بحار الأنوار
الجزء الثامن و العشرون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

2
في تلك الغزوات و ما لحقها و بيان أحوال بعض الممدوحين و المذمومين من الصحابة و التابعين مقتصرا في جميع ذلك على نقل الأخبار و توضيحها و الإيماء إلى بعض الحجج من غير تعرض لبسط القول فيها و تنقيحها و إيراد الشبه و تزييفها و تقبيحها فإن ذلك مما يكبر به حجم الكتاب و يورث إعراض الناس عنه و تعريضهم بالإطناب و الإسهاب و الله الموفق للصواب.
باب 1 افتراق الأمة بعد النبي(ص)على ثلاث و سبعين فرقة و أنه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم و ارتدادهم عن الدين
الآيات الأحزاب سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (1) فاطر فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (2) الإنشقاق فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَ اللَّيْلِ وَ ما وَسَقَ وَ الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (3) تفسير سنة الله تعالى طريقته و عادته الجارية المستمرة و هي جارية
____________
(1) الأحزاب: 62.
(2) فاطر: 43.
(3) الانشقاق: 16- 19.
4
سَيِّئاتِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (1) وَ تَلَا أَيْضاً وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (2) يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ(ص)(3).
3- ل، الخصال الْعِجْلِيُّ عَنِ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ أُمَّةَ مُوسَى(ع)افْتَرَقَتْ بَعْدَهُ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فِرْقَةٌ مِنْهَا نَاجِيَةٌ وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ وَ افْتَرَقَتْ أُمَّةُ عِيسَى(ع)بَعْدَهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فِرْقَةٌ مِنْهَا نَاجِيَةٌ وَ إِحْدَى وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ وَ إِنَّ أُمَّتِي سَتَفَرَّقُ بَعْدِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فِرْقَةٌ مِنْهَا نَاجِيَةٌ وَ اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ (4).
4- مع، معاني الأخبار مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّامِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنِ الْإِفْرِيقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَيَأْتِي عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ وَ إِنَّهُمْ تَفَرَّقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً وَ سَتَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً تَزِيدُ عَلَيْهِمْ وَاحِدَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ غَيْرَ وَاحِدَةٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا تِلْكَ الْوَاحِدَةُ قَالَ هُوَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ أَنَا وَ أَهْلُ بَيْتِي (5).
5- ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنَّهُ قَالَ لِرَأْسِ الْيَهُودِ عَلَى كَمِ افْتَرَقْتُمْ قَالَ عَلَى كَذَا وَ كَذَا فِرْقَةً فَقَالَ(ع)كَذَبْتَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ لَقَضَيْتُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً سَبْعُونَ مِنْهَا فِي
____________
(1) المائدة: 65.
(2) الأعراف: 181.
(3) تفسير العيّاشيّ ج 1(ص)331.
(4) الخصال: 585.
(5) معاني الأخبار: 323، و فيه «أنا و أصحابى».
3
في الآخرين كما جرت في الأولين في المصالح المشتركة التي لا تتبدل بتبدل الأزمان و هو المراد هنا لا جميع السنن و الأحكام ليدل على عدم النسخ قوله تعالى وَ ما وَسَقَ أي ما جمعه و ستره من الدواب و غيرها أو طردها إلى أماكنها قوله تعالى اتَّسَقَ أي اجتمع و تم بدرا قوله طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قال أكثر المفسرين أي حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدة أو مراتب من الشدة بعد المراتب و هي الموت و مواطن القيامة و أهوالها أو هي و ما قبلها من الدواهي و سيظهر من أخبارهم(ع)أنهم فسروها بما ارتكبت هذه الأمة من الضلالة و الارتداد و التفرق مطابقة لما صدر عن الأمم السالفة.
1- ل، الخصال ابْنُ بُنْدَارَ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى عِيسَى(ع)إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فَهَلَكَ سَبْعُونَ فِرْقَةً وَ تَخَلَّصَ فِرْقَةٌ وَ إِنَّ أُمَّتِي سَتَفَرَّقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فَتَهْلِكُ إِحْدَى وَ سَبْعُونَ وَ تَتَخَلَّصُ فِرْقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ تِلْكَ الْفِرْقَةُ قَالَ الْجَمَاعَةُ الْجَمَاعَةُ.
قال الصدوق (رحمه الله) الجماعة أهل الحق و إن قلوا
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ وَحْدَهُ حُجَّةٌ وَ الْمُؤْمِنُ وَحْدَهُ جَمَاعَةٌ (1)
. 2- شي، تفسير العياشي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَقُولُ تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسَى(ع)عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ مِلَّةً سَبْعُونَ مِنْهَا فِي النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسَى(ع)عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً إِحْدَى وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ تَعْلُو أُمَّتِي عَلَى الْفِرْقَتَيْنِ جَمِيعاً بِمِلَّةٍ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ ثِنْتَانِ وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ قَالُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْجَمَاعَاتُ الْجَمَاعَاتُ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)تَلَا فِيهِ قُرْآناً وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ
____________
(1) الخصال: 584 ط مكتبة الصدوق تحقيق على أكبر الغفارى.
1
كتاب الفتن و المحن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أوضح لنا مسالك الدين بأعلامه و نور لنا بمصابيح اليقين لياليه كأيامه فمن اهتدى فقد اقتدى بحجته و إمامه و من ضل فقد باء بأوزاره و آثامه و صلى الله على من بعثه بشرائعه و أحكامه محمد المخصوص من بين سائر الرسل بمزيد إكرامه و أهل بيته الأطهرين الذين بهم أفاض على الخلق سوابغ إنعامه و بهم ينجو من نجا يوم يدعى كل أناس بإمامه.
أما بعد هذا هو المجلد من كتاب بحار الأنوار مما ألفه أحوج الخلق إلى رحمة الكريم الغفار ابن محمد التقي حشره الله تعالى مع الأئمة الأبرار محمد المدعو بباقر رزقه الله العثور على خفايا الأسرار و صانه عن الخطإ و الزلل في معارج الأنظار و مناهج الأفكار و هو مشتمل على ما وقع من الجور و الظلم و البغي و العدوان على أئمة الدين و أهل بيت سيد المرسلين بعد وفاته (صلوات الله عليه و عليهم أجمعين) و توضيح كفر المنافقين و المرتدين الغاصبين للخلافة من أهلها و النازعين لها من مقرها و أعوانهم من الملحدين و بيان كفر الناكثين و القاسطين و المارقين الذين اقتدوا بمن كان قبلهم من الظالمين و حاربوا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و على أولاده الطاهرين) و أنكروا حقه مع وضوحه على العالمين و ما جرى
5
النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ نَاجِيَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَصِيَّ مُوسَى(ع)وَ افْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً إِحْدَى وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ شَمْعُونَ وَصِيَّ عِيسَى(ع)وَ تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ(ص)وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً مِنَ الثَّلَاثِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا تَنْتَحِلُ مَوَدَّتِي وَ حُبِّي وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَ هُمُ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ وَ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِي النَّارِ (1).
6 ما، الأمالي للشيخ الطوسي بإسناد المجاشعي عن الصادق(ع)عن آبائه(ع)مثله (2):
أقول- وجدت في كتاب سليم بن قيس عن أبان عنه عليه الصلاة و السلام مثله سواء (3) ثني الوسادة كناية عن التمكن في الأمر لأن الناس يثنون الوسائد للأمراء و السلاطين ليجلسوا عليها و قد مر مرارا. و النمط بالتحريك ضرب من البسط معروف و الطريقة و النوع من الشيء و جماعة أمرهم واحد و في بعض المعاني لا بد من استعارة أو تقدير و أوسط الأنماط في المجالس معد لأشارف أهلها و أوسط كل شيء أعدله و أفضله.
7- شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي الصُّهْبَانِ الْبَكْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ قَدْ دَعَا رَأْسَ الْجَالُوتِ وَ أُسْقُفَّ النَّصَارَى فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمَا عَنْ أَمْرٍ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمَا فَلَا تَكْتُمَانِي يَا رَأْسَ الْجَالُوتِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى(ع)وَ أَطْعَمَكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى* وَ ضَرَبَ لَكُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقاً يَبَساً وَ فَجَّرَ لَكُمْ مِنَ الْحَجَرِ الطُّورِيِّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْناً لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَيْناً إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَلَى كَمِ افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى فَقَالَ وَ لَا إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً فَقَالَ كَذَبْتَ وَ الَّذِي لَا إِلَهَ
____________
(1) الاحتجاج: 140- 141.
(2) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)137.
(3) كتاب سليم: 96.
6
غَيْرُهُ لَقَدِ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (1) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو (2).
8- شي، تفسير العياشي أَبُو الصُّهْبَانِ الْبَكْرِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَقُولُ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفَرَّقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (3) فَهَذِهِ الَّتِي تَنْجُو مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ (4).
9- شي، تفسير العياشي عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ قَالَ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ(ص)(5).
بيان: لعل المعنى أن هذه الآية في أمّة محمد(ص)أو المراد بقوله تعالى يَهْدُونَ أي بعضهم
- قال الطبرسي (رحمه الله تعالى) رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: هِيَ لِأُمَّتِي بِالْحَقِّ يَأْخُذُونَ وَ بِالْحَقِّ يُعْطَوْنَ وَ قَدْ أُعْطِيَ الْقَوْمُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِثْلَهَا وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ
- وَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ قَرَأَ النَّبِيُّ(ص)هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْماً عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
ثم نقل رواية العياشي
- ثُمَّ قَالَ وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَنَّهَما قَالا نَحْنُ هُمْ (6)
. 10- ما، الأمالي للشيخ الطوسي أَبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: تَأْخُذُونَ
____________
(1) الأعراف: 159.
(2) تفسير العيّاشيّ ج 2(ص)32 و أبو الصهبان ضبطه في توضيح الاشتباه بضم الصاد.
(3) الأعراف: 181.
(4) تفسير العيّاشيّ ج 2(ص)43.
(5) تفسير العيّاشيّ ج 2(ص)43.
(6) مجمع البيان ج 4(ص)503.
7
كَمَا أَخَذَتِ الْأُمَمُ مِنْ قِبْلِكُمْ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ وَ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ بَاعاً بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَداً مِنْ أُولَئِكَ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالَ (1) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَ إِنْ شِئْتُمْ فَاقْرَءُوا الْقُرْآنَ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَ الْخَلَاقُ الدِّينُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ (2) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَا صَنَعَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى قَالَ وَ مَا النَّاسُ إِلَّا هُمْ (3).
بيان: تفسير الخلاق بالدين غريب و المشهور في اللغة و التفسير أنه بمعنى النصيب و لعل المعنى أنهم جعلوا ما أصابهم من الدين وسيلة لتحصيل اللذات الفانية الدنيوية.
قال الطبرسي (رحمه الله تعالى) فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي بنصيبهم و حظهم من الدنيا أي صرفوها في شهواتهم المحرمة عليهم و فيما نهاهم الله عنه ثم أهلكوا وَ خُضْتُمْ أي دخلتم في الباطل (4).
- وَ قَالَ وَرَدَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلُ شُبِّهْنَا بِهِمْ لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبَعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. (5).
____________
(1) يعني سعيدا الراوي عن أبي هريرة، و قد أخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عن أبي هريرة أنّه قال: الخلاق الدين، راجع الدّر المنثور ج 3(ص)255.
(2) براءة: 69.
(3) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)272- 273.
(4) مجمع البيان ج 5(ص)48.
(5) و هكذا أخرج الحديث ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عن ابن عبّاس بلفظه، راجع در السيوطي ج 3(ص)255.
8
- وَ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: لَتَأْخُذُنَّ كَمَا أَخَذَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ وَ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ بَاعاً بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَداً مِنْ أُولَئِكَ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا صَنَعَتْ فَارِسُ وَ الرُّومُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ قَالَ فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ (1).
.- وَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتاً وَ هَدْياً تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَ تَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا.
و
- قَالَ حُذَيْفَةُ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قُلْنَا وَ كَيْفَ قَالَ أُولَئِكَ كَانُوا يُخْفُونَ نِفَاقَهُمْ وَ هَؤُلَاءِ أَعْلَنُوهُ.
أورد جميعها الثعلبي في تفسيره (2).
11- فس، تفسير القمي لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (3) يَقُولُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ لَا تُخْطِئُونَ طَرِيقَهُمْ وَ لَا يُخْطِئُ شِبْرٌ بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ وَ بَاعٌ بِبَاعٍ حَتَّى أَنْ لَوْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ قَالُوا الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى تَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَنْ أَعْنِي لَتَنْقُضُنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً فَيَكُونُ أَوَّلُ مَا تَنْقُضُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةَ وَ آخِرُهُ الصَّلَاةَ (4).
.. بيان قال في النهاية القذذ ريش السهم و منه
الحديث لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.
أي كما يقدر كل واحدة منها على قدر صاحبتها
____________
(1) ترى الحديث بلفظه في صحيح البخاريّ الباب 50 من كتاب الأنبياء و الباب 14 من كتاب الاعتصام، صحيح مسلم الحديث 6 من كتاب العلم، سنن ابن ماجة الباب 17 من كتاب الفتن، مسند الامام أحمد بن حنبل ج 2(ص)325 و 327 و 336 و 367 و 450 و 511 و 527 ج 3(ص)84 و 89 و 94.
(2) مجمع البيان ج 5(ص)49.
(3) الانشقاق: 19.
(4) تفسير القمّيّ: 718، و مثله في مسند ابن حنبل ج 4(ص)125.
9
و تقطع يضرب مثلا للشيئين يستويان و لا يتفاوتان.
12- جا، المجالس للمفيد مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَوَّانِيُّ عَنِ الْمُظَفَّرِ الْعَلَوِيِّ عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نُصَيْرِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ عَنْ خَالِدٍ الْقَطَوَانِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الْخَنْسَاءِ عَنْ زِيَادِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَرْوَةَ الظَّفَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ عَلَى الْحَقِّ لَا يَنْقُصُ الْبَاطِلُ مِنْهُ شَيْئاً يُحِبُّونَنِي وَ يُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِي مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذَّهَبِ الْجَيِّدِ كُلَّمَا أَدْخَلْتَهُ النَّارَ فَأَوْقَدْتَ عَلَيْهِ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا جَوْدَةً وَ فِرْقَةٌ عَلَى الْبَاطِلِ لَا يَنْقُصُ الْحَقُّ مِنْهُ شَيْئاً يُبْغِضُونَنِي وَ يُبْغِضُونَ أَهْلَ بَيْتِي مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْحَدِيدِ كُلَّمَا أَدْخَلْتَهُ النَّارَ فَأَوْقَدْتَ عَلَيْهِ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شَرّاً وَ فِرْقَةٌ مُدَهْدَهَةٌ عَلَى مِلَّةِ السَّامِرِيِّ لَا يَقُولُونَ لا مِساسَ لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا قِتَالَ إِمَامُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُ (1).
بيان: دهدهت الحجر أي دحرجته و لعله كناية عن اضطرابهم في الدين و تزلزلهم بشبهات المضلين.
13- فس، تفسير القمي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قَالَ يَا زُرَارَةُ أَ وَ لَمْ تَرْكَبْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ فِي أَمْرِ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ (2).
14- مع، معاني الأخبار أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِيهِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَارِدٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ حَدِّثْ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَا حَرَجَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَنُحَدِّثُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا سَمِعْنَاهُ وَ لَا حَرَجَ عَلَيْنَا قَالَ أَ مَا سَمِعْتَ مَا قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ
____________
(1) أمالي المفيد: 26.
(2) تفسير القمّيّ: 718.
10
فَقُلْتُ وَ كَيْفَ هَذَا قَالَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يحدث [فَحَدِّثْ أَنَّهُ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَا حَرَجَ (1).
15- ك، إكمال الدين الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)كُلُّ مَا كَانَ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ (2).
16- شف، كشف اليقين مِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ جَنْدَلِ بْنِ وَالِقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عُلَيْمٍ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ أَيْضاً مِنْ كِتَابِ أَخْطَبِ خُوارِزْمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَاصِمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَفْتَرِقُ أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ أَهْلُ حَقٍّ لَا يَشُوبُونَهُ بِبَاطِلٍ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذَّهَبِ كُلَّمَا فَتَنْتَهُ بِالنَّارِ ازْدَادَ جَوْدَةً وَ طِيباً وَ إِمَامُهُمْ هَذَا لَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ إِماماً وَ رَحْمَةً وَ فِرْقَةٌ أَهْلُ بَاطِلٍ لَا يَشُوبُونَهُ بِحَقٍّ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ خَبَثِ الْحَدِيدِ كُلَّمَا فتنتهم [فَتَنْتَهُ بِالنَّارِ ازْدَادَ خَبَثاً وَ نَتْناً وَ إِمَامُهُمْ هَذَا لَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَ فِرْقَةٌ أَهْلُ ضَلَالَةٍ مُذَبْذَبِينَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ إِمَامُهُمْ هَذَا لَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَ إِمَامِهِمْ فَقَالَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ أَمْسَكَ عَنِ الِاثْنَيْنِ فَجَهَدْتُ أَنْ يُسَمِّيَهُمَا فَلَمْ يَفْعَلْ (3).
17- جا، المجالس للمفيد الْمَرَاغِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ
____________
(1) معاني الأخبار: 158.
(2) كمال الدين: 576 ط مكتبة الصدوق.
(3) اليقين في إمرة أمير المؤمنين.
11
الضَّرِيرِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ:: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ لَتَفَرَّقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْفِرَقَ كُلَّهَا ضَالَّةٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَنِي وَ كَانَ مِنْ شِيعَتِي (1).
18- ما، الأمالي للشيخ الطوسي أَبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ارْتَدَّ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَ نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ(ص)فَقَالُوا نُصَلِّي وَ لَا نُؤَدِّي الزَّكَاةَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ وَ قَالَ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لَا أَنْقُصُكُمْ شَيْئاً مِمَّا أَخَذَ مِنْكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ(ص)وَ لَأُجَاهِدَنَّكُمْ وَ لَوْ مَنَعْتُمُونِي عِقَالًا مِمَّا أَخَذَ مِنْكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ(ص)لَجَاهَدْتُكُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (2) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ فَتَحَصَّنَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ هُوَ وَ نَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فِي حِصْنٍ وَ قَالَ الْأَشْعَثُ اجْعَلُوا لِسَبْعِينَ مِنَّا أَمَاناً فَجَعَلَ لَهُمْ وَ نَزَلَ فَعَدَّ سَبْعِينَ وَ لَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنَّهُ لَا أَمَانَ لَكَ إِنَّا قَاتِلُوكَ قَالَ أَ فَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ تَسْتَعِينُ بِي عَلَى عَدُوِّكَ وَ تُزَوِّجُنِي أُخْتَكَ فَفَعَلَ (3).
أقول: قال السيد بن طاوس ره ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي(ص)في طوائف العرب إلا في أهل المدينة و أهل مكة و أهل الطائف و ارتد سائر الناس ثم قال ارتدت بنو تميم و الرباب (4)
____________
(1) أمالي المفيد: 132.
(2) آل عمران: 144.
(3) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)268- 269.
(4) بنو تميم قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب الى تميم بن مر بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، و لتميم بطون كثيرة تربو على عشرين بطنا، و قد وفد عام التسع سبعون أو ثمانون من رؤسائهم على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و خبر وفودهم مذكور في التواريخ، انظر سيرة ابن هشام ج 2(ص)560، تاريخ الطبريّ ج 3(ص)115، صحيح.
12
و اجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي و ارتدت ربيعة كلها و كانت لهم ثلاثة عساكر عسكر باليمامة مع مسيلمة الكذاب و عسكر مع معرور الشيباني و فيه بنو شيبان و عامة بكر بن وائل و عسكر مع الحطيم العبدي و ارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة و ارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي و ارتدت بنو عامر إلا علقمة بن علاثة.
19- وَ رَوَى ابْنُ بِطْرِيقٍ (رحمه الله تعالى) مِنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً (1) بِإِسْنَادِهِ عَنْ ذَاذَانَ أَبِي عُمَرَ قَالَ قَالَ لِي عَلِيٌّ(ع)أَبَا عُمَرَ أَ تَدْرِي كَمِ افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلَّا وَاحِدَةً هِيَ نَاجِيَةٌ أَ تَدْرِي عَلَى كَمِ افْتَرَقَتِ النَّصَارَى قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ افْتَرَقَتْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلَّا وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ أَ تَدْرِي عَلَى كَمْ تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ قُلْتُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلَّا وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ وَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا أَبَا عُمَرَ (2).
____________
البخارى ج 3(ص)52، الترمذي الباب 73 من كتاب المناقب.
و في مرقاة المفاتيح ج 5(ص)510 (على ما في معجم قبائل العرب) قال أبو هريرة:
ما زلت أحبّ بنى تميم منذ ثلاث سمعت رسول اللّه يقول فيهم: هم أشد امتى على الدجال، قال:
و جاءت صدقاتهم فقال ص: هذه صدقات قومنا، و كانت سبية منهم عند عائشة فقال: أعتقيها فانها من ولد إسماعيل.
و أمّا خبر ردتهم و أنّها كيف كانت فسيأتي البحث عن ذلك في أبواب المطاعن.
و أمّا الرباب، فهم على ما ذكره ابن خلدون (ج 6(ص)318) بنو عبد مناة بن أدّ بن طابخة و انما سموا الرباب لانهم غمسوا في الرب أيديهم في حلف على بنى ضبة.
(1) الأنعام: 159.
(2) عمدة ابن بطريق: 241.
13
20- يل، الفضائل لابن شاذان فض، كتاب الروضة بِالْإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إِلَى سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَأْسُ الْيَهُودِ وَ رَأْسُ النَّصَارَى فَسَلَّمَا وَ جَلَسَا فَقَالَ الْجَمَاعَةُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ يَا مَوْلَانَا اسْأَلْهُمْ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَعْمَلُونَ قَالَ(ع)لِرَأْسِ الْيَهُودِ يَا أَخَا الْيَهُودِ قَالَ لَبَّيْكَ قَالَ عَلَى كَمِ انْقَسَمَتْ أُمَّةُ نَبِيِّكُمْ قَالَ هُوَ عِنْدِي فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ قَالَ(ع)قَاتَلَ اللَّهُ قَوْماً أَنْتَ زَعِيمُهُمْ يُسْأَلُ عَنْ أَمْرِ دِينِهِ فَيَقُولُ هُوَ عِنْدِي فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَأْسِ النَّصَارَى وَ قَالَ لَهُ كَمِ انْقَسَمَتْ أُمَّةُ نَبِيِّكُمْ قَالَ عَلَى كَذَا وَ كَذَا فَأَخْطَأَ فَقَالَ(ع)لَوْ قُلْتَ مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبِكَ لَكَانَ خَيْراً لَكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ وَ تُخْطِئَ وَ لَا تَعْلَمُ ثُمَّ أَقْبَلَ(ع)عِنْدَ ذَلِكَ وَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ أَنَا أَعْرَفُ كَمِ انْقَسَمَتِ الْأُمَمُ أَخْبَرَنِي بِهِ أَخِي وَ حَبِيبِي وَ قُرَّةُ عَيْنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَيْثُ قَالَ افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ وَصِيَّهُ وَ افْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فَإِحْدَى وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ وَصِيَّهُ وَ سَتَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّبَعَتْ وَصِيِّي وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً حَلَّتْ عُقَدَ الْإِلَهِ فِيكَ وَ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ الَّتِي اتَّخَذَتْ مَحَبَّتَكَ وَ هُمْ شِيعَتُكَ (1).
21- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا (2) قَالَ أَمَّا
____________
(1) كتاب سليم: المقدّمة(ص)25.
(2) الزمر: 30.
14
الَّذِي فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ فُلَانٌ الْأَوَّلُ يُجْمِعُ الْمُتَفَرِّقُونَ وِلَايَتَهُ وَ هُمْ فِي ذَلِكَ يَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ يَبْرَأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَأَمَّا رَجُلٌ سَلَمٌ لِرَجُلٍ فَإِنَّهُ الْأَوَّلُ حَقّاً وَ شِيعَتُهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْيَهُودَ تَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً مِنْهَا فِرْقَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ تَفَرَّقَتِ النَّصَارَى بَعْدَ عِيسَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً فِرْقَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَ إِحْدَى وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ وَ تَفَرَّقَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا(ص)عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ فِرْقَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ مِنَ الثَّلَاثِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً تَنْتَحِلُ وَلَايَتَنَا وَ مَوَدَّتَنَا اثْنَتَا عَشْرَةَ فِرْقَةً مِنْهَا فِي النَّارِ وَ فِرْقَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ سِتُّونَ فِرْقَةً مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فِي النَّارِ (1).
22- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَتَرْكَبُنَّ أُمَّتِي سُنَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ وَ بَاعاً بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْراً لَدَخَلُوا فِيهِ مَعَهُمْ إِنَّ التَّوْرَاةَ وَ الْقُرْآنَ كَتَبَتْهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ فِي رَقٍّ وَاحِدٍ بِقَلَمٍ وَاحِدٍ وَ جَرَتِ الْأَمْثَالُ وَ السُّنَنُ سَوَاءً (2) ثُمَّ قَالَ أَبَانٌ قَالَ سُلَيْمٌ وَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَقُولُ إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَفَرَّقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِرْقَةً فِي النَّارِ وَ فِرْقَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً مِنَ الثَّلَاثِ وَ سَبْعِينَ تَنْتَحِلُ مَحَبَّتَنَا أَهْلَ الْبَيْتَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَ اثْنَتَا عَشْرَةَ فِي النَّارِ وَ أَمَّا الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ الْمَهْدِيَّةُ الْمُؤْمِنَةُ الْمُسْلِمَةُ الْمُوَفَّقَةُ الْمُرْشَدَةُ فَهِيَ الْمُؤْتَمَّةُ بِي الْمُسْلِمَةُ لِأَمْرِي الْمُطِيعَةُ لِي الْمُتَبَرِّئَةُ مِنْ عَدُوِّي الْمُحِبَّةُ لِي الْمُبْغِضَةُ لِعَدُوِّي الَّتِي قَدْ عَرَفَتْ حَقِّي وَ إِمَامَتِي وَ فَرْضَ طَاعَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ فَلَمْ تَرْتَدَّ وَ لَمْ تَشُكَّ لِمَا قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ فِي قَلْبِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ حَقِّنَا وَ عَرَّفَهَا مِنْ فَضْلِنَا وَ أَلْهَمَهَا وَ أَخَذَ بِنَوَاصِيهَا فَأَدْخَلَهَا فِي شِيعَتِنَا حَتَّى اطْمَأَنَّتْ
____________
(1) الكافي ج 8(ص)224.
(2) كتاب سليم: 93.
15
قُلُوبُهَا وَ اسْتَيْقَنَتْ يَقِيناً لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ أَنِّي أَنَا وَ أَوْصِيَائِي بَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُدَاةٌ مُهْتَدُونَ الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ نَبِيِّهِ فِي آيٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَثِيرَةٍ وَ طَهَّرَنَا وَ عَصَمَنَا وَ جَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَّتَهُ فِي أَرْضِهِ وَ خُزَّانَهُ عَلَى عِلْمِهِ وَ مَعَادِنَ حُكْمِهِ وَ تَرَاجِمَةَ وَحْيِهِ وَ جَعَلَنَا مَعَ الْقُرْآنِ وَ الْقُرْآنَ مَعَنَا لَا نُفَارِقُهُ وَ لَا يُفَارِقُنَا حَتَّى نَرِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَوْضَهُ كَمَا قَالَ: وَ تِلْكَ الْفِرْقَةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الثَّلَاثِ وَ السَّبْعِينَ فِرْقَةً هِيَ النَّاجِيَةُ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ جَمِيعِ الْفِتَنِ وَ الضَّلَالاتِ وَ الشُّبُهَاتِ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقّاً هُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ وَ جَمِيعُ تِلْكَ الْفِرَقِ الِاثْنَتَيْنِ وَ السَّبْعِينَ فِرْقَةً هُمُ الْمُتَدَيِّنُونَ بِغَيْرِ الْحَقِّ النَّاصِرُونَ دِينَ الشَّيْطَانِ الْآخِذُونَ عَنْ إِبْلِيسَ وَ أَوْلِيَائِهِ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَ أَعْدَاءُ رَسُولِهِ وَ أَعْدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ بَرَءُوا مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ وَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وَ كَفَرُوا بِهِ وَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ يَحْلِفُونَ لِلَّهِ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ قَالَ قِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ رَأَيْتَ مَنْ قَدْ وَقَفَ فَلَمْ يَأْتَمَّ بِكُمْ وَ لَمْ يُضَادَّكُمْ وَ لَمْ يَنْصِبْ لَكُمْ وَ لَمْ يَتَوَلَّكُمْ وَ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَ قَالَ لَا أَدْرِي وَ هُوَ صَادِقٌ قَالَ لَيْسَ أُولَئِكَ مِنَ الثَّلَاثِ وَ السَّبْعِينَ فِرْقَةً إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالثَّلَاثِ وَ السَّبْعِينَ فِرْقَةً الْبَاغِينَ النَّصَّابِينَ الَّذِينَ قَدْ شَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ دَعَوْا إِلَى دِينِهِمْ فَفِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهَا تَدِينُ بِدِينِ الرَّحْمَنِ وَ اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ تَدِينُ بِدِينِ الشَّيْطَانِ وَ تَتَوَلَّى عَلَى قَبُولِهَا وَ تَتَبَرَّأُ مِمَّنْ خَالَفَهَا فَأَمَّا مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ لَمْ يَعْرِفْ وَلَايَتَنَا وَ لَا ضَلَالَةَ عَدُوِّنَا وَ لَمْ يَنْصِبْ شَيْئاً وَ لَمْ يُحِلَّ وَ لَمْ يُحَرِّمْ وَ أَخَذَ بِجَمِيعِ مَا لَيْسَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْأُمَّةِ خِلَافٌ فِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ وَ كَفَّ عَمَّا بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْأُمَّةِ خِلَافٌ فِي أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ فَلَمْ يَنْصِبْ شَيْئاً وَ لَمْ يُحَلِّلْ وَ لَمْ يُحَرِّمْ وَ لَا يَعْلَمُ وَ رَدَّ عِلْمَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ إِلَى اللَّهِ فَهَذَا نَاجٍ وَ هَذِهِ الطَّبَقَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ وَ جُلُّهُمْ وَ هُمْ أَصْحَابُ الْحِسَابِ وَ الْمَوَازِينِ
16
وَ الْأَعْرَافِ وَ الْجَهَنَّمِيُّونَ الَّذِينَ يَشْفَعُ لَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْمَلَائِكَةُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ فَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُنْجَوْنَ وَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ وَ إِنَّمَا الْحِسَابُ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ الْمُقْتَرِفَةِ وَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةَ الْكُفْرِ وَ الشِّرْكِ وَ لَا يُحْسِنُونَ أَنْ يَنْصِبُوا وَ لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا إِلَى أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ عَارِفِينَ فَهُمْ أَصْحابُ الْأَعْرافِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لِلَّهِ فِيهِمُ الْمَشِيَّةُ إِنْ أَدْخَلَ أَحَدَهُمُ النَّارَ فَبِذَنْبِهِ وَ إِنْ تَجَاوَزَ عَنْهُ فَبِرَحْمَتِهِ قُلْتُ أَ يَدْخُلُ النَّارَ الْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ الدَّاعِي قَالَ لَا قُلْتُ أَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَعْرِفُ إِمَامَهُ قَالَ لَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قُلْتُ أَ يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا كَافِرٌ أَوْ مُشْرِكٌ قَالَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا كَافِرٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قُلْتُ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُؤْمِناً عَارِفاً بِإِمَامِهِ مُطِيعاً لَهُ أَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ قَالَ نَعَمْ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قُلْتُ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ مِنْهُمْ عَلَى الْكَبَائِرِ قَالَ هُوَ فِي مَشِيَّتِهِ إِنْ عَذَّبَهُ فَبِذَنْبِهِ وَ إِنْ تَجَاوَزَ عَنْهُ فَبِرَحْمَتِهِ قُلْتُ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ قَالَ نَعَمْ بِذَنْبِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَنَى أَنَّهُ لَهُمْ وَلِيٌّ وَ أَنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ وَ الَّذِينَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (1).
وَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ وَ سَلْمَانَ وَ الْمِقْدَادَ يَقُولُونَ إِنَّا لَقُعُودٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا مَعَنَا غَيْرُنَا إِذَا رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كُلُّهُمْ بَدْرِيُّونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَفْتَرِقُ أُمَّتِي بَعْدِي ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ عَلَى الْحَقِّ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذَّهَبِ كُلَّمَا سَبَكْتَهُ عَلَى النَّارِ ازْدَادَ طِيباً وَ جَوْدَةً إِمَامُهُمْ هَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ وَ فِرْقَةٌ أَهْلُ بَاطِلٍ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْحَدِيدِ كُلَّمَا أَدْخَلْتَهُ النَّارَ ازْدَادَ خَبَثاً وَ نَتْناً إِمَامُهُمْ هَذَا أَحَدُ
____________
(1) كتاب سليم: 96- 98.
17
الثَّلَاثَةِ وَ فِرْقَةٌ مُذَبْذَبِينَ ضُلَّالًا لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ إِمَامُهُمْ هَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فَسَأَلْتُهُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ فَقَالُوا إِمَامُ الْحَقِّ وَ الْهُدَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ سَعْدٌ (1) إِمَامُ الْمُذَبْذَبِينَ وَ حَرَصْتُ أَنْ يُسَمُّوا لِيَ الثَّالِثَ فَأَبَوْا عَلَيَّ وَ عَرَّضُوا لِي حَتَّى عَرَفْتُ مَنْ يَعْنُونَ (2).
23- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ إِنَّ رَحِمَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَا يَشْفَعُ (3) يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَلَى وَ اللَّهِ إِنَّ رَحِمِي لَمَوْصُولَةٌ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ إِنِّي أَيُّهَا النَّاسُ فَرَطُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْحَوْضِ فَإِذَا جِئْتُمْ قَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَأَقُولُ أَمَّا النَّسَبُ فَقَدْ عَرَفْتُهُ وَ لَكِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ بَعْدِي ذَاتَ الشِّمَالِ وَ ارْتَدَدْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمُ الْقَهْقَرَى (4).
بيان: قال الجزري فيه أنا فرطكم على الحوض أي متقدمكم إليه يقال فرط يفرط فهو فارط و فرط إذا تقدم و سبق القوم ليرتاد لهم الماء و يهيئ لهم الدلاء و الأرشية.
24- ما، الأمالي للشيخ الطوسي أَبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: أَ تَزْعُمُونَ أَنَّ رَحِمَ نَبِيِّ اللَّهِ لَا يَشْفَعُ قَوْمَهُ يَوْمَ
____________
(1) يريد سعد بن أبي وقاص حيث تنحى و اعتزل عن أن يكون مع عليّ (عليه السلام) أو مع من خالفه من أصحاب الجمل و صفّين، و من ذلك يظهر أن الرجل الثالث هو معاوية بن ابى سفيان.
(2) كتاب سليم بن قيس: 227.
(3) لا ينفع خ ل و هكذا فيما يأتي.
(4) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)92.
18
الْقِيَامَةِ بَلَى وَ اللَّهِ إِنَّ رَحِمِي لَمَوْصُولَةٌ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَإِذَا جِئْتُ قَامَ رِجَالٌ يَقُولُونَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَ قَالَ آخَرُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَ قَالَ آخَرُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَأَقُولُ أَمَّا النَّسَبَ فَقَدْ عَرَفْتُ وَ لَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ بَعْدِي وَ ارْتَدَدْتُمُ الْقَهْقَرَى (1).
25- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ خَيْرِ بْنِ نَوْفٍ أَبِي الْوَدَّاكِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَ اللَّهِ مَا يَأْتِي عَلَيْنَا عَامٌ إِلَّا وَ هُوَ شَرٌّ مِنَ الْمَاضِي وَ لَا أَمِيرٌ إِلَّا وَ هُوَ شَرٌّ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَا تَقُولُ وَ لَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَا يَزَالُ بِكُمُ الْأَمْرُ حَتَّى يُولَدَ فِي الْفِتْنَةِ وَ الْجَوْرِ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَدَدُهَا حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ جَوْراً فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَقُولُ اللَّهَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ رَجُلًا مِنِّي وَ مِنْ عِتْرَتِي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مَلَأَهَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ جَوْراً وَ يُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا وَ يَحْثُو الْمَالَ حَثْواً وَ لَا يَعُدُّهُ عَدّاً وَ ذَلِكَ حِينَ يَضْرِبُ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ (2).
بيان: قال في النهاية في أشراط الساعة و تقيء الأرض أفلاذ كبدها أي تخرج كنوزها المدفونة فيها و هو استعارة و الأفلاذ جمع فلذ و الفلذ جمع فلذة و هي القطعة المقطوعة طولا و الحثو رمي التراب و نحوه و هو كناية عن كثرة العطاء و قال في النهاية و منه حتى ضرب الحق بجرانه أي قر قراره و استقام كما أن البعير إذا برك و استراح مد عنقه على الأرض.
26- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصَّوْلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ نَصْرٍ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ الرِّضَا(ع)عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ص
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)275. أمالي المفيد(ص)202 بهذا الاسناد.
(2) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)126.
19
أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ (1) وَ عَنْ قَوْلِهِ(ص)دَعُوا لِي أَصْحَابِي فَقَالَ هَذَا صَحِيحٌ يُرِيدُ مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ بَعْدَهُ وَ لَمْ يُبَدِّلْ قِيلَ وَ كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ قَدْ غَيَّرُوا وَ بَدَّلُوا قَالَ لِمَا يَرْوُونَهُ مِنْ أَنَّهُ(ص)قَالَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ غَرَائِبُ الْإِبِلِ عَنِ الْمَاءِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ لِي إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ بُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً أَ فَتَرَى هَذَا لِمَنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَ لَمْ يُبَدِّلْ (2).
بيان: قال في النهاية في الحديث فليذادن رجال عن حوضي أي ليطردن.
____________
(1) قال الشيخ في تلخيص الشافي ج 2(ص)248: «و أمّا الكلام في قوله: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ... لنا أن نقول: لو كان الخبر صحيحا لوجب بذلك عصمة كل واحد من الصحابة، و ليس ذلك بقول لاحد، لان فيهم من ظهر فسقه و عناده و خروجه على الجماعة، على أن هذا الخبر معارض بما روى عن النبيّ من قوله: «انكم تحشرون إلى اللّه يوم القيامة حفاة عراة، و انه سيجاء برجال من أمتى و يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا ربّ اصحابى؟
فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» أقول: راجع صحيح البخاريّ تفسير سورة الأنبياء 2 و 5 و 14، الباب 45 و 53 من كتاب الرقاق و الباب الأوّل من كتاب الفتن، صحيح مسلم الباب 37 من كتاب الطهارة، الباب 53 من كتاب الصلاة، الباب 29 و 32 و 40 من كتاب الفضائل، الباب 58 من كتاب الجنة، سنن الترمذي الباب 3 من كتاب القيامة و هكذا تفسير سورة الأنبياء 4، سنن النسائى الباب 21 من كتاب الافتتاح، الباب 119 من كتاب الجنائز و الباب 50 و 52 من كتاب الحجّ، سنن ابن ماجة الباب 40 و 76 من كتاب المناسك، سنن الدارميّ الباب 18 من كتاب المناسك موطأ مالك الباب 32 من كتاب الجهاد، مسند ابن حنبل ج 1(ص)39 و 50 ج 3(ص)28 و 102 ج 4(ص)396 ج 5(ص)48 و 388 و 412.
(2) عيون الأخبار ج 2(ص)87.
20
27- شي، تفسير العياشي عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ الْعَامَّةَ تَزْعُمُ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ اجْتَمَعَ لَهَا النَّاسُ كَانَتْ رِضًا لِلَّهِ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْتِنَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ مَا يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ أَ لَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (1) الْآيَةَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ هَذَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ قَالَ فَقَالَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ حِينَ قَالَ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ إِلَى قَوْلِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ (2) الْآيَةَ فَفِي هَذَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ قَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ (3).
بيان: الآية هكذا تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ و الاستدلال بها من وجهين الأول شمولها لأمة نبينا(ص)
و الثاني بانضمام ما تواتر عن النبي(ص)أن كل ما وقع في الأمم السالفة يقع في هذه الأمة و يحتمل أيضا أن يكون الغرض دفع الاستبعاد عن وقوعه في تلك الأمة كما هو ظاهر الخبر.
28- شي، تفسير العياشي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: تَدْرُونَ مَاتَ النَّبِيُّ(ص)أَوْ قُتِلَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَسُمَ
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) البقرة: 253.
(3) تفسير العيّاشيّ ج 1(ص)200.
21
قَبْلَ الْمَوْتِ إِنَّهُمَا سَمَّتَاهُ فَقُلْنَا إِنَّهُمَا وَ أَبَوَيْهِمَا شَرُّ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ (1).
29- شي، تفسير العياشي الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الْقَتْلُ أَمِ الْمَوْتُ قَالَ يَعْنِي أَصْحَابَهُ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا (2).
____________
(1) المصدر نفسه، و ضمير التثنية كناية عن المرأتين اللتين يقول اللّه عزّ و جلّ فيهما:
«إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ- فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما- وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ
الْمُؤْمِنِينَ».
(2) تفسير العيّاشيّ ج 1(ص)200، و السؤال وقع عن أنّه(ص)هل قتل بالسم، أو مات كما يموت الإنسان حتف أنفه، فأعرض عن سؤاله و أجابه بما هو أهم بالنسبة الى السائل، و هو أن كلامه تعالى: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» و ان كان تقريبا لجل المهاجرين و الأنصار الذين فروا عن المشركين يوم أحد و كادوا أن ينقلبوا على أعقابهم الى جاهليتهم الأولى، حيث زعموا أن رسول اللّه قد قتل لكن السورة لما كانت نازلة بعد مقفل رسول اللّه من أحد سالما فلا تريد الآية الكريمة الا أن تقرعهم بما في قلوبهم من الضعف و المرض و تبحث عما في نفوسهم بأنّه هل الايمان نفذ في أعماق روحكم، أو أنكم تتلقونه بألسنتكم ظاهرا و تقولون في قلوبكم باطنا: هل لنا من الامر من شيء»؟
فهل أنتم بحيث إذا حدث حادث فقتل رسول اللّه أو مات كما مات سائر انبياء اللّه المرسلين ترجعون على أعقابكم القهقرى؟
فاعلموا انه من ينقلب حين وفاة رسول اللّه على عقبيه و أحيا سنة الجاهلية الأولى فلن يضر اللّه شيئا، فان اللّه حافظ دينه «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» و سيجزى اللّه الشاكرين لنعمة الهداية الثابتين على سيرة رسول اللّه و هديه.
فالامام (عليه السلام) ينبه السائل الى أن الآية الكريمة بما في ذيلها «وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» تشير الى أن المؤمنين و فيهم الفارون عن غزاة احد لا بدّ و ان ينقسموا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قسمين: قسم يشكر اللّه على نعمة الهداية و يثبت على دين الإسلام بحقيقته، و قسم غير شاكرين ينقلبون على أعقابهم و يحيون سنن الجاهلية «لا يرى فيهم من أمر محمد (ص) الا أنهم يصلون جميعا صلاة مضيعة». فلو لا أنهم كانوا باقين على نفاقهم الباطنى و انقسامهم بعد رسول اللّه الى قسمين، لم يكن لتعرض الآية الى هذا التقسيم و جزاء القسمين معنى أبدا.
22
30- جا، المجالس للمفيد الْجِعَابِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ المستعطفي [الْمُسْتَعْطِفِ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وَ لَيُقْطَعَنَّ بِرِجَالٍ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى (1).
31- جا، المجالس للمفيد بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عِيسَى عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ يَا أُمَّهْ قَدْ خِفْتُ أَنْ يُهْلِكَنِي كَثْرَةُ مَالِي أَنَا أَكْثَرُ قُرَيْشٍ مَالًا قَالَتْ يَا بُنَيَّ فَأَنْفِقْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لَا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ قَالَ فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ بِاللَّهِ يَا أُمَّهْ أَنَا مِنْهُمْ فَقَالَتْ لَا أَعْلَمُ وَ لَنْ أُبْرِئَ بَعْدَكَ أَحَداً (2).
32- كشف، كشف الغمة عَنْ كِفَايَةِ الطَّالِبِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (3) أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ(ع)أَلَا وَ إِنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي قَالَ
____________
(1) أمالي المفيد: 31 و رواه احمد و أبو يعلى كما في الزوائد 1/ 112.
(2) أمالي المفيد: 31 و رواه احمد و أبو يعلى كما في الزوائد 1/ 112.
(3) الأنبياء: 104.
23
فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُذْ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ع وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ إِلَى قَوْلِهِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1).
قلت (2) هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث المغيرة بن النعمان- رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير عن سفيان و- رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشار بن بندار عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة و رزقناه بحمد الله عاليا من هذا الطريق هذا آخر كلامه (3):
الغرل بضم الغين المعجمة ثم الراء المهملة جمع الأغرل و هو الأغلف.
33- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَيَجِيئَنَّ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْيَةِ وَ الْمَكَانَةِ مِنِّي لِيَمُرُّوا
____________
(1) المائدة: 117.
(2) من كلام صاحب الكفاية: الگنجى.
(3) كشف الغمّة ج 1(ص)147، و قوله: «هذا آخر كلامه» من تتمة كلام الاربلى في الكشف، يشير الى أن كلام صاحب الكفاية: الگنجى الحافظ ينتهى هاهنا، لا عند قوله تعالى «الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»*، فهو الذي ذكر سند الحديث ثمّ قال: رزقناه عاليا.
و زاد في المصدر بعد ذلك «... و ليس هذا موضع هذا الحديث، و لعله ذكره من أجل قوله «نعوذ باللّه من الحور بعد الكور». يريد بكلامه هذا أن الگنجى الحافظ انما ذكر الحديث المذكور في غير مورده، تحقيقا لما كان بخلده من أن أصحاب النبيّ(ص)كانوا قد نقضوا ايمانهم بعد توكيدها و قوله «نعوذ باللّه من الحور بعد الكور» و يقال ايضا: «حار بعد ما كار» اصله من كور العمامة و ادارتها ثمّ حورها و نقضها.
و اما الحديث، فقد رواه البغوى أيضا في كتابه المصابيح على ما في مشكاته(ص)483 و قال: متفق عليه، يعنى في صحيحى البخارى و مسلم (8/ 157).
24
عَلَى الصِّرَاطِ فَإِذَا رَأَيْتُهُمْ وَ رَأَوْنِي وَ عَرَفْتُهُمْ وَ عَرَفُونِي اخْتَلَجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ حَيْثُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ بُعْداً وَ سُحْقاً (1).
بيان: قال الجوهري يقال فلان من علية الناس و هو جمع رجل علي أي شريف رفيع مثل صبي و صبية و العلية الغرفة و في القاموس علا السطح يعليه عليا و عليا صعده و قال في النهاية الخلج الجذب و النزع و منه
الحديث لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيَخْتَلِجَنَّ دُونِي.
أي يجتذبون و يقتطعون و
قال في حديث الحوض فَأَقُولُ سُحْقاً سُحْقاً.
أي بعدا بعدا و مَكانٍ سَحِيقٍ بعيد.
34- مد، العمدة بِإِسْنَادِهِ إِلَى الثَّعْلَبِيِّ مِنْ تَفْسِيرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ الْقَهْقَرَى (2).
بيان: قال في النهاية فيه يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ أي يصدون عنه و يمنعون من وروده.
35- يف، الطرائف مد، العمدة بِإِسْنَادِهِمَا إِلَى صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ وَ الْجَمْعِ بَيْنَ
____________
(1) كتاب سليم: 93، و الحديث تراه في صحيح البخاريّ كتاب الرقاق الباب 53 مسند أحمد ج 1(ص)439 و 455 ج 5(ص)388 و 393 و 400.
(2) عمدة ابن البطريق: 242، و مثله في الصحيحين: صحيح مسلم و البخارى عن سهل ابن سعد قال: قال رسول اللّه ص: انى فرطكم على الحوض: من مر على شرب و من شرب لم يظمأ أبدا، ليردن على اقوام أعرفهم و يعرفوننى ثمّ يحال بينى و بينهم، فأقول: انهم منى! فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدى، أخرجه في مشكاة المصابيح(ص)488 و قال: متفق عليه.
25
الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِمْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عُرَاةً حُفَاتاً غُرْلًا ثُمَّ تَلَا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (1) ثُمَّ قَالَ أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ وَ إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (2) فَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.
- قَالَ مُسْلِمٌ وَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَ مُعَاذٍ فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ (3)
. 36- مد، العمدة مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ.
قَالَ وَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّهُ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا
____________
(1) الأنبياء: 104.
(2) المائدة: 117.
(3) الطرائف: 113، عمدة ابن البطريق: 242، و الحديث هو الذي مر تحت الرقم 32 من كتاب الكشف باخراجه عن الحافظ الگنجى ترى الحديث و ما هو بمضمونه في صحيح البخاريّ الباب 8 و 48 من كتاب الأنبياء، صحيح مسلم كتاب الجنة تحت الرقم 58، صحيح الترمذي الباب 3 من كتاب القيامة، صحيح النسائى الباب 119 من كتاب الجنائز، سنن ابن ماجة الباب 76 من كتاب المناسك، مسند ابن حنبل ج 1(ص)35 و 253 و 258.
26
أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى.
فقال
قال البخاري و قال شعيب عن الزهري كان أبو هريرة يحدث عن النبي(ص)فيجلون.
و
قال عقيل فيحلئون (1)
. 37- أَقُولُ رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْأُصُولِ مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ إِلَيْهِمْ لِأُنَاوِلَهُمُ اخْتَلَجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ (2).
وَ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضاً عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَ رُفِعُوا إِلَيَّ اخْتَلَجُوا دُونِي فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَلَيُقَالَنَّ لِي إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ.
وَ زِيدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ فَأَقُولُ سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي (3)
. وَ أَيْضاً مِنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ(ص)يَقُولُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَ مَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً وَ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَ يَعْرِفُونَنِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَ أَنَا أُحَدِّثُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا يَقُولُ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعْتُهُ يَزِيدُ
____________
(1) عمدة ابن البطريق: 242، و ترى مثل الحديث و بمضمونه في صحيح البخاريّ كتاب المساقاة الباب 10، صحيح مسلم كتاب الطهارة الحديث 37 و 38 و كتاب الفضائل الحديث 39، سنن ابن ماجه كتاب الزهد الباب 36 مسند الامام ابن حنبل ج 2(ص)298 و 300 ج 5(ص)72 و 80 و 283.
(2) جامع الأصول ج 11(ص)119 و قال: اختلجوا: اي استلبوا و اخذوا بسرعة.
(3) جامع الأصول ج 11(ص)120.
27
فَيَقُولُ فَإِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقاً سُحْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي (1).
وَ أَيْضاً مِنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي أَوْ قَالَ مِنْ أُمَّتِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى وَ فِي رِوَايَةٍ فَيُجْلَوْنَ (2).
وَ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ هَلُمَ (3) قُلْتُ إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَ اللَّهِ فَقُلْتُ وَ مَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ الْقَهْقَرَى ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ أُخْرَى حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ هَلُمَّ فَقُلْتُ إِلَى أَيْنَ قَالَ إِلَى النَّارِ وَ اللَّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ قَالَ إِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ (4).
____________
(1) جامع الأصول ج 11(ص)120 مسلم 7/ 66.
أقول قوله «سحقا سحقا لمن غير بعدى» قال القسطلانى في شرحه ارشاد السارى: اي سحقا لمن غير بعدى دينه، لانه(ص)لا يقول في العصاة بغير الكفر: سحقا سحقا، بل يشفع لهم و يهتم بأمرهم، كما لا يخفى.
(2) جامع الأصول ج 11(ص)120، و قال في(ص)216: فيحلئون: اي يدفعون عن الماء، و يطردون عن وروده، و من رواه بالجيم فهو من الجلاء بمعنى النفي عن الوطن، و هو راجع الى الطرد.
(3) هلم يا رجل- بفتح الميم- بمعنى تعال، قال الخليل: و اصله لم من قولهم: لم اللّه شعثه: اي جمعه كانه أراد لم نفسك الينا، اى اقرب، و ها للتنبيه، و انما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، و جعلا اسما واحدا يستوى فيه الواحد و الجمع و التأنيث في لغة أهل الحجاز، قال اللّه تعالى: «وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا» و أهل نجد يصرفونها، قاله الجوهريّ.
(4) جامع الأصول ج 11(ص)120 و 121 أقول:
الهمل بالتحريك: الإبل التي ترعى بلا راع مثل النفش الا أن النفش لا يكون الا ليلا، و الهمل يكون ليلا و نهارا، يقال: إبل همل و هاملة، و نقل عن السندى في تعليقته على البخارى شرحا لهذه الكلمة أنّه قال: اي لا يخلص منهم من النار الا قليل. و قال القسطلانى في شرحه على البخارى: ارشاد السارى: يعنى أن الناجى منهم قليل في قلة النعم الضالة، و هذا يشعر بأنهم صنفان: كفار و عصاة.
28
وَ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِيَ الْحَوْضَ وَ أَنَا أَذُودُ النَّاسَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ تَعْرِفُنَا قَالَ نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَ لَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي فَيَجِيئُنِي (1) مَلَكٌ فَيَقُولُ وَ هَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ (2).
وَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضاً عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ وَ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ فَلَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ مِنِّي وَ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ (3).
وَ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ وَ سَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ مِنِّي وَ مِنْ أُمَّتِي وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَأَقُولُ أَصْحَابِي فَيُقَالُ هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَ اللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
وَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ:
____________
(1) فيجيبنى خ ل، و هو المضبوط في المصدر.
(2) جامع الأصول ج 11(ص)121، و قال: فى(ص)216: الاقتطاع: أخذ طائفة من الشيء، تقول: اقتطعت طائفة من أصحابه: إذا أخذتهم دونه.
(3) جامع الأصول ج 11(ص)121.
29
إِنِّي لَكُمْ فَرَطٌ عَلَى الْحَوْضِ فَإِيَّايَ لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيُذَبَّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأَقُولَ فِيمَ هَذَا فَيُقَالَ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولَ سُحْقاً (1).
وَ مِنَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: يَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ الْقَهْقَرَى (2).
وَ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ (3).
وَ مِنْهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَنٍ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ (4).
وَ رُوِيَ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ وَ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ وَ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً (5).
وَ مِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) المصدر نفسه(ص)122، و صدر الحديث: قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض و لم أسمع ذلك من رسول اللّه، فلما كان يوما من ذلك و الجارية تمشطنى، سمعت رسول اللّه يقول: ايها الناس! فقلت للجارية: استأخرى عنى، قالت: انما دعا الرجال و لم يدع النساء، فقلت: انى من الناس، فقال رسول اللّه(ص)... الحديث.
(2) جامع الأصول ج 11(ص)122.
(3) جامع الأصول ج 11(ص)122.
(4) جامع الأصول ج 11(ص)122، لكنه قال: أخرجه مسلم،.
(5) جامع الأصول ج 10(ص)408 و قد أخرجه عن ابى داود و الترمذي، و لفظ الترمذي:
«و تفرقت النصارى على احدى و سبعين او اثنتين و سبعين فرقة» بدل قوله «و النصارى مثل ذلك».
30
لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً وَ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِي (1).
وَ مِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ زَادَ رَزِينٌ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ فَلَا أَدْرِي أَ تَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا (2).
وَ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى قَالَ فَمَنْ (3).
وَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ
____________
(1) جامع الأصول ج 10(ص)408 و في حديث أخرجه الخوارزمي في مناقبه الفصل 19(ص)231، و الكركى في نفحات اللاهوت 86 عن عليّ (عليه السلام) عن رسول اللّه ص: قال «... يا أبا الحسن ان أمة موسى افترقت على احدى و سبعين فرقة: فرقة ناجية و الباقون في النار، و ان أمة عيسى افترقت على اثنتين و سبعين فرقة: فرقة ناجية و الباقون في النار، و ستفرق امتى على ثلاث و سبعين فرقة: فرقة ناجية و الباقون في النار، فقلت: يا رسول اللّه فما الناجية؟ قال:
المتمسك بما أنت و شيعتك و أصحابك ... الحديث راجع تلخيص الشافي ج 3(ص)5 ذيله.
(2) المصدر نفسه(ص)408 و 409 و صدر الحديث: أبو واقد الليثى: أن رسول اللّه لما خرج الى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها اسلحتهم يقال لها ذات انواط، فقالوا يا رسول اللّه اجعل لنا ذات انواط، كما لهم ذات انواط، فقال رسول اللّه: سبحان اللّه:
هذا كما قال قوم موسى: «اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» الحديث.
(3) جامع الأصول ج 10(ص)409 و تراه في مشكاة المصابيح(ص)458.
31
حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي مَأْخَذَ الْقُرُونِ قَبْلَهَا شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَارِسَ وَ الرُّومِ قَالَ مَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ (1).
وَ مِنَ التِّرْمِذِيِ وَ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِ (2).
انتهى ما أخرجناه من جامع الأصول و روى السيد في الطرائف (3) هذه الأخبار من الجمع بين الصحيحين للحميدي و رواها ابن البطريق في العمدة (4) من صحاحهم و لا حاجة لنا إلى إيرادها لأنا أخرجناها من أصولها.
- و قال السيد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند أبي الدرداء في الحديث الأول من صحيح البخاري قالت أم الدرداء. دخل علي أبو الدرداء و هو مغضب فقلت ما أغضبك فقال و الله ما أعرف من أمر محمد(ص)شيئا إلا أنهم يصلون جميعا (5).
و
- روي أيضا من صحيح البخاري من مسند أنس بن مالك عن الزهري قال.
دخلت على أنس بن مالك بدمشق و هو يبكي فقلت ما يبكيك قال لا أعرف شيئا
____________
(1) المصدر نفسه(ص)409، و فيه «باخذ القرون» بكسر الهمزة.
(2) جامع الأصول ج 12(ص)62 ج 10(ص)410 و لفظ الحديث: «انما أخاف على امتى الأئمّة المضلين فإذا وضع السيف في امتى لم يرفع عنها الى يوم القيامة، و لا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من امتى بالمشركين و حتّى تعبد قبائل من امتى الاوثان، و انه يكون في امتى ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنّه نبى و أنا خاتم النبيين لا نبى بعدى، و لا تزال طائفة من امتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتّى يأتي أمر اللّه و هم على ذلك.
أقول و رواه في مشكاة المصابيح(ص)465.
(3) الطرائف: 113- 114.
(4) العمدة 241- 242.
(5) الطرائف: 113، اقول: راجع صحيح البخاريّ كتاب الاذان الرقم 31، مسند أحمد بن حنبل ج 5(ص)195 ج 6(ص)443.
32
مما أدركت إلا هذه الصلاة و هذه الصلاة قد ضيعت (1).
و
- في حديث آخر منه. ما أعرف شيئا مما كان على عهد رسول الله(ص)قيل الصلاة قال أ ليس ضيعتم ما ضيعتم فيها (2).
.- وَ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ أَيْضاً مِنْ مُسْنَدِ أَبِي مَالِكٍ وَ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ: أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَ رَحْمَةٌ ثُمَّ مُلْكٌ وَ رَحْمَةٌ ثُمَّ مُلْكٌ وَ جَبَرِيَّةٌ ثُمَّ مُلْكٌ عَضٌّ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الْخَزُّ وَ الْحَرِيرُ (3).
- وَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ(ص)فِي أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِنَّ مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَ هَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ تَقَعُ فِيهَا وَ جَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ فَيَغْلِبْنَ وَ يَقْتَحِمْنَ فِيهَا قَالَ وَ ذَلِكَ مَثَلِي وَ مَثَلُكُمْ أَنَا آخِذٌ بِحُجْزَتِكُمْ هَلُمُّوا عَنِ النَّارِ هَلُمُّوا عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونَنِي وَ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا (4).
- وَ مِنْ مُسْنَدِ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ وَ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَ حَتَّى تُعْبَدَ فِي أُمَّتِيَ الْأَوْثَانُ (5).
.
____________
(1) المصدر نفسه، و هو في صحيح البخاريّ كتاب المواقيت الرقم 7.
(2) المصدر نفسه، و هو في صحيح البخاريّ كتاب المواقيت الرقم 7.
(3) المصدر نفسه(ص)113، و أخرجه في مشكاة المصابيح(ص)456 و قال رواه البخارى و أخرج مثله(ص)460 عن ابى عبيدة و معاذ بن جبل و قال رواه البيهقيّ في شعب الايمان، و قوله «ملك عض» العض بالكسر: الداهية و الجمع عضوض و في النهاية: فيه: «ثم يكون ملك عضوض» أي يصيب الرعية فيه عسف و ظلم كانهم يعضون فيه عضا، و هو جمع عض بالكسر، و هو الخبيث الشرس.
(4) المصدر(ص)114، راجع صحيح البخاريّ كتاب الأنبياء الرقم 40. كتاب الرقاق 6، صحيح مسلم كتاب الفضائل الحديث 17- 19، سنن الترمذي كتاب الأدب، 82 مسند ابن حنبل ج 2(ص)244، 312.
(5) المصدر(ص)114، و قد مر اخراجه عن الأصول آنفا(ص)31.
33
ثم قال السيد هذه بعض أحاديثهم الصحاح مما ذكروه عن صحابة نبيهم و عن أمته و ما يقع منهم من الضلال بعد وفاته (1) و سأذكر فيما بعد طرفا من أحاديثهم
____________
(1) بل و نرى في صحاحهم: رووا عن الصحابة البدريين أنهم قد كانوا يخافون على انفسهم من النفاق و الكفر بما أحدثوا بعد رسوله الأمين الكريم:
فهذا ابن أبي مليكة قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول اللّه(ص)قد شهدوا بدرا كلهم يخاف النفاق على نفسه، و لا يأمن المكر على دينه، ما منهم من أحد يقول: انه على ايمان جبريل و ميكائيل، أخرجه ابن الأثير في جامع الأصول ج 12(ص)201 عن البخارى، و تراه في صحيح البخاريّ كتاب الايمان الرقم 36.
و هذا عمر فاروقهم البدرى، اعترف بمثل ذلك و تأسف على ما أحدث بعد رسول اللّه(ص)من الموبقات، كما روى عن ابى بردة بن أبي موسى قال: قال لي عبد اللّه بن عمر: هل تدرى ما قال أبى لابيك؟ قال: قلت: لا، قال: فان أبى قال لابيك: يا با موسى! هل يسرك أن اسلامنا مع رسول اللّه(ص)و هجرتنا معه و جهادنا معه و عملنا كله معه برد لنا، و أن كل عمل عملنا بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس؟ فقال أبوك لابى: لا و اللّه قد جاهدنا بعد رسول اللّه و صلينا و صمنا و عملنا خيرا كثيرا و أسلم على أيدينا بشر كثير، و أنا لنرجو ذلك، قال أبى: و لكنى أنا- و الذي نفس عمر بيده- لوددت أن ذلك برد لنا، و أن كل شيء عملنا بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس فقلت: ان اباك كان خيرا من أبى.
رواه في المشكاة(ص)458 و قال: رواه البخارى و هكذا أخرجه ابن الأثير في الجامع ج 9(ص)363 عن البخارى، قال: و معنى برد لنا اي ليته ثبت لنا ثوابه و دام و خلص أقول:
راجع صحيح البخاريّ باب مناقب الأنصار الرقم 45.
و هذا ابى بن كعب سيد المسلمين عندهم يهتف و يقول: «هلك أهل العقدة و ربّ الكعبة ثلاثا- ألا أبعدهم اللّه، هلكوا و أهلكوا، أما انى لا آسى عليهم و لكنى آسى على من يهلكون من المسلمين» و هل كان أهل العقد الا من عقد الخلافة و الولاية لابى بكر؟
و يقول في مقال له آخر: فو اللّه ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ قبض رسول اللّه و أيم اللّه لئن بقيت الى يوم الجمعة لاقومن مقاما أقتل فيه» فمات يوم الخميس راجع طبقات ابن سعد ترجمة ابى بن كعب سنن النسائى كتاب الإمامة الرقم 23، مسند ابن حنبل ج 5(ص)140، مستدرك الحاكم ج 2(ص)226 ج 3(ص)304، حلية الأولياء ج 1(ص)252.
34
الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له و ذمه لهم في حياته.
فإذا كان قد شهد على جماعة من أصحابه بالضلال و الهلاك و أنهم ممن كان يحسن ظنه بهم في حياته و لحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي ثم يكون ضلالهم قد بلغ إلى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم و يختلجون دونه و تارة يبلغ غضب نبيهم عليهم إلى أن يقول سحقا سحقا و تارة يقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم و تارة يشهد عليهم أبو الدرداء و أنس بن مالك و هما من أعيان الصحابة عندهم بأنه ما بقي من شريعة محمد(ص)إلا الاجتماع في الصلاة ثم يقول أنس و قد ضيعوا الصلاة و تارة يشهد نبيهم أن بعد وفاته يكون دينهم ملكا و رحمة و ملكا و جبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم و المتجبر و تارة يشهد على قوم من أصحابه أنه يشفق عليهم و يأخذ بحجزهم عن النار و ينهاهم مرارا بلسان الحال و المقال فيغلبونه و يسقطون فيها و تارة يخاف على أمته من أئمة مضلين ينزلون عليهم و تارة يشهد باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال و اختلال الأحوال.
ثم قد أدوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده إحدى و سبعين فرقة واحدة ناجية و الباقون في النار و أمة عيسى افترقت اثنتين و سبعين فرقة واحدة ناجية و الباقون في النار و أمته تفترق ثلاثا و سبعين فرقة واحدة ناجية و اثنتان و سبعون في النار و قد تضمن كتابهم وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ (1) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله و شهادة رسوله عندهم بضلال
____________
(1) براءة: 101، و الآيات التي تنص على أن في المسلمين جماعة منافقين، كثيرة، لا وجه لسردها، و لكن ينبغي الإشارة الى أن اللّه و لا رسوله(ص)لم يعرف لنا المنافقين بأسمائهم، حتى يشهروا و يخذلوا، فنحكم على أعيانهم بالكفر و الفسق و على سائر المسلمين بالايمان و العدالة و الإخلاص، و إذا كان الامر مشتبها فكلما سمينا أحدا من صحابة الرسول(ص)و أردنا أن نأخذ منه دينه و سمته و نتبعه في سيرته و سنته و نحتج بحديثه عن الرسول الأمين(ص)جوز العقل كونه منافقا، فلا يصحّ للعاقل المحتاط لدينه أن يأخذ منه و يتبعه و يصدقه فيما يحدث عن الرسول الأعظم، الا أن يكون اللّه و رسوله(ص)قد عرفه و نص عليه بالايمان و الإخلاص و الطهارة، و لسنا نعرف بذلك الا أهل بيت النبيّ(ص)النازل فيهم آية التطهير و آية الولاية المصرح باخلاصهم و حسن طويتهم سورة الدهر و ساير الآيات الكريمة النازلة فيهم و هي أكثر من أن تحصى، لا مجال للمقام لسردها و البحث عنها.
و ان قلت: لم لم يعرف اللّه و رسوله المنافقين الخائنين، ليحذرهم المؤمنون بعده؟ قلت:
للقوم آراء و وجوه في ذلك يطلب من مظانه، و عندي أن رسول اللّه(ص)على علم و عمد لم يعرف المنافقين من أصحابه لينفذ بذلك إرادة اللّه عزّ و جلّ من بلوى الأمة و اختبارهم بعده، فان اخبار اللّه عزّ و جلّ و هكذا رسوله الأمين الصادق بأن في أصحابه و امته منافقين ظاهرين يخادعون اللّه و رسوله، من دون تعريف بهم، و في قبال ذلك نص القرآن الكريم بآية التطهير بالنسبة الى أهل بيته مضافا الى سائر ما ورد فيهم من آيات اللّه البينات و تصديق ايمانهم و إخلاص طويتهم في سورة الدهر، و هكذا هتاف الرسول بين الأمة الإسلامية بأنّه من كنت مولاه فهذا على مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و غير ذلك من النصوص.
ففى ذلك بلوى و اختبار عظيم بالنسبة الى المؤمنين، فمن كان يرجو اللّه و اليوم الآخر و ينصح لنفسه، لا يقتدى بأصحابه الا بمن شهد اللّه و رسوله بحقيقة ايمانه و حسن طويته و علمه و فهمه و قضائه و هم أهل بيته الذين طهرهم اللّه من كل رجس و اوجب ولايتهم، و من كان يرجو الحياة الدنيا و زينتها و زخرفها لا يقتدى بمن قدمه اللّه و انما يقتدى بمن لا يؤمن فيه النفاق و يخاف عليه سوء النية في متابعة الرسول طمعا في حطام الدنيا، فليقتدوا بمن شاءوا ليميز اللّه الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون.
و من الدلائل على أن رسوله الأمين الكريم على عمد و نظرا الى تنفيذ هذا الاختبار و البلوى، لم يعرف المنافقين بأشخاصهم، أننا نراه- (صلوات الله عليه) يقول لثلاثة من أصحابه فيهم سمرة ابن جندب و أبو هريرة الدوسى: «آخركم موتا في النار» راجع الاستيعاب و أسد الغابة ترجمة سمرة» فيعمى ذلك على أصحابه الآخرين لئلا يركنوا الى أحد منهم في دينهم.
و هكذا يقول لجماعة من أصحابه مجتمعين: «أحدكم ضرسه في النار مثل احد» راجع البحار ج 18(ص)132 من طبعتنا هذه.
و على ذلك فليحمل ما رواه أحمد في المسند ج 5(ص)273، و الطبراني في الكبير على ما في مجمع الزوائد ج 1(ص)112 عن ابى مسعود قال: خطبنا رسول اللّه خطبة فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: ان فيكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى سمى ستة و ثلاثين رجلا، ثمّ قال: ان فيكم- أو منكم فاتقوا اللّه.
35
كثير من صحابة نبيهم و هلاك أكثر أمته و اختلال أموره بعد وفاته و هل يرد ذلك من المسلمين إلا من هو شاك في قول الله و قول نبيه أو مكابر للعيان و كيف يلام أو يذم من صدق الله و رسوله في ذم بعض أصحابه و أكثر أمته
36
أو اعتقاد ضلال بعضهم و كيف استحسنوا لأنفسهم أن يرووا مثل هذه الأخبار الصحاح ثم ينكروا على الفرقة المعروفة بالرافضة ما أقروا لهم بأعظم منه و كيف يرغب ذو بصيرة في اتباع هؤلاء الأربعة المذاهب (1).
بيان اعلم أن أكثر العامة على أن الصحابة كلهم عدول و قيل هم كغيرهم مطلقا و قيل هم كغيرهم إلى حين ظهور الفتن بين علي(ع)و معاوية و أما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقا و قالت المعتزلة هم عدول إلا من علم أنه قاتل عليا(ع)فإنه مردود و ذهبت الإمامية إلى أنهم كسائر الناس من أن فيهم المنافق و الفاسق و الضال بل كان أكثرهم كذلك و لا أظنك ترتاب بعد ملاحظة تلك الأخبار المأثورة من الجانبين المتواترة بالمعنى في صحة هذا القول و سينفعك تذكرها في المطالب المذكورة في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى
____________
(1) الطرائف(ص)113- 115..
37
باب 2 إخبار الله تعالى نبيه و إخبار النبي(ص)أمته بما جرى على أهل بيته (صلوات الله عليهم) من الظلم و العدوان
1- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ مُوسَى عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ جَالِساً ذَاتَ يَوْمٍ إِذَا أَقْبَلَ الْحَسَنُ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ إِلَيَّ يَا بُنَيَّ فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ إِلَيَّ يَا بُنَيَّ فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَلَمَّا رَآهَا بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ إِلَيَّ يَا بُنَيَّةِ فَأَجْلَسَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ إِلَيَّ يَا أَخِي فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَا تَرَى وَاحِداً مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا بَكَيْتَ أَ وَ مَا فِيهِمْ مَنْ تُسَرُّ بِرُؤْيَتِهِ فَقَالَ(ع)وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَ اصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ إِنِّي وَ إِيَّاهُمْ لَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَإِنَّهُ أَخِي وَ شَقِيقِي وَ صَاحِبُ الْأَمْرِ بَعْدِي وَ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ صَاحِبُ حَوْضِي وَ شَفَاعَتِي وَ هُوَ مَوْلَى كُلِ
38
مُسْلِمٍ وَ إِمَامُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ قَائِدُ كُلِّ تَقِيٍّ وَ هُوَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي عَلَى أَهْلِي وَ أُمَّتِي فِي حَيَاتِي وَ بَعْدَ مَوْتِي مُحِبُّهُ مُحِبِّي وَ مُبْغِضُهُ مُبْغِضِي وَ بِوَلَايَتِهِ صَارَتْ أُمَّتِي مَرْحُومَةً وَ بِعَدَاوَتِهِ صَارَتِ الْمُخَالِفَةُ لَهُ مِنْهَا مَلْعُونَةً وَ إِنِّي بَكَيْتُ حِينَ أَقْبَلَ لِأَنِّي ذَكَرْتُ غَدْرَ الْأُمَّةِ بِهِ بَعْدِي حَتَّى إِنَّهُ لَيُزَالُ عَنْ مَقْعَدِي وَ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ بَعْدِي ثُمَّ لَا يَزَالُ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى يُضْرَبَ عَلَى قَرْنِهِ ضَرْبَةً تُخْضَبُ مِنْهَا لِحْيَتُهُ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ (1) وَ أَمَّا ابْنَتِي فَاطِمَةُ فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ هِيَ نُورُ عَيْنِي وَ هِيَ ثَمَرَةُ فُؤَادِي وَ هِيَ رُوحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ وَ هِيَ الْحَوْرَاءُ الْإِنْسِيَّةُ مَتَى قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا بَيْنَ يَدِي رَبِّهَا جَلَّ جَلَالُهُ زَهَرَ نُورُهَا لِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ كَمَا يَزْهَرُ نُورُ الْكَوَاكِبِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ يَا مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى أَمَتِي فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ إِمَائِي قَائِمَةً بَيْنَ يَدِيَّ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهَا مِنْ خِيفَتِي وَ قَدْ أَقْبَلَتْ بِقَلْبِهَا عَلَى عِبَادَتِي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ شِيعَتَهَا مِنَ النَّارِ وَ أَنِّي لَمَّا رَأَيْتُهَا ذَكَرْتُ مَا يُصْنَعُ بِهَا بَعْدِي كَأَنِّي بِهَا وَ قَدْ دَخَلَ الذُّلُّ بَيْتَهَا وَ انْتُهِكَتْ حُرْمَتُهَا وَ غُصِبَتْ حَقَّهَا وَ مُنِعَتْ إِرْثَهَا وَ كُسِرَتْ جَنْبَتُهَا وَ أَسْقَطَتْ جَنِينَهَا وَ هِيَ تُنَادِي يَا مُحَمَّدَاهْ فَلَا تُجَابُ وَ تَسْتَغِيثُ فَلَا تُغَاثُ فَلَا تَزَالُ بَعْدِي مَحْزُونَةً مَكْرُوبَةً بَاكِيَةً تَتَذَكَّرُ انْقِطَاعَ الْوَحْيِ عَنْ بَيْتِهَا مَرَّةً وَ تَتَذَكَّرُ فِرَاقِي أُخْرَى وَ تَسْتَوْحِشُ إِذَا جَنَّهَا اللَّيْلُ لِفَقْدِ صَوْتِيَ الَّذِي كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَيْهِ إِذَا تَهَجَّدْتُ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ تَرَى نَفْسَهَا ذَلِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي أَيَّامِ أَبِيهَا عَزِيزَةً فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْنِسُهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْمَلَائِكَةِ فَنَادَتْهَا بِمَا نَادَتْ بِهِ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَتَقُولُ يَا فَاطِمَةُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (2) يَا فَاطِمَةُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي
____________
(1) البقرة: 158.
(2) آل عمران: 42.
39
وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (1) ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِهَا الْوَجَعُ فَتَمْرَضُ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهَا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ تُمَرِّضُهَا وَ تُؤْنِسُهَا فِي عِلَّتِهَا فَتَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ إِنِّي سَئِمْتُ الْحَيَاةَ وَ تَبَرَّمْتُ بِأَهْلِ الدُّنْيَا فَأَلْحِقْنِي بِأَبِي فَيُلْحِقُهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِي فَتَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَلْحَقُنِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَتَقْدَمُ عَلَيَّ مَحْزُونَةً مَكْرُوبَةً مَغْمُومَةً مَغْصُوبَةً مَقْتُولَةً فَأَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ ظَلَمَهَا وَ عَاقِبْ مَنْ غَصَبَهَا وَ ذَلِّلْ مَنْ أَذَلَّهَا وَ خَلِّدْ فِي نَارِكَ مَنْ ضَرَبَ جَنْبَيْهَا حَتَّى أَلْقَتْ وَلَدَهَا فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ آمِينَ وَ أَمَّا الْحَسَنُ(ع)فَإِنَّهُ ابْنِي وَ وَلَدِي وَ مِنِّي وَ قُرَّةُ عَيْنِي وَ ضِيَاءُ قَلْبِي وَ ثَمَرَةُ فُؤَادِي وَ هُوَ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ أَمْرُهُ أَمْرِي وَ قَوْلُهُ قَوْلِي مَنْ تَبِعَهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصَاهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ إِنِّي لَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ تَذَكَّرْتُ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ بَعْدِي فَلَا يَزَالُ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى يُقْتَلَ بِالسَّمِّ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبْكِي الْمَلَائِكَةُ وَ السَّبْعُ الشِّدَادُ لِمَوْتِهِ وَ يَبْكِيهِ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ وَ الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ فَمَنْ بَكَاهُ لَمْ تَعْمَ عَيْنُهُ يَوْمَ تَعْمَى الْعُيُونُ وَ مَنْ حَزِنَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْزَنْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَحْزَنُ الْقُلُوبُ وَ مَنْ زَارَهُ فِي بَقِيعِهِ ثَبَتَتْ قَدَمُهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ(ع)فَإِنَّهُ مِنِّي وَ هُوَ ابْنِي وَ وَلَدِي وَ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ أَخِيهِ وَ هُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَ غِيَاثُ الْمُسْتَغِيثِينَ وَ كَهْفُ الْمُسْتَجِيرِينَ وَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ وَ هُوَ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ بَابُ نَجَاةِ الْأُمَّةِ أَمْرُهُ أَمْرِي وَ طَاعَتُهُ طَاعَتِي مَنْ تَبِعَهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصَاهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُهُ تَذَكَّرْتُ مَا يُصْنَعُ بِهِ بَعْدِي كَأَنِّي بِهِ وَ قَدِ اسْتَجَارَ بِحَرَمِي وَ قُرْبِي فَلَا يُجَارُ فَأَضُمُّهُ فِي مَنَامِي إِلَى صَدْرِي وَ آمُرُهُ بِالرِّحْلَةِ عَنْ دَارِ هِجْرَتِي وَ أُبَشِّرُهُ بِالشَّهَادَةِ فَيَرْتَحِلُ عَنْهَا إِلَى أَرْضِ مَقْتَلِهِ وَ مَوْضِعِ مَصْرَعِهِ أَرْضِ
____________
(1) آل عمران: 43.
40
كَرْبٍ وَ بَلَاءٍ وَ قَتْلٍ وَ فَنَاءٍ تَنْصُرُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ مِنْ سَادَةِ شُهَدَاءِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ قَدْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَخَرَّ عَنْ فَرَسِهِ صَرِيعاً ثُمَّ يُذْبَحُ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ مَظْلُوماً ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ بَكَى مَنْ حَوْلَهُ وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالضَّجِيجِ ثُمَّ قَامَ(ع)وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يَلْقَى أَهْلُ بَيْتِي بَعْدِي ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ (1).
بيان: قال في النهاية
- فِي الْحَدِيثِ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي.
بالفتح القطعة من اللحم و قد تكسر أي أنها جزء مني و في القاموس التمريض حسن القيام على المريض و قال الصرع الطرح على الأرض كالمصرع كمقعد و هو موضعه أيضا.
2- جا (2)، المجالس للمفيد ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيلٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِنْقَرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَفَاقَ إِفَاقَةً وَ نَحْنُ نَبْكِي فَقَالَ مَا الَّذِي يُبْكِيكُمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهُ نَبْكِي لِغَيْرِ خَصْلَةٍ نَبْكِي لِفِرَاقِكَ إِيَّانَا وَ لِانْقِطَاعِ خَبَرِ السَّمَاءِ عَنَّا وَ نَبْكِي الْأُمَّةَ مِنْ بَعْدِكَ فَقَالَ(ص)أَمَا إِنَّكُمُ الْمَقْهُورُونَ وَ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ بَعْدِي (3).
3- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ شُرَيْحٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً كُلَّمَا نُقِضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضُ
____________
(1) أمالي الصدوق: 68- 71.
(2) أمالي المفيد: 215.
(3) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)122، و قوله «نبكى لغير خصلة» يعنى أن بكاءنا لخصال شتى و علل كثيرة ......
41
الْحُكْمِ وَ آخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ (1).
4- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنِ الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)الْوَفَاةُ بَكَى حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ أَبْكِي لِذُرِّيَّتِي وَ مَا تَصْنَعُ بِهِمْ شِرَارُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي كَأَنِّي بِفَاطِمَةَ بِنْتِي وَ قَدْ ظُلِمَتْ بَعْدِي وَ هِيَ تُنَادِي يَا أَبَتَاهْ يَا أَبَتَاهْ فَلَا يُعِينُهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي فَسَمِعَتْ ذَلِكَ فَاطِمَةُ(ع)فَبَكَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَا تَبْكِيَنَّ يَا بُنَيَّةِ فَقَالَتْ لَسْتُ أَبْكِي لِمَا يُصْنَعُ بِي مِنْ بَعْدِكَ وَ لَكِنِّي أَبْكِي لِفِرَاقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهَا أَبْشِرِي يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ بِسُرْعَةِ اللَّحَاقِ بِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي (2).
5- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ سَعِيدٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْبُهْلُولِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَالِمٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه) وَ هُوَ فِي الرَّحْبَةِ جَالِسٌ انْتَدِبُوا وَ هُوَ عَلَى الْمَسِيرِ مِنَ السَّوَادِ فَانْتَدَبُوا نحو [نَحْواً مِنْ مِائَةٍ فَقَالَ وَ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ لَقَدْ حَدَّثَنِي خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِي مِنْ بَعْدِهِ عَهْداً مَعْهُوداً وَ قَضَاءً مَقْضِيّاً وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (3).
بيان: انتدب أجاب.
6- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ سَنَةَ فَتْحِ تُسْتَرَ حَتَّى قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)189.
(2) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)191.
(3) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)90.
42
فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ فِيهَا رَجُلٌ جَهْمٌ مِنَ الرِّجَالِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالَ الْقَوْمُ أَ مَا تَعْرِفُهُ فَقُلْتُ لَا فَقَالُوا هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَحَدَّثَ الْقَوْمَ فَقَالَ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنِ الْخَيْرِ وَ كُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَقَالَ سَأُحَدِّثُكُمْ بِمَا أَنْكَرْتُمْ إِنَّهُ جَاءَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ فَجَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ كَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ كُنْتُ أُعْطِيتُ مِنَ الْقُرْآنِ فِقْهاً وَ كَانَ رِجَالٌ يَجِيئُونَ فَيَسْأَلُونَ النَّبِيَّ(ص)فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ يَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْهُ قَالَ السَّيْفُ قَالَ قُلْتُ وَ مَا بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ قَالَ نَعَمْ يَكُونُ إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ وَ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ ثُمَّ تَفْشُو رُعَاةُ الضَّلَالَةِ فَإِنْ رَأَيْتَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةَ عَدْلٍ فَالْزَمْهُ وَ إِلَّا فَمُتْ عَاضّاً عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ (1).
بيان: الجهم العاجز الضعيف.
وَ رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ الْيَشْكُرِيِّ هَكَذَا خَرَجْتُ زَمَنَ فُتِحَتْ تُسْتَرُ حَتَّى قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ فِيهَا رَجُلٌ صَدَعٌ مِنَ الرِّجَالِ حَسَنُ الثَّغْرِ يُعْرَفُ فِيهِ أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ قَالَ فَقُلْتُ مَنِ الرَّجُلُ فَقَالَ الْقَوْمُ أَ وَ مَا تَعْرِفُهُ قُلْتُ لَا قَالُوا هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ فَقَعَدْتُ وَ حَدَّثَ الْقَوْمَ فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ(ص)عَنِ الْخَيْرِ وَ كُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ سَأُخْبِرُكُمْ بِمَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ جَاءَ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَ فَجَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ كَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَكُنْتُ قَدْ أُعْطِيتُ فَهْماً فِي الْقُرْآنِ فَكَانَ رِجَالٌ يَجِيئُونَ وَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْخَيْرِ وَ كُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ يَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَمَا الْعِصْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ(ص)السَّيْفُ قُلْتُ وَ هَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ قَالَ نَعَمْ إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ وَ هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ ثُمَّ يَنْشَأُ رُعَاةُ الضَّلَالَةِ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)224.
43
خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَ أَخَذَ مَالَكَ فَالْزَمْهُ وَ إِلَّا فَمُتْ وَ أَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ قُلْتُ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ نَهْرٌ وَ نَارٌ فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَ حُطَّ وِزْرُهُ وَ مَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَ حُطَّ أَجْرُهُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلَا يُرْكَبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ (1).
. ثم قال الصدع مفتوحة الدال من الرجال الشاب المعتدل و يقال الصدع الربعة في خلقة الرجل بين الرجلين و قوله هدنة على دخن معناه صلح على بقايا من الضغن و ذلك أن الدخان أثرَ النارِ يدل على بقية منها و قال أبو عبيد أصل الدخن أن يكون في لون الدابة أو الثوب أو غيره ذلك كدورة إلى سواد
- وَ فِي
____________
(1) تراه في مشكاة المصابيح(ص)461 و لفظه: و عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير و كنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى، قال: قلت: يا رسول اللّه انا كنا في جاهلية و شر فجاءنا اللّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: و هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم و فيه دخن، قلت: و ما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتى و يهدون بغير هديى، تعرف منهم و تنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول اللّه صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرنى ان أدركنى ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين و امامهم، قلت: فان لم يكن لهم جماعة و لا امام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، و لو أن تعض باصل شجرة حتى يدركك الموت و أنت على ذلك.
قال: و في رواية المسلم قال: يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداى و لا يستنون بسنتى، و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس، قال حذيفة: قلت كيف أصنع يا رسول اللّه ان أدركت ذلك؟ قال: تسمع و تطيع الامير و ان ضرب ظهرك و أخذ مالك، فاسمع و أطع.
أقول: و الحديث متفق عليه في صحيح مسلم و البخارى، راجع صحيح البخاريّ كتاب الفتن 11، كتاب المناقب 25 و 65، صحيح مسلم كتاب الامارة الحديث 51، سنن ابى داود كتاب الفتن الرقم 1، مسند الامام ابن حنبل ج 5(ص)386، 391، 399، 403، 404، 406.
44
بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (1) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ قَالَ لَا يَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ.
و يروى «جماعة على أقذاء» يقول يكون اجتماعهم على فساد من القلوب شبّهه بأقذاء العين انتهى.
و أقول
رواه في جامع الأصول (2) بأسانيد عن البخاري و مسلم و أبي داود و في بعض رواياته و هل للسيف من تقية.
و
في بعضها قلت و بعد السيف قال تقية على أقذاء و هدنة على دخن.
و في شرح السنة و غيره بقية بالباء الموحدة و المعاني متقاربة أي هل بعد السيف شيء يتقى به من الفتنة أو يتقى و يشفق به على النفس و جذل الشجرة بالكسر أصلها و المعنى مت معتزلا عن الخلق حتى تموت و لو احتجت إلى أن تأكل أصول الأشجار و يحتمل أن يكون كناية عن شدة الغيظ.
7- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْفَضْلِ عَنْ مُسَدَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ عَنْ مَطَرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ
____________
(1) رواه أبو داود و لفظه: «قال: قلت يا رسول اللّه أ يكون بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال: نعم، قلت: فما العصمة؟ قال: السيف، قلت: و هل بعد السيف بقية [تقية] قال:
نعم تكون امارة على اقذاء و هدنة على دخن، قلت: ثم ما ذا؟ قال: ثم ينشأ دعاة الضلال فان كان للّه في الأرض خليفة جلد ظهرك و أخذ مالك فأطعه، و الا فمت و أنت عاض على جذل شجرة قلت: ثم ما ذا؟ قال: ثم يخرج الدجال بعد ذلك معه نهر و نار، فمن وقع في ناره وجب اجره و حط وزره، و من وقع في نهره وجب وزره و حط اجره، قال: قلت: ثم ما ذا؟ قال: ثم ينتج المهر فلا يركب حتّى تقوم الساعة.
و في رواية: قال: هدنة على دخن و جماعة على اقذاء، قلت: يا رسول اللّه الهدنة على الدخن ما هى؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه، قلت: بعد هذا الخير شر؟ قال:
فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فان مت يا حذيفة و أنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم. راجع مشكاة المصابيح: 463.
(2) جامع الأصول ج 10(ص)414- 417.
45
مُرْشِدٍ الْحِمَّانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (صلوات الله عليه) قَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ إِلَيَّ أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي (1).
8- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْحَفَّارُ عَنِ الْجِعَابِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْخَزَّازِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ أَبِي دَفَعَ النَّبِيُّ(ص)الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَوْقَفَهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ وَ قَالَ لَهُ تُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى التَّنْزِيلِ وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ قَالَ لَهُ أَنَا سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتَ وَ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتَ وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ تُبَيِّنُ لَهُمْ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ بَعْدِي وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ إِمَامُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ وَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ بَعْدِي وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (2) وَ قَالَ لَهُ أَنْتَ الْآخِذُ بِسُنَّتِي وَ الذَّابُّ عَنْ مِلَّتِي وَ قَالَ لَهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ وَ أَنْتَ مَعِي وَ قَالَ لَهُ أَنَا عِنْدَ الْحَوْضِ وَ أَنْتَ مَعِي وَ قَالَ لَهُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ أَنْتَ بَعْدِي تَدْخُلُهَا وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ(ع)وَ قَالَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ بِأَنْ أَقُومَ بِفَضْلِكَ فَقُمْتُ بِهِ فِي النَّاسِ وَ بَلَّغْتُهُمْ مَا أَمَرَنِيَ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ وَ قَالَ لَهُ اتَّقِ الضَّغَائِنَ الَّتِي لَكَ فِي صُدُورِ مَنْ لَا يُظْهِرُهَا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِي أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ثُمَّ بَكَى النَّبِيُّ(ص)فَقِيلَ مِمَّ بُكَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ(ع)أَنَّهُمْ يَظْلِمُونَهُ وَ يَمْنَعُونَهُ حَقَّهُ وَ يُقَاتِلُونَهُ وَ يَقْتُلُونَ وُلْدَهُ وَ يَظْلِمُونَهُمْ بَعْدَهُ وَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ(ع)عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ إِذَا قَامَ قَائِمُهُمْ وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُمْ وَ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَ كَانَ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)90.
(2) براءة: 3.
46
الشَّانِئُ لَهُمْ قَلِيلًا وَ الْكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلًا وَ كَثُرَ الْمَادِحُ لَهُمْ وَ ذَلِكَ حِينَ تَغَيُّرِ الْبِلَادِ وَ تَضَعُّفِ الْعِبَادِ وَ الْإِيَاسِ مِنَ الْفَرَجِ وَ عِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ الْقَائِمُ فِيهِمْ قَالَ النَّبِيُّ(ص)اسْمُهُ كَاسْمِي وَ اسْمُ أَبِيهِ كَاسْمِ ابْنِي (1) وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ ابْنَتِي يُظْهِرُ اللَّهُ الْحَقَّ بِهِمْ وَ يُخْمِدُ الْبَاطِلَ بِأَسْيَافِهِمْ وَ يَتَّبِعُهُمُ النَّاسُ بَيْنَ رَاغِبٍ إِلَيْهِمْ وَ خَائِفٍ لَهُمْ قَالَ وَ سَكَنَ الْبُكَاءُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْشِرُوا بِالْفَرَجِ فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلَفُ وَ قَضَاءَهُ لَا يُرَدُّ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فَإِنَّ فَتْحَ اللَّهِ قَرِيبٌ اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَهْلِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً اللَّهُمَّ اكْلَأْهُمْ وَ احْفَظْهُمْ وَ ارْعَهُمْ وَ كُنْ لَهُمْ
____________
(1) في المصدر: «و اسم أبيه كاسم أبى» و هو الثابت في كتب العامّة، الا أن الحديث لا يصحّ من حيث السند، على ما تقف عليه في ج 51(ص)86 (تاريخ الإمام الثاني عشر (عليه السلام)) راجعه ان شئت، و على فرض الصحة و تحقيق لفظ الحديث نقول: لما كان المهدى(ص)يخرج بعد دهر طويل من ولادته، لا يمكنه في بدء دعوته أن يعرف نفسه و يحقق نسبه بأنّه محمّد بن الحسن بن عليّ ..... عليهم الصلاة و السلام لعدم الجدوى بذلك، و لان أهل مكّة- و هو (عليه السلام) انما يظهر في بدء الدعوة بمكّة المكرمة زادها اللّه شرفا- غير معترفين بغيبته دهرا طويلا، و لا بامامة آبائه الكرام، عليهم الصلاة و السلام.
فهو (عليه السلام) انما يعرف نفسه بأنّه محمّد بن عبد اللّه، يعنى أن اسمه الشريف محمّد و أن أباه عبد من عباد اللّه الصالحين، لا يهم الناس أن يعرفوه بأكثر من ذلك، و انما عليهم أن يعرفوه بأنه المهدى الموعود في كلام النبيّ الأعظم «انه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يبعث اللّه فيه رجلا منى من أهل بيتى يملا الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا».
فالرسول الاكرم(ص)انما أخبر أمته بخروج المهدى من أهل بيته و انما عرفه بما يعرف المهدى(ص)نفسه حين يظهر دعوته في آخر الزمان، فلا يناقض هذا الحديث ما أجمعت الإماميّة عليه بأن المهدى عليه الصلاة و السلام هو محمّد بن الحسن العسكريّ المولود في سنة 255 من هجرة النبيّ ص، غاب بأمر اللّه عزّ و جلّ و سيظهر إنشاء اللّه عاجلا ليجمع شمل المسلمين و يحق الحق و يبطل الباطل و لو كره الكافرون.
47
وَ انْصُرْهُمْ وَ أَعِنْهُمْ وَ أَعِزَّهُمْ وَ لَا تُذِلَّهُمْ وَ اخْلُفْنِي فِيهِمْ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
9- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شَاكِرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَصِّيصَةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ (2).
بيان: الجمر بالفتح جمع الجمرة و هي النار المتقدة.
10- ما، الأمالي للشيخ الطوسي بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا قَالَ نَعَمْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالَهَا ثَلَاثاً (3).
11- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلِيّاً(ع)بِمَا يَلْقَى بَعْدَهُ فَبَكَى عَلِيٌّ(ع)وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَسْأَلُكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ وَ حَقِّ قَرَابَتِي وَ حَقِّ صُحْبَتِي لَمَّا دَعَوْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَقْبِضَنِي إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 1(ص)360- 363.
(2) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)99، و أخرجه عن الترمذي في مشكاة المصابيح(ص)459 و قال المولى على القارى في شرحه: يعنى كما لا يمكن القبض على الجمرة الا بصبر شديد و تحمل المشقة، كذلك في ذلك الزمان، لا يتصور حفظ دينه و نور ايمانه الا بصبر عظيم و تعب جسيم، و من المعلوم أن المشبه به يكون أقوى، فالمراد به المبالغة، فلا ينافيه أن ما أحد يصبر على قبض الجمر. اقول: راجع الحديث في سنن الترمذي كتاب الفتن الرقم 73 تفسير سورة المائدة 18 سنن ابى داود كتاب الملاحم الرقم 17 سنن ابن ماجة كتاب الفتن الرقم 17، مسند ابن حنبل ج 2(ص)390 و 391.
(3) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)99.
48
تَسْأَلُنِي أَنْ أَدْعُوَ رَبِّي لِأَجَلٍ مُؤَجَّلٍ قَالَ فَعَلَى مَا أُقَاتِلُهُمْ قَالَ عَلَى الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ (1).
بيان: قوله(ص)لأجل مؤجل أي لأمر محتوم لا يمكن تغييره.
12- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ جُنَادَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْحَضْرَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)يَقُولُ كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ(ص)وَ هُوَ نَائِمٌ وَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِي فَتَذَاكَرْنَا الدَّجَّالَ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ(ص)مُحْمَرّاً وَجْهُهُ فَقَالَ لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنَ الدَّجَّالِ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ وَ سَفْكُ دِمَاءِ عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُمْ وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَهُمْ (2).
13- ما، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادِ الْمُجَاشِعِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَذُوبُ فِيهِ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فِي جَوْفِهِ كَمَا يَذُوبُ الْآنُكُ فِي النَّارِ يَعْنِي الرَّصَاصَ وَ مَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنَ الْبَلَاءِ وَ الْإِحْدَاثِ فِي دِينِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُ لَهُ غِيَراً (3).
بيان: قال في القاموس غيره جعله غير ما كان و حوله و بدله و الاسم الغير و غير الدهر كعنب أحداثه المغيرة.
14- ع، علل الشرائع ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ قَالَ: هَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع)عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ أَسْوَدُ وَ مِنْطَقَةٌ فِيهَا خَنْجَرٌ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا جَبْرَئِيلُ مَا هَذَا الزِّيُّ قَالَ زِيُّ وُلْدِ عَمِّكَ الْعَبَّاسِ يَا مُحَمَّدُ وَيْلٌ لِوُلْدِكَ مِنْ وُلْدِ الْعَبَّاسِ فَجَزِعَ النَّبِيُّ(ص)فَقَالَ يَا عَمِّ وَيْلٌ لِوُلْدِي مِنْ وُلْدِكَ فَقَالَ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)115.
(2) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)126.
(3) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)132.
49
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ فَأَجُبُّ نَفْسِي قَالَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا فِيهِ (1).
بيان: الجب استيصال الخصية و لعل المراد بجف القلم جريان القضاء و الحكم
____________
(1) علل الشرائع ج 2(ص)37 أقول أخرج الخطيب في تاريخه ج 13(ص)452 قال: لما قدم الرشيد المدينة، أعظم أن يرقى منبر النبيّ(ص)في قباء أسود و منطقة، فقال أبو البخترى: حدّثني جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه قال: «نزل جبريل على النبيّ(ص)و عليه قباء و منطقة مخنجرا فيها بخنجر» ثمّ كذبه في حديثه ذلك و نقل عن المعافى التيمى أشعارا ينكر فيها على أبى البخترى منها:
يا قاتل اللّه ابن وهب لقد* * * أعلن بالزور و بالمنكر
يزعم أن المصطفى أحمدا* * * أتاه جبريل التقى السرى
عليه خف و قبا أسود* * * مخنجرا في الحقو بالخنجر
ثمّ ذكر في(ص)453 بإسناده عن يحيى بن معين أنّه وقف على حلقة أبى البخترى فإذا هو يحدث بهذا الحديث عن جعفر بن محمّد عن أبيه فقال له: كذبت يا عدو اللّه على رسول اللّه، قال:
فأخذنى الشرط، قال: فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول ربّ العالمين نزل على النبيّ(ص)و عليه قباء! فقالوا لي: هذا و اللّه قاض كذاب، و أفرجوا عنى.
قلت: اصل الحديث ما تراه في الصلب، و ظاهره نزول جبريل متمثلا بهذا الزى ليرى رسول اللّه كيف يتزيا بنو عمه بزى الجبابرة و كيف يتخذون لباس أهل النار شعارا لهم، فالحديث قدح لبني العباس و مثلبة خازية لهم و لمن يعجبه شأنهم، لكن وهب بن وهب أبا البخترى، حرف الكلام عن موضعه، و جاء بالحديث على غير وجهه، فجعله مدحا لبنى العباس و زيهم الجابرة الغاشمة طمعا في دنياهم الدنية و من يرد حرث الدنيا نؤته منها و ما له في الآخرة من نصيب.
50
الإلهي بعدم معاقبة رجل لفعل آخر و عدم المعاقبة قبل صدور الذنب أو أنه ولد عبد الله الذي يكون هذا النسل الخبيث منه فلا ينفع الجب و بالجملة إنه من أسرار القضاء و القدر التي تحير فيها عقول أكثر البشر (1).
15- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِإِسْنَادِ التَّمِيمِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي هَاشِمٍ أَنْتُمُ الْمُسْتَضْعَفُونَ بَعْدِي (2).
16- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَلِيٍّ(ع)إِذَا مِتُّ ظَهَرَتْ لَكَ ضَغَائِنُ فِي صُدُورِ قَوْمٍ يَتَمَالَئُونَ عَلَيْكَ وَ يَمْنَعُونَكَ حَقَّكَ (3).
بيان: في القاموس ملأه على الأمر ساعده و شايعه كمالأه و تمالئوا عليه اجتمعوا.
17- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَلِيٍّ(ع)إِنَّ أُمَّتِي سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي وَ يَتَّبِعُ ذَلِكَ بَرُّهَا وَ فَاجِرُهَا (4).
____________
(1) اقول: قال اللّه عزّ و جلّ «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» و لما كان بناء الخلقة على الابتلاء و بلوى السرائر بمعنى ظهور أعمالهم و نياتهم في منصة الظهور حتى لا ينكرها منكر حين الجزاء؛ بعث الى هذا العالم المشهود في كل زمن جيلا من المتمردين- في علمه- و شرذمة قليلة من المتقين معهم، و جعل هؤلاء فتنة لاولئك، حتى يتعرف كل واحد من الفريقين و يتشكل على شاكلته، ثمّ يجمعهم اللّه جميعا يوم القيامة فيجازى كلا بما أظهر من نفسياته و أعماله: فريق في الجنة و فريق في السعير.
فقد جف القلم على آل محمّد بأن يخرجوا في هذا العالم المشهود حين تخرج آل أميّة و بنو العباس ظاهرين على أمر الأمة، و لا مناص من ذلك الاختبار الإلهي، الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ... وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ.
(2) عيون الأخبار ج 2(ص)61.
(3) عيون الأخبار ج 2(ص)67.
(4) عيون الأخبار ج 2(ص)67.
51
18- ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْإِسْنَادِ إِلَى دَارِمٍ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ لَا يَحْفَظُنِي فِيكَ إِلَّا الْأَتْقِيَاءُ الْأَبْرَارُ الْأَصْفِيَاءُ وَ مَا هُمْ فِي أُمَّتِي إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ فِي اللَّيْلِ الْغَابِرِ (1).
بيان: في الليل الغابر أي الذي مضى كثير منه و اشتد لذلك ظلامه.
19- فس، تفسير القمي وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (2) فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمَا يُصِيبُ أَهْلَ بَيْتِهِ بَعْدَهُ وَ ادِّعَاءِ مَنِ ادَّعَى الْخِلَافَةَ دُونَهُمْ اغْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً أَيْ نَخْتَبِرُهُمْ وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ فَأَعْلَمَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ كُلُّ نَفْسٍ (3).
20- لي، الأمالي للصدوق ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ مَعاً عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ عَنِ ابْنِ الْبَطَائِنِيِّ عَنِ ابْنِ عَمِيرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذِ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَبَكَى فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبْكِي مِمَّا يُصْنَعُ بِكُمْ بَعْدِي فَقُلْتُ وَ مَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبْكِي مِنْ ضَرْبَتِكَ عَلَى الْقَرْنِ وَ لَطْمِ فَاطِمَةَ خَدَّهَا وَ طَعْنَةِ الْحَسَنِ فِي الْفَخِذِ وَ السَّمِّ الَّذِي يُسْقَى وَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ قَالَ فَبَكَى أَهْلُ الْبَيْتِ جَمِيعاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا خَلَقَنَا رَبُّنَا إِلَّا لِلْبَلَاءِ قَالَ أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ (4).
____________
(1) عيون الأخبار ج 2(ص)132 و الصحيح: الليل الغامر: شديد الظلمة.
(2) الأنبياء: 34.
(3) تفسير القمّيّ: 428.
(4) أمالي الصدوق: 81- 82.
52
21- ك، إكمال الدين ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا فَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِأَبِيهَا (صلوات الله عليه وَ آلِهِ) مِنَ الضَّعْفِ بَكَتْ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدَّيْهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَا يُبْكِيكِ يَا فَاطِمَةُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْشَى الضَّيْعَةَ عَلَى نَفْسِي وَ وُلْدِي بَعْدَكَ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِالْبُكَاءِ ثُمَّ قَالَ يَا فَاطِمَةُ أَ مَا عَلِمْتِ أَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ أَنَّهُ حَتَمَ الْفَنَاءَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَاخْتَارَنِي مِنْهُمْ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً وَ اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً ثَانِيَةً فَاخْتَارَ مِنْهَا زَوْجَكِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَكِ إِيَّاهُ وَ أَنْ أَتَّخِذَهُ وَلِيّاً وَ وَزِيراً وَ أَنْ أَجْعَلَهُ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي فَأَبُوكِ خَيْرُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ بَعْلُكِ خَيْرُ الْأَوْصِيَاءِ وَ أَنْتِ أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِي مِنْ أَهْلِي ثُمَّ اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً ثَالِثَةً فَاخْتَارَكِ (1) وَ وُلْدَكِ وَ أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ ابْنَاكِ حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَبْنَاءُ بَعْلِكِ أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلُّهُمْ هَادُونَ مَهْدِيُّونَ وَ الْأَوْصِيَاءُ بَعْدِي أَخِي عَلِيٌّ ثُمَّ حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ فِي دَرَجَتِي وَ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ دَرَجَتِي وَ دَرَجَةِ أَوْصِيَائِي وَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَ مَا تَعْلَمِينَ يَا بُنَيَّةِ أَنَّ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِيَّاكِ زَوَّجَكِ خَيْرَ أُمَّتِي وَ خَيْرَ أَهْلِ بَيْتِي أَقْدَمَهُمْ سِلْماً وَ أَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَ أَكْثَرَهُمْ عِلْماً فَاسْتَبْشَرَتْ فَاطِمَةُ(ع)وَ فَرِحَتْ بِمَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)ثُمَّ قَالَ لَهَا يَا بُنَيَّةِ إِنَّ لِبَعْلِكِ (2) مَنَاقِبَ إِيمَانَهُ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ قَبْلَ كُلِ
____________
(1) فاختارك و أحد عشر رجلا من ولدك خ ل. و هو الموجود في كتاب سليم.
(2) في كتاب سليم: ان لعلى بن أبي طالب ثمانية أضراس ثواقب نواقد: مناقب إلخ.
53
أَحَدٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي وَ عِلْمَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّتِي وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي يَعْلَمُ جَمِيعَ عِلْمِي غَيْرُ عَلِيٍّ(ع)إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَّمَنِي عِلْماً لَا يَعْلَمُهُ غَيْرِي وَ عَلَّمَ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ عِلْماً وَ كُلُّ مَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ وَ أَمَرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أُعَلِّمَهُ إِيَّاهُ فَفَعَلْتُ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي يَعْلَمُ جَمِيعَ عِلْمِي وَ فَهْمِي وَ حِكَمِي غَيْرُهُ وَ إِنَّكِ يَا بُنَيَّةِ زَوْجَتُهُ وَ ابْنَاهُ سِبْطَايَ حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ وَ هُمَا سِبْطَا أُمَّتِي وَ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهْيُهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ آتَاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ يَا بُنَيَّةِ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَعْطَانَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ سَبْعَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ لَا يُعْطِيهَا أَحَداً مِنَ الْآخِرِينَ غَيْرَنَا نَبِيُّنَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ هُوَ أَبُوكِ وَ وَصِيُّنَا سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ وَ هُوَ بَعْلُكِ وَ شَهِيدُنَا سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَ هُوَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ هُوَ عَمُّ أَبِيكِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ هُوَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَكَ قَالَ لَا بَلْ سَيِّدُ شُهَدَاءِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مَا خَلَا الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ وَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (1) ذُو الْجَنَاحَيْنِ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَ ابْنَاكِ حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ سِبْطَا أُمَّتِي وَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ مِنَّا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً قَالَتْ فَأَيُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْتَ أَفْضَلُ قَالَ عَلِيٌّ بَعْدِي أَفْضَلُ أُمَّتِي وَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ أَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِي بَعْدَ عَلِيٍّ(ع)وَ بَعْدَكِ وَ بَعْدَ ابْنَيَّ وَ سِبْطَيَّ حَسَنٍ وَ حُسَيْنٍ وَ بَعْدَ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِ ابْنِي هَذَا وَ أَشَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ وَ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتَارَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا ثُمَّ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَيْهَا وَ إِلَى بَعْلِهَا وَ إِلَى ابْنَيْهَا فَقَالَ يَا سَلْمَانُ أُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَهُمْ وَ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُمْ أَمَا إِنَّهُمْ مَعِي فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ أَقْبَلَ
____________
(1) في كتاب سليم: ذو الهجرتين و ذو الجناحين أقول: و المراد أن جعفرا من الخصال التي أعطاها أهل البيت، و يحتمل سقوط عبارة هكذا: «و أخو بعلك جعفر بن أبي طالب».
54
عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا أَخِي إِنَّكَ سَتَبْقَى بَعْدِي وَ سَتَلْقَى مِنْ قُرَيْشٍ شِدَّةً مِنْ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكَ وَ ظُلْمِهِمْ لَكَ فَإِنْ وَجَدْتَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً فَقَاتِلْ مَنْ خَالَفَكَ بِمَنْ وَافَقَكَ وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَاصْبِرْ وَ كُفَّ يَدَكَ وَ لَا تَلْقَ بِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ فَإِنَّكَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ لَكَ بِهَارُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذِ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ وَ كَادُوا يَقْتُلُونَهُ فَاصْبِرْ لِظُلْمِ قُرَيْشٍ إِيَّاكَ وَ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعِجْلِ وَ مَنِ اتَّبَعَهُ يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَدْ قَضَى الْفُرْقَةَ وَ الِاخْتِلَافَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَوْ شَاءَ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ اثْنَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَا يُنَازَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَ لَا يَجْحَدَ الْمَفْضُولُ ذَا الْفَضْلِ فَضْلَهُ وَ لَوْ شَاءَ لَعَجَّلَ النَّقِمَةَ وَ التَّغْيِيرَ حَتَّى يُكَذَّبَ الظَّالِمُ وَ يُعْلَمَ الْحَقُّ أَيْنَ مَصِيرُهُ وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ الْأَعْمَالِ وَ جَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ الْقَرَارِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْراً عَلَى نَعْمَائِهِ وَ صَبْراً عَلَى بَلَائِهِ (1).
22- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي أَصْلِ كِتَابِ الْهِلَالِيِّ، مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ لَكَ بِهَارُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذْ قَالَ لِأَخِيهِ مُوسَى إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (2) قَالَ سُلَيْمٌ وَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَأَتَيْنَا عَلَى حَدِيقَةٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهَا مِنْ حَدِيقَةٍ قَالَ(ص)مَا أَحْسَنَهَا وَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا ثُمَّ أَتَيْنَا عَلَى حَدِيقَةٍ أُخْرَى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهَا مِنْ حَدِيقَةٍ قَالَ مَا أَحْسَنَهَا وَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى سَبْعِ حَدَائِقَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَا أَحْسَنَهَا وَ يَقُولُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا فَلَمَّا خَلَا لَهُ الطَّرِيقُ اعْتَنَقَنِي ثُمَّ أَجْهَشَ بَاكِياً وَ قَالَ بِأَبِي الْوَحِيدُ الشَّهِيدُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ ضَغَائِنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ لَا يُبْدُونَهَا لَكَ إِلَّا مِنْ
____________
(1) كمال الدين(ص)262- 264.
(2) كتاب سليم 69- 70. مع أدنى تفاوت.
55
بَعْدِي أَحْقَادُ بَدْرٍ وَ تِرَاتُ أُحُدٍ قُلْتُ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دَيْنِي قَالَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ فَأَبْشِرْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّ حَيَاتَكَ وَ مَوْتَكَ مَعِي وَ أَنْتَ أَخِي وَ أَنْتَ وَصِيِّي وَ أَنْتَ صَفِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ الْمُؤَدِّي عَنِّي وَ أَنْتَ تَقْضِي دَيْنِي وَ تُنْجِزُ عِدَاتِي عَنِّي وَ أَنْتَ تُبْرِئُ ذِمَّتِي وَ تُؤَدِّي أَمَانَتِي وَ تُقَاتِلُ عَلَى سُنَّتِي النَّاكِثِينَ مِنْ أُمَّتِي وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ لَكَ بِهَارُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذِ اسْتَضْعَفَهُ قَوْمُهُ وَ كَادُوا يَقْتُلُونَهُ فَاصْبِرْ لِظُلْمِ قُرَيْشٍ إِيَّاكَ وَ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ مَنْ تَبِعَهُ وَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعِجْلِ وَ مَنْ تَبِعَهُ وَ إِنَّ مُوسَى أَمَرَ هَارُونَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ إِنْ ضَلُّوا فَوَجَدَ أَعْوَاناً أَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِهِمْ وَ إِنْ لَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ وَ يَحْقُنَ دَمَهُ وَ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ يَا عَلِيُّ مَا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا وَ أَسْلَمَ مَعَهُ قَوْمُهُ طَوْعاً وَ قَوْمٌ آخَرُونَ كَرْهاً فَسَلَّطَ اللَّهُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كَرْهاً عَلَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا طَوْعاً فَقَتَلُوهُمْ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِأُجُورِهِمْ يَا عَلِيُّ إِنَّهُ مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهْرَ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا وَ إِنَّ اللَّهَ قَضَى الْفُرْقَةَ وَ الِاخْتِلَافَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ سَاقَ الْخَبَرَ إِلَى قَوْلِهِ وَ صَبْراً عَلَى بَلَائِهِ وَ تَسْلِيماً وَ رِضًا بِقَضَائِهِ (1).
بيان: قال الجزري الجهش أن يفزع الإنسان إلى الإنسان و يلجأ إليه و هو مع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبي إلى أمه يقال جهشت و أجهشت.
23- مل، كامل الزيارات عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ (2) عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ
____________
(1) كتاب سليم: 72- 74.
(2) في المصدر: الباب الثامن و الثمانون: فضل كربلا و زيارة الحسين (عليه السلام):
للحسين بن أحمد بن المغيرة فيه حديث رواه شيخه أبو القاسم (رحمه الله) مصنف هذا الكتاب و نقل عنه و هو عن زائدة عن مولانا عليّ بن الحسين (عليه السلام) ذهب على شيخنا ره أن يضمنه كتابه هذا، و هو ممّا يليق بهذا الباب و يشتمل أيضا على معان شتّى حسن تام الألفاظ، احببت ادخاله، و جعلته أول الباب ... و قد كنت استفدت هذا الحديث بمصر عن شيخي أبى القاسم على بن محمّد بن عبدوس الكوفيّ ره ممّا نقله عن مزاحم بن عبد الوارث البصرى بإسناده عن قدامة بن زائدة عن أبيه زائدة عن عليّ بن الحسين (عليه السلام).
و قد ذاكرت شيخنا ابن قولويه بهذا الحديث بعد فراغه من تصنيف هذا الكتاب ليدخله فيه، فما قضى ذلك و عاجلته منيته رضي اللّه عنه و ألحقه بمواليه (عليهم السلام).
و هذا الحديث داخل فيما أجاز لي شيخي ره و قد جمعت بين الروايتين بالألفاظ الزائدة و النقصان و التقديم و التأخير فيهما حتّى صح بجميعه عمن حدّثني به اولا ثمّ الآن، و ذلك أنى ما قرأته على شيخي ره و لا قرأه على، غير أنى أرويه عمن حدّثني به عنه و هو أبو عبد اللّه احمد ابن محمّد بن عيّاش قال: حدّثني أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه قال: حدّثني أبو عيسى عبيد اللّه بن الفضل- الخ، و بعد تمام الخبر يقول: رجعنا الى الأصل.
أقول: الحسين بن أحمد بن المغيرة هو الراوي لكتاب الزيارات هذه عن شيخه ابى القاسم ابن قولويه، و معلوم من ادراجه هذا الحديث و غيره: (راجع كامل الزيارات المطبوع(ص)223) أن نسخة الكتاب انما وصلت الينا من قبله و بخطه و روايته و هو الذي يقول في صدر الكتاب، بعد الخطبة و فهرس الأبواب: أخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّيّ الفقيه قال: حدّثني أبى إلخ و الظاهر من تأخير سند الكتاب عن الخطبة و الفهرس أنّه هو الذي أنشأ الخطبة و رتب الفهرس، لا شيخه، و إلا لوجب تقديم سند الكتاب على الخطبة كما في غير واحد من اسناد كتب الحديث. و كيف كان، فالرجل وثقه ثقة النجاشيّ في رجاله حيث قال: الحسين بن أحمد بن المغيرة أبو عبد اللّه البوشنجى، كان عراقيا مضطرب المذهب و كان ثقة فيما يرويه و هكذا عنونه ابن داود في رجاله، ناقلا نص ذلك عن النجاشيّ و الغضائري، الا أنّه أدرجه في القسم الثاني المختص بذكر المجروحين و المجهولين، كما فعل ذلك العلامة في رجاله و ذكره في الضعفاء و من يرد قوله أو يقف فيه.
56
بْنِ سَلَّامٍ الْكُوفِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْقَاضِي عَنْ نُوحِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)بَلَغَنِي يَا زَائِدَةُ أَنَّكَ تَزُورُ قَبْرَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)أَحْيَاناً فَقُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَكَمَا
57
بَلَغَكَ فَقَالَ لِي فَلِمَا ذَا تَفْعَلُ ذَلِكَ وَ لَكَ مَكَانٌ عِنْدَ سُلْطَانِكَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ أَحَداً عَلَى مَحَبَّتِنَا وَ تَفْضِيلِنَا وَ ذِكْرِ فَضَائِلِنَا وَ الْوَاجِبِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حَقِّنَا فَقُلْتُ وَ اللَّهِ مَا أُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَا أَحْفِلُ بِسَخَطِ مَنْ سَخِطَ وَ لَا يَكْبُرُ فِي صَدْرِي مَكْرُوهٌ يَنَالُنِي بِسَبَبِهِ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ يَقُولُهَا ثَلَاثاً وَ أَقُولُهَا ثَلَاثاً فَقَالَ أَبْشِرْ ثُمَّ أَبْشِرْ ثُمَّ أَبْشِرْ فَلَأُخْبِرَنَّكَ بِخَبَرٍ كَانَ عِنْدِي فِي النُّخَبِ الْمَخْزُونَةِ إِنَّهُ لَمَّا أَصَابَنَا بِالطَّفِّ مَا أَصَابَنَا وَ قُتِلَ أَبِي(ع)وَ قُتِلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ وُلْدِهِ وَ إِخْوَتِهِ وَ سَائِرِ أَهْلِهِ وَ حُمِلَتْ حَرَمُهُ وَ نِسَاؤُهُ عَلَى الْأَقْتَابِ يُرَادُ بِنَا الْكُوفَةَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ صَرْعَى وَ لَمْ يُوَارَوْا فَيَعْظُمُ ذَلِكَ فِي صَدْرِي وَ يَشْتَدُّ لِمَا أَرَى مِنْهُمْ قَلَقِي فَكَادَتْ نَفْسِي تَخْرُجُ وَ تَبَيَّنَتْ ذَلِكَ مِنِّي عَمَّتِي زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ الْكُبْرَى فَقَالَتْ مَا لِي أَرَاكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ يَا بَقِيَّةَ جَدِّي وَ أَبِي وَ إِخْوَتِي فَقُلْتُ وَ كَيْفَ لَا أَجْزَعُ وَ لَا أَهْلَعُ وَ قَدْ أَرَى سَيِّدِي وَ إِخْوَتِي وَ عُمُومَتِي وَ وُلْدَ عَمِّي وَ أَهْلِي مُصْرَعِينَ بِدِمَائِهِمْ مُرَمَّلِينَ بِالْعَرَاءِ مُسَلَّبِينَ لَا يُكَفَّنُونَ وَ لَا يُوَارَوْنَ وَ لَا يُعَرِّجُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَ لَا يَقْرَبُهُمْ بَشَرٌ كَأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الدَّيْلَمِ وَ الْخَزَرِ فَقَالَتْ لَا يُجْزِعَنَّكَ مَا تَرَى فَوَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَى جَدِّكَ وَ أَبِيكَ وَ عَمِّكَ وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَ هُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا وَ هَذِهِ الْجُسُومَ الْمُضَرَّجَةَ وَ يَنْصِبُونَ لِهَذَا الْطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ(ع)لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ وَ لَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَ أَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَ تَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَ أَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً فَقُلْتُ وَ مَا هَذَا الْعَهْدُ وَ مَا هَذَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَيْمَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)زَارَ مَنْزِلَ فَاطِمَةَ(ع)فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ فَعَمِلْتُ لَهُ حَرِيرَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَ أَتَاهُ عَلِيٌّ(ع)بِطَبَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ فَأَتَيْتُهُمْ بِعُسٍّ فِيهِ لَبَنٌ
58
وَ زُبْدٌ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)مِنْ تِلْكَ الْحَرِيرَةِ وَ شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ شَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ ثُمَّ أَكَلَ وَ أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ وَ الزَّبَدِ ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَدَهُ وَ عَلِيٌّ(ع)يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَسْلِ يَدِهِ مَسَحَ وَجْهَهُ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)نَظَراً عَرَفْنَا فِيهِ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ رَمَقَ بِطَرْفِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ مَلِيّاً ثُمَّ وَجَّهَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَ بَسَطَ يَدَيْهِ وَ دَعَا ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً وَ هُوَ يَنْشِجُ فَأَطَالَ النُّشُوجَ وَ عَلَا نَحِيبُهُ وَ جَرَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَ أَطْرَقَ إِلَى الْأَرْضِ وَ دُمُوعُهُ تَقْطُرُ كَأَنَّهَا صَوْبُ الْمَطَرِ فَحَزِنَتْ فَاطِمَةُ وَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ حَزِنْتُ مَعَهُمْ لِمَا رَأَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هِبْنَاهُ أَنْ نَسْأَلَهُ حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ عَلَيٌّ وَ قَالَتْ لَهُ فَاطِمَةُ مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ فَقَدْ أَقْرَحَ قُلُوبَنَا مَا نَرَى مِنْ حَالِكَ فَقَالَ يَا أَخِي سُرِرْتُ بِكُمْ سُرُوراً مَا سُرِرْتُ مِثْلَهُ قَطُّ (1) وَ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْكُمْ وَ أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَيَّ فِيكُمْ إِذْ هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ وَ عَرَفَ سُرُورَكَ بِأَخِيكَ وَ ابْنَتِكَ وَ سِبْطَيْكَ فَأَكْمَلَ لَكَ النِّعْمَةَ وَ هَنَّأَكَ الْعَطِيَّةَ بِأَنْ جَعَلَهُمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ مُحِبِّيهِمْ وَ شِيعَتَهُمْ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ يُحْبَوْنَ كَمَا تُحْبَى وَ يُعْطَوْنَ كَمَا تُعْطَى حَتَّى تَرْضَى وَ فَوْقَ الرِّضَا عَلَى بَلْوَى كَثِيرَةٍ تَنَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ مَكَارِهَ تُصِيبُهُمْ بِأَيْدِي أُنَاسٍ يَنْتَحِلُونَ مِلَّتَكَ وَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِكَ بِرَاءً مِنَ اللَّهِ وَ مِنْكَ خَبَطاً خَبَطاً وَ قَتْلًا قَتْلًا شَتَّى مَصَارِعُهُمْ نَائِيَةً قُبُورُهُمْ خِيَرَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ وَ لَكَ فِيهِمْ فَاحْمَدِ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ عَلَى خِيَرَتِهِ وَ ارْضَ بِقَضَائِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَ رَضِيتُ بِقَضَائِهِ بِمَا اخْتَارَهُ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَخَاكَ مُضْطَهَدٌ بَعْدَكَ مَغْلُوبٌ عَلَى أُمَّتِكَ مَتْعُوبٌ مِنْ أَعْدَائِكَ ثُمَّ مَقْتُولٌ بَعْدَكَ يَقْتُلُهُ أَشَرُّ الْخَلْقِ وَ الْخَلِيقَةِ وَ أَشْقَى الْبَرِيَّةِ نَظِيرُ
____________
(1) راجع ج 45(ص)180- 181 من طبعتا هذه.
59
عَاقِرِ النَّاقَةِ بِبَلَدٍ تَكُونُ إِلَيْهِ هِجْرَتُهُ وَ هُوَ مَغْرِسُ شِيعَتِهِ وَ شِيعَةِ وُلْدِهِ وَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَكْثُرُ بَلْوَاهُمْ وَ يَعْظُمُ مُصَابُهُمْ وَ إِنَّ سِبْطَكَ هَذَا وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)مَقْتُولٌ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَ أَخْيَارٍ مِنْ أُمَّتِكَ بِضَفَّةِ الْفُرَاتِ بِأَرْضٍ تُدْعَى كَرْبَلَاءَ مِنْ أَجْلِهَا يَكْثُرُ الْكَرْبُ وَ الْبَلَاءُ عَلَى أَعْدَائِكَ وَ أَعْدَاءِ ذُرِّيَّتِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَنْقَضِي كَرْبُهُ وَ لَا تَفْنَى حَسْرَتُهُ وَ هِيَ أَطْهَرُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَ أَعْظَمُهَا حُرْمَةً وَ إِنَّهَا لَمِنْ بَطْحَاءِ الْجَنَّةِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يُقْتَلُ فِيهِ سِبْطُكَ وَ أَهْلُهُ وَ أَحَاطَتْ بِهِمْ كَتَائِبُ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ اللَّعْنَةِ تَزَعْزَعَتِ الْأَرْضُ مِنْ أَقْطَارِهَا وَ مَادَتِ الْجِبَالُ وَ كَثُرَ اضْطِرَابُهَا وَ اصْطَفَقَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا وَ مَاجَتِ السَّمَاوَاتُ بِأَهْلِهَا غَضَباً لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَ لِذُرِّيَّتِكَ وَ اسْتِعْظَاماً لِمَا يُنْتَهَكُ مِنْ حُرْمَتِكَ وَ لِشَرِّ مَا تُكَافَى بِهِ فِي ذُرِّيَّتِكَ وَ عِتْرَتِكَ وَ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا اسْتَأْذَنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي نُصْرَةِ أَهْلِكَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمَظْلُومِينَ الَّذِينَ هُمْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَكَ فَيُوحِي اللَّهُ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبَالِ وَ الْبِحَارِ وَ مَنْ فِيهِنَّ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ هَارِبٌ وَ لَا يُعْجِزُهُ مُمْتَنِعٌ وَ أَنَا أَقْدَرُ فِيهِ عَلَى الِانْتِصَارِ وَ الِانْتِقَامِ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأُعَذِّبَنَّ مَنْ وَتَرَ رَسُولِي وَ صَفِيِّي وَ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ وَ قَتَلَ عِتْرَتَهُ وَ نَبَذَ عَهْدَهُ وَ ظَلَمَ أَهْلَهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَضِجُّ كُلُّ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ بِلَعْنِ مَنْ ظَلَمَ عِتْرَتَكَ وَ اسْتَحَلَّ حُرْمَتَكَ فَإِذَا بَرَزَتْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ إِلَى مَضَاجِعِهَا تَوَلَّى اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ قَبْضَ أَرْوَاحِهَا بِيَدِهِ وَ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مَعَهُمْ آنِيَةٌ مِنَ الْيَاقُوتِ وَ الزُّمُرُّدِ مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ وَ حُلَلٌ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ وَ طِيبٌ مِنْ طِيبِ الْجَنَّةِ فَغَسَّلُوا جُثَثَهُمْ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَ أَلْبَسُوهَا الْحُلَلَ وَ حَنَّطُوهَا بِذَلِكَ الطِّيبِ وَ صَلَّى الْمَلَائِكَةُ صَفّاً صَفّاً عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ قَوْماً مِنْ أُمَّتِكَ لَا يَعْرِفُهُمُ الْكُفَّارُ لَمْ يَشْرَكُوا فِي تِلْكَ الدِّمَاءِ بِقَوْلٍ وَ لَا فِعْلٍ وَ لَا نِيَّةٍ فَيُوَارُونَ أَجْسَامَهُمْ وَ يُقِيمُونَ رَسْماً لِقَبْرِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ بِتِلْكَ
60
الْبَطْحَاءِ يَكُونُ عَلَماً لِأَهْلِ الْحَقِّ وَ سَبَباً لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْفَوْزِ وَ تَحُفُّهُ مَلَائِكَةٌ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ وَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ عِنْدَهُ وَ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لِزُوَّارِهِ وَ يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَ مَنْ يَأْتِيهِ زَائِراً مِنْ أُمَّتِكَ مُتَقَرِّباً إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكَ بِذَلِكَ وَ أَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَ عَشَائِرِهِمْ وَ بُلْدَانِهِمْ وَ يُسَمُّونَ فِي وُجُوهِهِمْ بِمِيسَمِ نُورِ عَرْشِ اللَّهِ هَذَا زَائِرُ قَبْرِ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ وَ ابْنِ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَطَعَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ الْمِيسَمِ نُورٌ تُغْشَى مِنْهُ الْأَبْصَارُ يَدُلُّ عَلَيْهِمْ وَ يُعْرَفُونَ بِهِ وَ كَأَنِّي بِكَ يَا مُحَمَّدُ بَيْنِي وَ بَيْنَ مِيكَائِيلَ وَ عَلِيٌّ أَمَامَنَا وَ مَعَنَا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ وَ نَحْنُ نَلْتَقِطُ مَنْ ذَلِكَ الْمِيسَمُ فِي وَجْهِهِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُنْجِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ شَدَائِدِهِ وَ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وَ عَطَاؤُهُ لِمَنْ زَارَ قَبْرَكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ قَبْرَ أَخِيكَ أَوْ قَبْرَ سِبْطَيْكَ لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ سَيَجِدُّ أُنَاسٌ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ اللَّعْنَةُ وَ السُّخْطُ أَنْ يَعْفُوا رَسْمَ ذَلِكَ الْقَبْرِ وَ يَمْحُوا أَثَرَهُ فَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَهَذَا أَبْكَانِي وَ أَحْزَنَنِي قَالَتْ زَيْنَبُ فَلَمَّا ضَرَبَ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أَبِي(ع)وَ رَأَيْتُ أَثَرَ الْمَوْتِ مِنْهُ قُلْتُ لَهُ يَا أَبَهْ حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَيْمَنَ بِكَذَا وَ كَذَا وَ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ فَقَالَ يَا بُنَيَّةِ الْحَدِيثُ كَمَا حَدَّثَتْكَ أُمُّ أَيْمَنَ وَ كَأَنِّي بِكِ وَ بِبَنَاتِ أَهْلِكِ سَبَايَا بِهَذَا الْبَلَدِ أَذِلَّاءَ خَاشِعِينَ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَصَبْراً فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا لِلَّهِ عَلَى الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ وَلِيٌّ غَيْرُكُمْ وَ غَيْرُ مُحِبِّيكُمْ وَ شِيعَتِكُمْ وَ لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)حِينَ أَخْبَرَنَا بِهَذَا الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَطِيرُ فَرَحاً فَيَجُولُ الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي شَيَاطِينِهِ وَ عَفَارِيتِهِ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الشَّيَاطِينِ قَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الطَّلِبَةَ وَ بَلَغْنَا فِي هَلَاكِهِمُ الْغَايَةَ وَ أَوْرَثْنَاهُمُ السُّوءَ إِلَّا مَنِ اعْتَصَمَ بِهَذِهِ الْعِصَابَةِ فَاجْعَلُوا شُغُلَكُمْ بِتَشْكِيكِ النَّاسِ فِيهِمْ وَ حَمْلِهِمْ عَلَى عَدَاوَتِهِمْ وَ إِغْرَائِهِمْ بِهِمْ وَ بِأَوْلِيَائِهِمْ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ ضَلَالَةُ الْخَلْقِ وَ كُفْرُهُمْ وَ لَا
61
يَنْجُوَ مِنْهُمْ نَاجٍ وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ وَ هُوَ كَذُوبٌ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُ مَعَ عَدَاوَتِكُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ وَ لَا يَضُرُّ مَعَ مَحَبَّتِكُمْ وَ مُوَالاتِكُمْ ذَنْبٌ غَيْرُ الْكَبَائِرِ قَالَ زَائِدَةُ ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(ع)بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ خُذْهُ إِلَيْكَ أَمَا لَوْ ضَرَبْتَ فِي طَلَبِهِ آبَاطَ الْإِبِلِ حَوْلًا لَكَانَ قَلِيلًا (1).
بيان الطف اسم لكربلاء قال الفيروزآبادي الطف موضع قرب الكوفة و الصرع الطرح على الأرض و التصريع الصرع بشدة و رمل الثوب لطخه بالدم و أَرْمَلَ السَّهْمُ تلطخ بالدم و العراء الفضاء لا يستر فيه بشيء و التعريج على الشيء الإقامة عليه و تضرج بالدم أي تلطخ و ضرج أنفه بدم بالتشديد أي أدماه و درس الرسم دروسا عفا و درسته الريح لازم و متعد و الحريرة دقيق يطبخ بلبن و العس بالضم القدح العظيم و رمق بطرفه أي نظر و نشج الباكي كضرب نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب و نشج بصوته نشيجا ردده في صدره و الصوب الانصباب و مجيء السماء بالمطر و خبطه ضربه شديدا و القوم بسيفه جلدهم و المضطهد بالفتح المقهور المضطر و ضفّة النهر بالكسر جانبه و الكتيبة الجيش و التزعزع التحرك و كذلك الميد و الاصطفاق الاضطراب و الموتور من قتل له قتيل فلم يدرك بدمه و ضرب آباط الإبل كناية عن الركض و الاستعجال.
ثم اعلم أن رواية سيد الساجدين(ع)هذا الخبر عن عمته و استماعه لها لا ينافي كونه(ع)عالما بذلك قبله إذ قد تكون في الرواية عن الغير مصلحة و قد يكون للاستماع إلى حديث يعرفه الإنسان تأثير جديد في أحوال الحزن مع أنه يحتمل أن يكون الاستماع لتطييب قلب عمته رضي الله عنها.
24- مل، كامل الزيارات مُحَمَّدٌ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ(ص)قِيلَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ مُخْتَبِرُكَ فِي ثَلَاثٍ لِيَنْظُرَ
____________
(1) كامل الزيارات: 259- 266.
62
كَيْفَ صَبْرُكَ قَالَ أُسْلِمُ لِأَمْرِكَ يَا رَبِّ وَ لَا قُوَّةَ لِي عَلَى الصَّبْرِ إِلَّا بِكَ فَمَا هُنَّ قِيلَ أَوَّلُهُنَّ الْجُوعُ وَ الْأَثَرَةُ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلَى أَهْلِكَ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ قَالَ قَبِلْتُ يَا رَبِّ وَ رَضِيتُ وَ سَلَّمْتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الصَّبْرُ وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَالتَّكْذِيبُ وَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ وَ بَذْلُكَ مُهْجَتَكَ فِيَّ وَ مُحَارَبَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِمَالِكَ وَ نَفْسِكَ وَ الصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُكَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَذَى وَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَ الْأَلَمِ فِي الْحَرْبِ وَ الْجِرَاحِ قَالَ يَا رَبِّ قَبِلْتُ وَ رَضِيتُ وَ سَلَّمْتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الصَّبْرُ وَ أَمَّا الثَّالِثَةُ فَمَا يَلْقَى أَهْلُ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ مِنَ الْقَتْلِ أَمَّا أَخُوكَ فَيَلْقَى مِنْ أُمَّتِكَ الشَّتْمَ وَ التَّعْنِيفَ وَ التَّوْبِيخَ وَ الْحِرْمَانَ وَ الْجَهْدَ وَ الظُّلْمَ وَ آخِرُ ذَلِكَ الْقَتْلُ فَقَالَ يَا رَبِّ سَلَّمْتُ وَ قَبِلْتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الصَّبْرُ وَ أَمَّا ابْنَتُكَ فَتُظْلَمُ وَ تُحْرَمُ وَ يُؤْخَذُ حَقُّهَا غَصْباً الَّذِي تَجْعَلُهُ لَهَا وَ تُضْرَبُ وَ هِيَ حَامِلٌ وَ يُدْخَلُ عَلَى حَرِيمِهَا وَ مَنْزِلِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ ثُمَّ يَمَسُّهَا هَوَانٌ وَ ذُلٌّ ثُمَّ لَا تَجِدُ مَانِعاً وَ تَطْرَحُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الضَّرْبِ وَ تَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ قَبِلْتُ يَا رَبِّ وَ سَلَّمْتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الصَّبْرُ وَ يَكُونُ لَهَا مِنْ أَخِيكَ ابْنَانِ يُقْتَلُ أَحَدُهُمَا غَدْراً وَ يُسْلَبُ وَ يُطْعَنُ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ أُمَّتُكَ قَالَ قَبِلْتُ يَا رَبِّ وَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ سَلَّمْتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الصَّبْرُ وَ أَمَّا ابْنُهَا الْآخَرُ فَتَدْعُوهُ أُمَّتُكَ إِلَى الْجِهَادِ ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ صَبْراً وَ يَقْتُلُونَ وُلْدَهُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَسْلُبُونَ حَرَمَهُ فَيَسْتَعِينُ بِي وَ قَدْ مَضَى الْقَضَاءُ مِنِّي فِيهِ بِالشَّهَادَةِ لَهُ وَ لِمَنْ مَعَهُ وَ يَكُونُ قَتْلُهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَيْنَ قُطْرَيْهَا فَتَبْكِيهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ جَزَعاً عَلَيْهِ وَ تَبْكِيهِ مَلَائِكَةٌ لَمْ يُدْرِكُوا نُصْرَتَهُ ثُمَّ أُخْرِجُ مِنْ صُلْبِهِ ذَكَراً بِهِ أَنْصُرُكَ وَ إِنَّ شَبَحَهُ عِنْدِي تَحْتَ الْعَرْشِ وَ فِي نُسْخَهٍ أُخْرَى ثُمَّ أُخْرِجُ مِنْ صُلْبِهِ ذَكَراً أَنْتَصِرُ لَهُ بِهِ وَ إِنَّ شَبَحَهُ عِنْدِي تَحْتَ الْعَرْشِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ بِالْعَدْلِ وَ يُطْفِئُهَا (1) بِالْقِسْطِ يَسِيرُ مَعَهُ الرُّعْبُ يَقْتُلُ حَتَّى يُسْأَلَ فِيهِ قُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ
____________
(1) و يطبقها خ ل. و هو ثبت المصدر.
63
فَقِيلَ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَنَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً وَ أَطْيَبِهِ رِيحاً وَ النُّورُ يَسْطَعُ مِنْ فَوْقِهِ وَ مِنْ تَحْتِهِ فَدَعَوْتُهُ فَأَقْبَلَ إِلَيَّ وَ عَلَيْهِ ثِيَابُ النُّورِ وَ سِيمَاءُ كُلِّ خَيْرٍ حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَ نَظَرْتُ إِلَى مَلَائِكَةٍ قَدْ حَفُّوا بِهِ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ فَقُلْتُ يَا رَبِّ لِمَنْ يَغْضَبُ هَذَا وَ لِمَنْ أَعْدَدْتَ هَؤُلَاءِ وَ قَدْ وَعَدْتَنِي النَّصْرَ فِيهِمْ فَأَنَا أَنْتَظِرُهُ مِنْكَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلِي وَ أَهْلُ بَيْتِي وَ قَدْ أَخْبَرْتَنِي بِمَا يَلْقَوْنَ مِنْ بَعْدِي وَ لَوْ شِئْتَ لَأَعْطَيْتَنِي النَّصْرَ فِيهِمْ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ وَ قَدْ سَلَّمْتُ وَ قَبِلْتُ وَ رَضِيتُ وَ مِنْكَ التَّوْفِيقُ وَ الرِّضَا وَ الْعَوْنُ عَلَى الصَّبْرِ فَقِيلَ لِي أَمَّا أَخُوكَ فَجَزَاؤُهُ عِنْدِي جَنَّةُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِصَبْرِهِ أُفْلِجُ حُجَّتَهُ عَلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْبَعْثِ وَ أُوَلِّيهِ حَوْضَكَ يَسْقِي مِنْهُ أَوْلِيَاءَكُمْ وَ يَمْنَعُ مِنْهُ أَعْدَاءَكُمْ وَ أَجْعَلُ جَهَنَّمَ عَلَيْهِ بَرْداً وَ سَلَاماً يَدْخُلُهَا فَيُخْرِجُ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَ أَجْعَلُ مَنْزِلَتَكُمْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَ أَمَّا ابْنُكَ الْمَقْتُولُ الْمَخْذُولُ وَ ابْنُكَ الْمَغْدُورُ الْمَقْتُولُ صَبْراً فَإِنَّهُمَا مِمَّا أُزَيِّنُ بِهِمَا عَرْشِي وَ لَهُمَا مِنَ الْكَرَامَةِ سِوَى ذَلِكَ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ لِمَا أَصَابَهُمَا مِنَ الْبَلَاءِ (1) وَ لِكُلِّ مَنْ أَتَى قَبْرَهُ مِنَ الْخَلْقِ (2) لِأَنَّ زُوَّارَهُ زُوَّارُكَ وَ زُوَّارُكَ زُوَّارِي وَ عَلَيَّ كَرَامَةُ زَائِرِي وَ أَنَا أُعْطِيهِ مَا سَأَلَ وَ أَجْزِيهِ جَزَاءً يَغْبِطُهُ مَنْ نَظَرَ إِلَى تَعْظِيمِي لَهُ وَ مَا أَعْدَدْتُ لَهُ مِنْ كَرَامَتِي وَ أَمَّا ابْنَتُكَ فَإِنِّي أُوْقِفُهَا عِنْدَ عَرْشِي فَيُقَالُ لَهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَّمَكِ فِي خَلْقِهِ فَمَنْ ظَلَمَكِ وَ ظَلَمَ وُلْدَكِ فَاحْكُمِي فِيهِ بِمَا أَحْبَبْتِ فَإِنِّي أُجِيزُ حُكُومَتَكِ فِيهِمْ فَتَشْهَدُ الْعَرْصَةَ فَإِذَا أُوقِفَ مَنْ ظَلَمَهَا أَمَرَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ الظَّالِمُ وَا حَسْرَتَاهْ عَلى ما
____________
(1) فعلى فتوكل خ، و هو ثبت في المصدر.
(2) قوله «و لكل من أتى قبره من الخلق» عطف على قوله «و لهما من الكرامة سوى ذلك» الخ، أي لهما و لكل من أتى قبره من الخلق من الكرامة سوى ذلك ما لا يخطر على قلب بشر. فما في المصدر و هكذا هامش نسخة الكمبانيّ: «و لكل من أتى قبره من الخلق من الكرامة» سهو زائد.
64
فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ يَتَمَنَّى الْكَرَّةَ وَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا وَ قَالَ حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ فَيَقُولُ الظَّالِمُ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَوِ الْحُكْمُ لِغَيْرِكَ فَيُقَالُ لَهُمَا أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَ أَوَّلُ مَنْ يُحْكَمُ فِيهِ مُحَسِّنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)فِي قَاتِلِهِ ثُمَّ فِي قُنْفُذٍ فَيُؤْتَيَانِ هُوَ وَ صَاحِبُهُ فَيُضْرَبَانِ بِسِيَاطٍ مِنْ نَارٍ لَوْ وَقَعَ سَوْطٌ مِنْهَا عَلَى الْبِحَارِ لَغَلَتْ مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا وَ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ حَتَّى تَصِيرَ رَمَاداً فَيُضْرَبَانِ بِهَا ثُمَّ يَجْثُو أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْخُصُومَةِ مَعَ الرَّابِعِ وَ تُدْخَلُ الثَّلَاثَةُ فِي جُبٍّ فَيُطْبَقُ عَلَيْهِمْ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ وَ لَا يَرَوْنَ أَحَداً فَيَقُولُ الَّذِينَ كَانُوا فِي وَلَايَتِهِمْ رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُنَادُونَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ وَ يَأْتِيَانِ الْحَوْضَ يَسْأَلَانِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ مَعَهُمْ حَفَظَةٌ فَيَقُولَانِ اعْفُ عَنَّا وَ اسْقِنَا وَ خَلِّصْنَا فَيُقَالُ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ قِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ارْجِعُوا ظِمَاءً مُظْمَئِينَ إِلَى النَّارِ فَمَا شَرَابُكُمْ إِلَّا الْحَمِيمُ وَ الْغِسْلِينُ وَ مَا تَنْفَعُكُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (1).
بيان: قوله يطفيها لعل الضمير راجع إلى الأرض و في الإسناد تجوز أي يطفئ نيران فتنتها و ظلمها أو إلى الفتن بقرينة المقام و في بعض النسخ و يطبقها أي يعمها و هو أظهر قوله و حتى يسأل فيه (2) أي يقتل الناس كثيرا
____________
(1) كامل الزيارات: 332- 335.
(2) في المصدر: يشك فيه.
65
حتى يسأله الناس عن سبب كثرة القتل فالضمير راجع إلى القتل و الضمير في قوله و لكل من أتى قبره إلى الحسين(ع)و لعله سقط من الخبر شيء.
25- شا، الإرشاد رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)يَقُولُ إِنَّ فِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ مِنْ بَعْدِي (1).
____________
(1) إرشاد المفيد: 136 و رواه الفضل بن شاذان في الإيضاح قال: روى إسحاق بن إسماعيل عن هيثم بن بشير عن إسماعيل بن سالم عن ابى إدريس عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: فيما عهد الى النبيّ أن الأمة ستغدر بك، راجع(ص)452 من كتابه الإيضاح.
و روى المفيد في الإرشاد قبل هذا الحديث عن عبد اللّه بن بكير الغنوى عن حكيم بن جبير قال: حدّثنا من شهد عليا بالرحبة يخطب فقال فيما قال: «أيها الناس انكم قد أبيتم الا أن أقول: اما و ربّ السماوات و الأرض لقد عهد الى خليلى ان الأمة ستغدر بك». أقول:
انما قال (عليه السلام) «قد أبيتم الا أن أقول» فان شرذمة من منافقى أصحابه (عليه السلام) قد أنكروا عليه قتال المسلمين فسألوه: هل كان ذلك بعهد من رسول اللّه إليك أو رأى رأيته؟ و سيجيء الكلام في ذلك مستوفى في باب الجمل إنشاء اللّه تعالى.
و روى ابن أبي الحديد هذين الحديثين في شرح النهج ج 1(ص)372 ثمّ قال: و قد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه، و روى عن سدير الصيرفى عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: اشتكى عليّ (عليه السلام) شكاة فعاده أبو بكر و عمر و خرجا من عنده فأتيا النبيّ(ص)فسألهما من أين جئتما؟ قالا عدنا عليا، قال ص: كيف رأيتماه؟ قالا:
رأيناه يخاف عليه ممّا به، فقال: كلا انه لن يموت حتّى يوسع غدرا و بغيا و ليكونن في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعده.
و روى البخارى في تاريخه الكبير ج 1 ق 2(ص)174 عن ثعلبة بن يزيد الحمانى قال: قال النبيّ(ص)لعلى: ان الأمة ستغدر بك، و لا يتابع عليه.
و قد أخرج العلامة المرعشيّ مثله في ذيل الاحقاق ج 7(ص)325- 330 عن جمع كثير كالحاكم في المستدرك ج 3(ص)140، الخطيب في تاريخ بغداد ج 11(ص)216، الذهبي في ميزان الاعتدال ج 1(ص)171، و غيرهم من أراد الاستقصاء فليراجع.
66
26- م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (1) قَالَ الْإِمَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ الدَّالَّاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَ عَلَى مَا وَصَفَهُ مِنْ فَضْلِ مُحَمَّدٍ وَ شَرَفِهِ عَلَى الْخَلَائِقِ وَ أَبَانَ عَنْهُ مِنْ خِلَافَةِ عَلِيٍّ(ع)وَ وَصِيَّتِهِ وَ أَمْرِ خُلَفَائِهِ بَعْدَهُ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ إِلَهاً مِنْ بَعْدِهِ بَعْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ وَ خَالَفْتُمْ خَلِيفَتَهُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ وَ تَرَكَهُ عَلَيْكُمْ وَ هُوَ هَارُونُ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ كَافِرُونَ بِمَا فَعَلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ قَدْ مَرَّ مَعَهُ بِحَدِيقَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا أَحْسَنَهَا مِنْ حَدِيقَةٍ فَقَالَ يَا عَلِيُّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا إِلَى أَنْ مَرَّ بِسَبْعِ حَدَائِقَ كُلَّ ذَلِكَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ مَا أَحْسَنَهَا وَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)بُكَاءً شَدِيداً فَبَكَى عَلِيٌّ(ع)لِبُكَائِهِ ثُمَّ قَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَا أَخِي يَا أَبَا الْحَسَنِ ضَغَائِنُ فِي صُدُورِ قَوْمٍ يُبْدُونَهَا لَكَ بَعْدِي قَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دَيْنِي قَالَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا سَلِمَ لِي دِينِي فَمَا يَسُوؤُنِي ذَلِكَ (2)
____________
(1) البقرة: 92.
(2) حديث الحدائق السبعة مستفيض بل متواتر عنه(ص)و سيجيء تحت الرقم 33 أيضا و قد أخرجه العلامة المرعشيّ دام ظله في ج 6(ص)181 من شرحه على الاحقاق من حديث ابى عثمان النهدى عن 16 كتابا منها مستدرك الحاكم ج 3(ص)139، تاريخ بغداد ج 12(ص)398 و من حديث ابن عبّاس عن 3 كتب منها مجمع الزوائد ج 9/ 118 قال رواه الطبراني، و عن حديث انس عن 3 كتب اخرى منها منتخب كنز العمّال ج 5(ص)53 أضف الى ذلك شرح النهج الحديدى ج 1(ص)372، رواه عن يونس بن حباب عن انس و لفظه في ذيل الحديث: «... فقال يا رسول اللّه أ فلا أضع سيفى على عاتقى فأبيد خضراءهم؟ قال بل تصبر قال: فان صبرت قال: تلاقى جهدا، قال: أ في سلامة من دينى؟ قال: نعم، قال:
فاذا لا ابالى.
و روى بعد ذلك عن جابر الجعفى عن الباقر (عليه السلام) قال: قال عليّ (عليه السلام): ما رأيت منذ بعث اللّه محمّدا رخاء لقد أخافتنى قريش صغيرا و أنصبتنى كبيرا حتّى قبض اللّه رسوله فكانت الطامة الكبرى، و اللّه المستعان على ما تصفون.
و أخرج ابن شهرآشوب في مناقبه ج 1(ص)323 حديث الحدائق السبعة عن مسند أبى يعلى و اعتقاد الاشنهى و مجموع أبى العلاء الهمدانيّ و قد رووه عن أنس و أبى برزة و أبى رافع و أخرجه عن ابانة ابن بطة و قد رواه عن ثلاثة طرق و لفظه في ذيل الحديث: قال يا رسول اللّه كيف أصنع؟ قال: تصبر فان لم تصبر تلق جهدا و شدة، و قال: يا رسول اللّه أ تخاف فيها هلاك دينى؟ قال: بل فيها حياة دينك.
ثمّ روى بعد ذلك مرسلا مثل ما مر عن شرح النهج و لفظه: قال أمير المؤمنين ما رأيت منذ بعث اللّه محمّدا رخاء- فالحمد للّه- و لقد خفت صغيرا و جاهدت كبيرا قاتل المشركين و أعادى المنافقين حتّى قبض اللّه نبيه، فكانت الطامة الكبرى، فلم أزل محاذرا وجلا جلا أخاف أن يكون ما لا يسعنى فيه المقام، فلم أر بحمد اللّه الا خيرا، حتى مات أبو بكر فكانت أشياء ففعل اللّه ما شاء ثمّ أصيب فلان، فما زلت بعد فيما ترون دائبا أضرب بسيفى صبيا حتّى كنت شيخا.
67
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِذَلِكَ جَعَلَكَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ تَالِياً وَ إِلَى رِضْوَانِهِ وَ غُفْرَانِهِ دَاعِياً وَ عَنْ أَوْلَادِ الرِّشْدَةِ وَ الْبَغْيِ بِحُبِّهِمْ لَكَ وَ بُغْضِهِمْ مُنْبِئاً وَ لِلِوَاءِ مُحَمَّدٍ(ص)يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلًا وَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَ الرُّسُلِ الصَّائِرِينَ تَحْتَ لِوَائِي إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ قَائِداً يَا عَلِيُّ إِنَّ أَصْحَابَ مُوسَى اتَّخَذُوا بَعْدَهُ عِجْلًا فَخَالَفُوا خَلِيفَتَهُ وَ سَتَتَّخِذُ أُمَّتِي بَعْدِي عِجْلًا ثُمَّ عِجْلًا ثُمَّ عِجْلًا وَ يُخَالِفُونَك وَ أَنْتَ خَلِيفَتِي عَلَى هَؤُلَاءِ يُضَاهِئُونَ أُولَئِكَ فِي اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ أَلَا فَمَنْ وَافَقَكَ وَ أَطَاعَكَ فَهُوَ مَعَنَا فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى وَ مَنِ اتَّخَذَ بَعْدِيَ الْعِجْلَ وَ خَالَفَكَ وَ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ زَمَانَ
68
مُوسَى وَ لَمْ يَتُوبُوا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ (1).
27- قب، المناقب لابن شهرآشوب أَبُو طَالِبٍ الْهَرَوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ الْآيَاتِ قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَمَّارٍ إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ حَتَّى يَخْتَلِفَ السَّيْفَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ حَتَّى يَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الْأَصْلَعِ عَنْ يَمِينِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَإِنْ سَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِياً وَ سَلَكَ عَلِيٌّ وَادِياً فَاسْلُكْ وَادِيَ عَلِيٍّ وَ خَلِّ عَنِ النَّاسِ يَا عَمَّارُ إِنَّ عَلِيّاً لَا يَرُدُّكَ عَنْ هُدًى وَ لَا يَرُدُّكَ إِلَى رَدًى يَا عَمَّارُ طَاعَةُ عَلِيٍّ طَاعَتِي وَ طَاعَتِي طَاعَةُ اللَّهِ (2).
وَ فِي رِوَايَةِ النَّاصِرِ (3) بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيِّ وَ ظَرِيفٍ الْعَبْدِيِّ وَ أَبِي عَبْدِ
____________
(1) تفسير الإمام: 185- 186.
(2) المناقب (مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب السروى) ج 3(ص)203، و في مطبوعة الكمبانيّ شى رمز العيّاشيّ و هو سهو.
أقول: و ترى نص الحديث في فرائد السمطين على ما أخرجه العلامة المرعشيّ في ج 8(ص)469 من ذيل الاحقاق، ينابيع المودة: 128 منتخب كنز العمّال ج 11(ص)174 ط حيدرآباد.
(3) يعني الناصر لدين اللّه العباسيّ و كان عالما مؤلّفا شجاعا شاعرا راويا للحديث و يعد في المحدثين، و أجاز لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه، له كتاب في فضائل أمير المؤمنين(ع)رواه السيّدين طاوس في كتابه اليقين عن السيّد فخار بن معد الموسوى عن المؤلّف- على ما في الكنى و الألقاب.
كتب إليه الملك الافضل عليّ بن صلاح الدين (565- 622) يشكو إليه عمه أبا بكر و أخاه عثمان لما أخذا منه دمشق (من البسيط):
مولاى ان أبا بكر و صاحبه* * * عثمان قد غصبا بالسيف حقّ على
و هو الذي كان قد ولاه والده* * * عليهما فاستقام الامر حين ولى
فخالفاه و حلا عقد بيعته* * * و الامر بينهما و النصّ فيه جلى
فانظر الى حظ هذا الاسم كيف لقى* * * من الأواخر ما لاقى من الأول
فأجابه الناصر و في أوله (من الكامل):
وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا* * * بالود يخبر أن أصلك طاهر
غصبا عليا حقه اذ لم يكن* * * بعد النبيّ له بيثرب ناصر
فابشر فان غدا عليه حسابهم* * * و اصبر فناصرك الامام الناصر
راجع وفيات الأعيان الرقم 409 ج 3(ص)96 تحقيق محمّد محيى الدين عبد الحميد و من شعره أيضا:
قسما بمكّة و الحطيم و زمزم* * * و الراقصات و مشيهن الى منى
بغض الوصى علامة مكتوبة* * * تبدو على جبهات أولاد الزنى
من لم يوال في البرية حيدرا* * * سيان عند اللّه صلى أم زنى
.
69
الرَّحْمَنِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَ فِي شِيعَتِي وَ فِي عَدُوِّي وَ فِي أَشْيَاعِهِمْ (1).
28- قب، المناقب لابن شهرآشوب الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ الْآيَاتِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّكَ مُبْتَلًى وَ مُبْتَلًى بِكَ وَ إِنَّكَ مُخَاصَمٌ فَأَعِدَّ لِلْخُصُومَةِ (2).
29- قب، المناقب لابن شهرآشوب جَابِرٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَلِيٍّ(ع)كَيْفَ بِكَ يَا عَلِيُّ إِذَا وَلَّوْهَا مِنْ بَعْدِي فُلَاناً قَالَ هَذَا سَيْفِي أَحُولُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهَا قَالَ النَّبِيُّ أَوْ تَكُونُ صَابِراً مُحْتَسِباً فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهَا قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَإِذَا كَانَ خَيْراً لِي فَأَصْبِرُ وَ أَحْتَسِبُ ثُمَّ ذَكَرَ فُلَاناً وَ فُلَاناً كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ بِكَ إِذَا بُويِعْتَ ثُمَّ خُلِعْتَ فَأَمْسَكَ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ اخْتَرْ يَا عَلِيُّ السَّيْفَ أَوِ النَّارَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ أَمْرِي ظَهْراً لِبَطْنٍ فَمَا يَسَعُنِي إِلَّا جِهَادُ الْقَوْمِ وَ قِتَالُهُمْ (3).
____________
(1) المناقب لابن شهرآشوب ج 3(ص)203، و في ط الكمبانيّ رمز العيّاشيّ.
(2) المناقب لابن شهرآشوب ج 3(ص)203، و في ط الكمبانيّ رمز العيّاشيّ.
(3) المناقب ج 3(ص)203.
أقول و في النهج تحت الرقم 54 من قسم الخطب يقول (عليه السلام) في كلام له: «و قد قلبت هذا الامر بطنه و ظهره، حتى منعنى النوم، فما وجدتنى يسعنى الا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّد ص، فكانت معالجة القتال أهون على من معالجة العقاب، و موتات الدنيا أهون على من موتات الآخرة» و ترى نصوصا في ذلك أخرجه العلامة المرعشيّ مد ظله في ذيل الاحقاق ج 8(ص)420 عن شرح النهج ج 1(ص)183، الرياض النضرة ج 2(ص)243 نظم درر السمطين: 117.
70
30- جا، المجالس للمفيد مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِي عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْمُعَدِّلِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَأْسَهُ فِي حَجْرِ أُمِّ الْفَضْلِ وَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقَطَرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعِهَا عَلَى خَدَّيْهِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ لَهَا مَا لَكِ يَا أُمَّ الْفَضْلِ قَالَتْ نَعَيْتَ إِلَيْنَا نَفْسَكَ وَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّكَ مَيِّتٌ فَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ لَنَا فَبَشِّرْنَا وَ إِنْ يَكُنْ فِي غَيْرِنَا فَأَوْصِ بِنَا قَالَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ(ص)أَنْتُمُ الْمَقْهُورُونَ الْمُسْتَضْعَفُونَ بَعْدِي (1).
بيان: النعي خبر الموت.
31- ني، الغيبة للنعماني ابْنُ عُقْدَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْكُوفِيِّ عَنْ عَمِيرَةَ بِنْتِ أَوْسٍ قَالَتْ حَدَّثَنِي جَدِّي الْخَضِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَنَّهُ قَالَ يَوْماً لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ فَيَطْغَوْا وَ يَكْفُرُوا إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ صَعْباً شَدِيداً مَحْمَلُهُ (2) لَوْ حُمِّلَتْهُ الْجِبَالُ عَجَزَتْ عَنْ حَمْلِهِ إِنَّ عِلْمَنَا
____________
(1) أمالي المفيد: 31 م 24.
و مثله في مسند الامام ابن حنبل ج 6(ص)339.
(2) أي حمله و تقبله و العمل به و الاعتقاد له، كما روى: ان حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب إلخ.
71
أَهْلَ الْبَيْتِ يُسْتَنْكَرُ وَ يُبْطَلُ وَ يُقْتَلُ رُوَاتُهُ وَ يُسَاءُ إِلَى مَنْ يَتْلُوهُ بَغْياً وَ حَسَداً لِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عِتْرَةَ الْوَصِيِّ وَصِيِّ النَّبِيِّ(ص)يَا ابْنَ الْيَمَانِ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)تَفَلَ فِي فَمِي وَ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَعْطِ خَلِيفَتِي وَ وَصِيِّي وَ قَاضِيَ دَيْنِي وَ مُنْجِزَ وَعْدِي وَ أَمَانَتِي وَ وَلِيِّي وَ وَلِيَّ حَوْضِي وَ نَاصِرِي عَلَى عَدُوِّكَ وَ عَدُوِّي وَ مُفَرِّجَ الْكَرْبِ عَنْ وَجْهِي مَا أَعْطَيْتَ آدَمَ مِنَ الْعِلْمِ وَ مَا أَعْطَيْتَ نُوحاً مِنَ الْحِلْمِ وَ مَا أَعْطَيْتَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعِتْرَةِ الطَّيِّبَةِ وَ السَّمَاحَةِ وَ مَا أَعْطَيْتَ أَيُّوبَ مِنَ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَ مَا أَعْطَيْتَ دَاوُدَ مِنَ الشِّدَّةِ عِنْدَ مُنَازَلَةِ الْأَقْرَانِ وَ مَا أَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مِنَ الْفَهْمِ لَا تُخْفِ عَنْ عَلِيٍّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَجْعَلَهَا كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِثْلَ الْمَائِدَةِ الصَّغِيرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ اللَّهُمَّ أَعْطِهِ جَلَادَةَ مُوسَى وَ اجْعَلْ فِي نَسْلِهِ شَبِيهَ عِيسَى اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلِيفَتِي عَلَيْهِ وَ عَلَى عِتْرَتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ الطَّيِّبَةِ الْمُطَهَّرَةِ الَّتِي أَذْهَبْتَ عَنْهَا الرِّجْسَ وَ النِّجْسَ وَ صَرَفْتَ عَنْهَا مُلَامَسَةَ الشَّيْطَانِ اللَّهُمَّ إِنْ بَغَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِ وَ قَدَّمَتْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ فَاجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ إِذْ غَابَ عَنْهُ مُوسَى ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ كَمْ من [فِي وُلْدِكَ مِنْ وَلَدٍ فَاضِلٍ يُقْتَلُ وَ النَّاسُ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ لَا يَغِيرُونَ فَقَبُحَتْ أُمَّةٌ تَرَى أَوْلَادَ نَبِيِّهَا يُقْتَلُونَ ظُلْماً وَ لَا يَغِيرُونَ إِنَّ الْقَاتِلَ وَ الْآمِرَ وَ الْمُسَاعِدَ الَّذِي لَا يَغِيرُ كُلُّهُمْ فِي الْإِثْمِ وَ اللِّعَانِ مُشْتَرِكُونَ يَا ابْنَ الْيَمَانِ إِنَّ قُرَيْشاً لَا تَنْشَرِحُ صُدُورُهَا وَ لَا تَرْضَى قُلُوبُهَا وَ لَا تَجْرِي أَلْسِنَتُهَا بِبَيْعَةِ عَلِيٍّ(ع)وَ مُوَالاتِهِ إِلَّا عَلَى الْكُرْهِ وَ الْعَمَى وَ الطُّغْيَانِ يَا ابْنَ الْيَمَانِ سَتُبَايِعُ قُرَيْشٌ عَلِيّاً ثُمَّ تَنْكُثُ عَلَيْهِ وَ تُحَارِبُهُ وَ تُنَاضِلُهُ وَ تَرْمِيهِ بِالْعَظَائِمِ وَ بَعْدَ عَلِيٍّ يَلِي الْحَسَنُ وَ سَيُنْكَثُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَلِي الْحُسَيْنُ(ع)فَيُقْتَلُ فَلُعِنَتْ أُمَّةٌ تَقْتُلُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهَا وَ لَا تَعِزُّ مِنْ أُمَّةٍ وَ لُعِنَ الْقَائِدُ لَهَا وَ الْمُرَتِّبُ لِجَيْشِهَا فَوَ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ ابْنِي فِي ضَلَالٍ وَ ظُلْمَةٍ وَ عسفة [عَسْفٍ وَ جَوْرٍ وَ اخْتِلَافٍ فِي الدِّينِ وَ تَغْيِيرٍ وَ تَبْدِيلٍ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ إِظْهَارِ الْبِدَعِ وَ إِبْطَالِ السُّنَنِ وَ اخْتِلَافٍ وَ قِيَاسِ مُشْتَبِهَاتٍ وَ تَرْكِ مُحْكَمَاتٍ حَتَّى
72
تَنْسَلِخَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ تَدْخُلَ فِي الْعَمَى وَ التَّلَدُّدِ وَ التَّسَكُّعِ (1) مَا لَكَ يَا بَنِي أُمَيَّةَ لَا هُدِيتَ يَا بَنِي أُمَيَّةَ وَ مَا لَكَ يَا بَنِي فُلَانٍ لَكَ الْإِتْعَاسُ فَمَا فِي بَنِي فُلَانٍ إِلَّا ظَالِمٌ مُعْتَدٍ مُتَمَرِّدٌ عَلَى اللَّهِ بِالْمَعَاصِي قَتَّالٌ لِوُلْدِي هَتَّاكٌ لِسَتْرِ حُرْمَتِي فَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ جَبَّارِينَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى حَرَامِ الدُّنْيَا مُنْغَمِسِينَ فِي بِحَارِ الْهَلَكَاتِ فِي أَوْدِيَةِ الدِّمَاءِ حَتَّى إِذَا غَابَ الْمُتَغَيِّبُ مِنْ وُلْدِي عَنْ عُيُونِ النَّاسِ وَ مَاجَ النَّاسُ بِفَقْدِهِ أَوْ بِقَتْلِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ أَطْلَعَتِ الْفِتْنَةُ وَ نَزَلَتِ الْبَلِيَّةُ وَ أُتِيحَتِ الْعَصَبِيَّةُ وَ غَلَا النَّاسُ فِي دِينِهِمْ وَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ ذَاهِبَةٌ وَ الْإِمَامَةَ بَاطِلَةٌ وَ يَحُجُّ حَجِيجُ النَّاسِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَ نَوَاصِبِهِمْ لِلتَّمَكُّنِ وَ التَّجَسُّسِ عَنْ خَلَفِ الْخَلَفِ فَلَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ وَ لَا يُعْرَفُ لَهُ خَلَفٌ فَعِنْدَ ذَلِكَ سُبَّتْ شِيعَةُ عَلِيٍّ سَبَّهَا أَعْدَاؤُهَا وَ غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْأَشْرَارُ وَ الْفُسَّاقُ بِاحْتِجَاجِهَا حَتَّى إِذَا تَعِبَتِ الْأُمَّةُ وَ تَدَلَّهَتْ أَكْثَرَتْ فِي قَوْلِهَا إِنَّ الْحُجَّةَ هَالِكَةٌ وَ الْإِمَامَةَ بَاطِلَةٌ فَوَ رَبِّ عَلِيٍّ إِنَّ حُجَّتَهَا عَلَيْهَا قَائِمَةٌ مَاشِيَةٌ فِي طُرُقَاتِهَا دَاخِلَةٌ فِي دُورِهَا وَ قُصُورِهَا جَوَّالَةٌ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَرَى وَ لَا يُرَى إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ وَ الْوَعْدِ وَ نِدَاءِ الْمُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ ذَلِكَ يَوْمُ سُرُورِ وُلْدِ عَلِيٍّ وَ شِيعَةِ عَلِيٍّ(ع)(2).
بيان: محمله على بناء المجهول من باب الإفعال أو التفعيل أي لا يمكن حمله إلا بإعانة من الله تعالى و إلا بمشقة قال في القاموس تحامل في الأمر و به تكلفه على مشقة و عليه كلفه ما لا يطيقه و أحمله الحمل أعانه عليه و حمله فعل ذلك به انتهى و المعنى أنه يحتمل وجوها من التأويل قوله(ع)ببيعة علي هذا الفصل و ما بعده إما من كلام أمير المؤمنين(ع)أيضا جرى على وجه الالتفات أو من كلام الرسول(ص)قال لحذيفة في وقت آخر فألحقه بهذا الخبر
____________
(1) في المصدر: و التكسع، و كلاهما بمعنى، يقال: تكسع في ضلاله: ذهب كتسكع، قاله الشرتونى.
(2) غيبة النعمانيّ: 70- 72.
73
و قال الجوهري فلان يتلدد أي يلتفت يمينا و شمالا و رجل ألد بين اللدد و هو الشديد الخصومة و قال التسكع التمادي في الباطل و قال التعس الهلاك انتهى و المراد ببني فلان بنو العباس و يقال يتكالبون على كذا أي يتواثبون عليه.
قوله(ع)و يحج حجيج الناس أي تذهب الشيعة و النواصب في تلك السنة إلى الحج لتفحص الحجة و التمكن منه فالتمكن و التجسس نشر على خلاف اللف و قوله سبها أعداؤها إما مصدر أي يسب المخالفون الشيعة كما كانت الشيعة يسبونهم أو فعل و أعداؤها مرفوع و غلبة الأشرار عليهم بالاحتجاج أريد بها الغلبة عند العوام لأنهم يحتجون عليهم بأنكم تدّعون عدم خلو الزمان من الحجة و في هذا الزمان لا تعرفون حجتكم و لذا ينسبونهم بالبطلان و الكذب و الافتراء و التدله ذهاب العقل من الهوى يقال دلهه الحب أي حيره و أدهشه فتدله.
32- فض، كتاب الروضة يل، الفضائل لابن شاذان بِالْإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إِلَى سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)بَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ بُكَاءً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ مَا لَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ لِوُلْدِهِ وَلِيٌّ وَ لِعَدُوِّهِ عَدُوٌّ وَ مِنْ عَدُوِّ وُلْدِهِ بَرِيءٌ وَ أَنِّي سِلْمٌ لِأَمْرِهِمْ وَ لَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِذِي قَارٍ فَأَخْرَجَ لِي صَحِيفَةً وَ قَالَ لِي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ هَذِهِ صَحِيفَةٌ أَمْلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ خَطِّي بِيَدِي قَالَ فَأَخْرَجَ لِيَ الصَّحِيفَةَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْرَأْهَا عَلَيَّ فَقَرَأَهَا وَ إِذَا فِيهَا كُلُّ شَيْءٍ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ كَيْفَ يُقْتَلُ الْحُسَيْنُ وَ مَنْ يَقْتُلُهُ وَ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَهُ وَ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً وَ أَبْكَانِي وَ كَانَ فِيمَا قَرَأَهُ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهِ وَ كَيْفَ تُسْتَشْهَدُ فَاطِمَةُ(ع)وَ كَيْفَ يُسْتَشْهَدُ الْحَسَنُ(ع)وَ كَيْفَ تَغْدِرُ بِهِ الْأُمَّةُ فَلَمَّا قَرَأَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ مَنْ يَقْتُلُهُ أَكْثَرَ الْبُكَاءَ ثُمَّ أَدْرَجَ الصَّحِيفَةَ وَ فِيهَا مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ كَانَ فِيمَا قَرَأَ أَمْرُ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ وَ كَمْ يَمْلِكُ كُلُ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَ
74
كَيْفَ يَقَعُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَ مَسِيرُ عَائِشَةَ وَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ وَقْعَةُ صِفِّينَ وَ مَنْ يُقْتَلُ بِهَا وَ وَقْعَةُ النَّهْرَوَانِ وَ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ وَ مُلْكُ مُعَاوِيَةَ وَ مَنْ يَقْتُلُ مِنَ الشِّيعَةِ وَ مَا تَصْنَعُ النَّاسُ بِالْحَسَنِ وَ أَمْرُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ(ع)فَسَمِعْتُ ذَلِكَ فَكَانَ كَمَا قَرَأَ لَمْ يَزِدْ وَ لَمْ يَنْقُصْ وَ رَأَيْتُ خَطَّهُ فِي الصَّحِيفَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَ لَمْ يَعْفَرْ فَلَمَّا أَدْرَجَ الصَّحِيفَةَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ كُنْتَ قَرَأْتَ عَلَيَّ بَقِيَّةَ الصَّحِيفَةِ قَالَ لَا وَ لَكِنِّي أُحَدِّثُكَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِ بَيْتِكَ وَ وُلْدِكَ وَ هُوَ أَمْرٌ فَضِيحٌ مِنْ قَتْلِهِمْ لَنَا وَ عَدَاوَتِهِمْ لَنَا وَ سُوءِ مُلْكِهِمْ وَ شُومِ قُدْرَتِهِمْ فَأَكْرَهُ أَنْ تَسْمَعَهُ فَتَغْتَمَّ وَ لَكِنِّي أُحَدِّثُكَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عِنْدَ مَوْتِهِ بِيَدِي فَفَتَحَ لِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ فَفَتَحَ لِي مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يَنْظُرَانِ إِلَيَّ وَ هُوَ يُشِيرُ إِلَيَّ بِذَلِكَ فَلَمَّا خَرَجْتُ قَالا لِي مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَحَدَّثْتُهُمَا بِمَا قَالَ لِي فَحَرَّكَا أَيْدِيَهُمَا ثُمَّ حَكَيَا قَوْلِي ثُمَّ وَلَّيَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ إِذَا زَالَ أَوَّلُ مَنْ يَمْلِكُ وُلْدُكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَيَفْعَلُونَ الْأَفَاعِيلَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَئِنْ نَسَخَنِي ذَلِكَ الْكِتَابَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ (1).
____________
(1) حديث الصحيفة التي عهد بما فيها رسول اللّه(ص)الى عليّ (عليه السلام) مستفيض مشهور و سيجيء تمام الكلام فيها في أبواب الجمل و صفّين و النهروان و من ذلك ما أخرجه الفضل ابن شاذان في كتابه الإيضاح(ص)452 عن إسحاق بن إسماعيل عن عمرو بن أبي قيس عن ميسرة النهدى عن المنهال بن عمرو الأسدى قال: أخبرنى رجل من بنى تميم قال: نزلنا مع على ذاقار و نحن نرى أنا سنختطف من يومنا، فقال: و اللّه لتظهرن على هذه القرية و لنقتلن هذين الرجلين يعنى طلحة و الزبير و لنستبيحن عسكرهما، فقال التميمى: فأتيت ابن عباس فقلت: أ ما ترى ابن عمك ما يقول؟ و اللّه ما نرى أن نبرح حتّى نختطف من يومنا (أقول: كانه كان يستعظم قتال المسلمين) فقال ابن عبّاس: لا تعجل حتّى ننظر ما يكون، فلما كان من أمر البصرة ما كان، أتيته فقلت: لا أرى ابن عمك الا قد صدق، فقال: ويحك انا كنا نتحدث أصحاب محمّد أن النبيّ عهد إليه ثمانين عهدا، و لعلّ هذا ممّا عهد إليه.
و رواه أبو نعيم في الحلية ج 1(ص)68 و لفظه «كنا نتحدث أن النبيّ(ص)عهد الى على سبعين عهدا لم يعهد الى غيره» و أخرجه الخطيب البغداديّ في موضح الاوهام ج 2(ص)139 و الحمويني في فرائد السمطين، و الهيتمى في المجمع ج 9(ص)113 عن الطبراني، و المناوى في شرح الجامع الصغير: 248، و القندوزى في الينابيع: 78 و غيرهم، راجع في ذلك هامش إحقاق الحقّ للعلامة المرعشيّ دامت بركاته، ج 6(ص)47- 49.
75
بيان: و لم يعفر أي لم يظهر فيه أثر التراب و الغبار يقال عفره كضربه و بالتشديد في التراب أي مرغه و في بعض النسخ و لم يصفر.
33- كشف، كشف الغمة مِنْ مَنَاقِبِ الْخُوارِزْمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ(ص)فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَأَتَيْنَا عَلَى حَدِيقَةٍ وَ هِيَ الرَّوْضَةُ ذَاتُ الشَّجَرِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْحَدِيقَةَ فَقَالَ(ص)مَا أَحْسَنَهَا وَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا ثُمَّ أَتَيْنَا عَلَى حَدِيقَةٍ أُخْرَى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهَا مِنْ حَدِيقَةٍ فَقَالَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى سَبْعِ حَدَائِقَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهَا فَيَقُولُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا فَلَمَّا خَلَا لَهُ الطَّرِيقُ اعْتَنَقَنِي وَ أَجْهَشَ بَاكِياً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيكَ قَالَ ضَغَائِنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ لَا يُبْدُونَهَا إِلَّا بَعْدِي فَقُلْتُ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِينِي قَالَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ (1).
يف، الطرائف من مناقب ابن مردويه عن ابن عباس مثله بطريقين (2).
يف، الطرائف عَنِ ابْنِ الْمَغَازِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ(ص)لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع
____________
(1) كشف الغمّة ج 1(ص)130، راجع مناقب الخوارزمي(ص)37 مقتل الحسين له(ص)36، و أخرجه الگنجى في كفاية الطالب: 72، و الحمويني في فرائد السمطين و الذهبي في ميزان الاعتدال ج 2(ص)331.
(2) الطرائف: 129، و رواه بهذا الطريق العلامة الكركى في نفحات اللاهوت:
85 على ما في إحقاق الحقّ ج 6(ص)185.
76
إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي (1).
34- كشف، كشف الغمة رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ(ع)عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ فَانْكَبَّتْ عَلَيْهِ تَبْكِي فَفَتَحَ عَيْنَهُ وَ أَفَاقَ ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّةُ أَنْتِ الْمَظْلُومَةُ بَعْدِي وَ أَنْتِ الْمُسْتَضْعَفَةُ بَعْدِي فَمَنْ آذَاكِ فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ غَاظَكِ فَقَدْ غَاظَنِي وَ مَنْ سَرَّكِ فَقَدْ سَرَّنِي وَ مَنْ بَرَّكِ فَقَدْ بَرَّنِي وَ مَنْ جَفَاكِ فَقَدْ جَفَانِي وَ مَنْ وَصَلَكِ فَقَدْ وَصَلَنِي وَ مَنْ قَطَعَكِ فَقَدْ قَطَعَنِي وَ مَنْ أَنْصَفَكِ فَقَدْ أَنْصَفَنِي وَ مَنْ ظَلَمَكِ فَقَدْ ظَلَمَنِي لِأَنَّكِ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكِ وَ أَنْتِ بَضْعَةٌ مِنِّي وَ رُوحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ ثُمَّ قَالَ(ع)إِلَى اللَّهِ أَشْكُو ظَالِمِيكِ مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ دَخَلَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)فَانْكَبَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُمَا يَبْكِيَانِ وَ يَقُولَانِ أَنْفُسُنَا لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ عَلِيٌّ(ع)لِيُنَحِّيَهُمَا عَنْهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ دَعْهُمَا يَا أَخِي يَشَمَّانِّي وَ أَشَمُّهُمَا وَ يَتَزَوَّدَانِ مِنِّي وَ أَتَزَوَّدُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُمَا مَقْتُولَانِ بَعْدِي ظُلْماً وَ عُدْوَاناً فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ يَقْتُلُهُمَا ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ الْمَظْلُومُ بَعْدِي وَ أَنَا خَصْمٌ لِمَنْ أَنْتَ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2).
35- فر، تفسير فرات بن إبراهيم أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ هَارُونَ مُعَنْعَناً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذْ أَقْبَلَ عَلِيٌّ(ع)فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ(ص)قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ قَالَ قُلْنَا صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ قَدْ ظَنَنَّا أَنَّكَ لَمْ تَقُلْهَا إِلَّا لِعَجَبٍ مِنْ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ قَالَ نَعَمْ لَمَّا رَأَيْتُ عَلِيّاً مُقْبِلًا ذُكِّرْتُ حَدِيثاً حَدَّثَنِي حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ(ع)قَالَ قَالَ إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ فَأَبَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَبْلُوَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ* وَ أَنْزَلَ عَلَيَّ بِذَلِكَ كِتَاباً الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَوَّضَهُ مَكَانَهُ بِسَبْعِ خِصَالٍ يَلِي
____________
(1) الطرائف: 129، و قد مر تحت الرقم 25 أيضا.
(2) كشف الغمّة ج 2(ص)58.
77
سَتْرَ عَوْرَتِكَ وَ يَقْضِي دَيْنَكَ وَ عِدَاتِكَ وَ هُوَ مَعَكَ عَلَى عُقْرِ حَوْضِكَ وَ هُوَ مُتَّكَأٌ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَنْ يَرْجِعَ كَافِراً بَعْدَ إِيمَانٍ وَ لَا زَانِياً بَعْدَ إِحْصَانٍ فَكَمْ مِنْ ضِرْسٍ قَاطِعٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْعِلْمِ بِكَلَامِ اللَّهِ وَ الْفِقْهِ فِي دِينِ اللَّهِ مَعَ الصِّهْرِ وَ الْقَرَابَةِ وَ النَّجْدَةِ فِي الْحَرْبِ وَ بَذْلِ الْمَاعُونِ وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْوَلَايَةِ لِوَلِيِّي وَ الْعَدَاوَةِ لِعَدُوِّي وَ بَشِّرْهُ يَا مُحَمَّدُ بِذَلِكَ (1):.
وَ قَالَ السُّدِّيُ الَّذِينَ صَدَقُوا عَلِيٌّ وَ أَصْحَابُهُ (2).
36- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْقَمَّاطِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَنَامِهِ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى فَأَصْبَحَ كَئِيباً حَزِيناً قَالَ فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ كَئِيباً حَزِيناً قَالَ يَا جَبْرَئِيلُ إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ يَصْعَدُونَ مِنْبَرِي مِنْ بَعْدِي يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَهْقَرَى فَقَالَ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِآيٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُؤْنِسُهُ بِهَا قَالَ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِنَبِيِّهِ(ص)خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ (3).
____________
(1) تفسير فرات: 117.
(2) تفسير فرات: 118 و السند: حدّثني الحسن بن الياس معنعنا عن السدى.
(3) الكافي ج 4(ص)159، و الآية في سورة الشعراء: 206- 208، و روى مثله في ج 8(ص)345 عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أصبح رسول اللّه يوما كئيبا حزينا، فقال له عليّ (عليه السلام): ما لي اراك يا رسول اللّه كئيبا حزينا؟ فقال: و كيف لا أكون كذلك و قد رأيت في ليلتي هذه أن بنى تميم و بنى عدى و بنى أميّة يصعدون منبرى هذا يردون الناس عن الإسلام القهقرى، فقلت: يا ربّ في حياتى أو بعد موتى؟ فقال: بعد موتك.
أقول: روى في منتخب كنز العمّال ج 5(ص)399 في حديث أخرجه عن مستدرك الصحيحين أنّه(ص)قال: عرضت على النار فيما بينكم و بينى حتّى رأيت ظلى و ظلكم فيها فأومأت اليكم أن استأخروا، فأوحى الى أن أقرهم ... فأولت ذلك ما يلقى امتى بعدى من الفتن. (عن ابن مسعود).
و روى أيضا أنّه(ص)قال: أتانى جبريل آنفا فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ قلت ...
فمم ذلك؟ قال: ان امتك مفتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت فتنة كفر أو فتنة ضلال؟
قال: كل ذلك سيكون .. الحديث.
78
37- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ يُونُسَ مِثْلَهُ (1).
38- فر، تفسير فرات بن إبراهيم عَلِيُّ بْنُ حُمْدُونٍ عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ عَنْ فَرَجٍ عَنْ مَسْعَدَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاتَ يَوْمٍ وَ يَدُهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا فُلَانُ لَا تَسُبُّوا عَلِيّاً فَإِنَّ مَنْ سَبَّهُ فَقَدْ سَبَّنِي وَ مَنْ سَبَّنِي سَبَّهُ اللَّهُ وَ اللَّهِ يَا فُلَانُ إِنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِمَا يَكُونُ مِنْ عَلِيٍّ وَ وُلْدِ عَلِيٍّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ عَبْدٌ قَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ يَا فُلَانُ إِنَّهُ سَيُصِيبُ وُلْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَلَاءٌ شَدِيدٌ وَ أُثْرَةٌ وَ قَتْلٌ وَ تَشْرِيدٌ فَاللَّهَ اللَّهَ يَا فُلَانُ فِي أَصْحَابِي وَ ذُرِّيَّتِي وَ ذِمَّتِي فَإِنَّ لِلَّهِ يَوْماً يَنْتَصِفُ فِيهِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ (2).
____________
(1) الكافي ج 4(ص)159، و مثله في سنن الترمذي الرقم 3408، بوجه أبسط.
(2) تفسير فرات: 164، و ترى مثله في سنن ابن ماجه كتاب الفتن الباب 34 و لفظه: بينما نحن عند رسول اللّه اذ أقبل فتية من بنى هاشم، فلما رآهم النبيّ(ص)اغرورقت عيناه و تغير لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال: انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، و ان أهل بيتى سيلقون بعدى بلاء و تشريدا و تطريدا، الحديث و روى ابن أبي الحديد في ج 1(ص)372 من شرحه على النهج عن شيخه ابى جعفر الاسكافى أن النبيّ(ص)دخل على فاطمة فوجد عليا نائما فذهبت تنبهه، فقال: دعيه! فرب سهر له بعدى طويل، و ربّ جفوة لاهل بيتى من أجله شديدة، فبكت، فقال: لا تبكى فانكما معى و في موقف الكرامة عندي.
79
39- فر، تفسير فرات بن إبراهيم عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازِ الْهَمْدَانِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ قَدْ أَدْرَكَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ(ص)قَالُوا لَمَّا نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ قَالَ النَّبِيُّ(ص)يَا عَلِيُّ يَا فَاطِمَةُ قَدْ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتُ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَأُسَبِّحُ رَبِّي بِحَمْدِهِ وَ أَسْتَغْفِرُ رَبِّي إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ قَضَى الْجِهَادَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْفِتْنَةِ مِنْ بَعْدِي فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ كَيْفَ نُجَاهِدُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي فِتْنَتِهِمْ آمَنَّا قَالَ يُجَاهِدُونَ عَلَى الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ (1) إِذَا عَمِلُوا بِالرَّأْيِ فِي الدِّينِ وَ لَا رَأْيَ فِي الدِّينِ
____________
(1) روى جعفر بن سليمان الضبعى عن أبي هارون العبدى عن أبي سعيد الخدريّ قال:
ذكر رسول اللّه يوما لعلى ما يلقى بعده من العنت فأطال، فقال له على: أنشدك اللّه و الرحم يا رسول اللّه لما دعوت اللّه أن يقبضنى إليه قبلك، قال: كيف أسأله في أجل مؤجل؟ قال: يا رسول اللّه فعلى م أقاتل من أمرتنى بقتاله، قال: على الحدث في الدين. راجع شرح النهج ج 1(ص)373، مناقب الخوارزمي: 106، ينابيع المودة 134.
و قد ذكر الفتنة نفسه (عليه السلام) على ما في نهج البلاغة تحت الرقم 154 من قسم الخطب، و هي مشهورة من أرادها فليراجعها و لنذكر ما رواه شارح النهج (ج 2(ص)442) بمناسبة المقام، قال: و هذا الخبر يعنى خبر الفتنة مرويّ عن رسول اللّه قد رواه كثير من المحدثين عن عليّ (عليه السلام) ان رسول اللّه قال له: ان اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب على جهاد المشركين قال: فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الفتنة التي كتب على فيها الجهاد؟ قال: قوم يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و انى رسول اللّه و هم مخالفون للسنة، فقلت: يا رسول اللّه فعلام أقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد؟ قال على الاحداث في الدين و مخالفة الامر.
فقلت: يا رسول اللّه انك كنت وعدتنى الشهادة فاسأل اللّه أن يجعلها لي بين يديك، قال:
فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، أما انى وعدتك الشهادة و ستشهد تضرب على هذه فتخضب هذه، فكيف صبرك إذا؟ قلت: يا رسول اللّه ليس ذا بموطن صبر، هذا موطن شكر، قال: أجل أصبت! فأعد للخصومة فانّك مخاصم.
فقلت: يا رسول اللّه لو بينت لي قليلا فقال: ان امتى ستفتن من بعدى فتتأول القرآن و تعمل بالرأى و تستحل الخمر بالنبيذ و السحت بالهدية و الربا بالبيع و تحرف الكتاب عن مواضعه. و تغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتّى تقلدها، فإذا قلدتها، جاشت عليك الصدور و قلبت لك الأمور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى.
فقلت: يا رسول اللّه فبأى المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك: أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها الى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول اللّه أ يدركهم العدل منا أم من غيرنا قال: بل منا: بنا فتح اللّه و بنا يختم، و بنا ألف اللّه بين القلوب بعد الشرك، و بنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة، فقلت: الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله.
80
إِنَّمَا الدِّينُ مِنَ الرَّبِّ أَمْرُهُ وَ نَهْيُهُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قَدْ قُلْتَ لِي حِينَ خُزِلَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ وَ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ الشَّهَادَةُ مِنْ وَرَائِكَ قَالَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا خُضِبَتْ هَذِهِ مِنْ هَذَا وَ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَ لِحْيَتِهِ ثُمَّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ حِينَئِذٍ هُوَ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا عَلِيُّ أَعِدَّ خُصُومَتَكَ فَإِنَّكَ مُخَاصِمٌ قَوْمَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1).
بيان: خزلت على المجهول أي قطعت.
40- ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَزْوِينِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَبَشِيٍّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي غُنْدَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ قَالَ أَمِيرُ
____________
(1) تفسير فرات: 232، و مثله في كنز الفوائد للكراجكيّ: 220، و حديث الشهادة قد مر في باب تاريخه (ع) و ان شئت راجع أسد الغابة ج 4(ص)34.
81
الْمُؤْمِنِينَ(ع)زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ أَهْدَتْ لَنَا أُمُّ أَيْمَنَ لَبَناً وَ زَبَداً وَ تَمْراً فَقَدَّمْنَاهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ(ص)زَاوِيَةَ الْبَيْتِ وَ صَلَّى رَكَعَاتٍ فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنَّا إِجْلَالًا لَهُ فَقَامَ الْحُسَيْنُ(ع)فَقَعَدَ فِي حَجْرِهِ وَ قَالَ لَهُ يَا أَبَهْ لَقَدْ دَخَلْتَ بَيْتَنَا فَمَا سُرِرْنَا بِشَيْءٍ كَسُرُورِنَا بِذَلِكَ ثُمَّ بَكَيْتَ بُكَاءً غَمَّنَا فَلِمَ بَكَيْتَ فَقَالَ بُنَيَّ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ آنِفاً فَأَخْبَرَنِي أَنَّكُمْ قَتْلَى وَ أَنَّ مَصَارِعَكُمْ شَتَّى فَقَالَ يَا أَبَهْ فَمَا لِمَنْ يَزُورُ قُبُورَنَا عَلَى تَشَتُّتِهَا فَقَالَ يَا بُنَيَّ أُولَئِكَ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِي يَزُورُونَكُمْ يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ وَ حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ آتِيَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى أُخَلِّصَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ السَّاعَةِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَ يُسْكِنَهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ (1).
41- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ النَّجَّارِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(ع)وَ أَغْلَقَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَ قَالَ يَا أَهْلِي وَ يَا أَهْلَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَ هَذَا جَبْرَئِيلُ مَعَكُمْ فِي الْبَيْتِ وَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ عَدُوَّكُمْ لَكُمْ فِتْنَةً فَمَا تَقُولُونَ قَالُوا نَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَ مَا نَزَلَ مِنْ قَضَائِهِ حَتَّى نَقْدَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ نَسْتَكْمِلَ جَزِيلَ ثَوَابِهِ فَقَدْ سَمِعْنَاهُ يَعِدُ الصَّابِرِينَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى سُمِعَ نَحِيبُهُ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كانَ رَبُّكَ بَصِيراً أَنَّهُمْ سَيَصْبِرُونَ أَيْ سَيَصْبِرُونَ كَمَا قَالُوا (صلوات الله عليهم) (2).
42- كنز، كنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِيِّ عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قُلْتُ لَهُ
____________
(1) أمالي الطوسيّ ج 2(ص)280 و ترى مثله في الخرائج 220 و في كتاب المزار أحاديث كثيرة بذلك.
(2) كنز الفوائد:، و الآية في الفرقان: 20.
82
فَسِّرْ لِي قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ ص لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (1) فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)كَانَ حَرِيصاً عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى النَّاسِ وَ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَالَ وَ عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ قَالَ فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (2).
43- كِتَابُ الْمُحْتَضَرِ، لِلْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الدُّرِّ الْمُنْتَقَى فِي مَنَاقِبِ أَهْلِ التُّقَى يَرْفَعُهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً إِذْ أَقْبَلَ الْحَسَنُ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ يَا بُنَيَّ فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ يَا بُنَيَّ فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ يَا بُنَيَّةِ فَمَا زَالَ يُدْنِيهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَلَمَّا رَآهُ بَكَى ثُمَّ قَالَ إِلَيَّ يَا أَخِي فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى وَاحِداً مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا بَكَيْتَ قَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْمُرْسَلِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى بُغْضِهِ وَ لَنْ يَفْعَلُوا لَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالنَّارِ (3) قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يُبْغِضُهُ أَحَدٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ نَعَمْ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ نَصِيباً يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ بُغْضِهِمْ لَهُ تَفْضِيلَ مَنْ هُوَ دُونَهُ عَلَيْهِ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا خَلَقَ اللَّهُ
____________
(1) آل عمران: 128.
(2) كنز الفوائد: و تراه في تفسير العيّاشيّ ج 1(ص)197.
(3) و في الحديث: «لو أن عبدا عبد اللّه ألف عام بعد ألف عام بين الركن و المقام ثمّ لقى اللّه مبغضا لعلى و عترتى لاكبه اللّه يوم القيامة على منخريه في نار جهنم، رواه الحمويني في الفرائد و الخوارزمي في المناقب: 52 و السيوطي في ذيل اللئالى: 65.
83
نَبِيّاً أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنِّي وَ مَا خَلَقَ وَصِيّاً أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ وَصِيِّي عَلِيٍّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ أَزَلْ لَهُ كَمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ وَصَّانِي بِمَوَدَّتِهِ وَ أَنَّهُ لَأَكْبَرُ عَمَلٍ عِنْدَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ قَضَى مِنَ الزَّمَانِ وَ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)الْوَفَاةُ فَحَضَرْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ دَنَا أَجَلُكَ فَمَا تَأْمُرُنِي فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ عَلِيّاً وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِ ظَهِيراً وَ لَا وَلِيّاً قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ لَا تَأْمُرُ النَّاسَ بِتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ قَالَ فَبَكَى(ص)حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ سَبَقَ الْكِتَابُ فِيهِمْ وَ عِلْمُ رَبِّي وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَ أَنْكَرَ حَقَّهُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُغَيِّرَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنْ أَرَدْتَ وَجْهَ اللَّهِ وَ لِقَاءَهُ وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ فَاسْلُكْ طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مِلْ مَعَهُ حَيْثُ مَا مَالَ وَ ارْضَ بِهِ إِمَاماً وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ وَالِ مَنْ وَالاهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ احْذَرْ أَنْ يَدْخُلَكَ شَكٌّ فِيهِ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي عَلِيٍّ كُفْرٌ (1).
أَقُولُ وَجَدْتُ مَنْقُولًا مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا الشَّهِيدِ (قدس الله روحه) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الْقَاضِي الرَّازِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِ
____________
(1) و في الحديث: «من أراد منكم النجاة بعدى و السلامة من الفتن فليستمسك بولاية على فانه الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم من اقتدى به في الدنيا ورد على حوضى و من خالفه لم يرنى فاختلج دونى و أخذ ذات الشمال، أخرجه أبو بكر بن مؤمن الشيرازى في رسالة الاعتقاد.
و في رواية اخرى عنه (ص) «ستكون بعدى فتنة فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبى طالب فانه اول من يرانى» رواه الحافظ ابن منده في أسماء الرجال، و تراه في الاستيعاب ج 4(ص)169، أسد الغابة ج 5(ص)287 مناقب الخوارزمي: 62.
و في رواية اخرى: من نازع عليا في الخلافة بعدى فهو كافر قد حارب اللّه و رسوله و من شك في على فهو كافر، و في لفظ آخر: من قاتل عليا على الخلافة فاقتلوه كائنا من كان، راجع في ذلك هامش الاحقاق ج 7(ص)331، 371، 386.
84
بْنِ أُسَامَةَ مِنْ وُلْدِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي فِي عَلِيٍّ خِصَالًا تِسْعاً ثَلَاثاً فِي الدُّنْيَا وَ ثَلَاثاً فِي الْآخِرَةِ وَ ثَلَاثاً اثْنَتَانِ أَنَا مِنْهُمَا آمِنٌ وَ وَاحِدَةٌ أَنَا مِنْهَا وَجِلٌ قَالَتْ خَدِيجَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَخْبِرْنِي بِهَذِهِ التِّسْعَةِ مَا هِيَ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ(ص)أَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا يَقْضِي دَيْنِي وَ يُنْجِزُ مَوْعِدِي وَ يَسْتُرُ عَوْرَتِي وَ أَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي فِي الْآخِرَةِ فَمُتَّكَئِي يَوْمَ تَحِلُّ شَفَاعَتِي وَ الْقَائِمُ عَلَى حَوْضِي وَ قَائِدُ أُمَّتِي إِلَى الْجَنَّةِ وَ أَمَّا الِاثْنَتَانِ الَّتِي أَنَا مِنْهُمَا آمِنٌ فَلَا يَرْجِعُ ضَالًّا بَعْدَ هُدًى وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُعْطِيَنِي رَبِّي فِيهِ الَّذِي وَعَدَنِي وَ أَمَّا الْوَاحِدَةُ الَّتِي أَنَا مِنْهَا وَجِلٌ فَمَا يَصْنَعُ بِهِ قُرَيْشٌ بَعْدِي (1).
____________
(1)، ترى مثله في الخصال(ص)415 بإسناده عن زيد ابن أرقم و لفظه في آخر الحديث: «و أمّا التي أخافها عليك فغدرة قريش بك بعدى يا على».
و في نظم درر السمطين: 119 منتخب كنز العمّال ج 5(ص)35: عن عليّ (عليه السلام) أنه قال: قال لي رسول اللّه سألت فيك خمسا فمنعنى واحدة و أعطانى فيك أربعة سألته أن تجمع عليك امتى فأبى على، الحديث.
85
باب 3 تمهيد غصب الخلافة و قصة الصحيفة الملعونة
1- كا، الكافي الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَرِيرِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كُنْتُ دَخَلْتُ مَعَ أَبِي الْكَعْبَةَ فَصَلَّى عَلَى الرُّخَامَةِ الْحَمْرَاءِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَعَاقَدَ الْقَوْمُ إِنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ لَا يَرُدُّوا هَذَا الْأَمْرَ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَبَداً قَالَ قُلْتُ وَ مَنْ كَانَ قَالَ الْأَوَّلُ وَ الثَّانِي وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ سَالِمُ بْنُ الْحَبِيبَةِ (1).
2- فس، تفسير القمي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ وَ بَكْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)عَنْ قَوْلِ اللَّهِ إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ قَالَ الثَّانِي قَوْلُهُ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ قَالَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ أَبُو فُلَانٍ أَمِينُهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا وَ دَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَاباً إِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْأَمْرُ فِيهِمْ أَبَداً (2).
____________
(1) الكافي ج 4(ص)545 و مثله في ج 8(ص)334، و ابن الحبيبة أظنه تصحيفا من «مولى أبى حذيفة» كان اصله من العجم من اصطخر فارس كان عبدا لمولاته ثبيتة الأنصارية بنت يعار، فأعتقته، فتولى أبا حذيفة زوج مولاته بالحلف، ثمّ تبناه أبو حذيفة- و هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس- فصار سالم بن أبي حذيفة، و بعد ما نزل «ادعوهم لآبائهم» خرج عن التبنى و اشتهر سالم مولى أبى حذيفة.
(2) تفسير القمّيّ: 669، و الآية في سورة المجادلة: 10 و 7، و حديث الصحيفة هذه تتسلم لنا بعد التعمق في ما جرى في السقيفة، حيث قام الشيخان يعرض كل منهما البيعة لصاحبه من دون تشاور مع الصحابة و من دون حضور العترة الطاهرة من بنى هاشم، و أبو عبيدة بن الجراح يدعو الناس اليهما، و هكذا نتفاهم ذلك من قول عمر حيث يقول: «لو أن سالما مولى أبى حذيفة و ابا عبيدة كانا حيين، لما تخالجنى فيهما شك أن أولى أحدهما» فلما لم يكن أحد من أصحاب الصحيفة هذه حيا جعله شورى على شريطة لا يشك أحد معها في أن الخلافة انما تثبت لعثمان دون غيره. و سيجيء الكلام في ذلك مستوفى في شرح السقيفة في محله إنشاء اللّه تعالى.
86
بيان أبو فلان أبو عبيدة.
3- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ، بِحَذْفِ الْأَسْنَادِ (1) قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ بْنُ
____________
(1) هذا الحديث رواه العلّامة الحلّيّ قدس اللّه أسراره في كتابه كشف اليقين (: 137) نقلا من الكتاب المسمى حجة التفضيل تأليف ابن الأثير عن محمّد بن الحسين الواسطى عن إبراهيم بن سعيد عن الحسن بن زياد الانماطى عن محمّد بن عبيد الأنصاريّ، عن أبي هارون العبدى، عن ربيعة السعدى، قال: كان حذيفة واليا لعثمان على المدائن، فلما صار على أمير المؤمنين كتب لحذيفة عهدا يخبره بما كان من أمره و بيعة الناس اياه ....
و الحديث ملخص نحو خمسة و عشرين أبياتا ثمّ قال:
قال السيّد (يعنى ابن طاوس في كتابه اليقين): و رأيت هذا- حديث حذيفة أبسط و أكثر من هذا في تسمية على بأمير المؤمنين، و هو باسناد هذا لفظه: حدّثني عمى السعيد الموفق أبو طالب حمزة بن محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير المؤمنين قال: حدّثني خالى السعيد أبو عليّ الطوسيّ عن والده المصنّف عن الحسين بن عبيد اللّه و أحمد بن عبدون و أبى طالب بن عزور و أبى الحسن الصقال عن أبي المفضل قال: حدّثنا المحاربى عن الحضرمى عن ابن أسباط عن إبراهيم بن أبي البلاد عن فرات ابن أحنف عن الجملى عن عبيد اللّه ابن سلمة. قال: و مقدار هذه الرواية أكثر من خمس و ثلاثين قائمة بقالب الثمن.
و فيه أن حذيفة بن اليمان اعتذر الى الشاب في سكوتهم عن الإنكار للتقدم على مولانا على بما هذا لفظه، فقال له: «أيها الفتى انه أخذ و اللّه بأسماعنا و أبصارنا، و كرهنا الموت و زينت عندنا الحياة الدنيا و سبق علم اللّه [بامرة الظالمين] و نحن نسأل اللّه التغمد لذنوبنا و العصمة فيما بقى من آجالنا فانه مالك ذلك» و سيأتي نصه في(ص)94 بلفظه.
و هكذا رواه السيّد بن طاوس في كتاب الاقبال 454- 459، نقلا عن كتاب النشر و الطى بتقديم و تأخير في سرد القصص.
و كيف كان، فالغرض من نقل هذا الحديث بطوله الإشارة الى تلك الصحيفة الملعونة التي كتبوها و تعاقدوا بها فيما بينهم «ان أمات اللّه محمّدا- أو قتل- لا نرد هذا الامر الى أهل بيته» و أمّا ساير الواقعات التي تقدمها أو تأخرها، فانما نقلها المؤلّف العلامة ليتبين أنّه كيف تآمروا بذلك و كيف عملوا على منهاج صحيفتهم، و لذلك أضربنا عن تخريج هذه الواقعات المشهورة كحجة الوداع و حديث الثقلين و غدير خم و أمثالها مما ذكر في الحديث تبعا و سردا، فانها ممّا تبين في محالها من هذا الكتاب الجامع بحار الأنوار بما لا مزيد عليه، و بعضها الآخر كتخلفهم عن جيش أسامة و صلاة أبى بكر بالناس و وقعة الجمل، سيأتي أبحاثها في محالها إنشاء اللّه تعالى.
87
عَفَّانَ آوَى إِلَيْهِ عَمَّهُ الْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ وَ وَلَدَهُ مَرْوَانَ وَ الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ وَ وَجَّهَ عُمَّالَهُ فِي الْأَمْصَارِ وَ كَانَ فِيمَنْ وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى مُشْكَانَ وَ الْحَارِثُ بْنُ الْحَكَمِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَأَقَامَ فِيهَا مُدَّةً يَتَعَسَّفُ أَهْلَهَا وَ يُسِيءُ مُعَامَلَتَهُمْ فَوَفَدَ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ وَفْدٌ شَكَوْا إِلَيْهِ وَ أَعْلَمُوهُ بِسُوءِ مَا يُعَامِلُهُمْ بِهِ وَ أَغْلَظُوا عَلَيْهِ فِي الْقَوْلِ فَوَلَّى حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ عَلَيْهِمْ وَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ وَ اسْتُخْلِفَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَأَقَامَ حُذَيْفَةَ عَلَيْهَا وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي وَلَّيْتُكَ مَا كُنْتَ تَلِيهِ لِمَنْ كَانَ قَبْلُ مِنْ حَرْفِ الْمَدَائِنِ وَ قَدْ جَعَلْتُ إِلَيْكَ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ وَ الرُّسْتَاقِ وَ جِبَايَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَاجْمَعْ إِلَيْكَ ثِقَاتِكَ وَ مَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ تَرْضَى دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ وَ
88
اسْتَعِنْ بِهِمْ عَلَى أَعْمَالِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعَزُّ لَكَ وَ لِوَلِيِّكَ وَ أَكْبَتُ لِعَدُوِّكَ وَ إِنِّي آمُرُكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ فَاحْذَرْ عِقَابَهُ فِي الْمَغِيبِ وَ الْمَشْهَدِ وَ أَتَقَدَّمُ إِلَيْكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمُحْسِنِ وَ الشِّدَّةِ عَلَى الْمُعَانِدِ وَ آمُرُكَ بِالرِّفْقِ فِي أُمُورِكَ وَ اللِّينِ وَ الْعَدْلِ فِي رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ ذَلِكَ وَ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ وَ الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ وَ حُسْنِ السِّيرَةِ مَا اسْتَطَعْتَ فَاللَّهُ يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَ آمُرُكَ أَنْ تَجْبِيَ خَرَاجَ الْأَرَضِينَ عَلَى الْحَقِّ وَ النَّصَفَةِ وَ لَا تَتَجَاوَزْ مَا تَقَدَّمْتُ بِهِ إِلَيْكَ وَ لَا تَدَعْ مِنْهُ شَيْئاً وَ لَا تَبْتَدِعْ فِيهِ أَمْراً ثُمَّ اقْسِمْهُ بَيْنَ أَهْلِهِ بِالسَّوِيَّةِ وَ الْعَدْلِ وَ اخْفِضْ لِرَعِيَّتِكَ جَنَاحَكَ وَ وَاسِ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِكَ وَ لْيَكُنِ الْقَرِيبُ وَ الْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً وَ احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ وَ أَقِمْ فِيهِمْ بِالْقِسْطِ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى وَ لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَ قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ كِتَاباً لِتَقْرَأَهُ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِكَ لِيَعْلَمُوا رَأْيَنَا فِيهِمْ وَ فِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْضِرْهُمْ وَ اقْرَأْ عَلَيْهِمْ وَ خُذِ الْبَيْعَةَ لَنَا عَلَى الصَّغِيرِ وَ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ إِنِ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا وَصَلَ عَهْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى حُذَيْفَةَ جَمَعَ النَّاسَ فَصَلَّى بِهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ وَ هُوَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَ أَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ فَأَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ الْإِسْلَامَ دِيناً لِنَفْسِهِ وَ مَلَائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِحْكَاماً لِصُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَدْبِيرِهِ وَ نَظَراً مِنْهُ لِعِبَادِهِ وَ خَصَّ مِنْهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّداً(ص)فَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ إِكْرَاماً وَ تَفَضُّلًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَدَّبَهُمْ لِكَيْ يَهْتَدُوا وَ جَمَعَهُمْ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُوا وَ فَقَّهَهُمْ لِئَلَّا يَجُورُوا فَلَمَّا قَضَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَضَى إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ حَمِيداً مَحْمُوداً ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا بَعْدَهُ رَجُلَيْنِ رَضُوا بِهَدْيِهِمَا وَ سِيرَتِهِمَا قَامَا
89
مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ تَوَفَّاهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ وَلَّوْا بَعْدَهُمَا الثَّالِثَ فَأَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ وَجَدَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ فِعَالًا فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ ثُمَّ نَقَمُوا مِنْهُ فَغَيَّرُوا ثُمَّ جَاءُونِي كَتَتَابُعِ الْخَيْلِ فَبَايَعُونِي فَأَنَا أَسْتَهْدِي اللَّهَ بِهُدَاهُ وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى التَّقْوَى أَلَا وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ الْقِيَامَ بِحَقِّهِ وَ إِحْيَاءَ سُنَّتِهِ وَ النُّصْحَ لَكُمْ بِالْمَغِيبِ وَ الْمَشْهَدِ وَ بِاللَّهِ نَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ وَ قَدْ وَلَّيْتُ أُمُورَكُمْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَ هُوَ مِمَّنْ أَرْتَضِي بهداه [بِهَدْيِهِ وَ أَرْجُو صَلَاحَهُ وَ قَدْ أَمَرْتُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى مُحْسِنِكُمْ وَ الشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ وَ الرِّفْقِ بِجَمِيعِكُمْ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَ لَكُمْ حُسْنَ الْخِيَرَةِ وَ الْإِحْسَانَ وَ رَحْمَتَهُ الْوَاسِعَةَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ قَالَ ثُمَّ إِنِ حُذَيْفَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَا الْحَقَّ وَ أَمَاتَ الْبَاطِلَ وَ جَاءَ بِالْعَدْلِ وَ أَدْحَضَ الْجَوْرَ وَ كَبَتَ الظَّالِمِينَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً حَقّاً وَ خَيْرُ مَنْ نَعْلَمُهُ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ وَ أَحَقُّهُمْ بِالْأَمْرِ وَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الصِّدْقِ وَ أَرْشَدُهُمْ إِلَى الْعَدْلِ وَ أَهْدَاهُمْ سَبِيلًا وَ أَدْنَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَسِيلَةً وَ أَمَسَّهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)رَحِماً أَنِيبُوا إِلَى طَاعَةِ أَوَّلِ النَّاسِ سِلْماً وَ أَكْثَرِهِمْ عِلْماً وَ أَقْصَدِهِمْ طَرِيقاً وَ أَسْبَقِهِمْ إِيمَاناً وَ أَحْسَنِهِمْ يَقِيناً وَ أَكْثَرِهِمْ مَعْرُوفاً وَ أَقْدَمِهِمْ جِهَاداً وَ أَعَزِّهِمْ مَقَاماً أَخِي رَسُولِ اللَّهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ وَ أَبِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ زَوْجِ الزَّهْرَاءِ الْبَتُولِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَقُومُوا أَيُّهَا النَّاسُ فَبَايِعُوا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ(ص)فَإِنَّ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ رِضًى وَ لَكُمْ مَقْنَعٌ وَ صَلَاحٌ وَ السَّلَامُ فَقَامَ النَّاسُ بِأَجْمَعِهِمْ فَبَايَعُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَحْسَنَ بَيْعَةٍ وَ أَجْمَعَهَا فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ قَامَ إِلَيْهِ فَتًى مِنْ أَبْنَاءِ الْعَجَمِ وَ وُلَاةِ الْأَنْصَارِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ التَّيِّهَانِ أخو أبو [أَخِي أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ يُقَالُ لَهُ مُسْلِمٌ مُتَقَلِّداً سَيْفاً فَنَادَاهُ مِنْ أَقْصَى النَّاسِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَمِيرُ
90
الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً حَقّاً تَعْرِيضاً بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أُمَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً فَعَرِّفْنَا ذَلِكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ رَحِمَكَ اللَّهُ وَ لَا تَكْتُمْنَا فَإِنَّكَ مِمَّنْ شَهِدَ وَ عَايَنَ وَ نَحْنُ مُقَلِّدُون ذَلِكَ أَعْنَاقَهُمْ وَ اللَّهُ شَاهِدٌ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَأْتُونَ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ لِأُمَّتِكُمْ وَ صِدْقِ الْخَبَرِ عَنْ نَبِيِّكُمْ(ص)فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَمَّا إِذَا سَأَلْتَ وَ فَحَصْتَ هَكَذَا فَاسْمَعْ وَ افْهَمْ مَا أُخْبِرُكَ بِهِ أَمَّا مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْخُلَفَاءِ قَبْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)مِمَّنْ تَسَمَّى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ تَسَمَّوْا بِذَلِكَ فَسَمَّاهُمُ النَّاسُ بِذَلِكَ وَ أَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)سَمَّاهُ بِهَذَا الِاسْمِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص- عَنْ سَلَامِ جَبْرَئِيلَ(ع)لَهُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَدْعُونَهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْفَتَى خَبِّرْنَا كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ حُذَيْفَةُ إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَبْلَ الْحِجَابِ إِذَا شَاءُوا فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ إِلَيْهِ وَ عِنْدَهُ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُرَاسِلُ قيصرا [قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ وَ بَنِي حَنِيفَةَ وَ مُلُوكَ بَنِي غَسَّانَ عَلَى يَدِهِ وَ كَانَ جَبْرَئِيلُ(ع)يَهْبِطُ عَلَى صُورَتِهِ وَ لِذَلِكَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يَدْخُلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ دِحْيَةُ قَالَ حُذَيْفَةُ وَ إِنِّي أَقْبَلْتُ يَوْماً لِبَعْضِ أُمُورِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)مُهَجِّراً رَجَاءَ أَنْ أَلْقَاهُ خَالِياً فَلَمَّا صِرْتُ بِالْبَابِ فَإِذَا أَنَا بِالشَّمْلَةِ قَدْ سُدِلَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَفَعْتُهَا وَ هَمَمْتُ بِالدُّخُولِ وَ كَذَلِكَ كُنَّا نَصْنَعُ فَإِذَا أَنَا بِدِحْيَةَ قَاعِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ النَّبِيُّ نَائِمٌ وَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ دِحْيَةَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ انْصَرَفْتُ فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَالَ يَا ابْنَ الْيَمَانِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ قُلْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ وَ مَا ذَا صَنَعْتَ عِنْدَهُ قُلْتُ أَرَدْتُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فِي كَذَا وَ كَذَا فَذَكَرْتُ الْأَمْرَ الَّذِي جِئْتُ لَهُ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِي ذَلِكَ قَالَ وَ لِمَ قُلْتُ كَانَ عِنْدَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ وَ سَأَلْتُ عَلِيّاً(ع)مَعُونَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي ذَلِكَ قَالَ فَارْجِعْ مَعِي فَرَجَعْتُ مَعَهُ
91
فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى بَابِ بالدار [الدَّارِ جَلَسْتُ بِالْبَابِ وَ رَفَعَ عَلِيٌّ الشَّمْلَةَ وَ دَخَلَهُ وَ سَلَّمَ فَسَمِعْتُ دِحْيَةَ يَقُولُ وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ثُمَّ قَالَ اجْلِسْ فَخُذْ رَأْسَ أَخِيكَ وَ ابْنِ عَمِّكِ مِنْ حَجْرِي فَأَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَجَلَسَ عَلِيٌّ(ع)وَ أَخَذَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَجَعَلَهُ فِي حَجْرِهِ وَ خَرَجَ دِحْيَةُ مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ عَلِيٌّ ادْخُلْ يَا حُذَيْفَةُ فَدَخَلْتُ وَ جَلَسْتُ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ أَنِ انْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَضَحِكَ فِي وَجْهِ عَلِيٍّ(ع)ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ مِنْ حَجْرِ مَنْ أَخَذْتَ رَأْسِي فَقَالَ مِنْ حَجْرِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ ذَلِكَ جَبْرَئِيلُ(ع)فَمَا قُلْتَ لَهُ حِينَ دَخَلْتَ وَ مَا قَالَ لَكَ قَالَ دَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ لِي وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ سَلَّمَتْ عَلَيْكَ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَ سُكَّانُ سَمَاوَاتِهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ أَهْلُ الْأَرْضِ يَا عَلِيُّ إِنَّ جَبْرَئِيلَ(ع)فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ عَنْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ قَبْلِ دُخُولِكَ أَنْ أَفْرِضَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَ أَنَا فَاعِلٌ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى نَاحِيَةِ فَدَكَ فِي حَاجَةٍ فَلَبِثْتُ أَيَّاماً فَقَدِمْتُ فَوَجَدْتُ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَاهُ بِذَلِكَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقُلْتُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَنَا قَدْ سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ(ع)يُسَلِّمُ عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ حَدَّثْتُهُمُ الْحَدِيثَ فَسَمِعَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ أَنَا أُحَدِّثُ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لِي أَنْتَ رَأَيْتَ جَبْرَئِيلَ وَ سَمِعْتَهُ اتَّقِ الْقَوْلَ فَقَدْ قُلْتَ قَوْلًا عَظِيماً أَوْ قَدْ خُولِطَ بِكَ فَقُلْتُ نَعَمْ أَنَا سَمِعْتُ ذَلِكَ وَ رَأَيْتُهُ فَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ مَنْ رَغِمَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَ وَ سَمِعْتَ عَجَباً قَالَ حُذَيْفَةُ وَ سَمِعَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيُ (1) وَ أَنَا أُحَدِّثُ بِبَعْضِ
____________
(1) حديث التسليم على على بامرة المؤمنين قد مر باسناد كثيرة في تاريخ مولانا أمير المؤمنين ج 37- الباب 54، و ينص على ذلك ما أخرجه عن كتاب كشف اليقين 75- 76 نقلا من كتاب المعرفة تأليف عباد بن يعقوب الرواجنيّ بإسناده عن بريدة بن الحصيب الاسلمى راجعه ان شئت و سيأتي نصه في باب احتجاج سلمان و أبى بن كعب و غيرهما على القوم إنشاء اللّه.
92
مَا رَأَيْتُ وَ سَمِعْتُ فَقَالَ لِي وَ اللَّهِ يَا ابْنَ الْيَمَانِ لَقَدْ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالسَّلَامِ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ يَا بُرَيْدَةُ أَ كُنْتَ شَاهِداً ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَالَ نَعَمْ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنِي بِهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنِّي كُنْتُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ غَائِباً فَقَالَ بُرَيْدَةُ كُنْتُ أَنَا وَ عَمَّارٌ أَخِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي نَخِيلِ بَنِي النَّجَّارِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَسَلَّمَ فَرَدَّ (عليه السلام) رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ ردنا [رَدَدْنَا ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ اجْلِسْ هُنَاكَ فَجَلَسَ وَ دَخَلَ رِجَالٌ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالسَّلَامِ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلَّمُوا وَ مَا كَادُوا ثُمَّ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَسَلَّمَا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالا إِنَّ الْأَمْرَ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ وَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فَسَلَّمَا فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقَالَ نَعَمْ قَالا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا ثُمَّ دَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَسَلَّمَا فَرَدَّ (عليهما السلام) ثُمَّ قَالَ سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلَّمَا وَ لَمْ يَقُولَا شَيْئاً ثُمَّ دَخَلَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ التَّيِّهَانُ فَسَلَّمَا فَرَدَّ (عليهما السلام) ثُمَّ قَالَ سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَسَلَّمَا وَ لَمْ يَقُولَا شَيْئاً ثُمَّ دَخَلَ عَمَّارٌ وَ الْمِقْدَادُ فَسَلَّمَا فَرَدَّ (عليهما السلام) وَ قَالَ سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَفَعَلَا وَ لَمْ يَقُولَا شَيْئاً ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَسَلَّمَا فَرَدَّ (عليهما السلام) ثُمَّ قَالَ سَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالا عَنِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ دَخَلَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ عَدَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَعْضٌ يُسَلِّمُ وَ لَا يَقُولُ شَيْئاً وَ بَعْضٌ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ أَ عَنِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ حَتَّى غَصَّ الْمَجْلِسُ بِأَهْلِهِ وَ امْتَلَأَتِ الْحُجْرَةُ وَ جَلَسَ بَعْضٌ عَلَى الْبَابِ وَ فِي الطَّرِيقِ وَ كَانُوا يَدْخُلُونَ فَيُسَلِّمُونَ وَ يَخْرُجُونَ ثُمَّ قَالَ لِي وَ لِأَخِي قُمْ يَا بُرَيْدَةُ أَنْتَ وَ أَخُوكَ فَسَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ
93
فَقُمْنَا وَ سَلَّمْنَا ثُمَّ عُدْنَا إِلَى مَوَاضِعِنَا قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَيْهِمْ جَمِيعاً فَقَالَ اسْمَعُوا وَ عُوا إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِنَّ رِجَالًا سَأَلُونِي أَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِهِ مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَأْتِيَ أَمْراً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ بِوَحْيِ رَبِّهِ وَ أَمْرِهِ أَ فَرَأَيْتُمْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَبَيْتُمْ وَ نَقَضْتُمُوهُ لَتَكْفُرُنَّ وَ لَتُفَارِقُنَّ مَا بَعَثَنِي بِهِ رَبِّي فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ قَالَ بُرَيْدَةُ فَلَمَّا خَرَجْنَا سَمِعْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالسَّلَامِ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ وَ قَدِ الْتَفَتَ بِهِمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْجُفَاةِ الْبِطَاءِ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنْ قُرَيْشٍ أَ مَا رَأَيْتَ مَا صَنَعَ مُحَمَّدٌ(ص)بِابْنِ عَمِّهِ مِنْ عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ وَ الْمَكَانِ وَ لَوْ يَسْتَطِيعُ وَ اللَّهِ لَجَعَلَهُ نَبِيّاً مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ أَمْسِكْ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الْأَمْرُ فَلَوْ أَنَّا فَقَدْنَا مُحَمَّداً لَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَ مَضَى بُرَيْدَةُ إِلَى بَعْضِ طُرُقِ الشَّامِ وَ رَجَعَ وَ قَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَأَقْبَلَ بُرَيْدَةُ وَ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَ عُمَرُ دُونَهُ بِمِرْقَاةٍ فَنَادَاهُمَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ يَا أَبَا بَكْرٍ وَ يَا عُمَرُ قَالا وَ مَا لَكَ يَا بُرَيْدَةُ أَ جُنِنْتَ فَقَالَ لَهُمَا وَ اللَّهِ مَا جُنِنْتُ وَ لَكِنْ أَيْنَ سَلَامُكُمَا بِالْأَمْسِ عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ يَا بُرَيْدَةُ الْأَمْرُ يَحْدُثُ بَعْدَهُ الْأَمْرُ وَ إِنَّكَ غِبْتَ وَ شَهِدْنَا وَ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ فَقَالَ لَهُمَا رَأَيْتُمَا مَا لَمْ يَرَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ وَفَى لَكَ صَاحِبُكَ بِقَوْلِهِ لَوْ فَقَدْنَا مُحَمَّداً لَكَانَ قَوْلُهُ هَذَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ حَرَامٌ عَلَيَّ أَنْ أَسْكُنَهَا أَبَداً حَتَّى أَمُوتَ فَخَرَجَ بُرَيْدَةُ بِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ فَنَزَلَ بَيْنَ قَوْمِهِ بَنِي أَسْلَمَ فَكَانَ يَطْلُعُ فِي الْوَقْتِ دُونَ الْوَقْتِ فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)سَارَ إِلَيْهِ وَ كَانَ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ الْعِرَاقَ فَلَمَّا أُصِيبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)صَارَ إِلَى خُرَاسَانَ فَنَزَلَهَا وَ لَبِثَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ حُذَيْفَةُ فَهَذَا نَبَأُ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَقَالَ الْفَتَى لَا جَزَى اللَّهُ الَّذِينَ شَهِدُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ سَمِعُوهُ يَقُولُ هَذَا القَوْلَ فِي عَلِيٍّ خَيْراً فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ
94
وَ أَزَالُوا الْأَمْرَ (1) عَنْ وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَقَرُّوهُ فِيمَنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ وَ لَا رَسُولُهُ لِذَلِكَ أَهْلًا لَا جَرَمَ وَ اللَّهِ لَنْ يُفْلِحُوا بَعْدَهَا أَبَداً فَنَزَلَ حُذَيْفَةُ مِنْ مِنْبَرِهِ فَقَالَ يَا أَخَا الْأَنْصَارِ إِنَّ الْأَمْرَ كَانَ أَعْظَمَ مِمَّا تَظُنُّ أَنَّهُ عَزَبَ وَ اللَّهِ الْبَصَرُ وَ ذَهَبَ الْيَقِينُ وَ كَثُرَ الْمُخَالِفُ وَ قَلَّ النَّاصِرُ لِأَهْلِ الْحَقِّ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى فَهَلَّا انْتَضَيْتُمْ أَسْيَافَكُمْ وَ وَضَعْتُمُوهَا عَلَى رِقَابِكُمْ وَ ضَرَبْتُمْ بِهَا الزَّائِلِينَ عَنِ الْحَقِّ قُدُماً قُدُماً حَتَّى تَمُوتُوا أَوْ تُدْرِكُوا الْأَمْرَ الَّذِي تُحِبُّونَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْفَتَى إِنَّهُ أُخِذَ وَ اللَّهِ بِأَسْمَاعِنَا وَ أَبْصَارِنَا وَ كَرِهْنَا الْمَوْتَ وَ زُيِّنَتْ عِنْدَنَا الدُّنْيَا وَ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِإِمْرَةِ الظَّالِمِينَ وَ نَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ التَّغَمُّدَ لِذُنُوبِنَا وَ الْعِصْمَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ آجِلِنَا فَإِنَّهُ مَالِكٌ رَحِيمٌ ثُمَّ انْصَرَفَ حُذَيْفَةُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ (2) فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ حُذَيْفَةَ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَ قَدْ كَانَ يَوْمَ قَدِمَتْ فِيهِ مِنَ الْكُوفَةِ مِنْ قَبْلِ قُدُومِ عَلِيٍّ(ع)إِلَى الْعِرَاقِ فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ جَاءَ الْفَتَى الْأَنْصَارِيُّ فَدَخَلَ عَلَى حُذَيْفَةَ فَرَحَّبَ بِهِ وَ أَدْنَاهُ وَ قَرَّبَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَ خَرَجَ مَنْ كَانَ عِنْدَ حُذَيْفَةَ مِنْ عُوَّادِهِ وَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْفَتَى فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُكَ يَوْماً تُحَدِّثُ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يُسَلِّمَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَ مَا رَأَيْتَ القوم [الْيَوْمَ مَا صَنَعَ مُحَمَّدٌ بِابْنِ عَمِّهِ مِنَ التَّشْرِيفِ وَ عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ حَتَّى لَوْ قَدَرَ أَنْ يَجْعَلَهُ نَبِيّاً لَفَعَلَ فَأَجَابَهُ صَاحِبُهُ فَقَالَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ فَلَوْ فَقَدْنَا مُحَمَّداً لَكَانَ قَوْلُهُ تَحْتَ أَقْدَامِنَا وَ قَدْ ظَنَنْتُ نِدَاءَ بُرَيْدَةَ لَهُمَا وَ هُمَا عَلَى الْمِنْبَرِ أَنَّهُمَا صَاحِبَا الْقَوْلِ قَالَ حُذَيْفَةُ أَجَلْ الْقَائِلُ عُمَرُ وَ الْمُجِيبُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ الْفَتَى إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ هَلَكَ وَ اللَّهِ الْقَوْمُ وَ بَطَلَتْ أَعْمَالُهُمْ قَالَ حُذَيْفَةُ وَ لَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ الِارْتِدَادِ وَ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُمْ أَكْثَرُ
____________
(1) و أزالوا الامر عمن رضى به اللّه و رسوله خ ل.
(2) قد مر عن كشف اليقين أن اسم الراوي هو عبيد اللّه بن سلمة.
95
قَالَ الْفَتَى قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَتَعَرَّفَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَ لَكِنِّي أَجِدُكَ مَرِيضاً وَ أَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَمَلَّكَ بِحَدِيثِي وَ مَسْأَلَتِي وَ قَامَ لِيَنْصَرِفَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَا بَلِ اجْلِسْ يَا ابْنَ أَخِي وَ تَلَقَّ مِنِّي حَدِيثَهُمْ وَ إِنْ كَرَبَنِي ذَلِكَ فَلَا أَحْسَبُنِي إِلَّا مُفَارِقَكُمْ إِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَنْزِلَتِهِمَا فِي النَّاسِ فَهَذَا مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ لَكَ وَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ وَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ ذِكْرِ مَنْزِلَتِهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِمَا عِنْدَكَ مِنْ أُمُورِهِمْ لِأَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ إِذاً وَ اللَّهِ لَأُخْبِرَنَّكَ بِخَبَرٍ سَمِعْتُهُ وَ رَأَيْتُهُ وَ لَقَدْ وَ اللَّهِ دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ وَ اللَّهِ مَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَ لَا بِرَسُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَ أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ فِي سَنَةِ عَشْرٍ مِنْ مُهَاجَرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنْ يَحُجَّ هُوَ وَ يَحُجَّ النَّاسُ مَعَهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (1) فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْمُؤَذِّنِينَ فَأَذَّنُوا فِي أَهْلِ السَّافِلِ وَ الْعَالِيَةِ أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فِي عَامِهِ هَذَا لِيُفَهِّمَ النَّاسَ حَجَّهُمْ وَ يُعَلِّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ فَيَكُونَ سُنَّةً لَهُمْ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ قَالَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِسَنَةِ عَشْرٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يُعَلِّمَهُمْ حَجَّهُمْ وَ يُعَرِّفَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ وَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالنَّاسِ وَ خَرَجَ بِنِسَائِهِ مَعَهُ وَ هِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَلَمَّا اسْتَتَمَّ حَجُّهُمْ وَ قَضَوْا مَنَاسِكَهُمْ وَ عَرَّفَ النَّاسَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَقَامَ لَهُمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ(ع)وَ قَدْ أَزَالَ عَنْهُمْ جَمِيعَ مَا أَحْدَثَهُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَهُ وَ رَدَّ الْحَجَرَ [الْحَجَ] إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى وَ دَخَلَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا يَوْماً وَاحِداً فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع)بِأَوَّلِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ فَقَالَ
____________
(1) الحجّ: 27.
96
رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا جَبْرَئِيلُ وَ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ إِنِّي مَا أَرْسَلْتُ نَبِيّاً قَبْلَكَ إِلَّا أَمَرْتُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُحْيِي لَهُمْ سُنَّتَهُ وَ أَحْكَامَهُ فَالْمُطِيعُونَ لِلَّهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ هُمُ الصَّادِقُونَ وَ الْمُخَالِفُونَ عَلَى أَمْرِهِ الْكَاذِبُونَ وَ قَدْ دَنَا يَا مُحَمَّدُ مَصِيرُكَ إِلَى رَبِّكَ وَ جَنَّتِهِ وَ هُوَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْصِبَ لِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ تَعْهَدَ إِلَيْهِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِرَعِيَّتِكَ وَ أُمَّتِكَ إِنْ أَطَاعُوهُ وَ إِنْ عَصَوْهُ وَ سَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَ هِيَ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَلَوْتُ الْآيَ فِيهَا وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعَلِّمَهُ جَمِيعَ مَا عَلَّمَكَ وَ تَسْتَحْفِظَهُ جَمِيعَ مَا حَفَّظَكَ وَ اسْتَوْدَعَكَ فَإِنَّهُ الْأَمِينُ الْمُؤْتَمَنُ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي اخْتَرْتُكَ مِنْ عِبَادِي نَبِيّاً وَ اخْتَرْتُهُ لَكَ وَصِيّاً قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلِيّاً(ع)يَوْماً فَخَلَا بِهِ يَوْمَ ذَلِكَ وَ لَيْلَتَهُ وَ اسْتَوْدَعَهُ الْعِلْمَ وَ الْحِكْمَةَ الَّتِي آتَاهُ إِيَّاهَا وَ عَرَّفَهُ مَا قَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)وَ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ طَالَتِ اسْتِخْلَاؤُكَ بِعَلِيٍّ(ع)مُنْذُ الْيَوْمِ قَالَ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَتْ لِمَ تُعْرِضُ عَنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمْرٍ لَعَلَّهُ يَكُونُ لِي صَلَاحاً فَقَالَ صَدَقْتِ وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ لَأَمْرٌ صَلَاحٌ لِمَنْ أَسْعَدَهُ اللَّهُ بِقَبُولِهِ وَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ قَدْ أُمِرْتُ بِدُعَاءِ النَّاسِ جَمِيعاً إِلَيْهِ وَ سَتَعْلَمِينَ ذَلِكَ إِذَا أَنَا قُمْتُ بِهِ فِي النَّاسِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِمَ لَا تُخْبِرُنِي بِهِ الْآنَ لِأَتَقَدَّمَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَ الْأَخْذِ بِمَا فِيهِ الصَّلَاحُ قَالَ سَأُخْبِرُكِ بِهِ فَاحْفَظِيهِ إِلَى أَنْ أُومَرَ بِالْقِيَامِ بِهِ فِي النَّاسِ جَمِيعاً فَإِنَّكِ إِنْ حَفِظْتِيهِ حَفِظَكِ اللَّهُ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ جَمِيعاً وَ كَانَتْ لَكِ الْفَضِيلَةُ بِالسَّبْقَةِ وَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ أَضَعْتِهِ وَ تَرَكْتِ رِعَايَةَ مَا أُلْقِي إِلَيْكِ مِنْهُ كَفَرْتِ بِرَبِّكِ وَ حَبِطَ أَجْرُكِ وَ بَرِئَتْ مِنْكِ ذِمَّةُ اللَّهِ وَ ذِمَّةُ رَسُولِهِ وَ كُنْتِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَ لَنْ يَضُرَّ اللَّهَ ذَلِكِ وَ لَا رَسُولَهُ فَضَمِنَتْ لَهُ حِفْظَهُ وَ الْإِيمَانَ بِهِ وَ رِعَايَتَهُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنِي أَنَّ عُمُرِي قَدِ انْقَضَى وَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ عَلِيّاً لِلنَّاسِ عَلَماً وَ أَجْعَلَهُ فِيهِمْ إِمَاماً وَ أَسْتَخْلِفَهُ
97
كَمَا اسْتَخْلَفَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي أَوْصِيَاءَهُمْ وَ إِنِّي صَائِرٌ إِلَى أَمْرِ رَبِّي وَ آخِذٌ فِيهِ بِأَمْرِهِ فَلْيَكُنِ الْأَمْرُ مِنْكِ تَحْتَ سُوَيْدَاءِ قَلْبِكِ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ بِالْقِيَامِ بِهِ فَضَمِنَتْ لَهُ ذَلِكَ وَ قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهَا فِيهِ وَ مِنْ صَاحِبَتِهَا حَفْصَةَ وَ أَبَوَيْهِمَا فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ أَخْبَرَتْ حَفْصَةَ وَ أَخْبَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَبَاهَا فَاجْتَمَعَا وَ أَرْسَلَا إِلَى جَمَاعَةِ الطُّلَقَاءِ وَ الْمُنَافِقِينَ فَخَبَّرَاهُمْ بِالْأَمْرِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ كَسُنَّةِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَ لَا وَ اللَّهِ مَا لَكُمْ فِي الْحَيَاةِ مِنْ حَظٍّ إِنْ أَفْضَى هَذَا الْأَمْرُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ إِنَّ مُحَمَّداً عَامَلَكُمْ عَلَى ظَاهِرِكُمْ وَ إِنَّ عَلِيّاً يُعَامِلُكُمْ عَلَى مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْكُمْ فَأَحْسِنُوا النَّظَرَ لِأَنْفُسِكُمْ فِي ذَلِكَ وَ قَدِّمُوا رَأْيَكُمْ فِيهِ وَ دَارَ الْكَلَامُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ أَعَادُوا الْخِطَابَ وَ أَجَالُوا الرَّأْيَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَنْفِرُوا بِالنَّبِيِّ(ص)نَاقَتَهُ عَلَى عَقَبَةِ هَرْشَى (1) وَ قَدْ كَانُوا عَمِلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ (2) فَصَرَفَ اللَّهُ الشَّرَّ عَنْ نَبِيِّهِ(ص)فَاجْتَمَعُوا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنَ الْقَتْلِ وَ الِاغْتِيَالِ وَ إِسْقَاءِ السَّمِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهٍ وَ قَدْ كَانَ اجْتَمَعَ أَعْدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ص
____________
(1) هرشى بالفتح ثمّ السكون و القصر ثنية في طريق مكّة قريبة من الجحفة ترى من البحر، و لها طريقان، فكل من سلك واحدا منها أفضى به الى موضع واحد.
(2) حديث قصة العقبة في غزوة تبوك، رواه المؤلّف العلامة في ج 21(ص)185 252، و ترى نص أسمائهم(ص)222 نقلا من كتاب الخصال، و روى القصة عن كتاب دلائل النبوّة للبيهقيّ(ص)247، و أخرجها الهيثمى في مجمع الزوائد ج 1(ص)110، قال رواه الطبراني في الكبير و ج 6(ص)195 عن أحمد و قال رجاله رجال الصحيح (راجع مسند احمد ج 5(ص)390 و 453).
و أقول: طرف من هذه القصة مذكور في صحيح مسلم كتاب المنافقين الرقم 11 و أخرجه ابن الأثير في الجامع ج 12(ص)199 و قال بعد ذلك: هؤلاء قوم عرضوا لرسول اللّه في عقبة صعدها لما قفل من غزوة تبوك، و قد كان أمر مناديا، فنادى لا يطلع العقبة أحد فلما أخذها النبيّ عرضوا له و هم ملثمون لئلا يعرفوا أرادوا به سوءا، فلم يقدرهم اللّه تعالى.
98
مِنَ الطُّلَقَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ الِارْتِدَادُ مِنَ الْعَرَبِ فِي الْمَدِينَةِ وَ مَا حَوْلَهَا فَتَعَاقَدُوا وَ تَحَالَفُوا عَلَى أَنْ يَنْفِرُوا بِهِ نَاقَتَهُ وَ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَ كَانَ مِنْ عَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنْ يُقِيمَ عَلِيّاً(ع)وَ يَنْصِبَهُ لِلنَّاسِ بِالْمَدِينَةِ إِذَا قَدِمَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْمَيْنِ وَ لَيْلَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ(ع)بِآخِرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فَقَالَ اقْرَأْ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (1) قَالَ وَ رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَغَذَّ السَّيْرَ مُسْرِعاً عَلَى دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ لِيَنْصِبَ عَلِيّاً(ع)عَلَماً لِلنَّاسِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (2) وَ هُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَ مَا تَرَانِي يَا جَبْرَئِيلُ أُغِذُّ السَّيْرَ مُجِدّاً فِيهِ لِأَدْخُلَ الْمَدِينَةَ فَأَفْرِضَ وَلَايَتَهُ عَلَى الشَّاهِدِ وَ الْغَائِبِ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَفْرِضَ وَلَايَتَهُ غَداً إِذَا نَزَلْتَ مَنْزِلَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نَعَمْ يَا جَبْرَئِيلُ غَداً أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالرَّحِيلِ مِنْ وَقْتِهِ وَ سَارَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا إِلَيْهِ وَ دَعَا عَلِيّاً(ع)وَ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَدَ عَلِيٍّ الْيُسْرَى بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْوَلَاءِ لِعَلِيٍّ(ع)عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَيْهِمْ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَ خَبَّرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ لَهُمْ أَ لَسْتُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُبَايِعُوهُ فَبَايَعَهُ النَّاسُ
____________
(1) الحجر: 92- 95.
(2) المائدة: 67.
99
جَمِيعاً وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ قَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ تَقَدَّمَا إِلَى الْجُحْفَةِ فَبَعَثَ وَ رَدَّهُمَا ثُمَّ قَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ(ص)مُتَهَجِّماً يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ وَ يَا عُمَرُ بَايِعَا عَلِيّاً بِالْوَلَايَةِ مِنْ بَعْدِي فَقَالا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ فَقَالَ وَ هَلْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِ اللَّهِ نَعَمْ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ فَقَالَ وَ بَايَعَا ثُمَّ انْصَرَفَا وَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَاقِيَ يَوْمِهِ وَ لَيْلَتِهِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ عَقَبَةِ هَرْشَى تَقَدَّمَهُ الْقَوْمُ فَتَوَارَوْا فِي ثَنِيَّةِ الْعَقَبَةِ وَ قَدْ حَمَلُوا مَعَهُمْ دِبَاباً وَ طَرَحُوا فِيهَا الْحَصَا فَقَالَ حُذَيْفَةُ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ دَعَا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَسُوقَهَا وَ أَنَا أَقُودُهَا حَتَّى إِذَا صِرْنَا رَأْسَ الْعَقَبَةِ ثَارَ الْقَوْمُ مِنْ وَرَائِنَا وَ دَحْرَجُوا الدِّبَابَ بَيْنَ قَوَائِمِ النَّاقَةِ فَذُعِرَتْ وَ كَادَتْ أَنْ تَنْفِرَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَصَاحَ بِهَا النَّبِيُّ(ص)أَنِ اسْكُنِي وَ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ فَأَنْطَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ فَصِيحٍ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَا أَزَلْتُ يَداً عَنْ مُسْتَقَرِّ يَدٍ وَ لَا رِجْلًا عَنْ مَوْضِعِ رِجْلٍ وَ أَنْتَ عَلَى ظَهْرِي فَتَقَدَّمَ الْقَوْمُ إِلَى النَّاقَةِ لِيَدْفَعُوهَا فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَ عَمَّارٌ نَضْرِبُ وُجُوهَهُمْ بِأَسْيَافِنَا وَ كَانَتْ لَيْلَةً مُظْلِمَةً فَزَالُوا عَنَّا وَ أَيِسُوا مِمَّا ظَنُّوا وَ قَدَّرُوا وَ دَبَّرُوا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مَا تَرَى فَقَالَ(ص)يَا حُذَيْفَةُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَقُلْتُ أَ لَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَهْطاً فَيَأْتُوا بِرُءُوسِهِمْ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعْرِضَ عَنْهُمْ فَأَكْرَهُ أَنْ تَقُولَ النَّاسُ إِنَّهُ دَعَا أُنَاساً مِنْ قَوْمِهِ وَ أَصْحَابِهِ إِلَى دِينِهِ فَاسْتَجَابُوا فَقَاتَلَ بِهِمْ حَتَّى إِذَا ظَهْرَ عَلَى عَدُوِّهِ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ وَ لَكِنْ دَعْهُمْ يَا حُذَيْفَةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ وَ سَيُمْهِلُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ فَقُلْتُ وَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُنَافِقُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَمْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَمَّاهُمْ لِي رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ وَ قَدْ كَانَ فِيهِمْ أُنَاسٌ أَنَا كَارِهٌ
100
أَنْ يَكُونُوا فِيهِمْ فَأَمْسَكْتُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَا حُذَيْفَةُ كَأَنَّكَ شَاكٌّ فِي بَعْضِ مَنْ سَمَّيْتُ لَكَ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَيْهِمْ فَرَفَعْتُ طَرْفِي إِلَى الْقَوْمِ وَ هُمْ وُقُوفٌ عَلَى الثَّنِيَّةِ فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَأَضَاءَتْ جَمِيعَ مَا حَوْلَنَا وَ ثَبَتَتِ الْبَرْقَةُ حَتَّى خِلْتُهَا شَمْساً طَالِعَةً فَنَظَرْتُ وَ اللَّهِ إِلَى الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ رَجُلًا رَجُلًا فَإِذَا هُمْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَدَدُ الْقَوْمِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا تِسْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَ خَمْسَةٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ الْفَتَى سَمِّهِمْ لَنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ حُذَيْفَةُ هُمْ وَ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَ هَؤُلَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ أَمَّا الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ فَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُ (1) وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ وَ أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ الْبَصْرِيُ
____________
(1) و هو ممن شهد العقبة بتبوك على ما شهد بذلك حذيفة بن اليمان روى جرير بن عبد الحميد الضبى عن الأعمش عن شقيق أبى وائل قال: قال حذيفة: و اللّه ما في أصحاب رسول اللّه أحد أعرف بالمنافقين منى و أنا أشهد أن أبا موسى الأشعريّ منافق، أخرجه ابن جرير من أصحابنا في المسترشد: 13، و فضل بن شاذان في الإيضاح 61.
و هو الذي كنى عنه أصحاب الحديث حيث رووا عن أبي الطفيل أنّه كان بين رجل من أهل العقبة و بين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك اللّه كم كان أصحاب العقبة؟
قال: فقال له القوم أخبره اذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، قال: فان كنت منهم (فيهم) فقد كان القوم خمسة عشر و أشهد باللّه أن اثنى عشر منهم حرب للّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد، و عذر ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول اللّه و لا علمنا بما أراد القوم، راجع صحيح مسلم ج 8(ص)123، مسند أحمد ج 5(ص)390- 391.
فقوله «فان كنت منهم» الخ يعنى أن القوم لم يكونوا أربعة عشر بل كنت فيهم و كانوا خمسة عشر، الا ان ثلاثة منهم كانوا معذورين حيث لم يسمعوا منادى رسول اللّه «لا يطلع العقبة أحد، لا يطلع العقبة أحد» و لا علموا بما أراد القوم من تنفير ناقته ص، فاذ لم تكن أنت أحد الثلاثة المعذورين، فلا بدّ و أن كنت من الاثنى عشر الذين كانوا حربا للّه و لرسوله.
و هكذا شهد بنفاقه و كونه من أصحاب العقبة عمّار بن ياسر حيث قال أبو موسى في كلام له لعمار «لا تفعل ودع عتابك لي فانما أنا أخوك، فقال له عمار: ما أنا لك بأخ، سمعت رسول اللّه يلعنك ليلة العقبة و قد هممت مع القوم بما هممت» و سيجيء تمام الكلام في باب بدو قصة التحكيم تحت الرقم 3.
101
وَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ انْحَدَرْنَا مِنَ الْعَقَبَةِ وَ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَتَوَضَّأَ وَ انْتَظَرَ أَصْحَابَهُ حَتَّى انْحَدَرُوا مِنَ الْعَقَبَةِ وَ اجْتَمَعُوا فَرَأَيْتُ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِهِمْ وَ قَدْ دَخَلُوا مَعَ النَّاسِ وَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ الْتَفَتَ فَنَظَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ يَتَنَاجَوْنَ فَأَمَرَ مُنَادِياً فَنَادَى فِي النَّاسِ لَا تَجْتَمِعْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِسِرٍّ وَ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالنَّاسِ مِنْ مَنْزِلِ الْعَقَبَةِ فَلَمَّا نَزَلَ الْمَنْزِلَ الْآخَرَ رَأَى سَالِمٌ مَوْلَى حُذَيْفَةَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبَا عُبَيْدَةَ يُسَارُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَ قَالَ أَ لَيْسَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ لَا تَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى سِرٍّ وَاحِدٍ وَ اللَّهِ لَتُخْبِرُونِّي فِيمَا أَنْتُمْ وَ إِلَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)حَتَّى أُخْبِرَهُ بِذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا سَالِمُ عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ لَئِنْ خَبَّرْنَاكَ بِالَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَ بِمَا اجْتَمَعْنَا لَهُ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَنَا فِيهِ دَخَلْتَ وَ كُنْتَ رَجُلًا مِنَّا وَ إِنْ كَرِهْتَ ذَلِكَ كَتَمْتَهُ عَلَيْنَا فَقَالَ سَالِمٌ لَكُمْ ذَلِكَ وَ أَعْطَاهُمْ بِذَلِكَ عَهْدَهُ وَ مِيثَاقَهُ وَ كَانَ سَالِمٌ شَدِيدَ الْبُغْضِ وَ الْعَدَاوَةِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا قَدِ اجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ نَتَحَالَفَ وَ نَتَعَاقَدَ عَلَى أَنْ لَا نُطِيعَ مُحَمَّداً فِيمَا فَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ سَالِمٌ عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ إِنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ كُنْتُمْ تَخُوضُونَ وَ تَتَنَاجَوْنَ قَالُوا أَجَلْ عَلَيْنَا عَهْدُ اللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ إِنَّا إِنَّمَا كُنَّا فِي هَذَا الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ لَا فِي شَيْءٍ سِوَاهُ قَالَ سَالِمٌ وَ أَنَا وَ اللَّهِ أَوَّلُ مَنْ يُعَاقِدُكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ لَا يُخَالِفُكُمْ عَلَيْهِ إِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ لَا فِي بَنِي هَاشِمٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ وَ لَا أَمْقَتَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاصْنَعُوا فِي
102
هَذَا الْأَمْرِ مَا بَدَا لَكُمْ فَإِنِّي وَاحِدٌ مِنْكُمْ فَتَعَاقَدُوا مِنْ وَقْتِهِمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْمَسِيرَ أَتَوْهُ فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا كُنْتُمْ تَتَنَاجَوْنَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا وَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّجْوَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْتَقَيْنَا غَيْرَ وَقْتِنَا هَذَا فَنَظَرَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ(ص)مَلِيّاً قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (1) ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ جَمِيعاً وَ كَتَبُوا صَحِيفَةً بَيْنَهُمْ عَلَى ذِكْرِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَ كَانَ أَوَّلُ مَا فِي الصَّحِيفَةِ النَّكْثَ لِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ أَنَّ الْأَمْرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ مَعَهُمْ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهُمْ وَ شَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ وَ عِشْرُونَ رَجُلًا آخَرَ وَ اسْتَوْدَعُوا الصَّحِيفَةَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَ جَعَلُوهُ أَمِينَهُمْ عَلَيْهَا قَالَ فَقَالَ الْفَتَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هَبْنَا نَقُولُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَضُوا بِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ لِأَنَّهُمْ مِنْ مَشِيخَةِ قُرَيْشٍ فَمَا بِالُهُمْ رَضُوا بِسَالِمٍ وَ هُوَ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ وَ لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَ إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ حُذَيْفَةُ يَا فَتَى إِنَّ الْقَوْمَ أَجْمَعَ تَعَاقَدُوا عَلَى إِزَالَةِ هَذَا الْأَمْرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)حَسَداً مِنْهُمْ لَهُ وَ كَرَاهَةً لِأَمْرِهِ وَ اجْتَمَعَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ فِي قُلُوبِ قُرَيْشٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ كَانَ خَاصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الثَّأْرَ الَّذِي أَوْقَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِهِمْ مِنْ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَإِنَّمَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَى إِزَالَةِ الْأَمْرِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ سَالِماً رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْفَتَى فَخَبِّرْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَمَّا كَتَبَ جَمِيعُهُمْ فِي الصَّحِيفَةِ لِأَعْرِفَهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَتْنِي بِذَلِكَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَوْمَ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ فَتَآمَرُوا فِي ذَلِكَ وَ أَسْمَاءُ تَسْمَعُهُمْ وَ تَسْمَعُ جَمِيعَ مَا يُدَبِّرُونَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَمَرُوا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ الْأُمَوِيَ
____________
(1) البقرة: 140.
103
فَكَتَبَ هُوَ الصَّحِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ وَ كَانَتْ نُسْخَةُ الصَّحِيفَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ(ص)اتَّفَقُوا جَمِيعاً بَعْدَ أَنْ أَجْهَدُوا فِي رَأْيِهِمْ وَ تَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَ كَتَبُوا هَذِهِ الصَّحِيفَةَ نَظَراً مِنْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ عَلَى غَابِرِ الْأَيَّامِ وَ بَاقِي الدُّهُورِ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَ كَرَمِهِ بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)رَسُولًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِدِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ فَأَدَّى مِنْ ذَلِكَ وَ بَلَّغَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْقِيَامَ بِجَمِيعِهِ حَتَّى إِذَا أَكْمَلَ الدِّينَ وَ فَرَضَ الْفَرَائِضَ وَ أَحْكَمَ السُّنَنَ اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ مَا عِنْدَهُ فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ مُكْرَماً مَحْبُوراً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَداً مِنْ بَعْدِهِ وَ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ وَثِقُوا بِرَأْيِهِ وَ نُصْحِهِ لَهُمْ وَ إِنَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ (1) وَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً لِئَلَّا يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتٍ وَاحِدٍ فَيَكُونَ إِرْثاً دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَ لِئَلَّا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ وَ لِئَلَّا يَقُولَ الْمُسْتَخْلَفُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَاقٍ فِي عَقِبِهِ مِنْ وَالِدٍ إِلَى وَلَدٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُضِيِّ خَلِيفَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنْ يَجْتَمِعَ ذَوُو الرَّأْيِ وَ الصَّلَاحِ فَيَتَشَاوَرُوا فِي أُمُورِهِمْ فَمَنْ رَأَوْهُ مُسْتَحِقّاً لَهَا وَلَّوْهُ أُمُورَهُمْ وَ جَعَلُوهُ الْقَيِّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ مَنْ يَصْلُحُ مِنْهُمْ لِلْخِلَافَةِ فَإِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)اسْتَخْلَفَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ نَصَبَهُ لِلنَّاسِ وَ نَصَّ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَ نَسَبِهِ فَقَدْ أَبْطَلَ فِي قَوْلِهِ وَ أَتَى بِخِلَافِ مَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ خَالَفَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ خِلَافَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِرْثٌ وَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص
____________
(1) الأحزاب: 21.
104
يُورَثُ فَقَدْ أَحَالَ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِيهِ وَ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ لِأَنَّهَا تَتْلُو النُّبُوَّةَ فَقَدْ كَذَبَ لِأَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ وَ إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْخِلَافَةِ وَ الْإِمَامَةِ بِقُرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)ثُمَّ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ وَ عَلَى عَقِبِهِ يَرِثُهَا الْوَلَدُ مِنْهُمْ عَنْ وَالِدِهِ ثُمَّ هِيَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَ زَمَانٍ لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِمْ وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ سِوَاهُمْ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها فَلَيْسَ لَهُ وَ لَا لِوُلْدِهِ وَ إِنْ دَنَا مِنَ النَّبِيِّ نَسَبُهُ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قَوْلُهُ الْقَاضِي عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَ كُلُّهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَمَنْ آمَنَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَقَرَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَدِ اسْتَقَامَ وَ أَنَابَ وَ أَخَذَ بِالصَّوَابِ وَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ فِعَالِهِمْ فَقَدْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ الْكِتَابَ وَ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِ صَلَاحاً لِلْأُمَّةِ وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَنْ جَاءَ إِلَى أُمَّتِي وَ هُمْ جَمِيعٌ فَفَرَّقَهُمْ فَاقْتُلُوهُ وَ اقْتُلُوا الْفَرْدَ كَائِناً مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ الِاجْتِمَاعَ رَحْمَةٌ وَ الْفُرْقَةَ عَذَابٌ وَ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ أَبَداً وَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مُفَارِقٌ وَ مُعَانِدٌ لَهُمْ وَ مُظَاهِرٌ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ دَمَهُ وَ أَحَلَّ قَتْلَهُ وَ كَتَبَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بِاتِّفَاقٍ مِمَّنْ أَثْبَتَ اسْمَهُ وَ شَهَادَتَهُ آخِرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشَرَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ثُمَّ دُفِعَتِ الصَّحِيفَةُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فَوَجَّهَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ تَزَلِ الصَّحِيفَةُ
105
فِي الْكَعْبَةِ مَدْفُونَةً إِلَى أَوَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا وَ هِيَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي تَمَنَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ فَوَقَفَ بِهِ وَ هُوَ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ قَالَ مَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَةِ هَذَا الْمُسَجَّى (1) ثُمَّ انْصَرَفُوا وَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ فَقَالَ لَهُ بَخْ بَخْ مَنْ مِثْلُكَ وَ قَدْ أَصْبَحْتَ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ثُمَّ تَلَا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (2) لَقَدْ أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ رِجَالٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (3)
____________
(1) هذا الحديث رواه احمد في المسند ج 1(ص)109 و لفظه «رحمة اللّه عليك أبا حفص! فو اللّه ما بقى بعد رسول اللّه أحد أحبّ الى أن ألقى اللّه تعالى بصحيفته منك» و معلوم أن لفظ الرواية حرفت عن وجهه، فان أحدا من المسلمين لا يجسر أن يتمنى على اللّه أن يلقاه بصحيفة النبيّ الأعظم و لا بمثل صحيفته ص، و إذا كان في المسلمين أحد يناسبه باخلاصه و طهارته و عدم سجوده لصنم قط و جهاده و فضله و علمه و مؤازرته للنبى(ص)و مؤاخاته و وصايته و ...
و بالأخرة كونه كنفس النبيّ ص- أن يتمنى ذلك فلا يكون يتمنى بعد ذلك أن يلقى اللّه بصحيفة اعمال عمر و هو هو، و قد كان مشركا [فى] شطر من عمره، و هو الذي كان يقول لابى موسى الأشعريّ «لوددت أن ذلك برد لنا و أن كل شيء عملناه بعد رسول اللّه نجونا منه كفافا رأسا برأس» كما عرفت نصه(ص)33 فيما سبق) الى غير ذلك من المثالب التي رويت له.
فاما أن يكون لفظ الحديث محرفا كما قلنا، أو يكون (عليه السلام) قد تعرض بذلك ليعرفه أهل المعرفة.
(2) البقرة: 79.
(3) النساء: 180، و في هذه الآية روى الكليني في الكافي ج 8(ص)334 عن سليمان الجعفرى قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في قول اللّه تعالى: «إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ يعنى فلانا و فلانا و ابا عبيدة بن الجراح.
106
ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أَصْبَحَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي يَوْمِي هَذَا قَوْمٌ ضَاهُوهُمْ فِي صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي كَتَبُوهَا عَلَيْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ عَلَّقُوهَا فِي الْكَعْبَةِ (1) وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمَتِّعُهُمْ لِيَبْتَلِيَهُمْ وَ يَبْتَلِيَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْخَبِيثِ وَ الطَّيِّبِ وَ لَوْ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَنِي بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ بَالِغُهُ لَقَدَّمْتُهُمْ فَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ قَالَ حُذَيْفَةُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا هَؤُلَاءِ النَّفَرَ عِنْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَ قَدْ أَخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ فَمَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً وَ لَمْ يَخْفَ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)ذَلِكَ الْيَوْمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِيَّاهُمْ عَنَى بِقَوْلِهِ وَ لَهُمْ ضَرَبَ تِلْكَ الْأَمْثَالَ بِمَا تَلَا مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ وَ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَتِهِ فَأَقَامَ بِهَا شَهْراً لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا سِوَاهُ مِنْ مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ فَشَكَتْ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ ذَلِكَ إِلَى أَبَوَيْهِمَا فَقَالا لَهُمَا إِنَّا لَنَعْلَمُ لِمَ صَنَعَ ذَلِكَ وَ لِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ امْضِيَا إِلَيْهِ فَلَاطِفَاهُ فِي الْكَلَامِ وَ خَادِعَاهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّكُمَا تَجِدَانِهِ حَيِيّاً
____________
(1) و في كتاب النشر و الطي أن تعاهدهم ذلك كان بعد ما قام رسول اللّه(ص)بمسجد الخيف و وصى المسلمين بالتمسك بالثقلين: كتاب اللّه و عترته. و لفظه: فاجتمع قوم و قالوا:
يريد محمّد أن يجعل الإمامة في أهل بيته، فخرج منهم أربعة و دخلوا الى مكّة و دخلوا الكعبة و كتبوا فيما بينهم «ان أمات اللّه محمّدا أو قتل، لا نرد هذا الامر في أهل بيته» فأنزل اللّه:
«أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ، أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ» ثمّ ذكر بعد ذلك مشهد الغدير ثمّ قعودهم على العقبة ليقتلوا رسول اللّه(ص)و سرد أسماءهم، ثمّ ذكر أنّه بعد ما نزل رسول اللّه من هبوط العقبة قال: ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة ان أمات اللّه محمّدا أو قتل لا نرد هذا الامر الى أهل بيته، ثمّ هموا بما هموا به؟» فجاءوا الى ...
107
كَرِيماً فَلَعَلَّكُمَا تَسُلَّانِ مَا فِي قَلْبِهِ وَ تَسْتَخْرِجَانِ سَخِيمَتَهُ قَالَ فَمَضَتْ عَائِشَةُ وَحْدَهَا إِلَيْهِ فَأَصَابَتْهُ فِي مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَ عِنْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ مَا جَاءَ بِكِ يَا حُمَيْرَاءُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكَرْتُ تَخَلُّفَكَ عَنْ مَنْزِلِكَ هَذِهِ الْمَرَّةَ وَ أَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولِينَ لَمَا أَظْهَرْتِ سِرّاً أَوْصَيْتُكِ بِكِتْمَانِهِ لَقَدْ هَلَكْتِ وَ أَهْلَكْتِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ خَادِمَةً لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ اجْمَعِي هَؤُلَاءِ يَعْنِي نِسَاءَهُ فَجَمَعَتْهُنَّ فِي مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ لَهُنَّ اسْمَعْنَ مَا أَقُولُ لَكُنَّ وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ لَهُنَّ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ الْقَائِمُ فِيكُنَّ وَ فِي الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِي فَأَطِعْنَهُ فِيمَا يَأْمُرُكُنَّ بِهِ وَ لَا تَعْصِينَهُ فَتَهْلُكْنَ بِمَعْصِيَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ أُوصِيكَ بِهِنَّ فَأَمْسِكْهُنَّ مَا أَطْعَنَ اللَّهَ وَ أَطَعْنَكَ وَ أَنْفِقْ عَلَيْهِنَّ مِنْ مَالِكَ وَ مُرْهُنَّ بِأَمْرِكَ وَ انْهَهُنَّ عَمَّا يَرِيبُكَ وَ خَلِّ سَبِيلَهُنَّ إِنْ عَصَيْنَكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا رَسُولَ اللَّهُ إِنَّهُنَّ نِسَاءٌ وَ فِيهِنَّ الْوَهْنُ وَ ضَعْفُ الرَّأْيِ فَقَالَ ارْفُقْ بِهِنَّ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَمْثَلَ بِهِنَّ فَمَنْ عَصَاكَ مِنْهُنَّ فَطَلِّقْهَا طَلَاقاً يَبْرَأُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهَا قَالَ وَ كُلُّ نِسَاءِ النَّبِيِّ قَدْ صَمَتْنَ فَلَمْ يَقُلْنَ شَيْئاً فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا لِتَأْمُرَنَا بِشَيْءٍ فَنُخَالِفَهُ بِمَا سِوَاهُ فَقَالَ لَهَا بَلَى يَا حُمَيْرَاءُ قَدْ خَالَفْتِ أَمْرِي أَشَدَّ خِلَافٍ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتُخَالِفِنَّ قَوْلِي هَذَا وَ لَتَعْصِنَّهُ بَعْدِي وَ لَتَخْرُجِنَّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي أُخَلِّفُكِ فِيهِ مُتَبَرِّجَةً قَدْ حَفَّ بِكِ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَتُخَالِفِينَهُ ظَالِمَةً لَهُ عَاصِيَةً لِرَبِّكِ وَ لَتَنْبِحَنَّكِ فِي طَرِيقِكِ كِلَابُ الْحَوْأَبِ أَلَا إِنَّ ذَلِكِ كَائِنٌ ثُمَّ قَالَ قُمْنَ فَانْصَرِفْنَ إِلَى مَنَازِلِكُنَّ قَالَ فَقُمْنَ فَانْصَرَفْنَ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)جَمَعَ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَ مَنْ مَالَأَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ(ع)وَ طَابَقَهُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ وَ مَنْ كَانَ مِنَ الطُّلَقَاءِ وَ الْمُنَافِقِينَ وَ كَانُوا زُهَاءَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ فَجَعَلَهُمْ تَحْتَ يَدَيْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَاهُ وَ أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ وَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدِمْنَا مِنْ سَفَرِنَا الَّذِي كُنَّا فِيهِ مَعَكَ
108
وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَنْ تَأْذَنَ لَنَا فِي الْمَقَامِ لِنُصْلِحَ مِنْ شَأْنِنَا مَا يُصْلِحُنَا فِي سَفَرِنَا قَالَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي الْمَدِينَةِ رَيْثَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَ أَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَعَسْكَرَ بِهِمْ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ الَّذِي حَدَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مُنْتَظِراً لِلْقَوْمِ أَنْ يُوَافُوهُ إِذَا فَرَغُوا مِنْ أُمُورِهِمْ وَ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَ إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِمَا صَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَخْلُوَ الْمَدِينَةُ مِنْهُمْ وَ لَا يَبْقَى بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَالَ فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)رَائِبٌ يَحُثُّهُمْ وَ يَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ وَ التَّعْجِيلِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ إِذْ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ تَبَاطَئُوا عَمَّا أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنَ الْخُرُوجِ فَأَمَرَ قَيْسَ بْنَ عُبَادَةَ وَ كَانَ سباق (1) [سَيَّافَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَرْحَلُوا بِهِمْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَأَخْرَجَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَتَّى أَلْحَقَاهُمْ بِعَسْكَرِهِمْ وَ قَالا لِأُسَامَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُرَخِّصْ لَكَ فِي التَّخَلُّفِ فَسِرْ مِنْ وَقْتِكَ هَذَا لِيَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ذَلِكَ فَارْتَحَلَ بِهِمْ أُسَامَةُ وَ انْصَرَفَ قَيْسٌ وَ الْحُبَابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَعْلَمَاهُ بِرِحْلَةِ الْقَوْمِ فَقَالَ لَهُمَا إِنَّ الْقَوْمَ غَيْرُ سَائِرِينَ قَالَ فَخَلَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأُسَامَةَ وَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا إِلَى أَيْنَ نَنْطَلِقُ وَ نُخَلِّي الْمَدِينَةَ وَ نَحْنُ أَحْوَجُ مَا كُنَّا إِلَيْهَا وَ إِلَى الْمُقَامِ بِهَا فَقَالَ لَهُمْ وَ مَا ذَلِكَ قَالُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَ وَ اللَّهِ لَئِنْ خَلَّيْنَا الْمَدِينَةَ لَتَحْدُثَنَّ بِهَا أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهَا نَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)ثُمَّ الْمَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِينَا قَالَ فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْمُعَسْكَرِ الْأَوَّلِ وَ أَقَامُوا بِهِ وَ بَعَثُوا رَسُولًا يَتَعَرَّفُ لَهُمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَتَى الرَّسُولُ إِلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ سِرّاً فَقَالَتْ امْضِ إِلَى أَبِي وَ عُمَرَ وَ مَنْ مَعَهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ ثَقُلَ فَلَا يَبْرَحَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ وَ أَنَا أُعْلِمُكُمْ بِالْخَبَرِ وَقْتاً بَعْدَ وَقْتٍ وَ اشْتَدَّتْ عِلَّةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَدَعَتْ عَائِشَةُ صُهَيْباً فَقَالَتْ امْضِ إِلَى أَبِي
____________
(1) سياف خ ل.
109
بَكْرٍ وَ أَعْلِمْهُ أَنَّ مُحَمَّداً فِي حَالٍ لَا يُرْجَى فَهَلُمَّ إِلَيْنَا أَنْتَ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ مَنْ رَأَيْتُمْ أَنْ يَدْخُلَ مَعَكُمْ وَ لْيَكُنْ دُخُولُكُمْ فِي اللَّيْلِ سِرّاً قَالَ فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ فَأَخَذُوا بِيَدِ صُهَيْبٍ فَأَدْخَلُوهُ إِلَى أُسَامَةَ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ وَ قَالُوا لَهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَخَلَّفَ عَنْ مُشَاهَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ اسْتَأْذَنُوهُ فِي الدُّخُولِ فَأَذِنَ لَهُمْ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِدُخُولِهِمْ أَحَدٌ وَ إِنْ عُوفِيَ رَسُولُ اللَّهُ رَجَعْتُمْ إِلَى عَسْكَرِكُمْ وَ إِنْ حَدَثَ حَادِثُ الْمَوْتِ عَرِّفُونَا ذَلِكَ لِنَكُونَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَيْلًا الْمَدِينَةَ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَدْ ثَقُلَ فَأَفَاقَ بَعْضَ الْإِفَاقَةِ فَقَالَ لَقَدْ طَرَقَ لَيْلَتَنَا هَذِهِ الْمَدِينَةَ شَرٌّ عَظِيمٌ فَقِيلَ لَهُ وَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا فِي جَيْشِ أُسَامَةَ قَدْ رَجَعَ مِنْهُمْ نَفَرٌ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِي أَلَا إِنِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَيْحَكُمْ نَفِّذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَهَا مَرَّاتٍ كَثِيرَةً قَالَ وَ كَانَ بِلَالٌ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ تَحَامَلَ وَ خَرَجَ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَ إِنْ هُوَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ أَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ لَا يُزَايِلَانِهِ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ الَّتِي قَدِمَ فِيهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ يَدَيْ أُسَامَةَ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَتَاهُ يُخْبِرُهُ كَعَادَتِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ ثَقُلَ فَمُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ صُهَيْباً أَنْ يَمْضِيَ إِلَى أَبِيهَا فَيُعْلِمَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ ثَقُلَ فِي مَرَضِهِ وَ لَيْسَ يُطِيقُ النُّهُوضَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)قَدْ شَغَلَ بِهِ وَ بِمُشَاهَدَتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ فَاخْرُجْ أَنْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّهَا حَالَةٌ تَهْنِئُكَ وَ حُجَّةٌ لَكَ بَعْدَ الْيَوْمِ قَالَ فَلَمْ يَشْعُرِ النَّاسُ وَ هُمْ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَوْ عَلِيّاً(ع)يُصَلِّي بِهِمْ كَعَادَتِهِ الَّتِي عَرَفُوهَا فِي مَرَضِهِ إِذْ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الْمَسْجِدَ وَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ ثَقُلَ وَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَنَّى لَكَ ذَلِكَ وَ أَنْتَ فِي جَيْشِ أُسَامَةَ وَ لَا وَ اللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَداً بَعَثَ إِلَيْكَ وَ لَا أَمَرَكَ بِالصَّلَاةِ
110
ثُمَّ نَادَى النَّاسَ بِلَالٌ فَقَالَ عَلَى رِسْلِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ لِأَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَسْرَعَ حَتَّى أَتَى الْبَابَ فَدَقَّهُ دَقّاً شَدِيداً فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَا هَذَا الدَّقُّ الْعَنِيفُ فَانْظُرُوا مَا هُوَ قَالَ فَخَرَجَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ فَفَتَحَ الْبَابَ فَإِذَا بِلَالٌ فَقَالَ مَا وَرَاءَكَ يَا بِلَالُ فَقَالَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ قَدْ تَقَدَّمَ حَتَّى وَقَفَ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَمَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ أَ وَ لَيْسَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ جَيْشِ أُسَامَةَ هَذَا هُوَ وَ اللَّهِ الشَّرُّ الْعَظِيمُ الَّذِي طَرَقَ الْبَارِحَةَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِذَلِكَ وَ دَخَلَ الْفَضْلُ وَ أَدْخَلَ بِلَالًا مَعَهُ فَقَالَ مَا وَرَاءَكَ يَا بِلَالُ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ الْخَبَرَ فَقَالَ أَقِيمُونِي أَقِيمُونِي أَخْرِجُوا بِي إِلَى الْمَسْجِدِ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قَدْ نَزَلَتْ بِالْإِسْلَامِ نَازِلَةٌ وَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْفِتَنِ ثُمَّ خَرَجَ مَعْصُوبَ الرَّأْسَ يَتَهَادَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ رِجْلَاهُ تُجَرَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ أَطَافَ بِهِ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ صُهَيْبٌ وَ النَّفَرُ الَّذِينَ دَخَلُوا وَ أَكْثَرُ النَّاسِ قَدْ وَقَفُوا عَنِ الصَّلَاةِ يَنْتَظِرُونَ مَا يَأْتِي بِلَالٌ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ هُوَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْمَرَضِ أَعْظَمُوا ذَلِكَ وَ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَجَذَبَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ وَرَائِهِ فَنَحَّاهُ عَنِ الْمِحْرَابِ وَ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَتَوَارَوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَقْبَلَ النَّاسُ فَصَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ جَالِسٌ وَ بِلَالٌ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ ثُمَّ الْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ وَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَنْفَذْتُهُمْ وَ جَعَلْتُهُمْ تَحْتَ يَدَيْ أُسَامَةَ وَ أَمَرْتُهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي وُجِّهُوا إِلَيْهِ فَخَالَفُوا ذَلِكَ وَ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَرْكَسَهُمْ فِيهَا اعْرُجُوا بِي إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَامَ وَ هُوَ مَرْبُوطٌ حَتَّى قَعَدَ عَلَى أَدْنَى مِرْقَاةٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ
111
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ أَمْرِ رَبِّي مَا النَّاسُ إِلَيْهِ صَائِرُونَ وَ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا فَلَا تَخْتَلِفُوا مِنْ بَعْدِي كَمَا اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا أُحِلُّ لَكُمْ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ الْقُرْآنُ وَ لَا أُحَرِّمُ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ وَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا وَ لَنْ تَزِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي هُمَا الْخَلِيفَتَانِ فِيكُمْ وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأُسَائِلُكُمْ بِمَا ذَا خَلَفْتُمُونِي فِيهِمَا وَ لَيُذَادَنَّ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلَ فَتَقُولُ رِجَالٌ أَنَا فُلَانٌ وَ أَنَا فُلَانٌ فَأَقُولُ أَمَّا الْأَسْمَاءَ فَقَدْ عَرَفْتُ وَ لَكِنَّكُمُ ارْتَدَدْتُمْ مِنْ بَعْدِي فَسُحْقاً لَكُمْ سُحْقاً ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَ عَادَ إِلَى حُجْرَتِهِ وَ لَمْ يَظْهَرْ أَبُو بَكْرٍ وَ لَا أَصْحَابُهُ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ سَعْدٍ مِنَ السَّقِيفَةِ مَا كَانَ فَمَنَعُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِمْ حُقُوقَهُمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ وَ أَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَمَزَّقُوهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ وَ فِيمَا أَخْبَرْتُكَ يَا أَخَا الْأَنْصَارِ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٍ لِمَنْ أَحَبَّ اللَّهُ هِدَايَتَهُ فَقَالَ الْفَتَى سَمِّ لِيَ الْقَوْمَ الْآخَرِينَ الَّذِينَ حَضَرُوا الصَّحِيفَةَ وَ شَهِدُوا فِيهَا فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَبُو سُفْيَانَ وَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ وَ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ وَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمَدَرِيُّ وَ جَمَاعَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ سَقَطَ عَنِّي إِحْصَاءُ عَدَدِهِمْ فَقَالَ الْفَتَى يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا هَؤُلَاءِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى قَدِ انْقَلَبَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ بِسَبَبِهِمْ فَقَالَ حُذَيْفَةُ إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْقَبَائِلِ وَ أَشْرَافُهَا وَ مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا وَ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ خَلْقٌ عَظِيمٌ يَسْمَعُونَ لَهُ وَ يُطِيعُونَ وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ حُبِّ أَبِي بَكْرٍ كَمَا أُشْرِبَ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ حُبِّ الْعِجْلِ وَ السَّامِرِيِّ حَتَّى تَرَكُوا هَارُونَ وَ اسْتَضْعَفُوهُ
112
قَالَ الْفَتَى فَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ حَقّاً حَقّاً أَنِّي لَا أَزَالُ لَهُمْ مُبْغِضاً وَ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ وَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مُتَبَرِّئاً وَ لَا زِلْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُتَوَالِياً وَ لِأَعَادِيهِ مُعَادِياً وَ لَأَلْحَقَنَّ بِهِ وَ إِنِّي لَأُؤَمِّلُ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَهُ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ وَدَّعَ حُذَيْفَةَ وَ قَالَ هَذَا وَجْهِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ اسْتَقْبَلَهُ وَ قَدْ شَخَصَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْعِرَاقَ فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَلَمَّا الْتَقَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ كَانَ ذَلِكَ الْفَتَى أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا صَافَّ الْقَوْمُ وَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْحَرْبِ أَحَبَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الْقُرْآنِ وَ حُكْمِهِ فَدَعَا بِمُصْحَفٍ وَ قَالَ مَنْ يَأْخُذُ هَذَا الْمُصْحَفَ يَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ فَيُحْيِيَ مَا أَحْيَاهُ وَ يُمِيتَ مَا أَمَاتَهُ قَالَ وَ قَدْ شَرَعَتِ الرِّمَاحُ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ امْرُؤٌ أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهَا لَمَشَى قَالَ فَقَامَ الْفَتَى فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا آخُذُهُ وَ أَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ وَ أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ قَالَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةَ مَنْ يَأْخُذُ هَذَا الْمُصْحَفَ فَيَعْرِضَهُ عَلَيْهِمْ وَ يَدْعُوَهُمْ إِلَى مَا فِيهِ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَقَامَ الْفَتَى وَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا آخُذُهُ وَ أَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ وَ أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ قَالَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْفَتَى وَ قَالَ أَنَا آخُذُهُ وَ أَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ وَ أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ لَمَقْتُولٌ فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ أَنْ أُقْتَلَ فِي طَاعَتِكَ فَأَعْطَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)الْمُصْحَفَ فَتَوَجَّهَ بِهِ نَحْوَ عَسْكَرِهِمْ فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَالَ إِنَّ الْفَتَى مِمَّنْ حَشَا اللَّهُ قَلْبَهُ نُوراً وَ إِيمَاناً وَ هُوَ مَقْتُولٌ وَ لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَ لَنْ يُفْلِحَ الْقَوْمُ بَعْدَ قَتَلِهِمْ إِيَّاهُ فَمَضَى الْفَتَى بِالْمُصْحَفِ حَتَّى وَقَفَ بِإِزَاءِ عَسْكَرِ عَائِشَةَ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ حِينَئِذٍ عَنْ يَمِينِ الْهَوْدَجِ وَ شِمَالِهِ وَ كَانَ لَهُ صَوْتٌ فَنَادَى بِأَعْلَا صَوْتِهِ مَعَاشِرَ النَّاسِ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فَأَنِيبُوا
113
إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ الْعَمَلِ بِكِتَابِهِ قَالَ وَ كَانَتْ عَائِشَةُ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ يَسْمَعُونَ قَوْلَهُ فَأَمْسَكُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ عَسْكَرِهِمْ بَادَرُوا إِلَى الْفَتَى وَ الْمُصْحَفُ فِي يَمِينِهِ فَقَطَعُوا يَدَهُ الْيُمْنَى فَتَنَاوَلَ الْمُصْحَفَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَ نَادَاهُمْ بِأَعْلَا صَوْتِهِ مِثْلَ نِدَائِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَبَادَرُوا إِلَيْهِ وَ قَطَعُوا يَدَهُ الْيُسْرَى فَتَنَاوَلَ الْمُصْحَفَ وَ احْتَضَنَهُ وَ دِمَاؤُهُ تَجْرِي عَلَيْهِ وَ نَادَاهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَشَدُّوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَ وَقَعَ مَيِّتاً فَقَطَعُوهُ إِرْباً إِرْباً وَ لَقَدْ رَأَيْنَا شَحْمَ بَطْنِهِ أَصْفَرَ قَالَ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَاقِفٌ يَرَاهُمْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا كُنْتُ فِي شَكٍّ وَ لَا لَبْسٍ مِنْ ضَلَالَةِ الْقَوْمِ وَ بَاطِلِهِمْ وَ لَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ جَمِيعاً ذَلِكَ مِنْ بَعْدِ قَتْلِهِمُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ حَكِيمَ بْنَ جَبَلَةَ الْعَبْدِيَّ فِي رِجَالٍ صَالِحِينَ مَعَهُ وَ تَضَاعُفُ ذُنُوبِهِمْ بِهَذَا الْفَتَى وَ هُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ الْحُكْمِ بِهِ وَ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ فَثَارُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَ لَا يَرْتَابُ بِقَتْلِهِمْ مُسْلِمٌ وَ وَقَدَتِ الْحَرْبُ وَ اشْتَدَّتْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)احْمِلُوا بِأَجْمَعِكُمْ عَلَيْهِمْ بِسْمِ اللَّهُ حم لَا يُنْصَرُونَ وَ حَمَلَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَ الْحَسَنَانِ وَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَعَهُ فَغَاصَ فِي الْقَوْمِ بِنَفْسِهِ فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ حَتَّى رَأَيْنَا الْقَوْمَ كُلَّهُ شَلَايَا يَمِيناً وَ شِمَالًا صَرْعَى تَحْتَ سَنَابِكِ الْخَيْلِ وَ رَجَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُؤَيَّداً مَنْصُوراً وَ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ مَنَحَهُ أَكْتَافَهُمْ وَ أَمَرَ بِذَلِكَ الْفَتَى وَ جَمِيعِ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ فَلُفُّوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ لَمْ تُنْزَعْ عَنْهُمْ ثِيَابُهُمْ وَ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَ دَفَنَهُمْ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَ لَا يَتَّبِعُوا لَهُمْ مُدْبِراً وَ أَمَرَ بِمَا حَوَى الْعَسْكَرُ فَجُمِعَ لَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُدْخِلَ أُخْتَهُ الْبَصْرَةَ فَيُقِيمَ بِهَا أَيَّاماً ثُمَّ يُرَحِّلَهَا إِلَى مَنْزِلِهَا بِالْمَدِينَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ كُنْتُ مِمَّنْ شَهِدَ حَرْبَ أَهْلِ الْجَمَلِ فَلَمَّا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا رَأَيْتُ أُمَّ ذَلِكَ الْفَتَى وَاقِفَةً عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَبْكِي عَلَيْهِ وَ تُقَبِّلُهُ وَ أَنْشَأَتْ تَقُولُ
114
يَا رَبِّ إِنَّ مُسْلِماً أَتَاهُمْ* * * -يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ لَا يَخْشَاهُمْ-
يَأْمُرُهُمْ بِالْأَمْرِ مِنْ مَوْلَاهُمْ* * * فَخَضَبُوا مِنْ دَمِهِ قَنَاهُمْ-
وَ أُمُّهُمْ قَائِمَةٌ تَرَاهُمْ* * * -تَأْمُرُهُمْ بِالْغَيِّ لَا تَنْهَاهُمْ
(1).
توضيح قوله(ع)من حرف المدائن في بعض النسخ بالحاء المهملة أي من كسب المدائن من قولهم حرف لعياله أي كسب أو هو بمعنى الطرف و الذروة لكونه في جانب من بلاد العراق أو من أعالي البلاد و في بعضها بالجيم قال في القاموس الجرف المال من الناطق و الصامت و الخصب و الكلاء الملتف و بالكسر و قد يضم المكان الذي لا يأخذه السيل و بالضم ما تجرفته السيول و أكلته من الأرض و لا يخفى مناسبة أكثرها للمقام و يقال كبت الله العدو أي صرفه و أذله قوله(ع)أحمد إليكم الله و لعله ضمن معنى الإنهاء أي أحمد الله منهيا إليكم نعمه قال في النهاية في كتابه(ص)أما بعد فإني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع و قيل معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها انتهى و الإدحاض الإبطال و التهجير و التهجر السير في الهاجرة و هي نصف النهار عند اشتداد الحر و الشملة كساء يشتمل به.
قوله و ما كادوا أي ما كادوا يفعلون ذلك لعسره عليهم كما قال تعالى فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ و يحتمل أن يكون من الكيد أي لم يسألوا شيئا كما سأل المنافقون بعد ذلك كيدا و مكرا و بطؤ ككرم ضد أسرع كأبطأ فالبطاء جمع الباطي و يقال مللته و منه أي سئمته و أملني و أمل علي أبرمني و كربه الغم
____________
(1) إرشاد القلوب 2/ 112- 135، و قولها «و أمهم قائمة تراهم» تعنى عائشة أم المؤمنين روى ذلك الشيخ المفيد في كتابه الجمل: 181 و لفظه «فأقبل الغلام حتّى وقف بازاء الصفوف و نشر المصحف، و قال: هذا كتاب اللّه، و أمير المؤمنين يدعوكم الى ما فيه، فقالت عائشة:
«اشجروه بالرماح فقبحه اللّه» فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كل جانب» و روى القصة الطبريّ في ج 4(ص)511، و سيأتى في باب الجمل.
115
أحزنه و قال الجزري فيه ذكر العالية و العوالي في غير موضع و هي أماكن بأعلا أراضي المدينة على أربعة أميال و أبعدها من جهة نجد ثمانية.
قوله تعالى فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ أي علما حاليا متعلقا بالموجود و به يكون الثواب و العقاب.
قوله تعالى أَنْ يَسْبِقُونا أي يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم و قال الجوهري حفظته الكتاب حملته على حفظه و استحفظته سألته أن يحفظه قوله و أغذ بالمعجمتين أي أسرع قال القاموس و أغذ السير و فيه أسرع و قال جهمه استقبله بوجه كريه كتجهمه و قال هرشى كسكرى ثنية قرب الجحفة و الحبرة النعمة الحسنة و الدولة بالضم ما تتداوله الأغنياء و تدور بينهم و أبطل أتى بالباطل و تكلم به كأحال أي أتى بالمحال.
قوله يسعى بها أدناهم أي يجب على المسلمين إمضاء أمان أدناهم لآحاد المشركين قوله و كلهم يد أي هم مجتمعون على دفع أعدائهم لا يسع التخاذل بينهم بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان و الملل كأنه جعل أيديهم يدا واحدة و فعلهم فعلا واحدا.
قوله أحب أن ألقى الله أي أحب أن أخاصمه عند الله بسبب صحيفته التي كتبها و في بعض النسخ ما أحب إلي أن ألقى الله بصيغة التعجب و المسجى بالتشديد على بناء المفعول المغطى بثوب و الرعدة بالكسر و الفتح الاضطراب و في النهاية و الرأب الجمع و الشد يقال رأب الصدع إذا شعبه و رأب الشيء إذا جمعه و شده برفق و الرسل بالكسر الهنيئة و التأني يقال افعل كذا على رسلك أي اتَّئد فيه و
قال في الحديث إنه خرج في مرضه يتهادى بين رجلين.
أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه و تمايله من تهادت المرأة في مشيتها إذا تمايلت و كل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه قوله و هو مربوط أي مشدود الرأس معصوب و التمزيق التخريق و المزق أيضا مصدر و الحضن بالكسر ما دون الإبط إلى
116
الكشح أو الصدر و العضدان و ما بينهما و حضن الشيء و احتضنه جعله في حضنه قوله فشدوا أي حملوا عليه و الإرب بالكسر العضو و اللبس بالضم الشبهة.
قوله و وقدت الحرب كوعد أي التهبت نار الحرب و قال الجزري في حديث الجهاد إذ أبيتم فقولوا حم لا ينصرون قيل معناه اللهم لا ينصرون و يريد به الخبر لا الدعاء لأنه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوما فكأنه قال و الله لا ينصرون و قيل إن السور التي أولها حم سور لها شأن فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله و قوله لا ينصرون كلام مستأنف كأنه حين قال قولوا حم قيل ما ذا يكون إذا قلناها فقال لا ينصرون.
و في القاموس الشلو بالكسر العضو و الجسد من كل شيء كالشلا و كل مسلوخ أكل منه شيء و بقيت منه بقية و الجمع أشلاء و الشلية الفدرة (1) و بقية المال انتهى قوله و منحه أكتافهم لعله كناية عن تسلطه(ع)كأنه ركب أكتافهم أو عن انهزامهم و تعاقب عسكره(ع)لهم كما مر في حديث بدر و إلا فاركبوا أكتافهم أي اتبعوهم أو عن الظفر عليهم مكتوفين قولها قناهم هي جمع القناة و هي الرمح.
4- قب، المناقب لابن شهرآشوب عَنِ الْبَاقِرِ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ (2) إِذَا عَايَنُوا عِنْدَ الْمَوْتِ مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَ هُمْ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوا عَلَى مُخَالَفَةِ عَلِيٍ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ
وَ عَنْهُ(ع)فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً (3) أَعْلَمَهُمْ
____________
(1) و هي القطعة من اللحم.
(2) البقرة: 167.
(3) آل عمران: 118.
117
بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ وَ هُمْ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ (1).
5- مع، معاني الأخبار مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)عَنْ مَعْنَى قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لَمَّا نَظَرَ إِلَى الثَّانِي وَ هُوَ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَتِهِ مِنْ هَذَا الْمُسَجَّى فَقَالَ عَنَى بِهَا صَحِيفَتَهُ الَّتِي كُتِبَتْ فِي الْكَعْبَةِ (2).
____________
(1) مناقب السروى 3/ 212- 213.
(2) معاني الأخبار: 412 و قد روى سليم عن عليّ (عليه السلام) نص ذلك في مفاخرة جرت بينه و بين طلحة بن عبيد اللّه و لفظه:
فقال طلحة: فكيف نصنع بما ادعى أبو بكر و عمر و أصحابه الذين صدقوه و شهدوا على مقالته ..... أنه سمع النبيّ يقول: ان اللّه أخبرنى أن لا يجمع لنا أهل البيت النبوّة و الخلافة، فصدقه بذلك عمر و أبو عبيدة و سالم و معاذ بن جبل ..... فقال عند ذلك على- و قد غضب من مقالة طلحة- فأخرج شيئا كان يكتمه و فسر شيئا قد كان قاله يوم مات عمر، لم يدر ما عنى به، و أقبل على طلحة و الناس يسمعون فقال: يا طلحة! أما و اللّه ما صحيفة ألقى اللّه بها يوم القيامة أحبّ الى من صحيفة هؤلاء الخمسة الذين تعاهدوا و تعاقدوا على الوفاء بها في الكعبة في حجة الوداع «ان قتل اللّه محمّدا أو مات أن يتوازروا و يتظاهروا على فلا أصل الى الخلافة» راجع(ص)117- 118.
و هكذا ورد ذكر الصحيفة الملعونة في احتجاجات هشام بن الحكم على ما نقله في الفصول المختارة: 58 و فيه أن عمر واطأ أبا بكر و المغيرة و سالم مولى أبى حذيفة و أبا عبيدة على كتب صحيفة بينهم يتعاقدون فيها على أنّه إذا مات رسول اللّه(ص)لم يورثوا أحدا من أهل بيته و لم يولوهم مقامه من بعده، فكانت الصحيفة لعمر، اذ كان عماد القوم و الصحيفة التي ود أمير المؤمنين و رجا أن يلقى اللّه بها، هى هذه الصحيفة فيخاصمه بها و يحتج عليه بمتضمنها.
قال: و الدليل على ذلك ما روته العامّة عن ابى بن كعب أنّه كان يقول في المسجد: «ألا هلك أهل العقدة و اللّه ما آسى عليهم انما آسى على من يضلون من الناس فقيل له: من هؤلاء أهل العقدة؟ و ما عقدتهم؟ فقال: قوم تعاقدوا بينهم «ان مات رسول اللّه لم يورثوا أحدا من أهل بيته و لا ولوهم مقامه، أما و اللّه لئن عشت الى يوم الجمعة لا قومن فيهم مقاما أبين به للناس أمرهم، قال: فما أتت عليه الجمعة».
أقول: قد مر منا الإشارة في(ص)34 من هذا المجلد الى مقالة أبى بن كعب هذا و إليك الآن تفصيلها:
روى الفضل بن شاذان في الإيضاح(ص)373 قال: حدّثنا إسحاق عن سلمة عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن عمر العوفى [و أظنه عن جندب كما سيأتي] قال: دخلت مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإذا أنا برجل قد سجى و حوله قوم فسألته عن شيء فجبهونى فقلت يا أصحاب محمّد تضنون بالعلم قال: فكشف الرجل المسجى الثوب عن وجهة فاذا شيخ أبيض الرأس و اللحية فقال: عن أي هذه الأمة تسأل؟ فو اللّه ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ يوم قبض رسول اللّه و أيم اللّه لئن بقيت الى يوم الجمعة لا قومن مقاما أقتل فيه.
قال: و سمعته قبل ذلك و هو خارج دار الفضل و هو يقول: ألا هلك أهل العقدة أبعدهم اللّه، و اللّه ما آسى عليهم انما آسى على الذين يهلكون من أمة محمد، فلما كان يوم الاربعاء رأيت الناس يموجون فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: مات سيد المسلمين أبى بن كعب فقلت ستر اللّه على المسلمين حيث لم يقم الشيخ ذلك المقام.
و روى مثله ابن جرير الطبريّ من أصحابنا في المسترشد 28- 29.
.
118
بيان: هذا مما عد الجمهور من مناقب [رمع] زعما منهم أنه(ع)أراد بالصحيفة كتاب أعماله و بملاقاة الله بها أن يكون أعماله مثل أعماله المكتوبة
____________
و نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4(ص)454 عن أبي جعفر الاسكافى كلاما لبعض الزيدية استحسنه و فيه «و كلمة أبى بن كعب مشهورة منقولة «ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيهم».
و قوله: «ألا هلك العقدة و اللّه ما آسى عليهم انما آسى على من يضلون من الناس» و هذا النصّ في(ص)459(ص)7.
و روى الامام ابن حنبل عن قيس بن عباد قال: أتيت المدينة للقى أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و لم يكن فيهم رجل ألقاه أحبّ الى من أبى فأقيمت الصلاة و خرج عمر مع أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيرى فنحانى و قام في مكانى فما عقلت صلاتي فلما صلى قال: يا بنى لا يسوؤك اللّه فانى لم آتك الذي أتيتك بجهالة و لكن رسول اللّه قال لنا: كونوا في الصف الذي يلينى و انى نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك.
ثمّ حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها الى شيء متوجها إليه قال: فسمعته يقول:
هلك أهل العقدة و ربّ الكعبة، ألا لا عليهم آسى و لكن آسى على من يهلكون من المسلمين و إذا هو أبى.
أقول و ترى مثله في حلية الأولياء ج 1(ص)252 بطريقين عن قيس بن عباد بتلخيص يسير و في لفظ «أما و اللّه ما عليهم آسى و لكن آسى على من أضلوا» و أظن أن في السند سقطا و الراوي كان هو جندب بن عبد اللّه البجليّ الشيعى:
روى ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 2(ص)61 س 20 عن جندب بن عبد اللّه البجليّ قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم فدخلت مسجد رسول اللّه فإذا الناس فيه حلق يتحدثون فجعلت أمضى الحلق حتّى أتيت حلقة فيها رجل شاحب عليه ثوبان كانما قدم من سفر قال فسمعته يقول: «هلك أصحاب العقدة و ربّ الكعبة و لا آسى عليهم» أحسبه قال مرارا.
قال: فجلست إليه فتحدث بما قضى له ثمّ قام: قال: فسألت عنه بعد ما قام، قلت من هذا؟ قالوا: هذا سيد المسلمين أبى بن كعب قال: فتبعته حتّى أتى منزله فإذا هو رث المنزل رث الهيئة فإذا رجل زاهد منقطع يشبه أمره بعضه بعضا، فسلمت عليه فرد على السلام ثمّ سألنى ممن أنت؟ قلت من أهل العراق، قال: أكثر منى سؤالا؟! قال: لما قال ذلك غضبت، قال: فجثوت على ركبتى و رفعت يدي هكذا- وصف حيال وجهه- فاستقبلت القبلة، قال: قلت: اللّهمّ نشكوهم إليك انا ننفق نفقاتنا و ننصب ابداننا و نرحل مطايانا ابتغاء العلم فإذا لقيناهم تجهموا لنا و قالوا لنا.
قال: فبكى أبى و جعل يترضانى و يقول: ويحك لم أذهب هناك، لم أذهب هناك، قال: ثم قال: اللّهمّ إنّي اعاهدك لئن أبقيتنى الى يوم الجمعة لا تكلمن بما سمعت من رسول اللّه لا أخاف فيه لومة لائم.
[و في لفظ آخر «لاقولن قولا لا أبالى استحييتموني عليه أو قتلتموني» راجع الطبقات ج 3 ق 2(ص)61 س 11].
.
119
فيه فبين(ع)أنه(ص)أراد بالصحيفة العهد الذي كتبوا ردا على الله و على رسوله في خلافة أمير المؤمنين(ع)أن لا يمكنوه منها و بالملاقاة بها مخاصمة أصحابها عند الله تعالى فيها.
____________
قال: لما قال ذلك انصرفت عنه و جعلت أنتظر الجمعة فلما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجتى فإذا السكك غاصة من الناس لا أجد سكة الا يلقانى فيها الناس، قال: قلت ما شأن الناس؟ قالوا. انا نحسبك غريبا، قال: قلت: أجل، قالوا: مات سيد المسلمين ابى بن كعب، قال جندب فلقيت أبا موسى بالعراق فحدثته حديث أبى قال: وا لهفاه لو بقى حتى تبلغنا مقالته.
قلت: و روى مثله في مستدرك الصحيحين ج 2(ص)226- 227 و قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه و أخرجه في ج 3(ص)304 بلفظ آخر ملخصا.
و روى النسائى في كتاب الإمامة تحت الرقم 23 (ج 2(ص)88) و أخرجه في مشكاة المصابيح(ص)99 بإسناده عن قيس بن عباد و لفظه «ثم استقبل القبلة فقال: هلك أهل العقد [ة] و ربّ الكعبة- ثلاثا- ثم قال: و اللّه ما عليهم آسى و لكن آسى على من أضلوا».
قلت: يا أبا يعقوب ما يعنى بأهل العقد؟ قال: الامراء.
قلت: فكما ترى الظاهر من ألفاظ الحديث أنّه أراد بالعقد أو العقدة في كلامه، و خصوصا في هذا الموقف الصعب، عقد التحالف و التعاهد على أمر كان فيه ضلال امة محمّد و هلاكهم، و ليس يرى ذلك الا عقدهم بالصحيفة التي رويت في آثار أهل البيت من طرق الشيعة.
و اما تفسير أبى يعقوب- و هو يوسف بن يعقوب السلعى البصرى الراوي عن سليمان التيمى عن أبي مجلز عن قيس- بان المراد من أهل العقد الامراء، فليس بشيء لان الامراء لم يضلوا أمة محمّد و لا أهلكوهم و انما ظلموهم في فيئهم و تشريدهم و منع حقوقهم و لان أبيا لم يكن يخاف من الامراء و هو في المدينة لا أمير عليه الا الخليفة عمر أو عثمان على ما ستقف عليه من الاختلاف في ذلك.
على أن النكير و النقمة على الامراء ممّا قد كان شاع قبل ذلك في ألسنة الصحابة و في رأسهم الفاروق حيث كان يشاطر أموالهم تارة و يصادر أموالهم اخرى، و خصوصا اذا كانت مقالته هذه في زمن عثمان حيث كان جل المهاجرين و الأنصار ينقمون على أمرائه بل و على نفسه، فلا معنى لقوله «لاقولن مقالا اقتل فيه» و امثال ذلك، الا أن يكون أراد في كلامه المعنى المعروف بين العرب من كلمة العقد، و هو التعاقد و الحلف على اجتماعهم في أمر من الأمور.
و اما تفسير ابن الأثير في نهايته حيث قال: (و منه حيث أبى «هلك أهل العقد و رب الكعبة» يعنى بيعة الولاة (فلا يكشف هذه السوءة، و ذلك لان الولاة لا بيعة لهم، و انما البيعة للخلفاء، و لم يكن سبق في زمن أبى الا بيعة أبى بكر و عمر، و على قول بيعة عثمان، اما بيعة عثمان فقد كان على شريطة شرطها الفاروق، و أمّا بيعة عمر فقد كان بأمر من أبى بكر استخلفه، و أمّا بيعة أبى بكر فقد قال عمر نفسه: انها كانت فلتة وقى اللّه شرها و من عاد الى مثلها فاقتلوه، و معلوم أن حكم الامثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.
فعلى هذا كلام ابن الأثير حيث أورد لفظ البيعة اعتراف منه ضمنا بأن العقد في كلام أبى لم يكن عقد اللواء للامراء كما قيل، بل كان مراده عقد البيعة، و هو مساوق لما قالت الشيعة من أن مراده بالعقد: العهد الذي كان بين جماعة أن لا يورثوا أهل بيت محمّد (ص) كما وفوا بعهدهم هذا و الا لما ضر أبا بكر و لا عمر أن يكون فدك في يد فاطمة و بنيها أولا.
و في الختام نفثة مصدورة و هي أنّه كيف عاهد أبى ان يقوم يوم الجمعة مقامه الذي كان يريده، و مات يوم الخميس؟ أراه خنقه الجن! فما ترى انت ايها القارى؟.
122
و
- قال في الصراط المستقيم و يعضده (1) ما أسنده سليم إلى معاذ بن جبل أنه عند وفاته دعا على نفسه بالويل و الثبور فقيل له لم ذاك قال لموالاتي عتيقا و [رمع] على أن أزوي خلافة رسول الله(ص)عن علي(ع)و روي مثل ذلك عن ابن عمر أن أباه قاله عند وفاته و كذا [عتيق] و قال هذا رسول الله(ص)و معه علي بيده الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة و هو يقول و قد وفيت بها و تظاهرت على ولي الله أنت و أصحابك فأبشر بالنار في أسفل السافلين ثم لعن ابن صُهاك و قال هو الذي صدني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي
- قال العباس بن الحارث لما تعاقدوا عليها نزلت إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ (2) و قد ذكرها أبو إسحاق في كتابه و ابن حنبل في مسنده و الحافظ في حليته و الزمخشري في فائقه و نزل وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً (3) الآيتان.
- و عن الصادق(ع)نزلت أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (4) الآيتان و لقد وبخهما النبي(ص)لما نزلت فأنكرا فنزلت يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ الآية.
- و رووا أن [رمع] أودعها أبا عبيدة فقال له النبي(ص)أصبحت أمين هذه الأمة
____________
(1) قال: على أن عمل إنسان لا يصحّ أن يكون لاخر، فلا بد لهم من اضمار «مثلها» و حينئذ لنا أن نضمر «خلافها» بل هو المعهود من تظلماته من عمر، و يعضده إلخ.
(2) القتال: 25.
(3) النمل: 50.
(4) سيأتي سنده.
123
و روته العامة أيضا.
- و قال [رمع] عند موته ليتني خرجت من الدنيا كفافا لا علي و لا لي (1) فقال ابنه تقول هذا فقال دعني نحن أعلم بما صنعنا أنا و صاحبي و أبو عبيدة و معاذ.
و كان أُبَيٌّ يصيح في المسجد ألا هلك أهل العقدة فيسأل عنهم فيقول ما ذكرناه ثم قال لئن عشت إلى الجمعة لأبينن للناس أمرهم فمات قبلها (2)
. 6- كا، الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَيْثُ كَتَبُوا الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَ تَعَاهَدُوا وَ تَوَافَقُوا لَئِنْ مَضَى مُحَمَّدٌ(ص)لَا تَكُونُ الْخِلَافَةُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَ لَا النُّبُوَّةُ أَبَداً فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ قُلْتُ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (4) قَالَ وَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَزَلَتَا فِيهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّهُ كَانَ يَوْمٌ يُشْبِهُ يَوْمَ كُتِبَ الْكِتَابُ إِلَّا يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ(ع)وَ هَكَذَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي أَعْلَمَهُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَنْ إِذَا كُتِبَ الْكِتَابُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ خَرَجَ الْمُلْكُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ
____________
(1) صحيح البخاريّ ج 9(ص)100.
(2) الصراط المستقيم ج 3(ص)151- 152 بتلخيص و قد مر مقال أبى بن كعب ذلك فيما سبق(ص)34 و 118.
(3) المجادلة: 7.
(4) الزخرف: 79- 80.
124
فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ الْحَدِيثَ (1).
7- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا ذَرٍّ مَرِضَ مَرَضاً عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي إِمَارَتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ يَعُودُهُ وَ عِنْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ قَدْ أَوْصَى أَبُو ذَرٍّ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ كَتَبَ وَ أَشْهَدَ فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ بَنِي عَمِّهِ بَنِي غِفَارٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُوصِيَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ قَالَ قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ نَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ وَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْعَجَمِ فَسَلَّمْنَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِينَا هَذَا الْقَائِمُ الَّذِي سَمَّيْتَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ وَ لَا مِنَ الْمَوَالِي الْعَجَمِ رَاجَعَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِلَّا هَذَا وَ صُوَيْحَبُهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فَإِنَّهُمَا قَالا أَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ قَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ أَمَرَنِيَ اللَّهُ بِذَلِكَ فَآمُرُكُمْ بِهِ قَالَ سُلَيْمٌ فَقُلْتُ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ أَنْتَ يَا سَلْمَانُ وَ أَنْتَ يَا مِقْدَادُ تَقُولُونَ كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَالُوا نَعَمْ صَدَقَ قُلْتُ أَرْبَعَةُ عُدُولٍ وَ لَوْ لَمْ يُحَدِّثْنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مَا شَكَكْتُ فِي صِدْقِهِ وَ لَكِنَّ أَرْبَعَتَكُمْ أَشَدُّ لِنَفْسِي وَ بَصِيرَتِي قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَ تُسَمُّونَ الثَّمَانِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَ الْمَوَالِي فَسَمَّاهُمْ سَلْمَانُ رَجُلًا رَجُلًا فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ صَدَقَ سَلْمَانُ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ مَغْفِرَتُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مِمَّنْ سَمَّى أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ الْخَمْسَةُ مِنَ الشُّورَي وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَ الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَ الْبَاقِي مِنْ صَحَابَةِ الْعَقَبَةِ وَ فِي رِوَايَةٍ وَ النُّقَبَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ جُلُّهُمْ وَ عُظْمُهُمْ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ عُظْمُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو أَيُّوبَ وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ سُلَيْمٌ فَأَظُنُّنِي قَدْ لَقِيتُ عِلْيَتَهُمْ فَسَأَلْتُهُمْ وَ خَلَوْتُ بِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا فَمِنْهُمْ مَنْ سَكَتَ عَنِّي فَلَمْ يُجِبْنِي
____________
(1) الكافي ج 8(ص)179.
125
بِشَيْءٍ وَ كَتَمَنِي وَ مِنْهُمْ مَنْ حَدَّثَنِي ثُمَّ قَالَ أَصَابَتْنَا فِتْنَةٌ أَخَذَتْ بِقُلُوبِنَا وَ أَسْمَاعِنَا وَ أَبْصَارِنَا وَ ذَلِكَ لَمَّا ادَّعَى أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَكْرَمَنَا اللَّهُ وَ اخْتَارَ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ إِنَّ اللَّهَ أَبَى أَنْ يَجْمَعَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ (1) فَاحْتَجَّ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍّ(ع)حِينَ جِيءَ بِهِ لِلْبَيْعَةِ
____________
(1) هذه مزعمة من يقدر الخلافة رئاسة دنيوية و سلطة تجبرية، و لما كان رسول اللّه(ص)قال: «انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا» تقدر من ذلك أن الخلافة تقابل الصبر و أنّها لا تصل الى أهل بيته بأمر من اللّه و لكن اللّه يقول عزّ من قائل «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» بل لعمرى هذه مزعمة من لم يعرف حقيقة النبوّة، و لا الخلافة عنها، فان النبوّة الإسلامية هي الجامعة لأمور الدنيا و الدين، و قد كان الرسول الأعظم على كمال زهده و اعراضه عن الدنيا رئيسا للمسلمين يأمرهم و ينهاهم بأمر اللّه لا تعظما و تجبرا عليهم، و هكذا الخلافة الإسلامية، فان الخليفة هو الذي يقوم مقامه النبيّ في أمره و نهيه يتبع بذلك حكم اللّه و سنة نبيه ليس يريد بذلك حرث الدنيا و التجبر فيها.
فالخلافة لا تفترق بشئونها عن النبوّة الا بالوحى فان النبيّ يلتقط الوحى من اللّه، و الخليفة يلتقط ذلك عن النبيّ و يصدر عن أمره و نهيه، و أمّا من حيث الرئاسة الدينية الإلهيّة فهما سيان لا يراد بهما الا إحقاق الحقّ و اقامة العدل، لا الدنيا و زخرفها.
فهذا عليّ بن أبي طالب حامل لواء الخلافة يقول في كلام له يتشكى أصحابه من سوء تربيتهم و نفورهم عن الحق و انسهم بالباطل في الفترة بين قيامة بالحق و رحلة النبيّ الأعظم ص:
«أيتها النفوس المختلفة و القلوب المتشتتة، الشاهدة أبدانهم و الغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى عن وعوعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل أو اقيم اعوجاج الحق، اللّهمّ انك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان و لا التماس شيء من فضول الحطام و لكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطلة من حدودك (النهج خ 129) الى غير ذلك من كلماته المعتضدة بسيرته الكريمة الانسانية.
و أمّا أبو بكر فهو الذي يقول حين ولى الأمة: ايها الناس قد وليتكم و لست بخيركم فاذا رأيتموني قد استقمت فاتبعونى و إذا رأيتموني قد ملت فقومونى، ألا و ان لي شيطانا يعترينى فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبونى لا أوثر في اشعاركم و أبشاركم (الإمامة و السياسة:
19، الطبريّ 3/ 224 البداية و النهاية 6/ 203 تاريخ الخلفاء: 27.) فالرجل كان يقدر الخلافة رئاسة دنياوية تراه يتكلم بما يتكلم أحد الرؤساء الجمهورية و يراوغ كروغانهم: تارة يصانعهم و يقول: «قد وليتكم و لست بخيركم» و تارة يهددهم و يقول «فاذا رأيتموني مغضبا فتجنبونى لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم» و مع هذا الغضب الذي يخرجه عن الحق (و المؤمن هو الذي لا يخرجه غضبه عن الحق) كيف ينتفع الناس بشريطته التي يأمر الناس بها: «فاذا رأيتموني» الخ، و هل تمكن أحد أن يقومه حين مال عن الحق في كثير من سيره؟ لا و اللّه ما انتفع المسلمون بشريطته تلك، حتى شقيقه عمر حيث نقم عليه ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة و عشيرته ثمّ عرسه بزوجته قبل استبرائها من دون ريث، و طلب منه أن يقتله قودا فأبى و قال: لا أشيم سيفا سله اللّه، الى غير ذلك من سيره التي تأتي في أبوابها.
126
وَ صَدَّقَهُ وَ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ كَانُوا عِنْدَنَا خِيَاراً غَيْرَ مُتَّهَمِينَ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ عُمَرُ وَ مُعَاذٌ وَ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ قَدْ صَدَقُوا فَلَمَّا بَايَعَ عَلِيٌّ(ع)خَبَّرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ مَا قَالَهُ وَ أَخْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ كَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَاباً تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ وَ تَعَاقَدُوا فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ إِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ أَنْ يَتَظَاهَرُوا عَلَيَّ فَيَزْوُوا هَذَا الْأَمْرَ وَ اسْتَشْهَدَ أَرْبَعَةً سَلْمَانَ وَ أَبَا ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادَ وَ الزُّبَيْرَ وَ شَهِدُوا لَهُ بَعْدَ مَا وَجَبَتْ فِي أَعْنَاقِنَا لِأَبِي بَكْرٍ بَيْعَتُهُ الْمَلْعُونَةُ الضَّالَّةُ فَعَلِمْنَا أَنَّ عَلِيّاً(ع)لَمْ يَكُنْ لِيَرْوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بَاطِلًا وَ شَهِدَ لَهُ الْأَخْيَارُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ فَقَالَ جُلُّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِنَّا تَدَبَّرْنَا الْأَمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرْنَا قَوْلَ نَبِيِّ اللَّهِ(ع)وَ نَحْنُ نَسْمَعُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَرْبَعَةً مِنْ
127
أَصْحَابِي وَ أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ وَ إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَيْهِمْ فَقُلْنَا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ أَلَا إِنَّ عَلِيّاً مِنْهُمْ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ عَلِيّاً مِنْهُمْ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا إِنَّ عَلِيّاً مِنْهُمْ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ (1) وَ إِنَّا نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَ نَتُوبُ إِلَيْهِ مِمَّا رَكِبْنَاهُ وَ مِمَّا أَتَيْنَاهُ قَدْ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ قَوْلًا لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ وَ مَعْنَاهُ إِلَّا خَيْراً قَالَ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَ مِنْ أَهْلِ الْمَكَانَةِ مِنِّي وَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدِي حَتَّى إِذَا وَقَفُوا عَلَى مَرَاتِبِهِمُ اخْتُلِسُوا دُونِي وَ فِي رِوَايَةٍ اخْتُلِجُوا دُونِي وَ أُخِذَ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ (2) وَ لَعَمْرُنَا لَوْ أَنَّا حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سَلَّمْنَا الْأَمْرَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَأَطَعْنَاهُ وَ تَابَعْنَاهُ وَ بَايَعْنَاهُ لَرَشَدْنَا وَ اهْتَدَيْنَا وَ وُفِّقْنَا وَ لَكِنَّ اللَّهَ قَضَى الِاخْتِلَافَ وَ الْفُرْقَةَ وَ الْبَلَاءَ (3) فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا عَلِمَ اللَّهُ وَ قَضَى وَ قَدَّرَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ فَشَهِدْتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ حِينَ سَيَّرَهُ عُثْمَانُ وَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ(ع)فِي أَهْلِهِ وَ مَالِهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ لَوْ كُنْتَ أَوْصَيْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ فَقَالَ قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ(ص)لَنَا سَلِّمُوا عَلَى أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي بِإِمْرَةِ
____________
(1) راجع شرح ذلك و تواتر الحديث به ج 22(ص)354- 315 من بحار الأنوار إحقاق الحقّ ج 6(ص)189- 208.
(2) راجع في ذلك(ص)26 ممّا سبق.
(3) يريد القضاء الذي نزل في قوله عزّ و جلّ: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» الآية.
128
الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ زِرُّ الْأَرْضِ الَّذِي تَسْكُنُ إِلَيْهِ وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُوهُ أَنْكَرْتُمُ الْأَرْضَ وَ أَهْلَهَا فَرَأَيْتُ عِجْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ سَامِرِيَهَا رَاجَعَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَقَالا حَقٌّ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ثُمَّ قَالَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ أَمَرَنِي بِذَلِكَ فَلَمَّا سَلَّمَا عَلَيْهِ أَقْبَلَا عَلَى أَصْحَابِهِمَا سَالِمٍ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ خَرَجَا مِنْ بَيْتِ عَلِيٍّ(ع)مِنْ بَعْدِ مَا سَلَّمَا عَلَيْهِ فَقَالا لَهُمْ مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ مَا زَالَ رَفَعَ خَسِيسَةَ ابْنِ عَمِّهِ وَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّهُ أَمَّرَ ابْنَ عَمِّهِ وَ قَالَ الْجَمِيعُ مَا لَنَا عِنْدَهُ خَيْرٌ مَا بَقِيَ عَلِيٌّ قَالَ فَقُلْتُ يَا أَبَا ذَرٍّ هَذَا التَّسْلِيمُ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ قَبْلَهَا قَالَ أَمَّا التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ أَمَّا التَّسْلِيمَةُ الْأُخْرَى فَبَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قُلْتُ فَمُعَاقَدَةُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ مَتَى كَانَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي أَصْلَحَكَ اللَّهُ عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الْمُتَلَثِّمِينَ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)النَّاقَةَ مَتَى كَانَ ذَلِكَ قَالَ بِغَدِيرِ خُمٍّ مَقْفَلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ تَعْرِفُهُمْ قَالَ إِي وَ اللَّهِ كُلَّهُمْ قُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُهُمْ وَ قَدْ أَسَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى حُذَيْفَةَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ كَانَ قَائِداً وَ حُذَيْفَةُ سَائِقاً فَأَمَرَ حُذَيْفَةَ بِالْكِتْمَانِ (1) وَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ عَمَّاراً قُلْتُ تُسَمِّيهِمْ لِي قَالَ خَمْسَةٌ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ وَ الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الشُّورَى وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَ مُعَاوِيَةُ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ كَيْفَ تَرَدَّدَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ فِي أَمْرِهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حِينَ رَأَيَاهُمْ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَكَيْفَ نَزَلَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ فِي أَمْرِهِمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَ النَّدَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ
____________
(1) أمره(ص)هذا كان ارشاديا لا مولويا و انما أراد أن يستر عليهم ذلك، ليتم بلاء المسلمين و يجرى قضاء اللّه بافتتان أمنه «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» و لذلك نرى حذيفة اكتتم ذلك طول حياته(ص)و دورا آخر بعد وفاته و لكنه في أواخر عمره حين تم الافتتان كان يعرض أحيانا و يصرح اخرى بأسماء بعضهم كأبى موسى الأشعريّ كما عرفت من صحاحهم.
129
وَ ادَّعَى عِجْلُهُمْ مَنْزِلَةً وَ شَهِدَ لَهُ سَامِرِيهِمْ وَ الثَّلَاثَةُ مَعَهُ بِأَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ ذَلِكَ فَقَالُوا لِعَلِيٍّ(ع)هَذَا أَمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْأَوَّلِ فَشَكَّ مَنْ شَكَّ مِنْهُمْ إِلَّا أَنَّهُمَا تَابَا وَ عَرَفَا وَ سَلَّمَا قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ فَلَقِيتُ عَمَّاراً فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُو ذَرٍّ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ صَدَقَ أَخِي إِنَّهُ لَأَبَرُّ وَ أَصْدَقُ مِنْ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ عَمَّارٍ بِمَا لَا يَسْمَعُ مِنْهُ فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ وَ بِمَا تُصَدِّقُ أَبَا ذَرٍّ قَالَ أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ وَ لَا أَبَرَّ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَ لَا أَهْلِ بَيْتِكَ قَالَ إِنَّمَا أَعْنِي غَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ ثُمَّ لَقِيتُ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ رَحَلْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْكُوفَةِ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَبُو ذَرٍّ أَصْدَقُ وَ أَبَرُّ مِنْ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِغَيْرِ مَا قَالَ (1).
بيان: قال في النهاية
- في حديث أبي ذر قال يصف عليا(ع)و إنه لعالم الأرض و زرها الذي تسكن إليه.
أي قوامها و أصله من زر القلب و هو عظم صغير يكون قوام القلب به و أخرج الهروي هذا الحديث عن سلمان و قال يقال رفعت خسيسته و من خسيسته إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته.
____________
(1) كتاب سليم: 164- 169، و الغرض من نقل الحديث بطوله ذكر الصحيفة الملعونة و في المصدر نفسه كتاب سليم موارد أخر يذكر أمر هذه الصحيفة منها في(ص)119 يحدث عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال حين تذكر لعبد اللّه بن عمر ما جرى بينه و بين أبيه: «فانه قال لك حين قلت له «فما يمنعك أن تستخلفه؟ قال الصحيفة التي كتبناها بيننا، و العهد في الكعبة في حجة الوداع، فسكت ابن عمر، و قال: أسألك بحق رسول اللّه لما أمسكت عنى».
130
تبيين و تتميم (1)
اعلم أنه لما كان أمر الصلاة عمدة ما يصول به المخالفون في خلافة أبي بكر و ظهر من تلك الأخبار أنه حجة عليهم لا لهم أردت أن أوضح ذلك بنقل أخبارهم و الإشارة إلى بطلان حججهم.
فمن جملة الأخبار التي رووه في هذا ما أسندوه في صحاحهم إلى عائشة.
____________
(1) أقول: ستمر عليك في المقام أحاديث مستخرجة من أصول القوم و صحاحهم تصرح بأن رسول اللّه(ص)أمر أبا بكر أن يصلى بالناس في مسجده، و ان اختلفت من حيث الوقت و المقام و عدد الايام، و لكن بعد التأمل في مضامينها و عرضها على التاريخ الصحيح المتسالم بين الفريقين، يظهر أنّها غير صالحة للاحتجاج على ما ستقف عليه.
فأول ما يحب التنبه له، أن رسول اللّه(ص)قد كان سير أبا بكر و هكذا عمر و جميع المهاجرين الاولين و وجوه الأنصار في جيش أسامة (و هو ابن سبع عشرة سنة) قبل شكواه بيومين و أمرهم بالخروج الى أرض أبنى ليغير عليهم و يوطئهم الخيل و إذا كان(ص)قد أمره بالخروج عن المدينة في عسكر أسامة، فكيف يصحّ أن يأمره ثانيا بالصلاة بالمسلمين؟
بل و كيف تقبل صلاته في مسجد الرسول- أو صلاة عمر بن الخطّاب على ما في بعض الروايات- و قد كانوا متخلفين عن أمر رسول اللّه في دخولهم الى المدينة و خصوصا بعد ما أصر رسول اللّه بتنفيذ جيشه و لعن المتخلف عنها:
ففى طبقات ابن سعد (ج 2 ق 1(ص)136) قالوا: لما كان يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر سنة 11 من مهاجر رسول اللّه أمر رسول اللّه الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال: سر الى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبنى و حرق عليهم و أسرع السير تسبق الاخبار ... فلما كان يوم الاربعاء، بدئ برسول اللّه فحم و صدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده ثمّ قال: اغز بسم اللّه في سبيل اللّه فقاتل من كفر باللّه، فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بريدة بن الحصيب الاسلمى و عسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الاولين و الأنصار الا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصديق و عمر بن الخطّاب و أبو عبيدة بن الجراح و سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد و قتادة بن النعمان و سلمة بن أسلم فتكلم قوم و قالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين فغضب رسول اللّه غضبا شديدا فخرج و قد عصب على رأسه عصابة و عليه قطيفة فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أما بعد ايها الناس! فما مقالة بلغتنى عن بعضكم في تأميرى أسامة، و لئن طعنتم في امارتى أسامة لقد طعنتم في امارتى أباه من قبله و أيم اللّه ان كان للامارة لخليقا و ان ابنه من بعده لخليق للامارة ....
ثمّ نزل فدخل بيته و ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأوّل و جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول اللّه و يمضون الى العسكر بالجرف، و ثقل رسول اللّه فجعل يقول: أنفذوا جيش أسامة (و زاد في رواية أخرجها ج 2 ق 2(ص)41: ثلاث مرّات) فلما كان يوم الاحد اشتد برسول اللّه وجعه فدخل أسامة من معسكره و النبيّ مغمور ...
فطأطأ أسامة فقبله و رسول اللّه لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثمّ يضعها على أسامة (بل يصبها على أسامة كما في رواية اخرى سيجيء نصها) قال: فعرفت أنّه يدعو لي (و أقول:
.
131
____________
بل قد كان يأمره بالرحيل و تنفيذ الجيش اللّهم الا أن يزعم أحد أن النبيّ(ص)كان يشير الى اللّه ليفتهم عنه و يجيب دعاءه، نعوذ باللّه من الكفر) و رجع أسامة الى معسكره ثمّ دخل يوم الاثنين و أصبح رسول اللّه مفيقا فقال له: اغد على بركة اللّه، فودعه أسامة و خرج الى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينا هو يريد الركوب، اذا رسول أمه أم أيمن (و في رواية أخرى ج 4 ق 1(ص)47 فاطمة بنت قيس امرأته) قد جاءه يقول: ان رسول اللّه يموت ....
و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ على ما في شرح النهج ج 2(ص)20 ان رسول اللّه في مرض موته امر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين و الأنصار منهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح و عبد الرحمن بن عوف و طلحة و الزبير و امره ان يغير على مؤتة حيث قتل ابوه زيد- إلى أن قال- فلما افاق رسول اللّه سأل عن اسامة و البعث فأخبر انهم يتجهزون فجعل يقول: «انفذوا بعث أسامة لعن اللّه من تخلف عنه» و كرر ذلك فخرج أسامة و اللواء على راسه و الصحابة بين يديه حتّى إذا كان بالجرف نزل و معه أبو بكر و عمر و أكثر المهاجرين ... قال: فما كان أبو بكر و عمر يخاطبان أسامة الى ان ماتا الا بالامير.
و في شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1(ص)53 (شرح الخطبة الشقشقية) مثل ذلك مستوعبا و فيه «فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين و الأنصار الا كان في ذلك الجيش منهم أبو بكر و عمر» و فيه «فدخل أسامة من معسكره و النبيّ مغمور .... فتطأطأ أسامة عليه فقبله و رسول اللّه قد أسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثمّ يضعهما على أسامة كالداعى له ثمّ أشار إليه بالرجوع الى عسكره و التوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة الى عسكره ....
الى أن قال:
فدخل أسامة من معسكره يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل فوجد رسول اللّه مفيقا فأمره بالخروج و تعجيل النفوذ و قال: اغد على بركة اللّه و جعل يقول أنفذوا بعث أسامة و يكرر ذلك، فودع رسول اللّه و خرج معه أبو بكر و عمر فلما ركب جاءه رسول أم أيمن فقال: ان رسول اللّه يموت فأقبل و معه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة فانتهوا الى رسول اللّه حين زالت الشمس من هذا اليوم و هو يوم الاثنين و قد مات، الخبر، و سيجيء شطر آخر من كلامه نقلا عن شيخه اللمعاني في(ص)و في كنز العمّال ج 5(ص)312 و منتخبه ج 4(ص)180 نقلا عن مسند ابن أبي شيبة بإسناده عن عروة أن النبيّ كان قد قطع بعثا قبل موته و أمر عليهم أسامة بن زيد، و في ذلك البعث أبو بكر و عمر فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك الحديث بطوله.
.
132
____________
و في(ص)181 من المنتخب نفسه عن الواقدى بإسناده عن عروة مثل ذلك و فيه:
«فعسكر أسامة بالجرف و ضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم و جعل الناس يأخذون بالخروج فيخرج من فرغ من حاجته الى معسكره و من لم يقض حاجته فهو على فراغ و لم يبق أحد من المهاجرين الاولين الا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطّاب و أبو عبيدة و ... و ...» الحديث بطوله فتراه قد أسقط أبا بكر من المنتدبين بعد ما كان مذكورا في حديث عروة على ما عرفت من مسند ابن أبي شيبة، و كأنّه سها حيث ذكر في ذيل الحديث أنّه لما كان يوم الاثنين يوم الوفاة «غدا أسامة من معسكره و أصبح رسول اللّه مفيقا فجاءه أسامة فقال اغد على بركة اللّه فودعه أسامة و رسول اللّه مفيق مريح و جعل نساؤه يتماشطن سرورا براحته، و دخل أبو بكر الصديق فقال: يا رسول اللّه أصبحت مفيقا بحمد اللّه و اليوم يوم ابنة خارجة فائذن لي فأذن له فذهب الى السنح و ركب أسامة الى معسكره و صاح في أصحابه باللحوق الى العسكر فانتهى الى معسكره و نزل و أمر الناس بالرحيل ....» فلو لا أنّه كان في المنتدبين من جيش أسامة لما كان لاستيذانه معنى أبدا. و حديث استيذانه هذا قد رواه ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)17 و سيجيء لفظه عن قريب إنشاء اللّه و هكذا رواه ابن هشام في السيرة ج 2(ص)654.
و هكذا في الطبقات (ج 4 ق 1(ص)46) بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أمر رسول اللّه أسامة بن زيد و أمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر ..... فخرج معه سروات الناس و خيارهم و معه عمر» الحديث و لم يذكر أبا بكر.
ثمّ ذكر أن يزيد بن هارون روى في حديثه هذا عن هشام نفسه عن أبيه بنحو هذا الحديث و زاد في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح، قال: و كتبت اليه فاطمة بنت قيس ان رسول اللّه قد ثقل و انى لا أدرى ما يحدث فان رأيت أن تقيم فأقم، فدوم أسامة بالجرف حتّى مات رسول اللّه(ص)
و هكذا ذكر ابن عساكر على ما في منتخب كنز العمّال ج 4(ص)184 و هكذا الطبريّ في تاريخه ج 3(ص)226 بالاسناد عن الحسن بن أبي الحسن البصرى قال: ضرب رسول اللّه بعثا قبل وفاته على أهل المدينة و من حولهم و فيهم عمر بن الخطّاب، و أسقطوا ذكر أبى بكر و غيره من المنتدبين المسلمين بأعيانهم.
و هكذا ذكر ابن هشام في السيرة ج 2(ص)642 و الطبريّ في تاريخه ج 3(ص)184 بعث أسامة هذا و لم يسم أحدا من المنتدبين لكنه قال: «و أوعب مع أسامة المهاجرون الاولون» و معلوم أن أبا بكر و عمر عندهم من المهاجرين الاولين.
و ذكر ابن سعد في الطبقات أيضا (ج 4 ق 1(ص)46 و ج 2 ق 2(ص)41) عن ابن عمر أن النبيّ بعث سرية فيهم أبو بكر و عمر و استعمل عليهم أسامة بن زيد، فكانوا الناس طعنوا فيه أي في صفره الحديث.
.
133
____________
و في الطبقات (ج 2 ق 2(ص)41) عن ابن أسامة، عن أبيه قال: بلغ النبيّ قول الناس:
استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين و الأنصار فخرج رسول اللّه حتّى جلس على المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ..... قال:
فخرج جيش أسامة حتّى عسكروا بالجرف و تتام الناس إليه فخرجوا و ثقل رسول اللّه(ص)فأقام أسامة و الناس ينتظرون ما اللّه قاض في رسول اللّه، قال أسامة: فلما ثقل هبطت من معسكرى و هبط الناس معى و قد أغمى على رسول اللّه فلا يتكلم فجعل يرفع يده الى السماء ثمّ يصبها على فأعرف أنّه يدعو لي.
قلت: ترى ذيل الحديث من قوله «لما ثقل» فى الترمذي ج 5(ص)341 تحت الرقم 3906 مسند الامام ابن حنبل ج 5(ص)201 باسنادهما عن ابن أسامة نفسه، و لا يريب ذو لب في سقوط صدر الحديث، كما أن سائر أصحاب الصحاح قد أخرجوا في كتبهم حديث الطعن على أسامة من حديث ابن عمر و كلام النبيّ الأعظم في ردهم «ان تطعنوا في امرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه» و أسقطوا سائر الفقرات صونا على مذهبهم، راجع صحيح البخارى كتاب الايمان الباب 2، فضائل الصحابة ب 17، المغازى: 42 و 87 صحيح مسلم فضائل الصحابة 63 و 64 (ج 7(ص)131) صحيح الترمذي كتاب المناقب الباب 39 (ج 5(ص)341 مسند ابن حنبل ج 2(ص)20.
و على اي فقد أجمع أصحاب السير و الاخبار على أن أبا بكر و عمر و جميع المهاجرين الاولين و وجوه الأنصار كانوا في جيش أسامة مأمورين بانفاذ الجيش و الخروج الى معسكرهم و فيما ذكرناه بلاغ و كفاية، و سيأتي بسط ذلك في أبواب المطاعن عن ساير المصادر مستوعبا، و إذا كان الامر كذلك فلا يريب منصف في أن رسول اللّه(ص)لم يكن ليأمر أبا بكر بالصلاة و لا عمر و لا غيره من هؤلاء المهاجرين و الأنصار، بعد ما أمرهم بالخروج عن المدينة و لا كان أبو بكر و عمر و غيرهما من أهل الصحيفة المعهودة أن يجبهوا رسول اللّه بالمخالفة العلنية فيحضروا عنده أو يشخصوا إليه بأبصارهم و يرفعوا إليه رءوسهم، اللّهمّ الا متسللين لواذا يتجسسون الاخبار من وراء الحجاب فكيف بما روى أن أبا بكر كان يصلّي بهم أيّام شكوى رسول اللّه ثلاثة أيّام أو أكثر.
فالظاهر من الحال بضميمة سائر ما روى في الباب أنّه قد كان دخل أبو بكر الى المدينة و قد ثقل رسول اللّه، فأمر الناس أن يصلى بهم أحدهم، فأخبرت عائشة من كان على الباب خلف الحجاب- و هو بلال على ما ستقف عليه- أنه(ص)يأمر أبا بكر بالصلاة بهم، فتقدم أبو بكر من دون ريث و صلى بهم ركعة فنذر بذلك رسول اللّه فخرج على ما به يتهادى بين على و الفضل بن عبّاس و رجلاه تخطان على الأرض من شدة الوجع حتّى عزله عن ذلك غضبا عليه من مخالفة أمره حيث لم ينفذ جيش أسامة و دخل المدينة بغير اذنه و سيتلو عليك تمام الكلام في كل فرد فرد من الأحاديث التي سردها المؤلّف العلامة في المتن إنشاء اللّه تعالى.
135
1- رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ فِي مَرَضِهِ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ
136
يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْراً (1).
2- وَ رَوَى فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضاً عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ وَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ (2).
____________
(1) جامع الأصول ج 9(ص)436 الترمذي 5/ 275 و أهون ما فيه- مضافا الى ما مر أن البكاء لو كان بانسجام الدموع و انهماله فليس به بأس لكنه لا يمنع من الاسماع اللازم في امام الجماعة و ان كان بالنشيج و الانتحاب بصوت فهو ماح لصورة الصلاة، و العجب مع ذلك أنّها تقول ان النبيّ(ص)كان يعرج على إمامته و لم ير ببكائه كذلك بأسا و شيء آخر، و هو أن الظاهر من حديث الاسماع و عدمه لاجل البكاء أن الصلاة كانت من الصلوات التي يجهر بها، كما في بعض الروايات عن عائشة أنّها كانت صلاة العشاء الآخرة لكن سيجيء تحت الرقم 14 و 15 أنّها كانت صلاة الظهر حيث يقول انس في حديثه «فنظر رسول اللّه الينا و هو قائم في باب الحجرة كأنّ وجهه ورقة مصحف» الى آخر ما سيأتي إنشاء اللّه.
و أمّا قوله «انكن لانتن صواحب يوسف» فسيجيء البحث عنه في المتن و الذيل.
(2) جامع الأصول ج 9/ 436 و فيه: «و الناس بصلاة رسول اللّه» و هو سهو من الطابع، راجع صحيح مسلم ج 2/ 24، و انما قالت عائشة: «فلما رآه أبو بكر» لان حجرات رسول اللّه و مسكنه كان في قبلة المسجد، فرآه أبو بكر من دون التفات، و قولها «الى جنبه» لا بد و أن يكون في يساره، لان أدب الجماعة و السنة فيها أن يقوم المأموم الواحد من يمين الامام اذا كان رجلا و في عقبه إذا كان امرأة (راجع جامع الأصول 6/ 388) و سيجيء التصريح باليسار في رواياتهم أيضا لكن يبقى تحويل نية أبى بكر و قد كان اماما الى الايتمام برسول اللّه(ص)في الركعة الثانية، و لم يرد في ذلك حديث و لا سنة و لا أمر من رسول اللّه(ص)قبل ذلك حتّى يعمل به حينذاك.
137
3- قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ وَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَ التَّعْظِيمَ لَهَا قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذَّنَ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَأَعَادَهَا فَأَعَادُوا فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ النَّبِيُّ(ص)مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ(ص)أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أَتَيَا بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ فَكَانَ النَّبِيُّ(ص)يُصَلِّي وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَ زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَائِماً (1).
____________
(1) جامع الأصول 9/ 437، و أعمش هذا كان محبا لاهل بيت رسول اللّه(ص)معروفا بذلك يرى رأيهم، و لذلك جمع في حديثه بين ما اشتهر عن عائشة «مروا أبا بكر فليصل بالناس» و بين حديث غيره «فخرج يهادى بين رجلين كأنى انظر رجليه تخطان من الوجع» ليظهر سقوط الرواية الأولى، فان خروجه(ص)بوجعه يتهادى بين رجلين ثمّ صلاته جلوسا عن يسار أبى بكر، لا يكون الا صريحا في عزله عن الإمامة.
و لاجل هذا التعريض نفسه كان يصرح بأن أبا بكر كان قائما يأتم بالنبى و الناس يأتمون بأبى بكر؛ فان هذا صريح في أن أبا بكر قد خالف السنة في قيامه بعد جلوس النبيّ الأعظم و قد قال رسول اللّه في غير مورد «انما جعل الامام ليؤتم به ...... فاذا صلى امامكم قائما فصلوا قياما و إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون» روى ذلك في صحاحهم من دون أن يرد نسخ ذلك عن الرسول، راجع جامع الأصول ج 6(ص)400 أخرجه و ما هو بمضمونه عن الصحاح الست جميعا، و لا يجدى في ذلك ما ذكره البخارى تمحلا عن ذلك و صونا على رئيس مذهبه بان «أمره هذا كان في مرضه القديم، و صلاته(ص)في مرض موته جالسا و الناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود ناسخ له، و انما نأخذ بالآخر فالآخر من أمر النبيّ». و ذلك لانهم كانوا يقتدون بصلاة أبى بكر زاعمين أنّه مأمور بالصلاة من قبله(ص)و وظيفتهم القيام و اما أبو بكر فهو الذي أخطأ حيث نوى الايتمام به(ص)من الركعة الثانية من دون أن يتمثل أمره السابق النافذ عليه فيجلس خلفه حتّى يجلس المؤتمون به جميعا.
و انما لم يؤنبهم رسول اللّه بأنّه لم لم تجلسوا خلفى، لانهم كانوا معذورين، و انما لم يؤنب أبا بكر لم قمت خلفى و لم تجلس بجلوسى، لان الخطب قد كان أعظم من ذلك على أن كلام الرسول(ص)«انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا .... و إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون» يأبى النسخ كما لا يخفى على العارف بالموازين.
و أمّا ما رواه في الجامع ج 6(ص)402 نقلا عن مسلم (ج 2/ 19) و أبى داود و النسائى بالاسناد عن جابر بن عبد اللّه قال: «اشتكى رسول اللّه(ص)فصلينا وراءه و هو قاعد و أبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت الينا فرآنا قياما فأشار الينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا» الحديث فان كان هذه صلاته(ص)في مرض الموت على ما يظهر من قوله «و أبو بكر يسمع الناس تكبيره» كان مناقضا لحديث عيره المجمع عليه أنّه كان أبو بكر و المؤتمون به جميعا قائمين إلى آخر الصلاة و ان كان في غير مرض الموت، لزمت الحجة على أبى بكر حيث كان بلغه السنة في هذه الشكاة قبل مرض الموت و لم يعمل بها في صلاته آخرا.
على أن الحديث معلول من جهة أخرى، و هو أنّه كيف التفت رسول اللّه في الصلاة و قد نهى نفسه الكريمة عن الالتفات في الصلاة و اوعد عليه (راجع جامع الأصول ج 6/ 325 327) بل و كيف احتاج الى الالتفات و قد كان يقول(ص)«انى لاراكم من خلفى كما اراكم من بين يدي» و يقول «اتموا الصفوف فانى اراكم من وراء ظهرى» فى حديث متفق عليه.
138
4- وَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَ فِيهِ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لَا
139
يُسْمِعُ النَّاسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهَا لِحَفْصَةَ وَ قَوْلَ النَّبِيِّ(ص)إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ وَ أَنَّهُ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ ثُمَّ ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِماً وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُصَلِّي قَاعِداً يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ (1) وَ فِي أُخْرَى نَحْوَهُ وَ فِيهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهَا لِحَفْصَةَ وَ فِي آخِرِهِ فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَعَدَ النَّبِيُّ(ص)إِلَى جَنْبِهِ وَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ (2).
5- وَ فِي أُخْرَى لَهُمَا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي ذَلِكَ وَ مَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَداً وَ إِنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ أَبِي بَكْرٍ (3).
6- وَ فِي أُخْرَى لَهُمَا قَالَتْ لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَيْتِي قَالَ مُرُوا
____________
(1) جامع الأصول ج 9/ 437 و فيه: «و كان رسول اللّه يصلى قاعدا يقتدى به أبو بكر» و ما في الصلب لفظ مسلم في صحيحه ج 2(ص)23، و يرد على الحديث كل ما أوردناه قبل ذلك.
(2) جامع الأصول 9/ 438، و فيه ان قول عائشة: «فتأخر أبو بكر» لا بد و أن يكون التأخر الى داخل الصف الأول، فيناقض قولها «و قعد النبيّ الى جنبه» كما في سائر الروايات، اضف الى ذلك قولها «ان يقم مقامك يبك فلا يقدر على القراءة» فشهدت على ابيها صريحا انه لا يصلح للإمامة.
(3) جامع الأصول: 9/ 438، صحيح مسلم 2/ 22 و يرد على الحديث ما ورد سابقا على غيره مضافا الى اعترافها مصرحة بانها كانت تخادع رسول اللّه رحمة لابيها، يخادعون اللّه و الذين آمنوا و ما يخدعون الا انفسهم و ما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا و لهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون.
140
أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ وَ اللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَتْ فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً فَقَالَ لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ (1).
قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي بَابِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ هَذِهِ رِوَايَاتُ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ وَ سَيَجِيءُ لَهُمَا رِوَايَاتٌ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ(ص)وَ مَوْتِهِ فِي كِتَابِ الْمَوْتِ مِنْ حَرْفِ الْمِيمِ قَالَ وَ أَخْرَجَ الْمُوَطَّأُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَ أَخْرَجَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا وَ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ الْأَوْلَى وَ الثَّانِيَةَ.
7- وَ لَهُ فِي أُخْرَى قَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَ قَالَتْ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي قَاعِداً وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَ النَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ (2).
8- وَ فِي أُخْرَى لَهُ قَالَتْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى لِلنَّاسِ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي الصَّفِ (3).
9- وَ أَخْرَجَ أَيْضاً هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ حَدِيثاً وَاحِداً وَ قَالَ فِيهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعْ وَ قَالَ فِي آخِرِهِ فَقَامَ فَكَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ جَالِساً وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِساً وَ النَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ
____________
(1) المصدر نفسه ج 9(ص)438، صحيح مسلم 2/ 22.
(2) المصدر نفسه ج 9(ص)438 و ما بين العلامتين ساقط منه.
(3) المصدر نفسه و قولها «و رسول اللّه في الصف» يناقض ما مر من «انه كان خلف النبيّ و رسول اللّه بين يدي أبى بكر» و كلاهما مناقض لما مر قبل ذلك انه(ص)جلس الى جنبه او يساره و المنصف يرى انها خرقة اتسع على راقعها كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر، ان الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون.
141
أَبِي بَكْرٍ (1).
هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَاتِ عَائِشَةَ فِي بَابِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ.
10- وَ رَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي بَابِ مَرَضِ النَّبِيِّ(ص)وَ مَوْتِهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا أَ لَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَتْ بَلَى ثَقُلَ النَّبِيُّ(ص)فَقَالَ أَ صَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ قَالَ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَ صَلَّى النَّاسُ فَقُلْنَا لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَ صَلَّى النَّاسُ فَقُلْنَا لَا وَ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ قَالَتْ وَ النَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ قَالَتْ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ كَانَ رَجُلًا رَقِيقاً يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ عُمَرُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ قَالَتْ فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ(ص)أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ فَقَالَ لَهُمَا أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَ هُوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ(ص)وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَ النَّبِيُّ(ص)قَاعِدٌ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَ لَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي
____________
(1) المصدر نفسه، و التناقض بين قولها «و كان رسول اللّه يصلى بالناس جالسا» و بين قولها بعده بلا فصل: «و الناس يقتدون بصلاة أبى بكر» ظاهر، مضافا الى ما مر من ان جلوسه(ص)في يسار أبى بكر يلازم عزله عن الإمامة فكيف كان الناس يقتدون بصلاة أبى بكر، و هل هذا الا حيص بيص وقعت فيها لا تدرى كيف المناص و المخرج عنها؟ و قد خاب من افترى.
142
عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ هَاتِ فَعَرَضْتُ حَدِيثَهَا عَلَيْهِ فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ أَ سَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ قُلْتُ لَا قَالَ هُوَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه) (1).
وَ هَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ وَ رَوَاهُ فِي الْمِشْكَاةِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ بَابِ مَا عَلَى الْمَأْمُومِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ وَ عَدَّهُ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (2).
11- وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، فِي فُرُوعِ الِاقْتِدَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ صَلَّى النَّبِيُّ(ص)خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِداً.
قَالَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُ (3).
12- قَالَ وَ قَالَ وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ(ص)خَرَجَ فِي مَرَضِهِ وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَصَلَّى إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ النَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ(ص)(4).
فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يَنْتَهِي سَنَدُهَا إِلَى عَائِشَةَ وَ مِنْ جُمْلَةِ مَا رُوِيَ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ مَا أَسْنَدُوهُ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
13- فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ فِي فُرُوعِ الِاقْتِدَاءِ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِداً فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحاً بِهِ.
قَالَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُ وَ لَمْ يَذْكُرْ قَاعِداً وَ قَالَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَ إِنَّهَا آخِرُ صَلَاةٍ
____________
(1) جامع الأصول ج 11(ص)382- 383 و يرد على الحديث جميع ما أوردناه سابقا على غيره.
(2) راجع مشكاة المصابيح 102 و المتفق عليه عندهم ما أخرجه الشيخان أخرجه غيرهما او لم يخرجه.
(3) جامع الأصول 6/ 403، سنن الترمذي 1/ 226، و التناقض بين الحديثين بين.
(4) جامع الأصول 6/ 403، سنن الترمذي 1/ 226، و التناقض بين الحديثين بين.
143
صَلَّاهَا (1)
. 14- وَ رَوَى عَنْ أَنَسٍ فِي بَابِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ وَ هُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)سِتْرَ الْحُجْرَةِ فَنَظَرَ إِلَيْنَا وَ هُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ فَضَحِكَ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ(ص)فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبِهِ لَيَصِلَ الصَّفَّ وَ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ(ص)أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَ أَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ (2).
15- قَالَ وَ فِي أُخْرَى لَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)ثَلَاثاً وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا نَظَرْنَا مَنْظَراً كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)حِينَ وَضَحَ لَنَا فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَ أَرْخَى الْحِجَابَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ (3).
____________
(1) جامع الأصول 6/ 404، سنن الترمذي 1/ 226، و الحديث يناقض كل ما مر.
(2) جامع الأصول ج 9(ص)439 و قال أخرجه البخارى و مسلم (ج 2(ص)24 و 25) و هذان الحديثان ممّا يدلّ على أن أبا بكر كان يصلّي بهم أيّام شكوى رسول اللّه، و قد عرفت أنّه كان في جيش أسامة مأمورا بالخروج الى الجرف معسكره فاستأذن رسول اللّه (ص) في غد يومه هذا فخرج الى السنح فلم يكن حين صلاة الظهر و لا العصر بالمدينة حتى يصلى بهم و رسول اللّه يشير اليهم أن أتموا صلاتكم.
بل و من المقطوع في حديث السقيفة على ما سيجيء شرحه أنّه لم يرجع من السنح الا بعد ما مات رسول اللّه و بعد ما كثرت القالة من عمر أن رسول اللّه لم يمت و لكنه ذهب الى ربّه الخبر.
و انما قلنا بأن الصلاة كانت صلاة ظهر أو عصر، دون العشاء و الفجر، لترائى وجه رسول اللّه واضحا كأنّه ورقة مصحف، و قد مر أن ذلك يناقض ما روى سابقا أن الصلاة كانت عشاء و يناقض ما يأتي بعد ذلك آنفا أن الصلاة كانت صلاة فجر.
(3) جامع الأصول ج 9(ص)439 و قال أخرجه البخارى و مسلم (ج 2(ص)24 و 25) و هذان الحديثان ممّا يدلّ على أن أبا بكر كان يصلّي بهم أيّام شكوى رسول اللّه، و قد عرفت أنّه كان في جيش أسامة مأمورا بالخروج الى الجرف معسكره فاستأذن رسول اللّه (ص) في غد يومه هذا فخرج الى السنح فلم يكن حين صلاة الظهر و لا العصر بالمدينة حتى يصلى بهم و رسول اللّه يشير اليهم أن أتموا صلاتكم.
بل و من المقطوع في حديث السقيفة على ما سيجيء شرحه أنّه لم يرجع من السنح الا بعد ما مات رسول اللّه و بعد ما كثرت القالة من عمر أن رسول اللّه لم يمت و لكنه ذهب الى ربّه الخبر.
و انما قلنا بأن الصلاة كانت صلاة ظهر أو عصر، دون العشاء و الفجر، لترائى وجه رسول اللّه واضحا كأنّه ورقة مصحف، و قد مر أن ذلك يناقض ما روى سابقا أن الصلاة كانت عشاء و يناقض ما يأتي بعد ذلك آنفا أن الصلاة كانت صلاة فجر.
144
16- قَالَ وَ فِي أُخْرَى بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ(ص)قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَ هُمْ فِي صُفُوفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَ ظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ أَنَسٌ وَ هَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحاً بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَ أَرْخَى السِّتْرَ (1).
17- قَالَ وَ فِي أُخْرَى قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)كَشَفَ السِّتَارَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ وَ الَّذِي قَبْلَهُ أَتَمُ (2).
18- وَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ وَ هَذَا لَفْظُهُ قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)كَشَفَ السِّتَارَةَ وَ النَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْتَدَّ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا وَ أَلْقَى السَّجْفَ وَ تُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ (3).
هَذِهِ رِوَايَاتُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
19- وَ مِنْ جُمْلَةِ رِوَايَاتِهِمْ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ مَا رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ فِي الْبَابِ
____________
(1) جامع الأصول 9/ 440 و قد أشرنا إلى تناقض الحديث مضافا الى تناقض في نفسه حيث ان صلاة الفجر كانت تقام في اول وقتها قطعا و القمر في تلك الليالى يغرب قبل الفجر بقليل، و خصوصا على مذهبنا من أن رحلته (ص) كانت في أواخر صفر، فلا معنى لترائى وجه رسول اللّه من بعيد متبسما يضحك.
(2) جامع الأصول 9/ 440 و قد أشرنا إلى تناقض الحديث مضافا الى تناقض في نفسه حيث ان صلاة الفجر كانت تقام في اول وقتها قطعا و القمر في تلك الليالى يغرب قبل الفجر بقليل، و خصوصا على مذهبنا من أن رحلته (ص) كانت في أواخر صفر، فلا معنى لترائى وجه رسول اللّه من بعيد متبسما يضحك.
(3) جامع الأصول 9/ 440، سنن النسائى كتاب الجنائز الباب 7، و رواه ابن ماجة في كتاب الجنائز الباب 64 تحت الرقم 1624، و لفظ الحديث ينطبق على احدى صلاتى الظهرين.
145
الْمَذْكُورِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: لَمَّا اسْتَعَزَّ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَجَعُهُ وَ أَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ دَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْنَا فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِباً فَقُلْتُ يَا عُمَرُ فَقُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَتَقَدَّمَ وَ كَبَّرَ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)صَوْتَهُ وَ كَانَ عُمَرُ رَجُلًا مِجْهَراً قَالَ فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ [يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ] فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ (1).
20- وَ زَادَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَمَّا أَنْ سَمِعَ النَّبِيُّ(ص)صَوْتَ عُمَرَ خَرَجَ النَّبِيُّ حَتَّى أَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَا لَا لَا لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَباً قَالَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (2).
21- وَ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا رَوَاهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ(ص)فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقَالَ(ص)مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَعَاوَدَتْهُ فَقَالَ مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)
____________
(1) الجامع 9/ 434.
أقول: و هذا الذي نقله ابن الأثير من لفظ أبى داود مخالف لما وجدناه في صلب كتابه، ففي سنن ابى داود ج 4(ص)348 من عون المعبود ط هند «فقال رسول اللّه مروا من يصلى بالناس فخرجت فإذا عمر في الناس» و هكذا فهرسه في المعجم ج 3(ص)70 س 56 كما أنّه لفظ سائر مصادر الحديث نقلا عن ابن زمعة كالسيرة لابن هشام ج 2(ص)652 مسند الامام ابن حنبل ج 4(ص)322 و هكذا في طبقات ابن سعد ج 2 ق 2(ص)19 و لفظه «فقال لي رسول اللّه مر الناس فليصلوا قال عبد اللّه فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم فلما لقيت عمر بن الخطّاب لم أبغ من وراءه» و هكذا لفظ الحديث في الاستيعاب كما سيأتي نقله(ص)156 عند ما يتكلم المؤلّف العلامة على لفظ الحديث.
(2) الجامع 9/ 434.
أقول: و هذا الذي نقله ابن الأثير من لفظ أبى داود مخالف لما وجدناه في صلب كتابه، ففي سنن ابى داود ج 4(ص)348 من عون المعبود ط هند «فقال رسول اللّه مروا من يصلى بالناس فخرجت فإذا عمر في الناس» و هكذا فهرسه في المعجم ج 3(ص)70 س 56 كما أنّه لفظ سائر مصادر الحديث نقلا عن ابن زمعة كالسيرة لابن هشام ج 2(ص)652 مسند الامام ابن حنبل ج 4(ص)322 و هكذا في طبقات ابن سعد ج 2 ق 2(ص)19 و لفظه «فقال لي رسول اللّه مر الناس فليصلوا قال عبد اللّه فخرجت فلقيت ناسا لا أكلمهم فلما لقيت عمر بن الخطّاب لم أبغ من وراءه» و هكذا لفظ الحديث في الاستيعاب كما سيأتي نقله(ص)156 عند ما يتكلم المؤلّف العلامة على لفظ الحديث.
146
قَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ (1).
22- وَ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا رَوَاهُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ قَالَ مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ.
قَالَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُ (2).
23- وَ مِنْ جُمْلَتِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ قَالَ رَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليه) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَرِضَ لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فنقول [فَيَقُولُ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نَظَرْتُ فَإِذَا الصَّلَاةُ عَلَمُ الْإِسْلَامِ وَ قِوَامُ الدِّينِ فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لِدِينِنَا فَبَايَعْنَا أَبَا بَكْرٍ (3).
فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح (4) و لنوضح بعض
____________
(1) جامع الأصول 9/ 435.
(2) جامع الأصول 9/ 435.
(3) الاستيعاب بترجمة أبى بكر و روى ذيله ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1(ص)130 بإسناده عن الحسن البصرى، و هكذا نقله ابن الجوزى في صفة الصفوة 1/ 97، و أنت ترى أن واضع الحديث كان يرى أن الخلافة رئاسة دنياوية فقط، فنسب الى على (عليه السلام) ما يليق بغيره، و معلوم من التاريخ الصحيح و الأحاديث المتواترة أن عليا (عليه السلام) كان على خلافهم رأيا و مسلكا، و قد مر ما يناسب توضيح ذلك في(ص)125 من هذا المجلد.
(4) أقول: و لتمام الكلام في هذا البحث يلزمنا أن ننقل بعض أحاديثهم التي يختلف ألفاظها مع ما أورده المؤلّف العلامة (رضوان اللّه عليه) في الباب و نبحث عنها فنقول:
روى ابن ماجة في حديث له (1235) عن ابن عبّاس «ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال:
مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة: يا رسول اللّه ان أبا بكر رجل رقيق حصر و متى لا يراك يبكى و الناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلى بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس فوجد رسول اللّه من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين و رجلاء تخطان في الأرض، فلما رآه رسول اللّه سبحوا بأبي بكر فذهب ليستأخر فأومأ إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أي مكانك، فجاء رسول اللّه فجلس عن يمينه و قام أبو بكر و كان أبو بكر يأتم بالنبى و الناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عبّاس: و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر. قال وكيع: و كذا السنة، قال: فمات رسول اللّه في مرضه ذلك.
و الحديث هذا مع أنّه مطعون في سنده كما عن مجمع الزوائد، متهافت متناقض في ذيله، لما عرفت من أنّه ان كان رسول اللّه جلس عن يمين أبى بكر، فلا بدّ و أن كان النبيّ مؤتما به، و قد صرّح نفس الحديث بخلافه.
و أمّا ما ذكر من أن رسول اللّه أخذ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، و قول وكيع في تدعيم ذلك: و كذا السنة. كذب محض، فانه لم يرد سنة في ذلك بل السنة بخلافه حيث قال (ص) كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
بل و لو صح فرض القضية من جواز ابتناء أحد قراءته على قراءة غيره و صلاته على صلاة غيره أو أن يجىء آخر فينصب نفسه اماما لامام آخر قد دخل في الصلاة، لكان ذلك قضية لأول مرة لا أن تكون سنة متبعة قد أمر بها رسول اللّه قبل ذلك، و هذا واضح.
و أمّا قوله «و متى لا يراك يبكى و الناس يبكون» كأنّه أراد أن يوجه قصة البكاء حتى لا يرد عليها ما أوردت، لكنه قد ذهب عليهم جميعا أن أبا بكر تقدم في الصلاة و قام في مقام النبيّ فصلى بالناس صلاة واحدة او في أيّام عديدة في شكوى رسول اللّه على ما زعموا، و هكذا بعد ما نصب نفسه للخلافة ثلاث سنين فلم يبك في صلاته رغما لانف عائشة حيث نسبت أباها الى الضعف.
و روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)17 و مثله في السيرة ج 2(ص)653 أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي توفى فيه أمر أبا بكر أن يصلى بالناس فلما افتتح أبو بكر بالصلاة وجد رسول اللّه خفة فخرج فجعل يفرج الصفوف، فلما سمع أبو بكر الحس علم أنّه لا يتقدم ذلك التقدّم الا رسول اللّه، و كان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس الى الصف وراءه فرده رسول اللّه الى مكانه فجلس رسول اللّه الى جنب أبى بكر و أبو بكر قائم.
فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر أي رسول اللّه أراك أصبحت بحمد اللّه صالحا و هذا يوم ابنة خارجة- امرأة لابى بكر من الأنصار في بلحارث بن الخزرج- فأذن له و خرج أبو بكر الى أهله بالسنح، الحديث.
ففيه مضافا الى ما ورد على مثله أن راوى الحديث لم يدر أن حجرات رسول اللّه كان في قبلة المسجد، و إذا جاء للصلاة لم يحتج الى أن يأتي من ورائهم و يفرج الصفوف نعم في حديث رواه مسلم ج 2(ص)25 و هكذا غيره «أن رسول اللّه ذهب الى بنى عمرو بن عوف ليصلح بينهم فعانت الصلاة فجاء المؤذن الى أبى بكر فقال: أ تصلى بالناس فأقيم؟ قال نعم قال: فصلى أبو بكر فجاء رسول اللّه و الناس في الصلاة فتخلص حتّى وقف في الصف فصفق الناس و كان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول اللّه فأشار إليه أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يديه فحمد اللّه على ما أمره به رسول اللّه من ذلك ثمّ استأخر أبو بكر حتّى استوى في الصف و تقدم النبيّ فصلى ثمّ انصرف فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت اذ أمرتك؟ قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يصلى بين يدي رسول اللّه الحديث.
فهذا الحديث يشبه الرواية السابقة و لا يرد عليه ما أوردناه، الا أنّه في قضية أخرى من دون أن يأمره النبيّ بالصلاة، مع أنّه قد أبطل صلاته بهم بالالتفات بعد ما أمره النبيّ بالمضى، ثمّ صرّح بأنّه لم يكن لابن أبي قحافة أن يصلى بين يدي رسول اللّه خلافا لمن زعم أنه صلى في مرض الموت بين يدي رسول اللّه ص، و كيف كان فقد تناقص هذه الأحاديث بعضها مع بعض و تهافت صدر بعضها بذيله، فلا يريب ذو نصفة أنّها رويت تأييدا لامر الخلافة و الا فصلاة أبى بكر في شكوى رسول اللّه ثمّ خروجه(ص)في أثناء صلاته، لم يكن ليخفى على أصحابه(ص)و الظرف ذاك الظرف حتّى تختلف الروايات هذا الاختلاف، و عندي أنّها موضوعة على لسان الصحابة من قبل التابعين خصوصا المتكلّمين منهم و لنا في ذلك بحث لا يسعه المقام.
147
ألفاظها قال في النهاية رجل أسيف أي سريع البكاء و الحزن و قيل هو الرقيق و قال المخضب بالكسر شبه المركن و هي إجانة يغسل فيها الثياب و قال ناء ينوء
148
نوءا نهض قوله أن نفتتن أي نقطع الصلاة مفتونين برؤيته و السجف بالفتح و الكسر الستر و في النهاية في حديث مرض النبي فاستعز برسول الله أي اشتد به
149
المرض و أشرف على الموت يقال عز يعز بالفتح إذا اشتد به المرض و غيره و استعز عليه إذا اشتد عليه و غلبه ثم يبنى الفعل للمفعول به الذي هو الجار و المجرور و قال في حديث عمر إنه كان مجهرا أي صاحب جهر و رفع لصوته يقال جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهر و أجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت و قال الجوهري رجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه أقول فإذ قد تبينت لك تلك الأخبار فلنشرع في الكلام عليها و إبطال التمسك بها فنقول.
أما الجواب عنها على وجه الإجمال فهو أنها أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر و قد وردت من جانب الخصوم و تعارضها رواياتنا الواردة عن أهل البيت(ع)و قد تقدم بعضها فلا تعويل عليها.
و أما على التفصيل فإن أكثر الروايات المذكورة تنتهي إلى عائشة و هي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق و توثيقها محل الخلاف بيننا و بين المخالفين و سيأتي في أخبارنا من ذمها و القدح فيها و أنها كانت ممن يكذب على رسول الله(ص)ما فيه كفاية للمستبصر و مع ذلك يقدح في رواياتها تلك بخصوصها أن فيها التهمة من وجهين.
أحدهما بغضها لأمير المؤمنين(ع)كما ستطلع عليه من الأخبار الواردة في ذلك من طرق أصحابنا و المخالفين.
- و ذكر السيد الأجل رضي الله عنه في الشافي أن محمد بن إسحاق روى أن
150
عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين(ع)و كتبت إلى معاوية و أهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تحرضهم عليه (1).
- قال و روي عن مسروق أنه قال دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني و استدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن فجاء حتى وقف فقالت يا مسروق أ تدري لم سميته عبد الرحمن فقلت لا قالت حبا مني لعبد الرحمن بن ملجم (2).
و في رواية عبيد الله بن عبد الله التي ذكرناها في هذا المقام دلالة واضحة لأولي البصائر على بغضها حيث سمت أحد الرجلين اللذين خرج رسول الله(ص)معتمدا عليهما و تركت تسمية الآخر و ليس ذلك إلا إخفاء لقربه هذا من الرسول(ص)و فضله و قد أشعر سؤال ابن عباس بذلك فلا تغفل. (3)
و بالجملة بغضها لأمير المؤمنين(ع)أولا و آخرا (4) هو أشهر من كفر إبليس فلا يؤمن عليها التدليس و كفى حجة قاطعة عليه قتالها و خروجها عليه
____________
(1) الشافي: 466 تلخيص الشافي ج 4(ص)158، و روى المفيد في كتاب الجمل(ص)84 مثل الأخير و سيأتي شرح ذلك في أبواب الجمل إنشاء اللّه تعالى.
(2) الشافي: 466 تلخيص الشافي ج 4(ص)158، و روى المفيد في كتاب الجمل(ص)84 مثل الأخير و سيأتي شرح ذلك في أبواب الجمل إنشاء اللّه تعالى.
(3) راجع الحديث بالرقم 10 و في لفظ البخارى (ج 1(ص)170) «فقال لي ابن عباس: هل تدرى من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت لا، قال ابن عبّاس: هو على بن أبى طالب» و يظهر من سائر مصادر الحديث أنّه قد زاد ابن عبّاس بعد كلامه هذا: «ان عائشة لا تطيب له نفسا بخير» راجع مسند ابن حنبل ج 6(ص)228، طبقات ابن سعد 2 ق 2(ص)29 س 13، و زاد الطبريّ: «و لكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير و هي تستطيع» راجع ج 3(ص)189.
(4) و في شرح النهج لابن أبي الحديد ج 2(ص)437- 440 كلام نقله عن شيخه اللمعاني يبين كيفية نشوء تباغضها مع عليّ (عليه السلام) و سيجيء شطر من كلامه في(ص)159 و تمام الكلام في الأبواب الآتية إنشاء اللّه تعالى.
151
كما أنه كاف في الدلالة على كفرها و نفاقها المانعين من قبول روايتها مطلقا و سيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين(ع)من الأخبار العامية و غيرها الدالة على كفر مبغضه(ع)(1) ما فيه كفاية و لو قبلنا من المخالفين دعواهم الباطل في توبتها و رجوعها (2) فمن أين لهم إثبات ورود تلك الأخبار بعدها فبطل التمسك بها.
____________
(1) راجع بحار الأنوار ج 39(ص)246- 310، و ناهيك قوله (عليه السلام) «و اللّه انه ممّا عهد الى رسول اللّه(ص)أنّه لا يبغضنى الا منافق و لا يحبنى الا مؤمن» و قد أخرجه مسلم في 1/ 60، ابن حنبل في ج 1/ 84 و 95 و 128 ج 6(ص)292، ابن ماجة في المقدّمة تحت الرمق 114 و النسائى في كتاب الايمان الباب 19، الترمذي كتاب المناقب الرقم، 389 و البيهقيّ في سننه ج 2(ص)271.
(2) و لعمرى لقد كان رسول اللّه يشفق من سوء صنيعها و ما تحدث في الناس من الفتن المضلة الهالكة للامة، من دون توبة منها، حيث تمنى موتها في ابتداء هذه الشكوى:
فقد روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)10 عن عائشة قالت بدء برسول اللّه شكواه الذي توفى فيه و هو في بيت ميمونة، فخرج في يومه ذلك حتّى دخل على فقلت: وا رأساه، فقال:
وددت أن ذلك يكون و أنا حي فأصلى عليك و ادفنك، فقلت غيرى: أو كانك تحب ذلك؟ لكأني أراك في ذلك اليوم معرسا ببعض نساء! فقال رسول اللّه: بل أنا وا رأساه ثمّ رجع الى بيت ميمونة فاشتد وجعه.
و روى ابن ماجة ج 1(ص)470 تحت الرقم 1465 الباب 9 من كتاب الجنائز أنّها قالت: رجع رسول اللّه من البقيع فوجدنى و أنا أجد صداعا في رأسى و أنا أقول: وا رأساه! فقال: «بل أنا وا رأساه» ثم قال: ما ضرك لو مت قبلى فقمت عليك فغسلتك و كفنتك و صليت عليك و دفنتك» ... و قال في ذيل الحديث نقلا عن الزوائد: اسناد رجاله ثقات رواه البخارى من وجه آخر مختصرا.
أقول ترى الحديث بلفظ ابن ماجة في سنن الدارميّ المقدّمة تحت الرقم 14 (و أخرجه في مشكاة المصابيح: 549) مسند ابن حنبل ج 6(ص)228، و اعترف المولى على القارى في محكى المرقاة بأن في قوله(ص)«و دفنتك» ايماء الى أن موتها في حياته خير من حياتها بعد مماته.
و أمّا رواية البخارى فقد روى في كتاب المرضى تحت الرقم: 16 (ج 7(ص)155) و في كتاب الاحكام الرقم 51 (ج 9(ص)190) بإسناده عن القاسم بن محمّد قال: قالت عائشة وا رأساه فقال رسول اللّه: ذاك لو كان و أنا حي فأستغفر لك و أدعوك، فقالت: وا ثكلياه! و اللّه انى لاظنك تحب موتى، و لو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك، الحديث.
فتراها كيف يستوحش عن الموت بعد ما تمناه لها رسول اللّه و وعدها بالاستغفار و الدعاء فرغبت عن استغفار الرسول و دعائه و الدخول في الجنة، فحييت و اشتغلت بالفتن و الاحداث حتى صدق فيه قوله عزّ و جلّ «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ» (البخارى 6/ 195).
152
و ثانيهما جر النفع في الروايات المذكورة للفخر بخلافة أبيها إذ أمر الصلاة كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى كان عمدة أسباب انعقاد الخلافة لأبيها كما رووه في أخبارهم و أيضا في أسانيد تلك الروايات جماعة من النواصب المبغضين المنحرفين عن أمير المؤمنين(ع)و في بعضها مكحول و
- قد روي في كتاب الإختصاص عن سعيد بن عبد العزيز قال كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) و كان إذا ذكر عليا(ع)لا يسميه و يقول أبو زينب (1).
____________
(1) الاختصاص: 128، و عنونه ابن حجر في التهذيب و نقل عن ابن حبان أنّه ربما كان يدلس و عن البزار انه كان يروى عن جماعة من الصحابة و لم يسمع منهم، و عده ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 1/ 371 من المبغضين لعلى (عليه السلام) قال: روى زهير بن معاوية عن الحسن بن الحرّ قال: لقيت مكحولا فإذا هو مطبوع- يعنى مملوء- بغضا لعلى (عليه السلام) فلم أزل به حتّى لان و سكن، و روى المحدّثون عن حماد بن زيد أنّه قال: أرى أن أصحاب على أشدّ حبا له من أصحاب العجل لعجلهم، و هذا كلام شنيع.
153
و بعد التنزل عن هذا المقام نقول رواياتها تشتمل على أنواع من الاختلاف فكثير منها تدل على أنه لما جاء رسول الله(ص)جلس إلى جنب أبي بكر و بعضها يدل على أنه كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و أبو بكر يصلي بالناس و الناس خلف أبي بكر و بعضها يدل على أن رسول الله(ص)كان في الصف و لعل عائشة في بعض المواطن استحيت في حضور طائفة من العارفين بصورة الواقعة فقربت كلامها إلى ما رواه أصحابنا من أنه(ص)تقدمه في الصلاة و عزله عن الإمامة و في الجهلة البالغين غايته قالت كان في صف هذا هو الصحيح في وجه الجمع بين تلك الأخبار.
و من جملة وجوه اختلافها أن كثيرا منها يدل على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر و في بعض تصريح بأنهم كانوا يأتمون بأبي بكر و في بعضها أنه يسمعهم التكبير و تفطن لذلك شارح المواقف ففسر بعد ما ذكر رواية البخاري عن عروة عن أبيه (1) عن عائشة المشتملة على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر قال أي بتكبيره و الصحيح في وجه الجمع هو ما ذكرنا.
و من جملتها أن في بعض الأخبار أن أبا بكر أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله(ص)أن لا يتأخر و يبعد من ديانة أبي بكر أن يخالف أمره و في بعضها تصريح بأنه تأخر و قعد رسول الله(ص)إلى جنبه.
____________
(1) راجع الحديث الثاني، و أمّا عروة فقد كان من المنحرفين عن عليّ (عليه السلام) مشهورا بذلك، روى ابن أبي الحديد في شرحه ج 1(ص)371 روايات في ذلك منها عن يحيى بن عروة قال: كان أبى إذا ذكر عليا نال منه، و قال لي مرة: يا بنى و اللّه ما أحجم الناس عنه الا طلبا للدنيا لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث الى بعطائى فو اللّه انك لو كنت في فم أسد لدخلت معك [فيه و لكن هذا أمر لم أره] فكتب إليه «ان هذا المال لمن جاهد عليه و لكن لي مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت، قال يحيى: فكنت أعجب من وصفه اياه بما وصفه به و من عيبه له و انحرافه عنه.
154
و من جملتها أن أكثرها صريحة في اقتداء أبي بكر بالنبي(ص)و في رواية الترمذي التي ذكرها في جامع الأصول في فروع الاقتداء تصريح بأنه(ص)في مرضه الذي مات فيه صلى قاعدا خلف أبي بكر و هذا غير ما ذكرنا من اختلافها في جلوسه(ص)و في اقتداء الناس به فلا تغفل.
و من جملتها أن بعضها يدل على أن قول الرسول(ص)إنكن صواحب يوسف كان لمعاودتها القول بأن أبا بكر رجل أسيف لا يقدر على القراءة و لا يملك نفسه من البكاء و في بعضها أن ذلك كان لبعث حفصة إلى عمر أن يصلي بالناس و أنها قالت لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا و ليت شعري إذا كان أبو بكر لا يملك نفسه من البكاء و لا يستطيع القراءة لقيامه مقام رسول الله(ص)في حياته و لا ريب أن حزنه و بكاءه كان لاحتمال أن يكون ذلك مرض موته(ع)فكيف ملك نفسه في السعي إلى السقيفة لعقدة البيعة و لم يمنعه الحزن و الأسف عن الحيل و التدابير في جلب الخلافة إلى نفسه و عن القيام مقامه(ص)في الرئاسة العامة مع أن جسده الطاهر المطهر كان بين أظهرهم لم ينقل إلى مضجعه.
فهذه وجوه التخالف في أخبار عائشة مع قطع النظر عن مخالفتها لما رواه غيرها.
و أما روايات أنس فأول ما فيها أن أنسا من الثلاثة الكذابين كما سبق (1) في كتاب أحوال النبي(ص)و سيأتي و هو الذي دعا عليه أمير المؤمنين(ع)لما أنكر حديث الغدير فابتلاه الله بالبرص (2) و بعد قطع النظر عن حاله و حال من روى عنه.
____________
(1) بل سيجيء في باب ذكر أصحاب النبيّ و أمير المؤمنين أواخر الجزء 34.
(2) راجع ج 37(ص)199 و ما بعده، ج 41(ص)204 و 206 و قد عده ابن أبي الحديد في المنحرفين عن عليّ (عليه السلام) فيما نقله عن جماعة من شيوخه البغداديين قال فمنهم أنس بن مالك ناشد على الناس في الرحبة أيكم سمع رسول اللّه(ص)يقول «من كنت مولاه فهذا على مولاه» فقام اثنى عشر رجلا فشهدوا بها و أنس بن مالك في القوم لم يقم فقال له يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد و لقد حضرتها؟ فقال يا أمير المؤمنين كبرت و نسيت، فقال:
اللّهمّ ان كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة، قال طلحة بن عمير: فو اللّه لقد رأيت الوضح به بعد ذلك ابيض بين عينيه.
راجع شرح النهج ج 1(ص)362 و ان شئت راجع الغدير ج 1(ص)166 أحاديث المناشدة في الرحبة خصوصا(ص)192. هامش إحقاق الحقّ ج 6(ص)305.
155
فمن رواياته ما صرحت بأن رسول الله لم يخرج إلى الصلاة في مرض موته لأنه قال لم يخرج رسول الله ثلاثا و أبو بكر يصلي بالناس و أقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فرفع رسول الله الحجاب فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدم و أرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات و سوق الكلام في بعض رواياته الأخر أيضا يدل على ذلك و هي مخالفة لروايات عائشة و هو ظاهر و لروايته المذكورة أولا الدالة على أنه(ص)صلى خلف أبي بكر في مرضه و أنها كانت آخِر صلاة صلاها و لعل السر في وضع أنس تلك الأخبار الدالة على أنه(ع)لم يخرج إلى الصلاة أنه أراد إبطال ما كانت الشيعة يتمسكون به من أنه(ص)لما سمع صوته خرج إلى الصلاة و أخره عن المحراب فتفطن.
و من وجوه تخالفها أنه قوله فذهب أبو بكر يتقدم و قوله فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم صريح في أن رفع الحجاب و الإيماء كان قبل الصلاة و قبل أن يتقدم أبو بكر و قوله في الرواية الأخرى بينما هم في صلاة الفجر و أبو بكر يصلي بهم و قوله في الرواية الأخرى و هَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم و قوله أن أتموا صلاتكم يدل على أنه كان بعد اشتغالهم بالصلاة و التأويلات البعيدة ظاهرة البطلان.
و أما رواية عبد الله بن زمعة فكونه من رجال أهل الخلاف واضح و ذكره ابن الأثير (1) و غيره في كتبهم و لم يذكروا له توثيقا و لا مدحا قالوا عبد الله بن
____________
(1) أسد الغابة ج 3(ص)164.
156
زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي عداده في المدنيين روى عنه عروة بن الزبير و أبو بكر بن عبد الرحمن و روايته تخالف رواية عبيد الله بن عبد الله لدلالتها على أنه لما قال رسول الله(ص)مروا أبا بكر يصلي بالناس و جاء الرسول كان أبو بكر غائبا فقام عمر فصلى بالناس تلك الصلاة و لما سمع الرسول(ص)صوت عمر قال يأبى الله ذلك و المسلمون و كرر ذلك القول و بعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر و دلالة رواية عبيد الله على أنه لما أمر رسول الله(ص)أبا بكر بالصلاة فجاء الرسول خاطب أبا بكر فقال أبو بكر يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك فدلت على أن أبا بكر كان حاضرا حينئذ.
و من القرائن على وضع هذه الرواية هذا التكرير المذكور و تكرير لفظة لا ثلاثا و لقد تنبه لذلك صاحب الإستيعاب فحذف هذه التكريرات لئلا يظن الكذب بهذا الراوي تعصبا و ترويجا للباطل بقدر الإمكان و الرواية على ما ذكره في الإستيعاب في ترجمة أبي بكر توافق ما رواه أصحابنا من أنه لم يأمر رسول الله(ص)أبا بكر على الخصوص بالصلاة بل قال مروا من يصلي بالناس و أنا أذكرها بلفظها ليتضح هذا المعنى.
- قَالَ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ عَلِيلٌ فَدَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ لَنَا مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِباً فَقُلْتُ قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَامَ عُمَرُ فَلَمَّا كَبَّرَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)صَوْتَهُ وَ كَانَ مِجْهَراً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ طُولَ عِلَّتِهِ حَتَّى مَاتَ(ص)(1).
.
____________
(1) الاستيعاب بترجمة أبى بكر و تراه في السيرة ج 2(ص)652 و قد تكرر فيه اللفظ مرتين، و هكذا في طبقات ابن سعد ج 2 ق 2(ص)21 و فيه تكرير لا ثلاثا، و قد مر لفظ ابى داود موافقا للاستيعاب(ص)145.
157
ثم إن هاهنا نكتة لا ينبغي الغفلة عنها و هي أنه إذا كان رسول الله(ص)أمر أولا على وجه العموم الشامل لكل بر و فاجر أن يصلي بالناس أحد ثم سمع صوت عمر و قال يأبى الله ذلك و المسلمون مرة واحدة على ما في هذه الرواية أو كرر هذا القول أو قال لا لا لا ثلاثا و قال ليصل بالناس ابن أبي قحافة مغضبا و قد كان رضي بصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس بل صلى بنفسه خلفه على ما أطبقت عليه رواياتهم (1) و كان إمامة الصلاة دليلا على استحقاق الخلافة كما سيجيء في رواياتهم إن شاء الله تعالى من أنه باحتجاج عمر بأمر الصلاة تمت بيعة أبي بكر لكان ذلك دليلا على عدم استحقاق عمر للخلافة.
و لو تنزلنا عن ذلك فهل يبقى لأحد ريب بعد ذلك في أن عبد الرحمن بن عوف الذي صلى رسول الله(ص)خلفه و لو ركعة واحدة كما ذكره بعضهم كان أولى بالخلافة من عمر بن الخطاب فيكف نص أبو بكر على عمر في الخلافة و ترك عبد الرحمن بن عوف.
و كيف كان يقول لطلحة لما خوفه من سؤال الله يوم القيامة أ بالله تخوفني إذا لقيت ربي فساءلني قلت استخلفت عليهم خير أهلك فقال طلحة أ عمر خير الناس يا خليفة رسول الله فاشتد غضبه و قال إي و الله هو خيرهم و أنت شرهم.
و كيف قال لعثمان لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان و قد كان عبد الرحمن بن عوف حاضرا عنده و هو ممن شاوره أبو بكر في تعيين الخليفة فعاب عمر بالغلظة ثم لما حكم أبو بكر صريحا بأن طلحة شر الناس و جعل عثمان خير الناس و أولى بالخلافة بعد عمر كيف جعل عمر طلحة و عثمان عدلين في الخلافة و الشورى و هل كان ما فعلوه إلا خبطا في خبط و لا ينفع ابتناء الكلام على جواز تفضيل
____________
(1) صحيح مسلم ج 2(ص)26 سنن ابى داود كتاب الطهارة بالرقم 60 سنن النسائى الطهارة بالرقم 87 مسند الامام ابن حنبل ج 4(ص)244 و 249 و 251.
158
المفضول إذ كلام أبي بكر صريح في أن خروجه عن عهدة السؤال يوم القيامة يكون باستخلافه الأفضل. (1)
فظهر أنه لا يخلو الحال عن أحد الأمرين إما أن لا يدل التقديم في الصلاة على فضل فانهدم أساس خلافتهم أو كان تصريحا أو تلويحا يجري مجرى التصريح باستحقاق الخلافة كما صرح به صاحب الإستيعاب فكان أبو بكر يرى رأي رسول الله(ص)باطلا و لذا لم يعد عبد الرحمن في أمر الخلافة شيئا و كان يجوز مخالفة الرسول(ص)في اجتهاده كما زعموه و مع ذلك كان يثب على عمر بن الخطاب و يجر لحيته لما أشار بعزل أسامة للمصلحة كما سيجيء إن شاء الله تعالى و كان يقول له ثكلتك أمك يا ابن الخطاب لو اختطفتني الطير كان أحب إلي من أن أرد قضاء قضى به رسول الله(ص)(2) فانظر بعين البصيرة حتى يتضح لك أن القوم لم يسلكوا في غيهم مسلكا واحدا بل تاهوا في حيرتهم شمالا و يمينا و خسروا خسرانا مبينا.
و أما أبو موسى و ابن عمر فحالهما في عداوة أمير المؤمنين(ع)ظاهر لا يحتاج إلى البيان و الظاهر أن روايتهما على وجه الإرسال عن عائشة و على تقدير ادعائهما الحضور لا ينتهض قولهما حجة لكونهما من أهل الخلاف و من المجروحين.
و أما رواية صاحب الإستيعاب عن الحسن البصري ففيها أن الحسن ممن ورد في ذمه من طرق العامة و الخاصة كقول أمير المؤمنين(ع)فيه هذا سامري هذه الأمة و كدعائه عليه لا زلت مسوءا لما طعن على أمير المؤمنين بإراقة دماء المسلمين و غير ذلك مما سيأتي في أبواب أصحاب أمير المؤمنين(ع)و قد عده ابن أبي
____________
(1) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1(ص)55 و سيأتي الكلام في ذلك في محله إنشاء اللّه تعالى.
(2) راجع تاريخ الطبريّ ج 3(ص)226، منتخب كنز العمّال ج 4(ص)185، و كلامه هذا مذكور ذيل بعث أسامة و قد مر مصادره في(ص)130- 146.
159
الحديد (1) من المنحرفين عن علي(ع)و حكى أبو المعالي الجويني على ما ذكره بعض الأصحاب عن الشافعي أنه قال بعد ذكر الحسن و فيه كلام.
و بعد التنزل عن كونه خصما مجروحا و تسليم أن الطريق إليه حسن نقول إذا كان ذلك من كلام أمير المؤمنين(ع)فلما ذا ترك بيعة أبي بكر ستة أشهر أو أقل حتى يقاد بأعنف العنف و يهدد بالقتل بعد ظهور أماراته و كيف كان يتظلم و يبث الشكوى منهم في كل مشهد و مقام كما سيأتي في باب الشكوى و إسناد الكذب إلى الحسن أحسن من إسناد التناقض إلى كلامه(ع)و غرضه من الوضع على لسانه(ع)إلزام الشيعة و إتمام الحجة عليهم و إلا فإنكاره(ع)لصدور الأمر بالصلاة من الرسول(ص)و تعيينه أبا بكر من المشهورات
- و قد روى ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني أن عليا(ع)كان ينسب عائشة إلى أنها أمرت بلالا أن يأمر أبا بكر بأن يصلي بالناس و أن رسول الله(ص)قال ليصل بهم رجل و لم يعين أحدا فقالت مر أبا بكر يصلي بالناس و كان(ع)يذكر ذلك لأصحابه في خلواته كثيرا و يقول إنه لم يقل(ص)إنّكن كصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال و غضبا منه لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبيهما و أنه استدركها رسول الله(ص)بخروجه و صرفه عن المحراب انتهى (2).
____________
(1) راجع شرح النهج ج 1(ص)368، قال: «روى عنه حماد بن سلمة أنّه قال: لو كان على ياكل الحشف بالمدينة لكان خيرا له ممّا دخل فيه ثمّ ذكر حديث الوضوء و دعاء عليّ (عليه السلام) عليه.
(2) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج عند كلامه (عليه السلام) «و اما فلانة فأدركها رأى النساء و ضغن غلا في صدره كمرجل القين و لو دعيت لتنال من غيرى ما أتت الى لم تفعل»:
اعلم أن هذا الكلام يحتاج الى شرح و قد كنت قرأته على الشيخ ابى يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني- ره- ايام اشتغالى عليه بعلم الكلام و سألته عما عنده فأجابنى بجواب طويل أنا أذكر محصوله، ثمّ ذكر بعض ما كان سبب معاداتها و بغضها الى أن قال:.
160
فاتضح لك ضعف التمسك بهذه الأخبار سيما في أركان الدين.
و قال السيد الأجل رضي الله عنه في موضع من الشافي ذكر فيه تمسك
____________
و ما كان من حديث الصلاة بالناس ما عرف فنسب عليّ (عليه السلام) عائشة انها أمرت بلا لا مولا أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لان رسول اللّه(ص)كما روى قال: ليصل بهم أحدهم و لم يعين، و كانت صلاة الصبح، فخرج رسول اللّه و هو في آخر رمق يتهادى بين على و الفضل بن العباس حتّى قام في المحراب كما ورد في الخبر، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر إليه، و قال: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول اللّه في الصلاة و لم يحملوا خروج رسول اللّه الى الصلاة لصرفه عنها بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن فبويع على هذه النكتة التي اتهمها عليّ (عليه السلام) على أنّها ابتدأت منها.
و كان على يذكر هذا لاصحابه في خلواته كثيرا و يقول: انه لم يقل(ص)«انكن لصويحبات يوسف» الا انكارا لهذه الحال و غضبا منها، لانها و حفصة تبادرتا الى تعيين أبويهما و أنّه(ص)استدركها بخروجه و صرفه عن المحراب فلم يجد ذلك و لا أثر ....
ثمّ قال ابن أبي الحديد: فقلت له .. ره أ فتقول أنت أن عائشة عينت أباها للصلاة و رسول اللّه لم يعينه؟ فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، و لكن عليا كان يقوله و تكليفى غير تكليفه، كان حاضرا و لم أكن حاضرا، فأنا محجوج بالاخبار التي اتصلت بى و هي تتضمن تعيين النبيّ(ص)لابى بكر في الصلاة، و هو محجوج بما كان قد علمه او يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها، الخ راجع ج 2(ص)439.
و قال الشارح في ج 3(ص)191: و روى الارقم بن شرحبيل قال: سألت ابن عبّاس هل أوصى رسول اللّه؟ فقال: لا، قلت فكيف كان؟ فقال ان رسول اللّه(ص)قال في مرضه:
ابعثوا الى على فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثت الى أبى بكر، و قالت حفصة لو بعثت الى عمر فاجتمعوا عنده جميعا.
قال الشارح: هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبريّ في التاريخ (ج 3(ص)196) و لم يقل فبعث رسول اللّه اليهما.
قال ابن عبّاس: فقال رسول اللّه: انصرفوا فان تكن لي حاجة أبعث اليكم فانصرفوا و.
161
قاضي القضاة بحكاية الصلاة إن خبر الصلاة خبر واحد و الإذن فيها ورد من جهة عائشة و ليس بمنكر أن يكون الإذن صدر من جهتها لا من جهة الرسول(ص)و قد استدل أصحابنا على ذلك بشيئين أحدهما
- بقول النبي(ص)على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة و سمع قراءته في المحراب إنّكن كصويحبات يوسف و بخروجه متحاملا من الضعف معتمدا على أمير المؤمنين و الفضل بن العباس إلى المسجد و عزله لأبي بكر عن المقام و إقامة الصلاة بنفسه.
و هذا يدل دلالة واضحة على أن الإذن في الصلاة لم يكن منه(ص)
____________
قيل لرسول اللّه: الصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلى بالناس فقالت عائشة ان أبا بكر رجل رقيق فمر عمر، فقال: مروا عمر، فقال عمر ما كنت لا تقدم و أبو بكر شاهد، فتقدم أبو بكر فوجد رسول اللّه خفة فخرج فلما سمع أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول اللّه ثوبه فأقامه مكانه و قعد رسول اللّه فقرأ من حيث انتهى أبو بكر.
قال الشارح: قلت: عندي في هذه الواقعة كلام و يعترضنى فيها شكوك و اشتباه، اذا كان قد أراد أن يبعث الى على ليوصى إليه [لان مخرج كلام ابن عبّاس هذا المخرج و سؤال شرحبيل كان عن الوصية] فنفست عائشة عليه، فسألت أن يحضر أبوها و نفست حفصة عليه، فسألت ان يحضر أبوها، ثمّ حضرا و لم يطلبا فلا شبهة أن ابنتيهما طلبتاهما، هذا هو الظاهر.
و قول رسول اللّه(ص)و قد اجتمعوا كلهم عنده «انصرفوا فان تكن لي حاجة بعثت اليكم» قول من عنده ضجر و غضب باطن لحضورهما و تهمة للنساء في استدعائهما، فكيف يطابق هذا الفعل و هذا القول ما روى من أن عائشة قالت لما عين على أبيها في الصلاة «ان أبى رجل رقيق فمر عمر» و أين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء و الاستقالة؟
و هذا يوهم صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبى بكر كانت عن امر عائشة، و ان كنت لا أقول بذلك و لا أذهب إليه، الا أن تأمل هذا الخبر و لمح مضمونه يوهم ذلك، فلعل هذا الخبر غير صحيح .... الى آخر ما قال، و فيه الاعتراض بلزوم النسخ قبل تقضى وقت فعله حيث قال(ص)مروا أبا بكر أن يصلى بالناس، ثمّ قال: مروا عمر.
162
و قال بعض المخالفين أن السبب في قوله إن كن صويحبات يوسف إنه(ص)لما أوذن بالصلاة و قال مروا أبا بكر ليصلي بالناس فقالت له عائشة إن أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك في الصلاة و لكن تأمر عمر أن يصلي بالناس فقال عند ذلك إنّكن صويحبات يوسف (1) و هذا ليس بشيء لأن النبي لا يجوز أن يكون أمثاله إلا وفقا لأغراضه و قد علمنا أن صويحبات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف و لا مراجعة له في شيء أمرهن به و إنما افتتن بأسرهن بحسنه و أرادت كل واحدة منهن مثل ما أرادته صاحبتها فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديمها أباها للصلاة للتجمل و الشرف بمقام رسول الله(ص)و لما يعود بذلك عليها و على أبيها من الفخر و جميل الذكر.
و لا عبرة بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعي أن الرسول(ص)لما خرج إلى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة و أقره في مقامه لأن هذا من قائله غلط فظيع من حيث يستحيل أن يكون النبي(ص)و هو الإمام المتبع في سائر الدين متبعا مأموما في حال من الأحوال (2) و كيف يجوز أن يتقدم على
____________
(1) و قال الشيخ المفيد (قدّس سرّه) على ما في مختار العيون و المحاسن(ص)90: لا خلاف أن النبيّ(ص)كان من أحكم الحكماء و أفصح الفصحاء و لم يكن يشبه الشيء بخلافه و يمثله بضده و انما كان يضع المثل في موضعه فلا يخرم ممّا مثله به في معناه شيئا، و نحن نعلم أن صويحبات يوسف انما عصين اللّه تعالى و خالفنه بأن أرادت كل واحدة منهن من يوسف ما أرادته الأخرى و فتنت به كما فتنت به صاحبتها، فلو كانت عائشة دفعت الامر عن أبيها و لم ترد شرف ذلك المقام له و لم تفتتن بمحبة الرئاسة و علو المنزلة، لكان النبيّ في تشبيهها بصويحبات يوسف قد وضع المثل في غير موضعه و شبه الشيء بضده و خلافه، و رسول اللّه يجل عن هذه الصفة.
(2) بل و قد مر(ص)148 في حديث أخرجه مسلم ج 2(ص)25 أن أبا بكر نفسه صلى صلاة أمها بالمسلمين حيث أحس بأن النبيّ(ص)قد جاء الى الصلاة أبطل صلاته و تأخر الى داخل الصفوف، علما منه بأن صلاته و دعاءه لا يقبل إذا كان رسول اللّه حاضرا في الصف معهم، و لذلك صرّح بذلك و قال: «ما كان لابن أبي قحافة أن يصلى بين يدي رسول اللّه» فلم ينكر عليه رسول اللّه ذلك، بل و في لفظ البخارى ج 9(ص)92 سنن النسائى الإمامة 15 مسند ابن حنبل ج 5(ص)332 و 333 و 336 و 338 أنّه قال عند ذلك: «لم يكن لابن أبى قحافة أن يؤم النبيّ».
و يدلّ على ذلك أيضا ما رواه ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)69 أنه «لما وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على السرير قال على- ألا يقوم عليه أحد لعله يؤم: هو امامكم حيا و ميتا فكان يدخل الناس رسلا رسلا فيصلون عليه صفا صفا ليس لهم امام» و لاجل أن رسول اللّه امام حيا و ميتا ترى المسلمين لم يصلوا عليه (ص) بامامة و هذا اتفاقى.
163
النبي(ص)غيره في الصلاة و قد دلت الأخبار على أنه لا يتقدم فيها إلا الأفضل على الترتيب و التنزيل المعروف. (1)
و أقول ذلك من مذهب أصحابنا معلوم لا يحتاج إلى بيان و قد ورد من صحاح الأخبار عند المخالفين ما يدل عليه
- رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَ لَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ:
وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ (2).
. و روى في جامع الأصول ما يدل على هذا المعنى بتغيير في اللفظ عن مسلم
____________
(1) الشافي: 388، تلخيص الشافي ج 3(ص)30.
(2) راجع صحيح مسلم ج 2(ص)33: كتاب المساجد الرقم 290 و 291 سنن الترمذي كتاب الصلاة الباب 60 كتاب الأدب 24، سنن النسائى كتاب الإمامة الرقم 3 و 6 سنن ابن ماجة كتاب اقامة الصلاة 46.
164
و الترمذي و النسائي و أبي داود و قال قال شعبة قلت لإسماعيل ما تكرمته قال فراشه. (1)
- وَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ(ص)إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَ أَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ: (2).
- وَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص: لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَ لْيَؤُمَّكُمْ قَرَّاؤُكُمْ (3).
. و قد ذكر في المشكاة هذه الروايات على الوجه الذي ذكرناها. (4)
و قد قال بالترتيب في الإمامة جمهور العامة و إنما اختلفوا في تقدم الفقه أو القراءة فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى تقدم القراءة لظاهر الخبر و الشافعي و مالك إلى تقدم الفقه على القراءة فلو دل التقدم على الأفضلية فتقدم أحد على الرسول(ص)مما لا نزاع في بطلانه و لو لم يدل عليها و جاز تقديم المفضول و كان من قبيل ترك الأولى فسقط الاحتجاج بتقدم أبي بكر و أضرابه إذ يجوز حينئذ أن يكون مفضولا بالنسبة إلى كل واحد من مؤتميه و هو واضح.
و أنت بعد اطلاعك على أخبارهم السالفة لا ترتاب في بطلان القول بأنه(ص)صلى خلف أبي بكر إذ بعض روايات عائشة صريحة في أنه جلس بين يدي أبي بكر و بعضها صريحة في أنه اقتدى أبو بكر بصلاته(ص)و إن كان جلس إلى جنب أبي بكر و بعض روايات أنس دلت على عدم خروجه في مرضه إلى الصلاة كما سبق فكان منافيا لما دل على اقتدائه بأبي بكر و تلك
____________
(1) جامع الأصول ج 6(ص)373.
(2) صحيح مسلم ج 2(ص)133.
(3) سنن ابى داود كتاب الصلاة الباب 60 و أخرجه في جامع الأصول ج 6(ص)377.
(4) مشكاة المصابيح: 100 ط كراچى.
165
الروايات أكثر فلا يصلح ما دلت على أنه(ص)صلى خلف أبي بكر معارضة لها و لو سلمنا كونها صالحة للمعارضة لها فإذا تعارضتا تساقطتا فبقي ما رواه أصحابنا سليما عن معارض و قد صرح الثقات عندهم من أرباب السير كصاحب الكامل و غيره بأنه كان يصلي بصلاة رسول الله(ص)و كفاك شاهدا على بطلانه اعتراف قاضي القضاة الذي يتشبث بكل رطب و يابس فلو لا أنه رأى القول بذلك فظيعا ظاهر البطلان لما فاته التمسك به.
فظهر أن ما ذكره المتعصبون من متأخريهم كصاحب المواقف و شارحه و الشارح الجديد للتجريد من أنه(ص)صلى خلفه و أن الروايات الصحيحة متعاضدة على ذلك إنما نشأ من فرط الجهل و الطغيان في العصبية و لقد أحال السيد (1) حيث أورد في بيان تعاضد الروايات الصحيحة روايتين مجهولتين غير مسندتين إلى أصل أو كتاب
- قال روي عن ابن عباس أنه قال لم يصل النبي(ص)خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر و صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة.
- قال و روي عن رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه أنه قال لما ثقل النبي(ص)عن الخروج أمر أبا بكر أن يقوم مقامه فكان يصلي بالناس و ربما خرج النبي(ص)بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة فصلى خلفه و لم يصل خلف أحد غيره إلا أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة واحدة في سفر.
ثم ذكر رواية أنس الدالة على أنه رفع الستر فنظر إلى صلاتهم و تبسم كما سبق ثم قال و أما ما
- روى البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة و ذكر الرواية السابقة (2) إلى قولها فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله(ص)و الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
ثم فسره فقال أي بتكبيره و جمع بينها و بين الخبرين السابقين
____________
(1) يعني السيّد الشريف الجرجانى شارح المواقف المتوفى 816.
(2) راجع الرواية تحت الرقم 14 و 15(ص)143.
166
بأن هذا إنما كان في وقت آخر. (1)
و ليت شعري إذا كانت الروايتان صحيحتين فلم لم يسندهما إلى كتاب أو أصل معروف كما أسند رواية عروة عن عائشة و لو كان رسول الله(ص)صلى خلفه في مرضه فلم كانت عائشة مع حرصها على إثبات فضل لأبيها تارة تروي اقتداء الناس بأبي بكر و اقتداء أبي بكر بصلاته(ص)و تارة جلوسه بين يدي أبي بكر و لم لم يقل عُمَرُ يوم السقيفة أيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من فضله رسول الله(ص)على نفسه و صلى خلفه.
و العجب من السيد الشريف أنه ترك التمسك برواية الترمذي عن عائشة (2) و روايته و رواية النسائي عن أنس (3) و تمسك بهاتين لها فعجز عن إسنادهما إلى أصل.
و أما ما ذكره في وجه الجمع فظاهر البطلان إذ لو كان المراد بوقت آخر غير مرض موته(ص)فكثير من الروايات السابقة مع اتفاق كلمة أرباب السير يشهد بخلافه و لو كان المراد وقوع الأمرين كليهما في مرض الموت كل في وقت فسوق رواية عبيد الله بن عبد الله عن عائشة التي رواها البخاري و مسلم و عدوها من المتفق عليه و سوق كلام أرباب السير أيضا ينادي بفساده و لو كان المراد أن ما تضمنه خبر رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه كان في غير مرض موته(ص)فواضح البطلان إذ لم يذكر أحد من أرباب السير و الرواة أنه أمر(ص)أبا بكر أن يصلي بالناس إلا في تلك الحال و لم يكن أحد يفهم من قولهم لما ثقل النبي(ص)عن الخروج و من حكايتهم الصلاة في مرضه و أمره أبا بكر بالصلاة إلا مرض الموت مع أن رواية الترمذي و النسائي صريحة في وقوعه حينئذ.
____________
(1) راجع شرح المواقف(ص)609.
(2) الرواية تحت الرقم 11(ص)142.
(3) الرواية تحت الرقم 13(ص)142.
167
على أن التمسك بصلاته(ص)خلف أبي بكر في إثبات الفضل لأبي بكر حماقة عجيبة إذ هو من قبيل الاستدلال بمقدمة مع الاعتراف بنقيضها فإن التقدم في الصلاة لو دل على فضل الإمام لكان أبو بكر أفضل من الرسول(ص)و إلا فانقلع الأساس من أصله و قد نبهناك عليه فلا تغفل.
ثم قال السيد رضي الله عنه و مما يدل على بطلان هذه الدعوى أنه(ص)لو لم يعزله عند خروجه عن الصلاة لما كان فيما وردت به الرواية من الاختلاف في أنه(ص)لما صلى بالناس ابتدأ من القرآن من حيث ابتدأ أبو بكر أو من حيث انتهى معنى على أنا لا نعلم لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه وجها يكون منه خبر الصلاة شبهة في النص مع تسليم أن النبي(ص)أمر بها أيضا لأن الصلاة ولاية مخصوصة في حالة مخصوصة لا تعلق لها بالإمامة لأن الإمامة تشتمل على ولايات كثيرة من جملتها الصلاة ثم هي مستمرة في الأوقات كلها فأي نسبة مع ما ذكرناه بين الأمرين.
على أنه لو كانت الصلاة دالة على النص لم يخل من أن يكون دالة من حيث كانت تقديما في الصلاة أو من حيث اختصت مع أنها تقديم فيها بحال المرض فإن دلت من الوجه الأول وجب أن يكون جميع من قدمه الرسول في طول حياته للصلاة إماما للمسلمين و قد علمنا أنه(ص)قد ولّى الصلاة جماعة لا يجب شيء من هذا فيهم و إن دلت من الوجه الثاني فالمرض لا تأثير له في إيجاب الإمامة فلو دل تقديمه في الصلاة في حال المرض على الإمامة لدل على مثله التقديم في حال الصحة و لو كان للمرض تأثير لوجب أن يكون تأميره أسامة بن زيد و تأكيده أمره في حال المرض مع أن ولايته تشتمل على الصلاة و غيرها موجبا للإمامة لأنه لا خلاف في أن النبي(ص)كان يقول إلى أن فاضت نفسه الكريمة (صلوات الله عليه و آله) نَفِّذُوا جيش أسامة و يكرر ذلك و يردده.
فإن قيل لم تدل الصلاة على الإمامة من الوجهين اللذين أفسدتموهما لكن
168
من حيث كان النبي(ص)مُؤْتَمّاً بأبي بكر في الصلاة و مصليا خلفه قلنا قد مضى ما يبطل هذا الظن فكيف يجعل ما هو مستحيل في نفسه حجة على أن الرسول(ص)عند مخالفينا قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف و لم يكن ذلك مُوجِباً له الإمامةَ و خبر صلاة عبد الرحمن بن عوف أثبت عندهم و أظهر فيهم من صلاته خلف أبي بكر لأن الأكثر منهم يعترف بعزله عن الصلاة عند خروجه(ص)و قد بينا أن المرض لا تأثير له فليس لهم أن يفرقوا بين صلاته خلف عبد الرحمن و بينها خلف أبي بكر للمرض انتهى (1) أقول ما ذكره السيد رضي الله تعالى عنه من عزله عن الصلاة فقد عرفت اشتمال رواياتهم عليه إذ في بعض روايات عائشة أن رسول الله(ص)كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و ظهر من رواياتها الأخرى التي رواها مسلم و البخاري أن أبا بكر كان يُسْمِعُ الناسَ التكبيرَ و قد عرفت اعتراف شارح المواقف بذلك و تأويله ما في الروايات الأخر من أن الناس كانوا يصلّون بصلاة أبي بكر بأن المراد يصلّون بتكبيره و لا بد لهم من هذا الجمع و إلا لتناقضت رواياتهم الصحيحة و قد صرح بهذا التأويل بعض فقهائهم بناء على عدم جواز إمامة المأموم و لعله لم يقل أحد بصحة الصلاة على هذا الوجه و ظاهر المقام أيضا ذلك إذ ما بال أبي بكر يقتدي برسول الله(ص)و الناس يقتدون بأبي بكر مع حضوره(ص)و لم يدل دليل على عدم جواز العدول في نية الاقتداء بإمام إلى الايتمام بإمام آخر سيما الرسول(ص)و جواز العدول من الإمامة إلى الايتمام حتى يجوز اقتداء أبي بكر بصلاته(ص)و لا يجوز اقتداء الناس.
على أن علم عائشة بأن الناس كانوا يأتمون بأبي بكر لا يخلو عن غرابة إذ يبعد أن تكون عائشة سألت الناس واحدا واحدا فأجابوا بأنا اقتدينا بأبي بكر و مجرد تأخر أفعالهم عن أفعاله على تقدير وقوعه لا يدل على ايتمامهم به و إلا لكان الناس خلف كل إمام مؤتمين بمن يرفع صوته بالتكبير مع أن أكثر الناس
____________
(1) الشافي 389 تلخيص الشافي ج 3(ص)31.
169
كانوا لا يرون رسول الله(ص)لكونه جالسا فكانوا ينتظرون سماع صوت بالتكبير و نحوه و لا يخفى أن العزل عن الصلاة ليس إلا هذا فعلى تقدير مساعدتهم على أنه أمر أبا بكر بالصلاة نقول إنه(ص)أمر أبا بكر أولا أن يصلي بالناس فلما وجد من نفسه خفة خرج فعزله عنها فظهر أنه قد جرت قصة الصلاة مجرى قصة البراءة و الحمد لله وحده.
و أما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنه(ص)ولّى الصلاةَ جماعةً فمنهم سالم مولى أبي حذيفة (1) على ما رواه البخاري و أبو داود في صحيحيهما و حكاه عنهما في جامع الأصول في صفة الإمام و ذكره في المشكاة في الفصل الثالث من باب الإمامة عن ابن عمر قال لما قدم المهاجرون الأولون المدينة كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة و فيهم عمر و أبو سلمة بن عبد الأسد.
قال في جامع الأصول و في رواية أخرى نحوه و فيها و فيهم عمر و أبو سلمة و زيد و عامر بن ربيعة أخرجه البخاري و أبو داود و الظاهر أنه كان على وجه الاستمرار كما يدل عليه لفظة كان و أنه كان بأمره(ص)عموما أو خصوصا و إلا لعزله و لم يصلّ الأصحاب خلفه.
و منهم ابن أم مكتوم (2) على ما
- رواه أبو داود في صحيحه و ذكره في جامع الأصول في صفة الإمام و أورده في المشكاة في الفصل الثاني من الباب المذكور عن أنس قال استخلف رسول الله(ص)ابن أم مكتوم يؤم الناس و هو أعمى.
و استدلوا بهذا الخبر على إمامة الأعمى.
- و قال في مصباح الأنوار أمر رسول الله(ص)ابن عبد المنذر في غزاة بدر أن يصلي بالناس فلم يزل يصلي بهم حتى انصرف النبي(ص)و استخلف عام الفتح ابن أم مكتوم الأعمى فلم يزل يصلي بالناس في المدينة و استخلف في غزاة حنين كلثوم بن حصين أحد بني غِفار و استخلف عام خيبر أبا ذر الغفاريَّ و في غزاة الحديبية ابنَ عُرْفُطَةَ و استخلف عَتَّابَ بن أَسِيد على مكة و رسول الله ص
____________
(1) جامع الأصول ج 6(ص)378 مشكاة المصابيح: 100.
(2) جامع الأصول ج 6(ص)378 مشكاة المصابيح: 100.
170
مقيم بالأبطح و أمره أن يصلي بمكة الظهر و العصر و العشاء الآخرة و كان النبي(ص)يصلي بهم الفجر و المغرب و استخلف في غزاة ذات السلاسل سعد بن عبادة و استخلف في طلب كرز بن جابر الفهري زيد بن حارثة و استخلف في غزاة سعد العشيرة أبا سلم بن عبد الأسد المخزومي و استخلف في غزاة الأُكَيْدَر ابن أم مكتوم و استخلف في غزاة بدر الموعد عبد الله بن رواحة.
فما ادعى أحد منهم الخلافة و لا طمع في الإمرة و الولاية انتهى.
و قد ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب استخلاف كلثوم بن حصين الغفاري على المدينة مرتين مرة في عمرة القضاء و مرة عام الفتح في خروجه إلى مكة و حنين و الطائف و استعمال عَتَّابِ بن أَسِيد على مكة عام الفتح حين خرج إلى حنين و أنه أقام للناس الحج تلك السنة و هي سنة ثمان قال فلم يزل عتّاب أميرا على مكة حتى قبض(ص)و أقره أبو بكر عليها إلى أن مات و استعمال زيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة. (1).
و أما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنهم زعموا أنه(ص)صلى خلف عبد الرحمن فيدل عليه رواياتهم و كلام علمائهم و قد روى في جامع الأصول في باب إمامة الصلاة و في كتاب الطهارة (2) روايات عديدة حكاها عن البخاري و مسلم و أبي داود و النسائي و عن الموطإ لا فائدة في ذكرها بلفظها و قد اعترف بها من المخالفين من ادعى صلاته(ع)خلف أبي بكر كشارح المواقف و من اعترف منهم بأنه(ص)لم يصل خلف أبي بكر كقاضي القضاة.
و قد ذكر ابن عبد البر صلاته(ص)خلف عبد الرحمن بن عوف و لم يذكر
____________
(1) راجع تراجم هؤلاء في الاستيعاب و أسد الغابة و هكذا ذكروهم في السير عند خروج رسول اللّه الى المغازى.
(2) جامع الأصول ج 8(ص)130 و ج 6(ص)406 أسد الغابة 3/ 316 تهذيب التهذيب 6/ 245.
171
ما ذكره في المغني من ضيق الوقت و كذا ليس ذلك في رواياتهم التي أشرنا إليها و لا يذهب عليك أنه اعتذار سخيف إذ على تقدير ضيق الوقت كان يجوز له(ص)أن يصلي منفردا أو يقوم إلى جانب عبد الرحمن و يصلي حتى يصلي عبد الرحمن بصلاته(ص)و الناس بصلاة عبد الرحمن كما دلت عليه كثير من رواياتهم التي اعتمدوا عليها في صلاة أبي بكر أو يصلوا جميعا بصلاة رسول الله(ص)فصلاة عبد الرحمن أبلغ و أقوى في الدلالة على الخلافة على ما زعموه مع أنه لم يقل أحد بخلافة عبد الرحمن و لا ادعاها هو و حينئذ فنقول إذا صلى رسول الله(ص)خلف عبد الرحمن على ما زعموه و لم يصل خلف أبي بكر فليس ذلك إلا إزالة لهذه الشبهة الضعيفة و إن كان لو صلى لم يدل على استحقاقه للإمامة كما لم يدل في حق عبد الرحمن.
و أما الفرق بين التقدم في الصلاة و الإمامة فغير منحصر فيما ذكره السيد رضي الله عنه أما على مذهب الأصحاب من اشتراط العصمة و التنصيص فواضح و أما على زعم المخالفين فلإطباقهم بل لاتفاق المسلمين على أن الإمامة لا تكون إلا في قريش قال صاحب المغني قد استدل شيوخنا على ذلك بما
- روي عنه(ص)أن الأئمة من قريش.
و
- روي عنه(ص)أنه قال هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش.
و قووا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الأنصار عما كانوا عزموا عليه لأنهم عند هذه الرواية انصرفوا عن ذلك و تركوا الخوض فيه و قووا ذلك بأن أحدا لم ينكره في تلك الحال فإن أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين فشهدوا حتى صار خارجا عن باب خبر الواحد إلى الاستفاضة و قووا ذلك بأن ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملإ من الناس و ادعى عليه المعرفة فتركهم النكير يدل على صحة الخبر المذكور.
ثم حكى في فصل آخر عن أبي علي أنه قال إذا لم يوجد في قريش من يصلح للإمامة يجوز أن ينصب من غيرهم و أما على تقدير وجوده في قريش فلا
172
خلاف في عدم جواز العدول عنهم إلى غيرهم و لا خلاف بين الأمة في أن إمام الصلاة لا يشترط فيه أن يكون قرشيا فالاستدلال بصلوح الرجل لإمامة الصلاة على كونه صالحا للخلافة باطل باتفاق الكل.
و أيضا اتفق الكل على اشتراط العدالة في الإمام و جوزت العامة أن يتقدم في الصلاة كل بر و فاجر
- وَ مِمَّا رَوَوْهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ وَ رَوَاهُ فِي الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ(ص)الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلَّ أَمِيرٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً وَ إِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ وَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً وَ إِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ (1).
. و أيضا يشترط في الإمام الحرية بالاتفاق بخلاف المتقدم في الصلاة فقد اختلف الأصحاب في اشتراطها و ذهب أكثر العامة إلى جواز الاقتداء بالعبد من غير كراهة و استدل عليه في شرح الوجيز بأن عائشة كان يؤمها عبد لها يكنى أبا عمر (2) و ذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره إمامة العبد و أيضا يشترط في الإمام أن يكون بالغا بالاتفاق و جوز الشافعي الاقتداء بالصبي المميز و استدلوا عليه بأن عمرو بن سلمة كان يؤم قومه على عهد رسول الله(ص)و هو ابن سبع (3) و منع أبو حنيفة و مالك و أحمد من الاقتداء به في الفريضة و في النافلة اختلف الرواية عنهم.
____________
(1) مشكاة المصابيح: 100.
(2) أخرجه في جامع الأصول ج 6(ص)378 عن البخارى، راجع البخارى كتاب الاذان الباب 54 ج 1(ص)177 قال: باب امامة العبد و المولى و كانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف و ولد البغى و الاعرابى و الغلام الذي لم يحتلم لقول النبيّ يؤمهم أقرأهم لكتاب اللّه ثمّ روى في(ص)178 بإسناده عن أبي هريرة أن رسول اللّه قال:
يصلون لكم فان أصابوا فلكم و ان أخطئوا فلكم و عليهم.
(3) رواه البخارى و أبو داود و النسائى على ما في جامع الأصول ج 6/ 375.
173
و أيضا يشترط في الإمام بالاتفاق نوع من العلم فيما يتعلق بحقوق الناس و السياسات و لم يشترط ذلك في المتقدم في الصلاة بالاتفاق فظهر أن الإمامة بمراحل عن تولي الصلاة و مع ذلك فقد تم بما تمسك به عمر بن الخطاب يوم السقيفة من إمامة أبي بكر في الصلاة أمر بيعته و انصرف الأنصار بذلك عن دعواهم
- روى ابن عبد البر في الإستيعاب بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله(ص)أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا اللهم نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله(ص)فقالوا كلنا لا تطيب نفسه و نستغفر الله.
و قد روى هذا المعنى كثير من الثقات عندهم و نقلة آثارهم. (1)
فانظر أيها العاقل بعين الإنصاف كيف استزلهم الشيطان و قادهم إلى النار بكلام عمر بن الخطاب كما استهوى قوم موسى بخوار العجل و أنساهم ما نطق به الرسول الأمين(ص)من النصوص الصريحة في أمير المؤمنين(ع)كما أغفل بني
____________
(1) رواه من أصحاب الصحاح النسائى عن ابن مسعود على ما في الجامع ج 9(ص)435 و لفظه: لما قبض رسول اللّه قالت الأنصار منا أمير و منكم امير، فأتاهم عمر فقال أنسيتم أن رسول اللّه قد أمر أبا بكر أن يصلى بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟
فقالوا: نعوذ باللّه أن نتقدم أبا بكر.
و لكن قد عرفت بما لا مزيد عليه أن رسول اللّه لم يأمر أبا بكر بالصلاة و صحابة الرسول الذين كانوا يراجعون رسول اللّه و يعودونه في شكواه، اعرف بذلك، حيث كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بمشهد منهم يوصيهم بأن ينفذوا جيش أسامة و فيهم أبو بكر و عمر و وجوه الأنصار و المهاجرين، فهذا الكلام الذي نقلوه عن ابن مسعود من استدلال عمر على الأنصار بصلاة أبى بكر موضوع مزور عليه فيما بعد من الزمن على عهد التابعين و المتكلّمين الذين أسسوا قاعدة مذاهبهم على الأدلة الصناعية، و من أيديهم تخرجت هذه الأحاديث و ما شابهها في غصون اعتقاداتهم تقليدا لسلفهم الصالح!.
174
إسرائيل عن آيات رب العالمين فنبذوا الحق وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ و قد أورد السيد بن طاوس رضي الله تعالى عنه في كتاب الطرائف (1) فصلا طويلا في ذلك تركناه حذرا من التكرار و الإطناب و فيما أوردناه غنية لأولي الألباب.
____________
(1) راجع الطرائف: 60- 63.
175
باب 4 [شرح انعقاد السقيفة و كيفية السقيفة] (1)
1- ج، الإحتجاج عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ رِجَالِهِ
____________
(1) ترى في هذا الباب شرح انعقاد السقيفة و كيفية الصفقة على يد أبى بكر بالبيعة و خلاصة الكلام في ذلك أن الخزرج اجتمعوا في سقيفتهم سقيفة بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج و عليهم رئيسهم الأعظم سعد بن عبادة بن دليم و قد جعل نقيبا عليهم في العقبة الثانية من قبل الرسول (ص)، و هكذا حضرت الاوس تبعا و فيهم نقيبهم أسيد بن حضير و لا رئيس عليهم يومئذ، اذ كان سعد بن معاذ و هو رئيسهم الأول قد استشهد في غزاة بنى قريظة.
و انما اجتمعوا فيها ليرتئوا أمرهم في مستقبل الامر و يخطوا لانفسهم خطة جامعة يجمع شملهم، حيث كان يترشح من كلام النبيّ الأعظم (ص) أن أمته مفتونون بعده و أن أهل بيته يستضعفون و يضامون و يلقون بعده بلاء و تشريدا و تطريدا، و ان قريشا ستغدر بعلى المنصوص خلافته و سترجع الأمة كفّارا يضرب بعضهم رقاب بعض و لعلهم قد كانوا علموا بالصحيفة التي كتبها أهل العقدة على أن يمنعوا أهل بيت النبيّ من حقوقهم و يصرفوهم عن مستقرهم.
الى غير ذلك ممّا يقرع أسماعهم أن النبيّ قد أسر إلى بعض أزواجه حديث الملحمة في الخلافة و أن أبا بكر و هكذا عمر كان يحدث احيانا أنّه رآه بعض الكهنة يبشره بالزعامة و الرئاسة بعد نبى يبعث بالحرم و خصوصا ما قال لهم الرسول على الخصوص «انكم سترون بعدى أثرة فاصبروا حتّى تلقونى».
و بينما تخلص كلامهم في هذا الجمع الى أن من مصلحة شئونهم أن يختاروا لانفسهم أميرا يصدرون عن أمره و نهيه لئلا يختلف عليهم الكلمة فيتغلب عليهم المهاجرون الموتورون اذ ورد عليهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح فأكثروا القالة و خالفوا الأنصار قائلين أنا أسرة النبيّ و قومه و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الأئمّة من قريش، فقام حباب المنذر و قال: فمنا أمير و منكم أمير فانا لا ننفس هذا الامر عليكم و لكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم و اخوتهم، فقال أبو بكر نحن الامراء و أنتم الوزراء و هذا الامر بيننا و بينكم نصفين كقد الابلمة يعنى الخوصة.
و عند ذلك ارتفعت الأصوات و كثر اللغط، و تناول أبو بكر يد عمر و أبى عبيدة قائلا: بايعوا أيهما شئتم، و قال عمر لابى بكر ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه ثمّ بايعه أبو عبيدة و سالم مولى أبى حذيفة؛ و ثار بشير بن سعد الأنصاريّ رغما و حسدا على ابن عمه سعد بن عبادة ألا يتفق عليه كلمة الأنصار فبايع أبا بكر بمن معه من عشيرته ثمّ بايعه أسيد بن حضير نقيب الاوس خوفا من أن يليها الخزرج و هم على ما هم عليه من الضغائن الكامنة في نفوسهم من عهود الجاهلية، فتمت صفقة أبى بكر و خزيت دعاية الخزرج في رئيسهم باختلاف الكلمة بينهم.
فترى الأنصار اجتمعوا في السقيفة سعيا في اتّحاد كلمتهم و نصب أمير يجمع شملهم فعاد اجتماعهم هذا بلاء و أثرة عليهم، و تشريدا و تطريدا لاهل بيت نبيهم، و للّه أمر هو بالغه، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
176
ثِقَةً عَنْ ثِقَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)خَرَجَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ إِلَى الصَّلَاةِ مُتَوَكِّياً عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ غُلَامٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ ثَوْبَانُ وَ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَرَادَ التَّخَلُّفَ عَنْهَا لِثِقَلِهِ ثُمَّ حَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ(ص)وَ خَرَجَ فَلَمَّا صَلَّى عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ اجْلِسْ عَلَى الْبَابِ وَ لَا تَحْجُبْ أَحَداً مِنَ الْأَنْصَارِ وَ تَجَلَّاهُ الْغَشْيُ وَ جَاءَتِ الْأَنْصَارُ
177
فَأَحْدَقُوا بِالْبَابِ وَ قَالُوا ائْذَنْ لَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ هُوَ مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ وَ عِنْدَهُ نِسَاؤُهُ فَجَعَلُوا يَبْكُونَ فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْبُكَاءَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالُوا الْأَنْصَارُ فَقَالَ(ص)مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي قَالُوا عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ فَدَعَاهُمَا وَ خَرَجَ مُتَوَكِّئاً عَلَيْهِمَا فَاسْتَنَدَ إِلَى جَذَعٍ مِنْ أَسَاطِينِ مَسْجِدِهِ وَ كَانَ الْجَذَعُ جَرِيدُ نَخْلَةٍ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَ خَطَبَ وَ قَالَ فِي كَلَامِهِ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا خَلَّفَ تَرِكَةً وَ قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِي فَمَنْ ضَيَّعَهُمْ ضَيَّعَهُ اللَّهُ (1) أَلَا وَ إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِيَ الَّتِي آوِي إِلَيْهَا وَ إِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَ تَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ (2)
____________
(1) هذه الرواية ممّا تواترت عن النبيّ الأعظم و قد اعترف به علماء المسلمين إجماعا و قد كان يقول ذلك مرارا، و ممّا حفظ عنه أنه (ص) قال ذلك في أربعة مواطن: يوم عرفة على ناقته القصوى، و في مسجد الخيف، و في خطبة يوم الغدير، و يوم قبض على منبره راجع في ذلك هامش الاحقاق ج 9(ص)309- 375، و ناهيك من ذلك اخراج أصحاب الصحاح مسلم ج 7(ص)122 و 123، الترمذي ج 5(ص)328 و في ط ج 13(ص)200 الحاكم ج 3(ص)138 من مستدركه ابن حنبل في مسنده ج 3(ص)14 و 17 و 26 و 59 ج 4(ص)367 و 371 ج 5(ص)182 و 190، و الدارميّ في سننه ج 2(ص)431، الى غير ذلك من المعاجم الكثيرة.
(2) و روى الترمذي في صحيحه ج 5(ص)273 عن أبي سعيد عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال:
«ألا ان عيبتى التي آوى إليها أهل بيتى و ان كرشى الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم و اقبلوا من محسنهم» و روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)42 عن ابى سعيد قال: خرج رسول اللّه و الناس مستكفون يتخبرون عنه (يعنى في شكواه التي قبض فيها) فخرج مشتملا قد طرح طرفى ثوبه على عاتقيه عاصبا رأسه بعصابة بيضاء فقام على المنبر و ثاب الناس إليه حتى امتلأ المسجد قال فتشهد رسول اللّه حتّى إذا فرغ قال: يا أيها الناس ان الأنصار عيبتى و نعلى و كرشى التي آكل فيها فاحفظونى فيهم اقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم و في الباب روايات كثيرة راجع صحيح البخاريّ باب مناقب الأنصاريّ الرقم 11، صحيح مسلم فضائل الصحابة 176 (ج 7(ص)74) مسند ابن حنبل ج 3(ص)156، 176، 188 201 و غير ذلك.
178
ثُمَّ دَعَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقَالَ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَ النَّصْرِ وَ الْعَافِيَةِ حَيْثُ أَمَرْتُكَ بِمَنْ أَمَّرْتُكَ عَلَيْهِ وَ كَانَ(ص)قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى مُؤْتَةَ وَادٍ فِي فِلَسْطِينَ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تَأْذَنُ لِي فِي الْمُقَامِ أَيَّاماً حَتَّى يَشْفِيَكَ اللَّهُ فَإِنِّي مَتَى خَرَجْتُ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ خَرَجْتُ وَ فِي قَلْبِي مِنْكَ قَرْحَةٌ فَقَالَ أَنْفِذْ يَا أُسَامَةُ فَإِنَّ الْقُعُودَ عَنِ الْجِهَادِ لَا يَجِبُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَنَّ النَّاسَ طَعَنُوا فِي عَمَلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَلَغَنِي أَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ فِي عَمَلِ أُسَامَةَ وَ فِي عَمَلِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ لَخَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ وَ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ خَلِيقاً بِهَا وَ إِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأُوصِيكُمْ بِهِ خَيْراً فَلَئِنْ قُلْتُمْ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ قَالَ قَائِلُكُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَى بَيْتِهِ وَ خَرَجَ أُسَامَةُ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى عَسْكَرَ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (1) وَ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنْ لَا يَتَخَلَّفْ عَنْ أُسَامَةَ أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَّرْتُهُ عَلَيْهِ فَلَحِقَ النَّاسُ بِهِ وَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَارَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَنَزَلُوا فِي زُقَاقٍ وَاحِدٍ مَعَ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ قَالَ وَ ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَجَعَلَ النَّاسُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا وَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَاكٍ (2) فَكَانَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى النَّبِيِّ(ص)إِلَّا انْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ قَالَ وَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَقْتَ الضُّحَى مِنْ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ أُسَامَةَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِيَوْمَيْنِ فَرَجَعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ وَ الْمَدِينَةُ قَدْ رَجَفَتْ بِأَهْلِهَا فَأَقْبَلَ
____________
(1) يعني الجرف و قد مر في(ص)130- 135 مصادر هذا الحديث من كتب الجماعة.
(2) من الشكوى، أي كان مريضا دنفا.
179
أَبُو بَكْرٍ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ تَمُوجُونَ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ مَاتَ فَرَبُّ مُحَمَّدٍ(ص)لَمْ يَمُتْ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً (1) ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ جَاءُوا بِهِ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ
____________
(1) آل عمران: 144، و انما قال ذلك بعد ما كان ينكر عمر موته (ص)، و هذا أيضا متفق عليه قال الطبريّ في تاريخه ج 3(ص)200: توفى رسول اللّه و أبو بكر بالسنح و عمر حاضر، فحدّثنا ابن حميد- بالاسناد- عن أبي هريرة قال: لما توفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قام عمر بن الخطّاب فقال: ان رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه توفى و ان رسول اللّه ما مات و لكنه ذهب الى ربّه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثمّ رجع بعد أن قيل قد مات، و و اللّه ليرجعن رسول اللّه فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم يزعمون أن رسول اللّه مات.
أقول: انما كان عمر ينكر وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا التشدد و التهديد، ليكون موته (ص) معلقا حتّى يجتمع أهل العقدة، و لما جاء أبو بكر من السنح و قال هذا المقال قبل منه و سكت:
روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2(ص)5، بإسناده عن عروة عن عائشة أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مات و أبو بكر بالسنح فقام عمر فجعل يقول «و اللّه ما مات رسول اللّه- قالت: قال عمر: و اللّه ما كان يقع في نفسى الا ذاك [أقول: لقد كان يشك في تصديق الناس له في هذه المزعمة حتّى أقسم باللّه] و ليبعثنه اللّه فليقطعن أيدي رجال و أرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه النبيّ فقبله و قال: بأبى أنت و امى، طبت حيا و ميتا و الذي نفسى بيده لا يذيقك اللّه الموت مرتين أبدا.
ثمّ خرج فقال: ايها الحالف على رسلك فلم يكلم أبا بكر و جلس عمر فحمد اللّه أبو بكر و أثنى عليه ثمّ قال: الا من كان يعبد محمّدا الحديث.
أ فترى أنّه قد كان يشك في موته (ص) و لئن شك في يوم وفاته فمعلوم أنّه لم يشك في يوم أحد قبل سنوات حين نادى المنادى: «ألا ان محمّدا قد قتل» ففر مع من فر من أصدقائه، حتى عيرهم اللّه عزّ و جلّ بقوله هذا «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» الآية، أو لعلك ترى أن الآية نزلت و صرخت في صماخ الفارين عن زحف أحد و هو منهم، لكنه لم يلتفت بذلك حتّى تلاه أبو بكر عليه يوم وفاة الرسول (ص)؟
و لقد اعترف بذلك ابن أبي الحديد في شرحه ج 1(ص)129 حيث قال: ان عمر كان أجل قدرا من أن يعتقد ما ظهر منه في هذه الواقعة [يعنى نكيره موت الرسول حتّى انه كان يقول (ج 1(ص)130 نفس المصدر) و هكذا مرآة الجنان لليافعي 1/ 59 نقلا عن الترمذي في كتاب الشمائل لا أسمع رجلا يقول مات رسول اللّه الا ضربته بسيفى] و لكنه لما علم أن رسول اللّه قد مات، خاف من وقوع فتنة في الإمامة و تغلب أقوام عليها اما من الأنصار او غيرهم إلى آخر ما سيجيء من كلامه في محله. لكن يبقى عليه أنّه كيف سكت بعد مجيء أبى بكر؟ أ هو الذي كان منصوصا عليه بالولاية من بعد الرسول حتّى يكون حضوره مانعا للفتنة في الإمامة؟ نعم قد كانوا تعاقدوا فيما بينهم عقدا و كان ينتظر مجيء شيخهم و قدوتهم، و بعد ما جاء أبو بكر و حضر أبو عبيدة بن الجراح، انطلقوا الى سقيفة بنى ساعدة.
180
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ أَخْبَرَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَ مَضَيَا مُسْرِعَيْنِ إِلَى السَّقِيفَةِ وَ مَعَهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ فِي السَّقِيفَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بَيْنَهُمْ مَرِيضٌ فَتَنَازَعُوا الْأَمْرَ بَيْنَهُمْ فَآلُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ لِلْأَنْصَارِ إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَوْ إِلَى عُمَرَ وَ كِلَاهُمَا قَدْ رَضِيتُ لِهَذَا الْأَمْرِ وَ كِلَاهُمَا أَرَاهُ لَهُ أَهْلًا فَقَالَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْتَ أَقْدَمُنَا إِسْلَاماً وَ أَنْتَ صَاحِبُ الْغَارِ وَ ثانِيَ اثْنَيْنِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ وَ أَوْلَانَا بِهِ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ نَحْذَرُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْكُمْ فَنَجْعَلُ مِنَّا أَمِيراً وَ مِنْكُمْ أَمِيراً وَ نَرْضَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ اخْتَرْنَا آخَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ مَدَحَ الْمُهَاجِرِينَ وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ وَ لَا نِعْمَتُهُمْ الْعَظِيمَةُ فِي الْإِسْلَامِ رَضِيَكُمْ اللَّهُ أَنْصَاراً لِدِينِهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ
181
جَعَلَ إِلَيْكُمْ مُهَاجَرَتَهُ وَ فِيكُمْ مَحَلَّ أَزْوَاجِهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ بِمَنْزِلَتِكُمْ فَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَ أَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَمْلِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ وَ إِنَّمَا النَّاسُ فِي فَيْئِكُمْ وَ ظِلَالِكُمْ وَ لَنْ يَجْتَرِئَ مُجْتَرِئٌ عَلَى خِلَافِكُمْ وَ لَنْ يَصْدُرَ النَّاسُ إِلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ وَ أَثْنَى عَلَى الْأَنْصَارِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَبَى هَؤُلَاءِ تَأْمِيرَكُمْ عَلَيْهِمْ فَلَسْنَا نَرْضَى تَأْمِيرَهُمْ عَلَيْنَا وَ لَا نَقْنَعُ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ هَيْهَاتَ لَا يَجْتَمِعُ سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ إِنَّهُ لَا تَرْضَى الْعَرَبُ أَنْ تُؤَمِّرَكُمْ وَ نَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ وَ لَكِنَّ الْعَرَبَ لَا تَمْتَنِعُ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَهَا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ وَ لَنَا بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ وَ السُّلْطَانُ الْبَيِّنُ فَمَا يُنَازِعُنَا فِي سُلْطَانِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ وَ عَشِيرَتُهُ إِلَّا مُدْلٍ بِبَاطِلٍ أَوْ مُتَجَانِفٌ لِإِثْمٍ أَوْ مُتَوَرِّطٌ فِي الْهَلَاكَةِ مُحِبٌّ لِلْفِتْنَةِ فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ثَانِيَةً فَقَالَ يَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ أَمْسِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ وَ لَا تَسْمَعُوا مَقَالَةَ هَذَا الْجَاهِلِ وَ أَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُوا بِنَصِيبِكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ إِنْ أَبَوْا أَنْ يَكُونَ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ فَأَجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ وَ تَوَلَّوْا هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ فَقَدْ دَانَ بِأَسْيَافِكُمْ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَدِينُ بِغَيْرِهَا وَ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَ عُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ وَ اللَّهِ لَئِنْ رَدَّ أَحَدٌ قَوْلِي لَأَحْطِمَنَّ أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَلَمَّا كَانَ الْحُبَابُ هُوَ الَّذِي يُجِيبُنِي لَمْ يَكُنْ لِي مَعَهُ كَلَامٌ فَإِنَّهُ جَرَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ مُنَازَعَةٌ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَنَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَنْ مُهَاتَرَتِهِ فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أُكَلِّمَهُ أَبَداً ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ تَكَلَّمْ فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ ذَكَرَ فِيهِ فَضَائِلَ الْأَنْصَارِ فَكَانَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ (1) سَيِّدَاً مِنْ سَادَاتِ الْأَنْصَارِ لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ الْأَنْصَارِ عَلَى سَعْدِ
____________
(1) قد مر في(ص)111 أن بشيرا هذا كان من أصحاب الصحيفة المعهودة.
182
بْنِ عُبَادَةَ لِتَأْمِيرِهِ حَسَدَهُ وَ سَعَى فِي إِفْسَادِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَ رَضِيَ بِتَأْمِيرِ قُرَيْشٍ وَ حَثَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَا سِيَّمَا الْأَنْصَارِ عَلَى الرِّضَا بِمَا يَفْعَلُهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ شَيْخَا قُرَيْشٍ فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ فَقَالَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا نَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْكَ امْدُدْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَ أَنَا ثَالِثُكُمَا وَ كَانَ سَيِّدَ الْأَوْسِ (1) وَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ فَلَمَّا رَأَتِ الْأَوْسُ صَنِيعَ بَشِيرٍ وَ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْخَزْرَجُ مِنْ تَأْمِيرِ سَعْدٍ أَكَبُّوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْعَةِ وَ تَكَاثَرُوا عَلَى ذَلِكَ وَ تَزَاحَمُوا فَجَعَلُوا يَطَئُونَ سَعْداً مِنْ شِدَّةَ الزَّحْمَةِ وَ هُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى فِرَاشِهِ مَرِيضٌ فَقَالَ قَتَلْتُمُونِي قَالَ عُمَرُ اقْتُلُوا سَعْداً قَتَلَهُ اللَّهُ فَوَثَبَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ وَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ صُهَاكَ الْجَبَانَ الْفَرَّارَ فِي الْحُرُوبِ اللَّيْثَ فِي الْمَلَإِ وَ الْأَمْنِ لَوْ حَرَّكْتَ مِنْهُ شَعْرَةً مَا رَجَعْتَ وَ فِي وَجْهِكَ وَاضِحَةٌ (2) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَهْلًا يَا عُمَرُ فَإِنَّ الرِّفْقَ أَبْلَغُ وَ أَفْضَلُ فَقَالَ سَعْدٌ يَا ابْنَ صُهَاكَ وَ كَانَتْ جَدَّةَ عُمَرَ حَبَشِيَّةً أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي قُوَّةً عَلَى النُّهُوضِ لَسَمِعْتُمَا مِنِّي فِي سِكَكِهَا زَئِيراً يُزْعِجُكَ وَ أَصْحَابَكَ مِنْهَا وَ لَأَلْحَقْتُكُمَا بِقَوْمٍ كُنْتُمْ فِيهِمْ أَذْنَاباً أَذِلَّاءَ تَابِعَيْنِ غَيْرَ مَتْبُوعَيْنِ لَقَدِ اجْتَرَأْتُمَا يَا آلَ الْخَزْرَجِ احْمِلُونِي مِنْ مَكَانِ الْفِتْنَةِ فَحَمَلُوهُ فَأَدْخَلُوهُ مَنْزِلَهُ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ أَنْ قَدْ بَايَعَ النَّاسُ فَبَايِعْ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي وَ أَخْضِبَ مِنْكُمْ سِنَانَ رُمْحِي وَ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا أَقَلَّتْ يَدِي فَأُقَاتِلُكُمْ بِمَنْ تَبِعَنِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ عَشِيرَتِي ثُمَّ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوِ اجْتَمَعَ
____________
(1) بل كان من الخزرج، و هذا وهم من الراوي.
(2) و في الطبريّ ج 3(ص)222 «فقال عمر: اقتلوه- يعنى سعدا- قتله اللّه ثمّ قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضدك فأخذ سعد بلحية عمر، فقال:
و اللّه لو حصحصت منه شعرة ما رجعت و في فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلا يا عمر! الرفق هاهنا أبلغ، ثمّ ذكر مثل ما في المتن.
183
الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ عَلَيَّ مَا بَايَعْتُكُمَا أَيُّهَا الْغَاصِبَانِ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى رَبِّي وَ أَعْلَمَ مَا حِسَابِي فَلَمَّا جَاءَهُمْ كَلَامُهُ قَالَ عُمَرُ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعَتِهِ فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ إِنَّهُ قَدْ أَبَى وَ لَجَّ وَ لَيْسَ بِمُبَايِعٍ أَوْ يُقْتَلَ وَ لَيْسَ بِمَقْتُولٍ حَتَّى تُقْتَلَ مَعَهُ الْخَزْرَجُ وَ الْأَوْسُ فَاتْرُكُوهُ وَ لَيْسَ تَرْكُهُ بِضَائِرٍ فَقَبِلُوا قَوْلَهُ وَ تَرَكُوا سَعْداً وَ كَانَ سَعْدٌ لَا يُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا يَقْضِي بِقَضَائِهِمْ (1) وَ لَوْ وَجَدَ أَعْوَاناً لَصَالَ بِهِمْ وَ لَقَاتَلَهُمْ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فِي وِلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ فَكَانَ كَذَلِكَ فَخَشِيَ سَعْدٌ غَائِلَةَ عُمَرَ فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِحَوْرَانَ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ وَ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً وَ كَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فِي اللَّيْلِ فَقَتَلَهُ وَ زُعِمَ أَنَّ الْجِنَّ رَمَوْهُ وَ قِيلَ أَيْضاً إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ تَوَلَّى قَتْلَهُ بِجُعْلٍ جُعِلَتْ لَهُ عَلَيْهِ وَ رُوِيَ أَنَّهُ تَوَلَّى ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (2) قَالَ وَ بَايَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ مَنْ حَضَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ عَلِيُ
____________
(1) و في الطبريّ 3/ 223: فكان سعد لا يصلى بصلاتهم و لا يجمع معهم و يحج و لا يفيض معهم بافاضتهم، فلم يزل كذلك حتّى هلك أبو بكر، و زاد في الإمامة و السياسة:
17: و لو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، و لو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم.
(2) و ممن ذكر ذلك البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 250 قال: و يقال انه امتنع من البيعة لابى بكر ثمّ من بعده لعمر فوجه إليه رجلا ليأخذ عليه البيعة و هو بحوران من أرض الشام فأباها فرماه فقتله، و فيه يروى هذا الشعر الذي ينتحله الجن:
قتلنا سيد الخزرج* * * سعد بن عباده
رميناه بسهمين* * * فلم نخط فؤاده
و قال الشهيد المرعشيّ في الاحقاق ج 2(ص)345 قال البلاذري في تاريخه: ان عمر ابن الخطّاب أشار الى خالد بن الوليد و محمّد بن مسلمة الأنصاريّ بقتل سعد فرماه كل واحد بسهم فقتل، ثمّ أوقعوا على أوهام الناس أن الجن قتلوه، لاجل خاطر عمر، و وضعوا هذا الشعر على لسانهم:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده* * * فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
.
184
بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)مَشْغُولٌ بِجَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ(ص)وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ وَ مَنْ لَمْ يُبَايِعْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ وَ مَعَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَ اجْتَمَعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ بَنُو زُهْرَةَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَكَانُوا فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَمِعِينَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالُوا مَا لَنَا نَرَاكُمْ حَلَقاً شَتَّى قُومُوا فَبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ وَ النَّاسُ فَقَامَ عُثْمَانُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ مَنْ مَعَهُمَا فَبَايَعُوا وَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ(ع)وَ بَنُو هَاشِمٍ إِلَى مَنْزِلِ عَلِيٍّ(ع)وَ مَعَهُمُ الزُّبَيْرُ قَالَ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ فِي جَمَاعَةٍ مِمَّنْ بَايَعَ فِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ (1) فَأَلْفَوْهُمْ مُجْتَمِعِينَ فَقَالُوا لَهُمْ بَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ بَايَعَهُ النَّاسُ فَوَثَبَ الزُّبَيْرُ إِلَى سَيْفِهِ فَقَالَ عُمَرُ عَلَيْكُمْ بِالْكَلْبِ فَاكْفُونَا شَرَّهُ فَبَادَرَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ فَانْتَزَعَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَكَسَرَهُ (2) وَ أَحْدَقُوا بِمَنْ كَانَ
____________
(1) في الإمامة و السياسة: و سلمة بن أسلم و ترى نص هذه الوقائع في(ص)19 عند ذكره إباءة على عن بيعة أبى بكر.
(2) و في الطبريّ ج 3(ص)203: و تخلف على و الزبير و اخترط الزبير سيفه و قال: لا أغمده حتّى يبايع على، فبلغ ذلك أبا بكر و عمر فقال عمر: خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر» و في النهج الحديدى ج 1(ص)132 «قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة و غضب على و الزبير، فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بنى عبد الاشهل فصاحت فاطمة (عليها السلام) و ناشدتهم اللّه فأخذوا سيفى على و الزبير فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما».
و قال في ج 2(ص)5 في حديث يذكره «و ذهب عمر و معه عصابة الى بيت فاطمة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه و خرج اليهم الزبير بسيفه فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ... ثم ساق احتجاج على بمثل ما في الصلب و سيجيء متنه بطوله عن قريب إنشاء اللّه.
185
هُنَاكَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ مَضَوْا بِجَمَاعَتِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا حَضَرُوا قَالُوا بَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ بَايَعَهُ النَّاسُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ لَنُحَاكِمَنَّكُمْ بِالسَّيْفِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ رَجُلٌ فَجَعَلَ يُبَايِعُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ حَضَرَ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ لَهُ بَايِعْ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ تَأْخُذُونَهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ غَصْباً أَ لَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكَانِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ وَ سَلَّمُوا لَكُمُ الْإِمَارَةَ وَ أَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ عَلَى الْأَنْصَارِ أَنَا أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ حَيّاً وَ مَيِّتاً وَ أَنَا وَصِيُّهُ وَ وَزِيرُهُ وَ مُسْتَوْدَعُ سِرِّهِ وَ عِلْمِهِ وَ أَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ صَدَّقَهُ وَ أَحْسَنُكُمْ بَلَاءً فِي جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَ أَعْرَفُكُمْ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ أَفْقَهُكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَعْلَمُكُمْ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَ أَذْرَبُكُمْ لِسَاناً وَ أَثْبَتُكُمْ جِنَاناً فَعَلَامَ تُنَازِعُونَّا هَذَا الْأَمْرَ أَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ اعْرِفُوا لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِثْلَ مَا عَرَفَتْهُ الْأَنْصَارُ لَكُمْ وَ إِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَقَالَ عُمَرُ أَ مَا لَكَ بِأَهْلِ بَيْتِكِ أُسْوَةٌ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)سَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقَالُوا مَا بَيْعَتُنَا بِحُجَّةٍ عَلَى عَلِيٍّ(ع)وَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَقُولَ إِنَّا نُوَازِيهِ فِي الْهِجْرَةِ وَ حُسْنِ الْجِهَادِ وَ الْمَحَلِّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ عُمَرُ إِنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكاً حَتَّى تُبَايِعَ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)احْلُبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ لِيَرُدَّ عَلَيْكَ غَداً إِذاً وَ اللَّهِ لَا أَقْبَلَ قَوْلَكَ وَ لَا أَحْفِلَ بِمَقَامِكَ وَ لَا أُبَايِعَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَهْلًا يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا نُشَدِّدُ عَلَيْكَ وَ لَا نُكْرِهُكَ فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ يَا ابْنَ عَمِّ لَسْنَا نَدْفَعُ قَرَابَتَكَ وَ لَا سَابِقَتَكَ وَ لَا عِلْمَكَ وَ لَا نُصْرَتَكَ وَ لَكِنَّكَ حَدَثُ السِّنِّ وَ كَانَ لِعَلِيٍّ(ع)يَوْمَئِذٍ ثَلَاثٌ وَ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَ أَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ مِنْ مَشَايِخِ قَوْمِكَ وَ هُوَ أَحْمَلُ لِثِقَلِ هَذَا الْأَمْرِ وَ قَدْ مَضَى الْأَمْرُ بِمَا فِيهِ فَسَلِّمْ
186
لَهُ فَإِنْ عَمَّرَكَ اللَّهُ لَسَلَّمُوا هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْكَ وَ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثْنَانِ بَعْدَ هَذَا إِلَّا وَ أَنْتَ بِهِ خَلِيقٌ وَ لَهُ حَقِيقٌ وَ لَا تَبْعَثِ الْفِتْنَةَ قَبْلَ أَوَانِ الْفِتْنَةِ قَدْ عَرَفْتَ مَا فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ وَ غَيْرِهِمْ عَلَيْكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ اللَّهَ اللَّهَ لَا تَنْسَوْا عَهْدَ نَبِيِّكُمْ إِلَيْكُمْ فِي أَمْرِي وَ لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ مِنْ دَارِهِ وَ قَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَ قَعْرِ بُيُوتِكُمْ وَ تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ حَقِّهِ وَ مَقَامِهِ فِي النَّاسِ يَا مَعَاشِرَ الْجَمْعِ إِنَّ اللَّهَ قَضَى وَ حَكَمَ وَ نَبِيَّهُ أَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ مَا كَانَ مِنَّا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَفِينَا لَا فِيكُمْ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَتَزْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً وَ تُفْسِدُوا قَدِيمَكُمْ بِشَرٍّ مِنْ حَدِيثِكُمْ فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي وَطَّأَ الْأَمْرَ لِأَبِي بَكْرٍ وَ قَالَتْ جَمَاعَةُ الْأَنْصَارِ يَا أَبَا الْحَسَنِ لَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامَ سَمِعَتْهُ الْأَنْصَارُ مِنْكَ قَبْلَ الِانْضِمَامِ لِأَبِي بَكْرٍ مَا اخْتَلَفَ فِيكَ اثْنَانِ (1) فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا هَؤُلَاءِ أَ كُنْتُ أَدَعُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مُسَجًّى لَا أُوَارِيهِ وَ أَخْرُجُ أُنَازِعُ فِي سُلْطَانِهِ وَ اللَّهِ مَا خِفْتُ أَحَداً يَسْمُو لَهُ وَ يُنَازِعُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِيهِ وَ يَسْتَحِلُّ مَا اسْتَحْلَلْتُمُوهُ (2) وَ لَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)تَرَكَ
____________
(1) إلى هنا يتفق الرواية مع ما ذكره ابن قتيبة في الإمامة و السياسة و ابن أبي الحديد نقلا عن الجوهريّ مؤلف السقيفة.
(2) رواه في الإمامة و السياسة 19 و زاد بعده: و خرج على كرم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل و لو أن زوجك و ابن عمك سبق الينا قبل أبى بكر ما عدلنا به، فيقول على: أ فكنت أدع رسول اللّه في بيته لم أدفنه و أخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن الا ما كان ينبغي له و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم.
و روى ابن أبي الحديد ج 2(ص)5 عن أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ بإسناده عن ابى جعفر محمّد الباقر (عليه السلام) مثله بلفظه.
أقول: و من ذلك قوله (عليه السلام) في النهج (الرقم 62 من قسم الرسائل و الكتب شرح ابن أبي الحديد ج 4(ص)164) أما بعد فان اللّه سبحانه بعث محمّدا (ص) نذيرا للعالمين و مهيمنا على المرسلين فلما مضى (ص) تنازع المسلمون الامر من بعده فو اللّه ما كان يلقى في روعى و لا يخطر ببالى أن العرب تزعج هذا الامر من بعده عن أهل بيته و لا أنهم منحوه عنى من بعده، فما راعنى الا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدى حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيت ان لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما، الى آخر كلامه الشريف.
و روى المدائنى عن عبد اللّه بن جعفر عن أبي عون قال: لما ارتدت العرب مشى عثمان الى عليّ (عليه السلام) فقال: يا ابن عم لا يخرج واحد الى قتال هذا العدو و أنت لم تبايع و لم يزل به حتّى مشى الى أبى بكر فسر المسلمون بذلك وجد الناس في القتال (راجع البلاذري 2/ 587، الشافي(ص)397).
187
يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ لِأَحَدٍ حُجَّةً وَ لَا لِقَائِلٍ مَقَالًا فَأَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا سَمِعَ النَّبِيَّ(ص)يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَشَهِدَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا بَدْرِيّاً بِذَلِكَ وَ كُنْتُ مِمَّنْ سَمِعَ الْقَوْلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَكَتَمْتُ الشَّهَادَةَ يَوْمَئِذٍ فَذَهَبَ بَصَرِي (1) قَالَ وَ كَثُرَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَ ارْتَفَعَ الصَّوْتُ وَ خَشِيَ عُمَرُ أَنْ
____________
(1) حديث المناشدة برواية زيد بن أرقم تراه في ذيل الاحقاق ج 6(ص)320 للعلامة المرعشيّ دامت بركاته أخرجه عن الفقيه ابن المغازلي بإسناده عن زيد بن أرقم قال: نشد على الناس في المسجد فقال: أنشد اللّه رجلا سمع النبيّ يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، فكنت أنا فيمن كتم فذهب بصرى، و الظاهر من قوله «فى المسجد» مسجد الرسول (ص)، فينطبق على ما في المتن، و سيجيء في حديث سليم مثل ذلك.
و أمّا قوله: «فشهد اثنا عشر رجلا بدريا» الخ أظنه خلطا من الراوي بين المناشدة في مسجد الرسول (ص) و المناشدة في الرحبة، فان شهادة اثنى عشر و كتمان بعض آخرين كانس و زيد بن أرقم هذا كان في مناشدة الرحبة.
و كيف كان فقد وقعت المناشدة بحديث الغدير مرّات، يوم الشورى، أيام عثمان، يوم الرحبة، يوم الجمل و غير ذلك، ترى تفصيلها في كتاب الغدير للعلامة الامينى قدس اللّه سره ج 1(ص)159- 196، إحقاق الحقّ بذيل العلامة المرعشيّ- دام ظله ج 6(ص)318- 340.
188
يُصْغَى إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ(ع)فَفَسَخَ الْمَجْلِسَ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ وَ الْأَبْصَارَ وَ لَا يَزَالُ يَا أَبَا الْحَسَنِ تَرْغَبُ عَنْ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ فَانْصَرَفُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ (1).
بيان: قال في القاموس الكرش بالكسر ككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان مؤنثة و عيال الرجل و صغار ولده و الجماعة و في النهاية فيه الأنصار كرشي و عيبتي أراد أنهم بطانته و موضع سره و أمانته و الذين يعتمد عليهم في أمره و استعار الكرش و العيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه و الرجل يضع ثيابه في عيبته و قيل أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي و صحابتي يقال عليه كرش من الناس أي جماعة انتهى و في القاموس الرسل محركة القطيع من كل شيء و الجمع أرسال و قال أدلى بحجته أظهرها و تجانف تمايل و في النهاية ما تجانفنا لإثم أي لم نمل فيه لارتكاب الإثم انتهى و التورط الدخول في المهالك و ما تعسر النجاة منه.
و قال في النهاية في حديث السقيفة أنا جذيلها المحكك هو تصغير جذل و هو العود الذي ينصب للإبل لتحتك به و هو تصغير تعظيم أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود و قال في المحكك بعد ذكر هذا المعنى و العود المحكك هو الذي كثر الاحتكاك به و قيل أراد أنه شديد البأس صلب الكسر كالجذل المحكك و قيل معناه أنا دون الأنصار جذل حكاك فبي تقرن الصعبة و قال الرجبة هو أن تعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب
____________
(1) الاحتجاج لابى طالب الطبرسيّ: 43- 47.
189
إذا خيف عليها لطولها أو كثرة حملها أن تقع و رجبتها فهي مرجبة و العذيق تصغير العذق بالفتح و هو تصغير تعظيم و قد يكون ترجيبها بأن يجعل حولها شوك لئلا يرقى إليها و من الترجيب أن تعمد بخشبة ذات شعبتين و قيل أراد بالترجيب التعظيم يقال رجب فلان مولاه أي عظمه انتهى.
أقول فعلى الأول التشبيه بالعُذَيْق المخصوص إما لرفعته و كثرة حمله لما ينفع الناس من الآراء المتينة بزعمه أو لأنه يحتاج إلى من يعينه لينتفع به و يقال حطمه أي ضرب أنفه و هاتره سابه بالباطل و الواضحة الأسنان تبدو عند الضحك و يقال زأر الأسد زئيرا إذا صاح و غضب و حوران بالفتح موضع بالشام و في القاموس أعطاه مقادته انقاد له و الذرابة حدة اللسان و باء إليه رجع و بذنبه بوءا احتمله و اعترف به و فلان مضطلع على الأمر أي قوي عليه.
2- ج، الإحتجاج عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ(ع)جُعِلْتُ فِدَاكَ هَلْ كَانَ أَحَدٌ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنْكَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلَهُ وَ جُلُوسَهُ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ نَعَمْ كَانَ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَ كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ سَهْلٌ وَ عُثْمَانُ ابْنَا حُنَيْفٍ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ فَلَمَّا صَعِدَ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ تَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَ اللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُ وَ لَنُنْزِلَنَّهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَالَ الْآخَرُونَ مِنْهُمْ وَ اللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ إِذاً لَأَعَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ قَدْ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1) فَانْطَلَقُوا بِنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)لِنَسْتَشِيرَهُ وَ نَسْتَطْلِعَ رَأْيَهُ فَانْطَلَقَ
____________
(1) البقرة: 195 و تمام الآية. «وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» و ظاهر الآية في الانفاق صدرا و ذيلا فيجب أن يكون وسطها أيضا كذلك، و الا لاختل السياق، و المعنى أنّه يجب عليكم أن تنفقوا في سبيل اللّه بكل معانيه من الانفاق في أمر الجهاد و تجهيز الجيوش و اعداد القوّة و الرباط و الانفاق على فقراء المسلمين ليتقووا و يرتفعوا عن حضيض المذلة و أن تنفقوا عليهم حتى يحجوا و يجاهدوا في اللّه حقّ جهاده الى غير ذلك من مصاديق الانفاق في سبيل اللّه.
و لكن لا تلقوا أيديكم و قدرتكم من الأموال و البنين الى الهلكة و الخسارة بأن تنفقوا كل ما في مقدرتكم فتبقون بلا مال و لا مقدرة فتصيرون هلكى أذلاء فقراء لا تقدرون بعد ذلك على شيء من الخير، بل اللازم عليكم في ذلك، الاحسان في الانفاق بأن تتقدروا مقدرتكم و أموالكم فتنفقوا ما يناسبها و ليس هو الا الامر الوسط بين المنزلتين كما قال عزّ و جلّ في سورة الفرقان: 67 مادحا لهذه الطريقة الحسنى: «وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً».
فوزان الآية من حيث التقدير في الانفاق و زان قوله عزّ من قائل: «وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» أسرى: 29 و أمّا من حيث اللفظ فكقوله عزّ و جلّ؟ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ:
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» الآية الأولى من الممتحنة، فتكون الباء زائدة و التقدير لا تلقوا أيديكم الى الهلكة، فالمراد بالايدى بقرينة الانفاق المقدم في صدر الآية و الاحسان المؤخر في ذيلها المقدرة المالية.
و ان أبيت الا أن تجعل الباء سببية و مفعول «تلقوا» محذوف (لا تلقوا أنفسكم بأيديكم الى التهلكة) لم تخرج الآية عن مورد الانفاق قطعا الا أنّه ينطبق على الذي ذكرناه بوجه آخر و يكون تقدير الكلام هكذا: أنفقوا في سبيل اللّه بين الإسراف و التقتير و لا تلقوا أنفسكم متعمدا و بأيدى أنفسكم الى الهلكة و الخسارة التي لا يتدارك فان ذلك خلاف الاحسان فأحسنوا في الانفاق في سبيل اللّه باتخاذ منزلة بين المنزلتين: الإسراف و التقتير و البسط و القبض، فان اللّه يحب المحسنين و لا يحب الهالكين لانفسهم المخاطرين بها.
و كيف كان، ليس المراد بالتهلكة الانتحار أو القاء نفسه في صفوف الاعداء عازما على القتل، بل التهلكة و الهلاكة انما يصدق في مورد يكون الإنسان حيا لكنه صار كلا حي كالتاجر يفلس فيصير هالكا و الإنسان يرتكب أمرا عظيما يئول أمره الى الهلاك شرعا في الآخرة أو حكما عرفيا في الدنيا كما نص معاجم اللغة أن التهلكة هي كل ما عاقبته الهلاك.
190
الْقَوْمُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَجْمَعِهِمْ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَرَكْتَ حَقّاً أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَ أَوْلَى مِنْهُ لِأَنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَمِيلُ
191
مَعَ الْحَقِّ كَيْفَ مَالَ وَ لَقَدْ هَمَمْنَا أَنْ نَصِيرَ إِلَيْهِ فَنُنْزِلَهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَجِئنَاكَ نَسْتَشِيرُكَ وَ نَسْتَطْلِعُ رَأْيَكَ فِيمَا تَأْمُرُنَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمَا كُنْتُمْ لَهُمْ إِلَّا حَرْباً وَ لَكِنَّكُمْ كَالْمِلْحِ فِي الزَّادِ وَ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَأَتَيْتُمُونِي شَاهِرِينَ أَسْيَافَكُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحَرْبِ وَ الْقِتَالِ إِذَا لأتوني [أَتَوْنِي فَقَالُوا لِي بَايِعْ وَ إِلَّا قَتَلْنَاكَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أَدْفَعَ الْقَوْمَ عَنْ نَفْسِي وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَوْعَزَ إِلَيَّ قَبْلَ وَفَاتِهِ قَالَ لِي يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي وَ تَنْقُضُ فِيكَ عَهْدِي وَ إِنَّكَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ إِنَّ الْأُمَّةَ مِنْ بَعْدِي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ وَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَ السَّامِرِيِّ وَ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَقَالَ إِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَبَادِرْ إِلَيْهِمْ وَ جَاهِدْهُمْ وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً كُفَّ يَدَكَ وَ احْقِنْ دَمَكَ حَتَّى تَلْحَقَ بِي مَظْلُوماً وَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)اشْتَغَلْتُ بِغُسْلِهِ وَ تَكْفِينِهِ وَ الْفَرَاغِ مِنْ شَأْنِهِ ثُمَّ آلَيْتُ يَمِيناً أَنْ لَا أَرْتَدِيَ إِلَّا لِلصَّلَاةِ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِ فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَدُرْتُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَ أَهْلِ السَّابِقَةِ فَنَاشَدْتُهُمْ حَقِّي وَ دَعَوْتُهُمْ إِلَى نُصْرَتِي فَمَا أَجَابَنِي مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ سَلْمَانُ وَ عَمَّارٌ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ (1) وَ لَقَدْ رَاوَدْتُ فِي ذَلِكَ تَقْيِيدَ بَيِّنَتِي فَاتَّقُوا اللَّهَ عَلَى السُّكُوتِ لِمَا عَلِمْتُمْ
____________
(1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 1(ص)131: و من كتاب معاوية المشهور الى عليّ (عليه السلام): و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك الحسن و الحسين يوم بويع أبو بكر الصديق فلم تدع أحدا من أهل بدر و السوابق الا دعوتهم الى نفسك و مشيت اليهم بامرأتك و أدليت اليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه فلم يجبك منهم الا أربعة أو خمسة إلى آخر ما سيأتي في محله.
192
مِنْ وَغْرِ صُدُورِ الْقَوْمِ وَ بُغْضِهِمْ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ(ص)فَانْطَلِقُوا بِأَجْمَعِكُمْ إِلَى الرَّجُلِ فَعَرِّفُوهُ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِكُمْ(ص)لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْكَدَ لِلْحُجَّةِ وَ أَبْلَغَ لِلْعُذْرِ وَ أَبْعَدَ لَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِذَا وَرَدُوا عَلَيْهِ فَسَارَ الْقَوْمُ حَتَّى أَحْدَقُوا بِمِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا صَعِدَ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِلْأَنْصَارِ تَقَدَّمُوا فَتَكَلَّمُوا وَ قَالَ الْأَنْصَارُ لِلْمُهَاجِرِينَ بَلْ تَكَلَّمُوا أَنْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَدْنَاكُمْ فِي كِتَابِهِ إِذْ قَالَ اللَّهُ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ بِالنَّبِيِّ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ قَالَ أَبَانٌ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ الْعَامَّةَ لَا تَقْرَأُ كَمَا عِنْدَكَ فَقَالَ وَ كَيْفَ تَقْرَأُ يَا أَبَانُ قَالَ قُلْتُ إِنَّهَا تَقْرَأُ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (1) فَقَالَ وَيْلَهُمْ وَ أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِنَّمَا تَابَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أُمَّتِهِ فَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ثُمَّ بَاقِي الْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمُ الْأَنْصَارُ وَ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا غُيَّباً عَنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَدِمُوا وَ قَدْ تَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَعْلَامُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ (2) وَ قَالَ
____________
(1) براءة: 117.
(2) قال ابن الأثير في أسد الغابة: خالد بن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى القرشيّ الاموى يكنى أبا سعيد، كان من السابقين الى السلام ثالثا أو رابعا بعثه رسول اللّه عاملا على صدقات اليمن و قيل على صدقات مذحج و على صنعاء فتوفى النبيّ و هو عليها و لم يزل خالد و أخواه عمرو و أبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول اللّه حتى توفى رسول اللّه فرجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبو بكر: ما لكم رجعتم؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول اللّه ارجعوا الى أعمالكم، فقالوا: نحن بنو أبى أحيحة لا نعمل لاحد بعد رسول اللّه أبدا. كان خالد على اليمن و أبان على البحرين و عمر و على تيماء و خيبر قرى عربية و تأخر خالد و أخوه أبان عن بيعة أبى بكر فقال لبنى هاشم: انكم لطوال الشجر طيبوا الثمر و نحن لكم تبع، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد و أبان و سيجيء تمام الكلام فيه.
193
اتَّقِ اللَّهَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ وَ نَحْنُ مُحْتَوِشُوهُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ حِينَ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ وَ قَدْ قَتَلَ عَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ عِدَّةً مِنْ صَنَادِيدِ رِجَالِهِمْ وَ أُولِي الْبَأْسِ وَ النَّجْدَةِ مِنْهُمْ يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِنِّي مُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظُوهَا وَ مُودِعُكُمْ أَمْراً فَاحْفَظُوهُ أَلَا إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)أَمِيرُكُمْ بَعْدِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ بِذَلِكَ أَوْصَانِي رَبِّي أَلَا وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَحْفَظُوا فِيهِ وَصِيَّتِي وَ تُوَازِرُوهُ وَ تَنْصُرُوهُ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَحْكَامِكُمْ وَ اضْطَرَبَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ دِينِكُمْ وَ وَلِيَكُمْ شِرَارُكُمْ أَلَا إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هُمُ الْوَارِثُونَ لِأَمْرِي وَ الْعَالِمُونَ بِأَمْرِ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي اللَّهُمَّ مَنْ أَطَاعَهُمْ مِنْ أُمَّتِي وَ حَفِظَ فِيهِمْ وَصِيَّتِي فَاحْشُرْهُمْ فِي زُمْرَتِي وَ اجْعَلْ لَهُمْ نَصِيباً مِنْ مُرَافَقَتِي يُدْرِكُونَ بِهِ نُورَ الْآخِرَةِ اللَّهُمَّ وَ مَنْ أَسَاءَ خِلَافَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي فَاحْرِمْهُ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اسْكُتْ يَا خَالِدُ فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ الْمَشُورَةِ وَ لَا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِرَأْيِهِ فَقَالَ خَالِدٌ اسْكُتْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَإِنَّكَ تَنْطِقُ عَنْ لِسَانِ غَيْرِكَ وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّكَ مِنْ أَلْأَمِهَا حَسَباً وَ أَدْنَاهَا مَنْصَباً وَ أَخَسِّهَا قَدْراً وَ أَخْمَلِهَا ذِكْراً وَ أَقَلِّهِمْ غَنَاءً عَنِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنَّكَ لَجَبَانٌ فِي الْحُرُوبِ بَخِيلٌ بِالْمَالِ لَئِيمُ الْعُنْصُرِ مَا لَكَ فِي قُرَيْشٍ مِنْ فَخَرٍ وَ لَا فِي الْحُرُوبِ مِنْ ذِكْرٍ وَ إِنَّكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فَأَبْلَسَ عُمَرُ وَ جَلَسَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ثُمَّ قَامَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُ (1) وَ قَالَ كرديد و نكرديد و ندانيد چه
____________
(1) روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 2(ص)17 عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ بإسناده عن المغيرة أن سلمان و الزبير و بعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليا بعد النبيّ(ص)فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة: أصبتم الخير و لكن أخطأتم المعدن قال: و في رواية أخرى: أصبتم ذا السن منكم و لكنكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان و لاكلتموها رغدا.
قال ابن أبي الحديد: قلت: هذا الخبر هو الذي روته المتكلمون في باب الإمامة عن سلمان أنّه قال: «كرديد و نكرديد» تفسره الشيعة فتقول: أراد أسلمتم و ما اسلمتم، و يفسره أصحابنا فيقولون: معناه أخطأتم و أصبتم.
و قال السيّد المرتضى في الشافي: 401: فان قيل: المروى عن سلمان أنّه قال كرديد و نكرديد و ليس بمقطوع به قلنا: ان كان خبر السقيفة و شرح ما جرى فيها من الأقوال مقطوعا به، فقول سلمان مقطوع به، لان كل من روى السقيفة رواه و ليس هذا ممّا يختص الشيعة بنقله فيتهم فيه ....
و ليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية و هم عرب، و ذلك أن سلمان و ان تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم و أخطأتم: أصبتم سنة الاولين و أخطأتم أهل بيت نبيّكم الى آخر ما سيجيء في آخر هذا الباب (تتميم) نقلا عن تلخيص الشافي.
أقول: و لفظ سلمان على ما في أنساب الأشراف 1/ 591 العثمانية(ص)172 و 179 و 187 و 237 «كرداذ و ناكرداذ» فالظاهر من قوله «كرداذ و ناكرداذ» ان صنيعهم هذا صنيع و ليس بصنيع (قال في البرهان: كرداد- وزان بغداد بالفتح: البناء و الاساس و قال: كردار بكسر الأول القاعدة و السيرة: آيين- روش) فنفى الفعل ثانيا بعد اثباته اولا يفيد أن ما صنعوه لم يكن على وفق الحق و مقتضاه حيث ان الناس و ان كان لا بد لهم من أمير يطاوعون له:
يصدرون عن نهيه و يردون بأمره، لكن الذي يجب أن يطاوع و يبايع ليس هو أبو بكر الذي لا يمكنه أن يتخطى خطا النبيّ(ص)و يحذو حذوه، و لا له عصمة كعصمة النبيّ فلا يؤثر في اشعارهم و أبشارهم و لا ..... و الف و لا.
و اما الاعتراض بأنّه كيف خاطبهم بالفارسية أولا ثمّ خاطبهم بالعربية- و قد أكثر في ذلك الجاحظ في العثمانية(ص)186 فعندى أن ذلك معهود من طبيعة الإنسان إذا كان في نفسه نفثة لا يمكنه أن يصدرها كما هى، أخرجها مهمهما كخواطر النفوس و إذا كان عارفا بلسانين كسلمان الفارسيّ أصدر النفثة بلسان غير لسان المخاطبين ثمّ مضى في كلامه بلسانهم، فروى تلك الكلمة من سمعها من سلمان و ترجمها من كان يعرف اللغة الفارسية بعد ذلك.
194
كرديد أَيْ فَعَلْتُمْ وَ لَمْ تَفْعَلُوا وَ مَا عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ وَ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى وُجِئَ عُنُقُهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى مَنْ تُسْنِدُ أَمْرَكَ إِذَا نَزَلَ بِكَ مَا لَا تَعْرِفُهُ
195
وَ إِلَى مَنْ تَفْزَعُ إِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُهُ وَ مَا عُذْرُكَ فِي تَقَدُّمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ مَنْ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ(ص)فِي حَيَاتِهِ وَ أَوْصَاكُمْ بِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ فَنَبَذْتُمْ قَوْلَهُ وَ تَنَاسَيْتُمْ وَصِيَّتَهُ وَ أَخْلَفْتُمُ الْوَعْدَ وَ نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ وَ حَلَلْتُمُ الْعَقْدَ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ عَلَيْكُمْ مِنَ النُّفُوذِ تَحْتَ رَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حَذَراً مِنْ مِثْلِ مَا أَتَيْتُمُوهُ وَ تَنْبِيهاً لِلْأُمَّةِ عَلَى عَظِيمِ مَا اجْتَرَحْتُمُوهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ فَعَنْ قَلِيلٍ يَصْفُو لَكَ الْأَمْرُ وَ قَدْ أَثْقَلَكَ الْوِزْرُ وَ نُقِلْتَ إِلَى قَبْرِكَ وَ حَمَلْتَ مَعَكَ مَا اكْتَسَبَتْ يَدَاكَ فَلَوْ رَاجَعْتَ الْحَقَّ مِنْ قُرْبٍ وَ تَلَافَيْتَ نَفْسَكَ وَ تُبْتَ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَظِيمِ مَا اجْتَرَمْتَ كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِكَ يَوْمَ تَفَرَّدُ فِي حُفْرَتِكَ وَ يُسَلِّمُكَ ذَوُو نُصْرَتِكَ فَقَدْ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا فَلَمْ يَرْدَعْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ مُتَشَبِّثٌ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي لَا عُذْرَ لَكَ فِي تَقَلُّدِهِ وَ لَا حَظَّ لِلدِّينِ وَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِيَامِكَ بِهِ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ وَ لَا تَكُنْ كَمَنْ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ ثُمَّ قَامَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ أَصَبْتُمْ قَبَاحَةً وَ تَرَكْتُمْ قَرَابَةً وَ اللَّهِ لَتَرْتَدَّنَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ (1) وَ لَتَشُكَّنَّ فِي هَذَا الدِّينِ وَ لَوْ جَعَلْتُمُ الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكُمْ سَيْفَانِ وَ اللَّهِ لَقَدْ صَارَتْ لِمَنْ غَلَبَ وَ لَتَطْمَحَنَ
____________
(1) و قد صدق التاريخ كلام أبى ذر هذا حيث ارتدت العرب بعد ما سمعت من أن أصحاب النبيّ(ص)ابتزوا سلطانه من مقره، فطمعوا أن يكون لهم أيضا في ذلك نصيب، فطغوا على الخليفة أبى بكر و اشتهرت طغيانهم هذا بعنوان الردة، نعم كانت ردة و لكن على من؟ على اللّه و رسوله؟ أو على الخليفة من بعده؟ سيجيء تمام الكلام في أبواب المطاعن عند خلاف بنى تميم و قتل مالك بن نويرة إنشاء اللّه تعالى.
196
إِلَيْهَا عَيْنُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَ لَيُسْفَكَنَّ فِي طَلَبِهَا دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ فَكَانَ كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَ عَلِمَ خِيَارُكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ الْأَمْرُ بَعْدِي لِعَلِيٍّ ثُمَّ لِابْنَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ثُمَّ لِلطَّاهِرِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِي فَاطَّرَحْتُمْ قَوْلَ نَبِيِّكُمْ وَ تَنَاسَيْتُمْ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَيْكُمْ فَأَطَعْتُمُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةَ وَ بِعْتُمُ الْآخِرَةَ الْبَاقِيَةَ الَّتِي لَا يَهْرَمُ شَبَابُهَا وَ لَا يَزُولُ نَعِيمُهَا وَ لَا يَحْزَنُ أَهْلُهَا وَ لَا تَمُوتُ سُكَّانُهَا بِالْحَقِيرِ التَّافِهِ الْفَانِي الزَّائِلِ وَ كَذَلِكَ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ كَفَرَتْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا وَ نَكَصَتْ عَلَى أَعْقَابِهَا وَ غَيَّرَتْ وَ بَدَّلَتْ وَ اخْتَلَفَتْ فَسَاوَيْتُمُوهُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَ عَمَّا قَلِيلٍ تَذُوقُونَ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَ تُجْزَوْنَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ قَالَ ارْجِعْ يَا أَبَا بَكْرٍ عَنْ ظُلْمِكَ وَ تُبْ إِلَى رَبِّكَ وَ الْزَمْ بَيْتَكَ وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ وَ سَلِّمِ الْأَمْرَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي عُنُقِكَ مِنْ بَيْعَتِهِ وَ أَلْزَمَكَ مِنَ النُّفُوذِ تَحْتَ رَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ هُوَ مَوْلَاهُ وَ نَبَّهَ عَلَى بُطْلَانِ وُجُوبِ هَذَا الْأَمْرِ لَكَ وَ لِمَنْ عَضَدَكَ عَلَيْهِ بِضَمِّهِ لَكُمَا إِلَى عَلَمِ النِّفَاقِ وَ مَعْدِنِ الشَّنَآنِ وَ الشِّقَاقِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ عَلَى نَبِيِّهِ ص إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمْرٍو وَ هُوَ كَانَ أَمِيراً عَلَيْكُمَا وَ عَلَى سَائِرِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِي غَزَاةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ (1) وَ أَنَّ عَمْراً قَلَّدَكُمَا حَرْسَ عَسْكَرِهِ فَمِنَ الْحَرْسِ إِلَى الْخِلَافَةِ اتَّقِ اللَّهَ وَ بَادِرِ الِاسْتِقَالَةَ قَبْلَ فَوْتِهَا فَإِنَ
____________
(1) البلاذري 1/ 380 و في السير أن رسول اللّه بعث عمرو بن العاصى أولا ثمّ بعث ابا عبيدة مددا له و فيهم أبو بكر و عمر فاجتمعوا تحت قيادة عمرو، راجع سيرة ابن هشام ج 2(ص)632 أسد الغابة ج 4(ص)116 بترجمة ابن العاصى منتخب كنز العمّال ج 4(ص)178، تاريخ الطبريّ ج 3(ص)32، و لعمرو بن العاصى ترجمة ضافية من شتّى نواحي البحث تراها في كتاب الغدير ج 2(ص)120- 176.
197
ذَلِكَ أَسْلَمُ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَ بَعْدَ وَفَاتِكَ وَ لَا تَرْكَنْ إِلَى دُنْيَاكَ وَ لَا تَغْرُرْكَ قُرَيْشٌ وَ غَيْرُهَا فَعَنْ قَلِيلٍ تَضْمَحِلُّ عَنْكَ دُنْيَاكَ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى رَبِّكَ فَيَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ وَ قَدْ عَلِمْتَ وَ تَيَقَّنْتَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِسَتْرِكَ وَ أَخَفُّ لِوِزْرِكَ فَقَدْ وَ اللَّهِ نَصَحْتُ لَكَ إِنْ قَبِلْتَ نُصْحِي وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ثُمَّ قَامَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُ (1) فَقَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ مَا ذَا لَقِيَ
____________
(1) بريدة بن الحصيب الاسلمى أبو ساسان و أبو عبد اللّه كان ذا بيت كبير في قومه مر به رسول اللّه مهاجرا فأسلم هو و من معه و كانوا ثمانين بيتا فصلوا خلف رسول اللّه(ص)العشاء الآخرة ثمّ قدم عليه(ص)بعد غزوة أحد و شهد معه المشاهد كلها و ولاه رسول اللّه صدقات قومه، روى أنّه لما سمع بفوت النبيّ(ص)و كان في قبيلته، أخذ رايته فنصبها على باب بيت أمير المؤمنين فقال له عمر: الناس اتفقوا على بيعة أبى بكر، ما لك تخالفهم؟ فقال: لا أبايع غير صاحب هذا البيت.
و اما حديث التسليم على على بامرة المؤمنين فقد أخرجه العلامة المرعشيّ دام ظله في ذيل الاحقاق عن معاجم كثيرة من كتب أهل السنة راجع ج 4(ص)275 و ما بعده.
و أمّا حديث خلافه فقد روى علم الهدى في الشافي 398 عن الثقفى بإسناده عن سفيان بن فروة عن أبيه قال: جاء بريدة حتّى ركز رايته في وسط أسلم ثمّ قال: لا أبايع حتّى يبايع على بن أبي طالب، فقال على: يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس، فان اجتماعهم أحبّ الى من اختلافهم اليوم. و بإسناده عن موسى بن عبد اللّه بن الحسن قال: أبت أسلم أن تبايع، فقالوا:
ما كنا نبايع حتّى يبايع بريدة لقول النبيّ(ص)لبريدة «على وليكم من بعدى» قال: فقال على: ان هؤلاء خيرونى أن يظلمونى حقى و أبايعهم، و ارتد الناس حتّى بلغت الردة أحدا فاخترت أن أظلم حقى و ان فعلوا ما فعلوا.
أقول: و حديث بريدة «يا بريدة لا تبغض عليا [لا تقع في على] ان عليا منى و انا منه و هو ولى كل مؤمن بعدى» من المتواترات و قد أخرجه أصحاب الصحاح راجع مسند الامام ابن حنبل ج 5(ص)356، خصائص النسائى: 33 شرح النهج الحديدى ج 2(ص)430، مجمع الزوائد ج 9(ص)127 و هكذا حديث عمران بن الحصين و يقال انه اخا بريدة لامه أخرجه ابو داود الطيالسى في مسنده: 111 تحت الرقم 829، الترمذي في صحيحه ج 5(ص)296 تحت الرقم 3796 و 3809 و أخرجه عنه في مشكاة المصابيح 564 جامع الأصول 9/ 470، و رواه النسائى في الخصائص: 33 و 26 مستدرك الصحيحين ج 3(ص)110، الى غير ذلك من المعاجم الحديثية راجع بسط ذلك في ذيل الاحقاق ج 5(ص)274- 317.
198
الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ نَسِيتَ أَمْ تَنَاسَيْتَ أَمْ خَدَعَتْكَ نَفْسُكَ سَوَّلَتْ لَكَ الْأَبَاطِيلَ أَ وَ لَمْ تَذْكُرْ مَا أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ تَسْمِيَةِ عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ النَّبِيُّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَ قَوْلَهُ فِي عِدَّةِ أَوْقَاتٍ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَاتِلُ الْقَاسِطِينَ فَاتَّقِ اللَّهَ وَ تَدَارَكْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تُدْرِكَهَا وَ أَنْقِذْهَا مِمَّا يُهْلِكُهُا وَ ارْدُدِ الْأَمْرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ وَ لَا تَتَمَادَ فِي اغْتِصَابِهِ وَ رَاجِعْ وَ أَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَاجَعَ فَقَدْ مَحَضْتُكَ النُّصْحَ وَ دَلَلْتُكَ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ثُمَّ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كُنْتُمْ عَلِمْتُمْ وَ إِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَوْلَى بِهِ وَ أَحَقُّ بِإِرْثِهِ وَ أَقْوَمُ بِأُمُورِ الدِّينِ وَ آمَنُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَحْفَظُ لِمِلَّتِهِ وَ أَنْصَحُ لِأُمَّتِهِ فَمُرُوا صَاحِبَكُمْ فَلْيَرُدَّ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرِبَ حَبْلُكُمْ وَ يَضْعُفَ أَمْرُكُمْ وَ يَظْفَرَ عَدُوُّكُمْ وَ يَظْهَرَ شَتَاتُكُمْ وَ تُعْظُمَ الْفِتْنَةُ بِكُمْ وَ تَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ يَطْمَعَ فِيكُمْ عَدُوُّكُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَ عَلِيٌّ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلِيُّكُمْ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ فَرْقٌ ظَاهِرٌ قَدْ عَرَفْتُمُوهُ فِي حَالٍ بَعْدَ حَالٍ عِنْدَ سَدِّ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَبْوَابَكُمُ الَّتِي كَانَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَدَّهَا كُلَّهَا غَيْرَ بَابِهِ (1) وَ إِيثَارِهِ إِيَّاهُ بِكَرِيمَتِهِ فَاطِمَةَ دُونَ
____________
(1) حديث سد الأبواب الا باب عليّ (عليه السلام) قد مر في ج 39(ص)19- 34 من بحار الانوار تاريخ مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) و أخرج المؤلّف العلامة من روايات الفريقين في ذلك ما فيه غناء و كفاية، و ان شئت راجع ذيل الاحقاق ج 5(ص)540- 586، فقد أخرجه عن الترمذي ج 13(ص)173 ط الصاوى بمصر، و هو في ط الاعتماد ج 5(ص)305 تحت الرقم 3815، و عن النسائى في الخصائص: 13 و 14، الحافظ أبى نعيم في الحلية 4/ 153، ابن كثير الدمشقى في البداية و النهاية 7/ 338، ابن حنبل في مسنده ج 4(ص)369، الحاكم في مستدركه 3/ 125 و للعلامة الامينى (قدّس سرّه) في كتابه الغدير بحث ضاف و نظرة ثاقبة في حديث سد الأبواب من شاءها فليراجع ج 3(ص)202 و ما بعده.
و ممّا يناسب ذكره هنا أن الترمذي ج 5(ص)278 روى بإسناده عن عروة عن عائشة «أن النبيّ(ص)أمر بسد الأبواب الا باب أبى بكر» و لفظ البخارى 5/ 5 «لا يبقين في المسجد باب الأسد، الا باب أبى بكر» و لم يتفطنوا أن النبيّ لم يأمر بسد الأبواب الا بابه للخلة و لا للقرابة، و انما أمر بسد الأبواب لحكم شرعى اقتضى ذلك، و هو أنّه لا يحل لاحد أن يستطرق جنبا مسجد الرسول ص، الا من كان طاهرا طيبا بنص آية التطهير، و لذلك قال ص: «يا على لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيرى و غيرك» رواه الترمذي في ج 5/ 303 تحت الرقم 3811 البيهقيّ في سننه 7/ 65، الخطيب التبريزى في مشكاة المصابيح: 564، العسقلانى في تهذيبه 9/ 387 الى غير ذلك ممّا تجده في ذيل الاحقاق.
و أمّا حديث «أنا مدينة العلم و على بابها» فقد مضى البحث عنه في ج 40(ص)200 207 من تاريخ أمير المؤمنين (عليه السلام) و ان شئت راجع ذيل الاحقاق ج 5(ص)469- 515 أخرج الحديث بألفاظه عن معاجم كثير منها المستدرك 3/ 126 و 127 تاريخ بغداد 2/ 377 أنساب السمعانيّ 1182 تاريخ الخلفاء: 66.
199
سَائِرِ مَنْ خَطَبَهَا إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ قَوْلِهِ(ص)أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرَادَ الْحِكْمَةَ فَلْيَأْتِهَا مِنْ بَابِهَا وَ أَنْتُمْ جَمِيعاً مُصْطَرِخُونَ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ إِلَيْهِ وَ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَى مَا لَهُ مِنَ السَّوَابِقِ الَّتِي لَيْسَتْ لِأَفْضَلِكُمْ عِنْدَ نَفْسِهِ فَمَا بَالُكُمْ تَحِيدُونَ عَنْهُ وَ تُغِيرُونَ عَلَى حَقِّهِ وَ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أَعْطُوهُ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَ لَا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وَ لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ثُمَّ قَامَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (1) فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَجْحَدْ حَقّاً جَعَلَهُ اللَّهُ لِغَيْرِكَ
____________
(1) استعرض أبو الفداء في كتابه المختصر في أخبار البشر حديث السقيفة قائلا: و بادروا سقيفة بنى ساعدة فبايع عمر أبا بكر و انثال الناس يبايعونه خلا جماعة من بنى هاشم و الزبير و عتبة بن أبي لهب و خالد بن سعيد بن العاصى و المقداد بن عمرو و سلمان الفارسيّ و أبى ذر و عمّار بن ياسر و براء بن عازب، و أبى بن كعب، و أبى سفيان من بنى أميّة و مالوا مع على رضى اللّه عنهم.
و قال اليعقوبي في تاريخه 2/ 114 أنّه تخلف عن بيعة أبى بكر قوم من المهاجرين و الأنصار و مالوا مع على ... ثم ذكر هؤلاء الجماعة المنكرين لبيعته.
200
وَ لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ عَصَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي وَصِيِّهِ وَ صَفِيِّهِ وَ صَدَفَ عَنْ أَمْرِهِ ارْدُدِ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ تَسْلَمْ وَ لَا تَتَمَادَ فِي غَيِّكَ فَتَنْدَمَ وَ بَادِرِ الْإِنَابَةَ يَخِفَّ وِزْرُكَ وَ لَا تُخَصِّصْ بِهَذَا الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَكَ نَفْسَكَ فَتَلْقَى وَبَالَ عَمَلِكَ فَعَنْ قَلِيلٍ تُفَارِقُ مَا أَنْتَ فِيهِ وَ تَصِيرُ إِلَى رَبِّكَ فَيَسْأَلُكَ عَمَّا جَنَيْتَ وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ثُمَّ قَامَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبِلَ شَهَادَتِي وَحْدِي وَ لَمْ يُرِدْ مَعِي غَيْرِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ قَدْ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ثُمَّ قَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ وَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّنَا(ص)أَنَّهُ أَقَامَ عَلِيّاً (عليه السلام) يَعْنِي فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِلْخِلَافَةِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ مَوْلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَوْلَاهُ وَ أَكْثَرُوا الْخَوْضَ فِي ذَلِكَ فَبَعَثْنَا رِجَالًا مِنَّا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ قُولُوا لَهُمْ عَلِيٌّ(ع)وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدِي وَ أَنْصَحُ النَّاسِ لِأُمَّتِي وَ قَدْ شَهِدْتُ بِمَا حَضَرَنِي فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ثُمَّ قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ يَعْنِي الرَّوْضَةَ وَ هُوَ آخِذٌ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ هُوَ يَقُولُ أَيُّهَا
201
النَّاسُ هَذَا عَلِيٌّ إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَ وَصِيِّي فِي حَيَاتِي وَ بَعْدَ وَفَاتِي وَ قَاضِي دَينِي وَ مُنْجِزُ وَعْدِي وَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي عَلَى حَوْضِي فَطُوبَى لِمَنْ تَبِعَهُ وَ نَصَرَهُ وَ الْوَيْلُ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَ خَذَلَهُ وَ قَامَ مَعَهُ أَخُوهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي نُجُومُ الْأَرْضِ فَلَا تَتَقَدَّمُوهُمْ وَ قَدِّمُوهُمْ فَهُمُ الْوُلَاةُ بَعْدِي فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ فَقَالَ(ص)عَلَيٌّ وَ الطَّاهِرُونَ مِنْ وُلْدِهِ وَ قَدْ بَيَّنَ(ع)فَلَا تَكُنْ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ثُمَّ قَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ رُدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَقَدْ سَمِعْتُمْ مِثْلَ مَا سَمِعَ إِخْوَانُنَا فِي مَقَامٍ بَعْدَ مَقَامٍ لِنَبِيِّنَا(ع)وَ مَجْلِسٍ بَعْدَ مَجْلِسٍ يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي أَئِمَّتُكُمْ بَعْدِي وَ يُومِئُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ يَقُولُ هَذَا أَمِيرُ الْبَرَرَةِ وَ قَاتِلُ الْكَفَرَةِ مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ظُلْمِكُمْ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ وَ لَا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ وَ لَا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُعْرِضِينَ قَالَ الصَّادِقُ(ع)فَأُفْحِمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى لَمْ يُحِرْ جَوَاباً ثُمَّ قَالَ وَلِيتُكُمْ وَ لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي (1) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ انْزِلْ عَنْهَا يَا لُكَعُ
____________
(1) روى حديث اقالته هذا في الصواعق المحرقة: 30 و لفظة «أقيلونى أقيلونى لست بخيركم» الإمامة و السياسة، 2 و لفظه بعد ما قالت السيّدة فاطمة في محاجة لها معه:
«و اللّه لا دعون اللّه عليك في كل صلاة أصليها»: «فخرج أبو بكر باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله و تركتموني و ما أنا فيه، لا حاجة لى في بيعتكم أقيلونى بيعتى».
و رواه في مجمع الزوائد ج 5(ص)183 نقلا عن الطبراني في الاوسط و لفظه «قام أبو بكر الصديق الغد حين بويع فخطب الناس فقال: ايها الناس انى قد أقلتكم رأيى انى لست بخيركم فبايعوا خيركم» و نقله في شرح النهج ج 1(ص)56 و قال: اختلف الرواة في هذه اللفظة فكثير من الناس رواها «أقيلونى فلست بخيركم» و من الناس من أنكر هذه اللفظة و انما روى «وليتكم و لست بخيركم» و سيجيء تمام الكلام في ذلك في أبواب المطاعن.
202
إِذَا كُنْتَ لَا تَقُومُ بِحُجَجِ قُرَيْشٍ لِمَ أَقَمْتَ نَفْسَكَ هَذَا الْمَقَامَ وَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَخْلَعَكَ وَ أَجْعَلَهَا فِي سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ فَنَزَلَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَ انْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ بَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ جَاءَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ مَعَهُ أَلْفُ رَجُلٍ وَ قَالَ لَهُمْ مَا جُلُوسُكُمْ فَقَدْ طَمَعَ فِيهَا وَ اللَّهِ بَنُو هَاشِمٍ وَ جَاءَهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ مَعَهُ أَلْفُ رَجُلٍ وَ جَاءَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَ مَعَهُ أَلْفُ رَجُلٍ فَمَا زَالَ يَجْتَمِعُ رَجُلٌ رَجُلٌ حَتَّى اجْتَمَعَ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَخَرَجُوا شَاهِرِينَ أَسْيَافَهُمْ يَقْدُمُهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَقَفُوا بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ عُمَرُ وَ اللَّهِ يَا صَحَابَةَ عَلِيٍّ لَئِنْ ذَهَبَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَتَكَلَّمُ بِالَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ بِالْأَمْسِ لَنَأْخُذَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَ قَالَ يَا ابْنَ صُهَاكَ الْحَبَشِيَّةِ أَ بِأَسْيَافِكُمْ تُهَدِّدُونَّا أَمْ بِجَمْعِكُمْ تُفْزِعُونَّا وَ اللَّهِ إِنَّ أَسْيَافَنَا أَحَدُّ مِنْ أَسْيَافِكُمْ وَ إِنَّا لَأَكْثَرُ مِنْكُمْ وَ إِنْ كُنَّا قَلِيلِينَ لِأَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ فِينَا وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ طَاعَةَ إِمَامِي أَوْلَى بِي لَشَهَرْتُ سَيَفِي وَ لَجَاهَدْتُكُمْ فِي اللَّهِ إِلَى أَنْ أُبْلِيَ عُذْرِي فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اجْلِسْ يَا خَالِدُ فَقَدْ عَرَفَ اللَّهُ مَقَامَكَ وَ شَكَرَ لَكَ سَعْيَكَ فَجَلَسَ وَ قَامَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ إِلَّا صَمَّتَا يَقُولُ بَيْنَا أَخِي وَ ابْنُ عَمِّي جَالِسٌ فِي مَسْجِدِي مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ يَكْبِسُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِلَابِ أَهْلِ النَّارِ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَ قَتْلَ مَنْ مَعَهُ وَ لَسْتُ أَشُكُّ إِلَّا وَ إِنَّكُمْ هُمْ فَهَمَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ ثُمَّ جَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ صُهَاكَ الْحَبَشِيَّةِ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وَ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)تَقَدَّمَ لَأَرَيْتُكَ أَيُّنَا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ انْصَرِفُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَوَ اللَّهِ لَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِلَّا كَمَا دَخَلَ أَخَوَايَ مُوسَى وَ هَارُونَ إِذْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ وَ اللَّهِ
203
لَا أَدْخُلُ إِلَّا لِزِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَوْ لِقَضِيَّةٍ أَقْضِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِحُجَّةٍ أَقَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ يُتْرَكَ النَّاسُ فِي حَيْرَةٍ (1).
بيان: أوعز إليه في كذا تقدم قوله(ع)و لقد راودت في ذلك تقييد بيّنتي كذا في أكثر النسخ و لعل فيه تصحيفا و على تقديره لعل المعنى أني كنت أعلم أن ذلك لا ينفع و لكن أردت بذلك أن لا تضيع و تضمحل حجتي عليهم و تكون مقيدة محفوظة مر الدهور ليعلموا بذلك أني ما بايعت طوعا أو لضبط حجتي عند الله تعالى و في بعض النسخ و لقد راودت في ذلك نفسي فيكون كناية عن التدبر و التأمل.
قوله(ع)لقد تاب الله بالنبي.
أقول قد مر الكلام في هذه الآية و روى الطبرسي تلك القراءة عن الرضا (عليه السلام) (2) و الصنديد بالكسر السيد الشجاع و النجدة الشجاعة و يقال ما يغني عنك هذا أي ما يجدي عنك و لا ينفعك و الإبلاس الانكسار و الحزن يقال أبلس فلان إذا سكت غما و يقال وجأت عنقه وجاء أي ضربته و يقال تناساه إذا أرى من نفسه أنه نسيه قوله حذرا تعليل للعقد قوله يصفو لك الأمر لعل المعنى يظهر لك الحق صريحا من غير شبهة قوله فالله أي اتق الله و القسم بعيد قوله فقد أعذر أي صار ذا عذر و بين عذره و قوله فكان كما قال كلام الصادق(ع)و التافه الحقير اليسير قوله فمن الحرس إلى الخلافة هو استفهام إنكار إلى أ تنتهي أو تترقى من حراسة الجند التي هي أخس الأمور إلى الخلافة الكبرى قوله و فرق بالجر عطفا على العهد أو بالرفع بتقدير أي له فرق ظاهر و الاستصراخ الاستغاثة و صدف عنه أعرض و أفحم على بناء المفعول سكت فلم يطق جوابا و يقال ما أحار جوابا أي ما رد و اللكع كصرد اللئيم و
____________
(1) الاحتجاج لابى منصور الطبرسيّ 47- 50.
(2) مجمع البيان ج 5(ص)80، و الآية في براءة: 117.
204
الأحمق و من لا يتجه لمنطق و لا غيره و يقال أبلاه عذرا أي أداه إليه فقبله.
3- ج، الإحتجاج عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ احْتَزَمَ بِإِزَارِهِ وَ جَعَلَ يَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ وَ يُنَادِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ بُويِعَ لَهُ فَهَلُمُّوا إِلَى الْبَيْعَةِ (1) فَيَنْثَالُ النَّاسُ فَيُبَايِعُونَ فَعَرَفَ أَنَّ جَمَاعَةً فِي بُيُوتٍ مُسْتَتِرُونَ فَكَانَ يَقْصِدُهُمْ فِي جَمْعٍ فَيَكْبِسُهُمْ وَ يُحْضِرُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَيُبَايِعُونَ حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَيَّامٌ أَقْبَلَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى مَنْزِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَطَالَبَهُ بِالْخُرُوجِ فَأَبَى فَدَعَا عُمَرُ بِحَطَبٍ وَ نَارٍ وَ قَالَ وَ الَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَيَخْرُجَنَّ أَوْ لَأُحْرِقَنَّهُ عَلَى مَا فِيهِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ فِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ وُلْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَلَمَّا عَرَفَ إِنْكَارَهُمْ قَالَ مَا بَالُكُمْ أَ تَرَوْنِي فَعَلْتُ ذَلِكَ إِنَّمَا أَرَدْتُ التَّهْوِيلَ (2) فَرَاسَلَهُمْ عَلِيٌّ أَنْ لَيْسَ إِلَى خُرُوجِي حِيلَةٌ لِأَنِّي فِي جَمْعِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَبَذْتُمُوهُ وَ أَلْهَتْكُمُ الدُّنْيَا عَنْهُ وَ قَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَ لَا أَضَعَ رِدَائِي عَلَى عَاتِقِي حَتَّى
____________
(1) و روى في شرح النهج ج 1(ص)74 في حديث عن البراء بن عازب: «و إذا أنا بأبى بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة و هم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد الا خبطوه و قدموه و مدوا يده فمسحوها على يد أبى بكر يبايعه شاء أو أبى» و سيأتي تمام الحديث بطوله.
(2) حديث إحراق البيت على فاطمة و بنيها و من فيها من أباة البيعة رواه عامة المورخين و سيجيء نصوصها في أبواب المطاعن و ان شئت راجع في ذلك تاريخ الطبريّ 3/ 202 الإمامة و السياسة 19، شرح النهج الحديدى 1/ 134، تاريخ ابى الفداء ج 1(ص)156، عقد الفريد: 3/ 63، مروج الذهب ج 3(ص)77، و في الملل و النحل للشهرستانى: 83 ط مصر نقلا عن النظام أنّه قال: «ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها و كان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها، و ما كان في الدار غير على و فاطمة و الحسن و الحسين».
205
أَجْمَعَ الْقُرْآنَ (1) قَالَ وَ خَرَجَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَيْهِمْ فَوَقَفَتْ عَلَى الْبَابِ ثُمَّ قَالَتْ لَا عَهْدَ لِي بِقَوْمٍ أَسْوَأَ مَحْضَراً مِنْكُمْ تَرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ جِنَازَةً بَيْنَ أَيْدِينَا وَ قَطَعْتُمْ أَمْرَكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَلَمْ تُؤَمِّرُونَا وَ لَمْ تَرَوْا لَنَا حَقَّنَا كَأَنَّكُمْ لَمْ تَعْلَمُوا مَا قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ اللَّهِ لَقَدْ عَقَدَ لَهُ يَوْمَئِذٍ الْوَلَاءَ لِيَقْطَعَ مِنْكُمْ بِذَلِكَ مِنْهَا الرَّجَاءَ وَ لَكِنَّكُمْ قَطَعْتُمُ الْأَسْبَابَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ نَبِيِّكُمْ وَ اللَّهُ حَسِيبٌ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (2).
4- ما، الأمالي للشيخ الطوسي بِإِسْنَادٍ سَيَأْتِي فِي بَابِ أَحْوَالِ إِبْلِيسَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَمَثَّلَ إِبْلِيسُ فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ تَصَوَّرَ يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ(ص)فِي صُورَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَجْعَلُوهَا كِسْرَوَانِيَّةً وَ لَا قَيْصَرَانِيَّةً وَسِّعُوهَا تَتَّسِعْ فَلَا تَرُدُّوهَا فِي بَنِي هَاشِمٍ فَيُنْتَظَرَ بِهَا الْحَبَالَى (3).
بيان: أي حتى لا يخرجوها منهم بحيث إذا كان منهم حمل في بطن أمه انتظروا
____________
(1) روى في منتخب كنز العمّال ج 2(ص)162 عن محمّد بن سيرين قال: لما توفى النبيّ(ص)أقسم على أن لا يرتدى برداء الا للجمعة حتّى يجمع القرآن في مصحف ففعل قال:
أخرجه ابن أبي داود في المصاحف، و روى مثله الجوهريّ في سقيفه على ما أخرجه ابن أبى الحديد في شرح النهج ج 2(ص)16.
(2) الاحتجاج: 51 و مثله في الإمامة و السياسة: 19 قال: و ان أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند على فبعث اليهم عمر فجاء فناداهم و هم في دار على، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، و قال: و الذي نفس عمر بيده: لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها فقيل له: يا أبا حفص! ان فيها فاطمة؟ فقال: و ان، فخرجوا فبايعوا الا عليا فانه زعم أنّه قال:
حلفت أن لا أخرج و لا أضع ثوبى على عاتقى حتّى أجمع القرآن. فوقفت فاطمة على بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم: تركتم رسول اللّه جنازة بين ايدينا، الى آخر الحديث.
(3) أمالي الطوسيّ 111 ط قديم ج 1(ص)180 ط نجف.
206
خروجه و لم يجوزوا لغيره (1).
5- ج، الإحتجاج رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ(ع)أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْرِجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) مِنْ مَنْزِلِهِ خَرَجَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَمَا بَقِيَتْ هَاشِمِيَّةٌ إِلَّا خَرَجَتْ مَعَهَا حَتَّى انْتَهَتْ قَرِيباً مِنَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ خَلُّوا عَنِ ابْنِ عَمِّي فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَئِنْ لَمْ تُخَلُّوا عَنْهُ لَأَنْشُرَنَّ شَعْرِي وَ لَأَضَعَنَّ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى رَأْسِي وَ لَأَصْرُخَنَّ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَمَا نَاقَةُ صَالِحٍ بِأَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنِّي وَ لَا الْفَصِيلُ بِأَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ وُلْدِي قَالَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُنْتُ قَرِيباً مِنْهَا فَرَأَيْتُ وَ اللَّهِ أَسَاسَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)تَقَلَّعَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا حَتَّى لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَنْفُذَ مِنْ تَحْتِهَا نَفَذَ فَدَنَوْتُ مِنْهَا فَقُلْتُ يَا سَيِّدَتِي وَ مَوْلَاتِي إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ أَبَاكِ رَحْمَةً فَلَا تَكُونِي نَقِمَةً فَرَجَعَتْ وَ رَجَعْتِ الْحِيطَانُ حَتَّى سَطَعَتِ الْغَبَرَةُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَدَخَلَتْ فِي خَيَاشِيمِنَا (2).
6- ل، الخصال فِيمَا ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي جَوَابِ الَّذِي سَأَلَ عَمَّا فِيهِ مِنْ خِصَالِ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ(ع)وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ يَا أَخَا الْيَهُودِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)أَمَّرَنِي فِي حَيَاتِهِ عَلَى جَمِيعِ أُمَّتِهِ وَ أَخَذَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ حَضَرَهُ مِنْهُمُ الْبَيْعَةَ وَ السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ لِأَمْرِي وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ذَلِكَ فَكُنْتُ الْمُؤَدِّيَ إِلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَمْرَهُ إِذَا حَضَرْتُهُ وَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ حَضَرَنِي مِنْهُمْ إِذَا فَارَقْتُهُ لَا تَخْتَلِجُ فِي نَفْسِي مُنَازَعَةُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ لِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ(ص)وَ لَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِتَوْجِيهِ الْجَيْشِ الَّذِي وَجَّهَهُ مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَرَضِ الَّذِي تَوَفَّاهُ فِيهِ فَلَمْ يَدَعِ النَّبِيُّ(ص)أَحَداً مِنْ أَفْنَاءِ الْعَرَبِ
____________
(1) ذكر المؤلّف العلامة هذا الحديث في ج 63/ 233 من طبعتنا هذه و قال في بيانه «أى إذا كانت الخلافة مخصوصة ببنى هاشم صار الامر بحيث ينتظر الناس أن تلد الحبالى أحدا منهم فيصير خليفة و لم يعطوها غيرهم».
(2) الاحتجاج: 56 و مثله في اليعقوبي 2/ 116.
207
وَ لَا مِنَ الْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ يَخَافُ عَلَى نَقْضِهِ وَ مُنَازَعَتِهِ وَ لَا أَحَداً مِمَّنْ يَرَانِي بِعَيْنِ الْبَغْضَاءِ مِمَّنْ قَدْ وَتَرْتُهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ أَوْ حَمِيمِهِ إِلَّا وَجَّهَهُ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ وَ لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ الْمُنَافِقِينَ لِتَصْفُوَ قُلُوبُ مَنْ يَبْقَى مَعِي بِحَضْرَتِهِ وَ لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ شَيْئاً مِمَّا أَكْرَهُهُ وَ لَا يَدْفَعَنِي دَافِعٌ عَنِ الْوِلَايَةِ وَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ رَعِيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ كَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِهِ أَنْ يَمْضِيَ جَيْشُ أُسَامَةَ وَ لَا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ أَنْهَضَ مَعَهُ وَ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّقَدُّمِ وَ أَوْعَزَ فِيهِ أَبْلَغَ الْإِيعَازِ وَ أَكَّدَ فِيهِ أَكْثَرَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ أَشْعُرْ بَعْدَ أَنْ قُبِضَ النَّبِيُّ(ص)إِلَّا بِرِجَالٍ مِنْ بَعْثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ أَهْلِ عَسْكَرِهِ قَدْ تَرَكُوا مَرَاكِزَهُمْ وَ أَخْلَوْا بِمَوَاضِعِهِمْ وَ خَالَفُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيمَا أَنْهَضَهُمْ لَهُ وَ أَمَرَهُمْ بِهِ وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ مِنْ مُلَازَمَةِ أَمِيرِهِمْ وَ السَّيْرِ مَعَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ حَتَّى يُنْفَذَ لِوَجْهِهِ الَّذِي أَنْفَذَهُ إِلَيْهِ فَخَلَّفُوا أَمِيرَهُمْ مُقِيماً فِي عَسْكَرِهِ وَ أَقْبَلُوا يَتَبَادَرُونَ عَلَى الْخَيْلِ رَكْضاً إِلَى حَلِّ عُقْدَةٍ عَقَدَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولُهُ لِي فِي أَعْنَاقِهِمْ فَحَلُّوهَا وَ عَهْدٍ عَاهَدُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَنَكَثُوهُ وَ عَقَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَقْداً ضَجَّتْ بِهِ أَصْوَاتُهُمْ وَ اخْتَصَّتْ بِهِ آرَاؤُهُمْ مِنْ غَيْرِ مُنَاظَرَةٍ لِأَحَدٍ مِنَّا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ مُشَارَكَةٍ فِي رَأْيٍ أَوِ اسْتِقَالَةٍ لِمَا فِي أَعْنَاقِهِمْ مِنْ بَيْعَتِي فَعَلُوا ذَلِكَ وَ أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ مَشْغُولٌ وَ بِتَجْهِيزِهِ عَنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مَصْدُودٌ فَإِنَّهُ كَانَ أَهَمَّهَا وَ أَحَقَّ مَا بُدِئَ بِهِ مِنْهَا فَكَانَ هَذَا يَا أَخَا الْيَهُودِ أَقْرَحَ مَا وَرَدَ عَلَى قَلْبِي مَعَ الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الرَّزِيَّةِ وَ فَاجِعِ الْمُصِيبَةِ وَ فَقْدِ مَنْ لَا خَلَفَ مِنْهُ إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَصَبَرْتُ عَلَيْهَا إِذْ أَتَتْ بَعْدَ أُخْتِهَا عَلَى تَقَارُبِهَا وَ سُرْعَةِ اتِّصَالِهَا ثُمَّ الْتَفَتَ(ع)إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالُوا بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(1).
____________
(1) الخصال: 371- 372، و تراه في الاختصاص 170.
208
بيان: قال الجوهري يقال هو من أفناء الناس إذا لم يعلم ممن هو.
7- ل، الخصال ابْنُ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (1) عَنِ النَّهِيكِيِّ عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كَانَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ جُلُوسَهُ فِي الْخِلَافَةِ وَ تَقَدُّمَهُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَالِدُ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَ كَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ وَ غَيْرُهُمْ (2) فَلَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ تَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَلَّا نَأْتِيهِ فَنُنْزِلَهُ عَنْ
____________
(1) و في آخر رجال البرقي نفسه (63- 66) فصل ذكر فيه أسماء المنكرين على أبى بكر و هم اثنا عشر أسماؤهم على ترتيب قيامهم أمام القوم: خالد بن سعيد بن العاص، أبو ذر الغفارى، سلمان الفارسيّ، المقداد بن الأسود، بريدة الاسلمى، عمار بن ياسر، قيس بن سعد بن عبادة، خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، أبو الهيثم بن التيهان، سهل بن حنيف، ابو ايوب الأنصاريّ، و مقالتهم يشبه ما ذكره الصدوق في هذه الرواية باختلاف يسير، الا أن في الرجال ذكر قيس بن سعد و لفظه:
«ثم قام قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر قريش! قد علم خياركم أن أهل بيت رسول اللّه(ص)أحق بمكانه في سبق سابقة و حسن عناء، و قد جعل اللّه هذا الامر لعلى بمحضر منك و سماع أذنيك، فلا ترجعوا ضلالا فتنقلبوا خاسرين».
(2) استعرض ابن أبي الحديد ذكر هؤلاء المخالفين على أبا بكر الا بين عن بيعته في حديث نقله عن كتاب السقيفة لابى بكر الجوهريّ رواه بإسناده عن ابى سعيد الخدريّ و فيه رفع قال: سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبنى هاشم محبا فلما قبض رسول اللّه(ص)تخوفت أن يتمالا قريش على اخراج هذا الامر عن بنى هاشم فأخذنى ما يأخذ الوالهة العجول فكنت أتردد الى بنى هاشم و هم عند النبيّ في الحجرة و أتفقد وجوه قريش فانى فانى كذلك اذ فقدت أبا بكر و عمر و إذا قائل يقول القوم في السقيفة و إذا قائل آخر يقول قد بويع أبو بكر.
فلم ألبث و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمر و أبو عبيدة و جماعة من أصحاب السقيفة و هم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد الا خطبوه و قدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبى بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى، فانكرت عقلي و خرجت أشتد حتّى انتهيت الى بنى هاشم و الباب مغلق فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا و قلت: قد بايع الناس لابى بكر، فقال العباس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما انى قد أمرتكم فعصيتموني.
فمكثت أكابد ما في نفسى فلما كان بليل خرجت الى المسجد ..... ثم خرجت الى الفضاء فضاء بنى بياضة و أجد نفرا يتناجون فلما دنوت منهم سكتوا فانصرفت عنهم فعرفونى و ما أعرفهم فدعوني اليهم فأتيتهم فأجد المقداد بن الأسود و عبادة بن الصامت و سلمان الفارسيّ و أبا ذر و حذيفة و أبا الهيثم بن التيهان و عمارا و إذا حذيفة يقول لهم و اللّه ليكونن ما أخبرتكم به و اللّه ما كذبت و لا كذبت، و إذا القوم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين ثمّ قال: ائتوا أبى بن كعب فقد علم كما علمت ..... الى أن قال: و بلغ ذلك أبا بكر و عمر فأرسلا الى أبى عبيدة و الى المغيرة بن شعبة فسألاهما عن الرأى فقال المغيرة: الرأى أن تلقوا العباس فتجعلوا له و لولده في هذه الإمرة نصيبا ليقطعوا بذلك ناحية عليّ بن أبي طالب الحديث راجع ج 1(ص)74 و 132.
209
مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَالَ آخَرُونَ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَعَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ لَكِنِ امْضُوا بِنَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)نَسْتَشِيرُهُ وَ نَسْتَطْلِعُ أَمْرَهُ فَأَتَوْا عَلِيّاً(ع)فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ضَيَّعْتَ نَفْسَكَ وَ تَرَكْتَ حَقّاً أَنْتَ أَوْلَى بِهِ وَ قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ الرَّجُلَ فَنُنْزِلَهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَإِنَّ الْحَقَّ حَقُّكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ فَكَرِهْنَا أَنْ نُنْزِلَهُ مِنْ دُونِ مُشَاوَرَتِكَ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ(ع)لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا كُنْتُمْ إِلَّا حَرْباً لَهُمْ وَ لَا كُنْتُمْ إِلَّا كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ أَوْ كَالْمِلْحِ فِي الزَّادِ وَ قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ التَّارِكَةُ لِقَوْلِ نَبِيِّهَا وَ الْكَاذِبَةُ
210
عَلَى رَبِّهَا وَ لَقَدْ شَاوَرْتُ فِي ذَلِكَ أَهْلَ بَيْتِي فَأَبَوْا إِلَّا السُّكُوتَ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ وَغْرِ صُدُورِ الْقَوْمِ وَ بُغْضِهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ أَنَّهُمْ يُطَالِبُونَ بِثَأْرَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَشَهَرُوا سُيُوفَهُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْحَرْبِ وَ الْقِتَالِ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى قَهَرُونِي وَ غَلَبُونِي عَلَى نَفْسِي وَ لَبَّبُونِي وَ قَالُوا لِي بَايِعْ وَ إِلَّا قَتَلْنَاكَ فَلَمْ أَجِدْ حِيلَةً إِلَّا أَنْ أَدْفَعَ الْقَوْمَ عَنْ نَفْسِي وَ ذَاكَ أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ نَقَضُوا أَمْرَكَ وَ اسْتَبَدُّوا بِهَا دُونَكَ وَ عَصَوْنِي فِيكَ فَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ الْأَمْرَ وَ إِنَّهُمْ سَيَغْدِرُونَ بِكَ لَا مَحَالَةَ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ سَبِيلًا إِلَى إِذْلَالِكَ وَ سَفْكِ دَمِكَ فَإِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ بَعْدِي كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ(ع)مِنْ رَبِّي تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ لَكِنِ ائْتُوا الرَّجُلَ فَأَخْبِرُوهُ بِمَا سَمِعْتُمْ مِنْ نَبِيِّكُمْ وَ لَا تَدَعُوهُ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ أَمْرِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَ أَبْلَغَ فِي عُقُوبَتِهِ إِذَا أَتَى رَبَّهُ وَ قَدْ عَصَى نَبِيَّهُ وَ خَالَفَ أَمْرَهُ قَالَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى حَفُّوا بِمِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَوْمَ جُمُعَةٍ فَقَالُوا لِلْمُهَاجِرِينَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَدَأَ بِكُمْ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فَبِكُمْ بَدَأَ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ وَ قَامَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِإِدْلَالِهِ بِبَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ اتَّقِ اللَّهَ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا تَقَدَّمَ لِعَلِيٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ لَنَا وَ نَحْنُ مُحْتَوِشُوهُ فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى رِجَالٍ مِنَّا ذَوِي قَدْرٍ فَقَالَ مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ أُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظُوهَا وَ إِنِّي مُؤَدٍّ إِلَيْكُمْ أَمْراً فَاقْبَلُوهُ أَلَا إِنَّ عَلِيّاً(ع)أَمِيرُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ أَوْصَانِي بِذَلِكَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَحْفَظُوا وَصِيَّتِي فِيهِ وَ تُؤْوُوهُ وَ تَنْصُرُوهُ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَحْكَامِكُمْ وَ اضْطَرَبَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ دِينِكُمْ وَ وَلِيَ عَلَيْكُمُ الْأَمْرَ شِرَارُكُمْ أَلَا وَ إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هُمُ الْوَارِثُونَ أَمْرِي الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ أُمَّتِي اللَّهُمَّ فَمَنْ حَفِظَ فِيهِمْ وَصِيَّتِي فَاحْشُرْهُ فِي زُمْرَتِي وَ اجْعَلْ لَهُ مِنْ مُرَافَقَتِي نَصِيباً يُدْرِكُ بِهِ فَوْزَ الْآخِرَةِ اللَّهُمَّ وَ مَنْ أَسَاءَ خِلَافَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي فَاحْرِمْهُ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّماواتُ
211
وَ الْأَرْضُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اسْكُتْ يَا خَالِدُ فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَ لَا مِمَّنْ يُرْضَى بِقَوْلِهِ فَقَالَ خَالِدٌ بَلْ اسْكُتْ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَنْطِقُ بِغَيْرِ لِسَانِكَ وَ تَعْتَصِمُ بِغَيْرِ أَرْكَانِكَ وَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشاً لَتَعْلَمُ أَنَّكَ أَلْأَمُهَا حَسَباً وَ أَقَلُّهَا أَدَباً وَ أَخْمَلُهَا ذِكْراً وَ أَقَلُّهَا غَنَاءً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَنْ رَسُولِهِ وَ إِنَّكَ لَجَبَانٌ عِنْدَ الْحَرْبِ بَخِيلٌ فِي الْجَدْبِ لَئِيمُ الْعُنْصُرِ مَا لَكَ فِي قُرَيْشٍ مَفْخَرٌ قَالَ فَأَسْكَتَهُ خَالِدٌ فَجَلَسَ ثُمَّ قَامَ أَبُو ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ يَا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ وَ عَلِمَ خِيَارُكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ الْأَمْرُ لِعَلِيٍّ(ع)بَعْدِي ثُمَّ لِلْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ثُمَّ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ(ع)فَاطَّرَحْتُمْ قَوْلَ نَبِيِّكُمْ وَ تَنَاسَيْتُمْ مَا أَوْعَزَ إِلَيْكُمْ وَ اتَّبَعْتُمُ الدُّنْيَا وَ تَرَكْتُمْ نَعِيمَ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَا يُهْدَمُ بُنْيَانُهَا وَ لَا يَزُولُ نَعِيمُهَا وَ لَا يَحْزَنُ أَهْلُهَا وَ لَا يَمُوتُ سُكَّانُهَا وَ كَذَلِكَ الْأُمَمُ الَّتِي كَفَرَتْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا فَبَدَّلَتْ وَ غَيَّرَتْ فَحَاذَيْتُمُوهَا حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ فَعَمَّا قَلِيلٍ تَذُوقُونَ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ثُمَّ قَامَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (1) فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى مَنْ تُسْنِدُ أَمْرَكَ إِذَا نَزَلَ بِكَ الْقَضَاءُ وَ إِلَى مَنْ تَفْزَعُ إِذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُ وَ فِي الْقَوْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَ أَكْثَرُ فِي الْخَيْرِ أَعْلَاماً وَ مَنَاقِبَ مِنْكَ وَ أَقْرَبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَرَابَةً
____________
(1) قال ابن شاذان في الإيضاح 457 أن ابن عمر قال لما بايع الناس أبا بكر:
سمعت سلمان الفارسيّ يقول كرديد و نكرديد، اما و اللّه لقد فعلتم فعلة أطمعتم فيها الطلقاء و لعناء رسول اللّه، قال ابن عمر: فلما سمعت سلمان يقول ذلك أبغضته و قلت: لم يقل هذا الا بغضا منه لابى بكر، قال: فأبقانى اللّه حتّى رأيت مروان بن الحكم يخطب على منبر رسول اللّه، فقلت: رحم اللّه أبا عبد اللّه، لقد قال ما قال بعلم كان عنده.
و روى السيّد المرتضى في الشافي 402 مثل ذلك بتغيير يسير.
212
وَ قِدْمَةً فِي حَيَاتِهِ وَ قَدْ أَوْعَزَ إِلَيْكُمْ فَتَرَكْتُمْ قَوْلَهُ وَ تَنَاسَيْتُمْ وَصِيَّتَهُ فَعَمَّا قَلِيلٍ يَصْفُو لَكَ الْأَمْرُ حِينَ تَزُورُ الْقُبُورَ وَ قَدْ أَثْقَلْتَ ظَهْرَكَ مِنَ الْأَوْزَارِ لَوْ حُمِلْتَ إِلَى قَبْرِكَ لَقَدِمْتَ عَلَى مَا قَدَّمْتَ فَلَوْ رَاجَعْتَ الْحَقَّ وَ أَنْصَفْتَ أَهْلَهُ لَكَانَ ذَلِكَ نَجَاةً لَكَ يَوْمَ تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِكَ وَ تَفَرَّدُ فِي حُفْرَتِكَ بِذُنُوبِكَ وَ قَدْ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا فَلَمْ يَرْدَعْكَ ذَلِكَ عَمَّا أَنْتَ لَهُ فَاعِلٌ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ره فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ ارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ وَ قِسْ شِبْرَكَ بِفِتْرِكَ وَ الْزَمْ بَيْتَكَ وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَ مَمَاتِكَ وَ رُدَّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولُهُ(ص)وَ لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَ لَا يَغُرَّنَّكَ مَنْ قَدْ تَرَى مِنْ أَوْغَادِهَا فَعَمَّا قَلِيلٍ تَضْمَحِلُّ دُنْيَاكَ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى رَبِّكَ فَيَجْزِيكَ بِعَمَلِكَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِعَلِيٍّ وَ هُوَ صَاحِبُهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نُصْحِي ثُمَّ قَامَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ نَسِيتَ أَمْ تَنَاسَيْتَ أَمْ خَادَعَتْكَ نَفْسُكَ أَ مَا تَذْكُرُ إِذْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَسَلَّمْنَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ نَبِيُّنَا بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَاتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ وَ أَدْرِكْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تُدْرِكَهَا وَ أَنْقِذْهَا مِنْ هَلَكَتِهَا وَ دَعْ هَذَا الْأَمْرَ وَ كِلْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ وَ لَا تَمَادَ فِي غَيِّكَ وَ ارْجِعْ وَ أَنْتَ تَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ وَ قَدْ مَنَحْتُكَ نُصْحِي وَ بَذَلْتُ لَكَ مَا عِنْدِي وَ إِنْ قَبِلْتَ وُفِّقْتَ وَ رَشَدْتَ ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ عَلِمْتُمْ وَ عَلِمَ خِيَارُكُمْ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنْكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَدَّعُونَ هَذَا الْأَمْرَ بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ تَقُولُونَ إِنَّ السَّابِقَةَ لَنَا فَأَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنْكُمْ وَ أَقْدَمُ سَابِقَةً مِنْكُمْ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ فَأَعْطُوهُ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَ لَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
213
ثُمَّ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ره فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَجْعَلْ لِنَفْسِكَ حَقّاً جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِغَيْرِكَ وَ لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ عَصَى رَسُولَ اللَّهِ وَ خَالَفَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ ارْدُدِ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ يَخِفُّ ظَهْرُكَ وَ يَقِلُّ وِزْرُكَ وَ تَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الرَّحْمَنِ فَيُحَاسِبُكَ بِعَمَلِكَ وَ يَسْأَلُكَ عَمَّا فَعَلْتَ ثُمَّ قَامَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَبِلَ شَهَادَتِي وَحْدِي وَ لَمْ يُرِدْ مَعِي غَيْرِي قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ ثُمَّ قَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ أَنَّهُ أَقَامَ عَلِيّاً فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِلْخِلَافَةِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَوْلَاهُ فَقَالَ(ع)إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي نُجُومُ أَهْلِ الْأَرْضِ فَقَدِّمُوهُمْ وَ لَا تَقَدَّمُوهُمْ ثُمَّ قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ هُوَ أَنْصَحُ النَّاسِ لِأُمَّتِي ثُمَّ قَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ رُدُّوا هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِمْ فَقَدْ سَمِعْتُمْ كَمَا سَمِعْنَا فِي مَقَامٍ بَعْدَ مَقَامٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ(ص)أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْكُمْ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ (1) فَتَكَلَّمَ وَ قَامَ جَمَاعَةٌ بَعْدَهُ فَتَكَلَّمُوا بِنَحْوِ هَذَا فَأَخْبَرَ الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَتَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ مِنْ عَشَائِرِهِمْ شَاهِرِينَ لِلسُّيُوفِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ عَلَا الْمِنْبَرَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَ اللَّهِ لَئِنْ عَادَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَنَمْلَأَنَّ أَسْيَافَنَا مِنْهُ
____________
(1) زيد بن وهب هذا كان هو الراوي و سيتكلم مؤلّفنا العلامة حول ذلك.
214
فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ وَ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ (1).
8 شف، كشف اليقين فيما نذكره عن أحمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي من رواتهم و رجالهم فيما رواه من إنكار اثني عشر نفسا على أبي بكر بصريح مقالهم عقيب ولايته على المسلمين و ما ذكره بعضهم بما عرف من رسول الله(ص)أَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ و رواه أيضا محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ في كتاب مناقب أهل البيت(ع)و يزيد بعضهم على بعض في روايته (2) اعلم أن هذا الحديث روته الشيعة متواترين و لو كانت هذه الرواية برجال الشيعة ما نقلناه لأنهم عند مخالفيهم متهمون و لكن نذكره حيث هو من طريقهم الذي يعتمدون عليه و درك ذلك على من رواه و صنفه في كتاب المشار إليه فقال أحمد بن محمد الطبري ما هذا لفظه خبر الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في مجلس رسول الله ص- حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن النحاس الكوفي العدل الأسدي قال حدثنا أحمد بن أبي الحسين العامري قال حدثني عمي أبو معمر شعبة بن خيثم
____________
(1) الخصال: 461- 465.
(2) أقول: عقد العلامة البياضى في كتابه الصراط المستقيم 2/ 79- 84 فصلا في ذكر الشهادة ثمّ قال: و لا خفاء و لا تناكر بين الشيعة أن اثنى عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار أنكروا على أبى بكر مجلسه، و قد أسنده الحسين بن جبر في كتابه الاعتبار في ابطال الاختيار الى أبان بى عثمان قال: قلت لابى عبد اللّه: هل كان في أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم من أنكر على أبى بكر جلوسه مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟
قال: نعم و عد منهم: خالد بن سعيد بن العاص، و سلمان، و أبا ذر، و المقداد، و عمارا، و بريدة الاسلمى، و قيس بن سعد بن عبادة، و أبا الهيثم بن التيهان: و سهل ابن حنيف و خزيمة بن ثابت و أبى بن كعب و أبا أيوب الأنصاريّ ...
ثمّ ساق الحديث بمثل ما ذكره الطبرسيّ في الاحتجاج ملخصا.
215
الأسدي قال حدثني عثمان الأعشى (1) عن زيد بن وهب و ذكر مثله إلى آخر الخبر مع تغيير يسير (2) بيان في شف كشف اليقين عمرو بن سعيد مكان خالد بن سعيد و هما أخوان من بني أمية أسلما بمكة و هاجرا إلى الحبشة و لعل ما في شف كشف اليقين أظهر لأن ابن الأثير و غيره ذكروا أنه كان عند وفاة النبي باليمن عاملا على صدقاته و إن أمكن أن يكون جاء في هذا الوقت.
و أيضا في شف كشف اليقين لم يذكر عبد الله بن مسعود و عدَّ أبي بن كعب من الأنصار و ذكر في الأنصار عثمان بن حنيف أيضا فعدّ من كل من المهاجرين و الأنصار ستة و فيه و قال آخرون إنكم إن أتيتموه لتنزلوه عن منبر رسول الله(ص)أعنتم على أنفسكم و قد قال رسول الله(ص)لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه و لكن امضوا بنا.
و فيه و نعلمه أن الحق حقك و أنك أولى بالأمر منه و كرهنا أن نركب أمرا من دون مشاورتك و فيه أهل بيتي و صالح المؤمنين فأبوا و فيه و ايم
____________
(1) عنونه ابن حجر في تهذيب التهذيب قال: عثمان بن المغيرة الثقفى مولاهم أبو المغيرة الكوفيّ، و هو عثمان الاعشى و هو عثمان بن أبي زرعة. روى عن زيد بن وهب و ابى صادق الأزديّ و اياس بن أبي رملة و سالم بن أبي الجعد ... و عنه شعبة و إسرائيل و الثوري و شريك و مسعر و قيس بن الربيع .... قال صالح بن أحمد عن أبيه: عثمان ابن المغيرة، هو عثمان بن أبي زرعة و هو عثمان الاعشى و هو عثمان الثقفى، كوفيّ ثقة ليس أحد أروى عنه من شريك، و قال ابن أبي خيثمه عن ابن معين: عثمان ابن المغيرة ثقة، و قال أبو حاتم و النسائى و عبد الغنى بن سعيد ثقة، و ذكره ابن حبان في الثقات، قلت: و وثقه العجليّ و ابن نمير.
راجع تهذيب التهذيب 7/ 155- 156.
(2) اليقين في إمرة أمير المؤمنين: 108- 113.
216
الله لو فعلتم لكنتم كأنا إذ أتوني و قد شهروا سيوفهم مستعدين للحرب و القتال حتى قهروني.
و قال الجوهري لبّبت الرجل تلبيبا إذا جمعت ثيابه عند صدره و نحره في الخصومة ثم جررته و قال هو يدل بفلان أي يثق به و في شف كشف اليقين فقالوا يا معاشر المهاجرين إن الله قد قدمكم فقال لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ و قال وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ فكان أول من تكلم عمرو بن سعيد بن العاص إلى قوله و نحن محتوشوه يوم بني قريظة إذ فتح الله على رسول الله(ص)و قد قتل علي(ع)عشرة من رجالهم و أولي النجدة منهم فقال رسول الله(ص)يا معشر المهاجرين و يقال احتوش القوم على فلان أي جَعَلُوهُ وَسْطَهُمْ.
و في شف كشف اليقين وليكم شراركم و فيه هم الوارثون لأمري القائمون بأمر أمتي من بعدي اللهم فمن أطاعني من أمتي و حفظ و فيه و من أساء خلافتي فيهم و فيه اسكت يا عمرو و فيه فقال له عمرو.
قوله تنطق بغير لسانك أي تنطق بما ليس من شأنك التكلم به أو لأجل غيرك و الأول أظهر و كذا الثانية و في شف كشف اليقين ألأمها حسبا و أدناها منصبا قوله فأسكته في شف كشف اليقين قال فسكت عمر و جعل يقرع سنه بأنامله قوله لا يهدم بنيانها في شف كشف اليقين لا يهرم شبابها إلى قوله و لا يموت ساكنها بقليل من الدنيا فَانٍ و كذلك الأمم من قبلكم كفرت قوله قرابة و قدمه في شف كشف اليقين قرابة منك قد قدمه في حياته و أوعز إليكم عند وفاته فنبذتم قوله إلى قوله و حملت معك إلى قبرك ما قدمت يداك فإن راجعت قوله اربع على نفسك في شف كشف اليقين على ظلعك إلى قوله و قد علمت أن عليا(ع)صاحب هذا الأمر من بعد رسول الله(ص)فاجعله له فإن ذلك أسلم لك و أحسن لذكرك و أعظم لأجرك و قد نصحت لك إن قبلت نصحي و إلى الله ترجع بخير كان أو بشر و قال الجوهري ربع الرجل يربع إذا
217
وقف و تحبس و منه قولهم اربع على نفسك و اربع على ظلعك أي ارفق بنفسك و كف و لا تحمل عليها أكثر مما تطيق و قال الجزري في الحديث فإنه لا يربع على ظلعك من ليس يحزنه أمرك الظلع بالكسر العرج و قد ظلع يظلع ظلعا فهو ظالع و المعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك و عرجك إلا من يهتم لأمرك و شأنك و يحزنه أمرك انتهى.
و الفتر بالكسر ما بين طرف الإبهام و طرف المسبحة أي كما أن فترك لا يمكن أن يكون بقدر شبرك فكذا مراتب الرجال تختلف بحسب القابلية و لا يمكن للأدنى الترقي إلى درجة الأعلى و الأوغاد جمع وغد و هو الرجل الدني الذي يخدم بطعام بطنه قوله و أدرك نفسك في شف كشف اليقين و تدارك نفسك قبل أن لا تداركها و ادفع هذا الأمر إلى من هو أحق به منك و ليس فيه قول عبد الله بن مسعود و عدم كون ابن مسعود بين هؤلاء أظهر و أوفق بسائر ما نقل في أحواله (1)
____________
(1) روى الكشّيّ في(ص)38 أنّه سئل الفضل بن شاذان عن ابن مسعود و حذيفة، فقال: لم يكن حذيفة مثل ابن مسعود، لان حذيفة كان ركنا و ابن مسعود خلط و والى القوم و مال معهم و قال بهم.
أقول: كان في ابتداء أمره عثمانيا روى ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1(ص)43 قال اخبرنا عفان بن مسلم بإسناده عن أبي وائل أن ابن مسعود سار من المدينة الى الكوفة ثمانيا حين استخلف عثمان فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد فان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مات فلم نر يوما أكثر نشيجا من يومئذ و انا اجتمعنا أصحاب محمّد فلم نسأل عن خيرنا ذى فوق فبايعنا أمير المؤمنين عثمان فبايعوه و ترى مثله في مستدرك الصحيحين 3/ 97، مجمع الزوائد 9/ 88، تاريخ الخلفاء: 60 و كلامه هذا متواتر عنه.
لكنه رجع عنه و لعنه بعد ما أحدث الاحداث، روى الفضل بن شاذان في الإيضاح 57 بروايته عن العامّة أن ابن مسعود قال عند وفاته: يا أصحاب رسول اللّه أنشدكم اللّه هل سمعتم النبيّ(ص)يقول: رضيت لامتى بما رضى لها ابن أم عبد؟ قالوا: اللّهمّ نعم، قال: اللّهمّ انى لا ارتضى عثمان لهذه الأمة، و روى أبو هلال العسكريّ في جمهرة الامثال 47 ط بمبئى قيل لعبد اللّه بن مسعود و هو ينال من عثمان: بايعتم رجلا ثمّ أنشأتم تشتمونه؟ فقال: و اللّه ما ألونا ان بايعنا أعلانا ذا فوق غير أنّه أهلكه شح النفس و بطانة السوء، قال: أ فلا تغيرون؟
قال: فما أبالى أ جبلا راسيا زاولت أم ملكا مؤجلا حاولت، لوددت أنى و عثمان برمل عالج يحثى كل واحد على صاحبه حتّى يموت الاعجل.
قلت: الحديث ذو شجون و سيأتي تمام الكلام في الأبواب الآتية.
218
و لنذكر بعد ذلك تتمة رواية السيد للاختلاف الكثير بين الروايتين و هو هكذا.
- ثُمَّ قَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَقَالَ مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَمُرُوا صَاحِبَكُمْ فَلْيَرُدَّ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرِبَ حَبْلُكُمْ وَ يَضْعُفَ مَسْلَكُكُمْ وَ تَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّ السَّابِقَةَ لَنَا فَأَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَقْدَمُ مِنْكُمْ سَابِقَةً وَ أَعْظَمُ غَنَاءً مِنْ صَاحِبِهِمْ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّكُمْ فَأَعْطُوهُ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ثُمَّ قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَجْحَدْ حَقّاً مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ وَ لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ عَصَى رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَ أَدِّ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ يَخَفَّ ظَهْرُكَ وَ يَقِلَّ وِزْرُكَ وَ تَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ رَاضِياً وَ لَا تَخْتَصَّ بِهِ نَفْسَكَ فَعَمَّا قَلِيلٍ يَنْقَضِي عَنْكَ مَا أَنْتَ فِيهِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْمَلِكِ الرَّحْمَنِ فَيُحَاسِبُكَ بِعَمَلِكَ وَ يَسْأَلُكَ عَمَّا جِئْتَ لَهُ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ثُمَّ قَامَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَبِلَ شَهَادَتِي وَحْدِي وَ لَمْ يُرِدْ مَعِي غَيْرِي قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ عَلِيٌّ إِمَامُكُمْ بَعْدِي.
قَالَ وَ قَامَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
219
ص يَقُولُ: أَهْلُ بَيْتِي يَفْرُقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ هُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ:
وَ قَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: وَ أَنَا أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ(ص)أَنَّهُ أَقَامَ عَلِيّاً لِنُسَلِّمَ لَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِلْخِلَافَةِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَقَامَهُ إِلَّا لِيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّهُ مَوْلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَوْلَاهُ فَتَشَاجَرُوا فِي ذَلِكَ فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)رَجُلًا يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي وَ أَنْصَحُ النَّاسِ لَكُمْ بَعْدَ وَفَاتِي:
وَ قَامَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ: أَهْلُ بَيْتِي نُجُومُ الْأَرْضِ وَ نُورُ الْأَرْضِ فَلَا تَقَدَّمُوهُمْ وَ قَدِّمُوهُمْ فَهُمُ الْوُلَاةُ بَعْدِي فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَوْلَى بِذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ وَ وُلْدُهُ وَ قَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ رُدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَقَدْ سَمِعْنَا مِثْلَ مَا سَمِعَ إِخْوَانُنَا فِي مَقَامٍ بَعْدَ مَقَامٍ لِنَبِيِّنَا(ص)وَ مَجْلِسٍ بَعْدَ مَجْلِسٍ يَقُولُ أَهْلُ بَيْتِي أَئِمَّتُكُمْ بَعْدِي.
قَالَ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ فِي بَيْتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَتَاهُ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَأَتَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ مُتَسَلِّحاً فِي قَوْمِهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْتِهِ ثُمَّ أَصْعَدُوهُ الْمِنْبَرَ وَ قَدْ سَلُّوا سُيُوفَهُمْ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَ اللَّهِ لَئِنْ عَادَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَعَاعٌ مِنْكُمْ بِالْأَمْسِ لَنَمْلَأَنَّ سُيُوفَنَا مِنْهُ فَأَحْجَمَ وَ اللَّهِ الْقَوْمُ وَ كَرِهُوا الْمَوْتَ.
أقول الرعاع الأحداث الأراذل.
و اعلم أن الظاهر من سائر الأخبار عدم دخول الزبير في هؤلاء كما لم يدخل في رواية السيد فإنه كان في أول الأمر مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).
ثم اعلم أن في رواية الصدوق اشتباها بينا حيث ذكر في الإجمال أبي بن كعب و لم يذكره في التفصيل و أورد في التفصيل زيد بن وهب و لم يورده في الإجمال مع أنه هو الراوي للخبر و ذكره بهذا الوجه بعيد و لعله وقع اشتباه من النساخ
220
أو من الرواة و إن كان قوله عند الإجمال و غيرهم مما يومي إلى وجه بعيد لتصحيحه فلا تغفل.
9- فس، تفسير القمي أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قُلْتُ ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ قَالَ ذَلِكَ وَ اللَّهِ يَوْمَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ (1).
10- ختص، الإختصاص ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ رَبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُسْلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ بِعَلِيٍّ(ع)مُلَبَّباً وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي قَالَ فَخَرَجَتْ يَدٌ مِنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَعْرِفُونَ أَنَّهَا يَدُهُ وَ صَوْتٌ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ صَوْتُهُ نَحْوَ أَبِي بَكْرٍ يَا هَذَا أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (2).
قب، المناقب لابن شهرآشوب عن عبد الله: مثله.
11- ير، بصائر الدرجات عَبْدُ اللَّهِ [بْنُ مُحَمَّدٍ يَرْفَعُهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتُخْلِفَ قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَمَنْ جَعَلَهُ كَذَلِكَ قَالَ الْمُسْلِمُونَ رَضُوا بِذَلِكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ لَأَسْرَعَ مَا خَالَفُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ نَقَضُوا عَهْدَهُ وَ لَقَدْ سَمَّوْهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَ اللَّهِ مَا اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)(3) فَقَالَ عُمَرُ كَذَبْتَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ وَ فَعَلَ فَقَالَ
____________
(1) تفسير القمّيّ: 504، و الآية في سورة الروم: 41.
(2) الاختصاص: 274- 275، بصائر الدرجات: 275.
(3) و في الإمامة و السياسة: 19 في حديث له: فأتى عمر أبا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ و هو مولى له: اذهب فادع لي عليا، قال فذهب الى على فقال له: ما حاجتك؟ فقال: يدعوك خليفة رسول اللّه، فقال على: لسريع ما كذبتم على رسول اللّه فرجع فأبلغ الرسالة ... فقال أبو بكر: عد اليه فقل له: خليفة رسول اللّه يدعوك لتبايع، فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به فرفع على صوته فقال: سبحان اللّه لقد ادعى ما ليس له ... الى أن قال: فلحق على بقبر رسول اللّه يصيح و يبكى و ينادى: يا ابن أم ان القوم استضعفونى و كادوا يقتلوننى. الى آخر ما سيأتي عن قريب.
221
عَلِيٌّ(ع)إِنْ شِئْتَ أَنْ أُرِيَكَ بُرْهَاناً عَلَى ذَلِكَ فَعَلْتُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا تَزَالُ تَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)انْطَلِقْ بِنَا لِنَعْلَمَ أَيُّنَا الْكَذَّابُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَانْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى أَتَى إِلَى الْقَبْرِ فَإِذَا كَفٌّ فِيهَا مَكْتُوبٌ أَ كَفَرْتَ يَا عُمَرُ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)أَ رَضِيتَ وَ اللَّهِ لَقَدْ جَحَدْتَ اللَّهَ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ (1).
ختص، الإختصاص ابن عيسى عن علي بن الحكم عن خالد القلانسي و محمد بن حماد عن الطيالسي عن أبيه عن أبي عبد الله(ع)مثله (2).
12- شف، كشف اليقين مِنْ أَصْلٍ عَتِيقٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُخَالِفِينَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: ثُمَّ قَامَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَ تَنَاسَيْتَ أَمْ تَعَاشَيْتَ أَمْ خَادَعَتْكَ نَفْسُكَ أَ مَا تَذْكُرُ إِذْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَسَلَّمْنَا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَاتَّقِ اللَّهَ وَ تَدَارَكْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تُدْرِكَهَا وَ أَنْقِذْهَا مِنْ هَلَكَتِهَا وَ ادْفَعْ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا تَمَادَ فِي اغْتِصَابِهِ وَ ارْجِعْ وَ أَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْجِعَ فَقَدْ مَحَضْتُ نَصِيحَتَكَ وَ بَذَلْتُ لَكَ مَا عِنْدِي مَا إِنْ فَعَلْتَهُ وُفِّقْتَ وَ رَشَدْتَ (3).
13- شف، كشف اليقين مِنْ أَصْلٍ عَتِيقٍ مِنْ رِوَايَةِ الْمُخَالِفِينَ بِإِسْنَادِهِ (4) عَنْ يَحْيَى بْنِ
____________
(1) بصائر الدرجات: 276.
(2) الاختصاص: 274.
(3) اليقين: 171.
(4) و الاسناد هكذا: حدّثنا الحسن بن محمّد بن الفرزدق الفزارى قال: حدّثنا محمّد بن أبي هارون المقرى العلّاف قال: حدّثنا مخول بن إبراهيم قال: حدّثنا يحيى بن عبد اللّه بن الحسن إلخ.
222
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَمَّا خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ قَامَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَ كَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَ اتَّبَعُوا مَرْضَاةَ الرَّحْمَنِ وَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ وَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ تَنَاسَيْتُمْ أَمْ نَسِيتُمْ أَمْ بَدَّلْتُمْ أَمْ غَيَّرْتُمْ أَمْ خَذَلْتُمْ أَمْ عَجَّزْتُمْ أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ فِينَا مَقَاماً أَقَامَ(ص)لَنَا عَلِيّاً فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ وَ مَنْ كُنْتُ نَبِيَّهُ فَهَذَا أَمِيرُهُ أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى طَاعَتُكَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ بَعْدِي أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي خَيْراً فَقَدِّمُوهُمْ وَ لَا تَتَقَدَّمُوهُمْ وَ أَمِّرُوهُمْ وَ لَا تَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَهْلُ بَيْتِي الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِي أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَهْلُ بَيْتِي مَنَارُ الْهُدَى وَ الْمُدِلُّونَ عَلَى اللَّهِ أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ الْهَادِي لِمَنْ ضَلَّ أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَلِيٌّ الْمُحْيِي لِسُنَّتِي وَ مُعَلِّمُ أُمَّتِي وَ الْقَائِمُ بِحُجَّتِي وَ خَيْرُ مَنْ أُخَلِّفُ بَعْدِي وَ سَيِّدُ أَهْلِ بَيْتِي وَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ طَاعَتُهُ مِنْ بَعْدِي كَطَاعَتِي عَلَى أُمَّتِي أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُوَلِّ عَلَى عَلِيٍّ(ع)أَحَداً مِنْكُمْ وَ وَلَّاهُ فِي كُلِّ غَيْبَةٍ عَلَيْكُمْ أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا كَانَا مَنْزِلَتُهُمَا وَاحِداً وَ أَمْرُهُمَا وَاحِداً أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا غِبْتُ عَنْكُمْ وَ خَلَّفْتُ فِيكُمْ عَلِيّاً فَقَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ رَجُلًا كَنَفْسِي أَ وَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ جَمَعَنَا قَبْلَ مَوْتِهِ فِي بَيْتِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ(ع)فَقَالَ لَنَا إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى أَنِ اتَّخِذْ أَخاً مِنْ أَهْلِكَ أَجْعَلْهُ نَبِيّاً وَ أَجْعَلْ أَهْلَهُ لَكَ وُلْداً وَ أُطَهِّرْهُمْ مِنَ الْآفَاتِ وَ أَخْلَعْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فَاتَّخَذَ مُوسَى هَارُونَ وَ وُلْدَهُ وَ كَانُوا أَئِمَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ الَّذِينَ يَحِلُّ لَهُمْ فِي مَسَاجِدِهُمْ مَا يَحِلُّ لِمُوسَى
223
أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنِ اتَّخِذْ عَلِيّاً أَخاً كَمُوسَى اتَّخَذَ هَارُونَ أَخاً وَ اتَّخِذْهُ وُلْداً فَقَدْ طَهَّرْتُهُمْ كَمَا طَهَّرْتُ وُلْدَ هَارُونَ أَلَا وَ إِنِّي خَتَمْتُ بِكَ النَّبِيِّينَ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَكَ فَهُمُ الْأَئِمَّةُ (1) أَ فَمَا تَفْقَهُونَ أَ مَا تُبْصِرُونَ أَ مَا تَسْمَعُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الشُّبُهَاتُ فَكَانَ مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي سَفَرٍ أَصَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى خَشِيَ أَنْ يَهْلِكَ فَلَقِيَ رَجُلًا هَادِياً بِالطَّرِيقِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَاءِ فَقَالَ أَمَامَكَ عَيْنَانِ إِحْدَاهُمَا مَالِحَةٌ وَ الْأُخْرَى عَذْبَةٌ فَإِنْ أَصَبْتَ مِنَ الْمَالِحَةِ ضَلَلْتَ وَ هَلَكْتَ وَ إِنْ أَصَبْتَ مِنَ الْعَذْبَةِ هُدِيتَ وَ رَوِيتَ فَهَذَا مَثَلُكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُهْمَلَةُ كَمَا زَعَمْتُمْ وَ ايْمُ اللَّهِ مَا أُهْمِلْتُمْ لَقَدْ نُصِبَ لَكُمْ عَلَمٌ يُحِلُّ لَكُمُ الْحَلَالَ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْكُمُ الْحَرَامَ وَ لَوْ أَطَعْتُمُوهُ مَا اخْتَلَفْتُمْ وَ لَا تَدَابَرْتُمْ وَ لَا تَعَلَّلْتُمْ وَ لَا بَرِئَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَوَ اللَّهِ إِنَّكُمْ بَعْدَهُ لَمُخْتَلِفُونَ فِي أَحْكَامِكُمْ وَ إِنَّكُمْ بَعْدَهُ لَنَاقِضُونَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ إِنَّكُمْ عَلَى عِتْرَتِهِ لَمُخْتَلِفُونَ وَ مُتَبَاغِضُونَ إِنْ سُئِلَ هَذَا عَنْ غَيْرِ مَا عَلِمَ أَفْتَى بِرَأْيِهِ وَ إِنْ سُئِلَ هَذَا عَمَّا يَعْلَمُ أَفْتَى بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَحَارَيْتُمْ وَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةٌ هَيْهَاتَ أَبَى كِتَابُ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (2) وَ أَخْبَرَنَا بِاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (3) أَيْ لِلرَّحْمَةِ وَ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ وَ شِيعَتُهُمْ وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
____________
(1) ما بين العلامتين ساقط من طبع الكمپانى أضفناه بقرينة المصدر و كتاب الاحتجاج 69، و هكذا فيما يأتي من ذيل الحديث، و الظاهر أن نسخة المؤلّف العلامة كانت غير منقحة في هذا المقام.
(2) آل عمران 105.
(3) هود: 118، و ضمير خلقهم راجع الى «من» فى «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» و «ذلك» اشارة الى الرحمة و العناية الربانية و المعنى أن الناس لا يزالون مختلفين، الا من (رحمهم الله) عزّ و جلّ و عصمهم عن الاختلاف بعلم من لدنه و ورع ذاتى يحجزهم عن الخلاف، و هم الذين خلقهم للرحمة لا للعذاب فلا يزال ينظر اليهم بعين الرحمة و العناية و يعصمهم عن الخلاف و الاختلاف في الدين بالالهام أو النقر في الاسماع و النكت في الاذان و يؤيدهم بالروح القدسي ليكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول شهيدا عليهم.
و أمّا الحاق الشيعة بهم كما في هذا الخبر، فهو الحاق بآل محمّد تبعا، اذا كانوا يصدرون عن أمر آل محمّد و نهيهم و يتبعونهم حقّ الاتباع فافهم ذلك.
224
ص يَقُولُ يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ النَّاسُ مِنْهَا بِرَاءٌ فَهَلَّا قَبِلْتُمْ مِنْ نَبِيِّكُمْ كَيْفَ وَ هُوَ يُخْبِرُكُمْ بِانْتِكَاصِكُمْ وَ يَنْهَاكُمْ عَنْ خِلَافِ وَصِيِّهِ وَ أَمِينِهِ وَ وَزِيرِهِ وَ أَخِيهِ وَ وَلِيِّهِ أَطْهَرِكُمْ قَلْباً وَ أَعْلَمِكُمْ عِلْماً وَ أَقْدَمِكُمْ إِسْلَاماً وَ أَعْظَمِكُمْ غَنَاءً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَعْطَاهُ تُرَاثَهُ (1) وَ أَوْصَاهُ بِعِدَاتِهِ وَ اسْتَخْلَفَهُ
____________
(1) لما قرب وفاته(ص)دعا عليّا (عليه السلام) فضمه إليه ثمّ نزع خاتمه من إصبعه و سلمها الى على و قال: تختم بهذا في حياتى ثمّ سلم إليه مغفره و درعه و رايته و البرد و القضيب و بغلته دلدل و ناقته الصهباء و غير ذلك ممّا كان من خصائصه و قال: يا على اقبضها في حياتى حتى لا ينازعك فيها أحد بعد وفاتى.
روى ذلك الكليني في الكافي ج 1(ص)236، و الصدوق في علل الشرائع 1 ر 160 162 ط قم و المفيد في الإرشاد: 87- 88، و شيخ الطائفة في أماليه 2 ر 185 و 214 و اعترف بذلك من أهل الجماعة ابن كثير في البداية و النهاية 6 ر 9 و محبّ الدين الطبريّ في الرياض النضرة 2 ر 17.
ناهيك من جميع ذلك ما رواه الطبريّ في تاريخه ج 2(ص)321 و أخرجه الصدوق في علله 1 ر 163 و ابن شهرآشوب في مناقبه 2 ر 25 عن ربيعة بن ناجد- و اللفظ للطبري أن رجلا قال لعلى (عليه السلام) يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك؟ فقال على:
هاؤم! ثلاث مرّات، حتى اشرأب الناس و نشروا آذانهم ثمّ قال: و ذكر (عليه السلام) حديث الدار في اول البعثة و فيه: ثم قال رسول اللّه: يا بنى عبد المطلب انى بعثت اليكم بخاصّة و الى الناس بعامة، و قد رأيتم من هذا الامر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعنى على أن يكون أخى و صاحبى و وارثى؟ فلم يقم إليه أحد، قال عليّ (عليه السلام): فقمت إليه، فقال: اجلس، ثمّ قال ثلاث مرّات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس! حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدى، قال (عليه السلام): فبذلك ورثت ابن عمى دون عمى.
و روى البلاذري في أنساب الأشراف 1 ر 525 قال: خاصم العباس عليا الى أبى بكر فقال: العم أولى أو ابن العم فقال أبو بكر: العم، فقال: ما بال دروع النبيّ و بغلته و دلدل و سيفه عند على؟ فقال أبو بكر: هذه سيف (سيب ظ) وجدته في يده فأنا أنكره نزعه منه فتركه العباس.
و روى أبو منصور الطبرسيّ في الاحتجاج 57 عن محمّد بن عمر بن على عن أبيه عن أبى رافع قال: انى لعند أبى بكر اذ طلع على و العباس يتدافعان و يختصمان في ميراث رسول اللّه(ص)فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل، يعنى بالقصير عليا و بالطويل العباس، فقال العباس: أنا عم النبيّ(ص)و وارثه و قد حال بينى و بين تركته! فقال أبو بكر: فأين كنت يا عبّاس حين جمع النبيّ(ص)بنى عبد المطلب و أنت أحدهم فقال: أيكم يوازرنى و يكون وصيى و خليفتى في اهلى ينجز عداتى و يقضى دينى فأحجمتم عنها الا على فقال النبيّ ص: أنت كذلك؟ فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا تقدمته و تأمرت عليه؟ قال أبو بكر: أغدرا يا نبى عبد المطلب؟!.
قلت: و سيجيء الكلام في ذلك مستوفى في محله إنشاء اللّه.
225
عَلَى أُمَّتِهِ وَ وَضَعَ عِنْدَهُ رَأْسَهُ فَهُوَ وَلِيُّهُ دُونَكُمْ أَجْمَعِينَ وَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكُمْ أَكْتَعِينَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ أَفْضَلُ الْمُتَّقِينَ وَ أَطْوَعُ الْأُمَّةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِخِلَافَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ وَ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ وَ أَدَّى النَّصِيحَةَ مَنْ وَعَظَ وَ بَصَّرَ مَنْ عَمِيَ وَ تَعَاشَى وَ
226
رَدِيَ فَقَدْ سَمِعْتُمْ كَمَا سَمِعْنَا وَ رَأَيْتُمْ كَمَا رَأَيْنَا وَ شَهِدْتُمْ كَمَا شَهِدْنَا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالُوا اقْعُدْ يَا أُبَيُّ أَصَابَكَ خَبَلٌ أَمْ أَصَابَتْكَ جُنَّةٌ فَقَالَ بَلِ الْخَبَلُ فِيكُمْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَلْفَيْتُهُ يُكَلِّمُ رَجُلًا وَ أَسْمَعُ كَلَامَهُ وَ لَا أَرَى وَجْهَهُ فَقَالَ فِيمَا يُخَاطِبُهُ مَا أَنْصَحَهُ لَكَ وَ لِأُمَّتِكَ وَ أَعْلَمَهُ بِسُنَّتِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَ فَتَرَى أُمَّتِي تَنْقَادُ لَهُ مِنْ بَعْدِي قَالَ يَا مُحَمَّدُ يَتْبَعُهُ مِنْ أُمَّتِكَ أَبْرَارُهَا وَ يُخَالِفُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِكَ فُجَّارُهَا وَ كَذَلِكَ أَوْصِيَاءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَوْصَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَخْوَفَهُمْ لِلَّهِ وَ أَطْوَعَهُمْ لَهُ وَ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَتَّخِذَهُ وَصِيّاً كَمَا اتَّخَذْتَ عَلِيّاً وَصِيّاً وَ كَمَا أُمِرْتَ بِذَلِكَ فَحَسَدَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ سِبْطُ مُوسَى خَاصَّةً فَلَعَنُوهُ وَ شَتَمُوهُ وَ عَنَّفُوهُ وَ وَضَعُوا مِنْهُ فَإِنْ أَخَذَتْ أُمَّتُكَ سُنَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَّبُوا وَصِيَّكَ وَ جَحَدُوا أَمْرَهُ وَ ابْتَزُّوا خِلَافَتَهُ وَ غَالَطُوهُ فِي عِلْمِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)هَذَا مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ يُنَبِّئُنِي أَنَّ أُمَّتِي تَخْتَلِفُ عَلَى وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ إِنِّي أُوصِيكَ يَا أُبَيُّ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا لَمْ تَزَلْ بِخَيْرٍ يَا أُبَيُّ عَلَيْكَ بِعَلِيٍّ فَإِنَّهُ الْهَادِي الْمَهْدِيُّ النَّاصِحُ لِأُمَّتِي الْمُحْيِي لِسُنَّتِي وَ هُوَ إِمَامُكُمْ بَعْدِي فَمَنْ رَضِيَ بِذَلِكَ لَقِيَنِي عَلَى مَا فَارَقْتُهُ عَلَيْهِ يَا أُبَيُّ وَ مَنْ غَيَّرَ أَوْ بَدَّلَ لَقِيَنِي نَاكِثاً لِبَيْعَتِي عَاصِياً أَمْرِي جَاحِداً لِنُبُوَّتِي لَا أَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّي وَ لَا أَسْقِيهِ مِنْ حَوْضِي فَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا اقْعُدْ رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أُبَيُّ فَقَدْ أَدَّيْتَ مَا سَمِعْتَ وَ وَفَيْتَ بِعَهْدِكَ (1).
بيان: الأعشى هو الذي لا يبصر بالليل يقال تعاشى إذا أرى من نفسه أنه
____________
(1) اليقين في إمرة أمير المؤمنين 170- 172: و مثله في الاحتجاج 69 و سيأتي في باب احتجاج سلمان و أبى بن كعب إنشاء اللّه تعالى.
227
أعشى و النكوص الإحجام و أكتعون و أبتعون و أبصعون أتباع لأجمعين لا يأتي مفردا على المشهور بين أهل اللغة.
أقول وجدت الخبر هكذا ناقصا فأوردته كما وجدته.
13- شي، تفسير العياشي عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ فَاسِدَةً فَأَصْلَحَهُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ فَقَالَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها (1).
14- شي، تفسير العياشي عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا أَتَى عَلَى عَلِيٍّ(ع)يَوْمٌ قَطُّ أَعْظَمُ مِنْ يَوْمَيْنِ أَتَيَاهُ فَأَمَّا أَوَّلُ يَوْمٍ فَيَوْمَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَمَّا الْيَوْمُ الثَّانِي فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَجَالِسٌ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ وَ النَّاسُ يُبَايِعُونَهُ إِذْ قَالَ لَهُ عُمَرُ يَا هَذَا لَيْسَ فِي يَدَيْكَ شَيْءٌ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَايِعْكَ عَلِيٌّ فَابْعَثْ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ فَيُبَايِعَكَ فَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ رَعَاعٌ فَبَعَثَ إِلَيْهِ قُنْفُذاً فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَقُلْ لِعَلِيٍّ أَجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَذَهَبَ قُنْفُذٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ رَجَعَ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ قَالَ لَكَ مَا خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَحَداً غَيْرِي قَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ أَجِبْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى بَيْعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَ هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ يُبَايِعُونَهُ وَ قُرَيْشٌ وَ إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَكَ مَا لَهُمْ وَ عَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ وَ ذَهَبَ إِلَيْهِ قُنْفُذٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ رَجَعَ فَقَالَ قَالَ لَكَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ لِي وَ أَوْصَانِي إِذَا وَارَيْتُهُ فِي حُفْرَتِهِ أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي حَتَّى أُؤَلِّفَ كِتَابَ اللَّهِ فَإِنَّهُ فِي جَرَائِدِ النَّخْلِ وَ فِي أَكْتَافِ الْإِبِلِ قَالَ قَالَ عُمَرُ قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ خَالِدُ بْنِ الْوَلِيدِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ قُنْفُذٌ وَ قُمْتُ مَعَهُمْ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَابِ فَرَأَتْهُمْ فَاطِمَةُ (صلوات اللّه عليها) أَغْلَقَتِ الْبَابَ فِي وُجُوهِهِمْ وَ هِيَ لَا تَشُكُّ أَنْ لَا يُدْخَلَ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا فَضَرَبَ عُمَرُ الْبَابَ بِرِجْلِهِ فَكَسَرَهُ وَ كَانَ مِنْ سَعَفٍ ثُمَّ دَخَلُوا فَأَخْرَجُوا عَلِيّاً(ع)مُلَبَّباً فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2 ر 19 و الآية في الأعراف 56.
228
أَ تُرِيدُ أَنْ تُرْمِلَنِي مِنْ زَوْجِي وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَكُفَّ عَنْهُ لَأَنْشُرَنَّ شَعْرِي وَ لَأَشُقَّنَ جَيْبِي وَ لَآَتِيَنَّ قَبْرَ أَبِي وَ لَأَصِيحَنَّ إِلَى رَبِّي فَأَخَذَتْ بِيَدِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ خَرَجَتْ تُرِيدُ قَبْرَ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لِسَلْمَانَ أَدْرِكْ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ فَإِنِّي أَرَى جَنْبَتَيِ الْمَدِينَةِ تُكْفَئَانِ وَ اللَّهِ إِنْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا وَ شَقَّتْ جَيْبَهَا وَ أَتَتْ قَبْرَ أَبِيهَا وَ صَاحَتْ إِلَى رَبِّهَا لَا يُنَاظَرُ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يُخْسَفَ بِهَا وَ بِمَنْ فِيهَا فَأَدْرَكَهَا سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ أَبَاكِ رَحْمَةً فَارْجِعِي فَقَالَتْ يَا سَلْمَانُ يُرِيدُونَ قَتْلَ عَلِيٍّ مَا عَلَيَّ صَبْرٌ فَدَعْنِي حَتَّى آتِيَ قَبْرَ أَبِي فَأَنْشُرَ شَعْرِي وَ أَشُقَّ جَيْبِي وَ أَصِيحَ إِلَى رَبِّي فَقَالَ سَلْمَانُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُخْسَفَ بِالْمَدِينَةِ وَ عَلِيٌّ بَعَثَنِي إِلَيْكِ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعِي لَهُ إِلَى بَيْتِكِ وَ تَنْصَرِفِي فَقَالَتْ إِذاً أَرْجِعُ وَ أَصْبِرُ وَ أَسْمَعُ لَهُ وَ أُطِيعُ قَالَ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ مُلَبَّباً وَ مَرُّوا بِهِ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ(ص)قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (1) وَ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَ قَدِمَ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بَايِعْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)فَإِنْ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ فَمَهْ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إِذاً أَضْرِبَ وَ اللَّهِ عُنُقَكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إِذاً وَ اللَّهِ
____________
(1) اقتباس من كلامه تعالى في قصة هارون في سورة الأعراف: 149: «وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» و ذلك لانه (عليه السلام) كان من الرسول الأعظم (ص) بمنزلة هارون من موسى و قد جرى له بعد رحلة الرسول مثل ما جرى على هارون بعد غيبة موسى (ع) في الطور، من تغلب السامرى بعجله و فساد قومه و رجوعهم القهقرى الى الشرك، فكلامه (عليه السلام) هذا مقتبسا من كلام اللّه العزيز نفثة مصدورة يحقق لنا مقال الرسول الكريم: «لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
229
أَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ عُمَرُ أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ الْمَقْتُولُ فَنَعَمْ وَ أَمَّا أَخُو رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَا حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً فَبَلَغَ ذَلِكَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلَ مُسْرِعاً يُهَرْوِلُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ارْفُقُوا بِابْنِ أَخِي وَ لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ يُبَايِعَكُمْ فَأَقْبَلَ الْعَبَّاسُ وَ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ(ع)فَمَسَحَهَا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ خَلَّوْهُ مُغْضَباً فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)قَدْ قَالَ لِي إِنْ تَمُّوا عِشْرِينَ فَجَاهِدْهُمْ وَ هُوَ قَوْلُكَ فِي كِتَابِكَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ وَ إِنَّهُمْ لَمْ يَتِمُّوا عِشْرِينَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً ثُمَّ انْصَرَفَ (1).
15- ختص، الإختصاص أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَزْدَقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْوَرَّاقِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ مِثْلَهُ وَ زَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ مُلَبَّباً قَالَ وَ أَقْبَلَ الزُّبَيْرُ مُخْتَرِطاً سَيْفَهُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَ يُفْعَلُ هَذَا بِعَلِيٍّ(ع)وَ أَنْتُمْ أَحْيَاءٌ وَ شَدَّ عَلَى عُمَرَ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ فَرَمَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِصَخْرَةٍ فَأَصَابَتْ قَفَاهُ وَ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ عُمَرُ وَ ضَرَبَهُ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْكَسَرَ وَ مَرَّ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ يَا ابْنَ أُمَّ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ (2).
بيان: قولها(ع)أن ترملني ليس فيما عندنا من كتب اللغة أرمل أو رمل متعديا بل قالوا الأرملة المرأة التي ليس لها زوج يقال أرملت و رملت قوله تكفئان بصيغة المجهول من باب الإفعال أو كمنع أو المعلوم من باب التفعل بحذف إحدى التاءين أي تتحركان و تنقلبان و تضطربان يقال كفأت الإناء و أكفأته أي قلبته قوله(ع)يا ابن أمّ إنما قال(ع)ذلك للمواخاة الروحانية التي جددت يوم المؤاخاة فكأنه ابن أمّه مع أنه لا يبعد استعارة الأم للطينة المقدسة التي أخذا
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2/ 67، و الآية في الأنفال 69.
(2) الاختصاص: 185 و صدر السند في(ص)160 و 144.
230
منها أو لأن فاطمة بنت أسد ربته(ص)فكانت أما مربية و لذا
- قال(ص)حين أخبره أمير المؤمنين بموتها و قال ماتت أمي بل أمي (1).
أو أنه(ع)قرأ الآية إشارة إلى مشابهة الواقعتين و الأوسط أظهر.
16- شي، تفسير العياشي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَضَى الِاخْتِلَافَ عَلَى خَلْقِهِ وَ كَانَ أَمْراً قَدْ قَضَاهُ فِي عِلْمِهِ كَمَا قَضَى عَلَى الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ هِيَ السُّنَنُ وَ الْأَمْثَالُ يَجْرِي عَلَى النَّاسِ فَجَرَتْ عَلَيْنَا كَمَا جَرَتْ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا وَ قَوْلُ اللَّهِ حَقٌّ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ص سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (2) وَ قَالَ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (3) وَ قَالَ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (4) وَ قَالَ(ع)لَا تَبْدِيلَ لِقَوْلِ اللَّهِ (5) وَ قَدْ قَضَى اللَّهُ عَلَى مُوسَى(ع)وَ هُوَ مَعَ قَوْمِهِ يُرِيهِمُ الْآيَاتِ وَ النُّذُرَ ثُمَّ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَاماً قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (6) فَاسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ فَنَصَبُوا عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى وَ تَرَكُوا هَارُونَ فَقَالَ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (7)
____________
(1) و هكذا قوله (ص) «اللّهمّ اغفر لامى فاطمة بنت اسد» راجع ج 35/ 179 180.
(2) أسرى: 77.
(3) فاطر: 43.
(4) يونس: 102.
(5) الروم: 30.
(6) راجع(ص)30 فيما سبق.
(7) راجع الآيات 91- 88 من سورة طه.
231
فَضَرَبَ لَكُمْ أَمْثَالَهُمْ وَ بَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ وَ قَالَ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ(ص)لَمْ يُقْبَضْ حَتَّى أَعْلَمَ النَّاسَ أَمْرَ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ وَ قَالَ إِنَّهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا وَ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَدْخُلُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ كَانَ أَوَّلَ النَّاسِ إِيمَاناً بِهِ فَلَمَّا قُبِضَ نَبِيُّ اللَّهِ(ص)كَانَ الَّذِي كَانَ لِمَا قَدْ قُضِيَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَ عَمَدَ عُمَرُ فَبَايَعَ أَبَا بَكْرٍ وَ لَمْ يُدْفَنْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بَعْدُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ(ع)وَ رَأَى النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ خَشِيَ أَنْ يَفْتَتِنَ النَّاسُ فَفَرَغَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ أَخَذَ يَجْمَعُهُ فِي مُصْحَفٍ فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ أَنْ تَعَالَ فَبَايِعْ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَفْرُغَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ عُمَرُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ قُنْفُذٌ فَقَامَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صلوات اللّه عليها) تَحُولُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَلِيٍّ(ع)فَضَرَبَهَا فَانْطَلَقَ قُنْفُذٌ وَ لَيْسَ مَعَهُ عَلِيٌّ فَخَشِيَ أَنْ يَجْمَعَ عَلِيٌّ النَّاسَ فَأَمَرَ بِحَطَبٍ فَجَعَلَ حَوَالَيْ بَيْتِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ عُمَرُ بِنَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُحْرِقَ عَلَى عَلِيٍّ بَيْتَهُ وَ عَلَى فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليهم) فَلَمَّا رَأَى(ع)ذَلِكَ خَرَجَ فَبَايَعَ كَارِهاً غَيْرَ طَائِعٍ (1).
17- جا، المجالس للمفيد الْجِعَابِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلِيٌّ(ع)وَ الزُّبَيْرُ وَ الْمِقْدَادُ بَيْتَ فَاطِمَةَ(ع)وَ أَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَضْرِمُوا عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ نَاراً فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ وَ مَعَهُ سَيْفُهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَيْكُمْ بِالْكَلْبِ فَقَصَدُوا نَحْوَهُ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ وَ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ اضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ فَضُرِبَ بِهِ الْحَجَرُ حَتَّى انْكَسَرَ وَ خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)نَحْوَ الْعَالِيَةِ فَلَقِيَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ (2) فَقَالَ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2/ 307- 308.
(2) كان خطيب الأنصار، و ذكر اليعقوبي عند مقتل عثمان و بيعة الناس لأمير المؤمنين أنه كان أول من تكلم من الأنصار فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين لئن كانوا تقدموك في الولاية.
232
مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَقَالَ أَرَادُوا أَنْ يُحْرِقُوا عَلَيَّ بَيْتِي وَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يُبَايَعُ لَهُ لَا يَدْفَعُ عَنْ ذَلِكَ وَ لَا يُنْكِرُ فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ وَ لَا تُفَارِقُ كَفِّي يَدَكَ أَبَداً حَتَّى أُقْتَلَ دُونَكَ فَانْطَلَقَا جَمِيعاً حَتَّى عاد [عَادَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَ فَاطِمَةُ(ع)وَاقِفَةٌ عَلَى بَابِهَا وَ قَدْ خَلَتْ دَارُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ وَ هِيَ تَقُولُ لَا عَهْدَ لِي بِقَوْمٍ أَسْوَأَ مَحْضَراً مِنْكُمْ تَرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)جِنَازَةً بَيْنَ أَيْدِينَا وَ قَطَعْتُمْ أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ لَمْ تَسْتَأْمِرُونَا وَ صَنَعْتُمْ بِنَا مَا صَنَعْتُمْ وَ لَمْ تَرَوْا لَنَا حَقّاً (1).
18- جا، المجالس للمفيد الْكَاتِبُ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ(ص)فَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهَا وَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ حَضَرُوا أَسْوَأَ مَحْضَرٍ وَ تَرَكُوا نَبِيَّهُمْ(ص)جِنَازَةً بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَ اسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دُونَنَا (2).
19- قب، المناقب لابن شهرآشوب فَضَائِلُ السَّمْعَانِيِّ وَ أَبِي السَّعَادَاتِ وَ تَارِيخُ الْخَطِيبِ وَ اللَّفْظُ لِلسَّمْعَانِيِّ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ جَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ انْزِلْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي قَالَ صَدَقْتَ إِنَّهُ مَجْلِسُ أَبِيكَ ثُمَّ أَجْلَسَهُ فِي حَجْرِهِ وَ بَكَى فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ مَا كَانَ هَذَا عَنْ أَمْرِي فَقَالَ صَدَّقْتُكَ وَ اللَّهِ مَا اتَّهَمْتُكَ (3).
وَ فِي رِوَايَةِ الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ الْحُسَيْنُ(ع)قُلْتُ لِعُمَرَ انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي وَ اذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيكَ فَقَالَ عُمَرُ لَمْ يَكُنْ لِأَبِي مِنْبَرٌ وَ أَخَذَنِي وَ أَجْلَسَنِي مَعَهُ ثُمَّ سَأَلَنِي مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا فَقُلْتُ وَ اللَّهِ مَا عَلَّمَنِي أَحَدٌ (4).
____________
فما تقدموك في الدين و لئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم، و لقد كانوا و كنت لا يخفى موضعك و لا يجهل مكانك، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون و ما احتجت الى أحد مع علمك» راجع تاريخ اليعقوبي ج 2/ 168.
(1) أمالي المفيد: 38.
(2) أمالي المفيد: 64 و ترى مثله في الإمامة و السياسة: 19.
(3) مناقب آل أبي طالب 4/ 40، و أخرجه عن الخطيب في منتخب كنز العمّال.
(4) مناقب آل أبي طالب 4/ 40، و أخرجه عن الخطيب في منتخب كنز العمّال.
233
20- مَأْخُوذٌ مِنْ مَنَاقِبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، خُطْبَةٌ خَطَبَ بِهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)رَوَى مُجَاهِدٌ (1) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)جَاءَ الْعَبَّاسُ وَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالُوا مُدَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ وَ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ إِنْ شِئْتَ مَلَأْتُهَا خَيْلًا وَ رَجِلًا وَ حَرَّضُوهُ فَامْتَنَعَ وَ قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ أَنْتَ وَ اللَّهِ بَعْدَ أَيَّامٍ عَبْدُ الْعَصَا (2) فَخَطَبَ وَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ
____________
5/ 105 من حديث ابن سعد و ابن راهويه عن الحسين بن عليّ (عليه السلام) قال: صعدت الى عمر بن الخطّاب المنبر فقلت له: انزل عن منبر أبى و اصعد منبر أبيك! فقال: ان ابى لم يكن له منبر، فأقعدنى معه، فلما ذهب الى منزله قال: اي بنى! من علمك هذا؟
قلت: ما علمنيه أحد، قال: أى بنى لو جعلت تأتينا و تغشانا، فجئت يوما و هو خال بمعاوية و ابن عمر بالباب لم يؤذن له، فرجعت فلقينى بعد فقال: يا بنى لم أرك أتيتنا، قلت: جئت و أنت خال بمعاوية، فرأيت ابن عمر، فرجعت، فقال: أنت أحق بالاذن من عبد اللّه بن عمر، انما أنبت اللّه في رءوسنا ما ترى اللّه ثمّ أنتم! و وضع يده على رأسه.
(1) في المطبوع من المصدر: قال مجالد: حدّثني عكرمة عن ابن عبّاس.
(2) قال ابن أبي الحديد في ج 1/ 73 من شرحه على النهج: لما قبض رسول اللّه و اشتغل عليّ (عليه السلام) بغسله و دفنه و بويع أبو بكر، خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين- بعباس و عليّ (عليه السلام) لاجالة الرأى و تكلموا بكلام يقتضى الاستنهاض و التهييج فقال العباس: قد سمعنا قولكم فلا لقلة نستعين بكم و لا لظنة نترك آراءكم، فأمهلونا نراجع الفكر، فان يكن لنا من الاثم مخرج يصرّ بنا و بهم الحق صرير الجدجد و نبسط الى المجد أكفا لا نقبضها أو نبلغ المدى، و ان تكن الأخرى فلا لقلة في العدد، و لا لوهن في الايد، و اللّه لو لا أن الإسلام قيد الفتك، لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلى.
فحل عليّ (عليه السلام) حبوته و قال: الصبر حلم، و التقوى دين، و الحجة محمّد و الطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن الخطبة.
234
الْمُنَافَرَةِ وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ فَقَدْ فَازَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَارْتَاحَ مَاءٌ آجِنٌ وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا أَجْدَرُ بِالْعَاقِلِ مِنْ لُقْمَةٍ تخشى [تُحْشَى بِزُنْبُورٍ وَ مِنْ شَرْبَةٍ تَلَذُّ بِهَا شَارِبُهَا مَعَ تَرْكِ النَّظَرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ وَ مِنَ الرَّجُلِ بِأَخِيهِ وَ عَمِّهِ وَ لَقَدِ انْدَمَجْتُ عَلَى عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ وَ ذَكَرَ كَلَاماً كَثِيراً (1).
بيان: هذا الكلام أورده السيد رضي الله عنه في نهج البلاغة بأدنى تغيير (2) و قال ابن ميثم (رحمه الله) (3) سبب هذا الكلام ما روي أنه لما تم في السقيفة أمر البيعة لأبي بكر أراد أبو سفيان أن يوقع الحرب بين المسلمين فمضى إلى العباس فقال له إن هؤلاء ذهبوا بهذا الأمر من بني هاشم و إنه ليحكم فينا غدا هذا اللفظ الغليظ من بني عدي فقم بنا إلى علي(ع)حتى نبايعه بالخلافة و أنت عم رسول الله(ص)و أنا رجل مقبول القول في قريش فإن دافعونا قاتلناهم و قتلناهم فأتيا أمير المؤمنين(ع)فأجابهم (صلوات الله عليه) بهذا الكلام.
قوله(ع)شقّوا أي اخرجوا من بين أمواج الفتن بما يوجب النجاة منها من المصالح الواقعية لا بما يورث تكثير الفتنة فشبه الفتن بالأمواج و السفن بما يوجب النجاة منها و قيل أريد بالسفن هنا أهل البيت(ع)و متابعتهم كما
قال(ص)مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح.
قوله و عرجوا التعريج على الشيء الإقامة عليه و عن الشيء تركه و المراد بوضع تيجان المفاخرة ترك لبسها كناية عن ترك التعظم و التكبر و التوجه إلى ما هو صلاح الدين و المسلمين قوله فقد فاز في النهج أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح و قال ابن أبي
____________
(1) مناقب ابن الجوزى (تذكرة خواص الأمة) 75.
(2) نهج البلاغة الرقم 5 من قسم الخطب.
(3) شرح النهج للبحرانيّ 104 ط حجر.
235
الحديد استعار النهوض بالجناح للاعتزال أي نفض يديه كطائر ينهض بجناحيه و اعتزل عن الناس و ساح في الأرض أو فارق الدنيا و مات و لو بقي فيهم ترك المنازعة و لا يخفى بعدهما بل الأظهر في الروايتين أن المعنى فاز من قام بطلب الحق إذا تهيأت أسبابه أو انقاد لما يجري عليه مع فقدها.
و بعد ذلك في النهج ماء آجن و لقمة يغص بها آكلها و مجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فعلى رواية ابن الجوزي الغرض ظاهر أي الصبر على الشدة و المذلة أولا مع حسن العاقبة أحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البلية و سوء العاقبة و على الرواية الأخرى الأظهر أنه يعود إلى هذا المعنى أي ما تدعوني إليه و تحملوني عليه ماء آجن أي متغير الطعم و الرائحة و لقمة يغص بفتح الغين أي ينشب في حلق آكلها و لا يمكنه إساغتها.
و ذهب شارحوا النهج إلى أن المعنى أن الخلافة و الإمارة مطلقا كالماء و اللقمة تستتبع المتاعب و المشاق في الدنيا أو عاجلا لو كان حقا و عاجلا و آجلا مع بطلانها و قيل إشارة إلى ما انعقد في السقيفة و اجتنى الثمرة قطفها أي من اجتنى ثمرة في غير وقته لا ينتفع بها كزارع أرض لا يقدر على الإقامة فيها أو يخرجه عنها مالكها و لعله(ع)شبه طلبه في هذا الوقت بمن يجتني ثمرته مع عدم إيناعها و شبه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدم مع كمال التشبيه في الفقرتين.
و اللتيا بفتح اللام و تشديد الياء تصغير التي و جوز الضم أيضا و اللتيا و التي من أسماء الداهية فاللتيا للصغيرة و التي للكبير قيل تزوج رجل امرأة قصيرة سيئة الخلق فقاسى منها شدائد ثم طلقها و تزوج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة فطلقها و قال بعد اللتيا و التي لا أتزوج أبدا فصار مثلا (1) فالمعنى ما أبعد ظن جزع الموت في حقي بعد ما ارتكبته من الشدائد و ليس قوله و من الرجل بأخيه و عمه في النهج و الاندماج الانطواء و باح بالشيء أعلنه و أظهره
____________
(1) راجع مجمع الامثال 1/ 92 تحت الرقم 440.
236
و الأرشية جمع الرشاء بالكسر و المد و هو الحبل و الطوي بفتح الطاء و كسر الواو و تشديد الياء البئر المطوية.
21- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: جَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ غَيْرُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ وَ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ أَحَقُّ النَّاسِ وَ أَوْلَاهُمْ بِالنَّبِيِّ(ص)هَلُمَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ فَوَ اللَّهِ لَنَمُوتَنَّ قُدَّامَكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَاغْدُوا عَلَيَّ غَداً مُحَلِّقِينَ فَحَلَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ حَلَقَ سَلْمَانُ وَ حَلَقَ مِقْدَادٌ وَ حَلَقَ أَبُو ذَرٍّ وَ لَمْ يَحْلِقْ غَيْرُهُمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَجَاءُوا مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ وَ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْتَ أَحَقُّ النَّاسِ وَ أَوْلَاهُمْ بِالنَّبِيِّ(ص)هَلُمَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ وَ حَلَفُوا فَقَالَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَاغْدُوا عَلَيَّ مُحَلِّقِينَ فَمَا حَلَّقَ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ قُلْتُ فَمَا كَانَ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ لَا قُلْتُ فَعَمَّارٌ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَقَالَ إِنَّ عَمَّاراً قَدْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ(ع)بَعْدُ (1).
قب، المناقب لابن شهرآشوب أبو بصير عنه(ع)مثله (2).
22- كش، رجال الكشي أَبُو الْحَسَنِ وَ أَبُو إِسْحَاقَ حَمْدَوَيْهِ وَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَا نُصَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ رِدَّةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ(ص)إِلَّا ثَلَاثَةً فَقُلْتُ وَ مَنِ الثَّلَاثَةُ فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ثُمَّ عَرَفَ النَّاسُ بَعْدَ يَسِيرٍ وَ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الرَّحَى وَ أَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا حَتَّى جَاءُوا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُكْرَهاً فَبَايَعَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ
____________
(1) رجال الكشّيّ(ص)8- 9 تحت الرقم 18 و ممن ذكر التحليق اليعقوبي في تاريخه 2/ 116 قال: و اجتمع جماعة الى عليّ بن أبي طالب يدعونه الى البيعة له، فقال اغدوا على هنا محلقين الرءوس، فلم يغد عليه الا ثلاثة نفر.
(2) مناقب آل أبي طالب/.
237
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الْآيَةَ (1).
كا، الكافي علي عن أبيه عن حنان: مثله (2) بيان قوله(ع)بعد يسير يمكن أن يقرأ بعد بالفتح و الضم و يسير بالرفع و الجر فلا تغفل و دوران الرحى كناية عن قرار الإيمان و الإسلام و فائدة نصب الإمام أو بقاء النظام و عدم نزول العذاب عليهم.
23- كش، رجال الكشي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقُتَيْبِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع)يَقُولُ لَمَّا مَرُّوا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ فِي رَقَبَتِهِ حَبْلٌ إِلَى زُرَيْقٍ ضَرَبَ أَبُو ذَرٍّ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى فَقَالَ لَيْتَ السُّيُوفَ قَدْ عَادَتْ بِأَيْدِينَا ثَانِيَةً وَ قَالَ مِقْدَادٌ لَوْ شَاءَ لَدَعَا عَلَيْهِ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ سَلْمَانُ مَوْلَايَ أَعْلَمُ بِمَا هُوَ فِيهِ (3).
بيان: لعله عبر عن [الأول] بزريق تشبيها له بطائر يسمى بذلك في بعض أخلاقه الردية أو لأن الزرقة مما يتشاءم به العرب أو من الزرق بمعنى العمى و في القرآن يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (4) و في بعض النسخ آل زريق بإضافة الحبل إليه و بنو زريق خلق من الأنصار (5) و هذا و إن كان هنا أوفق لكن التعبير عن أحد الملعونين بهذه الكناية كثير في الأخبار كما مر و سيأتي.
____________
(1) رجال الكشّيّ(ص)6، الرقم 12، و الآية في آل عمران: 144.
(2) الكافي 8/ 245.
(3) رجال الكشّيّ(ص)7- الرقم 16.
(4) «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً» طه: 102، و من المعاني المناسبة الخداع قال في اللسان: يقال: فلان زراق- كشداد- أى خداع.
(5) بطن من الخزرج من الازد من القحطانية، و هم بنو زريق بن عامر بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، ينسب اليهم سكة «ابن زريق» بالمدينة.
238
24- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ وَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَعْيَنَ يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى قَالَ لَهُ فَهَلَكَ النَّاسُ إِذاً قَالَ إِي وَ اللَّهِ يَا ابْنَ أَعْيَنَ هَلَكَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ قُلْتُ مَنْ فِي الشَّرْقِ وَ مَنْ فِي الْغَرْبِ قَالَ فَقَالَ إِنَّهَا فُتِحَتْ عَلَى الضَّلَالِ إِي وَ اللَّهِ هَلَكُوا إِلَّا ثَلَاثَةً ثُمَّ لَحِقَ أَبُو سَاسَانَ وَ عَمَّارٌ وَ شُتَيْرَةُ وَ أَبُو عَمْرَةَ فَصَارُوا سَبْعَةً (1).
25- كش، رجال الكشي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)ارْتَدَّ النَّاسُ إِلَّا ثَلَاثَةٌ أَبُو ذَرٍّ وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)فَأَيْنَ أَبُو سَاسَانَ وَ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُ (2).
بيان: أي هذان لم يستمرا على الردة أو لم يصدر منهما غير الشك.
____________
(1) رجال الكشّيّ(ص)7- الرقم 14، و أبو ساسان هو بريدة بن الحصيب الاسلمى كما مرّ(ص)197، و ممن نقل أنّه كان يكنى أبا ساسان: ابن الأثير في أسد الغابة 1/ 175 و اما الحضين بن المنذر الرقاشى الذي كان يكنى أبا ساسان فهو من التابعين البصريين، عنونه في تهذيب التهذيب 2/ 395 و قال كان صاحب راية أمير المؤمنين على يوم صفّين ثمّ ولاه الاصطخر و كان من سادات ربيعة و ذكره البخارى في تاريخه الصغير و الاوسط في فصل من مات بعد المائة.
و قال في قاموس الرجال 3/ 350: توهم أن المراد بابى ساسان في الخبرين يعنى خبرى الكشّيّ- الحضين هذا لكونه مكنى بأبي ساسان و هذا وهم فاحش، فان أبا ساسان في الخبرين صحابى و هذا تابعي كان في أيّام صفّين حدث السن أحدث أصحابه كما ذكره ابن قتيبة حيث قال في عنوان تكلم من تكلم من أصحاب أمير المؤمنين بعد رفع المصاحف:
ثمّ قام الحضين بن المنذر و كان أحدث القوم سنا فقال: أيها الناس انما بنى هذا الدين على التسليم إلى آخر ما ذكره. و أمّا شتيرة فلم نتحققه فتحرر.
(2) رجال الكشّيّ(ص)8 الرقم 17.
239
26- كش، رجال الكشي عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)ارْتَدَّ النَّاسُ إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ قَالَ قُلْتُ فَعَمَّارٌ قَالَ قَدْ كَانَ حَاصَ حَيْصَةً ثُمَّ رَجَعَ قَالَ إِنْ أَرَدْتَ الَّذِي لَمْ يَشُكَّ وَ لَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ فَالْمِقْدَادُ فَأَمَّا سَلْمَانُ فَإِنَّهُ عَرَضَ فِي قَلْبِهِ عَارِضٌ أَنَّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ وَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ لَأَخَذَتْهُمُ الْأَرْضُ وَ هُوَ هَكَذَا فَلُبِّبَ وَ وُجِئَتْ عُنُقُهُ حَتَّى تُرِكَتْ كَالسِّلْعَةِ فَمَرَّ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا مِنْ ذَلِكَ بَايِعْ فَبَايَعَ وَ أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَأَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِالسُّكُوتِ وَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ فَمَرَّ بِهِ عُثْمَانُ فَأَمَرَ بِهِ ثُمَّ أَنَابَ النَّاسُ بَعْدُ وَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَابَ أَبُو سَاسَانَ الْأَنْصَارِيُّ وَ أَبُو عَمْرَةَ وَ شُتَيْرَةُ وَ كَانُوا سَبْعَةً فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَّا هَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ (1).
بيان: قوله حاص في أكثر النسخ بالمهملتين يقال حاص عنه يحيص حيصا و حيصة أي عدل و حاد و في بعض النسخ بالجيم و الصاد المهملة بهذا المعنى و في بعضها بالمعجمتين بهذا المعنى أيضا و قال الفيروزآبادي السلعة بالكسر كالغدة في الجسد و يفتح و يحرك و كعنبة أو خراج في العنق أو غدة فيها قوله فمر به عثمان فأمر به أي فتكلم أو هو يتكلم في شأنه فأمر به فأخرج من المدينة.
ثم اعلم أنه رواه في الإختصاص عن علي بن الحسين بن يوسف عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد بن إسماعيل عن علي بن الحكم مثله و فيه أن عند ذا يعني أمير المؤمنين(ع)و فيه فمر به من عثمان ما مر به و فيه و أبو عمرة و فلان حتى عقد سبعة (2).
27- كا، الكافي فِي الرَّوْضَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ
____________
(1) رجال الكشّيّ(ص)11، الرقم 24.
(2) الاختصاص: 10.
240
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَطَبَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كَانَ حَيّاً بِلَا كَيْفٍ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَانَ وَ لَا كَانَ لِكَانَهُ كَيْفٌ وَ لَا كَانَ لَهُ أَيْنٌ وَ لَا كَانَ فِي شَيْءٍ وَ لَا كَانَ عَلَى شَيْءٍ وَ لَا ابْتَدَعَ لِكَانَهُ مَكَاناً وَ لَا قَوِيَ بَعْدَ مَا كَوَّنَ شَيْئاً وَ لَا كَانَ ضَعِيفاً قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ شَيْئاً وَ لَا كَانَ مُسْتَوْحِشاً قَبْلَ أَنْ يَبْتَدِعَ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا كَانَ خِلْواً مِنْ الْمُلْكِ قَبْلَ إِنْشَائِهِ وَ لَا يَكُونُ خِلْواً مِنْهُ بَعْدَ ذَهَابِهِ كَانَ إِلَهاً حَيّاً بِلَا حَيَاةٍ وَ مَالِكاً قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَ شَيْئاً وَ مَالِكاً بَعْدَ إِنْشَائِهِ لِلْكَوْنِ وَ لَيْسَ يَكُونُ لِلَّهِ كَيْفٌ وَ لَا أَيْنٌ وَ لَا حَدٌّ يُعْرَفُ وَ لَا شَيْءٌ يُشْبِهُهُ وَ لَا يَهْرَمُ لِطُولِ بَقَائِهِ وَ لَا يَضْعُفُ لِذُعْرِهِ وَ لَا يَخَافُ كَمَا يَخَافُ خَلِيقَتُهُ مِنْ شَيْءٍ وَ لَكِنْ سَمِيعٌ بِغَيْرِ سَمْعٍ وَ بَصِيرٌ بِغَيْرِ بَصَرٍ وَ قَوِيٌّ بِغَيْرِ قُوَّةٍ مِنْ خَلْقِهِ لَا تُدْرِكُهُ حَدَقُ النَّاظِرِينَ وَ لَا يُحِيطُ بِسَمْعِهِ سَمْعُ السَّامِعِينَ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً كَانَ بِلَا مَشُورَةٍ وَ لَا مُظَاهَرَةٍ وَ لَا مُخَابَرَةٍ وَ لَا يَسْأَلُ أَحَداً عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ أَرَادَهُ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَ أَنْهَجَ الدَّلَالَةَ (صلّى اللّه عليه و آله) أَيُّهَا الْأُمَّةُ الَّتِي خُدِعَتْ فَانْخَدَعَتْ وَ عَرَفَتْ خَدِيعَةَ مَنْ خَدَعَهَا فَأَصَرَّتْ عَلَى مَا عَرَفَتْ وَ اتَّبَعَتْ أَهْوَاءَهَا وَ ضَرَبَتْ فِي عَشْوَاءِ غوائها [غَوَايَتِهَا وَ قَدِ اسْتَبَانَ لَهَا الْحَقُ فَصَدَعَتْ عَنْهُ وَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ فَتَنَكَّبَتْهُ أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوِ اقْتَبَسْتُمُ الْعِلْمَ مِنْ مَعْدِنِهِ وَ شَرِبْتُمُ الْمَاءَ بِعُذُوبَتِهِ وَ ادَّخَرْتُمُ الْخَيْرَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَ أَخَذْتُمْ مِنَ الطَّرِيقِ وَاضِحَهُ وَ سَلَكْتُمْ مِنَ الْحَقِّ نَهْجَهُ لَنَهَجَتْ بِكُمُ السُّبُلُ وَ بَدَتْ لَكُمُ الْأَعْلَامُ وَ أَضَاءَ لَكُمُ الْإِسْلَامُ فَأَكَلْتُمْ رَغَداً وَ مَا عَالَ فِيكُمْ عَائِلٌ وَ لَا ظُلِمَ مِنْكُمْ مُسْلِمٌ وَ لَا
241
مُعَاهَدٌ وَ لَكِنْ سَلَكْتُمْ سَبِيلَ الظَّلَامِ فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ دُنْيَاكُمْ بِرُحْبِهَا وَ سُدَّتْ عَلَيْكُمْ أَبْوَابُ الْعِلْمِ فَقُلْتُمْ بِأَهْوَائِكُمْ وَ اخْتَلَفْتُمْ فِي دِينِكُمْ فَأَفْتَيْتُمْ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ اتَّبَعْتُمُ الْغُوَاةَ فَأَغْوَتْكُمْ وَ تَرَكْتُمُ الْأَئِمَّةَ فَتَرَكُوكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ تَحْكُمُونَ بِأَهْوَائِكُمْ إِذَا ذُكِرَ الْأَمْرُ سَأَلْتُمْ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا أَفْتَوْكُمْ قُلْتُمْ هُوَ الْعِلْمُ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ وَ قَدْ تَرَكْتُمُوهُ وَ نَبَذْتُمُوهُ وَ خَالَفْتُمُوهُ رُوَيْداً عَمَّا قَلِيلٍ تَحْصُدُونَ جَمِيعَ مَا زَرَعْتُمْ وَ تَجِدُونَ وَخِيمَ مَا اجْتَرَمْتُمْ وَ مَا اجْتَلَبْتُمْ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي صَاحِبُكُمْ وَ الَّذِي بِهِ أُمِرْتُمْ وَ إِنِّي عَالِمُكُمْ وَ الَّذِي بِعِلْمِهِ نَجَاتُكُمْ وَ وَصِيُّ نَبِيِّكُمْ(ص)وَ خِيَرَةُ رَبِّكُمْ وَ لِسَانُ نُورِكُمْ وَ الْعَالِمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ فَعَنْ قَلِيلٍ رُوَيْداً يَنْزِلُ بِكُمْ مَا وُعِدْتُمْ وَ مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ وَ سَيَسْأَلُكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ أَئِمَّتِكُمْ مَعَهُمْ تُحْشَرُونَ وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ غَداً تَصِيرُونَ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِي عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ أَوْ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ وَ هُمْ أَعْدَاؤُكُمْ لَضَرَبْتُكُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَئُولُوا إِلَى الْحَقِّ وَ تُنِيبُوا لِلصِّدْقِ فَكَانَ أَرْتَقَ لِلْفَتْقِ وَ آخَذَ بِالرِّفْقِ اللَّهُمَّ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَمَرَّ بِصِيرَةٍ فِيهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ شَاةً فَقَالَ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي رِجَالًا يَنْصَحُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)بِعَدَدِ هَذِهِ الشِّيَاهِ لَأَزَلْتُ ابْنَ آكِلَةِ الذِّبَّانِ عَنْ مُلْكِهِ قَالَ فَلَمَّا أَمْسَى بَايَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ رَجُلًا عَلَى الْمَوْتِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)اغْدُوا بِنَا إِلَى أَحْجَارِ الزَّيْتِ مُحَلِّقِينَ وَ حَلَّقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَمَا وَافَى مِنَ الْقَوْمِ مُحَلِّقاً إِلَّا أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ جَاءَ سَلْمَانُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي كَمَا اسْتَضْعَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ هَارُونَ اللَّهُمَّ فَ إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ مَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ* تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
242
أَمَا وَ الْبَيْتِ وَ الْمُفْضِي إِلَى الْبَيْتِ (1) وَ فِي النُّسْخَةِ وَ الْمُزْدَلِفَةِ وَ الْخِفَافِ إِلَى التَّجْمِيرِ لَوْ لَا عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ النَّبِيُّ(ص)لَأَوْرَدْتُ الْمُخَالِفِينَ خَلِيجَ الْمَنِيَّةِ وَ لَأَرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ شَآبِيبَ صَوَاعِقِ الْمَوْتِ وَ عَنْ قَلِيلٍ سَيَعْلَمُونَ (2).
تبيين
كان حيا بلا كيف أي بلا حياة زائدة يتكيف بها و لا كيفية من الكيفيات التي تتبع الحياة في المخلوقين بل حياته علمه و قدرته و هما غير زائدتين على ذاته و لم يكن له كان الظاهر أن كان اسم لم يكن فنفى(ع)ما يوهمه لفظ كان من الزمانية أو الحدوث و لا كان لكانه كيف يحتمل أن يكون المراد لكونه و يكون القلب على لغة بني الحارث بن كعب حيث جوز قلب الواو و الياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا أي ليس له وجود زائد يتكيف به الذات أو ليس وجوده كوجود الممكنات مقرونا بالكيفيات و قد مر في رواية أخرى (3) لمكانه مكانا و يحتمل أن يكون من الأفعال الناقصة أي ليس بزماني أو ليس وجوده مقرونا بالكيفيات المتغيرة الزائدة و إدخال اللام و الإضافة بتأويل الجملة مفردا أي هذا اللفظ كقولك لزيد قائم معنى و لا كان له أين أي مكان و لا كان في شيء أي لا كون الجزئي في الكلي و لا كون الجزء في الكل و لا كون الحال في المحل و لا كون المتمكن في المكان و لا كان على شيء هو نفي المكان العرفي كالسرير مثلا و لا ابتدع لكانه في الرواية المتقدمة لمكانه و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه الملك بالضم و الكسر يكون بمعنى
____________
(1) يقال: أفضى فلان الى فلان: وصل إليه و حقيقته أنّه صار في فضائه، و المراد زائر البيت الذي يصل الى البيت.
(2) الكافي 8/ 31- 32.
(3) نقل هذا الشرح من كتاب مرآة العقول بلفظه، و المراد بالرواية الأخرى ما مر في كتاب التوحيد، و لفظ هذه الرواية تراه في الكافي ج 1/ 88.
243
السلطنة و المالكية و العظمة و بمعنى ما يملك و الضم في الأول أشهر فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره و عند إرجاع الضمير إليه معا هو الأول و يمكن إرادة الأول عند الذكر و الثاني عند الإرجاع على الاستخدام و يمكن إرجاع الضمير إليه تعالى لتكون الإضافة إلى الفاعل لكنه لا يلائم ما بعدها و الحاصل على التقادير أن سلطنته تعالى ليس بخلق الأشياء لغناه عنها بل بقدرته على خلقها و خلق أضعافها و هي لا تنفك عنه تعالى و فيه رد على القائلين بالقدم و دلالة هذه الفقرات على الحدوث ظاهرة بلا حياة أي زائدة بل بذاته و لا حد أي من الحدود الجسمية يوصف و يعرف بها أو من الحدود العقلية المركبة من الجنس و الفصل ليعرف به إذ كنه الأشياء يعرف بحدودها كما هو المشهور ففيه استدلال على عدم إمكان معرفة كنهه تعالى و الأول أظهر.
و لا يضعف و في بعض النسخ و لا يصعق قال الجوهري صعق الرجل أي غشي عليه و الذعر بالضم الخوف و بالتحريك الدهش بغير قوة من خلقه أي بأن يتقوى بمخلوقاته كما يتقوى الملوك بجيوشهم و خزائنهم و بغير قوة زائدة قائمة به و هذه القوة تكون مخلوقة له فيكون محتاجا إلى مخلوق ممكن و هو ينافي وجوب الوجود حدق الناظرين قال الجوهري حدقة العين سوادها الأعظم و الجمع حدق و حداق و لا يحيط بسمعه كأنه مصدر مضاف إلى المفعول و المعنى أنه تعالى ليس من المسموعات كما أن الفقرة السابقة دلت على أنه ليس من المبصرات و يمكن أن يراد أنه لا يحيط سمع جميع السامعين بمسموعاته و لا مظاهرة أي معاونة و لا مخابرة المخابرة في اللغة المزارعة على النصف و لعل المراد نفي المشاركة أي لم يشاركه أحد في الخلق و يحتمل أن يكون مشتقا من الخبر بمعنى العلم أو الاختبار.
أرسله بِالْهُدى أي بالحجج و البينات و الدلائل و البراهين وَ دِينِ الْحَقِ و هو الإسلام و ما تضمنه من الشرائع لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ الضمير في ليظهره للدين الحق أي ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر
244
لها و للرسول أي يجعله غالبا على جميع أهل الأديان و قد مر في الأخبار الكثيرة أنه يكون تمام هذا الوعد عند قيام القائم(ع)و أنهج الدلالة أي أوضحها و ضربت في عشواء غوائها و في بعض النسخ غوايتها و هو أصوب و الضرب في الأرض السير فيها و العشواء بالفتح ممدود الظلمة و الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء و ركب فلان العشواء إذا خبط في أمره و يقال أيضا خبط خبط عشواء و ظاهر أن المراد هنا الظلمة أي صارت الأمة في ظلمة غوايتها و ضلالتها و إن كان بالمعنى الثاني فيحتمل أن يكون في بمعنى على أي سارت راكبة على عشواء غوايتها فصدعت في بعض النسخ فصدت و الصد المنع و يقال صدع عنه أي صرفه فلق الحبة أي شقها و أخرج منها أنواع النبات و برأ النسمة أي خلق ذوات الأرواح و التخصيص بهذين لأنهما عمدة المخلوقات المحسوسة المشاهدة و يظهر آثار الصنع فيهما أكثر منها في غيرهما.
لو اقتبستم العلم من معدنه يقال اقتبست النار و العلم أي استفدته و شربتم الماء بعذوبته شبه العلم و الإيمان بالماء لكونهما سببين للحياة المعنوية و عذوبته كناية عن خلوصه عن التحريفات و البدع و الجهالات و سلكتم من الحق نهجه قال الفيروزآبادي النَّهْجُ الطريقُ الواضحُ كالمَنْهَج و المِنهاج و أنْهَجَ وضَحَ و أوضح و نَهَجَ كمنع وضَحَ و أَوْضَحَ و الطريقَ سَلَكَهُ و اسْتَنْهَجَ الطريقُ صار نَهْجاً كأنهج و في بعض النسخ لنهجت بكم السبل أي وضحت بكم أو بسببكم أي كنتم هداة للخلق و في بعضها لتنهجت و هو قريب مما سبق أي اتضحت و في بعضها لابتهجت و الابتهاج السرور أي كانت سبل الحق راضية عنكم مسرورة بكم حيث سلكتموها حق سلوكها و أضاء يتعدى و لا يتعدى و كلاهما مناسب.
فأكلتم رغدا قال الجوهري عيشة رغد أي واسعة طيبة و ما عال يقال عال يعيل عيلة و عيولا إذا افتقر و لا معاهد بفتح الهاء أي من هو في عهد و أمان كأهل الذمة دنياكم برحبها دنياكم فاعل أظلمت و الرحب بالضم السعة أي مع سعتها فكيف و قد تركتموه أي كيف ينفعكم هذا الإقرار و الإذعان و قد تركتم متابعة قائله أو كيف
245
تقولون هذا مع أنه مخالف لأفعالكم و الضمائر إما راجعة إلى الإمام أو إلى علمه رويدا أي مهلا عما قليل أي بعد زمان قليل و ما زائدة لتوكيد معنى القلة أو نكرة موصوفة وخيم ما اجترمتم قال في النهاية يقال هذا الأمر وخيم العاقبة أي ثقيل ردئ و الاجترام اكتساب الجرم و الذنب و الاجتلاب جلب الشيء إلى النفس و في بعض النسخ اجتنيتم من اجتناء الثمرة أو بمعنى كسب الجرم و الجناية و الأخير أنسب لكنه لم يرد في اللغة صاحبكم أي إمامكم و الذي به أمرتم أي بمتابعته و خيرة ربكم بكسر الخاء و فتح الياء و سكونها أي مختاره من بين سائر الخلق بعد النبي(ص)و لسان نوركم المراد بالنور إما الرسول أو الهداية و العلم أو نور الأنوار تعالى شأنه.
عدة أصحاب طالوت أي الذين لم يشربوا الماء و حضروا لجهاد جالوت و
- قد مر مرويا (1) عن الصادق(ع)أنهم كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر.
فكلمة أو بمعنى الواو أو للتفسير و هم أعداؤكم أي لم يكونوا مثلكم منافقين بل كانوا ناصرين للحق محبين له معاندين لكم لكفركم و في بعض النسخ و هم أعدادكم و لم أعرف له معنى و لعله كان أعدادهم أي أصحاب بدر كانوا بعدد أصحاب طالوت و إنما كررت للتوضيح فصحف حتى تئولوا أي ترجعوا و لتنيبوا من الإنابة و هي الرجوع و في بعض النسخ و تنبئوا على البناء للمفعول أي تخبروا بالصدق و تذعنوا به فكان أرتق للفتق الفتق الشق و الرتق ضده أي كان يسد الخلال و الفرج التي حدثت في الدين و كان الأخذ بالرفق و اللطف للناس أكثر فمر بصيرة الصيرة بالكسر حظيرة الغنم لأزلت ابن آكلة الذباب و في بعض النسخ الذبان بكسر الذال و تشديد الباء جمع الذباب و المراد به أبو بكر و لعله إشارة إلى واقعة كان اشتهر بها و يحتمل أن يكون كناية عن دناءة أصله و رداءة نسبه و حسبه على الموت أي على أن يلتزموا الموت و يقتلوا في نصره و قال الفيروزآبادي أحجار الزيت موضع بالمدينة.
____________
(1) راجع ج 13(ص)438 و الحديث في الكافي 8/ 316.
246
أما و البيت و المفضي إلى البيت قال الجوهري الفضاء الساحة و ما اتسع من الأرض يقال أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء و أفضيت إلى فلان سري و أفضى الرجل إلى امرأته باشرها و أفضى بيده إلى الأرض إذا مسها بباطن راحته في سجوده انتهى.
فيحتمل أن يكون المراد القسم بمن يدخل في الفضاء أي الصحراء متوجها إلى البيت أي الحاج و المعتمر أو من يفضي أسراره إلى البيت أي إلى ربه و يدعو الله عند البيت أو من يفضي الناس إلى البيت و يوصلهم إلى الله و هو الله تعالى أو على صيغة المفعول أي الحاج الواصلين إلى البيت أو من الإفضاء على بناء الفاعل بمعنى مس الأرض بالراحة أي المستلمين بأحجار البيت أو من يفضي إلى الأرض بالسجود في أطراف الأرض متوجها إلى البيت و قال في النهاية في حديث دعائه للنابغة لا يفضي الله فاك و معناه أن لا يجعله فضاء لا سن فيه و الفضاء الخالي الفارغ الواسع من الأرض انتهى.
فيحتمل أن يكون المراد من جعل من أربعة جوانب فضاء غير معمور إلى البيت ليشق على الناس قطعها فيكثر ثوابهم و هو الله تعالى و الخفاف إلى التجمير التجمير رمي الجمار و الخفاف إما جمع الخف أي خف الإنسان إذ خف البعير لا يجمع على الخفاف بل على أخفاف و المراد أثر الخفاف و أثر أقدام الماشين إلى التجمير أو جمع الخفيف أي السائرين بخفة و شوق إلى التجمير و فيه دلالة على جواز الحلف بشعائر الله و حرماته و سيأتي الكلام فيه في كتاب الإيمان إن شاء الله تعالى.
لو لا عهد عهده هو ما ورد في الأخبار المتواترة أن النبي(ص)أوصى إليه(ع)أنك إن لم تجد ناصرا (1) فوادعهم و صالحهم حتى تجد أعوانا و أيضا
____________
(1) و من ذلك قوله (عليه السلام) في الشقشقية: «أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة، لو لا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، و لا سغب مظلوم. لا لقيت حبلها على غاربها، و لسقيت آخرها بكأس أولها».
247
نزل كتاب من السماء مختوم بخواتيم بعدة الأئمة كان يعمل كل منهم بما يخصه خليج المنية الخليج شعبة من البحر و النهر و المنية الموت و الشآبيب جمع شؤبوب بالضم مهموزا و هو الدفعة من المطر و غيره.
28- فر، تفسير فرات بن إبراهيم الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ لِأَبِي بِكْرٍ دَخَلَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَأَهْلُ بَيْتَ نَبِيِّكُمْ هُمُ الْآلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ الصَّفْوَةُ وَ السُّلَالَةُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَ الْعِتْرَةُ الْهَادِيَةُ مِنْ مُحَمَّدٍ(ص)فَبِمُحَمَّدٍ شُرِّفَ شَرِيفُهُمْ فَاسْتَوْجَبُوا حَقَّهُمْ وَ نَالُوا الْفَضِيلَةَ مِنَ رَبِّهِمْ كَالسَّمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ وَ الْأَرْضِ الْمَدْحِيَّةِ وَ الْجِبَالِ الْمَنْصُوبَةِ وَ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَةِ وَ الشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ وَ النُّجُومِ الْهَادِيَةِ وَ الشَّجَرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَضَاءَ زَيْتُهَا وَ بُورِكَ مَا حَوْلَهَا فَمُحَمَّدٌ(ص)وَصِيُّ آدَمَ وَ وَارِثُ عِلْمِهِ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ وَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ وَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ(ص)وَ وَارِثُ عِلْمِهِ وَ أَخُوهُ فَمَا بَالُكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا لَوْ قَدَّمْتُمْ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ خَلَّفْتُمُ الْوِلَايَةَ لِمَنْ خَلَّفَهَا لَهُ النَّبِيُّ وَ اللَّهِ لَمَا عَالَ وَلِيُّ اللَّهِ وَ لَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَ لَا سَقَطَ سَهْمٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ وَ لَا تَنَازَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهَا إِلَّا وَجَدْتُمْ عِلْمَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَذُوقُوا وَبَالَ مَا فَرَّطْتُمْ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (1).
29- ما، الأمالي للشيخ الطوسي جا، المجالس للمفيد عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ إِمْلَاءً مِنْ
____________
(1) تفسير فرات: 26 و الآية في سورة البقرة: 121.
248
كِتَابِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)عَنْ آبَائِهِ(ع)قَالَ: لَمَّا أَتَى أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ خَاطَبَاهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ وَ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)إِلَى الْمَسْجِدِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا اصْطَنَعَ عِنْدَهُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وَ أَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً ثُمَّ قَالَ إِنَّ فُلَاناً وَ فُلَاناً أَتَيَانِي وَ طَالَبَانِي بِالْبَيْعَةِ لِمَنْ سَبِيلُهُ أَنْ يُبَايِعَنِي أَنَا ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ وَ أَبُو بَنِيهِ وَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ غَيْرِي إِلَّا كَاذِبٌ وَ أَسْلَمْتُ وَ صَلَّيْتُ قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ وَ أَنَا وَصِيُّهُ وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَبُو حَسَنٍ وَ حُسَيْنٍ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ بِنَا هَدَاكُمُ اللَّهُ وَ بِنَا اسْتَنْقَذَكُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ وَ أَنَا صَاحِبُ يَوْمِ الدَّوْحِ (1) وَ فِيَّ نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ (2) وَ أَنَا الْوَصِيُّ عَلَى الْأَمْوَاتِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ(ص)وَ
____________
(1) يريد (عليه السلام) يوم الغدير، حيث أمر رسول اللّه(ص)بدوحات فقممن، و منه قول كميت:
و يوم الدوح دوح غدير خم* * * أبان له الولاية لو أطيعا
راجع غديرية كميت في الكتاب الممتع الغدير 2/ 180 و ما بعده.
(2) يريد (عليه السلام) سورة الدهر النازلة فيه و في أهل بيته: فاطمة زوجته و ابنيه الحسن و الحسين (عليهم السلام) و ترى البحث عن ذلك مستوفى في ج 35/ 237- 257 من بحار الأنوار تاريخ مولانا أمير المؤمنين الباب السابع، و ان شئت راجع إحقاق الحقّ بذيل العلامة المرعشيّ دام ظله ج 3(ص)157- 170 الغدير للاميني 3/ 107- 112.
و أمّا الاعتراض على ذلك بأن السورة مكية و زواج عليّ (عليه السلام) بفاطمة الصديقة الطاهرة كان بالمدينة، فعندى أن السورة- و ان كانت نازلة بمكّة على ما يشهد به سياق آياتها صدرا و ذيلا- الا أنّها تذكر في أوصاف المؤمنين ما لا يمكن تطبيقها و تحقيقها و الاذعان بتحققها الا في العترة الطاهرة أهل بيت النبيّ الاقدس و هم: على و فاطمة و ابناهما الحسن و الحسين و الذرّية الطاهرة منهم.
و ذلك أنّه لم يوجد في الأمة الإسلامية- منذ نزلت السورة الكريمة- جماعة من الابرار يكون إخلاص طويتهم و شدة ايمانهم و كمال محبتهم للّه و الخوف من جلاله- جل جلاله بهذه المثابة التي تصفها الآيات الكريمة «وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً ...» الا بعد برهة تشكل أهل بيت الوحى العترة الطاهرة بالمدينة، و ظهر مصداق الأوصاف حين وفائهم بالنذر الذي نذروها في شفاء الحسنين عليهم الصلوات و السلام.
فالمراد بنزول السورة فيهم أن اللّه عزّ و جلّ حيث أطلق هذه الأوصاف الكاملة للابرار، لم يكن ليريد غير هؤلاء العترة الطاهرة لعلمه بعدم تحقّق الأوصاف في غيرهم، و لذلك باهى بوجودهم و بحسن اخلاصهم و طويتهم كانه عزّ و جلّ يقول: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، أنا الذي خلقت البشر و جعلته سميعا بصيرا ليصح ابتلاؤه، و هديناه السبيل ليتحقّق و يتميز فيهم الشاكر من الكافر، و لا أبالى بكثرة الكافرين غير الشاكرين، بعد ما سيخرج فيهم أبرار من أوصافهم كذا و كذا.
فوزان آيات السورة من حيث تعليل أصل الخلقة- خلقة البشر، ثمّ تشريع الشرع و انزال القرآن، وزان آيات البقرة 28- 33 حيث قال عزّ و جلّ: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قالُوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ؟ قالَ:
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (يعنى أسماء كل ما كان تشاهده الملائكة و منهم الاشباح التي كانت تسبح اللّه عزّ و جلّ و تهلله و تمجده في السموات العلى) ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، فَلَمَّا
أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ (و علمت الملائكة أن هؤلاء الاشباح النورانية المتلألئة ستنزل على صفحة الأرض و تخرج من صلب آدم، صاروا محجوجين ساكتين، حيث علموا أن خلقة تنتهى بوجود هؤلاء الابرار، لخليق بالاعتبار، و السعى في خدمتهم ثمّ السجدة للّه عزّ و جلّ شكرا و تفاخرا على هذه الخلقة التي بدئت بصنيع آدم أبيهم، و لذلك) قال عزّ و جلّ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
فلو لا أنّه كان السؤال عن أسماء هؤلاء الابرار على الوجه الذي قصصناه، لما كانت الملائكة محجوجين، بل كانت حجتهم تامّة كاملة بعد ما أجابوا: «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا» و ذلك لان آدم (عليه السلام) أيضا لم يكن ليعلم الأسماء كلها- كما أنّه لم يعلمها الا بتعليم اللّه عزّ و جلّ.
249
أَنَا بَقِيَّتُهُ عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ أُمَّتِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
250
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ (1).
30- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالا إِنَّ فَاطِمَةَ(ع)لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ أَخَذَتْ بِتَلَابِيبِ عُمَرَ فَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ أَمَا وَ اللَّهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ لَوْ لَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الْبَلَاءُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لَعَلِمْتَ سَأُقْسِمُ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ أَجِدُهُ سَرِيعَ الْإِجَابَةِ (2).
بيان: اللبب المنحر و التلبيب ما في موضع اللبب من الثياب.
31- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ قَالَ ذَاكَ وَ اللَّهِ حِينَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ (3).
32- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها قَالَ فَقَالَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ فَاسِدَةً فَأَصْلَحَهَا اللَّهُ بِنَبِيِّهِ(ص)فَقَالَ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها (4).
____________
(1) أمالي الطوسيّ 2/ 181.
(2) الكافي ج 1/ 460.
(3) الكافي 8/ 58 و الآية في سورة الروم: 41.
(4) الكافي 8/ 58 و الآية في الأعراف 55 و 84.
251
33- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)فَذَكَرْنَا مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ(ص)وَ اسْتِذْلَالَهُمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَصْلَحَكَ اللَّهُ فَأَيْنَ كَانَ عِزُّ بَنِي هَاشِمٍ وَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَدَدِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)وَ مَنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِنَّمَا كَانَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ فَمَضَيَا وَ بَقِيَ مَعَهُ رَجُلَانِ ضَعِيفَانِ ذَلِيلَانِ حَدِيثَا عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ عَبَّاسٌ وَ عَقِيلٌ وَ كَانَا مِنَ الطُّلَقَاءِ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ حَمْزَةَ وَ جَعْفَراً كَانَا بِحَضْرَتِهِمَا مَا وَصَلَا إِلَيْهِ وَ لَوْ كَانَا شَاهِدَيْهِمَا لَأَتْلَفَا نَفْسَيْهِمَا (1).
بيان: الضمير في نفسيهما راجع إلى حمزة و جعفر و إرجاعه إلى أبي بكر و عمر بعيد.
34- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْقُمِّيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ قَالَ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ(ص)بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَعَمُوا وَ صَمُّوا حَيْثُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)قَالَ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا إِلَى السَّاعَةِ (2).
____________
(1) الكافي 8/ 190.
(2) الكافي 8/ 199 و الآية في سورة المائدة: 71، و قال المؤلّف (قدّس سرّه) في شرحه على الكافي (مرآة العقول) المشهور بين المفسرين أنّها لبيان حال بني إسرائيل، اى حسبت بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء و عذاب بقتل الأنبياء و تكذيبهم و على تفسيره (عليه السلام) المراد الفتنة التي حدثت بعد النبيّ(ص)من غصب الخلافة و عماهم عن دين الحق و صممهم عن استماعه و قبوله.
أقول: مبنى التأويل على قول رسول اللّه «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة ...».
252
35- كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُعَلَّى عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبَانٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ بِعَلِيٍّ(ع)خَرَجَتْ فَاطِمَةُ(ع)وَاضِعَةً قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى رَأْسِهَا آخِذَةً بِيَدَيِ ابْنَيْهَا فَقَالَتْ مَا لِي وَ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ تُرِيدُ أَنْ تؤتم [تُوتِمَ ابْنَيَّ وَ تُرْمِلَنِي مِنْ زَوْجِي وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ يَكُونَ سَيِّئَةٌ لَنَشَرْتُ شَعْرِي وَ لَصَرَخْتُ إِلَى رَبِّي فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَا تُرِيدُ إِلَى هَذَا ثُمَّ أَخَذَتْ بِيَدِهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ (1).
وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَبَانٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا مَاتُوا طُرّاً (2).
بيان: المشهور في كتب اللغة أن الإيتام ينسب إلى المرأة يقال أيتمت المرأة أي صار أولادها يتامى و التيتيم جعله يتيما و الأرملة المرأة التي لا زوج لها و قولها(ع)أن تكون سيئة أي مكافاة السيئة بالسيئة و ليست من عادة الكرام فيكون إطلاق السيئة عليها مجازا أو أريد بها مطلق الإضرار و يمكن أن يراد بها المعصية أي نهيت عن ذلك و لا يجوز لي فعله قوله ما تريد إلى هذا لعل فيه تضمين معنى القصد أي قال مخاطبا لأبي بكر أو عمر ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل أ تريد أن تنزل العذاب على هذه الأمة و يحتمل أن يكون إلى هذا استفهاما آخر أي أ تنتهي إلى هذا الحد من الشدة و الفضيحة قوله(ع)طرا أي
____________
(1) الكافي 8 ر 237، و قال اليعقوبي في تاريخه 2 ر 116: و بلغ أبا بكر و عمر أن جماعة من المهاجرين و الأنصار قد اجتمعوا مع عليّ بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه، فأتوا في جماعة حتّى هجموا على الدار و خرج على [و خرج الزبير] و معه السيف فلقيه عمر فصارعه فصرعه و كسر سيفه! و دخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: و اللّه لتخرجن أولا كشفن شعرى و لا عجن إلى اللّه، فخرجوا و خرج من كان في الدار، و أقام القوم أياما ثمّ جعل الواحد بعد الواحد يبايع و لم يبايع عليّ (عليه السلام) الا بعد ستة أشهر، و قيل: أربعين يوما.
(2) الكافي 8 ر 238.
253
جميعا و هو منصوب على المصدر أو الحال.
36- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ الْعِدَّةُ عَنْ سَهْلٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ الْعَامَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ كَانَتْ رِضًا لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْتِنَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ(ص)مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)أَ وَ مَا يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ حَيْثُ قَالَ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ وَ فِي هَذَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ(ص)قَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ (1).
بيان: قوله ليفتن أي يمتحن و يضل قوله إنهم يفسرون على وجه آخر أي يقولون إن هذا كلام على وجه الاستفهام و لا يدل على وقوع ذلك و كان غرضه(ع)أنه تعالى عرض للقوم بما صدر عنهم بعده(ص)بهذا الكلام و هذا لا ينافي الاستفهام بل التهديد بالعقوبة و بيان أن ارتدادهم لا يضره تعالى ظاهر في أنه تعالى إنما وبخهم بما علم صدوره منهم (2) و لما غفل السائل عن هذه الوجوه و لم يكن نصا في الاحتجاج على الخصم أعرض(ع)عن ذلك و استدل عليه بآية أخرى و هي قوله تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا الآية.
____________
(1) الكافي 8 ر 270، و قد مر مثله عن تفسير العيّاشيّ(ص)20.
(2) راجع شرح ذلك(ص)21 من هذا الجزء.
254
و يمكن الاستدلال بها من وجوه الأول أن ضمير الجمع في قوله تعالى مِنْ بَعْدِهِمْ راجع إلى الرسل فيدل بعمومه على أن جميع الرسل يقع الاختلاف بعدهم فيكون فيهم كافر و مؤمن و نبينا(ص)منهم فيلزم صدور ذلك من أمته.
الثاني أن الآية تدل على وقوع الاختلاف و الارتداد بعد عيسى و كثير من الأنبياء(ع)في أممهم و قد قال تعالى وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا و قال النبي(ص)في ذلك ما قال كما مر فيلزم صدور مثل ذلك عن هذه الأمة أيضا.
الثالث أن يكون الغرض رفع الاستبعاد الذي بنى القائل كلامه عليه بأنه إذا جاز وقوع ذلك بعد كثير من الأنبياء(ع)فلم لم يجز وقوعه بعد نبينا(ص)فيكون سندا لمنع المقدمة التي أوردها بقوله و ما كان الله ليفتن أمة محمد و لعل هذا بعد الثاني أظهر.
37- كا، الكافي حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَحْوَلِ وَ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَكَرِيَّا النَّقَّاضِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ النَّاسُ صَارُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِمَنْزِلَةِ مَنِ اتَّبَعَ هَارُونَ(ع)وَ مَنِ اتَّبَعَ الْعِجْلَ وَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَعَا فَأَبَى عَلِيٌّ(ع)إِلَّا الْقُرْآنَ وَ إِنَّ عُمَرَ دَعَا فَأَبَى عَلِيٌّ(ع)إِلَّا الْقُرْآنَ وَ إِنَّ عُثْمَانَ دَعَا فَأَبَى عَلِيٌّ(ع)إِلَّا الْقُرْآنَ وَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ إِلَّا سَيَجِدُ مَنْ يُبَايِعُهُ وَ مَنْ رَفَعَ رَايَةَ ضَلَالٍ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ (1).
بيان: قوله و إن أبا بكر دعا أي عليا(ع)إلى موافقته أو جميع الناس إلى بيعته و موافقته فلم يعمل أمير المؤمنين(ع)في زمانه إلا بالقرآن و لم يوافقه في بدعه.
38- كا، الكافي بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبَانٍ عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
____________
(1) الكافي 8 ر 296.
255
ع قَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمَّا صَنَعُوا مَا صَنَعُوا إِذْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُمْنَعْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مِنْ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا نَظَراً لِلنَّاسِ وَ تَخَوُّفاً عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ فَيَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ وَ لَا يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَ كَانَ الْأَحَبَّ إِلَيْهِ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ أَنْ يَرْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَ إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ رَكِبُوا مَا رَكِبُوا فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ وَ دَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا عَدَاوَةٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُكْفِرُهُ وَ لَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ فَلِذَلِكَ كَتَمَ عَلِيٌّ(ع)أَمْرَهُ وَ بَايَعَ مُكْرَهاً حَيْثُ لَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً (1).
بيان: قوله(ع)من أن يرتدوا عن الإسلام أي عن ظاهره و التكلم بالشهادتين فإبقاؤهم على ظاهر الإسلام كان صلاحا للأمة ليكون لهم و لأولادهم طريق إلى قبول الحق و إلى الدخول في الإيمان في كرور الأزمان و هذا لا ينافي ما مر و سيأتي أن الناس ارتدوا إلا ثلاثة لأن المراد فيها ارتدادهم عن الدين واقعا و هذا محمول على بقائهم على صورة الإسلام و ظاهره و إن كانوا في أكثر الأحكام الواقعية في حكم الكفار و خص(ع)هذا بمن لم يسمع النص على أمير المؤمنين(ع)و لم يبغضه و لم يعاده فإن من فعل شيئا من ذلك فقد أنكر قول النبي(ص)و كفر ظاهرا أيضا و لم يبق له شيء من أحكام الإسلام و وجب قتله.
39- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع)إِنَّ النَّاسَ يَفْزَعُونَ إِذَا قُلْنَا إِنَّ النَّاسَ ارْتَدُّوا فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ إِنَّ النَّاسَ عَادُوا بَعْدَ مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ (2) إِنَّ الْأَنْصَارَ
____________
(1) الكافي ج 8 ر 295.
(2) يعني كما قال عزّ و جلّ و حكم به «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» و الانقلاب على الاعقاب ليس الا احياء أمر الجاهلية و لعله (عليه السلام) أشار الى قوله(ص)في الصحيح «من لم يعرف امامه مات ميتة جاهلية» راجع شرح ذلك في كتاب الإمامة من بحار الأنوار ج 23(ص)76- 95، و روى مسلم في صحيحه 6 ر 22 بإسناده عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال رسول اللّه(ص)من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية و روى ابن حنبل في المسند 4 ر 96 بإسناده عن معاوية قال قال رسول اللّه من مات بغير امام مات ميتة جاهلية، و أخرجه في مجمع الزوائد 5 ر 225 و 5 ر 218 عن الطبراني، قال: و في رواية من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، الى غير ذلك ممّا روى بغير هذا اللفظ و ان حرف فيها لفظ الامام بالجماعة أو السلطان تشييدا لمرامهم، راجع صحيح البخاريّ كتاب الفتن الباب 2 ج 9(ص)59 كتاب الاحكام الباب 4 (9 ر 78)، صحيح مسلم كتاب الامارة الحديث 53 و 54 و 55 (6 ر 21) سنن النسائى كتاب التحريم الباب 28 سنن الدارميّ كتاب السير الباب 76، مجمع الزوائد ج 5(ص)218 و 223 و 224 و 225، منتخب كنز العمّال 2 ر 147 مسند الامام ابن حنبل ج 1 ر 275 و 184 و 297 و 310 ج 2 ر 70 و 83 و 93 و 111 و 296 و 306 و 488 ج 3(ص)445 و 446 ج 4 ر 96 ج 5 ر 180 و 387.
256
اعْتَزَلَتْ فَلَمْ تَعْتَزِلْ بِخَيْرٍ جَعَلُوا يُبَايِعُونَ سَعْداً وَ هُمْ يَرْتَجِزُونَ ارْتِجَازَ الْجَاهِلِيَّةِ
يَا سَعْدُ أَنْتَ الْمُرَجَّى* * * وَ شَعْرُكَ الْمُرَجَّلُ
وَ فَحْلُكَ الْمُرَجَّمُ
(1).
بيان: قوله فلم تعتزل بخير أي لم يكن اعتزالهم لاختيار الحق أو لترك الباطل بل اختاروا باطلا مكان باطل آخر للحمية و العصبية فقال الفيروزآبادي الرجز بالتحريك ضرب من الشعر وزنه مستفعل ست مرات سمي به لتقارب أجزائه و قلة حروفه و زعم الخليل أنه ليس بشعر و إنما هو أنصاف أبيات و أثلاث قوله
و فحلك المرجم
أي خصمك مرجوم مطرود و قد مر بوجه آخر.
40- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ مَنِيعِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ صَبَّاحٍ الْحَذَّاءِ عَنْ صَبَّاحٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)قَالَ: لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِيَدِ عَلِيٍّ(ع)يَوْمَ الْغَدِيرِ صَرَخَ إِبْلِيسُ فِي جُنُودِهِ صَرْخَةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ إِلَّا أَتَاهُ فَقَالُوا
____________
(1) الكافي 8 ر 296، و قد مر كلام في علة اجتماع الأنصار في السقيفة، راجع(ص)159- 160 من هذا الجزء.
257
يَا سَيِّدَهُمْ وَ مَوْلَاهُمْ مَا ذَا دَهَاكَ فَمَا سَمِعْنَا لَكَ صَرْخَةً أَوْحَشَ مِنْ صَرْخَتِكَ هَذِهِ فَقَالَ لَهُمْ فَعَلَ هَذَا النَّبِيُّ فِعْلًا إِنْ تَمَّ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ أَبَداً فَقَالُوا يَا سَيِّدَهُمْ أَنْتَ كُنْتَ لِآدَمَ فَلَمَّا قَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّهُ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَ مَا تَرَى عَيْنَيْهِ تَدُورَانِ فِي رَأْسِهِ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ(ص)صَرَخَ إِبْلِيسُ صَرْخَةً يَطْرَبُ فَجَمَعَ أَوْلِيَاءَهُ فَقَالَ أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنِّي كُنْتُ لآِدَمَ مِنْ قَبْلُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ آدَمُ نَقَضَ الْعَهْدَ وَ لَمْ يَكْفُرْ بِالرَّبِّ وَ هَؤُلَاءِ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَ كَفَرُوا بِالرَّسُولِ(ص)فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَقَامَ النَّاسُ غَيْرَ عَلِيٍّ لَبِسَ إِبْلِيسُ تَاجَ الْمُلْكِ وَ نَصَبَ مِنْبَراً وَ قَعَدَ فِي الزِّينَةِ وَ جَمَعَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ اطْرَبُوا لَا يُطَاعُ اللَّهُ حَتَّى يَقُومَ إِمَامٌ وَ تَلَا أَبُو جَعْفَرٍ ع وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع)كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ الظَّنُّ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(ص)إِنَّهُ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى فَظَنَّ بِهِمْ إِبْلِيسُ ظَنّاً فَصَدَّقُوا ظَنَّهُ (1).
توضيح قوله يا سيدهم أي قالوا يا سيدنا و مولانا و إنما غيره لئلا يوهم انصرافه إليه و هذا شائع في كلام البلغاء في نقل أمر لا يرضى القائل لنفسه كقوله تعالى أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ قوله ما ذا دهاك يقال دهاه إذا أصابته داهية قوله أحدهما لصاحبه يعني أبا بكر و عمر قوله في الزينة في بعض النسخ الوثبة أي الوسادة.
41- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا(ع)قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْماً كَئِيباً حَزِيناً فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)مَا لِي أَرَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَئِيباً حَزِيناً فَقَالَ وَ كَيْفَ لَا أَكُونُ كَذَلِكَ وَ قَدْ رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ أَنَّ بَنِي تَيْمٍ وَ بَنِي عَدِيٍّ وَ بَنِي أُمَيَّةَ يَصْعَدُونَ
____________
(1) الكافي 8/ 344، و الآية في سورة سبأ: 20.
258
مِنْبَرِي هَذَا يَرُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْقَهْقَرَى فَقُلْتُ يَا رَبِّ فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي فَقَالَ بَعْدَ مَوْتِكَ (1).
____________
(1) الكافي 8/ 345 و روى الترمذي في تفسير سورة القدر ج 4/ 115 بإسناده عن يوسف بن سعد قال: «قام رجل الى الحسن بن عليّ بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين- أو- يا مسود وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبنى- رحمك اللّه- فان النبيّ(ص)أرى بنى أميّة على منبره فساءه ذلك فنزلت «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» يا محمد- يعنى نهرا في الجنة، و نزلت «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» يملكها بعدك بنو أميّة يا محمد، قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما و لا تنقص.
و روى في الدّر المنثور 6/ 371 عن ابن عبّاس قال: رأى رسول اللّه بنى أميّة على منبره فساءه ذلك فأوحى اللّه إليه: انما هو ملك يصيبونه و نزلت «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، و قال أخرجه الخطيب في تاريخه و روى مثل ذلك بإسناده عن ابن المسيب و قال أخرجه الخطيب أيضا، و روى حديث الترمذي بإسناده عن يوسف بن مازن الرؤاسى باختصار و قال أخرجه الترمذي و ابن جرير و الطبراني و ابن مردويه و البيهقيّ في الدلائل، و روى حديث ابن المسيب في منتخب كنز العمّال 5/ 304 و قال أخرجه البيهقيّ في الدلائل.
و روى السيوطي في دره 4/ 191 في قوله تعالى: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» أسرى: 60.
بإسناده عن سهل بن سعد قال رأى رسول اللّه بنى (ص) فلان ينزون منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتّى مات، و أنزل اللّه و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس، قال أخرجه ابن جرير، و روى مثل ذلك عن ابن عمر و يعلى بن مرة و قال أخرجه ابن أبي حاتم و عن الحسين بن عليّ (عليه السلام) مثله و قال أخرجه ابن مردويه و روى عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول اللّه يقول لابيك و جدك «انكم الشجرة الملعونة في القرآن، و قال: أخرجه ابن مردويه.
أقول: راجع في تفصيل مدة ملكهم مروج الذهب 3/ 234.
259
42- ختص، الإختصاص عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع)يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)لَمَّا قُبِضَ ارْتَدَّ النَّاسُ عَلَى أَعْقَابِهِمُ كُفَّاراً إِلَّا ثَلَاثَةٌ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ إِنَّهُ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)جَاءَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالُوا لَا وَ اللَّهِ لَا نُعْطِي أَحَداً طَاعَةً بَعْدَكَ أَبَداً قَالَ وَ لِمَ قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فِيكَ يَوْمَ غَدِيرٍ قَالَ وَ تَفْعَلُونَ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَأْتُونِي غَداً مُحَلِّقِينَ قَالَ فَمَا أَتَاهُ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ قَالَ وَ جَاءَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بَعْدَ الظُّهْرِ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا آنَ لَكَ أَنْ تَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمَةِ الْغَفْلَةِ ارْجِعُوا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكُمْ أَنْتُمْ لَمْ تُطِيعُونِي فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فَكَيْفَ تُطِيعُونِي فِي قِتَالِ جِبَالِ الْحَدِيدِ ارْجِعُوا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيكُمْ (1).
43- ختص، الإختصاص جَعْفَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُؤْمِنُ عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى يَرْفَعُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ: إِنَّ سَلْمَانَ كَانَ مِنْهُ إِلَى ارْتِفَاعِ النَّهَارِ (2)
____________
(1) الاختصاص: 6.
(2) أي كان منه حيرة في تكليفه كيف يعمل فتلكأ في انكار المنكر الى ارتفاع النهار ثمّ جاء و أنكر عليهم قائلا كرداذ و ناكرداذ إلى آخر ما عرفت نصه قبل ذلك، و لما كان التأخير منه و هو من المؤمنين المتيقنين دون شأنه، أصيب بأن وجئ عنقه تكفيرا، و هكذا ابتلاء أبى ذر (رحمه الله) بالمصائب التي ابتلى بها، كان تكفيرا لتلكوئه في انكار المنكر.
و أمّا المقداد بن عمر، فهو الذي أنكر عليهم في بادى بدء الامر في السقيفة على ما ذكره ابن أبي الحديد في ج 1(ص)58 من شرحه (للخطبة الشقشقية) قال في كلام له:
«و عمر هو الذي شيد بيعة أبى بكر و رغم المخالفين فيها: فكسر سيف الزبير لما جرده و دفع في صدر مقداد و وطئ في السقيفة سعد بن عبادة و قال: اقتلوا سعدا قتل اللّه سعدا و حطم أنف الحباب المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحك و عذيقها المرجب، الى آخر ما سيأتي من نصوص كلامه.
260
فَعَاقَبَهُ اللَّهُ أَنْ وُجِئَ فِي عُنُقِهِ حَتَّى صُيِّرَتْ كَهَيْئَةِ السِّلْعَةِ حَمْرَاءَ وَ أَبُو ذَرٍّ كَانَ مِنْهُ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ فَعَاقَبَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ عُثْمَانَ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى قَتَبٍ وَ أُكِلَ لَحْمُ أَلْيَتَيْهِ وَ طَرَدَهُ عَنْ جِوَارِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ (1) لَمْ يَزَلْ
____________
(1) و قد كان متصلبا شجاعا ذا بأس وصولة في يقين و هو صاحب المقالة المعروفة في بدر على ما نقله أصحاب السير:
روى ابن هشام في السيرة 1/ 614 أن رسول اللّه(ص)لما أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، استشار الناس و أخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال و أحسن، ثمّ قام عمر بن الخطّاب فقال و أحسن ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللّه امض لما أراك اللّه فنحن معك، و اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا انا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك الغماد (موضع باليمن، او هو اقصى هجر، او مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه، فقال له رسول اللّه خيرا و دعا له به، راجع في ذلك أسد الغابة ج 4/ 410، تاريخ الطبريّ 2/ 434، تاريخ البلاذري 1/ 293 الأغاني لابى الفرج 4/ 176 و 177 ط دار الكتب و لفظه:
قال عبد اللّه بن مسعود: شهدت من المقداد مشهدا لان اكون صاحبه أحبّ الى ممّا في الأرض من كل شيء كان رجلا فارسا و كان رسول اللّه إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال: أبشر يا رسول اللّه فو اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت و ربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون و لكن و الذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك و من خلفك و عن يمينك و شمالك أو يفتح اللّه تبارك و تعالى.
و مثل ذلك في طبقات ابن سعد ج 3 ق 1/ 115 باختصار، و روى الهيتمى مثل الأول في مجمع الزوائد 9/ 307 بإسناده عن انس و ظاهر لفظه أن مقالته تلك كانت في غزوة الحديبية عند بيعة الشجرة.
261
قَائِماً قَابِضاً عَلَى قَائِمِ السَّيْفِ عَيْنَاهُ فِي عَيْنَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)يَنْتَظِرُ مَتَى يَأْمُرُهُ فَيَمْضِيَ (1).
44- ختص، الإختصاص جَعْفَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ كَرَّامٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)مُلَبَّباً لِيُبَايِعَ قَالَ سَلْمَانُ أَ يُصْنَعُ ذَا بِهَذَا وَ اللَّهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَانْطَبَقَتْ ذِهْ عَلَى ذِهْ قَالَ وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَ قَالَ الْمِقْدَادُ وَ اللَّهِ هَكَذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع)كَانَ الْمِقْدَادُ أَعْظَمَ النَّاسِ إِيمَاناً تِلْكَ السَّاعَةَ (2).
45- أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، بِرِوَايَةِ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْهُ مُوَافِقاً لِمَا رَوَاهُ الطَّبْرِسِيُّ ره عَنْهُ فِي الْإِحْتِجَاجِ (3) سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ ره قَالَ: لَمَّا أَنْ قُبِضَ النَّبِيُّ(ص)وَ صَنَعَ النَّاسُ مَا صَنَعُوا جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَخَاصَمُوا الْأَنْصَارَ فَخَصَمُوهُمْ بِحُجَّةِ عَلِيٍّ فَقَالُوا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قُرَيْشٌ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْكُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِنْ قُرَيْشٍ وَ الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنْكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ بَدَأَ بِهِمْ فِي كِتَابِهِ وَ فَضَّلَهُمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ (4)
____________
(1) الاختصاص: 9.
(2) الاختصاص 11.
(3) راجع الاحتجاج: 52 و ما بعده.
(4) سيجيء كلام في حديثهم هذا عن رسول اللّه(ص)في آخر هذا الفصل و ناهيك من ذلك قوله (عليه السلام) على ما روى في النهج (خ 152): «بنا يستعطى الهدى و يستجلى العمى ان الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم: لا تصلح على سواهم: و لا تصلح الولاة من غيرهم.
و الظاهر من كلامه هذا أن رسول اللّه(ص)قد قال هذا الكلام في تأمير الولاة دون أمر الخلافة، كيف و هو الذي قام بغدير خم و عقد الخلافة من بعده علنا بين الأمة لعلى وزيره و حليفه و ناصره، و هو الذي قال في حديث متواتر عند الفريقين «انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتى أهل بيتى فلا تقدموهم فتهلكوا و لا تعلموهم فانهم اعلم منكم».
و يؤيد ذلك أن رسول اللّه كان يقدم قريشا في التأمير و خصوصا بنى عبد المطلب على غيرهم و مثل ذلك فعل عليّ بن أبي طالب حين ظهر على الخلافة، و الى ذلك يؤول كلام عمر لابن عبّاس حيث قال له «أما و اللّه ان صاحبك هذا لاولى الناس بالامر بعد رسول اللّه(ص)الا انا خفناه على اثنين، قال ابن عبّاس: فقلت: ما هما يا أمير المؤمنين؟ قال: خفناه على حداثة سنه و حبّه بنى عبد المطلب» راجع شرح النهج الحميدى 2/ 20 و 1/ 134 و سيجيء تتمة كلامه في هذا المعنى ان شاء اللّه تعالى.
262
وَ قَالَ سَلْمَانُ فَأَتَيْتُ عَلِيّاً وَ هُوَ يُغَسِّلُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوْصَى عَلِيّاً(ع)أَنْ لَا يَلِيَ غُسْلَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)مَنْ يُعِينُنِي عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ فَكَانَ عَلِيٌّ(ع)لَا يُرِيدُ عُضْواً إِلَّا قُلِّبَ لَهُ فَلَمَّا غَسَّلَهُ وَ حَنَّطَهُ وَ كَفَّنَهُ أَدْخَلَنِي وَ أَدْخَلَ أَبَا ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادَ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(ع)فَتَقَدَّمَ وَ صَفَفْنَا خَلْفَهُ وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَ الْعَائِشَةُ فِي الْحُجْرَةِ لَا تَعْلَمُ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا ثُمَّ أَدْخَلَ عَشَرَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ عَشَرَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَدْخُلُونَ وَ يَدْعُونَ وَ يَخْرُجُونَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ شَهِدَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَأَخْبَرْتُ عَلِيّاً(ع)وَ هُوَ يُغَسِّلُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)بِمَا صَنَعَ الْقَوْمُ وَ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ السَّاعَةَ لَعَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا يَرْضَوْنَ أَنْ يُبَايِعُوا لَهُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَ إِنَّهُمْ لَيُبَايِعُونَهُ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً بِيَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا سَلْمَانُ وَ هَلْ تَدْرِي مَنْ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ قُلْتُ لَا إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُهُ فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ حِينَ خَصَمَتِ الْأَنْصَارَ وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ثُمَّ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ لَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ هَؤُلَاءِ وَ لَكِنْ تَدْرِي مَنْ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ حِينَ صَعِدَ
263
الْمِنْبَرَ قُلْتُ لَا وَ لَكِنْ رَأَيْتُ شَيْخاً كَبِيراً يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ سَجَّادَةٌ شَدِيدُ التَّشْمِيرِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ وَ خَرَّ وَ هُوَ يَبْكِي وَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى رَأَيْتُكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَالَ يَوْمٌ كَيَوْمِ آدَمَ ثُمَّ نَزَلَ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ (1) فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا سَلْمَانُ أَ تَدْرِي مَنْ هُوَ قُلْتُ لَا وَ لَقَدْ سَاءَتْنِي مَقَالَتُهُ كَأَنَّهُ شَامِتٌ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَإِنَّ ذَلِكَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنَّ إِبْلِيسَ وَ رُؤَسَاءَ أَصْحَابِهِ شَهِدُوا نَصْبَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِيَّايَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنِّي أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَأَقْبَلَ إِلَى إِبْلِيسَ أَبَالِسَتُهُ وَ مَرَدَةُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَعْصُومَةٌ فَمَا لَكَ وَ لَا لَنَا عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وَ قَدْ أُعْلِمُوا مَفْزَعَهُمْ وَ إِمَامَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ فَانْطَلَقَ إِبْلِيسُ كَئِيباً حَزِيناً وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَأَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَنْ لَوْ قُبِضَ أَنَّ النَّاسَ سَيُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ فِي ظُلَّةِ بَنِي سَاعِدَةَ بَعْدَ تَخَاصُمِهِمْ بِحَقِّنَا وَ حُجَّتِنَا ثُمَّ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَكُونُ أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ عَلَى مِنْبَرِي إِبْلِيسَ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ مُشَمِّرٍ يَقُولُ كَذَا وَ كَذَا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَجْمَعُ شَيَاطِينَهُ وَ أَبَالِسَتَهُ فَيَخِرُّونَ سُجَّداً وَ يَقُولُونَ يَا سَيِّدَهُمْ وَ يَا كَبِيرَهُمْ أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَيُّ أُمَّةٍ لَمْ تَضِلَّ بَعْدَ نَبِيِّهَا كَلَّا زَعَمْتُمْ أَنْ لَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فَكَيْفَ رَأَيْتُمُونِي صَنَعْتُ بِهِمْ حِينَ تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)(2) وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (3)
____________
(1) كأن سلمان (رحمه الله) رأى ذلك بعين الكشف، و قد كان خليقا بذلك.
(2) ترى الحديث من اوله إلى هنا في الكافي 8/ 343- 344 بإسناده عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ عن سليم بن قيس الهلالى.
(3) سبأ: 20.
264
قَالَ سَلْمَانُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْلُ حَمَلَ عَلِيٌّ(ع)فَاطِمَةَ(ع)عَلَى حِمَارٍ وَ أَخَذَ بِيَدِ ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)فَلَمْ يَدَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَّا أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَذَكَّرَهُمْ حَقَّهُ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ فَمَا اسْتَجَابَ لَهُ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ وَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصْبِحُوا بُكْرَةً مُحَلِّقِينَ رُءُوسَهُمْ مَعَهُمْ سِلَاحُهُمْ لِيُبَايِعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ فَأَصْبَحُوا فَلَمْ يُوَافِ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَرْبَعَةٌ فَقُلْتُ لِسَلْمَانَ مَنِ الْأَرْبَعَةُ فَقَالَ أَنَا وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ثُمَّ أَتَاهُمْ عَلِيٌّ(ع)مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ فَنَاشَدَهُمْ فَقَالُوا نُصْبِحُكَ بُكْرَةً فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ أَتَاهُ غَيْرُنَا ثُمَّ أَتَاهُمُ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ فَمَا أَتَاهُ غَيْرُنَا (1) فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ(ع)غَدْرَهُمْ وَ قِلَّةَ وَفَائِهِمْ لَهُ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَقْبَلَ عَلَى الْقُرْآنِ يُؤَلِّفُهُ وَ يَجْمَعُهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى جَمَعَهُ وَ كَانَ فِي الصُّحُفِ وَ الشِّظَاظِ وَ الْأَكْتَافِ وَ الرِّقَاعِ فَلَمَّا جَمَعَهُ كُلَّهُ وَ كَتَبَهُ بِيَدِهِ تَنْزِيلَهُ وَ تَأْوِيلَهُ وَ النَّاسِخَ مِنْهُ وَ الْمَنْسُوخَ بَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ اخْرُجْ فَبَايِعْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)أَنِّي مَشْغُولٌ وَ قَدْ آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي يَمِيناً أَنْ لَا أَرْتَدِيَ بِرِدَاءٍ إِلَّا لِلصَّلَاةِ حَتَّى أُؤَلِّفَ الْقُرْآنَ وَ أَجْمَعَهُ (2)
____________
(1) راجع شرح ذلك في(ص)186 من هذا الجزء.
(2) راجع نصوص ذلك(ص)205 من هذا الجزء نقلا عن منتخب كنز العمّال 2 ر 162 شرح النهج الحديدى 2 ر 16.
و أخرج ابن شهرآشوب السروى في مناقبه 2 ر 41 عن أبي نعيم في حليته و الخطيب في اربعينه بالاسناد عن السدى عن عبد خير عن عليّ (عليه السلام) قال: لما قبض رسول اللّه أقسمت- او حلفت- أن لا أضع رداى على ظهرى حتّى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت رداى حتّى جمعت القرآن.
قال: و في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) «أنه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه الا للصلاة حتّى يؤلف القرآن و يجمعه» فانقطع عنهم مدة الى ان جمعه ثمّ خرج اليهم به في ازار يحمله و هم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع البسته فقالوا: لامر ما جاء به أبو الحسن، فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم ثمّ قال: ان رسول اللّه قال: انى مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللّه و عترتى، اهل بيتى، و هذا الكتاب و أنا العترة، فقام إليه الثاني فقال له: ان يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا فيكما، فحمل (عليه السلام) الكتاب و عاد به، بعد أن ألزمهم الحجة.
و قال السيوطي في الاتقان: قال ابن حجر: «و قد ورد عن على أنّه جمع القرآن على ترتيب النزول عقيب موت النبيّ ص، أخرجه ابن أبي داود في المصاحف قال محمّد بن سيرين: لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم» ثم أخرج السيوطي حديث عبد خير باللفظ الذي مر عن المناقب من كتاب الحلية و الأربعين و حديث ابن سيرين باللفظ الذي مر عن المنتخب(ص)186 من هذا الجزء عن كتاب المصاحف لابن أبي داود.
و روى ابن النديم في فهرسته(ص)47 عند الكلام في ترتيب سور القرآن في مصحف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب: قال ابن المنادى بإسناده عن عبد خير عن عليّ (عليه السلام) أنه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبيّ(ص)فأقسم أنّه لا يضع على ظهره رداه حتّى يجمع القرآن فجلس في بيته ثلاثة أيّام حتّى جمع القرآن، فهو اول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه ...
265
فَسَكَتُوا عَنْهُ أَيَّاماً فَجَمَعَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَ خَتَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَنَادَى عَلِيٌّ(ع)بِأَعْلَا صَوْتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ أَنِّي لَمْ أَزَلْ مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مَشْغُولًا بِغُسْلِهِ ثُمَّ بِالْقُرْآنِ حَتَّى جَمَعْتُهُ كُلَّهُ فِي هَذَا الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ آيَةً مِنْهُ إِلَّا وَ قَدْ جَمَعْتُهَا وَ لَيْسَتْ مِنْهُ آيَةٌ إِلَّا وَ قَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ عَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ(ع)لِئَلَّا تَقُولُوا غَداً إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ(ع)لَا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنِّي لَمْ أَدْعُكُمْ إِلَى نُصْرَتِي وَ لَمْ أُذَكِّرْكُمْ حَقِّي وَ لَمْ أَدْعُكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ
266
مَا أَغْنَانَا بِمَا مَعَنَا مِنَ الْقُرْآنِ عَمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ(ع)بَيْتَهُ وَ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ أَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ فَلْيُبَايِعْ فَإِنَّا لَسْنَا فِي شَيْءٍ حَتَّى يُبَايِعَ وَ لَوْ قَدْ بَايَعَ أَمِنَّاهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ أَجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَسْرَعَ مَا كَذَبْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِنَّهُ لَيَعْلَمُ وَ يَعْلَمُ الَّذِينَ حَوْلَهُ أَنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَمْ يَسْتَخْلِفَا غَيْرِي وَ ذَهَبَ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ لَهُ فَقَالَ اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبَا بَكْرٍ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)سُبْحَانَ اللَّهِ مَا وَ اللَّهِ طَالَ الْعَهْدُ فَيَنْسَى وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِي وَ لَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ سَابِعُ سَبْعَةٍ فَسَلَّمُوا عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ (1) فَاسْتَفْهَمَ هُوَ وَ صَاحِبُهُ مِنْ بَيْنِ السَّبْعَةِ فَقَالا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(ص)نَعَمْ حَقّاً مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ صَاحِبُ لِوَاءِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ (2) يُقْعِدُهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
____________
(1) روى العلامة المحدث الشهير بابن حسنويه الحنفيّ في كتابه: در بحر المناقب 78 (على ما في الاحقاق 4 ر 277) بالاسناد الى أبى ذر قال: أمرنا رسول اللّه أن نسلم على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و قال: سلموا على أخى و وارثى و خليفتى في قومي و ولى كل مؤمن من بعدى، سلموا عليه بامرة المؤمنين و أنّه ولى كل من تسكن الأرض الى يوم العرض و لو قدمتموه لاخرجت لكم بركاتها فانه أكرم من عليها من أهلها، قال أبو ذر: فرأيته و قد تغير لونه و قال: أحق من اللّه يا رسول اللّه؟ قال ص: حق من اللّه أمرنى به، و لذلك أمرتكم، فقال و سلم عليه بامرة المؤمنين، ثمّ أقبل على أصحابه و قال ما قاله أقول: و ترى حديث التسليم في كتاب المواقف للقاضي عضد الدين الايجى 2 ر 613 بشرح الجرجانى رواه عن نهاية العقول لفخر الدين الرازيّ قال: قال رسول اللّه ص: سلموا على على بامرة المؤمنين.
(2) أخرج أبو نعيم في حليته 1 ر 63 بإسناده عن أنس قال: قال رسول اللّه(ص)يا أنس اسكب لي وضوءا، ثمّ قام فصلى ركعتين، ثمّ قال: يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين و سيد المسلمين و قائد الغر المحجلين و خاتم الوصيين، قال انس: قلت:
اللّهمّ اجعله رجلا من الأنصار، و كتمته، اذ جاء على، فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: على فقام مستبشرا فاعتنقه ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه قال على: يا رسول اللّه لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بى من قبل! قال: و ما يمنعنى و أنت تؤدى عنى و تسمعهم صوتى، و تبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدى.
267
عَلَى الصِّرَاطِ فَيُدْخِلُ أَوْلِيَاءَهُ الْجَنَّةَ وَ أَعْدَاءَهُ النَّارَ (1) فَانْطَلَقَ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ فَسَكَتُوا عَنْهُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ قَالَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ حَمَلَ عَلِيٌّ(ع)فَاطِمَةَ(ع)عَلَى حِمَارٍ وَ أَخَذَ بِيَدِ ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)فَلَمْ يَدَعْ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَّا أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَنَاشَدَهُمُ اللَّهَ حَقَّهُ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ فَمَا اسْتَجَابَ مِنْهُمْ رَجُلٌ غَيْرُنَا أَرْبَعَةٌ (2) فَإِنَّا
____________
(1) روى الحافظ ابن مردويه في المناقب على ما أخرجه العلامة المرعشيّ في الاحقاق 4 ر 18 بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس قال: دخل على(ع)على النبيّ(ص)و عنده عائشة فجلس بين النبيّ و بين عائشة، فقالت: ما كان لك مجلس غير فخذى؟ فضرب النبيّ(ص)على ظهرها و قال: مه لا تؤذينى في أخى، فانه أمير المؤمنين و سيد المسلمين و قائد الغر المحجلين يوم القيامة: يقعد على الصراط فيدخل أولياءه الجنة و يدخل أعداءه النار.
(2) روى ذلك جمع من رواة الاخبار كابن أبي الحديد في شرح النهج 1 ر 131، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 19، و اليعقوبي في تاريخه 2 ر 116، و قد مر نصوصهم فيما سبق.
و قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج ج 3(ص)5 في كلام له: «و أمّا الزبير فلم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء، جاريا من الرجل مجرى نفسه، و يقال انه (عليه السلام) لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة و ما جرى فيه، و كان يحمل فاطمة (عليها السلام) ليلا على حمار و ابناها بين يدي الحمار، و هو (عليه السلام) يسوقه فيطوف بيوت الأنصار و غيرهم و يسألهم النصرة و المعونة أجابه أربعون رجلا فبايعهم على الموت و أمرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رءوسهم و معهم سلاحهم، فأصبح لم يوافه منهم الا أربعة: الزبير و المقداد و أبو ذر و سلمان، ثمّ أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاء منهم الا الأربعة و كذلك في الليلة الثالثة.
و كان الزبير أشدهم له نصرة و أنفذهم في طاعته بصيرة، حلق رأسه و جاء مرارا و في عنقه سيفه و كذلك الثلاثة الباقون، الا أن الزبير، هو كان الرأس فيهم الحديث.
268
حَلَّقْنَا رُءُوسَنَا وَ بَذَلْنَا لَهُ نُصْرَتَنَا وَ كَانَ الزُّبَيْرُ أَشَدَّنَا بَصِيرَةً فِي نُصْرَتِهِ فَلَمَّا أَنْ رَأَى عَلِيٌّ(ع)خِذْلَانَ النَّاسِ إِيَّاهُ وَ تَرْكَهُمْ نُصْرَتَهُ وَ اجْتِمَاعَ كَلِمَتِهِمْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَ تَعْظِيمَهُمْ إِيَّاهُ لَزِمَ بَيْتَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِ فَيُبَايِعَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا وَ قَدْ بَايَعَ غَيْرَهُ وَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَرَقَّ الرَّجُلَيْنِ وَ أَرْفَقَهُمَا وَ أَدْهَاهُمَا وَ أَبْعَدَهُمَا غَوْراً وَ الْآخَرُ أَفَظَّهُمَا وَ أَغْلَظَهُمَا وَ أَجْفَاهُمَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَنْ نُرْسِلُ إِلَيْهِ فَقَالَ عُمَرُ نُرْسِلُ إِلَيْهِ قُنْفُذاً فَهُوَ رَجُلٌ فَظٌّ غَلِيظٌ جَافٍ مِنَ الطُّلَقَاءِ أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأَرْسَلَهُ وَ أَرْسَلَ مَعَهُ أَعْوَاناً وَ انْطَلَقَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فَرَجَعَ أَصْحَابُ قُنْفُذٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ هُمَا جَالِسَانِ فِي الْمَسْجِدِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُمَا فَقَالُوا لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فَقَالَ عُمَرُ اذْهَبُوا فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ وَ إِلَّا فَادْخُلُوا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَانْطَلَقُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَقَالَتْ فَاطِمَةُ(ع)أُحَرِّجُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى بَيْتِي بِغَيْرِ إِذْنٍ فَرَجَعُوا وَ ثَبَتَ قُنْفُذٌ الْمَلْعُونُ فَقَالُوا إِنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ كَذَا وَ كَذَا فَتَحَرَّجْنَا أَنْ نَدْخُلَ بَيْتَهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ فَغَضِبَ عُمَرُ وَ قَالَ مَا لَنَا وَ لِلنِّسَاءِ ثُمَّ أَمَرَ أُنَاساً حَوْلَهُ بِتَحْصِيلِ الْحَطَبِ (1) وَ حَمَلُوا
____________
(1) روى البلاذري في تاريخه أنساب الأشراف 1 ر 586 عن المدائنى عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمى و عن ابن عون أن أبا بكر أرسل الى على يريد البيعة فلم يبايع فجاء عمر، و معه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة: يا ابن الخطّاب! أتراك محرقا على بابى؟ قال: نعم، و ذلك أقوى فيما جاء أبوك؟
و روى ابن قتيبة في كتابه الإمامة و السياسة 19: أن أبا بكر بعث اليهم عمر فجاء فناداهم و هم في دار على فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب و قال: و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها، فقيل له: يا ابا حفص ان فيها فاطمة؟! فقال:
و ان.
و روى الطبريّ في تاريخه 3 ر 202 قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير عن المغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطّاب منزل على و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين فقال: و اللّه لاحرقن عليكم أو لتخرجن الى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.
269
الْحَطَبَ وَ حَمَلَ مَعَهُمْ عُمَرُ فَجَعَلُوهُ حَوْلَ مَنْزِلِ عَلِيٍّ(ع)وَ فِيهِ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ ابْنَاهُمَا(ع)ثُمَّ نَادَى عُمَرُ حَتَّى أَسْمَعَ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ وَ اللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ يَا عَلِيُّ وَ لَتُبَايِعَنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَّا أَضْرَمْتُ عَلَيْكَ النَّارَ فَقَامَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَقَالَتْ يَا عُمَرُ مَا لَنَا وَ لَكَ فَقَالَ افْتَحِي الْبَابَ وَ إِلَّا أَحْرَقْنَا عَلَيْكُمْ بَيْتَكُمْ فَقَالَتْ يَا عُمَرُ أَ مَا تَتَّقِي اللَّهَ تَدْخُلُ عَلَى بَيْتِي فَأَبَى أَنْ يَنْصَرِفَ وَ دَعَا عُمَرُ بِالنَّارِ فَأَضْرَمَهَا فِي الْبَابِ ثُمَّ دَفَعَهُ فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَتْهُ فَاطِمَةُ(ع)وَ صَاحَتْ يَا أَبَتَاهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ عُمَرُ السَّيْفَ وَ هُوَ فِي غِمْدِهِ فَوَجَأَ بِهِ جَنْبَهَا فَصَرَخَتْ يَا أَبَتَاهْ فَرَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ بِهِ ذِرَاعَهَا فَنَادَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَبِئْسَ مَا خَلَفَكَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَوَثَبَ عَلِيٌّ(ع)فَأَخَذَ بِتَلَابِيهِ فَصَرَعَهُ وَ وَجَأَ أَنْفَهُ وَ رَقَبَتَهُ وَ هَمَّ بِقَتْلِهِ فَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَا أَوْصَاهُ بِهِ فَقَالَ وَ الَّذِي كَرَّمَ مُحَمَّداً(ص)بِالنُّبُوَّةِ يَا ابْنَ صُهَاكَ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وَ عَهْدٌ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ(ص)لَعَلِمْتَ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ بَيْتِي فَأَرْسَلَ عُمَرُ يَسْتَغِيثُ فَأَقْبَلَ النَّاسُ حَتَّى دَخَلُوا الدَّارَ وَ ثَارَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى سَيْفِهِ فَرَجَعَ قُنْفُذٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَخْرُجَ عَلِيٌّ(ع)بِسَيْفِهِ لِمَا قَدْ عَرَفَ مِنْ بَأْسِهِ وَ شِدَّتِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِقُنْفُذٍ ارْجِعْ فَإِنْ خَرَجَ فَاقْتَحِمْ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَإِنِ امْتَنَعَ فَأَضْرِمْ عَلَيْهِمْ بَيْتَهُمُ النَّارَ (1) فَانْطَلَقَ قُنْفُذٌ الْمَلْعُونُ فَاقْتَحَمَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ
____________
(1) و روى إبراهيم بن محمّد الثقفى على ما رواه السيّد علم الهدى في الشافي 397 قال: حدّثني أحمد بن عمرو البجليّ قال: حدّثنا أحمد بن حبيب العامرى عن حمران بن أعين عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد(ع)قال: و اللّه ما بايع عليّ (عليه السلام) حتّى رأى الدخان قد دخل بيته.
270
وَ ثَارَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى سَيْفِهِ فَسَبَقُوهُ إِلَيْهِ وَ كَاثَرُوهُ فَتَنَاوَلَ بَعْضَ سُيُوفِهِمْ فَكَاثَرُوهُ فَأَلْقَوْا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا وَ حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ فَاطِمَةُ(ع)عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ فَضَرَبَهَا قُنْفُذٌ الْمَلْعُونُ بِالسَّوْطِ فَمَاتَتْ حِينَ مَاتَتْ وَ إِنَّ فِي عَضُدِهَا مِثْلَ الدُّمْلُجِ مِنْ ضَرْبَتِهِ لَعَنَهُ اللَّهُ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِعَلِيٍّ(ع)يُتَلُ (1) حَتَّى انْتُهِيَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرُ قَائِمٌ بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَ سَائِرُ النَّاسِ حَوْلَ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ قَالَ قُلْتُ لِسَلْمَانَ أَ دَخَلُوا عَلَى فَاطِمَةَ بِغَيْرِ إِذْنٍ قَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ مَا عَلَيْهَا خِمَارٌ فَنَادَتْ يَا أَبَتَاهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَبِئْسَ مَا خَلَفَكَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عَيْنَاكَ لَمْ تَتَفَقَّأْ فِي قَبْرِكَ تُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهَا فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَ مَنْ حَوْلَهُ يَبْكُونَ مَا فِيهِمْ إِلَّا بَاكٍ غَيْرَ عُمَرَ وَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَ عُمَرُ يَقُولُ إِنَّا لَسْنَا مِنَ النِّسَاءِ وَ رَأْيِهِنَّ فِي شَيْءٍ قَالَ فَانْتَهَوْا بِعَلِيٍّ(ع)إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ يَقُولُ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ وَقَعَ سَيْفِي فِي يَدِي لَعَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ لَمْ تَصِلُوا إِلَى هَذَا أَبَداً أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَلُومُ نَفْسِي فِي جِهَادِكُمْ وَ لَوْ كُنْتُ أَسْتَمْسِكُ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا لَفَرَّقْتُ جَمَاعَتَكُمْ وَ لَكِنْ لَعَنَ اللَّهُ أَقْوَاماً بَايَعُونِي ثُمَّ خَذَلُونِي وَ لَمَّا أَنْ بَصُرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ صَاحَ خَلُّوا سَبِيلَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَسْرَعَ مَا تَوَثَّبْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِأَيِّ حَقٍّ وَ بِأَيِّ مَنْزِلَةٍ دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِكَ أَ لَمْ تُبَايِعْنِي بِالْأَمْسِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَ قَدْ كَانَ قُنْفُذٌ لَعَنَهُ اللَّهُ ضَرَبَ فَاطِمَةَ(ع)بِالسَّوْطِ حِينَ حَالَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ زَوْجِهَا وَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ إِنْ حَالَتْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَاطِمَةُ فَاضْرِبْهَا فَأَلْجَأَهَا قُنْفُذٌ إِلَى عِضَادَةِ بَيْتِهَا وَ دَفَعَهَا فَكَسَرَ ضِلْعاً مِنْ جَنْبِهَا فَأَلْقَتْ جَنِيناً
____________
(1) في المصدر يعتل عتلا.
271
مِنْ بَطْنِهَا (1) فَلَمْ تَزَلْ صَاحِبَةَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَتْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ شَهِيدَةً قَالَ وَ لَمَّا انْتُهِيَ بِعَلِيٍّ(ع)إِلَى أَبِي بَكْرٍ انْتَهَرَهُ عُمَرُ وَ قَالَ لَهُ بَايِعْ وَ دَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْأَبَاطِيلَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ فَمَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ قَالُوا نَقْتُلُكَ ذُلًّا وَ صَغَاراً فَقَالَ إِذاً تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَنَعَمْ وَ أَمَّا أَخُو رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَمَا نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا قَالَ أَ تَجْحَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)آخَى بَيْنِي وَ بَيْنَهُ قَالَ نَعَمْ فَأَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (2)
____________
(1) صرح بذلك النظام على ما في كتاب الملل و النحل للشهرستانى 83 قال: ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها و كان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها، و ما كان في الدار غير على و فاطمة و الحسن و الحسين» أقول: و المحسن كان سماه رسول اللّه بذلك الاسم حينما سما حسنا فقال: و من بعد حسن حسين و من بعده محسن كاسماء أولاد هارون، صرّح بذلك الفيروزآبادي في القاموس (شبر) قال: و شبر كبقم و شبير كقمير و مشبر كمحدث أبناء هارون (عليه السلام) قيل و بأسمائهم سمى النبيّ(ص)الحسن و الحسين و المحسن، و لفظ ابى نعيم في الحلية و ابن منده على ما أخرجه في منتخب كنز العمّال 5 ر 104 «فقال ما سميته يا على؟ قال: سميته جعفرا يا رسول اللّه قال:
لا، و لكنه حسن و بعده حسين.
و ترى مثل ذلك في أنساب الأشراف للبلاذري 1 ر 404.
(2) قال ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 1 ر 504:) آخى رسول اللّه(ص)بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار فقال فيما بلغنا: تآخوا في اللّه أخوين، ثمّ أخذ بيد على بن أبي طالب فقال: هذا أخى، فكان رسول اللّه(ص)سيد المسلمين و امام المتقين و رسول ربّ العالمين الذي ليس له خطير و لا نظير من العباد، و عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أخوين.
الحديث.
و روى الترمذي في سننه 5 ر 300 تحت الرقم 3804 بإسناده عن ابن عمر قال:
آخى رسول اللّه بين أصحابه فجاء على تدمع عيناه فقال: يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك.
272
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ(ع)فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ
____________
و لم تؤاخ بينى و بين أحد! فقال له رسول اللّه ص: أنت أخى في الدنيا و الآخرة.
و روى ابن سعد في الطبقات 3 ق 1 ر 14 بإسناده عن محمّد بن عمر بن على عن أبيه أن النبيّ(ص)حين آخى بين أصحابه وضع يده على منكب على ثمّ قال: أنت أخى ترثنى و أرثك.
فحديث المؤاخاة هذه رواه البلاذري في أنساب الأشراف 1 ر 270، و ابن حنبل في مسنده 1 ر 230، و الحافظ البغداديّ في تاريخ بغداد 12 ر 268 و الخوارزمي في المناقب 90 و المحب الطبريّ في رياضه 2 ر 209 و في الذخائر 89 و الهيتمى في مجمع الزوائد 9 ر 173 و ابن حجر في الإصابة 2 ر 234، لسان الميزان 3 ر 9 و الحاكم في مستدركه 3 ر 14 و 217، و حسام الدين الهندى في منتخب كنز العمّال 5 ر 45 و 46، الى غير ذلك مما تجده في ذيل الاحقاق للعلامة المرعشيّ دامت بركاته ج 4 ر 171- 209.
و ناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسول اللّه(ص)بأمر من اللّه عزّ و جلّ في بدء الإسلام حين نزل قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» فجمع رسول اللّه(ص)قومه خاصّة ثمّ تكلم فقال:
يا بنى عبد المطلب! انى و اللّه ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، انى قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرنى اللّه أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرنى على هذا الامر على أن يكون أخى و وصيى و خليفتى فيكم؟ قال على: فأحجم القوم جميعا و قلت و انى لاحدثهم سنا و أرمصهم عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا-: أنا يا نبى اللّه! أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتى ثمّ قال: ان هذا أخى و وصيى و خليفتى فيكم فاسمعوا له و أطيعوا.
راجع تاريخ الطبريّ 2 ر 321، كامل ابن الأثير 2 ر 24، تاريخ ابى الفداء 1 ر 116 و النهج الحديدى 3 ر 254، مسند الامام ابن حنبل 1 ر 159 جمع الجوامع ترتيبه 6 ر 408، كنز العمّال 6 ر 401.
و هذه المؤاخاة مع أنّه كانت بأمر اللّه عزّ و جلّ انما تحققت بصورة البيعة و المعاهدة (الحلف) و لم يكن للنبى(ص)أن يأخذ أخا و وزيرا و صاحبا و خليفة غيره و لا لعلى أن.
273
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ كَذَا وَ كَذَا وَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَذَا وَ كَذَا فَلَمْ يَدَعْ عَلِيٌّ(ع)شَيْئاً قَالَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)عَلَانِيَةً لِلْعَامَّةِ إِلَّا
____________
يقصر في مؤازرته و نصرته و النصح له و لدينه كمؤازرة هارون لموسى على ما حكاه اللّه عزّ و جلّ في القرآن الكريم.
و لذلك ترى رسول اللّه(ص)حين يؤاخى بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكّة فيؤاخى بين كل رجل و شقيقه و شكله: يؤاخى بين عمر و أبى بكر و بين عثمان و عبد الرحمن ابن عوف و بين الزبير و عبد اللّه بن مسعود، و بين عبيدة بن الحارث و بلال و بين مصعب بن عمير و سعد بن أبي وقاص، و بين ابى عبيدة بن الجراح و سالم مولى ابى حذيفة و بين حمزة ابن عبد المطلب و زيد بن حارثة الكلبى (راجع سيرة ابن هشام 1 ر 504 المحبر 71- 70 البلاذري 1/ 270) يقول لعلى (عليه السلام): و الذي بعثني بالحق نبيّا ما أخرتك الا لنفسى، فأنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنّه لا نبى بعدى، و أنت أخى و وارثى، و أنت معى في قصرى في الجنة.
ثمّ قال له: و إذا ذاكرك أحد فقل: أنا عبد اللّه و أخو رسوله و لا يدعيها بعدى إلا كاذب مفتر (الرياض النضرة 2/ 168 منتخب كنز العمّال 5/ 45 و 46).
و لذلك نفسه تراه(ص)حينما عرض نفسه على القبائل فلم ترفعوا إليه رءوسهم ثمّ عرض نفسه على بنى عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس بن عبد اللّه بن سلمة الخيرين قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة: و اللّه لو أنى أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب، ثمّ قال لرسول اللّه: أ رأيت ان بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أ يكون لنا الامر من بعدك؟ قال: الامر إلى اللّه يضعه حيث يشاء، قال:
فقال له: أ فتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك اللّه كان الامر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه (راجع سيرة ابن هشام 1/ 424، الروض الانف 1/ 264، بهجة المحافل 1/ 128، سيرة زينى دحلان 1/ 302، السيرة الحلبية 2/ 3).
فلو لا أنّه(ص)كان تعاهد مع عليّ (عليه السلام) بالخلافة و الوصاية بأمر من اللّه عزّ و جلّ قبل ذلك لما ردهم بهذا الكلام المؤيس، و هو بحاجة ماسة من نصرة أمثالهم.
274
ذَكَّرَهُمْ إِيَّاهُ فَقَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ فَلَمَّا تَخَوَّفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَنْصُرَهُ النَّاسُ وَ أَنْ يَمْنَعُوهُ بَادَرَهُمْ فَقَالَ كُلُّ مَا قُلْتَ حَقٌّ قَدْ سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا وَ وَعَتْهُ قُلُوبُنَا وَ لَكِنْ قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ بَعْدَ هَذَا إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اصْطَفَانَا اللَّهُ وَ أَكْرَمَنَا وَ اخْتَارَ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ (1) فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)هَلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)شَهِدَ هَذَا مَعَكَ فَقَالَ عُمَرُ صَدَقَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَا هَذَا مِنْهُ كَمَا قَالَ (2) وَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَقَدْ وَفَيْتُمْ بِصَحِيفَتِكُمْ الْمَلْعُونَةِ الَّتِي قَدْ تَعَاقَدْتُمْ عَلَيْهَا فِي الْكَعْبَةِ إِنْ قَتَلَ اللَّهُ مُحَمَّداً أَوْ مَاتَ لَتَزْوُنَّ هَذَا الْأَمْرَ عَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ مَا أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهَا فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)أَنْتَ يَا زُبَيْرُ وَ أَنْتَ يَا سَلْمَانُ وَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَ أَنْتَ يَا مِقْدَادُ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ وَ بِالْإِسْلَامِ أَ مَا سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ إِنَّ فُلَاناً وَ فُلَاناً حَتَّى عَدَّ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ قَدْ كَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَاباً وَ تَعَاهَدُوا فِيهِ وَ تَعَاقَدُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فَقَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ ذَلِكَ لَكَ إِنَّهُمْ قَدْ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَى مَا صَنَعُوا وَ كَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَاباً إِنْ قُتِلْتُ أَوْ مِتُّ أَنْ يَزْوُوا عَنْكَ هَذَا يَا عَلِيُّ فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ أَفْعَلَ فَقَالَ لَكَ إِنْ وَجَدْتَ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً فَجَاهِدْهُمْ وَ نَابِذْهُمْ وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَبَايِعْهُمْ وَ احْقُنْ دَمَكَ فَقَالَ
____________
و أمّا حيازة ميراث رسول اللّه ص، فقد عرفت شرحه في(ص)224 من هذا الجزء راجعه ان شئت.
(1) قد مر في ذلك كلام منا(ص)125، راجعه.
(2) لكنه نفسه كذب هذا الحديث حيث جعل الامر شورى بين ستة و جعل عليا واحدا منهم، و مع أنّه أسس الشورى بشريطة لا يرجى الخلافة لعلى (عليه السلام)، لم يثق بذلك و وصاه فقال له (عليه السلام): ان وليت من أمر الناس شيئا فلا تحملن بنى عبد المطلب على رقاب الناس.
و للكلام بقية سيوافيك إنشاء اللّه تعالى.
275
عَلِيٌّ(ع)أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَرْبَعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ بَايَعُونِي وَفَوْا لِي لَجَاهَدْتُكُمْ فِي اللَّهِ وَ لَكِنْ أَمَا وَ اللَّهِ لَا يَنَالُهَا أَحَدٌ مِنْ عَقِبِكُمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ فِيمَا يُكَذِّبُ قَوْلَكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَوْلُ اللَّهِ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (1) فَالْكِتَابُ النُّبُوَّةُ وَ الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ وَ الْمُلْكُ الْخِلَافَةُ وَ نَحْنُ آلُ إِبْرَاهِيمَ فَقَامَ الْمِقْدَادُ فَقَالَ يَا عَلِيُّ بِمَا تَأْمُرُ وَ اللَّهِ إِنْ أَمَرْتَنِي لَأَضْرِبَنَّ بِسَيْفِي وَ إِنْ أَمَرْتَنِي كَفَفْتُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)كُفَّ يَا مِقْدَادُ وَ اذْكُرْ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَا أَوْصَاكَ بِهِ ثُمَّ قُمْتُ وَ قُلْتُ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَدْفَعُ ضَيْماً وَ أُعِزُّ لِلَّهِ دِيناً لَوَضَعْتُ سَيْفِي عَلَى عُنُقِي ثُمَّ ضَرَبْتُ بِهِ قُدُماً أَ تَثِبُونَ عَلَى أَخِي رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ وَصِيِّهِ وَ خَلِيفَتِهِ فِي أُمَّتِهِ وَ أَبِي وُلْدِهِ فَأَبْشِرُوا بِالْبَلَاءِ وَ اقْنَطُوا مِنَ الرَّخَاءِ وَ قَامَ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا الْمَخْذُولَةُ بِعِصْيَانِهَا إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (2) وَ آلُ مُحَمَّدٍ(ص)الْأَخْلَافُ مِنْ نُوحٍ وَ آلُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ الصَّفْوَةُ وَ السُّلَالَةُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَ عِتْرَةُ النَّبِيِّ(ص)مُحَمَّدٍ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ وَ هُمْ كَالسَّمَاءِ الْمَرْفُوعَةِ وَ الْجِبَالِ الْمَنْصُوبَةِ وَ الْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَةِ وَ الْعَيْنِ الصَّافِيَةِ وَ النُّجُومِ الْهَادِيَةِ وَ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ أَضَاءَ نُورُهَا وَ بُورِكَ زَيْتُهَا مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَ سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ عَلِيٌّ وَصِيُّ الْأَوْصِيَاءِ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ وَ هُوَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ وَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ(ص)وَ وَارِثُ عِلْمِهِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ
____________
(1) النساء: 54.
(2) آل عمران: 34.
276
بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (1) فَقَدِّمُوا مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ أَخِّرُوا مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ وَ اجْعَلُوا الْوِلَايَةَ وَ الْوِزَارَةَ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ جَالِسٌ فَوْقَ الْمِنْبَرِ مَا يُجْلِسُكَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ وَ هَذَا جَالِسٌ مُحَارِبٌ لَا يَقُومُ فَيُبَايِعَكَ أَ وَ تَأْمُرُ بِهِ فَنَضْرِبَ عُنُقَهُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)قَائِمَانِ فَلَمَّا سَمِعَا مَقَالَةَ عُمَرَ بَكَيَا فَضَمَّهُمَا إِلَى صَدْرِهِ فَقَالَ لَا تَبْكِيَا فَوَ اللَّهِ مَا يَقْدِرَانِ عَلَى قَتْلِ أَبِيكُمَا وَ أَقْبَلَتْ أُمُّ أَيْمَنَ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فقال [فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَسْرَعَ مَا أَبْدَيْتُمْ حَسَدَكُمْ وَ نِفَاقَكُمْ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ قَالَ مَا لَنَا وَ لِلنِّسَاءِ وَ قَامَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَ قَالَ يَا عُمَرُ أَ تَثِبُ عَلَى أَخِي رَسُولِ اللَّهِ وَ أَبِي وُلْدِهِ وَ أَنْتَ الَّذِي نَعْرِفُكَ فِي قُرَيْشٍ بِمَا نَعْرِفُكَ أَ لَسْتُمَا اللَّذَيْنِ قَالَ لَكُمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)انْطَلِقَا إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ سَلِّمَا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُمَا أَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ كَانَ ذَلِكَ وَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجْتَمِعُ لِأَهْلِ بَيْتِي الْخِلَافَةُ وَ النُّبُوَّةُ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ اللَّهِ لَا سَكَنْتُ فِي بَلْدَةٍ أَنْتَ فِيهَا أَمِيرٌ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَضُرِبَ وَ طُرِدَ ثُمَّ قَالَ قُمْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ فَبَايِعْ فَقَالَ(ع)فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ إِذاً وَ اللَّهِ نَضْرِبَ عُنُقَكَ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَحَ كَفَّهُ فَضَرَبَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَ رَضِيَ بِذَلِكَ مِنْهُ فَنَادَى عَلِيٌّ(ع)قَبْلَ أَنْ يُبَايِعَ وَ الْحَبْلُ فِي عُنُقِهِ يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي وَ قِيلَ لِلزُّبَيْرِ بَايِعْ فَأَبَى فَوَثَبَ عُمَرُ وَ خَالِدٌ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي أُنَاسٍ فَانْتَزَعُوا سَيْفَهُ فَضَرَبُوا بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى كَسَرُوهُ ثُمَّ لَبَّبُوهُ فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَ عُمَرُ عَلَى صَدْرِهِ يَا ابْنَ صُهَاكَ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ سَيْفِي فِي يَدِي لَحِدْتَ عَنِّي فَبَايَعَ قَالَ سَلْمَانُ ثُمَّ أَخَذُونِي فَوَجَئُوا عُنُقِي حَتَّى تَرَكُوهَا كَالسِّلْعَةِ ثُمَّ أَخَذُوا يَدِي وَ فَتَلُوهَا فَبَايَعْتُ مُكْرَهاً ثُمَّ بَايَعَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ مُكْرَهَيْنِ وَ مَا بَايَعَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ
____________
(1) الأحزاب: 6.
277
مُكْرَهاً غَيْرُ عَلِيٍّ وَ أَرْبَعَتِنَا وَ لَمْ يَكُنْ مِنَّا أَحَدٌ أَشَدَّ قَوْلًا مِنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَمَّا بَايَعَ قَالَ يَا ابْنَ صُهَاكَ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ لَا هَؤُلَاءِ الطُّغَاةُ الَّذِينَ أَعَانُوكَ لَمَا كُنْتَ تُقْدِمُ عَلَيَّ وَ مَعِي سَيْفِي لِمَا أَعْرِفُ مِنْ جُبْنِكَ وَ لُؤْمِكَ وَ لَكِنْ وَجَدْتَ طُغَاةً تَقْوَى بِهِمْ وَ تَصُولُ فَغَضِبَ عُمَرُ وَ قَالَ أَ تَذْكُرُ صهاكا [صُهَاكَ فَقَالَ وَ مَنْ صُهَاكُ وَ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذِكْرِهَا وَ قَدْ كَانَتْ صُهَاكُ زَانِيَةً أَ وَ تُنْكِرُ ذَلِكَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ كَانَتْ أَمَةً حَبَشِيَّةً لِجَدِّي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَزَنَى بِهَا جَدُّكَ نُفَيْلٌ فَوَلَدَتْ أَبَاكَ الْخَطَّابَ فَوَهَبَهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَهُ بَعْدَ مَا زَنَى بِهَا فَوَلَدَتْهُ وَ إِنَّهُ لَعَبْدُ جَدِّي وَلَدُ زِنًا (1) فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَ كَفَّ كُلَّ وَاحِدٍ
____________
(1) روى العلامة (قدّس سرّه) في كتابه كشف الحق عن الكلبى- و هو من رجال أهل السنة في كتاب المثالب قال: كانت صهاك أمة حبشية لهاشم بن عبد مناف، فوقع عليها نفيل ابن هاشم، ثمّ وقع عليها عبد العزى بن رباح، فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطّاب.
و سيجيء في باب نسب عمر نقلا عن ابن شهرآشوب أن صهاكا كانت أمة حبشية لعبد المطلب، و كانت ترعى له الإبل، فوقع عليها نقيل فجاءت بالخطاب، ثمّ ان الخطاب لما بلغ الحلم، رغب في صهاك فوقع عليها، فجاءت بابنة فلفتها في خرقة من صوف و رمتها خوفا من مولاها في الطريق، فرآها هاشم بن المغيرة مرمية فأخذها و رباها و سماها حنتمة، فلما بلغت رآها خطاب يوما فرغب فيها و خطبها من هاشم، فأنكحها اياه، فجاءت بعمر بن الخطاب، فكان الخطاب أبا و جدا و خالا لعمر، و كانت حنتمة أما و أختا و عمّة له.
و روى ابن أبي الحديد في ج 3(ص)24: أنه قال أبو عثمان: «و بلغ عمر بن الخطّاب أن أناسا من رواة الاشعار و حملة الآثار يعيبون الناس و يسلبونهم في اسلافهم فقام على المنبر و قال: إيّاكم و ذكر العيوب و البحث عن الأصول، فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الأبواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد فقام رجل من قريش [و هو المهاجرين خالد بن الوليد بن المغيرة] فقال: إذا كنت أنا و أنت يا أمير المؤمنين نخرج. (أقول: و كانه عرض به) فقال: كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد».
ثمّ قال بعد توضيح له لحديث ابى عثمان: و روى أبو الحسن المدائنى هذا الخبر في كتاب أمّهات الخلفاء، و قال: انه روى عند جعفر بن محمّد (عليه السلام) بالمدينة، فقال: لا تلمه يا ابن أخى، انه أشفق أن يخدج بقضية نفيل بن عبد العزى و صهاك أمة الزبير بن عبد المطلب، ثمّ قال (عليه السلام): رحم اللّه عمر، فانه لم يعد السنة، و تلا «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ».
أقول: و سيجيء تمام الكلام في الأبواب الآتية.
278
مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ قَالَ سُلَيْمٌ فَقُلْتُ لِسَلْمَانَ فَبَايَعْتَ أَبَا بَكْرٍ يَا سَلْمَانُ وَ لَمْ تَقُلْ شَيْئاً قَالَ قَدْ قُلْتُ بَعْدَ مَا بَايَعْتُ تَبّاً لَكُمْ سَائِرَ الدَّهْرِ أَ وَ تَدْرُونَ مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَصَبْتُمْ وَ أَخْطَأْتُمْ أَصَبْتُمْ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْفُرْقَةِ وَ الِاخْتِلَافِ وَ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ(ص)حَتَّى أَخْرَجْتُمُوهَا مِنْ مَعْدِنِهَا وَ أَهْلِهَا (1) فَقَالَ عُمَرُ يَا سَلْمَانُ أَمَّا إِذْ بَايَعَ صَاحِبُكَ وَ بَايَعْتَ فَقُلْ مَا شِئْتَ وَ افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ وَ لْيَقُلْ صَاحِبُكَ مَا بَدَا لَهُ قَالَ سَلْمَانُ فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ عَلَيْكَ وَ عَلَى صَاحِبِكَ الَّذِي بَايَعْتَهُ مِثْلَ ذُنُوبِ أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ مِثْلَ عَذَابِهِمْ جَمِيعاً فَقَالَ قُلْ مَا شِئْتَ أَ لَيْسَ قَدْ بَايَعْتَ وَ لَمْ يُقِرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ بِأَنْ يَلِيَهَا صَاحِبُكَ فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ قَرَأْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنْزَلَةِ أَنَّهُ بِاسْمِكَ وَ نَسَبِكَ وَ صِفَتِكَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ فَقَالَ لِي قُلْ مَا شِئْتَ أَ لَيْسَ قَدْ أَزَالَهَا اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقُلْتُ لَهُ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (2) فَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ
____________
(1) روى نص ذلك شارح النهج الحميدى ج 2/ 17، و قد مر نقله(ص)193 مما سبق و روى البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 591 عن المدائنى عن جعفر بن سليمان الضبعى عن أبي عمرو الجونى قال: قال سلمان الفارسيّ حين بويع أبو بكر: كرداذ و ناكرداذ- أى عملتم و ما عملتم، لو بايعوا عليا لا كلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم، و قد مر شرح قوله كرداذ و ناكرداذ فيما سبق(ص)193 راجعه ان شئت.
(2) الفجر: 25.
279
أَنْتَ هُوَ فَقَالَ لِي عُمَرُ اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأمَتَكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ ابْنَ اللَّخْنَاءِ فَقَالَ لِي عَلِيٌّ(ع)أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ لَمَّا سَكَتَّ فَقَالَ سَلْمَانُ وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَأْمُرْنِي عَلِيٌّ(ع)بِالسُّكُوتِ لَخَبَّرْتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ وَ كُلِّ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِيهِ وَ فِي صَاحِبِهِ فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَدْ سَكَتُّ قَالَ إِنَّكَ لَهُ لَمُطِيعٌ مُسَلِّمٌ فَلَمَّا أَنْ بَايَعَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ لَمْ يَقُولَا شَيْئاً قَالَ عُمَرُ يَا سَلْمَانُ أَ لَا تَكُفُّ كَمَا كَفَّ صَاحِبَاكَ وَ اللَّهِ مَا أَنْتَ بِأَشَدَّ حُبّاً لِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ مِنْهُمَا وَ لَا أَشَدَّ تَعْظِيماً لِحَقِّهِمْ مِنْهُمَا وَ قَدْ كَفَّا كَمَا تَرَى وَ بَايَعَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ أَ فَتُعَيِّرُنَا يَا عُمَرُ بِحُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ(ص)وَ تَعْظِيمِهِمْ لَعَنَ اللَّهُ وَ قَدْ فَعَلَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَ افْتَرَى عَلَيْهِمْ وَ ظَلَمَهُمْ حَقَّهُمْ وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِهِمْ وَ رَدَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْقَهْقَرَى عَلَى أَدْبَارِهَا فَقَالَ عُمَرُ آمِينَ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ظَلَمَهُمْ حُقُوقَهُمْ لَا وَ اللَّهِ مَا لَهُمْ فِيهَا حَقٌّ وَ مَا هُمْ فِيهَا وَ عُرْضُ النَّاسِ إِلَّا سَوَاءً قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَلِمَ خَاصَمْتُمُ الْأَنْصَارَ بِحَقِّهِمْ وَ حُجَّتِهِمْ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لِعُمَرَ يَا ابْنُ صُهَاكَ فَلَيْسَ لَنَا فِيهَا حَقٌّ وَ هِيَ لَكَ وَ لِابْنِ آكِلَةِ الذِّبَّانِ قَالَ عُمَرُ كُفَّ الْآنَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِذْ بَايَعْتَ فَإِنَّ الْعَامَّةَ رَضُوا بِصَاحِبِي وَ لَمْ يَرْضَوْا بِكَ فَمَا ذَنْبِي قَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ لَكِنَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَمْ يَرْضَيَا إِلَّا بِي فَأَبْشِرْ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا وَ وَازَرَكُمَا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ عَذَابِهِ وَ خِزْيِهِ وَيْلَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ لَوْ تَدْرِي مِمَّا خَرَجْتَ وَ فِيمَا دَخَلْتَ وَ مَا ذَا جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلَى صَاحِبِكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا عُمَرُ أَمَّا إِذْ قَدْ بَايَعَنَا وَ أَمِنَّا شَرَّهُ وَ فَتْكَهُ وَ غَائِلَتَهُ فَدَعْهُ يَقُولُ مَا شَاءَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)لَسْتُ بِقَائِلٍ غَيْرَ شَيْءٍ وَاحِدٍ أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَرْبَعَةُ قَالَ لِسَلْمَانَ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ الزُّبَيْرِ وَ الْمِقْدَادِ أَ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ فِي النَّارِ لَتَابُوتاً مِنْ نَارٍ أَرَى فِيهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةً مِنَ الْآخِرِينَ فِي جُبٍّ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ فِي تَابُوتٍ مُقَفَّلٍ عَلَى ذَلِكَ الْجُبِّ صَخْرَةٌ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَعِّرَ جَهَنَّمَ كَشَفَ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عَنْ ذَلِكَ الْجُبِّ فَاسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ مِنْ وَهْجِ ذَلِكَ الْجُبِّ وَ مِنْ حَرِّهِ قَالَ عَلِيٌّ(ع)فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)عَنْهُمْ وَ أَنْتُمْ شُهُودٌ فَقَالَ(ص)أَمَّا
280
الْأَوَّلُونَ فَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ وَ فِرْعَوْنُ الْفَرَاعِنَةِ وَ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَدَّلَا كِتَابَهُمْ وَ غَيَّرَا سُنَّتَهُمْ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَهَوَّدَ الْيَهُودَ وَ الْآخَرُ نَصَّرَ النَّصَارَى وَ إِبْلِيسُ سَادِسُهُمْ وَ الدَّجَّالُ فِي الْآخِرِينَ وَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ الَّذِينَ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَى عَدَاوَتِكَ يَا أَخِي وَ تَظَاهَرُوا عَلَيْكَ بَعْدِي هَذَا وَ هَذَا حَتَّى سَمَّاهُمْ وَ عَدَّهُمْ لَنَا قَالَ سَلْمَانُ فَقُلْنَا صَدَقْتَ نَشْهَدُ أَنَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ عُثْمَانُ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَ مَا عِنْدَ أَصْحَابِكَ هَؤُلَاءِ حَدِيثٌ فِيَّ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)بَلَى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَلْعَنُكَ ثُمَّ لَمْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ لَكَ بَعْدَ مَا لَعَنَكَ (1) فَغَضِبَ عُثْمَانُ
____________
(1) لعله عليه الصلاة و السلام أراد لعنه و طرده يوم مات أم كلثوم ابنة الرسول ص، روى البخارى في كتاب الجنائز من صحيحه ج 2 ر 100 و 114 بإسناده عن فليح بن سليمان عن هلال بن على عن أنس قال: شهدنا بنت رسول اللّه (يعنى أم كلثوم على ما صرّح به في الطبقات 8 ر 26 ط ليدن و الروض الانف 2 ر 107، فتح البارى 3 ر 122، عمدة القارى 4 ر 85) و رسول اللّه جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا، قال: فانزل في قبرها، قال: فنزل في قبرها فقبرها، قال ابن المبارك: قال فليح: أراه يعنى الذنب.
قال أبو عبد اللّه (البخارى): «ليقترفوا: ليكتسبوا» فقد كان زوجها عثمان أحق بها و بأن ينزل في قبرها و يلحدها في حفرتها و يكشف عن وجهها ليضعه على التراب، لكن رسول اللّه، لعنه أعنى أنّه طرده و حرمه عن ذلك و لم يستغفر لذنبه الذي قارفه ليلة وفاتها و لعله (عليه السلام) أراد نزول قوله تعالى فيه و في طلحة بن عبيد اللّه على ما رواه السدى و أبو حمزة الثمالى قال: لما توفى أبو سلمة و عبد اللّه بن حذافة و تزوج النبيّ(ص)امرأتيهما أم سلمة و حفصة، قال طلحة و عثمان: أ ينكح محمّد نساءنا اذا متنا، و لا ننكح نساءه إذا مات؟ و اللّه لو قد مات لقد أجلينا على نسائه بالسهام، و كان طلحة يريد عائشة و عثمان يريد أم سلمة، فأنزل اللّه «وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ الى قوله- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» الأحزاب 53، راجع في ذلك كشف الحق للعلامة الحلى (قدّس سرّه) باب مطاعن عثمان، مجمع البيان للطبرسيّ 8 ر 366.
و لعله عليه الصلاة و السلام أراد قول رسول اللّه(ص)فيه على ما رواه الثقفى في تاريخه بإسناده عن ابن عبّاس قال: استأذن أبو ذر على عثمان فأبى أن يأذن له، فقال لي: استأذن لي عليه قال ابن عبّاس: فرجعت الى عثمان فاستأذنت له عليه، قال: انه يؤذينى، قلت: عسى أن لا يفعل، فأذن له من أجلى فلما دخل عليه قال له: اتق اللّه يا عثمان، فجعل يقول: اتق اللّه و عثمان يتوعده فقال أبو ذر: انه قد حدّثني نبى اللّه(ص)أنّه يجاء بك و بأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم فتمر عليكم البهائم فتطأكم كلما مرت أخراها ردت اولاها، حتى يفصل بين الناس.
قال يحيى بن سلمة: فحدّثني العرزمى أن في هذا الحديث: «ترفعون حتّى إذا كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم فتطأكم البهائم.
281
ثُمَّ قَالَ مَا لِي وَ مَا لَكَ لَا تَدَعُنِي عَلَى حَالِي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ(ص)وَ لَا بَعْدَهُ (1)
____________
(1) من ذلك ارتجازه عليه الصلاة و السلام عند بناء مسجد الرسول(ص)في بدو الهجرة، قال ابن إسحاق في السيرة 1/ 497: و ارتجز عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام يومئذ:
لا يستوى من يعمر المساجدا* * * يدأب فيه قائما و قاعدا
و من يرى عن الغبار حائدا.
فأخذها عمّار بن ياسر فجعل يرتجز بها، قال ابن هشام: فلما أكثر، ظن رجل من أصحاب رسول اللّه أنّه انما يعرض به و قد سمى ابن إسحاق الرجل، (و هو عثمان بن عفان على ما صرّح به أبو ذر الخشنى في شرح السيرة) فقال: قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية فو اللّه انى لارانى سأعرض هذه العصا لانفك فغضب رسول اللّه(ص)ثمّ قال: ما لهم و لعمار يدعوهم الى الجنة و يدعونه الى النار، ان عمارا جلدة ما بين عينى و أنفى، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه.
أقول: معلوم أنّه كان يرى أصل الارتجاز لعلى (عليه السلام) لكنه لم يمكنه المعارضة معه، و لما أصر عمّار على الارتجاز به، عارضه بما قال، فعارضه النبيّ(ص)بما أبكته و أسكته.
282
فَقَالَ الزُّبَيْرُ نَعَمْ فَأَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ فَقَالَ عُثْمَانُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّ الزُّبَيْرَ يُقْتَلُ مُرْتَدّاً عَنِ الْإِسْلَامِ قَالَ سَلْمَانُ فَقَالَ لِي عَلِيٌّ(ع)فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ صَدَقَ عُثْمَانُ وَ ذَلِكَ أَنَّ الزُّبَيْرَ يُبَايِعُنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَيَنْكُثُ بَيْعَتِي فَيُقْتَلُ مُرْتَدّاً قَالَ سُلَيْمٌ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ سَلْمَانُ فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)غَيْرَ أَرْبَعَةٍ إِنَّ النَّاسَ صَارُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ وَ مَنْ تَبِعَهُ وَ مَنْزِلَةِ الْعِجْلِ وَ مَنْ تَبِعَهُ فَعَلِيٌّ فِي سُنَّةِ هَارُونَ وَ عَتِيقٌ فِي سُنَّةِ الْعِجْلِ وَ عُمَرُ فِي سُنَّةِ السَّامِرِيِّ وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَتَجِيءُ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْيَةِ وَ الْمَكَانَةِ مِنِّي لِيَمُرُّوا عَلَى الصِّرَاطِ فَإِذَا رَأَيْتُهُمْ وَ رَأَوْنِي وَ عَرَفْتُهُمْ وَ عَرَفُونِي اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ حَيْثُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ بُعْداً وَ سُحْقاً (1) وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَتَرْكَبَنَّ أُمَّتِي سُنَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ وَ بَاعاً بِبَاعٍ إِذِ التَّوْرَاةُ وَ الْقُرْآنُ كَتَبَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ فِي رَقٍّ بِقَلَمٍ وَاحِدٍ وَ جَرَتِ الْأَمْثَالُ وَ السُّنَنُ سَوَاءً (2).
بيان
روى الكليني صدر الخبر عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس إلى قولهم ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَجْمَعُ شَيَاطِينَهُ وَ أَبَالِسَتَهُ فَيَنْخُرُ وَ يَكْسَعُ وَ يَقُولُ كَلَّا زَعَمْتُمْ أَنْ لَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِهِمْ حَتَّى تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ طَاعَتَهُ وَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ
____________
(1) راجع نصوص ذلك(ص)22- 32 فيما سبق من هذا الجزء.
(2) كتاب سليم بن قيس: 82- 92، مع اختلاف يسير.
283
اللَّهِ(ص)(1).
و قال الجوهري الظلة بالضم كهيئة الصفة و قال السجادة أثر السجود في الجبهة و قال شمر إزاره تشميرا رفعه يقال شمر عن ساقه و شمر في أمره أي خف أقول أريد هنا أنه كان يرى من ظاهر حاله الاهتمام بالعبادة قوله ثم قال يوم كيوم آدم هذه الفقرة لم يذكرها في الإحتجاج و الكافي و المراد بها أن ما فعلت في هذا اليوم شبيه بما فعلت بآدم و أخرجته من الجنة في الغرابة و حسن التدبير و النخير صوت الأنف و كسعه كمنعه ضرب دبره بيده أو بصدر قدمه و الشظاظ بالكسر العود الذي يدخل في عروة الجوالق.
و في الإحتجاج (2) فلم يخرج حتى جمعه كله فكتبه على تنزيله و الناسخ و المنسوخ فبعث إلى قوله فقد آليت بيمين إلى قوله و أعلمني تأويلها ثم دخل بيته فقال عمر إلى قوله فقال عمر أرسل إليه قنفذا و كان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم إلى قوله ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا و حمل معهم عمر و جعلوه حول منزله و فيه علي و فاطمة و ابناهما(ع)ثم نادى عمر حتى أسمع عليا(ع)و الله لتخرجن و لتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا ثم رجع قنفذ إلى أبي بكر و هو يخاف أن يخرج علي(ع)بسيفه لما عرف من بأسه و شدته ثم قال لقنفذ إن خرج و إلا فاقتحم عليه فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم نارا فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن و ثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه و ألقوا في عنقه حبلا و حالت فاطمة(ع)بين زوجها و بينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط على عضدها و إن بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعا من جنبها و ألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات
____________
(1) راجع(ص)263 فيما سبق.
(2) رواه الطبرسيّ في الاحتجاج 52- 56 عن سليم بن قيس.
284
الله عليها ثم انطلقوا بعلي(ع)ملببا يتل.
إلى قوله و سائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح و دخل علي(ع)و هو يقول أما و الله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا مني و بالله ما ألوم نفسي في جهد و لو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني فانتهره عمر فقال بايع.
و قال في القاموس كاثروهم فكثروهم غالبوهم في الكثرة فغلبوهم قال الدملج كجندب في لغتيه و زنبور المعضد و قال تله صرعه أو ألقاه على عنقه و خده و التلتلة التحريك و الإقلاق و الزعزعة و الزلزلة و السير الشديد و السوق العنيف و أتله ارتبطه و اقتاده.
قوله(ع)من عقبكما في الإحتجاج من عقبكم إلى يوم القيامة ثم نادى قبل أن يبايع يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي إلى قوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم سنة نبيكم.
قوله أسكت الله نأمتك قال الجوهري النأمة بالتسكين الصوت يقال أسكت الله نأمته أي نغمته و صوته و يقال أيضا نامَّته بتشديد الميم فيجعل من المضاعف و قال سعرت النار هيجتها و ألهبتها و استعرت النار و تسعرت أي توقدت.
قوله و إبليس سادسهم أقول هكذا في الإحتجاج و في كتاب سليم هكذا و عاقر الناقة و قاتل يحيى بن زكريا و في الآخرين الدجال و هؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة و الكتاب و جبتهم و طاغوتهم الذي تعاهدوا عليه و تعاقدوا على عداوتك و لا يستقيم إلا بتكلف تام.
قوله قال سليم في الإحتجاج هكذا ثم أَقْبَلَ عَلَيَّ سَلْمَانُ فقال إن القوم ارتدوا بعد وفاة رسول الله(ص)إلا من عصمه الله بآل محمد إن الناس بعد رسول الله(ص)بمنزلة هارون إلى قوله في سُنَّةِ السامري و سمعت رسول الله(ص)يقول لتركبن إلى قوله و باعا بباع
. 46- وَ أَيْضاً وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
285
بْنَ عَازِبٍ (1) يَقُولُ كُنْتُ أُحِبُّ بَنِي هَاشِمٍ حُبّاً شَدِيداً فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَوْصَى عَلِيّاً(ع)أَنْ لَا يَلِيَ غُسْلَهُ غَيْرُهُ وَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى عَوْرَتَهُ غَيْرُهُ وَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَرَى عَوْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَّا ذَهَبَ بَصَرُهُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُعِينُنِي عَلَى غُسْلِكَ قَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)فِي جُنُودٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ عَلِيٌّ(ع)يُغَسِّلُهُ وَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَرْبُوطَ الْعَيْنَيْنِ يَصُبُّ الْمَاءَ وَ الْمَلَائِكَةُ يُقَلِّبُونَهُ لَهُ كَيْفَ شَاءَ وَ لَقَدْ أَرَادَ عَلِيٌّ(ع)أَنْ يَنْزِعَ قَمِيصَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَصَاحَ بِهِ صَائِحٌ لَا تَنْزِعْ قَمِيصَ نَبِيِّكَ يَا عَلِيُّ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْقَمِيصِ فَغَسَّلَهُ ثُمَّ حَنَّطَهُ وَ كَفَّنَهُ ثُمَّ نَزَعَ الْقَمِيصَ عِنْدَ تَكْفِينِهِ وَ تَحْنِيطِهِ (2) قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)تَخَوَّفْتُ أَنْ يَتَظَاهَرَ قُرَيْشٌ عَلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمَّا صَنَعَ النَّاسُ مَا صَنَعُوا مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ أَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَالِهَ الثَّكُولَ مَعَ مَا بِي مِنَ الْحُزْنِ لِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَجَعَلْتُ أَتَرَدَّدُ وَ أَرْمُقُ وُجُوهَ النَّاسِ وَ قَدْ خَلَا الْهَاشِمِيُّونَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)لِغُسْلِهِ وَ تَحْنِيطِهِ وَ قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي كَانَ مِنْ قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ فَلَمْ أَحْفِلْ بِهِمْ وَ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَئُولُ إِلَى شَيْءٍ فَجَعَلْتُ أَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَ أَتَفَقَّدُ وُجُوهَ قُرَيْشٍ وَ كَأَنِّي لَكَذَلِكَ
____________
(1) روى هذا الحديث ابن أبي الحديد في شرحه على النهج تارة ج 1/ 73- 74 مرسلا (عند قوله (عليه السلام) شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة) و تارة اخرى ج 1(ص)32 بإسناده عن كتاب السقيفة لعبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثني المغيرة بن محمّد المهلبى من حفظه و عمر بن شبه من كتابه باسناد رفعه الى أبى سعيد الخدريّ قال: سمعت البراء بن عازب يقول ..... و قد مر بعض نصوصه فيما مضى ذيل هذا الجزء و سنشير الى بعض الاختلاف بعد ذلك إنشاء اللّه تعالى.
(2) لم يذكر حديث التغسيل و التدفين في شرح النهج بل ساق الحديث هكذا: «قال البراء بن عازب لم أزل لبنى هاشم محبا فلما قبض ....
286
إِذْ فَقَدْتُ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ (1) ثُمَّ لَمْ أَلْبَثْ حَتَّى إِذَا أَنَا بِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ أَبِي عُبَيْدَةَ قَدْ أَقْبَلُوا فِي أَهْلِ السَّقِيفَةِ وَ هُمْ مُحْتَجِزُونَ بِالْأُزُرِ الصَّنْعَانِيَةِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا خَبَطُوهُ فَإِذَا عَرَفُوهُ مَدُّوا يَدَهُ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ شَاءَ ذَلِكَ أَمْ أَبَى فَأَنْكَرْتُ عِنْدَ ذَلِكَ عَقْلِي جَزَعاً مِنْهُ مَعَ الْمُصِيبَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)فَخَرَجْتُ مُسْرِعاً حَتَّى أَتَيْتُ الْمَسْجِدَ ثُمَّ أَتَيْتُ بَنِي هَاشِمٍ وَ الْبَابُ مُغْلَقٌ دُونَهُمْ فَضَرَبْتُ الْبَابَ ضَرْباً عَنِيفاً وَ قُلْتُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَخَرَجَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ فَقُلْتُ قَدْ بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ قَدْ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ مِنْهَا آخِرَ الدَّهْرِ أَمَا إِنِّي قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي (2)
____________
(1) في النهج 1/ 74: فانى كذلك اذ فقدت أبا بكر و عمر، و إذا قائل يقول:
القوم في سقيفة بنى ساعدة، و إذا قائل آخر يقول: قد بويع أبو بكر، فلم ألبث الخ.
(2) فأول ما أشار بذلك الى عليّ (عليه السلام) قبل رحلته(ص)روى ابن هشام في السيرة 2/ 654 و الطبريّ في تاريخه 3/ 193، و البيهقيّ في سننه 8/ 149 نقلا عن البخارى و ابن كثير في تاريخه 5/ 251 و ابن سعد في طبقاته 2 ق 2/ 38 كلهم بالاسناد عن ابن عباس قال: خرج يومئذ عليّ بن أبي طالب على الناس من عند رسول اللّه فقال له الناس: يا أبا حسن! كيف أصبح رسول اللّه؟
قال: أصبح بحمد اللّه بارئا، قال: فأخذ العباس بيده ثمّ قال: يا على! أنت و اللّه عبد العصا بعد ثلاث، أحلف باللّه لقد عرفت الموت في وجه رسول اللّه كما كنت أعرفه في وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا الى رسول اللّه فان كان هذا الامر فينا عرفناه، و ان كان في غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس، قال: فقال له على: انى و اللّه لا أفعل، و اللّه لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول اللّه(ص)حين اشتد الضحاء من ذلك اليوم.
أقول: اما عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام، فقد كان رسول اللّه(ص)نذر إليه بأن الأمة ستغدر به و أن الامر لا يصل إليه الا بعد ثالث ثلاثة، بل و قد كان يعرف جزئيات الامر و ما سيقع في الأمة المرحومة!!! حذو النعل بالنعل، بل و قد كان عرف (ع) حين نزل قوله تعالى «الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ» أن الفتنة لا تنزل و رسول اللّه بين أظهرهم، و انما تنزل الفتن كقطع الليل المظلم حين ينزل برسول اللّه شكواه.
فقد كان (ع) يصدر عن أمر الرسول و يرد بعهد عهده إليه، كانت الجبال تزول و لا يزول هو (عليه السلام) لا بقلق و لا باضطراب، و حيث كان الطامعون لامر الخلافة الشامخون لا نوفهم إليها يضطربون و يقلقون: هل يتم لهم الامر؟ و كيف تكون عاقبة هذه الفلتة؟
كان هو (عليه السلام) على سكينة و رباطة جأش يعلم عاقبة الامر رأى العين.
حينما قام رسول اللّه الأعظم بمسجد الخيف و قال: يوشك أن ادعى فأجيب، و انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتى أهل بيتى» كان يعلم مآل امر الأمة أنهم يحرقون كتاب اللّه و يمزقونه، و يجعلونه وراء ظهورهم، ثمّ يطردون و يشردون العترة الطاهرة و يقهرونهم.
حينما قام بغدير خم و نادى: «من كنت مولاه فهذا على مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه» كان يعلم و يرى برأى العين أن الأمة سيردون اعقابهم القهقرى و يعيدون الامر جاهلية: يتخذون لرئاستهم و تنظيم شئونهم أحدا منهم يرضونه على حدّ ما كان يتخذ كل قبيلة شيخا منهم للرئاسة و الزعامة فيحالفون معه: هم يعطونه النصر و الطاعة و هو يعطيهم رأيه في تدبير شئونهم و نظم سياقهم- بصفقة خاسرة خائبة.
كما أنهم ارتدوا على أعقابهم و أحيوا سنن الجاهلية بعد ما كان رسول اللّه بدل الحلف الجاهلى بالبيعة الشرعية: هم يعطونه النصر و الطاعة، و هو يضمن لهم الجنة صفقة رابحة بأمر من اللّه عزّ و جلّ «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا، فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ».
نعم أحيوا سنة الجاهلية، تحقيقا لكلام اللّه العزيز «وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً» فأعادوا البيعة الإسلامية حلفة جاهلية، و صراخ رسول اللّه(ص)يصطك في آذانهم «لا حلف و لا عقد في الإسلام»، حيث ان اللّه عزّ و جلّ قد أكمل دينه يوم غدير خم للمؤمنين فلا يحتاجون لعقد بيعة و لا حلف.
و حينما بعث جيش أسامة و سير فيهم وجوه المهاجرين و الأنصار، كان يعلم أنهم لا يطيعونه، و حيث كان يصر و يكرر من قوله(ص)«نفذوا جيش أسامة لعن اللّه من تخلف عنها» يعلم بعلم من اللّه عزّ و جلّ أنهم مفتونون غير مطيعين.
.
287
فَمَكَثْتُ أُكَابِدُ مَا فِي نَفْسِي فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صِرْتُ فِيهِ تَذَكَّرْتُ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ هَمْهَمَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بِالْقُرْآنِ فَانْبَعَثْتُ مِنْ مَكَانِي
____________
و حينما قال لهم يوم الخميس- و ما يوم الخميس لما ظهر له أن القوم غير تاركين للمدينة و ليسوا منفذين لجيشهم الذي أوعبوا فيه- قال لهم: «ائتونى بدواة و صحيفة اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا» فعرف القوم أن هذا المكتوب لن يعدو ما قاله في عترته يوم خيف عموما. بل و لن يعدو ما قاله في على يوم غدير خم خصوصا قال أحدهم ان الرجل ليهجر قد غلبه الوجع، و لما قالت نساؤه(ص)«ائتوا رسول اللّه بحاجته» قال عمر: اسكتن! فان كن صواحبه: إذا مرض عصرتن أعينكن و إذا صح أخذتن بعنقه، فقال رسول اللّه: هن خير منكم، قوموا عنى! فليس ينبغي عند نبى تنازع.
فرسول اللّه(ص)كان يعلم ذلك، و عليّ (عليه السلام) كان يعلم بعهد عهده إليه جميع ذلك، الا انهما كالظل و ذى الظل كانا يتبعان أمر اللّه و ارادته في اتمام الحجة ليهلك من هلك عن بينة، و يحيى من حى عن بينة.
و أمّا العباس عم رسول اللّه(ص)فقد كان يومئذ بمعزل عن هذه الحقائق الباطنة و الملحمة الناشئة، فكان يرى ظاهر الامر، و يتفقد لعلى إمرة المسلمين و يسعى وراء ذلك بكل جده، لكنه قد دهش من اطباق الفتن و اقبالها كقطع الليل المظلم فتراءى لنفسه أن يذهب مع على الى رسول اللّه ليتفرس حقيقة الامر، و هل يصل أمر الخلافة الى على و يتحقّق في مستحقه مع هذه الفتن الشاغبة، ليسعى هو وراء أمنيته هذه؛ و ان لا يصل إليه و لا يستقر الامر في مقره و يظفر هؤلاء الطغاة على سلطان رسول اللّه(ص)يسأله أن يوصى الناس بهم كما أوصاهم بالانصار.
فاقتراح العباس عم الرسول الأعظم لعلى أن يسأل رسول اللّه(ص)من الامر، انما كان أراد الامر الواقع في الخارج، على ما هو بعلم اللّه و علم رسوله، لا حقيقة الامر و الحكم الإلهي الذي صدع به الرسول في غدير خم بين الملا من قومه أدانيهم و أقاصيهم، و لذلك أجابه على أمير المؤمنين حقا بأنّه لا يفعل ذلك أبدا، فان رسول اللّه إذا أجابه في الملا من قومه و عشيرته و بمحضر من الأنصار و المهاجرين أن الامر لا يصل الى على عليه الصلاة و السلام، يعبره الغاشمون الظالمون على غير وجهه، فيقولون ان الامر يحدث بعد الامر، كان رسول اللّه أقام عليا بغدير خم علما هاديا و مولا مطاعا، ثمّ بدا له في آخر ساعاته و أوصى الأمة بهم كما أوصاهم بالانصار.
هذه الإشارة هي الأولى.
.
288
فَخَرَجْتُ نَحْوَ الْفَضَاءِ فَوَجَدْتُ نَفَراً يَتَنَاجَوْنَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُمْ سَكَتُوا فَانْصَرَفْتُ
____________
و أمّا الإشارة الثانية من العباس الى عليّ (عليه السلام) و تفقده الامر له و سعيه وراء هذه البغية، انه لما قبض رسول اللّه قال العباس لعلى بن أبي طالب و هما في الدار: امدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول اللّه بايع ابن عم رسول اللّه و يبايعك أهل بيتك فلا يختلف عليك اثنان فان هذا الامر إذا كان، لم يقل، فقال له عليّ (عليه السلام): و من يطلب هذا الامر غيرى؟ أو يطمع فيها طامع غيرى؟ قال العباس: ستعلم (شرح النهج الحديدى 1/ 53، الإمامة و السياسة 1/ 12) و أمّا لفظ الطبقات ج 2 ق 2/ 39 بالاسناد عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت:
لما توفى رسول اللّه(ص)قال العباس يا على قم حتّى أبايعك و من حضر، فان هذا الامر إذا كان لم يرد مثله، و الامر في ايدينا، فقال على و أحد- يعنى يطمع فيه- غيرنا؟ فقال العباس: أظن و اللّه سيكون، فلما بويع لابى بكر و رجعوا الى المسجد سمع على التكبير فقال:
ما هذا؟ فقال العباس: هذا ما دعوتك إليه فأبيت على، فقال على أ يكون هذا؟ فقال العباس:
مارد مثل هذا قط، فقال عمر: قد خرج أبو بكر من عند النبيّ(ص)حين توفى و تخلف عنده على و عبّاس و الزبير، فذلك حين قال عبّاس هذه المقالة.
و روى البلاذري في الأنساب 1/ 583 بإسناده عن جابر بن عبد اللّه قال: «قال العباس لعلى: ما قدمتك الى شيء الا تأخرت عنه، و كان قال له: لما قبض رسول اللّه اخرج حتّى ابايعك على أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان، فأبى و قال: أو منهم من ينكر حقنا و يستبد علينا؟ فقال العباس: سترى أن ذلك سيكون، فلما بويع أبو بكر، قال له العباس، أ لم أقل لك يا على؟
فنرى العباس يزاول الامر بعين الظاهر، كأصحاب السقيفة، و عليّ (عليه السلام) يأبى عليه الا مزاولة الباطن بعين الحقيقة و تنزيلهم منزلة الفتنة و هو على سكينة من اللّه عزّ و جلّ و علم من لدنه لا يشوبه شك و ريب.
و هذه الإشارة هي الثانية.
و أمّا الإشارة الثالثة، فقد أشار إليه بعد عمر أن لا يدخل معهم في الشورى المسدسة و ينزه نفسه عن المقارنة معهم، و كان رأيه ذلك نصحا له من حيث الظاهر لكنه(ص)أبى عليه الا المضى على إرادة اللّه عزّ و جلّ من سلامة دينه و امضاء الفتنة و اتمام الحجة عليهم و ردا على تأول أصحاب النبيّ لقوله «انا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا، و ان اهل بيتى سيلقون بعدى بلاء و تشريدا و تطريدا (ابن ماجة كتاب الفتن الباب 43) و لقوله(ص)«انكم ستبتلون في أهل بيتى من بعدى» (مجمع الزوائد 9/ 194) بأن رسول اللّه قال «ان اللّه أبى أن يجمع لنا أهل البيت النبوّة و الخلافة أبدا».
فلو كان العباس يعلم عند ذاك- على ما نعرف اليوم نحن من اخبارهم- أن عليا لا يصدر الا عن عهد عهده إليه رسول اللّه لما عاتبه بقوله: «لم أدفعك في شيء الا رجعت الى متأخرا بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول اللّه في هذا الامر فأبيت، و أشرت عليك بعد وفاة رسول اللّه أن تعاجل الامر فأبيت، و أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عنى واحدة: كلما عرض عليك القوم فأمسك الى أن يولوك، و احذر هذا الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتّى يقوم لنافيه غيرنا» (العقد الفريد:
2/ 257، أنساب الأشراف 5/ 23) و الكلام طويل الذيل، و سيجيء في محاله إنشاء اللّه تعالى.
289
عَنْهُمْ فَعَرَفُونِي وَ مَا عَرَفْتُهُمْ فَدَعَوْنِي فَأَتَيْتُهُمْ وَ إِذَا الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ سَلْمَانُ
290
وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ الزُّبَيْرُ بْنُ
291
الْعَوَّامِ (1) وَ حُذَيْفَةُ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَيَفْعَلُنَّ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ فَوَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ إِذَا الْقَوْمُ يُرِيدُونَ أَنْ يُعِيدُوا الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَدْ عَلِمَ مِثْلَ مَا عَلِمْتُ فَانْطَلَقُوا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَ ضَرَبْنَا عَلَيْهِ بَابَهُ فَأَتَى حَتَّى صَارَ خَلْفَ الْبَابِ ثُمَّ قَالَ مَنْ أَنْتُمْ فَكَلَّمَهُ الْمِقْدَادُ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ فَقَالَ افْتَحْ فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي جِئْنَا فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَجْرِيَ وَرَاءَ الْبَابِ فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاتِحٍ بَابِي وَ قَدْ عَلِمْتُ مَا جِئْتُمْ لَهُ وَ مَا أَنَا بِفَاتِحٍ بَابِي كَأَنَّكُمْ أَرَدْتُمُ النَّظَرَ فِي هَذَا الْعَقْدِ فَقُلْنَا نَعَمْ فَقَالَ أَ فِيكُمْ حُذَيْفَةُ فَقُلْنَا نَعَمْ فَقَالَ الْقَوْلُ مَا قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَفْتَحُ بَابِي حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيَّ مَا هُوَ جَارٍ عَلَيْهِ وَ مَا يَكُونُ بَعْدَهَا شَرٌّ مِنْهَا وَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُشْتَكَى قَالَ فَرَجَعُوا ثُمَّ دَخَلَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بَيْتَهُ قَالَ وَ بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ الْخَبَرُ (2) فَأَرْسَلَا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَسَأَلَاهُمَا الرَّأْيَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَرَى أَنْ تَلْقُوا الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَتُطْمِعُوهُ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبٌ يَكُونُ لَهُ وَ لِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَتَقْطَعُوهُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّ الْعَبَّاسَ لَوْ صَارَ مَعَكُمْ كَانَتِ الْحُجَّةُ
____________
(1) زاد في النهج: أبا الهيثم ابن التيهان.
(2) و في تاريخ اليعقوبي 2/ 114 «أنه تخلف عن بيعة أبى بكر قوم من المهاجرين و الأنصار و مالوا مع عليّ بن أبي طالب منهم العباس و الفضل بن العباس و الزبير بن العوام و خالد ابن سعيد بن العاص و المقداد بن عمرو و سلمان الفارسيّ و أبو ذر الغفارى و عمّار بن ياسر و البراء ابن عازب و ابى بن كعب فأرسل أبو بكر الى عمر بن الخطّاب و ابى عبيدة بن الجراح و المغيرة ابن شعبة فقال: ما الرأى؟ قالوا: الرأى أن تلقى العباس ... ثم ساق القصة بنحو ما ساقه شارح النهج.
و روى ابن قتيبة في كتابه الإمامة و السياسة 1- 21 قصة مشاورتهم للمغيرة بن شعبة و رأيه بنحو ممّا ساقه اليعقوبي في تاريخه، من شاءه فليراجعه.
292
عَلَى النَّاسِ وَ هَانَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَحْدَهُ قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى الْعَبَّاسِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَ مُحَمَّداً(ص)نَبِيّاً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِيّاً فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حَتَّى اخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ وَ تَرَكَ لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ لِيَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَصْلَحَتَهُمْ مُتَّفِقِينَ لَا مُخْتَلِفِينَ فَاخْتَارُونِي عَلَيْهِمْ وَالِياً وَ لِأُمُورِهِمْ رَاعِياً فَتَوَلَّوْنِي ذَلِكَ وَ مَا أَخَافُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَهْناً وَ لَا حَيْرَةً وَ لَا جُبْناً وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ غَيْرَ أَنِّي لَا أَنْفَكُّ مِنْ طَاعِنٍ يَبْلُغُنِي فَيَقُولُ بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَامَّةِ فَيَتَّخِذُكُمْ لَجَأً فَتَكُونُونَ حِصْنَهُ الْمَنِيعَ وَ خَطْبَهُ الْبَدِيعَ فَإِمَّا دَخَلْتُمْ مَعَ النَّاسِ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ أَوْ صَرَفْتُمُوهُمْ عَمَّا مَالُوا إِلَيْهِ فَقَدْ جِئْنَاكَ وَ نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَجْعَلَ لَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيباً يَكُونُ لَكَ وَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ إِذْ كُنْتَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ إِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ رَأَوْا مَكَانَكَ وَ مَكَانَ صَاحِبِكَ فَعَدَلُوا بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْكُمَا (1) فَقَالَ عُمَرُ إِي وَ اللَّهِ وَ أُخْرَى يَا بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِسْلِكُمْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِنَّا وَ مِنْكُمْ وَ لَمْ نَأْتِكَ حَاجَةً مِنَّا إِلَيْكُمْ وَ لَكِنْ كَرِهْنَا أَنْ يَكُونَ الطَّعْنُ فِيمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَيَتَفَاقَمَ الْخَطْبُ بِكُمْ وَ بِهِمْ فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ لِلْعَامَّةِ فَتَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَ مُحَمَّداً(ص)نَبِيّاً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِيّاً (2) فَإِنْ
____________
(1) في النهج 1 ر 74: «و ان كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول اللّه و مكان أهلك ثمّ عدلوا بهذا الامر عنكم و على رسلكم بنى هاشم فان رسول اللّه منا و منكم، فاعترض كلامه عمر و خرج الى مذهبه في الخشونة ... الى آخر ما سيأتي في المتن، و هكذا في تاريخ اليعقوبي 2/ 115 و الإمامة و السياسة 1/ 21 جعل «و على رسلكم» من كلام أبى بكر.
(2) زاد النهج و اليعقوبي: فمن اللّه به على أمته حتّى اختار له ما عنده، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لانفسهم مصيبين للحق مائلين عن زيغ الهوى، فان كنت ....
الخ.
293
كُنْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)طَلَبْتَ هَذَا الْأَمْرَ فَحَقَّنَا أَخَذْتَ وَ إِنْ كُنْتَ بِالْمُؤْمِنِينَ طَلَبْتَ فَنَحْنُ مِنْهُمْ مَا تَقَدَّمَ رَأْيُنَا فِي أَمْرِكَ وَ لَا شُوِّرْنَا وَ لَا نُحِبُّ لَكَ ذَلِكَ إِذْ كُنَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ كُنَّا لَكَ كَارِهِينَ (1) وَ أَمَّا قَوْلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيباً فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَكَ خَاصَّةً فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ فَلَسْنَا مُحْتَاجِينَ إِلَيْكَ وَ إِنْ كَانَ حَقَّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَحْكُمَ فِي حَقِّهِمْ وَ إِنْ كَانَ حَقَّنَا فَإِنَّا لَا نَرْضَى بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ (2) وَ أَمَّا قَوْلُكَ يَا عُمَرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)مِنَّا وَ مِنْكُمْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)شَجَرَةٌ نَحْنُ أَغْصَانُهَا وَ أَنْتُمْ جِيرَانُهَا فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ مِنْكُمْ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إني [إِنَّا نَخَافُ تَفَاقُمَ الْخَطْبِ بِكُمْ فَهَذَا الَّذِي فَعَلْتُمُوهُ أَوَائِلُ ذَلِكَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَ أَنْشَأَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ هَذَا الْأَمْرَ مُنْحَرِفاً* * * -عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنٍ
أَ لَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ* * * -وَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْآثَارِ وَ السُّنَنِ-
وَ أَقْرَبَ النَّاسِ عَهْداً بِالنَّبِيِّ وَ مَنْ* * * -جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ بِالْغُسْلِ وَ الْكَفَنِ-
مَنْ فِيهِ مَا فِي جَمِيعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ* * * وَ لَيْسَ فِي النَّاسِ مَا فِيهِ مِنَ الْحَسَنِ
مَنْ ذَا الَّذِي رَدَّكُمْ عَنْهُ فَنَعْرِفَهُ* * * -هَا إِنَّ بَيْعَتَكُمْ مِنْ أَوَّلِ الْفِتَنِ (3)
.
بيان
روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة هذا الخبر عن البراء بن عازب أنه قال لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض رسول الله(ص)خفت أن تتمالى قريش على إخراج هذا الأمر من بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول و ساق
____________
(1) زاد اليعقوبي: «ما أبعد قولك من «انهم طعنوا عليك» من قولك «انهم اختاروك و مالوا إليك» و ما أبعد تسميتك خليفة رسول اللّه من قولك، خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك ...
(2) زاد في النهج: و ما أقول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه و لكن للحجة نصيبها من البيان.
(3) مصنف سليم بن قيس الهلالى 74- 78.
294
الحديث إلى قوله و إن كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله(ص)و مكان أهلك ثم عدلوا بهذا الأمر عنكم و على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله(ص)منا و منكم فاعترض كلامه عمر و خرج إلى مذهبه في الخشونة و الوعيد و إتيان الأمر من أصعب جهاته فقال إي و الله و أخرى أنا لم نأتكم حاجة إليكم و لكن كرهنا أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم و ساق الحديث إلى قوله و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا و لا حللنا منكم وسطا و لا برحنا شحطا فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين و ما أبعد قولك إنهم طعنوا عليك من قولك إنهم مالوا إليك و أما ما بذلت لنا فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك إلى قوله وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ (1).
قال الفيروزآبادي ترب كفرح خسر و افتقر و يداه لا أصاب خيرا و قال خبطه يخبطه ضربه شديدا و القوم بسيفه جلدهم و الشيطان فلانا مسه و قال الجزري الرسل بالكسر التؤدة و التأني يقال افعل كذا و كذا على رسلك بالكسر أي اتئد فيه قوله ما تقدمنا في أمركم فَرَطاً أي لم نختر لكم رأيا و أمرا كالفَرَطِ الذي يتقدم القوم يرتاد لهم المكان و لا حللنا وسط مجالسكم عند المشاورة و المحاورة و لا برحنا شحطا أي ما زلنا كنا مبعدين عنكم و عن رأيكم من شحط كمنع و فرح أي بعد و في بعض النسخ و لا نزحنا بالنون و الزاي المعجمة فهو إما من نزح بمعنى بعد و الشحط بمعنى السبق أي لم نتكلم معكم حتى نسبقكم في الرأي و نبعد عنكم فيه أو من الشحط بمعنى البعد أيضا أي لم نكن منكم في مكان بعيد يكون ذلك عذرا لكم في ترك مشورتنا أو من نزح البئر و الشحط بمعنى الدلو المملو من قولهم شحط الإناء أي ملأه أي لم نعمل في أمركم رأيا مصيبا و في بعضها بالتاء و الراء المهملة أي لم نحزن و لم نهتم لمفارقتكم عنا و تباعدكم منا
____________
(1) قد مر مواضعه من المصدر، و ذكرنا من موارد الاختلاف ما لم يذكره المؤلّف العلامة ره-.
295
و على هذا يحتمل أن يكون سخطا بالسين المهملة و الخاء المعجمة و لعل النسخة الأولى أصوب.
47- وَ وَجَدْتُ أَيْضاً فِي كِتَابِ سُلَيْمٍ (1)، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ(ع)مَا لَقِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ ظُلْمِ قُرَيْشٍ وَ تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْنَا وَ قَتْلِهِمْ إِيَّانَا وَ مَا لَقِيَتْ شِيعَتُنَا وَ مُحِبُّونَا مِنَ النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قُبِضَ وَ قَدْ قَامَ بِحَقِّنَا وَ أَمَرَ بِطَاعَتِنَا وَ فَرَضَ وَلَايَتَنَا وَ مَوَدَّتَنَا وَ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَمَرَ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَتَظَاهَرُوا عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فِيهِ وَ مَا سَمِعْتِ الْعَامَّةُ فَقَالُوا صَدَقْتَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ لَكِنْ قَدْ نَسَخَهُ فَقَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اصْطَفَانَا وَ لَمْ يَرْضَ لَنَا بِالدُّنْيَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ لَنَا النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ (2) فَشَهِدَ
____________
(1) ذكر هذه الرواية ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3/ 15 عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) مرسلا، ملخصا و انما أسقط منها في خلالها ما كان يزرى على مذهبه فان الحديث على ما أخرجه في النهج نحو مائتين كلمة و هي في أصل سليم أكثر من أربعمائة و أربعين كلمة، راجعه ان شئت.
(2) راجع شرح ذلك(ص)125 و 274 ممّا سبق، أضف الى ذلك ما نقله ابن أبي الحديد في 1/ 63 من شرحه قال: روى القطب الراونديّ أن عمر لما قال: كونوا مع الثلاثة التي عبد الرحمن فيها، قال ابن عبّاس لعلى (عليه السلام): ذهب الامر منا، الرجل يريد أن يكون الامر في عثمان فقال عليّ (عليه السلام): و أنا أعلم ذلك، و لكنى أدخل معهم في الشورى، لان عمر قد أهلنى الآن للخلافة، و كان قبل يقول: ان رسول اللّه(ص)قال: «ان النبوّة و الإمامة لا يجتمعان في بيت» فأنا أدخل في ذلك لا ظهر للناس مناقضة فعله لروايته.
ثمّ قال: و الذي رواه غير معروف و لم ينقل عمر هذا عن رسول اللّه و لكنه قال لعبد اللّه بن العباس يوما: يا عبد اللّه ما تقول في منع قومكم منكم؟ قال: لا أعلم يا أمير المؤمنين، قال: اللّهمّ اغفر! ان قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبون في السماء بذخا و شمخا.
أقول: كلام عمر هذا الذي نقله ابن أبي الحديد و اعترف به يكشف عن حسادتهم و قد قال اللّه عزّ و جلّ: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً».
و اما الرواية التي أشار إليها، فقد ذكره في ج 1/ 134 عن كتاب السقيفة لابى بكر الجوهريّ قال حدّثني أبو زيد قال حدّثنا هارون بن عمر باسناد رفعه الى ابن عبّاس قال:
تفرق الناس ليلة الجابية عن عمر فسار كل واحد مع الفه ثمّ صادفت عمر تلك الليلة في المسير فحادثته فشكى الى تخلف على عنه، فقلت: أ لم يعتذر إليك؟ قال: بلى، فقلت هو ما اعتذر به، قال: يا ابن عبّاس ان اول من راثكم عن هذا الامر أبو بكر، ان قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة و النبوّة، قلت: لم ذاك يا أمير المؤمنين أ لم تنلهم خيرا؟ قال: بلى و لكنهم لو فعلوا لكنتم عليهم حجفا حجفا.
296
لَهُ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَشَبَّهُوا عَلَى الْعَامَّةِ وَ صَدَّقُوهُمْ وَ رَدُّوهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ أَخْرَجُوهَا مِنْ مَعْدِنِهَا حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ وَ احْتَجُّوا عَلَى الْأَنْصَارِ بِحَقِّنَا فَعَقَدُوهَا لِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ رَدَّهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ يُكَافِيهِ بِهَا ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ ثُمَّ جَعَلَهَا ابْنُ عَوْفٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ (1) فَغَدَرَ بِهِ عُثْمَانُ وَ أَظْهَرَ ابْنُ عَوْفٍ كُفْرَهُ وَ جَهْلَهُ وَ طُعِنَ فِي حَيَاتِهِ وَ زَعَمَ أَنَّ عُثْمَانَ سَمَّهُ فَمَاتَ ثُمَّ قَامَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ فَبَايَعَا عَلِيّاً(ع)طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ ثُمَّ نَكَثَا وَ غَدَرَا
____________
(1) لما عرض عبد الرحمن بن عوف صفقته على عليّ (عليه السلام) بشرط أن يعمل بسيرة الشيخين فقال: بل اجتهد برأيى فبايع عثمان بعد أن عرض عليه فقال نعم، قال على: ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون و اللّه ما وليته الامر الا ليرده إليك، و اللّه كل يوم في شأن راجع شرح النهج 1/ 65. و قوله (عليه السلام) «و اللّه كل يوم في شأن» يريد أنك لا تصل الى بغيتك، فانك تموت قبله، و للكلام ذيل طويل سيوافيك في بابه إنشاء اللّه تعالى.
297
وَ ذَهَبَا بِعَائِشَةَ مَعَهُمَا إِلَى الْبَصْرَةِ ثُمَّ دَعَا مُعَاوِيَةُ طُغَاةَ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ وَ نَصَبَ لَنَا الْحَرْبَ ثُمَّ خَالَفَهُ أَهْلُ حَرُورَاءَ عَلَى أَنْ يَحُكِّمَ كِتَابَ اللَّهِ وَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ(ص)فَلَوْ كَانَا حَكَمَا بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِمَا لَحَكَمَا أَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ(ص)وَ فِي سُنَّتِهِ فَخَالَفَهُ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَ قَاتَلُوهُ (1).
أقول: سيأتي تمامه في باب ما وقع من الظلم على أهل البيت(ع)في كتاب الإمامة (2).
48- أَقُولُ وَجَدْتُ أَيْضاً فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، بِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (3) فِي بَيْتِهِ وَ مَعَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ(ع)فَحَدَّثَنَا فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا أَنْ قَالَ يَا إِخْوَتِي تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يَوْمَ تُوُفِّيَ فَلَمْ يُوضَعْ فِي حُفْرَتِهِ حَتَّى نَكَثَ النَّاسُ وَ ارْتَدُّوا وَ أَجْمَعُوا عَلَى الْخِلَافِ وَ اشْتَغَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ وَ تَكْفِينِهِ وَ تَحْنِيطِهِ وَ وَضَعَهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَ شَغَلَ عَنْهُمْ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ لَمْ يَكُنْ هِمَّتُهُ الْمُلْكَ لِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)أَخْبَرَهُ عَنِ الْقَوْمِ فَافْتَتَنَ النَّاسُ (4) بِالَّذِي افْتَتَنُوا بِهِ مِنَ الرَّجُلَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا عَلِيٌّ(ع)وَ بَنُو هَاشِمٍ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ سَلْمَانُ فِي أُنَاسٍ مَعَهُمْ يَسِيرٍ فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ يَا هَذَا إِنَّ النَّاسَ أَجْمَعِينَ قَدْ بَايَعُوكَ مَا خَلَا هَذَا الرَّجُلَ وَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنَ عَمٍّ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهُ قُنْفُذٌ فَقَالَ لَهُ يَا قُنْفُذُ انْطَلِقْ إِلَى عَلِيٍّ فَقُلْ لَهُ أَجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهُ فَانْطَلَقَ فَأَبْلَغَهُ
____________
(1) كتاب سليم بن قيس: 108- 111.
(2) أخرجه في ج 27(ص)214- 211.
(3) قد مر جريان السقيفة برواية سلمان(ص)261- 282 يشبه هذه الرواية بمضامينها راجعها و ذيلها.
(4) راجع حديث الافتتان في هذا الجزء(ص)78- 80.
298
فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)مَا أَسْرَعَ مَا كَذَبْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ ارْتَدَدْتُمْ وَ اللَّهِ مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)غَيْرِي فَارْجِعْ يَا قُنْفُذُ فَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ فَقُلْ لَهُ قَالَ لَكَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ مَا اسْتَخْلَفَكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)(1) وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَنْ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ فَأَقْبَلَ قُنْفُذٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا اسْتَخْلَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَغَضِبَ عُمَرُ وَ وَثَبَ وَ قَامَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ لِقُنْفُذٍ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبَا بَكْرٍ فَأَقْبَلَ قُنْفُذٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ(ع)فَأَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ فَقَالَ كَذَبَ وَ اللَّهِ انْطَلِقْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ لَقَدْ تَسَمَّيْتَ بِاسْمٍ لَيْسَ لَكَ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُكَ فَرَجَعَ قُنْفُذٌ فَأَخْبَرَهُمَا فَوَثَبَ عُمَرُ غَضْبَانَ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَعَارِفٌ بِسَخْفِهِ وَ ضَعْفِ رَأْيِهِ وَ إِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَنَا أَمْرٌ حَتَّى نَقْتُلَهُ فَخَلِّنِي آتِيكَ بِرَأْسِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ اجْلِسْ فَأَبَى فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا قُنْفُذُ انْطَلِقْ فَقُلْ لَهُ أَجِبْ أَبَا بَكْرٍ فَأَقْبَلَ قُنْفُذٌ فَقَالَ يَا عَلِيُّ أَجِبْ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنِّي لَفِي شُغُلٍ عَنْهُ وَ مَا كُنْتُ بِالَّذِي أَتْرُكُ وَصِيَّةَ
____________
(1) راجع الإمامة و السياسة: 1/ 19 آخر الصفحة، و قد مر(ص)220.
أضف الى ذلك ما رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1/ 12 قال: كان العباس لقى أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول اللّه بشيء قال: لا، و لقى العباس أيضا عمر فقال له مثل ذلك، فقال عمر: لا، فقال العباس لعلى: ابسط يدك أبايعك و يبايعك أهل بيتك فقال له على: و من يطلب هذا الامر غيرنا؟.
و ناهيك من ذلك قول عمر نفسه عند وفاته: «ان أستخلف فقد استخلف من هو خير منى (يعنى أبا بكر استخلف من بعده عمر) و ان أتركهم فقد تركهم من هو خير منى (يعنى رسول اللّه(ص)بزعمه) فعرف الناس أن رسول اللّه لم يستخلف أحدا منهم، راجع سيرة ابن هشام 2/ 653، طبقات ابن سعد 3 ق 1/ 248، شرح النهج الحميدى 1 ر 62.
299
خَلِيلِي وَ أَخِي (1) وَ انْطَلِقْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ مَا اجْتَمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَوْرِ فَانْطَلَقَ قُنْفُذٌ فَأَخْبَرَ أَبَا بَكْرٍ فَوَثَبَ عُمَرُ غَضْبَانَ فَنَادَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَ قُنْفُذاً فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَحْمِلَا حَطَباً وَ نَاراً ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةُ(ع)قَاعِدَةٌ خَلْفَ الْبَابِ قَدْ عَصَبَتْ رَأْسَهَا وَ نَحَلَ جِسْمُهَا فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتَّى ضَرَبَ الْبَابَ ثُمَّ نَادَى يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ افْتَحِ الْبَابَ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ(ع)يَا عُمَرُ مَا لَنَا وَ لَكَ لَا تَدَعُنَا وَ مَا نَحْنُ فِيهِ قَالَ افْتَحِي الْبَابَ وَ إِلَّا أَحْرَقْنَا عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ يَا عُمَرُ أَ مَا تَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ تَدْخُلُ عَلَى بَيْتِي وَ تَهْجُمُ عَلَى دَارِي فَأَبَى أَنْ يَنْصَرِفَ ثُمَّ عَادَ عُمَرُ بِالنَّارِ فَأَضْرَمَهَا فِي الْبَابِ فَأَحْرَقَ الْبَابَ (2) ثُمَّ دَفَعَهُ عُمَرُ فَاسْتَقْبَلَتْهُ فَاطِمَةُ(ع)وَ صَاحَتْ يَا أَبَتَاهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ السَّيْفَ وَ هُوَ فِي غِمْدِهِ فَوَجَأَ بِهِ جَنْبَهَا فَصَرَخَتْ فَرَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ بِهِ ذِرَاعَهَا فَصَاحَتْ يَا أَبَتَاهْ فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَأَخَذَ بَتَلَابِيبِ عُمَرَ ثُمَّ هَزَّهُ فَصَرَعَهُ وَ وَجَأَ أَنْفَهُ وَ رَقَبَتَهُ وَ هَمَّ بِقَتْلِهِ فَذُكِّرَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَا أَوْصَى بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَ الطَّاعَةِ فَقَالَ وَ الَّذِي كَرَّمَ مُحَمَّداً(ص)بِالنُّبُوَّةِ يَا ابْنَ صُهَاكَ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَعَلِمْتَ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُ بَيْتِي فَأَرْسَلَ عُمَرُ يَسْتَغِيثُ فَأَقْبَلَ النَّاسُ حَتَّى دَخَلُوا الدَّارَ وَ سَلَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ السَّيْفَ لِيَضْرِبَ بِهِ عَلِيّاً(ع)فَحَمَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَأَقْسَمَ عَلَى عَلِيٍّ فَكَفَّ وَ أَقْبَلَ الْمِقْدَادُ وَ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ عَمَّارٌ وَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ حَتَّى دَخَلُوا الدَّارَ أَعْوَاناً لِعَلِيٍّ(ع)حَتَّى كَادَتْ تَقَعُ فِتْنَةٌ فَأُخْرِجَ عَلِيٌّ(ع)وَ تَبِعَهُ النَّاسُ وَ اتَّبَعَهُ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ وَ بُرَيْدَةُ وَ هُمْ يَقُولُونَ مَا أَسْرَعَ مَا خُنْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ أَخْرَجْتُمُ الضَّغَائِنَ الَّتِي فِي
____________
(1) كانه أراد جمع القرآن الكريم في صحيفة واحدة، و قد مر نصوصه(ص)205 و(ص)264 أضف الى ذلك تاريخ البلاذري 1/ 587، نهج الحديدى 1 ر 9 قال: نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبى بكر تشاغلا بجمع القرآن.
(2) راجع(ص)204 و 268.
300
صُدُورِكُمْ وَ قَالَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيُّ يَا عُمَرُ أَتَيْتَ عَلَى أَخِي رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ وَصِيِّهِ وَ عَلَى ابْنَتِهِ فَتَضْرِبُهَا وَ أَنْتَ الَّذِي تَعْرِفُكَ قُرَيْشٌ بِمَا تَعْرِفُكَ بِهِ فَرَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ السَّيْفَ لِيَضْرِبَ بُرَيْدَةَ وَ هُوَ فِي غِمْدِهِ فَتَعَلَّقَ بِهِ عُمَرُ وَ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فَانْتَهُوا بِعَلِيٍّ(ع)إِلَى أَبِي بَكْرٍ مُلَبَّباً فَلَمَّا نَظَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ صَاحَ خَلُّوا سَبِيلَهُ فَقَالَ مَا أَسْرَعَ مَا تَوَثَّبْتُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ بِأَيِّ حَقٍّ وَ بِأَيِّ مِيرَاثٍ وَ بِأَيِّ سَابِقَةٍ تَحُثُّ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِكَ أَ لَمْ تُبَايِعْنِي بِالْأَمْسِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ دَعْ هَذَا عَنْكَ يَا عَلِيُّ فَوَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تُبَايِعْ لَنَقْتُلَنَّكَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِذاً وَ اللَّهِ أَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِهِ الْمَقْتُولَ فَقَالَ عُمَرُ أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ الْمَقْتُولُ فَنَعَمْ وَ أَمَّا أَخُو رَسُولِ اللَّهِ فَلَا (1) فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ لَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وَ عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ خَلِيلِي لَسْتُ أَجُوزُهُ لَعَلِمْتَ أَيُّنَا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً وَ أَبُو بَكْرٍ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَامَ بُرَيْدَةُ فَقَالَ يَا عُمَرُ أَ لَسْتُمَا اللَّذَيْنِ قَالَ لَكُمَا رَسُولُ اللَّهِ(ص)انْطَلِقَا إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَسَلِّمَا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ (2) فَقُلْتُمَا أَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا بُرَيْدَةُ وَ لَكِنَّكَ غِبْتَ وَ شَهِدْنَا وَ الْأَمْرُ يَحْدُثُ بَعْدَهُ الْأَمْرُ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَنْتَ وَ هَذَا يَا بُرَيْدَةُ وَ مَا يُدْخِلُكَ فِي هَذَا قَالَ بُرَيْدَةُ وَ اللَّهِ لَا سَكَنْتُ فِي بَلْدَةٍ أَنْتُمْ فِيهَا أُمَرَاءُ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَضُرِبَ وَ أُخْرِجَ ثُمَّ قَامَ سَلْمَانُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ اتَّقِ اللَّهَ وَ قُمْ عَنْ هَذَا الْمَجْلِسِ وَ دَعْهُ لِأَهْلِهِ يَأْكُلُوا بِهِ رَغَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَخْتَلِفْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ سَيْفَانِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَعَادَ سَلْمَانُ فَقَالَ مِثْلَهَا فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَ قَالَ مَا لَكَ وَ هَذَا الْأَمْرِ وَ مَا يُدْخِلُكَ فِيمَا هَاهُنَا فَقَالَ مَهْلًا يَا عُمَرُ قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ عَنْ هَذَا الْمَجْلِسِ وَ دَعْهُ لِأَهْلِهِ يَأْكُلُوا بِهِ وَ اللَّهِ خُضْراً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ لَتَحْلَبُنَّ بِهِ دَماً وَ لَيَطْمَعَنَّ فِيهَا الطُّلَقَاءُ وَ
____________
(1) راجع حديث المؤاخاة(ص)271- 273.
(2) راجع(ص)91 و 197 و 266 من هذا الجزء.
301
الطُّرَدَاءُ وَ الْمُنَافِقُونَ (1) وَ اللَّهِ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَدْفَعُ ضَيْماً أَوْ أُعِزُّ لِلَّهِ دِيناً لَوَضَعْتُ سَيْفِي عَلَى عُنُقِي ثُمَّ ضَرَبْتُ بِهِ قُدُماً أَ تَثِبُونَ عَلَى وَصِيِّ رَسُولِ اللَّهُ فَأَبْشِرُوا بِالْبَلَاءِ وَ اقْنَطُوا مِنَ الرَّخَاءِ ثُمَّ قَامَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ فَقَالُوا لِعَلِيٍّ(ع)مَا تَأْمُرُ وَ اللَّهِ إِنْ أَمَرْتَنَا لَنَضْرِبَنَّ بِالسَّيْفِ حَتَّى نُقْتَلَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)كُفُّوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَ اذْكُرُوا عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ مَا أَوْصَاكُمْ بِهِ فَكَفُّوا فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ جَالِسٌ فَوْقَ الْمِنْبَرِ مَا يُجْلِسُكَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ وَ هَذَا جَالِسٌ مُحَارِبٌ لَا يَقُومُ فَيُبَايِعَكَ أَ وَ تَأْمُرُ بِهِ فَنَضْرِبَ عُنُقَهُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)قَائِمَانِ عَلَى رَأْسِ عَلِيٍّ(ع)فَلَمَّا سَمِعَا مَقَالَةَ عُمَرَ بَكَيَا وَ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا يَا جَدَّاهْ يَا رَسُولَ اللَّهُ فَضَمَّهُمَا عَلِيٌّ(ع)إِلَى صَدْرِهِ وَ قَالَ لَا تَبْكِيَا فَوَ اللَّهِ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى قَتْلِ أَبِيكُمَا هُمَا أَذَلُّ وَ أَدْخَرُ مِنْ ذَلِكَ وَ أَقْبَلَتْ أُمُّ أَيْمَنَ النُّوبِيَّةُ حَاضِنَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتَا يَا عَتِيقُ مَا أَسْرَعَ مَا أَبْدَيْتُمْ حَسَدَكُمْ لِآلِ مُحَمَّدٍ فَأَمَرَ بِهِمَا عُمَرُ أَنْ تُخْرَجَا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ قَالَ مَا لَنَا وَ لِلنِّسَاءِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ قُمْ بَايِعْ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ إِذاً وَ اللَّهِ نَضْرِبَ عُنُقَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَ اللَّهِ يَا ابْنَ صُهَاكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْتَ أَلْأَمُ وَ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ فَوَثَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَأَقْتُلَنَّكَ فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)وَ أَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ حَتَّى أَلْقَاهُ عَلَى قَفَاهُ وَ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ عُمَرُ قُمْ يَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَبَايِعْ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ إِذَنْ وَ اللَّهِ نَقْتُلَكَ وَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ(ع)ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْتَحَ كَفَّهُ فَضَرَبَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَ رَضِيَ بِذَلِكَ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ تَبِعَهُ النَّاسُ
____________
(1) راجع(ص)193 و 211.
302
قَالَ ثُمَّ إِنَّ فَاطِمَةَ(ع)بَلَغَهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَضَ فَدَكاً (1) فَخَرَجَتْ فِي نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي أَرْضاً جَعَلَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ مِنَ الْوَجِيفِ الَّذِي لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ أَ مَا كَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ(ص)لَمْ يَتْرُكْ لِوُلْدِهِ شَيْئاً غَيْرَهَا فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ مَقَالَتَهَا وَ النِّسْوَةُ مَعَهَا دَعَا بِدَوَاةٍ لِيَكْتُبَ بِهِ لَهَا فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَا تَكْتُبْ لَهَا حَتَّى تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِمَا تَدَّعِي (2) فَقَالَتْ فَاطِمَةُ(ع)نَعَمْ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ قَالَ مَنْ قَالَتْ عَلِيٌّ وَ أُمُّ أَيْمَنَ فَقَالَ عُمَرُ وَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ لَا تُفْصِحُ وَ أَمَّا عَلِيٌّ فَيَجُرُّ النَّارَ
____________
(1) عقد المؤلّف العلامة لبحث فدك بابا مستقلا و سيجيء تمام الكلام عند ذلك، و ان شئت راجع في منع فدك عنها صحيح البخاريّ كتاب الخمس 1، فضائل أصحاب النبيّ 12، كتاب المغازى 38 و 14 الفرائض 3 صحيح مسلم كتاب الجهاد 49 و 53 الامارة 19، سنن النسائى الجهاد 52 و 53 و 54 كتاب الفيء 9 مسند الامام ابن حنبل 1 ر 4 و 6 و 9 و 10 و 13- 2 ر 353، سنن الترمذي كتاب السير 44 تاريخ الطبريّ 3 ر 208 مشكل الآثار للطحاوى 1 ر 48، سنن البيهقيّ 6 ر 300 كفاية الطالب 226، تاريخ ابن كثير 5 ر 285 الخميس 2 ر 93.
(2) و في رواية الثقفى بإسناده عن إبراهيم بن ميمون عن عيسى بن عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن على أمير المؤمنين قال: جاءت فاطمة الى أبى بكر فقالت: ان أبى أعطانى فدك، و على يشهد لي و أم أيمن، قال: ما كنت لتقولين على أبيك الا الحق، قد أعطيتكها، و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت عمر، فقال:
من أين حبئت يا فاطمة؟ قالت: جئت من عند أبى بكر، أخبرته أن رسول اللّه اعطانى فدك .... فأعطانيها و كتب بها لي، فأخذ عمر منها الكتاب، ثمّ رجع الى أبى بكر فقال: أعطيت فاطمة فدك و كتبت لها؟ قال: نعم، قال عمر: على يجر الى نفسه و أم أيمن امرأة، و بصق في الكتاب و محاه، راجع الشافي 408 تلخيص الشافي 3 ر 125، و ترى مثله في الاحتجاج لابى منصور الطبرسيّ 58.
303
إِلَى قُرْصَتِهِ فَرَجَعَتْ فَاطِمَةُ(ع)وَ قَدْ دَخَلَهَا مِنَ الْغَيْظِ مَا لَا يُوصَفُ فَمَرِضَتْ وَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ كَيْفَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَنْ ثَقُلَتْ فَسَأَلَا عَنْهَا وَ قَالا قَدْ كَانَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَنَا لِنَعْتَذِرَ إِلَيْهَا مِنْ ذَنْبِنَا قَالَ ذَلِكَ إِلَيْكُمَا فَقَامَا فَجَلَسَا بِالْبَابِ (1) وَ دَخَلَ عَلِيٌّ(ع)عَلَى فَاطِمَةَ(ع)فَقَالَ لَهَا أَيَّتُهَا الْحُرَّةُ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ بِالْبَابِ يُرِيدَانِ أَنْ يُسَلِّمَا عَلَيْكِ فَمَا تَرَيْنَ قَالَتْ الْبَيْتُ بَيْتُكَ وَ الْحُرَّةُ زَوْجَتُكَ افْعَلْ مَا تَشَاءُ فَقَالَ سُدِّي قِنَاعَكِ فَسَدَّتْ قِنَاعَهَا وَ حَوَّلَتْ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ فَدَخَلَا وَ سَلَّمَا وَ قَالا ارْضَيْ عَنَّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْكِ فَقَالَتْ مَا دَعَاكُمَا إِلَى هَذَا فَقَالا اعْتَرَفْنَا بِالْإِسَاءَةِ وَ رَجَوْنَا أَنْ تَعْفِي عَنَّا وَ تُخْرِجِي سَخِيمَتَكِ فَقَالَتْ إِنْ كُنْتُمَا صَادِقَيْنِ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا أَسْأَلُكُمَا عَنْهُ فَإِنِّي لَا أَسْأَلُكُمَا عَنْ أَمْرٍ إِلَّا أَنَا عَارِفَةٌ بِأَنَّكُمَا تَعْلَمَانِهِ فَإِنْ صَدَقْتُمَا عَلِمْتُ أَنَّكُمَا صَادِقَانِ فِي مَجِيئِكُمَا قَالا سَلِي عَمَّا بَدَا لَكِ قَالَتْ نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ سَمِعْتُمَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي (2) قَالا نَعَمْ فَرَفَعَتْ يَدَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَدْ آذَيَانِي فَأَنَا أَشْكُوهُمَا إِلَيْكَ وَ إِلَى رَسُولِكَ لَا وَ اللَّهِ لَا أَرْضَى عَنْكُمَا أَبَداً حَتَّى أَلْقَى أَبِي رَسُولَ اللَّهِ(ص)فَأُخْبِرَهُ بِمَا صَنَعْتُمَا فَيَكُونَ هُوَ الْحَاكِمَ فِيكُمَا قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا أَبُو
____________
(1) روى قصة استيذانهما على فاطمة و ما جرى بعدها ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1/ 20 و الجاحظ في اعلام النساء 3/ 1214.
(2) الحديث مقطوع به راجع صحيح البخاريّ فضائل الصحابة الباب 12 و 16 و 29 كتاب النكاح 109، صحيح مسلم فضائل الصحابة الحديث 93 و 94، سنن ابى داود كتاب النكاح 12 سنن الترمذي كتاب المناقب 60، سنن ابن ماجة كتاب النكاح الباب 56 مسند الامام ابن حنبل 4/ 5 و 328 و 326 و 323 سنن السجستانيّ 1/ 324 خصائص النسائى 35، مستدرك الحاكم 3/ 154 و 158 و 159، حلية الأولياء 2/ 40 سنن البيهقيّ 7/ 307، مشكاة المصابيح 560، شرح النهج الحديدى 2/ 438، مجمع الزوائد 9 ر 203، و ان شئت راجع الغدير ج 7(ص)232.
304
بَكْرٍ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ وَ جَزِعَ جَزَعاً شَدِيداً فَقَالَ عُمَرُ تَجْزَعُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِ امْرَأَةٍ قَالَ فَبَقِيَتْ فَاطِمَةُ(ع)بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهَا الْأَمْرُ دَعَتْ عَلِيّاً(ع)وَ قَالَتْ يَا ابْنَ عَمِّ مَا أَرَانِي إِلَّا لِمَا بِي وَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ أُمَامَةَ بِنْتَ أُخْتِي زَيْنَبَ تَكُونُ لِوُلْدِي مِثْلِي وَ اتَّخِذْ لِي نَعْشاً فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ يَصِفُونَهُ لِي (1) وَ أَنْ لَا تُشْهِدَ أَحَداً مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ جِنَازَتِي وَ لَا دَفْنِي وَ لَا الصَّلَاةَ عَلَيَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ هُوَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَشْيَاءُ لَمْ أَجِدْ إِلَى تَرْكِهِنَّ سَبِيلًا لِأَنَّ الْقُرْآنَ بِهَا أُنْزِلَ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ(ص)قِتَالُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ الَّذِي أَوْصَانِي وَ عَهِدَ إِلَيَّ خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِقِتَالِهِمْ وَ تَزْوِيجُ أُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ أَوْصَتْنِي بِهَا فَاطِمَةُ(ع)قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُبِضَتْ فَاطِمَةُ(ع)مِنْ يَوْمِهَا فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ بِالْبُكَاءِ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ دَهِشَ النَّاسُ كَيَوْمٍ قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يُعَزِّيَانِ عَلِيّاً(ع)وَ يَقُولَانِ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ لَا تَسْبِقْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ دَعَا عَلِيٌّ الْعَبَّاسَ وَ الْفَضْلَ وَ الْمِقْدَادَ وَ سَلْمَانَ وَ أَبَا ذَرٍّ وَ عَمَّاراً فَقَدَّمَ الْعَبَّاسَ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَ دَفَنُوهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ النَّاسُ يُرِيدُونَ الصَّلَاةَ عَلَى فَاطِمَةَ(ع)فَقَالَ الْمِقْدَادُ قَدْ دَفَنَّا فَاطِمَةَ الْبَارِحَةَ
____________
(1) هذا سهو من الراوي، فان اول من جعل لها نعشا هي زينب بنت جحش الأسدية و هي أول من مات من أزواجه (ص) بعده، توفيت في خلافة عمر، سنة عشرين فجعلت لها أسماء بنت عميس نعشا و كانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك، ذكره الطبرسيّ في إعلام الورى 149، ابن سعد في الطبقات 8 ر 79، و أمّا فاطمة بضعة الرسول الأعظم فقد دفنت ليلا في بيتها و لم تكن لتحتاج الى نعش.
و لاى الأمور تدفن ليلا* * * بضعة المصطفى و يعفى ثراها
.
305
فَالْتَفَتَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّهُمْ سَيَفْعَلُونَ قَالَ الْعَبَّاسُ إِنَّهَا أَوْصَتْ أَنْ لَا تُصَلِّيَا عَلَيْهَا فَقَالَ عُمَرُ لَا تَتْرُكُونَ يَا بَنِي هَاشِمٍ حَسَدَكُمُ الْقَدِيمَ لَنَا أَبَداً إِنَّ هَذِهِ الضَّغَائِنَ الَّتِي فِي صُدُورِكُمْ لَنْ تَذْهَبَ وَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْبُشَهَا فَأُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ لَوْ رُمْتَ ذَاكَ يَا ابْنَ صُهَاكَ لَا رَجَعَتْ إِلَيْكَ يَمِينُكَ لَئِنْ سَلَلْتُ سَيْفِي لَا غَمَدْتُهُ دُونَ إِزْهَاقِ نَفْسِكَ فَرُمْ ذَلِكَ فَانْكَسَرَ عُمَرُ وَ سَكَتَ وَ عَلِمَ أَنَّ عَلِيّاً(ع)إِذَا حَلَفَ صَدَقَ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا عُمَرُ أَ لَسْتَ الَّذِي هَمَّ بِكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَجِئْتُ مُتَقَلِّداً بِسَيْفِي ثُمَّ أَقْبَلْتُ نَحْوَكَ لِأَقْتُلَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (1) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ إِنَّهُمْ تَآمَرُوا وَ تَذَاكَرُوا فَقَالُوا لَا يَسْتَقِيمُ لَنَا أَمْرٌ مَا دَامَ هَذَا الرَّجُلُ حَيّاً فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ لَنَا بِقَتْلِهِ فَقَالَ عُمَرُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ فَقَالا يَا خَالِدُ مَا رَأْيُكَ فِي أَمْرٍ نَحْمِلُكَ عَلَيْهِ قَالَ احْمِلَانِي عَلَى مَا شِئْتُمَا فَوَ اللَّهِ إِنْ حَمَلْتُمَانِي عَلَى قَتْلِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ لَفَعَلْتُ فَقَالا وَ اللَّهِ مَا نُرِيدُ غَيْرَهُ قَالَ فَإِنِّي لَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا قُمْتُمَا فِي الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقُمْ إِلَى جَانِبِهِ وَ مَعَكَ السَّيْفُ فَإِذَا سَلَّمْتُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ نَعَمْ فَافْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَفَكَّرَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ قَتْلِ عَلِيٍّ(ع)وَ عَرَفَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَعَتْ حُرُوبٌ شَدِيدَةٌ وَ بَلَاءٌ طَوِيلٌ فَنَدِمَ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يَنَمْ لَيْلَتَهُ تِلْكَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَ قَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ وَ صَلَّى بِالنَّاسِ مُفَكِّراً لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَ أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مُتَقَلِّداً بِالسَّيْفِ حَتَّى قَامَ إِلَى جَانِبِ عَلِيٍّ(ع)وَ قَدْ فَطَنَ عَلِيٌّ(ع)بِبَعْضِ ذَلِكَ فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ تَشَهُّدِهِ صَاحَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ يَا خَالِدُ لَا تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ
____________
(1) مريم: 84.
306
فَإِنْ فَعَلْتَ قَتَلْتُكَ ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ (1) فَوَثَبَ عَلِيٌّ(ع)فَأَخَذَ بَتَلَابِيبِ خَالِدٍ وَ انْتَزَعَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ صَرَعَهُ وَ جَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَ أَخَذَ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَهُ وَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لِيُخَلِّصُوا خَالِداً فَمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ حَلِّفُوهُ بِحَقِّ الْقَبْرِ لَمَّا كَفَفْتَ فَحَلَّفُوهُ بِالْقَبْرِ فَتَرَكُوهُ فَتَرَكَهُ وَ قَامَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ جَاءَ الزُّبَيْرُ وَ الْعَبَّاسُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ بَنُو هَاشِمٍ وَ اخْتَرَطُوا السُّيُوفَ وَ قَالُوا وَ اللَّهِ لَا يَنْتَهُونَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ وَ يَفْعَلَ وَ اخْتَلَفَ النَّاسُ وَ مَاجُوا وَ اضْطَرَبُوا وَ خَرَجَتْ نِسْوَةُ بَنِي هَاشِمٍ فَصَرَخْنَ وَ قُلْنَ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ مَا أَسْرَعَ مَا أَبْدَيْتُمُ الْعَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ لَطَالَ مَا أَرَدْتُمْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُ ابْنَتَهُ بِالْأَمْسِ ثُمَّ تُرِيدُونَ الْيَوْمَ أَنْ تَقْتُلُوا أَخَاهُ وَ ابْنَ عَمِّهِ وَ وَصِيَّهُ وَ أَبَا وُلْدِهِ كَذَبْتُمْ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ وَ مَا كُنْتُمْ تَصِلُونَ إِلَى قَتْلِهِ حَتَّى تَخَوَّفَ النَّاسُ أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ
____________
(1) قال الفضل بن شاذان في الإيضاح 155: روى سفيان بن عيينة و الحسن بن صالح ابن حى و أبو بكر بن عيّاش و شريك بن عبد اللّه و جماعة من فقهائكم أن أبا بكر أمر خالد بن الوليد: إذا أنا فرغت من صلاة الفجر و سلمت، فاضرب عنق على، فلما صلى بالناس في آخر صلاته ندم على ما كان منه، فجلس في صلاته مفكرا حتّى كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به- ثلاثا- ثم سلم.
و كان على يصلى الى جنب خالد يومئذ فالتفت على الى خالد فإذا هو مشتمل على السيف تحت ثيابه، فقال له: يا خالد أو كنت فاعلا؟ قال: اي و اللّه إذا لوضعته في أكثرك شعرا، فقال على ص: كذبت و لؤمت أنت أضيق حلقة من ذاك، أما و الذي فلق الحبة و برا النسمة، لو لا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا و أضعف جندا.
فقيل لسفيان و ابن حى و وكيع: ما تقولون فيما كان من أبى بكر في ذلك؟ فقالوا جميعا: كانت سيئة لم تتم، و أمّا من يجسر من أهل المدينة فيقولون: و ما بأس بقتل رجل في صلاح الأمة، انه انما أراد قتله لان عليا أراد تفريق الأمة و صدهم عن بيعة أبى بكر.
أقول: و الكلام طويل الذيل سيجيء في محله إنشاء اللّه تعالى.
307
عَظِيمَةٌ (1).
بيان: حلب الدم كناية عن فعل ما يورث الندم و جلب ما يضرّ جالبه و جرّ النار إلى القرصة [كناية عن جلب النفع أي هو يجرّ النفع بشهادته فلا تسمع.
49- فس، تفسير القمي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (صلوات الله عليه) قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فَقَالَ انْطَلِقْ نُبَايِعْ لَكَ النَّاسَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)أَ تَرَاهُمْ فَاعِلِينَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (2).
بَيَانُ التَّنْزِيلِ، لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ عَنِ الْعَيَّاشِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ(ع)مِثْلَهُ.
50- أَقُولُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَسْعُودِيُّ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ، قَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)بِأَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَلَا وَ عُمُرُهُ خَمْسٌ وَ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَ اتَّبَعَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَ قَعَدَ عَنْهُ الْمُنَافِقُونَ وَ نَصَبُوا لِلْمُلْكِ وَ أَمْرِ الدُّنْيَا رَجُلًا اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ دُونَ مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)
فَرَوَى أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَارَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ قَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ لَهُ امْدُدْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَقَالَ وَ مَنْ يَطْلُبُ هَذَا الْأَمْرَ وَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُنَا وَ صَارَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ وَ أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ فَأَبَى وَ اخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ فَسَلَّمَتِ الْأَنْصَارُ لِقُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ دَاسُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَ وَطِئُوا بَطْنَهُ وَ بَايَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا بَكْرٍ وَ صَفَقَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ بَايَعَهُ قَوْمُهُ مِمَّنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنَ
____________
(1) كتاب سليم 249- 257، آخر الكتاب.
(2) تفسير القمّيّ: 494، راجع شرح ذلك(ص)79.
308
الْأَعْرَابِ وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُمْ.
وَ اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ تَحْنِيطِهِ وَ تَكْفِينِهِ وَ تَجْهِيزِهِ وَ دَفْنِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَعَ مَنْ حَضَرَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ قَوْمٍ مِنْ صَحَابَتِهِ مِثْلِ سَلْمَانَ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادِ وَ عَمَّارٍ وَ حُذَيْفَةَ وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَ جَمَاعَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَامَ خَطِيباً فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ فِي قُرَيْشٍ فَأَنَا أَحَقُّ قُرَيْشٍ بِهَا وَ إِنْ لَا تَكُنْ فِي قُرَيْشٍ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ (1) ثُمَّ اعْتَزَلَهُمْ وَ دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَقَامَ فِيهِمْ وَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ قَالَ إِنَّ لِي فِي خَمْسَةٍ مِنَ النَّبِيِّينَ أُسْوَةً نُوحٍ إِذْ قَالَ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ وَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لُوطٍ إِذْ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَ مُوسَى إِذْ قَالَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ وَ هَارُونَ إِذْ قَالَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي ثُمَّ أَلَّفَ(ع)الْقُرْآنَ وَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَ قَدْ حَمَلَهُ فِي إِزَارٍ مَعَهُ وَ هُوَ يَئِطُّ مِنْ تَحْتِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ قَدْ أَلَّفْتُهُ كَمَا أَمَرَنِي وَ أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ(ص)كَمَا أُنْزِلَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ اتْرُكْهُ وَ امْضِ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَكُمْ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ فَاقْبَلُونِي مَعَهُ أَحْكُمْ بَيْنَكُمْ بِمَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ وَ لَا فِيكَ فَانْصَرِفْ بِهِ مَعَكَ لَا تُفَارِقْهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ. (2)
فَأَقَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ شِيعَتِهِ فِي مَنَازِلِهِمْ بِمَا عَهِدَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَوَجَّهُوا إِلَى مَنْزِلِهِ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ وَ أَحْرَقُوا بَابَهُ وَ اسْتَخْرَجُوهُ مِنْهُ كَرْهاً وَ ضَغَطُوا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ بِالْبَابِ حَتَّى أَسْقَطَتْ مُحَسِّناً وَ أَخَذُوهُ
____________
(1) و من ذلك قوله (عليه السلام) في النهج تحت الرقم 28 من قسم الرسائل: ... و لما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول اللّه(ص)فلجوا عليهم، فان يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، و ان يكن بغيره فالانصار على دعواهم.
(2) راجع شرح ذلك(ص)205 و 264.
309
بِالْبَيْعَةِ فَامْتَنَعَ وَ قَالَ لَا أَفْعَلُ فَقَالُوا نَقْتُلُكَ فَقَالَ إِنْ تَقْتُلُونِي فَإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ وَ بَسَطُوا يَدَهُ فَقَبَضَهَا وَ عَسُرَ عَلَيْهِمْ فَتْحُهَا فَمَسَحُوا عَلَيْهِ وَ هِيَ مَضْمُومَةٌ. (1)
ثُمَّ لَقِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذَا الْفِعْلِ بِأَيَّامٍ أَحَدَ الْقَوْمِ فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَ ذَكَّرَهُ بِأَيَّامِ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُ هَلْ لَكَ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَأْمُرَكَ وَ يَنْهَاكَ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ فَخَرَجَا إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَأَرَاهُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَاعِداً فِيهِ فَقَالَ لَهُ يَا فُلَانُ عَلَى هَذَا عَاهَدْتُمُونِي فِي تَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَى عَلِيٍّ وَ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرَجَعَ وَ قَدْ هَمَّ بِتَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ مَعْرُوفٌ مِنْ سِحْرِ بَنِي هَاشِمٍ أَ وَ مَا تَذْكُرُ يَوْمَ كُنَّا مَعَ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ فَأَمَرَ شَجَرَتَيْنِ فَالْتَقَتَا فَقَضَى حَاجَتَهُ خَلْفَهُمَا ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَتَفَرَّقَتَا وَ عَادَتَا إِلَى حَالِهِمَا فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنْ ذَكَّرْتَنِي هَذَا فَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ فِي الْكَهْفِ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي ثُمَّ أَهْوَى بِرِجْلِهِ فَأَرَانِي الْبَحْرَ ثُمَّ أَرَانِي جَعْفَراً وَ أَصْحَابَهُ فِي سَفِينَةٍ تَعُومُ فِي الْبَحْرِ. (2)
فَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ وَ هَمُّوا بِقَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ تَوَاصَوْا وَ تَوَاعَدُوا بِذَلِكَ وَ أَنْ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِجَارِيَةٍ لَهَا فَأَخَذَتْ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ وَ نَادَتْ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ(ع)مُشْتَمِلًا بِسَيْفِهِ وَ كَانَ الْوَعْدُ فِي قَتْلِهِ أَنْ يُسَلِّمَ إِمَامُهُمْ فَيَقُومَ خَالِدٌ إِلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَأَحَسُّوا بَأْسَهُ فَقَالَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ لَا تَفْعَلَنَّ خَالِدُ مَا أَمَرْتُ بِهِ. (3)
ثُمَّ كَانَ مِنْ أَقَاصِيصِهِمْ مَا رَوَاهُ النَّاسُ.
وَ فِي سَنَتَيْنِ وَ شَهْرَيْنِ وَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ إِمَامَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ هُوَ عَتِيقُ بْنُ عُثْمَانَ وَ أَوْصَى بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِعَهْدٍ كَانَ بَيْنَهُمَا وَ اعْتَزَلَهُ
____________
(1) راجع شرح ذلك(ص)204 و 268.
(2) راجع الاختصاص 274.
(3) راجع(ص)306 ممّا سبق.
310
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)كَاعْتِزَالِهِ لِصَاحِبِهِ قَبْلَهُ إِلَّا بِمَا لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدّاً وَ لَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ بُدّاً وَ هُمْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَسْأَلُونَهُ وَ يَسْتَفْتُونَهُ فِي حَلَالِهِمْ وَ حَرَامِهِمْ وَ فِي تَأْوِيلِ الْكِتَابِ وَ فَصْلِ الْخِطَابِ. (1).
بيان: قال الجوهري الأَطِيطُ صوت الرحل و الإبل من ثقل أحمالها.
51- وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)(2) فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ.
ما هذا لفظه:
اختلفت الروايات في قصة السقيفة فالذي تقوله الشيعة و قد قال قوم من المحدثين بعضه و
- رووا كثيرا منه أن عليا امتنع من البيعة حتى أخرج كرها و أن الزبير بن العوام امتنع من البيعة و قال لا أبايع إلا عليا و كذلك أبو سفيان بن حرب و خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس و العباس بن عبد المطلب و بنوه و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و جميع بني هاشم و قالوا إن الزبير شهر سيفه فلما جاء عمر و معه جماعة من الأنصار و غيرهم قال في جملة ما قال خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر و يقال إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجرا فكسره و ساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته و لم يتخلف إلا عَلِيٌّ وحده فإنه اعتصم ببيت فاطمة(ع)فتحاموا إخراجه منه قسرا فقامت فاطمة(ع)إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه فتفرقوا و علموا
____________
(1) اثبات الوصية 116- 119 ط نجف الثالثة.
(2) نهج البلاغة الرقم 26 من قسم الخطب، شرح النهج الحديدى ج 1 ر 122.
311
أنه بمفرده لا يضر شيئا فتركوه و قيل إنهم أخرجوه فيمن أخرج و حمل إلى أبي بكر فبايعه.
و قد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (1) كثيرا من هذا فأما حديث التحريق (2) و ما جرى مجراه من الأمور الفظيعة و قول من قال إنهم أخذوا عليا(ع)يقاد بعمامته و الناس حوله فأمر بعيد و الشيعة تنفرد به على أن جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه و سنذكر ذلك.
و
قال أبو جعفر إن الأنصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضها لا نبايع إلا عليا. (3).
____________
(1) راجع تاريخ الطبريّ 3 ر 200-.
(2) كيف ينكر حديث الاحراق و قد نص عليه الطبريّ الذي يعتمد عليه، قال الطبريّ ج 3 ر 202: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا جرير، عن المغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطّاب منزل على و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين، فقال: و اللّه لاحرقن عليكم او لتخرجن الى البيعة، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.
و شارح النهج هو نفسه قد أخرج 1 ر 134- 2 ر 19 بإسناده عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني أبو زيد عمر بن شبه قال حدّثنا أحمد بن معاوية قال حدّثني النضر بن شميل قال حدّثنا محمّد بن عمرو عن سلمة بن عبد الرحمن قال: لما جلس أبو بكر على المنبر كان على(ع)و الزبير و ناس من بنى هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر اليهم فقال: و الذي نفسى بيده لتخرجن الى البيعة او لاحرقن البيت عليكم الحديث.
و أمّا أبو بكر الجوهريّ فعند شارحنا بمكان من الوثاقة حيث يقول في غير مورد منها 4 ر 78 «و أبو بكر الجوهريّ هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع أثنى عليه المحدّثون و رووا عنه مصنفاته».
قلت: و قد روى حديث الاحراق جمع كثير مر تخريجه عن مصادره(ص)204 و 268 أضف الى ذلك تاريخ ابن شحنة في هامش الكامل 7 ر 164، منتخب كنز العمّال 2 ر 174 و أمّا سائر ما تقوله الشيعة فراجع(ص)317 و ما بعده.
(3) راجع تاريخ الطبريّ 3 ر 202.
312
و ذكر نحو هذا علي بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الموصلي في تاريخه (1) فأما قوله لم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فنقول ما زال علي(ع)يقوله و لقد قاله عقيب وفاة رسول الله(ص)قال لو وجدت أربعين ذوي عزم ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفين و ذكره كثير من أرباب السيرة و
أما الذي يقوله جمهور المحدثين و أعيانهم فإنه(ع)امتنع من البيعة ستة أشهر و لزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة(ع)فلما ماتت بايع طوعا. (2).
- وَ فِي صَحِيحَيْ مُسْلِمٍ وَ الْبُخَارِيِ (3) كَانَتْ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَ فَاطِمَةُ لَمْ تَمُتْ بَعْدُ فَلَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ(ع)انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ وَ خَرَجُوا مِنْ بَيْتِهِ فَبَايَعَ أَبَا بَكْرٍ وَ كَانَتْ مُدَّةُ بَقَائِهَا بَعْدَ أَبِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. (4).
____________
(1) تاريخ الكامل 2/ 220.
(2) تاريخ الطبريّ 3 ر 208، تاريخ اليعقوبي 2 ر 116.
(3) صحيح مسلم كتاب الجهاد 52 (ج 5(ص)154) صحيح البخاريّ كتاب المغازى 38 و قال القرطبيّ في شرحه: وجه: أى جاه و احترام كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها لأنّها بضعة من رسول اللّه(ص)و هو مباشر لها، فلما ماتت و هو لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس، و لا يفرق جماعتهم.
(4) صدر الحديث في مطالبة فاطمة حقها من خمس خيبر و صدقات بنى النضير و فدك و بعد ذلك على لفظ مسلم: فأبى أبو بكر أن يدفع الى فاطمة شيئا فوجدت (و لفظ البخارى فغضبت) فاطمة على أبى بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتّى توفيت و عاشت بعد رسول اللّه ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها عليّ بن أبي طالب ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر و صلى عليها على و كان لعلى من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر و مبايعته و لم يكن بايع تلك الأشهر. راجع شرح النهج 1 ر 124.
313
- قَالَ أَيْضاً رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ كَانَ الزُّبَيْرُ وَ الْمِقْدَادُ يَخْتَلِفَانِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى عَلِيٍّ(ع)وَ هُوَ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ فَيَتَشَاوَرُونَ وَ يَتَرَاجَعُونَ أُمُورَهُمْ فَخَرَجَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ(ع)وَ قَالَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ وَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْكِ بَعْدَ أَبِيكِ وَ ايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكِ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ أَنْ آمُرَ بِتَحْرِيقِ الْبَيْتِ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ جَاءَنِي وَ حَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنْ عُدْتُمْ لَيُحْرِقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيُمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ لَهُ فَانْصَرِفُوا عَنَّا رَاشِدِينَ فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى بَيْتِهَا وَ ذَهَبُوا فَبَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ. (1).
ثم قال و من كلام معاوية المشهور إلى علي(ع)و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك حسن و حسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر و السوابق إلا دعوتهم إلى نفسك و مشيت إليهم بامرأتك و أدليت إليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب رسول الله(ص)فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة و لعمري لو كنت محقا لأجابوك و لكنك ادعيت باطلا و قلت ما لا يعرف و رمت ما لا يدرك و مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك و هيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد. (2)
و
- رَوَى أَيْضاً مِنْ كِتَابِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ سَلْمَانَ وَ الزُّبَيْرَ وَ الْأَنْصَارَ كَانَ هَوَاهُمْ أَنْ يُبَايِعُوا عَلِيّاً(ع)بَعْدَ النَّبِيِّ(ص)فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ سَلْمَانُ أَصَبْتُمُ الْخِيَرَةَ وَ أَخْطَأْتُمُ الْمَعْدِنَ. (3).
____________
(1) شرح النهج 1 ر 130، و أخرجه في منتخب كنز العمّال 2 ر 174 عن مسند ابن أبى شيبة، و لما كان أصل الاحراق مقطوعا به، صوره الراوي بهذه الصورة حتّى لا يزرى بشأن الخلفاء.
(2) شرح النهج 1 ر 131 و مثله في ج 3 ر 5 و قد مر نصه(ص)267.
(3) راجع معنى الخيرة(ص)194 ممّا سبق.
314
- و عن حبيب بن أبي ثابت قال قال سلمان يومئذ أصبتم ذا السن منكم و أخطأتم أهل بيت نبيكم لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان و لأكلتموها رغدا.
و روي أيضا عن غسان بن عبد الحميد قال لما أكثر في تخلف علي(ع)عن بيعة أبي بكر و اشتد أبو بكر و عمر عليه في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة (1) فوقفت عند القبر و قالت
كَانَتْ أُمُورٌ وَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ.* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخُطَبُ.
إلى آخر الأبيات المعروفة. (2).
- و روي أيضا منه عن أبي الأسود قال غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة و غضب علي(ع)و الزبير فدخلا بيت فاطمة(ع)معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة(ع)و ناشدتهم الله فأخذوا سيفي علي و الزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ثم قام أبو بكر فخطب الناس و اعتذر إليهم و قال إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها و خشيت الفتنة و ايم الله ما حرصت عليها يوما قط و لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة و لا يدان و لوددت أن أقوى الناس عليه مكاني و جعل يعتذر إليهم فقبل المهاجرون عذره
____________
(1) أم مسطح هي بنت أبى رهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى تزوجها أثاثة بن عباد بن المطلب فولدت له مسطحا من أهل بدر و هندا و أسلمت أم مسطح فحسن اسلامها و قد نسب هذه الاشعار مع ثلاثة أبيات غيرها الى هند بنت أثاثة راجع طبقات ابن سعد 8 ر 166 2 ق 2 ر 67. و نسبه الباقر (عليه السلام) الى صفية بنت عبد المطلب على ما أخرجه الهيتمى في مجمع الزوائد 9 ر 39 قال رواه الطبراني و اسناده حسن.
(2) و بعده على ما في المصدر 1 ر 132 و ج 2 ر 17:
انا فقدناك فقد الأرض و ابلها* * * و اختل قومك فاشهدهم و لا تغب
.
315
إلى آخر ما رواه. (1).
و قد روي بإسناد آخر ذكره أن ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة(ع)
قال و روى سعد بن إبراهيم أن عبد الرحمن بن عوف (2) كان مع عمر ذلك اليوم و أن محمد بن مسلمة كان معهم و أنه هو الذي كسر سيف الزبير.
- وَ رَوَى أَيْضاً مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَمَّا جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ كَانَ عَلِيٌّ(ع)وَ الزُّبَيْرُ وَ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ(ع)فَجَاءَ عُمَرُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ أَوْ لَأُحْرِقَنَّ الْبَيْتَ عَلَيْكُمْ فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ مُصْلِتاً سَيْفَهُ فَاعْتَنَقَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فَدَقَّ بِهِ فَنَدَرَ السَّيْفُ فَصَاحَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ اضْرِبْ بِهِ الْحَجَرَ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْحَجَرَ فِيهِ تِلْكَ الضَّرْبَةُ وَ يُقَالُ هَذِهِ ضَرْبَةُ سَيْفِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ دَعُوهُمْ فَسَيَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَبَايَعُوهُ.
- قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَ قَدْ رُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ مَعَهُمْ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ(ع)وَ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَيْضاً وَ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُبَايِعُوا عَلِيّاً(ع)فَأَتَاهُمْ عُمَرُ لِيُحْرِقَ عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بِالسَّيْفِ وَ خَرَجَتْ فَاطِمَةُ(ع)تَبْكِي وَ تَصِيحُ فَنَهْنَهَتْ مِنَ النَّاسِ وَ قَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا مَعْصِيَةٌ وَ لَا خِلَافٌ فِي خَيْرٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَ إِنَّمَا اجْتَمَعْنَا لِنُؤَلِّفَ الْقُرْآنَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَبَايَعُوا
____________
(1) شرح النهج 1 ر 132 و رواه أيضا في 2 ر 19، و قول أبى بكر «ان بيعتى كانت فلتة وقى اللّه شرها» ذكرها البلاذري في أنسابه 1 ر 590 و لفظه «... الا و انى قد وليتكم و لست بخيركم ألا و قد كانت بيعتى فلتة و ذلك أنى خشيت فتنة ...»، فعلى هذا أول من اعترف بان بيعة أبى بكر كانت فلتة، هو نفسه و سيجيء تمام الكلام في ذلك.
(2) سقط عن المصدر 1 ر 132 ذكر عبد الرحمن بن عوف، لكنه مثبت في ج 2 ر 19 و هكذا كثير ممّا رواه في 1 ر 132 ذكره في 2 ر 19.
316
أَبَا بَكْرٍ فَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ وَ اطْمَأَنَّ النَّاسُ (1).
- وَ رَوَى الْجَوْهَرِيُّ أَيْضاً عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ نَحْنُ رَاجِعُونَ مِنَ الْحَجِّ فِي جَمَاعَةٍ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ مَسَائِلَ وَ كُنْتُ أَحَدَ مَنْ سَأَلَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَقَالَ أُجِيبُكَ بِمَا أَجَابَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا فَقَالَ كَانَتْ أُمُّنَا فَاطِمَةَ(ع)صِدِّيقَةً ابْنَةَ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَ مَاتَتْ وَ هِيَ غَضْبَى عَلَى قَوْمٍ فَنَحْنُ غِضَابٌ لِغَضَبِهَا. (2).
- وَ رَوَى أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ(ع)عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَمْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِلَّا أَنَّا خِفْنَاهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ فَقُلْتُ مَا هُمَا قَالَ خَشِينَاهُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَ حُبِّهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (3).
____________
(1) شرح النهج 1 ر 134، و رواه في 2 ر 19.
(2) تراه في شرح النهج 2 ر 20 و زاد بعده: قلت: قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز أنشدنيه النقيب جلال الدين عبد الحميد بن محمّد بن عبد الحميد العلوى قال: أنشدنى هذا الشعر و ذهب عنى اسمه قال:
يا أبا حفص الهوينا و ما كنت مليا بذاك لو لا الحمام
أ تموت البتول غضبى و نرضى* * * ما كذا يصنع البنون الكرام
يخاطب عمر و يقول له: مهلا يا عمر! ارفق و اتئد و لا تعنف بنا «و ما كنت مليا» أي و ما كنت أهلا لان تخاطب بهذا و تستعطف و لا كنت قادرا على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجتها عليه، لو لا أن أباها الذي كان بيتها يحترم و يصان لاجله مات، فطمع فيها من لم يكن يطمع، ثمّ قال: أ تموت أمنا و هي غضبى و نرضى نحن؟ اذا لسنا بكرام فان الولد الكريم يرضى لرضى أبيه و أمه و يغضب لغضبهما.
قال ابن أبي الحديد: و الصحيح عندي أنّها ماتت و هي واجدة على أبى بكر و عمر و أنها أوصت أن لا يصليا عليها ....... الخ.
(3) شرح النهج 1 ر 134 و تراه في 2 ر 20.
317
ثم قال ابن أبي الحديد فأما امتناع علي(ع)من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه فقد ذكره المحدثون و رواة السير و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب من رجال الحديث و من الثقات المأمونين و قد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.
فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة(ع)(1) و أنه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج و بقي أثره إلى أن ماتت و أن عمر أضغطها بين الباب و الجدار فصاحت وا أبتاه يا رسول الله(ص)و ألقت جنينا ميتا (2) و جعل في عنق علي(ع)حبلا يقاد به و هو يعتل و
____________
(1) حديث ارسال قنفذ، رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 19 و قد مر نصها(ص)220 لكنه لم يذكر ضربها بالسوط، و معلوم أن ابن قتيبة أسقط شطرا من الحديث، كما أن سائر المحدثين على عمد لم يذكروا قنفذا في حديث السقيفة و لا البيعة أبدا.
(2) مر في(ص)204 نقلا عن الملل و النحل للشهرستانى: 83 ط مصر أنّه نقل عن النظام قوله: «ان عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت الجنين (المحسن) من بطنها و كان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها و ما كان في الدار غير على و فاطمة و الحسن و الحسين» و هكذا مر في(ص)271 ما يسلم لنا أن جنينا في بطنها قد سقط في حوادث البيعة و الهجوم على دارها، كما سيجيء عن شارح النهج نفسه تحت الرقم 53 نقلا عن شيخه أبى جعفر النقيب.
فلو لا ذلك، لم يكن أبو بكر نفسه يقول في مرضه الذي مات فيه «وددت أنى لم أكن أكشف عن بيت فاطمة، و تركته و لو أغلق على حرب» و كلامه هذا رواه أصحاب السير و رواه شارح النهج نفسه عن كامل المبرد في ج 1 ر 130 راجع تاريخ الطبريّ 3 ر 430، كنز العمّال 3 ر 132 منتخبه 2 ر 171 بهامش المسند، العقد الفريد 2 ر 254، الأموال لابى عبيد 131 الإمامة و السياسة 1 ر 24، مروج الذهب 2 ر 301 و لفظه «فوددت أنى لم أكن فتشت بيت فاطمة، و ذكر في ذلك كلاما كثيرا». فترى ما هو الكلام الكثير الذي أشار إليه المسعوديّ الناقد البصير؟ و كيف يقول اليعقوبي على ما مر نصه(ص)252 «و دخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: «و اللّه لتخرجن أو لاكشفن شعرى و لا عجن إلى اللّه» أ فتكون السيّدة المطهرة تريد أن تكشف شعرها من دون مصيبة نزلت بها؟.
318
فاطمة خلفه تصرخ و تنادي بالويل و الثبور و ابناه حسن و حسين(ع)معهما يبكيان (1) و أن عليا(ع)لما أحضر سألوه البيعة فامتنع فهدد بالقتل فقال
____________
(1) هذا الذي ينكره الشارح الحميدى ذكره ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 ر 20، و سيأتي نصه تحت الرقم 56 و ذكره البلاذري في أنساب الأشراف 1 ر 587 بإسناده عن ابن عباس قال: بعث أبو بكر عمر بن الخطّاب الى على حين قعد عن بيعته و قال: ائتنى به بأعنف العنف فلما أتى به جرى بينهما كلام فقال: احلب حلبا لك شطره، و اللّه ما حرصك على امارته اليوم الا ليؤثرك غدا، و قد ذكر نحوا من ذلك نفسه نقلا عن الجوهريّ الثقة المأمون في شرح النهج 2 ر 19 و يأتي نصه بعد أسطر في المتن تحت الرقم 51 و فيه «أن عمر دفع عليا كما دفع الزبير و ساقه سوقا عنيفا و اجتمع الناس ينظرون» و «أنه أخذ بتلابيبهم يساقون سوقا عنيفا» و ذكر في 3 ر 456- 457 شرحا لكلامه (عليه السلام) في كتاب كتبه جوابا لمعاوية:
«و قلت انى كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى أبايع، و لعمر اللّه لقد أردت أن تذم فمدحت و أن تفضح فافتضحت، و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه و لا مرتابا بيقينه، و هذه حجتى، الى غيرك قصدها و لكنى اطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها».
فنقل عن شيخه النقيب أبى جعفر يحيى بن أبي زيد، أن كتابه (عليه السلام) هذا جواب عن كتاب أرسله معاوية مع أبى أمامة الباهلى، و لفظه «و من هؤلاء- يعنى الخلفاء الثلاث الا من بغيت عليه و تلكأت في بيعته حتّى حملت إليه قهرا تساق بحزائم الاقتسار كما يساق الفحل (الجمل) المخشوش ...» و هذا الذي ذكره النقيب رواه في العقد الفريد 2/ 285، صبح الاعشى 1/ 228 أ فليس كلام معاوية هذا يصرح بأنهم جعلوا في عنقه حبلا يقاد به؟
و الا فما معنى الاقتسار بالحزائم؟
و أمّا التهديد بالقتل و انكارهم مؤاخاته مع الرسول الاكرم، فقد مر نصوص في ذلك و سيجيء نصوص أخر عن قريب و ناهيك ما رواه الشارح نفسه في 2/ 18 عن أبى بكر الجوهريّ الثقة المأمون عنده بإسناده عن ليث بن سعد قال: تخلف على عن بيعة أبى بكر، فأخرج ملببا يمضى به ركضا و هو يقول: معاشر المسلمين! علام تضرب عنق رجل من المسلمين لم يتخلف لخلاف و انما تخلف لحاجة، فما مر بمجلس من المجالس الا يقال له: انطلق فبايع».
أ فترى أنهم أرادوا قتله لاجل تخلفه في البيت- كما يذكره الراوي تقية- ليجمع القرآن الكريم بوصية من رسول اللّه؟ ان شئت فقل هذا، فان القوم لا حريجة لهم في الدين و لقد تحقّق فيهم ما قال النبيّ الأعظم: «ان أهل بيتى سيلقون بعدى بلاء و تشريدا و تطريدا و قتلا» (سنن ابن ماجة كتاب الفتن الباب 34 تحت الرقم 4082 مجمع الزوائد 9/ 194 مستدرك الحاكم 4/ 464 و 481) و حققوا قوله(ص)«انكم ستحرصون على الامارة، و انها ستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة و بئست الفاطمة» رواه البخارى في كتاب الاحكام الباب 7 (ج 9/ 79) النسائى في كتاب البيعة الرقم 39 كتاب القضاة 56، و ابن حنبل في مسنده 2/ 448 مع تحريف، و أخرجه المتقى في منتخب كنز العمّال 2/ 135 عن البخارى و النسائى، و ذكره في مبارق الازهار شرح المشارق للصغانى و نقل عن الطيبى أنّه انما لم تلحق التاء بنعم و الحقت ببئس إشارة الى أن ما يناله الامير في الآخرة من البأساء داهية بالنسبة الى ما ناله في الدنيا من النعماء.
319
إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله فقالوا أما عبد الله فنعم و أما أخو رسول الله فلا و أنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق و سطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها و بأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله ليلة العقبة (1) فكله لا أصل له عند أصحابنا
____________
(1) قد مر(ص)85- 87 و 105 و 115 و 117- 122 ما يتعلق بالصحيفة التي كتبوها بينهم و أوضحنا أن الصحيفة التي ذكرت في مسانيدهم (مسند ابن حنبل 1/ 109 طبقات ابن سعد 3 ق 1 ر 319 شرح النهج 3 ر 147) ان عليّا (عليه السلام) تمنى أن يلقى اللّه بها هي هذه الصحيفة الملعونة لا الصحيفة أعمال عمر، و أمّا قصة العقبة و أن اثنى عشر رجلا من صحابة الرسول(ص)أرادوا أن ينفروا ناقته ليلة العقبة في تبوك، فقد جاء ذكرها و التصريح بها في صحاحهم و مسانيدهم راجع(ص)97 ممّا سبق و قد عرفت(ص)100 من هذا الجزء أن أبا موسى الأشعريّ كان أحدهم و المرء يعرف بخليله.
أضف الى ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة على ما في منتخب كنز العمّال 5 ر 91 بإسناده عن أبي الطفيل قال: كان بين حذيفة و بين رجل من أهل العقبة بعض ما يكون بين الناس، قال: أنشد اللّه كم كان أصحاب العقبة، فقال أبو موسى الأشعريّ: قد كنا نخبر أنهم أربعة عشر فقال حذيفة: فان كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، أشهد باللّه أن اثنى عشر منهم حرب للّه و لرسوله في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد.
و ما أخرجه ابن عدى في الكامل و ابن عساكر في التاريخ على ما في منتخب كنز العمّال 5 ر 234 بالاسناد عن ابى نجاء حكيم قال: كنت جالسا مع عمّار فجاء أبو موسى فقال: ما لي و لك؟ أ لست أخاك؟ قال: ما أدرى و لكن سمعت رسول اللّه يلعنك ليلة الجبل، قال: انه استغفر لي، قال عمار، قد شهدت اللعن و لم أشهد الاستغفار.
و الاستغفار الذي ذكره أبو موسى الأشعريّ هو ما رووه عن رسول اللّه أنّه قال: «اللّهمّ انما أنا بشر، فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه دعوة فاجعلها له زكاة و رحمة» و هذا مختلق قطعا، فان رسول اللّه(ص)لم يكن ليدعو على أحد من دون استحقاق لمكان عصمته(ص)و علمه ببواطن الامر.
نعم قد أشاعوا هذه الرواية عن رسول اللّه ليلجموا أفواه رجال الحق عن أنفسهم، و لذلك ترى عبد اللّه بن عثمان بن خيثم يقول: «دخلت على أبى الطفيل فوجدته طيب النفس، فقلت: لاغتنمن ذلك منه، فقلت يا أبا الطفيل! النفر الذين لعنهم رسول اللّه من بينهم من هم (من هم ممهم من هم) فهم أن يخبرنى بهم، فقالت له امرأته سودة: مه يا أبا الطفيل! أ ما بلغك أن رسول اللّه(ص)قال: اللّهمّ انما أنا بشر فأيما عبد من المؤمنين دعوت عليه دعوة، فاجعلها له زكاة و رحمة»؟ رواه أحمد في مسنده 5 ر 454، و الهيتمى في زوائده 1 ر 111.
بل و روى الشارح نفسه في أبى موسى الأشعريّ 3 ر 292 بعد ما نقل عن الاستيعاب أنه كان واليا لعثمان على الكوفة «فلما قتل عثمان عزله عليّ (عليه السلام) عنها فلم يزل واجدا لذلك على عليّ (عليه السلام) حتّى جاء منه ما قال حذيفة فيه، فقد روى حذيفة فيه كلاما كرهت ذكره و اللّه يغفر له» قال الشارح: قلت: الكلام الذي أشار إليه أبو عمر بن عبد البر، و لم يذكره، قوله فيه و قد ذكر عنده بالدين: «أما أنتم فتقولون ذلك، و أمّا أنا فأشهد أنه عدو للّه و لرسوله و حرب لهما في الحياة الدنيا و يوم يقوم الاشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم و لهم اللعنة و لهم سوء الدار، و كان حذيفة عارفا بالمنافقين أسر إليه رسول اللّه أمرهم و أعلمه أسماءهم.
قال: و روى أن عمارا سئل عن أبي موسى فقال: لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما سمعته يقول: صاحب البرنس الأسود، ثمّ كلح كلوحا علمت منه أنّه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط.
321
و لا يثبته أحد منهم و إنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله. (1)
أقول عدم ثبوت تلك الأخبار عند متعصبي أصحابه لا يدل على بطلانها مع نقل محدثيهم الذين يعتمدون على نقلهم موافقا لروايات الإمامية كما اعترف به مع أن فيما ذكره من الأخبار التي صححها لنا كفاية و ما رواه مخالفا لروايتنا فمما تفردوا بنقله و لا يتم الاحتجاج إلا بالمتفق عليه بين الفريقين.
52- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ أَيْضاً فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ لِلْجَوْهَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ رِجَالِهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ أَوْ لَأُحْرِقَنَّ الْبَيْتَ عَلَيْكُمْ فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ مُصْلِتاً بِالسَّيْفِ فَاعْتَنَقَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَ رَجُلٌ آخَرُ فَنَدَرَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَضَرَبَ بِهِ عُمَرُ الْحَجَرَ
____________
(1) شرح النهج 1 ر 135.
322
فَكَسَرَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ بِتَلَابِيبِهِمْ يُسَاقَوْنَ سَوْقاً عَنِيفاً حَتَّى بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ (1).
قَالَ أَبُو زَيْدٍ رَوَى النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَ: حُمِلَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ لَمَّا نَدَرَ مِنْ يَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَالَ اضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ وَ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ وَ لَقَدْ رَأَيْتُ الْحَجَرَ وَ فِيهِ تِلْكَ الضَّرْبَةُ وَ النَّاسُ يَقُولُونَ هَذَا أَثَرُ ضَرْبَةِ سَيْفِ الزُّبَيْرِ (2)-.
وَ رَوَى أَيْضاً عَنِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَاهِلِيِّ- عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا عُمَرُ أَيْنَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ هُوَ هَذَا فَقَالَ انْطَلِقَا إِلَيْهِمَا يَعْنِي عَلِيّاً(ع)وَ الزُّبَيْرَ فَأْتِيَانِي بِهِمَا فَدَخَلَ عُمَرُ وَ وَقَفَ خَالِدٌ عَلَى الْبَابِ مِنْ خَارِجٍ فَقَالَ عُمَرُ لِلزُّبَيْرِ مَا هَذَا السَّيْفُ قَالَ أَعْدَدْتُهُ لِأُبَايِعَ عَلِيّاً قَالَ وَ كَانَ فِي الْبَيْتِ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ جُمْهُورُ الْهَاشِمِيِّينَ فَاخْتَرَطَ عُمَرُ السَّيْفَ فَضَرَبَ بِهِ صَخْرَةً فِي الْبَيْتِ فَكَسَرَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ الزُّبَيْرِ فَأَقَامَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ فَأَخْرَجَهُ وَ قَالَ يَا خَالِدُ دُونَكَ هَذَا فَأَمْسَكَهُ خَالِدٌ وَ كَانَ فِي الْخَارِجِ مَعَ خَالِدٍ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَرْسَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رِدْءاً لَهُمَا ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ لِعَلِيٍّ(ع)قُمْ فَبَايِعْ فَتَلَكَّأَ وَ احْتَبَسَ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ قُمْ فَأَبَى أَنْ يَقُومَ فَحَمَلَهُ وَ دَفَعَهُ كَمَا دَفَعَ الزُّبَيْرَ ثُمَّ أَمْسَكَهُمَا خَالِدٌ وَ سَاقَهُمَا عُمَرُ وَ مَنْ مَعَهُ سَوْقاً عَنِيفاً وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ وَ امْتَلَأَتْ شَوَارِعُ الْمَدِينَةِ بِالرِّجَالِ وَ رَأَتْ فَاطِمَةُ(ع)مَا صَنَعَ عُمَرُ فَصَرَخَتْ وَ وَلْوَلَتْ وَ اجْتَمَعَتْ مَعَهَا نِسْوَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْهَاشِمِيَّاتِ وَ غَيْرِهِنَّ فَخَرَجَتْ إِلَى بَابِ حُجْرَتِهَا وَ نَادَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَسْرَعَ مَا أَغَرْتُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُ عُمَرَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ قَالَ فَلَمَّا بَايَعَ عَلِيٌّ(ع)وَ الزُّبَيْرُ وَ هَدَأَتْ تِلْكَ الْفَوْرَةُ مَشَى إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَشَفَعَ لِعُمَرَ وَ طَلَبَ إِلَيْهَا فَرَضِيَتْ عَنْهُ- (3).
قال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الأخبار و الصحيح عندي أنها ماتت و هي واجدة على أبي بكر و عمر و أنها أوصت أن لا يصليا عليها و ذلك عند أصحابنا من الصغائر المغفورة لهما و كان الأولى بهما إكرامها و احترام منزلتها لكنهما خافا
____________
(1) شرح النهج 2 ر 19.
(2) شرح النهج 2 ر 19.
(3) شرح النهج 2 ر 19.
323
الفرقة و أشفقا الفتنة ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما و كانا من الدين و قوة اليقين بمكان مكين و مثل هذا لو ثبت كونه خطأ لم تكن كبيرة بل كان من باب الصغائر التي لا يقتضي التبري و لا يوجب التولي (1) 53:
و قال في موضع آخر من الكتاب المذكور بعد ذكر قصة هبار بن الأسود و أن رسول الله(ص)أباح دمه يوم فتح مكة لأنه روع زينب بنت رسول الله(ص)بالرمح و هي في الهودج و كانت حاملا فرأت دما و طرحت ذا بطنها.
قال قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر فقال إذا كان رسول الله(ص)أباح دم هبار لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها فظاهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة(ع)حتى ألقت ذا بطنها فقلت أروي عنك ما
يقوله قوم إن فاطمة(ع)رُوِّعَتْ فألقت المحسن.
فقال لا تروه عني و لا ترو عني بطلانه فإني متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه (2).
____________
(1) شرح النهج 2 ر 20 و العجب منه ثمّ العجب كيف يقول أن ايذاءها بالهجوم على دارها صغيرة، أ لم يرو هو نفسه (ج 2 ر 438(ص)2) و هكذا صحاحهم بالتواتر على ما مر(ص)303 أن رسول اللّه(ص)قال: «فاطمة بضعة منى فمن أغضبها فقد اغضبنى، و في لفظ «يؤذينى ما آذاها و يغضبنى ما أغضبها» أ ليس يكون أذى رسول اللّه و اغضابه كبيرة؟ أ و ليس اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه «وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... ..- وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» أو ليس اللّه عزّ و جلّ يقول «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً* وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً» أ فيرى أن ايذاء رسول اللّه بالهجوم على دار ابنته الصديقة اهون من القول بأنه أذن، أو كان فاطمة البتول المطهرة الطاهرة بنص آية التطهير قد اكتسبت ما يوجب ايذاءها و الظلم عليها؟ لاها اللّه و لكن الملك عقيم.
(2) شرح النهج 3 ر 359 أقول: و آثار التقية على كلام النقيب ظاهر.
324
54- و روى في موضع آخر عن محمد بن جرير الطبري (1) أن رسول الله(ص)لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة و أخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة و كان مريضا فخطبهم و دعاهم إلى إعطائه الرئاسة و الخلافة فأجابوه ثم ترادوا الكلام فقالوا فإن أبى المهاجرون و قالوا نحن أولياؤه و عترته فقال قوم من الأنصار نقول منا أمير و منكم أمير فقال سعد فهذا أول الوهن و سمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله(ص)و فيه أبو بكر (2) فأرسل إليه أن اخرج إلي فأرسل أني مشغول فأرسل عمر إليه أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم و معهما أبو عبيدة
____________
(1) تاريخ الطبريّ 3/ 218- 222، أخرجه عزّ الدين ملخصا و سيأتي لفظ الطبريّ بطوله تحت الرقم 56(ص)330 عن تلخيص الشافي لشيخ الطائفة قدس اللّه سره.
(2) هذا على رواية رواها الطبريّ بإسناده عن هشام بن محمّد عن أبي مخنف عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاريّ، و لكن الذي اختاره و قال به في 3 ر 206 و نسبه شارح النهج نفسه في 1 ر 128 الى أصحاب السير جميعهم، هو أن رسول اللّه(ص)توفى و أبو بكر بالسنح و عمر حاضر، ثمّ ذكر انكار عمر موت رسول اللّه(ص)الى أن جاء أبو بكر فسكت عن انكاره ثمّ ذكر أن أبا بكر و عمر و ابا عبيدة بن الجراح انطلقوا الى سقيفة بنى ساعدة فقال أبو بكر: ما هذا؟ فقالوا منا امير و منكم فقال أبو بكر: منا الامراء و منكم الوزراء.
و نص الحديث في البخارى باب مناقب أبى بكر 5/ 8 بالاسناد عن عائشة أن رسول اللّه مات و أبو بكر بالسنح- يعنى بالعالية فقام عمر يقول: و اللّه ما مات رسول اللّه و ليبعثنه اللّه فليقطعن أيدى رجال و أرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه فقبله و قال: بأبى أنت و امى طبت حيا و ميتا، و الذي نفسى بيده لا يذيقك اللّه الموتتين أبدا، ثمّ خرج فقال: ايها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر ..... و اجتمعت الأنصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بنى ساعدة فقالوا: منا أمير و منكم أمير ..... فتكلم أبو بكر فقال في كلامه: نحن الامراء و أنتم الوزراء الحديث، و قد مر في(ص)179 ما يتعلق بالمقام.
325
فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله(ص)و أنهم أولياؤه و عترته ثم قال نحن الأمراء و أنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة و لا نقضي دونكم الأمور (1) فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم و لن يجترئ مجترئ على خلافكم و لا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة و المنعة و أولو العدد و الكثرة و ذوو البأس و النجدة و إنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير و منهم أمير فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد و الله لا ترضى العرب أن تؤمركم و نَبِيُّهَا من غيركم و لا تمنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم من ينازعنا سلطان محمد و نحن أولياؤه و عشيرته فقال الحباب بن المنذر يا معشر الأنصار املكوا أيديكم و لا تسمعوا مقالة هذا و أصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فأجلوهم من هذه البلاد فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَ عُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ أنا أبو شبل في عريسة الأسد و الله إن شئتم لنعيدها جذعة فقال عمر إذن يقتلَك الله فقال بل إياك يقتل فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل أو غير فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش و قومه أولى به و ايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر فقال أبو بكر هذا عمر و أبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا و الله لا نتولى هذا الأمر عليك و أنت أفضل المهاجرين و خليفة رسول الله(ص)في الصلاة و هي أفضل الدين ابسط يدك فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر يا بشير
____________
(1) و في سائر المصادر زادوا في كلامه: «و هذا الامر بيننا و بينكم نصفين كشق الابلمة- يعنى الخوصة-» و سيأتي برواية الجوهريّ.
326
عَقَّتْكَ عِقَاقٌ أَ نَفِسْتَ على ابن عمك الإمارةَ فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه و الله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا فقاموا فبايعوا أبا بكر فانكسر على سعد بن عبادة و الخزرج ما اجتمعوا عليه و أقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب (1) ثم حمل سعد بن عبادة إلى داره فبقي أياما فأرسل إليه أبو بكر ليبايع فقال لا و الله حتى أرميكم بما في كنانتي و أخضب سنان رمحي و أضرب بسيفي ما أطاعني و أقاتلكم بأهل بيتي و من تبعني و لو اجتمع معكم الجن و الإنس ما بايعتكم حتى أُعْرَضَ على ربي فقال عمر لا تدعه حتى يبايع فقال بشير بن سعد إنه قد لج و ليس بمبايع لكم حتى يقتل و ليس بمقتول حتى يقتل معه أهله و طائفة من عشيرته و لا يضركم تركه إنما هو رجل واحد فتركوه و جاءت أسلم فبايعت فقويت بهم جانب أبي بكر و بايعه الناس (2).
ثم قال
و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز- عن أحمد بن إسحاق بن صالح عن عبد الله بن عمر- عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد- عن القاسم بن محمد قال لما توفي النبي(ص)اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة فقال الحباب بن المنذر منا أمير و منكم أمير إنا و الله لا نَنْفَسُ هذا الأمرَ عليكم أيها الرهط و لكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبناءهم و آباءهم و إخوانهم فقال عمر بن الخطاب إذا كان ذلك فمت إن استطعت فتكلم أبو بكر فقال نحن الأمراء و أنتم الوزراء و الأمر بيننا نصفان كَقَدِّ الْأُبْلُمَةِ فبويع و كان أول من بايعه بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين و الأنصار فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت ما هذا
____________
(1) أسقط الشارح من هنا شطرا من حديث الطبريّ ممّا كان يزرى بمذهبه، راجع نصه تحت الرقم 56(ص)336.
(2) شرح النهج 1/ 127- 128.
327
قال قسم قسمه أبو بكر للنساء قالت أ تراشوني عن ديني و الله لا أقبل منه شيئا فردته عليه (1).
ثم قال ابن أبي الحديد قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي قال لقد صدقت فراسة الحباب بن المنذر فإن الذي خافه وقع يوم الْحَرَّةِ و أخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر ثم قال لي (رحمه الله) و من هذا خاف أيضا رسول الله(ص)على ذريته و أهله فإنه كان(ع)قد وتر الناس و علم أنه إن مات و ترك ابنته و ولدها سُوقَةً و رَعِيَّةً تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم فما زال يقرر لابن عمه قاعدة الأمر بعده حفظا لدمه و دماء أهل بيته فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دماؤهم أقرب إلى الصيانة و العصمة مما إذا كانوا سُوقَةً تحت يد وال من غيرهم فلم يساعده القضاء و القدر و كان من الأمر ما كان ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت (2).
قَالَ وَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ- كَانَ النَّبِيُّ(ص)قَدْ بَعَثَ أَبَا سُفْيَانَ سَاعِياً فَرَجَعَ مِنْ سِعَايَتِهِ وَ قَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَلَقِيَهُ قَوْمٌ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)فَقَالَ مَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ قِيلَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَبُو الْفَصِيلِ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَمَا فَعَلَ الْمُسْتَضْعَفَانِ عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَرْفَعَنَّ لَهُمَا مِنْ أَعْضَادِهِمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَ ذَكَرُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ شَيْئاً آخَرَ لَمْ تَحْفَظْهُ الرُّوَاةُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ إِنِّي لَأَرَى عَجَاجَةً لَا يُطْفِيهَا إِلَّا الدَّمُ قَالَ فَكَلَّمَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ قَدِمَ وَ إِنَّا لَا نَأْمَنُ مِنْ شَرِّهِ فَدَعْ
____________
(1) شرح النهج 1/ 133، و تراه في طبقات ابن سعد 3 ق 1/ 129، أنساب الاشراف للبلاذري 1/ 580 منتخب الكنز 2/ 168، عن ابن جرير.
(2) شرح النهج 1/ 133.
328
لَهُ مَا فِي يَدِهِ فَتَرَكَهُ فَرَضِيَ (1).
55- و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر: لما قبض رسول الله(ص)و اشتغل علي(ع)بغسله و دفنه و بويع أبو بكر خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعلي(ع)و العباس لإجالة الرأي و تكلموا بكلام يقتضي الاستنهاض و التهييج فقال العباس رضي الله عنه قد سمعنا قولكم فلا لِقِلَّةٍ نستعين بكم و لا لِظِنَّةٍ نترك آراءكم فأمهلونا نراجع الفكر فَإِنْ يَكُنْ لَنَا مِنَ الْإِثْمِ مُخْرَجٌ يَصِرَّ بِنَا وَ بِهِمُ الْحَقُّ صَرِيرَ الْجُدْجُدِ وَ نَبْسُطْ إِلَى الْمَجْدِ أَكُفّاً لَا نَقْبِضُهَا أَوْ نَبْلُغَ الْمَدَى وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلَا لِقِلَّةٍ فِي الْعَدَدِ وَ لَا لِوَهْنٍ فِي الْأَيْدِ و الله لو لا أن الإسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحل العلي فحل عَلِيٌّ(ع)حبوته و قال الصبر حلم و التقوى دين و الحجة محجة و الطريق الصراط أيها الناس شقوا أمواج الفتن إلى آخر ما نقلنا سابقا ثم نهض فدخل إلى منزله و افترق القوم (2)- وَ قَالَ أَيْضاً فِي شَرْحِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ(ع)لَمَّا اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَ هُوَ يَقُولُ أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَى عَجَاجَةً لَا يُطْفِيهَا إِلَّا الدَّمُ يَا لِعَبْدِ مَنَافٍ فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَمْرِكُمْ أَيْنَ الْمُسْتَضْعَفَانِ أَيْنَ الْأَذَلَّانِ يَعْنِي عَلِيّاً(ع)وَ الْعَبَّاسَ مَا بَالُ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع)ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَوَ اللَّهِ إِنْ شِئْتَ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَى أَبِي فَصِيلٍ ... خَيْلًا وَ رَجِلًا فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ قَامَ عَنْهُ وَ هُوَ يُنْشِدُ شِعْرَ الْمُتَلَمِّسِ
وَ لَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ* * * -إِلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ وَ الْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ* * * -وَ ذَا يُشَجُّ فَلَا يَرْثِي لَهُ أَحَدٌ
(3).
____________
(1) شرح النهج 1/ 130، و تراه في العقد الفريد 2/ 249، أنساب الأشراف 1/ 589: و ترك ذيله.
(2) شرح النهج 1/ 73 و قد مر في(ص)233.
(3) شرح النهج 1/ 74 الكامل لابن الأثير 2/ 220 تاريخ الطبريّ 3/ 209 و زادا فزجره على و قال: و اللّه ما أردت بهذا الا الفتنة، و انك و اللّه طالما بغيت للإسلام شرا، لا حاجة لنا في نصحك، و روى الطبريّ أيضا ج 3/ 210 عن هشام بن محمّد قال: أخبرنى أبو محمّد القرشيّ قال: لما بويع أبو بكر قال أبو سفيان لعلى و العباس: أنتما الاذلان ثمّ أنشد يتمثل:
ان الهوان حمار الاهل يعرفه* * * و الحرّ ينكره و الرسلة الاجد
و لا يقيم على ضيم يراد به* * * الا الاذلان عير الحى و الوتد
هذا على الخسف معكوس برمته* * * و ذا يشج فلا يبكى له أحد
.
329
وَ قِيلَ لِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ وُلِّيَ الْأَمْرَ ابْنُهُ قَدْ وُلِّيَ ابْنُكَ الْخِلَافَةَ فَقَرَأَ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ثُمَّ قَالَ لِمَ وَلَّوْهُ قَالُوا لِسِنِّهِ قَالَ فَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ (1).
وَ قَالَ أَيْضاً عِنْدَ مَا ذَكَرَ تَنْفِيذَ جَيْشِ أُسَامَةَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ حَيْثُ قَالَ فَلَمَّا رَكِبَ يَعْنِي أُسَامَةَ جَاءَهُ رَسُولُ أُمِّ أَيْمَنَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَمُوتُ فَأَقْبَلَ وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَانْتَهَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَ قَدْ مَاتَ وَ اللِّوَاءُ مَعَ بُرَيْدَةَ بْنِ الْخَصِيبِ فَدَخَلَ بِاللِّوَاءِ فَرَكَزَهُ عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ مُغْلَقٌ وَ عَلِيٌّ(ع)وَ بَعْضُ بَنِي هَاشِمٍ مُشْتَغِلُونَ بِإِعْدَادِ جَهَازِهِ وَ غُسْلِهِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعَلِيٍّ(ع)وَ هُمَا فِي الدَّارِ امْدُدْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَيَقُولَ النَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بَايَعَ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَا يَخْتَلِفَ عَلَيْكَ اثْنَانِ فَقَالَ لَهُ أَ وَ يَطْمَعُ يَا عَمِّ فِيهَا طَامِعٌ غَيْرِي قَالَ سَتَعْلَمُ فَلَمْ يَلْبَثَا أَنْ جَاءَتْهُمَا الْأَخْبَارُ بِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَقْعَدَتْ سَعْداً لِتُبَايِعَهُ وَ أَنَّ عُمَرَ جَاءَ بِأَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ وَ سَبَقَ الْأَنْصَارُ بِالْبَيْعَةِ فَنَدِمَ عَلِيٌّ(ع)عَلَى تَفْرِيطِهِ فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ وَ تَقَاعُدِهِ عَنْهَا وَ أَنْشَدَهُ الْعَبَّاسُ قَوْلَ دُرَيْدٍ
أَمَرْتُهُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى* * * -فَلَمْ يَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ
(2).
____________
(1) شرح النهج 1/ 74.
(2) شرح النهج 1/ 54- 53 و حديث بعث أسامة و فيهم أبو بكر و عمر و وجوه.
330
[.........] (1)
56- وَ رَوَى الشَّيْخُ (قدّس سرّه) فِي تَلْخِيصِ الشَّافِي (2)، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي
____________
المهاجرين و الأنصار قد مر اخراجه(ص)130- 135 نقلا من طبقات ابن سعد 2 ق 1/ 136، 2 ق 2/ 41، 4 ق 1/ 47 و 46 شرح النهج 2/ 20 أيضا كنز العمّال 5/ 312، منتخب الكنز 4/ 180 و 184، أصنف الى ذلك تاريخ اليعقوبي 3/ 103 ط نجف أنساب الأشراف 1/ 474 و 384 مغازى الواقدى 1117- 1119.
و أمّا عرض البيعة من العباس لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) فقد مر مصادره(ص)286 فراجع.
(1) توجد في مكتبة دانشگاه بتهران تحت الرقم 542 من قسم المخطوطات نسخة من المجلد الثامن و فيها زيادة هاهنا و نصها:
[و قال ابن أبي الحديد أيضا في موضع آخر من شرحه: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اشتغل عليّ (عليه السلام) بغسله و دفنه و بويع أبو بكر خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعلى و العباس (عليهما السلام) لا جالة الرأى- و ذكر نحوا ممّا مر آنفا الى قوله فدخل الى منزله و افترق القوم].
و لما كانت تكرارا لما سبق آنفا(ص)328 تحت الرقم 54، أسقطناها، و هكذا توجد في النسخة التي طبع عليها الكمبانيّ(ص)63- 64 عين هذه الزيادة و بعدها مكرّرات أخر مر اخراجها في المتن عن نفس المصدر (شرح النهج الحميدى) بعضها آنفا تحت الرقم 54 بعين اللفظ و بعضها سابقا: متنه تحت الرقم 46 عن كتاب سليم و الإشارة بكونه موجودا في شرح النهج(ص)293.
و هذه الزيادة مع كونها تكرارا سيق باضطراب و قلق و خلط يشهد أنّها كانت مسودة للمؤلّف، و اشتبه على مصححى الطبعة الكمبانيّ فأدرجوها في المتن، و لذلك أضربنا عنها صفحا.
(2) ذكره علم الهدى في الشافي 396، و وجدنا نصه في الطبريّ 3/ 218 222.
331
مِخْنَفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمْرَةَ الْأَنْصَارِيِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)لَمَّا قُبِضَ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ(ص)سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَ أَخْرَجُوا سَعْداً إِلَيْهِمْ وَ هُوَ مَرِيضٌ قَالَ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لِابْنِهِ أَوْ لِبَعْضِ بَنِي عَمِّهِ إِنِّي لَا أَقْدِرُ لِشَكْوَايَ أَنْ أُسْمِعَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ كَلَامِي وَ لَكِنْ تَلَقَّ مِنِّي قَوْلِي فَأَسْمِعْهُمْ فَكَانَ يَتَكَلَّمُ وَ يَحْفَظُ الرَّجُلُ قَوْلَهُ فَيَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ وَ يُسْمِعُ بِهِ أَصْحَابَهُ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِنَّ لَكُمْ سَابِقَةً فِي الدِّينِ وَ فَضِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ لِقَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ إِنَّ مُحَمَّداً(ص)لَبِثَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَ خَلْعِ الْأَوْثَانِ فَمَا آمَنَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا رِجَالٌ قَلِيلٌ وَ اللَّهِ مَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوا رَسُولَهُ وَ لَا أَنْ يُعِزُّوا دِينَهُ وَ لَا أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ضَيْماً عُمُّوا بِهِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ بِكُمْ رَبُّكُمُ الْفَضِيلَةَ وَ سَاقَ إِلَيْكُمُ الْكَرَامَةَ وَ خَصَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ وَ رَزَقَكُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ الْمَنْعَ لَهُ وَ لِأَصْحَابِهِ وَ الْإِعْزَازَ لَهُ وَ لِدِينِهِ وَ الْجِهَادَ لِأَعْدَائِهِ وَ كُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عَدُوِّهِ مِنْهُمْ وَ أَثْقَلَهُ عَلَى عَدُوِّهِ مِنْ غَيْرِكُمْ حَتَّى اسْتَقَامَتِ الْعَرَبُ لِأَمْرِ اللَّهِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ أَعْطَى الْبَعِيدُ الْمَقَادَةَ صَاغِراً دَاخِراً وَ حَتَّى أَثْخَنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ بِكُمُ الْأَرْضَ وَ دَانَتْ بِأَسْيَافِكُمْ لَهُ الْعَرَبُ وَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ هُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ وَ بِكُمْ قَرِيرُ عَيْنٍ اسْتَبِدُّوا بِهَذَا الْأَمْرِ دُونَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَكُمْ دُونَ النَّاسِ فَأَجَابُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ بِأَنْ قَدْ وُفِّقْتَ فِي الرَّأْيِ وَ أَصَبْتَ فِي الْقَوْلِ وَ لَنْ نَعْدُوَ مَا رَأَيْتَ نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ فَإِنَّكَ فِينَا مُتَّبَعٌ وَ لِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ رِضًا ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَادُّوا الْكَلَامَ فَقَالُوا فَإِنْ أَبَتْ مُهَاجِرَةُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ وَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ الْأَوَّلُونَ وَ نَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ فَعَلَامَ تُنَازِعُونَنَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَإِنَّا نَقُولُ إِذاً مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ وَ لَنْ نَرْضَى بِدُونِ هَذَا أَبَداً فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ حِينَ سَمِعَهَا هَذَا أَوَّلُ الْوَهْنِ وَ أَتَى عُمَرَ الْخَبَرُ فَأَقْبَلَ إِلَى مَنْزِلِ النَّبِيِّ(ص)فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ أَبُو بَكْرٍ
332
فِي الدَّارِ (1) وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)دَائِبٌ فِي جَهَازِ النَّبِيِّ(ص)فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِّي مُشْتَغِلٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ حُضُورِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعَتْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ يُرِيدُونَ أَنْ يُوَلُّوا هَذَا الْأَمْرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَ أَحْسَنُهُمْ مَقَالَةً مَنْ يَقُولُ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْ قُرَيْشٍ أَمِيرٌ فَمَضَيَا مُسْرِعَيْنِ نَحْوَهُمْ فَلَقِيَا أَبَا عُبَيْدَةَ فَتَمَاشَوْا إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ (2) فَقَالا لَهُمْ ارْجِعُوا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا تُحِبُّونَ فَقَالُوا
____________
(1) قد عرفت آنفا(ص)324 موضع النظر في هذه الرواية.
(2) بل الثابت المسلم في التاريخ أنهما هما اللذان كانا أخبرا أبا بكر و عمر باجتماع الخزرج في السقيفة و قد كانا من الاوس ولاء، فالاول و هكذا أخوه معن بن عدى على ما ورد ذكره في روايات السقيفة حليف بنى عبيد بن زيد من بنى عمرو بن عوف و الثاني حليف بني أميّة بن زيد، و معلوم من آدابهم الجاهلى أن مولى القوم لا يدخل في شئونهم الخاصّة بهم الا بأمرهم، فالظاهر أنهما خرجا من السقيفة بإشارة رئيسهم أسيد بن حضير الاوسى لينذرا قريشا بذلك، حسدا منهم أن يجتمع الامر لسعد بن عبادة:
قال البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 581 بالاسناد عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن ابن شهاب قال: «بينا المهاجرون في حجرة رسول اللّه و قد قبضه اللّه إليه، و عليّ بن أبي طالب و العباس متشاغلان به، اذ جاء معن بن عدى و عويم بن ساعدة، فقالا لابى بكر: «باب فتنة! ان لم يغلقه اللّه بك فلن يغلق أبدا، هذا سعد بن عبادة الأنصاريّ في سقيفة بنى ساعدة يريدون أن يبايعوه» فمضى أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح حتى جاءوا السقيفة ... الى أن قال: فقال أبو بكر: ان تطيعوا أمرى تبايعوا أحد هذين الرجلين: أبا عبيدة- و كان عن يمينه- أو عمر بن الخطّاب- و كان عن يساره- فقال عمر: و أنت حى؟ ما كان لاحد أن يؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللّه فابسط يدك فبسط يده فبايعه عمر و بايعه أسيد بن حضير و بايع الناس و ازدحموا على أبى بكر، فقالت الأنصار قتلتم سعدا و قد كادوا يطئونه فقال عمر: اقتلوه فانه صاحب فتنة.
قال: قال ابن رومان: و قد يقال: ان أول من بايع من الأنصار، بشير بن سعد، و أتى بأبي بكر المسجد فبايعوه و سمع العباس و على التكبير في المسجد و لم يفرغوا من غسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال على: ما هذا؟ فقال العباس ما ردّ مثل هذا قط، لهذا ما قلت لك الذي قلت.
و ترى ما يشبه ذلك في سيرة ابن هشام 2/ 656، تاريخ الطبريّ 3/ 203، و أوضح من ذلك نص عمر على ما ورد في الصحاح و المسانيد: «فقلت لابى بكر: انطلق بنا الى اخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فذكرا ما تمالئا عليه القوم، و قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد اخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين! اقضوا أمركم بينكم فقلنا: و اللّه لنأتينهم .... راجع سيرة ابن هشام 2/ 658، تاريخ الطبريّ 3/ 205، منتخب كنز العمّال 2/ 157 قال رواه ابن حنبل و البخارى (ج 8/ 210) و أبو عبيد في الغريب.
و زاد الطبريّ في 3/ 206 بعد تمام الحديث بإسناده عن عروة بن الزبير قال: ان أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا الى السقيفة: عويم بن ساعدة و الآخر معن ابن عدى أخو بنى العجلان ... الحديث.
فهذان الرجلان الصالحان بزعم عمر: انما صلحا لاجل أنهما أخيرا قريشا قبل أن يتفاقم الامر، و لذلك ترى عمر يشكر صنيعه هذا و يقول و هو واقف على قبر عويم بن ساعدة «لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول انه خير من صاحب هذا القبر ...» الخبر.
و صرّح باسمهما ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/ 123 نقلا عن تاريخ الطبريّ و نصه: «فلقينا رجلان صالحان من الأنصار أحدهما عويم بن ساعدة و الثاني معن بن عدى فقالا لنا: ارجعوا فاقضوا أمركم بينكم ...» الحديث.
و هكذا نص شارح النهج ج 2/ 3 و سيجيء بلفظه تحت الرقم 60 إنشاء اللّه تعالى، و أصرح من ذلك كله ما رواه الزبير في الموفقيات على ما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 2/ 7 قال:
قال الزبير في الموفقيات: و قد كان مالا أبا بكر و عمر على نقض سعد و افساد حاله رجلان من الأنصار ممن شهدا بدرا و هما عويم بن ساعدة و معن بن عدى، قلت كان هذان الرجلان ذوى حب لابى بكر في حياة رسول اللّه(ص)و اتفق مع ذلك بغض و شحناء كانت بينهما و بين سعد بن عبادة و لها سبب مذكور في كتاب القبائل لابى عبيدة معمر بن المثنى فليطلب من هناك، و عويم بن ساعدة هو القائل لما نصب الأنصار سعدا: يا معشر الخزرج! ان كان هذا الامر فيكم دون قريش فعرفونا ذلك و برهنوا حتّى نبايعكم عليه، و ان كان لهم دونكم فسلموا اليهم، فو اللّه ما هلك رسول اللّه(ص)حتّى عرفنا أن أبا بكر خليفة حين أمره أن يصلى بالناس، فشتمه الأنصار و أخرجوه، فانطلق مسرعا حتّى التحق بأبي بكر فشحذ عزمه على طلب الخلافة، ذكر هذا بعينه الزبير بن بكار في الموفقيات.
و ذكر المدائنى و الواقدى: أن معن بن عدى اتفق هو و عويم بن ساعدة على تحريض أبى بكر و عمر على طلب الامر و صرفه عن الأنصار، قالا: و كان معن بن عدى يشخصهما اشخاصا و يسوقهما سوقا عنيفا الى السقيفة مبادرة الى الامر قبل فواته.
أقول: فاعتبروا يا أولى الابصار!.
333
لَا تَفْعَلْ فَجَاءَهُمْ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَيْنَاهُمْ وَ قَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ كَلَاماً
334
أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ بِهِ فِيهِمْ فَلَمَّا انْدَفَعْتُ إِلَيْهِمْ ذَهَبْتُ لِأَبْتَدِئَ الْمَنْطِقَ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ رُوَيْداً حَتَّى أَتَكَلَّمَ ثُمَّ انْطِقْ بَعْدُ مَا أَحْبَبْتَ فَنَطَقَ فَقَالَ عُمَرُ فَمَا شَيْءٌ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ بِهِ إِلَّا وَ قَدْ أَتَى بِهِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَبَدَأَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً(ص)رَسُولًا إِلَى خَلْقِهِ وَ شَهِيداً عَلَى أُمَّتِهِ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ وَ يُوَحِّدُوهُ وَ هُمْ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً شَتَّى يَزْعُمُونَ أَنَّهَا لِمَنْ عَبَدَهَا شَافِعَةٌ وَ لَهُمْ نَافِعَةٌ وَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَجَرٍ مَنْحُوتٍ وَ خَشَبٍ مَنْجُورٍ ثُمَّ قَرَأَ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ (1) وَ قَالُوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
____________
(1) يونس: 18.
335
لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (1) فَعَظُمَ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ يَتْرُكُوا دِيْنَ آبَائِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ قَوْمِهِ بِتَصْدِيقِهِ وَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ الْمُوَاسَاةِ لَهُ وَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى شِدَّةِ أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ وَ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَ كُلُّ النَّاسِ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَ عَلَيْهِمْ زَارٍ فَلَمْ يَسْتَوْحِشُوا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَ تَشَذُّبِ النَّاسِ عَنْهُمْ وَ إِجْمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ آمَنَ بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَ عَشِيرَتُهُ وَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَ لَا يُنَازِعُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ظَالِمٌ وَ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَنْ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ فِي الدِّينِ وَ لَا سَابِقَتُهُمُ الْعَظِيمَةُ فِي الْإِسْلَامِ رَضِيَكُمُ اللَّهُ أَنْصَاراً لِدِينِهِ وَ رَسُولِهِ وَ جَعَلَ إِلَيْكُمْ هِجْرَتَهَ وَ فِيكُمْ جُلَّةُ أَزْوَاجِهِ وَ أَصْحَابِهِ وَ لَيْسَ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِكُمْ فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَ أَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ لَا تَفْتَاتُونَ بِمَشُورَةٍ وَ لَا يُقْضَى دُونَكُمُ الْأُمُورُ فَقَامَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ الْجَمُوحِ هَكَذَا رَوَى الطَّبَرِيُ (2) وَ الَّذِي رَوَاهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ امْلِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْواً مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ عَنِ الطَّبَرِيِّ إِلَى قَوْلِهِ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ فَانْكَسَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ عَلَى الْخَزْرَجِ مَا كَانُوا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ ثُمَّ قَالَ قَالَ هِشَامٌ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ وَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ أَسْلَمَ أَقْبَلَتْ بِجَمَاعَتِهَا حَتَّى تَضَايَقَتْ بِهِمُ السِّكَكُ لِيُبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَسْلَمَ فَأَيْقَنْتُ بِالنَّصْرِ (3)
____________
(1) الزمر: 3.
(2) في تاريخ الطبريّ ط دار المعارف بمصر «الحباب المنذر بن الجموح» و حكى اتفاق الطبعات على ذلك، و لعله كانت نسخة السيّد علم الهدى مغلوطة في هذا الموضع.
(3) قد مر(ص)197 في الذيل و سيجيء في تتميم الباب(ص)... أن أسلم أبت أن تبايع الا بعد بيعة بريدة بن الحصيب الاسلمى و هو لم يبايع الا بعد بيعة عليّ (عليه السلام)، و كيف كان فالمراد من كلام عمر هذا غير معلوم، لان أسلم بطن من خزاعة و ليسوا بأكثر العرب فرسانا و لا بأشجعهم و أعزهم، و كيف أيقن عمر بالنصر عند بيعتهم و لم يتيقن حينما صفقت الأنصار بالبيعة لهم؟ نعم قد يكون الراوي و هو أبو بكر بن محمّد الخزاعيّ أراد أن يباهى بقومه و يكتسب لهم نوالا بذلك، و اللّه أعلم.
336
قَالَ هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ وَ كَادُوا يَطَئُونَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ سَعْدٍ اتَّقُوا سَعْداً لَا تَطَئُوهُ فَقَالَ عُمَرُ اقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّهُ (1) ثُمَّ قَامَ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطَأَكَ حَتَّى تَنْدُرَ عَضُدُكَ فَأَخَذَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ (2) بِلِحْيَةِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ وَ اللَّهِ لَئِنْ حَصْحَصْتَ مِنْهُ شَعْرَةً مَا رَجَعْتَ وَ فِي فِيكَ وَاضِحَةٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَهْلًا يَا عُمَرُ الرِّفْقُ هَاهُنَا أَبْلَغُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَ قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَرَى مِنْ قُوَّةٍ مَا أَقْوَى عَلَى النُّهُوضِ لَسَمِعْتُمْ مِنِّي بِأَقْطَارِهَا وَ سِكَكِهَا زَئِيراً يَحْجُرُكَ وَ أَصْحَابَكَ أَمَا وَ اللَّهِ إِذاً لَأُلْحِقَنَّكَ بِقَوْمٍ كُنْتَ فِيهِمْ تَابِعاً غَيْرَ مَتْبُوعٍ احْمِلُونِي مِنْ هَذَا الْمَكَانِ فَحَمَلُوهُ فَأَدْخَلُوهُ دَارَهُ وَ تُرِكَ أَيَّاماً ثُمَّ بُعِثَ إِلَيْهِ أَنْ أَقْبِلْ فَبَايِعْ فَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ وَ بَايَعَ قَوْمُكَ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِمَا فِي كِنَانَتِي مِنْ نَبْلٍ وَ أَخْضِبَ مِنْكُمْ سِنَانَ رُمْحِي وَ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا مَلَكَتْهُ يَدِي وَ أُقَاتِلَكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي وَ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي وَ لَا أَفْعَلُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الْجِنَّ اجْتَمَعَتْ لَكُمْ مَعَ الْإِنْسِ مَا بَايَعْتُكُمْ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى رَبِّي وَ أَعْلَمَ مَا حِسَابِي فَلَمَّا أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُمَرُ لَا تَدَعْهُ حَتَّى يُبَايِعَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ إِنَّهُ قَدْ لَجَّ وَ أَبَى فَلَيْسَ يُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُقْتَلَ وَ لَيْسَ بِمَقْتُولٍ حَتَّى يُقْتَلَ مَعَهُ وُلْدُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ طَائِفَةٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَلَيْسَ تَرْكُهُ بِضَارِّكُمْ إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَتَرَكُوهُ وَ قَبِلُوا مَشُورَةَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَ اسْتَنْصَحُوهُ لِمَا بَدَا لَهُمْ مِنْهُ وَ كَانَ سَعْدٌ لَا يُصَلِّي
____________
(1) و في حديث عمر- و هو مثبت في الصحاح و المسانيد-: «ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللّه سعدا» و الظاهر من لفظه أنّه هو و أصحابه هم الذين وطئوه و داسوه، الطبريّ 3/ 206، سيرة ابن هشام 2/ 660 البخارى 8/ 210.
(2) في الطبريّ: فأخذ سعد بلحية عمر ....
337
بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا يَجْمَعُ مَعَهُمْ وَ يَحُجُّ وَ لَا يَحُجُّ مَعَهُمْ وَ يُفِيضُ فَلَا يُفِيضُ مَعَهُمْ بِإِفَاضَتِهِمْ (1) فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ (2).
57 أقول قال السيد رضي الله عنه بعد إيراد هذا الخبر: فهذا الخبر يتضمن من شرح أمر السقيفة ما فيه للناظرين معتبر و يستفيد الواقف عليه أشياء منها خلوه من احتجاج قريش على الأنصار بجعل النبي(ص)الإمامة فيهم لأنه تضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك و أنهم إنما ادعوا كونهم أحق بالأمر من حيث كانت النبوة فيهم و من حيث كانوا أقرب إلى النبي(ص)نسبا و أولهم له اتباعا و منها أن الأمر إنما بني في السقيفة على المغالبة و المخالسة و أن كلا منهم كان يجذبه بما اتفق له و عن حق و باطل و قوي و ضعيف و منها أن سبب ضعف الأنصار و قوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسدا لسعد بن عبادة و انحياز الأوس بانحيازه عن الأنصار و منها أن خلاف سعد و أهله و قومه كان باقيا لم يرجعوا عنه و إنما أقعدهم عن الخلاف فيه بالسيف قلة الناصر انتهى كلامه رفع الله مقامه (3).
58- و قال ابن الأثير في الكامل،: لما توفي رسول الله(ص)اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم و معه عمر و أبو عبيدة بن الجراح فقال ما هذا فقالوا منا أمير و منكم أمير فقال أبو بكر منا الأمراء و منكم الوزراء ثم قال أبو بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر و أبو عبيدة أمين هذه الأمة فقال عمر أيكم يطيب نفسه أن يُخَلِّفَ قَدَمَيْنِ قَدَّمَهُمَا
____________
(1) و زاد في الإمامة و السياسة 1/ 17: و لو يجد عليهم أعوانا لصال بهم و لو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم.
(2) تلخيص الشافي 3/ 67- 60.
(3) الشافي: 395 تلخيص الشافي 3/ 67.
338
النبيُّ(ص)فبايعه عمر و بايعه الناس فقالت الأنصار أو بعضهم لا نبايع إلا عليا قال و تخلف عليٌّ و بنو هاشم و الزبير و طلحة عن البيعة قال الزبير لا أغمد سيفي حتى يبايع عليٌّ فقال عمر خذوا سيفه و اضربوا به الحجر ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة ثم ذكر ما مر من قصة أبي سفيان و العباس-.
ثُمَّ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدِيثاً طَوِيلًا وَ سَاقَهُ إِلَى أَنْ قَالَ- لَمَّا رَجَعَ عُمَرُ مِنَ الْحَجِّ إِلَى الْمَدِينَةِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَايَعْتُ فُلَاناً فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولَ إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَ لَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تَقَطَّعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيّاً حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ إِنَّ عَلِيّاً(ع)وَ الزُّبَيْرَ وَ مَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ(ع)وَ تَخَلَّفَ عَنَّا الْأَنْصَارُ وَ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ سَاقَ قِصَّةَ السَّقِيفَةِ نَحْواً مِمَّا مَرَّ (1).
ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ مَا أَخْرَجْنَاهُ مِنْ تَلْخِيصِ الشَّافِي وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ وَ قَالَ الزُّهْرِيُ بَقِيَ عَلِيٌّ(ع)وَ بَنُو هَاشِمٍ وَ الزُّبَيْرُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَبَايَعُوهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَ بَايَعَهُ النَّاسُ بَيْعَةً عَامَّةً انْتَهَى (2).
59- وَ قَالَ الْعَلَّامَةُ (قدّس سرّه) فِي كِتَابِ كَشْفِ الْحَقِّ، رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ وَ اللَّهِ لَأُحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَ
____________
(1) حديثه هذا هو الذي رواه البخارى باب رجم الحبلى من الزنا ج 8(ص)210 و ابن حنبل في مسنده 1/ 55 و الطبريّ في تاريخه 3/ 203- 206 و ابن هشام في السيرة 2/ 657- 660، و المتقى الهندى في منتخب كنز العمّال 2/ 156- 157 قال: و أخرجه أبو عبيد في الغريب.
(2) تاريخ الكامل 2/ 220- 224.
339
لِلْبَيْعَةِ (1).
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ فَقَالَ اخْرُجُوا أَوْ لَنُحْرِقَنَّهَا عَلَيْكُمْ (2).
وَ رَوَى ابْنُ خِنْزَابَةَ (3) فِي غُرَرِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ- كُنْتُ مِمَّنْ حَمَلَ الْحَطَبَ مَعَ عُمَرَ إِلَى بَابِ فَاطِمَةَ(ع)حِينَ امْتَنَعَ عَلِيٌّ(ع)وَ أَصْحَابُهُ عَنِ الْبَيْعَةِ فَقَالَ عُمَرُ لِفَاطِمَةَ أَخْرِجِي مَنْ فِي الْبَيْتِ أَوْ لَأُحْرِقَنَّهُ وَ مَنْ فِيهِ قَالَ وَ فِي الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ(ص)فَقَالَتْ فَاطِمَةُ(ع)أَ تُحْرِقُ عَلِيّاً وَ وُلْدِي قَالَ إِي وَ اللَّهِ أَوْ لَيَخْرُجَنَّ وَ لَيُبَايِعَنَ (4).
وَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ (5) وَ هُوَ مِنْ أَعْيَانِهِمْ- فَأَمَّا عَلِيٌّ(ع)وَ الْعَبَّاسُ فَقَعَدَا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ(ع)وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنْ أَبَيَا فَقَاتِلْهُمَا فَأَقْبَلَ بِقَبَسٍ مِنْ نَارٍ عَلَى أَنْ يُضْرِمَ عَلَيْهِمَا النَّارَ فَلَقِيَتْهُ فَاطِمَةُ(ع)فَقَالَتْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَ جِئْتَ لِتُحْرِقَ دَارَنَا قَالَ نَعَمْ-.
____________
(1) تاريخ الطبريّ 3/ 202.
(2) كتاب الواقدى غير مطبوع و ترى مثل الحديث في شرح النهج 1/ 34، أخرجه من كتاب السقيفة لابى بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ.
(3) قال العلامة المرعشيّ في شرح الاحقاق 2/ 371: فى أكثر النسخ «ابن خنزابة» و هو الوزير المحدث الجليل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات البغداديّ نزيل مصر (308- 391). و في بعض النسخ «ابن خرداذبه» و هو السائح الرحالة الرياضى عبيد اللّه ابن عبد اللّه صاحب كتاب المسالك و الممالك المتوفى حدود 300.
و في بعضها «ابن خيرانة» و هو محمّد بن خيرانة المغربى المحدث من علماء المائة الرابعة، و في بعضها المصحّحة «ابن خذابة» و هو عبد اللّه بن محمّد بن خذابة المحدث الفقيه و أقوى المحتملات عندي أولها.
(4) عين مطبوع.
(5) العقد الفريد: 3/ 63 ط مصر.
340
و نحوه روى مصنف كتاب المحاسن و أنفاس الجواهر انتهى ما رواه العلامة (رحمه الله تعالى) (1).
60- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ فِي أَوَّلِ الْمُجَلَّدِ السَّادِسِ مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيِ أَنَّ النَّبِيَّ(ص)لَمَّا قُبِضَ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَقَالُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)قَدْ قُبِضَ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِابْنِهِ قَيْسٍ أَوْ لِبَعْضِ بَنِيهِ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسْمِعَ النَّاسَ كَلَامِي لِمَرَضِي وَ لَكِنْ تَلَقَّ مِنِّي قَوْلِي فَأَسْمِعْهُمْ فَكَانَ سَعْدٌ يَتَكَلَّمُ وَ يَسْمَعُ ابْنُهُ يَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ لِيُسْمِعَ قَوْمَهُ فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَنْ قَالَ.
إِنَّ لَكُمْ سَابِقَةً إِلَى الدِّينِ وَ فَضِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ لِقَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَبِثَ فِي قَوْمِهِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَ خَلْعِ الْأَوْثَانِ فَمَا آمَنَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا قَلِيلٌ وَ اللَّهِ مَا كَانُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَمْنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ لَا يُعِزُّوا دِينَهُ وَ لَا يَدْفَعُوا عَنْهُ عَدَاهُ حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرَ الْفَضِيلَةِ وَ سَاقَ إِلَيْكُمُ الْكَرَامَةَ وَ خَصَّكُمْ بِدِينِهِ وَ رَزَقَكُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ الْإِعْزَازَ لِدِينِهِ وَ الْجِهَادَ لِأَعْدَائِهِ فَكُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْكُمْ وَ أَثْقَلَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِ مِنْ غَيْرِكُمْ حَتَّى اسْتَقَامُوا لِأَمْرِ اللَّهِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ أَعْطَى الْبَعِيدُ الْمَقَادَةَ بِأَسْيَافِكُمْ صَاغِراً دَاحِضاً حَتَّى أَنْجَزَ اللَّهُ لِنَبِيِّكُمُ الْوَعْدَ وَ دَانَتْ لِأَسْيَافِكُمُ الْعَرَبُ ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ هُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ وَ بِكُمْ قَرِيرُ الْعَيْنِ فَشُدُّوا أَيْدِيَكُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ فَإِنَّكُمْ أَحَقُّ النَّاسِ وَ أَوْلَاهُمْ بِهِ. (2)
____________
(1) كشف الحق قسم المطاعن، و قد تقدم مصادر ذلك في(ص)204 و 268 و سيجيء بعضها تحت الرقم.
(2) شنشنة أخزمية و حمية كحمية الجاهلية الأولى: كانوا يحضرون مجتمع القوم و ناديهم- دار الشورى- و يعاقدون الحلف فيما بينهم و بين حليفهم: ينصرونه و يحامون عنه، ثمّ إذا مات كانوا أولى بميراثه و سلطانه، و لذلك ترى سعدا حضر السقيفة و هي ظلة كانوا يجتمعون تحتها في الادوار الجاهلية لعظائم الأمور و النوائب التي تنوبهم، ثمّ تكلم و احتج بأن الأنصار حيث كانوا أنصار رسول اللّه و الذابون عنه و بأسيافهم دانت العرب و استحكم سلطان الدين و عرى الإسلام، فهم أولى بأن يحوزوا سلطانه و يتوارثوا الملك الذي أسسوه بأسيافهم و تفدية أرواحهم؟! من هؤلاء المهاجرين الذين راموا ميراث رسول اللّه و وطنوا انفسهم حيازة سلطانه و ملكه!! و على هذا المبنى يبتنى أيضا حجة المهاجرين حيث قالوا: نحن عشيرته و أولياؤه، و انما يكون الاحلاف و الأنصار أولى بميراث حليفهم و احراز سلطانه، اذا لم يكن له قرابة و عصبة فعلام تنازعونا هذا الامر من بعده؟
و اما رسول اللّه الأعظم- نفسى له الفداء- لم يبايع الأنصار على الحلف الجاهلى و لو كان(ص)يريد الحلف الجاهلى بأحكامه، لما ردّ نصرة بنى عامر بن صعصعة قبل بيعة الأنصار بسنة أو سنوات، على ما مر شرحه(ص)273، و انما بايعهم على أن يعطوه النصر و الحماية و يضمن هو لهم الجنة. سواء في ذلك بيعتهم في العقبة الأولى و الثانية، و قد اعترف بشير بن سعد بذلك في هذا المجلس على ما سيجيء.
و هكذا بيعته(ص)مع المهاجرين و الأنصار في بيعة الرضوان، بيعة اسلامية رضى بها اللّه عزّ و جلّ و أيدها بقوله «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» براءة:
111.
أ فترى- أيها القارئ الكريم- أن سعدا و سائر المهاجرين و الأنصار وفوا ببيعهم الذي بايعوا به؟
نعم بايع رسول اللّه(ص)عليا في صدر الإسلام بأمر من اللّه عزّ و جلّ على أن يكون أخاه و وارثه و خليفته و بايع هو- نفسى له الفداء- رسول اللّه على أن يؤازره و يقيه بنفسه و يذب عنه أعداءه، و قد وفيا- (سلام اللّه عليهما)- ببيعهما الذي بايعاه بفضل من اللّه و رحمته و عونه:
واساه على في المعارك و ذب عنه و عن دينه مخلصا محتسبا موفيا في المشاهد كلها:
بدر و أحد و خندق و خيبر و حنين و ..... حتى عجبت الملائكة من مؤاساته؛ و قال رضوان في السموات العلى: لا فتى الا على.
و قام رسول اللّه(ص)في كل مشهد و لا سيما غدير خم فقال: من كنت مولاه فهذا على مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله».
أ فترى- أيها القارئ الكريم- أن المهاجرين و الأنصار نصروا عليا أو خذلوه؟
للكلام في هذا المضمار ذيل طويل مر شطر منه(ص)273 و ترى شطرا آخر في ج 91(ص)365- 369 من بحار الأنوار طبعتنا هذه؛ و اللّه المستعان.
341
فَأَجَابُوا جَمِيعاً أَنْ وُفِّقْتَ فِي الرَّأْيِ وَ أَصَبْتَ فِي الْقَوْلِ وَ لَنْ نَعْدُوَ مَا أَمَرْتَ نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ فَأَنْتَ لَنَا مَقْنَعٌ وَ لِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ رِضًى.
342
ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَادُّوا الْكَلَامَ بَيْنَهُمْ فَقَالُوا (1) إِنْ أَبَتْ مُهَاجِرُو قُرَيْشٍ فَقَالُوا نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ وَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)الْأَوَّلُونَ وَ نَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ فَعَلَامَ تُنَازِعُونَّا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِذاً نَقُولَ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ لَنْ نَرْضَى بِدُونِ هَذَا أَبَداً لَنَا فِي الْإِيوَاءِ وَ النُّصْرَةِ مَا لَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ وَ لَنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَهُمْ فَلَيْسُوا يَعُدُّونَ شَيْئاً إِلَّا وَ نَعُدُّ مِثْلَهُ وَ لَيْسَ مِنْ رَأْيِنَا الِاسْتِيثَارُ عَلَيْهِمْ فَمِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ.
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ هَذَا أَوَّلُ الْوَهْنِ.
وَ أَتَى الْخَبَرُ عُمَرَ فَأَتَى مَنْزِلَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ فِي الدَّارِ وَ عَلِيّاً فِي جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ كَانَ الَّذِي أَتَاهُ بِالْخَبَرِ مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ فَأَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ وَ قَالَ
____________
(1) الظاهر أن هؤلاء الرادين على الأنصار، كانوا من الاوس كما مرّ(ص)334 أو عشيرة بشير بن سعد أبى النعمان الخزرجي، و كان هذا بدء الخلاف، و سيجيء نقلا عن الجوهريّ و ابن قتيبة أن بشيرا هو الراد عليهم.
343
قُمْ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ فَقَالَ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامٍ فَقَامَ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ مَعَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَدُورُونَ حَوْلَهُ أَنْتَ الْمُرَجَّى وَ نَجْلُكَ (1) الْمُرَجَّى وَ ثَمَّ أُنَاسٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَ قَدْ خَشِيتُ الْفِتْنَةَ فَانْظُرْ يَا عُمَرُ مَا ذَا تَرَى وَ اذْكُرْ لِإِخْوَتِكَ وَ احْتَالُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَابِ فِتْنَةٍ قَدْ فُتِحَ السَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يُغْلِقَهُ اللَّهُ.
فَفَزِعَ عُمَرُ أَشَدَّ الْفَزَعِ حَتَّى أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ قُمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ فَقَالَ عُمَرُ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامٍ وَ سَنَرْجِعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ عُمَرَ فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ فَفَزِعَ أَبُو بَكْرٍ أَشَدَّ الْفَزَعِ وَ خَرَجَا مُسْرِعَيْنِ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَ فِيهَا رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ وَ مَعَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ هُوَ مَرِيضٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ يَمْهَدَ لِأَبِي بَكْرٍ وَ قَالَ خَشِيتُ أَنْ يَقْصُرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ بَعْضِ الْكَلَامِ فَلَمَّا ابْتَدَأَ عُمَرُ كَفَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَ قَالَ عَلَى رِسْلِكَ فَتَلَقَّ الْكَلَامَ ثُمَّ تَكَلَّمْ بَعْدَ كَلَامِي بِمَا بَدَا لَكَ.
فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ فَدَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ نَوَاصِينَا إِلَى مَا دَعَانَا إِلَيْهِ وَ كُنَّا مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَاماً وَ النَّاسُ لَنَا فِي ذَلِكَ تَبَعٌ وَ نَحْنُ عَشِيرَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَوْسَطُ الْعَرَبِ أَنْسَاباً لَيْسَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَ لِقُرَيْشٍ فِيهَا وِلَادَةٌ وَ أَنْتُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ نَصَرْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ(ص)ثُمَّ أَنْتُمْ وُزَرَاءُ (2) رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ إِخْوَانُنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ شُرَكَاؤُنَا فِي الدِّينِ وَ فِيمَا كُنَّا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا وَ أَكْرَمُهُمْ عَلَيْنَا وَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ التَّسْلِيمِ لِمَا سَاقَ اللَّهُ إِلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ لَا تَحْسُدُوهُمْ فَأَنْتُمُ الْمُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ حِينَ الْخَصَاصَةِ وَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ لَا يَكُونَ
____________
(1) و هذه من عاداتهم الجاهلى أيضا، و يسمونها «حوسة» و قد مر(ص)256 نقلا عن الكافي ارتجازهم هذا بصورة أخرى.
(2) في المصدر: ثم أنتم وراء رسول اللّه و اخواننا.
344
انْتِقَاضُ هَذَا الْأَمْرِ وَ اخْتِلَاطُهُ عَلَى أَيْدِيكُمْ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَ عُمَرَ فَكِلَاهُمَا قَدْ رَضِيتُ لِهَذَا الْأَمْرِ وَ كِلَاهُمَا أَرَاهُ لَهُ أَهْلًا.
فَقَالَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَكَ أَنْتَ صَاحِبُ الْغَارِ ثانِيَ اثْنَيْنِ وَ أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالصَّلَاةِ فَأَنْتَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ الْأَنْصَارُ وَ اللَّهِ مَا نَحْسُدُكُمْ عَلَى خَيْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ وَ لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَ لَا أَرْضَى عِنْدَنَا مِنْكُمْ وَ لَكِنَّا نُشْفِقُ مِمَّا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ وَ نَحْذَرُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَيْسَ مِنَّا وَ لَا مِنْكُمْ فَلَوْ جَعَلْتُمُ الْيَوْمَ رَجُلًا مِنْكُمْ بَايَعْنَا وَ رَضِينَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا هَلَكَ اخْتَرْنَا وَاحِداً مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا هَلَكَ كَانَ آخَرُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبَداً مَا بَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَجْدَرَ أَنْ يُعْدَلَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(ص)فَيُشْفِقَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ يَزِيغَ فَيَقْبِضَ عَلَيْهِ الْقُرَشِيُّ وَ يُشْفِقَ الْقُرَشِيُّ أَنْ يَزِيغَ فَيَقْبِضَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيُّ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص)لَمَّا بُعِثَ عَظُمَ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ يَتْرُكُوا دِيْنَ آبَائِهِمْ فَخَالَفُوهُ وَ شَاقُّوهُ وَ خَصَّ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ بِتَصْدِيقِهِ وَ الْإِيمَانِ بِهِ وَ الْمُوَاسَاةِ لَهُ وَ الصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى شِدَّةِ أَذَى قَوْمِهِ وَ لَمْ يَسْتَوْحِشُوا لِكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ إِلَّا ظَالِمٌ وَ لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ يُعَدُّ فَضْلًا وَ قَدَماً فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَكُمْ فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَ أَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ لَا نَفْتَاتُ دُونَكُمْ بِمَشُورَةٍ وَ لَا نَقْضِي دُونَكُمُ الْأُمُورَ.
فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ امْلِكُوا عَلَيْكُمْ أَيْدِيَكُمْ إِنَّمَا النَّاسُ فِي فَيْئِكُمْ وَ ظِلِّكُمْ وَ لَنْ يَجْتَرِئَ مُجْتَرِئٌ عَلَى خِلَافِكُمْ وَ لَا يَصْدُرُ النَّاسُ إِلَّا عَنْ أَمْرِكُمْ أَنْتُمْ أَهْلُ الْإِيوَاءِ وَ النُّصْرَةِ وَ إِلَيْكُمْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَ أَنْتُمْ أَصْحَابُ الدَّارِ وَ الْإِيمَانِ وَ اللَّهِ مَا عُبِدَ اللَّهُ عَلَانِيَةً إِلَّا عِنْدَكُمْ وَ فِي بِلَادِكُمْ وَ لَا جُمِعَتِ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي مَسَاجِدِكُمْ وَ لَا عُرِفَ الْإِيمَانُ إِلَّا مِنْ أَسْيَافِكُمْ فَامْلِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ فَإِنْ أَبَى هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا سَمِعْتُمْ فَمِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ.
345
فَقَالَ عُمَرٌ هَيْهَاتَ لَا يَجْتَمِعُ سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَرْضَى أَنْ تُؤَمِّرَكُمْ وَ نَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ وَ لَيْسَ تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَهَا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ وَ أَوَّلُ الْأَمْرِ مِنْهُمْ (1) لَنَا بِذَلِكَ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا وَ السُّلْطَانُ الْمُبِينُ عَلَى مَنْ نَازَعَنَا مَنْ ذَا يُخَاصِمُنَا فِي سُلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَ مِيرَاثِهِ وَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ وَ عَشِيرَتُهُ إِلَّا مُدْلٍ بِبَاطِلٍ أَوْ مُتَجَانِفٌ لِإِثْمٍ أَوْ مُتَوَرِّطٌ فِي هَلَكَةٍ.
فَقَامَ الْحُبَابُ وَ قَالَ يَا مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ لَا تَسْمَعُوا مَقَالَةَ هَذَا وَ أَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُوا بِنَصِيبِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْكُمْ مَا أَعْطَيْتُمُوهُمْ فَأَجْلُوهُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ وَ تَوَلَّوْا هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ فَأَنْتُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ إِنَّهُ دَانَ لِهَذَا الْأَمْرِ بِأَسْيَافِكُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَدِينُ لَهُ أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَ عُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ إِنْ شِئْتُمْ لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً وَ اللَّهِ لَا يَرُدُّ أَحَدٌ عَلَيَّ مَا أَقُولُ إِلَّا حَطَمْتُ أَنْفَهُ بِالسَّيْفِ.
قَالَ فَلَمَّا رَأَى بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الْخَزْرَجِيُّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ مِنْ أَمْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَ كَانَ حَاسِداً لَهُ وَ كَانَ مِنْ سَادَةِ الْخَزْرَجِ قَامَ فَقَالَ أَيُّهَا الْأَنْصَارُ إِنَّا وَ إِنْ كُنَّا ذَوِي سَابِقَةٍ فَإِنَّا لَمْ نُرِدْ بِجِهَادِنَا وَ إِسْلَامِنَا إِلَّا رِضَى رَبِّنَا وَ طَاعَةَ نَبِيِّنَا وَ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْتَظْهِرَ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَ لَا نَبْتَغِي بِهِ عِوَضاً مِنَ الدُّنْيَا (2) إِنَّ مُحَمَّداً رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَ قَوْمُهُ أَحَقُّ بِمِيرَاثِ أَمْرِهِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أُنَازِعُهُمْ هَذَا الْأَمْرَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تُنَازِعُوهُمْ وَ لَا تُخَالِفُوهُمْ.
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَالَ هَذَا عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ فَقَالا وَ اللَّهِ لَا نَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْكَ وَ أَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ وَ ثَانِي اثْنَيْنِ وَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى الصَّلَاةِ وَ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ الدِّينِ ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ
____________
(1) في المصدر: و أولو الامر منهم.
(2) كلام بشير بن سعد هذا كلام حقّ أريد به باطل. أراد أن يرد على الحباب و يحطم أنفه بالحق، و الحق غالب حاطم، لكنه نسى أو تناسى أن رسول اللّه انما عقد الخلافة لوزيره و صهره عليّ بن أبي طالب يوم غدير خم، فلا مجال لاى مسلم أن يحتج للإمامة بالقرابة أو النصرة.
346
فَلَمَّا بَسَطَ يَدَهُ وَ ذَهَبَا يُبَايِعَانِهِ سَبَقَهُمَا إِلَيْهِ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ فَبَايَعَهُ.
فَنَادَاهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَا بَشِيرُ عَقَّتْكَ عِقَاقٌ وَ اللَّهِ مَا اضْطَرَّكَ إِلَى هَذَا إِلَّا الْحَسَدُ لِابْنِ عَمِّكَ فَلَمَّا رَأَتِ الْأَوْسُ أَنَّ رَئِيساً مِنْ رُؤَسَاءِ الْخَزْرَجِ قَدْ بَايَعَ قَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ هُوَ رَئِيسُ الْأَوْسِ فَبَايَعَ حَسَداً لِسَعْدٍ أَيْضاً وَ مُنَافَسَةً لَهُ أَنْ يَلِيَ الْأَمْرَ فَبَايَعَتِ الْأَوْسُ كُلُّهَا لَمَّا بَايَعَ أُسَيْدٌ.
وَ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَ هُوَ مَرِيضٌ فَأُدْخِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ فِيمَا بَعْدَهُ وَ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَيْهَا فَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَ أَنَّهُ لَا يُبَايِعُ حَتَّى يُقْتَلَ وَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُقْتَلَ أَهْلُهُ وَ لَا يُقْتَلُ أَهْلُهُ حَتَّى يُقْتَلَ الْخَزْرَجُ كُلُّهَا وَ إِنْ حُورِبَتِ الْخَزْرَجُ كَانَتِ الْأَوْسُ مَعَهَا وَ فَسَدَ الْأَمْرُ فَتَرَكُوهُ فَكَانَ لَا يُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا يُجَمِّعُ بِجَمَاعَتِهِمْ وَ لَا يَقْضِي بِقَضَائِهِمْ وَ لَوْ وَجَدَ أَعْوَاناً لَضَارَبَهُمْ وَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ وَ هُوَ عَلَى فَرَسٍ وَ عُمَرُ عَلَى بَعِيرٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ هَيْهَاتَ يَا سَعْدُ فَقَالَ سَعْدٌ هَيْهَاتَ يَا عُمَرُ فَقَالَ أَنْتَ صَاحِبُ مَنْ أَنْتَ صَاحِبُهُ قَالَ نَعَمْ أَنَا ذَاكَ ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ وَ اللَّهِ مَا جَاوَرَنِي أَحَدٌ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ جِوَاراً مِنْكَ قَالَ عُمَرُ فَإِنَّهُ مَنْ كَرِهَ جِوَارَ رَجُلٍ انْتَقَلَ عَنْهُ فَقَالَ سَعْدٌ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخَلِّيَهَا لَكَ عَاجِلًا إِلَى جِوَارِ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ جِوَاراً مِنْكَ وَ مِنْ أَصْحَابِكَ فَلَمْ يَلْبَثْ سَعْدٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ فِيهَا (1)
____________
(1) في المصدر: فمات بحوران، و لكن الصحيح أنّه قتل فتكا، و قد مر(ص)183 من هذا الجزء ما يثبت ذلك، أضف الى ذلك نص المسعوديّ في مروجه 2/ 301 قال: و كان للمهاجرين و الأنصار يوم السقيفة خطب طويل و مجاذبة في الإمامة، و خرج سعد بن عبادة و لم يبايع فصار الى الشام فقتل هناك في سنة خمس عشرة، و ليس كتابنا هذا موضعا لخبر مقتله ....
و ذكر شارح النهج 2/ 520 أنّه لم يبايع أبا بكر حين بويع و خرج الى حوران فمات بها، قيل قتلته الجن لانه بال قائما في الصحراء ليلا، و رووا روايتين من شعر قيل انها سمعا ليلة قتله و لم ير قائلهما:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة و رميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده و يقول قوم: ان أمير الشام يومئذ (و هو خالد بن الوليد) كمن له من رماه ليلا و هو خارج الى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الامام، و قد قال بعض المتأخرين:
يقولون سعد شكت الجن بطنه* * * الا ربما صححت دينك بالغدر
و ما ذنب سعد أنّه بال قائما* * * و لكن سعدا لم يبايع أبا بكر
و قد صبرت من لذة العيش أنفس* * * و ما صبرت عن لذة النهى و الامر
و حكى شارح النهج 4/ 191: «أنه قال شيطان الطاق (يعنى مؤمن الطاق محمّد ابن عليّ بن النعمان الاحول) لسائل سأله: ما منع عليا أن يخاصم أبا بكر في الخلافة؟ فقال:
يا ابن أخى! خاف أن تقتله الجن؟.
ثمّ قال: أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا، و لا أن هذا شعر الجن و لا أرتاب أن البشر قتلوه، و أن هذا الشعر شعر البشر، و لكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالدا و لا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه ليرضى بذلك أبا بكر، أو أمر- و حاشاه- فيكون الاثم على خالد و أبو بكر برىء من اثمه، و ما ذلك من أفعال خالد ببعيد.
أقول: إذا اعترف بأن أبا بكر أمره، و هو أمير عليه: يجب عليه متابعته، كيف يكون الاثم على خالد و أبو بكر برىء؟ و سيجيء نص البلاذري في ذلك تحت الرقم إنشاء اللّه تعالى.
347
وَ لَمْ يُبَايِعْ لِأَحَدٍ لَا لِأَبِي بَكْرٍ وَ لَا لِعُمَرَ وَ لَا لِغَيْرِهِمَا.
قَالَ وَ كَثُرَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ مُعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ اجْتَمَعَتْ بَنُو هَاشِمٍ إِلَى بَيْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ مَعَهُمُ الزُّبَيْرُ وَ كَانَ يَعُدُّ نَفْسَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ مَا زَالَ الزُّبَيْرُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ بَنُوهُ فَصَرَفُوهُ عَنَّا وَ اجْتَمَعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ اجْتَمَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ إِلَى
348
سَعْدٍ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَقْبَلَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ حَلَقاً (1) قُومُوا فَبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ بَايَعَ لَهُ النَّاسُ وَ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ فَقَامَ عُثْمَانُ وَ مَنْ مَعَهُ وَ قَامَ سَعْدٌ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ مَنْ مَعَهُمَا فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ ذَهَبَ عُمَرُ وَ مَعَهُ عِصَابَةٌ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ(ع)مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُمُ انْطَلِقُوا فَبَايِعُوا فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَ خَرَجَ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ فَقَالَ عُمَرُ عَلَيْكُمُ الْكَلْبَ فَوَثَبَ عَلَيْهِ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ فَأَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ فَضَرَبَ بِهِ الْجِدَارَ ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ وَ بِعَلِيٍّ وَ مَعَهُمَا بَنُو هَاشِمٍ وَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ(ص)حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقِيلَ لَهُ بَايِعْ فَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ لَا أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ وَ سَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ وَ أَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ اعْرِفُوا لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِثْلَ مَا عَرَفَتِ الْأَنْصَارُ لَكُمْ وَ إِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فَقَالَ عُمَرُ إِنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكاً حَتَّى تُبَايِعَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)احْلِبْ يَا عُمَرُ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ لِيَرُدَّ عَلَيْكَ غَداً (2) لَا وَ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ وَ لَا أُبَايِعُهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَإِنْ لَمْ تُبَايِعْنِي لَمْ أُكْرِهْكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّكَ حَدَثُ السِّنِّ وَ هَؤُلَاءِ مَشِيخَةُ قُرَيْشٍ قَوْمِكَ لَيْسَ لَكَ مِثْلُ تَجْرِبَتِهِمْ وَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأُمُورِ وَ لَا أَرَى أَبَا بَكْرٍ إِلَّا أَقْوَى عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ وَ أَشَدَّ احْتِمَالًا لَهُ وَ اضْطِلَاعاً بِهِ فَسَلِّمْ لَهُ هَذَا الْأَمْرَ وَ ارْضَ بِهِ فَإِنَّكَ إِنْ تَعِشْ وَ يَطُلْ عُمُرُكَ فَأَنْتَ لِهَذَا الْأَمْرِ خَلِيقٌ وَ بِهِ حَقِيقٌ فِي فَضْلِكَ وَ قَرَابَتِكَ وَ سَابِقَتِكَ وَ جِهَادِكَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اللَّهَ اللَّهَ لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ عَنْ
____________
(1) في المصدر: ما لي أراكم ملتاثين، و في الإمامة و السياسة ساق القصة هكذا و لفظه، ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتّى.
(2) نص على ذلك البلاذري في 1/ 587، ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1/ 18 راجع نصوصهم تحت الرقم 69.
349
دَارِهِ وَ بَيْتِهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ وَ دُورِكُمْ وَ لَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ فِي النَّاسِ وَ حَقِّهِ فَوَ اللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ أَ مَا كَانَ مِنَّا الْقَارِي لِكِتَابِ اللَّهِ الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ الْعَالِمُ بِالسُّنَّةِ الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَفِينَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَتَزْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً.
فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ لَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ سَمِعَتْهُ مِنْكَ الْأَنْصَارُ يَا عَلِيُّ قَبْلَ بَيْعَتِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ اثْنَانِ وَ لَكِنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا وَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ(ع)إِلَى مَنْزِلِهِ وَ لَمْ يُبَايِعْ وَ لَزِمَ بَيْتَهُ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ(ع)فَبَايَعَ .. (1).
ثم قال ابن أبي الحديد (2) هذا الحديث يدل على أن الخبر المروي في أبي بكر
____________
(1) شرح النهج 2 ر 3- 5.
(2) قال: هذا الحديث يدلّ على بطلان ما يدعى من النصّ على أمير المؤمنين و غيره لانه لو كان هناك نص صريح لاحتج به و لم يجر للنص ذكر، و انما كان الاحتجاج منه و من أبى بكر و من الأنصار بالسوابق و الفضائل و القرب، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين أو على أبى بكر لاحتج به أبو بكر أيضا على الأنصار، و لاحتج به أمير المؤمنين على أبى بكر، فان هذا الخبر و غيره من الاخبار المستفيضة يدلّ على أنّه قد كان كاشفهم و هتك القناع بينه و بينهم، ألا تراه كيف نسبهم الى التعدى عليه و ظلمه و تمنع من طاعتهم و أسمعهم من الكلام أشده و أغلظه، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره بعض من كان من شيعته و حزبه، لانه لا عطر بعد عروس، و هذا أيضا يدل ... الى آخر ما نقله المؤلّف العلامة في المتن.
أقول: انما لم يحتج- روحى له الفداء- بنص الغدير و ساير النصوص الواردة في امامته و ولايته، لانه (ص) لم يحضر السقيفة من أول الامر، و لا حين احتجت الأنصار على المهاجرين و المهاجرون على الأنصار، و انما كلمهم و احتج عليهم حينما قادوه كالجمل المخشوش الى البيعة التي تمت صفقتها بالاحتجاج بالقرابة فأنكر عليهم لزوم البيعة عليه، لانه أقرب الاقربين الى الرسول (ص).
فكان انكاره و احتجاجه من باب الالزام (ألزموهم بما الزموا به أنفسهم) اتماما للحجة، و الا فالقوم كانوا مفتونين بالامارة مشعوفين بحب الرئاسة عازمين على منع العترة من حقوقهم و لذلك لم ينفذوا جيش أسامة حذرا أن يلحق الرسول الاكرم بالرفيق الأعلى في غيابهم فلا يمكنهم بعد ذلك تنفيذ نياتهم أو يشق عليهم ذلك و لذلك قالوا انما الرجل يهجر حين أمرهم باحضار الكتف و الدواة و لذلك أرادوا أن يفتكوا به (ص) و لذلك ...
على انك قد عرفت فيما سبق(ص)187 و 273 أنّه و هكذا أصحابه و شيعته احتجوا بحديث الغدير و سائر الآيات النازلة في ولايته و امامته عند انكارهم لامر السقيفة، و شارح النهج نفسه قد روى احتجاجه بحديث الغدير، و اعترف بأنّه حقّ ثابت حيث قال في كلام له 2/ 61: «نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى- يعنى بعد موت عمر- و تعديده فضائله و خصائصه التي بان بها منهم و من غيرهم قد روى الناس فأكثروا، و الذي صح عندنا أنّه لم يكن الامر كما روى من تلك التعديدات الطويلة لكنه قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن و الحاضرون عثمان و تلكا هو (عليه السلام) عن البيعة «ان لنا حقا ان نعطه نأخذه و ان نمنعه نركب أعجاز الإبل و ان طال السرى» فى كلام قد ذكره أهل السيرة و قد أوردنا بعضه فيما تقدم، ثمّ قال لهم: أنشدكم اللّه أ فيكم أحد آخى رسول اللّه بينه و بين نفسه غيرى؟ فقالوا: لا، فقال: أ فيكم أحد قال له رسول اللّه: من كنت مولاه فهذا مولاه غيرى؟ فقالوا: لا، فقال: أ فيكم أحد قال له رسول اللّه أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا أنّه لا نبى بعدى غيرى؟ قالوا: لا. الى أن قال: قال (عليه السلام): فأينا أقرب الى رسول اللّه نسبا؟ قالوا: أنت ...».
فعلى هذا المعنى لانكاره النصّ و هو نفسه يروى نص الغدير و المؤاخاة و المنزلة، و يعترف باحتجاجه عليه الصلاة و السلام بهذه النصوص المذكورة يوم الشورى، فان الاحتجاج بالنص حيث ثبت ثبت النصّ، من دون فرق بين أن يكون في مناشدة الشورى أو في الرحبة أو يوم الجمل أو يوم صفّين، فان شئت تفصيل ذلك فراجع الغدير المجلد الأول حيث أنه أثبت تواتر الحديث من دون ريب و ترى أحاديث المناشدة من(ص)213- 159 و هكذا المجلد السادس من إحقاق الحقّ و نصوص المناشدة من(ص)305- 340.
على أن احتجاجه- روحى له الفداء- بالاولوية و الاقربية، كاف في اثبات امامته و لزوم بيعته، لو كانوا مطيعين سامعين، و ذلك في قول اللّه عزّ و جلّ (الأحزاب 6) «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً».
فالنبى (ص) أولى بالمؤمنين من أنفسهم ما دام الحيات: يأمرهم و ينهاهم، حتى في أمورهم الشخصية- ان شاء- حسب ما أوضحناه في ج 89(ص)141- 142، كما أمر زينب بنت جحش أن تزوج نفسها من زيد بن حارثة مولاه، و فيه نزلت الآية «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً».
و أمّا أولو الارحام، فالمراد بالارحام أرحام الرسول (ص) بقرينة المقام، و ان شئت فقل لام العهد انما يدلّ على حذف المضاف إليه بقرينة المقام و تقدير الكلام: «و أولو أرحامه- يعنى أولو أرحام الرسول- بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه من سائر المؤمنين كالانصار و هكذا أولى من المهاجرين و فيهم قرابة الرسول و رهطه.
فصريح الآية ان لا ولاية و لا حكومة لاحد من المؤمنين و المهاجرين على أرحام النبيّ (ص) و لا لهم أن يتخذوا من دونهم أولياء امراء و لا .... و لا .... الا ان يفعلوا الى أوليائهم معروفا، و اما أولو أرحامه، فبعضهم أولى ببعض ابدا، فان فيهم من هو أولى بهم سائر الدهر، فبعد الرسول الأعظم هو عليّ (عليه السلام) بالقرابة و البيعة و المؤاخاة و المؤازرة و النصّ و بعده الحسن و الحسين ثمّ من بعده من هو أولى به الى ان يرث اللّه الأرض و من عليها: و العاقبة للمتقين.
350
في صحيحي البخاري و مسلم غير صحيح و هو
- مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ(ع)لِعَائِشَةَ فِي مَرَضِهِ
351
ادْعِي لِي أَبَاكِ وَ أَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَاباً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ أَوْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَ يَأْبَى اللَّهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. (1).
ثُمَّ رَوَى مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
____________
(1) صحيح مسلم فضائل الصحابة الرقم 11 مسند أحد 6 ر 106 صحيح البخاريّ كتاب الاحكام 51 (ج 9 ر 100)، و اللفظ لمسلم.
352
إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عُفَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)أَنَّ عَلِيّاً(ع)حَمَلَ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) عَلَى حِمَارٍ وَ سَارَ بِهَا لَيْلًا إِلَى بُيُوتِ الْأَنْصَارِ يَسْأَلُهُمُ النُّصْرَةَ وَ تَسْأَلُهُمْ فَاطِمَةُ(ع)الِانْتِصَارَ لَهُ فَكَانُوا يَقُولُونَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ مَضَتْ بَيْعَتُنَا لِهَذَا الرَّجُلِ لَوْ كَانَ ابْنُ عَمِّكِ سَبَقَ إِلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ مَا عَدَلْنَاهُ بِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)أَ كُنْتُ أَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ مَيْتاً فِي بَيْتِهِ لَا أُجَهِّزُهُ وَ أَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ أُنَازِعُهُمْ فِي سُلْطَانِهِ وَ قَالَتْ فَاطِمَةُ مَا صَنَعَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَّا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ وَ صَنَعُوا هُمْ مَا اللَّهُ حَسِيبُهُمْ عَلَيْهِ. (1).
وَ رَوَى أَيْضاً مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ عَنْ أَبِي قَبِيصَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ(ص)وَ جَرَى فِي السَّقِيفَةِ مَا جَرَى تَمَثَّلَ عَلِيٌ
وَ أَصْبَحَ أَقْوَامٌ يَقُولُونَ مَا اشْتَهَوْا.* * * وَ يَطْغَوْنَ لَمَّا غَالَ زَيْداً غَوَائِلُهُ. (2)
.
وَ قَالَ وَ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بُويِعَ افْتَخَرَتْ تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ وَ كَانَ عَامَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَ جُلُّ الْأَنْصَارِ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ عَلِيّاً(ع)هُوَ صَاحِبُ الْأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَ خُصُوصاً يَا بَنِي تَيْمٍ إِنَّكُمْ إِنَّمَا أَخَذْتُمُ الْخِلَافَةَ بِالنُّبُوَّةِ وَ نَحْنُ أَهْلُهَا دُونَكُمْ وَ لَوْ طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي نَحْنُ أَهْلُهُ لَكَانَتْ كَرَاهَةُ النَّاسِ لَنَا أَعْظَمَ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ لِغَيْرِنَا حَسَداً مِنْهُمْ لَنَا وَ حِقْداً عَلَيْنَا وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِنَا عَهْداً هُوَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
و قال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب شعرا
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنصْرِفٌ.* * * عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنٍ.
أَ لَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ.* * * وَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْآثَارِ وَ السُّنَنِ.
وَ أَقْرَبَ النَّاسِ عَهْداً بِالنَّبِيِّ وَ مَنْ.* * * جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ فِي الْغُسْلِ وَ الْكَفَنِ.
مَنْ فِيهِ مَا فِيهِمْ لَا يَمْتَرُونَ بِهِ.* * * وَ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ مَا فِيهِ مِنَ الْحَسَنِ.
____________
(1) و في الإمامة و السياسة 1 ر 19 مثله و قد مر(ص)186. (2) شرح النهج 2 ر 5.
353
مَا ذَا الَّذِي رَدَّهُمْ عَنْهُ فَنَعْلَمَهُ.* * * هَا إِنَّ ذَا غَبَنٌ مِنْ أَعْظَمِ الْغَبَنِ.
قَالَ الزُّبَيْرُفَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(ع)وَ نَهَاهُ وَ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعُودَ وَ قَالَ سَلَامَةُ الدِّينِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ (1)
.ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ وَ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِمَا إِلَى عَائِشَةَأَنَّ فَاطِمَةَ وَ الْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنَ النَّبِيِّ(ص)وَ هُمَا يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ وَ سَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْراً رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَصْنَعُهُ إِلَّا صَنَعْتُهُ فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ وَ لَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ(ع)لَيْلًا وَ لَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَ كَانَ لِعَلِيٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ(ع)انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ(ع)فَمَكَثَتْ فَاطِمَةُ(ع)سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ وَ هُوَ الرَّاوِي لِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمْ يُبَايِعْهُ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ضَرَعَ إِلَى مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنِ ائْتِنَا وَ لَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ وَ كَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا عَرَفَ مِنْ شِدَّتِهِ فَقَالَ عُمَرُ لَا تَأْتِهِمْ وَحْدَكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ اللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ وَحْدِي وَ مَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ(ع)وَ قَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا لَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُبَايِعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْكَارٌ لِفَضْلِكَ وَ لَا نَفَاسَةٌ لِخَيْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقّاً فَاسْتَبْدَدْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا وَ ذَكَرَ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ حَقَّهُ فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ ذَلِكَ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ.
____________
(1) شرح النهج 2/ 8- 9، و مثله في تاريخ اليعقوبي 2/ 114 قال: و كان المهاجرون و الأنصار لا يشكون في على(ع)فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس و كان لسان قريش فقال: يا معشر قريش انه ما (انما) حقت لكم الخلافة بالتمويه، و نحن أهلها دونكم، و صاحبنا أولى بها منكم، و قام عتبة بن أبي لهب فقال: ما كنت أحسب إلخ.
354
فَلَمَّا صَمَتَ عَلِيٌّ(ع)تَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدَ فَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَهَا مِنْ قَرَابَتِي وَ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا آلُوكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ إِلَّا الْخَيْرَ وَ لَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ وَ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ(ص)فِي هَذَا الْمَالِ وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَتْرُكُ أَمْراً صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ(ص)إِلَّا صَنَعْتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ عَلِيٌّ(ع)مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ عَذَّرَ عَلِيّاً بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ بِهِ ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ(ع)فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَ ذَكَرَ فَضْلَهُ وَ سَابِقَتَهُ ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا أَصَبْتَ وَ أَحْسَنْتَ (1).
69-أَقُولُ رَوَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ أَعَاظِمِ عُلَمَاءِ الْمُخَالِفِينَ وَ مُؤَرِّخُهُم فِي تَارِيخِهِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ قِصَّةَ السَّقِيفَةِ بِطُولِهَا نَحْواً مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِإِلَّا أَنَّهُ قَالَ مَكَانَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ فَسَاقَ الْكَلَامَ إِلَى قَوْلِهِ فَلَمَّا ذَهَبَا أَيْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ عُمَرُ يُبَايِعَانِهِ سَبَقَهُمَا إِلَيْهِ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ (2)فَبَايَعَهُ فَنَادَى الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ يَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَاقَكَ عَائِقٌ مَا اضْطَرَّكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ حَسَدْتَ ابْنَ عَمِّكَ عَلَى الْإِمَارَةِ قَالَ لَا وَ لَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ قَوْماً حَقّاً هُوَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَتِ الْأَوْسُ مَا صَنَعَ قَيْسٌ وَ هُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مَا يَطْلُبُ الْخَزْرَجُ مِنْ تَأْمِيرِ سَعْدٍ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَ فِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ اللَّهِ لَئِنْ وَلَّيْتُمُوهَا سَعْداً عَلَيْكُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا زَالَتْ لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَيْكُمُ الْفَضِيلَةُ وَ لَا جَعَلُوا لَكُمْ فِيهَا نَصِيباً أَبَداً فَقُومُوا فَبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ فَقَامَ الْحُبَابُ إِلَى سَيْفِهِ فَأَخَذَهُ فَبَادَرُوا إِلَيْهِ فَأَخَذُوا سَيْفَهُ وَ جَعَلَ يَضْرِبُ بِثَوْبِهِ وُجُوهَهُمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنَ الْبَيْعَةِ فَقَالَ فَعَلْتُمُوهَا يَا مَعْشَرَ
____________
(1) شرح النهج 2/ 18- 19 و قد مر(ص)312 شطر من كلامه هذا، راجعه.
(2) في المصدر: فى كل المواضع بشير بن سعد الا في الأخير، و كيف كان، السهو من الكاتب قطعا.
* * *
355
الْأَنْصَارِ أَمَا وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِأَبْنَائِكُمْ عَلَى أَبْوَابِ أَبْنَائِهِمْ قَدْ وُقِفُوا يَسْأَلُونَهُمْ بِأَكُفِّهِمْ لَا يَسْقُونَهُمُ الْمَاءَ. (1)
وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَمَا لَوْ أَنَّ لِي مَا أَقْوَى بِهِ عَلَى النُّهُوضِ لَسَمِعْتُمْ فِي أَقْطَارِهَا وَ سِكَكِهَا زَئِيراً يُخْرِجُكَ وَ أَصْحَابَكَ وَ لَأَلْحَقْتُكَ بِقَوْمٍ كُنْتَ فِيهِمْ تَابِعاً غَيْرَ مَتْبُوعٍ خَامِلًا غَيْرَ عَزِيزٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ سَعْداً لَمْ يُبَايِعْ وَ كَانَ لَا يُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا يُجَمِّعُ بِجُمَعِهِمْ وَ لَا يُفِيضُ بِإِفَاضَتِهِمْ وَ لَوْ يَجِدُ عَلَيْهِمْ أَعْوَاناً لَصَالَ بِهِمْ وَ لَوْ تَابَعَهُ أَحَدٌ عَلَى قِتَالِهِمْ لَقَاتَلَهُمْ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَ وُلِّيَ عُمَرُ فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَ مَاتَ بِهَا وَ لَمْ يُبَايِعْ لِأَحَدٍ ره.
ثُمَّ ذَكَرَ امْتِنَاعَ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْبَيْعَةِ وَ اجْتِمَاعَهُمْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ أَنَّهُ ذَهَبَ عُمَرُ مَعَ جَمَاعَةٍ إِلَيْهِمْ وَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الزُّبَيْرُ بِسَيْفِهِ وَ سَاقَ مَا مَرَّ فِي رِوَايَةِ الْجَوْهَرِيِّ إِلَى أَنْ قَالَ.
ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً أُتِيَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَ هُوَ يَقُولُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ فَقِيلَ لَهُ بَايِعْ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ لَا أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ(ص)وَ تَأْخُذُونَهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتَ غَصْباً.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا احْتَجَّ(ع)بِهِ نَحْواً مِمَّا مَرَّ مَعَ زِيَادَاتٍ تَرَكْنَاهَا إِلَى أَنْ قَالَ وَ خَرَجَ عَلِيٌّ(ع)يَحْمِلُ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)عَلَى دَابَّةٍ لَيْلًا يَدُورُ فِي مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ تَسْأَلُهُمُ النُّصْرَةَ فَكَانُوا يَقُولُونَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَدْ مَضَتْ بَيْعَتُنَا لِهَذَا الرَّجُلِ وَ لَوْ أَنَّ زَوْجَكِ وَ ابْنَ عَمِّكِ سَبَقَ إِلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ مَا عَدَلْنَا بِهِ فَيَقُولُ عَلِيٌّ(ع)أَ فَكُنْتُ أَدَعُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)فِي بَيْتِهِ لَمْ أَدْفَنْهُ وَ أَخْرُجُ أُنَازِعُ النَّاسَ سُلْطَانَهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ مَا صَنَعَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَّا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ وَ قَدْ صَنَعُوا مَا اللَّهُ حَسِيبُهُمْ وَ طَالِبُهُمْ.
____________
(1) في المصدر: و لا يسقون الماء.
356
ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أُخْبِرَ بِقَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ بَيْعَتِهِ عِنْدَ عَلِيٍّ(ع)فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَجَاءَ فَنَادَاهُمْ وَ هُمْ فِي دَارِ عَلِيٍّ(ع)فَأَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا فَدَعَا عُمَرُ بِالْحَطَبِ فَقَالَ وَ الَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَتَخْرُجُنَّ أَوْ لَأُحْرِقَنَّهَا عَلَيْكُمْ عَلَى مَنْ فِيهَا فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا حَفْصٍ إِنَّ فِيهَا فَاطِمَةَ فَقَالَ وَ إِنْ.
فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا إِلَّا عَلِيٌّ فَإِنَّهُ زُعِمَ أَنَّهُ قَالَ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ وَ لَا أَضَعَ ثَوْبِي عَلَى عَاتِقِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ فَوَقَفَتْ فَاطِمَةُ(ع)عَلَى بَابِهَا فَقَالَتْ لَا عَهْدَ لِي بِقَوْمٍ حَضَرُوا أَسْوَأَ مَحْضَرٍ مِنْكُمْ تَرَكْتُمْ جِنَازَةَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)بَيْنَ أَيْدِينَا وَ قَطَعْتُمْ أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ لَمْ تُشَاوِرُونَا وَ لَمْ تَرَوْا لَنَا حَقّاً فَأَتَى عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَ لَا تَأْخُذُ هَذَا الْمُتَخَلِّفَ عَنْكَ بِالْبَيْعَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا قُنْفُذُ وَ هُوَ مَوْلًى لَهُ اذْهَبْ فَادْعُ عَلِيّاً قَالَ فَذَهَبَ قُنْفُذٌ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ مَا حَاجَتُكَ قَالَ يَدْعُوكَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ عَلِيٌّ(ع)لَسَرِيعٌ مَا كَذَبْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَرَجَعَ قُنْفُذٌ فَأَبْلَغَ الرِّسَالَةَ قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ طَوِيلًا فَقَالَ عُمَرُ الثَّانِيَةَ أَ لَا تَضُمُّ هَذَا الْمُتَخَلِّفَ عَنْكَ بِالْبَيْعَةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِقُنْفُذٍ عُدْ إِلَيْهِ فَقُلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكَ لِتُبَايِعَ فَجَاءَهُ قُنْفُذٌ فَأَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ فَرَفَعَ عَلِيٌّ صَوْتَهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَرَجَعَ قُنْفُذٌ فَأَبْلَغَ الرِّسَالَةَ قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ طَوِيلًا.
ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَمَشَى مَعَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى أَتَوْا بَابَ فَاطِمَةَ(ع)فَدَقُّوا الْبَابَ فَلَمَّا سَمِعَتْ أَصْوَاتَهُمْ نَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا بَاكِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا ذَا لَقِينَا بَعْدَكَ مِنِ ابْنِ الْخَطَّابِ وَ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ صَوْتَهَا وَ بُكَاءَهَا انْصَرَفُوا بَاكِينَ فَكَادَتْ قُلُوبُهُمْ تَتَصَدَّعُ وَ أَكْبَادُهُمْ تَتَفَطَّرُ وَ بَقِيَ عُمَرُ وَ مَعَهُ قَوْمٌ فَأَخْرَجُوا عَلِيّاً وَ مَضَوْا بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا بَايِعْ فَقَالَ إِنْ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ فَمَهْ قَالُوا إِذاً وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ نَضْرِبَ عُنُقَكَ قَالَ إِذاً تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِهِ فَقَالَ عُمَرُ أَمَّا عَبْدُ اللَّهُ فَنَعَمْ وَ أَمَّا أَخَا رَسُولِهِ فَلَا (1) وَ أَبُو بَكْرٍ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ.
____________
(1) حديث المؤاخاة بينه و بين الرسول الاكرم ممّا لا مرية فيه لاحد، و قد مر شطر من الأحاديث الصحيحة و المسانيد(ص)271- 273، و أمّا قوله (عليه السلام): إذا تقتلون عبد اللّه فقد أراد- نفسى له الفداء- أن يذكره قول الرسول الأعظم: «ان اللّه لم يحل في الفتنة شيئا حرمه قبل ذلك، ما بال أحدكم يأتي أخاه فيسلم عليه ثمّ يجىء بعد ذلك فيقتله؟
(منتخب كنز العمّال 6/ 37 قال: رواه الطبراني في الاوسط).
و هكذا أراد أن يذكرهم قول رسول اللّه ص: «انها ستكون بعدى أحداث و فتن و اختلاف، فان استطعت أن تكون عبد اللّه المقتول لا القاتل فافعل» (مسند الامام ابن حنبل 5/ 110 و 292).
أ فتراه نفعه الذكرى؟ لا و اللّه! أنى له الذكرى؟!.
357
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَ لَا تَأْمُرُ فِيهِ بِأَمْرِكَ فَقَالَ لَا أُكْرِهُهُ عَلَى شَيْءٍ مَا كَانَتْ فَاطِمَةُ إِلَى جَنْبِهِ فَلَحِقَ عَلِيٌّ بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَصِيحُ وَ يَبْكِي وَ يُنَادِي يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى فَاطِمَةَ فَإِنَّا قَدْ أَغْضَبْنَاهَا فَانْطَلَقَا جَمِيعاً فَاسْتَأْذَنَا عَلَى فَاطِمَةَ فَلَمْ تَأْذَنْ لَهُمَا فَأَتَيَا عَلِيّاً فَكَلَّمَاهُ فَأَدْخَلَهُمَا عَلَيْهَا فَلَمَّا قَعَدَا عِنْدَهَا حَوَّلَتْ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ فَسَلَّمَا عَلَيْهَا فَلَمْ تَرُدَّ (عليهما السلام) فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَ اللَّهِ إِنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي وَ إِنَّكِ لَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَائِشَةَ ابْنَتِي وَ لَوَدِدْتُ يَوْمَ مَاتَ أَبُوكِ أَنِّي مِتُّ وَ لَا أَبْقَى بَعْدَهُ أَ فَتَرَانِي أَعْرِفُكِ وَ أَعْرِفُ فَضْلَكِ وَ شَرَفَكِ وَ أَمْنَعُكِ حَقَّكِ وَ مِيرَاثَكِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَقَالَتْ أَ رَأَيْتَكُمَا إِنْ حَدَّثْتُكُمَا حَدِيثاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَ تَعْرِفَانِهِ وَ تَعْقِلَانِهِ قَالا نَعَمْ فَقَالَتْ نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ أَ لَمْ تَسْمَعَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)يَقُولُ رِضَا فَاطِمَةَ مِنْ رِضَايَ وَ سَخَطُ فَاطِمَةَ مِنْ سَخَطِي وَ مَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَرْضَى فَاطِمَةَ فَقَدْ أَرْضَانِي وَ مَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَنِي قَالا نَعَمْ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَتْ فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ أَنَّكُمَا أَسْخَطْتُمَانِي وَ مَا أَرْضَيْتُمَانِي وَ لَئِنْ لَقِيتُ النَّبِيَّ(ص)لَأَشْكُوَنَّكُمَا إِلَيْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَائِذاً بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَ سَخَطِكِ يَا فَاطِمَةُ ثُمَّ انْتَحَبَ أَبُو بَكْرٍ بَاكِياً يَكَادُ نَفْسُهُ أَنْ تَزْهَقَ وَ هِيَ تَقُولُ وَ اللَّهِ
358
لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُصَلِّيهَا.
ثُمَّ خَرَجَ بَاكِياً فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ أَ يَبِيتُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مُعَانِقاً لِحَلِيلَتِهِ مَسْرُوراً بِأَهْلِهِ وَ تَرَكْتُمُونِي وَ مَا أَنَا فِيهِ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِكُمْ أَقِيلُونِي بَيْعَتِي فَقَالُوا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَسْتَقِيمُ وَ أَنْتَ أَعْلَمُنَا بِذَلِكَ إِنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا لَا يَقُمْ لِلَّهِ دِينٌ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَوْ لَا ذَلِكَ وَ مَا أَخَافُ مِنْ رَخَاءِ هَذِهِ الْعُرْوَةِ مَا بِتُّ لَيْلَةً وَ لِي فِي عُنُقِ مُسْلِمٍ بَيْعَةٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ وَ رَأَيْتُ مِنْ فَاطِمَةَ قَالَ فَلَمْ يُبَايِعْ عَلِيٌّ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ وَ لَمْ تَمْكُثْ بَعْدَ أَبِيهَا إِلَّا خَمْساً وَ سَبْعِينَ لَيْلَةً. (1).
وَ لْنُوضِحْ بَعْضَ مَا رُبَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَى النَّاظِرِ فِيمَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ السَّالِفَةِ قَالَ الْجَزَرِيُّ الْقَعِيدُ الَّذِي يُصَاحِبُكَ فِي قُعُودِكَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَ قَالَ الْفِيرُوزَآبَادِيُّ أَدْلَى فُلَانٌ بِرَحِمِهِ تَوَسَّلَ وَ بِحُجَّتِهِ أَحْضَرَهَا وَ إِلَيْهِ مَالَهُ دَفَعَهُ وَ قَالَ نَهْنَهَهُ عَنِ الْأَمْرِ فَتَنَهْنَهَ زَجَرَهُ فَكَفَّ وَ قَالَ تَلَكَّأَ عَلَيْهِ اعْتَلَّ وَ عَنْهُ أَبْطَأَ وَ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ تَفَوَّتَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فِي كَذَا وَ افْتَاتَ عَلَيْهِ إِذَا انْفَرَدَ بِرَأْيِهِ دُونَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ وَ لَمَّا ضُمِّنَ مَعْنَى التَّغْلِيبِ عُدِّيَ بِعَلَى وَ مِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَ مِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي بَنَاتِهِ هُوَ افْتَعَلَ مِنَ الْفَوْتِ السَّبْقِ يُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئاً فِي أَمْرِكَ دُونَكَ قَدِ افْتَاتَ عَلَيْهِ فِيهِ.
و الشبل بالكسر ولد الأسد و العِرِّيس و العِرِّيسة بكسر العين و تشديد الراء فيهما مأوى الأسد قوله لنعيدها جذعة أي نعيد المحاربة التي كانت في بدو الأمر مستأنفة جديدة قال الجوهري قولهم فلان في هذا الأمر جذع إذا كان أخذ فيه حديثا قوله عفتك عفاة لعله دعاء له أي أتتك الأضياف دائما و عليه أي محا أثرك المصائب التي تذهب بالديار و الآثار قال الجوهري عفت الريح المنزل درسته و قال أيضا العفاة طلاب المعروف و فلان تعفوه الأضياف و هو كثير العفاة و في أكثر النسخ غفتك غفاف بالغين المعجمة و لم أجد له معنى مناسبا و في أكثر الكتب عقتك عقاق أي كما عققت الرحم و قطعتها عقتك أرحامك العاقة و في رواية ابن قتيبة عافك [عاقك
____________
(1) الإمامة و السياسة: 1/ 12- 20.
359
عائق.
و قال الجزري في حديث السقيفة الأمر بيننا و بينكم كقد الأبلمة الأبلمة بضم الهمزة و فتحها و كسرها خوصة المقلة و همزتها زائدة يقول نحن و إياكم في الحكم سواء لا فضل لأمير على مأمور كالخوصة إذا شقت باثنتين متساويتين انتهى.
و كانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب معنى البكر و الفصيل و العجاجة بالفتح الغبار و قال الجوهري الجدجد بالضم صرار الليل و هو قفاز و فيه شبه من الجراد و قال الفتك أن يأتي الرجل صاحبه و هو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله و
في الحديث قَيَّدَ الْإِيمَانُ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ.
و قال تدكدكت الجبال أي صارت دكاوات و هي رواب من طين و الدكداك من الرمل ما التبد منه بالأرض و لم يرتفع و قال الجندل الحجارة و الصراط بالكسر السبيل الواضح و العير الحمار الوحشي و الأهلي أيضا و الخسف الذل و المشقة و شج الوتد كناية عن دقه و يقال رثا له أي رق له و منعرج الوادي منعطفه يمنة و يسرة و اللوى كإلى ما التوى من الرمل أي اعوج أو مستدقه و استبان أي أوضح أو وضح لازم و متعد أي لم يعرفوا أني ناصح إلا ضحى الغد و قد جرى ما جرى في اليوم فلم تنفعهم معرفتهم و البيت من قصيدة في الحماسة و قصته مذكورة في مواضعها. (1)
و النجر نحت الخشب و يقال زرى عليه زريا عابه و عاتبه و التشذب التفرق و يقال ندر الشيء ندورا سقط و الحص حلق الشعر و الزئير صوت الأسد من صدره و في بعض النسخ بالباء الموحدة و هو كأمير الداهية و في النهاية ما تجانفنا فيه الإثم أي لم نمل فيه لارتكاب الإثم قوله فقال أنت صاحب من أنت صاحبه الظاهر أن القول لسعد أيضا و المعنى أنك خليفة من جعلته خليفة.
____________
(1) راجع الأغاني 10/ 7- 9.
360
تنبيه
اعلم أيها الطالب للحق و اليقين بعد ما أحطت خُبرا بما أوردنا في قصة السقيفة من أخبارنا و آثار المخالفين أن الإجماع الذي ادّعوه على خلافة أبي بكر هذا حاله و لهذا انجر إلى خراب الدين مآله و قد ذكر جل علماء الأصول من المخالفين أن الإجماع عبارة عن اتفاق جميع أهل الحل و العقد أي المجتهدين و علماء المسلمين على أمر من الأمور في وقت واحد و الجمهور أنفسهم تكلموا على تحقق الإجماع و شرائطه حسبما ذكر في شرح المختصر العضدي و غيره بأن الإجماع أمر ممكن أو محال و على تقدير إمكانه هل له تحقق أم لا و على التقادير كلها هل هو حجة و دليل على شيء أم لا و على تقدير كونه حجة و دليلا هل هو كذلك ما لم يصل ثبوته إلى حد التواتر أو لا و في كل ذلك وقع بين علمائهم التشاجر و التنازع فلا بد لهم من إثبات ذلك كله حتى تثبت إمامة أبي بكر.
و ليت شعري أن من لم يقل منهم بذلك كله كيف يدعي حقية إمامة أبي بكر و يتصدى لإثباتها ثم بعد ذلك خلاف آخر و هو أنه هل يشترط في حقيقة الإجماع أن لا يتخلف و لا يخالف أحد من المجمعين إلى أن يموت الكل أم لا و أيضا قد اختلفوا في أن الإجماع وحده حجة أم لا بد له من سند هو الحجة حقيقة و السند الذي قد ذكر في دعوى خلافة أبي بكر هو قياس فقهي حيث قاسوا رئاسة الدين و الدنيا بإمامة الصلاة في مرضه(ص)على ما ادعوه و قد عرفت حقيقته و لا يخفى فساده على من له أدنى معرفة بالأصول لأن إثبات حجية القياس في غاية الإشكال و علماء أهل البيت(ع)و الظاهرية من أهل السنة (1) و جمهور المعتزلة ينفون حجيته
____________
(1) هم اتباع داود الأصفهانيّ و من أركانهم ابن حزم الاندلسى، و هؤلاء استندوا في الاحكام و العقائد الى ظاهر ألفاظ الشريعة: الكتاب و السنة، و تركوا الاقيسة و الاستحسانات و الآراء، و قد أدى جمودهم الى ظاهر الألفاظ أن ذهبوا الى القول بالجسم و اثبات الأعضاء له تعالى و تقدس ذاهلين عن أن امثال قوله تعالى «اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ»* و «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» على الكناية و التشبيه.
361
و يقيمون على مذهبهم حججا عقلية و نقلية و لغيرهم أيضا في أقسامه و شرائطه اختلاف كثير.
و على تقدير ثبوت جميع ذلك إنما يكون القياس فيما إذا كان هناك علة في الأصل و يكون الفرع مساويا للأصل في تلك العلة و هاهنا العلة مفقودة بل الفرق ظاهر لأن الصلاة خلف كل بر و فاجر جائز عندهم بخلاف الخلافة إذ شرطوا فيها العدالة و الشجاعة و القرشية و غيرها و أيضا أمر إمامة الجماعة أمر واحد لا يعتبر فيه العلم الكثير و لا الشجاعة و التدبير و غيرها مما يشترط عندهم في الخلافة فإنها لما كانت سلطنة و حكومة في جميع أمور الدين و الدنيا تحتاج إلى علوم و شرائط كثيرة لم يكن شيء منها موجودا في أبي بكر و أخويه فلا يصح قياس هذا بذاك.
و قول بعضهم إن الصلاة من أمور الدين و الخلافة من أمور الدنيا غلط ظاهر لأن المحققين (1) منهم كالشارح الجديد للتجريد عرفوا الإمامة بالحكومة العامة في الدين و الدنيا و ظاهر أنه كذلك مع أن الأصل ليس بثابت لأن الشيعة ينكرون ذلك أشد الإنكار كما عرفت مما مضى من الأخبار (2) و سيأتي بعضها.
- وَ قَالَ (3) بَعْضُهُمْ إِنَّ النَّبِيَّ(ص)أَمَرَ النَّاسَ فِي مَرَضِهِ بِالصَّلَاةِ وَ لَمْ يُعَيِّنْ
____________
(1) راجع شرح المواقف 2/ 469 ط مصر شرح التجريد للفاضل القوشچى باب الإمامة.
(2) راجع(ص)130- 174 من هذا الجزء و قد مر(ص)145 و 156 عن صحاحهم و مسانيدهم (سنن ابى داود، سيرة ابن هشام، مسند ابن حنبل، طبقات ابن سعد، الاستيعاب) أن رسول اللّه(ص)انما قال: «مروا من يصلى بالناس» و لم يعين أحدا.
(3) قد مر(ص)160 من هذا الجزء كلام يشبه هذا نقله ابن أبي الحديد عن شيخه أبى يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني، و في إحقاق الحقّ 2/ 363 نسبة هذا الكلام بعبارته الى جمهور الشيعة.
362
أَحَداً.
- فَقَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ لِبِلَالٍ إِنَّهُ(ص)أَمَرَ أَنَّ يَؤُمَّ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا اطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبِ عَلِيٍّ(ع)وَ الْأُخْرَى عَلَى مَنْكِبِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ نَحَّى أَبَا بَكْرٍ عَنِ الْمِحْرَابِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ حَتَّى لَا تَصِيرَ إِمَامَتُهُ موجبا [مُوجِبَةً لِلْخَلَلِ فِي الدِّينِ.
و يعضده
- مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ (1) فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ إِلَى الْمِحْرَابِ فَكَانَ أَبُو بِكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بِكْرٍ أَيْ بِتَكْبِيرِهِ انْتَهَى (2).
و أيضا لو كان خبر تقديم أبي بكر في الصلاة صحيحا كما زعموا و كان مع صحته دالا على إمامته لكان ذلك نصا من النبي(ص)بالإمامة و متى حصل النص لا يحتاج معه إلى غيره فكيف لم يجعل أبو بكر و أصحاب السقيفة ذلك دليلا على إمامة أبي بكر و كيف لم يحتجوا به على الأنصار فعلم أن ذلك ليس فيه حجة أصلا.
و أيضا ظاهر أن الإمامة من الأصول فلا يصح إثباته بالقياس على تقدير تحقق القياس الصحيح فإنه على تقدير تسليم حجيته إنما يجري في الفروع و لو كان
____________
(1) راجع صحيح البخاريّ كتاب الاذان الباب 39 (ج 2/ 174) و لفظه «... قال عروة: فوجد رسول اللّه في [من] نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول اللّه حذاء أبى بكر الى جنبه فكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول اللّه و الناس يصلون بصلاة أبى بكر».
و اما قوله «أى بتكبيره» فهو تفسير ذكره شارح المواقف في وجه الجمع على ما مر في(ص)153، نعم في رواية البخارى 2/ 182 من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود:
«و قعد النبيّ(ص)الى جنبه و أبو بكر يسمع الناس التكبير» راجع متن الحديث(ص)139 و متن حديث عروة(ص)136.
(2) راجع إحقاق الحقّ 2/ 363 و ما بين العلامتين زيادة منه.
363
ظن المجتهد كافيا في مسألة الإمامة كما في الفروع الفقهية لزم عدم جواز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر لم يكن إماما و كان تقليد ذلك المجتهد جائزا مع أنهم لا يقولون به. (1)
و أيضا الاستخلاف لا يقتضي الدوام إذ الفعل لا دلالة له على التكرار و الدوام إن ثبت خلافته بالفعل و إن ثبت بالقول فكذلك كيف و قد جرت العادة بالتبعية مدة غيبته المستخلفة و الانعزال بعد حضوره.
و أيضا ذلك معارض بأنه(ص)استخلف عليا(ع)في غزوة تبوك في المدينة و لم يعزله و إذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في سائر وظائف الأمة لأنه لا قائل بالفصل و الترجيح معنا لأن استخلافه(ع)على المدينة أقرب إلى الإمامة الكبرى لأنه متضمن لأمور الدين و الدنيا بخلاف الاستخلاف في الصلاة كما مر.
و بعد تسليم ذلك كله نقول إن إجماع الأمة بأجمعهم على إمامة أبي بكر لم يتحقق في وقت واحد و هذا واضح مع قطع النظر عن عدم حضور أهل البيت(ع)و سعد بن عبادة سيد الأنصار و أولاده و أصحابه و لذا قال صاحب المواقف و شارحه السيد الشريف و إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار و البيعة فاعلم أن ذلك الحصول لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحل و العقد إذ لم يقم عليه دليل من العقل و السمع بل الواحد و الاثنان من أهل الحل و العقد كاف في ثبوت الإمامة و وجوب اتباع الإمام على أهل الإسلام و ذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الإمامة بذلك كعقد عمر لأبي بكر و عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان و لم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل و العقد فضلا عن إجماع الأمة من علماء الأمصار هذا و لم ينكر عليهم أحد و عليه أي على الاكتفاء بالواحد و الاثنين في عقد الإمامة انطوت
____________
(1) و زاد في الاحقاق: مع أنّه لو قال أحد عندهم: أبى اعتقد امامة عليّ (عليه السلام) لظن غلب على او تقليدا للمجتهد الفلانى، لا يخطئونه بل يقتلونه.
364
الأعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى. (1)
و قال التفتازاني في شرح المقاصد محتجا على إمامة أبي بكر لنا وجوه الأول و هو العمدة إجماع أهل الحل و العقد على ذلك و إن كان من البعض بعد تردد و توقف على ما روي أن الأنصار قالوا منا أمير و منكم أمير و إن أبا سفيان قال أ رضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم و الله لأملأن الوادي خَيْلًا و رَجِلًا و ذكر في صحيح البخاري و غيره من كتب الأصحاب أن بيعة علي كانت بعد توقف و في إرسال أبي بكر و عمر أبا عبيدة بن الجراح إلى علي(ع)رسالة لطيفة روتها الثقات بإسناد صحيح يشتمل على كلام كثير من الجانبين و قليل غلظة من عمر و على أن عليا(ع)جاء إليهما و دخل فيما دخلت فيه الجماعة و قال حين قام من المجلس بارك الله فيما ساءني و سركم فما روي أنه لما بويع لأبي بكر و تخلف علي(ع)و الزبير و مقداد و سلمان و أبو ذر أرسل أبو بكر من الغد إلى علي(ع)فأتاه مع أصحابه فبايعه و سائر المتخلفين محل نظر انتهى.
و قال في موضع آخر من الكتاب المذكور و تنعقد الإمامة بطرق أحدها بيعة أهل الحل و العقد من العلماء و الرؤساء و وجوه الناس من غير اشتراط عدد و لا اتفاق الكل من سائر البلاد بل لو بايع واحد مطاع كفت بيعته ثم قال فيه طريق ثبوت الإمامة عندنا و عند المعتزلة و الخوارج و الصالحية خلافا للشيعة اختيار أهل الحل و العقد و بيعتهم من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك و لا عدد محدود بل ينعقد بعقد واحد منهم و لهذا لم يتوقف أبو بكر إلى انتشار الأخبار في الأقطار و لم ينكر عليه أحد و قال عمر لأبي عبيدة ابسط يدك لأبايعك فقال أ تقول هذا و أبو بكر حاضر فبايع أبا بكر و هذا مذهب الأشعري إلا أنه يشترط أن يكون ذلك العقد بمشهد من الشهود لئلا يدعي الآخر عقدا سرا متقدما على هذا العقد انتهى. (2)
____________
(1) راجع شرح المواقف 2/ 467 ط دار الطباعة القاهرة.
(2) شرح المقاصد: 2/ 271 و 272، و قال في كلام له: «ان ما وقع بين الصحابة من المحاربات و المشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ و المذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق و بلغ حدّ الظلم و الفسق و كان الباعث عليه الحقد و العناد، و الحسد و اللداد، و طلب الملك و الرئاسات، و الميل الى اللذات و الشهوات، اذ ليس كل صحابى معصوما و لا كل من لقى النبيّ(ص)بالخير موسوما، الا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللّه ذكروا لها محامل و تأويلات بها يليق، و ذهبوا الى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل و التفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ و الضلالة، في حقّ كبار الصحابة، سيما المهاجرين منهم و الأنصار، المبشرين بالثواب في دار القرار.
و أمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ(ص)فمن الظهور بحيث لا مجال للاخفاء و من الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، و يكاد يشهد به الجماد العجماء، و يبكى له من في الأرض و السماء و تنهد منه الجبال، و تنشق منه الصخور، و يبقى سوء عمله على كر الشهور و الدهور، فلعنة اللّه على من باشر أو رضى أو سعى، و لعذاب الآخرة أشدّ و أبقى انتهى.
365
و اعترف إمامهم الرازي في كتاب نهاية العقول بأنه لم ينعقد الإجماع على خلافة أبي بكر في زمانه بل إنما تم انعقاده بموت سعد بن عبادة و كان ذلك في خلافة عمر.
فعلى أحكام هؤلاء السفهاء المدعين للانخراط في سلك العلماء فليضحك الضاحكون و في وقاحتهم و قلة حيائهم فليتحير المتحيرون أخزاهم الله ما ذا يصنعون بعهد الله و كيف يلعبون بدين الله و هل يذعن عاقل بأنه يكفي لرئاسة الدين و الدنيا و التصرف في نفوس جميع الأمة و أموالهم و أعراضهم بيعة واحد أو اثنين من آحاد الأمة ممن لا يجري حكمه على نفسه و لم يثبت عصمته و لا تقبل شهادته في درهم و لا في نصف درهم.
فإن قيل إن لم يتحقق الإجماع على خلافة أبي بكر في يوم السقيفة لكنه بعد ذلك إلى ستة أشهر قد تحقق اتفاق الكل على خلافته و رضوا بإمامته فتم
366
الإجماع قلنا ذلك أيضا ممنوع لما عرفت من عدم بيعة علي(ع)و أصحابه له بعد ستة أشهر أيضا و لو سلم أنه صفق على يده كما يفعله أهل البيعة فلا ريب في أن سعد بن عبادة و أولاده لم يتفقوا على ذلك و لم يبايعوا أبا بكر و لا عمر كما قال ابن عبد البر في الإستيعاب (1) في ترجمة أبي بكر إنه بويع له بالخلافة في اليوم الذي قبض فيه رسول الله(ص)في سقيفة بني ساعدة ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم و تخلف عن بيعته سعد بن عبادة و طائفة من الخزرج و فرقة من قريش.
و روى أيضا ابن عبد البر في الكتاب المذكور (2) و ابن حجر العسقلاني في الإصابة (3) أن سعدا لم يبايع أحدا من أبي بكر و عمر و لم يقدروا على إلزامه كإلزامهم لغيره لكثرة أقوامه من الخزرج فاحترزوا عن فتنتهم و لما وصل حكومة أهل الإسلام إلى عمر مر ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر و قال له ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد فقال سعد حرام علي أن أكون في بلد أنت أميره ثم خرج من المدينة إلى الشام و كانت له قبيلة كثيرة في نواحي دمشق كان يعيش في كل أسبوع عند طائفة منهم ففي تلك الأيام كان يذهب يوما من قرية إلى أخرى فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقتل.
و قال صاحب روضة الصفا (4) ما معناه إن سعدا لم يبايع أبا بكر و خرج إلى الشام و قتل بعد مدة فيها بتحريك بعض العظماء.
و قال البلاذري في تاريخه (5) إن عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد و محمد [بن
____________
(1) الاستيعاب 2/ 655.
(2) الاستيعاب 1/ 333 راجع الرقم 2337.
(3) الإصابة 2/ 27 ط مصر.
(4) روضة الصفا 2/ 219.
(5) قد مر عن تاريخ البلاذري(ص)183 نص في ذلك راجعه، و هكذا مر(ص)346 نصوص آخر من المسعوديّ في مروجه و شارح النهج الحديدى في موضعين من شرحه راجعه ان شئت.
و نص البلاذري مرة أخرى في تاريخه أنساب الأشراف 1/ 589 بنحو أبسط حيث قال: حدّثني المدائنى عن ابن جعدبة عن صالح بن كيسان؛ و عن أبي مخنف، عن الكلبى و غيرهما أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر و خرج الى الشام فبعث عمر رجلا و قال: ادعه الى البيعة و احتل له، و ان أبى فاستعن باللّه عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعدا في حائط بحوارين، فدعاه الى البيعة، فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فانى أقاتلك، قال: و ان قاتلتنى، قال: أ فخارج أنت ممّا دخلت فيه الأمة؟ قال: أما من البيعة فانى خارج، فرماه بسهم فقتله، و روى أن سعدا رمى في حمام و قيل كان جالسا يبول فرمته الجن و قال قائلهم:
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة* * * رميناه بسهمين فلم نخط فؤاده
فكما ترى لم يذكر في مقاله هذا و لا في مقاله المنقول(ص)183، أن المباشر لقتله من كان؟ و لعله ذكره في مورد آخر لم يطبع من كتابه بعد، فليراجع مظانها كترجمة أبى بكر (ج 2/ 470 المخطوطة بالآستانة) و ترجمة خالد بن الوليد (2/ 540 المخطوطة) و ترجمة عمر بن الخطّاب (2/ 577 المخطوطة) و ترجمة المغيرة بن شعبة (2/ 1211 المخطوطة).
367
مسلمة الأنصاري بقتل سعد فرماه كل منهما بسهم فقتل ثم أوقعوا في أوهام الناس أن الجن قتلوه و وضعوا هذا الشعر على لسانهم.
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة.* * * فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده.
و لو سلم فنقول قد اعتبر في تعريف الإجماع اتفاق أهله على أمر واحد في وقت واحد إذ لو لم يقع ذلك في وقت واحد احتمل رجوع المتقدم قبل موافقة المتأخر فلا معنى لحصول الإجماع على خلافة أبي بكر تدريجا و الحاصل أنهم أرادوا بوقوع الإجماع على خلافته حصول الاتفاق على ذلك بعد النبي(ص)بلا فصل أو في زمان قليل فهو معلوم البطلان و إن أرادوا تحققه بعد تطاول المدة فمع تسليمه مخالف لما اعتبر في حقيقة الإجماع من اتحاد الوقت و أيضا لا يقوم حجة إلا إذا
368
دخل الباقون طوعا أما إذا استظهر الأكثر و خاف الأقل و دخلوا فيما دخل فيه الأكثر خوفا و كرها فلا.
و لا أظنك تستريب بعد الاطلاع على ما أوردنا سابقا من روايات الخاصة و العامة أن الحال كانت كذلك و أن بني هاشم لم يبايعوا أولا ثم قهروا و بايعوا بعد ستة أشهر حتى أن معاوية كتب إلى علي(ع)يُؤَنِّبُهُ بذلك حيث يقول إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش و
- كتب(ع)في جوابه و قلت إني كنت أُقَادُ كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع و لعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت و أن تفضح فافتضحت و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا في يقينه و هذه حجتي عليك و على غيرك (1).
و سيأتي في باب شكواه عن المتقدمين المتغلبين ما فيه كفاية للمعتبرين.
و من الغرائب أنهم اتفقوا جميعا على صحة الحديث
- عَنِ النَّبِيِّ(ص)أَنَّهُ قَالَ: عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ (2).
و قد اعترف ابن أبي الحديد بصحته و قال الغزالي مع شدة تعصبه في كتاب الإحياء لم يذهب ذو بصيرة ما إلى تخطئة علي(ع)قط و
- من المتفق على روايته في صحاحهم و أصولهم كان
____________
(1) راجع(ص)318 ممّا سبق.
(2) راجع البحار ج 38(ص)27- 40 و الحديث أخرجه الحفاظ الاثبات راجع تاريخ بغداد 14/ 321 مجمع الزوائد 7/ 233 و 234 و 9 ر 134، سنن الترمذي 5 ر 297 بالرقم 3798، مستدرك الصحيحين 3 ر 124 مناقب الخوارزمي 62، جامع الأصول 9 ر 420 منتخب كنز العمّال 5 ر 62 و 34 شرح النهج الحميدى 2 ر 572 و لفظه فان قلت: فما هذا الامر الذي لم ينس و لم يخلق ان لم يكن هناك نص (يعنى قوله (عليه السلام): هذا و لم يطل العهد و لم يخلق منك الذكر) قلت: قوله(ص)«انى مخلف فيكم الثقلين و قوله(ص)اللّهمّ أدر الحق معه حيث دار و امثال ذلك من النصوص الدالة على تعظيمه و تبجيله و منزلته في الإسلام ....
369
علي ديان هذه الأمة بعد نبيها (1).
و قال الزمخشري و ابن الأثير عند ذكر الرواية الديان القهار و قيل القاضي و الحاكم و قد نقلنا ما أوردوه في صحاحهم من أخبار السفينة (2) و المنزلة (3) و الثقلين (4) و غيرها في أبواب النصوص عليه(ع)و أبواب فضائله و مع ذلك لا يبالون بمخالفته في إمامة خلفائهم بلى مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
____________
(1) راجع تاج العروس للزبيدى الفائق للزمخشريّ و النهاية لابن الأثير مادة دىن.
(2) راجع ج 23(ص)140- 166 من بحار الأنوار كتاب الإمامة الباب 7 باب فضائل أهل البيت و النصّ عليهم جملة من خبر الثقلين و السقيفة و باب حطة و غيرها، و الحديث متواتر في كتبهم نقله الحفاظ و رواة الاخبار، راجع معجم الطبراني الصغير 78 و 170، مستدرك الحاكم 3 ر 150 و 2 ر 343، ميزان الاعتدال 1 ر 224، مجمع الزوائد 9 ر 168، تاريخ الخلفاء 573، الخصائص الكبرى 2 ر 266، تاريخ بغداد 12 ر 91، حلية الأولياء 4 ر 306 منتخب كنز العمّال 5 ر 92 و 95، شرح النهج الحديدى 1 ر 73.
(3) راجع ج 37(ص)254- 289، و الحديث متواتر قطعا راجع سيرة ابن هشام 2 ر 520 المحبر 125، مسند الطيالسى 28 بالرقم 205، صحيح البخاريّ فضائل أصحاب النبيّ الباب 9، سنن الترمذي كتاب المناقب الباب 20 سنن ابن ماجة المقدّمة الباب 11، مسند ابن حنبل 1 ر 170 و 77 و 179 و 182 و 184 و 185، 3 ر 32، خصائص النسائى 15 ط مصر، صحيح مسلم 7 ر 120 بطرق كثيرة، الى غير ذلك ممّا تجده في احقاق الحق 5 ر 133- 234.
(4) راجع ج 23(ص)104- 166 من بحار الأنوار كتاب الإمامة الباب 7 و قد مر في(ص)177 من هذا الجزء بعض مصادر الحديث، و ان شئت راجع إحقاق الحقّ 9/ 309- 375.
370
تتميم
أحببت أن أورد هاهنا فصلا من كتاب تلخيص الشافي (1) يتضمن كثيرا مما أجاب به السيد رضي الله عنه في الشافي عن شبه المخالفين و أخبارا جمة مأخوذة من كتبهم يؤيد ما أسلفناه من الأخبار حيث قال في الكلام في خلافة أبي بكر.
و الطريقة الثانية بنوها على الإجماع و ادعوا أن الأمة أجمعت على إمامته و اختياره و لهم في ترتيب الإجماع طرق.
منها أن يقولوا انتهى الأمر في إمامته إلى إن لم يكن في الزمان إلا راض بإمامته و كاف عن النكير فلو لم يكن حقا لم يصح ذلك و لا فرق بين أن نبين ذلك في أول الأمر أو في بعض الأوقات و إنما يذكرون ذلك لادعائهم من أن ما ظهر من العباس و الزبير و أبي سفيان و وقع من تأخر أمير المؤمنين(ع)عن بيعته و من غيره زال كل ذلك.
و الآخر أن يقول إن كل من يدعي عليه الخلاف قد ثبت عنه فعلا و قولا الرضا و البيعة ممن يعتمد عليه و يذكرون أن سعد بن عبادة لم يبق على الخلاف أو لا يعتد بخلافه.
و الثالث أن يقولوا إن إجماعهم على فرع لأصل يتضمن تثبيت الأصل و قد استقر الإجماع في أيام عمر على إمامته و هي فرع لإمامة أبي بكر فيجب بصحتها صحة ذلك أو نبين أن أحدا لم يقل بصحة إمامة أحدهما دون الآخر ففي ثبوت أحدهما ثبوت الآخر من جهة الإجماع الثاني.
قالوا و الكلام في هذا أوضح لأن أيام عمر امتدت و ظهر للناس الطاعة له و القبول من قبله و حضور مجلسه و المعاضدة له في الأمور لأن سعد بن عبادة مات في أوائل أيام عمر فاستقر الإجماع بعده بغير شبهة.
و لنا في الكلام على إبطال هذه الطريقة وجهان من الكلام.
____________
(1) تلخيص الشافي 3/ 44 و ما بعده.
371
أحدهما أن نبين أن ترك المنازعة و الإمساك عن النكير اللَّذَيْنِ توصلوا بهما إلى الرضا و الإجماع لم يكونا في وقت من الأوقات.
و الثاني أن نسلم أن الخلاف في إمامته بعد ظهوره انقطع غير أنه لم ينقطع على وجه يوجب الرضا و إن السخط ممن كان مظهرا للنكير ثم كف عنه باق في المستقبل و إن كف عن معاذير يذكرها.
فأما الكلام في الوجه الأول فبأن الخلاف ظهر في أول الأمر ظهورا لا يمكن دفعه من أمير المؤمنين(ع)و العباس رضي الله عنه و جماعة بني هاشم ثم من الزبير حتى روي عنه أنه خرج شاهرا سيفه و اسْتُلِبَ من يده فَضُرِبَ بِهِ الصَّفَا ثم من سلمان و خالد بن سعيد و أبي سفيان صخر بن حرب فكل هؤلاء قد ظهر من خلافهم ما شهرته تغني عن ذكره و خلاف سعد و ولده و أهله أيضا معروف و كل هذا كان ظاهرا في ابتداء الأمر.
ثم إن الخلاف من بعض من ذكرنا بقي و استمر و إن لم يكن ظاهرا منه في المستقبل على حد ظهوره في الماضي إلا أنه منقول معروف فمن أين للمخالف أن الخلاف انقطع و أن الإجماع وقع في حال من الأحوال فما نراه عَوَّلَ في ذلك إلا على الدعوى.
فإن قال أما الخلاف في الابتداء فقد عرفته و أقررت به و ما تَدَّعُونَهُ من استمراره باطل لأنه غير منقول و لا معروف فعلى من ادعى استمرار الخلاف أن يبين ذلك فإني أنكره.
قيل له لا معتبر بإنكارك ما نذكره في هذا الباب لأنك بين أمرين إما أن تكون منكرا لكونه مرويا في الجملة و تدعي أن أحدا لم يرو استمرار الخلاف على وجه من الوجوه أو تعترف بأنَّ قوماً رووه غيرُ ثقاتٍ عندك و لم يظهر ظهور الخلاف و لم ينقله كل من نقل ذلك.
فإن أردت ما ذكرناه ثانيا فقد سبقناك إلى الاعتراف به لأنا لم ندع في الاستمرار ما حصل في الابتداء من الظهور و لا ندفع أنك لا توثق أيضا كل من
372
روى ذلك إلا أن أقل ما في هذا الباب أن يمنعك هذا من القطع على أن النكير زال و ارتفع و الرضا حصل و ثبت و إن أردت ما ذكرناه أولا فهو يجري مجرى المشاهدات لأن وجودها في الرواية أظهر من أن يدفع و لم يزل أمير المؤمنين(ع)متظلِّما متألِّما منذ قبض الرسول(ص)إلى أن توفاه الله إلى جنته و لم يزل أهله و شيعته يتظلمون له من دفعه عن حقه و كان ذلك منه(ع)و منهم يخفى و يظهر و يترتب في الخفاء و الظهور ترتب الأوقات في شدتها و سهولتها فكان(ع)يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهرا في أيام عمر ثم قَوِيَ كلامُهُ و صرَّح بكثير مما في نفسه في أيام عثمان ثم ازداد قوة في أيام تسليم الأمر إليه و من عنى بقراءة الآثار علم أن الأمر جرى على ما ذكرناه.
رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي (1).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً(ع)يَقُولُ
____________
(1) كتاب الثقفى (الغارات) غير مطبوع بعد، و اما كونه (عليه السلام) أحق بهذا الامر، فقد روى في النهج تحت الرقم 215 كلاما يشبه هذا و هو قوله: «اللّهمّ إنّي استعديك على قريش و من أعانهم فانهم قد قطعوا رحمى و أكفئوا انائى و أجمعوا على منازعتى حقا كنت أولى به من غيرى، و قالوا الا ان في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه فاصبر مغموما أو مت متأسفا، الخطبة و ذكره الحميدى في شرح النهج 3 ر 37 و قال في شرحه:
قد روى كثير من المحدثين أنّه عقيب يوم السقيفة تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و أنّه قال و هو يشير الى القبر «ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي» و أنّه قال: وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم، وا حمزتاه و لا حمزة لي اليوم. و قد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم.
373
مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا (1).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ وَ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَسَدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ قَالَ: بَيْنَمَا عَلِيٌّ(ع)يَخْطُبُ وَ أَعْرَابِيٌّ يَقُولُ وَا مَظْلِمَتَاهْ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)ادْنُ فَدَنَا فَقَالَ لَقَدْ ظُلِمْتُ عَدَدَ الْمَدَرِ وَ الْوَبَرِ.
وَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ يَتَخَطَّى فَنَادَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَظْلُومٌ قَالَ عَلِيٌّ(ع)وَيْحَكَ وَ أَنَا مَظْلُومٌ ظُلِمْتُ عَدَدَ الْمَدَرِ وَ الْوَبَرِ (2).
وَ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَالِدِي أَنَّ عَلِيّاً(ع)لَمْ يَقُمْ مَرَّةً عَلَى الْمِنْبَرِ إِلَّا قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ(ص)
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْقَنَّادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَ عَلِيٌّ(ع)يُصَلِّي أَمَامَهُ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَ لَا تُحَدِّثُنِي بِأَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْكَ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَ
____________
(1) هذا شطر من كلامه (عليه السلام) تراه في النهج تحت الرقم 6 من قسم الخطب و رواه الشارح الحميدى في شرحه 1 ر 76 عن طارق بن شهاب الاحمسى مرسلا،.
(2) قال الحميدى في شرح النهج 2 ر 476 عند كلامه (عليه السلام): «اللّهمّ إنّي استعديك على قريش و من أعانهم فانهم قطعوا رحمى و صغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتى أمرا هو لي» ما نصه:
اعلم انه قد تواترت الاخبار عنه (عليه السلام) بنحو من هذا القول نحو قوله: «ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه رسوله حتّى يوم الناس هذا» و قوله «اللّهمّ اخز قريشا فانها منعتنى حقى و غصبتنى أمرى» و قوله «فجزى قريشا عنى الجوازى فانهم ظلمونى حقى و اغتصبونى سلطان ابن امى» و قوله و قد سمع صارخا ينادى انا مظلوم فقال: «هلم فلنصرخ معا ما زلت مظلوما» و قوله [فى الخطبة الشقشقية] «و انه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحى» و قوله «أرى تراثى نهبا» و قوله «أصغيا بانائنا و حملا الناس على رقابنا» و قوله «ما زلت مستأثرا على مذعوفا عما أستحقه و استوجبه» ....
374
أَحَبَّهُمْ إِلَيْكَ أَحَبُّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)قَالَ أَجَلْ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَبَّهُمْ إِلَيَّ لَأَحَبُّهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ هَذَا الشَّيْخُ الْمَظْلُومُ الْمُضْطَهَدُ حَقُّهُ (1).
وَ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ(ع)كَانَ يَقُولُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحْشَرُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (2).
وَ
قَوْلُهُ(ع)يَا عَجَباً بَيْنَمَا يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
مَشْهُورٌ (3).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَائِشٍ عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَ لَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثاً لَا يَخْتَلِطُ قُلْتُ بَلَى قَالَ مَرِضَ أَبُو ذَرٍّ مَرَضاً شَدِيداً فَأَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لَوْ أَوْصَيْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ أَجْمَلَ مِنْ وَصِيَّتِكَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)قَالَ وَ اللَّهِ قَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً (4).
وَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَبَلَةَ الْكِنَانِيُّ عَنْ ذَرِيحٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)أَنَّ بُرَيْدَةَ كَانَ غَائِباً بِالشَّامِ فَقَدِمَ وَ قَدْ بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَأَتَاهُ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ هَلْ نَسِيتَ تَسْلِيمَنَا عَلَى عَلِيٍّ(ع)بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَةً مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ قَالَ يَا بُرَيْدَةُ إِنَّكَ غِبْتَ وَ شَهِدْنَا وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْدِثُ الْأَمْرَ بَعْدَ الْأَمْرِ وَ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَجْمَعَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْمُلْكَ.
. و قد روي خطاب بريدة لأبي بكر بهذا المعنى في ألفاظ مختلفة من طرق كثيرة. (5)
____________
(1) كتاب الغارات مخطوط بعد و أخرجه الحافظ ابن مردويه في المناقب على ما في مناقب عبد اللّه الشافعى(ص)87. راجع ذيل الاحقاق 8 ر 679.
(4) كتاب الغارات مخطوط بعد و أخرجه الحافظ ابن مردويه في المناقب على ما في مناقب عبد اللّه الشافعى(ص)87. راجع ذيل الاحقاق 8 ر 679.
(2) راجع(ص)80 من هذا الجزء.
(3) يريد اقالة أبى بكر عن بيعته، و هذا شطر من خطبته المعروفة بالشقشقية و سيأتي تمامها عن قريب إنشاء اللّه.
(5) راجع(ص)91 و 93 و 197 و 211 و غير ذلك.
375
و قد روي أيضا من طرق مختلفة و بألفاظ متقاربة المعاني خطاب سلمان الفارسي رضي الله عنه للقوم و إنكاره ما فعلوه و قوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سُنَّةَ الأولين و أخطأتم أهل بيت نبيكم(ص)و قوله ما أدري أ نسيتم أم تناسيتم أو جهلتم أم تجاهلتم و قوله و الله لو أعلم أني أعز لله دينا أو أمنع لله ضيما لضربت بسيفي قدما قدما. (1)
و لم نذكر أسانيد هذه الأخبار و طرقها بألفاظها لئلا يطول به الكتاب و من أراده أخذه من مظانه و هذا الخلاف من سلمان و بريدة لا ينفع فيه أن يقال رضي سلمان بعده و تولَّى الولايات و أمسك بريدة و سلَّم و بايع لأن تصريحهم بسبب الخلاف يقتضي أن الرضا لا يقع منهما أبدا و أنهما و إن كفَّا في المستقبل عن الإنكار لفقد النُّصَّار و الخوف عن النفس فإن قلوبهم منكرة و لكن ليس لمضطر اختيار.
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ الْحِمَّانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ فِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ (2).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرٍو الْبَجَلِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ عَنْ عَلِيٍّ(ع)قَالَ: لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَتَخْطَفَنِي الطَّيْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)وَ لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ لِي يَا عَلِيُّ سَتَغْدِرُ بِكَ الْأُمَّةُ بَعْدِي.
وَ رَوَى زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ(ع)يَقُولُ بَايَعَ النَّاسُ وَ اللَّهِ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا فَكَظَمْتُ غَيْظِي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرِي وَ أَلْزَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ هَلَكَ وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ وَ قَدْ وَ اللَّهِ [أ] عَلِمَ أَنِّي أَوْلَى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا فَكَظَمْتُ غَيْظِي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرِي ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ هَلَكَ وَ جَعَلَهَا شُورَى
____________
(1) راجع(ص)193 و 211 و 278 و غير ذلك.
(2) حديث غدر الأمة قد مضى مصادره(ص)41 و 45 في المتن و(ص)65 في الذيل و المتن ..
376
وَ جَعَلَنِي فِيهِمْ سَادِسَ سِتَّةٍ كَسَهْمِ الْجَدَّةِ فَقَالَ اقْتُلُوا الْأَقَلَّ فَكَظَمْتُ غَيْظِي وَ انْتَظَرْتُ أَمْرِي وَ أَلْزَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ حَتَّى مَا وَجَدْتُ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِاللَّهِ (1).
. و قوله(ع)ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله منبها بذلك على سبب قتاله لطلحة و الزبير و معاوية و كفه عمن تقدم لأنه لما وجد الأعوان و الأنصار لزمه الأمر و تعين عليه فرض القتال و الدفاع حتى لم يجد إلا القتال أو الخلاف لله و في الحال الأولى كان معذورا لفقد النُّصَّارِ و الأعوان. (2).
و روى جميع أهل السِّيَر أن أمير المؤمنين(ع)و العباس لما تنازعا في الميراث و تخاصما إلى عمر قال عمر من يعذرني من هذين ولي أبو بكر فقالا عقَّ و ظلم و الله يعلم أنه كان برا تقيا ثم وليت فقالا عقَّ و ظلم (3).
و هذا الكلام من أصح دليل على أن تظلمه(ع)عن القوم كان ظاهرا و غير خاف عليهم و إنما كانوا يجاملونه و يجاملهم.
وَ رَوَى الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الْجَمَلِ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حِينَ بُويِعَ خَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ وَ لَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ لَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ
____________
(1) كتاب الغارات مخطوط، و سيجيء في باب شكوى أمير المؤمنين (ع) شطر كثير من تظلماته (عليه السلام) إنشاء اللّه تعالى.
(2) و يشهد على ذلك كلامه (عليه السلام) «أما و الذي فلق الحبة و برا النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها ..
الخ و قد مر(ص)246 فيما سبق.
(3) أثبته الصحاح و المسانيد و لفظ مسلم على ما في ج 5/ 152 في حديث مالك ابن أوس «... قال: فلما توفى رسول اللّه قال أبو بكر أنا ولى رسول اللّه فجئتما تطلب ميراثك من ابن اخيك و يطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه ما نورث ما تركناه صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، و اللّه يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق، ثمّ توفى أبو بكر و أنا ولى رسول اللّه و ولى أبى بكر فرأيتمانى كاذبا آثما غادرا خائنا و اللّه يعلم انى لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها ... الحديث.
راجع صحيح البخاريّ كتاب النفقات الباب 3 كتاب المغازى الباب 14 كتاب الاعتصام الباب 5 سنن أبي داود كتاب الامارة 19، سنن الترمذي كتاب السير الباب 43 مسند الامام ابن حنبل 1/ 209، منتخب كنز العمّال 3/ 129 قال: رواه عبد الرزاق في الجامع و ابن حنبل و أبو عبيد في الأموال و البخارى و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائى و أبو عوانة و ابن حبان و ابن مردويه و البيهقيّ في السنن، و أخرجه ابن أبي الحديد في شرحه 4/ 82 و ما بعده بألفاظ مختلفة عن أبي بكر الجوهريّ و لفظه «ظالم فاجر» و في(ص)85 و لفظه «خائن فاجر» و سيوافيك سائر المصادر في باب فدك ان شاء اللّه تعالى.
377
تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الِاجْتِهَادُ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ فَمِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كَانَتْ عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي بِمَحْمُودِينَ أَمَا إِنِّي لَوْ أَشَاءُ لَقُلْتُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ سَبَقَ الرَّجُلَانِ وَ قَامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ هِمَّتُهُ بَطْنُهُ يَا وَيْلَهُ لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ لَكَانَ خَيْراً لَهُ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ بَعْدَهَا.
و قد رويت هذه الخطبة عن الواقدي: من طرق مختلفة (1)
____________
(1) رواه المفيد في الإرشاد: 115 قال: و من كلامه (عليه السلام) في الدعاء الى نفسه و الدلالة على فضله و الابانة عن حقه و التعريض بظالمه و الإشارة الى ذلك و التنبيه عليه ما رواه الخاصّة و العامّة عنه و ذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى و غيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته ... الخ.
و قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/ 92 في شرح الخطبة 16: و هذه الخطبة من جلائل خطبه (عليه السلام) و من مشهوراتها، قد رواها الناس كلهم و فيها زيادات حذفها الرضى اما اختصارا أو خوفا من ايحاش السامعين، و قد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان و التبيين على وجهها و رواها عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال:
أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بالمدينة في خلافته، حمد اللّه و أثنى عليه و صلى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال: ألا لا يرعين مرع الأعلى نفسه، شغل من الجنة و النار أمامه: ساع مجتهد، و طالب يرجو و مقصر في النار ثلاثة. و اثنان: ملك طار بجناحيه و نبى أخذ اللّه بيده، لا سادس، هلك من ادعى و ردى من اقتحم ... الى أن قال: قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين أما انى لو أشاء لقلت، عفا اللّه عما سلف، سبق الرجلان و قام الثالث كالغراب همته بطنه ويحه لو قص جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له، انظروا فان أنكرتم فأنكروا و ان عرفتم فآزروا، حق و باطل و لكل أهل ...... الى آخر الخطبة.
و أخرجه المتقى الهندى في منتخب كنز العمّال 2/ 190- 191 و قال: رواه اللالكائى، الا أنّه أسقط لفظ الغراب و ما بعده ممّا يتعلق بعثمان.
378
ثم روى الخطبة الشقشقية (1) ثم قال و الذي ذكرناه قليل من كثير و لو تقصينا جميع ما روي في هذا الباب عنه(ع)و عن أهله و ولده و شيعته لم يتسع جميع حجم كتابنا له و في بعض ما ذكرناه أوضح دلالة على أن الخلاف ما زال و أنه كان مستمرا و أن الرضا لم يحصل في حال من الأحوال.
فإن قيل جميع ما رويتموه أخبار آحاد لا توجب علما و لا يرجع بمثلها عن المعلوم و المعلوم أن الخلاف لم يظهر على حد ظهوره في الأول و لم يروها أيضا إلا متعصب غير موثوق بأمانته.
قلنا أما هذه الأخبار و إن كانت على التفصيل أخبار آحاد فمعناها متواتر لأنه قد رواه عدد كثير و جم غفير و إن كان اللفظ في التفصيل آحادا ثم لو سلمنا على اقتراحكم أنها آحاد ليس يجب أن يكون مانعة من القطع على ارتفاع النكير و ادعاء العلم بأن الخلاف قد زال و ارتفع لأنه لا يمكن مع هذه الأخبار و هي توجب الظن إن لم توجب العلم أن يدعى العلم بزوال الخلاف.
فأما قول السائل إنا لا نرجع بها عن المعلوم فأي معلوم هاهنا رجعنا بهذه
____________
(1) راجع الشافي 392، تلخيص الشافي 3/ 53 و الخطبة الشقشقية بشرحها و اخراج مصادرها سيأتي إنشاء اللّه تعالى في باب شكواه (عليه السلام).
379
الأخبار عنه فإن أراد الإجماع و زوال الخلاف فكل ذلك لا يثبت إلا مع فقد ما هو أضعف من هذه الأخبار و زوال الخلاف لا يكون معلوما مع وجداننا رواية واردة به و إنما يتوصل إلى الرضا و الإجماع بالكف عن النكير و زوال الخلاف و إذا كان الخلاف و النكير مرويين من جهة ضعيفة أو قوية كيف يقطع على ارتفاعهما أو زوالهما و أما القدح في الرواة فأول ما فيه أن أكثر ما رويناه هاهنا وارد من طرق العامة و مسند إلى من لا يتهمونه و لا يجرحونه و من تأمل ذلك علمه ثم ليس يقنع في جرح الرواة بمحض الدعوى دون أن يشار إلى أمور معروفة و أسباب ظاهرة و إذا رَوَى الخبرَ مَنْ ظاهرُهُ العدالةُ و التدينُ لم يقدح فيه ما جرى هذا المجرى من القدح.
فإن قيل هذا يؤدي إلى الشك في ارتفاع كل خلاف.
قلنا إن كان الطريق فيما تشيرون إليه يجري مجرى ما نتكلم عليه في هذا الباب فلا سبيل إلى القطع على انتفائه فكيف يقطع على انتفاء أمر و هو مروي منقول و إنما نقطع على ذلك في الموضع الذي لا يُوجَدُ فيه نقلٌ بخلاف و لا روايةٌ لنكير.
فإن قيل الشيء إذا كان مما يجب ظهوره إذا كان فإنا نستدل بانتفاء ظهوره على انتفائه و لا نحتاج إلى أكثر من ذلك و لهذا نقول لو كان القرآن عورض لوجب أن تظهر معارضته على حد ظهور القرآن فإذا لم نجدها ظاهرة قطعنا على انتفائها و لو رَوَى لنا راوٍ من طريق الآحاد أن معارضته وقعت لم نلتفت إلى روايته و هذه سبيل ما تَدَّعُونَهُ من النكير الذي لم يثبت و لم يظهر.
قلنا قد شرطت شرطا كان ينبغي أَنْ تُرَاعِيَهُ و تُوجِدَنَاهُ فيما اختلفنا فيه لأنك قلت إن كل أمر لو كان وجب ظهوره و متى لم يظهر يجب القطع على انتفائه و هذا صحيح و به تبطل معارضة القرآن على ما ذكرت لأن الأمر في أنها لو كانت لوجب ظهورها واضح و عليه بني الكلام و ليس هذا موجودا في النكير على أصحاب الاختيار لأنك لا تقدر على أن تدل على أن نكيرهم يجب ظهوره لو كان و أن الداعي إليه داع إلى إظهاره بل الأمر بخلاف ذلك لأن الإنكار على مالك الحل و العقد و
380
الأمر و النهي و النفع و الضر الذي قد مال إليه أكثر المسلمين و رضي بإمامته أكثر الأنصار و المهاجرين يجب طيه و ستره و لا يجوز إذاعته و نشره و الدواعي كلها متوفرة إلى إخفائه و ترك إعلانه فأين هذا من المعارضة.
و لو جوزنا في المعارضة أو غيرها من الأمور أن يكون و لا تدعو الدواعي إلى إظهاره بل إلى طيه و نشره لم يجب القطع على انتفائه من حيث لم يظهر للكل و لم ينقله الجميع و لكنا متى وجدنا أيسر رواية في ذلك نمنع لأجلها من القطع على انتفاء ذلك الأمر و على أنه لم يكن و سنشبع الكلام في السبب المانع من إظهار الخلاف و إعلان النكير فيما يأتي بمشية الله.
فأما قولهم إن كل من يدعي عليه الخلاف فإنه ثبت عنه قولا و فعلا الرضا بالبيعة و قد بينا و سنبين أن الأمر بخلافه و أن الذي اعتمدوه من الكف عن النزاع ليس بدلالة على الرضا لأنه وقع عن أسباب ملجئة و كذلك سائر ما يدعى من ولاية من تولى من قبل القوم ممن كان مقيما على خلافهم و منكرا لأمرهم.
و أما بناؤهم العقد الأول على الثاني و أنه لما ظهر في الثاني من الرضا و الانقياد لطول الأيام و تماديها ما لم يظهر في الأول جاز أن يجعل أصلا له فالكلام على العقد الأول الذي ذكرناه مستمر في الثاني بعينه لأن خلاف من حكينا خلافه و روينا عنه ما روينا هو خلاف في العقدين جميعا.
ثم لو سلمنا ارتفاع الخلاف على ما يقترحونه لكان ذلك لا يدل على الرضا إذا بينا ما أحوج إليه و ألجأ إلى استعماله.
فأما قولهم إن سعدا لا يعتد بخلافه من حيث طلب الإمامة لنفسه و كان مبطلا في ذلك و استمر على هذه الطريقة فلا اعتبار بخلافه فليس بشيء يعول عليه لأن أول ما في ذلك أن الذي ادعوه من أن الأئمة من قريش ليس بمقطوع به و لا رواه أحد من أهل السير و خلاف سعد في الإمامة و الأنصار خلاف واحد و نحن نبين ما ذكره أهل السير من خبر السقيفة ليعلم أن ما ادعوه
381
لا أصل له. (1)
ثم روى ما روينا منه سابقا من أخبار السقيفة (2) فقال و قد روى الطبري و غيره خبر السقيفة من طرق مختلفة خالية كلها من ذكر الاحتجاج
بالخبر المروي أن الأئمة من قريش.
و يدل على ضعفه ما روي عن أبي بكر من قوله عند موته (3)
____________
(1) الشافي: 395، تلخيص الشافي 3/ 60.
(2) مر متنه في(ص)330- 337 ممّا سبق.
(3) مر مصادره(ص)317 فيما سبق، و قد مر في(ص)261 كلام منافى الذيل تأيدنا من قوله (عليه السلام): «ان الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم و لا تصلح الولاة من غيرهم» أن كلام الرسول انما كان في الولاة و المراد أن بنى عبد المطلب و هم أرحام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هم الذين يلون أمر الناس تحت قيادة وليهم من عترته (ص).
ثمّ ذكرنا في(ص)351 أن قوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ» ينص على أن لا ولاية لاحد على أرحامه، سواء كان مهاجريا أو أنصاريا أو من سائر المؤمنين الى الابد.
فالمسلم أن لهذا الحديث أصلا من القرآن العظيم و بيان الرسول الكريم، فالقرآن هو آية الأحزاب 6، و الحديث قوله (ص) «انما الولاة من بنى هاشم و بنى عبد المطلب» أو كلام مثل هذا لكنهم بدلوه قولا غير الذي قيل لهم و من يبدل نعمة اللّه كفرا من بعد ما جاءته فان اللّه شديد العقاب.
و أمّا الشواهد التاريخية على ذلك فكثيرة و ممّا يحضرنى الآن ما رواه الطبريّ في تاريخه 4/ 233 في حديث الشورى: «... فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتى الى أهل هذا البيت بعد نبيهم، انى لا عجب من قريش أنهم تركوا رحلا ما أقول ان أحدا أعلم و لا أقضى منه بالعدل، أما و اللّه لو أجد عليه أعوانا، فقال عبد الرحمن: يا مقداد اتق اللّه فانى خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك اللّه من أهل هذا البيت و من هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، و الرجل على بن أبى طالب، فقال عليّ (عليه السلام): ان الناس ينظرون الى قريش و قريش تنظر الى بيتها فتقول «ان ولى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، و ما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم ...» و العجب أن شارح النهج ذكر في قصة الشورى هذا الذي رواه الطبريّ بطوله عن نفس التاريخ، لكن سؤال الرجل عن مقداد و جوابه ساقط عنه و لا أظن في ذلك الا سهو الطابع دون التعمد إنشاء اللّه، و الا فشارح النهج قد روى كثيرا من هذا المعنى في غصون كتابه، و هو الذي روى في 2/ 18 أن المغيرة بن شعبة قال لابى بكر و عمر: «أ تريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت؟ وسعوها في قريش تتسع» (راجع أيضا(ص)205 ما مر عن الطوسيّ ره).
و من الشواهد ما رواه البلاذري في 5/ 17 من أنسابه أن عمر قال لعلى (عليه السلام) «ان وليت من أمر الناس شيئا فلا تحملن بنى عبد المطلب على رقاب الناس» و هكذا روى كلام عمر هذا شارح النهج و قد مر نصه(ص)274 و روى أيضا في 2/ 20 و 1/ 34 من شرحه كلاما آخر لعمر يؤيد ما ذكرناه، و أنهم خافوا امارة على لحداثة سنه و حبّه بنى عبد المطلب، راجع نصه(ص)262، و لذلك نفسه ترى عبد الرحمن بن عوف يقول لعلى «عليك عهد اللّه و ميثاقه ان بايعتك أن لا تحمل بنى عبد المطلب على رقاب الناس ...» أنساب الأشراف للبلاذري 5/ 22.
و من الشواهد ما رواه المفيد في الإرشاد 116 و السيّد المرتضى في الشافي 442 تلخيص الشافي 4/ 45 و نقله عنه شارح النهج 3/ 172 عن جندب في حديث مبايعة عثمان يوم الشورى و فيه أنّه أشار الى على أن يقاتلهم و لو بعشرة من أصحابه فقال (عليه السلام):
«أو تراه كان تابعي من كل مائة عشرة؟ قلت: لارجو ذلك، قال: لكنى لا أرجو، لا و اللّه و لا من المائة اثنين و سأخبرك من أين ذلك، ان الناس انما ينظرون الى قريش فيقولون هم قوم محمّد و قبيلته و ان قريشا تنظر الينا فتقول: ان لهم بالنبوة فضلا على سائر قريش و انهم أولياء هذا الامر، دون قريش و الناس، و أنهم ان ولوه لم يخرج هذا السلطان منهم الى أحد أبدا، و متى كان في غيرهم تداولتموه بينكم، فلا و اللّه لا تدفع قريش الينا هذا السلطان طائعة أبدا ... الحديث.
382
ليتني كنت سألت رسول الله(ص)عن ثلاثة أشياء ذكر من جملتها ليتني كنت
383
سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق فكيف يقول هذا القول من يروي عنه(ع)أن الأئمة من قريش و أن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش و يدل على ضعفه أيضا ما روي أن عمر قال عند موته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشكوك (1) بعد أن ذكر أهل الشورى و طعن على واحد واحد و سالم لم يكن من قريش فكيف يجوز أن يقول هذا و قد سمع أبا بكر روى هذا الخبر.
وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ شُيُوخِهِ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ قِيلَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ قَالَ مَنْ أَسْتَخْلِفُ لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَيّاً لَاسْتَخْلَفْتُهُ فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي قُلْتُ سَمِعْتُ نَبِيَّكَ(ص)يَقُولُ إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيّاً اسْتَخْلَفْتُهُ فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي قُلْتُ سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ إِنَّ سَالِماً شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَدُلُّكَ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ قَاتَلَكَ اللَّهُ وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ اللَّهَ بِهَذَا وَيْحَكَ كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَجَزَ عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ (2)..
وَ رَوَى الْبَلاذُرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِتَارِيخِ الْأَشْرَافِ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ مُسْتَنِداً إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَ عِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ اعْلَمُوا أَنِّي لَمْ أَقُلْ فِي الْكَلَالَةِ شَيْئاً وَ لَمْ أَسْتَخْلِفْ بَعْدِي أَحَداً وَ أَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ وَفَاتِي مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِ اللَّهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَشَرْتَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ائْتَمَنَكَ النَّاسُ فَقَالَ عُمَرُ
____________
(1) طبقات ابن سعد 3 ق 2/ 248، الاستيعاب 2/ 561، أسد الغابة 2/ 246، تاريخ الطبريّ 4/ 227، العقد الفريد 2/ 256، الإمامة و السياسة 1/ 28 اعلام النساء 2/ 876 منتخب كنز العمّال 4/ 427 و 2/ 188 راجع ترجمة سالم(ص)85 فيما سبق.
(2) تاريخ الطبريّ 4/ 227، العقد الفريد 2/ 156، تاريخ الكامل 3/ 34، الصواعق المحرقة 102 و قصة طلاق امرأته في الحيض معروف في الفقه.
384
لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أَصْحَابِي حِرْصاً سَيِّئاً وَ أَنَا جَاعِلٌ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى النَّفَرِ السِّتَّةِ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ثُمَّ قَالَ لَوْ أَدْرَكَنِي أَحَدُ رَجُلَيْنِ لَجَعَلْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِ وَ لَوَثِقْتُ بِهِ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ قَاتَلَكَ اللَّهُ وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ اللَّهَ بِهَذَا أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ عَفَّانُ يَعْنِي بِالرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ (1)..
و هذا كما ترى تصريح بأن تمني سالم إنما كان لأن يستخلفه كما أنه تمنى أبا عبيدة لذلك فأي تأويل يبقى مع هذا الشرح.
و العجب من أن يكون بحضرته مثل أمير المؤمنين و منزلته في خلال الفضل منزلته و باقي أهل الشورى الذين كانوا في الفضل الظاهر على أعلى طبقاته ثم يتمنى مع ذلك حضور سالم تمني من لا يجد منه عوضا و إن ذلك لدليل قوي على سوء رأيه في الجماعة (2) و لو كان تمنيه للرأي و المشورة كان يكون أيضا الخطب جليلا لأنا نعلم أنه لم يكن في هذه الجماعة التي ذكرناها إلا مَنْ مَوْلَاهُ يُسَاوِي سَالِماً إن لم يَفْضُلْهُ في الرأي و جودة التحصيل فكيف يرغب عنهم في الرأي و اختيار من لا يصلح للأمر و يتلهف على حضور من لا يدانيهم في علم و لا رأي و كل هذه الأخبار إذا سُلِّمَتْ و أَحْسَنَّا الظنَّ بعمر دلت على أن
الخبر الذي رووه بأن الأئمة من قريش.
لا أصل له.
فإن قيل كيف تدفعون هذا الخبر و أنتم تقولون بمثل ذلك.
____________
(1) يطلب في 2/ 577 من تاريخ البلاذري و ما بعدها من مخطوطة استانبول المحفوظة في بناء المكاتب المسمى سليمانية تحت الرقم 958، لم يطبع بعد و قد طبع بعض أجزائه و الحديث أخرجه بهذا السند و تغيير يسير في الألفاظ كاتب الواقدى في طبقاته 3 ق 2/ 248.
(2) بل هو أقوى شاهد على أنهم كانوا أصحاب العقدة التي كتبوها بينهم في صحيفة راجع ذيل(ص)86 من هذا الجزء.
385
قلنا نحن لا نرجع في ثبوت إمامة من نقول بإمامته إلى أمثال هذه الأخبار بل لنا على ذلك أدلة واضحة و حجج بينة و إنما أوردنا خبر السقيفة ليعلم أن خلاف سعد و ذويه كان قادحا.
ثم لو سلمنا أنه كان مُبْطِلًا في طلب الإمامة لنفسه على ما يقترحونه لم لا يعتد بخلافه و هو خالف في أمرين أحدهما أنه اعتقد أن الإمامة تجوز للأنصار و الآخر أنه لم يرض بإمامة أبي بكر و لا بايعه و هذان خلافان ليس كونه مبطلا في أحدهما يقتضي أن يكون مبطلا في الآخر و ليس أحدهما مبنيا على صاحبه فيكون في إبطال الأصل إبطال الفرع لأن من ذهب إلى جواز الإمامة في غير قريش لا يمنع من جوازها في قريش فكيف يجعل امتناعه من بيعة قريش مبنيا على أصله في أن الإمامة تجوز في غير قريش دليلا على أنه مبطل في امتناعه من بيعة إنسان بعينه.
و ليس لأحد أن يقول إن سعدا وحده لا يكون محقا و لا يكون خروجه عما عليه الأمة مؤثرا في الإجماع و ذلك أن هذا استبعاد لا وجه له لأن سعدا مثل غيره من الصحابة الذين إذا خالفوا في شيء أثر خلافهم في الإجماع و لا يعد إجماعا.
فإن قيل إن خلاف واحد و اثنين لا يعتد به لأنه لا يكون سبيلا للمؤمنين و قول الجماعة يصح ذلك فيه.
قيل أول ما فيه أنه كان لسعد من الأولاد من يجوز أن يتناوله الكناية عن الجماعة لأن أقل من يتناوله اللفظ ثلاثة فصاعدا و بعد فإذا كان لفظ المؤمنين يفيد الاستغراق على وجه الحقيقة فمن حمله على جماعة دون الاستغراق كان مجازا و إذا جاز حمله على هذا الضرب من المجاز جاز أن يحمل على الواحد لأنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجماعة مجازا على أنا قد بينا فيما تقدم أن هذه الآيات لا دلالة فيها على صحة التعلق بالإجماع و في ذلك إسقاط هذا السؤال.
و أما الطريقة الثانية فهي أن نسلم لهم ترك النكير و إظهار البيعة و
386
نقول ما الذي يدل على أنهم كانوا راضين بها و الرضا من أفعال القلوب لا يعلمه إلا الله تعالى ثم يقال لهم قد علمنا أن أمير المؤمنين(ع)تأخر عن البيعة و امتنع منها علما لا يتخالجنا فيه الشك و اختلف الناس في مدة تأخرها فمنهم من قال ستةَ أشهر و منهم من قال أربعين يوما (1) و منهم من قال أقل و أكثر و ذلك يدل على إنكاره للبيعة و تسخطه لها فمن ادعى أنه بايع بعد ذلك مختارا راضيا بالبيعة فعليه الدلالة.
فإن قيل لو لم يكن راضيا بها لأنكر لأنه كان يتعين عليه الإنكار من حيث إن ما ارتكبوه قبيح و من حيث إنه دفع عن مقامه و استحقاقه فلما لم ينكر دل على أنه كان راضيا.
قيل و لم زعمتم أنه لا وجه لترك النكير إلا الرضا دون غيره لأنه إذا كان ترك النكير قد يقع و يكون الداعي إليه غير الرضا كما قد يدعو إليه الرضا فليس لأحد أن يجعل فقده دليل الرضا و النكير قد يرتفع لأمور منها التقية و الخوف على النفس و ما جرى مجراها و منها العلم أو الظن بأنه يعقب من النكير ما هو أعظم من المنكر الذي يراد إنكاره و منها الاستغناء منه بنكير تقدم و أمور ظهرت ترفع اللبس و الإبهام في الرضا بمثله و منها أن يكون للرضا و إذا كان ترك النكير منقسما لم يكن لأحد أن يخصه بوجه واحد و إنما يكون ترك النكير دلالة على الرضا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا فمن أين لهم أنه لا
____________
(1) قال اليعقوبي في تاريخه 2/ 116، و لم يبايع عليّ (عليه السلام) الا بعد ستة أشهر، و قيل أربعين يوما، و قد مر عن ابن أبي الحديد أنّه قال: «و الذي يقوله جمهور المحدثين و أعيانهم فانه (عليه السلام) امتنع عن البيعة ستة أشهر و لزم بيته فلم يبايع حتى ماتت فاطمة (عليها السلام)، و كيف كان، الاختلاف مبنى على الاختلاف في وفاة فاطمة الصديقة، فقد قيل أنّها توفيت بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بستة أشهر، و قيل ثمانية أشهر، و قيل مائة يوم، و قيل بتسعين و قيل بخمسة و سبعين يوما، و لا أقل من القول بأربعين يوما» راجع ذخائر العقبى 52 أسد الغابة 5/ 524، تهذيب التهذيب 12/ 442.
387
وجه لترك النكير هاهنا إلا الرضا.
فإن قيل ليس الرضا أكثر من ترك النكير فمتى علمنا ارتفاع النكير علمنا الرضا.
قلنا هذا مما قد بينا فساده و بينا أن ترك النكير ينقسم إلى الرضا و غيره و بعد فما الفرق بين من قال هذا و بين من قال و ليس السخط أكثر من ارتفاع الرضا فمتى لم أعلم الرضا و أتحققه قطعت على السخط فيجب على من ادعى أن أمير المؤمنين(ع)كان راضيا أن ينقل ما يوجب كونه كذلك و لا يعتمد في أنه كان راضيا على أن نكيره ارتفع فإن للمقابل أن يقابل ذلك بما قدمنا ذكره و يجعل دليل كونه ساخطا ارتفاع رضاه.
فإن قال ليس يجب علينا أن ننقل ما يدل على رضاه أكثر من بيعته و ترك نكيره لأن الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه و على من ادعى خلافه و أنه كان مبطنا لخلاف الرضا أن يدل على ذلك فإنه خلاف الظاهر.
قيل له ليس الأمر على ما قدرته لأن سخط أمير المؤمنين(ع)هو الأصل لأنه لا خلاف بين الأمة في أنه(ع)سخط الأمر و أباه و نازع فيه و تأخر عن البيعة ثم لا خلاف أنه في المستقبل أظهر البيعة و لم يقم على ما كان عليه من إظهار الخلاف و النكير فنقلنا عن أحد الأصلين اللذين كان عليهما من الامتناع عن البيعة و إظهار الخلاف أمر معلوم و لم ينقلنا عن الأصل الآخر الذي هو السخط و الكراهة شيء فيجب على من ادعى تغير الحال أن يدل على تغيرها و يذكر أمرا معلوما يقتضي ذلك و لا يرجع علينا فيلزمنا أن ندل على ما ذكرنا لأنا على ما بيناه متمسكون بالأصل المعلوم و إنما تجب الدلالة على من ادعى تغيير الحال.
و ليس له أن يجعل البيعة و ترك النكير دلالة الرضا لأنا قد بينا أن ذلك منقسم و لا ينقل من المعلوم المتحقق بأمر محتمل.
فإن قيل هذه الطريقة التي سلكتموها توجب الشك في كل إجماع و تمنع
388
من أن نقطع على رضا أحد بشيء من الأشياء لأنا إنما نعلم الرضا في كل موضع نثبته فيه بمثل هذه الطريقة و بما هو أضعف منها.
قيل له إن كان لا طريق إلى معرفة الإجماع و رضى الناس بالأمر إلا ما أدعيته فلا طريق إذا إليه لكن الطريق إلى ذلك واضح و هو أن يعلم أن النكير لم يرتفع إلا للرضا و أنه لا وجه هناك سواه و هذا قد يعلم ضرورة من شاهد الحال و قد يعلم من غاب عنها بالنقل و غيره حتى لا يرتاب بأن الرضا هو الداعي إلى ترك النكير أ لا ترى أنا نعلم كلنا علما لا يعترضه شك أن بيعة عمر و أبي عبيدة و سالم لأبي بكر كانت عن رضى و موافقة و مبايعة في الظاهر و الباطن و أنه لا وجه لما أظهروه من البيعة و الموافقة إلا الرضا و لا نعلم ذلك في أمير المؤمنين(ع)و من جرى مجراه فلو كان الطريق واحدا لعلمنا الأمرين على سواء.
و هذا أحد ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضع فيقال لو كان أمير المؤمنين(ع)راضيا و ظاهره كباطنه في الكف عن النكير لوجب أن نعلم ذلك من حاله كما علمناه من حال عمر و أبي عبيدة فلما لم يكن ذلك معلوما دل على اختلاف الحال فيه.
و كيف يشكل على منصف أن بيعة أمير المؤمنين(ع)لم تكن عن رضا و الأخبار متظاهرة من كل من روى السير بما يقتضي ذلك حتى أن من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق عليه شك في أنه(ع)أُلْجِئَ إلى البيعة و صار إليها بعد المدافعة و المحاجزة لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.
فَقَدْ رَوَى أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الْبَلاذُرِيُّ وَ حَالُهُ فِي الثِّقَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَ الْبُعْدِ عَنْ مُقَارَبَةِ الشِّيعَةِ وَ الضَّبْطِ لِمَا يَرْوِيهِ مَعْرُوفَةٌ قَالَ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُعَمَّرٍ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى عَلِيٍّ(ع)حِينَ قَعَدَ عَنْ بَيْعَتِهِ وَ قَالَ ائْتِنِي بِهِ بِأَعْنَفِ الْعُنْفِ فَلَمَّا أَتَاهُ جَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَقَالَ لَهُ احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ وَ اللَّهِ
389
مَا حِرْصُكَ عَلَى إِمَارَتِهِ الْيَوْمَ إِلَّا لِيُؤَمِّرَكَ غَداً وَ مَا نَنْفَسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ هَذَا الْأَمْرَ وَ لَكِنَّا أَنْكَرْنَا تَرْكَكُمْ مُشَاوَرَتَنَا وَ قُلْنَا إِنَّ لَنَا حَقّاً لَا تَجْهَلُونَهُ ثُمَّ أَتَاهُ فَبَايَعَهُ. (1).
و هذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال و ما تقوله الشيعة بعينه و قد أنطق الله به رواتهم.
وَ قَدْ رَوَى الْبَلاذُرِيُّ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ عُمَرَ إِلَى عَلِيٍّ(ع)يُرِيدُهُ إِلَى الْبَيْعَةِ فَلَمْ يُبَايِعْ فَجَاءَ عُمَرُ وَ مَعَهُ قَبَسٌ فَتَلَقَّتْهُ فَاطِمَةُ(ع)عَلَى الْبَابِ فَقَالَتْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَ تَرَاكَ مُحْرِقاً عَلَيَّ بَابِي قَالَ نَعَمْ وَ ذَلِكِ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ وَ جَاءَ عَلِيٌّ(ع)فَبَايَعَ. (2).
و هذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة و إنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة لكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة و ربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه (3) و أي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.
____________
(1) تاريخ البلاذري 1/ 587 و قد مر فيما سبق نصوص في ذلك، راجع(ص)318.
(2) تاريخ البلاذري (أنساب الأشراف) 1/ 586 و حديث الاحراق قد مضى مصادره(ص)204 و 268 و 311، راجعه.
(3) و هذا كثير في أحاديثهم، من ذلك أن ابن أبي شيبة و الحسن بن سفيان و البزار و البيهقيّ في السنن رووا في حديث فرض العطايا- و الحديث طويل-: قالوا:
و فرض عمر لاهل مكّة و للناس ثمانمائة ثمانمائة فجاءه طلحة بن عبيد اللّه بابنه عثمان ففرض له ثمانمائة، فمر به النضر بن أنس فقال عمر: افرضوا له في ألفين، فقال طلحة: جئتك بمثله ففرضت له ثمانمائة و فرضت لهذا ألفين؟ فقال: ان أبا هذا لقينى يوم أحد فقال لي:
ما فعل رسول اللّه؟ فقلت: ما أراه الا قد قتل، فسل سيفه و كسر غمده و قال:
ان كان رسول اللّه قد قتل فان اللّه حى لا يموت، فقاتل حتّى قتل ...» أخرج الحديث في منتخب كنز العمّال عن هؤلاء المذكورين ج 2(ص)163، و قال:
روى ابن سعد صدره.
فترى ابن سعد يخرج الحديث في طبقاته 3 ق 1/ 213 حديث فرض العطايا كما ذكره المتقى الهندى، لكنه أعرض عن ذيل الحديث لما فيه من الازراء بعمر و الفضيحة له حيث يقول نفسه و يعترف بأنّه قد قال لنضر بن مالك بن ضمضم من بنى عدى بن النجّار يوم أحد «ما أرى رسول اللّه الا قد قتل».
مع أنّه كان يقول يوم السقيفة بغلظة و تشدد «لا أسمع رجلا يقول مات رسول اللّه الا ضربته بسيفى، انه ما مات رسول اللّه» (راجع(ص)179 من هذا الجزء).
بل و كان يؤيد اعتقاده ذلك و يبرمه قائلا: و اللّه ما كان يقع في نفسى الا ذاك، و كنت أرى أن رسول اللّه سيدبر أمرنا حتّى يكون آخرنا» (طبقات ابن سعد 2 ق 2/ 5 الطبريّ 3/ 210) فحديث أنس هذا- و هو عم مالك بن أنس خادم رسول اللّه جاء في سيرة ابن إسحاق و هكذا مغازى الواقدى و اللفظ للاول: قال: حدّثني القاسم بن عبد الرحمن ابن رافع أخو بنى عدى بن النجّار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك الى عمر ابن الخطّاب و طلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين و الأنصار، و قد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول اللّه، قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل (راجع سيرة ابن هشام 1/ 83، مغازى الواقدى ... و أخرجه شارح النهج في 3/ 389.
390
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الْبَجَلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَبِيبٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: وَ اللَّهِ مَا بَايَعَ عَلِيٌّ حَتَّى رَأَى الدُّخَانَ قَدْ دَخَلَ بَيْتَهُ. (1).
وَ رَوَى الْمَدَائِنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: لَمَّا ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ مَشَى عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ(ع)فَقَالَ يَا ابْنَ عَمِّ إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ إِلَى قِتَالِ هَذَا الْعَدُوِّ وَ أَنْتَ لَمْ تُبَايِعْ وَ لَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى مَشَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَ جَدَّ
____________
(1) الغارات مخطوط بعد.
391
النَّاسُ فِي الْقِتَالِ. (1).
وَ رَوَى الْبَلاذُرِيُّ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي جزي عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمْ يُبَايِعْ عَلِيٌّ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ(ع)بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَمَّا مَاتَتْ ضَرَعَ إِلَى صُلْحِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَا تَأْتِهِ وَحْدَكَ قَالَ فَمَا ذَا يَصْنَعُونَ بِي فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)وَ اللَّهِ مَا نَفِسْنَا عَلَيْكَ مَا سَاقَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنْ فَضْلٍ وَ خَيْرٍ وَ لَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيباً اسْتُبِدَّ بِهِ عَلَيْنَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ اللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَرَابَتِي فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ يَذْكُرُ حَقَّهُ وَ قَرَابَتَهُ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مِيعَادُكَ الْعَشِيَّةُ فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ خَطَبَ فَذَكَرَ عَلِيّاً(ع)وَ بَيْعَتَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)إِنِّي لَمْ يَحْبِسْنِي عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ أَلَّا أَكُونَ عَارِفاً بِحَقِّهِ لَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيباً اسْتُبِدَّ بِهِ عَلَيْنَا ثُمَّ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ أَصَبْتَ وَ أَحْسَنْتَ. (2).
____________
(1) رواه البلاذري في الأنساب 1/ 587 بهذا السند و اللفظ و زاد: «و قطعت البعوث».
(2) أنساب الأشراف 1/ 586 و الحديث مختصر رواه الطبريّ في تاريخه 3/ 207 209 على وجهه، و صدر الحديث في مطالبة فاطمة و العباس ميراثهما الى أن قال: فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول اللّه ثمّ توفيت.
قال معمر: فقال رجل للزهرى: أ فلم يبايعه على ستة أشهر؟ قال: لا و لا أحد من بنى هاشم، حتى بايعه على فلما رأى على انصراف وجوه الناس عنه ضرع الى مصالحة أبى بكر فأرسل الى أبى بكر أن ائتنا و لا يأتنا معك أحد، و كره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك ...
فانطلق أبو بكر فدخل على على و قد جمع بنى هاشم عنده فقام على فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال: أما بعد، فانه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر انكار لفضيلتك و لا نفاسة عليك بخير ساقه اللّه إليك و لكنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم به علينا ثمّ ذكر قرابته من رسول اللّه و حقهم، فلم يزل على يقول ذلك حتّى بكى أبو بكر. فلما صمت على تشهد أبو بكر فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثمّ قال: أما بعد فو اللّه لقرابة رسول اللّه أحبّ الى أن أصل من قرابتى، و انى و اللّه ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بينى و بينكم غير الخير، و لكنى سمعت رسول اللّه يقول: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة انما يأكل آل محمّد في هذا المال ... الحديث.
392
و من تأمل هذه الأخبار علم كيف وقعت هذه البيعة و ما الداعي إليها و لو كانت الحال سليمة و النيات صافية و التهمة مرتفعة لما منع عمر أبا بكر من أن يصير إلى أمير المؤمنين(ع)وحده.
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ الثَّقَفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَا بَايَعَ عَلِيٌّ(ع)إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَ مَا اجْتُرِئَ عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ(ع) (1).
وَ رَوَى الثَّقَفِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ نُوحِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ بُرَيْدَةُ حَتَّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي وَسَطِ أَسْلَمَ ثُمَّ قَالَ لَا أُبَايِعُ حَتَّى يُبَايِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(ع)فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا بُرَيْدَةُ ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اخْتِلَافِهِمُ الْيَوْمَ. (2).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَلِيّاً(ع)قَالَ لَهُمْ بَايِعُوا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ خَيَّرُونِي أَنْ يَأْخُذُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ أَوْ أُقَاتِلَهُمْ وَ أُفَرِّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ (3).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ عَنْ قَلِيبِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَبَتْ أَسْلَمُ أَنْ تُبَايِعَ فَقَالُوا مَا كُنَّا نُبَايِعُ حَتَّى يُبَايِعَ بُرَيْدَةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ(ص)لِبُرَيْدَةَ عَلِيٌّ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ(ع)يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ هَؤُلَاءِ خَيَّرُونَّا أَنْ يَظْلِمُونِي حَقِّي وَ أُبَايِعَهُمْ فَارْتَدَّ النَّاسُ حَتَّى بَلَغَتِ
____________
(1) الغارات مخطوط.
(2) الغارات مخطوط.
(3) الغارات مخطوط.
393
الرِّدَّةُ أَحَداً فَاخْتَرْتُ أَنْ أُظْلَمَ حَقِّي وَ إِنْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا (1).
. وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: مَا رَحِمْتُ أَحَداً رَحْمَتِي عَلِيّاً حِينَ أُتِيَ بِهِ مُلَبَّباً فَقِيلَ لَهُ بَايِعْ قَالَ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالُوا إِذاً نَقْتُلَكَ قَالَ إِذاً تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ بَايَعَ كَذَا وَ ضَمَّ يَدَهُ الْيُمْنَى. (2).
وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذْ جِيءَ بِعَلِيٍّ(ع)فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ بَايِعْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ(ع)فَإِنْ أَنَا لَمْ أُبَايِعْ قَالَ أَضْرِبُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَبَايَعَهُ. (3).
و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة و بألفاظ متقاربة المعنى و إن اختلف لفظها و
- أنه(ع)كان يقول في ذلك اليوم لَمَّا أُكْرِهَ على البيعة و حذر من التقاعد عنها يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و يردد ذلك و يكرره.
و ذكر أكثر ما روي في هذا المعنى يطول (4) فضلا عن ذكر جميعه و فيما أشرنا إليه كفاية و دلالة على أن البيعة لم تكن عن رضا و اختيار.
فإن قيل كل ما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا توجب علما.
قلنا كل خبر مما ذكرناه و إن كان واردا من طريق الآحاد فإن معناه الذي تضمنه متواتر و المعول على المعنى دون اللفظ و من استقرى الأخبار وجد معنى إكراهه(ع)على البيعة و أنه دخل فيها مستدفعا للشر و خوفا من تفرق كلمة المسلمين و قد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الآحاد
____________
(1) الغارات مخطوط.
(2) الغارات مخطوط.
(3) الغارات مخطوط.
(4) سبق ذكرها في هذا المجلد.
394
إلى التواتر و بعد فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن و تمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف و لا إكراه و إذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا و اختيار مع التجويز لأن يكون هناك أسباب إكراه فأولى أن لا نقطع على الرضا و الاختيار مع الظن لأسباب الإكراه و الخوف فإن قيل التقية لا تكون إلا عن خوف شديد و لا بد له من أسباب و أمارات تظهر فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه و إذا كان غير جائز فلا تقية قلنا و أي أسباب و أمارات هي أظهر مما ذكرناه و رويناه هذا إن أردتم بالظهور النقل و الرواية على الجملة و إن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الأمة و يعلموه و لا يرتابوا به فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة و لنا أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك و ما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم و يعرض عن نقلها آخرون لأغراض لهم و صوارف تصرفهم عن النقل و لا خفاء بما في هذه الدعوى و أمثالها.
على أن الأمر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر و نقل لفظ مخصوص لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين(ع)تأخر عن البيعة تأخرا علم و ارتفع الخلاف فيه ثم بايع بعد زمان متراخ و إن اختلف في مدته و لم تكن بيعته و إمساكه عن النكير الذي كان وقع منه إلا بعد أن استقر الأمر لمن عقد له و بايعه الأنصار و المهاجرون و أجمع عليه في الظاهر المسلمون و شاع بينهم أن بيعته انعقدت بالإجماع و الاتفاق و أن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين مبتدعا في الدين رادا على الله و على رسوله و بهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة و تأخر عنها فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه.
و كيف يراد سبب له و لا شيء يذكر في هذا الباب إلا و هو أضعف مما أشرنا إليه و كيف يمكن أميرَ المؤمنين(ع)المقامُ على خلاف من بايعه جميع المسلمين و أظهروا الرضا به و السكون إليه و أن مخالفه مبتدع خارج عن الملة.
و إنما يصح أن يقال إن الخوف لا بد له من أمارة و أسباب تظهر و إن نفيه
395
واجب عند ارتفاع أسبابه و لو كان أمير المؤمنين(ع)بايع في الابتداء من الأمر مبتدئا بالبيعة طالبا لها راغبا فيها من غير تقاعد و من غير أن تأخذه الألسن باللوم و العذل فيقول واحد حسدت الرجل و يقول آخر أردت الفرقة و وقوع الاختلاف بين المسلمين و يقول آخر متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الرِّدَّة و يطمع المرتدون في المسلمين و من غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون و يدخل الخارجون و لا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا فَأَمَّا وَ الْأَمْرُ جَرَى عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الذي لا إشكال فيه أنه(ع)بايع مستدفعا للشر و فرارا من الفتنة و بعد أن لم يبق عنده بقية و لا عذر في المحاجزة و المدافعة.
هذا إذا عوَّلنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضي للتقية و قد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضموما إليه و ذلك أنه لا خلاف بيننا و بين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب إنكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يؤدي إلى منكر هو أعظم منه و أنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز إنكاره و لعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير.
و الشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز بل تروي روايات كثيرة أن النبي(ص)عهد إلى أمير المؤمنين(ع)بذلك و أنذره بأن القوم يدفعونه عن الأمر و يغلبونه عليه و أنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الرِّدَّة و رجوع الحرب جذعة و أمره بالإغضاء و الإمساك إلى أن يتمكن من القيام بالأمر و التجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف.
فإن قيل هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك إنكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره و لا نقطع على رضاه به.
قلنا لا شك في أن من رأيناه كافّاً عن نكير منكر و نحن نجوِّز أن يكون إنما كفَّ عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه فإنا لا نذمه و لا نرميه أيضا
396
بالرضا به و إنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع سائر الأعذار و حصول شرائط جميع إنكار المنكر و ما نعلم بيننا و بينكم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة و إنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ الكلام إلى الإمامة.
و ليس لأحد أن يقول إن غلبة الظن بأن إنكار المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه لا بد فيه من أمارات تظهر و تنقل و في فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن و ذلك أن الأمارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال و غلب في ظنه ما ذكرناه دون من لم تكن هذه حاله و نحن خارجون عن ذلك و الأمارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما يُنْقَلُ و يُرْوَى و إنما يُعْرَفُ بشاهد الحال و ربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض.
على أن كل هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين(ع)و متى بنينا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الأمر ظهورا يرفع الشبهة لأنه إذا كان هو(ع)المنصوصَ عليه بالإمامة و المشارَ إليه من بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسول(ص)تنازعوا الأمرَ بينهم تَنَازُعَ من لم يسمعوا فيه نصّا و لا أعطوا فيه عهدا و صاروا إلى إحدى الجهتين بطريقة الاختيار و صمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه و لا حق سواه علم صلى الله عليه أن ذلك مويس من نزوعهم و رجوعهم و مخيف من ناحيتهم و أنهم إذا استجازوا إطراح عهد الرسول و اتباع الشبهة فيه فهم بأن يطرحوا إنكار غيره و يعرضوا عن وعظه و تذكيره أولى و أحرى.
و لا شبهة على عاقل في أن النص إن كان حقا على ما نقوله و دفع ذلك الدفع فإن النكير هناك لا ينجع و لا ينفع و إنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه.
فإن قالوا إنما تأخر(ع)استيحاشا من استبدادهم بالأمر دون مشاورته و مطالعته أو لاشتغاله بتجهيز الرسول(ص)ثم بأمر
397
فاطمة(ع)
قيل هذا لا يصح على مذهبكم لأن مشاورته لا تجب عليهم و عقد الإمامة يتم بمن عقدها و لا يفتقر في صحته و تمامه إلى حضوره(ع)و ما تدَّعونه من خوف الفتنة فهو(ع)كان أعلم به و أخوف له فكيف يتأخر(ع)عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يجب عليهم و كيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته و هي غير واجبة عندهم في حال السلم و الأمن و هل هذا إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين(ع)و نسبة له إلى ما يتنزه قدره و دينه عنه.
فإن قيل إن هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار و صغار فتولى أمرها الصغار في التزويج فإنه لا بد أن يستوحش الكبار من ذلك.
قيل له إن الكبير متى كان دَيِّناً خائفا من الله تعالى فإن استيحاشه و ثقل ما يجري على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد و الخلاف فيه و إيهام أنه غير مُمْضًى و لا صوابٍ و كل هذا جرى من أمير المؤمنين(ع)فيكف يضاف إليه مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين و غضبه له (1) الاستيحاش من الحق و الغضب مما يورد إليه تحرزا عن الفتنة و تلافيا للفرقة.
و أما الاشتغال بالنبي(ص)فإنه كان ساعة من نهار و التأخر كان شهورا و المقلل قال أياما و تلك الساعة أيضا كان يمكن فيها إظهار الرضا و المراسلة به بدلا من إظهار السخط و الخلاف.
و أما فاطمة(ع)فإنها توفيت بعد أشهر فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة المتقدمة مع تراخيها و عندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة و مكثرهم يقول أربعين يوما فكيف يشتغل ما يكون بعد أشهر عما كان قبلها و من أدل دليل على أن كفه عن النكير و إظهار الرضا لم يكن اختيارا و إيثارا بل كان لبعض
____________
(1) في المصدر المطبوع: «الا كراهية للواجب و الاستيحاش من الحق و الغضب مما يورد إليه ...» و في هامش الشافي كالاستدراك، «الا كراهية للواجب و الاستيحاش من الحق، و الاستيحاش من الحق و الغضب ...» و كلاهما سهو ظاهر عند التأمل.
398
ما ذكرناه أنه لا وجه لمبايعته بعد الإباء إلا ما ذكرناه بعينه فإن إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه إما أن يكون لاشتغاله بالنبي و ابنته صلوات الله و سلامه عليهما أو استيحاشا من ترك مشاورته و قد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه أو لأنه كان ناظرا في الأمر و مرتئيا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة أو في تكامل شرائط عقد إمامته و وقوعه على وجه المصلحة فكل ذلك لا يجوز أن يخفى على أمير المؤمنين(ع)و لا ملتبسا بل كان به أعلم و إليه أسبق و لو جاز أن يخفى عليه مثله وقتا و وقتين لما جاز أن يستمر عليه الأوقاتَ و يتراخى المدد في خفائه.
و كيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة و عندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد و كذلك عندهم صفات العاقدين و عددهم و شروط العقد الصحيح مما نص النبي(ص)عليه و أعلم الجماعة به على سبيل التفصيل فلم يبق شيء يرتئي فيه مثل أمير المؤمنين(ع)و ينظر في إصابته النظر الطويل و لم يبق وجه يحمل عليه إباؤه و امتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها و لغير مستحقها و ذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير.
فإن استدلوا على رضاه بما ادعوه من إظهار المعاونة و المعاضدة و إشارته عليه بقتال أهل الردة فكل ذلك قد مضى الجواب عنه و قد بينا أن ذلك دعوى لا يعلم منه(ع)معاضدة و لا مشورة و أن الفتيا يجب عليه من حيث لا يجوز للعالم إذا استفتي عن شيء أن لا يجيب عنه و ما يروى من دفاعه عن المدينة فإنما فعل لوجوب ذلك عليه و على كل مسلم لا لمكانهم و أمرهم بل لأنه دفع عن حريمه و حرم النبي(ص)و ليس لهم أن يقولوا إنه لو ادعى الحق لوجد أنصارا كالعباس و الزبير و أبي سفيان و خالد بن سعيد لأنه لا نصرة فيمن ذكر و لا في أضعافهم إذا كان الجمهور على خلافه و هذا أظهر من أن يخفى.
و ليس لأحد أن يقول كيف يجوز مع شجاعته و ما خصه الله به من القوة الخارقة للعادة أن يخاف منهم و لا يقدم على قتالهم لو لا أنهم كانوا محقين و ذلك
399
أن شجاعته و إن كانت على ما ذكرت و أفضل فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق و يحارب سائر الناس و هو مع الشجاعة بشر يقوى و يضعف و يخاف و يأمن و التقية جائزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم.
فإن قيل أ ليس الحسين(ع)أظهر النكير على بني أمية من يزيد و غيره و كان يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره و لم يكن فزعه من أبي بكر إلا دون فزعه من يزيد.
قيل هذا بعيد من الصواب لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير و ليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد و بني أمية و كيف يكون الخوف من مظهر للفسوق و الخَلَاعَة و المَجَانَة متهتك لا مُسْكَةَ عنده و لا شبهة في أن إمامته ملك و غلبة و أنه لا شرط من شرائط الإمامة فيه كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر يرى أكثر الأمة أن الإمامة له دونه و أنها أدنى منازله و ما الجامع بين الأمرين إلا كالجامع بين الضدين.
على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل و المكروه فيه.
على أن الحسين(ع)أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه و طمع في معاونة من خذله و قعد عنه ثم إن حاله آلت مع اجتهاده(ع)و اجتهاد من اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه.
و ليس لأحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الإمامة إليه و حين ناضل أهل البصرة و صفين كان واجد الأنصار فكان يجب أن يظهر النكير و ذلك أن كثيرا من التقية و إن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لأن أكثر من كان معه كان يعتقد إمامة المتقدمين عليه و أن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه و لم ينقض أحكام القوم و أمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون و قد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر و أنصف من نفسه
400
فإن قيل لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في أكثر ما ظهر من النبي(ص)أن يكون على سبيل التقية.
قيل هذا باطل لأنا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة فأما الرسول(ص)فإنما لم تجز التقية عليه لأن الشريعة لا تعرف إلا من جهته و لا يوصل إليها إلا بقوله فمتى جازت التقية عليه لم يكن لنا إلى العلم بما كُلِّفْنَاهُ طريقٌ و ليس العلم بأن الإمام منصوص عليه موقوفا على قول الإمام و لا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم فَبَانَ الفرقُ بين الأمرين (1).
ثم يقال له (2) و قد كان فيمن أنكر و امتنع من البيعة مثل خالد بن سعيد بن العاص (3) و سلمان و قوله كرديد و نكرديد (4) و مثل أبي ذر و عمار و المقداد
____________
(1) تلخيص الشافي 87، الشافي 400، و فيهما بعد ذلك أسئلة و أجوبة أضرب عنها المؤلّف، لعدم التناسب بالمقام كثيرا.
(2) تلخيص الشافي: 91، الشافي 401.
(3) راجع(ص)192، و أضف الى ذلك ما رواه اليعقوبي في تاريخه 2/ 116 قال:
«و كان خالد غائبا فأتى عليا فقال: هلم أبايعك، فو اللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك».
و روى الجوهريّ بالاسناد عن مكحول ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل [يعنى صنعاء] فقدم بعد ما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد بايع الناس أبا بكر فدعاه الى البيعة فأبى، فقال عمر: دعنى و اياه. فمنعه أبو بكر حتّى مضت عليه سنة، ثم مر به أبو بكر و هو جالس على بابه، فناداه خالد يا أبا بكر هل لك في البيعة قال: نعم قال: فادن فدنا منه فبايعه خالد و هو قاعد على بابه» أخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2/ 17، و روى مثله البلاذري في أنساب الاشراف 1/ 588 عن المدائنى و فيه: فقال أبو بكر ما رأيك في البيعة؟ قال: أبايع، فأتاه أبو بكر فأدخله الدار و بايعه، قال: و قال غير المدائنى: بايع خالد أبا بكر بعد شهرين.
(4) راجع(ص)193- 194 و ما بعده.
401
و غيرهم و أقوالهم في ذلك معروفة.
فإن قالوا كل هؤلاء بايعوا و تولوا الأمور من قبله و من قبل غيره فلم يبق منهم خلاف.
قيل نحن نسلم أنهم بايعوا فمن أين أنهم رضوا به لأنا قد بينا في ذلك ما فيه مقنع و إذا كان أمير المؤمنين(ع)مع عظم قدره و علو منزلته قد ألجأته الحال إلى البيعة فأولى أن تلجئ غيره ممن لا يدانيه في أفعاله.
فإن قيل المروي عن سلمان أنه قال كرديد و نكرديد و ليس بمقطوع به.
قلنا إن كان خبر السقيفة و شرح ما جرى فيها من الأقوال و الأفعال مقطوعا به فقول سلمان مقطوع به لأن كل من روى السقيفة رواه و ليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمونهم فيه و ليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية و هم عرب و إن كان فيهم من فهم الفارسية لا يكون إلا آحادا لا يجب قبول قولهم و ذلك أن سلمان و إن تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت رسول الله(ص)و قوله أَمَا و الله لو وضعتموها حيث وضعها الله لأكلتم من فوق رءوسكم و تحت أرجلكم رغدا أما و الله حيث عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء حتى روي عن ابن عمر أنه قال ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم قال هذا القول و إني قلت يريد شق عصا المسلمين و وقوع الخلاف بينهم و لا أحببت أحدا كحبي له يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر رسول الله(ص)فقلت رحم الله سلمان لقد طمع فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء (1) و غير ذلك من الألفاظ المنقولة عنه.
و قد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية و العربية ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا فَلَمْ يُخَاطِبْ عَلَى هَذَا الْعَرَبَ بِالْفَارْسِيَّةِ فأما قول السائل إِنَّ راوِيَهُ واحدٌ من حيث لا يجوز أن يرويه إلا من فهم الفارسية فطريف لأن الشيء قد يرويه من لا يعرف معناه فلعل الناقلين لهذا الكلام كانوا جميعا أو كان أكثرهم لا يفهم معناه
____________
(1) راجع(ص)211.
402
غير أنهم نقلوا ما سمعوا و فهم معناه من عرف اللغة أو أخبره عنه من يعرفها.
فإن قالوا قوله كرديد و نكرديد فيه تثبيت لإمامته قيل هذا باطل لأنه أراد بقوله كرديد فعلتم و بقوله نكرديد لم تفعلوا و المعنى أنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر و لا يستحقه و عدلتم عن المستحق و هذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه لأنهم يقولون فعل فلان و لم يفعل و المراد ما ذكرناه و قد صرح سلمان ره بذلك في قوله أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت نبيكم و قد فسر بالعربية معنى كلامه.
فإن قالوا أراد أصبتم الحق و أخطأتم المعدن لأن عادة الفرس أن لا يزيل المُلْك عن أهل بيت المَلِك.
قيل الذي يبطل هذا الكلام تفسير سلمان لكلام نفسه فهو أعرف بمعناه على أن سلمان رحمة الله عليه كان أتقى لله و أعرف به من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الأكاسرة و الجبابرة و يعدلوا عما شرعه لهم نبيهم(ص)فإن قيل فقد تولى سلمان لعمر المدائن فلو لا أنه كان راضيا بذلك لم يتول ذلك.
قيل ذلك أيضا محمول على التقية و ما اقتضى إظهار البيعة و الرضا يقتضيه و ليس لهم أن يقولوا و أي تقية في الولايات لأنه غير ممتنع أن يعرض عليه هذه الولايات ليمتحن بها و يغلب في ظنه أنه إن عدل عنها و أباها نسب إلى الخلاف و اعتقدت فيه العداوة و لم يأمن المكروه و هذه حال توجب عليه أن يتولى ما عرض عليه و كذلك الكلام في تولي عمار رحمة الله عليه الكوفة و نفوذ المقداد في بعوث القوم.
على أنه يجوز عندنا تولي الأمر من قبل من لا يستحقه إذا ظن أنه يقوم بما أمر الله تعالى و يضع الأشياء في مواضعها من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لعل القوم علموا ذلك أو ظنوه.
403
و أما أقوال أبي ذر تصريحا و تلويحا فمعروفة مذكورة و ليس لهم أن يقولوا إنه روي عنه تعظيم القوم و مدحهم و ذلك أن ذلك يمكن إذا سلم حمله على التقية و الخوف كما قلناه فيما رووه عن أمير المؤمنين(ع)
ثم يقال للمعتزلة ما اعتبرتموه من الإجماع في إمامة أبي بكر يلزم عليه القول بإمامة معاوية لأن الناس بعد صلح الحسن(ع)بين نفسين مظهر للرضا ببيعته و بين كافٍّ عن النكير فيجب أن يكون ذلك دلالة على إمامته و هم لا يقولون بها فإما أن يقولوا بذلك أو يتركوا الاعتماد على هذا الضرب من الاستدلال.
فإن قالوا إن معاوية لم يصلح للإمامة لما ظهر منه من الفسق نحو استلحاقه زيادا و قتله حجرا و شقه العصا في أيام أمير المؤمنين(ع)و مقاتلته إياه (1) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة فلا يصح و الحال هذه أن يدعى الإجماع لأن الإجماع إنما يدعى فيما يصح فأما ما لا يصح فلا يدعى فيه الإجماع و لو ثبت الإجماع على ما قالوه لعلمنا أنه على سبيل القهر كما يقع من الملوك على أنه قد صح و اشتهر الخلاف في ذلك بل ربما كانوا يظهرون الخلاف بحضرته فلا ينكره و قد كان الحسن و الحسين(ع)و محمد بن علي و ابن عباس و إخوته و غيرهم من قريش يظهرون ذمه و الوقيعة فيه فكيف يدعى الإجماع في ذلك مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بإمامته و لا يدين بها.
قيل هذا تعليل للنقض لأنه إذا كان لا يصلح للإمامة و قد وجدنا في الاتفاق عليه و الكف عن منازعته و مخالفته ما وجدناه فيمن تقدم فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الإجماع و كل شيء يبين به أنه لا يصلح للإمامة يؤكد الإلزام و يؤيده.
و قول السائل إن الإجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الإجماع لم يقع هاهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل و لا يرجع في أنه لم يقع مع تكامل شروطه و أسبابه إلى أن المجمع عليه
____________
(1) سيجيء الكلام فيها في الاجزاء الآتية إنشاء اللّه تعالى.
404
لا يصلح للإمامة لأن ذلك مناقضة و إن رضوا بهذا القول فالشيعة أيضا يقولون إن من تقدم على أمير المؤمنين(ع)لا يصلح للإمامة و الإجماع يجب أن يقع على ما يصح دون ما لا يصح مثل ما قلتموه فأما ادعاء القهر و الغلبة فمما لا يقول لهم المخالف لهم في إمامة معاوية بمثل ما قالوه لنا فيما تقدم من أن القهر و الغلبة لا بد لهما من أسباب تظهر و تنقل و تعلم فلو كانت هناك غلبة لعلمها الناس كلهم على سواء و متى ادعوا شيئا مما نقل في هذا المعنى لم يلتفت إليه مخالفهم و قال لهم لو كان ذلك صحيحا لنقل إلي و علمته كما علمتموه و قابلهم في هذا الموضع بمثل ما يقابلنا السائل في إمامة من تقدم حذو النعل بالنعل و لهذا يقول من ينسب إلى السنة منهم إن إبطال إمامة معاوية و الوقيعة فيه طريق مهيع لأهل الرفض إلى القدح في إمامة من تقدمه و قولهم إن معاوية كالحلقة للباب يريدون بذلك أن قرع الباب طريق إلى الولوج و سبب للدخول.
فأما ما ادعوه من اشتهار الخلاف من الحسن و الحسين(ع)و فلان و فلان و أنهم كانوا يظهرون ذمه و الوقيعة فيه فيقال لهم من أين علمتم هذا الذي ادعيتموه أ بضرورة أم باستدلال فإن كان بالضرورة قلنا و ما بال علم الضرورة يخصك دون مخالفك و هم أكثر عددا منك و آنس بالأخبار و نقلة الآثار و ليس جاز لك أن تدعي على مخالفك في هذا الباب علم الضرورة مع علمك بكثرة عددهم و تدين أكثرهم إلا و تجوزون للشيعة التي تخالفك في إمامة من تقدم أن تدعي الضرورة عليك في العلم بإنكار أمير المؤمنين(ع)و أهله و شيعته ظاهرا و باطنا على المتقدمين عليه و أنه كان يتظلم و يتألم من سلب حقه و الدفع له عن مقامه و هيهات أن يقع بين الأمرين فصل و إن قال أعلم ذلك باستدلال.
قلنا اذكر أيَّ طريق شئت في تصحيح ما أدعيته من إنكار من سميته و وصفته حتى نبين بمثله صحة ما رويناه من الإنكار على من تقدم فإنك لا تقدر إلا أن تروي أخبارا نقلتها أنت و من وافقك و يدفعها مخالفك و يدعي أنها من رواية
405
أهل الرفض و دسيس من قصده الطعن في السلف و يقول فيمن يروي هذه الأخبار و يقبلها أكثر مما تقول أنت و أصحابك فيمن يروي ما ذكرناه من الأخبار.
على أن الظاهر الذي لا يمكن دفعه من القوم الذين أشاروا إليهم أنهم كانوا يفتخرون عليه بالنسب و ما جرى مجراه و كانت تجري بينهم مفاضلة و مفاخرة لا ذكر للإمامة فيها و ما كان يكون ذلك إلا بتعرض من معاوية فإنه كان رجلا عريضا يريد أن يتحدث عنه بالحلم و كان دأبه أن يتحكك (1) بمن يعلم أنه لا يحتمله حتى يصدر منه من الكلام ما يُغْضِي عليه و يعرض عنه فيكون ذلك داعيا إلى وصفه بالحلم و ما كان في جميع من ذكره ممن كان يقابله بغليظ الكلام و شديد إلا من يخاطبه بإمرة المؤمنين في الحال و يأخذ عطاءه و يتعرض لجوائزه و نوافله فأي إنكار كان مع ما ذكرناه.
و مما يعارض جميع من خالفنا إجماعهم على قتل عثمان لأن الناس كانوا بين فريقين أحدهما المؤلب عليه و المتولي لمغالبته و مطالبته بالخلع حتى أدى ذلك إلى قتله و الآخر ممسك عنهم غير منكر عليهم و ذلك دال عندهم على الإجماع.
فإن قالوا كيف يدعى الإجماع في هذا الباب و قد حصل هناك أمران يمنعان من النكير أحدهما أنه كان غلبة و الثاني ما كان من منع عثمان من القتال فكيف يقابل ما قلناه و قد ثبت أيضا بالنقل ما كان من أمير المؤمنين(ع)من الإنكار حتى بعث الحسن و الحسين(ع)و قنبرا على ما روي في ذلك و كيف يدعى في ذلك الإجماع و عثمان نفسه مع شيعته و أقاربه خارجون منه.
قيل ليس الغلبة أكثر من استيلاء الجمع الكثير الذين يخشى سطوتهم و يخاف بادرتهم و هذه كانت حال من عقد الإمامة لأبي بكر لأن أكثر الأمة تولاها و مال إليها و اعتقد أنها السنة و ما يخالفها البدعة فأي غلبة أوضح مما ذكرناه
____________
(1) العريض من يتعرض للناس بالشر، و يقال: فلان يتحكك بك أي يتحرش بك و يتعرض لشرك.
406
و كيف يدعى الغلبة في قتل عثمان و عندهم أن الذين تولوا قتله و باشروا حربه نفر من أهل مصر التف إليهم قوم من أوباش المدينة ممن يريد الفتنة و يكره الجماعة و أن أكابر المسلمين و وجوه الصحابة و المهاجرين و هم أكثر أهل المدينة و عليهم مدار أمرها و بهم يتم الحل و العقد فيها كانوا لذلك كارهين و على من أتاه منكرين فأي غلبة يكون من القليل على الكثير و الصغير على الكبير لو لا أن أصحابنا يدفعون الكلام في الإمامة بما يسنح و يعرض من غير نكير في عواقبه و نتائجه فأما منع عثمان من القتال فعجيب و أي عذر في منع عثمان لمن قعد عن نصرته و خلا بينه و بين الباغين عليه و النهي عن المنكر واجب و كيف لم يمتنع من القتال لأجل منع عثمان منه من كان معه في الدار من أقاربه و عبيده و هم له أطوع و بأن ينتهوا إلى أمره أولى و كيف لم يطعه في المنع من المنكر و الصبر على إيقاع الفتنة إلا المهاجرون و الأنصار دون أهله و عبيده.
و أما ذكره إنكار أمير المؤمنين لذلك و بعثه الحسن و الحسين للنصرة و المعاونة فالمعروف أن أمير المؤمنين(ع)كان ينكر قتله و يبرأ من ذلك في أقوال محفوظة معروفة لأن قتله منكر لا شك فيه و لم يكن لمن تولاه أن يقوم به فأما حصره و مطالبته بخلع نفسه و تسليم من كان سبب الفتنة ممن كان في جهته فما يحفظ عن أمير المؤمنين في ذلك إنكار بل الظاهر أنه كان بذلك راضيا و بخلافه ساخطا و كيف لا يكون كذلك و هو الذي قام بأمره في الدفعة الأولى و توسط حتى جرى الأمر على إرادته بعد أن كاد يخرج الأمر إلى ما خرج إليه في المرة الثانية و ضمن عنه لخصومه الإعتاب الجميل فكان ذلك سببا لتهمته له(ع)و مشافهته بأنه لا يتهم سواه فمضى(ع)من فوره و جلس في بيته و أغلق بابه.
فأما بعث الحسن و الحسين فلا نعرفه في جملة ما يدعى و الذي كان يدعى أنه بعث الحسن(ع)و في ذلك نظر و لو سلم لكان إما بعثه للمنع من الانتهاء بالرجل إلى القتل أو لأنهم كانوا حصروه و منعوه الطعام و الشراب و في داره حرم و أطفال
407
و من لا تعلق له بهذا الأمر و هذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين(ع)دفعه و لو كان أمير المؤمنين و طلحة و الزبير و فلان و فلان كارهين لكل ما جرى لما وقع شيء منه و لكانوا متمكنين من دفعه باليد و اللسان و السيف.
فأما قول السائل و كيف يدعى الإجماع و عثمان و شيعته و أقاربه خارجون منه فطريف لأنه إن لم يكن في هذا الإجماع إلا خروج عثمان عنه فبإزائه خروج سعد بن عبادة و ولده و أهله من الإجماع على إمامة أبي بكر ممن يقول خصومنا أنا لا نعتد بهم إذا كان في مقابلته جميع الأمة فأما من كان معه في الدار فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق عدو لله تعالى كمروان بن الحكم و ذويه ممن لا يعتبر بخروجه عن الإجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أوباش طغام لا يَفْرُقُونَ بين الحق و الباطل و لا يكون خلاف مثلهم قادحا في الإجماع و إذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الأمة إلا عبيد عثمان و النفر من أقاربه الذين حصروا في الدار فقد سهلت القضية و لم يبق فيها شبهة.
و ليس لأحد أن يقول إن هذا طريق إلى إبطال الإجماع في كل موضع و ذلك أنا قد بينا أن الأمر على خلاف ما ظنوه و أن الإجماع يثبت و يصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه و لا طائل في إعادة ما مضى (1).
انتهى ملخص تلخيصه (قدّس سرّه) و كلام أصحابنا في هذا الباب كثير لا يناسب ذكره في هذا الكتاب و فيما أوردنا كفاية لأولي الألباب.
تكملة إذا عرفت أن ما ادعوه من الإجماع الذي هو عمدة الدليل على إمامة إمامهم لم يثبت بما أوردوه في ذلك من الأخبار نرجع و نقول نثبت بتلك الأخبار التي أوردوها لإثبات ذلك عدم استحقاقهم للإمامة بل كفرهم و نفاقهم (2) و وجوب
____________
(1) الشافي: 403، تلخيص الشافي 3/ 101.
(2) المراد بالكفر هو معناه اللغوى بمعنى اخفاء الحق و كراهة التسليم له، و الا لم يذكر- (رضوان اللّه عليه)- بعده النفاق: و أول من جبههم بذلك ابن عبّاس على ما ذكره الطبريّ في تاريخه 4/ 223 و أورده الشارح الحميدى في شرحه 3/ 107 برواية اخرى و اللفظ للاول و الزيادات بين العلامتين للثاني، قال: «بينا عمر بن الخطّاب و بعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، و قال بعضهم فلان أشعر، قال: فأقبلت فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا ابن عبّاس؟ قال:
فقلت زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت:
امتدح قوما من بنى عبد اللّه بن غطفان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم* * * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم* * * طابوا و طاب من الاولاد ما ولدوا
انس إذا أمنوا جن إذا فزعوا* * * مرزءون بها ليل إذا حشدوا
محسدون على ما كان من نعم* * * لا ينزع اللّه منهم ما له حسدوا
فقال عمر: أحسن! و ما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحى من بنى هاشم لفضل رسول اللّه و قرابتهم منه، فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين و لم تزل موفقا، قال: يا ابن عبّاس! ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه فقلت: ان لم أكن أدرى فأمير المؤمنين يدرينى، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لانفسها فأصابت و وفقت.
فقلت: يا أمير المؤمنين- ان تأذن لي في الكلام و تمط عنى الغضب تكلمت، فقال:
تكلم يا ابن عبّاس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لانفسها فأصابت و وفقت [فان اللّه تعالى يقول: «وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» و قد علمت يا أمير المؤمنين أن اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار] فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه عزّ و جلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود و لا محسود.
و أمّا قولك: انهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة و الخلافة، فان اللّه عزّ و جلّ وصف قوما بالكراهية فقال: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ».
[و أمّا قولك انا كنا نجحف، فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة، و لكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذي قال اللّه تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» و قال له: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»].
فقال عمر: هيهات و اللّه يا ابن عبّاس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك منى، فقلت: و ما هي يا أمير المؤمنين؟ فان كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، و ان كانت باطلا فمثلى أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر: بلغني أنك تقول انما صرفوها عنا حسدا و ظلما؟ فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل و الحليم [و أمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو]، و أمّا قولك: حسدا، فان إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون.
فقال عمر: هيهات! أبت و اللّه قلوبكم يا بنى هاشم الا حسدا [حقدا] ما يحول، و ضغثا و غشا ما يزول، فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين! لا تصف قلوب قوم أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا بالحسد [بالحقد] و الغش، فان قلب رسول اللّه من قلوب بنى هاشم [و أمّا قولك حقدا فكيف لا يحقد من غصب شيئه و يراه في يد غيره؟] فقال عمر: اليك عنى يا ابن عبّاس! فقلت: أفعل، فلما ذهبت لا قوم استحيى منى فقال: يا ابن عبّاس مكانك! فو اللّه انى لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا أمير المؤمنين ان لي عليك حقا و على كل مسلم. فمن حفظه فحظه أصاب و من أضاعه فحظه أخطأ [ثم قام فمضى] فقال عمر لجلسائه: واها لابن عبّاس ما رأيته لاحا أحدا قط الا خصمه.
فكما ترى، و قد اعترف به عمر، قد لاحاه و خصمه و جبهه بأنّه غاصب لحق أهل البيت ظالم لهم و أنّه ما رضى باختيار اللّه عزّ و جلّ حيث اختار بنى عبد المطلب على غيرهم ثمّ اختار منهم عليا علما هاديا، بل ردّ اختيار اللّه و اختار لقريش من اختار.
بل جبهه بالكفر حيث استشهد بقوله عزّ و جلّ «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» و معلوم أن «ذلك» اشارة الى ما في الآية قبلها «وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» و لعلّ ابن عبّاس ذكر الآيتين كملا و أسقطها الرواة.
408
لعنهم إذ تبين بالمتفق عليه من أخبارهم و أخبارنا أن عمر هم بإحراق بيت فاطمة(ع)بأمر أبي بكر أو برضاه و قد كان فيه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسنان (صلوات الله عليهم) و
409
هددهم و آذاهم مع أن رفعة شأنهم عند الله و عند رسوله(ص)مما لا ينكره إلا من خرج عن الإسلام و قد استفاض في رواياتنا بل في رواياتهم أيضا أنه روع فاطمة
410
حتى ألقت ما في بطنها و قد سبق في الروايات المتواترة و سيأتي أن إيذاءها صلوات الله عليها إيذاء للرسول(ص)و آذَيَا عليا(ع)و
- قَدْ تَوَاتَرَ فِي رِوَايَاتِ الْفَرِيقَيْنِ قَوْلُ النَّبِيِّ(ص)مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي (1).
و قد قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (2) و هل يجوّز عاقل خلافة من كان هذا حاله و ماله.
____________
(1) راجع ج 39(ص)330- 334 الباب 89 من تاريخ مولانا أمير المؤمنين (ع) و ان شئت راجع مسند ابن حنبل 3/ 483 فقد روى بالإسناد الى عمرو بن شاص قال:
خرجت مع على الى اليمن فجفانى في سفرى ذلك حتّى وجدت في نفسى عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول اللّه فدخلت المسجد ذات غدوة و رسول اللّه في ناس من أصحابه، فلما رآنى أبدنى عينيه- يقول حدد الى النظر- حتى إذا جلست قال:
يا عمرو و اللّه لقد آذيتني، قلت: أعوذ باللّه أن أوذيك يا رسول اللّه، قال: بلى من آذى عليا فقد آذانى.
ترى الحديث في المستدرك 3/ 122، البداية و النهاية 7/ 346 مجمع الزوائد 9/ 129، منتخب كنز العمّال 5/ 32.
و روى الحاكم في مستدركه 3/ 122 أيضا عن ابن أبي مليكة قال: جاء رجل من أهل الشام فسب عليا عند ابن عبّاس فقال: يا عدو اللّه آذيت رسول اللّه «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً» لو كان رسول اللّه حيا لاذيته.
و في الباب روايات أخر، راجعها و مصادرها في ذيل الاحقاق 6/ 380- 394.
للعلامة المرعشيّ دام ظله.
(2) الأحزاب 57.
411
و أجاب عن ذلك قاضي القضاة بأنا لا نصدّق ذلك و لا نجوّزه و لو صح لم يكن طعناً على عمر لأن له أن يهدّد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنه غير ثابت لأن أمير المؤمنين(ع)قد بايع و كذلك الزبير و المقداد و الجماعة و قد بينا أن التمسك بما تواتر به الخبر من بيعتهم أولى من هذه الروايات الشاذة.
و رد عليه السيد رضي الله عنه في الشافي أولا بأن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم و أن دفع الروايات من غير حجة لا يجدي شيئا فروى البلاذري و حاله في الثقة عند العامة و البعد عن مقاربة الشيعة و الضبط لما يرويه معروفة
- عن المدائني عن سلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى علي(ع)يريده على البيعة فلم يبايع فجاء عمر و معه قَبَسٌ فَلَقِيَتْهُ فَاطِمَةُ(ع)عَلَى الْبَابِ فَقَالَتْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَ تَرَاكَ مُحْرِقاً عَلَيَّ دَارِي قَالَ نَعَمْ وَ ذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ وَ جَاءَ عَلِيٌّ(ع)فَبَايَعَ (1).
و هذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة و إنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة.
- وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ(ع)قَالَ: وَ اللَّهِ مَا بَايَعَ عَلِيٌّ(ع)حَتَّى رَأَى الدُّخَانَ قَدْ دَخَلَ بَيْتَهُ (2).
. و ثانيا بأن ما اعتذر به من حديث الإحراق إذا صح طريف و أي عذر لمن أراد أن يحرق على أمير المؤمنين و فاطمة(ع)منزلهما و هل يكون في ذلك علة تصغى إليه و إنما يكون مخالفا للمسلمين و خارقا لإجماعهم إذا كان الإجماع قد تقرر و ثبت و إنما يصح لهم الإجماع متى كان أمير المؤمنين و من قعد عن البيعة ممن انحاز إلى بيت فاطمة(ع)داخلا فيه و غير خارج عنه و أي إجماع يصح مع خلاف أمير المؤمنين(ع)وحده فضلا عن أن يتابعه غيره و هذه زلّته من صاحب
____________
(1) قد مر آنفا(ص)389.
(2) قد مر آنفا(ص)389.
412
المغني و ممن حكي احتجاجه.
و بعد فلا فرق بين أن يهدد بالإحراق للعلة التي ذكرها و بين ضرب فاطمة(ع)لمثل هذه العلة فإن إحراق المنازل أعظم من ضربها و ما يحسن الكبير بمن أراد الخلاف على المسلمين أولى بأن يحسن الصغير فلا وجه لامتعاض صاحب الكتاب من ضربها بالسوط و تكذيب ناقله و اعتذاره في غيره بمثل هذا الاعتذار (1).
تمّ بحمد اللّه و حسن توفيقه اخراج هذا الجزء من البحار و توشيحه بالتعاليق و الحواشى التى يسرها اللّه توضيحا و تأييدا فى هذه العجالة بعد تحقيق النصوص و تخريجها عن مصادرها و اللّه وليّ التوفيق
محمد باقر البهبودي ذو الحجة الحرام 1392
____________
(1) الشافي: 241 و 240 تلخيص الشافي 3/ 156- 157 و نقله في شرح النهج 4/ 105.
413
فهرست ما في هذا الجزء
الموضوع/ الصفحه
باب 1 افتراق الأمة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على ثلاث و سبعين فرقة و أنه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم و ارتدادهم عن الدين 2
باب 2 إخبار اللّه تعالى نبيّه و إخبار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمتّه بما جرى على أهل بيته (صلوات الله عليهم) من الظلم و العدوان 37
باب 3 تمهيد غصب الخلافة و قصّة الصحيفة الملعونة 85
باب 4 ما جرى في السقيفة بعد رحلة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) 175
414
(رموز الكتاب)
ب: لقرب الإسناد.
بشا: لبشارة المصطفى.
تم: لفلاح السائل.
ثو: لثواب الأعمال.
ج: للإحتجاج.
جا: لمجالس المفيد.
جش: لفهرست النجاشيّ.
جع: لجامع الأخبار.
جم: لجمال الأسبوع.
جُنة: للجُنة.
حة: لفرحة الغريّ.
ختص: لكتاب الإختصاص.
خص: لمنتخب البصائر.
د: للعَدَد.
سر: للسرائر.
سن: للمحاسن.
شا: للإرشاد.
شف: لكشف اليقين.
شي: لتفسير العياشيّ
ص: لقصص الأنبياء.
صا: للإستبصار.
صبا: لمصباح الزائر.
صح: لصحيفة الرضا (ع).
ضا: لفقه الرضا (ع).
ضوء: لضوء الشهاب.
ضه: لروضة الواعظين.
ط: للصراط المستقيم.
طا: لأمان الأخطار.
طب: لطبّ الأئمة.
ع: لعلل الشرائع.
عا: لدعائم الإسلام.
عد: للعقائد.
عدة: للعُدة.
عم: لإعلام الورى.
عين: للعيون و المحاسن.
غر: للغرر و الدرر.
غط: لغيبة الشيخ.
غو: لغوالي اللئالي.
ف: لتحف العقول.
فتح: لفتح الأبواب.
فر: لتفسير فرات بن إبراهيم.
فس: لتفسير عليّ بن إبراهيم.
فض: لكتاب الروضة.
ق: للكتاب العتيق الغرويّ
قب: لمناقب ابن شهر آشوب.
قبس: لقبس المصباح.
قضا: لقضاء الحقوق.
قل: لإقبال الأعمال.
قية: للدُروع.
ك: لإكمال الدين.
كا: للكافي.
كش: لرجال الكشيّ.
كشف: لكشف الغمّة.
كف: لمصباح الكفعميّ.
كنز: لكنز جامع الفوائد و تأويل الآيات الظاهرة معا.
ل: للخصال.
لد: للبلد الأمين.
لى: لأمالي الصدوق.
م: لتفسير الإمام العسكريّ (ع).
ما: لأمالي الطوسيّ.
محص: للتمحيص.
مد: للعُمدة.
مص: لمصباح الشريعة.
مصبا: للمصباحين.
مع: لمعاني الأخبار.
مكا: لمكارم الأخلاق.
مل: لكامل الزيارة.
منها: للمنهاج.
مهج: لمهج الدعوات.
ن: لعيون أخبار الرضا (ع).
نبه: لتنبيه الخاطر.
نجم: لكتاب النجوم.
نص: للكفاية.
نهج: لنهج البلاغة.
نى: لغيبة النعمانيّ.
هد: للهداية.
يب: للتهذيب.
يج: للخرائج.
يد: للتوحيد.
ير: لبصائر الدرجات.
يف: للطرائف.
يل: للفضائل.
ين: لكتابي الحسين بن سعيد او لكتابه و النوادر.
يه: لمن لا يحضره الفقيه.
