنْجَاهُمْ مِنَ الْمِحَنِ بِهِ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَمِيصُ إِلَّا قَمِيصَ مُحَمَّدٍ(ص)(4).
____________
(1) في هامش المخطوط حاشية بخط المصنّف و هى: لما كانوا (عليهم السلام) هم المقصودون من خلق آدم (عليه السلام) و سائر ذريته فكان خلق آدم (عليه السلام) من الطينة الطيبة ليكون قابلا لخروج تلك الاشخاص المقدّسة منه، و ربى تلك الطينة في الآباء و الامهات حتّى كملت قابليتها في عبد اللّه و أبى طالب، فخلق المقدسين منهما، فيحتمل أن يكون حفظ النور و انتقاله من الاصلاب كناية عن انتقال تلك القابلية، و استكمال هذا الاستعداد، و ما ورد أن كمالهم و فضلهم كان سبب الاشتمال على أنوارهم يستقيم على هذا، و كذا ما ضارعها من الاخبار و اللّه يعلم تلك الاسرار، و حججه الأخيار (عليهم السلام). منه عفى عنه.
(2) في المصدر: ثم جعل يخرجه من صلب إلى صلب حتّى أخرجه من صلب.
(3) في المصدر: رداه رداء الهيبة، و توجه تاج الهداية.
(4) الخصال 1: 82، معاني الأخبار: 88 و 89.
6
بيان: قوله ثم حبس نور محمد(ص)ليس الغرض ذكر جميع أحواله(ص)في الذر لعدم موافقة العدد بل قد جرى على نوره أحوال قبل تلك الأحوال أو بعدها أو بينها لم تذكر في الخبر (1) و الدخريص بالكسر لبنة القميص و جربان القميص بضم الجيم و الراء و تشديد الباء معرب گريبان.
5- فر، تفسير فرات بن إبراهيم عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ (2) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِ (3) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ(ع)وَ عِنْدَهُ ابْنُ ظَبْيَانَ وَ الْقَاسِمُ الصَّيْرَفِيُ (4) فَسَلَّمْتُ وَ جَلَسْتُ وَ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (5) أَيْنَ كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَ أَرْضاً مَدْحِيَّةً أَوْ ظُلْمَةً أَوْ نُوراً (6) قَالَ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ(ع)فَرَّغَنَا فِي صُلْبِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا مِنْ صُلْبٍ طَاهِرٍ إِلَى رَحِمٍ مُطَهَّرٍ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(ص)الْخَبَرَ (7).
6- فر، تفسير فرات بن إبراهيم جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَوَيْهِ الْقَطَّانُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِ (8) عَنْ
____________
(1) و قد ذكر بعضها في خبر الأنوار كما يأتي.
(2) في المصدر: بإسناده معنعنا.
(3) في المصدر: فيضة بن يزيد الجعفى. و على أي فلم نجد ترجمته.
(4) في المصدر: و عنده البوس بن أبي الدوس، و ابن ظبيان و القاسم بن الصيرفى. قلت:
أما البوس فلم نجد ترجمته، و ابن ظبيان هو يونس بن ظبيان المعروف، و القاسم هو ابن عبد الرحمن الصيرفى.
(5) في المصدر: يا ابن رسول اللّه أتيتك مستفيدا، قال: سل و اوجز، قلت: أين كنتم إه.
(6) في المصدر: أو ظلمة و نورا، قال: يا فيضة لم سألتنا عن هذا الحديث في مثل هذا الوقت؟
أ ما علمت أن حبنا قد اكتتم، و بغضنا قد نشأ، و ان لنا أعداء من الجن يخرجون حديثنا إلى أعدائنا من الانس و ان الحيطان لها آذان كآذان الناس، قال: قلت: قد سألت عن ذلك، قال: يا فيضة كنا أشباح نور إه. قلت: قوله: (قد نشأ) لعله مصحف (قد نشر) أو (قد فشا) أو المعنى أن بغضنا في حدوث و تجدد دائما، لان أعداءنا لم يزل يربون الناس و يسوقونهم على ذلك. قوله: (إن لنا اه) لعله تعريض ببعض حاضرى المجلس و أنّه من أعدائنا، أو إشارة الى لزوم التحفظ و شدة التستر عن كشف أسرارهم.
(7) تفسير فرات: 207.
(8) في المصدر: معنعنا عن الاوزاعى.
7
صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ وَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)خَلَقَنِيَ اللَّهُ نُوراً تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمَّا أَنْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ(ع)أَلْقَى النُّورَ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)فَأَقْبَلَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ النُّورُ مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْبٍ حَتَّى افْتَرَقْنَا فِي صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ أَبِي طَالِبٍ فَخَلَقَنِي رَبِّي مِنْ ذَلِكَ النُّورِ لَكِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي (2).
7- ع، علل الشرائع إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ (3) عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ (4) عَنْ مُنْذِرٍ الشراك [السَّرَّاجِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَسْلَمَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْعِجْلِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ نَحْمَدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَخْلُقَ صُوَرَنَا صَيَّرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ قَذَفَنَا فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ أَخْرَجَنَا إِلَى أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَ أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَ لَا يُصِيبُنَا نَجَسُ الشِّرْكِ وَ لَا سِفَاحُ الْكُفْرِ يَسْعَدُ بِنَا قَوْمٌ وَ يَشْقَى بِنَا آخَرُونَ فَلَمَّا صَيَّرَنَا إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَ ذَلِكَ النُّورَ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفَهُ فِي عَبْدِ اللَّهِ وَ نِصْفَهُ فِي أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ أَخْرَجَ الَّذِي (5) لِي إِلَى آمِنَةَ وَ النِّصْفَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ فَأَخْرَجَتْنِي آمِنَةُ وَ
____________
(1) للحديث صدر يأتي في فضائل عليّ (عليه السلام).
(2) تفسير فرات: 190.
(3) هكذا في النسختين المطبوعتين، و في المصدر: محمّد بن أحمد بن أبي البلخ. و في نسخة المصنّف: محمّد بن أحمد بن أبي البلح- بالباء- و كلها وهم، و الرجل هو محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن إسماعيل الكاتب أبو بكر المعروف بابن أبي الثلج، و أبو الثلج هو عبد اللّه بن إسماعيل، و الرجل مذكور في تراجم الخاصّة كلها، و قد ذكره ابن حجر في التقريب و التهذيب في جده محمّد بن عبد اللّه، و في جميع التراجم «الثلج» بالثاء مضافا الى تصريح العلامة بالضبط في الإيضاح.
(4) في نسخة من المصدر: موسى بن مهران.
(5) في المصدر: ثم أخرج النصف الذي لي.
8
أَخْرَجَتْ فَاطِمَةُ عَلِيّاً ثُمَّ أَعَادَ عَزَّ وَ جَلَّ الْعَمُودَ إِلَيَّ فَخَرَجَتْ مِنِّي فَاطِمَةُ ثُمَّ أَعَادَ عَزَّ وَ جَلَّ الْعَمُودَ إِلَى عَلِيٍّ فَخَرَجَ مِنْهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ يَعْنِي مِنَ النِّصْفَيْنِ جَمِيعاً فَمَا كَانَ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ فَصَارَ فِي وُلْدِ الْحَسَنِ وَ مَا كَانَ مِنْ نُورِي صَارَ فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهُوَ يَنْتَقِلُ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1).
8- فر، تفسير فرات بن إبراهيم جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَحْمَسِيُ (2) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ فِي وَصْفِ الْمِعْرَاجِ سَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ قُلْتُ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَّا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَ كَيْفَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ (3) خَلَقَكُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورِهِ فِي نُورٍ (4) مِنْ سَنَاءِ عِزِّهِ وَ مِنْ سَنَاءِ مُلْكِهِ وَ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَ جَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ وَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مَبْنِيَّةً وَ الْأَرْضُ مَدْحِيَّةً (5) ثُمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَ أَنْتُمْ أَمَامَ عَرْشِهِ تُسَبِّحُونَ وَ تُقَدِّسُونَ وَ تُكَبِّرُونَ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ بَدْءِ مَا أَرَادَ مِنْ أَنْوَارٍ شَتَّى وَ كُنَّا نَمُرُّ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ تُسَبِّحُونَ وَ تَحْمَدُونَ وَ تُهَلِّلُونَ وَ تُكَبِّرُونَ وَ تُمَجِّدُونَ وَ تُقَدِّسُونَ فَنُسَبِّحُ وَ نُقَدِّسُ وَ نُمَجِّدُ وَ نُكَبِّرُ وَ نُهَلِّلُ بِتَسْبِيحِكُمْ وَ تَحْمِيدِكُمْ وَ تَهْلِيلِكُمْ وَ تَكْبِيرِكُمْ وَ تَقْدِيسِكُمْ وَ تَمْجِيدِكُمْ (6) فَمَا أُنْزِلَ مِنَ اللَّهِ فَإِلَيْكُمْ وَ مَا صَعِدَ إِلَى اللَّهِ فَمِنْ عِنْدِكُمْ فَلِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ أَقْرِئْ عَلِيّاً مِنَّا السَّلَامَ وَ سَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى
____________
(1) علل الشرائع: 80 قلت: قال المصنّف: أكثر هذه الأخبار تدلّ على تقدم خلق الأرواح على الاجساد، و بعضها على عالم المثال؛ و اللّه يعلم حقيقة الحال انتهى. و قد أورد ما يناسب المقام من كلام الشيخ المفيد و السيّد المرتضى رضى اللّه عنهما في باب الطينة و الميثاق من كتاب العدل راجع ج 5: 260- 276.
(2) في المصدر: معنعنا عن أبي ذر.
(3) في المصدر: و أنتم أول خلق اللّه.
(4) في المصدر: من نور في نور.
(5) في المصدر بعد قوله: مدحية زيادة هى: و هو في الموضع الذي ينوى فيه. و فيه: خلق السماوات و الأرضين.
(6) في المصدر: و أنتم تقدسون و تهللون و تكبرون و تسبحون و تمجدون فنسبح و نقدس و نمجد و نهلل بتسبيحكم و تقديسكم و تهليلكم.
9
السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَسَمِعْتُ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُونَ لَمَّا أَنْ رَأَوْنِي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ (1) ثُمَّ تَلَقَّوْنِي وَ سَلَّمُوا عَلَيَّ وَ قَالُوا لِي مِثْلَ مَقَالَةِ أَصْحَابِهِمْ فَقُلْتُ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّي سَمِعْتُكُمْ تَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ فَمَا الَّذِي صَدَقَكُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا أَنْ خَلَقَكُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ سَنَاءِ نُورِهِ وَ مِنْ سَنَاءِ عِزِّهِ وَ جَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ عَرَضَ وَلَايَتَكُمْ عَلَيْنَا (2) وَ رَسَخَتْ فِي قُلُوبِنَا فَشَكَوْنَا مَحَبَّتَكَ إِلَى اللَّهِ فَوَعَدَ رَبُّنَا (3) أَنْ يُرِيَنَاكَ فِي السَّمَاءِ مَعَنَا وَ قَدْ صَدَقَنَا وَعْدَهُ الْخَبَرَ (4).
9- خص، منتخب البصائر الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي الْكُوفِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّهْقَانِ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ رَشْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَا سَلْمَانُ فَهَلْ عَلِمْتَ مَنْ نُقَبَائِي وَ مَنِ الِاثْنَا عَشَرَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِلْإِمَامَةِ بَعْدِي فَقُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ يَا سَلْمَانُ خَلَقَنِيَ اللَّهُ مِنْ صَفْوَةِ نُورِهِ وَ دَعَانِي فَأَطَعْتُ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِي عَلِيّاً فَدَعَاهُ فَأَطَاعَهُ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِي وَ نُورِ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ فَدَعَاهَا فَأَطَاعَتْهُ وَ خَلَقَ مِنِّي وَ مِنْ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ فَدَعَاهُمَا فَأَطَاعَاهُ فَسَمَّانَا بِالْخَمْسَةِ الْأَسْمَاءِ مِنْ أَسْمَائِهِ اللَّهُ الْمَحْمُودُ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَ اللَّهُ الْعَلِيُّ وَ هَذَا عَلِيٌّ وَ اللَّهُ الْفَاطِرُ وَ هَذِهِ فَاطِمَةُ وَ اللَّهُ ذُو الْإِحْسَانِ وَ هَذَا الْحَسَنُ وَ اللَّهُ الْمُحْسِنُ وَ هَذَا الْحُسَيْنُ ثُمَّ خَلَقَ مِنَّا مِنْ صُلْبِ الْحُسَيْنِ تِسْعَةَ أَئِمَّةٍ فَدَعَاهُمْ فَأَطَاعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ سَمَاءً مَبْنِيَّةً وَ أَرْضاً مَدْحِيَّةً أَوْ هَوَاءً أَوْ مَاءً أَوْ مَلَكاً أَوْ بَشَراً وَ كُنَّا بِعِلْمِهِ نُوراً نُسَبِّحُهُ وَ نَسْمَعُ وَ نُطِيعُ الْخَبَرَ.
10- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة مِنْ كِتَابِ الْوَاحِدَةِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
____________
(1) في المصدر: فقلت: ملائكة ربى سمعت و أنتم تقولون: الحمد للّه الذي صدقنا وعده و اورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.
(2) في المصدر بعد قوله: سلطانه: و اشهدكم على عباده عرض ولايتكم علينا.
(3) في المصدر: فوعدنا ربّنا.
(4) تفسير فرات: 134- 136. و الحديث طويل.
10
ع إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَدٌ وَاحِدٌ تَفَرَّدَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُوراً ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ مُحَمَّداً(ص)وَ خَلَقَنِي وَ ذُرِّيَّتِي ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحاً فَأَسْكَنَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ النُّورِ وَ أَسْكَنَهُ فِي أَبْدَانِنَا فَنَحْنُ رُوحُ اللَّهِ وَ كَلِمَاتُهُ وَ بِنَا احْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ فَمَا زِلْنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ حَيْثُ لَا شَمْسَ وَ لَا قَمَرَ وَ لَا لَيْلَ وَ لَا نَهَارَ وَ لَا عَيْنَ تَطْرِفُ نَعْبُدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُسَبِّحُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ الْخَبَرَ (1).
11- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطُّوسِيِّ (رحمه الله) فِي كِتَابِهِ مِصْبَاحِ الْأَنْوَارِ (2) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَ خَلَقَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)حِينَ لَا سَمَاءَ مَبْنِيَّةً وَ لَا أَرْضَ مَدْحِيَّةً وَ لَا ظُلْمَةَ وَ لَا نُورَ وَ لَا شَمْسَ وَ لَا قَمَرَ وَ لَا جَنَّةَ وَ لَا نَارَ فَقَالَ الْعَبَّاسُ فَكَيْفَ كَانَ بَدْءُ خَلْقِكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا عَمِّ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَنَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَلَقَ مِنْهَا نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ مَزَجَ النُّورَ بِالرُّوحِ فَخَلَقَنِي وَ خَلَقَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ فَكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لَا تَسْبِيحَ وَ نُقَدِّسُهُ حِينَ لَا تَقْدِيسَ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنْشِئَ خَلْقَهُ فَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشَ فَالْعَرْشُ مِنْ نُورِي وَ نُورِي مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ نُورِي أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ أَخِي عَلِيٍّ فَخَلَقَ مِنْهُ الْمَلَائِكَةَ فَالْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ وَ نُورُ عَلِيٍّ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ ابْنَتِي فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فَالسَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ مِنْ نُورِ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ نُورُ ابْنَتِي فَاطِمَةَ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ ابْنَتِي فَاطِمَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِيَ الْحَسَنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ فَالشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الْحَسَنِ وَ نُورُ الْحَسَنِ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ الْحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّمْسِ
____________
(1) كنز جامع الفوائد مخطوط.
(2) قال المصنّف في الهامش: وجدته في المصباح لكنه ليس من الشيخ كما مرّ في الفهرست انتهى. قلت: ذكر في الفصل الأول من مقدّمة الكتاب أنّه للشيخ هاشم بن محمّد، و قد ينسب إلى شيخ الطائفة و هو خطأ، و كثيرا ما يروى عن الشيخ شاذان بن جبرئيل القمّيّ و هو متأخر عن الشيخ بمراتب. راجع ج 1: 21 قلت: كان الشيخ شاذان في القرن السادس، لانه ألف كتابه إزاحة العلة في سنة 558.
11
وَ الْقَمَرِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الْجَنَّةَ وَ الْحُورَ الْعِينَ فَالْجَنَّةُ وَ الْحُورُ الْعِينُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ وَ نُورُ وَلَدِيَ الْحُسَيْنِ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَ وَلَدِيَ الْحُسَيْنُ أَفْضَلُ مِنَ الْجَنَّةِ وَ الْحُورِ الْعِينِ الْخَبَرَ (1).
12- مع، معاني الأخبار الْقَطَّانُ عَنِ الطَّالَقَانِيِ (2) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ يَقُولُ خُلِقْتُ أَنَا وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ نُسَبِّحُ اللَّهَ يَمْنَةَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا أَنْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ(ع)جَعَلَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ وَ لَقَدْ سَكَنَ الْجَنَّةَ وَ نَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَ لَقَدْ هَمَّ بِالْخَطِيئَةِ وَ نَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَ لَقَدْ رَكِبَ نُوحٌ(ع)السَّفِينَةَ وَ نَحْنُ فِي صُلْبِهِ وَ لَقَدْ قُذِفَ إِبْرَاهِيمُ(ع)فِي النَّارِ وَ نَحْنُ فِي صُلْبِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَصْلَابٍ طَاهِرَةٍ (3) إِلَى أَرْحَامٍ طَاهِرَةٍ حَتَّى انْتَهَى بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَمَنَا بِنِصْفَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ وَ جَعَلَ عَلِيّاً فِي صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ وَ جَعَلَ فِيَّ النُّبُوَّةَ وَ الْبَرَكَةَ وَ جَعَلَ فِي عَلِيٍّ الْفَصَاحَةَ وَ الْفُرُوسِيَّةَ وَ شَقَّ لَنَا اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَ اللَّهُ الْأَعْلَى وَ هَذَا عَلِيٌ (4).
13- مع، معاني الأخبار الْمُكَتِّبُ عَنِ الْوَرَّاقِ عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْهِلَالِيِّ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ عَنِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: إِنَّ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً(ص)كَانَا نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ النُّورَ رَأَتْ لَهُ أَصْلًا وَ قَدِ انْشَعَبَ (5) مِنْهُ شُعَاعٌ لَامِعٌ فَقَالَتْ إِلَهَنَا وَ سَيِّدَنَا مَا هَذَا النُّورُ
____________
(1) كنز جامع الفوائد مخطوط.
(2) هكذا في النسخ. و فيه وهم لان الموجود في المعاني: ابو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد ابن عبيد النيسابوريّ المروانى قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السراج، و القطان كما عرفت في الفصل الرابع من مقدّمة الكتاب أحمد بن الحسن، و الطالقانى هو محمّد بن إبراهيم بن إسحاق و كلاهما من مشايخ الصدوق، لا يروى أحدهما عن الآخر.
(3) في نسخة من المصدر: أصلاب طيبة.
(4) معاني الأخبار: 21.
(5) في المصدر: قد انشعب.
12
فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ هَذَا نُورٌ مِنْ نُورِي أَصْلُهُ نُبُوَّةٌ وَ فَرْعُهُ إِمَامَةٌ فَأَمَّا النُّبُوَّةُ (1) فَلِمُحَمَّدٍ عَبْدِي وَ رَسُولِي وَ أَمَّا الْإِمَامَةُ فَلِعَلِيٍّ حُجَّتِي وَ وَلِيِّي وَ لَوْلَاهُمَا مَا خَلَقْتُ خَلْقِي الْخَبَرَ (2).
14- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُمِّيِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَحْمَرِ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍ (4) عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ كُنْتُ أَنَا وَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ جَعَلَنَا فِي صُلْبِهِ ثُمَّ نَقَلَنَا مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْبٍ فِي أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ وَ أَرْحَامِ الْمُطَهَّرَاتِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَسَمَنَا قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ نِصْفاً وَ فِي أَبِي طَالِبٍ نِصْفاً وَ جَعَلَ النُّبُوَّةَ وَ الرِّسَالَةَ فِيَّ وَ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ وَ الْقَضِيَّةَ فِي عَلِيٍّ ثُمَّ اخْتَارَ لَنَا اسْمَيْنِ اشْتَقَّهُمَا مِنْ أَسْمَائِهِ فَاللَّهُ الْمَحْمُودُ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ وَ اللَّهُ الْعَلِيُّ وَ هَذَا عَلِيٌّ فَأَنَا لِلنُّبُوَّةِ وَ الرِّسَالَةِ وَ عَلِيٌّ لِلْوَصِيَّةِ وَ الْقَضِيَّةِ (5).
15- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْفَحَّامُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِ (6) عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص
____________
(1) في المصدر: أما النبوّة.
(2) معاني الأخبار: 100.
(3) في المصدر: حدّثنا أبو بشر محمّد بن إبراهيم القمّيّ. و الظاهر أنّه سهو من النسّاخ، لان أبا بشر اسمه أحمد، و أمّا توصيفه بالقمى فهو وهم، و الصحيح العمى بالعين، و الرجل هو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن المعلى بن أسد العمى البصرى أبو بشر، و العمى نسبة الى العم لقب مرة بن مالك بن حنظلة ابى قبيلة. راجع ترجمته فهارس النجاشيّ و الشيخ و ابن النديم و خلاصة العلامة و غيره.
(4) في المصدر: نصر بن على، عن عبد الوهاب بن محمّد، عن حميد.
(5) أمالي ابن الشيخ: 115.
(6) في المصدر: أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى المنصورى قال: حدّثني الامام على بن محمّد قال: حدّثني أبى محمّد بن على إه. ثم ذكر الأئمّة الى على (عليهم السلام).
13
يَا عَلِيُّ خَلَقَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى وَ أَنْتَ مِنْ نُورِ اللَّهِ حِينَ خَلَقَ آدَمَ فَأَفْرَغَ ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ فَأَفْضَى بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ افْتَرَقَ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَا فِي عَبْدِ اللَّهِ وَ أَنْتَ فِي أَبِي طَالِبٍ لَا تَصْلُحُ النُّبُوَّةُ إِلَّا لِي وَ لَا تَصْلُحُ الْوَصِيَّةُ إِلَّا لَكَ فَمَنْ جَحَدَ وَصِيَّتَكَ جَحَدَ نُبُوَّتِي وَ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّتِي كَبَّهُ اللَّهُ (1) عَلَى مَنْخِرَيْهِ فِي النَّارِ (2).
16- ما، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (3) قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ(ص)يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِيٌّ أَخُوكَ قَالَ نَعَمْ عَلِيٌّ أَخِي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْ لِي كَيْفَ عَلِيٌّ أَخُوكَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مَاءً تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ عَامٍ وَ أَسْكَنَهُ فِي لُؤْلُؤَةٍ خَضْرَاءَ فِي غَامِضِ عِلْمِهِ (4) إِلَى أَنْ خَلَقَ آدَمَ فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ نَقَلَ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ اللُّؤْلُؤَةِ فَأَجْرَاهُ فِي صُلْبِ آدَمَ (5) إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى صُلْبِ شَيْثٍ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ مِنْ ظَهْرٍ إِلَى ظَهْرٍ (6) حَتَّى صَارَ فِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ شَقَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ
____________
(1) في المصدر: أكبه اللّه.
(2) أمالى ابن الشيخ: 185.
(3) الحديث مسند في المصدر أخرجه المصنّف مرسلا للاختصار، و الاسناد هكذا: حدّثنا الشيخ السعيد الوالد (رحمه الله) قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن خشيش قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن القاسم ابن يعقوب بن عيسى بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم القيسى الخزاز إملاء في منزله قال: حدّثنا أبو زيد محمّد بن الحسين بن مطاع المسلمى إملاء، قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن حبر القواس خال ابن كردى، قال: حدّثنا محمّد بن سلمة الواسطى قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك. ثم ذكر جملا يتعلق بالفضائل تركه المصنّف و أورده في موضعه. قوله: (ابن خشيش) هكذا في مواضع، و في مواضع أخر «ابن خنيس» بالخاء فالنون ثمّ الياء فالسين و ظاهر المصنّف في المقدّمة أنّه ابن حشيش بالحاء فعلى اي نسبه في الأمالي: 195 هكذا: محمّد بن عليّ بن خشيش بن نصر بن جعفر بن إبراهيم التميمى.
(4) فيه اضطراب و غموض ظاهر، و لعلّ المراد أن محل لؤلؤة خضراء كان مخفيا عن الملائكة و ان كان ظاهرا في غامض علمه. و المراد من غامض علمه علم لم يكن يظهره لغيره.
(5) اجراء الماء في صلب آدم أيضا يحتمل أن يكون كناية عن الاستعداد لخروج تلك الأنوار منه كما عرفت منه (رحمه الله).
(6) في المصدر: من طهر الى طهر. و فيه: فى صلب عبد المطلب.
14
نِصْفَيْنِ فَصَارَ نِصْفُهُ فِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ نِصْفُهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَأَنَا مِنْ نِصْفِ الْمَاءِ وَ عَلِيٌّ مِنَ النِّصْفِ الْآخَرِ فَعَلِيٌّ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً (1).
أقول: سيأتي الأخبار الكثيرة في بدء خلقه(ص)في كتاب أحوال أمير المؤمنين(ع)و كتاب الإمامة.
17- ع، علل الشرائع الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاهِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَا مُفَضَّلُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ رُوحٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ(ع)وَ هُمْ أَرْوَاحٌ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَلْفَيْ عَامٍ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ وَعَدَهُمُ الْجَنَّةَ عَلَى ذَلِكَ وَ أَوْعَدَ مَنْ خَالَفَ مَا أَجَابُوا إِلَيْهِ وَ أَنْكَرَهُ النَّارَ فَقُلْتُ بَلَى الْخَبَرَ (2).
18- مع، معاني الأخبار بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (3) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ آدَمَ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَ زَوَّجَهُ حَوَّاءَ أَمَتَهُ فَرَفَعَ طَرْفَهُ نَحْوَ الْعَرْشِ فَإِذَا هُوَ بِخَمْسَةِ سُطُورٍ مَكْتُوبَاتٍ قَالَ آدَمُ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا تَشَفَّعَ بِهِمْ إِلَيَّ خَلْقِي شَفَّعْتُهُمْ فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ بِقَدْرِهِمْ عِنْدَكَ مَا اسْمُهُمْ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَنَا الْمَحْمُودُ وَ هُوَ مُحَمَّدٌ وَ
____________
(1) أمالي ابن الشيخ: 197 و 198.
(2) علل الشرائع: 65 و الحديث طويل يأتي في محله.
(3) الحديث في المصدر مسند ترك اسناده اختصارا و الاسناد هذا: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمى الكوفيّ، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفيّ، قال حدّثنا الحسن بن عليّ بن الحسين بن محمّد، قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل بن جعفر بن عليّ بن إبراهيم بن سليمان بن عبد اللّه ابن العباس، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الزعفرانى البصرى قال: حدّثنا سهل بن يشار (يسار خ ل) قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن على الطالقانى قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه مولى بنى هاشم، عن محمّد ابن إسحاق، عن الواقدى، عن الهذيل (الهذلى خ ل) عن مكحول، عن طاوس، عن ابن مسعود.
15
الثَّانِي فَأَنَا الْعَالِي الْأَعْلَى (1) وَ هَذَا عَلِيٌّ وَ الثَّالِثُ فَأَنَا الْفَاطِرُ وَ هَذِهِ فَاطِمَةُ وَ الرَّابِعُ فَأَنَا الْمُحْسِنُ وَ هَذَا حَسَنٌ وَ الْخَامِسُ فَأَنَا ذُو الْإِحْسَانِ وَ هَذَا حُسَيْنٌ كُلٌّ يَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ (2).
أقول: سيأتي في ذلك أخبار كثيرة في كتاب الإمامة.
19- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو (3) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَلَا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ وَ صِدِّيقُهُ الْأَوَّلُ قَدْ صَدَّقْتُهُ وَ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ ثُمَّ إِنِّي صِدِّيقُهُ الْأَوَّلُ فِي أُمَّتِكُمْ حَقّاً فَنَحْنُ الْأَوَّلُونَ وَ نَحْنُ الْآخِرُونَ الْخَبَرَ (4).
20- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ النَّضْرِ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَوَّلُ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى بَلى رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْخَبَرَ (5).
21- ع، علل الشرائع الصَّائِغُ (6) عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)بِأَيِّ شَيْءٍ سَبَقْتَ الْأَنْبِيَاءَ وَ فُضِّلْتَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ بُعِثْتَ آخِرَهُمْ وَ خَاتَمَهُمْ قَالَ إِنِّي كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ أَقَرَّ بِرَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ وَ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَ أَشْهَدَهُمْ
____________
(1) المصدر خال عن قوله: الأعلى.
(2) معاني الأخبار: 21.
(3) في المصدر: عمرو بن طريف الحجرى.
(4) المجالس و الاخبار: 42 و الحديث طويل.
(5) تفسير القمّيّ: 229.
(6) الصائغ كما قال المصنّف في الفصل الرابع من مقدّمة الكتاب هو عبد اللّه بن محمّد، و الموجود في المصدر: الحسن بن عليّ بن أحمد الصائغ، فالظاهر أنّه وهم فيه.
16
عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فَكُنْتُ أَوَّلَ نَبِيٍّ قَالَ بَلَى فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (1).
ير، بصائر الدرجات ابن محبوب عن صالح مثله (2)- شي، تفسير العياشي عن صالح مثله (3).
22- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ خَلَقَهُمْ وَ نَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَنْ رَبُّكُمْ فَأَوَّلُ مَنْ نَطَقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الْأَئِمَّةُ(ص)فَقَالُوا أَنْتَ رَبُّنَا فَحَمَّلَهُمُ الْعِلْمَ وَ الدِّينَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ هَؤُلَاءِ حَمَلَةُ دِينِي وَ عِلْمِي وَ أُمَنَائِي فِي خَلْقِي وَ هُمُ الْمَسْئُولُونَ ثُمَّ قَالَ لِبَنِي آدَمَ (4) أَقِرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِهَؤُلَاءِ النَّفَرِ بِالطَّاعَةِ وَ الْوَلَايَةِ فَقَالُوا نَعَمْ رَبَّنَا أَقْرَرْنَا فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِلْمَلَائِكَةِ اشْهَدُوا فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا عَلَى أَنْ لَا يَقُولُوا غَداً إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ يَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يَا دَاوُدُ الْأَنْبِيَاءُ مُؤَكَّدَةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ (5).
23- ير، بصائر الدرجات عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ سَعْدَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ (6) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِأَيِّ شَيْءٍ سَبَقْتَ وُلْدَ آدَمَ قَالَ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِبَلَى إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ أَجَابَ (7).
____________
(1) معاني الأخبار: 52 و 53.
(2) بصائر الدرجات: 24.
(3) تفسير العيّاشيّ مخطوط.
(4) في المصدر: ثم قيل لبني آدم.
(5) علل الشرائع: 50 و فيه: و الأنبياء مؤكدة اه.
(6) في المصدر: سعدان بن مسلم، عن سهل بن صالح قلت: هو مقلوب، و الرجل هو صالح بن سهل الهمدانيّ الذي رماه ابن الغضائري بالكذب و وضع الحديث. و تقدم الحديث عنه عن العلل.
(7) بصائر الدرجات: 23.
17
24- شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ إِلَى قالُوا بَلى (1) قَالَ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بَلَى (2).
25- فس، تفسير القمي قَالَ الصَّادِقُ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الْآيَةَ كَانَ الْمِيثَاقُ مَأْخُوذاً عَلَيْهِمْ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِرَسُولِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ بِالْإِمَامَةِ فَقَالَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ وَ مُحَمَّدٌ نَبِيَّكُمْ وَ عَلِيٌّ إِمَامَكُمْ وَ الْأَئِمَّةُ الْهَادُونَ أَئِمَّتَكُمْ فَقَالُوا بَلَى فَقَالَ اللَّهُ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أَيْ لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ فَأَوَّلُ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمِيثَاقُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ فَذَكَرَ جُمْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَبْرَزَ أَفْضَلَهُمْ بِالْأَسَامِي فَقَالَ وَ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ فَقَدَّمَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ رَسُولُ اللَّهِ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ مِيثَاقَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى الْأَنْبِيَاءِ (3) بِالْإِيمَانِ بِهِ وَ عَلَى أَنْ يَنْصُرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ص لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)تُخْبِرُوا أُمَمَكُمْ بِخَبَرِهِ وَ خَبَرِ وَلِيِّهِ وَ الْأَئِمَّةِ (4).
26- ع، علل الشرائع أَبِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ (5) عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْقَمَّاطِ عَنْ بُكَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ الْحَجَرُ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ كَانَ مَلَكاً عَظِيماً مِنْ عُظَمَاءِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا أَخَذَ اللَّهُ
____________
(1) هكذا في نسخة المصنّف و غيره، و الصحيح كما في البرهان: إلى قوله: «قالوا بلى».
(2) تفسير العيّاشيّ: مخطوط. و قد أخرجه و غيره البحرانيّ في البرهان 2: 50.
(3) على الأنبياء له- خ ل.
(4) تفسير القمّيّ: 229 و 230، في المصدر: و خبر وليه من الأئمّة، قلت: قوله: (أمير المؤمنين) تأويل للآية، و الا فالظاهر يخالفه، و على أي فالحديث مرسل كما ترى.
(5) في المصدر: موسى بن عمر (عمران خ ل).
18
الْمِيثَاقَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ(ص)بِالنُّبُوَّةِ وَ لِعَلِيٍّ بِالْوَصِيَّةِ اصْطَكَّتْ فَرَائِصُ الْمَلَائِكَةِ وَ أَوَّلُ مَنْ أَسْرَعَ إِلَى الْإِقْرَارِ ذَلِكَ الْمَلَكُ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَشَدُّ حُبّاً لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْهُ فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَيْنِهِمْ وَ أَلْقَمَهُ الْمِيثَاقَ فَهُوَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَهُ لِسَانٌ نَاطِقٌ وَ عَيْنٌ نَاظِرَةٌ لِيَشْهَدَ لِكُلِّ مَنْ وَافَاهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَ حَفِظَ الْمِيثَاقَ (1).
أقول: سيأتي الخبر بتمامه مع سائر الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة و كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
27- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيّاً حَتَّى أَمَرَهُ أَنْ يُوصِيَ إِلَى عَشِيرَتِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ (2) وَ أَمَرَنِي أَنْ أُوصِيَ فَقُلْتُ إِلَى مَنْ يَا رَبِّ فَقَالَ أَوْصِ يَا مُحَمَّدُ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنِّي قَدْ أَثْبَتُّهُ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَ كَتَبْتُ فِيهَا أَنَّهُ وَصِيُّكَ وَ عَلَى ذَلِكَ أَخَذْتُ مِيثَاقَ الْخَلَائِقِ (3) وَ مَوَاثِيقَ أَنْبِيَائِي وَ رُسُلِي أَخَذْتُ مَوَاثِيقَهُمْ لِي بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ بِالنُّبُوَّةِ وَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْوَلَايَةِ (4).
أقول: سيأتي سائر الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة فإن ذكرها في الموضعين يوجب التكرار.
28- كا، الكافي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (5) عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ عَلِيّاً نُوراً يَعْنِي رُوحاً بِلَا بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ سَمَاوَاتِي وَ أَرْضِي وَ عَرْشِي
____________
(1) علل الشرائع: 148.
(2) في المصدر: حتى أمره اللّه أن يوصى إلى أفضل عشيرته من عصبته.
(3) الخلائف خ ل.
(4) أمالى ابن الشيخ: 63 و 64.
(5) في الكافي: الحسين بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى و محمّد بن عبد الرحمن، و في مرآة العقول: الحسين بن عبيد اللّه (عبد اللّه خ ل) عن محمّد بن عيسى و محمّد بن عبد اللّه (عبد الرحمن خ ل).
19
وَ بَحْرِي فَلَمْ تَزَلْ تُهَلِّلُنِي وَ تُمَجِّدُنِي ثُمَّ جَمَعْتُ رُوحَيْكُمَا فَجَعَلْتُهُمَا وَاحِدَةً فَكَانَتْ تُمَجِّدُنِي وَ تُقَدِّسُنِي وَ تُهَلِّلُنِي ثُمَّ قَسَمْتُهَا ثِنْتَيْنِ وَ قَسَمْتُ الثِّنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً مُحَمَّدٌ وَاحِدٌ وَ عَلِيٌّ وَاحِدٌ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثِنْتَانِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ فَاطِمَةَ مِنْ نُورٍ ابْتَدَأَهَا (1) رُوحاً بِلَا بَدَنٍ ثُمَّ مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ (2) فَأَفْضَى نُورَهُ فِينَا (3).
29- كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي(ع)فَأَجْرَيْتُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُتَفَرِّداً بِوَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا (4) وَ أَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا وَ فَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ فَهُمْ يُحِلُّونَ مَا يَشَاءُونَ وَ يُحَرِّمُونَ مَا يَشَاءُونَ وَ لَنْ يَشَاءُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (5) ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الدِّيَانَةُ الَّتِي مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا مُحِقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ (6).
30- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ رَجَاءِ بْنِ يَحْيَى عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ هَارُونَ بْنِ عِيسَى بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ بَكَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (7) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ
____________
(1) هذا يخالف بعض الأحاديث السابقة.
(2) مسح اللّه باليمين كناية عن جعلهم ذا اليمن و البركة.
(3) الأصول 1: 440.
(4) أي خلقها بحضرتهم و اطلعهم على أطوار الخلق و أسراره. قوله: «و أجرى» أي أوجب.
(5) سيأتي في المجلد الإمامة في فصل بيان التفويض و معانيه شرح من المصنّف حول الحديث، و سيأتي هنا لك تحقيق حول التفويض.
(6) الأصول 1: 441.
(7) في إسناد الحديث اختصار، و تفصيله كما في المصدر هكذا: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل قال: أخبرنا رجاء بن يحيى أبو الحسين العبرتائى الكاتب، قال: حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم أبى المفضل، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن الفضل أبو عيسى النبهانى بالقسطاس، قال: حدّثنا هارون ابن عيسى بن بهلول المصرى الدهان، قال: حدّثنا بكار بن محمّد بن شعبة اليمانيّ، قال: أبى محمّد ابن شعبة الذهلى قاضى اليمامة، قال: حدّثني بكر بن الملك الاعتق البصرى.
20
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ خَلَقَ اللَّهُ النَّاسَ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى وَ خَلَقَنِي وَ أَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَا أَصْلُهَا وَ أَنْتَ فَرْعُهَا فَطُوبَى لِعَبْدٍ تَمَسَّكَ بِأَصْلِهَا وَ أَكَلَ مِنْ فَرْعِهَا (1).
31- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَدَائِنِيِ (2) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ(ص)بِعَرَفَاتٍ وَ عَلِيٌّ(ع)تُجَاهَهُ وَ نَحْنُ مَعَهُ إِذْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ ادْنُ مِنِّي يَا عَلِيُّ فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ ضَعْ خَمْسَكَ يَعْنِي كَفَّكَ فِي كَفِّي فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ خُلِقْتُ أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ أَنَا أَصْلُهَا وَ أَنْتَ فَرْعُهَا وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ أَغْصَانُهَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (3).
32- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْغَضَائِرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ (4) عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّيْسَابُورِيِّ عَنِ الصَّادِقِ(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ خُلِقْتُ مِنْ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَلَقَ أَهْلَ بَيْتِي مِنْ نُورِي وَ خَلَقَ مُحِبِّيهِمْ مِنْ نُورِهِمْ وَ سَائِرُ الْخَلْقِ فِي النَّارِ (5) (6).
33- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْغَضَائِرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْغَزَّالِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ فِي الْفِرْدَوْسِ لَعَيْناً أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَبْرَدَ مِنَ
____________
(1) المجالس و الاخبار: 34.
(2) في المصدر: عبد اللّه بن إسحاق بن إبراهيم بن حماد الخطيب المدائنى قال: حدّثنا عثمان بن عبد اللّه أبو عمرو العثمان.
(3) المجالس و الاخبار: 34.
(4) في المصدر: الحسين بن صالح بن شعيب الجوهريّ.
(5) في نسخة: من النار.
(6) المجالس و الاخبار: 57.
21
الثَّلْجِ وَ أَطْيَبَ مِنَ الْمِسْكِ فِيهَا طِينَةٌ خَلَقَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهَا وَ خَلَقَ شِيعَتَنَا مِنْهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الطِّينَةِ فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْ شِيعَتِنَا وَ هِيَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)(1).
34- كِتَابُ فَضَائِلِ الشِّيعَةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لِإِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ كُنَّا فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَّهَ وَ تُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ- (2) فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لَهُ وَ لَمْ يَأْمُرْنَا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ إِلَّا إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ أَبَى أَنْ يَسْجُدَ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ
____________
(1) المجالس و الاخبار: 57، في المصدر: أخذ اللّه عليه ولاية، و في ذيل الحديث: قال عبيد:
فذكرت لمحمّد بن الحسين هذا الحديث، فقال: صدقك يحيى بن عبد اللّه، هكذا أخبرنى أبى، عن جدى، عن أبيه، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال عبيد: قلت: أشتهى أن تفسره لنا إن كان عندك تفسير، قال: نعم، أخبرنى أبى، عن جدى، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إن للّه تعالى ملكا رأسه تحت العرش، و قدماه في تخوم الأرض السابعة السفلى، بين عينيه راحة أحدكم، فاذا أراد اللّه عزّ و جلّ أن يخلق خلقا على ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة فرمى بها في النطفة، حتى تصير الى الرحم، منها يخلق و هي الميثاق و السلام انتهى قلت: قوله: لمحمّد بن الحسين، قد سقط (على) من البين في الطبع، و الصحيح لمحمّد بن على بن الحسين (عليهم السلام)، و قد ذكر الحديث تارة اخرى في الأمالي: 194 بإسناده عن أبي منصور السكرى، عن جده عليّ بن عمر، عن أبي العباس إسحاق بن مروان القطان، عن أبيه، عن عبيد بن مهران العطار، عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبيه و عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)، و في ذيله:
قال عبيد: فذكرت ذلك لمحمّد بن عليّ بن الحسين بن على (عليهم السلام) هذا الحديث إه. قوله:
إن في الجنة اه» يخالف الحديث الأول و غيره حيث أن الحديث الأول يدلّ على أن خلقهم كان قبل الجنة و النار، و لعله يحمل على الخلق في بعض مراتب الوجود، فالاول يدلّ على الخلق في عالم الانوار، و الثاني على خلق طينتهم و مادتهم بعد ما خلق أنوارهم من قبل.
(2) هذا لا ينافى ما تقدم في الحديث الأول من أن نور محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خلق قبل آدم و قبل العرش بآلاف سنة، لان نوره انتقل الى سرادق العرش بعد خلق العرش، و ليس في الحديث «إنا خلقنا» بل فيه: «كنا».
22
مِنَ الْعالِينَ أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسِ الْمَكْتُوبِ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ (1).
35- ير، بصائر الدرجات ابْنُ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ (2) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً مِنْ طِينَةٍ مِنْ جَوْهَرَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ إِنَّهُ كَانَ لِطِينَتِهِ نَضْحٌ- (3) فَجَبَلَ طِينَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ نَضْحِ طِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ لِطِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَتَنَا مِنْ نَضْحِ طِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(4) وَ كَانَ لِطِينَتِنَا نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَةَ شِيعَتِنَا مِنْ نَضْحِ طِينَتِنَا فَقُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَيْنَا- (5) وَ قُلُوبُنَا تَعَطَّفُ عَلَيْهِمْ تَعَطُّفَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَ نَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ وَ هُمْ خَيْرٌ لَنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَنَا خَيْرٌ وَ نَحْنُ لَهُ خَيْرٌ (6).
36- ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ أَخِيهِ أَحْمَدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ خَلَقَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ وَ قَالَ خُلِقْنَا نَحْنُ وَ شِيعَتُنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ لَا يَشِذُّ مِنْهَا شَاذٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (7).
37- ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عِتْرَتَهُ مِنْ طِينَةِ الْعَرْشِ- (8) فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَ لَا يَزِيدُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ (9).
38- ير، بصائر الدرجات بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
____________
(1) فضائل الشيعة: مخطوط.
(2) في المصدر: عن شيخ من أهل المدائن يسمى بشر إه.
(3) النضح: رشاش الماء.
(4) في المصدر: من فضل طينة أمير المؤمنين (عليه السلام).
(5) أي تشتاق إلينا.
(6) بصائر الدرجات: 5.
(7) بصائر الدرجات: 6.
(8) هذا لا ينافى خلقهم قبل العرش، لان ذلك يحمل على خلق مادتهم لا أنوارهم.
(9) بصائر الدرجات: 6.
23
بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَهُمْ مِنْ طِينَةٍ فَوْقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ (1).
39- ك، إكمال الدين الْعَطَّارُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْغَضَنْفَرِيِ (2) عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ(ع)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً وَ الْأَئِمَّةَ الْأَحَدَ عَشَرَ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ أَرْوَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ (3) يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُقَدِّسُونَهُ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ الْهَادِيَةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(ص)أَجْمَعِينَ (4).
40- ك، إكمال الدين ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ رِبَاطٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نُوراً قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ فَهِيَ أَرْوَاحُنَا فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مَنِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ الَّذِي يَقُومُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَ يُطَهِّرُ الْأَرْضَ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ وَ ظُلْمٍ (5).
41- مِنْ رِيَاضِ الْجِنَانِ لِفَضْلِ اللَّهِ بْنِ مَحْمُودٍ الْفَارِسِيِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: يَا جَابِرُ كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ لَا مَعْلُومَ وَ لَا مَجْهُولَ فَأَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ خَلَقَ مُحَمَّداً(ص)وَ خَلَقَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَعَهُ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ فَأَوْقَفَنَا أَظِلَّةً خَضْرَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ لَا سَمَاءَ وَ لَا أَرْضَ وَ لَا مَكَانَ وَ لَا لَيْلَ وَ لَا نَهَارَ وَ لَا شَمْسَ وَ لَا قَمَرَ الْخَبَرَ (6).
____________
(1) بصائر الدرجات: 5.
(2) في المصدر: العصفرى، و روى الحديث الكليني في أصول الكافي باب ما جاء في الاثنى عشر 1: 530 بإسناده عن محمّد بن يحيى العطّار و فيه: العصفورى.
(3) في الكافي: من نور عظمته، فاقامهم أشباحا في ضياء نوره.
(4) كمال الدين: 184.
(5) كمال الدين: 192 و 193.
(6) رياض الجنان: مخطوط.
24
42- وَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَ عَلِيٌّ نُوراً بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ عَرْشَهُ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ (1).
43- وَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ فَقَالَ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اللَّهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ (2).
44- وَ عَنْ جَابِرٍ أَيْضاً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورِي ابْتَدَعَهُ مِنْ نُورِهِ وَ اشْتَقَّهُ مِنْ جَلَالِ عَظَمَتِهِ (3).
أقول: سيأتي تمام هذه الأخبار مع سائر الأخبار الواردة في بدء خلقهم(ع)في كتاب الإمامة.
45- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَيْفَ كُنْتُمْ حَيْثُ كُنْتُمْ فِي الْأَظِلَّةِ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ كُنَّا عِنْدَ رَبِّنَا لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرُنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ نُسَبِّحُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُهَلِّلُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَ لَا ذِي رُوحٍ غَيْرُنَا حَتَّى بَدَا لَهُ فِي خَلْقِ الْأَشْيَاءِ فَخَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ أَنْهَى (4) عِلْمَ ذَلِكَ إِلَيْنَا (5).
46- كا، الكافي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّغِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ إِذْ لَا كَانَ فَخَلَقَ الْكَانَ وَ الْمَكَانَ وَ خَلَقَ نُورَ الْأَنْوَارِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ وَ أَجْرَى فِيهِ مِنْ نُورِهِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ وَ هُوَ النُّورُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً فَلَمْ يَزَالا نُورَيْنِ أَوَّلَيْنِ إِذْ لَا شَيْءَ كُوِّنَ قَبْلَهُمَا فَلَمْ يَزَالا يَجْرِيَانِ طَاهِرَيْنِ مُطَهَّرَيْنِ فِي الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى افْتَرَقَا فِي أَطْهَرِ طَاهِرِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي طَالِبٍ(ع)(6).
____________
(1) رياض الجنان: مخطوط.
(2) رياض الجنان: مخطوط.
(3) رياض الجنان: مخطوط.
(4) أي أعلمنا به.
(5) الأصول 1: 441.
(6) الأصول 1: 441 و 442.
25
بيان: قوله إذ لا كان لعله مصدر بمعنى الكون كالقال و القول و المراد به الحدوث أي لم يحدث شيء بعد أو هو بمعنى الكائن و لعل المراد بنور الأنوار أولا نور النبي(ص)إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم و الهدايات و المعارف بل سبب لوجود الموجودات و علة غائية لها و أجرى فيه أي في نور الأنوار من نوره أي من نور ذاته من إفاضاته و هداياته التي نورت منها جميع الأنوار حتى نور الأنوار المذكور أولا قوله و هو النور الذي أي نور الأنوار المذكور أولا و الله يعلم أسرار أهل بيت نبيه ص.
47- كا، الكافي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عِتْرَتَهُ الْهُدَاةَ الْمُهْتَدِينَ فَكَانُوا أَشْبَاحَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ قُلْتُ وَ مَا الْأَشْبَاحُ قَالَ ظِلُّ النُّورِ أَبْدَانٌ نُورَانِيَّةٌ بِلَا أَرْوَاحٍ وَ كَانَ مُؤَيَّداً بِرُوحٍ وَاحِدٍ (1) وَ هِيَ رُوحُ الْقُدُسِ فَبِهِ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَ عِتْرَتُهُ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ حُلَمَاءَ عُلَمَاءَ بَرَرَةً أَصْفِيَاءَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ السُّجُودِ وَ التَّسْبِيحِ وَ التَّهْلِيلِ وَ يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ وَ يَحُجُّونَ وَ يَصُومُونَ (2).
بيان: قوله(ع)أشباح نور لعل الإضافة بيانية أي أشباحا نورانية و المراد أما الأجساد المثالية فقوله بلا أرواح لعله أراد به بلا أرواح حيوانية أو الأرواح بنفسها سواء كانت مجردة أو مادية لأن الأرواح إذا لم تتعلق بالأبدان فهي مستقلة بنفسها أرواح من جهة و أجساد من جهة فهي أبدان نورانية لم تتعلق بها أرواح أخر و ظل النور أيضا إضافته بيانية و تسمى عالم الأرواح و المثال بعالم الضلال لأنها ضلال تلك العالم و تابعة لها أو لأنها لتجردها أو لعدم كثافتها شبيهة بالظل و على الاحتمال الثاني يحتمل أن تكون الإضافة لامية بأن يكون المراد بالنور نور ذاته تعالى فإنها من آثار تلك النور و المعنى دقيق فتفطن.
____________
(1) في المصدر: بروح واحدة.
(2) الأصول 1: 442.
26
48- أقول قال الشيخ أبو الحسن البكري أستاد الشهيد الثاني (1) (قدس الله روحهما) في كتابه المسمى بكتاب الأنوار حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث عن أبي عمر الأنصاري سألت عن كعب الأحبار (2) و وهب بن منبه و ابن عباس قالوا جميعا لما أراد الله أن يخلق محمدا(ص)قال لملائكته إني أريد أن أخلق خلقا أفضله و أشرفه على الخلائق أجمعين و أجعله سيد الأولين و الآخرين و أشفعه فيهم يوم الدين فلولاه ما زخرفت الجنان و لا سعرت النيران فاعرفوا محله و أكرموه لكرامتي و عظموه لعظمتي (3) فقالت الملائكة إلهنا و سيدنا و ما اعتراض العبيد على مولاهم (4) سمعنا و أطعنا فعند ذلك أمر الله تعالى جبرئيل (5) و ملائكة الصفيح الأعلى و حملة العرش فقبضوا تربة رسول الله(ص)من
____________
(1) اسمه أحمد بن عبد اللّه على ما في الرياض و كشف الظنون، أو أحمد بن عبد اللّه بن محمّد على ما في لسان الميزان، و قد استشكل في صحة نسبة كتاب الأنوار الى أبى الحسن البكرى استاذ الشهيد الثاني لامور: 1- ما حكى صاحب الرياض عن بعض المؤرخين أنّه رأى نسخة عتيقة منه تاريخ كتابتها:
696، 2- ما حكى عن ابن تيمية المتوفّى سنة 728 أنّه ذكر في كتاب منهاج السنة أن أبا الحسن البكرى مؤلف الأنوار كان أشعرى المذهب، و عن السمهودى في كتابه تاريخ المدينة المؤلّف:
888 أن سيرة أبى الحسن البكرى البطلان و الكذب، قد ترجم ابن حجر المتوفى 852 أبا الحسن البكرى و عد من كتبه كتاب ضياء الأنوار، فعلى ذلك فكيف يمكن القول بأنّه من مشايخ الشهيد الثاني المستشهد سنة 966، و لذا حكم بتعدّد أبى الحسن البكرى أحدهما صاحب الأنوار، ثانيهما المترجم في شذرات الذهب بعنوان علاء الدين أبى الحسن عليّ بن جلال الدين محمّد البكرى الصديقى الشافعى المحدث المتوفى بالقاهرة سنة 952 و هو استاذ الشهيد الثاني فتأمل و راجع الذريعة 2:
409 و 410 و أعيان الشيعة: الجزء التاسع: 33- 37. قلت: و نسخة من كتاب الأنوار هذا عندنا موجودة.
(2) بالحاء المهملة، هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق، مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام و مات في خلافة عثمان و قد زاد على المائة.
(3) في المصدر: و عظموه لتعظيمى.
(4) في المصدر بعد ذلك: نعوذ بجلالك أن نعصيك، سمعنا إه.
(5) في المصدر: أمر اللّه تعالى طاوس الملائكة و هو جبرئيل أن يأتيه بالطينة المباركة، فهبط جبرئيل و ملائكة الصفيح الأعلى إه. قلت: الصفيح: السماء.
27
موضع ضريحه و قضى أن يخلقه من التراب و يميته في التراب و يحشره على التراب فقبضوا من تربة نفسه الطاهرة قبضة طاهرة (1) لم يمش عليها قدم مشت إلى المعاصي فعرج بها الأمين جبرئيل فغمسها في عين السلسبيل حتى نقيت كالدرة البيضاء فكانت تغمس كل يوم في نهر من أنهار الجنة و تعرض على الملائكة فتشرق أنوارها فتستقبلها الملائكة بالتحية و الإكرام و كان يطوف بها جبرئيل في صفوف الملائكة فإذا نظروا إليها قالوا إلهنا و سيدنا إن أمرتنا بالسجود سجدنا فقد اعترفت الملائكة بفضله (2) و شرفه قبل خلق آدم(ع)و لما خلق الله آدم(ع)سمع في ظهره نشيشا (3) كنشيش الطير و تسبيحا و تقديسا فقال آدم يا رب و ما هذا فقال يا آدم هذا تسبيح محمد العربي سيد الأولين و الآخرين فالسعادة لمن تبعه و أطاعه و الشقاء لمن خالفه (4) فخذ يا آدم بعهدي و لا تودعه إلا الأصلاب الطاهرة من الرجال و الأرحام من النساء الطاهرات الطيبات العفيفات (5) ثم قال آدم(ع)يا رب لقد زدتني بهذا المولود شرفا و نورا و بهاء و وقارا و كان نور رسول الله(ص)في غرة آدم كالشمس في دوران قبة الفلك أو كالقمر في الليلة المظلمة و قد أنارت منه السماوات و الأرض و السرادقات و العرش و الكرسي و كان آدم(ع)إذا أراد أن يغشى حواء أمرها أن تتطيب و تتطهر و يقول لها الله يرزقك هذا النور و يخصك به فهو وديعة الله و ميثاقه فلا يزال نور رسول الله(ص)في غرة آدم ع.
فَرُوِيَ (6) عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَأَوَّلُ
____________
(1) في المصدر: فقبضوا القبضة من تربة نقية طاهرة.
(2) في المصدر: و عرفت الملائكة فضله.
(3) النشيش: الصوت.
(4) في المصدر: و السعيد من تبعه و أطاعه، و الشقى من خالفه.
(5) في المصدر: و لا تودعه الا في الاصلاب الطاهرة، قال آدم: سمعت و أطعت و قبلت العهد و الميثاق، فلا أودعه إلّا في الاصلاب الطاهرة من الرجال، و الارحام المطهرة الزكية من النساء الطاهرات الحافظات العفيفات، فقال آدم (عليه السلام) إه.
(6) النسخة المخطوطة من المصدر خال عن قوله: فروى إلى ما يأتي بعد صفحات من قصة ميلاد شيث (عليه السلام)، فالحديث فيه هكذا: فلا يزال نور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في غرة آدم (عليه السلام) حتّى حملت حواء بشيث.
28
مَا خَلَقَ نُورُ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ خَلْقِ الْمَاءِ وَ الْعَرْشِ وَ الْكُرْسِيِّ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّوْحِ وَ الْقَلَمِ وَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ الْمَلَائِكَةِ وَ آدَمَ وَ حَوَّاءَ بِأَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى نُورَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)بَقِيَ أَلْفَ عَامٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَاقِفاً يُسَبِّحُهُ وَ يَحْمَدُهُ وَ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ يَقُولُ يَا عَبْدِي أَنْتَ الْمُرَادُ وَ الْمُرِيدُ وَ أَنْتَ خِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْلَاكَ مَا خَلَقْتُ الْأَفْلَاكَ مَنْ أَحَبَّكَ أَحْبَبْتُهُ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَبْغَضْتُهُ فَتَلَأْلَأَ نُورُهُ وَ ارْتَفَعَ شُعَاعُهُ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً أَوَّلُهَا حِجَابُ الْقُدْرَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْعَظَمَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْعِزَّةِ ثُمَّ حِجَابُ الْهَيْبَةِ ثُمَّ حِجَابُ الْجَبَرُوتِ ثُمَّ حِجَابُ الرَّحْمَةِ ثُمَّ حِجَابُ النُّبُوَّةِ ثُمَّ حِجَابُ الْكِبْرِيَاءِ (1) ثُمَّ حِجَابُ الْمَنْزِلَةِ ثُمَّ حِجَابُ الرِّفْعَةِ ثُمَّ حِجَابُ السَّعَادَةِ ثُمَّ حِجَابُ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نُورَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنْ يَدْخُلَ فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ فَدَخَلَ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى وَ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي حِجَابِ الْعَظَمَةِ فَدَخَلَ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ عَالِمِ السِّرِّ وَ أَخْفَى أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْعِزَّةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْمَنَّانِ عَشَرَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْهَيْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ تِسْعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْجَبَرُوتِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْكَرِيمِ الْأَكْرَمِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الرَّحْمَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ النُّبُوَّةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ سِتَّةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ خَمْسَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الْمَنْزِلَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الْعَلِيمِ الْكَرِيمِ أَرْبَعَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الرِّفْعَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَ الْمَلَكُوتِ ثَلَاثَةَ آلَافِ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ السَّعَادَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ يُزِيلُ الْأَشْيَاءَ وَ لَا يَزُولُ أَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ دَخَلَ فِي حِجَابِ الشَّفَاعَةِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ بِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ أَلْفَ عَامٍ
____________
(1) حجاب الكرامة- خ ل.
29
قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)عِشْرِينَ بَحْراً مِنْ نُورٍ فِي كُلِّ بَحْرٍ عُلُومٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ قَالَ لِنُورِ مُحَمَّدٍ(ص)انْزِلْ فِي بَحْرِ الْعِزِّ فَنَزَلَ ثُمَّ فِي بَحْرِ الصَّبْرِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْخُشُوعِ ثُمَّ فِي بَحْرِ التَّوَاضُعِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الرِّضَا ثُمَّ فِي بَحْرِ الْوَفَاءِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْحِلْمِ ثُمَّ فِي بَحْرِ التُّقَى ثُمَّ فِي بَحْرِ الْخَشْيَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْإِنَابَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْعَمَلِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْمَزِيدِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْهُدَى ثُمَّ فِي بَحْرِ الصِّيَانَةِ ثُمَّ فِي بَحْرِ الْحَيَاءِ حَتَّى تَقَلَّبَ فِي عِشْرِينَ بَحْراً فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ آخِرِ الْأَبْحُرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا حَبِيبِي وَ يَا سَيِّدَ رُسُلِي وَ يَا أَوَّلَ مَخْلُوقَاتِي وَ يَا آخِرَ رُسُلِي أَنْتَ الشَّفِيعُ يَوْمَ الْمَحْشَرِ فَخَرَّ النُّورُ سَاجِداً ثُمَّ قَامَ فَقَطَرَتْ مِنْهُ قَطَرَاتٌ كَانَ عَدَدُهَا مِائَةَ أَلْفٍ وَ أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ أَلْفَ قَطْرَةٍ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ نُورِهِ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا تَكَامَلَتِ الْأَنْوَارُ صَارَتْ تَطُوفُ حَوْلَ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)كَمَا تَطُوفُ الْحُجَّاجُ حَوْلَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَ هُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَ يَحْمَدُونَهُ وَ يَقُولُونَ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ حَلِيمٌ لَا يَعْجَلُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ فَنَادَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى تَعْرِفُونَ مَنْ أَنَا فَسَبَقَ نُورُ مُحَمَّدٍ(ص)قَبْلَ الْأَنْوَارِ وَ نَادَى أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَ مَلِكُ الْمُلُوكِ فَإِذَا بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ أَنْتَ صَفِيِّي وَ أَنْتَ حَبِيبِي وَ خَيْرُ خَلْقِي أُمَّتُكَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)جَوْهَرَةً وَ قَسَمَهَا قِسْمَيْنِ فَنَظَرَ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةِ فَصَارَ مَاءً عَذْباً وَ نَظَرَ إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ فَخَلَقَ مِنْهَا (1) الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَخَلَقَ الْكُرْسِيَّ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ اللَّوْحَ وَ خَلَقَ مِنْ نُورِ اللَّوْحِ الْقَلَمَ وَ قَالَ لَهُ اكْتُبْ تَوْحِيدِي فَبَقِيَ الْقَلَمُ أَلْفَ عَامٍ سَكْرَانَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا سَمِعَ الْقَلَمُ اسْمَ مُحَمَّدٍ(ص)خَرَّ سَاجِداً وَ قَالَ سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ سُبْحَانَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَ كَتَبَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ وَ مَنْ مُحَمَّدٌ الَّذِي قَرَنْتَ اسْمَهُ بِاسْمِكَ وَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ يَا قَلَمُ فَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُكَ وَ لَا خَلَقْتُ خَلْقِي إِلَّا لِأَجْلِهِ فَهُوَ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ
____________
(1) فخلق منه- خ ل.
30
وَ سِرَاجٌ مُنِيرٌ وَ شَفِيعٌ وَ حَبِيبٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْشَقَّ الْقَلَمُ مِنْ حَلَاوَةِ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ قَالَ الْقَلَمُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ مِنِّي وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَلِأَجْلِ هَذَا صَارَ السَّلَامُ سُنَّةً وَ الرَّدُّ فَرِيضَةً ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اكْتُبْ قَضَائِي وَ قَدَرِي وَ مَا أَنَا خَالِقُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِأُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)الْجَنَّةَ وَ زَيَّنَهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ التَّعْظِيمِ وَ الْجَلَالَةِ وَ السَّخَاءِ وَ الْأَمَانَةِ وَ جَعَلَهَا لِأَوْلِيَائِهِ وَ أَهْلِ طَاعَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى بَاقِي الْجَوْهَرَةِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةِ فَذَابَتْ فَخَلَقَ مِنْ دُخَانِهَا السَّمَاوَاتِ وَ مِنْ زَبَدِهَا الْأَرَضِينَ فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْأَرْضَ صَارَتْ تَمُوجُ بِأَهْلِهَا كَالسَّفِينَةِ فَخَلَقَ اللَّهُ الْجِبَالَ فَأَرْسَاهَا (1) بِهَا ثُمَّ خَلَقَ مَلَكاً مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ فِي الْقُوَّةِ فَدَخَلَ تَحْتَ الْأَرْضِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِقَدَمَيِ الْمَلَكِ قَرَارٌ فَخَلَقَ اللَّهُ صَخْرَةً عَظِيمَةً وَ جَعَلَهَا تَحْتَ قَدَمَيِ الْمَلَكِ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِلصَّخْرَةِ قَرَارٌ فَخَلَقَ لَهَا ثَوْراً عَظِيماً لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِعِظَمِ خِلْقَتِهِ وَ بَرِيقِ عُيُونِهِ حَتَّى لَوْ وُضِعَتِ الْبِحَارُ كُلُّهَا فِي إِحْدَى مَنْخِرَيْهِ مَا كَانَتْ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ فَدَخَلَ الثَّوْرُ تَحْتَ الصَّخْرَةِ وَ حَمَلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ وَ قُرُونِهِ وَ اسْمُ ذَلِكَ الثَّوْرِ لهوتا ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الثَّوْرِ قَرَارٌ فَخَلَقَ اللَّهُ لَهُ حُوتاً عَظِيماً وَ اسْمُ ذَلِكَ الْحُوتِ بهموت فَدَخَلَ الْحُوتُ تَحْتَ قَدَمَيِ الثَّوْرِ فَاسْتَقَرَّ الثَّوْرُ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ (2) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا عَلَى كَاهِلِ الْمَلَكِ وَ الْمَلَكُ عَلَى الصَّخْرَةِ
____________
(1) من أرسى الوتد في الأرض: ضربه فيها، و ذلك إشارة إلى قوله تعالى: «وَ الْجِبالَ أَوْتاداً»، أو المعنى أثبتها به، كما يثبت السفينة بالدسر و المسامير لئلا تنفسخ أجزاؤها. و تتفرق كل جزء منها في الجو.
(2) قد ورد هذا التفصيل في أخبار من العامّة، و لعلّ مصنف الأنوار أخذه من طريقهم، و هو يخالف العلم الحاصل لنا من القرآن العظيم و أخبار النبيّ و الولى عليهم صلوات اللّه و سلامه و غيرهما الذي يدلّ على أن الأرض قائمة بنفسها غير محمولة و لا موضوعة على شيء، تتحرك في الفضاء، كما يشير إليه قوله تعالى: «وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» اذ لو كانت مثبتة على شيء لما احتاجت الى وتد، و كقوله تعالى: «وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ»* أو «أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» كما في سورة الأنبياء و كقوله تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً» و غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، و كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «نور السماوات و الأرضين و فاطرهما و مبتدعهما بغير عمد خلقهما فاستقرت الارضون بأوتادها فوق الماء» و قال في دعاء وداع شهر رمضان: «و بسط الأرض.
31
وَ الصَّخْرَةُ عَلَى الثَّوْرِ وَ الثَّوْرُ عَلَى الْحُوتِ وَ الْحُوتُ عَلَى الْمَاءِ وَ الْمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ عَلَى الظُّلْمَةِ ثُمَّ انْقَطَعَ عِلْمُ الْخَلَائِقِ عَمَّا تَحْتَ الظُّلْمَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ مِنْ ضِيَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ وَ الثَّانِي الْعَدْلُ ثُمَّ أَمَرَ الضِّيَاءَيْنِ فَانْتَفَسَا بِنَفَسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ الْعَقْلَ وَ الْحِلْمَ وَ الْعِلْمَ وَ السَّخَاءَ ثُمَّ خَلَقَ مِنَ الْعَقْلِ الْخَوْفَ وَ خَلَقَ مِنَ الْعِلْمِ الرِّضَا وَ مِنَ الْحِلْمِ الْمَوَدَّةَ وَ مِنَ السَّخَاءِ الْمَحَبَّةَ ثُمَّ عَجَنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي طِينَةِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ خَلَقَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ الضِّيَاءَ وَ الظَّلَامَ وَ سَائِرَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورِ مُحَمَّدٍ(ص)فَلَمَّا تَكَامَلَتِ الْأَنْوَارُ سَكَنَ نُورُ مُحَمَّدٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ثَلَاثَةً وَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ نُورُهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَبَقِيَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَبَقِيَ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ انْتَقَلَ نُورُهُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَبَقِيَ نُورُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ(ع)أَمَرَ جَبْرَئِيلَ(ع)أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ وَ يَقْبِضَ مِنْهَا قَبْضَةً فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَسَبَقَهُ اللَّعِينُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لِلْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْكِ خَلْقاً وَ يُعَذِّبَهُ بِالنَّارِ فَإِذَا أَتَتْكِ مَلَائِكَتُهُ فَقُولِي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنِّي شَيْئاً يَكُونُ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ (1) فَجَاءَهَا جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالَّذِي أَرْسَلَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي شَيْئاً فَرَجَعَ جَبْرَئِيلُ وَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئاً فَقَالَ يَا رَبِّ قَدِ اسْتَعَاذَتْ بِكَ مِنِّي فَرَحِمْتُهَا فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فَعَادَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَرَجَعَ كَذَلِكَ
____________
على الماء بلا أركان» و قال عليّ (عليه السلام) عند توصيفه خلق الأرض: «و أرساها على غير قرار، و أقامها بغير قوائم، و رفعها بغير دعائم» إلى غير ذلك ممّا يدلّ عليه، و على أن الأرض متحركة فان ذلك كله ينافى استقرار الأرض على جرم، و لذا ترى أن العلماء يؤولون هذا الخبر و نحوه و يصرفونه عن ظاهره بما يأتي في محله، فعلى أي فالحديث يدلّ إجمالا على أن للأرض قوة تجذبها عن السقوط، و أن لها حركة كحركة الحوت في الماء. و التعبير بالثور و غيره لو صح الحديث عنهم (عليهم السلام) رمز و إشارات الى معان هم أعلم بها.
(1) لا يخلو ذلك عن غرابة، لان المعروف أن الشيطان لم يكن قبل آدم (عليه السلام) ضالا مضلا مخالفا لما يعلم أن اللّه يريده إلّا أن يكون ذلك للشفقة على الأرض، لا لمخالفة اللّه سبحانه.
32
فَبَعَثَ عِزْرَائِيلَ فَقَالَ وَ أَنَا أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ أَنْ أَعْصِيَ لَهُ أَمْراً فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَعْلَاهَا وَ أَدْوَنِهَا وَ أَبْيَضِهَا وَ أَسْوَدِهَا وَ أَحْمَرِهَا وَ أَخْشَنِهَا وَ أَنْعَمِهَا (1) فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَ أَلْوَانُهُمْ فَمِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَ الْأَسْوَدُ وَ الْأَصْفَرُ فَقَالَ لَهُ تَعَالَى أَ لَمْ تَتَعَوَّذْ مِنْكَ الْأَرْضُ بِي فَقَالَ نَعَمْ لَكِنْ لَمْ أَلْتَفِتْ لَهُ فِيهَا وَ طَاعَتُكَ يَا مَوْلَايَ أَوْلَى مِنْ رَحْمَتِي لَهَا فَقَالَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَ لَا رَحِمْتَهَا كَمَا رَحِمَهَا أَصْحَابُكَ قَالَ طَاعَتُكَ أَوْلَى فَقَالَ اعْلَمْ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْلُقَ مِنْهَا خَلْقاً أَنْبِيَاءَ وَ صَالِحِينَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ وَ أَجْعَلَكَ الْقَابِضَ لِأَرْوَاحِهِمْ فَبَكَى عِزْرَائِيلُ(ع)فَقَالَ لَهُ الْحَقُّ تَعَالَى مَا يُبْكِيكَ قَالَ إِذَا كُنْتُ كَذَلِكَ كَرِهُونِي هَؤُلَاءِ الْخَلَائِقُ فَقَالَ لَا تَخَفْ إِنِّي أَخْلُقُ لَهُمْ عِلَلًا فَيَنْسُبُونَ الْمَوْتَ إِلَى تِلْكَ الْعِلَلِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبْرَئِيلَ(ع)أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْقَبْضَةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ أَصْلًا فَأَقْبَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)وَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ الْكَرُوبِيُّونَ وَ الصَّافُّونَ وَ الْمُسَبِّحُونَ فَقَبَضُوهَا مِنْ مَوْضِعِ ضَرِيحِهِ وَ هِيَ الْبُقْعَةُ الْمُضِيئَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا جَبْرَئِيلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَعَجَنَهَا بِمَاءِ التَّسْنِيمِ (2) وَ مَاءِ التَّعْظِيمِ وَ مَاءِ التَّكْرِيمِ وَ مَاءِ التَّكْوِينِ وَ مَاءِ الرَّحْمَةِ وَ مَاءِ الرِّضَا وَ مَاءِ الْعَفْوِ فَخَلَقَ مِنَ الْهِدَايَةِ رَأْسَهُ وَ مِنَ الشَّفَقَةِ صَدْرَهُ وَ مِنَ السَّخَاءِ كَفَّيْهِ وَ مِنَ الصَّبْرِ فُؤَادَهُ وَ مِنَ الْعِفَّةِ فَرْجَهُ وَ مِنَ الشَّرَفِ قَدَمَيْهِ وَ مِنَ الْيَقِينِ قَلْبَهُ وَ مِنَ الطِّيبِ أَنْفَاسَهُ ثُمَّ خَلَطَهَا بِطِيْنَةِ آدَمَ(ع)فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ(ع)أَوْحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَحَمَلَتِ الْمَلَائِكَةُ جَسَدَ آدَمَ(ع)وَ وَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَ هُوَ جَسَدٌ لَا رُوحَ فِيهِ وَ الْمَلَائِكَةُ يَنْتَظِرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ وَ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ ع فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَ وَ قَالَ لَهَا ادْخُلِي فِي هَذَا الْجِسْمِ فَرَأَتِ الرُّوحُ مَدْخَلًا ضَيِّقاً فَوَقَفَتْ فَقَالَ لَهَا ادْخُلِي كَرْهاً وَ اخْرُجِي كَرْهاً قَالَ فَدَخَلَتِ الرُّوحُ فِي الْيَافُوخِ (3) إِلَى الْعَيْنَيْنِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ فَسَمِعَ تَسْبِيحَ
____________
(1) أي ألينها.
(2) تسنيم قيل: هو عين في الجنة رفيعة القدر، و فسره في القرآن بقوله: «عينا يشرب بها المقربون».
(3) اليافوخ و اليأفوخ: الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل، و هو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها و أعلاها لا يلبث أن تلتقى فيه العظام.
33
الْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الْخَيَاشِيمِ عَطَسَ آدَمُ(ع)فَأَنْطَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَمْدِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ هِيَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ قَالَهَا آدَمُ(ع)فَقَالَ الْحَقُّ تَعَالَى رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ لِهَذَا (1) خَلَقْتُكَ وَ هَذَا لَكَ وَ لِوُلْدِكَ أَنْ قَالُوا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَلِذَلِكَ صَارَ تَسْمِيتُ الْعَاطِسِ (2) سُنَّةً وَ لَمْ يَكُنْ عَلَى إِبْلِيسَ أَشَدُّ مِنْ تَسْمِيتِ الْعَاطِسِ ثُمَّ إِنَّ آدَمَ(ع)فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَرَأَى مَكْتُوباً عَلَى الْعَرْشِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمَّا وَصَلَتِ الرُّوحُ إِلَى سَاقِهِ قَامَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى قَدَمَيْهِ فَلَمْ يُطِقْ فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ
قَالَ الصَّادِقُ(ع)كَانَتِ الرُّوحُ فِي رَأْسِ آدَمَ(ع)مِائَةَ عَامٍ وَ فِي صَدْرِهِ مِائَةَ عَامٍ وَ فِي ظَهْرِهِ مِائَةَ عَامٍ وَ فِي فَخِذَيْهِ مِائَةَ عَامٍ وَ فِي سَاقَيْهِ وَ قَدَمَيْهِ مِائَةَ عَامٍ (3) فَلَمَّا اسْتَوَى آدَمُ(ع)قَائِماً أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ وَ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمْ تَزَلْ فِي سُجُودِهَا إِلَى الْعَصْرِ فَسَمِعَ آدَمُ(ع)مِنْ ظَهْرِهِ نَشِيشاً كَنَشِيشِ الطَّيْرِ وَ تَسْبِيحاً وَ تَقْدِيساً فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ وَ مَا هَذَا قَالَ يَا آدَمُ هَذَا تَسْبِيحُ مُحَمَّدٍ الْعَرَبِيِّ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَعْوَجِ (4) حَوَّاءَ وَ قَدْ أَنَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا انْتَبَهَ رَآهَا عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ مَنْ أَنْتِ قَالَتْ أَنَا حَوَّاءُ خَلَقَنِيَ اللَّهُ لَكَ قَالَ مَا أَحْسَنَ خِلْقَتَكِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ هَذِهِ أَمَتِي حَوَّاءُ وَ أَنْتَ عَبْدِي آدَمُ خَلَقْتُكُمَا لِدَارٍ اسْمُهَا جَنَّتِي فَسَبِّحَانِي وَ احْمَدَانِي يَا آدَمُ اخْطُبْ حَوَّاءَ مِنِّي وَ ادْفَعْ مَهْرَهَا إِلَيَّ فَقَالَ آدَمُ وَ مَا مَهْرُهَا يَا رَبِّ قَالَ تُصَلِّي عَلَى حَبِيبِي مُحَمَّدٍ(ص)عَشْرَ مَرَّاتٍ فَقَالَ آدَمُ جَزَاؤُكَ يَا رَبِّ عَلَى ذَلِكَ الْحَمْدُ وَ الشُّكْرُ مَا بَقِيتُ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ وَ كَانَ الْقَاضِي الْحَقَّ وَ الْعَاقِدُ جَبْرَئِيلَ وَ الزَّوْجَةُ حَوَّاءَ وَ الشُّهُودُ الْمَلَائِكَةَ فَوَاصَلَهَا وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ يَقِفُونَ مِنْ وَرَاءِ آدَمَ(ع)قَالَ آدَمُ(ع)لِأَيِّ شَيْءٍ يَا رَبِّ تَقِفُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ وَرَائِي فَقَالَ
____________
(1) أي للرحمة بك.
(2) تسميت العاطس: الدعاء له بقوله: يرحمك اللّه أو نحوه.
(3) الحديث منفرد بذلك التفصيل، و قد تقدم أخبار آدم (عليه السلام) في المجلد 11 و لم يكن فيه هذا التفصيل.
(4) تقدمت روايات فيما خلقت حواء منه و الخلاف فيه. راجع ج 11(ص)116 و قبله و(ص)222.
34
لِيَنْظُرُوا إِلَى نُورِ وَلَدِكَ مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ يَا رَبِّ اجْعَلْهُ أَمَامِي حَتَّى تَسْتَقْبِلَنِيَ الْمَلَائِكَةُ فَجَعَلَهُ فِي جَبْهَتِهِ فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَقِفُ قُدَّامَهُ صُفُوفاً ثُمَّ سَأَلَ آدَمُ(ع)رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانٍ يَرَاهُ آدَمُ فَجَعَلَهُ فِي الْإِصْبَعِ السَّبَّابَةِ فَكَانَ نُورُ مُحَمَّدٍ(ص)فِيهَا وَ نُورُ عَلِيٍّ(ع)فِي الْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَ فَاطِمَةَ(ع)فِي الَّتِي تَلِيهَا وَ الْحَسَنِ(ع)فِي الْخِنْصِرِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)فِي الْإِبْهَامِ وَ كَانَتْ أَنْوَارُهُمْ كَغُرَّةِ الشَّمْسِ فِي قُبَّةِ الْفَلَكِ أَوْ كَالْقَمَرِ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ وَ كَانَ آدَمُ(ع)إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْشَى حَوَّاءَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَتَطَيَّبَ وَ تَتَطَهَّرَ وَ يَقُولُ لَهَا يَا حَوَّاءُ اللَّهُ يَرْزُقُكِ هَذَا النُّورَ وَ يَخُصُّكِ بِهِ فَهُوَ وَدِيعَةُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ فَلَمْ يَزَلْ نُورُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي غُرَّةِ آدَمَ(ع)حَتَّى حَمَلَتْ حَوَّاءُ بِشَيْثٍ وَ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ يَأْتُونَ حَوَّاءَ وَ يُهَنِّئُونَهَا فَلَمَّا وَضَعَتْهُ نَظَرَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إِلَى نُورِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَشْتَعِلُ اشْتِعَالًا فَفَرِحَتْ بِذَلِكَ وَ ضَرَبَ جَبْرَئِيلُ(ع)بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ حِجَاباً مِنْ نُورٍ (1) غِلَظُهُ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَلَمْ يَزَلْ مَحْجُوباً مَحْبُوساً حَتَّى بَلَغَ شَيْثٌ(ع)مَبَالِغَ الرِّجَالِ (2) وَ النُّورُ يُشْرِقُ فِي غُرَّتِهِ (3) فَلَمَّا عَلِمَ آدَمُ(ع)أَنَّ وَلَدَهُ شَيْثَ بَلَغَ مَبَالِغَ الرِّجَالِ قَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ إِنِّي مُفَارِقُكَ عَنْ قَرِيبٍ فَادْنُ مِنِّي حَتَّى آخُذَ عَلَيْكَ الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ كَمَا أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ قَبْلَكَ ثُمَّ رَفَعَ آدَمُ(ع)رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا أَرَادَ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُمْسِكُوا عَنِ التَّسْبِيحِ وَ لَفَّتْ (4) أَجْنِحَتَهَا وَ أَشْرَفَتْ سُكَّانَ الْجِنَانِ مِنْ غُرُفَاتِهَا وَ سَكَنَ صَرِيرُ أَبْوَابِهَا وَ جَرَيَانُ أَنْهَارِهَا وَ تَصْفِيقُ أَوْرَاقِ أَشْجَارِهَا وَ تَطَاوَلَتْ لِاسْتِمَاعِ مَا يَقُولُ آدَمُ(ع)وَ نُودِيَ يَا آدَمُ قُلْ مَا أَنْتَ قَائِلٌ فَقَالَ آدَمُ(ع)اللَّهُمَّ رَبَّ الْقِدَمِ قَبْلَ النَّفْسِ وَ مُنِيرَ الْقَمَرِ وَ الشَّمْسِ خَلَقْتَنِي كَيْفَ شِئْتَ وَ قَدْ أَوْدَعْتَنِي هَذَا النُّورَ الَّذِي أَرَى مِنْهُ التَّشْرِيفَ وَ الْكَرَامَةَ (5) وَ قَدْ صَارَ
____________
(1) في المصدر: فضرب جبرئيل بينها و بين إبليس حجابا من نور غلظه خمسمائة عام، فلم يزل إبليس محجوبا اه و كذا في اثبات الوصية.
(2) في المصدر و في اثبات الوصية: حتى بلغ شيث سبع سنين.
(3) في المصدر: من غرته الى السماء.
(4) في المصدر: فأمر اللّه الملائكة أن يمسكوا عن التسبيح حتّى يسمعوا ما يقول آدم، فهد الملائكة عن التسبيح و لفت أجنحتها اه قلت: فهد مصحف فهده أي فسكن، و اللف: ضد النشر.
(5) في المصدر: أنالنى عنه التشريف و الكرامة.
35
لِوَلَدِي شَيْثٍ وَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ كَمَا أَخَذْتَهُ عَلَيَّ اللَّهُمَّ وَ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيْهِ وَ إِذَا بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا آدَمُ خُذْ عَلَى وَلَدِكَ شَيْثٍ الْعَهْدَ وَ أَشْهِدْ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ الْمَلَائِكَةَ أَجْمَعِينَ قَالَ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبْرَئِيلَ(ع)أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ فِي سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَيْدِيهِمْ أَلْوِيَةُ الْحَمْدِ وَ بِيَدِهِ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ وَ قَلَمٌ مُكَوَّنٌ مِنْ مَشِيَّةِ اللَّهِ (1) رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأَقْبَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى آدَمَ(ع)وَ قَالَ لَهُ يَا آدَمُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ اكْتُبْ عَلَى وَلَدِكَ شَيْثٍ كِتَاباً (2) وَ أَشْهِدْ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ الْمَلَائِكَةَ أَجْمَعِينَ فَكَتَبَ الْكِتَابَ وَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَ خَتَمَهُ جَبْرَئِيلُ بِخَاتَمِهِ وَ دَفَعَهُ إِلَى شَيْثٍ وَ كَسَا قَبْلَ انْصِرَافِهِ حُلَّتَيْنِ (3) حَمْرَاوَيْنِ أَضْوَأَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ أَرْوَقَ (4) مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يُقْطَعَا وَ لَمْ يُفْصَلَا بَلْ قَالَ لَهُمَا الْجَلِيلُ كُونِيَا فَكَانَتَا ثُمَّ تَفَرَّقَا (5) وَ قَبِلَ شَيْثٌ الْعَهْدَ وَ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ وَ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ النُّورُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَ الْمُحَاوَلَةَ (6) الْبَيْضَاءَ وَ كَانَتْ بِطُولِ حَوَّاءَ وَ اقْتَرَنَ إِلَيْهَا بِخُطْبَةِ جَبْرَئِيلَ فَلَمَّا وَطِئَهَا حَمَلَتْ بِأَنُوشَ فَلَمَّا حَمَلَتْ بِهِ سَمِعَتْ مُنَادِياً يُنَادِي هَنِيئاً لَكِ يَا بَيْضَاءُ لَقَدِ اسْتَوْدَعَكِ اللَّهُ نُورَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ فَلَمَّا وَلَدَتْهُ أَخَذَ عَلَيْهِ شَيْثٌ الْعَهْدَ كَمَا أَخَذَ عَلَيْهِ وَ انْتَقَلَ إِلَى وَلَدِهِ قينان وَ مِنْهُ إِلَى مَهْلَائِيلَ وَ مِنْهُ إِلَى أُدَدَ (7) وَ مِنْهُ إِلَى أَخْنُوخَ وَ هُوَ إِدْرِيسُ(ع)ثُمَّ أَوْدَعَهُ إِدْرِيسُ وَلَدَهُ متوشلخ وَ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى
____________
(1) في المصدر: و قلم مكتوب في مشية اللّه.
(2) في المصدر: كتابا بالعهد و الميثاق.
(3) في المصدر: و كسى شيث قبل انصرافهم عنه حلتين حمراوتين أنور من الشمس و أرق من رقة الماء لم تقطع و لم تفصل.
(4) أي أصفى.
(5) في المصدر: ثم تفرقا على ذلك.
(6) هكذا في النسخ، و في المصدر: المخاولة بالخاء. و لعله مصحف المخولة من خوله الشيء: أعطاه إياه متفضلا، و ذلك لما تقدم في المجلد- 11- إن اللّه أعطاه من الجنة حورية اسمه نزلة أو غير ذلك على ما تقدم.
(7) في اثبات الوصية: اسمه بردا، و الظاهر أنّه مصحف يرد، و يقال له: اليارد أيضا.
36
مَلَكٍ (1) ثُمَّ إِلَى نُوحٍ وَ مِنْ نُوحٍ إِلَى سَامٍ وَ مِنْ سَامٍ إِلَى وَلَدِهِ أَرْفَخْشَدَ (2) ثُمَّ إِلَى وَلَدِهِ عَابَرَ (3) ثُمَّ إِلَى قالع (4) ثُمَّ إِلَى أرغو وَ مِنْهُ إِلَى شارغ (5) وَ مِنْهُ إِلَى تاخور (6) ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى تَارَخَ وَ مِنْهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ إِلَى إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ إِلَى قَيْذَارَ (7) وَ مِنْهُ إِلَى الْهَمَيْسَعِ (8) ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى نَبْتٍ (9) ثُمَّ إِلَى يَشْحُبَ وَ مِنْهُ إِلَى أُدَدَ وَ مِنْهُ إِلَى عَدْنَانَ وَ مِنْهُ إِلَى مَعَدٍّ وَ مِنْهُ إِلَى نِزَارٍ وَ مِنْهُ إِلَى مُضَرَ وَ مِنْ مُضَرَ إِلَى إِلْيَاسَ (10) وَ مِنْ إِلْيَاسَ إِلَى مُدْرِكَةَ وَ مِنْهُ إِلَى خُزَيْمَةَ وَ مِنْهُ إِلَى كِنَانَةَ وَ مِنْ كِنَانَةَ إِلَى قُصَيٍ (11) وَ مِنْ قُصَيٍّ إِلَى لُوَيٍّ وَ مِنْ لُوَيٍّ إِلَى غَالِبٍ وَ مِنْهُ إِلَى فِهْرٍ وَ مِنْ فِهْرٍ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ وَ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى هَاشِمٍ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ هَاشِماً لِأَنَّهُ هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَ كَانَ اسْمُهُ عَمْرَو الْعَلَاءِ
____________
(1) هكذا في النسخ، و في المصدر و اثبات الوصية لمك و هو الصحيح.
(2) في المصدر: ثم الى ولده شالخ ثمّ الى ولده عابر، و هو الصحيح كما في سبائك الذهب و تاريخ اليعقوبي.
(3) و هو هود (عليه السلام) كما في اثبات الوصية و غيره.
(4) في تاريخ اليعقوبي و اثبات الوصية و سبائك الذهب: فالغ، و في الأخير: و يقال:
فالخ بالخاء، و في الطبريّ بالغ فهو فالج قال: و تفسير بالغ القاسم بالسريانية لانه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم.
(5) في المصدر: شاروغ، و في السبائك: شاروخ، و في اثبات الوصية: سروع، و في الطبريّ: ساروغ.
(6) في اثبات الوصية و السبائك: ناحور و هو المشهور.
(7) في غير نسخة المصنّف القيدار بالدال المهملة و هو الموجود في اثبات الوصية و السبائك.
(8) قد أثبت في اثبات الوصية و السبائك بين قيدار و الهميسع حمل و نبت و سلامان.
(9) و لعله مقدم كما عرفت، و عد المسعوديّ في اثبات الوصية بعد الهميسع اليسع و بعده ادد، و في السبائك بعد الهميسع ادد.
(10) بكسر الهمزة أو بفتحها على اختلاف.
(11) قد ذكر المسعوديّ في اثبات و السويدى في سبائك الذهب و الطبريّ في تاريخه بعد كنانة النضر، ثمّ مالك ثمّ فهر ثمّ غالب ثمّ لؤى ثمّ كعب ثمّ مرة ثمّ كلاب ثمّ قصى ثمّ عبد مناف. و سيأتي مثل ذلك في باب أجداده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
37
وَ كَانَ نُورُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي وَجْهِهِ إِذَا أَقْبَلَ تُضِيءُ مِنْهُ الْكَعْبَةُ وَ تَكْتَسِي مِنْ نُورِهِ نُوراً شَعْشَعَانِيّاً وَ يَرْتَفِعُ مِنْ وَجْهِهِ نُورٌ إِلَى السَّمَاءِ وَ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بِنْتِ فَالَجِ (1) بْنِ ذَكْوَانَ وَ لَهُ ضَفِيرَتَانِ كَضَفِيرَتَيِ إِسْمَاعِيلَ(ع)يَتَوَقَّدُ نُورُهُمَا إِلَى السَّمَاءِ فَعَجِبَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ ذَلِكَ وَ سَارَتْ إِلَيْهِ قَبَائِلُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَ مَاجَتْ (2) مِنْهُ الْكُهَّانُ وَ نَطَقَتِ الْأَصْنَامُ بِفَضْلِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَ كَانَ هَاشِمٌ لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَ لَا مَدَرٍ إِلَّا وَ يُنَادِيهِ أَبْشِرْ يَا هَاشِمُ فَإِنَّهُ سَيَظْهَرُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ أَشْرَفُ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ كَانَ هَاشِمٌ إِذَا مَشَى فِي الظَّلَامِ أَنَارَتْ مِنْهُ الْحَنَادِسُ (3) وَ يُرَى مَنْ حَوْلَهُ كَمَا يُرَى مِنْ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ فَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ مَنَافٍ الْوَفَاةُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى هَاشِمٍ أَنْ يُودِعَ نُورَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي الْأَرْحَامِ الزَّكِيَّةِ مِنَ النِّسَاءِ (4) فَقَبِلَ هَاشِمٌ الْعَهْدَ وَ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ وَ جُعِلَتِ الْمُلُوكُ تَتَطَاوَلُ إِلَى هَاشِمٍ لِيَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ وَ يَبْذُلُونَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ (5) وَ هُوَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ وَ كَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَأْتِي الْكَعْبَةَ وَ يَطُوفُ بِهَا سَبْعاً وَ يَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِهَا وَ كَانَ هَاشِمٌ إِذَا قَصَدَهُ قَاصِدٌ أَكْرَمَهُ وَ كَانَ يَكْسُو الْعُرْيَانَ وَ يُطْعِمُ الْجَائِعَ وَ يُفَرِّجُ عَنِ الْمُعْسِرِ وَ يُوفِي عَنِ الْمَدْيُونِ وَ مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ دَفَعَ عَنْهُ (6) وَ كَانَ بَابُهُ لَا يُغْلَقُ عَنْ صَادِرٍ وَ لَا وَارِدٍ وَ إِذَا أَوْلَمَ وَلِيمَةً أَوِ اصْطَنَعَ طَعَاماً لِأَحَدٍ وَ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يَأْمُرُ بِهِ أَنْ يُلْقَى إِلَى الْوَحْشِ (7) وَ الطُّيُورِ حَتَّى تَحَدَّثُوا بِهِ وَ بِجُودِهِ فِي الْآفَاقِ وَ سَوَّدَهُ (8) أَهْلُ مَكَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ وَ شَرَّفُوهُ وَ عَظَّمُوهُ وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ وَ السِّقَايَةَ وَ الْحِجَابَةَ وَ الرِّفَادَةَ
____________
(1) في المصدر: عالج. و في اليعقوبي: فالج كما في المتن.
(2) أي اختلفت أمورهم و اضطربت.
(3) الحنادس جمع الحندس: الظلمة.
(4) في المصدر: أخذ العهد و الميثاق على أنّه لا يودع نور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الا في الارحام الزكية من اكرم الناس.
(5) في المصدر: و يبذلون له الجزيل من الأموال.
(6) في المصدر: و من أصيب بذنب رفع عنه ذنبه.
(7) في المصدر: الوحوش.
(8) أي جعلوه سيدا.
38
وَ مَصَادِرَ أُمُورِ النَّاسِ وَ مَوَارِدَهَا وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ لِوَاءَ نِزَارٍ وَ قَوْسَ إِسْمَاعِيلَ(ع)وَ قَمِيصَ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ نَعْلَ شَيْثٍ(ع)وَ خَاتَمَ نُوحٍ(ع)فَلَمَّا احْتَوَى عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ظَهَرَ فَخْرُهُ وَ مَجْدُهُ وَ كَانَ يَقُومُ بِالْحَاجِ (1) وَ يَرْعَاهُمْ وَ يَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ وَ يُكْرِمُهُمْ وَ لَا يَنْصَرِفُونَ إِلَّا شَاكِرِينَ.
قال أبو الحسن البكري و كان هاشم إذا أهل (2) هلال ذي الحجة يأمر الناس بالاجتماع إلى الكعبة فإذا اجتمعوا قام خطيبا (3) و يقول معاشر الناس إنكم جيران الله و جيران بيته و إنه سيأتيكم في هذا الموسم زوار بيت الله و هم أضياف الله و الأضياف هم أولى بالكرامة و قد خصكم الله تعالى بهم و أكرمكم و إنهم سيأتونكم شعثا غبرا من كل فج عميق و يقصدونكم من كل مكان سحيق فاقروهم (4) و احموهم و أكرموهم يكرمكم الله تعالى و كانت قريش تخرج المال الكثير من أموالهم و كان هاشم ينصب أحواض الأديم (5) و يجعل فيها ماء من ماء زمزم و يملي باقي الحياض من سائر الآبار بحيث تشرب الحاج (6) و كان من عادته أنه يطعمهم قبل التروية بيوم و كان يحمل لهم الطعام إلى منى و عرفة و كان يثرد لهم اللحم و السمن و التمر و يسقيهم اللبن إلى حيث (7) تصدر الناس من منى ثم يقطع عنهم الضيافة.
قال أبو الحسن البكري بلغنا أنه كان بأهل مكة ضيق و جذب و غلاء و لم يكن عندهم ما يزودون به الحاج فبعث هاشم إلى نحو الشام أباعر فباعها و اشترى بأثمانها
____________
(1) في المصدر: و كان يقوم بالحجاج.
(2) في المصدر: اذ استهل.
(3) في المصدر: فاذا تكالموا قام فيهم خطيبا و يقول: يا معشر الناس.
(4) قرى الضيف: أضافه.
(5) الاديم: الجلد المدبوغ.
(6) في المصدر: و يجعل فيها ماء زمزم، و يملى باقى الحياض من ماء غير زمزم بل من سائر الآبار حتّى يشربون الحجاج.
(7) في المصدر: الى حين.
39
كعكا (1) و زيتا و لم يترك عنده من ذلك قوت يوم واحد بل بذل ذلك كله للحاج فكفاهم جميعهم (2) و صدر الناس يشكرونه في الآفاق و فيه يقول الشاعر.
يا أيها الرجل المجد رحيله. (3)* * * هلا مررت بدار عبد مناف.
ثكلتك أمك لو مررت ببابهم.* * * لعجبت من كرم و من أوصاف.
عمرو العلاء هشم الثريد لقومه.* * * و القوم فيها مسنتون (4) عجاف.
بسطوا إليه الرحلتين كليهما.* * * عند الشتاء و رحلة الأصياف.
قال فبلغ خبره إلى النجاشي ملك الحبشة و إلى قيصر ملك الروم فكاتبوه و راسلوه أن يهدوا له بناتهم رغبة في النور الذي في وجهه و هو نور محمد(ص)لأن رهبانهم و كهانهم أعلموهم بأن ذلك النور نور رسول الله(ص)فأبى هاشم عن ذلك و تزوج من نساء قومه و رزق منهن أولادا و كان أولاده الذكور أسد و مضر (5) و عمرو و صيفي و أما البنات فصعصعة (6) و رقية و خلادة (7) و الشعثاء فهذه جملة الذكور و الإناث و نور رسول الله(ص)في غرته لم يزل فعظم ذلك عليه و كبر لديه فلما كان في بعض الليالي و قد طاف بالبيت سأل الله تعالى أن يرزقه ولدا يكون فيه نور رسول الله(ص)فأخذه النعاس فمال عن البيت ثم اضطجع فأتاه آت يقول في منامه عليك بسلمى بنت عمرو فإنها طاهرة مطهرة الأذيال فخذها و ادفع لها (8) المهر الجزيل فلم تجد
____________
(1) الكعك: خبز يعمل مستديرا من الدقيق و الحليب و السكر أو غير ذلك.
(2) في المصدر: و اشترى بأثمانها كعكا و زيتا، فلما قدم الحاجّ اطعمهم ما جرت العادة، و لم يترك عنده من ذلك قوت يوم واحد، بل بذل ذلك كله الى الحاجّ، فألقى ذلك الطعام الى الحاجّ كلهم.
(3) هكذا في النسخ، و في المصدر قد سقطت الاشعار، و في تاريخ الطبريّ و السيرة الحلبية:
يا أيها الرجل المحول رحله* * * ألا نزلت بآل عبد مناف.
(4) من أسنت القوم: أصابهم الجدب و القحط.
(5) في المصدر: نضر مكان مضر، و في السبائك: نضلة.
(6) في نسخة: صفية.
(7) في المصدر: خالدة.
(8) في المصدر: و ادفع إليها.
40
لها مشبها من النساء فإنك ترزق منها ولدا يكون منه النبي(ص)فصاحبها ترشد و اسع (1) إلى أخذ الكريمة عاجلا قال فانتبه هاشم فزعا مرعوبا و أحضر بني عمه و أخاه المطلب و أخبرهم بما رآه في منامه و بما قال الهاتف فقال له أخوه المطلب يا ابن أم إن المرأة لمعروفة في قومها كبيرة في نفسها (2) قد كملت عفة و اعتدالا (3) و هي سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حداث بن (4) زيد بن عامر بن غنم بن مازن بن النجار و هم أهل الأضياف و العفاف و أنت أشرف منهم حسبا و أكرم منهم نسبا قد تطاولت إليك الملوك و الجبابرة (5) و إن شئت فنحن لك خطّابا فقال لهم الحاجة لا تقضى إلا بصاحبها و قد جمعت فضلات و تجارة و أريد أن أخرج إلى الشام للتجارة و لوصال هذه المرأة فقال له أصحابه (6) نحن نفرح لفرحك و نسر لسرورك و ننظر ما يكون من أمرك ثم إن هاشما خرج للسفر (7) و خرج معه أصحابه بأسلحتهم و خرج معه العبيد يقودون الخيل و الجمال و عليها أحمال الأديم و عند خروجه (8) نادى في أهل مكة فخرجت معه السادات و الأكابر و خرج معه العبيد و النساء لتوديع هاشم فأمرهم بالرجوع و سار هو
____________
(1) في المصدر: و اسرع.
(2) زاد في المصدر: طاهرة مطهرة.
(3) في المصدر: عقلا مكان اعتدالا.
(4) في المصدر: خداش بن زيد بن خزام بن عامر بن تميم بن مازن بن النجار، و في اليعقوبي:
عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار، و في الطبريّ زيد بن عمرو بن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدى بن النجار، و في قول: عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي.
(5) في المصدر: الملوك و الاكاسرة و الجبابرة.
(6) قالوا له أصحابه و بنوا عمه: نحن لك و معك، و نفرح لفرحك.
(7) في المصدر: ثم ان هاشما أمرهم أن يتأهبوا للسفر فخرج و خرجوا معه بسلاحهم و تيجانهم و لبوسهم، و خرج معه العبيد إه.
(8) في المصدر: بعد قوله: الاديم: و معهم الدروع و البيض و الجواشن، و أخذوا معهم لواء نزار، و هم يومئذ أربعون سيدا من بنى عبد مناف و عامر و مخزوم، و ساروا القوم حوله، فلما خرج نادى.
41
و بنو عمه و أخوه المطلب إلى يثرب كالأسود طالبي بني النجار.
فلما وصلوا المدينة أشرق بنور رسول الله(ص)ذلك الوادي من غرة هاشم (1) حتى دخل جملة البيوت فلما رآهم أهل يثرب بادروا إليهم مسرعين و قالوا من أنتم أيها الناس فما رأينا أحسن منكم جمالا و لا سيما صاحب هذا النور الساطع و الضياء اللامع قال لهم المطلب نحن أهل بيت الله و سكان حرم الله نحن بني لوي بن غالب (2) و هذا أخونا هاشم بن عبد مناف و قد جئناكم (3) خاطبين و فيكم راغبين و قد علمتم أن أخانا هذا خطبه الملوك و الأكابر فما رغب إلا فيكم و نحب أن ترشدونا إلى سلمى و كان أبوها يسمع الخطاب فقال لهم مرحبا بكم أنتم أرباب الشرف و المفاخر و العز و المآثر و السادات الكرام المطعمون الطعام (4) و نهاية الجود و الإكرام و لكم عندنا ما تطلبون غير أن المرأة (5) التي خرجتم لأجلها و جئتم لها طالبين هي ابنتي و قرة عيني و هي مالكة نفسها (6) و مع ذلك أنها خرجت بالأمس إلى سوق من أسواقنا مع نساء من قومها يقال لها سوق بني قينقاع فإن أقمتم عندنا فأنتم في العناية و الكلاية و إن أردتم أن تسيروا إليها ففي الرعاية و من الخاطب لها و الراغب فيها قالوا صاحب هذا النور الساطع و الضياء اللامع سراج بيت الله الحرام و مصباح الظلام الموصوف بالجود و الإكرام (7) هاشم بن عبد مناف صاحب رحلة الإيلاف و ذروة الأحقاف فقال أبوها بخ بخ لقد علونا و فخرنا بخطبتكم اعلموا يا من حضر أني
____________
(1) في المصدر بعد قوله: بنى النجار: قال أبو الحسن البكرى: «ثم ساروا حتّى أشرفوا على يثرب انقدح نور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من غرة هاشم حتّى دخل المراقد و البيوت».
(2) في المصدر: بنى كعب بن لوى بن غالب.
(3) في المصدر: قد جئنا إليكم خاطبين.
(4) في المصدر: لانكم أرباب العلاء و المفاخر، و الشرف و المآثر، و كرام عظام، و سادات فخام و مطعمين الطعام.
(5) في المصدر: فلكم ما تحبون، و حصل ما تطلبون، إن المرأة اه.
(6) في المصدر: غير أنّها مالكة نفسها.
(7) في المصدر: و الكرم.
42
قد رغبت في هذا الرجل أكثر من رغبته (1) فينا غير أني أخبركم أن أمري دون أمرها (2) و ها أنا أسير معكم إليها فانزلوا يا خير زوار و يا فخر بني نزار قال فنزل هاشم و أخوه و أصحابه و حطوا رحالهم و متاعهم و سبق أبوها عمرو إلى قومه و نحر لهم النحائر و عقر لهم العقائر و أصلح لهم الطعام و خرجت لهم العبيد بالجفان فأكلت القوم منه حسب الحاجة و لم يبق من أهل يثرب أحد إلا خرج ينظر إلى هاشم و نور وجهه و خرج الأوس و الخزرج و الناس متعجبين من ذلك النور و خرج اليهود فلما نظروا إليه عرفوه بالصفة التي وجدوها في التوراة و العلامات فعظم ذلك عليهم و بكوا بكاء شديدا فقال بعض اليهود لحبر من أحبارهم ما بكاؤكم قال من هذا الرجل الذي يظهر منه سفك دمائكم (3) و قد جاءكم السفاك القتال الذي تقاتل معه الأملاك المعروف في كتبكم بالماحي و هذه أنواره قد ابتدرت قال فبكى اليهود من قوله و قالوا له يا أبانا فهل هذا الذي ذكرت نصل إلى قتله و نكفي شره فقال لهم هيهات حيل بينكم و بين ما تشتهون و عجزتم عما تأملون إن هذا هو المولود الذي ذكرت لكم تقاتل معه الأملاك من الهواء و يخاطب من السماء و يقول قال جبرئيل عن رب السماء (4) فقالوا هذا تكون له هذه المنزلة قال أعز (5) من الولد عند الوالد فإنه أكرم أهل الأرض على الله تعالى و أكرم أهل السماوات فقالوا أيها السيد الكريم نحن نسعى في إطفاء ضوء هذا المصباح قبل أن يتمكن و يحدث علينا منه كل مكروه و أضمر القوم لهاشم العداوة و كان بدء عداوة اليهود من ذلك اليوم لرسول الله(ص)فلما أصبح هاشم أمر أصحابه أن يلبسوا أفخر أثوابهم و أن يظهروا
____________
(1) في المصدر: رغبتكم.
(2) في المصدر: إن أمر هادون أمرى و لعله مصحف.
(3) في المصدر: قال: من هذا الرجل الذي يظهر ما يكون منه خراب دياركم، و قد جاءكم.
(4) زاد في المصدر: و امرت و نهيت.
(5) في المصدر: فقالوا: هذا يكون بمنزلة الولد فانه اكرم أهل الأرض اه. و لعلّ فيه سقط و صوابه: فقالوا: هذا يكون بمنزلة الولد؟ قال: أعز من الولد عند الوالد، فانه أكرم أهل الأرض إه.
43
زينتهم فلبسوا ما كان عندهم من الثياب و ما قد أعدوه للزينة و الجمال و أظهروا التيجان و الجواشن و الدروع و البيض فأقبلوا يريدون سوق بني قينقاع و قد شدوا لواء نزار على قناة و أحاطوا بهاشم عن يمينه و شماله و مشى قدامه العبيد و أبو سلمى معهم و أكابر قومه و معهم جماعة من اليهود فلما أشرفوا على السوق و كان تجتمع إليه الناس من أقاصي البلاد و أقطارها (1) و أهل الحضر و سكانها فنظر القوم إلى هاشم و أصحابه و تركوا معاشهم (2) و أقبلوا ينظرون إلى هاشم و يتعجبون من حسنه و جماله و كان هاشم بين أصحابه كالبدر المنير بين الكواكب و عليه السكينة و الوقار فأذهل بجماله أهل السوق و جعلوا ينظرون إلى النور الذي بين عينيه و كانت سلمى بنت عمرو واقفة مع الناس تنظر إلى هاشم و حسنه و جماله و ما عليه من الهيبة و الوقار إذ أقبل عليها أبوها و قال لها يا سلمى أبشرك بما يسرك و لا يضرك و كانت معجبة بنفسها من حسنها و جمالها فلما نظرت إلى هاشم و جماله نسيت حسنها و جمالها (3) و قالت يا أبت بما تبشرني قال إن هذا الرجل إليك خاطب و فيك راغب و هو يا سلمى من أهل الكفاف و العفاف و الجود و الأضياف هاشم بن عبد مناف و إنه لم يخرج من الحرم لغير ذلك فلما سمعت سلمى كلام أبيها أعرضت عنه بوجهها و أدركها الحياء منه فأمسكت عن الكلام ثم قالت يا أبت إن النساء يفتخرون على الرجال بالحسن و الجمال و القدر و الكمال و إذا كان زوج المرأة سيدا من سادات العرب و كان مليح المنظر و المخبر فما أقول لك و قد عرفت ما جرى بيني و بين أحيحة بن الجلاح (4) الأوسي و حيلتي عليه حتى خلعت نفسي منه لما علمت أنه لم يكن من الكرام و إن هذا الرجل يدل عظمته و نور وجهه على مروته و إحسانه يدل على فخره فإن يكن القوم كما ذكرت قد خطبونا و رغبوا فينا فإني فيهم راغبة
____________
(1) أقفارها خ ل.
(2) في المصدر: فلما أشرف هاشم على السوق و أصحابه، و نظروا الى هاشم و أصحابه تركوا معاشهم.
(3) في المصدر: نسيت نفسها و انحقرت.
(4) في المصدر: الحلاج.
44
و لكن لا بد أن أطلب منهم المهر (1) و لا أصغر نفسي (2) و سيكون لنا و لهم خطاب و جواب و كان القول منها لحال أبيها لأنها لم تصدق بذلك حتى نزل هاشم قريبا من السوق و اعتزل ناحية عنه فأقبل أهل السوق إليه مسرعين ينظرون إلى نوره حتى ضاع كثير من متاعهم و معاشهم من نظرهم إليه و قد نصبت له خيمة من الحرير الأحمر و وضعت له سرادقات (3) فلما دخل هاشم و أصحابه الخيمة تفرق أهل السوق عنهم و جعل يسأل بعضهم بعضا عن أمر هاشم و قومه و ما أقدمهم عليه (4) من مكة فقيل إنه جاء خاطبا لسلمى فحسدوها عليه و كانت أجمل أهل زمانها و أكملهم حسنا و جمالا و كانت جارية تامة معتدلة لها منظر و مخبر (5) كاملة الأوصاف معتدلة الأطراف (6) سريعة الجواب حسنة الآداب عاقلة طريفة عفيفة لبيبة طاهرة من الأدناس فحسدوها كلهم على هاشم حتى حسدها إبليس لعنه الله و كان قد تصور لها في صورة شيخ كبير (7) و قال يا سلمى أنا من أصحاب هاشم قد جئتك ناصحا لك (8) اعلمي أن لصاحبنا هذا من الحسن و الجمال ما رأيت إلا أنه رجل ملول للنساء لا تقيم المرأة عنده أكثر من شهرين إذا أراد و إلا فعشرة أيام لا غير و قد تزوج نساء كثيرة و مع ذلك أنه جبان في الحروب فقالت سلمى إليك عني
____________
(1) زاد في المصدر: ما نستحقه.
(2) في نسخة و في المصدر: و لا أصغر حالى.
(3) في المصدر: و كان القول منهم- مصحف منها- تجملا و محالا لابيها، لانها لم تصدق بذلك حتى سمعت صحة الكلام، فلما نزل هاشم قريبا من السوق و اعتزل بناحية منه أقبلوا أهل السوق و أصحابه كلهم مسرعين لينظرون إليه. قال أبو الحسن البكرى: «و قد بلغني أنّه ضاع كثير من معايشهم حتى اشتغلوا بالنظر الى هاشم، قال: و ضرب له خيمة من الخز الأحمر، و نصبت له سرادقات».
(4) في المصدر: و جعلوا يسألون بعضهم بعضا. و فيه: و ما أقدمهم عليهم.
(5) المخبر: العلم بالشيء او إدراكه بالخبر أو الاختبار لا بالنظر، خلاف المنظر.
(6) الاعطاف خ ل و في المصدر: تامة، كاملة العقل، و كاملة الأوصاف و سريعة الجواب. و فيه: ظريفة.
(7) زاد في المصدر: ذى هيبة و حلية حسنة.
(8) في المصدر: قد جئتك بخبره و هي نصيحة منى إليك، اعلمى.
45
فو الله لو ملأ لي حصنا من المال ما قبلته و لو ملأ لي حصون خيبر ذهبا و فضة ما رغبت فيه لهذه الخصال التي ذكرت و لقد كنت أجبته و رغبت فيه و قد قلت رغبتي فيه لهذه الخصال اذهب عني فانصرف عنها و تركها في همها و غمها ثم إن إبليس لعنه الله تصور لها بصورة أخرى و زعم أنه من أصحاب هاشم و ذكر لها مثل الأول فقالت أ و ليس الذي قد أرسلتك إليه أنه لا يرسل إلي رسولا بعد ذلك فسكت إبليس لعنه الله فقالت إن أرسل رسولا بعدك أمرت بضرب عنقه فخرج إبليس فرحا مسرورا و قد ألقى في قلبها البغضة لهاشم و ظن أن هاشما يرجع خائنا فعند ذلك دخل عليها أبوها فوجدها في سكرتها و حيرتها فقال يا سلمى ما الذي حل بك هذا اليوم و هذا يوم سرورك فقالت يا أبت لا تزيدني كلاما فقد فضحتني و أشهرت أمري أردت أن تزوجني برجل ملول للنساء كثير الطلاق جبان في الحروب فضحك أبوها و قال يا سلمى و الله ما لهذا الرجل شيء من هذه الخصال الثلث و إنه إلى كرمه الغاية و إلى جوده النهاية و إنما سمي هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه و أما قولك كثير الطلاق فإنه ما طلق امرأة قط و أما قولك جبان فهو واحد أهل زمانه في الشجاعة و إنه لمعروف عند الناس بالجواب و الخطاب و الصواب (1) فقالت يا أبت لو أنه ما جاءني عنه إلا واحد كذبته و قلت إنه عدو فقد جاءني ثلاثة نفر كل واحد منهم يقول مثل مقالة الآخر فقال أبوها ما رأينا منه رسولا و لا جاءنا منه خبر و كان الشيطان يظهر لهم في ذلك الزمان و يأمرهم و ينهاهم و قد صح عندها ما قاله الشيطان الرجيم و هي تظن أنه من بني آدم و هاشم لا يعلم شيئا من ذلك (2) و كان قد عول على جمع من قومه في خطبتها (3) ثم إن سلمى خرجت في بعض حوائجها و هي تحب أن تنظر إلى هاشم
____________
(1) في المصدر، و الضراب مكان و الصواب.
(2) في المصدر بعد قوله: منه خبر: و انى ورائك معلوم (كذا) الساعة، ثمّ خرج من عندها و تركها في همها و غمها، و قد صح عندها قول الشيطان و أخذ بعقلها، و كان الشيطان في ذلك الزمان يظهر لهم و يأخذ بعقولهم و يأمرهم و ينهاهم، و يظنون أنّه من بني آدم، و هاشم لا يعلم شيئا من ذلك.
(3) و قد عول على خطبتها في غد فى جمع من ذلك خ ل و مثله ما في المصدر. قولة: عول أي جزم و اعتمد.
46
فجمع الله بينهما في الطريق فوقع في قلبها أمر عظيم من محبته و كان في ذلك الزمان لا تستحيي النساء من الرجال و لا يضرب بينهن (1) حجاب إلى أن بعث محمد(ص)و نزل طائفة من اليهود من جهة خيمة هاشم و لما اجتمعت سلمى بهاشم عرفته بالنور الذي في وجهه و عرفها أيضا هو فقالت له يا هاشم قد أحببتك (2) و أردتك فإذا كان غدا فأخطبني من أبي و لا يعز عليك ما يطلب أبي منك فإن لم تصله يدك ساعدتك عليه فلما أصبح تأهب هاشم للقاء القوم فتزينوا بزينتهم (3) و إذا أهل سلمى قد قدموا فقام من كان في الخيمة إجلالا لهم و جلس هاشم و أخوه و بنو عمه في صدر الخيمة فتطاولت القوم إلى هاشم (4) فابتدأهم المطلب بالكلام و قال يا أهل الشرف و الإكرام و الفضل و الإنعام نحن وفد بيت الله الحرام و المشاعر العظام (5) و إلينا سعة الأقدام (6) و أنتم تعلمون شرفنا و سؤددنا و ما قد خصصنا الله (7) به من النور الساطع و الضياء اللامع و نحن بنو لوي بن غالب قد انتقل هذا النور إلى عبد مناف ثم إلى أخينا هاشم و هو معنا من آدم إلى أن صار إلى هاشم (8) و قد ساقه الله إليكم و أقدمه عليكم فنحن لكريمتكم خاطبون و فيكم راغبون ثم أمسك عن الكلام فقال عمرو أبو سلمى لكم التحية و الإكرام و الإجابة و الإعظام و قد قبلنا خطبتكم و أجبنا دعوتكم و أنتم تعرفون عليتنا (9) و لا يخفى عليكم أحوالنا و لا بد من تقديم المهر كما كان سلفنا و
____________
(1) في المصدر: و لا يضربن عليهن حجابا.
(2) قد أجبتك خ ل.
(3) زاد في المصدر: و أوصى أخاه المطلب أن يكون خطيبا.
(4) في المصدر: الى هاشم بالاعناق.
(5) في المصدر: و زمزم و المقام. مكان و المشاعر العظام.
(6) زاد في المصدر: و الينا يرد الورى.
(7) خصنا اللّه خ ل و مثله ما في المصدر.
(8) في المصدر زيادة: يجرى من قنوات طاهرات الى بطون مطهرة.
(9) العلية بالضم و الكسر: بيت منفصل عن الأرض ببيت و نحوه، و يقال: هو من علية قومه و عليتهم و عليهم و عليهم أي من أهل الرفعة و الشرف فيهم. و في هامش نسخة المصنّف بخطه:
عليقتنا خ ل.
47
آباؤنا (1) و لو لا ذلك ما واجهناكم بشيء من ذلك و لا قابلناكم به أبدا فعند ذلك قال المطلب لكم عندي مائة ناقة سود الحدق حمر الوبر لم يعلها جمل فبكى إبليس لعنه الله و كان من جملة من حضر و جلس عند أبي سلمى و أشار إليه أن اطلب الزيادة فقال أبو سلمى معاشر السادات ما هذا هذا قدر ابنتنا عندكم فقال المطلب و لكم ألف مثقال من الذهب الأحمر فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى و أشار إليه أن اطلب الزيادة فقال يا فتى قصرت في حقنا فيما قلت (2) و أقللت فيما بذلت فقال و لكم عندنا حمل عنبر و عشرة أثواب من قباطي مصر و عشرة من أراضي العراق فقد أنصفناكم فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى و أشار إليه أن اطلب الزيادة فقال يا فتى قد قاربت و أجملت قال له المطلب و لكم خمس وصائف برسم الخدمة فهل تريدون أكثر من ذلك فأشار إليه إبليس لعنه الله أن اطلب الزيادة فقال أبو سلمى يا فتى إن الذي بذلتموه لنا إليكم راجع فقال المطلب و لكم عشر أواق من المسك الأذفر و خمسة أقداح (3) من الكافور فهل رضيتم أم لا فهم إبليس أن يغمز أبا سلمى فصاح به أبو سلمى و قال له يا شيخ السوء اخرج لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً فو الله لقد أخجلتني فقال له المطلب اخرج يا شيخ السوء فقام الشيطان و خرج و خرج اليهود معه فقال إبليس يا عمرو إن الذي شرطته في مهر ابنتك قليل و إنما أردت أن أطلب من القوم ما تفتخر به ابنتك على سائر نسائها و أهل زمانها و لقد هممت أن أشرط عليه أن يبني لها قصرا طوله عشرة فراسخ و عرضه مثل ذلك و يكون شاهقا في الهواء باسقا في السماء (4) و في أعلاه مجلس ينظر منه إلى إيوان كسرى و ينظر إلى المراكب منحدرات في البحر ثم يجلب إليه نهرا من الدجلة و الفرات عرضه مائة ذراع تجري فيه المراكب (5) ثم يغرس حول النهر
____________
(1) و آباؤكم خ ل، و في المصدر: سلفنا و سلفكم و آباؤنا و آباؤكم.
(2) في المصدر: قصرت في حقنا ممّا بذلت.
(3) أواق خ ل.
(4) شهق الجبل: ارتفع فهو شاهق. بسق النخل: ارتفعت أغصانه و طال فهو باسق.
(5) في المصدر: تجرى فيه المراكب منحدرات و مصعدات.
48
نخلات معتدلات لا ينقطع ثمرها صيفا و لا شتاء قال المطلب يا ويلك و من يقدر على ذلك يا شيخ السوء فقد أسرفت فيما قلت من يصل إلى ما أردت (1) فصاح به أبو سلمى و المطلب فأخذته الصيحة من كل مكان و كان مراد إبليس لعنه الله تفرق المجلس ثم قال أرمون بن قيطون يا قوم إن هذا الشيخ أحكم الحكماء و هو معروف في بلادنا بالحكمة و في الشام و العراق و بعد ذلك إننا ما نزوج ابنتنا برجل غريب من غير بلدنا فقامت اليهود و هم أربع مائة يهودي و أهل الحرم أربعون سيدا و جردوا سيوفهم و قال هاشم لأصحابه دونكم القوم فهذا تأويل رؤياي فقامت الصيحة فيهم فوثب المطلب على أرمون بن قيطون و وثب هاشم على إبليس لعنه الله فانحاز يريد الهرب فأدركه هاشم و قبضه و رفعه و جلد به الأرض (2) فصرخ صرخة عظيمة لما غشاه (3) نور رسول الله(ص)و صار ريحا فالتفت هاشم إلى أخيه المطلب فوجده قد قتل أرمون بن قيطون و قسمه نصفين و قتل هاشم و أصحابه جمعا كثيرا من اليهود و وقعت الرجفة في المدينة و خرج الرجال و النساء و انهزم اليهود على وجوههم و رجع أبو سلمى و قال لقومه مزجتم الفرح بالترح و ما كان سبب الفتنة إلا من إبليس (4) لعنه الله فوضع (5) السيف عن اليهود بعد أن قتل منهم سبعين (6) رجلا و كانت عداوة اليهود لرسول الله(ص)من ذلك اليوم ثم إن هاشما قال لأصحابه هذا تأويل رؤياي فافتقد اليهود الحبر فلم يجدوه (7) فقال هاشم يا معاشر اليهود إنما أغواكم الشيطان الرجيم فانظروا إلى صاحبكم فإن وجدتموه فاعلموا أنه كما زعمتم حكيم من حكمائكم و إن لم تجدوه فقد حيل بينكم
____________
(1) من يصل إلى ما نطقت خ ل و كذا في المصدر.
(2) في المصدر: فأدركه هاشم و قبض على مجامع طوقه و جذبه و رفعه فجلد به الأرض إه قلت:
جلد به الأرض: صرعه.
(3) غشيه خ ل.
(4) الا إبليس خ ل و مثله ما في المصدر.
(5) فرفع خ ل و كذا في المصدر.
(6) اثنين و سبعين خ ل و هكذا في المصدر.
(7) في المصدر: قال: ثم ان اليهود افتقدوا الحبر فلم يجدوه.
49
و بينه و ظننتم أنه من أحباركم و ما هو إلا الشيطان أغواكم ثم إن أبا سلمى عمد إلى إصلاح شأنه و رجع القوم إلى أماكنهم و قد امتلئوا غيظا على اليهود فأقبل هاشم إلى منزله و أصلح الولائم (1) و أمر العبيد أن يحملوا الجفان المترعة باللبن و لحوم الضأن و الإبل ثم إن عمرا مضى إلى ابنته و قال لها إن الرجل الذي يقول لك إن هاشما لجبان قد نطق بالمحال و الله لو لا أمسكته و أحلف عليه ما ترك من القوم واحدا فقالت يا أبت امض معهم على كل حال و لا ملامة للائم (2) قال فلما أكلوا و رفعوا أيديهم قال لهم أبو سلمى يا معاشر السادات اصرفوا عن قلوبكم الغيظ و كل هم فنحن لكم و ابنتنا هدية فقال له المطلب لك ما ذكرناه و زيادة ثم قال يا أخي هاشم أ رضيت بما تكلمت به عنك قال نعم فعند ذلك تصافحوا و مضى أبو سلمى و أخرج من كمه دنانير (3) و دراهم فنثر الدنانير على هاشم و أخيه المطلب و نثر الدراهم على أصحابه و نثر عليهم زرير المسك الأذفر و الكافور و العنبر حتى غمر أطمارهم (4) ثم قال يا هاشم تحب الدخول على زوجتك هذه الليلة أو تصبر لها حتى تصلح لها شأنها (5) قال بل أصبر حتى تصلح شأنها فعند ذلك أمر بتقديم مطاياهم فركبوا و خرجوا ثم إن هاشما دفع إلى أخيه المطلب ما حضره من المال و أمره أن يدفعه إلى سلمى فلما جاءها المطلب فرحت به و بذلك المال و قبلته و قالت يا سيد الحرم و خير من مشى على قدم سلم على أخيك و قل له ما الرغبة إلا فيك (6) فاحفظ منا ما حفظنا منك ثم قالت قل (7) له ما أقول لك قال قولي ما بدا لك قالت قل لأخيك إني امرأة كان لي رجل اسمه أحيحة بن الجلاح (8) الأوسي و كان كثير المال فلما تزوجته اشترطت عليه أنه متى أساء إلي
____________
(1) في المصدر: فلما جلس هاشم و أخوه و أصحابه مضى عمرو إلى منزله و أصلح الولائم.
(2) في المصدر: و لا تطع ملامة اللائم.
(3) و خرج و في كمه دنانير خ ل و مثله ما في المصدر.
(4) الاطمار جمع الطمر: الثوب.
(5) في المصدر: حتى تصلح شأنها.
(6) في نسخة و في المصدر: الا فيه.
(7) في المصدر: تقول له.
(8) في المصدر: الحلاج.
50
فارقته و كان من قصتي أني رزقت منه ولدا فأردت فراقه فأخذت خيطا و ربطته في رجل الطفل فجعل الطفل يبكي تلك الليلة حتى مضى من الليل ثلثه أو نصفه و قطعت الخيط من رجل الطفل فنام الطفل و أبوه فخرجت إلى أهلي فانتبه الرجل فلم يجدني فعلم أنها حيلة مني عليه و أنا قد حدثتك بهذا الحديث لتخبر به أخاك لكيلا يخفى عليه شيء من أمري و لا يشتغل عني بباقي نسائه فقال المطلب عند ذلك اعلمي أن أخي قد تطاولت إليه الملوك في خطبته و رغبوا في تزويجه فأبى حتى أتاه آت في منامه فأخبره بخبرك فرغب فيك و أراد أن يستودعك هذا النور الذي استودعه الله إياه بعد الأنبياء فأسأل الله أن يتم لكم السرور و أن يكفيكم كل محذور (1) ثم إنه خرج و هي تشيعه و معها نساء من قومها فمضى إلى أخيه و أخبره بما قالت له سلمى فضحك لذلك و قال له بلغت الرسالة قال ثم أقام هاشم أياما و دخل على زوجته سلمى في مدينة يثرب و حضر عرسها الحاضر و البادي من جميع الآفاق فلما دخل بها رأى ما يسره من الحسن و الجمال و الهيئة و الكمال ثم إن سلمى دفعت إليه جميع المال الذي دفعه إليها و زادته أضعافا فلما واقعها حملت منه في ليلتها بعبد المطلب جد رسول الله(ص)و هذا حديث تزويج سلمى بهاشم و كان أهل يثرب يعملون الولائم و يطعمون الناس إكراما لهاشم و أصحابه و قد زاد سلمى حسنا و جمالا و صار أهل يثرب يهنئونها بما خصها الله تعالى به. (2)
قال أبو الحسن البكري حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما
____________
(1) و أن يقيكم شر كل محذور خ ل و في المصدر.
(2) في المصدر بعد قوله: «جد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)»: و أهل يثرب كل يوم يعملون الولائم، و يطعمون الناس اكراما لهاشم و أصحابه، و سلمى قد زاد حسنها و جمالها على سائر نساء يثرب، و هن تهنّئها بذلك الشرف العالى الذي خصها اللّه عزّ و جلّ و خص قومها و افتخارهم بما يحدث الكهان و الاحبار عن صفات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ما يكون من أمر ولد هاشم، و ما يتم له من القتال مع اليهود، و سلمى و قومها يقتلون اليهود، و يرجعون اليهود بالذلة و الكسرة، و لم يقم هاشم عندها إلا ليال قلائل ثمّ سافر غزة الشام و مات بها. تم الجزء الأول و الحمد للّه ربّ العالمين. قلت: و في الحديث ما لا يخفى من الغرابة و الإرسال.
51
تزوج هاشم بن عبد مناف بسلمى بنت عمرو النجارية و دخل بها حملت بعبد المطلب جد رسول الله(ص)و انتقل النور الذي كان في وجهه إلى سلمى زادها حسنا و جمالا و بهجة و كمالا حتى شاع حسنها في الآفاق و كان يناديها الشجر (1) و الحجر و المدر بالتحية و الإكرام و تسمع قائلا يقول عن يمينها السلام عليك يا خير البشر (2) و لم تزل تحدث بما ترى حتى حذرها هاشم فكانت تكتم أمرها عن قومها حتى إذا كان ذات ليلة سمعت قائلا (3) يقول.
لك البشر إذ أوتيت أكرم من مشى.* * * و خير الناس من حضر و بادي.
و قال لما سمعت ذلك لم تدع هاشما يلامسها بعد ذلك (4) قال ثم إن هاشما أقام في المدينة أياما حتى اشتهر حمل سلمى فقال لها يا سلمى (5) إني أودعتك الوديعة التي أودعها الله تعالى آدم(ع)و أودعها آدم(ع)ولدها شيثا(ع)و لم يزالوا يتوارثونها من واحد إلى واحد إلى أن وصلت إلينا و شرفنا الله بهذا النور و قد أودعته إياك و ها أنا آخذ عليك العهد و الميثاق بأن تقيه و تحفظيه و إن أتيت به و أنا غائب عنك فليكن عندك بمنزلة الحدقة من العين و الروح بين الجنبين و إن قدرت على أن لا تراه العيون فافعلي فإن له حسادا و أضدادا و أشد الناس عليه اليهود و قد رأيت ما جرى بيننا و بينهم يوم خطبتك و إن لم أرجع من سفري هذا أو سمعت أني قد هلكت فليكن عندك محفوظا مكرما إلى أن يترعرع (6) و احمليه إلى الحرم إلى عمومته في دار عزه و نصرته ثم قال لها اسمعي و احفظي ما قلت لك قالت نعم قد سمعت و أطعت و لقد أوجعتني
____________
(1) في المصدر: حتى كان الناس يتعجبون من حسنها و جمالها، و شاع حسن سلمى في جميع الآفاق، قال: «و كانت إذا مشت يناديها الشجر».
(2) في المصدر: يا خير نساء البشر.
(3) في المصدر: و هي نائمة اذ سمعت قائلا.
(4) هكذا في النسخ؛ و هو كلام الهاتف. و لعلّ يلامسها مصحف تلامسك. و في المصدر: فلما سمعت ذلك قالت: لم أدع هاشما يلامسنى و لا يقربنى بعد ذلك.
(5) في المصدر: ثم انه عزم على الخروج الى غزة الشام و أوصى زوجته و قال: يا سلمى.
(6) ترعرع الصبى؛ و نشأ و شب.
52
بكلامك فأنا أسأل الله العظيم أن يردك سالما ثم خرج هاشم و أخوه المطلب و أصحابه و أقبل عليهم و قال يا بني أبي و عشيرتي من بني لوي إن الموت سبيل لا بد منه و أنا غائب عنكم و لا أدري أني أرجع إليكم أم لا و أنا أوصيكم إياكم و التفرق و الشتات فتذهب حميتكم و تقل قيمتكم و يهين قدركم عند الملوك و يطمع فيكم الطامع فهل أنت يا أخي لما أقول لك سامع و إني مخلف فيكم و مقدم عليكم أخي المطلب دون إخوتي لأنه من أبي و أمي و أعز الخلق عندي و إن سمعتم وصيتي و قدمتموه و سلمتم إليه مفاتيح الكعبة و سقاية الحاج و لواء نزار و كل ما كان من مكارم الأنبياء سعدتم (1) و إني أوصيكم بولدي الذي اشتملت عليه سلمى فإنه سيكون له شأن عظيم و لا تخالفوا قولي قالوا سمعنا و أطعنا غير أنك كسرت قلوبنا بوصيتك و أزعجت أفئدتنا بقولك قال ثم إن هاشما سافر إلى غزة (2) الشام فحضر موسمها و باع أمتعته و شرى ما كان يصلح له و اشترى لسلمى طرفا و تحفا ثم إنه تجهز للسفر فلما كان الليلة التي عزم فيها على الرحيل طرقته حوادث الزمان و أتته العلة فأصبح مثقلا و ارتحل رفقاءه و بقي هاشم و عبيده و أصحابه (3) فقال لهم الحقوا بأصحابكم فإني هالك لا محالة و ارجعوا إلى مكة و إن مررتم على يثرب (4) فأقرءوا زوجتي سلمى عني السلام و أخبروها بخبري و عزوها في شخصي و أوصوها بولدي فهو أكبر همي و لولاه ما نلت أمري فبكى القوم بكاء شديدا فقالوا ما نبرح عنك حتى ننظر ما يكون من أمرك و أقاموا يومهم (5) فلما أصبحوا ترادفت (6) عليه الأمراض فقالوا له كيف تجد نفسك فقال
____________
(1) في المصدر: و لواء نزار، و نعل شيث، و قميص إبراهيم، و قوس إسماعيل، و خاتم نوح و الحجابة و الرفادة و كل ما كان من مكارم الأنبياء، و كل ما كان لعبد مناف، فان فعلتم ذلك سعدتم.
(2) غزة بفتح أوله و تشديد ثانيه و فتحه: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، بينها و بين عسقلان فرسخان أو أقل، و فيها مات هاشم و بها قبره و لذا يقال لها: غزة هاشم.
(3) في المصدر: و غلمانه و أصحابه.
(4) بيثرب خ ل و في المصدر: الى يثرب.
(5) ليلتهم خ ل.
(6) أي تتابعت.
53
لا مقام لي معكم أكثر من يومي هذا و غدا توسدوني التراب (1) فبكى القوم بكاء شديدا و علموا أنه مفارق الدنيا و لم يزالوا يشاهدونه (2) حتى طلع الفجر الأول فاشتد به الأمر فقال لهم أقعدوني و سندوني و آتوني بدواة و قرطاس فأتوه بما طلب و جعل يكتب و أصابعه ترتعد فقال باسمك اللهم هذا كتاب كتبه عبد ذليل جاءه أمر مولاه بالرحيل أما بعد فإني كتبت إليكم هذا الكتاب و روحي بالموت تجاذب لأنه لا لأحد من الموت مهرب (3) و إني قد نفذت إليكم أموالي فتقاسموها بينكم بالسوية و لا تنسوا البعيدة عنكم (4) التي آخذت نوركم و حوت عزكم سلمى و أوصيكم بولدي الذي منها و قولوا لخلادة (5) و صفية و رقية يبكين علي و يندبن ندب الثاكلات ثم بلغوا سلمى عني السلام و قولوا لها آه ثم آه إني لم أشبع من قربها و النظر إليها و إلى ولدها و السلام عليكم و رحمة الله إلى يوم النشور ثم طوى الكتاب و ختمه و دفعه إلى أصحابه و قال أضجعوني فأضجعوه فشخص ببصره نحو السماء ثم قال رفقا رفقا أيها الرسول بحق ما حملت من نور المصطفى و كأنه كان مصباحا و انطفأ ثم لما مات جهزوه و دفنوه و قبره معروف هناك ثم عزم عبيده و غلمانه على الرحيل بأمواله و فيه يقول الشاعر.
اليوم هاشم قد مضى لسبيله.* * * يا عين جودي منك بالعبرات.
و ابكي على البدر المنير بحرقة.* * * و ابكي على الضرغام طول حياتي.
آه أبو كعب مضى لسبيله.* * * يا عين فابكي الجود بالعبرات.
صعب العريكة لا به لؤم و لا.* * * فشل غداة الروع و الكربات.
يا عين ابكي غيث جود هاطل.* * * أعني ابن عبد مناف ذي الخيرات.
____________
(1) أي تجعلون تحت رأسى تراب قبرى. (2) يساهروه خ ل و كذا في المصدر. (3) و روحى بالموت تجذب و ما لاحد خ ل و كذا في المصدر و فيه: ما لاحد منه مهرب. (4) في المصدر: البعيدة الغائبة عنكم. (5) في المصدر: لخالدة.
54
و ابكي لأكرم من مشى فوق الثرى.* * * فلأجله قد أردفت زفراتي
قال و سار القوم حتى أشرفوا على يثرب فبكوا بكاء شديدا و نادوا وا هاشماه وا عزاه و خرج الناس و خرجت سلمى و أبوها و عشيرتها فنظروا و إذا بخيل هاشم قد جزوا نواصيها و شعورها و عبيد هاشم يبكون (1)فلما سمعت سلمى بموت هاشم مزقت أثوابها و لطمت خدها و قالت وا هاشماه مات و الله لفقدك الكرم و العز من بعدك يا هاشماه يا نور عيني من لولدك الذي لم تر عيناك قال فضج الناس بالبكاء و النحيب ثم إن سلمى أخذت سيفا من سيوف هاشم و عطفت به على ركابه و عقرتها عن آخرها و حسبت ثمنها على نفسها و قالت لوصي هاشم أقرئ المطلب عني السلام و قل له إني على عهد أخيه و إن الرجال بعده علي حرام ثم إن العبيد و الغلمان ساروا إلى مكة و قد سبقهم الناعي إلى أولاده و عياله فأكثر أهل مكة البكاء و النحيب و خرج الرجال و خرجت نساء قريش منشرات الشعور و مشققات الجيوب و خرجت نساء سادات بنيعبد مناف و تقدمت خلادة (2)تلومهم حيث إنهم لم يحملوه إلى الحرم و أنشأت تقول.
يا أيها الناعون أفضل من مشى.* * * الفاضل بن الفاضل بن الفاضل.
أسد الثرى ما زال يحمي أهله.* * * من ظالم أو معتد بالباطل.
ماضي العزيمة أروع ذي همة.* * * عليا وجود كالسحاب الهاطل.
زين العشيرة كلها و عمادها.* * * عند الهزاهز طاعن بالذابل.
(3)إن السميدع قد مضى (4)في بلدة.* * * بالشام بين صحاصح و جنادل.
قال فلما فرغت من شعرها أتت إليهم بنته الشعثاء فحثت التراب على وجههم
____________
(1) في المصدر: و خرجت سلمى و أبوها و قومها فنظروا إلى مطايا هاشم قد قصوا نواصيها و شعورها، و كل جنيبة و مطية عليها من أثواب هاشم، و عبيدة و أصحابه يبكون.
(2) في المصدر: خالدة بنت الورقاء.
(3) أي بالرمح الدقيق.
(4) ان السميدع قد ثوى خ ل السميدع: السيّد الكريم. الشريف. الشجاع.
55
و قالت بئس العشيرة أنتم ضيعوا سيدهم و أسلموا عمادهم أ ما كان هاشم مشفقا عليكم إذا نزل به الموت أن تحملوه إلى بلده و عشيرته حتى نشاهده و أنشأت بعد ذلك تقول.
يا عين جودي و سحي (1)دمعك الهطلا.* * * على كريم ثوى في الشام ثم خلا.
زين الورى ذاك الذي سن القرى.* * * كرما و لم ير في يديه مذ نشأ بخلا.
قال فلما فرغت من شعرها أقبلت ابنة الطليعة حليلة هاشم تقول. (2)
ألا يا أيها الركب الذين تركتموا.* * * كريمكم بالشام رهن مقام.
أ لم تعرفوا ما قدره و فخاره.* * * ألا إنكم أولي الورى بملام.
أيا عبرتي سحي عليه فقد مضى.* * * أخو الجود و الأضياف تحت رخام.
قال و كان آخر من رثاه من بناته رقية فإنها جعلت تندب و تقول.
عين جودي بالبكاء و العويل.* * * لأخ الفضل و السخاء الفضيل.
طيب الأصل في العزيمة ماض.* * * سمهري (3)في النائبات أصيل.
قال فبكى القوم عند ذلك و فكوا كتابه و قرءوه فجددوا حزنهم ثم قدموا أخاه المطلب و سودوه عليهم فقال إن أخي عبد شمس أكبر مني و أحق بهذا الأمر فقال عبد شمس و ايم الله إنك خليفة أخي هاشم قال فرضوا أهل مكة بذلك و سلموا له (4)لواء نزار و مفاتيح الكعبة و السقاية و الرفادة و دار الندوة و قوس إسماعيل(ع)و نعل شيث(ع)و قميص إبراهيم(ع)و خاتم نوح(ع)و ما كان في أيديهم من مكارم الأنبياء و أقام المطلب أياما (5)فلما اشتد بسلمى الحمل و جاءها المخاض و هي لا تجد ألما إذ سمعت هاتفا يقول.
____________
(1) أي صبى صبا متتابعا غزيرا.
(2) ابنته الصفية تقول خ ل.
(3) اسمهر: اشتد و صلب، اعتدل كالرمح، يقال: رمح سمهرى و رماح سمهرية. قد سمهرى:
اعتدل.
(4) و سلموا إليه خ ل و مثله في المصدر.
(5) في المصدر: كمل الجزء الثاني بعون اللّه و حسن توفيقه و لا حول و لا قوة الا باللّه العلى العظيم. قال أبو الحسن البكرى: حدّثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث قالوا: ثم ان سلمى بها وقت حملها.
56
يا زينة النساء من بني النجار.* * * بالله اسدلي عليه بالأستار.
و احجبيه عن أعين النظار.* * * كي تسعدي في جملة الأقطار.
قال فلما سمعت شعر الهاتف أغلقت بابها و أسدلت سترها و كتمت أمرها فبينما هي تعالج نفسها إذ نظرت إلى حجاب من نور قد ضرب عليها من البيت إلى عنان السماء و حبس الله عنها الشيطان الرجيم فولدت شيبة الحمد و قامت و تولت أمرها (1)و لما وضعته سطع منه (2)نور شعشعاني و كان ذلك النور نور رسول الله(ص)فضحك و تبسم (3)فتعجبت أمه من ذلك ثم نظرت إليه فإذا هي بشعرة بيضاء تلوح في رأسه فقالت نعم أنت شيبة كما سميت ثم إن سلمى درجته في ثوب من صوف و قمطته و هيأته و لم تعلم به أحدا من قومها حتى مضت له أيام و صارت تلاعبه و يهش إليها فلما كمل له شهر علم الناس فأقبلت القوابل إليها فوجدوها تلاعبه (4)فلما صار له شهران مشى و لم يكن على اليهود أشد منه (5)و أكثر ضررا و كانوا إذا نظروا إليه امتلئوا غيظا و خنقا (6)لما يعلمون بما سيظهر منه من تدميرهم و خراب أوطانهم و ديارهم و قطع آثارهم (7)و كانت أمه إذا ركبت ركب معها أبطال الأوس و الخزرج و كانت مطاعة بينهم (8)و كان إذا خرج يلعب يقفون (9)الناس من حوله يفرحون به أولادهم (10)و كانت أمه لا تأمن عليه أحدا فلما تم له سبع سنين اشتد حبله و قوي بأسه و تبين
____________
(1) في المصدر: و قامت من وقتها و ساعتها و تولت نفسها.
(2) و سطع من غرته نور شعشعانى خ ل و مثله ما في المصدر.
(3) في المصدر: و إذا الطفل قد ضحك و تبسم.
(4) فوجدوه يلاعب أمه خ ل و مثله ما في المصدر.
(5) في المصدر: أشدّ منه عداوة.
(6) و كمدا خ ل.
(7) في المصدر: لما علموا سيظهر منه ما يدمرهم و يخرب ديارهم و يقطع آثارهم.
(8) مطاعة فيهم خ ل.
(9) يقف خ ل.
(10) يفرحون به دون أولادهم خ ل و مثله في المصدر.
57
للناس فضله و كان يحمل الشيء الثقيل و يأخذ الصبي و يصرعه فلم يشكوه إلى أمه و كان يهشم عظامهم.
قال أبو الحسن البكري بلغنا أن رجلا من بني الحارث دخل يثرب في حاجة (1)فإذا هو بابن هاشم يلعب مع الصبيان قد غمرهم بنوره فوقف الرجل ينظر (2)إلى الصبي و هو يقول ما أسعد من أنت في ديارهم ساكن و كان يلعب و هو يقول
أنا ابن زمزم و الصفا* * * أنا ابن هاشم و كفى
قال فناداه الرجل يا فتى فأجاب و قال ما تريد يا عم قال ما اسمك قال شيبة بن هاشم بن عبد مناف مات أبي و جفوني عمومتي و بقيت مع أمي و أخوالي فمن أين أقبلت يا عم قال من مكة قال و هل أنت متحمل لي رسالة (3)و متقلد لي أمانة قال الحارث و حق أبي و أبيك إني فاعل ما تأمرني به قال يا عم إذا رجعت إلى بلدك سالما و رأيت بني عبد مناف فأقرئهم مني السلام و قل لهم إن معي رسالة غلام يتيم مات أبوه و جفوه عمومته يا بني عبد مناف ما أسرع ما نسيتم وصية هاشم و ضيعتم نسله و إذا هبت الريح تحمل روائحكم إلي قال فبكى الرجل و استوى على مطيته و أرسل زمامها (4)حتى قدم مكة فلم يكن له همة إلا رسالة الغلام ثم أتى مجلس بني عبد مناف فوجدهم جلوسا فأنعمهم صباحا و قال يا أهل الفضل و الأشراف يا بني عبد مناف أراكم قد غفلتم عن عزكم و تركتم مصباحكم يستضيء به غيركم قالوا و ما ذلك فأخبرهم بوصية ابن أخيهم فقالوا و ايم الله ما ظننا أنه صار إلى هذا الأمر فقال لهم الحارث و إنه (5)ليعجز الفصحاء عن فصاحته و يعجز اللبيب عن خطابه (6)و إنه لفصيح اللسان جري الجنان يتحير في كلامه اللبيب فائق على العلماء عاقل أديب إلى عقله الكفاية و إلى جماله النهاية فقال عمه المطلب بن عبد مناف شعرا.
____________
(1) في حاجة له خ ل.
(2) يناظر الى الصبى خ ل.
(3) متحمل منى رسالة خ ل.
(4) في المصدر: و أرخى زمامها.
(5) في المصدر: و اللّه أنّه ليعجز.
(6) في المصدر: عن خطابته.
58
أقسمت بالسلف الماضين من مضر.* * * و هاشم الفاضل المشهور في الأمم.
لأمضين إليه الآن مجتهدا.* * * و أقطعن إليه البيد في الظلم.
السيد الماجد المشهور من مضر.* * * نور الأنام و أهل البيت و الحرم.
قال و كان المطلب أشد أهل زمانه بأسا في الشجاعة فقال له إخوته نخشى عليك إن علمت أمه لم تدعه يخرج معك (1)لأنها شرطت على أخيك ذلك فقال يا قوم إن لي في ذلك أمرا أدبره ثم إنه تهيأ للخروج و أفرغ على نفسه لأمة (2)حربه و ركب مطيته و خرج و قد أخفى نفسه خوفا أن يشعر به أحد فيخبر سلمى ثم أقبل يجد السير حتى أقبل (3)على مدينة يثرب و قد ضيق لثامه و دخل المدينة فوجد شيبة يلعب فعرفه بالنور الذي أودعه الله فيه و هو قد رفع صخرة عظيمة و قال أنا ابن هاشم المعروف بالعظائم فلما سمع كلامه عمه أناخ مطيته و ناداه ادن مني يا ابن أخي فأسرع إليه شيبة فقال له من أنت يا هذا فقد مال قلبي إليك و أظنك أحد عمومتي فقال له أنا عمك المطلب و أسبل عبرته (4)و جعل يقبله و قال يا ابن أخي أحب أن تمضي معي إلى بلد أبيك و عمومتك و تكون في دار عزك فقال نعم فركب المطلب و ركب شيبة معه و سارا فقال له شيبة يا عم أسرع بنا لأني أخشى أن يعلموا (5)بنا أمي و عشيرتها فيلحقوا بنا (6)فيأخذوني قهرا أ ما علمت أنه يركب لركوبها أبطال الأوس و الخزرج فقال له يا ابن أخي في الله الكفاية (7)ثم سارا و ركبا الجادة الكبرى حتى أدركهم المساء بذي الحليفة فنزلا و سقيا مطيتهما ثم إن المطلب ركب مطية (8)و أخذ
____________
(1) يخرج معك الينا خ ل.
(2) اللأمة: الدرع.
(3) حتى أشرف خ ل.
(4) أسبل الدمع: أرخاه. و العبرة: الدمعة.
(5) أن تعلم خ ل.
(6) في المصدر: فيلحقون بنا.
(7) في اللّه الكفاية من كل رزية. و مثله في المصدر.
(8) في المصدر: ثم إن المطلب استوى على المطية.
59
ابن أخيه شيبة قدامه و أرسل زمامها و سارا فبينما هما كذلك إذ سمعا صهيل الخيل و قعقعة (1)اللجم و همهمة الرجال في جوف الليل فقال المطلب يا ابن أخي دهينا (2)و رب الكعبة فما نصنع قال شيبة أ لم أقل لك إن القوم يلحقون بنا فانحرف بنا عن الجادة إلى الطريق السفلى قال المطلب و كيف يخفى أمرنا عليهم و نورك يدل علينا قال استر وجهي (3)فعسى أن يخفى أمرنا عليهم قال فأخذ المطلب ثوبا و طواه ثلاث طيات و ستر به وجهه و إذا بالنور علا من وجهه كما كان فقال يا ابن أخي إن لك شأنا عظيما عند الله فإن الذي أعطاك هذا النور يصرف عنا (4)كل محذور قال فبينا هو يخاطب ابن أخيه إذ أدركتهما الخيل و كانوا من اليهود فلما رأوا شيبة علموا أنه هو الذي يخرج من ذريته من يسومهم سوء العذاب و يكون خراب ديارهم على يديه و قد بلغهم (5)في ذلك اليوم أن شيبة قد خرج هو و عمه و لا ثالث لهما فأدركهم الطمع في قتله فخرجوا و خرج معهم سيد (6)من سادات اليهود يقال له دحية و كان له ولد يقال له لاطية فخرج يوما يلعب مع الصبيان فأخذ شيبة عظم بعير و ضرب به ابن دحية فهشم رأسه و شجه شجة موضحة (7)و قال له يا ابن اليهودية قد قرب أجلك (8)و دنا خراب دياركم فبلغ الخبر إلى أبيه دحية فامتلأ غيظا فلما علم أنه قد خرج مع
____________
(1) أي صوت اللجم.
(2) أصبنا بداهية.
(3) في المصدر: و كيف يخفى أمرنا و بنورك قد يدلوا علينا و قد أنار ما حولها؟ فقال يا عم استر وجهي.
(4) يصرف عنك خ ل و مثله في المصدر.
(5) في المصدر زيادة: و يخفى آثارهم و كان قد بلغهم.
(6) فخرجوا في أثره و كان قد خرج في جمعهم سيد اه.
(7) هشم رأسه: كسره. شج الرأس: جرحه. كسره. قوله: «موضحة» من أوضحت الشجّة في الرأس: كشف العظم. و في المصدر: واضحة مكان موضحة.
(8) قربت آجالكم خ ل و مثله في المصدر و فيه أيضا: و دنا قلع آثاركم مكان خراب دياركم، و فيه: فامتلاء غيظا عليه و حنقا، فلما علم بخروجه مع عمه نادى بأعلى صوته: يا معاشر اليهود.
60
عمه نادى يا معاشر اليهود هذا الغلام الذي تخشونه قد خرج مع عمه و ما لهما ثالث فأسرعوا إليه و اقتلوه فخرجوا و كان عددهم سبعين فارسا فلحقوا بشيبة و عمه فقال لعمه شيبة يا عم أنزلني حتى أراك قدرة الله تعالى فأنزله عمه فقصده القوم (1)فجثا على الطريق و جعل يمرغ وجهه في التراب و يدعو و يقول في دعائه يا رب الظلام الغامر و الفلك الدائر (2)يا رب السبع الطباق يا مقسم الأرزاق أسألك بحق الشفيع المشفع و النور المستودع أن ترد عنا كيد أعدائنا فما استتم دعاؤه حتى كادت الخيل تهجم عليهم فوقفت الخيل فقال ابن دحية لاطية يا ابن هاشم (3)اصرف عنا هذا الخطاب و كثرة الجواب فنحن لا نشك فيك يا ابن عبد مناف فأنتم السادات (4)اعلموا أنا ما خرجنا طالبين كيدكم و لكن خرجنا كي نردك إلى أمك فلقد كنت مصباح بلدتنا فقال شيبة أراكم تنظرون إلي بعين مغضب فكيف تكون في قلوبكم المحبة لي لكن لما رأيتم قدرة الله تعالى قلتم هذا الكلام و تركهم و سار إلى عمه فقال له المطلب يا ابن أخي إن لك عند الله شأنا ثم جعل يقبله و سارا و سار القوم راجعين قال لهم لاطية (5)
____________
(1) في المصدر: فعسى أن نقتله و نصرف عنا شره قال: «فخرجوا مسرعين و كانوا سبعين فارسا فأطلقوا الاعنة و قوموا و لحقوا بشيبة و عمه، ثمّ ان شيبة قال لعمه ان اليهود لحقوا بنا و هم أشد عداوة و ما جاءوا الا في طلبى، فقال له عمه: يا بن أخى لا تخف فو حق الكعبة الكبرى لا يصلون إليك بمكروه أبدا، فقال شيبة: يا عم انزلنى حتّى أراك قدرة اللّه تعالى الذي خلقنى و جعل هذا النور في وجهى، قال: فأنزله عمه، فلما وصل الأرض قام قائما فقصده القوم».
(2) في المصدر: و البحر الزاخر. و أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(3) فوقف الخيل لا تقدر على المسير خ ل و في المصدر فبقيت الخيل في وحل لا تقدر على المسير.
و فيه: فقال دحية: يا بن هاشم.
(4) في المصدر: صرف الخطاب، و كثرة الجواب فنحن ما نشك فيك يا بن عبد مناف فانتم السادات الاشراف.
(5) في المصدر: يا دحية اليهود، و شاة القرود، انكم تنظرون الى بعين مقت، فكيف قدح في قلوبكم المحبة لنا، فان ذلك محال، لكن لما رأيتم قدرة اللّه عزّ و جلّ و انكم لا تصلون الينا و ان اللّه يحول بيننا و بينكم، نطقتم بالوسواس، ثمّ تركهم و مضى الى ابن عمه، فقال له المطلب: يا خير من مشى، ان لك عند اللّه تعالى شأنا، ثمّ جعل يقبله و يقول: ان لك عند اللّه حرمة عظيمة، قال:
و ان القوم لما ولوا عنهم ساقوا خيلهم راجعين، فقال لهم لاطئة.
61
أ لم تعلموا أن هؤلاء معدن السحر قالوا بلى قال يا بني إسرائيل يا أمة الكليم قد سحركم هذا الغلام و عمه فدعونا نترجل فاتبعوهم من ورائهم شاهرين سيوفهم و قصدوا شيبة فلما قربوا قال المطلب الآن قد حققت الحقائق (1)و أخذ المطلب قوسه و جعل فيه سهما و رمى (2)بها اليهود فقتل بها عبد لاطية فأتاه سيده و قد مات و قد أخذ أخرى و رمى بها فأصابت رجلا آخر فقتله فصاحوا بأجمعهم و هموا بالرجوع فقال لهم لاطية عار عليكم الرجوع عن اثنين فإلى متى يصيبون منا بنبلهم فلا بد أن يفرغ نبلهم و نقتلهم و لم يكن (3)في القوم أشجع منه و كان من يهود خيبر فعند ذلك حملوا عليهما حملة رجل واحد و جاء لاطية إلى المطلب و قال قف لي أكلمك بما فيه المصلحة و نرجع (4)عنكم قال شيبة يا عم إن القوم قد عزموا علينا فقال المطلب يا معاشر اليهود ليس فيكم شفيق و لا حبيب و المقام له بين عمومته خير له فانصرفوا راجعين فقال لهم لاطية كيف يرجع هذا الجمع خائبا و نحن قد خرجنا و مرادنا أن نرده إلى أمه
____________
(1) في المصدر: قد سحرنا هذا الغلام و عمه، و قد سحروا خيلنا، و ان هذه المصيبة الكبرى أن يرجع هذا الجمع العظيم خائبين و هم اثنين، قال: فلما علموا اليهود أن خيلهم لا تقدر على الوصول اليهم نزلوا عن خيلهم و جردوا سيوفهم، و مشوا اليهم على أقدامهم، فلما قربوا من شيبة و عمه قال المطلب: الآن حقّ الحقائق، و زالت العوائق.
(2) في المصدر زيادة: و كان قوس إسماعيل (عليه السلام). و اثبت المصنّف في الهامش عن نسخة.
و في المصدر: و أخذ نبلة و جعلها في كبد القوس و رمى.
(3) في المصدر: و جذب النبلة منه فأخرجها مع روحه، فبينا هم متحيرين في أمرها هم فرماهم بآخر فأصاب رجل منهم في جبهته، فخرجت النبلة من قفاه، فجاء اليهود إليه فوجدوه ميتا فصاحوا بأجمعهم و هموا بالرجوع، فقال لهم ابن دحية: هيهات قد كان رجوعكم ما كان بعد قتل هؤلاء عار عليكم، فقالوا: أيها السيّد الكريم و ما تراه من الحلية؟ قال: و كم يكون النبل؟ فعسى أن يكون عشرة فيصيب بها عشرة منا، و ليس كلها تصيب و تقتل، فإذا ظفرنا بهم قتلناه و قتلنا عمه، فعار علينا أن نتركهما و هما اثنان و نحن سبعون فارسا، قال: فحرصهم على القتال، و لم يكن اه، قلت:
الظاهر أن كلمة- ابن- زائدة و صوابه دحية، لان ابنه كما تقدم قبلا لم يبلغ مبلغ الرجال.
(4) في المصدر: فعند ذلك أخذوا سيوفهم و درقهم و هموا أن يأخذوا شيبة و عمه المطلب، يقدمهم لاطئة بن دحية، ثمّ انه زعق بهم و قال: يا بن هاشم قف لي حتّى اعلمك ما يكون فيه المصلحة بيننا و بينكم و نرجع الى أماكننا.
62
فقال لهم المطلب أنتم قوم ظالمون (1)لقد أكثرتم الكلام و أطلتم الملام ثم قال المطلب إنما غرضي أن تمضي إلى عمومتك فإن كنت تعرف من القوم الصدق فارجع معهم حتى تكبر و تبلغ مبالغ الرجال ثم تعود إلى بلد عمومتك قال يا عم لا يغرنك كلامهم إنهم أعداؤنا قال عمه صدقت قال ثم إن المطلب قال لهم يا حزب الشيطان بنا تمكرون و علينا تحتالون إنما ساقكم إلينا آجالكم فمن شاء (2)منكم أن يبرز إلى القتال فليبرز فلما سمعوا كلام المطلب قال لهم لاطية أ ما تعلمون أن هذا فارس بني عبد مناف الذي يفرق العرب من يبرز إليه فله (3)عندي مائة نخلة حاملة ليس فيها ذكر فقال له رجل يقال له جميع من بني قريظة و كان للاطية عليه دين أنا أبرز إليه و اترك دينك عني قال نعم و لك مثله فاشهدوا يا من حضر ثم خرج جميع إلى المطلب و هو لا يعلم به حتى قرب منه فقال له المطلب لا أشك أنه قد ساقك قصر أجلك ثم ضربه بالسيف فقال خذها و أنا المطلب بن عبد مناف فمات من ساعته فأقبل اليهود و أحاطوا به فلما رأى لاطية ما حل بأصحابه غضب غضبا شديدا و قال من يبرز إليه فله (4)عندي ما يريد فقال له غلاب ما لهذا البطل إلا بطل مثله ابرز إليه أنت
____________
(1) ضالون خ ل، قلت: قد اختلف هنا المصدر مع ما نقل عنه في المتن، و الظاهر أن متن الكتاب مختصر منه، و الموجود في المصدر بعد قوله: «قد عزموا علينا» هكذا: مما دهاهم منا، قال: فناداهم المطلب و قال: يا معاشر اليهود ما كفاكم ما جرى لكم، و لا شك أن آجالكم تسوقكم الينا، فان زعمتم أنكم تطلبون ابن أخى فو اللّه لن تصلوا إليه حتّى تقتلونى دونه، فقال له لاطئة بن دحية: يا بن عبد مناف اعلم ما جئناكم الا شفقة عليكم، و محبة في ابن أخيك، لانه قد تربى في بلدنا و مع أولادنا، و الثاني أن له علينا أياديا و إحسانا، فأردنا أن نرده الى أمه، فقال لهم المطلب: يا قوم ليس منكم قريب و لا شفيق و لا حبيب، و المقام بين عمومته أحبّ إليه، فانصرفوا راجعين، اليكم قاصدين، قالوا:
أردنا أن نردك الى امك، فقال لهم المطلب: أنتم قوم ضالون.
(2) في المصدر: ثم ان المطلب اهتز في موضعه و كان من الفرسان المعدودين و الابطال المعروفين، و قد شد وسطه و عطف نحوهم فقال لهم: يا حزب الشيطان بنا تمكرون، و علينا تحتالون و تخدعون؟ اعلموا ما ساقكم الينا في هذه الليلة الا قصر آجالكم، و اعلموا أن الأسد لا يقبضن بالخداع، و البحر لا يقاس بالذراع، فان كنتم عطف ظنكم أن تصلون الينا بالخداع قبل قطع و اختلاف النفوس «كذا» و تتكلمون بمكركم و خداعكم فهذا بعيد عنكم، فمن شاء اه.
(3) و له عندي خ ل.
(4) و له عندي خ ل.
63
قال نعم أنا أبرز إليه و جرد سيفه و دنا من المطلب فتقاتلا من أول النهار حتى مضى من الليل أكثره (1)و اليهود فرحون إذ برز لاطية للمطلب هذا و عينا شيبة يهملان دموعا خوفا على عمه المطلب فبينا هم كذلك و إذا بغبرة قد ثارت كأنها (2)الليل المظلم (3)و قد سدت الأفق و إذا بصهيل الخيل و قعقعة اللجم و اصطفاق الأسنة و إذا هم أربعمائة و هم فرسان الأوس و الخزرج و قد أقبلوا من المدينة مع سلمى و أبيها فلما نظرت إلى اليهود مجتمعين على حرب المطلب صاحت بهم صيحة عظيمة و قالت يا ويلكم ما هذا الفعال فهم لاطية بالهزيمة فقال له المطلب إلى أين يا عدو الله الفرار (4)من الموت ثم ضربه بالسيف على عاتقه فقسمه نصفين و عجل الله بروحه إلى النار و بئس القرار و جالت الفرسان على اليهود فما كان إلا قليلا حتى باد (5)جميع اليهود فعند ذلك عطفوا على المطلب و السيف مشهور في يده و قد دفع القوس إلى ابن أخيه فلما جالت الكتائب خافت سلمى على ولدها فأومأت إلى القوم و كانت مطاعة فيهم فأمسكوا عن القتال فتقدمت سلمى إلى المطلب و نادته و قالت من الهاجم على مرابط الأسد و الخاطف من اللبوة شبلها قال المطلب هو من يزيده شرفا على شرفه و عزا إلى عزه و هو أشفق عليه منكم و أنا أرجو أن يكون صاحب الحرم و المتولي على الأمم و أنا عمه المطلب فلما سمعت كلامه قالت مرحبا (6)و أهلا و سهلا و لم لا تستأذني في حملك ولدنا
____________
(1) في المصدر: فقال: نعم، فأخذته الحمية، و غضب و تجرد من ثيابه، و ركب جواده، و أخذ درقته و سيفه و قد عزم على القتال، فلما رآه المطلب أقبل مسرعا اليهما فأخذ المطلب بيدا بن أخيه و رجع الى عدو اللّه قاصدا غير طائش، فتقابل الكبشين و تناطحا و تجاولا حتّى مضى أكثر الليل اه. قلت: قد قدمنا أن الظاهر أن لاطئة مصحف داحية.
(2) في المصدر زيادة: فلما طال عليهما القتال و قد مل كل واحد منهما صاحبه و إذا هم بغبرة قد ثارت عليهم كأنها اه.
(3) كأنها قطع الليل المظلم خ ل.
(4) في المصدر: أين الفرار. و أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(5) حتى أبادوا خ ل.
(6) في المصدر زيادة: ما أنا بعدو و لا معاند أنا عمه و جماله، فلما سمعت كلامه سلمى قالت:
من أنت من عمومته؟ قال: أنا الذي زوجتك من أبيك، فقالت له عند ذلك: مرحبا.
64
من بلدنا و أنا قد شرطت على أبيه إن رزقت منه ولدا يكون عندي و لا يفارقني فقال لها المطلب كان ذلك ثم أقبلت على ولدها و قالت يا ولدي خرجت مع عمك و تركتني و الآن إن أردت أن ترجع معي فارجع و إن اخترت عمك فامض راشدا فلما سمع كلام أمه أطرق إلى الأرض فقالت له أمه يا بني لم تسكت و أنت طلق اللسان جريء الجنان فو حق أبيك إني لا أمنعك عن شهوتك و إن عز علي فراقك يا ولدي فرفع رأسه و قد سبقته العبرة فقال يا أماه أخشى مخالفتك لأنه محرم علي عصياني لك و لكن أحب مجاورة بيت ربي و أنظر إلى عمومتي و عشيرتي فإن أمرتني بالمسير سرت و إلا رجعت فعند ذلك بكت و قالت له إذا كان كذلك فقد سمحت لك برضى مني و قد كنت مستأنسة بغرتك (1)فلا تنسني و لا تقطع أخبارك عني ثم قبلته و ودعته و قالت يا ابن عبد مناف قد سلمت إليك الوديعة التي استودعنيها أخوك هاشم بالعهد و الميثاق فاحتفظ بها فإذا بلغ ولدي مبالغ الرجال و لم أكن حاضرة فانظروا بمن تزوجونه فقال لها المطلب تكرمت بما فعلت و أجملت فيما وصفت (2)و نحن لا ننسى حقك ما حيينا ثم عطف عليها يودعها فقالت سلمى خذوا من هذا الثياب و الخيل ما تريدون فشكرها المطلب و أردف ابن أخيه و سارا حتى قربا من مكة فأضاءت شعابها (3)و أنارت الكعبة فأقبلت الناس ينظرون إليه و إذا هم بالمطلب يحمل ابن أخيه فسألوه عنه و قالوا من هذا يا ابن عبد مناف الذي قد أضاءت به البلاد فقال لهم المطلب هذا عبد لي فقالوا ما أجمل هذا العبد فسموه الناس من ذلك عبد المطلب و أقبل إلى منزله و كتم أمره و قد عجب الناس منه و من نوره و هم لا يعلمون أنه جد رسول الله(ص)ثم إنه ظهرت له (4)آيات و معجزات و مناقب و دلالات تدل على النبوة. (5)
____________
(1) في المصدر: مستأنسة بقربك عمن مضى.
(2) فيما صنعت خ ل.
(3) في المصدر: فقال له المطلب: يا بن أخى انى كاتم أمرك حتّى ارقيك في مرتبة أبيك فدخلا مكّة و ضاءت شعابها.
(4) في المصدر: لعبد المطلب.
(5) هنا تمّ الجزء الثالث و في المصدر بعد ذلك: الجزء الرابع من كتاب الأنوار.
65
و قال أبو الحسن البكري حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قدم المطلب و شيبة إلى الحرم و كان بين عينيه نور رسول الله(ص)كانت قريش تتبرك به فإذا أصابتهم مصيبة أو نزلت بهم نازلة أو دهمهم طارق (1)أو نزل بهم قحط توسلوا بنور رسول الله(ص)فيكشف الله عنهم ما نزل بهم قال و كان أعجب نازلة نزلت بهم و أعجب آية ظهرت لهم ما جرى من أصحاب الفيل و هو أبرهة بن الصباح و كان ملك اليمن و قيل ملك الحبشة (2)الذي ذكره الله في كتابه العزيز و كان قد أشرف منه أهل مكة على الهلاك و قد حلف أنه يقطع آثارهم و يهدم الكعبة و يرمي بأحجارها في بحر جدة و يحفر أساسها فكشفه الله عن البيت و أهله ببركة عبد المطلب جد رسول الله(ص)قال صاحب الحديث فأما ما اجتمعت عليه الروايات و أصحاب الحديث أنه نزلت جماعة من أهل مكة بأرض الحبشة في تجارة فدخلوا في كنيسة من كنائس النصارى و أوقدوا بها نارا يصطلون عليها و يصلحون بها طعاما لهم و رحلوا لم يطفئوها فهبت ريح فأحرقت جميع ما في الكنيسة فلما دخلوا قالوا من فعل هذا قالوا كان (3)بها تجار من عرب مكة فأخبروا بذلك النجاشي و كان ملك اليمن أو ملك الحبشة و الله أعلم قال ما أحرق معبدنا إلا العرب فغضب لذلك غضبا شديدا و قال لأحرقن معبدهم كما أحرقوا معبدنا فأرسل وزيره أبرهة بن الصباح و أرسل معه أربعمائة فيل و أرسل معه مائة ألف مقاتل و قال له امض إلى كعبتهم و انقضها حجرا حجرا و ارمها في بحر جدة و اقتل رجالهم و انهب أموالهم و ذراريهم و لا تترك لهم رجالا قال فأمر المنادي ينادي في الجيوش بالمسير إلى مكة و اجتمعوا من كل جانب و مكان و أعدوا ما يصلح للسفر من الزاد و الماء و العدد و السلاح و الدواب و أمرهم بالمسير قال فسار القوم و جعل في مقدمة الجيوش رجلا من أخيار دولته يقال له الأسود بن مقصود (4)و أمره بالمسير أمامه
____________
(1) دهمهم: غشيهم. الطارق: الداهية.
(2) في المصدر، و هو صاحب الفيل. و ذكره المصنّف في الهامش عن نسخة.
(3) كانوا خ ل.
(4) في المصدر: شمير بن المقصود، و في موضع: شمر، و في السيرة الحلبية الأسود كما في المتن.
66
و معه عشرون ألف فارس و قال امض بمن معك و انزل على الكعبة و خذ رجالها و نساءها و لا تقتل منهم أحدا حتى آتيك فإني أريد أن أعذبهم عذابا شديدا لم يعذب به أحد من العالمين قال فسار بجيشه سيرا عنيفا يقطع الفيافي و القفار و يجوز السهل و الوعار و لم يقروا و لم يهدءوا (1)حتى نزلوا ببطن مكة فلما سمع أهل مكة أنه قد نزل بهم صاحب الفيل جمعوا أموالهم و أهليهم و دوابهم و هموا بالخروج من مكة هاربين من أصحاب الفيل فلما نظر إليهم عبد المطلب قال لهم يا قوم أ يجمل منكم (2)هذا الأمر و إنه لعار عليكم خروجكم عن كعبتكم قالوا له إن الملك أقسم بمعبوده أن لا بد له من ذلك أن يهدم الكعبة و يرمي أحجارها في البحر و يذبح أطفالها و يرمل نساءها و يقتل رجالها فاتركنا نخرج قبل أن يحل بنا الويل فقال لهم عبد المطلب إن الكعبة لا يصلون إليها لأن لها مانعا يمنعهم عنها و صادا يصدهم عنها فإن أنتم التجأتم إليها و اعتصمتم بها فهو خير لكم فلم تطمئن القلوب (3)إلى كلامه و غلب عليهم الخوف و الجزع و خرجوا هاربين يطلبون الشعاب و منهم من طلب الجبال و منهم من ركب البحر قال فعند ذلك قالوا لعبد المطلب ما يمنعك أن تهرب مع الناس قال أستحيي من الله أن أهرب عن بيته و حرمه فو الله لا برحت من مكاني و لا نأيت (4)عن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء قال و لم يبق يومئذ بمكة إلا عبد المطلب و أقاربه و هم غير آمنين على أنفسهم فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية و ديارها خاوية قال اللهم أنت أنيس المستوحشين و لا وحشة معك فالبيت بيتك و الحرم حرمك و الدار دارك و نحن جيرانك تمنع عنه ما تشاء (5)و رب الدار أولى بالدار قال و أقام الأسود بن (6)
____________
(1) السهل: الأرض الممتدة المستقيم سطحها. و الوعر: ضدها. قوله: «لم يهدءوا» أي لم يسكنوا.
(2) أ يحمد بكم خ ل.
(3) في المصدر: فلم يطمئن القوم. و أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(4) في المصدر: و لا باينت.
(5) في المصدر: من تشاء، و كذا في نسخة على ما اثبته المصنّف في الهامش.
(6) في المصدر: الشمر بن المقصود.
67
مقصود بجيشه حتى ورد عليه أبرهة بن الصباح و معه بقية الجيش و هم أربعمائة فيل (1)فكدر المياه و حطم المراعي و سد المسالك و الفجاج (2)و حطموا الأرض فأضر بهم العطش و الجوع لكثرتهم فشكوا ذلك إلى أبرهة فقال لهم سيروا إلى مكة مسرعين فنزلوا بالأبطح (3)و ساقوا جميع المواشي و كانت لعبد المطلب ثمانون ناقة حمراء فأخذها القوم و تقاسموها (4)و سبق بعض الرعاة فأخبر عبد المطلب بذلك فقال الحمد لله هي مال الله و ضيافة لأهل بيته و زواره و حجاجه فإن سلمها (5)فهي له و إن ردها إلينا فهي إحسانه و هي عارية عندنا ثم إن عبد المطلب لبس قميصه و تردى برداء لوي و تحزم (6)بمنطقة الخليل(ع)و تنكب قوس إسماعيل(ع)و استوى على مطيته و عزم على الخروج فقام إليه أقاربه و قالوا له أين تريد قال إلى (7)هذا الرجل الظالم الذي أخذ مال الله عز و جل و تعرض لحرم الله قالوا ما كنا بالذي نطلق سبيلك حتى تمضي إليه لأن هذا مثل البحر من دخله غرق و أنت اعتصمت برب الكعبة و اعتصمنا معك و رضينا لأنفسنا ما رضيت لنفسك أما الخروج من الحرم إلى شر الأمم فما نسمح لك بذلك قال يا قوم إني أعلم من فضل ربي ما لا تعلمون فخلوا سبيلي فإني سأرجع إليكم عن قريب فخلوا سبيله فمرت به مطيته كالريح فلما أشرف على القوم نظروا إليه من بعيد فإذا هو كالبدر إذا بدا و الصبح إذا أسفر فلما عاينوه من قريب بهتوا فيه فجاءوه و قد حبس الله أيديهم عنه فقالوا له منأنت أيها الرجل الجميل الطلعة المليح الغرة من أنت يا ذا النور الساطع و الضياء اللامع فإن كنت من هذه البلدة نسألك أن ترد
____________
(1) في المصدر: اربعمائة قبيلة، و كذا في نسخة على ما أثبته المصنّف في الهامش.
(2) في المصدر: و كدروا و كذا ما بعدها من الافعال.
(3) في المصدر: فسار القوم الى مكّة مسرعين فنزلوا في الابطح.
(4) و تقاسموا المواشى خ ل.
(5) في المصدر: فان تسلمها.
(6) أي شد وسطه.
(7) آتى الى هذا الرجل الظالم خ ل.
68
عن قربنا (1)شفقة منا عليك فقال لهم إني أريد الملك فقالوا له إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك من قومك أحدا فقال لهم عبد المطلب إني قد أتيته قاصدا فعند ذلك تصارخت القوم و قال بعضهم لبعض ما رأينا مثل هذا الرجل في الجمال و الكمال إلا أنه ناقص العقل نحن نقول إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك أحدا من أهل هذه البلدة و هو يقول لا بد لي منه قال فخلوا سبيله فمضى قاصدا إلى الملك فأوصلوا خبره إلى الملك و قالوا أيها الملك قد قدم علينا رجل صفته كذا و كذا من أهل مكة و لم يفزع و لم يجزع فقال الملك علي به فو حق ما أعتقده من ديني لو سألني أهل الأرض ما قبلت فيه سؤالا قال فعند ذلك أقبلوا إلى عبد المطلب ليأتوا به قال لهم عبد المطلب إني قادم إلى الملك بنفسي فأمر الملك قومه أن يشهروا السلاح و يجردوا السيوف و جعل الملك على رأسه تاجا و شد عمامته على جبينه و أمر سياس الفيل أن يحضروه فأحضروه و كان فيهم فيل يقال له المذموم (2)و كان قد ركبوا على رأسه قرنين من حديد لو نطح جبلا راسيا بهما لألقاه و كانوا (3)قد علقوا على خرطومه سيفين هنديين و علموه الحرب و وقف سياسه من ورائه فقال لهم الملك إذا رأيتموني قد أشرت لكم (4)عند دخول هذا المكي فأطلقوه عليه حتى يدوسه بكلكله (5)قال فدخل عليهم عبد المطلب و هم صفوف ينظرون ما يأمرهم الملك في عبد المطلب و هم باهتون و هو لا يلتفت إلى أحد منهم حتى جاوز أصحاب الفيل فأمرهم الملك بإطلاق الفيل فأطلقوه فلما قرب من عبد المطلب برك الفيل إلى الأرض و جثا على ركبتيه و سكن ارتجاجه و كان قبل ذلك إذا أحضره سياسه (6)على القتال تحمر عيناه و يضرب بخرطومه و فيه سيفان فلما قرب من عبد المطلب سكن و لم يفعل شيئا فتعجب الملك و أصحابه من ذلك و ألقى الله
____________
(1) في المصدر: أن ترد عن قريب، و أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(2) في سيرة ابن هشام سماء المحمود.
(3) و كان خ ل و في المصدر: لو نطح جبلا لرماه بهما و كان.
(4) أشرت إليكم خ ل.
(5) الكلكل: الصدر.
(6) في المصدر: إذا أتوا به سياسه. و أطلقوه لقتال.
69
في قلبه الجزع و الفزع و ارتعدت فرائصه و رق قلبه فأقبل على عبد المطلب حتى أجلسه بجانبه و رحب به و التفت إلى الأسود بن مقصود و قال أي شيء يطلب هذا الرجل المكي فأقضي حاجته و قد كان الملك يحلف على هلاكه قبل ذلك ثم قال له الملك من أنت و ما اسمك فما رأيت أجمل منك وجها و لا أحسن منك بهجة و لك عندي ما سألت و لو سألتني الرجوع عن بلدك لفعلت (1)فقال له عبد المطلب لا أسألك في شيء من ذلك إلا أن قومك أغاروا علينا و أخذوا لي ثمانين ناقة و كنت قد أعددتها للحجاج الذين يقصدوننا من جميع النواحي فإن رأيت أن تردها علي فافعل فأمر الملك رجاله بإحضارهن (2)ثم قال الملك هل لك من حاجة غيرها فاسألني فيها (3)فقال عبد المطلب أيها الملك ما أريد غير هذه فقال له الملك فلم لا تسألني في بلدك (4)فإني أقسمت لأهدمن كعبتكم و أقتل رجالكم لكن لعظم قدرك عندنا لو سألتني فيها قبلت سؤالك (5)فقال عبد المطلب لا أسألك في شيء من ذلك قال و لم ذلك قال إن لها مانعا يمنعها غيري فقال الملك اعلم ياعبد المطلب إني أخرج على أثرك بجنودي و رجالي فنخرب الكعبة و نواحيها و أقتل سكانها فقال له عبد المطلب إن قدرت فافعل قال فانصرف عبد المطلب و مر على الفيل المذموم فلما نظر الفيل إلى عبد المطلب سجد له فقام الوزراء و الحجاب يلومون الملك في أمر عبد المطلب كيف خلى سبيله فقال لهم الملك ويحكم لا تلوموني أ لم تروا كيف سجد له الفيل بين يديه و الله لقد وقع لهذا الرجل في قلبي هيبة عظيمة و لكن أشيروا علي بما يكون من هذا الأمر فقالوا لا بد لنا أن نسير إلى مكة فنخربها و نرمي أحجارها في بحر جدة فعند ذلك أمر الملك بالجموع و الجيوش أن تزحف إلى مكة (6)و لما وصل عبد المطلب بالنوق إلى
____________
(1) في المصدر: لرجعت. قلت: فى الجملة الأخيرة غرابة ظاهرة ينفرد بها.
(2) فاحضروا خ ل.
(3) تسألنى فيها خ ل.
(4) في المصدر: لم لم تسألنى الرجوع عن بلدك؟.
(5) قد عرفت أن فيها غرابة و شذوذ.
(6) أي أن تمشى إلى مكّة. و في المصدر بعد ذلك: قال: «و قدموا الفيل قدامهم و ساروا، فلما وصل».
70
مكة خرج إليه أقاربه و بنو عمه يهنئونه بالسلامة و قد كانوا آيسوا منه فلما نظروا إليه فرحوا به و جعلوا يتعلقون به و يقبلون يديه و قالوا الحمد لله الذي حماك و حفظك بهذا النور الحسن ثم سألوه عن الجيش فأخبرهم بقصته و خبر الفيل فقالوا له ما الذي تأمرنا به فقال يا قوم اخرجوا إلى جبل أبي قبيس حتى ينفذ الله حكمه و مشيته قال فخرج القوم بأولادهم و نسائهم و دوابهم و خرج عبد المطلب و بنو عمه و إخوته و أقاربه و أخرج مفاتيح الكعبة إلى جبل أبي قبيس و جعل يسير بهم إلى الصفا و يدعو و يبكي و يتوسل بنور محمد(ص)و جعل يقول يا رب إليك المهرب و أنت المطلب أسألك بالكعبة العلياء ذات الحج و الموقف العظيم المقرب يا رب ارم الأعادي بسهام العطب (1)حتى يكونوا كالحصيد المنقلب ثم رجع و أتى إلى باب البيت فأخذ بحلقته و هو يقول.
لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك (2)* * * لا يغلبن صليبهم و محالهم عدوا (3) محالك
إن كنت تاركهم و كعبتنا (4) فأمر ما بدا لك* * * جروا جميع بلادهم و الفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا جمالك بكيدهم جهلا و ما راقبوا جلالك* * * فانصر على آل الصليب و عابديه اليوم آلك.
و قال أيضا شعرا.
يا رب لا أرجو لهم سواكا.* * * يا رب فامنع منهم حماكا.
إن عدو البيت من عاداكا.* * * امنعهم أن يخربوا قراكا
و إذا بهاتف يسمع صوته و لا يرى شخصه و هو يقول قد أجبت دعوتك و بلغت مسرتك إكراما للنور الذي في وجهك فنظر يمينا و شمالا فلم ير أحدا ثم قال لمن معه و هم على جبل أبي قبيس و قد نشروا شعورهم و هم يبتهلون بالدعاء و يستبشرون بالإجابة ثم قال أبشروا فإني رأيت النور الذي في وجهي قد علا و إنما كان ذلك كاشفا لما
____________
(1) العطب: الهلاك.
(2) ذكر ابن هشام في السيرة البيتين الأوليين و في رواية منه: فامنع حلالك. و الحلال بالكسر جمع الحلّة: القوم النزول فيهم كثرة. و جماعة البيوت.
(3) في السيرة: غدوا بالغين المعجمة. و المحال بكسر الميم: القوّة و الشدة.
(4) في السيرة: و قبلتنا.
71
طرقكم ففرح القوم و تضرعوا إلى الله تعالى فبينما هم كذلك إذا أشرفت عليهم غبرة القوم (1)و تقاربت الصفوف و لاح لهم بريق الأسنة ثم انكشف الغبار عن الفيل فنظروا إليه كأنه الجبل العظيم و قد ألبسوه الحديد و زينوه بزينة فاشتد قلقهم و انهملت عبراتهم و تضرع عبد المطلب و دعا فو الله ما أتم عبد المطلب دعاءه و تضرعه حتى وقف الفيل مكانه فصرخت عليه الفيالة (2)و زجرته الساسة فلم يلتفت إليهم فوقفت الجيوش و دهشوا فقال الأسود بن مقصود و هو على الساقة (3)ما الخبر قالوا إن الفيل قد وقف فقال للساسة اضربوه فضربوه فما حال و لا زال فتعجبوا من ذلك ثم أمرهم أن يعطفوا رأسه ففعلوا فهرول راجعا فأمر برده فردوه فوقف فقال الأسود سحروا فيلكم ثم بعث إلى الملك و أعلمه بذلك فقال له أشر علينا فبعث أبرهة إلى ابن مقصود فقال ليس من جرب كمن لا يجرب ابعث للقوم رسولا (4)و اطلب الصلح و لا تخبرهم بأمر الفيل لئلا يكون طريقا لطمعهم فيكم و اطلب منهم رجالا بعدد من قتل منا (5)و يقومون لنا بما أفسدوا من كنيستنا فإذا فعلوا ذلك رجعنا عنهم قال فلما دخل رسول أبرهة على الأسود و كان اسمه حناطة الحميري (6)و كان يهزم الجيوش وحده و كان له خلقة هائلة فقال له الأسود هل لك أن تكون أنت الرسول إليهم فعسى أن يكون الصلح على يديك فقال حناطة ها أنا سائر إليهم فإن صالحونا و إلا
____________
(1) غبرة الفيل و القوم خ ل.
(2) فيالة جمع الفيال: صاحب الفيل و سياسه.
(3) على السيافة خ ل و في المصدر: على السياسة.
(4) رسولا من عندك خ ل.
(5) فيه غرابة لانه لم يسبق منهم ذكر مقتول، حتى يطلبون من عبد المطلب قودا، و لم يكن عبد المطلب و قومه يحاربونهم حتّى يدعونهم الى الصلح، و جاء ذكر حناطة يعمر بن نفاثة بن عدى بن الدئل بن بكر بن مناة بن كنانة في السيرة ابن هشام لكنه ذكر أنّه و عبد المطلب و خويلد ابن واثلة ذهبوا الى أبرهة فعرضوا عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم و لا يهدم البيت فأبى عليهم، و قال ابن هشام بعد ذلك: و اللّه أعلم أ كان ذلك أم لا.
(6) اليحمرى خ ل.
72
رجعت برءوسهم ثم سار و هو معجب بنفسه فسأل عن سيد قريش فقالوا هو الشيبة النجار (1)و كان عبد المطلب قد رآه و علم أنه رسول من القوم فلما نظر حناطة إلى عبد المطلب دهش و حار فقال له عبد المطلب ما الذي أتى بك قال يا مولاي إن أبرهة قد عرف فضلكم و وهب لكم الحرم و البيت و قد أرسل إليك أن تقوم بدية من قتل له أو تسلم من رجالك بعددهم (2)ثم تقوم له بثمن ما عدم من الكنيسة فإذا فعلتم هذا رجع عنكم (3)فقال عبد المطلب أ يؤخذ البريء بالسقيم و نحن من شيمتنا الأمانة و الصيانة و نقبض أيدينا عن المظالم و نصرف جوارحنا (4)عن المآثم فبلغ صاحبك عنا ذلك و أما هذا البيت فقد سبق مني القول فيه إن له ربا يمنع عنه فو الله ما كبر علي ما جمعتموه من الرجال فإن أراد صاحبك المسير فليسر و إن أراد المقام فليقم قال فلما سمع حناطة كلامه غضب و أراد أن يقتل عبد المطلب فظهر لعبد المطلب ما في وجهه فلم يمهله دون أن قبض على محزمه و مراق بطنه و شاله (5)و ضرب به الأرض و قال و عزة ربي لو لا أنك رسول لأهلكتك قبل أن تأتي صاحبك فرجع حناطة إلى الأسود و أعلمه بما كان من أمره ثم قال هؤلاء قوم قد غلت (6)دماؤهم و الرأي عندي أن تراسل القوم بعد هذا و اعلم أن مكة خلية من أهلها (7)فأسرع إلى الغنيمة.
قال الراوي فأمر الجيوش بالزحف فساروا نحو الحرم فلما قربوا منه جاءهم أمر الله من حيث لا يشعرون و إذا هم بأفواج من الطير كالسحابة المترادفة يتبع بعضها بعضا و هي كأمثال الخطاطيف يحمل (8)كل طير ثلاثة أحجار أحدها في منقاره و اثنين (9)
____________
(1) في المصدر: الشيبة الفخار. أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(2) أو ترجع له برجال بعددهم خ ل.
(3) في المصدر زيادة: و أنتم له شاكرون.
(4) جوانحنا خ ل.
(5) المحزم ما يشد به الوسط. شاله: رفعه.
(6) حلت خ ل.
(7) عن أهلها خ ل.
(8) يحمل منها خ ل و في المصدر: يحمل كل طير منها.
(9) في المصدر: اثنتين.
73
بين رجليه كالعدس و كبيرها كالحمص و قد تعالت الطيور و ارتفعت و امتدت فوق العسكر (1)و انتشرت بطولهم و عرضهم فلما نظر القوم إلى ذلك خافوا و قالوا ما هذه الطيور التي لم نر مثلها قبل هذا اليوم فقال الأسود ما عليكم بأس لأنها طير تحمل رزقها لفراخها ثم قال علي بقوسي و نبلي حتى أردها عنكم فأخذ قوسه و أراد الرمي فتصارخت الطيور مستأذنة لربها في هلاك القوم فما أتمت (2)صراخها حتى فتحت أبواب السماء و إذا بالنداء أيها الطيور المطيعة لربها افعلوا ما أمرتم به فقد اشتد غضب الجبار على الكفار ففتحت الطيور أفواهها و كان أول حصاة وقعت على رأس حناطة فنزلت من البيضة إلى الرأس إلى الحلقوم و نزلت إلى الصدر و خرجت من دبره و نزلت إلى الأرض و غاصت فانقلب صريعا فتناثرت (3)القوم يمينا و شمالا و الطيور تتبعهم لا تحول و لا تزول عن الرجل حتى ترميه بالحصاة على رأسه فتخرج من دبره و لا يردها درقة (4)و لا حديد و إن أبرهة لما نظر إلى الطير و فعلها علم أنه قد أحيط بهم فولى هاربا على وجهه و أما الأسود فإنه لما نظر إلى ما نزل بقومه و الحصى تتساقط عليهم و هم يقعون على وجوههم فإذا بطير قد ألقى (5)حجرا فوقع في فيه حتى خرج من دبره (6)و أتاه آخر فضربه في هامته فطلع من قفاه (7)فخر صريعا و أعجب من ذلك أن رجلا من حضرموت كان له أخ فسأله المسير معه فأبى و قال ما أنا ممن يتعرض لبيت الله فلما نزل بهم البلاء خرج هاربا على وجهه و الطير يتبعه فلما وصل إلى أخيه وصف له العذاب الذي حل بالقوم و رفع رأسه و إذا هو بطير قد رماه بحصاة
____________
(1) في المصدر: و امتدت من فوق رءوس القوم.
(2) في المصدر: فما تمت.
(3) فتنافرت خ ل.
(4) الدرقة: الترس من جلود ليس فيه خشب و لا عقب.
(5) قد ألقى عليه خ ل.
(6) خرج من نقرة قفاه خ ل.
(7) من قفاه خ ل و في المصدر: فخرج من نقرته.
74
على هامته و خرجت من دبره و أما أبرهة فإنه سار مجدا على فرسه إذ سقطت يده اليمنى فتحير في أمره فسقطت يده اليسرى ثم رجله اليمنى ثم اليسرى فأتى منزله فحكى لهم جميع ما جرى لهم كلهم فما أتم حديثه إلا و رأسه قد وقع هذا ما جرى لهم و أما عبد المطلب و من معه فإنهم أقاموا في ابتهال و دعاء و تضرع و قد استجيب لهم ببركة رسول الله(ص)و قالوا في دعائهم اللهم ببركة هذا النور الذي وهبتنا اجعل لنا من كل كيدهم فرجا (1)و انصرنا على أعدائنا و نظروا هياكل الأعداء على وجه الأرض مطروحة و الفيل ولى هاربا و أما ما كان ممن فر من أهل مكة و سمع بما نزل بأصحاب الفيل أتوا فرحين مستبشرين و أقاموا مدة ينقلون الأسلاب و الرحال (2)و كان سعادتهم (3)و سرورهم ببركة رسول الله ص.
ثم إن عبد المطلب (4)كان ذات يوم نائما في الحجر إذ أتاه آت فقال له احفر طيبة قال فقلت له و ما طيبة فغاب عني إلى غد فنمت في مكاني فأتى الهاتف فقال احفر برة فقلت و ما برة فغاب عني فنمت في اليوم الثالث فأتى و قال احفر مضنونة فقلت و ما مضنونة فغاب عني و أتاني في اليوم الرابع و قال احفر زمزم فقلت و ما زمزم قال لا تنزف أبدا و لا تذم تسقي الحجيج الأعظم عند قرية النمل فلما دله على الموضع أخذ عبد المطلب معوله و ولده الحارث و لم يكن له يومئذ ولد غيره فلما ظهر له البناء و علمت قريش بذلك قالوا له هذا بئر زمزم بئر أبينا إسماعيل(ع)و نحن فيه شركاء قال لا أفعل لأنه أمر خصصت به دونكم فتشاوروا على أن يجعلوا
____________
(1) في المصدر: فرجا و مخرجا.
(2) أسلاب جمع السلب: ما يسلب و ينتزع من القتيل. الرحال جمع الرحل: ما يستصحبه المسافر من الأثاث في السفر.
(3) في المصدر: و كان ذلك سبب سعادتهم.
(4) في المصدر: قال الراوي لهذا الحديث ثمّ ان عبد المطلب.
75
بينهم حكما و هو سعيد بن خثيمة (1)و كان بأطراف الشام فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز و الشام بلغ بهم الجهد و العطش و لم يجدوا ماء فقالوا لعبد المطلب ما تفعل قال كل واحد منكم يحفر حفيرة لنفسه ففعلوا ثم ركب عبد المطلب راحلته و سار بها (2)فنبع الماء من تحت خفها فكبر و كبرت أصحابه و شربوا جميعهم و ملئوا قربهم و حلفوا أن لا يخالفوه في زمزم فقالوا إن الذي أسقاه الماء في هذه الفلاة هو الذي أعطاه زمزم و رجعوا و مكنوه من الحفر. (3)
فلما تمادى على الحفر وجد غزالين من ذهب و هما اللذان دفنهما جرهم و وجد أسيافا كثيرة و دروعا فطلبوه بنصيبهم فيها فقال لهم هلموا إلى من ينصف بيننا فنضرب القداح (4)فنجعل للكعبة قدحين و لي قدحين و لكم قدحين فمن خرج قدحاه كان هذا له قالوا أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة و قدحين أسودين له و قدحين أبيضين لقريش ثم أعطاه لصاحب القداح (5)و هو عند هبل و هبل صنم في الكعبة فضرب بهما فخرج الأصفران على الغزالين و خرج الأسودان على الأسياف و الدروع لعبد المطلب و تخلف قدحا قريش فضرب عبد المطلب الأسياف ما بين الكعبة فضرب في الباب الغزالين من الذهب و أقام عبد المطلب بسقاية زمزم للحاج (6)و ما كان بمكة من يحسده و يضاده إلا رجل واحد و هو عدي بن نوفل و كان أيضا صاحب منعة (7)و بسطة و طول يد و كان المشار إليه قبل قدوم عبد المطلب فلما قدم
____________
(1) في المصدر: سعيد بن جندب، في سيرة لابن هشام: كاهنة بنى سعد هذيم.
(2) و أشار بها خ ل.
(3) ذكره ابن هشام في السيرة ثمّ قال: «قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث على بن أبى طالب رضي اللّه عنه في زمزم».
(4) القدح بالكسر: السهم الذي كانوا يقتسمون به.
(5) في المصدر: ثم أعطى لصاحب القداح أجرته و في هامش نسخة المصنّف: و دفع إليه اجرته خ ل.
(6) ذكره أيضا ابن هشام في السيرة 1: 158.
(7) المنعة: العزة و القوّة.
76
عبد المطلب إلى مكة و سوده أهل مكة عليهم كبر ذلك على عدي بن نوفل إذ مال الناس إلى عبد المطلب و كبر ذلك عليه فلما كان بعض الأيام تناسبا (1)و تقاولا و وقع الخصام فقال عدي بن نوفل لعبد المطلب أمسك عليك ما أعطيناك و لا يغرنك ما خولناك فإنما أنت غلام من غلمان قومك ليس لك ولد و لا مساعد فبم تستطيل علينا و لقد كنت في يثرب وحيدا حتى جاء بك عمك إلينا و قدم بك علينا فصار لك كلام فغضب عبد المطلب لذلك و قال له يا ويلك تعيرني بقلة الولد لله علي عهد و ميثاق لازم لئن رزقني الله عشرة أولاد ذكورا و زاد عليهم لأنحرن أحدهم إكراما و إجلالا لحقه و طلبا بثأري (2)بالوفاء اللهم فكثر لي العيال و لا تشمت بي أحدا إنك أنت الفرد الصمد و لا أعاين بمثل قولك أبدا (3)ثم مضى و أخذ في خطبة النساء و التزويج حرصا على الأولاد ثم تزوج بست نساء فرزق منهن عشرة أولاد و كل امرأة تزوجها هي كانت ذات حسن و جمال و عز في قومها منهن منعة بنت حباب الكلابية (4)و الطائفية (5)و الطليقية بنت غيدق اسمها سمراء و هاجرة الخزاعية و سعدى بنت حبيب الكلابية و هالة بنت وهب و فاطمة بنت عمرو المخزومية و أما منعة بنت الحباب فإنها ولدت له الغيداق و اسمه الحجل و إنما سمي الغيداق لمروته و بذل ماله و أما الفرعى (6)فولدت له أبا لهب و اسمه عبد العزى و أما سعدى (7)فولدت له ولدين أحدهما ضرار و الآخر العباس و أما فاطمة فولدت له ولدين أحدهما عبد مناف و يقال له أبو طالب
____________
(1) تسابا خ ل.
(2) لثارى خ ل.
(3) قوله أحدا خ ل.
(4) في المصدر: بغلة بنت حسان الكلبية: و في تاريخ اليعقوبي: ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعيّ.
(5) لم يذكر الطائفية في المصدر.
(6) لم تسبق قبل ذلك و لعلها الخزاعية. و ذكر اليعقوبي أن اسمها لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعيّ.
(7) في تاريخ اليعقوبي: اسمها نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط.
77
و الآخر عبد الله أبو رسول الله(ص)(1)و كان عبد الله أصغر أولاده و كان في وجهه نور رسول الله(ص)فأولاد عبد المطلب الحارث و أبو لهب و العباس و ضرار و حمزة و المقوم و الحجل و الزبير و أبو طالب و عبد الله (2)و كان عبد المطلب قائما مجتهدا في خدمة الكعبة و كان عبد المطلب نائما في بعض الليالي قريبا من حائط الكعبة فرأى رؤيا فانتبه فزعا مرعوبا فقام يجر أذياله و يجر رداءه إلى أن وقف على جماعته و هو يرتعد فزعا فقالوا له ما وراءك يا أبا الحارث إنا نراك مرعوبا طائشا فقال إني رأيت كأن قد خرج من ظهري سلسلة بيضاء مضيئة يكاد ضوؤها يخطف الأبصار لها أربعة أطراف طرف منها قد بلغ المشرق و طرف منها قد بلغ المغرب و طرف منها قد غاص تحت الثرى و طرف منها قد بلغ عنان السماء فنظرت (3)و إذا رأيت تحتها شخصين عظيمين بهيين فقلت لأحدهما من أنت فقال أنا نوح نبي رب العالمين و قلت للآخر من أنت قال أنا إبراهيم الخليل جئنا نستظل بهذه الشجرة فطوبى لمن استظل بها و الويل لمن تنحى عنها فانتبهت لذلك فزعا مرعوبا فقال له الكهنة يا أبا الحارث هذه بشارة لك و خير يصل إليك ليس لأحد فيها شيء و إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يدعو أهل المشرق و المغرب و يكون رحمة لقوم و عذابا على قوم فانصرف عبد المطلب فرحا مسرورا و قال في نفسه ليت شعري من يقبض النور من ولدي و كان يخرج كل يوم إلى الصيد وحده فأخذه ذات يوم العطش فنظر إلى ماء صاف في حجر معين فشرب منه فوجده أبرد من الثلج و أحلى من العسل و أقبل من وقته و غشي زوجته فاطمة بنت عمرو فحملت بعبد الله أبي رسول الله(ص)فانتقل النور الذي كان في وجهه إلى زوجته فاطمة فما مرت بها الليالي و الأيام حتى ولدت عبد الله أبا رسول الله(ص)فانتقل النور إليه فلما ولدته
____________
(1) و عد اليعقوبي في تاريخه من أولادها أيضا الزبير و عبد الكعبة و هو المقوم.
(2) و أضاف اليعقوبي قثم، و ذكر أن أمه و أم الحارث واحدة و هو صفية بنت جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة.
(3) في المصدر زيادة هى: فبينما أنا انظر إليها و إذا هي قد تحولت شجرة بيضاء زاهرة، لها أغصان قد بلغت الى عنان السماء، فنظرت.
79
و لو أن أحدكم أصابته شوكة لساءني ذلك (1)و لكن حق الله أوجب من حقكم (2)و قد عاهدته و نذرت له متى رزقني الله أحد عشر ولدا ذكرا لأنحرن أحدهم قربانا و قد أعطاني ما سألته و بقي الآن (3)ما عاهدته و قد جمعتكم لأشاوركم فما أنتم قائلون فجعل بعضهم ينظر إلى بعض و هم سكوت لا يتكلمون فأول من تكلم منهم عبد الله أبو رسول الله(ص)و كان أصغر أولاده فقال يا أبت أنت الحاكم علينا و نحن أولادك و في طوع يدك و حق الله أوجب من حقنا و أمره أوجب من أمرنا و نحن لك طائعون و صابرون على حكم الله و حكمك و قد رضينا بأمر الله و أمرك و صبرنا على حكم الله و حكمك و نعوذ بالله من مخالفتك فشكره أبوه و كان لعبد الله في ذلك اليوم إحدى عشرة سنة فلما سمع أبوه كلامه بكى بكاء شديدا حتى بل لحيته من دموعه ثم قال لهم يا أولادي ما الذي تقولون فقالوا له سمعنا و أطعنا فافعل ما بدا لك و لو نحرتنا عن آخرنا فكيف واحدا منا فشكرهم على مقالتهم ثم قال لهم يا بني امضوا إلى أمهاتكم و أخبروهن بما قلت لكم و قولوا لهن يغسلنكم و يكحلنكم و يطيبنكم و البسوا أفخر ثيابكم و ودعوا أمهاتكم وداع من لا يرجع أبدا فتفرقوا إلى أمهاتهم و أخبروهن بما قال لهم أبوهم ففاضت لأجل ذلك العيون و ترادفت الأحزان (4)قال ثم إن عبد المطلب بات تلك الليلة مهموما مغموما لم يطعم طعاما و لم يشرب شرابا و لم يغمض عينا حتى طلع الفجر (5)ثم لبس أفخر أثوابه و تردى برداء آدم(ع)و تنعل بنعل شيث(ع)و تختم بخاتم نوح(ع)و أخذ بيده خنجرا ماضيا ليذبح به بعض أولاده
____________
(1) في المصدر هنا زيادة هى: و لو عرض لبعضكم عارض لاذانى. و أثبته المصنّف في الهامش عن نسخة.
(2) في المصدر هنا زيادة هى: و مكان اللّه أعظم من مكانكم. و نقله المصنّف في الهامش عن نسخة.
(3) و بقى على الآن ما عاهدته خ ل.
(4) في المصدر هنا زيادة هى: و عقدن لفقد أولادهن الماتم.
(5) في المصدر هنا زيادة هى: و هو مع ذلك قلقا مرعوبا لما يعلم من أمر أولاده و ما يريد أن يفعل بهم، قال: «فاغتسل و لبس» اه. قلت: قوله: «قلقا» لعله مصحف قلق مرعوب.
78
سطع النور في غرته (1)حتى لحق عنان السماء (2)فلما نظر إليه عبد المطلب فرح (3)فرحا شديدا و لم يخف مولده على الكهنة و الأحبار فأما الكهنة فعظم أمره عليهم لإبطال كهانتهم و أما أحبار اليهود فكانت معهم جبة بيضاء و كانت جبة يحيى بن زكريا(ع)و كان الدم يابسا عليها قد غمست في دمه و كان في كتبهم أن هذا الدم الذي في الجبة إذا قطر منها قطرة واحدة من الدم يكون قد قرب خروج صاحب السيف المسلول فنظروا إلى ذلك الدم فوجدوا الجبة و إذا بها قد صارت رطبة يقطر منها الدم (4)فعلموا أنه قد دنا خروجه فاغتموا لذلك غما شديدا و بعثوا إلى مكة رجالا منهم يكشفون لهم عن الخبر و يأتونهم بخبر مولده و كان عبد الله يشب في اليوم مثل ما يشب أولاد الناس في السنة و كان الناس يزورونه و يتعجبون من حسنه و جماله و أنواره و قيل إنه لقي عبد الله في زمانه ما لقي يوسف الصديق في زمانه و ذلك من عداوة اليهود و جرت عليه أمور عظيمة و أحوال جسيمة. (5)
فلما كملت لعبد المطلب عشرة أولاد ذكورا و ولد له الحارث (6)فصاروا أحد عشر ولدا ذكرا فذكر نذره الذي نذر و العهد الذي عاهد لئن بلغت أولادي أحد عشر ولدا ذكورا (7)لأقربن أحدهم لوجه الله تعالى فجمع عبد المطلب أولاده بين يديه و صنع لهم طعاما و جمعهم حوله و اغتم لذلك غما شديدا ثم قال لهم يا أولادي إنكم كنتم تعلمون (8)أنكم عندي بمنزلة واحدة و أنتم الحدقة من العين و الروح بين الجنبين
____________
(1) في المصدر: من غرته.
(2) بعنان السماء خ ل.
(3) فرح به خ ل.
(4) في المصدر: فنظروا الى ذلك الدم فوجدوه قد صار رطبا يقطر منها دما. فعلموا. و نقله المصنّف في الهامش عن نسخة.
(5) ذكر نحوه المسعوديّ في اثبات الوصية: 84.
(6) قد سبق أن الحارث ولد قبلهم، فالصحيح كما في المصدر: و ولده الحارث.
(7) في المصدر: عشرة، و ذكر المصنّف عن نسخة في الهامش هكذا: عشرة ذكورا لأنحرن.
(8) أنتم تعلمون خ ل و هو الموجود في المصدر.
80
و خرج يناديهم من عند أمهاتهم واحدا واحدا فأقبلوا إليه مسرعين و قد تزينوا (1)بأحسن الزينة فلم يتأخر (2)غير عبد الله لأنه كان أصغرهم فسألهم عنه فقالوا لا نعلمه منهم أحد (3)فخرج إليه بنفسه حتى ورد منزل فاطمة زوجته فأخذه بيده فتعلقت به أمه فجعل أبوه يجذبه منها و هي تجذبه منه و هو يريد أباه (4)و هو يقول يا أماه اتركيني أمضي مع أبي ليفعل بي ما يريد فتركته و شقت جيبها و صرخت و قالت لفعلك يا أبا الحارث فعل لم يفعله أحد غيرك فكيف تطيب نفسك بذبح ولدك و إن كان و لا بد من ذلك فخل عبد الله لأنه طفل صغير و ارحمه لأجل صغره و لأجل هذا النور الذي في غرته (5)فلم يكترث بكلامها (6)ثم جذبه من يدها (7)فقامت عند ذلك تودعه فضمته إلى صدرها و قالت حاشاك يا رب أن يطفئ نورك و قد قلت حيلتي فيك يا ولدي وا حزنا عليك يا ولدي ليتني قبل غيبتك عني و قبل ذبحك يا ولدي غيبت تحت الثرى لئلا أرى فيك ما أرى و لكن ذلك بالرغم مني لا بالرضا
____________
(1) في المصدر: و قد تطيبوا و تزينوا.
(2) في المصدر: و لم يتأخر أحد منهم. و في هامش الكتاب: فلم يتأخر منهم أحد خ ل.
(3) فقالوا: ما لنا به علم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) و هو يريد ابنه و هي تمنعه خ ل و في المصدر: و هو يريد أبيه و هي تمنعه و هو يقول:
يا أماه اتركينى أمضى مع أبى ليمثل أمره و ما عاهد اللّه عزّ و جلّ به، فأنا أعود إليك ان شاء اللّه تعالى، فتركته و قالت: «يا أبا الحارث فعلك الذي عزمت عليه ما سبقك إليه أحد من الناس، فكيف تطيب نفسك أن تذبح أولادك»؟.
(5) و لهذا النور الذي في غرته خ ل. و في المصدر: فى وجهه، و بعده: فو ربّ الكعبة لان فعلت ببعض أولادك ما أنت عليه عازم تشمت بك الحساد، و لا تطيب نفسك أبدا، فقال لها عبد المطلب:
«يا فاطمة ان عبد اللّه اجل أولادى و أحبهم إلى، و أنا أرجو من اللّه تعالى أن ينجيه و يرحم صغر سنه»، قال: «ثم ان عبد المطلب عزم على المسير به، فقامت أمه تضمه الى صدرها و هي تقول: أ ترى و ربّ الكعبة قضى بفراقك، و قدر على وحشتك حاشا نور اللّه يطفأ و يذهب نور الابطح و الصفا، و لقد قلت حيلتي يا بنى».
(6) أي لم يعبأ به و لا يباليه.
(7) ثم جذبه بيده و أخذه خ ل.
81
سوقك من عندي من غير اختياري (1)فلما سمع ذلك أبوه بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه و تغير لونه فقال عبد الله لأمه دعيني أمضي مع أبي فإن اختارني (2)ربي كنت راضيا سامحا ببذل روحي له و إن كان غير ذلك عدت إليك فأطلقته أمه فمشى وراء أبيه و جملة أولاده (3)إلى الكعبة فارتفعت الأصوات من كل ناحية و أقبلوا ينظرون ما يصنع عبد المطلب بأولاده و أقبلت اليهود و الكهنة و قالوا لعله يذبح الذي نخافه ثم عزم على القرعة بينهم و جاء بهم جميعا للمنحر و بيده خنجر يلوح الموت من جوانبه ثم نادى بأعلى صوته يسمع القريب و البعيد و قال اللهم رب هذا البيت و الحرم و الحطيم و زمزم (4)و رب الملائكة الكرام و رب جملة الأنام اكشف عنا بنورك الظلام (5)بحق ما جرى به القلم اللهم إنك خلقت الخلق بقدرتك و أمرتهم بعبادتك لا مانع منك إلا أنت (6)و إنما يحتاج الضعيف إلى القوي و الفقير إلى الغني يا رب و أنت تعلم أني نذرت نذرا و عاهدتك عهدا على إن وهبتني عشرة أولاد ذكور لأقربن لوجهك الكريم واحدا منهم و ها أنا و هم بين يديك فاختر منهم من أحببت اللهم كما قضيت و أمضيت فاجعله في الكبار و لا تجعله في الصغار لأن الكبير أصبر على البلاء من الصغير
____________
(1) بغير اختيارى خ ل.
(2) في المصدر بعد ذلك: يفعل بى ما يشاء، و يحكم ما يريد، فان اختارنى إه.
(3) مع جملة أولاده خ ل، و في المصدر: و مشى وراء أبيه، و أقبل عبد المطلب و ساق أولاده بين يديه إلى الكعبة، فارتفعت الأصوات، و خرجت الرجال و النساء من كل جانب و مكان، و جعلوا ينظرون إلى عبد المطلب و ما يريد يصنع بأولاده، و أقبلوا إليه السحرة و الكهنة و اليهود و يقولون: عسى أن يذبح الذي نخاف منه، و كانوا اليهود يقولون: هذا الذي يخرج منه ما تحذرون و قد قرب ذلك منكم، فلما علموا أن عبد المطلب لا بد أن يقارع بينهم فأى من وقعت عليه القرعة يذبحه أقبلت الناس إلى المنحر و هم ينظرون إلى عبد المطلب و أولاده خلفه، فأقبل بهم نحو المنحر و بيده خنجر ماض فتطاولت إليه الاعناق، ثمّ نادى إه.
(4) اللّهمّ ربّ هذا البيت الحرام، و المشاعر العظام و زمزم و المقام خ ل.
(5) في المصدر: الظلم.
(6) المصدر خال عن قوله: الا انت.
82
و الصغير أولى بالرحمة اللهم رب البيت و الأستار و الركن و الأحجار و ساطح الأرض و مجرى البحار و مرسل السحاب و الأمطار اصرف البلاء عن الصغار ثم دعا بصاحب الجرائد فقدها (1)فقذفها و كتب على كل واحدة اسم ولد ثم دعا بصاحب القداح و هي الأزلام (2)التيذكرها الله تعالى و كانوا يقسمون (3)بها في الجاهلية فأخذ الجرائد من يده و ساق أولاد عبد المطلب و قصد بهم الكعبة فأخذت أمهاتهم في الصراخ و النياح و الشق للجيوب (4)كل واحدة تبكي على ولدها و جميع الناس يبكون لبكائهم و جعل عبد المطلب يقوم (5)مرة و يقعد أخرى و هو يدعو (6)يا رب أسرع في قضائك فتطاولت الأعناق و فاضت العبرات و اشتدت الحسرات فبينما هم في ذلك و إذا بصاحب القداح قد خرج من الكعبة و هو قابض على عبد الله أبي رسول الله(ص)و قد جعل رداءه في عنقه و هو يجره و قد زالت النضارة من وجهه و اصفر لونه و ارتعدت فرائصه و قال له يا عبد المطلب هذا ولدك قد خرج عليه السهم فإن شئت فاذبحه أو اتركه (7)فلما سمع كلامه خر مغشيا عليه و وقع إلى الأرض (8)و خرج بقية أولاده من الكعبة و هم يبكون على أخيهم و كان أشدهم عليه حزنا أبو طالب لأنه شقيقه من أمه و أبيه و كان لا يصبر عنه ساعة واحدة و كان يقبل غرته و موضع النور من وجهه و يقول يا أخي ليتني لا أموت حتى أرى ولدك الوارث لهذا النور الذي فضله الله على الخلق أجمعين (9)الذي يغسل الأرض من الدنس و يزيل دولة الأوثان و يبطل كهانة الكهان.
____________
(1) فقدرها خ ل و في المصدر: و قدره و فصله و كتب.
(2) في المصدر: القداح الذي كانوا يضربون بها، و هي التي تسمى الازلام.
(3) يقتسمون خ ل و كذا في المصدر.
(4) و شق الجيوب خ ل.
(5) في المصدر: و قلق عبد المطلب قلقا شديدا، و جعل يقوم إه. و زاد في الدعاء: فانى راغب إليك.
(6) و هو يقول خ ل.
(7) و ان شئت اتركه خ ل و مثله في المصدر.
(8) في المصدر: على الأرض.
(9) في المصدر زيادة هى: و تقاتل معه الملائكة المقربين.
83
فلما ولد النبي(ص)كان يحبه أبو طالب حبا شديدا (1)و يقول له فدتك نفسي يا ابن أخي يا ابن الذبيحين إسماعيل و عبد الله.
رجعنا إلى الحديث الأول ثم لما أفاق عبد المطلب سمع البكاء من الرجال و النساء من كل ناحية فنظر و إذا فاطمة بنت عمرو أم عبد الله و هي تحثو التراب على وجهها و تضرب على صدرها فلما نظر إليها عبد المطلب لم يجد صبرا و قبض (2)على يد ولده و أراد أن يذبحه فتعلقت به سادات قريش و بنو عبد مناف فصاح بهم صيحة منكرة و قال يا ويلكم لستم أشفق على ولدي مني و لكن أمضي حكم ربي و أبو طالب متعلق بأذيال عبد الله و هو يبكي و يقول لأبيه اترك أخي و اذبحني مكانه فإني راض أن أكون (3)قربانك لربك فقال عبد المطلب ما كنت بالذي أتعرض على ربي و أخالف حكمه فهو الآمر و أنا المأمور ثم اجتمع أكابر قومه و عشيرته و قالوا له يا عبد المطلب عد إلى صاحب القداح مرة ثانية فعسى أن يقع السهم في غيره (4)و يقضي الله ما فيه الفرج فعاد ثانية فعاد السهم (5)على عبد الله فقال عبد المطلب قضي الأمر و رب الكعبة ثم ساق ولده عبد الله إلى المنحر و الناس من ورائه صفوف فلما وصل المنحر عقل رجليه (6)فعند ذلك ضربت أمه وجهها و نشرت شعرها و مزقت أثوابها ثم أضجعه و هو ذاهل (7)لا يدري ما يصنع مما بقلبه من الحزن فلما رأته أمه أنه لا محالة عازم على ذبحه مضت مسرعة إلى قومها و هي قد اضطربت جوارحها لما رأت عبد المطلب قد أضجع
____________
(1) و كان يفتخر به خ ل و هو موجود في المصدر.
(2) لم يملك نفسه خ ل و في المصدر: فلما نظر عبد المطلب الى فاطمة و شدة حزنها و عظم قلقها فلم تحمل صبرا و قد اكملت الحزن ثمّ انه قبض.
(3) فقد رضيت أن أكون خ ل و كذا في المصدر.
(4) على غيره خ ل و هكذا في المصدر.
(5) فعاد فخرج السهم خ ل و في المصدر و فعل فخرج السهم.
(6) عقل رجليه بحبل خ ل و هكذا هو في المصدر.
(7) و هو داهش خ ل و هكذا هو في المصدر.
84
عبد الله ولده ليذبحه و هو لا يسمع (1)عذل عاذل و لا قول قائل و ضجت الملائكة بالتسبيح و نشرت أجنحتها و نادى جبرئيل (2)و تضرع إسرافيل و هم يستغيثون إلى ربهم فقال الله يا ملائكتي إني بكل شيء عليم و قد ابتليت عبدي لأنظر صبره على حكمي فبينما عبد المطلب كذلك إذ أتاه عشرة رجال عراة حفاة في أيديهم السيوف و حالوا بينه و بين ولده فقال لهم ما شأنكم قالوا له لا ندعك تذبح ابن أختنا و لو قتلتنا (3)عن آخرنا و لقد كلفت هذه المرأة ما لا تطيق و نحن أخواله من بني مخزوم فلما رآهم قد حالوا بينه و بين ولده رفع رأسه إلى السماء و قال يا رب قد منعوني أن أمضي حكمك و أوفي بعهدك فاحكم بيني و بينهم بالحق و أنت خير الحاكمين فبينما هم كذلك (4)إذ أقبل عليهم رجل من كبار قومه يقال له عكرمة بن عامر (5)فأشار بيده إلى الناس أن اسكتوا ثم قال يا أبا الحارث اعلم أنك قد أصبحت سيد الأبطح فلو فعلت بولدك هذا لصار سنة بعدك يلزمك عارها و شنارها و هذا لا يليق بك فقال أ ترى يا عكرمة أ غضب ربي قال إني أدلك (6)على ما فيه الصلاح قال ما هو يا عكرمة قال إن معنا في بلادنا كاهنة (7)عارفة ليس في الكهان أعرف منها تحدث بما يكون في ضمائر الناس و ما يخفى في سرائرهم (8)و ذلك أن لها صاحبا من الجن يخبرها بذلك فلما سمع كلامه سكن ما به فأجمع رأيهم (9)على ذلك فقالوا يا أبا الحارث لقد تكلم عكرمة بالصواب فأخذ عبد المطلب ولده و أقبل إلى منزله و أخذ
____________
(1) فلما حققت الحقائق، و أخذ الشفرة بيده و هو لا يسمع خ ل و في المصدر: و قد اضطربت بما جرى عليها، و قد حققت الحقائق، و أخذ الشفرة بيده و هو لا يسمع.
(2) في المصدر: فابتهل جبرائيل.
(3) و لو قتلنا خ ل.
(4) في ذلك خ ل.
(5) في المصدر: و كان سيد قومه.
(6) في المصدر زيادة هى: و أرضى عباده و اخلف عهده، قال عكرمة: هل أدلك.
(7) في المصدر: قال عكرمة: اعلم أيها السيّد ان جوارنا كاهنة.
(8) و ما يجول في سرائرهم خ ل و في المصدر: و ما يحول.
(9) فلما سمع كلامه أصغى إليه و سكن. و هكذا هو في المصدر. و فيه: فأجمعوا رأيهم.
85
أهبة (1)السفر إلى الكاهنة و أخذ معه هدية عظيمة (2)و كان اسم الكاهنة أم ملخان فلما كان بعد ثلاثة أيام خرج عبد المطلب (3)في قومه إلى الكاهنة فتقدم عبد المطلب إليها بعد أن دفع إليها الهدية فسألها عن أمره فقالت انزلوا و غدا أظهر لكم العجب فلما كان غداة غد اجتمعوا عندها فأنشأت تقول.
يا مرحبا بالفتية الأخيار.* * * الساكني البيت مع الأستار.
قد خلقوا من صلصل الفخار.* * * و من صميم العز و الأنوار.
خذوا بقولي صح في الآثار.* * * أنبئكم بالعلم و الأخبار.
أهل الضياء و النور و الفخار.* * * من هاشم سماه في الأقدار.
قد رام من خالقه الجبار.* * * أن يعطه عشرا من الأذكار.
من غير ما نقص بإذن الباري.* * * فواحد ينحره للأنذار.
ثم إنها التفتت إلى عبد المطلب و قالت له (4)أنت الناذر قال نعم جئناك لتنظري في أمرنا و تعملي الحيلة في ولدنا فقالت و رب البنية (5)و ناصب الجبال المرسية و ساطح الأرض المدحية إن هذا الفتى الذي ذكرتموه سوف يعلو ذكره و يعظم
____________
(1) الاهبة: العدة و ما يحتاج في السفر إليه.
(2) سنية خ ل.
(3) في بعض النسخ هكذا: فلما كان بعد ثلاثة أيّام خرج عبد المطلب في جماعة قومه من بنى عبد مناف و بنى مخزوم فجعل يقول:
تملكنى الهموم (قد- خ ل) فضقت ذرعا* * * و لم أملك لما قد حل دفعا
نذرت و كان نذر المرء دينا* * * و هل حريرى للنذر منعا
ثمّ ان القوم ساروا طالبين للكاهنة فوجدوها غائبة فسألوا عنها، فقيل لهم: انها خرجت في طلب حاجة لها، فساروا قاصدين للمكان الذي هي فيه، فتقدم إليها عبد المطلب بعد ما دفع إليها الهدية. «الى آخر ما في المتن». منه عفى عنه. قلت: و مثله ما في نسختنا الا أنّه ترك الشعر.
(4) في المصدر: فقالت: انزلوا استريحوا يومكم هذا، فان فرجكم وجب، و غدا سيظهر لكم العجب قال: فتفرقوا القوم عنها، فلما كان في غداة غد اجتمعوا إليها، و عن خبرهم سألوها و ما جاءوا فيه، قال: ثم نظرت الى عبد المطلب و قالت له.
(5) فو ربّ البرية خ ل و مثله في المصدر.
86
أمره و إني سأرشدكم إلى خلاصه فكم الدية عندكم قالوا عشرة (1)من الإبل قالت ارجعوا إلى بلدكم و استقسموا بالأزلام على عشرة من الإبل و على ولدكم فإن خرج عليه السهم فزيدوا عشرة أخرى و ارموا عليها بالسهام فإن خرج عليه دونها فزيدوا عشرة أخرى هكذا إلى المائة فإن لم تخرج على الإبل اذبحوا ولدكم ففرح القوم و رجعوا إلى مكة و أقبل (2)عبد المطلب على ولده يقبله فقال عبد الله يعز علي يا أبتاه شقاؤك من أجلي و حزنك علي ثم أمر عبد المطلب أن يخرج كل ما معه من الإبل فأحضرت و أرسل إلى بني عمه أن يأتوا بالإبل على قدر طاقتهم و قال إن أراد الله بي خيرا وقاني في ولدي و إن كان غير ذلك فحكمه ماض فجعل أهل مكة يسوقون له كل ما معهم من الإبل و أقبل عبد المطلب على فاطمة أم عبد الله و قد أقرحت عيناها بالبكاء فأخبرها بذلك ففرحت و قالت أرجو من ربي أن يقبل مني الفداء و يسامحني في ولدي و كانت ذات يسار و مال كثير و كانت أمها سرحانة زوجة عمرو المخزومي و كانت كثيرة الأموال و الذخائر و كان لها جمال تسافر إلى العراق و جمال تسافر إلى الشام فقالت علي بمالي و مال أمي و لو طلب مني ربي ألف (3)ناقة لقدمتها إليه و على الزيادة فشكرها عبد المطلب و قال أرجو أن يكون في مالي ما يرضى ربي و يفرج كربي و أما الناس بمكة ففي فرح و سرور (4)و بات عبد المطلب فرحا مسرورا ثم أقبل إلى الكعبة و طاف بها سبعا و هو يسأل الله تعالى أن يفرج عنه فلما طلع الصباح (5)أمر رعاة الإبل أن يحضروها فأحضروها (6)و أخذ عبد المطلب ابنه فطيبه و زينه و ألبسه أفخر
____________
(1) مائة خ ل و في المصدر: عشرين.
(2) في المصدر: قال: «ففرحوا القوم فرحا شديدا و رجعوا إلى أهليهم مسرورين، فلما وصلوا مكّة خرجوا أهلها كلهم يسألون ما قالت الكاهنة، فأخبروهم بمقالها، و أقبل».
(3) في المصدر: ألفين.
(4) في المصدر: و أمّا الناس فقد أمسوا بمكّة في فرح و سرور.
(5) أصبح الصباح خ ل. و هكذا هو في المصدر.
(6) في المصدر هنا زيادة هي هكذا: و أتوا بنو عمه بما كان من المال فجمعوا أموالا كثيرة.
87
أثوابه و أقبل به إلى الكعبة و في يده الحبل و السكين فلما رأته أمه فاطمة قالت يا عبد المطلب ارم ما في يدك حتى يطمئن قلبي قال إني قاصد إلى ربي أسأله أن يقبل مني الفداء في ولدي فإن نفدت أموالي و أموال قومي ركبت جوادي و خرجت إلى كسرى و قيصر (1)و ملوك الهند و الصين مستطعما على وجهي حتى أرضي ربي (2)و أنا أرجو أن يفديه كما فدى أبي إسماعيل من الذبح و سار إلى الكعبة و الناس حوله ينظرون فقال لهم يا معاشر من حضر إياكم أن تعودوا إلي في ولدي كما فعلتم بالأمس و تحولوا بيني و بين ذبح ولدي ثم إنه قدم (3)عشرة من الإبل و أوقفها (4)و تعلق بأستار الكعبة و قال اللهم أمرك نافذ ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فقال عبد المطلب لربي القضاء فزاد على الإبل عشرة و أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فقال أشراف قريش لو قدمت غيرك يا عبد المطلب لكان خيرا فإنا نخشى أن يكون ربك ساخطا عليك فقال لهم إن كان الأمر كما زعمتم فالمسيء أولى بالاعتذار ثم قال اللهم إن كان دعائي عنك قد حجب من كثرة الذنوب فإنك غفار الذنوب كاشف الكروب تكرم علي بفضلك و إحسانك ثم زاد عشرة أخرى من الإبل و رمق بطرفه نحو السماء و قال اللهم أنت تعلم السر و أخفى و أنت بالمنظر الأعلى اصرف عنا البلاء كما صرفته عن إبراهيم الذي وفى ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على
____________
(1) في المصدر: و قيصر الشام، و بطارقة الروم، و ملوك الهند.
(2) فيه غرابة: فان الذي تقدم في قول كاهنة أن الفداء لم تجاوز عن المائة، فلو لم تخرج الازلام بعد ذلك على الإبل بل خرجت على عبد اللّه فالمتعين قتله فعليه فلا معنى للخروج إلى كسرى و غيره.
(3) في المصدر: يا معاشر الناس انكم تعلمون منزلة الولد، لا يقاس به أحد، لانها روح خرجت من روح، و ما أنتم بأشفق منى على ولدى، و قد كانت منكم بالامس بى زلة و فعلة منكرة، و إياكم أن تعودوا لمثلها، و تحولون بينى و بين ولدى، فاتركونى أناجى ربى، و أرجوه أن يتكرم على بولدى، فانه أهل الجود و الكرم، ثمّ ان عبد الطلب قدم.
(4) قد سقط من المصدر من هنا الى قوله: اتركونى حتّى أنفذ حكم ربى.
88
عبد الله فقال عبد المطلب إن هذا لشيء يراد ثم قال لعل بعد العسر يسرا ثم أضاف إلى الثلاثين عشرة أخرى فقال.
يا رب هذا البيت و العباد.* * * إن بني أقرب الأولاد.
و حبه في السمع و الفؤاد.* * * و أمه صارخة تنادي.
فوقّه من شفرة الحداد.* * * فإنه كالبدر في البلاد
ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فقال عبد المطلب كيف أبذل فيك يا ولدي الفداء و قد حكم فيك الرب بما يشاء ثم أضاف إلى الأربعين عشرة أخرى و أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فقالت أمه يا عبد المطلب أريد منك أن تتركني أسأل الله في ولدي فعسى أن يرحمني و يرحم ضعفي و حالتي هذه فقامت فاطمة و أضافت إلى الخمسين عشرة أخرى و قالت يا رب رزقتني ولدا و قد حسدني عليه أكثر الناس و عاندني فيه و قد رجوته أن يكون لي سندا و عضدا و أن يوسدني في لحدي و يكون ذكري بعدي فعارضني فيه أمرك و أنت تعلم يا رب أنه أحب أولادي إلي و أكرمهم لدي و إني يا رب فديته بهذه الفداء فاقبلها و لا تشمت بي الأعداء ثم أمرت صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فقال عبد المطلب إن لكل شيء دليلا و نهاية و هذا الأمر ليس لي و لا لك فيه حيلة فلا تعودي إلى التعرض في أمري ثم أضاف إلى الستين عشرة أخرى فقال اللهم منك المنع و منك العطاء و أمرك نافذ كما تشاء و قد تعرضت عليك بجهلي و قبيح عملي فلا تؤاخذني و لا تخيب أملي ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فعند ذلك ضج الناس بالبكاء و النحيب فقال عبد المطلب ما بعد المنع إلا العطاء و ما بعد الشدة إلا الرخاء و أنت عالم السر و أخفى ثم ضم إلى السبعين عشرة أخرى و أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فأخذ عبد المطلب الحبل و السكين بيده و همّ الناس أن يمنعوه مثل المرة الأولى فقال لهم أقسمت بالله إن عارضني في ولدي أحد لأضربن نفسي بهذا السكين و أذبح نفسي اتركوني حتى أنفذ حكم ربي فأنا عبده و ولدي عبده يفعل بنا ما يشاء
89
و يحكم ما يريد فأمسك الناس عنه ثم أضاف إلى الثمانين عشرة و جعل يقول يا رب إليك المرجع و أنت ترى و تسمع ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله فوقع عبد المطلب مغشيا عليه فلما أفاق قال وا غوثاه إليك يا رب و جذب ابنه للذبح و ضجت الناس بالبكاء و العويل رجالا و نساء فعند ذلك صاح عبد الله في وثاقه (1)و قال يا أبت أ ما تستحيي من الله كم ترد أمره و تلح عليه هلم إلي فانحرني فإني قد خجلت من تعرضك إلى ربك في حقي فإني صابر على قضائه و حكمه و إن كنت يا أبت لا تقدر على ذلك من رقة قلبك علي يا أبتاه فخذ بيدي و رجلي و اربطهما بعضهما إلى بعض و غط وجهي لئلا ترى عينك عيني و اقبض ثيابك عن دمي لكيلا تتلطخ بالدم فتكون إذا لبست أثوابك تذكرك الحزن علي يا أبت و أوصيك يا أبتاه بأمي خيرا فإني أعلم أنها بعدي هالكة لا محالة من أجل حزنها علي فسكنها و سكن دمعتها و إني أعلم أنها لا تلتذ بعدي بعيش و أوصيك بنفسك خيرا فإن خفت ذلك فغمض عينيك فإنك تجدني صابرا ثم قال عبد المطلب يعز علي يا ولدي كلامك هذا ثم بكى حتى اخضلت لحيته بالدموع ثم قال يا قوم ما تقولون كيف أتعرض على ربي في قضائه و إني أخاف أن ينتقم مني (2)ثم قام و نهض إلى الكعبة فطاف بها سبعا و دعا الله و مرغ وجهه و زاد في دعائه و قال يا رب أمض أمرك فإني راغب في رضاك (3)ثم زاد على الإبل عشرة فصارت مائة و قال من أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له ثم قال رب ارحم تضرعي و توسلي و كبري ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على الإبل فنزع الناس عبد الله من يد أبيه و أقبلت الناس من كل مكان يهنئونه بالخلاص و أقبلت أمه و هي تعثر (4)في أذيالها فأخذت ولدها و قبلته و ضمته إلى صدرها ثم قالت الحمد لله الذي لم يبتلني بذبحك
____________
(1) الوثاق: ما يشد به من قيد و حبل و نحوهما.
(2) في المصدر: فانى أستحيى اعاوده مرة اخرى فينتقم منى.
(3) في المصدر: ما أنا راغب عن قضائك.
(4) أي تسقط.
90
و لم يشمت بي الأعداء و أهل العناد فبينما هم كذلك إذ سمعوا هاتفا من داخل الكعبة و هو يقول قد قبل الله منكم الفداء و قد قرب خروج المصطفى فقالت قريش بخ بخ لك يا أبا الحارث هتفت بك و بابنك الهواتف و هم الناس بذبح الإبل فقال عبد المطلب مهلا أراجع ربي مرة أخرى فإن هذه القداح تصيب و تخطئ و قد خرجت على ولدي تسع مرات متواليات و هذه مرة واحدة فلا أدري ما يكون من الثانية (1)اتركوني أعاود ربي مرة واحدة فقالوا له افعل ما تريد ثم إنه استقبل الكعبة و قال اللهم سامع الدعاء و سابغ النعم و معدن الجود و الكرم فإن كنت يا مولاي مننت علي بولدي هبة منك فأظهر لنا برهانه مرة ثانية ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على الإبل فأخذت فاطمة ولدها و ذهبت به إلى بيتها و أتى إليه الناس من كل جانب و مكان سحيق و فج عميق (2)يهنئونها بمنة الله(ع)ثم أمر عبد المطلب أن تنحر الإبل فنحرت عن آخرها و تناهبها الناس و قال لهم لا تمنعوا منها الوحوش و الطير (3)و انصرف فجرت سنة في الدية مائة من الإبل إلى هذا الزمان و مضى عبد المطلب و أولاده فلما رأته الكهنة و الأحبار و قد تخلص خاب أملهم فقال بعضهم لبعض تعالوا نسع في هلاكه (4)من حيث لا يشعر به أحد فقال كبيرهم و كان يسمى ربيان و كانوا له سامعين فقال لهم اعملوا طعاما و ضعوا فيه سما ثم ابعثوا به إلى عبد المطلب على حال الهدية إكراما لخلاص ولده فعزم القوم على ذلك فصنعوا طعاما و وضعوا فيه سما و أرسلوه مع نساء متبرقعات إلى بيت عبد المطلب و هن خافيات أنفسهن بحيث لا تعلم إحداهن فقرعوا الباب فخرجت إليهم فاطمة و رحبت بهن و قالت من أين أنتن
____________
(1) في الثانية خ ل و هكذا في المصدر.
(2) السحيق: البعيد. و فج عميق: طريق بعيدة غامضة.
(3) يوجد ذكر القصة بتمامها في السيرة لابن هشام 1: 164- 168، و تاريخ الطبريّ: 1: 5 و فيهما: أن عبد المطلب ضرب على الإبل و على ابنه عبد اللّه القداح ثلاث مرّات حين خرج القدح على لابل.
(4) في المصدر: تعالوا نعمل حيلة في هلاكه.
91
قلن لها نحن من قرابتك من بني عبد مناف دخل علينا السرور لخلاص ابنك فأخذت فاطمة منهن الطعام (1)و أقبلت إلى عبد المطلب فقال من أين هذا فذكرت له الخبر فقال عبد المطلب هلموا إلى ما خصكم به قرابتكم فقاموا و أرادوا الأكل منه و إذا بالطعام قد نطق بلسان فصيح و قال لا تأكلوا مني فإني مسموم و كان هذا من دلائل نور رسول الله(ص)فامتنعوا من أكله و خرجوا يقتفون النساء فلم يروا لهن أثرا فعلموا أنه مكيدة من الأعداء فحفروا للطعام حفيرة و وضعوه فيها. (2)
و قال أبو الحسن البكري حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قبل الله الفداء من عبد المطلب في ولده عبد الله فرح فرحا شديدا فلما لحق عبد الله ملاحق الرجال تطاولت إليه الخطاب و بذلوا في طلبه الجزيل من المال (3)كل ذلك رغبة في نور رسول الله(ص)و لم يكن في زمانه أجمل و لا أبهى و لا أكمل منه و كان إذا مر بالناس في النهار يشمون منه رائحة (4)المسك الأذفر و الكافور و العنبر و كان إذا مر بهم ليلا تضيء من نوره الحنادس و الظلم فسموه أهل مكة مصباح الحرم و أقام عبد المطلب و ابنه عبد الله بمكة حتى تزوج عبد الله بآمنة بنت وهب و كان السبب في تزويجها به (5)أن الأحبار اجتمعوا بأرض الشام و تكلموا في مولد رسول الله(ص)و الدم الذي قد جرى من جبة يحيى بن زكريا(ع)كما تقدم ذكره فلما أيقنوا أنه قد قرب خروج صاحب السيف (6)و ظهرت أنواره تشاوروا فيما بينهم و ساروا إلى حبر لهم (7)و كان في
____________
(1) في المصدر: دخل عليهن السرور بخلاص ابن أخيهم و قد عملوا طعاما وليمة و بعثوا إليكم بعضها، فأخذت منهن الطعام.
(2) في المصدر: ثم أقام بعد ذلك مدة و خرج و تزوج بآمنة بنت وهب أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، تم الجزء الرابع، و الحمد للّه ربّ العالمين.
(3) و بذلوا في قربه الجزيل من الأموال خ ل.
(4) روائح خ ل و هكذا في المصدر.
(5) في المصدر: قال البكرى: و كان سبب تزويج آمنة بعبد اللّه أن الاحبار.
(6) السيف المسلول. و هكذا في المصدر.
* * *
(7) في المصدر: فتشاوروا بينهم و عقدوا رأيهم على المسير الى حبر لهم.
92
قرية من قرى الأردن و كانوا يقتبسون من علمه و كان ممن عمر في زمانه (1) فقصده القوم فلما وصلوا إليه قال لهم ما الذي أزعجكم (2) قالوا له إنا نظرنا في كتبنا فوجدنا صفة هذا الرجل السفاك (3) الذي تقاتل معه الأملاك و ما نلقى عند ظهوره من الأهوال و الهلاك (4) و قد جئناك نشاورك في أمره قبل ظهوره و علو ذكره قال يا قوم إن من أراد إبطال ما أراد الله فهو جاهل مغرور و إنه لكائن بكم و هذا الذي ذكرتم قد سبق أمره عند الله فكيف تقدرون على إبطاله و هو مبطل كهانة الكهان و مزيل دولة الصلبان (5) و سيكون له وزير و قريب (6) فلما سمعوا كلامه خافوا و حاروا فقام حبر من أحبارهم يقال له هيوبا بن داحورا (7) و كان كافرا متمردا شديد البأس فقال لهم هذا رجل قد كبر و خرف و قل عقله فلا تسمعوا من قوله (8) ثم قال لهم أ رأيتم الشجرة إذا قطعت من أصلها فهل تعود خضرا قالوا لا قال فإن قتلتم صاحبكم هذا الذي يخرج من صلبه هذا المولود فما الذي تخافون منه فقوموا هذه الساعة و خذوا معكم تجارة و سيروا إلى البلد الذي هو فيها يعني مكة فإذا وصلتم دبرتم الحيلة في هلاكه فتبعوا قوله (9) و قالوا له أنت سيدنا (10) قال لهم افعلوا ما آمركم به و أنا معكم بسيفي و رمحي و لكن ما أسير معكم حتى تعاهدوني (11) فيعمد كل واحد منكم إلى
____________
(1) و كان قد بلغ من العمر فوق مائة عام خ ل و في المصدر: و كان قد بلغ من العمر مائة سنة.
(2) في المصدر: قال: ما الذي أقدم الاحبار و علماء الامصار؟.
(3) الهتاك خ ل و في المصدر: السفاك الهتاك.
(4) و قد قرب زمانه خ ل و هو الموجود أيضا في المصدر.
(5) الصلبان جمع الصليب.
(6) قرين خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(7) في المصدر: هلو يا بن داخور.
(8) و إيّاكم أن تسمعوا منه خ ل. و هو الموجود في المصدر.
(9) فصدقوا قوله، و مثله الموجود في المصدر.
(10) سيدنا و عمادنا خ ل و هو الموجود في المصدر.
(11) و لا تخاذلونى خ ل، يوجد أيضا في المصدر و فيه أيضا فليعمد، و فيه: يسقيه.
93
سيفه ليسقيه سما فأجابوه إلى ذلك و افترقوا ثم اجتمعوا بأيلة (1) و خرجوا بجمالهم محملة بالتجارة و ساروا حتى وصلوا مكة فلما دخلوها سمعوا من ورائهم صوتا و هو يقول.
قصدتم لأزر القوم في السر و الجهر.* * * تريدون مكرا بالمعظم في القدر.
و من غالب الرحمن لا شك أنه.* * * سيرميه باريه بقاصمة الظهر.
ستضحون يا شر الأنام كأنكم.* * * نعام أسيقت للذباحة و النحر
فلما سمعوا كلام الهاتف هالهم ذلك و هموا بالرجوع فقال لهم هيوبا لا تخافوا من كلام هذا الهاتف فإن هذا الوادي قد كثر فيه الكهان و الشياطين و إن هذا الهاتف هو شيطان قد علم قصدكم فعند ذلك تبادر القوم فكان كل من لقاهم يحدثهم بحسن عبد الله و جماله فوقع في قلوبهم الكمد (2) و الحسد فجعلوا يسومون متاعهم و لا يبيعون منه شيئا و إنما يريدون بذلك المقام بمكة و الحيلة في قتل عبد الله فأقبل يوما عبد المطلب و هو قابض على يد ولده عبد الله و مر باليهود و كان عبد الله قد رأى رؤيا أفزعته فخرج مرعوبا إلى أبيه فقال ما أصابك يا بني (3) قال رؤيا هالتني قال رأيت سيوفا مجردة في أيدي قردة و هم قعود على أدبارهم و أنا أنظر إليهم و هم يهزون السيوف و يشيرون بها إليّ فعلوت عنها (4) في الهواء فبينما أنا كذلك و إذا بنار قد نزلت من السماء فزادتني خوفا و قلت كيف خلاصي منها فبينما أنا كذلك و إذا بالنار قد وقعت على القردة فأحرقتهم عن آخرهم فزادني ذلك رعبا فقال له أبوه وقاك الله يا بني شر ما تحاذر من الحساد و الأضداد (5) فإن الناس يحسدونك على هذا النور الذي في وجهك و لكن
____________
(1) ثم اجتمعوا إليه خ ل، و في المصدر: و افترقوا على أنّهم يجتمعون بليلة.
(2) الكمد: الحزن و الغم الشديد. و في المصدر بعد ذلك: إلى أن وصلوا مكّة. فلم يظهر عليهم أحد بما في نفوسهم: و ظنوا أنهم تجار، و جعلوا يسومون.
(3) ما الذي بك يا بنى خ ل، و كذا في المصدر، و فيه بعد ذلك: صرف اللّه عنك المحذور، و وقاك ما تخافه من الشرور.
(4) في المصدر: فعلوت عنهم.
(5) وقاك اللّه يا بنى البلاء خ ل و في المصدر: الرصاد مكان الاضداد.
94
لو اجتمعت أهل الأرض إنسها و جنها لم يقدروا على شيء لأنه وديعة من الله عز و جل لخاتم الأنبياء و هاهنا أحبار اليهود من الشام و فيهم الحكمة و المعرفة فقم معي حتى أقص عليهم رؤياك فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله و دخلا عليهم فلما نظر إليه الأحبار و هو كأنه البدر المنير نظر بعضهم إلى بعض و قالوا هذا الذي نطلبه فقال لهم عبد المطلب يا معاشر اليهود (1) جئنا إليكم نخبركم (2) برؤيا رآها ولدي هذا فقالوا له و ما ذا فقص عليهم الرؤيا فزادهم حنقا عليه و قال له هيوبا أيها السيد إنها أضغاث أحلام و أنتم سادات كرام ليس لكم معاند و لا مضاد ثم انصرف عبد المطلب بولده و أقاموا بعد ذلك أياما يريدون الحيلة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا و كان عبد الله مغرما بالصيد (3) و كان إذا خرج إلى الصيد لا يرجع إلا ليلا و كان يخرج مع أبيه فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا حتى خرج ذات يوم وحده (4) فخرجوا وراءه من حيث لا يشعر بهم أحد (5) فقال لهم هيوبا ما انتظاركم و قد خرج الذي تطلبونه (6) فقالوا له إنا نخاف من فتيان مكة (7) و فرسان بني هاشم و هم لا يطاقون و قد ذلت لهم العمالقة و غيرهم (8) و نخشى أن يشعروا بنا (9) فلما سمع هيوبا مقالتهم قال خاب سعيكم فإذا كنتم هكذا فما الذي أتى بكم إلى هاهنا فلا بد من قتل هذا الغلام و لو طال عليكم المقام و لم تجدوا يوما مثل هذا اليوم فإذا قتلناه و خفتم التهمة به (10) فعلي ديته و كانوا قد بعثوا عبدا من
____________
(1) يا معاشر الاحبار خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) جئنا اليكم تخبرونا بما رآه ولدى في رؤياه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) أي مولعا. و في الهامش أضاف: و القنص خ ل قلت: القنص: الصيد.
(4) فوجدوه وحده خ ل.
(5) في المصدر: حتى خرج ذات يوم وحده فطمعوا فيه و خرجوا من حيث لا يشعر أحد متفرقين.
(6) في المصدر: فاخرجوا و جدوا السير حتّى تظفروا به.
(7) من فتيان حرم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(8) في المصدر: و هم رجال لا يطاقونهم أحد، و قد دانت لهم العمالقة، و فزعت من سيوفهم الجبابرة.
(9) في المصدر: فيخرجون وراءنا.
(10) في المصدر: فاتهمونا بقتله.
95
عبيدهم ينظر إلى أين يتوجه عبد الله فرجع العبد و أخبرهم أنه قد غاب بين الجبال و الشعاب و قد خرج من العمران و ليس عنده (1) إنسان فعزم القوم على ما أملوه و جعلوا نصفا عند الأمتعة و النصف الآخر أخذوا السيوف تحت ثيابهم و خرجوا قاصدين عبد الله و العبد أمامهم حتى أوقفهم عليه (2) و كان عبد الله قد صاد حمار وحش و هو يسلخه فنظر إلى القوم و قد أقبلوا عليه فقال لهم هيوبا هذا صاحبكم الذي خرجتم من أوطانكم في طلبه فما أحس عبد الله إلا و قد أحاطوا به و كانوا قد افترقوا فرقتين و قالوا للذين خلفوهم عند متاعهم إذا دعوناكم أجيبونا مسرعين فلما أشرفوا على عبد الله و قد سدوا الطرقات (3) و زعموا أنهم قد حكموا عليه فرفع عبد الله رأسه إلى السماء و دعا الله تعالى و أقبل إليهم (4) و قال يا قوم ما شأنكم فو الله ما بسطت يدي إلى واحد منكم بمكروه أبدا فتطالبوني به و لا غصبت مالا قط و لا قتلت أحدا فأقتل به فما حاجتكم فإن يكن سبقت مني فعلة سوء إليكم فأخبروني حتى أعرفها و اليهود يومئذ تلثموا و لم يبين منهم إلا حماليق الحدق (5) فلم يردوا عليه جوابا و أشار بعضهم إلى بعض و هموا بالهجوم عليه فجعل نبلة في كبد قوسه و رمى بها نحوهم فأصابت رجلا منهم فوقع ميتا ثم رماهم بأربع نبال أصابت أربعة رجال فاشتغلوا عنه بأنفسهم فأخذ الخامسة ليرميهم بها و أنشأ يقول.
و لي همة تعلو على كل همة.* * * و قلب صبور لا يروع من الحرب.
(6)و لي نبلة أرمي بها كل ضيغم.* * * فتنفذ في اللبات و النحر و القلب.
فأربعة منها أصابت لأربع.* * * و لو كاثروني صلت بالطعن و الضرب.
أخذت نبالي ثم أرسلت بعضها.* * * فصارت كبرق لاح في خلل السحب.
____________
(1) ليس معه خ ل. و هو الموجود في المصدر.
(2) في المصدر: فسار بهم حتّى أوقفهم عليه، ثمّ قال: يا قوم دونكم و ما كنتم تطلبون.
(3) الطريق خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) في المصدر: فإذا هم مجدين نحوه، فعلم انهم يريدون (معدون خ) شرا فترك ما كان فيه و أقبل عليهم.
(5) حملاق العين بالكسر و الفتح و حملوقها: باطن الاجفان، و الجمع الحماليق.
(6) في الحرب خ ل.
96
فلما سمعوا ذلك منه قال له هيوبا يا فتى احبس عنا نبالك فقد أسرفت في فعالك و لقد قتلت منا رجالا من غير ذنب و لا سابقة سبقت منا إليك و نحن قوم تجار و نحن الذين وقفت علينا بالأمس مع أبيك و كان لنا عبد قد هرب منا فلما رأيناك أنكرناك فعند ما عرفناك أنك عبد الله فنحن ما لنا معك طلابة و إنك (1) لأعز الخلق علينا و أكرمهم لدينا فامض لسبيلك فقد سمحنا لك بما فعلت فينا فقال لهم يا ويلكم ما الذي تبين لكم مني أني عبدكم فهل عبدكم مثلي أو صفته صفتي أو له نور كنوري فقالوا له إنما دخلنا الشك و أنت متباعد عنا فلما قربت منا عرفناك فاسمح لنا بما كان منا إليك فإنا سمحنا لك بما كان و إن كان و أعظم من ذلك أنك قتلت (2) منا رجالا لا ذنب لهم و نحن حيث أكلنا طعام أبيك و شربنا شرابه فنحن لك (3) شاكرون و أنت أولى بكتمان ما كان اليوم (4) منا فلما سمع عبد الله كلامهم زعم أنه حق و هو خديعة ثم إنه ركب جواده و أخذ قوسه و عطف إلى ناحية المضيق (5) فلما رآه القوم قد أقبل عليهم يريد الخروج بادروا إليه بأجمعهم و جعلوا يرمونه بالحجارة و قاموا إليه بالسيوف فجعل يكر فيهم كرة بعد كرة فعند ذلك صاح فيهم هيوبا فتبادروا إليه بأجمعهم و هو يكر فيهم يمينا و شمالا و كلما رمى رجلا خر صريعا و نزل عبد الله عن فرسه و استند إلى المضيق و قد أقبلوا إليه من كل جانب يرمونه بالحجارة فبينما هم في المعركة و إذا هم برجال قد أقبلوا بأيديهم السيوف مشهورة و هم عراة مسرعون نحوهم فإذا هم بنو هاشم و أبو طالب (6) و فتيان مكة و كان في أولهم أبو طالب و حمزة و العباس فعند
____________
(1) انكم خ ل.
(2) في المصدر: و ان أعظم ما كان منك انك قتلت.
(3) له خ ل.
(4) في المصدر: ما كان اليوم واقع.
(5) المضيق الآخر خ ل و هو الموجود في المصدر.
(6) بنو عبد مناف خ ل و في المصدر: فتأملوهم فإذا هم بنو هاشم و بنو عبد مناف و فتيان مكّة.
97
ذلك ناداه أبوه فقال (1) يا بني هذا تأويل رؤياك من قبل فما استتم كلامه حتى أحاط بعبد الله إخوته و أقاربه.
قال البكري و كان قد أخبرهم بالخبر رجل يقال له وهب بن عبد مناف لأنه أشرف عليهم في المعركة (2) فهم أن ينزل فخاف على نفسه من كثرتهم فأتى إلى الحرم (3) و نادى في بني هاشم (4) فلما رآهم اليهود أيقنوا بالهلاك و قالوا لعبد الله إنما أردنا أن نعلم حقيقة الحال فقال لهم عبد الله هيهات لقد أجهدتم أنفسكم في هلاكي فهرب منهم جماعة و التجئوا إلى جبل و ظنوا أنهم قد نجوا فإذا أتاهم أمر الله فسقطت عليهم قطعة من الجبل فسدت (5) عليهم المضيق فلم يجدوا مهربا و لحقهم عبد المطلب و أصحابه و الفرقة التي كانت من الجانب الآخر مع هيوبا قتلوا منهم أناسا كثيرة و قال رجل منهم دعونا نصل مكة و افعلوا فينا ما تريدون فإن لنا مع الناس أمتعة و أموالا كنا قد أخفيناها و أنتم أحق بها خذوها و لا تقتلونا فكتفوهم عن آخرهم و أقبلوا بهم إلى مكة و أقبل عبد المطلب على ولده يقبله و يقول يا ولدي لو لا وهب بن عبد مناف أخبرنا بأمرك ما كنا علمنا و لكن الله تعالى يحفظك فلما أشرفوا على مكة خرج الناس يهنئونهم بالسلامة و إذا باليهود مكتوفين فجعل جملة الناس يرمونهم بالحجارة فقام لهم عبد المطلب و قال أرسلوا بهم (6) إلى دار وهب حتى يستقصوا على أموالهم و لم يبق لهم شيء فأرسلوهم إلى دار وهب فلما كان في تلك الليلة أقبل وهب على زوجته برة بنت عبد العزى و قال لها يا برة لقد رأيت اليوم عجبا من عبد الله ما رأيته من أحد و هو يكر على هؤلاء القوم و كلما رماهم بنبلة قتل منهم إنسانا و هو أجمل الناس وجها مما (7)
____________
(1) و قال خ ل.
(2) و هم في المعركة خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) فأقبل الى الحرم خ ل.
(4) في المصدر زيادة هى: فبادروا إليه بنو عبد المطلب مسرعين.
(5) فسد خ ل.
(6) أرسلوهم خ ل و كذلك في المصدر.
(7) لما قد خصه اللّه خ ل و في المصدر: لما خصه اللّه به من النور الساطع و الضياء اللامع.
98
خصه الله تعالى من الضياء الساطع فامضي إلى أبيه و اخطبيه لابنتنا و اعرضيها عليه فعسى أن يقبلها فإن قبلها سعدنا سعادة عظيمة قالت له يا وهب إن رؤساء مكة و أبطال الحرم و أشراف البطحاء قد رغبوا فيه فأبى عن ذلك و قد كاتبه ملوك الشام و العراق على ذلك فأبى عليهم فكيف يتزوج بابنتنا و هي قليلة المال (1) قال لها إن لي عليهم اليد أنني أخبرتهم (2) بأمر عبد الله مع هذا اليهود ثم إن برة قامت و لبست أفخر أثوابها و خرجت حتى أتت دار عبد المطلب فوجدته يحدث أولاده بالخبر فقالت أنعم الله مساءكم و دامت نعماؤكم فرد عليها عبد المطلب التحية و الإكرام و قال لها لقد سلف (3) لبعلك اليوم علينا يد لا نقدر أن نكافيه أبدا و له أياد بالغة (4) بذلك و سنجازيه بما فعل إن شاء الله تعالى فطمعت برة في كلامه ثم قال (5) بلغي بعلك عنا التحية و الإكرام و قولي له إن كان له لدينا حاجة تقضى إن شاء الله مهما كانت فقالت له برة يا أبا الحارث قد طلبنا تعجيل المسرة و قد علمنا أن ملوك الشام و العراق و غيرهم تطاولت إليكم و قد رغبوا في ولدكم يطلبون أولادكم و أنواركم المضيئة و نحن أيضا طمعنا فيمن طمع في ولدكم عبد الله و رجوناه مثل من رجا (6) و قد رجا وهب أن يكون عبد الله بعلا لابنتنا و قد جئناكم طامعين و راغبين في النور الذي في وجه ولدكم عبد الله و نسألكم أن تقبلونا فإن كان مالها قليلا فعلينا ما نجملها به (7) و هي هدية منا لابنك عبد الله فلما سمع عبد المطلب كلامها نظر إلى ولده و كان قبل ذلك إذا عرض عليه التزويج
____________
(1) سيئة الحال: و في المصدر: سيئة الحال، قليلة المال.
(2) عليهم يدالانى خ ل و في المصدر: عليهم اليوم يدا بما أخبرتهم.
(3) في المصدر: و دامت نعماؤكم في المساء و الصباح، فرد عليها عبد المطلب التحية و الإكرام فقال: و انت وقيت الاذى في الصباح و المساء و جعلكم أهل الفلاح و النعماء، و لقد سلف اه.
(4) و له علينا أياد بالغة خ ل.
(5) قال لها خ ل.
(6) في المصدر: يطلبون أنواركم و رفعتكم على الخلق و مقداركم، و قد طمعنا فيه كمثل من طمع و رجونا كمن رجا.
(7) فعلينا تجميلها خ ل.
99
من بنات الملوك يظهر في وجهه الامتناع و قال أبوه ما تقول يا بني فيما سمعت فو الله ما في بنات أهل مكة مثلها لأنها محتشمة في نفسها طاهرة مطهرة عاقلة ديّنة (1) فسكت عبد الله و لم يرد جوابا فعلم أبوه أنه قد مال إليها فقال عبد المطلب قد قبلنا دعوتكم و أجبنا و رضينا بابنتكم قالت فاطمة زوجة عبد المطلب أنا أمضي معك إليها (2) حتى أنظر إلى آمنة فإن كانت تصلح لولدي رضينا بها فرجعت برة مسرورة بما سمعت ثم سارت إلى زوجها مسرعة و بشرته و سمعت أم آمنة هاتفا في الطريق يقول بخ بخ لكم يا معشر أهل الصفا قد قرب خروج المصطفى فدخلت على زوجها فقال و ما وراءك قالت لقد سعدت سعادة علا قدرك في جملة العالمين اعلم أن عبد المطلب قد رضي بابنتك (3) و لكن مع الفرح ترحة قال و ما هي قالت إن فاطمة خارجة تنظر إلى ابنتك آمنة فإن رضيت بها و إلا لم يكن شيئا (4) و إني أخاف أن لا ترضى بها فقال لها وهب بن عبد مناف اخرجي هذه الساعة إلى ابنتك و زينيها و ألبسيها أفخر الثياب و قلديها أفخر ما عندك فعسى و لعل فعمدت برة إلى بنتها و ألبستها أفخر ما عندها من الثياب و الحلي و ضفرت شعرها (5) و أرخت ذوائبها (6) على أكتافها و قالت لها يا ابنتي إذا أتتك فاطمة فتأدبي لها أحسن الأدب و ارغبي في النور الذي في وجه ولدها عبد الله فبينما هما في ذلك إذ أقبلت فاطمة و خرج وهب من المنزل و إذا بعبد المطلب (7) فأدخلوا فاطمة فقامت لها آمنة إجلالا و تعظيما و رحبت بها أحسن
____________
(1) أديبة خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) و أجبنا مسألتكم، و رضينا لعبد اللّه ابنتكم و سأمضى إليها.
(3) في المصدر: قالت له: يا هذا لقد سعدت، و سعد جدك، و علا في الناس ذكرك و مجدك، و شاع فخرك و ارتفع قدرك، و قد رضى عبد المطلب ابنتك.
(4) في المصدر: فان رضيت تمت المصاهرة، و ان لم ترضاها فما تمت المصاهرة.
(5) ضفر الشعر: نسج بعضها على بعض عريضا.
(6) الذوائب جمع الذؤابة: شعر في مقدم الرأس.
(7) و ولده عبد اللّه خ ل و في المصدر: و إذا بعبد اللّه و والده.
100
المرحب فنظرت إليها فاطمة و إذا بها قد كساها الله جمالا لا يوصف (1) فلما رأت فاطمة ذلك الحسن و الجمال و قد أضاء من نور وجهها ذلك المجلس قالت فاطمة يا برة ما كنت عهدت أن آمنة على هذه الصورة و لقد رأيتها قبل ذلك مرارا فقالت برة يا فاطمة كل ذلك ببركتكم علينا ثم خاطبت (2) فاطمة آمنة و إذا هي أفصح نساء أهل مكة فقامت فاطمة و أتت إلى عبد المطلب و عبد الله و قالت يا ولدي ما في بنات العرب مثلها أبدا و لقد ارتضيتها و إن الله تعالى لا يودع هذا النور إلا في مثل هذه.
و لما وقع (3) الحديث بين وهب و بين عبد المطلب في أمر ابنته آمنة قال وهب يا أبا الحارث هذه آمنة هدية مني إليك بغير صداق معجل و لا مؤجل فقال عبد المطلب جزيت (4) خيرا و لا بد من صداق و يكون بيننا و بينك من يشهد به من قومنا ثم (5) إن عبد المطلب هم أن يمد إليه شيئا من المال ليصلح به شأنها إذ سمع همهمة و أصواتا فوثب وهب و سيفه مسلول ثم قاموا جميعا قال أبو الحسن البكري و كان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب خدعهم الشيطان و زين لهم هيوبا أنكم مقتولون لا محالة فقوموا جميعا و خاطروا بأنفسكم على عبد المطلب و ابنه عبد الله فإن الموت قد وقع بكم و اهربوا على وجوهكم ثم إن هيوبا تمطى في كتافه فقطعه ثم
____________
(1) في المصدر: و قد كساها اللّه عزّ و جلّ نورا و جمالا و زينها في عين فاطمة لما سبق لها في علم اللّه عزّ و جلّ أن يخرج منها سيد الأنبياء و صفوة الرسل، و خير الخلق محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
(2) في المصدر: فأعجبتها و قالت لامها: ما كنت أظن أن آمنة بهذه الصفة، و لقد رأيتها مرارا كثيرة و ما كانت بهذه الحالة فقالت امها: يا فاطمة كل ما رأيت من حسنها و جمالها فهو من بركتكم. و قد خشيت أن لا ترضاها لولدها، قال: فخاطبت اه قلت: «لولدها مصحف لولدك».
(3) في المصدر: يا ولدى ما في بنات مكّة أجمل و لا أعقل و لا أبهى من آمنة، فان ذلك من فضل اللّه تعالى و احسانه اذ خصنا بأفضل معشر، و ان اللّه لا يودع نور حبيبه و صفيه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا في أطهر وعاء و أعف أحشاء. قال: و لما وقع اه.
(4) جوزيت خ ل و كذا في المصدر.
(5) و قومك خ ل و كذا في المصدر، و بعده: قال: ثم إه.
101
حل جملة أصحابه (1) فلما خصلهم قالوا بم نهجم عليهم و ليس معنا سلاح فقال هيوبا نهجم عليهم بالحجارة هجمة رجل واحد و هم غافلون فسار القوم و أقبلوا و عبد المطلب و ولده عبد الله و وهب في دار وهب و المصباح عندهم (2) و اليهود يرونهم و هم لا يرون اليهود فرموهم بالحجارة التي كانت معهم فرد الله تعالى عليهم الحجارة فهشمت وجوههم و منهم من وقع حجره في رأسه و منهم من وقع في صدره و ذلك بقدرة الله تعالى لأجل النور الذي في وجه عبد الله فحمل عليهم عبد المطلب و من كان معه فقتلوهم عن آخرهم (3) و كان عبد المطلب لا يفارقه سيفه حيث ما توجه و بعد ذلك خرج عبد المطلب و ولده و زوجته إلى منزلهم و قالوا يا وهب إذا كان في غداة غد جمعنا قومنا (4) و قومك ليشهدون بما يكون من الصداق فقال جزاك الله خيرا فلما طلع الفجر أرسل عبد المطلب إلى بني عمه ليحضروا خطبتهم و لبس عبد المطلب (5) أفخر أثوابه و جمع وهب أيضا قرابته و بني عمه فاجتمعوا في الأبطح فلما أشرف عليهم الناس قاموا (6) إجلالا لعبد المطلب و أولاده فلما استقر بهم المجلس خطبوا خطبتهم و عقدوا عقد النكاح و قام عبد المطلب فيهم خطيبا
____________
(1) جملة كتاف أصحابه خ ل.
(2) في المصدر: و كان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب فزعوا و أخذهم الرعب، و كانوا في دار خالية، فحركهم الشيطان لهلاكهم، فقال لهم حبرهم هيوبا: يا ويلكم انكم مقتولون لا محالة فقوموا فخاطروا بنفوسكم، لعلكم تظفروا بهم فقتلوهم جميعا و تخرجوا في هذه الليلة هاربين على وجوهكم.
قال: فتمطى عدو اللّه في كتافه فقطعه و كان من جلود، ثمّ حل عن أصحابه، فقالوا: بما تقتلونهم ما معنا سلاح؟ فقالوا: نهجم عليهم بالحجارة و هم غافلون، قال: فعند ذلك تبادرت القوم و هيوبا في أوائلهم و مع كل واحد حجرات، قال: فأقبلوا حتّى وقفوا قريبا من عبد المطلب و ولده و وهب، و هم قعود في ضوء المصباح.
(3) في المصدر بعد قوله: بقدرة اللّه: قال «فنظر عبد المطلب الى أمر عظيم فتعجب من قدرة اللّه تعالى و صاحوا في اليهود، و قالوا: يا أعداء اللّه ما رأيتم ما حل بكم بالامس، و لكن اللّه خذلكم بانقطاع آجالكم، فحملوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم، و كفاهم اللّه شرهم».
(4) من قومنا خ ل و كذا في المصدر.
(5) عبد اللّه خ ل و كذا في المصدر.
(6) أشرفوا عليهم قاموا خ ل و في المصدر: فلما أشرفوا على الناس قاموا الناس.
102
فقال الحمد لله حمد الشاكرين حمدا أستوجبه بما أنعم علينا (1) و أعطانا و جعلنا لبيته جيرانا و لحرمه سكانا و ألقى محبتنا في قلوب عباده و شرفنا على جميع الأمم و وقانا شر الآفات و النقم و الحمد لله الذي أحل لنا النكاح و حرم علينا السفاح و أمرنا بالاتصال و حرم علينا الحرام (2) اعلموا أن ولدنا عبد الله هذا الذي تعرفونه قد خطب فتاتكم آمنة بصداق (3) معجل و مؤجل كذا و كذا فهل رضيتم بذلك من ولدنا قال وهب قد رضينا منكم فقال عبد المطلب اشهدوا يا من حضر ثم تصافحوا و تهانوا و تصافقوا و تعانقوا و أولم عبد المطلب وليمة عظيمة فيها (4) جميع أهل مكة و أوديتها و شعابها و سوادها فأقام الناس في مكة أربعة أيام. (5)
قال أبو الحسن البكري و لما تزوج عبد الله بآمنة أقامت معه زمانا و النور في وجهه لم يزل حتى نفذت مشية الله تعالى و قدرته و أراد أن يخرج خيرة خلقه محمدا رسول الله و أن يشرف (6) به الأرض و ينورها بعد ظلامها و يطهرها بعد تنجيسها (7) أمر الله تعالى جبرئيل(ع)أن ينادي في جنة المأوى أن الله جل جلاله قد تمت كلمته و مشيته و أن الذي وعده من ظهور البشير (8) النذير السراج المنير الذي يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يدعو إلى الله و هو صاحب الأمانة و الصيانة يظهر (9) نوره في البلاد و يكون
____________
(1) في المصدر: أستوجبه به ما أنعم علينا.
(2) في المصدر: زيادة هى: و حلل لنا الحلال.
(3) في المصدر: بكريمتكم التي لا تنكرونها بصداق.
(4) في نسخة: حضر فيها. و في المصدر: حضروها أياما.
(5) قد ذكر تزويج عبد اللّه بآمنة مختصرا ابن هشام في سيرته و الطبريّ في تاريخه و المسعوديّ في اثبات الوصية و غيرهم في غيرها.
(6) أن يشرق خ ل.
(7) تنجسها خ ل و في المصدر: و يطهرها من النجس و الدنس.
(8) في المصدر: قال: فأمر اللّه تعالى جبرائيل أن ينادى في السماوات، فنادى جبرئيل في صفوف الملائكة المقربين، و حملة العرش، و عند سدرة المنتهى و في جنة المأوى أن اللّه تبارك و تعالى قد تمت حكمته، و نفذت مشيته، و أن وعده الحق، الذي وعد من ظهور نبيه البشير.
(9) و سيظهر خ ل و في المصدر. فسيظهر.
103
رحمة على العباد و من أحبه بشر بالشرف و الحباء (1) و من أبغضه بسوء القضاء و هو الذي عرض عليكم من قبل أن يخلق آدم(ع)الذي يسمى في السماء أحمد (2) و في الأرض محمدا (3) و في الجنة أبا القاسم (4) فأجابته الملائكة بالتسبيح و التهليل و التقديس و التكبير لله رب العالمين و فتحت أبواب الجنان و غلقت أبواب النيران و أشرفت الحور العين (5) و سبحت الأطيار على رءوس الأشجار فلما فرغ جبريل من أهل السماوات أمره الله أن ينزل في مائة ألف من الملائكة إلى أقطار الأرض و إلى جبل قاف و إلى خازن السحاب و جملة ما خلق الله يبشرهم (6) بخروج رسول الله(ص)ثم نزل إلى الأرض السابعة فأخبرهم بخبره و من أراد الله به خيرا ألهمه محبته و من أراد به شرا ألهمه بغضه و زلزلت الشياطين و صفدت (7) و طردت عن الأماكن التي كانوا يسترقون فيها السمع و رجموا بالشهب.
قال صاحب الحديث و لما كانت ليلة الجمعة عشية عرفة و كان عبد الله قد خرج هو و إخوته و أبوه فبينما هم سائرون و إذا بنهر عظيم فيه ماء زلال و لم يكن قبل ذلك اليوم هناك ماء فبقي عبد المطلب و أولاده متعجبين فبينما عبد الله كذلك (8) إذ نودي يا عبد الله اشرب من هذا النهر فشرب منه و إذا هو أبرد من الثلج و أحلى من العسل و أزكى من المسك فنهض مسرعا و التفت إلى إخوته فلم يروا للنهر أثرا فتعجبوا منه ثم إن عبد الله مضى مسرعا إلى منزله فرأته آمنة طائشا فقالت له ما بالك (9) صرف الله عنك الطوارق
____________
(1) الحباء: العطاء.
(2) و اسمه في السماء أحمد خ ل و كذا في المصدر.
(3) محمّد خ ل و كذا في المصدر.
(4) أبو القاسم خ ل و كذا في المصدر.
(5) الحسان خ ل و في المصدر: و أشرفت الحور و الولدان.
(6) في المصدر: و الى خازن السحاب و الأنهار و الفيافي و القفار يبشرهم.
(7) صفده: أوثقه و قيده بالحديد أو في الحديد و غيره.
(8) فبقى عبد اللّه متعجبا متفكرا و لم يجد طريقا و قد قطع عليه الجادة، فبينما هو كذلك إه، و هو الموجود في المصدر.
(9) مالك خ ل.
104
فقال لها قومي فتطهري و تطيبي و تعطري و اغتسلي فعسى الله أن يستودعك هذا النور فقامت و فعلت ما أمرها ثم جاءت إليه فغشيها تلك الليلة المباركة فحملت برسول الله(ص)فانتقل النور من وجه عبد الله في ساعته إلى آمنة بنت وهب قالت آمنة لما دنا مني و لا مسني (1) أضاء منه نور ساطع و ضياء لامع فأنارت منه السماء و الأرض فأدهشني ما رأيت و كانت آمنة بعد ذلك يرى النور في وجهها كأنه المرآة المضيئة. (2)
بيان النشيش صوت الماء و غيره إذا غلا و الإراض بالكسر بساط ضخم من صوف أو وبر و انحاز عنه عدل و انحاز القوم تركوا مراكزهم و الترح بالتحريك ضد الفرح و الأروع من الرجال الذي يعجبك حسنه الذابل الرمح الرقيق و السميدع بالفتح السيد الموطأ الأكناف و الصحاصح جمع الصحصاح و هو المكان المستوي و الجندل الحجارة و الاسمهرار الصلابة و الشدة قوله دهينا أي أصابتنا الداهية و الدرقة الترس و الغيداق الكريم و الضيغم الأسد.
أقول إنما أوردت هذا الخبر مع غرابته و إرساله للاعتماد على مؤلفه و اشتماله على كثير من الآيات و المعجزات التي لا تنافيها سائر الأخبار بل تؤيدها و الله تعالى يعلم.
49- قب، المناقب لابن شهرآشوب مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَاشِماً (3) دَخَلَ مَكَّةَ وَ هُوَ رَدِيفُهُ وَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ بْنُ هَاشِمٍ (4) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ هَشَمَ الثَّرِيدَ لِلنَّاسِ فِي أَيَّامِ الْغَلَاءِ وَ هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَا وَ أَنَافَ وَ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ
____________
(1) و مسنى خ ل و كذا في المصدر.
(2) في المصدر: كأنّه المرآة الصافية. تم الجزء الخامس و الحمد للّه ربّ العالمين. قلت:
«يأتي بقية الحديث في الأبواب الآتية».
(3) هكذا في النسخ، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح المطلب. قلت: «المذكور في المصدر أيضا هو المطلب».
(4) في المصدر: اسمه شيبة الحمد، لبياض كان في شعره بعد ما تولد ابن هاشم.
105
بْنُ قُصَيٍّ وَ اسْمُهُ زَيْدٌ أُقْصِيَ عَنْ دَارِ قَوْمِهِ لِأَنَّهُ حُمِلَ مِنْ مَكَّةَ فِي صِغَرِهِ إِلَى بِلَادِ أَزْدِ شَنُوءَةَ فَسُمِّيَ قُصَيّاً وَ يُلَقَّبُ بِالْمُجَمِّعِ لِأَنَّهُ جَمَعَ قَبَائِلَ قُرَيْشٍ بَعْدَ مَا كَانُوا فِي الْجِبَالِ وَ الشِّعَابِ وَ قَسَمَ بَيْنَهُمُ الْمَنَازِلَ بِالْبَطْحَاءِ ابْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُوَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَ هُوَ قُرَيْشٌ وَ سُمِّيَ النَّضْرَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ وَ النَّضْرُ النَّضْرَةُ (1) بْنُ خُزَيْمَةَ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَزَمَ نُورَ آبَائِهِ ابْنُ مُدْرِكَةَ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا الشَّرَفَ فِي أَيَّامِهِ وَ قِيلَ لِإِدْرَاكِهِ صَيْداً لِأَبِيهِ وَ سُمِّيَ أَبُوهُ طَابِخَةَ لِطَبْخِهِ لِأَبِيهِ ابْنُ إِلْيَاسَ (2) النَّبِيِّ(ع)وَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى إِيَاسٍ وَ انْقِطَاعٍ ابْنُ مُضَرَ وَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَخْذِهِ بِالْقُلُوبِ وَ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ ابْنُ نِزَارٍ وَ اسْمُهُ عَمْرٌو وَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ معد [مَعَدّاً نَظَرَ إِلَى نُورِ النَّبِيِّ(ص)فِي وَجْهِهِ فَقَرَّبَ لَهُ قُرْبَاناً عَظِيماً وَ قَالَ لَهُ لَقَدِ اسْتَقْلَلْتُ هَذَا الْقُرْبَانَ وَ إِنَّهُ لَقَلِيلٌ نَزْرٌ وَ يُقَالُ إِنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَ كَانَ رَجُلًا هِزِّيلًا فَدَخَلَ عَلَى يَسْتَاسِفَ فَقَالَ هَذَا نِزَارُ بْنُ مَعَدٍّ وَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ حُرُوبٍ وَ غَارَاتٍ عَلَى الْيَهُودِ وَ كَانَ مَنْصُوراً ابْنُ عَدْنَانَ لِأَنَّ أَعْيُنَ الْحَيِّ كُلِّهَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ.
وَ رُوِيَ عَنْهُ(ص)إِذَا بَلَغَ نَسَبِي إِلَى عَدْنَانَ فَأَمْسِكُوا.
وَ عَنْهُ(ص)كَذَبَ النَّسَّابُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ اتِّصَالَ الْأَنْسَابِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَاذِباً أَوْ فِي حُكْمِ الْكَاذِبِ وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ انْتَسَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
أُمُّ سَلَمَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)يَقُولُ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ وَ سُمِّيَ أُدَدَ لِأَنَّهُ كَانَ مَادَّ الصَّوْتِ كَثِيرَ الْغُرِّ ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَرَا بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَيْدٌ هَمَيْسَعٌ وَ ثَرَا نَبْتٌ وَ أَعْرَاقُ الثَّرَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ ثُمَّ قَرَأَ ع وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِ الْآيَةَ.
وَ اعْتَمَدَ النَّسَّابَةُ وَ أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَدْنَانَ هُوَ ابْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ الْيَسَعِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ سَلَامَانَ بْنِ نَبْتِ بْنِ حَمَلِ
____________
(1) قد أثبت في السير و التواريخ بين النضر و خزيمة كنانة.
(2) بكسر الهمزة أو فتحها على اختلاف.
106
بْنِ قَيْذَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (1) وَ قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ عَدْنَانُ بْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يقدد بْنِ يَقْدُمَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْذَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَدْنَانُ بْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ الْيَسَعِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ وَ يُقَالُ ابْنُ ياحين (2) بْنِ يخشب (3) بْنِ مَنْحَرِ بْنِ صابوغ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْذَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ تَارَخَ بْنِ ناخور بْنِ سروغ (4) بْنِ أرغو وَ هُوَ هُودٌ وَ يُقَالُ بْنُ قالغ بْنِ غابر [عَابَرَ (5) وَ هُوَ هُودُ بْنُ أَرْفَخْشَدَ بْنِ متوشلخ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمَكَ بْنِ أَخْنُوخَ وَ يُقَالُ أحنوخ وَ هُوَ إِدْرِيسُ بْنُ مهلايل (6) وَ يُقَالُ مهاييل بْنُ زبارز [زِيَادٍ (7) وَ يُقَالُ مارد وَ يُقَالُ إِيَادُ بْنُ قينان بْنِ أَنُوشَ وَ يُقَالُ قينان بْنُ أُدَدَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شَيْثٍ وَ هُوَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ آدَمَ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ إِلَى آخِرِ النَّسَبِ
____________
(1) ذكرت في الطبعة الحروفية و في هامش طبعة أمين الضرب أشعار خلت عنها نسخة المصنّف و سائر نسخ الكتاب و مصدره، و الظاهر أنّها من زيادة النسّاخ، و نحن نذكرها هنا لتتميم الفائدة و هى:
هو ابن عبد اللّه نجل الشيبة* * * هو ابن هاشم بدون الريبة
عبد مناف جده نجل قصى* * * ابن كلاب مرة كعب لوى
هو ابن غالب هو ابن فهر* * * هو ابن مالك هو ابن النضر
ابن كنانة بن أنجب الناس* * * خزيمة مدركة و الياس
هو ابن مضر نزار معد* * * هو ابن عدنان و في العهد
هو ابن أدد بن هو ابن اليسع* * * ابن سلامان من الهميسع
حمل ابن قيذار بن إسماعيل* * * هو ابن ابراهيمنا الخليل
أولئك الاطائب الكرام* * * لآدم (عليهم السلام)
(2) يامين خ ل.
(3) في المصدر: يشخب.
(4) في المصدر: ناحور بن شروغ.
(5) في المصدر: عابر.
(6) في المصدر: و يقال: اخنوخ هو إدريس بن مهلائيل.
(7) في المصدر: و قيل: مهائيل بن زياد (ياذر- خ).
107
وَ يُقَالُ إِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى آدَمَ بِتِسْعَةٍ وَ أَرْبَعِينَ أَباً (1).
50- د، العدد القوية رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدٌ وَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُوَيِ (2) بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ الْيَسَعِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ سَلَامَانَ بْنِ النَّبْتِ بْنِ حَمَلِ بْنِ قَيْدَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ(ع)بْنِ تَارَخَ بْنِ ناخور بْنِ شروغ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بْنِ أرغو بْنِ فالغ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا بْنِ عَابَرَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَ الْعَيْنِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ بْنِ شالخ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ مَلَكِ بْنِ متوشلِخَ بِكَسْرِ اللَّامِ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ اليارذ بالذال الْمُعْجَمَةِ بْنِ مهلايل بْنِ فينان بْنِ أَنُوشَ بْنِ شَيْثِ بْنِ آدَمَ(ع)(3) وَ قَالَ ابْنُ بَابَوَيْهِ عَدْنَانُ بْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يعدد بْنِ يَقْدُمَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْذَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (4) وَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَدْنَانُ بْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ الْيَسَعِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ وَ يُقَالُ ابْنُ يَامِينَ بْنُ يحشب بْنِ منحد بْنِ صابوع بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْذَارِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ تَارَخَ بْنِ سروع بْنِ أرغو وَ هُوَ هُودٌ وَ يُقَالُ ابْنُ قالع بْنِ عَامِرِ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ متوشلح بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمَكَ بْنِ أحنوح وَ هُوَ إِدْرِيسُ بْنُ مهلائيل وَ يُقَالُ مهائيل بْنُ زِيَادٍ وَ يُقَالُ مَارِدٌ وَ يُقَالُ إِيَادُ بْنُ قينان بْنِ أَنُوشَ وَ يُقَالُ قينان بْنُ
____________
(1) مناقب آل أبي طالب 1: 106 و 107.
(2) في السير و التواريخ: مرة بن كعب لوى.
(3) هذا يوافق ما ذكره السويدى في سبائك الذهب الا أنّه ضبط بعض الأسماء على خلاف ذلك مثل قيداد فانه قال: «قيدار» بالراء و هو الصحيح كما في غيره، و مثل ناخور بن شروغ فانه قال:
«ناحور بن شاروخ» و ذكر عن بعض شارغ و عن آخر شاروع، و ملك فانه قال: «لمك» و هو الصحيح كما في غيره، و مهلايل فانه قال: «مهلائيل»، و فينان فانه قال: «قينان»، بالقاف و هو الصحيح، و قد أسقط اليسع أيضا.
(4) هذا يوافق ما ذكره الطبريّ عن بعض الا أن فيه يقدر مكان يعدد.
108
أَوْدِ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شَيْثٍ وَ هُوَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ آدَمَ(ع)(1).
51- ب، قرب الإسناد السِّنْدِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنِّي مُسْتَوْهِبٌ مِنْ رَبِّي أَرْبَعَةً وَ هُوَ وَاهِبُهُمْ لِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ أَبُو طَالِبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ جَرَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ مِلْحَةٌ (2).
بيان: قال الفيروزآبادي بينهما ملح و ملحة حرمة و حلف و هذا الخبر يدل على إيمان هؤلاء فإن النبي(ص)لا يستوهب و لا يشفع لكافر و قد نهى الله عن موادة الكافر و الشفاعة لهم و الدعاء لهم كما دلت عليه الآيات الكثيرة.
52- مع، معاني الأخبار لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ الْهَاشِمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ(ع)يَقُولُ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ النَّارَ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ وَ بَطْنٍ حَمَلَكَ وَ حَجْرٍ كَفَلَكَ فَقَالَ يَا جِبْرِيلُ بَيِّنْ لِي ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا الصُّلْبُ الَّذِي أَنْزَلَكَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ أَمَّا الْبَطْنُ الَّذِي حَمَلَكَ فَآمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَ أَمَّا الْحَجْرُ الَّذِي كَفَلَكَ فَأَبُو طَالِبٍ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ (3).
بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان هؤلاء فإن الله تعالى أوجب النار على جميع المشركين و الكفار كما دلت عليه الآيات و الأخبار.
53- ع، علل الشرائع مع، معاني الأخبار مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الْخَضِرِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ أَبِي هدية (4) [هُدْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هدية [هُدْبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى أَبُو ذَرٍّ يَوْماً إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ
____________
(1) قد اختلفوا أصحاب السير و التواريخ في نسبه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من بعد عدنان اختلافا شديدا لا يعنى ذكره هنا فمن شاء الوقوف فليراجع تاريخ اليعقوبي 2: 97 و سيرة ابن هشام 1:
1 و 2، و مروج الذهب 2: 272 و تاريخ الطبريّ 2: 29.
(2) قرب الإسناد: 27.
(3) معاني الأخبار: 45 و 46، الأمالي، 361.
(4) هكذا في الكتاب و مصدريه، و فيه وهم، و الصحيح: أبى هدبة إبراهيم بن هدبة بالباء الموحدة، كما في تاريخ بغداد و لسان الميزان، و الرجل هو إبراهيم بن هدبة، أبو هدبة الفارسيّ، كان بالبصرة، ثمّ خرج إلى اصبهان و الرى، و وافى بغداد، و حدث عن أنس بن مالك.
109
مَا رَأَيْتُ كَمَا رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ قَالُوا وَ مَا رَأَيْتَ الْبَارِحَةَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بِبَابِهِ فَخَرَجَ لَيْلًا فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ خَرَجَا إِلَى الْبَقِيعِ فَمَا زِلْتُ أَقْفُو أَثَرَهُمَا إِلَى أَنْ أَتَيَا مَقَابِرَ مَكَّةَ فَعَدَلَ إِلَى قَبْرِ أَبِيهِ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا بِالْقَبْرِ قَدِ انْشَقَّ وَ إِذَا بِعَبْدِ اللَّهِ جَالِسٌ وَ هُوَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ وَلِيُّكَ يَا أَبَهْ فَقَالَ وَ مَا الْوَلِيُ (1) يَا بُنَيَّ قَالَ هُوَ هَذَا عَلِيٌّ قَالَ وَ إِنَّ عَلِيّاً وَلِيِّي قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَوْضَتِكَ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى قَبْرِ أُمِّهِ (2) فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ فَإِذَا بِالْقَبْرِ قَدِ انْشَقَّ فَإِذَا هِيَ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ رَسُولُهُ فَقَالَ لَهَا مَنْ وَلِيُّكِ يَا أُمَّاهْ فَقَالَتْ وَ مَنِ الْوَلِيُ (3) يَا بُنَيَّ فَقَالَ هُوَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ إِنَّ عَلِيّاً وَلِيِّي (4) فَقَالَ ارْجِعِي إِلَى حُفْرَتِكِ وَ رَوْضَتِكِ فَكَذَّبُوهُ وَ لَبَّبُوهُ (5) وَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَبَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَقَالَ وَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا إِنَّ جندب (6) [جُنْدَباً حَكَى عَنْكَ كَيْتَ وَ كَيْتَ (7) فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدٍ فَعَرَضْتُ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى الْهُجَيْمِيِ (8) مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى فَقَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَرَّمَ النَّارَ عَلَى ظَهْرٍ أَنْزَلَكَ وَ بَطْنٍ حَمَلَكَ وَ ثَدْيٍ أَرْضَعَكَ وَ حَجْرٍ كَفَلَكَ (9).
بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان والديه(ع)إذ لو كانا ماتا على الشرك لم
____________
(1) و من الولى خ ل.
(2) في المصدر: الى قبر أمه آمنة.
(3) في المصدر: و ما الولاية.
(4) في المصدر: و ان عليا وليى.
(5) لببوه: أخذوا بتلبيبه و جروه، و التلبيب: ما في موضع اللبب من الثياب و يعرف بالطوق، و يقال له بالفارسية: «يقه پيراهن».
(6) أعلم المصنّف على لفظة جندب كلمة كذا، و لم نعرف وجهه، لان جندب هو أبو ذر.
(7) كيت و كيت يكنى بهما عن الحديث و الخبر.
(8) في المصدر: الجهمى.
(9) علل الشرائع:(ص)70. معاني الأخبار: 55.
110
ينفعهم الإيمان بعد الإحياء لأن الله تعالى ختم على من مات على الكفر و الشرك دخول النار فهو(ص)إنما أحياهما ليدركا أيام نبوته و يشهدا برسالته و بإمامة وصيه فيكمل بذلك إيمانهما و يشهد له قوله(ص)فارجع إلى روضتك.
54- فس، تفسير القمي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَوْ قُمْتُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ لَشَفَعْتُ لِأَبِي وَ أُمِّي (1) وَ أَخٍ كَانَ لِي مُوَاخِياً فِي الْجَاهِلِيَّةِ (2).
55- فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ وَ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالُوا سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَجَّةَ الْوَدَاعِ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ وَ وُضِعَتْ لَهُ وِسَادَةٌ فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي فِي أَبِي وَ أُمِّي وَ عَمِّي أَنْ لَا تُعَذِّبَهُمْ (3) قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يَدْخُلَ جَنَّتِي إِلَّا مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ عَبْدِي وَ رَسُولِي وَ لَكِنِ ائْتِ الشِّعْبَ فَنَادِهِمْ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُمْ رَحْمَتِي فَقَامَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى الشِّعْبِ فَنَادَاهُمْ يَا أَبَتَاهْ وَ يَا أُمَّاهْ وَ يَا عَمَّاهْ فَخَرَجُوا يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى هَذِهِ (4) الْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ بِهَا فَقَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقّاً حَقّاً وَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَتَيْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ الْحَقُّ فَقَالَ ارْجِعُوا إِلَى مَضَاجِعِكُمْ وَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَكَّةَ (5) وَ قَدِمَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ لَا أُبَشِّرُكَ يَا عَلِيُّ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي لَمْ تَزَلْ مُبَشِّراً فَقَالَ أَ لَا تَرَى إِلَى مَا رَزَقَنَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي سَفَرِنَا هَذَا وَ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ عَلِيٌّ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ فَأَشْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي بُدْنِهِ (6) أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ عَمَّهُ (7).
____________
(1) في المصدر: و امى و عمى.
(2) تفسير القمّيّ: 355.
(3) أن لا تعذبهم بالنار خ ل و كذا في المصدر.
(4) في المصدر: أ لا ترون أن هذه.
(5) إلى مكّة خ ل.
(6) البدنة: تقع على الجمل و الناقة و البقرة، و هي بالابل أشبه.
(7) تفسير القمّيّ: 355 و 356.
111
بيان: هذا الخبر إما محمول على التقية أو على أنه إنما فعل ذلك ليظهر للناس إسلامهم ثم اعلم أن هذه الأخبار مخالفة لما اشتهر من أن والديه(ع)ماتا في غير مكة و يمكن الجمع بينهما بأن يكونوا نقلوهما بعد موتهما إلى مكة كما ذكره بعض أهل السير أو انتقلا بعد ندائه(ص)بإعجازه إليها.
56- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) إِنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَ أُمُّهُ حُبْلَى وَ قَدِمَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مِنَ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالْأَبْوَاءِ (1) مَاتَتْ وَ أَرْضَعَتْهُ حَتَّى شَبَّ حَلِيمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيَّةُ (2).
57- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَّا تَرَعْرَعَ رَكِبَ يَوْماً لِيَصِيدَ وَ قَدْ نَزَلَ بِالْبَطْحَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ قَدِمُوا لِيُهْلِكُوا وَالِدَ مُحَمَّدٍ(ص)لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ فَنَظَرُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَرَأَوْا حِلْيَةَ أُبُوَّةِ النُّبُوَّةِ فِيهِ فَقَصَدُوهُ وَ كَانُوا ثَمَانِينَ نَفَراً بِالسُّيُوفِ وَ السَّكَاكِينِ وَ كَانَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ وَالِدُ آمِنَةَ أُمِّ مُحَمَّدٍ(ص)فِي ذَلِكَ الصَّوْبِ يَصِيدُ وَ قَدْ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ وَ قَدْ صَفَّ بِهِ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَصَدَ أَنْ يَدْفَعَهُمْ عَنْهُ وَ إِذَا بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُمُ الْأَسْلِحَةُ طَرَدُوا عَنْهُ الْيَهُودَ (3) فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَ انْصَرَفَ وَ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ قَالَ أُزَوِّجُ بِنْتِي آمِنَةَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَقَدَ فَوَلَدَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)(4).
58- قب، المناقب لابن شهرآشوب تُصُوِّرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ أَفْضَلُ قُرْبَةٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِ إِسْمَاعِيلَ(ع)فَنَذَرَ أَنَّهُ مَتَى رُزِقَ عَشَرَةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ أَنْ يَنْحَرَ أَحَدَهُمْ لِلْكَعْبَةِ شُكْراً لِرَبِّهِ فَلَمَّا وَجَدَهُمْ عَشَرَةً قَالَ لَهُمْ يَا بَنِيَّ مَا تَقُولُونَ فِي نَذْرِي فَقَالُوا الْأَمْرُ إِلَيْكَ وَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ لِيَنْطَلِقْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ إِلَى قِدْحِهِ وَ لْيَكْتُبْ عَلَيْهِ اسْمَهُ فَفَعَلُوا وَ أَتَوْهُ بِالْقِدَاحِ فَأَخَذَهَا وَ قَالَ
عَاهَدْتُهُ وَ الْآنَ أُوفِي عَهْدَهُ* * * إِذْ كَانَ مَوْلَايَ وَ كُنْتُ عَبْدَهُ
____________
(1) الابواء بالفتح: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها و بين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا. (2) قصص الأنبياء: مخطوط. (3) في المصدر بعد قوله: اليهود: و كان اللّه قد كشف عن بصر وهب فعجب. (4) الخرائج: 186. و فيه: فعقد العقد فحملت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
112
نَذَرْتُ نَذْراً لَا أُحِبُّ رَدَّهُ* * * -وَ لَا أُحِبُّ أَنْ أَعِيشَ بَعْدَهُ
فَقَدَّمَهُمْ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَ نَادَى اللَّهُمَّ رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ (1) وَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ وَ رَبَّ الْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ وَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ الْخَلْقَ لِطَاعَتِكَ وَ أَمَرْتَهُمْ بِعِبَادَتِكَ لَا حَاجَةَ مِنْكَ فِي كَلَامٍ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِ الْقِدَاحِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَسْلَمْتُهُمْ وَ لَكَ أَعْطَيْتُهُمْ فَخُذْ مَنْ أَحْبَبْتَ مِنْهُمْ فَإِنِّي رَاضٍ بِمَا حَكَمْتَ وَ هَبْ لِي أَصْغَرَهُمْ سِنّاً فَإِنَّهُ أَضْعَفُهُمْ رُكْناً ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
يَا رَبِّ لَا تُخْرِجْ عَلَيْهِ قِدْحِي* * * وَ اجْعَلْ لَهُ وَاقِيَةً مِنْ ذَبْحِي
فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ وَ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى أَضْجَعَهُ فِي الْكَعْبَةِ وَ قَالَ
هَذَا بُنَيَّ قَدْ أُرِيدُ نَحْرَهُ* * * وَ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ شَيْءٌ قَدْرَهُ
فَإِنْ يُؤَخِّرْهُ يَقْبَلْ عُذْرَهُ
(2) وَ هَمَّ بِذَبْحِهِ فَأَمْسَكَ أَبُو طَالِبٍ يَدَهُ وَ قَالَ
كَلَّا وَ رَبِّ الْبَيْتِ ذِي الْأَنْصَابِ (3)* * * مَا ذَبْحُ عَبْدِ اللَّهِ بِالتَّلْعَابِ
(4) ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِدْيَتَهُ وَ هَبْ لِي ذِبْحَتَهُ ثُمَّ قَالَ
خُذْهَا إِلَيْكَ هَدْيَةً يَا خَالِقِي* * * رُوحِي وَ أَنْتَ مَلِيكُ هَذَا الْخَافِقِ
وَ عَاوَنَهُ أَخْوَالُهُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ
يَا عَجَباً مِنْ فِعْلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ* * * وَ ذَبْحِهِ ابْناً كَتِمْثَالِ الذَّهَبِ
فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِكَاهِنَةِ بَنِي سَعْدٍ فَخَرَجَ فِي ثَمَانِ مِائَةِ رَجُلٍ وَ هُوَ يَقُولُ
____________
(1) في المصدر البيت (البلد خ) الحرام.
(2) في المصدر: فان تؤخره تقبل عذره.
(3) الانصاب جمع النصب: العلم المنصوب. و كل ما جعل علما. و لعلّ المراد من الانصاب في الشعر هذا المعنى، أي صاحب أعلام و علائم تدلّ عليه، و المراد أعلام البيت أو الأعمّ، و الانصاب ايضا: حجارة كانت للعرب حول البيت تعبدها و تذبح عليها.
(4) أي بلعب و مزاح.
113
تَعَاوَرَنِي (1)أَمْرٌ فَضِقْتُ بِهِ ذَرْعاً (2)* * * وَ لَمْ أَسْتَطِعْ مِمَّا تُجَلِّلُنِي دَفْعاً
نَذَرْتُ وَ نَذْرُ الْمَرْءِ دَيْنٌ مُلَازِمٌ* * * وَ مَا لِلْفَتَى مِمَّا قَضَى رَبُّهُ مَنْعاً
وَ عَاهَدْتُهُ عَشْراً إِذَا مَا تَكَمَّلُوا* * * أُقَرِّبُ (3) مِنْهُمْ وَاحِداً مَا لَهُ رَجْعاً
فَأُكْمِلُهُمْ عَشْراً فَلَمَّا هَمَمْتُ أَنْ* * * أَفِيَ بِذَاكَ النَّذْرِ ثَارَ لَهُ (4) جَمْعاً
يَصُدُّونَنِي عَنْ أَمْرِ رَبِّي وَ إِنَّنِي* * * سَأُرْضِيهِ مَشْكُوراً لِيُلْبِسَنِي نَفْعاً
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهَا قَالَ
يَا رَبِّ إِنِّي فَاعِلٌ لِمَا تَرِدُ (5)* * * إِنْ شِئْتَ أَلْهَمْتَ الصَّوَابَ وَ الرَّشَدَ
فَقَالَتْ كَمْ دِيَةُ الرَّجُلِ عِنْدَكُمْ قَالُوا عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ قَالَتْ وَ اضْرِبُوا عَلَى الْغُلَامِ وَ عَلَى الْإِبِلِ الْقِدَاحَ فَإِنْ خَرَجَ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا وَ إِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ فَزِيدُوا فِي الْإِبِلِ عَشَرَةً عَشَرَةً حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ وَ كَانُوا يَضْرِبُونَ الْقِدَاحَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَ عَلَى عَشَرَةٍ فَيَخْرُجُ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ جَعَلَهَا مِائَةً وَ ضَرَبَ فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ كَبَّرَتْ قُرَيْشٌ وَ وَقَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ وَ تَوَاثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ فَحَمَلُوهُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ غَشْيَتِهِ قَالُوا قَدْ قَبِلَ اللَّهُ مِنْكَ فِدَاءَ وَلَدِكَ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ فَإِذَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ وَ هُوَ يَقُولُ قُبِلَ الْفِدَاءُ وَ نَفَذَ الْقَضَاءُ وَ آنَ (6) ظُهُورُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْقِدَاحُ تُخْطِئُ وَ تُصِيبُ حَتَّى أَضْرِبَ ثَلَاثاً فَلَمَّا ضَرَبَهَا خَرَجَ عَلَى الْإِبِلِ فَارْتَجَزَ يَقُولُ
دَعَوْتُ رَبِّي مُخْلِصاً وَ جَهْراً* * * يَا رَبِّ لَا تَنْحَرْ بُنَيَّ نَحْراً
فَنَحَرَهَا كُلَّهَا فَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ (7).
____________
(1) تعاورنى أي تعاطونى و تداولنى. و في المصدر: تغادرنى.
(2) أي لم أقدر عليه، و ضعف طاقتى في قباله.
(3) في المصدر: اقرر.
(4) أي هاج و وثب عليه.
(5) في المصدر: تود.
(6) أي قرب وقته.
(7) مناقب آل أبي طالب 1: 15 و 16.
114
59- قب، المناقب لابن شهرآشوب كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرَّةَ قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ فَمَرَّ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ أَنْتَ الَّذِي فَدَاكَ أَبُوكَ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ قَالَ نَعَمْ فَقَالَتْ هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ مَرَّةً وَ أُعْطِيَكَ مِنَ الْإِبِلِ مِائَةً فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَ أَنْشَأَ
أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ* * * وَ الْحِلُّ لَا حِلٌّ فَأَسْتَبِينَهُ
فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ
وَ مَضَى مَعَ أَبِيهِ فَزَوَّجَهُ أَبُوهُ آمِنَةَ فَظَلَّ عِنْدَهَا يَوْماً وَ لَيْلَةً فَحَمَلَتْ بِالنَّبِيِّ(ص)ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ فَمَرَّ بِهَا فَلَمْ يَرَ بِهَا حِرْصاً عَلَى مَا قَالَتْ أَوَّلًا فَقَالَ لَهَا عِنْدَ ذَلِكَ مُخْتَبِراً
هَلْ لَكِ فِيمَا قُلْتِ لِي فَقُلْتُ لَا
قَالَتْ
قَدْ كَانَ ذَاكَ (1)مَرَّةً فَالْيَوْمَ لَا
فَذَهَبَتْ كَلِمَتَاهُمَا مَثَلًا ثُمَّ قَالَتْ أَيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ بَعْدِي قَالَ زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ فَبِتُّ عِنْدَهَا فَقَالَتْ
لِلَّهِ مَا زُهْرِيَّةُ سَلَبَتْ* * * ثَوْبَيْكَ مَا سَلَبَتْ وَ مَا تَدْرِي
ثُمَّ قَالَتْ رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورَ النُّبُوَّةِ فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِيَّ وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يُحِبُّ ثُمَّ قَالَتْ
بَنِي هَاشِمٍ قَدْ غَادَرَتْ مِنْ أَخِيكُمْ* * * أُمَيْنَةُ إِذْ لِلْبَاهِ يَعْتَلِجَانِ
كَمَا غَادَرَ الْمِصْبَاحُ بَعْدَ خُبُوِّهِ* * * فَتَائِلَ قَدْ شُبَّتْ (2)لَهُ بِدُخَانٍ
وَ مَا كُلُّ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ نَصِيبِهِ* * * بِحِرْصٍ وَ لَا مَا فَاتَهُ بِتَوَانِي
وَ يُقَالُ إِنَّهُ مَرَّ بِهَا وَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرَّةٌ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ وَ كَانَ عِنْدَ الْأَحْبَارِ جُبَّةُ صُوفٍ بَيْضَاءُ قَدْ غُمِسَتْ فِي دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا(ع)وَ كَانُوا قَدْ قَرَءُوا فِي كُتُبِهِمْ إِذَا رَأَيْتُمْ هَذِهِ الْجُبَّةَ تَقْطُرُ دَماً فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ أَبُو السَّفَّاكِ الْهَتَّاكِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنَ الْجُبَّةِ اغْتَمُّوا وَ
____________
(1) في المصدر: ذلك.
(2) بثت خ ل. شبت النار: اتقدت. و في نسخة من المصدر: ميثت من ماث موثا: خلطه.
و ذابه.
115
اجْتَمَعَ خَلْقٌ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا عَبْدَ اللَّهِ فَوَجَدُوا الْفُرْصَةَ مِنْهُ لِكَوْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الصَّيْدِ فَقَصَدُوهُ فَأَدْرَكَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الزُّهْرِيُّ فَجَازَ (1) مِنْهُ فَنَظَرَ إِلَى رِجَالٍ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ وَ كَشَفُوهُمْ عَنْهُ فَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَمِتْنَ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ مِائَتَا امْرَأَةٍ غَيْرَةً وَ يُقَالُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ فِي جَبِينِهِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ حَمْلِ مُحَمَّدٍ(ص)لَمْ يُطِقْ أَحَدٌ رُؤْيَتَهُ وَ مَا مَرَّ بِحَجَرٍ وَ لَا شَجَرٍ إِلَّا سَجَدَ لَهُ وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَنَقَلَ اللَّهُ مِنْهُ نُورَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَقْتَ الْعَصْرِ وَ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ إِلَى آمِنَةَ (2).
بيان: قولها ما زهريّة المراد بالزهريّة (3) آمنة أي آمنة ما سلبت ثوبيك فقط حين قاربتها ما سلبت أي أي شيء سلبت أي سلبت منك شيئا عظيما و هو نور النبوة و ما تدري قولها قد غادرت أي تركت قولها للباه يعتلجان أي للجماع يتصارعان و ينضمّان و الخبوّ الانطفاء قد شبّت له على بناء المجهول أي أوقدت و الضمير للمصباح و الحاصل أنها خاطبت بني هاشم أن آمنة ذهبت بالنور من عبد الله كمصباح أطفئ فلم يبق منه إلا فتيلة فيها دخان ثم ذكرت لنفسها عذرا فيما فاتها بأن الحرص لا يسوق شيئا لم يقدر و ليس كل ما فات من الإنسان بالتواني و التقصير بل هو من تقدير الحكيم الخبير.
60- قب، المناقب لابن شهرآشوب تُوُفِّيَ أَبُوهُ(ص)وَ هُوَ ابْنُ شَهْرَيْنِ الْوَاقِدِيُ (4) وَ هُوَ ابْنُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ الطَّبَرِيُّ تُوُفِّيَ أَبُوهُ بِالْمَدِينَةِ وَ دُفِنَ فِي دَارِ النَّابِغَةِ ابْنُ إِسْحَاقَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ وَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ هُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ الْكَلْبِيُّ وَ هُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةٍ وَ عِشْرِينَ شَهْراً مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ بِالْأَبْوَاءِ مُنْصَرِفَةً إِلَى مَكَّةَ وَ هُوَ ابْنُ سِتٍّ وَ رَبَّاهُ
____________
(1) فجأة خ ل.
(2) مناقب آل أبي طالب 1: 19.
(3) لانها كانت من أولاد ابن زهرة.
(4) أي قال الواقدى و هكذا فيما يأتي بعده.
116
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ تُوُفِّيَ عَنْهُ وَ هُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةِ (1) سِنِينَ وَ شَهْرَيْنِ وَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَوْصَى بِهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَرَبَّاهُ (2).
61- د، العدد القوية قِيلَ إِنَّهُ لَمَّا شَبَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ تَرَعْرَعَ وَ سَعَى رَدَّتْهُ حَلِيمَةُ إِلَى أُمِّهِ فَافْتَصَلَتْهُ (3) وَ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأَبْوَاءِ هَلَكَتْ بِهَا فَيَتِمَ (4) رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ عُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ سِتَّ سِنِينَ فَرَجَعَتْ بِهِ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى مَكَّةَ وَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ (5) وَ وَرِثَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ أُمِّهِ أُمَّ أَيْمَنَ وَ خَمْسَةَ أَجْمَالٍ أَوْدَاكٍ (6) وَ قَطِيعَةَ غَنَمٍ فَلَمَّا تَزَوَّجَ بِخَدِيجَةَ أَعْتَقَ أُمَّ أَيْمَنَ.
وَ رُوِيَ أَنَّ آمِنَةَ لَمَّا قَدِمَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)الْمَدِينَةَ نَزَلَتْ بِهِ فِي دَارِ النَّابِغَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ فَأَقَامَتْ بِهَا شَهْراً فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَذْكُرُ أُمُوراً كَانَتْ فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ فَقَالَ(ص)نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يَخْتَلِفُ وَ يَنْظُرُ إِلَيَّ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنِّي فَلَقِيَنِي يَوْماً خَالِياً فَقَالَ لِي يَا غُلَامُ مَا اسْمُكَ قُلْتُ أَحْمَدُ فَنَظَرَ إِلَى ظَهْرِي فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ هَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ رَاحَ إِلَى أَخْوَالِي فَخَبَّرَهُمُ الْخَبَرَ فَأَخْبَرُوا أُمِّي فَخَافَتْ عَلَيَّ وَ خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ.
وَ حَدَّثَتْ أُمُّ أَيْمَنَ قَالَتْ أَتَانِي رَجُلَانِ مِنَ الْيَهُودِ يَوْماً نِصْفَ النَّهَارِ بِالْمَدِينَةِ فَقَالا أَخْرِجِي لَنَا أَحْمَدَ فَأَخْرَجْتُهُ فَنَظَرَا إِلَيْهِ وَ قَلَّبَاهُ مَلِيّاً وَ نَظَرَا إِلَى سُرَّتِهِ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ وَ سَيَكُونُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ مِنَ الْقَتْلِ وَ السَّبْيِ أَمْرٌ عَظِيمٌ (7).
____________
(1) ثمان خ ل.
(2) مناقب آل أبي طالب 1: 119.
(3) افتصل الصبى عن الرضاع: فطمه.
(4) يتم الصبى من أبيه أو أمه: صار يتيما.
(5) أي ترباه.
(6) في هامش نسخة المصنّف بخطه: جمال أوارك ظ. قلت: رمز بقوله: ظ إلى أنّه الظاهر.
(7) العدد: مخطوط.
117
62- د، العدد القوية عَبْدُ اللَّهِ أَنْفَذَهُ أَبُوهُ يَمْتَارُ (1) لَهُ تَمْراً مِنْ يَثْرِبَ فَتُوُفِّيَ بِهَا (2).
63 عد، العقائد قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه اعتقادنا في آباء النبي(ص)أنهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله و أن أبا طالب كان مسلما و آمنة بنت وهب بن عبد مناف أم رسول الله(ص)كانت مسلمة.
وَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ حُجَّةً وَ أَبُو طَالِبٍ (3) كَانَ وَصِيَّهُ(ع)(4).
بيان: اتفقت الإمامية (رضوان الله عليهم) على أن والدي الرسول و كل أجداده إلى آدم(ع)كانوا مسلمين بل كانوا من الصديقين إما أنبياء مرسلين أو أوصياء معصومين و لعل بعضهم لم يظهر الإسلام لتقية أو لمصلحة دينية.
قال أمين الدين الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان قال أصحابنا إن آزر كان جد إبراهيم(ع)لأمه أو كان عمه من حيث صح عندهم أن آباء النبي(ص)إلى آدم(ع)كلهم كانوا موحدين و أجمعت الطائفة على ذلك
- وَ رَوَوْا (5) عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنِيَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى أَرْحَامِ الْمُطَهَّرَاتِ حَتَّى أَخْرَجَنِي فِي عَالَمِكُمْ هَذَا لَمْ يُدَنِّسْنِي بِدَنَسِ الْجَاهِلِيَّةِ.
. و لو كان في آبائه(ع)كافر لم يصف جميعهم بالطهارة مع قوله سبحانه إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ و لهم في ذلك أدلة ليس هنا موضع ذكرها انتهى. (6)
و قال إمامهم الرازي في تفسيره قالت الشيعة إن أحدا من آباء الرسول(ص)و أجداده ما كان كافرا و أنكروا أن يقال إن والد إبراهيم كان كافرا و ذكروا أن آزر كان عم إبراهيم(ع)و احتجوا على قولهم بوجوه
____________
(1) امتار لنفسه أو لعياله: جمع الطعام و المئونة.
(2) العدد: مخطوط.
(3) في المصدر: و أبا طالب.
(4) الاعتقادات: 116.
(5) في المصدر: و روى.
(6) مجمع البيان 4: 322.
118
الأولى أن آباء نبينا ما كانوا كفارا و يدل عليه وجوه منها قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (1) قيل معناه أنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد و بهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد(ص)كانوا مسلمين فيجب القطع (2) بأن والد إبراهيم كان مسلما و مما يدل على أن أحدا من آباء محمد(ص)ما كانوا من المشركين قوله(ص)لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات و قال تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أقول ثم أورد بعض الاعتراضات و الأجوبة التي لا حاجة لنا إلى إيرادها ثم قال و أما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله(ص)كان كافرا و ذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا و كان والد إبراهيم(ع)إلى آخر ما قال (3) و إنما أوردنا كلامه ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما بحيث اشتهر بين المخالفين.
و أما المخالفون فذهب أكثرهم إلى كفر والدي الرسول(ص)و كثير من أجداده كعبد المطلب و هاشم و عبد مناف(ص)(4) و إجماعنا و أخبارنا متضافرة
____________
(1) الشعراء: 118 و 119.
(2) في المصدر: فحينئذ يجب القطع.
(3) مفاتيح الغيب 4: 103.
(4) و ذهب بعضهم الى ايمان والديه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أجداده، و استدلوا عليه بالكتاب و السنة، منهم السيوطي، قال في كتاب مسالك الحنفاء: 17: المسلك الثاني أنهما أي عبد اللّه و آمنة لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم على نبيّنا و عليه الصلاة و السلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل و ورقة بن نوفل و غيرهما، و هذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الامام فخر الدين الرازيّ فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل: ان آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه و احتجوا عليه بوجوه: منها- أن آباء الأنبياء ما كانوا كفّارا، و يدلّ عليه وجوه: منها- قوله تعالى: «الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» قيل:
معناه أنّه كان ينقل نوره من ساجد الى ساجد. و بهذا التقدير الآية دالة على أن جميع آباء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كانوا مسلمين، و حينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين، انما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» على وجوه.
119
على خلافهم و سيأتي الأخبار الكثيرة الدالة على ذلك في سائر أبواب الكتاب.
و وجدت في بعض الكتب أن عبد المطلب اسمه شيبة و يقال شيبة الحمد و قد قيل إن اسمه عامر و الصحيح الأول و يقال إنه سمي شيبة لأنه ولد و في رأسه
____________
آخر، و إذا وردت الروايات بالكل و لا منافاة بينهما وجب حمل الآية على الكل، و متى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الاوثان.
ثمّ قال: و ممّا يدلّ على أن آباء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما كانوا مشركين قوله (عليه السلام): «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات» و قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا. هذا كلام الامام فخر الدين الرازيّ بحروفه، و ناهيك به امامة و جلالة، فانه امام أهل السنة في زمانه، و القائم بالرد على الفرق المبتدعة في وقته.
ثمّ قال: و عندي في نصرة هذا المسلك و ما ذهب إليه الامام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطه مركب من مقدمتين.
الأولى إن الأحاديث الصحيحة دلت على أن كل أصل من أصول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من آدم (عليه السلام) الى أبيه عبد اللّه فهو خير أهل قرنه و أفضلهم، و لا أحد في قرنه ذلك خير منه و لا أفضل.
الثانية: إن الأحاديث و الآثار دلت على أنّه لم تخل الأرض من عهد نوح (عليه السلام) أو آدم (عليه السلام) الى بعثة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون اللّه و يوحدونه و يصلون له و بهم تحفظ الأرض و لولاهم لهلكت الأرض و من عليها، و إذا قرنت بين هاتين المقدمتين انتج منهما قطعا أن آباء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يكن فيهم مشرك، لانه ثبت في كل منهم أنّه خير قرنه، فان كان الناس الذين على الفطرة هم آباؤهم فهو المدعى، و إن كان غيرهم و هم على الشرك لزم أحد الامرين: إما أن يكون المشرك خيرا من المسلم و هو باطل بالإجماع، و إمّا أن يكون غيرهم خيرا منهم و هو باطل لمخالفة الأحاديث فوجب قطعا أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا خير أهل الأرض في كل قرنه إه.
ثمّ ذكر أدلة لاثبات المقدّمة الأولى منها: ما أخرجه البخارى عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتّى بعثت من القرن الذي كنت فيه.
و ما أخرجه البيهقيّ في دلائل النبوّة عن أنس أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: ما افترق الناس فرقتين الا جعلنى اللّه في خيرهما. فأخرجت من بين أبوى فلم يصبنى شيء من عهد الجاهلية، و خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت الى أبى و امى فأنا خيركم نفسا و خيركم أبا.
120
شعرة بيضاء و يكنى أبا الحارث و يلقب الفياض لجوده و إنما سمي عبد المطلب لأن أباه هاشما مر بيثرب في بعض أسفاره فنزل على عمرو بن زيد و قيل زيد بن عمرو بن خداش بن أمية بن وليد بن غنم بن عدي بن النجار و الراوي الأول يقول عمرو
____________
و ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوّة من طرق عن ابن عبّاس قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لم يزل اللّه ينقلنى من الاصلاب الطيبة الى الارحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان الا كنت في خيرهما. و ما أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمى في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ «إن اللّه اصطفى من ولد آدم إبراهيم و اتخذه خليلا، و اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثمّ اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثمّ اصطفى من ولد نزار مضر، ثمّ اصطفى من مضر كنانة، ثمّ اصطفى من كنانة قريشا، ثمّ اصطفى من قريش بنى هاشم، ثمّ اصطفى من بنى هاشم بنى عبد المطلب، ثمّ اصطفانى من بنى عبد المطلب». قال: أورده المحب الطبريّ في ذخائر العقبى. ثم ذكر تسعة أحاديث اخرى تدلّ على ذلك.
ثمّ ذكر أدلة لاثبات المقدّمة الثانية: منها: أحاديث تدلّ على أن الأرض لم تزل بعد نوح كان على وجهها مسلمون يعملون للّه بطاعته، و يدفع اللّه بهم عن أهل الأرض، فعدهم في بعضها سبعة، و في اخرى أربعة عشر، و في ثالثة اثنى عشر.
و منها: أحاديث وردت في تفسير قوله تعالى: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» فيها أنّه كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، و فيها: أن ما بين نوح الى آدم من الآباء كانوا على الإسلام، و فيها: أن أولاد نوح (عليه السلام) لم يزالوا على الإسلام و هم ببابل حتّى ملكهم نمرود ابن كوس فدعاهم الى عبادة الاوثان ففعلوا.
ثمّ قال: فعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كانوا مؤمنين بيقين من آدم الى زمن نمرود، و في زمنه كان إبراهيم (عليه السلام) و آزر، فان كان آزر والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب، و ان كان عمه فلا استثناه في هذا القول- أعنى أن آزر ليس أبا إبراهيم- كما ورد عن جماعة من السلف.
ثمّ ذكر آثار او أقوالا تدلّ على أن آزر كان عم إبراهيم و لم يكن أباه.
ثمّ قال: ثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم و إسماعيل، قال الشهرستانى في الملل و النحل:
كان دين إبراهيم قائما و التوحيد في صدر العرب شائعا، و اول من غيره و اتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحى، و قال عماد الدين ابن كثير في تاريخه: كانت العرب على دين إبراهيم (عليه السلام) الى أن ولى عمرو بن عامر الخزاعيّ مكّة، و انتزع ولاية البيت من أجداد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام و شرع للعرب الضلالات، و تبعته العرب على الشرك، و فيهم بقايا من دين إبراهيم، و كانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلاث مائة سنة و كانت ولايتهم.
121
بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار و هو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج و هو المعتمد فرأى ابنته سلمى فخطبها إليه فزوجه إياها و شرط عليه أنها إذا حملت أتى بها لتلد في دار قومها و بنى عليها هاشم بيثرب و مضى بها إلى مكة
____________
مشئومة إلى أن جاء قصى جد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقاتلهم و انتزع ولاية البيت عنهم، الا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه عمرو الخزاعيّ.
فثبت أن آباء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من عهد إبراهيم (عليه السلام) الى زمان عمرو المذكور كلهم مؤمنون بيقين، و نأخذ الكلام على الباقي. ثم ذكر آياتا لاثبات ذلك و عقبها بأحاديث منها:
ما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ» تدل على أن التوحيد كان باقيا في ذرية إبراهيم (عليه السلام) و لم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون اللّه تعالى حتّى تقوم الساعة و أحاديث في تفسير قوله: «وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» تدل على أن اللّه استجاب لإبراهيم (عليه السلام) دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، و حديثا في تفسير قوله تعالى: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» يدل على أنّه لن تزال من ذرّية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون اللّه تعالى، ثمّ ذكر آثارا تدلّ على أن عدنان و معد و ربيعة و مضر و خزيمة و الياس و كعب بن لوى و غيرهم كانوا مسلما، ثمّ قال: فحصل ممّا أوردناه أن آباء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من عهد إبراهيم الى كعب بن لوى كانوا كلهم على دين إبراهيم (عليه السلام)، و ولده مرة بن كعب الظاهر أنه كذلك لان أباه أوصاه بالايمان، و بقى بينه و بين عبد المطلب أربعة آباء و هم كلاب و قصى و عبد مناف و هاشم، و لم أظفر فيهم بنقل لا بهذا و لا بهذا، و أمّا عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لم تبلغه الدعوة، و الثاني: أنه كان على التوحيد و ملة إبراهيم و هو ظاهر عموم قول الامام فخر الدين و ما تقدم من الأحاديث. و الثالث: أن اللّه أحياه بعد بعثة النبيّ (عليه السلام) حتّى آمن به و أسلم ثمّ مات، حكاه ابن سيد الناس، و هذا أضعف الأقوال، و وجدت في بعض كتب المسعوديّ اختلافا في عبد المطلب و أنّه قد قيل فيه: مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علم انه لا يبعث الا بالتوحيد، و قال الشهرستانى في الملل و النحل: ظهر نور النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في أسارير عبد المطلب بعض الظهور، و ببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده، و ببركته كان يأمر ولده بترك الظلم و البغى، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و ينهاهم عن دنيات الأمور، و ببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم منه و تصيبه عقوبة الى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل بعبد المطلب في ذلك، ففكر في ذلك فقال: و اللّه ان وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن باحسانه، و يعاقب فيها المسىء باساءته، و ببركة ذلك النور قال لابرهة: ان لهذا البيت ربا يحفظه، و منه قال و قد.
122
فلما أثقلت أتى بها إلى يثرب في السفرة التي مات فيها و ذهب إلى الشام فمات هناك بغزة من أرض الشام و ولدت سلمى عبد المطلب و شب عند أمه فمر به رجل من بني الحارث بن عبد مناف و هو مع صبيان يتناضلون (1) فرآه أجملهم و أحسنهم إصابة و كلما رمى فأصاب قال أنا ابن هاشم أنا ابن السيد البطحاء فأعجب الرجل ما رأى منه و دنا إليه فقال من أنت قال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف قال بارك الله فيك و كثر فينا مثلك قال
____________
صعد أبا قبيس:
لا هم ان المرء يمنع رحله فامنع حلالك* * * لا يغلبن صليبهم و محالهم عدوا محالك
فانصر على آل الصليب و عابديه اليوم آلك
انتهى كلام الشهرستانى.
ثمّ ذكر أمورا تدلّ على ايمان عبد المطلب الى أن قال: ثم رأيت الامام أبا الحسن الماوردى أشار الى نحو ما ذكره الامام فخر الدين الا أنّه لم يصرح كتصريحه، فقال في كتابه أعلام النبوّة: لما كان انبياء اللّه صفوة عباده و خيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه و الإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر، و اجتباهم بمحكم الاوامر فلم يكن لنسبهم من قدح، و لمنصبهم من جرح، ليكون القلوب أصغى، و النفوس لهم أوطأ، فيكون الناس الى اجابتهم أسرع، و لاوامرهم أطوع، و ان اللّه استخلص رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من أطيب المناكح، و حماه من دنس الفواحش، و نقله من اصلاب طاهرة الى أرحام منزهة، و قد قال ابن عبّاس في تأويل قول اللّه تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»:
أى تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب الى أن جعلك نبيا، فكان نور النبوّة ظاهرا في آبائه، و إذا خبرت حال نسبه و عرفت طهارة مولده علمت أنّه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل و لا مغمور مسبل، بل كلهم سادة قادة؛ و شرف النسب و طهارة المولد من شروط النبوّة انتهى كلام الماوردى بحروفه، قلت: ثم فصل السيوطي الكلام حول ذلك و حول امهاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و صنف أيضا في ذلك كتابه الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، و كتابه المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، و كتابه التعظيم و المنة في أن أبوى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الجنة، و كتابه السبل الجلية في الآباء العلية، و صنف كتاب نشر العلمين المنيفين في احياء الابوين الشريفين رد فيه على من جزم بأن الحديث الذي ورد في احيائهما موضوع، و صنف كتاب أنباء الأذكياء في حياة الأنبياء (عليهم السلام). قلت: و ممن صرّح بايمان عبد المطلب و غيره المسعوديّ و اليعقوبي و غيرهما.
(1) يتناضلون أي تباروا في النضال و تراموا للسبق.
123
من أنت يا عم قال رجل من قومك قال حياك الله و مرحبا بك و سأله عن أحواله و حاجته فرأى الرجل منه ما أعجبه فلما أتى مكة لم يبدأ بشيء حتى أتى المطلب بن عبد مناف فأصابه جالسا في الحجر فخلا به و أخبره خبر الغلام و ما رأى منه فقال المطلب و الله لقد أغفلته ثم ركب قلوصا (1) و لحق بالمدينة و قصد محلة بني النجار فإذا هو بالغلام في غلمان منهم فلما رآه أناخ قلوصه و قصد إليه فأخبره بنفسه و أنه جاء للذهاب به فما لبث أن جلس على عجز الرحل و ركب المطلب القلوص و مضى به و قيل بل كانت أمه قد علمت بمجيء المطلب و نازعته فغلبها عليه و مضى به إلى مكة و هو خلفه فلما رآه قريش قامت إليه و سلمت عليه و قالوا من أين أقبلت قال من يثرب قالوا و من هذا معك قال عبد ابتعته فلما أتى محله اشترى له حلة فألبسه إياها و أتى به في مجلس بني عبد مناف فقال هذا ابن أخيكم هاشم و أخبرهم خبره فغلب عليه عبد المطلب لقول عمه إنه عبد ابتعته و ساد عبد المطلب قريشا و أذعنت له سائر العرب بالسيادة و الرئاسة و أخباره مشهورة مع أصحاب الفيل و حفر زمزم و في سقياه حين استسقى مرتين مرة لقريش و مرة لقيس إلى غير ذلك من فضائله و أخباره و أشعاره تدل على أنه كان يعلم أن سبطه محمدا نبي و هو ابن هاشم و اسمه عمرو و يقال له عمرو العلى و يكنى أبا نضلة و إنما سمي هاشما لهشمه الثريد (2) للحجاج و كانت إليه الوفادة و الرفادة (3) و هو الذي سن الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن و
____________
(1) القلوس من الإبل: الطويلة القوائم. الشابة منها أو الباقية على السير.
(2) هشم الثريد لقومه أي كسر الخبز و فته و بله بالمرق فجعله ثريدا فهو هاشم.
(3) قال ابن هشام: كانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها الى قصى بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة و لا زاد، و ذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش انكم جيران اللّه، و أهل بيته، و أهل الحرم، و أن الحجاج ضيف اللّه، (و أهله) و زوار بيته، و هم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما و شرابا أيام الحجّ حتّى يصدروا، فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيّام منى إه.
124
العراق و رحلة الصيف إلى الشام و مات بغزة من أرض الشام و فيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي شعر
عمرو العلى هشم الثريد لقومه.* * * و رجال مكة مسنتون عجاف.
(1)
و كان هاشم يدعى القمر و يسمى ذات الركب و قد سمي بهذا آخرون من قريش أيضا و هو ابن عبد مناف و اسمه المغيرة و إنما سمته عبد مناف أمه و مناف اسم صنم كان مستقبل الركن الأسود و كان أيضا يدعى القمر لجماله و يدعى السيد لشرفه و سؤدده و هو ابن قصي و اسمه زيد و إنما سمي قصيا لأن أمه فاطمة بنت سعد بن سنبل الأزدية (2) من أزد شنوءة تزوجها بعد أبيه كلاب ربيعة بن حزام بن سعد بن زيد القضاعي فمضى بها إلى قومه و كان زهرة بن كلاب كبيرا فتركته عند قومه و حملت زيدا معها لأنه كان فطيما فسمي قصيا لأنه أقصي عن داره و شب في حجر ربيعة بن حزام لا يرى إلا أنه أبوه إلى أن كبر فنازع بعض بني عذرة فقال له العذري الحق بقومك فإنك لست منا قال و ممن أنا قال سل أمك تخبرك فقالت أنت و الله أكبر منهم نفسا و والدا و نسبا أنت ابن كلاب بن مرة و قومك آل الله في حرمه و عند بيته فكره قصي المقام دون مكة فأشارت عليه أمه أن يقيم حتى يدخل الشهر الحرام ثم يخرج مع حجاج قضاعة ففعل و لما صار إلى مكة تزوج إلى خليل بن الحبشية الخزاعي ابنته حيي و كان خليل يلي أمر الكعبة و عظم أمر قصي حتى استخلص البيت من خزاعة و حاربهم و أجلاهم عن الحرم و صارت إليه السدانة و الوفادة و السقاية و جمع قبائل قريش و كانت متفرقة.
و قال محمد بن مسعود الكازروني في كتاب المنتقى ولد عبد الله لأربع و عشرين سنة
____________
(1) في سيرة ابن هشام: قوم بمكّة مسنتين عجاف. بعده:
سنت إليه الرحلتان كلاهما* * * سفر الشتاء و رحلة الايلاف
و يروى: و رحلة الاصياف.
(2) في القاموس: أزد بن الغوث أبو حى و من أولاده الأنصار كلهم و يقال: أزد شنوءة. و الغزة بالغين و الزاى المعجمتين: بلد بفلسطين، و قال في القاموس: مات بها هاشم. و عذرة بالذال المعجمة: قبيلة باليمن. منه عفى عنه.
125
مضت من ملك كسرى أنوشيروان فبلغ سبع عشرة سنة ثم تزوج آمنة فلما حملت برسول الله(ص)توفي و ذلك أن عبد الله بن عبد المطلب خرج إلى الشام (1) في عير من عيرات قريش يحملون تجارات ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة و عبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض فقال أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار فأقام عندهم مريضا شهرا و مضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن عبد الله فقالوا خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار و هو مريض فبعث إليه عبد المطلب أعظم ولده (2) الحارث فوجده قد توفي في دار النابغة (3) فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد (4) عليه عبد المطلب و إخوته و أخواته وجدا شديدا و رسول الله(ص)يومئذ حمل و لعبد الله يوم توفي خمس و عشرون سنة.
و روي أنه توفي بعد ما أتى على رسول الله(ص)ثمانية و عشرون شهرا و يقال سبعة أشهر و الأول أصح.
قال الواقدي ترك عبد الله أم أيمن و خمسة جمال أوراك يعني قد أكلت الأراك و قطيعة غنم فورث رسول الله(ص)و كانت أم أيمن تحضنه و اسمها بركة (5).
64- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: أَنْشَدَنِيَ الرِّضَا(ع)لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ شِعْرَ (6)
يَعِيبُ النَّاسُ كُلُّهُمْ زَمَاناً* * * وَ مَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
نَعِيبُ زَمَانَنَا وَ الْعَيْبُ فِينَا* * * وَ لَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ بِنَا هَجَانَا
(7)
____________
(1) في المصدر زاد: الى غزة.
(2) في المصدر: أكبر ولده.
(3) في المصدر زيادة هى: و هو رجل من بنى عدى بن النجّار في الدار التي إذا دخلتها فالدويرة عن يسارك، فأخبره أخواله بمرضه و بقيامهم عليه، و ما ولوا من أمره و انهم قبروه، فرجع اه.
(4) أي حزن،.
(5) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الخامس من الباب الثامن من القسم الأوّل.
(6) هكذا في نسخة المصنّف، و الصحيح: شعرا كما في المصدر.
(7) بها خ ل.
126
وَ إِنَّ الذِّئْبَ يَتْرُكُ لَحْمَ ذِئْبٍ* * * وَ يَأْكُلُ بَعْضُنَا بَعْضاً عِيَاناً
(1).
أقول: سيأتي في باب مولد النبي(ص)بعض أخباره.
65- ل، الخصال الْفَامِيُّ وَ ابْنُ مَسْرُورٍ مَعاً عَنِ ابْنِ بُطَّةَ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: أَوَّلُ مَنْ سُوهِمَ عَلَيْهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ السِّهَامُ سِتَّةٌ ثُمَّ اسْتَهَمُوا فِي يُونُسَ(ع)لَمَّا رَكِبَ مَعَ الْقَوْمِ فَوَقَفَتِ السَّفِينَةُ فِي اللُّجَّةِ فَاسْتَهَمُوا فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى يُونُسَ(ع)ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ فَمَضَى يُونُسُ(ع)إِلَى صَدْرِ السَّفِينَةِ فَإِذَا الْحُوتُ فَاتِحٌ فَاهُ فَرَمَى بِنَفْسِهِ ثُمَّ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وُلِدَ لَهُ تِسْعَةٌ فَنَذَرَ فِي الْعَاشِرِ إِنْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ غُلَاماً أَنْ يَذْبَحَهُ قَالَ فَلَمَّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أَنْ يَذْبَحَهُ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي صُلْبِهِ فَجَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ وَ سَاهَمَ عَلَيْهَا وَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَجَتِ السِّهَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزَادَ عَشْراً فَلَمْ يَزَلْ السِّهَامُ تَخْرُجُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَ يَزِيدُ عَشْراً فَلَمَّا بَلَغَتْ مِائَةً خَرَجَتِ السِّهَامُ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَا أَنْصَفْتُ رَبِّي فَأَعَادَ السِّهَامَ ثَلَاثاً فَخَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي قَدْ رَضِيَ فَنَحَرَهَا (2).
66- ل، الخصال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْفَضْلِ الْيَمَانِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ شَفَّعَكَ (3) فِي خَمْسَةٍ فِي بَطْنٍ حَمَلَكَ وَ هِيَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَ فِي صُلْبٍ أَنْزَلَكَ وَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ فِي حَجْرٍ كَفَلَكَ وَ هُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَ فِي بَيْتٍ آوَاكَ وَ هُوَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو طَالِبٍ وَ فِي أَخٍ كَانَ لَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِيلَ
____________
(1) عيون الأخبار: 306؛ الأمالي: 107، و في العيون زيادة هى:
لبسنا للخدوع مسوك طيب* * * و ويل للغريب إذا اتانا
(2) الخصال 1: 75.
(3) أي قبل شفاعتك فيهم.
127
يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا الْأَخُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَانَ آنِسِي وَ كُنْتُ آنِسَهُ وَ كَانَ سَخِيّاً يُطْعِمُ الطَّعَامَ (1).
67- ل، الخصال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ يَا عَلِيُّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَمْسَ سُنَنٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وَ وَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَ تَصَدَّقَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ وَ لَمَّا حَفَرَ زَمْزَمَ سَمَّاهَا سِقَايَةَ الْحَاجِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ الْآيَةَ وَ سَنَّ فِي الْقَتْلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَأَجْرَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلطَّوَافِ عَدَدٌ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَسَنَّ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ فَأَجْرَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ يَا عَلِيُّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ لَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ وَ لَا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ يَقُولُ أَنَا عَلَى دِينِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ(ع)(2).
بيان: لعله(ع)فعل هذه الأمور بإلهام من الله تعالى أو كانت في ملة إبراهيم(ع)فتركتها قريش فأجراها فيهم فلما جاء الإسلام لم ينسخ هذه الأمور لما سنه عبد المطلب.
68- ل، الخصال الْهَمْدَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ عَشَرَةٌ وَ الْعَبَّاسُ.
قال الصدوق ره و هم عبد الله و أبو طالب و الزبير و حمزة و الحارث و هو أسنّهم و الغيداق و المقوم و حجل و عبد العزّى و هو أبو لهب و ضرار و العباس و من الناس
____________
(1) الخصال 1: 141، قال الصدوق: اسم هذا الأخ الحلاس بن علقمة.
(2) الخصال 1: 150.
128
من يقول إن المقوم هو حجل و لعبد المطّلب عشرة أسماء (1) تعرفه بها العرب و ملوك القياصرة و ملوك العجم و ملوك الحبشة فمن أسمائه عامر و شيبة الحمد و سيّد البطحاء و ساقي الحجيج و ساقي الغيث و غيث الورى في العام الجدب و أبو السادة العشرة و عبد المطّلب و حافر زمزم (2) و ليس ذلك لمن تقدّمه (3).
69- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْقَطَّانُ عَنِ الْأَسَدِيِ (4) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ(ص)أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ قَالَ يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ(ع)وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَهُوَ الْغُلَامُ الْحَلِيمُ الَّذِي بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إِبْرَاهِيمَ ع فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وَ هُوَ لَمَّا عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِهِ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ وَ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا رَأَيْتَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذَبْحِهِ فَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِبْحٍ عَظِيمٍ بِكَبْشٍ أَمْلَحَ يَأْكُلُ فِي سَوَادٍ وَ يَشْرَبُ فِي سَوَادٍ وَ يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ وَ يَمْشِي فِي سَوَادٍ وَ يَبُولُ (5) وَ يَبْعَرُ فِي سَوَادٍ وَ كَانَ يَرْتَعُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ عَاماً وَ مَا خَرَجَ مِنْ رَحِمِ أُنْثَى وَ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ
____________
(1) اختاره اليعقوبي، و أضاف قثم مكانه و قال: أمه صفية بنت جندب بن حجير.
(2) لم نجد العاشر في الكتاب و مصدره، و لعله إبراهيم الثاني على ما يقول اليعقوبي، قال:
كانت قريش تقول عبد المطلب إبراهيم الثاني.
(3) الخصال 1: 62 و 63.
(4) هكذا في نسخة المصنّف و غيرها، و الموجود في المصدر: أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ، و الظاهر أنّه (رحمه الله) غفل عما قدمه في المجلد الأول من أن الأسدى في وسط السند مختصر أبى الحسين محمّد بن جعفر الأسدى، و ذكر أنا نعبر عن أحمد بن محمّد بن سعيد بأحمد الهمدانيّ أو ابن عقدة أو أحمد الكوفيّ.
(5) في المصدر: و يبول في سواد. قلت: قال الجزريّ في النهاية: و فيه أنّه ضحى بكبش يطأ في سواد، و ينظر في سواد، و يبرك في سواد، أي أسود القوائم و المرابض و المحاجر انتهى، و قيل: ان المراد أنّه كان مقيما في الحشيش و المرعى و الخضرة إذا أشبعت مالت الى السواد، أو كان ذا ظل عظيم لسمنه و عظم جثته بحيث يمشى فيه و يأكل و ينظر و يبعر فيه مجازا في السمن.
129
كُنْ فَكَانَ لِيَفْدِيَ بِهِ إِسْمَاعِيلَ فَكُلُّ مَا يُذْبَحُ بِمِنًى فَهُوَ فِدْيَةٌ لِإِسْمَاعِيلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهَذَا أَحَدُ الذَّبِيحَيْنِ وَ أَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ تَعَلَّقَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَرْزُقَهُ عَشَرَةَ بَنِينَ وَ نَذَرَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَذْبَحَ وَاحِداً مِنْهُمْ مَتَى أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا عَشَرَةً قَالَ قَدْ وَفَى اللَّهُ تَعَالَى لِي فَلَأَفِيَنَ (1) لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَدْخَلَ وُلْدَهُ الْكَعْبَةَ وَ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ أَحَبَّ وُلْدِهِ إِلَيْهِ ثُمَّ أَجَالَهَا ثَانِيَةً فَخَرَجَ سَهْمُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ أَجَالَهَا ثَالِثَةً فَخَرَجَ سَهْمُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَخَذَهُ وَ حَبَسَهُ وَ عَزَمَ عَلَى ذَبْحِهِ فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وَ مَنَعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ وَ اجْتَمَعَ نِسَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَبْكِينَ وَ يَصِحْنَ فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ عَاتِكَةُ يَا أَبَتَاهْ أَعْذِرْ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَتْلِ ابْنِكَ قَالَ وَ كَيْفَ أُعْذِرُ يَا بُنَيَّةِ فَإِنَّكِ مُبَارَكَةٌ قَالَتْ اعْمِدْ عَلَى تِلْكَ السَّوَائِمِ (2) الَّتِي لَكَ فِي الْحَرَمِ فَاضْرِبْ بِالْقِدَاحِ عَلَى ابْنِكَ وَ عَلَى الْإِبِلِ وَ أَعْطِ رَبَّكَ حَتَّى يَرْضَى فَبَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى إِبِلِهِ فَأَحْضَرَهَا وَ عَزَلَ مِنْهَا عَشْراً وَ ضَرَبَ بِالسِّهَامِ فَخَرَجَ سَهْمُ عَبْدِ اللَّهِ فَمَا زَالَ يَزِيدُ عَشْراً عَشْراً حَتَّى بَلَغَتْ مِائَةً فَضَرَبَ فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى الْإِبِلِ فَكَبَّرَتْ قُرَيْشٌ تَكْبِيرَةً ارْتَجَّتْ لَهَا جِبَالُ تِهَامَةَ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَا حَتَّى أَضْرِبَ بِالْقِدَاحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَضَرَبَ ثَلَاثاً كُلَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ السَّهْمُ عَلَى الْإِبِلِ فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ اجْتَذَبَهُ الزُّبَيْرُ وَ أَبُو طَالِبٍ وَ أَخَوَاتُهُمَا مِنْ تَحْتِ رِجْلَيْهِ فَحَمَلُوهُ وَ قَدِ انْسَلَخَتْ جَلْدَةُ خَدِّهِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَ أَقْبَلُوا يَرْفَعُونَهُ وَ يُقَبِّلُونَهُ وَ يَمْسَحُونَ عَنْهُ التُّرَابَ وَ أَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تُنْحَرَ الْإِبِلُ بِالْحَزْوَرَةِ وَ لَا يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنْهَا وَ كَانَتْ مِائَةً فَكَانَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَمْسٌ مِنَ السُّنَنِ أَجْرَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْإِسْلَامِ حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَ سَنَّ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَ وَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَ سَمَّى زَمْزَمَ حِينَ حَفَرَهَا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَ لَوْ لَا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ حُجَّةً (3) وَ أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى ذَبْحِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ شَبِيهٌ بِعَزْمِ إِبْرَاهِيمَ(ع)عَلَى ذَبْحِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ لَمَا افْتَخَرَ النَّبِيُّ(ص)بِالانْتِسَابِ إِلَيْهِمَا لِأَجْلِ
____________
(1) في المصدر: فلاوفين.
(2) السوائم جمع السائمة: الماشية و الإبل الراعية.
(3) في نسخة من المصدر: و لو لا أن عمل عبد المطلب كان حجة.
130
أَنَّهُمَا الذَّبِيحَانِ فِي قَوْلِهِ(ص)أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ وَ الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الذَّبْحَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ هِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا دَفَعَ الذَّبْحَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَ هِيَ كَوْنُ النَّبِيِّ وَ الْأَئِمَّةِ(ص)(1) فِي صُلْبَيْهِمَا فَبِبَرَكَةِ النَّبِيِّ وَ الْأَئِمَّةِ(ص)دَفَعَ اللَّهُ الذَّبْحَ عَنْهُمَا فَلَمْ تَجْرِ السُّنَّةُ فِي النَّاسِ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ كُلَّ أَضْحًى التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ النَّاسُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أُضْحِيَّةٍ فَهُوَ فِدَاءٌ لِإِسْمَاعِيلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (2).
70- جا، المجالس للمفيد ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بِلَالٍ الْمُهَلَّبِيِّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنِ الْعَمِّيِ (3) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا قَصَدَ أَبْرَهَةُ بْنُ الصَّبَّاحِ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِهَدْمِ الْبَيْتِ (4) تَسَرَّعَتِ الْحَبَشَةُ فَأَغَارُوا عَلَيْهَا فَأَخُذُوا سَرْحاً (5) لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَجَاءَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَ هُوَ فِي قُبَّةِ دِيبَاجٍ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ أَبْرَهَةُ السَّلَامَ وَ جَعَلَ يَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ فَرَاقَهُ حُسْنُهُ وَ جَمَالُهُ وَ هَيْبَتُهُ فَقَالَ لَهُ هَلْ كَانَ فِي آبَائِكَ مِثْلُ هَذَا النُّورِ الَّذِي أَرَاهُ لَكَ وَ الْجَمَالِ قَالَ نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُلُّ آبَائِي كَانَ لَهُمْ هَذَا الْجَمَالُ وَ النُّورُ وَ الْبَهَاءُ فَقَالَ لَهُ أَبْرَهَةُ لَقَدْ فُقْتُمْ (6) فَخْراً وَ شَرَفاً وَ يَحِقُّ لَكَ أَنْ تَكُونَ سَيِّدَ قَوْمِكَ ثُمَّ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَ قَالَ لِسَائِسِ فِيلِهِ الْأَعْظَمِ وَ كَانَ فِيلًا أَبْيَضَ عَظِيمَ الْخَلْقِ لَهُ نَابَانِ مُرَصَّعَانِ بِأَنْوَاعِ الدُّرِّ وَ الْجَوَاهِرِ وَ كَانَ الْمَلِكُ يُبَاهِي بِهِ مُلُوكَ الْأَرْضِ ايتِنِي بِهِ فَجَاءَ بِهِ سَائِسُهُ وَ قَدْ زُيِّنَ بِكُلِّ زِينَةٍ حَسَنَةٍ فَحِينَ قَابَلَ وَجْهَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَجَدَ لَهُ وَ لَمْ يَكُنْ يَسْجُدُ لِمَلِكِهِ وَ أَطْلَقَ اللَّهُ لِسَانَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ ارْتَاعَ
____________
(1) و الأئمّة المعصومين خ ل.
(2) عيون الأخبار: 117 و 118.
(3) منسوب إلى بنى العم من تميم، و الرجل هو محمّد بن جمهور العمى البصرى.
(4) في المصدر: مكّة لهدم البيت.
(5) السرح: الماشية.
(6) في المصدر: لقد فقتم الملوك.
131
لَهُ وَ ظَنَّهُ سِحْراً فَقَالَ رُدُّوا الْفِيلَ إِلَى مَكَانِهِ ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَ جِئْتَ فَقَدْ بَلَغَنِي سَخَاؤُكَ وَ كَرَمُكَ وَ فَضْلُكَ وَ رَأَيْتُ مِنْ هَيْبَتِكَ وَ جَمَالِكَ وَ جَلَالِكَ مَا يَقْتَضِي أَنْ أَنْظُرَ فِي حَاجَتِكَ فَسَلْنِي مَا شِئْتَ وَ هُوَ يَرَى أَنَّهُ يَسْأَلُهُ فِي الرُّجُوعِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنَّ أَصْحَابَكَ غَدَوْا (1) عَلَى سَرْحٍ لِي فَذَهَبُوا بِهِ فَمُرْهُمْ بِرَدِّهِ عَلَيَّ قَالَ فَتَغَيَّظَ الْحَبَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ وَ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَقَدْ سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِي جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي فِي سَرْحِكَ وَ أَنَا قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِ شَرَفِكَ وَ شَرَفِ قَوْمِكَ وَ مَكْرُمَتِكُمُ الَّتِي تَتَمَيَّزُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ جِيلٍ وَ هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي يُحَجُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ صُقْعٍ فِي الْأَرْضِ فَتَرَكْتَ مَسْأَلَتِي فِي ذَلِكَ وَ سَأَلْتَنِي فِي سَرْحِكَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَسْتُ بِرَبِّ الْبَيْتِ الَّذِي قَصَدْتَ لِهَدْمِهِ وَ أَنَا رَبُّ سَرْحِيَ الَّذِي أَخَذَهُ أَصْحَابُكَ فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ فِيمَا أَنَا رَبُّهُ وَ لِلْبَيْتِ رَبٌّ هُوَ أَمْنَعُ لَهُ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ وَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ فَقَالَ الْمَلِكُ رُدُّوا عَلَيْهِ سَرْحَهُ وَ انْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ (2) وَ أَتْبَعَهُ الْمَلِكُ بِالْفِيلِ الْأَعْظَمِ مَعَ الْجَيْشِ لِهَدْمِ الْبَيْتِ فَكَانُوا إِذَا حَمَلُوهُ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ أَنَاخَ وَ إِذَا تَرَكُوهُ رَجَعَ مُهَرْوِلًا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِغِلْمَانِهِ ادْعُوا إِلَيَّ ابْنِي فَجِيءَ بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ ادْعُوا إِلَيَّ ابْنِي فَجِيءَ بِأَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ ادْعُوا إِلَيَّ ابْنِي فَجِيءَ بِعَبْدِ اللَّهِ أَبِ النَّبِيِّ(ص)فَلَمَّا أَقْبَلَ إِلَيْهِ قَالَ اذْهَبْ يَا بُنَيَّ حَتَّى تَصْعَدَ أَبَا قُبَيْسٍ ثُمَّ اضْرِبْ بِبَصَرِكَ نَاحِيَةَ الْبَحْرِ فَانْظُرْ أَيُّ شَيْءٍ يَجِيءُ مِنْ هُنَاكَ وَ خَبِّرْنِي بِهِ قَالَ فَصَعِدَ عَبْدُ اللَّهِ أَبَا قُبَيْسٍ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِطَيْرٍ أَبَابِيلَ (3) مِثْلَ السَّيْلِ وَ اللَّيْلِ فَسَقَطَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ثُمَّ صَارَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ سَبْعاً ثُمَّ صَارَ إِلَى الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ فَطَافَ بِهِمَا سَبْعاً فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ انْظُرْ يَا بُنَيَّ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهَا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي بِهِ فَنَظَرَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ أَخَذَتْ نَحْوَ عَسْكَرِ الْحَبَشَةِ فَأَخْبَرَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بِذَلِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا أَهْلَ مَكَّةَ اخْرُجُوا إِلَى الْعَسْكَرِ فَخُذُوا غَنَائِمَكُمْ قَالَ
____________
(1) في المجالس: عدوا.
(2) في المجالس: ردوا عليه سرحه، و ازحفوا الى البيت فانقضوه حجرا حجرا، فأخذ عبد المطلب سرحه، و انصرف الى مكّة.
(3) في المصدر: أن جاء طير أبابيل.
132
فَأَتَوُا الْعَسْكَرَ وَ هُمْ أَمْثَالُ الْخُشُبِ النَّخِرَةِ وَ لَيْسَ مِنَ الطَّيْرِ إِلَّا مَا مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فِي مِنْقَارِهِ وَ يَدَيْهِ (1) يَقْتُلُ بِكُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا وَاحِداً مِنَ الْقَوْمِ فَلَمَّا أَتَوْا عَلَى جَمِيعِهِمْ انْصَرَفَ الطَّيْرُ فَلَمْ يُرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَ لَا بَعْدَهُ فَلَمَّا هَلَكَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ جَاءَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْبَيْتِ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ وَ قَالَ
يَا حَابِسَ الْفِيلِ بِذِي الْمُغَمَّسِ* * * حَبَسْتَهُ كَأَنَّهُ مُكَوَّسٌ
فِي مَجْلِسٍ (2)تَزْهَقُ فِيهِ الْأَنْفُسُ
فَانْصَرَفَ وَ هُوَ يَقُولُ فِي فِرَارِ قُرَيْشٍ وَ جَزَعِهِمْ مِنَ الْحَبَشَةِ
طَارَتْ قُرَيْشٌ إِذْ رَأَتْ خَمِيساً* * * فَظَلْتُ فَرْداً لَا أَرَى أَنِيساً
وَ لَا أُحِسُّ مِنْهُمْ حَسِيساً* * * إِلَّا أَخاً لِي مَاجِداً نَفِيساً
مُسَوَّداً فِي أَهْلِهِ رَئِيساً
(3).
بيان: رَاقَهُ أعجبه قال الفيروزآبادي المغمّس كمعظَّم و محدِّث موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رِغَال دليل أبرهة و يُرْجَمُ و قال المكوّس كمعظَّم حمار.
أقول روي في كتاب العدد مثله إلا أنه زاد فيه فحين قابل الفيل وجه عبد المطلب سجد له و لم يكن سجد لملكه و أطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب و قال بلسان فصيح يا نور خير البرية و يا صاحب البيت و السقاية و يا جد سيد المرسلين السلام على نور الذي في ظهرك يا عبد المطلب معك العز و الشرف لن تذل و لن تغلب أبدا فلما رأى الملك ذلك ارتاع له و ظنه سحرا فقال ردوا الفيل إلى مكانه ثم قال لعبد المطلب فيم جئت فقد بلغني سخاؤك و كرمك و فضلك و رأيت من هيبتك و جمالك و جلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك فسل ما شئت و ساق الحديث إلى آخره (4).
71- فس، تفسير القمي أَ لَمْ تَرَ أَ لَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ قَالَ
____________
(1) في الأمالي: و رجليه مكان يديه، و المجالس خلى عنهما.
(2) في المصدر: فى محبس.
(3) مجالس المفيد: 184- 186. أمالى ابن الشيخ: 49 و 50.
(4) العدد: مخطوط.
133
نَزَلَتْ فِي الْحَبَشَةِ حِينَ جَاءُوا بِالْفِيلِ لِيَهْدِمُوا بِهِ الْكَعْبَةَ فَلَمَّا أَدْنَوْهُ (1) مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَدْرِي أَيْنَ يَأُمُّ بِكَ قَالَ بِرَأْسِهِ لَا قَالَ أَتَوْا بِكَ لِتَهْدِمَ كَعْبَةَ اللَّهِ أَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا فَجَهَدَتِ بِهِ الْحَبَشَةُ لِيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَأَبَى فَحَمَلُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ وَ قَطَعُوهُ وَ أَرْسَلَ (2) عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ قَالَ بَعْضُهَا عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قَالَ كَانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ حَجَرٌ (3) فِي مِنْقَارِهِ وَ حَجَرَانِ فِي مَخَالِيبِهِ (4) وَ كَانَتْ تُرَفْرِفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَ تَرْمِي فِي دِمَاغِهِمْ (5) فَيَدْخُلُ الْحَجَرُ فِي دِمَاغِهِمْ وَ يَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ وَ تَنْتَفِضُ (6) أَبْدَانُهُمْ فَكَانُوا كَمَا قَالَ (7) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قَالَ الْعَصْفُ التِّبْنُ وَ الْمَأْكُولُ هُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْ فَضْلِهِ قَالَ الصَّادِقُ(ع)وَ أَهْلُ الْجُدَرِيِّ مِنْ ذَلِكَ (8) الَّذِي أَصَابَهُمْ فِي زَمَانِهِمْ جُدَرِيٌ (9).
بيان: قال الطبرسي ره أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح و قيل إن كنيته أبو يكسوم قال الواقدي هو صاحب النجاشي جدّ النجاشي الذي كان على عهد رسول الله(ص)و قال محمد بن إسحاق أقبل تبّع حتى نزل على المدينة فنزل بوادي قباء فحفر بها بئرا تدعى اليوم ببئر الملك قال و بالمدينة إذ ذاك يهود و الأوس و الخزرج فقاتلوه و جعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة فاستحيا و أراد صلحهم فخرج إليه رجل من الأوس يقال له أحيحة
____________
(1) فلما دنوا خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) هكذا في النسخ، و في المصدر: و أرسل، و هو الصحيح على ما في المصحف الشريف.
(3) ثلاثة أحجار: حجر خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) رجليه خ ل و في المصدر: مخالبه.
(5) في المصدر: و ترمى أدمغتهم.
(6) تنتقض خ ل.
(7) قال اللّه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(8) و أهل الجدرى من ذلك أصابهم الذي أصابهم في زمانهم جدرى خ ل- صح، و هو الموجود في طبعة من المصدر و في نسخة مخطوطة عندي، قلت: الجدرى بضم الجيم و فتحه: مرض يسبب بثورا حمرا بيض الرءوس تنتشر في البدن و تنقيح سريعا و هو شديد العدوى.
(9) تفسير القمّيّ: 739 و 740.
134
بن الجلاح و خرج إليه من اليهود بنيامين القرطي (1) فقال له أحيحة أيها الملك نحن قومك و قال بنيامين هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها و لو جهدت قال و لم قال لأنها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش قال ثم خرج يسير حتى إذا كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحا قصفت (2) يديه و رجليه و شنجت (3) جسده فأرسل إلى من معه من اليهود فقال ويحكم ما هذا الذي أصابني قالوا حدثت نفسك بشيء قال نعم و ذكر ما أجمع عليه من هدم البيت و أصابه ما فيه قالوا ذاك بيت الله الحرام و من أراده هلك قال ويحكم و ما المخرج مما دخلت فيه قالوا تحدث نفسك بأن تطوف به و تكسوه و تهدي له فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و كسا البيت و ذكر الحديث في نحره بمكة و إطعامه الناس ثم رجوعه إلى اليمن و قتله و خروج ابنه إلى قيصر و استعانته به (4) فيما فعل قومه بأبيه و أن قيصرا كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة و أن النجاشي بعث معه ستين ألفا و استعمل عليهم روزبه حتى قاتلوا حمير قتلة أبيه و دخلوا صنعاء فملكوها و ملكوا اليمن و كان في أصحاب روزبه رجل يقال له أبرهة و هو أبو يكسوم فقال لروزبه أنا أولى بهذا الأمر منك و قتله مكرا و أرضى النجاشي ثم إنه بنى كعبة باليمن و جعل فيها قبابا من ذهب و أمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام و أن رجلا من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة الإنسان فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها فقال من اجترأ علي بهذا و نصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا فدعا بالفيل و أذن قومه (5) بالخروج
____________
(1) في المصدر: القرظى.
(2) في المصدر: فقصفت.
(3) أي تقبض و تقلص.
(4) في المصدر: و استغاثته به.
(5) و أذن في قومه خ ل.
135
و من اتبعه من أهل اليمن و كان أكثر من تبعه منهم عك (1) و الأشعريون (2) و خثعم قال ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه رجل من الخمس (3) من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقا و أحث السير و الانطلاق و طلب من أهل الطائف دليلا فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له نفيل فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوا و هو من مكة على ستة أميال فبعثوا مقدماتهم إلى مكة فخرجت قريش عباديد (4) في رءوس الجبال و قالوا لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم و لم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته و غير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول.
لاهمّ إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك. (5)* * * لا يغلبوا بصليبهم و محالهم عدوا محالك.
إن يدخلوا البيت الحرام إذا فأمر ما بدا لك
ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم و كان حاجب أبرهة رجلا من الأشعريين (6) و كانت له بعبد المطلب معرفة فاستأذن له على الملك و قال له أيها
____________
(1) عك: بطن اختلف في نسبه، فقال بعضهم: بنوعك بن عدثان بن عبد اللّه بن الازد من كهلان، من القحطانية، و ذهب آخرون الى أنهم من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان أبو العدنانية، و قال آخرون: انه عك بن الديث بن عدنان بن ادد أخو معد بن عدنان، و كانت مواطنهم في نواحي زبيد، و قطنوا مدينة الكدراء و غيرها من مدن اليمن التهامية.
(2) في المصدر: الاشعرون و كذا فيما يأتي بعد ذلك: و كلاهما صحيح، و الاشعريون من قبائل كهلان من القحطانية، و هم بنو الاشعر بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ و كانت ديارهم من حدود بنى مجيد بأرض الشقاق فالى حليس فزبيد. و خثعم: قبيلة من القحطانية، تنسب الى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان.
(3) في المصدر: الحمس بالحاء المهملة، و هو بضم الحاء و سكون الميم: قبائل من العرب.
(4) العباديد: الفرق من الناس.
(5) في المصدر: حلالك. و تقدم معناه.
(6) في المصدر: من الاشعرين.
136
الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي (1) و وحشها في الجبل فقال ائذن له و كان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا فلما رآه أبو يكسوم أجله أن يجلسه تحته (2) و كره أن يجلسه معه على سريره فنزل من سريره فجلس على الأرض و أجلس عبد المطلب معه ثم قال ما حاجتك قال حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك فقال أبو يكسوم و الله لقد رأيتك فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك (3) فقال و لم أيها الملك قال لأني جئت إلى بيت عزكم و منعتكم (4) من العرب و فضلكم في الناس و شرفكم عليهم و دينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره و أصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك و لم تطلب إلي في بيتكم فقال له عبد المطلب أيها الملك إنما أكلمك فيما لي (5) و لهذا البيت رب هو يمنعه لست أنا منه في شيء فراع ذلك أبا يكسوم و أمر برد إبل عبد المطلب عليه ثم رجع و أمست ليلتهم تلك ليلة كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاما لاقترابها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب و خرج دليلهم حتى دخل الحرم و تركهم و قام الأشعريون و خثعم و كسروا رماحهم و سيوفهم و برءوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت فباتوا كذلك بأخبث ليلة ثم أدلجوا بسحر (6) فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة فوجهوه إلى مكة فربض فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا ثم إنهم أقبلوا على الفيل فقالوا لك الله أن لا نوجهك إلى مكة فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعا فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير
____________
(1) الحى: محلة القوم.
(2) في المصدر: أعظمه أن يجلسه تحته.
(3) أي رغبت عنك.
(4) المنعة: العز و القوّة.
(5) في المصدر: أنا اكلمك فيما لي.
(6) أي ساروا قريبا من السحر.
137
معها الحجارة فجعلت ترميهم و كل طائر في منقاره حجر و في رجليه حجران و إذا رمت بتلك مضت و طلعت أخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه و لا عظم إلا أوهاه (1) و ثقبه و ثاب (2) أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضا انقطع له فيها إرب (3) حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلا أباده (4) فلما قدمها انصدع صدره و انشق بطنه فهلك و لم يصب من خثعم و الأشعريين أحد قال و كان عبد المطلب يرتجز و يدعو على الحبشة يقول.
يا رب لا أرجو لهم سواكا.* * * يا رب فامنع منهم حماكا.
إن عدو البيت من عاداكا.* * * إنهم لم يقهروا قواكا. (5)
قال و لم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك و ليس كل القوم أصابت و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا و يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق. (6)
و قال مقاتل السبب الذي جر أصحاب الفيل إلى مكة هو أن فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فساروا حتى دنوا من ساحل البحر و في حقف من أحقافها بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل و يسميها النجاشي و أهل أرضه ماسرخشان فنزل القوم فجمعوا حطبا ثم أججوا نارا فاشتووا لحما فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكل نارا فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبة.
____________
(1) أي كسره.
(2) أي عاد.
(3) الارب: العضو.
(4) باده خ ل و هو الموجود في المصدر.
(5) قراكا خ ل.
(6) في المصدر هنا أشعار أسقطها المصنّف و هى:
ردينة لو رأيت و لم ترينه* * * لدى جنب المحصب ما راينا
حمدت اللّه اذ عاينت طيرا* * * و خفت حجارة تلقى علينا
و كل القوم يسأل عن نفيل* * * كأن على للحبشان دينا
.
138
- وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْفِيلِ (1) طَيْراً مِثْلَ الْخُطَّافِ أَوْ نَحْوِهِ فِي مِنْقَارِهِ حَجَرٌ مِثْلَ الْعَدَسَةِ فَكَانَ يُحَاذِي بِرَأْسِ الرَّجُلِ فَيَرْمِيهِ بِالْحَجَرِ فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ فَلَمْ تَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَتَتْ عَلَيْهِمْ قَالَ فَأَفْلَتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَعَلَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِالْقِصَّةِ فَبَيْنَا هُوَ يُخْبِرُهُمْ إِذْ أَبْصَرَ طَيْراً مِنْهَا فَقَالَ هَذَا هُوَ مِنْهَا (2) قَالَ فَحَاذَى بِهِ فَطَرَحَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ.
. و قال عبيد بن عمير لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا نشأت من البحر كأنها الخطاطيف كل طير منها معه ثلاثة أحجار ثم جاءت حتى صفت على رءوسهم ثم صاحت و ألقت ما في أرجلها و مناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر إن وقع على رأسه خرج من دبره و إن وقع على شيء من جسده خرج من الجانب الآخر.
و عن ابن عباس قال دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين فلما حاذت بهم رمتهم فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه قال و كانت الطير نشأت من قبل البحر لها خراطيم الطيور و رءوس السباع لم تر قبل ذلك و لا بعده فقال تعالى أَ لَمْ تَرَ أ لم تعلم كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ الذي قصدوا تخريب الكعبة و كان معهم فيل واحد اسمه محمود و قيل ثمانية أفيال و قيل اثنا عشر فيلا و إنما وحد لأنه أراد الجنس و كان ذلك في العام الذي ولد فيه رسول الله(ص)و عليه أكثر العلماء و قيل كان أمر الفيل قبل مولده(ص)بثلاث و عشرين سنة و قيل بأربعين سنة (3) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ أي ضل سعيهم
____________
(1) في المصدر: أصحاب الفيل.
(2) فقال: مثل هذا هو منها خ ل.
(3) في المصدر: و الصحيح الأول، و يدلّ عليه ما ذكر أن عبد الملك بن مروان قال لعتاب بن أشيم الكنانيّ الليثى: يا عتاب أنت أكبر أم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟ قال عتاب:
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أكبر منى و أنا أسن منه، ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عام الفيل، و وقعت على روث الفيل. و قالت عائشة: رأيت قائد الفيل و سائقه بمكّة أعميين مقعدين يستطعمان.
139
حتى لم يصلوا إلى ما أرادوه بكيدهم وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا كالإبل المؤبلة و كانت لها خراطيم كخراطيم الطير و أكف كأكف الكلاب و قيل لها أنياب كأنياب السباع و قيل طير خضر لها مناقير صفر و قيل طير سود بحرية تحمل في مناقيرها و أكفها الحجارة و يمكن أن يكون بعضها خضرا و بعضها سودا تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ أي تقذفهم تلك الطير بحجارة صلبة شديدة و قال موسى بن عائشة كانت أكبر من العدسة و أصغر من الحمصة. (1)
و قال البيضاوي مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر معرب سنگ گل و قيل من السجل و هو الدلو الكبير أو الإسجال و هو الإرسال أو من السجل و معناه من جملة العذاب المكتوب المدون.
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع وقع فيه الأكال و هو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته الدواب و راشته (2).
72 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ وَ أَحْمَدَ بْنِ هَوْذَةَ جَمِيعاً عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: لَمَّا ظَهَرَتِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ وَجَّهَ يَكْسُومُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ بِقَائِدَيْنِ مِنْ قُوَّادِهِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أَبْرَهَةُ وَ الْآخَرِ أَرْبَاطُ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْفِيَلَةِ كُلُّ فِيلٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لِهَدْمِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَلَمَّا صَارُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَ اخْتَلَفُوا فَقَتَلَ أَبْرَهَةُ أَرْبَاطَ وَ اسْتَوْلَى عَلَى الْجَيْشِ فَلَمَّا قَارَبَ مَكَّةَ طَرَدَ أَصْحَابُهُ عِيراً لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَصَارَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبْرَهَةَ وَ كَانَ تَرْجُمَانُ أَبْرَهَةَ وَ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ ابْنَ دَايَةٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ التَّرْجُمَانُ لِأَبْرَهَةَ هَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ دَيَّانُهَا فَأَجِّلْهُ وَ أَعْظِمْهُ ثُمَّ قَالَ لِكَاتِبِهِ سَلْهُ مَا حَاجَتُهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَ الْمَلِكِ طَرَدُوا لِي نَعَماً فَأْمُرْ بِرَدِّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى
____________
(1) مجمع البيان: 10: 540- 542. و فيه اختصار.
(2) أنوار التنزيل: 2: 619. قوله: راشته: أى أكلته كثيرا.
140
التَّرْجُمَانِ فَقَالَ قُلْ لَهُ عَجَباً لِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ وَ رَأَّسُوكَ (1) عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَسْأَلُنِي فِي عِيرٍ لَكَ وَ قَدْ جِئْتُ لِأَهْدِمَ شَرَفَكَ وَ مَجْدَكَ وَ لَوْ سَأَلْتَنِي الرُّجُوعَ عَنْهُ لَفَعَلْتُ (2) فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ هَذِهِ الْعِيرَ لِي وَ أَنَا رَبُّهَا فَسَأَلْتُكَ إِطْلَاقَهَا وَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَنِيَّةِ رَبّاً يَدْفَعُ عَنْهَا قَالَ فَإِنِّي عَادٍ (3) لِهَدْمِهَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا ذَا يَفْعَلُ فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَحَلَ أَبْرَهَةُ بِجَيْشِهِ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ فِي السَّحَرِ الْأَكْبَرِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتَاكُمْ أَهْلُ عَكَّةَ بِجَحْفَلٍ جَرَّارٍ يَمْلَأُ الْأَنْدَارَ مِلْءَ الْجِفَارِ فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الْجَبَّارِ فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ شِعْرَ (4)
أَيُّهَا الدَّاعِي لَقَدْ أَسْمَعْتَنِي* * * كُلَّ مَا قُلْتَ وَ مَا بِي مِنْ صَمَمٍ
إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبّاً مَانِعاً* * * مَنْ يَرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ
رَامَهُ تُبَّعٌ فِي أَجْنَادِهِ* * * حِمْيَرٌ وَ الْحَيُّ مِنْ آلِ إِرَمَ
هَلَكَتْ بِالْبَغْيِ فِيهِمْ جُرْهُمٌ* * * بَعْدَ طَسْمٍ وَ حَدِيسٍ (5)وَ جُشَمٍ
وَ كَذَاكَ الْأَمْرُ فِيمَنْ كَادَهُ* * * لَيْسَ أَمْرُ اللَّهِ بِالْأَمْرِ الْأَمَمِ
نَحْنُ آلُ اللَّهِ فِيمَا قَدْ خَلَا* * * لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَهَمَ (6)
نَعْرِفُ اللَّهَ وَ فِينَا شِيمَةٌ* * * صِلَةُ الرَّحِمِ وَ نُوفِي بِالذِّمَمِ
لَمْ يَزَلْ لِلَّهِ فِينَا حُجَّةٌ* * * يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْهَا (7) النِّقَمَ
وَ لَنَا فِي كُلِّ دَوْرٍ كَرَّةٌ* * * نَعْرِفُ الدِّينَ وَ طَوْراً فِي الْعَجَمِ
____________
(1) أي جعلوك رئيسا. (2) فيه تفرد و غرابة. (3) في نسخة مخطوطة عندي: غاد. (4) هكذا في النسخ، و الظاهر أنّه خبر لمبتدإ محذوف أي هذا شعر، و أيها الداعي مقول لقوله يقول. أو هو مصحف شعرا، و المصدر خال عنه. (5) هكذا في النسخ، و في المصدر جديس بالجيم و هو الصحيح و جديس كشريف: قبيلة من العرب العاربة البائدة، كانت مساكنهم اليمامة و قال في العبر: كانت مساكنهم بالبحرين و كان يجاورهم في مساكنهم طسم. و طسم: قبيلة من العاربة، و هم بنو طسم بن لاود بن سام بن نوح، و ذكر الجوهريّ أنهم من عاد، و كانت منازلهم الاحقاف من اليمن مع جديس، و ذكر في العبر: أن ديارهم كانت اليمامة، و قد انقرضت. و جشم يطلق على بطون. راجع نهاية الارب للقلقشندى. (6) مخفف إبراهيم. (7) عنا خ ل.* * *
141
فَإِذَا مَا بَلَغَ الدَّوْرُ إِلَى* * * مُنْتَهَى الْوَقْتِ أَتَى الطِّينَ فَدْمٌ
بِكِتَابٍ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ* * * فِيهِ تِبْيَانُ أَحَادِيثِ الْأُمَمِ
فَلَمَّا أَصْبَحَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَمَعَ بَنِيهِ وَ أَرْسَلَ الْحَارِثَ ابْنَهُ الْأَكْبَرَ إِلَى أَعْلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَقَالَ انْظُرْ يَا بُنَيَّ مَا ذَا يَأْتِيكَ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ فَرَجَعَ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً فَأَرْسَلَ وَاحِداً بَعْدَ آخَرَ مِنْ وُلْدِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْبَحْرِ بِخَبَرٍ فَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ وَ إِنَّهُ لَغُلَامٌ حِينَ أَيْفَعَ (1) وَ عَلَيْهِ ذُؤَابَةٌ تَضْرِبُ إِلَى عَجُزِهِ فَقَالَ اذْهَبْ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي فَاعْلُ أَبَا قُبَيْسٍ فَانْظُرْ مَا ذَا تَرَى يَجِيءُ مِنَ الْبَحْرِ فَنَزَلَ مُسْرِعاً فَقَالَ يَا سَيِّدَ النَّادِي (2) رَأَيْتُ سَحَاباً مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ مُقْبِلًا يَسْتَفِلُ تَارَةً وَ يَرْتَفِعُ أُخْرَى إِنْ قُلْتُ غَيْماً قُلْتُهُ وَ إِنْ قُلْتُ جَهَاماً خِلْتُهُ يَرْتَفِعُ تَارَةً وَ يَنْحَدِرُ أُخْرَى فَنَادَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ادْخُلُوا مَنَازِلَكُمْ فَقَدْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَأَقْبَلَتِ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ فِي مِنْقَارِ كُلِّ طَائِرٍ حَجَرٌ وَ فِي رِجْلَيْهِ حَجَرَانِ فَكَانَ الطَّائِرُ الْوَاحِدُ يَقْتُلُ ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبْرَهَةَ كَانَ يُلْقِي الْحَجَرَ فِي قِمَّةِ (3) رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ وَ قَدْ قَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى نَبَأَهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ السُّورَةَ السِّجِّيلُ الصُّلْبُ مِنَ الْحِجَارَةِ وَ الْعَصْفُ وَرَقُ الزَّرْعِ وَ مَأْكُولٌ يَعْنِي كَأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَبِّ فَأُكِلَ وَ بَقِيَ لَا حَبَّ فِيهِ وَ قِيلَ إِنَّ الْحِجَارَةَ كَانَتْ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَ خَرَجَتْ مِنْ أَدْبَارِهِمْ بَقِيَتْ أَجْوَافُهُمْ فَارِغَةً خَالِيَةً حَتَّى يَكُونُ الْجِسْمُ كَقِشْرِ الْحَنْظَلَةِ (4).
بيان: قال الجوهري العكة بالضم آنية السمن و رملة حميت عليها الشمس و فورة الحر و عكة اسم بلد في الثغور و الجحفل الجيش و الأندر البيدر و لعل فيه تصحيفا (5) و الجفار جمع جفر و هو من أولاد الشاة ما عظم و جمع جفرة و هي جوف الصدر و سعة في الأرض مستديرة و الأمم محركة اليسير و الفَدْم الأحمر المشبع حمرة و لعله
____________
(1) يفع و أيفع الغلام: ترعرع و ناهز البلوغ.
(2) النادى: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه.
(3) القمة بالكسر: أعلى كل شيء.
(4) كقشر الحنطة خ ل كنز الكراجكيّ: 81 و 82.
(5) لان في الصلب: الاندار.
142
هنا كناية عن الدم و الجهام السحاب لا ماء فيه.
73- ع، علل الشرائع ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَقَالَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ مَدِينَةٍ كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى الْمَشْرِقِ فِيمَا بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَ الْبَحْرَيْنِ يُخِيفُونَ السَّبِيلَ وَ يَأْتُونَ الْمُنْكَرَ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً جَاءَتْهُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ رُءُوسُهَا كَأَمْثَالِ رُءُوسِ السِّبَاعِ وَ أَبْصَارُهَا كَأَبْصَارِ السِّبَاعِ (1) مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ فِي مَخَالِيبِهِ (2) وَ حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ فَجَعَلَتْ تَرْمِيهِمْ بِهَا حَتَّى جُدِّرَتْ أَجْسَادُهُمْ فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا وَ مَا كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ رَأَوْا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ الطَّيْرِ وَ لَا شَيْئاً مِنَ الْجُدَرِيِّ وَ مَنْ أَفْلَتَ مِنْهُمُ انْطَلَقُوا حَتَّى بَلَغُوا حَضْرَمَوْتَ وادي [وَادٍ بِالْيَمَنِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ سَيْلًا فَغَرَّقَهُمْ وَ لَا رَأَوْا فِي ذَلِكَ الْوَادِي مَاءً قَبْلَ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَضْرَمَوْتَ حِينَ مَاتُوا فِيهِ (3).
بيان: هذا حديث غريب مخالف لما مر لم أره إلا من هذا الطريق و يمكن أن تكون السورة إشارة إلى الواقعتين معا و يحتمل أن يكون الذين أرادوا البيت هؤلاء القوم و سيأتي الخبر من الكافي بهذا السند (4) بوجه آخر لا يخالف شيئا من الأخبار (5).
74- ك، إكمال الدين ابْنُ مُوسَى عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَمْرٍو الْمَغْرِبِيِ (6) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَقِيلٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ إِجْلَالًا لَهُ وَ كَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَخْرُجُ وَ هُوَ غُلَامٌ صَبِيٌّ فَيَجِيءُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَى الْفِرَاشِ فَيُعْظِمُ ذَلِكَ
____________
(1) كأبصار السباع من الطير خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) في المصدر: فى مخالبه.
(3) علل الشرائع: 176.
(4) تحت رقم: 89.
(5) ان لم يسقط صدره: و لكن الظاهر أنهما واحد قد اسقط الكليني أو بعض الرواة صدره.
(6) في المصدر: المزنى مكان المغربى.
143
أَعْمَامُهُ (1) وَ يَأْخُذُونَهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعُوا ابْنِي فَوَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْناً عَظِيماً إِنِّي أَرَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ وَ هُوَ سَيِّدُكُمْ إِنِّي أَرَى غُرَّتَهُ غُرَّةً تَسُودُ النَّاسَ ثُمَّ يَحْمِلُهُ فَيُجْلِسُهُ مَعَهُ وَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ وَ يُقَبِّلُهُ وَ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ قُبْلَةً أَطْيَبَ مِنْهُ وَ لَا أَطْهَرَ قَطُّ (2) وَ لَا جَسَداً أَلْيَنَ مِنْهُ وَ لَا أَطْيَبَ ثُمَّ يَلْتَفِتُ (3) إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَبَا طَالِبٍ لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ لَشَأْناً عَظِيماً فَاحْفَظْهُ وَ اسْتَمْسِكْ بِهِ فَإِنَّهُ فَرْدٌ وَحِيدٌ وَ كُنْ لَهُ كَالْأُمِّ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ فَيَطُوفُ بِهِ أُسْبُوعاً وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَكْرَهُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى فَلَا يُدْخِلُهُ عَلَيْهِمَا فَلَمَّا تَمَّتْ لَهُ سِتُّ سِنِينَ مَاتَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ الْمَكَّةِ وَ الْمَدِينَةِ وَ كَانَتْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَتِيماً لَا أَبَ لَهُ وَ لَا أُمَّ فَازْدَادَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَهُ رِقَّةً وَ حِفْظاً وَ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ حَتَّى أَدْرَكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ الْوَفَاةُ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ مُحَمَّدٌ عَلَى صَدْرِهِ وَ هُوَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَ هُوَ يَبْكِي وَ يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ يَقُولُ يَا أَبَا طَالِبٍ انْظُرْ أَنْ تَكُونَ حَافِظاً لِهَذَا الْوَحِيدِ الَّذِي لَمْ يَشَمَّ رَائِحَةَ أَبِيهِ وَ لَمْ يَذُقْ شَفَقَةَ أُمِّهِ انْظُرْ يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَسَدِكَ بِمَنْزِلَةِ كَبِدِكَ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ بَنِيَّ كُلَّهُمْ وَ أَوْصَيْتُكَ بِهِ لِأَنَّكَ مِنْ أُمِّ أَبِيهِ يَا أَبَا طَالِبٍ إِنْ أَدْرَكْتَ أَيَّامَهُ تَعْلَمُ (4) أَنِّي كُنْتُ مِنْ أَبْصَرِ النَّاسِ بِهِ وَ أَنْظَرِ النَّاسِ وَ أَعْلَمَ (5) فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّبِعَهُ فَافْعَلْ وَ انْصُرْهُ بِلِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ مَالِكَ فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ سَيَسُودُكُمْ وَ يَمْلِكُ مَا لَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ (6) مِنْ بَنِي آبَائِي يَا أَبَا طَالِبٍ مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنْ آبَائِكَ مَاتَ عَنْهُ أَبُوهُ عَلَى حَالِ أَبِيهِ وَ لَا أُمُّهُ عَلَى حَالِ أُمِّهِ فَاحْفَظْهُ لِوَحْدَتِهِ هَلْ قَبِلْتَ وَصِيَّتِي قَالَ نَعَمْ قَدْ قَبِلْتُ وَ اللَّهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ
____________
(1) في نسخة من المصدر: فيعظم ذلك على أعمامه خ ل.
(2) في المصدر: ما رأيت قبله من هو أطيب منه و لا أطهر قط.
(3) في المصدر: ثم التفت.
(4) في المصدر: فاعلم.
(5) في المصدر: و أعلم الناس به. و هو يخلو عن قوله: و انظر.
(6) ما لم يملك كل واحد خ ل.
144
شَاهِدٌ (1) فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمُدَّ يَدَكَ إِلَيَّ فَمَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى يَدِهِ ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْآنَ خُفِّفَ عَلَيَّ الْمَوْتُ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُهُ وَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّي لَمْ أُقَبِّلْ أَحَداً مِنْ وُلْدِي أَطْيَبَ رِيحاً مِنْكَ وَ لَا أَحْسَنَ وَجْهاً مِنْكَ وَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ حَتَّى يُدْرِكَ زَمَانَهُ فَمَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ فَضَمَّهُ أَبُو طَالِبٍ إِلَى نَفْسِهِ لَا يُفَارِقُهُ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ وَ لَا نَهَارٍ وَ كَانَ يَنَامُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ لَا يَأْمَنُ (2) عَلَيْهِ أَحَداً (3).
75- ك، إكمال الدين أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشَّارٍ الْهُذَلِيِ (4) عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ: كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَ كَانَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلَالًا لَهُ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَأْتِي حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَعُوا ابْنِي فَيَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ يَقُولُ إِنَّ لِابْنِي هَذَا لَشَأْناً فَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ النَّبِيُّ(ص)ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِ سِنِينَ (5).
76- ك، إكمال الدين أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِ (6) عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ وَ اللَّهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَ لَا جَدِّي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ لَا هَاشِمٌ وَ لَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ قِيلَ فَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ(ع)مُتَمَسِّكِينَ بِهِ (7).
____________
(1) في المصدر: و اللّه على بذلك شهيد.
(2) في المصدر: لا يأتمن عليه أحدا.
(3) كمال الدين: 102 و 103.
(4) في المصدر: المدنيّ، الظاهر أن بشار مصحف يسار، فالرجل هو محمّد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبى مولاهم المدنيّ، نزيل العراق، امام المغازى.
(5) كمال الدين: 103. و فيه: بعد عام الفيل.
(6) المسكى خ ل و هو الصحيح.
(7) كمال الدين: 104.
145
77- يج، الخرائج و الجرائح مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّ أَبْرَهَةَ بْنَ يَكْسُومَ قَادَ الْفِيَلَةَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ لِيَهْدِمَهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَبْرَهَةَ وَ قَدْ حَضَرَهُ بَعْدَ أَنْ عَظَّمَ شَأْنَهُ لِسُؤَالِهِ بَعِيرَهُ إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبّاً يَمْنَعُهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَدَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَ أَهْلُ مَكَّةَ قَدْ صَعِدُوا وَ تَرَكُوا مَكَّةَ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ (1) اخْرُجْ وَ انْظُرْ مَا ذَا تَرَى فِي السَّمَاءِ فَرَجَعَ قَالَ طُيُوراً لَمْ تَكُنْ فِي وِلَايَتِنَا وَ قَدْ أَخْبَرَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَ غَيْرُهُ بِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ وَ دَفَعَهُمْ عَنْ مَكَّةَ وَ أَهْلِهَا (2).
78- قب، المناقب لابن شهرآشوب لَمَّا قَصَدَ أَبْرَهَةُ بْنُ الصَّبَّاحِ لِهَدْمِ الْكَعْبَةِ أَتَاهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِيَسْتَرِدَّ مِنْهُ إِبِلَهُ فَقَالَ تُعْلِمُنِي فِي مِائَةِ بَعِيرٍ وَ تَتْرُكُ دِينَكَ وَ دِينَ آبَائِكَ وَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَ إِنَّ لِلْبَيْتِ رَبّاً سَيَمْنَعُهُ مِنْكَ فَرَدَّ إِلَيْهِ إِبِلَهُ فَانْصَرَفَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَ أَخَذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ قَائِلًا
يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا* * * يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا
إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا* * * امْنَعْهُمْ أَنْ يُخْرِبُوا قِرَاكَا
وَ لَهُ أَيْضاً
لَاهُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ رِحَالَكَ* * * لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَ مِحَالُهُمْ عَدْواً مِحَالَكَ-
فَانْجَلَى نُورُهُ عَلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ انْصَرِفُوا فَوَ اللَّهِ مَا انْجَلَى مِنْ جَبِينِي هَذَا النُّورُ إِلَّا ظَفِرْتُ وَ الْآنَ قَدِ انْجَلَى عَنْهُ وَ سَجَدَ الْفِيلُ لَهُ فَقَالَ لِلْفِيلِ يَا مَحْمُودُ فَحَرَّكَ الْفِيلُ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ تَدْرِي لِمَ جَاءُوا بِكَ فَقَالَ الْفِيلُ بِرَأْسِهِ لَا فَقَالَ جَاءُوا بِكَ لِتَهْدِمَ بَيْتَ رَبِّكَ أَ فَتَرَاكَ فَاعِلَ ذَلِكَ فَقَالَ الْفِيلُ بِرَأْسِهِ لَا (3).
بيان: المحال بالكسر الكيد و القوة.
____________
(1) يخالف ما مر من أنّه كان عبد اللّه.
(2) لم نجده في الخرائج المطبوع: و الظاهر كما استفدنا من مواضع من بحار الأنوار أن نسخة الخرائج التي كانت عند المصنّف كانت أكمل من المطبوع، و لعلها كانت مطابقة للنسخة التي ذكر الطهرانيّ في الذريعة: أنها تخالف المطبوع و أنّها موجودة في مكتبة سلطان العلماء.
(3) مناقب آل أبي طالب 1: 18 و 19.
146
79- قب، المناقب لابن شهرآشوب عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَ يُوضَعُ فِرَاشٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِجْلَالًا لَهُ وَ كَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَعُوا ابْنِي فَوَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْناً عَظِيماً إِنِّي أَرَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ وَ هُوَ سَيِّدُكُمْ ثُمَّ يَحْمِلُهُ فَيَجْلِسُهُ مَعَهُ وَ يَمْسَحُ ظَهْرَهُ وَ يُقَبِّلُهُ وَ يُوصِيهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ (1).
80 فض، (2) كتاب الروضة قال الواقدي كان في زمان عبد المطلب رجل يقال له سيف بن ذي يَزَن و كان من ملوك اليمن و قد أنفذ ابنه إلى مكة والياً من قبله و تقدم إليه باستعمال العدل و الإنصاف ففعل ما أمره به أبوه ثم إن عبد المطلب دعا برؤساء قريش مثل عتبة بن ربيعة و مثل الوليد بن المغيرة و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف و رؤساء بني هاشم فاجتمعوا في دار الندوة (3) فلما قعدوا و أخذوا مراتبهم فتكلم عبد المطلب و قال اعلموا أني قد دبرت تدبيرا فقال المشايخ و ما دبرت يا رئيس قريش و كبير بني هاشم فقال يا قوم إنكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يَزَن لتهنيته في ولايته و هلاك عدوه ليكون أرفق بنا و أميل إلينا فقالوا له بأجمعهم نعم ما رأيت و نعم ما دبرت قال فخرج عبد المطلب و معه سبعة و عشرون رجلا على نوق جياد نحو اليمن فلما وصلوا إلى سيف بن ذي يَزَن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه قالوا لهم إن الملك في القصر الوردي و كان من عاداته (4) في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان و لا يخرج إلا بعد نيف و أربعين يوما و لا يصل إليه ذو حاجة و لا زائر و أنتم قصدتم الملك في أيام الورد فذهب عبد المطلب
____________
(1) مناقب آل أبي طالب: 1: 24 و 25. و فيه: سيأتي عليكم يوم و هو سيدكم، انى أرى غرته غرة تسود الناس، ثم.
(2) هكذا في نسخة المصنّف و سائر النسخ المطبوعة و المخطوطة، و «فض» كما عرفت في المجلد الأول رمز لكتاب الروضة، و كتاب الروضة مقصور على ذكر فضائل عليّ (عليه السلام) و بعض الأئمّة، و ليس فيه الحديث و ما يشابهه، و الحديث مذكور في كتاب الفضائل، فلعل «فض» مصحف «يل» و قد غفل المصنّف فوهم في ذلك.
(3) في الفضائل زيادة هى: و هي الدار الموصلة في مسجد الحرام.
(4) في الفضائل زيادة هى: و كان من عادته.
147
إلى باب بستانه و كان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب و كان لهذا البستان باب يفتح إلى البرية و قد وكل بذلك البستان بوابا واحدا فقال عبد المطلب لأصحابه لعلنا يتهيأ لنا الدخول بحيلة و لا يتهيأ إلا هي فقال القوم صدقت قال الواقدي ثم إن عبد المطلب نزل و أخذ نحو الباب فنظر إلى البواب و سلم عليه فقال له يا بواب دعني أن أدخل هذا البستان فقال البواب وا عجبا منك ما أقل فهمك و أضعف رأيك أ مصروع أنت فقال له عبد المطلب ما رأيت من جنوني فقال له البواب ما علمت أن سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه و خدمه قاعدا (1) فإن بصر بك في بستانه أمر بقتلك و إن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء فقال له عبد المطلب دعني أدخل و يكون من الملك إلي ما يكون فقال له البواب يا مغلوب العقل إن الملك في القصر و عيناه للباب و البواب إنه قدر ما يرمق (2) أن يأمر بقتلك فقال عقيل بن أبي وقاص يا أبا الحارث أ ما علمت أن المصابيح لا تضيء إلا بالدهن فقال عبد المطلب صدقت قال الواقدي ثم إن عبد المطلب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار و قال بعد أن صب الكيس بين يدي البواب يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا برّي إليك فاقبل صلتي و خل سبيلي فلما نظر البواب إلى الدرهم (3) خر مبهوتا و قال له البواب يا شيخ إن دخلت و نظر إليك و سألك عن كيفية دخولك ما أنت قائل قال عبد المطلب أقول له كان البواب نائما و شرط عليه عبد المطلب أن لا يكذبه إن دعاه الملك للمسألة فيقول غفوت (4) و ليس لي بدخوله علم قال نعم فقال عبد المطلب إن كذبتني في هذا صدقت الملك عن الصلة التي وصلتك بها فقال له البواب ادخل يا شيخ فدخل عبد المطلب البستان و كان قصر غمدان في وسط الميدان و البستان كأنه جنة من الجنان قد حف بالورد و الياسمين و أنواع الرياحين و الفواكه و فيه أنهار جارية وسطه و إذا سيف بن ذي يزن قد اتكأ على عمود المنظرة من قصره فلما نظر إلى عبد المطلب غضب
____________
(1) في الفضائل: قاعد و هو الصحيح.
(2) رمقه: أطال النظر إليه. لحظه لحظا خفيفا. و المراد هنا المعنى الثاني.
(3) في الفضائل: الى الدراهم.
(4) غفى: نعس. نام نومة خفيفة.
148
و قال لغلمانه من ذا الذي دخل علي بغير إذني ايتوني به سريعا فسعى إليه الغلمان و الخدم فاختطفوه من البستان فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا مبنيا على حجر مطلّى بطلاء الوردي منقشا بنقش اللازوردي و ورد على أمثال الورد و رأى عن يمين الملك و عن شماله و بين يديه من الجواري ما لا عدد لهن و رأى بقرب الملك عمودا من عقيق أحمر و له رأس من ياقوت أزرق مجوف محشى بالمسك و رأى عن يساره تورا (1) من ذهب أحمر و على فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب شعر.
رب ليث مدجج كان يحمي.* * * ألف قرن منغمد الأغمادي.
و خميس ملفف بخميس.* * * بدد (2)الدهر جمعهم في البلاد.
قال الواقدي فوقف عبد المطلب بين يديه و لم يتكلم له الملك و لا عبد المطلب حتى كرع الملك في التور الذي بين يديه فلما فرغ من شربه نظر إليه و كان سيف قد شاهد عبد المطلب قبل هذا و لكنه أنكره حتى استنطقه فقال له الملك من الرجل فقال أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان حتى بلغ آدم(ع)فقال له الملك أنت ابن أختي فقال نعم أيها الملك أنا ابن أختك و ذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان و آل قحطان من الأخ و آل إسماعيل من الأخت فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن أخته فقال سيف أهلا و سهلا و ناقة و رحلا و مد الملك يده إلى عبد المطلب و كذلك عبد المطلب إلى نحو الملك فأمره الملك بالقعود و كناه بأبي الحارث أنتم معاشر أهل الشار رجال الليل و النهار و غيوث الجدب و الغلاء و ليوث الحرب بضرب الطلا ثم قال يا أبا الحارث فيم جئت فقال له عبد المطلب نحن جيران بيت الله الحرام و سدنة البيت (3) و قد جئت إليك و أصحابي بالباب لنهنئك بولايتك و ما فوضه الله تعالى من النصر لك و أجراه على يديك من هلاك عدوك فالحمد لله الذي نصرك و أقر عينيك و أفلج حجتك (4) و أقر
____________
(1) التور: اناء صغير.
(2) بدد: فرق.
(3) سدنة: جمع السادن: خادم الكعبة.
(4) أي أظهرها و قدمها.
149
عيوننا بخذلان عدوك فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك و هنأك بما منحك و وصلها بالكرامة الأبدية فلا خيب دعائي فيك أيها الملك ففرح سيف بدعائه و استقر له بالمحبة بما سمع من تهنيته ثم أمره أن يصير هو و من معه بالباب من أصحابه إلى دار الضيافة إلى أن يؤمر (1) بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه فمضى و حجابه و خدمه بين يديه إلى حيث أمرهم و خرج عبد المطلب و استوى على جمله و اتبعه أصحابه و بين يديه غلمان الملك و حوله حتى أنزلوه و أصحابه الدار و بالغوا بالتوصية به و بأصحابه فأمر الملك أن يجري عليهم في كل يوم ألف درهم بيض فبقي عبد المطلب في دار الضيافة سريرا (2) حتى تصرمت أيام الورد فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه و النظر في أمره ذكر عبد المطلب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده فدخل عليه الرسول فأمره و أعلمه بمراد الملك منه فقام معه إليه فإذا الملك في مجلسه وحده فقال لخدمه تباعدوا عنا فلم يبق في المجلس غير الملك و عبد المطلب و ثالثهم رب العزة تبارك و تعالى فقال له الملك يا أبا الحارث إن من آرائي أن أفوض إليك علما كنت كتمته عن غيرك و أريد أن أضعه عندك فإنك موضع ذلك و أريد أن تطويه و تكتمه إلى أن يظهره الله تعالى فقال عبد المطلب السمع و الطاعة للملك و كذا الظن بك فقال الملك اعلم يا أبا الحارث أن بأرضكم غلاما حسن الوجه و البدن جميل القد و القامة بين كتفيه شامة (3) المبعوث من تهامة أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوة و ظللته الغمامة صاحب الشفاعة يوم القيامة مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران لا إله إلا الله و الثاني محمد رسول الله و الله تعالى أمات أمه و أباه و تكون تربيته على جده و عمه و أني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته أبين و أشرح من القمر بين الكواكب و أني أراك جده فقال عبد المطلب أنا جده أيها الملك فقال الملك مرحبا بك و سهلا يا أبا الحارث ثم قال له الملك أشهدك على نفسي يا أبا الحارث أني مؤمن به و بما يأتي
____________
(1) الى أن يأمر خ ل.
(2) السرير الذي يسر إخوانه و يبرهم، و في هامش نسخة المصنّف مكانه: سرا برا.
(3) الشامة: الخال.
150
به من عند ربه ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره و ينظره (1) يتعجب منه الطير في الهواء ثم قال يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك و لا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى فقال عبد المطلب السمع و الطاعة للملك و نظر عبد المطلب في لحية سيف بن ذي يزن سوادا و بياضا و خرج من عنده و قد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين (2) و قد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها فقالوا له ما كان يريد الملك منك قال عبد المطلب يسألني عن رسوم مكة و آثارها و لم يخبر عبد المطلب أحدا بما كان بينه و بين الملك و غدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا و تزينوا و دخلوا القصر و عبد المطلب يقدمهم فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه و لحيته حالكا فقال له عبد المطلب إني تركتك أبيض اللحية فما هذا فقال له الملك إني أستعمل الخضاب فقال أصحاب عبد المطلب إن رأى الملك أن يرانا أهلا لذلك الخضاب فليفعل قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام و كان القوم بيض الرءوس و اللحاء فخضبوا هناك فخرجوا و لشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر و يقال إن سيفا أول من خضب رأسه و لحيته قال الواقدي ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض فحمل كل واحد منهم على دابة و بغل و أمر لكل واحد منهم بجارية و غلام و بتخت ثياب (3) فاخرة و لعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم ثم دعا الملك بفرسه العقاب و بغلته الشهباء و ناقته العضباء (4) و قال يا أبا الحارث إن الذي أسلمه إليك (5) أمانة في عنقك تحفظها إلى
____________
(1) و الظاهر أن بعد ذلك سقط ما يرتبط بين الجملتين.
(2) الشاحب: المهزول أو المتغير اللون.
(3) في الفضائل: و غلام و ثياب و بتخت ثياب، قلت. و التخت: خزانة الثياب.
(4) العضباء بالعين المهملة و الضاد المعجمة، قال الجزريّ: فيه كان اسم ناقته العضباء؛ و هو علم لها منقول من قولهم: ناقة عضباء أي مشقوقة الاذن، و لم تكن مشقوقة الاذن، و قال بعضهم كانت مشقوقة الاذن، و الأول أكثر، و قال الزمخشريّ: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء و هى القصيرة اليد.
(5) في الفضائل: أسلمته إليك.
151
أن تسلمها إلى محمد(ص)إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له اعلم أني ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئا إلا وجدته و ما قصدني عدو و أنا راكب عليها إلا نجاني الله تعالى منه و أما البغلة فإني كنت أقطع بها الدكداك و الجبال لحسن سيرها و لا أنزل عنها ليلي و نهاري فأمره أن يتحفظ و يجعلها لي تذكرة و بلغه عني التحية الكثيرة فقال عبد المطلب السمع و الطاعة لأمر الملك ثم ودعوه و خرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم فخرج الناس يستقبلونهم و خرج أولاد عبد المطلب و قعد النبي على صخرة و قد ألقى كمه على وجهه لئلا تناله الشمس حتى تقارب عبد المطلب فنظر أولاده إليه و قالوا يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخا و رجعت شابا قال نعم أيها الفتيان سأخبركم بما ذكرتم ثم قال لهم أين سيدي محمد فقالوا إنه قعد في بعض الطريق ينتظركم ثم إن عبد المطلب سار نحوه حتى وصل إليه مع أصحابه فنزل عن مركوبه و عانقه و قبل ما بين عينيه و قال له إن هذا الفرس و البغلة و الناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن و يقرأ عليك التحية الطيبة ثم أمر أن يحمل رسول الله(ص)على الفرس فلما استوى النبي(ص)على ظهر الفرس انتشط و صهل صهيلا شديدا فرحا برسول الله(ص)و نسب هذا الفرس أنه عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح أمر الله تعالى قال كن فكان بأمره.
قال الواقدي و أخذ أبو طالب بلجام فرسه و حف برسول(ص)أعمامه فقال(ص)خلوا عني فإن ربي يحفظني و يكلؤني (1) فخلوا عنه فدخل النبي(ص)إلى مكة على حالته فشاع خبره في قريش و بني هاشم فتعجب من أمره الخلق و بقي النبي(ص)فرحا مسرورا عند عبد المطلب.
قال الواقدي و دب النبي(ص)و درج و أتى عليه ثمان سنين و ثمانية أشهر و ثمانية أيام فعندها اعتل عبد المطلب علة شديدة فأمر أن يحمل سريره إلى عند البيت الحرام و ينصب هناك عند أستار الكعبة و كان لعبد المطلب سرير من خيزران أسود ورثه من جده عبد مناف و كان السرير له شبكات من عاج و آبنوس و صندل و عود أحسن ما يكون إحكاما
____________
(1) كلا اللّه فلانا: حرسه و حفظه.
152
و هيئة و أمر عبد المطلب أن يزين السرير بألوان الفرش و الديباج الرقاق و أمر أن ينصب فوق سريره فسطاط من ديباج أحمر ففعل ذلك و حمل عبد المطلب إلى بيت الله الحرام و نام على ذلك السرير المزين و قعد حوله أولاده و كان له من البنين عشرة أنفس فمات منهم عبد الله و بقي بعده تسعة أنفس شجعان يعد كل واحد منهم بألف و قعدوا حوله و حفوا بعبد المطلب يبكون و دموعهم تتقاطر كالمطر و قعد النبي(ص)و اجتمعت عند عبد المطلب بطون العرب و كبار قريش مصطفون (1) ما منهم أحد إلا و عيناه تهملان بالدموع فعند ذلك ظهر أبو لهب لعنه الله و أخزاه و أخذ برأس رسول الله(ص)لينحيه عن عبد المطلب فصاح عبد المطلب و انتهره (2) و قال له مه يا عبد العزى أنت من عداوتك لا تنفك من إظهارك ببغضك لولدي محمد اقعد مكانك و أمسك (3) عنه و قام أبو لهب و قعد عند رجل عبد المطلب خجلا مخذولا لأن أبا لهب كان من الفراعنة المبغضين لرسول الله(ص)ثم مال عبد المطلب إلى جنبه و أقبل بوجهه على أبي طالب لأنه (4) لم يكن في أولاد عبد المطلب أرفق منه برسول الله(ص)و لا أميل منه ثم أنشأ يقول شعر. (5)
أوصيك يا عبد مناف بعدي.* * * بموحد بعد أبيه فردي.
فارقه و هو ضجيع المهدي.* * * فكنت كالأم له في الوجدي.
قد كنت ألصقه الحشى و الكبدي.* * * حتى إذا خفت فراق الوحدي.
أوصيك أرجى أهلنا بالرفدي.* * * يا ابن الذي غيبته في اللحدي.
بالكره مني ثم لا بالعمدي.* * * و خيرة الله يشاء في العبدي.
ثم قال عبد المطلب يا أبا طالب إنني ألقي إليك بعد وصيتي قال أبو طالب ما هي قال يا بني أوصيك بعدي بقرة عيني محمد(ص)و أنت تعلم محله مني و مقامه لدي فأكرمه بأجل الكرامة و يكون عندك ليله و نهاره و ما دمت في الدنيا الله ثم الله في حبيبه ثم
____________
(1) مصطفين خ ل.
(2) انتهره: زجره.
(3) في الفضائل: و اسكت.
(4) في الفضائل: و أقبل بوجهه على أبى طالب و ألقى إليه لانه.
(5) في الفضائل: يقول شعرا،.
154
قال الواقدي ثم قاموا في تغسيله فغسلوه و كفنوه و حنطوه و جعلوه في أعواد المنايا و حملوه إلى ذيل الصفا و ما بقي في مكة شيخ و لا شاب و لا حر و لا عبد من الرجال و النساء إلا و قد ذهبوا إلى جنازته و عظموها و دفنوه فرجع الخلق من جنازته باكين عليه لفقده من مكة فقالت عاتكة بنت عبد المطلب ترثي أباها و تقول.
ألا يا عين ويحك فاسعديني.* * * بدمع واكف (1)هطل غزير.
على رجل أجل الناس أصلا.* * * و فرعا في المعالي و الظهور.
طويل الباع أروع شيظميا.* * * أغر كغرة القمر المنير.
(2)
و قالت صفية ترثي أباها.
أ عيني جودا بالدموع السواكب.* * * على خير شخص من لوي بن غالب (3).
أ عيني جودا عبرة بعد عبرة.* * * على الأسد الضرغام محض الضرائب.
(4)
و قالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها و ترثيه.
أ عيني جودا بالدموع الهواطل.* * * على النحر مني (5)مثل فيض الجداول.
و لا تسأما أن تبكيا كل ليلة.* * * و يوم على مولى كريم الشمائل.
أبا الحارث الفياض ذو الباع و الندى.* * * رئيس قريش كلها في القبائل.
فأسقى مليك الناس موضع قبره.* * * بنوء الثريا (6) ديمة بعد وابل.
____________
(1) وكف الدمع: سال قليلا قليلا. قوله: هطل من هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر.
(2) في الفضائل هنا زيادة هى:
فقد فارقت ذا كرم و خير* * * و بكى هاشم و بنى أبيه
ثمار الناس في السنة الترور* * * و غيث للعرى في كل أرض
اذا ظنّ الغنى على الفقير
(3) في الفضائل هنا زيادة هي هذه:
اعينى لا تسحرا من بكاكما* * * على ما جد العراف عف المكاسب.
(4) في الفضائل بعده أبيات هى:
أبا الحارث الفياض ذى الحلم و البها* * * و ذى الباع و الباعون زين المناسب
و ذو الماجد الغر الرفيع و ذو الندى* * * و ذو العون عند المعضلات النوائب
فان تبكياه تبكيا ذا مهابة* * * كريم المساعى حمله غير عازب
(5) في الفضائل: على البحر منى.
(6) قال الجزريّ: فيه ثلاث من؟؟؟ الجاهلية: الطعن في الأنساب، و النياحة؛ و الانواه.
153
قال لأولاده أكرموا و جللوا محمدا(ص)و كونوا عند إعزازه و إكرامه فسترون منه أمرا عظيما عليا و سترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه فقالوا بأجمعهم السمع و الطاعة يا أبانا نفديه بأنفسنا و أموالنا و نحن له فدية قال أبو طالب قد أوصيتنا بمن هو أفضل مني و من إخواني قال نعم و لم يكن في أعمام النبي(ص)أرفق من أبي طالب قديما و حديثا في أمر محمد(ص)ثم قال إن نفسي و مالي دونه فداء (1) أنازع معاديه و أنصر مواليه فلا يهمنك أمره.
قال الواقدي ثم إن عبد المطلب غمض عينيه و فتحهما و نظر قريشا و قال يا قوم أ ليس حقي عليكم واجبا فقالوا بأجمعهم نعم حقك على الكبير و الصغير واجب فنعم القائد و نعم السائق فينا كنت فجزاك الله تعالى عنا خيرا و يهون عليك سكرات الموت و غفر لك ما سلف من ذنوبك فقال عبد المطلب أوصيك بولدي محمد بن عبد الله(ع)فأحلوه محل الكرامة فيكم و بروه و لا تجفوه و لا تستقبلوه بما يكره فقالوا بأجمعهم قد سمعنا منك و أطعناك فيه ثم قال لهم عبد المطلب إن الرئيس عليكم من بعدي الوليد بن المغيرة أبو عبد الشمس بن أبي العاص بن نقية (2) بن عبد شمس بن عبد مناف فضجت الخلق بأجمعهم و قالوا قبلنا أمرك فنعم ما رأيته رأيا و نعم ما خلفته فينا بعدك و صارت قريش و بنو هاشم تحت ركاب الوليد بن المغيرة فعند ذلك تغير وجه عبد المطلب و اخضرت أظافير يديه و رجليه و وقع على وجنتيه غبار الموت يكثر التقلب من جنب إلى جنب و مرة يقبض رجلا و يبسط أخرى و الخلائق من قريش و بني هاشم حاضرون و قد صارت مكة في ضجة واحدة و أراد النبي(ص)أن يقوم من عنده ففتح عبد المطلب عينيه و قال يا محمد تريد أن تقوم قال نعم فقال عبد المطلب يا ولدي فإني و حق رب السماء لفي راحة ما دمت عندي قال فقعد النبي(ص)فما كان إلا عن قليل حتى قضى نحبه. (3)
____________
(1) في الفضائل: فداه.
(2) هكذا في النسخ، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح أميّة.
(3) قضى فلان نحبه أي مات كان الموت نذر في عنقه.
155
و قالت أروى بنت عبد المطلب ترثي أباها.
ألا يا عين ويحك فاسعديني.* * * بويل واكف من بعد ويل.
بدمع من دموعك ذو غروب.* * * فقد فارقت ذا كرم و نبل.
طويل الباع أروع ذي المعالي.* * * أبوك الخير وارث كل فضل.
و قالت آمنة بنت عبد المطلب تبكي أباها و ترثيه.
بكت عيني و حق لها البكاء.* * * على سمح السجية و الحياء. (1)
على سمح الخليقة أبطحي.* * * كريم الخيم ينميه العلاء.
أقب الكشح أروع ذي أصول.* * * له المجد المقدم و الثناء. (2)
و كان هو الفتى كرما و جودا.* * * و بأسا حين يشتبك القناء. (3)
بيان قال الجزري فيه ذكر غمدان هو بضم الغين و سكون الميم البناء العظيم بناحية صنعاء اليمن قيل هو من بناء سليمان(ع)انتهى و المدجج الذي دخل في سلاحه و الأغماد جمع الغمد بالكسر و هو جفن السيف و غمده يغمده جعله في الغمد و كرع الماء تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفه و لا بإناء كما تشرب البهائم و الشارة و الشيار الحسن و الجمال و الهيئة و اللباس و الزينة و الطلا بالضم الأعناق.
____________
قد تكرر ذكر النوء و الانواء في الحديث، و منه الحديث: مطرنا بنوء كذا، و حديث عمر: كم بقى من نوء الثريا، و الانواء هي ثمان و عشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، و منه قوله تعالى: «وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ» و يسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، و تطلع اخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق؛ فتقضى جميعها مع انقضاء السنة، و كانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة و طلوع رقيبها يكون مطر، و ينسبونه إليها و يقولون: مطرنا بنوء كذا، و انما غلظ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في أمر الانواء لان العرب كانت تنسب المطر إليها فأما من جعل المطر من فعل اللّه أراد بقوله، مطرنا بنوء كذا اي في وقت كذا.
(1) نسب ابن هشام في السيرة الأبيات الى أروى، و فيه: على سمح سجيته الحياء. و فيه:
على سهل الخليقة ابطحى* * * كريم الخيم نيته العلاء.
(2) في السيرة، السناء.
(3) فضائل شاذان بن جبرئيل: 52- 64. قلت: ذكر المسعوديّ في مروج الذهب 2: 83 وفود عبد المطلب على معدىكرب بن سيف بن ذى يزن و ذكر فيه نحو الحديث.
156
و يقال رجل برّ سرّ أي يبرّ و يسرّ و الحالك الأسود الشديد السواد و الدكداك من الرمل ما التبد منه بالأرض و لم يرتفع و الشيظم الطويل الجسم و الغروب مجاري الدمع و الخيم بالكسر السجية و الطبيعة لا واحد له من لفظه.
81- د، العدد القوية لَمَّا مَاتَتْ آمِنَةُ ضَمَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَى نَفْسِهِ وَ كَانَ يَرِقُّ عَلَيْهِ وَ يُحِبُّهُ وَ يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ وَ يُدْنِيهِ وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْماً يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ حَتَّى بَلَغَ الرَّدْمَ (1) فَرَآهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ (2) فَدَعَوْهُ فَنَظَرُوا إِلَى قَدَمَيْهِ وَ إِلَى أَثَرِهِ ثُمَّ خَرَجُوا فِي أَثَرِهِ فَصَادَفُوا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدِ اعْتَنَقَهُ فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا مِنْكَ قَالَ ابْنِي قَالُوا احْتَفِظْ بِهِ فَإِنَّا لَمْ نَرَ قَدَماً أَشْبَهَ بِالْقَدَمِ الَّتِي فِي الْمَقَامِ مِنْهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَبِي طَالِبٍ اسْمَعْ مَا يَقُولُ هَذَا فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْتَفِظُ بِهِ (3).
82- رَوَى كُمَيْلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَ هُوَ يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّداً* * * رُدَّ إِلَيَّ وَ اصْطَنِعْ عِنْدِي يَداً
قَالَ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قِيلَ هُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ذَهَبَتْ إِبِلٌ لَهُ فَأَرْسَلَ ابْنَ ابْنِهِ فِي طَلَبِهَا وَ لَمْ يُرْسِلْهُ فِي حَاجَةٍ قَطُّ إِلَّا جَاءَ بِهَا وَ قَدِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا بَرِحْتُ أَنْ جَاءَ النَّبِيُّ(ص)وَ جَاءَ بِالْإِبِلِ فَقَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ قَدْ حَزِنْتُ عَلَيْكَ حَزَناً لَا يُفَارِقُنِي أَبَداً وَ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ النَّبِيُّ(ص)لَهُ ثَمَانُ سِنِينَ وَ شَهْرَانِ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَ كَانَ خَلْفَ جِنَازَتِهِ يَبْكِي حَتَّى دُفِنَ بِالْحَجُونِ (4) فَكَفَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمُّهُ وَ كَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ (5).
____________
(1) الردم: السد، و قيل: الحاجز الحصين أكبر من السد: و منه الردم بمكّة، و هو حاجز يمنع السيل عن البيت المحرم و يعبر عنه الآن بالمدعى قاله الطريحى في المجمع، و قال ياقوت، ردم بنى جمح بمكّة.
(2) أي من بنى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة، كان منهم من اختص بعلم القيافة، و هو اصابة الفراسة في معرفة الأشياء في الاولاد و القرابات و معرفة الآثار.
(3) العدد: مخطوط.
(4) الحجون: جبل بأعلى مكّة فيه مدافن أهلها.
(5) العدد: مخطوط.
157
83 كنز الكراجكي، روي أنه قيل لأكثم بن صيفي و كان حكيم العرب و كان من المعمرين إنك لأعلم أهل زمانك و أحكمهم و أعقلهم و أحلمهم فقال و كيف لا أكون كذلك و قد جالست أبا طالب بن عبد المطلب دهره و عبد المطلب دهره و هاشما دهره و عبد مناف دهره و قصيا دهره و كل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلقت بأخلاقهم و تعلمت من حلمهم و اقتبست (1) سوددهم و اتبعت آثارهم (2).
84 كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُحْشَرُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ (3) عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَ هَيْبَةُ الْمُلُوكِ (4).
بيان: قوله(ع)أمة وحده أي إذا حشر الناس فوجا فوجا هو يحشر وحده لأنه كان في زمانه متفردا بدين الحق من بين قومه قال في النهاية في حديث قس إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة الأمة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
85- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مُقَرِّنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْبَدَاءِ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ (5) عَلَيْهِ بَهَاءُ الْمُلُوكِ وَ سِيمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ (6).
86- كا، الكافي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ (7) عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي
____________
(1) في المصدر: و اقتنيت من سوددهم.
(2) كنز الكراجكيّ: 84 و 85.
(3) امة واحدة خ ل.
(4) أصول الكافي 1: 446 و 447.
(5) واحدة خ ل.
(6) أصول الكافي 1: 447.
(7) و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: و محمّد بن سنان قلت: فى المصدر. أيضا و عن محمّد بن سنان.
158
عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: يُبْعَثُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أُمَّةً وَحْدَهُ عَلَيْهِ بَهَاءُ الْمُلُوكِ وَ سِيمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْبَدَاءِ قَالَ وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَى رُعَاتِهِ فِي إِبِلٍ (1) قَدْ نَدَّتْ لَهُ (2) فَجَمَعَهَا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَ جَعَلَ يَقُولُ يَا رَبِّ أَ تُهْلِكُ آلَكَ إِنْ تَفْعَلْ فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالْإِبِلِ وَ قَدْ وَجَّهَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ وَ فِي كُلِّ شِعْبٍ فِي طَلَبِهِ وَ جَعَلَ يَصِيحُ يَا رَبِّ أَ تُهْلِكُ آلَكَ إِنْ تَفْعَلْ فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ وَ لَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ لَا وَجَّهْتُكَ بَعْدَ هَذَا فِي شَيْءٍ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُغْتَالَ فَتُقْتَلَ (3).
توضيح قوله(ع)و ذلك أنه تعليل لقوله عليه سيماء الأنبياء و ندّ البعير نفر و ذهب على وجهه شاردا قوله أ تهلك آلك أي أ تهلك من جعلته أهلك و وعدت أنه سيصير نبيا ثم تفطّن بإمكان البداء فقال إن تفعل فَأَمْرٌ آخر بدا لك فيه فظهر أنه كان قائلا بالبداء و يمكن أن يقرأ بصيغة الأمر أي فَأْمُرْ ما بدا لك فيّ و أهلكني فإني لا أحبّ الحياة بعده و الأول أظهر و الاغتيال هو أن يخدع و يقتل في موضع لا يراه أحد.
87- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنِ ابْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَمَّا أَنْ وَجَّهَ صَاحِبُ الْحَبَشَةِ بِالْخَيْلِ وَ مَعَهُمُ الْفِيلُ لِيَهْدِمَ الْبَيْتَ مَرُّوا بِإِبِلٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَسَاقُوهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَتَى صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فَدَخَلَ الْآذِنُ فَقَالَ هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ وَ مَا يَشَاءُ قَالَ التَّرْجُمَانُ جَاءَ فِي إِبِلٍ لَهُ سَاقُوهَا يَسْأَلُكَ رَدَّهَا فَقَالَ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِأَصْحَابِهِ هَذَا رَئِيسُ قَوْمٍ وَ زَعِيمُهُمْ جِئْتُ إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ لِأَهْدِمَهُ وَ هُوَ يَسْأَلُنِي إِطْلَاقَ إِبِلِهِ أَمَا لَوْ سَأَلَنِيَ الْإِمْسَاكَ عَنْ هَدْمِهِ لَفَعَلْتُ (4) رُدُّوا عَلَيْهِ إِبِلَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِتَرْجُمَانِهِ مَا قَالَ الْمَلِكُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ
____________
(1) في المصدر: الى رعاية في إبل.
(2) و قد ندت له خ ل.
(3) أصول الكافي 1: 447.
(4) ذكرنا قبل ذلك أن هذا لا يخلو عن غرابة.
159
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ إِبِلُهُ وَ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَحْوَ مَنْزِلِهِ فَمَرَّ بِالْفِيلِ فِي مُنْصَرَفِهِ فَقَالَ لِلْفِيلِ يَا مَحْمُودُ فَحَرَّكَ الْفِيلُ رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ أَ تَدْرِي لِمَ جَاءُوا بِكَ فَقَالَ الْفِيلُ بِرَأْسِهِ لَا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَاءُوا بِكَ لِتَهْدِمَ بَيْتَ رَبِّكَ أَ فَتَرَاكَ فَاعِلَ ذَلِكَ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا فَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا بِهِ لِدُخُولِ الْحَرَمِ فَأَبَى وَ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِبَعْضِ مَوَالِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ اعْلُ الْجَبَلَ فَانْظُرْ تَرَى شَيْئاً فَقَالَ أَرَى سَوَاداً مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ فَقَالَ لَهُ يُصِيبُهُ بَصَرُكَ أَجْمَعَ فَقَالَ لَهُ لَا وَ لَأَوْشَكَ أَنْ يُصِيبَ فَلَمَّا أَنْ قَرُبَ قَالَ هُوَ طَيْرٌ كَثِيرٌ وَ لَا أَعْرِفُهُ يَحْمِلُ كُلُّ طَيْرٍ فِي مِنْقَارِهِ حَصَاةً مِثْلَ حَصَاةِ الْخَذْفِ أَوْ دُونَ حَصَاةِ الْخَذْفِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ رَبِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا يُرِيدُ إِلَّا الْقَوْمَ حَتَّى لَمَّا صَارُوا فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أَجْمَعَ أَلْقَتِ الْحَصَاةَ فَوَقَعَتْ كُلُّ حَصَاةٍ عَلَى هَامَةِ رَجُلٍ فَخَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ فَقَتَلَتْهُ فَمَا انْفَلَتَ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ يُخْبِرُ النَّاسَ فَلَمَّا أَنْ أَخْبَرَهُمْ أَلْقَتْ عَلَيْهِ حَصَاةً فَقَتَلَتْهُ (1).
88- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُفْرَشُ لَهُ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ لَا يُفْرَشُ لِأَحَدٍ غَيْرَهُ وَ كَانَ لَهُ وُلْدٌ يَقُومُونَ عَلَى رَأْسِهِ فَيَمْنَعُونَ مَنْ دَنَا مِنْهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ طِفْلٌ يَدْرِجُ (2) حَتَّى جَلَسَ عَلَى فَخِذَيْهِ فَأَهْوَى بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ لِيُنَحِّيَهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَعِ ابْنِي فَإِنَّ الْمَلَكَ قَدْ أَتَاهُ (3).
89- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قَالَ كَانَ طَيْرٌ سَافٌ (4) جَاءَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ رُءُوسُهَا كَأَمْثَالِ رُءُوسِ السِّبَاعِ وَ أَظْفَارُهَا كَأَظْفَارِ السِّبَاعِ مِنَ الطَّيْرِ مَعَ كُلِّ طَائِرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ فِي رِجْلَيْهِ حَجَرَانِ وَ فِي مِنْقَارِهِ حَجَرٌ فَجَعَلَتْ تَرْمِيهِمْ بِهَا حَتَّى جُدِّرَتْ (5)
____________
(1) الأصول 1: 447 و 448.
(2) درج الصبى: مشى قليلا.
(3) الأصول 1: 448.
(4) سف الطائر: مر على وجه الأرض.
(5) أجدرت خ ل.
160
أَجْسَادُهُمْ فَقَتَلَهُمْ (1) بِهَا وَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رُئِيَ شَيْءٌ مِنَ الْجُدَرِيِّ وَ لَا رَأَوْا ذَلِكَ مِنَ الطَّيْرِ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا بَعْدَهُ قَالَ وَ مَنْ أَفْلَتَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ انْطَلَقَ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا حَضْرَمَوْتَ وَ هُوَ وَادٍ دُونَ الْيَمَنِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلًا فَغَرَّقَهُمْ أَجْمَعِينَ قَالَ وَ مَا رُئِيَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي مَاءٌ (2) قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَالَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَضْرَمَوْتَ حِينَ مَاتُوا فِيهِ (3).
90- ختص، الإختصاص مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَخِي الْأَصْمَعِيِ (4) عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ (5) مَوْلَى الْمَنْصُورِ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيَّ بَعْضُ وُلْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ كِتَاباً بِخَطِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ إِذًا شَبِيهٌ بِخَطِّ الصِّبْيَانِ (6) بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ذِكْرُ حَقِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحِمْيَرِيِّ مِنْ أَهْلِ زَوْلِ (7) صَنْعَاءَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِضَّةً طَيِّبَةً كَيْلًا بِالْجَدِيدِ وَ مَتَى دَعَاهُ بِهَا أَجَابَهُ شَهِدَ اللَّهُ وَ الْمَلَكَانِ (8).
91- ما، الأمالي للشيخ الطوسي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَذَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقَائِمِ فِي طَرِيقِ الْغَرِيِ (9) فَقَالَ نَعَمْ إِنَّهُ لَمَّا جَازُوا بِسَرِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ(ع)انْحَنَى أَسَفاً وَ حَزَناً عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ كَذَلِكَ سَرِيرُ أَبْرَهَةَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ انْحَنَى وَ مَالَ (10).
____________
(1) فقتلتهم خ ل.
(2) ماء قط خ ل.
(3) الروضة: 84.
(4) في المصدر: عن عمه الأصمعى.
(5) في المصدر: أبى الحسن جمهور.
(6) في بعض نسخ المصدر. بخط النساء.
(7) قال ياقوت: الزول: اسم مكان باليمن وجد بخط عبد المطلب بن هاشم.
(8) الاختصاص: 123.
(9) في المصدر: عن القائم المائل في طريق الغريّ.
(10) الأمالي: 68 و 69.
161
92 د، العدد القوية كان لهاشم خمسة بنين عبد المطلب و أسد و نضلة و صيفي و أبو صيفي (1) و سمي هاشما لهشمه الثريد للناس في زمن المسغبة (2) و كنيته أبو نضلة و اسمه عمرو العلى قال ابن الزبعرى
كانت قريش بيضة فتقلقت (3)* * * فالمخ خالصها لعبد مناف
الرائشون و ليس يوجد رائش* * * و القائلون هلم للأضياف
و الخالطون فقيرهم بغنيهم* * * حتى يكون فقيرهم كالكافي
عمرو العلى هشم الثريد لقومه* * * و رجال مكة مسنتون عجاف
ولد هاشم و عبد شمس توأمان في بطن فقيل إنه أخرج أحدهما و إصبعه ملتصقة بجبهة الآخر فلما أزيلت من موضعها أدميت فقيل يكون بينهما دم و كان عبد مناف وصى إلى هاشم و دفع إليه مفتاح البيت و سقاية الحاج و قوس إسماعيل و مات هاشم بغزة من آخر عمل الشام و مات عبد المطلب بالطائف و أسد من ولد هاشم انقرض عقبه إلا من ابنته فاطمة أم أمير المؤمنين(ع)و أبو صيفي انقرض عقبه إلا من ابنته رفيقة و هي أم مخزومة بن نوفل و صيفي لا عقب له و نضلة لا عقب له و البقية من سائر ولد هاشم من عبد المطلب و عبد مناف اسمه المغيرة بن قصي و اسمه زيد قصا عن دار قومه لأنه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة و سمي قصيا و يلقب بالمجمع لأنه جمع قبايل قريش بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر و سمي قريشا ابن خزيمة بن مدركة لأنهم أدركوا الشرف في أيامه ابن إلياس لأنه جاء
____________
(1) في السيرة الهشامية: فولد هاشم أربعة نفر و خمس نسوة: عبد المطلب، و أسد، و ابا صيفى و نضلة، و الشفاء، و خالدة، و ضعيفة، و رقية، و حية، فام عبد المطلب و رقية: سلمى بنت عمرو ابن زيد بن لبيد اه و أم أسد: قيلة بنت عامر بن مالك الخزاعيّ، و أم أبى صيفى و حية: هند بنت عمرو بن ثعلبة الخزرجية، و أم نضلة و الشفاء: امراة من قضاعة، و أم خالدة و ضعيفة: واقدة بنت أبى عدى المازنية. قلت: و ذكره اليعقوبي في تاريخه 1: 202 مع اختلاف راجعه.
(2) المسغبة: المجاعة.
(3) فتفلقت خ ل.
162
على إياس و انقطاع ابن مضر لأخذه بالقلوب و لم يكن يراه أحد إلا أحبه ابن نزار و اسمه عمرو بن معد بن عدنان بيان راش جمع المال و الأثاث و الصديق أطعمه و سقاه و كساه و أصلح حاله.
93- أَقُولُ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى وَ غَيْرُهُ وَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ غَيْرِ وَاحِدٍ قَالُوا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ تَزُورُهُمْ بِهِ وَ مَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ وَ هُمْ عَلَى بَعِيرَيْنِ فَنَزَلَتْ بِهِ فِي دَارِ النَّابِغَةِ فَأَقَامَتْ بِهِ عِنْدَهُمْ شَهْراً وَ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ يَخْتَلِفُونَ وَ يَنْظُرُونَ (1) قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَسَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ هُوَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا كَانُوا بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ فَقَبَرَهَا هُنَاكَ فَرَجَعَتْ بِهِ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْأَبْوَاءِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَصْلَحَهُ وَ بَكَى عِنْدَهُ وَ بَكَى الْمُسْلِمُونَ لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ أَدْرَكَتْنِي رَحْمَةُ رَحْمَتِهَا فَبَكَيْتُ.
وَ رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَكَّةَ أَتَى قَبْراً فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَ جَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ كَهَيْئَةِ الْمُخَاطَبِ ثُمَّ قَامَ وَ هُوَ يَبْكِي فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ قَالَ هَذَا قَبْرُ أُمِّي سَأَلْتُ رَبِّيَ الزِّيَارَةَ فَأَذِنَ لِي.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِالْأَبْوَاءِ ثُمَّ حُمِلَتْ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَتْ بِهَا وَ أَمَّا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ(ع)فَمَاتَ وَ لِلنَّبِيِّ(ص)ثَمَانُ سِنِينَ وَ هُوَ ابْنُ ثِنْتَيْنِ وَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَ يُقَالُ ابْنُ مِائَةٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ تَذْكُرُ مَوْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ نَعَمْ أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَبْكِي خَلْفَ سَرِيرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ لِلنَّبِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَ عِشْرُونَ شَهْراً وَ الْأُولَى أَصَحُّ وَ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي مُلْكِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِيرَوَانَ (2).
____________
(1) و ينظرون إليه خ ل.
(2) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الثالث فيما كان سنة ست من مولده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الباب السادس فيما كان من سنة ثمان إلى سنة احدى عشرة من مولده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
163
94- د، العدد القوية كَانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ عُمَرُ وَ شَيْبَةُ الْحَمْدِ وَ سَيِّدُ الْبَطْحَاءِ وَ سَاقِي الْحَجِيجِ وَ سَاقِي الْغَيْثِ وَ غَيْثُ الْوَرَى فِي الْعَامِ الْجَدْبِ وَ أَبُو السَّادَةِ الْعَشَرَةِ وَ حَافِرُ زَمْزَمَ وَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ (1) وَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ الْحَارِثُ وَ الزُّبَيْرُ وَ حَجْلٌ وَ هُوَ الْغَيْدَاقُ وَ ضِرَارٌ وَ هُوَ نَوْفَلٌ وَ الْمُقَوِّمُ وَ أَبُو لَهَبٍ وَ هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى وَ عَبْدُ اللَّهِ وَ أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ الْعَبَّاسُ وَ كَانُوا مِنْ أُمَّهَاتٍ شَتَّى إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ وَ أبو [أَبَا طَالِبٍ وَ الزُّبَيْرَ فَإِنَّ أُمَّهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ وَ أَعْقَبَ مِنَ الْبَنِينَ خَمْسَةٌ عَبْدُ اللَّهِ أَعْقَبَ مُحَمَّداً(ص)سَيِّدَ الْبَشَرِ وَ أَبُو طَالِبٍ أَعْقَبَ جَعْفَراً وَ عَقِيلًا وَ عَلِيّاً(ع)سَيِّدَ الْوَصِيِّينَ وَ الْعَبَّاسُ أَعْقَبَ عَبْدَ اللَّهِ وَ قُثَمَ وَ الْفَضْلَ وَ عُبَيْدَ اللَّهِ وَ الْحَارِثُ أَعْقَبَ عُتْبَةَ وَ معتبةَ وَ عَتِيقاً وَ كَانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ سِتُّ بَنَاتٍ عَاتِكَةُ وَ أُمَيْمَةُ وَ الْبَيْضَاءُ وَ هِيَ أُمُّ حَكِيمٍ وَ بَرَّةُ وَ صَفِيَّةُ وَ هِيَ أُمُّ الزُّبَيْرِ وَ أَرْوَى وَ يُقَالُ وريدةُ وَ أَسْلَمَ مِنْ أَعْمَامِ النَّبِيِّ(ص)أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ الْعَبَّاسُ وَ مِنْ عَمَّاتِهِ صَفِيَّةُ وَ أَرْوَى وَ عَاتِكَةُ وَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَعْمَامِهِ الْعَبَّاسُ وَ مِنْ عَمَّاتِهِ صَفِيَّةُ.
95- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ غَيْرُهُ رَفَعُوهُ قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَةِ غَزَالانِ مِنْ ذَهَبٍ وَ خَمْسَةُ أَسْيَافٍ فَلَمَّا غَلَبَتْ خُزَاعَةُ جُرْهُمَ عَلَى الْحَرَمِ أَلْقَتْ جُرْهُمُ الْأَسْيَافَ وَ الْغَزَالَيْنِ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَ أَلْقَوْا فِيهَا الْحِجَارَةَ وَ طَمُّوهَا (2) وَ عَمَّوْا أَثَرَهَا فَلَمَّا غَلَبَتْ قُصَيٌّ عَلَى خُزَاعَةَ لَمْ يَعْرِفُوا مَوْضِعَ زَمْزَمَ وَ عَمِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُهَا فَلَمَّا غَلَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ يُفْرَشُ لَهُ فِي فِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَ لَمْ يَكُنْ يُفْرَشُ لِأَحَدٍ هُنَاكَ غَيْرَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ احْفِرْ بَرَّةَ قَالَ وَ مَا بَرَّةُ ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ احْفِرْ طِيبَةَ ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ (3) قَالَ ثُمَّ أَتَاهُ فِي الرَّابِعِ فَقَالَ احْفِرْ زَمْزَمَ لَا تَنْزَحُ (4) وَ لَا تُذَمُّ لِسَقْيِ (5) الْحَجِيجِ الْأَعْظَمِ عِنْدَ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ وَ كَانَ عِنْدَ زَمْزَمَ حَجَرٌ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّمْلُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَلْتَقِطُ
____________
(1) سقط العاشر و احتملنا سابقا إنّه إبراهيم الثاني.
(2) طم البئر: سواها و دفنها.
(3) في المصدر: قال: و ما المضنونة؟.
(4) في المصدر: لا تبرح، و في نسخة مخطوطة عندي: لا تنزح.
(5) في المصدر: تسقى.
164
النَّمْلَ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ هَذَا عَرَفَ مَوْضِعَ زَمْزَمَ فَقَالَ لِقُرَيْشٍ إِنِّي عبرت (1) [أُمِرْتُ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ فَهِيَ مَأْثُرَتُنَا وَ عِزُّنَا فَهَلُمُّوا نَحْفِرْهَا فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَقْبَلَ يَحْفِرُهَا هُوَ بِنَفْسِهِ وَ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ وَ هُوَ الْحَارِثُ وَ كَانَ يُعِينُهُ عَلَى الْحَفْرِ فَلَمَّا صَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ إِلَى بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ نَذَرَ لَهُ إِنْ رَزَقَهُ عَشْرَ بَنِينَ أَنْ يَنْحَرَ أَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمَّا حَفَرَ وَ بَلَغَ الطَّوِيَّ طَوِيَّ إِسْمَاعِيلَ وَ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى الْمَاءِ كَبَّرَ وَ كَبَّرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالُوا يَا أَبَا الْحَارِثِ هَذِهِ مَأْثُرَتُنَا وَ لَنَا فِيهَا نَصِيبٌ قَالَ لَهُمْ لَمْ تُعِينُونِي عَلَى حَفْرِهَا هِيَ لِي وَ لِوُلْدِي إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ (2).
تبيين عمي عليه الأمر التبس قال الجزريّ في حديث زمزم أتاه آت فقال احفر برّة سماه برّة لكثرة منافعها و سعة مائها و قال الفيروزآبادي طِيبة بالكسر اسم زمزم و قال الجزري فيه احفر المضنونة أي التي يضنّ بها لنفاستها و عزّتها و قال فيه أرى عبد المطلب في منامه احفر زمزم لا تنزف و لا تذمّ أي لا يفنى ماؤها على كثرة الاستسقاء و لا تذمّ أي لا تعاب أو لا تلفى مذموما من أذممته إذا وجدته مذموما و قيل لا يوجد ماؤها قليلا من قولهم بئر ذمّة إذا كانت قليلة الماء و قال الغراب الأعصم الأبيض الجناحين و قيل الأبيض الرجلين انتهى. و المأثرة بفتح الثاء و ضمّها المكرمة و الطويّ على فعيل البئر المطويّة بالحجارة.
96- كا، الكافي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ(ع)يَقُولُ لَمَّا احْتَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ وَ انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدِ جَوَانِبِ الْبِئْرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ أَفْظَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يَنْثَنِيَ (3) وَ خَرَجَ ابْنُهُ الْحَارِثُ عَنْهُ ثُمَّ حَفَرَ حَتَّى أَمْعَنَ (4) فَوَجَدَ فِي قَعْرِهَا عَيْناً تَخْرُجُ عَلَيْهِ بِرَائِحَةِ الْمِسْكِ ثُمَّ احْتَفَرَ
____________
(1) قد عبرت خ ل و في المصدر: إنى امرت.
(2) فروع الكافي 1: 225 و 226.
(3) أي فأبى أن ينصرف.
(4) أمعن في الطلب: أبعد و بالغ في الاستقصاء.
165
فَلَمْ يَحْفِرْ إِلَّا ذِرَاعاً حَتَّى تَجَلَّاهُ النَّوْمُ فَرَأَى رَجُلًا طَوِيلَ الْبَاعِ (1) حَسَنَ الشَّعْرِ جَمِيلَ الْوَجْهِ جَيِّدَ الثَّوْبِ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ يَقُولُ (2) احْفِرْ تَغْنَمْ وَ جُدْ تَسْلَمْ وَ لَا تَذَّخِرْهَا لِلْمَقْسَمِ الْأَسْيَافُ لِغَيْرِكَ وَ التِّبْرُ (3) لَكَ أَنْتَ أَعْظَمُ الْعَرَبِ قَدْراً وَ مِنْكَ يَخْرُجُ نَبِيُّهَا وَ وَلِيُّهَا وَ الْأَسْبَاطُ وَ النُّجَبَاءُ الْحُكَمَاءُ الْعُلَمَاءُ الْبُصَرَاءُ وَ السُّيُوفُ لَهُمْ وَ لَيْسُوا الْيَوْمَ مِنْكَ وَ لَا لَكَ وَ لَكِنْ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي مِنْكَ بِهِمْ يُنِيرُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ مِنْ أَقْطَارِهَا وَ يُذِلُّهَا فِي عِزِّهَا وَ يُهْلِكُهَا بَعْدَ قُوَّتِهَا وَ يُذِلُّ الْأَوْثَانَ وَ يَقْتُلُ عُبَّادَهَا حَيْثُ كَانُوا ثُمَّ يَبْقَى بَعْدَهُ نَسْلٌ مِنْ نَسْلِكَ هُوَ أَخُوهُ وَ وَزِيرُهُ وَ دُونَهُ فِي السِّنِّ وَ قَدْ كَانَ الْقَادِرَ عَلَى الْأَوْثَانِ لَا يَعْصِيهِ حَرْفاً وَ لَا يَكْتُمُهُ شَيْئاً وَ يُشَاوِرُهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ حجم [هَجَمَ عَلَيْهِ (4) وَ اسْتَعْيَا عَنْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَيْفاً مُسْنَدَةً إِلَى جَنْبِهِ فَأَخَذَهَا وَ أَرَادَ أَنْ يَبُثَ (5) فَقَالَ وَ كَيْفَ وَ لَمْ أَبْلُغِ الْمَاءَ ثُمَّ حَفَرَ فَلَمْ يَحْفِرْ شِبْراً (6) حَتَّى بَدَا لَهُ قَرْنُ الْغَزَالِ وَ رَأْسُهُ فَاسْتَخْرَجَهُ وَ فِيهِ طُبِعَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ وَلِيُّ اللَّهِ فُلَانٌ خَلِيفَةُ اللَّهِ فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ فُلَانٌ مَتَى كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ وَ لَا جَاءَ شَيْءٌ مِنْ أَشْرَاطِهِ (7) فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ قَدِ اسْتَخْرَجَ الْمَاءَ وَ أَدْرَكَ وَ هُوَ يَصْعَدُ فَإِذَا أَسْوَدُ لَهُ ذَنَبٌ طَوِيلٌ يَسْبِقُهُ بِدَاراً إِلَى فَوْقُ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ أَكْثَرَ ذَنَبِهِ ثُمَّ طَلَبَهُ فَفَاتَهُ وَ فُلَانٌ قَاتِلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ مِنْ رَأْيِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يُبْطِلَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا فِي الْبِئْرِ وَ يَضْرِبَ السُّيُوفَ صَفَائِحَ لِلْبَيْتِ (8) فَأَتَاهُ اللَّهُ بِالنَّوْمِ فَغَشِيَهُ وَ هُوَ فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ فَرَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ احْمَدْ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيَجْعَلُكَ
____________
(1) الباع: قدر مد اليدين، يقال: طويل الباع و رحب الباع، أي كريم مقتدر.
(2) في المصدر: و هو يقول.
(3) البئر لك خ ل.
(4) هجم عليه: انتهى إليه بغتة على غفلة منه.
(5) أن يثب خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(6) في المصدر: إلّا شبرا.
(7) الاشراط: العلامات.
(8) مفاتيح للبيت خ ل و في المصدر: صفائح البيت.
166
لِسَانَ الْأَرْضِ وَ يَتْبَعُكَ قُرَيْشٌ خَوْفاً وَ رَهْبَةً وَ طَمَعاً ضَعِ السُّيُوفَ فِي مَوَاضِعِهَا فَاسْتَيْقَظَ (1) عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَجَابَهُ أَنَّهُ يَأْتِينِي فِي النَّوْمِ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ رَبِّي فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْ شَيْطَانٍ فَأَظُنُّهُ مَقْطُوعَ الذَّنَبِ (2) فَلَمْ يَرَ شَيْئاً وَ لَمْ يَسْمَعْ كَلَاماً فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْلُ أَتَاهُ فِي مَنَامِهِ بِعِدَّةٍ مِنْ رِجَالٍ وَ صِبْيَانٍ فَقَالُوا لَهُ نَحْنُ أَتْبَاعُ وَلَدِكَ وَ نَحْنُ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ السُّيُوفُ لَيْسَتْ لَكَ تَزَوَّجْ فِي مَخْزُومٍ تَقْوَى (3) وَ اضْرِبْ بَعْدُ فِي بُطُونِ الْعَرَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ مَالٌ فَلَكَ حَسَبٌ فَادْفَعْ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ (4) سَيْفاً إِلَى وَلَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ وَ لَا بَيَانَ لَكَ (5) أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَ سَيْفٌ لَكَ مِنْهَا وَاحِدٌ يَقَعُ مِنْ يَدِكَ (6) فَلَا تَجِدُ لَهُ أَثَراً إِلَّا أَنْ يَسْتَجِنَّهُ (7) جَبَلُ كَذَا وَ كَذَا فَيَكُونُ مِنْ أَشْرَاطِ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ(ص)فَانْتَبَهَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ انْطَلَقَ وَ السُّيُوفُ عَلَى رَقَبَتِهِ فَأَتَى نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي مَكَّةَ فَفَقَدَ مِنْهَا سَيْفاً كَانَ أَرَقَّهَا عِنْدَهُ فَيَظْهَرُ مِنْ ثَمَّ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَمِراً وَ طَافَ بِهَا عَلَى رَقَبَتِهِ وَ الْغَزَالَيْنِ (8) أَحَدَ عَشَرَ (9) طَوَافاً وَ قُرَيْشٌ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ صَدِّقْ وَعْدَكَ فَأَثْبِتْ لِي قَوْلِي وَ انْشُرْ ذِكْرِي وَ شُدَّ عَضُدِي وَ كَانَ هَذَا تَرْدَادَ (10) كَلَامِهِ وَ مَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ بَعْدَ رُؤْيَاهُ فِي الْبَيْتِ (11) بِبَيْتِ شِعْرٍ حَتَّى مَاتَ وَ لَكِنْ قَدِ ارْتَجَزَ عَلَى بَنِيهِ يَوْمَ أَرَادَ نَحْرَ عَبْدِ اللَّهِ فَدَفَعَ الْأَسْيَافَ جَمِيعَهَا إِلَى بَنِي الْمَخْزُومِيَّةِ إِلَى الزُّبَيْرِ وَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) و استيقظ خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) مقطع الذنب خ ل.
(3) في المصدر: تقو.
(4) في المصدر: عشر.
(5) و لا يبان لك خ ل و هو الموجود في المصدر.
(6) في المصدر: و لك منها واحد سيقع من يدك.
(7) يسجنه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(8) أي طاف بالسيوف حالكونها على رقبته مع الغزالين.
(9) احدى و عشرين خ ل و هو الموجود في المصدر.
(10) الترداد: التكرار.
(11) في البئر خ ل.
167
فَصَارَ لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْيَافٍ سَيْفٌ لِأَبِي طَالِبٍ وَ سَيْفٌ لِعَلِيٍّ وَ سَيْفٌ لِجَعْفَرٍ وَ سَيْفٌ لِطَالِبٍ وَ كَانَ لِلزُّبَيْرِ سَيْفَانِ وَ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ سَيْفَانِ ثُمَّ عَادَتْ فَصَارَ لِعَلِيٍّ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ اثْنَيْنِ مِنْ فَاطِمَةَ وَ اثْنَيْنِ مِنْ أَوْلَادِهَا (1) فَطَاحَ (2) سَيْفُ جَعْفَرٍ يَوْمَ أُصِيبَ فَلَمْ يُدْرَ فِي يَدِ مَنْ وَقَعَ حَتَّى السَّاعَةِ وَ نَحْنُ نَقُولُ لَا يَقَعُ سَيْفٌ مِنْ أَسْيَافِنَا فِي يَدِ غَيْرِنَا إِلَّا رَجُلٌ يُعِينُ بِهِ مَعَنَا إِلَّا صَارَ فَحْماً قَالَ وَ إِنَّ مِنْهَا لَوَاحِداً فِي نَاحِيَةٍ يَخْرُجُ كَمَا تَخْرُجُ الْحَيَّةُ فَيَبِينُ مِنْهُ ذِرَاعٌ وَ مَا يُشْبِهُهُ فَتَبْرُقُ لَهُ الْأَرْضُ مِرَاراً ثُمَّ يَغِيبُ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَهَذَا دَأْبُهُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ وَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ مَكَانَهُ لَسَمَّيْتُهُ وَ لَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ أُسَمِّيَهُ فَتُسَمُّوهُ فَيُنْسَبَ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ (3).
بيان: حتى تجلاه النوم أي غشيه و غلب عليه و جد من الجود أو من الجد و الأول أنسب بترك الذخيرة و الضمير في قوله و لا تذخرها راجع إلى الغنيمة المدلول عليها بقوله تغنم و المقسم مصدر ميمي بمعنى القسمة أي لا تجعلها ذخيرة لأن تقسم بعدك و التبر بالكسر الذهب و الفضة و في بعض النسخ البئر.
قوله(ع)و استعيا عنها عبد المطلب لعله من قولهم عيي إذا لم يهتد لوجهه و أعيا الرجل في المشي و أعيا عليه الأمر و المعنى أنه تحير في الأمر و لم يدر معنى ما رأى في منامه أو ضعف و عجز عن البئر و حفرها و في بعض النسخ بالغين المعجمة و الباء الموحدة من قولهم غبي عليه الشيء إذا لم يعرفه و هو قريب من الأول.
قوله(ع)و أراد أن يبث أي ينشر و يذكر خبر الرؤيا فكتمه أو يفرق السيوف على الناس فأخره و في بعض النسخ يثب بتقديم المثلثة من الوثوب أي يثب عليها فيتصرف فيها أو يثب على الناس بهذه السيوف.
قوله فلان خليفة الله أي القائم(ع)و الأسود لعله كان الشيطان و القائم(ع)يقتله كما سيأتي في كتاب الغيبة و لذا قال عبد المطلب فأظنه مقطوع الذنب.
قوله(ع)و يضرب السيوف صفائح للبيت أي يلصقها بباب البيت لتكون
____________
(1) في المصدر: فصارت لعلى الأربعة الباقية: اثنان من فاطمة، و اثنان من أولادها.
(2) طاح: سقط و هلك.
(3) فروع الكافي 1: 226.
168
صفائح لها أو يبيعها و يصنع من ثمنها صفائح البيت و في بعض النسخ مفاتيح للبيت فيحتمل أن يكون المراد أن يجاهد المشركين فيستولي عليهم و يخلص البيت من أيديهم.
قوله(ع)فأجابه أي أجاب عبد المطلب الرجل الذي كلمه في المنام قوله تزوج في مخزوم تزوج عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم أم عبد الله و الزبير و أبي طالب قوله و اضرب بعد في بطون العرب أي تزوج في أي بطن منهم شئت و الحاصل أنك لا بد لك أن تتزوج في بني مخزوم ليحصل والد النبي و الأوصياء(ص)و يرثوا السيوف و أما سائر القبائل فالأمر إليك و يحتمل أن يكون المراد جاهد بطون العرب و قاتلهم و الأول أظهر.
قوله إلا أن يستجنه و في بعض النسخ يسجنه أي يخفيه و يستره قوله فيظهر من ثم أي يظهر في زمن القائم(ع)من هذا الموضع الذي فقد فيه أو من الجبل الذي تقدم ذكره و لعله كان كل سيف لمعصوم و كان بعددهم و سيف القائم(ع)أخفاه الله في هذا المكان ليظهر له عند خروجه.
قوله فصار لعلي يحتمل أن يكون المراد بالأربعة الباقية تتمة الثمانية المذكورة إلى اثني عشر و يكون المراد بفاطمة أمه(ع)أي صارت الأربعة الباقية أيضا إلى علي(ع)من قبل أمه و إخوته حيث وصل إليهم من جهة أبي طالب زائدا على ما تقدم أو يكون المراد بفاطمة بنت النبي(ص)بأن يكون النبي(ص)أعطاها سيفين غير الثمانية و أعطى الحسنين(ع)سيفين و يحتمل أن يراد بالأربعة سيوف الزبير و عبد الله فيكون الأربعة الأخرى مسكوتا عنها.
قوله(ع)إلا صار فحما أي يسود و يبطل و لا يأتي منه شيء حتى يرجع إلينا.
قوله(ع)و إن منها لواحدا لعله هو الذي فقد من عبد المطلب يظهر هكذا عند ظهوره القائم(ع)ليأخذه.
قوله(ع)فينسب إلى غير ما هو عليه أي يتغير مكانه أو يأخذه غير القائم ع.
169
أقول قال عبد الحميد بن أبي الحديد قال محمد بن إسحاق (1) لما أنبط (2) عبد المطلب الماء في زمزم حسدته قريش فقالت له يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك قال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر أمر خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم فقالوا له فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني و بينكم حكما أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هزيم (3) قال نعم و كانت بأشراف الشام (4) فركب عبد المطلب في نفر من بني عبد مناف و خرج من كل قبيلة من قبائل قريش قوم و الأرض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز و الشام نفد ما كان مع عبد المطلب و بني أبيه من الماء و عطشوا عطشا شديدا فاستسقوا قومهم فأبوا أن يسقوهم و قالوا نحن بمفازة و نخشى على أنفسنا مثل الذي أصابكم فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم و خاف على نفسه و أصحابه الهلاك قال لأصحابه ما ترون قالوا ما رأينا إلا تبع لرأيك فمرنا بما أحببت قال فإني أرى أن يحفر كل رجل منا حفرة لنفسه بما معه من القوة فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته حتى يكون آخركم رجل واحد فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب قالوا نعم ما أشرت فقام كل رجل منهم فحفر حفيرة لنفسه و قعدوا ينتظرون الموت ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه و الله إن إلقاءنا بأيدينا كذا للموت لا نضرب في الأرض فنطلب الماء لعجز فقوموا فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض الأرض ارتحلوا فارتحلوا و من معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم صانعون فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجر من تحت خفها عين من ماء عذب فكبر عبد المطلب و كبر أصحابه
____________
(1) ذكره عنه أيضا ابن هشام في السيرة 1: 155 مع اختلاف في ألفاظه.
(2) انبط البئر: استخرج ماءها.
(3) في المصدر: هذيم بالذال المعجمة و الصحيح: سعد هذيم، كما في السيرة الهشامية، قال القلقشندى في نهاية الارب 395: بنو هذيم: بطن من قضاعة و هم بنو سعد بن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة، و هذيم عبد حبشى حضنه فعرف به فيقال له: سعد هذيم.
(4) بأطراف الشام خ ل. قلت: الاشراف: الاطراف.
170
ثم نزل فشرب و شرب أصحابه و استقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا القبائل من قريش فقال لهم هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا و استقوا فجاءوا فشربوا و استقوا ثم قالوا له قد و الله قضي لك علينا و الله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك هذا الماء بهذه المفازة هو سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع و رجعوا معه لم يصلوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بين زمزم (1).
97- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وُلَاةَ الْبَيْتِ يُقِيمُونَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ حَتَّى كَانَ زَمَنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ أَفْسَدُوا (2) وَ أَحْدَثُوا فِي دِينِهِمْ وَ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ كَرَاهِيَةَ الْقِتَالِ وَ فِي أَيْدِيهِمْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَ الْبَنَاتِ وَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي النِّكَاحِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ امْرَأَةَ الْأَبِ وَ ابْنَةَ الْأُخْتِ وَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَ كَانَ فِي أَيْدِيهِمُ الْحَجُّ وَ التَّلْبِيَةُ وَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ إِلَّا مَا أَحْدَثُوا فِي تَلْبِيَتِهِمْ وَ فِي حَجِّهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وَ كَانَ فِيمَا بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ وَ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ مُوسَى(ع)وَ رُوِيَ أَنَّ مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ خَافَ أَنْ يَدْرُسَ الْحَرَمُ فَوَضَعَ أَنْصَابَهُ (3) وَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَهَا ثُمَّ غَلَبَتْ جُرْهُمُ بِمَكَّةَ عَلَى وِلَايَةِ الْبَيْتِ فَكَانَ يَلِي مِنْهُمْ كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ حَتَّى بَغَتْ جُرْهُمُ بِمَكَّةَ وَ اسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهَا وَ أَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ وَ ظَلَمُوا مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَ عَتَوْا وَ بَغَوْا وَ كَانَتْ مَكَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَظْلِمُ وَ لَا يَبْغِي فِيهَا وَ لَا يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا مَلِكٌ إِلَّا هَلَكَ مَكَانَهُ وَ كَانَتْ تُسَمَّى بَكَّةَ لِأَنَّهَا تَبُكُ (4) أَعْنَاقَ الْبَاغِينَ
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 465، قلت: قال ابن هشام في السيرة 1: 156 بعد ما ذكر الحديث قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه في زمزم.
(2) في المصدر: و فسدوا.
(3) الانصاب: الاعلام المنصوبة التي يعرف بها الحرم.
(4) أي تدق.
171
إِذَا بَغَوْا فِيهَا وَ تُسَمَّى بَسَّاسَةَ (1) كَانُوا إِذَا ظَلَمُوا فِيهَا بَسَّتْهُمْ وَ أَهْلَكَتْهُمْ وَ سُمِّيَ أُمَّ رُحْمٍ (2) كَانُوا إِذَا لَزِمُوهَا رُحِمُوا فَلَمَّا بَغَتْ جُرْهُمُ وَ اسْتَحَلُّوا فِيهَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمُ الرُّعَافَ وَ النَّمْلَ وَ أَفْنَاهُمْ فَغَلَبَتْ خُزَاعَةُ وَ اجْتَمَعَتْ لِيُجْلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْ جُرْهُمَ عَنِ الْحَرَمِ وَ رَئِيسُ خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ (3) بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرٍو وَ رَئِيسُ جُرْهُمَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُصَاصٍ (4) الْجُرْهُمِيُّ فَهَزَمَتْ خُزَاعَةُ جُرْهُمَ وَ خَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنْ جُرْهُمَ إِلَى أَرْضٍ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ أَتِيٌّ لَهُمْ (5) فَذَهَبَ بِهِمْ وَ وَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ فَلَمْ يَزَلْ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى جَاءَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ وَ أَخْرَجَ خُزَاعَةَ مِنَ الْحَرَمِ وَ وَلِيَ الْبَيْتَ وَ غَلَبَ عَلَيْهِ (6).
بيان أدد كعمر بضمتين و الدرس الانمحاء و جرهم كقنفذ (7) حيّ من اليمن و الرُّحْم بالضم الرحمة و الرعاف في بعض النسخ بالراء المهملة و هو بالضم خروج الدم من الأنف و في بعضها بالمعجمة يقال موت زعاف أي سريع فالمراد به الطاعون.
و قال الفيروزآبادي النملة قروح في الجنب كالنمل و بثر يخرج في الجسد بالتهاب و احتراق و يرم مكانها يسيرا و يدبّ إلى موضع آخر كالنملة قوله(ع)سيل أتيّ
____________
(1) في النهاية: من أسماء مكّة الباسة، سميت بها لأنّها تحطم من أخطأ فيها، و يروى بالنون من النس: الطرد. قلت: فى السيرة الهشامية: بالنون: الناسة.
(2) في المصدر: و تسمى أم رحم. قلت: قال الجزريّ في النهاية 2: 77: و في حديث مكّة:
هى أم رحم أي أصل الرحمة.
(3) سعد خ ل قلت: الصحيح ما في الصلب.
(4) هكذا في الكتاب و مصدره، و الصحيح: مضاض كما في السيرة و نهاية الارب و مروج الذهب و غيرها.
(5) سيل أتى بهم خ ل.
(6) فروع الكافي 1: 223، قلت: ذكر ابن هشام ما وقع بين جرهم و خزاعة و ما وقع بين قصى و خزاعة في سيرته 1: 123- 131، و ذكره أيضا المسعوديّ في مروج الذهب 2:
49 و 56 و 58.
(7) قال القلقشندى في نهاية الارب: بنو جرهم: بطن من القحطانية؛ و كانت منازل بنى قحطان اليمن، فلما ملك يعرب بن قحطان اليمن ولى أخاه جرهم الحجاز فاستولى عليه و ملكه.
172
هو بالتشديد على وزن فعيل سيل جاءك و لم يصبك مطره و السيل الأتي أيضا الغريب (1).
98- كا، الكافي أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَمْ يَزَالُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ يَصِلُونَ الرَّحِمَ وَ يَقْرُونَ الضَّيْفَ وَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ وَ يَقُولُونَ اتَّقُوا مَالَ الْيَتِيمِ فَإِنَّ مَالَ الْيَتِيمِ عِقَالٌ وَ يَكُفُّونَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَحَارِمِ مَخَافَةَ الْعُقُوبَةِ وَ كَانُوا لَا يُمْلَى لَهُمْ إِذَا انْتَهَكُوا الْمَحَارِمَ وَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيُعَلِّقُونَهُ فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ فَلَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ حَيْثُ مَا ذَهَبَتْ وَ لَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يُعَلِّقَ مِنْ غَيْرِ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ أَيُّهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ عُوقِبَ وَ أَمَّا الْيَوْمَ فَأُمْلِيَ لَهُمْ وَ لَقَدْ جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ فَنَصَبُوا الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَحَابَةً كَجَنَاحِ الطَّيْرِ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْ سَبْعِينَ رَجُلًا حَوْلَ الْمَنْجَنِيقِ (2).
بيان: الإقراء الضيافة و الإملاء المهلة و انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل و اللحاء بالكسر ممدودا و مقصورا ما على العود من القشر و الظاهر أن نصب المنجنيق كان لتخريب البيت.
99- كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ (3) عَنِ الْمُعَلَّى عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ عَنْ
____________
(1) سيل أتى: يأتي من حيث لا يدرك.
(2) فروع الكافي 1: 223 قلت: ذكر المسعوديّ ديانات العرب و آرائها في الجاهلية في مروج الذهب 2: 126 و بعده، و ذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 7 جملا من آراء عبد المطلب و فضائله نثبتها هناك حيث فاتنا ذكرها قبلا قال: و رفض عبادة الأصنام، و وحّد اللّه عزّ و جلّ، و وفى بالنذر، و سن سننا نزل القرآن بأكثرها و جاءت السنة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بها، و هى الوفاء بالنذور، و مائة من الإبل في الدية، و الا تنكح ذات محرم، و لا تؤتى البيوت من ظهورها، و قطع يد السارق، و النهى عن قتل الموؤدة؛ و المباهلة، و تحريم الخمر، و تحريم الزنا، و الحدّ عليه، و القرعة، و ألا يطوف أحد بالبيت عريانا، و إضافة الضيف، و ألا ينفقوا إذا حجوا الا من طيب أموالهم، و تعظيم الأشهر الحرم، و نفى ذوات الرايات اه ثمّ ذكر قصة أصحاب الفيل.
(3) اسناد الحديث في المصدر مبدو بالوشاء، و هو معلق على سابقه، و اسناد الحديث السابق هكذا: الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد و عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حماد جميعا عن الوشاء.
173
أَبِي خَدِيجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ إِنِّي وَلَدْتُ بِنْتاً وَ رَبَّيْتُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ فَأَلْبَسْتُهَا وَ حَلَّيْتُهَا ثُمَّ جِئْتُ بِهَا إِلَى قَلِيبٍ (1) فَدَفَعْتُهَا فِي جَوْفِهِ وَ كَانَ آخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْهَا وَ هِيَ تَقُولُ يَا أَبَتَاهْ فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ قَالَ أَ لَكَ أُمٌّ حَيَّةٌ قَالَ لَا قَالَ فَلَكَ خَالَةٌ حَيَّةٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَابْرَرْهَا فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ تُكَفِّرْ عَنْكَ مَا صَنَعْتَ قَالَ أَبُو خَدِيجَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَتَى كَانَ هَذَا قَالَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْبَنَاتِ مَخَافَةَ أَنْ يُسْبَيْنَ فَيَلِدْنَ فِي قَوْمٍ آخَرِينَ (2).
100 كنز الكراجكي، عن الحسين بن عبيد الله عن هارون بن موسى عن محمد بن همام عن الحسن بن جمهور عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب عن مالك بن عطية قال لمّا حفر عبد المطّلب بن هاشم زمزم و أنبط منها الماء أخرج منها غزالين من ذهب و سيوفا و أدراعا فجعل الغزالين زينة للكعبة و أخذ السيوف و الدروع و قال هذه وديعة كان أودعها مضاض الجرهمي بن الحارث بن عمرو بن مضاض و الحارث الذي يقول شعر (3)
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا (4)* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا* * * صروف اللّيالي و الجدود العواثر (5)
و يمنعنا من كلّ فجّ نريده* * * أقبّ كسرحان الإباءة ضامر
و كل لجوج في الجراء طمرّة* * * كعجزاء فتحاء الجناحين كاسر
____________
(1) القليب: البئر.
(2) الأصول 2: 162 و 163.
(3) المصدر خال عن لفظة: شعر. و نسب ابن هشام الاشعار الى عمرو بن الحارث [بن عمرو] بن مضاض.
(4) أولها:
و قائلة و الدمع سكب مبادر* * * و قد شرقت بالدمع منها المحاجر
و الحجون بفتح الحاء: موضع بأعلى مكّة. و سمر: تحدث ليلا.
بعده:
فقلت لها و القلب منى كأنّما* * * يلجلجه بين الجناحين طائر
يلجلجه: يحركه و يديره.
(5) صروف الليالى: شدائدها و نوائبها. و الجدود جمع الجد: الحظ و البخت. و يقال: عثر جده أي تعس و هلك، و الجدود العواثر: الحظوظ المهلكات و البخت النحس المتعس.
174
و القصيدة طويلة فحسدته قريش بذلك فقالوا نحن شركاؤك فيها فقال هذه فضيلة بنت (1) [نبئت بها دونكم أريتها في منامي ثلاث ليال تباعا قالوا فحاكمنا إلى من شئت من حكام العرب فخرجوا إلى الشام يريدون أحد كهانها و علمائها فأصابهم عطش شديد فأوصى بعضهم إلى بعض فبينا هم على تلك الحال إذ بركت ناقة عبد المطّلب فنبع الماء من بين أخفافها فشربوا و تزودوا و قالوا يا عبد المطلب إن الذي سقاك في هذه البادية القفر هو الذي سقاك بمكة فرجعوا و سلموا له هذه المأثرة (2).
بيان: القبب الضمر و خمص البطن و الإباءة أجمة القصب و الجراء بالكسر جمع الجر و هو بالضم و الكسر ولد الكلب و السباع و فرس طمرّ بالكسر و تشديد الراء و هو المستفزّ للوثب و العدو و عقاب عجزاء قصيرة الذنب و يقال كسر الطائر إذا ضم جناحيه حين ينقض و الكاسر العقاب ذكرها الجوهري.
باب 2 البشائر بمولده و نبوته من الأنبياء و الأوصياء صلوات الله عليه و عليهم و غيرهم من الكهنة و سائر الخلق و ذكر بعض المؤمنين في الفترة
الآيات البقرة وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ و قال تعالى وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ و قال سبحانه وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
____________
(1) هكذا في نسخة المصنّف، و في المصدر: نبئت.
(2) كنز الكراجكيّ: 106 و 107.
175
و قال تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ و قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الأعراف الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ و قال تعالى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الأنبياء وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ الشعراء وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ القصص وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ إلى قوله تعالى وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الصف وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً
176
لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قال ابن عباس كانت اليهود يَسْتَفْتِحُونَ أي يستنصرون على الأوس و الخزرج برسول الله(ص)قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب و لم يكن من بني إسرائيل كفروا به و جحدوا ما كانوا يقولونه فيه فقال لهم معاذ بن جبل و بشر بن البراء بن معرور يا معشر اليهود اتقوا الله و أسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد و نحن أهل الشرك و تصفونه و تذكرون أنه مبعوث فقال سلام بن مشكم (1) أخو بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه و ما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية. (2)
و في قوله مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ مصدق لكتبهم من التوراة و الإنجيل لأنه جاء على الصفة التي تقدم بها البشارة. (3)
و في قوله وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ روي عن أمير المؤمنين(ع)و ابن عباس و قتادة أن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا أن يخبروا أممهم بمبعثه و نعته و يبشروهم به و يأمروهم بتصديقه و قال طاوس أخذ الله الميثاق على الأنبياء على الأول و الآخر فأخذ ميثاق الأول بما جاء (4) به الآخر.
- وَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)تَقْدِيرُهُ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أُمَمِ النَّبِيِّينَ بِتَصْدِيقِ نَبِيِّهَا وَ الْعَمَلِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ وَ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُ بَعْدَ مَا جَاءَ وَ مَا وَفَوْا بِهِ وَ تَرَكُوا كَثِيراً مِنْ شَرَائِعِهِ وَ حَرَّفُوا كَثِيراً مِنْهَا.
و الإصر العهد. (5)
و في قوله تعالى وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قيل أراد به اليهود
____________
(1) في المصدر: سلام بن مسلم.
(2) مجمع البيان 1: 158.
(3) مجمع البيان 1: 169 و فيه تقدمت بها البشارة.
(4) في المصدر: لتؤمنن بما جاء به الآخر.
(5) مجمع البيان 2: 68.
177
و قيل اليهود و النصارى و قيل كل من أوتي علما بشيء من الكتب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ أي محمدا(ص)(1) لأن في كتابهم أنه رسول الله و قيل أي الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي ص لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا قيل هم اليهود الذين فرحوا بكتمان أمر النبي(ص)و أحبوا أن يحمدوا بأنهم أئمة و ليسوا كذلك و قال البلخي إن اليهود قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ و أهل الصلاة و الصوم و ليسوا كذلك (2) و لكنهم أهل الشرك و النفاق و هو المروي عن الباقر(ع)و الأقوى أن يكون المعنى بالآية من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم في أن يبينوا أمر محمد(ص)و لا يكتموه. (3)
و في قوله فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ معناه يجدون نعته و صفته و نبوته مكتوبا في التوراة في السفر الخامس أني سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك و أجعل كلامي في فيه فيقول لهم كل ما أوصيه به.
و فيها أيضا مكتوب و أما ابن الأمة (4) فقد باركت عليه جدا جدا و سيلد اثني عشر عظيما و أؤخره لأمة عظيمة.
و فيها أيضا أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال فاران. (5)
و في الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع منها نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله و فيه أيضا قول المسيح للحواريين أنا أذهب و سيأتيكم
____________
(1) في المصدر: أى لتظهرنه للناس، و الهاء عائدة إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) في المصدر: و ليسوا من أولياء اللّه و لا أحبائه و لا أهل الصلاة و الصوم.
(3) مجمع البيان 2: 552 و 553 و 554.
(4) و المراد به إسماعيل (عليه السلام).
(5) قال الحموى في المعجم: ساعير: اسم لجبال فلسطين، و هو من حدود الروم و هو قرية من الناصرة بين طبرية و عكا، و فاران كلمة عبرانية معربة و هي من أسماء مكّة، و قيل: هو اسم لجبال مكّة، و قال ابن ماكولا: هى جبال الحجاز، و في التوراة: جاء اللّه من سيناء، و أشرق من ساعير و استعلن من فاران، مجيئه من سيناء تكليمه لموسى (عليه السلام)، و اشرافه من ساعير هو انزال الإنجيل على عيسى (عليه السلام)، و استعلائه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
178
الفارقليط (1) روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه أنه نذيركم يجمع الحق و يخبركم بالأمور المزمعة (2) و يمدحني و يشهد لي.
و فيه أيضا أنه إذا جاء قيد أهل العالم.
قوله تعالى إِصْرَهُمْ أي ثقلهم و هو التكاليف الشاقة وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ أي العهود التي كانت في ذمتهم و قيل يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة و قرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك وَ عَزَّرُوهُ أي عظموه و وقروه وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي القرآن. (3)
أقول سيأتي في الروايات أنه أمير المؤمنين ع.
و في قوله تعالى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي آذن و أعلم لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ أي على اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي من يذيقهم و يوليهم شدة العذاب بالقتل و أخذ الجزية منهم و المعني به أمة محمد(ص)عند جميع المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر ع. (4)
و في قوله تعالى وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ قيل الزبور كتب الأنبياء و الذكر اللوح المحفوظ و قيل الزبور الكتب المنزلة بعد التوراة و الذكر التوراة و قيل الزبور كتاب داود(ع)و الذكر التوراة أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ أي أرض الجنة أو الأرض المعروفة يرثها أمة محمد(ص)و قال أبو جعفر(ع)هم أصحاب المهدي في آخر الزمان. (5)
و في قوله سبحانه وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أي ذكر القرآن و خبره في كتب الأولين على وجه البشارة و به و بمحمد ص أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
____________
(1) فارقليط: كلمة يونانية، معناها الذي يذكره الناس بالخير و يحمدونه. و هو مرادف لمحمد أو أحمد.
(2) أزمع الامر و عليه و به: ثبت عليه و أظهر فيه عزما.
(3) مجمع البيان 4: 488.
(4) مجمع البيان 4: 494.
(5) مجمع البيان 7: 66. ثم ذكر أخبارا من العامّة تدلّ على قول الأخير.
179
أي أ و لم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدمت البشارة به دلالة لهم على صحة نبوته و هم عبد الله بن سلام و أصحابه و قيل هم خمسة عبد الله بن سلام و ابن يامين و ثعلبة و أسد و أسيد. (1)
و في قوله تعالى وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ أي في الجانب الغربي من الجبل الذي كلم الله فيه موسى و قيل بجانب الوادي الغربي إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي عهدنا إليه بالرسالة و قيل أراد كلامه معه في وصف نبينا محمد(ص)و نبوته وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي الله أعلمك ذلك و عرفك إياه نعمة من ربك أنعم بها عليك و هو أن بعثك نبيا و اختارك لإنباء العلم بذلك معجزة لك لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول قبلك لكي يتفكروا و يعتبروا (2).
1- شي، تفسير العياشي عَنْ حَبِيبٍ (3) السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ فَكَيْفَ يُؤْمِنُ مُوسَى(ع)بِعِيسَى(ع)وَ يَنْصُرُهُ وَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَ كَيْفَ يُؤْمِنُ عِيسَى(ع)بِمُحَمَّدٍ(ص)وَ يَنْصُرُهُ وَ لَمْ يُدْرِكْهُ فَقَالَ يَا حَبِيبُ إِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ طُرِحَ مِنْهُ آيٌ كَثِيرَةٌ وَ لَمْ يُزَدْ فِيهِ إِلَّا حُرُوفٌ أَخْطَأَتْ بِهَا الْكَتَبَةُ وَ تَوَهَّمَتْهَا الرِّجَالُ وَ هَذَا وَهَمٌ فَاقْرَأْهَا وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أُمَمِ النَّبِيِّينَ لَمَّا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ هَكَذَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ يَا حَبِيبُ فَوَ اللَّهِ مَا وَفَتْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ مُوسَى بِمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ الْمِيثَاقِ لِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ نَبِيِّهَا وَ لَقَدْ كَذَّبَتِ الْأُمَّةُ الَّتِي جَاءَهَا مُوسَى لَمَّا جَاءَهَا مُوسَى وَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَ لَا نَصَرُوهُ
____________
(1) مجمع البيان 7: 204، اختصر المصنّف ما في المصدر، و كذا فيما مر.
(2) مجمع البيان 7، 256 و 257.
(3) حبيب السجستانيّ لم يوثقه أصحاب الرجال، و الحديث مع الغض عن وثاقته و عدمها مرسل معارض لما عليه اجماع الأمة من أن القرآن هو ما بين الدفتين لم يزد فيه و لم ينقص عنه، و هو احد الثقلين الذي تاركه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بين الأمة، و هو باق الى قيام الساعة مع أن ما في النقل الثاني لم يدفع إشكال الراوي أيضا، إلّا أن يكون المراد من الأمم امة موسى و عيسى (عليهما السلام) الموجودون في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
180
لِمَا جَاءَهَا إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَ لَقَدْ كَذَّبَتْ أُمَّةُ عِيسَى(ع)بِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَ لَا نَصَرُوهُ لَمَّا جَاءَهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَ لَقَدْ جَحَدَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِمَا أَخَذَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْمِيثَاقِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَوْمَ أَقَامَهُ لِلنَّاسِ وَ نَصَبَهُ لَهُمْ وَ دَعَاهُمْ إِلَى وَلَايَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ أَشْهَدَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَأَيُّ مِيثَاقٍ أَوْكَدُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَوَ اللَّهِ مَا وَفَوْا بِهِ بَلْ جَحَدُوا وَ كَذَّبُوا (1).
2- فس، تفسير القمي الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الْآيَةَ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هَلْ تَعْرِفُونَ مُحَمَّداً فِي كِتَابِكُمْ قَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ نَعْرِفُهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ اللَّهُ لَنَا إِذَا رَأَيْنَاهُ فِيكُمْ كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُنَا ابْنَهُ إِذَا رَآهُ مَعَ الْغِلْمَانِ وَ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ ابْنُ سَلَامٍ لَأَنَا بِمُحَمَّدٍ هَذَا أَشَدُّ مَعْرِفَةً مِنِّي بِابْنِي قَالَ اللَّهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (2)
3- نجم، كتاب النجوم في كتاب دلائل النبوة جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني عن محمد بن علي بن الحسين عن الحسن عن عبد الله بن غانم عن هناد عن يونس عن أبي إسحاق عن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أسعد عن ابن مسيب عن حسان بن ثابت (3) قال إني و الله لغلام يفعاء (4) [يفقه ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت
____________
(1) تفسير العيّاشيّ: مخطوط.
(2) تفسير القمّيّ: 182.
(3) الموجود في المصدر هكذا: و وجد في كتاب دلائل النبوّة جمع أبى القاسم الحسين بن محمّد السكونى من نسخة عتيقة عليها سماع تاريخه يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين و عشرين و أربعمائة، و نسخ من أصل كتاب مصنفه، فذكر في معرفة بعض اليهود بعلم النجوم حديث بعثة النبيّ صلوات اللّه عليه و آله فقال ما هذا لفظه: حدّثني الشريف أبو عبد اللّه محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن عبد الرحمن قال: حدّثنا الحسن قال: حدّثنا عبد اللّه بن غانم قال حدّثنا هناد قال: حدّثنا يونس، عن ابى إسحاق قال: حدّثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن يحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: حدّثنا ابن شيث، عن رجال قومه، عن حسان بن ثابت إه.
قلت: الصحيح: عن يحيى بن عبد اللّه، و يحيى هذا هو يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، راجع تهذيب التهذيب 4: 379.
(4) في المصدر: لغلام يفقه.
181
إذ سمعت يهوديا و هو على أكمة (1) يثرب يصرخ يا معشر اليهود فلما اجتمعوا قالوا ويلك ما لك قال طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة (2).
4- ل، الخصال مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَأَلَهُ أَعْلَمُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَأَجَابَهُ(ع)فَأَسْلَمَ وَ أَخْرَجَ رَقّاً أَبْيَضَ (3) فِيهِ جَمِيعُ مَا قَالَ النَّبِيُّ(ص)وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا اسْتَنْسَخْتُهَا إِلَّا مِنَ الْأَلْوَاحِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ(ع)وَ لَقَدْ قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ فَضْلَكَ حَتَّى شَكَكْتُ فِيهِ يَا مُحَمَّدُ وَ لَقَدْ كُنْتُ أَمْحُو اسْمَكَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ التَّوْرَاةِ وَ كُلَّمَا مَحَوْتُهُ وَجَدْتُهُ مُثْبَتاً فِيهَا وَ لَقَدْ قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَا يُخْرِجُهَا غَيْرُكَ وَ أَنَّ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرَدُّ عَلَيْكَ فِيهَا هَذِهِ الْمَسَائِلُ يَكُونُ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِكَ وَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِكَ وَ وَصِيُّكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)صَدَقْتَ هَذَا جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِي وَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي (4) وَ وَصِيِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيَّ فَآمَنَ الْيَهُودِيُّ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ (5).
5- ك، إكمال الدين ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ أَبِي عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ رَفَعَهُ (6) أَنَّ تُبَّعَ (7) قَالَ فِي مَسِيرِهِ (8)
____________
(1) أكمة: التل. و في المصدر و هو على اطمة يثرب يصيح اه. و الاطم: الحصن.
(2) فرج المهموم: 29.
(3) الرق: جلد رقيق يكتب فيه.
(4) عن شمالى خ ل.
(5) الخصال 2: 9.
(6) في المصدر: عمر بن أبان، عن أبان رفعه.
(7) هو تبع بن حسان بن بحيلة بن كلى كرب بن تبع الاقرن، و هو أسعد أبو كرب على ما في تاريخ اليعقوبي، و في سيرة ابن هشام: حسان بن تبان أسعد أبى كرب (و تبان أسعد: هو تبع الآخر) ابن كلى كرب بن زيد (و زيد: هو تبع الأول) بن عمرو ذى الاذعار بن أبرهة ذى المنار بن الريش و يقال: الرائش. و قد فصل اليعقوبي و ابن هشام و المسعوديّ و الطبريّ و ابن الأثير أخباره و قد تقدم طرف من أخباره في باب بعض أحوال ملوك الأرض في المجلد 14 من طبعنا هذا.
(8) في نسخة من المصدر: قال في شعره.
182
حَتَّى أَتَانِي مِنْ قُرَيْظَةَ عَالِمٌ* * * حِبْرٌ لَعَمْرُكَ فِي الْيَهُودِ مُسَدَّدٌ
قَالَ ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْجُوبَةٍ* * * لِنَبِيِّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدٍ
فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبٍ (1)* * * وَ تَرَكْتُهُمْ لِعِقَابِ يَوْمٍ سَرْمَدٍ
وَ تَرَكْتُهَا لِلَّهِ أَرْجُو عَفْوَهُ* * * يَوْمَ الْحِسَابِ مِنَ الْحَمِيمِ الْمُوقَدِ (2)
فَلَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ بِهَا مِنْ قَوْمِنَا* * * نَفَراً أُولِي حَسَبٍ وَ مِمَّنْ يُحْمَدُ
نَفَراً يَكُونُ النَّصْرُ فِي أَعْقَابِهِمْ* * * أَرْجُو بِذَاكَ ثَوَابَ رَبِّ مُحَمَّدٍ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْتاً طَاهِراً (3)* * * لِلَّهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ
قَالُوا بِمَكَّةَ بَيْتُ مَالٍ دَاثِرٍ* * * وَ كُنُوزُهُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَ زَبَرْجَدٍ
فَأَرَدْتُ أَمْراً حَالَ رَبِّي دُونَهُ* * * وَ اللَّهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ
فَتَرَكْتُ مَا أَمَّلْتُهُ فِيهِ لَهُمْ* * * وَ تَرَكْتُهُمْ مِثْلًا لِأَهْلِ الْمَشْهَدِ (4)
.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَانَ الْخَبَرَ (5) أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ يَعْنِي مَكَّةَ نَبِيٌّ يَكُونُ مُهَاجَرُهُ يَثْرِبَ فَأَخَذَ قَوْماً مِنْ الْيَمَنِ فَأَنْزَلَهُمْ مَعَ الْيَهُودِ لِيَنْصُرُوهُ إِذَا خَرَجَ وَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ* * * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِئِ النَّسَمِ
فَلَوْ مُدَّ عُمُرِي إِلَى عُمُرِهِ* * * لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وَ ابْنَ عَمٍ
وَ كُنْتُ عَذَاباً عَلَى الْمُشْرِكِينَ* * * أَسْقِيهِمْ كَأْسَ حَتْفٍ وَ غَمٍ (6)
.
6- ك، إكمال الدين أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنْ تُبَّعَ قَالَ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ كُونُوا
____________
(1) ثربه و ثرب عليه: لامه، قبح عليه فعله.
(2) في المصدر: من الجحيم الموقد.
(3) في نسخة و في المصدر: ظاهرا.
(4) الأبيات من قصيدة طويلة مطلعها:
ما بال عينك لا تنام كأنّما* * * كحلت مآقيها بسم الأسود
(5) في المصدر: قد أخبر.
(6) كمال الدين: 101.
183
هَاهُنَا حَتَّى يَخْرُجَ هَذَا النَّبِيُّ فَأَمَّا أَنَا فَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وَ خَرَجْتُ مَعَهُ (1).
7- ك، إكمال الدين أحمد بن محمد بن الحسين البزاز عن محمد بن يعقوب الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكر (2) عن زكريا بن يحيى عن عكرمة قال سمعت ابن عباس يقول لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما (3) بيان اختلف في تبع هل كان مسلما أم لا.
و هذه الروايات تدل على إسلامه.
قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ أي أ مشركو قريش أظهر نعمة و أكثر أموالا و أعز في القوة و القدرة أم قوم تبع الحميري الذي سار بالجيوش حتى حير الحيرة و أتى سمرقند فهدمها ثم بناها و كان إذا كتب كتب بسم الذي ملك برا و بحرا و ضحا و ريحا (4) عن قتادة سمي تبعا لكثرة أتباعه من الناس و قيل لأنه تبع من قبله من ملوك اليمن و التبابعة اسم ملوك اليمن فتبع لقب له كما يقال خاقان لملك الترك و قيصر لملك الروم و اسمه أسعد أبو كرب
- وَ رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: لَا تَسُبُّوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ.
قال كعب نعم الرجل الصالح ذم الله قومه و لم يذمه. (5)
و قال البيضاوي و كان مؤمنا و قومه كافرين و لذلك ذمهم دونه
- وَ عَنْهُ(ع)مَا أَدْرِي أَ كَانَ تُبَّعٌ نَبِيّاً أَوْ غَيْرَ نَبِيٍ (6)
. 8- ك، إكمال الدين أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاتَ يَوْمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَفْدٌ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنِ الْقَوْمُ قَالُوا وَفْدٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ
____________
(1) كمال الدين: 101 و 102.
(2) في المصدر: يونس بن بكير.
(3) كمال الدين: 102.
(4) الضح: الشمس، و قولهم: جاء فلان بالضح و الريح أي بما طلعت عليه الشمس، و ما جرت عليه الريح، يعنى من الكثرة.
(5) مجمع البيان 9: 66.
(6) أنوار التنزيل 2: 419.
184
وَائِلٍ (1) قَالَ فَهَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ مِنْ خَبَرِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا فَعَلَ قَالُوا مَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْمَوْتِ وَ رَبِّ الْحَيَاةِ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ وَ هُوَ بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ وَ هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَ يَقُولُ اجْتَمِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ (2) فَإِذَا اجْتَمَعْتُمْ فَأَنْصِتُوا فَإِذَا أَنْصَتُّمْ فَاسْتَمِعُوا فَإِذَا أَسْمَعْتُمْ (3) فَعُوا فَإِذَا وَعَيْتُمْ فَاحْفَظُوا فَإِذَا حَفِظْتُمْ فَاصْدُقُوا أَلَا إِنَّ مَنْ عَاشَ مَاتَ وَ مَنْ مَاتَ فَاتَ وَ مَنْ فَاتَ فَلَيْسَ بِآتٍ إِنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَراً وَ فِي الْأَرْضِ عِبَراً سَقْفٌ مَرْفُوعٌ وَ مِهَادٌ مَوْضُوعٌ وَ نُجُومٌ تَمُورُ وَ لَيْلٌ يَدُورُ وَ بِحَارُ مَاءٍ لَا تَغُورُ (4) يَحْلِفُ قُسٌّ مَا هَذَا بِلَعِبٍ (5) وَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا لَعَجَباً مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ أَ رَضُوا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا أَمْ تَرَكُوا فَنَامُوا يَحْلِفُ قُسٌّ يَمِيناً غَيْرَ كَاذِبَةٍ أَنَّ لِلَّهِ دِيناً هُوَ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَحِمَ اللَّهُ قُسّاً يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئاً فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ
فِي الْأَوَّلِينَ الذَّاهِبِينَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ* * * لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِداً لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ
وَ رَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَكَابِرُ وَ الْأَصَاغِرُ* * * لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَ لَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرٌ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرٌ
وَ بَلَغَ مِنْ حِكْمَةِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ وَ مَعْرِفَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)كَانَ يَسْأَلُ مَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنْ إِيَادٍ (6)- عَنْ حِكْمَتِهِ وَ يَصْغَى إِلَيْهَا (7).
9 كنز الكراجكي، عن أسد بن إبراهيم السلمي عن محمد بن أحمد بن موسى
____________
(1) بنو بكر بن وائل: قبيلة عظيمة من العدنانية تنسب الى بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، فيها الشهرة و العدد، كانت ديارها من اليمامة الى البحرين، الى سيف كاظمة، إلى البحرين فأطراف سواد العراق فالابلة فهيت.
(2) في المصدر: أيها الناس اجتمعوا.
(3) في المصدر: فاذا سمعتم.
(4) غار الماء: ذهب في الأرض. و في المصدر: و بحار ماء تغور.
(5) في المصدر زيادة و هى: و الناس يلعب.
(6) اياد: بطن عظيم من العدنانية و هم بنو إياد بن نزار بن معد بن عدنان.
(7) كمال الدين: 99 و 100.
185
عن عبد الله بن محمد (1) عن جعفر بن محمد عن محمد بن حسان عن محمد بن الحجاج (2) عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس مثله إلى قوله حيث صار القوم صائر (3) بيان مار الشيء يمور مورا تحرك و جاء و ذهب.
10- ك، إكمال الدين الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ وَفْداً مِنْ إِيَادٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَأَلَهُمْ عَنْ حُكْمِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ فَقَالُوا قَالَ قُسٌّ شِعْراً
يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَ الْأَمْوَاتِ فِي جَدَثٍ* * * عَلَيْهِمْ مِنْ بَقَايَا تُرْبِهِمْ (5)خِرَقٌ
دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْماً يُصَاحُ بِهِمْ* * * كَمَا يُنَبَّهُ مِنْ نَوْمَاتِهِ الصَّعِقُ
مِنْهُمْ عُرَاتٌ وَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ* * * مِنْهَا جَدِيدٌ وَ مِنْهَا الْآنَ ذُو الْخَلَقِ
(6) مَطَرٌ وَ نَبَاتٌ وَ آبَاءٌ وَ أُمَّهَاتٌ وَ ذَاهِبٌ وَ آتٍ وَ آيَاتٌ فِي أَثَرِ آيَاتٍ وَ أَمْوَاتٌ بَعْدَ أَمْوَاتٍ وَ ضَوْءٌ وَ ظَلَامٌ وَ لَيَالٍ وَ أَيَّامٌ وَ فَقِيرٌ وَ غَنِيٌّ وَ سَعِيدٌ وَ شَقِيٌّ وَ مُحْسِنٌ وَ مُسِيءٌ أَيْنَ الْأَرْبَابُ الْفَعَلَةُ لِيُصْلِحَنَّ كُلُّ عَامِلٍ عَمَلَهُ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ واحدا (7) [وَاحِدٌ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَ لَا وَالِدٍ أَعَادَ وَ أَبْدَأَ وَ إِلَيْهِ الْمَآبُ غَداً أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ إِيَادٍ أَيْنَ ثَمُودُ وَ عَادٌ وَ أَيْنَ الْآبَاءُ وَ الْأَجْدَادُ أَيْنَ الْحَسَنُ الَّذِي لَمْ يُشْكَرْ وَ الْقَبِيحُ الَّذِي لَمْ يُنْقَمْ كَلَّا وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ لَيَعُودَنَّ مَا بَدَأَ وَ لَئِنْ ذَهَبَ يَوْماً (8) لَيَعُودَنَّ يَوْماً
____________
(1) في المصدر: أبو بكر محمّد بن أحمد بن موسى بن إبراهيم البابسيرى الحنظلى قال: حدثا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد من ولد عمر بن الخطّاب.
(2) في المصدر: اللخمى.
(3) كنز الكراجكيّ: 255 فيه اختصار و اختلاف لفظى راجعه.
(4) في المصدر: حدّثنا الحسن بن عبد اللّه بن سعيد قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن الحسين بن إسماعيل.
(5) بزهم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(6) في المصدر: منها الجديد و منها الاورق الخلق. و بعده:
حتى يعودوا بحال غير حالتهم* * * خلق جديد و خلق بعدهم خلقوا.
(7) في المصدر: هو اللّه واحد.
(8) يوم خ ل.
186
وَ هُوَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ حداق [حُذَاقَةَ بْنِ زُهْرِ بْنِ إِيَادِ بْنِ نِزَارٍ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالْبَعْثِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ أَوَّلُ مَنْ تَوَكَّأَ عَلَى عَصًا وَ يُقَالُ إِنَّهُ عَاشَ سِتَّ مِائَةِ سَنَةٍ وَ كَانَ يَعْرِفُ النَّبِيَّ بِاسْمِهِ وَ نَسَبِهِ وَ يُبَشِّرُ النَّاسَ بِخُرُوجِهِ وَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ التَّقِيَّةَ وَ يَأْمُرُ بِهَا فِي خِلَالِ مَا يَعِظُ بِهِ النَّاسَ (1).
بيان: الترب يحتمل أن يكون بالمثلثة يقال ثرب المريض نزع عنه ثوبه و يحتمل أن يكون تصحيف ثوبهم و في بعض النسخ بزّهم و هو أظهر.
أقول سيأتي وصية قس في أبواب المواعظ و في باب كونهم أفضل من الأنبياء في كتاب الإمامة.
11- ك، إكمال الدين مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْكُوفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُكَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ بَكَّارٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْبَرْمَكِيِ (2) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَزْهَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حُكَيْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُكَيْرٍ (3) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ (4) بِالْحَبَشَةِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)بِسَنَتَيْنِ أَتَاهُ وَفْدُ الْعَرَبِ وَ أَشْرَافُهَا وَ شُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ وَ تَمْدَحَهُ وَ تَذْكُرَ مَا كَانَ مِنْ بَلَائِهِ (5) وَ طَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ فَأَتَاهُ وَفْدٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مَعَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُذْعَانَ وَ أَسَدُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى (6) وَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ فِي أُنَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ
____________
(1) كمال الدين: 100 و 101.
(2) في المصدر: البوفكى «النوفليّ خ».
(3) في المصدر: عمرو بن بكر. و في الكنز: عمر بن بكر.
(4) في الكنز: و اسمها النعمان بن قيس.
(5) حسن بلائه خ ل. و هو الموجود في الكنز.
(6) هكذا في نسخة المصنّف و كمال الدين و إعلام الورى، و الظاهر أنّه وهم و الصحيح كما في الكنز و مروج الذهب. خويلد بن أسد بن عبد العزى.
187
صَنْعَاءَ فَاسْتَأْذَنُوا فَإِذَا هُوَ فِي رَأْسِ قَصْرٍ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ وَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ
اشْرَبْ هَنِيئاً عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِقاً (1)* * * فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَاراً مِنْكَ مِحْلَالًا
(2) فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْآذِنُ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ دَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْهُ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحَلًّا رَفِيعاً صَعْباً مَنِيعاً شَامِخاً بَاذِخاً وَ أَنْبَتَكَ مَنْبِتاً طَابَتْ أَرُومَتُهُ وَ عَذُبَتْ جُرْثُومَتُهُ (3) وَ ثَبَتَ أَصْلُهُ وَ بَسَقَ فَرْعُهُ فِي أَكْرَمِ مَوْطِنٍ وَ أَطْيَبِ مَعْدِنٍ فَأَنْتَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ مَلِكَ الْعَرَبِ وَ رَبِيعَهَا الَّذِي تُخْصِبُ بِهِ وَ أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ رَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ وَ عَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ وَ مَعْقِلُهَا (4) الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ وَ أَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ فَلَنْ يَخْمُلَ مَنْ أَنْتَ سَلَفُهُ (5) وَ لَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ نَحْنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَ سَدَنَةُ بَيْتِهِ أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا مِنْ كَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي فَدَحَنَا (6) فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزِئَةِ قَالَ وَ أَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ قَالَ أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ أُخْتِنَا قَالَ نَعَمْ قَالَ ادْنُ (7) فَأَدْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ وَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَباً وَ أَهْلًا وَ نَاقَةً (8) وَ رَحْلًا وَ مُسْتَنَاخاً
____________
(1) مرتفعا خ ل و هو الموجود في المصادر كلها.
(2) القصيدة طويلة أوردها ابن هشام في السيرة 1: 69 و 70 و المسعوديّ بعضها في مروج الذهب 2: 84 و 85.
(3) و عزت جرثومته خ ل و هو الموجود في الكنز.
(4) المعقل: الملجأ.
(5) من هم سلفه خ ل و هو الموجود في الكنز، قوله: فلن يخمل، أي فلن يخفى.
(6) في كمال الدين: من كشف الكرب: و في الكنز: لكشف الكرب. قوله: فدحنا أي أثقلنا و بهظنا.
(7) ادنه خ ل، و في كمال الدين: قال: ادن فدنا منه.
(8) نافة خ ل.
188
سَهْلًا وَ مَلِكاً وَ رِبَحْلًا (1) يُعْطَى عَطَاءً جَزْلًا قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ وَ عَرَفَ قَرَابَتَكُمْ وَ قَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ وَ أَنْتُمْ (2) أَهْلُ اللَّيْلِ وَ أَهْلُ النَّهَارِ وَ لَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ وَ الْحَبَا (3) إِذَا ظَعَنْتُمْ قَالَ ثُمَّ انْهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ وَ الْوُفُودِ فَأَقَامُوا شَهْراً لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالانْصِرَافِ ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمْ انْتِبَاهَةً فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَ أَخْلَاهُ (4) ثُمَّ قَالَ أَيَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ (5) إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي أَمْراً لَوْ كَانَ (6) غَيْرُكَ لَمْ أَبُحْ لَهُ بِهِ (7) وَ لَكِنِّي رَأَيْتُكَ مَعْدِنَهُ فَأُطْلِعُكَ عَلَيْهِ طِلْعَةً (8) فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيّاً حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا وَ أُخْبِرْنَاهُ (9) دُونَ غَيْرِنَا خَبَراً عَظِيماً وَ خَطَراً جَسِيماً فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ وَ فَضِيلَةُ الْوَفَاةِ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَ لِرَهْطِكَ كَافَّةً وَ لَكَ خَاصَّةً فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِثْلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَنْ سَرَّ وَ بَرَّ (10) فَمَا هُوَ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ زُمَراً (11) بَعْدَ زُمَرٍ فَقَالَ إِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ غُلَامٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ وَ لَكُمْ بِهِ الزِّعَامَةُ (12) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَقَدْ أُبْتُ (13) بِخَيْرٍ مَا آبَ بِمِثْلِهِ وَافِدٌ وَ لَوْ لَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ وَ إِجْلَالُهُ وَ إِعْظَامُهُ
____________
(1) هكذا في نسخة المصنّف، و لعله مصحف: و نحلا كما في كمال الدين و الكنز، و في كمال الدين بعد ذلك: يعنى عطاء جزيلا. و في الكنز: يعنى يعطى عطاء جزيلا.
(2) في كمال الدين و الكنز: فأنتم.
(3) الحباء: العطية.
(4) فأدناه و أخلاه خ ل، و في كمال الدين: فأدنى مجلسه و أخلاه.
(5) في كمال الدين: يا عبد المطلب.
(6) في كمال الدين: من سر على أمر ما لو كان. و في الكنز: من سر علمى ما لو يكون.
(7) أي لم أظهره.
(8) أطلعه على سره: أظهره له. و في كمال الدين و الكنز. فأطلعتك عليه.
(9) في هامش نسخة المصنّف: و اختبيناه خ ل و احتجناه خ ل الكراجكيّ. قلت: الموجود في كمال الدين. و حجبناه و في الكنز: و احتجبناه. و الظاهر أن الأخير مصحف لان احتجب لم يستعمل متعديا، و أمّا و احتجناه لعله من احتجن الشى: جذبه، و المال: ضمه الى نفسه و احتواه.
(10) المصدر خال عن كلمة من، يقال: رجل سر برأى يسر و يبر.
(11) زمنا من بعد زمن خ ل.
(12) في المصدر: الدعامة: و الدعامة: عماد البيت، و دعامة القوم: سيدهم.
(13) أي رجعت.
189
لَسَأَلْتُهُ مِنْ أَسْرَارِهِ مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُوراً (1) فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ أَوْ قَدْ وُلِدَ فِيهِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَمُوتُ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ وَ يَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَ عَمُّهُ وَ قَدْ وَلَدَاهُ سِرَاراً (2) وَ اللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَاراً وَ جَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَاراً يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ وَ يُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ يَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ (3) وَ يَسْتَفْتِحُ بِهِمْ (4) كَرَائِمَ الْأَرْضِ يَكْسِرُ الْأَوْثَانَ وَ يُخْمِدُ النِّيرَانَ وَ يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ وَ يَزْجُرُ (5) الشَّيْطَانَ قَوْلُهُ فَصْلٌ وَ حُكْمُهُ عَدْلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَفْعَلُهُ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُبْطِلُهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَزَّ جَدُّكَ (6) وَ عَلَا كَعْبُكَ وَ دَامَ مُلْكُكَ وَ طَالَ عُمُرُكَ فَهَلِ الْمَلِكُ سَارِّي بِإِفْصَاحٍ (7) فَقَدْ أَوْضَحَ لِي بَعْضَ الْإِيضَاحِ فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ وَ الْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ وَ الْعَلَامَاتِ عَلَى الْبَيْتِ (8) إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرُ كَذِبٍ قَالَ فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِداً فَقَالَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ثَلِجَ صَدْرُكَ وَ عَلَا أَمْرُكَ فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئاً مِمَّا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَقَالَ (9) كَانَ لِيَ ابْنٌ وَ كُنْتُ بِهِ مُعْجَباً وَ عَلَيْهِ رَفِيقاً (10) فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّداً مَاتَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ
____________
(1) في المصدر لسألته عن مساره إياي ما ازداد به سرورا. و نسخة من كمال الدين يوافق المتن.
(2) ولدناه مرارا خ ل الكراجكيّ. قلت: فى كمال الدين: و قد ولد سرارا. و في نسختنا المخطوطة: فقال ابن ذى يزن: نبى يبعث من عقبك، و رسول من فرعك؛ اسمه محمد (أحمد خ ل) هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه و أمه، و يكفله جده و عمه، و قد ولد اسرارا.
(3) يقال: خرجوا يضربون الناس عن عرض: أى عن شقة و ناحية كيفما اتفق لا يأبون من ضربوا.
(4) يستبيح به خ ل، و هو الموجود في الكنز و في كمال الدين: تستبيح.
(5) و يدحر خ ل و هو الموجود في الكنز و في نسختنا المخطوطة من كمال الدين، و دحره:
طرحه و أبعده.
(6) عز جارك خ ل.
(7) بايضاح خ ل.
(8) في المصدر: على النصب.
(9) بعد ذلك في نسختنا المخطوطة من كمال الدين: فقال عبد المطلب: نعم أيها الملك، كان إه.
(10) و به شفيقا خ ل قلت: فى الكنز: و عليه شفيقا.
190
وَ كَفَلْتُهُ أَنَا وَ عَمُّهُ (1) فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ كَمَا قُلْتُ (2) فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ وَ احْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَ اطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ أَنْ تَكُونَ لَهُ الرِّئَاسَةُ (3) فَيَطْلُبُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ وَ يَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ وَ هُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ (4) وَ لَوْ لَا عِلْمِي بِأَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَ رَجِلِي حَتَّى صِرْتُ (5) بِيَثْرِبَ دَارِ مُلْكِهِ نُصْرَةً لَهُ لَكِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ وَ الْعِلْمِ السَّابِقِ (6) أَنَّ يَثْرِبَ دَارُ مُلْكِهِ وَ بِهَا اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ وَ أَهْلُ نُصْرَتِهِ وَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ وَ لَوْ لَا أَنِّي أَخَافُ فِيهِ الْعَاهَاتِ وَ أَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ لَأَعْلَنْتُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ أَمْرَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَ لَأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ عَقِبَهُ وَ لَكِنِّي صَارِفٌ إِلَيْكَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ تَقْصِيرٍ (7) مِنِّي بِمَنْ مَعَكَ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ بِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ وَ عَشْرِ إِمَاءٍ وَ حُلَّتَيْنِ مِنَ الْبُرُودِ وَ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَ خَمْسَةِ أَرْطَالِ ذَهَبٍ وَ عَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ وَ كَرِشٍ (8) مَمْلُوَّةٍ عَنْبَراً وَ أَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ وَ قَالَ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَأْتِنِي فَمَاتَ ابْنُ ذِي يَزَنَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ قَالَ وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَثِيراً مَا يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَغْبِطُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ وَ إِنْ كَثُرَ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ وَ لَكِنْ يَغْبِطُنِي (9) بِمَا يَبْقَى لِي وَ لِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي ذِكْرُهُ وَ فَخْرُهُ
____________
(1) في هامش نسخة المصنّف نقلا عن الكنز زيادة: بين كتفيه شامة، و كل ما ذكرت من علامته.
قلت: هو موجود في الكنز أيضا.
(2) في كمال الدين: كما قلت لك.
(3) أن تكون لك الرئاسة خ ل و هو الموجود في الكنز.
(4) في الكنز: لو أنبأتهم، و نقله المصنّف في الهامش عنه أيضا. و في الكنز و كمال الدين:
و لو لا أنى أعلم أن الموت مجتاحى إه.
(5) حتى أصير خ ل و هو الموجود في المصدر.
(6) الباسق خ ل و هو الموجود في الكنز.
(7) و لكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير خ ل.
(8) الكرش: وعاء الطيب و الثوب.
(9) ليغبطنى.
191
وَ شَرَفُهُ فَإِذَا قِيلَ مَتَى ذَلِكَ (1) قَالَ سَتَعْلَمُنَّ نَبَأَ مَا أَقُولُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ وَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ إِلَى ابْنِ ذِي يَزَنَ
جَلَبْنَا الضِّحَ (2)تَحْمِلُهُ الْمَطَايَا* * * عَلَى أَكْوَارِ أَجْمَالٍ وَ نُوقٍ
مُغَلْغَلَةً مَرَافِقُهَا (3) تَعَالَى* * * إِلَى صَنْعَاءَ مِنْ فَجٍّ عَمِيقٍ
تَؤُمُّ بِنَا ابْنُ ذِي يَزَنَ وَ تُهْدَى* * * ذَوَاتُ بُطُونِهَا أُمَّ الطَّرِيقِ
وَ تُزْجِي (4) مِنْ مَخَائِلِهِ بُرُوقاً* * * مُوَاصَلَةَ الْوَمِيضِ إِلَى بُرُوقٍ
فَلَمَّا وَافَقَتْ صَنْعَاءَ صَارَتْ (5)* * * بِدَارِ الْمُلْكِ وَ الْحَسَبِ الْعَرِيقِ
إِلَى مَلِكٍ يَدُرُّ لَنَا الْعَطَايَا* * * بِحُسْنِ بَشَاشَةِ الْوَجْهِ الطَّلِيقِ (6)
.
12 عم، إعلام الورى عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ (7).
13 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ عَنِ التَّلَّعُكْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ وَ أَحْمَدَ بْنِ هَوْذَةَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ مِثْلَهُ (8).
إيضاح قوله مرتفقا قال الجزريّ المرتفق المتكئ على المرفقة و هي كالوسادة و منه حديث ابن ذي يزن اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا.
و قال الفيروزآبادي روضة محلال تحل كثيرا انتهى.
____________
(1) فاذا قيل له: و ما ذلك؟ خ ل و هو الموجود في الكنز.
(2) النصح خ ل و في كمال الدين: جلينا النصح، و في الكنز: جليبا النصح.
(3) مراقعها خ ل و هو الموجود في الكنز.
(4) و ترعى خ ل و هو الموجود في الكنز.
(5) في الكنز: حلت.
(6) كمال الدين: 105- 107.
(7) إعلام الورى: 10 و 11. و فيه اختصار و اختلاف لفظى.
(8) كنز الكراجكيّ: 82- 84. قلت: ذكره المسعوديّ ملخصا في مروج الذهب في وفود عبد المطلب على معدىكرب بن سيف بن ذى يزن.
192
و الأرومة بالفتح أصل الشجرة قوله و عذبت في أكثر النسخ بالباء الموحدة و في بعضها بالمثناة من العذاة الأرض الطيّبة البعيدة من الماء و السباخ و في بعضها عزّت و في بعضها عظمت و الجرثومة بالضمّ الأصل و بسق النخل طال.
قوله أبيت اللعن قال الجزري كان هذا في تحايا الملوك في الجاهلية و الدعاء لهم معناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه و تذمّ انتهى و قيل أي أجارك الله أن تفعل ما تلعن به و السدنة جمع السادن و هو الخادم و أشخصنا أي أخرجنا و أتى بنا و أبهجنا أي أفرحنا و فدحنا أي ثقل علينا و المرزئة المصيبة و الربحل بكسر الراء و فتح الباء الواسع العطاء و الجزل العظيم.
قوله و أنتم أهل الليل و أهل النار أي نصحبكم و نأنس بكم في الليل و النهار و الحباء العطاء و الظعن الارتحال قوله انتبه لهم أي ذكرهم مفاجاة.
قوله أخبرناه في بعض النسخ اختبيناه أي أخفيناه و في روايات العامة احتجناه بالحاء المهملة ثم التاء ثم الجيم ثم النون المشدّدة قال الجزريّ الاحتجان جمع الشيء و ضمّه إليك و منه حديث ابن ذي يزن و احتجناه دون غيرنا و الشأمة (1) بالهمزة و قد يخفّف الخال في الجسد و المراد بها هنا خاتم النبوّة و الزعامة الشرف و الرئاسة.
قوله ولداه سرارا في بعض الروايات و قد ولدناه مرارا أي كانت غير واحدة من جداته من قبيلتنا من اليمن.
قوله عن عرض بالضم أي من اعترض لهم من أيّ ناحية و جانب كان يعني إذا لم يوافقهم في دينهم قال الفيروزآبادي و يضربون الناس عن عرض لا يبالون من يضربون و قال الكعب الشرف و المجد و قال الجزري لا يزال كعبك عاليا أي لا تزال شريفا مرتفعا على من يعاديك قوله و العلامات على البيت في بعض الروايات على النصب و فسر بحجارة كانوا يذبحون عليها للأصنام و يحتمل أن يكون المراد أنصاب الحرم و قال الجزري ثلجت نفسي بالأمر إذا اطمأنت إليه و سكنت و ثبت فيها و وثقت به و منه حديث ابن
____________
(1) بل الظاهر أنّه أجوف يائى من شام يشيم: ظهرت في جلده شامة.
193
ذي يزن و ثلج صدرك و المراد بالنفاسة الحسد و في الأصل بمعنى البخل و الاستبداد بالشيء و الرغبة فيه و الغوائل جمع الغائلة و هي الشر و الحبائل المصائد و الاجتياح الإهلاك و الاستيصال.
و قال الجزري في حديث ابن ذي يزن لأوطئن أسنان العرب كعبه يريد ذوي أسنانهم و هم الأكابر و الأشراف انتهى أي لرفعته على أشرافهم و جعلتهم موضع قدمه و قال الجزري فيه يكون رسول الله في الضح و الريح قال الهروي أراد كثرة الخيل و الجيش يقال جاء فلان بالضح و الريح أي بما طلعت عليه الشمس و هبت عليه الريح يعنون المال الكثير و قال الأكوار جمع كور بالضم و هو رحل الناقة بأداته و قال في حديث ابن ذي يزن.
مغلغلة مغالقها تعالى.* * * إلى صنعاء من فج عميق.
المغلغلة بفتح الغينين الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد و بكسر الثانية المسرعة من الغلغلة سرعة السير.
قوله تعالى أي تتصاعد و تذهب قوله و تهدى في أكثر الروايات و تفرى أي تقطع و أم الطريق معظمه و الإزجاء السوق و الدفع و المخايل جمع المخيلة و هي السحابة التي تحسبها ماطرة و الوميض لمعان البرق.
14- ك، إكمال الدين الْقَطَّانُ وَ ابْنُ مُوسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُ (1) جَمِيعاً عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ تَاجِراً سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرِّ فَلَمَّا أَجْمَعْتُ عَلَى السَّيْرِ قَالَ لِي رِجَالُ قَوْمِي (2) مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِمُحَمَّدٍ وَ عَلَى مَنْ تُخَلِّفُهُ فَقُلْتُ لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَلِّفَهُ عَلَى أَحَدٍ يَكُونُ مَعِي فَقِيلَ صَغِيرٌ فِي حَرٍّ (3)
____________
(1) السنانى خ ل.
(2) في المصدر: قال لي رجال من قومي.
(3) في المصدر: لا أريد أن اخلفه على أحد من الناس، أريد أن يكون معى، فقيل: غلام صغير في حر.
194
مِثْلِ هَذَا تُخْرِجُهُ مَعَكَ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ لَا يُفَارِقُنِي حَيْثُ تَوَجَّهْتُ أَبَداً وَ إِنِّي لَأُوَطِّئُ لَهُ الرَّحْلَ فَذَهَبْتُ فَحَشَوْتُ لَهُ حَشِيَّةً زَكْتاً وَ كُنَّا رُكْبَاناً كَثِيراً (1) فَكَانَ وَ اللَّهِ الْبَعِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ أَمَامِي لَا يُفَارِقُنِي وَ كَانَ يَسْبِقُ الرَّكْبَ كُلَّهُمْ وَ كَانَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ جَاءَتْ سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ مِثْلَ قِطْعَةِ ثَلْجٍ فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَ تَقِفُ عَلَى رَأْسِهِ وَ لَا تُفَارِقُهُ وَ كَانَتْ رُبَّمَا أَمْطَرَتْ عَلَيْنَا السَّحَابَةُ بِأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ وَ هِيَ تَسِيرُ مَعَنَا وَ ضَاقَ الْمَاءُ بِنَا فِي طَرِيقِنَا حَتَّى كُنَّا لَا نُصِيبُ قِرْبَةً إِلَّا بِدِينَارَيْنِ وَ كُنَّا حَيْثُ مَا نَزَلْنَا تَمْتَلِي الْحِيَاضُ وَ يَكْثُرُ الْمَاءُ وَ تَخْضَرُّ الْأَرْضُ فَكُنَّا فِي كُلِّ خِصْبٍ وَ طِيبٍ مِنَ الْخَيْرِ وَ كَانَ فِينَا (2) قَوْمٌ قَدْ وَقَفَتْ جِمَالُهُمْ فَمَشَى إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ مَسَحَ عَلَيْهَا فَسَارَتْ (3) فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْ بُصْرَى (4) إِذَا نَحْنُ بِصَوْمَعَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ تَمْشِي كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ السَّرِيعَةُ حَتَّى إِذَا قَرُبَتْ مِنَّا وَقَفَتْ فَإِذَا فِيهَا رَاهِبٌ وَ كَانَتِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)سَاعَةً وَاحِدَةً وَ كَانَ الرَّاهِبُ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَ لَا يَدْرِي مَا الرَّكْبُ وَ مَا فِيهِ مِنَ التُّجَّارِ (5) فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى النَّبِيِّ(ص)عَرَفَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ فَأَنْتَ أَنْتَ قَالَ فَنَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الرَّاهِبِ قَلِيلَةِ الْأَغْصَانِ لَيْسَ لَهَا حَمْلٌ وَ كَانَ الرَّكْبُ يَنْزِلُ تَحْتَهَا فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)اهْتَزَّتِ الشَّجَرَةُ وَ أَلْقَتْ أَغْصَانَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ حَمَلَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ فَاكِهَتَانِ لِلصَّيْفِ وَ فَاكِهَةٌ لِلشِّتَاءِ فَتَعَجَّبَ جَمِيعُ مَنْ مَعَنَا مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَاءُ (6) الرَّاهِبُ ذَهَبَ فَاتَّخَذَ طَعَاماً لِرَسُولِ اللَّهِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ جَاءَ وَ قَالَ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذَا الْغُلَامِ فَقُلْتُ أَنَا فَقَالَ أَيَّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنْهُ فَقُلْتُ أَنَا عَمُّهُ فَقَالَ يَا هَذَا إِنَّ لَهُ أَعْمَاماً فَأَيُّ الْأَعْمَامِ أَنْتَ فَقُلْتُ أَنَا أَخُو أَبِيهِ مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ
____________
(1) في المصدر: فحشوت له حشية كساء و كتانا و كنا ركبانا كثيرا.
(2) في المصدر: و كان معنا.
(3) في المصدر: فمسح يده عليها فسارت.
(4) في المصدر: بصرى الشام. قلت: بصرى بالضم و القصر: من أعمال دمشق، و هي قصبة كورة حوران.
(5) في المصدر: و لا ما فيه من التجارة.
(6) في سيرة ابن هشام و القاموس: بحيرى بالقصر، و ظاهر المصدر و نسخة المصنّف بالمد حيث أنّه اثبت فيهما بالالف.
195
فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ هُوَ وَ إِلَّا فَلَسْتُ بَحِيرَاءَ ثُمَّ قَالَ يَا هَذَا أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أُقَرِّبَ هَذَا الطَّعَامَ مِنْهُ لِيَأْكُلَهُ فَقُلْتُ لَهُ قَرِّبْهُ إِلَيْهِ (1) فَالْتَفَتُّ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقُلْتُ (2) لَهُ يَا بُنَيَّ رَجُلٌ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَكَ فَكُلْ فَقَالَ هُوَ لِي دُونَ أَصْحَابِي فَقَالَ بَحِيرَاءُ نَعَمْ هُوَ لَكَ خَاصَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)فَإِنِّي لَا آكُلُ دُونَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَحِيرَاءُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَقَالَ أَ فَتَأْذَنُ يَا بَحِيرَاءُ أَنْ يَأْكُلُوا مَعِي فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ (3) فَأَكَلَ وَ أَكَلْنَا مَعَهُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ كُنَّا مِائَةً وَ سَبْعِينَ رَجُلًا وَ أَكَلَ (4) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا حَتَّى شَبِعَ وَ تَجَشَّأَ وَ بَحِيرَاءُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَذُبُّ عَنْهُ وَ يَتَعَجَّبُ مِنْ كَثْرَةِ الرِّجَالِ وَ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَ يَافُوخَهُ (5) وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ وَ رَبِّ الْمَسِيحِ وَ النَّاسُ لَا يَفْقَهُونَ (6) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الرَّكْبِ إِنَّ لَكَ لَشَأْناً وَ قَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ فَلَا تَفْعَلُ بِنَا هَذَا الْبِرَّ فَقَالَ بَحِيرَاءُ وَ اللَّهِ إِنَّ لِي لَشَأْناً وَ شَأْناً وَ إِنِّي لَأَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَ إِنَّ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لَغُلَاماً لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ لَحَمَلْتُمُوهُ عَلَى أَعْنَاقِكُمْ حَتَّى تَرُدُّوهُ إِلَى وَطَنِهِ وَ اللَّهِ مَا أَكْرَمْتُكُمْ إِلَّا لَهُ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ (7) وَ قَدْ أَقْبَلَ نُورٌ مِنْ أَمَامِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا فِي أَيْدِيهِمْ مَرَاوِحُ الْيَاقُوتِ وَ الزَّبَرْجَدِ يُرَوِّحُونَهُ وَ آخَرِينَ يَنْثُرُونَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْفَوَاكِهِ ثُمَّ هَذِهِ السَّحَابَةُ لَا تُفَارِقُهُ وَ صَوْمَعَتِي (8) مَشَتْ إِلَيْهِ كَمَا تَمْشِي الدَّابَّةُ عَلَى رِجْلِهَا ثُمَّ هَذِهِ الشَّجَرَةُ لَمْ تَزَلْ يَابِسَةً قَلِيلَةَ الْأَغْصَانِ وَ قَدْ كَثُرَتْ أَغْصَانُهَا وَ اهْتَزَّتْ وَ
____________
(1) في المصدر بعد ذلك: و رأيته كارها لذلك و التفت.
(2) فقال له خ ل، قلت: فعليه فيكون ما قبله فالتفت بصيغة الغائب.
(3) في المصدر: كلوا بسم اللّه.
(4) فأكل خ ل.
(5) اليافوخ: الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل، و هو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها و أعلاها لا يلبث أن تلتقى فيه العظام.
(6) في المصدر: لا يفهمون.
(7) و لقد رأيته خ ل.
(8) في المصدر: ثم صومعتى.
196
حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ فَاكِهَتَانِ لِلصَّيْفِ وَ فَاكِهَةٌ لِلشِّتَاءِ ثُمَّ هَذِهِ الْحِيَاضُ الَّتِي غَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا أَيَّامَ تَمَرُّجِ (1) بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ الْحَوَارِيِّينَ حِينَ وَرَدُوا (2) عَلَيْهِمْ فَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ شَمْعُونَ الصَّفَا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِمْ فَغَارَتْ وَ ذَهَبَ مَاؤُهَا ثُمَّ قَالَ مَتَى مَا رَأَيْتُمْ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْحِيَاضِ الْمَاءُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِأَجْلِ نَبِيٍّ يَخْرُجُ فِي أَرْضِ تِهَامَةَ مُهَاجَرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ الْأَمِينُ وَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وَ هُوَ مِنْ عِتْرَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ ثُمَّ قَالَ بَحِيرَاءُ يَا غُلَامُ أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ بِحَقِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عِنْدَ ذِكْرِ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ قَالَ لَا تَسْأَلْنِي بِهِمَا فَوَ اللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً كَبُغْضِهِمَا إِنَّهُمَا صَنَمَانِ مِنْ حِجَارَةٍ لِقَوْمِي فَقَالَ بَحِيرَاءُ هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَالَ فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي فَقَالَ سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ فَإِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي بِإِلَهِي وَ إِلَهِكَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَقَالَ أَسْأَلُكَ عَنْ نَوْمِكَ وَ يَقَظَتِكَ فَأَخْبَرَهُ عَنْ نَوْمِهِ وَ يَقَظَتِهِ وَ أُمُورِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ (3) فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَاءَ (4) فَأَكَبَّ عَلَيْهِ بَحِيرَاءُ يُقَبِّلُ رِجْلَيْهِ وَ يَقُولُ يَا بُنَيَّ مَا أَطْيَبَ رِيحَكَ يَا أَكْثَرَ النَّبِيِّينَ أَتْبَاعاً يَا مَنْ بَهَاءُ نُورِ الدُّنْيَا مِنْ نُورِهِ يَا مَنْ بِذِكْرِهِ تُعْمَرُ الْمَسَاجِدُ كَأَنَّنِي بِكَ قَدْ قُدْتَ (5) الْأَجْنَادَ وَ الْخَيْلَ الْجِيَادَ وَ تَبِعَكَ الْعَرَبُ وَ الْعَجَمُ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ كَأَنَّنِي بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ قَدْ كَسَرْتَهُمَا وَ قَدْ صَارَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ لَا يَمْلِكُهُ غَيْرُكَ تَضَعُ مَفَاتِيحَهُ حَيْثُ تُرِيدُ كَمْ مِنْ بَطَلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْعَرَبِ تَصْرَعُهُ مَعَكَ مَفَاتِيحُ الْجِنَانِ وَ النِّيرَانِ مَعَكَ الذَّبْحُ (6) الْأَكْبَرُ وَ هَلَاكُ الْأَصْنَامِ أَنْتَ الَّذِي لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَدْخُلَ الْمُلُوكُ كُلُّهَا فِي دِينِكَ صَاغِرَةً قَمِئَةً فَلَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُ يَدَيْهِ مَرَّةً وَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً وَ يَقُولُ لَئِنْ أَدْرَكْتُ زَمَانَكَ لَأَضْرِبَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالسَّيْفِ ضَرْبَ الزَّنْدِ بِالزَّنْدِ أَنْتَ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ
____________
(1) أي أيّام فسادهم و اضطرابهم.
(2) ردوا خ ل ظ.
(3) في المصدر: أسألك عن نومك و هيئتك و امورك و يقظتك، فأخبره عن نومه و هيأته و أموره و جميع شأنه.
(4) فوافق ما عند بحيراء من صفة التي عنده خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(5) من قاد الدابّة، مشى أمامها آخذا بقيادها. و قاد الجيش. كان رئيسا عليهم.
(6) الريح خ ل.
197
سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَحِكَتِ الْأَرْضُ يَوْمَ وُلِدْتَ فَهِيَ ضَاحِكَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَرَحاً بِكَ وَ اللَّهِ لَقَدْ بَكَتِ الْبِيَعُ وَ الْأَصْنَامُ وَ الشَّيَاطِينُ (1) فَهِيَ بَاكِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْتَ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (2) وَ بِشَارَةِ عِيسَى أَنْتَ الْمُقَدَّسُ الْمُطَهَّرُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَا يَكُونُ هَذَا الْغُلَامُ (3) مِنْكَ فَإِنِّي أَرَاكَ لَا تُفَارِقُهُ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ ابْنِي فَقَالَ مَا هُوَ ابْنَكَ وَ مَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ وَالِدُهُ الَّذِي وَلَدَهُ حَيّاً وَ لَا أُمُّهُ فَقَالَ إِنَّهُ ابْنُ أَخِي وَ قَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ حَامِلَةٌ بِهِ وَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ هُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ فَقَالَ صَدَقْتَ هَكَذَا هُوَ وَ لَكِنِّي أَرَى لَكَ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَى بَلَدِهِ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ وَ لَا نَصْرَانِيٌّ وَ لَا صَاحِبُ كِتَابٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ بِوِلَادَةِ هَذَا الْغُلَامِ وَ لَئِنْ رَأَوْهُ وَ عَرَفُوا مِنْهُ مَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَا مِنْهُ لَيَبْغُنَّهُ شَرّاً (4) وَ أَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَ لِمَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ الرِّسَالَةُ وَ النُّبُوَّةُ وَ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَ عِيسَى فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ كَلَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُضَيِّعَهُ ثُمَّ خَرَجْنَا بِهِ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنَ الشَّامِ رَأَيْتُ وَ اللَّهِ قُصُورَ الشَّامَاتِ كُلَّهَا قَدِ اهْتَزَّتْ وَ عَلَا مِنْهَا نُورٌ أَعْظَمُ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطْتُ (5) الشَّامَ مَا قَدَرْنَا أَنْ نَجُوزَ سُوقَ الشَّامِ مِنْ كَثْرَةِ مَا ازْدَحَمَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ ذَهَبَ الْخَبَرُ إِلَى جَمِيعِ الشَّامَاتِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِيهَا حِبْرٌ وَ لَا رَاهِبٌ إِلَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَجَاءَ حِبْرٌ عَظِيمٌ كَانَ اسْمُهُ نسطور فَجَلَسَ مُقَابِلَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ لَا يُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ فَدَارَ خَلْفَهُ كَأَنَّهُ يَلْتَمِسُ مِنْهُ شَيْئاً فَقُلْتُ يَا رَاهِبُ كَأَنَّكَ تُرِيدُ مِنْهُ شَيْئاً قَالَ أَجَلْ إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُ شَيْئاً مَا اسْمُهُ قُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَتَغَيَّرَ وَ اللَّهِ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ
____________
(1) في المصدر: و الشياطين يوم ولدت.
(2) أنت دعوة إبراهيم خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(3) قد سأل عن ذلك قبل ذلك و لعله وهم من قبل النسّاخ.
(4) في المصدر: لابتغوه شرا.
(5) توسطنا خ ل.
198
فَتَرَى أَنْ تَأْمُرَهُ أَنْ يَكْشِفَ لِي عَنْ ظَهْرِهِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَكَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَلَمَّا رَأَى الْخَاتَمَ أَكَبَّ عَلَيْهِ (1) يُقَبِّلُهُ وَ يَبْكِي ثُمَّ قَالَ يَا هَذَا أَسْرِعْ بِرَدِّ هَذَا الْغُلَامِ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ فَإِنَّكَ لَوْ تَدْرِي كَمْ عَدُوٍّ لَهُ فِي أَرْضِنَا لَمْ تَكُنْ بِالَّذِي تُقَدِّمُهُ مَعَكَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَعَاهَدُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ الطَّعَامَ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْهَا أَتَاهُ بِقَمِيصٍ مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لَهُ تَرَى أَنْ تَلْبَسَ هَذَا الْقَمِيصَ لِتَذْكُرَنِي بِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَ رَأَيْتُهُ كَارِهاً لِذَلِكَ فَأَخَذْتُ أَنَا الْقَمِيصَ مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَمَّ وَ قُلْتُ أَنَا أَلْبَسُهُ وَ عَجَّلْتُ بِهِ حَتَّى رَدَدْتُهُ إِلَى مَكَّةَ فَوَ اللَّهِ مَا بَقِيَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ امْرَأَةٌ وَ لَا كَهْلٌ وَ لَا شَابٌّ وَ لَا صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ إِلَّا اسْتَقْبَلَهُ (2) شَوْقاً إِلَيْهِ مَا خَلَا أبو [أَبَا جَهْلٍ (3) لَعَنَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ كَانَ فَاتِكاً مَاجِناً قَدْ ثَمِلَ مِنَ السَّكَرِ (4).
بيان: قوله حشية زكتا الزكت الملء و في بعض النسخ دكتا (5) و لم أعرف له معنى و في بعضها ريشا و كتانا كثيرا و هو أصوب قوله و ضاق الماء بنا لعل المراد به في غير هذه المرة أو أولا و المرج بالتحريك الفساد و الغلق و الاضطراب قوله قمئة أي ذليلة و الزند الذي يقدح به النار و الفاتك الذي يرتكب ما دعت إليه النفس و الجري (6) الشجاع و الماجن الذي لا يبالي قولا و فعلا و الثمل السكر يقال ثمل كفرح و المراد هنا شدته أو السكر بالتحريك و هو الخمر و نبيذ يتخذ من التمر.
15- ك، إكمال الدين بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هَرْثَمٍ (7) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا فَارَقَهُ بَحِيرَاءُ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً وَ أَخَذَ يَقُولُ ابْنَ آمِنَةَ كَأَنِّي بِكَ وَ قَدْ رَمَتْكَ الْعَرَبُ بِوَتَرِهَا
____________
(1) في المصدر: انكب عليه.
(2) في المصدر: الا استقبلوه.
(3) ما خلا أبا جهل ظ.
(4) كمال الدين: 107- 110.
(5) الصحيح: وكتا بالواو و هو أيضا بمعنى الملاء.
(6) لم تكن في الحديث لفظة جرى.
(7) في المصدر المطبوع: أبى عمرو بن هرثم، و في نسختنا المخطوطة: أبى عمرو بن خزيم.
199
وَ قَدْ قَطَعَكَ الْأَقَارِبُ وَ لَوْ عَلِمُوا لَكُنْتَ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْلَادِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ أَمَّا أَنْتَ يَا عَمِّ فَارْعَ فِيهِ قَرَابَتَكَ الْمَوْصُولَةَ وَ احْفَظْ فِيهِ وَصِيَّةَ أَبِيكَ فَإِنَّ قُرَيْشاً سَتَهْجُرُكَ فِيهِ فَلَا تُبَالِ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ بِهِ (1) وَ لَكِنْ سَيُؤْمِنُ بِهِ وَلَدٌ تَلِدُهُ وَ سَيَنْصُرُهُ نَصْراً عَزِيزاً اسْمُهُ فِي السَّمَاوَاتِ الْبَطَلُ الْهَاصِرُ وَ الشُّجَاعُ الْأَقْرَعُ (2) مِنْهُ الْفَرْخَانِ الْمُسْتَشْهَدَانِ وَ هُوَ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ رَئِيسُهَا (3) وَ ذُو قَرْنَيْهَا وَ هُوَ فِي الْكُتُبِ أَعْرَفُ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى(ع)فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ قَدْ رَأَيْتُ وَ اللَّهِ كُلَّ الَّذِي وَصَفَهُ بَحِيرَاءُ وَ أَكْثَرَ (4).
16- عم، إعلام الورى أورد محمد بن إسحاق بن يسار و ساق مثل هذا الخبر ثم قال و في ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية أوردها محمد بن إسحاق بن يسار
إن ابن آمنة النبي محمدا* * * عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام (5)رحمته* * * و العيس قد قلصن بالأزواد
فارفض من عيني دمع ذارف* * * مثل الجمان مفرد الأفراد (6)
راعيت فيه قرابة موصولة* * * و حفظت فيه وصية الأجداد
و أمرته بالسير بين عمومة* * * بيض الوجوه مصالت الأنجاد
ساروا لأبعد طية معلومة* * * و لقد تباعد طية المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا* * * لاقوا على شرف من المرصاد
____________
(1) في المصدر المطبوع: فلا تبالى، و إنّي أعلم أنك لا تؤمن به ظاهرا، و ستؤمن به باطنا. و مثله في نسختنا المخطوطة الا أنّه قال: و تؤمن باطنا. فعلى ذلك فقوله بعد ذلك: و لكن سيؤمن به ولد تلده أي سيؤمن به ظاهرا و باطنا. (2) الانزع خ ل و هو الموجود في المصدر. (3) في المصدر: رئيسها و زينها. (4) كمال الدين: 110. (5) ايعاز الى ما في حديث محمّد بن إسحاق: فلما تهيأ أبو طالب للرحيل و أجمع المسير انتصب «أوصب به كما في السيرة» له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأخذ بزمام ناقته و قال: يا عم الى من تكلنى؟. (6) في المصدر: مفرق الافراد
200
حبرا فأخبرهم حديثا صادقا* * * عنه و رد معاشر الحساد
قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى* * * ظل الغمام و عز ذي الأكباد
ساروا لقتل محمد فنهاهم* * * عنه و أجهد أحسن الإجهاد (1)
بيان: البطل الشجاع و الهاصر الأسد الشديد الذي يفترس و يكسر و الأقرع المراد به الأصلع و أما قوله أعلم أنك لا تؤمن به المراد به الإيمان الظاهري (2) و العيس بالكسر الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة قوله قد قلصن أي اجتمعن و انضممن و الأزواد جمع الزاد و هو الطعام المتخذ للسفر و الجمان هو اللؤلؤ الصغار و قيل حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ و المصالت جمع المصلت بالكسر و هو الماضي في الأمور و الأنجاد جمع نجد بالفتح و هو الشجاع و قال الجوهري قال الخليل الطية تكون منزلا و تكون منتأى (3) تقول من مضى لطية أي لنيته التي انتواها و بعدت عنا طيته و هو المنزل الذي انتواه.
17- ك، إكمال الدين أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ يَرْفَعُهُ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَرَادَ أَبُو طَالِبٍ يَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ فِي عِيرِ قُرَيْشٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ تَشَبَّثَ بِالزِّمَامِ وَ قَالَ يَا عَمِّ عَلَى مَنْ تُخَلِّفُنِي لَا عَلَى أُمٍّ وَ لَا عَلَى أَبٍ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُّهُ تُوُفِّيَتْ فَرَقَّ لَهُ أَبُو طَالِبٍ وَ رَحِمَهُ وَ أَخْرَجَهُ مَعَهُ وَ كَانُوا إِذَا سَارُوا
____________
(1) إعلام الورى: 11- 13، و قد ذكره أيضا ابن هشام 1: 194- 197.
(2) قد عرفت أن نسخة المصنّف كان ناقصا، و أن الموجود في المصدر: إنك لا تؤمن به ظاهرا و ستؤمن به باطنا. و على أي فاجماع جمهور الإماميّة على أن أبا طالب كان مؤمنا و لم يكن يظهر إيمانه لمصلحة تعود الى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و في مواضع من نفس ذلك الحديث أيضا دلالات على ايمانه كقوله: النبيّ محمّدا، و قوله: حبرا فأخبرهم حديثا صادقا، و ذمه اليهود و وصفه إياهم بالحساد، بل نفس الاخبار بتلك الدلائل و المعجزات دلالة ظاهرة على ايمانه به (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). أضف الى ذلك كله روايات كثيرة وردت في ذلك و أشعاره التي تدلّ صريحا على ايمانه باللّه و رسوله، و نفيه الانداد و ما كان يعبد من دون اللّه قومه، و سيوافيك طرف من ذلك إنشاء اللّه في محله.
(3) المنتأى: الموضع البعيد.
201
تَسِيرُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ الْغَمَامَةُ تُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسُ فَمَرُّوا فِي طَرِيقِهِمْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَاءُ فَلَمَّا رَأَى الْغَمَامَةَ تَسِيرُ مَعَهُمْ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَأَخَذَ لِقُرَيْشٍ طَعَاماً وَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَأْتُوهُ فَأَتَوْهُ وَ خَلَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي الرَّحْلِ فَنَظَرَ بَحِيرَاءُ إِلَى الْغَمَامَةِ قَائِمَةً فَقَالَ لَهُمْ هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَمْ يَأْتِنِي فَقَالُوا مَا بَقِيَ مِنَّا إِلَّا غُلَامٌ حَدَثٌ خَلَّفْنَاهُ فِي الرَّحْلِ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ طَعَامِي أَحَدٌ مِنْكُمْ فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا أَقْبَلَ أَقْبَلَتِ الْغَمَامَةُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ بَحِيرَاءُ قَالَ مَنْ هَذَا الْغُلَامُ قَالُوا ابْنُ هَذَا وَ أَشَارُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ بَحِيرَاءُ هَذَا ابْنُكَ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا ابْنُ أَخِي قَالَ مَا فَعَلَ أَبُوهُ قَالَ تُوُفِّيَ وَ هُوَ حَمْلٌ فَقَالَ بَحِيرَاءُ لِأَبِي طَالِبٍ رُدَّ هَذَا الْغُلَامَ فِي بِلَادِهِ فَإِنَّهُ إِنْ عَلِمَتْ مِنْهُ الْيَهُودُ مَا أَعْلَمُ مِنْهُ قَتَلُوهُ فَإِنَّ لِهَذَا شَأْناً مِنَ الشَّأْنِ هَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَذَا نَبِيُّ السَّيْفِ (1).
18- ك، إكمال الدين الْقَطَّانُ وَ ابْنُ مُوسَى وَ السِّنَانِيُّ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي وَ حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ عُمَرَ الْمُزَنِيُّ عَنْ عَمِّهِ عَنْ يَعْلَى النَّسَّابَةِ قَالَ: خَرَجَ خَالِدُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَ طَلِيقُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ تُجَّاراً إِلَى الشَّامِ سَنَةً خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِيهَا فَكَانَا مَعَهُ وَ كَانَا يَحْكِيَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا فِي مَسِيرِهِ وَ رُكُوبِهِ مِمَّا يَصْنَعُ الْوَحْشُ وَ الطَّيْرُ فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا سُوقَ بُصْرَى إِذَا نَحْنُ بِقَوْمٍ مِنَ الرُّهْبَانِ قَدْ جَاءُوا مُتَغَيِّرِي الْأَلْوَانِ كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمُ الزَّعْفَرَانَ نَرَى مِنْهُمُ الرَّعْدَ (2) فَقَالُوا يَجِبُ (3) أَنْ تَأْتُوا أَكْبَرَنَا فَإِنَّهُ هَاهُنَا قَرِيبٌ فِي الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى فَقُلْنَا مَا لَنَا وَ لَكُمْ فَقَالُوا لَيْسَ يَضُرُّكُمْ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَ لَعَلَّنَا نُكْرِمُكُمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ وَاحِداً مِنَّا مُحَمَّدٌ فَذَهَبْنَا مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلْنَا مَعَهُمُ الْكَنِيسَةَ الْعَظِيمَةَ الْبُنْيَانِ فَإِذَا كَبِيرُهُمْ قَدْ تَوَسَّطَهُمْ وَ حَوْلَهُ تَلَامِذَتُهُ وَ قَدْ نَشَرَ كِتَاباً فِي يَدِهِ (4) فَأَخَذَ يَنْظُرُ
____________
(1) كمال الدين: 110.
(2) في المصدر: ترى منهم الرعدة.
(3) نحب خ ل و في المصدر: نحب أن تأتوا كبيرنا.
(4) في المصدر المطبوع: فى يديه، و في نسختنا المخطوطة: بين يديه.
202
إِلَيْنَا مَرَّةً وَ فِي الْكِتَابِ مَرَّةً فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ مَا صَنَعْتُمْ شَيْئاً لَمْ تَأْتُونِي بِالَّذِي أُرِيدُ وَ هُوَ الْآنَ هَاهُنَا ثُمَّ قَالَ لَنَا مَنْ أَنْتُمْ قُلْنَا رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ فَقُلْنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَقَالَ لَنَا مَعَكُمْ غَيْرُكُمْ فَقُلْنَا نَعَمْ شَابٌّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ نُسَمِّيهِ يَتِيمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ نَخَرَ نَخْرَةً (1) كَادَ أَنْ يُغْشَى عَلَيْهِ ثُمَّ وَثَبَ فَقَالَ أَوْهِ أَوْهِ هَلَكَتِ النَّصْرَانِيَّةُ وَ الْمَسِيحُ ثُمَّ قَامَ وَ اتَّكَأَ عَلَى صَلِيبٍ مِنْ صُلْبَانِهِ وَ هُوَ مُفَكِّرٌ وَ حَوْلَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ الْبَطَارِقَةِ وَ التَّلَامِذَةِ فَقَالَ لَنَا فَيَخِفُّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُرُونِيهِ فَقُلْنَا لَهُ نَعَمْ فَجَاءَ مَعَنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمُحَمَّدٍ قَائِمٌ فِي سُوقِ بُصْرَى وَ اللَّهِ لَكَأَنَّا لَمْ نَرَ وَجْهَهُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ كَأَنَّ هِلَالًا يَتَلَأْلَأُ مِنْ وَجْهِهِ قَدْ رَبِحَ الْكَثِيرَ وَ اشْتَرَى الْكَثِيرَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَقُولَ لِلْقَيْنِ (2) هُوَ هَذَا فَإِذَا هُوَ قَدْ سَبَقَنَا فَقَالَ هُوَ (3) قَدْ عَرَفْتُهُ وَ الْمَسِيحِ فَدَنَا مِنْهُ وَ قَبَّلَ رَأْسَهُ وَ قَالَ أَنْتَ الْمُقَدَّسُ ثُمَّ أَخَذَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ عَلَامَاتِهِ فَأَخَذَ النَّبِيُّ(ص)يُخْبِرُهُ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ لَئِنْ أَدْرَكْتُ زَمَانَكَ لَأُعْطِيَنَّ السَّيْفَ حَقَّهُ ثُمَّ قَالَ لَنَا أَ تَعْلَمُونَ مَا مَعَهُ مَعَهُ الْحَيَاةُ وَ الْمَوْتُ مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَيِيَ طَوِيلًا وَ مَنْ زَاغَ عَنْهُ مَاتَ مَوْتاً لَا يَحْيَا بَعْدَهُ أَبَداً هُوَ الَّذِي مَعَهُ الرِّبْحُ الْأَعْظَمُ ثُمَّ قَبَّلَ وَجْهَهُ (4) وَ رَجَعَ رَاجِعاً (5).
بيان: قوله للقين القين العبد و لعلهم أرادوا أن يغلطوه و يكذبوه فأرادوا أن يشيروا إلى عبد أنه هو فعرفه قبل ذلك و في بعض النسخ للقس و هو الظاهر.
19- ك، إكمال الدين الْقَطَّانُ وَ ابْنُ مُوسَى وَ السِّنَانِيُّ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الدُّؤَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ الْفَقْعَسِيِ (6) عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ آبَائِهِ قَالُوا خَرَجَ سَنَةَ خَرَجَ
____________
(1) نخر الإنسان: مد الصوت و النفس في خياشمه.
(2) للقس خ ل و هو الموجود في المصدر المطبوع و المخطوط.
(3) في المصدر المطبوع: هو هو.
(4) في المصدر: هذا الذي معه الذبح الأعظم ثمّ قبل راسه.
(5) كمال الدين: 111.
(6) الفقعسى بفتح الأول ثمّ السكون ثمّ الفتح: نسبة الى فقعس بن الحارث بن ثعلبة بن داود ابن أسد بن خزيمة.
203
رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى الشَّامِ عَبْدُ مَنَاةَ بْنُ كِنَانَةَ وَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ صَخْرِ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ عَدِيٍّ تُجَّاراً إِلَى الشَّامِ فَلَقَاهُمَا [فَلَقِيَهُمَا أَبُو الْمُوَيْهِبِ الرَّاهِبُ فَقَالَ لَهُمَا مَنْ أَنْتُمَا قَالا نَحْنُ تُجَّارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ لَهُمَا هَلْ قَدِمَ مَعَكُمَا مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُكُمَا قَالا نَعَمْ شَابٌّ مَعَ [مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَبُو الْمُوَيْهِبِ إِيَّاهُ وَ اللَّهِ أَرَدْتُ فَقَالا وَ اللَّهِ مَا فِي قُرَيْشٍ أَخْمَلُ (1) مِنْهُ ذِكْراً إِنَّمَا يُسَمُّونَهُ بِيَتِيمِ (2) قُرَيْشٍ وَ هُوَ أَجِيرٌ لِامْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا خَدِيجَةُ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ فَقَالَ لَهُمَا تَدُلَّانِّي عَلَيْهِ فَقَالا تَرَكْنَاهُ فِي سُوقِ بُصْرَى فَبَيْنَا هُمْ فِي الْكَلَامِ إِذْ طَلَعَ (3) رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ هُوَ هَذَا فَخَلَا بِهِ سَاعَةً يُنَاجِيهِ وَ يُكَلِّمُهُ ثُمَّ أَخَذَ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ أَخْرَجَ شَيْئاً مِنْ كُمِّهِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَلَمَّا فَارَقَهُ قَالَ لَنَا تَسْمَعَانِ مِنِّي هَذَا وَ اللَّهِ (4) نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ وَ اللَّهِ سَيَخْرُجُ إِلَى قَرِيبٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ ثُمَّ قَالَ هَلْ وُلِدَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَلَدٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ فَقُلْنَا لَا فَقَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ أَوْ يُولَدُ فِي سَنَتِهِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ نَعْرِفُهُ وَ إِنَّا لَنَجِدُ صِفَتَهُ عِنْدَنَا بِالْوَصِيَّةِ كَمَا نَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ وَ إِنَّهُ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ رَبَّانِيُّهَا (5) وَ ذُو قَرْنَيْهَا يُعْطِي السَّيْفَ حَقَّهُ اسْمُهُ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى عَلِيٌّ وَ هُوَ أَعْلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ ذِكْراً وَ تُسَمِّيهِ الْمَلَائِكَةُ الْبَطَلَ الْأَزْهَرَ الْمُفْلِحَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى وَجْهٍ إِلَّا أَفْلَحَ وَ ظَفِرَ وَ اللَّهِ هُوَ
____________
(1) خمل ذكره: خفى.
(2) يتيم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) طلع عليهم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) في نسخة من المصدر: قال لنا شمعان: نبى هذا و اللّه.
(5) قال الجزريّ: الربانى منسوب الى الرب بزيادة الالف و النون للمبالغة، و قيل: هو من الرب بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، و الربانى: العالم الراسخ في العلم و الدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه اللّه تعالى، و قيل: العالم العامل المعلم انتهى و قيل: هو المتأله العارف باللّه.
204
أَعْرَفُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي السَّمَاءِ (1) مِنَ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ (2).
20- ك، إكمال الدين أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشَّارٍ الْمَدَنِيِ (3) قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ (4) أَجْمَعَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ يَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ كَانَتِ امْرَأَتُهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ الْحَضْرَمِيِّ كُلَّمَا أَبْصَرَتْهُ قَدْ نَهَضَ إِلَى الْخُرُوجِ وَ أَرَادَهُ آذَنَتْ بِهِ الْخَطَّابَ بْنَ نُفَيْلٍ (5) فَخَرَجَ زَيْدٌ إِلَى الشَّامِ يَلْتَمِسُ وَ يَطْلُبُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ (6) دِينَ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ يَسْأَلُ عَنْهُ فَلَمْ يَزَلْ فِي ذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ وَ الْجَزِيرَةَ كُلَّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الشَّامَ فَجَالَ فِيهَا حَتَّى أَتَى رَاهِباً مِنْ أَهْلِ الْبَلْقَاءِ فَتَبِعَهُ كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ عِلْمُ النَّصْرَانِيَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ(ع)فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ مَنْ يَحْمِلُكَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ لَقَدْ دَرَسَ عِلْمُهُ وَ ذَهَبَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ وَ لَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ بِأَرْضِكَ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ فَعَلَيْكَ بِبِلَادِكَ فَإِنَّهُ مَبْعُوثٌ الْآنَ هَذَا زَمَانُهُ (7) وَ لَقَدْ كَانَ شَامَّ الْيَهُودِيَّةَ وَ النَّصْرَانِيَّةَ فَلَمْ يَرْضَ شَيْئاً مِنْهُمَا فَخَرَجَ مُسْرِعاً حِينَ قَالَ لَهُ الرَّاهِبُ مَا قَالَ يُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ لَخْمٍ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ (8) وَ كَانَ قَدِ اتَّبَعَ مِثْلَ
____________
(1) في المصدر: هو أعرف من بين أصحابه في السماوات.
(2) كمال الدين: 111 و 112.
(3) في المصدر: المديني، و الصحيح: محمّد بن إسحاق بن يسار بالياء و السين المهملة، و هو مؤلف السيرة التي ينقل عنه ابن هشام في سيرته كثيرا.
(4) هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد اللّه بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب بن لوى.
(5) و كان الخطاب بن نفيل عمه و أخاه لامه، و كان يعاتبه على فراق دين قومه، و كان الخطاب قد وكل صفية به و قال: إذا رأيته قد هم بأمر فاذنينى به. قال ابن هشام في السيرة.
(6) الكتاب الأول خ ل و هو الموجود في المصدر.
(7) في المصدر: ألا ان هذا زمانه.
(8) هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى، و كان ممن رفض الجاهلية، يلتمس الحنيفية من دين إبراهيم (عليه السلام)، و ترك عبادة الاوثان و الأصنام.
205
رَأْيِ زَيْدٍ وَ لَمْ يَفْعَلْ فِي ذَلِكَ مَا فَعَلَ فَبَكَاهُ وَرَقَةُ وَ قَالَ فِيهِ
رُشِدْتَ وَ أُنْعِمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَ إِنَّمَا* * * تَجَنَّبْتَ تَنُّوراً مِنَ النَّارِ حَامِياً
بِدِينِكَ رَبّاً لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ* * * وَ تَرْكِكَ أَوْثَانَ الطَّوَاغِي كَمَا هِيَا (1)
وَ قَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ* * * وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سِتِّينَ وَادِياً (2)
.
21 قب، المناقب لابن شهرآشوب عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِثْلَهُ (3).
بيان: قوله شامّ اليهودية بتشديد الميم قال الجزري يقال شاممت فلانا إذا قاربته و تعرفت ما عنده بالاختبار و الكشف و هي مفاعلة من الشم كأنك تشم ما عندك و يشم ما عنده لتعملا بمقتضى ذلك انتهى.
و اللخم بالتحريك واد بالحجاز و بسكون الخاء بلا لام حيّ باليمن.
22- ك، إكمال الدين بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشَّارٍ الْمَدَنِيِ (4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْأَثِيرِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالا يَا رَسُولَ اللَّهِ تَسْتَغْفِرُ لِزَيْدٍ (5) قَالَ نَعَمْ فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَاحِدَةً (6).
23- ك، إكمال الدين بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَدَّهُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ
____________
(1) بعده:
و ادراكك الدين الذي قد طلبته* * * و لم تك عن توحيد ربك ساهيا.
فأصبحت في دار كريم مقامها* * * تعلل فيها بالكرامة لاهيا.
تلاقى خليل اللّه فيها و لم تكن* * * من الناس جبار إلى النار هاويا.
(2) كمال الدين: 115 و فيه: و قد يدرك الإنسان.
(3) مناقب آل أبي طالب 1: 11، و الحكاية توجد في سيرة ابن هشام نقلا عن محمّد بن إسحاق راجع ج 1: 247- 250.
(4) قد عرفت آنفا أن بشار مصحف يسار، و هذا الحديث رواه ابن هشام في السيرة عن محمّد بن إسحاق بن يسار.
(5) في المصدر و السيرة: أ نستغفر لزيد؟.
(6) كمال الدين: 115، و فيه: فانه يبعث يوم القيامة امة واحدة.
206
اللَّهِ إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ كَمَا رَأَيْتَ وَ كَمَا بَلَغَكَ فَلَوْ أَدْرَكَكَ لَآمَنَ بِكَ (1) فَأَسْتَغْفِرُ لَهُ قَالَ نَعَمْ فَاسْتَغْفِرْ لَهُ وَ قَالَ إِنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَطْلُبُ الدِّينَ فَمَاتَ وَ هُوَ فِي طَلَبِهِ (2).
24- ك، إكمال الدين أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ الْبَزَنْطِيِّ مَعاً عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ فَأُخْرِجَ (3) وَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ يَا كَعْبُ أَ مَا نَفَعَكَ وَصِيَّةُ ابْنِ حَوَّاشٍ الْحِبْرِ الْمُقْبِلِ مِنَ الشَّامِ (4) فَقَالَ تَرَكْتُ الْخَمْرَ وَ الْخَمِيرَ وَ جِئْتُ إِلَى الْبُؤْسِ وَ التُّمُورِ لِنَبِيٍّ يُبْعَثُ هَذَا أَوَانُ خُرُوجِهِ يَكُونُ مَخْرَجُهُ بِمَكَّةَ وَ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ وَ هُوَ الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ يَجْتَزِئُ بِالْكِسْرَةِ وَ التُّمَيْرَاتِ وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ وَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ لَا يُبَالِي بِمَنْ لَاقَى يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ مُنْقَطَعَ الْخُفِّ وَ الْحَافِرِ قَالَ كَعْبٌ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ وَ لَوْ لَا أَنَّ الْيَهُودَ تُعَيِّرُنِي أَنِّي جَبُنْتُ (5) عِنْدَ الْقَتْلِ لَآمَنْتُ بِكَ وَ صَدَّقْتُكَ وَ لَكِنِّي عَلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَيْهِ أَحْيَا وَ عَلَيْهِ أَمُوتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَدِّمُوهُ وَ اضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقُدِّمَ وَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ (6).
25- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى الصَّدُوقِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ أُورَمَةَ عَنْ عِيسَى بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ التَّفْلِيسِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى جَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَى عِيسَى(ع)جِدَّ فِي أَمْرِي وَ لَا تَتْرُكْ إِنِّي خَلَقْتُكَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ آيَةً لِلْعَالَمِينَ أَخْبِرْهُمْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ نَسْلُهُ مِنْ مُبَارَكَةٍ
____________
(1) في المصدر: فلو أدركك كان آمن بك.
(2) كمال الدين: 115.
(3) في المصدر: و اخرج.
(4) في المصدر: الحبر الذي أقبل من الشام.
(5) جئثت خ ل و في هامش نسخة المصنّف بخطه: جئث كفرح: ثقل عند القيام، أو حمل شيء ثقيل، و كزهى جؤثا: فزع ق. قلت: فى المصدر: خشيث.
(6) كمال الدين: 114 و 115.
207
وَ هِيَ مَعَ أُمِّكَ فِي الْجَنَّةِ طُوبَى لِمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَ أَدْرَكَ زَمَانَهُ وَ شَهِدَ أَيَّامَهُ قَالَ عِيسَى يَا رَبِّ وَ مَا طُوبَى قَالَ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَحْتَهَا عَيْنٌ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَداً قَالَ عِيسَى يَا رَبِّ اسْقِنِي مِنْهَا شَرْبَةً قَالَ كَلَّا يَا عِيسَى إِنَّ تِلْكَ الْعَيْنَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يَشْرَبَهَا ذَلِكَ النَّبِيُّ وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى يَدْخُلَهَا أُمَّةُ ذَلِكَ النَّبِيِ (1).
26 يج، الخرائج و الجرائح فصل و نذكر هاهنا شيئا مما في الكتب المقدمة من ذكر نبينا و كيف بشرت الأنبياء قبله بألفاظهم منها ألفاظ التوراة في هذا الباب في السفر الأول منه إن الملك نزل على إبراهيم فقال له إنه يولد في هذا العالم لك غلام اسمه إسحاق فقال إبراهيم ليت إسماعيل يعيش بين أيديك يخدمنك (2) فقال الله لإبراهيم لك ذلك قد استجيب في إسماعيل و إني أبركه و آمنه (3) و أعظمه بما استجبت فيه و تفسير هذا الحرف محمد و يلد اثني عشر عظيما و أصيره لأمة كثيرة.
و قال في التوراة إن الملك نزل على هاجر أم إسماعيل و قد كانت خرجت مغاضبة لسارة و هي تبكي فقال لها ارجعي و اخدمي مولاتك و اعلمي أنك تلدين غلاما يسمى إسماعيل و هو يكون معظما في الأمم و يده على كل يد.
و لم يكن ذلك لإسماعيل و لا لأحد من ولده غير نبينا.
و قال في التوراة إن إبراهيم لما أخرج إسماعيل و أمه هاجر أصابهما عطش فنزل عليهما ملك و قال لها لا تهاوني بالغلام و شدي يديك به فإني أريد أن أصيره لأمر عظيم.
فإن قيل هذا تبشير بملك و ليس فيه ذكر نبوة قلنا الملك ملكان ملك كفر و ملك هدى و لا يجوز أن يبشر الله إبراهيم(ع)و هاجر بظهور الكفر في ولدهما و يصفه بالعظم.
____________
(1) قصص الأنبياء: مخطوط.
(2) يخدمك خ ل.
(3) ائتمنه خ ل.
209
بالملائكة في بدر و الخندق و حنين.
و قال في التوراة في السفر الخامس إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك و أجعل كلامي على فمه.
و إخوة بني إسرائيل ولد إسماعيل و لم يكن في بني إسماعيل نبي مثل موسى و لا أتى بكتاب ككتاب موسى غير نبينا ص.
و من قول حيقوق النبي و من قول دانيال جاء الله (1) من اليمن و التقديس من جبال فاران فامتلأت الأرض من تحميد أحمد و تقديسه و ملك الأرض بهيبته.
و قال أيضا يضيء له نوره الأرض و تحمل (2) خيله في البر و البحر.
و قال أيضا سننزع في قبيك أغرافا (3) و ترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء.
و هذا إيضاح باسمه و صفاته. و في كتاب شعيا النبي عبدي خيرتي من خلقي رضي نفسي أفيض عليه روحي أو قال أنزل فيظهر في الأمم عدلي لا يسمع صوته في الأسواق يفتح العيون العور و يسمع الآذان الصم و لا يميل إلى اللهو ركن المتواضعين و هو نور الله الذي لا يطفأ حتى تثبت في الأرض حجتي و ينقطع به العذر.
و قال في الفصل الخامس أثر سلطانه على كتفه.
يعني علامة النبوة و كان على كتفه خاتم النبوة.
و أعلامه في الزبور قال داود في الزبور سبحوا الرب تسبيحا حديثا و ليفرح إسرائيل بخالقه و نبوءة صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته و أعطاه النصر و سدد الصالحين منهم بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم و بأيديهم سيوف ذات شفرتين (4) لينتقم الله تعالى من الأمم الذين لا يعبدونه.
____________
(1) جاء به اللّه خ ل.
(2) و يجيل خ ل.
(3) غرقا خ ل.
(4) الشفرة: حد السيف.
208
و قال في التوراة أقبل من سيناء (1) و تجلى من ساعير و ظهر من جبل فاران.
فسيناء جبل كلم الله عليه موسى و ساعير هو الجبل الذي بالشام كان فيه عيسى و جبل فاران مكة.
و في التوراة أن إسماعيل سكن برية فاران و نشأ فيها و تعلم الرمي.
فذكر الله (2) مع طور سيناء و ساعير التي جاء منها بأنبيائه و مجيء الله إتيان دينه و أحكامه فلقد ظهر دين الله من مكة و هي فاران فأتم الله تعالى هذه المواعيد لإبراهيم(ع)بمحمد(ص)فظهر دين الله في مكة بالحج إليها و استعلن ذكره بصراخ أصحابه بالتلبية على رءوس الجبال و بطون الأودية و لم يكن موجودا إلا بمجيء محمد(ص)و غيره من ولد إسماعيل عباد أصنام فلم يظهر الله بهم تبجيله. (3)
و يدل على تأويلنا ما قال في كتاب حيقوق سيد يجيء من اليمن يقدس (4) من جبل فاران يغطي (5) السماء بهاء و يملأ الأرض نورا و يسيل الموت (6) بين يديه و ينقر الطير بموضع قدميه.
و قال في كتاب حزقيل النبي لبني إسرائيل إني مؤيد بني قيدار بالملائكة و قيدار جد العرب ابن إسماعيل لصلبه و أجعل الدين تحت أقدامهم فيريثونكم (7) بدينهم و ليشمون أنفسكم بالحمية و الغضب و لا ترفعون (8) أبصاركم و لا تنظرون إليهم و جميع رضاي يصنعونه بكم.
و إن محمدا أخرج إليهم بمن أطاعه من بني قيدار فيقتل (9) مقاتليهم و أيدهم الله
____________
(1) طور سيناء خ ل.
(2) فذكره اللّه خ ل.
(3) فلم يظهر اللّه بهم قبله خ ل.
(4) و يقدس خ ل.
(5) في نسخة مخطوطة: يعطى.
(6) و يسير الموت خ ل.
(7) فيدينونكم خ ل.
(8) و لا ترفضون خ ل.
(9) فقتل خ ل صح.
210
و في مرموز آخر من الزبور تقلد أيها الخيار السيف فإن ناموسك و شرائعك مقرونة بهيبة يمينك و سهامك مشنونة (1) و الأمم يجرون تحتك.
و في مرموز آخر أن الله أظهر من صهيون (2) إكليلا محمودا.
ضرب الإكليل مثلا للرئاسة و الإمامة و محمود هو محمد ص.
و ذكر أيضا في صفته و يجوز من البحر إلى البحر من لدن الأنهار إلى مقطع الأرض و إنه ليخر أهل الخزائن (3) بين يديه يأتيه ملوك الفرس و تسجد له و تدين له الأمم بالطاعة ينقذ الضعيف و يرق (4) بالمساكين.
و في مرموز آخر اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر.
هذا إخبار عن محمد يخبر الناس أن المسيح بشر.
و في كتاب شعيا النبي قيل لي قم نظارا فانظر ما ذا ترى فخبر به فقلت أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار و الآخر على جمل يقول أحدهما لصاحبه سقطت بابل و أصنامها.
فكل أهل الكتاب يؤمن بهذه الكتب و تنفرد النصارى بالإنجيل و أعلامه في الإنجيل قال المسيح للحواريين أنا أذهب و سيأتيكم الفارقليط بروح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما هو كما يقال له و يشهد (5) علي و أنتم تشهدون لأنكم معه من قبل الناس و كل شيء أعده الله لكم يخبركم به.
و في حكاية يوحنا عن المسيح قال الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة و لا يقول من تلقاء نفسه و لكنه يكلمكم مما يسمع و سيؤتيكم
____________
(1) لعل المعنى: و سهامك متوجهة من كل جانب. و في هامش نسخة المصنّف: مكانه: مسنونة، و لعله أصح، و هو من سن الرمح: ركب فيه السنان.
(2) صهيون كبرذون: بيت المقدس أو موضع به، و الاكليل: التاج، و المراد به الملك و السلطان أو ما يشمل النبوّة.
(3) الجزائر خ ل.
(4) يرؤف خ ل.
(5) و يشهده خ ل.
211
بالحق و يخبركم بالحوادث و الغيوب.
و قال في حكاية أخرى الفارقليط روح الحق الذي يرسله (1) باسمي هو يعلمكم كل شيء.
و قال إني سائل ربي أن يبعث إليكم فارقليط آخر يكون معكم إلى الأبد و هو يعلمكم كل شيء. و قال في حكاية أخرى ابن البشر (2) ذاهب و الفارقليط يأتي بعده يحيي (3) لكم الأسرار و يفسر لكم كل شيء و هو يشهد لي كما شهدت له فإني أجيئكم بالأمثال و هو يجيئكم بالتأويل.
و من أعلامه في الإنجيل أنه لما حبس يحيى بن زكريا ليقتل بعث بتلاميذه إلى المسيح و قال لهم قولوا أنت هو الآتي أو نتوقع غيرك فأجابه المسيح و قال الحق اليقين أقول لكم إنه لم تقم النساء على أفضل (4) من يحيى بن زكريا و إن التوراة و كتب الأنبياء يتلو بعضها بعضا بالنبوة و الوحي حتى جاء يحيى فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن الإليا متوقع أن يأتي فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع.
روي أنه كان فيه أن أحمد متوقع فغيروا الاسم و جعلوا إليا لقوله يحرفون الكلم عن مواضعه و إليا هو علي بن أبي طالب(ع)و قيل إنما ذكر إليا لأن عليا قدام محمد(ص)في كل حرب و في كل حال حتى يوم القيامة فإنه صاحب رايته و كان اسم محمد بالسريانية مشفحا و مشفح هو محمد بالعربية و إنهم يقولون شفح لالاها إذا أرادوا أن يقولوا الحمد لله و إذا كان الشفح الحمد فمشفح محمد.
و في كتاب شيعا في ذكر الحج ستمتلي البادية فتصفر (5) لهم من أقاصي الأرض
____________
(1) أرسله خ ل.
(2) ابن البر خ ل.
(3) يجلى خ ل.
(4) عن أفضل خ ل.
(5) فيظفر بهم.
212
فإذا هم سراع يأتون يبثون تسبيحه في البر و البحر يأتون من المشرق كالصعيد كثرة.
و قال شعيا قال الرب ها أنا ذا مؤسس بصهيون من بيت الله حجرا و في رواية مكرمة فمن كان مؤمنا فلا يستعجلنا و قال دانيال في الرؤيا التي رآها بختنصّر ملك بابل و عبرها أيها الملك رأيت رؤيا هائلة رأيت صنما بارع الجمال قائما بين يديك رأسه من الذهب و ساعده من الفضة و بطنه و فخذه نحاس و ساقاه حديد و بعض رجليه خزف و رأيت حجرا صك رجلي ذلك الصنم فدقهما دقا شديدا فتفتت ذلك الصنم كله حديدة و نحاسه و فضته و ذهبه و صار رفاتا كدقاق البيدر و عصفته الريح فلم يوجد له أثر و صار ذلك الحجر الذي دق الصنم جبلا عاليا امتلأت منه الأرض فهذه رؤياك قال نعم ثم عبرها له فقال إن الرأس الذي رأيت من الذهب مملكتك فتقوم بعدك مملكة أخرى دونك و المملكة الثالثة التي تشبه النحاس تتسلط على الأرض كلها و المملكة الرابعة قوتها قوة الحديد كما أن الحديد يدق كل شيء و أما الرجل الذي كان بعضها من حديد و بعضها من خزف فإن بعض تلك المملكة يكون عزا و بعضها ذلا و يكون كلمة أهل المملكة متشتتة و يقيم إله السماء في تلك الأيام ملكا عظيما دائما أبديا لا يتغير و لا يتبدل و لا يزول و لا يدع لغيره من الأمم سلطانا و يقوم دهر الداهرين.
فتأويل الرؤيا بعث محمد تمزقت الجنود لنبوته و لم ينتقض مملكة فارس لأحد قبله و كان ملكها أعز ملوك الأرض و أشدها شوكة و كان أول ما بدأ فيه انتقاص قتل شِيرَوَيْهِ بن أَبَرْوِيزَ أباه ثم ظهر الطاعون في مملكته و هلك فيه ثم هلك ابنه أردشير ثم ملك رجل ليس من أهل بيت الملك فقتلته بوران بنت كسرى ثم ملك بعده رجل يقال له كسرى بن قباد ولد بأرض الترك ثم ملكت بوران بنت كسرى فبلغ رسول الله(ص)ملكها فقال لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة ثم ملكت بنت أخرى لكسرى فسمت و ماتت ثم ملك رجل ثم قتل فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانتشار أمر (1) ابن لكسرى يقال له يزدجرد فملكوه عليهم فأقام بالمدائن على الانتشار ثماني
____________
(1) أمره: ولاء الامارة و حكمه.
213
سنين و بعث إلى الصين بأمواله و خلف أخا بالمدائن لرستم فأتى لقتال المسلمين و نزل بالقادسية و قتل بها فبلغ ذلك يزدجرد فهرب إلى سجستان و قتل هناك.
و قال في التوراة أحمد عبدي المختار لا فظ و لا غليظ و لا صخاب (1) في الأسواق و لا يجزئ بالسيئة السيئة و لكن يعفو و يغفر مولده بمكة و هجرته طيبة و ملكه بالشام و أمته الحامدون يحمدون الله على كل نجد (2) و يسبحونه في كل منزل و يقومون على أطرافهم و هم رعاة الشمس (3) مودتهم في جو السماء (4) صفهم في الصلاة و صفهم في القتال سواء رهبان بالليل أسد بالنهار لهم دوي كدوي النحل يصلون الصلاة حيثما أدركهم الصلاة.
و مما أوحى الله إلى آدم أنا الله ذو بكة أهلها جيرتي و زوارها وفدي و أضيافي أعمره بأهل السماء و أهل الأرض يأتونه أفواجا شعثا غبرا يعجون بالتكبير و التلبية فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني و هو وفد لي و نزل بي و حق لي أن أتحفه بكرامتي أجعل ذلك البيت ذكره و شرفه و مجده و سناءه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم أبني له قواعده و أجري على يديه عمارته و أنبط له سقايته و أريه حله و حرمه و أعلمه مشاعره ثم يعمره الأمم و القرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد و هو خاتم النبيين فأجعله من سكانه و ولاته. (5)
و من أعلامه اسمه إن الله حفظ اسمه حتى لم يسم باسمه أحد قبله صيانة من الله لاسمه و منع منه (6) كما فعل بيحيى بن زكريا لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا و كما
____________
(1) الفظ: الغليظ السيئ الخلق الخشن الكلام الصخاب: الشديد الصياح.
(2) النجد: ما أشرف من الأرض و ارتفع.
(3) أي هم يرقبون الشمس متى تزول فيصلون. و المراد المحافظة على مواقيت الصلاة.
(4) يرونها في جو السماء خ ل ظ.
(5) الخرائج ... لم نجدها فيه بتفصيله: نعم فيه: منها (أى من المعجزات) ما وجدت في كتب الأنبياء قبله من تصديقه و وصفه بصفاته و إظهار علاماته، و الدلالة على وقته و مكانه و ولادته و أحوال آبائه و امهاته اه و لم يذكر بعد ذلك تفصيلها، و الظاهر أن النسخة المطبوعة ناقصة و كانت النسخة التي عند المصنّف تامّة، و ذكر العلامة الرازيّ في الذريعة أنّه رأى نسخة في مكتبة سلطان العلماء بطهران تخالف المطبوع.
(6) و منعه منه خ ل:.
214
فعل بإبراهيم و إسحاق و يعقوب و صالح و أنبياء كثيرة منع من مسماتهم (1) قبل مبعثهم ليعرفوا به إذا جاءوا و يكون ذلك أحد أعلامهم. (2)
و عن سراقة بن جعشم (3) قال خرجت رابع أربعة فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات و قربه قائم (4) لديراني فأشرف علينا قال من أنتم قلنا قوم من مضر قال من أي المضرين قلنا من خندف قال أما إنه سيبعث فيكم وشيكا (5) نبي اسمه محمد فلما صرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام فسماه محمدا و هذا أيضا من أعلامه.
27- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنْ تُبَّعَ بْنَ حَسَّانَ (6) سَارَ إِلَى يَثْرِبَ وَ قَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا صَبْراً وَ أَرَادَ خَرَابَهَا (7) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لَهُ مِائَتَانِ وَ خَمْسُونَ سَنَةً وَ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مِثْلُكَ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الزُّورِ وَ لَا يَقْتُلُ عَلَى الْغَضَبِ وَ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخَرِّبَ هَذِهِ الْقَرْيَةَ قَالَ وَ لِمَ قَالَ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيٌّ يَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ يَعْنِي الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَكَفَّ تُبَّعٌ وَ مَضَى يُرِيدُ مَكَّةَ وَ مَعَهُ الْيَهُودُ وَ كَسَا الْبَيْتَ وَ أَطْعَمَ النَّاسَ وَ هُوَ الْقَائِلُ
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ* * * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِئِ النَّسَمِ
فَلَوْ مُدَّ عُمُرِي إِلَى عُمُرِهِ* * * لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وَ ابْنَ عَمٍ
وَ يُقَالُ هُوَ تُبَّعٌ الْأَصْغَرُ وَ قِيلَ هُوَ الْأَوْسَطُ.
28- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: فَنَشَأَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي حَجْرِ أَبِي طَالِبٍ
____________
(1) منع من أسمائهم خ ل، و في المصدر: من مسمياتهم.
(2) الخرائج: 184.
(3) بضم الجيم و الشين و بينهما العين الساكنة.
(4) القائم: البناء.
(5) الوشيك: السريع.
(6) في المصدر: حسان بن تبع و هو الصحيح.
(7) إخرابها خ ل.
215
فَبَيْنَمَا هُوَ غُلَامٌ يَجِيءُ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي مُحَمَّدٌ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ فَمَا اسْمُ هَذِهِ وَ أَشَارَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ السَّمَاءُ قَالَ فَمَا اسْمُ هَذِهِ وَ أَشَارَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ الْأَرْضُ قَالَ فَمَنْ رَبُّهُمَا قَالَ اللَّهُ قَالَ فَهَلْ لَهُمَا رَبٌّ غَيْرُهُ قَالَ لَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ بِهِ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةِ قُرَيْشٍ فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى بُصْرَى وَ فِيهَا رَاهِبٌ لَمْ يُكَلِّمْ أَهْلَ مَكَّةَ إِذَا مَرَّوا بِهِ وَ رَأَى عَلَامَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي الرَّكْبِ فَإِنَّهُ رَأَى غَمَامَةً تُظِلُّهُ فِي مَسِيرِهِ وَ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَثُنِيَتْ (1) أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ وَ الْغَمَامَةُ عَلَى رَأْسِهِ بِحَالِهَا فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَاماً وَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَ تَخَلَّفَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَاءُ الرَّاهِبُ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ قَالَ فَهَلْ تَخَلَّفَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَالُوا لَا وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِلَّا صَبِيٌّ فَاسْتَحْضَرَهُ فَلَمَّا لَحَظَ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَعْرِفُهَا مِنْ صِفَتِهِ فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ يَا غُلَامُ أَ تُخْبِرُنِي عَنْ أَشْيَاءَ أَسْأَلُكَ عَنْهَا قَالَ سَلْ قَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ لِأَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَحْلِفُونَ بِهِمَا فَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَإِنِّي وَ اللَّهِ لَمْ أُبْغِضْ بُغْضَهُمَا شَيْئاً قَطُّ قَالَ فَوَ اللَّهِ لَأَخْبَرْتَنِي (2) عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ قَالَ فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ فِي نَوْمِهِ وَ هَيْئَتِهِ فِي أُمُورِهِ (3) فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُخْبِرُهُ فَكَانَ يَجِدُهَا مُوَافِقَةً لِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ اكْشِفْ عَنْ ظَهْرِكَ فَكَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِدُهُ عِنْدَهُ فَأَخَذَهُ الْأَفْكَلُ وَ هُوَ الرِّعْدَةُ وَ اهْتَزَّ الدَّيْرَانِيُّ فَقَالَ مَنْ أَبُو هَذَا الْغُلَامِ قَالَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ ابْنِي قَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ أَبُوهُ حَيّاً قَالَ أَبُو طَالِبٍ إِنَّهُ هُوَ ابْنُ أَخِي قَالَ فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ قَالَ مَاتَ وَ هُوَ ابْنُ شَهْرَيْنِ قَالَ صَدَقْتَ فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بِلَادِكَ وَ احْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَوَ اللَّهِ لَئِنْ رَأَتْهُ وَ عَرَفُوا مِنْهُ الَّذِي عَرَفْتُهُ لَيَبْغُنَّهُ شَرّاً فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ فَرَدَّهُ إِلَى مَكَّةَ.
____________
(1) فنبتت خ ل.
(2) الا أخبرتنى خ ل.
(3) و يقظته و أموره خ ل.
216
29- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشاً أَرْسَلَتِ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَ عَلْقَمَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ بِيَثْرِبَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالُوا لَهُمَا إِذَا قَدِمْتُمَا عَلَيْهِمْ فَاسْأَلُوهُمْ عَنْهُ فَلَمَّا قَدِمَا سَأَلُوهُمْ فَقَالُوا صِفُوا لَنَا صِفَتَهُ فَوَصَفُوهُ قَالُوا وَ مَنْ تَبِعَهُ قَالُوا سَفِلَتُنَا فَصَاحَ حِبْرٌ مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَ نَجِدُ قَوْمَهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ.
30- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ حِينَ ظَهَرَ بِالْحَبَشَةِ وَفَدَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشٌ وَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَسَأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ سِرّاً فَأَخْبَرَهُ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ وَ وَصَفَ لَهُمْ صِفَتَهُ فَأَقَرُّوا جَمِيعاً أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ فِي مُحَمَّدٍ فَقَالَ هَذَا أَوَانُ مَبْعَثِهِ وَ مُسْتَقَرُّهُ يَثْرِبَ وَ مَوْتُهُ بِهَا.
31- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَنِيسَةَ لِيَدْخُلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فَلَمَّا دَخَلَهَا وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ فَإِذَا هُوَ بِيَهُودَ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَ قَدْ وَصَلُوا إِلَى صِفَةِ النَّبِيِّ(ص)فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمْسَكُوا وَ فِي نَاحِيَةِ الْكَنِيسَةِ رَجُلٌ مَرِيضٌ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)مَا لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ فَقَالَ الْمَرِيضُ إِنَّهُمْ أَتَوْا عَلَى صِفَةِ النَّبِيِّ(ص)فَأَمْسَكُوا ثُمَّ جَاءَ الْمَرِيضُ يَجْثُو (1) حَتَّى أَخَذَ التَّوْرَاةَ فَقَرَأَهَا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ صِفَةِ النَّبِيِّ وَ أُمَّتِهِ فَقَالَ هَذِهِ صِفَتُكَ وَ صِفَةُ أُمَّتِكَ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)وَلُّوا أَخَاكُمْ (2).
32- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَةٍ يَقُولُ سَلُوا أَهْلَ هَذَا الْمَوْسِمِ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ قَالُوا نَعَمْ فَقَالُوا سَلُوهُ هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهَذَا هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ وَ هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَ مَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ وَ مُهَاجَرَتُهُ إِلَى نَخْلٍ وَ حَرَّةٍ وَ سِبَاخٍ (3) قَالَ الرَّاوِي فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ قُلْتُ هَلْ هَاهُنَا مِنْ حَدَثٍ قَالُوا أَتَانَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِينُ (4).
____________
(1) جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه.
(2) صلوا على أخيكم خ ل.
(3) أرض حرة: لا رمل فيها. رملة حرة: لا طين فيها. و الحرة: الأرض ذات حجارة نخرة سود كأنها أحرقت بالنار. السباخ من الأرض: ما لم يحرث و لم يعمر.
(4) محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الأمين خ ل.
217
33- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّ جَدَّهُ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بَيْنَمَا هُوَ فِي الْبَطْحَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ سَفَرٍ فَقَالا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ(ص)وَ عَلَيْكُمَا السَّلَامُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا لَقِيتُ أَحَداً مُنْذُ وَلَدَتْنِي أُمِّي يَرُدُّ السَّلَامَ قَبْلَكَ وَ قَالَ الْآخَرُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ رَجُلًا يُسَلِّمُ مُنْذُ وَلَدَتْنِي أُمِّي فَقَالَ لَهُ الرَّاكِبُ هَلْ فِي الْقَرْيَةِ رَجُلٌ (1) يُدْعَى أَحْمَدَ فَقَالَ مَا فِيهَا أَحْمَدُ وَ لَا مُحَمَّدٌ غَيْرِي قَالَ مِنْ أَهْلِهَا أَنْتَ قَالَ نَعَمْ مِنْ أَهْلِهَا وَ وُلِدْتُ فِيهَا فَضَرَبَ ذِرَاعَ رَاحِلَتِهِ وَ أَنَاخَهَا ثُمَّ كَشَفَ عَنْ كَتِفِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ تُبْعَثُ بِضَرْبِ رِقَابِ قَوْمِكَ فَهَلْ مِنْ زَادٍ تُزَوِّدُنِي فَأَتَاهُ بِخُبْزٍ وَ تُمَيْرَاتٍ فَجَعَلَهُنَّ فِي ثَوْبِهِ حَتَّى أَتَى صَاحِبَهُ وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى حَمَلَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ الزَّادَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ(ص)هَلْ مِنْ حَاجَةٍ سِوَى هَذَا قَالَ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُعَرِّفَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَدَعَا لَهُ ثُمَّ انْطَلَقَ وَ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ (2) يَرْحَمُكَ رَبُّكَ (3) ائْتِ أُولَئِكَ الْمَلَأَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ قُلْ لَهُمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَ تَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ.
34- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلَغَنَا أَنَّكَ تَذْكُرُ سَطِيحاً وَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ وَ لَمْ يَخْلُقْ مِنْ وُلْدِ آدَمَ شَيْئاً يُشْبِهُهُ قَالَ نَعَمْ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَطِيحاً الْغَسَّانِيَّ لَحْماً عَلَى وَضَمٍ وَ الْوَضَمُ شَرَائِجُ (4) مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ وَ كَانَ يُحْمَلُ عَلَى وَضَمٍ وَ يُؤْتَى بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَظْمٌ وَ لَا عَصَبٌ إِلَّا الْجُمْجُمَةُ وَ الْعُنُقُ وَ كَانَ يُطْوَى مِنْ رِجْلَيْهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ كَمَا يُطْوَى الثَّوْبُ وَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ سِوَى لِسَانِهِ فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ
____________
(1) من رجل خ ل.
(2) فلما قال قال له ربّه خ ل.
(3) يرحمك اللّه خ ل.
(4) الشرائج جمع الشريجة: جوالق كالخرج ينسج من سعف النخل.
218
إِلَى مَكَّةَ حُمِلَ عَلَى وَضَمَةٍ فَأُتِيَ بِهِ مَكَّةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا أَتَيْنَاكَ لِنَزُورَكَ لِمَا بَلَغَنَا مِنْ عِلْمِكَ فَأَخْبِرْنَا عَمَّا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا وَ مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدُ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا عِلْمَ عِنْدَكُمْ (1) وَ لَا فَهْمَ وَ يَنْشَأُ مِنْ عَقِبِكُمْ دَهْمٌ يَطْلُبُونَ (2) أَنْوَاعَ الْعِلْمِ يَكْسِرُونَ الصَّنَمَ وَ يَقْتُلُونَ الْعَجَمَ وَ يَطْلُبُونَ الْمَغْنَمَ قَالُوا يَا سَطِيحُ مَنْ يَكُونُونَ أُولَئِكَ قَالَ وَ الْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ لَيَنْشَأَنَّ مِنْ عَقِبِكُمْ وِلْدَانٌ يُوَحِّدُونَ الرَّحْمَنَ وَ يَتْرُكُونَ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ قَالُوا فَمِنْ نَسْلِ مَنْ يَكُونُونَ أُولَئِكَ قَالَ أَشْرَفُ الْأَشْرَافِ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ قَالُوا مِنْ أَيِّ بَلْدَةٍ يَخْرُجُ قَالَ وَ الْبَاقِي الْأَبَدِ (3) لَيَخْرُجَنَّ مِنْ ذَا الْبَلَدِ (4) يَهْدِي إِلَى الرَّشَدِ يَعْبُدُ رَبّاً انْفَرَدَ (5).
بيان: قال الجوهري الوضم كل شيء يجعل عليه اللحم من خشب أو بارية يوقى به من الأرض و قال الدهم العدد الكثير.
35- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدِمَ (6) الْيَمَنَ فَقَالَ لَهُ حِبْرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّبُورِ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى بَعْضِكَ قَالَ نَعَمْ إِلَّا إِلَى عَوْرَةٍ فَفَتَحَ إِحْدَى مَنْخِرَيْهِ فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي الْأُخْرَى فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ فِي إِحْدَى يَدَيْكَ الْمُلْكَ وَ فِي الْأُخْرَى النُّبُوَّةَ وَ إِنَّا نَجِدُ فِي بَنِي زُهْرَةَ فَكَيْفَ ذَلِكَ (7) قَالَ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ هَلْ مِنْ شَاعَةٍ قُلْتُ مَا الشَّاعَةُ قَالَ الزَّوْجَةُ قَالَ فَإِذَا رَجَعْتَ فَتَزَوَّجْ مِنْهُمْ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَتَزَوَّجَ هَالَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ.
36- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)بِسَنَتَيْنِ أَتَتْ أَشْرَافُ الْعَرَبِ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيَّ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْحَبَشَةِ وَفَدَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ لِلتَّهْنِئَةِ وَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ
____________
(1) في المصدر: لا علم لكم.
(2) في المصدر: و ينشأ من عقبكم و هم يطلبون.
(3) و الباقي في الابد خ ل. و في المصدر: الى الابد.
(4) في المصدر: من ذى البلد و هو الصحيح.
(5) الخرائج: 186.
(6) ليخرجن خ ل.
(7) فكيف يكون ذلك خ ل.
219
قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ وَ أَنْتَ لَنَا خَيْرُ خَلَفٍ قَالَ مَنْ أَنْتَ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ أُخْتِنَا ثُمَّ أَدْنَاهُ وَ قَالَ إِنِّي مُفْضٍ إِلَيْكَ خَيْراً (1) عَظِيماً يُولَدُ نَبِيٌّ أَوْ قَدْ وُلِدَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ اللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَاراً وَ جَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَاراً فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَانَ لِيَ ابْنٌ زَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّداً ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ قُرَشِيٍّ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَضْعَافِهَا عَشَرَةً وَ هُمْ يَغْبِطُونَهُ بِهَا فَقَالَ لَوْ عَلِمْتُمْ بِفَخْرِي وَ ذِكْرِي لَغَبَطْتُمْ بِهِ (2).
37- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ قَالَ: كُنْتُ آذَى (3) قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ فَلَمَّا ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَهُ خَرَجْتُ حَتَّى لَحِقْتُ بِدَيْرٍ فَأَقَامُوا لِيَ الضِّيَافَةَ ثَلَاثاً فَلَمَّا رَأَوْنِي لَا أَخْرُجُ قَالُوا إِنَّ لَكَ لَشَأْناً قُلْتُ إِنِّي مِنْ قَرْيَةِ إِبْرَاهِيمَ (4) وَ ابْنُ عَمِّي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَآذَاهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَخَرَجْتُ لِئَلَّا أَشْهَدَ ذَلِكَ فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صُورَةً قُلْتُ مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَشْبَهَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ بِمُحَمَّدٍ كَأَنَّهُ طُولُهُ وَ جِسْمُهُ وَ بُعْدُ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ فَقَالُوا لَا يَقْتُلُونَهُ وَ لَيَقْتُلَنَّ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ وَ لَيُظْهِرَنَّهُ اللَّهُ فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ إِذَا هُوَ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ سُئِلُوا (5) مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذِهِ الصُّورَةُ قَالُوا إِنَّ آدَمَ(ع)سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وُلْدِهِ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ صُوَرَهُمْ وَ كَانَ فِي خِزَانَةِ آدَمَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ فَاسْتَخْرَجَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ هُنَاكَ فَدَفَعَهَا إِلَى دَانِيَالَ.
38- يج، الخرائج و الجرائح مِنْ مُعْجِزَاتِهِ(ص)حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَانِعٍ (6) بَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ وَ
____________
(1) خبرا خ ل.
(2) يوجد في الخرائج: 274 حديثا نحوه مع اختلاف كثير لفظا و معنى، و أمّا الحديث بألفاظه فلم نجده فيه.
(3) أدنى خ ل. قوله: آذى، من أذى يأذى: اصيب بأذى.
(4) أي من مكّة.
(5) و سألتهم خ ل.
(6) الصحيح ماتع بالتاء على ما ضبطه في تهذيب الأسماء و اللغات، و ظاهر التقريب و الجمع بين رجالى الصحيحين، و الرجل هو كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الاحبار، مخضرم، كان من أهل اليمن فسكن الشام، و مات في خلافة عثمان و قد زاد على المائة.
220
رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَهُمْ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ يَقُولُ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ أَنَّ النَّاسَ حُشِرُوا وَ أَنَّ الْأُمَمَ تَمُرُّ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّهَا وَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ نُورَانِ يَمْشِي بَيْنَهُمَا وَ مَعَ كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورٌ يَمْشِي بِهِ حَتَّى مَرَّ مُحَمَّدٌ(ص)فِي أُمَّتِهِ فَإِذاً لَيْسَ مَعَهُ شَعْرَةٌ إِلَّا وَ فِيهَا نُورَانِ مِنْ رَأْسِهِ وَ جِلْدِهِ وَ لَا مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا وَ مَعَهُ نُورَانِ مِثْلَ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ كَعْبٌ وَ الْتَفَتُّ إِلَيْهِمَا (1) مَا هَذَا الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ فَقَالَ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فَقَالَ (2) وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَفِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا رَأَيْتَ.
39- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ فَقَالَ لِزَيْدٍ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا صَاحِبَ الْبَعِيرِ قَالَ مِنْ بَنِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ وَ مَا تَلْتَمِسُ قَالَ الدِّينَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي (3) تَطْلُبُ فِي أَرْضِكَ فَرَجَعَ يُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ لَخْمٍ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَ كَانَ يَقُولُ أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ أَنَا سَاجِدٌ عَلَى نَحْوِ الْبَنِيَّةِ الَّتِي بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ(ع)وَ كَانَ يَقُولُ إِنَّا نَنْتَظِرُ نَبِيّاً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
40- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ(ص)بِكِتَابِهِ إِلَى ذِي الْكَلَاعِ وَ قَوْمِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَعَظَّمَ كِتَابَهُ وَ تَجَهَّزَ وَ خَرَجَ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ وَ خَرَجْتُ مَعَهُ فَبَيْنَمَا نَسِيرُ إِذْ رُفِعَ إِلَيْنَا دَيْرُ رَاهِبٍ فَقَالَ أُرِيدُ هَذَا الرَّاهِبَ فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ سَأَلَهُ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي خَرَجَ فِي قُرَيْشٍ وَ هَذَا رَسُولُهُ قَالَ الرَّاهِبُ لَقَدْ مَاتَ هَذَا الرَّسُولُ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ بِوَفَاتِهِ قَالَ إِنَّكُمْ قَبْلَ أَنْ تَصِلُوا إِلَيَّ كُنْتُ أَنْظُرُ فِي كِتَابِ دَانِيَالَ مَرَرْتُ بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ وَ نَعْتِهِ وَ أَيَّامِهِ وَ أَجَلِهِ فَوَجَدْتُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ فَقَالَ ذُو الْكَلَاعِ أَنَا أَنْصَرِفُ قَالَ جَرِيرٌ فَرَجَعْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ تُوُفِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ (4).
____________
(1) أي الى القائل و مخاطبه.
(2) أي كعب بن ماتع.
(3) الدين الذي خ ل.
(4) الخرائج: 222.
221
41- قب، المناقب لابن شهرآشوب قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ اللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ.
وَ قَالَ عِيسَى فِي الْإِنْجِيلِ إِنَّ الْبِرَّ ذَاهِبٌ وَ الْبَارِقْلِيطَا جائى (1) [جَاءٍ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ يُخَفِّفُ الْآصَارَ (2) وَ يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ أَنَا جِئْتُكُمْ بِالْأَمْثَالِ وَ هُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ (3).
42- د، العدد القوية قب، المناقب لابن شهرآشوب كَانَ كَعْبُ بْنُ لُوَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَ كَانُوا يُسَمُّونَهَا عَرُوبَةَ فَسَمَّاهُ كَعْبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ كَانَ يَخْطُبُ فِيهِ النَّاسَ وَ يَذْكُرُ فِيهِ خَبَرَ النَّبِيِّ آخِرَ خُطْبَتِهِ كُلَّمَا خَطَبَ وَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَ الْفِيلِ خَمْسُمِائَةٍ وَ عِشْرُونَ سَنَةً فَقَالَ أَمَ وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهَا ذَا سَمْعٍ وَ بَصَرٍ وَ يَدٍ وَ رِجْلٍ لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ وَ لَأَرْقَلْتُ فِيهَا إِرْقَالَ الْفَحْلِ ثُمَّ قَالَ
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ (4)فَحْوَى دَعْوَتِهِ* * * حِينَ الْعَشِيرَةُ تَبْغِي الْحَقَّ خِذْلَانَا (5)
بيان: قوله لتنصبت أي حملت النصب و التعب أو انتصبت و قمت بخدمته و الإرقال الإسراع.
43- وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْكَازِرُونِيُّ فِي كِتَابِ الْمُنْتَقَى بِإِسْنَادِهِ (6) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ كَعْبُ بْنُ لُوَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَجْمَعُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي الْجُمُعَةَ عَرُوبَةَ فَيَخْطُبُهُمْ فَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فَاسْمَعُوا وَ تَعَلَّمُوا وَ افْهَمُوا وَ اعْلَمُوا لَيْلٌ سَاجٍ وَ نَهَارٌ ضَاحٍ (7) وَ الْأَرْضُ مِهَادٌ وَ السَّمَاءُ بِنَاءٌ (8) وَ الْجِبَالُ أَوْتَادٌ وَ النُّجُومُ أَعْلَامٌ وَ الْأَوَّلُونَ كَالْآخِرِينَ
____________
(1) في المصدر جاء.
(2) الآصار جمع الاصر بتثليث الهمزة: الذنب.
(3) مناقب آل أبي طالب 1: 11.
(4) الفحوى من الكلام: مذهبه و معناه. و في تاريخ اليعقوبي: شاهد نجوى دعوته.
(5) العدد: مخطوط، مناقب آل أبي طالب 1: 11.
(6) و الاسناد مذكور في المنتقى، و ذكره يطول.
(7) في تاريخ اليعقوبي: إن الليل ساج و النهار ضاح.
(8) في تاريخ اليعقوبي: و السماء عماد.
222
وَ الْأُنْثَى وَ الذَّكَرُ زَوْجٌ (1) فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَ احْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ وَ ثَمِّرُوا أَوْلَادَكُمْ (2) فَهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ رَجَعَ أَوْ مَيِّتٍ نَشَرَ الدَّارُ أَمَامَكُمْ وَ أَظُنُ (3) غَيْرَ مَا تَقُولُونَ عَلَيْكُمْ بِحَرَمِكُمْ زَيِّنُوهُ وَ عَظِّمُوهُ وَ تَمَسَّكُوا بِهِ فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وَ سَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ ثُمَّ يَقُولُ
نَهَارٌ وَ لَيْلٌ كُلُّ أَوْبٍ بِحَادِثٍ* * * سَوَاءٌ عَلَيْنَا لَيْلُهَا وَ نَهَارُهَا
يَؤُبَّانِ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَأَوَّبَا* * * وَ مَا لِلْفَمِ الضَّافِي عَلَيْهَا سُتُورُهَا (4)
عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ* * * فَيُخْبِرُ أَخْبَاراً صَدُوقاً خَبِيرُهَا (5)
ثُمَّ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهَا لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ وَ أَرْقَلْتُ فِيهَا إِرْقَالَ الْفَحْلِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّمَا ذَكَرَ كَعْبٌ صِفَةَ النَّبِيِّ(ص)وَ نُبُوَّتَهُ مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ(ع)(6).
44- د، العدد القوية قب، المناقب لابن شهرآشوب كَانَ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ (7) مِنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا (8) بِأَسْرِهَا
____________
(1) في تاريخ اليعقوبي: و الابناء ذكر.
(2) ثمروا: كثروا، و في تاريخ اليعقوبي: ثمروا أموالكم.
(3) في تاريخ اليعقوبي: و الظنّ غير ما تقولون.
(4) في تاريخ اليعقوبي: و بالنعم الضافى علينا ستورها. و فيه بعده:
صروف و أنباء تغلب أهلها* * * لها عقد ما يستحل مريرها.
و في هامش نسخة المصنّف بخطه: الضفو: السبوغ، و ثوب ضاف: سابغ، و ضفا المال: كثر، و رجل ضافى الرأس أي كثير شعر الرأس. ص.
(5) في تاريخ اليعقوبي بعد ذلك: ثم يقول: يا ليتنى شاهد نجوى دعوته، لو كنت ذا سمع و ذا بصر و يد و رجل لتنصبت له تنصب الإبل، و لارقلت ارقال الفحل، فرحا بدعوته، جذلا بصرخته.
(6) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الأوّل، و ذكره اليعقوبي في تاريخه: 194 و 195.
(7) ذكر ابن هشام في سيرته أن تبع الأول هو زيد بن عمر، و أمّا من قدم المدينة و أراد إهلاك اهلها هو تبان أسعد أبى كرب بن كلى كرب بن زيد بن عمرو، و هو تبع الآخر، و ذكر فيه قصته مفصلا.
راجع السيرة 1: 14- 21 و راجع أيضا تاريخ اليعقوبي 1: 160.
(8) من الخمسة الذين ملكوا الدنيا خ ل.
223
فَسَارَ فِي الْآفَاقِ وَ كَانَ يَخْتَارُ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ عَشَرَةَ أَنْفُسٍ مِنْ حُكَمَائِهِمْ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَمْ يُعَظِّمْهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ لِوَزِيرِهِ عمياريسا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْوَزِيرُ إِنَّهُمْ جَاهِلُونَ وَ يُعْجَبُونَ بِهَذَا الْبَيْتِ فَعَزَمَ الْمَلِكُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُخَرِّبَهَا وَ يَقْتُلَ أَهْلَهَا فَأَخَذَهُ اللَّهُ بِالصِّدَامِ وَ فَتَحَ عَنْ عَيْنَيْهِ وَ أُذُنَيْهِ وَ أَنْفِهِ وَ فَمِهِ مَاءً مُنْتِناً عَجَزَتِ الْأَطِبَّاءُ عَنْهُ وَ قَالُوا هَذَا أَمْرٌ سَمَاوِيٌّ وَ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَمْسَى جَاءَ عَالِمٌ إِلَى وَزِيرِهِ وَ أَسَرَّ إِلَيْهِ إِنْ صَدَقَ الْأَمِيرُ بِنِيَّتِهِ عَالَجْتُهُ فَاسْتَأْذَنَ الْوَزِيرُ لَهُ فَلَمَّا خَلَا بِهِ قَالَ لَهُ هَلْ أَنْتَ نَوَيْتَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَمْراً قَالَ كَذَا وَ كَذَا فَقَالَ الْعَالِمُ تُبْ مِنْ ذَلِكَ وَ لَكَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَقَالَ قَدْ تُبْتُ مِمَّا كُنْتُ نَوَيْتُ فَعُوفِيَ فِي الْحَالِ فَآمَنَ بِاللَّهِ وَ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ(ع)وَ خَلَعَ عَلَى الْكَعْبَةِ سَبْعَةَ أَثْوَابٍ وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ وَ خَرَجَ إِلَى يَثْرِبَ وَ يَثْرِبُ هِيَ أَرْضٌ فِيهَا عَيْنُ مَاءٍ فَاعْتَزَلَ مِنْ بَيْنِ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ عَالِمٍ أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ عَالِمٍ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ فِيهَا وَ جَاءُوا إِلَى بَابِ الْمَلِكِ وَ قَالُوا إِنَّا خَرَجْنَا مِنْ بُلْدَانِنَا وَ طُفْنَا مَعَ الْمَلِكِ زَمَاناً وَ جِئْنَا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ وَ نُرِيدُ الْمُقَامَ إِلَى أَنْ نَمُوتَ فِيهِ فَقَالَ الْوَزِيرُ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ قَالُوا اعْلَمْ أَيُّهَا الْوَزِيرُ أَنَّ شَرَفَ هَذَا الْبَيْتِ بِشَرَفِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ الْقُرْآنِ وَ الْقِبْلَةِ وَ اللِّوَاءِ وَ الْمِنْبَرِ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَ هِجْرَتُهُ إِلَى هَاهُنَا إِنَّا عَلَى رَجَاءِ أَنْ نُدْرِكَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ أَوْلَادُنَا فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ تَفَكَّرَ أَنْ يُقِيمَ مَعَهُمْ سَنَةً رَجَاءَ أَنْ يُدْرِكَ مُحَمَّداً(ص)وَ أَمَرَ أَنْ يَبْنُوا أَرْبَعَ مِائَةِ دَارٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ دَارٌ وَ زَوَّجَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجَارِيَةٍ مُعْتَقَةٍ وَ أَعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالًا جَزِيلًا (1).
بيان: قال الفيروزآباديّ الصِّدام ككتاب داء في رءوس الدوابّ.
45- د، العدد القوية قب، المناقب لابن شهرآشوب رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ تُبَّعاً قَالَ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ كُونُوا هَاهُنَا حَتَّى يَخْرُجَ هَذَا النَّبِيُّ أَمَّا أَنَا لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وَ لَخَرَجْتُ مَعَهُ وَ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ
قَالُوا بِمَكَّةَ بَيْتُ مَالٍ دَاثِرٍ* * * وَ كُنُوزُهُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَ زَبَرْجَدٍ
بَادَرْتُ أَمْراً حَالَ رَبِّي دُونَهُ* * * وَ اللَّهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ
فَتَرَكْتُ فِيهِ مِنْ رِجَالِي عُصْبَةً* * * نُجَبَاءَ ذَوِي حَسَبٍ وَ رَبِّ مُحَمَّدٍ
____________
(1) العدد: مخطوط، مناقب آل أبي طالب 1: 11 و 12.
224
وَ كَتَبَ كِتَاباً إِلَى النَّبِيِّ(ص)يَذْكُرُ فِيهِ إِيمَانَهُ وَ إِسْلَامَهُ وَ أَنَّهُ مِنْ أُمَّتِهِ فَلْيَجْعَلْهُ تَحْتَ شَفَاعَتِهِ وَ عُنْوَانُ الْكِتَابِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ تُبَّعٍ الْأَوَّلِ وَ دَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى الْعَالِمِ الَّذِي نَصَحَ لَهُ وَ صَارَ حَتَّى مَاتَ بِغلسان بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)أَلْفُ سَنَةٍ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ لَمَّا بُعِثَ وَ آمَنَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْفَذُوا الْكِتَابَ إِلَيْهِ عَلَى يَدِ أَبِي لَيْلَى فَوَجَدَ النَّبِيَّ(ص)فِي قَبِيلَةِ بَنِي سُلَيْمٍ فَعَرَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ أَنْتَ أَبُو لَيْلَى قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ مَعَكَ كِتَابُ تُبَّعٍ الْأَوَّلِ فَتَحَيَّرَ الرَّجُلُ فَقَالَ هَاتِ الْكِتَابَ فَأَخْرَجَهُ وَ دَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَرَأَهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ(ص)كَلَامَ تُبَّعٍ قَالَ مَرْحَباً بِالْأَخِ الصَّالِحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ أَمَرَ أَبَا لَيْلَى بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ (1).
46- قب، المناقب لابن شهرآشوب أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَاهِبٌ لِطَلْحَةَ فِي سُوقِ بُصْرَى هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ فَهَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ فِي كَلَامٍ لَهُ وَ قَالَ عَفْكَلَانُ الْحِمْيَرِيُّ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَ لَا أُبَشِّرُكَ بِبِشَارَةٍ وَ هِيَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ التِّجَارَةِ أُنَبِّئُكَ بِالْمُعَجَّبَةِ وَ أُبَشِّرُكَ بِالْمُرَغَّبَةِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْمِكَ نَبِيّاً ارْتَضَاهُ وَ صَفِيّاً أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً جَعَلَ لَهُ ثَوَاباً يَنْهَى عَنِ الْأَصْنَامِ وَ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ أَخِفَّ الْوَقْفَةَ وَ عَجِّلِ الرَّجْعَةَ وَ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ص
أَشْهَدُ بِاللَّهِ رَبِّ مُوسَى* * * أَنَّكَ أُرْسِلْتَ بِالْبِطَاحِ
فَكُنْ شَفِيعِي إِلَى مَلِيكٍ* * * يَدْعُو الْبَرَايَا إِلَى الْفَلَاحِ
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ(ص)قَالَ أَ حَمَلْتَ إِلَيَّ وَدِيعَةً أَمْ أَرْسَلَكَ إِلَيَّ مُرْسِلٌ بِرِسَالَةٍ فَهَاتِهَا وَ بَشَّرَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِثَلَاثِمِائَةِ عَامٍ وَ أَوْصَى أَهْلَهُ بِاتِّبَاعِهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَ هُوَ الْقَائِلُ
إِذَا بُعِثَ الْمَبْعُوثُ مِنْ آلِ غَالِبٍ* * * بِمَكَّةَ فِيمَا بَيْنَ زَمْزَمَ وَ الْحَجَرِ
____________
(1) العدد: مخطوط، مناقب آل أبي طالب: 12
225
هُنَالِكَ فَاشْرُوا نَصْرَهُ بِبِلَادِكُمْ (1)* * * بَنِي عَامِرٍ إِنَّ السَّعَادَةَ فِي النَّصْرِ
وَ فِيهِ يَقُولُ النَّبِيُّ(ص)رَحِمَ اللَّهُ أَوْساً مَاتَ فِي الْحَنِيفِيَّةِ وَ حَثَّ عَلَى نُصْرَتِنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ (2).
د، العدد القوية و بشر أوس بن حارثة و ذكر نحوه (3).
47- قب، المناقب لابن شهرآشوب ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ سِلْسِلَةٌ بَيْضَاءُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ طَرَفٌ قَدْ أَخَذَ الْمَغْرِبَ وَ طَرَفٌ أَخَذَ الْمَشْرِقَ وَ طَرَفٌ لَحِقَ بِأَعْنَانِ السَّمَاءِ وَ طَرَفٌ لَحِقَ بِثَرَى الْأَرْضِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَعَجَّبُ إِذِ الْتَفَّتِ الْأَنْوَارُ فَصَارَتْ شَجَرَةً خَضْرَاءَ مُجْتَمِعَةَ الْأَغْصَانِ مُتَدَلِّيَةَ الْأَثْمَارِ كَثِيرَةَ الْأَوْرَاقِ قَدْ أَخَذَ أَغْصَانُهَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ فِي الطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ لَهَا نُورٌ قَدْ أَخَذَ الْخَافِقَيْنِ وَ كَأَنِّي قَدْ جَلَسْتُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَ بِإِزَائِي شَخْصَانِ بَهِيَّانِ وَ هُمَا نُوحٌ وَ إِبْرَاهِيمُ(ع)قَدِ اسْتَظَلَّا بِهِ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى كَاهِنٍ فَفَسَّرَهُ بِوِلَادَةِ النَّبِيِّ(ص)(4).
48- قب، المناقب لابن شهرآشوب الْمُفَسِّرُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ رِحْلَتَانِ بِالْيَمَنِ وَ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ وِقَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ تَاجِراً سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ مَوْلِدِهِ أَخَذَ النَّبِيُّ(ص)بِزِمَامِ نَاقَتِهِ وَ قَالَ يَا عَمِّ عَلَى مَنْ تُخَلِّفُنِي وَ لَا أَبٌ لِي وَ لَا أُمٌّ وَ كَانَ قِيلَ لِي (5) مَا يَفْعَلُ بِهِ فِي هَذَا الْحَرِّ وَ هُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ وَ لَا أُفَارِقُهُ أَبَداً (6).
49- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَالَ كَانَتِ الْيَهُودُ تَجِدُ فِي كُتُبِهَا أَنَّ مُهَاجَرَ مُحَمَّدٍ ص
____________
(1) بقلادكم خ ل.
(2) مناقب آل أبي طالب 1: 16 و 17.
(3) العدد: مخطوط.
(4) مناقب آل أبي طالب 1: 17 و 18.
(5) قيل له خ ل.
(6) مناقب آل أبي طالب 1: 27.
226
مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَ أُحُدٍ (1) فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ الْمَوْضِعَ فَمَرُّوا بِجَبَلٍ تُسَمَّى حداد [حَدَداً (2) فَقَالُوا حداد [حَدَدٌ وَ أُحُدٌ سَوَاءٌ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَهُ فَنَزَلَ بَعْضُهُمْ بِفَدَكَ وَ بَعْضُهُمْ بِخَيْبَرَ وَ بَعْضُهُمْ بِتَيْمَاءَ فَاشْتَاقَ الَّذِينَ بِتَيْمَاءَ إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِمْ فَمَرَّ بِهِمْ أَعْرَابِيٌّ مِنْ قَيْسٍ فَتَكَارَوْا مِنْهُ وَ قَالَ لَهُمْ أَمُرُّ بِكُمْ مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَ أُحُدٍ فَقَالُوا لَهُ إِذَا مَرَرْتَ بِهِمَا فَأَرِنَّاهُمَا فَلَمَّا تَوَسَّطَ بِهِمْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهُمْ ذَاكَ عَيْرٌ وَ هَذَا أُحُدٌ فَنَزَلُوا عَنْ ظَهْرِ إِبِلِهِ فَقَالُوا لَهُ قَدْ أَصَبْنَا بُغْيَتَنَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي إِبِلِكَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ وَ كَتَبُوا إِلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ بِفَدَكَ وَ خَيْبَرَ أَنَّا قَدْ أَصَبْنَا الْمَوْضِعَ فَهَلُمُّوا إِلَيْنَا فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ أَنَّا قَدِ اسْتَقَرَّتْ بِنَا الدَّارُ وَ اتَّخَذْنَا الْأَمْوَالَ وَ مَا أَقْرَبَنَا مِنْكُمْ وَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمَا أَسْرَعَنَا إِلَيْكُمْ فَاتَّخَذُوا بِأَرْضِ الْمَدِينَةِ الْأَمْوَالَ فَلَمَّا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ بَلَغَ تُبَّعَ فَغَزَاهُمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فَحَاصَرَهُمْ وَ كَانُوا يَرِقُّونَ لِضُعَفَاءِ أَصْحَابِ تُبَّعٍ فَيُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ التَّمْرَ وَ الشَّعِيرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ تُبَّعَ فَرَقَّ لَهُمْ وَ آمَنَهُمْ فَنَزَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ إِنِّي قَدِ اسْتَطَبْتُ بِلَادَكُمْ وَ لَا أَرَانِي إِلَّا مُقِيماً فِيكُمْ فَقَالُوا لَهُ إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ إِنَّهَا مُهَاجَرُ نَبِيٍّ وَ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ فَإِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مِنْ أُسْرَتِي (3) مَنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ سَاعَدَهُ وَ نَصَرَهُ فَخَلَّفَ فِيهِمْ حِينَ بَوَّأَهُمُ الْأَوْسَ وَ الْخَزْرَجَ (4) فَلَمَّا كَثُرُوا بِهَا كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ أَمْوَالَ الْيَهُودِ فَكَانَتِ الْيَهُودُ يَقُولُ لَهُمْ أَمَا لَوْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دِيَارِنَا وَ أَمْوَالِنَا فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً(ع)آمَنَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ وَ كَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ
____________
(1) قال الحموى: العير: جبل بالحجاز، قال عرام: عير جبلان احمران من عن يمينك و أنت ببطن العقيق تريد مكّة، و من عن يسارك شوران و هو جبل مطل على السد، و ذكر لي بعض اهل الحجاز أن بالمدينة جبلين يقال لأحدهما: عير الوارد، و للآخر عير الصادر، و هما متقاربان، و هذا موافق لقول عرام، و قال نصر: عير جبل مقابل الثنية المعروفة بشعب الخوز.
و قال: احد: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة احد، و هو جبل أحمر، ليس بذى شناخيب، و بينه و بين المدينة قرابة ميل في شماليها.
(2) لم نجده، و لعله مصحف حدد، و حدد كما قال الحموى: جبل مطل على تيماء، و قال ابن السكيت: أرض لكلب. و تيماه: بليد في أطراف الشام، بين الشام و وادى القرى، على طريق حاج الشام و دمشق.
(3) اسرة الرجل: رهطه الادنون.
(4) في الكافي: فخلف حيين: الاوس و الخزرج.
227
وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (1)
كا، الكافي محمد بن يحيى عن ابن عيسى عن الأهوازي عن النضر عن زرعة عن أبي بصير مثله (2).
50- شي، تفسير العياشي عَنِ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قَوْلُهُ يَجِدُونَهُ يَعْنِي الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَ اسْمَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (3)
51- جا، المجالس للمفيد الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمَّارُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّوَّاسِيِّ عَبْدِ اللَّهِ (4) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُمَيْعٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ(ص)وَفْدُ إِيَادٍ قَالَ لَهُمْ مَا فَعَلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ وَ هُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ عَلَيْهِ حَلَاوَةٌ مَا أَجِدُنِي أَحْفَظُهُ (5) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا أَحْفَظُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُهُ وَ هُوَ يَقُولُ بِسُوقِ عُكَاظٍ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَ عُوا وَ احْفَظُوا مَنْ عَاشَ مَاتَ وَ مَنْ مَاتَ فَاتَ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ لَيْلٌ دَاجٍ وَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَ بِحَارٌ تُرَجْرِجُ (6) وَ نُجُومٌ تَزْهَرُ وَ مَطَرٌ وَ نَبَاتٌ وَ آبَاءٌ وَ أُمَّهَاتٌ وَ ذَاهِبٌ وَ آتٍ وَ ضَوْءٌ وَ ظَلَامٌ وَ بِرٌّ وَ أَثَامٌ وَ لِبَاسٌ وَ رِيَاشٌ وَ مَرْكَبٌ وَ مَطْعَمٌ وَ مَشْرَبٌ إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَراً وَ إِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَراً مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ وَ لَا يَرْجِعُونَ أَ رَضُوا بِالْمُقَامِ هُنَاكَ فَأَقَامُوا أَمْ تَرَكُوا فَنَامُوا يُقْسِمُ بِاللَّهِ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ قَسَماً بِرّاً لَا إِثْمَ فِيهِ مَا لِلَّهِ عَلَى الْأَرْضِ دِينٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ دِينٍ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ: مخطوط.
(2) روضة الكافي: 308 و 310.
(3) تفسير العيّاشيّ: مخطوط.
(4) في المصدر: ابن عبد اللّه.
(5) استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: من يحفظه. قلت: فى المصدر: ما أجدنى حفظه.
(6) أي تحرك و اضطرب.
228
قَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ وَ أَدْرَكَكُمْ أَوَانُهُ طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ صَاحِبَهُ فَبَايَعَهُ (1) وَ وَيْلٌ لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَفَارَقَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ* * * لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِداً لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ
وَ رَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَ الْأَكَابِرُ* * * لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيْكَ وَ لَا مِنَ الْمَاضِينَ غَابِرٌ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرٌ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَرْحَمُ اللَّهُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ (2) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ قُسٍّ عَجَباً قَالَ وَ مَا الَّذِي رَأَيْتَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا يَوْماً بِجَبَلٍ فِي نَاحِيَتِنَا يُقَالُ لَهُ سِمْعَانُ فِي يَوْمٍ قَائِظٍ (3) شَدِيدِ الْحَرِّ إِذَا أَنَا بِقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ عِنْدَهَا عَيْنُ مَاءٍ وَ إِذَا حَوَالَيْهِ سِبَاعٌ كَثِيرَةٌ وَ قَدْ وَرَدَتْ حَتَّى تَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ وَ إِذَا زَأَرَ سَبُعٌ مِنْهَا عَلَى صَاحِبِهِ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ وَ قَالَ كُفَّ حَتَّى يَشْرَبَ الَّذِي وَرَدَ قَبْلَكَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَ مَا حَوْلَهُ مِنَ السِّبَاعِ هَالَنِي ذَلِكَ وَ دَخَلَنِي رُعْبٌ شَدِيدٌ فَقَالَ لِي لَا بَأْسَ عَلَيْكَ لَا تَخَفْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ إِذَا أَنَا بِقَبْرَيْنِ بَيْنَهُمَا مَسْجِدٌ فَلَمَّا آنَسْتُ بِهِ قُلْتُ مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ قَالَ قَبْرُ أَخَوَيْنِ كَانَا لِي يَعْبُدَانِ اللَّهَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعِي فَمَاتَا فَدَفَنْتُهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَ اتَّخَذْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا (4) مَسْجِداً أَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ حَتَّى أَلْحَقَ بِهِمَا ثُمَّ ذَكَرَ أَيَّامَهُمَا وَ فِعَالَهُمَا فَبَكَى ثُمَّ قَالَ
خَلِيلَيَّ هَبَّا طَالَ مَا قَدْ رَقَدْتُمَا* * * أَجِدُكُمَا لَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا
أَ لَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِسِمْعَانَ مُفْرَدٌ* * * وَ مَا لِي بِهَا مِمَّنْ حَبَبْتُ سِوَاكُمَا
أُقِيمُ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحاً* * * طِوَالَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبَ صَدَاكُمَا
أَبْكِيكُمَا طُولَ الْحَيَاةِ وَ مَا الَّذِي* * * يَرُدُّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ إِنْ بَكَاكُمَا
كَأَنَّكُمَا وَ الْمَوْتَ أَقْرَبُ غَايَةٍ* * * بِرُوحِي فِي قَبْرِي كَمَا قَدْ أَتَاكُمَا
____________
(1) في المصدر: و بايعه. (2) في المصدر: واحدة. (3) قاظ اليوم: اشتد حره. و يوم قائظ: شديد الحر. (4) في المصدر: ما بينهما
229
فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسٍ وِقَايَةً* * * لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ أَكُونَ فِدَاكُمَا (1)
بيان: قوله(ص)ما أجدني لعله كان في الأصل ما أجودني فصحّف و يحتمل أن يكون قال ذلك على جهة المصلحة ليسمع الناس من القوم (2) و الزئير صوت الأسد من صدره و قد زأر كضرب و منع و سمع و الهبّ الانتباه من النوم و نشاط كل سائر و سرعته و الكرى النوم.
و قال الجوهري الصدى الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال و غيرها يقال صمّ صداه و أصمّ الله صداه أي أهلكه لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا فيجيبه.
و قال الفيروزآبادي الصدى الجسد من الآدمي بعد موته و طائر يخرج من رأس المقتول إذا بلي بزعم الجاهلية انتهى و ما في البيت يحتمل المعنيين و على التقديرين أو بمعنى إلى أن أي أقيم على قبريكما إلى أن تحييا و تجيباني.
52- نجم، كتاب النجوم وَجَدْتُ فِي كِتَابِ دُرَّةِ الْإِكْلِيلِ تَأْلِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُسَيْنٍ الْقَطِيعِيِّ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ مَفَارِيدُ الْأَسْمَاءِ عَلَى التَّقْيِيدِ فَذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ عِيسَى بْنِ شُعَيْبِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الشَّجَرِيِّ الْأَصْلِ الْهَرَوِيِّ الْمَوْلِدِ الصُّوفِيِّ الشَّيْخِ الثِّقَةِ أَبِي الْوَقْتِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (3) حَدِيثَ دَلَالَةِ النُّجُومِ عِنْدَ هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ يَتَضَمَّنُ سُؤَالَ هِرَقْلَ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ
____________
(1) مجالس المفيد: 201- 203.
(2) و يحتمل أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يحفظه لاشتماله على الشعر و الرجز لمصلحة، و لذا قيل: إنّه إذا تمثل ببيت شعر يكسره، أو كان يجرى على لسانه منكسرا، كما روى أنّه كان يتمثل بهذا البيت: كفى الإسلام و الشيب للمرء ناهيا، فقيل له يا رسول اللّه: انما قال الشاعر: كفى الشيب و الإسلام للمرء ناهيا، و روى انه كان يتمثل بقول الشاعر:
ستبدى لك الأيّام ما كنت جاهلا* * * و يأتيك بالاخبار من لم تزود
فجعل يقول: يأتيك من لم تزود بالاخبار، فقيل له: ليس هكذا يا رسول اللّه، فيقول: انى لست بشاعر و ما ينبغي لي.
(3) في المصدر: الشيخ المعمر الثقة الموقت ابن أبي عبد اللّه. قلت: الموقت: الذي يراعى الأوقات و الاهلة.
230
عَنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ(ص)وَ لَفْظَ كِتَابِ النَّبِيِّ(ص)إِلَى هِرَقْلَ ثُمَّ قَالَ مَا هَذَا لَفْظُهُ وَ كَانَ ابْنُ النَّاطُورِ صَاحِبَ إِيلِيَا وَ هِرَقْلُ أُسْقُفّاً عَلَى نَصَارَى الشَّامِ يُحَدِّثُ (1) أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَا (2) أَصْبَحَ يَوْماً خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا (3) هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ وَ كَانَ هِرَقْلُ جَيِّداً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ (4) فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ ملك [مَلِكاً قَدْ ظَهَرَ مِنْ مُخْتَتِنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (5) قَالُوا لَيْسَ مُخْتَتِنٌ إِلَّا الْيَهُودَ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَ اكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ يَقْتُلُونَ مَنْ بِهِمْ (6) مِنَ الْيَهُودِ فَبَيْنَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ إِذْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- (7) فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَ مُخْتَتِنٌ (8) هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَ سَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ (9) فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةٍ وَ كَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَ سَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ نَبِيٌّ- (10) فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ أَطْلَعَ (11) فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَ الرُّشْدِ وَ أَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ (12) فَبَايِعُوا هَذَا الرَّجُلَ
____________
(1) في المصدر: أشفقا على نصارى الشام فحدث. و فيه: ايلياء بالمد و كذا فيما يأتي بعد ذلك، و ايلياء: اسم مدينة بيت المقدس.
(2) في المصدر: حين فقد ايلياء. و لعله مصحف.
(3) في المصدر: أنكرنا.
(4) في المصدر: جيد النظر في علم النجوم.
(5) في المصدر: انى نظرت الليلة في النجوم فرأيت ملكا يظهر في من يختتن من هذه الأمة.
(6) بها خ ل ظ و في المصدر: فيها.
(7) في المصدر: يخبره بخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(8) في المصدر: أ يختتن.
(9) في المصدر: فسألهم عن العرب فقالوا: انهم يختنون.
(10) في المصدر: و انه نبى.
(11) في المصدر: ثم اطلع عليهم.
(12) في المصدر بعد ذلك: قالوا: بلى، قال: بايعوا هذا النبيّ.
231
فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ (1) فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَ آيَسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَ قَالَ (2) إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفاً أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ وَ قَدْ رَأَيْتُ (3) فَسَجَدُوا لَهُ وَ رَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ (4).
بيان: قوله فلم يرم حمص أي لم يبرحه و لم يزل عنه من رام يريم و الدسكرة القرية و الصومعة و حاص عنه يحيص حيصا و حيصة عدل و حاد.
53- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ قَالَ كَانَ قَوْمٌ فِيمَا بَيْنَ مُحَمَّدٍ(ص)وَ عِيسَى(ع)وَ كَانُوا يَتَوَعَّدُونَ أَهْلَ الْأَصْنَامِ بِالنَّبِيِّ(ص)وَ يَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ نَبِيٌّ فَلَيُكَسِّرَنَّ أَصْنَامَكُمْ وَ لَيَفْعَلَنَّ بِكُمْ وَ لَيَفْعَلَنَّ فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَفَرُوا بِهِ (5).
54- د، العدد القوية الْبَشَائِرُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ بَشَائِرُ مُوسَى فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ وَ بَشَائِرُ إِبْرَاهِيمَ(ع)فِي السِّفْرِ الثَّانِي وَ فِي السِّفْرِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَ فِي الثَّالِثِ وَ الْخَمْسِينَ مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ(ع)وَ بَشَائِرُ عويديا (6) وَ حَيْقُوقَ وَ حِزْقِيلَ وَ دَانِيَالَ وَ شَعْيَا وَ قَالَ دَاوُدُ فِي زَبُورِهِ اللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقِيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ.
وَ قَالَ عِيسَى(ع)فِي الْإِنْجِيلِ إِنَّ الْبِرَّ ذَاهِبٌ وَ الْبَارِقْلِيطَا جائى [جَاءٍ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ يُخَفِّفُ الْآصَارَ وَ يُفَسِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وَ يَشْهَدُ لِي كَمَا شَهِدْتُ لَهُ أَنَا جِئْتُكُمْ بِالْأَمْثَالِ
____________
(1) في المصدر: فوجدوها مغلقة.
(2) في المصدر: فلما ردوهم قال لهم: انى قلت.
(3) في المصدر: و قد رأيت ما اعجبنى.
(4) فرج المهموم: 30 و 31.
(5) روضة الكافي: 310.
(6) هكذا في النسخ، و في قاموس التوراة: عوبدياء بالباء و المد: أحد أنبياء بني إسرائيل، كان في سنة 578 قبل ميلاد المسيح تقريبا، و يظن انه كان معاصر الارمياء و حزقيل، و له كتاب يعد من كتب العهد القديم.
232
وَ هُوَ يَأْتِيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ (1).
55 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، قَالَ: ذَكَرَ الرُّوَاةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ نَصْرٍ (2) رَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ (3) فَبَعَثَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَلَمْ يَدَعْ كَاهِناً وَ لَا سَاحِراً وَ لَا قَائِفاً وَ لَا مُنَجِّماً إِلَّا أَحْضَرَهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا جَمَعَهُمْ قَالَ لَهُمْ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي فَأَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِهَا قَالُوا اقْصُصْهَا عَلَيْنَا لِنُخْبِرَكَ بِتَأْوِيلِهَا قَالَ إِنِّي إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إِلَى خَبَرِكُمْ عَنْ تَأْوِيلِهَا إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا مَنْ يَعْرِفُهَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَهُ بِهَا فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ إِنْ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ هَذَا فَلْيَبْعَثْ إِلَى سَطِيحٍ وَ شِقٍ (4) فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُمَا فَهُمَا يُخْبِرَانِكَ بِمَا سَأَلْتَ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِمَا فَقَدِمَ عَلَيْهِ سَطِيحٌ قَبْلَ شِقٍّ وَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِمَا مِثْلُهُمَا مِنَ الْكُهَّانِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ سَطِيحٌ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا سَطِيحُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَ فَظِعْتُ بِهَا فَأَخْبِرْنِي بِهَا فَإِنَّكَ إِنْ أَصَبْتَهَا أَصَبْتَ تَأْوِيلَهَا قَالَ أَفْعَلُ رَأَيْتَ جُمْجُمَةً (5) خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ فَوَقَعَتْ (6) بِأَرْضِ تَهِمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلُّ ذَاتِ جُمْجُمَةٍ (7) قَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا أَخْطَأْتَ مِنْهَا شَيْئاً يَا سَطِيحُ فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ حَنَشٍ لَيَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمُ الْحَبَشُ فَلَيَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَنِينٍ (8) إِلَى جَرَشٍ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ وَ أَبِيكَ يَا سَطِيحُ إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ يَا سَطِيحُ أَ فِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ قَالَ
____________
(1) العدد: مخطوط.
(2) أحد ملوك اليمن من ملوك التبايعة، و كان من أجداد نعمان بن المنذر المشهور.
(3) في المصدر بعد ذلك: و قطع بها، فلما رآها بعث.
(4) سطيح هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدى بن مازن غسان. وشق:
ابن صعب بن يشكر بن رهم بن افرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار. على ما في السيرة، و أوردهما المسعوديّ في مروج الذهب مع اختلاف في أجداد شق.
(5) هكذا في الكتاب و مصدره، و في السيرة: حممة. بالحاء المهملة و هي قطعة من النار، و هي الفحمة ايضا.
(6) في المصدر: فرفعت.
(7) الجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ.
(8) هكذا في الكتاب، و في المصدر: اثنين، و في سيرة ابن هشام: أبين. قال الحموى في معجم البلدان: أبين بوزن أحمر: مخلاف باليمن، منه عدن، قلت: المخلاف: الكورة من البلاد.
233
لَا بَلْ بَعْدَهُ بِحِينٍ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ يَمْضِينَ مِنَ السِّنِينَ ثُمَّ يُقْتَلُونَ بِهَا أَجْمَعُونَ (1) وَ يُخْرِجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ قَالَ الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ وَ إِخْرَاجِهِمْ قَالَ يَلِيهِ إِرَمُ ذِي (2) يَزَنَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنٍ فَلَا يَتْرُكُ مِنْهُمْ أَحَداً بِالْيَمَنِ قَالَ أَ فَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ أَوْ يَنْقَطِعُ قَالَ بَلْ يَنْقَطِعُ قَالَ وَ مَنْ يَقْطَعُهُ قَالَ نَبِيٌّ زَكِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ قَالَ وَ مِمَّنْ هَذَا النَّبِيٌّ قَالَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ قَالَ وَ هَلْ لِلدَّهْرِ يَا سَطِيحُ مِنْ آخِرٍ قَالَ نَعَمْ يَوْمَ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَ الْآخِرُونَ وَ يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَ يَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ قَالَ أَ حَقٌّ مَا تُخْبِرُنَا يَا سَطِيحُ قَالَ نَعَمْ وَ الشَّفَقِ وَ الْفَلَقِ (3) وَ اللَّيْلِ إِذَا اتَّسَقَ إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ فَلَمَّا فَرَغَ قَدِمَ عَلَيْهِ شِقٌّ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا شِقُّ إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَ فَظِعْتُ بِهَا فَأَخْبِرْنِي عَنْهَا فَإِنَّكَ إِنْ أَصَبْتَهَا أَصَبْتَ تَأْوِيلَهَا كَمَا قَالَ لِسَطِيحٍ وَ قَدْ كَتَمَهُ مَا قَالَ سَطِيحٌ لِيَنْظُرَ أَ يَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ قَالَ نَعَمْ رَأَيْتَ جُمْجُمَةً (4) خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَ أَكَمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلُّ ذَاتِ نَسَمَةٍ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا أَخْطَأْتَ مِنْهَا فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا قَالَ أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إِنْسَانٍ لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمُ الْحُبْشَانُ (5) فَلَيَغْلِبَنَّ عَلَى كُلِّ طَفْلَةِ الْبَنَانِ وَ لَيَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَنِينٍ (6) إِلَى نَجْرَانَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ وَ أَبِيكَ إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى كَائِنٌ أَ فِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ قَالَ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ ثُمَّ يَسْتَنْقِذُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمُ الشَّأْنِ وَ يُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ قَالَ وَ مَنْ هَذَا الْعَظِيمُ الشَّأْنِ قَالَ غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيٍّ وَ لَا مُدَنٍّ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ قَالَ فَهَلْ يَدُومُ سُلْطَانُهُ أَوْ يَنْقَطِعُ
____________
(1) أجمعين خ ل و في المصدر: ثم يقبلون بها أجمعون، و في سيرة ابن هشام بعد قوله: السنين:
قال أ فيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟ قال: لا، بل ينقطع لبضع و سبعين من السنين ثمّ يقتلون و يخرجون منها هاربين.
(2) في السيرة: ارم بن ذى يزن.
(3) في السيرة: و الشفق و الغسق، و الفلق إذا اتّسق.
(4) في السيرة: حممة كما تقدم.
(5) في السيرة: السودان.
(6) تقدم آنفا أن الصحيح: أبين.
234
قَالَ بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولٍ مُرْسَلٌ يَأْتِي بِالْحَقِّ وَ الْعَدْلِ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَ الْفَضْلِ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْفَصْلِ قَالَ وَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ قَالَ يَوْمٌ يُجْزَى فِيهِ الْوُلَاةُ يُدْعَى فِيهِ مِنَ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتٍ يَسْمَعُ مِنْهَا الْأَحْيَاءُ وَ الْأَمْوَاتُ وَ يُجْمَعُ النَّاسُ لِلْمِيقَاتِ يَكُونُ فِيهِ لِمَنِ اتَّقَى الْفَوْزُ وَ الْخَيْرَاتُ قَالَ أَ حَقٌّ مَا تَقُولُ يَا شِقُّ قَالَ إِي وَ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعٍ وَ خَفْضٍ إِنَّمَا أَنْبَأْتُكَ لِحَقٍّ مَا فِيهِ أَمْضٌ (1).
بيان: قال في النهاية قيل الحنش ما أشبه رأسه رءوس الحيّات من الوزغ و الحرباء و غيرهما و قيل الأحناش هو أمّ الأرض و منه حديث سطيح أحلف بما بين الحرّتين من حنش و في القاموس الجرش بالتحريك بلد بالأردن و قال أمض كفَرِحَ لم يبال من المعاتبة و عزيمته ماضية في قلبه و كذا إذا أبدى لسانه غير ما يريده (2).
56 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ خَرَجْتُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لِي ضَلَّ فَوَجَدْتُهُ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَهُشُّ مِنْ وَرَقِهَا فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَزَمَمْتُهُ وَ اسْتَوَيْتُ عَلَى كُورِهِ (3) ثُمَّ اقْتَحَمْتُ وَادِياً فَإِذَا أَنَا بِعَيْنٍ خَرَّارَةٍ (4) وَ رَوْضَةٍ مُدْهَامَّةٍ (5) وَ شَجَرَةٍ عَادِيَةٍ (6) وَ إِذَا أَنَا بِقُسٍّ قَائِماً يُصَلِّي بَيْنَ قَبْرَيْنِ قَدِ اتَّخَذَ لَهُ بَيْنَهُمَا مَسْجِداً قَالَ فَلَمَّا انْفَتَلَ (7) مِنْ صَلَاتِهِ قُلْتُ لَهُ مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ فَقَالَ هَذَانِ قَبْرَا أَخَوَيْنِ كَانَا لِي يَعْبُدَانِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعِي فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَنَا أَعْبُدُ اللَّهَ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ أُلْحَقَ بِهِمَا قَالَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْقَبْرَيْنِ فَجَعَلَ يَبْكِي وَ هُوَ يَقُولُ
____________
(1) كنز الكراجكيّ: 85- 86، و أخرجه أيضا ابن هشام في سيرته 1: 11- 13.
(2) قال ابن هشام في السيرة: أمض يعنى شكا، هذا بلغة حمير، و قال أبو عمرو: أمض أى باطل.
(3) الكور: رحل البعير، أو الرحل بأداته.
(4) الخرارة: الكثير الخرير، و الخرير: صوت الماء.
(5) أي خضراء تضرب إلى السواد نعمة و ريا.
(6) أي مرتفعة بحيث تجاوزت عن حدها.
(7) أي انصرف.
235
خَلِيلَيَّ هَبَّا طَالَ مَا قَدْ رَقَدْتُمَا* * * أَجِدُكُمَا أَمْ تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا
أَرَى خَلَلًا فِي الْجِلْدِ وَ الْعَظْمِ مِنْكُمَا* * * كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا
أَ لَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِسِمْعَانَ مُفْرَدٌ* * * وَ مَا لِي بِسِمْعَانَ حَبِيبٌ سِوَاكُمَا (1)
فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسٍ فِدَاءَهَا* * * لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ فِدَاكُمَا (2)
قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَلِمَ لَا تَلْحَقُ بِقَوْمِكَ فَتَكُونَ مَعَهُمْ فِي خَيْرِهِمْ وَ شَرِّهِمْ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ وُلْدَ إِسْمَاعِيلَ تَرَكُوا دِينَ أَبِيهِمْ وَ اتَّبَعُوا الْأَضْدَادَ وَ عَظَّمُوا الْأَنْدَادَ قُلْتُ فَمَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ فَقَالَ أُصَلِّيهَا لِإِلَهِ السَّمَاءِ فَقُلْتُ وَ لِلسَّمَاءِ إِلَهٌ غَيْرَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَأَسْقَطَ (3) وَ امْتُقِعَ لَوْنُهُ وَ قَالَ إِلَيْكَ (4) عَنِّي يَا أَخَا إِيَادٍ إِنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهاً هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَ بِالْكَوَاكِبِ زَيَّنَهَا وَ بِالْقَمَرِ الْمُنِيرِ أَشْرَقَهَا أَظْلَمَ لَيْلَهَا (5) وَ أَضْحَى نَهَارَهَا وَ سَوْفَ تَعُمُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ بِرَجُلٍ أَبْلَجَ مِنْ وُلْدِ لُوَيِّ بْنِ غَالِبٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إِلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ مَا أَظُنُّ أَنِّي أُدْرِكُهُ وَ لَوْ أَدْرَكْتُ أَيَّامَهُ لَصَفَقْتُ بِكَفِّي عَلَى كَفِّهِ وَ لَسَعَيْتُ مَعَهُ حَيْثُ يَسْعَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَحِمَ اللَّهُ أَخِي قُسّاً يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ (6).
بيان: قال في النهاية في حديث قسّ ذكر العقار و هو بالضم من أسماء الخمر و في القاموس العقار بالضم الخمر لمعاقرته أي ملازمته الدنّ أو لعقرها شاربها عن المشي.
____________
(1) في المصدر بعده:
مقيم على قبريكما لست بارحا* * * طوال الليالى او يجيب صداكما..
(2) في المصدر: أن أكون فداكما. و تقدمت الاشعار عن المجالس آنفا باختلاف راجعها.
(3) هكذا في الكتاب، و في المصدر: فامتقط. قلت: أى تغيظ، و امتقع لونه أي تغير لونه من حزن أو فزع أو ريبة.
(4) إليك: اسم فعل بمعنى أبعد.
(5) أي جعلها مظلما.
(6) كنز الكراجكيّ: 255 و 256.
236
57- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ (1) عَنْهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ صِفِّينَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَنَزَلَ الْعَسْكَرُ قَرِيباً مِنْ دَيْرِ نَصْرَانِيٍّ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا مِنَ الدَّيْرِ شَيْخٌ جَمِيلٌ (2) حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وَ السَّمْتِ مَعَهُ كِتَابٌ فِي يَدِهِ حَتَّى أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)مَرْحَباً يَا أَخِي شَمْعُونَ بْنَ حَمُّونَ كَيْفَ حَالُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ فَقَالَ بِخَيْرٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ وَ وَصِيَّ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنِّي مِنْ نَسْلِ رَجُلٍ مِنْ (3) حَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَا مِنْ نَسْلِ حَوَارِيِّ أَخِيكَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)مِنْ نَسْلِ شَمْعُونَ بْنِ يُوحَنَّا وَ كَانَ أَفْضَلَ حَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)الِاثْنَيْ عَشَرَ وَ أَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ وَ آثَرَهُمْ عِنْدَهُ وَ إِلَيْهِ أَوْصَى عِيسَى(ع)وَ إِلَيْهِ دَفَعَ كُتُبَهُ وَ عِلْمَهُ وَ حِكْمَتَهُ فَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ بَيْتِهِ عَلَى دِينِهِ مُتَمَسِّكِينَ عَلَيْهِ (4) لَمْ يَكْفُرُوا وَ لَمْ يُبَدِّلُوا وَ لَمْ يُغَيِّرُوا وَ تِلْكَ الْكُتُبُ عِنْدِي إِمْلَاءُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ خَطُّ أَبِينَا بِيَدِهِ وَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ مَلِكٌ مَلِكٌ وَ مَا يَمْلِكُ وَ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِ كُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ مِنْ أَرْضٍ تُدْعَى تِهَامَةَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا مَكَّةُ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ الْأَنْجَلُ (5) الْعَيْنَيْنِ الْمَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ صَاحِبُ النَّاقَةِ وَ الْحِمَارِ وَ الْقَضِيبِ وَ التَّاجِ يَعْنِي الْعِمَامَةَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ اسْماً ثُمَّ ذَكَرَ مَبْعَثَهُ وَ مَوْلِدَهُ وَ هِجْرَتَهُ وَ مَنْ يُقَاتِلُهُ وَ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ مَنْ يُعَادِيهِ وَ كَمْ يَعِيشُ وَ مَا تَلْقَى أُمَّتُهُ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ(ع)مِنَ السَّمَاءِ فَذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا (6)
____________
(1) تقدم إسناد الكتاب في ج 1(ص)76، و أوعزنا نحن هناك في الذيل أن كتاب سليم من أقدم الكتب المصنفة في الإسلام، و ترجمنا مؤلّفه في المقدّمة: 156، و أشرنا هناك إلى أنّه من الأصول المعتبرة التي ترجع إليه الشيعة في كل عصر.
(2) في المصدر: شيخ كبير جميل.
(3) المصدر خال عن قوله: رجل من.
(4) في المصدر: متمسكين بملته.
(5) نجل الرجل: وسعت عينه و حسنت فهو أنجل.
(6) و هم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة الاثنا عشر (عليهم السلام).
237
مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ(ص)هُمْ خَيْرُ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ وَ أَحَبُّ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِنَّ اللَّهَ وَلِيُّ مَنْ وَالاهُمْ وَ عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمْ مَنْ أَطَاعَهُمُ اهْتَدَى وَ مَنْ عَصَاهُمْ ضَلَّ طَاعَتُهُمْ لِلَّهِ طَاعَةٌ وَ مَعْصِيَتُهُمْ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ مَكْتُوبَةٌ فِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَ أَنْسَابُهُمْ وَ نَعْتُهُمْ وَ كَمْ يَعِيشُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (1) وَ كَمْ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَسْتُرُ أَدِلَّةً لِلنَّاسِ حَتَّى يُنْزِلَ (2) اللَّهُ عِيسَى(ع)عَلَى آخِرِهِمْ فَيُصَلِّي عِيسَى(ع)خَلْفَهُ وَ يَقُولُ إِنَّكُمْ أَئِمَّةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَكُمْ فَيَتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ وَ عِيسَى(ع)خَلْفَهُ فِي الصَّفِ (3) أَوَّلُهُمْ وَ أَفْضَلُهُمْ وَ خَيْرُهُمْ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ وَ أُجُورِ مَنْ أَطَاعَهُمْ وَ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ أَحْمَدُ (4) رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَ يَاسِينُ وَ الْفَتَّاحُ وَ الْخَتَّامُ (5) وَ الْحَاشِرُ وَ الْعَاقِبُ وَ الْمَاحِي وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى مَكَانَ الْمَاحِي الْفَتَّاحُ وَ الْقَائِدُ وَ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ خَلِيلُ اللَّهِ وَ حَبِيبُ اللَّهِ وَ صَفِيُّهُ وَ أَمِينُهُ وَ خِيَرَتُهُ يَرَى تَقَلُّبَهُ فِي السَّاجِدِينَ وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى يَرَاهُ تَقَلُّبَهُ فِي السَّاجِدِينَ يَعْنِي فِي أَصْلَابِ النَّبِيِّينَ وَ يُكَلِّمُهُ بِرَحْمَتِهِ فَيَذْكُرُ إِذَا ذَكَرَ وَ هُوَ أَكْرَمُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ وَ أَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ خَلْقاً مَلَكاً مُقَرَّباً وَ لَا نَبِيّاً مُرْسَلًا آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ خَيْراً عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ يُقْعِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عَرْشِهِ وَ يُشَفِّعُهُ فِي كُلِّ مَنْ شَفَعَ فِيهِ بِاسْمِهِ جَرَى الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ ثُمَّ أَخُوهُ صَاحِبُ اللِّوَاءِ إِلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ الْأَكْبَرِ وَ وَصِيُّهُ وَ وَزِيرُهُ وَ خَلِيفَتُهُ فِي أُمَّتِهِ وَ أَحَبُّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدَهُ ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً مِنْ وُلْدِ مُحَمَّدٍ وَ وُلْدِ الْأَوَّلِ (6) اثْنَانِ مِنْهُمْ سَمِّيَا ابْنَيْ هَارُونَ شَبَّرَ وَ شَبِيرٍ
____________
(1) في المصدر: واحدا بعد واحد.
(2) في المصدر: و كم رجل منهم يستر بدينه و يكتمه من قومه و من يظهر حتّى ينزل.
(3) في المصدر: فى الصف الأول.
(4) هو و ما يأتي بعده تفسير لقوله: ثلاثة عشر.
(5) في المصدر: و الخاتم.
(6) أي أول الأئمّة و هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). فى المصدر: ولد أول الاثنى عشر.
238
وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِ وَلَدِهِ (1) أَوَّلُهُمْ شَبَّرُ وَ الثَّانِي شَبِيرٌ وَ تِسْعَةٌ مِنْ شَبِيرٍ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (2) وَ فِي نُسْخَةِ الْأُولَى وَ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ أَصْغَرِهِمَا وَ هُوَ الْحُسَيْنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (3) آخِرُهُمْ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ(ع)خَلْفَهُ فِيهِ تَسْمِيَةُ كُلِّ مَنْ يَمْلِكُ مِنْهُمْ وَ مَنْ يَسْتَتِرُ بِدِينِهِ وَ مَنْ يَظْهَرُ فَأَوَّلُ مَنْ يَظْهَرُ مِنْهُمْ يَمْلَأُ جَمِيعَ بِلَادِ اللَّهِ قِسْطاً وَ عَدْلًا وَ يَمْلِكُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ(ص)وَ أَبِي حَيٌّ صَدَّقَ بِهِ وَ آمَنَ بِهِ وَ شَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً لَمْ يَكُنْ بِهِ شُخُوصٌ فَمَاتَ وَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ(ص)وَ خَلِيفَتَهُ الَّذِي اسْمُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَ نَعْتُهُ سَيَمُرُّ بِكَ إِذَا مَضَى ثَلَاثَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ نَعْتِهِمْ وَ كَمْ يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِذَا مَرَّ بِكَ فَاخْرُجْ إِلَيْهِ وَ بَايِعْهُ وَ قَاتِلْ مَعَهُ عَدُوَّهُ فَإِنَّ الْجِهَادَ مَعَهُ كَالْجِهَادِ مَعَ مُحَمَّدٍ(ص)وَ الْمُوَالِيَ لَهُ كَالْمُوَالِي لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ الْمُعَادِيَ لَهُ كَالْمُعَادِي لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [إِنَّ اثْنَيْ عَشَرَ (4) إِمَاماً مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ قَوْمِهِ (5) مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ يُعَادُونَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَ يَدَّعُونَ حَقَّهُمْ وَ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْهُ وَ يَطْرُدُونَهُمْ وَ يَحْرِمُونَهُمْ وَ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَ يُخِيفُونَهُمْ مُسَمَّوْنَ وَاحِداً وَاحِداً بِأَسْمَائِهِمْ وَ نَعْتِهِمْ وَ كَمْ يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَ مَا يَلْقَى مِنْهُمْ وُلْدُكَ وَ أَنْصَارُكَ وَ شِيعَتُكَ مِنَ الْقَتْلِ وَ الْحَرْبِ وَ الْبَلَاءِ وَ الْخَوْفِ وَ كَيْفَ يُدِيلُكُمُ (6) اللَّهُ مِنْهُمْ وَ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ وَ أَنْصَارِهِمْ وَ مَا يَلْقَوْنَ (7) مِنْ الذُّلِّ وَ الْحَرْبِ وَ الْبَلَاءِ وَ الْخِزْيِ وَ الْقَتْلِ وَ الْخَوْفِ مِنْكُمْ (8)
____________
(1) في المصدر: من ولده و ولد ولده.
(2) في المصدر: واحدا بعد واحد.
(3) في المصدر: واحدا بعد واحد.
(4) في المصدر: إن اثنى عشر.
(5) في المصدر و طبعة أمين الضرب و الحروفية: و من قومه معه.
(6) أدال اللّه بنى فلان من عدوهم: جعل الكرة لهم عليه. اللّه زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو و حولها إلى زيد.
(7) تلقون خ ل.
(8) منهم خ ل.
239
أَهْلَ الْبَيْتِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ بِأَنِّي (1) أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّكَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي أُمَّتِهِ وَ وَصِيُّهُ وَ شَاهِدُهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَّتُهُ فِي أَرْضِهِ وَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ وَ أَنِّي أَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ رَضِيَهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَ إِنَّهُ دِينُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ هُوَ الَّذِي دَانَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِي وَ إِنِّي أَتَوَلَّاكَ وَ أَتَوَلَّى أَوْلِيَاءَكَ وَ أَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّكَ وَ أَتَوَلَّى الْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِكَ وَ أَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ وَ بَرِئَ مِنْهُمْ وَ ادَّعَى حَقَّهُمْ وَ ظَلَمَهُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)نَاوِلْنِي كِتَابَكَ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ وَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قُمْ مَعَ الرَّجُلِ فَأَحْضِرْ تَرْجُمَاناً يَفْهَمُ كَلَامَهُ فَلْيَنْسَخْهُ لَكَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَمَّا أَتَاهُ بِهِ قَالَ لِابْنِهِ الْحَسَنِ يَا بُنَيَّ ايتِنِي بِالْكِتَابِ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ يَا بُنَيَّ اقْرَأْهُ وَ انْظُرْ أَنْتَ يَا فُلَانُ فِي نُسْخَةِ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّهُ خَطِّي بِيَدِي وَ إِمْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَرَأَهُ فَمَا خَالَفَ حَرْفاً وَاحِداً لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَ لَا تَأْخِيرٌ كَأَنَّهُ إِمْلَاءُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ شَاءَ لَمْ تَخْتَلِفِ الْأُمَّةُ وَ لَمْ تَفْتَرِقْ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَنْسَنِي وَ لَمْ يَضَعْ أَمْرِي وَ لَمْ يُخْمِلْ ذِكْرِي عِنْدَهُ وَ عِنْدَ أَوْلِيَائِهِ إِذْ صَغُرَ وَ خَمَلَ عِنْدَهُ ذِكْرُ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَ حِزْبِهِ فَفَرِحَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ(ع)وَ شَكَرَ (2) كثِيرٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ حَتَّى عَرَفْنَا ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ وَ أَلْوَانِهِمْ (3).
58- وَ قَالَ السَّيِّدُ بْنُ طَاوُسٍ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ وَجَدْتُ فِي صُحُفِ إِدْرِيسَ النَّبِيِّ(ع)فِيمَا خَاطَبَ اللَّهُ بِهِ إِبْلِيسَ وَ أَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ وَ انْتَخَبْتُ لِذَلِكَ الْوَقْتِ عِبَاداً لِي امْتَحَنْتُ قُلُوبَهُمْ لِلْإِيمَانِ إِلَى أَنْ قَالَ أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي اخْتَرْتُ لَهُمْ نَبِيّاً مُصْطَفًى وَ أَمِيناً مُرْتَضًى فَجَعَلْتُهُ لَهُمْ نَبِيّاً وَ رَسُولًا وَ جَعَلْتُهُمْ لَهُ أَوْلِيَاءَ وَ أَنْصَاراً تِلْكَ أُمَّةٌ اخْتَرْتُهَا لِنَبِيِّيَ الْمُصْطَفَى وَ أَمِينِيَ الْمُرْتَضَى ثُمَّ قَالَ وَ نَظَرَ آدَمُ إِلَى
____________
(1) في المصدر: فانى.
(2) و شكروا كثيرا خ ل و في المصدر: و شكر و ساء ذلك كثير ممن حوله حتّى عرفنا ذلك في وجوههم و ألوانهم.
(3) كتاب سليم بن قيس: 122- 125.
240
طَائِفَةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ يَتَلَأْلَأُ نُورُهُمْ قَالَ آدَمُ مَا هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ قَالَ يَا رَبِّ فَمَا بَالُ نُورِ هَذَا الْأَخِيرِ سَاطِعاً عَلَى نُورِهِمْ جَمِيعاً قَالَ لِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً قَالَ وَ مَنْ هَذَا النَّبِيُّ يَا رَبِّ وَ مَا اسْمُهُ قَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيِّي وَ رَسُولِي وَ أَمِينِي وَ نَجِيبِي وَ نَجِيِّي وَ خِيَرَتِي وَ صَفْوَتِي وَ خَالِصَتِي وَ حَبِيبِي وَ خَلِيلِي وَ أَكْرَمُ خَلْقِي عَلَيَّ وَ أَحَبُّهُمْ إِلَيَّ وَ آثَرُهُمْ عِنْدِي وَ أَقْرَبُهُمْ مِنِّي وَ أَعْرَفُهُمْ لِي وَ أَرْجَحُهُمْ حِلْماً وَ عِلْماً وَ إِيمَاناً وَ يَقِيناً وَ صِدْقاً وَ بِرّاً وَ عَفَافاً وَ عِبَادَةً وَ خُشُوعاً وَ وَرَعاً وَ سِلْماً وَ إِسْلَاماً أَخَذْتُ لَهُ مِيثَاقَ حَمَلَةِ عَرْشِي فَمَا دُونَهُمْ مِنْ خَلَائِقِي فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَ الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِهِ فَآمِنْ بِهِ يَا آدَمُ تَزْدَدْ (1) مِنِّي قُرْبَةً وَ مَنْزِلَةً وَ فَضْلًا وَ نُوراً وَ وَقَاراً قَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ اللَّهُ قَدْ أَوْجَبْتُ لَكَ يَا آدَمُ وَ قَدْ زِدْتُكَ فَضْلًا وَ كَرَامَةً وَ أَنْتَ يَا آدَمُ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ ابْنُكَ مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ وَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى وَ يُحْمَلُ إِلَى الْمَوْقِفِ وَ أَوَّلُ شَافِعٍ وَ أَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَ أَوَّلُ قَارِعٍ لِأَبْوَابِ الْجِنَانِ وَ أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ وَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ قَدْ كَنَيْتُكَ بِهِ فَأَنْتَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَقَالَ آدَمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ فَضَّلَهُ بِهَذِهِ الْفَضَائِلِ وَ سَبَقَنِي إِلَى الْجَنَّةِ وَ لَا أَحْسُدُهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا نَقَلَهُ الرَّاوَنْدِيُّ عَنِ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ بَسَطَ الْكَلَامَ فِيهَا وَ إِنَّمَا تَرَكْنَاهُ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ فِي السُّورَةِ السَّابِعَةَ عَشَرَ مِنَ الزَّبُورِ دَاوُدُ اسْمَعْ مَا أَقُولُ وَ مُرْ سُلَيْمَانَ يَقُولُ بَعْدَكَ إِنَّ الْأَرْضَ أُورِثَهَا مُحَمَّدٌ وَ أُمَّتُهُ وَ هُمْ خِلَافُكُمْ وَ لَا تَكُونُ صَلَاتُهُمْ بِالطَّنَابِيرِ وَ لَا يُقَدِّسُونَ الْأَوْتَارَ فَازْدَدْ مِنْ تَقْدِيسِكَ وَ إِذَا زَمَرْتُمْ (2) بِتَقْدِيسِي فَأَكْثِرُوا الْبُكَاءَ بِكُلِّ سَاعَةٍ وَ سَاعَةٌ لَا تَذْكُرُنِي فِيهَا عَدِمْتَهَا مِنْ سَاعَةٍ انْتَهَى (3).
59- أَقُولُ وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْكَازِرُونِيُّ بِإِسْنَادِهِ (4) إِلَى الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوباً مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا فَظٌّ وَ لَا غَلِيظٌ وَ لَا صَخَّابٌ بِالْأَسْوَاقِ
____________
(1) تزرد خ ل.
(2) زمر: غنى بالنفخ في القصب و نحوه. و في المصدر: زفرتم.
(3) سعد السعود: 34- 36 و 48.
(4) ترك المصنّف إسناد الحديث للاختصار، و في المصدر مسند.
241
وَ لَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَ لَكِنْ يَعْفُو وَ يَغْفِرُ أُمَّتُهُ الْحَامِدُونَ يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ نَجْدٍ وَ يَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ وَ يَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ مُنَادِيهِمْ يُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَ صَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَ مُهَاجَرُهُ بِطَابَةَ وَ مُلْكُهُ بِالشَّامِ (1).
أقول: و ذكر بشائر كثيرة في كتابه لا نطيل الكلام بإيرادها و في ما ذكرناه كفاية.
60 مُقْتَضَبُ الْأَثَرِ فِي النَّصِّ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ، لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ لَاحِقِ بْنِ سَابِقٍ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ جَدِّهِ سَابِقِ بْنِ قَرِينٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الشَّرْقِيِّ بْنِ قُطَامِيٍّ عَنْ تَمِيمِ بْنِ وَهْلَةَ الْمُرِّيِّ عَنِ الْجَارُودِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْعَبْدِيِ (2) وَ كَانَ نَصْرَانِيّاً فَأَسْلَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَ كَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ عَالِماً بِتَأْوِيلِهَا عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ وَ سَالِفِ الْعَصْرِ بَصِيراً بِالْفَلْسَفَةِ وَ الطِّبِّ ذَا رَأْيٍ أَصِيلٍ وَ وَجْهٍ جَمِيلٍ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي رِجَالٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ ذَوِي أَحْلَامٍ وَ أَسْنَانٍ وَ فَصَاحَةٍ وَ بَيَانٍ وَ حُجَّةٍ وَ بُرْهَانٍ فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ(ص)رَاعَهُمْ مَنْظَرُهُ وَ مَحْضَرُهُ وَ أُفْحِمُوا عَنْ بَيَانِهِمْ وَ عَنَّ بِهِمُ الْعُرَوَاءُ (3) فِي أَبْدَانِهِمْ فَقَالَ زَعِيمُ الْقَوْمِ لِي دُونَكَ مَنْ أَقَمْتَ بِنَا أَمَمَهُ (4) فَمَا نَسْتَطِيعُ كَلِمَةً (5) فَاسْتَقْدَمْتُ دُونَهُمْ إِلَيْهِ وَ وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي ثُمَّ أَنْشَأْتُ أَقُولُ شِعْرٌ
____________
(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني. قوله: ملكه بالشام لا يخلو عن غرابة، و كعب الاحبار متهم في ذلك.
(2) هكذا في الكتاب و مصدره، و في سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: و قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس، قال ابن هشام: الجارود:
ابن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس، و كان نصرانيا اه قلت: و قال اليعقوبي في تاريخه: و قدمت عبد القيس و رئيسهم الاشبح العصرى، ثمّ وفد الجارود بن المعلى.
(3) عزلهم العرواء خ ل. و في المصدر و كنز الكراجكيّ: اعتراهم العرواء. و العرواء بالضم: مس الحمى.
(4) في المصدر: دونك من أقمت بنا أقمه فما نستطيع أن نكلمه.
(5) أن نكلمه خ ل.
242
يَا نَبِيَّ الْهُدَى أَتَتْكَ رِجَالٌ* * * قَطَعَتْ قَرْدَداً وَ آلًا فَآلًا (1)
جَابَتِ الْبِيدَ وَ الْمَهَامَةَ حَتَّى* * * غَالَهَا مِنْ طَوِيِّ السَّرِيِّ مَا غَالا
قَطَعَتْ دُونَكَ الصَّحَاصِحَ (2) تَهْوَى* * * لَا تَعُدُّ الْكَلَالَ فِيكَ كَلَالًا
كُلُّ دَهْنَاءَ (3) تَقْصُرُ الطَّرْفُ عَنْهَا* * * أَرْقَلَتْهَا (4) قِلَاصُنَا (5) إِرْقَالًا
وَ طَوَتْهَا الْعِتَاقُ تَجْمَحُ (6) فِيهَا* * * بِكُمَاةٍ مِثْلِ النُّجُومِ تَلَالا
ثُمَّ لَمَّا رَأَتْكَ أَحْسَنَ مَرْأًى* * * أُفْحِمَتْ عَنْكَ هَيْبَةً وَ جَلَالًا
تَتَّقِي شَرَّ بَأْسِ يَوْمٍ عَصِيبٍ* * * هَائِلٍ أَوْجَلَ الْقُلُوبَ وَ هَالا
وَ نِدَاءً لِمَحْشَرِ النَّاسِ طُرّاً* * * وَ حِسَاباً لِمَنْ تَأَدَّى (7) ضَلَالًا
نَحْوَ نُورٍ مِنَ الْإِلَهِ وَ بُرْهَانٍ* * * وَ بز (8) [بِرٍّ وَ نِعْمَةٍ لَنْ تَنَالا (9)
وَ أَمَانٌ مِنْهُ لَدَى الْحَشْرِ وَ النَّشْرِ* * * إِذِ الْخَلْقُ لَا يُطِيقُ السُّؤَالا
فَلَكَ الْحَوْضُ وَ الشَّفَاعَةُ وَ الْكَوْثَرُ* * * وَ الْفَضْلُ إِذْ يَنُصُّ السُّؤَالا
فَلَكَ الْحَوْضُ خَصَّكَ يَا ابْنَ آمِنَةَ (10)* * * الْخَيْرَ إِذَا مَا تَلَتْ سِجَالٌ سِجَالًا (11)
أَنْبَأَ الْأَوَّلُونَ بِاسْمِكَ فِينَا* * * وَ بِأَسْمَاءٍ بَعْدَهُ تَتَتَالا (12)
____________
(1) قال الجزريّ: فى حديث قس بن ساعدة: قطعت مهمها و آلا فآلا، الال: السراب، و المهمة: القفر. و قال: قردد: الموضع المرتع من الأرض، و يقال للأرض المستوية أيضا قردد، و منه حديث قس و الجارود: قطعت قرددا.
(2) الصحاصح جمع الصحصح: ما استوى من الأرض و كان أجرد.
(3) الدهناء: الفلات.
(4) ارقل المفازة: قطعها.
(5) القلاص جمع القلوص، من الإبل: الطويلة القوائم. الشابة منها أو الباقية على السير.
(6) جمح الفرس: تغلب على راكبه و ذهب به لا ينثنى.
(7) يأوى خ ل و في المصدر و الكنز: تمادى، و هو الصحيح.
(8) هكذا في النسخ، و الظاهر أنّه مصحف: و بركما في المصدر و في الكنز.
(9) أن تنالا خ ل.
(10) في المصدر و الكنز: خصك اللّه يا بن آمنة الخير.
(11) السجال جمع السجل: الدلو العظيمة فيها ماء قل أو كثر.
(12) في المصدر و الكنز: تتلالا.
243
فَأَقْبَلَ (1) عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بِصَفْحَةِ وَجْهِهِ الْمُبَارَكِ شِمْتُ مِنْهُ ضِيَاءً لَامِعاً سَاطِعاً كَوَمِيضِ (2) الْبَرْقِ فَقَالَ يَا جَارُودُ لَقَدْ تَأَخَّرَ بِكَ وَ بِقَوْمِكَ الْوَعْدُ (3) وَ قَدْ كُنْتُ وَعَدْتُهُ قَبْلَ عَامِي ذَلِكَ أَنْ أَفِدَ إِلَيْهِ بِقَوْمِي فَلَمْ آتِهِ وَ أَتَيْتُهُ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ مَا كَانَ إِبْطَائِي عَنْكَ إِلَّا أَنَّ جُلَّةَ قَوْمِي أَبْطَئُوا عَنْ إِجَابَتِي حَتَّى سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكَ لَمَّا أَرَادَ لَهَا بِهِ إِلَيْكَ مِنَ الْخَيْرِ فَأَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ (4) فَحَظُّهُ فَاتَ مِنْكَ فَتِلْكَ أَعْظَمُ حَوْبَةً (5) وَ أَكْبَرُ عُقُوبَةً وَ لَوْ كَانُوا مِمَّنْ سَمِعَ بِكَ أَوْ رَآكَ لَمَا ذَهَبُوا عَنْكَ فَإِنَّ بُرْهَانَ الْحَقِّ فِي مَشْهَدِكَ [وَ مَحْتِدِكَ (6) وَ قَدْ كُنْتُ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ أَتْيَتِي إِلَيْكَ الْأُولَى فَهَا أَنَا تَارِكُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ إِذْ ذَلِكَ مِمَّا يُعْظِمُ الْأَجْرَ وَ يَمْحُو الْمَآثِمَ وَ الْحُوبَ وَ يُرْضِي الرَّبَّ عَنِ الْمَرْبُوبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا ضَامِنٌ لَكَ يَا جَارُودُ قُلْتُ أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ مُذْ كُنْتَ ضَمِينٌ قَمِينٌ (7) قَالَ فَدِنِ الْآنَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ دَعْ عَنْكَ النَّصْرَانِيَّةَ قُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّكَ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ لَقَدْ أَسْلَمْتُ عَلَى عِلْمٍ بِكَ وَ نَبَإٍ فِيكَ عَلِمْتُهُ مِنْ قَبْلُ فَتَبَسَّمَ(ص)كَأَنَّهُ عَلِمَ مَا أَرَدْتُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ فِيهِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَ عَلَى قَوْمِي فَقَالَ أَ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نَعْرِفُهُ غَيْرَ أَنِّي مِنْ بَيْنِهِمْ عَارِفٌ بِخَبَرِهِ وَاقِفٌ عَلَى أَثَرِهِ كَانَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سِبْطاً مِنْ أَسْبَاطِ الْعَرَبِ عُمِّرَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ تَقَفَّرَ مِنْهَا فِي الْبَرَارِي خَمْسَةَ أَعْمَارٍ يَضِجُّ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ لَا يُقِرُّهُ قَرَارٌ وَ لَا يَكُنُّهُ جِدَارٌ وَ لَا يَسْتَمِعُ (8) مِنْهُ جَارٌ لَا يَفْتُرُ مِنَ
____________
(1) في المصدر و الكنز: قال: فأقبل.
(2) وميض البرق: لمعانه.
(3) في المصدر: الموعد.
(4) في المصدر: لما أرادها به من الخير لديك، فأما من تأخر عنه.
(5) الحوبة: الاثم.
(6) المحتد: الأصل.
(7) القمين: الخليق الجدير. و في المصدر: إنك بذلك ضمين قمين.
(8) و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: لا يستمتع. قلت: هو كذلك في المصدر.
244
الرَّهْبَانِيَّةِ وَ يَدِينُ اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ يَلْبَسُ الْمُسُوحَ (1) وَ يَتَحَسَّى فِي سِيَاحَتِهِ بَيْضَ النَّعَامِ وَ يَعْتَبِرُ بِالنُّورِ وَ الظَّلَامِ يُبْصِرُ فَيَتَفَكَّرُ وَ يُفَكِّرُ فَيَخْتَبِرُ يَضْرِبُ بِحِكْمَتِهِ الْأَمْثَالَ أَدْرَكَ رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ شَمْعُونَ وَ أَدْرَكَ لُوقَا وَ يُوحَنَّا وَ فَقِهَ مِنْهُمْ (2) تَحَوَّبَ (3) الدَّهْرَ وَ جَانَبَ الْكُفْرَ وَ هُوَ الْقَائِلُ بِسُوقِ عُكَاظٍ وَ ذِي الْمَجَازِ (4) شَرْقٌ وَ غَرْبٌ وَ يَابِسٌ وَ رَطْبٌ وَ أُجَاجٌ وَ عَذْبٌ وَ حَبٌّ وَ نَبَاتٌ وَ جَمْعٌ وَ أَشْتَاتٌ وَ ذَهَابٌ وَ مَمَاتٌ وَ آبَاءٌ وَ أُمَّهَاتٌ وَ سُرُورٌ مَوْلُودٌ وَ رُزْءٌ مَفْقُودٌ نَبَأٌ لِأَرْبَابِ الْغَفْلَةِ لَيُصْلِحَنَّ الْعَامِلُ عَمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْقِدَ أَجَلَهُ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَ لَا وَالِدٍ أَمَاتَ وَ أَحْيَا وَ خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثَى وَ هُوَ رَبُّ الْآخِرَةِ وَ الْأُولَى ثُمَّ أَنْشَدَ شعر (5) كَلِمَةً لَهُ- [شِعْراً
ذَكَّرَ الْقَلْبَ مِنْ جَوَاهُ أَذْكَارٌ (6)* * * وَ لَيَالٍ خِلَالَهُنَّ نَهَارٌ
وَ شُمُوسٌ تَحْتَهَا قَمَرُ* * * اللَّيْلِ وَ كُلُّ مُتَابِعٍ مَوَّارٌ
وَ جِبَالٌ شَوَامِخُ رَاسِيَاتٌ* * * وَ بِحَارٌ مِيَاهُهُنَّ غِزَارٌ
وَ صَغِيرٌ وَ أَشْمَطُ (7) وَ رَضِيعٌ* * * كُلُّهُمْ فِي الصَّعِيدِ يَوْماً بَوَارٌ
كُلُّ هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى اللَّهِ* * * فَفِيهِ لَنَا هُدًى وَ اعْتِبَارٌ
ثُمَّ صَاحَ يَا مَعْشَرَ إِيَادٍ فَأَيْنَ ثَمُودُ وَ أَيْنَ عَادٌ وَ أَيْنَ الْآبَاءُ وَ الْأَجْدَادُ وَ أَيْنَ الْعَلِيلُ
____________
(1) المسوح جمع المسح: الكساء من شعر. ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشعا و قهرا للجسد و تحسى المرق: شربه شيئا بعد شيء.
(2) في المصدر: و يوحنا و أمثالهم ففقه كلامهم و نقل منهم.
(3) تحوب: اجتنب الاثم.
(4) قال اليعقوبي في تاريخه 1: 227: سوق عكاظ بأعلى نجد، يقوم في ذى القعدة، و ينزلها قريش و سائر العرب، الا ان أكثرها مضر، و بها كانت مفاخرة العرب و جمالاتهم و مهادناتهم، ثمّ سوق ذى المجاز، و كانت ترتحل من سوق عكاظ، و سوق ذى المجاز الى مكّة من لحجهم.
(5) هكذا في نسخة المصنّف، و الظاهر أن لفظة (شعر) زائدة، أو هو مصحف: أنشد كلمة له شعرا كما في المصدر.
(6) ادكار ليال خ ل و في المصدر: ادكار، و ليال.
(7) شمط: خالط بياض رأسه سواد فهو أشمط.
245
وَ الْعُوَّادُ وَ أَيْنَ الطَّالِبُونَ وَ الرُّوَّادُ كُلٌّ لَهُ (1) مَعَادٌ أَقْسَمَ قُسٌّ بِرَبِّ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ وَ خَالِقِ سَبْعِ الشِّدَادِ سَمَاوَاتٍ بِلَا عِمَادٍ لَيُحْشَرُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ وَ عَلَى قُرْبٍ وَ بِعَادٍ إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ وَ نُقِرَ فِي النَّاقُورِ وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِالنُّورِ فَقَدْ وَعَظَ الْوَاعِظُ وَ انْتَبَهَ الْقَائِظُ (2) وَ أَبْصَرَ اللَّاحِظُ وَ لَفَظَ اللَّافِظُ فَوَيْلٌ لِمَنْ صَدَفَ عَنِ الْحَقِّ الْأَشْهَرِ وَ كَذَّبَ بِيَوْمِ الْمَحْشَرِ وَ السِّرَاجِ الْأَزْهَرِ فِي يَوْمِ الْفَصْلِ وَ مِيزَانِ الْعَدْلِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ شِعْرٌ (3)
يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَ الْأَمْوَاتُ فِي جَدَثٍ* * * عَلَيْهِمْ مِنْ بَقَايَا بَزِّهِمْ خَرَقٌ
مِنْهُمْ عرات [عُرَاةٌ وَ مَوْتَى فِي ثِيَابِهِمْ* * * مِنْهَا الْجَدِيدُ وَ مِنْهَا الْأَوْرَقُ الْخَلَقُ
دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْماً يُصَاحُ بِهِمْ* * * كَمَا يُنَبَّهُ مِنْ رَقَدَاتِهِ الصَّعِقُ
حَتَّى يَجِيئُوا بِحَالٍ غَيْرِ حَالِهِمْ* * * خَلْقٌ مَضَوْا ثُمَّ مَا ذَا بَعْدَ ذَاكَ لَقُوا
ثُمَّ أَقْبَلْتُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقُلْتُ عَلَى عِلْمٍ بِهِ آمَنْتُمْ قَبْلَ مَبْعَثِهِ كَمَا آمَنْتُ بِهِ أَنَا فَنَصَّتْ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ وَ أَشَارَتْ إِلَيْهِ وَ قَالُوا هَذَا صَاحِبُهُ وَ طَالِبُهُ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ وَ سَالِفِ الْعَصْرِ وَ لَيْسَ فِينَا خَيْرٌ مِنْهُ وَ لَا أَفْضَلُ فَبَصُرْتُ بِهِ أَغَرَّ أَبْلَجَ قَدْ وَقَذَتْهُ الْحِكْمَةُ أَعْرِفُ ذَلِكَ فِي أَسَارِيرِ (4) وَجْهِهِ وَ إِنْ لَمْ أُحِطْ عِلْماً بِكُنْهِهِ قُلْتُ وَ مَنْ هُوَ قَالُوا هَذَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ذُو الْبُرْهَانِ الْعَظِيمِ وَ الشَّأْنِ الْقَدِيمِ فَقَالَ سَلْمَانُ عَرَفْتُهُ يَا أَخَا عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِهِ فَأَقْبَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ يَتَلَأْلَأُ وَ يُشْرِقُ وَجْهُهُ نُوراً وَ سُرُوراً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُسّاً كَانَ يَنْتَظِرُ زَمَانَكَ وَ يَتَوَكَّفُ إِبَّانَكَ (5) وَ يَهْتِفُ بِاسْمِكَ وَ أَبِيكَ (6)
____________
(1) كل لهن خ ل.
(2) هكذا في الكتاب و مصدره و لعله مصحف: يقظه، و استظهر المصنّف في الهامش أنه الياقظ.
(3) هكذا في النسخة، و المصدر خال عن قوله: شعر. و هو خبر لمبتدإ محذوف أي هذا شعر.
(4) الاسارير: الخطوط في الجبهة. محاسن الوجه.
(5) توكف الخبر: انتظر ظهوره. إبان الشيء بكسر الهمزة و تشديد الباء: أوله. حينه.
(6) في المصدر: و باسم أبيك.
246
وَ أُمِّكَ وَ بِأَسْمَاءٍ لَسْتُ أُصِيبُهَا مَعَكَ وَ لَا أَرَاهَا فِيمَنِ اتَّبَعَكَ قَالَ سَلْمَانُ فَأَخْبِرْنَا فَأَنْشَأْتُ أُحَدِّثُهُمْ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَسْمَعُ وَ الْقَوْمُ سَامِعُونَ وَاعُونَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ شَهِدْتُ قُسّاً خَرَجَ مِنْ نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ إِيَادٍ إِلَى صحصيح [صَحْصَحٍ ذِي قَتَادٍ وَ سَمُرَةٍ وَ عَتَادٍ (1) وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ بِنِجَادٍ فَوَقَفَ فِي إِضْحِيَانِ (2) لَيْلٍ كَالشَّمْسِ رَافِعاً إِلَى السَّمَاءِ وَجْهَهُ وَ إِصْبَعَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَرْقِعَةِ (3) وَ الْأَرَضِينَ الْمُمْرِعَةِ (4) وَ بِمُحَمَّدٍ وَ الثَّلَاثَةِ الْمَحَامِدَةِ مَعَهُ وَ الْعَلِيِّينَ الْأَرْبَعَةِ وَ سِبْطَيْهِ التَّبَعَةِ (5) وَ الْأَرْفِعَةِ الْفَرْعَةِ وَ السَّرِيِّ اللَّامِعَةِ (6) وَ سَمِيِّ الْكَلِيمِ الضَّرَعَةِ (7) أُولَئِكَ النُّقَبَاءُ الشَّفَعَةُ وَ الطَّرِيقُ الْمَهْيَعَةُ دَرَسَةُ الْإِنْجِيلِ وَ حَفَظَةُ التَّنْزِيلِ عَلَى عَدَدِ النُّقَبَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُحَاةُ الْأَضَالِيلِ وَ نُفَاةُ الْأَبَاطِيلِ الصَّادِقُو الْقِيلِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ وَ بِهِمْ تُنَالُ الشَّفَاعَةُ وَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَرْضُ الطَّاعَةِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ لَيْتَنِي مُدْرِكُهُمْ وَ لَوْ بَعْدَ لَأْيٍ مِنْ عُمُرِي وَ مَحْيَايَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ شِعْرٌ (8)
مَتَى أَنَا قَبْلَ الْمَوْتِ لِلْحَقِّ مُدْرِكٌ* * * وَ إِنْ كَانَ لِي مِنْ بَعْدِ هَاتِيكَ مُهْلِكٌ
وَ إِنْ غَالَنِي الدَّهْرُ الْخَئُونُ بِغَوْلِهِ* * * فَقَدْ غَالَ مَنْ قَبْلِي وَ مَنْ بَعْدُ يُوشِكُ
فَلَا غَرْوَ إِنِّي سَالِكٌ مَسْلَكَ الْأُولَى* * * وَشِيكاً وَ مَنْ ذَا لِلرَّدَى لَيْسَ يَسْلُكُ
ثُمَّ آبَ يُكَفْكِفُ (9) دَمْعَهُ وَ يَرِنُّ رَنِينَ الْبَكَرَةِ (10) وَ قَدْ برئت [بُرِيَتْ ببراة [بِمِبْرَاةٍ وَ هُوَ يَقُولُ
____________
(1) الصحصح تقدم معناه. و القتاد: شجر صلب له شوك كالابر. و السمر: شجر من العضاه، و ليس في العضاه أجود خشبا منه: و العضاه: كل شجر يعظم و له شوك. و العتاد: ما اعد لامر ما. كل ما هيئ من سلاح و دواب و آلة حرب. القدح الضخم.
(2) ليلة إضحيانة و اضحية: مضيئة.
(3) الارقعة جمع الرقيع: السماء عموما، أو السماء الأولى في عرف الاقدمين.
(4) أمرع المكان: أخصب.
(5) النبعة خ ل و في المصدر: و سبطيه النبعة الارفعة القرعة.
(6) الالمعة خ ل.
(7) في المصدر و الكنز بعد ذلك: و الحسن ذى الرفعة.
(8) المصدر خال عن كلمة شعر.
(9) كفكف الدمع: مسحه مرة بعد مرة.
(10) البكرة و البكرة: آلة مستديرة في وسطها محز يمر عليها حبل لرفع الاثقال.
247
أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَماً لَيْسَ بِهِ مُكْتَتِماً (1)* * * لَوْ عَاشَ أَلْفَيْ سَنَةٍ (2) لَمْ يَلْقَ مِنْهَا سَأَماً-
حَتَّى يُلَاقِيَ أَحْمَداً وَ النُّقَبَاءَ الْحُكَمَاءَ* * * -هُمْ أَوْصِيَاءُ أَحْمَدَ أَكْرَمَ مَنْ تَحْتَ السَّمَاءِ
يَعْمَى الْعِبَادُ عَنْهُمْ وَ هُمْ جِلَاءٌ لِلْعَمَى* * * لَيْسَ (3) بِنَاسٍ ذِكْرَهُمْ حَتَّى أَحَلَّ الرَّجَمَا (4)
ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي أَنْبَأَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ نَشْهَدْهَا وَ أَشْهَدَنَا قُسٌّ ذِكْرَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا جَارُودُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيَّ أَنْ سَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا عَلَى مَا بُعِثُوا فَقُلْتُ عَلَى مَا بُعِثْتُمْ قَالُوا عَلَى نُبُوَّتِكَ وَ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْكُمَا ثُمَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنِ الْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ الْمَهْدِيُّ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نُورٍ يُصَلُّونَ فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْحُجَجُ لِأَوْلِيَائِي وَ هَذَا الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي قَالَ الْجَارُودُ فَقَالَ (5) سَلْمَانُ يَا جَارُودُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ كَذَلِكَ فَانْصَرَفْتُ بِقَوْمِي وَ قُلْتُ فِي تَوَجُّهِي إِلَى قَوْمِي شِعْرٌ (6)
أَتَيْتُكَ يَا ابْنَ آمِنَةَ الرَّسُولَا* * * لِكَيْ بِكَ أَهْتَدِي النَّهْجَ السَّبِيلَا
فَقُلْتَ وَ كَانَ قَوْلُكَ قَوْلَ حَقٍ* * * وَ صِدْقٌ مَا بَدَا لَكَ أَنْ تَقُولَا
وَ بَصَّرْتَ الْعَمَى مِنْ عَبْدِ قَيْسٍ* * * وَ كُلٌّ كَانَ مِنْ عَمَهٍ ضَلِيلًا
وَ أَنْبَأْنَاكَ عَنْ قُسٍّ الْإِيَادِيِ* * * مَقَالًا فِيكَ ظِلْتَ بِهِ جَدِيلًا
وَ أَسْمَاءً عَمَتْ عَنَّا فَآلَتْ* * * إِلَى عِلْمٍ وَ كُنَّ بِهَا (7)جَهُولًا (8)
____________
(1) في المصدر: مكتما.
(2) في المصدر و الكنز: ألفى عمر.
(3) في المصدر: لست.
(4) الرجم: القبر.
(5) في المصدر و الكنز: فقال لي.
(6) لفظة (شعر) ليست موجودا في المصدر.
(7) في المصدر: و كنت به جهولا.
(8) مقتضب الاثر: 37- 43، و أخرجه أيضا الكراجكيّ في كنز الفوائد: 256- 258.
248
بيان: قال الجوهري العرواء مثال الغلواء قرة الحمى و مسها في أول ما تأخذ بالرعدة و فلان قمين بكذا أي جدير خليق و فلان يتحوب من كذا أي يتأثم و التحوب أيضا التوجع و التحزن.
قوله قد وقذته الحكمة أي أثرت فيه و بانت فيه آثارها قال الجوهري وقذه يقذه وقذا ضربه حتى استرخى و أشرف على الموت و يقال وقذه النعاس إذا غلبه و في النهاية فيه فيقذه الورع أي يسكنه و يمنعه من انتهاك ما لا يحل و لا يحمد يقال وقذه الحلم إذا سكته.
أقول سيأتي الخبر مختصرا مع شرح بعض أجزائه في باب المعراج.
باب 3 تاريخ ولادته(ص)و ما يتعلق بها و ما ظهر عندها من المعجزات و الكرامات و المنامات
اعلم أنه اتفقت الإمامية إلا من شذ منهم على أن ولادته(ص)في سابع عشر شهر ربيع الأول و ذهب أكثر المخالفين إلى أنها كانت في الثاني عشر منه و اختاره الكليني (رحمه الله) على ما سيأتي إما اختيارا أو تقية و ذهب شاذ من المخالفين إلى أنه ولد في شهر رمضان (1) لأنهم اتفقوا على أن بدء الحمل به(ص)كان في عشية عرفة
____________
(1) ذكر المقريزى في امتاع الاسماع: اجماع أقوالهم في ولادته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: ولد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمكّة في دار عرفت بدار ابن يوسف من شعب بنى هاشم يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأوّل، و قيل: لليلتين خلتا منه، و قيل: ولد ثالثه، و قيل:
في عاشره، و قيل: فى ثامنه، و قيل: ولد يوم الاثنين لاثنتى عشرة مضت من رمضان حين طلع الفجر، و قد شذ بذلك الزبير بن بكار، الا أنّه موافق لقوله: إن أمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حملت به أيّام التشريق، فيكون حملها مدة تسعة أشهر على العادة الغالبة، و ذلك عام الفيل، قيل:
بعد قدوم الفيل مكّة بخمسين يوما، و قيل: بشهر، و قيل: بأربعين يوما، و قيل: قدم الفيل للنصف من المحرم قبل مولده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بشهرين الا أياما، و قيل: ولد بعد الفيل بثمانية و.
249
أو أوسط أيام التشريق و اشتهر بينهم أن مدة الحمل كانت تسعة أشهر فيلزم أن تكون الولادة في شهر رمضان و سيأتي الكلام فيه و ذهب شرذمة منهم إلى أن الولادة كانت في ثامن ربيع الأول فأما يوم الولادة فالمشهور بين علمائنا و مدلول أخبارنا أنه كان يوم الجمعة و المشهور بين المخالفين يوم الإثنين ثم الأشهر بيننا و بينهم أنه(ص)ولد بعد طلوع الفجر و قيل عند الزوال و ذكر جماعة من المؤرخين و أرباب السير أنه كان في ساعة الولادة غفر (1) من منازل القمر طالعا و كان اليوم موافقا للعشرين أو للثامن و العشرين أو الغرة من شهر نيسان الرومي و السابع عشر من دي ماه بحساب الفرس و كانت في عهد كسرى أنوشيروان بعد مضي اثنين و أربعين من ملكه و بعد مضي اثنين و ثمانين و ثمانمائة من وفاة إسكندر الرومي و كان في عام الفيل بعد مضي خمس و خمسين أو أربعين من الواقعة و قيل في يوم الواقعة و قيل بعد ثلاثين سنة منها و قيل بعد أربعين منها و الأصح أنها كانت في تلك العام.
و ذكر أبو معشر البلخي (2) من المنجمين أنه كان طالع ولادته(ص)الدرجة العشرون من الجدي و كان الزحل و المشتري في العقرب و المريخ في بيته في الحمل و
____________
خمسين يوما، و قيل: بعده بعشر سنين، و قيل: بعده بثلاثين عاما، و قيل: ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة، و قيل: قبله بأربعين عاما، و قيل: ولد يوم الفيل، و قيل: ولد سنة ثلاث و عشرين للفيل.
و قيل: ولد في صفر، و قيل: يوم عاشوراء، و قيل: فى ربيع الآخر، الراجح أنّه ولد عام الفيل في الثانية و الأربعين من ملك كسرى أنوشروان، و هي سنة احدى و ثمانين و ثمانمائة لغلبة الاسكندر بن فيلبس المجدونى على دارا، و هي سنة ألف و ثلاثمائة و ستة عشر لابتداء ملك بخت نصر، و وافق يوم مولده العشرون من نيسان، و ولد بالغفر من المنازل و هو مولد الأنبياء، و يقال:
كان طالعه برج الأسد و القمر فيه.
(1) الغفر من منازل القمر قال البيرونى: و تقول العرب: إنّه خير المنازل، و قيل: إن مواليد الأنبياء قد اتفقت فيه و لا اظن ذلك حقا.
(2) قال اليعقوبي 2: 4 و ولد على ما قال أصحاب الحساب بقران العقرب، قال ما شاء اللّه المنجم:
كان طالع السنة التي كان فيها القران الذي دل على مولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الميزان اثنتين و عشرين درجة حدّ الزهرة و بيتها، و المشترى في العقرب ثلاث درجات و ثلاثا و عشرين.
250
الشمس في الحمل في الشرف و الزهرة في الحوت في الشرف و العطارد أيضا في الحوت و القمر في أول الميزان و الرأس في الجوزاء و الذنب في القوس و كانت في الدار المعروف بدار محمد بن يوسف و كان للنبي(ص)فوهبه لعقيل بن أبي طالب فباعه أولاده محمد بن يوسف أخا الحجاج فأدخله في داره فلما كان زمن هارون أخذته خيزران أمه فأخرجته و جعلته مسجدا و هو الآن معروف يزار و يصلى فيه و سنذكر الأخبار و الأقوال في تفاصيل تلك الأحوال.
1- د، العدد القوية فِي كِتَابِ أَسْمَاءِ حُجَجِ اللَّهِ وُلِدَ(ص)سَابِعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَامِ الْفِيلِ.
فِي كِتَابِ الدُّرِّ الصَّحِيحِ أَنَّهُ وُلِدَ(ص)عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ خَمْسٍ وَ خَمْسِينَ يَوْماً مِنْ هَلَاكِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَ قَالَ الْعَامَّةُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ الثَّامِنَ أَوِ الْعَاشِرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ مُلْكِ أَنُوشِيرَوَانَ وَ يُقَالُ فِي مُلْكِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِيرَوَانَ وَ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مَوْلِدَهُ(ص)كَانَ لاثنتي [لِاثْنَتَيْنِ وَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَنُوشِيرَوَانَ وَ هُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ(ص)وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَنُوشِيرَوَانَ وَ وَافَقَ شَهْرَ الرُّومِ الْعِشْرِينَ مِنْ سُبَاطَ (1).
فِي كِتَابِ مَوَالِيدِ الْأَئِمَّةِ(ع)وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَامِ الْفِيلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الزَّوَالِ وَ رُوِيَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِأَرْبَعِينَ
____________
دقيقه، و زحل في العقرب ست درجات و ثلاثا و عشرين دقيقة راجعا، و هما في الثاني من الطوالع، و الشمس في نظير الطالع في الحمل أول دقيقة، و الزهرة في الحمل على درجة و ست و خمسين دقيقة، و عطارد في الحمل على ثماني عشرة درجة و ست عشرة دقيقة، و القمر وسط السماء في السرطان درجة و عشرين دقيقة، و قال الخوارزمي: ثمانى عشرة درجة و ست عشرة دقيقة، و القمر وسط السماء في السرطان درجة و عشرين دقيقة، و قال الخوارزمي: كانت الشمس يوم ولد في الثور درجة و القمر في الأسد على ثماني عشرة درجة و عشر دقائق، و زحل في العقرب تسع درجات و أربعين دقيقة راجعا، و المشترى في العقرب درجتين و عشر دقائق راجعا، و المريخ في السرطان درجتين و خمسين دقيقة، و الزهرة في الثور اثنتى عشرة درجة و عشر دقائق.
(1) يقال: سباط و شباط: شهر من الأشهر الشمسية، بين كانون الثاني و أذار، أيامه 29 في السنة الكبيسة و 28 في سواها.
251
سَنَةً وَ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى وَ كَانَتْ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ وَلَدَتْهُ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ فِي دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فِي الزَّاوِيَةِ الْقُصْوَى وَ قِيلَ وُلِدَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ آخِرَ النَّهَارِ ثَانِيَ عَشَرَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَ تِسْعِمِائَةٍ لِلْإِسْكَنْدَرِ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ فِي مُلْكِ أَنُوشِيرَوَانَ (1).
2- قل، إقبال الأعمال ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ بَابَوَيْهِ (رضوان اللّه عليه) فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ النُّبُوَّةِ حَدِيثَ (2) أَنَّ الْحَمْلَ بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)كَانَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ (3) جُمَادَى الْآخِرَةِ (4).
3- قل، إقبال الأعمال إِنَّ الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَانَ عَمَلُهُمْ عَلَى أَنَّ وِلَادَتَهُ الْمُقَدَّسَةَ(ص)كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَامِ الْفِيلِ عِنْدَ طُلُوعِ فَجْرِهِ (5).
4- وَ ذَكَرَ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ فِي كِتَابِ حَدَائِقِ الرِّيَاضِ، السَّابِعَ عَشَرَ مِنْهُ مَوْلِدُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَامَ الْفِيلِ (6) وَ قَالَ (رحمه الله) فِي كِتَابِ التَّوَارِيخِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوَهُ (7).
5- كا، الكافي وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي عَامِ الْفِيلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ الزَّوَالِ وَ رُوِيَ أَيْضاً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً وَ حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى وَ كَانَتْ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
____________
(1) العدد: مخطوط.
(2) أضاف الحديث إلى ما بعده.
(3) قال المصنّف في الهامش: الظاهر (مضت) مكان (بقيت) ليوافق ما هو المشهور من كون الحمل في أيّام التشريق انتهى كلامه قدس اللّه أسراره، قلت: القول بأن حمله كان في أيّام التشريق يوافق القول بولادته في رمضان كما عرفت في كلام المقريزى.
(4) الإقبال: 623.
(5)»: 603.
(6) حدائق الرياض: مخطوط.
(7) مسار الشيعة: 24.
252
وَ وَلَدَتْهُ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ فِي دَارِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فِي الزَّاوِيَةِ الْقُصْوَى عَنْ يَسَارِكَ وَ أَنْتَ دَاخِلٌ (1) وَ قَدْ أَخْرَجَتِ الْخَيْزُرَانُ (2) ذَلِكَ الْبَيْتَ فَصَيَّرَتْهُ مَسْجِداً يُصَلِّي النَّاسُ فِيهِ (3).
بيان: اعلم أن هاهنا إشكالا مشهورا أورده الشهيد الثاني (رحمه الله) و جماعة و هو أنه يلزم على ما ذكره الكليني (رحمه الله) من كون الحمل به(ص)في أيام التشريق و ولادته في ربيع الأول أن يكون مدة حمله إما ثلاثة أشهر أو سنة و ثلاثة أشهر مع أن الأصحاب اتفقوا على أنه لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر و لا أكثر من سنة و لم يذكر أحد من العلماء أن ذلك من خصائصه و الجواب أن ذلك مبني على النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية و قد نهى الله تعالى عنه و قال إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في تفسيره هذه الآية نقلا عن مجاهد كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين و كذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة ثم حج النبي(ص)في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذا الحجة فقال في خطبته ألا و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و رجب مضر بين جمادى و شعبان (4) أراد بذلك أن أشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و عاد الحج إلى ذي الحجة و بطل النسيء انتهى. (5)
____________
(1) في المصدر: و أنت داخل الدار.
(2) قال المصنّف في الهامش: الخيزران أم الهادى و الرشيد، قال المؤرخون كانت هذه الدار للنبى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و وهبها عقيل بن أبي طالب، ثمّ باعها أولاد عقيل بعد أبيهم محمّد بن يوسف و هو أخو الحجاج فاشتهرت بدار محمّد بن يوسف، فأدخلها محمّد في قصره الذي كانوا يسمونه البيضاء، ثمّ بعد انقضاء دولة بني أميّة حجت خيزران فأفرزتها من القصر و جعلها مسجدا.
(3) الأصول 1: 439.
(4) في المصدر: و رجب الذي بين جمادى و شعبان.
(5) مجمع البيان 5: 29.
253
إذا عرفت هذا فقيل إنه على هذا يلزم أن يكون الحج عام مولده(ص)في جمادى الأولى لأنه(ص)توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة و دورة النسيء أربع و عشرون سنة ضعف عدد الشهور فإذا أخذنا من السنة الثانية و الستين و رجعنا تصير السنة الخامس عشر ابتداء الدورة لأنه إذا نقص من اثنتين و ستين ثماني و أربعون تبقى أربع عشرة الاثنتان الأخيرتان منها لذي القعدة و اثنتان قبلهما لشوال و هكذا فتكون الأوليان منها لجمادى الأولى فكان الحج عام مولد النبي(ص)و هو عام الفيل في جمادى الأولى فإذا فرض أنه(ص)حملت به أمه في الثاني عشر منه و وضعت في الثاني عشر من ربيع الأول تكون مدة الحمل عشرة أشهر بلا مزيد و لا نقيصة.
أقول و يرد عليه أنه قد أخطأ (رحمه الله) في حساب الدورة و جعلها أربعا و عشرين سنة إذا الدورة على ما ذكر إنما تتم في خمس و عشرين سنة إذ في كل سنتين يسقط شهر من شهور السنة باعتبار النسيء ففي كل خمس و عشرين سنة تحصل أربع و عشرون حجة تمام الدورة و أيضا على ما ذكره يكون مدة الحمل أحد عشر شهرا إذ لما كان عام مولده أول حج في جمادى الأولى يكون في عام الحمل الحج في ربيع الثاني فالصواب أن يقال كان في عام حمله(ص)الحج في جمادى الأولى و في عام مولده في جمادى الثانية فعلى ما ذكرنا يتم من عام مولده إلى خمسين سنة من عمره(ص)دورتان في الحادية و الخمسين تبتدئ الدورة الثالثة من جمادى الثانية و تكون لكل شهر حجتان إلى أن ينتهي إلى الحادية و الستين و الثانية و الستين فيكون الحج فيهما في ذي القعدة و يكون في حجة الوداع الحج في ذي الحجة فتكون مدة الحمل عشرة أشهر.
فإن قلت على ما قررت من أن في كل دورة متأخر سنة ففي نصف الدورة تتأخر ستة أشهر و من ربيع الأول الذي هو شهر المولد إلى جمادى الثانية التي هي شهر الحج نحو من ثلاثة أشهر فكيف يستقيم الحساب على ما ذكرت قلت تاريخ السنة محسوبة من شهر الولادة فمن ربيع الأول من سنة الولادة إلى مثله من سنة ثلاث و ستين تتم اثنتان و ستون و يكون السابع عشر منه ابتداء سنة الثالث و الستين و في الشهر العاشر من تلك السنة أعني ذي الحجة وقع الحج الحادي و الستون و توفي قبل إتمام
254
تلك السنة على ما ذهبت إليه الشيعة بتسعة عشر يوما فصار عمره(ص)ثلاثا و ستين إلا تلك الأيام المعدودة و أما ما رواه في كتاب النبوة فيمكن أن يكون الحمل في أول سنة وقع الحج في جمادى الثانية و من سنة الحمل إلى سنة حجة الوداع أربع و ستون سنة و في الخمسين تمام الدورتين و تبتدئ الثالثة من جمادى الثانية و يكون في حجة الوداع و التي قبلها الحج في ذي الحجة و لا يخالف شيئا إلا ما مر عن مجاهد أن حجة الوداع كانت مسبوقة بالحج في ذي القعدة و قوله غير معتمد في مقابلة الخبر إن ثبت أنه رواه خبرا و تكون مدة الحمل على هذا تسعة أشهر إلا يوما فيوافق ما هو المشهور في مدة حمله(ص)عند المخالفين.
6- ص، قصص الأنبياء (عليهم السلام) رُوِيَ أَنَّهُ(ص)وُلِدَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ قِيلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ قَالَ(ص)وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ يَعْنِي أَنُوشِيرَوَانَ بْنَ قُبَادَ قَاتِلَ مَزْدَكَ وَ الزَّنَادِقَةِ (1).
7 ك، إكمال الدين لي، الأمالي للصدوق الدَّقَّاقُ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ حَدَّثَ (2) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ وَ عَلَيَّ مِطْرَفُ خَزٍّ وَ جُمَّتِي تَضْرِبُ مَنْكِبِي فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْ فِي وَجْهِيَ التَّغَيُّرَ فَاسْتَوَتْ وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَوْمِي فَقَالَتْ مَا شَأْنُ سَيِّدِ الْعَرَبِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ هَلْ رَابَهُ مِنْ حَدَثَانِ الدَّهْرِ رَيْبٌ فَقُلْتُ لَهَا بَلَى إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ وَ أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ كَأَنَّ شَجَرَةً قَدْ نَبَتَتْ عَلَى ظَهْرِي قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّمَاءَ وَ ضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الشَّرْقَ وَ الْغَرْبَ وَ رَأَيْتُ نُوراً يَزْهَرُ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفاً وَ رَأَيْتُ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ سَاجِدَةً لَهَا وَ هِيَ كُلَّ يَوْمٍ تَزْدَادُ عِظَماً وَ نُوراً وَ رَأَيْتُ رَهْطاً مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ قَطْعَهَا فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَخَذَهُمْ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وَ أَنْظَفِهِمْ ثِيَاباً فَيَأْخُذُهُمْ وَ يَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ وَ يَقْلَعُ أَعْيُنَهُمْ فَرَفَعْتُ يَدِي لِأَتَنَاوَلَ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا فَصَاحَ بِيَ الشَّابُّ وَ قَالَ مَهْلًا
____________
(1) قصص الأنبياء: مخطوط.
(2) في المصدر: يحدث.
255
لَيْسَ لَكَ مِنْهَا نَصِيبٌ فَقُلْتُ لِمَنِ النَّصِيبُ وَ الشَّجَرَةُ مِنِّي فَقَالَ النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ تَعَلَّقُوا بِهَا وَ سَيَعُودُ إِلَيْهَا فَانْتَبَهْتُ مَذْعُوراً فَزِعاً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ فَرَأَيْتُ لَوْنَ الْكَاهِنَةِ قَدْ تَغَيَّرَ ثُمَّ قَالَتْ لَئِنْ صَدَقَتْ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ وَلَدٌ يَمْلِكُ الشَّرْقَ وَ الْغَرْبَ وَ يُنَبَّأُ (1) فِي النَّاسِ فتسرى (2) [فَسُرِّيَ عَنِّي غَمِّي فَانْظُرْ أَبَا طَالِبٍ لَعَلَّكَ تَكُونُ أَنْتَ وَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَ النَّبِيُّ(ص)قَدْ خَرَجَ وَ يَقُولُ كَانَتِ الشَّجَرَةُ وَ اللَّهِ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَمِينَ (3).
توضيح قال الجزري المطرف بكسر الميم و فتحها و ضمها الثوب الذي في طرفيه علمان و قال الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين و قال الجوهري هي بالضم مجتمع شعر الرأس.
أقول لعل ذكر هذا إما لبيان شرافته بأن يكون إرسال الجمة من خواص الشرفاء أو اضطرابه و ارتعاده و الريب نازلة الدهر و رابه أمر رأى منه ما يكره قوله و سيعود إليها يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلقوا بها الذين يريدون قلعها و يكون قوله و ستعود بالتاء أي ستعود تلك الجماعة بعد منازعتهم و محاربتهم إلى هذه الشجرة و يؤمنون بها فيكون لهم النصيب منها أو بالياء فيكون المستتر راجعا إلى الرسول(ص)و البارز في منها إلى الجماعة أي سيعود النبي(ص)إليهم بعد إخراجهم له فيؤمنون به فيكون إشارة إلى فتح مكة أو يكون المستتر راجعا إلى الشاب و البارز إلى الشجرة أي سيرجع هذا الشاب إلى الشجرة في اليقظة كما تعلق بها في النوم و على هذا يحتمل أن يكون المراد بالذين تعلقوا بها أبا طالب و أضرابه ممن لم يذكروا قبل و يحتمل أن يكون المستتر راجعا إلى النصيب و البارز إلى الشجرة أي يكون له(ص)ثواب إسلامهم و يحتمل أن يكون ستعود بصيغة الخطاب أي ستعود يا عبد المطلب إليه(ص)عند ولادته لكن لا تبلغ و لا تدرك وقت نبوته قوله لعلك تكون أنت أي ذلك الشاب و يحتمل أن يكون الشاب أمير المؤمنين ع.
____________
(1) في كمال الدين: يتنبأ، و فيه: فسرى. و فيه: يا أبا طالب.
(2) سرى عنه أو عن قلبه: كشف عنه الهم.
(3) كمال الدين: 103، الأمالي: 158.
256
8- ك، إكمال الدين لي، الأمالي للصدوق الْقَطَّانُ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي الْعَبَّاسَ يُحَدِّثُ قَالَ: وُلِدَ لِأَبِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَبْدُ اللَّهِ فَرَأَيْنَا فِي وَجْهِهِ نُوراً يَزْهَرُ كَنُورِ الشَّمْسِ فَقَالَ أَبِي إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً قَالَ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْخِرِهِ طَائِرٌ أَبْيَضُ فَطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ رَجَعَ رَاجِعاً حَتَّى سَقَطَ عَلَى بَيْتِ الْكَعْبَةِ فَسَجَدَتْ لَهُ قُرَيْشٌ كُلُّهَا فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَتَأَمَّلُونَهُ إِذْ صَارَ نُوراً بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ امْتَدَّ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ فَلَمَّا انْتَبَهْتُ سَأَلْتُ كَاهِنَةَ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالَتْ يَا عَبَّاسُ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِهِ وَلَدٌ يَصِيرُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ تَبَعاً لَهُ قَالَ أَبِي فَهَمَّنِي أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ تَزَوَّجَ بِآمِنَةَ وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَ أَتَمِّهَا خَلْقاً فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ وَ وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَتَيْتُهُ فَرَأَيْتُ النُّورَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَزْهَرُ فَحَمَلْتُهُ وَ تَفَرَّسْتُ فِي وَجْهِهِ فَوَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ وَ صِرْتُ كَأَنِّي قِطْعَةُ مِسْكٍ مِنْ شِدَّةِ رِيحِي فَحَدَّثَتْنِي آمِنَةُ وَ قَالَتْ لِي إِنَّهُ لَمَّا أَخَذَنِي الطَّلْقُ وَ اشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ سَمِعْتُ جَلَبَةً وَ كَلَاماً لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَ رَأَيْتُ عَلَماً مِنْ سُنْدُسٍ عَلَى قَضِيبٍ مِنْ يَاقُوتٍ قَدْ ضُرِبَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ رَأَيْتُ نُوراً يَسْطَعُ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاءَ وَ رَأَيْتُ قُصُورَ الشَّامَاتِ كَأَنَّهَا شُعْلَةُ نَارٍ نُوراً وَ رَأَيْتُ حَوْلِي مِنَ الْقَطَاةِ أَمْراً عَظِيماً قَدْ نَشَرَتْ (1) أَجْنِحَتَهَا حَوْلِي وَ رَأَيْتُ شَعِيرَةَ الْأَسَدِيَّةَ قَدْ مَرَّتْ وَ هِيَ تَقُولُ آمِنَةُ مَا لَقِيَتِ الْكُهَّانُ وَ الْأَصْنَامُ مِنْ وَلَدِكِ وَ رَأَيْتُ رَجُلًا شَابّاً مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ طُولًا وَ أَشَدِّهِمْ بَيَاضاً وَ أَحْسَنِهِمْ ثِيَاباً مَا ظَنَنْتُهُ إِلَّا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدْ دَنَا مِنِّي فَأَخَذَ الْمَوْلُودَ فَتَفَلَ فِي فِيهِ وَ مَعَهُ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَضْرُوبٍ بِالزُّمُرُّدِ وَ مُشْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فَشَقَّ بَطْنَهُ شَقّاً ثُمَّ أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا (2) ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً مِنْ حَرِيرَةٍ خَضْرَاءَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا كَالذَّرِيرَةِ الْبَيْضَاءِ فَحَشَاهُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَا كَانَ وَ مَسَحَ عَلَى بَطْنِهِ وَ اسْتَنْطَقَهُ فَنَطَقَ
____________
(1) و قد نشرت خ ل و هو الموجود في الأمالي.
(2) الحديث كما ترى مرويّ من طرق العامّة، متضمن ما يخالف مذهب الإماميّة، و هو شق القلب و إخراج نكتة سوداء، و قد ورد ذلك في أخبارهم.
257
فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَالَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي أَمَانِ اللَّهِ وَ حِفْظِهِ وَ كِلَاءَتِهِ قَدْ حَشَوْتُ قَلْبَكَ إِيمَاناً وَ عِلْماً وَ حِلْماً وَ يَقِيناً وَ عَقْلًا وَ شَجَاعَةً (1) أَنْتَ خَيْرُ الْبَشَرِ طُوبَى لِمَنْ اتَّبَعَكَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْكَ ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً أُخْرَى مِنْ حَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ فَضَرَبَ عَلَى كَتِفَيْهِ (2) ثُمَّ قَالَ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَنْفُخَ فِيكَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ فَنَفَخَ فِيهِ وَ أَلْبَسَهُ قَمِيصاً وَ قَالَ هَذَا أَمَانُكَ مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا فَهَذَا مَا رَأَيْتُ يَا عَبَّاسُ بِعَيْنِي قَالَ الْعَبَّاسُ وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ أَقْرَأُ (3) فَكَشَفْتُ عَنْ ثَوْبِهِ فَإِذَا خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَلَمْ أَزَلْ أَكْتُمُ شَأْنَهُ وَ أُنْسِيتُ (4) الْحَدِيثَ فَلَمْ أَذْكُرْهُ إِلَى يَوْمِ إِسْلَامِي حَتَّى ذَكَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)(5).
بيان: الجلبة اختلاط الأصوات و السندس بالضم ما رق من الديباج و رفع (6).
9- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ(ع)قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ يَخْتَرِقُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى(ع)حُجِبَ عَنْ ثَلَاثِ سَمَاوَاتٍ وَ كَانَ يَخْتَرِقُ أَرْبَعَ سَمَاوَاتٍ فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حُجِبَ عَنِ السَّبْعِ كُلِّهَا وَ رُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بِالنُّجُومِ وَ قَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا قِيَامُ السَّاعَةِ الَّذِي كُنَّا نَسْمَعُ أَهْلَ الْكُتُبِ يَذْكُرُونَهُ وَ قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ وَ كَانَ مِنْ أَزْجَرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ انْظُرُوا هَذِهِ النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا وَ يُعْرَفُ بِهَا أَزْمَانُ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ فَإِنْ كَانَ رُمِيَ بِهَا فَهُوَ هَلَاكُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِنْ كَانَتْ ثَبَتَتْ وَ رُمِيَ بِغَيْرِهَا فَهُوَ أَمْرٌ حَدَثٌ وَ أَصْبَحَتِ الْأَصْنَامُ كُلُّهَا صَبِيحَةَ وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)لَيْسَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلَّا وَ هُوَ مُنْكَبٌّ عَلَى وَجْهِهِ وَ ارْتَجَسَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِيوَانُ كِسْرَى وَ سَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً وَ غَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ وَ فَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ
____________
(1) في كمال الدين: و حكما، مكان و عقلا.
(2) بين كتفيه خ ل و في المصدر: فضرب به على كتفيه.
(3) و عمى العباس في أواخر عمره.
(4) في كمال الدين: نسيت. قلت: حديث النسيان لا يخلو عن غرابة.
(5) كمال الدين: 104 و 105، الأمالي: 158 و 159.
(6) رفع الثوب: خلاف غلظ.
258
وَ خَمَدَتْ نِيرَانُ فَارِسَ وَ لَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ وَ رَأَى الْمُؤْبَذَانُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْمَنَامِ إِبِلًا صِعَاباً تَقُودُ خَيْلًا عِرَاباً (1) قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَ انْسَرَبَتْ فِي بِلَادِهِمْ وَ انْقَصَمَ طَاقُ الْمَلِكِ كِسْرَى مِنْ وَسَطِهِ وَ انْخَرَقَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ وَ انْتَشَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نُورٌ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ ثُمَّ اسْتَطَارَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَ لَمْ يَبْقَ سَرِيرٌ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوساً وَ الْمَلِكُ مُخْرِساً لَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَ انْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ وَ بَطَلَ سِحْرُ السَّحَرَةِ وَ لَمْ تَبْقَ كَاهِنَةٌ فِي الْعَرَبِ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبِهَا وَ عَظُمَتْ قُرَيْشٌ فِي الْعَرَبِ وَ سُمُّوا آلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقُ(ع)إِنَّمَا سُمُّوا آلَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ فِي بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَ قَالَتْ آمِنَةُ إِنَّ ابْنِي وَ اللَّهِ سَقَطَ فَاتَّقَى الْأَرْضَ بِيَدِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ سَمِعْتُ فِي الضَّوْءِ قَائِلًا يَقُولُ إِنَّكِ قَدْ وَلَدْتِ سَيِّدَ النَّاسِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّداً وَ أُتِيَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ قَدْ بَلَغَهُ مَا قَالَتْ أُمُّهُ فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي هَذَا الْغُلَامَ الطَّيِّبَ الْأَرْدَانِ قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ ثُمَّ عَوَّذَهُ بِأَرْكَانِ الْكَعْبَةِ وَ قَالَ فِيهِ أَشْعَاراً قَالَ وَ صَاحَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي أَبَالِسَتِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيهِ فَقَالُوا مَا الَّذِي أَفْزَعَكَ يَا سَيِّدَنَا فَقَالَ لَهُمْ وَيْلَكُمْ لَقَدْ أَنْكَرْتُ السَّمَاءَ وَ الْأَرْضَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ عَظِيمٌ مَا حَدَثَ مِثْلُهُ مُنْذُ رُفِعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ(ع)فَاخْرُجُوا وَ انْظُرُوا مَا هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي قَدْ حَدَثَ فَافْتَرَقُوا ثُمَّ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا مَا وَجَدْنَا شَيْئاً فَقَالَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنَا لِهَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ انْغَمَسَ فِي الدُّنْيَا فَجَالَهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ فَوَجَدَ الْحَرَمَ مَحْفُوظاً بِالْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ لِيَدْخُلَ فَصَاحُوا بِهِ فَرَجَعَ ثُمَّ صَارَ مِثْلَ الصِّرِّ وَ هُوَ الْعُصْفُورُ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ حَرَى (2) فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ وَرَاكَ لَعَنَكَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ حَرْفٌ أَسْأَلُكَ عَنْهُ يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ فِي الْأَرْضِ
____________
(1) خيل عراب: كرائم سالمة من الهجنة.
(2) في المصدر: حراء، و هو بالكسر و المد و هو الأصحّ من القصر.
259
فَقَالَ لَهُ وُلِدَ مُحَمَّدٌ(ص)فَقَالَ لَهُ هَلْ لِي فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ لَا قَالَ فَفِي أُمَّتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ رَضِيتُ (1).
توضيح الزجر بالفتح العيافة و هو نوع من التكهن تقول زجرت أنه يكون كذا و الارتجاس الاضطراب و التزلزل الذي يسمع منه الصوت الشديد و غاض الماء بالغين و الضاد المعجمتين أي قل و نضب قال الجزري و منه حديث سطيح و غاضت بحيرة ساوة أي غار ماؤها و ذهب و السماوة بالفتح موضع بين الكوفة و الشام و قال الخليل في العين هي فلاة بالبادية تتصل بالشام و المؤبذان بضم الميم و فتح الباء فقيه الفرس و حاكم المجوس كالمؤبذ ذكره الفيروزآبادي و قال الجزري في حديث سطيح فأرسل كسرى إلى المؤبذان المؤبذان للمجوس كقاضي القضاة للمسلمين و المؤبذ كالقاضي و انسرب الثعلب في حجره [جُحْرِهِ أي دخل.
قوله(ع)و انخرقت عليه دجلة العوراء يظهر مما سيأتي أن كسرى كان سكر (2) بعض الدجلة و بنى عليها بناء فلعله لذلك وصفوا الدجلة بعد ذلك بالعوراء (3) لأنه عور و طم (4) بعضها فانخرقت عليه و انهدم بنيانه و رأيت في بعض المواضع بالغين المعجمة من إضافة الموصوف إلى الصفة أي العميقة و الأردان جمع الردن بالضم و هو أصل الكم و لعله إنما خصها بالطيب لأن الرائحة الخبيثة غالبا تكون فيها لمجاورتها للآباط قال الشاعر.
و عمرة من سروات النساء.* * * تنفح بالمسك أردانها.
قوله ثم عوذه بأركان الكعبة أي مسحه بها أو دعا له عندها أو كتب أسماءها و علقه عليه ص.
قال الفيروزآبادي الصر طائر كالعصفور أصفر و قال الجزري هو عصفور
____________
(1) الأمالي: 171 و 172.
(2) سكر النهر: جعل له سدا.
(3) في معجم البلدان 4: 167: دجلة العوراء: دجلة البصرة.
(4) عارت عين الماء: دفنت فانسدت عيونها، و الطم بمعناه.
260
أو طائر في قده أصفر اللون و في بعض النسخ و العصفور و قال الفيروزآبادي حَرَى كعَلَى جبل بمكة معروف فيه الغار و قال الجوهري و غيره إنه بالكسر و المد.
10- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْجِعَابِيُ (1) عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ الْجُعْفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصِ بْنِ رَاشِدٍ الْهِلَالِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عَنِ [ابْنِ سَرِيعٍ (2) الْبَارِقِيِّ قَالَ سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ(ع)يَقُولُ لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)وُلِدَ لَيْلًا فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ عُتْبَةُ وَ شَيْبَةُ فَقَالَ أَ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ قَالُوا لَا وَ مَا ذَاكَ قَالَ لَقَدْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ أَوْ بِفِلَسْطِينَ مَوْلُودٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ بِهِ شَامَةٌ يَكُونُ هَلَاكُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى يَدَيْهِ فَسَأَلُوا فَأُخْبِرُوا فَطَلَبُوهُ فَقَالُوا لَقَدْ وُلِدَ فِينَا غُلَامٌ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ أُنَبِّئَكُمْ أَوْ بَعْدُ قَالُوا قَبْلُ قَالَ فَانْطَلِقُوا مَعِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَتَوْا أُمَّهُ وَ هُوَ مَعَهُمْ فَأَخْبَرَتْهُمْ كَيْفَ سَقَطَ وَ مَا رَأَتْ مِنَ النُّورِ قَالَ الْيَهُودِيُّ فَأَخْرِجِيهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَ نَظَرَ إِلَى الشَّامَةِ فَخَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَأَدْخَلَتْهُ أُمُّهُ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالُوا لَهُ وَيْلَكَ مَا لَكَ قَالَ ذَهَبَتْ نُبُوَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا وَ اللَّهِ مُبِيرُهُمْ فَفَرِحَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَلَمَّا رَأَى فَرَحَهُمْ قَالَ وَ اللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الشَّرْقِ وَ أَهْلُ الْغَرْبِ (3).
بيان فلسطين بكسر الفاء و فتح اللام الكورة المعروفة ما بين الأردن و ديار مصر و أم بلادها بيت المقدس و لعل ترديده لأنه رأى علامة ولادة نبي فشك أنه خاتم الأنبياء فيكون مولده بمكة أو غيره فيكون في بيت المقدس أو لم يكن يتبين له أن مولد خاتم الأنبياء مكة أو فلسطين و السطو القهر و البطش يقال سطا به و عليه.
11- ج، الإحتجاج عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ(ع)فِي خَبَرِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)عَنْ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ(ص)قَالَ فَإِنَّ هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ
____________
(1) فيه وهم فان الشيخ الطوسيّ لا يروى عن الجعابى بغير واسطة، بل يروى عنه بواسطة المفيد فالصحيح كما في المصدر: محمّد بن محمّد عن الجعابى.
(2) في المصدر: محمّد بن عباد بن سريع البارقى، و هو الصحيح، و الرجل مذكور في رجال الشيخ في أصحاب الصادق (عليه السلام).
(3) الأمالي: 90.
261
صَبِيّاً قَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَ مُحَمَّدٌ(ص)سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَاضِعاً يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ وَ رَافِعاً يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى السَّمَاءِ وَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَ بَدَا مِنْ فِيهِ نُورٌ رَأَى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهُ قُصُورَ بُصْرَى مِنَ الشَّامِ وَ مَا يَلِيهَا وَ الْقُصُورَ الْحُمْرَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَ مَا يَلِيهَا وَ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ إِصْطَخْرَ وَ مَا يَلِيهَا وَ لَقَدْ أَضَاءَتِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)حَتَّى فَزِعَتِ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ وَ الشَّيَاطِينُ وَ قَالُوا يَحْدُثُ (1) فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ وَ لَقَدْ رَأَتِ الْمَلَائِكَةَ لَيْلَةَ وُلِدَ تَصْعَدُ وَ تَنْزِلُ وَ تُسَبِّحُ وَ تُقَدِّسُ وَ تَضْطَرِبُ النُّجُومُ وَ تَتَسَاقَطُ النُّجُومُ عَلَامَاتٍ لِمِيلَادِهِ وَ لَقَدْ هَمَّ إِبْلِيسُ بِالظَّعْنِ فِي السَّمَاءِ لِمَا رَأَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَ كَانَ لَهُ مَقْعَدٌ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَ الشَّيَاطِينُ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَلَمَّا رَأَوُا الْأَعَاجِيبَ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإِذَا هُمْ قَدْ حُجِبُوا مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا وَ رُمُوا بِالشُّهُبِ دَلَالَةً لِنُبُوَّتِهِ(ص)(2).
بيان بصرى بلد بالشام و إصطخر بالفارس معروف قوله(ع)و لقد رأت الملائكةَ أي الشياطين رأوهم.
12- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ وَ هُوَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ كَيْفَ تَجِدُونَ صِفَةَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)وَ هَلْ تَجِدُونَ لِعِتْرَتِهِ فَضْلًا فَالْتَفَتَ كَعْبٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ هَوَاهُ فَأَجْرَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِهِ فَقَالَ هَاتِ يَا أَبَا إِسْحَاقَ رَحِمَكَ اللَّهُ مَا عِنْدَكَ فَقَالَ كَعْبٌ إِنِّي قَدْ قَرَأْتُ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ كِتَاباً كُلُّهَا أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَ قَرَأْتُ صُحُفَ دَانِيَالَ كُلَّهَا وَ وَجَدْتُ فِي كُلِّهَا ذِكْرَ مَوْلِدِهِ وَ مَوْلِدِ عِتْرَتِهِ وَ إِنَّ اسْمَهُ لَمَعْرُوفٌ وَ إِنَّهُ لَمْ يُولَدْ نَبِيٌّ قَطُّ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا خَلَا عِيسَى وَ أَحْمَدَ(ص)وَ مَا ضُرِبَ عَلَى آدَمِيَّةٍ حُجُبُ الْجَنَّةِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَ آمِنَةَ أُمِّ أَحْمَدَ(ص)وَ مَا وُكِّلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأُنْثَى حَمَلَتْ غَيْرَ مَرْيَمَ أُمِّ الْمَسِيحِ(ع)وَ آمِنَةَ أُمِّ أَحْمَدَ(ص)وَ كَانَ مِنْ عَلَامَةِ حَمْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي حَمَلَتْ آمِنَةُ بِهِ ص
____________
(1) في المصدر: حدث.
(2) الاحتجاج: 118 و 119. و الحديث طويل أخرجه المصنّف في كتاب الاحتجاجات، راجع ج 10: 28- 49.
262
نَادَى مُنَادٍ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ أَبْشِرُوا فَقَدْ حَمَلَ اللَّيْلَةَ بِأَحْمَدَ وَ فِي الْأَرَضِينَ كَذَلِكَ حَتَّى فِي الْبُحُورِ وَ مَا بَقِيَ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ دَابَّةٌ تَدِبُّ وَ لَا طَائِرٌ يَطِيرُ إِلَّا عَلِمَ بِمَوْلِدِهِ وَ لَقَدْ بُنِيَ فِي الْجَنَّةِ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ رَطْبٍ فَقِيلَ هَذِهِ قُصُورُ الْوِلَادَةِ وَ نُجِّدَتِ (1) الْجِنَانُ وَ قِيلَ لَهَا اهْتَزِّي وَ تَزَيَّنِي فَإِنَّ نَبِيَّ أَوْلِيَائِكِ قَدْ وُلِدَ فَضَحِكَتِ الْجَنَّةُ يَوْمَئِذٍ فَهِيَ ضَاحِكَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ بَلَغَنِي أَنَّ حُوتاً (2) مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ طُمُوسَا وَ هُوَ سَيِّدُ الْحِيتَانِ لَهُ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ ذَنَبٍ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِهِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ ثَوْرٍ الْوَاحِدُ مِنْهَا أَكْبَرُ مِنَ الدُّنْيَا لِكُلِّ ثَوْرٍ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ قَرْنٍ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ لَا يَشْعُرُ بِهِنَّ اضْطَرَبَ فَرَحاً بِمَوْلِدِهِ وَ لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى ثَبَّتَهُ لَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَئِذٍ مَا بَقِيَ جَبَلٌ إِلَّا نَادَى صَاحِبَهُ بِالْبِشَارَةِ وَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَقَدْ خَضَعَتِ الْجِبَالُ كُلُّهَا لِأَبِي قُبَيْسٍ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ(ص)وَ لَقَدْ قَدَّسَتِ الْأَشْجَارُ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِأَنْوَاعِ أَفْنَانِهَا وَ ثِمَارِهَا فَرَحاً بِمَوْلِدِهِ(ص)وَ لَقَدْ ضُرِبَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ سَبْعُونَ عَمُوداً مِنْ أَنْوَاعِ الْأَنْوَارِ لَا يُشْبِهُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَ قَدْ بُشِّرَ آدَمُ(ع)بِمَوْلِدِهِ فَزِيدَ فِي حُسْنِهِ سَبْعِينَ صِنْفاً (3) وَ كَانَ قَدْ وَجَدَ مَرَارَةَ الْمَوْتِ وَ كَانَ قَدْ مَسَّهُ ذَلِكَ فَسُرِّيَ عَنْهُ ذَلِكَ وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْكَوْثَرَ اضْطَرَبَ فِي الْجَنَّةِ وَ اهْتَزَّ فَرَمَى بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفِ قَصْرٍ مِنْ قُصُورِ الدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ نُثَاراً لِمَوْلِدِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ لَقَدْ زُمَّ إِبْلِيسُ وَ كُبِلَ وَ أُلْقِيَ فِي الْحِصْنِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ غَرِقَ عَرْشُهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ لَقَدْ تَنَكَّسَتِ الْأَصْنَامُ كُلُّهَا وَ صَاحَتْ وَ وَلْوَلَتْ وَ لَقَدْ سَمِعُوا صَوْتاً مِنَ الْكَعْبَةِ يَا آلَ قُرَيْشٍ قَدْ جَاءَكُمُ الْبَشِيرُ جَاءَكُمُ النَّذِيرُ مَعَهُ الْعِزُّ الْأَبَدُ وَ الرِّبْحُ الْأَكْبَرُ وَ هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ نَجِدُ فِي الْكُتُبِ أَنَّ عِتْرَتَهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُ وَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ النَّاسُ فِي أَمَانٍ مِنَ الْعَذَابِ مَا دَامَ مِنْ عِتْرَتِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا
____________
(1) أي زينت.
(2) هذا من أعاجيب قصص كعب الاحبار و هو من رواة العامّة، يقول ذلك و لا يشعر بان ذلك الحوت الذي على ظهره سبعمائة ألف ثور الواحد منها أكبر من الدنيا يحتاج إلى مكان يكون أوسع من الدنيا بأضعاف كثيرة، فكيف يمكن أن يكون في بحر من الدنيا؟! ان قلت: إن مراده أنّه في بحر من الجنة، قلت: فما معنى لقوله: جعل عاليها سافلها؟!.
(3) ضعفا خ ل و هو الموجود في المصدر.
263
خَلْقٌ يَمْشِي فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ وَ مَنْ عِتْرَتُهُ قَالَ كَعْبٌ وُلْدُ فَاطِمَةَ فَعَبَسَ وَجْهُهُ وَ عَضَّ عَلَى شفييه [شَفَتَيْهِ وَ أَخَذَ يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ كَعْبٌ وَ إِنَّا نَجِدُ صِفَةَ الْفَرْخَيْنِ الْمُسْتَشْهَدَيْنِ وَ هُمَا فَرْخَا فَاطِمَةَ(ع)يَقْتُلُهُمَا شَرُّ الْبَرِيَّةِ قَالَ فَمَنْ يَقْتُلُهُمَا قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَامَ مُعَاوِيَةُ وَ قَالَ قُومُوا إِنْ شِئْتُمْ فَقُمْنَا (1).
بيان: التنجيد التزيين و الأفنان الأغصان و سري عنه الهم بالتشديد على بناء المفعول أي انكشف و الزمّ الشد و الكبل القيد الضخم يقال كبلت الأسير و كبلته.
13- مع، معاني الأخبار الدَّقَّاقُ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْفَارِسِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ رَحِمَهَا اللَّهُ جَاءَتْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ (رحمه الله) تُبَشِّرُهُ (2) بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ اصْبِرِي لِي سَبْتاً آتِيكِ بِمِثْلِهِ إِلَّا النُّبُوَّةَ وَ قَالَ السَّبْتُ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثَلَاثُونَ سَنَةً (3).
بيان: قال الجوهري و الفيروزآبادي السبت الدهر.
14- ك، إكمال الدين أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رُزْمَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ يَعْلَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ وَلَدِ جَرِيرِ (4) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَخْزُومِ بْنِ هَانِي عَنْ أَبِيهِ وَ أَتَتْ لَهُ مِائَةٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً قَالَ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ وُلِدَ (5) فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)ارْتَجَسَ إِيوَانُ كِسْرَى وَ سَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرْفَةً وَ غَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ وَ خَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَ لَمْ تَخْمُدْ قَبْلَ ذَلِكَ أَلْفَ سَنَةٍ وَ رَأَى الْمُوبَذَانُ إِبِلًا صِعَاباً تَقُودُ خَيْلًا عِرَاباً قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ (6)
____________
(1) الأمالي: 357 و 356.
(2) مبشرة خ ل.
(3) معاني الأخبار: 114.
(4) في المصدر: من ولد جرير.
(5) في المصدر: الليلة التي ولد.
(6) في المصدر: الدجلة.
264
وَ انْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى هَالَهُ مَا رَأَى فتصير [فَتَصَبَّرَ عَلَيْهَا (1) تَشَجُّعاً ثُمَّ رَأَى أَنْ لَا يُسَرَّ ذَلِكَ عَنْ وُزَرَائِهِ فَلَبِسَ تَاجَهُ وَ جَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ وَ جَمَعَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا رَأَى فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ كِتَابٌ بِخُمُودِ النَّارِ (2) فَازْدَادَ غَمّاً إِلَى غَمِّهِ فَقَالَ الْمُوبَذَانُ وَ أَنَا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ فِي الْإِبِلِ وَ الْخَيْلِ فَقَالَ أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذَا يَا مُوبَذَانُ وَ كَانَ أَعْلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ حَادِثٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ كِسْرَى الْمَلِكِ (3) إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَمَّا بَعْدُ فَتَوَجَّهْ (4) إِلَيَّ بِرَجُلٍ عَالِمٍ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِعَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ بْنِ تَغْلِبَةَ (5) الْغَسَّانِيِّ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ عِنْدَكَ (6) عِلْمُ مَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ قَالَ لِيَسْأَلْنِي الْمَلِكُ وَ يُخْبِرُنِي (7) فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ مِنْهُ وَ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ مَنْ يَعْلَمُهُ (8) فَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى فَقَالَ عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ خَالٍ لِي يَسْكُنُ بِمَشَارِفِ (9) الشَّارِمِ يُقَالُ لَهُ سَطِيحٌ قَالَ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ وَ أَخْبِرْنِي بِمَا يَرُدُّ عَلَيْكَ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَسِيحِ حَتَّى وَرَدَ عَلَى سَطِيحٍ وَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ حَيَّاهُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سَطِيحٌ جَوَاباً فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمَسِيحِ يَقُولُ
أَصَمَّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ (10)الْيَمَنِ* * * أَمْ فَازَ (11) فَازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ الْعَنَنِ
يَا فَاصِلَ الْخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ وَ مَنْ* * * وَ كَاشِفَ الْكُرْبَةِ فِي الْوَجْهِ الْغَضَنِ
____________
(1) هكذا في النسخة، و الصحيح: فتصبر عليها، و في المصدر: فتصبر عليها و هو مصحف. (2) في المصدر: نار فارس. (3) في المصدر: ملك الملوك. (4) في المصدر: فوجه. (5) نفيلة خ ل و هو الموجود في المصدر. (6) في المصدر: أ عندك. (7) في المصدر: أو ليخبرنى. (8) بمن يعلمه خ ل و هو الموجود في المصدر. (9) بمشارق خ ل. (10) الغطريف: السيّد الحسن. السرى. (11) فاد خ ل
265
أَتَاكَ شَيْخُ الْحَيِّ مِنْ آلِ سَنَنٍ (1)* * * وَ أُمُّهُ مِنْ آلِ ذِئْبِ بْنِ حَجَنٍ
أَزْرَقُ (2) ضَخْمِ النَّابِ صَرَّارُ الْأُذُنِ* * * أَبْيَضُ فَضْفَاضُ الرِّدَاءِ وَ الْبَدَنِ
رَسُولُ قَيْلِ الْعُجْمِ كِسْرَى لِلْوَسَنِ* * * لَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَ لَا رَيْبَ الزَّمَنِ
تَجُوبُ فِي (3) الْأَرْضِ عَلَنْدَاةٌ شَجَنٌ* * * تَرْفَعُنِي طَوْراً وَ تَهْوِي بِي دَجَنٌ
حَتَّى أَتَى عَارِي الْجَآجِئِ وَ الْقَطَنِ* * * تَلُفُّهُ فِي الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنِ
فَلَمَّا سَمِعَ سَطِيحٌ شِعْرَهُ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ عَلَى جَمِيلٍ يَسِيحُ إِلَى سَطِيحٍ وَ قَدْ أَوْفَى عَلَى الضَّرِيحِ (4) بَعَثَكَ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ لِارْتِجَاسِ الْإِيوَانِ (5) وَ خُمُودِ النِّيرَانِ وَ رُؤْيَا الْمُوبَذَانِ رَأَى إِبِلًا صِعَاباً تَقُودُ خَيْلًا عِرَاباً قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَ انْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا وَ غَاضَ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ فَقُلْ يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ إِذَا كَثُرَتِ التِّلَاوَةُ وَ بُعِثَ صَاحِبُ الْهِرَاوَةِ وَ فَاضَ وَادِي السَّمَاوَةِ وَ غَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ فَلَيْسَ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَاماً يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَ مَلِكَاتٌ عَلَى عَدَدِ الشُّرُفَاتِ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ ثُمَّ قَضَى سَطِيحٌ مَكَانَهُ فَنَهَضَ عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى رَحْلِهِ وَ هُوَ يَقُولُ
شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْعَزْمِ شِمِّيرٌ* * * لَا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَ تَغْيِيرٌ
إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ* * * فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ
وَ رُبَّمَا كَانَ قَدْ أصخو (6) [أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ* * * تَهَابُ صَوْلَهُمُ (7) الْأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ
فِيهِمْ أَخُو الصَّرْحِ بَهْرَامُ وَ إِخْوَتُهُ* * * وَ الْهُرْمُزَانُ وَ سَابُورُ وَ سَابُورُ
وَ النَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا* * * أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَ مَهْجُورٌ
وَ هُمْ بَنُو الْأُمِّ إِمَّا (8) إِنْ رَأَوْا نَشَباً* * * فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَ مَنْصُورٌ
____________
(1) في تاريخ اليعقوبي: من آل يزن. و في المصدر: من آل ستن. (2) في المصدر: أورق. (3) في المصدر: تجوب في الأرض. (4) في تاريخ اليعقوبي: على جمل مشيح، نحو سطيح، حين أشفى على الضريح. (5) في تاريخ اليعقوبي: لهدم الايوان. (6) هكذا في النسخة و المصدر. و لعله مصحف أضحوا، كما في نسختنا المخطوطة من المصدر. (7) في المصدر: صولتهم. (8) لما خ ل
266
وَ الْخَيْرُ وَ الشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ* * * -وَ الْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَ الشَّرُّ مَحْذُورٌ
قَالَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى كِسْرَى أَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ سَطِيحٌ فَقَالَ إِلَى أَنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكاً قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ قَالَ فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ وَ مَلَكَ الْبَاقُونَ إِلَى إِمَارَةِ عُثْمَانَ وَ كَانَ سَطِيحٌ وُلِدَ فِي سَيْلِ الْعَرِمِ فَعَاشَ إِلَى مُلْكِ ذِي نُوَاسٍ وَ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ قَرْناً وَ كَانَ مَسْكَنُهُ بِالْبَحْرَيْنِ فَتَزْعُمُ عَبْدُ الْقَيْسِ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَ تَزْعُمُ الْأَزْدُ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ قَالُوا إِنَّهُ مِنَ الْأَزْدِ وَ لَا يُدْرَى مِمَّنْ هُوَ غَيْرُ أَنَّ عَقِبَهُ يَقُولُونَ نَحْنُ مِنَ الْأَزْدِ (1).
إيضاح قال في النهاية المشارف القرى التي تقرب من المدن و قيل القرى التي بين بلاد الريف و جزيرة العرب قيل لها ذلك لأنها أشرفت على السواد و الغطريف بالكسر السيد و قال الجزري فاز يفوز فوزا مات و قال يردى بالدال بمعناه و قال ازلمّ أي ذهب مسرعا و أصله ازلأم فحذفت الهمزة تخفيفا و الشأو السبق و الغاية و العنن الاعتراض و شأو العنن اعتراض الموت و سبقه و قيل ازلم قبض و العنن الموت أي عرض له الموت فقبضه قوله يا فاصل الخطة الفاصل المبين الحاكم و الخطة بضم الخاء و تشديد الطاء الخطب و الأمر و الحال أي يا من يبين و يظهر أمورا أعيت و أعجزت من و من أي جماعة كثيرة قال في الفائق أراد أن تلك الخطة لصعوبتها أعجزت من الحكماء و البصراء من جل قدره فحذفت الصلة كما حذفت في قولهم بعد اللتيا و التي إيذانا بأن ذلك مما تقصر العبارة عنه لعظمه.
و قال الجزري الوجه الغضن هو الوجه الذي فيه تكسر و تجعد من شدة الهم و الكرب الذي نزل به و الأزرق صفة البعير و لونه و في بعض الكتب أورق و هو أيضا لون و في بعضها أصك أي الذي يصطك قدماه.
قوله ضخم الناب في بعض الروايات مهم الناب قيل أي تام السن و قال الجزري في حديث سطيح أزرق مهم الناب صرار الأذن أي حديد الناب قال الأزهري هكذا روي و أظنه مهو الناب بالواو يقال سيف مهو أي حديد ماض
____________
(1) كمال الدين: 112 و 113. و أخرج اليعقوبي مثله مختصرا في التاريخ 2: 4 و 5.
267
و أورده الزمخشري ممهي الناب و قال الممهي المحدد من أمهيت الحديدة إذا حددتها شبه بعيره بالنمر لزرقة عينيه و سرعة سيره و قال صر أذنه و صررها سواها و نصبها و الأصوب كون هذا المصرع بعد ذلك في سياق ذكر البعير كما في سائر الكتب فإنه فيها بعد قوله و القطن.
و الفضفاض الواسع و البدن الدرع قال الجزري يريد به كثرة العطاء و قال غيره كناية عن سعة الصدر و القيل بالفتح الملك.
قوله للوسن أي لشأن الرؤيا التي رآها الملك و في بعض النسخ يسري بدل كسرى أي يجري لا يرهب الرعد في بعض الروايات لا يرهب الدهر و تجوب أي تقطع و العلنداة الناقة الصلبة القوية و الشجن بالتحريك الناقة المتداخلة الخلق كأنها شجرة متشجنة أي متصلة الأغصان و في بعض الروايات شزن أي تمشي من نشاطها على جانب و شزن فلان إذا نشط و قيل الشزن الذي أعيا من الجفاء و قيل الغليظ المرتفع كأنه مصدر أي ذات شجن و يقال بات فلان على شزن أي على قلق يتقلب من جنب إلى جنب و أشزان الخيل ضروب نشاطها.
قوله ترفعني طورا في الفائق و النهاية و غيرهما ترفعني وجنا و تهوي بي وجن.
و في بعض الكتب وجناء تهوي من وجن و الوجن و الوجن جمع الوجين و هو الأرض الغليظة و الوجناء الناقة الشديدة أي لم تزل الناقة التي هذه صفتها ترفعني مرة في الأرض بهذه الصفة و تخفضني أخرى و في أكثر نسخ الكتاب دجن بالدال المهملة و الدجنة الظلمة و لعله تصحيف و الجآجي جمع الجؤجؤ و هو الصدر و القطن بالتحريك ما بين الوركين يعني أن السير قد هزلها و ذهب بلحمها و في بعض الروايات عالي الجآجي و هو قريب من العاري لأن العظم إذا عري عن اللحم يرى مرتفعا عاليا و البوغاء التراب الناعم و الدمن بكسر الدال و فتح الميم ما تجمع و تلبد منه قال الجزري كأنه من المقلوب تقديره تلفه الريح في بوغاء الدمن و تشهد له الرواية الأخرى
268
تلفه الريح ببوغاء الدمن.
و في الفائق و النهاية و غيرها بعدها كأنما حثحث من حضني تكن. (1)
حثحث أسرع و حث و الحضن الجانب و تكن اسم جبل حجازي و المعنى أن من كثرة التراب و الغبار الذي أصابه في سرعة سيره كأنما أعجل من هذا الموضع الذي اجتمع فيه التراب الكثير.
قوله على جمل يسيح في سائر الكتب على جمل مشيح جاء إلى سطيح و المشيح بضم الميم و الحاء المهملة الجاد المسرع و قد أوفى أي أشرف و الضريح القبر أي قرب أن يدخل القبر.
قوله إذا كثرت التلاوة أي تلاوة القرآن و الهراوة العصا و صاحب الهراوة النبي(ص)لأنه كان يأخذ العنزة (2) بيده و يصلي إليها.
قوله فليس الشام لسطيح شاما أي لم يبق حينئذ سطيح أو يتغير أحوال الشام و في بعض الروايات بعد قوله على عدد الشرفات ثم تكون هنات و هنات أي شدائد و أمور عظام و الشمير الشديد التشمير.
قوله تفريق و تغيير في بعض الروايات تشريد و تغرير.
قوله أفرطهم على صيغة الماضي أي تركهم و زال عنهم و الأطوار الحالات.
قوله دهارير قال الجزري حكى الهروي عن الأزهري أن الدهارير جمع الدهور أراد أن الدهر ذو حالتين من بؤس و نعم و قال الجوهري يقال دهر دهارير أي شديد كقولهم يوم أيوم و قال الزمخشري الدهارير تصاريف الدهر و نوائبه مشتق من لفظ الدهر ليس له واحد من لفظه كعباديد و المهاصير جمع المهصار و هو الشديد الذي يفترس و الصرح القصر قوله أولاد علات أي من أمهات شتى كناية عن عدم الألفة و المحبة بينهم قوله أن قد أقل أي افتقر و قل ما في يده.
____________
(1) المصرع موجود في المصدر و لكن فيه: من حضنى حصن.
(2) العنزة: شبيه العكازة لها زج من أسفلها.
269
قوله و هم بنو الأم أي يعطف بعضهم على بعض كما هو شأن أولاد أم واحدة و النشب بالتحريك المال و العقار و كلمة إما زائدة و في بعض النسخ لما و هو أظهر.
15- ك، إكمال الدين أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ يَرْفَعُهُ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ زَوَّجَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ الزُّهْرِيِّ فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا (1) حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا حَمَلْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)لَمْ أَشْعُرْ بِالْحَمْلِ وَ لَمْ يُصِبْنِي مَا يُصِيبُ النِّسَاءَ مِنْ ثِقَلِ الْحَمْلِ وَ رَأَيْتُ فِي نَوْمِي كَأَنَّ آتِياً أَتَانِي وَ قَالَ لِي قَدْ حَمَلْتِ بِخَيْرِ الْأَنَامِ فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الْوِلَادَةِ خَفَّ ذَلِكَ عَلَيَّ حَتَّى وَضَعْتُهُ(ص)وَ هُوَ يَتَّقِي الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ (2) وَ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ وَضَعْتِ خَيْرَ الْبَشَرِ فَعَوِّذِيهِ بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ بَاغٍ وَ حَاسِدٍ فَوَلَدْتُ (3) رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَامَ الْفِيلِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَقَالَتْ آمِنَةُ لَمَّا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ اتَّقَى الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَ رُكْبَتَيْهِ وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ رُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بِالنُّجُومِ وَ حُجِبُوا عَنِ السَّمَاءِ وَ رَأَتْ قُرَيْشٌ الشُّهُبَ وَ النُّجُومَ تَسِيرُ فِي السَّمَاءِ فَفَزِعُوا لِذَلِكَ وَ قَالُوا هَذَا قِيَامُ السَّاعَةِ وَ اجْتَمَعُوا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً مُجَرَّباً فَقَالَ انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا (4) فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ فَإِنْ كَانَتْ قَدْ زَالَتْ فَهُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ وَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ ثَابِتَةً فَهُوَ لِأَمْرٍ قَدْ حَدَثَ وَ أَبْصَرَتِ الشَّيَاطِينُ ذَلِكَ فَاجْتَمَعُوا إِلَى إِبْلِيسَ فَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ قَدْ مُنِعُوا مِنَ السَّمَاءِ وَ رُمُوا بِالشُّهُبِ فَقَالَ اطْلُبُوا فَإِنَّ أَمْراً قَدْ حَدَثَ فَجَالُوا فِي الدُّنْيَا وَ رَجَعُوا فَقَالُوا لَمْ نَرَ شَيْئاً فَقَالَ أَنَا لِهَذَا فَخَرَقَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَانْتَهَى (5) إِلَى الْحَرَمِ
____________
(1) في المصدر: فلما تزوج بها.
(2) في المصدر: بيده و ركبتيه.
(3) في المصدر: فولد. و فيه: لاثنتى عشر ليلة مضت.
(4) في المصدر: تهتدوا بها.
(5) في المصدر: فلما انتهى.
270
فَوَجَدَ الْحَرَمَ مَحْفُوفاً بِالْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ صَاحَ بِهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ اخْسَأْ يَا مَلْعُونُ فَجَاءَ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ فَصَارَ مِثْلَ الصِّرِّ قَالَ يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذَا قَالَ هَذَا نَبِيٌّ قَدْ وُلِدَ وَ هُوَ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ هَلْ لِي فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ لَا قَالَ فَفِي أُمَّتِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ قَدْ رَضِيتُ قَالَ وَ كَانَ بِمَكَّةَ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ فَلَمَّا رَأَى النُّجُومَ يُقْذَفُ بِهَا وَ تَتَحَرَّكُ قَالَ هَذَا نَبِيٌّ قَدْ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَ هُوَ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ إِذَا وُلِدَ وَ هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ رُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ وَ حُجِبُوا عَنِ السَّمَاءِ فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى نَادِي (1) قُرَيْشٍ وَ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فيكه [فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ قَالُوا لَا قَالَ أَخْطَأَكُمْ (2) وَ التَّوْرَاةِ وُلِدَ إِذاً بِفِلَسْطِينَ وَ هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَفْضَلُهُمْ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ أَخْبَرَ كُلُّ رَجُلٍ أَهْلَهُ بِمَا قَالَ الْيَهُودِيُّ فَقَالُوا لَقَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنٌ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ يُوسُفَ الْيَهُودِيَّ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَكُمْ أَوْ بَعْدَهُ فَقَالُوا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ فَاعْرِضُوهُ عَلَيَّ فَمَشَوْا إِلَى بَابِ آمِنَةَ (3) فَقَالُوا أَخْرِجِي ابْنَكِ يَنْظُرْ إِلَيْهِ هَذَا الْيَهُودِيُّ فَأَخْرَجَتْهُ فِي قِمَاطِهِ فَنَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ وَ كَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَرَأَى شَامَةً سَوْدَاءَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَتَعَجَّبَتْ مِنْهُ قُرَيْشٌ وَ ضَحِكُوا (4) فَقَالَ أَ تَضْحَكُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا نَبِيُّ السَّيْفِ لَيُبِيرَنَّكُمْ (5) وَ قَدْ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِمَا أَخْبَرَ الْيَهُودِيُّ وَ نَشَأَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْيَوْمَ كَمَا يَنْشَأُ (6) غَيْرُهُ فِي الْجُمْعَةِ وَ يَنْشَأُ فِي الْجُمْعَةِ كَمَا يَنْشَأُ (7) غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ (8).
____________
(1) النادى: المجلس.
(2) أخطأتم خ ل و هو الموجود في المصدر. و المعنى أي صرف عنكم هذا المولود العظيم إلى غيركم.
(3) في المصدر: إلى باب بيت آمنة.
(4) في المصدر المطبوع: و ضحكوا عليه، و في المخطوط: و ضحكوا منه.
(5) أي ليهلكنكم، و في المصدر: ليبترنكم أي ليصيرنكم أبترا، و الابتر: المقطوع. من لا عقب له.
(6) في المصدر: ينشؤ، و كلاهما صحيح.
(7) في المصدر: ينشؤ، و كلاهما صحيح.
(8) كمال الدين: 113 و 114، و أورد اليعقوبي مختصره في تاريخه 2: 5.
271
فس، تفسير القمي روي عن آمنة أم النبي(ص)أنها قالت لما حملت برسول الله(ص)لم أشعر بالحمل و ساق الحديث إلى آخره بأدنى تغيير في اللفظ و الترتيب و لم يذكر فيه التاريخ (1).
16- يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ إِبْلِيسُ الْأَبَالِسَةِ قَدْ أَنْكَرْتُ اللَّيْلَةَ الْأَرْضَ فَصَاحَ فِي الْأَبَالِسَةِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ اخْرُجُوا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَدَثَ فَذَهَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا وَ قَالُوا مَا وَجَدْنَا شَيْئاً قَالَ أَنَا لَهَا ثُمَّ ضَرَبَ بِذَنَبِهِ عَلَى قَذَالِهِ ثُمَّ اغْتَمَسَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ فَوَجَدَهُ مُنْطَبِقاً بِالْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ لِيَدْخُلَ فَصَاحَ بِهِ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ وَرَاءَكَ فَقَالَ حَرْفٌ أَسْأَلُكَ عَنْهُ أَ لِيَ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ لَا قَالَ فِي أُمَّتِهِ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ أَ وُلِدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ اللَّيْلَةَ قَالُوا لَا قَالَ فَوُلِدَ إِذاً بِفِلَسْطِينَ غُلَامٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ بِهِ شَامَةٌ كَلَوْنِ الْخَزِّ الْأَدْكَنِ فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ فَبَلَغَهُمْ أَنَّهُ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ قَالُوا فَطَلَبْنَاهُ وَ قُلْنَا لَهُ إِنَّهُ وُلِدَ فِينَا غُلَامٌ قَالَ قَبْلَ أَنْ قُلْتُ لَكُمْ أَوْ بَعْدَهُ قَالُوا قَبْلُ قَالَ فَانْطَلِقُوا بِنَا نَنْظُرْ إِلَيْهِ فَانْطَلَقُوا فَقَالُوا لِأُمِّهِ أَخْرِجِي ابْنَكِ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَتْ إِنَّ ابْنِي وَ اللَّهِ لَقَدْ سَقَطَ فَمَا سَقَطَ كَمَا تَسْقُطُ الصِّبْيَانُ لَقَدِ اتَّقَى الْأَرْضَ بِيَدِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ بُصْرَى وَ سَمِعْتُ هَاتِفاً يَقُولُ قَدْ وَلَدْتِهِ سَيِّدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِذَا وَضَعْتِهِ فَقُولِي
أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ* * * مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ
وَ كُلِّ خَلْقٍ مَارِدٍ* * * يَأْخُذُ بِالْمَرَاصِدِ
فِي طُرُقِ الْمَوَارِدِ* * * مِنْ قَائِمٍ وَ قَاعِدٍ
وَ سَمِّيهِ مُحَمَّداً فَأَخْرَجَتْهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَ إِلَى الشَّامَةِ الَّتِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَخَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَأَخَذُوا الْغُلَامَ وَ رَدُّوهُ إِلَى أُمِّهِ وَ قَالُوا بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَتْ لَهُ مَا لَكَ قَالَ ذَهَبَتْ نُبُوَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا وَ اللَّهِ الْغُلَامُ الَّذِي يُبِيرُهُمْ ثُمَّ قَالَ لِقُرَيْشٍ أَ فَرِحْتُمْ أَمَا وَ اللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَكَانَ
____________
(1) تفسير القمّيّ: 349 و 350.
272
أَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ إِنَّمَا يَسْطُو بِمُضَرَ وَ أُتِيَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَهُ وَ وَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ فَقَالَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي* * * هَذَا الْغُلَامَ الطَّيِّبَ الْأَرْدَانِ
قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ (1)
.
بيان: قال الفيروزآبادي القذال كسحاب جماع مؤخر الرأس و مقعد العذار من الفرس خلف الناصية و قال الدكنة بالضم لون إلى السواد.
17- قب، المناقب لابن شهرآشوب أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ رَفَعَهُ بِإِسْنَادِهِ قَالَتْ آمِنَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا قَرُبَتْ وِلَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)رَأَيْتُ جَنَاحَ طَائِرٍ أَبْيَضَ قَدْ مَسَحَ عَلَى فُؤَادِي فَذَهَبَ الرُّعْبُ عَنِّي وَ أُتِيتُ بِشَرْبَةٍ بَيْضَاءَ وَ كُنْتُ عَطْشَى فَشَرِبْتُهَا فَأَصَابَنِي نُورٌ عَالٍ ثُمَّ رَأَيْتُ نِسْوَةً كَالنَّخْلِ طِوَالًا تُحَدِّثُنِي وَ سَمِعْتُ كَلَاماً لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى رَأَيْتُ كَالدِّيبَاجِ الْأَبْيَضِ قَدْ مَلَأَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ قَائِلٌ يَقُولُ خُذُوهُ مِنْ أَعَزِّ النَّاسِ وَ رَأَيْتُ رِجَالًا وُقُوفاً فِي الْهَوَاءِ بِأَيْدِيهِمْ أَبَارِيقُ وَ رَأَيْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ رَأَيْتُ عَلَماً مِنْ سُنْدُسٍ عَلَى قَضِيبٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ قَدْ ضُرِبَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فِي ظَهْرِ الْكَعْبَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَافِعاً إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ رَأَيْتُ سَحَابَةً بَيْضَاءَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى غَشِيَتْهُ فَسَمِعْتُ نِدَاءً طُوفُوا بِمُحَمَّدٍ شَرْقَ الْأَرْضِ وَ غَرْبَهَا وَ الْبِحَارَ لِتُعَرِّفُوهُ بِاسْمِهِ وَ نَعْتِهِ وَ صُورَتِهِ ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهُ الْغَمَامَةُ فَإِذَا أَنَا بِهِ فِي ثَوْبٍ أَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ وَ تَحْتَهُ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ وَ قَدْ قُبِضَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَفَاتِيحَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ وَ قَائِلٌ يَقُولُ قُبِضَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَفَاتِيحِ النُّصْرَةِ وَ الرِّيحِ (2) وَ النُّبُوَّةِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ سَحَابَةٌ أُخْرَى فَغَيَّبَتْهُ عَنْ وَجْهِي أَطْوَلَ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَ سَمِعْتُ نِدَاءً طُوفُوا بِمُحَمَّدٍ الشَّرْقَ وَ الْغَرْبَ وَ اعْرِضُوهُ عَلَى رُوحَانِيِّ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ وَ السِّبَاعِ وَ أَعْطُوهُ صَفَاءَ آدَمَ وَ رِقَّةَ نُوحٍ وَ خُلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَ لِسَانَ إِسْمَاعِيلَ وَ كَمَالَ يُوسُفَ وَ بُشْرَى يَعْقُوبَ وَ صَوْتَ دَاوُدَ وَ زُهْدَ يَحْيَى وَ كَرَمَ عِيسَى ثُمَّ انْكَشَفَ عَنْهُ فَإِذَا أَنَا بِهِ وَ بِيَدِهِ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ قَدْ طُوِيَتْ طَيّاً شَدِيداً وَ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهَا وَ قَائِلٌ يَقُولُ قَدْ قُبِضَ مُحَمَّدٌ عَلَى الدُّنْيَا كُلِّهَا فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا دَخَلَ فِي قَبْضَتِهِ ثُمَّ إِنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ
____________
(1) لم نجده في الخرائج، و ذكرنا آنفا أن الظاهر اختلاف نسخة المطبوعة مع نسخة المصنّف.
(2) الربح خ ل و كذا في المصدر.
273
تَطْلُعُ مِنْ وُجُوهِهِمْ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ وَ نَافِجَةُ (1) مِسْكٍ وَ فِي يَدِ الثَّانِي طَسْتٌ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ لَهَا أَرْبَعُ جَوَانِبَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لُؤْلُؤَةٌ بَيْضَاءُ وَ قَائِلٌ يَقُولُ هَذِهِ الدُّنْيَا فَاقْبِضْ عَلَيْهَا يَا حَبِيبَ اللَّهِ فَقَبَضَ عَلَى وَسَطِهَا وَ قَائِلٌ يَقُولُ قُبِضَ الْكَعْبَةُ وَ فِي يَدِ الثَّالِثِ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ مَطْوِيَّةٌ فَنَشَرَهَا فَأَخْرَجَ مِنْهَا خَاتَماً تَحَارُ (2) أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ فِيهِ فَغَسَلَ بِذَلِكَ الْمَاءِ مِنَ الْإِبْرِيقِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ ضَرَبَ الْخَاتَمَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَ تَفَلَ فِي فِيهِ فَاسْتَنْطَقَهُ فَنَطَقَ فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَالَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي أَمَانِ اللَّهِ وَ حِفْظِهِ وَ كِلَاءَتِهِ قَدْ حَشَوْتُ قَلْبَكَ إِيمَاناً وَ عِلْماً وَ يَقِيناً وَ عَقْلًا وَ شَجَاعَةً أَنْتَ خَيْرُ الْبَشَرِ طُوبَى لِمَنِ اتَّبَعَكَ وَ وَيْلٌ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْكَ ثُمَّ أُدْخِلَ بَيْنَ أَجْنِحَتِهِمْ سَاعَةً وَ كَانَ الْفَاعِلُ بِهِ هَذَا رِضْوَانَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَ جَعَلَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَ يَقُولُ أَبْشِرْ يَا عِزَّ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (3) وَ رَأَيْتُ نُوراً يَسْطَعُ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاءَ وَ رَأَيْتُ قُصُورَ الشَّامَاتِ كَأَنَّهَا شُعْلَةُ نَارٍ نُوراً وَ رَأَيْتُ حَوْلِي مِنَ الْقَطَا (4) أَمْراً عَظِيماً قَدْ نُشِرَتْ أَجْنِحَتُهَا (5).
18- قب، المناقب لابن شهرآشوب الْمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ فُتِحَ لِآمِنَةَ بَيَاضُ فَارِسَ (6) وَ قُصُورُ الشَّامِ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ ضَاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً فَأَعْلَمَتْهُ مَا قَالَتْهُ آمِنَةُ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ وَ تَتَعَجَّبِينَ مِنْ هَذَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَ تَلِدِينَ بِوَصِيِّهِ وَ وَزِيرِهِ (7).
19- قب، المناقب لابن شهرآشوب قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَمَّا انْتَصَفَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ إِذَا أَنَا بِبَيْتِ اللَّهِ قَدِ اشْتَمَلَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ وَ خَرَّ سَاجِداً فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ اسْتَوَى الْبَيْتُ مُنَادِياً اللَّهُ أَكْبَرُ رَبُّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى
____________
(1) النافجة: وعاء المسك.
(2) تحار: تحير، حورت العين: اشتد بياض بيضها و سواد سوادها فهي حوراء، و صاحبها أحور.
(3) في المصدر: فأبشر بعز الدنيا و الآخرة.
(4) القطا جمع القطاة: طائر في حجم الحمام.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 20 و 21.
(6) المراد: القصور البيض من إصطخر كما تقدم.
(7) مناقب آل أبي طالب 1: 23.
274
الْآنَ قَدْ طَهَّرَنِي رَبِّي مِنْ أَنْجَاسِ الْمُشْرِكِينَ وَ أَرْجَاسِ الْكَافِرِينَ ثُمَّ انْتَقَضَتِ الْأَصْنَامُ وَ خَرَّتْ عَلَى وُجُوهِهَا وَ إِذَا أَنَا بِطَيْرِ الْأَرْضِ حَاشِرَةً إِلَيْهَا وَ إِذَا جِبَالُ مَكَّةَ مُشْرِفَةٌ عَلَيْهَا وَ إِذَا بِسَحَابَةٍ بَيْضَاءَ بِإِزَاءِ حُجْرَتِهَا فَأَتَيْتُهَا وَ قُلْتُ أَنَا نَائِمٌ أَوْ يَقْظَانُ قَالَتْ بَلْ يَقْظَانُ قُلْتُ فَأَيْنَ نُورُ جَبْهَتِكِ قَالَتْ قَدْ وَضَعْتُهُ وَ هَذِهِ الطَّيْرُ تُنَازِعُنِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْهَا فَتَحْمِلَهُ إِلَى أَعْشَاشِهَا (1) وَ هَذِهِ السَّحَابُ تُظِلُّنِي لِذَلِكَ (2) قُلْتُ فَهَاتِيهِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ قَالَتْ حِيلَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَسَلَلْتُ سَيْفِي وَ قُلْتُ لَتُخْرِجِنَّهُ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ قَالَتْ شَأْنُكَ وَ إِيَّاهُ فَلَمَّا هَمَمْتُ أَنْ أَلِجَ الْبَيْتَ بَدَرَ (3) إِلَيَّ مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ رَجُلٌ وَ قَالَ لِي ارْجِعْ وَرَاكَ فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنْ وُلْدِ آدَمَ إِلَى رُؤْيَتِهِ أَوْ أَنْ تَنْقَضِيَ زِيَارَةُ الْمَلَائِكَةِ فَارْتَعَدْتُ وَ خَرَجْتُ (4).
20- قب، المناقب لابن شهرآشوب عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ: لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أُلْقِيَتِ الْأَصْنَامُ فِي الْكَعْبَةِ عَلَى وُجُوهِهَا فَلَمَّا أَمْسَى سُمِعَ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
وَ وَرَدَ أَنَّهُ أَضَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ جَمِيعُ الدُّنْيَا وَ ضَحِكَ كُلُّ حَجَرٍ وَ مَدَرٍ وَ شَجَرٍ وَ سَبَّحَ كُلُّ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ انْهَزَمَ الشَّيْطَانُ وَ هُوَ يَقُولُ خَيْرُ الْأُمَمِ وَ خَيْرُ الْخَلْقِ وَ أَكْرَمُ الْعَبِيدِ وَ أَعْظَمُ الْعَالَمِ مُحَمَّدٌ(ص)(5).
21- قب، المناقب لابن شهرآشوب مِنْ إِبَانَةِ ابْنِ بَطَّةَ (6) قَالَ: وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)مَخْتُوناً مَسْرُوراً فَحُكِيَ ذَلِكَ عِنْدَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ (7).
22- قب، المناقب لابن شهرآشوب قَالَ الْمَأْمُونُ لِلْحَكِيمِ إِيزَدْخَواهَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَمَّا صَحَّحَ عِنْدَهُ أَحْكَاماً لِمَ
____________
(1) الاعشاش جمع العش بالفتح و الضم: موضع الطائر.
(2) في المصدر: و هذه السحاب تسألنى كذلك.
(3) أي أسرع إلى.
(4) مناقب آل أبي طالب: 21.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 22 و 23.
(6) أي من كتاب إبانة لابن بطة.
(7) مناقب آل أبي طالب 1: 23.
275
لَا تُؤْمِنُ بِنَبِيِّنَا وَ أَنْتَ بِهَذَا الْمَحَلِّ مِنَ الْعِلْمِ وَ الْكِيَاسَةِ فَقَالَ كَيْفَ أُومِنُ وَ أُصَدِّقُ كَاذِباً وَ أَنَا أَعْلَمُ كَذِبَهُ وَ النَّبِيُّ لَا يَكْذِبُ فَقَالَ الْمَأْمُونُ كَيْفَ قَالَ قَوْلُهُ أَنَا آخِرُ نَبِيٍّ وَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ لَا يَكُونُ بَعْدِي نَبِيٌّ أَبَداً وَ هُوَ الَّذِي (1) قَالَ فِي عِلْمِي كَذِبٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ وُلِدَ بِالطَّالِعِ الَّذِي لَوْ وُلِدَ فِيهِ مَوْلُودٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَبِيّاً (2) فَظَهَرَ لِي بِهَذَا كَذِبُهُ إِذْ قَالَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَكَيْفَ أُومِنُ بِهِ وَ أُصَدِّقُهُ فَخَجِلَ الْمَأْمُونُ مِنْ ذَلِكَ وَ تَحَيَّرَ الْفُقَهَاءُ فَقَالَ مُتَكَلِّمٌ مِنْ هَاهُنَا قُلْنَا إِنَّهُ صَادِقٌ وَ إِنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْحُكَمَاءَ كُلَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ نَجْمَهُ(ص)كَانَ الْمُشْتَرِيَ وَ عُطَارِدَ وَ الزُّهَرَةَ وَ الْمِرِّيخَ وَ لَا يُولَدُ بِهَا وَلَدٌ إِلَّا وَ يَمُوتُ مِنْ سَاعَتِهِ وَ إِنْ عَاشَ فَيَمُوتُ لَا مَحَالَةَ وَ لَا يُجَاوِزُ يَوْمَ السَّابِعِ وَ هُوَ قَدْ عَاشَ وَ بَقِيَ ثَلَاثاً وَ سِتِّينَ سَنَةً فَصَحَّ أَنَّهُ آيَةٌ وَ قَدْ أَتَى مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ بِمَا لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَ لَا بَعْدَهُ فَأَقَرَّ إِيزَدْخَواهُ وَ أَسْلَمَ فَسُمِّيَ مَا شَاءَ اللَّهُ الْحَكِيمَ فَمِنْ نَظَرِ الْمُشْتَرِي لَهُ الْعِلْمُ وَ الْحِكْمَةُ وَ الْفِطْنَةُ وَ السِّيَاسَةُ وَ الرِّئَاسَةُ وَ مِنْ نَظَرِ عُطَارِدَ اللَّطَافَةُ وَ الظَّرَافَةُ وَ الْمَلَاحَةُ وَ الْفَصَاحَةُ وَ الْحَلَاوَةُ وَ مِنْ نَظَرِ الزُّهَرَةِ الصَّبَاحَةُ وَ الْهَشَاشَةُ (3) وَ الْبَشَاشَةُ وَ الْحُسْنُ وَ الطِّيبُ وَ الْجَمَالُ وَ الْبَهَاءُ وَ الْغُنْجُ وَ الدَّلَالُ وَ مِنْ نَظَرِ الْمِرِّيخِ السَّيْفُ وَ الْجَلَادَةُ وَ الْقِتَالُ وَ الْقَهْرُ وَ الْغَلَبَةُ وَ الْمُحَارَبَةُ فَجَمَعَ اللَّهُ فِيهِ جَمِيعَ الْمَدَائِحِ وَ قَالَ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ مَوَالِدُ الْأَنْبِيَاءِ السُّنْبُلَةُ وَ الْمِيزَانُ وَ كَانَ طَالِعُ النَّبِيِّ(ص)الْمِيزَانَ وَ قَالَ(ص)وُلِدْتُ بِالسِّمَاكِ وَ فِي حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ أَنَّهُ السِّمَاكُ (4) الرَّامِحُ (5).
23 قب، المناقب لابن شهرآشوب حملت به أمه في أيام التشريق عند جمرة العقبة الوسطى في منزل
____________
(1) في المصدر: و هذا الذي قال.
(2) أراد: و لم يظهر دليل على أنّه لا يلد مولود بعد بهذا الطالع، فيمكن أن يولد فيكون نبيا، فكيف يقول بتّاً: لا نبى بعده؟.
(3) الهشاشة: الارتياح و النشاط.
(4) السماك الرامح: نجم نير، و يقال له: الرامح لان أمامه كوكبا صغيرا يقال له: راية السماك و رمحه، بخلاف السماك الاغزل، فانه ليس أمامه شيء.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 94 و 95.
276
عبد الله بن عبد المطلب و ولد بمكة عند طلوع الفجر من يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول بعد خمس و خمسين يوما من هلاك أصحاب الفيل و قالت العامة يوم الإثنين الثاني (1) أو العاشر منه لسبع بقين من ملك أنوشيروان و يقال في ملك هرمز لثمان سنين و ثمانية أشهر مضت من ملك عمرو بن هند ملك العرب و وافق شهر الروم العشرين من شباط في السنة الثانية من ملك هرمز بن أنوشيروان (2) و الأول هو الصحيح لقوله ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان قال الكليني في شعب أبي طالب في دار محمد بن يوسف في الزاوية القصوى عن يسارك و أنت داخل الدار و قال الطبري في بيت من الدار التي تعرف اليوم بدار يوسف (3) و هو أخو الحجاج بن يوسف و كان قد اشتراها من عقيل و أدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته خيزران و اتخذته مسجدا يصلى فيه (4) الزهرة عن أبي عبد الله الطرابلسي البيت الذي ولد فيه رسول الله في دار محمد بن يوسف (5).
24- نجم، كتاب النجوم حَدَّثَنَا (6) ابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ كَانَ مِنْ حَدِيثِ كِسْرَى كَمَا حَدَّثَنِي (7) بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِي عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ كَانَ سَكَرَ (8) دِجْلَةَ
____________
(1) في المصدر: الثامن.
(2) في المصدر هنا زيادة هى: و ذكر الطبريّ أن مولده كان لاثنتين و أربعين سنة من ملك أنوشيروان، و هو الصحيح إه.
(3) هكذا في النسخة و غيرها، و في المصدر: محمّد بن يوسف و هو الصحيح.
(4) في المصدر: يصلى فيه الناس.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 118 و 119.
(6) اخرج ابن طاوس ذلك عن تاريخ الطبريّ، فالقائل لقوله: حدّثنا هو الطبريّ.
(7) في المصدر: ما حدّثني.
(8) في المصدر: إن كسرى كان سكر دجلة العوراء اه و تقدم الكلام في ضبط العوراء عن المصنّف.
277
الْغَوْرَاءَ وَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا يُدْرَى مَا هُوَ وَ كَانَ طَاقُ مَجْلِسِهِ قَدْ بَنَى بُنْيَاناً لَمْ يُرَ مِثْلُهُ وَ كَانَ يُعَلِّقُ بِهِ تَاجَهُ فَيَجْلِسُ فِيهِ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ وَ كَانَ عِنْدَهُ سِتُّونَ وَ ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ بَيْنِ كَاهِنٍ وَ سَاحِرٍ وَ مُنَجِّمٍ قَالَ وَ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ لَهُ السَّائِبُ يَعْتَافُ اعْتِيَافَ (1) الْعَرَبِ قَلَّمَا يُخْطِئُ بَعَثَ إِلَيْهِ بَاذَانُ (2) مِنَ الْيَمَنِ وَ كَانَ كِسْرَى إِذَا حَزَنَهُ أَمْرٌ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَ سُحَّارَهُ وَ مُنَجِّمِيهِ وَ قَالَ انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ فَلَمَّا أَنْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً(ص)أَصْبَحَ كِسْرَى ذَاتَ غَدَاةٍ وَ قَدِ انْقَضَّتْ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ وَسَطِهَا وَ انْخَرَقَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْغَوْرَاءُ (3) فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَزَنَهُ وَ قَالَ انْقَضَّتْ طَاقُ مُلْكِي مِنْ وَسَطِهَا مِنْ غَيْرِ ثِقَلٍ وَ انْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْغَوْرَاءُ شاه بشكست (4) يَقُولُ الْمَلِكُ انْكَسَرَ ثُمَّ دَعَا بِكُهَّانِهِ وَ سُحَّارِهِ وَ مُنَجِّمِهِ وَ دَعَا السَّائِبَ مَعَهُمْ وَ قَالَ انْقَضَّتْ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثِقَلٍ وَ انْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْغَوْرَاءُ شاه بشكست انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِ فَأُخِذَ عَلَيْهِمْ بِأَقْطَارِ السَّمَاءِ وَ أَظْلَمَتْ (5) عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ وَ تَسَكَّعُوا فِي عِلْمِهِمْ فَلَا يَمْضِي لِسَاحِرٍ سِحْرُهُ وَ لَا لِكَاهِنٍ كِهَانَتُهُ وَ لَا يَسْتَقِيمُ لِمُنَجِّمٍ عِلْمُ نُجُومِهِ وَ بَاتَ السَّائِبُ فِي لَيْلَةِ ظِلٍ (6) عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَرْمُقُ بَرْقاً نَشَأَ مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ ثُمَّ اسْتَطَارَ حَتَّى بَلَغَ الْمَشْرِقَ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ يَنْظُرُ إِلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَإِذَا رَوْضَةٌ خَضْرَاءُ فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ لَئِنْ صَدَقَ (7) لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ يُخْصِبُ (8) عَنْهُ الْأَرْضُ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَنْ مَلِكٍ كَانَ قَبْلَهُ فَلَمَّا خَلَصَ الْكُهَّانُ وَ الْمُنَجِّمُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ رَأَوْا مَا قَدْ أَصَابَهُمْ وَ رَأَى السَّائِبُ مَا قَدْ رَأَى قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَعْلَمُونَ وَ اللَّهِ
____________
(1) الاعتياف: عمل العيافة أي زجر الطير، و التشأم أو التفؤل بطيرانها.
(2) هو باذان بن ساسان، عده المسعوديّ من ملوك اليمن، راجع مروج الذهب 2: 87.
(3) في المصدر و الطبريّ: العوراء.
(4) في المصدر: شاه بشكسته. قلت: أى و خرج من الدجلة صوتا فيه: شاه بشكسته.
(5) في المصدر: و ضاقت.
(6) في المصدر: ظل فيها. و في تاريخ الطبريّ: ظلماء.
(7) في المصدر و الطبريّ: لئن صدق ما أرى.
(8) في المصدر و تاريخ الطبريّ: تخصب.
278
مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَ إِنَّهُ لَنَبِيٌّ قَدْ بُعِثَ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمُلْكَ وَ يَكْسِرُهُ وَ لَئِنْ نَفَيْتُمْ لِكِسْرَى مُلْكَهُ لَيَقْتُلَنَّكُمْ فَأَقِيمُوا بَيْنَكُمْ أَمْراً تَقُولُونَهُ حَتَّى تُؤَخِّرُونَهُ عَنْكُمْ إِلَى أَمْرٍ مَا شَاعَ (1) فَجَاءُوا إِلَى كِسْرَى فَقَالُوا لَهُ قَدْ نَظَرْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَوَجَدْنَا حِسَابَكَ الَّذِي وُضِعَتْ بِهِ طَاقُ مُلْكِكَ وَ سُكِرَتْ دِجْلَةُ الْغَوْرَاءُ وَضَعُوهُ عَلَى النُّحُوسِ فَلَمَّا اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ (2) اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ وَقَعَتِ النُّحُوسُ عَلَى مَوَاقِعِهَا فَذَلِكَ كُلٌّ وُضِعَ عَلَيْهَا (3) وَ إِنَّا سَنَحْسُبُ (4) لَكَ حِسَاباً تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا تَزُولُ قَالَ فَاحْسُبُوا فَحَسَبُوا لَهُ ثُمَّ قَالُوا لَهُ ابْنِهِ فَبَنَى فَعَمِلَ فِي دِجْلَةَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَ أَنْفَقَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُدْرَى مَا هُوَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا قَالُوا نَعَمْ فَأَمَرَ الْبُسُطَ (5) وَ الْفُرُشَ وَ الرَّيَاحِينَ فَوُضِعَتْ عَلَيْهَا وَ أَمَرَ بِالْمَرَازِبَةِ فَجَمَعُوا إِلَيْهِ النَّقَّابُونَ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَلَسَ عَلَيْهَا فَبَيْنَا هُوَ هُنَالِكَ إِذِ انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ بِالْبُنْيَانِ مِنْ تَحْتِهِ فَلَمْ يُخْرَجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَ سُحَّارَهُ وَ مُنَجِّمِيهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيباً مِنْ مِائَةٍ وَ قَالَ نَمَّيْتُكُمْ (6) وَ أَدْنَيْتُكُمْ دُونَ النَّاسِ فَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمْ أَرْزَاقِي تَلْعَبُونَ بِي قَالُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا وَ لَكِنَّا سَنَحْسُبُ حِسَاباً فَنُبَيِّنُهُ حَتَّى تَضَعَهَا عَلَى الْوَثَاقِ مِنَ السُّعُودِ قَالَ انْظُرُوا مَا تَقُولُونَ قَالُوا فَإِنَّا نَفْعَلُ قَالَ فَاحْسُبُوا فَحَسَبُوا ثُمَّ قَالُوا لَهُ ابْنِهِ فَبَنَى وَ أَنْفَقَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُدْرَى مَا هُوَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ (7) فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ أَ فَأَخْرُجُ وَ أَقْعُدُ (8) عَلَيْهَا قَالُوا نَعَمْ فَهَابَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا وَ رَكِبَ بِرْذَوْناً لَهُ وَ خَرَجَ يَسِيرُ عَلَيْهَا
____________
(1) في المصدر: فاقيموا بينكم أمرا تلقونه فيه حتّى تؤخروا أمره إلى آخر ساعة.
(2) في المصدر: عليه، و في تاريخ الطبريّ: عليهما. أى على الطاق و دجلة.
(3) في المصدر: فدك كل ما وضع عليها. و في تاريخ الطبريّ: فزال كل ما وضع عليهما.
(4) سأحسب خ ل.
(5) في المصدر و الطبريّ: بالبسط.
(6) هكذا في النسخة، و في المصدر: سميكم. قلت: هو مصحف سمنتكم كما في تاريخ الطبريّ.
(7) في المصدر: ثمانية أشهر كذى قبل. و في تاريخ الطبريّ: من ذى قبل. و بعده: ثم قالوا:
قد فرغنا، قال: أ فأخرج.
(8) أقصد خ ل.
279
فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ بِالْبُنْيَانِ فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ فَدَعَاهُمْ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَآمُرَنَّ عَلَى آخِرِكُمْ وَ لَأَنْزِعَنَّ أَكْتَافَكُمْ وَ لَأَطْرَحَنَّكُمْ تَحْتَ أَيْدِي الْفِيَلَةِ أَوْ لَتَصْدُقُنِّي مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي تُلَفِّقُونَ عَلَيَّ قَالُوا لَا نَكْذِبَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَمَرْتَنَا حِينَ انْخَرَقَتْ عَلَيْكَ دِجْلَةُ وَ انْقَضَّتْ (1) عَلَيْكَ طَاقُ مَجْلِسِكَ مِنْ غَيْرِ ثِقَلٍ أَنْ نَنْظُرَ فِي عِلْمِنَا (2) فَأَظْلَمَتْ عَلَيْنَا بِأَقْطَارِ السَّمَاءِ (3) فَتَرَدَّدَ عِلْمُنَا فِي أَيْدِينَا فَلَا يَسْتَقِيمُ لِسَاحِرٍ سِحْرُهُ وَ لَا لِكَاهِنٍ كِهَانَتُهُ وَ لَا لِمُنَجِّمٍ عِلْمُ نُجُومِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَدَثَ مِنَ السَّمَاءِ وَ أَنَّهُ قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ فَلِذَلِكَ حِيلَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ عِلْمِنَا فَخَشِينَا إِنْ نَفَيْنَا (4) إِلَيْكَ مُلْكَكَ أَنْ تَقْتُلَنَا فَكَرِهْنَا مِنَ الْمَوْتِ مَا يَكْرَهُ النَّاسُ فَعَلَّلْنَاكَ عَنْ أَنْفُسِنَا بِمَا رَأَيْتَ قَالَ وَيْحَكُمْ فَهَلَّا يَكُونُ بَيَّنْتُمْ لِي هَذَا فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي قَالُوا مَنَعَنَا مِنْ ذَلِكَ مَا تَخَوَّفْنَا مِنْكَ فَتَرَكَهُمْ وَلَهاً عَنْ دِجْلَةَ حِينَ غَلَبَتِهِ (5).
بيان: التسكع التحير و التمادي في الباطل و المرازبة رؤساء الفرس و أمراؤهم و يقال نميته تنمية أي رفعته و لفق الحديث زخرفه ثم الظاهر أن قوله فلما أن بعث الله نبيه من سهو الرواة أو الكتاب و كان مكانه فلما ولد النبي(ص)كما عرفت في الأخبار السابقة على أنه يحتمل وقوع مثل هذا في الوقتين معا.
25- عم، إعلام الورى وُلِدَ(ص)يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَامَ الْفِيلِ وَ فِي رِوَايَةِ الْعَامَّةِ وُلِدَ(ص)يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ لِلَيْلَتَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَ مِنْ قَائِلٍ يَقُولُ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ وَ ذَلِكَ لِأَرْبَعٍ وَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مَضَتْ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِيرَوَانَ بْنِ قُبَادَ وَ هُوَ قَاتِلُ مَزْدَكَ وَ الزَّنَادِقَةِ وَ مُبِيرُهُمْ وَ هُوَ الَّذِي عَنَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَى مَا يَزْعُمُونَ وُلِدْتُ فِي زَمَانِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ (6)
____________
(1) في المصدر و تاريخ الطبريّ: و انقصمت.
(2) في المصدر و تاريخ الطبريّ: أن ننظر في علمنا لم ذلك، فنظرنا فأظلمت.
(3) في تاريخ الطبريّ: فأظلمت علينا الأرض، و أخذ علينا بأقطار السماء فتردد علينا علمنا في أيدينا. و في المصدر: فتردى علمنا و سقط في أيدينا.
(4) في المصدر و تاريخ الطبريّ: إن نعينا.
(5) فرج المهموم: 32- 35. و الرواية توجد في الطبريّ 1: 596- 598.
(6) في المصدر: الملك العادل الصالح.
280
وَ لِثَمَانِي سِنِينَ وَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مَلِكِ الْعَرَبِ وَ كُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ.
وَ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ النَّبِيِّ(ص)مِنْ مَارِيَةَ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ أَوْ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ وَ نَسَبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ اسْمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ بْنُ هَاشِمٍ وَ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ وَ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُوَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَ هُوَ قُرَيْشُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
رُوِيَ عَنْهُ(ص)أَنَّهُ قَالَ: إِذَا بَلَغَ نَسَبِي عَدْنَانَ فَأَمْسِكُوا.
وَ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ(ص)قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)يَقُولُ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَرَا بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى.
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَيْدٌ هَمَيْسَعٌ وَ ثَرَا نَبْتٌ وَ أَعْرَاقُ الثَّرَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ(ع)قَالَتْ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ
وَ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ بَابَوَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَدْنَانُ بْنُ أَدِّ بْنِ أُدَدَ بْنِ يَامِينَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَنْحَرِ بْنِ صَابُوغَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَدْنَانُ بْنُ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يقدد بْنِ يَقْدَمَ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْذَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ(ع)(1) وَ قِيلَ الْأَصَحُ (2) الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ النُّسَّابِ وَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَدْنَانَ هُوَ أَدُّ بْنُ أُدَدَ بْنِ الْيَسَعِ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ سَلَامَانَ بْنِ نَبْتِ بْنِ حَمَلِ بْنِ قَيْذَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ(ع)بْنِ تَارَخَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَارُوعَ (3) بْنِ أرغوا بْنِ فالع (4) بْنِ عَابَرَ وَ هُوَ هُودُ(ع)بْنُ شَالَحَ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ مَلَكِ بْنِ متوشلح بْنِ أَخْنُوخَ وَ يُقَالُ أَحْنُوخُ وَ هُوَ إِدْرِيسُ(ع)بْنُ يازد (5) بْنِ هلايل (6) بْنِ قينان بْنِ أنوش بْنِ شَيْثِ بْنِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ(ع)(7) وَ أُمُّهُ آمِنَةُ
____________
(1) ابن إبراهيم (عليه السلام) خ ل.
(2) هو الذي خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) ساروغ خ.
(4) فالغ خ.
(5) في المصدر: يارد. و هو الصحيح كما تقدم.
(6) مهلايل خ ل.
(7) تقدم الكلام في نسبه (صلّى اللّه عليه و آله) و في أجداده و ضبطهم هنا و في كتاب النبوات و لم نكرر الكلام فيه اختصارا.
281
بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُوَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَ أَرْضَعَتْهُ حَتَّى شَبَّ حَلِيمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ السَّعْدِيَّةُ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَ كَانَتْ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَرْضَعَتْهُ أَيْضاً بِلَبَنِ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْدِمَ حَلِيمَةُ وَ تُوُفِّيَتْ ثُوَيْبَةُ مُسْلِمَةً سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ مَاتَ ابْنُهَا قَبْلَهَا وَ كَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ ثُوَيْبَةُ قَبْلُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِابْنَةِ حَمْزَةَ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ كَانَ حَمْزَةُ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ وَ أَمَّا جَدَّتُهُ أُمُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ وَ أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَلْمَى بِنْتُ عُمْرَةَ (1) مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَ أُمُّ هَاشِمٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ مَرَّةَ بْنِ هِلَالٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَ أُمُّ قُصَيٍّ وَ زُهْرَةَ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدٍ مِنْ أَزْدِ السَّرَاةِ (2) وَ صَدَعَ(ص)بِالرِّسَالَةِ (3) يَوْمَ السَّابِعِ وَ الْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَ لَهُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَ قُبِضَ(ص)يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ (4) وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَ سِتِّينَ سَنَةً (5).
26- نجم، كتاب النجوم ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ إِنَّ مَوَالِيدَ الْأَنْبِيَاءِ السُّنْبُلَةَ وَ الْمِيزَانَ وَ كَانَ طَالِعُ النَّبِيِّ(ص)الْمِيزَانَ وَ قَالَ(ص)وُلِدْتُ بِالسِّمَاكِ وَ فِي حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ أَنَّهُ السِّمَاكُ الرَّامِحُ وَ كَانَ فِي ثَانِي طَالِعِهِ زُحَلُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ وَ لَا عَقَارٌ (6).
27 يل، الفضائل لابن شاذان قال الواقدي أول ما افتتح به عقيل بن أبي وقاص أن قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعلنا من نسل إبراهيم و من شجرة إسماعيل و من غصن نزار و من ثمرة عبد مناف ثم أثنى على الله تعالى ثناء بليغا و قال فيه جميلا و أثنى
____________
(1) الصحيح: عمرو، كما تقدم في أوائل الكتاب.
(2) ذكر اليعقوبي في تاريخه 2: 97- 101 امهاته (صلّى اللّه عليه و آله) إلى إبراهيم (عليه السلام)، و ذكر العواتك و الفواطم اللاتى ولدنه.
(3) صدع بالرسالة: تكلم بها جهارا بينها.
(4) هكذا في النسخ و هو غريب، و الصحيح كما في المصدر: احدى عشر.
(5) إعلام الورى: 4 و 5.
(6) فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم: 113 و 114.
282
على اللات و العزى و ذكرهم بالجميل و عقد النكاح و نظر إلى وهب و قال يا أبا الوداح زوجت كريمتك آمنة من ابن سيدنا عبد المطلب على صداق أربعة آلاف درهم بيض هجرية جياد و خمس مائة مثقال ذهب أحمر قال نعم ثم قال يا عبد الله قبلت هذا الصداق يا أيها السيد الخاطب قال نعم ثم دعا لهما بالخير و الكرامة ثم أمر وهب أن تقدم المائدة فقدمت مائدة خضرة فأتي من الطعام الحار و البارد و الحلو و الحامض فأكلوا و شربوا قال و نثر عبد المطلب على ولده قيمة ألف درهم من النثار و كان متخذا من مسك بنادق و من عنبر و من سكر و من كافور و نثر وهب بقيمة ألف درهم عنبرا و فرح الخلق بذلك فرحا شديدا.
قال الواقدي فلما فرغوا من ذلك نظر عبد المطلب إلى وهب و قال و رب السماء إني لا أفارق هذا السقف أو أؤلف بين ولدي و حليلته فقال وهب بهذه السرعة لا يكون فقال عبد المطلب لا بد من ذلك فقام وهب و دخل على امرأته برة و قال لها اعلمي أن عبد المطلب قد حلف برب السماء أنه لا يفارق هذا السقف أو يؤلف بين ولده عبد الله و بين زوجته آمنة فقامت المرأة من وقتها و دعت بعشر من المشاطات و أمرتهن أن يأخذن في زينة آمنة فقعدن حول آمنة فواحدة منهن تنقش يديها و واحدة تخضب و واحدة تسرح ذؤابتها (1) فلما كان عند غروب الشمس و قد فرغن من زينتها نصبوا سريرا من الخيزران و قد فرشوا عليه من ألوان الديباج و الوشي (2) و قعدت الجارية على السرير و عقدن على رأسها تاجا و على جبينيها إكليلا و على عنقها مخانق الدر و الجواهر و تخوتمت بأنواع الخواتيم و جاء وهب و قال لعبد المطلب يا سيدي اقدم على العروس (3) فقام عبد المطلب إلى العروس و هي كأنها فلقة قمر من حسنها و تقدم عبد المطلب إلى السرير و قبله و قبل عين العروس فقال عبد المطلب لولده عبد الله اجلس يا ولدي معها على السرير و افرح برؤيتها قال فرفع عبد الله قدمه و صعد إلى السرير و قعد إلى جنب العروس و فرح عبد المطلب و كان من عبد الله إلى أهله ما يكون من الرجال إلى النساء
____________
(1) في المصدر زيادة هى: و واحدة تمسها بالماء.
(2) الوشى: الثياب المنقوشة.
(3) في المصدر: إلى العروس.
283
فواقعها فحملت بسيد المرسلين و خاتم النبيين و قام من عندها إلى عند أبيه فنظر إليه أبوه و إذا النور قد فارق من بين عينيه و بقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح و ذهب النور إلى ثدي آمنة فقام عبد المطلب إلى عند آمنة و نظر إلى وجهها فلم يكن النور كما كان في عبد الله بل أنور فذهب عبد المطلب إلى عند حبيب الراهب فسأله عن ذلك فقال حبيب اعلم أن هذا النور هو صاحب النور بعينه و صار في بطن أمه فقام عبد المطلب و خرج مع الرجل و بقي عبد الله عند أهله إلى أن ذهبت الصفرة من يديه و ذلك أن العرب كانوا إذا دخلوا بأهلهم خضبوا أيديهم بالحناء و لا يخرجون من عندهم و على أيديهم أثر من الحناء و بقي عبد الله أربعين يوما و خرج و نظر أهل مكة إلى عبد الله و النور قد فارق موضعه فرجع عبد المطلب من عند حبيب و قد أتى على رسول الله(ص)شهر واحد في بطن أمه و نادت الجبال بعضها بعضا و الأشجار بعضها بعضا و السماوات بعضها بعضا يستبشرون و يقولون ألا إن محمدا قد وقع في رحم أمه آمنة و قد أتى عليه شهر ففرح (1) بذلك الجبال و البحار و السماوات و الأرضون فورد (2) عليه كتاب من يثرب بموت فاطمة بنت عبد المطلب و كان في الكتاب أنها ورثت مالا كثيرا خطيرا فاخرج أسرع ما تقدر عليه فقال عبد المطلب لولده عبد الله يا ولدي لا بد لك أن تجيء معي إلى المدينة فسافر مع أبيه و دخلا مدينة يثرب و قبض عبد المطلب المال و لما مضى من دخولهما المدينة عشرة أيام اعتل عبد الله علة شديدة و بقي خمسة عشر يوما فلما كان اليوم السادس عشر مات عبد الله فبكى عليه أبوه عبد المطلب بكاء شديدا و شق سقف البيت لأجله في دار فاطمة بنت عبد المطلب و إذا بهاتف يهتف و يقول قد مات من كان في صلبه خاتم النبيين و أي نفر لا يموت فقام عبد المطلب فغسله و كفنه و دفنه في سكة يقال لها شين و بنى على قبره قبة عظيمة من جص و آجر و رجع إلى مكة و استقبلته رؤساء قريش و بنو هاشم و اتصل الخبر إلى آمنة بوفاة زوجها فبكت و نتفت شعرها و خدشت وجهها و مزقت جيبها و دعت بالنائحات ينحن على
____________
(1) في المصدر: فتفرح.
(2) في المصدر: ثم إن اللّه تعالى أراد قضاه على فاطمة بنت عبد المطلب فورد إه.
284
عبد الله فجاء بعد ذلك عبد المطلب إلى دار آمنة و طيب قلبها و وهب لها في ذلك الوقت ألف درهم بيض و تاجين قد اتخذهما عبد مناف لبعض بناته و قال لها يا آمنة لا تحزني فإنك عندي جليلة لأجل من في بطنك و رحمك فلا تهتك (1) أمرك فسكتت (2) و طيب قلبها.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)في بطن أمه شهران أمر الله تعالى مناديا في سماواته و أرضه أن ناد (3) في السماوات و الأرض و الملائكة أن استغفروا لمحمد(ص)و أمته كل هذا ببركة النبي ص.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)في بطن أمه ثلاثة أشهر كان أبو قحافة راجعا من الشام فلما بلغ قريبا من مكة وضعت ناقته جمجمتها على الأرض ساجدة و كان بيد أبي قحافة قضيب فضربها بأوجع ضرب فلم ترفع رأسها فقال أبو قحافة فما أرى ناقة تركت صاحبها و إذا بهاتف يهتف و يقول لا تضرب يا أبا قحافة من لا يطيعك أ لا ترى أن الجبال و البحار و الأشجار سوى الآدميين سجدوا لله فقال أبو قحافة يا هاتف و ما السبب في ذلك قال اعلم أن النبي الأمي قد أتى عليه في بطن أمه ثلاثة أشهر قال أبو قحافة و متى يكون خروجه قال سترى يا أبا قحافة إن شاء الله تعالى فالويل كل الويل لعبدة الأصنام من سيفه و سيف أصحابه فقال أبو قحافة فوقفت ساعة حتى رفعت الناقة رأسها و جئت إلى عبد المطلب فأخبرته.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف و كان له صومعة بمكة على مرحلة قال فخرج الزاهد و كان اسمه حبيبا فجاء إلى بعض أصدقائه بمكة فلما بلغ أرض الموقف إذا بصبي قد وضع جبينه على الأرض و قد سجد على جمجمته قال حبيب فدنوت منه فأخذته و إذا بهاتف يهتف و يقول خل عنه يا حبيب أ لا ترى إلى الخلائق من البر و البحر و السهل و الجبل قد
____________
(1) فلا يهمنك خ ل.
(2) في المصدر: فسكنت.
(3) أن نادى خ ل و هو الموجود في المصدر.
285
سجدوا لله شكرا لما أتى على النبي الزكي الرضي المرضي في بطن أمه خمسة أشهر (1) و هذا الصبي قد سجد لله قال حبيب فتركت الصبي و دخلت مكة و بينت ذلك لعبد المطلب و عبد المطلب يقول اكتم هذا الاسم فإن لهذا الاسم أعداء قال و ذهب حبيب إلى صومعته فإذا الصومعة تهتز و لا تستقر و إذا على محرابه مكتوب و على محراب كل راهب يا أهل البيع و الصوامع آمنوا بالله و برسوله محمد بن عبد الله فقد آن خروجه فطوبى ثم طوبى لمن آمن به و الويل كل الويل لمن كفر به و رد عليه حرفا مما يأتي به من عند ربه قال حبيب فقلت السمع و الطاعة إني لمؤمن و طائع غير منكر.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)في بطن أمه ستة أشهر خرج أهل المدينة و اليمن إلى العيد و كان رسمهم أنهم يمرون في كل سنة ستة أعياد و كانوا يذهبون عند شجرة عظيمة يقال لها ذات أنواط و هي التي سماها الله تعالى في كتابه وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى فذهبوا في ذلك و أكلوا و شربوا و فرحوا و تقاربوا من الشجرة و إذا بصيحة عظيمة من وسط الشجرة و هو هاتف يقول (2) يا أهل اليمن و يا أهل اليمامة و يا أهل البحرين و يا من عبد الأصنام و يا من سجد للأوثان جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً يا قوم قد جاءكم الهلاك قد جاءكم التلف قد جاءكم الويل و الثبور قال ففزعوا من ذلك و انهزموا راجعين إلى منازلهم متحيرين متعجبين من ذلك.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)في بطن أمه سبعة أشهر جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب و قال له اعلم يا أبا الحارث أني كنت البارحة بين النوم و اليقظة فرأيت أبواب السماء مفتحة و رأيت الملائكة ينزلون إلى الأرض معهم ألوان الثياب يقولون زينوا الأرض فقد قرب خروج من اسمه محمد و هو نافلة (3) عبد المطلب رسول الله
____________
(1) هكذا في الكتاب و مصدره، و قال المصنّف في هامش الكتاب: الظاهر أنّه سقطت قصة الأربعة أشهر أو الخمسة من بين الكلام، و كانت النسخة هكذا.
(2) في المصدر: يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه و آمنوا برسوله الآية، و قال: يا أهل اليمن إه.
(3) النافلة: ولد الولد.
286
إلى الأرض و إلى الأسود و الأحمر و الأصفر و إلى الصغير و الكبير و الذكر و الأنثى صاحب السيف القاطع و السهم النافذ فقلت لبعض الملائكة من هذا تزعمون فقال ويلك (1) هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فهذا ما رأيت فقال له عبد المطلب اكتم الرؤيا و لا تخبر به أحدا لننظر ما يكون.
قال الواقدي فلما أتى على النبي(ص)في بطن أمه ثمانية أشهر كان في بحر الهواء حوتة يقال لها طينوسا (2) و هي سيدة الحيتان فتحركت الحيتان و تحركت الحوتة و استوت قائمة على ذنبها و ارتفعت و ارتفع الأمواج عنها فقالت الملائكة إلهنا و سيدنا ترى إلى ما تفعل طينوسا و لا تطيعنا و ليس لنا بها قوة قال فصاح إستحيائيل الملك صيحة عظيمة و قال لها قري يا طينوسا أ لا تعرفين من تحتك فقالت طينوسا يا إستحيائيل أمر ربي يوم خلقني إذا ولد محمد بن عبد الله استغفري له و لأمته و الآن سمعت الملائكة يبشر بعضهم بعضا فلذلك قمت و تحركت فناداها إستحيائيل قري و استغفري فإن محمدا قد ولد فلذلك انبطحت (3) في البحر و أخذت في التسبيح و التهليل و التكبير و الثناء على رب العالمين.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)في بطن أمه تسعة أشهر أوحى الله إلى الملائكة في كل سماء أن اهبطوا إلى الأرض فهبط عشرة آلاف ملك بيد كل ملك قنديل يشتعل بالنور بلا دهن مكتوب على كل قنديل لا إله إلا الله محمد رسول الله يقرأه كل عربي كاتب و وقفوا حول مكة في المفاوز و إذا بهاتف يهتف و يقول هذا نور محمد رسول الله(ص)قال فورد الخبر على عبد المطلب فأمر بكتمانه إلى أن يكون.
قال الواقدي فلما كملت تسعة أشهر لرسول الله(ص)صار لا يستقر كوكب في السماء إلا من موضع إلى موضع يبشرون بعضهم بعضا (4) و الناس ينظرون إلى الكواكب
____________
(1) في المصدر: ويحك.
(2) لعل هذه الحوتة أيضا من مختلقات الواقدى، كما تقدم أغرب منها عن كعب الاحبار.
(3) انبطح الرجل، انطرح على وجهه.
(4) لعل المراد أن سكان النجوم يبشر بعضهم بعضا.
287
في السماء مسيرات لا يستقرون فأقام ذلك ثلاثين يوما قال الواقدي فلما تم لرسول الله(ص)تسعة أشهر نظرت أم رسول الله(ص)آمنة إلى أمها برة و قالت يا أماه إني أحب أن أدخل البيت فأبكي على زوجي ساعة و أقطر دمعي على شبابه و حسن وجهه فإذا دخلت البيت وحدي فلا يدخل علي أحد فقالت لها برة ادخلي يا آمنة فابكي فحق لك البكاء قال فدخلت آمنة البيت وحدها و قعدت و بكت و بين يديها شمع يشتعل و بيدها مغزل من آبنوس و على مغزلها فلقة (1) من عقيق أحمر و آمنة تبكي و تنوح إذا أصابها الطلق فوثبت إلى الباب لتفتحه فلم ينفتح فرجعت إلى مكانها و قالت وا وحدتاه و أخذها الطلق و النفاس و ما شعرت بشيء حتى انشق السقف و نزلت من فوق أربع حوريات و أضاء البيت لنور وجوههن و قلن لآمنة لا بأس عليك يا جارية إنا جئناك لنخدمك فلا يهمنك (2) أمرك و قعدت الحوريات واحدة على يمينها و واحدة على شمالها و واحدة بين يديها و واحدة من ورائها فهومت عين آمنة و غفت غفوة قال ابن عباس ما كان من أمر أم الصبي (3) إلا أنها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها فانتبهت أم النبي(ص)فإذا النبي تحت ذيلها قد وضع جبينه على الأرض ساجدا لله و رفع سبابتيه مشيرا بهما لا إله إلا الله.
قال الواقدي ولد رسول الله(ص)في ليلة الجمعة قبل طلوع الفجر في شهر ربيع الأول لسبعة عشر (4) منه في سنة تسعة آلاف سنة و تسعمائة و أربعة أشهر و سبعة أيام من وفاة آدم ع.
قال الواقدي و نظرت أمه آمنة إلى وجه رسول الله(ص)فإذا هو مكتحل العينين منقط الجبين و الذقن و أشرق من وجنتي النبي(ص)نور ساطع في ظلمة الليل و مر
____________
(1) الفلقة: القطعة.
(2) في نسخة من المصدر: فلا يهتمك.
(3) في المصدر: أم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
(4) في المصدر: ليلة سبعة عشر.
288
في سقف البيت و شق السقف و رأت آمنة من نور وجهه كل منظر حسن و قصر بالحرم و سقط في تلك الليلة أربعة و عشرون (1) شرفا من إيوان كسرى و أخمدت في تلك الليلة نيران فارس و أبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت و غرفة في الدنيا ممن قد علم الله تعالى و سبق في علمه أنهم يؤمنون بالله و رسوله محمد(ص)و لم يسطع في بقاع الكفر بأمر الله تعالى و ما بقي في مشارق الأرض و مغاربها صنم و لا وثن إلا و خرت على وجوهها ساقطة على جباهها خاشعة و ذلك كله إجلالا للنبي ص.
قال الواقدي فلما رأى إبليس لعنه الله تعالى و أخزاه ذلك وضع التراب على رأسه و جمع أولاده و قال لهم يا أولادي اعلموا أنني ما أصابني منذ خلقت مثل هذه المصيبة قالوا و ما هذه المصيبة قال اعلموا أنه قد ولد في هذه الليلة مولود اسمه محمد بن عبد الله(ص)يبطل عبادة الأوثان و يمنع السجود للأصنام و يدعو الناس إلى عبادة الرحمن قال فنثروا التراب على رءوسهم و دخل إبليس لعنه الله تعالى في البحر الرابع و قعد فيه للمصيبة هو و أولاده مكروبين أربعين يوما.
قال الواقدي فعند ذلك أخذت الحوريات محمدا(ص)و لففنه في منديل رومي و وضعنه بين يدي آمنة و رجعن إلى الجنة يبشرون الملائكة في السماوات بمولد النبي(ص)و نزل جبرئيل و ميكائيل(ع)و دخلا البيت على صورة الآدميين و هما شابان و مع جبرئيل طشت من ذهب و مع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر فأخذ جبرئيل رسول الله(ص)و غسله و ميكائيل يصب الماء عليه فغسلاه و آمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة فقال لها جبرئيل يا آمنة لا نغسله من النجاسة فإنه لم يكن نجسا و لكن نغسله من ظلمات بطنك فلما فرغوا من غسله و كحلوا عينيه و نقطوا جبينيه بورقة كانت معهم مسك و عنبر و كافور مسحوق بعضه ببعض فذروه فوق رأسه(ص)قالت آمنة و سمعت جلبة (2) و كلاما على الباب فذهب جبرئيل إلى الباب فنظر و رجع إلى البيت و قال ملائكة سبع سماوات يريدون السلام على النبي(ص)فاتسع البيت و دخلوا عليه
____________
(1) تقدم قبلا أنّه سقط أربعة عشر شرفا.
(2) الجلبة: اختلاط الأصوات و الصياح.
289
موكب بعد موكب و سلموا عليه و قالوا السلام عليك يا محمد السلام عليك يا محمود السلام عليك يا أحمد السلام عليك يا حامد.
قال الواقدي فلما دخل (1) من الليل ثلثه أمر الله تعالى جبرئيل(ع)أن يحمل من الجنة أربعة أعلام فحمل جبرئيل الأعلام و نزل إلى الدنيا و نصب علما أخضر على جبل قاف مكتوبا (2) عليه بالبياض سطران لا إله إلا الله محمد رسول الله(ص)و نصب علما آخر على جبل أبي قبيس له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما شهادة أن لا إله إلا الله و في الثانية لا دين إلا دين محمد بن عبد الله و نصب علما آخر على سطح بيت الله الحرام له ذؤابتان مكتوب على واحدة منهما طوبى لمن آمن بالله و بمحمد و الويل لمن كفر به و رد عليه حرفا مما يأتي به من عند ربه و نصب علما آخر على ضراح (3) بيت الله المقدس و هو أبيض عليه خطان مكتوبان بالسواد الأول لا غالب إلا الله و الثاني النصر لله و لمحمد ص.
قال الواقدي و ذهب إستحيائيل و وقف على ركن جبل أبي قبيس و نادى بأعلى صوته يا أهل مكة آمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا و أمر الله غمامة أن ترفع فوق بيت الله الحرام و تنثر على البيت الحرام ريش الزعفران و المسك و العنبر و تمطر على البيت فلما أصبحوا رأوا ريش الزعفران و المسك و العنبر و ارتفعت الغمامة و أمطرت على البيت و خرجت الأصنام من بيت الله الحرام و جاءوا إلى عند الحجر و انكبوا على وجوههم و جاء جبرئيل بقنديل أحمر له سلسلة من جزع أصفر و هو يشتعل بلا دهن بقدرة الله تعالى.
قال الواقدي و برق من وجه النبي(ص)برق و ذهب في الهواء حتى التزق بعنان السماء و ما بقي بمكة دار و لا منظر إلا دخله ذلك النور ممن سبق في قدر الله تعالى و علمه أنه يؤمن بالله و برسوله محمد(ص)و ما بقي في تلك الليلة كتاب من التوراة و الإنجيل و الزبور و مما كان فيه اسمه(ص)أو نعته إلا و قطر تحت اسمه قطرة دم و قال
____________
(1) مضى خ ل.
(2) في المصدر: مكتوب و هو الصحيح.
(3) سطح خ ل، و في المصدر: صريح. قلت: و لعله مصحف ضريح.
290
لأن الله تعالى بعثه بالسيف و ما بقي في تلك الليلة دير و لا صومعة إلا و كتب على محاريبها اسم محمد(ص)فبقيت الكتابة إلى الصباح حتى قرأ الرهبانية و الديرانية (1) و علموا أن النبي الأمي(ص)قد ولد.
قال الواقدي فعندها قامت آمنة رضي الله عنها و فتحت الباب و صاحت صيحة و غشي عليها ثم دعت بأمها برة و أبيها وهب و قالت ويحكما أين أنتما فما رأيتما ما جرى علي إني وضعت ولدي و كان كذا و كذا تصف لهما ما رأته قال فقام وهب و دعا بغلام و قال اذهب إلى عبد المطلب و بشره و أهل مكة على المغاير (2) قد صعدوا و الصروح ينظرون إلى العجائب و لا يدرون ما الخبر و كذلك عبد المطلب قد صعد مع أولاده فما شعروا بشيء حتى قرع الغلام الباب و دخل على عبد المطلب و قال يا سيدنا أبشر فإن آمنة قد وضعت ولدا ذكرا فاستبشر بذلك و قال قد علمت أن هذه براهين و دلائل لمولودي فذهب عبد المطلب إلى آمنة مع أولاده و نظروا إلى وجه رسول الله(ص)و وجهه كالقمر ليلة البدر يسبح و يكبر في نفسه فتعجب منه عبد المطلب.
قال الواقدي فأصبح أهل مكة يوم الثاني (3) و نظروا إلى القنديل و إلى السلسلة و إلى ريش الزعفران و العنبر ينزل من الغمامة و إلى الأصنام و قد خرجن منكبات على وجوههن (4) و بقي الخلق على ذلك و جاء إبليس أخزاه الله على صورة شيخ زاهد و قال يا أهل مكة لا يهمنكم (5) أمر هذا فإنما أخرج الأصنام الليل العفاريت و المردة و سجدوا لهن فلا يهمنكم و أمر إبليس لعنه الله أن تدخل الأصنام إلى جوف بيت الله الحرام ففعلوا ذلك و إذا بهاتف يهتف و يقول جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً قال الواقدي فأرسل الله تعالى إلى البيت جللا من الديباج الأبيض مكتوب عليها
____________
(1) في العبارة تصحيف، لان الرهبانية طريقة الرهبان، و لعلّ الصحيح الرهابنة أو الرهبانة.
(2) المنابر خ ل، قلت: لم نعرف معنى المغاير، و في المصدر: و أهل مكّة على المنابر قد صعدوا العروج. و على أي فالعبارتين لا تخلوان عن اضطراب، و لعلّ العاطف قبل و الصروح زائد.
(3) في المصدر: يوم الثاني صبيحة يوم الثلثاء.
(4) في المصدر: و ينظرون الى الأصنام و قد خرجوا من مراكزهن منكبات على وجوههن.
(5) في المصدر: لا يهتمنكم.
291
بخط أسود بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً قال الواقدي فتعجب الناس من ذلك و بقيت الجلل على البيت أربعين يوما فذهب رجل من آل إدريس و كان بيده مد سمنا (1) فتمسح بذلك الجلل و التحف به فارتفع الجلل من ليلته و لو لم يلتحف به لبقي على بيت الله الحرام هذا الديباج إلى يوم القيامة.
قال الواقدي فاجتمع رؤساء بني هاشم و ذهبوا إلى حبيب الراهب و قالوا يا حبيب بين لنا خبر هذا الجلل و إخراج الأصنام من جوف بيت الله الحرام و الكواكب السائرات و البرق الذي برق في هذه الليلة و الجلبات التي سمعنا مما هي (2) فقال حبيب أنتم تعلمون أن ديني ليس دينكم و أنا أقول الحق إن شئتم فاقبلوا و إن شئتم لا تقبلوا ما هذه العلامات إلا علامات نبي مرسل في زمانكم و نحن وجدنا في التوراة ذكر وصفه و في الإنجيل نعته و في الزبور اسمه و اسمه في الصحف و هو الذي يبطل عبادة الأوثان و الأصنام و يدعو إلى عبادة الرحمن و يكون على العلم قاطع السيف طاعن الرمح (3) نافذ السهم تخضع له ملوك الدنيا و جبابرتها فالويل الويل لأهل الكفر و الطغيان و عبدة الأوثان من سيفه و رمحه و سهمه فمن آمن به نجا و من كفر به هلك فقام الخلق من عنده مغمومين مكروبين و رجعوا إلى مكة محزونين قال الواقدي و أصبح عبد المطلب اليوم الثاني و دعا بآمنة و قال لها هاتي ولدي و قرة عيني و ثمرة فؤادي فجاءت آمنة و محمد على ساعدها فقال عبد المطلب اكتميه يا آمنة و لا تبديه لأحد فإن قريشا و بني أمية يرصدون في أمره قالت آمنة السمع و الطاعة فجاء عبد المطلب و محمد على ساعده و أتى به إلى بيت الله الحرام و أراد أن يمسح بدنه باللات و العزى لتسكن دمدمة (4) قريش و بني هاشم (5) و دخل عبد المطلب بيت الله الحرام فلما وضع
____________
(1) يده مدسما خ ل.
(2) في المصدر: فما هى.
(3) في المصدر: طاعن بالرمح.
(4) الدمدمة: الغضب.
(5) و بنو هاشم خ ل و هو الموجود في المصدر، أي لتسكن بنو هاشم و لا يظهرون على قريش أمرا يوجب البغض و العداوة.
292
رجله في البيت سمع النبي(ص)يقول بسم الله و بالله و إذا البيت يقول السلام عليك يا محمد و رحمة الله و بركاته و إذا بهاتف يهتف و يقول جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فتعجب عبد المطلب من صغر سنه و كلامه و مما قال له البيت فأمر عبد المطلب خزنة البيت أن يكتموا ما سمعوا من البيت و من محمد ص.
قال الواقدي فتقدم عبد المطلب إلى اللات و العزى و أراد أن يمسح بدن النبي(ص)باللات و العزى فجذب من ورائه فالتفت إلى ورائه فلم ير أحدا فتقدم ثانية فجذبه من ورائه جاذب فنظر إلى ورائه فلم ير أحدا ثم تقدم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتى أقعده على عجزه و قال يا أبا الحارث أ تمسح بدنا طاهرا ببدن نجس.
قال الواقدي فعند ذلك وقف عبد المطلب على باب بيت الله الحرام و النبي على ساعده و أنشأ يقول.
الحمد لله الذي أعطاني.* * * هذا الغلام طيب الأرداني.
قد ساد في المهد على الغلماني.* * * أعيذه بالبيت ذي الأركاني.
حتى أراه مبلغ الغشياني. (1)* * * أعيذه من كل ذي شنآني. (2)
من حاسد ذي طرف العيناني
قال و خرج عبد المطلب متفكرا مما سمع و رأى من محمد(ص)إلى أمه و قد وقعت الدمدمة في قريش و بين (3) بني هاشم بسبب محمد ص.
قال الواقدي فلما كان اليوم الثالث اشترى عبد المطلب مهدا من خيزران أسود له شبكات من عاج مرصع بالذهب الأحمر و له بركتان من فضة بيضاء و لونه من جزع أصفر و غشاه بجلال ديباج أبيض مكوكب بذهب و بعث إليها من الدر و اللؤلؤ الكبار الذي تلعب به الصبيان في المهد بألوان الخرز (4) و كان النبي(ص)إذا انتبه من نومه
____________
(1) في المصدر: مبلغ الغلمانى.
(2) الشنآن: البغض و العداوة. و في المصدر بعد ذلك مصرع هو: حتى يكون بلغة الغشيانى.
(3) المصدر خال عن كلمة بين.
(4) الخرز: ما ينظم في السلك من الجذع و الودع. الحب المثقوب من الزجاج و نحوه. فصوص من حجارة.
293
يسبح الله تعالى بتلك الخرز.
قال الواقدي فلما كان اليوم الرابع جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب و كان عبد المطلب قاعدا على باب بيت الله الحرام و قد حف به قريش و بنو هاشم فدنا سواد بن قارب (1) و قال يا أبا الحارث اعلم أني قد سمعت أنه قد ولد لعبد الله ذكر و أنهم يقولون فيه عجائب فأريد أن أنظر إلى وجهه هنيئة و كان سواد بن قارب رجلا إذا تكلم سمع منه و كان رجلا صدوقا فقام عبد المطلب و معه سواد بن قارب و جاء إلى دار آمنة رضي الله عنها و دخلا جميعا و النبي(ص)نائم فلما دخلا القبة قال عبد المطلب اسكت يا سواد حتى ينتبه من نومه فسكت فدخلا قليلا قليلا حتى دخلا القبة و نظر إلى وجه النبي(ص)و هو في مهده نائم و عليه هيئة الأنبياء فلما كشف الغطاء عن وجهه برق من وجهه برق شق السقف بنوره و التزق بأعنان (2) السماء فألقى عبد المطلب و سواد أكمامهما على وجهيهما من شدة الضوء فعندها انكب سواد على النبي(ص)و قال لعبد المطلب أشهدك على نفسي أني آمنت بهذا الغلام و بما يأتي به من عند ربه ثم قبل وجنات (3) النبي(ص)و خرجا جميعا و رجع سواد إلى موضعه و بقي عبد المطلب فرحا نشيطا.
قال محمد بن عمر الواقدي فلما أتى على النبي(ص)شهر كان إذا نظر إليه الناظرون توهموا أنه من أبناء سنة لوقارة جسمه و تمام فهمه و كانوا يسمعون من مهده التسبيح و التحميد و الثناء على الله تعالى.
قال الواقدي فلما أتى على رسول الله(ص)شهران مات وهب جده أبو أمه آمنة و جاء عبد المطلب و جماعة من قريش و بني هاشم و غسلوا وهبا و حنطوه و كفنوه و دفنوه على ذيل الصفا. (4)
____________
(1) هو سواد بن قارب الأزديّ الدوسى أو السدوسى، و كان كاهنا في الجاهلية، له صحبة، و كان شاعرا، قاله ابن الأثير في أسد الغابة- 2: 375.
(2) في المصدر: فى عنان السماء. قلت: عنان السماء: ما ارتفع منها و ما بدا لك منها إذا نظرتها، و أعنانها: نواصيها و ما اعترض من أقطارها.
(3) الوجنة: ما ارتفع من الخدين.
(4) الفضائل: 15- 31.
294
بيان المخانق جمع المخنقة كمكنسة و هي القلادة و التهويم هز الرأس من النعاس و غفت نامت و الصرح القصر و كل بناء عال.
28- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُنْدَارَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَحْمَرِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ (1) عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: عَقَّ أَبُو طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَوْمَ السَّابِعِ وَ دَعَا آلَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا مَا هَذِهِ فَقَالَ هَذِهِ عَقِيقَةُ أَحْمَدَ قَالُوا لِأَيِّ شَيْءٍ سَمَّيْتَهُ أَحْمَدَ قَالَ سَمَّيْتُهُ أَحْمَدَ لِمَحْمَدَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (2).
29- كا، الكافي عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَ الْعَاصُ بْنُ هِشَامٍ وَ أَبُو وَجْزَةَ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ وَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ أَ وُلِدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ اللَّيْلَةَ فَقَالُوا لَا قَالَ فَوُلِدَ إِذاً بِفِلَسْطِينَ غُلَامٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ بِهِ شَامَةٌ كَلَوْنِ الْخَزِّ الْأَدْكَنِ وَ يَكُونُ هَلَاكُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَ الْيَهُودِ عَلَى يَدَيْهِ قَدْ أَخْطَأَكُمْ وَ اللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَتَفَرَّقُوا وَ سَأَلُوا فَأُخْبِرُوا أَنَّهُ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ فَطَلَبُوا الرَّجُلَ فَلَقُوهُ فَقَالُوا إِنَّهُ قَدْ وُلِدَ فِينَا وَ اللَّهِ غُلَامٌ قَالَ قَبْلَ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ أَوْ بَعْدَ مَا قُلْتُ لَكُمْ قَالُوا قَبْلَ أَنْ تَقُولَ لَنَا قَالَ فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهِ فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا أُمَّهُ فَقَالُوا أَخْرِجِي ابْنَكِ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَتْ إِنَّ ابْنِي وَ اللَّهِ لَقَدْ سَقَطَ وَ مَا سَقَطَ كَمَا يَسْقُطُ الصِّبْيَانُ لَقَدِ اتَّقَى الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ بُصْرَى وَ سَمِعْتُ هَاتِفاً فِي الْجَوِّ يَقُولُ لَقَدْ وَلَدْتِيهِ سَيِّدَ الْأُمَّةِ فَإِذَا وَضَعْتِيهِ فَقُولِي أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ وَ سَمِّيهِ مُحَمَّداً قَالَ الرَّجُلُ فَأَخْرَجَتْهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَلَّبَهُ وَ نَظَرَ إِلَى الشَّامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَخَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَأَخَذُوا الْغُلَامَ فَأَدْخَلُوهُ إِلَى أُمِّهِ وَ قَالُوا بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهِ فَلَمَّا خَرَجُوا أَفَاقَ فَقَالُوا لَهُ مَا لَكَ وَيْلَكَ قَالَ ذَهَبَتْ نُبُوَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا وَ اللَّهِ مَنْ يُبِيرُهُمْ فَفَرِحَتْ قُرَيْشٌ
____________
(1) الحسن خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) الفروع: ج 2:(ص)91.
295
بِذَلِكَ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ فَرِحُوا قَالَ فَرِحْتُمْ أَمَا وَ اللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ يَسْطُو بِمِصْرِهِ (1).
30- كا، الكافي حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: كَانَ حَيْثُ طُلِقَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَ أَخَذَهَا الْمَخَاضُ بِالنَّبِيِّ(ص)حَضَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ امْرَأَةُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ تَزَلْ مَعَهَا حَتَّى وَضَعَتْ فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى هَلْ تَرَيْنَ مَا أَرَى فَقَالَتْ وَ مَا تَرَيْنَ قَالَتْ هَذَا النُّورَ الَّذِي قَدْ سَطَعَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ فَبَيْنَمَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَهُمَا مَا لَكُمَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبَانِ فَأَخْبَرَتْهُ فَاطِمَةُ بِالنُّورِ الَّذِي قَدْ رَأَتْ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ أَ لَا أُبَشِّرُكِ فَقَالَتْ بَلَى فَقَالَ أَمَا إِنَّكِ سَتَلِدِينَ غُلَاماً يَكُونُ وَصِيَّ هَذَا الْمَوْلُودِ (2).
31- كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ الْأَوْصِيَاءُ إِذَا حَمَلَتْ بِهِمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَصَابَهَا فَتْرَةٌ شِبْهُ الْغَشْيَةِ فَأَقَامَتْ فِي ذَلِكَ يَوْمَهَا ذَلِكَ إِنْ كَانَ نَهَاراً أَوْ لَيْلَتَهَا إِنْ كَانَ لَيْلًا ثُمَّ تَرَى فِي مَنَامِهَا رَجُلًا يُبَشِّرُهَا بِغُلَامٍ عَلِيمٍ حَلِيمٍ فَتَفْرَحُ لِذَلِكَ ثُمَّ تَنْتَبِهُ مِنْ نَوْمِهَا فَتَسْمَعُ مِنْ جَانِبِهَا الْأَيْمَنِ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ صَوْتاً يَقُولُ حَمَلْتِ بِخَيْرٍ وَ تَصِيرِينَ إِلَى خَيْرٍ وَ جِئْتِ بِخَيْرٍ أَبْشِرِي بِغُلَامٍ حَلِيمٍ عَلِيمٍ وَ تَجِدُ خِفَّةً فِي بَدَنِهَا ثُمَّ تَجِدُ (3) بَعْدَ ذَلِكَ اتِّسَاعاً مِنْ جَنْبَيْهَا وَ بَطْنِهَا فَإِذَا كَانَ لِتِسْعٍ مِنْ شُهُورِهَا سَمِعَتْ فِي الْبَيْتِ حِسّاً شَدِيداً فَإِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَلِدُ فِيهَا ظَهَرَ لَهَا فِي الْبَيْتِ نُورٌ تَرَاهُ لَا يَرَاهُ غَيْرُهَا
____________
(1) الروضة: 300 و 301، و في بعض نسخه: يسطو بمضره. قال المصنّف في شرح الحديث: قوله: يسطو بمصره، الظاهر أنّه قال ذلك على الهزء و الإنكار، أي كيف يقدر على أن يسطو بمصره، أو كيف يسطو بقومه و عشيرته، و يحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الاذعان في ذلك الوقت، أو كان يقول ذلك بعد خبر الراهب، و فيما رواه قطب الدين الراونديّ في الخرائج:
فكان أبو سفيان يقول: انما يسطو بمضره، أي بقبيلة مضر، أو بها و بأضرابها من القبائل الخارجة عن مكّة.
(2) الروضة: 302.
(3) في نسخة من المصدر: ثم لم تجد بعد ذلك امتناعا من جنبيها و بطنها.
296
إِلَّا أَبُوهُ فَإِذَا وَلَدَتْهُ وَلَدَتْهُ قَاعِداً وَ تَفَتَّحَتْ لَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مُتَرَبِّعاً ثُمَ (1) يَسْتَدِيرُ بَعْدَ وُقُوعِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يُخْطِئُ الْقِبْلَةَ حَيْثُ كَانَتْ بِوَجْهِهِ ثُمَّ يَعْطِسُ ثَلَاثاً يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ بِالتَّحْمِيدِ وَ يَقَعُ مَسْرُوراً (2) مَخْتُوناً وَ رَبَاعِيَتَاهُ مِنْ فَوْقٍ وَ أَسْفَلَ وَ نَابَاهُ وَ ضَاحِكَاهُ وَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِثْلُ سَبِيكَةِ الذَّهَبِ نُورٌ وَ يُقِيمُ يَوْمَهُ وَ لَيْلَتَهُ تَسِيلُ يَدَاهُ ذَهَباً (3) وَ كَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ إِذَا وُلِدُوا وَ إِنَّمَا الْأَوْصِيَاءُ أَعْلَاقٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (4).
أقول: سيأتي شرح الخبر مع سائر الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
32- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) فِي خَبَرِ الشَّامِيِ أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَنْ خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَخْتُوناً قَالَ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ آدَمَ(ع)مَخْتُوناً وَ وُلِدَ شَيْثٌ(ع)مَخْتُوناً وَ إِدْرِيسُ وَ نُوحٌ وَ سَامُ بْنُ نُوحٍ وَ إِبْرَاهِيمُ وَ دَاوُدُ وَ سُلَيْمَانُ وَ لُوطٌ وَ إِسْمَاعِيلُ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ مُحَمَّدٌ(ص)(5).
33- د، العدد القوية رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ فِي جَدْبٍ شَدِيدٍ وَ ضِيقٍ مِنَ الزَّمَانِ فَلَمَّا حَمَلَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)اخْضَرَّتْ لَهُمُ الْأَرْضُ وَ حَمَلَتْ لَهُمُ الْأَشْجَارُ وَ أَتَاهُمُ الْوَفْدُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَأَخْصَبَ أَهْلُ مَكَّةَ خِصْباً عَظِيماً فَسُمِّيَتِ السَّنَةُ الَّتِي حَمَلَ فِيهَا بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)سَنَةَ الْفَتْحِ وَ الِاسْتِيفَاءِ وَ الِابْتِهَاجِ وَ لَمْ تَبْقَ كَاهِنَةٌ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبِهَا (6)
____________
(1) المصدر خال عن كلمة: ثم.
(2) أي مقطوع السرة، من سررت الصبى أسره سرا: إذا قطعت سرره، و السرر بكسر السين و فتحها لغة بالسر بالضم، و هو ما تقطعه القابلة من سرة الصبى.
(3) قال المصنّف: و الرباعية كثمانية: السن التي بين الثنية و الناب و هو بين الرباعية و الضاحك، و تقدير الكلام: و معه رباعيتاه و نابه، و كان نبات خصوص تلك لمزيد مدخليتها في الجمال، و عدم نبات الثنايا لمزيد إضرارها بثدى الام، و يحتمل أن يكون المراد نبات كل الأسنان، و التخصيص بالذكر على المثال، مثل سبيكة الذهب أي نور أصفر و أحمر شبيه بها، و سيلان الذهب عن يديه أيضا كناية عن اضاءتهما و لمعانهما و بريقهما و سطوع النور الأصفر منهما، و الأعلاق جمع العلق بالكسر و هو النفيس من كل شيء، أي أشرف أولادهم، أو خلقوا من أشرف أجزائهم و طينتهم، أو هم أشرف شيء اختاروه لامتهم.
(4) الأصول 1: 387 و 388.
(5) عيون الأخبار: 134.
(6) أي صاحبها من الجن.
297
وَ انْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ وَ بَطَلَ سِحْرُ السَّحَرَةِ وَ لَمْ يَبْقَ سَرِيرٌ لِمَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوساً وَ الْمَلِكُ مُخْرِساً لَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ نِدَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ أَبْشِرُوا فَقَدْ آنَ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ مَيْمُوناً مُبَارَكاً (1).
34- د، العدد القوية عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُ آبَائِي يُحَدِّثُونَ كَانَتْ لِقُرَيْشٍ كَاهِنَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْهُمَانِيَّةُ وَ كَانَ لَهَا ابْنٌ مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ عِبَادَةً لِلْأَصْنَامِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)جَاءَتْ إِلَيْهَا تَابِعَتُهَا (2) وَ قَالَتْ لَهَا جُرْهُمَانِيَّةُ حِيلَ بَيْنِي وَ بَيْنَكِ جَاءَ النُّورُ الْمَمْدُودُ الَّذِي مَنْ دَخَلَ فِي نُورِهِ نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ نُورِهِ هَلَكَ أَحْمَدُ صَاحِبُ اللِّوَاءِ الْأَكْبَرِ وَ الْعِزِّ الْأَبَدِيِّ وَ ابْنُهَا يَسْمَعُ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ثُمَّ مَرَّ (3) فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ عَادَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ (4) فَقَالَتْ وَيْحَكِ وَ مَنْ أَحْمَدُ قَالَتْ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَتِيمُ قُرَيْشٍ صَاحِبُ الْغُرَّةِ الْحَجْلَاءِ وَ النُّورِ السَّاطِعِ فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهَذَا الْكَلَامِ نَظَرَتْ إِلَى صَنَمِهَا يَمْشِي مَرَّةً وَ يَعْدُو مَرَّةً وَ يَقُولُ وَيْلِي مَنْ هَذَا الْمَوْلُودُ هَلَكَتِ الْأَصْنَامُ قَالَ فَكَانَتِ الْجُرْهُمَانِيَّةُ تَنُوحُ عَلَى نَفْسِهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ (5).
35- د، العدد القوية قِيلَ لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَالَ أَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ أَيُّ شَيْءٍ خَبَّرَتْكِ بِهِ آمِنَةُ أَنَّهَا رَأَتْ حِينَ وَلَدَتْ هَذَا الْمَوْلُودَ قَالَتْ خَبَّرَتْنِي أَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْهُ خَرَجَ مُعْتَمِداً عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَصْعَدُ مِنْهُ نُورٌ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى مَلَأَ الْأُفُقَ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَالِبٍ اسْتُرِي هَذَا وَ لَا تُعْلِمِي بِهِ أَحَداً أَمَا إِنَّكِ سَتَلِدِينَ مَوْلُوداً يَكُونُ وَصِيَّهُ (6).
36- كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَلَوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الرِّزَامِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) العدد: مخطوط.
(2) أي صاحبها من الجن.
(3) و استظهر المصنّف في هامش النسخة أن الصحيح: عادت بمثل قولها ثمّ مرت.
(4) و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: عادت بمثل قولها.
(5) العدد: مخطوط.
(6) العدد: مخطوط.
298
ع فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا ابْنُهُ مُوسَى(ع)وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ ذَكَرَتْ حَمِيدَةُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَطْنِهَا حِينَ سَقَطَ وَاضِعاً يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَخْبَرْتُهَا أَنَّ ذَلِكَ أَمَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَمَارَةُ الْوَصِيِّ(ع)مِنْ بَعْدِهِ (1) فَقَالَ لِي إِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي عُلِقَ (2) فِيهَا بِجَدِّي أَتَى آتٍ جَدَّ أَبِي بِكَأْسٍ فِيهِ شَرْبَةٌ أَرَقُّ مِنَ الْمَاءِ وَ أَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ وَ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ وَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ فَسَقَاهُ إِيَّاهُ وَ أَمَرَهُ بِالْجِمَاعِ فَقَامَ فَجَامَعَ فَعُلِقَ بِجَدِّي وَ لَمَّا أَنْ كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي عُلِقَ فِيهَا بِأَبِي أَتَى آتٍ جَدِّي فَسَقَاهُ كَمَا سَقَى جَدَّ أَبِي وَ أَمَرَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَمَرَهُ فَقَامَ فَجَامَعَ فَعُلِقَ بِأَبِي وَ لَمَّا أَنْ كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي عُلِقَ فِيهَا بِي أَتَى آتٍ أَبِي فَسَقَاهُ بِمَا سَقَاهُمْ وَ أَمَرَهُ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فَقَامَ فَجَامَعَ فَعُلِقَ بِي وَ لَمَّا أَنْ كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي عُلِقَ فِيهَا بِابْنِي أَتَانِي آتٍ كَمَا أَتَاهُمْ فَفَعَلَ بِي كَمَا فَعَلَ بِهِمْ فَقُمْتُ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ إِنِّي مَسْرُورٌ بِمَا يَهَبُ اللَّهُ لِي فَجَامَعْتُ فَعُلِقَ بِابْنِي هَذَا الْمَوْلُودِ فَدُونَكُمْ فَهُوَ وَ اللَّهِ صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَ إِنَّ نُطْفَةَ الْإِمَامِ مِمَّا أَخْبَرْتُكَ وَ إِذَا سَكَنَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ أُنْشِئَ فِيهَا الرُّوحُ بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ حَيَوَانُ فَكَتَبَ عَلَى عَضُدِهِ الْأَيْمَنِ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَ إِذَا وَقَعَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَقَعَ وَاضِعاً يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَمَّا وَضْعُهُ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَقْبِضُ كُلَّ عِلْمٍ لِلَّهِ أَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَ أَمَّا رَفْعُهُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِنَّ مُنَادِياً يُنَادِي بِهِ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعِزَّةِ مِنَ الْأُفُقِ الْأَعْلَى بِاسْمِهِ وَ اسْمِ أَبِيهِ يَقُولُ يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ اثْبُتْ تُثْبَتْ (3) فَلِعَظِيمٍ مَا
____________
(1) في المصدر هنا زيادة هى: فقلت: جعلت فداك و ما هذا من أمارة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمارة الوصى من بعده؟ فقال لي اه.
(2) علقت المرأة و كل انثى بالولد: حبلت.
(3) اثبت، أمر من باب نصر، أي كن على علم و يقين و بصيرة، ثابتا على الحق في جميع أقوالك و أفعالك، تثبت، جواب للامر، و هو اما على بناء الفاعل من التفعيل، أي لتثبت غيرك على الحق، أو على بناء المفعول منه، أي يثبتك اللّه عليها، أو على بناء المفعول من الافعال، أي لتثبت إمامتك بذلك عند الناس، و الاثبات أيضا: المعرفة، أي تكن معروفا بالامامة بين الناس. قاله المصنّف في مرآة العقول 1: 290.
299
خَلَقْتُكَ أَنْتَ صَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي وَ مَوْضِعُ سِرِّي وَ عَيْبَةُ (1) عِلْمِي وَ أَمِينِي عَلَى وَحْيِي وَ خَلِيفَتِي فِي أَرْضِي لَكَ وَ لِمَنْ تَوَلَّاكَ أَوْجَبْتُ رَحْمَتِي وَ مَنَحْتُ جِنَانِي وَ أَحْلَلْتُ جِوَارِي ثُمَّ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَصْلِيَنَ (2) مَنْ عَادَاكَ أَشَدَّ عَذَابِي وَ إِنْ وَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي دُنْيَايَ مِنْ سَعَةِ رِزْقِي فَإِذَا انْقَضَى الصَّوْتُ صَوْتُ الْمُنَادِي أَجَابَهُ هُوَ وَاضِعاً يَدَيْهِ رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَ الْعِلْمَ الْآخِرَ وَ اسْتَحَقَّ زِيَارَةَ الرُّوحِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (3).
37 أقول روى (4) الشيخ أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار عن أبي عمرو الشيباني و جماعة من أهل الحديث أن السحرة و الكهنة و الشياطين و المردة و الجان قبل مولد (5) رسول الله(ص)كانوا يظهرون العجائب و يأتون بالغرائب و يحدثون الناس بما يخفون من السرائر و يكتمون في الضمائر و تنطق السحرة و الكهنة على ألسنة الجن و الشياطين و المردة بما يسترقون من السمع من الملائكة و لم تحجب السماء عن الشياطين حتى بعث النبي ص.
قال البكري و لقد بلغنا أنه كان بأرض اليمامة كاهنان عظيمان فاقا على أهل زمانهما في الكهانة و يتحدث الناس بهما في كل مكان و كان أحدهما اسمه ربيعة بن مازن (6) و يعرف بسطيح و هو أعلم الكهان و الآخر اسمه وشق (7) بن باهلة اليماني فأما سطيح فإن الله تعالى قد خلقه قطعة لحم بلا عظم و لا عصب سوى جمجمة رأسه و كان يطوى كما
____________
(1) العيبة: الزنبيل من أدم. ما تجعل فيه الثياب كالصندوق.
(2) صلى و أصلى فلانا النار: أدخله إياها و أثواه فيها.
(3) الأصول 1: 385 و 386.
(4) من هنا أول الجزء السادس من كتاب الأنوار على نسختى.
(5) مبعث خ ل، و هو الموجود في نسختى.
(6) ابن غسان خ ل و هو الموجود في نسختى، و تقدم قبل ذلك نسبه.
(7) شق خ ل في جميع المواضع، و هو الصحيح، و قد تقدمنا ذكر نسبه راجعه.
300
يطوى الثوب و ينشر و يجعل على وضمة (1) كما يجعل اللحم على وضمة القصاب لا ينام من الليل إلا اليسير يقلب طرفه إلى السماء و ينظر إلى النجوم الزاهرات و الأفلاك الدائرات و البروق اللامعات و يحمل على وضمة إلى الأمصار و يرفع إلى الملوك في تلك الأعصار (2) يسألونه عن غوامض الأخبار و ينبئهم بما في قلوبهم من الأسرار و يخبر بما يحدث في الزمان من العجائب (3) و هو ملقى على ظهره (4) شاخص ببصره لا يتحرك منه غير عينيه و لسانه قد لبث دهرا طويلا على هذه الحالة فبينا هو كذلك ذات ليلة شاخصا إلى السماء إذ لاحت له برقة مما يلي مكة ملأت الأقطار (5) ثم رأى الكواكب قد علا منها النيران فظهر بها دخان و تصادم بعضها ببعض واحد بعد واحد (6) حتى غابت في الثرى فلم ير لها نور و لا ضياء (7) فلما نظر سطيح إلى ذلك دهش و حار و أيقن بالهلاك و الدمار و قال كواكب تظهر بالنهار و برق يلمع (8) بالأنوار يدل على عجائب و أخبار و ظل يومه ذلك حتى انقضى النهار فلما أدركه الليل (9) أمر غلمانه أن يحملونه إلى موضع فيه جبل هناك و كان شامخا في الجبال (10) فأمرهم أن يرفعوه عليه فجعل يقلب طرفه يمينا و شمالا فإذا هو بنور ساطع و ضياء لامع قد علا على الأنوار و أحاط على الأقطار و ملأ الآفاق فقال لغلمانه أنزلوني فإن
____________
(1) الوضم: الخشبة الجزاز التي يقطع عليها اللحم.
(2) في المصدر: فى جميع الاقطار.
(3) في المصدر: و يخبر بما يأتي و بما يظهر من الآفات و بما يكون، و هو ملقى على ظهره.
(4) على وضمه خ ل.
(5) في المصدر: مما يلي مكّة قد نزلت من عنان السماء، و لمعت بأنور الضياء، و ملات الاقطار، ثمّ رأى الكواكب قد علا نورها بالازهار، و مدح بينها النيران، و تصادم بعضها ببعض فظهر منهما دخان، ثمّ طوت واحدة في أثر واحدة حتّى غابت في الثرى.
(6) واحدة بعد واحدة خ ل.
(7) نورا و لا ضياء خ ل.
(8) في المصدر: و برقة تلمع.
(9) في المصدر: و بقى يومه ذلك متفكرا فيما عاينه حتّى انقضى النهار: فلما أتى الليل.
(10) في المصدر: شامخا عاليا على الجبال.
301
عقلي قد طار و لبي قد حار من أجل هذه الأنوار و إني أرى أمرا جليلا و قد دنا مني الرحيل بلا شك عن قليل قالوا له و كيف ظهر لك ذلك يا سطيح قال يا ويلكم إني رأيت أنوارا قد نزلت من السماء إلى الأرض و أرى الكواكب قد تساقطت إلى الأرض و تهافتت (1) و إني أظن أن خروج الهاشمي قد دنا فإن كان الأمر كذلك فالسلام على الوطن (2) من أهل الأمصار و اليمن إلى آخر الزمن فحار غلمانه من كلامه و أنزلوه و قد أرق (3) تلك الليلة أرقا و أصبح قلقا لم يتهنأ برقاد و لم يوطأ له مهاد كثير الفكر و السهاد (4) و جمع قومه و عشيرته و قال لهم إني أرى أمرا عظيما و خطبا جسيما و قد غاب عني خبره و خفي علي أثره و سأبعث إلى جميع إخواني من الكهان فكتب إلى سائر البلدان و كتب (5) إلى وشق يخبره (6) عن الحال و يشرح له المقال فرد عليه الجواب قد ظهر عندي بعض الذي ذكرت و سيظهر نور الذي وصفت غير أني لا علم لي فيه و لا أعرف شيئا من دواعيه فعند ذلك كتب إلى الزرقاء ملكة اليمن و كانت من أعظم الكهنة و السحرة (7) قد ملكت قومها بشرها و سحرها و كان المجاورون لها آمنين في معايشهم لا يخافون من عدو و لا يجزعون من أحد و كانت حادة البصر عظيمة الخطر تنظر من مسيرة ثلاثة أيام كما ينظر الإنسان الذي بين يديه و إذ أراد أحد من أعدائها الخروج إلى بلدها تخبر قومها و تقول احذروا فقد جاءكم عدوكم من جهة كذا و كذا فيجدون الأمر كما ذكرت.
قال أبو الحسن البكري و لقد بلغني أن أهل اليمامة قتلوا قتيلا من غسان و كان قد قتل منهم رجلا قبل ذلك فبلغ قومه قتله فأجمعوا أن يكبسوا (8) قومها في أربعة آلاف
____________
(1) أي تساقطت.
(2) على الوطن و على اليمن خ ل و مثله موجود في المصدر، الا أن فيه: و اليمن.
(3) أرق: ذهب عنه النوم في الليل.
(4) الرقاد: النوم. و السهاد: اليقظة و الارق.
(5) في المصدر: فلما أصبح جمع قومه إه. و فيه: و إلى سائر البلدان، فكتب اه.
(6) يسأله خ ل و هو الموجود في المصدر.
(7) في المصدر هنا زيادة هى: عظيمة الشر، بعيدة الخير.
(8) أي يهجموا عليهم فجأة.
302
مدرع و قال لهم سيدهم من غسان يا ويحكم أ تطمعون في الدخول إلى اليمامة و فيها الزرقاء أ ما تعلمون أنها تنظر إلى الوافدين و تعاين الواردين من البعد فكيف إذا رأت ركائبكم (1) قد أقبلت فتخبر قومها و يأخذون حذرهم (2) و أنشأ يقول.
إني أخاف من الزرقاء و صولتها.* * * إذا رأت جمعكم يسري إلى البلد.
ترميكم بأسود لا قوام لكم.* * * بشرها ثم لا تبقي على أحد.
كم من جموع أتوها قاصدين لها.* * * فراح جمعهم بالخوف و النكد.
فقالوا ما الذي تشير به علينا قال رأيت رأيا و أنا أرجو أن يكون فيه الظفر إن ساعدني فيه القدر قالوا و ما ذلك قال إني أقول لكم انزلوا عن خيلكم ثم اعمدوا إلى الشجر فيقطع (3) كل واحد منكم ما يستره ثم تحملونه في أيديكم ثم تقودون خيلكم و تسيرون في ظل الشجر فعسى أن يتغير عليها النظر قالوا نعم الرأي ما رأيت ففعلوا ما قال حتى بقي (4) بينهم و بين اليمامة ثلاثة أيام جعلوا أمامهم رجلا معه كتف بعير يلوح (5) به و نعل يخصفه لينكر عليها (6) النظر فلما نظرت إليهم الزرقاء و كانت في صومعتها صاحت بأعلى صوتها و قالت يا أهل اليمامة أقبلوا فأقبل إليها الناس و قالوا ما عندك من (7) خبر قالت إني رأيت (8) عجبا عجيبا و أظن أن الملبسة تسير إلينا في ظل الشجر و هم جمع كثير يتقدمهم رجل في يده كتف بعير و معه
____________
(1) الركائب جمع الركاب: الإبل. و في المصدر بعد أقبلت: و مراكبكم قد أشرفت.
(2) الحذر: ما فيه الحذر من السلاح و غيره.
(3) في المصدر: اشير عليكم أن تنزلون عن خيلكم، ثمّ تعمدون الى الشجر، و تقطعون.
(4) في المصدر: قالوا له: الرأى ما رأيت، ثمّ نزلوا عن خيلهم و فعلوا ما أمرهم سيدهم وجدوا السير، فلما بقى.
(5) أي يرفعه و يحركه ليلوح للناظر.
(6) في المصدر: ليتغير عليها النظر.
(7) في المصدر: يا أهل اليمامة أقبلوا إلى قبل أن تحل بكم الندامة، فأقبلوا إليها يهرعون من جانب و مكان ينسلون، فأخذوا بصومعتها، و قالوا: ما وراءك؟ و ما الذي دهاك؟ قالت: أنى أرى عجبا عجبا اه قلت لعلّ الصحيح: من كل جانب.
(8) أرى خ ل.
303
نعل يخصفه تارة و تارة يلوح بكتف البعير فلما سمعوا كلامها أعرضوا عنها و قال بعضهم لبعض إن الزرقاء قد خرفت و تغير نظرها فهل رأيتم شجرا يسير و رجلا يلوح بكتف بعير إن هذا وسواس (1) و جنون قد عارضها فلما سمعت منهم ذلك أغلقت صومعتها و كان لا يقدر عليها أحد قط فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلا حتى كبسوا اليمامة و هدموا البنيان و سبوا النسوان و قتلوا الرجال و أخذوا الأموال ثم ولوا راجعين فوقع بقومها الندامة و أعقبتهم الملامة حيث لم يسمعوا منها و خالفوها ثم إن سطيحا كتب إليها كتابا يقول فيه باسمك اللهم من سطيح صاحب القول الفصيح (2) إلى فتاة اليمامة المنعوتة بالشهامة (3) من سطيح الغساني الذي ليس له في عصره ثاني أما بعد فإني كتبت إليك كتابي و أنا في هموم و سكرات و غموم و خطرات و قد تعلمين ما الذي يحل بنا من الدمار (4) و الهلاك من خروج التهامي الهاشمي الأبطحي العربي المكي المدني السفاك للدماء و قد رأيت برقة لمعت و كواكبا سطعت (5) و إني أظن أن ذلك من علاماته و لا شك أنه قرب أوانه و ما كتبت إليك إلا بما أرى عندك من التحصيل و ما في نساء عصرنا لك من مثيل فإذا ورد رسولي إليك و قدم كتابي عليك ردي جوابي بما عندك من الخطاب و ما ترينه من الصواب فإنه لا يقر لي قرار لا في الليل و لا في النهار و لم أقف (6) على هذه الدلائل و الآثار و السلام.
ثم دعا بغلام له اسمه صبيح و قال له سر بهذا الكتاب إلى اليمامة (7) و أتني
____________
(1) الا وسواس خ ل فعليه فان نافية.
(2) في المصدر زيادة هى: و القول النجيح.
(3) في المصدر: بالكهانة.
(4) في المصدر: من التدمير.
(5) سقطت خ ل و في المصدر: قد تساقطت. و فيه: و لا شك أن أوانه قد أتى، و خروجه قد دنا.
(6) حتى أقف خ ل و في المصدر: قد وقعت على.
(7) في المصدر زيادة هى: و أوصله الزرقاء.
304
بالجواب فأخذ صبيح الكتاب و مضى به حتى صار بينه و بين اليمامة ثلاثة أيام فرمقته (1) الزرقاء و الكتاب في طي عمامته فصاحت في قومها قد جاءكم راكب قاصد إلى بلدكم وارد قد أرسل زمام ناقته و الكتاب (2) في طي عمامته فجعل القوم يرتقبونه إلى أن وصل بعد ثلاثة أيام فلما رأته انحدرت إليه و فتحت الباب (3) فدفع إليها الكتاب فقرأته ثم قالت خبر قبيح أتانا به صبيح من كاهن اليمن سطيح يسأل عن نور ساطع و ضياء لامع ذلك و رب الكعبة من دلائل خراب (4) الأطلال و يتم (5) الأطفال فإنه يظهر من عبد مناف محمد النبي بلا خلاف قال صبيح فتعجبت من كلامها و طلبت الجواب فكتبت إلى سطيح يقول بسم الله من الزرقاء (6) الذي ليس عليها (7) شيء يخفى إلى سيد غسان و أفضل الكهان المعروف بسطيح صاحب القول الفصيح أما بعد فإنه ورد كتابك علي و قدم رسولك لدي تذكر أمرا عظيما قد هجس بقلبك (8) و اختلج بلبك أما نزول الكواكب فكأنك بآيات (9) الهاشمي قد قربت فإذا قرأت كتابي فأيقظ نفسك و احذر من الغفلة و التقصير و بادر إلى التشمير و المسير لنلتقي بمكة فإني راحلة إليها لأعرف هذا الأمر على حقيقته فلعلنا نتساعد على هذا المولود فنعمل فيه الحيلة عسى أن نظفر بهلاكه و نخمد نوره قبل إشراقه فلما قرأ كتابها انتحب و بكى بكاء شديدا ثم قال.
____________
(1) في المصدر: قال: ثم أخذ الكتاب و مضى يجد السير، حتى بقى بينه و بين قصر الزرقاء يومين، رمقته اه، قلت: يومين مصحف، يدل عليه بعده.
(2) يلوح خ ل.
(3) في المصدر: فلما قدم صبيح الى اليمامة استدلّ على قصر الزرقاء، فارشده إليه، فلما رأته قريبا منها انحدرت و فتحت له الباب.
(4) مخرب خ ل.
(5) ميتم خ ل.
(6) بسم اله الزرقاء خ ل.
(7) عليه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(8) هجس في صدره: خطر بباله. و في المصدر: هجم بقلبك.
(9) فانك ترى آيات خ ل و هو الموجود في المصدر.
305
لا صبر لا صبر أضحى بعد معرفة. (1)* * * تعذو الجلادة كالمستضعف الوهن.
إن كان حقا خروج الهاشمي دنا.* * * فارحل بنفسك لا تبكي على اليمن.
ثم اجعل القفر أوطانا تقيم بها.* * * و اغد عن الأهل ثم الدار و الوطن.
فالعيش في مهمه (2) من غير ما جزع.* * * أهنأ من العيش في ذل و في حزن.
قال ثم أخذ في أهبة السفر و خرج من ساعته إلى مكة و قال لقومه إني سائر إلى نار قد تأججت فإن أدركت إخمادها رجعت إليكم و إن كانت الأخرى فالسلام مني عليكم فإني لاحق بالشام أقيم بها حتى أموت فلما وصل مكة أقبل (3) إلى سطيح رجال من قريش و فيهم أبو جهل و أخوه أبو البختري و شيبة و عتبة بن أبي معيط و العاص بن وائل فقالوا يا سطيح ما قدمت إلا لأمر عظيم أ لك حاجة فتقضى فقال لهم بورك فيكم ما لي يديكم حاجة فقالوا له تمضي معنا إلى منازلنا فقال بل أنزل عند من إليهم قصدت و نحوهم أردت و بفنائهم أنخت و قد علمتم فضلي و قد جئتكم أحدثكم بما كان و ما يكون إلهاما ألهمني الله بالصواب و أنطقني بالجواب فأين المتقدمون في العهد و من لهم السابقة في الحمد و المجد لقد أردت أفضل قريش من بني عبد مناف فأنا لهم المبشر بالبشير النذير و القمر المستنير فقد قرب ما ذكرته فأين عبد المطلب و سلالته الأشبال فعظم ذلك على أبي جهل و تفرقوا (4) عنه يمينا و شمالا و اتصل الخبر إلى بني عبد مناف فجمع أبو طالب إخوته عبد الله و العباس و حمزة و عبد العزى و قال لهم إن هذا القادم عليكم هو كاهن اليمن
____________
(1) منزلة خ ل.
(2) المهمه: المفازة البعيدة. البلد المقفر.
(3) في المصدر بعد قوله: أموت: قال: ثم وطّأ له غلامه راحلته، و سار حتّى ادرك مكّة، فأتى، به الى الكعبة، قال: فتسامعت به قريش فأتوا يهرعون إليه من كل جانب و مكان، فلما اجتمعوا حوله زعم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيهم و قد ولد، و كانت أمه آمنة قد حملت به، قال:
فاقبلت الى سطيح.
(4) في المصدر: و نفروا عنه.
306
و سيدها و قد كان قديما ورد على أبيكم و أخبره بمولود يخرج من ظهره مبارك في عمره يملك الأقطار و يدعو إلى عبادة الملك الجبار (1) فساروا إليه و قال لهم أنكروه أنسابكم و لا تعرفن (2) أحسابكم ثم إن أبا طالب سار في إخوته حتى وردوا إليه و كان في ظل الكعبة جالسا و الناس حوله (3) فلما نظر إليهم فرح بهم ثم دفع أبو طالب سيفه و رمحه إلى غلامه و قال (4) هذه هدية مني إلى سطيح فإنه لواجب الحق علينا ثم انحرف إليه من قبل أن يخبره غلامه فلما وصل إليه قال حييت (5) بالكرامة و خلدت في النعمة فإنا قد أتيناك زائرين و لواجب حقك غير منكرين (6) فقال سطيح حييتم بالسلام و أتحفتم بالإنعام فمن أي العرب أنتم فأراد أبو طالب أن يعلم مقدار علمه قال نحن قوم من بني جمح فقال سطيح ادن مني أيها الشيخ و ضع يدك على وجهي فإن لي في ذلك حاجة فدنا منه و وضع يده على وجهه فقال سطيح و علام الأسرار المحتجب عن الأبصار الغافر للخطيئة و كاشف البلية إنك صاحب الذمم الرفيعة و الأخلاق المرضية و المسلم إلى غلامي الهدية قناة خطية و صفيحة (7) هندية و إنكم لأشرف البرية و إن لك و لأخيك أشرف الذرية و إنك و من أتى معك من سلالة هاشم الأخيار و إنك لا شك عم نبي المختار المنعوت في الكتب و الأخبار فلا تكتم نسبك فإني عارف بنسبكم فتعجب أبو طالب من كلامه و قال له يا شيخ لقد صدقت في المقال و أحسنت الخصال فنريد أن تخبرنا بما يكون في زماننا
____________
(1) في المصدر بعد قوله: الجبار: فأراه قد قدم علينا، فانطلقوا بنا إليه لنأخذ الامر منه على حقيقته، فان يكن صادقا فقد استوجب الاحسان، و ان يكن كاذبا رميناه بالهوان، و لكن انكروه أنسابكم، و لا تعرفوه أحسابكم.
(2) و لا تعرفوه خ ل.
(3) من حوله خ ل.
(4) و قال له خ ل.
(5) في المصدر: جئت.
(6) و الواجب علينا إكرامك خ ل.
(7) الصفيحة: السيف العريض.
307
و ما يجري علينا فقال سطيح و الدائم الأبد و رافع السماء بلا عمد الواحد الأحد الفرد الصمد ليبعثن من هذا و أشار إلى عبد الله عن قريب الأمد نبي يهدي إلى الرشد يدمر كل صنم و يهلك كل من لها عبد لا يرفع سيفه عن أحد يدعو إلى عبادة الله الأحد يعينه على ذلك معين هو ابن عمه له قرين صاحب صولات عظام و ضربات بالحسام و أبوه لا شك هذا و أشار بيده إلى أبي طالب فقالوا له يا شيخ نحب أن تصف لنا هذا النبي و تبين لنا نعته فقال اسمعوا مني كاملا صحيحا سيظهر منكم عن قليل شخص نبيل و هو رسول الملك الجليل و إن لسان سطيح عنه (1) لكليل و هو رجل لا بالقصير اللاصق و لا بالطويل الشاهق حسن القامة مدور الهامة بين كتفيه علامة على رأسه عمامة تقوم له الدعامة (2) إلى يوم القيامة ذلك و الله سيد تهامة يزهر وجهه في الدجى و إذا تبسم أشرقت الأرض بالضياء أحسن من مشى و أكرم من نشأ حلو الكلام طلق اللسان نقي زاهد خاشع عابد لا متجبر و لا متكبر إن نطق أصاب و إن سئل أجاب طاهر الميلاد بريء من الفساد رحمة على العباد بالنور محفوف و بالمؤمنين رءوف و على أصحابه عطوف اسمه في التوراة و الإنجيل معروف يجير الملهوف و بالكرامة موصوف اسمه في السماء أحمد و في الأرض محمد ص.
فقال له أبو طالب يا سطيح هذا الشخص الذي ذكرت أنه يعينه و يقاربه في حسبه و نسبه انعته لنا كما نعت لنا هذا فقال إنه همام و ليث ضرغام و أسد قمقام و قائد مقدام كثير الانتقام يسقي كأس الحمام عظيم الجولة شديد الصولة كثير الذكر في الملإ يكون لمحمد(ص)وزيرا و يدعى بعد (3) موته أميرا اسمه في التوراة برئيا و في الإنجيل إليا (4) و عند قومه عليا ثم أمسك مليا كأنه قد سلب عقله و هو متفكر في أمره (5) و الناس ينظرون إليه ثم التفت إلى أبي طالب و قال
____________
(1) عن نعته خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(2) تكون له الزعامة خ ل.
(3) قبل خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) اديا خ ل و في المصدر: اسمه في التوراة: بريا و في الإنجيل: أريا.
(5) في فعله خ ل و هو الموجود في المصدر.
308
أيها السيد رد يدك على وجهي ثانية ففعل أبو طالب فلما حس (1) سطيح بيد أبي طالب تنفس الصعداء و أن كمدا (2) و قال يا أبا طالب خذ بيد أخيك عبد الله (3) فقد ظهر سعدكما فأبشرا بعلو مجدكما فالغصنان من شجرتكما محمد لأخيك و علي لك فبهت أبو طالب من كلامه و شاع في قريش ما قاله سطيح فعند ذلك قال أبو جهل لعنه الله معاشر الناس من قريش ليس هذه (4) بأول حادثة نزلت بنا من بني هاشم فقد سمعتم من سطيح من ظهور هذا الرجل الذي يفسد أدياننا و من يشاركه من ولد أبي طالب فبينا هم كذلك إذ جاء أبو طالب و وقف وسط الناس و نادى بأعلى صوته يا معاشر قريش اصرفوا عن قلوبكم الطيش (5) و لا تنكروا ما سمعتم فنحن بالقدمة أولى و على (6) يدنا نبعت زمزم و الله ما سطيح بكاذب بل إنه (7) في كلامه لصائب و ما نطق بكلمة إلا ظهر برهانها أ ليس هو القائل لكم بأنه يطلع عليكم (8) سيف لا يترك منكم أحدا في بلد اليمن فلم يكن إلا كرقدة النائم (9) و إذا قد ظهر ما قال و عن قليل سيظهر ما ذكر على رغم من يعاديه ثم إن أبا طالب أمر بسطيح أن يرفع إلى منزله فأكرمه و حباه و قربه و خلع عليه و كساه و باتت مكة تموج تلك الليلة فلما برق الصباح فأول
____________
(1) في المصدر: أحس.
(2) أن: صوت لالم و تأوه. الكمد: الحزن و الغم الشديد.
(3) و أشار إلى عبد اللّه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) في المصدر: معاشر قريش ليس هذا.
(5) الطيش: النزق و الخفة. ذهاب العقل.
(6) في المصدر: فنحن أولى بالقدمة من كعبة اللّه، و دفع الاذى عن حرم اللّه، و على أيدينا نبعت زمزم.
(7) و إنّه خ ل.
(8) رجل اسمه خ ل و في المصدر: أ ليس هو القائل لكم: بين الحرمين لتطأ أرضكم رايات الجيش، فما مضت أيّام حتّى رأيناها نزلت بنا و عايناها؟ قالوا: صدقت، قال: أ و ليس هو القائل لكم: بين الحرمين يطلع عليكم رجل اسمه سيف لا يترك منهم أحد في بلد اليمن، فلن يكون الا كعطفة حتّى رأيتم ذلك، و أورد قومنا الهلاك، و عن قليل سيظهر اه. قلت: قوله: فلن يكون و قوله: كعطفة لعله مصحف: فلم يكن و كغفوة النائم.
(9) الا كغفوة النائم حتّى رأيتم ذلك خ ل.
309
من خرج إلى الأبطح أبو جهل ثم بعث عبيده إلى سادات قريش فقدموا عليه فلما ارتفع النهار ضاق الأبطح من كل جانب فقام أبو جهل و نادى يا آل غالب يا آل طالب يا ذوي العلا (1) و المراتب أ ترضون لأنفسكم أن ترموا بالمناكب كما ذكر أبو طالب إن هذا من العجائب لنقل جلاميد الصفا إلى البحر الأقصى أيسر مما ذكر سطيح أنه سيظهر من بني عبد مناف نبي عن قليل يرمينا بالبوار و التنكيل (2) تبا لكم إن كانت أنفسكم بما ذكره راضية و إلى ما أخبر به واعية (3) فإن رضيتم بذلك فمن الآن عليكم مني السلام و أنا راحل عنكم خارج عن أرضكم فمجاورة الترك (4) أحب إلي من المقام عندكم ثم تركهم و مضى فضجت المحافل و بقي الأبطح يموج بأهله فمضوا إليه و قالوا له يا أبا الحكم أنت السيد فينا (5) و إن رأينا رأيك و أمرنا إليك فقال إني أرى من الرأي أن تحضروا منزل (6) أبي طالب و تخاطبوه في قول هذا الكاهن لئلا يكون سبب العداوة بيننا و بينه فإما أن يسلم إلينا سطيحا أو يخرجه من أرضنا فإن أبى كان السيف أمضى و الموت أقضى و أنشد شعرا.
لضرب عنقي بسيفي يا قوم عمدا بكفي.* * * و قطع أحجار أرض إلى قرار بخسف.
أولى و أهون عندي من أن أرام بعسف
فلما بلغ أبا طالب مقالة أبي جهل جمع إخوته و أقاربه و قال تجللوا بالسلاح و استعدوا للكفاح (7) و قال إني أرى دماء قد غلت و آجالا قد قربت ثم سار
____________
(1) هكذا في الكتاب، و لعله مصحف العلاء أو العلى.
(2) في المصدر زيادة هى: و يوعدنا بالذل الطويل.
(3) داعية خ ل.
(4) الشوك خ ل.
(5) في المصدر: من المقام في هذه الدار التي يحل لنا فيها الذلة و الصغار و القلة، ثمّ تركهم و مضى الى منزله، و عزم على الرحيل، قال: فقالوا: يا أبا الحكم ما هذا الذي قد حولت، و الحال الذي عزمت؟ فانت السيّد فينا.
(6) مجلس خ ل و هو الموجود في المصدر.
(7) الكفاح: المواجهة للحرب.
310
حتى قدم الأبطح فشخصت إليهم الأبصار و خرست الألسن و جلس كل قائم هيبة لأبي طالب (1) ثم تحظى القبائل حتى توسط الناس ثم رفع صوته و قال يا سكان زمزم و الصفا و أبي قبيس و حرى من الثالب لبني عبد المطلب منكم و إني أذكركم بهذا اليوم العبوس (2) الذي تقطع فيه الرءوس و يكون بأيدينا هذه النفوس و إني قائل لكم و حق إله الحرم و بارئ النسم إني لأعلم عن قليل ليظهرن المنعوت في التوراة و الإنجيل الموصوف بالكرم و التفضيل الذي ليس له في عصره (3) مثيل و لقد تواترت الأخبار أنه يبعث في هذه الأعصار رسول الملك الجبار المتوج بالأنوار ثم قصد (4) الكعبة و أتى الناس وراءه إلا أبا جهل وحده و قد حلت به الذلة و الصغار و الذل و الانكسار فلما دنا أبو طالب من الكعبة قال اللهم رب هذه الكعبة اليمانية و الأرض المدحية و الجبال المرسية إن كان قد سبق في حكمك و غامض علمك أن تزيدنا شرفا فوق شرفنا و عزا فوق عزنا بالنبي المشفع الذي بشر به سطيح فأظهر اللهم يا رب تبيانه و عجل برهانه و اصرف عنا كيد المعاندين يا أرحم الراحمين.
ثم جلس أبو طالب و الناس حوله فوثب إليه منبه بن الحجاج و كان جسورا عليه فقام و تطاولت الناس تنظر ما يقول له فنادى برفيع صوته يا أبا طالب ظهرت عزتك و أنارت طلعتك و ابتهج شكرك (5) بالكرم السني و الشرف العلي و قد علمت رؤساؤكم من القبائل و أهل النهى و الفضائل أنكم أهل الشرف الأصيل و أنت سيد مطاع قاهر
____________
(1) في المصدر: فعندها خرس كل فصيح، و جلس كل قائم، و استوى كل نائم، هيبة لابى طالب.
(2) في المصدر: و من منكم الثالب، لبنى عبد المطلب ذى المكرمات و المناقب؟ حتى أجلله الويل و الحزن، و أمّا أنا لا أعرف من أمه و أبيه حين أنكره و أجحده، و أنا اذكركم بيوم عبوس.
(3) في عصرنا خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) في المصدر: ثم تركهم و هم خمود، كانهم من أوس و قرود، لم يجرأ يرد عليه أحد منهم جوابا، و لا تشافهه خطابا، ثمّ قصد.
(5) ذكرك خ ل.
311
و لكن ليس لمثلك أن يسمع ما قاله كاهن و أنت تعلم أنهم أوعية الشيطان يأتون بالكذب و البهتان فلعلك أن تصيره (1) إلينا و لعله يظهر شيئا مما قاله فإن النبوة لها دلائل و آثار لا تخفى على العاقل فأمر أبو طالب أن يحضر سطيح فلما وضعوه على الأرض نادى سطيح يا معاشر قريش لقد أكثرتم الاختلاف و زادت قلوبكم بالارتجاف (2) بذيتم بألسنتكم على آل عبد مناف تكذبونه فيما نطق و تلومونه إذا صدق (3) و قد أرسلتم إلي تسألوني عن الحال الظاهر و عن أمر النبي الطاهر صاحب البرهان و قاصم الأوثان و مذل الكهان و ايم الله ما فرحنا بظهوره لأن الكهانة عند ولادته تزول و لكني أقول إذا كان ذلك فلا خير لسطيح في الحياة و عندها يتمنى الوفاة فإنه قد قرب (4) فأتوني بأمهاتكم و نسائكم لترون العجب العجيب الذي ليس فيه تكذيب حتى أوقفكم هذه الساعة و أعرفكم أيتهن الحامل به فقالوا له أ تعلم الغيب قال لا و لكن لي صاحب من الجن يخبرني و يسترق السمع ثم إن القوم افترقوا إلى منازلهم و أتوا بنسائهم و لم تبق واحدة من النساء إلا جاءوا بها فأقبل أبو طالب و قال لأخيه أمسك زوجك و لا تحضرها و أمسك هو زوجته فاطمة رضي الله عنها و أقبلت النسوان جمع فنظر إليهن ثم قال اعزلوا النساء عن الرجال ثم أمر النساء أن يتقدمن إليه فجعل سطيح ينظر إليهن بعينه و لا يتكلم قالوا له خرس لسانك و خاب ظنك فقال و الله ما خاب ظني و رفع رأسه و طرفه إلى السماء و قال و حق الحرمين لقد تركتم من نسائكم اثنتين الواحدة منهن الحامل بالمولود الهادي إلى الرشاد محمد و الأخرى ستحمل عن قريب و تلد غلاما أمينا يدعى بأمير المؤمنين و سيد الوصيين و وارث علوم الأنبياء و المرسلين فلما سمع العرب منه ذلك دهشوا و خابوا و انطلق أبو طالب إلى منزله و عنده إخوته و أتى بزوجته فاطمة بنت أسد و آمنة زوجة أخيه عبد الله فلما وصلتا بجمع الناس (5) من النساء صاح سطيح بأعلى صوته
____________
(1) في المصدر تحضره. و فيه: و لعله يظهر شيئا نستدل به على صدقه.
(2) في قلوبكم الارتجاف خ ل قلت: بذى عليه: تكلم بالفحش.
(3) في المصدر: تكذبوه فيما صدق، و تلومونه فيما نطق.
(4) في المصدر: مولده عن قريب يكون.
(5) الى مجمع النساء خ ل.
312
و جعل يبكي و يقول يا ذوي الشرف هذه و الله الحاملة بالنبي المختار رسول الله(ص)فلما دنت آمنة منه قال لها أ لست حاملة قالت نعم فالتفت عند ذلك إلى قريش و قال الآن شهد قلبي و ثبت لبي و صدقني صاحباي (1) هذه سيدة نساء العرب و العجم و هي الحامل بأفضل الأمم مبيد كل وثن و صنم يا ويح العرب منه قد دنا ظهوره و لاح نوره و كأني (2) أرى من يخالفه قتيلا و في التراب جديلا (3) و طوبى لمن صدق منكم بنبوته و آمن برسالته ثم طوبى له قد أخذ الأرض و رجعت له بالأمن طولها و العرض (4) ثم التفت إلى فاطمة و صاح صيحة و شهق شهقة و خر مغشيا عليه فلما أفاق من غشيته انتحب و بكى و قال بأعلى صوته هذه و الله فاطمة بنت أسد أم الإمام الذي يكسر الأصنام (5) و هو الأمير الذي ليس في عقله طيش قاتل الشجعان و مبيد الأقران الفارس الكمي و الضيغم القوي المسمى (6) بأمير المؤمنين علي ابن عم النبي عليهما أفضل الصلاة و السلام آه ثم آه كم ترى عيني من بطل مكبوب و فارس منهوب فلما سمع قريش كلام سطيح وثبوا عليه بالسيوف ليقتلوه فمنعهم بنو هاشم و جميع قريش (7) و نادى أبو جهل لعنه الله افسحوا لي عن هذا الكاهن فلا بد لنا من قتله حتى نشتفي منه و إن حلتم دونه لأجعلن لكم الدمار و لأردنكم البوار (8) فالتفت أبو طالب إليه
____________
(1) صاحبى خ ل م و هو الموجود في المصدر.
(2) في المصدر: يا ويح العرب، من شدة قد دنا أو آن ظهور محمّد الأمين، يدعو الى دين رب العالمين، و كأنى اه.
(3) هكذا في النسخة، و في المصدر: جليلا و لعله أظهر، و هو من جلل الشيء: غطاه. و زاد في المصدر: إنى أرى أن عزكم يزول، شرفكم يحول، فطوبى اه.
(4) في المصدر مكان قوله: ثم طوبى (إلى) و العرض: ثم طوبى له فلقد أخذ بالامر الوثيق، و نجا من كل ضيق.
(5) في المصدر هنا زيادة هى: و يبيد الاوثان.
(6) الموجود في المصدر هكذا: و هو الأمين الذي لا في عقله طيش، يخرب أطلالكم، و يتيم أطفالكم، سيفه في رءوسكم مغمود، و شره عنكم غير مردود، قاتل الشجعان، المسمى بعلى.
(7) في المصدر: و اجتمع قريش.
(8) لنعجلن بكم الدمار، و لنوردن عليكم البوار خ ل قلت: و المصدر خال عنه و عما في الصلب.
313
و قال له ويحك يا أخس العرب و أذلها إني أراك تحب فراق العشيرة مثلك من يتكلم بهذا الكلام و أنت أخس اللئام (1) ثم عاجله بضربة و حالوا بينه و بينه فلحقه بعض السيف فشجه شجة موضحة (2) و صار الدم يسيل على وجهه فنادى أبو جهل يا آل المحافل و رؤساء القبائل أ ترضون أن تحملوا العار و ترموا بالشنار اقتلوا سطيحا و آمنة و فاطمة بنت أسد و بني هاشم جميعا و أخمدوا نارهم و أطفئوا شرارهم فحمل قريش بأجمعهم على سطيح و لم يكن لبني هاشم طاقة فالتجأت النساء بالكعبة و ثار الغبار و طار الشرار و كثرت الزعقات (3) و ارتجت الأرض بطولها و العرض.
و يروى عن آمنة أم النبي(ص)قالت حين رأيت السيوف قد دارت حولي ذهلت في أمري و القوم يريدون قتلي فبينا أنا كذلك إذ اضطرب الجنين في بطني و سمعت شيئا كالأنين و إذا بالقوم قد صيح بهم صيحة من السماء و صرخ بهم صارخ من الهواء فذهلت العقول و سقطت الرجال و النساء على الوجوه صرعى كأنهم موتى قالت آمنة فرفعت بصري نحو السماء فرأيت أبواب السماء قد فتحت و إذا أنا بفارس في يده حربة من نار و هو ينادي و يقول لا سبيل لكم إلى رسول الملك الجليل و أنا أخوه جبرئيل قالت فعند ذلك سكن قلبي و رجع إلي جناني و تحققت دلائل النبوة لولدي محمد(ص)ثم انصرفنا إلى منازلنا و أقبل أبو طالب آخذا بيد أخيه عبد الله و جلسا بفناء الكعبة يهنئان أنفسهما بما رزقا من الكرامة و النصر و القوم صرعى فلبثوا كذلك ثلاث ساعات من النهار ثم قاموا كأنهم سكارى ثم تقدم منبه بن الحجاج و وقف إلى جانب أبي طالب و قال إنك لم تزل عاليا في المراتب و لمن ناواك غالبا لكن نريد منك أن تصرف عنا سطيحا فإن كان ما تكلم به صحيحا فنحن أولى بأن نعاضده و أنشأ يقول.
أبا طالب إنا إليك عصابة.* * * لنرجوك فارحم من أتى لك راجيا.
و نحن فجيران لكم و معاضد.* * * على كل من أضحى و أمسى معاديا.
____________
(1) في المصدر: أخس الأنام. (2) أي جرحه جراحة كشف عظم رأسه. (3) الزعقة: الصيحة.
314
أبا طالب حييت بالرشد (1)و الحبا.* * * و وقيت ريب الدهر ما دمت باقيا.
فإن كان رب العرش يرسل منكم.* * * إلينا رسولا و هو للحق هاديا. (2)
فنحن لنرجو أحمدا في زماننا.* * * نجالد عنه بالسيوف الأعاديا. (3)
أبا طالب فاصرف سطيحا فإنه.* * * أتى منه آت بالأذى و الدواهيا.
و دع عنك حرب الأهل و الطف تكرما.* * * و لا تتركن الدم في الأرض جاريا.
فرق أبو طالب رحمة لقريش و قال حبا و كرامة سأصرفه عنكم إذا كرهتموه و لكن سوف تعلمون صحة ما ذكر لكم ثم أمر بسطيح أن يحضر فلما حضر قال أ تدري لما ذا أحضرتك فقال نعم لقد سألوني (4)الخروج عن مكانهم (5)و الانتزاح عن بلادهم و أنا عازم (6)ثم قال إذا ظهر فيكم البشير النذير فأقرءوه مني السلام الكثير و قولوا له إن سطيحا أخبرنا بخروجك فكذبناه و من جوارك طردناه و ستأتيكم مبشرة عندها من العلم أكثر مما عندي و لا شك أنها قد دخلت بلادكم و حلت بساحتكم ثم إن سطيحا عزم على الخروج و رفعوه على بعيره و أحاط به بنو هاشم ليودعوه فبينما هم كذلك إذ أشرفت راحلة تركض براكبها و الغبار يطير من تحت أخفافها (7)فنظر إليها عمرو بن عامر و قال يا سادات مكة أتتكم الداهية الدهياء زرقاء اليمامة بنت مرهل (8)كاهنة اليمامة فما استتم كلامه و إذا بها قد صارت في أوساطهم و نادت بأعلى صوتها
____________
(1) جللت بالرفد خ ل.
(2) داعيا خ ل.
(3) المواضيا خ ل.
(4) سألتموني خ ل. و في المصدر: تسألونى الخروج عن مكانكم.
(5) مكانكم خ ل.
(6) عن بلادكم، و أنا على ما اردتموه عازم خ ل و هو الموجود في المصدر.
(7) في المصدر بعده: فتطاول إليها الاعناق، و شخصت إليها الاحداق، فكان أول من أتاها أبو قحافة عمر بن عامر، فلما نظرها عرفها، و نادى يا أهل الابطح و سادات الحرم أتتكم إه قلت:
فيه وهم، لان ابا قحافة اسمه عثمان، و اسم أبيه عامر، و اسم جده عمرو فالصحيح: أبو قحافة بن عامر بن عمرو، أو كلمة أبو قحافة زائدة.
(8) مرقل خ ل.
315
يا معاشر قريش حييتم بالإكثار و عمرت بكم الديار فإني فارقت أهلي و خرجت من أوطاني و جعلت قصدي إليكم لأخبركم عن أشياء قد دنت و قربت و سوف يظهر في دياركم عن قريب العجب العجيب فإن أذنتم لي بالنزول نزلت و إن أحببتم الرحيل رحلت ثم قالت شعرا.
إني لأعلم ما يأتي من العجب.* * * بأرضكم هذه يا معشر العرب.
لقد دنا وقت مبعوث لأمته.* * * محمد المصطفى المنعوت في الكتب.
فعن قليل سيأتي وقت بعثته.* * * يرمي معانده بالذل و الحرب.
يدعو إلى دين غير اللات مجتهدا.* * * و لا يقول بأصنام و لا نصب.
و قد أتيت لأخبركم ببينة.* * * مما رأيت من الأنوار و الشهب.
عما قليل ترى النيران مضرمة. (1)* * * ببطن مكة ترمي الجمع باللهب.
فإن أذنتم و إلا رحت راجعة.* * * و تندمون إذا ما جاء بالعطب.
و آخر بذباب (2) السيف يعضده.* * * قرن يدانيه في الأحساب و النسب
فلما سمع قريش كلامها و شعرها أمروها بالنزول فنزلت و قالوا هل تنطق بما نطق به سطيح أم لا فقال لها عتبة (3)ما الذي راع سيدة اليمامة هل لك من حاجة فتقضى فقالت إني لست ذات فقر و لا إقلال و لا محتاجة إلى رفد و لا مال بل جئتكم ببشارة أبشركم و حذر أحذركم و ليست البشارة لي بل هي وبال علي (4)فقال عتبة يا زرقاء و ما هذا الكلام أراك توعدين نفسك و إيانا بالبوار و الدمار فقالت يا أبا الوليد و من هو بالمرصاد ليخرجن من هذا الواد نبي يدعو إلى الرشاد و ينهى عن
____________
(1) ضارمة خ ل قلت: ضرم النار: اشتعلت. و أضرم النار: أوقدها و أشعلها و ألهبها.
(2) ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به.
(3) في المصدر: قال: فلما سمعوا قولها أمروها بالنزول و الجلوس عندهم، ليعلموا ما عندها، و يتحققون علمها، و هل تنطق بمثل ما نطق به سطيح أم لا، فقالوا: أيتها الزرقاء انزلى عندنا بالرحب و السعة، فنزلت عن البعير، و جلست في أوساطهم، فقال لها عتبة بن ربيعة.
(4) في المصدر: و بال على و عليكم، و هلاكى و هلاك من كان مثلى.
316
الفساد (1)نوره في وجهه يتردد و اسمه محمد عليهأفضل الصلاة و السلام كأني به عن قريب يولد يساعده على ذلك مساعد و يعاضده معاضد يقاربه في الحسب و يدانيه في النسب مبيد الأقران و مجدل الشجعان أسد ضرغام و سيف قصام جسور في الغمرات هزبر في الفلوات له ساعد قوي و قلب جريء و اسمه أمير المؤمنين علي ثم قالت آه ثم آه من يوم سألقاه و أعظم (2)مصيبتاه ستكون لي قصة عجيبة و مصيبة و أي مصيبة فلو أردت النجاة سارعت إلى إجابته و تركت ما أنا عليه من مكايدته و لكن أرى خوض البحار و العرض على النار أيسر من الذل (3)و الصغار و لا أنا شارية (4)بعزّي ذلا و لا بعلمي جهلا ثم أنشأت تقول.
ذوي القبائل و السادات ويحكم.* * * إني أقول مقالا كالجلاميد.
لو كنت من هاشم أو عبد مطلب.* * * أو عبد شمس ذوي الفخر الصناديد.
أو من لوي سراة الناس كلهم.* * * ذوي السماحة و الإفضال و الجود.
أو من بني نوفل أو من بني أسد.* * * أو من بني زهرة الغر الأماجيد.
لكنت أول من يحظى (5)بصاحبكم.* * * إذا جرى ماؤه في يابس العود.
لكن أرى أجلي قد حان مدته.* * * لما دنا مولد يا خير مولود.
ثم قالت هيهات لا جزع مما هو آت (6)و خالق الشمس و القمر و من إليه مصير البشر لقد صدقكم سطيح الخبر فلما سمعوا ما قالت حاروا ثم نظرت إلى أبي طالب و أخيه عبد الله و كانت عارفة بعبد الله قبل ذلك لأنه كان مسافرا إلى نحو اليمن قبل أن
____________
(1) في المصدر بعده: و يقتل الاعادى، سفاك الدماء، نوره يتجدد، و نور أعدائه يخمد، نوره في وجهه يتردد.
(2) يا أعظم خ ل، و في المصدر: و من عظم.
(3) في المصدر: و لكن. أرى خوض البحار و نقل الاحجار و التلوح على النار أ يسير عن الذل.
(4) مشترية خ ل.
(5) أي أول من ينال منه حظا.
(6) دهر يحول، و ميت و مقتول خ صح.
317
يتزوج بآمنة بنت وهب و كان نور النبي(ص)في وجهه و أن الزرقاء نظرت إليه و قد نزل بقصر من قصور اليمامة و ذهب أبوه عبد المطلب في حاجة و تركه عند متاعه و سيفه عند رأسه فنزلت الزرقاء مسرعة و في يدها كيس من الورق فوثبت عليه (1)ثم قالت له يا فتى حياك الله بالسلام و جللك بالإنعام من أي العرب أنت فما رأيت أحسن منك وجها قال أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف سيد الأشراف و مطعم الأضياف سادات الحرم و من لهم السابقة في القدم فقالت فهل لك يا سيدي من فرحتين عاجلتين قال و ما هما قالت تجامعني الساعة و تأخذ هذه الدراهم و أبذل لك مائة من الإبل محملة تمرا و بسرا و سمنا فلما استتم كلامها قال إليك عني فما أقبح صورتك يا ويلك (2)أ ما علمت أنا قوم لا نركب الآثام (3)اذهبي و تناول سيفا كان عنده فانهزمت و رجعت خائبة فأقبل أبوه فوجده و سيفه مسلول و هو يقول شعرا.
أ نرتكب الحرام بغير حل.* * * و نحن ذوو المكارم في الأنام.
إذا ذكر الحرام فنحن قوم.* * * جوارحنا تصان عن الحرام.
فقال له أبوه يا ولدي ما جرى (4)عليك بعدي فأخبره بخبره و وصف له صفاتها فعرفها و قال له يا بني هذه زرقاء اليمامة (5)قد نظرت إلى النور الذي في وجهك يلوح فعرفت أنه الشرف الوكيد و العز الذي لا يبيد فأرادت أن تسلبه منك و الحمد لله الذي عصمك عنها ثم رحل به إلى مكة و زوجه بآمنة بنت وهب فلما رأته الزرقاء عرفته و علمت أنه تزوج فقالت أ لست صاحبي باليمامة في يوم كذا قال لها
____________
(1) فوقفت عند رأسه خ ل.
(2) في المصدر: اليك عنى، فما أشر غرتك، و أقبح طلعتك و خطابك؟ ما لك و لهذا الكلام؟
أ ما علمت.
(3) في المصدر زيادة هى: و لا نحب الحرام، اذهبى بالذلة و الارغام، إنى أظنك من نسل اللئام، فقالت له: يا هذا انى أزيد لك المال النوال (كذا)، و أبذل لك النوال، قال: فلما سمع كلامها و أنّها لا تنتهى عما هي عليه قبض على سيفه، و هم أن يضربها به فوثبت هاربة، و رجعت خائبة.
(4) و ما خ ل، و في المصدر: فما جرى لك من بعدى؟.
(5) في المصدر: كاهنة اليمامة.
318
نعم فلا أهلا بك و لا سهلا يا ابنة اللخناء (1)قالت أين نور الذي كان في غرتك قال في بطن زوجتي آمنة بنت وهب قالت لا شك أنها لذلك أهل ثم نادت برفيع صوتها يا ذوي العز و المراتب إن الوقت متقارب و إن الأمر لواقع ما له من دافع فتفرقوا عني فقد جاء المساء و في الصباح يسمع مني الأخبار و أوقفكم على حقيقة الآثار فتفرقوا عنها.
قال فلما مضى من الليل شطره مضت إلى سطيح و قد خرج من مكة فقالت له ما ترى قال أرى العجب و الوقت قد قرب و حدثها بما قد جرى من قريش قالت له ما تشير به علي قال لها أما أنا فقد كبر سني و لو لا خيفة العار لأمرت من يريحني من الحياة و لكني سأذهب إلى الشام و أقيم بها حتى يأتيني الحمام فإنه لا طاقة لي به فإنه المؤيد المنصور و من يعاديه مقهور قالت يا سطيح و أين أعوانك لم لا يساعدونك على هذا الأمر و يعينونك على هلاك آمنة قبل أن يخرج من الأحشاء قال لها يا زرقاء و هل يقدر أحد أن يتعرض لآمنة فإن من تعرض لها عاجله التدمير من اللطيف الخبير أما أنا و أصحابي فلا نتعرض لها و الآن أنصحك فإياك أن تصلي إلى آمنة فإن حافظها رب السماوات و الأرض فإن لم تقبلي نصيحتي فدعيني و ما أنا عليه فلعلي (2)أموت الليلة أو غدا فلما سمعت مقالته أعرضت عنه و باتت ليلتها ساهرة فلما أصبح الصباح أقبلت إلى بني هاشم و قالت أنعم الله لكم الصباح لقد أشرفت بكم المحافل (3)و وفقتم إذ ظهر فيكم المنعوت في التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان فيا ويل من يعاديه (4)
____________
(1) بعده في المصدر: قالت: فما فعل النور الذي كان في وجهك؟ فقال: جزاك اللّه، ان أبى زوجنى بآمنة بنت وهب، و انتقل النور إليها، و انها لذلك أهل، فقالت: صدقت، و لا شك فيما ذكرت، فنادت بأعلى صوتها.
(2) في المصدر: فلا نتعرض لهذا الامر، لاننا لا نقدر عليه، و لا نجد فيه حيلة، و الآن قد أعلمتك و نصحتك، فاقبلى نصيحتى، فانك لا تصلين الى آمنة و حافظها ربها، و لا يقدر عليها أحد، فان لم تقبلى نصيحتى فدعينى و ما أنا عليه من البلاء، و ضعف القوى، فلعلى إه.
(3) البطاح خ ل قلت: البطاح جمع البطحاء.
(4) عانده خ ل.
319
و طوبى لمن اتبعه (1)فلم يبق أحد من بني هاشم إلا فرح بما ذكرت الزرقاء و وعدوها بخير (2)فقالت لهم لست محتاجة إلى مال و لا رفاد و لكن ما جئت من الأقطار إلا لأخبركم بحقيقة الأخبار (3)فقال أبو طالب قد وجب حقك علينا فهل لك من حاجة قالت نعم أريد أن تجمع بيني و بين آمنة حتى أتحقق ما أخبركم به قال سمعا و طاعة فجاء بها إلى منزل آمنة فطرق الباب فقامت آمنة لفتح الباب فلاح من وجهها نور ساطع و ضياء لامع فسقطت (4)الزرقاء حسدا و أظهرت تجلدا فلما دخلت المنزل أتوها بطعام فلم تأكل و قالت سوف يكون لمولودكم هذا عجب عجيب و سوف تسقط الأصنام و تخمد الأزلام و ينزل على عبادها الدمار و يحل بهم البوار (5)ثم إنها خرجت من المنزل متفكرة في قتل آمنة و كيف تعمل الحيلة و جعلت تتردد إلى سطيح و تطلب منه المساعدة فلم يلتفت إليها و لا إلى قولها فأقبلت حتى نزلت على امرأة من الخزرج اسمها تكنا (6)و كانت ماشطة لآمنة فلما كان في بعض الليالي استيقظت تكنا فرأت عند رأس الزرقاء شخصا يحدثها و يقول.
كاهنة اليمامة.* * * جاءت بذي تهامة.
____________
(1) لمن اتبعه و عاضده خ ل. و في المصدر: طوبى لمن تبعه و عاضده، و الويل لمن خالفه و عانده. (2) في المصدر: بما قالت الزرقاء و وعدها خيرا. (3) في المصدر: فقالت لهم: ما أنا ذات فقر و لا إملاق، و إنّي لكثير المال، جاهى طويل، و مالى جزيل، و ما أزعجنى عن الاوطان و اتانى إلى هذا المكان أ لا أبشركم. (4) فتقطعت خ ل و في المصدر: فقطعت. (5) في المصدر: فلما دخلت المنزل و استقر بها الجلوس أتوها بالطعام فأبت أن تأكل، و قال ما آكل زادكم، و لا أخرج من بلادكم حتّى انظر ما يكون من ولدكم، و سترون ما يظهر عند مولده من العجائب، من سقوط الأصنام، و ما ينزل بمعاديه من الدمار. (6) هكذا في النسخة. و في المصدر، و كذا فيما يأتي، و الصحيح تكنى، قال الفيروزآبادي:
تكنى بالضم: اسم امرأة.
320
ستدرك الندامة.* * * إذا أتاها من له العمامة. (1)
فلما سمعت الزرقاء ذلك وثبت قائمة و قالت له لقد كنت صاحب الوفاء فلم حبست نفسك عني هذه المدة فإني في هموم متواترات و أهوال و كربات فقال لها يا ويلك يا زرقاء لقد نزل بنا أمر عظيم لقد كنا نصعد إلى السماء السابعة و نسترق السمع فلما كان في هذه الأيام القليلة طردنا من السماء و سمعنا مناديا ينادي في السماوات أن الله قد أراد أن يظهر المكسر للأصنام و مظهر عبادة الرحمن فامتنعوا جملة الشياطين من السماء و تحدرت علينا ملائكة بأيديهم شهب من نار فسقطنا كأننا جذوع النخل و قد جئتك لأحذرك فلما سمعت كلامه قالت له انصرف عني فلا بد أن أجتهد غاية المجهود في قتل هذا المولود فراح عنها (2)و هو يقول.
إني نصحتك بالنصيحة جاهدا.* * * فخذي لنفسك و اسمعي من ناصح.
لا تطلبي أمرا عليك وباله.* * * فلقد أتيتك باليقين الواضح.
هيهات أن تصلي إلى ما تطلبي.* * * من دون ذلك عظم أمر فادح. (3)
فالله ينصر (4) عبده و رسوله.* * * من شر ساحرة و خطب فاضح.
عودي إلى أرض اليمامة و احذري.* * * من شر يوم سوف يأتي كادح.
ثم إنه طار عنها و تكنا (5)تسمع ما جرى بينهما و كأنها لم تسمع ما جرى
____________
(1) الشعر في بعض النسخ هكذا.
أمامة جاءت من اليمامة* * * أزعجها ذو همة و هامة
لما رأت النور على أمامه* * * ذاك لاظهار النبيّ علامة
محمد الموصوف بالكرامة* * * ستدرك الزرقاء به ندامة
لهفى على سيدة اليمامة* * * اذا أتاها صاحب الغمامة
و في بعض النسخ صاحب العلامة. منه (رحمه الله). قلت: و الاشعار ساقطة عن نسختى من المصدر، و كذا جملة ممّا بعدها إلى قوله: فقالت: يا اختاه.
(2) أي ذهب و رجع عنها.
(3) الفادح: الصعب المثقل.
(4) يحفظ خ ل.
(5) الصحيح: تكنى كما تقدم.
321
فلما أصبحت جلست بين يدي الزرقاء فقالت ما لي أراك مغمومة قالت لها يا أختاه إن الذي نزل بي من الهموم و الغموم لخروجي من الأوطان و ذهابي من البلدان و تشتتي في كل مكان و تفردي عن الخلان قالت لها و لم ذلك قالت لها يا ويلك من حامل مولود (1)يدعو إلى أكرم معبود يكسر الأصنام و يذل السحرة و الكهان يخرب الديار و لا يترك بمكة أحدا من ذوي الأبصار و أنت تعلمين أن القعود (2)على النار أيسر من الذل و الصغار فلو وجدت من يساعدني على قتل آمنة بذلت له المنا و أعطيته الغنا (3)و عمدت إلى كيس (4)كان معها فأفرغته بين يدي تكنا (5)و كان مالا جزيلا فلما نظرت تكنا (6)إلى المال لعب بقلبها و أخذ بعقلها (7)و قالت لها يا زرقاء لقد ذكرت أمرا عظيما و خطبا جسيما و الوصول إليه بعيد و إني ماشطة لجملة نساء بني هاشم و لا يدخل عليهن غيري و لكن سوف أفكر لك فيما ذكرت و كيف أجسر على ما وصفت و الوصول إلى ما ذكرت قالت الزرقاء إذا دخلت على آمنة و جلست عندها فاقبضي على ذوائبها و اضربيها بهذا الخنجر فإنه مسموم فإذا اختلط الدم بالسم هلكت فإذا وقع عليك تهمة أو وجب عليك دية فأنا أقوم بخلاصك و أدفع عنك عشر ديات غير الذي دفعته إليك في وقتي هذا فما أنت قائلة قالت إني أجبتك لكن أريد منك الحيلة بأن تشغلي بني هاشم عني قالت الزرقاء إني هذه الساعة (8)آمر عبيدي أن يذبحوا الذبائح و يعملوا الخمور و يطرحوها في الجفان فإذا أكلوا و شربوا من ذلك ظفرت بحاجتك قالت لها تكنا (9)الآن تمت الحيلة فافعلي ما ذكرت فصنعت
____________
(1) من حاملة بمولود خ ل، و في المصدر: من جهة مولود.
(2) التلوح خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) في المصدر: بذلت له الغنى، و أعطيت المنى. قلت في عبارة الكتاب و مصدره تصحيف، و الصحيح: المنى، و الغنى اما مصحف الغناء أو الغنى.
(4) في المصدر: إلى مزود، قلت: المزود: ما يوضع فيه الزاد.
(5) قد عرفت أن الصحيح: تكنى.
(6) قد عرفت أن الصحيح: تكنى.
(7) أخذ الشيطان بقلبها خ ل و في المصدر: لما نظرت تكنى الى المال أخذ لبها و عقلها.
(8) اريد هذه الساعة خ ل.
(9) قد عرفت ان الصحيح: تكنى.
322
الزرقاء ما ذكرت و أمرت عبيدها ينادون (1)في شوارع مكة أن (2)يجمعوا الناس فلم يبق أحد إلا و حضر وليمتها من أهل مكة فلما أكلوا و شربوا و علمت أن القوم قد خالط عقولهم الشراب أقبلت إلى تكنا و قالت قومي إلى حاجتك فقامت تكنا (3)و جاءت بالخنجر و رشت في جوانبه السم و دخلت على آمنة فرحبت بها آمنة (4)و سألتها عن حالها و قالت يا تكنا ما عودتيني بالجفاء (5)فقالت اشتغلت بهمي و حزني و لو لا أياديكم الباسطة علينا لكنا بأقبح حال و لا أحد أعز علي منك هلمي (6)يا بنية إلي حتى أزينك فجاءت آمنة و جلست بين يدي تكنا فلما فرغت من تسريح شعرها عمدت إلى الخنجر و همت أن تضربها به فحست تكنا كأن أحدا قبض (7)على قلبها فغشي على بصرها و كأن ضاربا ضرب على يدها فسقط الخنجر من يدها إلى الأرض فصاحت وا حزناه فالتفتت آمنة إليها و إذا الخنجر قد سقط من يد تكنا فصاحت آمنة فتبادرت النسوان إليها و قلن لها ما دهاك (8)قالت يا ويلكن أ ما ترين ما جرى علي من تكنا كادت أن تقتلني بهذا الخنجر فقلن يا تكنا ما أصابك ويلك تريدين أن تقتلي آمنة على أي جرم فقالت يا ويلكن قد أردت قتل آمنة و الحمد لله الذي صرف عنها البلاء فقالت الحمد لله على السلامة من كيدك يا تكنا فقالت لها النساء يا تكنا ما حملك على ذلك قالت لا تلوموني (9)حملني طمع الدنيا الغرور ثم أخبرتهن بالقصة و قالت لهن ويحكن دونكن الزرقاء اقتلنها قبل أن تفوتكن ثم سقطت ميتة فصاحت النسوان صيحة عالية فأقبل بنو هاشم إلى منزل آمنة فإذا
____________
(1) أن ينادوا خ ل.
(2) و أن يجمعوا خ ل.
(3) هو و ما قبله مصحف، و الصحيح: تكنى.
(4) في المصدر: فلما رأتها آمنة رحبت بها.
(5) في المصدر: و ما تعودت منك هذا الجفاء.
(6) في المصدر: و لا أجد ما أتقرب الى بعلك الا بزينتك، لما أعلم به من محبتك، هلمى.
(7) كان قد خ ل.
(8) أي ما أصابك من داهية؟.
(9) لا تلممنى خ ل.
323
بتكنا (1)ميتة و قد تجلل نور آمنة و نظروا إلى الخنجر و حكوا (2)لهم القصة فخرج أبو طالب ينادي أدركوا الزرقاء و قد وصلها الخبر فخرجت هاربة فتبعها الناس من بني هاشم و غيرهم فلم يدركوها و لم يلحقوها فسمع أبو جهل ذلك فقال وددت أنها قتلت آمنة و لكن حاد عنها أجلها و أرجو بسطيح أن يعمل أحسن مما عملت الزرقاء فلما سمع سطيح بخبر الزرقاء أمر غلمانه أن يحملوه على راحلته و سافر إلى الشام. (3)
فلما ولد رسول الله(ص)لم يبق صنم إلا سقط (4)و غارت بحيرة ساوه و فاض وادي سماوة و خمدت نيران فارس و ارتج إيوان كسرى و هو جالس و وقع (5)منه أربع عشرة شرفة فلما أصبح كسرى نظر إلى ذلك و هاله فدعا (6)بوزرائه و قال لهم ما هذا الذي حدث في هذه البلاد فهل عندكم من علم فقال الموبذان أيها الملك العظيم الشأن لقد رأيت إبلا صعابا تقودها خيل عراب و قد خاضت في الوادي و انتشرت في البلاد و ما ذاك إلا لأمر عظيم فبينما هم كذلك إذا ورد عليهم كتاب بخمود النيران كلها فزادهم هما و غما ثم أتاه بعد ذلك خبر البحيرة و الوادي (7)فأقبل على الموبذان فقال إنا لا نعلم أحدا من العلماء نسأله (8)عن ذلك فقال الموبذان إنا نكتب إلى النعمان بن المنذر كتابا لعله يعرف أحدا يعلم ذلك فكتب إلى النعمان كتابا فأرسل إليه رجلا اسمه عبد المسيح و كان ابن أخت سطيح فقال له كسرى هل عندك علم مما أريد أن أسألك عنه فقال لا و لكن لي خال اسمه سطيح يسكن في مشارف الشام يعرف خبرك و يعرف ما تريد فقال له كسرى اخرج إليه و اسأله عما أريد أن أسألك عنه
____________
(1) تقدم مكرّرا أن الصحيح: تكنى و كذا فيما قبلها.
(2) و حكين خ ل صح.
(3) حتى لحق بها خ.
(4) في المصدر: الا وأصبح مكبوبا على وجهه.
(5) في المصدر: و انشق و وقع.
(6) في المصدر: فهاله و دعا.
(7) في المصدر: بحيرة بالوادى.
(8) في المصدر: أحدا عالما نسأله.
324
فإن أجاب عد إلي بالجواب أجزل لك الجائزة و النوال ثم خرج عبد المسيح إلى أن وصل إلى الشام فوجد سطيحا يجود بنفسه و يعالج سكرات الحمام فسلم عليه فلم يرد (عليه السلام) فلما كان بعد ساعة فتح عينيه و قال جاء عبد المسيح على جمل يسيح من عند كسرى يصيح بلسان فصيح مرسولا إلى سطيح سيد بني غسان يسأل عن ارتجاج (1)الإيوان و خمود النيران و رؤيا الموبذان كان إبلا صعابا تقودها خيل عراب و قد قطعت الوادي و انتشرت في البلاد ذلك و الله ما كنا نتوقع من خروج السفاك و مالك الأملاك يا عبد المسيح أقول لك قولا صحيحا (2)إذا فاض وادي سماوة و غارت بحيرة ساوه فليست الشام لسطيح بشام تظهر الدلالات و يملك منهم ملوك على عدد الشرفات المتساقطات و كل ما هو آت آت و يكون الراحة لسطيح في الممات ثم صرخ صرخة و مات ثم إن عبد المسيح خرج إلى كسرى فأخبره بما قاله سطيح فأعطاه و أنعم عليه لما أخبر بأن (3)يملك منهم أربعة عشر ملكا.
قال أبو الحسن البكري حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما تتابعت أشهر آمنة سمعت مناديا (4)ينادي من السماء مضى لحبيب الله كذا و كذا و كان تهتف بآمنة الهواتف في الليل و النهار و تخبر زوجها عبد الله بذلك فيقول لها اكتمي أمرك عن كل أحد (5)فلما مضى لها ستة أشهر لم تجد ثقلا (6)و لما كان الشهر
____________
(1) انفجاج خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) بقول صحيح خ ل.
(3) بانه خ ل.
(4) في المصدر: فما من شهر يمضى الا و تسمع مناديا.
(5) في بعض النسخ: فلما أتى عليها شهر أتاها آدم (عليه السلام) فقال لها: بشراك يا آمنة، فقد حملت بسيد الأنام، و في الشهر الثاني أتاها إدريس (عليه السلام) و قال لها: قد حملت بالنبى النفيس، و في الشهر الثالث جاءها نوح (عليه السلام) و قال: قد حملت بصاحب الفتوح، و في الشهر الرابع جاءها إبراهيم الخليل (عليه السلام) و قال لها: بشراك بالنبى الجليل، و في الشهر الخامس جاءها داود (عليه السلام) و قال لها: بشراك بصاحب المحمود، و في الشهر السادس جاءها إسماعيل (عليه السلام) و قال لها: بشراك بصاحب التبجيل، و في الشهر السابع جاءها سليمان (بن داود ظ) (عليهما السلام) و قال لها: بشراك بصاحب البرهان، و في الشهر الثامن جاءها موسى الكليم (عليه السلام) و قال لها ليهنئك النبيّ الكريم، و في الشهر التاسع جاءها المسيح (عليه السلام) و بشرها بصاحب القول الصحيح و اللسان الفصيح، و كان ذلك في شهر ربيع الأوّل، و قيل: فلما مضى لها ستة أشهر إلى آخر ما في المتن. منه عفى عنه. قلت: نسختى من المصدر خال عنه، و هو لا يخلو عن غرابة، خصوصا مطابقتهم صفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مع أسمائهم سجعا.
(6) في المصدر زيادة هى: و كانت كل يوم تزداد حسنا و جمالا و بهجة و كمالا. فلما دخلت في الشهر السابع.
325
السابع دعا عبد المطلب ولده عبد الله و قال يا بني إنه قرب ولادة آمنة و نحن نريد أن نعمل وليمة و ليس عندنا شيء فامض إلى يثرب و اشتر لنا منها ما يصلح لذلك فخرج عبد الله من وقته و سافر حتى وصل إلى يثرب و طرقته حوادث الزمان فمات (1)بها و وصل خبره إلى مكة فعظم عليهم ذلك و بكى أهل مكة جميعا عليه و أقيمت المأتم في كل ناحية و ناح عليه أبوه و آمنة و إخوته و كان مصابا هائلا فظيعا فلما كان الشهر التاسع أراد الله تعالى خروج النبي(ص)و هي لم يظهر لها أثر الحمل و لا ما تعتاده النساء و كانت تحدث نفسها كيف وضعي و لم يعلم بي أحد من قومي و كانت دار آمنة (2)وحدها فبينما هي كذلك إذ سمعت وجبة (3)عظيمة ففزعت من ذلك فإذا قد دخل عليها طير أبيض و مسح بجناحه على بطنها فزال عنها ما كانت تجده من الخوف فبينما هي كذلك إذ دخل عليها نسوان طوال يفوح منهن رائحة المسك و العنبر و قد تنقبن بأطمارهن (4)و كانت من العبقري الأحمر و بأيديهن أكواب من البلور الأبيض قالت آمنة فقلن لي اشربي يا آمنة من هذا الشراب فلما شربت أضاء نور وجهي و علاه نور ساطع و ضياء لامع و جعلت أقول من أين دخلن علي هذه النسوة و كنت قد أغلقت الباب فجعلت أنظر إليهن و لم أعرفهن ثم قلن يا آمنة اشربي من هذا الشراب و أبشري بسيد الأولين و الآخرين محمد المصطفى(ص)و سمعت قائلا يقول.
صلى الإله و كل عبد صالح.* * * و الطيبون على السراج الواضح.
المصطفى خير الأنام محمد.* * * الطاهر العلم الضياء اللائح.
زين الأنام المصطفى علم الهدى.* * * الصادق البر التقي الناصح.
صلى عليه الله ما هب الصبا.* * * و تجاوبت ورق الحمام النائح.
____________
(1) قد روى خروجه لغير ذلك كما تقدم في أخبار أخر.
(2) و كانت آمنة في دار وحدها خ ل.
(3) الوجبة: السقطة مع الهدة أو صوت الساقط.
(4) بأرياط لهن خ ل، قلت: الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة و نسجا واحدا. كل ثوب يشبه الملحفة.
326
ثم قمن النسوة و خرجن فإذا أنا بأثواب من الديباج قد نشرت بين السماء و الأرض و سمعت قائلا يقول خذوه و غيبوه عن أعين الناظرين و الحاسدين فإنه ولي (1)رب العالمين قالت آمنة فداخلني الجزع و الفزع و إذا أنا بخفقان (2)أجنحة الملائكة و إذا بهاتف قد نزل و سمعت تسبيحا و تقديسا و أرياشا مختلفة (3)هذا و لم يكن في البيت أحد إلا أنا فبينما أنا أقول في نفسي أنا نائمة أو يقظانة إذ لمع نور أضاء لأهل السماء و الأرض حتى شق سقف البيت و سمعت تسبيح الملائكة فبينما أنا متعجبة من ذلك إذ وضعت ولدي محمدا(ص)فلما سقط إلى الأرض سجد تلقاء الكعبة رافعا يديه إلى السماء كالمتضرع إلى ربه و سمعت من داخل البيت جلبة عظيمة و قائلا يقول شعرا.
كم آية من أجله ظهرت فما.* * * تخفى و زادت في الأنام ظهورا.
و رأته آمنة يسبح ساجدا.* * * عند الولادة للسماء مشيرا.
قالت آمنة و سمعت أصواتا مختلفة و إذا بسحابة بيضاء قد نزلت على ولدي فأخذته و غيبته عني فلم أره فصحت خوفا على ولدي و إذا بقائل يقول لي لا تخافي و سمعت قائلا يقول طوفوا بمحمد مشارق (4)الأرض و مغاربها و برها و بحرها و وعرها (5)و اعرضوه على الجن و الإنس ليعرفوا نعته قالت آمنة كان ما بين غيبته و رجوعه أسرع من طرفة عين و إذا هو قد جاءوا به إلي و هو مدرج في ثوب أبيض من صوف (6)و هو قابض على مفاتيح ثلاثة و رجل قائم على رأسه و هو يقول قبض محمد على مفاتيح النصر و مفاتيح النبوة و مفاتيح الكعبة فبينا أنا كذلك و إذا أنا بسحابة أخرى أعظم من الأولى
____________
(1) في المصدر: حبيب.
(2) أي صوت أجنحتها.
(3) في المصدر: أرياش مختلفة الالوان، حمر المناقير.
(4) على مشارق خ ل.
(5) في المصدر: و سهلها و جبلها.
(6) و هو مكحل مختون مدهون خ.
327
و سمعت منها تسبيحا (1)و خفقان أجنحة الملائكة فنزلت و أخذت ولدي فدمعت عيني و رجف قلبي و إذا أنا بقائل يقول طوفوا بمحمد على مولد النبيين و اعرضوه على سائر المرسلين و أعطوه صفوة آدم(ع)و رأفة نوح(ع)و حلم إبراهيم(ع)و لسان إسماعيل(ع)و جمال يوسف(ع)و صبر أيوب(ع)(2)و صوت داود(ع)و زهد يحيى(ع)و كرم عيسى(ع)و شجاعة موسى(ع)و أعطوه من أخلاق الأنبياء قالت آمنة و رأيته قابضا على حريرة بيضاء مطوية طيا شديدا و الماء يخرج منها و قائل يقول قبض محمد على الدنيا بأسرها و لم يبق شيئا إلا و قد دخل في قبضته قالت فبينما أنا كذلك و إذا أنا بثلاثة نفر قد دخلوا علي و النور يظهر (3)من وجوههم يكاد نورهم يخطف الأبصار في يد أحدهم إبريق من فضة و في يد آخر طست من زبرجد أخضر فوضع الطست بين يديه و قال له يا حبيب الله اقبض من حيث شئت قالت آمنة فنظرت إلى موضع قبضته فإذا هو قد قبض على وسطها قالت فسمعت قائلا يقول قبض محمد على الكعبة و ما حولها و رأيت في يد الثالث حريرة مطوية و إذا بخاتم من نور يشرق كالشمس ثم حمل ولدي فناوله صاحب الطست و صب عليه الآخر من الإبريق سبع مرات ثم ختم بذلك الخاتم بين كتفيه ثم لفه تحت جناحه و غيبه عني و كان ذلك رضوان خازن الجنان ثم أخرجه و تكلم في أذنه بكلام لا أفهمه ثم قبله و قال أبشر يا محمد فإنك سيد الأولين و الآخرين و أنت الشفيع فيهم يوم الدين ثم خرجوا و تركوه ثم رأيت ثلاثة أعلام منصوبة واحد بالمشرق و واحد بالمغرب و الثالث على الكعبة (4)و تلك الأعلام من النور (5)مثل قوس السحاب.
قالت آمنة ثم رأيت بعد ذلك غمامة بيضاء قد نزلت من السماء على ولدي و غيبته عني ساعة طويلة فلم أره فحن عليه قلبي و قد حيل بيني و بينه و كأني نائمة مما جرى عليه فبينا أنا كذلك و إذا بولدي قد ردوه علي و إذا به مكحول مقمط بقماط
____________
(1) تصهيلا خ ل. و هو الموجود في المصدر.
(2) في المصدر: و صبر يعقوب.
(3) في المصدر: يزهر.
(4) فكشف اللّه عن بصرى فرأيت ما هناك خ، و هو الموجود في المصدر.
(5) قائمة بين السماء و الأرض خ، و في المصدر: و رأيت علما من نور قائم بين السماء و الأرض.
328
من حرير الجنة تفوح منه رائحة المسك الأذفر قال عبد المطلب كنت في الساعة التي ولد فيها رسول الله(ص)أطوف بالكعبة و إذا بالأصنام قد تساقطت و تناثرت و الصنم الكبير سقط على وجهه و سمعت قائلا يقول الآن (1)آمنة قد ولدت رسول الله(ص)فلما رأيت ما حل بالأصنام تلجلج لساني و تحير عقلي و خفق فؤادي حتى صرت لم أستطع الكلام فخرجت مسرعا أريد باب بني شيبة و إذا الصفا و المروة يركضان بالنور فرحا و لم أزل مسرعا إلى أن قربت من منزل آمنة و إذا بغمامة بيضاء قد عمت منزلها فقربت من الباب و إذا روائح المسك الأذفر و الند و العنبر قد عبقت (2)بكل مكان حتى عمتني الرائحة فدخلت على آمنة و إذا بها قاعدة و ليس عليها أثر النفاس فقلت أين مولودك أريد أن أنظر إليه قالت قد حيل بيني و بينه و لقد سمعت مناديا ينادي لا تخافي على مولودك و سيرد عليك بعد ثلاثة أيام (3)فسل عبد المطلب سيفه و قال أخرجي لي ولدي هذه الساعة و إلا علوتك به فقالت إنهم قد دخلوا به هذه الدار قال عبد المطلب فهممت بالدخول إلى الدار إذ برز لي شخص من داخل الدار كأنه النخلة السحوق لم أر أهول منه و بيده سيف و قال لي ارجع ليس لك إلى ذلك من سبيل و لا لغيرك حتى تنقضي زيارة الملائكة فخرجت خائفا مما رأيت من الأهوال.
قال صاحب الحديث بلغنا أن الساعة التي ولد فيها رسول الله(ص)طردت الشياطين و المردة هاربين و منهم من غمي عليه (4)و منهم من مات و أما سطيح و وشق (5)فماتا في تلك الليلة و أما زرقاء اليمامة فإنها كانت جالسة مع خدمها و جواريها إذ صرخت
____________
(1) في المصدر: ألا أن.
(2) قد أعبقت خ و هو الموجود في المصدر.
(3) في المصدر: و قد أتانى آت فقال لي: يا آمنة لا تجزعى و لا تحزنى و لا تخرجى هذا المولود إلى ثلاثة أيام.
(4) في المصدر: و خرجوا هاربين، و من الجن من غمى عليه.
(5) ذكرنا قبل ذلك ان الصحيح: شق.
329
صرخة عظيمة و غشي عليها فلما أفاقت أنشأت تقول.
أما المحال فقد مضى لسبيله.* * * و مضت كهانة معشر الكهان.
جاء البشير فكيف لي بهلاكه.* * * هيهات جاء الوحي (1)بالإعلان.
فلما تمت له ثلاثة أيام دخل عليه جده عبد المطلب فلما نظر إليه قبله و قال الحمد لله الذي أخرجك إلينا حيث وعدنا (2)بقدومك فبعد هذا اليوم لا أبالي أصابني الموت أم لا ثم دفعه إلى آمنة فجعل يهش (3)و يضحك لجده و أمه كأنه ابن سنة قال عبد المطلب يا آمنة احفظي ولدي هذا فسوف يكون له شأن عظيم و أقبل الناس من كل فج عميق يهنئون عبد المطلب و جاءت جملة النساء إلى آمنة و قلن لها لم لم ترسلي إلينا فهنأنها بالمولود و قد عبقت بهن جمع رائحة المسك فكان يقول الرجل لزوجته من أين لك هذا فتقول هذا من طيب مولود آمنة فأقبلت القوابل ليقطعن سرته فوجدنه مقطوع السرة فقلن لآمنة ما كفاك أنك وضعت به حتى قطعت سرته بنفسك فقالت لهن و الله لم أره إلا على هذه الحالة (4)فتعجبت القوابل من ذلك و كانت تأتيها القوابل بعد ذلك و إذا به مكحولا مقموطا (5)فيتعجبن منه فلما مضى له من الوضع سبعة أيام أولم عبد المطلب وليمة عظيمة و ذبح الأغنام و نحر الإبل و أكل الناس ثلاثة أيام ثم التمس له مرضعة تربيه (6)على عادة أهل مكة. (7)
إيضاح الأطلال جمع الطلل بالتحريك و هو ما شخص من آثار الدار و الهمام
____________
(1) الامر خ ل.
(2) أوعدنا خ ل.
(3) هش: تبسم. و ارتاح و نشط.
(4) في المصدر: و اللّه ما مسسته و لا رأيته إلّا كما ترون.
(5) في المصدر: مقمطا.
(6) في المصدر: و أكل الناس ثلاثة أيام، و ما فضل من ذلك الطعام رمى به في البرية فأكلته الوحوش و السباع و الطيور، قال: فلما كان بعد ثلاثة أيّام التمس له مرضعة تربيه. كمل الجزء السادس و الحمد للّه ربّ العالمين.
(7) الانوار: مخطوط، و نسخته عندي موجود فيها اختلافات و زوائد، و قد ذكرت بعضها في الذيل.
330
بالضم و تخفيف الميم الملك العظيم الهمة و الضرغام بالكسر الأسد و القمقام بالفتح السيد و المقدام بالكسر الرجل الكثير الإقدام على العدو و الحمام بالكسر الموت و المناكب لعله من النكبة بمعنى المصيبة و يقال كافحوهم إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس و لا غيره و الكمي الشجاع و ذباب السيف بالضم طرفه الذي يضرب به و القصم الكسر و الهزبر بكسر الهاء و فتح الزاء الأسد و الجلاميد جمع الجلمود و هو الصخر و السراة بالضم جمع سري و هو الشريف قولها من يحظى هو على بناء المجهول من الحظوة و هي القدر و المنزلة و قال الجوهري لخن السقاء بالكسر أي أنتن و منه قولهم أمة لخناء و يقال اللخناء التي لم تختن انتهى و الورق بالضم جمع الأورق و هو الذي في لونه بياض إلى سواد و في القاموس الند طيب معروف أو العنبر و السحوق من النخل الطويلة و غمي على المريض و أغمي مضمومتين غشي عليه ثم أفاق.
تتمة مفيدة اعلم أن ظاهر أخبار المولد السعيد أن الشهب لم تكن قبله و إنما حدثت في هذا الوقت و هو خلاف المشهور و يمكن أن تكون كثرتها إنما حدثت عند ذلك و كانت قبل ذلك نادرة.
قال الرازي في تفسير قوله سبحانهفَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداًما ملخصه فإن قيل هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث لأن جميع الفلاسفة تكلموا في أسباب انقضاضها و قد جاء وصفها في شعر الجاهلية و قد روي عن ابن عباس أيضا ما يدل على كونها في الجاهلية فما معنى تخصيصها بمبعثه(ص)ثم أجاب بوجهين الأول أنها ما كانت قبل المبعث و هذا قول ابن عباس و أبي بن كعب و جماعة و هؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة طعنا منهم في هذه المعجزة و كذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم و منحولة و الخبر غير ثابت. و الثاني و هو الأقرب إلى الصواب أنها كانت موجودة إلا أنها زيدت بعد المبعث
331
و جعلت أكبر و أقوى انتهى. (1)
و أقول يحتمل وجه ثالث و هو أن تكون هذه موجود قبل الإسلام بمدة ثم ارتفعت و زالت مدة مديدة ثم حدثت بعد الولادة أو البعثة و يؤيده ما روي عن أبي بن كعب أنه قال لم يرم بنجم منذ رفع عيسى(ع)حتى بعث رسول الله(ص)و سيأتي مزيد تحقيق في كتاب السماء و العالم إن شاء الله تعالى.
باب 4 منشئه و رضاعه و ما ظهر من إعجازه عند ذلك إلى نبوته ص
1-يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)قَدِمَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ تَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَخَرَجْتُ مَعَهُنَّ عَلَى أَتَانٍ وَ مَعِي زَوْجِي وَ مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا مَا بَيَّضَ (2)بِقَطْرَةٍ مِنْ لَبَنٍ وَ مَعَنَا وَلَدٌ مَا نَجِدُ فِي ثَدْيَيَّ مَا نُعَلِّلُهُ بِهِ وَ مَا نَامَ لَيْلَنَا جُوعاً فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ لَمْ تَبْقَ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا عُرِضَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ فَكَرِهْنَاهُ فَقُلْنَا يَتِيمٌ وَ إِنَّمَا يُكْرِمُ الظِّئْرَ (3)الْوَالِدُ فَكُلُّ صَوَاحِبِي أَخَذْنَ رَضِيعاً وَ لَمْ آخُذْ شَيْئاً فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّحْلَ (4)فَأَمْسَيْتُ وَ أَقْبَلَ ثَدْيَايَ بِاللَّبَنِ حَتَّى أَرْوَيْتُهُ وَ أَرْوَيْتُ وَلَدِي أَيْضاً وَ قَامَ زَوْجِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ يَلْمِسُهَا بِيَدِهِ فَإِذَا هِيَ حَافِلٌ فَحَلَبَهَا وَ أَرْوَانِي مِنْ لَبَنِهَا وَ رَوَّى الْغِلْمَانَ فَقَالَ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَصَبْنَا نَسَمَةً مُبَارَكَةً فَبِتْنَا بِخَيْرٍ وَ رَجَعْنَا فَرَكِبْتُ أَتَانِي (5)ثُمَّ حَمَلْتُ مُحَمَّداً مَعِي فَوَ الَّذِي نَفْسُ حَلِيمَةَ بِيَدِهِ لَقَدْ طُفْتُ بِالرَّكْبِ حَتَّى إِنَّ النِّسْوَةَ يَقُلْنَ يَا حَلِيمَةُ أَمْسِكِي عَلَيْنَا أَ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا قُلْتُ نَعَمْ مَا شَأْنُهَا قُلْنَ حَمَلْتِ غُلَاماً مُبَارَكاً وَ يَزِيدُنَا اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ خَيْراً وَ الْبِلَادُ
____________
(1) مفاتيح الغيب 8: 241.
(2) ما تبض خ ل ظ.
(3) الظئر: المرضعة.
(4) الرحل: المنزل و المأوى.
(5) الاتان: الحمارة.
332
قَحْطٌ وَ الرُّعَاةُ يَسْرَحُونَ ثُمَّ يُرِيحُونَ فَتَرُوحُ أَغْنَامُ بَنِي سَعْدٍ جِيَاعاً وَ تَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعاً بِطَاناً حُفَلَاءَ فَتُحْلَبُ وَ تُشْرَبُ (1).
بيان:الشارف المسنة من النوق قوله ما بيض أي الإناء قال الجوهري بيضت الإناء أي ملأته من الماء أو اللبن و الأصوب أنه ما تبضّ بالتاء ثم الباء التحتانية الموحدة المكسورة ثم الضاد المشددة قال الجزري فيه ما تبض ببلال أي ما يقطر منها لبن يقال بض الماء إذا قطر و سال و قال الجوهري ضرع حافل أي ممتلئ لبنا.
2-قب، المناقب لابن شهرآشوبذَكَرَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ (2)مِنْ مُضَرَ زَوْجَةُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى (3)الْمُضَرِيِّ أَنَّ الْبَوَادِيَ أَجْدَبَتْ وَ حَمَلَنَا الْجَهْدُ عَلَى دُخُولِ الْبَلَدِ فَدَخَلْتُ مَكَّةَ وَ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ قَدْ سَبَقْنَ إِلَى مَرَاضِعِهِنَّ فَسَأَلْتُ مُرْضَعاً فَدَلُّونِي عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ ذُكِرَ أَنَّ لَهُ مَوْلُوداً يَحْتَاجُ إِلَى مُرْضِعٍ لَهُ فَأَتَيْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا هَذِهِ عِنْدِي بُنَيٌّ لِي يَتِيمٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَحَمَلْتُهُ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إِلَيَّ بِهِمَا فَسَطَعَ مِنْهُمَا نُورٌ فَشَرِبَ مِنْ ثَدْيِيَ الْأَيْمَنِ سَاعَةً وَ لَمْ يَرْغَبْ فِي الْأَيْسَرِ أَصْلًا وَ اسْتَعْمَلَ فِي رَضَاعِهِ عَدْلًا فَنَاصَفَ فِيهِ شَرِيكَهُ وَ اخْتَارَ الْيَمِينُ الْيَمِينَ وَ كَانَ ابْنِي لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْرَبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْأَتَانِ وَ كَانَتْ قَدْ ضَعُفَتْ عِنْدَ قُدُومِي مَكَّةَ فَجَعَلَتْ تُبَادِرُ سَائِرَ الْحُمُرِ إِسْرَاعاً قُوَّةً وَ نَشَاطاً وَ اسْتَقْبَلْتُ الْكَعْبَةَ وَ سَجَدْتُ لَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ قَالَتْ بَرَأْتُ مِنْ مَرَضِي وَ سَلِمْتُ مِنْ غَثِّي وَ عَلَيَّ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ فَكَانَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَ مِنْ سِمَنِي وَ بَرْئِي وَ دَرِّ لَبَنِي فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى غَارٍ خَرَجَ رَجُلٌ يَتَلَأْلَأُ نُورُهُ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَنِي بِرِعَايَتِهِ وَ قَابَلَنَا ظِبَاءٌ وَ قُلْنَ يَا حَلِيمَةُ
____________
(1) ذكره مفصلا أيضا ابن هشام في السيرة 1: 173- 175.
(2) هو عبد اللّه بن حارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان على ما في سيرة ابن هشام و امتاع الاسماع، و كانت حليمة تكنى أم كبشة على ما في الأخير.
(3) هو الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية. الى آخر ما مر من النسب.
333
لَا تَعْرِفِينَ مَنْ تُرَبِّينَ هُوَ أَطْيَبُ الطَّيِّبِينَ وَ أَطْهَرُ الطَّاهِرِينَ وَ مَا عَلَوْنَا تَلْعَةً (1)وَ لَا هَبَطْنَا وَادِياً إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فَعَرَفْتُ (2)الْبَرَكَةَ وَ الزِّيَادَةَ فِي مَعَاشِنَا وَ رِيَاشِنَا حَتَّى أَثْرَيْنَا وَ كَثُرَتْ مَوَاشِينَا وَ أَمْوَالُنَا وَ لَمْ يُحْدِثْ فِي ثِيَابِهِ وَ لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ وَ لَمْ يَحْتَجْ فِي يَوْمٍ إِلَّا مَرَّةً وَ كَانَ مَسْرُوراً مَخْتُوناً وَ كُنْتُ أَرَى شَابّاً عَلَى فِرَاشِهِ يَعْدِلُهُ ثِيَابَهُ فَرَبَّيْتُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَ يَوْمَيْنِ فَقَالَ لِي يَوْماً أَيْنَ يَذْهَبُ إِخْوَانِي كُلَّ يَوْمٍ قُلْتُ يَرْعَوْنَ غَنَماً فَقَالَ إِنَّنِي الْيَوْمَ أُوَافِقُهُمْ (3)فَلَمَّا ذَهَبَ مَعَهُمْ أَخَذَهُ مَلَائِكَةٌ وَ عَلَوْهُ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ وَ قَامُوا بِغَسْلِهِ وَ تَنْظِيفِهِ فَأَتَانِيَ ابْنِي وَ قَالَ أَدْرِكِي مُحَمَّداً فَإِنَّهُ قَدْ سُلِبَ فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ بِنُورٍ يَسْطَعُ فِي السَّمَاءِ فَقَبَّلْتُهُ فَقُلْتُ مَا أَصَابَكَ قَالَ لَا تَحْزَنِي إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا وَ قَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ فَانْتَشَرَ مِنْهُ فَوْحُ مِسْكٍ أَذْفَرَ وَ قَالَ النَّاسُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَ هُوَ يَقُولُ مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ وَ مَا عَلَيَّ مِنْ بَأْسٍ فَرَآهُ كَاهِنٌ وَ صَاحَ وَ قَالَ هَذَا الَّذِي يَقْهَرُ الْمُلُوكَ وَ يُفَرِّقُ الْعَرَبَ (4).
إيضاح قوله و اختار اليمين أي صاحب اليمن و البركة و الغث المهزول و المراد هنا المصدر و يقال أثرى الرجل إذا كثرت أمواله.
3-قب، المناقب لابن شهرآشوب رُوِيَ عَنْ حَلِيمَةَأَنَّهُ جَلَسَ مُحَمَّدٌ وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَ لَعِبَ مَعَ الصِّبْيَانِ وَ هُوَ ابْنُ تِسْعَةٍ وَ طَلَبَ مِنِّي أَنْ يَسِيرَ مَعَ الْغَنَمِ يَرْعَى وَ هُوَ ابْنُ عَشَرَةٍ وَ نَاضَلَ (5)الْغِلْمَانَ بِالنَّبَلِ وَ هُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَ صَارَعَ الْغِلْمَانَ وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ ثُمَّ رَدَدْتُهُ إِلَى جَدِّهِ.
ابْنُ عَبَّاسٍأَنَّهُ كَانَ يُقَرَّبُ إِلَى الصِّبْيَانِ تَصْبِيحُهُمْ فَيَخْلِسُونَ (6)وَ يَكُفُّ وَ يُصْبِحُ الصِّبْيَانُ غُمْصاً رُمْصاً وَ يُصْبِحُ صَقِيلًا دَهِيناً وَ نَادَى شَيْخٌ عَلَى الْكَعْبَةِ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّ حَلِيمَةَ امْرَأَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَ قَدْ فَقَدَتِ ابْناً (7)اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَغَضِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ إِذَا غَضِبَ خَافَ
____________
(1) التلعة: ما علا من الأرض.
(2) في المصدر: فعرفنا.
(3) في المصدر: ارافقهم.
(4) مناقب آل أبي طالب 1: 23 و 24.
(5) ناضله: باراه في رمى السهام.
(6) في المصدر: فيختلسون.
(7) في المصدر: ابنها.
334
النَّاسُ مِنْهُ فَنَادَى يَا بَنِي هَاشِمٍ وَ يَا بَنِي غَالِبٍ ارْكَبُوا فُقِدَ مُحَمَّدٌ وَ حَلَفَ أَنْ لَا أَنْزِلَ حَتَّى أَجِدَ مُحَمَّداً أَوْ أَقْتُلَ أَلْفَ أَعْرَابِيٍّ وَ مِائَةَ قُرَشِيٍّ وَ كَانَ يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَ يُنْشِدُ أَشْعَاراً مِنْهَا
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّداً* * * رُدَّ إِلَيَّ وَ اتَّخِذْ (1)عِنْدِي يَداً
يَا رَبِّ إِنَّ مُحَمَّداً لَنْ يُوجَدَا* * * تُصْبِحُ قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ مُبَدَّداً
فَسَمِعَ نِدَاءً أَنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ مُحَمَّداً فَقَالَ أَيْنَ هُوَ قَالَ فِي وَادِي فُلَانٍ تَحْتَ شَجَرَةِ أُمِّ غَيْلَانَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (2)فَأَتَيْنَا الْوَادِيَ فَرَأَيْنَاهُ يَأْكُلُ الرُّطَبَ مِنْ أُمِّ غَيْلَانَ وَ حَوْلَهُ شَابَّانِ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهُ ذَهَبَ الشَّابَّانِ وَ كَانَا جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ(ع)فَسَأَلْنَاهُ مَنْ أَنْتَ وَ مَا ذَا تَصْنَعُ قَالَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَحَمَلَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى عُنُقِهِ وَ طَافَ بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَ كَانَتِ النِّسَاءُ اجْتَمَعْنَ عِنْدَ آمِنَةَ عَلَى مُصِيبَتِهِ فَلَمَّا رَآهَا تَمَسَّكَ بِهَا وَ مَا الْتَفَتَ إِلَى أَحَدٍ وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَرْسَلَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَى رُعَاتِهِ فِي إِبِلٍ قَدْ نَدَّتْ لَهُ (3)يَجْمَعُهَا فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ نَفَذَ وَرَاءَهُ فِي كُلِّ طَرِيقٍ وَ كُلِّ شِعْبٍ وَ أَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنْ تَهْلِكْ (4)آلَكَ إِنْ تَفْعَلْ فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالْإِبِلِ فَلَمَّا رَآهُ أَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ بِأَبِي لَا وَجَّهْتُكَ بَعْدَ هَذَا فِي شَيْءٍ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُغْتَالَ فَتُقْتَلَ(5).
بيان:قال الجزري في حديث المولد إنه كان يتيما في حجر أبي طالب و كان يقرب إلى الصبيان تصبيحهم فيختلسون و يكف أي غداءهم و هو اسم على تفعيل كالترغيب
____________
(1) في نسخة من المصدر: و اصطنع.
(2) فيه وهم ظاهر، لان ابن مسعود مات في سنة 32 (أو) 33، و كان عمره يوم توفى بضعا و ستين سنة، فعليه فكان عمر النبيّ حين ولد ابن مسعود قريبا من عشرين سنة، فكيف رأى النبيّ و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان طفلا؟.
(3) ند البعير: نفر و ذهب شاردا.
(4) أ تهلك؟.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 24.
335
و التنوير و قال حديث ابن عباس كان الصبيان غمصا رمصا و يصبح رسول الله صقيلا دهينا (1)يقال غمصت عينيه مثل رمصت يقال غمصت العين و رمصت من الغمص و الرمص و هو البياض الذي يجمع في زوايا الأجفان فالرمص الرطب و الغمص اليابس و الغمص و الرمص جمع أغمص و أرمص و انتصبا على الحال لا على الخبر لأن أصبح تامة و هي بمعنى الدخول في الصباح قاله الزمخشري.
4-قب، المناقب لابن شهرآشوب عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:قَالَ أَبُو طَالِبٍ لِأَخِيهِ يَا عَبَّاسُ أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنِّي ضَمَمْتُهُ فَلَمْ أُفَارِقْهُ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَلَمْ آتَمِنْ أَحَداً حَتَّى نَوَّمْتُهُ فِي فِرَاشِي فَأَمَرْتُهُ أَنْ يَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَ يَنَامَ مَعِي فَرَأَيْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقَالَ يَا عَمَّاهْ اصْرِفْ بِوَجْهِكَ عَنِّي حَتَّى أَخْلَعَ ثِيَابِي وَ أَدْخُلَ فِرَاشِي فَقُلْتُ لَهُ وَ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَسَدِي فَتَعَجَّبْتُ مِنْ قَوْلِهِ وَ صَرَفْتُ بَصَرِي عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ فِرَاشَهُ فَإِذَا دَخَلْتُ أَنَا الْفِرَاشَ إِذَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ ثَوْبٌ وَ اللَّهِ مَا أَدْخَلْتُهُ فِي فِرَاشِي فَأَمَسُّهُ فَإِذَا هُوَ أَلْيَنُ ثَوْبٍ ثُمَّ شَمِمْتُهُ كَأَنَّهُ غُمِسَ فِي مِسْكٍ وَ كُنْتُ إِذَا أَصْبَحْتُ فَقَدْتُ الثَّوْبَ فَكَانَ هَذَا دَأْبِي وَ دَأْبَهُ وَ كُنْتُ كَثِيراً مَا أَفْتَقِدُهُ فِي فِرَاشِي فَإِذَا قُمْتُ لِأَطْلُبَهُ بَادَرَنِي مِنْ فِرَاشِي هَا أَنَا ذَا يَا عَمِّ فَارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ وَ كَانَ النَّبِيُّ(ص)يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا شَرْبَةً فَرُبَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ الْغَدَاءَ فَيَقُولُ لَا أُرِيدُهُ أَنَا شَبْعَانُ وَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَشِّيَ أَوْلَادَهُ أَوْ يُغَدِّيَهُمْ يَقُولُ كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى يَحْضُرَ ابْنِي فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ فَيَبْقَى الطَّعَامُ (2).
5-قب، المناقب لابن شهرآشوب الْقَاضِي الْمُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ أَبُو طَالِبٍلَقَدْ كُنْتُ كَثِيراً مَا أَسْمَعُ مِنْهُ إِذَا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ كَلَاماً يُعْجِبُنِي وَ كُنَّا لَا نُسَمِّي عَلَى الطَّعَامِ وَ لَا عَلَى الشَّرَابِ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الْأَحَدِ ثُمَّ يَأْكُلُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً
____________
(1) و حكى عن ابن سعد أنّه روى: و كان الصبيان يصبحون رمصا شعثا، و يصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) دهينا كحيلا.
(2) مناقب آل أبي طالب 1: 25 و 26.
336
فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ وَ كُنْتُ رُبَّمَا أَتَيْتُ غَفْلَةً فَأَرَى مِنْ لَدُنْ رَأْسِهِ نُوراً مَمْدُوداً قَدْ بَلَغَ السَّمَاءَ ثُمَّ لَمْ أَرَ مِنْهُ كَذِبَةً قَطُّ وَ لَا جَاهِلِيَّةً قَطُّ وَ لَا رَأَيْتُهُ يَضْحَكُ فِي مَوْضِعِ (1)الضَّحِكِ وَ لَا وَقَفَ مَعَ صِبْيَانٍ فِي لَعِبٍ وَ لَا الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَ كَانَ الْوَحْدَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ التَّوَاضُعُ وَ كَانَ النَّبِيُّ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَجَدْنَا فِي كُتُبِنَا أَنَّ مُحَمَّداً يُجَنِّبُهُ رَبُّهُ مِنَ الْحَرَامِ وَ الشُّبُهَاتِ فَجَرَّبُوهُ فَقَدَّمُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ دَجَاجَةً مُسْمَنَةً فَكَانَتْ قُرَيْشٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَ الرَّسُولُ تَعْدِلُ يَدُهُ عَنْهَا فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ أَرَاهَا حَرَاماً يَصُونُنِي رَبِّي عَنْهَا فَقَالُوا هِيَ حَلَالٌ فَنُلْقِمُكَ قَالَ فَافْعَلُوا إِنْ قَدَرْتُمْ فَكَانَتْ أَيْدِيهِمْ يُعْدَلُ بِهَا إِلَى الْجِهَاتِ فَجَاءُوهُ بِدَجَاجَةٍ أُخْرَى قَدْ أَخَذُوهَا لِجَارٍ لَهُمْ غَائِبٍ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا ثَمَنَهَا إِذَا جَاءَ فَتَنَاوَلَ مِنْهَا لُقْمَةً فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ(ع)وَ مَا أَرَاهَا إِلَّا مِنْ شُبْهَةٍ يَصُونُنِي رَبِّي عَنْهَا فَقَالُوا نُلْقِمُكَ مِنْهَا فَكُلَّمَا تَنَاوَلُوا مِنْهَا ثَقُلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَالُوا لِهَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ وَ لَمَّا ظَهَرَ أَمْرُهُ(ص)عَادَاهُ أَبُو جَهْلٍ وَ جَمَعَ صِبْيَانَ بَنِي مَخْزُومٍ وَ قَالَ أَنَا أَمِيرُكُمْ وَ انْعَقَدَ صِبْيَانُ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى النَّبِيِّ وَ قَالُوا أَنْتَ الْأَمِيرُ قَالَتْ أُمُّ عَلِيٍّ(ع)وَ كَانَ فِي صَحْنِ دَارِي شَجَرَةٌ قَدْ يَبِسَتْ وَ خَاسَتْ وَ لَهَا زَمَانٌ يَابِسَةً فَأَتَى النَّبِيُّ(ص)يَوْماً إِلَى الشَّجَرَةِ فَمَسَّهَا بِكَفِّهِ فَصَارَتْ مِنْ وَقْتِهَا وَ سَاعَتِهَا خَضْرَاءَ وَ حَمَلَتِ الرُّطَبَ فَكُنْتُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَجْمَعُ لَهُ الرُّطَبَ فِي دَوْخَلَّةٍ فَإِذَا كَانَتْ وَقْتُ ضَاحِي النَّهَارِ يَدْخُلُ يَقُولُ يَا أُمَّاهْ أَعْطِينِي دِيوَانَ الْعَسْكَرِ وَ كَانَ يَأْخُذُ الدَّوْخَلَّةَ ثُمَّ يَخْرُجُ وَ يَقْسِمُ الرُّطَبَ عَلَى صِبْيَانِ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمَّا كَانَ بَعْضُ الْأَيَّامِ دَخَلَ وَ قَالَ يَا أُمَّاهْ أَعْطِينِي دِيوَانَ الْعَسْكَرِ فَقُلْتُ يَا وَلَدِيَ اعْلَمْ أَنَّ النَّخْلَةَ مَا أَعْطَتْنَا الْيَوْمَ شَيْئاً قَالَتْ فَوَ حَقِّ نُورِ وَجْهِهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَ قَدْ تَقَدَّمَ نَحْوَ النَّخْلَةِ وَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ وَ إِذَا بِالنَّخْلَةِ قَدِ انْحَنَتْ حَتَّى صَارَ رَأْسُهَا عِنْدَهُ فَأَخَذَ مِنَ الرُّطَبِ مَا أَرَادَ ثُمَّ عَادَتِ النَّخْلَةُ إِلَى مَا كَانَتْ فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ قُلْتُ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاءِ ارْزُقْنِي وَلَداً ذَكَراً يَكُونُ أَخاً لِمُحَمَّدٍ فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَاقَعَنِي أَبُو طَالِبٍ فَحَمَلْتُ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَرُزِقْتُهُ فَمَا كَانَ يَقْرَبُ صَنَماً وَ لَا يَسْجُدُ لِوَثَنٍ كُلُّ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُحَمَّدٍ(ص)(2).
____________
(1) غير موضع خ ل.
(2) مناقب آل أبي طالب 1: 26 و 27.
337
بيان:خاست أي لم تثمر من قولهم خاس بوعده إذا أخلفه أو فسدت من قولهم خاس الشيء إذا فسد و الدوخلة بالتشديد كالزنبيل يعمل من الخوص و القوصرة يترك فيها التمر و غيره و في الخبر غرابة من جهة أن الحمل بأمير المؤمنين(ع)إنما كان بعد ثلاثين من سنه(ص)و يظهر منه أنه كان في صباه.
6-قب، المناقب لابن شهرآشوب كِتَابُ الْعَرُوسِ وَ تَارِيخِ الطَّبَرِيِأَنَّهُ أَرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ بِلَبَنِ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ أَيَّاماً وَ تُوُفِّيَتْ مُسْلِمَةً سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ مَاتَ ابْنُهَا قَبْلَهَا ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ فَلَبِثَ فِيهِمْ خَمْسَ سِنِينَ وَ كَانَتْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ وَ بَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّ وَ خَرَجَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ فِي تِجَارَتِهِ وَ هُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَ يُقَالُ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ وَ لَهُ خَمْسٌ وَ عِشْرُونَ سَنَةً (1).
7-كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:إِنَّ قُرَيْشاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَدَمُوا الْبَيْتَ فَلَمَّا أَرَادُوا بِنَاءَهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ وَ أُلْقِيَ فِي رُوعِهِمْ (2)حَتَّى قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَيَأْتِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَطْيَبِ مَالِهِ وَ لَا تَأْتُوا بِمَالٍ اكْتَسَبْتُمُوهُ مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ حَرَامٍ فَفَعَلُوا فَخُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ بِنَائِهِ فَبَنَوْهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَتَشَاجَرُوا فِيهِمْ أَيُّهُمْ يَضَعُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ فَحَكَّمُوا (3)أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا أَتَاهُمْ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَبَسَطَ ثُمَّ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ أَخَذَتِ الْقَبَائِلُ بِجَوَانِبِ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ ثُمَّ تَنَاوَلَهُ(ص)فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ فَخَصَّهُ اللَّهُ بِهِ (4).
8-كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ غَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ رَفَعُوهُ قَالُواإِنَّمَا هَدَمَتْ قُرَيْشٌ
____________
(1) مناقب آل أبي طالب 1: 119.
(2) في المصدر: و القى في روعهم الرعب. قلت: الروع: سواد القلب. و قيل: موضع الفزع منه.
(3) أي فوضوا إليه الحكم.
(4) الفروع: ج 1(ص)225.
338
الْكَعْبَةَ لِأَنَّ السَّيْلَ كَانَ يَأْتِيهِمْ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ فَيَدْخُلُهَا فَانْصَدَعَتْ وَ سُرِقَ مِنَ الْكَعْبَةِ غَزَالٌ مِنْ ذَهَبٍ رِجْلَاهُ جَوْهَرٌ (1)وَ كَانَ حَائِطُهَا (2)قَصِيراً وَ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ(ص)بِثَلَاثِينَ سَنَةً فَأَرَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَهْدِمُوا الْكَعْبَةَ وَ يَبْنُوهَا وَ يَزِيدُوا فِي عَرْصَتِهَا ثُمَّ أَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ وَ خَافُوا إِنْ وَضَعُوا فِيهَا الْمَعَاوِلَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ دَعُونِي أَبْدَأْ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ رِضًى لَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ (3)وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَفَفْتُ (4)فَصَعِدَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَ حَرَّكَ مِنْهَا حَجَراً فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ حَيَّةٌ وَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ بَكَوْا وَ تَضَرَّعُوا وَ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاحَ فَغَابَتْ عَنْهُمُ الْحَيَّةُ فَهَدَمُوهُ وَ نَحَّوْا حِجَارَتَهُ حَوْلَهُ حَتَّى بَلَغُوا الْقَوَاعِدَ الَّتِي وَضَعَهَا إِبْرَاهِيمُ(ع)فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَزِيدُوا فِي عَرْصَتِهِ وَ حَرَّكُوا الْقَوَاعِدَ الَّتِي وَضَعَهَا إِبْرَاهِيمُ(ع)أَصَابَتْهُمْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ وَ ظُلْمَةٌ فَكَفُّوا عَنْهُ وَ كَانَ بُنْيَانُ إِبْرَاهِيمَ(ع)الطُّولُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعاً وَ الْعَرْضُ اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ ذِرَاعاً وَ السَّمْكُ (5)تِسْعَةُ أَذْرُعٍ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ نَزِيدُ فِي سَمْكِهَا فَبَنَوْهَا فَلَمَّا بَلَغَ الْبِنَاءُ إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ تَشَاجَرَتْ قُرَيْشٌ فِي وَضْعِهِ قَالَ (6)كُلُّ قَبِيلَةٍ نَحْنُ أَوْلَى بِهِ وَ نَحْنُ نَضَعُهُ فَلَمَّا كَثُرَ بَيْنَهُمْ تَرَاضَوْا بِقَضَاءِ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَطَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا هَذَا الْأَمِينُ قَدْ جَاءَ فَحَكَّمُوهُ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ كِسَاءٌ طَارُونِيٌّ كَانَ لَهُ وَ وَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَأْتِي مِنْ كُلِّ رَبْعٍ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ فَكَانُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَ الْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَ أبو [أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَ قَيْسَ بْنَ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَرَفَعُوهُ وَ وَضَعَهُ النَّبِيُّ(ص)فِي مَوْضِعِهِ وَ قَدْ كَانَ بَعَثَ مَلِكُ الرُّومِ بِسَفِينَةٍ فِيهَا سُقُوفٌ وَ آلَاتٌ وَ خُشُبٌ وَ قَوْمٌ مِنَ الْفَعَلَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ لِيُبْنَى لَهُ
____________
(1) في المصدر: من جوهر.
(2) حائطا خ ل.
(3) بشيء خ ل.
(4) كففنا خ ل و هو الموجود في المصدر.
(5) السمك: أعلى البيت إلى أسفله. القامة من كل شيء.
(6) في المصدر: فقال.
339
هُنَاكَ بِيعَةً فَطَرَحَتْهَا الرِّيحُ إِلَى سَاحِلِ الشَّرِيعَةِ فَبُطِحَتْ فَبَلَغَ قُرَيْشاً خَبَرُهَا فَخَرَجُوا إِلَى السَّاحِلِ فَوَجَدُوا مَا يَصْلُحُ لِلْكَعْبَةِ مِنْ خَشَبٍ وَ زِينَةٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَابْتَاعُوهُ وَ صَارُوا بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَوَافَقَ ذَلِكَ ذَرْعُ الْخَشَبِ الْبِنَاءَ (1)مَا خَلَا الْحَجَرَ فَلَمَّا بَنَوْهَا كَسَوْهَا الْوَصَائِلَ (2)وَ هِيَ الْأَرْدِيَةُ (3).
بيان:الطاروني ضرب من الخز و الربع المحلة و يحتمل الضم قوله(ع)فبطحت على بناء المجهول أي انقلبت يقال بطحه أي ألقاه على وجهه و قوله ذرع الخشب بيان لقوله ذلك و البناء مفعول وافق و قوله ما خلا الحجر لعل المراد به الأحجار المنصوبة في ظاهر البيت أي كان طول الخشب موافقا لطول بناء البيت إلا بقدر الحجر المنصوب في الجانبين لئلا تظهر رءوس الأخشاب من خارج و يحتمل على بعد أن يقرأ الحجر بالكسر أي لم يكن حجر إسماعيل داخلا في طول الخشب و قال الجوهري الوصائل ثياب مخططة يمانية و في بعض النسخ بالدال أي الثياب المنسوخة قال في القاموس الوصد محركة النسج و الأول أظهر.
9-كا، الكافي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)سَاهَمَ قُرَيْشاً فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ فَصَارَ لِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ بَابِ الْكَعْبَةِ إِلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِ (4).
بيان:قوله(ع)ما بين الركن اليماني أي إلى منتصف الضلع الذي بين الركن اليماني و الحجر و الرواية الأخرى تنافي ذلك إذ لو كان المراد جميع بني هاشم فكان ينبغي أن يدخل فيه جميع ما كان للنبي(ص)مع أنه لا يدخل فيه إلا ما
____________
(1) في المصدر: فوافق ذراع ذلك الخشب البناء.
(2) الوصائد خ ل، و هو الموجود في المصدر.
(3) الفروع: ج 1(ص)225.
(4) الفروع: ج 1(ص)225.
340
كان منه بين الحجر و الباب و إن كان المراد سائر بني هاشم غيره(ص)فكان ينبغي أن لا يدخل فيه ما بين الحجر إلى الباب إلا أن يتكلف بأنهم كانوا أشركوه مع بني هاشم في هذا الضلع و خصوه من الضلع الآخر بالنصف فجعل بنو هاشم له(ص)ما بين الحجر و الباب و في بعض النسخ بدل الشامي اليماني و الإشكال و التوجيه مشتركان.
10-كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَ لَا عَلَى خَالَتِهَا وَ لَا عَلَى أُخْتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ قَالَ إِنَّ عَلِيّاً(ع)ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)ابْنَةَ حَمْزَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَمُّهُ حَمْزَةُ(ع)قَدْ رَضَعَا (1)مِنِ امْرَأَةٍ (2).
11-كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ:لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)مَكَثَ أَيَّاماً لَيْسَ لَهُ لَبَنٌ فَأَلْقَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَلَى ثَدْيِ نَفْسِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ لَبَناً فَرَضَعَ مِنْهُ أَيَّاماً حَتَّى وَقَعَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهَا (3).
قب، المناقب لابن شهرآشوب عنه عمثله (4).
12-د، العدد القوية قَالَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُكَانَتْ فِي بَنِي سَعْدٍ شَجَرَةٌ يَابِسَةٌ مَا حَمَلَتْ قَطُّ فَنَزَلْنَا يَوْماً عِنْدَهَا وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي حَجْرِي فَمَا قُمْتُ حَتَّى اخْضَرَّتْ وَ أَثْمَرَتْ بِبَرَكَةٍ مِنْهُ وَ مَا أَعْلَمُ أَنِّي جَلَسْتُ مَوْضِعاً قَطُّ إِلَّا كَانَ لَهُ أَثَرٌ إِمَّا نَبَاتٌ وَ إِمَّا خِصْبٌ وَ لَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى
____________
(1) ارضعا خ ل.
(2) الفروع 2: 41 و 42.
(3) الأصول 1: 448، و الحديث لا تخلو عن غرابة، و في إسناده جماعة لا يحتج بحديثهم.
* * *
* * *
(4) مناقب آل أبي طالب 1: 23.
341
امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مِسْكِينٍ وَ كَانَتْ سَيِّئَةَ الْحَالِ فَحَمَلَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ مَنْزِلَهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ أَخْصَبَتْ وَ حَسُنَ حَالُهَا فَكَانَتْ تَجِيءُ كُلَّ يَوْمٍ فَتُقَبِّلُ رَأْسَهُ قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا نَظَرْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ نَائِمٌ إِلَّا وَ رَأَيْتُ عَيْنَيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ وَ كَانَ لَا يُصِيبُهُ حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا تَمَنَّيْتُ شَيْئاً قَطُّ فِي مَنْزِلِي إِلَّا أُعْطِيتُهُ مِنَ الْغَدِ وَ لَقَدْ أَخَذَ ذِئْبٌ عُنَيْزَةً لِي فَتَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ حُزْنٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ(ص)رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا وَ الذِّئْبُ وَ الْعُنَيْزَةُ عَلَى ظَهْرِهِ قَدْ رَدَّهَا عَلَيَّ مَا عَقَرَ (1) مِنْهَا شَيْئاً قَالَتْ حَلِيمَةُ مَا أَخْرَجْتُهُ قَطُّ فِي شَمْسٍ إِلَّا وَ سَحَابَةٌ تُظِلُّهُ وَ لَا فِي مَطَرٍ إِلَّا وَ سَحَابَةٌ تَكُنُّهُ (2) مِنَ الْمَطَرِ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَمَا زَالَ مِنْ خَيْمَتِي نُورٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يُصِيبُهُمُ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ فَمَا أَصَابَنِي حَرٌّ وَ لَا بَرْدٌ مُنْذُ كَانَ عِنْدِي وَ لَقَدْ هَمَمْتُ يَوْماً أَنْ أَغْسِلَ رَأْسَهُ فَجِئْتُهُ وَ قَدْ غُسِلَ رَأْسُهُ وَ دُهِّنَ وَ طُيِّبَ وَ مَا غَسَلْتُ لَهُ ثَوْباً قَطُّ وَ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِغَسْلِ ثَوْبِهِ سُبِقْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ ثَوْباً غَيْرَهُ جَدِيداً قَالَتْ مَا كُنْتُ أُخْرِجُ لِمُحَمَّدٍ ثَدْيِي إِلَّا وَ سَمِعْتُ لَهُ نَغْمَةً وَ لَا شَرِبَ قَطُّ إِلَّا وَ سَمِعْتُهُ يَنْطِقُ بِشَيْءٍ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَطَقَ وَ عَقَدَ كَانَ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ إِذَا أَكَلَ وَ فِي آخِرِ مَا يَفْرُغُ مِنْ أَكْلِهِ وَ شُرْبِهِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ (3).
13 يل، الفضائل لابن شاذان قَالَ الْوَاقِدِيِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مَاتَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَبَقِيَ(ص)بِلَا أَبٍ وَ لَا أُمٍّ وَ هُوَ مِنْ أَبْنَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ يَتِيماً فِي حَجْرِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ (4) مَوْتُ آمِنَةَ لِيُتْمِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ لَمْ يَأْكُلْ وَ لَمْ يَشْرَبْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَبَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى بِنْتَيْهِ عَاتِكَةَ وَ صَفِيَّةَ وَ قَالَ لَهُمَا خُذَا مُحَمَّداً ص
____________
(1) عقره: جرحه.
(2) أي تستره.
(3) العدد: مخطوط.
(4) في المصدر: على عبد المطلب.
342
وَ النَّبِيُّ(ص)لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُكَاءً وَ لَا يَسْكُنُ وَ كَانَتْ عَاتِكَةُ تُلْعِقُهُ (1) عَسَلًا صَافِياً مَعَ الثَّرِيدِ وَ هُوَ لَا يَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِياً فِي الْبُكَاءِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَضَجِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ (2) فَقَالَ لِعَاتِكَةَ فَلَعَلَّهُ يَقْبَلُ ثَدْيَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَ يُرْضِعْنَ وَلَدِي وَ قُرَّةَ عَيْنِي فَبَعَثَتْ عَاتِكَةُ بِالْجَوَارِي وَ الْعَبِيدِ نَحْوَ نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَ قُرَيْشٍ وَ دَعَتْهُنَّ إِلَى رَضَاعِ النَّبِيِّ(ص)فَجِئْنَ إِلَى عَاتِكَةَ وَ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهَا فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَ سِتِّينَ جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ (3) فَتَقَدَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَ وَضَعْنَ ثَدْيَهُنَّ فِي فَمِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَمَا قَبِلَ مِنْهُنَّ أَحَداً وَ بَقِينَ مُتَحَيِّرَاتٍ وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَالِساً فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِنَّ وَ النَّبِيُّ(ص)لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُكَاءً وَ حُزْناً فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَهْمُوماً وَ قَعَدَ عِنْدَ سِتَارَةِ (4) الْكَعْبَةِ وَ رَأْسُهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ ثَكْلَاءُ وَ إِذَا بِعَقِيلِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَ قَدْ أَقْبَلَ وَ هُوَ شَيْخُ قُرَيْشٍ وَ أَسَنُّهُمْ فَلَمَّا رَأَى عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَغْمُوماً قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَارِثِ مَا لِي أَرَاكَ مَغْمُوماً قَالَ يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ إِنَّ نَافِلَتِي يَبْكِي وَ لَا يَسْكُنُ شَوْقاً إِلَى اللَّبَنِ مِنْ حِينَ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ أَنَا لَا أَتَهَنَّأُ بِطَعَامٍ وَ لَا شَرَابٍ (5) وَ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَ (6) فَتَحَيَّرْتُ وَ انْقَطَعَتْ حِيلَتِي فَقَالَ عَقِيلٌ يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنِّي لَأَعْرِفُ فِي أَرْبَعَةٍ وَ أَرْبَعِينَ صِنْدِيداً مِنْ صَنَادِيدِ الْعَرَبِ امْرَأَةً عَاقِلَةً هِيَ أَفْصَحُ لِسَاناً وَ أَصْبَحُ وَجْهاً وَ أَرْفَعُ
____________
(1) ألعق و لعق فلانا العسل: جعله يلعقه، أي يؤاكله العسل بإصبعه.
(2) في المصدر: فضجر عبد المطلب و لا يتهنأ أن ينظر إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو في تلك الحال، فقال لابنته عاتكة.
(3) في المصدر: صناديد قريش و أصل بنى هاشم، فتقدمت كل واحد منهن و رفعن أكمامهن عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و وضعن خلف ثديهن في فم رسول اللّه إه قلت: الخلف بالكسر: حلمة الضرع.
(4) الستار جمع السترة: ما يستر به. و في المصدر: فخرج عبد المطلب من الدار مهموما مغموما وقر عند الكعبة، و قعد عند ستارها.
(5) في المصدر: و لا بشراب محزونا على ولدى محمد.
(6) في المصدر زيادة هى: و ذلك أنّه ما من امرأة إلّا و بها عيب، و إن محمّدا لا يقبل ثدى من بها عيب، فلهذا امتنع فتحيرت.
343
حَسَباً وَ نَسَباً وَ هِيَ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سُخْنَةَ (1) بْنِ نَاصِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ زَهْرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ (2) بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أكدد (3) [أُدَدَ بْنِ يشخب [يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ نَبْتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ (4) فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا سَيِّدَ قُرَيْشٍ لَقَدْ نَبَّهْتَنِي لِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَ فَرَّجْتَ عَنِّي ثُمَّ دَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِغُلَامٍ اسْمُهُ شَمَرْدَلٌ وَ قَالَ لَهُ قُمْ يَا غُلَامُ وَ ارْكَبْ نَاقَتَكَ وَ اخْرُجْ نَحْوَ حَيِّ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَ ادْعُ لِي أَبَا ذُؤَيْبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ الْعَدَوِيَّ فَذَهَبَ الْغُلَامُ وَ اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ نَاقَتِهِ وَ كَانَ حَيُّ بَنِي سَعْدٍ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا فِي طَرِيقِ جُدَّةَ قَالَ فَذَهَبَ الْغُلَامُ نَحْوَ حَيِّ بَنِي سَعْدٍ فَلَحِقَ بِهِمْ وَ إِذَا خَيْمَتُهُمْ مِنْ مِسْحٍ (5) وَ خُوصٍ وَ كَذَلِكَ خِيَمُ الْأَعْرَابِ وَ الْبَوَادِي فَدَخَلَ شَمَرْدَلٌ الْحَيَّ وَ سَأَلَ عَنْ خَيْمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَعْطَوْهُ الْأَثَرَ فَذَهَبَ شَمَرْدَلٌ إِلَى الْخَيْمَةِ فَإِذَا بِخَيْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَ إِذَا عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ غُلَامٌ أَسْوَدُ فَاسْتَأْذَنَ شَمَرْدَلٌ فِي الدُّخُولِ (6) فَدَخَلَ الْغُلَامُ وَ قَالَ أَنْعِمْ صَبَاحاً يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ قَالَ فَحَيَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُ مَا الْخَبَرُ يَا شَمَرْدَلُ فَقَالَ اعْلَمْ يَا سَيِّدِي أَنَّ مَوْلَايَ أَبَا الْحَارِثِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَدْ وَجَّهَنِي نَحْوَكَ وَ هُوَ يَدْعُوكَ فَإِنْ رَأَيْتَ يَا سَيِّدِي أَنْ تُجِيبَهُ فَافْعَلْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ وَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ سَاعَتِهِ وَ دَعَا بِمِفْتَاحِ الْخِزَانَةِ فَأُعْطِيَ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَ بَابَ الْخِزَانَةِ وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَوْشَنَهُ فَأَفْرَغَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ دِرْعاً فَاضِلًا فَأَفْرَغَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَوْقَ جَوْشَنِهِ وَ اسْتَخْرَجَ بَيْضَةً عَادِيَةً فَقَلَّبَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَ تَقَلَّدَ بِسَيْفَيْنِ وَ اعْتَقَلَ رُمْحاً وَ دَعَا بِنَجِيبٍ فَرَكِبَهُ وَ جَاءَ نَحْوَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمَّا دَخَلَ تَقَدَّمَ شَمَرْدَلٌ وَ أَخْبَرَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ
____________
(1) هكذا في الأصل و مصدره، و تقدم في كلام ابن هشام و المقريزى: شجنة.
(2) هكذا في الأصل، و في المصدر: غلان، و كلاهما مصحفان، و الصحيح عيلان بالعين المهملة راجع نهاية الارب: 369 و غيره.
(3) ادد خ ل و هو الصحيح و الموجود في المصدر.
(4) أخرجنا قبل ذلك نسبه عن السيرة و إمتاع الاسماع، و فيه اختلاف مع هذا.
(5) المسح بالكسر: البلاس. الكساء من الشعر. و الخوص: ورق النخل.
(6) في المصدر: فاستأذن شمردل فأذن له في الدخول.
344
وَ كَانَ جَالِساً مَعَ رُؤَسَاءِ مَكَّةَ مِثْلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَ جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَبْدَ اللَّهِ قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَهُ وَ عَانَقَهُ وَ صَافَحَهُ وَ أَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ وَ أَلْزَقَ رُكْبَتَيْهِ بِرُكْبَتَيْهِ وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى اسْتَرَاحَ ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ أَ تَدْرِي بِمَا دَعَوْتُكَ قَالَ يَا سَيِّدِي وَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ وَ رَئِيسَ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى تَقُولَ فَأَسْمَعَ مِنْكَ وَ أَعْمَلَ بِأَحْسَنِهِ قَالَ اعْلَمْ يَا أَبَا ذُؤَيْبٍ أَنَّ نَافِلَتِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَاتَ أَبُوهُ وَ لَمْ يَبِنْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ وَ هُوَ ابْنُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَ هُوَ لَا يَسْكُنُ مِنَ الْبُكَاءِ عَيْمَةً إِلَى اللَّبَنِ وَ قَدْ أَحْضَرْتُ عِنْدَهُ (1) أَرْبَعَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ جَارِيَةً مِنْ أَشْرَفِ (2) وَ أَجَلِّ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَبَناً وَ الْآنَ سَمِعْنَا أَنَّ لَكَ بِنْتاً ذَاتَ لَبَنٍ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُنْفِذَهَا لِتُرْضِعَ وَلَدِي مُحَمَّداً فَإِنْ قَبِلَ لَبَنَهَا فَقَدْ جَاءَتْكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَ عَلَيَّ غِنَاكَ وَ غِنَى أَهْلِكَ وَ عَشِيرَتِكَ وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَى مِمَّا رَأَيْتَ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرِهَا فَافْعَلْ فَفَرِحَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَحاً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنَّ لِي بِنْتَيْنِ فَأَيَّتَهُمَا تُرِيدُ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أُرِيدُ أَكْمَلَهُمَا عَقْلًا وَ أَكْثَرَهُمَا لَبَناً وَ أَصْوَنَهُمَا عِرْضاً فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَاتِيكَ حَلِيمَةُ لَمْ تَكُنْ كَأَخَوَاتِهَا بَلْ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَكْمَلَ عَقْلًا وَ أَتَمَّ فَهْماً وَ أَفْصَحَ لِسَاناً وَ أَثَجَّ لَبَناً وَ أَصْدَقَ لَهْجَةً وَ أَرْحَمَ قَلْباً مِنْهُنَّ جُمَعَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ رَبِّ السَّمَاءِ مَا أُرِيدُ إِلَّا ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ فَقَامَ مِنْ سَاعَتِهِ وَ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِ جَوَادِهِ وَ أَخَذَ نَحْوَ بَنِي سَعْدٍ (3) بَعْدَ أَنْ أَضَافَهُ فَلَمَّا أَنْ وَصَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ دَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَلِيمَةَ وَ قَالَ لَهَا أَبْشِرِي فَقَدْ جَاءَتْكِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا فَقَالَتْ حَلِيمَةُ مَا الْخَبَرُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ اعْلَمِي أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ رَئِيسَ قُرَيْشٍ وَ سَيِّدَ بَنِي هَاشِمٍ سَأَلَنِي إِنْفَاذَكِ إِلَيْهِ لِتُرْضِعِي وَلَدَهُ وَ تُبَشِّرِي بِالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ فَفَرِحَتْ حَلِيمَةُ بِذَلِكَ وَ قَامَتْ مِنْ وَقْتِهَا وَ سَاعَتِهَا وَ اغْتَسَلَتْ وَ تَطَيَّبَتْ وَ تَبَخَّرَتْ وَ فَرَغَتْ مِنْ زِينَتِهَا فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَ زَيَّنَ نَاقَتَهُ فَرَكِبَتْ عَلَيْهَا حَلِيمَةُ وَ رَكِبَ
____________
(1) في المصدر: و قد عرضت عليه.
(2) في المصدر: من أشرف قريش.
(3) في المصدر: نحو حى بنى سعد.
345
عَبْدُ اللَّهِ فَرَسَهُ وَ كَذَلِكَ زَوْجُهَا بَكْرُ بْنُ سَعْدٍ السَّعْدِيُّ وَ خَرَجُوا مِنْ دَارِهِمْ فِي دَاجٍ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا كَانُوا عَلَى بَابِ مَكَّةَ وَ دَخَلُوهَا وَ ذَهَبَتْ (1) إِلَى دَارِ عَاتِكَةَ وَ كَانَتْ تُلَاطِفُ مُحَمَّداً وَ تُلْعِقُهُ الْعَسَلَ وَ الزُّبْدَ الطَّرِيَّ فَلَمَّا دَخَلَتِ الدَّارَ وَ سَمِعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِمَجِيئِهَا جَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ وَ دَخَلَ الدَّارَ وَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ حَلِيمَةَ فَفَتَحَتْ حَلِيمَةُ جَيْبَهَا وَ أَخْرَجَتْ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ وَ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا وَ وَضَعَتْ ثَدْيَهَا فِي فَمِهِ وَ النَّبِيُّ(ص)تَرَكَ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ وَ اضْطَرَبَ إِلَى ثَدْيِهَا الْأَيْمَنِ فَأَخَذَتْ حَلِيمَةُ ثَدْيَهَا الْأَيْمَنَ مِنْ يَدِ النَّبِيِّ(ص)وَ وَضَعَتْ ثَدْيَهَا الْأَيْسَرَ فِي فَمِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ ثَدْيَهَا الْأَيْمَنَ كَانَ جَهَاماً (2) لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَبَنٌ وَ خَافَتْ حَلِيمَةُ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)إِذَا مَصَّ الثَّدْيَ (3) وَ لَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً لَا يَأْخُذُ بَعْدَهُ الْأَيْسَرَ فَيَأْمُرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِإِخْرَاجِهَا مِنَ الدَّارِ فَلَمَّا أَلَحَّتْ عَلَى النَّبِيِّ(ص)أَنْ يَأْخُذَ الْأَيْسَرَ وَ النَّبِيُّ يَمِيلُ إِلَى الْأَيْمَنِ فَصَاحَتْ عَلَيْهِ وَ قَالَتْ يَا وَلَدِي مُصَّ الْأَيْمَنَ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ جَهَامٌ يَابِسٌ لَا شَيْءَ فِيهِ قَالَ فَلَمَّا مَصَّ النَّبِيُّ الْأَيْمَنَ امْتَلَأَ فَانْفَتَحَ بِاللَّبَنِ حَتَّى مَلَأَ شِدْقَيْهِ (4) بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ بِبَرَكَتِهِ فَضَجَّتْ حَلِيمَةُ وَ قَالَتْ وَا عَجَبَاهْ مِنْكَ يَا وَلَدِي وَ حَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ رَبَّيْتُ بِثَدْيِ الْأَيْسَرِ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَداً وَ مَا ذَاقُوا مِنْ ثَدْيِيَ الْأَيْمَنِ شَيْئاً وَ الْآنَ قَدِ انْفَتَحَ بِبَرَكَتِكَ وَ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَرَهَا بِكِتْمَانِ ذَلِكَ فَقَالَ (5) عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَكُونِينَ عِنْدِي فَآمُرُ لَكِ بِإِفْرَاغِ قَصْرٍ بِجَنْبِ قَصْرِي وَ أُعْطِيكِ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ دَسْتَ ثِيَابٍ رُومِيَّةٍ وَ كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَمْنَانِ خُبْزٍ حُوَّارَى وَ لَحْماً مَشْوِيّاً قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهَا عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ أَوْحَى لَهَا أَنْ لَا تُقِيمِي عِنْدَهُ قَالَتْ يَا أَبَا الْحَارِثِ لَوْ جَعَلْتَ لِي مَالَ الدُّنْيَا مَا أَقَمْتُ عِنْدَكَ وَ لَا تَرَكْتُ الزَّوْجَ وَ الْأَوْلَادَ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَأَدْفَعُ إِلَيْكَ مُحَمَّداً عَلَى شَرْطَيْنِ قَالَتْ وَ مَا الشرطين [الشَّرْطَانِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تُحْسِنِي إِلَيْهِ وَ تُنَوِّمِيهِ إِلَى جَنْبِكَ وَ تُدَثِّرِيهِ
____________
(1) في المصدر: و ذهبت حليمة.
(2) أي كان خاليا من اللبن و لم يكن يدر به، و الجهام: السحاب لا ماء فيه.
(3) في المصدر: الثدى الايمن.
(4) في المصدر: حتى امتلأ شدقيه كفم رأس الزق بأمر اللّه.
(5) في المصدر هنا زيادة هى: فلما شبع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ترك؟؟؟ من ساعته، فقال.
346
بِيَمِينِكِ وَ تُوَسِّدِيهِ بِيَسَارِكِ وَ لَا تَنْبِذِيهِ وَرَاءَ ظَهْرِكِ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ حَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ إِنِّي مُنْذُ وَقَعَ عَلَيْهِ نَظَرِي قَدْ ثَبَتَ حُبُّهُ فِي فُؤَادِي فَلَكَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ يَا أَبَا الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ وَ أَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ تَحْمِلِيهِ إِلَيَّ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ حَتَّى أَتَمَتَّعَ بِرُؤْيَتِهِ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ قَالَتْ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسَ مُحَمَّدٍ(ص)فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ وَ لَفَّفَتْهُ فِي خِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَخَذَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ قَالَ لَهَا يَا حَلِيمَةُ (1) نَمْضِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَتَّى أُسَلِّمَهُ إِلَيْكِ فِيهِ فَحَمَلَهُ عَلَى سَاعِدِهِ وَ دَخَلَ وَ طَافَ بِالنَّبِيِّ(ص)سَبْعاً وَ هُوَ عَلَى سَاعِدِهِ مُلَفَّفاً بِخِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ أَرْبَعِينَ ثَوْباً مِنْ خَوَاصِّ كِسْوَتِهِ وَ وَهَبَ لَهَا أَرْبَعَ جَوَارٍ رُومِيَّةٍ وَ حُلَلَ سُنْدُسٍ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ أَتَى بِالنَّاقَةِ فَرَكِبَتْهَا حَلِيمَةُ وَ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي حَجْرِهَا وَ شَيَّعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى خَارِجِ مَكَّةَ ثُمَّ أَخَذَتْ حَلِيمَةُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَى جَنْبِهَا مِنْ دَاخِلِ خِمَارِهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ حَلِيمَةُ حَيَّ بَنِي سَعْدٍ كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَبْرَقَ مِنْ وَجَنَاتِهِ نُورٌ فَارْتَفَعَ فِي الْهَوَاءِ طُولًا وَ عَرْضاً إِلَى أَعْنَانِ السَّمَاءِ (2) قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا رَأَى الْخَلْقُ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ وَ لَا شَيْخٌ وَ لَا شَابٌّ إِلَّا اسْتَقْبَلُوا حَلِيمَةَ وَ هَنَّئُوهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ الْكُبْرَى فَذَهَبَتْ حَلِيمَةُ إِلَى بَابِ خَيْمَتِهَا وَ بَرَكَتِ النَّاقَةُ وَ النَّبِيُّ(ص)فِي حَجْرِهَا فَمَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الصَّغِيرِ إِلَّا حَمَلَهُ الْكَبِيرُ وَ مَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الْكَبِيرِ إِلَّا وَ أَخَذَهُ الصَّغِيرُ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ص.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ النَّبِيُّ(ص)عِنْدَ حَلِيمَةَ تُرْضِعُهُ وَ كَانَتْ تَقُولُ يَا وَلَدِي وَ رَبِّ السَّمَاءِ إِنَّكَ لَعِنْدِي أَعَزُّ مِنْ وَلَدَيَّ ضَمْرَةَ وَ قُرَّةَ [قُرَّةُ عَيْنِي أَ تَرَى أَعِيشُ حَتَّى أَرَاكَ كَبِيراً كَمَا رَأَيْتُكَ صَغِيراً وَ كَانَتْ تُؤْثِرُ مُحَمَّداً عَلَى أَوْلَادِهَا جِدّاً وَ لَا تُفَارِقُهُ سَاعَةً. (3)
____________
(1) في المصدر: تعالى يا حليمة.
(2) في المصدر: حتى التزق بأعنان السماء.
(3) في المصدر: و لا تفارق محمّدا عن عينيها.
347
قَالَ الْوَاقِدِيُّ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ اللَّهِ مَا غَسَلْتُ لِمُحَمَّدٍ ثَوْباً مِنْ بَوْلٍ وَ لَا غَائِطٍ بَلْ كَانَ إِذَا جَاءَ وَقْتُ حَاجَتِهِ يَنْقَلِبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ حَتَّى تَعْلَمَ حَلِيمَةُ بِذَلِكَ وَ تَأْخُذُهُ وَ تَخْدُمُهُ حَتَّى تَقْضِيَ (1) حَاجَتَهُ وَ لَا شَمِمْتُ وَ رَبِّ السَّمَاءِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَائِحَةَ النَّتْنِ قَطُّ بَلْ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ شَيْءٌ يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَ الْكَافُورِ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ(ص)تِسْعَةُ أَشْهُرٍ مَا رَأَيْتُ مَا يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ (2) لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تَبْتَلِعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَلِهَذَا لَمْ أَرَهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ لَمَّا كَمَلَتْ لَهُ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ قَامَتْ حَلِيمَةُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ قَعَدَتْ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ مُنْتَظِرَةً لِانْتِبَاهِ النَّبِيِّ(ص)لِتُزَيِّنَهُ وَ تَحْمِلَهُ إِلَى عِنْدِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ فَلَمْ يَنْتَبِهِ النَّبِيُّ(ص)وَ أَبْطَأَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخَيْمَةِ إِلَى حَلِيمَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مَغْسُولَ الرَّأْسِ مُسَرَّحَ الذَّوَائِبِ وَ قَدْ زُوِّقَ جَبِينُهُ وَ ذَقَنُهُ وَ عَلَيْهِ أَلْوَانُ الثِّيَابِ مِنَ السُّنْدُسِ وَ الْإِسْتَبْرَقِ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ زِينَةِ النَّبِيِّ(ص)وَ مِنْ لِبَاسِهِ مِمَّا رَأَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهَا مُحَمَّدٌ(ص)أَمَّا الثِّيَابُ فَمِنَ الْجَنَّةِ وَ أَمَّا الزِّينَةِ فَمِنَ الْمَلَائِكَةِ (3) قَالَ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ ذَلِكَ عَجَباً شَدِيداً ثُمَّ حَمَلَتْهُ إِلَى جَدِّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَامَ إِلَيْهِ وَ اعْتَنَقَهُ وَ أَخَذَهُ إِلَى حَجْرِهِ فَقَالَ لَهُ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)يَا جَدِّ اسْتَخْبِرْ ذَلِكَ مِنْ حَلِيمَةَ فَكَلَّمَتْهُ حَلِيمَةُ وَ قَالَتْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِنَا فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلِيمَةَ أَنْ تَكْتُمَ ذَلِكَ وَ أَمَرَ لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ عَشَرَةِ دُسُوتِ (4) ثِيَابٍ وَ جَارِيَةٍ رُومِيَّةٍ فَخَرَجَتْ حَلِيمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحَةً مَسْرُورَةً إِلَى حَيِّهَا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْراً كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ خَمْسِ سِنِينَ لِإِتْمَامِ وَقَارَةِ جِسْمِهِ وَ مَلَاحَةِ بَدَنِهِ.
____________
(1) في المصدر: يقضى.
(2) في المصدر: ما رايت ما يخرج من دبره نتنا.
(3) في المصدر: فمن أفعال الملائكة.
(4) دسوت جمع الدست و الدست من الثياب: ما يلبسه الإنسان من الثياب.
348
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا حَمَلَتْ حَلِيمَةُ النَّبِيَّ(ص)إِلَى حَيِّهَا حِينَ أَخَذَتْهُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ لَهَا اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ رَأْساً مِنَ الْمَوَاشِي فَوَضَعَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كُلُّ شَاةٍ تَوْأَماً بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ(ص)وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَ لَهَا أَلْفٌ وَ ثَلَاثُونَ رَأْساً مِنَ الشَّاغِيَةِ وَ الرَّاغِيَةِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)إِخْوَةٌ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَخْرُجُونَ بِالنَّهَارِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَ يَعُودُونَ بِاللَّيْلِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَرَجَعُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ مَغْمُومِينَ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ قَالَتْ لَهُمْ حَلِيمَةُ مَا لِي أَرَاكُمْ مَغْمُومِينَ قَالُوا يَا أُمَّنَا إِنَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَاءَ ذِئْبٌ وَ أَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ شِيَاهِنَا وَ ذَهَبَ بِهِمَا فَقَالَتْ حَلِيمَةُ الْخَلَفُ وَ الْخَيْرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَسَمِعَ النَّبِيُّ قَوْلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ لَا عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَسْتَرْجِعُ الشَّاتَيْنِ مِنَ الذِّئْبِ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ضَمْرَةُ وَا عَجَبَا مِنْكَ يَا أَخِي قَدْ أَخَذَهُمَا بِالْأَمْسِ فَكَيْفَ تَسْتَرْجِعُهُمَا بِالْيَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)إِنَّهُ صَغِيرٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ ضَمْرَةُ وَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى كَتِفِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)مُرَّ بِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ الذِّئْبُ فِيهِ الشَّاتَيْنِ قَالَ فَذَهَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ النَّبِيُّ(ص)عَنْ كَتِفِ أَخِيهِ ضَمْرَةَ وَ سَجَدَ سَجْدَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَ قَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ تَعْلَمُ حَقَّ حَلِيمَةَ عَلَيَّ وَ قَدْ تَعَدَّى ذِئْبٌ عَلَى مَوَاشِيهَا فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُلْزِمَ الذِّئْبَ بِرَدِّ الْمَوَاشِي إِلَيَّ قَالَ فَمَا اسْتَتَمَّ دُعَاءَهُ حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الذِّئْبِ أَنْ يَرُدَّ الْمَوَاشِيَ إِلَى صَاحِبِهَا.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ إِنَّ الذِّئْبَ لَمَّا ذَهَبَ بِالشَّاتَيْنِ حِينَ أَخَذَهُمَا نَادَى مُنَادٍ يَا أَيُّهَا الذِّئْبُ احْذَرِ اللَّهَ وَ بَأْسَهُ (1) وَ عُقُوبَتَهُ وَ احْفَظِ الشَّاتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذْتَهُمَا حَتَّى تَرُدَّهُمَا عَلَى خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ(ص)فَلَمَّا سَمِعَ الذِّئْبُ النِّدَاءَ تَحَيَّرَ وَ دَهِشَ وَ وَكَّلَ بِهِمَا رَاعِياً يَرْعَاهُمَا إِلَى الصَّبَاحِ فَلَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ(ع)وَ دَعَا بِدُعَائِهِ قَامَ الذِّئْبُ وَ رَدَّهُمَا وَ قَبَّلَ قَدَمَ النَّبِيِّ(ص)وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْذِرْنِي فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُمَا لَكَ فَأَخَذَ ضَمْرَةُ الشَّاتَيْنِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَقَالَ ضَمْرَةُ يَا مُحَمَّدُ مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ وَ أَنْفَذَ أَمْرَكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَمَرَهُمْ بِكِتْمَانِهِ فَكَتَمُوهُ مَخَافَةَ أَنْ يَحْسُدَهُ قُرَيْشٌ. (2)
____________
(1) في المصدر: من بأسه.
(2) في المصدر: مخافة أن يأخذوه قريش و يعملون في دمه.
349
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَنَتَيْنِ وَ نَظَرَ إِلَى حَلِيمَةَ وَ قَالَ لَهَا مَا لِي لَا أَرَى إِخْوَتِي بِالنَّهَارِ وَ أَرَاهُمْ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ لَهُ يَا سَيِّدِي سَأَلْتَنِي عَنْ إِخْوَتِكَ وَ هُمْ يَخْرُجُونَ فِي النَّهَارِ إِلَى الرِّعَاءِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ(ص)يَا أُمَّاهْ أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى الرِّعَاءِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْبَرِّ وَ السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ تَشْرَبُ اللَّبَنَ مِنْ أُمَّهَاتِهَا وَ أَنْظُرَ إِلَى الْقَطَائِعِ (1) وَ إِلَى عَجَائِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ وَ أَعْتَبِرَ مِنْ ذَلِكِ وَ أَعْرِفَ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمَضَرَّةِ فَقَالَتْ لَهُ حَلِيمَةُ أَ فَتُحِبُّ يَا وَلَدِي ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِيَ قَامَتْ حَلِيمَةُ فَغَسَلَتْ رَأْسَ مُحَمَّدٍ(ص)وَ سَرَّحَتْ شَعْرَهُ وَ دَهَنَتْهُ وَ مَشَطَتْهُ وَ أَلْبَسَتْهُ ثِيَاباً فَاخِرَةً وَ جَعَلَتْ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَيْنِ مِنْ حِذَاءِ (2) مَكَّةَ وَ عَمَدَتْ إِلَى سَلَّةٍ وَ جَعَلَتْ فِيهَا أَطْعِمَةً جَيِّدَةً وَ بَعَثَتْهُ مَعَ أَوْلَادِهَا وَ قَالَتْ لَهُمْ يَا أَوْلَادِي أُوصِيكُمْ بِسَيِّدِي مُحَمَّدٍ(ص)أَنْ تَحْفَظُوهُ وَ إِذَا جَاعَ فَأَطْعِمُوهُ وَ إِذَا عَطِشَ فَاسْقُوهُ فَإِذَا عَيَ (3) فَأَقْعِدُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ(ص)وَ عَلَى يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ وَ عَنْ يَسَارِهِ ضَمْرَةُ وَ قُرَّةُ قُدَّامَهُ وَ النَّبِيُّ(ص)بَيْنَهُمْ كَالْبَدْرِ بَيْنَ النُّجُومِ فَمَا بَقِيَ حَجَرٌ وَ لَا مَدَرٌ إِلَّا وَ هُمْ يُنَادُونَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَحْمَدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَامِدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَحْمُودُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْقَوْلِ الْعَدْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَ الْوَيْلُ لِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَ رَدَّ عَلَيْكَ حَرْفاً تَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَ النَّبِيُّ(ص)يَرُدُّ (عليهم السلام) وَ قَدْ تَحَيَّرَ الَّذِينَ مَعَهُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الْعَجَائِبِ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)أَصَابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِسْتِحْيَائِيلَ أَنْ مُدَّ فَوْقَ رَأْسِ مُحَمَّدٍ(ص)سَحَابَةً بَيْضَاءَ فَمَدَّهَا فَأَرْسَلَتْ عَزَالِيَهَا (4) كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ وَ رَشَّ الْقَطْرُ عَلَى السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ لَمْ تَقْطُرْ عَلَى رَأْسِ
____________
(1) القطائع: طائفة من الغنم و النعم و سواها.
(2) الحذاء بالمد: النعل.
(3) أي عجز عن المشى. و في المصدر بعد قوله: يستريح: فقبلوا وصيتها أولادها، فقالوا لها:
يا أمنا إن محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لاعزنا و هو أخونا، و نفذت معهم عبد اللّه بن الحارث، و يسارة و زوجها ابن بكير بن سعد، فخرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إه قلت: قوله:
ابن بكير تصحيف من الناسخ، و الصحيح: بكر بن سعد كما تقدم، و تقدم في الحديث الثاني أن زوجها الحارث بن عبد العزى.
(4) قال الجزريّ: العزالى جمع العزلاء و هو فم المزادة الاسفل، فشبه اتساع المطر و اندفاقه بالذى يخرج من فم المزادة و منه الحديث: فأرسلت السماء عزّ إليها. قلت: المزادة: الراوية.
350
مُحَمَّدٍ(ص)قَطْرَةٌ وَ سَالَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ الْأَوْدِيَةُ وَ صَارَ الْوَحَلُ فِي الْأَرْضِ مَا خَلَا طَرِيقَ مُحَمَّدٍ(ص)وَ كَانَ يَنْزِلُ مِنْ تِلْكَ السَّحَابَةِ (1) رِيشُ الزَّعْفَرَانِ وَ سَنَابِلُ الْمِسْكِ وَ كَانَ فِي تِلْكَ الْبَرِّيَّةِ نَخْلَةٌ يَابِسَةٌ عَادِيَةٌ (2) قَدْ يَبِسَتْ أَغْصَانُهَا وَ تَنَاثَرَتْ أَوْرَاقُهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَاسْتَنَدَ النَّبِيُّ(ص)إِلَيْهَا فَأَوْرَقَتْ وَ أَرْطَبَتْ وَ أَثْمَرَتْ وَ أَرْسَلَتْ ثِمَارَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ أَخْضَرَ وَ أَحْمَرَ وَ أَصْفَرَ وَ قَعَدَ النَّبِيُّ(ص)هُنَالِكَ يُكَلِّمُ إِخْوَتَهُ وَ رَأَى النَّبِيُّ(ص)رَوْضَةً خَضْرَاءَ فَقَالَ يَا إِخْوَتِي أُرِيدُ أَنْ أَمُرَّ بِهَذِهِ الرَّوْضَةِ وَ كَانَ وَرَاءَ الرَّوْضَةِ تَلٌّ كَئُودٌ (3) وَ عَلَيْهِ أَنْوَاعُ (4) النَّبَاتَاتِ فَقَالَ يَا إِخْوَتِي مَا ذَلِكَ التَّلُّ فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمَّدُ وَرَاءَ ذَلِكَ التَّلِّ الْبَرَارِي وَ الْمَفَاوِزُ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)إِنِّي قَدِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ الْقَوْمُ نَحْنُ نَمْضِي مَعَكَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ(ص)بَلِ اشْتَغِلُوا أَنْتُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَ أَنَا أَمْضِي وَحْدِي وَ أَرْجِعُ إِلَيْكُمْ سَرِيعاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا جَمِيعاً مُرَّ (5) يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّ قُلُوبَنَا مُتَفَكِّرَةٌ بِسَبَبِكَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)مَرَّ فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ وَحْدَهُ وَ نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْبَرَارِي وَ الْمَفَاوِزِ وَ هُوَ يَعْتَبِرُ وَ يَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّوْضَةِ حَتَّى بَلَغَ التَّلَّ وَ نَظَرَ إِلَى جَبَلٍ شَاهِقٍ فِي الْهَوَاءِ كَالْحَائِطِ وَ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ صُعُودُهُ لِاعْتِدَالِهِ وَ ارْتِفَاعِهِ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)فِي نَفْسِهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَصْعَدَ هَذَا التَّلَّ فَأَنْظُرَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَأَرَادَ النَّبِيُّ(ص)أَنْ يَصْعَدَ الْجَبَلَ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِ فِي الْهَوَاءِ فَصَاحَ إِسْتِحْيَائِيلُ فِي الْجَبَلِ صَيْحَةً أَرْعَشَتْهُ فَاهْتَزَّ اهْتِزَازاً وَ قَالَ لَهُ أَيُّهَا الْجَبَلُ وَيْحَكَ أَطِعْ مُحَمَّداً(ص)خَيْرَ الْمُرْسَلِينَ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَيْكَ فَفَرِحَ الْجَبَلُ وَ تَرَاكَمَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَمَا يَتَرَاكَمُ الْجِلْدُ فِي النَّارِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ(ص)أَعْلَاهُ وَ كَانَتْ تَحْتَ
____________
(1) في هامش المصدر: فقد نبت من تلك السحابة ظ.
(2) في المصدر: و كانت في تلك البرية شجرة طويلة عائشة عادية.
(3) كئود: صعب شاق المصعد.
(4) في المصدر: ألوان.
(5) في نسخة من المصدر: سر.
351
هَذَا الْجَبَلِ حَيَّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَلْوَانٍ شَتَّى وَ عَقَارِبُ كَالْبِغَالِ فَلَمَّا هَمَّ النَّبِيُّ(ص)بِالنُّزُولِ إِلَى تَحْتِ الْجَبَلِ صَاحَ الْمَلَكُ إِسْتِحْيَائِيلُ صَيْحَةً عَظِيمَةً وَ قَالَ أَيَّتُهَا الْحَيَّاتُ وَ الْعَقَارِبُ غَيِّبُوا أَنْفُسَكُمْ فِي جُحُورِكُمْ (1) وَ تَحْتَ صُخُورِكُمْ لَا يَرَاكُمْ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ فَسَارَعَ الْحَيَّاتُ وَ الْعَقَارِبُ إِلَى مَا أَمَرَهُمْ إِسْتِحْيَائِيلُ وَ غَيَّبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي كُلِّ جُحْرٍ وَ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ وَ نَزَلَ النَّبِيُّ(ص)مِنَ الْجَبَلِ فَرَأَى عَيْنَ مَاءٍ بَارِدٍ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ أَلْيَنَ مِنَ الزُّبْدِ فَقَعَدَ النَّبِيُّ(ص)عِنْدَ الْعَيْنِ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع)فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَ مِيكَائِيلُ وَ إِسْرَافِيلُ وَ دَرْدَائِيلُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَحْمَدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَامِدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَحْمُودُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طه السَّلَامُ عَلَيْكَ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا الْمَلِيحُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طَابُ [يَا طَابُ (2) السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدُ يَا سَيِّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا فَارِقْلِيطُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طس السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا طسم السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَمْسَ الدُّنْيَا السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا قَمَرَ الْآخِرَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نُورَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَمْسَ الْقِيَامَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا زُهْرَةَ الْمَلَائِكَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَفِيعَ الْمُذْنِبِينَ (3) السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ التَّاجِ وَ الْهِرَاوَةِ (4) السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْقُرْآنِ وَ النَّاقَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْحَجِّ وَ الزِّيَارَةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ السَّيْفِ الْقَاطِعِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الرُّمْحِ الطَّاعِنِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ السَّهْمِ النَّافِذِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْمَسَاعِي السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مِصْبَاحَ الدِّينِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا قَائِدَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُبْطِلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا قَائِدَ الْمُرْسَلِينَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُظْهِرَ الْإِسْلَامِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَ الْوَيْلُ لِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَ رَدَّ عَلَيْكَ حَرْفاً مِمَّا تَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَ النَّبِيُّ(ص)يَرُدُّ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُمْ مَنْ
____________
(1) الجحور جمع الجحر بالضم فالسكون: مكان تحتفرها السباع و الهوام لانفسها.
(2) يا طاب خ ل و هو الموجود في المصدر.
(3) في المصدر زيادة هنا هى: السلام عليك يا صاحب القضيب و الناقة.
(4) الهراوة بالكسر: العصا.
352
أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ عِبَادُ اللَّهِ وَ قَعَدُوا حَوْلَهُ قَالَ فَنَظَرَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى جَبْرَائِيلَ(ع)قَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَ نَظَرَ إِلَى إِسْرَافِيلَ وَ قَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي عَبْدُ اللَّهِ وَ نَظَرَ إِلَى مِيكَائِيلَ وَ قَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَ نَظَرَ إِلَى دَرْدَائِيلَ وَ قَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)كُلُّنَا عِبَادُ اللَّهِ وَ كَانَ مَعَ جَبْرَئِيلَ طَسْتٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَ مَعَ مِيكَائِيلَ إِبْرِيقٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَخْضَرَ وَ فِي الْإِبْرِيقِ مَاءٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَقَدَّمَ جَبْرَئِيلُ(ع)وَ وَضَعَ فَمَهُ عَلَى فَمِ مُحَمَّدٍ(ص)إِلَى أَنْ ذَهَبَتْ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْلَمْ وَ افْهَمْ مَا بَيَّنْتُهُ لَكَ قَالَ نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ قَدْ مَلَأَ جَوْفَهُ عِلْماً وَ فَهْماً وَ حُكْماً وَ بُرْهَاناً وَ زَادَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُورِ وَجْهِهِ سَبْعَةً وَ سَبْعِينَ ضِعْفاً فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْلَأَ بَصَرَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ(ع)لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)وَ مِثْلِي مَنْ يَخَافُ وَ عِزَّةِ رَبِّي وَ جَلَالِهِ وَ جُودِهِ وَ كَرَمِهِ وَ ارْتِفَاعِهِ فِي عُلُوِّ مَكَانِهِ لَوْ عَلِمْتُ شَيْئاً (1) دُونَ جَلَالِ عَظَمَتِهِ لَقُلْتُ لَمْ أَعْرِفْ رَبِّي قَطُّ قَالَ وَ نَزَلَ جَبْرَائِيلُ (2) إِلَى مِيكَائِيلَ وَ قَالَ حَقٌّ لِرَبِّنَا أَنْ يَتَّخِذَ مِثْلَ هَذَا حَبِيباً وَ يَجْعَلَهُ سَيِّدَ وُلْدِ آدَمَ ثُمَّ إِنَّ جَبْرَائِيلَ(ع)أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَلَى قَفَاهُ وَ رَفَعَ أَثْوَابَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)مَا تُرِيدُ تَصْنَعُ يَا أَخِي جَبْرَائِيلُ فَقَالَ جَبْرَائِيلُ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ فَأَخْرَجَ جَنَاحَهُ (3) وَ شَقَّ بَطْنَ النَّبِيِّ(ص)وَ أَدْخَلَ جَنَاحَهُ فِي بَطْنِهِ وَ خَرَقَ قَلْبَهُ وَ شَقَّ المقلبة وَ أَظْهَرَ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فَأَخَذَهَا جَبْرَائِيلُ(ع)فَغَسَلَهَا وَ مِيكَائِيلُ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ فَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ يَا جَبْرَائِيلُ لَا تَقْشِرْ قَلْبَ مُحَمَّدٍ(ص)فَتُوجِعَهُ وَ لَكِنِ اغْسِلْهُ بِزَغَبِكَ وَ الزَّغَبُ هُوَ الرِّيشُ الَّذِي تَحْتَ الْجَنَاحِ فَأَخَذَ جَبْرَئِيلُ زَغَبَةً وَ غَسَلَ بِهَا قَلْبَ مُحَمَّدٍ(ص)ثُمَّ رَدَّ المقلبة إِلَى الْقَلْبِ وَ الْقَلْبَ إِلَى الصَّدْرِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ ذَاتَ يَوْمٍ وَ النَّبِيُّ(ص)قَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ سَأَلْتُ النَّبِيَّ(ص)بِأَيِّ شَيْءٍ غُسِلَ قَلْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ قَالَ غُسِلَ مِنَ الشَّكِّ وَ الْيَقِينِ (4) لَا مِنَ الْكُفْرِ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ كَافِراً قَطُّ لِأَنِّي كُنْتُ مُؤْمِناً بِاللَّهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ
____________
(1) في هامش المصدر: لو أنى اخاف شيئا.
(2) في المصدر: جبرئيل، و كذا فيما يأتي.
(3) في المصدر: جناحه الاخضر.
(4) هكذا في الأصل و مصدره، و استظهر المصنّف في الهامش أنّه مصحف الفتن.
353
أَكُونَ فِي صُلْبِ آدَمَ(ع)(1) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَتَى نُبِّئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَا أَبَا حَفْصٍ نُبِّئْتُ وَ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ إِسْرَافِيلُ (2) لِمُحَمَّدٍ(ص)مَا اسْمُكَ يَا فَتَى فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَ لِيَ اسْمٌ غَيْرُ هَذَا قَالَ إِسْرَافِيلُ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ وَ لَكِنِّي أُمِرْتُ بِأَمْرٍ فَأَفْعَلُ قَالَ النَّبِيُّ(ص)افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَامَ إِسْرَافِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ حَلَّ أَزْرَارَ قَمِيصِهِ وَ أَلْقَاهُ عَلَى قَفَاهُ (3) وَ أَخْرَجَ خَاتَماً كَانَ مَعَهُ وَ عَلَيْهِ سَطْرَانِ الْأَوَّلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الثَّانِي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ ذَلِكَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَوَضَعَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ(ص)فَصَارَ الْخَاتَمُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَالْهِلَالِ الطَّالِعِ بِجِسْمِهِ وَ اسْتَبَانَ السَّطْرَانِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَالشَّامَةِ يَقْرَؤُهُمَا كُلُّ عَرَبِيٍّ كَاتِبٍ (4) ثُمَّ دَنَا دَرْدَائِيلُ وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ تَنَامُ السَّاعَةَ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ فَوَضَعَ النَّبِيُّ(ص)رَأْسَهُ فِي حَجْرِ دَرْدَائِيلَ وَ غَفَا (5) غَفْوَةً فَرَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ شَجَرَةً نَابِتَةٌ فَوْقَ رَأْسِهِ وَ عَلَى الشَّجَرَةِ أَغْصَانٌ غِلَاظٌ مُسْتَوِيَاتٌ كُلُّهَا وَ عَلَى كُلِّ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا غُصْنٌ وَ غُصْنَانِ وَ ثَلَاثَةُ وَ أَرْبَعَةُ أَغْصَانٍ وَ رَأَى عِنْدَ سَاقِ الشَّجَرَةِ مِنَ الْحَشِيشِ مَا لَا يَتَهَيَّأُ وَصْفُهُ وَ كَانَتِ الشَّجَرَةُ عَظِيمَةً غَلِيظَةَ السَّاقِ ذَاهِبَةً فِي الْهَوَاءِ ثَابِتَةَ الْأَصْلِ بَاسِقَةَ الْفَرْعِ (6) فَنَادَى مناديا [مُنَادٍ يَا مُحَمَّدُ أَ تَدْرِي مَا هَذِهِ الشَّجَرَةُ فَقَالَ
____________
(1) قصة شق بطنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من مرويات العامّة التي لم يصححها حديث و لا اعتبار، و الخاصّة برآء من تلك و أمثالها، و هذا الحديث أيضا كما ترى من أحاديث العامّة رواه الواقدى، و هو مشتمل على غرائب اخرى تقدمت قبل و تأتي بعد كقصة الميزان.
(2) في المصدر زيادة هي هكذا: قال الواقدى: و أمّا ما كان من أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن جبرئيل قام و صب الماء على أرض قزوين فحصل من ذلك لارض قزوين أمر عظيم، قال: و عرج جبرئيل (عليه السلام) و ميكائيل إلى السماء، فقال اسرافيل إه. قلت: فيه غرابة جدا، و لعله لذلك أسقطه المصنّف.
(3) هكذا في الأصل و مصدره، و استظهر المصنّف في الهامش أن الصحيح: على وجهه.
(4) في المصدر زيادة هي هكذا: و فرغ إسرافيل من عمله و جاء بين يدي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
(5) غفا: نعس. نام نومة خفيفة.
(6) بسق النخل: ارتفعت اغصانه و طال.
354
النَّبِيُّ(ص)لَا يَا أَخِي قَالَ اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ أَنْتَ وَ الْأَغْصَانَ أَهْلُ بَيْتِكَ وَ الَّذِي تَحْتَهَا مُحِبُّوكَ وَ مَوَالِيكَ فَأَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ بِالنُّبُوَّةِ الْأَثِيرَةِ (1) وَ الرِّئَاسَةِ الْخَطِيرَةِ ثُمَّ إِنَّ دَرْدَائِيلَ أَخْرَجَ مِيزَاناً عَظِيماً كُلُّ كِفَّةٍ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ فَأَخَذَ النَّبِيَّ(ص)وَ وَضَعَهُ فِي كِفَّةٍ وَ وَضَعَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي كِفَّةٍ فَرَجَحَ بِهِمُ النَّبِيُّ(ص)ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ خَوَاصِّ أُمَّتِهِ فَوَضَعَهُمْ فِي الْكِفَّةِ الثَّانِيَةِ فَرَجَحَ بِهِمُ النَّبِيُّ(ص)ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَضَعَهُمْ فِي الْكِفَّةِ فَرَجَحَ بِهِمُ النَّبِيُّ(ص)ثُمَّ عَمَدَ إِلَى نِصْفِ أُمَّتِهِ فَرَجَحَ بِهِمُ النَّبِيُّ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أُمَّتِهِ كُلِّهِمْ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ ثُمَّ الْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ ثُمَّ الْجِبَالِ وَ الْبِحَارِ ثُمَّ الرِّمَالِ ثُمَّ الْأَشْجَارِ ثُمَّ الْأَمْطَارِ ثُمَّ جَمِيعِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَوَزَنَ بِهِمُ النَّبِيَّ(ص)فَلَمْ يَعْدِلُوهُ وَ رَجَحَ النَّبِيُّ(ص)بِهِمْ فَلِهَذَا قَالَ خَيْرُ الْخَلْقِ مُحَمَّدٌ(ص)لِأَنَّهُ رَجَحَ بِالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَ هَذَا كُلُّهُ يَرَاهُ بَيْنَ النَّوْمِ وَ الْيَقَظَةِ فَقَالَ دَرْدَائِيلُ يَا مُحَمَّدُ طُوبَى لَكَ ثُمَّ طُوبَى لَكَ وَ لِأُمَّتِكَ وَ حُسْنُ مَآبٍ وَ الْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَ رَدَّ عَلَيْكَ حَرْفاً مِمَّا تَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ ثُمَّ عَرَجَ الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ. (2)
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا طَالَ مَكْثُ النَّبِيِّ طَلَبَهُ فِي تِلْكَ الْمَفَاوِزِ إِخْوَتُهُ أَوْلَادُ حَلِيمَةَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَرَجَعُوا إِلَى حَلِيمَةَ فَأَعْلَمُوهَا بِقِصَّتِهِ فَقَامَتْ ذَاهِلَةَ الْعَقْلِ تَصِيحُ فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ فَوَقَعَتِ الصَّيْحَةُ فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ أَنَّ مُحَمَّداً قَدِ افْتُقِدَ فَقَامَتْ حَلِيمَةُ وَ مَزَّقَتْ أَثْوَابَهَا وَ خَدَشَتْ وَجْهَهَا وَ كَشَفَتْ شَعْرَهَا (3) وَ هِيَ تَعْدُو فِي الْبَرَارِي وَ الْمَفَاوِزِ وَ الْقِفَارِ حَافِيَةَ الْقَدَمِ وَ الشَّوْكُ يَدْخُلُ فِي رِجْلَيْهَا وَ الدَّمُ يَسِيلُ مِنْهُمَا وَ هِيَ تُنَادِي وَا وَلَدَاهْ وَا قُرَّةَ عَيْنَاهْ وَا ثَمَرَةَ فُؤَادَاهْ وَ مَعَهَا نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَبْكِينَ مَعَهَا مُكَشَّفَاتِ الشُّعُورِ مُخَدَّشَاتِ الْوُجُوهِ وَ حَلِيمَةُ
____________
(1) الأثيرة: المكرمة.
(2) في المصدر هنا زيادة هى: فأتت تلك الشجرة التي رآها في النوم على وصفها، و نشرت أغصانها، و زجت أوراقها، و أرسلت أثمارها بامر اللّه تعالى، و عليها كل ثمرة من لون، و اجتمع صفرة الشمس و اختلطت بحمرة الورق، و الالوان مختلطة بعضها ببعض. قلت فيه: اضطراب بين، و لعلّ لذلك أسقطها المصنّف.
(3) في المصدر: نقشت شعرها، أي نتفتها.
355
تَسْقُطُ مَرَّةً وَ تَقُومُ أُخْرَى وَ مَا بَقِيَ فِي الْحَيِّ شَيْخٌ وَ لَا شَابٌّ وَ لَا حُرٌّ وَ لَا عَبْدٌ إِلَّا يَعْدُو فِي الْبَرِّيَّةِ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ هُمْ يَبْكُونَ كُلُّهُمْ بِقَلْبٍ مُحْتَرِقٍ وَ رَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ وَ رَكِبَ مَعَهُ آلُ بَنِي سَعْدٍ وَ حَلَفَ إِنْ لَا وَجَدْتُ مُحَمَّداً(ص)السَّاعَةَ وَضَعْتُ سَيْفِي فِي آلِ بَنِي سَعْدٍ وَ غَطَفَانَ وَ أَقْتُلُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَ أَطْلُبُ بِدَمِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ ذَهَبَتْ حَلِيمَةُ عَلَى حَالَتِهَا مَعَ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ نَحْوَ مَكَّةَ وَ دَخَلَهَا وَ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَاعِداً عِنْدَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ مَعَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى حَلِيمَةَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَ صَاحَ وَ قَالَ مَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ حَلِيمَةُ اعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ فَقَدْنَاهُ مُنْذُ أَمْسِ وَ قَدْ تَفَرَّقَ آلُ سَعْدٍ فِي طَلَبِهِ قَالَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ وَ قَالَ كَلِمَةً لَا يُخْذَلُ قَائِلُهُا لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ثُمَّ قَالَ يَا غُلَامُ هَاتِ فَرَسِي وَ سَيْفِي وَ جَوْشَنِي فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ صَعِدَ إِلَى أَعْلَى الْكَعْبَةِ وَ نَادَى يَا آلَ غَالِبٍ يَا آلَ عَدْنَانَ يَا آلَ فِهْرٍ يَا آلَ نِزَارٍ يَا آلَ كِنَانَةَ يَا آلَ مُضَرَ يَا آلَ مَالِكٍ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بُطُونُ الْعَرَبِ وَ رُؤَسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ وَ قَالُوا لَهُ مَا الْخَبَرُ يَا سَيِّدَنَا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنَّ مُحَمَّداً(ص)لَا يُرَى مُنْذُ أَمْسِ فَارْكَبُوا وَ تَسَلَّحُوا فَرَكِبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَبَكَى الْخَلْقُ كُلُّهُمْ رَحْمَةً لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ قَامَتِ الصَّيْحَةُ وَ الْبُكَاءُ فِي كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ خَرَجْنَ مِنَ السُّتُورِ مُرَافَقَةً لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ الْقَوْمِ إِلَى حَيِّ بَنِي سَعْدٍ وَ سَائِرِ الْأَطْرَافِ وَ انْجَذَبَ (1) عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَحْوَ حَيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَ أَصْحَابِهِ بَاكِينَ الْعُيُونُ مُمَزَّقِينَ الثِّيَابُ فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ وَ قَالَ يَا أَبَا الْحَارِثِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ أثاف [إِسَافٍ (2) وَ نَائِلَةَ إِنْ لَمْ أَجِدْ مُحَمَّداً
____________
(1) انجذب في السير: أسرع أو صار فيه بعيدا.
(2) هكذا في الأصل، و هو مصحف، و في المطبوع: اساف بالسين و هو الصحيح، و اساف ككتاب و سحاب: صنم وضعها عمرو بن لحى على الصفا، و نائلة على المروة، و كان يذبح عليهما تجاه الكعبة، و قال اليعقوبي: أول صنم وضع بمكّة هبل، قدم به مكّة عمرو بن لحى من الشام، ثمّ وضعوا به اساف و نائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ باساف فقبله و ختم به انتهى و قال ابن إسحاق: وضعوهما على موضع زمزم ينحرون عندهما. و اللات مشددة التاء من اللت و هو المزج و الخلط، ثمّ خففت: صنم بالطائف، أحدث من مناة كانت صخرة مربعة، و كان يهودى يلت السويق عندها، قد بنوا أمامها بيتا، و كانت قريش و جميع العرب تعظمها، و كانت سدنتها و حجابها بنى معتب من ثقيف على ما في السيرة، أو بنى عتاب بن مالك على ما قاله الكلبى.
356
وَضَعْتُ سَيْفِي فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ وَ غَطَفَانَ وَ أَقْتُلُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ قَالَ فَرَقَّ قَلْبُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حَيِّ آلِ سَعْدٍ وَ قَالَ ارْجِعُوا أَنْتُمْ إِلَى حَيِّكُمْ إِنْ لَمْ أَجِدْ مُحَمَّداً السَّاعَةَ رَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ وَ لَا أَدَعُ فِيهَا يَهُودِيّاً وَ لَا يَهُودِيَّةً وَ لَا أَحَداً مِمَّنْ أَتَّهِمُهُ بِمُحَمَّدٍ فَأَمُدُّهُمْ (1) تَحْتَ سَيْفِي مَدّاً طَلَباً لِدَمِ مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْيَمَنِ أَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ جَازُوا عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي فِيهِ مُحَمَّدٌ(ص)وَ إِذَا بِشَجَرَةٍ نَابِتَةٍ فِي الْوَادِي فَقَالَ وَرَقَةُ لِأَبِي مَسْعُودٍ إِنِّي سَلَكْتُ هَذَا الطَّرِيقَ ثَلَاثِينَ مَرَّةً وَ مَا رَأَيْتُ قَطُّ هَاهُنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ قَالَ عَقِيلٌ صَدَقْتَ فَمُرُّوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ مَا هِيَ قَالَ فَذَهَبُوا جَمِيعاً وَ تَرَكُوا الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الشَّجَرَةِ رَأَوْا تَحْتَ الشَّجَرَةِ غُلَاماً أَمْرَدَ مَا رَأَى الرَّاءُونَ مِثْلَهُ كَأَنَّهُ قَمَرٌ فَقَالَ عَقِيلٌ وَ وَرَقَةُ مَا هُوَ إِلَّا جِنِّيٌّ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَا هُوَ إِلَّا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ هُمْ يَقُولُونَ وَ النَّبِيُّ(ص)يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ فَاسْتَوَى قَاعِداً فَرَأَى الْقَوْمَ وَرَاءَهُ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ أَ جِنِّيٌّ أَنْتَ أَمْ إِنْسِيٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)بَلْ أَنَا إِنْسِيٌّ فَقَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنْتَ نَافِلَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ نَعَمْ قَالَ كَيْفَ وَقَعْتَ هَاهُنَا فَقَصَّ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَنَزَلَ أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ ظَهْرِ نَاقَتِهِ وَ قَالَ لَهُ أَ تُرِيدُ أَنْ أَمُرَّ بِكَ إِلَى جَدِّكَ فَقَالَ النَّبِيُّ(ص)نَعَمْ فَأَخَذَهُ عَلَى قَرَبُوسِ سَرْجِهِ وَ مَرُّوا جَمِيعاً حَتَّى بَلَغُوا قَرِيباً مِنْ حَيِّ بَنِي سَعْدٍ فَنَظَرَ النَّبِيُّ(ص)فِي الْبَرِيَّةِ فَرَأَى جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَ أَصْحَابُهُ لَا يَرَوْنَهُ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ إِنَّا لَا نَرَاهُ وَ ذَلِكَ أَنَّ نَظْرَتَهُ نَظْرَةُ الْأَنْبِيَاءِ(ع)فَقَالَ لَهُمْ مُرُّوا حَتَّى أَرَاكُمْ فَمَرُّوا وَ إِذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُقْبِلٌ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مُحَمَّدٍ(ص)وَثَبَ عَنْ فَرَسِهِ وَ أَخَذَ
____________
و العزى: صنم من أعظم أصنام العرب، كانت بواد النخلة الشامية يقال له: حراض، بازاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكّة، فبنى عليها بيت و كانوا يسمعون فيه الصوت، و كانت أعظم الأصنام عند قريش و بني كنانة، كانوا يزورونها و يهدون لها و يتقربون عندها بالذبح، و كان سدنتها و حجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم قاله ابن هشام و الكلبى، و قال اليعقوبي: كانت لغطفان.
(1) فأقدهم تحت سيفى قدا خ ل.
357
رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَى سَرْجِهِ وَ قَالَ لَهُ أَيْنَ كُنْتَ يَا وَلَدِي وَ قَدْ كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ أَقْتُلَ أَهْلَ مَكَّةَ جَمِيعاً فَقَصَّ النَّبِيُّ(ص)الْقِصَّةَ عَلَى جَدِّهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَفَرِحَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَرَحاً شَدِيداً وَ خَرَجَ مِنْ خَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ وَ دَخَلَ مَكَّةَ وَ دَفَعَ إِلَى أَبِي مَسْعُودٍ خَمْسِينَ نَاقَةً وَ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَ عَقِيلٍ سِتِّينَ نَاقَةً قَالَ وَ ذَهَبَتْ حَلِيمَةُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ قَالَتْ لَهُ ادْفَعْ إِلَيَّ مُحَمَّداً(ص)فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا حَلِيمَةُ إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونِي مَعَنَا بِمَكَّةَ وَ إِلَّا مَا كُنْتُ بِالَّذِي أُسَلِّمُهُ إِلَيْكِ مَرَّةً أُخْرَى فَوَهَبَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَبِيهَا أَلْفَ مِثْقَالِ ذَهَبٍ أَحْمَرَ وَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ وَهَبَ لِبَكْرِ بْنِ سَعْدٍ جُمْلَةً بِغَيْرِ وَزْنٍ وَ وَهَبَ لِإِخْوَانِ النَّبِيِّ(ص)أَوْلَادِ حَلِيمَةَ وَ هُمَا ضَمْرَةُ وَ قُرَّةُ أَخَوَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مِائَتَيْ نَاقَةٍ وَ أَذِنَ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى حَيِّهِمْ. (1).
بيان: اعتقل رمحه أي جعله بين ركابه و ساقه و العيمة شهوة اللبن و الثج السيلان و الجهام بالفتح السحاب لا ماء فيه و الحوارى بالضم و تشديد الواو و الراء المفتوحة ما حور من الطعام أي بيض و الوحي الإشارة و الكلام الخفي و التزويق التزيين و التحسين و النقش و الثاغية الشاة و الراغية البعير و لعل المقلبة ما في جوف القلب و لم أجده في كتب اللغة و الأثيرة المكرمة المختارة.
أقول هذا الخبر و إن لم نعتمد عليه كثيرا لكونه من طرق المخالفين إنما أوردته لما فيه من الغرائب (2) التي لا تأبى عنها العقول و لذكره في مؤلفات أصحابنا.
14- د، العدد القوية عَنْ آمِنَةَ بِنْتِ أَبِي سَعِيدٍ السَّهْمِيِّ قَالَتْ امْتَنَعَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ إِتْيَانِ اللَّاتِ
____________
(1) الفضائل: 31- 52.
(2) و إن كنا لا نحتاج في إثبات عظمته إليها بعد ما ملات فضائله الآفاق، و طار صيت جلالته في الخافقين، و بعد ما اعترف الموافق و المخالف نبوغه و أنّه رجل عالمى نشأ من بين قوم كانوا في أحط مراتب الرقى و المدنية، و جاء بقوانين لا يمكن أن يأتي بها أكبر رجالات الملل المترقية و إن بلغوا أقصى مدارج العلم و الفضيلة، و أسس دولة عظيمة في امة ضعيفة كانت فاقدة لجميع شئون الحضارة، متصفة بصفات الجاهلية، مرتطمة في أو حال الفوضى و الهمجية، امة ضعيفة تشتمل على قبائل متعادية متباغضة، معتقدة للاوهام و الخرافة، لا تعرف شرعة و لا نظاما، و بالجملة فنحن في غنى من أن نسرد فضائله على نحو تنطبق على قانون المعجزة و خارق العادة، كما نرى كاتبى سيرته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من القدماء يمشون على تلك الطريقة.
358
وَ الْعُزَّى بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ قُرَيْشٍ كَلَامٌ كَثِيرٌ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُفَارِقَ هَذَا الْغُلَامَ وَ لَا مُخَالَفَتُهُ وَ إِنَّهُ يَأْبَى أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِمَا وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَ بِذِكْرِهِمَا وَ يَكْرَهُ أَنْ آتِيَهُمَا أَنَا قَالُوا فَلَا تَدَعْهُ وَ أَدِّبْهُ حَتَّى يَفْعَلَ وَ يَعْتَادَ عِبَادَتَهُمَا فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ هَيْهَاتَ مَا أَظُنُّكُمْ تَجِدُونَهُ وَ لَا تَرَوْنَهُ يَفْعَلُ هَذَا أَبَداً قَالُوا وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ لِأَنِّي سَمِعْتُ بِالشَّامِ جَمِيعَ الرُّهْبَانِ يَقُولُونَ هَلَاكُ الْأَصْنَامِ عَلَى يَدِ هَذَا الْغُلَامِ قَالُوا فَهَلْ رَأَيْتَ يَا أَبَا طَالِبٍ مِنْهُ شَيْئاً غَيْرَ هَذَا الَّذِي تَحْكِيهِ عَنِ الرُّهْبَانِ فَإِنَّهُ غَيْرُ كَائِنٍ أَبَداً أَوْ نُهْلَكَ جَمِيعاً قَالَ نَعَمْ نَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ فَاخْضَرَّتْ وَ أَثْمَرَتْ فَلَمَّا ارْتَحَلْنَا وَ سِرْنَا نَثَرَتْ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعَ ثَمَرِهَا وَ نَطَقَتْ فَمَا رَأَيْتُ شَجَرَةً قَطُّ تَنْطِقُ قَبْلَهَا وَ هِيَ تَقُولُ يَا أَطْيَبَ النَّاسِ فَرْعاً وَ أَزْكَاهُمْ عُوداً امْسَحْ بِيَدَيْكَ الْمُبَارَكَتَيْنِ عَلَيَّ لِأَبْقَى خَضْرَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَازْدَادَتِ الضِّعْفَ نُوراً وَ خُضْرَةً فَلَمَّا رَجَعْنَا لِلِانْصِرَافِ وَ مَرَرْنَا عَلَيْهَا وَ نَزَلْنَا تَحْتَهَا فَإِذَا كُلُّ طَيْرٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَهُ فِيهَا عُشٌ (1) وَ فَرْخٌ وَ لَهَا بِعَدَدِ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الطَّيْرِ أَغْصَانٌ كَأَعْظَمِ الْأَشْجَارِ عَلَى ظُهُورِ الْأَرَضِينَ قَالَ فَمَا بَقِيَ طَيْرٌ إِلَّا اسْتَقْبَلَهُ يَمُدُّ جَنَاحَهُ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ فَوْقِهَا وَ هِيَ تَقُولُ بِبَرَكَتِكَ يَا سَيِّدَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ قَدْ صَارَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ لَنَا مَأْوًى فَهَذَا مَا رَأَيْتُ فَضَحِكَتْ قُرَيْشٌ فِي وَجْهِهِ وَ هُمْ يَقُولُونَ أَ تَرَى يَطْمَعُ أَبُو طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ ابْنُ أَخِيهِ مَلِكَ هَذَا الزَّمَانِ (2).
15- د، العدد القوية عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ(ع)قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ شَهْراً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ رَمِدَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَبِي طَالِبٍ اذْهَبْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى عَرَّافِ الْجُحْفَةِ وَ كَانَ بِهَا رَاهِبٌ طَبِيبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَحَمَلَهُ غُلَامٌ لَهُ فِي سَفَطٍ هِنْدِيٍّ حَتَّى أَتَى بِهِ الرَّاهِبَ فَوَضَعَهُ تَحْتَ الصَّوْمَعَةِ ثُمَّ نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ يَا رَاهِبُ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ فَنَظَرَ حَوْلَ الصَّوْمَعَةِ إِلَى نُورٍ سَاطِعٍ وَ سَمِعَ حَفِيفَ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَبُو طَالِبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جِئْتُكَ بِابْنِ أَخِي لِتُدَاوِيَ عَيْنَهُ فَقَالَ وَ أَيْنَ هُوَ قَالَ فِي السَّفَطِ قَدْ غَطَّيْتُهُ مِنَ الشَّمْسِ قَالَ اكْشِفْ عَنْهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ بِنُورٍ سَاطِعٍ
____________
(1) العش: موضع الطائر.
(2) العدد: مخطوط، و الحديث يتضمن ما لا يخلو عن غرابة، و اشكال.
359
فِي وَجْهِهِ قَدْ أَذْعَرَ الرَّاهِبَ فَقَالَ لَهُ غَطِّهِ فَغَطَّاهُ ثُمَّ أَدْخَلَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ فِي صَوْمَعَتِهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقّاً حَقّاً وَ أَنَّكَ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَ عِيسَى(ع)فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُهُ ثُمَّ أَخْرَجَ رَأْسَهُ وَ قَالَ يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ وَيْلَكَ يَا رَاهِبُ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ قَوْلًا عَظِيماً فَقَالَ يَا بُنَيَّ شَأْنُ ابْنِ أَخِيكَ أَعْظَمُ مِمَّا سَمِعْتَ مِنِّي وَ أَنْتَ مُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ وَ مَانِعُهُ مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ فَأَتَى أَبُو طَالِبٍ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ اسْكُتْ يَا بُنَيَّ لَا يَسْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ مِنْكَ أَحَدٌ فَوَ اللَّهِ مَا يَمُوتُ مُحَمَّدٌ حَتَّى يَسُودَ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ (1).
16- د، العدد القوية حَدَّثَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ آبَائِهِ قَالُوا خَرَجَ سَنَةَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى الشَّامِ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ كِنَانَةَ وَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُرْوَةَ تُجَّاراً إِلَى الشَّامِ فلقاهما [فَلَقِيَهُمَا أَبُو الْمُوَيْهِبِ الرَّاهِبُ فَقَالَ لَهُمَا مَنْ أَنْتُمَا قَالا نَحْنُ تُجَّارٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ لَهُمَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ لَهُمَا هَلْ قَدِمَ مَعَكُمَا مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُكُمَا قَالا نَعَمْ شَابٌّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَبُو الْمُوَيْهِبِ إِيَّاهُ وَ اللَّهِ أَرَدْتُ فَقَالا وَ اللَّهِ مَا فِي قُرَيْشٍ أَخْمَلُ ذِكْراً مِنْهُ إِنَّمَا يُسَمُّونَهُ يَتِيمَ قُرَيْشٍ وَ هُوَ أَجِيرٌ لِامْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا خَدِيجَةُ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ وَ يَقُولُ هُوَ هُوَ فَقَالَ لَهُمَا تَدُلَّاَّنِّي عَلَيْهِ فَقَالا تَرَكْنَاهُ فِي سُوقِ بُصْرَى فَبَيْنَمَا هُمْ فِي الْكَلَامِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ هُوَ هَذَا فَخَلَا بِهِ سَاعَةً يُنَاجِيهِ وَ يُكَلِّمُهُ ثُمَّ أَخَذَ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ أَخْرَجَ شَيْئاً مِنْ كُمِّهِ لَا نَدْرِي مَا هُوَ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَأْبَى أَنْ يُقَبِّلَهُ فَلَمَّا فَارَقَهُ قَالَ لَنَا تَسْمَعَانِ مِنِّي هَذَا وَ اللَّهِ نَبِيُّ هَذَا الزَّمَانِ سَيَخْرُجُ إِلَى قَرِيبٍ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ ثُمَّ قَالَ هَلْ وُلِدَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَلَدٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ فَقُلْنَا لَا قَالَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُلِدَ أَوْ يُولَدُ فِي سَنَتِهِ وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ نَعْرِفُهُ وَ إِنَّا لَنَجِدُ صِفَتَهُ عِنْدَنَا فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا نَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ بِالنُّبُوَّةِ وَ إِنَّهُ سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ رَبَّانِيُّهَا وَ ذُو قَرِنَيْهَا يُعْطِي السَّيْفَ حَقَّهُ اسْمُهُ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى عَلِيٌّ هُوَ أَعْلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ
____________
(1) العدد: مخطوط.
360
الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ ذِكْراً وَ تُسَمِّيهِ الْمَلَائِكَةُ الْبَطَلَ الْأَزْهَرَ الْمُفْلِحَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى وَجْهٍ إِلَّا أَفْلَحَ وَ ظَفِرَ وَ اللَّهِ لَهُوَ أَعْرَفُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الشَّمْسِ الطَّالِعَةِ.
وَ حَدَّثَ الْعَبَّاسُ عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَبُو طَالِبٍ يَا عَبَّاسُ أَ لَا أُخْبِرُكَ عَنْ مُحَمَّدٍ(ص)بِمَا رَأَيْتُ مِنْهُ قُلْتُ بَلَى قَالَ إِنِّي ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَلَمْ أُفَارِقْهُ فِي لَيْلٍ وَ لَا نَهَارٍ وَ كُنْتُ أُنَوِّمُهُ فِي فِرَاشِي وَ آمُرُهُ أَنْ يَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَ يَنَامَ مَعِي فَرَأَيْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهَةَ وَ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَنِي فَقَالَ يَا عَمَّاهْ اصْرِفْ وَجْهَكَ عَنِّي حَتَّى أَخْلَعَ ثِيَابِي وَ أَدْخُلَ فِرَاشِي قُلْتُ لَهُ وَ لِمَ ذَلِكَ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَسَدِي قَالَ فَتَعَجَّبْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ صَرَفْتُ بَصَرِي عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ فِرَاشَهُ فَلَمَّا دَخَلْتُ أَنَا الْفِرَاشَ إِذَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ ثَوْبٌ أَلْيَنُ ثَوْبٍ مَسِسْتُهُ قَطُّ ثُمَّ شَمِمْتُهُ فَإِذَا كَأَنَّهُ قَدْ غُمِسَ فِي الْمِسْكِ فَكُنْتُ إِذَا أَصْبَحْتُ افْتَقَدْتُ الثَّوْبَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَكَانَ هَذَا دَأْبِي وَ دَأْبَهُ فَجَهَدْتُ وَ تَعَمَّدْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى جَسَدِهِ فَوَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ لَهُ جَسَداً وَ لَقَدْ كُنْتُ كَثِيراً مَا أَسْمَعُ إِذَا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ كَلَاماً يُعْجِبُنِي وَ كُنْتُ رُبَّمَا آتَيْتُهُ غَفْلَةً فَأَرَى مِنْ لَدُنْ رَأْسِهِ نُوراً مَمْدُوداً قَدْ بَلَغَ السَّمَاءَ فَهَذَا مَا رَأَيْتُ يَا عَبَّاسُ.
قَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنَّا لَا نُسَمِّي عَلَى الطَّعَامِ وَ لَا عَلَى الشَّرَابِ وَ لَا نَدْرِي مَا هُوَ حَتَّى ضَمَمْتُ مُحَمَّداً(ص)إِلَيَّ فَأَوَّلُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الْأَحَدِ ثُمَّ يَأْكُلُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ وَ كَانَ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ جَسَدَ مُحَمَّدٍ قَطُّ وَ كَانَ لَا يُفَارِقُنِي اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ كَانَ يَنَامُ مَعِي فِي فِرَاشِي فَأَفْقِدُهُ مِنْ فِرَاشِهِ فَإِذَا قُمْتُ لِأَطْلُبَهُ بَادَرَنِي مِنْ فِرَاشِهِ فَيَقُولُ هَا أَنَا يَا عَمِّ ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ ذِئْباً يَوْماً قَدْ جَاءَهُ وَ شَمَّهُ وَ بَصْبَصَ (1) حَوْلَهُ ثُمَّ رَبَضَ (2) بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَ لَقَدْ دَخَلَ لَيْلًا الْبَيْتَ فَأَضَاءَ مَا حَوْلَهُ وَ لَمْ أَرَ مِنْهُ نَجْواً (3) قَطُّ وَ لَا رَأَيْتُهُ يَضْحَكُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّحِكِ وَ لَا وَقَفَ مَعَ صِبْيَانٍ فِي لَعِبٍ وَ لَا الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَ كَانَ الْوَحْدَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ التَّوَاضُعُ وَ لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَحْيَاناً رَجُلًا أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً يَجِيءُ حَتَّى
____________
(1) بصبص الذئب، حرك ذنبه.
(2) ربض: استناخ و هو أن تلصق الدابّة صدره بالارض.
(3) النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط.
361
يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَ يَدْعُوَ لَهُ ثُمَّ يَغِيبُ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فِي أَمْرِهِ مَا رَأَيْتُهَا قَطُّ رَأَيْتُهُ وَ كَانَ الدُّنْيَا قَدْ سِيقَتْ إِلَيْهِ وَ جَمِيعُ النَّاسِ يَذْكُرُونَهُ وَ رَأَيْتُهُ وَ قَدْ رُفِعَ فَوْقَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ هُوَ يَدْخُلُ فِي السَّمَاءِ وَ لَقَدْ غَابَ عَنِّي يَوْماً فَذَهَبْتُ فِي طَلَبِهِ فَإِذَا أَنَا بِهِ يَجِيءُ وَ مَعَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ فَقُلْتُ لَهُ يَا بُنَيَّ أَ لَيْسَ قَدْ نَهَيْتُكَ أَنْ تُفَارِقَنِي فَقَالَ الرَّجُلُ إِذَا فَارَقَكَ كُنْتُ أَنَا مَعَهُ أَحْفَظُهُ فَلَمْ أَرَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا مَا أُحِبُّ حَتَّى شَبَّ وَ خَرَجَ يَدْعُو إِلَى الدِّينِ (1).
17- سر، السرائر مِنْ جَامِعِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)(2) يَقُولَانِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عِشْرِينَ حَجَّةً مُسْتَسِرّاً مِنْهَا عَشَرَةُ حِجَجٍ أَوْ قَالَ سَبْعَةٌ (3) الْوَهْمُ مِنَ الرَّاوِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَ قَدْ كَانَ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ وَ هُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَ هُوَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ فِي أَرْضِ بُصْرَى وَ هُوَ مَوْضِعٌ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّجِرُ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ (4).
18- نهج، نهج البلاغة فِي وَصْفِ الرَّسُولِ(ص)وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ (5) أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَماً مِنْ أَخْلَاقِهِ (6) وَ يَأْمُرُنِي بِالاقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشَمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ (7).
أَقُولُ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي الْحَدِيدِ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ(ع)سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ
____________
(1) العدد: مخطوط.
(2) في المصدر: و أبا عبد اللّه من بعده.
(3) في المصدر: تسعة.
(4) السرائر: 469.
(5) الفصيل: ولد الناقة.
(6) في المصدر: من أخلاقه علما.
(7) نهج البلاغة: القسم الأوّل: 416 و 417.
362
يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً فَقَالَ(ع)يُوَكِّلُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْبِيَائِهِ مَلَائِكَةً يُحْصُونَ أَعْمَالَهُمْ وَ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ تَبْلِيغَهُمُ الرِّسَالَةَ وَ وَكَّلَ بِمُحَمَّدٍ مَلَكاً عَظِيماً مُنْذُ فُصِلَ عَنِ الرَّضَاعِ يُرْشِدُهُ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَ يَصُدُّهُ عَنِ الشَّرِّ وَ مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ وَ هُوَ الَّذِي كَانَ يُنَادِيهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ هُوَ شَابٌّ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الرِّسَالَةِ بَعْدُ فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَرِ وَ الْأَرْضِ فَيَتَأَمَّلُ فَلَا يَرَى شَيْئاً.
وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ(ع)قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ كُلَّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ مَا أُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلَامٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ يَرْعَى مَعِي بِأَعْلَى مَكَّةَ لَوْ أَبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَسْمُرَ (1) بِهَا كَمَا يَسْمُرُ الشَّبَابُ فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفاً (2) بِالدَّفِّ وَ الْمَزَامِيرِ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا فُلَانٌ تَزَوَّجَ ابْنَةَ فُلَانٍ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَكُنَّتْ (3) فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَجِئْتُ (4) إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ مَا فَعَلْتَ فَقُلْتُ مَا صَنَعْتُ شَيْئاً ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ افْعَلْ فَخَرَجْتُ فَسَمِعْتُ حِينَ دَخَلْتُ مَكَّةَ مِثْلَ مَا سَمِعْتُ حِينَ دَخَلْتُهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بَعْدَهَا بِسُوءٍ حَتَّى أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ.
وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ فِي أَمَالِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَذْكُرُ وَ أَنَا غُلَامٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَ قَدْ بَنَى ابْنُ جُذْعَانَ دَاراً لَهُ بِمَكَّةَ فَجِئْتُ مَعَ الْغِلْمَانِ نَأْخُذُ التُّرَابَ وَ الْمَدَرَ فِي حُجُورِنَا فَنَنْقُلُهُ فَمَلَأْتُ حَجْرِي تُرَاباً فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتِي فَسَمِعْتُ نِدَاءً مِنْ فَوْقِ رَأْسِي يَا
____________
(1) سمر: لم ينم و تحدث ليلا.
(2) العزف: صوت الدف و الطنبور و العود و غيرها من آلات الطرب.
(3) في المصدر: فنمت. و هو الموجود في تاريخ الطبريّ أيضا.
(4) في المصدر: فرجعت. و في الطبريّ فجئت. راجع تاريخ الطبريّ 2: 34.
363
مُحَمَّدُ أَرْخِ إِزَارَكَ فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي فَلَا أَرَى شَيْئاً إِلَّا أَنِّي أَسْمَعُ الصَّوْتَ فَتَمَاسَكْتُ لَمْ أُرْخِهِ فَكَأَنَّ إِنْسَاناً ضَرَبَنِي عَلَى ظَهْرِي فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي وَ انْحَلَّ إِزَارِي وَ سَقَطَ (1) التُّرَابُ إِلَى الْأَرْضِ فَقُمْتُ إِلَى دَارِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّي وَ لَمْ أَعُدْ.
فَأَمَّا حَدِيثُ مُجَاوَرَتِهِ(ص)بِحِرَاءَ فَمَشْهُورٌ وَ قَدْ وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْراً وَ كَانَ يُطْعِمُ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ فَإِذَا قَضَى جِوَارَهُ مِنْ حِرَاءَ كَانَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ إِذَا انْصَرَفَ أَنْ يَأْتِيَ بَابَ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعاً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى جَاءَتِ السَّنَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِالرِّسَالَةِ فَجَاوَرَ فِي حِرَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَ مَعَهُ أَهْلُهُ خَدِيجَةُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ خَادِمٌ لَهُمْ فَجَاءَهُ جَبْرَئِيلُ بِالرِّسَالَةِ قَالَ(ص)جَاءَنِي وَ أَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ (2) فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَقْرَأُ فَفَتَّنِي (3) حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إِلَى قَوْلِهِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فَقَرَأْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي فَهَبَبْتُ (4) مِنْ نَوْمِي وَ كَأَنَّمَا كُتِبَ فِي قَلْبِي كِتَابٌ وَ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
. و أما حديث أن الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلا النبي و هو (5) (عليهما السلام) و خديجة فخبر عفيف الكندي مشهور (6) و قد ذكرناه من قبل و أن أبا طالب قال له أ تدري من هذا قال لا قال هذا محمد (7) بن عبد الله بن عبد المطلب و هذا ابني علي بن أبي طالب و هذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمد ابن أخي و ايم الله ما أعلم على الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (8)
____________
(1) في المصدر: و انحل ازارى فسترنى و سقط.
(2) النمط: ضرب من البسط. وعاء كالسفط، و الظاهر أن المراد هنا الثاني.
(3) في المصدر: فغتنى بالغين أي خنقنى.
(4) أي فاستيقظت، و في المصدر: فانتبهت.
(5) أي عليّ (عليه السلام).
(6) هذا الحديث مشهور بين العامّة و الخاصّة، بل متواتر، و عليه أصحابنا الإماميّة من سالف الزمان الى الآن، و تقدم ذلك و ياتى في أحاديث كثيرة في محله.
(7) في المصدر: هذا ابن أخى محمد.
(8) شرح نهج البلاغة 3: 253 و 254.
364
و قال أيضا روى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية و رواه أيضا محمد بن جرير الطبري في تاريخه قال كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله(ص)أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها و معها زوجها و ابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس الرضعاء بمكة في سنة شهباء لم تبق شيئا قالت فخرجت على أتان لنا قمراء عجفاء و معنا شارف لنا ما تبض (1) بقطرة و لا ننام ليلنا أجمع من بكاء صبينا الذي معنا من الجوع ما في ثديي ما يغنيه و لا في شارفنا (2) ما يغذيه و لكنا نرجو الغيث و الفرج فخرجت على أتاني تلك و لقد راثت بالركب ضعفا و عجفا حتى شق ذلك عليهم حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء (3) فما منا امرأة إلا و قد عرض عليها محمد فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم و ذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه و جده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة ذهبت معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما اجتمعنا للانطلاق قلت لصاحبي و الله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي لم آخذ رضيعا و الله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فآخذنه قال لا عليك أن تفعلي و عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهبت إليه فأخذته و ما يحملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فرضع حتى روي و شرب معه أخوه حتى روي و ما كنا ننام قبل ذلك من بكاء صبينا جوعا فنام و قام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا أنها حافل فحلب منها ما شرب و شربت حتى انتهينا ريا و شبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمين (4) و الله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة فقلت و الله إني لأرجو ذلك ثم خرجنا و ركبت أتاني تلك و حملته معي عليها فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حميرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي
____________
(1) قال الجزريّ: ما تبض ببلال أي ما يقطر منها بلبن، يقال: بض الماء: إذا قطر و سال.
(2) الشارف: المسنة من النوق.
(3) في المصدر: الرضاع.
(4) في المصدر: أ تعلمين؟.
365
ويحك يا بنت أبي ذؤيب اربعي (1) علينا أ ليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى و الله إنها لهي فيقلن و الله إن لها لشأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد و ما أعلم أرضا من أرض العرب أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا ملاء لبنا (2) فكنا نحتلب و نشرب و ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع حتى أن الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب فيفعلون فيروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة و تروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نعرف من الله الزيادة و الخير به حتى مضت سنتاه و فصلته (3) فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه آمنة بنت وهب و نحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه و قلنا لها لو تركتيه (4) عندنا حتى يغلظ فإنا نخشى عليه وباء مكة فلم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به إلى بلاد بني سعد فو الله إنه لبعد ما قدمنا بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشد (5) فقال لي و لأبيه ها هو ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه و شقا بطنه فهما يسوطانه قالت فخرجت أنا و أبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه فالتزمته و التزمه أبوه و قلنا ما لك يا بني قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا به إلى خبائنا و قال لي أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب (6) فألحقيه بأهله (7) قالت فاحتملته حتى قدمت به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر (8) و قد كنت حريصة عليه و على مكثه عندك فقلت لها قد
____________
(1) أي اقيمى و انتظرى، و يقال: ربع فلان على فلان: إذا أقام و انتظره.
(2) في السيرة: شباعا لبنا. قلت: أى غزيرات اللبن.
(3) فصل الصبى عن الرضاع: فطمه.
(4) في المصدر: لو تركته. و في السيرة و تاريخ الطبريّ: لو تركت؟؟؟ عندي.
(5) يشتد خ ل. و هو الموجود في السيرة و التاريخ.
(6) أي أصابه الجن، أو طرف من الجنون.
(7) في السيرة و تاريخ الطبريّ: فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به.
(8) الظئر: المرأة المرضعة.
366
بلغ الله بابني و قضيت الذي علي و تخوفت عليه الأحداث و أديته إليك كما تحبين قالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر قالت أ فتخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا و الله ما للشيطان عليه من سبيل و إن لابني لشأنا أ فلا أخبرك خبره قلت بلى قالت رأيته (1) حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من الشام ثم حملت به فو الله ما رأيت حملا قط كان أخف و لا أيسر منه ثم وقع حين ولدته و إنه واضع يديه بالأرض و رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك و انطلقي راشدة. (2)
- وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهِ وَ يَذْكُرُ مَا جَرَى لَهُ وَ هُوَ طِفْلٌ فِي أَرْضِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ لَمَّا وُلِدْتُ اسْتَرْضَعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْتَبِذاً مِنْ أَهْلِي فِي بَطْنِ وَادٍ مَعَ أَتْرَابٍ (3) لِي مِنَ الصِّبْيَانِ نَتَقَاذَفُ بِالْجَلَّةِ إِذْ أَتَانِي رَهْطٌ ثَلَاثَةٌ مَعَهُمْ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ ثَلْجاً فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنَ أَصْحَابِي فَخَرَجَ أَصْحَابِي هُرَّاباً حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ (4) الْوَادِي ثُمَّ عَادُوا إِلَى الرَّهْطِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا هَذَا ابْنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَ هُوَ مُسْتَرْضِعٌ فِينَا غُلَامٌ يَتِيمٌ لَيْسَ لَهُ أَبٌ فَمَا ذَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ وَ مَا ذَا تُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَ لَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ قَاتِلِيهِ فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيَّنَا شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ مَكَانَهُ وَ دَعُوا هَذَا الْغُلَامَ فَإِنَّهُ يَتِيمٌ فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يُحِيرُونَ لَهُمْ جَوَاباً (5) انْطَلَقُوا هُرَّاباً مُسْرِعِينَ إِلَى الْحَيِّ يؤذنوهم [يُؤْذِنُونَهُمْ وَ يَسْتَصْرِخُونَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي إِضْجَاعاً لَطِيفاً ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرَقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي وَ أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ مَسّاً (6) ثُمَّ أَخْرَجَ
____________
(1) في المصدر و السيرة و التاريخ: رأيت.
(2) شرح نهج البلاغة 3: 252 و 253، السيرة لابن هشام 1: 173- 177، تاريخ الطبريّ 1: 573- 579.
(3) أتراب: أصدقاء. أو من ولد معه.
(4) شفير الوادى: ناحيته من أعلاه.
(5) أحار الجواب: رده.
(6) في المصدر: و لم أجد لذلك حسا.
367
أَحْشَاءَ بَطْنِي فَغَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا (1) ثُمَّ أَعَادَهَا مَكَانَهَا ثُمَّ قَامَ الثَّانِي مِنْهُمْ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ تَنَحَّ فَنَحَّاهُ عَنِّي ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي وَ أَخْرَجَ قَلْبِي وَ أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَصَدَعَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَاهَا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ يَمْنَةً مِنْهُ وَ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً فَإِذَا فِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ نُورٍ تَحَارُ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُ فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي ثُمَّ أَعَادَهُ مَكَانَهُ فَوَجَدْتُ بَرْدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ فِي قَلْبِي دَهْراً ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ لِصَاحِبِهِ تَنَحَّ عَنْهُ فَأَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرَقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي مِنْ مَكَانِي إِنْهَاضاً لَطِيفاً وَ قَالَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي شَقَّ بَطْنِي زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ فَقَالَ دَعُوهُ فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَهُمْ ثُمَّ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَ قَبَّلُوا رَأْسِي وَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَ قَالُوا يَا حَبِيبُ (2) لَا تَرُعْ إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنَاكَ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ وَ إِذَا أُمِّي وَ هِيَ ظِئْرِي أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَ تَقُولُ يَا ضَعِيفَاهْ فَانْكَبَّ عَلَيَّ أُولَئِكَ الرَّهْطُ فَقَبَّلُوا رَأْسِي وَ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي يَا وَحِيدَاهْ فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَ قَبَّلُوا رَأْسِي وَ بَيْنَ عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ وَ مَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ مَعَكَ وَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي يَا يَتِيمَاهْ اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَ قَبَّلُوا رَأْسِي وَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ لَوْ تَعْلَمُ مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ قَالَ فَوَصَلَ الْحَيُّ إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي أُمِّي وَ هِيَ ظِئْرِي قَالَتْ يَا بُنَيَّ لَا أَرَاكَ حَيّاً بَعْدُ (3) فَجَاءَتْ حَتَّى انْكَبَّتْ عَلَيَّ وَ ضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَفِي حَجْرِهَا قَدْ ضَمَّتْنِي إِلَيْهَا وَ إِنَّ يَدِي لَفِي يَدِ بَعْضِهِمْ فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَ ظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ يُبْصِرُونَهُمْ فَإِذَا هُمْ لَا يُبْصِرُونَهُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ قَدْ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الْجِنِّ فَانْطَلِقُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِ بَنِي فُلَانٍ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ يُدَاوِيَهُ فَقُلْتُ مَا
____________
(1) أي بالغ في ذلك و أجاد.
(2) في المصدر: يا حبيب اللّه.
(3) في المصدر و تاريخ الطبريّ ألا أراك حيا بعد.
368
بِي شَيْءٌ مِمَّا يَذْكُرُ إِنَّ نَفْسِي سَلِيمَةٌ (1) وَ إِنَّ فُؤَادِي صَحِيحٌ لَيْسَتْ بِي قَلَبَةٌ فَقَالَ أَبِي وَ هُوَ زَوْجُ ظِئْرِي أَ لَا تَرَوْنَ كَلَامَهُ صَحِيحاً إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى ابْنِي بَأْسٌ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَذْهَبُوا بِي إِلَى الْكَاهِنِ فَاحْتَمَلُونِي حَتَّى ذَهَبُوا بِي إِلَيْهِ فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي فَقَالَ اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ فَسَأَلَنِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلِي وَثَبَ وَ قَالَ يَا لَلْعَرَبِ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ فَهُوَ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَئِنْ عَاشَ لَيُبْدِلَنَّ دِينَكُمْ وَ لَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ وَ لَيَأْتِيَنَّكُمْ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا بِهِ قَطُّ فَانْتَزَعَتْنِي ظِئْرِي مِنْ حَجْرِهِ وَ قَالَتْ لَوْ عَلِمْتُ (2) أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ قَوْلِكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ (3) ثُمَّ احْتَمَلُونِي فَأَصْبَحْتُ وَ قَدْ صَارَ فِي جَسَدِي أَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ (4).
. بيان أقول رواه الكازروني في المنتقى بأسانيد (5) و لنشرح بعض ألفاظها الرضعاء جمع رضيع و قال الجزري في حديث حليمة في سنة شهباء أي ذات قحط و جدب و قال القمراء الشديدة البياض قولها راثت من الريث بمعنى الإبطاء و في أكثر رواياتهم و لقد أذمت قال الجزري و منه حديث حليمة فلقد أذمت بالركب أي حبستهم لانقطاع سيرها كأنها حملت الناس على ذمها انتهى و العجف الهزال حتى انتهينا ريا أي بلغنا غايته لقطعت بالركب أي من سرعة سيرها و شدة تقدمها انقطع الركب عنها
____________
(1) في تاريخ الطبريّ: ان آرائي صحيحه.
(2) في تاريخ الطبريّ: فاقتصصت عليه أمرى ما بين أوله و آخره، فلما سمع وثب إلى فضمنى إلى صدره ثمّ نادى بأعلى صوته: يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام و اقتلونى معه، فو اللات و العزى لئن تركتموه و أدرك ليبدلن دينكم، و ليسفهن عقولكم و عقول آبائكم، و ليخالفن أمركم و ليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط، فعمدت ظئرى فانتزعتنى من حجره، و قالت: لانت أعته و أجن من ابنى هذا، فلو علمت.
(3) في تاريخ الطبريّ بعد ذلك: فاطلب لنفسك من يقتلك، فانا غير قاتلى هذا الغلام، ثم احتملونى فأدونى الى أهلى، فأصبحت مفزعا ممّا فعل بى، و أصبح أثر الشق إه.
(4) شرح نهج البلاغة 3: 253، و تاريخ الطبريّ 1: 575- 577.
(5) المنتفى في مولود المصطفى: الباب الثاني و الثالث من القسم الثاني. قلت: ذكرت سابقا أن حديث شق الصدر ممّا رواه العامّة، و الإماميّة لا يقول به، و هذا أيضا كما ترى من مروياتهم.
369
و اربعي أي ارفقي بنا و انتظري بنا و اللبن بمعنى اللبون.
و قال الجزري في حديث حليمة كان يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر فبلغ ستا و هو جفر استجفر الصبي إذا قوي على الأكل و أصله في أولاد المعز إذا بلغ أربعة أشهر و فصل عن أمه و أخذ في الرعي قيل له جفر و الأنثى جفرة انتهى.
و البهم جمع بهمة و هي أولاد الضأن و السوط خلط الشيء بعضه ببعض و المسواط ما يساط به القدر ليختلط بعضه ببعض قوله منتقعا أي متغيرا و الجلة بالفتح البعر قوله ما رابكم (1) أي ما شككم و معناه هاهنا ما دعاكم إلى أخذ هذا قوله ما ذا يرد عليكم أي ما ينفعكم ذلك قوله فأنعم غسلها أي بالغ فيه قوله ثم قال بيده يمنة أي إشارة بيده أو مدها إلى جانب يمينه و القلبة الداء.
19- د، العدد القوية كِتَابُ التَّذْكِرَةِ وُلِدَ(ص)مَخْتُوناً مَسْرُوراً فَأَعْجَبَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ قَالَ لَيَكُونَنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنٌ فَكَانَ لَهُ أَعْظَمُ شَأْنٍ وَ أَرْفَعُهُ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهَيْرِ (2) بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ شَهِدَ الْفِجَارَ (3) وَ هِيَ حَرْبٌ كَانَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَ قَيْسٍ وَ هُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَ بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ بَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَرَضِيَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي نَصْبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَ كَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ قَبْلَ ذَلِكَ تِسْعَةَ أَذْرُعٍ وَ لَمْ تَكُنْ تُسْقَفُ فَبَنَتْهَا قُرَيْشٌ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَ سَقَفَتْهَا وَ كَانَ يُدْعَى فِي قُرَيْشٍ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ وَ خَرَجَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ وَ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ وَ قِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَ نَظَرَ إِلَيْهِ بَحِيرَاءُ (4) الرَّاهِبُ فَقَالَ احْفَظُوا بِهِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَ لَهُ خَمْسٌ وَ عِشْرُونَ سَنَةً وَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرَيْنِ
____________
(1) في المصدر و تاريخ الطبريّ: ما إربكم.
(2) الصحيح: زهرة كما تقدم.
(3) فجار بالكسر بمعنى المفاجرة، و هي حرب وقعت بين قريش و من معها من كنانة و بين قيس عيلان في الشهر الحرام، و لذا سمى حراما، و شهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعض أيامه، أخرجه أعمامه معهم، و كانت للعرب فجارات اخرى منها الفجار الأول و قد حضره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فكان عمره فيه عشر سنين. و قد ذكر الفجارات و سببها أصحاب السيرة في كتبهم.
(4) الصحيح: بحيرى.
370
وَ أَيَّامٍ وَ دَفَعَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِفَاعَةَ السَّعْدِيِّ زَوْجِ حَلِيمَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ وَ هِيَ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَ أُخْتُهُ أَسْمَاءُ (1) وَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تَحْضُنُهُ وَ سُبِيَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَ لَهُ ثَمَانُ سِنِينَ وَ أَوْصَى بِهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَ دَخَلَ الشِّعْبَ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ وَ قِيلَ بَعْدَ سَبْعٍ لَمَّا حَصَرَتْهُمْ قُرَيْشٌ وَ خَرَجَ مِنْهُ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ مَبْعَثِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي جِوَارِ مَطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مَعَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ كَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ خَرَجَ فِي مَوْسِمٍ مِنَ الْمَوَاسِمِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ وَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَقِيَ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ هُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ ناي (2) وَ قُطْنَةُ بْنُ عَامِرٍ وَ عَوْنُ بْنُ الْحَارِثِ وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى بَايَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ ثُمَّ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَ كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وَ امْرَأَتَيْنِ وَ اخْتَارَ(ص)مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً لِيَكُونُوا كُفَلَاءَ قَوْمِهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزَامٍ وَ أَبُو سَاعِدَةَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْعَجْلَانُ وَ أَبُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ خُثَيْمَةَ فَكَانُوا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَ ثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ وَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ثُمَّ تَبَايَعَ النَّاسُ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عَامِرُ بْنُ فِهْرٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ وَ خَلَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ صَفَرٍ وَ أَقَامَ فِي الْغَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ دُخُولُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الهرم (3) [الْهِدْمِ فَأَقَامَ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَجَمَّعَ (4) فِي بَنِي سَالِمٍ فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جَمَّعَهَا(ص)فِي الْإِسْلَامِ وَ يُقَالُ
____________
(1) هكذا في الأصل، و الصحيح: الشيماء كما في تاريخ اليعقوبي و السيرة و الامتاع و غيرها.
(2) في السيرة و الامتاع: نابى. و فيهما: قطبة بن عامر و عوف بن الحارث.
(3) هكذا في الأصل و فيه تصحيف، و الصحيح كلثوم بن الهدم بالدال و هو ابن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الأنصاريّ، قاله المقريزى في الامتاع.
(4) أي أقامت صلاة الجمعة.
371
إِنَّهُمْ كَانُوا مِائَةَ رَجُلٍ وَ يُقَالُ بَلْ كَانُوا أَرْبَعِينَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ بَنَى الْمَسْجِدَ فَكَانَ يَبْنِيهِ بِنَفْسِهِ وَ يَبْنِي مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ ثُمَّ بَنَى الْبُيُوتَ وَ كَانَ يُصَلِّي حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ أَرْبَعٍ لِلْمُقِيمِ وَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الثَّلَاثَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الثَّانِي بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِشَهْرٍ (1).
20 أقول قال أبو الحسن البكري في كتاب الأنوار حدثنا أشياخنا و أسلافنا الرواة لهذه الأحاديث أنه كان من عادة أهل مكة إذا تم للمولود سبعة (2) أيام التمسوا له مرضعة ترضعه فذكر الناس لعبد المطلب انظر (3) لابنك مرضعة ترضعه فتطاولت النساء لرضاعته و تربيته و كانت آمنة يوما نائمة إلى جانب ولدها فهتف بها هاتف (4) يا آمنة إن أردت مرضعة لابنك ففي نساء بني سعد امرأة تسمى حليمة بنت أبي ذؤيب فتطاولت آمنة إلى ذلك و كان كلما أتتها من النساء تسألهن عن أسمائهن فلم تسمع بذكر حليمة بنت أبي ذؤيب و كان سبب تحريك حليمة لرضاعة رسول الله(ص)أن البلاد التي تلي مكة أصابها قحط و جدب إلا مكة فإنها كانت مخصبة زاهرة ببركة رسول الله(ص)و كانت العرب تدخل (5) و تنزل بنواحيها من كل مكان فخرجت حليمة مع نساء من بني سعد (6) قالت حليمة كنا نبقى اليوم و اليومين لا نقتات فيه (7) بشيء و كنا قد شاركنا المواشي في مراعيها فكنت ذات ليلة بين النوم و اليقظة و إذا قد أتاني آت و رماني في نهر ماء أبيض من اللبن و أحلى من العسل و قال لي اشربي فشربت
____________
(1) العدد: مخطوط.
(2) في المصدر: ثلاثة أيّام يلتمسون له مرضعة تربية.
(3) في المصدر: التمس لولدك مرضعة فانت اليوم كافله و المتولى أمره و من مات منا أبوه فأنت له خلف، قال: سأنظر من يصلح له، فتطاولت النسوان إه.
(4) في المصدر: هاتف يقول: أيتها العالية العظيمة الفاضلة الكريمة، ان أردت ان ترتضعى صاحب السكينة ففى نساء بنى سعد حليمة، فتطاولت اه.
(5) في المصدر: ترحل إليها.
(6) في المصدر هنا زيادة هى: يجمعن نبات الأرض يقتاتون به.
(7) في المصدر: كنا نقيم اليوم و اليومين و الثلاثة ما نفطر على طعام.
372
ثم ردني إلى مكاني و قال لي يا حليمة عليك ببطحاء مكة فإن لك بها رزقا واسعا و سوف تسعدين ببركة مولود ولد بها و ضرب بيده على صدري و قال أدر الله لك اللبن (1) و جنبك المحق و المحن قالت حليمة فانتبهت و أنا لا أطيق حمل ثديي من كثرة اللبن (2) و اكتسيت حسنا و جمالا و أصبحت بحالة غير الحالة الأولى (3) ففزعت إلي نساء قومي و قلن يا حليمة قد عجبنا من حالك فما الذي حل بك و من أين لك هذا الحسن و الجمال الذي ظهر فيك قالت فكتمت أمري عليهن فتركنني و هن أحسد الناس لي ثم بعد يومين هتف بي هاتف فسمعه بنو سعد عن آخرهم و هو يقول يا نساء بني سعد نزلت عليكم البركات و زالت عنكم الترحات (4) برضاعة مولود (5) ولد بمكة فضّله الواحد الأحد فهنيئا لمن له قصد فلما سمعوا ما قاله الهاتف قالوا إن لهذا المولود شأنا عظيما فرحل بنو سعد عن آخرهم إلى مكة (6) قالت حليمة و لم يبق أحد إلا و قد خرج إلى مكة قالت و كنا أهل بيت فقر و لم يك عندنا شيء نحمل عليه و قد ماتت مواشينا من القحط و كانت (7) حليمة من أطهر نساء قومها و أعفهن و لذلك ارتضاها الله تعالى لترضع رسول الله(ص)و كانت النساء إذا دخلن على آمنة تسألهن عن أسمائهن فإذا لم تسمع بذكر حليمة تقول ولدي يتيم لا أب له و لا مال فيذهبن عنها فأقبلت حليمة مع بعلها و دخلت مكة و خلفت بعلها خارج البلد و قالت له مكانك حتى أدخل مكة و أسأل عن هذا المولود الذي بشرنا به فلما دخلت حليمة مكة أرشدها
____________
(1) في المصدر: اذهبى در اللّه لك اللبن إه قلت: أدر اله اللبن أي أكثره.
(2) في المصدر بعد ذلك: و بقيا كأنهما الجرتان العظيمتان يقطر منهما اللبن، و امتلاء جسمى لحما و شحما، و كسبت حسنا إه.
(3) في المصدر: غير الحالة التي كنت فيها بالامس.
(4) الترح: الحزن و الهم و الفقر.
(5) في المصدر: ببركة مولود.
(6) في المصدر هنا زيادة هى: طالبين الرزق و الفضل لما سمعوا من الهاتف، فمن كان له قوة من القوم حمل زوجته على حمار و فرس. قالت إه.
(7) في المصدر: قال صاحب الحديث: و كانت.
373
الله تعالى إلى أن دخلت على عبد المطلب و هو جالس بالصفا و كان له سرير منصوب عند الكعبة يجلس عليه للقضاء بين الناس فلما أتته قالت له نعمت صباحا أيها السيد فقال لها من أين أنت أيتها المرأة قالت من بني سعد أتينا نطلب رضيعا نتعيش من أجرته و قد أرشدت إليك فقال نعم عندي ولد لم تلد النساء مثله أبدا غير أنه يتيم من أبيه و أنا جده أقوم مقام أبيه فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك و أعطيتك كفايتك فلما سمعت ذلك أمسكت عن الكلام ثم قالت يا سيد بني عبد مناف لي بعل بظهر مكة و هو مالك أمري و أنا أرجع إليه أشاوره في ذلك فإن أمرني بأخذه رجعت إليه و أخذته فقال لها عبد المطلب شأنك فوصلت إلى بعلها و قالت له إني وردت على عبد المطلب فقال عندي مولود أبوه ميت و أنا أقوم مقامه فما تقول قال يرجعن نساء بني سعد بالإحسان و الإكرام و ترجعين أنت بصبي يتيم و كانت جملة نساء بني سعد قد دخلن مكة فمنهن من حصل لها رضيع و منهن من لم يحصل لها شيء فقالت حليمة ترجع نساء بني سعد بالغنائم (1) و أرجع أنا خائبة و أسبلت (2) عبرتها فقال بعلها ارجعي إلى هذا الطفل اليتيم و خذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرا كثيرا فإن جده مشكور بالإحسان فرجعت حليمة فوجدته في مكانه الأول فذكرت له قول زوجها فقام عبد المطلب و مضى بها إلى منزل آمنة و أخبرها بذلك و أعلمها باسمها و قومها فقالت هذه التي أمرت أن أدفع إليها ولدي فقالت لها آمنة أبشري يا حليمة بولدي هذا (3) فو الله ما أخصبت بلادنا إلا ببركة ولدي هذا ثم أدخلتها آمنة البيت الذي فيه المصطفى(ص)فقالت حليمة أ توقدين يا آمنة مع ولدك المصباح في النهار قالت لا فو الله من حيث ولد ما أوقدت عنده النار بل هو يغنيني عن المصباح فنظرت حليمة إلى رسول الله(ص)و هو ملفوف في ثوب من صوف أبيض يفوح منه رائحة المسك و العنبر فوقعت في قلبها محبة محمد(ص)و فرحت و سرت به سرورا عظيما و كان نائما فأشفقت عليه أن توقظه من
____________
(1) في المصدر: بالمراضع.
(2) أسبلت عبرتها: أرسلها و العبرة: الدمعة.
(3) في المصدر: أبشرى يا حليمة فانّك تسعدين بولدى هذا.
374
نومه فأمسكت عنه ساعة فخشيت أن تبطئ على بعلها فمدت يدها إليه لتوقظه ففتح عينيه و جعل يهش لها (1) و يضحك في وجهها فخرج من فمه نور فتعجبت حليمة من ذلك ثم ناولته ثديها اليمنى فرضع فناولته الأخرى فلم يرضع و كان ذلك إلهاما من الله عز و جل ألهمه العدل و الإنصاف من صغره إذ كان لها ابن ترضعه و كان لا يرضع حتى يرضع أخوه ضمرة فرجعت حليمة بمحمد(ص)فقال لها عبد المطلب مهلا يا حليمة حتى نزودك قالت حسبي من الزاد هذا المولود و هو أحب إلي من الذهب و الفضة و من جميع الأطعمة و أعطاها من المال و الزاد و الكسوة فوق الطاقة و الكفاية و أعطتها آمنة كذلك فأخذت عند ذلك آمنة ولدها و قبلته و بكت لفراقه فربط الله على قلبها (2) فدفعته إلى حليمة و قالت يا حليمة احفظي نور عيني و ثمرة فؤادي ثم خرجت حليمة من بيت آمنة و شيعها عبد المطلب قالت حليمة و الله ما مررت بحجر و لا مدر إلا و يهنئوني بما وصل إلي فلما أقبلت على بعلها نظر إلى النور يشرق في غرته (3) فتعجب من ذلك و ألقى الله في قلبه الرحمة له فقال لها يا حليمة قد فضلنا الله بهذا المولود على سائر العالم فلا شك أنه من أبناء الملوك فلما ارتحلت القافلة ركبت حليمة على أتان و جعلت تقول لزوجها لقد سعدنا بهذا المولود سعادة الدنيا و الآخرة.
و سمعت آمنة هاتفا يقول.
قفي ساعة حتى نشاهد حسنه.* * * قليلا و نمسي في وصال و في قرب.
فأين ذهاب الركب عن ساكن الحمى.* * * و أين رواح الصب (4)عن ساكن الشعب.
إذا جئت واديه و جئت خيامه.* * * و عاينت بدر الحسن في طيبه (5) قف بي.
و طف بالمطايا حول حجره حسنة.* * * و عند (6) طواف العيس يا صاحبي طف بي.
____________
(1) هش له: تبسم و ارتاح له و اشتهاه. (2) أي قواها و صبرها. (3) في المصدر: من غرته. (4) الصب: العاشق و ذو الولع الشديد. (5) في وجهه خ ل. (6) و بعد خ ل، قلت: العيس: الإبل البيض يخالط بياضها سواد خفيف، و العيس أيضا:
كرام الإبل.
375
فعند مليح اللون مهجتي التي.* * * براها الأسى (1)وجدا كما عنده قلبي.
قفي يا حليمة ساعة فلعلني.* * * أناشده إذ كان ذا شخصه (2) قربي.
إذا طفت يا عيني (3) اليمين (4) تقربا.* * * إلى الله يوم الحج يا مهجتي طف بي.
طواف شجي (5) القلب لا شيء مثله.* * * فإن دموعي جاريات من السحب.
ألا أيها الركب الميمم (6) قاصدا.* * * إلى ساكن (7) الأحباب هل عندكم حبي
قالت حليمة فصارت الأتان تمر كالريح العاصف فبينا نحن سائرون إذ مررنا على أربعين راهبا من نصارى نجران و إذا بواحد يصف لهم النبي(ص)(8)و يقول إنه يظهر في هذا الزمان أو قد ظهر بمكة مولود من صفاته كذا و كذا يكون (9)على يده خراب دياركم و قطع آثاركم و إذا إبليس قد تصور لهم في صورة إنسان و قال لهم الذي تذكرونه مع هذه المرأة التي مرت بكم قالت حليمة فقاموا إليه و نظروا و إذا النور يخرج من وجهه ثم زعق بهم الشيطان و قال لهم اقتلوه فشهروا (10)سيوفهم و قصدوني فرفع ولدي محمد رأسه إلى السماء شاخصا فإذا هم بداهية عظيمة كالرعد العاصف نزلت إلى الأرض و فتحت أبواب السماء و نزلت منها نيران و إذا بهاتف يقول خاب سعي الكهان (11)قالت حليمة فعاينت نارا قد نزلت فخفت على ولدي منها فنزلت على واديهم فأحرقته و من فيه عن آخرهم فخفت و كدت أن أسقط عن الأتان و كان ذلك
____________
(1) برى السهم و القلم: نحته: برى الشخص: هزله و أضعفه. و الاسى: الحزن.
(2) في شخصه خ ل.
(3) يا عين خ ل.
(4) اليمنى خ ل.
(5) الشجى: الحزين. المشغول البال.
(6) الميمم: الظافر بمطالبه.
(7) مسكن خ ل.
(8) في المصدر: من نصارى نجران مع حبرهم و يصف لهم مولد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
(9) في المصدر: فاذا ظهر يكون.
(10) شهر و شهر السيف: سله فرفعه.
(11) في المصدر زيادة هى: و نزلت نار من عند الجبار على من يبغض المختار.
376
أول ما ظهر من فضائله ص. (1)
قال صاحب الحديث إن أول ليلة نزل رسول الله(ص)بحي بني سعد اخضرت أرضهم و أثمرت أشجارهم و كانوا في قحط عظيم و كانوا يحبونه لذلك محبة عظيمة و كان إذا مرض منهم مريض يأتون به إليه فيشفى (2)و كثرت معجزاته فكان بنو سعد يقولون يا حليمة لقد أسعدنا الله بولدك هذا قالت و الله ما غسلت (3)له ثوبا قط من نجاسة و كان له وقت يتوضأ فيه و لا يعود إلا إلى الغداة و كنت أسمع منه الحكمة فلما كبر و ترعرع (4)كان يقول الحمد لله الذي أخرجني من أفضل نبات من الشجرة التي خلق منها الأنبياء و كنت أتعجب منه و من كلامه و كان يصبح صغيرا و يمسي كبيرا (5)و يزيد في اليوم مثل ما يزيد غيره في الشهر و يزيد في الشهر مثل ما يزيد غيره في السنة حتى كبر و نشأ و لم يكن في زمانه أحسن منه خلقا و لا أيسر منه مئونة و لقد كنا نجعل القليل من الطعام قدامنا و نجتمع عليه و نأخذ يده و نضعها فيه فنأكل و يبقى أكثر الطعام فلما صار ابن سبع سنين قال لأمه حليمة يا أمي أين إخوتي قالت يا بني إنهم يرعون الغنم التي رزقنا الله إياها ببركتك قال يا أماه ما أنصفتني قالت كيف ذلك يا ولدي قال أكون أنا في الظل و إخوتي في الشمس و الحر الشديد و أنا أشرب منها اللبن (6)قالت يا بني أخشى عليك من الحساد و أخاف أن يطرقك طارق فيطلبني بك جدك قال لها لا تخشي علي يا أماه من شيء و لكن إذا كان غداة غد أخرج مع إخوتي فلما رأته و قد عزم على الخروج و هي خائفة عليه
____________
(1) في المصدر: هنا زيادة هى: فوصلت الحى به و أنا مرعوبة من الخوف، فقلت: ان لهذا الغلام ربا عظيما.
(2) في المصدر: يأتون به إليه فإذا وضع يده على المريض منهم شفى من ساعته.
(3) في المصدر: و لقد كنت معه في كل وقت و حين ما غسلت.
(4) ترعرع الصبى: تحرك و نشأ.
(5) في المصدر و كنت أتعجب منه و من عقله و يشب شبابا مسرعا، و كان يمسى صغيرا و يصبح كبيرا.
(6) في المصدر: و إخوتى في الحرير عون أغنامهم و أنا أشرب الماء و اللبن و هم في البرد و الحر.
377
عمدت إليه و شدته من وسطه و جعلت في رجليه نعلين و أخذ بيده عكازا (1)و خرج مع إخوته فلما رأى أهل الحي أتوا مسرعين إلى حليمة فقالوا لها كيف يطيب (2)قلبك بخروج هذا البدر و ما يصلح له الرعاية قالت يا قوم ما الذي تأمرونني به و لقد نهيته فلم ينته فأسأل الله تعالى أن يصرف عنه السوء ثم قالت شعرا.
يا رب بارك في الغلام الفاضل.* * * محمد سليل ذي الأفاضل.
و أبلغه في الأعوام غير آفل. (3)* * * حتى يكون سيد (4) المحافل.
فلما كان (5)وقت العشاء أقبل مع إخوته كأنه البدر الطالع (6)فقالت له يا ولدي لقد اشتغلت قلبي بخروجك عني في هذه البرية قالت حليمة و كان في الغنم شاة قد ضربها ولدي ضمرة فكسر رجلها فأقبلت إلى ولدي محمد(ص)تلوذ به كأنها تشكو إليه فمسح عليها بيده و جعل يتكلم عليها حتى انطلقت مع الأغنام كأنها غزال (7)و كان كل يوم يظهر منه آيات و معجزات و كان إذا قال للغنم (8)سيري سارت و إذا أمرها بالوقوف وقفت و هي مطيعة له فخرج في بعض الأيام مع إخوته و قد وصلوا إلى واد عشيب (9)و كانت الرعاة تهابه لكثرة سباعه (10)و إذا قد أقبل عليهم أسد و هو يزمجر (11)
____________
(1) العكاز: عصا ذات زج في أسفلها، يتوكأ عليها الرجل.
(2) في المصدر: تطيب. و فيه: و ما تصلح.
(3) و مشرق الأنوار غير آفل خ ل.
(4) قاضى خ ل.
(5) في المصدر: قال: ثم انه مضى مع اخوته فلما كان إه.
(6) في المصدر بعد ذلك: يشرق منه نور ساطع، فقالت له: يا ولدى كيف ظل يومك هذا و لقد ظل قلبى مشغولا بك، و أنا أرجو من اللّه عزّ و جلّ أن يقيك شر ما احاذره عليك، قالت: و كان في الغنم إه.
(7) في المصدر: كأنها غزال مسرعة لم يصبها شيء ابدا.
(8) في المصدر: و كانت الغنم مطيعة له، إذا أمرها بالمسير سارت، و إذا أمرها بالوقوف وقفت، قالت حليمة: و إنّه سرح ذات يوم مع إخوته يرعون و قد وصلوا الى وادى عشب إه. قلت:
سرح الرجل: خرج في أموره.
(9) عشيب خ ل. قلت: عشب و عشيب: ذو العشب. كثير العشب، و العشب: الكلاء الرطب.
(10) في المصدر بعد ذلك: قالت حليمة: ثم إن محمّدا أمر إخوته أن يدخلوا ذلك الوادى بغنمهم إذ اقبل عليهم أسد عظيم الخلقة، هائل المنظر، فلما طلع على أغنامهم فتح فاه.
(11) أي يردد الزئير.
378
هائل الخلقة فلما وصل إلى الأغنام فتح فاه و هم أن يهجم عليها فتقدم إليه محمد رسول الله(ص)فلما نظر إليه الأسد نكس رأسه و ولى هاربا (1)فعند ذلك تقدم إخوته إليه فقال لهم ما شأنكم قالوا لقد خفنا عليك من هذا الأسد و أنت ما خفت منه و كنت تكلمه قال نعم كنت أقول له لا تعود بقرب هذا الوادي بعد هذا اليوم فلما كان بعد ذلك رأت حليمة رؤيا و انتبهت فزعة مرعوبة و قالت لبعلها إن سمعت مني أحمل محمدا إلى جده فإني أخشى أن يطرقه طارق فيعظم مصيبتنا عند جده و لقد رأيت كأن ولدي محمدا مع إخوته كما كان يخرج كل يوم إذ أتاه رجلان عظيمان لم أر أعظم منهما عليهما ثياب من إستبرق و قصداه فجاءه واحد منهما بخنجر و شق به جوفه فانتبهت فزعة مرعوبة و الرأي عندي أن تحمله إلى جده فقال لها إن الذي تذكرينه في حق محمد ممتنع فإنه معصوم من الله تعالى (2)و لقد رأيت الرهبان و الأسد و غيره قالت نعم و لكن لكل شيء آخر و نهاية (3)فكم كبير مات و صغير عاش (4)فقال لها إن منامك الذي رأيتها أضغاث أحلام ثم لما أصبح الصباح و أراد محمد(ص)أن يخرج مع إخوته على العادة قالت لا تخرج اليوم يا قرة عيني فإني أحب أن تكون معي هذا اليوم حتى أشبع من النظر إليك فإنك في كل يوم تخرج بكرة و لا تأتي إلا عشية فقال لها و كيف ذلك يا أماه و أي شيء خفت علي منه لا تخافي علي من شيء فلم يقدر أحد أن يصل إلي بسوء و لا ضر و لا نفع إلا الله ربي فخرج مع إخوته
____________
(1) في المصدر: نكس رأسه و ذبذب بذنبه و ولى هاربا. قلت: ذبذب أي حرك.
(2) في المصدر بعد ذلك: لا يقدر أحد يصل إليه بسوء و لا مكروه و لا بأذية، لان له ربّ يحميه و يكفيه، و أنت رأيت فعل ربّه باعدائه نصارى نجران حيث هموا بأذيته أرسل اللّه عليهم نارا أحرقتهم عن آخرهم، و قد رأيت ليلة غارة فزارة، قال: و كانت فزارة قد كبسوا حى بنى سعد ليلا فلما قربوا من البيوت التي فيها بيت حليمة رجعت الخيل على أعقابها و انكسروا، و غنموهم بنى سعد و قتلوهم عن آخرهم، و ردّ اللّه كيدهم في نحورهم قالت: لقد رأيت ذلك كله، إلّا أن لكل شيء غاية و نهاية اه. قلت: و غنموهم بنى سعد لعله مصحف: و غنم منهم بنو سعد.
(3) لكل شيء غاية و دليل و نهاية.
(4) في المصدر: فكم صغير مات، و كبير عاش.
379
و هي راعبة عليه فلما كان وقت القائلة أقبل أولاد حليمة يبكون فخرجت حليمة تعثر في أذيالها حيث سمعت أولادها يبكون و حثت التراب (1)على وجهها و شعرها و شهرت بنفسها فقالت ما الذي دهاكم أخبروني قالوا خرجنا نحن و أخونا محمد(ص)و جلسنا تحت شجرة و إذا قد أقبل عليه رجلان عظيمان لم نر مثلهما فلما وصلا إلينا أخذ أخانا محمدا(ص)من بيننا و مضيا به إلى أعلى الجبل فأضجعه واحد منهما و أخذ سكينا و شق بطنه و أخرج قلبه و أمعاءه و لا شك أنك لا تلحقيه إلا هالكا فعند ذلك لطمت خدها و قالت هذا تأويل رؤياي البارحة وا أسفى عليك يا محمداه وا جزعي عليك يا ولداه يا قرة عيني ثم صرخت في الحي و خرجت و خرج بنو سعد كلهم في أثرها و خرج زوجها الحارث يجر قناته و بيده حربة فلما أشرفوا على رسول الله(ص)وجدوه جالسا و الأغنام حوله محيطة به فتبادر القوم إليه و رفعوه و أتوا به و هم يقولون كل شيء تلقاه نحن و أولادنا و أموالنا فداك (2)فجاءت إليه حليمة و أخذته و قبلته و هي تبكي بكاء عظيما و كشفت عن بطنه فلم تر أثرا فيه و لم تر في أثوابه دما فرجعت إلى أولادها و قالت كيف كذبتم على أخيكم فقال رسول الله(ص)لا تلوميهم (3)فإني كنت عندهم إذ أتاني رجلان و أخذاني و أضجعاني و أخذ واحد منهما سكينا فشق بها فؤادي و أخرج منه نكتة سوداء و رمى بها و قال لي هذا حظ الشيطان منك يا محمد ثم غسلا فؤادي بالماء و أعاداه كما كان ثم أخرج أحدهما خاتما يشرق منه النور فختم به فؤادي ثم مسح على ما شقه فعاد كما كان ثم قالا (4)لي يا محمد لو علمت ما لله عليك من السابقة (5)لقرت عيناك ثم قال أحدهما للآخر زنه فوزنني بعشرة من أمتي
____________
(1) أي صبته على وجهها.
(2) في المصدر: كل سوء يلقاك يكون في أولادنا يا محمد.
(3) في المصدر: فرجعت الى أولادها تضربهم بالحجارة و قالت لهم: كيف كذبتم على أخيكم فقال لهم النبيّ: لا تضربيهم و لا تكذبيهم.
(4) ثم قال خ ل.
(5) من الشفقة خ ل.
380
فرجحت بهم ثم زاد عشرة فرجحت بهم ثم قال (1)لو وزنته بجميع الأمم (2)لرجح بهم ثم عرجا نحو السماء و أنا أنظر إليهما فقالت حليمة لبعلها الرأي أنا نحمل محمدا إلى جده فقال يمنعني من ذلك خبث نفسي من فراقنا (3)له و إنه أعز عندنا من الأولاد فلما سمعت كلام بعلها قالت ما يوصل هذا الصبي إلى جده إلا أنا بنفسي ثم أقبلت إليه و قالت يا ولدي إن جدك إليك مشتاق و عمومتك فهل لك أن تسير إليهم قال نعم فقامت حليمة و شدت على راحلتها و ركبت و أخذت محمدا قدامها و سارت طالبة مكة و كان عبد المطلب قد أنفذ إليها أن تحمل ولده إليه فكانت إذا نزلت في هبوط ضمته إليها و إذا رأت راكبا غمته (4)خوفا عليه إلى أن وصلت حيا من أحياء العرب و كان عندهم كاهن و قد سقط حاجباه على عينيه من طول السنين و الناس عاكفون عليه فلما جازت عليهم غشي عليه فلما أفاق قال يا ويلكم بادروا إلى المرأة التي مرت راكبة و خذوا منها الصبي الذي عندها و اقتلوه قبل أن يخرب بلادكم قالت حليمة و إذا أنا بالرجال قد أقبلوا إلي فوقعت عليهم ريح صرعتهم في الحال فسرت عنهم و لم أحفل بهم (5)و جعلت أسير حتى بلغت إلى مكة فوضعت ولدي محمدا(ص)عند أناس جلوس و مضيت عنه ناحية لحاجة فسمعت وجبة و صوتا عاليا فالتفت إلى ولدي فلم أره فسألت عنه القوم الذين كانوا جلوسا قالوا ما رأيناه فسألوني عن اسمه فقلت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فقلت و حق الكعبة و المقام لئن لم أجده رميت بنفسي من أعلى هذا الحائط حتى أموت و سألتهم و أخذت في جد السؤال فلم تعط خبرا فأخذت جيبها و مزقت أثوابها (6)و لطمت وجهها و بكت و أكثرت البكاء و حثت التراب على
____________
(1) ثم قال له صاحبه خ ل و هو الموجود في المصدر.
(2) في المصدر: بالامة.
(3) في المصدر: ثم أقبلت حليمة على بعلها و قالت له: الراى المبارك أن توصل هذا الغلام الى جده، فقال لها: دعينى من ذلك، فما تطيب نفسى بمفارقته.
(4) غيبته خ ل و هو الموجود في المصدر.
(5) أي لم ابال بهم و لا أهتم لهم.
(6) في المصدر: فلما سمعت كلامهم وضعت يدها في أطواقها، و مزقت ثيابها.
381
رأسها و جعلت تقول وا ولداه وا قرة عيناه وا ثمرة فؤاداه وا محمداه فبينا هي كذلك إذ خرج إليها شيخ كبير يتوكأ على عصا فقال لها ما قصتك أيتها المرأة فقالت فقدت ولدي محمدا و لم أدر أين مضى قال لها لا تبكين أنا أدلك على من يعلم أين ذهب قالت افعل يا سيدي فمضى قدامها إلى أن أتى الكعبة و طاف على صنم يقال له هبل و قال يا هبل أين محمد فسقط الصنم لما ذكر محمدا فخرج الرجال خائفا قالت حليمة فحسست في نفسي أنه قد أخذه آخذ و ذهب به إلى جده فقصدته مسرعة فلما رآني قال ما قصتك قلت ولدك محمد أتيت به و وضعته على باب مكة أقضي حاجة فرجعت فلم أره فقال (1)إني أخشى أن يكون أخذه بعض الكهان فنادى عبد المطلب يا آل غالب و كانوا يتباركون بهذه الكلمة فلما سمع قريش صوت عبد المطلب أجابوه من كل مكان (2)فقال لهم إن حليمة قد أقبلت بولدي محمد و طرحته على باب الكعبة (3)و مضت لقضاء حاجة لها و عادت فلم تره و أنا أخاف عليه أن يغتاله ساحر أو كاهن فقالوا نحن معك سر بنا أين شئت إن خضت بحرا خضناه و إن ركبت برا ركبناه ثم ركبوا و ساروا فلم يقفوا له على خبر فأتى عبد المطلب إلى الكعبة و طاف بها سبعا و تعلق بأستارها ثم دعا و تضرع في دعائه فسمع هاتفا يقول يا عبد المطلب لا تخف على ولدك (4)و لكن اطلبه بوادي دعاية (5)عند شجرة الموز فمضى عبد المطلب إلى المكان المذكور فوجده قاعدا تحت الشجرة و قد تدلت عليه أثمارها (6)فبادر إليه جده فأخذه و قبله و قال له يا ولدي من أتى بك إلى هذا الموضع قال اختطف بي طير (7)أبيض و حملني على
____________
(1) في المصدر: و مضيت لاقضى حاجتى فجئت فلم أجده و لا وقفت له على خبر، فقال.
(2) في المصدر بعد ذلك: و قالوا: ما الذي نزل بك؟ فقال.
(3) في المصدر بعد ذلك: فنزلت عند باب الكعبة.
(4) في المصدر بعد ذلك: و لا تحزن، فان له ربا لا يضيعه، فقال عبد المطلب: و اين اطلبه يا هاتف؟ قال اطلبه.
(5) رعانة خ ل و في المصدر: دهانة.
(6) بأثمارها خ ل.
(7) اختطفنى طائر خ ل، و هو الموجود في المصدر.
382
جناحه و أتى بي إلى هاهنا و قد جعت و عطشت فأكلت من ثمرة هذه الشجرة و شربت من الماء و كان الطائر جبريل(ع)(1).
ثم إن (2)حليمة قالت لعبد المطلب إن ولدك قد صار (3)له عندنا كذا و كذا قال يا حليمة لا بأس عليك امضي إلى أمه و أخبريها بذلك فإنها أخبرتني يوم ولد أنه سطع منه نور صعد إلى السماء.
و ذلك قوله (4)تعالىأَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَالآية ثم إن عبد المطلب كفل النبي(ص)إلى (5)أن رمد النبي(ص)رمدة شديدة و كان بالجحفة طبيب فوطأ له جده راحلة و سار به إلى الجحفة فلما دخل صاح عبد المطلب أيها الطبيب عندي غلام أريد أن تطب عينه فرفع (6)رأسه و قال له اكشف لي عن وجهه فلما كشف عن وجهه سقطت (7)الصومعة فرفع (8)الراهب رأسه و نادى بالشهادتين و الإقرار بنبوة محمد(ص)ثم قال و ما عسى أن أقول فيه لا بأس عليه مما نزل به و لكن أيها الشيخ اسمع ما أقول لك إنه سيد العرب بل سيد الأولين و الآخرين و المشفع فيهم يوم الدين تنصره الملائكة المقربون و يأمره الله أن يقاتل من يخالفه و ينصره الله نصرا عزيزا و أشد الناس عليه قومه فقال عبد المطلب يا راهب ما تقول فقال و الذي لا إله إلا هو لئن أدركت زمانه لأنصرنه فاحفظ ولدك فرجع بولده (9)إلى مكة
____________
(1) الظاهر أن البكرى اخذ ذلك عن مصادر العامّة، و يخرجه المصنّف قريبا عن دلائل النبوّة لابى نعيم.
(2) في المصدر: قال أبو الحسن البكرى: ثم ان حليمة اه.
(3) قد عرض خ ل و هو الموجود في المصدر.
(4) لعل ذلك من كلام البكرى، يريد ان الآية إشارة الى شق صدره و ما وقع بعد ذلك فتأمل.
(5) في المصدر: إلى حين كبر، قال: ثم ان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رمد رمدا شديدا.
(6) فأخرج خ ل.
(7) تزلزلت خ ل و هو الموجود في المصدر.
(8) فرد خ ل و هو الموجود في المصدر.
(9) بالنبى خ ل و هو الموجود في المصدر.
383
فأقام بها حتى حضرته الوفاة فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله أبو طالب و أقبل به إلى منزله و دعا بزوجته فاطمة بنت أسد و كانت شديدة المحبة لرسول الله(ص)شفيقة عليه فقال لها أبو طالب اعلمي أن هذا (1)ابن أخي و هو أعز عندي من نفسي و مالي و إياك أن يتعرض عليه (2)أحد فيما يريد فتبسمت فاطمة من قوله و كانت تؤثره على سائر أولادها و كان لها عقيل و جعفر فقالت له توصيني في ولدي محمد و إنه أحب إلي من نفسي و أولادي ففرح أبو طالب بذلك فجعلت تكرمه على جملة أولادها و لا تجعله يخرج عنها طرفة عين أبدا و كان يطعم من يريد فلا يمنع و قد كان يشب في اليوم ما يشب غيره في السنة و ينمو فتعجب (3)أهل مكة من ذلك و حسنه و جماله فلما نظر أبو طالب إلى حسنه و جماله قال شعرا.
نور وجهك الذي فاق في الحسن.* * * على نور شمسنا و الهلال.
أنت و الله يا مناي و سؤلي.* * * الذي فاق نوره المتعالي.
أنت نور الأنام من هاشم الغر.* * * فقت كل العلا و كل الكمال.
و علو الفخار و المجد أيضا.* * * و لقد فقت أهل كل المعالي. (4)
ثم بعد ذلك شاع ذكره في البلاد (5)ثم إنه توجه يوما إلى نحو الكعبة و أهل مكة حولها و كان قد عمروا فيها عمارة و شالوا (6)الحجر الأسود من مكانه فلما عزموا
____________
(1) في المصدر: إن هذا ولدى محمّد هو قرة عينى، و امره في منزلى كأمرى، و نهيه كنهيي فلا يتعرض عليه أحد فيما يريده.
(2) له خ ل.
(3) في المصدر: احب الى من نفسى و ممّا طلعت عليه الشمس او غربت و المال و الولد، فعند ذلك فرح أبو طالب بمقالتها، ثمّ قالت: و اللّه لاقدمنه على سائر أولادى، و جعلت تكرمه، و لا تخليه يغيب عنها طرفة عين، و كان يطعم من يريد، و يضيف من يريد، و لا يمنعه من ذلك مانع، و لا يعارضه معارض فيما يريد، و قد يشب و ينمو، و قد تعجب.
(4) و لقد ارتقيت أعلى المعالى خ ل.
(5) في المصدر: قال الراوي لهذا الحديث: و علا قدره حتّى سموه الصادق الأمين، و شاع ذكره في المشرق و المغرب.
(6) أي ارتفعوا.
384
أن يردوه إلى مكانه الأول اختلفوا فيمن يرده فكان كل منهم يقول أنا أرده يريد الفخر لنفسه فقال لهم ابن المغيرة يا قوم حكموا في أمركم من يدخل من هذا الباب و أجمعوا على ذلك (1)و إذا بالنبي(ص)قد أقبل عليهم فقالوا هذا محمد نعم الصادق الأمين ذو الشرف الأصيل (2)ثم نادوه فأقبل عليهم فقالوا قد حكمناك في أمرنا من يحمل الحجر الأسود إلى محله فقال(ص)هذه فتنة ايتوني بثوب (3)فأتوه به فقال ضعوا الحجر فوقه و ارفعوه من كل طرف قبيلة فرفعوه إلى مكانه و النبي(ص)هو الذي وضعه في مكانه (4)فتعجبت القبائل من فعله.
بيان الزعق الصياح و الزمجرة الصوت قوله غمته أي غطته (5).
21-أَقُولُ رَوَى الْكَازِرُونِيُّ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَرَّةَ قَالَ:أَوَّلُ مَنْ أَرْضَعَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)ثُوَيْبَةُ بِلَبَنِ ابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَسْرُوحٌ أَيَّاماً قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ حَلِيمَةُ وَ كَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْ قَبْلَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ أَرْضَعَتْ بَعْدَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ وَ كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَيُكْرِمُهَا وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَبْعَثُ إِلَيْهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِكِسْوَةٍ
____________
(1) في المصدر: فقال لهم ابن المغيرة: يا قوم حكموا في أمركم كل الرجل المقبل ليحكم فيما أنتم فيه، فقالوا: الداخل علينا من هذا الباب حكمناه في أمرنا إن كان حرا أو عبدا، ذكرا أو انثى، فنظروا إذا هم بالنبى (صلّى اللّه عليه و آله) إه. قلت: حكمه في الامر: فوض إليه الحكم فيه. و ابن المغيرة: هو أبو أميّة حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و هو والد أم سلمة و كان اسن القوم.
(2) في المصدر زيادة هى: الفاضل العاقل محمّد بن عبد اللّه.
(3) في المصدر: فلما دنا منهم رآهم كل واحد منهم يريد لنفسه الشرف و الفخار فقال: هذه فتنة فاريد ان اخمدها، قال: يا قوم ايتونى بثوب.
(4) في المصدر هنا زيادة هى: و انقطع الشر بينهم، و كان أحدهم المغيرة، و الثاني ربيعة، و الثالث حريز بن أميّة، و الرابع الأسود بن عبد العزى، فرجعوا الحجر إلى مكانه، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وضعه في موضعه إه. قلت: فى الأسماء تصحيف، و الموجود في تاريخ اليعقوبي: عتبة ابن ربيعة،- و في غيره عبد مناف عتبة بن ربيعة- و أبو زمعة بن الأسود، و أبو حذيفة بن المغيرة، و قيس بن عدى السهمى. و في غيره زمعة مكان أبى زمعة، و فيما تقدم عن الكافي: الأسود بن المطلب من بنى أسد بن عبد العزى.
(5) الانوار: مخطوط: و نسخته موجودة عندي، فيها اختلاف و زيادات على نسخة المصنّف أوردت بعضها في الذيل.
385
وَ صِلَةٍ حَتَّى مَاتَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ (1).
22-وَ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُ (2)فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مُسْنَداً عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ:قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِكَ أَمَارَةٌ لِنُبُوَّتِكَ رَأَيْتُكَ فِي الْمَهْدِ تُنَاغِي (3)الْقَمَرَ وَ تُشِيرُ إِلَيْهِ بِإِصْبَعِكَ فَحَيْثُ أَشَرْتَ إِلَيْهِ مَالَ قَالَ إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُهُ وَ يُحَدِّثُنِي وَ يُلْهِينِي عَنِ الْبُكَاءِ وَ أَسْمَعُ وَجْبَتَهُ يَسْجُدُ تَحْتَ الْكُرْسِيِ (4).
قوله وجبته أي سقطته.
23-وَ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَ قَدْ تَنَازَعَتِ الظِّئْرُ فِي رَضَاعِ مُحَمَّدٍ(ص)قَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ كُلُّ نِسَاءِ الْجِنِّ وَ ذَلِكَ لَمَّا رُدَّ إِلَى آمِنَةَ مِنَ السَّمَاوَاتِ نَادَى الْمَلَكُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا هَذَا مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ فَطُوبَى لِثَدْيٍ أَرْضَعَتْهُ فَتَنَافَسَتِ الطَّيْرُ وَ الْجِنُّ فِي رَضَاعِهِ قَالَ فَنُودِيَتْ (5)كُلُّهَا أَنْ كُفُّوا فَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَيْدِي الْإِنْسِ فَخَصَّ اللَّهُ بِذَلِكَ حَلِيمَةَ (6).
24-وَ رُوِيَأَنَّهُ لَمَّا مَضَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)شَهْرَانِ وَ هُوَ عِنْدَ حَلِيمَةَ تُرْضِعُهُ خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَتَى إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا ادْفَعِي إِلَيَّ ابْنِي فَقَالَتْ لَهُ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ دَعْهُ عِنْدِي فَإِنَّهُ قَدْ أَلِفَنِي قَالَ كَيْفَ لَمْ تُرِيدِيهِ قَبْلَ الْيَوْمِ وَ تَمْتَسِكِينَ بِهِ الْآنَ قَالَتْ لِأَنَّهُ وَ اللَّهِ نَسَمَةٌ مُبَارَكَةٌ قَدْ بُورِكَ لَنَا فِي جَمِيعِ أَبْدَانِنَا وَ أَمْوَالِنَا فَدَعْهُ عِنْدِي لَا أُرِيدُ مِنْكَ عَلَيْهِ شَيْئاً أَبَداً فَتَرَكَهُ عِنْدَهَا وَ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَمَكَثَتْ حَلِيمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِهَا إِلَّا وَ نَظَرَتْ إِلَى السِّتْرِ قَدِ انْفَجَرَ وَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْقَمَرُ يُنَاغِيهِ فَيَقُولُ زَوْجُهَا إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ لَشَأْناً عَظِيماً لَيَسُودَنَّ الْعَرَبَ كُلَّهَا.
25-وَ رُوِيَ حَدِيثُ حَلِيمَةَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍأَوْرَدْتُهَا أَيْضاً لِفَوَائِدَ فِيهَا
____________
(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الأوّل من القسم الثاني.
(2) إسماعيل بن محمّد بن الفضل على ما في المصدر.
(3) ناغى الصبى: كلمه بما يعجبه و يسره.
(4) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الأوّل من القسم الثاني.
(5) أي الطير و الجن.
(6) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الثاني.
386
وَ هِيَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبَبِهَا أَنَّ اللَّهَ أَجْدَبَ الْبِلَادَ وَ الزَّمَانَ فَدَخَلَ ذَلِكَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَ كَانَتْ حَلِيمَةُ تُحَدِّثُ عَنْ زَمَانِهَا وَ تَقُولُ كَانَ النَّاسُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي جَهْدٍ شَدِيدٍ وَ كُنَّا أَهْلَ بَيْتٍ مُجْدِبِينَ وَ كُنْتُ امْرَأَةً طَوَّافَةً أَطُوفُ الْبَرَارِيَ وَ الْجِبَالَ أَلْتَمِسُ الْحَشِيشَ وَ النَّبَاتَ فَكُنْتُ لَا أَمَرُّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ إِلَّا قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ بِي هَذَا الْجَهْدَ وَ الْبَلَاءَ وَ لَمَّا وُلِدَ النَّبِيُّ(ص)خَرَجْتُ إِلَى نَاحِيَةِ مَكَّةَ وَ لَمْ أَكُنْ ذُقْتُ شَيْئاً مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَ كُنْتُ أَلْتَوِي كَمَا تَلْتَوِي الْحَيَّةُ وَ كُنْتُ وَلَدْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ غُلَاماً فَلَمْ أَدْرِ أَ جَهْدَ الْوِلَادَةِ أَشْكُو أَمْ جَهْدَ نَفْسِي فَلَمَّا بِتُّ لَيْلَتِي تِلْكَ أَتَانِي رَجُلٌ فِي مَنَامِي فَحَمَلَنِي حَتَّى قَذَفَنِي فِي مَاءٍ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ وَ قَالَ يَا حَلِيمَةُ أَكْثِرِي مِنْ شُرْبِ هَذَا الْمَاءِ لِيَكْثُرَ لَبَنُكِ فَقَدْ أَتَاكِ الْعِزُّ وَ غَنَاءُ الدَّهْرِ تَعْرِفِينَنِي قُلْتُ لَا قَالَ أَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كُنْتِ تَحْمَدِينَهُ فِي سَرَّائِكِ وَ ضَرَّائِكِ فَانْطَلِقِي إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَإِنَّ لَكِ فِيهَا رِزْقاً وَاسِعاً اكْتُمِي شَأْنَكِ وَ لَا تُخْبِرِي أَحَداً ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ أَدَرَّ اللَّهُ لَكِ اللَّبَنَ وَ أَكْثَرَ لَكِ الرِّزْقَ فَانْتَبَهْتُ وَ أَنَا أَجْمَلُ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ لَا أُطِيقُ أَنْ أُسْبِلَ (1)ثَدْيَيَّ كَأَنَّهُمَا الْجَرُّ الْعَظِيمُ يَتَسَيَّبُ (2)مِنْهُمَا لَبَنٌ وَ أَرَى النَّاسَ حَوْلِي مِنْ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ وَ رِجَالِهِمْ فِي جَهْدٍ مِنَ الْعَيْشِ إِنَّمَا كُنَّا نَرَى الْبُطُونَ لَازِقَةً بِالظُّهُورِ وَ الْأَلْوَانَ شَاحِبَةً (3)مُتَغَيِّرَةً لَا نَرَى فِي الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ شَيْئاً وَ لَا فِي الْأَرْضِ شَجَراً وَ إِنَّمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَنِيناً كَأَنِينِ الْمَرْضَى وَ كَادَتِ الْعَرَبِ أَنْ تَهْلِكَ هُزَالًا وَ جُوعاً فَلَمَّا أَصْبَحَتْ حَلِيمَةُ وَ إِنَّهَا لَفِي جَهْدٍ مِنَ الْعَيْشِ وَ تَغَيُّرٍ مِنَ الْحَالِ وَ قَدْ أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ تُشْبِهُ بَنَاتِ الْمُلُوكِ قُلْنَ إِنَّ لَهَا شَأْناً عَظِيماً ثُمَّ أَحْدَقْنَ بِي يَسْأَلْنَنِي عَنْ قِصَّتِي فَكُنْتُ لَا أُحِيرُ جَوَاباً فَكَتَمْتُ شَأْنِي لِأَنِّي بِذَلِكَ كُنْتُ أُمِرْتُ وَ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ فِي بَنِي سَعْدٍ ذَاتُ زَوْجٍ إِلَّا وَضَعَتْ غُلَاماً وَ رَأَيْتُ الرُّءُوسَ الْمُشْتَعِلَةَ بِالشَّيْبِ قَدْ عَادَتْ سُوداً لِبَرَكَةِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتاً يُنَادِي أَلَا إِنَّ قُرَيْشاً قَدْ وَضَعَتِ الْعَامَ كُلُّ بُطُونِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ
____________
(1) أسبل الدمع: أرسله. الماء: صبه.
(2) هكذا في الأصل، و في المصدر: يتسبسب و هو الصحيح أي يسيل.
(3) شحب لونه: تغير من جوع أو مرض و نحوهما.
387
حَرَّمَ عَلَى نِسَاءِ الْعَامِ أَنْ يَلِدْنَ الْبَنَاتِ مِنْ أَجْلِ مَوْلِدٍ فِي قُرَيْشٍ وَ شَمْسِ النَّهَارِ وَ قَمَرِ اللَّيْلِ فَطُوبَى لِثَدْيٍ أَرْضَعَتْهُ أَلَا فَبَادِرْنَ إِلَيْهِ يَا نِسَاءَ بَنِي سَعْدٍ قَالَتْ فَنَزَلْنَا فِي جَبَلٍ وَ عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ عَلَى جَهْدٍ مِنْهُنَّ وَ مَخْمَصَةٍ (1)وَ خَرَجْتُ أَنَا مَعَ بُنَيٍّ لِي عَلَى أَتَانٍ لِي مِعْنَاقٍ (2)تُسْمَعُ لَهَا فِي جَوْفِهَا خَضْخَضَةٌ (3)قَدْ بَدَا عِظَامُهَا مِنْ سُوءِ حَالِهَا وَ كَانَتْ تَخْفِضُنِي طَوْراً وَ تَرْفَعُنِي آخَرَ وَ مَعِي زَوْجِي فَكُنْتُ فِي طَرِيقِي أَسْمَعُ الْعَجَائِبَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لَا أَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا اسْتَطَالَ إِلَيَّ فَرَحاً وَ قَالَ لِي طُوبَى لِثَدْيِكِ يَا حَلِيمَةُ انْطَلِقِي فَإِنَّكِ سَتَأْتِينَ بِالنُّورِ السَّاطِعِ وَ الْهِلَالِ الْبَدْرِيِّ فَاكْتُمِي شَأْنَكِ وَ كُونِي مِنْ وَرَاءِ الْقَوْمِ فَقَدْ نَزَلَتْ بِشَارَاتُكِ قَالَتْ فَكُنْتُ أَقُولُ لِصَاحِبِي تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ فَيَقُولُ لَا مَا لِي أَرَاكِ كَالْخَائِفَةِ الْوَجِلَةِ تَلْتَفِتِينَ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً مُرِّي أَمَامَكِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ وَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى كُلِّ مَوْلُودٍ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَجَعَلْنَا نَجِدُّ فِي الْمَسِيرِ وَ الْأَتَانُ كَأَنَّهَا تَنْزِعُ حَوَافِرَهَا مِنَ الظَّهْرِ نَزْعاً فَبَيْنَا أَنَا فِي مَسِيرِي إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ فِي بَيَاضِ الثَّلْجِ وَ طُولِ النَّخْلَةِ الْبَاسِقَةِ يُنَادِي مِنَ الْجَبَلِ يَا حَلِيمَةُ مُرِّي أَمَامَكِ فَقَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكِ كُلَّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ قَالَتْ حَتَّى إِذَا صِرْنَا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بِتْنَا لَيْلَتَنَا تِلْكَ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ عَلَى رَأْسِي شَجَرَةً خَضْرَاءَ قَدْ أَلْقَتْ بِأَغْصَانِهَا حَوْلِي وَ رَأَيْتُ فِي فُرُوعِهَا شَجَرَةً كَالنَّخْلَةِ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الرُّطَبِ وَ كَانَ جَمِيعُ مَنْ خَرَجَ مَعِي مِنْ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ حَوْلِي فَقُلْنَ يَا حَلِيمَةُ أَنْتِ الْمَلِكَةُ عَلَيْنَا فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَقَطَتْ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فِي حَجْرِي تَمْرَةٌ فَتَنَاوَلْتُهَا وَ وَضَعْتُهَا فِي فَمِي فَوَجَدْتُ لَهَا حَلَاوَةً كَحَلَاوَةِ الْعَسَلِ فَلَمْ أَزَلْ أَجِدُ طَعْمَ ذَلِكَ (4)فِي فَمِي حَتَّى فَارَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا أَصْبَحْتُ كَتَمْتُ شَأْنِي قُلْتُ إِنْ قَضَى اللَّهُ لِي أَمْراً فَسَوْفَ يَكُونُ ثُمَّ ارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَكَّةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ قَدْ سَبَقَنِي نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ وَ كَانَ الصَّبِيُّ الَّذِي مَعِي قَدْ وَلَدْتُهُ لَا يَبْكِي وَ لَا يَتَحَرَّكُ وَ لَا يَطْلُبُ لَبَناً فَكُنْتُ أَقُولُ لِصَاحِبِي هَذَا الصَّبِيُّ مَيِّتٌ
____________
(1) المخمصة: خلاء البطن من الطعام. مجاعة تورث خمص البطن و ضموره.
(2) هكذا في الأصل و المصدر، و المعناق: الدابّة السريع السير. طويل العنق.
(3) الخضخضة: الحركة.
(4) أي في يقظتى بعد.
388
لَا مَحَالَةَ فَكُنْتُ إِذَا قُلْتُ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَيَّ الصَّبِيُّ فَيَفْتَحُ عَيْنَيْهِ وَ يَضْحَكُ فِي وَجْهِي وَ أَنَا مُتَعَجِّبَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا مَكَّةَ قُلْتُ لِصَاحِبِي سَلْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ قَدْراً بِمَكَّةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ فَقُلْتُ لَهُ سَلْ مِنْ أَعْظَمِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ وُلِدَ لَهُ فِي عَامِهِ هَذَا فَقِيلَ لِي آلُ مَخْزُومٍ قَالَتْ فَأَجْلَسْتُ صَاحِبِي فِي الرَّحْلِ وَ انْطَلَقْتُ إِلَى بَنِي مَخْزُومٍ فَإِذَا أَنَا بِجَمِيعِ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ قَدْ سَبَقْنَنِي إِلَى كُلِّ مَوْلُودٍ بِمَكَّةَ فَبَقِيتُ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ وَ نَدِمْتُ عَلَى دُخُولِي مَكَّةَ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ جُمَّتُهُ (1)تَضْرِبُ مَنْكِبَهُ يُنَادِي بِنَفْسِهِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ هَلْ بَقِيَ مِنَ الرُّضَّاعِ أَحَدٌ فَإِنَّ عِنْدِي بُنَيّاً لِي يَتِيماً وَ مَا عِنْدَ الْيَتِيمِ مِنَ الْخَيْرِ إِنَّمَا يُلْتَمَسُ كَرَامَةُ الْآبَاءِ قَالَتْ فَوَقَفْتُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ كَالنَّخْلَةِ طُولًا فَقُلْتُ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُنَادِي عِنْدَكَ رَضِيعٌ أُرْضِعُهُ فَقَالَ هَلُمِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ لِي مِنْ أَيْنَ أَنْتِ فَقُلْتُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فَقَالَ لِي إِيهِ إِيهِ (2)كَرَمٌ وَ زَجْرٌ ثُمَّ قَالَ لِي مَا اسْمُكِ فَقُلْتُ حَلِيمَةُ فَضَحِكَ وَ قَالَ بَخْ بَخْ خَلَّتَانِ حَسَنَتَانِ سَعْدٌ وَ حِلْمٌ هَاتَانِ خَلَّتَانِ فِيهَا غِنَى الدَّهْرِ وَيْحَكِ يَا حَلِيمَةُ عِنْدِي بُنَيٌّ لِي يَتِيمٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَ قَدْ عَرَضْتُهُ عَلَى جَمِيعِ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ فَأَبَيْنَ أَنْ يَقْبَلْنَهُ وَ أَنَا أَرْجُو أَنْ تَسْعَدِي بِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ إِنِّي مُنْطَلِقَةٌ إِلَى صَاحِبِي وَ مُشَاوَرَتِهِ فِي ذَلِكَ قَالَ لِي إِنَّكِ لَتُرْضِعِينَ غَيْرَ كَارِهَةٍ قَالَتْ قُلْتُ بِاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ إِلَيْكَ قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَلَمَّا أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ كَأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ فَرَحاً ثُمَّ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ بَادِرِي إِلَيْهِ لَا يَسْبِقُكِ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَالَتْ وَ كَانَ مَعِيَ ابْنُ أُخْتٍ لِي يَتِيمٌ قَالَ هَيْهَاتَ إِنِّي أَرَاكُمْ لَا تُصِيبُونَ فِي سَفَرِكُمْ هَذَا خَيْراً هَؤُلَاءِ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَرْجِعْنَ بِالرَّضَاعِ وَ الشَّرَفِ وَ تَرْجِعُونَ أَنْتُمْ بِالْيَتِيمِ قَالَتْ فَأَرَدْتُ وَ اللَّهِ لِأَرْجِعَ (3)إِلَيْهِ فَكَأَنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْبِي إِنْ فَارَقَكِ مُحَمَّدٌ لَا تُفْلِحِينَ وَ أَخَذَتْنِي الْحَمِيَّةُ وَ قُلْتُ هَؤُلَاءِ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَرْجِعْنَ بِالرَّضَاعِ وَ الشَّرَفِ وَ أَرْجِعُ أَنَا بِلَا رَضَاعٍ وَ اللَّهِ لَآخُذَنَّهُ وَ إِنْ كَانَ يَتِيماً فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ خَيْراً قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقُلْتُ لَهُ
____________
(1) الجمة: من شعر الرأس ما سقط على المنكبين.
(2) إيه: اسم فعل للاستزادة من حديث أو فعل.
(3) هكذا في الأصل، و الصحيح كما في المصدر: لا أرجع.
389
أَيُّهَا الْمَلِكُ الْكَرِيمُ هَلُمَّ الصَّبِيَّ قَالَ هَلْ نَشِطْتِ لِأَخْذِهِ قَالَتْ قُلْتُ نَعَمْ فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِداً وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَرْوَةِ وَ الْحَطِيمِ أَسْعِدْهَا بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ مَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ يَجُرُّ حُلَّتَهُ فَرَحاً حَتَّى دَخَلَ بِي عَلَى آمِنَةَ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ مَا رَأَيْتُ فِي الْآدَمِيِّينَ أَجْمَلَ وَجْهاً مِنْهَا هِلَالِيَّةً بَدْرِيَّةً فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ ضَحِكَتْ فِي وَجْهِي وَ قَالَتِ ادْخُلِي يَا حَلِيمَةُ فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتاً كَانَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَإِذَا أَنَا بِهِ وَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ فِي يَوْمِ دَيْجَانِهَا (1)فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ اسْتَدَرَّ (2)كُلُّ عِرْقٍ فِي جَسَدِي بِالضَّرَبَانِ فَنَاوَلَتْنِي النَّبِيَّ(ص)فَلَمَّا أَنْ وَضَعْتُهُ فِي حَجْرِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إِلَيَّ فَسَطَعَ مِنْهُمَا نُورٌ كَنُورِ الْبَرْقِ إِذَا خَرَجَ مِنْ خِلَالِ السَّحَابَ فَأَلْقَمْتُهُ ثَدْيِيَ الْأَيْمَنَ فَشَرِبَ مِنْهُ سَاعَةً ثُمَّ حَوَّلْتُهُ إِلَى الْأَيْسَرِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَ جَعَلَ يَمِيلُ إِلَى الْيُمْنَى فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ أُلْهِمَ الْعَدْلَ فِي رَضَاعِهِ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَرِيكاً فَنَاصَفَهُ عَدْلًا وَ كَانَتِ الثَّدْيُ الْيُمْنَى تَدِرُّ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الثَّدْيُ الْيُسْرَى تَدِرُّلِابْنِي وَ كَانَ ابْنِي لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ(ص)قَدْ شَرِبَ وَ كُنْتُ كَثِيراً مَا أَسْبِقُ إِلَى مَسْحِ شَفَتَيْهِ فَكُنْتُ أَسْبِقُ إِلَى ذَلِكَ فَنَامَ فِي حَجْرِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَ هُوَ كَالنَّائِمِ فَلَمْ أَتَمَالَكْ فَرَحاً وَ أَخَذَتْنِي الْعَجَلَةُ بِالرُّجُوعِ إِلَى صَاحِبِي فَلَمَّا أَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ صَاحِبِي لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ قَامَ وَ سَجَدَ وَ قَالَ يَا حَلِيمَةُ مَا رَأَيْتُ فِي الْآدَمِيِّينَ أَجْمَلَ وَجْهاً مِنْ هَذَا قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ وَ طَابَ النَّوْمُ وَ هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ انْتَبَهْتُ فَإِذَا بِهِ وَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ مُتَلَأْلِئٌ وَ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَخْضَرُ فَأَنْبَهْتُ صَاحِبِي وَ قُلْتُ وَيْحَكَ أَ لَا تَرَى إِلَى هَذَا الْمَوْلُودِ قَالَتْ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ اكْتُمِي شَأْنَهُ فَقَدْ أَخَذْتِ شَجَرَةً كَرِيمَةً لَا يَذْهَبُ رَسْمُهَا أَبَداً قَالَتْ فَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَ أَنَا أَدْخُلُ عَلَى آمِنَةَ فَلَمَّا عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ دَعَتْنِي آمِنَةُ فَقَالَتْ لَا تَخْرُجِي مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ حَتَّى تُعْلِمِينِي فَإِنَّ لِي فِيكِ وَصَايَا أُوصِيكِ بِهَا قَالَتْ فَبِتْنَا فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ انْتَبَهْتُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً فَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ
____________
(1) أي في يوم غيوم مظلم.
(2) استدرت العروق: امتلأت دما.
390
قَاعِدٌ عِنْدَ رَأْسِهِ يُقَبِّلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَأَنْبَهْتُ صَاحِبِي رُوَيْداً فَقُلْتُ انْظُرْ إِلَى الْعَجَبِ الْعَجِيبِ قَالَ اسْكُتِي وَ اكْتُمِي شَأْنَكِ فَمُنْذُ وُلِدَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أَصْبَحَتْ أَحْبَارُ الدُّنْيَا عَلَى أَقْدَامِهَا قِيَاماً لَا يَهْنَئُهَا عَيْشُ النَّهَارِ وَ لَا نَوْمُ اللَّيْلِ وَ مَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنَ الْبِلَادِ أَغْنَى مِنَّا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ وَ عَزَمْنَا عَلَى الْخُرُوجِ رَكِبْتُ أَتَانِي وَ حَمَلْتُ بَيْنَ يَدَيَّ مُحَمَّداً(ص)وَ خَرَجَتْ مَعِي آمِنَةُ تُشَيِّعُنِي فَجَعَلَتِ الْأَتَانُ تَضْرِبُ بِيَدِهَا وَ رِجْلِهَا الْأَرْضَ وَ تَرْفَعُ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَرِحَةً مُسْتَبْشِرَةً ثُمَّ تَحَوَّلَتْ بِي نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَسَجَدْتُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ حَتَّى اسْتَوَيْنَا مَعَ الرَّكْبِ سَبَقَتِ الْأَتَانُ كُلَّ دَوَابِّهِمْ فَقَالَتْ نِسَاءُ بَنِي سَعْدٍ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ أَ لَيْسَ هَذَا أَتَانَكِ الَّتِي كَانَتْ تَخْفِضُكِ طَوْراً وَ تَرْفَعُكِ آخَرَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقُلْنَ بِاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْناً عَظِيماً فَكُنْتُ أَسْمَعُ الْأَتَانَ تَقُولُ إِي وَ اللَّهِ إِنَّ لِي لَشَأْناً ثُمَّ شَأْناً أَحْيَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ مَوْتِي وَ رَدَّ عَلَيَّ سِمَنِي بَعْدَ هُزَالِي وَيْحَكُنَّ يَا نِسَاءَ بَنِي سَعْدٍ إِنَّكُنَّ لَفِي غَفْلَةٍ أَ تَدْرِينَ مَنْ حَمَلْتُ حَمَلْتُ سَيِّدَ الْعَرَبِ مُحَمَّداً رَسُولَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1)هَذَا رَبِيعُ الدُّنْيَا وَ زَهْرَةُ الْآخِرَةِ وَ أَنَا أُنَادَى مِنْ كُلِّ جَانِبٍ اسْتَغْنَيْتِ يَا حَلِيمَةُ آخِرَ دَهْرِكِ فَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ بَنِي سَعْدٍ قَالَتْ فَمَرَرْتُ بِرَاعٍ يَرْعَى غَنَماً لَهُ فَلَمَّا نَظَرَتِ الْغَنَمُ إِلَيَّ جَعَلْنَ يَسْتَقْبِلْنَ وَ تَعْدُو إِلَيَّ كَمَا تَعْدُو سِخَالُهَا (2)فَسَمِعْتُ مِنْ بَيْنِهَا قَائِلًا يَقُولُ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكِ يَا حَلِيمَةُ أَ تَدْرِينَ مَا حَمَلْتِ هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى كُلِّ وُلْدِ آدَمَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ قَالَتْ فَشَيَّعَتْنِي أُمُّهُ سَاعَةً وَ أَوْصَتْنِي فِيهِ بِوَصَايَا وَ رَجَعَتْ كَالْبَاكِيَةِ قَالَتْ وَ لَيْسَ كُلُّ الَّذِي رَأَيْتُ فِي طَرِيقِي أُحْسِنُ وَصْفَهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَنْزِلْ مَنْزِلًا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِ عُشْباً وَ خَيْراً كَثِيراً وَ أَشْجَاراً قَدْ حَمَلَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّمَرِ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلَ بَنِي سَعْدٍ وَ مَا نَعْلَمُ وَ اللَّهِ أَنَّ أَرْضاً كَانَتْ أَجْدَبَ مِنْهَا وَ لَا أَقَلَّ خَيْراً وَ كَانَتْ لَنَا غُنَيْمَاتٌ دَبِرَاتٌ (3)مَهْزُولَاتٌ فَلَمَّا صَارَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَنْزِلِي صَارَتْ غَنَمِي تَرُوحُ شِبَاعاً حَافِلَةً تَحْمِلُ وَ تَضَعُ وَ تَدِرُّ وَ تُحْلَبُ وَ لَا تَدِرُّ فِي بَنِي سَعْدٍ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي فَجَمَعَتْ بَنُو سَعْدٍ رُعَاتَهَا
____________
(1) في المصدر زيادة بعد ذلك هى: صنوان و غير صنوان.
(2) في المصدر: إلى سخولها. قلت: السخال: ولد الشاة.
(3) الدبر: المصاب بالدبرة: قرحة الدابّة تحدث من الرجل و نحوه.
391
وَ قَالُوا لَهُمْ مَا بَالُ أَغْنَامِ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ تَحْمِلُ وَ تَضَعُ وَ تَدِرُّ وَ تُحْلَبُ وَ أَغْنَامُنَا لَا تَحْمِلُ وَ لَا تَضَعُ وَ لَا تَأْتِي بِخَيْرٍ اسْرَحُوا حَيْثُ تَسْرَحُ رُعَاةُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ حَتَّى تَرُوحَ غَنَمُكُمْ (1)شِبَاعاً حَافِلَةً قَالَتْ فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرَّفُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَ الْبَرَكَةَ وَ الْفَضْلَ وَ الْخَيْرَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ(ص)حَتَّى كُنَّا نَتَفَضَّلُ عَلَى قَوْمِنَا وَ صَارُوا يَعِيشُونَ فِي أَكْنَافِنَا فَكُنْتُ أَرَى مِنْ يَوْمِهِ (2)عَجَباً مَا رَأَيْتُ لَهُ بَوْلًا قَطُّ وَ لَا غَسَلْتُ لَهُ وُضُوءاً قَطُّ طَهَارَةً وَ نَظَافَةً وَ ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَسْبِقُ إِلَى ذَلِكَ وَ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتٌ وَاحِدٌ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَ لَا يَعُودُ إِلَى وَقْتِهِ مِنَ الْغَدِ وَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُرَى جَسَدُهُ مَكْشُوفاً فَكُنْتُ إِذَا كَشَفْتُ عَنْ جَسَدِهِ يَصِيحُ حَتَّى أَسْتُرَ عَلَيْهِ فَانْتَبَهْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَسَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْ كَلَاماً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قُدُّوساً قُدُّوساً وَ قَدْ نَامَتِ الْعُيُونُ وَ الرَّحْمَنُلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌوَ هُوَ عِنْدَ أَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ فَكُنْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ وَ كَانَ يَشِبُّ شَبَاباً لَا يُشْبِهُ الْغِلْمَانَ وَ لَمْ يَبْكِ قَطُّ وَ لَمْ يُسِئْ خُلُقَهُ وَ لَمْ يَتَنَاوَلْ بِيَسَارِهِ وَ كَانَ يَتَنَاوَلُ بِيَمِينِهِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْطِقَ لَمْ يَمَسَّ شَيْئاً إِلَّا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَكُنْتُ مَعَهُ فِي كُلِّ دَعَةٍ (3)وَ عَيْشٍ وَ سُرُورٍ وَ كُنْتُ قَدِ اجْتَنَبْتُ الزَّوْجَ لَا أَغْتَسِلُ مِنْهُ هَيْبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى تَمَّتْ لَهُ سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ وَ قَدْ ثَمَّرَ (4)اللَّهُ لَنَا الْأَمْوَالَ وَ أَكْثَرَ لَنَا مِنَ الْخَيْرِ فَكَانَتْ تَحْمِلُ لَنَا الْأَغْنَامُ وَ تَنْبُتُ لَنَا الْأَرْضُ وَ قَدْ أَلْقَى اللَّهُ مَحَبَّتَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ فَبَيْنَا هُوَ قَاعِدٌ فِي حَجْرِي إِذَا مَرَّتْ (5)بِهِ غُنَيْمَاتِي فَأَقْبَلَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ وَ قَبَّلَتْ رَأْسَهُ فَرَجَعَتْ إِلَى صُوَيْحِبَاتِهَا وَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ فَيَغْشَاهُ ثُمَّ يَنْجَلِي عَنْهُ وَ كَانَ أَخَوَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَخْرُجَانِ فَيَمُرَّانِ بِالْغِلْمَانِ فَيَلْعَبَانِ مَعَهُمْ وَ إِذَا رَآهُمْ مُحَمَّدٌ(ص)اجْتَنَبَهُمْ وَ أَخَذَ بِيَدِ أَخَوَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا فَلَمَّا
____________
(1) في نسخة الأصل: عنكم و التصويب من نسخة أمين الضرب و غيرها و من المصدر.
(2) في نسخة: من نومه، و في أخرى: من ثوبه.
(3) الدعة: السكينة. الراحة و خفض العيش.
(4) أي كثرها اللّه.
(5) في المصدر: إذ مرت.
392
تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ قَالَ لِي يَوْماً يَا أُمَّاهْ مَا لِي لَا أَرَى أَخَوَيَّ بِالنَّهَارِ قُلْتُ لَهُ يَا بُنَيَّ إِنَّهُمَا يَرْعَيَانِ غُنَيْمَاتٍ قَالَ فَمَا لِي لَا أَخْرُجُ مَعَهُمَا قُلْتُ لَهُ تُحِبُّ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَهَّنْتُهُ وَ كَحَلْتُهُ وَ عَلَّقْتُ فِي عُنُقِهِ خَيْطاً فِيهِ جَزْعٌ يَمَانِيَّةٌ فَنَزَعَهَا ثُمَّ قَالَ لِي مَهْلًا يَا أُمَّاهْ فَإِنَّ مَعِي مَنْ يَحْفَظُنِي قَالَتْ ثُمَّ دَعَوْتُ بِابْنَيَّ فَقُلْتُ لَهُمَا أُوصِيكُمَا بِمُحَمَّدٍ خَيْراً لَا تُفَارِقَاهُ وَ لْيَكُنْ نُصْبَ أَعْيُنِكُمَا قَالَتْ فَخَرَجَ مَعَ أَخَوَيْهِ فِي الْغَنَمِ فَبَيْنَا هُمْ يَتَرَامَوْنَ بِالْجَلَّةِ يَعْنِي الْبَعْرَ إِذْ هَبَطَ جَبْرَائِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ مَعَهُمَا طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَاءٌ وَ ثَلْجٌ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنَ الْغَنَمِ وَ الصَّبِيَّةِ فَأَضْجَعَاهُ وَ شَقَّا بَطْنَهُ وَ شَرَحَا صَدْرَهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ وَ غَسَلَاهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَ الثَّلْجِ وَ حَشَيَا بَطْنَهُ نُوراً وَ مَسَحَا عَلَيْهِ فَعَادَ كَمَا كَانَ قَالَتْ فَلَمَّا رَأَى أَخَوَاهُ ذَلِكَ أَقْبَلَ أَحَدُهُمَا اسْمُهُ ضَمْرَةُ يَعْدُو وَ قَدْ عَلَاهُ النَّفَسُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا أُمَّهْ أَدْرِكِي أَخِي مُحَمَّداً وَ مَا أَرَاكِ تُدْرِكِينَهُ قَالَتْ فَقُلْتُ وَ مَا ذَاكَ قَالَ أَتَاهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ خُضْرٌ فَاسْتَخْرَجَاهُ مِنْ بَيْنِنَا وَ بَيْنِ الْغَنَمِ فَأَضْجَعَاهُ وَ شَقَّا بَطْنَهُ وَ هُمَا يَتَوَطَّئَانِهِ قَالَتْ فَخَرَجْتُ أَنَا وَ أَبُوهُ وَ نِسْوَةٌ مِنَ الْحَيِّ فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِماً يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ وَجْهِهِ فَالْتَزَمْتُهُ وَ الْتَزَمَهُ أَبُوهُ وَ وَ اللَّهِ لَكَأَنَّمَا غُمِسَ فِي الْمِسْكِ غَمْسَةً وَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ يَا بُنَيَّ مَا لَكَ قَالَ خَيْرٌ يَا أَبَهْ أَتَانِي رَجُلَانِ انْقَضَّا عَلَيَّ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا يَنْقَضُّ الطَّيْرُ (1)فَأَضْجَعَانِي وَ شَقَّا بَطْنِي وَ حَشَيَاهُ بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُمَا مَا رَأَيْتُ أَلْيَنَ مِنْهُ وَ لَا أَطْيَبَ رِيحاً وَ مَسَحَا عَلَى بَطْنِي فَعُدْتُ كَمَا كُنْتُ ثُمَّ وَزَنَانِي بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِي فَرَجَحْتُهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمَا فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا لَرَجَحَ وَ طَارَا كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلَا السَّمَاءَ قَالَتْ فَحَمَلْنَاهُ إِلَى خِيَمٍ لَنَا فَقَالَ النَّاسُ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى كَاهِنٍ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ يُدَاوِيَهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُونَ وَ إِنِّي أَرَى نَفْسِي سَلِيمَةً وَ فُؤَادِي صَحِيحاً بِحَمْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّاسُ أَصَابَهُ لَمَمٌ أَوْ طَائِفٌ (2)مِنَ الْجِنِ
____________
(1) انقض الطير: هوى ليقع.
(2) اللمم: طرف من الجنون يلم الإنسان أي يقرب منه و يعتريه. و الطائف ما يطوف حول الشيء، و منه استعير الطائف من الجن و الخيال و الحادثة و غيرها، قال اللّه تعالى: (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ)و هو الذي يدور على الإنسان من الشيطان يريد اقتناصه.
393
قَالَتْ فَغَلَبُونِي عَلَى رَأْيِي حَتَّى انْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى كَاهِنٍ فَقَصَصْتُ قِصَّتَهُ قَالَ دَعِينِي أَنْ أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ فَإِنَّ الْغُلَامَ أَبْصَرُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ تَكَلَّمْ يَا غُلَامُ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَقَصَّ ابْنِي مُحَمَّدٌ(ص)قِصَّتَهُ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَوَثَبَ الْكَاهِنُ قَائِماً عَلَى قَدَمَيْهِ وَ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ الْعَرَبِ يَا آلَ الْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَ اقْتُلُونِي مَعَهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَ أَدْرَكَ مُدْرَكَ الرِّجَالِ لَيُسَفِّهَنَّ أَحْلَامَكُمْ وَ لَيُبْدِلَنَّ أَدْيَانَكُمْ وَ لَيَدْعُوَنَّكُمْ إِلَى رَبٍّ لَا تَعْرِفُونَهُ وَ دَيْنٍ تُنْكِرُونَهُ قَالَتْ فَلَمَّا سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ انْتَزَعْتُهُ مِنْ يَدِهِ وَ قُلْتُ أَنْتَ أَعْتَهُ (1)وَ أَجَنُّ مِنِ ابْنِي وَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْكَ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ اطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ فَإِنَّا لَا نَقْتُلُ مُحَمَّداً فَاحْتَمَلْتُهُ وَ أَتَيْتُ بِهِ مَنْزِلِي فَمَا بَقِيَ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي سَعْدٍ بَيْتٌ إِلَّا وَ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ.
وَ كَانَ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ طَيْرَانِ أَبْيَضَانِ يَغِيبَانِ فِي ثِيَابِهِ وَ لَا يَظْهَرَانِ فَلَمَّا رَأَى أَبُوهُ ذَلِكَ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ إِنَّا لَا نَأْمَنُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ وَ قَدْ خَشِيتُ عَلَيْهِ مِنْ تُبَّاعِ (2)الْكَهَنَةِ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَتْ فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى ذَلِكَ سَمِعْتُ صَوْتاً فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُنَادِي ذَهَبَ رَبِيعُ الْخَيْرِ وَ أَمَانُ بَنِي سَعْدٍ هَنِيئاً لِبَطْحَاءِ مَكَّةَ إِذَا كَانَ مِثْلُكَ فِيهَا يَا مُحَمَّدُ فَالْآنَ قَدْ أَمِنَتْ أَنْ تَخْرَبَ أَوْ يُصِيبَهَا بُؤْسٌ بِدُخُولِكَ إِلَيْهَا يَا خَيْرَ الْبَشَرِ قَالَتْ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَكِبْتُ أَتَانِي وَ وَضَعْتُ النَّبِيَّ(ص)بَيْنَ يَدَيَّ فَلَمْ أَكُنْ أَقْدِرُ أُفَارِقُهُ مِمَّا كُنْتُ أُنَادَى يَمْنَةً وَ يَسْرَةً حَتَّى انْتَهَيْتُ بِهِ إِلَى الْبَابِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَبْوَابِ مَكَّةَ وَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مُجْتَمِعُونَ فَنَزَلْتُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً وَ أَنْزَلْتُ النَّبِيَّ(ص)فَغَشِيَتْنِي كَالسَّحَابَةِ الْبَيْضَاءِ وَ سَمِعْتُ وَجْبَةً شَدِيدَةً فَفَزِعْتُ وَ جَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَ يَسْرَةً وَ نَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ النَّبِيَّ(ص)فَصِحْتُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ الْغُلَامَ الْغُلَامَ قَالُوا وَ مَنِ الْغُلَامُ قُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ آمِنَةَ قَالُوا وَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَكِ مُحَمَّدٌ لَعَلَّكِ تَحْلُمِينَ (3)أَوْ مِنْكِ هَذَيَانٌ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا حَلَمْتُ وَ إِنِّي لَفِي يَقِينٍ مِنْ أَمْرِي فَجَعَلْتُ أَبْكِي وَ أُنَادِي وَا مُحَمَّدَاهْ فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَنَا بِشَيْخٍ كَبِيرٍ فَقَالَ لِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ
____________
(1) عته: نقص عقله. دهش من غير مس جنون، فهو معتوه.
(2) التباع جمع التابع: الجنى. من سار في أثر غيره، أو عمل عمله.
(3) حلم: رأى في منامه رؤيا.
394
إِنَّ لَكِ لَقِصَّةً عَجِيبَةً قَالَتْ قُلْتُ إِي وَ اللَّهِ لَقِصَّتِي عَجِيبَةٌ مُحَمَّدُ بْنُ آمِنَةَ أَرْضَعْتُهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ (1)لَا أُفَارِقُهُ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ فَنَعَشَنِيَ (2)اللَّهُ بِهِ وَ أَنْضَرَ وَجْهِي (3)وَ مَنَّ عَلَيَّ وَ أَفْضَلَ بِبَرَكَتِهِ حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ بَلَغْتُ بِهِ الْغَايَةَ أَدَّيْتُ إِلَى أُمِّهِ الْأَمَانَةَ لِأَخْرُجَ مِنْ عَهْدِي وَ أَمَانَتِي فَاخْتُلِسَ مِنِّي اخْتِلَاساً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ قَدَمُهُ الْأَرْضَ وَ إِنِّي أَحْلِفُ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ لَئِنْ لَمْ أَجِدْهُ لَأَرْمِيَنَّ بِنَفْسِي مِنْ حَالِقِ (4)الْجَبَلِ قَالَتْ وَ قَالَ لِيَ الشَّيْخُ لَا تَبْكِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ ادْخُلِي عَلَى هُبَلَ فَتَضَرَّعِي إِلَيْهِ فَلَعَلَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ الْقَوِيُّ عَلَى ذَلِكِ الْعَالِمُ بِأَمْرِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ أَيُّهَا الشَّيْخُ كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ وِلَادَةَ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ وُلِدَ مَا نَزَلَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَقَالَ لِي أَيَّتُهَا السَّعْدِيَّةُ إِنِّي أَرَاكِ جَزِعَةً فَأَنَا أَدْخُلُ عَلَى هُبَلَ وَ أَذْكُرُ أَمْرَكِ لَهُ فَقَدْ قُطِعَتْ أَكْبَادُنَا بِبُكَائِكِ مَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى هَذَا صَبْرٌ قَالَتْ فَقَعَدْتُ مَكَانِي مُتَحَيِّرَةً وَ دَخَلَ الشَّيْخُ عَلَى هُبَلَ وَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ بِالدُّمُوعِ فَسَجَدَ لَهُ طَوِيلًا وَ طَافَ بِهِ أُسْبُوعاً ثُمَّ نَادَى يَا عَظِيمَ الْمَنِّ يَا قَوِيّاً فِي الْأُمُورِ إِنَّ مِنَّتَكَ عَلَى قُرَيْشٍ لَكَثِيرَةٌ وَ هَذِهِ السَّعْدِيَّةَ رَضِيعَةُ مُحَمَّدٍ تَبْكِي قَدْ قَطَعَ بُكَاؤُهَا الْأَنْيَاطَ (5)وَ أَبْرَزَ الْعَذَارَى فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْهَا إِنْ شِئْتَ قَالَتْ فَارْتَجَّ وَ اللَّهِ الصَّنَمُ وَ تَنَكَّسَ وَ مَشَى عَلَى رَأْسِهِ وَ سَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتاً يَقُولُ أَيُّهَا الشَّيْخُ أَنْتَ فِي غُرُورٍ مَا لِي وَ لِمُحَمَّدٍ وَ إِنَّمَا يَكُونُ هَلَاكُنَا عَلَى يَدَيْهِ وَ إِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَهُ وَ يَحْفَظُهُ أَبْلِغْ عَبْدَةَ الْأَوْثَانِ أَنَّ مَعَهُ الذَّبْحَ الْأَكْبَرَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِهِ قَالَتْ فَخَرَجَ الشَّيْخُ فَزِعاً مَرْعُوباً نَسْمَعُ لِسِنِّهِ قَعْقَعَةً (6)وَ لِرُكْبَتَيْهِ (7)اصْطِكَاكاً يَقُولُ (8)لِي يَا حَلِيمَةُ مَا رَأَيْتُ مِنْ هُبَلَ مِثْلَ هَذَا فَاطْلُبِي
____________
(1) الأحوال: السنون.
(2) في المصدر: فعيشنى اللّه به.
(3) أي صير اللّه وجهي ناضرا و الناضر: من حسن و كان جميلا.
(4) الحالق من الجبال: المنيف المرتفع لانبات فيه كأنّه حلق، يقال: جاء من حالق: أى من مكان مشرف.
(5) الانياط جمع النياط: عرق غليظ متصل بالقلب يموت صاحبه بقطعه.
(6) القعقعة: صريف الأسنان و صوتها.
(7) اصطكت ركبتاه: اضطربتا و ضربت إحداهما الأخرى عند المشى.
(8) في المصدر: و لركبتيه اصطكاك، كأنّه يقول لي.
395
ابْنَكِ إِنِّي أَرَى لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً قَالَتْ فَقُلْتُ لِنَفْسِي كَمْ تَكْتُمُ مِنْ أَمْرِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أُبْلِغُهُ الْخَبَرَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ غَيْرِي قَالَتْ فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ لِي يَا حَلِيمَةُ مَا لِي أَرَاكِ جَزِعَةً بَاكِيَةً وَ لَا أَرَى مَعَكِ مُحَمَّداً قَالَتْ قُلْتُ يَا أَبَا الْحَارِثِ جِئْتُ بِمُحَمَّدٍ أَسَرَّ مَا كَانَ فَلَمَّا صِرْتُ عَلَى الْبَابِ الْأَعْظَمِ مِنْ أَبْوَابِ مَكَّةَ نَزَلْتُ لِأَقْضِيَ حَاجَةً فَاخْتُلِسَ مِنِّي اخْتِلَاساً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ قَدَمُهُ الْأَرْضَ فَقَالَ لِيَ اقْعُدِي يَا حَلِيمَةُ قَالَتْ ثُمَّ عَلَا الصَّفَا فَنَادَى يَا آلَ غَالِبٍ يَعْنِي يَا آلَ قُرَيْشٍ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ فَقَالُوا لَهُ قُلْ يَا أَبَا الْحَارِثِ فَقَدْ أَجَبْنَاكَ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ ابْنِي مُحَمَّداً قَدْ فُقِدَ قَالُوا لَهُ فَارْكَبْ يَا أَبَا الْحَارِثِ حَتَّى نَرْكَبَ مَعَكَ قَالَتْ فَدَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا وَ رَكِبَ النَّاسُ مَعَهُ فَأَخَذَ أَعْلَى مَكَّةَ وَ انْحَدَرَ عَلَى أَسْفَلِهَا فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَرَ شَيْئاً تَرَكَ النَّاسَ وَ اتَّزَرَ بِثَوْبٍ وَ ارْتَدَى بِآخَرَ وَ أَقْبَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَطَافَ بِهِ أُسْبُوعاً وَ أَنْشَأَ يَقُولُ شِعْرٌ.
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكِبِي مُحَمَّداً.* * * رُدَّ إِلَيَّ وَ اتَّخِذْ عِنْدِي يَداً.
أَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عَضُداً.* * * يَا رَبِّ إِنَّ مُحَمَّداً لَمْ يُوجَدَا.
فَجَمْعُ قَوْمِي كُلِّهِمْ تَبَدُّداً (1).
قَالَ فَسَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي مِنْ جَوِّ الْهَوَاءِ مَعَاشِرَ النَّاسِ لَا تَضِجُّوا فَإِنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبّاً لَا يُضَيِّعُهُ وَ لَا يَخْذُلُهُ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا أَيُّهَا الْهَاتِفُ مَنْ لَنَا بِهِ وَ أَيْنَ هُوَ قَالَ بِوَادِي تِهَامَةَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَاكِباً مُتَسَلِّحاً فَلَمَّا صَارَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ تَلَقَّاهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَصَارَا جَمِيعاً يَسِيرَانِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا النَّبِيُّ(ص)تَحْتَ شَجَرَةٍ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ بَيْنَا أَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَ عَمْرُو بْنُ نَوْفَلٍ يَدُورَانِ عَلَى رَوَاحِلِهِمَا إِذَا هُمَا بِرَسُولِ اللَّهِ قَائِماً عِنْدَ شَجَرَةِ الطَّلْحَةِ وَ هِيَ الْمَوْزُ يَتَنَاوَلُ مِنْ وَرَقِهَا فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ لِعَمْرٍو شَأْنَكَ بِالْغُلَامِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ عَمْرٌو وَ هُوَ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ فَقَالَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَاحْتَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَتَّى أَتَى بِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ إِسْحَاقُ فَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَنْ رَدَّ اللَّهُ مُحَمَّداً عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَصَدَّقَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى فُقَرَاءِ قُرَيْشٍ بِأَلْفِ نَاقَةٍ كَوْمَاءَ (2)وَ
____________
(1) التبدد: التفرق، أي مجمع قومي يصيرون متفرقا و متبددا.
(2) كوماء: الناقة الضخم السنام.
396
خَمْسِينَ رِطْلًا مِنْ ذَهَبٍ ثُمَّ جَهَّزَ حَلِيمَةَ بِأَفْضَلِ الْجَهَازِ (1).
26-وَ رُوِيَأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ لِتُرْضِعَهُ وَ قَامَتْ سُوقَ عُكَاظَ انْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى عَرَّافٍ مِنْ هُذَيْلٍ يُرِيهِ النَّاسُ صِبْيَانَهُمْ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ صَاحَ يَا مَعْشَرَ هُذَيْلٍ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاسِمِ فَقَالَ اقْتُلُوا هَذَا الصَّبِيَّ فَانْسَلَّتْ بِهِ حَلِيمَةُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ أَيُّ صَبِيٍّ فَيَقُولُ هَذَا الصَّبِيُّ فَلَا يَرَوْنَ شَيْئاً قَدِ انْطَلَقَتْ بِهِ أُمُّهُ فَيُقَالُ مَا هُوَ فَيَقُولُ رَأَيْتُ غُلَاماً وَ آلِهَتِهِ لَيَقْتُلَنَّ أَهْلَ دِينِكُمْ وَ لَيَكْسِرَنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لَيُظْهِرَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْكُمْ فَطُلِبَ بِعُكَاظَ فَلَمْ يُوجَدْ وَ رَجَعَتْ بِهِ حَلِيمَةُ إِلَى مَنْزِلِهَا فَكَانَتْ بَعْدُ لَا تَعْرِضُهُ لِعَرَّافٍ وَ لَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
27-وَ رَوَى بِإِسْنَادٍ (2)ذَكَرَهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ:بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُحَدِّثُنَا عَلَى بَابِ الْحُجُرَاتِ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ هُوَ مَدَرَةُ قَوْمِهِ وَ سَيِّدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ فَمَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ أَرْسَلَكَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى وَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ(ع)أَلَا وَ إِنَّكَ تَفَوَّهْتَ بِعَظِيمٍ إِنَّمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْخُلَفَاءُ فِي بَيْتَيْنِ مِنْ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَيْتِ خِلَافَةٍ وَ بَيْتِ نُبُوَّةٍ فَلَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَ لَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ هَذِهِ الْحِجَارَةَ وَ الْأَوْثَانَ فَمَا لَكَ وَ لِلنُّبُوَّةِ وَ لَكِنْ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةٌ فَأْتِنِي بِحَقِيقَةِ قَوْلِكَ وَ بَدْءِ شَأْنِكَ فَأَعْجَبَ النَّبِيُّ(ص)مُسَاءَلَتَهُ ثُمَّ قَالَ يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ إِنَّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي تَسْأَلُ عَنْهُ نَبَأً فَاجْلِسْ فَسَلْ فَثَنَى رِجْلَهُ (3)
____________
(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثاني من القسم الثاني.
(2) و الاسناد هكذا: أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن تمام بن حسان الصالحى، حدّثنا أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسى، حدّثنا أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفى حدّثنا أبو عليّ الحسن بن أحمد الحداد، حدّثنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسحاق، حدّثنا أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن جعفر بن حيان، حدّثنا أحمد بن محمّد بن مصقلة، حدّثنا رزق اللّه بن موسى، حدّثنا محمّد بن يعلى الكوفيّ، حدّثنا عمر بن صبيح، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن شداد بن أوس.
(3) في المصدر: رجليه.
397
وَ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ فَاسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالْحَدِيثِ فَقَالَ يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ إِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِي وَ بَدْءَ شَأْنِي أَنِّي دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ بُشْرَى أَخِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ أَنِّي كُنْتُ بِكْرَ أُمِّي وَ أَنَّهَا حَمَلَتْنِي كَأَثْقَلِ مَا تَحْمِلُ النِّسَاءُ حَتَّى جَعَلَتْ تَشْتَكِي إِلَى صَوَاحِبَاتِهَا ثِقَلَ مَا تَجِدُ ثُمَّ إِنَّ أُمِّي رَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا نُورٌ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبُهَا ثُمَّ إِنَّهَا وَلَدَتْنِي فَلَمَّا نَشَأْتُ بَغُضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَ بَغُضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ وَ كُنْتُ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي بَكْرٍ فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ مَعَ أَتْرَابٍ (1)لِي مِنَ الصِّبْيَانِ فِي بَطْنِ وَادٍ وَ إِذَا أَنَا بِرَهْطٍ مَعَهُمْ طَشْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَلْآنُ ثَلْجاً فَأَخَذُونِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي وَ انْطَلَقُوا أَصْحَابِي هُرَّاباً حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى شَفِيرِ الْوَادِي أَقْبَلُوا عَلَى الرَّهْطِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَى هَذَا الْغُلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَّا هَذَا ابْنُ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَ هُوَ مُسْتَرْضِعٌ فِينَا مِنْ غُلَامٍ لَيْسَ لَهُ أَبٌ وَ لَا أُمٌّ فَمَا ذَا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ قَتْلُهُ وَ مَا تُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ قَاتِلِيهِ فَاخْتَارُوا مِنَّا أَيَّنَا شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ مَكَانَهُ وَ دَعُوا هَذَا الْغُلَامَ فَلَمَّا رَأَى الصِّبْيَانُ أَنَّ الْقَوْمَ لَا يُحِيرُونَ إِلَيْهِمْ جَوَاباً انْطَلَقُوا هُرَّاباً مُسْرِعِينَ إِلَى الْحَيِّ يُؤْذِنُونَهُمْ بِي وَ يَسْتَصْرِخُونَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَأَضْجَعَنِي عَلَى الْأَرْضِ إِضْجَاعاً لَطِيفاً ثُمَّ شَقَّ مَا بَيْنَ مَفْرَقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي وَ أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا أَجِدُ لِذَلِكَ مَسّاً ثُمَّ أَخْرَجَ أَحْشَاءَ بَطْنِي فَغَسَلَهَا بِذَلِكَ الثَّلْجِ فَأَنْعَمَ غَسْلَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا مَكَانَهَا ثُمَّ قَامَ الثَّانِي مِنْهُمْ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ تَنَحَّ فَنَحَّاهُ عَنِّي ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِي فَأَخْرَجَ قَلْبِي فَصَدَعَهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مُضْغَةً سَوْدَاءَ فَرَمَى بِهَا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ يَمْنَةً مِنْهُ كَأَنَّهُ تَنَاوَلَ شَيْئاً فَإِذَا أَنَا فِي يَدِهِ بِخَاتَمِ نُورٍ تَحَارُ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُ فَخَتَمَ بِهِ قَلْبِي فَامْتَلَأَ نُوراً وَ ذَلِكَ نُورُ النُّبُوَّةِ وَ الْحِكْمَةِ ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى مَكَانِهِ فَوَجَدْتُ بَرْدَ ذَلِكَ الْخَاتَمِ ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ مِنْهُمْ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ تَنَحَّ فَنَحَّاهُ عَنِّي وَ أَمَرَّ يَدَهُ مَا بَيْنَ مَفْرَقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي فَالْتَأَمَ ذَلِكَ الشَّقُّ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَأَنْهَضَنِي مِنْ مَكَانِي إِنْهَاضاً لَطِيفاً ثُمَّ قَالَ لِلْأَوَّلِ الَّذِي شَقَّ بَطْنِي زِنْهُ بِعَشَرَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ فَقَالَ دَعُوهُ فَلَوْ وَزَنْتُمُوهُ بِأُمَّتِهِ كُلِّهَا
____________
(1) أي مع من كان على سنى.
398
رَجَحَهُمْ ثُمَّ انْكَبُّوا عَلَيَّ فَضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ فَقَبَّلُوا رَأْسِي وَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالُوا يَا حَبِيبُ لَمْ تَرُعْ إِنَّكَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ لَقَرَّتْ عَيْنُكَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا نَحْنُ بِالْحَيِّ قَدْ جَاءُوا بِحَذَافِيرِهِمْ وَ إِذَا أُمِّي وَ هِيَ ظِئْرِي أَمَامَ الْحَيِّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا وَ هِيَ تَقُولُ يَا ضَعِيفَاهْ اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِكَ فَقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَ ضَمُّونِي إِلَى صُدُورِهِمْ وَ قَبَّلُوا رَأْسِي وَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ وَ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ ضَعِيفٍ قَالَتْ ظِئْرِي يَا وَحِيدَاهْ فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ وَحِيدٍ وَ مَا أَنْتَ بِوَحِيدٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعَكَ وَ الْمَلَائِكَةُ وَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَتْ ظِئْرِي يَا يَتِيمَاهْ فَانْكَبُّوا عَلَيَّ وَ قَالُوا حَبَّذَا أَنْتَ مِنْ يَتِيمٍ مَا أَكْرَمَكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَوْ تَدْرِي مَا يُرَادُ بِكَ مِنَ الْخَيْرِ فَلَمَّا بَصُرَتْ بِي أُمِّي وَ هِيَ ظِئْرِي قَالَتْ يَا بُنَيَّ لَا أَرَاكَ (1)حَيّاً بَعْدُ فَجَاءَتْ فَأَخَذَتْنِي وَ ضَمَّتْنِي إِلَى صَدْرِهَا وَ أَجْلَسَتْنِي فِي حَجْرِهَا فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَفِي حَجْرِهَا وَ إِنَّ يَدِي لَفِي يَدِ بَعْضِهِمْ فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَهُمْ فَإِذَا هُمْ لَا يُبْصِرُونَهُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ أَصَابَ هَذَا الْغُلَامَ لَمَمٌ أَوْ طَيْفٌ (2)مِنَ الْجِنِّ فَاذْهَبُوا بِهِ إِلَى كَاهِنِنَا حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ يُدَاوِيَهُ فَقُلْتُ يَا هَذَا مَا بِي شَيْءٌ مِمَّا تَذْكُرُونَ إِنِّي لَأَرَى نَفْسِي سَلِيمَةً وَ فُؤَادِي صَحِيحاً لَيْسَ بِي قَلَبَةٌ فَقَالَ أَبِي وَ هُوَ زَوْجُ ظِئْرِي أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى كَلَامِهِ صَحِيحاً إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِابْنِي بَأْسٌ فَأَتَوْا بِي كَاهِنَهُمْ فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتِي فَقَالَ اسْكُتُوا حَتَّى أَسْمَعَ مِنَ الْغُلَامِ أَمْرَهُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ مِنْكُمْ فَسَأَلَنِي فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ أَمْرِي مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَوَثَبَ إِلَيَّ وَ ضَمَّنِي إِلَى صَدْرِهِ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا لَلْعَرَبِ مَرَّتَيْنِ اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ وَ اقْتُلُونِي مَعَهُ فَوَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ وَ أَدْرَكَ لَيُخَالِفَنَّ أَمْرَكُمْ وَ لَيُسَفِهَنَّ عُقُولَكُمْ وَ عُقُولَ آبَائِكُمْ وَ لَيُبْدِلَنَّ دِينَكُمْ وَ لَيَأْتِيَنَّكُمْ بِدِينٍ لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ فَعَمَدَتْ ظِئْرِي فَانْتَزَعَتْنِي مِنْ حَجْرِهِ وَ قَالَتْ لَأَنْتَ أَعْتَهُ (3)وَ أَجَنُّ مِنِ ابْنِي هَذَا وَ لَوْ عَلِمْتُ
____________
(1) في المصدر: ألا أراك.
(2) الطيف: خيال الشيء و صورته المترائى له في المنام أو اليقظة، و قال الجزريّ: أى عرض له عارض منهم.
(3) تقدم قريبا معناه.
399
أَنَّ هَذَا قَوْلُكَ مَا آتَيْتُكَ بِهِ فَاطْلُبْ لِنَفْسِكَ مَنْ يَقْتُلُكَ فَإِنَّا غَيْرُ قَاتِلٍ هَذَا الْغُلَامَ ثُمَّ احْتَمَلُونِي فَأَدَّوْنِي إِلَى أَهْلِي وَ أَصْبَحْتُ مُعَرًّى (1)مِمَّا فُعِلَ بِي وَ أَصْبَحَ أَثَرُ الشَّقِّ مَا بَيْنَ مَفْرَقِ صَدْرِي إِلَى مُنْتَهَى عَانَتِي كَأَنَّهُ الشِّرَاكُ فَذَاكَ يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ حَقِيقَةُ أَمْرِي وَ بَدْءُ نَشْأَتِي فَقَالَ الْعَامِرِيُّ أَشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَنَّ أَمْرَكَ حَقٌّ فَأَنْبِئْنِي عَنْ أَشْيَاءَ أَسْأَلُكَ عَنْهَا قَالَ سَلْ عَنْكَ كَلَّمَهُ بِلُغَةِ عَامِرٍ قَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا ذَا يَزِيدُ فِي الْعِلْمِ قَالَ التَّعَلُّمُ قَالَ فَمَا يَزِيدُ فِي الشَّرِّ قَالَ التَّمَادِي قَالَ هَلْ يَنْفَعُ الْبِرُّ بَعْدَ الْفُجُورِ قَالَ نَعَمْ التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الْحَوْبَةَ وَ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الرَّخَاءِ أَجَابَهُ عِنْدَ الْبَلَاءِ قَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ كَيْفَ ذَاكَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَجْمَعُ أَبَداً لِعَبْدِي أَمْنَيْنِ وَ لَا أَجْمَعُ عَلَيْهِ أَبَداً خَوْفَيْنِ إِنْ هُوَ آمَنَنِي فِي الدُّنْيَا خَافَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَيَدُومُ لَهُ خَوْفُهُ وَ إِنْ هُوَ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنَنِي يَوْمَ أَجْمَعُ فِيهِ عِبَادِي فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ فَيَدُومُ لَهُ أَمْنُهُ وَ لَا أَمْحَقُهُ فِيمَنْ أَمْحَقُ قَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِلَى مَا تَدْعُو قَالَ أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنْ تَخْلَعَ الْأَنْدَادَ وَ تَكْفُرَ بِاللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ تُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ (2)عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ وَ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحَقَائِقِهِنَّ وَ تُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِكَ يُطَهِّرُكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُطَهِّرُ لَكَ مَالَكَ وَ تَصُومَ شَهْراً مِنَ السَّنَةِ وَ تَحُجَّ الْبَيْتَ إِذَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ تَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ تُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ وَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَ بِالْجَنَّةِ وَ النَّارِ قَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي قَالَجَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّىقَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهَلْ مَعَ هَذَا شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُعْجِبُنِي الْوَطَاءَةُ فِي الْعَيْشِ قَالَ نَعَمْ النَّصْرُ وَ التَّمْكِينُ فِي الْبِلَادِ فَأَحَابَ وَ أَنَابَ.
____________
(1) هكذا في الأصل و مصدره، و في تاريخ الطبريّ: مفزعا.
(2) في المصدر: جاء من اللّه.
400
هذا حديث حسن غريب بهذا السياق يعد في إفراد محمد بن يعلى. (1)
و مدرة القوم خطيبهم و المتكلم عنهم و قوله فمثل أي قام و تفوهت أي تكلمت و قوله دعوة إبراهيم هي قول الله عز و جل عن إبراهيم عرَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْو قوله تعالىقالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِيو قوله إني كنت بكر أمي أي أول ولد ولدته و في نسخة كنت في بطن أمي و قوله ما رابكم أي ما شكككم و معناه هاهنا ما دعاكم إلى أخذ هذا الغلام و قوله فما ذا يرد عليكم قتله أي ما ينفعكم ذلك و لا يحيرون أي لا يرجعون و لا يردون و يؤذنونهم يعلمونهم و يستصرخون أي يستغيثون بهم و قوله فأنعم غسلها أي بالغ فيه و قوله فصدعه أي فشقه و قوله ثم قال بيده يمنة منه أي أشار بيده إلى جانب يمينه قوله فإذا أنا في يده بخاتم نور أي رأيت حينئذ ذلك في يده و قوله رجحهم (2)أي رجح بهم و عليهم و قوله لم ترع أي لا تخف و جواب قوله و لو تدري ما يراد بك في المرة الأخيرة محذوف تقديره لقرت عينك و القلبة الداء و اللام في يا للعرب للاستغاثة و قوله معرى من العرواء و هي الرعدة و قوله سل عنك و في رواية أخرى قال كان النبي(ص)يقول للسائلين قبل ذلك سل عما شئت و عما بدا لك فقال للعامري سل عنك لأنها لغة بني عامر فكلمه بما يعرف قوله فأتني بحقيقة ذلك و في رواية فأنبئني و الحوبة الإثم و الوطء النعمة (3).
28 كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ، رُوِيَ عَنْ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ قَالَتْلَمَّا تَمَّتْ لِلنَّبِيِّ ص
____________
(1) في المصدر: و كان يلقب بزنبور، و ليس بذاك، و لمكحول عن شداد أحاديث غير انها مرسلة. انتهى. قلت: محمّد بن يعلى ضعفه ابن حجر في التقريب، و حكى عن ابى حاتم أنّه قال:
متروك، و قال الخطيب: يتكلم فيه و هو ذاهب توفّي سنة 205.
(2) في المصدر: فرجحتهم. و هو الصحيح كما تقدم. فعليه فالصحيح في التفسير أي رجحت بهم و عليهم.
(3) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الثالث من القسم الثاني، قلت: و الحديث أيضا موجود في تاريخ الطبريّ 1: 575، و قد أخرج ابن أبي الحديد مختصره في شرحه على نهج البلاغة كما رواه المصنّف قبل ذلك.
401
سَنَةٌ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحْسَنَ مِنْهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ نَامَتِ الْعُيُونُ وَ الرَّحْمَنُلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌوَ لَقَدْ نَاوَلَتْنِي امْرَأَةٌ كَفَّ تَمْرٍ مِنْ صَدَقَةٍ فَنَاوَلْتُهُ مِنْهُ وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَ قَالَ يَا أُمَّةِ لَا تَأْكُلِي الصَّدَقَةَ فَقَدْ عَظُمَتْ نِعْمَتُكِ وَ كَثُرَ خَيْرُكِ فَإِنِّي لَا آكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَتْ فَوَ اللَّهِ مَا قَبِلْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ (1).
29 ثم قال الكازروني رويأن شق صدره(ص)كان في سنة ثلاث من مولده و قيل في سنة أربع على ما روي عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر عن أصحابه قال مكث(ص)عندهم سنتين حتى فطم و كان ابن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها به و أخبرتها حليمة خبره و ما رأوا من بركته فقالت آمنة (2)ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة فو الله ليكونن له شأن فرجعت به و لما بلغ أربع سنين أتاه الملكان فشقا بطنه ثم نزلت به إلى آمنة و أخبرتها خبره ثم رجعت به أيضا و كان عندها سنة و نحوها (3)لا تدعه يذهب مكانا بعيدا ثم رأت غمامة تظله إذا وقف وقفت و إذا سار سارت فأفزعها ذلك أيضا من أمره فقدمت به إلى أمه لترده و هو ابن خمس سنين فأضلته في الناس فالتمسته فلم تجده و ذكر نحو ما تقدم. (4)
و قد روي أن عبد المطلب بعثه(ص)في حاجة و ضاع (5)و في الأخبار أن حليمة قدمت على رسول الله(ص)بمكة و قد تزوج بخديجة فشكت إليه جدب البلاد و هلاك الماشية فكلم رسول الله(ص)خديجة فأعطتها أربعين شاة و بعيرا و انصرفت إلى أهلها ثم قدمت عليه(ص)بعد الإسلام فأسلمت هي و زوجها. (6)و
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِاسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ(ص)كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ فَلَمَّا دَخَلَتْ
____________
(1) كنز الفوائد: 72 و فيه: ما قبلتها بعد ذلك من أحد من العالمين.
(2) تقدم قبلا أن حليمة استدعت ذلك.
(3) في المصدر: أو نحوها.
(4) في المصدر: نحو ما تقدم في الاختلاس منها.
(5) في المصدر بعد قوله: وضاع: فقال: اللّهمّ ردّ راكبى محمّدا. القصة كما مرت.
(6) زاد في المصدر: و بايعهما.
402
عَلَيْهِ قَالَ أُمِّي أُمِّي وَ عَمَدَ إِلَى رِدَائِهِ فَبَسَطَهُ لَهَا فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ (1).
. و روي عن أبي حازم قال قدم كاهن مكة و رسول الله ابن خمس سنين و قد قدمت به ظئره إلى عبد المطلب و كانت تأتيه به في كل عام فنظر إليه الكاهن مع عبد المطلب فقال يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي (2)فإنه يفرقكم و يقتلكم فهرب به عبد المطلب فلم يزل قريش تخشى من أمره ما كان الكاهن حذرهم من أمره. (3)
و في سنة ست من مولده(ص)ماتت أمه كما مر ذكره. (4)
و لنذكر ما حدث في سنة سبع من مولده(ص)روي عن نافع بن حسين (5)قال كان رسول الله(ص)يكون مع أمه آمنة فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب و ضمه و رق عليه رقة لم يرقها على ولده و كان يقر به منه و يدنيه و يدخل عليه إذا خلا و إذا نام و كان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك دعوا ابني فإنه يؤنس (6)ملكا و قال قوم من بني مدلج (7)لعبد المطلب احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه فقال عبد المطلب لأبي طالب اسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظه (8)و قال عبد المطلب لأم أيمن و كانت تحضن رسول الله(ص)يا بركة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة و كان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا قال علي بابني فيؤتى به إليه (9)فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله(ص)و حياطته.
و مما وقع في تلك السنة ما روي أنه أصاب رسول الله(ص)رمد شديد فعولج بمكة
____________
(1) المنتقى في مولود المصطفى: الباب الرابع من القسم الثاني.
(2) في المصدر: هذا الغلام.
(3) المنتقى في مولود المصطفى: الفصل الثاني: فيما كان سنة خمس من مولده (صلّى اللّه عليه و آله).
(4) المصدر: الفصل الثالث فيما كان سنة ست من مولده (صلّى اللّه عليه و آله).
(5) في المصدر: نافع بن جبير و لعله الصحيح.
(6) في المصدر: ليؤنس.
(7) و كانوا معروفين بعلم القيافة.
(8) في المصدر: يحتفظ به.
(9) المصدر خال عن لفظة إليه.
403
فلم يغن عنه فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه فناداه و ديره مغلق فلم يجب فتزلزل به ديره حتى خاف أن يسقط عليه فخرج مبادرا فقال يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة و لو لم أخرج إليك لخر علي ديري فارجع به و احفظه لا يغتاله بعض أهل الكتاب ثم عالجه و أعطاه ما يعالج به و ألقى الله له المحبة في قلوب قومه و كل من يراه.
و من ذلك خروج عبد المطلب برسول الله(ص)يستسقون كما روي بإسناد ذكره (1)عن رقيقة بنت صيفي بن هاشم قالت تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع و أرمت العظم و يروى و أرقت و أدقت فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة و معي صنوي فإذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يقول يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان نجومه فحي هلا بالحيا و الخصب ألا فانظروا رجلا منكم طوالا عظاما أبيض بضا أشم العرنين سهل الخدين له فخر يكظم عليه و يروى رجلا وسيطا عظاما (2)جساما أوطف الأهداب ألا فليخلص هو و ولده و ليدلف إليه من كل بطن رجل ألا فليشنوا من الماء و ليمسوا من الطيب و ليطوفوا بالبيت سبعا ألا و فيهم الطيب الطاهر لداته ألا فليستسق الرجل و ليؤمن (3)القوم ألا فغثتم إذا ما شئتم و عشتم
____________
(1) و الاسناد هكذا: أخبرنا شيخنا بدر الدين أبو محمّد عبد اللّه بن الحسين بن أبي التائب الدمشقى قال: أخبرنا أبو الفضل إسماعيل بن أحمد بن الحسين العراقى، أخبرنا شهده بنت أحمد بن الفرج الابرى الكاتب، أخبرنا طراد بن محمّد، أخبرنا عليّ بن محمّد بن بشران، حدّثنا الحسين بن صفوان، حدّثنا عبد اللّه بن محمّد القرشيّ، حدّثني زكريا بن يحيى الطائى، حدّثني زخر بن حصن، عن جده حبيب بن منهب قال: قال عمى عروة بن مضرس يحدث عن محزمة بن نفيل عن أمه رقيقة بنت صيفى بن هاشم- قلت: زخر مصحف زحر بالحاء المهملة، على ما في تهذيب التهذيب 3: 337، و أسد الغابة 5: 454، أو بالجيم كما في لسان الميزان 2: 473، و على اي فهو لا يعرف. و حبيب مصحف حميد، على ما في تهذيب التهذيب، و الإصابة 4: 296 و أسد الغابة، و في الأخيرين: مخرمة بن نوفل، و أخرج الحديث ابن اثير في أسد الغابة 5: 454 و الحلبيّ في السيرة 1: 131 و ابن حجر في الإصابة 4: 296، فعلى أي فالحديث مرويّ من طرق العامّة كغيره ممّا تقدم و يأتي.
(2) العظام و العظام: العظيم. و الجسام: العظيم و الضخيم.
(3) أمن: قال: آمين.
404
قالت فأصبحت مذعورة قد قف جلدي و دله عقلي و اقتصصت رؤياي فو الحرمة و الحرم إن بقي أبطحي إلا قال هذا شيبة الحمد و تتامت عنده قريش و انقض إليه من كل بطن رجل فشنوا و مسوا و استلموا و طوفوا ثم ارتقوا أبا قبيس و طفق القوم يدفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قروا بذروة الجبل و استكفوا جنابيه فقام عبد المطلب فاعتضد ابن ابنه محمدا فرفعه على عاتقه و هو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب ثم قال اللهم ساد الخلة (1)و كاشف الكربة أنت عالم غير معلم مسئول غير مبخل و هذه عبداؤك و إماؤك بعذرات حرمك يشكون (2)إليك سنتهم التي أذهبت الخف و الظلف (3)فاسمعن اللهم و أمطرن علينا غيثا مريعا مغدقا (4)فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بمائها و كظ الوادي بثجيجه فسمعت شيخان العرب و جلها عبد الله بن جدعان و حرب بن أمية و شهاب بن المغيرة يقولون لعبد المطلب هنيئا لك أبا البطحاء و في ذلك قالت رقيقة شعر.
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا.* * * فقد فقدنا الحيا و اجلوذ المطر.
فجاد بالماء جوني له سبل.* * * سحا فعاشت به الأنعام و الشجر.
منا من الله بالميمون طائره.* * * و خير من بشرت يوما به مضر.
مبارك الاسم يستسقى الغمام به.* * * ما في الأنام له عدل و لا خطر.
قوله أقحلت من قحل قحولا إذا يبس راقدة أي نائمة مهومة يقال هوم أي هز رأسه من النعاس صيت فيعل من صات يصوت كالميت من مات و الصحل الذي في صوته ما يذهب بحدته من بحة و هو مستلذ في السمع إبان نجومه وقت
____________
(1) الخلة: الثقبة.
(2) في المصدر: يشتكون.
(3) الخف للبعير و النعام كالحافر لغيرهما و هو بمنزلة القدم للإنسان و الظلف: هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة و الظبى. و هما كناية عن البعير و البقرة و غيرهما، أي يشتكون سنتهم التي أذهبت أباعرهم و أباقرهم و سائر حيواناتهم.
(4) المريع: المخصب الناجع. المغدق فعيل من الغدق: المطر الكبار القطر، يقال: اغدق المطر اي كثر قطره. فهو مغدق.
405
ظهوره و هو فعلان من آب الشيء إذا تهيأ و حي هلا أي ابدأ به و اعجل بذكره و الحيا بفتح الحاء مقصورا المطر لأنه حياة الأرض و طوال مبالغة في طويل و كذا عظام و جسام و فعال مبالغة في فعيل و فعال أبلغ منه نحو كرام و كرام و الكظم الإمساك و ترك الإبداء أي إنه من ذوي الحسب و الفخر و هو لا يبدي ذلك و البض بالباء الموحدة المفتوحة و الضاد المعجمة من البضاضة و هو رقة اللون و صفاء البشرة و العرنين بالكسر الأنف و قيل رأسه و الوسيط أفضل القوم من الوسط أوطف الأهداب طويلها فليخلص أي فليتميز هو و ولده من الناس من قوله تعالىخَلَصُوا نَجِيًّاو ليدلف إليه و ليقبل إليه من الدليف و هو المشي الرويد و التقدم في رفق و شن الماء صبه على رأسه و قيل الشن صب الماء متفرقا قوله لداته على وجهين أن يكون جمع لدة مصدر ولد نحو عدة و زنة يعني أن مولده و مواليد من مضى من آبائه كلها موصوف بالطهر و الذكاء و أن يراد أترابه (1)و ذكر الأتراب أسلوب من أساليبهم في تثبيت الصفة و تمكينها لأنه إذا جعل من جماعة و أقران ذوي طهارة فذاك أثبت لطهارته و أدل على قدسه غثتم مطرتم بكسر الغين أو بضمه قف تقبض (2)و اقشعر و القفة الرعدة دله دهش و تحير شيبة الحمد اسم لعبد المطلب عامر و إنما قيل له شيبة لشيبة كانت في رأسه حين ولد و قد مر سبب تسميته بعبد المطلب تتامت التتام التوافر يدفون الدفيف المر السريع و المهل بالإسكان التؤدة استكفوا أحدقوا من الكفة و هي ما استدار ككفة الميزان جنابيه أي جانبيه أيفع ارتفع كرب قرب من الإيفاع و منه الكروبيون المقربون من الملائكة و العبداء و العبدى بالمد و القصر العبيد و العذرة الفناء و كظيظ الوادي امتلاؤه و الثجيج الماء المثجوج أي المصبوب و الشيخان جمع شيخ كالضيفان في ضيف و قيل له أبو البطحاء لأن أهلها عاشوا به و انتعشوا كما يقال للطعام (3)أبو الأضياف و اجلوذ أي كثر و امتد جوني سحاب
____________
(1) فيكون من ألدى الداء: كثرت لداته أي أترابه.
(2) في المصدر: انقبض.
(3) المطعام خ ل و هو الموجود في المصدر.
406
أسود و سبل (1)جار سحا أي منصبا و العدل المثل و كذلك الخطر.
ثم قال و من ذلك خروج عبد المطلب لتهنئة سيف بن ذي يزن كما حدثنا إسماعيل بن المظفر بإسناده (2)عن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن قال لما ظفر جدي سيف على الحبشة و ذلك بعد مولد النبي(ص)بسنتين أتت وفود العرب و أشرافها و شعراؤها لتهنئته و تذكر ما كان من بلائه و طلبه ثبار قومه.
أقول و ساق الحديث مثل ما تقدم برواية الصدوق في باب البشائر.
ثم قال هذا الحديث دال على أن الوفادة إلى ابن ذي يزن كان في سنة ثلاث من مولد رسول الله(ص)و الأصح أنها كانت سنة سبع لأنه يقول عبد المطلب توفي أبوه و أمه و كفلته أنا و عمه و أم رسول الله(ص)لم تمت حتى بلغ ست سنين. (3)
ثم قال و أما ما كان سنة ثمان من مولده(ص)فمن ذلك موت عبد المطلب رضي الله عنه و كان يوصي برسول الله(ص)عمه أبا طالب و ذلك أن أبا طالب و عبد الله أبا رسول الله(ص)كانا لأم و كان الزبير من أمهما أيضا لكن كانت كفالة أبي طالب له بسبب فيه ثلاثة أقوال أحدها وصية عبد المطلب لأبي طالب و الثاني أنهما اقترعا فخرجت القرعة لأبي طالب و الثالث أن رسول الله(ص)اختاره و مات عبد المطلب و هو يومئذ ابن ثنتين و ثمانين سنة و يقال ابن مائة و عشرين سنة
____________
(1) السبل: المطر النازل من السحاب قبل أن يصل إلى الأرض.
(2) الاسناد هكذا: أخبرنا شيخنا أبو الفضائل إسماعيل بن المظفر بن محمّد، أخبرنا علاء الدين المجتبى بن محمّد المجتبى الحسيني، أخبرنا أبو موسى محمّد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني، أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن إبراهيم بن محمّد التاجر، أخبرنا أبو القاسم بن محمّد بن إسحاق، أخبرنا والدى، أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد العزيز ابن عفير بن عبد العزيز ابن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذى يزن يكنى أبا يزن، حدّثنا عمى أبو رحى أحمد بن خنبش ابن عبد العزيز، حدّثني محمّد بن عبد العزيز حدّثني أبي عبد العزيز بن عفير، حدّثني ابى عفير بن عبد العزيز، حدّثني عبد العزيز بن السفر، حدّثني أبى السفر بن عفير، عن أبيه عفير، عن أبيه زرعة بن سيف بن ذى يزن الحميري.
(3) المنتقى في مولود المصطفى: البابالخامس في ما كان سنة سبع من مولده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
407
و من ذلك كفالة أبي طالب رسول الله(ص)قالوا لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله(ص)إليه فكان يكون معه و كان أبو طالب لا مال له و كان يحبه حبا شديدا لا يحب ولده كذلك و كان لا ينام إلا إلى جنبه و يخرج فيخرج معه و قد كان يخصه بالطعام و إذا أكل عيال أبي طالب (1)جميعا أو فرادى لم يشبعوا و إذا أكل معهم رسول الله(ص)شبعوا فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله(ص)فيأكل معهم و كانوا يفضلون من طعامهم و إذا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب إنك لمبارك و كان الصبيان يصبحون رمصا شعثا و يصبح رسول الله(ص)دهينا كحيلا (2)و كان أبو طالب يلقي له وسادة يقعد عليها فجاء النبي(ص)فقعد عليها فقال أبو طالب و آله ربيعة (3)إن ابن أخي ليحس بنعيم.
و روي عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال كنت بذي المجاز و معي ابن أخي يعني النبي(ص)فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت يا ابن أخي قد عطشت و ما قلت له و أنا أرى أن عنده شيئا إلا الجزع قال فثنى وركه ثم برك فقال يا عم أ عطشت قال قلت نعم فأهوى بعقبيه إلى الأرض فإذا بالماء فقال اشرب يا عم فشربت و من ذلك هلاك حاتم الذي يضرب به المثل في الجود و الكرم.
و من ذلك موت كسرى أنوشيروان و ولاية ابنه هرمز.
و مما كان في سنة تسع من مولده(ص)ما روي في بعض الروايات أن أبا طالب خرج برسول الله(ص)إلى بصرى و هو ابن تسع سنين.
و مما كان سنة عشر من مولده(ص)الفجار الأول و هو قتال وقع بعكاظ و كانت الحرب فيه ثلاثة أيام.
____________
(1) في نسخة الأصل: أبو طالب، و الظاهر أنّه وهم من الكاتب.
(2) الرمص: ما يجتمع في زوايا العين من وسخ أبيض رطب. و الغمص: اليابس منه. و شعث الشعر: كان مغبرا متلبدا فصاحبه أشعث و الجمع الشعث. و دهن الرأس: طلاه بزيت أو طيب أو نحوهما فهو دهين. و كحل العين: جعل فيها الكحل. يقال: عين كحيل.
(3) المصدر خلى عن قوله: واله ربيعة.
408
و مما كان سنة إحدى عشرة من مولده(ص)ما روي عن أبي بن كعب قال إن أبا هريرة سأل رسول الله(ص)ما أول ما رأيت من أمر النبوة فاستوى جالسا و قال لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين و أشهر و إذا بكلام فوق رأسي و إذا رجل يقول لرجل أ هو هو فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط و أرواح لم أجدها من خلق قط و ثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعاني بلا قصر و لا هصر (1)فقال أحدهما لصاحبه افلق صدره ففلق أحدهما صدري بلا دم و لا وجع فقال له أخرج الغل و الحسد فأخرج شيئا كرصة العلقة ثم نبذها فطرحها ثم قال له أدخل الرأفة و الرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي فقال اعدوا (2)بنبيكم فرجعت بهما أعدوا (3)بهما رأفة على الصغير و رحمة للكبير. (4)
و أما ما كان سنة اثنتي عشرة من مولده(ص)إلى ثلاث عشرة منه فخروجه(ص)مع أبي طالب إلى الشام روي أنه لما أتت لرسول الله(ص)اثنتي عشرة سنة و شهران و عشرة أيام ارتحل به أبو طالب للخروج إلى الشام و ذلك أنه لما تهيأ للخروج أضب به رسول الله(ص)فرق له أبو طالب و في رواية لما تهيأ أبو طالب للرحيل و أجمع على السير هب (5)له رسول الله(ص)فأخذ بزمام ناقته و قال يا عم إلى من تكلني لا أب لي و لا أم فرق فقال و الله لأخرجن به معي و لا يفارقني و لا أفارقه أبدا فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام و بها راهب يقال له بحيرا في صومعة له
____________
(1) أي من دون حبس و كسر، و يجوز أن يكون القصر بمعنى القهر و الغلبة من القسر بالسين فابدل صادا و هما يتبادلان في كثير من الكلام.
(2) اغدوا خ ل و هو الموجود في المصدر. و لعلّ الصحيح: اغد بينكم أي انطلق بين الناس.
(3) اغدوا خ ل و هو الموجود في المصدر، و لعلّ الصحيح: أغدو على صيغة المتكلم أي أنطلق قوله: بهما أي بالرأفة و الرحمة.
(4) المنتقى في مولود المصطفى: الباب السادس فيما كان من سنة ثمان إلى سنة إحدى عشرة من مولده (صلّى اللّه عليه و آله).
(5) هب الرجل من النوم: انتبه و استيقظ. هب: نشط و أسرع.
409
و كان ذا علم في النصرانية و لم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا عن كابر.
يقال أضب على ما في نفسه إذا أخرجه و أضب تكلم و يقال جاء فلان يضب لسانه أي اشتد حرصه.
و روي (1)عن داود بن الحصين قال لما خرج أبو طالب إلى الشام و خرج معه رسول الله(ص)في المرة الأولى و هو ابن اثنتي عشرة سنة فلما نزل الركب بصرى الشام و بها راهب يقال له بحيرا في صومعة له و كان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه فلما نزلوا ببحيرا و كان كثيرا ما يمرون به لا يكلمهم حتى إذا كان ذلك العام و نزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا فصنع لهم طعاما ثم دعاهم و إنما حمله على دعائهم أنه رأى حين طلعوا غمامة تظل رسول الله(ص)من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة و أخضلت أغصان الشجرة على النبي(ص)حين استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته و أمر بذلك الطعام فأتي به فأرسل إليهم فقال إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش و أنا أحب أن تحضروه كلكم و لا تخلفون (2)منكم صغيرا و لا كبيرا حرا و لا عبدا فإن هذا شيء تكرموني به فقال له رجل إن لك لشأنا يا بحيرا ما كنت تصنع بنا هذا فما شأنك اليوم قال فإني أحببت أن أكرمكم و لكم حق فاجتمعوا إليه و تخلف رسول الله(ص)من بين القوم لحداثة سنه ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفها و يجدها عنده و جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم و يراها متخلفة على رأس رسول الله(ص)قال بحيرا يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم فقال ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا و يتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم هو و الله
____________
(1) و الحديث في المصدر مسند يطول ذكر إسناده.
(2) في المصدر: و لا تخلفوا.
410
أوسطنا نسبا و هو ابن أخي هذا الرجل يعنون أبا طالب و هو من ولد عبد المطلب فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف و قال و الله إن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه و أقبل به حتى أجلسه على الطعام و الغمامة تسير على رأسه و جعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا و ينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال يا غلام أسألك بحق اللات و العزى إلا أخبرتني عما أسألك فقال رسول الله(ص)لا تسألني باللات و العزى فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما قال بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه قال سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه فجعل رسول الله(ص)يخبره فيوافق ذلك ما عنده ثم جعل ينظر بين عينيه ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم و قالت قريش إن لمحمد(ص)عند هذا الراهب لقدرا و جعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه قال الراهب لأبي طالب ما هذا الغلام منك قال أبو طالب ابني قال ما هو ابنك و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فابن أخي قال فما فعل أبوه قال هلك و أمه حبلى به قال فما فعلت أمه قال توفيت قريبا قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده و احذر عليه اليهود فو الله لئن رأوه و عرفوا منه ما أعرف ليبلعنه (1)غثا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا و ما روينا عن آبائنا و اعلم أني قد أديت إليك النصيحة فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا و كان رجال من يهود قد رأوا رسول الله(ص)و عرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي و قال لهم أ تجدون صفته قالوا نعم قال فما لكم إليه سبيل فصدقوه و تركوه و رجع به أبو طالب فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه و كان في سنة أربع عشرة من مولده(ص)الفجار الآخر بين هوازن و قريش و حضره رسول الله ص.
و في سنة سبع عشرة وثبت العظماء و الأشراف بالمدائن فخلعوا هرمز و سملوا
____________
(1) في المصدر: ليبغنه غبنا. قلت: لعله من بغى الشيء: طلبه، و الغبن: المكر و الخديعة.
411
عينيه (1)و تركوه.
و في سنة تسع عشرة قتلوا هرمز بعد خلعه و فيها ولي ابنه برويز و كان يسمى كسرى.
و في سنة ثلاث و عشرين كان هدم الكعبة و بنيانها في قول بعض العلماء. (2)
و في سنة خمس و عشرين كان تزويج خديجة رضي الله عنها كما سيأتي شرحه.
و في سنة خمس و ثلاثين من مولده(ص)هدمت قريش الكعبة على الأصح قال ابن إسحاق كانت الكعبة رضمة فوق القامة فأرادت قريش رفعها و تسقيفها و كان نفر من قريش و غيرهم قد سرقوا كنز الكعبة و كان يكون في بئر في جوف الكعبة فهدموها لذلك و ذلك في سنة خمس و ثلاثين من مولده(ص)و قيل في سبب هدمها إنه كان الجرف يطل على مكة و كان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع فخافوا أن ينهدم و سرق منه حلية و غزال من ذهب كان عليه در و جوهر و لذلك هدم البيت ثم إن سفينة أقبلت في البحر من الروم و رأسهم باقوم و كان بانيا فتحطمت السفينة بنواحي جدة فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها و كلموا الرومي باقوم فقدم معهم و قالوا لو بنينا بيت ربنا فأمروا بالحجارة فجمعت فبينا رسول الله(ص)ينقل معهم و هو يومئذ ابن خمس و ثلاثين سنة و كانوا يضعون أزرهم على عواتقهم و يحملون الحجارة ففعل ذلك رسول الله(ص)فلبط به و نودي عورتك و كان ذلك أول ما نودي فقال له أبو طالب يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك قال ما أصابني ما أصابني إلا في التعري فما رئيت لرسول الله(ع)عورة.
و في البخاري عن جابر بن عبد الله قال لما بنيت الكعبة ذهب النبي(ص)و عباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي اجعل إزارك على رقبتك من الحجارة فخر إلى الأرض و طمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال إزاري إزاري فشد عليه إزاره ثم
____________
(1) سمل عينه: فقأه.
(2) المنتقى في مولود المصطفى: الباب السابع فيما كان من سنة اثنتى عشرة الى سنة ثلاث و عشرين من مولده (صلّى اللّه عليه و آله).
412
إنهم أخذوا في بنائها و ميزوا البيت و اقترعوا عليه فوقع لعبد مناف و زهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر وجه البيت و وقع لبني أسد بن عبد العزى و بني عبد الدار ما بين الحجر إلى ركن الحجر الآخر و وقع لتيم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني و وقع لسهم و جمح و عدي و عامر بن لؤي ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود فبنوا فلما انتهوا إلى حيث موضع الركن من البيت قالت كل قبيلة نحن أحق بوضعه فاختلفوا حتى خافوا القتال ثم جعلوا بينهم أول رجل يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه فقالوا رضينا و سلمنا فكان رسول الله(ص)أول من دخل من باب بني شيبة فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا ثم أخبروه الخبر فوضع رسول الله(ص)رداءه و بسطه في الأرض ثم وضع الركن فيه ثم قال ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل و كان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة و كان في الربع الثاني أبو زمعة و كان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة و كان في الربع الرابع قيس بن عدي ثم قال رسول الله(ص)ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب ثم ارفعوه جميعا فرفعوه ثم وضعه رسول الله(ص)بيده في موضعه ذلك فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي(ص)حجرا يسد به الركن فقال العباس بن عبد المطلب لا و نحاه و ناول العباس رسول الله(ص)حجرا فسد به الركن فغضب النجدي حين نحي فقال رسول الله(ص)إنه ليس يبني معنا في البيت إلا منا ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب و سقفوا البيت و بنوه على ستة أعمدة و أخرجوا الحجر من البيت.
و في هذه السنة ولدت فاطمة(ع)بنت رسول الله(ص)و فيها مات زيد بن عمرو بن نفيل. (1)
و روي عن عامر بن ربيعة قال كان زيد بن عمرو بن نفيل يطلب الدين و كره
____________
(1) هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد اللّه بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدى بن كعب ابن لؤى و هو القائل في قصيدة.
أ ربا واحدا أم ألف ربّ* * * أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات و العزى جميعا* * * كذلك يفعل الجلد الصبور
و قد تقدم بعض أخباره.
413
النصرانية و اليهودية و عبادة الأوثان و الحجارة و أظهر خلاف قومه و اعتزل آلهتهم و ما كان يعبد آباؤهم و لا يأكل ذبائحهم فقال لي يا عامر إني خالفت قومي و اتبعت ملة إبراهيم(ع)و ما كان يعبده و إسماعيل(ع)من بعده فقال و كانوا يصلون إلى هذه القبلة و أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل(ع)يبعث لا أراني أدركه و أنا أومن به و أصدقه و أشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام قال عامر فلما نبئ رسول الله(ص)أسلمت و أخبرته بقول زيد و أقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله(ص)السلام و ترحم عليه و قال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا (1)رضي الله عنه.
و أما ما كان سنة ثمان و ثلاثين من مولده(ص)ففي هذه السنة رأى الضوء و النور و كان يسمع الصوت و لا يدري ما هو.
و أما سنة أربعين من مولده(ص)ففي هذه السنة قتل كسرى برويز النعمان بن المنذر لغضب كان له عليه قتله قبل المبعث بسبعة أشهر. (2)
بيان قوله ليحس بنعيم أي يرى و يعلم أن له ملكا و نعيما و الهصر الجذب و الإمالة و الكسر و الدفع و الإدناء و عطف شيء رطب و يقال هصر ظهره أي ثناه إلى الركوع كرصة العلقة أي كعلقة ارتص و التزق بعضها ببعض أو التزقت بشيء و هب أي نهض و أسرع و في القاموس الخضل ككتف و صاحب كل ندى يترشف نداه و اخضأل الشجر كاطمأن و اخضال كاحمار كثرت أغصانها ليبلعنه بالعين المهملة غثا بالغين المعجمة و الثاء المثلثة أي و إن كان مهزولا أو بالتاء المثناة من غت الماء إذا شرب جرعا بعد جرع من غير إبانة الإناء عن فمه و في بعض النسخ ليبلغنه عنتا و هو ظاهر و قال الجزري الرضمة واحدة الرضم و الرضام و هي دون الهضاب (3)
____________
(1) أي يجره على الأرض. يقال: جاء يسحب ذيله أي يمشى متبخترا.
(2) المنتقى في مولود المصطفى: الباب التاسع فيما كان من سنة خمس و ثلاثين إلى سنة أربعين من مولده (صلّى اللّه عليه و آله).
(3) الهضاب جمع الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض. و قيل: الجبل الطويل الممتنع المنفرد. ما ارتفع من الأرض.
414
و قيل صخور بعضها على بعض قوله فلبط به على بناء المجهول أي صرع و سقط إلى الأرض.
أقول إنما أوردت سياق هذه القصص مع عدم الوثوق عليها (1)لاشتمالها على تعيين أوقات ما أسلفناه في الأخبار المتفرقة و كونها موضحة لبعض ما أبهم فيها (2).
نشكر الباري جلّ ذكره و علا لما وفّقنا من الإشراف على طبع هذا المجلّد أعني الجزء الخامس عشر من كتاب بحار الأنوار من هذه الطبعة النفيسة، و هو الجزء الأوّل من المجلّد السادس حسب تجزئة المؤلف (قده) و هو مشتمل على 226 حديثاً في أربعة أبواب، و المجهودات الواسعة التي بذلناها في تصحيح هذا الكتاب بمرئى و منظر من المطالع الكريم و مع ذلك فإنّا بتأييد من اللّه لباستعداد بذل المجهود أكثر فأكثر في المجلّدات الآتية و منه التوفيق و عليه التكلان.
دار التصحيح و الترجمة ج 2- 1379 ه
____________
(1) لانها رويت بأسانيد عامة لم يتبين لنا وثوق رجالها، مع أنّها مشتملة على غرائب و نوادر.
(2) إلى هنا تمّ الباب الرابع من تاريخ سيدنا خير المرسلين و خاتم النبيين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و يتلوه الباب الخامس في تزوجه بخديجة رضى اللّه عنها و نبذة من فضائلها و بعض أحوالها. و الحمد للّه أولا و آخرا.
خادم العلم و الشريعة: عبد الرحيم الربانى الشيرازى عفى عنه و عن والديه.
415
فهرست ما في هذا الجزء
الموضوع/ الصفحه
خطبة الكتاب 1 باب 1 بدء خلقه و ما جرى له في الميثاق، و بدء نوره و ظهوره(ص)من لدن آدم(ع)و بيان حال آبائه العظام و أجداده الكرام سيّما عبد المطّلب و والديه عليهم الصلاة و السلام، و بعض أحوال العرب في الجاهلّية، و قصّة الفيل و بعض النوادر؛ و فيه 100 حديثاً. 2- 174
الباب 2 البشائر بمولده و نبوته من الأنبياء و الأوسياء صلوات الله عليه و عليهم و غيرهم من الكهنة و سائر الخلق، و ذكر بعض المؤمنين في الفترة و فيه 60 حديثا باب 3 تاريخ ولادته (صلّى اللّه عليه و آله) و ما يتعلق بها، و ما ظهر عندها من المعجزات و الكرامات و المنامات و فيه 37 حديثا.
باب 4 منشأه و رضاعه و ما ظهر من إعجازه عند ذلك إلى نبوته (صلّى اللّه عليه و آله) و فيه 29 حديثاً.
نقدم شكرنا العاطر إلى الفاضل البارع الشريف (جلال الدين الأرموي الشهير بالمحدث) لما تفضل علينا نسخا مخطوطة من كتاب بحار الأنوار و نسأل الله تعالى أن يوفقه و إيانا أنه ولي التوفيق.
416
(إسكن) صورة فتوغرافية من النسخة التي هي بخط المؤلف (قده) لمكتبة العلم البارع الشريف (مهدي الصدر العاملي الأصفهاني).
417
مراجع التصحيح و التخريج و التعليق
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
و الصلاة على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.
اما بعد:فقد بذلنا جهدنا في تصحيح الكتاب و تنميقه و تحقيق نصوصه و أسانيده و إخراجه بهذه الصورة البهيّة مزداناً بتعاليق يحتاج إليها في فهم غرائب ألفاظه و شرح غوامضه و لم آل جهداً في مراجعة أصوله و مآخذه و كان مرجعنا في المقابلة- مضافاً إلى النسخة المطبوعة بطهران المشهورة بطبعة أمين الضرب، و النسخة المطبوعة الحروفيّة- نسخةً ثمينةً نادرةً و هي نسخة المصنّف: النسخة الأصليّة قد وقفنا عليه في مكتبة الفقيد ثقة الإسلام و المحدّثين الحاج السيّد (صدر الدين العامليّ) بإتحاف من ولده العالم العامل الحاجّ السيّد (مهديّ الصدر العامليّ الأصبهانيّ) و النسخة مخطوطة بخطّ جيّد في غاية الدقّة و الإتقان معلّمة بخطوط أفقيّة بالحمرة كتب المصنّف بخطّه الشريف عناوين أبوابها و رموز مصادرها و تفسير الآيات و شروح ألفاظ الحديث و أمّا متون الأحاديث فهي بخطّ غيره و عليها اعتمدت في المقابلة و التصحيح يرى القارىء صحيفة من صورتها الفتوغرافيّة في الصفحة الآتية.
و كان مرجعنا في تخريج أحاديثه و تعاليقه كتباً أوعزنا إلى بعضها في المجلّدات السابقة و نذكر هاهنا زائدا على ما ذكرنا سابقا:
1- الإصابة لابن حجر المطبوع بمصر في 1358
2- إعلام الورى في أعلام الهدى للطبرسيّ المطبوع بإيران في 1312
3- الإقبال للسيّد ابن طاووس المطبوع بإيران في 1312.
4- إمتاع الأسماع للمقريزي المطبوع بمصر في 1931 م
5- الأنوار لأبي الحسن البكريّ: نسخة مخطوطة من مكتبتي و هي تزيد على نسخة المصنّف و قد ذكرت بعض الزيادة في التعليق، و هي نسخة نادرة لم نقف على غيرها إلى الآن
6- تفسير فرات بن إبراهيم المطبوع في المطبعة الحيدريّة في النجف.
* * *
418
7- التقريب لابن حجر المطبوع بهند في 1356
8- الخرائج و الجرائح للراونديّ المطبوع بإيران ضميمة أربعين المجلسيّ في 1305
9- السرائر للحلّيّ المطبوع بإيران في 1270
10- السيرة النبويّة لابن هشام المطبوع بمصر في 1356
11- شرح نهج البلاغة لابن الحديد المطبوع بمصر في أربع مجلدات.
12- فرج المهموم في ذكر علماء النجوم لابن طاوس المطبوع بالنجف في 1368
13- كشف الغمّة للإربليّ المطبوع بإيران في 1294
14- مقتضب الأثر في النصّ على الأئمة الاثنى عشر لابن عيّاش المطبوع بالنجف في 1346
15- مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب المطبوع بإيران الطبعة الأولى
16- المنتقى في مولود المصطفى للكازرونيّ نسخة مخطوطة من مكتبة العلّامة النسّابة السيّد شهاب الدين.
17- نهاية الإرب للقلقشنديّ المطبوع ببغداد في 1378
18- اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن طاوس المطبوع بالنجف في 1369
و في الختام لا أنسى ثنائي الجميل على من وازرني و ساعدني في مشروعي هذا المقدّس، و من اللّه أسأل توفيقي و توفيقاتهم إنّه وليّ حميد و له الحمد أوّلًا و آخراً.
قم المشرّفة: خادم العلم و الدين عبد الرحيم الربّانيّ الشيرازيّ عفى عنه و عن والديه
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
