بحار الأنوار
الجزء التاسع و العشرون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

م 10
عن أبي محمّد العسكريّ، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد اللّه! أحبب في اللّه و أبغض في اللّه، و وال في اللّه، و عاد في اللّه، فإنّه لا تنال ولاية اللّه إلّا بذلك، و لا يجد رجل طعم الايمان- و إن كثرت صلاته و صيامه- حتى يكون كذلك، و قد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون، و عليها يتباغضون، و ذلك لا يعني عنهم من اللّه شيئا.
فقال له: و كيف لي أن أعلم أنّي قد واليت و عاديت في اللّه عزّ و جلّ. و من وليّ اللّه عزّ و جلّ حتّى أواليه؟ و من عدوّه حتّى أعاديه؟. فأشار [له] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى عليّ (عليه السلام) فقال:
أ ترى هذا؟. فقال: بلى. قال: وليّ هذا وليّ اللّه؛ فواله. و عدوّ هذا عدوّ اللّه؛ فعاده، قال: وال وليّ هذا و لو أنّه قاتل ابيك و ولدك، و عاد عدوّ هذا و لو أنّه أبوك أو ولدك.
تفسير العسكريّ (ع): 18
و معاني الأخبار: 113
و عيون أخبار الرضا (ع): 161
و علل الشرائع: 58
و بحار الأنوار: 27/ 54- 55 حديث 8
م 9
[الحب في اللّه و البغض في اللّه]
عن حبيش بن المعتمر، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت:
السّلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، كيف أمسيت؟. قال: أمسيت محبّا لمحبّنا و مبغضا لمبغضنا، و أمسى محبّنا مغتبطا برحمة من اللّه كان ينتظرها و أمسى عدوّنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشفا قد انهار به في نار جهنّم، و كأنّ أبواب الرحمة قد فتحت لأهلها، فهنيئا لأهل الرحمة رحمتهم، و التعس لأهل النّار و النّار لهم.
يا حبيش! من سرّه أن يعلم أ محبّ لنا أم مبغض فليمتحن قلبه، فإن كان يحبّ وليّا لنا فليس بمبغض لنا، و إن كان يبغض وليّا لنا فليس بمحبّ لنا. إنّ اللّه تعالى أخذ الميثاق لمحبّينا بمودّتنا و كتب في الذكر اسم مبغضنا، نحن النجباء و أفراطنا أفراط الأنبياء.
بحار الأنوار: 27/ 53- 54- حديث (6) المجالس: 197
م 5
بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار
[الاعتصام بأهل البيت (عليهم السلام)]
«وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا ..» (1)
آل عمران: 99
____________
(1) قد وردت روايات مستفيضة في تفسير الآية الكريمة بأهل البيت (عليهم السلام) و أنّهم: حبل اللّه، انظر مثلا: إسعاف الراغبين: 112، رشفة الصادي: 25 و 270، ينابيع المودّة: 118- 119، العمدة: 150، شواهد التنزيل: 1/ 130، أهل البيت (ع) (توفيق أبو علم): 61 و 62، عن ابن عبّاس و غيره، و بمضامين متقاربة.
و ذكر الشيخ النعمانيّ في كتابه الغيبة- الباب الثاني- في ما جاء في تفسير الآية: 39- 51 جملة من روايات حريّة بالملاحظة، و باب 31 من بحار الأنوار: 24/ 82- 85: انّهم (عليهم السلام) حبل اللّه المتين و العروة الوثقى، و انّهم آخذون بحجزة اللّه، و تفسير العيّاشيّ:
1/ 194، و مجمع البيان: 2/ 482- 488، و كنز الفوائد: 44، 58، 226، و مناقب آل أبي طالب: 2/ 273، و 3/ 170- 171 و 343، و أمالي الشيخ الطوسيّ: 171، و العمدة: 35 و غيرها.
م 7
و لمّا رأيت النّاس قد ذهبت بهم* * * مذاهبهم في أبحر الغيّ و الجهل
ركبت على اسم اللّه في سفن النّجا* * * و هم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
و أمسكت حبل اللّه و هو ولاءهم* * * كما قد أمرنا بالتمسّك بالحبل
أبو عبد اللّه الشافعي
رشفة الصادي: 25
م 11
[مقدّمة المحقق]
بسم اللّه الرحمن الرحيم و له الحمد و به ثقتي
[في قيمة كتاب بحار الأنوار]
الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه، فأخذ بنا الى المنهاج و الدليل الواضح و السبيل الناجح، و وفّقنا للدين الحنيف و شريعة سيّد المرسلين (صلوات الله عليه) و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة الأبديّة على أعدائهم و ظالميهم و غاصبي حقوقهم و منكري فضائلهم و مناقبهم و مناوئي شيعتهم من الأوّلين و الآخرين .. الى قيام يوم الدين ..
آمين يا ربّ العالمين.
أمّا بعد: ما عساني أن أقول .. و ما تراني أكتب .. و ما تخطّ يميني .. عن بحر اللآلي، و منبع الأنوار (الجامع لدرر أخبار الأئمّة الأطهار) صلوات اللّه الملك العلّام عليهم، ذاك الذي كان- و لا زال- مرجعا للأعلام، و مصدرا للأنام، و مرغما للملاحدة اللئام، كما شاء له مؤلّفه القمقام (قدس الله روحه الطاهرة) ، و حشره و إيّانا مع الأئمّة الكرام، عليهم أفضل التحيّة و السلام.
نعم؛ لا يسعني- و أنّى لي- أن أكتب عن كتاب أو كاتب- مع قصور الباع و قلّة البضاعة- عن من قلّ من حاذاه فضلا عمّن علاه، مع إجماع الكلّ
م 12
على جلالته و فضله، و إطباقهم على عظمته و علمه، و هو- بحق- آية من آيات الرحمن في فنون شتّى، و قمر في السماء بين النجوم و الكواكب، إذ هو العلّامة الفهّامة، غوّاص بحار الأنوار ببياناته، و مستخرج لآلي الأخبار بتتبّعاته، و جامع كنوز الآثار باستقصاءاته، الذي قلّ له قرين في عصره- فضلا عن من كان قبله أو جاء بعده- إذ أفنى عمره في ترويج الدين و إحياء شريعة سيّد المرسلين (صلوات الله عليه و على آله الطيّبين) ، و دفع أباطيل المبطلين، و زيغ المنحرفين، و جهل الجاهلين، تصنيفا و تأليفا، و أمرا و نهيا، قامعا للمعتدين، و مزيّفا للمبدعين، و داحضا للمعاندين، و هاديا للضالّين، و مرشدا للغاوين، و رادّا للمخالفين من أهل الأهواء و البدع و الزيغ و الضلال.
و لنطوي عن ترجمته صفحا، فما في «الفيض القدسي» لشيخنا النوريّ، و ما رصف في أوّل المجلد الأول من موسوعته، و ما كتبه عنه كلّ من ترجم له و ألّف عنه- معاصرا كان أو متأخّرا عنه- يغنينا عن التطويل، و إن كان معتقدنا أنّ ما ذكروه فيه و عنه نزر يسير، و أقلّ من القليل.
***** و بعد كلّ هذا نعود الى كتابنا؛ فقد كان و لا زال- بحق- مصدرا لكلّ من طلب بابا من أبواب علوم آل محمّد (صلوات الله عليه و عليهم) ، و منبعا لكلّ من بحث عن الحقّ و الحقيقة، إذ قد استعان به كلّ من جاء بعده، فكان عيالا عليه، و ناهلا منه .. لا لكون أكثر منابع المصنّف طاب ثراه تعدّ من الكتب المعتمدة و الأصول المعتبرة- التي لم يتسنّ الى يومنا هذا الحصول على بعضها- فحسب .. بل لما فيه من بيانات شافية، و تبويب رائع، و إحاطة واسعة، و منهجية ممتازة، و هو- من ثمّ- يشبع الموضوع- الى حدّ ما- تحقيقا و تدقيقا، و بيانا و توضيحا، مع كلّ ما فيه من برمجة و تنسيق فريد في نوعه.
فكلّ من وعى و اطّلع يعرف أنّ (البحار) موسوعة حديثيّة نادرة، و درّة
م 13
فاخرة للأمّة الإسلامية فضلا عن الطائفة المحقّة الشيعية؛ لما حواه من فنون شتّى، و علوم غزيرة، و فوائد نفيسة، و مطالب فريدة، و غوالى لا يستغني عنها طالب، و تروي كلّ شارب ..
و نعم ما قال شيخنا الطهرانيّ في الذريعة: 3/ 16: .. هو الجامع الذي لم يكتب قبله و لا بعده جامع مثله؛ لاشتماله- مع جمع الأخبار- على تحقيقات دقيقة، و بيانات و شروح لها غالبا لا توجد في غيره، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ...
***** [الطبع السابق للبحار و المجلد الثامن منه و أبوابه]
.. و لنرجع الى ما نبغيه من هذه الأسطر فنقول:
طبع البحار في خمسة و عشرين مجلدا- كما قرّره مصنّفه (رحمه الله) له- و نحن نذكر تفصيل المجلد الثامن- الذي نحن بصدده- كما جاء في أوّل المجلد الأول منه [28/ 1- 2] قال:
.. و هو مشتمل على ما وقع من الجور و الظلم و البغي و العدوان على أئمّة الدين و أهل بيت سيّد المرسلين بعد وفاته (صلوات الله عليه و عليهم أجمعين) ، و توضيح كفر المنافقين و المرتدّين الغاصبين للخلافة من أهلها، و النازعين لها من مقرّها، و أعوانهم من الملحدين، و بيان كفر الناكثين و القاسطين و المارقين، الذين اقتدوا بمن كان قبلهم من الظالمين، و حاربوا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و على أولاده الطاهرين) ، و أنكروا حقّه- مع وضوحه، على العالمين- و ما جرى في تلك الغزوات و ما لحقها .. الى آخره.
و نترك سرد أبواب المجلد الثامن و نقتصر على ما جاء في ما نخرجه هنا، و هي:
الباب الخامس: باب احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر و غيره في أمر البيعة.
م 14
الباب السادس: منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و العبّاس في الميراث.
باب (1): نوادر الاحتجاج على أبي بكر ..
باب: احتجاج سلمان و أبيّ بن كعب و غيرهما على القوم.
باب: ما كتب أبو بكر الى جماعة يدعوهم الى البيعة، و فيه بعض أحوال ابي قحافة.
باب: إقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين (عليه السلام) و خلافته بعد الغصب.
باب: نزول الآيات في أمر فدك و قصصه، و جوامع الاحتجاج فيه، و فيه قصّة خالد و عزمه على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر المنافقين.
باب: العلّة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك.
باب: علّة قعوده (عليه السلام) عن قتال من تأخّر عنه من الأوّلين و قيامه الى قتال من بغى عليه من الناكثين و القاسطين و المارقين، و علّة إمهال اللّه من تقدّم عليه، و فيه علّة قيام من قام من سائر الأئمّة (عليهم السلام) و قعود من قعد منهم.
باب: العلّة التي من أجلها ترك الناس عليّا (عليه السلام).
باب: شكاية أمير المؤمنين (عليه السلام) عمّن تقدّمه من الغاصبين.
باب: آخر، فيما كتب (عليه السلام) الى أصحابه في ذلك تصريحا أو تلويحا.
باب: احتجاج الحسين (عليه السلام) على عمر و هو على المنبر.
باب: في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و غصب الخلافة و ظهور جهل الغاصبين و كفرهم و رجوعهم الى أمير المؤمنين (عليه السلام).
____________
(1) هذه الأبواب رقمت في طبعتنا هذه.
م 15
باب: ما أظهر عمر و أبو بكر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت.
باب: كفر الثلاثة و نفاقهم و فضائح أعمالهم و قبائح آثارهم و فضل التبرّي منهم و لعنهم.
باب: آخر، فيه ذكر أهل التابوت في النار.
باب: تفصيل مطاعن أبي بكر، و الاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم.
باب: تفصيل مثالب عمر، و الاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم.
باب: نسب عمر و ولادته و وفاته و بعض نوادر أحواله، و ما جرى بينه و بين أمير المؤمنين (عليه السلام).
باب: نادر.
باب: تفصيل مثالب عثمان و بدعه و الاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم و بعض أحواله.
باب: الشورى، و احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على القوم في ذلك اليوم.
باب: احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على جماعة من المهاجرين و الأنصار .. الى آخره.
باب: ما جرى بين أمير المؤمنين (عليه السلام) و بين عثمان و ولاته و أعوانه و بعض أحواله.
باب: كيفيّة قتل عثمان و ما احتجّ عليه القوم في ذلك.
باب: تبرّي أمير المؤمنين (عليه السلام) من دم عثمان و عدم إنكاره أيضا .. الى آخره.
باب: ما ورد في لعن بني أميّة و بني العبّاس و كفرهم.
باب: ما ورد في جميع الغاصبين و المرتدّين مجملا.
م 16
و قد تعرّض لهذه الأبواب شيخنا الطهرانيّ في الذريعة: 3/ 19- 20 أيضا.
و قال المصنّف طاب ثراه في آخر كلامه السالف: .. مقتصرا في جميع ذلك على نقل الأخبار و توضيحها، و الإيماء الى بعض الحجج من غير تعرّض لبسط القول فيها و تنقيحها، و إيراد الشبه و تزييفها و تقبيحها، فإنّ ذلك ممّا يكبر به حجم الكتاب، و يورث إعراض الناس عنه و تعريضهم بالإطناب و الإسهاب ...
أقول: هذا هو الذي تعرّضنا له من المجلد الثامن من هذه الموسوعة العظيمة في الفتن بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و سيرة الخلفاء، و ما وقع في أيّامهم من الفتوح و غيرها، و كيفية حرب الجمل و صفّين و النهروان، و شرح أحوال معاوية في الشام و غاراته و معاملته مع أهل العراق، و ذكر أحوال بعض خواصّ أمير المؤمنين (عليه السلام) و أصحابه، و شرح جملة من الأشعار المنسوبة إليه، و شرح بعض كتبه في اثنين و ستين بابا، و في واحد و ستين ألف بيت- كما هو المصطلح عندهم- توجد له أكثر من نسخة خطيّة، منها؛ ما جاء في مكتبة سبهسالار في طهران- كما جاء في فهرستها: 1/ 239 برقم 5319، نسخت سنة 1109 ه في 243 ورقة، و عندنا منها مصوّرة، و غيرها. ثم إنّه طبع أوّلا في تبريز سنة 1275 ه، ثمّ جدّد طبعه بعد ذلك في طهران سنة 1303- 1315 ه، و أعيد طبع المجلد الثامن على الطبعة الأخيرة- بالأوفست- في قم حدود سنة 1400 ه.
هذا و قد ترجم هذا المجلّد الى الفارسية المولى محمّد نصير بن المولى عبد اللّه بن المولى محمّد تقيّ المجلسي، و المولى عبد اللّه هو أخو العلّامة شيخنا المصنّف طاب ثراهما، و له ترجمة أخرى باسم: مجاري الأنهار (في ترجمة المجلد الثامن من البحار) للمولى محمّد مهدي بن محمّد شفيع الأسترآبادي المازندراني المتوفّى سنة 1259 ه فرغ منها سنة 1247 ه، كما أنّ له ترجمة أخرى لمترجم
م 17
مجهول توجد نسختها في مكتبة السيّد الكلبايكاني كما ورد في فهرس المكتبة:
2/ 30 برقم 499.
و قد اختصر البحار- و منه هذا المجلد- أكثر من مرة، منها ما قام به الشيخ حسن الميانجي- و ذكره شيخنا في الذريعة: 4/ 423-، و آخر للميرزا إبراهيم الخوئي- كما في أعيان الشيعة: 7/ 30-، و ثالثة لميرزا محمّد صادق الشيرازي، و غيرها.
كما و قد استدرك عليه جمع من أعلامنا (رضوان اللّه عليهم)؛ منهم الميرزا محمّد بن رجب علي الطهرانيّ العسكريّ، كتب أوّلا: مصابيح الأنوار في فهرس أبواب البحار، ثمّ اشتغل باستدراك كل باب باب، و لا ننس سفينة البحار لشيخنا الشيخ عبّاس القمّيّ، و مستدركاتها للشيخ علي النمازي (رحمهما الله) ..
و غير ذلك.
و لسنا بصدد سرد أو جمع لكلّ ما هناك من تراجم و تعليقات و حواش و مستدركات أو نسخ خطيّة جاءت لهذه الموسوعة العظيمة و لمجلّدنا بالخصوص، و ما أوردناه غيض من فيض تعرّض لبعضه كلّ من كتب عن البحار، و جاء جملة منه في مجلة مشكاة: 29، و غيرها.
و كان أن خصّص لهذا المجلد- في طبعته الجديدة- الأجزاء 28- 34، و لكن بعد طبع المجلد الثامن و العشرين منه ترك بقية الأجزاء و شرع بطبع المجلد الخامس و الثلاثين، مهملين بقية الأجزاء من هذا المجلد، و قد طبع أخيرا الأجزاء الثاني و الثلاثون و الثالث و الثلاثون و الرابع و الثلاثون بواسطة وزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي في إيران بتحقيق الحاجّ الشيخ محمّد باقر المحمودي، و لنا عليه عدّة ملاحظات و مؤاخذات، مع ما قام فيه من تصرّف أو حذف و تغيير و .. فما أجمل قول شيخنا الطهرانيّ في ذريعته: 25/ 356- 357- عند حديثه في استدراكاته على طبع دورة البحار على الحروف في 110 مجلد-، قال: بعد إسقاط بعض أقسامه تحت ضغط التيّار المتسنّن الداعي الى
م 18
الاتّحاد من جهة واحدة!!:
ففي الوقت الذي ألّفت فيه مئات المصنّفات و المقالات- جاوزت الثمانمائة في العصر الحاضر- ضدّ الشيعة، و ما من تهمة و فريّة إلّا و ألصقوها بهم، و ما من أكذوبة إلّا و قذفوهم بها، و ها هي تترى عليها اللكمات و الصفعات من كلّ جانب، و نسبت إليهم عشرات الاتّهامات و الافتراءات، نجدها قد حكم عليها أن لا تقول كلمتها و لا تنبس ببنت شفة!.
نعم؛ لقد تكالبت أيد مريضة طورا، و بسيطة أخرى، و مجرمة ثالثة ..
مع ما كان للسلطة الحاكمة آنذاك من دور قذر، و جور مستمرّ، و محاباة للظالمين و .. أن حرمت هذه المجلّدات من أن ترى النور، و تظهر الى الساحة .. إذ تجد دورة البحار- بأجزائها المائة و عشرة و يا للأسف- مبتزّة عنها واسطة العقد، مسلوب من صدفها درّها و جوهرها.
***** [دواعي نشري لهذه الفصول]
ثمّ إنّه من دواعي نشري لهذه الفصول- و هي كثيرة جدّا- ما أعتقده و أدين ربّي به من أنّه سبحانه و تعالى لا يقبل من عباده صرف الإقرار بتوحيده إلّا بعد نفي كلّ إله و صنم يعبد من دونه، و بذا جاءت كلمة التوحيد (لا إله إلّا اللّه) بل قدّم النفي على الإثبات، كما أنّه- عزّ اسمه- لم يقبل صرف الإقرار بنبوّة نبيّنا الخاتم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم إلّا بعد نفي كلّ مدّعي النبوّة كمسيلمة و سجاح و الأسود العنسي و أشباههم، فكذا لا تقبل الإمامة الخاصّة لسيّدنا و مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلّا بعد النفي و الجحد و البراءة من كلّ من نصب نفسه للأمّة دونه.
و بعبارة أخرى؛ إنّ التوحيد مركّب من جزءين؛ إيجابيّ و سلبي، يجمعهما كلمة التوحيد، فمن ادّعى الربوبيّة أو عبد غيره سبحانه استوجب البراءة منه، و كذلك النبوّة لا تتمّ إلّا بالقول بأنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) هو الرسول، و من
م 19
ادّعاها غيره استوجب البراءة منه، فكذا القول بالإمامة فإنّها لا تتمّ إلّا بالقول بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الإمام حقّا و البراءة ممّن ادّعاها نظير من ادّعى الألوهيّة و الرسالة كاذبا، و بذا يتمّ الإيمان.
و كما أنّ ربّنا هو مرسل رسولنا؛ فهو الذي عيّن له وصيّا و خليفة، و من لم يقلّ بذلك فقد خالفنا في أصول ديننا فضلا عن أصول مذهبنا.
***** [قول بعض الشيعة لبعض الناصبة في محاورته له في فضل آل محمّد (عليهم السلام)]
و يحلو لي أن أورد نتفا ممّا جاء في كتب السابقين مثل ما ذكره السيّد المرتضى علم الهدى في كتابه «الفصول المختارة»: 1/ 21 عن قول بعض الشيعة لبعض الناصبة- في محاورته له في فضل آل محمّد (عليهم السلام)-: ..
أ رأيت لو بعث اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم أين ترى كان يحطّ رحله و ثقله؟، فقال له الناصب: كان يحطّه في أهله و ولده. فقال له الشيعيّ: فإنّي قد حططت هواي حيث يحطّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم رحله و ثقله ..
و جاء فيه أيضا [1/ 7- 9]- و كم له من نظير- و إليك نصّ كلامه في أكثر من محاورة له طاب رمسه، قال:
و من كلام الشيخ أدام اللّه عزّه في إبطال إمامة أبي بكر من جهة الإجماع:
سأله المعروف ب: الكتبي، فقال له: ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر؟، فقال له: الأدلّة على ذلك كثيرة، و أنا أذكر لك منها دليلا يقرب الى فهمك، و هو أنّ الأمّة مجمعة على أنّ الامام لا يحتاج الى إمام، و قد أجمعت الأمّة على أنّ أبا بكر قال على المنبر: (و ليتكم و لست بخيركم فإن استقمت فاتّبعوني و إن اعوججت فقوّموني)، فاعترف بحاجته الى رعيّته، و فقره إليهم في تدبيره. و لا خلاف بين ذوي العقول أنّ من احتاج الى رعيّته فهو الى الامام أحوج، و إذا ثبت حاجة أبي بكر الى الإمام بطلت إمامته بالإجماع المنعقد على أنّ الإمام لا يحتاج الى
م 20
إمام، فلم يدر الكتبي بم يعترض، و كان بالحضرة رجل من المعتزلة يعرف ب:
عرزالة، فقال: ما أنكرت على من قال لك إنّ الأمّة أيضا مجمعة على أنّ القاضي لا يحتاج الى قاض، و الأمير لا يحتاج الى أمير، فيجب على هذا الأصل أن توجب عصمة الأمراء و القضاة أو يخرج عن الإجماع.
فقال له الشيخ أدام اللّه عزّه: إنّ سكوت الأول أحسن من كلامك هذا، و ما كنت أظنّ أنّه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه؛ و ذلك أنّه لا إجماع فيما ذكرت، بل الإجماع في ضدّه، لأنّ الأمّة متّفقة على أنّ القاضي- الذي هو دون الإمام- يحتاج الى قاض هو الإمام، و الأمير من قبل الإمام يحتاج الى أمير هو الإمام، و ذلك مسقط ما تعلّقت به، اللّهم إلّا أن تكون أشرت بالأمير و القاضي الى نفس الإمام فهو كما وصفت غير محتاج الى قاض يتقدّمه أو أمير عليه، و إنّما استغنى عن ذلك لعصمته و كماله، فأين موضع إلزامك عافاك اللّه؟! فلم يأت بشيء.
و من كلام الشيخ أدام اللّه عزّه- أيضا-: سأل رجل من المعتزلة يعرف ب: أبي عمرو الشطوي، فقال له: أ ليس قد أجمعت الأمّة على أنّ أبا بكر و عمر كان ظاهرهما الإسلام؟.
فقال له الشيخ: نعم؛ قد أجمعوا على أنّهما قد كانا على ظاهر الإسلام زمانا، فأمّا أن يكونوا مجمعين على أنّهما كانا في سائر أحوالهما على ظاهر الإسلام، فليس في هذا إجماع، للاتّفاق على أنّهما كانا على الشرك، و لوجود طائفة كثيرة العدد تقول: إنّهما كانا بعد إظهارهما الإسلام على ظاهر كفر بجحد النصّ. و إنّه كان يظهر منهما النفاق في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، فقال الشطوي [الشوطي]: قد بطل ما أردت أن أورده على هذا السؤال بما أوردت، و كنت أظنّ أنّك [لا] تطلق القول على ما سألتك.
فقال له الشيخ أدام اللّه عزّه: قد سمعت ما عندي؛ و قد علمت ما الذي أردت، فلم أمكنك منه، و لكنّي أنا أضطرّك الى الوقوع فيما ظننت أنّك
م 21
توقع خصمك فيه، أ ليس الأمّة مجمعة على أنّه من اعترف بالشكّ في دين اللّه عزّ و جلّ و الريب في نبوّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم فقد اعترف بالكفر و أقرّ به على نفسه؟. فقال: بلى.
فقال له الشيخ أدام اللّه عزّه: فإنّ الأمّة مجمعة [مجتمعة] لا خلاف بينها على أنّ عمر بن الخطّاب قال: ما شككت منذ يوم أسلمت إلّا يوم قاضى فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أهل مكّة، فإنّي جئت إليه فقلت له: يا رسول اللّه! أ لست بنبيّ؟! فقال: بلى، فقلت: ألسنا بالمؤمنين؟! قال: بلى، فقلت [له]: فعلى م تعطي هذه الدنيّة من نفسك؟! فقال: إنّها ليست بدنيّة، و لكنّها خير لك، فقلت له: أ ليس قد وعدتنا أن ندخل مكّة؟! قال: بلى، قلت: فما بالنا لا ندخلها؟!، قال: أو وعدتك أن تدخلها العام؟!، قلت: لا، قال:
فسندخلها إن شاء اللّه تعالى، فاعترف بشكّه في دين اللّه و نبوّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم .. و ذكر مواضع شكوكه و بيّن عن جهاتها، و إذا كان الأمر على ما وصفناه فقد حصل الإجماع على كفره بعد إظهار الإيمان، و اعترافه بموجب ذلك على نفسه، ثمّ ادّعى خصومنا من الناصبة أنّه تيقّن بعد الشكّ و رجع الى الإيمان بعد الكفر، فأطرحنا قولهم لعدم البرهان [منهم] عليه و اعتمدنا على الإجماع فيما ذكرناه، فلم يأت بشيء أكثر من أن قال: ما كنت أظنّ أحدا يدّعي الإجماع على كفر عمر بن الخطّاب حتّى الآن.
و أورده العلّامة المجلسي في بحار الأنوار: 10/ 413- 414.
***** [قضيّة الوحدة بين المسلمين مسألة عقليّة]
ثمّ إنّ قضيّة الوحدة بين المسلمين ما هي إلّا مسألة عقليّة قبل أن تكون نصيّة، و فريضة شرعيّة قبل أن تكون مسئوليّة اجتماعيّة، و هي- على كلّ حال- لا يمكن التعامي و التغاضي عنها أو غضّ الطرف عنها بعد قوله سبحانه و تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا (آل عمران: 99) بذا أمر
م 22
سبحانه- على أن يكون حبل اللّه هو عليّ (عليه السلام) و ولده كما صرّحت به نصوص العامّة فضلا عن الخاصّة، و قد سلفت في ديباجة الكتاب.
و توعّد عزّ اسمه على التهاون بالوحدة و تضييعها بالعذاب العظيم، فقال تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (آل عمران: 105).
فالوحدة بين المسلمين يجب أن تفهم على أنّها قضيّة رساليّة أساسيّة لا سياسيّة وقتية، و هي ذات أبعاد متشعّبة فرّط بها قوم و أفرط آخرون، مع كلّ ما لها من الأهميّة، و في لزوم حمايتها و الحرص عليها، إلّا أنّه- و يا للأسف- قد خلط بين الوحدة السياسية و الدينيّة، حتى جرأ البعض- ممّن لا بصيرة له- فقال بوحدة الأديان بعد أن فرغ من وحدة المذاهب!!.
فليست الوحدة هي كون الباطل حقّا و لا الحقّ باطلا «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ» و «جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ»، بل المنهج التحقيقي و الموضوعيّة العلميّة تستدعي الباحث عن الحقيقة أن يفحص و يبحث ... ثم يستنتج من رسالة السماء ما هو واجبه و ما تمليه عليه فريضته، لا أنّه تحت شعار حفظ الوحدة يهمل كلّ الفروع و الأصول التي يلقاها خلال بحثه و تفتيشه، بل ينسى- و يا للعار- الحقيقة و الحقّ، بل يلتزم الضلالة و الباطل متذرّعا بهذه اللفظة ..
و هذا ما وجدناه عند بعض ممّن شاركنا باسم المذهب.
إذ البحث العلمي يتوخّى دوما الحقائق المجرّدة عن أيّة مواقف مسبقة، أو التزامات نسبيّة، أو شعائر و عادات موروثة، أو أيّة اعتبارات تصرفه عن مسيره العلمي.
فهل- يا ترى- تجنّب الفرقة و الخلاف و التمسّك بالوحدة و الوفاق يلزم منه توافق الجميع حتّى فيما اختلفوا فيه؟!.
و هل معنى الوحدة هي حفظ جميع الخلافات و أسبابها و دواعيها و جذورها الى الأبد ..؟!.
م 23
و هل معنى الوحدة هو مجرّد مجاملات و تملّق و تزلّف بعضنا لبعض ..؟!.
و هل هذا إلّا تجديد للنزاعات الطائفيّة و تعميق الفرقة و تصحيح الخلاف، و فوق ذلك قتل بعضنا البعض بحجّة العمل بما سار عليه رجال السلف ..؟!.
و هل هذا إلّا إبقاء للخلافات و حفظا لجذوره حيّة طريّة فينا ما حيينا، كما هو واقعنا اليوم؟!.
و لبّ المقال؛ إنّه متى كان التمسّك بأسباب الشقاق و الخلاف هو الجامع المحقّق لدواعي الانسجام و الوحدة ..؟!.
و حرام علينا استغلال شعار «الوحدة الإسلامية» لقتل روح التفكير الحرّ و البحث العلمي و التصدّي للمسئوليّة الشرعيّة، و تحجير عقولنا، و إماتة الحقائق متذرّعين بهذه الذريعة لقتل الموقف القائم عن بصيرة و وعي!.
و مسعانا و عقيدتنا و مسئوليّتنا- لو كنّا مسلمين- تتلخّص في حفظ الدين الحنيف كما أرادته السماء لنا، و قام الدليل بالالتزام بالموقف الحقّ الثابت الذي لا غبار عليه، و حمايته بالغالي و الرخيص، و طرح جميع الأفكار على طاولة التشريح و الدقّة في الدليل، سواء وافق ميول الأشخاص و أهواءهم أم خالفها.
و ليس معنى هذا- و العياذ باللّه- هو الإفراط- تحت هذه الذريعة- لتعميق الخلافات المذهبيّة، و تغذية الروح الطائفيّة البغيضة. فلو أخذنا بنظر الاعتبار وحدة العقيدة و المبدأ، و اتّحاد مصادر التشريع، و الاتّفاق على جملة من فروع الدين، و فوق هذا وحدة المصير و الهدف، و العدوّ المشترك و .. لأمكن بها إزاحة الكثير من العقبات التي تحول دون تفاهمنا، و بذا يحفظ المسلم حقوق أخيه المسلم بما بيّنه الشارع المقدّس في مئات النصوص .. من حرمة دمه و ماله و عرضه .. هذا عدا ما هناك من أحكام أخلاقيّة و آداب إسلاميّة فرضها عليه؛ كحرمة سبّه- و كونه فسوقا-، و قتاله- و كونه كفرا-، و غشّه- و عدّه حراما-، و الغدر به- و صيرورته غيلة-، و .. هذا مع ما أمر به الشارع من الوفاء بوعده،
م 24
و إفشاء السلام عليه، و عيادة مريضه، و تشييع جنازته، و إكرامه و احترامه و ..
بل هما كأعضاء الجسد الواحد يشدّ بعضه بعضا .. و يحبّ له ما يحبّ لنفسه و يكره له ما يكره لها ..
***** [بعض العناوين العامّة في أبواب متفرّقة حول هذا الموضوع]
ثمّ إنّه يلزمنا أن نطلّ على هذه الموسوعة من خلال عرض أبواب متفرّقة تمتّ بشدّة بموضوع بحثنا هذا، غايته أنّ هذه الأجزاء عدّت بعض الروايات و حاولنا استدراك الباقي في خاتمة الكتاب ممّا جاء في أبواب متفرّقة عن القوم، و هنا ندرج بعض العناوين العامّة في أبواب متفرّقة حول هذا الموضوع.
فمثلا؛ باب: من يجوز أخذ العلم منه و من لا يجوز، و ذمّ التقليد و النهي عن متابعة غير المعصوم في كلّ ما يقول، و وجوب التمسّك بعروة اتّباعهم (عليهم السلام) و جواز الرجوع الى رواة الأخبار و الفقهاء الصالحين .. [2/ 81-
105 باب 14].
باب: تأويل المؤمنين و الإيمان و المسلمين و الإسلام بهم و بولايتهم (عليهم السلام)، و الكفّار و المشركين و الكفر و الشرك و الجبت و الطاغوت و اللّات و العزّى و الأصنام بأعدائهم و مخالفيهم [23/ 354- 393 باب 20].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) الأبرار و المتّقون و السابقون و المقرّبون و شيعتهم أصحاب اليمين، و أعداؤهم الفجّار و الأشرار و أصحاب الشمال [24/ 1- 9 باب 23].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) السبيل و الصراط، و هم و شيعتهم المستقيمون عليها [24/ 9- 25 باب 24، و باب 25 من أنّ الاستقامة إنّما هي على الولاية].
باب: أنّ ولايتهم الصدق، و أنّهم الصادقون و الصدّيقون و الشهداء و الصالحون [24/ 30- 40 باب 26].
م 25
باب: أنّ الحسنة و الحسنى الولاية، و السيّئة عداوتهم ((عليهم السلام)) [24/ 41- 48 باب 28].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) النجوم و العلامات، و فيه بعض غرائب التأويل فيهم (صلوات الله عليهم)، و في أعدائهم [24/ 67- 82 باب 30].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) الشجرة الطيّبة في القرآن، و أعداؤهم الشجرة الخبيثة [24/ 136- 143 باب 44].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) و ولايتهم. العدل و المعروف و الإحسان و القسط و الميزان، و ترك ولايتهم و أعداؤهم: الكفر و الفسوق و العصيان و الفحشاء و المنكر و البغي [24/ 187- 191 باب 52].
باب: أنّهم ((عليهم السلام)) الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصيام و سائر الطاعات، و أعداؤهم الفواحش و المعاصي في بطن القرآن [24/ 286- 304 باب 66، بل ننصح بمراجعة جميع المجلد 24 و 27 من البحار].
باب: عقاب من ادّعى الإمامة بغير حقّ، أو رفع رآية جور، أو أطاع إماما جائرا [25/ 110- 115 باب 3].
باب: أنّ حبّهم ((عليهم السلام)) علامة طيب الولادة و بغضهم علامة خبث الولادة [27/ 145- 156 باب 5].
باب: ما يجب من حفظ حرمة النبيّ ((صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم) فيهم و عقاب من قاتلهم أو ظلمهم أو خذلهم و لم ينصرهم [27/ 202- 207 باب 8].
باب: ذمّ مبغضهم، و أنّه كافر حلال الدم، و ثواب اللعن على أعدائهم [27/ 218- 239 باب 10].
باب: عقاب من قتل نبيّا أو إماما، و أنّه لا يقتلهم إلّا ولد زنا [27/ 239- 241 باب 11].
باب: احتجاج الشيخ السديد المفيد ((رحمه الله)) على عمر في الرؤيا.
م 26
[27/ 327- 331 باب 1].
باب: افتراق الأمّة بعد النبيّ ((صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم) على ثلاث و سبعين فرقة، و أنّه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم و ارتدادهم عن الدين [28/ 2- 36 باب 1].
و له نظائر في أبواب مختلفة في الاتّباع حذو القذة بالقذة كما في بحار الأنوار: 13/ 180.
باب: قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ .. (المائدة: 54) [36/ 32- 34 باب 30].
باب: كفر المخالفين و النصّاب و ما يناسب ذلك [72/ 131- 156 باب 101].
باب: مدح الذريّة الطيّبة و ثواب صلتهم [96/ 217- 236 باب 27].
هذا عموما؛ و ما جاء في خصوص أمير المؤمنين (عليه السلام) و الزهراء البتول (سلام اللّه عليها) فندرج بعضها:
باب: أنّه ((عليه السلام)) المؤمن و الإيمان و الدين و الإسلام و السنّة و السلام و خير البريّة في القرآن، و أعداؤه الكفر و الفسوق و العصيان [35/ 336- 353 باب 13].
باب: أنّه ((عليه السلام)) الصادق و المصدّق و الصدّيق في القرآن ...
[35/ 407- آخر المجلد باب 21].
باب: كفر من آذاه ((عليه السلام)) أو حسده أو عانده و عقابهم [39/ 330- 334 باب 89].
باب: قوله تعالى: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [36/ 76- و ما بعدها باب 28]، و غيرها من الآيات الواردة في حقّه ((عليه السلام)) في المجلد
م 27
السادس و الثلاثين منه.
باب: طينة المؤمن و خروجه من الكافر و بالعكس [67/ 77- 129 باب 3].
باب: ما وقع على الزهراء البتول (سلام اللّه عليها) من الظلم، و بكائها و حزنها و شكايتها في مرضها الى شهادتها و غسلها و دفنها، و بيان العلّة في إخفاء دفنها (صلوات اللّه عليها)، و لعنة اللّه على من ظلمها [43/ 155- 218 باب 7].
***** [جملة من الروايات و كلمات بعض علمائنا في باب البراءة]
و إليك مسرد لجملة من الروايات (1) و كلمات بعض علمائنا الأعلام (قدّس سرّهم) في باب البراءة، ننقلها غالبا عن هذا الكتاب خاصّة لأنّه موضوع البحث هربا من الإطالة و الإسهاب:
[الروايات]
فمما أوحي الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم ليلة الإسراء: .. يا محمّد! لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع و يصير كالشنّ البالي ثمّ أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنّتي و لا أظللته تحت عرشي.
[بحار الأنوار: 8/ 357 نقلا عن المحاسن: 34]
و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم قال: إنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللّه و البغض في اللّه، و توالي وليّ اللّه و تعادي عدوّ اللّه.
[بحار الأنوار: 27/ 56 و 57 حديث 13، عن المحاسن: 165]
و هي كثيرة جدّا لا نغالي لو قلنا بتواترها معنى، و قطعيّة صدورها و نصيّة
____________
(1) و لعلّ الباب (19) باب اشتراط قبول الأعمال بولاية الأئمّة (عليهم السلام) و اعتقاد إمامتهم، من أبواب المقدّمات الواردة في الجزء الأول من كتاب جامع أحاديث الشيعة: 426- 460، يغني عن كل ما سلف، فلاحظ.
م 28
دلالتها.
و جاء في الخصال: [150 حجري، 2/ 153- 154]، بإسناده عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: ... و حبّ أولياء اللّه واجب، و الولاية لهم واجبة، و البراءة من أعدائهم واجبة، و من الذين ظلموا آل محمّد صلّى اللّه عليهم و هتكوا حجابهم، و أخذوا من فاطمة (عليها السلام) فدكا و منعوها ميراثها و غصبوها و زوجها حقوقهما، و همّوا بإحراق بيتها، و أسّسوا الظلم، و غيّروا سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و البراءة من الناكثين و القاسطين و المارقين واجبة، و البراءة من الأنصاب و الأزلام أئمّة الضلال، و قادة الجور كلّهم- أوّلهم و آخرهم- واجبة، و البراءة من أشقى الأوّلين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود و قاتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واجبة، و البراءة من جميع قتلة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة ..
[و أورده في بحار الأنوار: 10/ 226- 227 حديث 1 و 27/ 52 حديث 3]
و قريب منه ما جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) [كما أورده
في عيون أخبار الرضا (ع): 268 (2/ 121- 127) باب 35 حديث 1]، بإسناده عن الفضل بن شاذان، قال: سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أن يكتب له محض الإسلام على الإيجاز و الاختصار، فكتب (عليه السلام): ..
و الولاية لأمير المؤمنين و الذين مضوا على منهاج نبيّهم و لم يغيّروا و لم يبدّلوا مثل ... و الولاية لأتباعهم و أشياعهم و المهتدين بهداهم، السالكين منهاجهم (رضوان اللّه عليهم) و رحمة ... الى آخره.
[و أورده في بحار الأنوار: 10/ 358- 359 حديث 1]
[كلمات العلماء في التبري]
و جاء في اعتقادات الشيخ الصدوق: 112، قال: قال الصادق (عليه السلام): من شكّ في كفر أعدائنا و الظالمين لنا فهو كافر.
[و انظر: بحار الأنوار: 27/ 62]
قال الصفواني: [كما في مستطرفات السرائر: 488- حجري السرائر-
م 29
(تحقيق مدرسة الامام المهديّ (ع): 149) و حكاه في بحار الأنوار: 27/ 58- 59 حديث 19]:
و اعلم- يا بني- إنّه لا تتمّ الولاية و لا تخلص المحبّة، و لا تثبت المودّة لآل محمّد (صلوات الله عليهم) إلّا بالبراءة من عدوّهم؛ قريبا كان منك أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ (المجادلة:
22).
و للشيخ الصدوق محمّد بن بابويه (رحمه الله) (المتوفّى سنة 385 ه) مجلس واحد أملى فيه مجمل عقائد الشيعة الإماميّة [و جاء في كتابه المجالس: 379] و قال فيه: ... و إنّ الدعائم التي بني الإسلام عليها خمس: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحجّ، و ولاية النبيّ و الأئمّة بعده (صلوات الله عليهم) ... و الإقرار بأنّهم أولو الأمر الذين أمر اللّه عزّ و جلّ بطاعتهم، فقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و أنّ طاعتهم طاعة اللّه، و معصيتهم معصية اللّه، و وليّهم وليّ اللّه، و عدوّهم عدوّ اللّه عزّ و جلّ .. الى آخر كلامه أعلى اللّه مقامه.
و قال العلّامة المجلسي في بحاره: 10/ 393- 405- بعد سرده المجلس بكامله-: و إنّما أوردناها- أي عقائده- لكونه من عظماء القدماء التابعين لآثار الأئمّة النجباء الذين لا يتّبعون الآراء و الأهواء، و لذا ينزل أكثر أصحابنا كلامه و كلام أبيه رضي اللّه عنهما منزلة النصّ المنقول و الخبر المأثور ..
و إليك كلام هذا العظيم في اعتقاداته: 111- 114 [و نقله العلّامة المجلسي في بحاره: 27/ 60- 63 حديث 21 و 8/ 365- 366 مجملا] نقلناه بطوله لما فيه من فوائد، قال طاب ثراه:
اعتقادنا في الظالمين أنّهم ملعونون و البراءة منهم واجبة، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ
م 30
الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (هود:
17- 19).
و قال ابن عبّاس في تفسير هذه الآية: إنّ سبيل اللّه عزّ و جلّ في هذا الموضع هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
و الأئمّة في كتاب اللّه عزّ و جلّ إمامان: إمام هدى و إمام ضلالة، قال اللّه جلّ ثناؤه: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا (السجدة: 24)، و قال اللّه عزّ و جلّ في أئمّة الضلالة: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ* وَ أَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (القصص: 41- 42).
و لمّا نزلت هذه الآية: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (الأنفال: 25) قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي و نبوّة الأنبياء من قبلي، و من تولّى ظالما فهو ظالم، قال اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (التوبة: 23). و قال اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (الممتحنة: 13). و قال عزّ و جلّ: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (المجادلة: 22). و قال عزّ و جلّ: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (هود: 113) و الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه.
فمن ادّعى الإمامة و ليس بإمام فهو الظالم الملعون، و من وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: من جحد عليّا إمامته من بعدي فإنّما جحد نبوّتي و من جحد نبوّتي فقد جحد اللّه ربوبيّته.
م 31
و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم لعليّ: يا عليّ! أنت المظلوم بعدي، من ظلمك فقد ظلمني، و من أنصفك فقد أنصفني، و من جحدك فقد جحدني، و من والاك فقد والاني، و من عاداك فقد عاداني، و من أطاعك فقد أطاعني، و من عصاك فقد عصاني.
و اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين و الأئمّة من بعده (عليهم السلام) بمنزلة من جحد نبوّة الأنبياء (عليهم السلام).
و اعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين و أنكر واحدا من بعده من الأئمّة (عليهم السلام) أنّه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثمّ أنكر بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم.
و قال الصادق (عليه السلام): المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا.
و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: الأئمّة من بعدي اثنا عشر، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و آخرهم القائم؛ طاعتهم طاعتي و معصيتهم معصيتي، من أنكر واحد منهم فقد أنكرني.
و قال الصادق (عليه السلام): من شكّ في كفر أعدائنا و الظالمين لنا فهو كافر.
و قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): ما زلت مظلوما منذ ولدتني أمّي حتّى أنّ عقيلا كان يصيبه رمد فقال: لا تذروني حتّى تذروا عليّا، فيذروني و ما بي رمد.
و اعتقادنا فيمن قاتل عليّا (عليه السلام)
كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: من قاتل عليّا فقد قاتلني، و قوله: من حارب عليّا فقد حاربني و من حاربني فقد حارب اللّه عزّ و جلّ.
و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم لعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام): أنا حرب لمن حاربهم و سلم لمن سالمهم.
و أمّا فاطمة (صلوات اللّه عليها)؛ فاعتقادنا أنّها سيّدة نساء العالمين من
م 32
الأوّلين و الآخرين، و أنّ اللّه عزّ و جلّ يغضب لغضبها و يرضى لرضاها، و أنّها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالمها و غاصبها و مانعي إرثها.
و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، و من غاظها فقد غاظني، و من سرّها فقد سرّني.
و قال (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: فاطمة بضعة منّي، و هي روحي التي بين جنبيّ، يسوؤني ما ساءها و يسرّني ما سرّها.
و اعتقادنا في البراءة أنّها واجبة من الأوثان الأربعة، و الإناث الأربع، و من جميع أشياعهم و أتباعهم، و أنّهم شرّ خلق اللّه عزّ و جلّ، و لا يتمّ الإقرار باللّه و برسوله و بالأئمّة (عليهم السلام) إلّا بالبراءة من أعدائهم.
و قال شيخنا المفيد قدّس اللّه سرّه في كتاب المسائل [كما أورده العلّامة المجلسي في بحاره: 8/ 366 و 23/ 390]: اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمّة و جحد ما أوجبه اللّه تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضالّ مستحقّ للخلود في النار.
و قال في موضع آخر منه: اتّفقت الإماميّة على أنّ أصحاب البدع كلّهم كفّار و أنّ على الإمام أن يستتيبهم عند التمكّن بعد الدعوة لهم و إقامة البيّنة عليهم، فإن تابوا من بدعهم و صاروا الى الصواب و إلّا قتلهم لردّتهم عن الإيمان، و أنّ من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار.
و للسيّد المرتضى علم الهدى في كتابه الانتصار: 231- 233 بحث جامع في المقام جاء فيه: .. و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، و أيضا فإنّ الإمام عندنا يجب معرفته و تلزم طاعته كوجوب المعرفة بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و لزوم طاعته كالمعرفة باللّه تعالى، و كما أنّ جحد تلك المعارف و التشكيك فيها كفر، و كذلك هذه المعارف ... الى آخر كلامه علا مقامه.
و لعلّ شيخنا المعظّم الشهيد المحقّق الكركي (المتوفّى سنة 940 ه) في
م 33
كتابه (نفحات اللاهوت في لعن الجبت و الطاغوت) قد أدّى المطلب حقّه، و أنجز وعده، و قد طبع كرارا.
قال العلّامة المجلسي في رسالته في الاعتقادات و السير و السلوك- المطبوعة سنة 1321 ه ذيل كتاب التوحيد: 493-: و أمّا إنكار ما علم ضرورة من مذهب الإماميّة فهو يلحق فاعله بالمخالفين و يخرجه عن التديّن بدين الأئمّة الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)؛ كإمامة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) و فضلهم و علمهم و وجوب طاعتهم و فضل زيارتهم .. الى أن قال: و أمّا مودّتهم و تعظيمهم في الجملة فمن ضروريات دين الإسلام و منكره كافر ..
و قال في بحاره: 72/ 108- 109: اعلم أنّه كما يطلق المؤمن و المسلم على معان- كما عرفت- فكذلك يطلق المنافق على معان؛ منها: أن يظهر الإسلام و يبطن الكفر، و هو المعنى المشهور، و منها: الرياء، و منها: أن يظهر الحبّ و يكون في الباطن عدوّا، أو يظهر الصلاح و يكون في الباطن فاسقا، و قد يطلق على من يدّعي الإيمان و لم يعمل بمقتضاه و لم يتّصف بالصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن عليها، فكان باطنه مخالفا لظاهره .. الى آخره.
و قال في بحاره: 23/ 390- كتاب الإمامة تحت عنوان تذنيب-: اعلم أنّ إطلاق لفظ الشرك و الكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين و الأئمّة من ولده (عليهم السلام)، و فضّل عليهم غيرهم يدلّ على أنّهم كفّار مخلّدون في النار ..
[الجمع بين الآيات و الأخبار]
أقول: هنا مباحث شريفة و دقيقة أعرضنا عنها و اقتصرنا على ما أورده المصنّف طاب ثراه في بحار الأنوار: 8/ 363- 374 [كتاب العدل و المعاد]، و نقلناه بنصّه لما فيه من أهميّة، قال:
تذييل: اعلم أنّ الذي يقتضيه الجمع بين الآيات و الأخبار أنّ الكافر المنكر لضروريّ من ضروريّات دين الإسلام مخلّد في النار، لا يخفّف عنه
م 34
العذاب إلّا المستضعف الناقص في عقله أو الذي لم يتمّ عليه الحجّة و لم يقصّر في الفحص و النظر، فإنّه يحتمل أن يكون من المرجون لأمر اللّه- كما سيأتي تحقيقه في كتاب الإيمان و الكفر-.
و أمّا غير الشيعة الإماميّة من المخالفين و سائر فرق الشيعة ممّن لم ينكر شيئا من ضروريّات دين الإسلام فهم فرقتان: إحداهما المتعصّبون المعاندون منهم ممّن قد تمّت عليهم الحجّة فهم في النار خالدون، و الأخرى المستضعفون منهم و هم الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات و البله و أمثالهم و من لم يتمّ عليه الحجّة ممّن يموت في زمان الفترة، أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجّة فهم المرجون لأمر اللّه، إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار.
و أمّا أصحاب الكبائر من الإماميّة فلا خلاف بين الإماميّة في أنّهم لا يخلّدون في النار، و أمّا أنّهم هل يدخلون النار أم لا؟ فالأخبار مختلفة فيهم اختلافا كثيرا، و مقتضى الجمع بينها أنّه يحتمل دخولهم النار و أنّهم غير داخلين في الأخبار التي وردت أنّ الشيعة و المؤمن لا يدخل النار، لأنّه قد ورد في أخبار أخر أنّ الشيعة من شايع عليّا في أعماله، و أنّ الإيمان مركّب من القول و العمل، لكنّ الأخبار الكثيرة دلّت على أنّ الشفاعة تلحقهم قبل دخول النار، و في هذا التبهيم حكم لا يخفى بعضها على أولي الأبصار، و سيأتي تمام القول في ذلك، و الأخبار الدالّة على تلك الأقسام و أحكامهم و أحوالهم و صفاتهم في كتاب الإيمان و الكفر.
قال العلّامة (رحمه الله) في شرحه على التجريد: أجمع المسلمون كافّة على أنّ عذاب الكافر مؤبّد لا ينقطع، و اختلفوا في أصحاب الكبائر من المسلمين؛ فالوعيديّة على أنّه كذلك، و ذهبت الإماميّة و طائفة كثيرة من المعتزلة و الأشاعرة الى أنّ عذابه منقطع، و الحقّ أنّ عقابهم منقطع لوجهين:
الأوّل: أنّه يستحقّ الثواب بإيمانه، لقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ
م 35
ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الزلزلة: 7) و الإيمان أعظم أفعال الخير، فإذا استحقّ العقاب بالمعصية فإمّا أن يقدّم الثواب على العقاب و هو باطل بالإجماع، لأنّ الثواب المستحقّ بالإيمان دائم على ما تقدّم، أو بالعكس و هو المراد، و الجمع محال.
الثاني: يلزم أن يكون من عبد اللّه تعالى مدّة عمره بأنواع القربات إليه ثمّ عصى في آخر عمره معصية واحدة- مع بقاء إيمانه- مخلّدا في النار، كمن أشرك باللّه مدّة عمره، و ذلك محال لقبحه عند العقلاء.
ثمّ قال: المحارب لعليّ (عليه السلام) كافر لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: «حربك يا عليّ حربي» و لا شكّ في كفر من حارب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم.
و أمّا مخالفوه في الإمامة؛ فقد اختلف قول علمائنا فيهم، فمنهم من حكم بكفرهم لأنّهم دفعوا ما علم ثبوته من ضرورة، و هو النصّ الجليّ الدالّ على إمامته مع تواتره.
و ذهب آخرون الى أنّهم فسقة و هو الأقوى.
ثمّ اختلف هؤلاء على أقوال ثلاثة:
أحدها: أنّهم مخلّدون في النار لعدم استحقاقهم الجنّة.
الثاني: قال بعضهم: إنّهم يخرجون من النار الى الجنّة.
الثالث: ما ارتضاه ابن نوبخت و جماعة من علمائنا أنّهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود، و لا يدخلون الجنّة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب. انتهى.
و قال (رحمه الله) في شرح الياقوت: أمّا دافعو النصّ فقد ذهب أكثر أصحابنا الى تكفيرهم، و من أصحابنا من يحكم بفسقهم خاصّة، ثمّ اختلف أصحابنا في أحكامهم في الآخرة، فالأكثر قالوا بتخليدهم، و فيهم من قال بعدم الخلود، و ذلك إمّا بأن ينقلوا الى الجنّة- و هو قول شاذّ عنده-، أولا إليهما و استحسنه المصنّف. انتهى.
م 36
أقول: القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبّعهم للأخبار، و الأحاديث الدالّة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الأخيران آتيان في المستضعفين منهم كما ستعرف.
و القول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل، نشأ بين المتأخّرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار و لا بأقوال القدماء الأخيار.
ثمّ استشهد العلّامة المجلسي بكلام شيخنا الصدوق طاب ثراه في اعتقاداته سالف الذكر، و كلام الشيخ المفيد في كتاب المسائل، ثمّ قال:
و قال المحقّق الطوسيّ- روّح اللّه روحه القدّوسي- في قواعد العقائد: أصول الإيمان عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانيّة اللّه تعالى في ذاته، و العدل في أفعاله، و التصديق بنبوّة الأنبياء (عليهم السلام)، و التصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء.
و قال أهل السنّة: الإيمان هو التصديق باللّه تعالى و بكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم صادقا، و التصديق بالأحكام التي نعلم يقينا أنّه (عليه السلام) حكم بها دون ما فيه اختلاف أو اشتباه. و الكفر يقابل الإيمان، و الذنب يقابل العمل الصالح و ينقسم الى كبائر و صغائر، و يستحقّ المؤمن بالإجماع الخلود في الجنّة، و يستحقّ الكافر الخلود في العقاب.
و قال الشهيد الثاني رفع اللّه درجته في رسالة حقائق الإيمان عند تحقيق معنى الإيمان و الإسلام: البحث الثاني في جواب إلزام يرد على القائلين من الإماميّة بعموم الإسلام مع القول بأنّ الكفر عدم الإيمان عمّا من شأنه أن يكون مؤمنا.
أمّا الإلزام فإنّهم حكموا بإسلام من أقرّ بالشهادتين فقط غير عابث دون إيمانه، سواء علم منه عدم التصديق بإمامة الأئمّة (عليهم السلام) أم لا إلّا من خرج بدليل خارج كالنواصب و الخوارج، فالظاهر أنّ هذا الحكم مناف للحكم بأنّ الكفر عدم الإيمان عمّا من شأنه أن يكون مؤمنا. و أيضا قد عرفت ممّا تقدّم أنّ التصديق بإمامة الأئمّة (عليهم السلام) من أصول الإيمان عند الطائفة من
م 37
الإماميّة كما هو معلوم من مذهبهم ضرورة، و صرّح بنقله المحقّق الطوسيّ (رحمه الله) عنهم فيما تقدّم، و لا ريب أنّ الشيء يعدم بعدم أصله الذي هو جزؤه كما نحن فيه، فيلزم الحكم بكفر من لم يتحقّق له التصديق المذكور و إن أقرّ بالشهادتين، و أنّه مناف أيضا للحكم بإسلام من لم يصدّق بإمامة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) و هذا الأخير لا خصوصيّة لوروده على القول بعموم الإسلام، بل هو وارد على القائلين بإسلام من لم يتحقّق له التصديق المذكور مع قطع النظر عن كونهم قائلين بعموم الإسلام أو مساواته للإيمان.
و أمّا الجواب؛ فبالمنع من المنافاة بين الحكمين، و ذلك لأنّا نحكم بأنّ من لم يتحقّق له التصديق المذكور كافر في نفس الأمر، و الحكم بإسلامه إنّما هو في الظاهر، فموضوع الحكمين مختلف فلا منافاة.
ثمّ قال: المراد بالحكم بإسلامه ظاهرا صحّة ترتّب كثير من الأحكام الشرعيّة على ذلك، و الحاصل أنّ الشارع جعل الإقرار بالشهادتين علامة على صحّة إجراء أكثر الأحكام الشرعيّة على المقرّ كحلّ مناكحته و الحكم بطهارته و حقن دمه و ماله و غير ذلك من الأحكام المذكورة في كتب الفروع، و كأنّ الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين لمسيس الحاجة الى مخالطتهم في أكثر الأزمنة و الأمكنة، و استمالة الكافر الى الإسلام، فإنّه إذا اكتفي في إجراء أحكام المسلمين عليه ظاهرا بمجرّد إقراره الظاهري ازداد ثباته و رغبته في الإسلام، ثمّ يترقّى في ذلك الى أن يتحقّق له الإسلام باطنا أيضا.
و اعلم أنّ جمعا من علماء الإماميّة حكموا بكفر أهل الخلاف، و الأكثر على الحكم بإسلامهم، فإن أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الأمر لا في الظاهر فالظاهر أنّ النزاع لفظيّ، إذ القائلون بإسلامهم يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحّة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر، لا أنّهم مسلمون في نفس الأمر، و لذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار، و إن أرادوا بذلك كونهم كافرين ظاهرا و باطنا فهو ممنوع و لا دليل عليه، بل الدليل قائم على إسلامهم
م 38
ظاهرا لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلّا اللّه، انتهى كلامه رفع مقامه.
و قال الشيخ الطوسيّ نوّر اللّه ضريحه في تلخيص الشافي: [4/ 131 و ما بعدها و هو نقل بالمضمون] عندنا أنّ من حارب أمير المؤمنين كافر، و الدليل على ذلك إجماع الفرقة المحقّة الإماميّة على ذلك، و إجماعهم حجّة، و أيضا فنحن نعلم أنّ من حاربه كان منكرا لإمامته و دافعا لها، و دفع الإمامة كفر كما أنّ دفع النبوّة كفر، لأنّ الجهل بهما على حدّ واحد .. ثمّ استدلّ (رحمه الله) بأخبار كثيرة على ذلك.
فإذا عرفت ما ذكره القدماء و المتأخّرون من أساطين العلماء و الإماميّة و محقّقيهم عرفت ضعف القول بخروجهم من النار، و الأخبار الواردة في ذلك أكثر من أن يمكن جمعه في باب أو كتاب، و إذا كانوا في الدنيا و الآخرة في حكم المسلمين فأيّ فرق بينهم و بين فسّاق الشيعة؟! و أيّ فائدة فيما أجمع عليه الفرقة المحقّة من كون الإمامة من أصول الدين ردّا على المخالفين القائلين بأنّه من فروعه؟! و قد روت العامّة و الخاصّة متواترا: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة، و قد أوردت أخبارا كثيرة في أبواب الآيات النازلة فيهم (عليهم السلام) أنّهم فسّروا الشرك و الكفر في الآيات بترك الولاية. و قد وردت أخبار متواترة أنّه لا يقبل عمل من الأعمال إلّا بالولاية.
و قال الصدوق (رحمه الله): الإسلام هو الإقرار بالشهادتين و هو الذي به تحقن الدماء و الأموال، و الثواب على الإيمان، و قد ورد في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام): من أصبح من هذه الأمّة لا إمام له من اللّه عزّ و جلّ ظاهر عادل أصبح ضالا تائها، و إنّ من مات على هذه الحالة مات ميتة كفر و نفاق.
و اعلم أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد.
م 39
و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ الآية [البقرة: 257]، قال (عليه السلام): إنّما عنى بذلك أنّهم كانوا على نور الإسلام، فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر ليس من اللّه خرجوا بولايتهم إيّاه من نور الإسلام الى ظلمات الكفر، فأوجب اللّه لهم النار مع الكفّار، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
و قد ورد في الناصب ما ورد في خلوده في النار، و
قد روي بأسانيد كثيرة عنهم (عليهم السلام): لو أنّ كلّ ملك خلقه اللّه عزّ و جلّ، و كلّ نبيّ بعثه اللّه، و كلّ صدّيق، و كلّ شهيد شفعوا في ناصب لنا أهل البيت أن يخرجه اللّه عزّ و جلّ من النار ما أخرجه اللّه أبدا ...
و قد روى بأسانيد معتبرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنّك لا تجد رجلا يقول: أنا أبغض محمّدا و آل محمّد، و لكنّ الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنّكم تتولّونا و تتبرّءون من عدوّنا و أنّكم من شيعتنا.
و يظهر من بعض الأخبار بل من كثير منها أنّهم في الدنيا أيضا في حكم الكفّار، لكن لمّا علم اللّه أنّ أئمّة الجور و أتباعهم يستولون على الشيعة و هم يبتلون بمعاشرتهم، و لا يمكنهم الاجتناب عنهم و ترك معاشرتهم و مخالطتهم و مناكحتهم أجرى اللّه عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم (عليه السلام) يجري عليهم حكم سائر الكفّار في جميع الأمور و في الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدا مع الكفّار، و به يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد و الشهيد الثاني (قدس الله روحهما).
و أيضا يمكن أن يقال: لمّا كان في تلك الأزمنة عليهم شبهة في الجملة يجري عليهم في الدنيا حكم الإسلام، فإذا ظهر في زمانه (عليه السلام) الحقّ الصريح بالبيّنات و المعجزات و لم تبق لهم شبهة و أنكروه التحقوا بسائر الكفّار.
ثمّ قال (قدّس سرّه): و أخبار هذا المطلب متفرّقة في أبواب هذا الكتاب، و أرجو من اللّه أن يوفّقني لتأليف كتاب مفرد في ذلك إن شاء اللّه تعالى، و بعض
م 40
الأخبار المشعرة بخلاف ما ذكرنا محمول على المستضعفين كما عرفت.
و قال شارح المقاصد: اختلف أهل الإسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين و مات قبل التوبة، فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو و لا بالعقاب، بل كلاهما في مشيّة اللّه تعالى، لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنّه لا يخلّد في النار بل يخرج البتّة، لا بطريق الوجوب على اللّه تعالى بل بمقتضى ما سبق من الوعد و ثبت بالدليل كتخليد أهل الجنّة، و عند المعتزلة القطع بالعذاب الدائم من غير عفو و لا إخراج من النار، و ما وقع في كلام البعض من أنّ صاحب الكبيرة عند المعتزلة ليس في الجنّة و لا في النار فغلط نشأ من قولهم: إنّ له المنزلة بين المنزلتين، أي حالة غير الإيمان و الكفر، و أمّا ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان و بعض المرجئة من أنّ عصاة المؤمنين لا يعذّبون أصلا و إنّما النار للكفّار تمسّكا بالآيات الدالّة على اختصاص العذاب بالكفّار مثل: قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (طه: 48) إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (النحل: 27)، فجوابه تخصيص ذلك العذاب بما يكون على سبيل الخلود، و أمّا تمسّكهم بمثل
قوله (عليه السلام): «من قال: لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة و إن زنى و إن سرق»
فضعيف، لأنّه إنّما ينفي الخلود لا الدخول.
لنا وجوه:
الأوّل: و هو العمدة؛ الآيات و الأحاديث الدالّة على أنّ المؤمنين يدخلون الجنّة البتّة و ليس ذلك قبل دخول النار وفاقا، فتعيّن أن يكون بعده، و هو مسألة انقطاع العذاب، أو بدونه و هو مسألة العفو التامّ، قال اللّه تعالى:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (الزلزال: 7) وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ (المؤمن: 40)، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم «من قال: لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة»، و قال: «من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنّة و إن زنى و إن سرق».
م 41
الثاني: النصوص المشعرة بالخروج من النار؛ كقوله تعالى: النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (الأنعام: 128) فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ (آل عمران: 185)، و
كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: «يخرج من النار قوم بعد ما امتحشوا و صاروا فحما و حمما، فينبتون كما ينبت الحبّة في حميل السيل»
، و خبر الواحد و إن لم يكن حجّة في الأصول لكن يفيد التأييد و التأكيد بتعاضد النصوص.
الثالث: و هو على قاعدة الاعتزال؛ أنّ من واظب على الإيمان و العمل الصالح مائة سنة و صدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة- كشرب جرعة من الخمر- فلا يحسن من الحكيم أن يعذّبه على ذلك أبد الآباد، و لو لم يكن هذا ظلما فلا ظلم، أو لم يستحقّ بهذا ذمّا فلا ذمّ.
الرابع: أنّ المعصية متناهية زمانا- و هو ظاهر- و قدرا لما يوجد من معصية أشدّ منها، فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا تحقيقا لقاعدة العدل، بخلاف الكفر فإنّه لا بتناهى قدرا و إن تناهى زمانه.
ثمّ سرد ما احتجّت المعتزلة به من وجوه و أجاب عنها:
ثم قال في بحث آخر: لا خلاف في أنّ من آمن بعد الكفر و المعاصي فهو من أهل الجنّة بمنزلة من لا معصية له، و من كفر- نعوذ باللّه- بعد الإيمان و العمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له، و إنّما الكلام فيمن آمن و عمل صالحا و آخر سيّئا و استمرّ على الطاعات و الكبائر كما يشاهد من الناس فعندنا مآله الى الجنّة و لو بعد النار، و استحقاقه للثواب و العقاب بمقتضى الوعد و الوعيد ثابت من غير حبوط، و المشهور من مذهب المعتزلة أنّه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة، فأشكل عليهم الأمر في إيمانه و طاعاته و ما يثبت من استحقاقاته أين طارت؟ و كيف زالت؟ فقالوا بحبوط الطاعات و مالوا الى أنّ السيّئات يذهبن الحسنات، حتى ذهب الجمهور منهم الى أنّ الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات، و فساده ظاهر، أمّا سمعا فللنصوص
م 42
الدالّة على أنّ اللّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا و عمل صالحا، و أمّا عقلا فللقطع بأنّه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد و مواظبته على الطاعات طول العمر بتناول لقمة من الربا، أو جرعة من الخمر .. الى آخر ما قال.
ثم قال العلّامة المجلسي: 8/ 374 بعد كلّ هذا:
أقول: قد سبق القول في ذلك في باب الحبط و التكفير [أبواب المعاد:
5/ 331 و 71/ 197 و 6/ 236 و 23/ 76، 354] و لا أظنّك يخفى عليك ما مهّدناه أوّلا بعد الإحاطة بما أوردناه من الآيات و الأخبار، و سيأتي عمدة الأخبار المتعلّقة بتلك المباحث في كتاب الإيمان و الكفر 72/ 131 و 39/ 311- 330 و 24/ 1- 187.
و خاتمة القول و ختمه ما ذكره شيخ مشايخنا المرتضى الأنصاري في مكاسبه: 41- 42 (طبعة تبريز) قال: إنّ ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن، فيجوز اغتياب المخالف كما يجوز لعنه. و توهّم عموم الآية- كبعض الروايات- لمطلق المسلم مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم و عدم جريان أحكام الإسلام عليهم إلّا قليلا ممّا يتوقّف استقامة نظم معاش المؤمنين عليه، مثل عدم انفعال ما يلاقيهم بالرطوبة، و حلّ ذبائحهم، و مناكحهم، و حرمة دمائهم- لحكمة دفع الفتنة- و نسائهم، لأنّ لكلّ قوم نكاحا .. و نحو ذلك، مع أنّ التمثيل المذكور في الآية مختص بمن ثبتت أخوّته فلا يعمّ من وجب التبرّي منه ..
***** [حبّ عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) إيمان و بغضه كفر و نفاق]
هذا؛ و لا شكّ أنّ حبّ عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) إيمان و بغضه كفر و نفاق، و أنّ ولايته ولاية اللّه و رسوله، و عداوته عداوتهما، و أنّ ولايته (عليه السلام) حصن من عذاب الجبّار، بل لو اجتمع الناس على حبّه ما
م 43
خلق اللّه النار، و غير ذلك ممّا وردت فيه روايات مستفيضة، بل في بعض الموارد متواترة، و عدّ منها في بحار الأنوار: 39/ 246- 310 (123 رواية) و هي غيض من فيض، كما أنّ أخبار الطينة و الميثاق كثيرة جدّا؛ منها ما جاء في الباب الثالث: طينة المؤمن و خروجه من الكافر و بالعكس [67/ 77- 129] و غيرها.
فها هو- مثلا- ابن أبي الحديد في شرحه على النهج: 10/ 227 يقول: .. لو جرّد- عليّا (عليه السلام)- السيف كما جرّده في آخر الأمر لقلنا بفسق كلّ من خالفه على الإطلاق كائنا من كان، و لكنّه رضي بالبيعة أخيرا و دخل في الطاعة!!.
فلو أثبتنا لم بايع .. و لم لم يجرّد السيف .. و كيف دخل في الطاعة .. و ..
و .. لكان هو معنا.
و الخطيب البغداديّ في تاريخه: 6/ 344 و 9/ 229 يروي بإسناده عن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم) أنّه قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه.
و لا ريب أنّهم قالوا، بل أبدعوا، بل فعلوا ما فعلوا .. و هذا ما نراه في كتابنا الحاضر بإقرارهم و تصحيح أصحابهم ..
***** [تصحيح و تبرير عمل طائفة من الشيعة ممّن يلعن و يتبرّأ من كلّ من ظلم و جحد]
و لعلّ كتابنا هذا محاولة جادّة في طريق الوحدة لتصحيح و تبرير عمل طائفة من الشيعة ممّن يلعن و يتبرّأ من كلّ من ظلم و جحد، و لعلّنا لا نختلف في الكبريات، و نحسب لو سلّمنا هذه الصغريات التي أوردناها من كتب القوم، لوافقونا في عملنا، و لا أقل صحّحوا من يعمل بذلك، و لذا ترى المؤلّف طاب ثراه لم يصحّح كلّ ما أورده- كما هو ديدنه في كلّ بحاره- إلّا أنّه أعطى التبريرات و الأدلّة الكافية لكلّ ما أورده و جاد به و أفاد؛ سواء بأدلّة عقليّة أو طرق شرعيّة، عاميّة كانت أو شيعيّة.
و لا ريب أنّ النتيجة المنطقيّة تصبح ضرورية في القياسات المنطقيّة بعد
م 44
تسليم المقدّمتين.
و بعد كلّ هن و هن ... فما تراه اليوم أو تقرأه .. ما هو إلّا شقشقة هدرت- على حدّ تعبير سيّد الأوصياء (سلام اللّه عليه)- و نفثة مصدوع صدرت .. كان لها أن توضح أنّه من العار- و حقّ الجبّار- أن يشغل فراغ النبيّ الأكرم و الناموس الإلهي أناس هذا شأنهم علما و عملا، مع كلّ ما لهم من شطط و زيغ ..
أ من العدل أن يسلّط على رقاب الناس و أعراضهم و ربقة المسلمين و أموالهم فضلا عن دينهم رجال هذا مبلغهم من العلم و ذاك سيرهم العملي؟!!.
أ من الإنصاف أن تفوّض النواميس السماويّة و الأحكام الإلهيّة و طقوس الأمّة و آدابها الى يد خلائق هذه سيرتهم و تلك سريرتهم ..؟!.
آه .. وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ، فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .. و العاقبة لأهل التقوى و اليقين.
***** مجمل مسرد عملنا في الكتاب:
1- حيث لم نحصل على نسخة خطيّة جيّدة للكتاب لذا استعنّا بطبعتي الكتاب:
أ- طبعة دار الضرب بطهران المعروفة ب: طبعة كمباني، و رمزنا لها ب (ك).
و قد شرع الحاجّ محمّد حسن الأصفهانيّ الملقّب ب (كمباني) في طبعها سنة 1303 ه، و انتهى منها في سنة 1315 ه.
ب: طبعة تبريز سنة 1275 ه، و قد جدّد تصوير المجلد الثامن منها بالأوفست حدود سنة 1400 ه، و رمزنا لها ب (س).
م 45
2- حاولنا ذكر أهمّ الفروق بين الطبعتين و غالب الاختلافات بين المتن و المصادر.
3- عزّزنا روايات الخاصّة بمصادر من العامّة قدر الإمكان.
4- لم نغيّر من نصّ الكتاب كلمة واحدة لا حذفا و لا تصحيفا إلّا مع الإشارة مع مراعاة ذكر الاختلافات في التعليقة، مع ما هناك من ملاحظات كثيرة و تحريفات و إسقاط في المجلدات 28 و 32 و 33 و 34.
5- عزّزنا بيانات المصنّف بمصادر لغويّة أو كتب أمثال أو أمكنة، و ذكرنا ما رأيناه من الوجوه و المعاني المناسبة في الحاشية.
6- استدركنا على المصنّف طاب ثراه كثيرا من الطعون على الخلفاء الثلاثة بمصادرها العاميّة، بعد أن قوّينا المتن بما رأيناه مناسبا، مع المحاولة- قدر الإمكان- من عدم الابتعاد عن صلب الموضوع.
7- ذيّلنا الكتاب باستدراك ما ورد في الخلفاء الثلاثة و من تبعهم خلال هذه الموسوعة ممّا لم يتعرّض له المصنّف طاب ثراه في هذا المجلد غالبا، بعد أن سردنا لك جملة من الأبواب التي يجدر ملاحظتها في المقدّمة.
8- قد نضع رمز التصلية (ص) أو التسليم (ع) حيث لم نجده في المتن و يقتضيه المقام، و قد نرمز عند ما نجده في الأصل مفتوحا، و لا نرى له معنى مناسبا.
9- ترقيم الأبواب مشوّش جدّا، و لم نجده في الخطيّة و طبعة (ك) و جاء في حاشية (س) و لم ترقّم بعض الأبواب و قد رقّمناها، و أشرنا إلى ذلك في الحاشية.
10- لظروفنا الخاصّة ترك تحقيق الكتاب أكثر من مرّة، و ضاعت بعض مسوّداته و ملاحظاتنا عليه؛ لذا قد يلاحظ بعض الاضطراب فيه، المرجوّ إرشادنا إليه أو غضّ النظر عنه.
*****
م 46
[الرجاء من القراء الكرام]
و لنا- في النهاية- رجاء أكيد، و منّا دعوة جادّة الى عدم الحكم المسبق على موضوع الكتاب و إخراجه و تحقيقه و .. إلّا بعد سبره بشكل كامل من دون الأخذ ببعضه دون الآخر، إذ لنا فيه مشرب خاصّ، و لذكر جملة من التعليقات سبب معيّن، قد يعرف خلال جرد الكتاب و الدقّة فيه.
و ها أنا ذا اليوم- بعد هن وهن- إذ سنحت لي الفرصة، و حالفني الحظ أن أقدّم هذا القسم المبتور من ذاك الجسد الطاهر، الذي يعدّ- بحقّ- قلب الكتاب و هدفه و جوهره و لبّه .. مستعينا باللّه العظيم، و متوكّلا على الربّ الرحيم، محتسبا عملي إليه، راجيا عفوه و رضوانه، طالبا رضاه و غفرانه ..
جاعلا ظلامة ساداتي و مواليّ أهل بيت العصمة و الكرامة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ذريعتي له و وسيلتي إليه .. سائلا إيّاه سبحانه و تعالى أن يتقبّل عملي خالصا لوجهه الكريم، و أن يجعل عملي هذا ضياء لي في ظلمات القبر، و نورا في عرصات القيامة، لي و لمن آزرني و أعانني عليه خاصّة أخي و عضدي و ذخري شيخي أبي محمّد حفظه اللّه، و سيّدي و سندي أبي الحسن سلّمه اللّه و يكون من مخاوف الفزع الأكبر لنا أمنا و سرورا، و في يوم الحساب كرامة و حبورا لنا و لوالدينا و أهلينا و أساتذتنا و إخواننا و كلّ من أعانني فيه مقابلة و تحقيقا و طباعة و تصحيحا و إخراجا و نشرا ..
فإنّه المرجوّ لكلّ فضل و رحمة، و وليّ كلّ مسغبة و نعمة، و صاحب كلّ حسنة و كرامة.
و الحمد للّه أوّلا و آخرا، و صلّى اللّه على محمّد و أهل بيته الغرّ الميامين النجباء الأكرمين من الآن الى قيام يوم الدين .. آمين ربّ العالمين.
عبد الزهراء العلوي
1412 ه
م 47
عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: من لم يعرف سوء ما أتي إلينا من ظلمنا، و ذهاب حقّنا، و ما ركبنا [نكبنا] به، فهو شريك من أتى إلينا فيما ولينا به.
ثواب الأعمال: 200
و بحار الأنوار: 27/ 55 حديث 11
م 48
3
تتمة كتاب الفتن و المحن
5 باب (1) احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر و غيره في أمر البيعة
1- ل (2): الْقَطَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (3) الْوَرَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ- (عليهم السلام) قَالَ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ- وَ بَيْعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَ فِعْلِهِمْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)- مَا كَانَ، لَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُظْهِرُ لَهُ الِانْبِسَاطَ وَ يَرَى مِنْهُ انْقِبَاضاً، فَكَبُرَ
____________
(1) الأبواب لم ترقم في المتن، و جاء في حاشية (س): الباب الخامس، و كذا بقيّة الأبواب جاء ترقيمها في حاشية (س).
(2) الخصال: 548- 553 حديث 30 باختلاف أشرنا إلى غالبه.
و لا يخفى أنّ شيخنا المؤلّف العلّامة المجلسيّ (قدّس سرّه) ذكر في أوّل بحاره بناءه على اختزال و اختصار بعض الأسانيد، أو تقطيع بعض المتون، من دون مساس بجوهر المعنى أو حاقّ الموضوع، فتدبّر.
(3) في المصدر: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرّحمن بن محمّد الحسينيّ، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن حفص الخثعميّ، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال:
حدّثنا أحمد بن التّغلبيّ، قال: حدّثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدّثني حفص بن منصور العطّار، قال: حدّثنا أبو سعيد ...
4
ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَحَبَّ لِقَاءَهُ وَ اسْتِخْرَاجَ مَا عِنْدَهُ، وَ الْمَعْذِرَةَ إِلَيْهِ مِمَّا (1) اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَ تَقْلِيدِهِمْ إِيَّاهُ أَمْرَ الْأُمَّةِ وَ قِلَّةِ رَغْبَتِهِ فِي ذَلِكَ وَ زُهْدِهِ فِيهِ.
أَتَاهُ فِي وَقْتِ غَفْلَةٍ وَ طَلَبَ مِنْهُ الْخَلْوَةَ، وَ قَالَ لَهُ: وَ اللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا كَانَ هَذَا الْأَمْرُ مُوَاطَاةً مِنِّي، وَ لَا رَغْبَةً فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ، وَ لَا حِرْصاً عَلَيْهِ، وَ لَا ثِقَةً بِنَفْسِي فِيمَا تَحْتَاجُ (2) إِلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَ لَا قُوَّةً لِي بِمَالٍ (3)، وَ لَا كَثْرَةِ الْعَشِيرَةِ، وَ لَا اسْتِئْثَارٍ بِهِ (4) دُونَ غَيْرِي، فَمَا لَكَ تُضْمِرُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَسْتَحِقَّهُ مِنْكَ، وَ تُظْهِرُ لِيَ الْكَرَاهَةَ فِيمَا صِرْتُ إِلَيْهِ، وَ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِعَيْنِ السَّآمَةِ مِنِّي؟! قَالَ: فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): فَمَا حَمَلَكَ عَلَيْهِ إِذْ (5) لَمْ تَرْغَبْ فِيهِ، وَ لَا حَرَصْتَ عَلَيْهِ، وَ لَا وَثِقْتَ بِنَفْسِكَ فِي الْقِيَامِ بِهِ وَ بِمَا يَحْتَاجُ (6) مِنْكَ فِيهِ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)-: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ (7)، وَ لَمَّا رَأَيْتُ اجْتِمَاعَهُمْ اتَّبَعْتُ حَدِيثَ النَّبِيِّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ أَحَلْتُ أَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى خِلَافِ الْهُدَى، فَأَعْطَيْتُهُمْ (8) قَوَدَ الْإِجَابَةِ، وَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَداً يَتَخَلَّفُ لَامْتَنَعْتُ! قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ، أَ فَكُنْتُ مِنَ الْأُمَّةِ أَوْ لَمْ أَكُنْ؟! قَالَ: بَلَى.
قَالَ: وَ كَذَلِكَ الْعِصَابَةُ الْمُمْتَنِعَةُ عَلَيْكَ مِنْ سَلْمَانَ وَ عَمَّارٍ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادِ
____________
(1) في المصدر: لمّا.
(2) خ. ل: يحتاج.
(3) في المصدر: لمال.
(4) خ. ل: و لا ابتزاز له، كذا في (ك) و المصدر.
(5) في المصدر: إذا.
(6) خ. ل: تحتاج.
(7) جاء بطرق متعدّدة و مضامين مختلفة، أدرجها و مصادرها شيخنا الأمينيّ في الغدير 10- 349.
و ستأتي بعض مصادره قريبا.
(8) في المصدر: و أعطيتهم.
5
وَ ابْنِ عُبَادَةَ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ؟
قَالَ: كُلٌّ مِنَ الْأُمَّةِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، وَ لَيْسَ لِلْأُمَّةِ فِيهِمْ طَعْنٌ، وَ لَا فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ وَ نَصِيحَتِهِ مِنْهُمْ تَقْصِيرٌ؟! قَالَ: مَا عَلِمْتُ بِتَخَلُّفِهِمْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِبْرَامِ الْأَمْرِ، وَ خِفْتُ إِنْ دَفَعْتُ عَنِّي الْأَمْرَ أَنْ يَتَفَاقَمَ (1) إِلَى أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ مُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ، وَ كَانَ مُمَارَسَتُكُمْ إِلَى أَنْ أَجَبْتُمْ أَهْوَنَ مَؤُنَةً عَلَى الدِّينِ وَ أَبْقَى لَهُ مِنْ ضَرْبِ النَّاسِ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَيَرْجِعُوا كُفَّاراً، وَ عَلِمْتُ أَنَّكَ لَسْتَ بِدُونِي فِي الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ وَ عَلَى أَدْيَانِهِمْ!.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَجَلْ، وَ لَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ هَذَا الْأَمْرَ، بِمَا يَسْتَحِقُّهُ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِالنَّصِيحَةِ، وَ الْوَفَاءِ، وَ دَفْعِ الْمُدَاهَنَةِ (2)، وَ الْمُحَابَاةِ (3)، وَ حُسْنِ السِّيرَةِ، وَ إِظْهَارِ الْعَدْلِ، وَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ فَصْلِ الْخِطَابِ، مَعَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَ قِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهَا، وَ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ لِلْقَرِيبِ (4) وَ الْبَعِيدِ .. ثُمَّ سَكَتَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ السَّابِقَةِ وَ الْقَرَابَةِ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ السَّابِقَةِ وَ الْقَرَابَةِ.
قَالَ (5): فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ (6) يَا أَبَا بَكْرٍ أَ فِي نَفْسِكَ تَجِدُ
____________
(1) في المصدر: يعظم.
قال في القاموس 4- 160: فقم الأمر: لم يجر على استواء و عظم كفقم و تفاقم.
(2) قال في القاموس 4- 224: المداهنة: إظهار خلاف ما يضمر.
(3) قال في القاموس 4- 315: حاباه محاباة و حباء: نصره و اختصّه و مال إليه.
و عليه تكون معطوفة على النّصيحة.
(4) في المصدر: القريب.
(5) من قوله: فقال عليّ (عليه السلام): و السّابقة .. إلى قوله: قال لا يوجد في المصدر المطبوع.
(6) هذا هو الحديث المعروف بحديث المناشدة، و قد ورد بألفاظ مختلفة في مواطن كثيرة في كتب الفريقين عن أكثر المعصومين (سلام اللّه عليهم) و عن جملة من الصّحابة و التّابعين.
و من الموارد مناشدته (عليه السلام) يوم الشّورى، ذكرها الخوارزميّ في المناقب: 207 عن عدّة من الرّواة، و الحمويني في فرائد السّمطين، و غيرهما.
قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 2- 61: .. نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الرّوايات من مناشدة أصحاب الشّورى و تعديده فضائله و خصائصه الّتي بان بها عنهم و عن غيرهم، قد روى النّاس ذلك فأكثروا .. إلى آخره.
و انظر مناشدته (عليه السلام) أيّام عثمان بن عفّان و يوم الرّحبة و غيرها من المواطن، جاء في الإصابة 2- 408 و 4- 80، و شرح النّهج لابن أبي الحديد 1- 362، و النّسائيّ في الخصائص:
22، و غيرهم.
و انظر: الغدير 1- 159 و 163 و 213، و إحقاق الحقّ 4- 206، 5- 24- 50، 6- 305 340 و 473، 15- 263 و 679- 687، 21- 94- 121.
6
هَذِهِ الْخِصَالَ، أَوْ فِيَّ؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ (1): بَلْ فِيكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ.
قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الْمُجِيبُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَبْلَ ذُكْرَانِ الْمُسْلِمِينَ، أَمْ أَنْتَ (2)؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الْأَذَانُ (3) لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ وَ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ، أَمْ أَنْتَ (4)؟!
____________
(1) لا يوجد في المصدر: أبو بكر.
(2) ذكر هذا المضمون القندوزيّ الحنفيّ في ينابيع المودّة: 482 في احتجاج الإمام السّبط (عليه السلام)، و جاء في كتاب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية كما في مروج الذّهب 2- 59، و كتاب صفّين:
132، و شرح ابن أبي الحديد 1- 283، و جمهرة الرّسائل 1- 542، كما ذكره العلّامة الأمينيّ في الغدير 1- 198، 10- 158، فراجع.
(3) قال في القاموس 4- 195: الأذان و الأذين و التّأذين: النّداء إلى الصّلاة ..، و الأذين كأمير المؤذّن.
أقول: يحتمل أن يكون الأذان بمعنى المؤذّن كالأذين، و يحتمل كونه مصدرا بمعنى الفاعل.
(4) حديث بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) بسورة البراءة حديث متضافر إن لم نقل بأنّه متواتر عن العامّة و الخاصّة، نذكر جملة من مصادره مستقلّا أو ضمن حديث: منها: ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 331 عن ابن عبّاس، مستدرك الحاكم 3- 132 و قال: هذا حديث صحيح الإسناد، مناقب الخوارزميّ: 75، الطّبريّ في الرّياض 2- 203، ذخائر العقبى: 87، البداية و النّهاية 7- 337، مجمع الزّوائد: 9- 108، الكفاية للكنجي:
115، الإصابة 2- 509، خصائص النّسائيّ: 8.
7
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا وَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِي يَوْمَ الْغَارِ، أَمْ أَنْتَ (1)؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ (2) بِاللَّهِ أَ لِيَ (3) الْوَلَايَةُ مِنَ اللَّهِ مَعَ وَلَايَةِ رَسُولِهِ (4) فِي آيَةِ زَكَاةِ الْخَاتَمِ، أَمْ لَكَ (5)؟
____________
(1) يعبّر عنه بحديث الغار، أو حديث الوقاية، أو حديث الفراش، أو حديث ليلة المبيت.
و قد حكى ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 3- 270 عن أستاذه أبي جعفر الإسكافيّ أنّه قال: حديث الفراش قد ثبت بالتّواتر فلا يجحده إلّا مجنون أو غير مخالط لأهل الملّة.
و قد روى المفسّرون كلّهم أنّ قول اللّه تعالى «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي» الآية، نزلت في عليّ (عليه السلام) ليلة المبيت على الفراش.
و للثّعلبيّ في تفسيره رواية مفصّلة رواها أكثر من واحد: كالغزالي في إحياء العلوم 3- 238، و الكنجيّ في كفاية الطّالب: 114، و الصفوري في نزهة المجالس 2- 209، و ابن الصّبّاغ في الفصول المهمّة: 33، و ابن الجوزيّ في التّذكرة: 21، و الشبلنجي في نور الأبصار: 86.
و انظر أيضا حديث ليلة المبيت في مسند أحمد: 1- 348، و تاريخ الطّبريّ: 2- 99- 101، طبقات ابن سعد 1- 212، تاريخ اليعقوبيّ 2- 29، سيرة ابن هشام 2- 291، العقد الفريد 3- 290، تاريخ بغداد 13- 191، تاريخ ابن الأثير 2- 42، تاريخ أبي الفداء 1 126، مناقب الخوارزميّ: 75، تاريخ ابن كثير: 7- 338، السّيرة الحلبية 2- 29، الإمتاع للمقريزي: 39، و غيرهم كثير جدّا.
و انظره في الغدير 2- 47- 49، و غيره.
(2) في المصدر: أنشدك.
(3) تقرأ إليّ بتشديد الياء، و أ لي، و الثّاني أظهر إن لم يكن ظاهرا.
(4) في المصدر: رسول اللّه.
(5) جاء ذلك في مناشدته (صلوات الله عليه) يوم صفّين سنة 37 ه، كما حكاه سليم بن قيس في كتابه، و نقله الأمينيّ في غديره 1- 196 و 397 و 398، 2- 52 و 58 و 59، 3- 156- 162 و غيرها عن جملة مصادر.
8
قَالَ: بَلْ لَكَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ (1) بِاللَّهِ أَنَا الْمَوْلَى لَكَ وَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الْغَدِيرِ (2)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ (3) بِاللَّهِ أَ لِيَ (4) الْوِزَارَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الْمَثَلُ مِنْ هَارُونَ وَ مُوسَى (5)، أَمْ لَكَ (6)؟
قَالَ: بَلْ لَكَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَ بِي بَرَزَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بِأَهْلِ بَيْتِي
____________
(1) في المصدر: أنشدك.
(2) انظر: كتاب الغدير للعلّامة الأمينيّ 1- 8 و 11 و 17 و 18 و 19 و 21- 28 و 30- 34 و 36- 43 و 47 و 52- 59 و 63 و 65 و 67 و 68 و 69 76 و 80 و 85 و 90 و 92 و 114 و 118 و 122 و 126 و 129 و 137 و 138 و 140 و 142- 147 و 150 و 153 و 158 و 160 و 162 و 165 و 167 و 168 174 و 184- 193 و 196- 198 و 200- 206 و 208- 213 و 215 و 217- 223 و 231 233 و 237 و 240- 245 و 268 و 272- 277 و 279- 282 و 292 و 295 و 296 و 297 و 299 و 300- 317 و 370 و 383 و 384 و 387 و 392 و 395، 2- 245، 4- 63، 5 363، 6- 56، 10- 49، و غيرها، عن مصادر عديدة جدّا، نحن في غنى عن درجها.
(3) في المصدر: أنشدك.
(4) تقرأ إليّ بتشديد الياء، و أ لي، و الثّاني أظهر إن لم يكن ظاهرا.
(5) في المصدر: و من موسى.
(6) وردت أحاديث المنزلة- و يقال لها: الوزارة- في جملة من المجاميع الحديثيّة عند العامّة.
منها ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده: 1- 331، و الحاكم في المستدرك: 3- 132، و النّسائيّ في خصائصه: 32، و المسعوديّ في مروج الذّهب: 2- 61، و ابن حجر في الإصابة: 2- 509 و جملة من المصادر السّالفة و ذكره شيخنا الأمينيّ في غديره في أكثر من موضع، و عدّ له أكثر من مصدّر انظر منها: 1- 51، 197، 198، 200، 201، 208 212، 213، 268، 275، 297، 338، 396، 397. 3- 115، 116، 198 200، 201. 4- 63، 65. 6- 333، 335. 7- 176. 10- 258، 259 و غيرها.
9
وَ وُلْدِي فِي مُبَاهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ النَّصَارَى، أَمْ بِكَ وَ بِأَهْلِكَ وَ وُلْدِكَ (1)؟
قَالَ: بِكُمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَ لِي وَ لِأَهْلِي وَ وُلْدِي آيَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ الرِّجْسِ (2)، أَمْ لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ؟
قَالَ: بَلْ لَكَ وَ لِأَهْلِ بَيْتِكَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا صَاحِبُ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَهْلِي وَ وُلْدِي يَوْمَ الْكِسَاءِ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ (3)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ وَ أَهْلُكَ وَ وُلْدُكَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا صَاحِبُ الْآيَةِ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (4)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الْفَتَى الَّذِي نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو
____________
(1) ستأتي مصادر حديث المباهلة قريبا.
(2) انظر الغدير 1- 50.
قال الأمينيّ في الغدير 5- 416: و قد تسالمت الأمّة الإسلاميّة على نزول آية التّطهير في صاحب الرّسالة الخاتمة و وصيّه الطّاهر و ابنيهما الإمامين و أمّهما الصّدّيقة الكبرى، و أخرج الحفّاظ و أئمّة الحديث فيها أحاديث صحيحة متواترة في الصّحاح و المسانيد.
و قد جمع العلّامة البحرانيّ في غاية المرام أكثر من مائة و عشرين حديثا في حصر أهل البيت (عليهم السلام) بهم دون نساء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، ثلثها تقريبا من طرق العامّة.
(3) لاحظ مسند أحمد بن حنبل 6- 296، و مجمع الزّوائد 9- 166، و ذخائر العقبى: 22، و قد ذكر جزءا من الحديث ابن حجر في الصّواعق المحرقة: 221، و ستأتيك مصادر أخرى، و انظر:
الغدير: 1- 301.
(4) الإنسان: 7.
و قد جاء في العقد الفريد 3- 42 حديث احتجاج المأمون على الأربعين فقيها، و في أكثر من مصدر، كما في مناقب موفّق بن أحمد في الفصل السّادس عشر، و لاحظ الغدير 3- 107- 111.
10
الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌ (1)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي رُدَّتْ لَهُ الشَّمْسُ لِوَقْتِ صَلَاتِهِ فَصَلَّاهَا ثُمَّ تَوَارَتْ (2)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي حَبَاكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِرَايَتِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ (3)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي نَفَّسْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كُرْبَتَهُ
____________
(1) كما أخرجه الطّبريّ في تاريخه 3- 17، و ابن هشام في سيرته 3- 52، و ابن أبي الحديد في شرح النّهج 1- 9 و قال: إنّه المشهور المرويّ، و في 2- 236 منه قال: إنّ رسول اللّه قال: «هذا صوت جبرئيل»، و أورده ابن أبي الحديد في 3- 281 أيضا، و مناقب الخوارزميّ: 104، و تذكرة سبط ابن الجوزيّ: 16.
و عدّ له العلّامة الأمينيّ جمعا ممّن رووه في غديره 2- 60، فراجع.
(2) حديث ردّ الشّمس، أورده جمهرة المحدّثين و الحفّاظ بطرق متواترة، بل أفرد بالتأليف و جمعت فيه طرق و أسانيد، عدّ منهم شيخنا الأمينيّ (رحمه الله) في غديره 3- 127- 140 و 393 و 411.
ثلاثة و أربعين حافظا ممّن أفرده بالتصنيف.
و انظره شعرا في الغدير 2- 293 و 3- 29 و 57.
(3) هذا حديث صحيح متواتر أخرجه أئمّة الحديث بأسانيد رجال جلّهم ثقات عندهم: كالبخاري في صحيحه 4- 323 و 5- 269 و 370 عن سلمة بن الأكوع، و مسلم في صحيحه 2- 324، و التّرمذيّ في صحيحه 2- 300، و أحمد في مسنده 1- 99 و 5- 353 و 358 و غيرها، و ابن سعد في طبقاته 3- 158، و ابن هشام في السّيرة 3- 386، و الطّبريّ في تاريخه 2- 93، و النّسائيّ في خصائصه 4- 8 و 16 و 33، و الحاكم في مستدركه 3- 116 و 190 و قال: هذا حديث دخل في حدّ التّواتر ..، و غيرهم من أعلامهم.
و انظر غدير العلّامة الأمينيّ 1- 50، 2- 41، 3- 22، 4- 63، 5- 363، 7- 200 و 204، و غيرها.
11
وَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ (1)، أَوْ (2) أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي ائْتَمَنَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى رِسَالَتِهِ إِلَى الْجِنِّ فَأَجَابَتْ، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي طَهَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ السِّفَاحِ مِنْ آدَمَ إِلَى أَبِيكَ بِقَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ آدَمَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمْ أَنَا (3)؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الَّذِي اخْتَارَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ قَالَ: اللَّهُ زَوَّجَكَ (4)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا وَالِدُ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ رَيْحَانَتَيْهِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِيهِمَا: هَذَانِ سَيِّدَا
____________
(1) كما في مستدرك الحاكم 2- 32، و كنز العمّال 6- 158، و السّيرة الحلبية 2- 349، و ينابيع المودّة في باب 23، و فيه عن ابن مسعود قال: لمّا برز عليّ إلى عمرو بن عبد ودّ قال النّبيّ (ص): برز الإيمان كلّه إلى الشّرك كلّه، فلمّا قتله قال له: أبشر يا عليّ فلو وزن عملك اليوم بعمل أمّتي لرجح عملك بعملهم.
و روى أيضا عن المناقب، عن حذيفة قال: قال النّبيّ (ص): ضربة عليّ في يوم الخندق أفضل من أعمال أمّتي إلى يوم القيامة .. و غير ذلك.
و انظر الغدير 7- 206 و 212، و غيرها.
(2) في المصدر: أم.
(3) أم أنا، زيادة من المصدر.
(4) كما جاء في الغدير 2- 317 عن جملة من مصادرهم.
و ما سلف من المناشدات جاءت في مصادر أحاديث المناشدة الّتي سلفت قريبا، و انظر فيها الغدير 1- 159، و غيره.
12
شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (1) وَ أَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَخُوكَ الْمُزَيَّنُ بِجَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا (2) مَعَ الْمَلَائِكَةِ، أَمْ أَخِي؟
قَالَ: بَلْ أَخُوكَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا ضَمِنْتُ دَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَادَيْتُ فِي الْمَوَاسِمِ (3) بِإِنْجَازِ مَوْعِدِهِ، أَمْ أَنْتَ؟! قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الَّذِي دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِطَيْرٍ عِنْدَهُ يُرِيدُ أَكْلَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ بَعْدِي (4)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الَّذِي بَشَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِقَتْلِ (5) النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ (6)، أَمْ أَنْتَ؟
____________
(1) إلى هنا جاء في الصّواعق المحرقة لابن حجر: 114 مع اختلاف يسير، و حكاه في الغدير 7- 125، و انظر كتاب الحسين و السّنّة للسّيّد عبد العزيز الطباطبائي.
و قال في 10- 121 من الغدير: و صحّ عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»، متّفق على صحّته.
و انظر: مجمع الزّوائد 9- 174، سنن ابن ماجة 1- 44 حديث 118، ترجمة الإمام الحسن (عليه السلام) من تاريخ دمشق 77- 78 حديث 134 و 135، 81- 82 حديث 140، و غيرها.
(2) لا توجد: يطير بهما، في (س)، و جاءت في المصدر: ليطير بهما.
(3) في المصدر: الموسم، و جعل ما في المتن نسخة بدل في (س).
(4) حديث الطّير المشويّ صحيح مرويّ في الصّحاح و المسانيد على حدّ تعبير العلّامة الأمينيّ في الغدير 3- 21، و انظر 4- 65، 9- 395، بل قد يعدّ متواترا معنويا.
لاحظ: مناقب الخوارزميّ: 59 و 65، أسد الغابة 4- 30، مستدرك الحاكم 3- 130 132، سنن التّرمذيّ 5- 636- 637 حديث 3721، و غيرها كثير.
(5) في المصدر: بقتال.
(6) جاءت رواياته بمضامين عديدة، منها: ما أورده الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد 8- 340، تاريخ ابن كثير 7- 304 و 305، الخصائص للسّيوطيّ 2- 138، مسند أحمد بن حنبل 6- 393، مجمع الزّوائد 7- 234، كنز العمّال 6- 37.
و حكاه العلّامة الأمينيّ عن أكثر علماء الجمهور، كما في الغدير 1- 336- 338، 3- 193 195، و غيرها.
13
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الَّذِي شَهِدْتُ آخِرَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وُلِّيتُ غُسْلَهُ وَ دَفْنَهُ، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِلْمِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: «عَلِيٌّ أَقْضَاكُمْ» (1)، أَمْ أَنْتَ؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ (2) اللَّهَ (3) أَنَا الَّذِي أَمَرَ لِي (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَصْحَابَهُ بِالسَّلَامِ عَلَيَ (5) بِالْإِمْرَةِ فِي حَيَاتِهِ (6)، أَمْ أَنْتَ؟
____________
(1) ورد في بعض الرّوايات عن طريق العامّة عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: «أقضى أمّتي عليّ»، كما في مناقب الخوارزميّ: 50، و فتح الباري 8- 136، و بغية الوعاة: 447، و غيرها.
و في بعضها الآخر عنه (ص): أقضاكم عليّ، كما في الاستيعاب 2- 461 (بهامش الإصابة 3- 38)، شرح ابن أبي الحديد 2- 235، مطالب السّئول: 23، و غيرها.
و في بعضها عنه (ص): أعلمهم بالقضيّة، و في لفظ: و أبصرهم بالقضيّة، كما في حلية الأولياء 1- 66، كنز العمّال 6- 153، مطالب السّئول: 34.
و جاءت جملة روايات في طبقات ابن سعد بإسناده عن عمر 2- 339- 340.
و ما رواه الحنفيّ في الباب 14 عن الخوارزميّ بسنده عن أبي سعيد و سلمان قالا: قال رسول اللّه (ص): «إنّ أقضى أمّتي عليّ بن أبي طالب»، و غيرها.
(2) خ. ل: أنشدك.
(3) في المصدر: باللّه.
(4) لا توجد: لي، في المصدر.
(5) في المصدر: عليه.
(6) أخرجه الطّبرانيّ في كتاب الولاية عن زيد بن أرقم، و حكاه الأمينيّ في الغدير 1- 270 و 271 و 272 عن عدّة مصادر نحن في غنى عن التّطويل بذكرها.
14
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ الْقَرَابَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، أَمْ أَنَا؟.
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي حَبَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِدِينَارٍ عِنْدَ حَاجَتِهِ (1)، وَ بَاعَكَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام)، وَ أَضَفْتَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَضَفْتَ (2) وُلْدَهُ أَمْ أَنَا (3)؟
قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ! [وَ] (4) قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي حَمَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى كَتِفِهِ (5) فِي طَرْحِ صَنَمِ الْكَعْبَةِ وَ كَسْرِهِ حَتَّى لَوْ شَاءَ أَنْ يَنَالَ أُفُقَ السَّمَاءِ لَنَالَهَا (6)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (7)، أَمْ أَنَا؟
____________
(1) خ. ل: حاجته إليه.
(2) في المصدر: و أطعمت.
(3) زيادة (أم أنا) نسخة بدل.
(4) زيادة من المصدر.
(5) في المصدر: كتفيه.
(6) أخرجها أمّة من الحفّاظ و أئمّة الحديث و التّاريخ، و أرسلت إرسال المسلّمات من دون غمز في سندها.
انظر من باب المثال: مسند أحمد بن حنبل 1- 84 بإسناد صحيح، رجاله كلّهم ثقات على مسلكهم، الخصائص: 31، مستدرك الحاكم 2- 367، تاريخ بغداد 13- 302، مطالب السّئول:
12، و غيرها.
و عدّ منهم شيخنا الأمينيّ في غديره 7- 9- 13 أكثر من أربعين مصدرا.
(7) كما ذكره في ذخائر العقبى: 75، و مودّة القربى: السّادسة، و فرائد السّمطين: الجزء الثّاني الباب الثّامن، في حديث طويل و بألفاظ متعدّدة، فراجع.
15
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِفَتْحِ بَابِهِ فِي مَسْجِدِهِ حِينَ أُمِرَ بِسَدِّ جَمِيعِ بَابِهِ- [أَبْوَابِ أَصْحَابِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ] (1)- وَ أَحَلَّ لَهُ فِيهِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ (2)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ لِرَسُولِ اللَّهِ (3) (صلّى اللّه عليه و آله) صَدَقَةً فَنَاجَاهُ، أَمْ أَنَا- إِذْ عَاتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ قَوْماً فَقَالَ: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ (4) الْآيَةَ (5)-؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- لِفَاطِمَةَ:
____________
(1) لفظ: أبواب أصحابه و أهل بيته، لم يرد في بعض النّسخ، كما و لم يرد لفظ: بابه، في المصدر.
(2) أخرج هذا الحديث بأسانيد جمّة صحاح و حسان عن جمع من الصّحابة تربو عدّتهم على عدد ما يحصل به التّواتر.
فقد جاء الحديث في: مسند أحمد 4- 369، الخصائص للنسائي: 13، مستدرك الصّحيحين 3- 125، مجمع الزّوائد 9- 114، فتح الباري 7- 12، و غيرها كثير.
و قد فصلّ الحديث شيخنا الأمينيّ في حديث سدّ الأبواب في موسوعته الغدير 3- 202- 210، فراجع.
(3) في المصدر: نجوى رسول اللّه.
(4) المجادلة: 13.
(5) نقل الشّيخ العلّامة الأردبيليّ (قدّس سرّه) في حديقته 2- 63: أنّ الثّعلبيّ و الواقديّ و النّيشابوريّ و غيرهم ذكروا في تفاسيرهم: أنّ آية النّجوى لم يعمل بها غير عليّ (عليه السلام)، و ذكره أيضا ابن المغازليّ في مناقبه.
و نقل في كشف الغمّة أنّه ذكر عن كتاب الجمع بين الصّحاح السّتّة: أنّ عليّا (عليه السلام) قال:
إنّ في القرآن آية لم يعمل بها أحد غيري.
و ذكر الفخر الرّازيّ في تفسيره توجيها لعدم عمل مثل أبي بكر و عمر بالآية.
و هو أظهر مصداق لأسوئيّة العذر من الذّنب.
و النّيشابوريّ قال في تفسيره: إنّ هذا التّوجيه ليس له وجه إلّا التّعصّب و العناد.
16
زَوْجُكِ أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَاناً وَ أَرْجَحُهُمْ إِسْلَاماً. فِي كَلَامٍ لَهُ، أَمْ أَنَا؟ (1).
قَالَ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ، لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ (2)، أَمْ أَنَا؟
قَالَ: بَلْ أَنْتَ (3).
قَالَ: .. فَلَمْ يَزَلْ (عليه السلام) يَعُدُّ عَلَيْهِ مَنَاقِبَهُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ دُونَهُ وَ دُونَ غَيْرِهِ.
وَ يَقُولُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ أَنْتَ.
قَالَ: فَبِهَذَا وَ شِبْهِهِ يُسْتَحَقُّ الْقِيَامُ بِأُمُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَمَا الَّذِي غَرَّكَ عَنِ اللَّهِ وَ عَنْ رَسُولِهِ وَ عَنْ دِينِهِ وَ أَنْتَ
____________
(1) ورد بألفاظ عديدة، منها ما جاء هنا، كما في ينابيع المودّة: 81.
و منها: «يا فاطمة إنّي زوّجتك سيّدا في الدّنيا و إنّه في الآخرة لمن الصّالحين»، كما أخرجه النّسائيّ و الخطيب في تاريخه 4- 129، و الكنجيّ في الكفاية: 165، و بهذا المضمون في أسد الغابة 1 206، و تاريخ بغداد 4- 210، و الصّواعق المحرقة: 103.
و قد رواه الخوارزميّ في مناقبه في الفصل التّاسع، و ذكره في كنز العمّال، و كفاية الطّالب، و ابن المغازليّ، و الحموينيّ، و جاء في ذخائر العقبى للطّبريّ الشّافعيّ، و قال في آخره: أخرجه الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ في الأحاديث الأربعين في المهديّ (عليه السلام)، و غيرهم.
(2) جاء الحديث في تاريخ بغداد 14- 321، مجمع الزّوائد 7- 336 و 9- 134، الإمامة و السّياسة 1- 68:
و جاء بلفظ: قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «رحم اللّه عليّا»، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار»، كما في جامع التّرمذيّ 2- 213، كنز العمّال 6- 157، مستدرك الحاكم 3- 125، نزل الأبرار: 24، و غيرها.
و كذا بلفظ «عليّ مع القرآن و القرآن معه، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»، كما في مستدرك الحاكم 3- 124 و قد صحّحه، الصّواعق: 74 و 75، الجامع الصّغير 2- 140، و غيرها ..
و انظر الغدير 3- 9- 177 مع تقديم و تأخير، و بعبارات مختلفة في 7- 177 و 8- 189 و 10 287، و موارد أخرى.
(3) المناشدة الأخيرة غير موجودة في المصدر المطبوع من الخصال، و قد وضع عليها في الحجرية: خ.
ص، أي: في نسخة صحيحة أو مصحّحة.
17
خِلْوٌ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ دِينِهِ؟
قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَ قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَنْظِرْنِي يَوْمِي هَذَا فَأُدَبِّرَ مَا أَنَا فِيهِ وَ مَا سَمِعْتُ مِنْكَ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَكَ ذَلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِهِ وَ خَلَا بِنَفْسِهِ يَوْمَهُ وَ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ إِلَى اللَّيْلِ، وَ عُمَرُ يَتَرَدَّدُ فِي النَّاسِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ خَلْوَتِهِ بِعَلِيٍّ (عليه السلام).
فَبَاتَ فِي لَيْلَتِهِ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَنَامِهِ مُمَثَّلًا (1) لَهُ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بِكْرٍ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَوَلَّى وَجْهَهُ، فَصَارَ (2) مُقَابِلَ وَجْهِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَوَلَّى عَنْهُ وَجْهَهُ (3).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أَمَرْتَ بِأَمْرٍ فَلَمْ أَفْعَلْ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَرُدُّ السَّلَامَ عَلَيْكَ وَ قَدْ عَادَيْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ عَادَيْتَ مَنْ وَالاهُ (4) اللَّهُ وَ رَسُولُهُ! رُدَّ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ: مَنْ أَهْلُهُ؟
قَالَ: مَنْ عَاتَبَكَ عَلَيْهِ، وَ هُوَ عَلِيٌّ.
قَالَ: فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَمْرِكَ.
قَالَ: فَأَصْبَحَ وَ بَكَى، وَ قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَايَعَهُ وَ سَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ.
وَ قَالَ لَهُ: أَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي وَ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَكَ، فَأُخْرِجُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَ أُسَلِّمُ عَلَيْكَ
____________
(1) في المصدر: متمثّلا.
(2) كلمة فصار ..، لا توجد في بعض النّسخ، و قد وضع عليها في بعض النّسخ رمز نسخة بدل، و في بعض النّسخ: فسلّم عليه فولّى عنه وجهه، بدون: فصار مقابل وجهه.
(3) وجهه، لا توجد في بعض النّسخ، و كذا في المصدر، و قد وضع عليها رمز نسخة بدل في نسخة مصحّحة.
(4) في المصدر: والى.
18
بِالْإِمْرَةِ؟
قَالَ: فَقَالَ (1) عَلِيٌّ (عليه السلام): نَعَمْ.
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُتَغَيِّراً لَوْنُهُ عَالِياً نَفَسُهُ (2)، فَصَادَفَهُ عُمَرُ وَ هُوَ فِي طَلَبِهِ.
فَقَالَ (3): مَا حَالُكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ..؟
فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ وَ مَا رَأَى وَ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام).
فَقَالَ (4) عُمَرُ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ (5) يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ تَغْتَرَّ بِسِحْرِ بَنِي هَاشِمٍ! فَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ سِحْرٍ مِنْهُمْ ..
فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ عَنْ رَأْيِهِ وَ صَرَفَهُ عَنْ عَزْمِهِ، وَ رَغَّبَهُ (6) فِيمَا هُوَ فِيهِ، وَ أَمَرَهُ بِالثَّبَاتِ [عَلَيْهِ] (7) وَ الْقِيَامِ بِهِ.
قَالَ: فَأَتَى عَلِيٌّ (عليه السلام) الْمَسْجِدَ لِلْمِيعَادِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَداً، فَأَحَسَ (8) بِالشَّرِّ مِنْهُمْ، فَقَعَدَ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَمَرَّ بِهِ عُمَرُ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ دُونَ مَا تَرُومُ خَرْطُ الْقَتَادِ، فَعَلِمَ بِالْأَمْرِ وَ قَامَ وَ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ.
2- ج (9): وَ رَوَى مُرْسَلًا مِثْلَهُ.
بيان: قوله: و لا ابتزاز .. الابتزاز: الاستلاب (10) و الأخذ بالغلبة (11).
و في بعض النسخ: و لا استيثار به، يقال: استأثر فلان بالشيء: أي
____________
(1) في المصدر: فقال له.
(2) لا توجد: عاليا نفسه، في نسخة.
(3) في المصدر: فقال له.
(4) في المصدر: فقال له.
(5) لا يوجد لفظ الجلالة في (ك).
(6) في (ك): و رغبته.
(7) زيادة من المصدر.
(8) خ. ل: فحسّ.
(9) الاحتجاج: 115- 130 [1- 157- 185].
(10) كما في مجمع البحرين 4- 8، الصحاح 3- 865، لسان العرب 5- 312، و غيرها.
(11) انظر: تاج العروس 4- 8.
19
استبدّ به (1).
قوله: بعين السآمة مني .. في الإحتجاج قوله: بعين الشتاءة (2) لي ..،
أي: العداوة.
و القتاد: شجر له شوك كثير (3)، و خرطه: هو أن تمرّ يدك من أعلاه إلى أسفله حتّى ينتشر شوكه (4)، و هذا مثل يضرب للأمر الشّاقّ (5).
3- فس (6): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ ابْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْجَرِيشِ (7)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمَسْجِدِ وَ النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ- بِصَوْتٍ عَالٍ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8).
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 3- 199، الصحاح 2- 575، تاج العروس 3- 6، و غيرها.
(2) الظاهر أنّ الشتاءة- بالتاء- اشتباه، و الصحيح الشناءة- بالنون- فراجع، و لم نجد الشتاءة بمعنى العداوة في كتب اللغة الّتي كانت بأيدينا.
و في الاحتجاج- طبع النجف- الشنان، و الشناءة في اللغة بمعنى البغض، و العداوة قريبة منه.
راجع: مجمع البحرين 1- 252، الصحاح 1- 57، كتاب العين 8- 287، تاج العروس 1- 81، لسان العرب 1- 101.
(3) انظر: الصحاح 2- 521، لسان العرب 3- 342.
و في مجمع البحرين 3- 124: شجر صلب شوكه كالإبر، و كذا في تاج العروس 2- 458، و لم نجد توصيف الشوك بالكثرة.
(4) كما في المستقصى في أمثال العرب 2- 82، إلّا أنّ فيه: ينثر بدل ينتشر، و نقل في هامشه: أنّ الثاني- أي: ينتشر- موجود في نسخة أخرى.
و يرجع إليه معنى ما في مجمع البحرين 4- 245، الصحاح 3- 1122، تاج العروس 5- 127، لسان العرب 7- 284، و غيرها.
(5) انظر: المستقصى في أمثال العرب 2- 82.
و قال في مجمع الأمثال 1- 265: يضرب للأمر دونه مانع، و كذا في فرائد اللئالي في مجمع الأمثال 1- 216.
(6) تفسير القمّيّ 2- 301.
(7) في المصدر: الحريش.
(8) سورة محمّد: 1.
20
فَقَالَ (1) ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ لِمَ قُلْتَ مَا قُلْتَ؟! قَالَ: قَرَأْتُ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ.
قَالَ: لَقَدْ قُلْتَهُ لِأَمْرٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2)، فَتَشْهَدُ (3) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ (4)؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْصَى إِلَّا إِلَيْكَ.
قَالَ: فَهَلَّا بَايَعْتَنِي؟! قَالَ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ (5) فَكُنْتُ مِنْهُمْ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): كَمَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعِجْلِ عَلَى الْعِجْلِ، هَاهُنَا فُتِنْتُمْ، وَ مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (6).
4- ير (7): مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ وَ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ (8)، عَنْ أَبِي عُمَارَةَ (9)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام).
____________
(1) في المصدر: فقال له.
(2) الحشر: 7.
(3) في المصدر: أ فتشهد.
(4) في المصدر: فلانا.
(5) في المصدر: عليه، بدلا من: على أبي بكر.
(6) البقرة: 17، 18.
(7) بصائر الدّرجات 1- 294 حديث 2.
(8) في المصدر: عن ابن مسكين.
(9) في المصدر: ابن عمارة، و ما في المتن هو الأظهر.
و الموجود في باب الكنى من تنقيح المقال 3- 28 هو أبو عمارة، و ليس في باب المصدر بابن، ابن عمارة، فراجع.
21
وَ عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَقِيَ أَبَا بَكْرٍ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَ مَا تَرْضَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنِي وَ بَيْنَكَ؟! قَالَ: وَ كَيْفَ (1) لِي بِهِ؟
فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَ أَتَى مَسْجِدَ قُبَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (2) (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهِ، فَقَضَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ مَذْعُوراً (3)، فَلَقِيَ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟! أَ مَا عَلِمْتَ سِحْرَ بَنِي هَاشِمٍ.
5- يج (4): سَعْدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، مِثْلَهُ.
6، 7- ختص، ير (5): بَعْضُ (6) أَصْحَابِنَا (7)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ،
____________
(1) في المصدر: فكيف.
(2) في (ك): برسول اللّه.
(3) قال في القاموس 2- 34: الذّعر بالضّمّ: الخوف، ذعر كعني فهو مذعور، و بالفتح التّخويف كالإذعار.
(4) الخرائج: 211 [طبعة مؤسّسة الإمام المهديّ (ع) 2- 808، حديث 17].
و ذكره العلّامة المجلسيّ في بحاره أيضا 6- 247 حديث 81، 22- 551 حديث 5، 27 304 حديث 6.
و جاء مضمونه بأسانيد مختلفة في جملة من كتب الأصحاب، كالاختصاص: 267، و مدينة المعاجز: 168، و غيرهما.
(5) الاختصاص: 274، و فيه: أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن حمّاد.
و بصائر الدّرجات 1- 296 حديث 7.
و سند الحديث و متنه مطابق للبصائر أكثر ممّا هو في الاختصاص.
(6) في (ك): عن بعض.
(7) في الاختصاص: و عنه، و المقصود منه هو: أحمد بن محمّد بن عيسى.
22
عَنْ أَخِيهِ أَحْمَدَ (1)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَقِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَبَا بَكْرٍ (2) فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ (3): ظَلَمْتَ وَ فَعَلْتَ.
فَقَالَ (4): وَ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟
قَالَ: يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: وَ كَيْفَ لِي بِرَسُولِ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ- حَتَّى يُعْلِمَنِي (5) ذَلِكَ؟ لَوْ أَتَانِي فِي الْمَنَامِ فَأَخْبَرَنِي لَقَبِلْتُ ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) (6): فَأَنَا أُدْخِلُكَ عَلَى (7) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، [فَأَدْخَلَهُ] (8) مَسْجِدَ قُبَا، فَإِذَا (9) بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَسْجِدِ قُبَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (10) (صلّى اللّه عليه و آله): اعْتَزِلْ عَنْ ظُلْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- (عليه السلام)-.
فَخَرَجَ (11) مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ (12): اسْكُتْ!
____________
(1) في الاختصاص: عن أبي عليّ.
(2) لا توجد: أبا بكر، في (س).
(3) في الاختصاص و البصائر: فقال له.
(4) في البصائر: فقال له.
(5) في البصائر: يعلم، و في نسخة: يعلم بي.
(6) لا يوجد في الاختصاص: عليّ (عليه السلام).
(7) في الاختصاص: إلى، بدلا من على.
(8) في طبعتي البحار: في، و المثبت من البصائر و الاختصاص.
(9) في الاختصاص: فإذا هو.
(10) في الاختصاص كلمة: رسول اللّه، غير موجودة.
(11) في الاختصاص: قال فخرج.
(12) في الاختصاص لا توجد: له.
23
أَ مَا (1) عَرَفْتَ (2) سِحْرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (3) ...
8- ير (4): الْحَجَّالُ، عَنِ اللُّؤْلُؤِيِ (5)، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْبَطَائِنِيِ (6)، عَنْ عِمْرَانَ (7) الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَقِيَ أَبَا بَكْرٍ.
فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا (8) تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أَمَرَكَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيَّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَمَرَكَ بِاتِّبَاعِي؟
قَالَ (9): فَأَقْبَلَ يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ حَكَماً.
قَالَ: قَدْ رَضِيتُ فَاجْعَلْ مَنْ شِئْتَ.
قَالَ: أَجْعَلُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا الْآخَرُ وَ قَالَ: قَدْ رَضِيتُ.
قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَذَهَبَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا.
قَالَ: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (10) (صلّى اللّه عليه و آله) قَاعِدٌ فِي مَوْضِعِ الْمِحْرَابِ.
فَقَالَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- يَا أَبَا بَكْرٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَمْ آمُرْكَ بِالتَّسْلِيمِ لِعَلِيٍّ وَ اتِّبَاعِهِ؟
قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)-.
____________
(1) في (ك): ما، بدل: أ ما.
(2) في الاختصاص زيادة كلمة: قديما.
(3) في الاختصاص: بني هاشم بن عبد المطّلب، و في نسخة: بني هاشم.
(4) بصائر الدّرجات 1- 297 حديث 10.
(5) في المصدر: عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي.
(6) في المصدر: عن عليّ بن أبي حمزة.
(7) في المصدر: عن عمران بن أبي شعبة.
(8) في المصدر: أ ما.
(9) و القائل هنا الإمام الصّادق (عليه السلام).
(10) في نسخة: برسول اللّه ... كذا في (ك).
24
قَالَ: فَادْفَعِ (1) الْأَمْرَ إِلَيْهِ.
قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَجَاءَ وَ لَيْسَ (2) هِمَّتُهُ إِلَّا ذَلِكَ، وَ هُوَ كَئِيبٌ.
قَالَ: فَلَقِيَ عُمَرُ، قَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟
قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ أَمَرَنِي بِدَفْعِ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَى عَلِيٍّ.
فَقَالَ: أَ مَا تَعْرِفُ سِحْرَ بَنِي هَاشِمٍ؟ هَذَا سِحْرٌ.
قَالَ: فَقَلَبَ (3) الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ.
9- يج (4): عَنِ الصَّفَّارِ، مِثْلَهُ.
بيان: يتوهّم عليه .. أي: يلقي الشكوك و يدفع حججه (عليه السلام) بالأوهام (5)، و في الخرائج: يتشكك عليه (6).
10- ير (7): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِأَبِي بَكْرٍ: هَلْ أَجْعَلُ (8) بَيْنِي وَ بَيْنَكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
____________
(1) في المصدر: فارفع.
(2) في المصدر: فليس.
(3) لا توجد: فقلب، في المصدر.
(4) الخرائج: 210 [مطبعة مدرسة الإمام المهديّ (عليه السلام) 2- 805- 806 حديث 15] و بين المصدرين فرق كثير.
و جاء الحديث بمضامين متقاربة في كلّ من مدينة المعاجز: 169، مناقب آل أبي طالب 2 85، الهداية الكبرى: 102، إرشاد القلوب: 264، و غيرها.
(5) التوهّم في اللغة بمعنى الظنّ، كما صرّح به في القاموس 4- 187، و غيره.
و استفادته (قدّس سرّه) من التوهّم إلقاء الشكوك بملاحظة سياق الكلام و القرائن، فتدبّر.
(6) قال في القاموس 3- 309: الشّكّ خلاف اليقين .. و شكّ في الأمر و تشكّك، و شكّكه غيره.
(7) بصائر الدّرجات: 298، حديث 12.
(8) في المصدر: أجمع، و كذا في نسخة جاءت في حاشية البحار.
25
اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَخَرَجَا إِلَى مَسْجِدِ قُبَا، فَصَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ (1): يَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى هَذَا عَاهَدْتُكَ، فَصِرْتَ بِهِ؟! فَرَجَعَ (2) وَ هُوَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَا أَجْلِسُ هَذَا (3) الْمَجْلِسَ.
فَلَقِيَ عُمَرَ، فَقَالَ (4): مَا لَكَ (5)؟
قَالَ: قَدْ وَ اللَّهِ ذَهَبَ بِي فَأَرَانِي رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ (6) عُمَرُ: أَ مَا تَذْكُرُ يَوْماً كُنَّا مَعَهُ، فَأَمَرَ شَجَرَتَيْنِ (7) فَالْتَقَتَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ خَلْفَهُمَا، ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَتَفَرَّقَتَا (8)؟
قَالَ أَبُو بِكْرٍ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ ذَا، فَإِنِّي دَخَلْتُ أَنَا وَ هُوَ فِي الْغَارِ فَقَالَ بِيَدِهِ فَمَسَحَهَا عَلَيْهِ فَعَادَ يَنْسِجُ الْعَنْكَبُوتَ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَ لَا أُرِيكَ جَعْفَراً (9) وَ أَصْحَابَهُ تَعُومُ بِهِمْ (10) سَفِينَتُهُمْ فِي الْبَحْرِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِي، فَرَأَيْتُ جَعْفَراً وَ أَصْحَابَهُ تَعُومُ بِهِمْ سَفِينَتُهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَيَوْمَئِذٍ عَرَفْتُ أَنَّهُ
____________
(1) في المصدر لا توجد: فقال.
(2) في المصدر: ثمّ رجع.
(3) في المصدر: ذلك، و جاء في نسخة على حاشية البحار.
(4) في المصدر: و قال.
(5) في المصدر: ما لك كذا، و في نسخة: ما قال؟.
(6) في المصدر: فقال له.
(7) في المصدر: بشجرتين.
(8) في المصدر: فتفرّقا.
(9) في المصدر: جعفر.
(10) أي: تسير بهم، كما في الصّحاح 5- 993، و غيره.
26
سَاحِرٌ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ.
11، 12- ختص، ير (1): عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ (2)، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَيْثَمِ (3) بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ (4) الدُّهْنِيِ (5) قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَلِيٍ (6) (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- مَا تَحَدَّثَ (7) إِلَيْنَا فِي أَمْرِكَ حَدِيثاً (8) بَعْدَ يَوْمِ الْوَلَايَةِ (9)، وَ أَنَا (10) أَشْهَدُ أَنَّكَ مَوْلَايَ، مُقِرٌّ لَكَ بِذَلِكِ، وَ قَدْ سَلَّمْتُ عَلَيْكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله) بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ: أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ وَارِثُهُ وَ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ وَ نِسَائِهِ، وَ لَمْ يَحُلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَ صَارَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيْكَ وَ أَمْرُ نِسَائِهِ (11)، وَ لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّكَ (12) خَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لَا جُرْمَ لَنَا (13) فِي ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا
____________
(1) الاختصاص: 272- 273، و سنده: سعد قال: حدّثنا عبّاد بن سليمان ...
بصائر الدّرجات: 298- 299 حديث 14.
و الحديث سندا و متنا يطابق البصائر أكثر من مطابقته للاختصاص.
و هو موجود أيضا في مختصر البصائر: 109- 110، ببعض السّقط في السّند، و ببعض الاختلاف في ذيل الحديث، فليلاحظ.
(2) في مختصر البصائر و البصائر لا يوجد: عن محمّد بن سليمان.
(3) خ. ل: عثيم، و الصّحيح ما في المتن.
(4) في مختصر البصائر و البصائر: معاوية بن عمّار.
(5) في الاختصاص زيادة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
(6) في مختصر البصائر: أمير المؤمنين.
(7) في مختصر البصائر و الاختصاص: لم يحدّث.
(8) في مختصر البصائر: شيئا، و في الاختصاص: حدثا.
(9) في مختصر البصائر: أيّام الولاية بالغدير، و كذا في الخرائج.
(10) في البصائر: و أنّي.
(11) في مختصر البصائر و الخرائج: و أنّك وارثه، و ميراثه قد صار إليك، بدلا من: و لم يحل بينك ..
نسائه.
(12) في مختصر البصائر: أنّك.
(13) في البصائر: لك.
27
وَ بَيْنَكَ (1)، وَ لَا ذَنْبَ (2) بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ (3) وَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (4).
قَالَ: فَقَالَ (5) عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنْ أَرَيْتُكَ رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- حَتَّى يُخْبِرَكَ أَنِّي (6) أَوْلَى بِالْأَمْرِ (7) الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْكَ وَ مِنْ غَيْرِكَ وَ إِنْ لَمْ تَرْجِعْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ فَتَكُونَ كَافِراً.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ (8): إِنْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (9)، حَتَّى يُخْبِرَنِي بِبَعْضِ هَذَا لَاكْتَفَيْتُ بِهِ (10).
قَالَ: فَوَافِنِي (11) إِذَا صَلَّيْتَ الْمَغْرِبَ (12).
قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ (13) بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَ خَرَجَ بِهِ (14) إِلَى مَسْجِدِ قُبَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (15) جَالِسٌ فِي الْقِبْلَةِ.
____________
(1) في مختصر البصائر: و لا جرم لي فيما بيني و بينك.
(2) في مختصر البصائر: و لا ذنب فيما بيننا.
(3) في مختصر البصائر و الاختصاص لا يوجد: و بينك، و جاء في بعض نسخ الكتاب.
(4) في الاختصاص: عزّ و جلّ، و لا يوجد في البصائر: تعالى قال.
(5) في الاختصاص و الخرائج و مختصر البصائر: فقال له.
(6) في الاختصاص و الاحتجاج و مختصر البصائر: بأنّي.
(7) في الاختصاص: بالمجلس، بدلا من: بالأمر.
(8) في الاختصاص: و إنّك إن لم تنحّ عنه كفرت، فما تقول؟ فقال: .. بدلا من قوله: منك و من غيرك، إلى: قال أبو بكر.
(9) في مختصر البصائر: و إنّك إن لم تعتزل نفسك عنه فقد خالفت اللّه و رسوله- (صلّى اللّه عليه و آله) فقال إن أريتنيه .. بدلا من قوله: و من غيرك ... إلى هنا.
(10) في الاختصاص و مختصر البصائر: اكتفيت به، و في البصائر: لاكتفيته.
(11) في مختصر البصائر: فقال (عليه السلام) فتلقاني.
(12) في مختصر البصائر زيادة: حتّى أريكه.
(13) لا توجد في الاختصاص: إليه.
(14) في الاختصاص و مختصر البصائر: و أخرجه، في البصائر و الخرائج: فخرج به.
(15) في مختصر البصائر: هو برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
28
فَقَالَ: يَا عَتِيقُ (1) وَثَبْتَ عَلَى عَلِيٍ (2)- (عليه السلام)- وَ جَلَسْتَ (3) مَجْلِسَ النُّبُوَّةِ، وَ قَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي ذَلِكَ (4)، فَانْزِعْ هَذَا السِّرْبَالَ الَّذِي تَسَرْبَلْتَهُ (5)، فَخَلِّهِ لِعَلِيٍّ وَ إِلَّا فَمَوْعِدُكَ النَّارُ.
قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيْهِ (6) فَأَخْرَجَهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَشَى عَنْهُمَا.
قَالَ فَانْطَلَقَ (7) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى سَلْمَانَ فَقَالَ (8): يَا سَلْمَانُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ (9) كَذَا وَ كَذَا.
فَقَالَ: لَيَشْهَرَنَّ بِكَ (10)، وَ لَيَأْتِيَنَ (11) صَاحِبَهُ (12)، وَ لَيُخْبِرَنَّهُ بِالْخَبَرِ.
قَالَ: فَضَحِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: إمَّا أَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَهُ
____________
(1) في مختصر البصائر و الخرائج: له يا فلان.
(2) في مختصر البصائر و الخرائج: مولاك عليّ (عليه السلام).
(3) في مختصر البصائر و الخرائج: مجلسه و هو.
(4) في مختصر البصائر: لا يستحقّه غيره لأنّه وصيّي و خليفتي فنبذت أمري و خالفت ما قلته لك و تعرّضت لسخط اللّه و سخطي، بدلا من قوله: و قد تقدّمت إليك في ذلك، و قريب منه في الخرائج و الجرائح.
(5) في الخرائج و مختصر البصائر: أنت تسربلته بغير حقّ، و لا أنت من أهله.
(6) في مختصر البصائر: فخرج مذعورا ليسلّم الأمر إليه و انطلق.
(7) في الاختصاص: عنهما و انطلق، بدلا من: و مشى عنهما قال: فانطلق.
(8) في مختصر البصائر: (صلوات الله عليه) فحدّث سلمان بما كان و ما جرى، فقال له سلمان .. بدلا من: (عليه السلام) إلى ... من الأمر.
(9) في الاختصاص زيادة: فقال له.
(10) في نسخة: ليشهدنّ عليّ.
أقول: يحتمل أن يكون المعنى: ليشهدنّ و ليظهر الحقّ البتّة، فإنّ الشّهرة بمعنى الظّهور كما في القاموس 2- 95.
(11) في الاختصاص: فقال سلمان ليشهرن بك و ليبدينه إلى ..، و في البصائر: قال ليشهدن بك و ليندبنه إلى ..
(12) وضع على جملة: و ليأتينّ صاحبه، نسخة بدل، و في بعض النّسخ وضع بدلا منها: و ليبدينه.
29
فَيَفْعَلَ (1) ثُمَّ لَا وَ اللَّهِ لَا يَذَّكَّرُ أَبَداً (2) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، هُمَا أَنْظَرُ لِأَنْفُسِهِمَا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ (3): فَلَقِيَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: أَرَانِي عَلِيٌ (4) .. كَذَا وَ كَذَا، وَ صَنَعَ كَذَا وَ كَذَا (5).
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَيْلَكَ مَا أَقَلَّ عَقْلَكَ، فَوَ اللَّهِ مَا أَنْتَ فِيهِ السَّاعَةَ لَيْسَ إِلَّا مِنْ بَعْضِ سِحْرِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ (6)، قَدْ نَسِيتَ سِحْرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَ مِنْ أَيْنَ يَرْجِعُ مُحَمَّدٌ؟ وَ لَا يَرْجِعُ مَنْ مَاتَ، إِنَّ مَا أَنْتَ فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِ بَنِي هَاشِمٍ، فَتَقَلَّدَ هَذَا السِّرْبَالَ وَ مَرَّ فِيهِ (7).
____________
(1) في مختصر البصائر: أن سيخبره و ليمنعه إن همّ بأن يفعل.
(2) في نسخة: لا يذكران ذلك أبدا حتّى يموتا، و في الاختصاص: يذكر أنّه و في مختصر البصائر: يذكران ذلك.
(3) لا توجد في الاختصاص: قال.
(4) في الاختصاص: إنّ عليّا أتى.
(5) لا يوجد في البصائر: و صنع كذا و كذا، و في الاختصاص: و قال لرسول اللّه كذا و كذا.
(6) قال في مجمع البحرين 4- 151: الكبش فحل الضّأن في أيّ سنّ كان، و قيل: الحمل إذا أثنى و إذا خرجت رباعيته.
و انظر: لسان العرب 6- 338، و قريب منه ما في تاج العروس 4- 341.
و المراد من ابن أبي كبشة هو: النّبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله).
قال في تاج العروس 4- 341: و كان المشركون يقولون للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ابن أبي كبشة، و أبو كبشة كنيته.
و في حديث أبي سفيان و هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، يعني: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
قيل: شبّهوه بأبي كبشة رجل من خزاعة ثمّ من بني غبشان، خالف قريشا في عبادة الأصنام، و عبد الشّعرى الحبور، و إنّما شبّهوه به لخلافه إيّاهم إلى عبادة اللّه تعالى، كما خالفهم أبو كبشة إلى عبادة الشّعرى، معناه: أنّه خالفنا كما خالفنا أبي كبشة.
ثمّ ذكر أقوالا أخر في إطلاق المشركين ذلك الاسم على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا نطيل بذكرها راجع: لسان العرب 6- 338، مجمع البحرين 4- 151، القاموس 2- 285، و غيرها.
(7) في مختصر البصائر: حتّى يموتا، قال: فلقي صاحبه فحدّثه بالحديث كلّه، فقال له: ما أضعف رأيك و أخور عقلك، أ ما تعلم أنّ ذلك من بعض سحر ابن أبي كبشة، أ نسيت سحر بني هاشم، فأقم على ما أنت عليه، بدلا من قوله: إلى يوم القيامة ... إلى: و مرّ فيه.
30
13- يج (1): عَنِ الصَّفَّارِ، مِثْلَهُ.
14- ير (2): أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ جَرِيشٍ (3)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَنْ سُورَةِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
فَقَالَ: وَيْلَكَ! سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، إِيَّاكَ وَ السُّؤَالَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، فَقَامَ الرَّجُلُ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ يَوْماً، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ نُورٌ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ، لَا يُرِيدُونَ حَاجَةً مِنَ السَّمَاءِ وَ لَا مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا ذَكَرُوهَا لِذَلِكَ النُّورِ فَأَتَاهُمْ بِهَا.
وَ إِنَ (4) مِمَّا ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لَهُ مِنَ الْحَوَائِجِ: أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْماً لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... (5)
: فَأَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَاتَ شَهِيداً، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّهُ مَيِّتٌ، وَ اللَّهِ لَيَأْتِيَنَّكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ إِذَا جَاءَكَ الشَّيْطَانُ غَيْرَ مُتَمَثِّلٍ بِهِ.
فَعَجِبَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ (6): إِنْ جَاءَنِي وَ اللَّهِ أَطَعْتُهُ وَ خَرَجْتُ مِمَّا أَنَا فِيهِ.
قَالَ: فَذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ النُّورَ، فَعَرَجَ إِلَى أَرْوَاحِ النَّبِيِّينَ، فَإِذَا مُحَمَّدٌ
____________
(1) الخرائج: 210- 211، [الخرائج و الجرائح- طبعة مؤسّسة الإمام المهديّ (ع) 2- 807 808 حديث 16] باختلاف ذكرنا غالبه.
و قريب منه في: الإيقاظ من الهجعة: 219 حديث 15، مدينة المعاجز: 168 حديث 472، إثبات الهداة 3- 489، و كرّر ذكره في البحار 41- 228 حديث 38 عن الاختصاص و المختصر.
(2) بصائر الدّرجات: 300 حديث 15.
(3) في المصدر: حريش.
(4) في المصدر:
فإنّ.
(5) آل عمران:- 169.
(6) خ. ل: و قال. و في المصدر: أو فقال.
31
(صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ أُلْبِسَ وَجْهَهُ ذَلِكَ النُّورُ، وَ أَتَى وَ هُوَ يَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ آمِنْ بِعَلِيٍّ وَ بِأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ، إِنَّهُمْ مِثْلِي إِلَّا النُّبُوَّةَ، وَ تُبْ إِلَى اللَّهِ بِرَدِّ مَا فِي يَدَيْكَ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَكَ فِيهِ.
قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُرَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْمَعُ النَّاسَ فَأَخْطُبُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ، وَ أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا أَنَا فِيهِ إِلَيْكَ يَا عَلِيُّ، عَلَى أَنْ تُؤْمِنَنِي؟
قَالَ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَ لَوْ لَا أَنَّكَ تَنْسَى مَا رَأَيْتَ لَفَعَلْتَ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ، وَ رَجَعَ نُورُ إِنَّا أَنْزَلْناهُ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: قَدِ اجْتَمَعَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ عُمَرَ.
فَقُلْتُ: أَ وَ عَلِمَ النُّورُ؟
قَالَ (1): إِنَّ لَهُ لِسَاناً نَاطِقاً وَ بَصَراً نَافِذاً (2) يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ لِلْأَوْصِيَاءِ (عليهم السلام)، وَ يَسْتَمِعُ الْأَسْرَارَ، وَ يَأْتِيهِمْ بِتَفْسِيرِ كُلِّ أَمْرٍ يَكْتَتِمُ بِهِ أَعْدَاؤُهُمْ.
فَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَبَرَ عُمَرَ، قَالَ: سَحَرَكَ، وَ إِنَّهَا لَفِي بَنِي هَاشِمٍ لَقَدِيمَةٌ.
قَالَ: ثُمَّ قَامَا يُخْبِرَانِ النَّاسَ، فَمَا دَرَيَا مَا يَقُولَانِ.
قُلْتُ: لِمَا ذَا؟
قَالَ: لِأَنَّهُمَا قَدْ نَسِيَاهُ.
وَ جَاءَ النُّورُ فَأَخْبَرَ عَلِيّاً (عليه السلام) خَبَرَهُمَا، فَقَالَ: بُعْداً لَهُمَا كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ.
بَيَانٌ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِنُورِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ: الرُّوحُ الْمَذْكُورُ فِي تِلْكَ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ.
15- يج (3): رُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ: أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) بَلَغَهُ عَنْ عُمَرَ ذِكْرُ
____________
(1) في نسخة: و قال.
(2) في المصدر: ناقدا، و كذا في حاشية المطبوع من البحار بعنوان نسخة بدل.
(3) الخرائج، الورقة رقم 62 من الخطّيّة المصوّرة، [الخرائج و الجرائح- طبعة مؤسّسة الإمام المهديّ (ع)- 1- 232 حديث 77]. و قد كرّر ذكره طاب ثراه في المجلّد 41- 256 حديث 17، و جاء في مدينة المعاجز: 200 حديث 551، و صفحة 79 حديث 198، و غيرها.
32
شِيعَتِهِ (1)، فَاسْتَقْبَلَهُ فِي بَعْضِ طُرُقَاتِ بَسَاتِينِ الْمَدِينَةِ، وَ فِي يَدِ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ.
فَقَالَ (2): يَا عُمَرُ، بَلَغَنِي عَنْكَ ذِكْرُكَ لِشِيعَتِي (3).
فَقَالَ: ارْبَعْ عَلَى ظَلْعِكَ.
فَقَالَ (4) (عليه السلام): إِنَّكَ لَهَاهُنَا (5)، ثُمَّ رَمَى بِالْقَوْسِ عَلَى الْأَرْضِ (6) فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ كَالْبَعِيرِ فَاغِرٌ فَاهُ وَ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَ عُمَرَ لِيَبْتَلِعَهُ.
فَصَاحَ عُمَرُ: اللَّهَ اللَّهَ يَا أَبَا الْحَسَنِ، لَا عُدْتُ بَعْدَهَا فِي شَيْءٍ، وَ جَعَلَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، فَضَرَبَ (7) يَدَهُ إِلَى الثُّعْبَانِ، فَعَادَتِ الْقَوْسُ كَمَا كَانَتْ، فَمَرَّ (8) عُمَرُ إِلَى بَيْتِهِ مَرْعُوباً.
قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ دَعَانِي عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ: صِرْ إِلَى عُمَرَ، فَإِنَّهُ حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ وَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، وَ قَدْ عَزَمَ أَنْ يَحْتَبِسَهُ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ عَلِيٌّ: أُخْرِجَ (9) إِلَيْكَ مَالٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، فَفَرِّقْهُ عَلَى مَنْ
____________
(1) في المصدر: لشيعته.
(2) في المصدر: فقال عليّ.
(3) في المصدر: ذكر لشيعتي عنك.
(4) في الخرائج: قال عليّ.
(5) أي إنّك لتكن هاهنا و لا تبرح.
(6) في المصدر: إلى الأرض.
(7) في الخرائج: فضرب عليّ، و في نسخة: بيده.
(8) في طبعة الخرائج- لمدرسة الإمام المهديّ (ع)-: فمضى.
(9) قال في القاموس 1- 185: و أخرج: أدّى خراجه.
و ما في المتن يقرأ مبنيّا للمفعول، من الخراج، و يحتمل أن يكون من الإخراج بتضمين معنى الحمل و يقوّي الثّاني ما في المصدر: أخرج ما حمل إليك من ناحية ...
33
جُعِلَ لَهُمْ، وَ لَا تَحْبِسْهُ فَأَفْضَحَكَ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَأَدَّيْتُ إِلَيْهِ الرِّسَالَةَ.
فَقَالَ: حَيَّرَنِي أَمْرُ صَاحِبِكَ، مِنْ أَيْنَ عَلِمَ بِهِ (1)؟
فَقُلْتُ: وَ هَلْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا؟
فَقَالَ لِسَلْمَانَ: اقْبَلْ (2) مِنِّي أَقُولُ لَكَ، مَا عَلِيٌّ إِلَّا سَاحِرٌ، وَ إِنِّي لَمُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْهُ، وَ الصَّوَابُ أَنْ تُفَارِقَهُ وَ تَصِيرَ فِي جُمْلَتِنَا.
قُلْتُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، لَكِنَّ عَلِيّاً وَرِثَ مِنْ أَسْرَارِ النُّبُوَّةِ (3) مَا قَدْ رَأَيْتَ مِنْهُ وَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ.
قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ لِأَمْرِكَ.
فَرَجَعْتُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ (عليه السلام): أُحَدِّثُكَ بِمَا جَرَى بَيْنَكُمَا؟
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي.
فَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا جَرَى بَيْنَنَا (4)، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رُعْبَ الثُّعْبَانِ فِي قَلْبِهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
بَيَانٌ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: رَبِعَ الرَّجُلُ يَرْبَعُ: إِذَا وَقَفَ وَ تَحَبَّسَ، وَ مِنْهُ قَوْلُهُمْ ارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ وَ ارْبَعْ عَلَى ظَلْعِكَ، أَيْ: ارْفُقْ بِنَفْسِكَ وَ كُفَ (5) وَ لَا تَحْمِلْ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تُطِيقُ.
16- قب (6): عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَ زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ
____________
(1) في المصدر: فمن أين علم هو به، قلت.
(2) في المصدر: يا سلمان اقبل.
(3) في المصدر: لكنّ عليّا قد ورث من آثار النّبوّة.
(4) خ. ل: به.
(5) إلى هنا في الصّحاح 3- 1212، و انظر القاموس 3- 24، تاج العروس 5- 338، و غيرهما.
(6) المناقب لابن شهرآشوب 2- 248.
34
ابْنُ جَرِيشٍ (1)، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام).
وَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ وَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ وَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُكَارِي، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَقِيَ الْأَوَّلَ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: أَ تَرْضَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنِي وَ بَيْنَكَ؟
فَقَالَ: وَ كَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟
فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَتَى بِهِ مَسْجِدَ قُبَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ، فَقَضَى لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ .. الْقِصَّةَ.
17- كشف (2): عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ عُمَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَذَاكَرُوا الشَّرَفَ، وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) سَاكِتٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ سَاكِتاً؟ وَ كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) كَرِهَ الْكَلَامَ، فَقَالَ عُمَرُ:
لَتَقُولَنَّ يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام):
اللَّهُ أَكْرَمَنَا بِنَصْرِ نَبِيِّهِ* * * وَ بِنَا أَعَزَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ
فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ (3)تُزِيلُ سُيُوفُنَا* * * فِيهِ الْجَمَاجِمَ عَنْ فِرَاخِ الْهَامِ
وَ يَزُورُنَا جِبْرِيلُ فِي أَبْيَاتِنَا* * * بِفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَ الْأَحْكَامِ
فَنَكُونُ أَوَّلَ مُسْتَحِلٍّ حِلَّهُ* * * وَ مُحَرِّمٍ لِلَّهِ كُلَّ حَرَامٍ
نَحْنُ الْخِيَارُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كُلِّهَا* * * وَ نِظَامُهَا وَ زِمَامُ كُلِّ زِمَامٍ
إِنَّا لَنَمْنَعُ مَنْ أَرَدْنَا مَنْعَهُ* * * وَ نُقِيمُ رَأْسَ الْأَصْيَدِ الْقَمْقَامِ
وَ تَرُدُّ عَادِيَةُ الْخَمِيسِ سُيُوفَنَا* * * فَالْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ ذِي الْإِنْعَامِ
.
بيان: قال الفيروزآبادي: الفرخ: مقدّم الدّماغ (4).
____________
(1) في المصدر: و العبّاس بن الحريش الرّاوي، لا الحسن بن العبّاس.
(2) كشف الغمّة 1- 299.
(3) قال في القاموس 3- 213: و المعترك: موضع العراك، و المعاركة أي: القتال.
(4) القاموس 1- 266، و راجع: تاج العروس 2- 271.
35
و قال الجوهري: و قول الفرزدق:
و يوم جعلنا البيض فيه لعامر* * * مصمّمة تفأى فراخ الجماجم
يعنى به: الدّماغ (1).
و الزّمام ككتاب: ما يجعل في أنف البعير فينقاد به (2)، و لعلّ المراد: زمام كلّ ذي زمام.
و قال الفيروزآبادي: الأصيد: الملك، و رافع رأسه كبرا (3).
و قال: القمقام- و يضمّ-: السّيّد (4).
و الخميس: الجيش (5).
18- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (6): رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام): أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَقِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي سِكَّةِ (7) بَنِي النَّجَّارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ صَافَحَهُ وَ قَالَ
____________
(1) الصحاح 1- 428، و راجع: تاج العروس 2- 272.
(2) قال في الصحاح 5- 1944: الزّمام: الخيط الّذي يشدّ في البرة أو في الخشاش، ثمّ يشدّ في طرفه المقود، و قد يسمّى المقود زماما.
و في تاج العروس 8- 328: الزّمام ككتاب ما يزمّ به، و نحوه في لسان العرب 12- 272.
و قال في القاموس 4- 126: زمّة فانزمّ: شدّه، و ككتاب: ما يزمّ به ... البعير: خطمه، و قال في صفحة: 108 خطمه بالخطام: جعله على أنفه .. و الخطام ككتاب: كلّ ما وضع في أنف البعير ليقتاد به.
أقول: كلّ ما ذكر للزّمام من المعنى يرجع إلى معنى واحد، و إنّما الاختلاف في مجرّد التعبير.
(3) القاموس 1- 309، و راجع: تاج العروس 2- 404.
و قال في الصحاح 1- 499: الصّيد بالتحريك: مصدر الأصيد، و هو الّذي يرفع رأسه كبرا، و منه قيل للملك: أصيد. و يقال: إنّما قيل للملك أصيد، لأنّه لا يلتفت يمينا و لا شمالا، و كذلك الّذي لا يستطيع الالتفات من داء.
(4) القاموس 4- 167، و راجع: تاج العروس 9- 33.
(5) القاموس 2- 211، و راجع: تاج العروس 4- 140، و الصحاح 3- 924.
(6) إرشاد القلوب: 264- 268 [2- 57- 61 بيروت].
(7) في المصدر: في سكّة من سكك.
36
لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنِ اسْتِخْلَافِ النَّاسِ إِيَّايَ، وَ مَا كَانَ مِنْ يَوْمِ السَّقِيفَةِ، وَ كَرَاهِيَتِكَ الْبَيْعَةَ (1)؟ وَ اللَّهِ مَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ إِرَادَتِي، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا (2) عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُخَالِفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ (3)، لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالِ (4).
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ، أُمَّتُهُ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ فِي عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ (5)، وَ أَخَذُوا بِهُدَاهُ، وَ أَوْفُوا (6) بِ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَ لَمْ يُبَدِّلُوا وَ لَمْ يُغَيِّرُوا (7).
قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي السَّاعَةَ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، رَضِيَ مَنْ رَضِيَ وَ سَخِطَ مَنْ سَخِطَ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ! فَهَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَوْثَقَ (8) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَدْ أَخَذَ بَيْعَتِي عَلَيْكَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ- وَ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعَكَ فِيهِمْ (9): عُمَرُ وَ عُثْمَانُ-: فِي يَوْمِ الدَّارِ، وَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَ يَوْمَ جُلُوسِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ فِي يَوْمِ الْغَدِيرِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ؟
فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ: سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (10).
____________
(1) في المصدر: للبيعة.
(2) في المصدر: أجمعوا.
(3) في المصدر: أخالفهم فيه.
(4) كما قاله ابن رشد في مقدّمة المدوّنة الكبرى: 8، و حكاه الأمينيّ في الغدير 10- 349 و ناقشه في أكثر من مورد، و سنرجع للحديث عنه.
(5) في المصدر: من بعده و في عهده.
(6) في المصدر: وافوا.
(7) في المصدر: و لم يغيّروا و لم يبدّلوا.
(8) في المصدر: هل تعلم أحدا أوثق.
(9) في نسخة: و فيهم، و في المصدر: منكم و فيهم.
(10) في المصدر: للّه و لرسوله.
37
فَقَالَ لَكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
فَقُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ عَلَيْنَا مِنَ الشَّاهِدِينَ.
فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله) (1): فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَ لْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ، وَ مَنْ سَمِعَ مِنْكُمْ فَلْيُسْمِعْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ.
فَقُلْتُمْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ قُمْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ تُهَنُّونَ (2) رَسُولَ اللَّهِ وَ تُهَنُّونِّي بِكَرَامَةِ اللَّهِ لَنَا، فَدَنَا عُمَرُ وَ ضَرَبَ عَلَى كَتِفِي وَ قَالَ بِحَضْرَتِكُمْ: بَخْ بَخْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلَانَا (3) وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ (4).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْراً (5)، لَوْ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَاهِداً فَأَسْمَعُهُ مِنْهُ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُ (6) وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، يَا أَبَا بَكْرٍ إِذَا رَأَيْتَ (7) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيّاً وَ يَقُولُ (8) لَكَ إِنَّكَ ظَالِمٌ لِي (9) فِي أَخْذِ حَقِّيَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِي وَ رَسُولُهُ (10) دُونَكَ وَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ
____________
(1) في المصدر زيادة: لكم. و هي موجودة على حاشية مطبوع البحار و لم يعلّم على محلّها.
(2) كذا، و لعلّه: تهنئون.
قال في القاموس 1- 34: هناه بالأمر و هنّأه: قال له: ليهنئك.
أقول: قالوا في الصّرف: إنّ الهمزة قد تخفّف إذا لم تقع في الأوّل، لأنّها حرف شديد من أقصى الحلق، و عليه فلا مانع من قراءة تهنون.
(3) في المصدر: مولاي.
(4) يقال لهذا: حديث التّهنئة، ذكره العلّامة الأمينيّ في الغدير 1- 271- 283 عن عشرات من مصادر العامّة.
(5) في المصدر: لقد ذكّرتني أمرا يا أبا الحسن.
(6) لا يوجد في المصدر لفظ الجلالة.
(7) في المصدر: إن رأيت.
(8) في المصدر: يقول، بلا واو.
(9) لا يوجد في المصدر: لي.
(10) في المصدر: و رسوله لي.
38
أَ تُسَلِّمُ (1) هَذَا الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ تَخْلَعُ نَفْسَكَ مِنْهُ؟.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! وَ هَذَا يَكُونُ؟ أَرَى (2) رَسُولَ اللَّهِ حَيّاً بَعْدَ مَوْتِهِ وَ يَقُولُ (3) لِي ذَلِكَ (4)! فَقَالَ لَهُ (5) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ.
قَالَ: فَأَرِنِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ حَقّاً (6).
فَقَالَ عَلِيٌ (7) (عليه السلام): اللَّهُ (8) وَ رَسُولُهُ عَلَيْكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ إِنَّكَ تَفِي بِمَا قُلْتَ؟
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ.
فَضَرَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى يَدِهِ وَ قَالَ: تَسْعَى مَعِي نَحْوَ مَسْجِدِ قُبَا، فَلَمَّا وَرَدَاهُ (9) تَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ وَرَائِهِ، فَإِذَا (10) بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ (11)، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ سَقَطَ لِوَجْهِهِ كَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ.
فَنَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): ارْفَعْ رَأْسَكَ أَيُّهَا الضَّلِيلُ الْمَفْتُونُ.
فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ وَ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ حَيَاةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
____________
(1) في المصدر: أن تسلّم.
(2) في المصدر: أن أرى.
(3) في المصدر: فيقول.
(4) في المصدر: ذلك حقّا، و في بعض النّسخ لا يوجد لفظ: ذلك.
(5) لا يوجد: له، في بعض النّسخ.
(6) في المصدر: ذلك حقّا.
(7) في المصدر: فقال له أمير المؤمنين.
(8) خ. ل: و اللّه، و كذا في المصدر.
(9) في المصدر: ورده.
(10) في المصدر: فإذا هو.
(11) في المصدر: جالس في قبلة المسجد.
39
فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ وَ شَخَصَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ نَسِيتَ مَا عَاهَدْتَ (2) اللَّهَ وَ رَسُولَهُ عَلَيْكَ فِي الْمَوَاطِنِ الْأَرْبَعَةِ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)؟
فَقَالَ: مَا أَنْسَاهَا (3) يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: مَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُنَاشِدُ عَلِيّاً- (عليه السلام)- عَلَيْهَا (4)، وَ يُذَكِّرُكَ وَ تَقُولُ (5): نَسِيتُ ..؟! وَ قَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عَلِيٍ (6) (عليه السلام) .. إِلَى آخِرِهِ، فَمَا نَقَصَ مِنْهُ كَلِمَةً وَ لَا زَادَ (7) فِيهِ كَلِمَةً.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ وَ هَلْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِّي إِذَا سَلَّمْتُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَ أَنَا الضَّامِنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ ذَلِكَ إِنْ وَفَيْتَ.
قَالَ: وَ غَابَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُمَا، فَتَشَبَّثَ (8) أَبُو بَكْرٍ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (9) وَ قَالَ: اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ يَا عَلِيُّ، صِرْ (10) مَعِي إِلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) فصّلت (السّجدة): 39.
(2) في المصدر: أ نسيت ما عهدت.
(3) في المصدر: ما نسيتها.
(4) في المصدر: فيها بدلا من عليها.
(5) في المصدر: فتقول.
(6) في المصدر: و بين عليّ بن أبي طالب.
(7) في المصدر: و ما زاد.
(8) في المصدر: قال فتشبّث.
(9) في المصدر: بعليّ.
(10) في المصدر: سر.
40
حَتَّى أَعْلُوَ الْمِنْبَرَ فَأَقُصَ (1) عَلَى النَّاسِ مَا شَاهَدْتُ وَ مَا رَأَيْتُ (2) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (3) وَ مَا قَالَ لِي وَ مَا قُلْتُ لَهُ وَ مَا أَمَرَنِي (4) بِهِ، وَ أَخْلَعَ نَفْسِي عَنْ هَذَا (5) الْأَمْرِ وَ أُسَلِّمَهُ إِلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَا مَعَكَ إِنْ تَرَكَكَ شَيْطَانُكَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ لَمْ يَتْرُكْنِي تَرَكْتُهُ وَ عَصَيْتُهُ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِذاً تُطِيعَهُ وَ لَا تَعْصِيَهُ، وَ إِنَّمَا رَأَيْتَ مَا رَأَيْتَ لِتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْكَ.
وَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَ خَرَجَا مِنْ مَسْجِدِ قُبَا يُرِيدَانِ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَبُو بَكْرٍ يَتَلَوَّنُ (6) أَلْوَاناً، وَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يَدْرُونَ مَا الَّذِي كَانَ.
حَتَّى لَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَأْنُكَ، وَ مَا الَّذِي دَهَاكَ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَلِّ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَوَ اللَّهِ لَا سَمِعْتُ لَكَ قَوْلًا.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَ أَيْنَ (7) تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أُرِيدُ الْمَسْجِدَ وَ الْمِنْبَرَ.
فَقَالَ: هَذَا لَيْسَ (8) وَقْتَ صَلَاةٍ وَ مِنْبَرٍ!.
قَالَ: خَلِّ عَنِّي وَ لَا حَاجَةَ (9) لِي فِي كَلَامِكَ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (10) أَ فَلَا تَدْخُلُ قَبْلَ الْمَسْجِدِ مَنْزِلَكَ فَتُسْبِغَ
____________
(1) في المصدر: و أقصّ.
(2) في المصدر: و رأيت.
(3) في المصدر: أمر رسول اللّه.
(4) في المصدر: و أمرني.
(5) في المصدر: من هذا.
(6) في المصدر: يخفق بعضه بعضا و يتلون.
(7) في بعض النّسخ: أين، بدون واو.
(8) في المصدر: ليس هذا.
(9) في المصدر: فقال خلّ عنّي فلا حاجة.
(10) في المصدر: يا خليفة اللّه.
41
الْوُضُوءَ؟
قَالَ: بَلَى، ثُمَّ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ تَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ.
فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ قُلْتُ لَكَ (1) إِنَّ شَيْطَانَكَ لَا يَدَعُكَ أَوْ (2) يُرْدِيَكَ، وَ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ جَلَسَ (3) بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ.
فَدَخَلَ (4) أَبُو بَكْرٍ مَنْزِلَهُ، وَ مَعَهُ عُمَرُ، فَقَالَ (5): يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ لَا تُنْبِئُنِي بِأَمْرِكَ (6)، وَ تُحَدِّثُنِي بِمَا دَهَاكَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟
فَقَالَ (7) أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ! يَرْجِعُ رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ حَيّاً فَيُخَاطِبُنِي فِي ظُلْمِي لِعَلِيٍّ، بِرَدِّ (8) حَقِّهِ عَلَيْهِ وَ خَلْعِ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ.
فَقَالَ (9) عُمَرُ: قُصَّ عَلَيَّ قِصَّتَكَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ يَا عُمَرُ! قَدْ قَالَ (10) لِي عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَدَعُنِي أَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْمَظْلِمَةِ، وَ إِنَّكَ شَيْطَانِي، فَدَعْنِي عَنْكَ (11)، فَلَمْ يَزَلْ يَرْقُبُهُ (12) إِلَى أَنْ حَدَّثَهُ بِحَدِيثِهِ كُلِّهِ.
____________
(1) لا يوجد في المصدر: لك.
(2) أو، هنا بمعنى حتّى، كما في القاموس 4- 301، و قد تجيء بمعنى إلى.
(3) في المصدر: فجلس.
(4) في المصدر: و دخل.
(5) في المصدر: و عمر معه فقال له.
(6) في المصدر: أمرك.
(7) في بعض النّسخ: فقال له.
(8) في المصدر: و بردّ.
(9) في المصدر: فقال له.
(10) في المصدر: و اللّه لقد قال.
(11) لا يوجد: عنك، في المصدر.
(12) قال في القاموس 1- 75: رقبه ... انتظره، كترقّبه و ارتقبه، و الشّيء حرسه كراقبه.
42
فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ (1) يَا أَبَا بَكْرٍ، أَ نَسِيتَ شِعْرَكَ [فِي] (2) أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنَا (3) صِيَامُهُ، حَيْثُ جَاءَكَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَ نُعْمَانُ الْأَزْدِيُّ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إِلَى (4) دَارِكَ ليقضين [لِيَتَقَاضَوْكَ دَيْنَكَ (5) عَلَيْكَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الدَّارِ سَمِعُوا لَكَ صَلْصَلَةً فِي الدَّارِ، فَوَقَفُوا بِالْبَابِ وَ لَمْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكَ، فَسَمِعُوا أُمَّ بَكْرٍ زَوْجَتَكَ تُنَاشِدُكَ وَ تَقُولُ: قَدْ عَمِلَ حَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ، قُمْ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ وَ أَبْعِدْ مِنَ الْبَابِ لَا يَسْمَعْكَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (6) فَيُهْدِرُوا دَمَكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُحَمَّداً أَهْدَرَ (7) دَمَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَ لَا مَرَضٍ خِلَافاً عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (8).
فَقُلْتَ لَهَا: هَاتِ- لَا أُمَّ لَكِ- فَضْلَ طَعَامِي مِنَ اللَّيْلِ، وَ أَتْرِعِي (9) الْكَأْسَ مِنَ الْخَمْرِ، وَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ بِالْبَابِ يَسْمَعُونَ مُحَاوَرَتَكُمَا، فَجَاءَتْ بِصَحْفَةٍ (10) فِيهَا طَعَامٌ مِنَ اللَّيْلِ وَ قصب [قَعْبٌ (11) مَمْلُوءٌ خَمْراً، فَأَكَلْتَ مِنَ الصَّحْفَةِ وَ كَرَعْتَ (12) الْخَمْرَ،
____________
(1) لا توجد: عليك، في المصدر.
(2) في المطبوع من البحار: من، و المثبت من المصدر.
(3) في المصدر: فرض اللّه علينا.
(4) لا يوجد في المصدر: إلى.
(5) في المصدر: ليتقاضونك دينا.
(6) في المصدر: و أبعد عن الباب لئلّا يسمعك أصحاب محمّد.
(7) في المصدر: قد هدر.
(8) في المصدر: رسوله محمّد.
(9) قال في القاموس 3- 9: أترعه: ملأه.
(10) قال في القاموس 3- 160: الصّحفة معروف، و أعظم القصاع الجفنة ثمّ الصّفحة.
(11) خ. ل: قسعب، و في أخرى: قصعب، و في المصدر: و قعب.
قال في القاموس 1- 118: القعب: القدح الضّخم الجافي، أو إلى الصّغر.
أقول: ما في المطبوع من البحار قد يقرأ قعب أيضا، و أمّا القصب و القسب فلا يناسب المقام.
(12) قال في القاموس 3- 78: كرع في الماء أو في الإناء- كمنع و سمع- كرعا و كروعا: تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفّيه و لا بإناء.
43
فَأَضْحَى النَّهَارُ وَ قَدْ قُلْتَ لِزَوْجَتِكَ (1):
ذَرِينِي أَصْطَبِحْ (2)يَا أُمَّ بَكْرٍ* * * فَإِنَّ الْمَوْتَ نَفَّثَ عَنْ هِشَامٍ
إِلَى أَنِ انْتَهَيْتَ فِي قَوْلِكَ (3)
يَقُولُ لَنَا ابْنُ كَبْشَةَ سَوْفَ نُحْيَا* * * وَ كَيْفَ حَيَاةُ أَشْلَاءٍ وَ هَامٍ
وَ لَكِنْ بَاطِلًا قَدْ قَالَ هَذَا* * * وَ إِفْكاً مِنْ زَخَارِيفِ الْكَلَامِ
أَلَا هَلْ مُبْلِغُ الرَّحْمَنِ عَنِّي* * * بِأَنِّي تَارِكٌ شَهْرَ الصِّيَامِ
وَ تَارِكُ كُلِّ مَا أَوْحَى إِلَيْنَا* * * مُحَمَّدٌ مِنْ أَسَاطِيرِ الْكَلَامِ
فَقُلْ لِلَّهِ: يَمْنَعُنِي شَرَابِي* * * وَ قُلْ لِلَّهِ: يَمْنَعُنِي طَعَامِي
وَ لَكِنَّ الْحَكِيمَ رَأَى حَمِيراً* * * فَأَلْجَمَهَا فَتَاهَتْ (4)بِاللِّجَامِ (5)
فَلَمَّا سَمِعَكَ حُذَيْفَةُ وَ مَنْ مَعَهُ تَهْجُو مُحَمَّداً، قَحَمُوا (6) عَلَيْكَ فِي دَارِكَ، فَوَجَدُوكَ وَ قَعْبُ الْخَمْرِ فِي يَدَيْكَ (7)، وَ أَنْتَ تَكْرَعُهَا، فَقَالُوا لَكَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ خَالَفْتَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ حَمَلُوكَ كَهَيْئَتِكَ إِلَى مَجْمَعِ النَّاسِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَ قَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَكَ، وَ أَعَادُوا شِعْرَكَ، فَدَنَوْتُ مِنْكَ وَ سَارَرْتُكَ (8) وَ قُلْتُ لَكَ فِي ضَجِيجِ النَّاسِ: قُلْ إِنِّي شَرِبْتُ الْخَمْرَ لَيْلًا، فَثَمِلْتُ (9) فَزَالَ عَقْلِي، فَأَتَيْتُ مَا أَتَيْتُهُ نَهَاراً،
____________
(1) في المصدر: و كرعت من الخمر في ضحى النّهار و قلت لزوجتك هذا الشّعر.
(2) قال في القاموس 1- 233: اصطبح: أسرج و شرب الصّبوح.
(3) في المصدر: شعرك، بدل: قولك.
(4) قال في القاموس 4- 282: التّيه: الضّلال.
(5) في المصدر: في اللّجام.
(6) قال في القاموس 4- 161: قحم في الأمر- كنصر- قحوما: رمى بنفسه فيه فجأة بلا رويّة.
(7) في المصدر: في يدك.
(8) في المصدر: و شاورتك، و في نسخة: و ساورتك.
قال في القاموس 2- 53: ساوره أخذ برأسه.
(9) قال في القاموس 3- 343: و الثّمل: السّكر، ثمل- كفرح- فهو ثمل.
44
وَ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، فَعَسَى أَنْ يُدْرَأَ عَنْكَ الْحَدُّ.
وَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَ نَظَرَ (1) إِلَيْكَ، فَقَالَ: أَيْقِظُوهُ، فقلن [فَقُلْنَا (2): رَأَيْنَاهُ وَ هُوَ ثَمِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ (3) الْخَمْرُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، تَعْلَمُونَ هَذَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ أَنْتُمْ (4) تَشْرَبُونَهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ (5) وَ قَدْ قَالَ فِيهَا إِمْرُؤُ الْقَيْسِ شِعْراً:
شَرِبْتُ الْخَمْرَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي* * * كَذَاكَ [الْخَمْرُ يَفْعَلُ] (6)بِالْعُقُولِ
ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنْظِرُوهُ إِلَى إِفَاقَتِهِ مِنْ سَكْرَتِهِ.
فَأَمْهَلُوكَ حَتَّى أَرَيْتَهُمْ أَنَّكَ قَدْ صَحَوْتَ، فَسَاءَلَكَ مُحَمَّدٌ، فَأَخْبَرْتَهُ بِمَا أَوْعَزْتُهُ إِلَيْكَ: مِنْ شُرْبِكَ بِهَا (7) بِاللَّيْلِ.
فَمَا بَالُكَ الْيَوْمَ تُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ وَ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَ هُوَ عِنْدَنَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ (8) يَا أَبَا حَفْصٍ! لَا شَكَّ عِنْدِي فِيمَا قَصَصْتَهُ عَلَيَّ، فَاخْرُجْ إِلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاصْرِفْهُ عَنِ الْمِنْبَرِ.
قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ- وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) (9) جَالِسٌ تَحْتَ الْمِنْبَرِ (10)- فَقَالَ: مَا
____________
(1) في المصدر: فنظر.
(2) في المصدر: استيقظوه، فقلت.
(3) في المصدر: ويحك.
(4) في المصدر: فأنتم.
(5) في المصدر: نعم يا رسول اللّه.
(6) في مطبوع البحار: الإثم يذهب، و المثبت من المصدر.
(7) في المصدر: لها.
(8) في المصدر: ويلك.
(9) في المصدر: و أمير المؤمنين (عليه السلام).
(10) في المصدر: بجنب المنبر.
45
بَالُكَ يَا عَلِيُّ! قَدْ تَصَدَّيْتَ (1) لَهَا (2)؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، وَ اللَّهِ دُونَ مَا تَرُومُ (3) مِنْ عُلُوِّ هَذَا الْمِنْبَرِ خَرْطُ الْقَتَادِ.
فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِدُهُ (4)، ثُمَّ قَالَ: وَيْلَكَ مِنْهَا وَ اللَّهِ يَا عُمَرُ إِذَا أُفْضِيَتْ (5) إِلَيْكَ، وَ الْوَيْلُ لِلْأُمَّةِ مِنْ بَلَائِكَ! فَقَالَ عُمَرُ: هَذِهِ بُشْرَى يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، صَدَقَتْ ظُنُونُكَ وَ حَقٌّ قَوْلُكَ.
وَ انْصَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ كَانَ هَذَا مِنْ دَلَائِلِهِ (عليه السلام):.
بيان: الصَّلْصَلَةُ: الصّوت (6).
قوله: نَفَثَ عن هشام، لعلّ المعنى نفخ (7) عن جود النفس، قال الفيروزآبادي: الهشام ككتاب: الجود (8)، و في بعض النسخ: نقب (9) بالقاف و الباء الموحّدة، فلعلّه جمع هشيم (10)، أي: يوضح عن العظام المتكسّرة.
____________
(1) خ. ل: تصيّدت.
قال في القاموس 10- 309: صاده يصيده و يصاده: اصطاد و خرج يتصيّد.
و تصدّى: تعرّض، كما في القاموس 4- 351.
(2) لا توجد: لها، في المصدر.
(3) في المصدر: دون اللّه ما تريد.
(4) في المصدر: نواجذه و هو الظّاهر إن لم يكن متعيّنا.
(5) في المصدر: أفضت.
(6) كما: في الصحاح 5- 1745، لسان العرب 11- 381، و غيرهما.
(7) النفث هو كالنفخ، كما في القاموس 1- 175.
(8) القاموس 4- 190، و قارن بتاج العروس 9- 105.
(9) قال في القاموس 1- 134: نقب في البلاد: سار.
و عليه تكون (عن) بمعنى (في)، أي: سار الموت في هشام.
(10) قال في القاموس 4- 190: الهشم: كسر الشّيء اليابس، أو الأجوف، أو كسر العظام و الرّأس خاصّة، أو الوجه و الأنف، أو كلّ شيء، هشمه يهشمه فهو مهشوم و هشيم.
أقول: جمع هشيم يكون هشام على طبق القاعدة، ككريم و كرام، و هذا المعنى هو الظاهر كما لا يخفى. ثمّ إنّ في العبارة تقديما و تأخيرا ظاهرا، و قوله: في بعض النسخ: نقب- بالقاف و الباء الموحّدة مؤخّر، فتدبّر.
46
و أشلاء الإنسان: أعضاؤه بعد البلى و التّفرّق (1) و أوعزت إليه في كذا: أي تقدّمت (2).
أقول: أوردت هذا الخبر- و لا أعتمد عليه كلّ الاعتماد- لموافقته في بعض المضامين لسائر الآثار، و اللّه أعلم بحقائق الأخبار.
19- وَ رُوِيَ أَيْضاً فِي الْإِرْشَادِ (3): بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ، مَرْفُوعاً إِلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِ (4) قَالَ: قَلَّدَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدَقَاتِ بِقُرَى الْمَدِينَةِ وَ ضِيَاعِ فَدَكَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ: الْأَشْجَعُ (5) بْنُ مُزَاحِمٍ الثَّقَفِيُّ- وَ كَانَ شُجَاعاً، وَ كَانَ لَهُ أَخٌ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي وَقْعَةِ هَوَازِنَ وَ ثَقِيفٍ- فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ عَنِ الْمَدِينَةِ (6) جَعَلَ أَوَّلَ قَصْدِهِ ضَيْعَةً مِنْ ضِيَاعِ أَهْلِ الْبَيْتِ تُعْرَفُ بِبَانِقْيَا (7)، فَجَاءَ بَغْتَةً وَ احْتَوَى عَلَيْهَا وَ عَلَى صَدَقَاتٍ كَانَتْ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَتَوَكَّلَ (8) بِهَا وَ تَغَطْرَسَ عَلَى أَهْلِهَا، وَ كَانَ الرَّجُلُ زِنْدِيقاً مُنَافِقاً.
____________
(1) الصحاح 6- 2395 لسان العرب 14- 443، و انظر: القاموس 4- 350.
(2) كما في مجمع البحرين 4- 39، القاموس 2- 195، الصحاح 3- 901، لسان العرب 5- 430، و غيرها.
(3) الإرشاد: 384- 391 و جاءت نسخة بدل على المطبوع: خ ل: إرشاد القلوب، و هو كذلك.
(4) لا يوجد في المصدر: الجعفيّ.
(5) في المصدر: أشجع.
(6) في المصدر: من المدينة، و هو الظّاهر.
(7) قال في مراصد الاطلاع 1- 158: بانقيا- بكسر النّون- ناحية من نواحي الكوفة كانت على شاطئ الفرات.
و الظّاهر من الرّواية أنّ بانقيا هذه ناحية من نواحي المدينة، و لعلّها متعدّدة.
(8) في المصدر: فوكّل.
قال في النّهاية 5- 221: يقال توكّل بالأمر: إذا ضمن القيام به، و وكّلت أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه و اعتمدته فيه عليه.
47
فَابْتَدَرَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِرَسُولٍ يُعْلِمُونَهُ مَا (1) فُرِّطَ مِنَ الرَّجُلِ.
فَدَعَا عَلِيٌّ (عليه السلام) بِدَابَّةٍ لَهُ تُسَمَّى السَّابِحَ- وَ كَانَ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لِسَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ- وَ تَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ، وَ تَقَلَّدَ بِسَيْفَيْنِ، وَ أَجْنَبَ دَابَّتَهُ (2) الْمُرْتَجِزَ، وَ أَصْحَبَ مَعَهُ الْحُسَيْنَ (عليه السلام) وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، حَتَّى وَافَى الْقَرْيَةَ، فَأَنْزَلَهُ عَظِيمُ الْقَرْيَةِ (3) فِي مَسْجِدٍ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ وَجَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْحُسَيْنَ (عليه السلام) (4) يَسْأَلُهُ الْمَصِيرَ إِلَيْهِ (5).
فَصَارَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: وَ مَنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (6).
فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو بِكْرٍ خَلَّفْتُهُ بِالْمَدِينَةِ.
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ (عليه السلام): أَجِبْ (7) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ (8): أَنَا سُلْطَانٌ وَ هُوَ مِنَ الْعَوَامِّ، وَ الْحَاجَةُ لَهُ، فَلْيَصِرْ هُوَ إِلَيَّ.
____________
(1) في المصدر: ممّا.
(2) في المصدر: و أجلب إلى دابّته.
قال في النّهاية 1- 281: الجلب يكون في شيئين: ... الثّاني: أن يكون في السّباق، و هو أنّ يتبع الرّجل فرسه فيزجره و يجلب و يصيح حثّا له على الجري.
و قال في صفحة 303: الجنب- بالتّحريك- في السّباق: أن يجنب فرسا إلى فرسه الّذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحوّل إلى المجنوب.
و الأولى أن تكون العبارة: أجلب دابّته، أو أجنب إلى دابّته.
(3) لا يوجد لفظ: القرية، في المصدر.
(4) في المصدر: بالحسين (عليه السلام).
(5) في المصدر: المسير إليه.
(6) لا يوجد في المصدر: ابن أبي طالب.
(7) في المصدر: فقال الحسين: فأجب.
(8) في المصدر: قال.
48
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَيْلَكَ! أَ يَكُونُ مِثْلُ وَالِدِي مِنَ الْعَوَامِّ، وَ مِثْلُكَ يَكُونُ السُّلْطَانَ (1)؟! فَقَالَ: أَجَلْ، لِأَنَّ وَالِدَكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا كُرْهاً، وَ بَايَعْنَاهُ (2).
طَائِعِينَ، وَ كُنَّا لَهُ غَيْرَ كَارِهِينَ، فَشَتَّانَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ (3).
فَصَارَ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَعْلَمَهُ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ.
فَالْتَفَتَ إِلَى عَمَّارٍ فَقَالَ (4): يَا أَبَا الْيَقْظَانِ صِرْ إِلَيْهِ (5) وَ الْطُفْ لَهُ فِي الْقَوْلِ، وَ اسْأَلْهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْنَا، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لِوَصِيٍّ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ أَنْ يَصِيرَ إِلَى أَهْلِ الضَّلَالَةِ، فَنَحْنُ (6) مِثْلُ بَيْتِ اللَّهِ يُؤْتَى وَ لَا يَأْتِي.
فَصَارَ إِلَيْهِ عَمَّارٌ (7)، وَ قَالَ (8): مَرْحَباً يَا أَخَا ثَقِيفٍ، مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ عَلَى (9) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِيَازَتِهِ، وَ حَمَلَكَ عَلَى الدُّخُولِ فِي مَسَاءَتِهِ، فَصِرْ إِلَيْهِ (10)، وَ أَفْصِحْ عَنْ حُجَّتِكَ.
فَانْتَهَرَ عَمَّاراً (11)، وَ أَفْحَشَ لَهُ فِي الْكَلَامِ، وَ كَانَ عَمَّارٌ شَدِيدَ الْغَضَبِ،
____________
(1) في المصدر: سلطانا؟ قال.
(2) في المصدر: و نحن بايعناه.
(3) لا يوجد: فشتّان بيننا و بينه، في المصدر.
(4) في المصدر: و قال.
(5) في المصدر: سر إليه.
(6) في المصدر: فإنّه من أهل الضّلالة و نحن.
(7) لا يوجد: عمّار، في المصدر.
(8) في المصدر: و قال له.
(9) في المصدر: على مثل.
(10) في المصدر: سر إليه.
(11) في المصدر: فانتهره عمّار.
49
فَوَضَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، فَمَدَّ (1) يَدَهُ إِلَى السَّيْفِ.
فَقِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): الْحَقْ عَمَّاراً، فَالسَّاعَةَ (2) يَقْطَعُونَهُ، فَوَجَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْجَمْعَ (3)، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُهَابُوهُ وَ صَيِّرُوا بِهِ إِلَيَّ.
وَ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ ثَلَاثُونَ فَارِساً (4) مِنْ خِيَارِ (5) قَوْمِهِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ! هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَتَلَكَ وَ قَتْلُ (6) أَصْحَابِكَ عِنْدَهُ دُونَ النُّطْفَةِ (7)، فَسَكَتَ الْقَوْمُ جَزَعاً (8) مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَسُحِبَ الْأَشْجَعُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى حُرِّ وَجْهِهِ سَحْباً.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (9): دَعُوهُ وَ لَا تَعْجَلُوا، فَإِنَّ الْعَجَلَةَ وَ الطَّيْشَ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَجُ اللَّهِ (10) وَ بَرَاهِينُهُ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَيْلَكَ! بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مَا أَخَذْتَ مِنْ أَمْوَالِ (11) أَهْلِ الْبَيْتِ؟ وَ مَا حُجَّتُكَ عَلَى ذَلِكَ (12)؟
فَقَالَ لَهُ: وَ أَنْتَ فَبِمَ اسْتَحْلَلْتَ قَتْلَ هَذَا الْخَلْقِ فِي كُلِّ حَقٍّ وَ بَاطِلٍ، وَ أَنَّ مَرْضَاةَ صَاحِبِي لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اتِّبَاعِ (13) مُوَافَقَتِكَ.
____________
(1) في المصدر: و مدّ.
(2) في المصدر: في السّاعة.
(3) خ. ل: بالجمع، و كذا في المصدر، و بعده: و قال.
(4) في المصدر: رجلا.
(5) في المصدر: جياد.
(6) في المصدر: و اللّه و قتل.
(7) الظّاهر: النطقة، و في المصدر: النّقطة.
(8) في المصدر: خوفا.
(9) في المصدر: فسحب الأشجع على وجهه سحبا إلى أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام):.
(10) في المصدر: فإنّ في العجلة لا تقوم حجج اللّه.
(11) في المصدر: ثمّ قال أمير المؤمنين للأشجع: ويلك فبم استحللت أخذ أموال ..
(12) في المصدر: في ذلك.
(13) في المصدر: من أنّ أتابع.
50
فَقَالَ عَلِيٌ (1) (عليه السلام): أَيْهاً (2) عَلَيْكَ! مَا أَعْرِفُ مِنْ نَفْسِي (3) إِلَيْكَ ذَنْباً إِلَّا قَتْلَ أَخِيكَ يَوْمَ هَوَازِنَ، وَ لَيْسَ بِمِثْلِ هَذَا الْقَتْلِ (4) تُطْلَبُ الثَّارَاتُ، فَقَبَّحَكَ اللَّهُ وَ تَرَّحَكَ.
فَقَالَ لَهُ الْأَشْجَعُ: بَلْ قَبَّحَكَ اللَّهُ (5) وَ بَتَرَ عُمُرَكَ- أَوْ قَالَ: تَرَّحَكَ- فَإِنَّ حَسَدَكَ لِلْخُلَفَاءِ (6) لَا يَزَالُ بِكَ حَتَّى يُورِدَكَ مَوَارِدَ الْهَلَكَةِ وَ الْمَعَاطِبِ، وَ بَغْيُكَ عَلَيْهِمْ يَقْصُرُ بِكَ عَنْ (7) مُرَادِكَ.
فَغَضِبَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ تَمَطَّى عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَحَلَّ عُنُقَهُ (8) وَ رَمَاهُ عَنْ جَسَدِهِ بِسَاعِدِهِ الْيُمْنَى، فَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ عَلَى الْفَضْلِ، فَسَلَ (9) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ (10) إِلَى بَرِيقِ عَيْنَيِ الْإِمَامِ وَ لَمَعَانِ ذِي الْفَقَارِ فِي كَفِّهِ (11) رَمَوْا سِلَاحَهُمْ وَ قَالُوا: الطَّاعَةَ الطَّاعَةَ (12).
فَقَالَ (13) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أُفٍّ لَكُمْ، انْصَرِفُوا بِرَأْسِ صَاحِبِكُمْ هَذَا الْأَصْغَرِ إِلَى صَاحِبِكُمُ الْأَكْبَرِ، فَمَا بِمِثْلِ قَتْلِكُمْ يُطْلَبُ الثَّارُ، وَ لَا تَنْقَضِي الْأَوْتَارُ
____________
(1) في المصدر لا يوجد: عليّ.
(2) قال في القاموس 4- 296: هيهات .. و أيها .. إحدى و خمسون لغة، و معناها: البعد.
(3) في المصدر: في نفسي.
(4) في بعض النّسخ: الفعل، و في بعضها: العقل.
(5) في المصدر لا يوجد لفظ الجلالة.
(6) في المصدر: الخلفاء.
(7) في المصدر: و يقصر عن.
(8) في المصدر: عنه.
(9) في المصدر: و سلّ.
(10) في المصدر: نظروا.
(11) في المصدر: في يده.
(12) لا توجد (الطّاعة) الثّانية في المصدر.
(13) في المصدر: فقال لهم.
51
فَانْصَرَفُوا وَ مَعَهُمْ رَأْسُ صَاحِبِهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بِكْرٍ.
فَجَمَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ، وَ قَالَ: يَا مَعَاشِرَ (1) النَّاسِ، إِنَّ أَخَاكُمْ الثَّقَفِيَّ أَطَاعَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَقَلَّدْتُهُ صَدَقَاتِ الْمَدِينَةِ وَ مَا يَلِيهَا، فَفَاقَصَهُ (2) ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَهُ أَخْبَثَ (3) قَتْلَةٍ، وَ مَثَّلَ بِهِ أَخْبَثَ (4) مُثْلَةٍ، وَ قَدْ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى قُرَى الْحِجَازِ، فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهِ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ لْيَرُدُّوهُ (5) عَنْ سُنَّتِهِ، وَ اسْتَعِدُّوا لَهُ مِنَ الْخَيْلِ (6) وَ السِّلَاحِ وَ مَا يَتَهَيَّأُ لَكُمْ (7)، وَ هُوَ مَنْ تَعْرِفُونَهُ: الدَّاءُ (8) الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ، وَ الْفَارِسُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ.
قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ مَلِيّاً كَأَنَّ الطَّيْرَ عَلَى رُءُوسِهِمْ.
فَقَالَ: أَ خُرْسٌ أَنْتُمْ أَمْ ذَوُو أَلْسُنٍ؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يُقَالُ لَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ الصَّخْرِ، فَقَالَ (9) لَهُ:
إِنْ صِرْتَ (10) إِلَيْهِ سِرْنَا مَعَكَ، فَأَمَّا لَوْ سَارَ (11) جَيْشُكَ هَذَا لَيَنْحَرَنَّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ كَنَحْرِ الْبُدْنِ.
ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَ تَعْلَمُ إِلَى مَنْ تُوَجِّهُنَا؟! إِنَّكَ تُوَجِّهُنَا إِلَى الْجَزَّارِ
____________
(1) في المصدر: معاشر.- بلا حرف نداء-.
(2) كذا، و يحتمل أن تقرأ فغافصه كما يأتي في بيان المصنّف، و لم نجد مادّة مفاقصة فيما بأيدينا من كتب اللّغة.
و في المصدر: فاعترضه، و في نسخة: فغاصه.
(3) في المصدر: أشنع.
(4) في المصدر: أعظم.
(5) في المصدر: من يردّه.
(6) في المصدر: من رباط الخيل.
(7) في المصدر: تهيّأ لكم.
(8) في المصدر: أنّه الدّاء.
(9) في المصدر: صخرة، و قال.
(10) في نسخة: سرت، و في المصدر: سرت أنت.
(11) في المصدر: أمّا لو صار إليه.
52
الْأَعْظَمِ الَّذِي يَخْتَطِفُ (1) الْأَرْوَاحَ بِسَيْفِهِ خَطْفاً، وَ اللَّهِ إِنَّ لِقَاءَ مَلَكِ الْمَوْتِ أَسْهَلُ (2) عَلَيْنَا مِنْ لِقَاءِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ: لَا جُزِيتُمْ مِنْ قَوْمٍ عَنْ إِمَامِكُمْ (3) خَيْراً، إِذَا ذُكِرَ لَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ فِي وُجُوهِكُمْ، وَ أَخَذَتْكُمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ (4)، أَ هَكَذَا يُقَالُ لِمِثْلِي؟! قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ (5): يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، أَنْتَ الْيَوْمَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، وَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَ حَتْفُ اللَّهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَ قَدْ شَقَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ خَرَجَ (6) فِي نَفَرٍ (7) مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى ضِيَاعِ الْحِجَازِ، وَ قَدْ قَتَلَ مِنْ شِيعَتِنَا لَيْثاً صَئُولًا وَ كَهْفاً مَنِيعاً، فَصِرْ إِلَيْهِ فِي كَثِيفٍ مِنْ قَوْمِكَ وَ سَلْهُ (8) أَنْ يَدْخُلَ الْحَضْرَةَ، فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْهُ، فَإِنْ (9) نَابَذَكَ الْحَرْبَ فَجِئْنَا بِهِ أَسِيراً.
فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَمْسِمِائَةِ (10) فَارِسٍ مِنْ أَبْطَالِ قَوْمِهِ، قَدْ أَشْخَنُوا (11)
____________
(1) في المصدر: يخطف.
(2) في المصدر: أسهل و أهون.
(3) في المصدر: إمامهم.
(4) في المصدر: فأخذتكم سكرات الموت.
(5) في المصدر: فالتفت عمر بن الخطّاب إلى أبي بكر و قال له: ليس لعليّ إلّا خالد بن الوليد، فقال أبو بكر.
(6) في المصدر: و أتى.
(7) في نسخة: نفر، بدون في.
(8) في المصدر: و اسأله.
(9) في المصدر: و إن.
(10) في المصدر: خالد و معه خمسمائة.
(11) خ. ل: أشحنوا، و في المصدر: و قد أثقلوا بالسّلاح.
أقول: الشّحن: الملء، قاله في القاموس 4- 239 و شحن و شخّن- بالمعجمة-:
تهيّأ للبكاء. و يحتمل أن يكون أثخنوا، قال في النّهاية 1- 208 الإثخان في الشّيء: المبالغة فيه و الإكثار منه.
53
سِلَاحاً، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
قَالَ: فَنَظَرَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى غَبَرَةِ الْخَيْلِ، فَقَالَ (1): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ وَجَّهَ إِلَيْكَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ (2) بِقَسْطَلٍ يَدُقُّونَ الْأَرْضَ بِحَوَافِرِ الْخَيْلِ دَقّاً.
فَقَالَ: يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ! هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَلَوْ كَانَ (3) صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَ قَبَائِلَ حُنَيْنٍ وَ فُرْسَانَ هَوَازِنَ لَمَا اسْتَوْحَشْتُ إِلَّا مِنْ ضَلَالَتِهِمْ.
ثُمَّ قَامَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَشَدَّ مِحْزَمَ (4) الدَّابَّةِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ نَائِماً (5) تَهَاوُناً بِخَالِدٍ، حَتَّى وَافَاهُ (6)، فَانْتَبَهَ لِصَهِيلِ الْخَيْلِ.
فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ! مَا الَّذِي عَدَلَ (7) بِكَ إِلَيَّ؟
فَقَالَ: عَدَلَ بِي إِلَيْكَ مَنْ أَنْتَ (8) أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي.
فَقَالَ: فَأَسْمِعْنَا الْآنَ.
فَقَالَ (9): يَا أَبَا الْحَسَنِ! أَنْتَ فَهِمٌ غَيْرُ مُفَهَّمٍ، وَ عَالِمٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، فَمَا هَذِهِ اللُّوثَةُ الَّتِي بَدَرَتْ مِنْكَ، وَ النَّبْوَةُ الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ فِيكَ، إِنْ كُنْتَ (10) كَرِهْتَ
____________
(1) في المصدر: من بعد و قال.
(2) في المصدر: إنّ ابن أبي قحافة قد وجّه إليك.
(3) في المصدر: فقال له: هوّن عليك يا ابن العبّاس، و اللّه لو كانوا.
(4) قال في القاموس 4- 95: حزم الفرس: شدّ حزامه، و المحزم- كمنبر- ...: ما حزم به.
(5) في المصدر: فشدّ على دابّته و استلقى تهاونا حتّى ...
(6) خ. ل: أتاه، و في المصدر: وافوه و انتبه بصهيل.
(7) في المصدر: أتى.
(8) في المصدر: قال أتى بي ما أنت.
(9) لا يوجد في المصدر: فقال: فأسمعنا الآن، فقال:.
(10) لا يوجد في المصدر: كنت.
54
هَذَا الرَّجُلَ فَلَيْسَ يَكْرَهُكَ، وَ لَا تَكُونَنَ (1) وَلَايَتُهُ ثِقْلًا عَلَى كَاهِلِكَ، وَ لَا شَجًا فِي حَلْقِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ خِلَافٌ، وَ دَعِ (2) النَّاسَ وَ مَا تَوَلَّوْهُ، ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وَ هَدَى مَنْ هَدَى، وَ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَ كَلِمَةٍ مُجْتَمِعَةٍ، وَ لَا تُضْرِمِ النَّارَ (3) بَعْدَ خُمُودِهَا، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَ غِبَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ.
فَقَالَ (4) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تُهَدِّدُنِي يَا خَالِدُ بِنَفْسِكَ (5) وَ بِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ؟! فَمَا بِمِثْلِكَ وَ مِثْلِهِ (6) تَهْدِيدٌ، فَدَعْ عَنْكَ تُرَّهَاتِكَ (7) الَّتِي أَعْرِفُهَا مِنْكَ وَ اقْصِدْ نَحْوَ مَا وُجِّهْتَ (8) لَهُ.
قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيَّ إِنْ (9) رَجَعْتَ عَنْ سَنَنِكَ (10) كُنْتَ مَخْصُوصاً بِالْكَرَامَةِ وَ الْحَبْوِ (11)، وَ إِنْ أَقَمْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِ (12) الْحَقِّ حَمَلْتُكَ إِلَيْهِ أَسِيراً.
____________
(1) في المصدر: فلا تكن.
(2) في المصدر: فدع.
(3) في المصدر: نارا.
(4) في المصدر: قال.
(5) في المصدر: بنفسك يا خالد.
(6) في المصدر: و بمثله.
(7) بمعنى الأباطيل، كما في القاموس 4- 282.
(8) في المصدر: وجّهك.
(9) في المصدر: إنّك إن.
(10) في المصدر: سنّتك.
(11) خ. ل: الحبور، و كذا في المصدر، و في (س): الحبود.
و لم نجد لكلمة الحبود معنى في كتب اللّغة، و لعلّها تصحيف.
قال في القاموس 4- 314: حبا حبوّا ..: دنا .. و فلانا أعطاه بلا جزاء و لا منّ.
و قال في 2- 2: الحبر: السّرور، كالحبور.
(12) في المصدر: مخالفة.
55
فَقَالَ لَهُ (1) (عليه السلام): يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ (2)، وَ أَنْتَ تَعْرِفُ الْحَقَ (3) مِنَ الْبَاطِلِ، وَ مِثْلُكَ يَحْمِلُ (4) مِثْلِي أَسِيراً، يَا ابْنَ الرَّادَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، أَ تَحْسَبُنِي وَيْلَكَ (5) مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ حَيْثُ قَتَلْتَهُ (6) وَ نَكَحْتَ امْرَأَتَهُ، يَا خَالِدُ جِئْتَنِي بِرِقَّةِ عَقْلِكَ وَ اكْفِهْرَارِ (7) وَجْهِكَ وَ تَشَمُّخِ (8) أَنْفِكَ، وَ اللَّهِ لَئِنْ تَمَطَّيْتُ بِسَيْفِي هَذَا عَلَيْكَ وَ عَلَى أَوْغَارِكَ (9) لَأُشْبِعَنَّ مِنْ لُحُومِكُمْ جُوعَ (10) الضِّبَاعِ وَ طِلْسَ (11) الذِّئَابِ (12)، وَ لبست [لَسْتَ وَيْلَكَ مِمَّنْ يَقْتُلُنِي (13) أَنْتَ وَ لَا صَاحِبُكَ، وَ إِنِّي لَأَعْرِفُ
____________
(1) في المصدر: قال عليّ.
(2) قال في القاموس 4- 266: اللّخناء: هي الّتي لم تختن، و قال: اللّخن: قبح ريح الفرج.
(3) في المصدر: يا ابن الخنا أ تعرف الحقّ.
(4) في المصدر: و هل مثلك من يحمل.
(5) في المصدر: ويلك أ تحسبني.
(6) في المصدر: الّذي قتلته.
(7) قال في القاموس 2- 128: المكفهرّ من الوجوه: القليل اللّحم الغليظ الّذي لا يستحي، أو الضّارب لونه إلى الغبرة مع غلظ و المتعبّس.
(8) في المصدر: و شموخ.
(9) بمعنى أصواتك، كما في القاموس 2- 155، أي: الّذين يصوّتون معك.
و في المصدر: أوغادك، و هو جمع وغد، و هو الأحمق الضّعيف الرّذل الدّنيّ، أو الضّعيف جسما كما في القاموس 1- 341.
(10) في نسخة: عرج، و كذا في المصدر.
(11) قال في القاموس 2- 226: الطّلس: الذّئب الأمعط.
فيكون من إضافة الصّفة إلى الموصوف.
و قال في مادّة معط 2- 386: معط الذّئب: خبث، أو قلّ شعره، فهو أمعط.
و ذكر المؤلّف في بيانه الآتي لمعنى (طلس) بأنّه العدد الكثير، و الظّاهر أنّه لا ينطبق على كلمة (طلس)، بل هو معنى كلمة (طيس).
(12) خ. ل: الذّباب.
(13) في المصدر: ويلك لست ممّن تقتلني.
56
قَاتِلِي، وَ أَطْلُبُ مَنِيَّتِي صَبَاحاً وَ مَسَاءً، وَ مَا مِثْلُكَ يَحْمِلُ مِثْلِي (1) أَسِيراً، وَ لَوْ أَرَدْتَ ذَلِكَ لَقَتَلْتُكَ فِي فَنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ.
فَغَضِبَ خَالِدٌ وَ قَالَ: تُوَعِّدُ وَعِيدَ (2) الْأَسَدِ وَ تَرُوغُ رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ (3)، مَا أَعْدَاكَ فِي الْمَقَالِ، وَ مَا مِثْلُكَ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ.
فَقَالَ (4) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (5): إِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَكَ فَشَأْنَكَ، وَ سَلَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى خَالِدٍ ذَا الْفَقَارِ (6)، وَ خَفَقَ عَلَيْهِ (7).
فَلَمَّا نَظَرَ خَالِدٌ إِلَى بَرِيقِ عَيْنَيِ الْإِمَامِ، وَ بَرِيقِ (8) ذِي الْفَقَارِ فِي يَدِهِ، وَ تَصَمُّمِهِ عَلَيْهِ (9)، نَظَرَ إِلَى الْمَوْتِ عِيَاناً (10)، وَ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! لَمْ نُرِدْ هَذَا.
فَضَرَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (11) (عليه السلام) بِقَفَارِ رَأْسِ (12) ذِي الْفَقَارِ عَلَى ظَهْرِهِ (13)، فَنَكَسَهُ عَنْ دَابَّتِهِ، وَ لَمْ يَكُنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِيَرُدَّ يَدَهُ إِذَا رَفَعَهَا، لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الْجُبْنِ.
____________
(1) في المصدر: و ما يحمل مثلك مثلي.
(2) في المصدر: فغضب خالد و توعّد وعيد.
(3) في المصدر: الثّعلب و قال.
(4) في المصدر: عند ذلك قال.
(5) في المصدر: زيادة: لخالد.
(6) في المصدر: و سلّ عليه سيفه ذا الفقار.
(7) لا يوجد: و خفق عليه، في المصدر.
(8) في المصدر: و لمعان.
(9) لا يوجد: و تصمّمه عليه، في المصدر.
(10) في المصدر زيادة: فاستخفى.
(11) في المصدر: الإمام، بدلا من أمير المؤمنين.
(12) لا يوجد في المصدر: رأس.
و قفار السّيف: رأسه الّذي لا حدّة فيه.
(13) في (ك): على رأسه.
57
فَلَحِقَ (1) أَصْحَابَ خَالِدٍ مِنْ فِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هَوْلٌ عَجِيبٌ وَ خَوْفٌ عَنِيفٌ.
ثُمَّ قَالَ (2) (عليه السلام): مَا لَكُمْ لَا تُكَافِحُونَ (3) عَنْ سَيِّدِكُمْ؟ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ أَمْرُكُمْ إِلَيَّ لَتَرَكْتُ رُءُوسَكُمْ، وَ هُوَ أَخَفُّ عَلَى يَدِي مِنْ جَنَى الْهَبِيدِ عَلَى أَيْدِي الْعَبِيدِ، وَ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَقْضِمُونَ (4) مَالَ الْفَيْءِ؟! أُفٍّ لَكُمْ.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّيَّاحِ (5)- وَ كَانَ عَاقِلًا فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا جِئْنَاكَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ، أَوْ (6) عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِكَ، وَ إِنَّا لَنَعْرِفُكَ كَبِيراً وَ صَغِيراً، وَ أَنْتَ أَسَدُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَ سَيْفُ نَقِمَتِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَ مَا مِثْلُنَا مَنْ جَهِلَ مِثْلَكَ، وَ نَحْنُ أَتْبَاعٌ مَأْمُورُونَ، وَ جُنْدٌ مُوَازِرُونَ (7)، وَ أَطْوَاعٌ غَيْرُ مُخَالِفِينَ، فَتَبّاً لِمَنْ وَجَّهَ بِنَا (8) إِلَيْكَ! أَ مَا كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ وَ حُنَيْنٍ؟
فَاسْتَحَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ، وَ تَرَكَ الْجَمِيعَ، وَ جَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُمَازِحُ خَالِداً لِمَا بِهِ (9) مِنْ أَلَمِ الضَّرْبَةِ، وَ هُوَ سَاكِتٌ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَيْلَكَ (10) يَا خَالِدُ! مَا أَطْوَعَكَ
____________
(1) في المصدر: إليه الجبن و لحق.
(2) كذا، و في المصدر: هول عجيب و رعب عنيف فقال لهم.
(3) قال في النّهاية 4- 185: المكافحة: المضاربة و المدافعة تلقاء الوجه.
(4) في المصدر: تقضون.
(5) في المصدر: المثنّى بن الصّبّاح.
(6) في المصدر: و لا، بدلا من: أو.
(7) لا يوجد في المصدر: و جند موازرون.
(8) خ. ل: وجّهنا، و كذا في المصدر.
(9) في المصدر: يمازح خالدا الّذي كان ساكتا لا ينطق بكلمة، لما به.
(10) في المصدر: قائلا له: ويلك، بدلا من: و هو ساكت فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ويلك.
58
لِلْخَائِنِينَ النَّاكِثِينَ! أَ مَا كَانَ لَكَ بِيَوْمِ الْغَدِيرِ مَقْنَعٌ إِذْ بَدَرَ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى كَانَ مِنْكَ مَا كَانَ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ كَانَ مِمَّا رُمْتَهُ أَنْتَ وَ صَاحِبَاكَ- ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ ابْنُ صُهَاكَ شَيْءٌ لَكَانَا هُمَا أَوَّلَ مَقْتُولِينَ بِسَيْفِي هَذَا، وَ أَنْتَ مَعَهُمَا، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُكَ عَلَى إِفْسَادِ حَالَتِكَ عِنْدِي، فَقَدْ تَرَكْتَ الْحَقَّ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَ جِئْتَنِي تَجُوبُ مَفَاوِزَ (1) الْبَسَابِسِ، لِتَحْمِلَنِي إِلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَسِيراً، بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ أَنِّي قَاتِلُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَ مَرْحَبٍ، وَ قَالِعُ بَابِ خَيْبَرَ، وَ إِنِّي لَمُسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ مِنْ قِلَّةِ عُقُولِكُمْ.
أَ وَ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيَّ مَا تَقَدَّمَ بِهِ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ حِينَ أَخْرَجَكَ (2) إِلَيَّ، وَ أَنْتَ تَذْكُرُ (3) مَا كَانَ مِنِّي إِلَى عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ وَ إِلَى أصيد (4) بْنِ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ، فَقَالَ لَكَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ (5): لَا تَزَالُ تَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ (6) ذَلِكَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَ هُوَ الْآنَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، أَ لَيْسَ كَذَلِكَ يَا خَالِدُ؟! فَلَوْ لَا مَا تَقَدَّمَ بِهِ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَكَانَ مِنِّي إِلَيْهِمَا (7) مَا هُمَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ.
يَا خَالِدُ! أَيْنَ كَانَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَ أَنْتَ تَخُوضُ مَعِي الْمَنَايَا فِي لُجَجِ الْمَوْتِ
____________
(1) في المصدر: مفارز.
و المفاوز هي جمع مفاز، و المفازة هي: البرّيّة القفر، كما في النّهاية 3- 478.
(2) في المصدر: استخرجك.
(3) في المصدر: تذكره.
(4) في المصدر: أسيد.
(5) في المصدر: ابن قحافة.
(6) لا يوجد: كان، في المصدر.
(7) في المصدر: لهما منّي.
59
خَوْضاً، وَ قَوْمُكَ بَادُونَ (1) فِي الِانْصِرَافِ كَالنَّعْجَةِ الْقَوْدَاءِ وَ الدِّيكِ (2) النَّافِشِ (3)، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا خَالِدُ، وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (4)، وَ لَا لِلظَّالِمِينَ ظَهِيراً.
فَقَالَ خَالِدٌ (5): يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنِّي أَعْرِفُ مَا تَقُولُ، وَ مَا عَدَلَتِ الْعَرَبُ وَ الْجَمَاهِيرُ عَنْكَ إِلَّا طَلَبَ ذُحُولِ (6) آبَائِهِمْ قَدِيماً، وَ تَنَكُّلَ رُءُوسِهِمْ قَرِيباً، فَرَاغَتْ عَنْكَ كَرَوَغَانِ الثَّعْلَبِ (7) فِيمَا بَيْنَ الْفِجَاجِ وَ الدَّكَادِكِ (8)، وَ صُعُوبَةَ إِخْرَاجِ ملك [الْمُلْكِ (9) مِنْ يَدِكَ، وَ هَرْباً مِنْ سَيْفِكَ، وَ مَا دَعَاهُمْ إِلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا اسْتِلَانَةُ جَانِبِهِ، وَ لِينُ عَرِيكَتِهِ، وَ أَمْنُ جَانِبِهِ (10)، وَ أَخْذُهُمُ الْأَمْوَالَ فَوْقَ (11) اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَ لَقَلَّ الْيَوْمَ مَنْ يَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ، وَ أَنْتَ قَدْ بِعْتَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ (12)، وَ لَوِ اجْتَمَعَتْ أَخْلَاقُهُمْ إِلَى أَخْلَاقِكَ (13) لَمَا خَالَفَكَ خَالِدٌ.
فَقَالَ لَهُ (14) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَ اللَّهِ مَا أَتَى (15) خَالِدٌ إِلَّا مِنْ
____________
(1) في نسخة: بادرون، و كذا في المصدر.
(2) في المصدر: و كالديك.
(3) قال في القاموس 2- 291: النّفش: تشعيث الشّيء بأصابعك حتّى ينتشر كالتّنفيش ..
و تنفّشت الطّائر: نقض ريشه، كأنّه يخاف أو يرعد، و كذا في تاج العروس 4- 358.
(4) لا يوجد: خصميا في (س)، و في المصدر: رفيقا، و هو الظّاهر.
(5) لا يوجد: خالد، في المصدر.
(6) في المصدر: دخول. و ما في المتن هو الظّاهر، إذ الذّحول: هو الوتر و طلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح أو نحو ذلك.
(7) في المصدر: روغان الثّعالب.
(8) الدّكادك هي: الأراضي الّتي فيها غلظ، كما في القاموس 3- 302.
(9) في المصدر: الملك.
(10) لا يوجد: و أمن جانبه، في المصدر.
(11) في المصدر: من فوق.
(12) في المصدر: الآخرة بالدّنيا.
(13) في المصدر: أخلاقك إلى أخلاقهم.
(14) لا يوجد: له، في المصدر.
(15) في المصدر: أوتي.
60
جِهَةِ (1) هَذَا الْخَئُونِ الظَّلُومِ الْمُفَتِّنِ ابْنِ صُهَاكَ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يُؤَلِّبُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَ يُفْزِعُهُمْ مِنِّي وَ يُؤْيِسُهُمْ (2) مِنْ عَطَايَاهُمْ، وَ يُذَكِّرُهُمْ مَا أَنْسَاهُمُ الدَّهْرُ، وَ سَيَعْلَمُ غِبَّ أَمْرِهِ إِذَا فَاضَتْ نَفْسُهُ.
فَقَالَ خَالِدٌ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! بِحَقِّ أَخِيكَ لَمَّا قَطَعْتَ (3) هَذَا مِنْ نَفْسِكَ، وَ صِرْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ مُكَرَّماً، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ رَضُوا بِالْكَفَافِ مِنْكَ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (4): لَا جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً.
قَالَ: ثُمَّ دَعَا (عليه السلام) بِدَابَّتِهِ فَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَ خَالِدٌ يُحَدِّثُهُ وَ يُضَاحِكُهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَبَادَرَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بِكْرٍ فَحَدَّثَهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ.
فَصَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ صَارَ إِلَى الرَّوْضَةِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَ دَعَا، وَ قَامَ يُرِيدُ الِانْصِرَافَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ وَ الْعَبَّاسُ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ.
فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْعَبَّاسِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! ادْعُ لِي ابْنَ أَخِيكَ عَلِيّاً لِأُعَاتِبَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَى الْأَشْجَعِ.
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ (5): أَ وَ لَيْسَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْكَ صَاحِبُكَ (6) بِتَرْكِ مُعَاتَبَتِهِ؟ وَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ إِذَا عَاتَبْتَهُ أَنْ لَا تَنْتَصِرَ مِنْهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرَاكَ- يَا أَبَا الْفَضْلِ- تُخَوِّفُنِي مِنْهُ، دَعْنِي وَ إِيَّاهُ، فَأَمَّا مَا كَلَّمَنِي خَالِدٌ بِتَرْكِ مُعَاتَبَتِهِ فَقَدْ رَأَيْتُهُ يُكَلِّمُنِي بِكَلَامٍ خِلَافَ الَّذِي خَرَجَ بِهِ إِلَيْهِ، وَ لَا أَشُكُ (7) إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ أَفْزَعَهُ.
____________
(1) في المصدر: قبل.
(2) في المصدر: و يواسيهم.
(3) خ. ل: أقطعت.
(4) في المصدر: فقال أمير المؤمنين (عليه السلام).
(5) في المصدر: أبو الفضل بدلا من: له العبّاس.
(6) في المصدر: صاحبك خالد.
(7) في المصدر: شكّ.
61
فَقَالَ لَهُ (1) الْعَبَّاسُ: أَنْتَ وَ ذَاكَ يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ.
فَدَعَاهُ الْعَبَّاسُ، فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ الْعَبَّاسِ.
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَبْطَأَكَ، وَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَكَ بِمَا جَرَى.
فَقَالَ: يَا عَمِّ، لَوْ دَعَانِي لَمَا أَتَيْتُهُ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا أَرْضَى لِمِثْلِكَ هَذَا الْفِعَالَ (2).
قَالَ: وَ أَيَّ فِعْلٍ؟
قَالَ: قَتْلَكَ مُسْلِماً بِغَيْرِ حَقٍّ، فَمَا تَمَلُّ مِنَ الْقَتْلِ قَدْ جَعَلْتَهُ شِعَارَكَ وَ دِثَارَكَ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: أَمَّا عِتَابُكَ عَلَيَّ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَقْتُلَ مُسْلِماً بِغَيْرِ حَقٍّ، لِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ رُفِعَ عَنْهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ.
وَ أَمَّا قَتْلِي الْأَشْجَعَ، فَإِنْ كَانَ إِسْلَامُكَ كَإِسْلَامِهِ فَقَدْ فُزْتُ فَوْزاً عَظِيماً!! أَقُولُ: وَ مَا عُذْرِي إِلَّا مِنَ اللَّهِ، وَ مَا قَتَلْتُهُ (3) إِلَّا عَنْ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ مِنِّي، وَ مَا كَانَ الرَّجُلُ إِلَّا زِنْدِيقاً مُنَافِقاً، وَ إِنَّ فِي مَنْزِلِهِ صَنَماً مِنْ رُخَامٍ (4) يَتَمَسَّحُ بِهِ ثُمَّ يَصِيرُ إِلَيْكَ، وَ مَا كَانَ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ (5) أَنْ يُؤَاخِذَنِي (6) بِقَتْلِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ الزَّنَادِقَةِ.
وَ افْتَتَحَ (7) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْكَلَامِ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ
____________
(1) لا توجد: له، في المصدر.
(2) في المصدر: الفعل.
(3) الواو محذوفة في (ك)، و في المصدر: ما قلته.
(4) من رخام، لا يوجد في بعض النّسخ.
(5) في المصدر: من اللّه تعالى.
(6) في (ك): تواخذني، و هي نسخة.
(7) في المصدر: فأفسح.
62
وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ أَقْسَمُوا عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَسَكَتَ، وَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمْسَكَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ (1) أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ قَالَ: لَوْ قُدْتُكَ (2) بِالْأَشْجَعِ لَمَا فَعَلْتَ مِثْلَهَا، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أُقِيدُكَ بِمِثْلِهِ وَ أَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ غَاسِلُهُ؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: دَعُونَا وَ نَحْنُ حُكَمَاءُ أَبْلَغُ مِنْ شَأْنَكِ، إِنَّكَ تَتَعَرَّضُ بِوَلَدِي (3) وَ ابْنِ أَخِي، وَ أَنْتَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بْنِ مُرَّةَ! وَ نَحْنُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ هَاشِمٍ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَ أُولُو الْخِلَافَةِ، تَسَمَّيْتُمْ (4) بِأَسْمَائِنَا، وَ وَثَبْتُمْ عَلَيْنَا فِي سُلْطَانِنَا (5)، وَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَنَا، وَ مَنَعْتُمْ مِيرَاثَنَا، ثُمَّ أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْثَ لَنَا، وَ أَنْتُمْ (6) أَحَقُّ وَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنَّا، فَبُعْداً وَ سُحْقاً لَكُمْ أَنَّى تُؤْفَكُونَ.
ثُمَّ انْصَرَفَ الْقَوْمُ، وَ أَخَذَ الْعَبَّاسُ بِيَدِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ جَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ:
أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَمِّ لَا تَتَكَلَّمْ (7)، وَ إِنْ تَكَلَّمْتَ لَا تَتَكَلَّمْ إِلَّا بِمَا يَسَرَ (8)، وَ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدِي إِلَّا الصَّبْرُ، كَمَا أَمَرَنِي نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، دَعْهُمْ وَ مَا (9) كَانَ لَهُمْ يَا عَمِّ بِيَوْمِ الْغَدِيرِ مَقْنَعٌ، دَعْهُمْ يَسْتَضْعِفُونَا جُهْدَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ مَوْلَانَا وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا ابْنَ أَخِي، أَ لَيْسَ قَدْ كَفَيْتُكَ، وَ إِنْ شِئْتَ أَعُودُ إِلَيْهِ (10)
____________
(1) في المصدر: أقام.
(2) في المصدر: فقال لو قيّدتك.
(3) في المصدر: لولدي.
(4) في المصدر: قد تسميتم.
(5) في المصدر: في سلطاتنا.
(6) في المصدر: و لا أنتم.
(7) في المصدر: أن لا تتكلّم.
(8) في المصدر: فلا تتكلّم إلّا بما يسره.
(9) الواو، غير موجود في المصدر.
(10) في المصدر: حتّى أعود إليه.
63
فَأُعَرِّفُهُ مَكَانَهُ، وَ أَنْزِعُ عَنْهُ سُلْطَانَهُ.
فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَأَسْكَتَهُ (1).
بيان: قال الجوهري: الغطريس: الظّالم المتكبّر، و قد تغطرس فهو متغطرس (2).
و قال: ترّحه تتريحا: أحزنه (3).
و قال: التّمطيّ: التّبختر و مدّ اليدين في المشي (4).
و قال: غافصت الرّجل: أخذته على غرّة (5).
و قال الميداني: شقّ فلان عصا المسلمين: إذا فرّق جمعهم، قال أبو عبيد: معناه فرّق جماعتهم، قال: و الأصل في العصا الاجتماع و الائتلاف، و ذلك أنّها لا تدعى عصا حتّى تكون جميعا، فإذا (6) انشقّت لم تدع عصا، و من ذلك قولهم للرّجل إذا قام بالمكان و اطمأنّ به و اجتمع له فيه أمره: قد ألقى عصاه، قالوا: و أصل هذا أنّ الحاديين يكونان في رفقة، فإذا فرّقهم الطّريق شقّت العصا الّتي معهما، فأخذ (7) هذا نصفها و ذا نصفها، فضرب مثلا لكلّ فرقة (8).
و القسطل: الغبار (9)، و هو كناية عن الجمّ الغفير.
____________
(1) في المصدر: فأقسم عليّ (صلوات الله عليه)، فسكت.
(2) الصحاح 3- 956، و انظر: مجمع البحرين 4- 90، تاج العروس 4- 202، و غيرهما.
(3) الصحاح 1- 357 و فيه: أي حزنه، و في لسان العرب 2- 417، و تاج العروس 2- 127 كما في المتن.
(4) الصحاح 6- 2494، و كذا في مجمع البحرين 1- 395.
(5) الصحاح 3- 1047، و انظر: تاج العروس 4- 412، لسان العرب 7- 61.
(6) في المصدر: فإن.
(7) خ. ل: فأخذه.
(8) مجمع الأمثال للميداني 1- 364 باختلاف يسير، و انظر: فرائد اللئالي في مجمع الأمثال 1- 311.
(9) مجمع البحرين 5- 453، الصحاح 5- 1801، تاج العروس 8- 80، لسان العرب 11- 557.
64
و اللُّوثَةُ- بالضّمّ-: الاسترخاء و البطء، و مسّ الجنون (1).
و يقال: نبا الشّيء عنيّ ينبو أي: تجافى و تباعد، و أنبيته أنا أي: دفعته عن نفسي (2)، و النّبوة: الرّفعة. (3)
قوله: عُرْج الضَّبُعُ، قال الفيروزآبادي: عُرْج و عِرَاج معرفتين ممنوعتين:
الضّباع يجعلونها بمنزلة القبيلة، و الْعَرْجَاء: الضّبع (4).
و في بعض النسخ: جُوَّع: جمع جائع كرُكَّع.
و الذباب في بعض النسخ بالهمزة، و في بعضها بالباء الموحدة.
و في القاموس: الطِّلْسُ: العدد الكثير، أو هو خلق كثير النّسل كالذّباب و النّمل و الهوامّ، أو كثرة كلّ شيء (5).
و قال: خفق فلانا بالسّيف: ضربه ضربة خفيفة، و أخفق الرّجل بثوبه:
لمع به (6).
و الْهَبِيدُ: الحنظل أو حبّه (7).
و البسبس: القفر الخالي (8).
____________
(1) الصحاح 1- 291، لسان العرب 2- 185 و 186.
(2) كما جاء في الصحاح 6- 2500، لسان العرب 15- 302.
(3) في المصادر المذكورة آنفا: النبوّة ما ارتفع عن الأرض، و في لسان العرب: الارتفاع.
(4) القاموس 1- 199، و انظر: تاج العروس 2- 73، لسان العرب 2- 321.
(5) لم نجد فيما بأيدينا من كتب اللغة معنى مناسبا لما ذكره (قدّس سرّه)، نعم جاء في القاموس 2 227- 228 في مادة الطيس ما تعرّض له المصنّف طاب ثراه، فراجع.
و أمّا معنى الطلس فقد ذكر في تاج العروس في مادة الطلس: الصحيفة أو الممحوّة و الوسخ من الثياب، و جلد فخذ البعير إذا تساقط شعره، و الذئب الأمعط، و الطلس: الطيلسان الأسود.
(6) القاموس 3- 228، و قارن بتاج العروس 6- 334.
(7) انظر: القاموس 1- 347، لسان العرب 3- 431، تاج العروس 2- 543.
(8) كما في القاموس 2- 201، تاج العروس 4- 109، و غيرهما.
65
و بدا القوم: خرجوا إلى البادية (1).
و القوداء: الطّويل الظّهر (2)، و في بعض النسخ بالعين المهملة أي:
المسنّة (3).
و قد مرّ تفسير النافش.
و التّأليب: التّحريض (4).
و لم نبالغ في تفسير هذا الحديث و شرحه، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه مما يخالف السير و سائر الأخبار.
20- ختص (5): مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَكَمِ (6) بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمُكَارِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَقِيَ أَبَا بَكْرٍ (7) فَقَالَ لَهُ: أَ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ تُطِيعَ لِي (8)؟
قَالَ (9): لَا، وَ لَوْ أَمَرَنِي لَفَعَلْتُ.
____________
(1) جاء في القاموس 4- 302، و لسان العرب 14- 67، و تاج العروس 10- 32.
(2) ذكره في لسان العرب 3- 370 بنصّه، و قاله أيضا في تاج العروس 2- 478.
(3) قال في لسان العرب: 3- 321: العود: الجمل المسنّ، و الأنثى عودة، و مثله في تاج العروس 2- 436، و الصحاح 2- 514، و القاموس: 1- 318.
(4) نصّ عليه في: لسان العرب: 1- 216، و الصحاح 1- 88.
(5) الاختصاص: 273- 274.
و مثله بنفس السّند و المتن في بصائر الدّرجات: 296- 297 حديث 9.
و أيضا في بصائر الدّرجات: 301- 302 حديث 17، لكن في سنده: عن بكر، بدلا من: عن الحكم بن مسكين، فليلاحظ.
(6) في البصائر: حدّثني محمّد بن الحسين، عن الحكم.
(7) في المصدر: أتى أبا بكر.
(8) في المصدر: أن تطيعني.
(9) في المصدر و البصائر: فقال.
66
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنْ تُطِيعَ لِي؟
فَقَالَ: لَا، وَ لَوْ أَمَرَنِي لَفَعَلْتُ.
قَالَ: فَامْضِ بِنَا (1) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: أَ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (2) (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ تُطِيعَنِي، فَقَالَ: لَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (3): قَدْ أَمَرْتُكَ فَأَطِعْهُ.
قَالَ: فَخَرَجَ وَ لَقِيَ (4) عُمَرَ، وَ هُوَ ذَعِرٌ، فَقَامَ عُمَرُ وَ قَالَ لَهُ: مَا لَكَ (5)؟
فَقَالَ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (6) كَذَا ... وَ كَذَا.
فَقَالَ عُمَرُ: تَبّاً لِأُمَّةٍ (7) وَلَّوْكَ أَمْرَهُمْ أَ مَا تَعْرِفُ سِحْرَ بَنِي هَاشِمٍ (8).
____________
(1) لا يوجد في البصائر من: فقال سبحان اللّه ...، إلى هنا، و الموجود: قال: فانطلق بنا ...
(2) في البصائر: أمرك اللّه و رسوله.
(3) في البصائر: أن يطيعني فقال رسول اللّه.
(4) في البصائر: فلقي.
(5) في البصائر: فقال له، بدلا من: فقام عمر و قال له ما لك.
(6) في البصائر: فقال لي رسول اللّه.
(7) في البصائر: فقال تبّا لأمّته، و في الاختصاص: فقال له عمر تبّا لأمّة.
(8) استدراكا لهذا الباب نشير إلى مصادر بعض الأحاديث الّتي لم ترد فيه:
بصائر الدّرجات: 297 حديث 11، إثبات الوصيّة: 124 من دون تصريح باسم أبي بكر و عمر، خصائص الأئمّة: 59 من دون تصريح باسميهما أيضا، الاحتجاج: 83- 84، الكافي 1- 448 حديث 13، و غيرها.
67
6- باب منازعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) العباس في الميراث
ج (1): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ (2)، إِنِّي لَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذِ اطَّلَعَ عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ يَتَدَافَعَانِ وَ يَخْتَصِمَانِ فِي مِيرَاثِ النَّبِيِّ (ص).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكْفِيكُمُ الْقَصِيرُ الطَّوِيلَ، يَعْنِي بِالْقَصِيرِ: عَلِيّاً، وَ بِالطَّوِيلِ: الْعَبَّاسَ.
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَنَا عَمُّ النَّبِيِّ وَ وَارِثُهُ، وَ قَدْ حَالَ عَلِيٌّ بَيْنِي وَ بَيْنَ تَرِكَتِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَيْنَ كُنْتَ يَا عَبَّاسُ حِينَ جَمَعَ النَّبِيُّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ أَنْتَ أَحَدُهُمْ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُوَازِرُنِي وَ يَكُونُ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي، يُنْجِزُ عِدَتِي، وَ يَقْضِي دَيْنِي، فَأَحْجَمْتُمْ عَنْهَا إِلَّا عَلِيّاً (3)، فَقَالَ النَّبِيُّ (ص): أَنْتَ كَذَلِكَ.
____________
(1) الاحتجاج 1- 88. [طبعة النّجف: 1- 116- 117] و مثله عن أبي رافع أيضا في مناقب ابن شهرآشوب 3- 49 باختلاف كثير، و قد نقله عن العقد الفريد: 2- 412، فلاحظ.
(2) لا يوجد: قال، في المصدر.
(3) في المصدر: عليّ.
68
قَالَ (1) الْعَبَّاسُ: فَمَا أَقْعَدَكَ مَجْلِسَكَ (2) هَذَا؟ تَقَدَّمْتَهُ وَ تَأَمَّرْتَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَعْذِرُونَا (3) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (4).
توضيح و تفضيح: لعلّه كان أغدرونا بني عبد المطلب- بتقديم المعجمة على المهملة- أي: أ تنازعون و ترفعون إليّ للغدر (5)، و ليس غرضكم التنازع (6).
و ظاهر أنّ منازعتهما كان لذلك، و لم يكن عباس ينازع أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما أعطاه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بمحضره و محضر غيره.
____________
(1) في المصدر: فقال.
(2) في المصدر: في مجلسك.
(3) في المناقب: أغدرا، و في المصدر: أعذروني يا بني.
(4) هذه الرّواية من الرّوايات المستفيضة عند العامّة و الخاصّة، نصّ عليها الأعلام، انظر:
تاريخ الطّبريّ 2- 217، تفسير الطّبريّ 19- 74، الكامل لابن الأثير 2- 24، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3- 254.
و عدّ لها العلّامة الأمينيّ في الغدير 2- 279- 284 جملة من المصادر، و انظر الغدير أيضا 1 206- 207، و 7- 194.
أقول: جاءت في كتب العامّة في الحديث و السّير منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و عمّه العبّاس لو صحّت-.
انظر: صحيح البخاريّ 12- 4- 5 كتاب الفرائض باب قول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):
لا نورث ما تركناه صدقة، و كتاب الجهاد باب المحن .. و أبوابا أخر، و صحيح مسلم كتاب الجهاد حديث 1757 باب حكم الفيء، و سنن التّرمذيّ كتاب السّير حديث 1610 باب ما جاء في تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و سنن أبي داود برقم 2693 و 2964 و 2965 و 2967 بأسانيد صحيحة عندهم، و سنن النّسائيّ 7- 136- 137 قسم الفيء، و مختصر المنذري حديث 2843- 2847، و أوردها ابن الأثير في جامع الأصول 2- 697- 704 حديث 1202 و ستأتي له مصادر أخر قريبا.
(5) و في (س): العدر و الظاهر سقوط النقطة عن العين، و هو المناسب، فالكلمة: للعذر، أو للغدر، فلاحظ. قال في القاموس 2- 87: ضرب زيد فأعذر: أشرف به على الهلاك.
(6) الظاهر: أنّ مراد أبي بكر: أنّكم يا بني عبد المطّلب أشرفتمونا على الهلاك بمنازعتكم على نحو التهديد و التحكم.
69
و يؤيّده (1): ما
- رُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيَّ سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الرَّشِيدِ.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي يَا هِشَامُ، هَلْ يَكُونُ الْحَقُّ فِي جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ؟
قَالَ هِشَامٌ: الظَّاهِرُ لَا.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي حُكْمٍ فِي الدَّيْنِ، وَ تَنَازَعَا وَ اخْتَلَفَا، هَلْ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَا مُحِقَّيْنِ، أَوْ مُبْطِلَيْنِ، أَوْ أَنْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُحِقّاً وَ الْآخَرُ مُبْطِلًا؟
فَقَالَ هِشَامٌ: لَا يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَلِيٍّ وَ الْعَبَّاسِ لَمَّا اخْتَصَمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي الْمِيرَاثِ، أَيُّهُمَا كَانَ الْمُحِقُّ وَ مَنِ الْمُبْطِلُ؟ إِذْ كُنْتَ لَا تَقُولُ أَنَّهُمَا كَانَا مُحِقَّيْنِ وَ لَا مُبْطِلَيْنِ!.
قَالَ هِشَامٌ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِنَّنِي إِنْ قُلْتُ إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ مُبْطِلًا كَفَرْتُ وَ خَرَجْتُ مِنْ مَذْهَبِي، وَ إِنْ قُلْتُ إِنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مُبْطِلًا ضَرَبَ الرَّشِيدُ عُنُقِي، وَ وَرَدَتْ عَلَيَّ مَسْأَلَةٌ لَمْ أَكُنْ سُئِلْتُ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَ لَا أَعْدَدْتُ لَهَا جَوَاباً، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): يَا هِشَامُ، لَا تَزَالُ مُؤَيَّداً بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ، فَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أُخْذَلُ، وَ عَنَّ لِيَ الْجَوَابُ فِي الْحَالِ.
فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا خَطَأٌ حَقِيقَةً، وَ كَانَا جَمِيعاً مُحِقَّيْنِ، وَ لِهَذَا نَظِيرٌ قَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ (عليه السلام)، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (2) إِلَى قَوْلِهِ: خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى
____________
(1) ذكرت القصة في أكثر من مصدر، منه: ما جاء في العقد الفريد 2- 251- 252، باختصار، و لم يصرح باسمي يحيى بن خالد البرمكي و الرشيد. و منه ما ذكره ابن شهرآشوب في مناقبه 3 49، إلّا أنّه لم يصرّح باسم يحيى بن خالد البرمكي، و غيرهما.
(2) سورة ص: 21.
70
بَعْضٍ (1)، فَأَيُّ الْمَلَكَيْنِ كَانَ مُخْطِئاً وَ أَيُّهُمَا كَانَ مُصِيباً؟ أَمْ تَقُولُ: إِنَّهُمَا كَانَا مُخْطِئَيْنِ، فَجَوَابُكَ فِي ذَلِكَ جَوَابِي.
فَقَالَ يَحْيَى: لَسْتُ أَقُولُ: إِنَّ الْمَلَكَيْنِ أَخْطَئَا، بَلْ أَقُولُ: إِنَّهُمَا أَصَابَا، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَصِمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحُكْمِ، وَ إِنَّمَا أَظْهَرَا ذَلِكَ لِيُنَبِّهَا دَاوُدَ (عليه السلام) فِي الْخَطِيئَةِ وَ يُعَرِّفَاهُ الْحُكْمَ وَ يُوقِفَاهُ عَلَيْهِ.
قَالَ هِشَامٌ: قُلْتُ لَهُ: كَذَلِكَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسُ، لَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحُكْمِ وَ لَمْ يَخْتَصِمَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَ إِنَّمَا أَظْهَرَا الِاخْتِلَافَ وَ الْخُصُومَةَ لِيُنَبِّهَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى خَطَئِهِ، وَ يَدُلَّاهُ عَلَى أَنَّ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ حَقّاً، وَ لَمْ يَكُونَا فِي رَيْبٍ مِنْ أَمْرِهِمَا، وَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا عَلَى حَدِّ مَا كَانَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ.
فَاسْتَحْسَنَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ الْجَوَابَ.
ثمّ اعلم أنّ بعض الأصحاب (2) ذكر أنّ أبا بكر ناقض روايته الّتي رواها في الميراث، حيث دفع سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بغلته و عمامته و غير ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (3)، و قد نازعه العباس فيها، فحكم بها لأمير المؤمنين (عليه السلام).
إمّا لأنّ ابن العم إذا كان أبوه عمّ الميت من الأب و الأم أولى من العمّ الّذي كان عمّ الميت من جانب الأب فقط (4)، لأن المتقرّب إلى الميت بسببين أولى من المتقرّب إليه بسبب واحد.
و إمّا لعدم توريث العم مع البنت، كما هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
____________
(1) سورة ص: 22.
(2) كما ذكره شيخ الطائفة في تلخيص الشافي 3- 147- 148.
(3) كما في البداية و النهاية لابن الأثير 6- 9، و الرياض النضرة 2- 17، و مناقب ابن شهرآشوب 1- 129 [طبعة إيران]، و الاحتجاج للطبرسيّ و غيرهم.
(4) انظر روايات الباب في وسائل الشيعة 17- 508.
71
و قد تنازعا عند عمر بن الخطاب فيما أفاء اللّه تعالى على رسوله و في سهمه من خيبر و غيره، فدفعها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو دفعها إليهما و قال:
اقتصلا (1) أنتما فيما بينكما، فأنتما أعرف بشأنكما (2).
ثم إنّ أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أرسلن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (3)،، و قد كان عثمان في زعمهم أحد الشهود على
- أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة (4).
كما سبق.
و حكى قاضي القضاة، عن أبي علي أنّه قال: لم يثبت أنّ أبا بكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) على جهة الإرث.
قال: و كيف يجوز ذلك مع الخبر الذي رواه؟ و كيف يجوز لو كان وارثا (5) أن يخصّه بذلك، و لا إرث له مع العمّ لأنه عصبة، فإن (6) كان وصل إلى فاطمة (عليها السلام) فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكا في ذلك و أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لوجب أن يكون ذلك ظاهرا مشهودا (7)، ليعرف أنّهم أخذوا
____________
(1) قال في القاموس 4- 37: قصله يقصله: قطعه، كاقتصله.
(2) كما جاء في صحيح مسلم 3- 1377- 1379 حديث 49 و 50، و سنن النسائي 7- 136 137، و سنن أبي داود 3- 139- 140 حديث 2963، و أيضا سنن أبي داود 3- 142 143 ضمن حديث 2970، و صحيح البخاريّ 4- 96- 98، و 7- 81- 83.
(3) انظر: صحيح مسلم 3- 1379 حديث 51، و سنن أبي داود 3- 144- 145 حديث 2976 و 2977.
(4) يمكن استنتاج ذلك من سياق مراجعة: مسند أحمد 1- 60، صحيح مسلم 3 1377 و 1379 حديث 49 و 51، سنن أبي داود 3- 139- 140 حديث 2963، صحيح البخاري 4- 97 و 7- 82، و انظر: الغدير 6- 190 عن عدّة مصادر.
(5) في المصدر: إرثا.
(6) في المصدر: بالعصبة، و إن.
(7) في المصدر: مشهورا.
72
نصيبهم من غير ذلك أو بدله، و لا يجب إذا لم يدفع إليه أبو بكر على جهة الإرث أن لا (1) يحصل في يده، لأنه قد يجوز أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحله (2) و يجوز أيضا أن يكون أبو بكر (3) رأى الصلاح في ذلك أن يكون في يده (4)، لما فيه من تقوية الدين، و تصدّق ببدله (5) بعد التقويم، لأن للإمام أن يفعل ذلك (6).
قال: و أمّا البردة و القضيب فلا يمتنع أن يكون جعله عدّة (7) في سبيل اللّه و تقوية على المشركين، فتداولته الأئمة (8)، لما فيه من التقوية، و رأى أنّ ذلك أولى من أن يتصدّق به إن ثبت أنّه (عليه السلام) لم يكن قد نحله غيره في حياته (9).
ثم أجاب قاضي القضاة من طلب الأزواج الميراث و تنازع أمير المؤمنين (عليه السلام) و العباس بعد موت فاطمة: بأنّه يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر و غيره للخبر.
قال: و قد روي أن عائشة لمّا عرّفتهنّ الخبر أمسكن، و قد بيّنا أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحقّ الإرث و يعرفه من يتقلّد الأمر، كما يعرف العلماء و الحكام من أحكام المواريث ما لا يعرفه أرباب الإرث (10).
____________
(1) في المصدر: ألّا.
(2) في المصدر: نحله إيّاه.
(3) في المصدر: أبا بكر.
(4) في المصدر: في أن يكون ذلك بيده.
(5) في المصدر: ببذله.
(6) ثم قال في المصدر: و كلّ ذلك يبطل ما تعلّقوا به.
(7) في المصدر: عنده.
(8) في المصدر: الأمّة.
(9) المغني 20- 331- 332، القسم الأوّل، بتصرف يسير.
(10) جاء في المصدر: من يتقلّد الأمر، كما يعرف العلماء و الحكماء من أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن تخفى أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث.
المغني 20- 232، القسم الأوّل، بتصرف يسير.
73
و قال السيد الأجلّ المرتضى رضي اللّه عنه: أمّا قول أبو علي (1): و كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي رواه .. إلى آخره.
فما نراه زاد على التعجب، و ممّا عجب (2) منه عجبنا!، و لم نثبت (3) عصمة أبي بكر فتنفى (4) عن أفعاله التناقض.
و قوله: و يجوز أن يكون رأى الصلاح في أن يكون ذلك (5) في يده، لما فيه من تقوية الدين، أو أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحله (6).
فكلّ ما ذكره جائز، إلّا أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة و الشهادة بها و الحجّة عليها، و لم يظهر شيء من ذلك (7) فنعرفه.
و من العجائب أن تدّعي فاطمة (عليها السلام) فدك نحلة و تستشهد على قولها أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيره، فلا يصغى إليها و إلى قولها، و يترك السيف و البغلة و العمامة في يد أمير المؤمنين (عليه السلام) على سبيل النحلة بغير بيّنة ظهرت و لا شهادة قامت، على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك و يذكر وجهه بعينه أيّ شيء كان لمّا نازع العباس فيه، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.
و القول في البردة و القضيب إن كان نحلة أو على الوجه الآخر يجري مجرى
____________
(1) كذا، و الظاهر: قول أبي علي، إلّا أن يكون على سبيل الحكاية.
(2) في (س): بأعجب.
(3) في (ك): لم تثبت، و في المصدر: لم يثبت.
(4) في المصدر: فننفي. و في (ك): فينفى.
(5) قوله: رأى الصلاح في أن يكون ذلك، لا توجد في المصدر، و حكاه هناك عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 16- 261.
(6) في المصدر: و تصدق ببدله، بدل: أو أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحله.
(7) في المصدر: من ذلك شيء.
74
ما ذكرناه: في وجوب (1) الظهور و الاستشهاد، و لسنا نرى أصحابنا (2) يطالبون نفوسهم في هذا الموضع بما يطالبونا بمثله إذا ادعينا وجوها و أسبابا و عللا مجوّزة، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز و يمكن، بل يوجبون فيما ندعيه الظهور و الاشتهار (3) و إذا كان ذلك عليهم نسوه أو تناسوه.
فأمّا قوله:- إنّ أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما طلبن الميراث لأنهنّ لم يعرفن رواية أبي بكر للخبر، و كذلك إنّما نازع العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد موت فاطمة (عليها السلام) في الميراث لهذا الوجه- فمن أقبح ما يقال في هذا الباب و أبعده من الصواب.
و كيف لا يعرف أمير المؤمنين (عليه السلام) رواية أبي بكر و بها دفعت زوجته عن الميراث؟! و هل مثل ذلك المقام الذي قامته (4) و ما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد، فضلا عمّن هو في المدينة شاهدا حاضرا يعتني (5) بالأخبار و يراعيها؟! إنّ هذا [لخروج] (6) في المكابرة عن الحدّ.
و كيف يخفى على الأزواج ذلك حتّى يطلبنه مرّة بعد أخرى، و يكون عثمان المترسّل لهنّ، و المطالب عنهن؟ و عثمان- على زعمهم- أحد من شهد أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يورّث، و قد سمعن- على كلّ حال- أنّ بنت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم تورّث ماله، و لا بدّ أن يكنّ قد سألن عن السبب في دفعها، فذكر
____________
(1) في المصدر: من وجوب.
(2) أي: المعتزلة، و كلامه (قدّس سرّه) هنا من قبيل «قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ» و إن كانت العادة أن يقصد من كلمة: أصحابنا، أصحاب القائل في المذهب و الاعتقاد، فتفطّن.
(3) في المصدر: و الاستشهاد.
(4) في (ك): قامته فاطمة (عليها السلام).
(5) في المصدر: حاضر شاهد يعني.
(6) في النسخة: الخروج، و المثبت من المصدر.
75
لهن الخبر، فكيف يقال: [إنّهن] (1) لن يعرفنه؟
و الإكثار في هذا الموضع يوهم أنّه موضع شبهة، و ليس كذلك (2)، انتهى كلامه، رفع مقامه.
____________
(1) في النسخة: إنهم، و المثبت من المصدر.
(2) الشافي 4- 82- 84.
77
7- باب نوادر الاحتجاج
1- ج (1): رَوَى رَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ الطَّائِيُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ- وَ قَدْ صَحِبَهُ فِي سَفَرٍ- قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! عَلِّمْنِي شَيْئاً يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ.
قَالَ: كُنْتُ (2) فَاعِلًا وَ لَوْ لَمْ تَسْأَلْنِي: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً، وَ أَقِمِ الصَّلَاةَ، وَ آتِ الزَّكَاةَ، وَ صُمْ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَ حِجَّ الْبَيْتَ، وَ اعْتَمِرْ، وَ لَا تَتَأَمَّرَنَ (3) عَلَى اثْنَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَ الصَّلَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ وَ الزَّكَاةِ (4) فَأَنَا أَفْعَلُهُ، وَ أَمَّا الْإِمَارَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يُصِيبُونَ هَذَا الشَّرَفَ وَ هَذَا الْغِنَى وَ الْعِزَّ وَ الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا بِهَا.
قَالَ: إِنَّكَ اسْتَنْصَحْتَنِي فَأَجْهَدْتُ نَفْسِي لَكَ.
____________
(1) الاحتجاج: 89 [طبعة النّجف: 1- 117].
و القصّة بأكملها مرويّة في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6- 41- 42 بإسناد يصل إلى رافع بن أبي رافع الطّائيّ.
(2) في المصدر: قد كنت.
(3) في المصدر: و لا تأمّرنّ.
(4) في المصدر: الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و العمرة.
78
فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَ اسْتَخْلَفَ [أَبُو] (1) بَكْرٍ جِئْتُهُ وَ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَمْ تَنْهَنِي أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى اثْنَيْنِ؟
قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَمَا لَكَ (2) تَأَمَّرْتَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟
قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ، وَ خِفْتُ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةَ، وَ دَعَوْنِي فَلَمْ أَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدّاً!.
____________
(1) في النّسخة: أبا، و المثبت من المصدر.
(2) في المصدر: فما بالك.
79
8- باب احتجاج سلمان و أبي بن كعب و غيرهما على القوم
1- ج (1): عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ: خَطَبَ النَّاسَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- بَعْدَ أَنْ دُفِنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- فَقَالَ فِيهَا: .. أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا عَنِّي حَدِيثِي ثُمَّ اعْقِلُوهُ عَنِّي، أَلَا إِنِّي (2) أُوتِيتُ عِلْماً كَثِيراً، فَلَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا أَعْلَمُ مِنْ فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) [لَقَالَتْ] (3) طَائِفَةٌ مِنْكُمْ: هُوَ مَجْنُونٌ، [وَ قَالَتْ] (4) طَائِفَةٌ أُخْرَى: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَاتِلِ سَلْمَانَ.
أَلَا إِنَّ لَكُمْ مَنَايَا تَتْبَعُهَا بَلَايَا، أَلَا وَ إِنَّ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) الْمَنَايَا (5) وَ الْبَلَايَا، وَ مِيرَاثَ الْوَصَايَا، وَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَ أَصْلَ الْأَنْسَابِ عَلَى مِنْهَاجِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ مِنْ مُوسَى (عليهما السلام)، إِذْ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) الاحتجاج: 110- 112 [طبعة النّجف 1- 149- 152].
(2) في المصدر: و إنّي.
(3) في مطبوع البحار: لقال، و المثبت من المصدر.
(4) في مطبوع البحار: و قال، و المثبت من المصدر.
(5) في المصدر: ألا و إنّ عند عليّ (عليه السلام) علم المنايا.
80
وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أَنْتَ وَصِيِّي فِي أَهْلِي (1) وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي (2) وَ بِمَنْزِلَةِ (3) هَارُونَ مِنْ مُوسَى (4).
وَ لَكِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ سُنَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخْطَأْتُمُ الْحَقَّ، تَعْلَمُونَ فَلَا تَعْمَلُونَ (5)، أَمَا وَ اللَّهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ عَلَى سُنَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ (6)، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ (7).
أَمَا وَ الَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَوْ وَلَّيْتُمُوهَا عَلِيّاً (عليه السلام) لَأَكَلْتُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ (8)، وَ لَوْ دَعَوْتُمُ الطَّيْرَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ لَأَجَابَتْكُمْ، وَ لَوْ دَعَوْتُمُ الْحِيتَانَ مِنَ الْبِحَارِ لَأَتَتْكُمْ، وَ لَمَا عَالَ وَلِيُّ اللَّهِ، وَ لَا طَاشَ لَكُمْ سَهْمٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، وَ لَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي حُكْمِ اللَّهِ.
وَ لَكِنْ أَبَيْتُمْ فَوَلَّيْتُمُوهَا غَيْرَهُ، فَابْشِرُوا بِالْبَلَاءِ (9)، وَ اقْنَطُوا مِنَ الرَّخَاءِ، وَ قَدْ نَابَذْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَانْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَلَاءِ.
____________
(1) في المصدر: في أهل بيتي.
(2) انظر: الغدير 2- 282 و 284، 5- 345، مع اختلاف يسير عن مصادر جمّة. و سنرجع له.
(3) في المصدر: و أنت منّي بمنزلة.
(4) انظر الغدير 1- 197 و 297، 4- 63 و 65، 5- 295.
و جاء الحديث بإضافة: إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، أو: و لكن لا نبيّ بعدي في الغدير أيضا 1 39 و 189 و 208 و 212، 2- 108، 3- 200 و 201، 6- 333.
(5) في المصدر: و لكنّكم و أخذتم ... فأنتم تعلمون و لا تعملون.
(6) لا يوجد في المصدر: على سنّة بني إسرائيل.
(7) قال في مجمع الأمثال للميداني 1- 195: حذو القذّة بالقذّة، أي: مثلا بمثل، يضرب في التّسوية بين الشّيئين، و مثله: حذو النّعل بالنّعل.
و القذّة لعلّها من القذّ، و هو القطع، يعني به قطع الرّيشة المقذوذة على قدر صاحبها في التّسوية، و هي فعلة بمعنى مفعولة كاللّقمة و الغرفة، و التّقدير حذيا حذو، و من رفع أرادهما حذو القذّة.
(8) في المصدر: أقدامكم.
(9) في المصدر: بالبلايا.
81
عَلَيْكُمْ بِآلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، فَإِنَّهُمُ الْقَادَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَ الدُّعَاةُ إِلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَيْكُمْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ بِالْوَلَايَةِ وَ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِرَاراً جَمَّةً مَعَ نَبِيِّنَا، كُلَّ ذَلِكَ يَأْمُرُنَا بِهِ وَ يُؤَكِّدُهُ عَلَيْنَا، فَمَا بَالُ الْقَوْمِ عَرَفُوا فَضْلَهُ فَحَسَدُوهُ؟! وَ قَدْ حَسَدَ قَابِيلُ هَابِيلَ (1) فَقَتَلَهُ، وَ كُفَّاراً قَدِ ارْتَدَّتْ أُمَّةُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليهما السلام)، فَأَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ [كَأَمْرِ] (2) بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَيْنَ يُذْهَبُ بِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ؟! وَيْحَكُمْ مَا أَنَا (3) وَ أَبُو فُلَانٍ وَ فُلَانٍ؟! أَ جَهِلْتُمْ أَمْ تَجَاهَلْتُمْ، أَمْ حَسَدْتُمْ (4) أَمْ تَحَاسَدْتُمْ؟ وَ اللَّهِ لَتَرْتَدُّنَّ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى النَّاجِي بِالْهَلَكَةِ، وَ يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى الْكَافِرِ (5) بِالنَّجَاةِ.
أَلَا وَ إِنِّي أَظْهَرْتُ أَمْرِي، وَ سَلَّمْتُ لِنَبِيِّي، وَ تَبِعْتُ (6) مَوْلَايَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ عَلِيّاً أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ سَيِّدَ الْوَصِيِّينَ، وَ قَائِدَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، وَ إِمَامَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ.
بيان: عال: أي افتقر (7).
و طاش السّهم: أي زال و مال عن الهدف (8).
و قال في النهاية: في حديث سلمان: و إن أبيتم نابذناكم على سواء، أي:
____________
(1) في المصدر: هابيل قابيل.
(2) في مطبوع البحار: كما أمر، و المثبت من المصدر.
(3) في المصدر: ما لنا.
(4) في (ك): أ تجاهلتم؟ أ حسدتم؟.
(5) في مطبوع البحار: و الكافرين.
(6) في المصدر: و اتّبعت.
(7) انظر: مجمع البحرين 5- 432، الصحاح 5- 1779، القاموس 4- 22.
(8) صرّح بذلك في لسان العرب 6- 313، و انظر: مجمع البحرين 4- 140، الصحاح 3 1009.
82
كاشفناكم و قاتلناكم على طريق مستو (1) في العلم بالمنابذة منّا و منكم، بأن نظهر لهم العزم على قتالهم، و نخبرهم به إخبارا مكشوفا (2).
و قوله: و كفارا، حال عن فاعل ارتدّت.
ج (3): عَنْ مُحَمَّدٍ وَ يَحْيَى ابْنَي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ جَدِّهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ قَامَ (4) أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ (5) الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَرْضَاةَ اللَّهِ وَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ، وَ يَا مَعَاشِرَ (6) الْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ وَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ، تَنَاسَيْتُمْ أَمْ نَسِيتُمْ، أَمْ بَدَّلْتُمْ أَمْ غَيَّرْتُمْ، أَمْ خُذِلْتُمْ أَمْ عَجَزْتُمْ؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَامَ فِينَا مَقَاماً أَقَامَ فِيهِ عَلِيّاً، فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ (7)- يَعْنِي عَلِيّاً- وَ مَنْ كُنْتُ نَبِيَّهُ فَهَذَا
____________
(1) في المصدر: طريق مستقيم مستو.
(2) النهاية 5- 7، و انظر: مجمع البحرين 3- 189، لسان العرب 3- 512.
(3) الاحتجاج 1- 112- 115 [طبعة النّجف: 1- 153- 157].
(4) في الاحتجاج: قام إليه.
(5) في المصدر: و قال يا معشر.
(6) في المصدر: و يا معشر.
(7) انظر مصادر الحديث عن طرق العامّة مستوفيا في: إحقاق الحقّ 2- 426- 465، 3- 322 327، 4- 408- 410، 6- 229- 304، 16- 559- 588، 21- 1- 93.
و انظر: الغدير 1- 162 و 398، و غيرها.
و منه ما رواه في الينابيع باب 44 عن المناقب بسنده عن ابن عبّاس قال: قال النّبيّ (ص) في حديث طويل، و جاء فيه: و أنت مولى من أنا مولاه، و إنّي مولى كلّ مؤمن و مؤمنة.
و جاء أيضا في باب 56 منه عن كتاب كنز الدّقائق للشّيخ عبد الرّءوف المناوي المصريّ، عن الدّيلميّ بلفظه.
و جاء عن أحمد و التّرمذيّ بلفظ آخر.
و عن أبي داود و الطّيالسيّ: يا عليّ أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ...، و غيرها.
83
أَمِيرُهُ (1)؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، طَاعَتُكَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ بَعْدِي كَطَاعَتِي فِي حَيَاتِي، إِلَّا أَنَّهُ (2) لَا نَبِيَّ بَعْدِي (3)؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي خَيْراً، فَقَدِّمُوهُمْ وَ لَا تَتَقَدَّمُوهُمْ (4)، وَ أَمِّرُوهُمْ وَ لَا تَتَأَمَّرُوا (5) عَلَيْهِمْ؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أَهْلُ بَيْتِي مَنَارُ الْهُدَى وَ الدَّالُّونَ عَلَى اللَّهِ؟!.
أَ لَسْتُمْ (6) تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام):
أَنْتَ الْهَادِي لِمَنْ ضَلَ (7)؟!.
____________
(1) رواه جمع، و جاء في الينابيع باب 56 عن كتاب مودّة القربى، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (ص): أنّ اللّه سبحانه قال للأرواح: أنا ربّكم و محمّد نبيّكم و عليّ أميركم.
(2) في المصدر: غير أنّه.
(3) جاءت مصادره في الغدير 1- 297، و قد ذكرنا جملة منها سابقا باختلافات يسيرة.
و انظر: ما رواه في ينابيع المودّة باب 42 و باب 56 عن المناقب في حديث طويل، و الكنجيّ الشّافعيّ في كفاية الطّالب، و الحموينيّ في فرائد السّمطين، و النّسائيّ في خصائصه، و أحمد بن حنبل في مسنده، و المغازليّ في فضائله، و الخوارزميّ في مناقبه.
و انظر الرّوايات الواردة في ذيل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».
(4) في المصدر: و لا تقدّموهم.
(5) في المصدر: و لا تأمروا.
(6) في المصدر: أ و لستم.
(7) جاء في الغدير 4- 65 مع حذف: لمن ضلّ.
و انظر: مسند أحمد ابن حنبل 6- 126، تفسير الطّبريّ 13- 108، معجم شيوخ ابن الأعرابيّ:
2- الورقة 183 و 203 و 234، المعجم الوسيط و الصّغير للطّبرانيّ 1- 261، معرفة الصّحابة لأبي نعيم 1- 21، تاريخ بغداد للخطيب 12- 372، المناقب لابن المغازليّ، ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق لابن عساكر 2- 415، زاد المسير لابن الجوزيّ 4- 307، المناقب للخوارزميّ:
145، تفسير الفخر الرّازيّ 5- 272، و غيرهم كثير.
84
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: عَلِيٌّ الْمُحْيِي لِسُنَّتِي وَ مُعَلِّمُ أُمَّتِي، وَ الْقَائِمُ بِحُجَّتِي، وَ خَيْرُ مَنْ أُخَلِّفُ (1) مِنْ بَعْدِي، وَ سَيِّدُ أَهْلِ بَيْتِي، أَحَبُ (2) النَّاسِ إِلَيَّ، طَاعَتُهُ كَطَاعَتِي عَلَى أُمَّتِي؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ عَلَى عَلِيٍّ أَحَداً مِنْكُمْ، وَ وَلَّاهُ فِي كُلِّ غَيْبَتِهِ عَلَيْكُمْ؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ مَنْزِلُهُمَا فِي أَسْفَارِهِمَا وَاحِداً، وَ ارْتِحَالُهُمَا وَ أَمْرُهُمَا (3) وَاحِداً (4)؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا غِبْتُ فَخَلَّفْتُ فِيكُمْ (5) عَلِيّاً فَقَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ رَجُلًا كَنَفْسِي؟!.
أَ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلَ مَوْتِهِ قَدْ جَمَعَنَا فِي بَيْتِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَقَالَ لَنَا:
إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام) أَنِ اتَّخِذْ أَخاً مِنْ أَهْلِكَ فَاجْعَلْهُ نَبِيّاً، وَ اجْعَلْ أَهْلَهُ لَكَ وُلْداً، أُطَهِّرْهُمْ مِنَ الْآفَاتِ، وَ أُخَلِّصْهُمْ مِنَ الرَّيْبِ، فَاتَّخَذَ مُوسَى هَارُونَ أَخاً، وَ وُلْدَهُ أَئِمَّةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ، يَحِلُ (6) لَهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ مَا يَحِلُّ لِمُوسَى.
____________
(1) خ. ل: أخلفت.
(2) في المصدر: و أحبّ.
(3) ليس في المصدر: و أمرهما، و في (ك): و ارتحالهما واحدا و أمرهما ..
(4) هذه الفقرة جاءت في المصدر بعد فقرة: عليّ المحيي لسنّتي ...
و انظر مصادر هذا الحديث في: إحقاق الحقّ 4- 205، 5- 580، 16- 370.
(5) في الاحتجاج: عليكم، بدلا من: فيكم.
(6) في المصدر: الّذين يحلّ.
85
وَ إِنَّ اللَّهَ (1) أَوْحَى إِلَيَّ أَنِ اتَّخِذْ عَلِيّاً أَخاً، كَمُوسَى (2) اتَّخَذَ هَارُونَ أَخاً، وَ اتَّخِذْ وُلْدَهُ وُلْداً، فَقَدْ طَهَّرْتُهُمْ كَمَا طَهَّرْتُ وُلْدَ هَارُونَ، إِلَّا أَنِّي خَتَمْتُ (3) بِكَ النَّبِيِّينَ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَكَ، فَهُمُ الْأَئِمَّةُ الْهَادِيَةُ؟!.
أَ فَمَا تُبْصِرُونَ؟! أَ فَمَا تَفْهَمُونَ؟! أَ مَا (4) تَسْمَعُونَ؟! ضُرِبَتْ (5) عَلَيْكُمُ الشُّبُهَاتُ.
فَكَانَ مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى خَشِيَ أَنْ يَهْلِكَ، فَلَقِيَ رَجُلًا هَادِياً فِي الطَّرِيقِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَاءِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَامَكَ عَيْنَانِ:
أَحَدُهَا (6) مَالِحَةٌ وَ الْأُخْرَى عَذْبَةٌ، فَإِنْ أَصَبْتَ الْمَالِحَةَ ضَلَلْتَ، وَ إِنْ أَصَبْتَ الْعَذْبَةَ هُدِيتَ وَ رَوِيتَ.
فَهَذَا مَثَلُكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُهْمَلَةُ- كَمَا زَعَمْتُمْ-، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا أُهْمِلْتُمْ، لَقَدْ نُصِبَ لَكُمْ عَلَمٌ يُحِلُّ لَكُمُ الْحَلَالَ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْكُمُ الْحَرَامَ، لَوْ أَطَعْتُمُوهُ مَا اخْتَلَفْتُمْ، وَ لَا تَدَابَرْتُمْ، وَ لَا تَقَاتَلْتُمْ، وَ لَا بَرِئَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
فَوَ اللَّهِ! إِنَّكُمْ بَعْدَهُ لَمُخْتَلِفُونَ فِي أَحْكَامِكُمْ، وَ إِنَّكُمْ بَعْدَهُ (7) لَنَاقِضُوا (8) عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ إِنَّكُمْ عَلَى عِتْرَتِهِ لَمُخْتَلِفُونَ.
إِنْ (9) سُئِلَ هَذَا عَنْ غَيْرِ مَنْ (10) يَعْلَمُ أَفْتَى بِرَأْيِهِ، فَقَدْ أُبْعِدْتُمْ وَ تَجَارَيْتُمْ
____________
(1) في المصدر: إنّ اللّه تعالى.
(2) في المصدر: كما أنّ موسى.
(3) في الاحتجاج: قد ختمت.
(4) في المصدر: أ فما.
(5) في المصدر- طبعة إيران-: ضرب.
(6) في المصدر: إحداهما.
(7) لا يوجد في المصدر: لمختلفون في أحكامكم و إنّكم بعده.
(8) في المصدر: لناقضون.
(9) في المصدر: و إن.
(10) خ. ل: ما، و كذا في المصدر.
86
وَ زَعَمْتُمُ الِاخْتِلَافَ رَحْمَةً (1)، هَيْهَاتَ! أَبَى الْكِتَابُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ (2)، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (3): وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (4)، ثُمَّ أَخْبَرَنَا بِاخْتِلَافِكُمْ فَقَالَ (5): وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (6)، أَيْ: لِلرَّحْمَةِ (7)، وَ هُمْ: آلُ مُحَمَّدٍ.
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: يَا عَلِيُّ! أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ النَّاسُ [مِنْهَا] (8) بِرَاءٌ.
فَهَلَّا قَبِلْتُمْ مِنْ نَبِيِّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! كَيْفَ وَ هُوَ [خَبَّرَكُمْ بِانْتِكَاصَتِكُمْ] (9) عَنْ وَصِيِّهِ (عليه السلام) (10) وَ أَمِينِهِ وَ وَزِيرِهِ وَ أَخِيهِ وَ وَلِيِّهِ دُونَكُمْ أَجْمَعِينَ (11).
أَطْهَرُكُمْ قَلْباً، وَ أَعْلَمُكُمْ عِلْماً، وَ أَقْدَمُكُمْ سِلْماً (12)، وَ أَعْظَمُكُمْ غَنَاءً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (13) (صلّى اللّه عليه و آله)، أَعْطَاهُ تُرَاثَهُ، وَ أَوْصَاهُ بِعِدَاتِهِ، وَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى
____________
(1) في المصدر: و تخارستم و زعمتم أنّ الخلاف رحمة.
(2) في (س): عليهم.
(3) في المصدر: تعالى جدّه.
(4) آل عمران: 105.
(5) في المصدر: فقال سبحانه.
(6) هود: 118- 119.
(7) في مطبوع البحار: الرّحمة، و المثبت من المصدر.
(8) في مطبوع البحار: منهم، و المثبت من المصدر.
(9) في مطبوع البحار: خيّركم بانتكاصكم، و المثبت من المصدر، و الانتكاص بمعنى الرّجوع.
(10) في المصدر: عليّ بن أبي طالب، بدلا من: (عليه السلام).
(11) وضعت في المطبوع على كلمة: دونكم أجمعين، علامة نسخة بدل.
(12) في المصدر: و أطهركم قلبا و أقدمكم سلما.
(13) في المصدر: وعيا من رسول اللّه.
87
أُمَّتِهِ، وَضَعَ عِنْدَهُ سِرَّهُ (1)، فَهُوَ وَلِيُّهُ دُونَكُمْ أَجْمَعِينَ، وَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكُمْ عَلَى التَّعْيِينِ (2)، سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَفْضَلُ (3) الْمُتَّقِينَ، وَ أَطْوَعُ الْأُمَّةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، سَلَّمْتُمْ عَلَيْهِ بِخِلَافَةِ الْمُؤْمِنِينَ (4) فِي حَيَاةِ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ وَ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ (5).
فَقَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، وَ أَدَّى النَّصِيحَةَ مَنْ وَعَظَ، وَ بَصَّرَ مَنْ عَمَى، فَقَدْ سَمِعْتُمْ كَمَا سَمِعْنَا، وَ رَأَيْتُمْ كَمَا رَأَيْنَا، وَ شَهِدْتُمْ كَمَا شَهِدْنَا.
فَقَامَ (6) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالُوا:
يَا أُبَيُّ! أَصَابَكَ خَبَلٌ أَمْ بِكَ جِنَّةٌ؟!.
____________
(1) في المصدر: فاستخلفه أمّته و وضع عنده سرّه.
(2) في المصدر: منكم أكتعين.
(3) في المصدر: و وصيّ خاتم المرسلين، أفضل.
(4) في المصدر: بإمرة المؤمنين.
(5) يعبّر عنه بحديث التّهنئة، جاء في عشرات المصادر من العامّة كما نصّ عليها العلّامة الأمينيّ في الغدير 1- 270- 273، و غيره.
و قد ذكره الطّبريّ في كتاب الولاية، و الدّارقطنيّ، كما أخرج عنه ابن حجر في الفصل الخامس من الباب الأوّل من صواعقه: 26، و الحافظ أبو سعيد النّيسابوريّ في كتابه شرف المصطفى و روضة الصّفا 1- 173، و أحمد بن حنبل في مسنده 4- 281، و الطّبريّ في تفسيره 3- 428، و سرّ العالمين 9، و التّفسير الكبير 3- 636، و الرّياض النّضرة 2- 169، و فرائد السّمطين في الباب 13، و البداية و النّهاية 5- 209، و الخطط للمقريزي 2- 223، و الفصول المهمّة 25، و كنز العمّال 6- 397، و وفاء الوفاء 2- 173، و غيرها.
قال الغزّاليّ في سرّ العالمين: و لكن أسفرت الحجّة وجهها و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (عليه السلام) في يوم غدير خمّ باتّفاق الجميع، و هو يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقال عمر:
بخ بخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة.
فهذا تسليم و رضى و تحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهواء بحبّ الرّئاسة، و حمل عود الخلافة، و عقود النّبوّة، و خفقات الهواء، في قعقعة الرّايات، و اشتباك ازدحام الخيول، و فتح الأمصار، سقاهم كأس الهواء، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوا الحقّ وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون.
(6) في المصدر: فقام إليه.
88
فَقَالَ: بَلِ الْخَبَلُ فِيكُمْ، كُنْتُ (1) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً، فَأَلْفَيْتُهُ يُكَلِّمُ رَجُلًا أَسْمَعُ كَلَامَهُ وَ لَا أَرَى وَجْهَهُ (2).
فَقَالَ فِيمَا يُخَاطِبُهُ: مَا أَنْصَحَهُ لَكَ وَ لِأُمَّتِكَ، وَ أَعْلَمَهُ بِسُنَّتِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَ فَتَرَى أُمَّتِي تَنْقَادُ لَهُ مِنْ بَعْدِي؟
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! تَتْبَعُهُ (3) مِنْ أُمَّتِكَ أَبْرَارُهَا، وَ تُخَالِفُ (4) عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِكَ فُجَّارُهَا، وَ كَذَلِكَ أَوْصِيَاءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ، يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَوْصَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ- وَ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَخْوَفَهُمْ لِلَّهِ وَ أَطْوَعَهُمْ لَهُ وَ أَمَرَهُ (5) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَتَّخِذَهُ وَصِيّاً كَمَا اتَّخَذْتَ عَلِيّاً وَصِيّاً، وَ كَمَا أُمِرْتَ بِذَلِكَ، فَحَسَدَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ سِبْطُ مُوسَى خَاصَّةً، فَلَعَنُوهُ وَ شَتَمُوهُ وَ عَنَّفُوهُ وَ وَضَعُوا لَهُ (6)، فَإِنْ أَخَذَتْ أُمَّتُكَ سَنَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَّبُوا وَصِيَّكَ، وَ جَحَدُوا أَمْرَهُ (7)، وَ ابْتَزُّوا خِلَافَتَهُ، وَ غَالَطُوهُ فِي عِلْمِهِ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ هَذَا؟.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): هَذَا مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ (8) رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ، يُنْبِئُنِي أَنَّ أُمَّتِي تَخْتَلِفُ (9) عَلَى وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
وَ إِنِّي أُوصِيكَ يَا أُبَيُّ بِوَصِيَّةٍ إِنْ حَفِظْتَهَا لَمْ تَزَلْ بِخَيْرٍ، يَا أُبَيُّ عَلَيْكَ بِعَلِيٍّ، فَإِنَّهُ الْهَادِي الْمَهْدِيُّ، النَّاصِحُ لِأُمَّتِي، الْمُحْيِي لِسُنَّتِي، وَ هُوَ إِمَامُكُمْ بَعْدِي،
____________
(1) في المصدر: و اللّه كنت.
(2) في المصدر: شخصه.
(3) في المصدر: يتبعه.
(4) في المصدر: و يخالف.
(5) في المصدر: فأمره.
(6) في (س): منه، بدلا من: له.
(7) في المصدر: إمرته.
(8) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر.
(9) في المصدر: تتخلّف.
89
فَمَنْ رَضِيَ بِذَلِكَ لَقِيَنِي عَلَى مَا فَارَقْتُهُ عَلَيْهِ، يَا أُبَيُّ وَ مَنْ غَيَّرَ وَ بَدَّلَ (1) لَقِيَنِي نَاكِثاً لِبَيْعَتِي، عَاصِياً أَمْرِي، جَاحِداً لِنُبُوَّتِي، لَا أَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّي، وَ لَا أَسْقِيهِ مِنْ حَوْضِي.
فَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: اقْعُدْ- رَحِمَكَ اللَّهُ- يَا أُبَيُّ، فَقَدْ أَدَّيْتَ مَا سَمِعْتَ (2) [وَ] (3) وَفَيْتَ بِعَهْدِكَ.
3- شف (4): الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَزْدَقِ، عَنْ (5) مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هَارُونَ، عَنْ مُخَوَّلِ (6) بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ (7)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (8) .. مِثْلَهُ، مَعَ اخْتِصَارٍ.
و قد أوردته في باب النصوص على أمير المؤمنين (عليه السلام) (9).
بيان:
قال الجوهري: أغنيت عنك مغنى فلان .. أي (10): أجزأت عنك مجزأة، و يقال ما يغني عنك هذا .. أي: ما يجدي (11) عنك و ما ينفعك ..، و الغناء
____________
(1) في المصدر: أو بدّل.
(2) في المصدر: ما سمعت الّذي معك.
(3) زيادة من المصدر.
(4) كشف اليقين (اليقين) لأبي القاسم عليّ بن موسى بن طاوس: 170- 172.
(5) في المصدر: عن الفزاريّ قال حدّثنا.
(6) في المصدر: المقري العلّاف قال حدّثنا محوّل.
(7) في المصدر: قال حدّثنا يحيى بن عبد اللّه بن الحسن.
(8) في المصدر: من جدّه.
(9) بحار الأنوار 38- 123- 125 حديث 71.
و استدراكا لهذا الباب راجع:
الاحتجاج 1- 76- 79 و 84- 86، كشف اليقين 74- 76 و 94- 95 و 108- 113 و 172- 173 و 183، مناقب ابن شهرآشوب 3- 53- 54، و غيرها.
(10) في المصدر: إذا، بدلا من: أي.
(11) في المصدر: يجزي، بدلا من: يجدي.
90
بالفتح .. النّفع (1).
قوله: و بصّر- على بناء التفعيل- معطوف على وعظ.
و يقال: وضع منه فلان أي: حطّ من درجته (2).
____________
(1) الصحاح 6- 2449، و لاحظ: لسان العرب 15- 138، القاموس 4- 371.
(2) كما جاء في مجمع البحرين 4- 405، و القاموس 3- 94، و تاج العروس 6- 543، و غيرها.
91
9- باب ما كتب أبو بكر إلى جماعة يدعوهم إلى البيعة و فيه بعض أحوال أبي قحافة
1- ج (1): رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ (عليه السلام): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: اكْتُبْ إِلَى أُسَامَةَ (2) يَقْدَمُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ فِي قُدُومِهِ قَطْعُ الشُّنْعَةِ عَنَّا (3).
فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ: مِنْ أَبِي بِكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَانْظُرْ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَأَقْبِلْ إِلَيَّ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اجْتَمَعُوا [عَلَيَ] (4) وَ وَلَّوْنِي أَمْرَهُمْ، فَلَا تَتَخَلَّفَنَّ فَتَعْصِيَ وَ يَأْتِيَكَ مِنِّي مَا تَكْرَهُ، وَ السَّلَامُ.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أُسَامَةُ (5) جَوَابَ كِتَابِهِ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَامِلِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) عَلَى غَزْوَةِ الشَّامِ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي [مِنْكَ] (6) كِتَابٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ
____________
(1) الاحتجاج 1- 87 [طبعة النّجف: 1- 114- 115].
(2) في المصدر: أسامة بن زيد.
(3) في المصدر: الشّنيعة عنّا.
(4) زيادة من المصدر.
(5) في المصدر: فكتب أسامة إليه.
(6) في مطبوع البحار: لك، و المثبت من المصدر.
92
ذَكَرْتَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّكَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَ ذَكَرْتَ فِي آخِرِهِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا (1) عَلَيْكَ فَوَلَّوْكَ أُمُورَهُمْ وَ رَضُوا بِكَ (2) وَ اعْلَمْ، أَنِّي وَ مَنْ (3) مَعِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُهَاجِرِينَ، فَلَا وَ اللَّهِ مَا رَضِينَا بِكَ (4) وَ لَا وَلَّيْنَاكَ أَمْرَنَا، وَ انْظُرْ أَنْ تَدْفَعَ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَ تُخَلِّيَهُمْ وَ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ.
فَقَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍ (5)، فَمَا طَالَ الْعَهْدُ فَتَنْسَى.
انْظُرْ بِمَرْكَزِكَ، وَ لَا تُخَلِّفْ (6) فَتَعْصِيَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ تَعْصِيَ [مَنِ] (7) اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَيْكَ وَ عَلَى صَاحِبِكَ، وَ لَمْ يَعْزِلْنِي حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَّكَ وَ صَاحِبَكَ رَجَعْتُمَا وَ عَصَيْتُمَا، فَأَقَمْتُمَا فِي الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ إِذْنِي (8).
قَالَ: فَهَمَ (9) أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَخْلَعَهَا مِنْ عُنُقِهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ قَمِيصٌ قَمَّصَكَ اللَّهُ لَا تَخْلَعْهُ فَتَنْدَمَ، وَ لَكِنْ أَلِحَّ عَلَى أُسَامَةَ بِالْكُتُبِ، وَ مُرْ فُلَاناً وَ فُلَاناً وَ فُلَاناً يَكْتُبُونَ إِلَى (10) أُسَامَةَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ (11)
____________
(1) في المصدر قد اجتمعوا.
(2) في المصدر: أمرهم و رضوك.
(3) في مطبوع البحار: و اعلم أنّي أنا و من.
(4) في المصدر: ما رضيناك.
(5) في المصدر: يوم الغدير.
(6) في المصدر: انظر مركزك و لا تخالف.
(7) في مطبوع البحار: ما، و المثبت من المصدر.
(8) في المصدر: إذن.
(9) في المصدر: فأراد، بدلا من: قال: فهمّ.
(10) في المصدر: و لكن ألحّ عليه بالكتب و الرّسائل، و مر فلانا و فلانا أن يكتبوا إلى.
(11) في المصدر: معهم، بدلا من: يده.
93
فِيمَا صَنَعُوا.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، وَ كَتَبَ إِلَيْهِ أُنَاسٌ (1) مِنَ الْمُنَافِقِينَ: أَنِ ارْضَ بِمَا اجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ، وَ إِيَّاكَ أَنْ تُشْمِلَ (2) الْمُسْلِمِينَ فِتْنَةً مِنْ قِبَلِكَ، فَإِنَّهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْكُفْرِ.
فَلَمَّا (3) وَرَدَتِ الْكُتُبُ عَلَى أُسَامَةَ انْصَرَفَ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ النَّاسِ (4) عَلَى أَبِي بَكْرٍ انْطَلَقَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ (5): مَا هَذَا؟
فَقَالَ لَهُ (6) عَلِيٌّ: هَذَا مَا تَرَى! قَالَ لَهُ أُسَامَةُ: فَهَلْ بَايَعْتَهُ؟
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: طَائِعاً أَوْ كَارِهاً (7)؟
قَالَ: لَا، بَلْ كَارِهاً قَالَ: فَانْطَلَقَ أُسَامَةُ فَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ (8): السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: فَرَدَّ (9) أَبُو بَكْرٍ وَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ.
بيان: انظر بمركزك، أي: إلى مركزك و محلّك الّذي أقامك فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من عسكري، و أمرك أن تكون فيهم، أو من كونك رعية لأمير
____________
(1) في المصدر: النّاس.
(2) في المصدر: أن تشتمل.
(3) في المصدر: قال فلمّا.
(4) في المصدر: الخلق.
(5) في الاحتجاج: فقال له.
(6) في المصدر: قال له.
(7) في المصدر: فقال نعم يا أسامة، فقال طائعا أو كرها.
(8) في المصدر: و قال له.
(9) في المصدر: فردّ عليه.
94
المؤمنين (عليه السلام)، أو انظر في أمرك، في مركزك و مقامك (1).
. 2- جا (2): عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ (3) أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ (4) زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، عَنْ (5) عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ الصَّيَّادِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ ارْتَجَّتْ مَكَّةُ بِنَعْيِهِ.
فَقَالَ أَبُو قُحَافَةَ: مَا هَذَا؟
قَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: فَمَنْ وَلِيُّ النَّاسِ بَعْدَهُ؟
قَالُوا: ابْنُكَ.
قَالَ: فَهَلْ رَضِيَتْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَ بَنُو الْمُغِيرَةِ؟
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ وَ لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، مَا أَعْجَبَ هَذَا الْأَمْرَ يَتَنَازَعُونَ (6) النُّبُوَّةَ وَ يُسَلِّمُونَ (7) الْخِلَافَةَ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ
بيان: أي: ما أعجب منازعة بني عبد شمس و بني المغيرة في النبوّة الحقّة و تسليمهم الخلافة الباطلة.
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، أي: هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مردّ
____________
(1) قال في لسان العرب 5- 355: مركز الجند: الموضع الّذي أمروا أن يلزموه و أمروا أن لا يبرحوه، و مركز الرّجل: موضعه، يقال: أخلّ فلان بمركزه.
و لاحظ أيضا: مجمع البحرين 4- 21.
(2) أمالي المفيد- المجالس-: 90- 91.
(3) في المصدر: قال أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمّد البصريّ البزّاز، قال حدّثنا أبو بشر.
(4) في المصدر: قال حدّثنا، و في (ك) ورد لفظ: ابن، بدلا من لفظ: عن.
(5) في المصدر: السّاجيّ قال حدّثنا.
(6) خ. ل: تنازعون، و كذا في المصدر.
(7) خ. ل: تسلّمون، و كذا في المصدر.
95
له، أو إنّ توليّ أمر الخلافة شيء يتمنّى، أو يريده كلّ أحد، أو إنّ دينكم يطلب ليؤخذ منكم كما قيل في الآية (1)، و الأخير هنا أبعد.
3- ج (2): رُوِيَ (3) أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ كَانَ بِالطَّائِفِ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ (4) كِتَاباً عُنْوَانُهُ: مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَبِي قُحَافَةَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَرَاضَوْا بِي، فَأَنَا (5) الْيَوْمَ خَلِيفَةُ اللَّهِ، فَلَوْ قَدِمْتَ عَلَيْنَا لَكَانَ أَحْسَنَ بِكَ.
فَلَمَّا (6) قَرَأَ أَبُو قُحَافَةَ الْكِتَابَ قَالَ لِلرَّسُولِ: مَا مَنَعَهُمْ (7) مِنْ عَلِيٍّ؟
قَالَ الرَّسُولُ (8): هُوَ حَدَثُ السِّنِّ، وَ قَدْ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهَا، وَ أَبُو بَكْرٍ أَسَنُّ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو قُحَافَةَ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالسِّنِّ فَأَنَا أَحَقُّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، لَقَدْ ظَلَمُوا عَلِيّاً حَقَّهُ، وَ لَقَدْ بَايَعَ (9) لَهُ النَّبِيُّ وَ أَمَرَنَا بِبَيْعَتِهِ.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ (10) أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ، فَوَجَدْتُهُ كِتَابَ أَحْمَقَ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضاً، مَرَّةً تَقُولُ: خَلِيفَةُ اللَّهِ، وَ مَرَّةً تَقُولُ:
خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَ مَرَّةً (11) تَرَاضَى بِيَ النَّاسُ، وَ هُوَ أَمْرٌ مُلْتَبِسٌ، فَلَا تَدْخُلَنَ
____________
(1) سورة ص: 6 «إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ».
(2) الاحتجاج 1- 87- 88 [طبعة النّجف: 1- 115].
(3) في المصدر: و روي.
(4) في المصدر: فكتب ابنه إليه.
(5) في المصدر: فإنّي.
(6) في المصدر: فلو قدمت علينا كان أقرّ لعينك، قال فلمّا.
(7) في المصدر: ما منعكم.
(8) لا يوجد في المصدر: الرّسول.
(9) في الاحتجاج: و قد بايع.
(10) في المصدر: إلى ابنه أبي بكر.
(11) في المصدر: خليفة رسول اللّه و مرّة تقول خليفة اللّه و مرّة تقول ..
96
فِي أَمْرٍ يَصْعُبُ عَلَيْكَ الْخُرُوجُ مِنْهُ غَداً، وَ يَكُونُ عُقْبَاكَ مِنْهُ إِلَى النَّدَامَةِ (1)، وَ مَلَامَةِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، لَدَى الْحِسَابِ يَوْمَ (2) الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ لِلْأُمُورِ مَدَاخِلَ وَ مَخَارِجَ، وَ أَنْتَ تَعْرِفُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْكَ بِهَا (3)، فَرَاقِبِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَ لَا تَدَعَنَّ صَاحِبَهَا، فَإِنَّ تَرْكَهَا الْيَوْمَ أَخَفُّ عَلَيْكَ وَ أَسْلَمُ لَكَ..
4- شف (4): مِنْ كِتَابِ الْبَهَارِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ رِئَابٍ (5)، عَنْ فُضَيْلٍ الرَّسَّانِ وَ الْحَسَنِ بْنِ السَّكَنِ (6)، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (7) إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيَّ لَمَّا أَنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله) فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَقْبِلْ.
قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ (8) أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ جَاءَنِي كِتَابٌ لَكَ يَنْقُضُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ، كَتَبْتَ إِلَيَّ: مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْكَ.
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ مَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) في المصدر: إلى النّار و النّدامة.
(2) في المصدر: بيوم.
(3) في المصدر: بها منك.
(4) كشف اليقين- اليقين-: 95.
(5) في المصدر: فيما نذكره عن الحسين بن سعيد عن كتابه- كتاب البهار في إنكار أسامة بن زيد لأبي بكر، بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم أن يسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين- نذكر ما نحتاج إليه بلفظه المعتمد عليه و نترك ما لا ضرورة إليه، فنقول: عن رجال الحسين ما هذا لفظه: محمّد ابن أبي عمير، عن عليّ بن الزّيّات.
(6) في المصدر: سكن العرار.
(7) في المصدر: صلّى اللّه عليه و على أهل بيته.
(8) لا يوجد في المصدر: إليه.
97
عَلَيْهِ وَ آلِهِ حِينَ أَمَرَنَا أَنْ (1) نُسَلِّمَ عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتَ: أَ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ؟! فَقَالَ لَكَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: أَ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ؟! فَقَالَ:
نَعَمْ، ثُمَّ قَامَ (2) الْقَوْمُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَكُمْ سِنّاً، فَقُمْتُ فَسَلَّمْتُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ؟! فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ (3) لَهُمُ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ.
____________
(1) في المصدر: فلمّا قدم عليه و على أهل بيته حين أمرنا أن .. و الظّاهر وجود سقط في المصدر.
(2) في (س): قال، بدلا من: قام.
(3) في المصدر: يجمع.
99
10- باب إقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين و خلافته بعد الغصب
1- ج (1): عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ (2) بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: لَمَّا قَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَقَدَّمَ عَلِيّاً وَ هُوَ يَقُولُ: أَنَا أَوْلَى بِالْمَكَانِ مِنْهُ.
قَامَ أَبُو بَكْرٍ خَطِيباً فَقَالَ: صَبْراً عَلَى مَنْ لَيْسَ يَئُولُ إِلَى دِينٍ، وَ لَا يَحْتَجِبُ بِرِعَايَةٍ، وَ لَا يَرْعَوِي (3) لِوَلَايَةٍ، أَظْهَرَ الْإِيمَانَ ذِلَّةً، وَ أَسَرَّ (4) النِّفَاقَ عِلَّةً (5)، هَؤُلَاءِ عُصْبَةُ الشَّيْطَانِ، وَ جَمْعُ الطُّغْيَانِ ..
تَزْعُمُونَ (6) أَنِّي أَقُولُ: إِنِّي أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، وَ كَيْفَ أَقُولُ ذَلِكَ؟ وَ مَا لِي سَابِقَتُهُ وَ لَا قَرَابَتُهُ وَ لَا خُصُوصِيَّتُهُ، وَحَّدَ اللَّهَ وَ أَنَا مُلْحِدُهُ، وَ عَبَدَهُ (7) قَبْلَ أَنْ أَعْبُدَهُ، وَ وَالَى
____________
(1) الاحتجاج 1- 88 [طبعة النّجف: 1- 115- 116].
(2) لا يوجد في المصدر: عن الزّبير، و هو الظّاهر.
(3) أي: لا ينزجر عن القبيح.
(4) خ. ل: أسّس.
(5) في المصدر: غلّة.
(6) احتجاج: يزعمون.
(7) في المصدر: عبده عليّ.
100
الرَّسُولَ وَ أَنَا عَدُوُّهُ، وَ سَبَقَنِي بِسَاعَاتٍ لَوْ تَقَطَّعْتُ (1) لَمْ أَلْحَقْ ثَنَاءَهُ (2)، وَ لَمْ أَقْطَعْ غُبَارَهُ.
إِنَ (3) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَازَ- وَ اللَّهِ- مِنَ اللَّهِ بِمَحَبَّتِهِ (4)، وَ مِنَ الرَّسُولِ بِقُرْبَةٍ (5)، وَ مِنَ الْإِيمَانِ بِرُتْبَةٍ، لَوْ جَهَدَ الْأَوَّلُونَ وَ الْآخِرُونَ- إِلَّا النَّبِيِّينَ- لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهُ، وَ لَمْ يَسْلُكُوا مَنْهَجَهُ.
بَذَلَ لِلَّهِ (6) مُهْجَتَهُ، وَ لِابْنِ عَمِّهِ مَوَدَّتَهُ، كَاشِفُ الْكَرْبِ، وَ دَافِعُ (7) الرَّيْبِ، وَ قَاطِعُ السَّبَبِ إِلَّا سَبَبَ الرَّشَادِ، وَ قَامِعُ الشِّرْكِ، وَ مُظْهِرٌ مَا تَحْتَ سُوَيْدَاءِ حَبَّةِ النِّفَاقِ، مَجَنَّةُ هَذَا (8) الْعَالَمِ، لَحِقَ قَبْلَ أَنْ يُلَاحَقَ، وَ بَرَزَ قَبْلَ أَنْ يُسَابَقَ، جَمَعَ الْعِلْمَ وَ الْحِلْمَ وَ الْفَهْمَ، فَكَأَنَّ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ كَانَتْ (9) لِقَلْبِهِ كُنُوزاً، لَا يَدَّخِرُ مِنْهَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ إِلَّا أَنْفَقَهُ فِي بَابِهِ.
فَمَنْ ذَا يَأْمُلُ (10) أَنْ يَنَالَ دَرَجَتَهُ وَ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِيّاً، وَ لِلنَّبِيِ
____________
(1) في المصدر: انقطعت.
(2) خ. ل: شاره، و في نسخة: شأوه، و كذا في المصدر، و قد تعرّض المصنّف (قدّس سرّه) إلى ذلك في بيانه.
(3) في الاحتجاج: و إنّ.
(4) في نسخة: محبّة، و في المصدر بمحبّة.
(5) في المصدر: بقرابة.
(6) في المصدر: في اللّه.
(7) خ. ل: دامغ، و كذا في المصدر.
(8) في المصدر: محنة لهذا ..: قال في الصّحاح 5- 2094: المجنة- أيضا-: الموضع الّذي يستتر فيه انتهى.
أقول: يكون المعنى أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مجنّة هذا العالم، أي كلّ ما في العالم مستتر في نفس أمير المؤمنين (عليه السلام).
(9) لا يوجد في المصدر: كانت.
(10) في المصدر: يؤمّل.
101
وَصِيّاً، وَ لِلْخِلَافَةِ وَاعِياً (1)، وَ بِالْإِمَامَةِ قَائِماً؟! أَ فَيَغْتَرُّ الْجَاهِلُ بِمَقَامِ قِمَّتِهِ إِذْ أَقَامَنِي وَ أَطَعْتُهُ إِذْ أَمَرَنِي؟
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَ عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِ (2)، مَنْ أَطَاعَ عَلِيّاً رَشَدَ، وَ مَنْ عَصَى عَلِيّاً فَسَدَ، وَ مَنْ أَحَبَّهُ سَعِدَ، وَ مَنْ أَبْغَضَهُ شَقِيَ.
وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ نُحِبَ (3) ابْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا لِأَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُوَاقِعْ لِلَّهِ (4) مُحَرَّماً، وَ لَا عَبَدَ (5) مِنْ دُونِهِ صَنَماً، وَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَجِبُ.
فَكَيْفَ لِأَسْبَابٍ أَقَلُّهَا مُوجِبٌ، وَ أَهْوَنُهَا مُرَغِّبٌ! لَهُ الرَّحِمُ (6) الْمَاسَّةُ بِالرَّسُولِ، وَ الْعِلْمُ بِالدَّقِيقِ وَ الْجَلِيلِ، وَ الرِّضَا بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ، وَ الْمُوَاسَاةُ فِي الْكَثِيرِ وَ الْقَلِيلِ، وَ خِلَالٌ لَا يُبْلَغُ عَدُّهَا، وَ لَا يُدْرَكُ مَجْدُهَا.
وَدَّ الْمُتَمَنُّونَ أَنْ لَوْ كَانُوا تُرَابَ (7) ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَ لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ لِوَاءِ الْحَمْدِ، وَ السَّاقِيَ يَوْمَ الْوُرُودِ (8)، وَ جَامِعَ كُلِّ كَرَمٍ، وَ عَالِمَ كُلِّ عِلْمٍ، وَ الْوَسِيلَةَ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى رَسُولِهِ؟!.
بيان: قوله: لم ألحق ثناءه، كذا في بعض النسخ، أي: لا أطيق أن
____________
(1) في المصدر: راعيا.
(2) مرّت جملة من مصادر هذا الحديث، و جاء في الغدير 3- 177 و 178 الحديث مع مصادره بهذا الشّكل: عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ.
(3) في المصدر: يحبّ.
(4) في (ك): اللّه، و كذا في نسخة من المصدر.
(5) في البحار المطبوع: عبده.
(6) في المصدر: للرّحم- بلا ضمير-.
(7) في الاحتجاج: تراب أقدام.
(8) نصّ عليه جملة من محدّثي العامّة، و جاء في الغدير 2- 321 و 322 عن عدّة مصادر، و جاء في المناقب عن جابر الأنصاريّ، و حكاه عن مسند أحمد بن حنبل، و بلفظ آخر في حلية الأولياء عن أبي هريرة، و جاء في الغدير أيضا 10- 121: أنّه (عليه السلام) ساقي الحوض.
و يعدّ هذا من ضروريّات مذهب الخاصّة.
102
أثنى عليه كما هو أهله (1)، و في بعضها: شأوه: و هو الغاية و الأمد و السّبق، يقال: شأوت القوم شأوا، أي: سبقتهم (2)، و في بعضها: شاره، و لعله من الشارة، و هي الهيئة الحسنة و الحسن و الجمال و الزّينة (3)، و لا يبعد أن يكون في الأصل: ناره، لاستقامة السجع و بلاغة المعنى.
و أما قوله: و لم أقطع غباره، فهو مثل، يقال: فلان ما يشقّ غباره إذا سبق غيره في الفضل، أي: لا يلحق أحد غباره فيشقّه (4)، كما هو المعروف في المثل بين العجم: أو ليس له غبار لسرعته، و اختار الميداني الأخير، حيث قال:
يريد (5): أنّه لا غبار له فيشقّ، و ذلك لسرعة عدوه و خفّة وطئه، و قال:
مواقع وطئه فلو أنّه* * * يجزي (6)برملة عالج لم يرهج
و قال النابغة:
أعلمت يوم عكاظ حين لقيتني* * * تحت العجاج فما شققت غباري
يضرب لمن لا يجارى، لأنّ مجاريك يكون معك في الغبار، فكأنّه قال (7):
____________
(1) قوله: لو تقطعت لم ألحق ثناءه، أي: لو اجتهدت و صرت في طريق الثناء عليه قطعة قطعة لم ألحق بمرتبة من الثناء، و هذه كناية عن عدم القدرة على ثناء الشخص.
(2) كما في الصحاح 6- 2388، القاموس 4- 346.
(3) كما نصّ عليه في القاموس 2- 65، و فيه: أنّ الشارة الهيئة، من دون تقييد لها بالحسنة، و لاحظ:
الصحاح 2- 705.
(4) انظر: المستقصى في أمثال العرب 1- 333، و لسان العرب 5- 5.
(5) في المصدر: يراد.
(6) في (س): يأتي.
(7) لا يوجد: قال، في (س)، و هو موجود في (ك) و المصدر.
103
لا قرن له يجاريه (1).
و قال الجوهري: سواد القلب و سويداؤه: حبّته (2).
____________
(1) مجمع الأمثال للميداني 2- 294، و لاحظ فرائد اللئال 2- 258.
(2) الصحاح 2- 492، و قارن به: مجمع البحرين 3- 73، القاموس 1- 304.
و قال في لسان العرب 3- 227: السويدا: الاست.
و الظاهر أنّ المناسب لهذا المقام هو هذا المعنى، أعني: الاست بمعنى الأساس، فتدبّر.
105
11- باب نزول الآيات في أمر فدك (1) و قصصه و جوامع الاحتجاج فيه و فيه قصّة خالد و عزمه على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
1- ن (2): فِيمَا احْتَجَّ الرِّضَا (عليه السلام) فِي فَضْلِ الْعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ.
قَالَ: وَ الْآيَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ (3) اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (4) خُصُوصِيَةٌ خَصَّهُمُ الْعَزِيزُ (5) الْجَبَّارُ بِهَا، وَ اصْطَفَاهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: ادْعُوا إِلَيَّ فَاطِمَةَ.
____________
(1) فدك منصرف و غير منصرف، قاله في مجمع البحرين 5- 283، و قد ورد على كلا الوجهين في الروايات.
قال في معجم البلدان 4- 238: فدك- بالتحريك و آخره كاف-: قرية بالحجاز، بينها و بين المدينة يومان، و قيل: ثلاثة، أفاءها اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم في سنة سبع صلحا ثمّ ذكر ما جرى عليها من الاختلاف الكثير بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و لخّصه في مراصد الاطّلاع 3- 1020.
(2) عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 1- 233 ضمن حديث 1.
(3) في المصدر: قول.
(4) الإسراء: 26.
(5) في المصدر: اللّه العزيز.
106
فَدُعِيَتْ لَهُ، فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ! قَالَتْ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَدَكُ هِيَ مِمَّا (1) لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ (2) وَ لَا رِكَابٍ، وَ هِيَ لِي خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَدْ جَعَلْتُهَا لَكِ، لِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ (3) بِهِ، فَخُذِيهَا لَكِ وَ لِوُلْدِكِ.
بيان: نزول هذه (4) الآية في فدك رواه كثير من المفسّرين (5)، و وردت به الأخبار من طرق الخاصّة و العامّة (6).
____________
(1) في المصدر: هذه فدك ممّا هي.
(2) في المصدر: بالخيل.
(3) في المصدر: اللّه تعالى.
(4) لا يوجد لفظ: هذه، في (س).
(5) راجع: تفسير فرات الكوفيّ: 118- 119 رواه بأربعة طرق، تفسير التبيان 6- 467 و 8- 253، شواهد التنزيل 1- 338- 341 حديث 467- 473، الدّر المنثور 5- 273- 274 نقلا عن البزاز و أبي يعلى و ابن أبي حاتم و ابن مردويه، مجمع البيان 4- 306، تفسير العيّاشي 2- 287 حديث 46- 50.
(6) الأخبار من طرق الخاصّة وردت هاهنا في ضمن هذا الباب، و أمّا من طرق العامّة، فمنها:
مجمع الزوائد 7- 49، كنز العمّال 3- 767 حديث 8696.
و انظر عن فدك و شكوى فاطمة (سلام اللّه عليها)، غير ما ألّفته الخاصّة و العامّة من كتب مستقلّة في الباب- عدّ منها شيخنا الطهرانيّ في الذريعة 16- 129 عشرة كتب-: تاريخ الطبريّ 3 198، العقد الفريد 2- 257، تاريخ أبي الفداء 1- 165، شرح ابن أبي الحديد 2- 19، أعلام النساء 3- 1205، إرشاد الساري 2- 390.
و جاء في الإمامة و السّياسة 1- 13، و كتاب الإمام عليّ لعبد الفتّاح عبد المقصود 1- 225:
و قد خرجت عن خدرها و هي تبكي و تنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول اللّه، ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب و ابن أبي قحافة؟!!.
و عدّ العلّامة الأميني (رحمه الله) عشرات المصادر في موسوعته الغدير 3- 104 و 5- 147 و 7 77، و غيرها.
و انظر إحقاق الحقّ 1- 296، 3- 549، 10- 296- 305 و 433، 14- 575 577 و 618، 19- 119 و 162، و غيرها.
107
قال الشيخ الطبرسي (1) (رحمه الله):
قيل: إنّ المراد قرابة الرسول.
عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- حِينَ بَعَثَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ-: أَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَ مَا قَرَأْتَ وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2)؟
قَالَ: وَ إِنَّكُمْ ذُو الْقُرْبَى الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُؤْتَى حَقَّهُ؟
قَالَ: نَعَمْ..
و هو الّذي رواه أصحابنا رضي اللّه عنهم عن الصادقين (عليهم السلام).
و أخبرنا السيّد مهدي بن نزار الحسني- بإسناد ذكره- عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت قوله: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (3) أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة فدك.
قال عبد الرحمن بن صالح: كتب المأمون إلى عبيد اللّه بن موسى يسأله عن قصّة فدك، فكتب إليه عبيد اللّه بهذا الحديث، رواه عن الفضيل بن مرزوق عن عطية، فردّ المأمون فدك على ولد فاطمة، انتهى.
و روى العياشي (4) حديث عبد الرحمن بن صالح، إلى آخره.
2- جا (5): الْجِعَابِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ (6) بْنِ جَعْفَرٍ الْحَسَنِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- (عليه السلام)- قَالَتْ: لَمَّا اجْتَمَعَ رَأْيُ
____________
(1) مجمع البيان 3- 411.
(2) الإسراء: 26.
(3) الإسراء: 26.
(4) تفسير العيّاشي 2- 287- 288 حديث 51.
(5) أمالي المفيد- المجالس-: 40- 41 حديث 8.
(6) في المصدر: قال: أخبرني أبو بكر محمّد بن عمر الجعابيّ، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه [جعفر بن] محمّد.
108
أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكَ وَ الْعَوَالِيَ (1)، وَ أَيِسَتْ مِنْ إِجَابَتِهِ لَهَا، عَدَلَتْ إِلَى قَبْرِ أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَ شَكَتْ إِلَيْهِ مَا فَعَلَهُ الْقَوْمُ بِهَا، وَ بَكَتْ حَتَّى بُلَّتْ تُرْبَتُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بِدُمُوعِهَا (عليها السلام)، وَ نَدَبَتْهُ.
ثُمَّ قَالَتْ فِي آخِرِ نُدْبَتِهَا (2):
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ (3)* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ يَكْبُرِ (4) الْخَطْبُ (5)
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا (6)* * * وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ فَقَدْ نَكَبُوا (7)
قَدْ كَانَ جِبْرِيلُ بِالْآيَاتِ يُؤْنِسُنَا* * * فَغِبْتَ عَنَّا فَكُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجَبٌ
وَ كُنْتَ (8) بَدْراً وَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ* * * عَلَيْكَ تَنْزِلُ مِنْ ذِي الْعِزَّةِ الْكُتُبُ
(9)
____________
(1) قال في النّهاية 3- 295: و فيه ذكر العالية و العوالي في غير موضع من الحديث، و هي أماكن بأعلى أراضي المدينة، و النّسبة إليها علويّ على غير قياس، و أدناها من المدينة على أربعة أميال، و أبعدها من جهة نجد ثمانية.
(2) خ. ل: ندبه.
(3) قال في النّهاية 5- 2707: إنّ فاطمة قالت بعد موت النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ..
الهنبثة واحدة الهنابث، و هي الأمور الشّداد المختلفة، و الهنبثة: الاختلاط في القول، و النّون زائدة.
(4) في المصدر: لم تكثر.
(5) قال في مجمع البحرين 2- 51: الخطب: الأمر الّذي يقع فيه المخاطبة و الشّأن و الحال.
(6) قال في مجمع البحرين 5- 490: الوابل: المطر الشّديد.
(7) أي: عدلوا و مالوا.
(8) في المصدر: فكنت.
(9) جاءت هذه الأبيات في شرح نهج البلاغة هكذا:
قد كان بعدك أنباء و هينمة* * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم* * * لمّا قضيت و حالت دونك الكتب
تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا* * * إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصب
أقول: الهينمة: الصّوت الخفيّ، و في طبعة من شرح النّهج: الكثب.
109
تَجَهَّمَتْنَا رِجَالٌ وَ اسْتُخِفَّ بِنَا* * * بَعْدَ النَّبِيِّ وَ كُلُّ الْخَيْرِ مُغْتَصَبُ
سَيَعْلَمُ الْمُتَوَلِّي ظُلْمَ حَامَتِنَا* * * يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّى سَوْفَ يَنْقَلِبُ
فَقَدْ لَقِينَا الَّذِي لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ* * * مِنَ الْبَرِيَّةِ لَا عُجْمٌ وَ لَا عَرَبٌ
فَسَوْفَ نَبْكِيكَ مَا عِشْنَا وَ مَا بَقِيَتْ* * * لَنَا الْعُيُونُ بِتِهْمَالٍ لَهُ سَكْبُ (1)
.
بيان: الحامّة: خاصّة الرّجل، و التخفيف لضرورة الشعر، قال في النهاية: في الحديث: الّلهمّ إنّ (2) هؤلاء أهل بيتي و حامّيتي (3) أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا .. حامّة الإنسان خاصّته و من يقرب منه، و هو الحميم أيضا (4)، انتهى.
و التّهمال من الهمل، و إن لم يرد في اللغة، قال الجوهري: هملت عينه تهمل و تهمل هملا و هملانا: أي فاضت، و انهملت مثله (5).
و قال: سكبت الماء سكبا أي: صبيته، و سكب الماء نفسه (6) سكوبا و تسكابا و انسكب بمعنى (7) و سيأتي شرح باقي الأبيات في بيان خطبتها.
3- فر (8): زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ
____________
(1) جاءت هذه الشّكوى منها (سلام اللّه عليها) في جملة من كتب العامّة و اختلف في مقدار الأبيات.
انظر: بلاغات النّساء لابن طيفور 12، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16- 212 [4- 93 ذات أربع مجلّدات]، أعلام النّساء 3- 1208، و عدّ لها مصادر أخرى في إحقاق الحقّ 19- 162.
(2) لا يوجد في المصدر: إنّ.
(3) في المصدر: حامّتي.
(4) النهاية 1- 446، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 52، الصحاح 5- 1907.
(5) الصحاح 5- 1854، و انظر: لسان العرب 11- 710، مجمع البحرين 5- 501.
(6) في الصحاح: بنفسه.
(7) الصحاح 1- 148، و انظر: القاموس 1- 82، مجمع البحرين 2- 83.
(8) تفسير فرات الكوفيّ: 159.
110
عُبَيْدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام) قَالَ: لَمَّا (1) نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، شَدَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سِلَاحَهُ وَ أَسْرَجَ دَابَّتَهُ، وَ شَدَّ عَلِيٌّ (عليه السلام) سِلَاحَهُ وَ أَسْرَجَ دَابَّتَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ- وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَا يَعْلَمُ حَيْثُ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- حَتَّى [انْتَهَيَا] (2) إِلَى فَدَكَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيٌّ! تَحْمِلُنِي أَوْ أَحْمِلُكَ؟.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَحْمِلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! بَلْ أَنَا أَحْمِلُكَ، لِأَنِّي أَطُولُ بِكَ (3) وَ لَا تَطُولُ بِي.
فَحَمَلَ عَلِيّاً (4) (عليه السلام) عَلَى كَتِفَيْهِ، ثُمَّ قَامَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَطُولُ بِهِ (5) حَتَّى عَلَا عَلَى (6) سُورِ الْحِصْنِ، فَصَعِدَ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَلَى الْحِصْنِ وَ مَعَهُ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَذَّنَ (7) عَلَى الْحِصْنِ وَ كَبَّرَ.
فَابْتَدَرَ أَهْلُ الْحِصْنِ إِلَى بَابِ الْحِصْنِ هُرَّاباً، حَتَّى فَتَحُوهُ وَ خَرَجُوا مِنْهُ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِجَمْعِهِمْ، وَ نَزَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمْ، فَقَتَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ عُظَمَائِهِمْ وَ كُبَرَائِهِمْ، وَ أَعْطَى الْبَاقُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَ سَاقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ذَرَارِيَّهُمْ وَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَ غَنَائِمَهُمْ يَحْمِلُونَهَا (8) عَلَى
____________
(1) جاء في المصدر: .. يحيى قال سأل محمّد بن الحسن رجل حضرنا فقلت جعلت فداك كان من أمر فدك دون المؤمنين على وجهه ففسّرها لنا، قال: نعم لمّا ...
(2) في مطبوع البحار: انتهى، و المثبت من المصدر.
(3) أي: أقدر أن أحملك مع قيام صلبي، كذا لغة. انظر: القاموس المحيط 4- 9.
(4) في المصدر: فحمل رسول اللّه عليّا.
(5) لا يوجد في المصدر: به.
(6) في المصدر: علا عليّ على.
(7) في المصدر: و أذّن.
(8) في المصدر: يحملون.
111
رِقَابِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ (1).
فَلَمْ يُوجِفْ فِيهَا غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَهِيَ لَهُ (2) وَ لِذُرِّيَّتِهِ خَاصَّةً دُونَ الْمُؤْمِنِينَ.
4- كنز (3): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمُقَانِعِيِّ، عَنْ أَبِي كَرِبٍ (4)، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ فُضَيْلِ (5) بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (6) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ- (عليها السلام)- وَ أَعْطَاهَا فَدَكاً.
5- مد (7): بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْبُخَارِيِّ مِنْ صَحِيحِهِ (8)، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ شِهَابٍ (9)، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَ فَدَكَ وَ مَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) جاءت روايات فتح خيبر بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) في جملة من مصادر الفريقين، تجدها في إحقاق الحقّ 3- 403 و 404 و 410، و فتح فدك بعد خيبر، فراجع.
(2) لا يوجد في المصدر: فهي له.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة في فضائل العترة الطّاهرة، لشرف الدّين النّجفيّ 1- 435 حديث 5.
(4) في المصدر: أبي كريب.
(5) في المصدر: عن فضل.
(6) الرّوم: 38.
(7) العمدة: 390 حديث 776.
(8) أخرجه البخاريّ في باب فرض الخمس 5- 5 عن عائشة، و أخرجه مع ذيله في باب غزوة خيبر 6- 196 عن عائشة أيضا، و تجده مفصّلا في 5- 177، و غيرها و في غيره.
(9) في المصدر: عن ابن شهاب.
112
عَلَيْهِ وَ آلِهِ، وَ لَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ (1) شَيْئاً.
فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) لَيْلًا وَ لَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَ صَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) (2).
6- وَ رَوَى (3) مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ..
7- مِصْبَاحُ الْأَنْوَارِ (4): عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام) (5) قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) لِعَلِيٍّ (عليه السلام):
إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً يَا أَبَا الْحَسَنِ.
فَقَالَ: تُقْضَى (6) يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَتْ: نَشَدْتُكَ (7) بِاللَّهِ وَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَ لَا عُمَرُ، فَإِنِّي لَأَكْتُمُكَ (8) حَدِيثاً، فَقَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: فاطمة (عليها السلام) منها.
(2) جاءت القصّة بطرق متعدّدة، نصّ عليها في الغدير 7- 226 و 227 و 229 و 230، و غيرها مع اختلاف في العبارة. و قارن بإحقاق الحقّ 10- 296- 305 عن عدّة مصادر.
(3) أي ابن بطريق في العمدة: 390- 391 حديث 777، عن صحيح مسلم 3- 1380 صدر حديث 52 [طبعة أخرى 2- 72] كتاب الجهاد.
و انظر: مسند أحمد 1- 6 و 9، تاريخ الطّبريّ 3- 202، سنن البيهقيّ 6- 300، تاريخ الخميس 2- 193، كفاية الطّالب: 226، تاريخ ابن كثير 5- 285، و قال ابن كثير 6- 333: و لم تزل فاطمة تبغضه مدّة حياتها، و سنن أبي داود برقم 2968 و 2969 كتاب الخراج و الإمارة و رقم 2973، و سنن النّسائيّ 7- 132 كتاب قسم الفيء، و جامع الأصول 9- 637- 638 حديث 7438، و سنن التّرمذيّ 1607 في السّير و غيرها.
(4) مصباح الأنوار: 259- 260.
(5) في المصدر: (عليهم السلام).
(6) في النّسخة: نقضي، و المثبت من المصدر.
(7) في المصدر: أنشدتك.
(8) في المصدر: لا أكتمك.
113
وَ آلِهِ: يَا فَاطِمَةُ! إِنَّكِ أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَكُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أَسُوءَكَ.
قَالَ: فَلَمَّا قُبِضَتْ أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ قَالا: لِمَ لَا تُخْرِجُهَا حَتَّى نُصَلِّيَ عَلَيْهَا؟
فَقَالَ: مَا أَرَانَا إِلَّا سَنُصْبِحُ، ثُمَّ دَفَنَهَا لَيْلًا، ثُمَّ صَوَّرَ بِرِجْلِهِ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَقْبُرٍ.
قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَوْهُ فَقَالا (1): يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَدْفَنَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ لَمْ نَحْضُرْهَا؟
قَالَ: ذَلِكَ عَهْدُهَا إِلَيَّ.
قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَ اللَّهِ شَيْءٌ فِي جَوْفِكَ.
فَثَارَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ (2)، ثُمَّ جَذَبَهُ فَاسْتَرْخَى فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ لَا كِتَابٌ سَبَقَ وَ قَوْلٌ مِنَ اللَّهِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ فَرَرْتَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَ فِي مَوَاطِنَ، ثُمَّ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ لَكَ تَوْبَةً حَتَّى السَّاعَةِ.
فَأَخَذَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ جَذَبَهُ وَ قَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْهُ.
8- فس (3): وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ (4) يَعْنِي:
قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ نَزَلَتْ (5) فِي فَاطِمَةَ (عليها السلام)، فَجَعَلَ لَهَا فَدَكَ.
وَ الْمِسْكِينِ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ، وَ ابْنِ السَّبِيلِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ وُلْدِ فَاطِمَةَ.
9- فس (6): مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ (7)، قَالَ: الْمَنَّاعُ: الثَّانِي، وَ الْخَيْرُ: وَلَايَةُ
____________
(1) في المصدر: فقالوا، و كذا في نسخة على هامش المطبوع من البحار.
(2) أي: جعل ثيابه في عنقه و صدره ثمّ قبضه و جرّه.
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 18.
(4) الإسراء: 26.
(5) في المصدر: و أنزلت.
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 326.
(7) سورة ق: 25، القلم: 12.
114
أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ حُقُوقُ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام).
وَ لَمَّا كَتَبَ الْأَوَّلُ كِتَابَ فَدَكَ بِرَدِّهَا (1) عَلَى فَاطِمَةَ مَنَعَهُ (2) الثَّانِي، فَهُوَ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (3).
10- يج (4): رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَ (5) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَاجِعاً نَزَلَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَبَيْنَمَا (6) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَطْعَمُ وَ النَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُمْ فَارْكَبْ.
فَقَامَ النَّبِيُّ فَرَكِبَ وَ جَبْرَئِيلُ مَعَهُ، فَطُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ كَطَيِّ الثَّوْبِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى فَدَكَ.
فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ فَدَكَ وَقْعَ الْخَيْلِ ظَنُّوا أَنَّ عَدُوَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ، فَغَلَّقُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ وَ دَفَعُوا الْمَفَاتِيحَ إِلَى عَجُوزٍ لَهُمْ فِي بَيْتٍ لَهُمْ خَارِجٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (7)، وَ لَحِقُوا بِرُءُوسِ الْجِبَالِ.
فَأَتَى جَبْرَئِيلُ الْعَجُوزَ حَتَّى أَخَذَ الْمَفَاتِيحَ، ثُمَّ فَتَحَ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ، وَ دَارَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي بُيُوتِهَا وَ قُرَاهَا.
فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَا خَصَّكَ اللَّهُ بِهِ وَ أَعْطَاكَهُ (8) دُونَ النَّاسِ، وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي
____________
(1) في المصدر: يردّها.
(2) في المصدر: شقّه.
(3) سورة ق: 25، و في مطبوع البحار: «مُعْتَدٍ أَثِيمٍ»، و هي آية 12 من سورة القلم، و ليست هي مورد الشّاهد في المصدر.
(4) الخرائج: 25 [طبعة مدرسة الإمام المهديّ (ع) 1- 3- 112 حديث 187].
(5) في المصدر: أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ.
(6) في المصدر: فبينا.
(7) في المصدر: خارج المدينة.
(8) في المصدر: أعطاك.
115
الْقُرْبى (1) [فِي] (2) قَوْلُهُ: فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ (3)، وَ لَمْ يَعْرِفِ الْمُسْلِمُونَ وَ لَمْ يَطَئُوهَا، وَ لَكِنَّ اللَّهَ أَفَاءَهَا عَلَى رَسُولِهِ، وَ طَوَّفَ بِهِ جَبْرَئِيلُ فِي دُورِهَا وَ حِيطَانِهَا، وَ غَلَّقَ الْبَابَ وَ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ إِلَيْهِ.
فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي غِلَافِ سَيْفِهِ- وَ هُوَ مُعَلَّقٌ بِالرَّحْلِ ثُمَّ رَكِبَ، وَ طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ كَطَيِّ الثَّوْبِ، ثُمَّ أَتَاهُمْ (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُمْ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا وَ لَمْ يَبْرَحُوا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): قَدِ (5) انْتَهَيْتُ إِلَى فَدَكَ، وَ إِنِّي قَدْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيَّ.
فَغَمَزَ الْمُنَافِقُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): هَذِهِ مَفَاتِيحُ فَدَكَ، ثُمَّ أَخْرَجَ (6) مِنْ غِلَافِ سَيْفِهِ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَكِبَ مَعَهُ النَّاسُ.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) (7) فَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَفَاءَ عَلَى أَبِيكِ بِفَدَكَ وَ اخْتَصَّهُ بِهَا، فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ (8) أَفْعَلُ بِهَا مَا أَشَاءُ، وَ إِنَّهُ قَدْ كَانَ لِأُمِّكِ خَدِيجَةَ عَلَى أَبِيكِ مَهْرٌ، وَ إِنَّ أَبَاكِ قَدْ جَعَلَهَا لَكِ (9)
____________
(1) الحشر: 7.
(2) في مطبوع البحار: و ذلك، و المثبت من المصدر.
(3) الحشر: 6.
(4) في المصدر: فأتاهم.
(5) في المصدر: للنّاس قد.
(6) في المصدر: أخرجها، على بعض النّسخ.
(7) في المصدر: فلمّا دخل على فاطمة (عليها السلام)، كذا في طبعة مدرسة الإمام المهديّ (ع).
(8) في (س): المؤمنين.
(9) في (س): له.
116
بِذَلِكِ، وَ أَنْحَلْتُكِهَا لَكِ (1) وَ لِوُلْدِكِ بَعْدَكِ.
قَالَ (2): فَدَعَا بِأَدِيمٍ (3)، وَ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام) بِفَدَكَ نِحْلَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَشَهِدَ (4) عَلَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ وَ أُمُّ أَيْمَنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَ جَاءَ أَهْلُ فَدَكَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَاطَعَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ (5).
بيان: آية الفيء في موضعين:
إحداهما: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (6).
ثانيتهما: وَ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (7).
و الفيء: الرّجوع (8) أي أرجعه اللّه و ردّه على رسوله.
و المشهور أنّ الضمير في منهم راجع إلى بني النضير.
و الإيجاف: من الوجيف و هو السّبر السرّيع (9).
____________
(1) في المصدر: و نحلتكها تكون لك.
(2) لا توجد: قال، في (س).
(3) في المصدر: بأديم عكاظي.
(4) في المصدر: و شهد.
(5) و قد سبق من المصنّف (قدّس سرّه) في البحار 17- 378 حديث 46، و ذكره في إثبات الهداة 2 116 حديث 515.
(6) الحشر: 7.
(7) الحشر: 6.
(8) كما في: مجمع البحرين 1- 333، و النهاية 3- 482، و لسان العرب 1- 125.
(9) انظر: مجمع البحرين 5- 127، و النهاية 5- 157، و لسان العرب 9- 352.
117
و الرّكاب من الإبل ما يركب، و الواحدة راحلة (1).
11- قب (2): نَزَلَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى فَدَكَ يُحَارِبُهُمْ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَ مَا يَأْمَنُكُمْ أَنْ تَكُونُوا آمِنِينَ فِي هَذَا الْحِصْنِ وَ أَمْضِي إِلَى حُصُونِكُمْ فَأَفْتَحُهَا.
فَقَالُوا: إِنَّهَا مُقَفَّلَةٌ، وَ عَلَيْهَا مَنْ (3) يَمْنَعُ عَنْهَا، وَ مَفَاتِيحُهَا عِنْدَنَا.
فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّ مَفَاتِيحَهَا دُفِعَتْ إِلَيَّ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا وَ أَرَاهَا الْقَوْمَ.
فَاتَّهَمُوا دَيَّانَهُمْ (4) أَنَّهُ صَبَا (5) إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، وَ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ إِلَيْهِ.
فَحَلَفَ أَنَّ الْمَفَاتِيحَ عِنْدَهُ، وَ أَنَّهَا فِي سَفَطٍ (6) فِي صُنْدُوقٍ فِي بَيْتٍ مُقَفَّلٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا فُتِّشَ عَنْهَا فَفُقِدَتْ.
فَقَالَ الدَّيَّانُ: لَقَدْ أَحْرَزْتُهَا وَ قَرَأْتُ عَلَيْهَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَ خَشِيتُ مِنْ سِحْرِهِ، وَ أَعْلَمُ الْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ، وَ إِنَّ أَمْرَهُ لَعَظِيمٌ.
فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالُوا: مَنْ أَعْطَاكَهَا؟
قَالَ: أَعْطَانِي الَّذِي أَعْطَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ: جَبْرَئِيلُ.
____________
(1) كما صرّح به في مجمع البحرين 2- 74، و الصحاح: 1- 138، و قارن به القاموس 1- 75، و لسان العرب 1- 431.
(2) المناقب لابن شهرآشوب 1- 142.
(3) في المصدر: ما.
(4) كذا، و لعلّه: ديّارهم.
قال في القاموس 2- 33: الدّير: خان النّصارى، جمعه أديار، و صاحبه ديّار و ديرانيّ، و يقال لمن رأس أصحابه: رأس الدّير.
و قال في 4- 225: الدّيّان: القهّار و القاضي و الحاكم و السّائس و الحاسب و المجازي الّذي لا يضيع عملا.
(5) أي: مال.
(6) قال في مجمع البحرين 4- 253: السّفط: يعبّى فيه الطّيب و نحوه، و يستعار للتّابوت الصّغير و في (س): سقط.
118
فَتَشَهَّدَ الدَّيَّانُ، ثُمَّ فَتَحُوا الْبَابَ وَ خَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَ أَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ (1) مِنْهُمْ، فَأَقَرَّهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَ أَخَذَ مِنْهُمْ أَخْمَاسَهُمْ.
فَنَزَلَ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2).
قَالَ: وَ مَا هُوَ؟
قَالَ: أَعْطِ فَاطِمَةَ فَدَكاً، وَ هِيَ مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْ أُمِّهَا خَدِيجَةَ، وَ مِنْ أُخْتِهَا هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي هَالَةَ، فَحَمَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا أَخَذَ مِنْهُ، وَ أَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ.
فَقَالَتْ: لَسْتُ أُحْدِثُ فِيهَا حَدَثاً وَ أَنْتَ حَيٌّ، أَنْتَ أَوْلَى بِي مِنْ نَفْسِي وَ مَالِي لَكَ.
فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عَلَيْكِ سُبَّةً فَيَمْنَعُوكِ إِيَّاهَا مِنْ بَعْدِي.
فَقَالَتْ: أَنْفِذْ فِيهَا أَمْرَكَ، فَجَمَعَ النَّاسَ إِلَى مَنْزِلِهَا وَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام)، فَفَرَّقَهُ فِيهِمْ، وَ كَانَ كُلُّ سَنَةٍ كَذَلِكَ، وَ يَأْخُذُ مِنْهُ قُوتَهَا، فَلَمَّا دَنَا وَفَاتُهُ دَفَعَهُ إِلَيْهَا.
بيان: السُّبَّةُ- بالضّمّ-: العارُ (3)، أي: يمنعونها منك فيكون عارا عليك (4).
و يحتمل أن يكون شبهة، أو نحوها.
12- شي، تفسير العياشي (5): عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ،
____________
(1) لا يوجد: من أسلم، في المصدر.
(2) الإسراء: 26.
(3) كما في الصحاح 1- 145، و القاموس 1- 80، و غيرهما.
(4) أقول: لعلّ مراده (قدّس سرّه): أن القوم إذا علموا أنّي دفعت لك و ملّكتك إيّاها في حياتي فلا سبيل لهم لمنعك عنها بعد وفاتي، و إلّا لكان عارا عليهم، هذا بخلاف ما إذا لم أدفعها لك، فإنّهم سيقولون في توجيه منعهم إيّاك: إنّها إن كانت لك فلم أمسكها رسول اللّه؟ و تكون سببا لوجاهة دعواهم ظاهرا و ردّا لدعواك، و هذا عار عليك.
(5) تفسير العيّاشيّ 1- 225 حديث 49.
119
عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) انْطَلَقَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَطَلَبَتْ مِيرَاثَهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لَا يُوَرِّثُ.
فَقَالَتْ: أَ كَفَرْتَ بِاللَّهِ وَ كَذَّبْتَ بِكِتَابِهِ؟ قَالَ اللَّهُ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1).
13- شي، تفسير العياشي (2): عَنْ (3) مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ (4) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا جَبْرَئِيلُ! قَدْ عَرَفْتُ الْمِسْكِينَ، فَمَنْ ذَوُو الْقُرْبَى (5)؟
قَالَ: هُمْ أَقَارِبُكَ.
فَدَعَى حَسَناً وَ حُسَيْناً وَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعْطِيَكُمْ مَا (6) أَفَاءَ عَلَيَّ، قَالَ: أَعْطَيْتُكُمْ فَدَكَ.
شي، تفسير العياشي (7): عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ:: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):
____________
(1) النّساء: 11.
(2) تفسير العيّاشيّ 2- 287.
و اعلم: أنّ هنا خلطا بين حديثين على الظّاهر، فإنّ السّند المذكور يعود إلى سند الحديث 45 و المتن المذكور يعود إلى متن الحديث 46.
و إليك عبارة المصدر: عن محمّد بن حفص بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:
كانت صلاة الأوّابين خمسين صلاة كلّها ب «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، عن عبد الرّحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لمّا أنزل اللّه ...
و بعبارة أوجز في المصدر: عبد الرّحمن، بدلا من: محمّد بن حفص بن عمر.
(3) لا يوجد: عن، في (ك).
(4) الرّوم: 38.
(5) في المصدر: ذوي القربى.
(6) في المصدر: ممّا.
(7) تفسير العيّاشيّ 2- 287 حديث 47.
120
كَانَ (1) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكاً؟
قَالَ: كَانَ وَقَفَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2)، فَأَعْطَاهَا فَدَكاً (3).
15- شي، تفسير العياشي (4): عَنِ ابْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):
كَانَ (5) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكاً؟
قَالَ: كَانَ لَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (6).
16- شي، تفسير العياشي (7): عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ أَبَا بَكْرٍ تُرِيدُ فَدَكَ.
فَقَالَ (8): هَاتِي أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ يَشْهَدْ بِذَلِكَ.
قَالَ: فَأَتَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ.
فَقَالَ لَهَا: بِمَ تَشْهَدِينَ؟
قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَى مُحَمَّداً فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (9) يَقُولُ فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (10)، فَلَمْ يَدْرِ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ! سَلْ رَبَّكَ مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ: فَاطِمَةُ ذُو الْقُرْبَى، فَأَعْطَاهَا فَدَكاً.
____________
(1) في (س): أ كان.
(2) الإسراء: 26.
(3) في المصدر: فأعطاها رسول اللّه حقّها، قلت: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاها؟ قال:
بل اللّه أعطاها.
(4) تفسير العيّاشيّ 2- 287 حديث 48.
(5) في (س): أ كان.
(6) لا يوجد في المصدر: تعالى.
(7) تفسير العيّاشيّ 2- 287 حديث 49.
(8) في المصدر: قال.
(9) لا يوجد في المصدر: تعالى.
(10) الرّوم: 38.
121
فَزَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ مَحَا الصَّحِيفَةَ وَ قَدْ كَانَ كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ.
17- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَيْبَرَ، وَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَدَكَ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2).
قَالَ: يَا فَاطِمَةُ! لَكَ فَدَكُ.
18- شي، تفسير العياشي (3): عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ يَوْمَ الشُّورَى: أَ فِيكُمْ أَحَدٌ تَمَّ نُورُهُ مِنَ السَّمَاءِ حِينَ قَالَ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ (4)؟
قَالُوا: لَا..
19- فر (5): جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَحْمَسِيُّ، مُعَنْعَناً عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ (6): وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (7) أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ فَدَكاً.
فَقَالَ أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ: رَسُولُ اللَّهِ أَعْطَاهَا؟! قَالَ: فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَعْطَاهَا (8).
20- فر (9): فُرَاتُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ، مُعَنْعَناً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2- 287 حديث 50.
(2) الإسراء: 26.
(3) تفسير العيّاشيّ 2- 288 حديث 52.
(4) الإسراء: 26.
(5) تفسير فرات الكوفيّ: 85.
(6) في المصدر: هذه الآية.
(7) الإسراء: 26.
(8) في طبعة (س): خطّ على (ها) من كلمة: أعطاها.
(9) تفسير فرات: 118.
و مثله في صفحة: 85، و قد ورد هكذا: فرات قال: حدّثنا جعفر معنعنا، عن أبي سعيد الخدريّ قال: لمّا نزلت: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» قال: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدكا.
122
لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ دَعَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ (1) (عليها السلام) فَأَعْطَاهَا فَدَكاً.
فَقَالَ: هَذَا لَكِ وَ لِعَقِبِكِ بَعْدَكِ (2) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (3).
21- فر (4): الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ، مُعَنْعَناً عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (5) (6) دَعَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَأَعْطَاهَا فَدَكاً.
فَكُلُّ مَا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (7) يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، [وَ] (8) فَدَكُ مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ.
22- فر (9): جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ، مُعَنْعَناً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (10)، وَ ذَلِكَ (11) حِينَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَتِهِ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: لمّا نزلت على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الآية «فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» قال: دعا النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فاطمة ...
(2) في المصدر: من بعدك.
(3) الرّوم: 38، و الآية لم ترد في المصدر.
(4) تفسير فرات: 119، و فيه: عن الحسين بن سعيد معنعنا عن أبي سعيد.
(5) في المصدر: «وَ آتِ» و عليه فتكون الآية: 26 من سورة الإسراء.
(6) الرّوم: 38.
(7) في (ك): خاصّة.
(8) زيادة من المصدر.
(9) تفسير فرات: 119.
(10) الإسراء: 26.
(11) في المصدر: و ذاك.
123
وَ آلِهِ (1) حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ حَجَبُوا (2) الْخُمُسَ عَنْ قَرَابَتِهِ فَلَمْ يَأْخُذُوهُ.
أقول:: رَوَى السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ (3) مِنْ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: رُوِيَ حَدِيثُ فَدَكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (4) عَنْ عِشْرِينَ طَرِيقاً.
23- فَمِنْهَا:- مَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَعْبَدِيِّ، وَ هَيْثَمِ (5) ابْنِ خَلَفٍ الدُّورِيِّ، وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَبِ، وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَابِسٍ..
24- وَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ الطَّرِيفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ (6) فَضْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (7) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ وَ أَعْطَاهَا فَدَكاً.
25- وَ قَالَ (رحمه الله) فِي كَشْفِ الْمَحَجَّةِ (8) فِيمَا أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ: قَدْ وَهَبَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) أُمَّكَ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) فَدَكاً وَ الْعَوَالِيَ (9).
و كان دخلها في رواية الشيخ عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري أربعة و عشرين ألف دينار في كلّ سنة، و في رواية غيره سبعين ألف دينار.
____________
(1) في المصدر: عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(2) في المصدر: حجب.
(3) سعد السّعود: 101- 102.
(4) الإسراء: 26.
(5) في المصدر: إبراهيم، بدلا من: هيثم.
(6) في المصدر: عن عليّ بن عبّاس قال حدّثنا.
(7) الإسراء: 26.
(8) كشف المحجّة: 124.
(9) في المصدر: العوالي من جملة مواهبه.
124
26-(ع)(1): أَبِي، عَنْ عَلِيٍ (2)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكاً (3) وَ أَخْرَجَ وَكِيلَهَا، جَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى الْمَسْجِدِ، وَ أَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ وَ حَوْلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! لِمَ مَنَعْتَ فَاطِمَةَ مَا جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَهَا وَ وَكِيلُهَا فِيهِ مُنْذُ سِنِينَ؟! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَتَتْ بِشُهُودٍ عُدُولٍ، وَ إِلَّا فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ.
قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! تَحْكُمُ فِينَا بِخِلَافِ مَا تَحْكُمُ فِي الْمُسْلِمِينَ؟! قَالَ: لَا.
قَالَ: أَخْبِرْنِي لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ فَادَّعَيْتُ أَنَا فِيهِ، مَنْ (4) كُنْتَ تَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: إِيَّاكَ كُنْتُ أَسْأَلُ.
قَالَ: فَإِذَا كَانَ فِي يَدِي شَيْءٌ فَادَّعَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، تَسْأَلُنِي فِيهِ الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَ لَسْنَا مِنْ (5) خُصُومَتِكَ فِي شَيْءٍ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! تُقِرُّ بِالْقُرْآنِ؟
قَالَ: بَلَى.
____________
(1) علل الشّرائع: 190- 192 حديث 1.
(2) في المصدر: أبي (رحمه الله) قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم.
(3) لا يوجد: فدكا، في مطبوع البحار، و المثبت من المصدر.
(4) في المصدر: ممّن.
(5) في (س): في.
125
قَالَ: أَخْبِرْنِي (1) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2) فِينَا (3) أَوْ فِي غَيْرِنَا نَزَلَتْ؟
قَالَ: فِيكُمْ (4).
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي (5) لَوْ أَنَّ شَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَهِدَا عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِفَاحِشَةٍ مَا كُنْتَ صَانِعاً؟
قَالَ: كُنْتُ أُقِيمُ عَلَيْهَا الْحَدَّ كَمَا أُقِيمُ عَلَى نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ!!! قَالَ: كُنْتَ إِذاً عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ.
قَالَ: وَ لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّكَ كُنْتَ تَرُدُّ شَهَادَةَ اللَّهِ وَ تَقْبَلُ شَهَادَةَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ شَهِدَ لَهَا بِالطَّهَارَةِ، فَإِذَا رَدَدْتَ شَهَادَةَ اللَّهِ وَ قَبِلْتَ شَهَادَةَ غَيْرِهِ كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ.
قَالَ: فَبَكَى النَّاسُ، وَ تَفَرَّقُوا، وَ دَمْدَمُوا.
فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَ مَا رَأَيْتَ عَلِيّاً وَ مَا (6) فَعَلَ بِنَا؟ وَ اللَّهِ لَئِنْ قَعَدَ مَقْعَداً آخَرَ لَيُفْسِدَنَّ هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْنَا
____________
(1) في المصدر: فأخبرني.
(2) الأحزاب: 33.
(3) في المصدر: أ فينا.
(4) أطبق الفريقان على نزول هذه الآية الكريمة في بيت العصمة و الطّهارة (سلام اللّه عليهم أجمعين).
انظر: مسند أحمد 1- 331 عن ابن عبّاس، مستدرك الصّحيحين 3- 132 و قال عنه:
هذا حديث صحيح الإسناد، المناقب للخوارزميّ: 75، البداية و النّهاية 7- 337، الإصابة 2- 509.
و راجع الغدير 1- 51، 3- 196، 5- 416. و إحقاق الحقّ 2- 501- 562، 3- 513 531، 9- 1- 69، 14- 40- 105، 18- 359- 383، عن مصادر جمّة من طرق العامّة.
(5) في (س): أخبرني.
(6) في (ك): ما، بدون واو.
126
وَ لَا نَتَهَنَّأُ بِشَيْءٍ مَا دَامَ حَيّاً.
قَالَ عُمَرُ: مَا لَهُ إِلَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
فَبَعَثُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: نُرِيدُ أَنْ نَحْمِلَكَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ.
قَالَ: احْمِلْنِي عَلَى مَا شِئْتَ وَ لَوْ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ.
قَالَ: فَهُوَ قَتْلُ عَلِيٍّ.
قَالَ: فَصْرِ بِجَنْبِهِ، فَإِذَا أَنَا سَلَّمْتُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ.
[فَبَعَثَتْ] (1) أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ- وَ هِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ- خَادِمَتَهَا فَقَالَتْ: اذْهَبِي إِلَى فَاطِمَةَ فَأَقْرِئِيهَا السَّلَامَ، فَإِذَا دَخَلَتْ مِنَ الْبَابِ فَقُولِي: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (2)، فَإِنْ فَهِمَتْهَا وَ إِلَّا فَأَعِيدِيهَا مَرَّةً أُخْرَى.
فَجَاءَتْ فَدَخَلَتْ، وَ قَالَتْ: إِنَّ مَوْلَاتِي تَقُولُ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ كَيْفَ أَنْتَ (3)؟ ثُمَّ قَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (4)، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ قَرَأَتْهَا.
فَقَالَ لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَقْرِئِيهَا (5) السَّلَامَ وَ قُولِي لَهَا: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَوَقَفَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِجَنْبِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ لَمْ يُسَلِّمْ، [وَ] (6) قَالَ:
يَا خَالِدُ! لَا تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (7).
____________
(1) في مطبوع البحار: فبعث، و المثبت من المصدر.
(2) القصص: 20.
(3) في المصدر: أنتم، و هي نسخة بدل في مطبوع البحار.
(4) القصص: 20، و في المصدر ورد بعدها لفظ: الآية.
(5) في المصدر: أقرئي مولاتك منّي.
(6) زيادة من المصدر.
(7) في المصدر: و رحمة اللّه و بركاته.
127
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَا هَذَا (1) الَّذِي أَمَرَكَ بِهِ ثُمَّ نَهَاكَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ؟
قَالَ: أَمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِكَ، وَ إِنَّمَا أَمَرَنِي بَعْدَ التَّسْلِيمِ.
فَقَالَ: وَ كُنْتَ (2) فَاعِلًا؟
فَقَالَ: إِي وَ اللَّهِ، لَوْ لَمْ يَنْهَنِي لَفَعَلْتُ.
قَالَ: فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِ خَالِدٍ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الْحَائِطَ، وَ قَالَ لِعُمَرَ: يَا ابْنَ الصُّهَاكِ (3)! وَ اللَّهِ لَوْ لَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَعَلِمْتَ أَيُّنَا أَضْعَفُ جُنْداً وَ أَقَلُّ عَدَداً.
أقول:: الدّمدمة: الغضب، و دمدم عليه: كلّمه مغضبا (4).
27- ج (5): عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ وَ اسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى جَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، بَعَثَ إِلَى فَدَكَ مَنْ أَخْرَجَ وَكِيلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّه مِنْهَا.
فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) (6) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ! لِمَ (7) تَمْنَعُنِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَخْرَجْتَ وَكِيلِي مِنْ فَدَكَ؟! وَ قَدْ جَعَلَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَالَ: هَاتِي عَلَى ذَلِكَ بِشُهُودٍ.
فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ، فَقَالَتْ (8): لَا أَشْهَدُ يَا أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَحْتَجَّ عَلَيْكَ بِمَا
____________
(1) في المصدر: ما هذا الأمر.
(2) في المصدر: أ و كنت.
(3) في المصدر: صهاك.
(4) انظر: القاموس 4- 114، لسان العرب 12- 209، و غيرهما.
(5) الاحتجاج 1- 90- 95 [طبعة النّجف: 1- 119- 127].
(6) في المصدر: الزّهراء (عليها السلام).
(7) في المصدر: ثمّ قالت لم.
(8) في المصدر: فقالت له أمّ أيمن.
128
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَ (1) أُمَّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟
فَقَالَ: بَلَى.
قَالَتْ: فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (2) فَجَعَلَ فَدَكَ لِفَاطِمَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَ جَاءَ (3) عَلِيٌّ فَشَهِدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
فَكَتَبَ لَهَا كِتَاباً وَ دَفَعَهُ إِلَيْهَا.
فَدَخَلَ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟
فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ ادَّعَتْ فِي فَدَكَ وَ شَهِدَتْ لَهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَ عَلِيٌّ فَكَتَبْتُهُ (4).
فَأَخَذَ عُمَرُ الْكِتَابَ مِنْ فَاطِمَةَ فَمَزَّقَهُ (5).
فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) تَبْكِي.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَ حَوْلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ- فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! لِمَ مَنَعْتَ فَاطِمَةَ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَدْ مَلَكَتْهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَ (6) هَذَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَقَامَتْ شُهُوداً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَهُ لَهَا، وَ إِلَّا فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ (7).
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه و آله): يَا أَبَا بَكْرٍ! تَحْكُمُ فِينَا بِخِلَافِ
____________
(1) لا يوجد في المصدر: إنّ.
(2) الرّوم: 38.
(3) في المصدر: فجعل فدكا لها طعمة بأمر اللّه فجاء.
(4) في المصدر: فكتبته لها.
(5) في المصدر: فتفل فيه و مزّقه.
(6) لا يوجد في المصدر: إنّ.
(7) لا يوجد في (س): فيه.
129
حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ يَمْلِكُونَهُ ثُمَّ ادَّعَيْتُ أَنَا فِيهِ، مَنْ تَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: إِيَّاكَ كُنْتُ (1) أَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ.
قَالَ: فَمَا بَالُ فَاطِمَةَ سَأَلْتَهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدِهَا وَ قَدْ مَلَكَتْهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَعْدَهُ، وَ لَمْ تَسْأَلِ الْمُسْلِمِينَ الْبَيِّنَةَ (2) عَلَى مَا ادَّعَوْهَا شُهُوداً كَمَا سَأَلْتَنِي عَلَى مَا ادَّعَيْتُ عَلَيْهِمْ؟! فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَلِيُّ! دَعْنَا مِنْ كَلَامِكَ، فَإِنَّا لَا نَقْوَى عَلَى حُجَّتِكَ، فَإِنْ أَتَيْتَ بِشُهُودٍ عُدُولٍ، وَ إِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا حَقَّ لَكَ وَ لَا لِفَاطِمَةَ فِيهِ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ! تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3) فِينَا نَزَلَتْ أَوْ فِي غَيْرِنَا (4)؟! قَالَ: بَلْ فِيكُمْ.
قَالَ: فَلَوْ أَنَّ شُهُوداً شَهِدُوا (5) عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِفَاحِشَةٍ مَا كُنْتَ صَانِعاً بِهَا؟!
____________
(1) لا يوجد في المصدر: كنت.
(2) في المصدر: بيّنة.
(3) الأحزاب: 33.
(4) في نسخة جاءت الجملة هكذا: فيمن نزلت؟ أ فينا أم في غيرنا؟، و كذا في المصدر إلّا أنّ الهمزة الاستفهاميّة لا توجد فيه.
(5) خ. ل: شاهدين شهدا.
130
قَالَ: كُنْتُ أُقِيمُ عَلَيْهَا الْحَدَّ كَمَا أُقِيمُ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (1)!!! قَالَ: كُنْتَ إِذاً عِنْدَ اللَّهِ (2) مِنَ الْكَافِرِينَ.
قَالَ: وَ لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّكَ رَدَدْتَ شَهَادَةَ اللَّهِ لَهَا بِالطَّهَارَةِ وَ قَبِلْتَ شَهَادَةَ النَّاسِ عَلَيْهَا، كَمَا رَدَدْتَ حُكْمَ اللَّهِ وَ حُكْمَ رَسُولِهِ أَنْ جَعَلَ لَهَا فَدَكَ وَ قَبَضْتَهُ (3) فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ قَبِلْتَ شَهَادَةَ أَعْرَابِيٍّ بَائِلٍ عَلَى عَقِبَيْهِ عَلَيْهَا، وَ أَخَذْتَ مِنْهَا فَدَكاً، وَ زَعَمْتَ أَنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَرَدَدْتَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَ الْيَمِينُ عَلَى مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَدَمْدَمَ النَّاسُ وَ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ (4) وَ قَالُوا: صَدَقَ وَ اللَّهِ عَلِيٌ (5)، وَ رَجَعَ عَلِيٌّ (عليه السلام) (6) إِلَى مَنْزِلِهِ.
قَالَ: وَ دَخَلَتْ (7) فَاطِمَةُ (عليها السلام) الْمَسْجِدَ، وَ طَافَتْ عَلَى قَبْرِ (8) أَبِيهَا، وَ هِيَ تَقُولُ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخَطْبُ
____________
(1) في نسخة: المسلمين، و كذا في المصدر. (2) في المصدر: كما أقيمه على نساء المسلمين، قال إذن كنت عند اللّه. (3) في المصدر: فدكا قد قبضته. (4) في المصدر: و أنكروا و نظر بعضهم إلى بعض. (5) في المصدر: عليّ بن أبي طالب. (6) لا يوجد في المصدر: عليّ (عليه السلام). (7) في المصدر: ثمّ دخلت. (8) في المصدر: بقبر
131
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا* * * وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ فَقَدْ نَكَبُوا (1)
قَدْ كَانَ جِبْرِيلُ بِالْآيَاتِ يُؤْنِسُنَا* * * فَغَابَ عَنَّا فَكُلُّ الْخَيْرِ مُحْتَجَبٌ
قَدْ كُنْتَ (2) بَدْراً وَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ* * * عَلَيْكَ تَنْزِلُ (3) مِنْ ذِي الْعِزَّةِ الْكُتُبُ
تَهَجَّمَتْنَا رِجَالٌ وَ اسْتُخِفَّ بِنَا* * * إِذْ غِبْتَ عَنَّا فَنَحْنُ الْيَوْمَ نُغْتَصَبُ
فَسَوْفَ نَبْكِيكَ مَا عِشْنَا وَ مَا بَقِيَتْ* * * مِنَّا الْعُيُونُ بِتَهْمَالٍ لَهَا سَكْبٌ (4)
قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِمَا، وَ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ (5): أَ مَا رَأَيْتَ مَجْلِسَ عَلِيٍّ مِنَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ وَ اللَّهِ لَئِنْ قَعَدَ مَقْعَداً مِثْلَهُ لَيُفْسِدَنَّ أَمْرَنَا (6)، فَمَا الرَّأْيُ؟.
قَالَ (7) عُمَرُ: الرَّأْيُ أَنْ نَأْمُرَ (8) بِقَتْلِهِ.
قَالَ: فَمَنْ يَقْتُلُهُ؟
____________
(1) في المصدر: و لا تغب.
(2) في المصدر: و كنت.
(3) في المصدر: ينزل.
(4) قد مرّ توضيح بعض كلمات الشّعر في صفحة: 109 و يأتي بعضها في صفحة: 247، فراجع.
(5) في المصدر: فدعاه ثمّ قال له.
(6) في المصدر: و اللّه لئن قعد مقعدا آخر مثله ليفسدنّ علينا أمرنا.
(7) في المصدر: فقال.
(8) في المصدر: تأمر.
132
قَالَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَبَعَثَا (1) إِلَى خَالِدٍ فَأَتَاهُمْ (2).
فَقَالا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ نَحْمِلَكَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ.
فَقَالَ: احْمِلُونِي عَلَى مَا شِئْتُمْ (3)، وَ لَوْ عَلَى قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالا: فَهُوَ ذَاكَ (4).
قَالَ خَالِدٌ: مَتَى أَقْتُلُهُ؟
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: احْضُرِ الْمَسْجِدَ وَ قُمْ بِجَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَلَّمْتُ قُمْ (5) إِلَيْهِ وَ اضْرِبْ عُنُقَهُ.
قَالَ: نَعَمْ.
فَسَمِعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ- وَ كَانَتْ تَحْتَ أَبِي بَكْرٍ- فَقَالَتْ لِجَارِيَتِهَا:
اذْهَبِي إِلَى مَنْزِلِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ (عليهما السلام) وَ أَقْرِئِيهِمَا السَّلَامَ، وَ قُولِي لِعَلِيٍّ: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (6).
فَجَاءَتِ الْجَارِيَةُ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لِعَلِيٍّ: إِنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَ تَقُولُ: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (7).
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): قُولِي (8) لَهَا: إِنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُونَ.
____________
(1) خ. ل: فبعثوا، و هو في طبعة النّجف.
(2) في المصدر: خالد بن الوليد فأتاهما.
(3) في المصدر: قال احملاني على ما شئتما.
(4) في المصدر: ذلك.
(5) في المصدر: فقم.
(6) القصص: 20.
(7) القصص: 20.
أقول: من قوله: الجارية إليهم .. إلى آخر هذه الآية الكريمة لا يوجد في المصدر المطبوع. و الظّاهر سقوطه.
(8) لا يوجد لفظ: قولي، في (س).
133
ثُمَّ قَامَ وَ تَهَيَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَ حَضَرَ الْمَسْجِدَ، وَ صَلَّى لِنَفْسِهِ (1) خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِجَنْبِهِ (2) وَ مَعَهُ السَّيْفُ، فَلَمَّا جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ لِلتَّشَهُّدِ (3) نَدِمَ عَلَى مَا قَالَ وَ خَافَ الْفِتْنَةَ، وَ عَرَفَ شِدَّةَ عَلِيٍّ وَ بَأْسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ مُتَفَكِّراً لَا يَجْسُرُ أَنْ يُسَلِّمَ، حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سَهَا (4).
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَالِدٍ وَ قَالَ (5): يَا خَالِدُ! لَا تَفْعَلَنَّ مَا أَمَرْتُكَ، السَّلَامُ (6) عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا خَالِدُ! مَا الَّذِي أَمَرَكَ بِهِ؟.
قَالَ (7): أَمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِكَ.
قَالَ: أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا؟.
قَالَ: إِي وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنَّهُ قَالَ لِي: لَا تَفْعَلْهُ (8) قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَقَتَلْتُكَ.
قَالَ: فَأَخَذَهُ عَلِيٌّ فَجَلَدَ (9) بِهِ الْأَرْضَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَقْتُلُهُ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ.
فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! اللَّهَ اللَّهَ، بِحَقِّ صَاحِبِ الْقَبْرِ.
فَخَلَّى عَنْهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ فَأَخَذَ بِتَلَابِيبِهِ فَقَالَ (10): يَا ابْنَ صُهَاكَ! وَ اللَّهِ لَوْ لَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَعَلِمْتَ أَيُّنَا أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً
____________
(1) لا يوجد في المصدر: لنفسه.
(2) في المصدر: يصلّي بجنبه.
(3) في المصدر: في التّشهّد.
(4) في المصدر: قد سها.
(5) في المصدر: فقال.
(6) في المصدر: و السّلام.
(7) في المصدر: فقال.
(8) في المصدر: لا تقتله.
(9) خ. ل: فضرب.
(10) في المصدر: و قال.
134
وَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ.
28- فس (1): أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى وَ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مِثْلَهُ.
وَ فِيهِ: فَأَخَذَ عُمَرُ الْكِتَابَ مِنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَمَزَّقَهُ، وَ قَالَ: هَذَا فَيْءُ الْمُسْلِمِينَ، وَ قَالَ: أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ وَ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ يَشْهَدُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- بِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، وَ أَنَ (2) عَلِيّاً زَوْجُهَا يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ، وَ أُمَّ أَيْمَنَ فَهِيَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ لَوْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا لَنَظَرْنَا فِيهِ.
فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ (صلوات اللّه عليها) مِنْ عِنْدِهِمَا بَاكِيَةً حَزِينَةً، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ هَذَا جَاءَ عَلِيٌّ.
وَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَهَا (3): نَغْتَصِبُ:
فَكُلُّ أَهْلٍ لَهُ قُرْبَى (4)وَ مَنْزِلَةٌ* * * عِنْدَ الْإِلَهِ عَلَى الْأَدْنَيْنِ يَقْتَرِبُ
أَبْدَتْ رِجَالٌ لَنَا نَجْوَى (5) صُدُورِهِمُ* * * لَمَّا مَضَيْتَ وَ حَالَتْ دُونَكَ الْكُتُبُ (6)
فَقَدْ رُزِينَا بِمَا لَمْ يُرْزَهُ (7) أَحَدٌ* * * مِنَ الْبَرِيَّةِ لَا عُجْمٌ وَ لَا عَرَبٌ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 155- 159. (2) في المصدر: فإن. (3) في (ك): بها، بدلا من: لها. (4) في المصدر: قرب. (5) في المصدر: فحوى. (6) في المصدر: الكثب. (7) في المصدر: يرزأه
135
وَ قَدْ رُزِينَا بِهِ مَحْضاً خَلِيقَتُهُ* * * صَافِي الضَّرَائِبِ وَ الْأَعْرَاقِ وَ النَّسَبِ
فَأَنْتَ خَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمْ* * * وَ أَصْدَقُ النَّاسِ حِينَ الصِّدْقِ وَ الْكَذِبِ
وَ فِيهِ بَعْدَ الْبَيْتِ الْأَخِيرِ:
سَيَعْلَمُ الْمُتَوَلِّي ظُلْمَ حَامَتِنَا (1)* * * يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّا كَيْفَ نَنْقَلِبُ (2)
.
بيان: تجهّمتنا، في بعض النسخ: تهضّمتنا، يقال: تهضّمه أي: ظلمه (3).
و في (فس) [تفسير علي بن إبراهيم] فغمصتنا، من غمصت الشيّء احتقرته (4)، و التشديد للتكثير و المبالغة، و يقال: رزأه ماله كجعله و عمله رزءا- بالضّم- أصاب منه شيئا.
و الرزيئة: المصيبة (5).
و الضّريبة: الطّبيعة (6).
و العرق: أصل كلّ شيء، و الجمع عروق و أعراق (7).
و في (فس) [تفسير علي بن إبراهيم] مكان قوله: بتهمال: بهمّال كشداد.
و في بعض الروايات مكان العيون: الشئون.
____________
(1) في المصدر: خامتنا.
(2) في المصدر: ينقلب.
(3) انظر: القاموس 4- 191، الصحاح 5- 2059، مجمع البحرين 6- 187.
(4) انظر: مجمع البحرين 4- 176، القاموس 2- 310، لسان العرب 7- 61، النهاية 3 386.
(5) انظر: القاموس 1- 16، مجمع البحرين 1- 183، الصحاح 1- 53.
(6) انظر: لسان العرب 1- 549، القاموس 1- 95، الصحاح 1- 169.
(7) انظر: لسان العرب 10- 241، القاموس 3- 263، تاج العروس 7- 8.
136
و التلبيب: ما في بعض اللّبب من الثّياب، و اللّبب موضع القلادة (1).
29- ج (2): رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ بَعَثَا إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَوَاعَدَاهُ وَ فَارَقَاهُ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَضَمِنَ (3) ذَلِكَ لَهُمَا.
فَسَمِعَتْ أَسْمَاءُ (4) بِنْتُ عُمَيْسٍ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ وَ هِيَ (5) فِي خِدْرِهَا، فَأَرْسَلَتْ خَادِمَةً لَهَا وَ قَالَتْ: تَرَدَّدِي فِي دَارِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قُولِي (6): إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (7) (8).
فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، وَ سَمِعَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ: رَحِمَهَا اللَّهُ، قُولِي لِمَوْلَاتِكِ: فَمَنْ يَقْتُلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ (9)؟
وَ وَقَعَتِ الْمُوَاعَدَةُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، إِذْ كَانَ أَخْفَى وَ أَخْوَتَ لِلسُّدْفَةِ (10) وَ الشُّبْهَةِ (11)، وَ لَكِنَ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ، وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِذَا انْصَرَفْتُ مِنَ الْفَجْرِ (12) فَاضْرِبْ عُنُقَ عَلِيٍّ.
فَصَلَّى إِلَى جَنْبِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ يُفَكِّرُ فِي الْعَوَاقِبِ، فَنَدِمَ، فَجَلَسَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، يَتَعَقَّبُ الْآرَاءَ وَ يَخَافُ الْفِتْنَةَ وَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فِي صَلَاتِهِ: يَا خَالِدُ! لَا تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ
____________
(1) انظر: القاموس 1- 127، تاج العروس 1- 466- 467، لسان العرب 1- 734.
(2) الاحتجاج 1- 89- 90 [طبعة النّجف: 1- 117- 118].
(3) في المصدر: و ضمن.
(4) في المصدر: فسمعت ذلك الخبر أسماء.
(5) لا يوجد في المصدر: و هي.
(6) في المصدر: و قولي له.
(7) لا يوجد في المصدر: إنّ.
(8) القصص: 20.
(9) في المصدر: النّاكثين و المارقين و القاسطين.
(10) خ. ل: و اختيرت للسّدفة، و كذا في المصدر، و أشار إليه المصنّف في بيانه.
(11) في المصدر زيادة: فإنّهم كانوا يغلّسون بالصّلاة حتّى لا تعرف المرأة من الرّجل.
(12) في المصدر: صلاة الفجر.
137
بِهِ، ثَلَاثاً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَا يَفْعَلَنَّ خَالِدٌ مَا أَمَرْتُهُ (1).
فَالْتَفَتَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَإِذَا خَالِدٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى السَّيْفِ إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ: يَا خَالِدُ (2)! أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا؟! فَقَالَ: إِي وَ اللَّهِ، لَوْ لَا أَنَّهُ نَهَانِي لَوَضَعْتُهُ فِي أَكْثَرِكَ شَعْراً.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): كَذَبْتَ لَا أُمَّ لَكَ، مَنْ يَفْعَلُهُ أَضْيَقُ حَلْقَةَ اسْتٍ مِنْكَ، أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا مَا سَبَقَ مِنَ الْقَضَاءِ لَعَلِمْتَ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ (3) (رحمه الله): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَخَذَ خَالِداً بِإِصْبَعَيْهِ- السَّبَّابَةِ وَ الْوُسْطَى- فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعَصَرَهُ عَصْراً، فَصَاحَ خَالِدٌ صَيْحَةً مُنْكَرَةً، فَفَزِعَ النَّاسُ، وَ هِمَّتُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَ أَحْدَثَ خَالِدٌ فِي ثِيَابِهِ، وَ جَعَلَ يَضْرِبُ بِرِجْلَيْهِ (4) وَ لَا يَتَكَلَّمُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: هَذِهِ مَشُورَتُكَ الْمَنْكُوسَةُ، كَأَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا وَ أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى سَلَامَتِنَا.
وَ كُلَّمَا دَنَا أَحَدٌ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ يَدِهِ (عليه السلام) لَحَظَهُ (5) لَحْظَةً تَنَحَّى عَنْهُ رَاجِعاً (6).
فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ (7) إِلَى الْعَبَّاسِ، فَجَاءَ وَ تَشَفَّعَ إِلَيْهِ وَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
____________
(1) في المصدر: لا يفعلنّ خالد ما أمر به.
(2) في المصدر: يا خالد ما الّذي أمرك به؟ قال: بقتلك يا أمير المؤمنين، قال.
(3) في المصدر: و في رواية أخرى لأبي ذرّ.
(4) في المصدر: برجليه الأرش.
(5) لا يوجد في المصدر (عليه السلام) لحظة.
(6) في المصدر: رعبا بدلا من: راجعا.
(7) في المصدر: و عمر.
138
بِحَقِ (1) الْقَبْرِ وَ مَنْ فِيهِ، وَ بِحَقِّ وَلَدَيْهِ وَ أُمِّهِمَا إِلَّا تَرَكْتَهُ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَ قَبَّلَ الْعَبَّاسُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
بيان: و أَخْوَتَ، قال الفيروزآبادي: خات الرّجل ماله: تنقّصه، و الخوّات- بالتّشديد- الرّجل الجريء، و خات الرّجل: اختطف، و اختات الذئب (2) الشاة: ختلها فسرقها، و خاوت طرفه دوني: سارقه (3).
و في أكثر النسخ: و اختيرت السدفة، و السّدفة- بالضّم (4)-: الظّلمة، أو اختلاط الضّوء و الظّلمة معا لوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار (5).
في أكثر شعرا، أي: في رأسك، فإنّه أكثر أجزاء البدن شعرا.
و الاست- بالكسر-: الدبر (6)، و يحتمل أن يكون ضيقه كناية عن الجرأة و الشجاعة.
ثمّ اعلم: أنّ هذه القصة من المشهورات بين الخاصّة و العامّة، و إن أنكره (7) بعض المخالفين.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (8): سَأَلْتُ النَّقِيبَ أَبَا جَعْفَرٍ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ (9) فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَيْفَ بَقِيَ تِلْكَ الْمُدَّةَ
____________
(1) في الاحتجاج: بحقّ هذا القبر.
(2) لا يوجد في المصدر: الذئب.
(3) القاموس 1- 147، و انظر: تاج العروس 1- 542- 543، لسان العرب 2- 32.
(4) و تقرأ بالفتح أيضا.
(5) انظر: القاموس 3- 151، تاج العروس 6- 136، لسان العرب 9- 146.
(6) قال في الصحاح 6- 2233 و القاموس 4- 285 و لسان العرب 2- 495: الاست: العجز أو حلقة الدّبر.
(7) كذا.
(8) شرح نهج البلاغة 3- 301- 302 باختلاف يسير.
(9) في المصدر: زيد بن أبي زيد (رحمه الله).
139
الطَّوِيلَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! وَ كَيْفَ مَا اغْتِيلَ وَ فُتِكَ بِهِ (1) فِي جَوْفِ مَنْزِلِهِ مَعَ تَلَظِّي الْأَكْبَادِ عَلَيْهِ؟! فَقَالَ: لَوْ لَا أَنَّهُ أَرْغَمَ أَنْفَهُ بِالتُّرَابِ، وَ وَضَعَ خَدَّهُ فِي حَضِيضِ الْأَرْضِ، لَقُتِلَ، وَ لَكِنَّهُ أَخْمَلَ نَفْسَهُ، وَ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ وَ الصَّلَاةِ وَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ، وَ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الزِّيِّ الْأَوَّلِ وَ ذَلِكَ الشِّعَارِ، وَ نَسِيَ السَّيْفَ، وَ صَارَ كَالْفَاتِكِ (2) يَتُوبُ وَ يَصِيرُ سَائِحاً فِي الْأَرْضِ أَوْ رَاهِباً فِي الْجِبَالِ، فَلَمَّا (3) أَطَاعَ الْقَوْمَ الَّذِينَ وُلُّوا الْأَمْرَ وَ صَارَ أَذَلَّ لَهُمْ مِنَ الْحِذَاءِ، تَرَكُوهُ وَ سَكَتُوا عَنْهُ، وَ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ لِتُقْدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ مُتَوَلِّي الْأَمْرِ، وَ بَاطِنٍ فِي السِّرِّ مِنْهُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ بَاعِثٌ وَ دَاعٍ إِلَى قَتْلِهِ وَقَعَ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ، لَوْ لَا ذَلِكَ لَقُتِلَ، ثُمَّ الْأَجَلُ (4) بَعْدُ مَعْقِلٌ حَصِينٌ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَ حَقٌّ مَا يُقَالُ فِي حَدِيثِ خَالِدٍ؟.
فَقَالَ: إِنَّ قَوْماً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ (5).
وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ- صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ- فَسَأَلَهُ عَمَّا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ بِأَمْرٍ غَيْرِ التَّسْلِيمِ نَحْوَ الْكَلَامِ وَ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ أَوِ الْحَدَثِ؟.
فَقَالَ: إِنَّهُ جَائِزٌ، قَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي تَشَهُّدِهِ مَا قَالَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: وَ مَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ؟.
قَالَ: لَا عَلَيْكَ.
قَالَ (6): فَأَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ ثَانِيَةً وَ ثَالِثَةً.
____________
(1) أي: ما قتل و جرح غرّة.
(2) أي: كاللّاجّ و المصرّ، و تكون بمعنى: الجريء و الشّجاع.
(3) في المصدر: و لمّا.
(4) في المصدر: أجّل.
(5) في المصدر: ذلك ثمّ قال.
(6) لا يوجد: قال، في المصدر.
140
فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ، قَدْ كُنْتُ أُحَدَّثُ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْخَطَّابِ.
قُلْتُ لَهُ: فَمَا الَّذِي تَقُولُهُ أَنْتَ؟.
قَالَ: أَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ، وَ إِنَّهُ (1) رَوَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ .. إِلَى آخِرِ مَا قَالَ.
30- ج (2): رِسَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (3) إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لَمَّا بَلَغَهُ عَنْهُ كَلَامٌ بَعْدَ مَنْعِ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) فَدَكَ: شُقُّوا مُتَلَاطِمَاتِ أَمْوَاجِ الْفِتَنِ بِحَيَازِيمِ سُفُنِ النَّجَاةِ، وَ حُطُّوا تِيجَانَ أَهْلِ الْفَخْرِ بِجَمِيعِ (4) أَهْلِ الْغَدْرِ، وَ اسْتَضِيئُوا (5) بِنُورِ الْأَنْوَارِ، وَ اقْتَسِمُوا مَوَارِيثَ الطَّاهِرَاتِ الْأَبْرَارِ، وَ احْتَقِبُوا ثِقْلَ الْأَوْزَارِ، بِغَصْبِهِمْ نِحْلَةَ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ.
فَكَأَنِّي بِكُمْ تَتَرَدَّدُونَ فِي الْعَمَى كَمَا يَتَرَدَّدُ الْبَعِيرُ فِي الطَّاحُونَةِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أُذِنَ لِي بِمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ لَحَصَدْتُ رُءُوسَكُمْ عَنْ أَجْسَادِكُمْ كَحَبِّ الْحَصِيدِ بِقَوَاضِبَ مِنْ حَدِيدٍ، وَ لَقَلَعْتُ مِنْ جَمَاجِمِ شُجْعَانِكُمْ مَا أَقْرَحُ بِهِ آمَاقَكُمْ، وَ أُوحِشُ بِهِ مَحَالَّكُمْ.
فَإِنِّي مُنْذُ عَرَفْتُمُونِي (6) مُرْدِي الْعَسَاكِرِ، وَ مُفْنِي الْجَحَافِلِ، وَ مُبِيدُ خَضْرَائِكُمْ، وَ مُحْمِدُ ضَوْضَائِكُمْ (7)، وَ جَزَّارُ (8) الدَّوَّارِينَ إِذْ أَنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ مُعْتَكِفُونَ، وَ إِنِّي لَصَاحِبُكُمْ بِالْأَمْسِ، لَعَمْرُ أَبِي (9) لَنْ تُحِبُّوا أَنْ تَكُونَ (10) فِينَا الْخِلَافَةُ وَ النُّبُوَّةُ وَ أَنْتُمْ
____________
(1) في المصدر: و إن.
(2) الاحتجاج 1- 95- 97 [طبعة النّجف: 1- 127- 130].
(3) في المصدر: لأمير المؤمنين (عليه السلام).
(4) خ. ل: بجمع.
(5) في نسخة: و استضاءوا، و كذا في المصدر.
(6) في المصدر: مذ عرفت.
(7) خ. ل: ضوضاتكم و في الاحتجاج: طبعة النّجف: و مخمل.
(8) في المصدر: و جرّار.
(9) في المصدر: أبي و أمّي.
(10) في الاحتجاج: أن يكون.
141
تَذْكُرُونَ أَحْقَادَ بَدْرٍ وَ ثَارَاتِ أُحُدٍ.
أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ قُلْتُ مَا سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيكُمْ لَتَدَاخَلَتْ أَضْلَاعُكُمْ فِي أَجْوَافِكُمْ كَتَدَاخُلِ أَسْنَانٍ دَوَّارَةِ الرَّحَى، فَإِنْ نَطَقْتُ تَقُولُونَ حَسَدَ (1)، وَ إِنْ سَكَتُّ فَيُقَالُ جَزِعَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (2) مِنَ الْمَوْتِ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ.
أَنَا (3) السَّاعَةَ يُقَالُ لِي هَذَا، وَ أَنَا الْمَوْتُ الْمُمِيتُ، خَوَّاضُ الْمَنِيَّاتِ (4) فِي جَوْفِ لَيْلٍ خَامِدٍ (5)، حَامِلُ السَّيْفَيْنِ الْثَّقِيلَيْنِ، وَ الرُّمْحَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ، وَ مُكَسِّرُ (6) الرَّايَاتِ فِي غُطَامِطِ الْغَمَرَاتِ، وَ مُفَرِّجُ الْكُرُبَاتِ عَنْ وَجْهِ خِيَرَةِ الْبَرِيَّاتِ (7)، إِيهَنُوا (8) فَوَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ إِلَى مَحَالِبِ أُمِّهِ، هَبِلَتْكُمُ الْهَوَابِلُ!.
لَوْ بُحْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكُمْ فِي كِتَابِهِ (9) لَاضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطَّويِّ الْبَعِيدَةِ، وَ لَخَرَجْتُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ هَارِبِينَ، وَ عَلَى وُجُوهِكُمْ هَائِمِينَ، وَ لَكِنِّي أُهَوِّنُ وَجْدِي حَتَّى أَلْقَى رَبِّي بِيَدٍ جَذَّاءَ صَفْرَاءَ مِنْ لَذَّاتِكُمْ، خُلُوّاً مِنْ طَحَنَاتِكُمْ.
فَمَا مَثَلُ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي إِلَّا كَمَثَلِ غَيْمٍ عَلَا فَاسْتَعْلَى، ثُمَّ اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى، ثُمَّ تَمَزَّقَ فَانْجَلَى.
____________
(1) في المصدر: يقولون حسدا.
(2) في المصدر: فيقال ابن أبي طالب جزع.
(3) لا يوجد في المصدر: أنا.
(4) في المصدر: المميت المائت و خوّاض المنايا.
(5) في المصدر: ليل حالك، و كذا في نسخة على حاشية المطبوع من البحار.
(6) في المصدر: و منكّس.
(7) في المصدر: خير البريّات.
(8) هذه الكلمة فعل أمر من وهن يوهن كوجل يوجل: إذا ضعف في العمل أو الأمر، أي: كونوا ضعفاء لأنّكم خفتم من الموت في سبيل الحقّ و صار الأمر إلى ما رأيتم، و يأتي من المصنّف (قدّس سرّه) أنّه جمع أيها إن لم يكن تصحيفا.
(9) في المصدر: اللّه سبحانه في كتابه فيكم.
142
رُوَيْداً! فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْجَلِي لَكُمُ الْقَسْطَلُ، فَتَجِدُونَ (1) ثَمَرَ فِعْلِكُمْ مُرّاً أَمْ (2) تَحْصُدُونَ غَرْسَ أَيْدِيكُمْ ذُعَافاً مُمَزَّقاً (3)، وَ سَمّاً قَاتِلًا.
وَ كَفَى بِاللَّهِ حَكَماً (4)، وَ بِرَسُولِ اللَّهِ خَصِيماً (5)، وَ بِالْقِيَامَةِ مَوْقِفاً، وَ لَا أَبْعَدَ اللَّهُ فِيهَا سِوَاكُمْ، وَ لَا أَتْعَسَ فِيهَا غَيْرَكُمْ، وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى فَلَمَّا أَنْ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ الْكِتَابَ رَعَبَ مِنْ ذَلِكَ رُعْباً شَدِيداً، وَ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَجْرَأَهُ عَلَيَّ، وَ أَنْكَلَهُ عَنْ (6) غَيْرِي.
مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! تَعْلَمُونَ أَنِّي شَاوَرْتُكُمْ فِي ضِيَاعِ فَدَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُمْ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُوَرِّثُونَ، وَ إِنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ يَجِبُ أَنْ تُضَافَ إِلَى مَالِ الْفَيْءِ، وَ تُصْرَفَ فِي ثَمَنِ الْكُرَاعِ وَ السِّلَاحِ وَ أَبْوَابِ الْجِهَادِ وَ مَصَالِحِ الثُّغُورِ، فَأَمْضَيْنَا رَأْيَكُمْ وَ لَمْ يُمْضِهِ مَنْ يَدَّعِيهِ.
وَ هُوَ ذَا يُبْرِقُ وَعِيداً، وَ يُرْعِدُ تَهْدِيداً، إِيلَاءً بِحَقِّ نَبِيِّهِ أَنْ يَمْضَخَهَا (7) دَماً ذُعَافاً.
وَ اللَّهِ! لَقَدِ اسْتَقَلْتُ مِنْهَا فَلَمْ أُقَلْ، وَ اسْتَعْزَلْتُهَا عَنْ نَفْسِي فَلَمْ أُعْزَلْ، كُلَّ ذَلِكَ احْتِرَازاً مِنْ كَرَاهِيَةِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ (8)، وَ هَرْباً مِنْ نِزَاعِهِ، وَ مَا لِي لِابْنِ (9) أَبِي
____________
(1) في المصدر: و تجنون.
(2) و في نسخة: أو، و في المصدر: واو بدلا من: أم.
(3) في المصدر: ممقرا.
(4) خ. ل: حكيما، و كذا في المصدر.
(5) في نسخة: خصما.
(6) خ. ل: على بدلا من: عن.
(7) في المصدر: بحقّ محمّد أن يمضحها.
قال في القاموس 2- 227: مضح عرضه كمنع يمضحه مضحا: شانه و عابه .. و عنه ذبّ و دفع .. و الإبل انتشرت.
(8) في المصدر: كلّ ذلك كراهية منّي لابن أبي طالب.
(9) في المصدر: ما لي و لابن.
143
طَالِبٍ! هَلْ (1) نَازَعَهُ أَحَدٌ فَفَلَجَ عَلَيْهِ؟!.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إِلَّا هَكَذَا، فَأَنْتَ ابْنُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِقْدَاماً فِي الْحُرُوبِ، وَ لَا سَخِيّاً فِي الْجُدُوبِ، سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَهْلَعَ فُؤَادَكَ، وَ أَصْغَرَ نَفْسَكَ [قَدْ صَفَّيْتُ] (2) لَكَ سِجَالًا لِتَشْرَبَهَا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَظْمَأَ كَظَمَائِكَ، وَ أَنَخْتُ لَكَ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَ ثَبَّتُّ لَكَ إِمَارَةَ (3) أَهْلِ الْإِشَارَةِ وَ التَّدْبِيرِ، وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَكَانَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ صَيَّرَ عِظَامَكَ رَمِيماً، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا قَدْ وُهِبَ لَكَ مِنِّي، وَ اشْكُرْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَنْ رَقِيَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ كَانَ حَقِيقاً عَلَيْهِ أَنْ يُحْدِثَ لِلَّهِ شُكْراً.
وَ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصَّخْرَةُ الصَّمَّاءُ الَّتِي لَا يَنْفَجِرُ مَاؤُهَا إِلَّا بَعْدَ كَسْرِهَا، وَ الْحَيَّةُ الرَّقْشَاءُ الَّتِي لَا تُجِيبُ إِلَّا بِالرُّقَى (4)، وَ الشَّجَرَةُ الْمُرَّةُ الَّتِي لَوْ طُلِيَتْ بِالْعَسَلِ لَمْ تَنْبُتْ إِلَّا مُرّاً، قَتَلَ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فَأَبَادَهُمْ، وَ أَلْزَمَ آخِرَهُمُ الْعَارَ فَفَضَحَهُمْ.
فَطِبْ نَفْساً (5)، وَ لَا تَغُرَّنَّكَ صَوَاعِقُهُ، وَ لَا تَهُولَنَّكَ رَوَاعِدُهُ (6)، فَإِنِّي أَسُدُّ بَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَسُدَّ بَابَكَ.
فَقَالَ (7) أَبُو بَكْرٍ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ يَا عُمَرُ لَمَّا تَرَكْتَنِي (8) مِنْ أَغَالِيطِكَ وَ تَرْبِيدِكَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ هَمَ (9) بِقَتْلِي وَ قَتْلِكَ لَقَتَلَنَا بِشِمَالِهِ دُونَ يَمِينِهِ، مَا (10) يُنْجِينَا مِنْهُ إِلَّا (11) ثَلَاثُ
____________
(1) في المصدر: أهل.
(2) في مطبوع البحار: صفت، و المثبت من المصدر.
(3) خ. ل: إشارة، و لم يرد في المصدر لفظ: إمارة أهل.
(4) في نسخة: لا تؤثر فيه الرّقى.
(5) خ. ل: من نفسك، و في المصدر: عن نفسك نفسا.
(6) في المصدر: رواعده و بوارقه.
(7) في المصدر: فقال له.
(8) في المصدر: أنّ تتركني.
(9) في المصدر: لو همّ ابن أبي طالب.
(10) في المصدر: و ما.
(11) في المصدر: إلّا إحدى.
144
خِصَالٍ:
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَاصِرَ لَهُ (1).
وَ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَتَّبِعُ (2) فِينَا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ.
وَ الثَّالِثَةُ: فَمَا (3) مِنْ هَذِهِ الْقَبَائِلِ أَحَدٌ إِلَّا وَ هُوَ يَتَخَضَّمُهُ كَتَخَضُّمِ ثَنِيَّةِ الْإِبِلِ أَوَانَ الرَّبِيعِ (4).
فَتَعْلَمُ لَوْ لَا ذَلِكَ لَرَجَعَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ وَ لَوْ (5) كُنَّا لَهُ كَارِهِينَ، أَمَا إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ لِقَاءِ أَحَدِنَا الْمَوْتَ (6).
أَ نَسِيتَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَ قَدْ فَرَرْنَا بِأَجْمَعِنَا وَ صَعِدْنَا الْجَبَلَ، وَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ مُلُوكُ الْقَوْمِ وَ صَنَادِيدُهُمْ، مُوقِنِينَ بِقَتْلِهِ، لَا يَجِدُ مَحِيصاً (7) لِلْخُرُوجِ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ، فَلَمَّا أَنْ سَدَّدَ الْقَوْمُ (8) رِمَاحَهُمْ، نَكَسَ نَفْسَهُ عَنْ دَابَّتِهِ حَتَّى جَاوَزَهُ طِعَانُ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَامَ قَائِماً فِي رِكَابِهِ (9) وَ قَدْ طَرَقَ عَنْ سَرْجِهِ وَ هُوَ يَقُولُ: يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ! يَا جِبْرِيلُ يَا جِبْرِيلُ! يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! النَّجَاةَ النَّجَاةَ!.
ثُمَّ عَهِدَ (10) إِلَى رَئِيسِ الْقَوْمِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ (11) فَبَقِيَ عَلَى فَكٍ (12) وَ لِسَانٍ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى صَاحِبِ الرَّايَةِ الْعُظْمَى فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَلَى جُمْجُمَتِهِ فَفَلَقَهَا،
____________
(1) في المصدر: أحدها أنّه وحيد و لا ناصر له و في مطبوع النّجف: إحداها.
(2) في المصدر: ينتهج.
(3) في المصدر: أنّه ما.
(4) في نسخة: ألا و قد خضمه خضمة الإبل نبتة الرّبيع. و في المصدر: الثّنيّة.
(5) في المصدر: رجع الأمر إليه و إن.
(6) في المصدر: أهون إليه من لقاء أحدنا للموت.
(7) في مطبوع البحار: عنه محيصا.
(8) في الاحتجاج: سدّد عليه القوم.
(9) في المصدر: ركابيه.
(10) في المصدر: عمد.
(11) في المصدر: أم رأسه.
(12) في المصدر: فكّ واحد.
145
فَمَرَّ (1) السَّيْفُ يَهْوِي فِي جَسَدِهِ فَبَرَاهُ وَ دَابَّتَهُ نِصْفَيْنِ.
فَلَمَّا (2) أَنْ نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ انْجَفَلُوا (3) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُهُمْ بِسَيْفِهِ مَسْحاً، حَتَّى تَرَكَهُمْ جَرَاثِيمَ خُمُوداً (4) عَلَى تَلْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَمَرَّغُونَ فِي حَسَرَاتِ الْمَنَايَا، وَ يَتَجَرَّعُونَ (5) كُئُوسَ الْمَوْتِ، قَدِ اخْتَطَفَ أَرْوَاحَهُمْ بِسَيْفِهِ، وَ نَحْنُ نَتَوَقَّعُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَ لَمْ نَكُنْ نَضْبِطُ أَنْفُسَنَا (6) مِنْ مَخَافَتِهِ، حَتَّى ابْتَدَأْتَ أَنْتَ مِنْكَ إِلَيْهِ، فَكَانَ مِنْهُ (7) إِلَيْكَ مَا تَعْلَمُ. وَ لَوْ لَا أَنَّهُ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ آيَةً (8) مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكُنَّا مِنَ الْهَالِكِينَ، وَ هُوَ قَوْلُهُ [تَعَالَى]: وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ (9).
فَاتْرُكْ هَذَا الرَّجُلَ مَا تَرَكَكَ، وَ لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ خَالِدٍ إِنَّهُ يَقْتُلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجْسُرُ عَلَى ذَلِكَ، وَ إِنْ رَامَهُ كَانَ أَوَّلَ (10) مَقْتُولٍ بِيَدِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ مَنَافٍ، إِذَا هَاجُوا أُهِيبُوا (11)، وَ إِذَا غَضِبُوا أَذَمُّوا (12)، وَ لَا سِيَّمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ بَابُهَا الْأَكْبَرُ (13) وَ سَنَامُهَا (14) الْأَطْوَلُ، وَ هُمَامُهَا (15) الْأَعْظَمُ، وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.
____________
(1) في المصدر: و مرّ.
(2) في المصدر: بنصفين، و لمّا.
(3) خ. ل: انحطوا.
(4) في المصدر: جمودا.
(5) في المصدر: يتجرّعون، بدون واو.
(6) في المصدر: من أنفسنا.
(7) في المصدر: حتّى ابتدأت منك إليه التفاتة و كان منه.
(8) في المصدر: و لو لا أنّه نزلت آية.
(9) آل عمران: 152.
(10) في المصدر: و لو رام لكان أوّل.
(11) في نسخة: أهبوا. و في الاحتجاج: هيبوا.
(12) في المصدر: أدموا.
(13) في المصدر: و لا سيّما عليّ بن أبي طالب نابها الأكبر.
(14) خ. ل: سنامه.
(15) في المصدر: و هامتها.
146
تبيين: قوله (عليه السلام): شقوا.
أقول:
- رَوَى فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (1) تِلْكَ الْفِقَرَاتِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُنَاسِبُهَا، حَيْثُ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، وَ خَاطَبَهُ الْعَبَّاسُ وَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي أَنْ يُبَايِعَا لَهُ بِالْخِلَافَةِ، قَالَ (2): أَيُّهَا النَّاسُ! شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وَ ضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ، أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ.
و ما هنا يحتمل أن يكون بصيغة الماضي، فيكون بيان حالهم أوّلا، أي:
إنّهم في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ركبوا سفن النجاة و خرجوا من بين الفتن، فشبّه الفتن بالأمواج، لاشتراكهما في اضطراب النفس بهما، و كونهما سبب الهلاك.
و الحيازيم: جمع الحيزوم (3)، و هو: ما استدار بالظّهر و البطن، أو ضلع الفؤاد، و ما اكتنف الحلقوم من جانب الصّدر، و الغليظ من الأرض و المرتفع، ذكرها الفيروزآبادي (4)، و لعلّ المراد هنا صدر السفينة، فإنّه يشقّ الماء، و لا يبعد أن يكون تصحيف المجاذيف جمع المجذاف (5): الّذي به تحرّك السّفينة (6).
و كذا حطّ تيجان أهل الفخر كناية عن اتّباع أهل الحقّ، و ترك المفاخرة الّتي تدعو إلى ترك اتّباع الحقّ.
و جمع أهل الغدر: مجمعهم، أي: تركوا المفاخرة الواقعة في مجامع (7) أهل
____________
(1) نهج البلاغة: 35، صدر خطبة رقم 4.
(2) لا توجد: قال، في المصدر.
(3) كما جاء في: مجمع البحرين 6- 40، تاج العروس 8- 245، لسان العرب 12- 132.
(4) القاموس 4- 96، و انظر: تاج العروس 8- 245، لسان العرب 12- 132.
(5) كما في مجمع البحرين 5- 32.
(6) لاحظ: لسان العرب 9- 23- 24، تاج العروس 6- 54- 55، صحاح اللغة: 4- 1336.
(7) خ. ل: مجميع، و الظاهر أنّه مجتمع، فإنّه لم يعهد مجميع، كما لا يوافق القواعد، و يحتمل قويّا أن يكون بجميع بدلا من: مجامع، و قد يقرأ ما في المتن كذلك و ما ذكره المصنّف (رحمه الله) من المعاني فهو للفظ: جميع.
147
الغدر، و هو (1): ضدّ المتفرّق، و الجيش، و الحيّ المجتمع، ذكرها الفيروزآبادي (2) و الحاصل: أنّهم كانوا في حياة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ظاهرا على الحقّ و تابعين لأهله، و آل أمرهم بعده إلى أن اقتسموا مواريث العترة الطاهرة.
و يحتمل أن يكون الجميع بصيغة الأمر، كما أنّ في بعض النسخ:
و استضيئوا، فيكون أوّلا أمرهم بمتابعة أهل الحقّ، ثمّ بيّن حالهم بقوله:
و اقتسموا، على سبيل الالتفات.
و يحتمل على الأوّل أن يكون الجميع مسوقا للذمّ، فالمعنى: أنّهم دخلوا في غمرات الفتنة و تشبّثوا ظاهرا بما يوهم أنّه من وسائل النجاة، و تركوا المفاخرة و استسلموا، بأن جمعوا أهل الغدر، و أظهروا للناس النصح و ترك الأغراض، ليتمشّى لهم ما دبّروا، فيكون قوله: و استضاءوا .. و اقتسموا ..، بمنزلة فقرة واحدة، أي: تمسّكوا في اقتسام مواريث الطاهرات بالاستضاءة بنور الأنوار، و بخبر وضعوه و افتروه على سيّد الأبرار.
و كلّ من الوجوه لا يخلو من بعد، و الظاهر أنّه سقط شيء من الكلام أو زيد فيه، و لعلّ الأبرار على التغليب.
و قال الجوهري: الحقب- بالتحريك- حبل يشدّ به الرّحل إلى بطن البعير .. و الحقيبة: واحدة الحقائب، و احتقبه و استحقبه بمعنى، أي: احتمله، و منه قيل: احتقب فلان الإثم كأنّه جمعه و احتقبه من خلفه (3).
و قال: سيف قاضب و قضيب أي: قطّاع، و الجمع قواضب و قضب (4).
____________
(1) أي: الجميع.
(2) القاموس 3- 14، و انظر: تاج العروس 5- 305، لسان العرب 8- 54.
(3) الصحاح 1- 114، و لاحظ: القاموس 1- 57، مجمع البحرين 2- 45- 46.
(4) الصحاح 1- 203، و لاحظ: لسان العرب 1- 679، مجمع البحرين 2- 145، القاموس 1- 117.
148
و قال: الجمجمة: عظم الرّأس المشتمل على الدّماغ (1).
و قال: مؤق العين: طرفها ممّا يلي الأنف، و الجمع آماق و أمآق، مثل آبار و أبآر (2).
و أرداه: أهلكه (3).
و قال: و الجحفل: الجيش، و رجل جحفل أي: عظيم القدر (4).
قال: و قولهم: أباد اللّه خضراءهم، أي: سوادهم و معظمهم، و أنكره الأصمعيّ و قال: إنّما يقال: أباد اللّه خضراءهم (5) أي: خيرهم و غضارتهم (6).
في النهاية: الضّوضاة (7): أصوات النّاس و غلبتهم (8)، و في أكثر النسخ بالمدّ، بدون التاء.
قوله (عليه السلام): و جزّار الدوارين، لعلّ المراد بالدوارين: الدهور و الأزمنة على التخفيف (9)، قال الجوهري (10): الدّوّاريّ: الدّهر يدور بالإنسان
____________
(1) الصحاح 5- 1891، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 31، القاموس 4- 92.
(2) الصحاح 4- 1553، و انظر: القاموس 3- 281- 282، لسان العرب 10- 337.
(3) جاء في لسان العرب 14- 316، و تاج العروس 10- 147، و لاحظ: الصحاح 6- 2355، القاموس 4- 333.
(4) الصحاح 4- 1652، و لاحظ: مجمع البحرين 5- 334، القاموس 3- 346.
(5) في المصدر: غضراءهم.
(6) الصحاح 2- 647، و انظر: لسان العرب 4- 244، تاج العروس 3- 180.
(7) في المصدر: الضوضاة، و لعلّ ما في المتن هو الصحيح، فإنّ تاء جمع المؤنّث السالم تكتب مبسوطة.
(8) النهاية 3- 105، و انظر: مجمع البحرين 1- 273، الصحاح 6- 2410، إلّا أنّ فيهما:
جلبتهم، بدلا من: غلبتهم.
(9) إن كان لفظ: الدوارين، جمع الدواري فهو على التخفيف، و أمّا إن كان جمع الدوار كما في القاموس- أي: الدهر- فليس فيه تخفيف محض، بل نوع من التخفيف.
(10) الصحاح 2- 660.
149
دهرا (1)، أو الشّجعان (2)، أي: أنا قاتل الّذين يدورون و يجولون في المعركة لطلب المبارزة، و في بعض النسخ: و جرّار الدّاوئر بالراءين المهملتين- أي:
كنت أجرّ الدّولة و الغلبة للمسلمين على الكافرين، قال في النهاية فيه: فيجعل الدّائرة عليهم، أي: الدّولة بالغلبة و النّصر (3).
قوله (عليه السلام): و إنّي لصاحبكم، أي: إمامكم الّذي بايعتموني يوم الغدير.
و الثأر- بالهمزة- طلب الدّم، يقال: ثأرت القتيل و بالقتيل ثأرا و ثؤرة، أي:
قتلت قاتله (4).
قوله (عليه السلام): ما سبق من اللّه فيكم، أي: من العذاب و النكال في الآخرة.
قوله (عليه السلام): خوّاض المنيّات .. الخوض في الشّيء: الدخول فيه، و خضت الغمرات: اقتحمتها (5)، و المنيّة: الموت (6)، أي: بادرت بالدخول فيما هو مظنّة الموت، و في بعض النسخ: خوّاض الغمرات، و الغمرات، و الغمرة: الكثيرة من النّاس و الماء، و غمرات الموت شدائده (7).
قوله (عليه السلام): ليل خامد، أي: ساكن نام الناس فيه فلا تسمع
____________
(1) خ. ل: أحوالا، و كذا في المصدر و كتب اللغة مثل: لسان العرب 4- 295، و القاموس 2 32، و غيرهما.
(2) عطف على قوله: الدهور و الأزمنة، و المقصود أنّ الدوارين إمّا جمع الدواري بمعنى: الدهر، و إمّا جمع الدوار بمعنى: كثير الدوران، و بملاحظة السياق يكون بمعنى: الّذي يدور و يجول في المعركة.
(3) النهاية 2- 140، و راجع: لسان العرب 4- 297.
(4) كما في القاموس 1- 381، و تاج العروس 3- 71، و الصحاح 2- 603، و مجمع البحرين 3- 234- 235.
(5) جاء في القاموس 2- 330، و مجمع البحرين 4- 204، و الصحاح 3- 1075.
(6) صرّح به في مجمع البحرين 1- 402، و القاموس 4- 391، و الصحاح 6- 2497.
(7) انظر: القاموس 2- 104، تاج العروس 3- 452- 454، لسان العرب 5- 30.
150
أصواتهم، يقال: خمدت النّار إذا سكن لهبها (1).
و قال الجوهري: التّغطمط: صوت معه بحح (2)، و الْغُطَامِطُ- بالضّم-:
صوت غليان القدر و موج البحر (3)، و لا يخفى مناسبتهما للمقام.
قوله (عليه السلام): إيهنوا .. المذكور في كتب اللغة: أنّ إيه كلمة يراد بها الاستزادة، و هي مبنيّة على الكسر، فإذا وصلت نوّنت فقلت: إيه حدّثنا (4)، و إذا قلت: إيها بالنصب فإنّما تأمره بالكفّ و السّكوت (5)، و لم أر فيها تجويز التثنية و الجمع، و يظهر من الخبر جوازهما إن لم يكن فيه تصحيف (6).
و المحالب: جمع المحلب- بالفتح- و هو موضع الحلب أي (7): الثّدي أو رأسه.
و هبلته أمّه- بكسر الباء- أي: ثكلته (8).
و باح بالشيّء يبوح به أعلنه (9) و أظهره (10).
و الرّشاء- بالكسر و المدّ-: الحبل، و الجمع أرشية (11).
و الطّويّ: البئر المطويّة (12)، و هو في الأصل صفة، و لذا يجمع على
____________
(1) انظر: مجمع البحرين 3- 45، القاموس 1- 292، الصحاح 2- 469.
(2) في (س): يحج، و لا معنى لها. و البحح: الخشونة و الغلظة.
(3) الصحاح 3- 1147، و انظر: لسان العرب 7- 363، القاموس 2- 376.
(4) خ. ل: حديثا.
(5) لاحظ: القاموس 4- 280، الصحاح 6- 2226، لسان العرب 13- 474، و مجمع البحرين 6- 342، و غيرها.
(6) ايهنوا، فعل أمر من وهن يوهن، كوجل يوجل ايجل، و عليه يكون المعنى: كونوا ضعفاء لأنّكم جعلتم أنفسكم كذلك بترك نصرة الحقّ و اتّباع الباطل، فتأمّل.
(7) انظر: مجمع البحرين 2- 46، و غيره.
(8) انظر: مجمع البحرين 5- 497، القاموس 4- 67، تاج العروس 8- 162.
(9) كما في النهاية 1- 161.
(10) انظر: مجمع البحرين 2- 343، القاموس 1- 216، الصحاح 1- 357.
(11) انظر: مجمع البحرين 1- 184، القاموس 4- 334، الصحاح 6- 2357.
(12) قاله في الصحاح 6- 2416، و لسان العرب 15- 19، و النهاية 3- 146.
151
أطواء (1) كأشراف و أيتام، ثمّ نقل إلى الاسميّة (2)، و تأنيث الصفة باعتبار البئر.
و هام على وجهه يهيم هيما و هيمانا: ذهب من العشق و غيره (3).
قوله (عليه السلام): بيد جذّاء، أي: مقطوعة (4) أو مكسورة (5).
و الصّفر- بالكسر-: الخالي (6) كالخلو بالكسر (7).
و الطحنات لعلّه جمع الطّحنة أي: البرّ المطحونة و أشباهها.
قوله (عليه السلام): فاستعلى أي: اشتدّ علوّه (8).
و التّمزّق: التّفرّق (9).
قوله (عليه السلام): رويدا، أي: اصبروا و أمهلوا قليلا (10).
فعن قليل، أي: بعد زمان قليل.
و القسطل- بالسين و الصاد-: الغبار (11).
____________
(1) كما في لسان العرب 15- 19.
(2) كما قاله في النهاية 3- 146.
(3) جاء في مجمع البحرين 6- 190، و الصحاح 5- 2063، و لسان العرب 12- 627.
(4) كما في النهاية 1- 250، و مجمع البحرين 3- 179، و لسان العرب 3- 479.
(5) قال في الصحاح 2- 561: جذذت الشّيء: كسرته و قطعته، و نحوه في لسان العرب 3- 479 و مثله في: القاموس 1- 351.
و قال في تاج العروس 2- 555- 556: بيد جذّاء أي: مقطوعة: و سنّ جذّاء متهتّمة أي منكسرة.
(6) ذكره في مجمع البحرين 3- 367، و انظر: النهاية 3- 36، و الصحاح 2- 714، و تاج العروس 3- 337.
(7) صرّح به في القاموس 4- 325، و لسان العرب 14- 239، و تاج العروس 10- 118.
(8) قال في الصحاح 6- 2437: و استعلى الرّجل أي: علا، و جاء فيه و في القاموس 4- 365:
و استعلاه: علاه.
(9) كما في تاج العروس 7- 70، و قال في القاموس 3- 282: مزقه يمزقه مزقا و مزقة: خرقه، كمزّقه فتمزّق.
(10) انظر: لسان العرب 3- 190، مجمع البحرين 3- 55، القاموس 1- 296.
(11) قاله في مجمع البحرين 5- 453، و تاج العروس 8- 80، و الصحاح 5- 1801.
152
و قال الجوهري: الذّعاف: السّم، و طعام مذعوف ... و موت ذعاف ..
أي: سريع يعجّل القتل (1)، و في بعض النسخ بعده: ممزّقا، أي: يفرّق الأعضاء و يقطع الأمعاء (2).
و لا أبعد اللّه فيها، أي: في القيامة.
و أتعسه اللّه، أي: أهلكه (3).
قوله: يا سبحان (4) اللّه! أي: يا قوم تعجّبوا و سبّحوا اللّه تعجّبا.
و قال الجوهري: نكل عن العدوّ و عن اليمين ينكل- بالضم- أي: جبن، و النّاكل: الجبان الضّعيف (5)، و في أكثر النسخ: على غيري، و لعلّه بتضمين معنى الشفقة و نحوها.
و (6) قال في النهاية فيه: لا يحبسون إلّا الكراع و السلاح. و الكراع- بالضمّ اسم لجمع (7) الخيل (8).
و قال الجوهري: أرعد الرّجل و أبرق: إذا تهدّد و أوعد (9).
و الإيلاء: الحلف (10).
____________
(1) الصحاح 4- 1361، و انظر: مجمع البحرين 5- 60، القاموس 3- 142.
(2) انظر: لسان العرب 10- 343، تاج العروس 7- 69.
(3) جاء ذلك في الصحاح 3- 910، و القاموس 2- 203، و لسان العرب 6- 33.
(4) قال في الصحاح 1- 372: و العرب تقول سبحان من كذا: إذا تعجّبت منه، و نحوه في القاموس 1- 226، و أضاف في تاج العروس 2- 157: و قال الرضي: سبحان هنا للتعجّب و الأصل فيه أن يسبّح اللّه عند رؤية العجيب من صنائعه، ثمّ كثر حتّى استعمل في كلّ متعجّب منه.
(5) الصحاح 5- 1835، و لاحظ لسان العرب 11- 677- 678.
(6) في (ك): قال، بدون واو.
(7) في المصدر: لجميع.
(8) النهاية 4- 165، و لاحظ مجمع البحرين 4- 385.
(9) الصحاح 2- 474، و لاحظ لسان العرب 3- 180.
(10) كما في مجمع البحرين 1- 463.
153
قوله: أن يمضخها، يقال: مضخ- كمنع بالضّاد و الخاء المعجمتين- أي لطخ الجسد بالطّيب (1)، و في بعض النسخ بالصاد المهملة من المصخ، و هو:
انتزاع الشيّء و أخذه (2)، و الأول أظهر.
و الفلج: الظّفر و الفوز (3).
و المقدام- بالكسر-: الرّجل الكثير الإقدام على العدوّ (4).
و الجدوب جمع الجدب: و هو نقيض الخصب (5).
و الهلع: أفحش الجزع (6).
و السّجال- بالكسر- جمع السّجل بالفتح، و هو: الدّلو إذا كان فيه ماء (7).
و الظّمأ- بالتحريك- العطش (8).
و أنخت الجمل فاستناخ، أي: أبركته فبرك (9).
و الصماء: المصمتة الصّلبة (10).
و يقال: حيّة رقشاء: إذا كان فيها نقط سواد و بياض (11)، و في بعض
____________
(1) قاله في القاموس 1- 270، و تاج العروس 2- 280.
(2) صرّح به في القاموس 1- 270، و الصحاح 1- 431، و لاحظ لسان العرب 3- 56.
(3) كما جاء في مجمع البحرين 2- 323، و تاج العروس 2- 86.
(4) لاحظ تاج العروس 9- 19، و القاموس 4- 162 و لا يوجد فيه لفظ: على العدوّ.
(5) قاله في القاموس 1- 44، و تاج العروس 1- 177، و لاحظ مجمع البحرين 2- 21.
(6) ذكره في القاموس 3- 100، و مجمع البحرين 4- 411، و الصحاح 3- 1308.
(7) قاله في الصحاح 5- 1725، و لاحظ مجمع البحرين 5- 392، و القاموس 3- 393.
(8) صرّح به في لسان العرب 1- 116، و لاحظ مجمع البحرين 1- 280، و القاموس 1- 22 و الصحاح 1- 61.
(9) قاله في مجمع البحرين 2- 447، و الصحاح 1- 434، و لاحظ القاموس 1- 272.
(10) ذكر في القاموس 4- 140، و تاج العروس 8- 368: أنّ الصمّاء: صلبة مصمتة، و جاء في الأخير أيضا: الصّخرة الصمّاء: الّتي ليس فيها صدع و لا خرق.
(11) كما في الصحاح 3- 1007، و لاحظ مجمع البحرين 4- 138، و القاموس 2- 275.
154
النسخ: الرّقطاء، و الرّقطة: سواد يشوبه نقط بياض (1).
و الرّقى بضمّ الراء جمع رقية بالضم (2)، و هي: التّعويذات و الطّلسمات و أشباهها (3)، و في أكثر النسخ: الّتي لا تجيب إلّا بالرّقى، و في بعضها: الّتي لا تؤثّر فيها الرّقى.
قوله: وتر بيدك، في أكثر النسخ بالراء و الدال المهملتين من ربد ربودا:
أقام و حبس، و تربّد: تغيّر (4)، و لعلّ الأصوب: تدبيرك، أو تدابيرك.
و قال في النهاية-
- في حديث عليّ (عليه السلام): يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الرّبيع- الخضم.
: الأكل بأقصى الأضراس، و القضم: بأدناها، خضم يخضم خضما (5).
قوله: و قد طرق عن سرجه، و في بعض النسخ: اطرق، يقال: اطّرق جناح الطّائر- على افتعل-، أي: التفّ (6)، و طرق يطرق كنصر: أتى أهله ليلا، و أطرق على بناء الإفعال: سكت فلم يتكلّم، أو أرخى عينيه ينظر إلى الأرض (7)، و لعلّه تصحيف طال.
قوله (عليه السلام): يا اللّه! في بعض النسخ بتثليث كلّ من الثلاثة،
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 4- 249، و القاموس 2- 361، و الصحاح 3- 1128.
(2) كذا جاء في الصحاح 6- 2361، و القاموس 4- 336، و تاج العروس 10- 145.
(3) قال في النهاية 2- 254: الرّقية: العوذة الّتي يرقى بها صاحب الآفة، كالحمّى و الصرع و غير ذلك من الآفات.
و اقتصر في القاموس 4- 336 في معناها بالعوذة، و انظر: مجمع البحرين 1- 193، و تاج العروس 10- 154.
(4) كما في القاموس 1- 293، و لاحظ مجمع البحرين 3- 46- 47، و الصحاح 2- 471 472.
(5) النهاية 2- 44، و لاحظ مجمع البحرين 6- 59.
(6) كما جاء في الصحاح 4- 1514، و لسان العرب 10- 218.
(7) كما في مجمع البحرين 5- 206، و الصحاح 4- 1515، و غيرهما.
155
و تقديم:- يا محمّد على يا جبرئيل.
و البري: النحت (1)، استعير هنا للشقّ و القطع.
و انجفل القوم، أي: انقلعوا كلّهم و مضوا، ذكره الجوهري (2).
و قال: مسحه بالسّيف: قطعه (3).
و قال الفيروزآبادي: جرثومة الشيّء- بالضّم-: أصله، أو هي التّراب المجتمع في أصول الشّجر، و الّذي تسفيه الرّيح، و قرية النّمل (4)، و قال الجزري في حديث ابن الزبير: كانت في المسجد جراثيم، أي: كان فيه أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أو طين (5)، فالمعنى: أنّه (عليه السلام) جعلهم كأصول الشجر المقطوعة بغير حياة، أو أحدث من القتل في الأرض تلالا مرتفعة.
و الخمود- جمع الخامد- أي ميّتين، يقال خمد المريض .. أي مات (6).
و التّلعة- بفتح التاء و سكون اللّام- ما ارتفع من الأرض (7).
و التّمرغ: التّقلّب في التّراب (8).
قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ... (9) هو ما ذكره تعالى في طيّ ما لام أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و غيرهم على وهنهم و انهزامهم في غزوة أحد، حيث قال: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، إلى قوله تعالى: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (10).
____________
(1) كما في مجمع البحرين 1- 52، و القاموس 4- 303، و لسان العرب 14- 70.
(2) الصحاح 4- 1657، و لاحظ القاموس 3- 349.
(3) الصحاح 1- 404، و لاحظ مجمع البحرين 2- 413، و القاموس 1- 249.
(4) القاموس 4- 89، و انظر: مجمع البحرين 6- 28- 29، و تاج العروس 8- 226.
(5) النهاية 1- 254.
(6) انظر: مجمع البحرين 3- 45، لسان العرب 3- 165.
(7) انظر: مجمع البحرين 4- 309، الصحاح 3- 1192، القاموس 3- 10.
(8) انظر: مجمع البحرين 5- 16، النهاية 4- 320، الصحاح 4- 1325.
(9) آل عمران: 152.
(10) آل عمران: 152.
156
قوله: أهبّوا، يقال: هبّ فلان، أي: غاب دهرا، و في الحرب:
انهزم (1)، و الأظهر أنّه أهمّوا- بالميم-، و هو أنسب بالفقرة التالية، يقال: أهمّه الأمر:
إذا أقلقه و حزنه (2)، و في أكثر النسخ، أهيبوا، و لا يمكن أن يكون على بناء المعلوم، لأنّ ترك القلب نادر مسموع في مواضع معدودة، و لا على بناء المجهول إلّا بالحذف و الإيصال (3).
قوله أذمّوا، قال في القاموس: أذمّه: وجده ذميما، و أذمّ: تهاون بهم و تركهم (4) مذمومين في النّاس (5)، و في بعض النسخ: دمروا، أي: أهلكوا (6).
و الهمام- بالضم-: الملك العظيم الهمّة (7) و السّيّد الشّجاع السّخيّ (8).
31- ب (9): عَنْهُمَا، عَنْ حَنَانٍ (10) قَالَ: سَأَلَ صَدَقَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ أَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: مَنِ الشَّاهِدُ عَلَى فَاطِمَةَ بِأَنَّهَا لَا تَرِثُ أَبَاهَا؟
فَقَالَ (11): شَهِدَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ وَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ الْحَدَثَانِ مِنْ بَنِي نَضْرٍ، شَهِدُوا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:
____________
(1) كما في القاموس 1- 138، و تاج العروس 1- 510.
(2) انظر: مجمع البحرين 6- 189، و القاموس 4- 192، و الصحاح 5- 2060.
(3) المعلوم أن يكون: أهابوا، بقلب الياء ألفا على القياس، و أمّا ترك القلب فنادر، و ليس هذا من الموارد النادرة.
و أمّا المجهول فيكون: أهيب منهم، فإن فرض على شكل أهيبوا، فلا بدّ من فرض حذف حرف الجرّ و إيصال الفعل إلى الضمير النائب عن الفاعل، و تبديل: هم بواو الجمع.
(4) في المصدر: أذمّ بهم: تهاون أو تركهم.
(5) القاموس 4- 115، و لاحظ: الصحاح 5- 1926.
(6) كما في القاموس 2- 30، و تاج العروس 3- 210.
(7) كما في القاموس 4- 192، و مجمع البحرين 6- 189، و الصحاح 5- 2062، و غيرها.
(8) قاله في القاموس 4- 192، و تاج العروس 9- 109.
(9) قرب الإسناد: 47- 48.
(10) في المصدر: و عنهما عن حنان بن سدير.
(11) في المصدر: قال.
157
لَا أُوَرِّثُ، فَمَنَعُوا فَاطِمَةَ (عليها السلام) مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا (صلّى اللّه عليه و آله)..
32- مِصْبَاحُ الْأَنْوَارِ (1): لِبَعْضِ عُلَمَائِنَا الْأَخْيَارِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: دَخَلَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) بِنْتُ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) (2) عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَتْهُ فَدَكاً، قَالَ: النَّبِيُّ لَا يُوَرِّثُ، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (3).
فَلَمَّا حَاجَّتْهُ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ لَهَا، وَ شَهِدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ أُمُّ أَيْمَنَ.
قَالَ: فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام)، فَاسْتَقْبَلَهَا عُمَرُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ شَأْنِ فَدَكَ، قَدْ كَتَبَ لِي بِهَا.
فَقَالَ عُمَرُ: هَاتِي الْكِتَابَ، فَأَعْطَتْهُ، فَبَصَقَ فِيهِ وَ مَحَاهُ، عَجَّلَ اللَّهُ جَزَاهُ.
فَاسْتَقْبَلَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ: مَا لَكِ يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ غَضْبَى (4)؟! فَذَكَرَتْ لَهُ مَا صَنَعَ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا رَكِبُوا مِنِّي وَ مِنْ أَبِيكَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
فَمَرِضَتْ فَجَاءَا يَعُودَانِهَا فَلَمْ تَأْذَنْ لَهُمَا، فَجَاءَا ثَانِيَةً مِنَ الْغَدِ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَذِنَتْ لَهُمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهَا، فَسَلَّمَا، فَرَدَّتْ ضَعِيفاً.
ثُمَّ قَالَتْ لَهُمَا: سَأَلْتُكُمَا (5) بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَ سَمِعْتُمَا يَقُولُ (6) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَقِّي: مَنْ آذَى فَاطِمَةَ فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ.
قَالا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَتْ: فَاشْهَدْ أَنَّكُمَا قَدْ آذَيْتُمَانِي (7).
____________
(1) مصباح الأنوار: 246- 247.
(2) لا يوجد في المصدر: بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
(3) النّمل: 16.
(4) في المصدر: غضباء- بالمدّ-.
(5) في المصدر: أسألكما.
(6) اللّفظة غير واضحة في المصدر، و لعلّها: بقول.
(7) جاءت الرّواية بمضامين متعدّدة مجملة كهذه، و مفصّلة كما سيأتي، تجد لها مصادر جمّة في الغدير 7- 229، و إحقاق الحقّ 10- 217، و غيرهما.
158
33- و (1) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: طَلَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ أَسْتَأْذِنَ لَهُ عَلَى فَاطِمَةَ يَتَرَضَّاهَا، فَسَأَلَتْهَا ذَلِكَ، فَأَذِنَتْ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ وَلَّتْ وَجْهَهَا الْكَرِيمَ إِلَى الْحَائِطِ، فَدَخَلَ وَ سَلَّمَ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرُدَّ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا وَ يَقُولُ: ارْضَيْ عَنِّي يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ.
فَقَالَتْ: يَا عَتِيقُ! أَتَيْتَنَا مِنْ ماتت [مَاتَّةٍ (2) أَوْ حَمَلْتَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، اخْرُجْ فَوَ اللَّهِ مَا كَلَّمْتُكَ (3) أَبَداً حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَشْكُوَكَ إِلَيْهِمَا.
34- و (4) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ عِنْدَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) يَعُودَانِهَا، فَقَالَتْ لَهُمَا: أَسْأَلُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ هَلْ (5) سَمِعْتُمَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: مَنْ آذَى فَاطِمَةَ فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ (6)؟ فَقَالا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَتْ: فَأَشْهَدُ أَنَّكُمَا آذَيْتُمَانِي (7).
35- و (8) عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَدِمْتُ مَعَ أَبِي (9) مَكَّةَ وَ فِيهَا مَوْلًى لِثَقِيفٍ
____________
(1) مصباح الأنوار: 255.
(2) قال في اللّسان 2- 88: الماتة: الحرمة و الوسيلة. و كأنّ المراد هل راعيت لنا حرمتنا أو حملت النّاس على رقابنا؟ و في المصدر: مأمنا و حمّلت. و الظّاهر: مأمننا.
(3) في المصدر: لا كلّمتك.
(4) مصباح الأنوار: 256.
(5) لم يرد لفظ: هل، في (س).
(6) لم يرد في المصدر قولها (عليها السلام)، و من آذاني فقد آذى اللّه. و هذه الرّواية من الرّوايات المستفيضة عن الفريقين إن لم تكن متواترة كما مرّ قريبا، انظر مصادرها في الإحقاق 10- 206 209 و 236، 19- 75- 78.
(7) في نسخة: آذيتموني.
(8) مصباح الأنوار: 258.
(9) في المصدر: مع أبي عبد اللّه الحسين، و الظّاهر أنّه سهو، فراجع.
159
مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَكَانَ (1) يَنَالُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، فَأَوْصَاهُ أَبِي (2) بِتَقْوَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: نَاشَدْتُكَ اللَّهَ وَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ (3) هَلْ صَلَّيَا عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام)؟
فَقَالَ أَبِي: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: فَلَمَّا افْتَرَقْنَا سَبَبْتُهُ (4)، فَقَالَ لِي أَبِي: لَا تَفْعَلْ فَوَ اللَّهِ مَا صَلَّيَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَضْلًا عَنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ (5) شَغَلَهُمَا مَا كَانَا يُبْرِمَانِ (6).
36- يج (7): رُوِيَ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) امْتَنَعَ (8) مِنَ الْبَيْعَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ (9) أَنْ يَقْتُلَ عَلِيّاً إِذَا (10) سَلَّمَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِالنَّاسِ.
فَأَتَى خَالِدٌ وَ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَتَفَكَّرَ أَبُو بَكْرٍ فِي صَلَاتِهِ فِي عَاقِبَتِهِ (11) ذَلِكَ، فَخَطَر بِبَالِهِ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ (12) يَقْتُلُونَنِي إِنْ قُتِلَ عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ الْتَفَتَ إِلَى خَالِدٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَ قَالَ: لَا تَفْعَلْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِخَالِدٍ: أَ وَ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَ خَنَقَهُ بِإِصْبَعِهِ وَ كَادَتْ (13) عَيْنَاهُ تَسْقُطَانِ، وَ نَاشَدَهُ بِاللَّهِ أَنْ
____________
(1) في المصدر: و كان.
(2) في المصدر: أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و الظّاهر أنّه سهو أيضا، فراجع.
(3) في نسخة من البحار: و ربّ هذه البنيّة، و في المصدر لعلّها: و بربّ هذه البنيّة.
(4) في مطبوع البحار: سببه، و المثبت من المصدر.
(5) في (س): إذ بدل: أنّه.
(6) في (ك): ما كانا يبرمان من أمورهما.
(7) الخرائج و الجرائح- طبعة مدرسة الإمام المهديّ (ع)- 2- 757، حديث 75 باختلاف كثير.
(8) في المصدر: لمّا امتنع.
(9) في المصدر: أمر خالد بن الوليد.
(10) في المصدر: إذا ما، و في (س): إذ.
(11) في المصدر: فكان أبو بكر يتفكّر في صلاته في عاقبة ذلك.
(12) في المصدر: فخطر بباله أنّ عليّا إن قتله خالد ثارت الفتنة و أنّ بني هاشم. فلعلّه هنا سقط.
(13) في المصدر: و خنقه بإصبعين كادت.
160
يَتْرُكَهُ، وَ شَفَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَخَلَّاهُ (1).
ثُمَّ كَانَ خَالِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْصُدُ الْفُرْصَةَ وَ الْفَجْأَةَ لَعَلَّهُ يَقْتُلُ عَلِيّاً (عليه السلام) غِرَّةً، فَبَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عَسْكَراً (2) مَعَ خَالِدٍ إِلَى مَوْضِعٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ- وَ كَانَ خَالِدٌ مُدَجَّجاً وَ حَوْلَهُ شُجْعَانٌ (3) قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ مَا أَمَرَهُمْ خَالِدٌ فَرَأَى عَلِيّاً (عليه السلام) يَجِيءُ مِنْ ضَيْعَةٍ لَهُ مُنْفَرِداً بِلَا سِلَاحٍ، [فَقَالَ خَالِدٌ فِي نَفْسِهِ: الْآنَ وَقْتُ ذَلِكَ] (4)، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ فَكَانَ فِي يَدِ خَالِدٍ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَرَفَعَهُ لِيَضْرِبَهُ عَلَى رَأْسِ عَلِيٍّ، فَانْتَزَعَهُ (5) (عليه السلام) مِنْ يَدِهِ وَ جَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ وَ فَتَلَهُ كَالْقَلَادَةِ.
فَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَ احْتَالَ الْقَوْمُ فِي كَسْرِهِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُمْ، فَأَحْضَرُوا جَمَاعَةً مِنَ الْحَدَّادِينَ، فَقَالُوا: لَا يُمْكِنُ انْتِزَاعُهُ إِلَّا بَعْدَ حَلِّهِ فِي النَّارِ، وَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُهُ، وَ لَمَّا عَلِمُوا بِكَيْفِيَّةِ حَالِهِ، قَالُوا إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا جَعَلَهُ فِي جِيدِهِ (6)، وَ قَدْ أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ كَمَا أَلَانَهُ لِدَاوُدَ، فَشَفَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَأَخَذَ الْعَمُودَ وَ فَكَّ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ بِإِصْبَعِهِ (7).
بيان: قال الجوهري: رجل مدجّج و مدجّج أي: شاك في السّلاح، تقول منه تدجّج في شكّته أي: دخل في سلاحه كأنّه تغطّى بها (8).
____________
(1) في المصدر: في تخليته، فخلّاه.
(2) في المصدر: و قد بعث أبو بكر ذات يوم عسكرا.
(3) في المصدر: و كان على خالد السّلاح التّامّ و حواليه شجعان.
(4) زيادة من المصدر يقتضيها السّياق.
(5) فوثب (عليه السلام) إليه فانتزعه، كذا في المصدر.
(6) في المصدر: في رقبته.
(7) في المصدر: بإصبعين.
(8) الصحاح 1- 313، و لاحظ: لسان العرب 2- 265.
161
37- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (1): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالا: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ وَ قَدْ أَضْحَى النَّهَارُ، وَ إِذَا بِخَالِدِ ابْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ قَدْ وَافَى (2) فِي جَيْشٍ قَامَ غُبَارُهُ وَ كَثُرَ صَهِيلُ أَهْلِ (3) خَيْلِهِ وَ إِذَا بِقُطْبِ رَحًى مَلْوِيٍّ فِي عُنُقِهِ قَدْ فُتِلَ فَتْلًا.
فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ (4)، فَرَمَقَهُ النَّاسُ بِأَعْيُنِهِمْ فَهَالَهُمْ مَنْظَرُهُ.
ثُمَّ قَالَ (5): أَ عَدْلٌ يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ حَيْثُ جَعَلَكَ النَّاسُ فِي هَذَا (6) الْمَوْضِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَنْتَ بِأَهْلٍ؟! وَ مَا ارْتَفَعْتَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ إِلَّا كَمَا يَرْتَفِعُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ عَلَى الْمَاءِ، وَ إِنَّمَا يَطْفُو وَ يَعْلُو حِينَ (7) لَا حَرَاكَ بِهِ، مَا لَكَ وَ سِيَاسَةَ (8) الْجُيُوشِ وَ تَقْدِيمَ الْعَسَاكِرِ، وَ أَنْتَ بِحَيْثُ أَنْتَ، مِنْ لِينِ (9) الْحَسَبِ، وَ مَنْقُوصِ (10) النَّسَبِ، وَ ضَعْفِ الْقُوَى، وَ قِلَّةِ التَّحْصِيلِ، لَا تَحْمِي ذِمَاراً، وَ لَا تُضْرِمُ نَاراً، فَلَا جَزَى اللَّهُ أَخَا (11) ثَقِيفٍ وَ وَلَدَ صُهَاكَ خَيْراً.
إِنِّي رَجَعْتُ مُنْكَفِئاً مِنَ الطَّائِفِ إِلَى جُدَّةَ فِي طَلَبِ الْمُرْتَدِّينَ، فَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ
____________
(1) إرشاد القلوب: 378- 384.
(2) في المصدر: وافانا.
(3) في المصدر: صواهل، بدلا من: صهيل أهل، و قد وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل.
(4) في المصدر: نزل عن فرسه بإزاء أبي بكر.
(5) في المصدر: و هالهم منظره فقال.
(6) لم يردّ لفظ: هذا، في المصدر.
(7) في المصدر: إنّما يطفو حين.
(8) في المصدر: و لسياسة.
(9) في نسخة: من دناءة، و في المصدر: من أليم.
(10) في نسخة: رذالة و دناءة، جاءت على (س).
(11) في المصدر: أخسأ بدل: اخا.
162
أَبِي طَالِبٍ وَ مَعَهُ عُتَاةٌ (1) مِنَ الدِّينِ حَمَالِيقُ، شَزَرَاتُ (2) أَعْيُنِهِمْ مِنْ حَسَدِكَ بَدَرَتْ حَنَقاً (3) عَلَيْكَ، وَ قَرِحَتْ آمَاقُهُمْ لِمَكَانِكَ.
مِنْهُمْ (4) ابْنُ يَاسِرٍ، وَ الْمِقْدَادُ، وَ ابْنُ جُنَادَةَ أَخُو (5) غِفَارٍ، وَ ابْنُ الْعَوَّامِ، وَ غُلَامَانِ أَعْرِفُ أَحَدَهُمَا بِوَجْهِهِ، وَ غُلَامٌ أَسْمَرُ لَعَلَّهُ مِنْ وُلْدِ عَقِيلٍ أَخِيهِ.
فَتَبَيَّنَ لِيَ الْمُنْكَرُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَ الْحَسَدُ فِي احْمِرَارِ أَعْيُنِهِمْ، وَ قَدْ تَوَشَّحَ عَلِيٌّ بِدِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَبِسَ رِدَاءَهُ السَّحَابَ، وَ لَقَدْ أُسْرِجَ (6) لَهُ دَابَّتُهُ الْعُقَابُ، وَ قَدْ نَزَلَ عَلِيٌّ عَلَى عَيْنِ مَاءٍ اسْمُهَا رُوَيَّةُ (7).
فَلَمَّا رَآنِي اشْمَأَزَّ وَ بَرْبَرَ، وَ أَطْرَقَ مُوحِشاً يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ.
فَبَادَرْتُهُ بِالسَّلَامِ اسْتِكْفَاءً وَ اتِّقَاءً وَ وَحْشَةً، فَاسْتَغْنَمْتُ سَعَةَ (8) الْمُنَاخِ وَ سُهُولَةَ الْمَنْزِلَةِ (9)، فَنَزَلْتُ وَ مَنْ مَعِي بِحَيْثُ نَزَلُوا اتِّقَاءً عَنْ مُرَاوَغَتِهِ.
فَبَدَأَنِي (10) ابْنُ يَاسِرٍ بِقَبِيحِ لَفْظِهِ وَ مَحْضِ عَدَاوَتِهِ، فَقَرَعَنِي هُزُواً بِمَا تَقَدَّمْتَ بِهِ إِلَيَّ بِسُوءِ رَأْيِكَ.
فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الْأَصْلَعُ الرَّأْسِ، وَ قَدِ ازْدَحَمَ الْكَلَامُ فِي حَلْقِهِ كَهَمْهَمَةِ الْأَسَدِ أَوْ (11) كَقَعْقَعَةِ الرَّعْدِ، فَقَالَ لِي بِغَضَبٍ مِنْهُ: أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟! فَقُلْتُ
____________
(1) في المصدر: رهط عتاة.
(2) في المصدر: من الّذين شزرت حماليق.
(3) في المصدر: و بدرت حقّنا.
(4) في المصدر: فيهم.
(5) في (ك): و أخو.
(6) في المصدر: و قد أسرج.
(7) في المصدر: روبة.
(8) في المصدر: استكفاه شرّه و اتّقاه وحشته و استغنمت سعة.
(9) في المصدر: المنزل.
(10) في المصدر: فبدأ بي.
(11) في المصدر: واو بدلا من: أو.
163
لَهُ: إِي وَ اللَّهِ (1)، لَوْ أَقَامَ عَلَى رَأْيِهِ لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ.
فَأَغْضَبَهُ قَوْلِي إِذْ صَدَقْتُهُ (2)، وَ أَخْرَجَهُ إِلَيَّ طَبْعُهُ الَّذِي أَعْرِفُهُ بِهِ (3) عِنْدَ الْغَضَبِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ! مِثْلُكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِي أَنْ يَجْسُرَ؟! أَوْ يُدِيرَ اسْمِي فِي لَهَوَاتِهِ الَّتِي لَا عَهْدَ لَهَا بِكَلِمَةِ حِكْمَةٍ؟! وَيْلَكَ إِنِّي لَسْتُ مِنْ قَتْلَاكَ وَ لَا مِنْ قَتْلَى صَاحِبِكَ، وَ إِنِّي (4) لَأَعْرَفُ بِمَنِيَّتِي مِنْكَ بِنَفْسِكَ.
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى تَرْقُوَتِي (5) فَنَكَسَنِي عَنْ فَرَسِي، وَ جَعَلَ يَسُوقُنِي، فَدَعَا (6) إِلَى رَحًى لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الثَّقَفِيِّ، فَعَمَدَ إِلَى الْقُطْبِ الْغَلِيظِ فَمَدَّ عُنُقِي بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَ أَدَارَهُ فِي عُنُقِي، يَنْفَتِلُ لَهُ كَالْعِلْكِ الْمُسْتَخِنِ (7).
وَ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وُقُوفٌ، مَا أَغْنَوْا عَنِّي سَطْوَتَهُ، وَ لَا كَفُّوا عَنِّي شِرَّتَهُ (8)، فَلَا جَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي خَيْراً، فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ نَظَرُوا (9) إِلَى مَلَكِ مَوْتِهِمْ.
فَوَ الَّذِي (10) رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا أَعْمَادٍ (11)، لَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى فَكِّ هَذَا الْقُطْبِ مِائَةُ (12) رَجُلٍ أَوْ يَزِيدُونَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ فَمَا قَدَرُوا عَلَى فَكِّهِ، فَدَلَّنِي عَجْزُ النَّاسِ عَنْ فَتْحِهِ أَنَّهُ سِحْرٌ مِنْهُ أَوْ قُوَّةُ مَلَكٍ قَدْ (13) رُكِّبَتْ فِيهِ.
____________
(1) في المصدر: و ايم اللّه بدل قوله له: إي و اللّه.
(2) في المصدر: صدّقت.
(3) في المصدر: له، بدلا من: به.
(4) في المصدر: و لا قتلى أصحابك، و لأنّي.
(5) في المصدر: ترقوة فرسي.
(6) في مطبوع البحار: دعا، و المثبت من المصدر.
(7) في المصدر: المسخن.
(8) في المصدر: و لا كفوني شرّه، و الشّرّة: الحرص و النّشاط، كما جاء في بيان المصنّف (رحمه الله).
(9) في المصدر: قد نظروا.
(10) في المصدر: فهو الّذي.
(11) في مطبوع البحار: أعمادها، و المثبت من المصدر.
(12) خ. ل: ألف.
(13) لم يرد في المصدر لفظ: قد.
164
فَفُكَّهُ الْآنَ عَنِّي إِنْ كُنْتَ فَاكَّهُ، وَ خُذْ لِي بِحَقِّي إِنْ كُنْتَ آخِذاً، وَ إِلَّا لَحِقْتُ بِدَارِ عِزِّي وَ مُسْتَقَرِّ مَكْرُمَتِي، قَدْ (1) أَلْبَسَنِي ابْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْعَارِ مَا صِرْتُ بِهِ (2) ضُحْكَةً لِأَهْلِ الدِّيَارِ.
فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ وَ قَالَ: مَا (3) تَرَى إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟! كَأَنَّ وِلَايَتِي ثِقْلٌ (4) عَلَى كَاهِلِهِ، وَ شَجًا (5) فِي صَدْرِهِ.
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ (6): فِيهِ دُعَابَةٌ لَا تَدَعُهُ (7) حَتَّى تُورِدَهُ فَلَا تُصْدِرَهُ، وَ جَهْلٌ وَ حَسَدٌ قَدِ اسْتَحْكَمَا فِي خَلَدِهِ، فَجَرَيَا مِنْهُ (8) مَجْرَى الدِّمَاءِ لَا يَدَعَانِهِ حَتَّى يُهَيِّنَا مَنْزِلَتَهُ، وَ يُوَرِّطَاهُ وَرْطَةَ الْهَلَكَةِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ (9): ادْعُوَا إِلَيَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَلَيْسَ لِفَكِّ هَذَا الْقُطْبِ غَيْرُهُ.
قَالَ: وَ كَانَ قَيْسٌ سَيَّافَ النَّبِيِّ، وَ كَانَ رَجُلًا طَوِيلًا (10)، طُولُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شِبْراً فِي عَرْضِ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ، وَ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
فَحَضَرَ قَيْسٌ فَقَالَ لَهُ: يَا قَيْسُ! إِنَّكَ مِنْ شِدَّةِ الْبَدَنِ بِحَيْثُ أَنْتَ، فَفُكَ
____________
(1) في المصدر: فقد.
(2) لم يرد في المصدر لفظ: به.
(3) في المصدر: أ لا، بدلا من: ما.
(4) في المصدر: و اللّه ثقل.
(5) في المصدر: أو شجا.
(6) في المصدر: و قال.
(7) في مطبوع البحار: لا تدعها، و في المصدر: و اللّه دعابة لا تدعه.
(8) في المصدر: استحكما في صدره فجرى منه.
(9) في المصدر: لمن حضر.
(10) لم يرد في المصدر: سياف النّبيّ و كان رجلا طويلا، كما لم نجد في بعض النّسخ: سياف النّبيّ و كان.
165
هَذَا الْقُطْبَ مِنْ عُنُقِ (1) أَخِيكَ خَالِدٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: وَ لِمَ لَا يَفُكُّهُ (2) خَالِدٌ عَنْ عُنُقِهِ؟! قَالَ: لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَا لَا (3) يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَبُو سُلَيْمَانَ- وَ هُوَ نَجْمُ عَسْكَرِكُمْ (4)، وَ سَيْفُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ- كَيْفَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنَا (5)؟.
قَالَ عُمَرُ: دَعْنَا (6) مِنْ هَزْئِكَ وَ هَزْلِكَ وَ خُذْ فِيمَا حَضَرْتَ (7) لَهُ، فَقَالَ:
أُحْضِرْتُ لِمَسْأَلَةٍ تَسْأَلُونَهَا (8) طَوْعاً، أَوْ كَرْهاً تُجْبِرُونِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ (9) كَانَ طَوْعاً وَ إِلَّا فَكَرْهاً، قَالَ قَيْسٌ: يَا ابْنَ صُهَاكَ! خَذَلَ اللَّهُ مَنْ يُكْرِهُهُ مِثْلُكَ، إِنَّ بَطْنَكَ لَعَظِيمَةٌ (10) وَ إِنَّ كَرِشَكَ (11) لَكَبِيرَةٌ (12)، فَلَوْ فَعَلْتَ أَنْتَ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْكَ [عَجَبٌ، قَالَ:] (13) فَخَجِلَ عُمَرُ مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ (14)، وَ جَعَلَ يَنْكُثُ أَسْنَانَهُ (15) بِأَنَامِلِهِ.
____________
(1) لم يرد في المصدر لفظ: عنق.
(2) في إرشاد القلوب: لا يفكّ- بلا ضمير-.
(3) في المصدر: فإذا لم.
(4) في المصدر: العسكر.
(5) في المصدر: و سيفكم على عدوّكم كيف أنا أقدر عليه.
(6) في إرشاد القلوب: ادعنا .. و لا يستقيم المعنى بها.
(7) في المصدر: أحضرت.
(8) في المصدر: تسألوننيها.
(9) في المصدر: قال عمر: فكّه إن.
(10) في المصدر: لعظيم.
(11) الكرش لكلّ مجتر: بمنزلة المعدة للإنسان، تؤنثها العرب، و فيهما لغتان: كرش، و كرش، قاله في لسان العرب 6- 339.
(12) في المصدر: لكبير.
(13) زيادة من المصدر.
(14) في المصدر: من كلام قيس.
(15) في (ك): أسئانه، و هو سهو ظاهر.
166
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ مَا بِذَلِكَ (1) مِنْهُ، اقْصِدْ لِمَا سَأَلْتَ، فَقَالَ قَيْسٌ: وَ اللَّهِ لَوْ أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَمَا فَعَلْتُ، فَدُونَكُمْ وَ حَدَّادِي الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُمْ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنِّي.
فَأَتَوْا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْحَدَّادِينَ، فَقَالُوا: لَا يَنْفَتِحُ (2) حَتَّى نُحْمِيَهُ بِالنَّارِ.
فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى قَيْسٍ مُغْضَباً (3) فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا بِكَ مِنْ ضَعْفٍ عَنْ فَكِّهِ، وَ لَكِنَّكَ لَا تَفْعَلُ فِعْلًا (4) يَعِيبُ عَلَيْكَ فِيهِ إِمَامُكَ وَ حَبِيبُكَ أَبُو الْحَسَنِ، وَ لَيْسَ هَذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنَّ أَبَاكَ وام [رَامَ (5) الْخِلَافَةَ لِيَبْتَغِيَ الْإِسْلَامَ (6) عِوَجاً فَحَصَدَ (7) اللَّهُ شَوْكَتَهُ، وَ أَذْهَبَ نَخْوَتَهُ، وَ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ بِوَلِيِّهِ، وَ أَقَامَ دِينَهُ بِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَ أَنْتَ الْآنَ فِي حَالِ كَيْدٍ وَ شِقَاقٍ.
قَالَ: فَاسْتَشَاطَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ (8) غَضَباً وَ امْتَلَأَ غَيْظاً، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ! إِنَّ لَكَ عِنْدِي (9) جَوَاباً حَمِيّاً، بِلِسَانٍ طَلْقٍ، وَ قَلْبٍ جَرِيٍّ، و لَوْ لَا (10) الْبَيْعَةُ الَّتِي لَكَ فِي عُنُقِي لَسَمِعْتَهُ مِنِّي، وَ اللَّهِ لَئِنْ بَايَعَتْكَ يَدِي لَمْ يُبَايِعْكَ قَلْبِي وَ لَا لِسَانِي، وَ لَا حُجَّةَ لِي فِي عَلِيٍّ بَعْدَ يَوْمِ الْغَدِيرِ، وَ لَا كَانَتْ بَيْعَتِي لَكَ إِلَّا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (11)، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا غَيْرَ هَائِبٍ مِنْكَ (12) وَ لَا خَائِفٍ
____________
(1) في المصدر: دع عنك ما بدا لك. بدلا من: و ما بذلك.
(2) في المصدر: لا تنفتح.
(3) لم يردّ لفظ: مغضبا، في المصدر.
(4) في المصدر: لئلّا، بدلا من: فعلا.
(5) كذا، و الظّاهر أنّه: رام، و في المصدر: أتاك، بدلا من: أباك.
(6) في المصدر: الإسلام و اللّه.
(7) في مطبوع البحار: فحسد، و المثبت من المصدر.
(8) لم يرد في المصدر: ابن سعد.
(9) لم يرد في (س) لفظ: عندي.
(10) في المصدر: لو لا، بدون واو.
(11) النّحل: 92.
(12) لم يرد في المصدر لفظ: منك.
167
مِنْ مَعَرَّتِكَ (1)، وَ لَوْ سَمِعْتُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكَ بَدْأَةً (2) لَمَا فَتَحَ لَكَ مِنِّي صُلْحاً (3).
إِنْ كَانَ أَبِي رَامَ الْخِلَافَةَ فَحَقِيقٌ مَنْ (4) يَرُومُهَا بَعْدَ مَنْ (5) ذَكَرْتَهُ، لِأَنَّهُ رَجُلٌ لَا يُقَعْقِعُ بِالشِّنَانِ، وَ لَا يَغْمِزُ (6) جَانِبَهُ كَغَمْزِ التِّينَةِ، ضَخِمٌ (7) صِنْدِيدٌ، وَ سَمَكٌ (8) مُنِيفٌ، وَ عِزٌّ بَازِخٌ أَشْوَسُ (9)، بِخِلَافِكَ وَ اللَّهِ (10) أَيَّتُهَا النَّعْجَةُ الْعَرْجَاءُ، وَ الدِّيكُ النَّافِشُ، لَا عِزٌّ (11) صَمِيمٌ، وَ لَا حَسَبٌ كَرِيمٌ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ عَاوَدْتَنِي فِي أَبِي لَأُلْجِمَنَّكَ بِلِجَامٍ مِنَ الْقَوْلِ يَمُجُّ فُوكَ مِنْهُ دَماً، دَعْنَا (12) نَخُوضُ فِي عَمَايَتِكَ، وَ نَتَرَدَّى فِي غَوَايَتِكَ، عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا بِتَرْكِ الْحَقِّ وَ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ.
وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ عَلِيّاً إِمَامِي، مَا أُنْكِرُ (13) إِمَامَتَهُ وَ لَا أَعْدِلُ عَنْ وَلَايَتِهِ، وَ كَيْفَ أَنْقُضُ وَ قَدْ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْداً بِإِمَامَتِهِ (14) وَ وَلَايَتِهِ، يَسْأَلُنِي عَنْهُ؟! فَأَنَا أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِنَقْضِ بَيْعَتِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ أَنْ أَنْقُضَ (15) عَهْدَهُ وَ عَهْدَ رَسُولِهِ وَ عَهْدَ وَصِيِّهِ وَ خَلِيلِهِ، وَ مَا أَنْتَ إِلَّا أَمِيرُ قَوْمِكَ، إِنْ شَاءُوا تَرَكُوكَ وَ إِنْ شَاءُوا عَزَلُوكَ.
____________
(1) في طبعة (س): معر.
(2) في المصدر: لو سمعت منك القول بدأت.
(3) في (س): صالحا.
(4) في نسخة: أنّ يرومها، و في أخرى: من يرونها.
(5) في المصدر: أنّ، و في نسخة على مطبوع البحار: ما.
(6) في المصدر: بالثنان و لا يلمز، و في (س): بالسئان، و في (ك): بالشنآن.
(7) في المصدر: خضم.
(8) في المصدر: سمك، بلا واو.
(9) في المصدر: و عزّ باذخ أشوس فقام، و في مطبوع البحار: أشوش، و هو غلط.
(10) لم يردّ لفظ الجلالة في المصدر.
(11) في مطبوع البحار: لا عن، و المثبت من المصدر.
(12) في المصدر: فدعنا.
(13) في المصدر: فو اللّه ما أنكر.
(14) في المصدر: بإمارته.
(15) في نسخة: من نقض، و كذا في المصدر.
168
فَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِمَّا (1) اجْتَرَمْتَهُ، وَ تَنَصَّلْ (2) إِلَيْهِ مِمَّا ارْتَكَبْتَهُ، وَ سَلِّمِ الْأَمْرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْكَ بِنَفْسِكَ، فَقَدْ رَكِبْتَ عَظِيماً بِوِلَايَتِكَ دُونَهُ، وَ جُلُوسِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَ تَسْمِيَتِكَ بِاسْمِهِ، وَ كَأَنَّكَ بِالْقَلِيلِ مِنْ دُنْيَاكَ وَ قَدِ انْقَشَعَ عَنْكَ كَمَا يَنْقَشِعُ السَّحَابُ، وَ تَعْلَمُ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً (3).
وَ أَمَّا تَعْيِيرُكَ إِيَّايَ فَإِنَّهُ (4) مَوْلَايَ، هُوَ (5) وَ اللَّهِ مَوْلَايَ وَ مَوْلَاكَ وَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، آهِ .. آهِ .. أَنَّى لِي بِثَبَاتِ قَدَمٍ، أَوْ تَمَكُّنِ وَطْءٍ (6) حَتَّى أُلْفِظَكَ لَفْظَ الْمَنْجَنِيقِ الْحَجَرَةَ، وَ لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ قَرِيباً، وَ نَكْتَفِي (7) بِالْعِيَانِ عَنِ الْخَبَرِ.
ثُمَّ قَامَ وَ نَفَضَ ثَوْبَهُ وَ مَضَى، وَ نَدِمَ (8) أَبُو بَكْرٍ عَمَّا أَسْرَعَ إِلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَى قَيْسٍ، وَ جَعَلَ خَالِدٌ يَدُورُ فِي الْمَدِينَةِ وَ الْقُطْبُ فِي عُنُقِهِ أَيَّاماً (9).
ثُمَّ أَتَى آتٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: قَدْ وَافَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ السَّاعَةَ مِنْ سَفَرِهِ، وَ قَدْ عَرَقَ جَبِينُهُ، وَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْأَقْرَعَ (10) بْنَ سُرَاقَةَ الْبَاهِلِيَّ وَ الْأَشْوَسَ بْنَ الْأَشْجَعِ (11) الثَّقَفِيَّ يَسْأَلَانِهِ الْمُضِيَ (12) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) في المصدر: ما.
(2) الكلمة غير واضحة في (س)، و الظّاهر أنّها تنصّل- كما تعرض لها في البيان- يقال تنصّل فلان من ذنبه: تبرّأ، قاله في الصّحاح 5- 1831.
(3) في المصدر: خير، بدلا من: شرّ.
(4) في المصدر و (ك): بأنّه و هو الظّاهر، لو لا عدم وجود الفاء في هو.
(5) في المصدر: فهو.
(6) في المصدر: بثبات قدمه و تمكّن وطأته.
(7) في المصدر: و يكتفي.
(8) في المصدر: فندم.
(9) في المصدر: و الطّوق فيه أيّاما.
(10) في المصدر: فأنفذوا إليه الأقرع.
(11) في المصدر: أشجع- بلا ألف و لام-.
(12) خ. ل: أنّ يصير.
169
فَأَتَيَاهُ فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَدْعُوكَ لِأَمْرٍ قَدْ أَحْزَنَهُ، وَ هُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تَصِيرَ (1) إِلَيْهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَمْ يُجِبْهُمَا، فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا تَرُدُّ عَلَيْنَا فِيمَا جِئْنَاكَ لَهُ؟ (2) فَقَالَ: بِئْسَ وَ اللَّهِ الْأَدَبُ أَدَبُكُمْ، أَ لَيْسَ (3) يَجِبُ عَلَى الْقَادِمِ أَنْ لَا يَصِيرَ (4) إِلَى النَّاسِ فِي أَجْلِبَتِهِمْ (5) إِلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ حَاجَةٌ فَأَطْلِعُونِي (6) عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِي حَتَّى (7) أَقْضِيَهَا إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فصار [فَصَارَا (8) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَعْلَمَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا بِنَا إِلَيْهِ، وَ مَضَى الْجَمْعُ (9) بِأَسْرِهِمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَوَجَدُوا الْحُسَيْنَ (عليه السلام) عَلَى الْبَابِ يُقَلِّبُ سَيْفاً لِيَبْتَاعَهُ، قَالَ (10) لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ (11) لَنَا عَلَى أَبِيكَ، فَقَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ اسْتَأْذَنَ لِلْجَمَاعَةِ (12) فَدَخَلُوا وَ مَعَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَدَأَ بِهِ الْجَمْعُ (13) بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ (عليهم السلام) (14) مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى خَالِدٍ قَالَ: نَعِمْتَ
____________
(1) في (س) قد تقرأ بالسّين.
(2) في المصدر: به، بدلا من: له.
(3) في المصدر: و ليس.
(4) في المصدر: أنّ يصير.
(5) في المصدر: في حوائجهم.
(6) في المصدر: فأطلعاني.
(7) لم يرد في المصدر: حتّى.
(8) في المصدر: فصارا.
(9) في المصدر: فمضى الجميع.
(10) في المصدر: ليتابعه فقال.
(11) في المصدر: نستأذن.
(12) في المصدر فقال: فاستأذن للجماعة.
(13) في المصدر: فبادر الجمع.
(14) لم يردّ لفظ: السّلام، في المصدر.
170
صَبَاحاً يَا أَبَا سُلَيْمَانَ! نِعْمَ (1) الْقِلَادَةُ قِلَادَتُكَ.
فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا عَلِيُّ لَا نَجَوْتَ مِنِّي إِنْ سَاعَدَنِي الْأَجَلُ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌ (2) (عليه السلام): أُفٍّ لَكَ يَا ابْنَ دَمِيمَةَ، إِنَّكَ- وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- عِنْدِي لَأَهْوَنُ (3)، وَ مَا رُوحُكَ فِي يَدِي لَوْ أَشَاءُ إِلَّا كَذُبَابَةٍ وَقَعَتْ عَلَى (4) إِدَامٍ حَارٍّ فَطَفِقَتْ (5) مِنْهُ، فَاغْنِ عَنْ نَفْسِكَ غِنَائَهَا، وَ دَعْنَا بِحَالِنَا حُكَمَاءَ (6)، وَ إِلَّا لَأُلْحِقَنَّكَ (7) بِمَنْ أَنْتَ أَحَقُّ بِالْقَتْلِ مِنْهُ، وَ دَعْ عَنْكَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ مَا مَضَى، وَ خُذْ فِيمَا بَقِيَ، وَ اللَّهِ لَا تَجَرَّعْتُ مِنَ الْجِرَارِ (8) الْمُخْتَمَةِ إِلَّا عَلْقَمَهَا، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنِيَّتِي وَ مَنِيَّتَكَ وَ رُوحِي وَ رُوحَكَ، فَرُوحِي فِي الْجَنَّةِ وَ رُوحُكَ فِي النَّارِ.
قَالَ: وَ حَجَزَ الْجَمِيعُ (9) بَيْنَهُمَا وَ سَأَلُوهُ قَطْعَ الْكَلَامِ.
فَقَالَ (10) أَبُو بَكْرٍ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): إِنَّا مَا جِئْنَاكَ لِمَا تُنَاقِضُ مِنْهُ (11) أَبَا سُلَيْمَانَ (12)، وَ إِنَّمَا حَضَرْنَا لِغَيْرِهِ، وَ أَنْتَ لَمْ تَزَلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ مُقِيماً عَلَى خِلَافِي
____________
(1) في المصدر: نعّمت.
(2) لم يرد في المصدر لفظ: عليّ.
(3) في المصدر: لأهون شيء.
(4) جاءت كلمة (في) عليها رمز نسخة بدل في (ك). و هي كذلك في المصدر و جاءت نسخة أخرى في حاشية (ك): من.
(5) في (س): فطفئت.
(6) في المصدر: و دعنا حلماء.
(7) في المصدر: الحقتك.
(8) في المصدر: جرار- بدون ألف و لام-.
(9) في المصدر: الجمع.
(10) في المصدر: قال.
(11) في المصدر: به بدلا من: فيه.
(12) لم يردّ لفظ: أبا سليمان، في بعض النّسخ.
171
وَ الِاجْتِرَاءِ عَلَى أَصْحَابِي، وَ قَدْ (1) تَرَكْنَاكَ فَاتْرُكْنَا، وَ لَا تَرُدَّنَا فَيُرَدَّ عَلَيْكَ (2) مِنَّا مَا يُوحِشُكَ وَ يَزِيدُكَ تَنْوِيماً إِلَى تَنْوِيمِكَ (3).
فَقَالَ (4) عَلِيٌّ (عليه السلام): لَقَدْ أَوْحَشَنِي اللَّهُ مِنْكَ وَ مِنْ جَمْعِكَ، وَ آنَسَ بِي كُلَّ مُسْتَوْحِشٍ، وَ أَمَّا ابْنُ الْوَلِيدِ (5) الْخَاسِرُ، فَإِنِّي أَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُ، إِنَّهُ لَمَّا رَأَى تَكَاثُفَ جُنُودِهِ وَ كَثْرَةَ (6) جَمْعِهِ زَهَا فِي نَفْسِهِ، فَأَرَادَ الْوَضْعَ مِنِّي فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَ مَحَلِ (7) ذِي جَمْعٍ، لِيَصُولَ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَمْعِ (8)، فَوَضَعْتُ عَنْهُ عِنْدَ مَا خَطَرَ بِبَالِهِ، وَ هَمَّ بِي (9) وَ هُوَ عَارِفٌ بِي حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرْضَى بِفِعْلِهِ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَنُضِيفُ هَذَا إِلَى تَقَاعُدِكَ عَنْ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَ قِلَّةِ رَغْبَتِكَ فِي الْجِهَادِ، فَبِهَذَا أَمَرَكَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ، أَمْ عَنْ نَفْسِكَ تَفْعَلُ هَذَا؟!.
فَقَالَ (10) عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا أَبَا بَكْرٍ! وَ عَلَى (11) مِثْلِي يَتَفَقَّهُ الْجَاهِلُونَ؟ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَكُمْ بِبَيْعَتِي، وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي، وَ جَعَلَنِي فِيكُمْ كَبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ يُؤْتَى وَ لَا يَأْتِي، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! سَتَغْدِرُ بِكَ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي كَمَا غَدَرَتِ الْأُمَمُ بَعْدَ مُضِيِ (12) الْأَنْبِيَاءِ بِأَوْصِيَائِهَا إِلَّا قَلِيلٌ، وَ سَيَكُونُ لَكَ وَ لَهُمْ
____________
(1) في المصدر: فقد.
(2) في المصدر: فيردك. بدلا من فيرد عليك.
(3) جاء في (ك) نسختان هما: سئمة إلى سئمتك، و كذا: سؤة على سؤاتك، و في المصدر: نبوّة الى نبوّتك.
(4) في المصدر: فقال له.
(5) في المصدر: ابن العابد.
(6) في (س): كثر.
(7) في المصدر: و محفل.
(8) في المصدر: الجهل.
(9) في المصدر و بعض النّسخ: به، و المثبت من نسخة.
(10) في المصدر: فقال له.
(11) في (ك): و لا على مثلي.
(12) في المصدر: من بعد ما مضى.
172
بَعْدِي هَنَاةٌ وَ هَنَاةٌ، فَاصْبِرْ، أَنْتَ كَبَيْتِ اللَّهِ: مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ مَنْ رَغِبَ عَنْهُ كَانَ كَافِراً، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً (1)، وَ إِنِّي وَ أَنْتَ سَوَاءٌ إِلَّا النُّبُوَّةَ، فَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ أَنْتَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَعْلَمَنِي عَنْ رَبِّي سُبْحَانَهُ بِأَنِّي لَسْتُ أَسُلُّ سَيْفاً إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَقَالَ: تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ، وَ الْقَاسِطِينَ، وَ الْمَارِقِينَ (2)، وَ لَمْ (3) يَقْرُبُ أَوَانُ ذَلِكَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: فَمَا أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَنْ يَنْكُثُ بَيْعَتِي مِنْهُمْ وَ يَجْحَدُ حَقِّي؟ قَالَ: فَاصْبِرْ (4) حَتَّى تَلْقَانِي، وَ تَسْتَسْلِمُ لِمِحْنَتِكَ حَتَّى تَلْقَى نَاصِراً عَلَيْهِمْ. فَقُلْتُ: أَ فَتَخَافُ عَلَيَّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلُونَنِي (5)؟! فَقَالَ: تَاللَّهِ (6) لَا أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُمْ قَتْلًا وَ لَا جِرَاحاً، وَ إِنِّي عَارِفٌ بِمَنِيَّتِكَ وَ سَبَبِهَا، وَ قَدْ أَعْلَمَنِي رَبِّي، وَ لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْنِيَهُمْ بِسَيْفِكَ فَيَبْطُلَ الدِّينُ، وَ هُوَ حَدِيثٌ، فَيَرْتَدَّ الْقَوْمُ عَنِ التَّوْحِيدِ.
وَ لَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَ قَدْ سَبَقَ مَا هُوَ كَائِنٌ، لَكَانَ لِي فِيمَا أَنْتَ فِيهِ شَأْنٌ مِنَ الشَّأْنِ، وَ لَرَوَيْتُ أَسْيَافاً، وَ قَدْ (7) ظَمِئْتُ إِلَى شُرْبِ الدِّمَاءِ، وَ عِنْدَ قِرَاءَتِكَ صَحِيفَتَكَ تَعْرِفُ نَبَأَ مَا احْتَمَلْتَ مِنْ وِزْرِي (8)، وَ نِعْمَ الْخَصْمُ مُحَمَّدٌ وَ الْحَكَمُ اللَّهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّا لَمْ نَرُدَّ هَذَا كُلَّهُ، وَ نَحْنُ نَأْمُرُكَ أَنْ تَفْتَحَ لَنَا الْآنَ (9) عَنْ عُنُقِ خَالِدٍ هَذِهِ (10) الْحَدِيدَةَ، فَقَدْ آلَمَهُ بِثِقَلِهِ وَ أَثَّرَ فِي حَلْقِهِ بِحَمْلِهِ، وَ قَدْ
____________
(1) البقرة: 125.
(2) مرّت و ستأتي له جملة من المصادر، انظر: الغدير 1- 337، 4- 38.
(3) في المصدر: و لن.
(4) في المصدر: تصبر.
(5) في المصدر: أنّ يقتلونّي.
(6) في المصدر: و اللّه.
(7) في المصدر: و لرأيت أسيافا قد.
(8) في المصدر: نعرف ما احتملت من عروض.
(9) في المصدر: أنّ تفكّ الآن.
(10) في المصدر: هذا، و الصّحيح ما أثبتناه.
173
شُفِيَتْ غَلِيلُ صَدْرِكَ مِنْهُ (1).
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَشْفِيَ غَلِيلَ صَدْرِي لَكَانَ السَّيْفُ أَشْفَى لِلدَّاءِ وَ أَقْرَبَ لِلْفَنَاءِ، وَ لَوْ قَتَلْتُهُ وَ اللَّهِ مَا قُدْتُهُ بِرَجُلٍ مِمَّنْ قَتَلَهُمْ (2) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَ فِي كَرَّتِهِ هَذِهِ، وَ مَا يُخَالِجُنِي (3) الشَّكُّ فِي أَنَّ خَالِداً مَا احْتَوَى قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ عَلَى قَدْرِ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، وَ أَمَّا (4) الْحَدِيدُ الَّذِي فِي عُنُقِهِ فَلَعَلِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ، فَيَفُكُّهُ خَالِدٌ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ فُكُّوهُ أَنْتُمْ (5) عَنْهُ، فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِهِ إِنْ كَانَ مَا تَدْعُونَهُ صَحِيحاً.
فَقَامَ إِلَيْهِ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ وَ عَامِرُ بْنُ الْأَشْجَعِ فَقَالا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! وَ اللَّهِ لَا يَفُكُّهُ عَنْ (6) عُنُقِهِ إِلَّا مَنْ حَمَلَ بَابَ خَيْبَرَ بِفَرْدِ يَدٍ، وَ دَحَا بِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (7)، وَ حَمَلَهُ وَ جَعَلَهُ (8) جِسْراً تَعْبُرُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَ هُوَ فَوْقَ زَنْدِهِ، وَ قَامَ (9) إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَخَاطَبَهُ أَيْضاً فِيمَنْ خَاطَبَهُ، فَلَمْ يُجِبْ أَحَداً، إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ (10) أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَ بِحَقِّ أَخِيكَ الْمُصْطَفَى رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا مَا رَحِمْتَ خَالِداً (11) وَ فَكَكْتَهُ مِنْ عُنُقِهِ (12).
فَلَمَّا سَأَلَهُ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا، وَ كَانَ (عليه السلام) كَثِيرَ الْحَيَاءِ، فَجَذَبَ خَالِداً
____________
(1) لم يرد في المصدر لفظ: منه.
(2) في المصدر: قتلتهم.
(3) في مطبوع البحار: تخالجني.
(4) في المصدر: أمّا، بلا واو.
(5) لم يرد في المصدر: أنتم.
(6) في المصدر: من.
(7) في نسخة: إلّا من دحا باب خيبر وراء ظهره.
(8) في المصدر: فجعله.
(9) في المصدر: فوق يده فقام.
(10) لم يرد في المصدر لفظ: له.
(11) في المصدر: رحمته.
(12) في (س): منه.
174
إِلَيْهِ، وَ جَعَلَ يَخْذِفُ (1) مِنَ الطَّوْقِ قِطْعَةً قِطْعَةً وَ يَفْتِلُهَا (2) فِي يَدِهِ، فَانْفَتَلَ (3) كَالشَّمْعِ.
ثُمَّ ضَرَبَ بِالْأُولَى رَأْسَ خَالِدٍ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: آهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): قُلْتَهَا (4) عَلَى كُرْهٍ مِنْكَ، وَ لَوْ لَمْ تَقُلْهَا لَأَخْرَجْتُ الثَّالِثَةَ مِنْ أَسْفَلِكَ، وَ لَمْ يَزَلْ يَقْطَعُ الْحَدِيدَ جَمِيعَهُ إِلَى أَنْ أَزَالَهُ عَنْ (5) عُنُقِهِ.
وَ جَعَلَ الْجَمَاعَةُ يُكَبِّرُونَ (6) وَ يُهَلِّلُونَ وَ يَتَعَجَّبُونَ مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ انْصَرَفَتْ شَاكِرِينَ (7).
إيضاح: رأيت هذا الخبر في بعض الكتب القديمة بأدنى تغيير.
و الطّافي: الحوت الميّت الّذي يعلو الماء و لا يرسب فيه، يقال: طفى الشّيء فوق الماء: أي: علاه (8).
و يقال: ما به حراك- بفتح الحاء- أي: حركة (9).
و قال الجوهري: فلان حامي الذّمار أي: إذا ذمر و غضب حمي، و فلان أمنع ذمارا من فلان، و يقال: الذّمار ما وراء الرّجل ممّا يحقّ عليه أن يحميه و سميّ ذمارا لأنّه يجب على أهله التّذمّر له (10).
____________
(1) في (ك): يحذف، و في المصدر: يجذب.
(2) في المصدر: و يفتتها.
(3) في المصدر: فينفتل.
(4) في المصدر: فقال له قلتها.
(5) في المصدر: من بدل: عن.
(6) في المصدر: يكبّرون لذلك.
(7) في المصدر: و انصرفوا شاكرين لذلك.
(8) كما في تاج العروس 10- 225، و مجمع البحرين 1- 277، و غيرهما.
(9) كذا في مجمع البحرين 5- 261، و القاموس 3- 298، و الصحاح 4- 1579.
(10) الصحاح 2- 665، و لاحظ مجمع البحرين 3- 313، و القاموس 2- 36.
175
و الضّرام- بالكسر- اشتعال (1) النّار، يقال: ما بها نافخ ضرمة أي أحد، و أضرمت النّار: ألهبتها (2).
و المراد بأخي ثقيف: المغيرة (3) بن شعبة، و قيل: أريد به عمر أيضا، كناية عن الخلل في نسبه، و يؤيّده أنّ في الرواية الأخرى: فلا جزاك اللّه من ابن صُهاك و أخي ثقيف، أجلسك مجلسا (4) لست له بأهل.
و الانكفاء (5) الرّجوع (6).
و الحماليق: جمع الحملاق- بالكسر-، و حملاق العين: باطن أجفانها الّذي يسوّده الكحل، أو ما غطّته الأجفان من بياض المقلة (7).
و يقال: نظر إليه شزرا، و هو: نظر الغضبان بمؤخّر العين، و في لحظه شزر بالتّحريك، و تشازر القوم .. أي: نظر بعضهم إلى بعض شزرا (8) و في بعض النسخ: معه (9) رهط عتاة من الّذين شزرت حماليق أعينهم من حسدك و بدرت حنقا عليك.
و قرح جلده كعلم: خرجت به القروح (10).
و في الرواية الأخرى مكان و غلام أسمر: و أخوه عقيل، و هو أظهر.
____________
(1) في (س): اشتغال، و الظاهر أنّه سهو.
(2) ذكره في الصحاح 5- 1971، و فيه بدلا من: ألهبتها: التهبتها، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 104، و القاموس 4- 142.
(3) في (ك): و المغيرة، و في (س): ابن المغيرة، و الظاهر ما أثبتناه.
(4) لا توجد في (س): مجلسا.
(5) في (س): الانفكاء، و هو غلط.
(6) انظر: الصحاح 1- 67، و القاموس 1- 26.
(7) صرّح به في مجمع البحرين 5- 152، و انظر: الصحاح 4- 1465، و القاموس 3- 224.
(8) جاء في الصحاح 2- 696، و انظر: مجمع البحرين 3- 345، و القاموس 2- 58.
(9) في (ك): و معه.
(10) كما في تاج العروس 2- 204، و الصحاح 1- 395، و مجمع البحرين 2- 403.
176
و قال الفيروزآبادي: الرويّة كسميّة: ماء (1).
و البربرة: الصّوت و كلام في غضب، تقول: بربر فهو بربار (2).
و في الرواية الأخرى: و أطرق موشحا (3) و قبض على (4) لحيته، فبدأته بالسلام لأستكفي شرّه و أنفي وحشته.
و راغ إلى كذا: أي مال إليه سرّا و حاد، و قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (5) أي: أقبل، و قيل: مال، و المراوغة- أيضا- المصارعة، قالها الجوهري (6).
و بعد قوله: عند الغضب في الرواية الأخرى: و نفرت عيناه في أمّ رأسه و قام عرق الهاشميّ بين عينيه ككراع البعير فعلمت أنّه قد غرب عقله.
ثم قال: و يقال لخن السّقاء- بالكسر- أي: أنتن، و منه قولهم: أمة لخناء، و يقال اللّخناء (7) الّتي لم تختن (8).
و قال: دععته أدعّه (9) دعّا أي: دفعته (10).
و في الرواية الأخرى: فمدّ عنقي بيد و أخذ القطب بيد أخرى .. إلى قوله:
ما كفوني شرّه، فلا جزاهم اللّه خيرا، فإنّهم لمّا نظروا إلى بريق عينيه استخذلوا فرقا، و سالت وجوههم عرقا، و خمدت أرواحهم فكأنّهم نظروا إلى ملك موتهم.
____________
(1) القاموس 4- 337- 338، و قارن به تاج العروس 10- 159.
(2) قاله في الصحاح 2- 588، و لاحظ: لسان العرب 4- 56.
(3) في نسخة على (ك): موثقا.
(4) في (س): و أخذ على.
(5) الصافّات: 93.
(6) الصحاح 4- 1320، و قارن بلسان العرب 8- 430- 431.
(7) لا توجد: و يقال اللخناء، في (ك).
(8) الصحاح 6- 2194، و لاحظ: مجمع البحرين 6- 308.
(9) لا توجد في (ك): أدعه.
(10) الصحاح 3- 1206، و انظر: مجمع البحرين 4- 325.
177
و فتلت الحبل: لويته (1).
و يقال: ما أغنى فلان شيئا- بالعين و الغين- أي: لم ينفع في مهمّ، و لم يكف مئونة (2).
و شرّة الشّباب- بكسر الشّين و تشديد الرّاء-: حرصه و نشاطه (3)، و الشرة أيضا مصدر الشر.
قوله: أو قوة ملك- بالتحريك أو بالضمّ- و الثاني أنسب بكفره.
و الشّجا: ما ينشب في الحلق من عظم و غيره (4) و الهمّ و الحزن.
و الدّعابة- بالضّمّ-: المزاح (5)، و في بعض النسخ: زعامة، و هي بالفتح:
سّيادة (6).
و الخلد- بالخاء المعجمة محرّكة-: القلب (7)، و في أكثر النسخ بالجيم، و لعلّه تصحيف.
و في الرواية الأخرى: فقال عمر: فيه دعابة لا يدعها حتّى تهتك منزلته، و تورطه ورطة الهلكة، و تبعده عن الدنيا، فقال له أبو بكر: دعني من تمردّك و حديثك هذا، فو اللّه لو همّ بقتلي و قتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ثم قال أبو بكر .. إلى قوله: و كان قيس سيّاف النبيّ و كان طوله سبعة أشبار في عرض ثلاثة أشبار.
قوله: لمسألة تسألونها .. أي: أحضرتموني لتلتمسوا منّي ذلك لأفعله طوعا
____________
(1) كما في القاموس 4- 28، و الصحاح 5- 1788 و غيرهما.
(2) كما في تاج العروس 10- 270، و لاحظ: لسان العرب 15- 137- 138.
(3) قاله في الصحاح 2- 695، و لسان العرب 4- 401، و انظر: القاموس 2- 57.
(4) صرح به في الصحاح 6- 2389، و قال: الشجو: الهم و الحزن، و مثله في: تاج العروس 9- 193.
(5) ذكره في مجمع البحرين 2- 56، و الصحاح 1- 125 و غيرهما.
(6) كما في الصحاح 5- 1942، و لسان العرب 12- 267 و غيرهما.
(7) قاله في الصحاح 2- 469، و مجمع البحرين 3- 44، و القاموس 1- 290.
178
أو تجبروني عليه كرها.
قوله: ما كان منك .. أي: لا تقدر عليه، أو المعنى: لو جبرتني عليه كان من أعوانك و ليس منك.
و في الرواية الأخرى: فقال له عمر: اقصد لما أمرت به يا قيس و إلّا أكرهت، فقال قيس: يا ابن صُهاك! خذل اللّه من يكرهه شرواك، إنّ بطنك لكبير، و إنّ كيدك لعظيم، فلو فعلت أنت ذلك ما كان بعجيب.
و شروى الشّيء: مثله (1).
قوله: فاستشاط: أي احتدم و التهب في غضبه (2).
قوله: حميّا- على فعيل- أي: حاميا للحقّ.
و المعرّة: الإثم و الأذى (3).
قوله: لا يقعقع بالشنان .. القعقعة: حكاية صوت السّلاح (4)، و الشّنان- بالكسر- جمع الشّن، و هو: القربة الخلق (5).
قال الزمخشري (6) و الميداني (7): إذا أرادوا حثّ الإبل على السّير يحرّكون القربة اليابسة لتفزع فتسرع.
قال النّابغة:
كأنّك من جمال بني أقيس (8)* * * يقعقع خلف رجليه بشنّ
يضرب للرّجل الشّرس الصّعب الّذي لا يتفزّع لا ينزل به من حوادث
____________
(1) كما في الصحاح 6- 2392، و مجمع البحرين 1- 245.
(2) قاله في الصحاح 3- 1139، و مثله في لسان العرب 7- 339.
(3) كما في مجمع البحرين 3- 400، و القاموس المحيط 2- 87.
(4) صرح به في مجمع البحرين 4- 382، و القاموس 3- 72.
(5) قاله في الصحاح 5- 2146، و مجمع البحرين 6- 272.
(6) في كتابه المستقصى في أمثال العرب 2- 274.
(7) في كتابه مجمع الأمثال 2- 261.
(8) في المصدرين: بني أقيش.
179
الدّهر، و لا يروعه ما لا حقيقة له.
قال (1) الحجّاج على منبر الكوفة: إنّي و اللّه يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشّنان، و لا يغمز جانبي كتغماز التّين. انتهى (2).
و غمز التين: كناية عن سرعة الانقياد، و لين الجانب (3)، فإنه إذا غمز في ظرف أو غيره انغمز سريعا.
و الضّخم: الغليظ من كلّ شيء (4)، و المراد هنا شدّته في الأمور و فخامته عند الناس.
و الصّنديد- بالكسر-: السّيد الشّجاع (5).
و سمك البيت: سقفه (6).
و المنيف: المشرف المرتفع (7).
و الباذخ: العالي (8).
و الشّوس- بالتحريك-: النّظر بمؤخّر العين تكبّرا و تغيّظا، و الرّجل أشوس (9).
قوله: والديك النافش .. في بعض النسخ بالقاف و الشين المعجمة، و النّقش (10): استخراج الشّوك و استقصاؤك الكشف عن الشيّء و الجماع (11)، و في
____________
(1) من قوله: قال .. إلى كتغماز التين، لا توجد في مجمع الأمثال.
(2) أي انتهى ما نقله عن الزمخشري، و قد تعرض للمثل في فرائد اللئالي 2- 225 أيضا، فلاحظ.
(3) كما في لسان العرب 5- 389، و تاج العروس 5- 65.
(4) قاله في مجمع البحرين 6- 104، و الصحاح 5- 1971.
(5) انظر: القاموس 1- 309، و مجمع البحرين 3- 89، و الصحاح 2- 499.
(6) لاحظه في الصحاح 4- 1594، و القاموس 3- 307، و مجمع البحرين 5- 271.
(7) قاله في لسان العرب 9- 342، و تاج العروس 6- 263، و انظر: مجمع البحرين 5- 126.
(8) نصّ عليه في مجمع البحرين 2- 429، و الصحاح 1- 418، و لسان العرب 3- 7.
(9) كما في الصحاح 3- 941، و لسان العرب 6- 115، و مجمع البحرين 8- 80.
(10) في (س): النفش- بالفاء- و هو سهو.
(11) ذكره في القاموس 2- 941، و تاج العروس 4- 359 و غيرهما.
180
بعض النسخ بالفاء، و قال الفيروزآبادي: النّفوش: الإقبال على الشيّء تأكله ..
و تنفّش الطّائر: نفض ريشه كأنّه يخاف أو يرعد (1)، و في بعض النسخ: النافر بالفاء و الراء المهملة، أو بالقاف و الراء-.
و صميم الشيّء: خالصه، يقال هو في صميم قومه (2). و يقال: مجّ الرّجل الشّراب من فيه إذا رمى به (3).
و تنصّل فلان من ذنبه أي تبرّا (4) و اعتذر.
قوله (عليه السلام): يا ابن دميمة .. الدميم: الحقير، و الدمامة الإساءة (5).
قوله (عليه السلام): فطفقت .. يقال: طفق الموضع كفرح لزمه (6)، و هو هنا كناية عن الموت. و في بعض النسخ فطفئت- بالهمزة- و هو أيضا كناية عن الموت.
و يقال: أغنيت عنك مغنى فلان .. أي: أجزأت عنك مجزأة (7)، و يقال: ما يغني عنك هذا أي: ما يجدي عنك و ما ينفعك (8).
و في الرواية الأخرى: فأعزّ نفسك عنّا هباء (9) و دعنا عنك حلماء (10). و لعلّه من قولهم هبا: إذا فرّ أو مات (11).
____________
(1) ذكره في القاموس 2- 291، و تاج العروس 4- 358.
(2) قاله أهل اللغة كما في الصحاح 5- 1968، و تاج العروس 8- 369، و لسان العرب 12- 347.
(3) ذكره في الصحاح 1- 340، و انظر: القاموس 1- 206، و لسان العرب 3- 361.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 5- 438، و الصحاح 5- 1831، و لسان العرب 11- 664.
(5) قاله في القاموس 4- 113، و تاج العروس 8- 294، و لسان العرب 13- 208.
(6) كما في القاموس 3- 258، و تاج العروس 6- 423، و انظر: لسان العرب 1- 225.
(7) لاحظ: القاموس 4- 371، و الصحاح 6- 2449، و لسان العرب 15- 138.
(8) ذكره في الصحاح 6- 2449، و لسان العرب 15- 137 و غيرهما.
(9) الهباء من الناس .. الذين لا عقول لهم، قاله في لسان العرب 15- 352، و لعلّ المعنى فاجعل نفسك في أرض شديدة مع الذين لا عقول لهم من خوفنا، أو المعنى فأعز نفسك لئلا تكون هباء و غبارا.
(10) في (ك): حلئا. و في الصحاح 1- 45: الحلأ و التحلّي بمعنى العقبول و الضرب.
(11) ذكره في القاموس 4- 402، و لسان العرب 15- 350.
181
قوله (عليه السلام): بمن أنت أحق .. أي بمن قتلهم من الكفار و أنت أحق بالقتل منهم.
قوله (عليه السلام): لا تجرعت .. أي لم أشرب من الكيزان (1) التي ختمت رءوسها و لم يعلم ما فيها إلّا علقمها .. أي مرها، و كلّ شيء مرّ علقم (2)، و لعلّه مثل (3)، و الغرض أنّي لا أبالي بالشدائد و الفتن، و لم يقدّر لي في الدنيا من الأمور إلّا شدائدها.
و الزّهو: التكبّر و الفخر (4).
قوله (عليه السلام): في موضع رفع .. أي من جهة الترفع عليّ (5)، و في الرواية الأخرى: أراد الوضع منّي ليسمو بذلك عند أهل الجهل، و همّ بي و هو عارف بي. و قال الجوهري: يقال في فلان هنات أي خصلات شرّ (6). و قال الجزري: قيل واحدها هنة، .. و هو كناية عن كلّ اسم جنس، و منه حديث سطيح «ثمّ تكون هنات و هنات» أي شدائد (7) و أمور عظام (8).
وَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى زِيَادَةٌ، وَ هِيَ هَذِهِ: فَانْصَرَفَتِ الْجَمَاعَةُ شَاكِرِينَ لَهُ وَ هُمْ مُتَعَجِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَعْجَبُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ قَلْعِ عَلِيٍّ بَابَ خَيْبَرَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ،
____________
(1) الكوز جمعه كيزان، و معناه واضح، قاله في القاموس 2- 189.
(2) كما في القاموس 4- 154، و تاج العروس 8- 480، و لسان العرب 12- 422.
(3) لم نجده فيما بأيدينا من كتب الأمثال، فلاحظ.
(4) قاله في مجمع البحرين 1- 210، و لسان العرب 14- 360، و القاموس 4- 340.
(5) لا توجد في (ك): علي.
(6) ذكره الجوهريّ في الصحاح 6- 2537، و الطريحي في مجمع البحرين 1- 480 و غيرهما.
(7) جاءت نسخه على مطبوع البحار: شدايد، و المعنى واحد، و نظائر هذه النسخ هنا كثيرة نظير:
وسائل و عباير و نحوهما.
(8) النهاية 5- 279.
182
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ ضَحِكٌ وَ بُكَاءٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟!.
قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا ضَحِكِي فَفَرِحْتُ بِقَلْعِ عَلِيٍّ بَابَ خَيْبَرَ، وَ أَمَّا بُكَائِي فَلِعَلِيٍّ (عليه السلام)، فَإِنَّهُ مَا قَلَعَهُ إِلَّا وَ هُوَ صَائِمٌ مُذْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَ لَوْ كَانَ فَاطِراً عَلَى طَعَامٍ لَدَحَا بِهِ (1) مِنْ وَرَاءِ السُّورِ
. 38- ما (2): هَذَا حَدِيثٌ وَجَدْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ (رحمهم الله)، ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ فِي كِتَابٍ لِأَبِي غَانِمٍ الْأَعْرَجِ (3)- وَ كَانَ مَسْكَنُهُ بِبَابِ الشَّعِيرِ- وَجَدَ بِخَطِّهِ عَلَى ظَهْرِ كِتَابٍ لَهُ حِينَ مَاتَ، وَ هُوَ: أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ دَخَلَتْ عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَرَأَتْهَا بَاكِيَةً، فَقَالَتْ لَهَا: بِأَبِي أَنْتِ وَ أُمِّي مَا الَّذِي يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ لَهَا: أَ سَائِلَتِي (4) عَنْ هَنَةٍ (5) حَلَّقَ بِهَا الطَّائِرُ وَ حَفِيَ (6) بِهَا السَّائِرُ، وَ رُفِعَتْ إِلَى السَّمَاءِ أَثَراً (7) وَ رُزِئَتْ فِي الْأَرْضِ خَبَراً: إِنَّ قَحِيفَ تَيْمٍ وَ أُحَيْوِلَ عَدِيٍّ جَارَيَا (8) أَبَا الْحَسَنِ فِي السِّبَاقِ، حَتَّى إِذَا تَفَرَّيَا (9) بِالْخِنَاقِ أَسَرَّا لَهُ الشَّنَآنَ، وَ طَوَيَاهُ الْإِعْلَانَ، فَلَمَّا خَبَا نُورُ الدِّينِ وَ قُبِضَ النَّبِيُّ الْأَمِينُ نَطَقَا بِفَوْرِهِمَا، وَ نَفَثَا بِسَوْرِهِمَا، وَ أَدَلَّا بِفَدَكَ، فَيَا لَهَا كَمْ مِنْ مِلْكٍ مُلِكَ (10)، إِنَّهَا عَطِيَّةُ الرَّبِّ الْأَعْلَى لِلنَّجِيِّ الْأَوْفَى، وَ لَقَدْ نَحَلَنِيهَا لِلصِّبْيَةِ السَّوَاغِبِ مِنْ نَجْلِهِ وَ نَسْلِي، وَ إِنَّهَا لَبِعِلْمِ اللَّهِ (11) وَ شَهَادَةِ أَمِينِهِ، فَإِنِ انْتَزَعَا مِنِّي الْبُلْغَةَ وَ مَنَعَانِي اللُّمْظَةَ
____________
(1) أيّ: لرمى به، انظر: الصّحاح 6- 2334.
(2) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 207، باختلاف يسير.
(3) في المصدر: المعلم الأعرج.
(4) في نسخة: أ تسأليني.
(5) خ. ل: هبة.
(6) في نسخة: خفيّ.
(7) في المصدر: و رفع إلى السّماء أمرا.
(8) في الأمالي: أنّ تخيف تيم و أحيوك عديّ جازيا.
(9) في المصدر: تقرّبا.
(10) في أمالي الشّيخ: تلك، بدلا من: ملك.
(11) في المصدر: ليعلم اللّه.
183
فَأَحْتَسِبُهَا (1) يَوْمَ الْحَشْرِ زُلْفَةً، وَ لْيَجِدَنَّهَا آكِلُوهَا سَاعِرَةَ حَمِيمٍ فِي لَظَى جَحِيمٍ.
توضيح: عن هنة، أي: شيء يسير قليل، أو قصّته منكرة قبيحة (2).
حلّق بها الطائر .. تحليق الطّائر: ارتفاعه في الهواء (3)، أي: انتشر خبرها، إذ كان الغالب في تلك الأزمنة إرسال الأخبار مع الطيور.
و حفي بها السائر .. أي: أسرع السائر في إيصال هذا الخبر حتى حفي و سقط خفّه و نعله، أو رقّ رجله أو رجل دابته، يقال: حفي- كعلم- إذا مشى بلا خفّ و لا نعل، أو رقّت قدمه أو حافره، أو هو من الحفاوة و هي المبالغة في السّؤال (4)، و في بعض النسخ: و خفي بها الساتر .. أي لم يبق ساتر لها و لم يقدر الساترون على إخفائها.
و رفعت إلى السماء أثرا ... أي ظهرت آثاره في السماء عاجلا و آجلا من منع الخيرات و تقدير شدايد العقوبات لمن ارتكبها.
و رزئت في الأرض خبرا (5) ... يقال: رزأه كجعله و عمله أصاب منه شيئا، و رزأه رزءا أو مرزأة أصاب منه خيرا، و الشّيء نقصه، و الرّزيئة المصيبة (6)، فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم .. أي أحدثت من جهة خبرها في الأرض مصائب، أو
____________
(1) في الأمالي: و احتسبتها.
(2) قال في النهاية 5- 278: الهن و الهنّ- بالتخفيف و التشديد- كناية عن الشّيء لا تذكره باسمه، تقول: أتاني هن و هنة مخفّفا و مشدّدا.
و قال في النهاية أيضا 5- 279: و فيه أنّه قام هنيّة، أي: قليلا من الزّمان، و هو تصغير هنة.
و في الصحاح 6- 2536: هن- على وزن أخ-: كلمة كناية، و معناه: شيء، ... و تقول للمرأة: هنة و هنت.
و قال في تاج العروس 10- 413: هنة: تأنيث الهن، فهو كناية عن كلّ اسم جنس، و مثله في مجمع البحرين 1- 479.
(3) كما في الصحاح 4- 1462، و لسان العرب 10- 63 و غيرهما.
(4) كما في كتب اللغة كالصحاح 6- 2316، و لسان العرب 14- 187- 188، و غيرهما.
(5) في (ك): خيرا.
(6) قاله في القاموس 1- 16، و تاج العروس 1- 70، و لسان العرب 1- 85- 86.
184
المجهول بالإسناد المجازي، و الأول أنسب معنى، و الثاني لفظا، و يمكن أن يكون بتقديم المعجمة على المهملة، يقال: زري عليه زريا: عابه و عاتبه (1) فلا يكون مهموزا.
و في بعض النسخ ربت- بالراء المهملة و الباء الموحّدة-: أي نمت (2) و كثرت. و في بعضها: رنّت .. من الرنين، و في نسخة قديمة: و رويت- من الرواية-.
إنّ قحيف تيم .. لعلّها (صلوات اللّه عليها) أطلقت على أبي بكر قحيفا، لأنّ أباه أبو قحافة، و القحف- بالكسر- العظم فوق الدّماغ، و القحف- بالفتح قطع القحف أو كسره، و القاحف: المطر يجيء فجأة فيقتحف كلّ شيء .. أي يذهب به، و سيل قحاف- كغراب- جزاف (3).
و الأحيول- تصغير- الأحول، و هو لو لم يكن أحول ظاهرا فكان أحول باطنا لشركه، بل أعمى، و يقال:- أيضا- ما أحوله .. أي ما أحيله (4).
جاريا أبا الحسن (عليه السلام) في السباق .. يقال: جاراه أي جرى معه (5).
و السّباق: المسابقة (6)، أي كانا يريدان أن (7) يسبقاه في المكارم و الفضائل في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) صرّح به في لسان العرب 14- 356، و القاموس 6- 338، و تاج العروس 10- 163.
(2) قاله في لسان العرب 14- 304، و القاموس 4- 332.
(3) كما في تاج العروس: 6- 216- 217، و لسان العرب 9- 275- 276، و القاموس 3- 182 183.
(4) صرّح به في الصحاح 4- 1681 و قال: قال الفرّاء: يقال: هو أحول منك .. أي أكثر حيلة، و ما أحوله. و نحوه في لسان العرب 11- 185.
(5) نصّ عليه الطريحي في مجمع البحرين 1- 83، و الجوهريّ في الصحاح 6- 2302.
(6) كما ذكره في لسان العرب 10- 152، و مجمع البحرين 5- 182.
(7) لا توجد: أن في (س).
185
حتى إذا تفريا بالخناق أسرّا له الشنآن .. يقال: تفرّى أي انشقّ (1)، و الخناق- ككتاب- الحبل يخنق به، و كغراب داء يمتنع معه نفوذ النّفس إلى الرّية و القلب (2). و في بعض النسخ بالحاء المهملة و هو بالكسر جمع الحنق- بالتّحريك و هو الغيظ أو شدّته (3).
و الشّنان: العداوة (4) .. أي لما انشقا بما خنقهما من ظهور مناقبه و فضائله و عجزهما عن أن يدانياه في شيء منها، أو من شدة غيظه أكمنا له العداوة في قلبهما منتهضين للفرصة، و في بعض النسخ: تعريا (5)- بالعين و الراء المهملتين- فلعلّ المعنى بقيا مسبوقين في العراء و هو الفضاء (6) و الصحراء متلبسين بالخناق و الغيظ.
و في بعض النسخ: ثغرا (7) .. أي توقرا و ثقلا. و في بعضها: تغرغرا .. من الغرغرة و هي تردّد الرّوح في الحلق، و يقال: يتغرغر صوته في حلقه .. أي
____________
(1) كذا صرّح به في القاموس 4- 374، و الصحاح 6- 2454 و غيرهما.
(2) كما قاله في القاموس 3- 229، و مجمع البحرين 5- 159- 160 و غيرهما.
(3) كذا صرّح به في لسان العرب 1- 69- 70، و القاموس 3- 224.
(4) قال في الصحاح 1- 57: الشناءة مثال الشناعة: البغض، و قد شنأته شنئا و شنئا و شنئا و مشنا و شنانا- بالتحريك- و شنآنا- بالتسكين- .. قال أبو عبيدة: الشنان- بغير همز- مثل الشنان. و مثله في لسان العرب 1- 101.
(5) قال في لسان العرب 15- 49 يقال: ما تعرّى فلان من هذا الأمر .. أي ما تخلّص. و الظاهر:
منتهزين للفرصة.
أقول: و عليه يمكن أن يكون المعنى أنهما تخلّصا بالخناق دون السباق.
(6) قاله في مجمع البحرين 1- 288، و الصحاح 6- 2423، و القاموس 4- 361.
(7) قال في مجمع البحرين 3- 236: الثغر: موضع المخافة الذي يخاف منه هجوم العدوّ، و الثغر أيضا- ما تقدم من الإنسان [كذا، و الظاهر: الأسنان]. و في المصباح: الثغر: الميسم ثمّ أطلق على الثنايا، و إذا كثر ثغر الصبيّ، قيل: ثغر ثغورا- بالبناء للمجهول-. و في القاموس 1- 383: أثغر الغلام ألقى ثغره و نبت ثغره ضد. و نحوه في الصحاح 2- 605، و زاد فيها: ثغرته .. أي كسرت ثغره، و الثغرة- بالضم- نقرة النحر التي بين الترقوتين، و الثغرة- أيضا- الثلمة، يقال: ثغرناهم ..
أي سددنا عليهم ثلم الجبل. و كل هذه المعاني قد تكون مرادة.
أقول: جاء في (ك): تغرزا، و قد تقرأ في (س): تغررا، أو تعزرا.
186
يتردّد (1)، و هو مناسب للخناق. و في بعضها: تقرّرا .. أي ثبتا و لم يمكنهما الحركة (2)، و في بعضها: تعزّبا- بالمهملة ثم المعجمة- أي بعدا (3) و لم يمكنهما الوصول إليه، و كان يحتمل تقديم المعجمة أيضا (4)، و المعنى قريب من الأول.
و في بعضها تقربا- بالقاف و الباء الموحدة- و يمكن توجيهه بوجه، و كان يحتمل النون، و هو أوجه فالخناق (5)- بالخاء المكسورة- أي اشتركا فيما يوجب عجزهما كأنهما اقترنا بحبل واحد في عنقهما، و في بعضها تفردا- بالفاء و الراء المهملة و الدال و هو أيضا لا يخلو من مناسبة.
و طوياه الإعلان .. أي أضمرا أن يعلنا له العداوة عند الفرصة، و في الكلام حذف و إيصال .. أي طويا أو عنه، يقال: طوى الحديث أي كتمه (6)، و يقال خبت النّار أي سكنت و طفئت (7).
نطقا بفورهما .. أي تكلما فورا، أي بسبب فورانهما، و في بعض النسخ:
نطفا- بالفاء- أي صبّا ما في صدورهما فورا، أو بسبب غليان حقدهما و فوران حسدهما، و يحتمل أن تكون الباء زائدة، يقال نطف الماء أي صبّه، و فلانا قذفه بفجور، أو لطّخه بعيب (8). و في الحديث: رأيت سقفا تنطف سمنا و عسلا .. أي
____________
(1) كما في الصحاح 2- 769، و تاج العروس 3- 447، و غيرهما.
(2) قال في القاموس 2- 115، قرّ بالمكان يقرّ- بالكسر و الفتح- قرارا و قرورا و قرّا و تقرّه: ثبت و سكن كاستقرّ و تقارّ، و نحوه في تاج العروس 3- 487.
(3) قال في مجمع البحرين 2- 120: يقال عزب الشيء- من باب قعد- بعد عني و غاب، و عزب من بابي قتل و ضرب- غاب و خفي. و قريب منه في لسان العرب 1- 596.
(4) قال الطريحي في مجمع البحرين 2- 131: غرب الشخص- بالضم- غرابة: بعد عن وطنه فهو غريب. و قريب منه في لسان العرب 1- 639.
(5) كذا، و الصحيح: بالخناق- بالباء دون الفاء- أي هذا أوجه بالخناق أي بملاحظته.
(6) كما في القاموس 4- 358، و تاج العروس 10- 229، و لسان العرب 15- 19.
(7) جاء في تاج العروس 10- 110، و لسان العرب 14- 223، و القاموس 4- 323.
(8) قاله في لسان العرب 6- 334- 336، و القاموس 3- 201، و تاج العروس 6- 258.
187
تقطر، و في قصة المسيح (عليه السلام): ينطف رأسه ماء (1)، و فار القدر فورا و فورانا غلا و جاش (2)، و أتوا من فورهم ... أي من وجههم، أو قبل أن يسكنوا (3).
و نفثا بسورهما .. نفثه- كضرب-: رمى به، و النفث: النّفخ و البزق (4).
و سورة الشيّء: حدّته و شدّته، و من السّلطان: سطوته و إعتداؤه. و سار الشّراب في رأسه سورا: دار و (5) ارتفع، و الرّجل إليك: وثب و ثار (6).
و أدلّا بفدك .. قال الجوهري: الدّلّ: الغنج و الشّكل، .. و فلان يدّل على أقرانه في الحرب كالبازي يدلّ على صيده، و هو يدلّ بفلان: أي يثق به (7)، و الحاصل أنهما أخذا فدك بالجرأة من غير خوف، و في بعض النسخ: وا ذلا بفدك- بالذال المعجمة- على الندبة، و لعلّه تصحيف.
فيا لها كم من ملك ملك .. من قبيل يا للماء ... للتعجب، أي يا قوم تعجبوا لفدك. و قولها: كم من ملك بيان لوجه التعجب، و في بعض النسخ:
فيا لها لمن ملك تيك ... و في بعضها: فيا لها لمزة لك تيك. و اللّمزة- بضم اللام و فتح الميم-: العيّاب (8). و تيك: اسم إشارة (9)، و الظاهر أن الجميع تصحيف.
و النّجيّ .. هو المناجي المخاطب للإنسان (10) أي لمن خصّه اللّه بنجواه
____________
(1) قاله في النهاية 5- 75، و لسان العرب 9- 336 و غيرهما.
(2) الكلمة مشوشة في (س).
(3) كما في مجمع البحرين 3- 445، و تاج العروس 3- 476.
(4) نصّ عليه في تاج العروس 1- 650، و المصباح المنير 2- 324، إلّا أنّ فيه بدل: النفخ، الإلقاء و السحر.
(5) في (س): أو بدلا من الواو.
(6) قاله في القاموس 2- 53، و تاج العروس 3- 283، و لاحظ: لسان العرب 4- 384- 385.
(7) جاء في الصحاح 4- 1699، و لسان العرب 11- 248 و غيرهما.
(8) صرّح به في لسان العرب 5- 407، و الصحاح 3- 895، و القاموس المحيط 2- 191.
(9) كما في الصحاح 6- 2548، و لسان العرب 15- 445، و القاموس 4- 409.
(10) قاله في النهاية 5- 25، و في مجمع البحرين 1- 408 بإضافة الواو، أي المناجي و المخاطب للإنسان.
188
و سرّه و كان أوفى الخلق بعهده و أمره.
و الصبية- بالكسر-: جمع الصّبي (1).
و السّغب: الجوع (2).
و النجل: الولد (3).
و البلغة- بالضّم-: ما يتبلّغ به من العيش (4).
و اللّماظة- بالضّم-: ما يبقى في الفم من الطّعام. و قال الشّاعر في وصف الدّنيا:
لماظة أيّام كأحلام نائم* * * ................ ...
و يقال: ما ذقت لماظا- بالفتح- أي شيئا، .. و اللّمظة- بالضم- كالنّكتة من البياض (5)، و اللماظة هنا أنسب.
و الزّلفة- بالضم- كالزّلفى: القرب و المنزلة (6) .. أي اعلم أنها سبب لقربي يوم الحشر، أو اصبر عليها ليكون سببا لقربي.
قال في النهاية (7): و فيه من صام إيمانا و احتسابا .. أي طلبا لوجه اللّه و ثوابه، و الاحتساب (8) من الحسب كالاعتداد من العدّ، و إنّما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللّه احتسبه، لأنّ له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنّه معتدّ به .. و الاحتساب في الأعمال الصّالحات و عند المكروهات هو البدار إلى
____________
(1) ذكره في الصحاح 6- 2398، و مجمع البحرين 1- 260 و غيرهما.
(2) نصّ عليه في القاموس 1- 82، و الصحاح 1- 147، و مجمع البحرين 2- 83.
(3) جاء ذلك في لسان العرب 11- 646، و القاموس 4- 55، و النهاية 5- 23.
(4) كما في القاموس المحيط 3- 103، و الصحاح 4- 1317 و غيرهما.
(5) قاله في الصحاح 3- 1180، و لسان العرب 7- 462.
(6) كذا في مجمع البحرين 5- 67، و القاموس المحيط 3- 149، و الصحاح 4- 1371.
(7) النهاية 1- 382، و لاحظ: لسان العرب 1- 314- 315.
(8) في المصدر: فالاحتساب.
189
طلب الأجر و تحصيله بالتّسليم و الصّبر، أو باستعمال أنواع البرّ و القيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجوّ منها ..، و منه الحديث: من مات له ولد فاحتسبه .. أي احتسب الأجر بصبره على مصيبته.
و سعر النّار .. كمنع: أوقدها (1).
و الحميم: الماء الحارّ (2).
و اللّظى- كفتى- النّار أو لهبها، و لظى- معرفة- جهنّم (3)، أو طبقة منها، أعاذنا اللّه تعالى منها و من طبقاتها و دركاتها.
39- ختص (4): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ مَجْلِسَهُ، بَعَثَ إِلَى وَكِيلِ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) فَأَخْرَجَهُ مِنْ فَدَكَ.
فَأَتَتْهُ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ! ادَّعَيْتَ أَنَّكَ خَلِيفَةُ أَبِي وَ جَلَسْتَ مَجْلِسَهُ، وَ أَنْتَ (5) بَعَثْتَ إِلَى وَكِيلِي فَأَخْرَجْتَهُ مِنْ فَدَكَ، وَ قَدْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) صَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ، وَ أَنَّ لِي بِذَلِكَ شُهُوداً. فَقَالَ (6): إِنَّ النَّبِيَّ (ص) لَا يُوَرِّثُ.
فَرَجَعَتْ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ وَ قُولِي لَهُ:
زَعَمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَا يُوَرِّثُ وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (7)، وَ وَرِثَ يَحْيَى زَكَرِيَّا، وَ كَيْفَ لَا أَرِثُ أَنَا أَبِي؟! فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ مُعَلَّمَةٌ، قَالَتْ: وَ إِنْ كُنْتُ مُعَلَّمَةً فَإِنَّمَا عَلَّمَنِي ابْنُ عَمِّي وَ بَعْلِي.
____________
(1) كما في مجمع البحرين 3- 331، و القاموس المحيط 2- 48.
(2) صرّح بذلك في الصحاح 5- 1905، و مجمع البحرين 6- 50، و القاموس 4- 100.
(3) قاله في القاموس 4- 386، و تاج العروس 10- 327، و لسان العرب 15- 248.
(4) الاختصاص 183- 185، و فيه: أبو محمّد عن عبد اللّه بن سنان .. إلى آخره.
(5) في المصدر: و أنّك.
(6) في الاختصاص: فقال لها.
(7) النّمل: 16.
190
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّ عَائِشَةَ تَشْهَدُ وَ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ يَقُولُ: النَّبِيُ (1) لَا يُوَرِّثُ.
فَقَالَتْ: هَذَا أَوَّلُ شَهَادَةِ زُورٍ شَهِدَا بِهَا (2)، وَ إِنَّ لِي بِذَلِكَ شُهُوداً بِهَا فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَتْ: فَإِنَّ فَدَكَ إِنَّمَا هِيَ صَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لِي بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
فَقَالَ لَهَا: هَلُمِّي بِبَيِّنَتِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ وَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أُمَّ أَيْمَنَ! إِنَّكِ سَمِعْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) يَقُولُ فِي فَاطِمَةَ؟ فَقَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (3)، ثُمَّ قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: فَمَنْ كَانَتْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهَا؟! وَ أَنَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَا كُنْتُ لِأَشْهَدَ بِمَا لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ (4) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ عُمَرُ: دَعِينَا يَا أُمَّ أَيْمَنَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَصِ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدِينَ؟.
فَقَالَتْ: كُنْتُ جَالِسَةً فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَالِسٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أَخُطَّ لَكَ فَدَكاً بِجَنَاحِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ جَبْرَئِيلَ
____________
(1) في المصدر: إن النّبيّ.
(2) في (س): به.
(3) انظر: صحيح البخاريّ، باب مناقب فاطمة (عليها السلام) 5- 29، و حكاه في العمدة لابن البطريق: 384.
و قد ورد الحديث بمضامين مختلفة، منها: فاطمة سيّدة نساء العالمين، كما في صحيح البخاريّ كتاب الاستئذان، باب 43، و صحيح مسلم، كتاب فضائل الصّحابة حديث 98 و 99، و طبقات ابن سعد، القسم الثّاني من 2- 40 و 8- 17، و مسند أحمد 3- 135.
و منها: فاطمة من أفضل نساء أهل الجنّة، كما في سنن التّرمذيّ، كتاب المناقب، باب 30 و 60 و 63، و مسند أحمد 1- 293 و 3- 64 و 80 و 135 و 5- 391، و مسند الطّيالسيّ حديث 1374.
(4) في بعض النّسخ و المصدر: ما كنت لأشهد إلّا بما سمعت، و في نسخة أخرى: فقالت سمعت، كما في (س).
191
(عليه السلام)، فَمَا لَبِثَ أَنْ رَجَعَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام): يَا أَبَتِ! أَيْنَ ذَهَبْتَ؟
فَقَالَ: خَطَّ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) لِي فَدَكاً بِجَنَاحِهِ وَ حَدَّ لِي حُدُودَهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَتِ! إِنِّي أَخَافُ الْعَيْلَةَ وَ الْحَاجَةَ مِنْ بَعْدِكَ، فَصَدِّقْ بِهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: هِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْكِ، فَقَبَضْتِهَا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا أُمَّ أَيْمَنَ! اشْهَدِي، وَ يَا عَلِيُّ! اشْهَدْ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتِ امْرَأَةٌ وَ لَا نُجِيزُ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ وَحْدَهَا، وَ أَمَّا عَلِيٌّ فَيَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ.
قَالَ: فَقَامَتْ مُغْضَبَةً وَ قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا ظَلَمَا ابْنَةَ نَبِيِّكَ (1) حَقَّهَا، فَاشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ خَرَجَتْ وَ حَمَلَهَا عَلِيٌّ عَلَى أَتَانٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ لَهُ خَمَلٌ، فَدَارَ بِهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فِي بُيُوتِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (عليهما السلام) مَعَهَا، وَ هِيَ تَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! انْصُرُوا اللَّهَ وَ ابْنَةَ (2) نَبِيِّكُمْ، وَ قَدْ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ بَايَعْتُمُوهُ أَنْ تَمْنَعُوهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَ ذَرَارِيَّكُمْ، فَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِبَيْعَتِكُمْ، قَالَ: فَمَا أَعَانَهَا أَحَدٌ وَ لَا أَجَابَهَا وَ لَا نَصَرَهَا.
قَالَ: فَانْتَهَتْ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَقَالَتْ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ! إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ مُسْتَنْصِرَةً، وَ قَدْ بَايَعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى أَنْ تَنْصُرَهُ وَ ذُرِّيَّتَهُ وَ تَمْنَعَ مِمَّا تَمْنَعُ مِنْهُ نَفْسَكَ وَ ذُرِّيَّتَكَ، وَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ غَصَبَنِي عَلَى فَدَكَ وَ أَخْرَجَ وَكِيلِي مِنْهَا، قَالَ: فَمَعِي غَيْرِي؟ قَالَتْ: لَا، مَا أَجَابَنِي أَحَدٌ، قَالَ: فَأَيْنَ أَبْلُغُ أَنَا مِنْ نَصْرِكِ؟ (3) قَالَ: فَخَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ. وَ دَخَلَ ابْنُهُ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِابْنَةِ مُحَمَّدٍ إِلَيْكَ؟ قَالَ: جَاءَتْ تَطْلُبُ نُصْرَتِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا فَدَكاً، قَالَ: فَمَا أَجَبْتَهَا بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَ مَا يَبْلُغُ مِنْ نُصْرَتِي أَنَا وَحْدِي، قَالَ: فَأَبَيْتَ أَنْ تَنْصُرَهَا؟
____________
(1) في المصدر: ابنة محمّد.
(2) في الاختصاص: فإنّي ابنة.
(3) في المصدر: من نصرتك.
192
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيَّ شَيْءٍ قَالَتْ لَكَ؟ قَالَ: قَالَتْ لِي: وَ اللَّهِ لَا نَازَعْتُكَ (1) الْفَصِيحَ مِنْ رَأْسِي حَتَّى أَرِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ: فَقَالَ: أَنَا وَ اللَّهِ لَا نَازَعْتُكَ (2) الْفَصِيحَ مِنْ رَأْسِي حَتَّى أَرِدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، إِذْ لَمْ تُجِبْ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: وَ خَرَجَتْ فَاطِمَةُ (صلوات اللّه عليها) مِنْ عِنْدِهِ وَ هِيَ تَقُولُ: وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً حَتَّى أَجْتَمِعَ أَنَا وَ أَنْتَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ انْصَرَفَتْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَهَا: ائْتِي (3) أَبَا بَكْرٍ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، وَ قُولِي لَهُ: ادَّعَيْتَ مَجْلِسَ أَبِي وَ أَنَّكَ خَلِيفَتُهُ وَ جَلَسْتَ مَجْلِسَهُ، وَ لَوْ كَانَتْ فَدَكُ لَكَ ثُمَّ اسْتَوْهَبْتُهَا مِنْكَ لَوَجَبَ رَدُّهَا عَلَيَّ، فَلَمَّا أَتَتْهُ وَ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: صَدَقْتِ، قَالَ:
فَدَعَا بِكِتَابٍ فَكَتَبَهُ لَهَا بِرَدِّ فَدَكَ (4).
فَخَرَجَتْ وَ الْكِتَابُ مَعَهَا، فَلَقِيَهَا عُمَرُ فَقَالَ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ! مَا هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ فَقَالَتْ: كِتَابٌ كَتَبَ لِي أَبُو بَكْرٍ بِرَدِّ فَدَكَ، فَقَالَ: هَلُمِّيهِ إِلَيَّ، فَأَبَتْ أَنْ تَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَرَفَسَهَا بِرِجْلِهِ- وَ كَانَتْ (عليها السلام) حَامِلَةً بِابْنٍ اسْمُهُ: الْمُحَسِّنُ فَأَسْقَطَتِ الْمُحَسِّنَ مِنْ بَطْنِهَا، ثُمَّ لَطَمَهَا، فَكَأَنِّي (5) أَنْظُرُ إِلَى قُرْطٍ فِي أُذُنِهَا حِينَ نَقَفَ (6)، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ فَخَرَقَهُ.
فَمَضَتْ وَ مَكَثَتْ خَمْسَةً وَ سَبْعِينَ يَوْماً مَرِيضَةً مِمَّا ضَرَبَهَا عُمَرُ، ثُمَّ قُبِضَتْ.
فَلَمَّا حَضَرَتْهَا (7) الْوَفَاةُ دَعَتْ عَلِيّاً (صلوات الله عليه) فَقَالَتْ: إِمَّا تَضْمَنُ وَ إِلَّا
____________
(1) في الاختصاص: لأنازعنك.
(2) في المصدر: لأنازعنك.
(3) في المصدر: ائت، و هو سهو، و في نسخة: آيتي، و المعنى واحد.
(4) في الاختصاص: فدك فقال.
(5) في (ك): فإنّي، و عليه رمز نسخة.
(6) في المصدر: نقفت، و هو الظّاهر.
(7) في الاختصاص: حضرته، و هكذا جاءت في نسخة بدل على حاشية مطبوع البحار، و هو سهو.
193
أَوْصَيْتُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنَا أَضْمَنُ وَصِيَّتَكِ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُكَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ لَا يَشْهَدَانِي وَ لَا يُصَلِّيَا عَلَيَّ، قَالَ: فَلَكِ ذَلِكِ (1).
فَلَمَّا قُبِضَتْ (صلوات اللّه عليها)، دَفَنَهَا لَيْلًا فِي بَيْتِهَا، وَ أَصْبَحَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُرِيدُونَ حُضُورَ جَنَازَتِهَا، وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ كَذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالا لَهُ: مَا فَعَلْتَ بِابْنَةِ مُحَمَّدٍ؟! أَخَذْتَ فِي جَهَازِهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): قَدْ وَ اللَّهِ دَفَنْتُهَا، قَالا: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَفَنْتَهَا وَ لَمْ تُعْلِمْنَا بِمَوْتِهَا؟ قَالَ:
هِيَ أَمَرَتْنِي.
فَقَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ بِنَبْشِهَا وَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه): أَمَا وَ اللَّهِ مَا دَامَ قَلْبِي بَيْنَ جَوَانِحِي وَ ذُو الْفَقَارِ فِي يَدِي فَإِنَّكَ (2) لَا تَصِلُ إِلَى نَبْشِهَا، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اذْهَبْ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنَّا، وَ انْصَرَفَ النَّاسُ.
بيان: قال في النهاية (3): الوطء في الأصل: الدّوس بالقدم، فسمّي به الغزو و القتل، لأنّ من يطأ على الشيّء برجله فقد استقصى في إهلاكه و إهانته، و منه
الحديث (4): اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر.
، أي: خذهم أخذا شديدا، انتهى.
و الخمل- بالتحريك-: هدب (5) القطيفة و نحوها (6).
____________
(1) انظر الواقعة في: حلية الأولياء 2- 43، المستدرك للحاكم 3- 163، أسد الغابة 5- 254، الاستيعاب 2- 751، المقتل للخوارزميّ 1- 83، إرشاد السّاريّ للقسطلاني 6- 362، الإصابة 4- 378 و 380، تاريخ الخميس 1- 313 و غيرها، و لا حاجة إلى سردها، كفانا ما ذكره ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 14، و أعلام النّساء 3- 1214، و الجاحظ في رسائله: 300.
(2) في المصدر: إنّك.
(3) النهاية 5- 200، و انظر: لسان العرب 1- 197 بتقديم و تأخير.
(4) في المصدر: في هلاكه و إهانته، و منه حديثه الآخر.
(5) هدب الثّوب: طرفه ممّا يلي طرّته، و طرّة الثّوب علمه و حاشيته.
(6) انظر: القاموس 3- 371، تاج العروس 7- 310، لسان العرب 11- 221. و الظاهر من هذه المصادر أن الخمل- بالفتح و السكون، لا محركة- بل صرّح به في اللسان.
194
قولها (عليها السلام): لا نازعتك (1) الفصيح .. أي: لا أنازعك بما يفصح عن المراد، أي بكلمة من رأسه، فإنّ محلّ الكلام في الرأس، أو المراد بالفصيح:
اللسان.
قوله: حين نقف- على بناء المجهول أي- .. كسر (2) من لطم اللعين.
و الجوانح: الضّلوع تحت التّرائب ممّا يلي الصّدر، واحدتها جانحة (3).
40- وَ رَوَى الْعَلَّامَةُ فِي كَشْكُولِهِ- الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ (4)- عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ مَوْلَايَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عليه السلام): لَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ هَذِهِ الدُّنْيَا لَا يُرِيدُونَ (5) غَيْرَهَا، فَامْنَعْ عَنْ عَلِيٍّ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الْخُمُسَ، وَ الْفَيْءَ، وَ فَدَكاً، فَإِنَّ شِيعَتَهُ إِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ تَرَكُوا عَلِيّاً وَ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَ إِيثَاراً وَ مُحَابَاةً (6) عَلَيْهَا، فَفَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ وَ صَرَفَ عَنْهُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ (7).
فَلَمَّا قَامَ- أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ- أَمَرَ مُنَادِيَهُ (8): مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي حَتَّى أَقْضِيَهُ، وَ أَنْجَزَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ.
____________
(1) في (ك): لأنازعنّك.
(2) كما جاء في الصحاح 4- 1435، و القاموس 3- 202.
(3) كما ورد في القاموس 1- 219، و تاج العروس 2- 113، و لسان العرب 2- 429.
(4) الكشكول فيما جرى على آل الرّسول: 203- 205.
و الكشكول ليس للعلّامة الحلّيّ قطعا، لأنّ مؤلّفه قال في مقدّمته و وسطه أنّه ألف الكتاب في سنة 735 ه و العلّامة توفّي في سنة 726 ه، و الظّاهر أنّه تأليف السّيّد حيدر بن عليّ الحسينيّ، و ذكر شيخنا الطّهرانيّ في الذّريعة 18- 12 نسبة الكشكول إلى العلّامة من الشّيخ الحرّ و نسبته إلى غيره من غيره فلاحظ.
(5) في المصدر: لا يرون.
(6) في مطبوع البحار: محاماة.
(7) لا يوجد في المصدر: و صرف عنهم جميع ذلك.
(8) في المصدر: أبو بكر أمر مناديه.
195
قَالَ: [قَالَ] (1) عَلِيٌّ (عليه السلام) لِفَاطِمَةَ (عليها السلام): صِيرِي إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ ذَكِّرِيهِ فَدَكاً، فَصَارَتْ فَاطِمَةُ إِلَيْهِ وَ ذَكَرَتْ لَهُ فَدَكاً (2) مَعَ الْخُمُسِ وَ الْفَيْءِ، فَقَالَ (3): هَاتِي بَيِّنَةً يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (4). فَقَالَتْ: أَمَّا فَدَكُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ قُرْآناً يَأْمُرُ فِيهِ بِأَنْ يُؤْتِيَنِي وَ وُلْدِي حَقِّي (5)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (6) فَكُنْتُ أَنَا وَ وُلْدِي أَقْرَبَ الْخَلَائِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَنَحَلَنِي وَ وُلْدِي (7) فَدَكاً، فَلَمَّا تَلَا عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ (8) (9)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا حَقُّ الْمِسْكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (10)، فَقَسَمَ الْخُمُسَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، فَقَالَ: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ (11) (12) فَمَا لِلَّهِ (13) فَهُوَ لِرَسُولِهِ، وَ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ فَهُوَ لِذِي الْقُرْبَى، وَ نَحْنُ ذُو الْقُرْبَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
____________
(1) زيادة من المصدر يقتضيها السّياق.
(2) لا توجد في الكشكول: فصارت فاطمة إليه و ذكرت له فدكا.
(3) جاءت في المصدر: فقال لها.
(4) في الكشكول: رسول اللّه صلّى اللّه عليك و على أبيك.
(5) الموجود في المصدر: يهبه لي و لولدي حتّى ..
(6) الرّوم: 38.
(7) لا توجد في الكشكول: و ولدي.
(8) لا توجد الواو في (س).
(9) الرّوم: 38.
(10) الأنفال: 41.
(11) من قوله: فقسم الخمس .. إلى: ابن السّبيل، لا يوجد في المصدر.
(12) الحشر: 7.
(13) في المصدر: منكم فما كان للّه.
196
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (1). فَنَظَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (2) وَ قَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَ مَنِ (3) الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينُ وَ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ؟ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (ع): الْيَتَامَى (4) الَّذِينَ يَأْتَمُّونَ (5) بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ بِذِي الْقُرْبَى، وَ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ أَسْكَنُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ ابْنُ السَّبِيلِ الَّذِي يَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ. قَالَ عُمَرُ: فَإِذًا الْخُمُسُ وَ الْفَيْءُ كُلُّهُ لَكُمْ وَ لِمَوَالِيكُمْ وَ أَشْيَاعِكُمْ؟! فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام): أَمَّا فَدَكُ فَأَوْجَبَهَا اللَّهُ لِي وَ لِوُلْدِي دُونَ مَوَالِينَا وَ شِيعَتِنَا، وَ أَمَّا الْخُمُسُ فَقَسَمَهُ اللَّهُ لَنَا وَ لِمَوَالِينَا وَ أَشْيَاعِنَا كَمَا يُقْرَأُ (6) فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ عُمَرُ: فَمَا لِسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ (7)؟ قَالَتْ فَاطِمَةُ:
إِنْ كَانُوا مَوَالِيَنَا وَ مِنْ أَشْيَاعِنَا (8) فَلَهُمُ الصَّدَقَاتُ الَّتِي قَسَمَهَا اللَّهُ وَ أَوْجَبَهَا فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ (9) .. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، قَالَ عُمَرُ: فَدَكُ لَكِ خَاصَّةً وَ الْفَيْءُ لَكُمْ وَ لِأَوْلِيَائِكُمْ؟ مَا أَحْسَبُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ يَرْضَوْنَ (10) بِهَذَا!! قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَضِيَ بِذَلِكِ، وَ رَسُولُهُ رَضِيَ بِهِ (11)، وَ قَسَمَ عَلَى الْمُوَالاةِ وَ الْمُتَابَعَةِ لَا عَلَى الْمُعَادَاةِ وَ الْمُخَالَفَةِ، وَ مَنْ عَادَانَا فَقَدْ عَادَى اللَّهَ، وَ مَنْ خَالَفَنَا فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ، وَ مَنْ
____________
(1) الشّورى: 23.
(2) من قوله: ابن أبيّ .. إلى الخطّاب، لا يوجد في الكشكول.
(3) في المصدر: من ذي القربى و من ..
(4) اليتامى، لا يوجد في الكشكول.
(5) في المصدر: يؤمنون.
(6) في الكشكول: تقرأ.
(7) في المصدر: لهم بإحسان.
(8) في الكشكول: من موالينا و أشياعنا.
(9) التّوبة: 60.
(10) في المصدر: أنّ أصحاب رسول اللّه يرضون.
(11) في الكشكول: و رضي له.
197
خَالَفَ اللَّهَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابَ (1) الْأَلِيمَ وَ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: هَاتِي بَيِّنَةً يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا تَدَّعِينَ؟! فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (ع):
قَدْ صَدَّقْتُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَ لَمْ تَسْأَلُوهُمَا الْبَيِّنَةَ! وَ بَيِّنَتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ جَابِراً وَ جَرِيراً ذَكَرَا أَمْراً هَيِّناً، وَ أَنْتَ تَدَّعِينَ أَمْراً عَظِيماً يَقَعُ بِهِ الرِّدَّةُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ!. فَقَالَتْ (عليها السلام): إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ هَاجَرُوا إِلَى دِينِهِ، وَ الْأَنْصَارُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ (2) وَ بِذِي الْقُرْبَى أَحْسَنُوا، فَلَا هِجْرَةَ إِلَّا إِلَيْنَا، وَ لَا نُصْرَةَ إِلَّا لَنَا، وَ لَا اتِّبَاعَ (3) بِإِحْسَانٍ إِلَّا بِنَا، وَ مَنِ ارْتَدَّ عَنَّا فَإِلَى الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ لَهَا (4) عُمَرُ: دَعِينَا مِنْ أَبَاطِيلِكِ، وَ أَحْضِرِينَا مَنْ يَشْهَدُ لَكِ بِمَا تَقُولِينَ!!. فَبَعَثَتْ إِلَى عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ أُمِّ أَيْمَنَ وَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ- وَ كَانَتْ تَحْتَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ- فَأَقْبَلُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ (5) وَ شَهِدُوا لَهَا بِجَمِيعِ مَا قَالَتْ وَ ادَّعَتْهُ. فَقَالَ (6): أَمَّا عَلِيٌّ فَزَوْجُهَا، وَ أَمَّا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ابْنَاهَا (7)، وَ أَمَّا أُمُّ أَيْمَنَ فَمَوْلَاتُهَا، وَ أَمَّا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَدْ كَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَهِيَ تَشْهَدُ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَ قَدْ كَانَتْ تَخْدُمُ فَاطِمَةَ، وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَجُرُّونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ!. فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): أَمَّا فَاطِمَةُ فَبَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص)، وَ مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ (ص) (8)، وَ مَنْ كَذَّبَهَا فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، وَ أَمَّا الْحَسَنُ
____________
(1) في المصدر: و من خالفه فقد استوجب العذاب.
(2) في (ك): و برسوله.
(3) في المصدر: اتباعا.
(4) لا توجد: لها، في الكشكول.
(5) لا يوجد في المصدر من: ابن أبيّ .. إلى: أبي بكر.
(6) في الكشكول: فقال عمر.
(7) في المصدر: ابناؤهما.
(8) إشارة إلى الحديث المتواتر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و قد جاء بألفاظ متفاوتة، و قد عد له العلّامة الأمينيّ في غديره 7- 231 أكثر من تسعة و خمسين مصدرا و حافظا، و انظر عنه أيضا مستدرك الحاكم 3- 154 و قد صحّحه، و ذخائر العقبى 39، و ميزان الاعتدال 2- 72، و كنز العمّال 7- 111، و ينابيع المودّة 173- 174، و مجمع الزّوائد 9- 203، و تهذيب التّهذيب 12- 443 و غيرها كثير.
198
وَ الْحُسَيْنُ فَابْنَا رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (1)، مَنْ كَذَّبَهُمَا فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) إِذْ كَانَ (2) أَهْلُ الْجَنَّةِ صَادِقِينَ، وَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ (3)، وَ أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ (4)، وَ الرَّادُّ عَلَيْكَ هُوَ الرَّادُّ عَلَيَّ، وَ مَنْ أَطَاعَكَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَ مَنْ عَصَاكَ فَقَدْ عَصَانِي (5)، وَ أَمَّا أُمُّ أَيْمَنَ فَقَدْ شَهِدَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْجَنَّةِ (6)، وَ دَعَا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَ ذُرِّيَّتِهَا. قَالَ عُمَرُ (7): أَنْتُمْ كَمَا وَصَفْتُمْ (8) أَنْفُسَكُمْ، وَ لَكِنْ شَهَادَةُ الْجَارِّ إِلَى نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِذَا كُنَّا كَمَا نَحْنُ كَمَا تَعْرِفُونَ وَ لَا
____________
(1) إن حديث: «الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»، من الأحاديث المعروفة و المشهورة عند العامّة و الخاصّة، و ندرج هنا بعض مصادره، فقد رواه الحمويني الشّافعيّ في كتابه فرائد السّمطين في المجلّد الثّاني، الباب الثّامن في ضمن حديث طويل، و جاء في مسند أحمد بن حنبل 3- 3 و 62 82، حلية الأولياء 5- 71، تاريخ بغداد 9- 231- 232، و 10- 90، و ينابيع المودّة 166، و الصّواعق المحرقة 189، و سنن ابن ماجة باب فضائل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و المستدرك 3- 167، و كنز العمّال 6- 217، و غيرها.
(2) في المصدر: إذا كانا من أهل.
(3) جاء الحديث بألفاظ مختلفة، منها ما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال لعليّ (عليه السلام): عليّ منّي و أنا منه، أو: أنا منك و أنت منّي، أو حديث بعثه (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاه (سلام اللّه عليه) بسورة براءة المجمع على صحّته، و قد مرّ، و غيرها، انظر مثالا لذلك: مسند أحمد بن حنبل 5- 204 و 356، خصائص النّسائيّ: 36 و 51، و غيرها، و أدرج جملة من مصادرها في الغدير 1- 48 و 3- 23 و غيرها.
(4) حديث المؤاخاة من المتّفق عليه أدّى حقّه العلّامة الأمينيّ في موسوعته 3- 112- 125، و حكاه عن أكثر من خمسين مصدرا، و تعرّض له أيضا في 9- 318، فراجع.
(5) انظر مصادره في الغدير 7- 177 و 10- 278.
(6) من مصادر حديث أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم قد شهد لأمّ أيمن (رضوان اللّه عليها) بالجنّة:
الإصابة 4- 415، تهذيب التّهذيب 12- 459، أعلام النّساء 1- 107، أسد الغابة 5- 567 و غيرها.
(7) في المصدر: فقال عمر، و لا توجد في (ك).
(8) جاء في المصدر: وصفتم به، و في (ك): وصفتكم به.
199
تُنْكِرُونَ (1)، وَ شَهَادَتُنَا لِأَنْفُسِنَا لَا تُقْبَلُ، وَ شَهَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ لَا تُقْبَلُ، فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، إِذَا ادَّعَيْنَا لِأَنْفُسِنَا تَسْأَلُنَا (2) الْبَيِّنَةَ؟! فَمَا مِنْ مُعِينٍ يُعِينُ، وَ قَدْ وَثَبْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَ سُلْطَانِ رَسُولِهِ، فَأَخْرَجْتُمُوهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَ لَا حُجَّةٍ: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3). ثُمَّ قَالَ لِفَاطِمَةَ:
انْصَرِفِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ قَالَ الْمُفَضَّلُ: قَالَ مَوْلَايَ جَعْفَرٌ (4) (عليه السلام): كُلُّ ظُلَامَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ تَحْدُثُ، وَ كُلُّ دَمٍ مَسْفُوكٍ حَرَامٍ، وَ مُنْكَرٍ مَشْهُورٍ (5)، وَ أَمْرٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، فَوِزْرُهُ فِي أَعْنَاقِهِمَا وَ أَعْنَاقِ مَنْ شَايَعَهُمَا أَوْ تَابَعَهُمَا (6) وَ رَضِيَ بِوِلَايَتِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (7).
بيان: يظهر من هذا الخبر أنّ لذي القربى حقّين: حقّا مختصّا و حقّا مشتركا، و أشار سبحانه مع الآية الأولى إليهما جميعا، فلمّا سألوا عن حقّ المسكين و ابن السبيل أنزل آية الخمس لبيان أنّ اشتراكهما إنّما هو في الخمس لا في سائر الفيء، فلا ينافي اختصاص فدك بهم (عليهم السلام)، و أمّا تفسيرها (عليها السلام) اليتامى بالذين يأتمون، فلعل المعنى أنّ المراد بهم يتامى الشيعة لا مطلق الأيتام، فلا يكون الغرض بيان أنّ اليتيم مشتق من الائتمام، لاختلاف بناء الكلمتين، مع أنّه يحتمل أن يكون مبنيّا على الاشتقاق الكبير، و يحتمل أن يكون تأويلا لبطن الآية بأنّ المراد باليتيم من انقطع عن والديه الروحانيين- أي النبيّ و الإمام عليهما
____________
(1) لا يوجد في المصدر: إذا كنّا .. و لا تنكرون و ..
(2) في المصدر: سئلنا.
(3) الشّعراء: 227، و لا توجد الآية في المصدر.
(4) في المصدر زيادة: الصّادق.
(5) في المصدر: مشهود.
(6) لا يوجد في المصدر: أو تابعهما.
(7) في المصدر: إلى قيام السّاعة.
200
السلام- من الشيعة موافقا للأخبار الكثيرة الواردة في ذلك (1)، و أمّا ما فسّرت به المسكين فلا ينافي البناء، لأنّ المسكين و المسكن و السكنى متساوقة في الاشتقاق، و هو على وزن مفعيل، يقال تمسكن كما يقال تمدرع و تمندل (2).
و ابن السبيل: أظهر، فإنّه فسّرته بسبيل الحقّ و الصراط المستقيم، ثم إنّه يدلّ ظاهرا على عدم اختصاص الخمس ببني هاشم- كما هو مذهب أكثر العامّة فيمكن أن يكون هذا على سبيل التنزّل، أو يكون المراد أنّه غير شامل لجميع بني هاشم بل مختص بمن كان منهم تابعا للحق.
41- قب (3): فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ: أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ لِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ: خُذْ (4) فَدَكاً حَتَّى أَرُدَّهَا إِلَيْكَ، فَيَأْبَى حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ (عليه السلام): لَا آخُذُهَا إِلَّا بِحُدُودِهَا، قَالَ: وَ مَا حُدُودُهَا؟ قَالَ: إِنْ حَدَدْتُهَا لَمْ تَرُدَّهَا.
قَالَ: بِحَقِّ جَدِّكَ إِلَّا فَعَلْتُ. قَالَ: أَمَّا الْحَدُّ الْأَوَّلُ فَعَدَنُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الرَّشِيدِ وَ قَالَ: إِيهاً (5)!. قَالَ: وَ الْحَدُّ الثَّانِي سَمَرْقَنْدُ، فَأَرْبَدَ (6) وَجْهُهُ. قَالَ: وَ الْحَدُّ الثَّالِثُ إِفْرِيقِيَةُ، فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ قَالَ: هنيه هِيهِ (7)!. قَالَ: وَ الرَّابِعُ سِيفُ الْبَحْرِ مَا يَلِي
____________
(1) كما جاء في الاحتجاج 1- 16، و تأويل الآيات الظاهرة 1- 74 حديث 48، و تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام) 339- 345 و غيرها.
(2) كما في الصحاح 5- 2137، و لسان العرب 13- 217 و غيرهما.
(3) مناقب ابن شهرآشوب 4- 320- 321.
(4) كذا، و الظّاهر: حدّ.
(5) أيّ زد من الحديث و الكلام.
(6) أيّ احمرّ احمرارا فيه سوادا عند الغضب.
(7) كذا، و الظّاهر أنّها: هيه، كما في المصدر، و لعلّ ما في (س) يقرأ كذلك، قال في النّهاية 5- 290:
هيه بمعنى إيه، فأبدل من الهمزة هاء، و إيه: اسم سمّي به الفعل و معناه الأمر، فتقول للرّجل:
إيه- بغير تنوين- إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونت استزدته من حديث ما غير معهود، فإذا سكنته و كففته قلت: إيها- بالنّصب- فالمعنى زدني.
أقول: و أمّا هنيه- بالهاء المهملة- فلم أجد لها معنى، و بالتّاء- أيّ هنيّة- فلها معنى لا يناسب المقام.
201
الْخَزَرَ (1) وَ إِرْمِينِيَةَ. قَالَ الرَّشِيدُ: فَلَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ، فَتَحُولَ إِلَى مَجْلِسِي. قَالَ مُوسَى: قَدْ أَعْلَمْتُكَ (2) أَنَّنِي إِنْ حَدَدْتُهَا لَمْ تَرُدَّهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ.
وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَسْبَاطٍ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا الْحَدُّ الْأَوَّلُ فَعَرِيشُ مِصْرَ، وَ الثَّانِي: دُومَةُ الْجَنْدَلِ، وَ الثَّالِثُ: أُحُدٌ، وَ الرَّابِعُ: سِيفُ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ هَذِهِ الدُّنْيَا!.
فَقَالَ (ع): هَذَا كَانَ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي هَالَةَ فَأَفَاءَهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ (3) بِلَا خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى فَاطِمَةَ (ع).
بَيَانٌ:
هَذَانِ التَّحْدِيدَانِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ، قَالَ الْفِيرُوزآبَادِيُ (4):
فَدَكُ- مُحَرَّكَةً- مَوْضِعٌ بِخَيْبَرَ.
- وَ قَالَ فِي مِصْبَاحِ اللُّغَةِ: بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ مَدِينَةِ النَّبِيِّ (ص) يَوْمَانِ وَ بَيْنَهُمَا وَ بَيْنَ خَيْبَرَ دُونَ مَرْحَلَةٍ، وَ هِيَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ* وَ تَنَازَعَهَا (5) عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ (6) فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): جَعَلَهَا النَّبِيُّ (ص) لِفَاطِمَةَ وَ وُلْدِهَا، وَ أَنْكَرَهُ الْعَبَّاسُ فَسَلَّمَهَا عُمَرُ لَهُمَا (7). انْتَهَى.
وَ لَعَلَّ مُرَادَهُ (عليه السلام) أَنَّ تِلْكَ كُلَّهَا فِي حُكْمِ فَدَكَ، وَ كَأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى جَمِيعِهَا، وَ إِنَّمَا ذَكَرُوا فَدَكَ عَلَى الْمِثَالِ أَوْ تَغْلِيباً.
42 كشف (8): رَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، السَّادِسُ (9):
عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمُسْنَدُ مِنْهُ فَقَطْ، وَ هُوَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ.
- لِمُسْلِمٍ مِنْ
____________
(1) في المصدر: ممّا يلي الجزر.
(2) في (ك): علمتك، و الظّاهر ما في المتن.
(3) في المصدر: على رسوله.
(4) في القاموس 3- 315.
(5) في (س): تنازعا.
(6) لا توجد: و العبّاس في (س).
(7) المصباح المنير 2- 136، و قد سلف أنّ ذكرنا عبارة معجم البلدان و غيره في أوّل الباب، فراجع.
(8) كشف الغمّة 1- 474- 478، و نصّ عليه العلّامة الأمينيّ في الغدير 7- 194.
(9) في المصدر: في الجزء السّادس.
202
رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ مَالِكٍ وَ عَنْ عَائِشَةَ بِطُولِهِ: أَنَّ فَاطِمَةَ (ع) سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا.
- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ فَاطِمَةَ (ع) وَ الْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ .. يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ هُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ (1) مِنْ فَدَكَ وَ سَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ (2)، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْراً رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ.
زَادَ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ.
، قَالَ:
فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَ الْعَبَّاسِ فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ.
،- وَ أَمَّا خَيْبَرُ وَ فَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ، وَ قَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَتْ لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعَرَّوْهُ وَ نَوَائِبِهِ وَ أَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ.
، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمَ.
- قَالَ غَيْرُ صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) لَيْلًا وَ لَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: وَ كَانَ لِعَلِيٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ (3) فَاطِمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ مَكَثَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟
قَالَ: لَا وَ اللَّهِ، وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ.
____________
(1) في (س): فرضه.
(2) قد سلفت مصادر الحديث منّا و من المصنّف طاب ثراه، و قد أدرج بعضها العلّامة الأمينيّ في غديره 7- 226 و 230، و قد حكاه عن البخاريّ في صحيحه، باب فرض الخمس 5- 5 عن عائشة، و باب غزوة خيبر 6- 196، و كذا في صحيح مسلم 2- 72، و مسند أحمد 1- 6، 9، .. و غيرها من المصادر. و لأعلامنا طاب ثراهم مناقشات فيه سندا و دلالة.
(3) في المصدر: في حياة ..
203
- فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ: فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ (عليه السلام) انْصِرَافَ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ ضَرَعَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى (1) أَبِي بَكْرٍ: ائْتِينَا (2) وَ لَا تَأْتِنَا مَعَكَ بِأَحَدٍ، وَ كَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ عُمَرَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَأْتِهِمْ وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ اللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ وَحْدِي، مَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي؟!. فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نُبَايِعَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْكَارٌ لِفَضِيلَتِكَ وَ لَا نَفَاسَةٌ (3) عَلَيْكَ بِخَيْرٍ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَ لَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقّاً، فَاسْتَبْدَدْتُمْ عَلَيْنَا .. ثُمَّ ذَكَرَ قَرَابَتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ حَقَّهُمْ ..
فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَذْكُرُ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَ صَمَتَ عَلِيٌّ، وَ تَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَوَ اللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا لَكَأْتُ (4) فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ عَنِ الْخَيْرِ، وَ لَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ (ص) فِي (5) هَذَا الْمَالِ، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْراً صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَّا صَنَعْتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَ قَالَ عَلِيٌّ: مَوْعِدُكَ لِلْبَيْعَةِ الْعَشِيَّةُ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ يُعْذِرُ عَلِيّاً بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَ ذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَ سَابِقَتَهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَ أَحْسَنْتَ، وَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرِيباً حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ.
.. هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ.
____________
(1) حذفت: إلى، في (ك).
(2) في المصدر: أتينا، و الظّاهر: ايتنا- بتقديم الياء على التّاء-.
(3) أيّ بخلا و ضنّا و رغبة بخير يصلك.
(4) في المصدر: ما ألوت، أيّ ما قصّرت، و كذا لكأت، و يأتي في بيان المصنّف (رحمه الله).
(5) في المصدر: من بدلا من: في.
204
و قد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه، ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى، ملتزما بما اشترطه (1) من العدل في القول و الفعل، وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ قول أبي بكر- في أول الحديث و آخره-: و إنّي و اللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] يصنعه فيه إلّا صنعته .. و هو لم يرد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صنع فيها إلّا أنّه اصطفاها، و إنّما سمع سماعا أنّه بعد وفاته لا يورث، كما روى، فكان حقّ الحديث أن يحكى و يقول و إنّي و اللّه لا أدع أمرا سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقوله (2) إلّا عملت بمقتضى قوله، أو ما هذا معناه.
و فيه: فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ و عباس (3) فغلبه عليها عليّ.
أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك و خيبر، فهلّا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الأمر بضدّ ذلك، فأمّا تسليم البعض و منع البعض فإنّه ترجيح من غير مرجّح، اللهم إلّا أن يكونوا فعلوا (4) شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك.
و في قوله: فغلبه عليها عليّ .. دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام، فإنّ عليّا (عليه السلام) لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة، إذ كان العباس أقرب من عليّ (ع) في ذلك، و غلبه (5) إيّاه على سبيل الغلب و العنف مستحيل أن يقع من عليّ في حقّ العباس، و لم يبق إلّا أنّه غلبه عليها بطريق فاطمة و بنيها (عليهم السلام).
- وَ قَوْلُ عَلِيٍّ (عليه السلام): كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ حَقّاً فَاسْتَبْدَدْتُمْ
____________
(1) في الكشف: اشترطته.
(2) في (ك): يقول، و كذا في نسخة جاءت على (س).
(3) في المصدر: و العباس.
(4) في المصدر: نقلوا.
(5) في المصدر: و غلبته.
205
عَلَيْنَا ..
فتأمّل معناه يضح (1) لك مغزاه، و لا حاجة (2) إلى كشف مغطاه.
و روى أحمد بن حنبل .. في مسنده ما يقارب ألفاظ ما رواه الحميدي، و لم يذكر حديث عليّ (ع) و أبي بكر و مجيئه إليه في هذا الحديث.
رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ مَرْفُوعاً إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (3)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا فَاطِمَةُ! لَكِ فَدَكُ.
، و في رواية أخرى عن أبي سعيد مثله.
وَ عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (4)، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَأَعْطَاهَا فَدَكَ.
وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ: أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكَ.
وَ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ: كَانَ (5) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَى فَاطِمَةَ (ع) فَدَكَ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَقَفَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (6)، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَقَّهَا. قُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَعْطَاهَا؟
قَالَ: بَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعْطَاهَا.
و قد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك، و ثبت أنّ ذا القربى: عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و على هذا فقد كان أبو بكر و عمر لما وليا
____________
(1) في المصدر: يصح، و هو من صحى يصحى، وقع في جواب الأمر فصار مجزوما بحذف قال في القاموس 4- 351: الصحو: ذهاب الغيم، و هو كناية عن وضوح الأمر.
(2) في الكشف: و لا حاجة بنا ..
(3) الرّوم: 38.
(4) الرّوم: 38.
(5) في المصدر: أ كان ..
(6) الرّوم: 38.
206
هذا الأمر يرتبان في الأعمال و البلاد القريبة و النائية (1) من الصحابة و المهاجرين و الأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و لا يقاربها، فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة و سلّما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها، و عرفاهم ما روياه و قالا لهم: أنتم أهل البيت و قد شهد اللّه لكم بالطهارة، و أذهب عنكم الرجس، و قد عرفناكم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورث (2)، و قد سلمناها إليكم، و شغلنا ذممكم بها، و اللّه من وراء أفعالكم فيها، و اللّه سبحانه بمرأى منكم (3) و مسمع، فاعملوا فيها بما يقرّبكم منه و يزلفكم عنده، فعلى هذا سلّمناها إليكم و صرفناكم فيها، فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به و فعلتم فيها فعل رسول اللّه (ص) فقد أصبتم و أصبنا، و إن تعدّيتم الواجب و خالفتم ما حدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أخطأتم و أصبنا فإنّ الذي علينا الاجتهاد و لم نأل في اختياركم جهدا، و ما علينا بعد بذل الجهد لائمة، و هذا الحديث من الإنصاف كما يروى (4)، و اللّه الموفق و المسدّد.
وَ رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَتْ (5): يَا أَبَا بَكْرٍ! مَنْ يَرِثُكَ إِذَا مِتَّ؟ قَالَ: أَهْلِي وَ وُلْدِي، قَالَتْ: فَمَا لِي لَا أَرِثُ رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟. قَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ! إِنَّ النَّبِيَّ لَا يُورَثُ، وَ لَكِنْ أُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، وَ أُعْطِي مَا كَانَ يُعْطِيهِ.
قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بِكَلِمَةٍ مَا حَيِيتُ، فَمَا كَلَّمَتْهُ حَتَّى مَاتَتْ (6).
____________
(1) في الكشف: النائبة، و هو غلط.
(2) في المصدر زيادة: ما تركناه صدقة.
(3) في الكشف: و هو سبحانه بمرأى، و جاء نسخة على (س).
(4) في المصدر: كما ترى، و في (ك): يرى، و قد ذكرها نسخة في (س).
(5) في كشف الغمّة: فقال، و ما ذكر هنا هو الصّحيح.
(6) جاء ذيل الرّواية بألفاظ مختلفة في روايات عديدة، ذكر جملة منها مع مصادرها في الغدير 7 229- 230.
207
وَ قِيلَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: أَعْطِنِي مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). قَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُورَثُ (1) مَا تَرَكُوهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَرَجَعَتْ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ: ارْجِعِي فَقُولِي: مَا شَأْنُ سُلَيْمَانَ (عليه السلام) وَ وَرِثَ دَاوُدَ (عليه السلام)، وَ قَالَ زَكَرِيَّا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2)؟! فَأَبَوْا وَ أَبَى.
وَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام): النَّبِيُّ (ص) لَا يُورَثُ، قَالَتْ: قَدْ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (3)، وَ قَالَ زَكَرِيَّا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (4)، فَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ مِنْ زَكَرِيَّا إِلَى يَعْقُوبَ..
وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (ع) لِفَاطِمَةَ (عليها السلام):
انْطَلِقِي فَاطْلُبِي مِيرَاثَكِ مِنْ أَبِيكِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ. فَجَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: أَعْطِنِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ.
قَالَ: النَّبِيُّ (ص) لَا يُورَثُ، فَقَالَتْ: أَ لَمْ يَرِثْ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ؟! فَغَضِبَ وَ قَالَ:
النَّبِيُّ لَا يُورَثُ، فَقَالَتْ (عليها السلام): أَ لَمْ يَقُلْ زَكَرِيَّا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (5)؟. فَقَالَ: النَّبِيُّ لَا يُورَثُ. فَقَالَتْ (عليها السلام): أَ لَمْ يَقُلْ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (6)؟! فَقَالَ: النَّبِيُّ لَا يُورَثُ.
وَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَاءَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) تَطْلُبُ فَدَكاً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي لَأَعْلَمُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَنَّكِ
____________
(1) في المصدر: لا يورث.
(2) مريم: 5- 6.
(3) النّمل: 16.
(4) مريم: 5- 6.
(5) مريم: 5- 6.
(6) النّساء: 11.
208
لَنْ تَقُولِي إِلَّا حَقّاً، وَ لَكِنْ هَاتِي بَيِّنَتَكِ، فَجَاءَتْ بِعَلِيٍّ (عليه السلام) فَشَهِدَ، ثُمَّ جَاءَتْ بِأُمِّ أَيْمَنَ فَشَهِدَتْ، فَقَالَ: امْرَأَةً أُخْرَى أَوْ رَجُلًا فَكَتَبْتُ لَكِ بِهَا (1).
43، 44 مصباح الأنوار (2)، كشف (3): مثل الأحاديث الثلاثة الأخيرة.
أقول: هذا (4) الحديث عجيب، فإنّ فاطمة (عليها السلام) كانت (5) مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود، فإنّ المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلّا إذا لم يعرف صحة نسبه و اعتزائه إلى الدارج (6)، و ما أظنّهم شكّوا في نسب فاطمة (7) (عليها السلام)، و كونها ابنة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و إن كانت تطلب فدكا و تدّعي أنّ أباها (ص) نحلها (8) إيّاها احتاجت إلى إقامة البيّنة، و لم يبق لِمَا
- رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَوْلِهِ: (نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ).
معنى، و هذا واضح جدا، فتدبّر.
و رَوَى (9) مَرْفُوعاً: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا اسْتَخْلَفَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكُمْ مَظَالِمَكُمْ، وَ أَوَّلُ مَا أَرُدُّ مِنْهَا مَا كَانَ فِي يَدِي، قَدْ رَدَدْتُ فَدَكَ عَلَى وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ وُلِدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَدَّهَا.
____________
(1) كذا، و الظّاهر: لكتبت لك بها.
(2) مصباح الأنوار 245- 246.
(3) كشف الغمّة 1- 478.
(4) يحتمل قويا أن يكون موضع الرمز «كشف» قبل «اقول هذا» فإن هذه العبارة إلى: فتدبّر، موجودة في كشف الغمّة، و الأحاديث الثلاثة موجودة في مصباح الأنوار.
(5) في كشف الغمّة: إن كانت.
(6) أي لم يعرف انتسابه إلى الميت. قال في النهاية 3- 233: التعزّي: الانتماء و الانتساب إلى القوم.
و قال أيضا 2- 111: درج، أي مات.
(7) في كشف الغمّة: نسبها، بدل: نسب فاطمة.
(8) في كشف الغمّة: تحلها، و هي غلط.
(9) كشف الغمّة: 1- 494- 496.
209
وَ رَوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِغَلَّاتِهَا مُنْذُ وُلِّيَ، فَقِيلَ لَهُ: نَقَمْتَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فِعْلَهُمَا، وَ طَعَنْتَ (1) عَلَيْهِمَا، وَ نَسَبْتَهُمَا إِلَى الظُّلْمِ وَ الْغَصْبِ، وَ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَ مَشَايِخُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّوْءِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَدْ صَحَّ عِنْدِي وَ عِنْدَكُمْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ادَّعَتْ فَدَكَ، وَ كَانَتْ فِي يَدِهَا، وَ مَا كَانَتْ لِتَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ شَهَادَةِ عَلِيٍّ وَ أُمِّ أَيْمَنَ وَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَ فَاطِمَةُ عِنْدِي صَادِقَةٌ فِيمَا تَدَّعِي وَ إِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةَ، وَ هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرُدُّ عَلَى وَرَثَتِهَا أَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (ع) يَشْفَعُونَ لِي يَوْمَ (2) الْقِيَامَةِ، وَ لَوْ كُنْتُ بَدَلَ أَبِي بَكْرٍ وَ ادَّعَتْ فَاطِمَةُ كُنْتُ أُصَدِّقُهَا عَلَى دَعْوَاهَا (3)، فَسَلَّمَهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عليهما السلام) (4)، فَلَمْ تَزَلْ فِي أَيْدِيهِمْ إِلَى أَنْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْعَزِيزِ رَدَّ عَلَيْهِمْ سِهَامَ الْخُمُسِ:
سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، وَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى، وَ هُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، رَدَّ عَلَى جَمِيعِ بَنِي هَاشِمٍ، وَ سَلَّمَ ذَلِكَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍ (5) وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَ قِيلَ: إِنَّهُ جَعَلَ مِنْ بَيْتِ مَالِهِ سَبْعِينَ حِمْلًا مِنَ الْوَرِقِ وَ الْعَيْنِ مِنْ مَالِ الْخُمُسِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَ كَذَلِكَ كُلَّ مَا كَانَ لِبَنِي فَاطِمَةَ وَ بَنِي هَاشِمٍ مِمَّا حَازَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ بَعْدَهُمَا عُثْمَانُ وَ مُعَاوِيَةُ وَ يَزِيدُ وَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَدَّ عَلَيْهِمْ، وَ اسْتَغْنَى بَنُو هَاشِمٍ فِي تِلْكَ السِّنِينَ (6) وَ حَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ.
، وَ رَدَّ عَلَيْهِمُ الْمَأْمُونُ وَ الْمُعْتَصِمُ وَ الْوَاثِقُ، وَ قَالا: كَانَ الْمَأْمُونُ أَعْلَمُ مِنَّا بِهِ فَنَحْنُ نَمْضِي عَلَى مَا مَضَى هُوَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وُلِّيَ
____________
(1) في المصدر: فطعنت.
(2) في الكشف: في يوم.
(3) في المصدر: دعواتها.
(4) في كشف الغمّة: الباقر (عليهم السلام) و عبد اللّه بن الحسن.
(5) في المصدر زيادة: الباقر (عليه السلام).
(6) لا توجد الواو في المصدر.
210
الْمُتَوَكِّلُ قَبَضَهَا وَ أَقْطَعَهَا حَرْمَلَةَ الْحَجَّامَ، وَ أَقْطَعَهَا بَعْدَهُ لِفُلَانٍ النازيار [الْبَازْيَارِ (1) مِنْ أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ، وَ رَدَّهَا الْمُعْتَضِدُ، وَ حَازَهَا الْمُكَتَفِي، وَ قِيلَ: إِنَّ الْمُقْتَدِرَ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ شَرِيكٌ: كَانَ يَجِبُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَعْمَلَ مَعَ فَاطِمَةَ بِمُوجِبِ الشَّرْعِ، وَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهَا عَلَى دَعْوَاهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَاهَا فَدَكَ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّ عَلِيّاً وَ أُمَّ أَيْمَنَ شَهِدَا لَهَا، وَ بَقِيَ رُبُعُ الشَّهَادَةِ فَرَدُّهَا بَعْدَ الشَّاهِدَيْنِ لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا أَوْ يَسْتَحْلِفَهَا وَ يُمْضِيَ الْحُكْمَ لَهَا، قَالَ شَرِيكٌ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ! مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ يَجْهَلُهُ أَوْ يَتَعَمَّدُهُ؟!.
وَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَشَّاءُ: سَأَلْتُ مَوْلَانَا أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا (عليهما السلام): هَلْ خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) غَيْرَ فَدَكَ شَيْئاً؟ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَلَّفَ حِيطَاناً بِالْمَدِينَةِ صَدَقَةً، وَ خَلَّفَ سِتَّةَ أَفْرَاسٍ وَ ثَلَاثَ نُوقٍ: الْعَضْبَاءَ وَ الصَّهْبَاءَ وَ الدِّيبَاجَ، وَ بَغْلَتَيْنِ: الشَّهْبَاءَ وَ الدُّلْدُلَ، وَ حِمَارَهً: الْيَعْفُورَ، وَ شَاتَيْنِ حَلُوبَتَيْنِ، وَ أَرْبَعِينَ نَاقَةً حَلُوباً، وَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، وَ دِرْعَهُ ذَاتَ الْفُضُولِ (2)، وَ عِمَامَتَهُ السَّحَابَ، وَ حِبَرَتَيْنِ يَمَانِيَّتَيْنِ، وَ خَاتَمَهُ الْفَاضِلَ، وَ قَضِيبَهُ الْمَمْشُوقَ، وَ فِرَاشاً مِنْ لِيفٍ، وَ عَبَاءَتَيْنِ وَ قَطَوَانِيَّتَيْنِ (3)، وَ مَخَادّاً مِنْ أَدَمٍ صَارَ ذَلِكَ إِلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) مَا خَلَا دِرْعَهُ وَ سَيْفَهُ وَ عِمَامَتَهُ وَ خَاتَمَهُ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (4).
إيضاح:
قال في النهاية في حديث أبي بكر ..: أن أزيغ .. أي أجور و أعدل عن الحقّ (5) و قال في حديث ..: فدك لحقوق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)
____________
(1) في الكشف: البازيار.
(2) في المصدر: ذات الفصول.
(3) في الكشف: و عباءين قطوانيّتين.
(4) إلى هنا نقل عن كشف الغمّة بما ذكرناه من الاختلاف.
(5) النهاية 2- 324، و انظر: لسان العرب 8- 432 و غيره.
211
الّتي تعروه .. أي تغشاه و تنتابه (1).
و قال: المنافسة: الرّغبة في الشّيء و الانفراد به، و هو من الشيّء النّفيس الجيّد في نوعه، .. و نفست به- بالكسر- أي بخلت، و نفست عليه الشّيء نفاسة إذا لم تره له أهلا (2).
قوله: لكأت .. قال الفيروزآبادي: لكأ- كفرح- أقام و لزم، و تلكّأ عليه اعتلّ، و عنه أبطأ (3).
قوله: يضح لك مغزاه .. أي يتبيّن لك معناه (4).
و الدّارج: الميّت (5).
و يقال: نقمت عليه و منه- من باب ضرب و علم- إذا عابه و كرهه أشدّ الكراهة، و في التنزيل: وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا (6).
و قال في النهاية (7): الحلوب أي ذات اللّبن، يقال: ناقة حلوب أي هي ممّا يحلب، و قيل الحلوب و الحلوبة سواء، و قيل الحلوب الاسم، و الحلوبة الصّفة، و قيل الواحدة و الجماعة.
و قال (8): القطوانيّة عباءة بيضاء قصيرة الخمل، و النّون زائدة.
____________
(1) النهاية 3- 226، و قارن بلسان العرب 15- 44 و غيره.
(2) النهاية 5- 95، و قارن بلسان العرب 6- 238 و غيره.
(3) كما في القاموس 1- 27- 28، و تاج العروس 1- 116، و لاحظ: لسان العرب 1- 153- 154.
(4) جاء في حاشية (ك): و مغزى الكلام: مقصده، و عرفت ما يغزى هذا الكلام: أي ما يراد.
صحاح.
انظر: صحاح اللغة 6- 2446 و قارن بلسان العرب 15- 123.
(5) قاله في مجمع البحرين 9- 299، و النهاية 2- 111 و غيرهما.
(6) ذكره في تاج العروس 9- 84، و مجمع البحرين 6- 180، و الآية هي 126 من سورة الأعراف.
(7) النهاية 1- 422، و انظر: لسان العرب 1- 328.
(8) النهاية: 4- 85، و لاحظ: لسان العرب 15- 191.
212
أقول:
- رَوَى السَّيِّدُ فِي الشَّافِي (1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ مَوْلَى آلِ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ (2) فَرَدَّ فَدَكَ عَلَى وُلْدِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ كَتَبَ إِلَى وَالِيهِ عَلَى الْمَدِينَةِ: أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (3) يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ فَاطِمَةَ (ع) قَدْ وُلِدَتْ فِي آلِ عُثْمَانَ وَ آلِ فُلَانٍ وَ آلِ فُلَانٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَوْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ آمُرُكَ أَنْ تَذْبَحَ شَاةً لَسَأَلْتَنِي جَمَّاءَ أَوْ قَرْنَاءَ؟، أَوْ كَتَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ تَذْبَحَ بَقَرَةً لَسَأَلْتَنِي مَا لَوْنُهَا؟ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَاقْسِمْهَا بَيْنَ وُلْدِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) مِنْ عَلِيٍّ (ع) (4).
قَالَ أَبُو الْمِقْدَامِ: فَنَقَمَتْ بَنُو أُمَيَّةَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَ عَاتَبُوهُ فِيهِ، وَ قَالُوا لَهُ: قَبَّحْتَ (5) فِعْلَ الشَّيْخَيْنِ، وَ خَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْسِ (6) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا عَاتَبُوهُ عَلَى فِعْلِهِ قَالَ: إِنَّكُمْ جَهِلْتُمْ وَ عَلِمْتُ، وَ نَسِيتُمْ وَ ذَكَرْتُ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ (7) بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَسْخَطُنِي مَا يَسْخَطُهَا وَ يُرْضِينِي مَا يُرْضِيهَا، وَ إِنَّ فَدَكَ كَانَتْ صَافِيَةً فِي عَهْدِ (8) أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، ثُمَّ صَارَ أَمْرُهَا إِلَى مَرْوَانَ، فَوَهَبَهَا لِأَبِي عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَرِثْتُهَا أَنَا وَ إِخْوَتِي (9) فَسَأَلْتُهُمْ أَنْ يَبِيعُونِي حِصَّتَهُمْ مِنْهَا، وَ مِنْهُمْ (10)
____________
(1) الشّافي في الإمامة 4- 102- 104.
(2) لا توجد: الخلافة، في المصدر.
(3) كذا، و الصّحيح: أبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، كما في الجرح و التّعديل للرازي: 9- 227.
(4) جاء في المصدر زيادة: و السّلام.
(5) في المصدر: هجنت، و المعنى مقارب.
(6) في المصدر: عمرو بن عبس، و الظّاهر: عمر بن قيس كما في نسخة من المصدر.
انظر: لسان الميزان 4- 374.
(7) الصّحيح- كما مرّ-: أبا بكر بن محمّد.
(8) في الشّافي: على عهد.
(9) في المصدر: و إخواني.
(10) في الشّافي: فمنهم، و هو الظّاهر.
213
مَنْ بَاعَنِي وَ مِنْهُمْ مَنْ وَهَبَ لِي حَتَّى اسْتَجْمَعْتُهَا، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى وُلْدِ فَاطِمَةَ (ع). فَقَالُوا: إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا هَذَا فَأَمْسِكِ الْأَصْلَ وَ اقْسِمِ الْغَلَّةَ، فَفَعَلَ.
أقول: سيأتي في أبواب تاريخ أبي جعفر الباقر (عليه السلام) ردّ عمر بن عبد العزيز فدكا إليه (عليه السلام) (1).
____________
(1) بحار الأنوار 46- 326- 327 حديث 3، نقلا عن الخصال 104- 105 حديث 64، و المناقب لابن شهرآشوب 4- 207- 208 حديث 4.
و قد أورد العلّامة المجلسي (رحمه الله) رواية الخصال أيضا في باب وصايا الباقر (عليه السلام) من كتاب الروضة من البحار: 78- 181- 182 حديث 6.
215
فصل نورد فيه: خطبة خطبتها (1) سيدة النساء فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها) احتجّ (2) بها على من غصب فدك منها.
اعلم أنّ هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصّة و العامّة بأسانيد متضافرة.
1- قال عبد الحميد بن أبي الحديد (3) في شرح كتابه (عليه السلام) إلى عثمان ابن حنيف عند ذكر الأخبار الواردة في فدك، حيث قال: الفصل الأول فيما ورد من الأخبار و السير المنقولة من أفواه أهل الحديث و كتبهم لا من كتب الشيعة و رجالهم. و جميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة و فدك- و أبو بكر الجوهري هذا عالم محدّث كثير الأدب ثقة
____________
(1) في الأصل، المطبوع: خطبها.
(2) كذا، و الظاهر: احتجت.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 16- 210- 213، بتصرّف و اختصار.
216
ورع أثنى عليه المحدّثون و رووا عنه مصنّفاته و غير مصنّفاته (1)-.
ثم قال:
- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ خَالاتٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ (2) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
قَالَ: وَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ (3) بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عِمْرَانَ الْعُجَيْفِيُّ، عَنْ نَائِلِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو (4) بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ (5)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (6) بْنِ الْحَسَنِ.
قَالُوا جَمِيعاً: لَمَّا بَلَغَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِهَا فَدَكَ، لَاثَتْ (7) خِمَارَهَا وَ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا تَطَأُ ذُيُولَهَا (8)، مَا تَخْرِمُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ قَدْ حَشَدَ النَّاسَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- فَضُرِبَتْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهَا (9) رَيْطَةٌ بَيْضَاءُ، وَ قَالَ بَعْضُهُمْ:
____________
(1) لا يوجد في المصدر: و غير مصنّفاته.
(2) جاء في شرح النّهج: قال أبو بكر فحدّثني محمّد بن زكريّا، قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن عمارة الكنديّ، قال: حدّثني أبي عن الحسين بن صالح بن حيّ، قال: حدّثني رجلان من بني هاشم.
(3) لا توجد في المصدر: ابن عمارة حدّثني أبي عن جعفر بن محمّد.
(4) في شرح النّهج: نجيح بن عمير.
(5) في المصدر: يزيد بدلا من: زيد.
(6) في المصدر زيادة: ابن حسين بعد عبد اللّه.
(7) في (س): لاتت، و هو غلط.
(8) في شرح النّهج: في ذيولها.
(9) في المصدر: فضرب بيّنها و بينهم.
217
قِبْطِيَّةٌ، وَ قَالُوا: قِبْطِيَّةٌ- بِالْكَسْرِ وَ الضَّمِّ- .. ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ (1) لَهَا الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ أَمْهَلَتْ طَوِيلًا حَتَّى سَكَنُوا مِنْ فَوْرَتِهِمْ، ثُمَّ قَالَتْ:
أَبْتَدِئُ بِحَمْدِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَمْدِ وَ الطَّوْلِ وَ الْمَجْدِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَ لَهُ الشُّكْرُ بِمَا أَلْهَمَ .. وَ ذَكَرَ خُطْبَةً طَوِيلَةً جِدّاً ثُمَّ قَالَتْ (2) فِي آخِرِهَا: فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ أَطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ .. إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ.
، انتهى كلام ابن أبي الحديد (3).
- 2- وَ قَدْ أَوْرَدَ الْخُطْبَةَ عَلِيٌّ بْنُ عِيسَى الْإِرْبِلِيُّ فِي كِتَابِ كَشْفِ الْغُمَّةِ (4)، قَالَ: نَقَلْتُهَا مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ تَأْلِيفِ أَحْمَدَ (5) بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ مِنْ نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ (6) مَقْرُوءَةٍ عَلَى مُؤَلِّفِهَا الْمَذْكُورِ، قُرِئَتْ عَلَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةِ اثْنَيْنِ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ، رَوَى عَنْ رِجَالِهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) لَمَّا بَلَغَهَا إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ .. إِلَى آخِرِ الْخُطْبَةِ.
و قد أشار إليها المسعودي في مروج الذهب (7).
- و قال السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (8)، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ ابْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ (9) الْكَاتِبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
____________
(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: في حديث فاطمة (عليها السلام): فأجهشت، و يروى: فجهشت، و المعنى واحد. و الجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره، و هو مع ذلك يريد البكاء كالصّبيّ يفزع إلى أمّه و قد تهيّأ للبكاء. مجمع البحرين.
انظر: المجمع 4- 131.
(2) في المصدر: طويلة جيّدة، قالت.
(3) حكاه العلّامة الأميني في غيره 7- 192 و ما بعدها، باختلاف يسير.
(4) كشف الغمّة: 1- 480- 492.
(5) في المصدر: من كتاب السّقيفة عن عمر بن شبه تأليف أبي بكر أحمد ..
(6) وضع في (ك): على كلمة: قديمة، رمز: خ، أيّ في نسخة.
(7) مروج الذهب 2- 304.
(8) الشّافي: 4- 69- 72، باختلاف يسير.
(9) في (س): محمّد بن أبي محمّد، و هو غلط، إذ هو أبو طاهر محمّد بن أحمد بن محمّد الكاتب، من شيوخ ابن مندة، كما ذكره ابن خلّكان 6- 196.
218
النَّحْوِيِ (1)، عَنِ الزِّيَادِيِّ، عَنْ شَرَفِيِ (2) بْنِ قُطَامِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: وَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَانِيِ (3)، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ قَالُوا: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ..
- وَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمَّا سَمِعَتْ فَاطِمَةُ (ع) إِجْمَاعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِهَا فَدَكَ لاتت [لَاثَتْ (4) خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَ اشْتَمَلَتْ بِجِلْبَابِهَا، وَ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا- ثُمَّ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَتَانِ مِنْ هَاهُنَا- وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا مَرَّ إِلَى قَوْلِهِ: افْتَتَحَتْ كَلَامَهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... إِلَى آخِرِهَا.
أقول: و سيأتي أسانيد أخرى سنوردها من كتاب أحمد بن أبي طاهر.
3- وَ رَوَى الصَّدُوقُ (رحمه الله) بَعْضَ فِقَرَاتِهَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِلَلِ فِي عِلَلِ الشَّرَائِعِ (5) عَنِ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ السَّعْدَآبَادِيِّ، عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ (عليه السلام).
4- قَالَ: وَ أَخْبَرَنَا (6) عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الْجَلِيلِ
____________
(1) في المصدر: أحمد بن عبيد بن ناصح النّحويّ.
(2) في المصدر: الشّرقيّ.
(3) في المصدر: حدّثنا أبو العيناء محمّد بن القاسم السيمامي.
(4) كذا في مطبوع البحار، و في نسخة على (ك) و المصدر: لاثت، و هو الظّاهر كما سيأتي في بيان المصنّف (رحمه الله).
(5) علل الشّرائع: 248 حديث 2.
(6) علل الشّرائع: 248 حديث 3، باختلاف يسير.
219
الْبَاقَطَانِيِ (1) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيِّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ عَنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِمِثْلِهِ.
5- وَ أَخْبَرَنِي (2) عَلِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِصْرِيِّ عَنْ هَارُونَ بْنِ يَحْيَى (4) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِ (5) عَنْ حَفْصٍ الْأَحْمَرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بن [بِنْتِ عَلِيٍّ عَنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ زَادَ (6) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي اللَّفْظِ.
أقول: قد أوردت ما رواه في المجلد الثالث (7)، و إنّما أوردت الأسانيد هنا ليعلم أنّه روى هذه الخطبة بأسانيد جمّة.
6- وَ رَوَى الشَّيْخُ الْمُفِيدُ الْأَبْيَاتَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ (8).
7- وَ رَوَى السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الطَّرَائِفِ (9) مَوْضِعَ الشَّكْوَى وَ الِاحْتِجَاجِ مِنْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ عَنِ الشَّيْخِ أَسْعَدَ بْنِ شَفَرْوَةَ (10) فِي كِتَابِ الْفَائِقِ (11) عَنِ الشَّيْخِ الْمُعَظَّمِ عِنْدَهُمُ الْحَافِظِ الثِّقَةِ بَيْنَهُمْ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ
____________
(1) في المصدر: الباقلانيّ.
(2) أيّ قاله في علل الشّرائع: 248 حديث 4.
(3) في المصدر: محمّد بن أبي عمير.
(4) في العلل زيادة: النّاشب، بعد يحيى.
(5) في العلل: عن عبيد اللّه بن موسى العمريّ.
(6) في المصدر زيادة: بمثله، قبل و زاد.
(7) أورد ذلك في بحار الأنوار 6- 107- 108 حديث 1.
(8) الظّاهر أنّ المقصود هو الأبيات الواردة في حديث 32 من الباب السّابق الواردة في ضمن حديث أمالي الشّيخ المفيد.
(9) الطّرائف: 263- 266 حديث 368.
(10) في المصدر: سقروة.
(11) في الطّرائف زيادة: عن الأربعين.
220
الْأَصْفَهَانِيِّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ (1) شَرَفِيِّ بْنِ قُطَامِيٍّ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ..
8- وَ رَوَاهَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الطَّبْرِسِيُّ فِي كِتَابِ الْإِحْتِجَاجِ (2) مُرْسَلًا، وَ نَحْنُ نُورِدُهَا بِلَفْظِهِ، ثُمَّ نُشِيرُ إِلَى مَوْضِعِ التَّخَالُفِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (رحمه الله تعالى): رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام): أَنَّهُ لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ (3) عَلَى مَنْعِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فَدَكَ، وَ بَلَغَهَا ذَلِكَ لاتت [لَاثَتْ (4) خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَ اشْتَمَلَتْ بِجِلْبَابِهَا وَ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا تَطَأُ ذُيُولَهَا، مَا تَخْرِمُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ هُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ غَيْرِهِمْ- فَنِيطَتْ دُونَهَا مُلَاءَةٌ، فَجَلَسَتْ ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ الْقَوْمُ لَهَا بِالْبُكَاءِ، فَارْتَجَّ الْمَجْلِسُ، ثُمَّ أَمْهَلَتْ هُنَيْئَةً حَتَّى إِذَا سَكَنَ نَشِيجُ الْقَوْمِ وَ هَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحَتِ الْكَلَامَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (5) (ص)، فَعَادَ الْقَوْمُ فِي بُكَائِهِمْ فَلَمَّا أَمْسَكُوا عَادَتْ فِي كَلَامِهَا.
فَقَالَتْ (عليها السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَ لَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَ الثَّنَاءُ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأَهَا، وَ سُبُوغِ آلَاءٍ أَسْدَاهَا، وَ تَمَامِ مِنَنٍ وَالاهَا (6)،
____________
(1) في المصدر: قال: حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النّحويّ، قال: حدّثنا الزّياديّ محمّد بن زياد قال: حدّثنا ..، بدلا من: عن.
(2) الاحتجاج 97- 108 (طبعة النّجف: 1- 131- 145). و ذكر جملة من مصادر الخطبة شيخنا الأمينيّ في غديره: 7- 192.
(3) في المصدر زيادة: و عمر.
(4) في المصدر: لاثت، و كذا في نسخة جاءت على حاشية المطبوع من البحار، و هي الظّاهر لمّا سيذكره المصنّف (رحمه الله) في بيانه.
(5) في المصدر: رسوله.
(6) في المصدر: أولاها، و هي الّتي ذكرها المصنّف (رحمه الله) في بيانه الآتي.
221
جَمَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَ نَأَى عَنِ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا، وَ تَفَاوَتَ عَنِ الْإِدْرَاكِ أَبَدُهَا، وَ نَدَبَهُمْ لِاسْتِزَادَتِهَا بِالشُّكْرِ لِاتِّصَالِهَا، وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَ ثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا، وَ أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جُعِلَ الْإِخْلَاصُ تَأْوِيلَهَا، وَ ضُمِّنَ الْقُلُوبُ مَوْصُولَهَا، وَ أَنَارَ فِي الْفِكْرَةِ (1) مَعْقُولُهَا، الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ، وَ مِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَ مِنَ الْأَوْهَامِ كَيْفِيَّتُهُ، ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَبْلَهَا، وَ أَنْشَأَهَا بِلَا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا، كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ، وَ ذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَكْوِينِهَا، وَ لَا فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِهَا، إِلَّا تَثْبِيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَ تَنْبِيهاً عَلَى طَاعَتِهِ، وَ إِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ، وَ (2) تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَ إِعْزَازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ وَضَعَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، زِيَادَةً (3) لِعِبَادِهِ عَنْ (4) نَقِمَتِهِ وَ حِيَاشَةً مِنْهُ (5) إِلَى جَنَّتِهِ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً (ص) عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اخْتَارَهُ وَ انْتَجَبَهُ (6) قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَ سَمَّاهُ قَبْلَ أَنِ اجْتَبَلَهُ (7)، وَ اصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ، إِذِ الْخَلَائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسَتْرِ الْأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَ بِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَآيِلِ الْأُمُورِ (8)، وَ إِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَ مَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْدُورِ (9)، ابْتَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى (10) إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ، وَ عَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ،
____________
(1) في المصدر: في التّفكّر.
(2) لا توجد الواو في المصدر.
(3) في المصدر: ذيادة، و هو الظّاهر لما سيأتي، و في طبعة النّجف من الاحتجاج كما في الأصل.
(4) في المصدر: من بدلا من: عن.
(5) في المصدر: و حياشته لهم، و في طبعة النّجف من الاحتجاج: و حياشة لهم.
(6) لا توجد: انتجبه في المصدر.
(7) في المصدر: اجتباه. و هي نسخة بدل على مطبوع البحار.
(8) في طبعة النّجف: بما يلي الأمور.
(9) في الاحتجاج: الأمور، بدلا من: المقدور.
(10) لا توجد: تعالى في المصدر.
222
وَ إِنْفَاذاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ (1)، فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ (2) (صلّى اللّه عليه و آله) ظُلَمَهَا، وَ كَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَ جَلَى عَنِ الْأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَ قَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدَايَةِ، وَ أَنْقَذَهُمْ (3) مِنَ الْغَوَايَةِ، وَ بَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ، وَ هَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَ دَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ اخْتِيَارٍ، وَ رَغْبَةٍ وَ إِيْثَارٍ بمحمد [فَمُحَمَّدٌ (4) (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ (5) تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ فِي رَاحَةٍ، قَدْ حُفَّ بِالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ، وَ رِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَ مُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى أَبِي نَبِيِّهِ وَ أَمِينِهِ عَلَى الْوَحْيِ وَ صَفِيِّهِ (6) وَ خِيَرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَ رَضِيِّهِ (7)، وَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَتْ (8) إِلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ، وَ قَالَتْ: أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ نُصْبُ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ، وَ حَمَلَةُ دِينِهِ وَ وَحْيِهِ، وَ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَ بُلَغَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ، وَ زَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ لِلَّهِ (9) فِيكُمْ عَهْدٌ (10) قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَ بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَهَا عَلَيْكُمْ، كِتَابُ اللَّهِ النَّاطِقُ، وَ الْقُرْآنُ الصَّادِقُ، وَ النُّورُ السَّاطِعُ، وَ الضِّيَاءُ اللَّامِعُ، بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ،
____________
(1) في نسخة من المصدر: رحمته.
(2) في الاحتجاج: بأبي محمّد (ص).
(3) في المصدر: فأنقذهم.
(4) في الاحتجاج: فمحمّد، و في نسخة على مطبوع البحار: محمّد، و في توضيح المصنّف (رحمه الله)- الآتي-: بمحمّد.
(5) في الاحتجاج: من بدلا من: عن.
(6) لا يوجد في المصدر: على الوحي و صفيه.
(7) في الاحتجاج: و صفيه.
(8) في (س): التفت، و هو غلط.
(9) في الاحتجاج: زعيم حقّ له، بدلا من: زعمتم حقّ لكم للّه.
(10) في المصدر: و عهد.
223
مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ (1) ظَوَاهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ (2) بِهِ أَشْيَاعُهُ، قَائِدٌ إِلَى الرِّضْوَانِ اتِّبَاعُهُ، مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ إِسْمَاعُهُ (3)، بِهِ تُنَالُ حُجَجُ اللَّهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَ عَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَ مَحَارِمُهُ الْمُحَذَّرَةُ، وَ بَيِّنَاتُهُ الْجَالِيَةُ، وَ بَرَاهِينُهُ الْكَافِيَةُ، وَ فَضَائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ، وَ رُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ، وَ شَرَائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَ الصَّلَاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ، وَ الزَّكَاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، وَ نَمَاءً فِي الرِّزْقِ، وَ الصِّيَامَ تَثْبِيتاً لِلْإِخْلَاصِ، وَ الْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ، وَ الْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ، وَ طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ، وَ إِمَامَتَنَا أَمَاناً مِنَ الْفُرْقَةِ (4)، وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلَامِ، وَ الصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجَابِ الْأَجْرِ، وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ، وَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وِقَايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْمَاةً (5) لِلْعَدَدِ، وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَ تَوْفِيَةَ الْمَكَايِيلِ وَ الْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ، وَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَ اجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَ تَرْكَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ (6)، وَ حَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ إِخْلَاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (7)، وَ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَ نَهَاكُمْ عَنْهُ فَإِنَّهُ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (8).
ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ! اعْلَمُوا أَنِّي فَاطِمَةُ وَ أَبِي مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَقُولُ عَوْداً وَ بَدْءاً (9)، وَ لَا أَقُولُ مَا أَقُولُ غَلَطاً، وَ لَا أَفْعَلُ مَا أَفْعَلُ شَطَطاً لَقَدْ
____________
(1) في طبعة النّجف من الاحتجاج: مبخليه.
(2) في (س): مغتبط.
(3) في الاحتجاج: استماعه.
(4) في الاحتجاج: للفرقة.
(5) في المصدر: منساة في العمر و منماة ..
(6) في طبعة النّجف من الاحتجاج: بالعفة.
(7) آل عمران: 102.
(8) فاطر: 28.
(9) في المصدر: و بدوا.
224
جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1)، فَإِنْ تَعْزُوهُ وَ تَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ، وَ أَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إِلَيْهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، صَادِعاً بِالنِّذَارَةِ، مَائِلًا عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضَارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأَكْظَامِهِمْ، دَاعِياً إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، يَكْسِرُ (2) الْأَصْنَامَ، وَ يَنْكُثُ الْهَامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ، حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَ خَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ، وَ طَاحَ وَشِيظُ النِّفَاقِ، وَ انْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَ الشِّقَاقِ، وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِمَاصِ، وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَ نُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَ قَبْسَةَ الْعَجْلَانِ، وَ مَوْطِئَ الْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَ تَقْتَاتُونَ الْوَرَقَ (3)، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي، وَ بَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَ مَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ (4)، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ(5)، وَ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا، فَلَا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِمَاخَهَا (6) بِأَخْمَصِهِ، وَ يُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَ (7) مُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللَّهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَيِّدَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ (8)، مُشَمِّراً نَاصِحاً، مُجِدّاً كَادِحاً،
____________
(1) التّوبة: 128.
(2) في المصدر: يجفّ.
(3) في المصدر: القدّ.
(4) المائدة: 64، و لا توجد في المصدر.
(5) في المصدر: الشّيطان.
(6) في الاحتجاج: جناحها.
(7) لا توجد الواو في المصدر.
(8) في المصدر: سيّدا في أولياء اللّه.
225
وَ أَنْتُمْ (1) فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فَاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ، وَ تَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَارَ، وَ تَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ، وَ تَفِرُّونَ عِنْدَ (2) الْقِتَالِ، فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ دَارَ أَنْبِيَائِهِ، وَ مَأْوَى أَصْفِيَائِهِ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسِيكَةُ (3) النِّفَاقِ، وَ سَمَلَ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَ نَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِينَ، وَ نَبَغَ خَامِلُ الْأَقَلِّينَ، وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ، فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَ أَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ هَاتِفاً بِكُمْ، فَأَلْفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَ لِلْغِرَّةِ (4) فِيهِ مُلَاحِظِينَ، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً، وَ أَحْمَشَكُمْ (5) فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَ أَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ (6)، هَذَا وَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَ الْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَ الْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلْ، وَ الرَّسُولُ لَمَّا يُقْبَرْ، ابْتِدَاراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (7)، فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ! وَ كَيْفَ بِكُمْ؟! وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ وَ كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَ أَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ، وَ أَعْلَامُهُ بَاهِرَةٌ، وَ زَوَاجِرُهُ لَائِحَةٌ، وَ أَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ، قَدْ (8) خَلَّفْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، أَ رَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ (9) ..؟، أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟! بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (10)، وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (11)، ثُمَ (12) لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا رَيْثَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُهَا، وَ يَسْلَسَ قِيَادُهَا،
____________
(1) في الاحتجاج زيادة: لا تأخذه في اللّه لومة لائم، قبل كلمة: و أنتم.
(2) في المصدر: من، بدلا من: عند.
(3) في الاحتجاج: حسكة.
(4) في المصدر: و للعزّة.
(5) في طبعة النّجف من الاحتجاج: أحشمكم، و ما في المتن أظهر.
(6) في المصدر: و وردتم غير مشربكم.
(7) التّوبة: 49.
(8) في الاحتجاج: و قد.
(9) في (ك) نسخه بدل: تدبرون.
(10) الكهف: 50.
(11) آل عمران: 85.
(12) لا توجد ثمّ في (ك).
226
ثُمَّ أَخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَهَا، وَ تُهَيِّجُونَ جَمْرَتَهَا، وَ تَسْتَجِيبُونَ لِهُتَافِ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ، وَ إِطْفَاءِ أَنْوَارِ الدِّينِ الْجَلِيِّ، وَ إِهْمَادِ (1) سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَصْواً (2) فِي ارْتِغَاءٍ، وَ تَمْشُونَ لِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ فِي الْخَمَرِ (3) وَ الضَّرَاءِ، وَ نَصْبِرُ (4) مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ حَزِّ الْمُدَى، وَ وَخْزِ السِّنَانِ فِي الْحَشَا، وَ أَنْتُمْ (5) تَزْعُمُونَ أَلَّا إِرْثَ لَنَا أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (6) أَ فَلَا تَعْلَمُونَ؟! بَلَى، تَجَلَّى (7) لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ أَنِّي ابْنَتُهُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أَ أُغْلَبُ عَلَى إِرْثِيَهْ (8)؟!.
يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، أَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَ لَا أَرِثَ أَبِي؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا (9) أَ فَعَلَى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَ نَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ:
وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (10)؟! وَ قَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا (ع) إِذْ قَالَ:
رَبِ (11) هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (12)، وَ قَالَ: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (13)، وَ قَالَ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (14)، وَ قَالَ: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ
____________
(1) في المصدر: إهمال.
(2) في الاحتجاج: تشربون حسوا.
(3) في المصدر: الخمرة.
(4) في الاحتجاج: و يصير.
(5) في المصدر زيادة: الآن.
(6) المائدة: 50.
(7) في طبعة النّجف من الاحتجاج: قد تجلّى.
(8) في المصدر: إرثى.
(9) سورة مريم: 27.
(10) النّمل: 16.
(11) في طبعة النّجف من الاحتجاج: فهبّ لي، بدلا من: ربّ هب.
(12) مريم: 5.
(13) الأحزاب: 60.
(14) النّساء: 11.
227
وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (1)، وَ زَعَمْتُمْ أَلَّا (2) حُظْوَةَ لِي وَ لَا أَرِثَ مِنْ أَبِي وَ لَا رَحِمَ بَيْنَنَا، أَ فَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا أَبِي (3) (ص)؟! أَمْ هَلْ تَقُولُونَ أَهْلُ (4) مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ؟!، أَ وَ لَسْتُ (5) أَنَا وَ أَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَ ابْنِ عَمِّي؟! فَدُونَكُمَا (6) مَخْطُومَةً (7) مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَ الْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَ عِنْدَ السَّاعَةِ مَا تَخْسَرُونَ (8)، وَ لَا يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ، وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ (9) وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (10).
.. ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِهَا نَحْوَ الْأَنْصَارِ فَقَالَتْ: يَا مَعَاشِرَ الْفِتْيَةِ (11) وَ أَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَ أَنْصَارَ الْإِسْلَامِ (12)، مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي، وَ السِّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي، أَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ، سَرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَ عَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ، وَ لَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أُحَاوِلُ، وَ قُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَ أُزَاوِلُ، أَ تَقُولُونَ
____________
(1) البقرة: 180.
(2) في المصدر: أنّ لا، و المعنى واحد.
(3) في الاحتجاج: أبي (ص) منها.
(4) في المصدر زيادة: إن قبل: أهل.
(5) في مطبوع البحار: و لست.
(6) الظّاهر أنّه: دونكها- بالهاء- كما في المصدر، حيث تعرض (قدّس سرّه) لبيان مرجع الضّمير في هذه الكلمة، و يؤيّده الفعل الّذي بعدها، أعني: تلقّاك، و يحتمل صحّة: دونكما، فيكون المخاطب بالتّثنية: أبا بكر و عمر.
(7) في (س): محظومة.
(8) في المصدر: يخسر المبطلون، بدلا من: ما تخسرون.
(9) الأنعام: 67.
(10) الزّمر: 40.
(11) في المصدر: النّقيبة.
(12) في الاحتجاج: و حضنة الإسلام، و في طبعة النّجف منه: حصنة الإسلام.
228
مَاتَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْنُهُ (1)، وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَ انْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَ أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ كُسِفَتِ (2) النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَ أَكْدَتِ الْآمَالُ، وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ، وَ أُضِيعَ الْحَرِيمُ، وَ أُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ (3) عِنْدَ مَمَاتِهِ، فَتِلْكَ وَ اللَّهِ النَّازِلَةُ الْكُبْرَى، وَ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى، لَا (4) مِثْلَهَا نَازِلَةٌ، وَ لَا بَائِقَةٌ عَاجِلَةٌ، أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ فِي (5) مُمْسَاكُمْ وَ مُصْبَحِكُمْ، (6) هُتَافاً (7) وَ صُرَاخاً، وَ تِلَاوَةً وَ إِلْحَاناً، وَ لَقَبْلَهُ مَا حَلَ (8) بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَ قَضَاءٌ حَتْمٌ: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (9).
إِيهاً بَنِي قَيْلَةَ! أَ أُهْضِمَ تُرَاثُ أَبِي (10) وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى مِنِّي وَ مَسْمَعٍ، وَ مبتد [مُنْتَدًى (11) وَ مَجْمَعٍ؟، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَ تَشْمَلُكُمُ الْخِبْرَةُ، وَ أَنْتُمْ ذَا (12) الْعَدَدِ وَ الْعُدَّةِ، وَ الْأَدَاةِ وَ الْقُوَّةِ، وَ عِنْدَكُمُ السِّلَاحُ وَ الْجُنَّةُ، تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ، وَ تَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ، وَ أَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَ الصَّلَاحِ، وَ النُّجَبَةُ الَّتِي
____________
(1) كذا في المصدر، و قد تقرأ في المطبوع من البحار: وهيه، كما جاء في بيانه (قدّس سرّه)، و الوهي:
الشّقّ في الشّيء، كما نصّ عليه في القاموس 4- 402.
(2) في المصدر زيادة: الشّمس و القمر و انتثرت النّجوم.
(3) خ. ل: رحمة، جاءت على مطبوع البحار.
(4) في (س): إلّا.
(5) في المصدر: و في.
(6) في المصدر زيادة: يهتف في أفنيتكم.
(7) في طبعة النّجف من الاحتجاج: يهتف في أفنيتكم هتّافا ..
(8) في (س): حلّت.
(9) آل عمران: 144.
(10) في (ك) وضع على: أبي رمز نسخة بدل. و في (س): أبيه- بوصل هاء الوقف-.
(11) في المصدر: منتدى.
(12) في الاحتجاج: ذوو، و هو الصّحيح.
229
انْتُجِبَتْ (1)، وَ الْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ (2)، قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَ تَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَ التَّعَبَ، وَ نَاطَحْتُمُ الْأُمَمَ، وَ كَافَحْتُمُ الْبُهَمَ، فَلَا نَبْرَحُ (3) أَوْ تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ، وَ دَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ، وَ خَضَعَتْ ثَغْرَةُ الشِّرْكِ، وَ سَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ، وَ خَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وَ هَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَ اسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنَّى حُرْتُمْ (4) بَعْدَ الْبَيَانِ، وَ أَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلَانِ، وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ، وَ أَشْرَكْتُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (5) (6) (7) أَلَا قَدْ (8) أَرَى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ، وَ أَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَ الْقَبْضِ، وَ خَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَ نَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ (9)، فَمَجَجْتُمْ مَا وَعَيْتُمْ، وَ دَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، فَ: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (10) أَلَا وَ قَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ (11) عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ (12) الَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَ الْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ، وَ لَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَ نَفْثَةُ الْغَيْظِ،
____________
(1) في المصدر: النّخبة الّتي انتخبت.
(2) في المصدر زيادة: لنا أهل البيت.
(3) في الاحتجاج: لا نبرح، و تقرأ ما في (س): فلا تبرح، و ما أثبتناه هو الظّاهر.
(4) لا توجد: حرتم في (س)، و في (ك) نسخة بدل: جرتم، و قد تعرض لهما المصنّف ((قدّس سرّه)) في إيضاحه. و في المصدر: حزتم.
(5) في الاحتجاج: بؤسا لقوم، بدلا من أ لا تقاتلون قوما، فلا تكون آية.
(6) في المصدر: من بعد عهدهم، و لا تعدّ حينئذ من القرآن.
(7) التّوبة: 13.
(8) في المصدر: ألا و قد.
(9) في المصدر: بالضّيق من السّعة.
(10) إبراهيم: 8.
(11) في المصدر زيادة: هذا.
(12) في الاحتجاج: بالجذلة.
230
وَ خَوْرُ الْقَنَا (1)، وَ بَثَّةُ الصَّدْرِ، وَ تَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللَّهِ (2) وَ شَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِ: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (3) فَبِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (4).
وَ أَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ فَ: اعْمَلُوا ... إِنَّا عامِلُونَ (5) وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (6).
فَأَجَابَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ (7) رَسُولِ اللَّهِ (ص)! لَقَدْ كَانَ أَبُوكِ بِالْمُؤْمِنِينَ عَطُوفاً كَرِيماً، رَءُوفاً رَحِيماً، وَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً، وَ عِقَاباً عَظِيماً، فَإِنْ (8) عَزَوْنَاهُ وَجَدْنَاهُ أَبَاكِ دُونَ النِّسَاءِ، وَ أَخًا لِبَعْلِكِ (9) دُونَ الْأَخِلَّاءِ (10)، آثَرَهُ عَلَى كُلِّ حَمِيمٍ، وَ سَاعَدَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ جَسِيمٍ، لَا يُحِبُّكُمْ إِلَّا كُلُ (11) سَعِيدٍ، وَ لَا يغضكم [يُبْغِضُكُمْ إِلَّا كُلُّ شَقِيٍ (12)، فَأَنْتُمْ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) الطَّيِّبُونَ، وَ الْخِيَرَةُ الْمُنْتَجَبُونَ، عَلَى الْخَيْرِ أَدِلَّتُنَا، وَ إِلَى الْجَنَّةِ مَسَالِكُنَا، وَ أَنْتِ يَا خِيَرَةَ النِّسَاءِ وَ ابْنَةَ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ صَادِقَةٌ فِي قَوْلِكِ، سَابِقَةٌ فِي وُفُورِ عَقْلِكِ، غَيْرُ مَرْدُودَةٍ عَنْ حَقِّكِ، وَ لَا
____________
(1) في المصدر: القناة.
(2) في الاحتجاج: الجبّار، بدلا من لفظ الجلالة.
(3) الهمزة: 6- 7.
(4) الشّعراء: 227.
(5) هود: 121.
(6) هود: 122.
(7) في المصدر: و قال: يا بنت.
(8) في الاحتجاج: إن.
(9) خ. ل: إلفك، و هي كذلك في المصدر.
(10) خ. ل: الإخاء، جاءت على (ك).
(11) لا توجد في المصدر: كلّ.
(12) في الاحتجاج: شقيّ بعيد، بدلا من: كلّ شقيّ.
231
مَصْدُودَةٍ عَنْ صِدْقِكِ، وَ (1) وَ اللَّهِ مَا عَدَوْتُ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا عَمِلْتُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَ إِنَ (2) الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ كَفَى بِهِ شَهِيداً أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورِثُ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً وَ لَا دَاراً وَ لَا عَقَاراً وَ إِنَّمَا نُورِثُ الْكُتُبَ (3) وَ الْحِكْمَةَ وَ الْعِلْمَ وَ النُّبُوَّةَ، وَ مَا كَانَ لَنَا مِنْ طُعْمَةٍ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ بَعْدَنَا أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِحُكْمِهِ، وَ قَدْ جَعَلْنَا مَا حَاوَلْتِهِ فِي الْكُرَاعِ وَ السِّلَاحِ يُقَاتِلُ بِهِ (4) الْمُسْلِمُونَ وَ يُجَاهِدُونَ الْكُفَّارَ، وَ يُجَالِدُونَ الْمَرَدَةَ، ثُمَ (5) الْفُجَّارَ، وَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ أَتَفَرَّدْ بِهِ (6) وَحْدِي، وَ لَمْ أَسْتَبِدَّ بِمَا كَانَ الرَّأْيُ فِيهِ (7) عِنْدِي، وَ هَذِهِ حَالِي وَ مَالِي هِيَ لَكِ وَ بَيْنَ يَدَيْكِ لَا نَزْوِي (8) عَنْكِ وَ لَا نَدَّخِرُ دُونَكِ، وَ أَنْتِ سَيِّدَةُ (9) أُمَّةِ أَبِيكِ، وَ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ لِبَنِيكِ، لَا يُدْفَعُ (10) مَا لَكِ مِنْ فَضْلِكِ، وَ لَا يُوضَعُ مِنْ (11) فَرْعِكِ وَ أَصْلِكِ، حُكْمُكِ نَافِذٌ فِيمَا مَلَكَتْ يَدَايَ، فَهَلْ تَرَيْنَ أَنْ أُخَالِفَ فِي ذَلِكِ أَبَاكِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ؟!.
فَقَالَتْ (عليها السلام): سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا كَانَ (12) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ كِتَابِ اللَّهِ صَارِفاً (13)، وَ لَا لِأَحْكَامِهِ مُخَالِفاً، بَلْ كَانَ يَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَ يَقْفُو
____________
(1) لا توجد الواو في المصدر.
(2) لا توجد: إن، في الاحتجاج.
(3) في المصدر: الكتاب، و كذا جاءت في نسخة على مطبوع البحار.
(4) في المصدر: بها بدلا من: به.
(5) لا توجد: ثمّ في المصدر.
(6) في الاحتجاج: لم أنفرد به.
(7) لا توجد: فيه، في المصدر.
(8) في المصدر: لا تزوي.
(9) في الاحتجاج: و أنّك و أنت سيّدة.
(10) في المصدر: لا ندفع.
(11) في الاحتجاج: في بدلا من: من.
(12) في المصدر زيادة: أبي.
(13) في الاحتجاج: صادفا، و هو الظّاهر.
232
سُوَرَهُ، أَ فَتَجْمَعُونَ إِلَى الْغَدْرِ اعْتِلَالًا عَلَيْهِ بِالزُّورِ، وَ هَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ شَبِيهٌ بِمَا بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوَائِلِ فِي حَيَاتِهِ، هَذَا كِتَابُ اللَّهِ حَكَماً عَدْلًا (1)، وَ نَاطِقاً فَصْلًا، يَقُولُ:
يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2) (3) وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (4) فَبَيَّنَ (5) عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا وُزِّعَ عَلَيْهِ (6) مِنَ الْأَقْسَاطِ، وَ شَرَعَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَ الْمِيرَاثِ، وَ أَبَاحَ مِنْ حَظِّ الذُّكْرَانِ وَ الْإِنَاثِ مَا أَزَاحَ (7) عِلَّةَ الْمُبْطِلِينَ، وَ أَزَالَ التَّظَنِّيَ وَ الشُّبُهَاتِ فِي الْغَابِرِينَ، كَلَّا! بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (8).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ اللَّهُ وَ صَدَقَ (9) رَسُولُهُ وَ صَدَقَتْ ابْنَتُهُ، أَنْتِ (10) مَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَ مَوْطِنُ الْهُدَى وَ الرَّحْمَةِ، وَ رُكْنُ الدِّينِ، وَ عَيْنُ الْحُجَّةِ، لَا أُبَعِّدُ صَوَابَكِ، وَ لَا أُنْكِرُ خِطَابَكِ، هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَكِ قَلَّدُونِي مَا تَقَلَّدْتُ، وَ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ مَا أَخَذْتُ، غَيْرَ مُكَابِرٍ وَ لَا مُسْتَبِدٍّ وَ لَا مُسْتَأْثِرٍ، وَ هُمْ بِذَلِكَ شُهُودٌ.
فَالْتَفَتَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) النَّاسَ (11) وَ قَالَتْ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! الْمُسْرِعَةَ (12) إِلَى قِيلِ الْبَاطِلِ، الْمُغْضِيَةَ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (13)، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِكُمْ، مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَأَخَذَ
____________
(1) في (ك): و عدلا.
(2) مريم: 6.
(3) في المصدر زيادة: و بقول، بعد: يعقوب.
(4) النّمل: 16.
(5) في الاحتجاج: و بيّن.
(6) لا توجد: عليه في المصدر.
(7) في المصدر زيادة: به.
(8) يوسف: 18، و لا توجد الآية في المصدر.
(9) لا توجد: صدق في المصدر.
(10) لا توجد: أنت في بعض طبعات المصدر.
(11) في (ك) وضع على: النّاس، رمز نسخة بدل، و في المصدر: إلى النّاس، و هو الظّاهر.
(12) توجد نسخة بدل في (ك) هنا، و هي: المبتغية.
(13) سورة محمّد (ص): 24. و في الأصل: أ فلا تتدبرون، و عليه فلا تكون آية.
233
بِسَمْعِكُمْ وَ أَبْصَارِكُمْ، وَ لَبِئْسَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَ سَاءَ مَا بِهِ أَشَرْتُمْ، وَ شَرَّ مَا مِنْهُ اعْتَضَتُّمْ (1)، لَتَجِدُنَّ وَ اللَّهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلًا، وَ غِبَّهُ وَبِيلًا، إِذَا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطَاءُ، وَ بَانَ مَا وَرَاءَهُ (2) الضَّرَّاءُ، وَ بَدَا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُوُنَ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (3).
ثُمَّ عَطَفَتْ (4) عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَتْ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْبُرِ (5)الْخَطْبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا* * * وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَ قَدْ نَكَبُوا (6)
وَ كُلُّ أَهْلٍ لَهُ قُرْبَى وَ مَنْزِلَةٌ (7)* * * عِنْدَ الْإِلَهِ عَلَى الْأَدْنَيْنِ مُقْتَرِبٌ
أَبْدَتْ رِجَالٌ لَنَا نَجْوَى صُدُورِهِمْ* * * لَمَّا مَضَيْتَ وَ حَالَتْ دُونَكَ التُّرْبُ
تَجَهَّمَتْنَا رِجَالٌ وَ اسْتُخِفَّ بِنَا* * * لَمَّا فُقِدْتَ وَ كُلُّ الْأَرْضِ مُغْتَصَبٌ
وَ كُنْتَ بَدْراً وَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ* * * عَلَيْكَ تَنْزِلُ (8) مِنْ ذِي الْعِزَّةِ الْكُتُبُ
وَ كَانَ جِبْرِيلُ بِالْآيَاتِ يُؤْنِسُنَا* * * فَقَدْ فُقِدْتَ فَكُلُ (9) الْخَيْرِ مُحْتَجَبٌ
فَلَيْتَ قَبْلَكَ كَانَ الْمَوْتُ صَادَفَنَا* * * لَمَّا مَضَيْتَ وَ حَالَتْ دُونَكَ الْكُثُبُ
إِنَّا رُزِينَا بِمَا لَمْ يُرْزَ ذُو شَجَنٍ* * * مِنَ الْبَرِيَّةِ لَا عُجْمٌ وَ لَا عَرَبٌ (10)
____________
(1) في المصدر: اغتصبتم.
(2) في الاحتجاج: بادرائه.
(3) غافر: 78.
(4) في (ك): عطف، و هو غلط.
(5) في المصدر: لم تكثّر، و هو الظّاهر.
(6) في الاحتجاج: و لا تغب.
(7) في (ك): و منزلتي.
(8) في طبعة النّجف من الاحتجاج: ينزل.
(9) في المصدر: و كلّ.
(10) لا يوجد البيت الأخير في المصدر.
234
ثُمَّ انْكَفَأَتْ (عليها السلام)- وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَتَوَقَّعُ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ وَ يَتَطَلَّعُ طُلُوعَهَا عَلَيْهِ- فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِهَا الدَّارُ، قَالَتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):
يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْكَ السَّلَامُ (1): اشْتَمَلْتَ شَمْلَةَ الْجَنِينِ، وَ قَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنِينِ، نَقَضْتَ قَادِمَةَ الْأَجْدَلِ، فَخَانَكَ رِيشُ الْأَعْزَلِ، هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَبْتَزُّنِي نَحِيلَةَ (2) أَبِي وَ بُلْغَةَ (3) ابْنَيَّ، لَقَدْ أَجْهَرَ (4) فِي خِصَامِي، وَ أَلْفَيْتُهُ أَلَدَّ فِي كَلَامِي، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةٌ نَصْرَهَا، وَ الْمُهَاجِرَةُ وَصْلَهَا، وَ غَضَّتِ الْجَمَاعَةُ دُونِي طَرْفَهَا، فَلَا دَافِعَ وَ لَا مَانِعَ، خَرَجْتُ كَاظِمَةً، وَ عُدْتُ رَاغِمَةً، أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، افْتَرَسَتِ الذِّئَابُ وَ افْتَرَشْتَ التُّرَابَ، مَا كَفَفْتَ قَائِلًا، وَ لَا أَغْنَيْتَ بَاطِلًا (5)، وَ لَا خِيَارَ لِي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَنِيئَتِي (6)، وَ دُونَ زَلَّتِي (7)، عَذِيرِي اللَّهُ مِنْكَ (8) عَادِياً، وَ مِنْكَ حَامِياً، وَيْلَايَ! فِي كُلِّ شَارِقٍ (9)، مَاتَ الْعَمَدُ، وَ وَهَتِ (10) الْعَضُدُ، شَكْوَايَ إِلَى أَبِي، وَ عَدْوَايَ إِلَى رَبِّي، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَشَدُّ (11) قُوَّةً وَ حَوْلًا، وَ أَحَدُّ (12) بَأْساً وَ تَنْكِيلًا.
____________
(1) لا يوجد: عليك السّلام، في المصدر، و هو الظّاهر.
(2) في المصدر: نحلة.
(3) خ. ل: بليغة: جاءت على مطبوع البحار.
(4) في المصدر: أجهد.
(5) في الاحتجاج: طائلا.
(6) في (ك) نسخة بدل: هنتي. و لعلّه: هينتي، كما جاءت لغة، و يأتي من المصنّف طاب ثراه ذكرها، و سلف منّا بيانها.
(7) في المصدر: ذلّتي، و هو الظّاهر.
(8) في الاحتجاج: منه.
(9) هنا سقط جاء في المصدر: ويلاي في كلّ غارب.
(10) في المصدر: و وهن.
(11) في الاحتجاج: إنّك أشدّ منهم.
(12) في المصدر: و أشدّ، بدلا من: و أحد.
235
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا وَيْلَ عَلَيْكِ (1)، الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهْنِهِي (2) عَنْ وَجْدِكِ يَا ابْنَةَ الصَّفْوَةِ، وَ بَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَمَا وَنَيْتُ عَنْ دِينِي، وَ لَا أَخْطَأْتُ مَقْدُورِي، فَإِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ الْبُلْغَةَ، فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَ كَفِيلُكِ مَأْمُونٌ، وَ مَا أُعِدَّ لَكِ أَفْضَلُ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي اللَّهَ.
فَقَالَتْ: حَسْبِيَ اللَّهُ .. وَ أَمْسَكَتْ.
أقول:: وجدت هذه الخطبة في كتاب بلاغات النساء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر (3)، فأحببت إيرادها لما فيه من الاختلاف، مع ما أوردنا سابقا.
9- قال أبو الفضل: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين (4) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم) كلام فاطمة (عليها السلام) عند منع أبي بكر إيّاها فدك، و قلت له: إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع، و أنّه من كلام أبي العيناء- الخبر منسوق على (5) البلاغة على الكلام- فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، و يعلّمونه أبناءهم، و قد حدّثنيه أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة (ع) على هذه الحكاية، و رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء، و قد حدّث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنّه سمع عبد اللّه بن الحسن يذكر (6) عن أبيه، ثم قال أبو الحسين: و كيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكر، و هم يروون (7) من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة، فيحقّقونه (8) لو لا عداوتهم لنا أهل البيت. ..
ثم ذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ:
____________
(1) في الاحتجاج: لك بل، بدلا من: عليك.
(2) في طبعة النّجف: ثمّ نهنهني.
(3) بلاغات النساء 14- 20، باختلاف ذكرنا جلّه.
(4) في (س): ابن زيد، بين الحسين و علي، و هي لا توجد في المصدر، و لعلّ بن عليّ: عن علي، كما سيأتي، فراجع.
(5) في (ك): وضع رمز (ز) زائد على كلمة على، و لا توجد في المصدر.
(6) في المصدر: يذكره.
(7) في بلاغات النساء: فينكرونه و هم يرون ..
(8) في المصدر: يتحقّقونه ..
236
لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَنْعِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ عَلَيْهَا فَدَكَ، وَ بَلَغَ ذَلِكَ فَاطِمَةَ (ع) لَاثَتْ (1) خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَ أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا وَ نِسَاءِ قَوْمِهَا (2) تَطَأُ ذُيُولَهَا، مَا تَخْرِمُ مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ شَيْئاً حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ هُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَنِيطَتْ دُونَهَا مُلَاءَةٌ، ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ الْقَوْمُ لَهَا بِالْبُكَاءِ، وَ ارْتَجَّ الْمَجْلِسُ، وَ أَمْهَلَتْ حَتَّى سَكَنَ نَشِيجُ الْقَوْمِ وَ هَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، فَافْتَتَحَتِ الْكَلَامَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَعَادَ الْقَوْمُ فِي بُكَائِهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَكُوا عَادَتْ فِي كَلَامِهَا فَقَالَتْ: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (3) فَإِنْ تَعْزُوهُ (4) تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ (5)، وَ أَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُمْ، فَبَلَّغَ النِّذَارَةَ، صَادِعاً بِالرِّسَالَةِ، مَاثِلًا عَلَى (6) مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضَارِباً لِثَبَجِهِمْ، آخِذاً بِكَظَمِهِمْ، يَجِذُّ (7) الْأَصْنَامَ، وَ يَنْكُثُ (8) الْهَامَ، حَتَّى هَزَمَ الْجَمْعَ وَ وَلَّوُا الدُّبُرَ، وَ تَفَرَّى (9) اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَ نَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَ خَرِسَتْ شَقَاشِقُ الشَّيَاطِينِ: وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ (10) مَذْقَةَ الشَّارِبِ، وَ نُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَ قَبْسَةَ الْعَجْلَانِ، وَ مَوْطِئَ الْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَ تَقْتَاتُونَ الْوَرَقَ، أَذِلَّةً
____________
(1) في (س): لاتت.
(2) لا يوجد في المصدر: و نساء قومها.
(3) التّوبة: 128.
(4) في المصدر: تعرفوه.
(5) في بلاغات النّساء: دون آبائكم.
(6) في المصدر: مائلا على، و الظّاهر فيهما أنّه: عن بدلا من: على.
(7) في البلاغات: يهشم.
(8) في (س): ينكت.
(9) في المصدر: تغرى.
(10) آل عمران: 103.
237
خَاشِعِينَ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ (1) مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَ الَّتِي، وَ بَعْدَ مَا مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ (2)، كُلَّمَا حَشَوْا نَاراً لِلْحَرْبِ (3) وَ نَجَمَ قَرْنٌ لِلضُّلَّالِ، وَ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ بِأَخِيهِ فِي لَهَوَاتِهَا، وَ لَا يَنْكَفِي حَتَّى يَطَأَ سِمَاخَهَا (4) بِأَخْمَصِهِ، وَ يُخْمِدَ لَهَبَهَا (5) بِحَدِّهِ (6)، مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَيِّداً فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَ أَنْتُمْ فِي بُلَهْنِيَةٍ (7) وَادِعُونَ آمِنُونَ، حَتَّى إِذَا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دَارَ أَنْبِيَائِهِ، ظَهَرَتْ حَسِيكَةُ (8) النِّفَاقِ، وَ سَمَلَ (9) جِلْبَابُ الدِّينِ، وَ نَطَقَ كَاظِمُ الْغَاوِينَ، وَ نَبَعَ خَامِلُ الْأَقَلِّينَ (10)، وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ، يَخْطِرُ (11) فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَ أَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ (12) صَارِخاً بِكُمْ، فَوَجَدَكُمْ لِدُعَائِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَ لِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلَاحِظِينَ، فَاسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً، وَ أَحْمَشَكُمْ (13) فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَ أَوْرَدْتُمُوهَا غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هَذَا وَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ،
____________
(1) الأنفال: 26.
(2) جاءت هنا زيادة في نسخة من بلاغات النّساء: و مردة أهل الكتاب.
(3) في المصدر زيادة: أطفأها.
(4) في بلاغات النّساء: صماخها- بالصّاد-، و قد جاء في اللّغة بالسّين، كما في الصّحاح 1- 426.
(5) في (س): ألهبها.
(6) (ك): بجده.
(7) جاء في حاشية (ك): و أنتم في بلهنية من العيش، أيّ سعة، صحاح.
انظر: صحاح اللّغة 5- 2080.
(8) في المصدر: خلّة النّفاق، و جاء في حاشية (ك): و قوله: في صدره عليك حسيكة .. أيّ ضغن و عداوة. صحاح.
انظر: صحاح اللّغة 4- 1579، و فيه: عليّ بدلا من: عليك.
(9) في (ك): شمل.
(10) في المصدر: الآفلين.
(11) في بلاغات النّساء: فخطر.
(12) في (س): معرزه.
(13) في المصدر: و أجمشكم.
238
وَ الْكَلْمُ رَحِيبُ، وَ الْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلْ، بِدَاراً زَعَمْتُمْ (1) خَوْفَ الْفِتْنَةِ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (2) فَهَيْهَاتَ مِنْكُمْ وَ أَنَّى بِكُمْ (3) وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ، وَ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، زَوَاجِرُهُ بَيِّنَةٌ، وَ شَوَاهِدُهُ لَائِحَةٌ، وَ أَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ، أَ رَغْبَةً عَنْهُ تُدْبِرُونَ، أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (4) وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5)، ثُمَّ لَمْ تُرِيثُوا أُخْتَهَا (6) إِلَّا رَيْثَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُهَا (7)، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِقَاءٍ (8)، وَ نَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ حَزِّ الْمُدَى، وَ أَنْتُمُ الْآنَ (9) تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْثَ لَنَا، أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (10)، وَيْهاً! يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرَةِ أُبْتَزُّ (11) إِرْثَ أَبِيَهْ؟!.
أَ فِي الْكِتَابِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَ لَا أَرِثَ أَبِي؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا (12) فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَ الزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَ الْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَ عِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (13) وَ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ
____________
(1) في نسخة من بلاغات النّساء: إنّما زعمتم.
(2) التّوبة: 49.
(3) في (ك): وضع على: و أنّى بكم .. رمز نسخة بدل.
(4) الكهف: 50.
(5) آل عمران: 85.
(6) في (س): لم ترثبوا، و هي نسخة في (ك)، و لا معنى لها، و لا أثر لها في كتب اللّغة الّتي بأيدينا. و لا توجد: أختها في المصدر.
(7) في المصدر: نغرتها.
(8) جاءت الجملة في المصدر هكذا: تشربون حسوا و تسرون في ارتغاء.
(9) في مطبوع البحار: اللّائي.
(10) المائدة: 50.
(11) في المصدر: ويها معشر المهاجرين أ أبتز ..
(12) مريم: 27.
(13) الجاثية: 27.
239
تَعْلَمُونَ (1).
ثُمَّ انْحَرَفَتْ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ هِيَ تَقُولُ:
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ تَكْثُرِ الْخَطْبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا* * * وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَ لَا تَغِبْ
قَالَ: فَمَا رَأَيْنَا يَوْماً كَانَ أَكْثَرَ بَاكِياً وَ لَا بَاكِيَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ (2).
ثم قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ (3): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِيَارِ مِصْرَ لَقِيتُهُ بِالرَّافِقَةِ (4)- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَتْ: لَمَّا بَلَغَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) إِجْمَاعُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَنْعِهَا فَدَكَ لَاثَتْ (5) خِمَارَهَا وَ خَرَجَتْ فِي حَشَدَةِ نِسَائِهَا وَ لُمَةٍ مِنْ قَوْمِهَا، تَجُرُّ أَدْرَاعَهَا (6)، مَا تَخْرِمُ مِنْ مِشْيَةِ (7) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَيْئاً، حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ هُوَ فِي حَشَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- فَأَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ لَهَا الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، فَلَمَّا سَكَنَتْ فَوْرَتُهُمْ قَالَتْ:
أَبْدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ- ثُمَّ أَسْبَلَتْ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُمْ سِجْفاً (8)- ثُمَّ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ
____________
(1) الأنعام: 67.
(2) أقول: قد وردت قطعة من خطبتها (سلام اللّه عليها) من قولها: أنتم الآن تزعمون .. إلى: يخسر المبطلون في الغدير 7- 192 حاكيا إيّاها عن أكثر من مصدّر.
(3) بلاغات النّساء 14- 19.
(4) الرافقة: بلد متّصل البناء بالرّقّة .. و تسمّى: الرّقّة. انظر: مراصد الاطّلاع 2- 595، و معجم البلدان 3- 15- 16.
(5) في (س): لاتت.
(6) في المصدر: أذراعها.
(7) في (س): مشيّته.
(8) السّجف: السّتر، قاله في القاموس 3- 150 و غيره.
240
عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَ لها [لَهُ (1) الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَ الثَّنَاءُ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَأَهَا، وَ سُبُوغِ آلَاءٍ أَسْدَاهَا، وَ إِحْسَانِ مِنَنٍ وَالاهَا (2)، جَمَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَ نَأَى عَنِ الْمُجَازَاةِ أَمَدُهَا، وَ تَفَاوَتَ عَنِ الْإِدْرَاكِ آمَالُهَا، وَ اسْتَثْنَى (3) الشُّكْرَ بِفَضَائِلِهَا، وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَ ثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا، وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةٌ جُعِلَ الْإِخْلَاصُ تَأْوِيلَهَا، وَ ضُمِّنَ الْقُلُوبُ مَوْصُولَهَا، وَ أَنَارَ (4) فِي الْفِكْرَةِ مَعْقُولُهَا، الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ، وَ مِنَ الْأَوْهَامِ الْإِحَاطَةُ بِهِ، ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَ احْتَذَاهَا بِلَا مِثَالٍ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ زَادَتْهُ، إِلَّا إِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ، وَ تَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَ إِعْزَازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ (5) الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَ الْعِقَابَ (6) عَلَى مَعْصِيَتِهِ، زِيَادَةً (7) لِعِبَادِهِ عَنْ نَقِمَتِهِ، وَ حِيَاشاً لَهُمْ إِلَى (8) جَنَّتِهِ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، اخْتَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَبِلَهُ، وَ اصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ (9)، وَ سَمَّاهُ قَبْلَ أَنِ اسْتَنْجَبَهُ، إِذِ الْخَلَائِقُ بِالْغُيُوبِ مَكْنُونَةٌ، وَ بِسَتْرِ الْأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَ بِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَآيِلِ الْأُمُورِ، وَ إِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَ مَعْرِفَةً بِمَوَاضِعِ الْمَقْدُورِ، ابْتَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ (10) إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ (11) وَ عَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، فَرَأَى الْأُمَمَ (صلّى اللّه عليه و آله) فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا،
____________
(1) كذا، و الصّحيح: و له، كما في المصدر.
(2) خ. ل: أولاها، جاءت على مطبوع البحار.
(3) في مطبوع البحار: و استثنى، و لا معنى لها.
(4) في المصدر: و أنّى.
(5) جاءت على (ك) نسخة بدل: حصل.
(6) في (ك): و وضع العقاب.
(7) كذا، و الصّحيح: ذيادة- بالذّال المعجمة- و هي بمعنى الدّفع و الطّرد و الإبعاد كما سيأتي في بيان المصنّف (قدّس سرّه).
(8) في (س): على، بدلا من: إلى، و في المصدر: و جياشا لهم ...
(9) في (س): انبعثه، و ما في المتن أظهر.
(10) في المصدر: تعالى عزّ و جلّ.
(11) لا توجد: لأمره في مطبوع البحار.
241
مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) ظُلَمَهَا، وَ فَرَّجَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَ جَلَا عَنِ الْأَبْصَارِ غُمَمَهَا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْضَ رَأْفَةٍ وَ اخْتِيَارٍ، رَغْبَةً بِأَبِي (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ (1) هَذِهِ الدَّارِ، مَوْضُوعٌ عَنْهُ الْعِبْءُ وَ الْأَوْزَارُ، مُحْتَفٌ (2) بِالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ، وَ مُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَ رِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَ أَمِينِهِ عَلَى وَحْيِهِ، وَ صَفِيِّهِ مِنَ الْخَلَائِقِ، وَ رَضِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.
ثُمَّ أَنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ- تُرِيدُ أَهْلَ الْمَجْلِسِ- نُصْبُ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ، وَ حَمَلَةُ دِينِهِ وَ وَحْيِهِ، وَ أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَ بُلَغَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ، زَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ (3) لِلَّهِ (4) فِيكُمْ عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَ نَحْنُ (5) بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَنَا عَلَيْكُمْ، وَ مَعَنَا كِتَابُ اللَّهِ، بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ، وَ آيٌ (6) فِينَا مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، وَ بُرْهَانٌ مُنْجَلِيَةٌ ظَوَاهِرُهُ، مُدِيمٌ لِلْبَرِيَّةِ (7) إِسْمَاعُهُ، قَائِدٌ إِلَى الرِّضْوَانِ اتِّبَاعُهُ، مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ اسْتِمَاعُهُ، فِيهِ بَيَانُ (8) حُجَجِ اللَّهِ الْمُنَوَّرَةِ، وَ عَزَائِمِهِ الْمُفَسَّرَةِ، وَ مَحَارِمِهِ الْمُحَذَّرَةِ، وَ بَيِّنَاتِهِ (9) الْجَالِيَةِ، وَ جُمَلِهِ الْكَافِيَةِ، وَ فَضَائِلِهِ الْمَنْدُوبَةِ، وَ رُخَصِهِ الْمَوْهُوبَةِ (10)، وَ شَرَائِعِهِ الْمَكْتُوبَةِ، فَفَرَضَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَ الصَّلَاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، وَ الصِّيَامَ تَثْبِيتاً لِلْإِخْلَاصِ، وَ الزَّكَاةَ تَزْيِيداً فِي الرِّزْقِ، وَ الْحَجَّ تَسْلِيَةً لِلدِّينِ، وَ الْعَدْلَ تَنَسُّكاً (11) لِلْقُلُوبِ، وَ طَاعَتَنَا
____________
(1) في مطبوع البحار: عزّت بدلا من: عن.
(2) في مطبوع البحار: و متحف.
(3) في (س): ملكه، بدلا من لكم.
(4) في المصدر: اللّه .. فتصبح جملة استفهامية مستقلّة.
(5) لا توجد في مطبوع البحار: نحن.
(6) جمع آية.
(7) في المصدر: البرّيّة.
(8) في حاشية مطبوع البحار: فيه تنال .. و قد وضع عليها في (ك) رمز النّسخة المصحّحة (خ ص).
(9) في المصدر: و تبيانه.
(10) في (س): المرهوبة.
(11) كذا، و الظّاهر: تنسيكا .. أيّ تطهيرا و تطييبا، كما في القاموس 3- 321.
242
نِظَاماً لِلْمِلَّةِ (1)، وَ إِمَامَتَنَا لَمّاً (2) مِنَ الْفُرْقَةِ، وَ حُبَّنَا عِزّاً لِلْإِسْلَامِ، وَ الصَّبْرَ مَنْجَاةً، وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ تَعَرُّضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَ تَوْفِيَةَ الْمَكَايِيلِ وَ الْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسَةِ (3)، وَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَ قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ اجْتِنَاباً لِلَّعْنَةِ، وَ تَرْكَ السَّرَقِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ، وَ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الشِّرْكَ إِخْلَاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (4) وَ أَطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَ نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (5).
ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ! أَنَا فَاطِمَةُ، وَ أَبِي مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) أَقُولُهَا بَدْءاً عَلَى عَوْدِي (6) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. (7) .. ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ عَلَى مَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي رِوَايَةِ أَبِيهِ.
ثُمَّ قَالَتْ- فِي مُتَّصِلِ كَلَامِهَا-: أَ فَعَلَى مُحَمَّدٍ تَرَكْتُمُ كِتَابَ اللَّهِ، وَ نَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (8)، وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- فِيمَا قَصَ (9) مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (10)، وَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (11)، وَ قَالَ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
____________
(1) لا توجد في المصدر: للملّة.
(2) في (ك): خطّ على كلمة: لمّا. و في المصدر: أمنا.
(3) في المصدر: تعبيرا للنحسة.
(4) آل عمران: 102.
(5) فاطر: 28.
(6) في المصدر: أقولها عودا على بدء.
(7) التّوبة: 128.
(8) النّمل: 16.
(9) في مطبوع البحار: اقتصّ.
(10) مريم: 5- 6.
(11) الأحزاب: 6.
243
الْأُنْثَيَيْنِ (1)، وَ قَالَ: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (2) وَ زَعَمْتُمْ أَلَّا حُظْوَةَ لِي وَ لَا إِرْثَ مِنْ أَبِي (3)، وَ لَا رَحِمَ بَيْنَنَا، أَ فَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْهَا؟! أَمْ تَقُولُونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثُونَ؟! أَ وَ لَسْتُ أَنَا وَ أَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَمْ (4) لَعَلَّكُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (5) أَ أُغْلَبُ عَلَى إِرْثِي ظُلْماً وَ جَوْراً (6)؟! وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (7).
وَ ذَكَرَ أَنَّهَا لَمَّا فَرَغَتْ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَ الْمُهَاجِرِينَ عَدَلَتْ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: مَعْشَرَ الْبَقِيَّةِ، وَ أَعْضَاءَ الْمِلَّةِ، وَ حُصُونَ الْإِسْلَامِ: مَا هَذِهِ الْغَمِيرَةُ فِي حَقِّي وَ السِّنَةُ عَنْ ظُلَامَتِي؟ أَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: الْمَرْءُ (8) يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ؟! سَرْعَانَ مَا أَجْدَبْتُمْ (9) فَأَكْدَيْتُمْ، وَ عَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ، أَ تَقُولُونَ (10) مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَ اسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَ بَعُدَ وَقْتُهُ، وَ أَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَ اكْتَأَبَتْ خِيَرَةُ اللَّهِ لِمُصِيبَتِهِ، وَ خَشَعَتِ الْجِبَالُ، وَ أَكْدَتِ الْآمَالُ، وَ أُضِيعَ الْحَرِيمُ، وَ أُزِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟
____________
(1) النّساء: 11.
(2) البقرة: 180.
(3) في المصدر: أنّ لا حقّ لي و لا إرث لي من أبي.
(4) لا توجد في المصدر: أم.
(5) المائدة: 50. و في المصدر و المطبوع من البحار: تبغون، و عليه فلا تكون آية.
(6) في المصدر: جورا و ظلما.
(7) الشّعراء: 227.
(8) في المصدر: أ ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): المرء.
(9) في (س): أجديتم.
(10) في بلاغات النّساء: ذا إهانة تقولون.
244
وَ تِلْكَ نَازِلَةٌ علن [أَعْلَنَ بِهَا (1) كِتَابُ اللَّهِ فِي أَفْنِيَتِكُمْ فِي مُمْسَاكُمْ وَ مُصْبَحِكُمْ، يَهْتِفُ بِهَا (2) فِي أَسْمَاعِكُمْ، وَ لقلبه [قَبْلَهُ مَا حَلَّتْ (3) بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ رُسُلِهِ وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (4) إِيهاً بَنِي قَيْلَةَ! أَ أُهْضِمَ تُرَاثُ أَبِيَهْ وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى مِنْهُ وَ مَسْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَ تَشْمَلُكُمُ (5) الْحَيْرَةُ، وَ فِيكُمُ الْعَدَدُ وَ الْعُدَّةُ، وَ لَكُمُ الدَّارُ، وَ عِنْدَكُمُ الْجُنَنُ، وَ أَنْتُمُ الْأَوْلَى يحبه [نُخْبَةُ اللَّهِ (6) الَّتِي انْتَجَبَ (7) لِدِينِهِ وَ أَنْصَارُ رَسُولِهِ، وَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَ الْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتَارَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَبَادَيْتُمُ الْعَرَبَ، وَ نَاهَضْتُمُ الْأُمَمَ، وَ كَافَحْتُمُ الْبُهَمَ، لَا نَبْرَحُ نَأْمُرُكُمْ وَ تَأْتَمِرُونَ (8)، حَتَّى دَارَتْ لَكُمْ بِنَا رَحَى (9) الْإِسْلَامِ، وَ دَرَّ حَلَبُ الْأَنَامِ، وَ خَضَعَتْ نَعْرَةُ الشِّرْكِ، وَ بَاخَتْ نِيرَانُ الْحَرْبِ، وَ هَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَ اسْتَوْثَقَ (10) نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنَّى جُرْتُمْ (11) بَعْدَ الْبَيَانِ، وَ نَكَصْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدَامِ، وَ أَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلَانِ، لِقَوْمٍ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ: أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (12). أَلَا قَدْ أَرَى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إِلَى الْخَفْضِ، وَ رَكَنْتُمْ إِلَى الدَّعَةِ، فَعُجْتُمْ
____________
(1) في المصدر: و تلك نازل علينا بها.
(2) لا يوجد في مطبوع البحار: بها.
(3) في المصدر: و قبله حلّت.
(4) آل عمران: 144.
(5) في المصدر: و تثملكم.
(6) في بلاغات النّساء: و أنتم الآلى نخبة اللّه ..
(7) في المصدر: انتخب.
(8) في بلاغات النّساء: تأمرون.
(9) في مطبوع البحار: بنارها.
(10) خ. ل: استوسق، جاءت على حاشية (ك)، و هي كذلك في المصدر.
(11) في المصدر: حرتم.
(12) التّوبة: 13.
245
عَنِ الدِّينِ، وَ مَجَجْتُمُ (1) الَّذِي وَعَيْتُمْ، وَ وَسَّعْتُمُ (2) الَّذِي سُوِّغْتُمْ فَ: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (3). أَلَا وَ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قُلْتُهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخِذْلَانِ الَّذِي خَامَرَ صُدُورَكُمْ، وَ اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُكُمْ، وَ لَكِنْ قُلْتُهُ فَيْضَةَ النَّفْسِ، وَ نَفْثَةَ الْغَيْظِ، وَ بَثَّةَ الصَّدْرِ، وَ مَعْذِرَةَ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا مُدْبِرَةَ الظَّهْرِ، نَاقِبَةَ الْخُفِ (4)، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةً بِشَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِ: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (5). فَبِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَفْعَلُونَ: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (6)! وَ أَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (7)، فَ اعْمَلُوا ... إِنَّا عامِلُونَ وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (8).
قال أبو الفضل: و قد ذكر قوم أنّ أبا العيناء ادّعى هذا الكلام، و قد رواه قوم و صحّحوه و كتبناه على ما فيه.
وَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام): يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ! لَقَدْ كَانَ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (9)، وَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً، وَ إِذَا عَزَوْنَاهُ كَانَ أَبَاكِ دُونَ النِّسَاءِ، وَ أَخَا ابْنِ عَمِّكِ دُونَ الرِّجَالِ، آثَرَهُ عَلَى كُلِّ حَمِيمٍ، وَ سَاعَدَهُ عَلَى الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، لَا يُحِبُّكُمْ إِلَّا الْعَظِيمُ السَّعَادَةِ، وَ لَا يُبْغِضُكُمْ إِلَّا
____________
(1) في المصدر: و بحجتم.
(2) في بلاغات النّساء: و دسعتم.
(3) إبراهيم: 8.
(4) في المصدر: ناكبة الحقّ.
(5) الهمزة: 6- 7.
(6) الشّعراء: 227.
(7) سبأ: 46.
(8) هود: 121 و 122.
(9) في المصدر: رءوفا رحيما.
246
الرَّدِيُّ الْوِلَادَةِ، وَ أَنْتُمْ عِتْرَةُ اللَّهِ الطَّيِّبُونَ، وَ خِيَرَةُ اللَّهِ الْمُنْتَجَبُونَ (1)، عَلَى الْآخِرَةِ أَدَلْتَنَا، وَ بَابُ الْجَنَّةِ لِسَالِكِنَا، وَ أَمَّا مَنْعُكِ مَا سَأَلْتِ فَلَا ذَلِكِ لِي، وَ أَمَّا فَدَكُ وَ مَا جَعَلَ أَبُوكِ لَكِ (2)، فَإِنْ مَنَعْتُكِ فَأَنَا ظَالِمٌ، وَ أَمَّا الْمِيرَاثُ فَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا نُورَثُ مَا (3) أَبْقَيْنَاهُ صَدَقَةٌ.
قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (4)، وَ قَالَ: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (5)، فَهَذَانِ (6) نَبِيَّانِ، وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تُورَثُ وَ إِنَّمَا يُورَثُ مَا دُونَهَا، فَمَا لِي أُمْنَعُ إِرْثَ أَبِي؟! أَ أَنَزَلَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ إِلَّا فَاطِمَةَ (ع) بِنْتَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَدُلَّنِي عَلَيْهِ فَأَقْنَعَ بِهِ؟
فَقَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)! أَنْتِ عَيْنُ الْحُجَّةِ، وَ مَنْطِقُ الرِّسَالَةِ، لَا يَدَ لِي بِجَوَابِكِ، وَ لَا أَدْفَعُكِ عَنْ صَوَابِكِ، وَ لَكِنْ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ بَيْنِي وَ بَيْنَكِ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَنِي بِمَا تَفَقَّدْتِ، وَ أَنْبَأَنِي بِمَا أَخَذْتِ وَ تَرَكْتِ.
قَالَتْ: فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَصَبْرٌ لِمُرِّ الْحَقِّ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَهَ الْحَقِ (7).
وَ مَا وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا عِنْدَ أَبِي هَفَّانَ (8).
أقول: لا يخفى على ذي عينين أنّ ما ألحقوه في آخر الخبر لا يوافق شيئا من الروايات، و لا يلائم ما مرّ من الفقرات و التظلّمات و الشكايات، و سنوضح القول في ذلك إن شاء اللّه تعالى.
و لنوضّح تلك الخطبة الغرّاء الساطعة عن سيدة النساء (صلوات اللّه عليها)
____________
(1) في المصدر: المنتخبون.
(2) في بلاغات النّساء: لك أبوك.
(3) في (س): و ما.
(4) مريم: 6.
(5) النّمل: 16.
(6) في (س): فهذا بدلا من: فهذان.
(7) في المصدر: إله الخلق، قال أبو الفضل- أيّ صاحب بلاغات النّساء-.
(8) إلى هنا ما نقل عن بلاغات النّساء.
247
التي تحيّر من العجب منها و الإعجاب بها أحلام الفصحاء و البلغاء، و نبني الشرح على رواية الإحتجاج و نشير أحيانا إلى الروايات الأخر.
قوله: أَجْمَعَ أَبُو بَكْرٍ .. أي أحكم النيّة و العزيمة عليه (1).
لَاثَتْ خِمَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا .. أي عصبته و جمعته (2)، يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا أي شدّها و ربطها. (3).
و الْجِلْبَابُ- بالكسر- يطلق على الملحفة (4) و الرّداء و الإزار (5) و الثّوب الواسع للمرأة دون الملحفة (6)، و الثّوب كالمقنعة تغطّي بها المرأة رأسها و صدرها و ظهرها (7)، و الأوّل هنا أظهر.
أَقْبَلَتْ فِي لُمَةٍ مِنْ حَفَدَتِهَا .. اللُّمَةُ- بضمّ اللّام و تخفيف الميم- الجماعة (8)، قال في النهاية: في حديث فاطمة (ع) أنّها خرجت في لمة من نسائها تتوطّأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته .. أي في جماعة من نسائها، قيل: هي ما بين الثّلاثة إلى العشرة، و قيل: اللُّمَةُ: المثل في السّن و التّرب.
و (9) قال الجوهري: الهاء عوض من الهمزة الذّاهبة من وسطة (10)، و هو ممّا
____________
(1) قاله في لسان العرب 8- 57، و قال في تاج العروس 5- 307: الإجماع: العزم على الأمر و الإحكام عليه.
(2) نصّ على المعنى الأول في الصحاح 1- 291، و لسان العرب 2- 186، و على الثاني في النهاية 4- 275.
(3) كما في لسان العرب 2- 186، و النهاية 4- 275، و تاج العروس 1- 644.
(4) قاله في مجمع البحرين 2- 23، و الصحاح 1- 101، و النهاية 1- 283.
(5) نصّ على الأخير في لسان العرب 1- 273، و صرّح بالجميع في النهاية لابن الأثير.
(6) كما جاء في القاموس 1- 47، و تاج العروس 1- 186 و غيرهما.
(7) انظر: النهاية 1- 283، و لسان العرب 1- 273.
(8) قاله في مجمع البحرين 6- 165، و لسان العرب 12- 548.
(9) لا توجد الواو في المصدر.
(10) إلى هنا قاله الجوهريّ في الصحاح 5- 2026.
248
أخذت عينه كسر (1) و مذ و أصلها فعلة من الملاءمة، و هي الموافقة. انتهى (2).
أقول: و يحتمل أن يكون بتشديد الميم. قال الفيروزآبادي (3): اللُّمَّةُ بالضّم- الصّاحب و الأصحاب في السّفر و المونس للواحد و الجمع (4).
و الْحَفَدَةُ- بالتحريك-: الأعوان و الخدم (5).
تَطَأُ ذُيُولَهَا .. أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها، و تضع عليها قدمها عند المشي، و جمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدّد الثياب.
مَا تَخْرِمُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) .. و في بعض النسخ:
مِنْ مَشْيِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، و الْخَرْمُ: التّرك (6)، و النّقص و العدول (7)، و الْمِشْيَةُ- بالكسر- الاسم من مشى يمشي مشيا (8)، أي لم تنقص مشيها من مشيه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا كأنّه هو بعينه، قال في النهاية (9): فيه ما خرمت من صلاة رسول اللّه .. شيئا: أي ما تركت، و منه الحديث: «لم أخرم منه حرفا» أي لم أدع.
و الْحَشْدُ- بالفتح و قد يحرّك-: الجماعة (10).
و في الكشف (11): إنّ فاطمة (عليها السلام) لمّا بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها و أقبلت في لميمة من حفدتها و نساء قومها، تجرّ أدراعها، و تطأ في
____________
(1) في المصدر: كسه.
(2) أي انتهى كلام النهاية 4- 273، و انظر: لسان العرب 12- 548.
(3) في القاموس 4- 177.
(4) و انظر: تاج العروس 9- 63.
(5) كما في مجمع البحرين 3- 38، و الصحاح 2- 466.
(6) قال في لسان العرب 12- 170- 171: الخارم: التارك، و نحوه في تاج العروس 8- 272.
(7) نصّ عليهما في الصحاح 5- 1912، و لسان العرب 12- 170- 171.
(8) كما في لسان العرب 15- 281.
(9) النهاية: 2- 27.
(10) كما في القاموس 1- 288، و لسان العرب 3- 150 و غيرهما.
(11) كشف الغمّة 2- 40- 41 بنصّه.
249
ذيولها، ما تخرم من مشية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ... حتى دخلت على أبي بكر- و قد حشد المهاجرين و الأنصار- فضرب بينهم بريطة بيضاء، و قيل قبطية ... فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ...، ثم قالت (ع): أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد، الحمد للّه على ما أنعم ..
فنيطت دونها ملاءة .. الملاءة- بالضم و المدّ- الرّيطة (1) و الإزار، و نيطت بمعنى علّقت (2) أي ضربوا بينها (عليها السلام) و بين القوم سترا و حجابا، و الرَّيْطَةُ- بالفتح- الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، و لم تكن لفقين (3)، أو هي كلّ ثوب لينّ رقيق (4).
و الْقِبْطِيَّةُ- بالكسر-: ثياب بيض رقاق من كتّان تتّخذ بمصر، و قد يضمّ لأنّهم يغيّرون في النّسبة (5).
و الْجَهْشُ: أن يفزع الإنسان إلى غيره و هو مع ذلك يريد البكاء كالصّبيّ يفزع إلى أمّه و قد تهيّأ للبكاء (6)، يقال: جهش إليه كمنع و أجهش (7).
و الِارْتِجَاجُ: الاضطراب (8).
قوله: هُنَيْئَةً .. أي صبرت زمانا قليلا (9).
____________
(1) نصّ عليه في الصحاح 1- 73، و القاموس 1- 29، و قال في لسان العرب 1- 160: الملاء بالضم و المد- جمع ملاءة، و هي الإزار و الريطة، و نحوه في النهاية 4- 352.
(2) كما في مجمع البحرين 4- 277، و الصحاح 3- 1165 و غيرهما.
(3) ذكره في لسان العرب 7- 307، و مجمع البحرين 4- 250، و قال في القاموس 2- 362: الريطة:
كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد و قطعة واحدة، أو كل ثوب ليّن رقيق.
(4) النهاية 4- 289، و لسان العرب 7- 307.
(5) كما في الصحاح 3- 1151، و مثلها لسان العرب 7- 373، إلّا أنّه ضبطه بالضم.
(6) قاله في مجمع البحرين 4- 131، و لسان العرب 6- 276، و تاج العروس 4- 291.
(7) جاء في القاموس 2- 266، و تاج العروس 4- 291، و لسان العرب 6- 276.
(8) انظر مجمع البحرين 2- 303، و الصحاح 1- 317 و غيرهما.
(9) صرّح به في لسان العرب 1- 366، و مجمع البحرين 1- 479.
250
و النَّشِيجُ: صوت معه توجّع و بكاء كما يردّد الصّبيّ بكاءه في صدره (1).
و هدأت- كمنعت-: أي سكنت (2).
و فَوْرَةُ الشَّيْءِ شِدَّتُهُ، وَ فَارَ الْقِدْرُ أي جاشت (3).
قولها (صلوات اللّه عليها): بِمَا قَدَّمَ .. أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها، و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم الإيجاد و الفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء، فيكون تأسيسا.
و السُّبُوغُ: الكمال (4).
و الْآلَاءُ: النّعماء جمع أَلَى- بالفتح و القصر و قد يكسر الهمزة (5)-.
و أَسْدَى و أَوْلَى و أَعْطَى بمعنى واحد (6).
قولها: وَالاهَا .. أي تابعها (7)، بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل.
و جَمَّ الشَّيْءُ أي كثر (8)، و الجمّ: الكثير (9)، و التعدية بعن لتضمين معنى التعدي و التجاوز.
قولها (عليها السلام): و نَأَى (10) عن الجزاء أمدها .. الْأَمَدُ- بالتحريك-:
الغاية المنتهى (11)، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها، فالمراد بالأمد إما الأمد المفروض، إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الأمد الحقيقي لكلّ حدّ من حدودها
____________
(1) ذكره في النهاية 5- 53، و مجمع البحرين 2- 332.
(2) نصّ عليه في القاموس 1- 33، و لسان العرب 1- 180 و غيرهما.
(3) ذكره في الصحاح 2- 783، و لسان العرب 5- 67.
(4) نصّ عليه في المصباح المنير: 1- 320، و لسان العرب 8- 433.
(5) كما في لسان العرب 14- 43، و مجمع البحرين 1- 29 و غيرهما.
(6) قاله في النهاية 2- 356، و لسان العرب 14- 376، و مجمع البحرين 1- 215.
(7) كذا في مجمع البحرين 1- 463، و الصحاح 6- 2530 و غيرهما.
(8) في (س): كسر، و هو غلط.
(9) كما في مجمع البحرين 6- 30، و الصحاح 5- 1889، و غيرهما.
(10) جاء في مجمع البحرين 1- 404: النأي: البعد.
(11) قاله في القاموس 1- 275، و الصحاح 2- 442، و مجمع البحرين 3- 8.
251
المفروضة، و يحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، و قد مرّ في كثير من الخطب بهذا المعنى.
و قال في النهاية في حديث الحجّاج: «قال للحسن: مَا أَمَدُكَ؟ قال:
سنتان من خلافة (1) عمر»، أراد أنّه ولد لسنتين من خلافته، و للإنسان أمدان، مولده و موته. انتهى (2). و إذا حمل عليه يكون أبلغ، و يحتمل- على بعد- أن يقرأ بكسر الميم، قال الفيروزآبادي (3): الْأَمِدُ (4): المملوّ من خير و شرّ، و السّفينة المشحونة (5).
و تفاوت عن الإدراك أبدها .. التّفاوت: البعد (6)، و الأبد: الدّهر و الدائم (7) و القديم الأزلي، و بعده عن الإدراك لعدم الانتهاء.
و نَدَبَهُمْ لِاسْتِزَادَتِهَا بِالشُّكْرِ لِاتِّصَالِهَا .. يقال: نَدَبَهُ لِلْأَمْرِ و إِلَيْهِ فَانْتَدَبَ ..
اي دعاه فأجاب (8)، و اللام في قولها: لاتصالها .. لتعليل الندب .. أي رَغَّبَهُمْ في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم، و جعل اللام الأولى للتعليل و الثانية للصلة بعيد، و في بعض النسخ: لإفضالها، فيحتمل تعلقه بالشكر.
وَ اسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْزَالِهَا .. أي طلب منهم الحمد بسبب إجزال النعم و إكمالها عليهم، يقال: أجزلت له من العطاء .. أي أكثرت (9)، و أجزاك
____________
(1) في المصدر: لخلافة.
(2) انتهى كلام صاحب النهاية 1- 65.
(3) في القاموس 1- 275.
(4) الظاهر من القاموس أن: الآمد كصاحب.
(5) و انظر ما جاء في تاج العروس 2- 291.
(6) قال في لسان العرب 2- 69، و الصحاح 1- 260 و غيرهما، تفاوت: تباعد.
(7) كذا في مجمع البحرين 3- 5، و الصحاح 2- 439، و غيرهما.
(8) ذكره في لسان العرب 1- 754، و مثله في مجمع البحرين 2- 170، و الصحاح 1- 223، و لم ترد فيهما لفظة: و إليه.
(9) كما جاء في مجمع البحرين 5- 337، و الصحاح 4- 1655، و غيرهما.
252
النعم كأنه طلب الحمد أو طلب منهم الحمد حقيقة لإجزال النعم، و على التقديرين: التعدية بإلى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجّه، و هذه التعدية في الحمد شائع بوجه آخر، يقال: أحمد إليك اللّه، قيل: أي أحمده معك، و قيل:
أي أحمد إليك نعمة اللّه بتحديثك إيّاها (1)، و يحتمل أن يكون استحمد بمعنى تحمد، يقال: فلان يتحمّد عليّ .. أي يمتنّ (2)، فيكون إلى بمعنى على، و فيه بعد.
و ثنّى بالندب إلى أمثالها .. أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيويّة ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الأخروية أو الأعم منها و من مزيد النعم الدنيوية، و يحتمل أن يكون المراد بالندب إلى أمثالها أمر العباد بالإحسان و المعروف، و هو إنعام على المحسن إليه و على المحسن أيضا، لأنّه به يصير مستوجبا للأعواض و المثوبات الدنيوية و الأخروية.
كلمة جعل الإخلاص تأويلها .. المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلّها خالصة للّه تعالى، و عدم شوب الرياء و الأغراض الفاسدة، و عدم التوسل بغيره تعالى في شيء من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنّه الخالق و المدبّر، و بأنه لا شريك له في الإلهية فحقّ له أن لا يشرك في العبادة غيره، و لا يتوجّه في شيء من الأمور إلى غيره.
و ضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَهَا .. هذه الفقرة تحتمل وجوها:
الأول: أن اللّه تعالى ألزم و أوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركبّه تعالى، و عدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة و أشباه ذلك ممّا يؤول إلى التوحيد.
الثاني: أن يكون المعنى جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجا
____________
(1) كذا في لسان العرب 3- 157، و النهاية 1- 437، و غيرهما.
(2) قاله في لسان العرب 3- 157، و في الصحاح 1- 417 نحوه، إلّا أنّه قال: أي يمنّ.
253
في القلوب ممّا أراهم من الآيات فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ، أو بما فطرهم عليه من التوحيد.
الثالث: أن يكون المعنى لم يكلف العقول الوصول إلى منتهى دقائق كلمة التوحيد و تأويلها، بل إنّما كلّف عامّة القلوب بالإذعان بظاهر معناها، و صريح مغزاها، و هو المراد بالموصول.
الرابع: أن يكون الضمير في موصولها راجعا إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلّا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة، و الدقائق المستنبطة منها أو مطلقها، و لو لا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الأول، بل مطلقا.
و أَنَارَ فِي الْفِكْرِ مَعْقُولَهَا .. أي أوضح (1) في الأذهان ما يتعقّل من تلك الكلمة بالتفكّر في الدلائل و البراهين، و يحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب أو الفكر- بصيغة الجمع- أي أوضح بالتفكّر ما يعقلها العقول، و هذا يؤيد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة.
الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ .. يمكن (2) أن يقرأ الأبصار- بصيغة الجمع و المصدر-، و المراد بالرؤية العلم الكامل و الظهور التام.
وَ مِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ .. الظاهر أن الصفة هنا مصدر، و يحتمل المعنى المشهور بتقدير أي بيان صفته.
لَا مِنْ شَيْءٍ .. أي مادة.
بِلَا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا .. احتذى مثاله اقتدى به (3) و امتثلها .. أي تبعها (4).
____________
(1) كما جاء في لسان العرب 5- 240، و النهاية 5- 125، و غيرهما.
(2) في (ك): و يمكن.
(3) ذكره في القاموس: 4- 316، و لسان العرب: 14- 170، و غيرهما.
(4) جاء في لسان العرب 11- 614، و القاموس المحيط 4- 49، و غيرهما.
254
و لم يتعدّ عنها .. أي لم يخلقها على وفق صنع غيره.
و تنبيها على طاعته .. لأنّ ذوي العقول يتنبّهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها و المنعم بها واجب، أو أنّ خالقها مستحقّ للعبادة، أو بأنّ من قدر عليها يقدر على الإعادة و الانتقام.
و تعبدا لبريّته .. أي خلق البريّة ليتعبّدهم، أو خلق الأشياء ليتعبّد البرايا بمعرفته و الاستدلال بها عليه.
و إعزازا لدعوته. أي خلق الأشياء ليغلب و يظهر دعوة الأنبياء إليه بالاستدلال بها.
ذيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته ..
الذود و الذيّاد- بالذّال المعجمة- .. السّوق و الطّرد و الدّفع (1) و الإبعاد.
و حشت الصّيد أحوشه إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة (2).
و لعلّ التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عمّا يوجب دخول الجنّة.
قبل أن اجتبله .. الجبل: الخلق، يقال: جبلهم اللّه .. أي خلقهم، و جبله على الشيّء .. أي طبعه عليه (3)، و لعلّ المعنى أنه تعالى سمّاه لأنبيائه قبل أن يخلقه، و لعلّ زيادة البناء للمبالغة تنبيها على أنه خلق عظيم، و في بعض النسخ- بالحاء المهملة- يقال: احتبل الصّيد .. أي أخذه بالحبالة (4)، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازا، و في بعضها: قبل أن اجتباه .. أي اصطفاه (5) بالبعثة، و كل منها لا يخلو من تكلّف.
____________
(1) كما في لسان العرب 3- 167، و القاموس 1- 293، و غيرهما.
(2) قاله في القاموس 2- 270، و مثله في مجمع البحرين 4- 135 إلّا أنّه قال: عن الحبالة، و هو غلط ظاهرا.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 11- 98، و نحوه في القاموس 3- 345، و ليس فيه لفظة: عليه.
(4) قاله في المصباح المنير 1- 146، و الصحاح 4- 1665، إلّا أنّه بدل: (أخذه) في الأول، (صاده)، و في الثاني: (اصطاده).
(5) جاء في لسان العرب 14- 130، و الصحاح 6- 2298، و غيرهما.
255
و بِسَتْرِ الْأَهَاوِيلِ (1) مَصُونَةٌ .. لعلّ المراد بالستر ستر العدم أو حجب الأصلاب و الأرحام، و نسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود و عوائقه، و يحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم، إذ هي إنّما تلحقها بعد الوجود، و قيل: التعبير من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات.
بِمَآئِلِ (2) الْأُمُورِ- على صيغة الجمع- .. أي عواقبها، و في بعض النسخ بصيغة المفرد.
وَ مَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْدُورِ .. أي لمعرفته تعالى بما يصلح و ينبغي من أزمنة الأمور الممكنة المقدور و أمكنتها، و يحتمل أن يكون المراد بالمقدور: المقدر، بل هو أظهر.
إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ .. أي للحكمة التي خلق الأشياء لأجلها، و الإضافة في مقادير حتمه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة .. أي مقاديره المحتومة.
و قولها (عليها السلام): عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا .. تفصيل و بيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشيّء- كضرب و نصر- أي أقبل عليه مواظبا (3) و لازمه فهو عاكف، و يجمع على عكّف- بضم العين و فتح الكاف المشددة- كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شهّد و غيّب.
و النِّيرَانُ .. جمع نار، و هو قياس مطرد في جمع الأجوف، نحو: تيجان و جيران.
مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا .. لكون معرفته تعالى فطرية، أو لقيام الدلائل
____________
(1) الأهاويل: جمع الأهوال، و هو جمع الهول، و هو الخوف و الأمر الشديد، كما في النهاية 5- 283.
(2) قال في المصباح المنير 1- 38: آل الشيء يؤول أولا و مآلا: رجع، و الإيال- ككتاب- اسم منه ..
و الموئل: المرجع وزنا و معنى.
(3) ذكره في القاموس 3- 177، و تاج العروس 6- 303، و لسان العرب 9- 255، و زاد في الأخير:
عكف يعكف و يعكف .. لزم المكان.
256
الواضحة الدالة على وجوده سبحانه، و الضمير (في ظلمها) راجع إلى الأمم، و الضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها و إلى القلوب و الأبصار.
و الظُّلَمُ- بضمّ الظّاء و فتح اللّام- جمع ظلمة (1) استعيرت هنا للجهالة.
و الْبُهَمُ جمع بهمة- بالضم- و هي مشكلات الأمور (2).
و جَلَوْتُ الْأَمْرَ .. أوضحته و كشفته (3).
و الْغُمَمُ جمع غُمَّة يقال أمر غمّة أي مبهم ملتبس (4)، قال اللّه تعالى: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً (5)، قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة و ضيق (6)، و تقول:
غممت الشيّء: إذا غطّيته و سترته (7).
و الْعَمَايَةُ: الْغَوَايَةُ وَ اللِّجَاجُ، ذكره الفيروزآبادي (8).
و اختيار .. أي من اللّه له ما هو خير له، أو باختيار منه (صلّى اللّه عليه و آله) و رضى و كذا الإيثار، و الأول أظهر فيهما.
بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار .. لعلّ الظرف متعلّق بالإيثار بتضمين معنى الضنّة أو نحوها، و في بعض النسخ: محمّد- بدون الباء فتكون الجملة استئنافية أو مؤكدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو، و
في بعض كتب المناقب القديمة: فمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
، و هو أظهر،
و في رواية كشف الغمة: رغبته بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) عن تعب هذه الدار.
، و
فِي رِوَايَةِ
____________
(1) كذا في مجمع البحرين 6- 109، و لسان العرب 12- 377.
(2) انظر: لسان العرب 12- 57، و النهاية 1- 167، و غيرهما.
(3) كما في النهاية 1- 290، و لسان العرب 14- 150.
(4) قاله في القاموس 4- 157، و الصحاح 5- 1998، و غيرهما.
و ذكر جمعه في مجمع البحرين 6- 128.
(5) يونس: 71.
(6) جاء في لسان العرب 12- 442، و الصحاح 6- 128.
(7) كما في النهاية 3- 388، و الصحاح 5- 1998، و مجمع البحرين 6- 128، و تاج العروس 5- 8.
(8) في القاموس 4- 366، و قارن بلسان العرب 15- 97.
257
أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ: بِأَبِي (صلّى اللّه عليه و آله) عَزَّتْ هَذِهِ الدَّارُ ..
و هو أظهر، و لعلّ المراد بالدار: دار القرار، و لو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة، و على التقادير لا يخلو من تكلّف.
نُصْبُ أَمْرِهِ .. قال الفيروزآبادي (1): النّصب- بالفتح-: العلم المنصوب و يحرّك .. و هذا نصب عيني- بالضم و الفتح- .. أي نصبكم اللّه لأوامره و نواهيه، و هو خبر الضمير، و عباد اللّه منصوب على النداء.
و بلغاؤه إلى الأمم .. أي تؤدّون الأحكام إلى سائر الناس لأنكم أدركتم صحبة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
زَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ .. أي زعمتم أن ما ذكر ثابت لكم، و تلك الأسماء صادقة عليكم بالاستحقاق، و يمكن أن يقرأ على الماضي المجهول، و في إيراد لفظ الزعم إشعار بأنّهم ليسوا متصفين بها حقيقة، و إنما يدعون ذلك كذبا، و يمكن أن يكون حق لكم .. جملة أخرى مستأنفة .. أي زعمتم أنكم كذلك و كان يحق لكم و ينبغي أن تكونوا كذلك لكن قصرتم، و في بعض النسخ: و زعمتم حق لكم (2) فيكم و عهد،
و في كتاب المناقب القديم: زعمتم أن لا حقّ لي فيكم عهدا قدمه إليكم.
.. فيكون عهدا منصوبا ب اذكروا و نحوه، و في الكشف: إلى الأمم خولكم (3) اللّه فيكم عهد.
قولها (عليها السلام): للّه فيكم عهد و بقية .. العهد: الوصيّة (4)، و بقية الرجل ما يخلفه في أهله، و المراد بهما القرآن، أو بالأول ما أوصاهم به في أهل بيته و عترته، و بالثاني القرآن.
____________
(1) القاموس 1- 132- 133، و نحوه في تاج العروس 1- 486- 487، و لسان العرب 1- 759 760، و غيرهما.
(2) في (ك): له، بدلا من: لكم.
(3) في (ك): حولكم.
(4) كما في مجمع البحرين 3- 112، و الصحاح: 2- 515، و غيرهما.
258
و في رواية أحمد بن أبي طاهر: و بقية استخلفنا عليكم، و معنا كتاب اللّه ..
فالمراد بالبقية أهل البيت (عليهم السلام)، و بالعهد ما أوصاهم به فيهم.
و البصائر- جمع بصيرة- و هي الحجّة (1)، و المراد بانكشاف السرائر:
وضوحها عند حملة القرآن و أهله.
مغتبط به أشياعه .. الغبطة أن يتمنّى المرء مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها منه، تقول: غبطته فاغتبط (2)، و الباء للسببية .. أي أشياعه مغبوطون بسبب اتباعه، و تلك الفقرة غير موجودة في سائر الروايات.
مُؤَدٍّ إِلَى النَّجَاةِ إِسْمَاعُهُ ..- على بناء الإفعال- .. أي تلاوته، و في بعض نسخ الإحتجاج و سائر الروايات: استماعه.
و المراد بالعزائم: الفرائض، و بالفضائل: السنن، و بالرخص: المباحات، بل ما يشمل المكروهات، و بالشرائع: ما سوى ذلك من الأحكام كالحدود و الديات أو الأعم (3)، و أما الحجج و البيّنات و البراهين فالظاهر أن بعضها مؤكدة لبعض، و يمكن تخصيص كل منها ببعض ما يتعلق بأصول الدين لبعض المناسبات،
و في رواية ابن أبي طاهر: و بيناته الجالية، و جمله الكافية.
.. فالمراد بالبينات: المحكمات، و بالجمل: المتشابهات، و وصفها بالكافية لدفع توهم نقص فيها لإجمالها، فإنها كافية فيما أريد منها، و يكفي معرفة الراسخين في العلم بالمقصود منها، فإنّهم المفسّرون لغيرهم، و يحتمل أن يكون المراد بالجمل العمومات التي يستنبط منها الأحكام الكثيرة.
تزكية للنفس .. أي من دنس الذنوب، أو من رذيلة البخل، إشارة إلى قوله تعالى: تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها (4).
____________
(1) كما في الصحاح 2- 592، و تاج العروس 3- 48، و غيرهما.
(2) جاء في لسان العرب 7- 359- 360، و الصحاح 3- 1146، و انظر: مجمع البحرين 4- 262.
(3) في (ك): و الأعمّ.
(4) التوبة: 103.
259
وَ نَمَاءً فِي الرِّزْقِ .. إيماء إلى قوله تعالى: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (1) على بعض التفاسير (2).
تثبيتا للإخلاص .. أي لتشييد الإخلاص و إبقائه، أو لإثباته و بيانه، و يؤيد الأخير أن في بعض الروايات: تبيينا، و تخصيص الصوم بذلك لكونه أمرا عدميا لا يظهر لغيره تعالى، فهو أبعد من الرياء، و أقرب إلى الإخلاص، و هذا أحد الوجوه في تفسير
الحديث المشهور: الصوم لي و أنا أجزي به.
، و قد شرحناه في حواشي الكافي (3)، و سيأتي في كتاب الصوم إن شاء اللّه تعالى (4).
تَشْيِيداً لِلدِّينِ .. إنما خصّ التشييد به لظهوره و وضوحه و تحمل المشاق فيه، و بذل النفس و المال له، فالإتيان به أدلّ دليل على ثبوت الدين، أو يوجب استقرار الدين في النفس لتلك العلل و غيرهما (5) ممّا لا نعرفه، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في الأخبار الكثيرة من أن علّة الحج التشرّف بخدمة الإمام و عرض النصرة عليه، و تعلّم شرائع الدين منه (6)، فالتشييد لا يحتاج إلى تكلّف.
و في العلل و رواية ابن أبي طاهر: تسلية للدين.
، فلعلّ المعنى تسلية للنفس، بتحمل المشاق و بذل الأموال بسبب التقيد بالدين، أو المراد بالتّسلية:
الكشف (7) و الإيضاح، فإنّها كشف الهمّ، أو المراد بالدين: أهل الدين، أو (8)
____________
(1) الروم: 39.
(2) كما في التبيان للشيخ الطوسيّ 8- 255، و مجمع البيان للشيخ الطبرسيّ 4- 306 و غيرهما.
(3) للعلّامة المجلسي حاشية على أصول الكافي، لا نعلم بطبعها، ذكرها مفصّلا شيخنا الطهرانيّ في الذريعة 6- 181.
(4) بحار الأنوار- كتاب الصوم-: 93- 255 حديث 31. و ذكره في مرآة العقول 16- 199- 201 عند شرحه للحديث 6 من الباب الأوّل من كتاب الصيام.
(5) في (ك): و غيرها.
(6) كما في عيون الأخبار 2- 262 حديث 28، 29، 30، و علل الشرائع 459 حديث 1 و 2 و 4، و انظر: جامع أحاديث الشيعة 12- 228 حديث 4284.
(7) كما قاله في مجمع البحرين 1- 223، و لسان العرب 14- 394، و غيرهما.
(8) الظاهر: و، بدلا من: أو.
260
أسند إليه مجازا، و الظاهر أنه تصحيف: تسنية (1)، و كذا في الكشف. و في بعض نسخ العلل أي يصير سببا لرفعة الدين و علوّه.
و التّنسيق: التّنظيم (2).
و في العلل: مسكا للقلوب أي ما يمسكها، و في القاموس: المسكة بالضم-: ما يتمسّك به و ما يمسك الأبدان من الغذاء و الشّراب، .. و الجمع كصرد .. و المسك- محركة- الموضع يمسك الماء (3). و في رواية ابن أبي طاهر و الكشف: تنسّكا للقلوب .. أي عبادة لها (4)، لأن العدل أمر نفساني يظهر آثاره على الجوارح.
و الصبر معونة على استيجاب الأجر .. إذ به يتمّ فعل الطاعات و ترك السيئات.
وقاية من السخط .. أي سخطهما، أو سخط اللّه تعالى، و الأول أظهر.
منماة للعدد .. المنماة: اسم مكان أو مصدر ميمي .. أي يصير سببا لكثرة عدد الأولاد و العشائر كما أن قطعها يذر الديار بلاقع (5) من أهلها.
تغييرا للبخس .. و في سائر الروايات: للبخسة .. أي لئلّا ينقص مال من ينقص المكيال و الميزان، إذ التوفية موجبة للبركة و كثرة المال، أو لئلّا ينقصوا أموال الناس فيكون المقصود أن هذا أمر يحكم العقل بقبحه.
عن الرجس .. أي النجس (6)، أو ما يجب التنزّه عنه عقلا، و الأول أوضح
____________
(1) يقال: سنت النار: علا ضوؤها، و سناه .. أي فتحه و سهّله. و انظر ما ذكره الجوهريّ في الصحاح 6- 2384.
(2) كما في لسان العرب 10- 353، و الصحاح 4- 1558.
(3) إلى هنا ما في القاموس 3- 319، و قارن بتاج العروس 7- 177.
(4) ذكره في الصحاح 4- 1612، و لسان العرب 10- 498، و تاج العروس 7- 187.
(5) يقال: مكان بلقع: خال، و أرض بلاقع، جمعوا لأنّهم جعلوا كل جزء منها بلقعا، قاله في لسان العرب 8- 21.
(6) كما في مجمع البحرين 4- 74، و لسان العرب 6- 95، و غيرهما.
261
في التعليل، فيمكن الاستدلال على نجاستها.
حجابا عن اللعنة .. أي لعنة اللّه، أو لعنة المقذوف أو القاذف، فيرجع إلى الوجه الأخير في السابقة، و الأول أظهر، إشارة إلى قوله تعالى: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ (1).
إيجابا للعفّة .. أي للعفّة عن التصرف في أموال الناس مطلقا، أو يرجع إلى ما مرّ، و كذا الفقرة التالية. و في الكشف- بعد قوله- للعفّة: و التنزه عن أموال الأيتام، و الاستئثار بفيئهم إجارة من الظلم، و العدل في الأحكام إيناسا للرعيّة، و التبرّي من الشرك إخلاصا للربوبيّة.
عَوْداً و بَدْءاً .. أي أوّلا و آخرا (2)، و في رواية ابن أبي الحديد و غيره: أقول عودا على بدء .. و المعنى واحد.
و الشّطط- بالتحريك- البعد عن الحقّ (3)، و مجاوزة الحدّ في كلّ شيء (4).
و في الكشف: ما أقول ذلك سرفا و لا شططا من أنفسكم .. أي لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية بل عن نكاح طيّب، كما روي عن الصادق (عليه السلام) (5)، و قيل:
أي من جنسكم من البشر ثم من العرب ثم من بني إسماعيل (6).
____________
(1) النور: 23.
(2) كما نصّ عليه في القاموس 1- 8، و لسان العرب 1- 27.
(3) جاء في مجمع البحرين 4- 258، و النهاية 2- 475، و غيرهما.
(4) قال في الصحاح 3- 1138: الشطط: مجاوزة القدر في كل شيء، و نحوه في تاج العروس 5- 169، و لسان العرب 7- 334.
(5) يعد هذا من ضروريات المذهب إن لم يكن من ضروريات الدين، و ما أجمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهجه 139- صبحي صالح-: فاستودعهم في أفضل مستودع، و أقرّهم في خير مستقر، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام. و قد جاءت روايات بهذا المضمون تجد منها في أصول الكافي 1- 441 حديث 9 و 10 [الإسلامية 1- 367 باب مولد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)]، و تفسير فرات الكوفيّ: 207، و بحار الأنوار 15- 3، 6 و 7 و 12 و غيرها جملة من الروايات.
(6) حكاه و ما قبله في مجمع البيان 5- 86 عن السدي و غيره.
262
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ. أي شديد (1) شاق عليه عنتكم (2)، و ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان أو مطلقا.
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ. أي على إيمانكم و صلاح شأنكم.
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. أي رحيم بالمؤمنين منكم و من غيركم، و الرّأفة:
شدّة الرّحمة (3)، و التقديم لرعاية الفواصل.
و قيل: رءوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
و قيل: رءوف بأقربائه رحيم بأوليائه.
و قيل: رءوف بمن رآه رحيم بمن لم يره، فالتقديم للاهتمام بالمتعلق.
فَإِنْ تَعْزُوهُ .. يقال: عزوته إلى أبيه .. أي نسبته إليه (4)، أي إن ذكرتم نسبه و عرفتموه تجدوه أبي و أخا ابن عمّي، فالأخوة ذكرت استطرادا، و يمكن أن يكون الانتساب أعمّ من النسب، و ممّا طرأ أخيرا، و يمكن أن يقرأ: و آخى- بصيغة الماضي-، و في بعض الروايات: فإن تعزروه و توقّروه.
صَادِعاً بِالنِّذَارَةِ .. الصّدع: الإظهار، تقول: صدعت الشّيء، أي أظهرته، و صدعت بالحقّ: إذا تكلّمت به جهارا (5)، قال اللّه تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ (6). و النِّذَارَةُ- بالكسر- الإنذار (7) و هو الإعلام على وجه التخويف (8).
____________
(1) كذا جاء معنى: العزيز في مجمع البحرين 4- 26، و الصحاح 3- 885.
(2) قال في مجمع البحرين 2- 211: العنت: الوقوع في الإثم، و العنت: الفجور و الزنا، و العنت:
الهلاك، و أصله المشقة و الصعوبة، و العنت: الوقوع في أمر شاق، و العنت: الخطأ- و هو مصدر من باب تعب- .. و العنت- أيضا- الضرر و الفساد.
(3) ذكره في الصحاح 4- 1362، و القاموس 3- 142، و فيها بدل شدة الرحمة: أشدّ الرحمة.
(4) كذا في لسان العرب 15- 52، و الصحاح 6- 2425 و غيرهما.
(5) كما جاء في الصحاح 3- 1242، و لسان العرب 8- 196.
(6) الحجر: 94.
(7) كذا في القاموس 2- 140، و تاج العروس 3- 561، و غيرهما.
(8) قاله في مجمع البحرين 3- 491، و في الصحاح 2- 825: الإنذار: الإبلاغ، و لا يكون إلّا في التخويف.
263
و المدرجة: المذهب و المسلك (1)، و في الكشف: ناكبا (2) عن سنن مدرجة المشركين، و في رواية ابن أبي طاهر: ماثلا على مدرجة .. أي قائما للردّ عليهم، و هو تصحيف (3).
ضَارِباً ثَبَجَهُمْ آخِذاً بِأَكْظَامِهِمْ .. الثَّبَجُ- بالتحريك- وسط الشّيء و معظمه (4)، و الْكَظَمُ- بالتحريك- مخرج النّفس من الحلق (5) .. أي كان (صلّى اللّه عليه و آله) لا يبالي بكثرة المشركين و اجتماعهم و لا يداريهم في الدعوة.
داعيا إلى سبيل ربّه .. كما أمره سبحانه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (6).
و قيل: المراد بالحكمة: البراهين القاطعة و هي للخواص، و بالموعظة الحسنة: الخطابات المقنعة و العبر النافعة، و هي للعوام، و بالمجادلة بالتي (7) هي أحسن .. إلزام المعاندين و الجاحدين بالمقدمات المشهورة و المسلمة، و أما المغالطات و الشعريات فلا يناسب درجة أصحاب النبوات.
يكسر الأصنام و ينكث الهام .. النَّكْثُ (8): إلقاء الرّجل على رأسه (9)،
____________
(1) نصّ عليه في الصحاح 1- 314، و لسان العرب 2- 267.
(2) أي مائلا.
(3) قال في لسان العرب 11- 614: مثل الشيء: قام منتصبا.
(4) صرّح به في النهاية 1- 206، و الصحاح 1- 301، و القاموس 1- 180، و تاج العروس 2- 13، و لسان العرب 2- 219.
(5) ذكره في مجمع البحرين 6- 154، و لسان العرب 12- 520، و غيرهما.
(6) النحل: 125.
(7) في (ك): التي.
(8) قال في النهاية 5- 114: في حديث علي: أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين، النكث:
نقض العهد، و الاسم النّكث- بالكسر- و قد نكث ينكث، و أراد بهم أهل وقعة الجمل لأنّهم بايعوه ثمّ نقضوا بيعته و قاتلوه، و أراد بالقاسطين أهل الشام، و بالمارقين الخوارج، و نحوه في لسان العرب 2- 196- 197، و تاج العروس 1- 651، و 5- 206، و 7- 67.
(9) قال في الصحاح 3- 986: نكست الشيء أنكسه نكسا: قلبته على رأسه. و ما ذكره المصنّف (رحمه الله) هنا من المعنى لكلمة: نكث- بالثاء- يطابق نكس- بالسين- فتأمل، و سيأتي تعرض منه لها بالسين، و انظر ما ذكره في لسان العرب 6- 341.
264
يقال: طعنه فنكثه، و الهام جمع الهامة- بالتخفيف فيهما- و هي الرّأس (1)، و المراد قتل رؤساء المشركين و قمعهم و إذلالهم، أو المشركين مطلقا، و قيل: أريد به إلقاء الأصنام على رءوسها، و لا يخفى بعده لا سيّما بالنظر إلى ما بعده، و في بعض النسخ: ينكس الهام، و في الكشف و غيره: يجذّ الأصنام، من قولهم: جذذت الشّيء .. أي كسّرته (2)، و منه قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً (3).
حَتَّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَ أَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ .. و الواو مكان حتى- كما في رواية ابن أبي طاهر- أظهر، و تفرّى اللّيل .. أي انشقّ (4) حتى ظهر ضوء الصباح، و أسفر الحق عن محضه و خالصه (5)، و يقال: أسفر الصّبح .. أي أضاء (6).
و نطق زعيم الدين .. زعيم القوم سيّدهم و المتكلّم عنهم، و الزّعيم أيضا- الكفيل (7) و الإضافة لامية، و يحتمل البيانية ..
و خرست شقاشق الشياطين .. خرس- بكسر الراء- و الشقاشق جمع شقشقة- بالكسر- و هي شيء كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج، و إذا قالوا للخطيب ذو شقشقة، فإنّما يشبه بالفحل (8)، و إسناد الخرس إلى الشقاشق مجازي.
____________
(1) كذا في مجمع البحرين 6- 190، و الصحاح 5- 2063، و غيرهما.
(2) ذكره في مجمع البحرين 3- 179، و الصحاح 2- 561، و غيرهما.
(3) الأنبياء: 58.
(4) قاله في لسان العرب 15- 153، و الصحاح 6- 2454.
(5) توجد في (ك) عبارة هنا هي: أي كشف الغطاء عن محضه و خالصه. و قد خطّ عليها في (س).
(6) كما جاء في القاموس 2- 49، و الصحاح 2- 686 و غيرهما.
(7) صرّح به في لسان العرب 12- 266، و القاموس 4- 124- 125.
(8) نصّ عليه في الصحاح 4- 1503، و لسان العرب 10- 185، و غيرهما.
265
وَ طَاحَ وَشِيظُ النِّفَاقِ .. يقال: طاح فلان يطوح إذا هلك أو أشرف على الهلاك و تاه في الأرض و سقط (1)، و الوشيظ- بالمعجمتين-: الرّذل و السّفلة من النّاس، و منه قولهم: إيّاكم و الوشائظ (2)، و قال الجوهري (3): الوشيظ: لفيف من النّاس ليس أصلهم واحدا، و بنو فلان وشيظة في قومهم .. أي هم حشو فيهم.
و الوسيط- بالمهملتين-: أشرف القوم نسبا و أرفعهم محلا (4)، و كذا في بعض النسخ، و هو أيضا مناسب.
و فهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص .. يقال: فاه فلان بالكلام كقال .. أي لفظ به كتفوّه (5).
و كلمة الإخلاص: كلمة التوحيد، و فيه تعريض بأنه لم يكن إيمانهم عن قلوبهم، و البيض جمع أبيض و هو من النّاس خلاف الأسود (6)، و الْخِمَاصُ- بالكسر- جمع خميص، و الخماصة تطلق على دقة البطن خلقة و على خلوّه من الطّعام، يقال: فلان خميص البطن من أموال النّاس أي عفيف عنها، و في الحديث: كالطّير تغدو خماصا و تروح بطانا (7).
و المراد بالبيض الخماص: إمّا أهل البيت (عليهم السلام)- و يؤيده ما في كشف الغمة: في نفر من البيض الخماص، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا (8)- و وصفهم بالبيض لبياض وجوههم، أو هو من قبيل وصف
____________
(1) قاله في القاموس 1- 238، و تاج العروس 2- 193، و لسان العرب 2- 535.
(2) كما في النهاية 5- 188، و لسان العرب 7- 465، إلّا أنّه لم توجد فيهما: الرذل و.
(3) صرّح به في الصحاح 3- 1181، و ذكره في النهاية 5- 188 عن الجوهريّ.
(4) جاء في القاموس 2- 391، و الصحاح 3- 1181 و غيرهما.
(5) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 357، و الصحاح 6- 2245.
(6) ذكره في القاموس 2- 325، و لسان العرب 7- 122، و غيرهما.
(7) جاء في لسان العرب 7- 29- 30، و تاج العروس 4- 390، و لاحظ: النهاية 2- 80.
(8) إشارة إلى الآية 33 من سورة الأحزاب.
266
الرجل بالأغرّ، و بالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم و قلّة الأكل، أو لعفّتهم (1) عن أكل أموال الناس بالباطل، أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان رضي اللّه عنه و غيره، و يقال لأهل فارس: بيض، لغلبة البياض على ألوانهم و أموالهم، إذ الغالب في أموالهم الفضة، كما يقال لأهل الشام: حمر، لحمرة ألوانهم و غلبة الذهب في أموالهم، و الأول أظهر. و يمكن اعتبار نوع تخصيص في المخاطبين، فيكون المراد بهم غير الراسخين الكاملين في الإيمان، و بالبيض الخماص: الكمّل منهم.
وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ .. (2) شفا كلّ شيء طرفه (3) و شفيره ..
أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم و كفركم.
مُذْقَةَ الشَّارِبِ وَ نُهْزَةَ الطَّامِعِ .. مذقة الشّارب: شربته (4)، و النُّهْزَةُ- بالضم الفرصة (5) .. أي محل نهزته .. أي كنتم قليلين أذلّاء يتخطّفكم الناس بسهولة، و كذا قولها (عليها السلام):
و قبْسَةَ الْعَجْلَانِ وَ مَوْطِئَ الْأَقْدَامِ .. و الْقبْسَةُ- بالضم- شعلة من نار يقتبس من معظمها (6)، و الإضافة إلى العجلان لبيان القلّة و الحقارة، و وطء الأقدام مثل مشهور في المغلوبية و المذلّة.
تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ وَ تَفْتَانُونَ (7) الْوَرَقَ .. الطَّرْقُ- بالفتح-: ماء السّماء
____________
(1) في (ك): و لعفتهم.
(2) آل عمران: 103.
(3) كما جاء في مجمع البحرين 6- 247، و النهاية 2- 489.
(4) ذكره في لسان العرب 1- 340، و مجمع البحرين 5- 235، و غيرهما.
(5) كما أورده في الصحاح 3- 900، و مجمع البحرين 4- 39.
(6) قاله في تاج العروس 4- 211، و لسان العرب 6- 167، و هما قد ذكرا هذا المعنى في لفظة:
القبس، لا: القبسة.
(7) كذا، و الظاهر: تقتاتون. و كذا ما يأتي قريبا.
267
الّذي تبول فيه الإبل و تبعر (1)، و الورق- بالتحريك- ورق الشّجر (2)، و في بعض النسخ: و تفتاتون الْقِدَّ، و هو- بكسر القاف و تشديد الدال- سَيْرٌ يُقَدُّ مِنْ جلد غير مدبوغ (3)، و المقصود وصفهم بخباثة المشرب و جشوبة (4) المأكل، لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم، و لفقرهم و قلّة ذات يدهم، و خوفهم من الأعادي.
أَذِلَّةً خَاسِئِينَ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ من حولكم .. الخاسئ: المبعد المطرود (5)، و التّخطّف: استلاب الشّيء (6) و أخذه بسرعة، اقتبس من قوله تعالى:
وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (7).
و
- فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَّ الْخِطَابَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ سَائِرُ الْعَرَبِ أَوِ الْأَعَمُّ.
و اللَّتَيَّا .. بفتح اللام و تشديد الياء تصغير الّتي (8)، و جوّز بعضهم فيه ضمّ اللام (9)، و هما كنايتان عن الداهية الصّغيرة و الكبيرة (10).
____________
(1) جاء في لسان العرب 10- 216، و الصحاح 4- 1513.
(2) صرّح به في مجمع البحرين 5- 246، و لسان العرب 10- 374، و غيرهما.
(3) كذا في الصحاح 2- 522، و لسان العرب 3- 344.
(4) طعام جشب و مجشوب .. أي غليظ خشن بيّن الجشوبة: إذا أسيء طحنه حتّى يصير مفلقا، و قيل: هو الذي لا أدم له، قاله في لسان العرب 1- 265.
و قد تقرأ الكلمة في (س): خشونة، و هي غالبا في الملبس دون المأكل.
(5) كما جاء في مجمع البحرين 1- 121، و القاموس 1- 13، و غيرهما.
(6) جاء في القاموس 3- 135، و مجمع البحرين 5- 47.
(7) الأنفال: 26.
(8) ذكره في الصحاح 6- 2479، و القاموس 4- 384، و مجمع البحرين 1- 372.
(9) كما نصّ عليه في تاج العروس 10- 322، و القاموس 4- 384، و غيرهما.
(10) قال في مجمع الأمثال 1- 92، و فرائد اللئالي 1- 76، معا: هما الداهية الكبيرة و الصغيرة، و كنّى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيها بالحيّة، فإنها إذا كثر سمّها صغرت، لأنّ السمّ يأكل جسدها!.
268
وَ بَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ، وَ ذُؤْبَانِ الْعَرَبِ، وَ مَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ .. يقال:
مُنِيَ بِكَذَا- على صيغة المجهول- أي ابْتُلِيَ (1)، و بُهَمُ الرِّجَالِ- كَصُرَد- الشّجعان منهم لأنّهم لشدّة بأسهم لا يدري من أين يؤتون (2)، و ذُوْبَانُ الْعَرَبِ: لُصُوصُهُمْ وَ صَعَالِيكُهُمْ (3) الذين لا مال لهم و لا اعتماد عليهم، و المَرَدَةُ: العتاة (4) المتكبّرون المجاوزون للحدّ.
أَوْ نَجَمَ (5) قَرْنٌ لِلشَّيْطَانِ، وَ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا .. نَجَمَ الشّيء- كنصر- نجوما: ظهر و طلع (6)، و المراد بالقرن: القوّة، و فسّر قرن الشّيطان بأمّته و متابعيه (7)، و فغرفاه .. أي فتحه، و فغرفوه .. أي انفتح- يتعدّى و لا يتعدّى- (8)، و الفاغرة من المشركين: الطائفة العادية منهم تشبيها بالحية أو السبع، و يمكن تقدير الموصوف مذكرا على أن يكون التاء للمبالغة.
و القذف: الرّمي، و يستعمل في الحجارة كما أنّ الحذف يستعمل في الحصا، يقال هم بين حاذف و قاذف (9). و اللَّهَوَاتُ- بالتحريك- جمع لَهَاة، و هي اللّحمة في أقصى سقف الفم (10)، و في بعض الروايات: فِي مُهْوَاتِهَا- بالضم- (11) و هي
____________
(1) كما ورد في لسان العرب 15- 293، و القاموس 4- 391، و تاج العروس 10- 348.
(2) جاء في الصحاح 5- 1875، و القاموس 4- 82، و غيرهما.
(3) لاحظ القاموس 1- 67، و تاج العروس 1- 248، و لسان العرب 1- 377- 378، و النهاية 2- 171.
(4) انظر: تاج العروس 2- 499، و القاموس 1- 337، و لسان العرب 3- 400.
(5) كذا، و الظاهر: و نجم.
(6) قاله في مجمع البحرين 6- 173، و الصحاح 5- 2039، و غيرهما.
(7) كما في القاموس 4- 258، و تاج العروس 9- 306.
(8) صرّح به في الصحاح 2- 782، و القاموس 2- 110.
(9) جاء في لسان العرب 9- 277، و الصحاح 4- 1414، و ذكر في الأخير العصا بدلا من: الحصا، و الظاهر ما أثبتناه.
(10) أورده في النهاية 4- 284، و قريب منه في مجمع البحرين 1- 385، و القاموس 4- 388، و تاج العروس 10- 335، و لسان العرب 15- 261- 262.
(11) الظاهر أنّها بالفتح، كما في الصحاح و لسان العرب و النهاية.
269
بالتّسكين: الحفرة (1) و ما بين الجبلين و نحو ذلك (2). و علي أيّ حال، المراد أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّما أراده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة بعث عليها (عليه السلام) لدفعها و عرّضه للمهالك.
و في رواية الكشف و ابن أبي طاهر: كلّما حشوا نارا للحرب، و نجم قرن للضلال.
قال الجوهري (3): حششت النّار .. أوقدتها.
فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، و يخمد لهبها بسيفه .. انكفأ- بالهمزة- أي رجع، من قولهم: كفأت القوم كفأ: إذا أرادوا وجها فصرفتهم عنه إلى غيره فانكفئوا .. أي رجعوا (4).
و الصِّمَاخُ- بالكسرة- ثقب الأذن، و الأذن نفسها، و بالسين- كما في بعض الروايات- لغة فيه (5).
و الْأَخْمَصُ: ما لا يصيب الأرض من باطن القدم (6) عند المشي، و وطء الصماخ بالأخمص عبارة عن القهر و الغلبة على أبلغ وجه، و كذا إخماد اللهب بماء السيف استعارة بليغة شائعة.
مَكْدُوداً فِي ذَاتِ اللَّهِ .. الْمَكْدُودُ: مَنْ بَلَغَهُ التَّعَبُ (7) وَ الْأَذَى، و ذات اللّه:
أمره و دينه، و كلّما يتعلّق به سبحانه، و في الكشف: مكدودا دءوبا (8) في ذات اللّه.
سَيِّدَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ..- بالجر- صفة الرسول (ص) أو بالنصب عطفا على
____________
(1) كما نصّ عليه ابن الأثير في النهاية 5- 285.
(2) ذكره في مجمع البحرين 1- 484، و الصحاح 6- 2538، و لسان العرب 15- 370.
(3) صرّح بذلك في الصحاح 3- 1001، و قارن بما جاء في لسان العرب 6- 285، و غيره.
(4) نصّ عليه في لسان العرب 1- 143، و الصحاح 1- 67.
(5) قاله في الصحاح 1- 426، و لسان العرب 3- 34، و غيرهما.
(6) أورده في مجمع البحرين 4- 170، و القاموس 2- 302.
(7) كما جاء في الصحاح 2- 530، و النهاية 4- 155، و لسان العرب 3- 378.
(8) دأب في العمل: إذا جدّ و تعب، قاله في مجمع البحرين 2- 54.
270
الأحوال السابقة، و يؤيد الأخير ما في
رواية ابن أبي طاهر: سيداً في أولياء اللّه.
و التّشمير في الأمر: الجدّ و الاهتمام فيه (1).
و الْكَدْحُ: العمل و السّعي (2)، و قال الجوهري (3): الدَّعَةُ: الخفض ..،
تقول: منه ودع الرّجل .. فهو وديع أي ساكن و وادع أيضا، .. يقال: نال فلان المكارم وادعا من غير كلفة.
و قال: الْفُكَاهَةُ- بالضم- المزاح، .. و بالفتح- مصدر- فَكِهَ الرّجلُ بالكسر- فهو فَكِهٌ إذا كان طيّب النّفس مزاحا، و الْفَكِهُ- أيضا- الْأَشِرُ و (4) الْبَطِرُ، و قريء: وَ نَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ (5) أي أَشِرِينَ، و فاكِهِينَ. أي ناعمين، و المفاكهة: الممازحة (6).
و في رواية ابن أبي طاهر: و أنتم في بلهنية وادعون آمنون .. قال الجوهري (7): هو في بُلَهْنِيَةٍ من العيش أي سعة و رفاهية، و هو ملحقّ بالخماسي بألف في آخره، و إنّما صارت ياء لكسرة (8) ما قبلها، و في الكشف: و أنتم في رفهنية .. و هي مثلها لفظا و معنى (9).
تتربّصون بنا الدوائر .. الدّوائر: صروف الزّمان (10) و حوادث الأيام
____________
(1) كذا في مجمع البحرين 3- 354، و النهاية 2- 500، إلّا أنّ فيهما: الاجتهاد بدلا من: الاهتمام، و أضاف في الأخير: الهمّ.
(2) ذكره في القاموس 1- 245، و مجمع البحرين 2- 406.
(3) جاء في الصحاح 3- 1296، و لسان العرب 8- 381، و غيرهما.
(4) لا توجد الواو في المصدر.
(5) الدخان: 27.
(6) كما أورده في الصحاح 6- 2243، و لسان العرب 13- 523- 524.
(7) الصحاح 6- 2080، و انظر: لسان العرب 13- 58، و القاموس 4- 281.
(8) كذا جاء في لسان العرب، إلّا أنّ في المصدر: لكثرة.
(9) كما في القاموس: 4- 228.
(10) كذا جاء في مجمع البحرين 3- 304، و أضاف: التي تدور و تحيط بالإنسان مرّة بخير و مرّة بشرّ، و تكون الدولة لكفار. و قال في لسان العرب 4- 297: و دارت عليه الدوائر .. أي نزلت به الدواهي، و الدائرة: الهزيمة و السوء، يقال: عليهم دائرة السوء، و في الحديث: فيجعل الدائرة عليهم .. أي الدولة بالغلبة و النصرة، و قوله عزّ و جلّ «وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ» قيل: الموت أو القتل.
271
و العواقب المذمومة، و أكثر ما تستعمل الدائرة في تحوّل النعمة إلى الشّدة، أي كنتم تنتظرون نزول البلايا علينا و زوال النعمة و الغلبة عنّا.
تَتَوَكَّفُونَ الأخبار .. التَّوَكُّفُ: التّوقّع (1)، و المراد أخبار المصائب و الفتن، و في بعض النسخ: تتواكفون الأخيار، يقال: واكفه في الحرب أي واجهه (2).
و تَنْكِصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ .. النُّكُوصُ: الإحجام و الرّجوع عن الشّيء (3)، و النزال- بالكسر- أن ينزل القرنان عن إبلهما إلى خيلهما فيتضاربا (4)، و المقصود من تلك الفقرات أنهم لم يزالوا منافقين لم يؤمنوا قط.
ظهر فيكم حسيكة النفاق، و سَمَلَ جلبابُ الدين، و نَطَقَ كاظمُ الغاوين، و نَبَغَ خاملُ الأقلين، و هَدَرَ فنيقُ المبطلين .. الحسيكة: العداوة، قال الجوهري (5): الحسك: حسك السّعدان، الواحدة حسكة، .. و قولهم في صدره عليّ حسيكة و حساكة .. أي ضغن و عداوة .. و في بعض الروايات: حسكة النفاق .. فهو على الاستعارة.
و سَمَلَ الثّوبُ- كنَصَرَ- صار خَلَقاً (6).
و الجلباب- بالكسر- الملحفة (7)، و قيل: ثوب واسع للمرأة غير الملحفة (8).
____________
(1) كما في الصحاح 4- 1441، و لسان العرب 9- 364، و غيرهما.
(2) كذا جاء في لسان العرب 9- 364، و القاموس 3- 206.
(3) راجع مجمع البحرين 4- 189، و الصحاح 3- 1060، و غيرهما.
(4) قاله في القاموس 4- 56، و تاج العروس 8- 133، و لسان العرب 11- 657.
(5) الصحاح 4- 1579، و قارن بمجمع البحرين 5- 262.
(6) جاء في لسان العرب 11- 345، و الصحاح 5- 1732.
(7) كما أورده في النهاية 1- 283، و مجمع البحرين 2- 23، و الصحاح 1- 101.
(8) كذا قاله في تاج العروس 1- 186، و القاموس 1- 47، و لسان العرب 1- 272.
272
و قيل: هو إزار و رداء.
و قيل: هو كالمقنعة تغطّي به المرأة رأسها و ظهرها و صدرها (1).
و الْكُظُومُ: السّكوت (2).
و نَبَغَ الشّيءُ- كمنع و نصر- أي ظهر- (3) و نبغ الرّجل: إذا لم يكن في إرث الشّعر، ثمّ قال و أجاد (4).
و الخامل: من خفي ذكره و صوته و كان ساقطا لا نباهة له (5).
و المراد بالأقلين: الأذلّون، و في بعض الروايات: الأولين.
و في الكشف: فنطق كاظم و نبغ خامل، و هدر فنيق الكفر، يخطر في عرصاتكم .. و الهَدْرُ: ترديد البعير صوته في حنجرته (6).
و الفنيق: الفحل المكرّم من الإبل الّذي لا يركب و لا يهان لكرامته على أهله (7).
فخطر في عرصاتكم، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، و للعزّة فيه ملاحظين .. يقال: خطر البعير بذنبه يخطر بالكسر- خطرا و خطرانا إذا رفعه مرّة بعد مرّة و ضرب به فخذيه (8)، و منه قول الحجّاج- لمّا نصب المنجنيق على الكعبة- .. خطّارة كالجمل الفنيق (9) .....،
____________
(1) قاله في النهاية 1- 283.
(2) نصّ عليه في الصحاح 5- 2022، و لسان العرب 12- 520.
(3) لا توجد: أي ظهر، في (س)، و هي مثبتة في كتب اللغة.
(4) صرّح بذلك في الصحاح 4- 1327، و لسان العرب 8- 453، و انظر: القاموس 3- 113، بمعنى أنّه لم يكن الشاعر وارثا للشعر من آخر، بل قد قال الشعر و أجاد فيه.
(5) ذكره في القاموس 3- 371، و تاج العروس 7- 310، و لسان العرب 11- 221.
(6) كما أورده في مجمع البحرين 3- 518، و الصحاح 2- 853، و لسان العرب 5- 258.
(7) كذا جاء في النهاية 3- 476، و لسان العرب 1- 313، و غيرهما.
(8) قاله الجوهريّ في الصحاح 2- 648، و ابن منظور في لسان العرب 4- 250.
(9) هذا عجز لبيت قد سقط في (س) و كتب في حاشية (ك)، و كتب عليه (عجز) و لم يكتب بعده (صح)، و صدره هو: اعددتها للمسجد العتيق.
273
شبّه رميها بخطران الفنيق (1).
و مغرز الرأس (2)- بالكسر-: ما يختفي فيه، و قيل: لعلّ في الكلام تشبيها للشيطان بالقنفذ، فإنه إنما يطلع رأسه عند زوال الخوف، أو بالرجل الحريص المقدم على أمر فإنه يمدّ عنقه إليه.
و الْهَتَّافُ: الصّياح (3).
و ألفاكم .. أي وجدكم (4).
و الغِرَّةُ- بالكسر- الاغترار (5) و الانخداع (6)، و الضمير المجرور راجع إلى الشيطان.
و ملاحظة الشيء: مراعاته، و أصله من اللّحظ و هو النّظر بمؤخر العين (7)، و هو إنما يكون عند تعلّق القلب بشيء، أي وجدكم الشيطان لشدة قبولكم للانخداع كالذي كان مطمح نظره أن يغتر بأباطيله.
و يحتمل أن يكون للعزّة- بتقديم المهملة على المعجمة-. و في الكشف:
و للعزّة ملاحظين .. أي وجدكم طالبين للعزّة.
ثم استنهضكم فوجدكم خفاقا (8)، و أحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير
____________
(1) جاء في لسان العرب 4- 250، و النهاية 2- 46.
(2) قال في تاج العروس 4- 64: غرز الإبرة في الشيء و غرزها: أدخلها.
أقول: فعليه يحتمل أن يكون مغرز اسم مكان، و يكون المعنى: أن الشيطان حيث كان لبعثة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم خرسا و داخلا في مدخله، لذا فقد اغتنم الفرصة برحلته و وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) فخرج من مدخله و هتف بالناس فوجدهم لدعوته مستجيبين ..
(3) كذا أورده في الصحاح 4- 1442، و القاموس 3- 206، و غيرهما.
(4) ذكره في مجمع البحرين 1- 377، و القاموس 4- 386.
(5) كما ورد في مجمع البحرين 3- 422، و النهاية 3- 355.
(6) جاء في تاج العروس 3- 443- 445، و لسان العرب 5- 12.
(7) قاله في القاموس 2- 398، و الصحاح 3- 1178، و مجمع البحرين 4- 290.
(8) كذا، و الظاهر: خفافا، كما سيأتي.
274
إبلكم، و أوردتم غير شربكم .. النّهوض: القيام، و استنهضه لأمر .. أي أمره بالقيام إليه (1). فَوَجَدَكُمْ خِفَافاً .. أي مسرعين إليه.
و أَحْمَشْتُ الرّجلَ: أَغْضَبْتُهُ، و أحمشت النّار ألهبتها (2)، أي حملكم الشيطان على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه أو من عند أنفسكم، و في المناقب القديم:
عطافا- بالعين المهملة و الفاء- من العطف بمعنى الميل و الشّفقة (3)، و لعله أظهر لفظا و معنى.
و الْوَسْمُ: أثر الكيّ، يقال وسمته- كوعدته- وسما (4).
و الْوُرُودُ: حضور الماء للشّرب، و الإيراد: الإحضار (5).
و الشِّرْبُ- بالكسر-: الحظّ من الماء (6)، و هما كنايتان عن أخذ ما ليس لهم بحق من الخلافة و الإمامة و ميراث النبوة. و في الكشف: و أوردتموها شربا ليس لكم.
هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لمّا يندمل، و الرسول لمّا يقبر ..
الْكَلْمُ: الجرح (7).
و الرُّحْبُ- بالضم- السّعة (8).
و الْجُرْحُ- بالضم- الاسم، و بالفتح: المصدر (9)، و لمّا يندمل .. أي لم يصلح (10) بعد.
____________
(1) أورده في الصحاح 3- 1111، و مجمع البحرين 4- 233، و القاموس 2- 347- 348.
(2) كما جاء في النهاية 1- 441، و لسان العرب 6- 288، و غيرهما.
(3) قاله في الصحاح 4- 1405، و القاموس 3- 176.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 183، و الصحاح 5- 2051.
(5) كذا أورده في الصحاح 2- 549، و لسان العرب 3- 457، و غيرهما.
(6) جاء في مجمع البحرين 2- 87، و الصحاح 1- 153.
(7) صرّح به في الصحاح 5- 2023، و مجمع البحرين 6- 157.
(8) أورده في مجمع البحرين 2- 68، و الصحاح 1- 134.
(9) ذكره في لسان العرب 2- 422، و الصحاح 1- 358.
(10) قاله في القاموس 3- 377، و مجمع البحرين 5- 372، و غيرهما.
275
و قبرته: دفنته (1).
ابتدارا زعمتم خوف الفتنة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (2) .. ابتدارا مفعول له للأفعال السابقة، و يحتمل المصدر بتقدير الفعل، و في بعض الروايات: بدارا زعمتم خوف الفتنة .. أي ادّعيتم و أظهرتم للنّاس كذبا (3) و خديعة إنا إنّما اجتمعنا في السقيفة دفعا للفتنة مع أن الغرض كان غصب الخلافة عن أهلها، و هو عين الفتنة.
و الالتفات في- سقطوا- لموافقة (4) الآية الكريمة.
فهيهات منكم، و كيف بكم، و أنّى تؤفكون، و كتاب اللّه بين أظهركم ..:
هيهات للتّبعيد (5) و فيه معنى التّعجّب كما صرّح به الشيخ الرضي (6)، و كذلك كيف (7) و أنّى تستعملان في التعجب (8).
و أَفَكَهُ- كَضَرَبَهُ-: صرفه عن الشّيء و قلبه (9)، أي إلى أين يصرفكم الشيطان و أنفسكم و الحال إنّ كتاب اللّه بينكم، و فلان بين أظهر قوم و بين ظهرانيهم .. أي مقيم بينهم محفوف من جانبيه أو من جوانبه بهم (10).
و الزّاهر: المتلألئ المشرق (11).
____________
(1) كذا ورد في مجمع البحرين 3- 446، و القاموس 2- 113.
(2) التوبة: 49.
(3) قاله في المصباح المنير 1- 307، و تاج العروس 8- 324، و غيرهما.
(4) في (س): الموافقة، و ما أثبتناه هو الظاهر.
(5) كما جاء في مجمع البحرين 6- 368، و النهاية 5- 290، و لسان العرب 13- 553، و الصحاح 6- 2258.
(6) في شرحه على الكافية 2- 64.
(7) و انظر: لسان العرب 9- 312، و المصباح المنير 2- 237، و مجمع البحرين 5- 118.
(8) و قد تستعمل أنى فيه و في الاستفهام معا، كما في قوله تعالى: «قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا» ...
(9) صرّح بذلك في القاموس 3- 292، و لسان العرب 14- 391، و مجمع البحرين 5- 256.
(10) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 392، و لسان العرب 4- 523.
(11) جاء في تاج العروس 3- 249، و قال في مجمع البحرين 3- 321: و زهر السراج و القمر و الوجه كمنع- زهورا: تلألأ، و نحوه في القاموس 2- 43، و لسان العرب 4- 332.
276
و في الكشف: بين أظهركم قائمة فرائضه، واضحة دلائله، نيّرة شرائعه، زواجره واضحة، و أوامره لائحة.
أرغبة عنه، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
.. أي من الكتاب ما اختاروه من الحكم الباطل.
ثم لم تلبثوا إلّا ريث أن تسكن نفرتها، و يسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، و تهيجون جمرتها، و تستجيبون لهتاف الشيطان الغويّ، و إطفاء أنوار الدين الجلّي، و إهماد سنن النبي الصفي ..
رَيْثُ- بالفتح- بمعنى قَدْر (1) و هي كلمة يستعملها أهل الحجاز كثيرا، و قد يستعمل مع ما يقال: لم يلبث إلّا ريثما فعل كذا (2)، و
في الكشف هكذا: ثم لم تبرحوا ريثا.
، و قال بعضهم: هذا و لم تريّثوا (3) إلّا ريث.
و في رواية ابن أبي طاهر:
ثم لم تريّثوا (4) .. أختها.
، و على التقديرين ضمير المؤنث راجع إلى فتنة وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و حتّ الورق من الغصن (5): نثرها .. أي لم تصبروا إلى ذهاب أثر تلك المصيبة.
و نفرت (6) الدابة- بالفتح-: ذهابها (7) و عدم انقيادها.
____________
(1) لا توجد في (س): قدر.
(2) كما أورده في النهاية 2- 287، و لسان العرب 2- 157- 158، و غيرهما.
(3) هنا كلمة في مطبوع البحار لا تقرأ، و لعلها: حتّها.
(4) أي لم يبطئوا، و لعلّ مراده أن كلمة: تريثوا أخت لم تبرحوا ريثا، في المعنى.
(5) قال في مجمع البحرين 2- 197: من باب قتل: أزاله، و في القاموس 1- 145: حتّه .. أي فركه و قشره. و في لسان العرب 2- 22: و الحتّ و الانحتات و التّحات و التحتحت: سقوط الورق عن الغصن و غيره، و تحات الشيء .. أي تناثر.
(6) الظاهر أنّه: نفور، أو: نفار.
(7) قال في مجمع البحرين 3- 500: نفرت الدابّة تنفر نفورا و نفارا: جزعت و تباعدت، و نحوه في القاموس 2- 146، و في لسان العرب 5- 224: نفر الظبي و غيره: شرد.
277
و السَّلِسُ- بكسر اللام-: السّهل اللّيّن المنقاد، ذكره الفيروزآبادي (1). و في مصباح اللغة (2): سَلِسَ سَلْساً من باب تعب: سهل و لان.
و القِيَادُ- بالكسر-: ما يقاد به الدّابّة من حبل (3) و غيره.
و في الصحاح (4): وَرَى الزَّنْدُ يَرِي وَرْياً: إذا خرجت ناره، و فيه لغة أخرى: وَرِيَ الزّندُ يَرِي- بالكسر- فيهما و أَوْرَيْتُهُ أنا و كذلك وَرَّيْتُهُ توريةً و فلان يستوري زناد الضّلالة.
و وَقْدَةُ النّارِ- بالفتح-: وقودها (5)، و وقدها: لهبها (6)، الجمرة: المُتَوَقَّد من الحطب (7)، فإذا برد فهو فحم، و الجَمْرُ- بدون التاء- جمعها [كذا].
و الْهتَافُ- بالكسر- الصِّيَاح، و هَتَفَ بِهِ .. أي دعاه (8)، و إهماد النّار إطفاؤها (9) بالكلّيّة.
و الحاصل، أنّكم إنّما صبرتم حتى استقرّت الخلافة المغصوبة عليكم، ثم شرعتم في تهييج الشرور و الفتن و اتّباع الشيطان، و إبداع البدع، و تغيير السنن.
تُسِرُّونَ حَسْواً في ارتغاء، و تمشون لأهله و ولده في الخمر و الضرّاء، و نصبر
____________
(1) القاموس 2- 222.
(2) المصباح المنير 1- 244.
(3) كما جاء في القاموس 1- 331، و الصحاح 2- 529، و غيرهما.
(4) الصحاح 6- 2522، و لاحظ: لسان العرب 15- 388.
(5) قال في الصحاح 2- 553: الوقدة: أشدّ من الحرّ، و نحوه في القاموس 1- 346 بحذف كلمة من، و زاد عليه في تاج العروس 2- 539: و من المجاز: طبختهم و قدة الصيف.
(6) قال في الصحاح 2- 553: وقدت النار .. و وقدا وقدة و وقدا و وقدانا: أي توقّدت .. و الاتّقاد مثل التوقد. و قال في القاموس 1- 346: الوقد- محركة-: النار، و اتقادها كالوقد.
(7) قال في مجمع البحرين 3- 249: جمرة النار: القطعة الملتهبة، و الجمع جمر. و قال في القاموس 1- 393: الجمرة: النار المتّقدة، و الجمع: جمر.
(8) كما أورده في النهاية 5- 243، و نحوه في لسان العرب 9- 344، إلّا أنّه ضبط: الهتاف بضم الهاء.
(9) إلى هنا جاء في مجمع البحرين 3- 168، و انظر: الصحاح 2- 556 و غيره.
278
منكم على مثل حظّ المدى، و وخز السنان في الحشا .. الإسرار ضدّ الإعلان (1).
و الْحَسْوُ- بفتح الحاء و سكون السين المهملتين-: شرب المرق و غيره شيئا بعد شيء (2).
و الارتغاء: شرب الرغوة، و هو زبد اللبن، قال الجوهري (3): الرغوة- مثلثة ... زبد اللّبن .. و ارتغيت شربت الرغوة. و في المثل- يسرّ حسوا في ارتغاء يضرب لمن يظهر أمرا و يريد غيره، قال الشّعبي- لمن سأله عن رجل قبّل أمّ امرأته قال (4): يسرّ حسوا في ارتغاء، و قد حرمت عليه امرأته. و قال الميداني: قال أبو زيد و الأصمعي: أصله الرّجل يؤتى باللّبن فيظهر أنّه يريد الرّغوة خاصّة و لا يريد غيرها فيشربها و هو في ذلك ينال من اللّبن، يضرب لمن يريك أنّه يعينك و إنّما يجرّ النّفع إلى نفسه (5).
و الْخَمَرُ- بالتحريك-: ما واراك من شجر و غيره، يقال توارى الصّيد عنّي في خمر الوادي، و منه قولهم دخل فلان في خمار النّاس- بالضم- أي ما يواريه و يستره منهم (6).
و الضَّرَاءُ- بالضّاد المعجمة المفتوحة و الرّاء المخفّفة-: الشّجر الملتفّ في الوادي، و يقال لمن ختل صاحبه و خادعه: يدبّ له الضّراء و يمشي له الخمر (7)، و قال الميداني: قال ابن الأعرابي: الضّراء ما انخفض من الأرض (8).
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 3- 329، و المصباح المنير 1- 330، و الصحاح 2- 683.
(2) كذا جاء في القاموس 4- 317، و تاج العروس 1- 88، و لاحظ: لسان العرب 14- 176.
(3) الصحاح 6- 2360.
(4) لا توجد قال في المصدر.
(5) مجمع الأمثال 2- 417، و لاحظ: فرائد اللئال 2- 366، و المستقصى في أمثال العرب 2- 412.
(6) كذا أورده في الصحاح 2- 650، و لسان العرب 4- 256، و غيرهما.
(7) قاله في مجمع الأمثال 2- 417، و فرائد اللئال 2- 366، و الصحاح 6- 2409.
(8) مجمع الأمثال 2- 417، و مثله في فرائد اللئال 2- 366.
279
و الْحَزُّ- بفتح الحاء المهملة-: القطع، أو قطع الشّيء من غير إبانة (1).
و الْمُدَى- بالضم-: جمع مُدْيَة و هي السكّين و الشّفرة (2)، و الْوَخْزُ: الطّعن بالرّمح و نحوه لا يكون نافذا، يقال و خزه بالخنجر (3).
و في رواية ابن أبي طاهر: ويها معشر المهاجرة! ابتزّ إرث أبيه؟.
.. قال الجوهري (4): إذا أغريته بالشّيء قلت ويها يا فلان و هو تحريض، انتهى (5).
و لعلّ الأنسب هنا التعجّب. و الهاء في (أبيه) في الموضعين. و إرثيه- بكسر الهمزة- بمعنى الميراث (6) للسكت، كما في سورة الحاقة: «كِتابِيَهْ» و «حِسابِيَهْ» و «مالِيَهْ» و «سُلْطانِيَهْ» (7)، تثبت في الوقف و تسقط في الوصل، و قرئ بإثباتها في الوصل أيضا.
و في الكشف: ثُمَّ أَنْتُمْ أَوَّلًا تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْثَ لِيَهْ (8) ... فهو أيضا كذلك.
كالشمس الضاحية .. أي الظاهرة البيّنة، يقال: فعلت ذلك الأمر ضاحية .. أي علانية (9).
____________
(1) ذكره في النهاية 1- 377، و لسان العرب 5- 334، و غيرهما.
(2) صرّح به في مجمع البحرين 1- 387، و النهاية 4- 310.
(3) كما جاء في الصحاح 3- 901، و لسان العرب 5- 428، و غيرهما.
(4) الصحاح 6- 2257، و فيه: إذا أغريت إنسانا بشيء قلت: ...
(5) قال في الصحاح 6- 2257: ويه: كلمة تقال في الاستحثاث، و أنشد ابن السكيت:
و هو إذا قيل له ويها كل* * * فإنه مواشك مستعجل
و هو إذا قيل له ويها فل* * * فإنه أحر به أن ينكل
و قال في القاموس 4- 296: ويه- و تكسر الهاء، و ويها: إغراء، و يكون للواحد و الجمع و المذكر و المؤنث. و في لسان العرب 13- 563 عين ما ذكره الماتن هنا.
(6) كذا في مجمع البحرين 2- 233، و الصحاح 1- 272.
(7) الحاقّة: 19، 20، 28، 29.
(8) في (ك): إليه، و ما في المتن أوفق سياقا لقوله: فهو أيضا كذلك. إلّا أن تقرأ: إليه.
(9) قاله في الصحاح 10- 217، و تاج العروس 9- 2407، و غيرهما.
280
شَيْئاً فَرِيًّا. أي أمرا عظيما (1) بديعا، و قيل: أي أمرا منكرا قبيحا، و هو مأخوذ من الافتراء بمعنى الكذب (2).
و اعلم: أنّه قد وردت الروايات المتضافرة- كما ستعرف- في أنّها (عليها السلام) ادّعت أنّ فدكا كانت نحلة لها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلعلّ عدم تعرّضها (صلوات اللّه عليها) في هذه الخطبة لتلك الدعوى ليأسها عن قبولهم إيّاها، إذ كانت الخطبة بعد ما ردّ أبو بكر شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) و من شهد معه، و قد كانت (3) المنافقون الحاضرون معتقدين لصدقه، فتمسّكت بحديث الميراث لكونه من ضروريات الدين.
وَ زَعَمْتُمْ أَنْ لَا حُظْوَةَ لِي .. الحظوة- بكسر الحاء و ضمّها و سكون الظاء المعجمة-: المكانة و المنزلة (4)، و يقال: حظيت المرأة عند زوجها إذا دنت من قلبه (5).
و
- فِي الْكَشْفِ: فَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا حَظَّ لِي وَ لَا إِرْثَ لِي مِنْ أَبِيَهْ، أَ فَحَكَمَ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي مِنْهَا؟! أَمْ تَقُولُونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَ عُمُومِهِ مِنْ أَبِي؟! أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ ... (6) الآيةَ.
إِيهاً مَعَاشِرَ الْمُسْلِمَةِ، أَ أُبْتَزُّ إِرْثِيَهْ! اللَّهَ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَ لَا أَرِثَ أَبِيَهْ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (7).
فدونكها مخطومة مرحولة .. الضمير راجع إلى فدك المدلول عليها بالمقام،
____________
(1) إلى هنا ما ذكره في مجمع البحرين 1- 329، و الصحاح 6- 2454، و القاموس 4- 374، و تاج العروس 10- 279، و لسان العرب 15- 154.
(2) من قوله: أمرا عظيما، إلى قوله: الكذب، جاء بنصّه في مجمع البيان 6- 512.
(3) كذا.
(4) كما في القاموس 4- 318، و نصّ عليه في لسان العرب 14- 185، و مجمع البحرين 1- 103.
(5) ذكره في مجمع البحرين 1- 103، و النهاية 1- 405، و غيرهما.
(6) المائدة: 50.
(7) مريم: 27.
281
و الأمر بأخذها للتهديد.
و الْخِطَامُ- بالكسر- كلّ ما يوضع (1) في أنف البعير ليقاد به (2).
و الرحل- بالفتح- للنّاقة كالسّرج للفرس، و رحل البعير- كمنع- شدّ على ظهره الرّحل (3). شبهتها (عليها السلام) في كونها مسلمة لا يعارضه في أخذها أحد بالناقة المنقادة المهيأة للركوب.
و الزعيم محمّد (4)- في بعض الروايات- و الغريم .. أي طالب الحقّ (5).
و عند الساعة ما تخسرون (6) .. كلمة (ما) مصدرية .. أي في القيامة يظهر خسرانكم.
و: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ .. (7)، أي لكلّ خبر (8)،- يريد نبأ (9) العذاب أو الإيعاد به- وقت استقرار و وقوع.
و سوف تعلمون- عند وقوعه- من يأتيه عذاب يخزيه .. الاقتباس من موضعين:
أحدهما: سورة الأنعام، و الآخر: في سورة هود في قصة نوح (عليه السلام) حيث قال: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (10)، فالعذاب الذي يخزيهم الغرق،
____________
(1) في (س): يؤخذ بدلا من: يوضع.
(2) كما في القاموس 4- 108، و تاج العروس 8- 282، و لسان العرب 12- 187.
(3) ذكره في مجمع البحرين 5- 381، و لاحظ: الصحاح 4- 1707، و تاج العروس 7- 240.
(4) كذا، و لعلّ هنا واو ساقطة قبل جملة في بعض الروايات.
(5) قال في القاموس 4- 156: الغريم: الدائن و المديون، ضد. و نحوه في مجمع البحرين 6- 126.
(6) جاء في الغدير 7- 192: و عند الساعة يخسر المبطلون.
(7) الأنعام: 67.
(8) كما في القاموس: 1- 29، و النهاية 3- 5.
(9) قد تقرأ الكلمة: بناء.
(10) هود: 38، 39.
282
و العذاب المقيم عذاب النار.
ثم رمت بطرفها .. الطّرف- بالفتح- مصدر طرفت عين فلان: إذا نظرت (1) و هو أن ينظر ثمّ يغمض، و الطّرف- أيضا- العين (2).
و المعشر: الجماعة (3).
و الفتية- بالكسر-: جمع فتى و هو الشّاب و الكريم السّخيّ (4).
و في المناقب: يا معشر البقية، و أعضاد الملّة، و حصنة الإسلام ..
و في الكشف: يا معشر البقية، و يا عماد الملّة، و حصنة الإسلام.
و الأعضاد: جمع عضد- بالفتح- الأعوان، يقال: عضدته كنصرته لفظا و معنى (5).
ما هذه الغميزة في حقّي و السنة عن ظلامتي .. قال الجوهري (6): ليس في فلان غميزة أي مطعن، و نحوه ذكر الفيروزآبادي (7)، و هو لا يناسب المقام إلّا بتكلّف.
و قال الجوهري (8): رجل غمز أي ضعيف.
و قال الخليل في كتاب العين (9): الغميزة- بفتح الغين المعجمة و الزاي ضعفة في العمل و جهلة في العقل و يقال (10): سمعت كلمة فاغتمزتها في عقله أي علمت أنّه أحمق. و هذا المعنى أنسب.
____________
(1) كما في المصباح المنير 2- 20، و تاج العروس 6- 180، و غيرهما.
(2) ذكره في مجمع البحرين 5- 89، و القاموس 3- 166، و تاج العروس 6- 176.
(3) قاله في القاموس 2- 90، و مجمع البحرين 3- 404.
(4) جاء في الصحاح 6- 2451- 2452، و تاج العروس 10- 275، و مجمع البحرين 1- 325.
(5) صرّح به في القاموس 1- 314، و مجمع البحرين 3- 102، و تاج العروس 2- 424.
(6) الصحاح 3- 889.
(7) القاموس 2- 185.
(8) الصحاح 3- 889.
(9) كتاب العين: 4- 384.
(10) في المصدر: و تقول.
283
و في الكشف: ما هذه الفترة- بالفاء المفتوحة و سكون التاء- و هو السّكون (1)، و هو أيضا مناسب.
و في رواية ابن أبي طاهر بالراء المهملة، و لعلّه من قولهم غمر على أخيه ..
أي حقد و ضغن، أو من قولهم: غمر عليه .. أي أغمي عليه، أو من الغمر بمعنى السّتر (2)، و لعلّه كان بالضاد المعجمة فصحف، فإنّ استعمال إغماض العين- في مثل هذا المقام- شائع.
و السّنة- بالكسر- مصدر وسن يوسن- كعلم يعلم- و سنا و سنة، و السنة:
أوّل النوم أو النوم الخفيف، و الهاء عوض عن الواو (3).
و الظلامة- بالضم- كالمظلمة- بالكسر- ما أخذه الظّالم منك فتطلبه عنده (4)، و الغرض تهييج الأنصار لنصرتها أو توبيخهم على عدمها.
- و في الكشف- بعد ذلك-: أ ما كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يحفظ ...؟!.
سرعان ما أحدثتم و عجلان ذا إهالة.
.. سرعان- مثلثة السين- و عجلان- بفتح العين- كلاهما من أسماء الأفعال بمعنى سرع و عجل، و فيهما معنى التّعجّب أي ما أسرع و أعجل (5).
و في رواية ابن أبي طاهر: سرعان ما أجدبتم فأكديتم، يقال: أجدب القوم
____________
(1) قاله في النهاية 3- 384، و لسان العرب 5- 30- 31.
(2) ذكره في مجمع البحرين 3- 433، و القاموس 2- 107.
(3) قاله في لسان العرب 13- 449، و لاحظ: تاج العروس 9- 361.
(4) ذكره في مجمع البحرين 6- 110، و الصحاح 5- 1977.
(5) جاء في القاموس 3- 37، و لم يذكر عجلان فيه و في كتب اللغة أنّها اسم فعل. قال في الصحاح 4- 1760: و عجلان: بيّن العجلة، و عجلان: اسم رجل، و أم عجلان: طائر، و ذكر في القاموس 4- 12 أن لها معنيين: الأول: بمعنى العاجل، و الثاني: الشعبان لسرعة مضيّه و نفاده. و انظر أيضا: مجمع البحرين 4- 345، و الصحاح 3- 1228.
284
أي أصابهم الجدب (1)، و أكدى الرّجل إذا قلّ خيره (2) و الإهالة- بكسر الهمزة الودك (3) و هو دسم اللّحم (4)، و قال الفيروزآبادي (5): قولهم (6) سرعان ذا إهالة أصله (7) أنّ رجلا كانت له نعجة عجفاء و كانت (8)، رعامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الّذي يسيل (9)؟ فقال: ودكها، فقال السّائل: سرعان ذا إهالة (10)، و نصب إهالة على الحال، و ذا إشارة إلى الرّعام (11)، أو تمييز على تقدير نقل الفعل، كقولهم تصبّب زيد عرقا، و التّقدير سرعان إهالة هذه، و هو مثل (12) يضرب لمن يخبر بكينونة الشّيء قبل وقته، انتهى.
و الرّعام- بالضم-: ما يسيل من أنف الشّاة و الخيل (13)، و لعل المثل كان بلفظ عجلان فاشتبه على الفيروزآبادي أو غيره، أو كان كلّ منهما مستعملا في هذا المثل، و غرضها (صلوات اللّه عليها) التعجّب من تعجيل الأنصار و مبادرتهم إلى إحداث البدع و ترك السنن و الأحكام، و التخاذل عن نصرة عترة سيّد الأنام مع قرب عهدهم به، و عدم نسيانهم ما أوصاهم به فيهم، و قدرتهم على نصرتها و أخذ حقّها ممّن ظلمها، و لا يبعد أن يكون المثل إخبارا مجملا بما يترتب على هذه البدعة
____________
(1) كما في مجمع البحرين 2- 22، و القاموس 1- 44، و غيرهما.
(2) كذا في الصحاح 6- 2472، و مجمع البحرين 1- 357.
(3) صرّح به في المصباح المنير 1- 37، و الصحاح 4- 1629.
(4) كما في الصحاح 4- 1613، و المصباح المنير 2- 372، و غيرهما.
(5) القاموس 3- 37.
(6) في المصدر: أما سرعان، بدل: قولهم.
(7) في المصدر: فأصله.
(8) لا توجد: كانت في المصدر، و ذكر رغامها- بالمعجمة-.
(9) لا يوجد في المصدر: الذي يسيل.
(10) في المصدر: ذلك بدلا من: سرعان ذا إهالة.
(11) في القاموس: أي سرع هذا الرغام حال كونه إهالة، بدلا من: و ذا إشارة إلى الرعام.
(12) لا يوجد في المصدر: و هو مثل.
(13) كذا في لسان العرب 12- 245، و القاموس 4- 121، و غيرهما.
285
من المفاسد الدينية و ذهاب الآثار النبوية.
فخطب جليل استوسع وهيه، و استنهر فتقه، و انفتق رتقه، و اظلمّت الأرض لغيبته، و كسفت النجوم لمصيبته ..: الخطب- بالفتح-: الشّأن و الأمر عظم أو صغر (1).
و الوهي- كالرّمي-: الشّقّ و الخرق (2)، يقال: و هي الثّوب إذا بلي و تخرّق (3).
و استوسع و استنهر- استفعل- من النّهر- بالتحريك- بمعنى السعة (4) أي اتّسع (5).
و الفتق: الشّقّ (6) و الرتّق ضدّه (7)، و انفتق .. أي انشقّ، و الضمائر المجرورات الثلاثة راجعة إلى الخطب بخلاف المجرورين بعدها فإنّهما راجعان إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
و كسف النّجوم: ذهاب نورها (8)، و الفعل منه يكون متعديّا و لازما، و الفعل كضرب.
و في رواية ابن أبي طاهر مكان الفقرة الأخيرة: و اكتأبت خيرة اللّه لمصيبته ..
و الاكتئاب- افتعال- من الكآبة بمعنى الحزن (9).
و في الكشف: و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض و اكتابت لخيرة اللّه .. إلى قولها:
____________
(1) كذا في القاموس المحيط 1- 62، و تاج العروس 1- 237، و لسان العرب 1- 360.
(2) ذكره في لسان العرب 15- 417، و القاموس 4- 402، إلّا أنّ فيهما: التخرق، بدلا من: الخرق.
(3) قاله في النهاية 5- 234.
(4) كما في القاموس 2- 150، و لسان العرب 5- 237.
(5) صرّح به في لسان العرب 5- 238، و 8- 393، و الصحاح 2- 840، و 3- 1298.
(6) ذكره في مجمع البحرين 5- 223، و الصحاح 4- 1539.
(7) جاء به في الصحاح 4- 1480، و مجمع البحرين 5- 166، و غيرهما.
(8) نصّ عليه في لسان العرب 9- 298، و مجمع البحرين 5- 111.
(9) جاء في مجمع البحرين 2- 150، و القاموس 1- 120، و غيرهما.
286
و أديلت الحرمة- من الإدالة بمعنى الغلبة (1)- و أكدت الآمال، و خشعت الجبال، و أضيع الحريم، و أزيلت الحرمة عند مماته.
..: يقال: أكدى فلان أي بخل أو قلّ خيره (2)، و حريم الرجل ما يحميه و يقاتل عنه، و الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه (3)، و في بعض النسخ: الرحمة مكان الحرمة.
فتلك- و اللّه- النازلة الكبرى و المصيبة العظمى، لا مثلها نازلة و لا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب اللّه جلّ ثناؤه في أفنيتكم و في ممساكم و مصبحكم هتافا و صراخا و تلاوة و ألحانا ..: النّازلة: الشّديدة (4).
و البائقة: الدّاهية (5).
و فناء الدّار- ككساء-: العرصة المتّسعة أمامها (6).
و المُمْسَى و المُصْبَح- بضم الميم فيهما- مصدران و موضعان من الإصباح و الإمساء.
و الهتاف- بالكسر-: الصياح (7).
و الصراخ كغراب: الصّوت أو الشّديد منه (8).
و التّلاوة- بالكسر- القراءة (9).
و الإلحان: الإفهام، يقال: ألحنه القول .. أي أفهمه إيّاه (10)، و يحتمل أن
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 5- 374.
(2) كذا في لسان العرب 15- 216، و القاموس 4- 382، و تاج العروس 10- 210.
(3) جاء في مجمع البحرين 6- 38، و النهاية 1- 373، و الصحاح 5- 1895.
(4) قاله في مجمع البحرين 5- 483.
(5) كذا في مجمع البحرين 5- 142.
(6) ذكره في النهاية 3- 477، و القاموس 4- 375.
(7) نصّ عليه في القاموس 3- 206، و الصحاح 4- 1442، إلّا أنّ الأول ضبطه بالضمّ، و هو الظاهر من الثاني.
(8) جاء في القاموس 1- 263، و تاج العروس 2- 266.
(9) ذكره في لسان العرب 14- 104، و القاموس 4- 306، و غيرهما.
(10) قاله في الصحاح 6- 2194، و لسان العرب 13- 379، و القاموس 4- 266.
287
يكون من اللّحن بمعنى الغناء و الطّرب، قال الجوهري (1): اللّحن واحد الألحان و اللّحون، و
مِنْهُ الْحَدِيثُ: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ).
و قد لحن في قراءته إذا طرّب بها و غرّد، و هو ألحن النّاس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء، انتهى. و يمكن أن يقرأ على هذا بصيغة الجمع أيضا، و الأول أظهر.
و في الكشف: فتلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه في قبلتكم، ممساكم و مصبحكم، هتافا هتافا، و لقبله ما حلّ بأنبياء اللّه و رسله ..
حكم فصل و قضاء حتم وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (2).
.. الحكم الفصل: هو المقطوع به الّذي لا ريب فيه و لا مردّ له، و قد يكون بمعنى القاطع الفارق بين الحقّ و الباطل (3).
و الحتم- في الأصل-: إحكام الأمور (4). و القضاء الحتم: هو الذي لا يتطرّق إليه التغيير.
و خلت .. أي مضت (5).
و الانقلاب على العقب: الرجوع القهقرى، أريد به الارتداد بعد الإيمان، و الشاكرون المطيعون المعترفون بالنعم الحامدون عليها (6).
قال بعض الأماثل: و اعلم أنّ الشبهة العارضة للمخاطبين بموت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إمّا عدم تحتّم العمل بأوامره و حفظ حرمته في أهله لغيبته، فإنّ العقول الضعيفة مجبولة على رعاية الحاضر أكثر من الغائب، و أنّه إذا غاب عن أبصارهم ذهب كلامه عن أسماعهم، و وصاياه عن قلوبهم، فدفعها ما أشارت
____________
(1) الصحاح 6- 2193، و انظر: لسان العرب 13- 379.
(2) آل عمران: 144.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 11- 521، و مجمع البحرين 5- 440.
(4) كذا في مجمع البحرين 6- 32، و الصحاح 5- 1892.
(5) كما ورد في الصحاح 6- 2330، و مجمع البحرين 1- 129، و غيرهما.
(6) ذكره في مجمع البيان 2- 514، و غيره من التفاسير.
288
إليه (صلوات اللّه عليها) من إعلان اللّه جلّ ثناؤه و إخباره بوقوع تلك الواقعة الهائلة قبل وقوعها، و إنّ الموت ممّا قد نزل بالماضين من أنبياء اللّه و رسله (عليهم السلام) تثبيتا للأمّة على الإيمان، و إزالة لتلك الخصلة الذميمة عن نفوسهم.
و يمكن أن يكون معنى الكلام أ تقولون مات محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد موته ليس لنا زاجر و لا مانع عمّا نريد، و لا نخاف أحدا في ترك الانقياد للأوامر و عدم الانزجار عن النواهي، و يكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله سبحانه:
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ ... (1) الآية، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان اللّه سبحانه و إخباره بموت الرسول مدخل في الجواب إلّا بتكلّف.
و يحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كما أفصح عنه عمر بن الخطاب- و سيأتي في مطاعنه- فبعد تحقّق موته عرض لهم شكّ في الإيمان و وهن في الأعمال، فلذلك خذلوها و قعدوا عن نصرتها، و حينئذ مدخلية حديث الإعلان و ما بعده في الجواب واضح.
و على التقادير لا يكون قولها (صلوات اللّه عليها): فخطب جليل .. داخلا في الجواب، و لا مقولا لقول المخاطبين على الاستفهام التوبيخي، بل هو كلام مستأنف لبثّ الحزن و الشكوى، بل يكون الجواب بما بعد قولها: فتلك و اللّه النازلة الكبرى .. و يحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم أنّ موته (صلّى اللّه عليه و آله) الذي هو أعظم الدواهي قد وقع، فلا يبالي بما وقع بعده من المحظورات، فلذلك لم ينهضوا بنصرها و الإنصاف ممّن ظلمها، و لما تضمّن ما زعموه كون مماته (ص) أعظم المصائب سلّمت (عليها السلام) أولا في مقام جواب (2) تلك المقدمة، لكونها محض الحق، ثم نبّهت على خطئهم في أنّها مستلزمة لقلّة المبالاة بما وقع، و القعود عن نصرة الحق، و عدم اتّباع أوامره صلّى
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) لا توجد في (ك) كلمة: جواب.
289
اللّه عليه و آله بقولها: أعلن بها كتاب اللّه .. إلى آخر الكلام، فيكون حاصل الجواب أن اللّه قد أعلمكم بها قبل الوقوع، و أخبركم بأنّها سنّة ماضية في السلف من أنبيائه، و حذّركم الانقلاب على أعقابكم كي لا تتركوا العمل بلوازم الإيمان بعد وقوعها، و لا تهنوا عن نصرة الحق و قمع الباطل، و في تسليمها ما سلمته أولا دلالة على أنّ كونها أعظم المصائب ممّا يؤيد وجوب نصرتي، فإنّي أنا المصاب بها حقيقة، و إن شاركني فيها غيري، فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحقّ و أحرى.
و يحتمل أن يكون قولها (عليها السلام): فخطب جليل .. من أجزاء الجواب، فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة، أو المركب من بعضها مع بعض، و حاصل الجواب حينئذ أنّه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى- و قد كان اللّه عزّ و جلّ أخبركم بها و أمركم أن لا ترتدّوا بعدها على أعقابكم- فكان الواجب عليكم دفع الضيم عنّي و القيام بنصرتي، و لعلّ الأنسب بهذا الوجه ما
فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي طَاهِرٍ مِنْ قَوْلِهَا: وَ تِلْكَ نَازِلَةٌ أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللَّهِ ..
بالواو دون الفاء، و يحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها و للآخر (1) أخرى، و يكون كل مقدمة من مقدمات الجواب إشارة إلى دفع واحدة منها.
أقول: و يحتمل أن لا تكون هناك شبهة حقيقة، بل يكون الغرض أنّه ليس لهم في ارتكاب تلك الأمور الشنيعة حجّة و متمسك، إلّا أن يتمسّك أحد بأمثال تلك الأمور الباطلة الواهية التي لا يخفى على أحد بطلانها، و هذا شائع في الاحتجاج.
إيها بني قيلة! أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى منّي و مسمع، و مبتدأ و مجمع، تلبسكم الدعوة، و تشملكم الخبرة.
.. أَيهاً- بفتح الهمزة و التنوين- بمعنى
____________
(1) في (س): للأخرى.
290
هيهات (1).
و بنو قيلة: الأوس و الخزرج- قبيلتا الأنصار،- و قيلة- بالفتح- اسم أمّ لهم قديمة: و هي قيلة بنت كاهل (2).
و الهضم: الكسر، يقال: هضمت الشّيء .. أي كسرته، و هضمه حقّه و اهتضمه إذا ظلمه و كسر عليه حقّه (3).
و التّراث- بالضم- الميراث، و أصل التّاء فيه واو (4).
و أنتم بمرأى منّي و مسمع .. أي بحيث أراكم و أسمعكم (5) كلامكم [كذا].
و في رواية ابن أبي طاهر: منه- أي من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)-، و المبتدأ في أكثر النسخ بالباء الموحدة مهموزا، فلعلّ المعنى أنّكم في مكان يبتدأ منه الأمور و الأحكام، و الأظهر أنّه تصحيف المنتدى- بالنون غير مهموزة- بمعنى المجلس (6)، و كذا في المناقب القديم، فيكون المجمع كالتفسير له، و الغرض الاحتجاج عليهم بالاجتماع (7) الذي هو من أسباب القدرة على دفع الظلم، و اللفظان غير موجودين في (8) رواية ابن أبي طاهر.
و تلبسكم- على بناء المجرد- أي تغطيكم و تحيط بكم.
و الدّعوة: المرة من الدعاء أي النّداء (9) كالخبرة- بالفتح- من الخبر- بالضم
____________
(1) كما في مجمع البحرين 6- 342، و الصحاح 6- 2226، و غيرهما.
(2) جاء في النهاية 4- 134، و لسان العرب 11- 580.
(3) كما جاء في الصحاح 5- 2056، و قريب منه في مجمع البحرين 6- 186- 187.
(4) كذا في لسان العرب 2- 201، و تاج العروس 1- 653، و غيرهما.
(5) انظر: مجمع البحرين 1- 172، و القاموس 4- 331، و الصحاح 6- 2349.
(6) كذا ورد في الصحاح 6- 2505، و لسان العرب 15- 317.
(7) في (ك): الاحتمال بدلا من الاجتماع.
(8) في (س): و في رواية، و لا معنى للواو هنا لتعلق الكلام بما قبله.
(9) النهاية 2- 121.
291
بمعنى العلم (1)، أو الخبرة- بالكسر- بمعناه (2)، و المراد بالدعوة: نداء المظلوم للنصرة، و بالخبرة علمهم بمظلوميّتها (صلوات اللّه عليها)، و التعبير بالإحاطة و الشمول للمبالغة، أو للتصريح بأنّ ذلك قد عمّهم جميعا، و ليس من قبيل الحكم على الجماعة بحكم البعض أو الأكثر.
و في رواية ابن أبي طاهر: الحيرة- بالحاء المهملة- و لعلّه تصحيف، و لا يخفى توجيهه.
و أنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير و الصلاح و النجبة (3) التي انتجبت، و الخيرة التي اختيرت .. الكفاح: استقبال العدوّ في الحرب بلا ترس و لا جنّة، و يقال (4): فلان يكافح الأمور .. أي يباشرها بنفسه (5).
و النُّجَبَة- كهُمَزَة- النّجيب الكريم (6)، و قيل: يحتمل أن يكون بفتح الخاء المعجمة أو سكونها بمعنى المنتخب المختار (7)، و يظهر من ابن الأثير أنّها بالسّكون تكون جمعا (8).
و الخيرة- كعنبة: المفضّل من القوم المختار منهم (9).
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 3- 382.
(2) انظر: القاموس 2- 17.
(3) سقط في (س) لفظة: و النجبة.
(4) لا توجد: يقال في (س).
(5) كما جاء في مجمع البحرين 2- 407- 408، و الصحاح 1- 399.
(6) كذا صرّح في الصحاح 1- 222، و تاج العروس 1- 477، و لسان العرب 1- 748.
أقول: و لم نجد في المصادر السالفة ذكر معنى النجبة على نحو التقييد- كما صرّح به المصنّف (رحمه الله)- بل أشار بعضهم إلى أنّها تأتي بمعنى النجيب مرة و الكريم أخرى، فلاحظ. ثم إنّه في حاشية (ك) صفحة: 122 من المجلد الثامن من البحار كلمة: نحب، و تحتها (صح) و لا يعلم محلها.
(7) كما ورد في لسان العرب 1- 752، و القاموس 1- 130، و تاج العروس 1- 479.
(8) النهاية 5- 31.
(9) أشار إليه في مجمع البحرين 3- 296، و الصحاح 2- 652، و تاج العروس 2- 195.
292
قاتلتم العرب- في المناقب: لنا أهل البيت قاتلتم- و ناطحتم الأمم، و كافحتم البهم، فلا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون ..
ناطحتم الأمم .. أي حاربتم الخصوم و دافعتموهم بجدّ و اهتمام كما يدافع الكبش قرنه بقرنه (1).
و البهم: الشّجعان (2)- كما مرّ (3)-.
و مكافتحتها: التعرّض لدفعها من غير توان و ضعف.
و قولها (عليها السلام): أو تبرحون .. معطوف على مدخول النفي، فالمنفي أحد الأمرين، و لا ينتفي إلّا بانتفائهما معا، فالمعنى لا نبرح و لا تبرحون نأمركم فتأتمرون .. أي كنّا لم نزل آمرين و كنتم مطيعين لنا في أوامرنا.
و في كشف الغمة: و تبرحون- بالواو- فالعطف على مدخول النفي أيضا و يرجع إلى ما مرّ، و عطفه على النفي- إشعارا بأنّه قد كان يقع منهم براح عن الإطاعة كما في غزوة أحد و غيرها، بخلاف أهل البيت (عليهم السلام) إذ لم يعرض لهم كلال عن الدعوة و الهداية- بعيد عن المقام، و الأظهر ما في رواية ابن أبي طاهر من ترك المعطوف رأسا.
لا نبرح نأمركم .. أي لم يزل عادتنا الأمر و عادتكم الائتمار.
و في المناقب: لا نبرح و لا تبرحون نأمركم .. فيحتمل أن يكون أو في تلك النسخة أيضا بمعنى الواو .. أي لا نزال نأمركم و لا تزالون تأتمرون، و لعلّ ما في المناقب أظهر النسخ و أصوبها.
حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، و درّ حلب الأيام، و خضعت نعرة الشرك، و سكنت فورة الإفك، و خمدت نيران الكفر، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين .. دوران الرحى كناية عن انتظام أمرها، و الباء للسببية.
____________
(1) نطحه- كمنعه و ضربه- أصابه بقرنه، قاله في القاموس 1- 254، و تاج العروس: 2- 240.
(2) قاله في القاموس 4- 82، و الصحاح 5- 1875.
(3) انظر صفحة: 256 من هذا المجلد، و هي مشكلات الأمور.
293
و درّ اللّبن: جريانه و كثرته (1).
و الحلب- بالفتح- استخراج ما في الضّرع من اللّبن، و بالتحريك اللّبن المحلوب (2)، و الثاني أظهر للزوم ارتكاب تجوّز في الإسناد و في المسند إليه على الأول.
و النّعرة- بالنون و العين و الراء المهملتين- مثال همزة: الخيشوم و الخيلاء و الكبر (3) أو بفتح النون من قولهم: نعر العرق بالدّم .. أي فار (4)، فيكون الخضوع بمعنى السكون، أو بالغين المعجمة من نغرت القدر .. أي فارت (5).
و قال الجوهري: نغر الرّجل- بالكسر- أي اغتاض، قال الأصمعي: هو الّذي يغلي جوفه من الغيظ. و قال (6) ابن السّكّيت: يقال: ظلّ فلان يتنغّر على فلان .. أي يتذمّر عليه (7)، و في أكثر النسخ بالثاء المثلثة المضمومة و الغين المعجمة، و هي نقرة النّحر بين الترقوتين (8)، فخضوع ثغرة الشرك كناية عن محقه و سقوطه كالحيوان الساقط على الأرض، نظيره
- قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: أَنَا وَضَعْتُ، كَلْكَلَ الْعَرَبِ.
- أي صدورهم (9).
____________
(1) كما في مجمع البحرين 3- 301، و تاج العروس 3- 203، و غيرهما.
(2) قاله في القاموس 1- 57، و تاج العروس 1- 219، و لسان العرب 1- 327- 329.
(3) ذكره في القاموس 2- 145، و لسان العرب 5- 220 و 222، و غيرهما.
(4) كما ورد في القاموس 2- 145.
(5) قاله في لسان العرب 5- 223، و القاموس 2- 145.
(6) ليس في المصدر: و قال.
(7) الصحاح 2- 833. و في (س): يتدمر عليه، و لا معنى لها.
(8) صرّح به في مجمع البحرين 3- 236، و القاموس 1- 383.
(9) جاء في القاموس 4- 46، و مجمع البحرين 5- 465، و غيرهما. و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في نهج البلاغة: 300- صبحي الصالح-، 2- 156- محمّد عبده-: أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب.
294
و الإفك- بالكسر- الكذب (1)، و فورة الإفك غليانه و هيجانه (2).
و خمدت النّار .. أي سكن لهبها و لم يطفأ جمرها (3)، و يقال: همدت- بالهاء إذا طفئ جمرها (4)، و فيه إشعار بنفاق بعضهم و بقاء مادة الكفر في قلوبهم.
و في رواية ابن أبي طاهر: و باخت نيران الحرب .. قال الجوهري: باخ الحّرّ و النّار و الغضب و الحمّى .. أي سكن و فتر (5)، و هدأت أي سكنت (6).
و الهرج: الفتنة و الاختلاط (7)، و في الحديث: الهرج: القتل (8).
و استوسق .. أي اجتمع و انضمّ من الوسق- بالفتح- و هو ضمّ الشّيء إلى الشيء، و اتّساق الشّيء: انتظامه (9).
و في الكشف: فناويتم العرب و بادهتم الأمور .. إلى قولها (عليها السلام):
حتى دارت لكم بنّا رحى الإسلام، و درّ حلب البلاد، و خبت نيران الحرب ..
يقال: بدهه بأمر .. أي استقبله به، و بادهه: فاجأه (10).
فأنّى حرتم بعد البيان، و أسررتم بعد الإعلان، و نكصتم بعد الإقدام و أشركتم بعد الإيمان .. كلمة: أنّى، ظرف مكان بمعنى أين، و قد يكون بمعنى كيف (11) أي من أين حرتم، و ما كان منشؤه.
____________
(1) كما نصّ عليه في الصحاح 4- 1573. و قال في مجمع البحرين 5- 254 هو: أسوأ الكذب و أبلغه.
(2) كذا في مجمع البحرين 3- 445، و تاج العروس 3- 476.
(3) ذكره في القاموس 1- 292، و مجمع البحرين 3- 45.
(4) كما صرّح به في لسان العرب 3- 437- 439، و مجمع البحرين 3- 45، فلاحظ.
(5) الصحاح 1- 419.
(6) ورد في القاموس 1- 33، و الصحاح 1- 82.
(7) قاله في مجمع البحرين 2- 336، و الصحاح 1- 350، و غيرهما.
(8) جاء في الصحاح 1- 350، و لسان العرب 2- 389.
(9) كما ورد في مجمع البحرين 5- 246- 247، و لسان العرب 10- 380- 381.
(10) نصّ عليه في القاموس 4- 280، و الصحاح 6- 2226.
(11) كذا في الصحاح 6- 2545، و لسان العرب 15- 437.
295
و جرتم: إما- بالجيم- من الجور و هو الميل عن القصد (1) و العدول عن الطّريق (2)، أي لما ذا تركتم سبيل الحق بعد ما تبيّن لكم؟، أو بالحاء المهملة المضمومة من الحور بمعنى الرّجوع أو النّقصان (3)، يقال: نعوذ باللّه من الحور بعد الكور .. أي من النّقصان بعد الزيادة (4)، و أما بكسرها من الحيرة.
و النّكوص: الرّجوع إلى خلف (5).
أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (6). نكث العهد- بالفتح نقضه (7).
و الأيمان- جمع اليمين- و هو القسم (8).
و المشهور بين المفسرين أنّ الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهودهم و خرجوا مع الأحزاب و همّوا بإخراج الرسول من المدينة، و بدءوا بنقض العهد و القتال.
و قيل (9): نزلت في مشركي قريش و أهل مكة حيث نقضوا أيمانهم التي عقدوها مع الرسول و المؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم أعداءهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة، و قصدوا إخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من مكة حين تشاوروا بدار الندوة، و أتاهم إبليس بصورة شيخ نجدي .. إلى آخر ما مرّ من القصة (10)،
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 3- 251، و الصحاح 2- 617. و في (س): من، بدلا من: عن.
(2) ورد في لسان العرب 4- 153 كما في المتن.
(3) القاموس المحيط 2- 15.
(4) صرّح به في النهاية 1- 458، و انظر: مجمع البحرين 3- 279.
(5) نصّ عليه في لسان العرب 7- 101، و النهاية 5- 116.
(6) التوبة: 13.
(7) قاله في مجمع البحرين 2- 266، و الصحاح 1- 295، و غيرهما.
(8) ذكره في الصحاح 6- 2221، و مجمع البحرين 2- 332.
(9) جاء في مجمع البيان 5- 11 و غيره.
(10) ذكرها مفصلا المصنّف (قدّس سرّه) في بحار الأنوار 21- 91- 139، و 9- 46 و ما بعدها.
296
فهم بدءوا بالمعاداة و المقاتلة في هذا الوقت، أو يوم بدر، أو بنقض العهد، و المراد بالقوم الذين نكثوا أيمانهم في كلامها (صلوات اللّه عليها)، أما الذين نزلت فيهم الآية فالغرض بيان وجوب قتال الغاصبين للإمامة و لحقّها، الناكثين لما عهد إليهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيّه (عليه السلام) و ذوي قرباه و أهل بيته، كما وجب بأمره سبحانه قتال من نزلت الآية فيهم، أو المراد بهم الغاصبون لحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، فالمراد بنكثهم أيمانهم: نقض ما عهدوا إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حين بايعوه من الانقياد له في أوامره و الانتهاء عند نواهيه و أن لا يضمروا له العداوة، فنقضوه و ناقضوا ما أمرهم به، و المراد بقصدهم إخراج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عزمهم على إخراج من هو كنفس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قائم مقامه بأمر اللّه و أمره عن مقام الخلافة و على إبطال أوامره و وصاياه في أهل بيته النازل منزلة إخراجه من مستقرّه، و حينئذ يكون من قبيل الاقتباس.
و في بعض الروايات: لقوم نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ (1) .. فقوله: لقوم متعلق بقوله: تخشونهم.
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، و أبعدتم من هو أحقّ بالبسط و القبض و خلوتم بالدعة، و نجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، و دسعتم الذي تسوغتم ف إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (2) .. الرّؤية هنا بمعنى العلم أو النّظر بالعين (3).
و أخلد إليه: ركن و مال (4).
و الخفض- بالفتح-: سعة العيش (5).
____________
(1) في (س): تخشونهم- بلا همزة-.
(2) إبراهيم: 8.
(3) كما في مجمع البحرين 1- 162- 163، و الصحاح 6- 2347.
(4) قاله في النهاية 2- 61، و مجمع البحرين 3- 44، و غيرهما.
(5) كذا أورده في لسان العرب 7- 145، و مجمع البحرين 4- 202.
297
و المراد بمن هو أحقّ بالبسط و القبض أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، و صيغة التفضيل مثلها في قوله تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ (1).
و خلوت بالشّيء: انفردت به (2) و اجتمعت معه في خلوة (3).
و الدّعة: الرّاحة و السّكون (4).
و مجّ الشّراب من فيه: رمى به (5).
و وعيتم .. أي حفظتم (6).
و الدّسع- كالمنع- الدّفع و القيء (7)، و إخراج البعير جرّته إلى فيه (8).
و ساغ الشّراب يسوغ سوغا .. إذا سهل مدخله في الحلق (9)، و تسوّغه:
شربه بسهولة.
و صيغة تكفروا في كلامها (عليها السلام) إما من الكفران و ترك الشكر- كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد حيث قال تعالى: إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (10)-، أو من الكفر بالمعنى الأخص، و التغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس، مع أن في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى، و المراد إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا من الثقلين فلا يضرّ ذلك إلّا أنفسكم فإنه
____________
(1) الفرقان: 15.
(2) كما جاء في مجمع البحرين 1- 131، و النهاية 2- 74.
(3) ذكره في الصحاح 6- 2330، و مجمع البحرين 1- 129، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 4- 401، و الصحاح 3- 1295- 1296.
(5) كما أورده في الصحاح 1- 340، و مجمع البحرين 2- 329.
(6) صرّح به في مجمع البحرين 1- 444، و الصحاح 6- 2535.
(7) جاء في النهاية 2- 117، و القاموس 3- 21، و غيرهما.
(8) قاله في الصحاح 3- 1207، و النهاية 2- 117.
(9) ذكره في القاموس 3- 108، و مجمع البحرين 5- 12، و الصحاح 4- 1322، و لسان العرب 8- 435.
(10) إبراهيم: 7- 8.
298
سبحانه غنيّ عن شكركم و طاعتكم، مستحق للحمد في ذاته، أو محمود تحمده الملائكة بل جميع الموجودات بلسان الحال، و ضرر الكفران عائد إليكم حيث حرمتم من فضله تعالى و مزيد إنعامه و إكرامه.
و الحاصل، أنّكم إنّما تركتم الإمام بالحق و خلعتم بيعته من رقابكم و رضيتم ببيعة أبي بكر لعلمكم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يتهاون و لا يداهن في دين اللّه، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم، و يأمركم بارتكاب الشدائد في الجهاد و غيره، و ترك ما تشتهون من زخارف الدنيا، و يقسم الفيء بينكم بالسوية، و لا يفضل الرؤساء و الأمراء، و إن أبا بكر رجل سلس القياد، مداهن في الدين لإرضاء العباد، فلذا رفضتم الإيمان، و خرجتم عن طاعته سبحانه إلى طاعة الشيطان، و لا يعود وباله إلّا إليكم.
و في الكشف: ألا و قد أرى و اللّه أن قد أخلدتم إلى الخفض، و ركنتم إلى الدعة، فمججتم الذي أوعيتم، و لفظتم الذي سوغتم.
و في رواية ابن أبي طاهر: فعجتم عن الدين.
.. يقال: ركن إليه- بفتح الكاف و قد يكسر- أي مال إليه و سكن (1). و قال الجوهري: عجت بالمكان أعوج .. أي أقمت به و عجت غيري .. يتعدّى و لا يتعدّى، و عجت البعير ..
عطفت رأسه بالزّمام .. و العائج: الواقف .. و ذكر ابن الأعرابي: فلان ما يعوج من (2) شيء: أي ما يرجع عنه (3).
ألا و قد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، و الغدرة التي استشعرتها قلوبكم، و لكنها فيضة النفس، و نفثة الغيظ، و خور القنا، و بثة الصدر، و تقدمة الحجة .. الخذلة: ترك النّصر (4).
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 6- 256، و النهاية 2- 261.
(2) في المصدر: عن، بدلا من: من، و هو الظاهر.
(3) صرّح به في الصحاح 1- 331، و قريب منه ما في لسان العرب 2- 333.
(4) قاله في القاموس 3- 366، و لسان العرب 11- 202، و تاج العروس 7- 301، و في كل واحد منها بدون التاء، أي الخذل.
299
و خامرتكم .. أي خالطتكم (1).
و الغدر: ضدّ الوفاء (2).
و استشعره (3): أي لبسه، و الشّعار: الثّوب الملاصق للبدن (4).
و الفيض- في الأصل- كثرة الماء و سيلانه، يقال: فاض الخبر .. أي شاع، و فاض صدره بالسّرّ .. أي باح به و أظهره، و يقال: فاضت نفسه .. أي خرجت روحه (5)، و المراد به هنا إظهار المضمر في النفس لاستيلاء الهم و غلبة الحزن.
و النّفث بالفم شبيه بالنّفخ (6)، و قد يكون للمغتاظ تنفس عال تسكينا لحرّ القلب و إطفاء لنائرة الغضب.
و الخور- بالفتح و التحريك-: الضّعف (7).
و القنا: جمع قناة و هي الرّمح (8)، و قيل كلّ عصا مستوية أو معوجّة قناة (9)، و لعلّ المراد بخور القنا ضعف النفس عن الصبر على الشدة و كتمان الضر، أو ضعف ما يعتمد عليه في النصر على العدو، و الأول أنسب.
و البثّ: النّشر و الإظهار (10)، و الهمّ الّذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثّه ..
أي يفرّقه (11).
____________
(1) نصّ عليه في الصحاح 2- 650، و القاموس 2- 24.
(2) كما جاء في لسان العرب 5- 8، و القاموس 2- 100.
(3) استشعره: أي أضمره، و هذا المعنى أنسب هنا، فلاحظ.
(4) أورده في القاموس 2- 59، و لسان العرب 4- 412- 413.
(5) جاء في الصحاح 3- 1099، و انظر: القاموس 2- 341، و مجمع البحرين 4- 224.
(6) قاله في مجمع البحرين 2- 266، و الصحاح 1- 295، و غيرهما.
(7) ذكره في القاموس 2- 25، و الصحاح 2- 651.
(8) كما ورد في مجمع البحرين 1- 350، و القاموس 4- 380، و الصحاح 6- 2468، و لسان العرب 15- 203.
(9) جاء في القاموس 4- 380، و لسان العرب 15- 203.
(10) صرّح به في مجمع البحرين 2- 234، و الصحاح 1- 273، و القاموس 1- 161.
(11) و قريب منه ما ذكره في مجمع البحرين 2- 234، و النهاية 1- 95.
300
و تقدمة الحجة: إعلام الرجل قبل وقت الحاجة قطعا لاعتذاره بالغفلة.
و الحاصل، أن استنصاري منكم، و تظلّمي لديكم، و إقامة الحجة عليكم، لم يكن رجاء للعون و المظاهرة بل تسلية للنفس، و تسكينا للغضب، و إتماما للحجة، لئلّا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (1).
فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب اللّه و شنار الأبد، موصولة ب نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (2)، فبعين اللّه ما تفعلون وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3) ..
و الحَقَبُ- بالتحريك- حبل يشدّ به الرّحل إلى بطن البعير، يقال: احقبت البعير .. أي شددته به (4)، و كلّ ما شدّ في مؤخّر رحل أو قتب فقد احتقب، و منه قيل: احتقب فلان الإثم كأنّه جمعه و احتقبه من خلفه (5)، فظهر أن الأنسب في هذا المقام أحقبوها- بصيغة الإفعال- أي شدوا عليها ذلك و هيئوها للركوب، لكن فيما وصل إلينا من الروايات على بناء الافتعال.
و الدَّبَر- بالتحريك- الجرح في ظهر البعير، و قيل: جرح الدّابة مطلقا (6).
و النَّقَب- بالتحريك-: رقّة خفّ البعير (7).
و العار الباقي: عيب لا يكون في معرض الزوال.
و وسمته وسما وسمة: إذا أثّرت فيه بسمة و كيّ (8).
____________
(1) الأعراف: 172.
(2) الهمزة: 6 و 7.
(3) الشعراء: 227.
(4) كما في الصحاح 1- 114، و انظر: مجمع البحرين 2- 45، و القاموس 1- 57.
(5) جاء في لسان العرب 1- 325- 326، و لاحظ: الصحاح 1- 114، و القاموس 1- 57.
(6) ذكره في لسان العرب 4- 274، و النهاية 2- 197، و مجمع البحرين 3- 299.
(7) قاله في الصحاح 1- 227، و القاموس 1- 134، و مجمع البحرين 2- 276.
(8) كما في مجمع البحرين 6- 183، و الصحاح 5- 2051.
301
و الشّنار: العيب و العار (1).
و نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. المؤجّجة على الدوام.
و الاطلاع على الأفئدة .. إشرافها على القلوب بحيث يبلغها ألمها كما يبلغ ظواهر البدن، و قيل معناه: أنّ هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا.
و في الكشف: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
- و الموصدة: المطبقة (2)-.
و بعين اللّه ما تفعلون .. أي متلبس بعلم اللّه أعمالكم، و يطلّع عليها كما يعلم أحدكم ما يراه و يبصره، و قيل في قوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا (3) أنّ المعنى تجري بأعين أوليائنا من الملائكة و الحفظة.
و المنقلب: المرجع و المنصرف (4)، و أيّ منصوب على أنّه صفة مصدر محذوف و العامل فيه ينقلبون، لأنّ ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، و إنّما يعمل فيه ما بعده، و التقدير سيعلم الذين ظلموا ينقلبون انقلابا أيّ انقلاب؟.
و أنا ابنة نذير لكم .. أي أنا ابنة من أنذركم بعذاب اللّه على ظلمكم، فقد تمّت الحجّة عليكم، و الأمر في اعملوا و انتظروا للتهديد.
[و أما قوله] و الرائد لا يكذب أهله .. فهو مثل (5) استشهد به في صدق الخبر الذي افتراه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الرّائد: من يتقدّم القوم يبصر لهم الكلأ و مساقط الغيث (6)، جعل نفسه- لاحتماله الخلافة التي هي الرئاسة العامّة- بمنزلة
____________
(1) قاله في الصحاح 2- 704، و مجمع البحرين 3- 354، و غيرهما.
(2) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 161، و الصحاح 2- 550.
(3) القمر: 14.
(4) ذكره في لسان العرب 1- 686، و مجمع البحرين 2- 146 و 149.
(5) كما أورده في مجمع الأمثال 2- 233، و المستقصى 2- 274، و فرائد اللئال في الأمثال 2- 196.
(6) ذكره في مجمع البحرين 3- 56، و لسان العرب 3- 187.
302
الرائد للأمّة الذي يجب عليه أن ينصحهم و يخبرهم بالصدق.
و المجالدة: المضاربة بالسّيوف (1).
و استبدّ فلان بالرّأي .. أي انفرد به (2) و استقلّ.
و لا نزوي عنك .. أي لا نقبض و لا نصرف (3).
و لا نوضع من فرعك و أصلك .. أي لا نحطّ درجتك (4) و لا ننكر فضل أصولك و أجدادك و فروعك و أولادك.
و ترين- من الرّأي- بمعنى الاعتقاد (5).
و
- قَوْلُهَا (صلوات اللّه عليها): سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ كِتَابِ اللَّهِ صَادِفاً، وَ لَا لِأَحْكَامِهِ مُخَالِفاً، بَلْ كَانَ يَتْبَعُ أَثَرَهُ وَ يَقْفُو سُوَرَهُ، أَ فَتَجْمَعُونَ إِلَى الْغَدْرِ اعْتِلَالًا عَلَيْهِ بِالزُّورِ ..؟!.
الصّادف عن الشّيء: المعرض عنه (6).
و الأَثَر- بالتحريك و بالكسر-: أثر القدم (7).
و القفو: الاتّباع (8).
و السُّورُ- بالضم- كلّ مرتفع عال، و منه سور المدينة (9)، و يكون جمع سورة، و هي كلّ منزلة من البناء و منه سورة القرآن، لأنّها منزلة بعد منزلة،
____________
(1) أورده في القاموس 1- 284، و مجمع البحرين 3- 26، و غيرهما.
(2) قاله في الصحاح 2- 444، و مجمع البحرين 3- 11.
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 209، و النهاية 2- 320.
(4) صرّح به في الصحاح 3- 1300، و مجمع البحرين 4- 405.
(5) جاء في القاموس 4- 331، و لسان العرب 14- 301.
(6) أورده في مجمع البحرين 5- 78، و القاموس 3- 161.
(7) قاله في النهاية 1- 23، و لسان العرب 4- 6، و غيرهما.
(8) كذا جاء في الصحاح 6- 2466، و لسان العرب 15- 194.
(9) ذكره في النهاية 2- 421، و انظر: مجمع البحرين 3- 338، و لسان العرب 4- 376.
303
و تجمع (1) على: سُوَرٍ- بفتح الواو (2)-. و في العبارة يحتملها (3)، و الضمائر المجرورة تعود إلى اللّه تعالى أو إلى كتابه، و الثاني أظهر.
و الاعتلال: إبداء العلّة و الاعتذار (4).
و الزّور: الكذب (5).
و هذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته ..
البغي: الطّلب (6).
و الغوائل: المهالك (7) و الدّواهي (8)، أشارت (عليها السلام) بذلك إلى ما دبروا- لعنهم اللّه- في إهلاك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و استئصال أهل بيته (عليهم السلام) في العقبتين و غيرهما ممّا أوردناه في هذا الكتاب متفرقا (9).
هذا كتاب اللّه حكما عدلا، و ناطقا فصلا، يقول: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (10) و وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (11) فبيّن عزّ و جلّ فيما وزع عليه من
____________
(1) في (س): و يجمع- بالياء-.
(2) كما في الصحاح 5- 690، و لسان العرب 4- 376، و غيرهما.
(3) كذا، و الظاهر: احتمالها.
(4) قال في القاموس 4- 20: تعلل بالأمر: تشاغل أو تجزّأ كاعتل .. و بالمرأة تلهى .. علّ يعلّ و اعتلّ و أعلّه اللّه تعالى فهو معلّ و عليل .. يقال لكل متعذر مقتدر، و قد اعتل، و هذه علته: سببه ..
و اعتله: اعتاقه عن أمر أو تجنى عليه. و قال في الصحاح 5- 1774: و اعتل .. أي مرض فهو عليل .. و اعتل عليه بعلة و اعتلّه: إذا اعتاقه عن أمر، و اعتله: تجنى عليه ..
أقول: لا يخفى مناسبة أكثر المعاني المذكورة بالمقام، فلاحظ.
(5) قاله في مجمع البحرين 3- 319، و لسان العرب 4- 336.
(6) صرّح به في القاموس 4- 304، و مجمع البحرين 1- 53.
(7) نصّ عليه في لسان العرب 11- 509، و النهاية 3- 397، و غيرهما.
(8) جاء في القاموس 4- 27، و المصباح المنير 2- 127.
(9) انظر: بحار الأنوار 18- 187- 188 و 209، 234 و 235، و غيرهما، و 19- 1 و 2 و ما بعدهما، و البحار 28- 99- 110 و غيرها.
(10) مريم: 6.
(11) النمل: 16.
304
الأقساط، و شرع من الفرائض و الميراث، و أباح من حظّ الذكران و الإناث، ما أزاح علّة المبطلين، و أزال التظنّي و الشبهات في الغابرين، كلّا بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (1).
أقول: سيأتي الكلام في مواريث الأنبياء في باب المطاعن- إن شاء اللّه تعالى-.
و التّوزيع: التّقسيم (2).
و القسط- بالكسر- الحصّة و النّصيب (3).
و الإزاحة: الإذهاب و الإبعاد (4).
و التّظنّي: إعمال الظّن، و أصله: التّظنّن (5).
و الغابر: الباقي (6).
و قد يطلق على الماضي (7).
و التّسويل: تحسين ما ليس بحسن و تزيينه و تحبيبه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله (8)، و قيل: هو تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه.
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ*. أي فصبري جميل، أو الصبر الجميل أولى من الجزع الذي لا يغني شيئا، و قيل: إنّما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه اللّه تعالى، و فعل للوجه الذي وجب، ذكره السيد المرتضى رضي اللّه عنه (9)، و خطابك- في قول أبي
____________
(1) يوسف: 18.
(2) ذكره في مجمع البحرين 4- 402، و القاموس 3- 93، و غيرهما.
(3) قاله في الصحاح 3- 1152، و القاموس 2- 379، و غيرهما.
(4) كما جاء في مجمع البحرين 2- 366، و القاموس 1- 226.
(5) نصّ عليه في الصحاح 6- 2160، و القاموس 4- 245، و غيرهما.
(6) صرّح به في مجمع البحرين 3- 416، و الصحاح 2- 765.
(7) كما في الصحاح 2- 765، و لسان العرب 5- 3.
(8) ذكره في مجمع البحرين 5- 399، و النهاية 2- 425، و لسان العرب 11- 350.
(9) حكاه العلّامة المجلسي (رحمه الله) عن مجمع البيان 5- 218.
305
بكر- من المصدر المضاف إلى الفاعل- و مراده بما تقلدوا ما أخذ (1) فدك أو الخلافة .. أي أخذت الخلافة بقول المسلمين و اتّفاقهم فلزمني القيام بحدودها التي من جملتها أخذ فدك، للحديث المذكور.
و المكابرة: المغالبة (2).
و الاستبداد: الاستئثار (3). و الانفراد بالشّيء (4).
- قَوْلُهَا (صلوات اللّه عليها): مَعَاشِرَ النَّاسِ الْمُسْرِعَةِ إِلَى قِيلِ الْبَاطِلِ، الْمُغْضِيَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْخَاسِرِ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (5) (6).
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ (7)، مَا أَسَأْتُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَ أَبْصَارِكُمْ، وَ لَبِئْسَ مَا تَأَوَّلْتُمْ، وَ سَاءَ بِهِ مَا أَشَرْتُمْ، وَ شَرَّ مَا مِنْهُ اعْتَضَتُّمْ ..
القيل: بمعنى القول و كذا القال (8).
و قيل: القول في الخير، و القيل و القال في الشرّ.
و قيل: القول مصدر و القيل و القال اسمان له (9).
و الإغضاء: إدناء الجفون (10)، و أغضى على الشّيء أي سكت (11) و رضي به،
- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ وَ الْكَاظِمِ (عليهما السلام) فِي الْآيَةِ أَنَّ الْمَعْنَى أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ
____________
(1) ما أخذ- هنا- أي أخذه، و ما مصدرية.
(2) كما ورد في المصباح المنير 2- 209، و النهاية 4- 142.
(3) توجد واو قبل كلمة: الاستئثار، في (ك) و هو سهو.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 199، و 3- 11، و لسان العرب 3- 81 و 3- 4، و النهاية 1- 105، و 1- 22.
(5) في (س): تتدبرون، و عليه فلا يكون استشهادا بالآية الكريمة.
(6) سورة محمّد (ص): 2.
(7) المطفّفين: 14.
(8) قاله في النهاية 4- 122، و لسان العرب 11- 573.
(9) كما في القاموس 4- 42، و لسان العرب 11- 573.
(10) ذكره في مجمع البحرين 1- 318، و الصحاح 6- 2447، و القاموس 4- 370.
(11) قاله في القاموس 4- 370، و لسان العرب 15- 128.
306
الْقُرْآنَ (1) فَيُقْضُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِ (2).
وَ تَنْكِيرُ الْقُلُوبِ لِإِرَادَةِ قُلُوبِ هَؤُلَاءِ وَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
و الرّين: الطّبع، و التّغطية (3) و أصله: الغلبة (4).
و التّأوّل و التّأويل: التّصيير و الإرجاع و نقل الشّيء عن موضعه، و منه تأويل الألفاظ .. أي نقل اللّفظ عن الظّاهر (5).
و الإشارة: الأمر بأحسن الوجوه في أمر (6).
و شَرَّ- كَفَرَّ- بمعنى ساء (7).
و الاعتياض: أخذ العوض (8) و الرّضا به، و المعنى ساء ما أخذتم منه عوضا عمّا تركتم.
لَتَجِدَنَّ وَ اللَّهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلًا، وَ غِبَّهُ وَبِيلًا، إِذَا كُشِفَ لَكُمُ الْغِطَاءُ وَ بَانَ مَا وَرَاءَهُ الضَّرَاءُ، وَ بَدَا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَحْتَسِبُونَ، وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ.
الْمَحْمِلُ- كَمَجْلِس- مصدر.
و الغِبُّ- بالكسر-: العاقبة (9).
و الوَبَالُ- في الأصل-: الثّقل و المكروه، و يراد به في عرف الشّرع: عذاب
____________
(1) النّساء: 82، و سورة محمّد (ص): 24.
(2) حكاه عن مجمع البيان 5- 104، و عنه في تفسير الصّافي 5- 28، و الميزان 18- 245 و غيرهما.
(3) نصّ عليه في النهاية 2- 291، و لسان العرب 13- 193، و غيرهما.
(4) كما جاء في مجمع البحرين 6- 259، و الصحاح 5- 2129، و القاموس 4- 230.
(5) أورده في لسان العرب 11- 33، و النهاية 1- 80، إلّا أنّه ليس فيهما: نقل الشيء عن موضعه، و قريب منهما ما في مجمع البحرين 5- 312.
(6) قال في مجمع البحرين 3- 356: أشار عليّ بكذا .. أي أراني ما عنده فيه من المصلحة، و مثله في المصباح المنير 1- 395.
(7) حكاه عن مجمع البحرين 3- 344، و المصباح المنير 1- 372.
(8) قاله في المصباح المنير 2- 103، و مجمع البحرين 4- 217، و غيرهما.
(9) كما ذكره في الصحاح 1- 190، و مجمع البحرين 2- 130، و غيرهما.
307
الآخرة (1)، و العذاب الوبيل: الشّديد (2).
و الضَّرَاءُ- بالفتح و التّخفيف-: الشّجر الملتفّ- كما مرّ (3)- يقال: توارى الصّيد منّي في ضراء (4).
و الْوَرَاءُ: يكون بمعنى قدّام كما يكون بمعنى خلف (5) و بالأول فُسِّرَ قوله تعالى: وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (6) و يحتمل أن تكون الهاء (7) زيدت من النساخ أو الهمزة، فيكون على الأخير بتشديد الراء من قولهم: ورّى الشّيء تورية .. أي أخفاه (8)، و على التقادير فالمعنى: و ظهر لكم ما ستره عنكم الضراء.
و بدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون ..: أي ظهر لكم (9) من صنوف العذاب ما لم تكونوا تنتظرونه، و لا تظنّونه واصلا إليكم، و لم يكن في حسبانكم.
و المبطل: صاحب الباطل من أبطل الرّجل إذا أتى بالباطل (10).
قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ* * * لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ يَكْبُرِ الْخَطْبُ.
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَهَا* * * وَ اخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ فَقَدْ نَكَبُوا (11)
____________
(1) قاله في النهاية 5- 146، و لسان العرب 11- 720.
(2) أورده في مجمع البحرين 5- 490، و الصحاح 5- 1840.
(3) صرّح به في مجمع البحرين 1- 271، و الصحاح 6- 2409، و القاموس 4- 355، و لسان العرب 14- 473.
(4) كما جاء في الصحاح 6- 2409، و لسان العرب 14- 483.
(5) كذا ورد في القاموس 4- 399، و الصحاح 6- 2523، و غيرهما.
(6) الكهف: 89.
(7) في قولها (عليها السلام): و بان ما وراءه الضراء.
(8) قاله في القاموس 4- 399، و لسان العرب 15- 389.
(9) جاء في مجمع البحرين 10- 44، و الصحاح 6- 2278، و غيرهما.
(10) كما جاء في مجمع البحرين 5- 322، و المصباح المنير 1- 66.
(11) قد مرّت مصادر الأبيات عن بلاغات النساء: 12، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4- 93، و أعلام النساء 3- 1208 و غيرها، و فيها اختلاف يسير عن ما هنا، فلاحظ.
308
في الكشف: ثم التفتت إلى قبر أبيها متمثلة بقول هند ابنة أثاثة .. ثم ذكر الأبيات.
و قال في النهاية: الْهَنْبَثَةُ واحدة الهَنَابِثِ و هي الأمور الشّداد المختلفة، و الهنبثة: الاختلاط في القول و النّون زائدة (1)، و ذكر فيه: أنّ فاطمة (ع) قالت بعد موت النّبيّ صلّى اللّه عليه [و آله]: قد كان بعدك أنباء .. إلى آخر البيتين (2)، إلّا أنّه قال: فاشهدهم و لا تغب (3).
و الشّهود: الحظور (4).
و الخطب- بالفتح-: الأمر الّذي تقع فيه المخاطبة، و الشّأن و الحال (5).
و الوابل: المطر الشّديد (6).
و نكب فلان عن الطّريق كنصر- و فرح (7)- أي .. عدل و مال (8).
و كلّ أهل له قربى و منزلة* * * عند الإله على الأدنين مقترب
القربى- في الأصل- القرابة في الرّحم (9).
و المنزلة: المرتبة (10) و الدّرجة و لا تجمع (11).
____________
(1) كذا ورد في النهاية 5- 278، و مثله في لسان العرب 2- 199.
(2) و قال بدل: لم تكبر: لم يكثر، و بدل: و اختل: فاختل.
(3) صرّح به في النهاية 5- 277، و نحوه في لسان العرب 2- 199.
(4) ذكره في مجمع البحرين 3- 77، و الصحاح 2- 494، و غيرهما.
(5) قاله في النهاية 2- 45، و مجمع البحرين 2- 51.
(6) نصّ عليه في الصحاح 5- 1840، و مجمع البحرين 5- 490.
(7) نصّ عليه في القاموس: 1- 134.
(8) ذكره في مجمع البحرين 2- 176، و المصباح المنير: 2- 334.
(9) قاله في المصباح المنير: 2- 175، و الصحاح 1- 199، و لا توجد فيهما كلمة: في الأصل.
(10) كما في الصحاح 5- 1828، و مجمع البحرين 5- 482.
(11) كذا في القاموس 4- 56، و انظر: الصحاح 5- 1828.
309
و الأدنين: هم الأقربون (1)، و اقترب أي تقارب (2).
و قال في مجمع البيان (3): في اقترب زيادة مبالغة على قرب، كما أنّ في اقتدر زيادة مبالغة على قدر.
و يمكن تصحيح تركيب البيت و تأويل معناه على وجوه:
الأول: و هو الأظهر، أن جملة (له قربى) صفة لأهل، و التنوين في (منزلة) للتعظيم، و الظرفان متعلقان بالمنزلة لما فيها من معنى الزيادة و الرجحان، و (مقترب) خبر لكل، أي ذو القرب الحقيقي، أو عند ذي الأهل، كلّ أهل كانت له مزيّة و زيادة على غيره من الأقربين عند اللّه تعالى.
و الثاني: تعلّق الظرفين بقولها: (مقترب)، أي كل أهل له قرب و منزلة من ذي الأهل، فهو عند اللّه تعالى مقترب مفضل على سائر الأدنين.
و الثالث: تعلّق الظرف الأول ب (المنزلة) و الثاني (بالمقترب)، أي كل أهل اتّصف بالقربى بالرجل و بالمنزلة عند اللّه، فهو مفضّل على من هو أبعد منه.
و الرابع: أن يكون جملة: (له قربى) خبرا للكل، (و مقترب) خبرا ثانيا، و في الظرفين يجري الاحتمالات السابقة، و المعنى أن كل أهل نبيّ من الأنبياء له قرب و منزلة عند اللّه، و مفضّل على سائر الأقارب عند الأمّة.
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم* * * لما مضيت و حالت دونك الترب
بدا الأمر بدوّا: ظهر، و أبداه أظهره (4).
و النّجوى: الاسم من نجوته إذا ساورته (5)، و نجوى صدورهم: ما أضمروه في نفوسهم من العداوة و لم يتمكنوا من إظهاره في حياته صلّى اللّه عليه
____________
(1) نصّ عليه في لسان العرب 14- 274، و مجمع البحرين 1- 148.
(2) جاء في الصحاح 1- 199، و مجمع البحرين 2- 140، و غيرهما.
(3) مجمع البيان 9- 185، في بيان مفردات سورة القمر.
(4) كذا في الصحاح 6- 2278، و لسان العرب 14- 65.
(5) قاله في القاموس 4- 393، و الصحاح 6- 2503، و غيرهما.
310
و آله، و في بعض النسخ: فحوى صدورهم، و فحوى القول: معناه (1)، و المآل واحد.
و قال الفيروزآبادي: التُّرْبُ و التُّرَابُ و التُّرْبَةُ .. معروف، و جمع التّراب:
أتربة و تربان، و لم يسمع لسائرها (2) بجمع، انتهى (3). فيمكن أن يكون بصيغة المفرد، و التأنيث بتأويل الأرض كما قيل، و الأظهر أنه- بضم التاء و فتح الراء جمع تربة، قال في مصباح اللغة: التّربة: المقبرة، و الجمع ترب مثل غرفة و غرف (4).
و حال الشّيء بيني و بينك .. أي منعني من الوصول إليك (5).
و دون الشّيء: قريب منه (6)، يقال: دون النهر جماعة .. أي قبل أن تصل إليه.
و التّهجّم: الاستقبال بالوجه الكريه (7).
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 1- 327، و القاموس 4- 373.
(2) في (س): سائرها، و فيها طمس، و في المصدر: لسائرها.
(3) القاموس 1- 39.
(4) المصباح المنير 1- 91، و مثله في مجمع البحرين 2- 13.
(5) ذكره في النهاية 1- 462، و لسان العرب 11- 189، و غيرهما.
(6) قال في مجمع البحرين 6- 248: تقول هو دون ذلك .. أي أقرب منه، و مثله في القاموس 4- 224، و الصحاح 5- 2115.
(7) قال في القاموس 4- 92- في مادة الجهم- بتقديم الجيم على الهاء-: كمنعه و سمعه: استقبله بوجه كريه كتجهّمه.
أقول: لعله التبس عليه (رحمه الله) التهجم: بالتجهم، فتأمل. و أمّا الهجم .. بتقديم الهاء على الجيم- فقد قال في المصباح المنير 2- 347: هجمت عليه هجوما- من باب قعد- دخلت بغتة على غفلة منه، و هجّمته على القوم: جعلته يهجم عليهم، يتعدى و لا يتعدى. و قال في الصحاح 5- 2055: .. و هجم الشتاء: دخل .. و هجمت البيت هجما: هدمته. و قال في القاموس:
4- 188: .. و هجم فلانا: طرده .. و الهجوم: الريح الشديدة تقلع البيوت.
أقول: المعنى المناسب هنا هو تشبيه دخول القوم بالريح الشديدة، فهي تقلع البيوت و تذري الأموال، كناية عن هتك الحرمات و إباحة الأموال.
311
و الْمُغْتَصَبُ- على بناء المفعول- المغصوب (1).
و الْمُحْتَجِبُ- على بناء الفاعل-.
و صَادَفَهُ: وجده و لقيه (2).
و الكُثُبُ- بضمتين-: جمع كثيب و هو التَّلّ من الرّمل (3).
و الرُّزْءُ- بالضم مهموزا: المصيبة بفقد الأعزّة (4). و رزئنا- على بناء المجهول-.
و الشَّجَنُ- بالتحريك-: الحزن (5).
و في القاموس: العُجْمُ- بالضم و بالتحريك- (6) خلاف العرب (7).
قوله: ثم انكفأت ..
أقول:
- وجدت في نسخة قديمة لكشف الغمة منقولة من خطّ المصنف مكتوبا على هامشها بعد إيراد خطبتها (صلوات اللّه عليها) ما هذا لفظه: وجد بخطّ السيد المرتضى علم الهدى الموسوي (قدس الله روحه) أنّه لمّا خرجت فاطمة (عليها السلام) من عند أبي بكر- حين ردّها عن فدك- استقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام) فجعلت تعنّفه، ثم قالت: اشتملت .. إلى آخر كلامها (عليها السلام).
و الانكفاء: الرّجوع (8).
و توقّعت الشّيء و استوقعته .. أي انتظرت وقوعه (9).
____________
(1) قال في القاموس 1- 111، و الصحاح 1- 194: الغصب و الاغتصاب بمعنى.
(2) كما أورده في القاموس 3- 161، و اقتصر في الصحاح 4- 1384 على المعنى الأول.
(3) قاله في لسان العرب 1- 702، و القاموس 1- 122، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 183، و النهاية 2- 218.
(5) كذا ورد في القاموس 4- 239، و مجمع البحرين 6- 271.
(6) أي العجم.
(7) القاموس 4- 147، و نحوه في الصحاح 5- 1980.
(8) كذا في الصحاح 1- 67، و القاموس 1- 26.
(9) نصّ عليه في القاموس 3- 97، و الصحاح 3- 1303، و غيرهما.
312
و طلعت على القوم: أتيتهم (1)، و تطلّع الطّلوع: انتظاره.
فلمّا استقرّت بها الدّار .. أي سكنت (2) كأنّها اضطربت و تحركت بخروجها، أو على سبيل القلب، و هذا شائع، يقال: استقرّت نوى القوم و استقرّت بهم النّوى .. أي أقاموا (3).
اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الظنين ..
اشتمل بالثّوب .. أي أداره على جسده كلّه، و الشّملة- بالفتح- كساء يشتمل به، و الشّملة- بالكسر- هيئة الاشتمال (4)، فالشملة إمّا مفعول مطلق من غير الباب كقوله تعالى: نَباتاً (5) أو في الكلام حذف و إيصال.
و في رواية السيد: مشيمة الجنين ..
و هي محلّ الولد في الرّحم (6)، و لعله أظهر.
و الجنين: الولد ما دام في البطن (7).
و الحُجْرَة- بالضم- حظيرة الإبل، و منه حجرة الدّار (8).
و الظّنين: المتّهم (9)، و المعنى اختفيت عن الناس كالجنين، و قعدت عن طلب الحق، و نزلت منزلة الخائف المتهم.
و في رواية السيد: الحجزة.
- بالزاء المعجمة-،
و في بعض النسخ: قعدت
____________
(1) قاله في الصحاح 3- 1253، و القاموس 3- 59، و زاد في الأول: و تطلّعت إلى ورود كتابك. و في الثاني: و تطلع إلى ورده: استشرف.
(2) كما ذكره في مجمع البحرين 3- 457، و القاموس 2- 115.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 15- 347، و الصحاح 6- 2517، إلّا أنّه ليس فيهما جملة: و استقرّت بهم النّوى.
(4) ذكره في لسان العرب 11- 368، و القاموس 3- 403.
(5) آل عمران: 37، نوح: 17.
(6) كما جاء في مجمع البحرين 6- 101، و القاموس 4- 137، و المصباح المنير 1- 399.
(7) قاله في الصحاح 5- 2094، و مثله في المعنى ما في مجمع البحرين 6- 230، و القاموس 4- 210.
(8) نصّ عليه في لسان العرب 4- 168، و الصحاح 2- 623، و غيرهما.
(9) كذا جاء في مجمع البحرين 6- 180، و الصحاح 6- 2160.
313
حجزة الظنين.
، و قال في النهاية (1): الحجزة: موضع شدّ الإزار، ثمّ قيل للإزار:
حجزة للمجاورة، و في القاموس (2): الحجزة- بالضم- معقد الإزار .. و من الفرس مركب مؤخّر الصّفاق بالحقو، و قال: شدّة الحجزة: كناية عن الصّبر.
نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل.
قوادم الطّير: مقاديم ريشه و هي عَشْرٌ في كلّ جناح (3)، واحدتها قادمة (4).
و الأجدل: الصّقر (5).
و الأعزل: الّذي لا سلاح معه (6).
قيل: لعلّها (صلوات اللّه عليها) شبّهت الصقر الذي نقضت قوادمه بمن لا سلاح له، و المعنى تركت طلب الخلافة في أوّل الأمر قبل أن يتمكّنوا منها و يشيّدوا أركانها، و ظننت أنّ الناس لا يرون غيرك أهلا للخلافة، و لا يقدّمون عليك أحدا، فكنت كمن يتوقّع الطيران من صقر منقوضة القوادم.
أقول: و يحتمل أن يكون المراد أنّك نازلت الأبطال، و خضت الأهوال، و لم تبال بكثرة الرجال حتى نقضت شوكتهم، و اليوم غلبت من هؤلاء الضعفاء و الأرذال، و سلّمت لهم الأمر و لا تنازعهم، و على هذا، الأظهر أنّه كان في الأصل: خاتك- بالتاء المثناة الفوقانية- فصحف، قال الجوهري: خات البازي و اختات أي انقضّ .. (7) ليأخذه، و قال الشّاعر (8):
يخوتون أخرى القوم خوت الأجادل* * * ................ ...
____________
(1) النهاية 1- 344.
(2) القاموس 2- 171- 172.
(3) كما أورده في الصحاح 5- 2007، و مجمع البحرين 6- 136، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في لسان العرب 12- 469، و الصحاح 5- 2007.
(5) ذكره في مجمع البحرين 5- 337، و الصحاح 4- 1653، و غيرهما.
(6) كما جاء في الصحاح 5- 1763، و مجمع البحرين 5- 423.
(7) في المصدر: انقض على الصيد ..
(8) ليس في المصدر لفظة: شاعر.
314
و الخائتة: العقاب إذا انقضّت فسمعت صوت انقضاضها، و الخوات ..
دويّ جناح العقاب .. و الخوّات- بالتّشديد- الرّجل الجري (1)،
و في رواية السيّد: نفضت.
- بالفاء- و هو يؤيّد المعنى الأوّل.
هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحيلة أبي، و بلغة ابني، لقد أجهر في خصامي، و ألفيته ألدّ في كلامي ...
قُحَافَة- بضم القاف و تخفيف المهملة (2)-.
و الابتزاز: الاستلاب (3)، و أخذ الشّيء بقهر (4) و غلبة من البّز بمعنى السّلب (5).
و النّحيلة- فعيلة بمعنى مفعول- من النحلة- بالكسر- بمعنى الهبة (6) و العطيّة عن طيبة نفس من غير مطالبة (7) أو من غير عوض (8).
و البُلْغَةُ- بالضم- ما يتبلّغ به من العيش (9) و يكتفى به (10)، و في أكثر النسخ: بُلَيْغَةَ- بالتصغير- فالتصغير في النُحَيْلَة أيضا أنسب.
و ابني إمّا بتخفيف الياء فالمراد به الجنس، أو تشديدها على التثنية.
و إظهار الشّيء: إعلانه (11).
____________
(1) كما جاء في الصحاح 1- 248، و مثله في المعنى ما في لسان العرب 2- 32.
(2) نصّ عليه في القاموس 3- 183، و لسان العرب 9- 276، و غيرهما.
(3) جاء في مجمع البحرين 4- 8، و الصحاح 3- 865.
(4) ذكره في القاموس 2- 166.
(5) أورده في مجمع البحرين 4- 8، و الصحاح 3- 865.
(6) كما جاء في لسان العرب 11- 650، و مجمع البحرين 5- 478.
(7) قاله في الصحاح: 5- 1826.
(8) كما ذكره في مجمع البحرين 5- 478، و لسان العرب 11- 650.
(9) قاله في القاموس 3- 103، و المصباح المنير 1- 77، و الصحاح 4- 1317.
(10) كذا ورد في مجمع البحرين 5- 8.
(11) نصّ عليه في الصحاح 2- 732، و القاموس 2- 82.
315
و الخِصَام- مصدر- كالمخاصمة، و يحتمل أن يكون جمع خصم (1) أي أجهر العداوة أو الكلام لي بين الخصام، و الأول أظهر.
و ألفيته .. أي وجدته (2).
و الألدّ: شديد الخصومة (3)، و ليس فعلا ماضيا، فإنّ فعله على بناء المجرد، و الإضافة في (كلامي) إما من قبيل الإضافة إلى المخاطب أو إلى المتكلم، و في:
للظرفية أو السببية.
و في رواية السيد: هذا بني (4) أبي قحافة .. إلى قوله (5): لقد أجهد في ظلامتي و ألدّ في خصامتي.
قال الجزري: يقال جهد الرّجل في الأمر: إذا جدّ و بالغ فيه (6)، و أجهد دابّته: إذا حمل عليها في السّير فوق طاقتها (7).
حتى حبستني قيلة نصرها، و المهاجرة وصلها، و غضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع و لا مانع ..
قَيْلَة- بالفتح- اسْمُ أُمٍّ قَدِيمَةٍ لِقَبِيلَتَيِ (8) الْأَنْصَارِ (9)، و المراد: بنو قيلة.
و في رواية السيد: حين منعتني الأنصار نصرها.
.. و موصوف المهاجرة:
الطائفة أو نحوها، و المراد بوصلها: عونها.
و الطّرف- بالفتح- العين (10).
____________
(1) أورده في مجمع البحرين 6- 58، و المصباح المنير 1- 208.
(2) ذكره في القاموس 4- 386، و مجمع البحرين 1- 377.
(3) كما جاء في المصباح المنير 2- 244، و مجمع البحرين 3- 141، و غيرهما.
(4) و الظاهر أنّه تصغير ابن للتحقير.
(5) كذا، و الظاهر: قولها.
(6) في المصدر: أيّ جدّ فيه و بالغ.
(7) النهاية 1- 319- 320.
(8) جاء على حاشية (ك): من الأوس و الخزرج.
(9) قاله في النهاية 4- 134، و قريب منه في الصحاح 5- 1808، و القاموس 4- 43.
(10) كما جاء في مجمع البحرين 5- 89، و الصحاح 4- 1393.
316
و غَضَّهُ: خفضه (1).
و في رواية السيد- بعد قولها: و لا مانع-: و لا ناصر و لا شافع.
خرجت كاظمة و عدت راغمة ..
كظم الغيظ: تجرّعه و الصّبر عليه (2).
و رغم فلان- بالفتح-: إذا ذلّ (3)، و عجز عن الانتصاف ممّن ظلمه (4)، و الظاهر من الخروج: الخروج من البيت و هو لا يناسب كاظمة، إلّا أن يراد بها الامتلاء من الغيظ فإنّه من لوازم الكظم، و يحتمل أن يكون المراد الخروج من المسجد المعبّر عنه ثانيا بالعود، كما قيل.
و (5) في رواية السيد مكان عدت: رجعت.
أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، افْتَرَسَتِ الذِّئَابُ، وَ افْتَرَشْتَ التُّرَابَ ..
: ضرع الرّجل- مثلثة (6)- خضع و ذلّ و أضرعه غيره (7)، و إسناد الضراعة إلى الخذلان أظهر أفرادها وضع الخدّ على التراب، أو لأن الذلّ يظهر في الوجه.
و إضاعة الشّيء و تضييعه: إهماله و إهلاكه (8).
و حدّ الرّجل- بالحاء المهملة-: بأسه (9) و بطشه، و في بعض النسخ
____________
(1) كذا في الصحاح 3- 1095، و مجمع البحرين 4- 218. و الصحيح في إملاء الكلمة: خفضه بالضاد-.
(2) نصّ عليه في لسان العرب 12- 520، و النهاية 4- 178، و مجمع البحرين 6- 154.
(3) صرّح به في القاموس 4- 121، و مجمع البحرين 6- 73- 74.
(4) كما أورده في الصحاح 5- 1935، و لسان العرب 12- 246، و غيرهما.
(5) لا توجد الواو في (ك).
(6) كذا جاء في القاموس 3- 56، و تاج العروس 5- 430.
(7) كما ورد في الصحاح 3- 1249، و لسان العرب 8- 221- 222.
(8) قاله في تاج العروس 5- 437، و القاموس 3- 58.
(9) ذكره في الصحاح 1- 463، و القاموس 1- 286، و فيه: و ما يعتريه من الغضب بعد ذكره:
البأس.
317
بالجيم .. أي تركت اهتمامك و سعيك.
و في رواية السيد: فقد أضعت جدك يوم أصرعت خدّك.
و فرس الأسد فريسته- كضرب- و افترسها: دقّ عنقها، و يستعمل في كلّ قتل (1)، و يمكن أن يقرأ بصيغة الغائب، فالذئاب مرفوع، و المعنى: قعدت عن طلب الخلافة و لزمت الأرض مع أنّك أسد اللّه (2)، و الخلافة كانت فريستك حتى افترسها و أخذها الذئب الغاصب لها، و يحتمل أن يكون بصيغة الخطاب .. أي كنت تفترس الذئاب و اليوم افترشت التراب، و في بعض النسخ: الذباب- بالباءين الموحدتين- جمع ذبابة (3)، فيتعيّن الأول، و في بعضها: افترست الذئاب و افترستك الذئاب.
و في رواية السيد مكانهما: و توسدت الوراء كالوزغ و مسّتك الهناة و النزغ ..
و الوراء بمعنى خلف (4).
و الهناة: الشّدّة و الفتنة (5).
و النّزغ (6): الطّعن و الفساد (7).
ما كففت قائلا، و لا أغنيت باطلا و لا خيار لي، ليتني متّ قبل هينتي و دون
____________
(1) نصّ عليه في لسان العرب 6- 161، و الصحاح 3- 958.
(2) في (س): أسد للّه.
(3) كما جاء في مجمع البحرين 2- 57 و غيره.
(4) قاله في مجمع البحرين 1- 434.
(5) قال في لسان العرب 15- 366- 367: تكون هنات هنات .. أي شرور و فساد .. و تكون هنات هنات .. أي شدائد و أمور عظام .. هنات من قرظ .. أي قطع متفرقة. و قال في 15- 379:
و الهناة: الداهية. و قال في الصحاح 6- 2537: و في فلان هنات .. أي خصلات شر، و لا يقال ذلك في الخير.
أقول: كأنّه (قدّس سرّه) أورد لازم المعنى لا نفسه، فتدبر.
(6) جاء في المتن بالعين المهملة، و الصحيح بالمعجمة، لما مرّ منه سلفا، و عدم معنى مناسب على الأول.
(7) ذكره في النهاية 5- 42، و القاموس 3- 114، و الصحاح 3- 1327.
318
زلّتي.
الكفّ: المنع (1).
و الإغناء: الصّرف و الكفّ، يقال: أغن عنّي شرّك .. أي أصرفه و كفّه (2)، و به فسّر قوله سبحانه: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً (3).
و في رواية السيد: و لا أغنيت طائلا ..
و هو أظهر، قال الجوهري: يقال:
هذا أمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء و مزيّة (4). فالمراد بالغناء: النّفع (5)، و يقال: ما يغني عنك هذا .. أي ما يجديك و ما ينفعك (6).
و الْهَيْنَةُ- بالفتح-: العادة في الرّفق و السّكون (7)، و يقال: امش على هينتك .. أي على رسلك (8)، أي ليتني متّ قبل هذا اليوم الذي لا بدّ لي من الصبر على ظلمهم، و لا محيص لي عن الرفق.
و الزلّة- بفتح الزاي- كما في النسخ: الاسم (9) من قولك: زللت في طين أو منطق: إذا زلقت (10)، و يكون بمعنى السّقطة (11)، و المراد بها عدم القدرة على دفع الظلم، و لو كانت الكلمة بالذال المعجمة كان أظهر و أوضح، كما في رواية السيد،
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 5- 113، و القاموس 3- 191.
(2) نصّ عليه في النهاية 3- 392، و لسان العرب 15- 138- 139.
(3) الجاثية: 19.
(4) الصحاح: 5- 1754- 1755.
(5) كذا في لسان العرب 15- 138، و الصحاح 6- 2449، و غيرهما.
(6) ذكره الطريحي في مجمع البحرين 1- 320.
(7) قاله في النهاية 5- 290، و لسان العرب 13- 440.
(8) ذكره في الصحاح 6- 2218، و فيه: على هينتك- بتقديم الياء على النون-، و نحوه في القاموس 4- 278، و مجمع البحرين 6- 331، و النهاية 5- 290، و لسان العرب 13- 440، و الصحيح ما ذكرناه، لا ما أثبتناه.
(9) كما جاء في مجمع البحرين 5- 388، و القاموس 3- 389، و غيرهما.
(10) نصّ عليه في القاموس 3- 389، و لسان العرب 11- 306.
(11) كذا أورده في تاج العروس 7- 358، و غيره.
319
فإنّ فيها:
وا لهفتاه! (1) ليتني متّ قبل ذلّتي، و دون هينتي، عذيري اللّه منك عاديا، و منك حاميا ..
العذير: بمعنى العاذر (2) كالسميع، أو بمعنى العذر (3) كالأليم.
و قولها: منك .. أي من أجل الإساءة إليك و إيذائك.
و عذيري اللّه .. مرفوعان بالابتدائية و الخبرية.
و عاديا .. إمّا من قولهم: عدوت فلانا عن الأمر .. أي صرفته عنه (4)، أو من العدوان بمعنى تجاوز الحدّ (5)، و هو حال عن ضمير المخاطب .. أي اللّه يقيم العذر من قبلي في إساءتي إليك حال صرفك المكاره و دفعك الظلم عنّي، أو حال تجاوزك الحدّ في القعود عن نصري .. أي عذري في سوء الأدب أنّك قصّرت في إعانتي و الذبّ عنّي، و الحماية عن الرّجل: الدّفع عنه (6)، و يحتمل أن يكون عذيري منصوبا- كما هو الشائع في هذه الكلمة-، و (اللّه) مجرورا بالقسم، يقال: عذيرك من فلان .. أي هات من يعذرك فيه، و منه
- قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حِينَ نَظَرَ إِلَى ابْنِ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ:
عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ
.. (7)،.
____________
(1) لهف- كفرح-: حزن و تحسّر .. و يا لهفه: كلمة يتحسّر بها على فائت .. قاله في القاموس المحيط 3- 197، و مثله في الصحاح 4- 1428- 1429.
(2) كما في النهاية 3- 197.
(3) قاله في الصحاح 2- 741.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 286، و القاموس 4- 360.
(5) كذا جاء في المصباح المنير 2- 53، و مجمع البحرين 1- 283، و غيرهما.
(6) قاله في الصحاح 6- 2319، و لسان العرب 14- 198.
(7) ذكره في النّهاية 3- 197، و تاج العروس 3- 386 و غيرهما، و قد جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة، و لعلّ محلّها هنا و هي:
قول الشّاعر:
أريد حباءه و يريد قتلي* * * عذيرك من خليلك من مراد
يقول: أريد الإحسان إليه و يريده [كذا] ضدّه إليّ، ثمّ رجع عن الغيبة إلى الخطّاب، فقال: من يعذرك فيما تذمّ من خليلك الّذي هو من مراد، و هو أبو قبيلة من اليمن، و هو مراد بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ، و كان اسمه: حابر، فتمرد فيسمّى: مرادا!.
ممّا أفاد الميداني في كتاب الهادي للشادي أقول: الأبيات لعمرو بن معدي كرب، كما قاله الزّمخشريّ في أساس البلاغة: 295، و جاء البيت في الإرشاد للشّيخ المفيد: 6 هكذا:
أريد حباءه و يريد قتلي* * * ................ .......
إلى آخره.
و حكاه عنه في بحار الأنوار 42- 193، و له بيان هناك صفحه: 194، و أورده في كشف الغمّة 128 [1- 581] إلّا أنّه عكس صدر البيت إلى ذيله. و جاء هكذا:
عذيري من خليلي من مراد* * * أريد حباءه و يريد قتلي
.
320
و الأول أظهر.
ويلاي في كل شارق، مات العمد، و وهت العضد، شكواي إلى أبي و عدواي إلى ربيّ اللهمّ أنت أشدّ قوّة و حولا، و أحدّ بأسا و تنكيلا ..
قال الجوهري: ويل: كلمة مثل: ويح، إلّا أنّها كلمة عذاب يقال: ويله و ويلك و ويلي، و في النّدبة ويلاه (1). و لعلّه جمع فيها بين ألف الندبة و ياء المتكلم، و يحتمل أن يكون بصيغة التثنية فيكون مبتدأ و الظرف خبره، و المراد به تكرر الويل.
و في رواية السيد: ويلاه في كلّ شارق، ويلاه في كلّ غارب، ويلاه! مات العمد و ذلّ العضد .. إلى قولها (عليها السلام): اللهمّ أنت أشدّ قوّة و بطشا.
و الشارق: الشمس .. أي عند كلّ شروق و طلوع صباح كل يوم. قال الجوهري (2): الشّرق: المشرق، و الشّرق: الشّمس، يقال طلع الشّرق و لا آتيك ما ذرّ شارق .. و شرقت الشّمس تشرق شروقا و شرقا- أيضا- أي طلعت، و أشرقت أي .. أضاءت.
و العَمَد- بالتحريك و بضمتين-: جمع العمود (3)، و لعلّ المراد هنا ما يعتمد
____________
(1) الصحاح 5- 1846.
(2) الصحاح 4- 1500- 1501، و قريب منه في لسان العرب 10- 174.
(3) قاله في مجمع البحرين 3- 107، و القاموس 1- 317.
321
عليه في الأمور.
و الشَّكْوَى: الاسم من قولك: شكوت فلانا شكاية (1).
و العَدْوَى: طلبك إلى وال لينتقم لك ممّن ظلمك (2).
و الحول: القوّة و الحيلة و الدّفع و المنع (3)، و الكل هنا محتمل.
و البأس: العذاب (4).
و التّنكيل: العقوبة، و جعل الرّجل نكالا (5) و عبرة لغيره (6).
الويل لشانئك .. أي العذاب، و الشّرّ (7) لمبغضك، و الشناءة:
البغض (8).
و في رواية السيد: لمن أحزنك.
و نهنهت الرّجل عن الشّيء فتنهنه .. أي كففته و زجرته فكفّ (9).
و الوَجْدُ: الغضب (10). أي امنع نفسك عن غضبك.
و في بعض النسخ: تنهنهي، و هو أظهر.
____________
(1) ذكره في الصحاح 6- 2394، و مجمع البحرين 1- 252، و غيرهما.
(2) كما أورده في الصحاح 6- 2411، و مثله في المعنى في مجمع البحرين 1- 287.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 11- 185 و 189، و مجمع البحرين 5- 359.
(4) صرّح به في مجمع البحرين 4- 50، و لسان العرب 6- 20، و غيرهما.
(5) في (ك): أنكالا، و الظاهر أنّه اشتباه.
(6) أورده في النهاية 5- 117، و لسان العرب 11- 677.
(7) قال في القاموس: 4- 66: الويل: حلول الشر، و بهاء: الفضيحة، أو هو تفجيع .. و كلمة عذاب، و واد في جهنم، أو بئر، أو باب لها. و قال في النهاية 5- 236 الويل: الحزن و الهلاك و المشقّة من العذاب، و كلّ من وقع في هلكة دعا بالويل، و معنى النداء فيه: يا حزني! و يا هلاكي! و يا عذابي! احضر فهذا وقتك و أوانك.
(8) كذا في الصحاح 1- 57، و لسان العرب 1- 101- 102، و غيرها.
(9) ذكره في الصحاح 6- 2254، و مثله في المعنى أورده الطريحي في مجمع البحرين 6- 364.
(10) كما جاء في مجمع البحرين 3- 155، و القاموس 1- 343.
322
و الصّفوة- مثلثة- (1) خلاصة الشّيء و خياره (2).
و الوَنَى- كَفَتَى- الضّعف و الفتور و الكلال، و الفعل- كوقى يقي (3) .. أي ما عجزت عن القيام بما أمرني به ربّي و ما تركت ما دخل تحت قدرتي.
و البُلْغَةُ- بالضم- ما يتبلّغ (4) به من العيش (5).
و الضامن و الكفيل للرزق هو اللّه تعالى، و ما أعدّ لها هو ثواب الآخرة.
و الاحتساب: الاعتداد، و يقال لمن ينوي بعمله وجه اللّه تعالى:
احتسبه (6) .. أي اصبري و ادّخري ثوابه عند اللّه تعالى.
و
فِي رِوَايَةِ السَّيِّدِ: فَقَالَ لَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا وَيْلَ لَكِ بَلِ الْوَيْلُ لِمَنْ أَحْزَنَكِ، نَهْنِهِي عَنْ وَجْدِكِ يَا بُنَيَّةَ الصَّفْوَةِ، وَ بَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَمَا وَنَيْتُ عَنْ حَظِّكِ، وَ لَا أَخْطَأْتُ فَقَدْ تَرَيْنَ مَقْدُرَتِي (7)، فَإِنْ تَرْزَئِي حَقَّكِ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَ كَفِيلُكِ مَأْمُونٌ، وَ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكِ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ.
فَرَفَعَتْ يَدَهَا الْكَرِيمَةَ فَقَالَتْ: رَضِيتُ وَ سَلَّمْتُ.
قال في القاموس: رَزَأَهُ ماله كجعله و عمله رُزْأً- بالضمّ-: أصاب منه شيئا. (8).
أقول: روى الشيخ (9) كلامها الأخير مع جوابه قريبا ممّا رواه السيد،
____________
(1) قاله في القاموس 4- 352، و الصحاح 6- 2401، و غيرهما.
(2) صرّح به في النهاية 3- 40، و لسان العرب 14- 462.
(3) كذا جاء في لسان العرب 15- 415، و الصحاح 6- 2531.
(4) في (ك): يبتلغ، و هو غلط.
(5) كما أورده في القاموس 3- 103، و الصحاح 4- 1317، و غيرهما.
(6) لاحظ النهاية 1- 382، و لسان العرب 1- 315.
(7) في (س): فقد مقدرتي ترى، و وضع على: مقدرتي، رمز (ظ. ل) أيّ الظّاهر من نسخة، و لعلّه:
فقد ترى مقدرتي. و في (ك): مقدرتي فقد ترين .. و وضع ذلك الرّمز على مقدرتي أيضا، فراجع.
(8) القاموس 1- 16، و قارن ب: لسان العرب 1- 85.
(9) أمالي الشيخ الطوسيّ 2- 295- 296.
323
و لنذكره بسنده:.
9- قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ (1) بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ (2) مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُفَضَّلِ (3)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ (4)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّيَّاتِ (5)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ (6)، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام) قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) مِنْ عِنْدِ أَبِي بَكْرٍ أَقْبَلَتْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
فَقَالَتْ لَهُ (7): يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! اشْتَمَلْتَ مَشِيمَةَ الْجَنِينِ، وَ قَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنِينِ، نَقَضْتَ قَادِمَةَ الْأَجْدَلِ، فَخَانَكَ رِيشُ الْأَعْزَلِ، هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَدِ ابْتَزَّنِي نُحَيْلَةَ أَبِي وَ بُلَيْغَةَ ابْنَيَّ، وَ اللَّهِ لَقَدْ أَجَدَّ فِي ظُلَامَتِي (8)، وَ أَلَدَّ فِي خِصَامِي، حَتَّى مَنَعَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَهَا، وَ الْمُهَاجِرَةُ وَصْلَهَا، وَ غَضَّتِ الْجَمَاعَةُ دُونِي طَرْفَهَا، فَلَا مَانِعَ وَ لَا دَافِعَ، خَرَجْتُ- وَ اللَّهِ- كَاظِمَةً، وَ عُدْتُ رَاغِمَةً، وَ لَيْتَنِي لَا خِيَارَ (9) لِي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ ذَلِكَ (10) مِتُّ قَبْلَ ذِلَّتِي! (11) وَ تُوُفِّيتُ قَبْلَ مَنِيَّتِي! عَذِيرِي فِيكَ اللَّهُ حَامِياً، وَ مِنْكَ عَادِياً، وَيْلَاهْ فِي كُلِّ شَارِقٍ! وَيْلَاهْ! مَاتَ الْمُعْتَمَدُ وَ وَهَنَ الْعَضُدُ! شَكْوَايَ إِلَى رَبِّي، وَ عَدْوَايَ إِلَى أَبِي، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَشَدُّ قُوَّةً.
____________
(1) في المصدر: أبو الحسن محمّد.
(2) في الأمالي: قال حدّثني أبو الحسين، بدلا من: عن.
(3) في المصدر: المفضّل بن همّام الكوفيّ.
(4) في الأمالي: معمر الكوفيّ، و في (ك): معر.
(5) في المصدر: الزّيّات الكوفيّ.
(6) لم يرد في الأمالي لفظ: عن أبان بن عثمان.
(7) لم يرد في المصدر: له.
(8) خ. ل: ظلامي جاء على مطبوع البحار، و كذا في المصدر.
(9) في المصدر: و لا خيار.
(10) لم يرد في المصدر: ليتني متّ قبل ذلك.
(11) في الأمالي: زلّتي.
324
فَأَجَابَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا وَيْلَ لَكِ، بَلِ الْوَيْلُ لِشَانِئِكِ، نَهْنِهِي مِنْ غَرْبِكِ (1) يَا بِنْتَ الصَّفْوَةِ وَ بَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَوَ اللَّهِ مَا وَنَيْتُ فِي دِينِي، وَ لَا أَخْطَأْتُ مَقْدُورِي، فَإِنْ كُنْتِ تَرْزَءِينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَ لَعَيْلَتُكِ مَأْمُونٌ، وَ مَا أُعِدَّ لَكِ خَيْرٌ مِمَّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي.
فَقَالَتْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.
و لندفع الإشكال الّذي قلّما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب و السؤال، و هو:
أنّ اعتراض فاطمة (عليها السلام) على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترك التعرّض للخلافة، و عدم نصرتها، و تخطئته فيهما- مع علمها بإمامته، و وجوب اتّباعه و عصمته، و أنّه لم يفعل شيئا إلّا بأمره تعالى و وصيّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا ينافي عصمتها و جلالتها.
فأقول: يمكن أن يجاب عنه: بأنّ هذه الكلمات صدرت منها (عليها السلام) لبعض المصالح، و لم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، و إنّما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم و شناعة أفعالهم، و أنّ سكوته (عليه السلام) ليس لرضاه بما أتوا به.
و مثل هذا كثيرا ما يقع في العادات و المحاورات، كما أنّ ملكا يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، و أنّه ممّا استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة.
و نظير ذلك ما فعله موسى (عليه السلام)- لمّا رجع إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً من إلقائه الألواح، و أخذه برأس أخيه يجرّه إليه- و لم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم، و شدّة جرمهم، كما مرّ الكلام فيه (2).
____________
(1) في (ك): عزبك.
(2) بحار الأنوار 13- 195- 248.
325
و أمّا حمله على أنّ شدّة الغضب و الأسف و الغيظ حملتها على ذلك- مع علمها بحقّية ما ارتكبه (عليه السلام)- فلا ينفع في دفع الفساد، و ينافي عصمتها و جلالتها الّتي عجزت عن إدراكها أحلام العباد.
بقي هاهنا إشكال آخر، و هو:
أنّ طلب الحقّ و المبالغة فيه و إن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها (صلوات اللّه عليها)، و تركها للدنيا، و عدم اعتدادها بنعيمها و لذّاتها، و كمال عرفانها و يقينها بفناء الدنيا، و توجّه نفسها القدسية، و انصراف همّتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية و الدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك، و الخروج إلى مجمع الناس، و المنازعة مع المنافقين في تحصيله.
و الجواب عنه من وجهين:
الأول: أنّ ذلك لم يكن حقّا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة و المساهلة و المحاباة و عدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمّة الأعلام و الأشراف الكرام نعم لو كان مختصّا بها كان لها تركه و الزهد فيه و عدم التأثر من فوته.
الثاني (1): أنّ تلك الأمور لم تكن لمحبّة فدك و حبّ الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم و جورهم و كفرهم و نفاقهم، و هذا كان من أهمّ أمور الدين و أعظم الحقوق على المسلمين.
و يؤيّده أنّها (صلوات اللّه عليها) صرّحت في آخر الكلام حيث قالت: قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة ..
و كفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم و نفاقهم.
و نشيّد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك:.
10- رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2)- فِي سِيَاقِ أَخْبَارِ فَدَكَ- عَنْ أَحْمَدَ بْنِ
____________
(1) في (ك): و الثاني.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 16- 214- 215، باختلاف كثير.
326
عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا سَمِعَ خُطْبَةَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) فِي فَدَكَ شَقَّ عَلَيْهِ (1) مَقَالَتُهَا، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! مَا هَذِهِ الرِّعَةُ إِلَى كُلِّ قَالَةٍ! أَيْنَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَمَانِيُّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ؟ أَلَا مَنْ سَمِعَ فَلْيَقُلْ، وَ مَنْ شَهِدَ فَلْيَتَكَلَّمْ، إِنَّمَا هُوَ ثُعَالَةٌ شَهِيدُهُ ذَنَبُهُ، مُرِبٌّ بِكُلِ (2) فِتْنَةٍ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: كَرُّوهَا جَذَعَةً بَعْدَ مَا هَرِمَتْ، تَسْتَعِينُونَ بِالضَّعَفَةِ وَ تَسْتَنْصِرُونَ (3) بِالنِّسَاءِ، كَأُمِّ طِحَالٍ أَحَبَّ أَهْلُهَا إِلَيْهَا الْبَغْيَ. أَلَا إِنِّي لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ، وَ لَوْ قُلْتُ لَبُحْتُ، إِنِّي سَاكِتٌ مَا تُرِكْتُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي يَا مَعَاشِرَ (4) الْأَنْصَارِ مَقَالَةُ سُفَهَائِكُمْ، وَ أَحَقُّ مَنْ لَزِمَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنْتُمْ، فَقَدْ جَاءَكُمُ فَآوَيْتُمْ وَ نَصَرْتُمْ، أَلَا وَ إِنِّي لَسْتُ بَاسِطاً يَداً وَ لِسَاناً (5) عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ مِنَّا .. ثُمَّ نَزَلَ.
فَانْصَرَفَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) إِلَى مَنْزِلِهَا.
ثم قال ابن أبي الحديد (6): قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى بن أبي زيد البصريّ.
فقلت له (7): بمن يعرّض؟.
فقال: بل يصرّح.
قلت: لو صرّح لم أسألك؟.
____________
(1) جاء في المصدر: فلمّا سمع أبو بكر خطبتها شقّ عليه.
(2) في المصدر: لكلّ.
(3) في شرح النّهج: يستعينون .. يستنصرون.
(4) في المصدر: يا معشر، و هي نسخة جاءت في (س).
(5) في المصدر: و لا لسانا.
(6) في شرحه على نهج البلاغة 16- 215 بتصرّف.
(7) في المصدر: على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري و قلت له: ...
327
فضحك و قال: بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
قلت: أ هذا الكلام كلّه لعليّ (عليه السلام)؟!.
قال (1): نعم إنّه الملك يا بنيّ!.
قلت: فما مقالة الأنصار؟.
قال: هتفوا بذكر عليّ فخاف من اضطراب الأمر عليه (2) فنهاهم.
فسألته عن غريبه.
فقال: ما هذه الرعة (3)- بالتخفيف- أي: الاستماع و الإصغاء (4).
و القالة: القول (5).
و ثُعَالَةُ: اسم للثعلب (6) علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب.
وَ شَهِيدُهُ ذَنَبُهُ .. أي: لا شاهد على ما يدّعي إلّا بعضه و جزء منه، و أصله مثل، قالوا: إنّ الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنّه أكل الشاة الّتي أعددتها لنفسك، قال (7): فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه و عليه دم، و كان
____________
(1) في شرح النهج: لعلي يقوله. قال.
(2) في المصدر: عليهم.
(3) في المصدر: أمّا الرعة.
(4) قال في النهاية 5- 174: الورع في الأصل: الكفّ عن المحارم و التحرّج منه، ثمّ قال: ثم استعير للكفّ عن المباح و الحلال.
و قال في القاموس 3- 93: الورع- محركة-: التقوى، و قد ورع- كورث، و وجل، و وضع، و كرم- وراعة، و ورعا و يحرك، و وروعا و يضم: تحرّج: و الاسم الرّعة .. و الرعة- بالكسر-:
الهدى و حسن الهيئة أو سوؤها- ضد- و الشأن.
أقول: يحتمل أن يكون المعنى ما هذه الهدى و الطريقة منكم إلى كلّ قالة، و حيث كانت طريقتهم في هذا المورد الاستماع و الإصغاء قيل: الرعة: الاستماع و الإصغاء.
(5) كما في النهاية 4- 123، و القاموس 4- 42، و غيرهما.
(6) في شرح النهج: الثعلب.
قال في القاموس 3- 342: ثعالة كثمامة: أنثى الثعالب.
(7) في المصدر: أنّه قد أكل الشاة الّتي كنت قد أعددتها لنفسك و كنت حاضرا، قال.
328
الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته و قتل الذئب.
و مربّ: ملازم، أربّ، لازم (1) بالمكان.
و كرّوها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني: الفتنة و الهرج.
و أمّ طحال: امرأة بغي في الجاهلية، فضرب بها المثل، يقال (2): أزنى من أمّ طحال، انتهى.
أقول: الرعة- بالراء- كما في نسخ الشرح، بمعنى: الاستماع، لم نجده في كلام اللغويين (3)، و يمكن أن يكون بالدال المهملة بمعنى السكون (4)، و يكون الغلط من النسّاخ، و يكون تفسير النقيب بيانا لحاصل المعنى.
11- وَ رَوَى (5) أَيْضاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَانِي فَدَكَ.
فَقَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، وَ اللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَبِيكِ، وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ السَّمَاءَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ يَوْمَ مَاتَ أَبُوكِ، وَ اللَّهِ لَأَنْ تَفْتَقِرَ عَائِشَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَفْتَقِرِي، أَ تَرَانِي أُعْطِي الْأَسْوَدَ وَ الْأَحْمَرَ (6) حَقَّهُ وَ أَظْلِمَكِ حَقَّكِ وَ أَنْتِ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ؟! إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَمْ يَكُنْ
____________
(1) لا يوجد في المصدر: لازم.
قال في النهاية 2- 181: أو فقر مرب أو قال ملب .. أي لازم غير مفارق، من أرب بالمكان و ألب: إذا قام به و لزمه.
و قال في القاموس 1- 70: ربّ: جمع و زاد و لزم و أقام، كأربّ.
(2) في المصدر: و يضرب بها المثل فيقال.
(3) تقدّم ما استظهرناه قريبا، فراجع.
(4) كما في القاموس 3- 92، و النهاية 5- 166، و غيرهما.
(5) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16- 214، باختلاف يسير.
(6) في المصدر: الأحمر و الأبيض.
329
لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ (1) أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ يَحْمِلُ النَّبِيُّ بِهِ الرِّجَالَ وَ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَلِيتُهُ كَمَا كَانَ يَلِيهِ.
قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ أَبَداً.
قَالَ: وَ اللَّهِ لَا هَجَرْتُكِ أَبَداً.
قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ.
قَالَ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ لَكِ.
فَلَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَوْصَتْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَدُفِنَتْ لَيْلًا، وَ صَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ (2) بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ كَانَ بَيْنَ وَفَاتِهَا وَ وَفَاةِ أَبِيهَا اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ لَيْلَةً.
و من رواياتهم الصحيحة الصريحة في أنّها (صلوات اللّه عليها) استمرّت على الغضب حتى ماتت.:
مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (3) وَ أَبُو دَاوُدَ (4) فِي صِحَاحِهِمَا، وَ أَوْرَدَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5) فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْمَوَارِيثِ فِي حَرْفِ الْفَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ (ع) بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ (6): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ (7) صَدَقَةٌ.
____________
(1) في شرح النّهج: إنّما كان مالا من.
(2) في المصدر: عبّاس- بدون ألف و لام-.
(3) صحيح مسلم 3- 1381- 1382 حديث 54.
(4) صحيح أبي داود 3- 142- 143 حديث 2970.
(5) جامع الأصول 9- 637 حديث 7438، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 10- 386 حديث 7417، و قد تكرّر ذكر مصادر هذه الرّوايات.
(6) في (ك): أبو بكر الصّدّيق.
(7) في المصدر: ما تركنا.
330
فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَ عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِلَّا لَيَالِيَ.
وَ كَانَتْ تَسْأَلُهُ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا نَصِيبَهَا مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ* مِنْ خَيْبَرَ وَ فَدَكَ (1)، وَ مِنْ صَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَسْتُ بِالَّذِي أَقْسِمُ مِنْ ذَلِكَ (2)، وَ لَسْتُ تَارِكاً شَيْئاً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ فِيهَا إِلَّا عَمِلْتُهُ، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ.
ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَ الْعَبَّاسِ، وَ أَمْسَكَ خَيْبَرَ وَ فَدَكَ، وَ قَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ (3) وَ نَوَائِبِهِ، وَ أَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ.
قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ.
و قال في جامع الأصول: أخرجه مسلم، و لم يخرج منه (4) البخاري (5) إلّا
- قوله: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة.
و لقلّة ما أخرج منه لم تعلم (6) له علامة، و أخرج أبو داود نحو مسلم، انتهى.
تبيين (7): اعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي صِحَاحِهِمْ رَوَوْا أَخْبَاراً كَثِيرَةً: فِي أَنَّ مَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ، وَ خَرَجَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ
____________
(1) لا يوجد في المصدر: و فدك.
(2) في المصدر: من ذلك شيئا.
(3) في جامع الأصول: لحقوقه الّتي تعروه.
(4) في المصدر: البخاري منه.
(5) صحيح البخاريّ 8- 185، جامع الأصول 9- 637، و صحيح مسلم 1- 6، و انظر جملة من مصادر الحديث في الغدير 7- 228.
(6) في المصدر: لم نعلم.
(7) خ. ل: تنبيه، في (ك).
331
مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (1).
رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (3) وَ النَّسَائِيِ (4)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ (5) مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) وَ مُسْلِمٌ (7) فِي صحيحهما [صَحِيحَيْهِمَا، وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (8) أَيْضاً عَنْهُمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ (9) كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ طَاعَةِ (10) السُّلْطَانِ شِبْراً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (11): فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ (12) جَاهِلِيَّةٌ.
____________
(1) كما في كنز العمّال، المجلّد السّادس، حديث 14862 و 14863 و 14865 و 14866، و انظر الغدير 10- 126 عن جملة مصادر.
(2) جامع الأصول 4- 70 حديث 2053، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 9- 456 حديث 2054.
(3) صحيح مسلم 3- 1476- 1477 حديث 53 و 54.
(4) صحيح النّسائيّ 7- 123.
(5) لا يوجد في (ك) لفظ: مات.
(6) صحيح البخاريّ 9- 59.
(7) صحيح مسلم 3- 1478 حديث 56، و مثله بنفس السّند 3- 1477 حديث 55.
(8) جامع الأصول 4- 69 حديث 2052، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 4- 456 حديث 2053.
(9) في جامع الأصول: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من.
(10) لا يوجد في المصدر: طاعة.
(11) لا توجد في جامع الأصول كلمة: أخرى.
(12) خ. ل: ميتته، كما في (ك).
332
و
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (1) وَ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) أَيْضاً، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعُوا يَزِيدَ وَ اجْتَمَعُوا عَلَى ابْنِ مُطِيعٍ أَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ (3):
اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ (4) [وَ آلِهِ]، يَقُولُ: مَنْ خَلَعَ يَداً مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَ مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (5)..
و أمّا من طرق أصحابنا فالأخبار فيه أكثر من أن تحصى، و ستأتي في مظانّها (6).
فنقول: لا أظنّك ترتاب بعد ما أسلفناه من الروايات المنقولة من طريق المخالف و المؤالف في أنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها) كانت ساخطة عليهم، حاكمة بكفرهم و ضلالهم، غير مذعنة بإمامتهم و لا مطيعة لهم، و أنّها قد استمرّت على تلك الحالة حتّى سبقت إلى كرامة اللّه و رضوانه.
فمن قال بإمامة أبي بكر لا محيص له عن القول بأنّ سيّدة نساء العالمين و من طهّرها اللّه في كتابه من كلّ رجس، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في فضلها ما قال، قد ماتت ميتة جاهليّة! و ميتة كفر و ضلال و نفاق!.
و لا أظنّ ملحدا و زنديقا رضي بهذا القول الشنيع.
و من الغرائب أنّ المخالفين لمّا اضطرّوا و انسدّت عليهم الطرق، لجئوا إلى
____________
(1) صحيح مسلم 3- 1478 حديث 58.
(2) جامع الأصول 4- 78 حديث 2064.
(3) في جامع الأصول: عبد اللّه بن مطيع.
(4) في جامع الأصول: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(5) جامع الأصول: 4- 78 حديث 2064.
(6) بحار الأنوار 51- 160، 52- 142، و قد سلف في 8- 362 و 10- 353 و 361، و قد فصّلها شيخنا الأميني (رحمه الله) في الغدير 10- 358- 362، فراجع.
333
منع دوام سخطها (عليها السلام) على أبي بكر، مع روايتهم (1) تلك الأخبار في كتبهم المعتبرة.
و رِوَايَتِهِمْ (2): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ لَا بَايَعَهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا، وَ أَنَّهُ كَانَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) وَجْهٌ فِي النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ضَرَعَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ.
، رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (3)، وَ ذَكَرَهُ (4) فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5) فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْخِلَافَةِ فِي حَرْفِ الْخَاءِ.
و لا يخفى وهن هذا القول بعد ملاحظة ما تقدّم على ذي مسكة.
____________
(1) في (س): رواياتهم.
(2) في (س): و رواياتهم.
(3) صحيح مسلم 3- 1380، حديث 52.
(4) في (ك): ذكره- بدون الواو-.
(5) جامع الأصول 4- 103- 105، حديث 2078.
335
فصل في الكلام على ما يستفاد من أخبار الباب و التنبيه على ما ينتفع به طالب الحقّ و الصواب
و هو مشتمل على فوائد:
الأولى:
نقول: لا شكّ في عصمة فاطمة (عليها السلام)، أمّا عندنا فللإجماع القطعي المتواتر، و الأخبار المتواترة الآتية في أبواب مناقبها (عليها السلام) (1)، و أمّا الحجّة على المخالفين فبآية التطهير الدالة على عصمتها، و سيأتي إثبات نزول الآية في جماعة كانت داخلة فيهم، و دلالة الآية على العصمة في المجلد التاسع (2)، و بالأخبار المتواترة الدالّة على أنّ إيذاءها إيذاء الرسول (صلوات الله عليهما) (3)، و أنّ
____________
(1) بحار الأنوار: 43- 19- 79.
(2) بحار الأنوار: 35- 206- 236.
(3) سبق أن ذكرنا مصادر الحديث من كتب العامّة، و انظر أيضا الغدير 9- 387 و 7- 228 و 236.
336
اللّه تعالى يغضب لغضبها و يرضى لرضاها، و سيأتي في أبواب فضائلها (صلوات اللّه عليها)، و لنذكر هنا بعض ما رواه المخالفون في ذلك، فمنها:.
1- مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (1) فِي بَابِ مَنَاقِبِهَا (عليها السلام) عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا (2) أَغْضَبَنِي.
2- وَ رَوَى أَيْضاً (3) فِي أَبْوَابِ النِّكَاحِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يَقُولُ- وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: إِنَّ بَنِي هَاشِمِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي (4) فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ (5).
إِلَّا أَنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) (6) أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَ يَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَ يُؤْذِينِي مَنْ آذَاهَا (7).
3- وَ قَدْ رَوَى الْخَبَرَيْنِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (8).،
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (9) وَ الْبُخَارِيُ (10)
____________
(1) صحيح البخاريّ 5- 36، حديث 255، و مثله بنفس السّند فيه 5- 26 أيضا. و في طبعة عالم الكتب 5- 105، حديث 255، و أيضا 5- 92، حديث 209.
(2) وضع عليها في المطبوع: خ. ل. و جعل المتن في (س): أبغضها.
(3) البخاريّ في صحيحه 7- 48 [و في طبعة عالم الكتب 7- 65، حديث 159] و جاء أيضا في صحيح التّرمذيّ 5- 698، حديث 3867.
(4) في المصدر: استأذنوا.
(5) لا توجد: لهم، في المصدر.
(6) في المصدر: ابن أبي طالب.
(7) في المصدر: ما آذاها، و في ذيل الخبر: هكذا قال.
أقول: هذا حديث موضوع و لا أساس له البتّة، أريد منه الحطّ من مقام مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، و قد فصلّ القول فيه في أكثر من مورّد و كتاب في ما نسب إليه (صلوات الله عليه) من الرّغبة من الزواج من بنت أبي جهل، فراجع.
(8) صحيح مسلم 4- 1902- 1903، حديث 93. و لم نجد الحديث الأوّل في صحيح مسلم- لتحريف طبعاتهم الأخيرة!- و لقد أخذه شيخنا طاب ثراه من جامع الأصول- كما مرّ-.
(9) صحيح مسلم 4- 1903 كتاب فضائل الصّحابة، حديث 94.
(10) صحيح البخاريّ، كتاب فضائل الصّحابة: 12، 16، 29، و كتاب النّكاح: 109، و جاء في سنن أبي داود كتاب النّكاح، حديث 12، و ابن ماجة كتاب النّكاح 56 و غيرهم.
337
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا (1).
4- وَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي صَحِيحِهِ (2) عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً (ع) ذَكَرَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَ يُنْصِبُنِي مَا أَنْصَبَهَا.
و قد ذكر الروايات المذكورة ابن الأثير في جامع الأصول، مع روايات أخرى تؤيّدها (3).
5- وَ رَوَى فِي الْمِشْكَاةِ (4) عَنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي. قَالَ: وَ فِي رِوَايَةٍ: يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَ يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا.
ثم قال: متّفق عليه.
و روى ابن شهرآشوب في المناقب (5)، و السيّد في الطرائف (6)، و ابن بطريق في العمدة و المستدرك (7)، و عليّ بن عيسى في كشف الغمّة (8) و غيرهم أخبارا كثيرة في هذا المعنى من أصول المخالفين أوردتها في أبواب فضائلها.
و وجه الاستدلال بها على عصمتها (صلوات اللّه عليها) أنّه إذا كانت فاطمة (عليها السلام) ممّن تقارف الذنوب و ترتكبها لجاز إيذاؤها، بل إقامة الحدّ عليها لو
____________
(1) في طبعة (ك): من آذاها.
(2) صحيح التّرمذيّ 5- 698- 699 كتاب المناقب، حديث 3869، و مسند أحمد بن حنبل 4- 325 و 326.
(3) جامع الأصول 9- 125- 132، الأحاديث رقم 6671 إلى 6677.
(4) مشكاة المصابيح: 568.
(5) مناقب آل أبي طالب 3- 325 و 332 و 334.
(6) الطرائف في معرفة مذهب أهل الطوائف: 75- 247، فيما جرى على فاطمة (عليها السلام) من الأذى و الظلم و منعها من فدك.
(7) العمدة لابن بطريق في فصل مناقب سيّدة النساء فاطمة الزهراء عليها الصلاة و السلام: 383 391 من حديث 755- 777، و كتاب المستدرك لا زال مخطوطا حسب علمنا.
(8) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2- 5- 32.
338
فعلت معصية أو (1) ارتكبت ما يوجب حدّا، و لم يكن رضاها رضى للّه (2) سبحانه إذا رضيت بالمعصية، و لا من سرّها في معصية سارّا للّه سبحانه (3) و من أغضبها بمنعها عن ارتكابها مغضبا له جلّ شأنه.
فإن قيل: لعلّ المراد من آذاها ظلما فقد آذاني، و من سرّها في طاعة اللّه فقد سرّني .. و أمثال ذلك، لشيوع التخصيص في العمومات.
قلنا: أوّلا: التخصيص خلاف الأصل، و لا يصار إليه إلّا بدليل، فمن أراد التخصيص فعليه إقامة (4) الدليل.
و ثانيا: أنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها) تكون حينئذ كسائر المسلمين لم تثبت لها خصوصيّة و مزيّة في تلك الأخبار، و لا كان فيها لها تشريف و مدحة، و ذلك باطل بوجوه:
الأوّل: أنّه لا معنى حينئذ لتفريع كون إيذائها إيذاء الرسول على كونها بضعة منه، كما مرّ فيما صحّحه البخاري و مسلم من الروايات و غيرها.
الثاني: أنّ كثيرا من الأخبار السالفة المتضمّنة لإنكاره (صلّى اللّه عليه و آله) على بني هاشم (5) في أن ينكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أو إنكاح بنت أبي جهل ليس من المشتركات بين المسلمين، فإنّ ذلك النكاح كان ممّا أباحه اللّه سبحانه، بل ممّا رغّب فيه و حثّ عليه لو لا كونه إيذاء لسيّدة النساء، و قد علّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عدم الإذن كونها بضعة منه يؤذيه ما آذاها و يريبه ما يريبها، فظهر بطلان القول بعموم الحكم لكافة المسلمين.
الثالث: أنّ القول بذلك يوجب إلقاء كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) و خلوّه عن
____________
(1) في (س): و.
(2) في (ك): اللّه.
(3) خطّ على: سبحانه، في (س).
(4) في (ك): بإقامة.
(5) خ. ل: بني هشام.
339
الفائدة، إذ مدلوله حينئذ أنّ بضعته كسائر المسلمين، و لا يقول ذلك من أوتي حظّا من الفهم و الفطانة، أو اتّصف بشيء من الإنصاف و الأمانة، و قد أطبق محدّثوهم على إيراد تلك الروايات في باب مناقبها (صلوات اللّه عليها).
فإن قيل: أقصى ما يدلّ عليه الأخبار هو أنّ إيذاءها إيذاء للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و من جوّز صدور الذنب عنه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يأبى عن إيذائه إذا فعل ما يستحقّ به الإيذاء.
قلنا: بعد ما مرّ من الدلائل على عصمة الأنبياء (عليهم السلام) (1)، قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (2)، و قال سبحانه: وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ (3)، و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (4)، فالقول بجواز إيذائه (صلّى اللّه عليه و آله) ردّ لصريح القرآن، و لا يرضى به أحد من أهل الإيمان.
فإن قيل: إنّما دلّت الأخبار على عدم جواز إيذائها، و هو إنّما ينافي صدور ذنب عنها يمكن للناس الاطلاع عليه حتى يؤذيها نهيا عن المنكر، و لا ينافي صدور معصية عنها خفية فلا يدلّ على عصمتها مطلقا.
قلنا: نتمسّك في دفع هذا الاحتمال بالإجماع المركّب على أنّ ما جرى في قصّة فدك و صدر عنها من الإنكار على أبي بكر، و مجاهرتها بالحكم بكفره و كفر طائفة من الصحابة و فسقهم تصريحا و تلويحا، و تظلّمها و غضبها على أبي بكر و هجرتها و ترك كلامها حتى ماتت لو كانت معصية لكانت من المعاصي الظاهرة التي قد أعلنت بها على رءوس الأشهاد، و أيّ ذنب أظهر و أفحش من مثل هذا الردّ و الإنكار على الخليفة المفترض الطاعة على العالمين بزعمهم، فلا محيص لهم عن
____________
(1) بحار الأنوار: 17- 34- 97.
(2) التوبة: 61.
(3) الأحزاب: 53.
(4) الأحزاب: 57.
340
القول ببطلان خلافة خليفتهم العظمى تحرّزا عن إسناد هذه المعصية الكبرى إلى سيّدة النساء.
و نحتجّ أيضا في عصمتها (صلوات اللّه عليها) بالأخبار الدالّة على وجوب التمسّك بأهل البيت (عليهم السلام)، و عدم جواز التخلّف عنهم، و ما يقرب من هذا المعنى، و لا ريب في أنّ ذلك لا يكون ثابتا لأحد إلّا إذا كان معصوما، إذ لو كان ممّن يصدر عنه الذنوب لما جاز اتّباعه عند ارتكابها، بل يجب ردعه و منعه و إيذاؤه، و إقامة الحدّ عليه، و إنكاره بالقلب و اللسان، و كلّ ذلك ينافي ما حثّ عليه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصى به الأمّة في شأنهم، و سيأتي من الأخبار في ذلك ما يتجاوز حدّ التواتر، و لنذكر فيها قليلا ممّا أورده المخالفون في صحاحهم:.
6- رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1) عَنِ التِّرْمِذِيِّ مِمَّا رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ (2) عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِ (3) قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ عَرَفَةَ- وَ هُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ (4)- يَخْطُبُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
7- وَ رَوَى (5)- أَيْضاً-، عَنِ التِّرْمِذِيِ (6)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا (7)، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ، وَ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ،
____________
(1) جامع الأصول: 1- 277، حديث 65، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 1- 187.
(2) صحيح التّرمذيّ 5- 662، حديث 3786.
(3) لا توجد: الأنصاريّ، في المصدرين.
(4) في المصدر: القضواء.
(5) جامع الأصول: 1- 278، حديث 66، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 1- 187.
(6) صحيح التّرمذيّ 5- 663، حديث 3788، و حكاهما العلّامة الأمينيّ في غديره عن غيرهما.
انظر: الغدير 10- 278 و 7- 176 و غيرهما.
(7) في المصدرين: لن تضلّوا بعدي.
341
وَ عِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا!.
8- وَ رَوَى فِي الْمِشْكَاةِ (1) عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ- وَ هُوَ آخِذٌ بِبَابِ الْكَعْبَةِ-:
سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: أَلَا إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ.
9- وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) وَ الْمِشْكَاةِ (3) مِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِ (4)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ: أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ (5).
10- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) وَ مُسْلِمٌ (7) فِي صحيحهما [صَحِيحَيْهِمَا، وَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (8) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (9) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ قَرَابَتُكَ الَّذِينَ وَجَبَ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُمْ؟، قَالَ: عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ ابْنَاهُمَا ... (10)..
____________
(1) مشكاة المصابيح: 573.
(2) جامع الأصول، المجلّد العاشر، حديث: 6694 [طبعة الأرناووط: 9- 157، حديث 6707].
(3) مشكاة المصابيح: 569.
(4) صحيح التّرمذيّ: 5- 699، حديث 3870، و في طبعة أخرى حديث 3869، باب مناقب فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
(5) و قد أخرجه الحاكم عن زيد في مستدركه 3- 149، و الكنجيّ في الكفاية: 189 من طريق الطّبرانيّ، و الخوارزمي في المناقب: 90، و السّيوطيّ في ترتيبه 6- 216، و الخطيب في تاريخه 7- 137، و ابن عساكر في تاريخه 4- 316، و ابن حجر في صواعقه: 112، و ابن الصّباغ المالكيّ في فصوله: 11، و عد مصادر أخرى و طرقا متعدّدة العلّامة الأمينيّ في غديره 1- 336 و جاء بألفاظ مختلفة فراجع، و انظر منه المجلّد العاشر: 49، و الحادي عشر: 4، و موارد أخّر.
(6) صحيح البخاريّ في كتاب الوصايا باب: 11.
(7) صحيح مسلم في كتاب الجهاد باب: 139 و 140.
(8) مسند أحمد بن حنبل 1- 248 و 294 و 320.
(9) الشّورى: 23.
(10) جاء في أكثر من أربعين مصدرا عن طريق العامّة بهذا اللّفظ عدا ما أورده بألفاظ متعدّدة و مختلفة. انظر من باب المثال: الفصول المهمّة: 12، الكفاية للكنجي: 31، الصّواعق المحرقة: 101 و 135، نور الأبصار: 112، و المجمع للحافظ الهيثميّ: 168 و 169 و غيرها، و انظر: الغدير 2- 304- 311، و 3- 171- 175 و غيرها.
342
و سيأتي من الأخبار في ذلك ما يشبعك و يغنيك، و فيما ذكرنا كفاية للمنصف إن لم يكن يكفيك.:
الثانية:
في بيان ما يدلّ على كونها (صلوات اللّه عليها) محقّة في دعوى فدك، مع قطع النظر عن عصمتها، فنقول:
لا ريب على من (1) له أدنى تتبّع في الآثار، و تنزّل قليلا عن درجة التعصّب و الإنكار في أنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان يرى فدكا حقّا لفاطمة (عليها السلام)، و قد اعترف بذلك جلّ أهل الخلاف، و رووا أنّه (عليه السلام) شهد لها، و لذلك تراهم يجيبون تارة بعدم قبول شهادة الزوج، و تارة بأنّ أبا بكر لم يمض شهادة عليّ (عليه السلام) و شهادة أمّ أيمن لقصورها عن نصاب الشهادة، و قد ثبت بالأخبار المتظافرة عند الفريقين أنّ عليّا (عليه السلام) لا يفارق الحقّ و الحقّ لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار، و قد اعترف ابن أبي الحديد بصحّة هذا الخبر (2).
____________
(1) في (ك): لا ريب من ..
(2) في شرحه على نهج البلاغة: 9- 88، و انظر: مستدرك الحاكم 3- 124 حيث صحّحه، و كذا أقرّ به الذهبي، و حسّن سنده الطبراني في المعجم الوسيط، و لاحظ: الصواعق المحرقة: 74 و 75، و الجامع الصغير للسيوطي: 2- 140، و تاريخ الخلفاء له: 116، و فيض القدير: 4- 358، و تاريخ بغداد للخطيب 14- 321، و مجمع الزوائد 7- 236، و قد فصّل طرقه و مصادره شيخنا الأميني في غديره 3- 80- 175 تحت عنوان: نظرة في حديث عليّ مع الحقّ.
343
11- وَ رَوَى ابْنُ بِطْرِيقٍ (1) عَنِ السَّمْعَانِيِّ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (2) بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ.
12- وَ رَوَى ابْنُ شِيرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ (3)، بِالْإِسْنَادِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): رَحِمَ اللَّهُ عَلِيّاً، اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ.
و قد روى عليّ بن عيسى في كشف الغمّة (4)، و ابن شهر آشوب في المناقب (5)، و ابن بطريق في المستدرك و العمدة (6)، و العلّامة (رحمه الله) في كشف الحقّ (7) .. و غيرهم في غيرها أخبارا كثيرة من كتب المخالفين في ذلك، و سنوردها بأسانيدها في المجلد التاسع (8).
فهل يشكّ عاقل في حقيّة دعوى كان المدّعي فيها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين باتّفاق المخالفين و المؤالفين، و الشاهد لها أمير المؤمنين الذي
قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهِ: إِنَّ الْحَقَّ لَا يُفَارِقُهُ، وَ إِنَّهُ الْفَارُوقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، وَ إِنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَ مَنْ تَرَكَهُ تَرَكَ الْحَقَ (9).
و .. غير ذلك ممّا سيأتي
____________
(1) لم نجد الرّواية في العمدة بعد بحث أكثر من مرّة، و ما وجدناه فيه: 285 قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار. و لعلّ ابن بطريق ذكره في المستدرك الّذي لا نعلم بطبعه، نعم حكاه العلّامة المجلسيّ عن مستدركه في بحار الأنوار 38- 39.
(2) فضائل الصّحابة للسّمعانيّ.
(3) الفردوس 2- 390 ذيل حديث رقم 3050 (دار الكتاب العربيّ).
(4) كشف الغمّة 1- 143- 144.
(5) المناقب 3- 60- 62.
(6) العمدة لابن بطريق 383- 391، و المستدرك لا نعلم بطبعه، و حكاه في البحار (الطبعة الحديثة) 38- 31 و 32 و 39، فراجع.
(7) كشف الحقّ: 88، ذيل رواية الغدير، و فيها .. و أدر الحقّ مع عليّ كيفما دار ..
(8) بحار الأنوار 38- 26- 40.
(9) قد مرّت مصادر الحديث، و انظر: الغدير 3- 176- 179.
344
في أبواب فضائله و مناقبه (عليه السلام) (1).
و أمّا فضائل فاطمة (عليها السلام) فتأتي الأخبار المتواترة من الجانبين في المجلد التاسع و المجلد العاشر (2).
13- وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (3) مِنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِ (4)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.
14- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (5) وَ مُسْلِمٌ (6) وَ التِّرْمِذِيُ (7) وَ أَبُو دَاوُدَ (8) فِي صِحَاحِهِمْ عَلَى مَا رَوَاهُ (9) فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (10)- فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ- قَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام): يَا فَاطِمَةُ! أَ مَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْأُمَّةِ (11)؟!.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رَوَاهَا الْبُخَارِيُ (12) وَ مُسْلِمٌ (13): أَ مَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي
____________
(1) بحار الأنوار 35- 206- 429 و 36- 162- 163، و المجلد السابع و الثلاثون طرّا، و 38- 26 40 و 125 إلى آخر المجلد، و المجلد التاسع و الثلاثون كلّا و 40- 1- 125.
(2) بحار الأنوار 35- 206- 225 و 237- 255، 37- 35- 97، 43- 19- 79.
(3) جامع الأصول 9- 125، حديث 6670، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 9- 81، حديث 6658، و في مسند أحمد 3- 135، و مستدرك الحاكم 3- 157- 158.
(4) صحيح التّرمذيّ 5- 703، حديث 3878.
(5) صحيح البخاريّ 8- 79.
(6) صحيح مسلم 4- 1904- 1906، حديث 98- 99.
(7) صحيح التّرمذيّ 5- 700- 701، حديث 3872- 3873، باختلاف.
(8) صحيح أبي داود 4- 355، حديث 5217.
(9) نسخة بدل: على ما حكاه، جاءت في طبعة (ك).
(10) جامع الأصول 9- 129- 131، حديث 6677، و في طبعة دار إحياء التّراث العربيّ 10- 85 في ضمن حديث 6665.
(11) في جامع الأصول: نساء هذه الأمّة.
(12) صحيح البخاريّ 4- 248، و في طبعة عالم الكتاب 5- 55 ضمن حديث 126.
(13) صحيح مسلم 4- 1904، حديث 97 باختلاف، و لم أعثر على حديث آخر أنسب منه.
345
سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ (1) وَ أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقاً بِي.
15- وَ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (2) فِي تَرْجَمَةِ خَدِيجَةَ (عليها السلام) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ:
مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ ابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
- وَ عَنْ أَنَسٍ: أنَهُنَّ خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ
. 18- وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ثُمَّ قَالَ: أَ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (3) خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ (ص)، وَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (4).
19- وَ رَوَى (5) فِي تَرْجَمَةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)- بِالْإِسْنَادِ- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَادَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَ هِيَ مَرِيضَةٌ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَجِدِينَكِ يَا بُنَيَّةِ؟ قَالَتْ: إِنِّي لَوَجِعَةٌ، وَ إِنِّي (6) لَيَزِيدُنِي أَنِّي مَا لِي طَعَامٌ آكُلُهُ، قَالَ: يَا بُنَيَّةِ! أَ لَا تَرْضَيْنَ (7) أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَتْ: يَا أَبَهْ! فَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ؟ قَالَ: تِلْكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَ أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِكِ،
____________
(1) و في صحيح البخاريّ: أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك، و إنّك أوّل النّاس لحوقا بي، جاءت في حديث آخر.
(2) الاستيعاب- المطبوع في هامش الإصابة- 4- 284- 285.
(3) في المصدر زيادة: أربع، و هو الظّاهر.
(4) حكاها في الاستيعاب بأسانيدها، و اختصرها شيخنا (قدّس سرّه) هنا، و تجد هناك روايات بهذا المضمون، فلاحظ.
(5) الاستيعاب- المطبوع في حاشية الإصابة- 4- 375- 376.
(6) في المصدر: و إنّه.
(7) في الاستيعاب: أ ما ترضين.
346
أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّداً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.
20- وَ قَالَ الْبُخَارِيُ (1) فِي عُنْوَانِ بَابِ مَنَاقِبِ قَرَابَةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
21- وَ رَوَى مِنْ طَرِيقِ أَصْحَابِنَا الْكَرَاجُكِيُّ فِي كَنْزِ الْفَوَائِدِ (2)، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ (3)، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ يَظْلِمُ بَعْدِي فَاطِمَةَ ابْنَتِي وَ يَغْصِبُهَا حَقَّهَا وَ يَقْتُلُهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ! أَبْشِرِي فَلَكِ عِنْدَ اللَّهِ مَقَامٌ مَحْمُودٌ تَشْفَعِينَ فِيهِ لِمُحِبِّيكِ وَ شِيعَتِكِ فَتُشَفَّعِينَ، يَا فَاطِمَةُ! لَوْ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ وَ كُلَّ مَلَكٍ قَرَّبَهُ شَفَعُوا فِي كُلِّ مُبْغِضٍ لَكِ غَاصِبٍ لَكِ مَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أَبَداً.
الثالثة:
في أنّ فدكا كانت نحلة لفاطمة (عليها السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ أبا بكر ظلمها بمنعها.
قال أصحابنا (رضوان اللّه عليهم): كانت فدك ممّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بعد فتح خيبر، فكانت خاصّة له (صلّى اللّه عليه و آله) إذ لم يوجف عليها ب خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ، و قد وهبها لفاطمة (صلوات اللّه عليها) و تصرّف فيها وكلاؤها و نوابها، فلما
____________
(1) صحيح البخاريّ 5- 25 و 36 في باب مناقب فاطمة (عليها السلام)، و في طبعة عالم الكتاب 5- 91.
(2) كنز الفوائد- طبعة دار الأضواء، بيروت- 1- 150 قطعة من حديث.
(3) جاء السّند في الكنز هكذا: عن أبي الحسن بن شاذان قال: حدّثني أبي رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا ابن الوليد محمّد بن الحسن، قال: حدّثنا الصّفّار محمّد بن الحسن، قال: حدّثنا محمّد بن زياد، عن مفضّل بن عمر.
347
غصب أبو بكر الخلافة انتزعها، فجاءته فاطمة (عليها السلام) مستعدية فطالبها بالبيّنة فجاءت بعليّ و الحسنين (صلوات الله عليهم) و أمّ أيمن المشهود لها بالجنّة (1)، فردّ شهادة أهل البيت (عليهم السلام) بجرّ النفع، و شهادة أمّ أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة، ثم ادّعتها على وجه الميراث فردّ عليها بما مرّ و سيأتي، فغضبت عليه و على عمر فهجرتهما، و أوصت بدفنها ليلا لئلّا يصلّيا عليها، فأسخطا بذلك ربّهما و رسوله و استحقّا أليم النكال و شديد الوبال، ثم لمّا انتهت الإمارة إلى عمر ابن عبد العزيز ردّها على بني فاطمة (عليها السلام)، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك، ثم دفعها السفّاح إلى الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهديّ، ثم قبضها الهادي، ثم ردّها المأمون (2) لمّا جاءه رسول بني فاطمة فنصب وكيلا من قبلهم و جلس محاكما فردّها عليهم (3)، و في ذلك يقول دعبل الخزاعي:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا* * * بردّ مأمون هاشما فدكا (4)
____________
(1) جاءت القصّة مفصّلة في الغدير 7- 191 و ما بعدها عن عدّة مصادر من العامّة.
(2) أقول: ردّها المأمون على الفاطميّين سنة 210 ه، و كتب بذلك إلى القثم بن جعفر- عامله في المدينة- كتابا، و لما استخلف المتوكل أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون، انظر: فتوح البلدان للبلاذري: 239- 241، تاريخ اليعقوبي 3- 48، العقد الفريد 2- 323، معجم البلدان 6- 344، تاريخ ابن كثير 9- 200، شرح ابن أبي الحديد 4- 103، تاريخ الخلفاء للسيوطي:
154، جمهرة رسائل العرب 3- 510، أعلام النساء 3- 1211 و غيرها، بل ألّفت كتب كثيرة في الباب: ك (فدك) للسيّد محمّد حسين الموسوي القزوينيّ، و (فدك في التاريخ) للسيّد محمّد باقر الصدر، و غيرهما.
(3) انظر الآراء المتضاربة حول فدك في كتاب الغدير 7- 194- 197 و غيره.
(4) ديوان دعبل الخزاعيّ: 247- 248، و انظر: معجم البلدان 4- 239، و شرح النهج لابن أبي الحديد 4- 81، أمالي السيّد المرتضى 2- 92، العقد الفريد 6- 214 [5- 375]، الأغاني 18- 32، معجم الأدباء 4- 197، وفيات الأعيان 1- 179 [2- 36]، مرآة الجنان 2- 146، شذرات الذهب 2- 112، النجوم الزاهرة 2- 323، تاريخ بغداد 8- 384، طبقات الشعراء:
73، تاريخ دمشق 5- 229، لسان الميزان 2- 430 .. و عشرات المصادر الأخرى.
348
و لنبيّن خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه:
أمّا أنّ فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فممّا لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبارنا لمخالفين (1) ما فيه كفاية، و نزيده وضوحا بما رواه في:.
22- جَامِعُ الْأُصُولِ (2) مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ صَحِيحِ أَبِي دَاوُدَ (3) عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ* مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً قُرَى عُرَيْنَةَ (4) وَ فَدَكُ وَ كَذَا وَ كَذَا .. يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَ الْكُرَاعِ عَدَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ تَلَا: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ ... الْآيَةَ (5).
23- وَ رَوَى أَيْضاً (6) عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ عُمَرُ أَنْ قَالَ:
كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وَ خَيْبَرُ وَ فَدَكُ ..
إلى آخر الخبر.
24- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7) فِي شَرْحِ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ يَحْقُنَ دِمَاءَهُمْ وَ يُسَيِّرَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَهْلُ (8) فَدَكَ
____________
(1) كذا، و الظاهر: أخبار المخالفين، أو: أخبارا من المخالفين، أو: لمخالفينا.
(2) جامع الأصول 2- 707 ضمن حديث 1202، باختلاف.
(3) سنن أبي داود 3- 141، انظر حديثي 2965- 2966، و لعلّه حدث خلط أو سقط عند النّقل أو ما شابه هذا، فليلاحظ جيّدا.
(4) قال في القاموس 4- 247: و عرينة- كجهينة-: قبيلة، و انظر: معجم البلدان 4- 115، و قال فيه: و قيل قرى بالمدينة .. إلى آخره.
(5) الحشر: 7.
(6) في جامع الأصول 2- 706 ضمن حديث 1202، و سنن أبي داود 3- 141، حديث 2967.
(7) في شرح النّهج 16- 210، باختلاف يسير.
(8) في المصدر: ففعل فسمع ذلك أهل ..
349
فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ قَالَ (1): وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَكَ فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَالِحُونَهُ (2) عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرَ أَوْ بِالطَّرِيقِ أَوْ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ (3) فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً (4) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ قَالَ: وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا كُلِّهَا، وَ اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ، انتهى.
و سيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع عليّ (عليه السلام) و العباس.
و أمّا أنّه وهبها لفاطمة (عليها السلام)، فلأنّه لا خلاف في أنّها (صلوات اللّه عليها) ادّعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالأدلّة المتقدّمة، و شهد له (5) من ثبتت عصمته بالأدلّة الماضية و الآتية، و المعصوم لا يدّعي إلّا الحقّ، و لا يشهد إلّا بالحقّ، و يدور الحقّ معه حيثما دار.
و أمّا أنّها كانت في يدها (صلوات اللّه عليها) فلأنّها ادّعتها بعد وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على وجه الاستحقاق، و شهد المعصوم بذلك لها، فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب- كما هو المشهور- ثبت القبض، و إلّا فلا حاجة إليه في إثبات المدّعى، و قد مرّ من الأخبار الدالّة على نحلتها، و أنّها كانت في يدها (عليها السلام) ما يزيد على كفاية المصنف، بل يسدّ طريق إنكار
____________
(1) في شرحه على النّهج 16- 210، باختلاف كثير.
(2) في المصدر: فصالحوه.
(3) في شرح النّهج: أقام بالمدينة.
(4) في المصدر: خالصة.
(5) كذا، و الظاهر: لها.
350
المتعسّف.
و يدلّ على أنّها كانت في يدها (صلوات اللّه عليها)
ما ذكر أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كِتَابِهِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ (1) حَيْثُ قَالَ: بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ، مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ (2)، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ.
و أمّا أنّ أبا بكر و عمر أغضبا فاطمة (عليها السلام)، فقد اتّضح بالأخبار المتقدّمة.
ثم اعلم أنّا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و لا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلّا ما تفطّن به بعض الأفاضل من الأشارف، مع أنّه يظهر من كثير من أخبار المؤالف و المخالف ذلك، و قد تقدّم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد ابن عبد العزيز الجوهري و غيرها من الأخبار، و لا يخفى أنّ ذلك يتضمّن إنكار الآية و إجماع المسلمين، إذ القائل بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصرف شيئا من غلّة فدك و غيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين لم يقل بأنّها لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل قال: بأنّه فعل ذلك على وجه التفضّل و ابتغاء مرضاة اللّه تعالى، و ظاهر الحال أنّه أنكر ذلك دفعا لصحّة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادّعائه أنّها كانت من أموال المسلمين.
و اعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة ...
الأوّل: منع عصمتها (صلوات اللّه عليها)، و قد تقدّمت الدلائل المثبتة لها.
الثاني: أنّه (3) لو سلّم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرّد دعواها و إن
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده، طبعة مصر، مطبعة الاستقامة- 2- 79 ضمن الكتاب رقم 45، و في طبعة الأعلمي 3- 71، و في طبعة الدّكتور صبحي الصّالح: 417 ضمن الكتاب المذكور.
(2) في طبعة صبحي الصّالح من النّهج: نفوس قوم آخرين.
(3) في (ك) وضع على: أنّه، خ. ل. رمز نسخة بدل.
351
تيقّن صدقها.
و أجاب أصحابنا بالأدلّة الدالّة على أنّ الحاكم يحكم بعلمه.
و أيضا اتّفقت الخاصّة و العامّة على رواية قصّة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبيّ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه (2)، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.
- وَ قَدْ رَوَى (3) أَصْحَابُنَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) خَطَّأَ شُرَيْحاً فِي طَلَبِ الْبَيِّنَةِ مِنْهُ (4)، وَ قَالَ: إِنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ يُؤْتَمَنُ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَ أَخَذَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ دِرْعِ طَلْحَةَ بِغَيْرِ حُكْمِ شُرَيْحٍ،.
و المخالفون حرّفوا هذا الخبر و جعلوه حجّة لهم.
و اعتذروا بوجوه أخرى سخيفة لا يخفى على عاقل- بعد ما أوردنا في تلك الفصول- ضعفها و وهنها، فلا نطيل الكلام بذكرها.
الرابعة:
في توضيح بطلان ما ادّعاه أبو بكر من عدم توريث الأنبياء (عليهم السلام):.
استدلّ أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن:
____________
(1) في (س): بالنبيّ.
(2) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 4- 378- 381، تهذيب التهذيب لابن حجر 3- 121 برقم 267، و الدرجات الرفيعة للسيّد علي خان الشيرازي: 310- 314، و الاختصاص للمفيد: 64، و الكافي 7- 400- 401 حديث 1 و غيرها.
(3) في المناقب لابن شهرآشوب 2- 105- 106، نقلا عن الأحكام الشّرعيّة للخزاز القمّيّ عليّ بن محمّد، و في: من لا يحضره الفقيه 7- 63، حديث 213، و في التّهذيب 6- 273- 275، حديث 747، و في الاستبصار 3- 34، حديث 117، و في الكافي 7- 385، حديث 5.
(4) لا توجد في (س): منه.
352
الأولى:
قوله تعالى مخبرا عن زكريّا (عليه السلام) (1): وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (2).
قوله تعالى: «وَلِيًّا» أي ولدا يكون أولى بميراثي، و ليس المراد بالولي من يقوم مقامه، ولدا كان أو غيره، لقوله تعالى حكاية عن زكريّا: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً (3). و قوله: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى (4). و القرآن يفسّر بعضه بعضا.
و اختلف المفسّرون في أنّ المراد بالميراث العلم أو المال؟.
فقال ابن عباس و الحسن و الضحّاك أنّ المراد به في قوله تعالى: «يَرِثُنِي.»
و قوله سبحانه: وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. (5) ميراث المال (6)، و قال أبو صالح:
المراد به في الموضعين ميراث النبوّة (7). و قال السدّي و مجاهد و الشعبي: المراد به في الأوّل ميراث المال و في الثاني ميراث النبوّة، و حكي هذا القول عن ابن عباس و الحسن و الضحّاك (8)، و حكي عن مجاهد أنّه قال: المراد من الأوّل العلم و من الثاني النبوّة (9).
____________
(1) استدلّ بهذه الآية الشيخ الطوسيّ في التبيان 7- 106، و الطبرسيّ في مجمع البيان 3- 503، و السيّد المرتضى في الشافي 4- 60- 65، و غيرهم في غيرها.
(2) مريم: 6.
(3) آل عمران: 38.
(4) الأنبياء: 89- 90.
(5) مريم: 6.
(6) كما في تفسير الفخر الرازيّ 21- 184.
(7) جاء في التفسير الكبير 21- 184، و أحكام القرآن للجصّاص 3- 216، و تفسير الطبريّ 16- 37.
بتغيير في اللفظ.
(8) حكى هذا القول عنهم في التفسير الكبير 21- 184، و عن ابن عبّاس في أحكام القرآن للجصّاص 3- 216، و في زاد المسير لابن الجوزي 5- 209.
(9) كما قاله في تفسير الفخر الرازيّ 21- 184.
353
و أمّا وجه دلالة الآية على المراد، فهو أنّ لفظ الميراث في اللغة و الشريعة و العرف إذا أطلق و لم يقيّد لا يفهم منه إلّا الأموال و ما في معناها و لا يستعمل في غيرها إلّا مجازا، و كذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلّا من ينتقل إليه أمواله و ما يضاهيها دون العلوم و ما يشاكلها، و لا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ و حقيقته إلّا لدليل، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين لكفى في مطلوبنا، كيف و القرائن الدالّة على المقصود موجودة في اللفظ؟!.
أمّا أوّلا: فلأنّ زكريّا (عليه السلام) اشترط في وارثه أن يكون رضيّا، و إذا حمل الميراث على العلم و النبوّة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا عبثا، لأنّه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم و النبوّة فقد دخل في سؤاله الرضا و ما هو أعظم منه فلا معنى لاشتراطه، أ لا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللّهمّ ابعث إلينا نبيّا و اجعله مكلّفا عاقلا؟!.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الخوف من بني العم و من يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوّة و العلم، و كيف يخاف مثل زكريّا (عليه السلام) من أن يبعث اللّه تعالى إلى خلقه نبيّا يقيمه مقام زكريّا و لم يكن أهلا للنبوّة و العلم، سواء كان من موالي زكريّا أو من غيرهم؟، على أنّ زكريّا (عليه السلام) كان إنّما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في (1) بعثته.
فإن قيل: كيف يجوز على مثل زكريّا (عليه السلام) الخوف من أن يرث الموالي ماله؟ و هل هذا إلّا الضنّ و البخل؟.
قلنا: لمّا علم زكريّا (عليه السلام) من حال الموالي أنّهم من أهل الفساد، خاف أن ينفقوا أمواله في المعاصي و يصرفوه في غير الوجوه المحبوبة، مع أنّ في وراثتهم ماله كان يقوّي فسادهم و فجورهم، فكان خوفه خوفا من قوّة الفسّاق
____________
(1) و جاءت في (ك) نسخة بدل: من.
354
و تمكّنهم في سلوك الطرائق المذمومة، و انتهاك محارم اللّه عزّ و جلّ، و ليس مثل ذلك من الشحّ و البخل.
فإن قيل: كما جاز الخوف على المال من هذا الوجه (1) جاز الخوف على وراثتهم العلم لئلّا يفسدوا به الناس و يضلّوهم، و لا ريب في أنّ ظهور آثار العلم فيهم كان من دواعي اتّباع الناس إيّاهم و انقيادهم لهم.
قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي ذكرتموه من أن يكون هو كتبا علميّة و صحفا حكمية، لأنّ ذلك قد يسمّى علما مجازا، أو يكون هو العلم الذي يملأ القلوب و تعيه الصدور، فإن كان الأوّل، فقد رجع إلى معنى المال و صحّ أنّ الأنبياء (عليهم السلام) يورثون الأموال، و كان حاصل خوف زكريّا (عليه السلام) أنّه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعا خاصّا من الانتفاع، فسأل ربّه أن يرزقه الولد حذرا من ذلك، و إن كان الثاني، فلا يخلو- أيضا- من أن يكون هو العلم الذي بعث النبيّ لنشره و أدائه إلى الخلق، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلّق لشريعة و لا يجب اطّلاع الأمّة عليه كعلم العواقب و ما يجري في مستقبل الأوقات .. و نحو ذلك.
و القسم الأوّل: لا يجوز أن يخاف النبيّ من وصوله إلى بني عمّه- و هم من جملة أمّته المبعوث إليهم لأن يهديهم و يعلّمهم- و كان خوفه من ذلك خوفا من غرض البعثة.
و القسم الثاني: لا معنى للخوف من أن يرثوه إذ كان أمره بيده، و يقدر على أن يلقيه إليهم، و لو صحّ الخوف على القسم الأوّل لجرى ذلك فيه أيضا، فتأمّل.
هذا خلاصة ما ذكره السيّد المرتضى رضي اللّه عنه في الشافي عند تقرير هذا الدليل (2)، و ما أورد عليه من تأخّر عنه يندفع بنفس التقرير، كما لا يخفى على
____________
(1) لا توجد في (س): من هذا الوجه.
(2) الشافي 229- الحجريّة- [الطبعة الجديدة 4- 63- 66].
355
الناقد البصير، فلذا لا نسوّد بإيرادها الطوامير.
الآية الثانية:
قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (1).
وجه الدلالة، هو أنّ المتبادر من قوله تعالى- ورثه-، أنّه ورث ماله (2) كما سبق في الآية المتقدّمة، فلا يعدل عنه إلّا لدليل.
و أجاب قاضي القضاة في المغني (3): بأنّ في الآية ما يدلّ على أنّ المراد وراثة العلم دون المال، و هو قوله تعالى: وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (4) فإنّه يدلّ على أنّ الذي ورث هو هذا (5) العلم و هذا الفضل، و إلّا لم يكن لهذا تعلّق بالأوّل.
و قال الرازي في تفسيره: لو قال تعالى: ورث سليمان داود ماله، لم يكن لقوله تعالى: وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (6) معنى، و إذا قلنا ورث مقامه من النبوّة و الملك حسن ذلك، لأنّ علم منطق الطير يكون داخلا في جملة ما ورثه، و كذلك قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (7) لأنّ وارث العلم يجمع ذلك و وارث المال لا يجمعه، و قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (8) يليق أيضا بما ذكر دون المال الذي يحصل للكامل و الناقص، و ما ذكره اللّه تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلّا بما ذكرنا، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنّه لا يورث إلّا المال، فأمّا إذا ورث المال و الملك معا فهذا لا يبطل بالوجوه الذي ذكرنا، بل بظاهر
قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ (9).
____________
(1) النمل: 16.
(2) نقله عن الحسن في تفسير الفخر الرازيّ 24- 186، و في مجمع البيان 4- 214.
(3) المغني، الجزء الأول المتمم للعشرين: 330، بتصرف و اختصار.
(4) النمل: 16.
(5) في المصدر: فنبه على أنّ الذي هو ورث هذا ..
(6) النمل: 16.
(7) النمل: 16.
(8) النمل: 16.
(9) كما جاء في تفسير الفخر الرّازيّ 24- 186.
356
و ردّ السيّد المرتضى رضي اللّه عنه في الشافي (1) كلام المغني بأنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة، ثم يقول مع ذلك: إنّا عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ (2)، و يشير بالفضل المبين (3) إلى العلم و المال جميعا، فله في الأمرين جميعا فضل على من لم يكن كذلك، و قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (4) يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص لما ظنّه، و لو سلم دلالة الكلام على العلم لما ذكره، فلا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر، و العلم بهذا النوع من الاستدلال فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة- التي هي الأصل- إذا لم يمنع من ذلك مانع.
و قد ظهر بما ذكره السيّد (قدّس سرّه) بطلان قول الرازي أيضا (5)، و كان القاضي يزعم أنّ العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلّق بما عطف عليه و انقطع نظام الكلام.
و ما اشتهر (6) من أنّ التأسيس أولى من التأكيد من الأغلاط المشهورة، و كأنّ الرازي يذهب إلى أنّه لا معنى للعطف إلّا إذا كان المعطوف داخلا في المعطوف عليه، فعلى أيّ شيء يعطف حينئذ قوله تعالى: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (7)؟
فتدبّر.
و أمّا قوله: إنّ المال يحصل للكامل و الناقص، فلو حمل الميراث على المال لم يناسبه قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (8).
فيرد عليه أنّه إنّما يستقيم إذا كانت الإشارة إلى أوّل الكلام فقط- و هو وراثة المال- و بعده ظاهر، و لو كانت الإشارة إلى مجموع الكلام- كما هو الظاهر- أو إلى
____________
(1) الشافي 232- حجريّة- [الطبعة الجديدة 2- 79] بتصرف و اختصار.
(2) النمل: 16.
(3) النمل: 16.
(4) النمل: 16.
(5) في تفسيره الكبير 24- 186.
(6) و ما اشتهر عطف على اسم (أن) أعني العطف، و يكون المعنى: كان القاضي يزعم أنّ ما اشتهر ..
(7) النمل: 16.
(8) النمل: 16.
357
أقرب الفقرات- أعني قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (1)- لم يبق لهذا الكلام مجال، و كيف لا يليق دخول المال في جملة المشار إليه، و قد منّ اللّه تعالى على عباده في غير موضع من كلامه المجيد بما أعطاهم في الدنيا من صنوف الأموال، و أوجب على عباده الشكر عليه، فلا دلالة فيه على عدم إرادة وراثة المال سواء كان من كلام سليمان أو كلام الملك المنّان.
و قد ظهر بذلك بطلان قوله أخيرا: إنّ ما ذكره اللّه تعالى من جنود سليمان لا يليق إلّا بما ذكرنا، بل الأظهر أنّ حشر الجنود من الجن و الإنس و الطير قرينة على عدم إرادة الملك من قوله: وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (2)، فإنّ تلك الجنود لم تكن لداود حتى يرثها سليمان، بل كانت عطيّة مبتدأة من اللّه تعالى لسليمان (عليه السلام)، و قد أجرى اللّه تعالى على لسانه أخيرا الاعتراف بأنّ ما ذكره لا يبطل قوله من حمل الآية على وراثة الملك و المال معا، فإنّه يكفينا في إثبات المدّعى، و سيأتي الكلام في الحديث الذي تمسّك به.
الآية الثالثة:
ما يدلّ على وراثة الأولاد و الأقارب، كقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (3)، و قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (4)، و قد أجمعت الأمّة على عمومها (5) إلّا من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها إلّا إذا قامت دلالة قاطعة، و قد قال سبحانه
____________
(1) النمل: 16.
(2) النمل: 14.
(3) النساء: 7.
(4) النساء: 11.
(5) كما صرّح بذلك في تفسير الكشّاف 1- 502 و 505، و تفسير زاد المسافرين لابن الجوزي 2- 18 و 25، و أحكام القرآن للزجّاج 2- 15 و 18، و تفسير الفخر الرازيّ 9- 194 و 203، و تفسير الطبريّ 4- 177 و 185، و تفسير القمّيّ 1- 131- 132، و التبيان للشيخ الطوسيّ 3- 120 و 128، و مجمع البيان 2- 10 و 14 و غير ذلك.
358
عقيب آيات الميراث: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (1)، و لم يقم دليل على خروج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن حكم الآية، فمن تعدّى حدود اللّه (2) في نبيّه يدخله اللّه النار خالدا فيها و له العذاب المهين.
و أجاب المخالفون بأنّ العمومات مخصّصة بما رواه
أَبُو بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ قَوْلِهِ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (3).
قال صاحب المغني (4): لم يقتصر أبو بكر على رواية حتى استشهد عليه عمر (5) و عثمان و طلحة و الزبير و سعد أو (6) عبد الرحمن بن عوف فشهدوا به، فكان لا يحلّ لأبي بكر و قد صار الأمر إليه أن يقسّم التركة ميراثا، و قد أخبر الرسول (ص) بأنّها صدقة و ليس (7) بميراث، و أقلّ ما في الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقّا أ ليس كان يجب أن يصرفه عن الإرث؟ فعلمه بما قال الرسول (ص) مع شهادة غيره أقوى، و لسنا نجعله مدّعيا (8)، لأنّه لم يدع ذلك لنفسه، و إنّما بيّن أنّه ليس بميراث و أنّه صدقة، و لا يمتنع تخصيص القرآن بذلك كما يخصّ في العبد و القاتل و غيرهما.
و يرد عليه أنّ الاعتماد في تخصيص الآيات إمّا على سماع أبي بكر ذلك الخبر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يجب على الحاكم أن يحكم بعلمه، و إمّا على
____________
(1) النساء: 13- 14.
(2) في (س): حدّ اللّه.
(3) مرّت مصادر الحديث كرارا، و انظر: الغدير 6- 190 مثالا.
(4) المغني، الجزء الأول المتمم للعشرين 328- 329، باختلاف يسير.
(5) في المصدر: لم يقتصر على روايته حتّى استشهد أصحاب رسول اللّه، فشهد بصدقه عمر ..
(6) في المغني: الواو بدلا من أو.
(7) قد تقرأ الكلمة في (ك): ليست، و هو الظاهر.
(8) في المصدر: بدعيا.
359
شهادة من زعموهم شهودا على الرواية، أو على مجموع الأمرين، أو على سماعه من حيث الرواية مع انضمام الباقين إليه.
فإن كان الأوّل فيرد عليه وجوه من الإيراد:
الأوّل:
ما ذكره السيّد رضي اللّه عنه في الشافي (1) من أنّ أبا بكر في حكم المدّعي لنفسه و الجارّ إليها نفعا في حكمه، لأنّ أبا بكر و سائر المسلمين سوى أهل البيت (عليهم السلام) تحلّ لهم الصدقة، و يجوز أن يصيبوا منها، و هذه تهمة في الحكم و الشهادة.
ثم قال (رحمه الله تعالى): و ليس له أن يقول هذا يقتضي أن لا تقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة بمثل ما ذكرتم، و ذلك لأنّ الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظّهما منها كحظّ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين، و ليس كذلك حال تركة الرسول (2) (ص)، لأنّ كونها صدقة يحرّمها على ورثته و يبيحها لسائر المسلمين، انتهى.
و لعلّ مراده (رحمه الله) أنّ لحرمان الورثة في خصوص تلك المادّة شواهد على التهمة، بأن كان غرضهم إضعاف جانب أهل البيت (عليهم السلام) لئلّا يتمكّنوا من المنازعة في الخلافة و لا يميل الناس إليهم لنيل الزخارف الدنيويّة، فيكثر أعوانهم و أنصارهم، و يظفروا بإخراج الخلافة و الإمارة من أيدي المتغلّبين، إذ لا يشكّ أحد ممّن نظر في أخبار العامّة و الخاصّة في أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في ذلك الوقت طالبا للخلافة مدّعيا لاستحقاقه لها، و أنّه لم يكن انصراف الأعيان و الأشراف عنه و ميلهم إلى غيره إلّا لعلمهم بأنّه لا يفضّل أحدا منهم على ضعفاء المسلمين، و أنّه يسوّي بينهم في العطاء و التقريب، و لم يكن انصراف سائر الناس عنه إلّا لقلّة ذات يده، و كون المال و الجاه مع غيره.
____________
(1) الشافي: 230- الحجرية- [الطبعة الجديدة 4- 68] بتصرف و اختصار.
(2) كذا في المصدر، و في (س): رسول اللّه.
360
و الأولى أن يقال في الجواب، إنّه لم تكن التهمة لأجل أنّ له حصّة (1) في التركة، بل لأنّه كان يريد أن يكون تحت يده، و يكون حاكما فيه يعطيه من يشاء و يمنعه من يشاء.
و يؤيّده
- قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ- فِيمَا رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (3) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ لَهَا:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيّاً طُعْمَةً فَهُوَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ.
و لا ريب في أنّ ذلك ممّا يتعلّق به الأغراض، و يعدّ من جلب المنافع، و لذا لا تقبل شهادة الوكيل فيما هو وكيل فيه و الوصيّ فيما هو وصيّ فيه.
و قد ذهب قوم إلى عدم جواز الحكم بالعلم مطلقا، لأنّه مظنّة التهمة، فكيف إذا قامت القرائن عليه من عداوة و منازعة و إضعاف جانب و .. نحو ذلك؟.
و العجب أنّ بعضهم في باب النحلة منعوا- بعد تسليم عصمة فاطمة (عليها السلام)- جواز الحكم بمجرّد الدعوى و علم الحاكم بصدقها، و جوّزوا الحكم بأنّ التركة صدقة للعلم بالخبر مع معارضته للقرآن، و قيام الدليل على كذبه.
الثاني:
أنّ الخبر معارض (4) للقرآن لدلالة الآية في شأن زكريّا (عليه السلام) و داود (عليه السلام) على الوراثة، و ليست الآية عامّة حتى يخصّص بالخبر، فيجب طرح الخبر.
لا يقال: إذا كانت الآية خاصّة فينبغي تخصيص الخبر بها، و حمله على غير
____________
(1) في (ك): حضة، و لا معنى لها هنا.
(2) جامع الأصول 9- 639، حديث 7440.
(3) سنن ابن داود 3- 144، حديث 2973.
(4) في حاشية (ك): خ. ل: مناقض، و لم يعلّم عليها، و لعلّ محلّها هنا.
361
زكريّا و داود (عليهما السلام).
لأنّا نقول: الحكم بخروجهما عن حكم الأنبياء مخالف لإجماع الأمّة، لانحصارها في الحكم (1) بالإيراث مطلقا و عدمه مطلقا، فلا محيص عن الحكم بكذب الخبر و طرحه..
الثالث:
أنّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان يرى الخبر موضوعا باطلا، و كان (عليه السلام) لا يرى إلّا الحقّ و الصدق، فلا بدّ من القول بأنّ من زعم أنّه سمع الخبر كاذب.
أمّا الأولى: فلما
- رواه مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (2) وَ أَوْرَدَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (3) أَيْضاً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ- فِي رِوَايَةٍ طَوِيلَةٍ- قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسِ .. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِباً آثِماً غَادِراً خَائِناً؟!، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ وَ وَلِيُّ أبو [أَبِي بَكْرٍ فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِباً آثِماً غَادِراً خَائِناً؟!، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقُ بَارٌّ (4) تَابِعٌ لِلْحَقِّ فَوُلِّيتُهَا.
- وَ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي مُنَازَعَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسِ (5) فِي ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ* (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ بَنِي النَّضِيرِ أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَبَضَهَا فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتُمَا حِينَئِذٍ- وَ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسِ- تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهَا كَذَا، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، وَ كَذَلِكَ زَادَ فِي حَقِ
____________
(1) لا توجد: في الحكم، في (ك).
(2) صحيح مسلم 3- 1377، حديث 49.
(3) جامع الأصول 3- ذيل حديث 1202 (طبعة الأرناووط 2- 702- 703).
(4) في المصدر: بارّ راشد.
(5) كما في صحيح البخاريّ 4- 178، حديث 3، و مرّت منّا جملة مصادر له.
362
نَفْسِهِ قَالَ: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهَا صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ..
إلى آخر الخبر (1).
- وَ قَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (2) مِنْ كِتَابِ السَّقِيفَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ مِثْلَهُ بِأَسَانِيدَ.
و أما المقدّمة الثانية (3)، فلما مرّ و سيأتي من الأخبار المتواترة في أنّ عليّا (عليه السلام) لا يفارق الحقّ و الحقّ لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار (4).
و يؤيّده روايات السفينة و الثقلين و أضرابها (5)..
الرابع:
أنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها) أنكرت رواية أبي بكر و حكمت بكذبه فيها، و لا يجوز الكذب عليها، فوجب كذب الرواية و راويها.
أمّا المقدّمة الأولى، فلمّا مرّ في خطبتها و غيرها و سيأتي من شكايتها في مرضها و غيرها، و قد رووا في صحاحهم أنّها (صلوات اللّه عليها) انصرفت من عند أبي بكر ساخطة، و ماتت عليه واجدة (6)، و قد اعترف بذلك ابن أبي
____________
(1) راجع صحيح البخاريّ، كتاب الجهاد و السير، باب فرض الخمس 5- 3- 10 تجد رواية منازعة عليّ (عليه السلام) و العباس، و انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد و السير، باب حكم الفيء، و يذكر هناك مقالة العباس لعمر .. يجلّ عنها العباس و يستحقّها عمر. و حكاه عنهما في جامع الأصول 2- 701 ذيل حديث 1202، و انظر: كتاب الأموال لأبي عبيد: 11، حيث ذكر حديث البخاري و بتره، و سنن البيهقيّ 6- 299، و معجم البلدان 6- 343، و تفسير ابن كثير 4- 335، و تاريخ ابن كثير 5- 288، و تاج العروس 7- 166، كما في الغدير 7- 194، و نحن نشكّ في أصل القصّة و ملابساتها إلّا أن توجه بما ذكره الأصحاب.
(2) شرح النّهج 16- 221- 222.
(3) يعني كون عليّ (عليه السلام) لا يرى إلّا حقّا و صدقا.
(4) قد مرّ الحديث بطرقه و مصادره، و انظر: الغدير 3- 176- 180.
(5) قد فصّلنا طرقها سابقا، و انظر: الغدير 2- 301، 3- 65- 80 و 297، 10- 278.
(6) هذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة، انظر: صحيح مسلم 2- 72، مسند أحمد 1- 6 و 9، تاريخ الطبريّ 3- 202، سنن البيهقيّ 6- 300، كفاية الطالب: 226، تاريخ ابن كثير 5- 285 و 6- 333، مستدرك الحاكم 3- 163، أسد الغابة 5- 254، الاستيعاب 2- 751، مقتل الخوارزمي 1- 83، الإصابة 4- 378 و 380، تاريخ الخميس 1- 313، الإمامة و السياسة 1- 14، رسائل الجاحظ 300- 301، أعلام النساء 3- 1215، و غيرها كثير من المصادر، بل يعدّ هذا الحديث متواترا لفظيّا عندهم، قطعيّا ضروريّا عندنا، و قد كفتنا الزهراء (سلام اللّه عليها) و على أبيها و بعلها و بنيها، و أنجتنا بمظلوميّتها منهم، و أورثتنا البغض و العداء لكلّ من عادت، و التبرّي من كلّ من تبرّأت، فلعن اللّه ظالميها و غاصبي حقّها و حقّ بعلها و بنيها إلى يوم القيامة، و انظر: الغدير أيضا 7- 77 و 174 و 226 و 227 و غيرها و في غيره.
363
الحديد (1).
و أمّا الثانية، فلما مرّ و سيأتي من عصمتها و جلالتها.
الخامس:
أنّه لو كانت تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة، و لم يكن لها (صلوات اللّه عليها) حظّ فيها لبيّن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الحكم لها، إذ التكليف في تحريم أخذها يتعلّق بها، و لو بيّنه لها لما طلبتها لعصمتها، و لا يرتاب عاقل في أنّه لو كان بيّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام) أنّ تركتي صدقة لا تحلّ لكم لما خرجت ابنته و بضعته من بيتها مستعدية ساخطة صارخة في معشر المهاجرين و الأنصار، تعاتب إمام زمانها بزعمكم، و تنسبه إلى الجور و الظلم في غصب تراثها، و تستنصر المهاجرة و الأنصار في الوثوب عليه و إثارة الفتنة بين المسلمين، و تهييج الشرّ، و لم تستقرّ بعد أمر الإمارة و الخلافة (2)، و قد أيقنت بذلك طائفة من المؤمنين أنّ الخليفة غاصب للخلافة ناصب لأهل الإمامة، فصبّوا عليه اللعن و الطعن إلى نفخ الصور و قيام النشور، و كان ذلك من آكد الدواعي إلى شقّ عصا المسلمين، و افتراق كلمتهم، و تشتّت ألفتهم، و قد كانت تلك النيران تخمدها بيان الحكم لها (صلوات اللّه عليها) أو لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و لعلّه لا يجسر من أوتي حظّا من الإسلام على القول بأنّ فاطمة (صلوات اللّه عليها)- مع علمها بأن ليس لها في التركة بأمر اللّه نصيب- كانت تقدم على مثل ذلك الصنيع، أو كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مع علمه بحكم اللّه لم يزجرها عن التظلم و الاستعداء، و لم يأمرها بالقعود في بيتها راضية بأمر اللّه فيها،
____________
(1) في شرحه على النهج 16- 253.
(2) كذا زعموا، و لا زالوا بذا يطبلون و له يدعون ..
364
و كان ينازع العباس بعد موتها و يتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فليت شعري هل كان ذلك الترك و الإهمال لعدم الاعتناء بشأن بضعته التي كانت يؤذيه (1) ما آذاها، و يريبه ما رابها؟! أو بأمر زوجها و ابن عمّه و أخيه المساوي لنفسه و مواسيه بنفسه؟!، أو لقلّة المبالاة بتبليغ أحكام اللّه و أمر أمّته؟! و قد أرسله اللّه بالحق بشيرا و نذيرا للعالمين..
السادس:
أنّا مع قطع النظر عن جميع ما تقدّم نحكم قطعا بأنّ مدلول هذا الخبر كاذب باطل، و من أسند إليه هذا الخبر لا يجوز عليه الكذب، فلا بدّ من القول بكذب من رواه و القطع بأنّه وضعه و افتراه.
أمّا المقدّمة الثانية، فغنيّة عن البيان.
و أمّا الأولى، فبيانها أنّه قد جرت عادة الناس قديما و حديثا بالإخبار عن كلّ ما جرى بخلاف المعهود بين كافة الناس و خرج عن سنن عاداتهم، سيّما إذا وقع في كلّ عصر و زمان، و توفّرت الدواعي إلى نقله و روايته، و من المعلوم لكلّ أحد أنّ جميع الأمم- على اختلافهم في مذاهبهم- يهتمون بضبط أحوال الأنبياء (عليهم السلام) و سيرتهم و أحوال أولادهم و ما يجري عليهم بعد آبائهم، و ضبط خصائصهم و ما يتفرّدون به عن غيرهم، و من المعلوم أيضا أنّ العادة قد جرت من يوم خلق اللّه الدنيا و أهلها إلى زمان انقضاء مدّتها و فنائها بأن يرث الأقربون من الأولاد و غيرهم أقاربهم و ذوي أرحامهم، و ينتفعوا بأموالهم و ما خلّفوه بعد موتهم، و لا شكّ لأحد في أنّ عامّة الناس عالمهم و جاهلهم و غنيّهم و فقيرهم و ملوكهم و رعاياهم يرغبون إلى كلّ ما نسب إلى ذي شرف و فضيلة و يتبرّكون به، و يحرزه الملوك في خزائنهم، و يوصون به لأحبّ أهلهم، فكيف بسلاح الأنبياء و ثيابهم (2).
و أمتعتهم؟ أ لا ترى إلى الأعمى إذا أبصر في مشهد من المشاهد المشرّفة أو توهّمت العامّة أنّه أبصر اقتطعوا ثيابه، و تبرّكوا بها، و جعلوها حرزا من كلّ بلاء.
____________
(1) في (س): تؤذيه.
(2) في (ك): في ثيابهم.
365
إذا تمهّدت المقدّمات فنقول:
لو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله) صدقة، لقسّمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء و الأولاد و سائر الأقارب، و لا يخلو الحال إمّا أن يكون كلّ نبيّ يبيّن هذا الحكم لورثته بخلاف نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) أو يتركون البيان كما تركه (صلّى اللّه عليه و آله)، فجرى على سنّة الذين خلوا من قبله من أنبياء اللّه (عليهم السلام)، فإن كان الأوّل فمع أنّه خلاف الظاهر كيف خفي هذا الحكم على جميع أهل الملل و الأديان، و لم يسمعه أحد إلّا أبو بكر و من يحذو حذوه، و لم ينقل أحد أنّ عصا موسى (عليه السلام) انتقل على وجه الصدقة إلى فلان، و سيف سليمان (عليه السلام) صار إلى فلان، و كذا ثياب سائر الأنبياء و أسلحتهم و أدواتهم فرّقت بين الناس و لم يكن في ورثة أكثر من مائة ألف نبي قوم ينازعون في ذلك، و إن كان بخلاف حكم اللّه عزّ و جلّ و قد كان أولاد يعقوب (عليهم السلام)- مع علوّ قدرهم- يحسدون على أخيهم و يلقونه في الجبّ لما (1) رأوه أحبّهم إليه أو وقعت تلك المنازعة كثيرا، و لم ينقلها أحد في الملل السابقة و أرباب السير- مع شدّة اعتنائهم بضبط أحوال الأنبياء و خصائصهم- و ما جرى بعدهم كما تقدّم.
و إن كان الثاني، فكيف كانت حال ورثة الأنبياء؟ أ كانوا يرضون بذلك و لا ينكرون؟ فكيف صارت ورثة الأنبياء جميعا يرضون بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء و لم يرض [كذا] به سيّدة النساء، أو كانت سنّة المنازعة جارية في جميع الأمم و لم ينقلها أحد ممّن تقدّم و لا ذكر من انتقلت تركات الأنبياء إليهم، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ!.
و أعجب من ذلك أنّهم ينازعون في وجود النصّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) مع كثرة الناقلين له من يوم السقيفة إلى الآن، و وجود الأخبار في
____________
(1) في (س): على لما .. و لا معنى لها، إلّا أن تكون نسخة بدل من اللام أي على ما رأوه ..
366
صحاحهم، و ادّعاء الشيعة تواتر ذلك من أوّل الأمر إلى الآن، و يستندون في ذلك إلى أنّه لو كان حقّا لما خفي ذلك لتوفّر الدواعي إلى نقله و روايته.
فانظر بعين الإنصاف أنّ الدواعي لشهرة أمر خاصّ ليس الشاهد له إلّا قوم مخصوصون من أهل قرن معيّن أكثر أم لشهرة أمر قلّ زمان من الأزمنة من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله) عن وقوعه فيه، مع أنّه ليس يدعو إلى كتمانه و إخفائه في الأمم السالفة داع، و لم يذكره رجل في كتاب، و لم يسمعه أحد من أهل ملّة.
و لعمري لا أشكّ في أنّ من لزم الإنصاف، و جانب المكابرة و الاعتساف، و تأمّل في مدلول الخبر، و أمعن النظر، يجزم قطعا بكذبه و بطلانه.
و إن كان القسم الثاني
- و هو أن يكون اعتماد أبي بكر في تخصيص الآيات بالخبر من حيث رواية الرواة له دون علمه بأنّه من كلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لسماعه بإذنه.-
فيرد عليه أيضا وجوه من النظر: الأوّل:
أنّ ما ذكره قاضي القضاة (1) من أنّه شهد بصدق الرواية في أيّام أبي بكر: عمر و عثمان و طلحة و الزبير و سعد و عبد الرحمن باطل غير مذكور في سيرة و رواية من طرقهم و طرق أصحابنا، و إنّما المذكور
- فِي رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ الَّتِي رَوَوْهَا فِي صِحَاحِهِمْ (2) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا تَنَازَعَ عِنْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسُ اسْتَشْهَدَ نَفَراً فَشَهِدُوا بِصِدْقِ الرِّوَايَةِ.
، و لنذكر ألفاظ صحاحهم في رواية مالك بن أوس- على اختلافها- حتى يتّضح حقيقة الحال.
- رَوَى الْبُخَارِيُ (3) وَ مُسْلِمٌ (4) وَ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ وَ حَكَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5)
____________
(1) و قد سلف بيانه و مصدره.
(2) كما أشار لها إجمالا صاحب الغدير: 7- 194، و قد مرّت منّا مصادرها.
(3) صحيح البخاريّ 12- 4 و 5، كتاب الفرائض.
(4) صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب حكم الفيء، حديث 1757.
(5) جامع الأصول 2- 697- 698، حديث 1202، باختلاف أشرنا لغالبه، و قد حكاه عن الحميديّ.
367
فِي الْفَرْعِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ حَرْفِ الْجِيمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِساً عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِياً عَلَى رِمَالِهِ (1) مُتَّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ لِي: يَا مَالِ (2)! إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتِ قَوْمِكَ (3)، وَ قَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فَخُذْهُ، فَاقْسِمْ (4) بَيْنَهُمْ.
قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي. قَالَ: خُذْهُ يَا مَالِ. قَالَ: فَجَاءَ يرفاه [يَرْفَأُ (5)، فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَ الزُّبَيْرِ وَ سَعْدٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَ عَلِيٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَ بَيْنَ هَذَا؟
فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَ ارْحَمْهُمْ (6).
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ:
اتئد [اتَّئِدُوا (7) أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ، أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟! قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَ عَلِيٍّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ، أَ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ قَالا:
نَعَمْ ... إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
____________
(1) في المصدر: إلى رماله.
(2) أيّ: يا مالك، و هو ترخيم في المنادى.
(3) في جامع الأصول ... أبيات من قومك ..
(4) في المصدر: فاقسمه.
(5) جاء في المصدر: يرفا، و في رواية البخاريّ: فجاء حاجبه يرفا، و في سنن البيهقيّ- في باب الفيء-:
اليرفأ- بالألف و اللّام- و هو اسم حاجب عمر بن الخطّاب.
(6) في المصدر: و ارحهم .. و هو الظّاهر.
(7) في جامع الأصول: اتئدوا ..
368
ثم
- حَكَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1) عَنِ الْبُخَارِيِ (2) وَ مُسْلِمٍ (3) أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِباً آثِماً غَادِراً خَائِناً ... وَ تَزْعُمَانِ أَنَّهُ فِيهَا كَذَا ..؟ (4).
كما نقلنا سابقا.
و
- حَكَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5) عَنْ أَبِي دَاوُدَ (6) أَنَّهُ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: سَمِعْتُ حَدِيثاً مِنْ رَجُلٍ فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ: اكْتُبْهُ لِي، فَأَتَى بِهِ مَكْتُوباً مُدْبَراً (7): دَخَلَ الْعَبَّاسُ وَ عَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ- وَ عِنْدَهُ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ سَعْدٌ- وَ هُمَا يَخْتَصِمَانِ، فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ سَعْدٍ: أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: كُلُّ مَالِ النَّبِيِّ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ أَوْ كَسَاهُمْ، إِنَّا لَا نُورَثُ؟! قَالُوا: بَلَى.
. توضيح:
قوله: مفضيا إلى رماله .. أي ملقيا نفسه على الرمال لا حاجز بينهما (8).
و رمال السّرير- بالكسر-: ما رمل أي نسج- جمع رمل- بمعنى مرمول
____________
(1) جامع الأصول 2- 701- 703، و قد رواه هنا باختصار و اختزال.
(2) صحيح البخاريّ 12- 4 و 5، كتاب الفرائض، باب قول النّبيّ (ص): لا نورث .. إلى آخره، و ذكره في كتاب الجهاد أيضا، و حكاه عن عدّة مصادر في الغدير 7- 226، فراجع.
(3) صحيح مسلم، كتاب الجهاد، باب حكم الفيء، حديث 1757.
(4) و انظر روايات الباب في كتاب السير من صحيح الترمذي، باب ما جاء في تركة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حديث 1610، و سنن أبي داود حديث 2963 و 2964 و 2965 و 2967، و كتاب الخراج و الإمارة منه، باب في صفايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الأموال، و سنن النسائي 7- 136- 137، باب الفيء، و غيرها، و فيه ما لا يخفى، و سيأتي بيان سنده و دلالته، فانتظر.
(5) جامع الأصول 3- 311 [تحقيق الأرناووط 2- 706 ذيل حديث 1202].
(6) سنن أبي داود، حديث 2975.
(7) في المصدر: مذبرا، أيّ منقوطا سهل القراءة.
(8) قال في القاموس 4- 374: أفضى إلى الأرض: مسّها براحته في سجوده. و قال في النهاية 3- 456: أفضى المكان: اتّسع، و الإفضاء: جعل الشيء فضاء لا شيء فيه.
369
كالخلق بمعنى المخلوق، و المراد به أنّه كان السّرير قد نسج وجهه بالسّعف و لم يكن على السّرير وطاء سوى الحصير (1).
و الوسادة: المخدّة (2).
و دفّ أهل أبيات .. أي دخلوا المصر، يقال: دفّ دافّة من العرب (3).
و الرّضخ- بالضّاد و الخاء المعجمتين-: العطاء القليل (4).
و يرفأ- بالرّاء و الفاء و الهمزة، على صيغة المضارع كيمنع- علم، مولى عمر ابن الخطّاب (5).
و اتّئد: أمر من التّؤدة أي التّأنّي و التّثبّت (6).
و مدبرا أي مسندا (7)، و ألفاظ باقي الأصول مذكورة في جامع الأصول.
و لا يذهب على ذي فطنة أنّ شهادة الأربعة التي تضمّنتها الرواية الأولى و الثانية على اختلافهما لم يكن من حيث الرواية و السماع عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، بل لثبوت الرواية عندهم بقول أبي بكر، بقرينة أنّ عمر ناشد عليّا (عليه السلام) و العباس: أ تعلمان أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال (8): لا نورث ما تركناه صدقة؟ فقالا (9): نعم، و ذلك لأنّه لا يقدر أحد في ذلك الزمان على تكذيب
____________
(1) ذكره في النهاية 2- 265، إلّا أنّه لم يذكر ضبطه. و جعلوا الرمال- بالكسر- جمع رمل كما في القاموس 3- 386، و قال: رمّل السرير أو الحصير: زيّنه بالجوهر و نحوه، و السرير: رمل شريطا فجعله ظهرا له.
(2) جاء في النهاية 5- 182، و القاموس 1- 345.
(3) كما في النهاية 2- 124، و انظر: القاموس 3- 141 و غيرهما.
(4) كما جاء في النهاية 2- 228، و القاموس 1- 260 و غيرهما.
(5) قاله في القاموس 1- 16، و جملة كتب التراجم و الرجال.
(6) كما ذكره في النهاية 1- 178، و قارن بالقاموس 1- 279 و غيره.
(7) قال في القاموس 2- 26: أدبر الحديث عنه: حدّثه عنه بعد موته. و قال في النهاية 2- 98: يدبّره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أي يحدّث به عنه.
(8) قال، لا توجد في (س).
(9) في (س): فقال.
370
تلك الرواية، و قد قال عمر في آخر الرواية: رأيتماه- يعني أبا بكر- كاذبا آثما غادرا خائنا .. و كذا في حقّ نفسه.
و العجب أنّ القاضي لم يجعل عليّا (عليه السلام) و العباس شاهدين على الرواية مع تصديقهما كما صدّق الباقون، بل جميع الصحابة، لأنّهم يشهدون بصدقهما.
و قال ابن أبي الحديد (1)- بعد حكاية كلام السيّد رضي اللّه عنه- في أنّ الاستشهاد كان في خلافة عمر دون أبي بكر، و أنّ معول المخالفين على إمساك الأمّة عن النكير على أبي بكر دون الاستشهاد، ما هذا لفظه-: قلت: صدق المرتضى (رحمه الله) فيما قال، أمّا عقيب وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و مطالبة فاطمة (عليها السلام) بالإرث فلم يرو الخبر إلّا أبو بكر وحده، و قيل إنّه رواه معه مالك بن أوس بن (2) الحدثان، و أمّا المهاجرون الّذين ذكرهم قاضي القضاة فقد شهدوا بالخبر في خلافة عمر، و قد تقدّم ذكر ذلك.
و قال (3)- في الموضع المتقدّم الذي أشار إليه و هو الفصل الذي ذكر فيه روايات أبي البختريّ.
على ما رواه أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ عَلِيٌّ وَ الْعَبَّاسُ إِلَى عُمَرَ وَ هُمَا يَخْتَصِمَانِ، فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ سَعْدٍ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ! أَ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:
كُلُّ مَالِ نَبِيٍّ فَهُوَ صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ، إِنَّا لَا نُورَثُ؟! فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَتَصَدَّقُ بِهِ وَ يَقْسِمُ فَضْلَهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَلِيَهُ أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ وَ أَنْتُمَا تَقُولَانِ:
إِنَّهُ كَانَ بِذَلِكَ خَاطِئاً؟ وَ كَانَ بِذَلِكَ ظَالِماً؟ وَ مَا كَانَ بِذَلِكَ إِلَّا رَاشِداً، ثُمَّ وَلِيتُهُ بَعْدَ
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 16- 245 بنصّه.
(2) سقطت: بن، في (ك).
(3) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 16- 227 بتصرّف و اختصار، و نظير هذه الرواية جاءت في نفس المجلد صفحة: 222 و 224 فراجع.
371
أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنْ شِئْتُمَا قَبِلْتُمَاهُ عَلَى عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ وَ عَهْدِهِ الَّذِي عَهِدَ فِيهِ، فَقُلْتُمَا: نَعَمْ، وَ جِئْتُمَانِي الْآنَ تَخْتَصِمَانِ، يَقُولُ هَذَا: أُرِيدُ نَصِيبِي مِنِ ابْنِ أَخِي، وَ يَقُولُ هَذَا: أُرِيدُ نَصِيبِي مِنِ امْرَأَتِي! وَ اللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إِلَّا بِذَلِكَ.
قال ابن أبي الحديد (1): قلت: هذا مشكل (2)، لأنّ أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلّا أبو بكر وحده، ذكر ذلك معظم (3) المحدّثين، حتى أنّ الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على (4) ذلك في احتجاجهم بالخبر برواية الصحابيّ الواحد.
و قال شيخنا أبو عليّ: لا يقبل (5) في الرواية إلّا رواية اثنين كالشهادة، فخالفه المتكلّمون و الفقهاء كلّهم، و احتجّوا عليه بقول الصحابة
- رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ، قَالَ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ.
، حتى أنّ بعض أصحاب أبي عليّ تكلّف لذلك جوابا، فقال: قد روي أنّ أبا بكر يوم حاجّ فاطمة (عليها السلام)، قال: أنشد اللّه امرأ سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا شيئا؟ فروى مالك بن أوس بن الحدثان، أنّه سمع (6) من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا الحديث ينطق بأنّه استشهد عمر طلحة و الزبير و عبد الرحمن و سعدا، فقالوا:
سمعناه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأين كانت هذه الروايات أيّام أبي بكر؟! ما نقل أنّ أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة (عليها السلام) و أبي بكر روى من هذا شيئا، انتهى.
فظهر أنّ قول هذا القاضي ليس إلّا شهادة زور، و لو كان لما ذكره من
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 16- 227- 228 بتصرّف.
(2) في المصدر: و هذا أيضا.
(3) في شرح النهج: أعظم.
(4) لا توجد: على، في (س).
(5) في المصدر: لا تقبل.
(6) في شرح النهج: سمعه.
372
استشهاد أبي بكر مستند لأشار إليه كما هو الدأب في مقام الاحتجاج.
و أمّا هذه الرواية التي رواها ابن أبي الحديد، فمع أنّها لا تدلّ على الاستشهاد في خلافة أبي بكر فلا تخلو من تحريف، لما عرفت من أنّ لفظ رواية أبي البختري- على ما رواه أبو داود، و حكاه في جامع الأصول-: أ لم تعلموا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كلّ مال النبيّ صدقة، لا: أسمعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- كما رواه الجوهري- على أنّه لا يقوم فيما تفرّدوا به من الأخبار حجّة علينا، و إنّما الاحتجاج بالمتّفق عليه، أو ما اعترف به الخصم، و الاستشهاد على الرواية لم يثبت عندنا لا في أيّام أبي بكر و لا في زمن عمر.
ثم أورد السيّد (1) (رحمه الله) على كلام صاحب المغني: بأنّا لو سلّمنا استشهاد من ذكر على الخبر لم يكن فيه حجّة، لأنّ الخبر على كلّ حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم، و هو في حكم أخبار الآحاد، و ليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى، لأنّ المعلوم لا يخصّ إلّا بمعلوم ..
قال: على أنّه لو سلّم لهم أنّ الخبر الواحد يعمل به في الشرع لاحتاجوا (2) إلى دليل مستأنف، على أنّه يقبل في تخصيص القرآن، لأنّ ما دلّ على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع، كما لا يتناول جواز النسخ به (3).
و تحقيق هاتين المسألتين من وظيفة أصول الفقه.
و الثاني:
أنّ رواة الخبر كانوا متّهمين في الرواية بجلب النفع من حيث حلّ الصدقة عليهم- كما تقدّم في القسم الأوّل- و ما أجاب به شارح كشف الحقّ من الفرق بين الرواية و الشهادة، و أنّ التهمة إنّما تضرّ في الشهادة دون الرواية،
____________
(1) الشافي: 230- حجريّة- [الطبعة الجديدة 4- 66] بتصرّف يسير.
(2) كذا في المصدر، و في المتن المطبوع: لا احتاجوا .. و لا معنى له.
(3) الشافي 4- 67.
373
فسخيف جدا، و لم يقل أحد بهذا الفرق (1) غيره.
الثالث و الرابع:
ما تقدّم في الإيراد الثالث و الرابع من القسم الأوّل..
و (2) الخامس:
ما تقدّم من وجوب البيان للورثة.
السادس:
ما تقدّم في السادس..
و أمّا القسم الثالث:
و هو أن يكون مناط الحكم على علم أبي بكر مع شهادة النفر، و كذلك الرابع، و هو أن يكون الاعتماد على روايته معهم، فقد ظهر بطلانهما ممّا سبق، فإنّ المجموع و إن كان أقوى من كلّ واحد من الجزءين إلّا أنّه لا يدفع التهمة و لا مناقضة الآيات الخاصّة و لا باقي الوجوه السابقة.
و قد ظهر بما تقدّم أنّ الجواب عن قول أبي عليّ: أ تعلمون كذب أبي بكر أم تجوّزون صدقه؟ و قد علم أنّه لا شيء يعلم به كذبه قطعا، فلا بدّ من تجويز كونه صادقا- كما حكاه في المغني-: هو إنّا نعلم كذبه قطعا، و الدليل عليه ما تقدّم من الوجوه الستّة المفصّلة و إنّ تخصيص الآيات بهذا الخبر (3) ليس من قبيل تخصيصها في القاتل و العبد كما ذكره قاضي القضاة، إذ مناط الثاني روايات معلومة الصدق، و الأوّل خبر معلوم الكذب، و قد سبق في خطبة فاطمة (صلوات اللّه عليها) استدلالها بقوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (4)، و بثلاث من الآيات السابقة، و هو يدلّ مجملا على بطلان ما فصلوه من الأجوبة.
ثم إنّ بعض الأصحاب حمل الرواية على وجه لا يدلّ على ما فهم منها الجمهور، و هو أن يكون ما تركنا صدقة مفعولا ثانيا للفعل أعني نورث، سواء كان بفتح الراء على صيغة المجهول من قولهم: ورثت أبي شيئا، أو بكسرها من قولهم:
أورثه الشيء أبوه، و أمّا بتشديد الراء، فالظاهر أنّه لحن، فإنّ التوريث إدخال أحد
____________
(1) خ. ل: بالفرق. جاء على مطبوع البحار.
(2) لا توجد الواو في (ك).
(3) في (ك): من هذا الخبر.
(4) الأنفال: 75، و الأحزاب: 6.
374
في المال على الورثة- كما ذكره الجوهري (1)- و هو لا يناسب شيئا من المحامل، و يكون صدقة منصوبا على أن يكون مفعولا لتركنا، و الإعراب لا تضبط في أكثر (2) الروايات، و يجوز أن يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف على الصدقة فتوهّم أبو بكر أنّه بالرفع، و حينئذ يدلّ على أنّ ما جعلوه صدقة في حال حياتهم لا ينتقل بموتهم إلى الورثة، أي ما نووا فيه الصدقة من غير أن يخرجوه من أيديهم لا يناله الورثة حتى يكون للحكم اختصاص بالأنبياء (عليهم السلام)، و لا يدلّ على حرمان الورثة ممّا تركوه مطلقا، و الحقّ أنّه لا يخلو عن بعد، و لا حاجة لنا إليه لما سبق، و أمّا الناصرون لأبي بكر فلم يرضوا به و حكموا ببطلانه، و إن كان لهم فيه التخلّص عن القول بكذب أبي بكر، فهو إصلاح لم يرض به أحد المتخاصمين، و لا يجري في بعض رواياتهم.
و اعلم: أنّ بعض المخالفين استدلّوا على صحّة الرواية و ما حكم به أبو بكر بترك الأمّة النكير عليه، و قد ذكر السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي كلامهم ذلك على وجه السؤال و أجاب عنه بقوله (3):
فإن قيل: إذا كان أبو بكر قد حكم بخطإ في دفع فاطمة (عليها السلام) من الميراث (4) و احتجّ بخبر لا حجّة فيه فما بال الأمّة أقرّته على هذا الحكم، و لم تنكر عليه؟! و في رضاها و إمساكها دليل على صوابه.
قلنا: قد مضى أنّ ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلّا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، و بيّنا في الكلام على إمامة أبي بكر هذا الموضع بيانا شافيا.
____________
(1) الصحاح 1- 296.
(2) في (س) هنا كلمة: الأوقات، و قد خطّ عليها في (ك)، إذ لا معنى لها.
(3) الشافي: 233- الحجريّة- [4- 84] بتصرّف ذكرنا غالبه.
(4) في المصدر: عن الميراث.
375
و قد أجاب أبو عثمان الجاحظ (1) في كتاب العباسيّة (2) عن هذا السؤال جوابا جيّد المعنى و اللفظ، نحن نذكره على وجهه ليقابل بينه و بين كلامه في العثمانيّة و غيرها، قال: و قد زعم ناس أنّ الدليل على صدق خبرهما- يعني أبا بكر و عمر في منع الميراث و براءة ساحتهما ترك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم النكير عليهما، ثم قال: فيقال لهم (3): لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما ليكونن ترك النكير على المتظلّمين منهما و المحتجبين عليهما و المطالبين لهما بدليل (4) دليلا على صدق دعواهم، و استحسان (5) مقالتهم، لا سيّما و قد طالت المشاحّات (6)، و كثرت المراجعة و الملاحات (7)، و ظهرت الشكيمة (8)، و اشتدّت الموجدة،.
وَ قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) حَتَّى أَنَّهَا أَوْصَتْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَ قَدْ كَانَتْ قَالَتْ لَهُ حِينَ أَتَتْهُ طَالِبَةً بِحَقِّهَا، وَ مُحْتَجَّةً بِرَهْطِهَا (9): مَنْ يَرِثُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِذَا مِتَّ؟ قَالَ: أَهْلِي وَ وُلْدِي. قَالَتْ: فَمَا بَالُنَا لَا نَرِثُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فَلَمَّا مَنَعَهَا مِيرَاثَهَا، وَ بَخَسَهَا حَقَّهَا، وَ اعْتَلَ
____________
(1) لا توجد كلمة: الجاحظ في (س).
(2) هذا كلام السيّد المرتضى حكاه عن الجاحظ، و قد حكاه أيضا الشيخ عبد الحميد بن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 16- 263- 267، و العلّامة الأميني في غديره 7- 229- 231 عن رسائل الجاحظ: 300 بتصرّف و اختلاف كثير تعرّضنا له إجمالا.
(3) كذا في المتن و المصدر، إلّا أنّه في شرح النهج: قد يقال، و في الغدير عن رسائل الجاحظ: قد يقال لهم ...
(4) لا توجد في المصدر: بدليل.
(5) في شرح النهج: لهما دليلا ... أو استحسان ..
(6) في شرح النهج و الغدير عن رسائل الجاحظ: المناجاة، و في بقية المصادر: المحاجات، و هو الظاهر.
(7) كذا، و الظاهر: الملاحاة.
(8) و في شرح النهج و المصادر: الشكية. قال في القاموس 4- 136: و الشكيمة: الأنفة و الانتصار من الظلم.
(9) في شرح نهج البلاغة: لرهطها، و ما هنا جاء في الشّافي.
376
عَلَيْهَا، وَ لَجَ (1) فِي أَمْرِهَا، وَ عَايَنَتِ التَّهَضُّمَ، وَ أَيِسَتْ مِنَ النُّزُوعِ (2)، وَ وَجَدَتْ مَسَّ الضَّعْفِ (3) وَ قِلَّةَ النَّاصِرِ، قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ. قَالَ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ لَكِ. قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً. قَالَ: وَ اللَّهِ لَا أَهْجُرُكِ أَبَداً.
فإن يكن ترك النّكير على (4) أبي بكر دليلا على صواب منعه (5)، إنّ في ترك النكير على فاطمة (ع) دليلا على صواب طلبها، و أدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، و تذكيرها ما نسيت، و صرفها عن الخطإ، و رفع قدرها عن البذاء، و أن تقول هجرا، أو تجوّر عادلا، أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور، و استوت الأسباب، و الرجوع إلى أصل حكم اللّه في المواريث أولى بنا و بكم، و أوجب علينا و عليكم.
و إن قالوا: كيف يظنّ (6) ظلمها و التعدّي عليها! و كلّما ازدادت فاطمة (عليها السلام) عليه غلظة ازداد لها لينا و رقّة، حيث تقول: و اللّه لا أكلّمك أبدا! فيقول:
و اللّه لا أهجرك أبدا (7)، ثم تقول: و اللّه لأدعون اللّه عليك، فيقول: و اللّه لأدعوّن اللّه (8) لك.
ثم يحتمل (9) هذا الكلام الغليظ و القول الشديد في دار الخلافة، و بحضرة قريش و الصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء و الرفعة (10)، و ما يجب لها من
____________
(1) كذا، و في شرح نهج البلاغة: جلح، و جاءت في جملة من المصادر، و جلح في أمرها: أيّ جاهر به و كاشفها، و لعلّ الكلمة مشدّدة.
(2) كذا في المتن و الشّافي، و في شرح نهج البلاغة: التّورّع.
(3) في شرح نهج البلاغة: و وجدت نشوة الضّعف.
(4) في الشافي: النكير منهم على ..
(5) كذا في المتن و الشافي، و في بقية المصادر: منعها.
(6) في شرح النهج و غيره: تظن به .. و في الشافي: نظن بأبي بكر ..
(7) في (س): و اللّه أبدا، و خطّ عليها في (ك)، و لا توجد في المصادر التي بأيدينا.
(8) لا يوجد لفظ الجلالة في (س)، و هو مثبت في المصادر.
(9) في الغدير عن رسائل الجاحظ: ثم يتحمل منها، و هو الظاهر.
(10) في المصادر: التنزيه، بدلا من: الرفعة.
377
التنويه (1) و الهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال- معتذرا أو متقرّبا، كلام المعظّم لحقّها، المكبر لقيامها (2)، و الصائن لوجهها، و المتحنّن عليها-: ما أحد أعزّ عليّ منك فقرا، و لا أحبّ إليّ منك غنى، و لكن (3)
- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ!.
قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظّلم، و السلامة من الجور (4)، و قد يبلغ من مكر الظالم و دهاء الماكر إذا كان أريبا (5) و للخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم و ذلّة المنتصف (6)، و جدة الوامق (7)، و مقة المحقّ، و كيف جعلتم ترك النكير حجّة قاطعة، و دلالة واضحة؟! و قد زعمتم أنّ عمر قال على منبره: متعتان كان (8) على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): متعة النساء و متعة الحجّ، أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما (9)، فما وجدتم أحدا أنكر قوله، و لا استشنع مخرج نهيه، و لا خطّأه في معناه، و لا تعجّب منه و لا استفهمه!.
____________
(1) في شرح النهج و الغدير: الرفعة، بدلا من: التنوية.
(2) في الشافي و بقية المصادر: لمقامها، و هو الظاهر.
(3) في شرح النهج: و لكنّي.
(4) في الشافي: العمد، بدلا من: الجور.
(5) في الشافي: أديبا.
(6) قال في تاج العروس في مادّة نصف: يقال انتصف منه: إذا استوفى حقّه منه كاملا حتّى صار كلّ على النصف سواء.
(7) في المصادر: و حدب الوامق، قال في الصحاح 1- 108: حدب عليه و تحدّب عليه: تعطّف عليه، و قال في القاموس 3- 290: ومقه- كورثه- ومقا ومقة: أحبّه فهو وامق.
(8) في المصادر: كانتا، و هو الظاهر.
(9) هذه من الروايات المستفيضة عند القوم إن لم نقل إنّها متواترة إجمالا- لا معنى-، انظر عنها: البيان و التبيين للجاحظ 2- 223، و أحكام القرآن للجصّاص 1- 342 و 345، 2- 184، تفسير القرطبيّ 2- 370، تفسير الفخر الرازيّ 2- 167 و 3- 201 و 202، كنز العمّال 8- 293، و انظر: بألفاظ مقاربة في الدرّ المنثور 2- 140 و غيره، و سنوافيك بمصادر أخر في محلّها المناسب بإذن اللّه تعالى.
378
و كيف تقضون بترك (1) النكير؟ و قد
- شَهِدَ عُمَرُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ (2).
، ثم قال في مكانه (3): لو كان سالم حيّا ما يخالجني فيه شكّ (4)، حين أظهر الشّك في استحقاق كلّ واحد من الستّة الّذين جعلهم شورى، و سالم عبد لامرأة من الأنصار و هي أعتقته، و حازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قريش قوله (5) منكر، و لا قابل إنسان بين قوليه (6)، و لا تعجّب منه، و إنّما يكون ترك النّكير على من لا رغبة و لا رهبة عنده دليلا على صدق قوله و ثواب (7) عمله، فأمّا ترك النّكير على من يملك الضّعة و الرّفعة، و الأمر و النهي، و القتل و الاستحياء، و الحبس و الإطلاق، فليس بحجّة تشفي، و لا دليل يغني (8).
قال: و قال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما، و صواب عملهما، إمساك الصحابة عن خلعهما، و الخروج عليهما، و هم الّذين وثبوا على عثمان في أيسر من
____________
(1) في الشافي: و تقضون في معناه بترك ..
(2) أخرجه غير واحد من الحفاظ و صحّحه ابن حزم في الفصل 4- 89، و قال: هذه الرّواية جاءت مجيء التّواتر، و رواها أنس بن مالك و عبد اللّه بن عمر و معاوية و .. غيرهم كما جاء في حاشية الغدير 7- 231.
(3) في شرح نهج البلاغة: شكاته بدل مكانه. و في الغدير عن رسائل الجاحظ: في شكايته، و هو الظاهر.
(4) كما جاء في الطبقات لابن سعد 3- 248، و التمهيد للباقلاني: 204، و الاستيعاب 2- 561، و أسد الغابة 2- 246 و ... مصادر عدّة.
(5) في (س): من قوله، و في الشافي: لم ينكر ذلك من قوله منكر، و لا يوجد في الغدير: قريش، و به يتمّ المعنى، كما لا يوجد في شرح النهج: من قريش.
(6) في الغدير: من قوله، و في الشافي: بين خبريه.
(7) في شرح النهج و المصادر: صواب عمله، و هو الصواب.
(8) في الشافي: فليس بحجّة تقيّ و لا دلالة تضي. و قد وردت الجملة الأخيرة في كلّ المصادر التي بأيدينا، و إلى هنا نقل شيخنا الأميني في غديره 7- 229- 231 عن رسائل الجاحظ.
379
جحد التنزيل، و ردّ النصوص، و لو كانوا كما يقولون و يصفون (1) ما كان سبيل الأمّة فيهما إلّا كسبيلهم فيه، و عثمان كان أعزّ نفرا، و أشرف رهطا، و أكثر عددا و ثروة، و أقوى عدّة.
قلنا: إنّهما لم يجحدا التنزيل، و لم ينكرا (2) المنصوص، و لكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث و ما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية، و تحدّثا بحديث لم يكن محالا (3) كونه، و لا يمتنع (4) في حجج العقول مجيئه، و شهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه، و لعلّ بعضهم كان يرى التصديق للرجل (5) إذا كان عدلا في رهطه، مأمونا في ظاهره، و لم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة، و لا جرب عليه (6) غدرة، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظنّ و تعديل الشاهد، و لأنّه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج، و الّذي يقطع بشهادته على الغيب، و كان ذلك شبهة على أكثرهم، فلذلك قلّ النّكير، و تواكل الناس، و اشتبه الأمر، فصار لا يتخلّص إلى معرفة حقّ ذلك من باطله، إلّا العالم المتقدّم، و المؤيّد المرشد (7)، و لأنّه لم يكن لعثمان في صدور (8) العوام، و في قلوب السّفلة و الطّغام ما كان لهما من الهيبة و المحبّة (9)، و لأنّهما كانا أقلّ استئثارا بالفيء، و أقلّ تفكّها بمال اللّه (10) منه، و من
____________
(1) في شرح نهج البلاغة: و لو كان كما تقولون و ما تصفون ..، و في الشافي: المنصوص، و لو كانا كما يقولون و ما يصفون.
(2) في (ك): إنّهما لم يجحد التنزيل و لم ينكر- بدون ألف التثنية-.
(3) في الشافي: بمحال.
(4) في شرح النهج: و لا ممتنعا.
(5) في شرح النهج: تصديق الرجل.
(6) في الشافي و شرح النهج: جرت عليه.
(7) في الشافي: المسترشد .. و هو الظاهر.
(8) في (س): صدر.
(9) في شرح النهج: المحبّة و الهيبة.
(10) في شرح النهج: و تفضّلا بمال اللّه.
380
شأن الناس إهمال (1) السلطان ما وفّر عليهم أموالهم، و لا يستأثر (2) بخراجهم، و لم يعطّل ثغورهم، و لأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العترة حظّها (3)، و العمومة ميراثها، قد كان موافقا لجلّة قريش، و لكبراء (4) العرب، و لأنّ عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه، مستخفّا بقدره، لا يمنع ضيما، و لا يقمع عدوّا، و لقد وثب ناس على عثمان بالشتم و القذف و التشنيع و النكير (5)، لأمور لو أتى عمر أضعافها، و بلغ أقصاها، لما اجترءوا على اغتيابه فضلا عن مبادأته (6)، و الإغراء به و مواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصين (7) له، فقال له: أما إنّه لو كان عمر لقمعك و منعك؟
فقال عيينة: إنّ عمر كان خيرا لي منك، أرهبني فأبقاني (8).
ثم قال: و العجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه و القدر و الوعيد يردّ كلّ صنف منهم من أحاديث مخالفيه و خصومه ما هو أقرب استنادا، و أوضح (9) رجالا، و أحسن اتّصالا، حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم نسخوا الكتاب، و خصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما رووه (10)، و أكذبوا ناقليه (11)، و ذلك إنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى
____________
(1) في (س): خ. ل: احتمال.
(2) في شرح النهج و الشافي: و لم يستأثر.
(3) في شرح النهج: حقّها.
(4) في (ك): الكبراء، و هو غلط، و في الشافي و شرح النهج: كبراء، و هو الظاهر.
(5) لا توجد في (س): و النكير، و في شرح النهج: التنكير.
(6) جاء في حاشية (ك): و بادى فلانا بالعداوة .. أي جاهر بها. صحاح.
انظر: صحاح اللغة: 6- 2278.
(7) في الشافي و شرح النهج: عيينة بن حصن، و هو الظاهر.
(8) في شرح النهج: فاتّقاني، و في الشافي: و هبني فاتّقاني.
(9) في الشافي و شرح النهج: أقرب إسنادا و أصحّ ..
(10) في شرح النهج: ردوه.
(11) في شرح النهج: قائليه.
381
هواه، و يصدق ما وافق رضاه .. هذا آخر كلام الجاحظ (1).
ثم قال السيّد رضي اللّه عنه (2): فإن قيل: ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير، و قوله: كما لم ينكروا على أبي بكر، فلم ينكروا أيضا على فاطمة (عليها السلام) و لا غيرها من المطالبين (3) بالميراث كالأزواج و غيرهنّ معارضة صحيحة، و ذلك أنّ نكير أبي بكر لذلك و دفعه و الاحتجاج عليه يكفيهم و يغنيهم عن تكلّف نكير (4)، و لم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره (5).
قلنا: أوّل ما يبطل هذا السؤال أنّ أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها بالخبر من التظلّم و التألّم، و التعنيف و التبكيت (6)، و قولها- على ما روي-:
و اللّه لأدعونّ اللّه عليك ...، و لا كلّمتك أبدا، و ... ما جرى هذا المجرى، فقد كان يجب أن ينكره غيره، فمن المنكر الغضب على المنصف. و بعد، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعا أو مغنيا عن إنكار غيره من المسلمين، فإنكار فاطمة (عليها السلام) حكمه، و مقامها على التظلّم منه يغني (7) عن نكير غيرها، و هذا واضح لمن أنصف من نفسه. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه..
____________
(1) و قد حكاه السيّد المرتضى في الشافي 4- 84- 89 [و في الطبعة الحجريّة 233- 234 و ابن أبي الحديد في شرح النهج 16- 263- 267 كما سلف.
(2) و حكاه ابن أبي الحديد أيضا في شرحه على النهج 16- 267- 268 باختلاف و تصرّف.
(3) في الشافي: و لا على غيرها من المطالبين، و في شرح النهج: و لا غيرها من الطالبين.
(4) في الشافي و شرح النهج: نكير آخر.
(5) الشافي 4- 89- 90 [و في الطبعة الحجريّة: 234] بتصرّف يسير.
(6) في (ك): التكيت، و هو غلط. و قد جاء في حاشيتها ما نصّه: التّبكيت- كالتّقريع و التّوبيخ- كما يقال له: يا فاسق أ ما استحييت؟، أ ما خفت اللّه .. قال الهروي: و يكون باليد و العصا، و يقال:
بكته بالحجّة: إذا غلبه، و قد يكون التّبكيت بلفظ الخبر، كما في قول إبراهيم (عليه السلام): «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ..» فإنّه تبكيت و توبيخ على عبادتهم الأصنام. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 2- 192.
(7) في شرح النهج لابن أبي الحديد: مغن.
382
الخامسة:
قال ابن أبي الحديد (1): اعلم أنّ الناس يظنّون أنّ نزاع فاطمة (ع) أبا بكر كان في أمرين: في الميراث و النّحلة، و قد وجدت في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث، و منعها أبو بكر إيّاه أيضا، و هو سهم ذي القربى.
رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيُ (2) عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) لَمَّا أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَتْ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْنَا (3) أَهْلَ الْبَيْتِ (ع) مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنَ الْغَنَائِمِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى! ثُمَّ قَرَأَتْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى (4) الْآيَةَ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي أَنْتِ وَ أُمِّي وَ وَالِدٌ وَلَدَكِ (5) السَّمْعَ وَ الطَّاعَةَ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَ لِحَقِّ رَسُولِهِ (ص) وَ حَقِّ قَرَابَتِهِ، وَ أَنَا أَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي تَقْرَءِينَ (6)، وَ لَمْ يَبْلُغْ عِلْمِي مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّهْمَ مِنَ الْخُمُسِ مُسَلَّمٌ إِلَيْكُمْ (7) كَامِلًا؟
قَالَتْ: أَ مِلْكٌ هُوَ لَكَ وَ لِأَقْرِبَائِكَ (8)؟! قَالَ: لَا، بَلْ أُنْفِقُ عَلَيْكُمْ مِنْهُ وَ أَصْرِفُ الْبَاقِيَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَتْ: لَيْسَ هَذَا بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟! فَقَالَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عَهِدَ إِلَيْكِ فِي هَذَا عَهْداً (9) صَدَّقْتُكِ وَ سَلَّمْتُهُ كُلَّهُ إِلَيْكِ وَ إِلَى أَهْلِكِ. قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَعْهَدْ إِلَيَّ فِي
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 16- 230- 231 باختلاف يسير.
(2) في شرح النّهج: أخبرني أبو زيد عمر بن شبه، قال: حدّثني هارون بن عمير، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا صدقة أبو معاوية، عن محمّد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عبد الرّحمن أبي بكر، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك.
(3) في شرح النّهج: الّذي ظلمتنا عليه.
(4) الأنفال: 41.
(5) في (ك): خ. ل: و ولدك ولدي.
(6) في المصدر: تقرءين منه.
(7) في شرح النّهج: يسلم إليكم.
(8) في المصدر: أ فلك هو و لأقربائك؟.
(9) في شرح النّهج: أو أوجبه لكم حقّا.
383
ذَلِكَ بِشَيْءٍ، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: أَبْشِرُوا آلَ مُحَمَّدٍ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْغِنَى (1)!. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَبْلُغْ مِنْ (2) هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ أُسَلِّمَ إِلَيْكُمْ هَذَا السَّهْمَ كُلَّهُ كَامِلًا، وَ لَكِنْ لَكُمُ الْغِنَى (3) الَّذِي يُغْنِيكُمْ وَ يُفَضِّلُ عَنْكُمْ، وَ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ غَيْرُهُمَا فَاسْأَلِيهِمْ عَنْ ذَلِكِ وَ انْظُرِي هَلْ يُوَافِقُكِ عَلَى مَا طَلَبْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ فَانْصَرَفَتْ إِلَى عُمَرَ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ مَا قَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَعَجَّبَتْ (4) فَاطِمَةُ (عليها السلام) مِنْ ذَلِكَ وَ تَظَنَّتْ أَنَّهُمَا قَدْ تَذَاكَرَا ذَلِكَ وَ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ.
ثم قَالَ: قَالَ (5) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ- بِإِسْنَادِهِ إِلَى عُرْوَةَ قَالَ: أَرَادَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) أَبَا بَكْرٍ عَلَى فَدَكَ وَ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى، فَأَبَى عَلَيْهَا وَ جَعَلَهُمَا فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثم رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍ (6) (عليهما السلام): أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَنَعَ فَاطِمَةَ (ع) وَ بَنِي هَاشِمٍ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى وَ جَعَلَهَا (7) فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي السِّلَاحِ وَ الْكُرَاعِ.
ثم رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قُلْتُ: أَ رَأَيْتَ عَلِيّاً (ع) حِينَ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَ مَا وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، كَيْفَ صَنَعَ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى؟ قَالَ: سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ: قُلْتُ:
كَيْفَ؟ وَ لِمَ؟ وَ أَنْتُمْ تَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ مَا كَانَ أَهْلُهُ يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ. فَقُلْتُ: فَمَا مَنَعَهُ؟ قَالَ: يَكْرَهُ (8) أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ.
انتهى
____________
(1) في (س): الفيء.
(2) في المصدر: علمي من.
(3) في (س): الفيء.
(4) في شرح النّهج: فعجبت.
(5) لا توجد: قال، في طبعة (س).
(6) في المصدر: الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب.
(7) في المصدر: و جعله.
(8) في شرح النّهج: كان يكره.
384
ما أخرجه ابن أبي الحديد من كتاب أحمد بن عبد العزيز (1).
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2) مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (3) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ (4) لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَ لَا لِبَنِي نَوْفَلَ مِنَ الْخُمُسِ شَيْئاً كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ (5)، قَالَ: وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي مِنْهُ قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ كَمَا يُعْطِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَ كَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَ مَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْهُ.
و روى مثله بسند آخر عن جبير بن مطعم..
ثم قَالَ: وَ فِي أُخْرَى لَهُ وَ النَّسَائِيِ (6): لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي الْمُطَّلِبِ.
ثم قال: و أخرج النسائي (7) أيضا بنحو من هذه الروايات من طرق متعدّدة بتغيير بعض ألفاظها و اتّفاق المعنى (8).
وَ رَوَى أَيْضاً (9) عَنْ أَبِي دَاوُدَ (10) بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ
____________
(1) شرح نهج البلاغة 16- 230- 232.
(2) جامع الأصول 3- 295، [طبعة الأرناووط 2- 692 في ضمن حديث 1195].
(3) سنن أبي داود، كتاب الخراج و الإمارة و الفيء، باب 19.
(4) في (س): ليقسم.
(5) زاد في المصدر: و بني المطّلب.
(6) سنن النّسائيّ 7- 130- 131 في كتاب الفيء.
(7) سنن النسائي 7- 130- 131 في كتاب الفيء.
(8) جامع الأصول 3- 296- 297 [طبعة الأرناووط 2- 693 في ضمن حديث 1195].
(9) جامع الأصول 3- 298 [طبعة الأرناووط 2- 695، حديث 1197]، و قد وقع فيه لبس، حيث جاءت الرّواية هكذا: أنّ نجدة الحروريّ حين حجّ في فتنة ابن الزّبير، أرسل إلى ابن عبّاس يسأله .. إلى آخره.
(10) سنن أبي داود برقم: 2978 و 2979 و 2980 كتاب الخراج و الإمارة، باب بيان مواقع قسّم الخمس و سهم ذي القربى.
385
أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْعَبَّاسِ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى لِمَنْ يَرَاهُ؟ فَقَالَ لَهُ: لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَهُمْ وَ قَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضاً رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا وَ رَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَ أَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ (1).
و روى مثله عن النسائي (2) أيضا، و قال.:
وَ فِي أُخْرَى لَهُ مِثْلَ أَبِي دَاوُدَ (3)، وَ فِيهِ: وَ كَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِينَ نَاكِحَهُمْ، وَ يَقْضِيَ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَ يُعْطِيَ فَقِيرَهُمْ، وَ أَبَى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ (4).
و روى العياشي في تفسيره (5) رواية ابن عباس و رويناه في موضع آخر.
وَ رَوَى أَيْضاً (6) عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) قَالَ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ الْخُمُسَ نَصِيباً (7) لِآلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهُمْ نَصِيبَهُمْ حَسَداً وَ عَدَاوَةً، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (8).
و الأخبار من طريق أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك أكثر من أن تحصى، و سيأتي بعضها في أبواب الخمس و الأنفال إن شاء اللّه تعالى (9).
فإذا اطّلعت على ما نقلناه من الأخبار من صحاحهم نقول: لا ريب في
____________
(1) و أخرجه أيضا مسلم في صحيحه بمعناه تحت رقم 1812 كتاب الجهاد، باب النّساء الغازيات رضخ لهنّ و لا يسهم.
(2) سنن النسائي 7- 128- 129 كتاب قسم الفيء.
(3) سنن أبي داود تحت رقم: 2982 كتاب الخراج و الإمارة، باب بيان مواقع قسّم الخمس و سهم ذي القربى.
(4) جامع الأصول 3- 299 [طبعة الأرناووط 2- 695- 696 ذيل حديث 1197].
(5) تفسير العيّاشيّ 2- 61، حديث 52.
(6) تفسير العيّاشيّ 1- 325، حديث 130.
(7) لا توجد: نصيبا، في (س).
(8) المائدة: 47.
(9) بحار الأنوار 96- الباب الثالث و العشرون: 191، و الباب الرابع و الخامس و العشرون: 196 213.
386
دلالة الآية على اختصاص ذي القربى بسهم خاصّ سواء كان هو سدس الخمس- كما ذهب إليه أبو العالية و أصحابنا و رووه عن أئمّتنا (عليهم السلام)-، و هو الظاهر من الآية- كما اعترف به البيضاوي (1) و غيره-، أو خمس الخمس لاتّحاد سهم اللّه و سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذكر اللّه للتعظيم كما زعم ابن عباس و قتادة و عطاء (2)، أو ربع الخمس و الأرباع الثلاثة الباقية للثلاثة الأخيرة كما زعمه الشافعي (3)، و سواء كان المراد بذي القربى أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته و بعده الإمام من أهل البيت (عليهم السلام)- كما ذهب إليه أكثر أصحابنا (4) أو جميع بني هاشم كما ذهب إليه بعضهم (5).
و على ما ذهب إليه الأكثر بكون دعوى فاطمة (عليها السلام) نيابة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تقيّة، أو كان المراد بني هاشم و بني المطلب كما زعمه الشافعي (6)، أو آل عليّ و عقيل و آل عباس و ولد الحارث بن عبد المطلب كما قال أبو حنيفة (7).
و على أيّ حال، فلا ريب أيضا في أنّ الظاهر من الآية تساوي الستّة في السهم، و لم يختلف الفقهاء في أنّ إطلاق الوصيّة و الأقوال لجماعة معدودين يقتضي التسوية لتساوي النسبة، و لم يشترط اللّه عزّ و جلّ في ذي القربى فقرا أو مسكنة بل
____________
(1) تفسير البيضاوي 1- 384.
(2) كما نسبه إليهم الفخر الرازيّ في التفسير الكبير 15- 165، و انظر: الدرّ المنثور للسيوطي 2- 335 و ما بعدها، و الكشّاف 2- 221 و ما يليها، و مجمع البيان 4- 543- 545 و غيرها.
(3) المنقول عن الشافعي تقسيمه للخمس إلى خمسة أقسام، كما صرّح بذلك في بداية المجتهد 1- 407، و لاحظ: السراج الوهّاج: 351، و جواهر الكلام 16- 89.
(4) كما صرّح بذلك في الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 2- 78- 82، و جامع المقاصد 3- 53 55 و الحدائق الناضرة 12- 369- 378، و مستمسك العروة الوثقى 9- 567- 596 و غيرها، و لاحظ روايات الباب في كتاب وسائل الشيعة 9- أبواب قسمة الخمس.
(5) كما نصّ عليه صاحب الجواهر في موسوعته 16- 86- 89 و غيره.
(6) و نصّ عليه في السراج الوهّاج: 351، و صاحب الجواهر 16- 87 و غيرهما.
(7) قاله في التفسير الكبير 15- 166 و غيره.
387
قرنه بنفسه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله) للدلالة على عدم الاشتراط، و قد احتجّ بهذا الوجه الرضا (عليه السلام) على علماء العامّة في حديث طويل (1) بيّن فيه فضل العترة الطاهرة، و سيأتي في محلّه (2).
و أمّا التقييد اجتهادا فمع بطلان الاجتهاد الغير المستند (3) إلى حجّة فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يدفع التقييد، لدلالة خبر جبير و غيره على أنّه لم يعطهم ما كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم، و قد قال أبو بكر في رواية أنس: لكم الغنى الذي يغنيكم و يفضل عنكم، فما زعمه أبو بكر من عدم دلالة الآية على أنّ السهم مسلّم لذي القربى و وجوب صرف الفاضل من السهم عن حاجتهم في مصالح المسلمين مخالف للآية و الأخبار المتّفق على صحّتها، و قد قال سبحانه في آخر الآية: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ... (4). و اعترف الفخر الرازي في تفسيره بأنّ من لم يحكم بهذه القسمة فقد خرج عن الإيمان (5)، و قال تعالى:
وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (6)، و قال: هُمُ الْفاسِقُونَ (7)، و قال: هُمُ الظَّالِمُونَ (8)، فاستحقّ بما صنع ما يستحقّه الرادّ على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).
السادسة:
ما دلّت عليه الروايات السالفة و ما سيأتي في باب شهادة فاطمة (عليها السلام) من أنّها أوصت أن تدفن سرّا (9)، و أن لا يصلّي عليها أبو بكر و عمر
____________
(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1- 233، و ما قبلها و بعدها.
(2) بحار الأنوار 96- الباب الرابع و العشرون: 198.
(3) كذا، و الصحيح: غير المستند، و المشهور غلطا: الغير مستند.
(4) الأنفال: 41.
(5) تفسير الفخر الرازيّ 15- 165.
(6) المائدة: 44.
(7) المائدة: 47.
(8) المائدة: 45.
(9) ممّا سيأتي بيانه في الأجزاء الآتية و تعرّض له شيخنا المجلسي في بحاره 43- 155- 218.
388
لغضبها عليهما في منع فدك (1) و غيره من أعظم الطعون عليهما.
و أجاب عنه قاضي القضاة في المغني (2) بأنّه قد روي أنّ أبا بكر هو الذي صلّى على فاطمة (عليها السلام) و كبّر أربعا، و هذا أحد ما استدلّ به كثير من الفقهاء (3) في التكبير على الميّت، و لا يصحّ أنّها دفنت ليلا، و إن صحّ ذلك فقد دفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليلا، و عمر دفن ليلا (4)، و قد كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يدفنون بالنهار و يدفنون بالليل، فما في هذا ممّا (5) يطعن به، بل الأقرب في النساء أن دفنهنّ ليلا أستر و أولى بالسنّة (6).
و ردّ عليه السيّد الأجل في الشافي (7): بأنّ ما ادّعيت من أنّ أبا بكر هو الذي صلّى على فاطمة (عليها السلام) و كبّر أربعا، و أنّ كثيرا من الفقهاء يستدلّون به في التكبير على الميّت فهو شيء ما سمع إلّا منك، و إن كنت تلقيّته عن غيرك فممّن يجري مجراك في العصبية، و إلّا فالروايات المشهورة و كتب الآثار و السير خالية من ذلك، و لم يختلف أهل النقل في أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) صلّى (8) على فاطمة (عليها السلام) إلّا رواية شاذّة نادرة وردت بأنّ العباس صلّى عليها (9).
رَوَى الْوَاقِدِيُ (10) بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْعَبَّاسِ: مَتَى دُفِنَتْ (11) فَاطِمَةُ (عليها السلام)؟ قَالَ: دَفَنَّاهَا بِلَيْلٍ بَعْدَ هَدْأَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَنْ
____________
(1) فصّلها الشيخ الأميني في غديره في أكثر من مكان، انظر مثلا: 7- 229.
(2) المغني، الجزء العشرون، القسم الأوّل: 335، باختلاف أشرنا لبعضه.
(3) في المغني: أنّ أبا بكر صلّى على فاطمة (ع) و كبّر عليها أربعا، هذا أحد ما يستدلّ به الفقهاء.
(4) في المصدر: و دفن عمر ابنه ليلا.
(5) جاء في طبعة كمباني: ما، بدلا من: ممّا.
(6) جاء في المغني: فما في هذا من الطعن، بل الأقرب أنّ دفنهم ليلا أستر و أقرب إلى السنّة.
(7) الشافي: 239- حجريّة- [الطبعة الجديدة 4- 113- 115]، باختلاف يسير.
(8) في المصدر: هو الذي صلّى.
(9) كما ذكره سيّدنا المرتضى علم الهدى في الشافي 4- 113، و كذا كلّ الذي جاء بعد هذا.
(10) لعلّه جاء في كتابه الجمل الّذي لا نعلم بطبعه و لم نحصّل على نسخته.
(11) في الشّافي: دفنتم.
389
صَلَّى عَلَيْهَا؟ قَالَ: عَلِيٌّ (عليه السلام).
وَ رَوَى الطَّبَرِيُ (1)، عَنِ الْحَرْثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْعَجْلَانِيِ أَنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) عُمِلَ لَهَا نَعْشٌ قَبْلَ وَفَاتِهَا، فَنَظَرَتْ (2) وَ قَالَتْ:
سَتَرْتُمُونِي سَتَرَكُمُ اللَّهُ.
، قال أبو جعفر محمّد بن جرير: و الثبت (3) في ذلك أنّها (4) زينب، لأنّ فاطمة (عليها السلام) (5) دفنت ليلا و لم يحضرها إلّا العباس و عليّ و المقداد و الزبير.
وَ رَوَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ بِإِسْنَادِهِ فِي تَارِيخِهِ (6) عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلوات الله عليه وَ عَلَيْهَا) عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا عَلِيٌّ (عليه السلام) لَيْلًا، وَ صَلَّى عَلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
و ذكر في كتابه هذا (7) أنّ أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) دفنوها ليلا و غيّبوا قبرها.
وَ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) دُفِنَتْ لَيْلًا.
وَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْعَطَّارِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ..
____________
(1) لم نجد الرّواية في تاريخ الطّبريّ 3- 240 حوادث سنة 11 ه، و لعلّها في غيره من كتبه، و قد أخذها العلّامة المجلسيّ طاب ثراه من السّيّد المرتضى في الشّافي.
(2) في الشّافي: فنظرت إليه.
(3) في الشافي: و ثابت.
(4) لا توجد: أنّها، في (س).
(5) في الشافي: لا فاطمة (عليها السلام).
(6) تاريخ الشّجريّ للقاضي أبو بكر أحمد بن كامل.
(7) تاريخ الشجري: و لم نحصل عليه.
390
وَ قَالَ الْبَلاذُرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (1) إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) لَمْ تُرَ مُتَبَسِّمَةً (2) بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَمْ يَعْلَمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ بِمَوْتِهَا.
و الأمر في هذا أوضح و أظهر من أن يطنب في الاستشهاد عليه و يذكر الروايات فيه.
فأمّا قوله: و لا يصحّ أنّها دفنت ليلا، و إن صحّ فقد دفن فلان و فلان ليلا .. فقد بيّنا أنّ دفنها ليلا في الصحّة كالشمس الطالعة، و أنّ منكر ذلك كدافع المشاهدات، و لم نجعل دفنها ليلا بمجرّده هو (3) الحجّة فيقال: فقد دفن فلان و فلان ليلا، بل مع الاحتجاج بذلك على.
ما وردت به الرِّوَايَاتُ الْمُسْتَفِيضَةُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي هِيَ كَالْمُتَوَاتِرِ أَنَّهَا (عليها السلام) أَوْصَتْ بِأَنْ تُدْفَنَ لَيْلًا حَتَّى لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا الرَّجُلَانِ (4)، وَ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ، وَ عَهِدَتْ فِيهِ عَهْداً بَعْدَ أَنْ كَانَا اسْتَأْذَنَا عَلَيْهَا فِي مَرَضِهَا لِيَعُودَاهَا، فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُمَا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمَا الْمُدَافَعَةُ رَغِبَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَهُمَا، وَ جَعَلَاهَا حَاجَةً إِلَيْهِ، فَكَلَّمَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي ذَلِكَ وَ أَلَحَّ عَلَيْهَا فَأَذِنَتْ لَهُمَا فِي الدُّخُولِ، ثُمَّ أَعْرَضَتْ عَنْهُمَا عِنْدَ دُخُولِهِمَا وَ لَمْ تُكَلِّمْهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَتْ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): قَدْ صَنَعْتَ (5) مَا أَرَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَهَلْ أَنْتَ صَانِعٌ مَا آمُرُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ لَا يُصَلِّيَا عَلَى جَنَازَتِي، وَ لَا يَقُومَا عَلَى قَبْرِي.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ (عليه السلام) عَمَّى عَلَى قَبْرِهَا وَ رَشَّ أَرْبَعِينَ قَبْراً فِي الْبَقِيعِ وَ لَمْ يَرُشَّ عَلَى قَبْرِهَا حَتَّى لَا يَهْتَدِيَا إِلَيْهِ، وَ أَنَّهُمَا عَاتَبَاهُ عَلَى (6) تَرْكِ إِعْلَامِهِمَا بِشَأْنِهَا وَ إِحْضَارِهِمَا
____________
(1) تاريخ البلاذريّ: و لم نحصّل عليه، و لم نجده في الأنساب و غيره.
(2) في الشّافي: مبتسمة.
(3) في (ك): و هو.
(4) ذكرنا و سنذكر جملة من المصادر، و انظر كتاب سليم بن قيس: 255، و تفصيل المصادر في الغدير 7- 327 و غيرهما.
(5) في الشّافي: أ ليس قد صنعت.
(6) في المصدر: و إنّما عاتبا على ..
391
لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
، فمن هاهنا احتججنا بالدفن ليلا، و لو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدّم عليه و تأخّر عنه لم يكن فيه حجّة. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه (1).
و ممّا يدلّ من صحاح أخبارهم على دفنها ليلا، و أنّ أبا بكر لم يصلّ عليها، و على غضبها عليه و هجرتها إيّاه.،
ما رواه مسلم في صحيحه (2) و أورده في جَامِعُ الْأُصُولِ (3) فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْخِلَافَةِ وَ الْإِمَارَةِ مِنْ حَرْفِ الْخَاءِ عَنْ عَائِشَةَ- فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ بَعْدَ ذِكْرِ مُطَالَبَةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) أَبَا بَكْرٍ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فَدَكَ، وَ سَهْمِهِ مِنْ خَيْبَرَ- قَالَتْ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ (ع) لَيْلًا (4) وَ لَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَتْ لِعَلِيٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (5) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ أُمَّ أَيْمَنَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَانِي فَدَكَ. فَقَالَ: يَا بِنْتَ (6) رَسُولِ اللَّهِ! وَ اللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَبِيكِ وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ السَّمَاءَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ يَوْمَ مَاتَ أَبُوكِ، وَ اللَّهِ لَأَنْ تَفْتَقِرَ عَائِشَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَفْتَقِرِي، أَ تَرَانِي
____________
(1) الشافي: 239 [4- 113- 115] بتصرّف كما سلف.
(2) صحيح مسلم 5- 154، باب حكم الفيء.
(3) جامع الأصول 4- 482، حديث 2079، و حكاه العلّامة الأمينيّ (رحمه الله) في غديره عن عدّة مصادر، لاحظ: 7- 227 و غيره.
(4) لا توجد: ليلا، في (س).
(5) في شرحه على نهج البلاغة 16- 214، و قد مرّت هذه الرّواية عن نفس المصدر في صفحة 328 من هذا الكتاب، فراجع.
(6) في المصدر: فقال لها يا بنيّة. و هي نسخة على مطبوع البحار.
392
أُعْطِي الْأَسْوَدَ وَ الْأَحْمَرَ (1) حَقَّهُ وَ أَظْلِمُكِ حَقَّكِ وَ أَنْتِ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ (ص)! إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ (2) وَلِيتُهُ كَمَا كَانَ يَلِيهِ! قَالَتْ: وَ اللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ أَبَداً!. قَالَ: وَ اللَّهِ لَا هَجَرْتُكِ أَبَداً. قَالَ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ.
قَالَ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ لَكِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَوْصَتْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ (3) عَلَيْهَا، فَدُفِنَتْ لَيْلًا، وَ صَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ كَانَ بَيْنَ وَفَاتِهَا وَ وَفَاةِ أَبِيهَا (صلّى اللّه عليه و آله) (4) اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ لَيْلَةً (5).
و ممّا يؤيّد إخفاء دفنها جهالة قبرها و الاختلاف فيه بين الناس إلى يومنا هذا، و لو كان بمحضر من الناس لما اشتبه على الخلق و لا اختلف فيه.
السابعة:
ممّا يرد من الطعون على أبي بكر في تلك الواقعة أنّه مكّن أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من التصرّف في حجراتهنّ بغير خلاف، و لم يحكم فيها بأنّها صدقة، و ذلك يناقض ما منعه في أمر فدك و ميراث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّ انتقالها إليهنّ إمّا على جهة الإرث أو النحلة، و الأول مناقض لروايته في الميراث، و الثاني يحتاج إلى الثبوت ببيّنة و نحوها، و لم يطالبهنّ بشيء منها كما طالب فاطمة (عليها السلام) في دعواها، و هذا من أعظم الشواهد لمن له أدنى بصيرة، على أنّه لم يفعل ما فعل إلّا عداوة لأهل بيت الرسالة، و لم يقل ما قال إلّا افتراء على اللّه و على رسوله.
و لنكتف (6) بما ذكرنا، فإنّ بسط الكلام في تلك المباحث ممّا يوجب كثرة حجم الكتاب و تعسّر تحصيله على الطلاب.
____________
(1) في المصدر: الأحمر و الأبيض.
(2) هنا سقط، و في شرح النّهج: و إنّما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النّبيّ به الرّجال و ينفقه في سبيل اللّه، فلمّا توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم.
(3) في المصدر: ألا يصلّي.
(4) في المصدر: عليها بدلا من عليه و آله.
(5) و ذكره الخوارزميّ في مقتله 1- 83 باختلاف يسير.
(6) في (س): و لتكتف.
393
فانظر أيّها العاقل المنصف بعين البصيرة! فيما اشتمل عليه تلك (1) الأخبار الكثيرة التي أوردوها في كتبهم المعتبرة عندهم من حكم سيّدة النساء (صلوات اللّه عليها)- مع عصمتها و طهارتها- باغتصابهم للخلافة و أنّهم أتباع الشيطان، و أنّه ظهر فيهم حسيكة النفاق، و أنّهم أرادوا إطفاء نور الدين، و إهماد سنن سيّد المرسلين (صلوات الله عليه و آله) أجمعين، و أنّهم آذوا أهل بيته و أضمروا لهم العداوة .. و غير ذلك ممّا اشتملت عليه الخطبة الجليلة .. (2)!.
فهل يبقى بعد ذلك شكّ في بطلان خلافة أبي بكر و نفاقه و نفاق أتباعه؟!.
ثم إنّها (عليها السلام) حكمت بظلم أبي بكر في منعها الميراث صريحا بقولها (عليها السلام): لقد جئت شَيْئاً فَرِيًّا (3)، و دعت الأنصار إلى قتاله، فثبت جواز قتله، و لو كان إماما لم يجز قتله.
ثم انظر إلى هذا المنافق كيف شبّه أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين و أخا سيّد المرسلين و زوجه الطاهرة: بثعالة شهيده ذنبه، و جعله مربا لكلّ فتنة، ثم إلى موت فاطمة (صلوات اللّه عليها) ساخطة على أبي بكر مغضبة عليه منكرة لإمامته، و إلى إنكار أبي بكر كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مع كونه مخالفا للآية و الإجماع و أخبارهم، و إلى أنّه انتزع فدك من يد وكلاء فاطمة و طلب منها الشهود، مع أنّها لم تكن مدّعية، فحكم بغير حكم اللّه و حكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و صار بذلك من الكافرين بنصّ القرآن، و إلى طلب الشاهد من المعصومة و ردّ
____________
(1) لا توجد: تلك، في (س).
(2) مرّت جملة من مصادرها و نزيد هاهنا: كفاية الأثر: 198، البحار 36- 352، 43- 148، 170، 197، و المناقب 2- 50 طبعة النجف، الاحتجاج 1- 107 [طبعة قم]، و 1- 145 [طبعة النجف]، العوالم 11- 226، و راجع خطبة الصدّيقة الطاهرة (سلام اللّه عليها) و على أبيها و بعلها و بنيها فقد أوردها المخالف و المؤالف و قد مرّت، و انظر: بيت الأحزان: 115 [طبعة قم]، و السقيفة و فدك للجوهري: 137 [طبعة طهران]، و الغدير 2- 61، و 3- 175 و ما بعدها، و دلائل الإمامة: 45، و كتاب سليم بن قيس الهلالي: 249 و غيرها.
(3) و لعلها اقتباس ممّا جاء في سورة مريم: 27.
394
شهادة المعصومين الذين أنزل اللّه تعالى فيهم ما أنزل، و قال فيهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما قال، و منعها الميراث خلافا لحكم الكتاب، و افترائه على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بما شهد الكتاب و السنّة بكذبه، فتبوّأ مقعده من النار، و ظلمه عليها (صلوات اللّه عليها) في منع سهم ذي القربى خلافا للّه تعالى، و مناقضته لما رواه حيث مكّن الأزواج من التصرّف في الحجر و غيرها (1) ممّا يستنبط من فحاوي ما ذكر من الأخبار (2)، و لا يخفى طريق استنباطها على أولي الأبصار.
____________
(1) في (س): و غيرهما.
(2) صرّح بأكثر من هذا في: الصراط المستقيم 2- 282- 299.
395
12- باب (1) العلّة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما ولي الناس
1-(ع)(2): الدَّقَّاقُ، عَنِ الْأَسَدِيِّ، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ النَّوْفَلِيِ (3)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ:
لِمَ لَمْ يَأْخُذْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ وَ لِأَيِّ عَلَّةٍ تَرَكَهَا؟ فَقَالَ لَهُ:
لِأَنَّ الظَّالِمَ وَ الْمَظْلُومَةَ قَدْ كَانَا قَدِمَا (4) عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَثَابَ اللَّهُ الْمَظْلُومَةَ (5) وَ عَاقَبَ الظَّالِمَ (6)، فَكَرِهَ أَنْ يَسْتَرْجِعَ شَيْئاً قَدْ عَاقَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَاصِبَهُ وَ أَثَابَ عَلَيْهِ
____________
(1) الترقيم لا يوجد في الأصل و جاء في حاشية (س).
(2) علل الشّرائع 1- 154، باب 124، حديث 1.
(3) في المصدر: حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد الدّقّاق (رحمه الله) قال: حدّثني محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن عمّه الحسين بن يزيد عن النّوفليّ ...
(4) في المصدر: فقال: لأنّ الظّالم و المظلومة كانا قدما.
(5) في العلل: المظلوم.
(6) في مطبوع البحار وضع على: قد كانا .. إلى الظّالم رمز نسخة بدل، و على الواو من و أثاب رمز نسخة صحيحة.
396
الْمَغْصُوبَةَ (1).
2-(ع)(2): ابْنُ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ (3) الْكَرْخِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: لِأَيِّ عِلَّةٍ تَرَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَدَكاً (4) لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لِلِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَ قَدْ بَاعَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَارَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا تَرْجِعُ إِلَى دَارِكَ؟ فَقَالَ (ص): وَ هَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ لَنَا دَاراً، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْتَرْجِعُ شَيْئاً يُؤْخَذُ مِنَّا ظُلْماً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكاً لَمَّا وَلِيَ.
3- ن،(ع)(5): الْقَطَّانُ، عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَلِيِ (6) بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ (7)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِمَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ (8) النَّاسَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وَلِيُّنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَأْخُذُ لَنَا حُقُوقَنَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا إِلَّا هُوَ (9)، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ وَ نَأْخُذُ (10) حُقُوقَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ (11)، وَ لَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا.
____________
(1) في المصدر: المغصوب.
(2) علل الشّرائع 1- 155، باب 124، حديث 2، باختلاف يسير.
(3) جاء في المصدر: حدّثنا أحمد بن عليّ بن هاشم (رحمه الله)، قال: حدّثنا أبي، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن إبراهيم.
(4) في العلل: ترك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فدكا.
(5) علل الشّرائع 1- 155، باب 124، حديث 3، و عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 2- 86، حديث 31.
(6) في العلل: حدّثنا أحمد بن الحسين القطّان، قال: حدّثنا أحمد بن سعيد الهمدانيّ، قال: حدّثنا عليّ ..
(7) في المصدرين: عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال.
(8) في العيون: زيادة: أمر، قبل: النّاس.
(9) في العلل: لأنّا أهل بيت إذا ولّانا اللّه عزّ و جلّ لا نأخذ حقوقنا ممّن ظلمنا إلّا هو .. و كذا في العيون إلّا أنّه لا توجد: ولّانا اللّه عزّ و جلّ.
(10) في العيون: و نأخذ لهم.
(11) في المصدرين: ظلمهم.
397
تبيين:
اعلم أنّ بعض المخالفين (1) تمسّكوا في تصحيح ما زعموه في أمر الميراث و قصّة فدك بإمضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ما فعلته الخلفاء لمّا صار الأمر إليه، و قد استدلّ قاضي القضاة (2) بذلك على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن شاهدا في قضيّة فدك، إذ لو كان هو الشاهد فيها لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، و كذلك في ترك الحجر لنساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قال: و ليس لهم (3) بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، و لو علموا ما عليهم في ذلك لاشتدّ هربهم منه، لأنّه إن جاز للأئمّة التقيّة- و حالهم في العصمة ما يقولون- ليجوزنّ ذلك (4) من رسول اللّه، و تجويز ذلك فيه يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجويز التقيّة، و متى قالوا يعلم بالمعجز (5) إمامته فقد أبطلوا كون النصّ طريقا للإمامة، و الكلام مع ذلك لازم لهم، بأن يقال: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة، و أن يفعل سائر ما يفعله تقيّة (6)؟ و كيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول و عن الأئمّة؟! و هلّا جاز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) نبيّا بعد الرسول و ترك ادّعاء ذلك تقيّة و خوفا؟! فإنّ الشبهة (7) في ذلك أوكد من النصّ، لأنّ التعصّب للنبيّ (8) في النبوة أعظم من التعصّب لأبي بكر و غيره في الإمامة! فإن عوّلوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في
____________
(1) المراد به قاضي القضاة في كتابه المغني كما صرّح بذلك السيّد المرتضى (رحمه الله) في الشافي، و حكاه عنه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 16- 270.
(2) كما جاء في المغني، الجزء العشرين: 333.
(3) في المصدر: و ليس يمكنهم.
(4) في (ك): ليجوزون، و في المصدر: ذلك للرسول.
(5) في المغني: نعلم بالمعجز.
(6) في المصدر: ما يفعله بفعله تقيّة؟.
(7) في المغني: بل الشبهة.
(8) في المصدر: لرسول اللّه بدلا من النبيّ.
398
النصّ على الإمامة قائمة، و إن (1) فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم أنّه لا يوثق به (2) و يلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقيّة لأنّه لا يكون أوكد من قول الرسول و قول الإمام عندهم، و بعد، فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنّه إله، فلا يصحّ على شروطهم أن يتعلّقوا بذلك (3).
و أجاب عنه السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي (4) بما هذا لفظه: أمّا قوله: إن جازت التقيّة للأئمّة- و حالهم في العصمة ما يدّعون (5)- جازت على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فالفرق بين الأمرين واضح، لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مبتدئ بالشرع، و مفتتح لتعريف الأحكام التي لا تعرف إلّا من جهته و بيانه، فلو جازت عليه التقيّة لأخلّ ذلك بإزاحة علّة المكلّفين، و لفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعيّة، و قد بيّنا (6) أنّها لا تعرف إلّا من جهته، و الإمام بخلاف هذا الحكم، لأنّه مفيد (7) للشرائع التي قد علمت من غير جهته، و ليس يقف العلم بها و الحقّ فيها على قوله دون غيره، فمن اتّقى في بعض الأحكام بسبب يوجب ذلك لم يخل تقيّته بمعرفة الحقّ و إمكان الوصول إليه، و الإمام و الرسول- و إن (8) استويا في العصمة- فليس يجب أن يستويا في جواز التقيّة للفرق الذي ذكرناه، لا أنّ الإمام لم يجز (9) التقيّة عليه لأجل العصمة، و ليس للعصمة تأثير في جواز التقيّة و لا نفي جوازها.
____________
(1) في (ك) هنا: كان، و جعل: و إن، نسخة بدل، و في المغني: على الإمام قائمة و إن.
(2) لا توجد: به، في المغني.
(3) إلى هنا كلام قاضي القضاة في المغني 20- 333- 335، بتفاوت قليل.
(4) الشافي- الحجريّة-: 228- 229 [الطبعة الجديدة 4- 105- 110] باختلاف يسير.
(5) في المصدر: ما تدعون.
(6) في المصدر: التي قد بينها ..
(7) كذا، و في الشافي: منفذ .. و هو الظاهر.
(8) لا توجد: و إن، في (س).
(9) في المصدر: لأنّ الإمام لم تجز.
399
فإن قيل: أ ليس من قولكم إنّ الإمام حجّة في الشرائع و قد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحقّ لا يعرف إلّا من جهته و بقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلّا من جهة من يقوم الحجّة بقوله (1) و هذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرّقتم بينهما فيه؟.
قلنا: إذا كانت الحال في الإمام ما صوّرتموه و تعيّنت الحجّة في قوله، فإنّ التقيّة لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
فإن قيل: فلو قدّرنا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد بيّن جميع الشرائع و الأحكام التي يلزمه بيانها حتّى لم يبق شبهة في ذلك و لا ريب، لكان يجوز عليه و الحال هذه- التقيّة في بعض الأحكام.
قلنا: ليس يمنع (2) عند قوّة أسباب الخوف الموجبة للتقيّة أن يتّقي إذا لم يكن (3) التقيّة مخلّة بالوصول إلى الحقّ و لا منفرة عنه.
ثم يقال له (4): أ ليست التقيّة عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها و على الإمام و الأمير؟!.
فإن قال: هي جائزة على المؤمنين و ليست جائزة على الإمام و الأمير.
قلنا: و أيّ فرق بين ذلك؟ و الإمام و الأمير عندك ليسا بحجّة في شيء كما أنّ النبيّ (ص) حجّة فيمنع (5) من ذلك لمكان الحجّة بقولهما، فإن اعترف بجوازها عليهما قيل له فإلا جاز على النبيّ (ص) قياسا على الأمير و الإمام.
فإن قال: لأنّ قول النبيّ (ص) حجّة، و ليس الإمام و الأمير كذلك.
____________
(1) في الشافي: من لا تقوم الحجّة بقوله.
(2) في المصدر: يمتنع.
(3) في الشافي: لم تكن.
(4) في الشافي: ثم يقال لصاحب الكتاب.
(5) في المصدر: فتمنع.
400
قيل له: و أيّ تأثير في الحجّة (1) في ذلك إذا لم تكن التقيّة مانعة من إصابة الحقّ، و لا بمخلّة بالطريق إليه. و خبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الأخبار حجّة لو ظفر بهم جبّار ظالم متفرّقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم- و هم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنّهم متى ذكروها على وجهها قتلهم و أباح حريمهم أ ليست التقيّة جائزة على هؤلاء مع الحجّة (2) في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقيّة على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم.
و قيل له: و أيّ فرق بين هذه الجماعة و بين من نقص عن عدّتها في جواز التقيّة؟ فلا يجد فرقا.
فإن قال: إنّما جوّزنا التقيّة على من ذكرتم لظهور الإكراه و الأسباب الملجئة إلى التقيّة و منعناكم من مثل ذلك، لأنّكم تدعون تقيّة لم تظهر أسبابها و لا الأمور الحاملة عليها من إكراه و غيره.
قيل له: هذا اعتراف بما أردناه من جواز التقيّة عند وجود أسبابها، و صار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، و لسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أنّ الإمام اتّقى بغير سبب موجب لتقيّة، و حامل على فعله، و الكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، و ليس كلّ الأسباب التي توجب التقيّة تظهر لكلّ أحد، و يعلمها جميع الخلق، بل ربّما اختلفت الحال فيها، و على كلّ حال فلا بدّ أن تكون معلومة لمن وجب تقيّته، و معلومة أو مجوّزة لغيره، و لهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيّته عن أمر فيصدقه بعضهم في ذلك و لا يصدقه آخرون، و يستعملون ضربا من التورية، و ليس ذلك إلّا لأنّ من صدق لم يخف على نفسه و من جرى مجرى نفسه، و من ورّى فلأنّه خاف على نفسه و غلب في ظنّه وقوع الضرر به متى صدق فيما (3) سئل عنه، و ليس يجب أن يستوي حال الجميع، و أن يظهر لكلّ أحد
____________
(1) في الشافي: للحجّة.
(2) في المصدر: مع أنّ الحجّة.
(3) في المصدر: عمّا، بدلا من: فيما.
401
السبب في تقيّة من اتّقى ممّن ذكرناه بعينه حتى يقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل، و حتى يجري مجرى العرض على السيف في الملإ من الناس، بل ربّما كان ظاهرا كذلك، و ربّما كان خافيا (1).
فإن قيل: مع تجويز التقيّة على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه و اعتقاده؟ و كيف يتخلّص (2) لنا ما يفتي به على سبيل التقيّة من غيره؟.
قلنا: أوّل ما نقوله في ذلك أنّ الإمام لا يجوز أن يتّقي فيما لا يعلم إلّا من جهته، و الطريق إليه إلّا من ناحيته، و قوله (3) و إنّما يجوز التقيّة عليه فيما قد بان بالحجج و البيّنات و نصبت عليه الدلالات حتى لا يكون تقيّته (4) فيه مزيلة لطريق إصابة الحقّ و موقعة للشبهة، ثم لا تبقى (5) في شيء إلّا و يدلّ على خروجه منه مخرج التقيّة، إمّا لما يصاحب كلامه أو يتقدّمه أو يتأخّر عنه، و من اعتبر جميع ما روي عن أئمّتنا (عليهم السلام) على سبيل التقيّة وجده لا يعرى ممّا ذكرناه.
ثم إنّ التقيّة إنّما تكون من العدوّ دون الوليّ، و من المتّهم دون الموثوق به، فما يصدر منهم إلى أوليائهم و شيعتهم و نصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشكّ في أنّه على غير جهة التقيّة، و ما يفتون به العدوّ أو يمتحنون به في مجالس الجور (6) يجوز أن يكون على سبيل التقيّة كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم يقلب (7) هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقيّة عند الخوف الشديد و ما يجري مجراه، فمن أين تعرف مذاهبهم و اعتقادهم؟! و كيف تفصل
____________
(1) في الشافي: خاصا.
(2) في المصدر: يخلص.
(3) في الشافي: و لا طريق إليه إلّا من ناحية قوله .. و هو الظاهر.
(4) في المصدر: فتياه، بدلا من: تقيّته.
(5) في الشافي: لا يتّقي .. و هو الظاهر، و في حاشية مطبوع البحار نسخة بدل: يبقى.
(6) في المصدر: مجالس الخوف.
(7) في الشافي: ثم نقلب.
402
بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقيّة و بين ما يفتي به و هو مذهب له يعتقد بصحّته؟! فلا بدّ من (1) الرجوع إلى ما ذكرناه.
فإن قال: أعرف مذهب غيري و إن أجزت عليه التقيّة بأن يضطرّني إلى اعتقاده، و عند التقيّة لا يكون ذلك.
قلنا: و ما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عنه، فأمّا ما تلا كلامه (2) الذي حكيناه عنه من الكلام في التقيّة، و قوله: إنّ ذلك يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّما بناه على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يجوز عليه التقيّة في كلّ حال، و قد بيّنا ما في ذلك و استقصيناه.
و قوله: أ لا جاز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) نبيّا، و عدل عن ادّعاء ذلك تقيّة .. فيبطله ما ذكرنا من أنّ التقيّة لا يجوز على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) فيما لا يعلم (3) إلّا من جهته، و يبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن و كلّ عاقل ضرورة من نفي (4) النبوّة بعده على كلّ حال من دين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و قوله: إن عوّلوا على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في النصّ على الإمام قائمة، فمعاذ اللّه أن ندّعي الضرورة في العلم بالنصّ على من غاب عنه فلم يسمعه، و الذي نذهب إليه أنّ كل من لم يشهده لا يعلمه إلّا باستدلال (5) و ليس كذلك نفي النبوّة، لأنّه معلوم من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) ضرورة، و لو لم يشهد بالفرق بين الأمرين إلّا اختلاف العقلاء في النصّ مع تصديقهم بالرسول
____________
(1) في المصدر: فلا بدّ ضرورة من.
(2) في الشافي: ما تلا صاحب الكتاب كلامه.
(3) في الشافي: لا يسلم.
(4) في المصدر: من أن نفي ..
(5) في (ك): بالاستدلال.
403
(صلّى اللّه عليه و آله) و أنّهم لم يختلفوا في نفي النبوّة لكفى (1)، و لا اعتبار بقوله في ذلك خلاف ما قد ذكر (2) كما ذكر في أنّه (عليه السلام) إله، لأنّه (3) هذا الخلاف لا يعتدّ به، و المخالف فيه خارج عن الإسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين (4) بقول من خالف في أنّه إله، على أنّ من خالف و ادّعى نبوّته لا يكون مصدّقا للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عالما بنبوّته، و لا يدّعي علم الاضطرار في أنّه لا نبيّ بعده و إنّما يعلم ضرورة من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) نفي النبوّة بعده من أقرّ بنبوّته (5).
فأمّا قوله: إنّ الإجماع لا يوثق به عندهم، فمعاذ اللّه أن نطعن في الإجماع و كونه حجّة، فإن أراد أنّ الإجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجّة فذلك ليس بإجماع عندنا و عندهم، و ما ليس بإجماع فلا حجّة فيه، و قد تقدّم عند كلامنا في الإجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية.
و قوله: يجوز أنّ (6) يقع الإجماع على طريق التقيّة لا يكون (7) أوكد من قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو قول الإمام (عليه السلام) عندهم، باطل (8)، لأنّا قد بيّنا أنّ التقيّة لا تجوز على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) على كلّ حال، و إنّما تجوز على حال دون أخرى، على أنّ القول بأنّ الأمّة بأسرها مجتمع (9)
____________
(1) لا توجد في المصدر: لكفى، و لا يتمّ المعنى إلّا بها.
(2) في المصدر: بقول صاحب الكتاب: إنّ في ذلك خلافا قد ذكر ..
(3) في الشافي: لأن، و جعلها في (س) نسخة بدل.
(4) لا يوجد في المصدر: بقوله كما لا يعتبر في إجماع المسلمين.
(5) لا يوجد في المصدر: من أقرّ بنبوّته، و فيه: تدّعي ... نعلم ..
(6) في المصدر: لتجوزن أن.
(7) كذا، و في المصدر: لأنّه لا يكون .. و في (س): لأنّه يكون. و الظاهر ما في المصدر لما مرّ من عبارة صاحب المغني.
(8) باطل خبر لقوله.
(9) كذا، و في الشافي: تجمع.
404
على طريق التقيّة طريف (1)، لأنّ التقيّة سببها الخوف من الضرر العظيم، و إنّما يتّقي بعض الأمّة من بعض لغلبته عليه و قهره له، و جميع الأمّة لا تقيّة عليها من أحد.
فإن قيل: يتّقي من مخالفيها في الشرائع.
قلنا: الأمر بالضدّ من ذلك، لأنّ من خالطهم و صاحبهم من مخالفيهم في الحال (2) أقلّ عددا و أضعف بطشا منهم، فالتقيّة لمخالفيهم منهم أولى، و هذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الإطالة و الاستقصاء. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
و لنذكر بعض ما يدلّ على جواز التقيّة
لكثرة تشنيع المخالفين في ذلك علينا مع كثرة الدلائل القاطعة عليها (3)..
فمنها:
قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ (4).
و منها:
قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (5).
و منها:
ما رواه الْفَخْرُ الرَّازِيُ (6) وَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ (7) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخَذَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟
____________
(1) في المصدر: طريق، و لا معنى لها.
(2) في الشافي: في الملل.
(3) و سيأتي من المصنّف طاب ثراه في المجلد الخامس و السبعين 393- 443 بحث حول التقيّة، فراجع.
(4) النحل: 106.
(5) آل عمران: 28.
(6) تفسير الفخر الرّازيّ 8- 13.
(7) كما جاء في مجمع البيان 2- 430، و أحكام القرآن للجصّاص 2- 10، و تفسير التّبيان 2- 435، و غوالي اللّئالي 2- 104، حديث 288 .. و غيرها.
405
قَالَ: نَعَمْ، وَ كَانَ مُسَيْلَمَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ، وَ دَعَا الْآخَرَ فَقَالَ: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ! قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي أَصَمُّ .. ثَلَاثاً. فَقَدَّمَهُ وَ قَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَ يَقِينِهِ فَهَنِيئاً لَهُ، وَ أَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ.
و منها:
مَا رَوَاهُ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ أَنَّ أُنَاساً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أُكْرِهَ فَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِقَلْبِهِ مُصِرّاً عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ عَمَّارٌ وَ أَبَوَاهُ: يَاسِرٌ وَ سُمَيَّةُ، وَ صُهَيْبٌ وَ بِلَالٌ وَ خَبَّابٌ وَ سَالِمٌ عُذِّبُوا، وَ أَمَّا سُمَيَّةُ فَقَدْ رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ (1) وَ وُجِئَتْ (2) فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ، وَ قَالُوا: إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ فَقُتِلَتْ، وَ قُتِلَ يَاسِرٌ، وَ هُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ (3) فِي الْإِسْلَامِ، وَ أَمَّا عَمَّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهاً، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَمَّاراً كَفَرَ. فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ عَمَّاراً مُلِئَ إِيمَاناً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَ اخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَ دَمِهِ، فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: مَا لَكَ! إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ (4).
____________
(1) في (س): بعيري.
(2) قال في القاموس 1- 31: وجأه باليد و السّكّين- كوضعه- ضربه.
(3) في (س): قتيلتين.
(4) صرّحت بذلك كلّ المصادر الّتي بأيدينا نذكر منها: حلية الأولياء 1- 139، 143، 147، 151، تفسير الآلوسي 14- 237، تفسير الطّبريّ 3- 152، 14- 122، أحكام القرآن لأبي بكر العربيّ 1- 268، تفسير الفخر الرّازيّ 20- 121- بنصّ ما ذكر هنا-، تفسير الدّرّ المنثور للسّيوطيّ 2- 16 و 4- 132، أحكام القرآن للجصّاص 2- 9 و 3- 191- 192، أسد الغابة 4- 43 46، و مستدرك الحاكم 2- 291 و 357.
و قد ذكر العلّامة الأمينيّ في غديره 9- 24 مصادر جمّة أخرى، أمّا عند الخاصّة فالمسألة مسلّمة إن لم تكن ضروريّة. انظر مثلا: قرّب الإسناد: 8، غوالي اللّئالي 2- 104، حديث 285 و 288، تفسير التّبيان 6- 428، .. و غيرها.
406
و منها:
خَبَرُ (1) مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ أَكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُمَا وَ هَاجَرَا (2).
و قال ابن عبد البرّ في الإستيعاب (3) في ترجمة عمّار: إنّ نزول الآية فيهم ممّا أجمع أهل التفسير عليه.
و يدل عليها أيضا ما يدلّ على نفي الحرج نحو قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4) و لزوم الحرج في مواضع التقيّة- سيّما إذا انتهت الحال إلى القتل و هتك العرض- واضح..
و يدلّ عليها عموم قوله تعالى
(5): فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (6).
و قد فسّر مجاهد الاضطرار في آية الأنعام (7) باضطرار الإكراه خاصّة (8).
و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (9) على بعض
____________
(1) في مطبوع البحار: خير.
(2) كما جاء في الإصابة 1- 221 برقم 1069 حيث ذكره باسم «جبر» و فيها أيضا 2- 249 رقم 4380 حيث ذكره باسم «حرّ» في ضمن ترجمة سيّده «عامر بن الحضرميّ». و الموضع الثّاني من الإصابة هو الأنسب لمّا في المتن هنا.
(3) الاستيعاب- المطبوع في هامش الإصابة- 2- 477.
(4) الحجّ: 78.
(5) لا توجد كلمة: تعالى، في (س).
(6) البقرة: 173.
(7) الأنعام: 145، و هي قوله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ» ... «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
(8) لم نجد النسبة إلى مجاهد في سورة الأنعام من تفسير التبيان 4- 275، و مجمع البيان 4- 378 و غيرهما. نعم أحال الأخير تفسيرها إلى سورة البقرة: 173 في 2- 257، و ذكر هناك نصّ كلام مجاهد، و هناك أقوال أخر لاحظها هناك.
(9) البقرة: 195.
407
التفاسير (1). و لا خلاف في شرعيّتها مع الخوف على النفس من الكفّار الغالبين.
و قال الشافعي- من العامّة- بأنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحال بين المسلمين و المشركين حلّت التقيّة (2)، ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية، و قال: التقيّة جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز،
- لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ،.
- وَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ.
، و لأنّ الحاجة إلى المال شديدة، و الماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء و جاز الاقتصار على التيمّم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا (3)؟.
و قال في تفسير الآية الأولى.:
اعلم أنّ للإكراه مراتب:
أحدها (4): أن يجب فعل المكره عليه
، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر و أكل الخنزير و أكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الأكل، و ذلك لأنّ صون الروح عن الفوات واجب و لا سبيل إليه في هذه الصورة إلّا بهذا الأكل، و ليس في هذا الأكل ضرر على حيوان و لا إهانة بحقّ اللّه (5)، فوجب أن يجب، لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (6).
المرتبة الثانية:
أن يكون (7) ذلك الفعل مباحا و لا يصير واجبا، و مثاله ما إذا
____________
(1) انظر: التبيان 2- 152، و مجمع البيان 1- 289 ذيل آية 195 من سورة البقرة، تفسير نور الثقلين 1- 179، و البرهان 1- 192، و انظر: تفسير الفخر الرازيّ 5- 150، 20- 122، و الكشّاف 1- 237 و غيرها.
(2) كما ذكره في كتابه: الأم 3- 236، 4- 188 و 193 و 285 بهذا المضمون.
(3) تفسير الفخر الرازيّ 8- 13.
(4) في المصدر: المرتبة الأولى، بدلا من: أحدها.
(5) في تفسير الفخر الرازيّ: و لا فيه إهانة لحقّ اللّه تعالى.
(6) البقرة: 195.
(7) توجد في (ك) هنا نسخة بدل: أن يصير، و هي كذلك في المصدر.
408
أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر مباح له ذلك (1) و لكنّه لا يجب (2).
قال: و أجمعوا على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر، و يدلّ عليه وجوه:
أحدها: إنّا روينا أنّ بلالا صبر على ذلك العذاب و كان يقول: أحد ..
أحد، و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بئسما صنعت، بل عظّموه عليه (3)، فدلّ ذلك على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر.
و ثانيها: ما روي من قصّة المسيلمة (4)، التي سبق ذكرها، قال:.
المرتبة الثالثة:
أنّه لا يجب و لا يباح بل يحرم، و هذا مثل ما أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصليّة (5) انتهى.
و لا خلاف ظاهرا في أنّه متى أمكن التخلّص من الكذب في صورة التقيّة بالتورية لم يجز ارتكاب الكذب، و اختلفوا فيما لو ضيق المكره الأمر عليه و شرح له كلّ أقسام التعريضات و طلب منه أن يصرّح بأنّه ما أراد شيئا منها و لا أراد إلّا ذلك المعين، و لم يتفطّن في تلك الحال بتورية يتخلّص منه (6) فالخاصّة (7) و أكثر
____________
(1) في المصدر: فهاهنا يباح له و ..
(2) تفسير الفخر الرازيّ 20- 122- 123.
(3) من المصدر: بل عظمه عليه.
(4) تفسير الفخر الرازيّ 20- 122، و ذكر فيه قصّة مسيلمة، و الظاهر زيادة الألف و اللام على العلم.
(5) تفسير الفخر الرازيّ 20- 123.
(6) في (ك): به، بدلا من: منه.
(7) نصّت عليه جملة مصادر من الإماميّة كما جاءت رواية في كتب الحديث، انظر: الكافي 2- 172 باب 97 كتاب الإيمان، المحاسن 255 باب التقيّة، أمالي الشيخ الصدوق 531 حديث 5، معاني الأخبار 385 حديث 20، أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 287 و 299، وسائل الشيعة 1- 313 حديث 3 و 4، 11- 459 باب 24، و 467 باب 25 و 26 و 27 و ما بعدها، و 18- 5 حديث 7، بحار الأنوار 75- 393- 443، و لاحظ أيضا أوائل المقالات للشيخ المفيد: 135 و 241، الهداية (لعليّ بن بابويه): 9، و القواعد و الفوائد 2- 155، جامع الأخبار: 110 باب التقيّة، و راجع من التفاسير: تفسير الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): 175، و تفسير العيّاشيّ 1- 166، 2- 271- 272، تفسير القمّيّ: 1- 100 و 390، تفسير ابن عبّاس: 45 و 231، و تفسير نور الثقلين 1- 325- 327 و 3- 88، تفسير البرهان 1- 275 و 2- 385، و غيرها.
409
العامّة (1) ذهبوا إلى جواز الكذب حينئذ.
و حكى الفخر الرازي عن القاضي أنّه قال: يجب حينئذ تعريض النفس للقتل، لأنّ الكذب إنّما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كلّ حال، و لو جاز أن يخرج من القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع (2) أن يفعل اللّه الكذب لرعاية بعض المصالح، و حينئذ لا يبقى وثوق بعهد اللّه (3) و لا بوعيده، لاحتمال أنّه فعل ذلك الكذب (4) لرعاية المصالح التي لا يعرفها إلّا اللّه تعالى (5).
و يرد عليه: أنّ الكذب و إن كان قبيحا إلّا أنّ جواز ارتكابه (6) في محلّ النزاع لأنّه أقلّ القبيحين، و التعريض للقتل- لو سلّمنا عدم قبحه لذاته جاز أن يغلب المفسدة العرضيّة فيه على الذاتيّة في الكذب، و يلزمه تجويز تعريض نبيّ من الأنبياء للقتل للتحرّز عن الكذب في درهم، و بطلانه لا يخفى على أحد.
و أمّا ما تمسّك به من تطرّق الكذب إلى وعد اللّه سبحانه و وعيده، فيتوجّه عليه:
____________
(1) قد مرّت جملة من مصادر العامّة قريبا و نزيدها هنا: تفسير الفخر الرازيّ 8- 11- 14 و 20- 120 و 123، و تفسير الطبريّ 14- 121، تفسير البحر المحيط 2- 423 و 5- 537- 541، تفسير الكشّاف 1- 422 و 2- 430، تفسير زاد المسير 1- 371 و 4- 495، و تفسير القرآن العظيم 1- 365 و 2- 609، و أحكام القرآن للقرطبيّ 4- 57 و 10- 180، و لاحظ: صحيح البخاريّ 8- 38 باب 82، و 9- 25 باب 1. و راجع كتب التراجم و الحديث من العامّة في ما ذكروه في قصّة عمّار و صهيب و خباب و بلال و مسيلمة الكذّاب و غيرها.
(2) في تفسير الفخر الرازيّ: عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع ..
(3) كذا، و في المصدر: بوعد اللّه تعالى، جاءت نسخة بدل في (ك): بوعد اللّه.
(4) في (س): الكذاب.
(5) تفسير الفخر الرازيّ: 20- 122.
(6) كذا، و الظاهر: إلّا أنّه يجوز ارتكابه.
410
أوّلا: أنّ العقل يجزم ببطلان الاحتمال المذكور، لأنّ (1) سبحانه هو الذي بيده أزّمة الأمور، و هو القادر الذي لا يضادّه في ملكه أحد، و العالم بالعواقب، فلا يجوز عليه نظم الأمور على وجه لا يمكن فيه رعاية المصلحة إلّا بالكذب.
و ثانيا: أنّ ذلك باطل بالضرورة من الدين و إجماع المليّين- لا من حيث عدم جواز الكذب- لرعاية المصالح، و هو واضح.
ثم إنّ الشهيد (رحمه الله) عرّف التقيّة (2) في قواعده (3) بأنّها: مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، قال: و أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) و موردها الطاعة و المعصية غالبا، فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما و الفاسق المتظاهر بفسقه اتّقاء شرّهما من باب المداهنة الجائزة و لا تكاد تسمّى تقيّة.
و قسّمها بانقسام الأحكام الخمسة (5)، و عدّ من الحرام التقيّة في قتل الغير، و قال: التقيّة تبيح كلّ شيء حتّى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم، أمّا في هذا المقام و مقام التبرّي من أهل البيت (عليهم السلام) فإنّه لا يأثم بتركها، بل صبره إمّا مباح أو مستحب، و خصوصا إذا كان ممّن يقتدى به (6)، انتهى.
و حكى الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (7) عن الشيخ المفيد رضي
____________
(1) جاءت في (ك): لأنّه، على أنّها نسخة بدل.
(2) في (س): أن التقيّة.
(3) القواعد و الفوائد 2- 155 قاعدة 208، باختلاف يسير.
(4) كما جاءت في مستدرك وسائل الشيعة 1- 512 باب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث 2 [الطبعة الجديدة 4- 44- 45] كما ورد بهذا المضمون عن الصادق (عليه السلام) كما جاء في المستدرك 2- 378 باب 30 من أبواب الأمر و النهي حديث 4 و 8 [الطبعة الجديدة 12- 274 276].
(5) القواعد و الفوائد 2- 157- 158.
(6) القواعد و الفوائد- التنبيه الثاني- 2- 158 باختلاف يسير.
(7) مجمع البيان 1- 430 ذيل آية 28 من سورة آل عمران.
411
اللّه عنه أنّه قال: التقيّة قد تجب أحيانا و تكون فرضا، و تجوز أحيانا من غير وجوب و يكون في وقت أفضل من تركها، و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوّا عنه، متفضّلا عليه بترك اللوم عليها (1).
و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله): ظاهر الروايات يدلّ على أنّها واجبة عند الخوف على النفس، و قد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحقّ عنده (2).
و أنت إذا وقفت على ما حكيناه ظهر لك أنّ القول بالتقيّة ليس من خصائص الخاصّة حتى يعيّروا به- كما يوهمه كلام قاضي القضاة و الفخر الرازي و غيرهما- و أكثر أحكامها ممّا قال به جلّ العامّة أو طائفة منهم.
ثم إنّ ما جعله قاضي القضاة من مفاسد القول بجواز التقية على الإمام أعني لزوم جوازها على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- ممّا رووه في أخبارهم و اتّفقوا على صحّته.
- روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكّة و بنيانها بأربعة أسانيد (3)،- و مسلم في صحيحه (4)، و مالك في الموطأ (5)، و الترمذي (6) و النسائي في صحيحيهما (7)، و ذكرهما في جامع الأصول في فضل الأمكنة من حرف الفاء بألفاظ مختلفة (8).
____________
(1) ذكر هذا شيخنا المفيد طاب ثراه في كتابه: أوائل المقالات: 135.
(2) جاء في تفسير التبيان 2- 435، و إلى هنا انتهى ما نقله صاحب مجمع البيان.
(3) صحيح البخاريّ كتاب الحجّ 2- 179، و كتاب بدء الخلق باب الأنبياء 4- 178، و كتاب تفسير سورة البقرة 6- 24.
(4) صحيح مسلم 2- 969 حديث 399 باب 69 كتاب الحجّ.
(5) موطأ مالك 1- 363 باب 33 كتاب الحجّ حديث 104.
(6) سنن الترمذي 3- 224 باب 47 كتاب الحجّ حديث 875.
(7) سنن النسائي 5- 214 باب بناء الكعبة، و انظر: مسند أحمد بن حنبل 6- 113 و 117 و 247، و سنن البيهقيّ 5- 89.
(8) جامع الأصول 9- 294 حديث 6907.
412
منها:- و هو.
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ وَ الْمُوطَأِ وَ النَّسَائِيِّ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَنْ (1) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَ لَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْ لَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ.
قال عبد اللّه: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما أرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلّا أنّ البيت لم يتم على قواعد إبراهيم (2).
و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (3): سَأَلْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْجِدَارِ، أَ مِنَ (4) الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ:
فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ. قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَ يَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَ لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ (5) بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجِدَارَ فِي الْبَيْتِ وَ أَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ (6)..
و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ! لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَ أَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَ جَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَاباً شَرْقِيّاً وَ بَاباً غَرْبِيّاً، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ فَذَلِكِ الَّذِي
____________
(1) لا توجد كلمة: عن، في (س).
(2) جاء في مصادر أخرى حكتها عنهم، و انظر: مسند أحمد بن حنبل 6- 57 و غيره.
(3) في (س): قال، و جعل: قالت نسخة بدل.
(4) في (ك): من.
(5) جاءت في (ك): عهد، و عهدهم نسخة بدل.
(6) صحيح البخاريّ 2- 179- 180، صحيح مسلم 2- 973 باب 70 حديث 405، الفردوس 3- 358 حديث 5081، سنن البيهقيّ 5- 89، كنز العمّال 12- 221- 222 حديث 34761 34765.
413
حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَ بَنَاهُ وَ أَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَ قَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الْآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. فَخَرَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا .. (1).
و باقي ألفاظ الروايات مذكورة في جامع الأصول (2).
و لا ريب في أنّ الظاهر أنّ تعليق الإمضاء بحدثان عهد القوم و قربه من الكفر و الجاهليّة يستلزم خوفه (صلّى اللّه عليه و آله) في ارتدادهم و خروجهم عن الإسلام أن يعود بذلك ضرر على نفسه (3) (صلّى اللّه عليه و آله) أو إلى غيره، و يتطرّق بذلك الوهن في الإسلام، و ذلك هو الذي جعله قاضي القضاة مفزعا للشيعة عند لزوم الكلام.
ثم إنّ هذه الروايات تدلّ دلالة ظاهرة على أنّ إيمان القوم لم يكن ثابتا مستقرا، و إلّا لما كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) خائفا وجلا من تغيير ما أسّسه أئمّة القوم في الجاهليّة و الكفر، و إنّهم ممّن قال اللّه تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (4). بل الظاهر من الكلام لمن أنصف و راجع الوجدان الصحيح أنّ القوم لم يكونوا مذعنين لرسالته (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بألسنتهم، و إلّا لما خاف ارتدادهم (5) لأمر لا يعود بإبقائه إليهم نفع في آخرتهم و دنياهم، و كانوا يحبّون بقاءه لكونه من قواعد الجاهليّة و أساس الكفر، و لا ريب في أنّ توجيه الكلام إلى عائشة و التعبير عن القوم بلفظ يفيد نوعا من الاختصاص
____________
(1) صحيح البخاريّ 2- 180.
(2) جامع الأصول 9- 294 حديث 6907- 6912.
(3) في (ك): إلى نفسه.
(4) الحجّ: 11.
(5) في (ك) و في نسخة: خاف من ارتدادهم ..
414
بها يقتضي كون الحكم أخصّ و أقرب إلى من كان أقرب إليها و أخصّ بها، لكونه متّبعا في القوم أو أشدّ عصبيّة منهم .. أو نحو ذلك، و ليس في القوم أقرب إلى عائشة من أبيها.
فإن قيل: تركه (صلّى اللّه عليه و آله) لهدم ما أسّسه القوم لم يكن لخوفه على نفسه أو غيره حتى يدخل في التقيّة، بل هو من قبيل رعاية المصالح في تأليف قلوب القوم و ميلهم إلى الإسلام، و ذلك من قبيل أمره سبحانه بمشاورة القوم و الرفق بهم في قوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (1).
قلنا: أوّلا: هذا بعيد من الظاهر، إذ الخوف من إنكار قلوب عامّة القوم- كما يظهر من إضافة ما يفيد مفاد الجمع لحدثان عهدهم بالجاهليّة و الكفر مع الأمن من لحوق الضرر و لو إلى أحد من المسلمين- ممّا لا معنى له عند الرجوع إلى فطرة سليمة.
و ثانيا: أنّه يجوز أن يكون المانع لأمير المؤمنين (عليه السلام) من نقض أحكامهم مثل ذلك، و لم يكن أئمّة الكفر و الجاهليّة في صدور قوم عائشة أمكن من أبي بكر و عمر في قلوب القوم الذين كانوا يبايعون أمير المؤمنين (ع) على سيرتهما و اقتفاء أثرهما، و إذا لم يكن ذلك من التقيّة بطل قول قاضي القضاة، و ليس لهم بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام.
و ثالثا: إذا جاز على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ترك الإنكار على تغيير ما حرّم اللّه خوفا من هذا النوع من الضعف في الإسلام الذي يئول إلى خروج قوم منافقين أو متزلزلين في الإسلام عن الإسلام من غير أن يعود به ضرر إلى المسلمين و لا إلى نفسه (صلّى اللّه عليه و آله)، فبالأولى أن يجوز لأمير المؤمنين إمضاء الباطل من أحكام القوم للخوف على نفسه أو غيره من المسلمين، لكون ذلك أضرّ في
____________
(1) آل عمران: 159.
415
الإسلام، و كما لم تمنع (1) العصمة في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن تركه إنكار المنكر لم تمنع في أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يتوجه على قول قاضي القضاة: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة .. أنّه إن كان المراد تجويز ظهور المعجز بعد ادّعاء الإمامة مع كونه غير نبيّ و لا إمام فبطلانه واضح.
و إن كان المراد تجويز ادّعاء الإمامة مع كونه نبيّا حتى يكون ما بعده كالإعادة لهذا الكلام فيرد عليه: أنّه إن كان ذلك الادّعاء على وجه الكذب فامتناع ظهور المعجز على طبقه واضح.
و إن كان على وجه التورية حتى يكون المراد من الإمامة النبوّة لكن لم يعرف ذلك أحد من الناس، و كانوا معتقدين لإمامته متديّنين بها لا بنبوّته فهو أيضا باطل، إذ في ظهور المعجز- مع تلك الدعوى- إغراء للمكلّفين بالباطل، و هو قبيح..
____________
(1) توجد في (ك) نسخة بدل: و كما أنّه تمنع ..
417
13- باب (1) علّة قعوده (عليه السلام) عن قتال من تأمّر عليه من الأوّلين، و قيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين و القاسطين و المارقين، و علّة إمهال اللّه من تقدّم عليه، و فيه علّة قيام من قام من سائر الأئمّة و قعود من قعد منهم (عليهم السلام).
1- ج (2): رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ جَالِساً فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنِ النَّهْرَوَانِ (3) فَجَرَى الْكَلَامُ حَتَّى قِيلَ: لِمَ (4) لَا حَارَبْتَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَمَا حَارَبْتَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ مُعَاوِيَةَ؟. فَقَالَ (عليه السلام): إِنِّي كُنْتُ لَمْ أَزَلْ مَظْلُوماً مُسْتَأْثَراً عَلَى حَقِّي، فَقَامَ إِلَيْهِ أَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لِمَ لَمْ تَضْرِبْ بِسَيْفِكَ وَ تَطْلُبْ بِحَقِّكَ؟! فَقَالَ: يَا أَشْعَثُ! قَدْ قُلْتَ قَوْلًا فَاسْمَعِ الْجَوَابَ وَ عِهْ وَ اسْتَشْعِرِ الْحُجَّةَ، إِنَّ لِي أُسْوَةً بِسِتَّةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (صلوات اللّه عليهم أجمعين):
____________
(1) الرقم جاء في حاشية (س) و ليس من الأصل.
(2) الاحتجاج: 1- 189- 190 طبعة مشهد [1- 279- 280 النّجف الأشرف] باختلاف يسير.
(3) في المصدر: من نهروان ..
(4) قيل له لم .. كذا في المصدر، و نسخة جاءت على (ك).
418
أَوَّلُهُمْ: نُوحٌ (عليه السلام) حَيْثُ قَالَ: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (1)، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ قَالَ لِغَيْرِ (2) خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ ثَانِيهِمْ: لُوطٌ (عليه السلام) حَيْثُ قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (3). فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ قَالَ هَذَا لِغَيْرِ خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ ثَالِثُهُمْ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ حَيْثُ قَالَ: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (4). فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ قَالَ هَذَا لِغَيْرِ خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ رَابِعُهُمْ: مُوسَى (عليه السلام) حَيْثُ قَالَ: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (5). فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ قَالَ هَذَا لِغَيْرِ خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ خَامِسُهُمْ: أَخُوهُ هَارُونُ (عليه السلام) حَيْثُ قَالَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (6). فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ قَالَ هَذَا (7) لِغَيْرِ خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ سَادِسُهُمْ: أَخِي مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْبَشَرِ (8) (صلّى اللّه عليه و آله) حَيْثُ ذَهَبَ إِلَى الْغَارِ وَ نَوَّمَنِي عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْغَارِ لِغَيْرِ خَوْفٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَ إِلَّا فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ بِأَجْمَعِهِمْ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُكَ وَ نَحْنُ الْمُذْنِبُونَ التَّائِبُونَ، وَ قَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ!.
____________
(1) القمر: 10، و في المصدر: ربّ إنّي ..
(2) في المصدر: قال هذا لغير ..
(3) هود: 80.
(4) مريم: 48.
(5) الشّعراء: 21.
(6) الأعراف: 150، و في المصدر: يا ابن أم ..
(7) لا توجد: هذا، في (س).
(8) في المصدر: خير البشر ..
419
2- ج (1): عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ خُطْبَةً بِالْكُوفَةِ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ قَالَ: إِنِّي (2) لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ وَ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ (3): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَمْ تَخْطُبْنَا خُطْبَةً مُنْذُ قَدِمْتَ الْعِرَاقَ إِلَّا وَ قُلْتَ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ! وَ لَمَّا وَلِيَ تَيْمٌ وَ عَدِيٌّ، أَلَّا ضَرَبْتَ بِسَيْفِكَ دُونَ ظُلَامَتِكَ؟! فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِ: يَا ابْنَ الْخَمَّارَةِ! قَدْ قُلْتَ قَوْلًا فَاسْتَمِعْ، وَ اللَّهِ مَا مَنَعَنِي الْجُبْنُ وَ لَا كَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ، وَ لَا مَنَعَنِي ذَلِكَ (4) إِلَّا عَهْدُ أَخِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، خَبَّرَنِي وَ قَالَ (5): يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ وَ تَنْقُضُ عَهْدِي، وَ إِنَّكَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا تَعْهَدُ إِلَيَّ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَبَادِرْ إِلَيْهِمْ وَ جَاهِدْهُمْ، وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَكُفَّ يَدَكَ وَ احْقُنْ دَمَكَ حَتَّى تَلْحَقَ بِي مَظْلُوماً. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) اشْتَغَلْتُ بِدَفْنِهِ وَ الْفَرَاغِ مِنْ شَأْنِهِ، ثُمَّ آلَيْتُ يَمِيناً (6) أَنِّي لَا أَرْتَدِي إِلَّا لِلصَّلَاةِ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ، فَفَعَلْتُ (7)، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِ فَاطِمَةَ وَ ابْنَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ثُمَّ دُرْتُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَ أَهْلِ السَّابِقَةِ فَنَاشَدْتُهُمْ (8) حَقِّي وَ دَعَوْتُهُمْ إِلَى نَصْرِي (9)، فَمَا أَجَابَنِي
____________
(1) الاحتجاج: 1- 190- 191 مشهد [1- 280- 281 النّجف الأشرف] باختلاف يسير.
(2) في المصدر: ألا و إنّي ..
(3) في المصدر: فقام إليه الأشعث بن قيس فقال ..
(4) لا توجد في المصدر: الجبن، و لا كراهية الموت، و لا منعني ذلك .. و فيه: ما منعني من ذلك ..
(5) في المصدر: أخبرني، و قال لي ..
(6) و في نسخة على المطبوع من البحار: ألبث بيتا.
(7) هنا سقط، و جاء في المصدر: ثمّ أخذته و جئت به فأعرضته عليهم، قالوا: لا حاجة لنا به.
(8) في المصدر: فأنشدتهم.
(9) في الاحتجاج: نصرتي.
420
مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةُ رَهْطٍ: سَلْمَانُ وَ عَمَّارٌ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ، وَ ذَهَبَ مَنْ كُنْتُ أَعْتَضِدُ بِهِمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَ بَقِيتُ بَيْنَ خَفِيرَتَيْنِ (1) قَرِيبَيِ الْعَهْدِ بِجَاهِلِيَّةٍ: عَقِيلٍ وَ الْعَبَّاسِ.
فَقَالَ لَهُ الْأَشْعَثُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! كَذَلِكَ كَانَ عُثْمَانُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً كَفَّ يَدَهُ حَتَّى قُتِلَ مَظْلُوماً (2)؟.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا ابْنَ الْخَمَّارَةِ! لَيْسَ كَمَا قِسْتَ، إِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا جَلَسَ (3) جَلَسَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَ ارْتَدَى بِغَيْرِ رِدَائِهِ، وَ صَارَعَ الْحَقَّ فَصَرَعَهُ الْحَقُّ، وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَوْ وَجَدْتُ يَوْمَ بُويِعَ أَخُو تَيْمٍ أَرْبَعِينَ رَهْطاً لَجَاهَدْتُهُمْ فِي اللَّهِ إِلَى أَنْ أُبْلِيَ عُذْرِي. ثُمَّ أَيُّهَا (4) النَّاسُ! إِنَّ الْأَشْعَثَ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَ إِنَّهُ أَقَلُّ فِي دِينِ اللَّهِ مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ..
إيضاح:
قوله (عليه السلام): بين خفيرتين- بالخاء المعجمة و الراء المهملة أي طليقين معاهدين أخذا في الحرب و حقن دمهما بالأمان و الفداء، أو ناقضين للعهد، قال في القاموس: الخفير: المجار و المجير .. و خفره: أخذ منه جعلا ليجيره، و به خفرا و خفورا: نقض عهده و غدركه كأخفره (5)، و في بعض النسخ:
بالحاء المهملة و الزاي المعجمة من قولهم: حفزه .. أي دفعه من خلفه، و بالرّمح:
طعنه، و عن الأمر: أعجله و أزعجه، قاله الفيروزآبادي (6).
و قال: أبلاه عذرا: أدّاه إليه فقبله (7).
____________
(1) في المصدر: حفيرين، و الظّاهر أنّه غلط و ليس له معنى مناسب، كما لم يتعرّض له العلّامة المجلسيّ (رحمه الله) في بيانه.
(2) لا يوجد في الاحتجاج: يا أمير المؤمنين .. مظلوما.
(3) لا توجد في المصدر: لمّا جلس.
(4) في المصدر: ثمّ قال: أيّها ..، و هو الظّاهر.
(5) القاموس 2- 22، و قارن ب: النهاية 2- 52.
(6) في القاموس المحيط 2- 173 و انظر: النهاية 1- 407 و غيرها.
(7) في القاموس المحيط 4- 305، و النهاية لابن الأثير 1- 155.
421
و عفطة العنز: ضرطته (1).
3- ج (2): رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تِسْعَ نِسْوَةٍ، وَ كَانَتْ لَيْلَتِي وَ يَوْمِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَتَيْتُ الْبَابَ فَقُلْتُ: أَدْخُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟
فَقَالَ: لَا. قَالَتْ: فَكَبَوْتُ كَبْوَةً شَدِيدَةً مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ رَدَّنِي مِنْ سَخَطِهِ، أَوْ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَتَيْتُ الْبَابَ ثَانِيَةً فَقُلْتُ: أَدْخُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: لَا. قَالَتْ: فَكَبَوْتُ كَبْوَةً أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى، ثُمَّ لَمْ أَلْبَثْ حَتَّى أَتَيْتُ الْبَابَ ثَالِثَةً فَقُلْتُ: أَدْخُلُ (3) يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ادْخُلِي يَا أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَخَلْتُ وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) جَاثٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ هُوَ يَقُولُ: فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ ..
كَذَا وَ كَذَا فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: آمُرُكَ بِالصَّبْرِ .. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَانِيَةً فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ .. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَالِثَةً، فَقَالَ لَهُ (4): يَا عَلِيُّ! يَا أَخِي! إِذَا كَانَ ذَلِكَ (5) مِنْهُمْ فَسُلَّ سَيْفَكَ وَ ضَعْهُ عَلَى عَاتِقِكَ وَ اضْرِبْ قُدُماً قُدُماً حَتَّى (6) تَلْقَانِي وَ سَيْفُكَ شَاهِرٌ يَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْكَآبَةُ يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ:
لِلَّذِي كَانَ مِنْ رَدِّكَ إِيَّايَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لِي: وَ اللَّهِ مَا رَدَدْتُكِ إِلَّا لِشَيْءٍ خير [خُبِّرْتُ مِنَ (7) اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ لَكِنْ أَتَيْتِنِي وَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يُخْبِرُنِي بِالْأَحْدَاثِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدِي، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُوصِيَ بِذَلِكِ عَلِيّاً (ع)، يَا أُمَّ سَلَمَةَ! اسْمَعِي وَ اشْهَدِي هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَزِيرِي فِي الدُّنْيَا وَ وَزِيرِي فِي الْآخِرَةِ، يَا أُمَّ سَلَمَةَ اسْمَعِي وَ اشْهَدِي هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي وَ قَاضِي عِدَاتِي
____________
(1) القاموس 2- 374، و ذكره بنصّه في النهاية 3- 264.
(2) الاحتجاج 1- 194- 195 مشهد [1- 288- 289 النّجف] باختلاف يسير.
(3) في (ك): أ أدخل ..
(4) هنا سقط، و في المصدر: فأمره بالصّبر، ثمّ أعاد عليه القول رابعة فقال له:.
(5) لا توجد: ذلك، في (س).
(6) في المصدر: و اضرب به قدما حتّى ..
(7) في المصدر: خبّرت من ..
422
وَ الذَّائِدُ عَنْ حَوْضِي، اسْمَعِي (1) وَ اشْهَدِي هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، وَ قَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنِ النَّاكِثُونَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَايِعُونَهُ بِالْمَدِينَةِ وَ يُقَاتِلُونَهُ بِالْبَصْرَةِ (2).
قُلْتُ: مَنِ الْقَاسِطُونَ؟ قَالَ: مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. قُلْتُ: مَنِ الْمَارِقُونَ؟ قَالَ: أَصْحَابُ النَّهْرَوَانَ.
4- لي (3): ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْمُفَضَّلِ، عَنِ الصَّادِقِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) مِثْلَهُ.
5- ما (4): الْغَضَائِرِيُّ، عَنِ الصَّدُوقِ مِثْلَهُ.
بيان: كبا كبوا: انكبّ على وجهه (5)، و يقال: مضى قدما- بضمتين- أي لم يعرج و لم ينثن (6).
6- ج (7): رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ فِي أَثْنَاءِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بَعْدَ فَتْحِ الْبَصْرَةِ بِأَيَّامٍ حَاكِياً عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْلَهُ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ بَاقٍ بَعْدِي وَ مُبْتَلًى (8) بِأُمَّتِي، وَ مُخَاصِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَأَعِدَّ لِلْخُصُومِ جَوَاباً. فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي بَيِّنْ لِي مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أُبْتَلَى بِهَا؟ وَ عَلَى مَا أُجَاهِدُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ لِي:
____________
(1) في (ك): يا أمّ سلمة اسمعي.
(2) في المصدر: و ينكثون بالبصرة.
(3) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 38- 40 مع زيادة، و انظر باقي روايات الباب.
(4) أمالي الشّيخ الصّدوق: 311 باب 6، حديث 10 باختلاف كثير، و حكاه في معالم الزّلفى:
164.
(5) ذكره في القاموس 4- 381، و انظر: مجمع البحرين 1- 356.
(6) قاله في النهاية 4- 26، و مجمع البحرين 6- 136 و غيرهما.
(7) الاحتجاج 1- 195- 196 طبعة مشهد [1- 289- 290 النّجف] باختلاف يسير.
(8) كذا، و الظّاهر: مبتل.
423
إِنَّكَ سَتُقَاتِلُ بَعْدِي النَّاكِثَةَ وَ الْقَاسِطَةَ وَ الْمَارِقَةَ .. وَ حَلَّاهُمْ (1) وَ سَمَّاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا، وَ تُجَاهِدُ مِنْ أُمَّتِي كُلَّ مَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَ سُنَّتِي مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الدِّينِ بِالرَّأْيِ، فَلَا رَأْيَ (2) فِي الدَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ الرَّبِّ وَ نَهْيُهُ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَرْشِدْنِي إِلَى الْفَلْجِ (3) عِنْدَ الْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟. فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ (4) فَاقْتَصِرْ عَلَى الْهُدَى إِذَا قَوْمُكَ عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَ عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ فَيَتَأَوَّلُوهُ بِرَأْيِهِمْ بِتَتَبُّعِ الْحُجَجِ مِنَ الْقُرْآنِ بِمُشْتَبِهَاتِ الْأَشْيَاءِ (5) الطَّارِئَةِ عِنْدَ الطُّمَأْنِينَةِ إِلَى الدُّنْيَا، فَاعْطِفْ أَنْتَ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا قَوْمُكَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ عِنْدَ الْأَهْوَاءِ النَّاهِيَةِ (6) وَ الْآرَاءِ (7) الطَّامِحَةِ، وَ الْقَادَةِ النَّاكِثَةِ، وَ الْفِرْقَةِ الْقَاسِطَةِ، وَ الْأُخْرَى الْمَارِقَةِ أَهْلِ الْإِفْكِ الْمُرْدِي (8)، وَ الْهَوَى الْمُطْغِي، وَ الشُّبْهَةِ الْحَالِقَةِ (9)، فَلَا تَنْكُلَنَّ عَنْ فَضْلِ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
7- ج (10) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ ... (11) قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): لَأُجَاهِدَنَّ الْعَمَالِقَةَ- يَعْنِي الْكُفَّارَ وَ الْمُنَافِقِينَ- فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ (12): أَنْتَ أَوْ عَلِيٌّ؟.
____________
(1) جاء في حاشية (ك): و حلّيت الرّجل .. أي وصفت حليته، و حلية الرّجل: صفته. صحاح.
انظر: صحاح اللّغة 6- 3319 بتقديم و تأخير و تصرّف.
(2) في المصدر: و لا رأي ..
(3) و في طبعة النّجف من الاحتجاج: الفلح.
(4) في المصدر: ذلك كذلك.
(5) في الاحتجاج: لمشتهيات الأشياء.
(6) في المصدر: عند الأهوال السّاهية. و في (ك): الأهواء السّاهية.
(7) في المصدر: الأمراء، و في طبعة (س): الأواء.
(8) في (س): المرويّ.
(9) في الاحتجاج: الخالفة.
(10) الاحتجاج 1- 196 طبعة مشهد [1- 290 النّجف].
(11) التّوبة: 73، التّحريم: 9.
(12) في (س): و قال.
424
8- ج (1): رَوَى (2) جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ لَأَدْنَاهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى فَقَالَ: لأعرفتكم [لَأَعْرِفَنَّكُمْ (3) تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمُوهَا لَتَعْرِفُنِّي فِي الْكَتِيبَةِ الَّتِي تُضَارِبُكُمْ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَلْفِهِ فَقَالَ: أَوْ عَلِيّاً .. ثَلَاثاً، فَرَأَيْنَا أَنَّ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) غَمَزَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (4): فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (5) بِعَلِيٍ (6) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (7).
بيان:
لعلّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا أخبر بما نزل عليه من أنّه يقاتل المنافقين المرتدّين بعده، نزل جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بالبداء فيه، و أنّه إنّما يقاتلهم عليّ (عليه السلام)، فقال: أو عليّا .. أي أو لتعرفنّ عليّا (عليه السلام) تبهيما عليهم، أو كلمة (أو) بمعنى بل.
9- ج (8): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ- فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (9): وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (10) وَ اللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَ اللَّهِ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ، لِأَنِّي أَخُوهُ وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ وَارِثُهُ، فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟.
____________
(1) الاحتجاج 1- 196 طبعة مشهد [1- 290- 291 النّجف].
(2) في المصدر: و عن، بدلا من: روى.
(3) في طبعة النّجف من الاحتجاج: لأعرفنكم. و في طبعة مشهد: لأعرفكم.
(4) في المصدر: فقال: أو عليّ أو عليّ أو عليّ- ثلاث مرّات- فرأينا على أثر ذلك أنّ جبرئيل (عليه السلام) غمزه فأنزل اللّه على أثر ذلك ..
(5) الزّخرف: 41.
(6) لا توجد لفظة: بعليّ، في المصدر.
(7) الزّخرف: 42.
(8) الاحتجاج 1- 196 طبعة مشهد [1- 291 النّجف].
(9) في المصدر: في حياة رسول اللّه أنّ اللّه يقول ..
(10) الزّخرف: 41.
425
10- ج (1): عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هَمَّامٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فِي وِلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ! كَانَ (2) النَّاسُ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؟
فَقَالَ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ! إِذَا سَكَتْنَا عَنْكُمْ فَاسْكُتُوا وَ لَا تَبْحَثُوا (3)، فَوَ اللَّهِ لَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَحَقَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنْ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: وَ أَزِيدُكَ (4) إِنَّا كُنَّا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَجَاءَ عَلِيٌّ (ع) وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ إِلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ (ع) عَلَى إِثْرِهِمَا فَكَأَنَّمَا سُفِيَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الرَّمَادُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ! أَ يَتَقَدَّمَانِكَ هَذَانِ وَ قَدْ أَمَّرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا؟! قَالَ (5) أَبُو بَكْرٍ: نَسِيتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَ قَالَ عُمَرُ: سَهَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا نَسِيتُمَا وَ لَا سَهَوْتُمَا، وَ كَأَنِّي بِكُمَا قَدِ اسْتَلَبْتُمَا (6) مُلْكَهُ وَ تَحَارَبْتُمَا عَلَيْهِ، وَ أَعَانَكُمَا عَلَى ذَلِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَ أَعْدَاءُ رَسُولِهِ، وَ كَأَنِّي بِكُمَا قَدْ تَرَكْتُمَا الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ بَعْضُهُمْ يَضْرِبُ (7) وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ عَلَى الدُّنْيَا، وَ لَكَأَنِّي بِأَهْلِ بَيْتِي وَ هُمُ الْمَقْهُورُونَ الْمُتَشَتِّتُونَ فِي أَقْطَارِهَا، وَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ قَدْ قُضِيَ ..
ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ! الصَّبْرَ .. الصَّبْرَ .. حَتَّى يَنْزِلَ الْأَمْرُ وَ لَا قُوَّةَ (8) إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا لَا يُحْصِيهِ كَاتِبَاكَ، فَإِذَا أَمْكَنَكَ الْأَمْرُ فَالسَّيْفَ السَّيْفَ ..
____________
(1) الاحتجاج 1- 196- 197 طبعة مشهد [1- 291- 292 النّجف] باختلاف يسير.
(2) في المصدر: يا عبادة! أ كان ..
(3) في الاحتجاج: و لا تبحثونا.
(4) في المصدر: و أزيدكم.
(5) في المصدر: فقال.
(6) في الاحتجاج: قد سلبتماه ..
(7) في المصدر: يضرب بعضهم.
(8) في الاحتجاج: و لا حول و لا قوّة ..
426
فَالْقَتْلَ الْقَتْلَ (1) حَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِهِ، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ وَ مَنْ نَاوَاكَ عَلَى الْبَاطِلِ، وَ كَذَلِكَ ذُرِّيَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
توضيح: سفت الرّيح التّراب (2) تسفيه سفيا .. أي أذرته (3).
11- فس (4): جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَالَ:
يَا عَلِيُّ! عَلَى مَا تُقَاتِلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟! فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَبَاحَتْ لِي قِتَالَهُمْ. فَقَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (5)، فَقَالَ الرَّجُلُ: كَفَرَ- وَ اللَّهِ- الْقَوْمُ..
12- فس (6): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى (7)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْكَاتِبِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ (8) قَالَ:
هَكَذَا نَزَلَتْ، فَجَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْكُفَّارَ وَ جَاهَدَ عَلِيٌّ (عليه السلام) الْمُنَافِقِينَ، فَجَاهَدَ عَلِيٌّ (ع) جِهَادَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
تبيين:
أقول:: قد أشكل على المفسّرين ما ورد في الآية من الأمر بجهاد
____________
(1) في المصدر: القتل القتل.
(2) لا توجد: التراب في (ك).
(3) قال في القاموس 4- 343: سفت الريح التراب تسفيه: ذرته، و مثله في مجمع البحرين 1- 220.
(4) تفسير القمّيّ 1- 84.
(5) البقرة: 253.
(6) تفسير القمّيّ 2- 377.
(7) في المصدر: المعلّى بن محمّد.
(8) التّحريم: 9.
427
المنافقين.
قال في مجمع البيان: اختلفوا في كيفيّة جهاد المنافقين.
فقيل: إنّ جهادهم باللسان و الوعظ (1).
و قيل: جهادهم بإقامة الحدود عليهم، و كان ما يصيبهم من الحدود أكثر.
و قيل بالأنواع الثلاثة بحسب الإمكان باليد ثم اللسان ثم القلب (2).
وَ رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عليهم السلام) جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالْمُنَافِقِينَ، قالوا:
لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يقاتل المنافقين و إنّما كان يتألّفهم.
. انتهى (3).
و هذه الآية كرّرت في القرآن في الموضعين (4): إحداهما في التوبة (5)، و الأخرى في التحريم (6).
و قال علي بن إبراهيم في الأولى: إنّما نزلت بِالْمُنَافِقِينَ: لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يجاهد المنافقين بالسيف (7).،
4- ثم رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ بِإِلْزَامِ الْفَرَائِضِ (8).
و روى في الثانية هذه الرواية: و قوله (عليه السلام): هكذا نزلت (9) .. يدلّ على عدم صحّة القراءة الشاذّة، و يمكن الجمع بأنّ إحدى الآيتين كانت بالباء و الأخرى بدونها، و في توزيع عليّ بن إبراهيم (رحمه الله) النقل إشعار بذلك، و فيه
____________
(1) في المصدر: و التخويف، عن الجبائي.
(2) في مجمع البيان: فإن لم يقدر فليكفهرّ في وجوههم، عن ابن مسعود.
(3) مجمع البيان 3- 50، باختلاف و اختصار.
(4) كذا، و الظاهر: في موضعين.
(5) التوبة: 73.
(6) التحريم: 9، و انظر: تفسير التبيان 5- 259.
(7) تفسير القمّيّ، علي بن إبراهيم 1- 301.
(8) نفس الصّفحة و المصدر.
(9) تفسير القمّيّ 2- 377.
428
فائدة أخرى و هي عدم تكرار الآية بعينها.
13- فس (1): أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيِّ، عَنِ الْخَشَّابِ (2)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ فُلَانٍ الْكَرْخِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ قَوِيّاً فِي بَدَنِهِ قَوِيّاً فِي أَمْرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): بَلَى. قَالَ: فَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْفَعَ أَوْ يَمْتَنِعَ؟
قَالَ: قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ: مَنَعَ عَلِيّاً مِنْ ذَلِكَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ: وَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: فَقَرَأَ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (3)، إِنَّهُ كَانَ لِلَّهِ وَدَائِعُ مُؤْمِنُونَ فِي أَصْلَابِ قَوْمٍ كَافِرِينَ وَ مُنَافِقِينَ، فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه) لِيَقْتُلَ الْآبَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَدَائِعُ، فَلَمَّا خَرَجَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ وَ قَتَلَهُ، وَ كَذَلِكَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَنْ يَظْهَرْ أَبَداً حَتَّى يَخْرُجَ (4) وَدَائِعُ اللَّهِ فَإِذَا خَرَجَتْ يَظْهَرُ عَلَى مَنْ يَظْهَرُ فَيَقْتُلُهُ.
تبيان:
هذا التأويل الجليل لم يذكره المفسّرون، و قالوا: أراد أنّه لو تميّز المؤمنون المستضعفون بمكّة من الكافرين لعذّبنا الذين كفروا منهم بالسيف و القتل بأيديكم، و ما ورد في الخبر أنسب من جهة لفظ التنزيل المشتمل على المبالغة المناسبة لإخراج ما في الأصلاب، فتأمّل.
14- فس (5): أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ: جَاءَ الْعَبَّاسُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) فَقَالَ (6): انْطَلِقْ نُبَايِعْ لَكَ النَّاسَ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تَرَاهُمْ فَاعِلِينَ (7)؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 316- 317، باختلاف يسير.
(2) في المصدر: الحسن بن موسى الخشّاب.
(3) الفتح: 25.
(4) في المصدر: تخرج.
(5) تفسير القمّيّ 2- 148، باختلاف يسير.
(6) لا توجد: فقال، في (س).
(7) في البحار: فاعلون.
429
تَعَالَى: الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ- أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ- فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (1)..
15- فس (2).
: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ (3) ... الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْجَمَلِ، وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَوْمَ الْجَمَلِ: وَ اللَّهِ مَا قَاتَلْتُ هَذِهِ الْفِئَةَ النَّاكِثَةَ إِلَّا بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ: وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (4).
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الْخُطْبَةِ (5) الزَّهْرَاءِ: وَ اللَّهِ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) غَيْرَ مَرَّةٍ وَ لَا ثِنْتَيْنِ وَ لَا ثَلَاثٍ وَ لَا أَرْبَعٍ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ سَتُقَاتِلُ مِنْ بَعْدِي النَّاكِثِينَ وَ الْمَارِقِينَ وَ الْقَاسِطِينَ، أَ فَأُضِيعُ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِي؟!.
بيان:
قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ (6): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِأَئِمَّةِ الْكُفْرِ رُؤَسَاءَ (7) قُرَيْشٍ مِثْلَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَ سَائِرَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَ كَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَقُولُ: لَمْ يَأْتِ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدُ. وَ قَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ أَهْلُ فَارِسَ وَ الرُّومِ.،
وَ قَرَأَ عَلِيٌّ (عليه السلام) هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ:
يَا عَلِيُّ! سَتُقَاتِلَنَّ الْفِئَةَ النَّاكِثَةَ وَ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ وَ الْفِئَةَ الْمَارِقَةَ.
16- ما (8): الْمُفِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبِ، عَنِ الْحَسَنِ (9) بْنِ عَلِيٍ
____________
(1) العنكبوت: 1- 3، و لاحظ تتمّة الرّواية في تفسير القمّيّ.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 283.
(3) التوبة: 12.
(4) التوبة: 12.
(5) كذا، و في المصدر: خطبته، و هو الظّاهر.
(6) مجمع البيان: 3- 11، باختلاف يسير.
(7) في المصدر: قال ابن عبّاس و قتادة: أراد به رؤساء ..
(8) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 7- 8 باختصار في السّند، و اختلاف يسير في المتن.
(9) في المصدر: الحسين.
430
الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَامَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي سَائِلُكَ لِآخُذَ عَنْكَ، وَ قَدِ انْتَظَرْنَا أَنْ تَقُولَ مِنْ أَمْرِكَ شَيْئاً فَلَمْ تَقُلْهُ، أَ لَا تُحَدِّثُنَا عَنْ أَمْرِكَ هَذَا؟ كَانَ بِعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ أَكْثَرْنَا فِيكَ الْأَقَاوِيلَ، وَ أَوْثَقَهُ عِنْدَنَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْكَ وَ سَمِعْنَاهُ مِنْ فِيكَ، إِنَّا كُنَّا نَقُولُ لَوْ رَجَعَتْ إِلَيْكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يُنَازِعْكُمْ فِيهَا أَحَدٌ، وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِذَا سُئِلْتُ مَا أَقُولُ، أَ أَزْعُمُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَوْلَى بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْكَ؟ فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ (1)، فَعَلَامَ نَصَبَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ؟ وَ إِنْ كُنْتَ أَوْلَى مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا (2) فِيهِ فَعَلَامَ تَتَوَلَّاهُمْ(3)؟!. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنَا يَوْمَ قَبَضَهُ أَوْلَى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ قَدْ كَانَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ إِلَيَّ عَهْدٌ لَوْ خَزَمْتُمُونِي (4) بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ سَمْعاً لِلَّهِ وَ طَاعَةً، وَ إِنَّا أَوَّلُ مَا انْتَقَصْنَا (5) بَعْدَهُ إِبْطَالَ حَقِّنَا فِي الْخُمُسِ، فَلَمَّا دَقَ (6) أَمْرُنَا طَمِعَتْ رُعْيَانُ قُرَيْشٍ فِينَا وَ قَدْ كَانَ لِي (7) عَلَى النَّاسِ حَقٌّ لَوْ رَدُّوهُ إِلَيَّ عَفْواً قَبِلْتُهُ وَ قُمْتُ بِهِ، وَ كَانَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى النَّاسِ حَقٌّ إِلَى أَجَلٍ، فَإِنْ عَجَّلُوا لَهُ مَالَهُ أَخَذَهُ وَ حَمِدَهُمْ عَلَيْهِ، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ أَخَذَهُ غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ يَأْخُذُ السُّهُولَةَ وَ هُوَ
____________
(1) العبارة مشوّشة في طبعتي البحار، و أثبتنا ما في المصدر.
(2) في (س): ممّا كانوا.
(3) في المصدر: نتولّاهم، و هو الظّاهر.
(4) في المصدر: خرمتموني.
(5) في (ك): انتقضنا.
(6) في (ك): رقّ.
(7) لا توجد: لي، في (ك).
431
عِنْدَ النَّاسِ مَحْزُونٌ (1)، وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ الْهُدَى بِقِلَّةِ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا سَكَتُّ فَأَعْفُونِي فَإِنَّهُ لَوْ جَاءَ أَمْرٌ تَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى الْجَوَابِ أَجَبْتُكُمْ، فَكُفُّوا عَنِّي مَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَنْتَ لَعَمْرُكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ أَيْقَظْتَ مَنْ كَانَ نَائِماً* * * وَ أَسْمَعْتَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ
.
توضيح:
قوله: خزمتموني- بالمعجمتين- من خزم البعير: إذا جعل في جانب منخره الخزامة (2)، أو بإهمال الراء- من خرمه- أي شقّ و ترة أنفه (3) و الرعيان- بالضّم و قد يكسر-: جمع الرّاعي (4) و يقال: أعطيته عفوا .. أي بغير مسألة (5).
قوله: و هو عند الناس محزون (6).
، لعلّ الأصوب حرون: و هو الشّاة السّيّئة الخلق (7).
و لمّا لم يمكنه (عليه السلام) في هذا الوقت التصريح بجوز (8) الغاصبين أفهم السائل بالكناية التي هي أبلغ..
____________
(1) خ. ل: حزون، و هناك نسخة استظهر المصنّف (قدّس سرّه) فيما بعد أشير لها في حاشية المتن، و هي:
حرون.
(2) كما جاء في القاموس 4- 105، و قارن ب: مجمع البحرين 6- 57 و غيره.
(3) ذكره في مجمع البحرين 6- 56، و القاموس 4- 104 و غيرهما.
(4) قال في القاموس 4- 335: و الراعي: كلّ من ولي أمر قوم، جمعه: رعاة و رعيان و رعاء، و يكسر.
أقول: الظاهر أنّ (يكسر) فعل، نائب فاعله يرجع إلى رعاء لا إلى رعيان، فتأمّل.
(5) قاله في القاموس 4- 364.
(6) قال في النهاية: 1- 380: الحزن: المكان الغليظ الخشن، و الحزونة: الخشونة، و منه حديث المغيرة: محزون اللهزمة .. أي خشنها. أقول: و هذا معنى مناسب في هذا المقام، كما لا يخفى.
(7) قال في مجمع البحرين 6- 231: الفرس الحرون: الذي لا ينقاد، و إذا اشتدّ به الجري وقف.
(8) قد تقرأ ما في (س):
بجوز، أو بجور، و الثاني أنسب، و الأول يكون تصريحا بجورهم و عدولهم عن الحق، و الثاني بجورهم و جنايتهم و ظلمهم للحق، و كلاهما مناسب هنا.
432
17- ما (1): الْمُفِيدُ، عَنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ (2) بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَبِيهِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)- وَ قَدْ بُويِعَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ- فَوَجَدْتُهُ مُطْرِقاً كَئِيباً، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَصَابَكَ- جُعِلْتُ فِدَاكَ- مِنْ قَوْمِكَ؟. فَقَالَ: صَبْرٌ جَمِيلٌ. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَ اللَّهِ (3) إِنَّكَ لَصَبُورٌ. قَالَ: فَأَصْنَعُ مَا ذَا؟ (4).
قُلْتُ: تَقُومُ فِي النَّاسِ وَ تَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِكَ وَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بِالْفَضْلِ وَ السَّابِقَةِ، وَ تَسْأَلُهُمُ النَّصْرَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُتَظَاهِرِينَ عَلَيْكَ (5)، فَإِنْ أَجَابَكَ عَشَرَةٌ مِنْ مِائَةٍ شَدَّدْتَ بِالْعَشَرَةِ عَلَى الْمِائَةِ، فَإِنْ دَانُوا لَكَ كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْتَ، وَ إِنْ أَبَوْا قَاتِلْهُمْ، فَإِنْ ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي آتَاهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كُنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ، وَ إِنْ قُتِلْتَ فِي طَلَبِهِ قُتِلْتَ إِنِ شَاءَ اللَّهُ شَهِيداً، وَ كُنْتَ أَوْلَى بِالْعُذْرِ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّكَ (6) أَحَقُّ بِمِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تَرَاهُ يَا جُنْدَبُ كَانَ (7) يُبَايِعُنِي عَشَرَةٌ مِنْ
____________
(1) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 239، باختلاف يسير سندا و متنا.
(2) في المصدر: الحسين.
(3) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر، و هو مثبت في الإرشاد و المتن، و قد وضع عليه في (ك) رمز نسخة بدل.
(4) في الأمالي: فما أصنع ما ذا.
(5) كذا في الأمالي، و جاء في حاشية المطبوع من البحار: المتمالين عليك (شا) أيّ كذا في الإرشاد، و قد وضع بعدها في (س) رمز (صحّ).
(6) في الإرشاد: و كنت، بدلا من: لأنّك.
(7) لا توجد: كان، في الإرشاد، و هي مثبتة في الأمالي، و وضع عليها رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
433
مِائَةٍ؟ فَقُلْتُ: أَرْجُو ذَلِكَ. فَقَالَ (1): لَكِنِّي لَا أَرْجُو، وَ لَا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ اثْنَانِ (2) وَ سَأُخْبِرُكَ مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ، إِنَّمَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَى قُرَيْشٍ، وَ إِنَّ قُرَيْشاً يَقُولُ (3) إِنَّ آلَ مُحَمَّدٍ يَرَوْنَ لَهُمْ (4) فَضْلًا عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ، وَ إِنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ هَذَا الْأَمْرِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَ إِنَّهُمْ إِنْ وَلُوهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ هَذَا السُّلْطَانُ إِلَى أَحَدٍ أَبَداً، وَ مَتَى كَانَ فِي غَيْرِهِمْ تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُمْ، وَ لَا وَ اللَّهِ لَا تَدْفَعُ إِلَيْنَا- هَذَا السُّلْطَانَ- قُرَيْشٌ أَبَداً طَائِعِينَ.
فَقُلْتُ لَهُ: أَ فَلَا (5) أَرْجِعُ فَأُخْبِرَ النَّاسَ بِمَقَالَتِكَ هَذِهِ، وَ أَدْعُوَهُمْ إِلَى نَصْرِكَ؟ فَقَالَ:
يَا جُنْدَبُ! لَيْسَ ذَا زَمَانُ ذَاكَ.
قَالَ جُنْدَبٌ: فَرَجَعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكُنْتُ كُلَّمَا ذَكَرْتُ مِنْ فَضْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) شَيْئاً زَبَرُونِي وَ نَهَرُونِي حَتَّى رُفِعَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِي إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَبَعَثَ إِلَيَّ فَحَبَسَنِي حَتَّى كُلِّمَ فِيَّ فَخَلَّى سَبِيلِي.
18- شا (6): عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُنْدَبٍ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ.
بيان:
قوله (عليه السلام): على هؤلاء المتظاهرين .. في الإرشاد: على هؤلاء المتمالين- بقلب الهمزة ثم حذف المقلوب-، قال الجوهري: مالأته على الأمر ممالاة: ساعدته عليه (7) و شايعته. ابن السّكّيت: تمالوا على الأمر: اجتمعوا عليه (8).
قوله: كلّما ذكرت من فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) .. في الإرشاد: كلّما
____________
(1) في (ك): فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ..
(2) في الإرشاد: اثنين، و هو الظّاهر.
(3) في الإرشاد: تقول، و هو الظّاهر.
(4) في (ك): يروون لهم، و المعنى مقارب.
(5) في الأمالي: قال: فقلت: أ فلا ..، و في الإرشاد: قال: فقلت له: أ فلا .. و قد وضع في مطبوع البحار على: له رمز نسخة بدل.
(6) الإرشاد: 129- منشورات مكتبة بصيرتي- باختلاف يسير.
(7) لا توجد: عليه، في (س)، و هي مثبتة في المصدر.
(8) الصحاح 1- 73، و انظر: النهاية 4- 353، و القاموس 4- 29.
434
ذكرت للناس شيئا من فضائله و مناقبه و حقوقه زبروني.
19- ل (1): مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمُذَكِّرُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَاوِسْتَانِيِ (2)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَطْرِ بْنِ بِي خَلِيفَةَ (3)، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَقُولُ: أُمِرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ.
20- ن (4): بِإِسْنَادِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ الرِّضَا، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ:
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أُمِرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ.
21- ن (5): بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: مَنْ جَاءَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ الْجَمَاعَةَ وَ يَغْصِبَ الْأُمَّةَ أَمْرَهَا وَ يَتَوَلَّى مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ (6).
____________
(1) الخصال 1- 145- باب الثّلاثة- حديث 171، باختلاف في السّند و اتّفاق في المتن.
(2) نسبة إلى قرية من قرى قم، و في المصدر: الرواساني، و في بعض النّسخ: الراوستاني.
(3) في المصدر: عليّ بن سلمة، عن محمّد بن بشر، عن فطر بن خليفة.
(4) عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 2- 61 باب 31 حديث 241.
أقول: قد استفاضت أخبار الفريقين بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بقتال النّاكثين و القاسطين و المارقين، و ذكر المصنّف (قدّس سرّه) جملة من روايات الخاصّة، و عدّ منها ابن شهرآشوب في المناقب 2- 66 طائفة أخرى، و ندرج بعض مصادر العامّة، حيث أخرج الحديث الحاكم في المستدرك 3- 139- 140، و الكنجيّ في الكفاية 69- طبعة النّجف-، و الخطيب في تاريخه 8- 340 و 13- 187، و الحمويني في فرائد السّمطين- الباب الثّالث و الخمسين-، و جمع الجوامع 6- 391، و البيهقيّ في المحاسن و المساوي كما نصّ عليه الأمينيّ في غديره 1- 337- 338 و 10- 47 و ذكر مصادر جمّة هناك، كما و قد تعرض ابن الأثير في النّهاية في موارد متعدّدة في بيانه للمارقين و القاسطين و النّاكثين، فراجع.
(5) عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 2- 62، باب 31، حديث 254.
(6) في المصدر: أذن ذلك.
435
22- ع، ن (1): الطَّالَقَانِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ (2) بْنِ عَلِيٍّ الْعَدَوِيِّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّمَّانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الرِّضَا (عليه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) لِمَ لَمْ يُجَاهِدْ أَعْدَاءَهُ خَمْساً وَ عِشْرِينَ سَنَةً بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ جَاهَدَ فِي أَيَّامِ وَلَايَتِهِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي تَرْكِهِ جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِمْ، وَ كَذَلِكَ عَلِيٌّ (عليه السلام) تَرَكَ مُجَاهَدَةَ أَعْدَائِهِ لِقِلَّةِ أَعْوَانِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ تَبْطُلْ نُبُوَّةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ تَرْكِهِ الْجِهَادَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، كَذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ إِمَامَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام) مَعَ تَرْكِهِ الْجِهَادَ خَمْساً وَ عِشْرِينَ سَنَةً، إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ لَهُمَا مِنَ الْجِهَادِ وَاحِدَةً.
23-(ع)(3): أَبِي، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مَحْبُوبٍ، عَنِ ابْنِ رِئَابٍ (4)، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّمَا أَشَارَ (5) عَلِيٌّ (عليه السلام) بِالْكَفِّ عَنْ عَدُوِّهِ مِنْ أَجْلِ شِيعَتِنَا، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُظْهَرُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ، فَأَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ فَيَسِيرَ فِيهِمْ بِسِيرَتِهِ، وَ يَقْتَدِيَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ بَعْدَهُ.
24- ك،(ع)(6): ابْنُ مَسْرُورٍ، عَنِ ابْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ،
____________
(1) علل الشّرائع 1- 148، باب 122 حديث 5، عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 2- 81 باب 32 حديث 16 باختصار في السّند و اختلاف يسير فيهما.
(2) في العيون: حدّثنا أبو سعيد الحسين.
(3) علل الشّرائع 1- 146- 147 باب 122 حديث 1، باختلاف يسير.
(4) جاء السّند في المصدر هكذا: أبي (رحمه الله) قال: حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن الهيثم بن أبي مسروق النّهديّ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب.
(5) في العلل: إنّما صار ..
(6) إكمال الدّين و إتمام النّعمة 2- 641 باب 54، باختلاف يسير، علل الشّرائع 1- 147 باب 122، حديث 2.
436
عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قُلْتُ لَهُ: مَا بَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يُقَاتِلْ فُلَاناً وَ فُلَاناً وَ فُلَاناً؟ (1). قَالَ: لِآَيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (2) قَالَ: قُلْتُ: وَ مَا يَعْنِي بِتَزَايُلِهِمْ؟ قَالَ:
وَدَائِعَ مُؤْمِنِينَ (3) فِي أَصْلَابِ قَوْمٍ كَافِرِينَ، وَ كَذَلِكَ الْقَائِمُ (عليه السلام) لَنْ يَظْهَرَ أَبَداً حَتَّى تَخْرُجَ (4) وَدَائِعُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَإِذَا خَرَجَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَقَتَلَهُمْ.
25- ك،(ع)(5): الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ، عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)- أَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ-: أَصْلَحَكَ اللَّهُ أَ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَوِيّاً فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَكَيْفَ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ؟ وَ كَيْفَ لَمْ يَدْفَعْهُمْ؟ وَ مَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَنَعَتْهُ. قَالَ: قُلْتُ:
وَ أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (6) إِنَّهُ كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَدَائِعُ مُؤْمِنِينَ (7) فِي أَصْلَابِ قَوْمٍ كَافِرِينَ وَ مُنَافِقِينَ فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِيَقْتُلَ الْآبَاءَ حَتَّى تَخْرُجَ الْوَدَائِعُ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْوَدَائِعُ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ فَقَاتَلَهُ، وَ كَذَلِكَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَنْ يَظْهَرَ أَبَداً حَتَّى تَظْهَرَ (8) وَدَائِعُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَإِذَا ظَهَرَتْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ ظَهَرَ فَقَتَلَهُ.
____________
(1) في إكمال الدّين: لم يقاتل مخالفيه في الأوّل.
(2) الفتح: 25.
(3) كذا، و في المصدر: ودائع مؤمنون.
(4) في (ك): حتّى يخرج.
(5) إكمال الدّين و إتمام النّعمة 2- 641- 642 باب 54، باختصار في السّند و اختلاف غير مخلّ، علل الشّرائع 1- 147 باب 122 حديث 3، و هو مقارب لمّا هنا.
(6) الفتح: 25.
(7) كذا، و في المصدر: ودائع مؤمنون.
(8) في (ك): يظهر.
437
26- ك،(ع)(1): الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ، عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَبْرَئِيلَ ابْنِ أَحْمَدَ، عَنِ (2) الْيَقْطِينِيِّ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (3): لَوْ أَخْرَجَ اللَّهُ مَا فِي أَصْلَابِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَ مَا فِي أَصْلَابِ الْكَافِرِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
27(ع)(4):- الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَا بَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يُقَاتِلْهُمْ؟ قَالَ: لِلَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ، وَ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ وَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..
28- غط (5): ابْنُ أَبِي جِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي سُمَيْنَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي وَصِيَّتِهِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا عَلِيُ (6)! إِنَّ قُرَيْشاً سَتُظَاهِرُ عَلَيْكَ وَ تَجْتَمِعُ كُلُّهُمْ (7) عَلَى ظُلْمِكَ وَ قَهْرِكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَجَاهِدْهُمْ وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَكُفَّ يَدَكَ وَ احْقُنْ دَمَكَ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ
____________
(1) إكمال الدّين و إتمام النّعمة 2- 642 باب 54، علل الشّرائع 1- 147- 148 باب 122 حديث 4.
(2) وضع في (س) على: عن، رمز نسخة بدل.
(3) الفتح: 25.
(4) علل الشّرائع 1- 148 باب 122 حديث 6، بنفس النّصّ و اختزال في السّند.
(5) الغيبة- للشّيخ الطّوسيّ- 203، و فيه: و روى سليم بن قيس الهلاليّ، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ و عبد اللّه بن عبّاس قالا:.
(6) في الغيبة: يا أخي ..
(7) في المصدر: كلمتهم، و قد جعلها في (ك) نسخة بدل.
438
مِنْ وَرَائِكَ، لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَكَ (1).
29-(ع)(2): حَمْزَةُ الْعَلَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ حُبَابٍ الْجُمَحِيِ (3)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِمَّصِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: احْتَجُّوا فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَقَالُوا: مَا بَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يُنَازِعِ الثَّلَاثَةَ كَمَا نَازَعَ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ وَ عَائِشَةَ وَ مُعَاوِيَةَ؟
فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً (عليه السلام) فَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكُمْ .. كَذَا وَ كَذَا؟
قَالُوا: صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَدْ قُلْنَا ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّ لِي بِسِتَّةٍ (4) مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أُسْوَةً فِيمَا فَعَلْتُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (5). قَالُوا: وَ مَنْ هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟.
قَالَ: أَوَّلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (6)، فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) اعْتَزَلَ قَوْمَهُ لِغَيْرِ مَكْرُوهٍ أَصَابَهُ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ اعْتَزَلَهُمْ لِمَكْرُوهٍ مِنْهُمْ (7) فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ لِي بِابْنِ خَالَتِهِ لُوطٍ أُسْوَةٌ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (8) فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ لُوطاً كَانَتْ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَكُنْ
____________
(1) قوله: لعن اللّه قاتلك، لا يوجد في المصدر.
(2) علل الشّرائع 1- 148- 149 باب 122 حديث 7، باختلاف يسير.
(3) جاء السّند في المصدر هكذا: حدّثنا حمزة بن محمّد العلويّ قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال: حدّثني الفضل بن خبّاب الجمحيّ .. إلى آخره.
(4) في المصدر: بسنّة ..
(5) الأحزاب: 21.
(6) مريم: 48.
(7) في العلل: لمكروه رآه منهم.
(8) هود: 80.
439
لَهُ بِهِمْ (1) قُوَّةٌ فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ لِي بِيُوسُفَ (عليه السلام) أُسْوَةٌ، إِذْ قَالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (2) فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ يُوسُفَ دَعَا رَبَّهُ وَ سَأَلَهُ السِّجْنَ بِسَخَطِ رَبِّهِ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَسْخَطَ رَبُّهُ عَلَيْهِ فَاخْتَارَ السِّجْنَ (3)، فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ لِي بِمُوسَى (عليه السلام) أُسْوَةٌ إِذْ قَالَ: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (4) فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ مُوسَى (عليه السلام) فَرَّ مِنْ قَوْمِهِ بِلَا خَوْفٍ كَانَ لَهُ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ إِنَّ مُوسَى (ع) خَافَ مِنْهُمْ فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ لِي بِأَخِي هَارُونَ (عليه السلام) أُسْوَةٌ، إِذْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (5) فَإِنْ قُلْتُمْ لَمْ يَسْتَضْعِفُوهُ وَ لَمْ يُشْرِفُوا عَلَى قَتْلِهِ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ اسْتَضْعَفُوهُ وَ أَشْرَفُوا عَلَى قَتْلِهِ فَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُمْ فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
وَ لِي بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) أُسْوَةٌ حِينَ فَرَّ مِنْ قَوْمِهِ وَ لَحِقَ بِالْغَارِ مِنْ خَوْفِهِمْ وَ أَنَامَنِي (6) عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ فَرَّ مِنْ قَوْمِهِ لِغَيْرِ خَوْفٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَ إِنْ قُلْتُمْ خَافَهُمْ (7) وَ أَنَامَنِي (8) عَلَى فِرَاشِهِ وَ لَحِقَ هُوَ بِالْغَارِ مِنْ خَوْفِهِمْ فَالْوَصِيُّ أَعْذَرُ.
____________
(1) لا توجد: بهم في المصدر.
(2) يوسف: 33.
(3) جاء على جملة: فاختار السّجن رمز نسخة بدل في (ك).
(4) الشّعراء: 21.
(5) الأعراف: 150.
(6) في (ك): أنامي، و هو غلط.
(7) في (ك): أخافهم، و هو سهو.
(8) في (ك): أنامي، و هو غلط.
440
30-(ع)(1): أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمٍ (2)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ حَمَّادٍ الشَّاشِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمِيثَمِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ (3): مَا مَنَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ؟. قَالَ: خَوْفاً أَنْ يَرْتَدُّوا. قَالَ عَلِيٌ (4):- وَ أَحْسَبُ فِي الْحَدِيثِ-: وَ لَا يَشْهَدُوا أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (ص).
31-(ع)(5): أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الصُّهْبَانِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا (6)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لِمَ كَفَّ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَنِ الْقَوْمِ؟. قَالَ: مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعُوا كُفَّاراً.
32-(ع)(7): أَبِي، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ (8) حَرِيزٍ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَنْ يَدْعُوَ (9) إِلَى نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَنْ يَكُونُوا ضُلَّالًا، لَا يَرْجِعُونَ (10) عَنِ الْإِسْلَامِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَدْعُوَهُمْ فَيَأْبَوْا عَلَيْهِ فَيَصِيرُونَ كُفَّاراً كُلُّهُمْ.
33- ل (11): مَاجِيلَوَيْهِ وَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ وَ الْعَطَّارُ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَادٍّ (12)، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي
____________
(1) علل الشّرائع 1- 149 باب 122 حديث 8، باختلاف يسير.
(2) في المصدر: عليّ بن حاتم.
(3) في العلل: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ..
(4) المراد به عليّ بن حاتم، و هذا يشهد على غلط أوّل سند الحديث.
(5) علل الشّرائع 1- 151 باب 122 حديث 11.
(6) في المطبوع من البحار: خ. ل: أصحابه.
(7) علل الشّرائع 1- 150 باب 122 حديث 10، باختصار شديد في السّند.
(8) لا توجد في (س): حمّاد عن.
(9) في المصدر: أنّ يدعو النّاس.
(10) في (س): يرجعون- بدون لا- و قد يوجّه لها معنى.
(11) الخصال 2- 650 حديث 48، مع اختصار في السّند.
(12) في (ك): مارد، و هو غلط.
441
جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (عليه السلام) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)- وَ هُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! ائْذَنْ لِي (1) أَتَكَلَّمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَقُولُوا عَلَى عَمَّارٍ إِلَّا مَا قَالَهُ ..
حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: تَكَلَّمْ. قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّاراً يَقُولُ:
سَمِعْتُ (2) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: أَنَا أُقَاتِلُ عَلَى التَّنْزِيلِ وَ عَلِيٌّ يُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ. فَقَالَ (ع): صَدَقَ عَمَّارٌ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ، إِنَّ هَذِهِ عِنْدِي لَفِي أَلْفِ كَلِمَةٍ تَتْبَعُ كُلَّ كَلِمَةٍ أَلْفُ كَلِمَةٍ..
34- ما (3): الْمُفِيدُ، عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، وَ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ مَعاً، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): لِمَنْ كَانَ الْأَمْرُ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قَالَ: لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. فَقُلْتُ: كَيْفَ صَارَ فِي تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ؟ قَالَ: إِنَّكَ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَتَبَ (4) أَنْ يُفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَ تُنْكَحَ الْفُرُوجُ الْحَرَامُ، وَ يُحْكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، خَلَّى (5) بَيْنَ أَعْدَائِنَا وَ بَيْنَ مُرَادِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى دَفَعُونَا عَنْ حَقِّنَا وَ جَرَى الظُّلْمَ عَلَى أَيْدِيهِمْ دُونَنَا..
بيان: لعلّ الكتابة مؤوّلة بالعلم، أو هي كتابة تبيين لا كتابة تقدير.
35-(ع)(6): ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ
____________
(1) في المصدر: أ تأذن لي ..
(2) لا توجد في (س): عمّارا يقول سمعت.
(3) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 230، باختصار في السّند و نصّ في المتن.
(4) في (س): قد كتب ..
(5) في (س): خلق .. و هو غلط.
(6) علل الشّرائع 1- 153- 154 باب 122 حديث 14، و سنده هكذا: حدّثنا محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعيّ، عن فضيل بن يسار .. و انظر بقيّة روايات الباب.
442
حَمَّادٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ أَوْ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام) حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لِمَنْ كَانَ الْأَمْرُ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: فَكَيْفَ صَارَ فِي غَيْرِكُمْ؟ قَالَ: إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا عَلِمَ أَنْ (1) يُفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، وَ تُنْكَحَ الْفُرُوجُ الْحَرَامُ، وَ يُحْكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ غَيْرُنَا..
36- قب (2): قَالَ ضِرَارٌ لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ: أَلَّا دَعَا عَلِيٌّ النَّاسَ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى (3) الِائْتِمَامِ بِهِ إِنْ كَانَ وَصِيّاً؟. قَالَ: لَمْ يَكُنْ وَاجِباً عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ دَعَاهُمْ إِلَى مُوَالاتِهِ وَ الِائْتِمَامِ بِهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الْغَدِيرِ وَ يَوْمَ تَبُوكَ وَ غَيْرَهُمَا فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزاً لَجَازَ عَلَى آدَمَ (عليه السلام) أَنْ يَدْعُوَ إِبْلِيسَ إِلَى السُّجُودِ لَهُ بَعْدَ أَنْ (4) دَعَاهُ رَبُّهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ صَبَرَ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ سَأَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الطَّاقِيَ (5) فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَمْ يَطْلُبْ عَلِيٌّ بِحَقِّهِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ إِنِ كَانَ لَهُ حَقٌّ؟. قَالَ: خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْجِنُّ كَمَا قَتَلُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِسَهْمِ الْمُغِيرَةِ ابْنِ شُعْبَةَ!.
وَ قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ مِيثَمٍ: لِمَ قَعَدَ عَنْ قِتَالِهِمْ؟. قَالَ: كَمَا قَعَدَ هَارُونُ عَنِ السَّامِرِيِّ وَ قَدْ عَبَدُوا الْعِجْلَ قُبُلًا فَكَانَ ضَعِيفاً (6). قَالَ: كَانَ كَهَارُونَ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (7)، وَ كَنُوحٍ (عليه السلام) إِذْ قَالَ:
____________
(1) في المصدر: أنّه.
(2) مناقب ابن شهرآشوب 1- 270 (فصل في مسائل و أجوبة) و انظر ما بعده من روايات بهذا المضمون.
(3) لا توجد: إلى، في (ك).
(4) في المصدر: إذ، بدلا من: أنّ.
(5) المراد منه مؤمن الطّاق أو صاحب الطّاق: محمّد بن النّعمان (رضوان اللّه عليه).
(6) في المصدر: قيل فكان ضعيفا؟ و لعلّها. جملة سؤالية.
(7) الأعراف: 150، و ذيل الآية: وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي، لا يوجد في المصدر و لا في (س).
443
أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (1)، وَ كَلُوطٍ إِذْ قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (2)، وَ كَمُوسَى وَ هَارُونَ إِذْ قَالَ مُوسَى: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي (3).
بيان: قال الجوهري: رأيته قبلا و قبلا- بالضم- أي مقابلة و عيانا، و رأيته قبلا- بكسر القاف- .. أي عيانا (4).
37- قب (5): وَ فِي الْخِصَالِ فِي آدَابِ الْمُلُوكِ أَنَّهُ قَالَ (عليه السلام): وَ لِي فِي مُوسَى أُسْوَةٌ وَ فِي خَلِيلِي قُدْوَةٌ، وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عِبْرَةٌ، وَ فِيمَا أَوْدَعَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بُرْهَانٌ، وَ فِيمَا عَرَفْتُ تَبْصِرَةٌ، إِنْ يُكَذِّبُونِي (6) فَقَدْ كَذَّبُوا الْحَقَّ مِنْ قَبْلِي، وَ إِنْ أُبْتَلَى بِهِ فَتِلْكَ سِيرَتِي (7)، الْمَحَجَّةُ الْعُظْمَى وَ السَّبِيلُ الْمُفْضِيَةُ لِمَنْ لَزِمَهَا إِلَى النَّجَاةِ (8) لَمْ أَزَلْ عَلَيْهَا لَا نَاكِلًا وَ لَا مُبَدِّلًا، لَنْ أُضَيِّعَ بَيْنَ كِتَابِ اللَّهِ وَ عَهْدِ ابْنِ عَمِّي بِهِ .. فِي كَلَامٍ لَهُ، ثُمَّ قَالَ:
لَنْ أَطْلُبَ الْعُذْرَ فِي قَوْمِي وَ قَدْ جَهِلُوا* * * فَرْضَ الْكِتَابِ وَ نَالُوا كُلَّ مَا حَرُمَا
حَبْلُ الْإِمَامَةِ لِي مِنْ بَعْدِ أَحْمَدِنَا
الْأَبْيَاتَ ............ (9).
____________
(1) القمر: 10.
(2) هود: 80.
(3) المائدة: 25.
(4) الصحاح 5- 1796، و انظر: مجمع البحرين 5- 446.
(5) مناقب ابن شهرآشوب 1- 271- 276.
(6) في المصدر: إن تكذبوني ..
(7) في المناقب: سربي .. أيّ طريقتي.
(8) في المصدر: المقضية لمن لزمها من النّجاة.
(9) في حاشية (ك): جاءت الأبيات كالآتي:
أطلب العذر من قومي و قد جهلوا* * * فرض الكتاب و نالوا كلّ ما حرما
حبل الإمامة لي من بعد أحمدنا* * * كالدّلو علّفت التّكريب و الوذما
لا في نبوّته كانوا ذوي ورع* * * و لا رعوا بعده إلّا و لا ذمما
لو كان لي جائزا [كذا] سرحان أمرهم* * * خلّفت قومي و كانوا أمّة أمما
.
444
وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام)- رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ-: فَنَزَلَ بِي مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا لَمْ يَكُنِ (1) الْجِبَالُ لَوْ حُمِّلَتْهُ لَحَمَلَتْهُ، وَ رَأَيْتُ أَهْلَ بَيْتِهِ بَيْنَ جَازِعٍ لَا يَمْلِكُ جَزَعَهُ، وَ لَا يَضْبِطُ نَفْسَهُ، وَ لَا يَقْوَى عَلَى حَمْلِ مَا نَزَلَ بِهِ، قَدْ أَذْهَبَ الْجَزَعُ صَبْرَهُ، وَ أَذْهَلَ عَقْلَهُ، وَ حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْفَهْمِ وَ الْإِفْهَامِ، وَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَ الِاسْتِمَاعِ. ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ كَلَامٍ-: وَ حَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَ لَزِمْتُ الصَّمْتَ وَ الْأَخْذَ فِيمَا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ تَجْهِيزِهِ .. الخبر.
قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ (2) كان قتل واحدا على وجه الدفع فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً (3) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً (4) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (5) رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ (6) فكيف لا يخاف عليّ و قد وترهم بالنهب، و أفناهم بالحصد (7)، و استأسرهم فلم يدع قبيلة من أعلاها إلى أدناها إلّا و قد قتل صناديدهم؟ (8).
قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي جُلُوسِهِ عَنْهُمْ؟ قَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي رَأَيْتُ الْقَوْمَ (9) نَقَضُوا أَمْرَكَ، وَ اسْتَبَدُّوا بِهَا دُونَكَ، وَ عَصَوْنِي فِيكَ، فَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ حَتَّى يَنْزِلَ الْأَمْرُ، فَإِنَّهُمْ سَيَغْدِرُونَ بِكَ وَ أَنْتَ
____________
(1) في المناقب: لم تكن.
(2) القصص: 15.
(3) القصص: 18.
(4) القصص: 21.
(5) الشعراء: 21.
(6) القصص: 33، و في المصدر: ربّ إنّي قتلت منهم، ربّ إنّي أخاف.
(7) في المناقب: بالحصيد.
(8) ثم ذكر ابن شهرآشوب (رحمه الله) هنا شعرا لمهيار الديلميّ (رحمه الله) و هو:
تركت أمرا و لو طالبته لدرت* * * معاطس راغمته كيف تجتدع
صبرت تحفظ أمر اللّه ما اطرحوا* * * ذبّا عن الدين فاستيقظت إذ هجعوا
ليشرقنّ بحلو اليوم مرّ غد* * * إذا حصدت لهم في الحشر ما زرعوا
(9) في المناقب: أنّ القوم.
445
تَعِيشُ عَلَى مِلَّتِي، وَ تُقْتَلُ عَلَى سُنَّتِي، مَنْ أَحَبَّكَ أَحَبَّنِي، وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَبْغَضَنِي، وَ إِنَّ هَذِهِ سَتُخْضَبُ مِنْ هَذَا..
زُرَارَةُ (1)، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَا مَنَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ، وَ يُجَرِّدَ فِي عَدُوِّهِ سَيْفَهُ؟. فَقَالَ: الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَرْتَدُّوا فَلَا يَشْهَدُوا أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (2) ...
وَ سَأَلَ صَدَقَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عُمَرَ بْنَ قَيْسٍ الْمَاصِرَ عَنْ جُلُوسِ عَلِيٍّ فِي الدَّارِ؟.
فَقَالَ: إِنَّ عَلِيّاً فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، أَدَّاهَا نَبِيُّ اللَّهِ إِلَى قَوْمِهِ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ عَلَى الْفَرَائِضِ أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى شَيْءٍ إِنَّمَا عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوا الْفَرَائِضَ، وَ كَانَ عَلِيٌّ أَعْذَرَ مِنْ هَارُونَ لَمَّا ذَهَبَ مُوسَى إِلَى الْمِيقَاتِ، فَقَالَ لِهَارُونَ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (3) فَجَعَلَهُ رَقِيباً عَلَيْهِمْ، وَ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نَصَبَ عَلِيّاً (ع) لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَماً وَ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَعَلِيٌّ فِي عُذْرٍ لَمَّا جَلَسَ (4) فِي بَيْتِهِ، وَ هُمْ فِي حَرَجٍ حَتَّى يُخْرِجُوهُ فَيَضَعُوهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ (عليه السلام) (5).
وَ مِنْ كَلَامٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ أَمْرِهِمَا-: وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى النَّاسِ حَقٌّ، فَإِنْ عَجَّلُوا لَهُ مَالَهُ أَخَذَهُ وَ حَمِدَهُمْ (6)، وَ إِنْ أُخِّرَهُ أَخَذَهُ غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ يَأْخُذُ بِالسُّهُولَةِ وَ هُوَ عِنْدَ النَّاسِ حَزُونٌ (7)، وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ
____________
(1) هذا استمرار لكلام صاحب المناقب (رحمه الله)، و فيه: زرارة بن أعين قلت: ..
و في (س): زرادة .. و لا معنى لها.
(2) ذكر في المناقب هنا شعرا للناشئ الصّغير ثمّ أورد كلام صدقة بن مسلم ..
(3) الأعراف: 142.
(4) في المناقب: فعليّ في غدرهما جلس ..
(5) و ذكر هنا ابن شهرآشوب شعرا للعوني ثمّ أورد كلامه (صلوات الله عليه و آله).
(6) في (س): و عهدهم.
(7) في (ك) هنا نسخة بدل: مخدوع.
446
الْهُدَى بِقِلَّةِ (1) مَنْ يَأْخُذُهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا سَكَتُّ فَأَعْفُونِي.
وَ قَالَ (عليه السلام) لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الشُّورَى: إِنَّ لَنَا حَقّاً إِنْ أُعْطِينَاهُ أَخَذْنَاهُ، وَ إِنْ مُنِعْنَاهُ رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ بِنَا السُّرَى.
وَ سُئِلَ مُتَكَلِّمٌ: لِمَ لَمْ يُقَاتِلِ الْأَوَّلِينَ عَلَى (2) حَقِّهِ وَ قَاتَلَ الْآخَرِينَ (3)؟! فَقَالَ:
لِمَ لَمْ يُقَاتِلْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ فِي حَالِ الْغَارِ وَ مُدَّةِ الشِّعْبِ وَ قَاتَلَ بَعْدَهُمَا؟! ...
وَ قَالَ بَعْضُ النَّوَاصِبِ لِشَيْطَانِ الطَّاقِ (4)؟!: كَانَ عَلِيٌّ يُسَلِّمُ عَلَى الشَّيْخَيْنِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، أَ فَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ؟!. قَالَ: أَخْبِرْنِي أَنْتَ عَنِ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ دَخَلَا عَلَى دَاوُدَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ (5)، كَذَبَ أَمْ صَدَقَ؟. فَانْقَطَعَ النَّاصِبِيُّ.
وَ سَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرِيزٍ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ لِأَبِي بَكْرٍ:
يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَ كَانَ صَادِقاً أَمْ كَاذِباً؟! فَقَالَ هِشَامٌ: وَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ (6)؟ ثُمَّ قَالَ: وَ إِنْ كَانَ قَالَهُ فَهُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: إِنِّي سَقِيمٌ (7)، وَ كَقَوْلِهِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ (8)، وَ كَقَوْلِ يُوسُفَ: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (9) ....
وَ قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ مِيثَمٍ: لِمَ صَلَّى عَلِيٌّ خَلْفَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ
____________
(1) في المناقب: مخون الهدى بقلة ..
(2) لا توجد على في (س)، و وضع بعدها رمز (ع) في (ك).
(3) في (س): الأخرى، و لا معنى لها.
(4) في المناقب: لصاحب الطّاق، و هو في الواقع مؤمن الطّاق (رضوان اللّه عليه).
(5) سورة ص: 23.
(6) في (ك): قاله.
(7) الصّافّات: 89.
(8) الأنبياء: 63.
(9) يوسف: 70.
447
السَّوَارِي. قِيلَ: فَلِمَ ضَرَبَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ؟. قَالَ: لِأَنَّ الْحَدَّ لَهُ وَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ إِقَامَتُهُ أَقَامَهُ بِكُلِّ حِيلَةٍ. قِيلَ: فَلِمَ أَشَارَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ؟.
قَالَ: طَلَباً مِنْهُ أَنْ يُحْيِيَ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ وَ أَنْ يَكُونَ دِينُهُ الْقَيِّمَ كَمَا أَشَارَ يُوسُفُ (عليه السلام) عَلَى مُلْكِ مِصْرَ نَظَراً مِنْهُ لِلْخَلْقِ، وَ لِأَنَّ الْأَرْضَ وَ الْحُكْمَ فِيهَا إِلَيْهِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُظْهِرَ مَصَالِحَ الْخَلْقِ فَعَلَ، وَ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ تَوَصَّلَ إِلَيْهِ عَلَى يَدَيْ مَنْ يُمْكِنُهُ طَلَباً مِنْهُ لِإِحْيَاءِ أَمْرِ اللَّهِ. قِيلَ: لِمَ قَعَدَ فِي الشُّورَى؟. قَالَ: اقْتِدَاراً مِنْهُ عَلَى الْحُجَّةِ وَ عِلْماً بِأَنَّهُمْ إِنْ نَاظَرُوهُ أَوْ (1) أَنْصَفُوهُ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ، وَ مَنْ كَانَ لَهُ دَعْوَى فَدُعِيَ إِلَى (2) أَنْ يُنَاظِرَ عَلَيْهِ فَإِنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْحُجَّةُ أُعْطِيَهُ (3)، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَ حَقُّهُ وَ أَدْخَلَ بِذَلِكَ الشُّبْهَةَ عَلَى الْخَلْقِ، وَ قَدْ قَالَ (عليه السلام) يَوْمَئِذٍ: الْيَوْمَ أُدْخِلْتُ فِي بَابٍ إِذَا أُنْصِفْتُ فِيهِ وَصَلْتُ إِلَى حَقِّي، يَعْنِي أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَبَدَّ بِهَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ لَمْ يُشَاوِرْهُ، قِيلَ: فَلِمَ زَوَّجَ عُمَرَ ابْنَتَهُ؟. قَالَ: لِإِظْهَارِهِ الشَّهَادَتَيْنِ وَ إِقْرَارِهِ بِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ إِرَادَتِهِ اسْتِصْلَاحَهُ وَ كَفَّهُ عَنْهُ، وَ قَدْ عَرَضَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ (عليه السلام) بَنَاتِهِ عَلَى قَوْمِهِ وَ هُمْ كُفَّارٌ لِيَرُدَّهُمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ، فَقَالَ: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (4)، وَ وَجَدْنَا آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ تَحْتَ فِرْعَوْنَ.
وَ سُئِلَ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ (5): لِمَ أَخَذَ عَطَاءَهُمْ، وَ صَلَّى خَلْفَهُمْ، وَ نَكَحَ سَبْيَهُمْ، وَ حَكَمَ فِي مَجَالِسِهِمْ؟. فَقَالَ: أَمَّا أَخْذُهُ الْعَطَاءَ فَأَخَذَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَ أَمَّا الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ فَهُوَ الْإِمَامُ، مَنْ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، عَلَى أَنَّ كُلًّا مُؤَدٍّ حَقَّهُ، وَ أَمَّا نِكَاحُهُ مِنْ سَبْيِهِمْ فَمِنْ طَرِيقِ الْمُمَانَعَةِ، إِنَّ الشِّيعَةَ رَوَتْ (6) أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ زَوَّجَهَا
____________
(1) في المصدر: الواو بدلا من أو.
(2) لا توجد: إلى، في (س).
(3) في المناقب: أعطته.
(4) هود: 78.
(5) و بهذا المضمون جاء في الفصول المختارة من العيون و المحاسن، للشّيخ المفيد: 273، و لعلّ نصّه في غير كتابه هذا.
(6) في المناقب: روته ..
448
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ الْحَنَفِيَّ، وَ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا رَدَّ مَنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَبَاهُ لَمْ يَرُدَّ الْحَنَفِيَّةَ، فَلَوْ كَانَتْ مِنَ السَّبْيِ لَرَدَّهَا، وَ مِنْ طَرِيقِ الْمُتَابَعَةِ أَنَّهُ لَوْ نَكَحَ مِنْ سَبْيِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ مَا أَرَدْتُمْ، لِأَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا عِنْدَكُمْ قَادِحِينَ فِي نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ كُفَّاراً، فَنِكَاحُهُمْ حَلَالٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَ لَوْ كَانَ الَّذِينَ سَبَاهُمْ يَزِيدُ وَ زِيَادٌ، وَ إِنَّمَا كَانَ يَسُوغُ لَكُمْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِذَا كَانَ الَّذِينَ سَبَاهُمْ قَادِحِينَ فِي إِمَامَتِهِ ثُمَّ نَكَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ أَمَّا حُكْمُهُ فِي مَجَالِسِهِمْ فَإِنَّهُ لَوْ قَدَرَ أَنْ لَا يَدَعَهُمْ يَحْكُمُونَ حُكْماً لَفَعَلَ، إِذِ الْحُكْمُ إِلَيْهِ وَ لَهُ دُونَهُمْ.
و في كتاب الكرّ و الفرّ: قالوا: وجدنا عليّا (عليه السلام) يأخذ عطاء الأوّل و (1) لا يأخذ عطاء ظالم إلّا ظالم؟.
قلنا: فقد وجدنا دانيال يأخذ عطاء بختنصر.
و قالوا: قد صحّ أنّ عليّا (عليه السلام) لم يبايع ثم بايع، ففي أيّهما أصاب و (2) أخطأ في الأخرى؟.
قلنا: و قد صحّ أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يدع في حال و دعا في حال، و لم يقاتل ثم قاتل.
- وَ قَالَ رَجُلٌ لِلْمُرْتَضَى: أَيُّ خَلِيفَةٍ قَاتَلَ وَ لَمْ يَسْبِ وَ لَمْ يَغْنَمْ؟. فَقَالَ: ارْتَدَّ غُلَامٌ (3) فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ فَقَتَلُوهُ وَ لَمْ يَعْرِضْ أَبُو بَكْرٍ لِمَالِهِ، وَ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مُرْتَدٍّ قُتِلَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ فَلَمْ يَعْرِضْ لِمَالِهِ، وَ قَتَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُسْتَوْرِدَ (4) الْعِجْلِيَّ وَ لَمْ يَتَعَرَّضْ (5) لِمَالِهِ، فَالْقَتْلُ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ عَلَى تَنَاوُلِ الْمَالِ.
وَ قَالَ رَجُلٌ لِشَرِيكٍ: أَ لَيْسَ قَوْلُ عَلِيٍّ لِابْنِهِ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْجَمَلِ: يَا بُنَيَّ! يَوَدُّ
____________
(1) الواو للحال، كذا في حاشية (ك).
(2) لا توجد الواو في المصدر.
(3) في المناقب: علاثة ..
(4) في المناقب: مسورته ..
(5) في المصدر: يعرض.
449
أَبُوكَ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِثَلَاثِينَ سَنَةٍ .. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الْأَمْرِ شَيْئاً؟. فَقَالَ شَرِيكٌ: لَيْسَ كُلُّ حَقٍّ يُشْتَهَى أَنْ يُتْعَبَ فِيهِ، وَ قَدْ قَالَتْ مَرْيَمُ فِي حَقٍّ لَا يُشَكُّ فِيهِ: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (1). وَ لَمَّا قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الْحَكَمَيْنِ: شَكَكْتَ؟. قَالَ (عليه السلام): أَنَا أَوْلَى بِأَنْ لَا أَشُكَّ فِي دِينِي أَمِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ أَوْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (2)..
38- شي (3): عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): قَوْلُ النَّاسِ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ؟. قَالَ: فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْ هَذَا إِلَّا إِنْسَاناً وَاحِداً رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (4)، قَالَ:
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ (5) فَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِلرَّسُولِ. وَ قَالَ لِغَيْرِهِ: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (6) فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فِئَةٌ يُعِينُونَهُ عَلَى أَمْرِهِ (7)..
بيان: لعلّ المعنى أنّه إذا كان مع وجود الجيش يجوز الفرار للتحيّز إلى فئة أخرى أقوى، فيجوز ترك الجهاد مع عدم الفئة أصلا بطريق أولى، و إنّ هذه الآية تدلّ على اشتراط الفئة التزاما.
39- شي (8): عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ
____________
(1) مريم: 23.
(2) القصص: 49. و إلى هنا نقل من المناقب لابن شهرآشوب 1- 271- 276 و قد تعرضنا لغالب الفروق و ما أسقطه المصنّف طاب ثراه.
(3) تفسير العيّاشيّ 1- 261 حديث 211.
(4) في التّفسير: لا يكلّف هذا الإنسان إلّا واحدا إلّا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(5) النّساء: 84.
(6) الأنفال: 16.
(7) و انظر البرهان 1- 398 و 2- 70، و بحار الأنوار 16- 340 حديث 29.
(8) تفسير العيّاشيّ 1- 303 برقم 68، باختلاف يسير.
450
السَّلَامُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَا تُخْطِئُونَ طَرِيقَهُمْ وَ لَا تُخْطِئُكُمْ سُنَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (1)، ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (2) فَرَدُّوا عَلَيْهِ- وَ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ- فَقَالُوا: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا (3) أَحَدُهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَ كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا (4)، قَالَ: وَ هُمَا ابْنُ عَمِّهِ (5) فَقَالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ. إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (6) قَالَ: فَعَصَى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ (7)، وَ سَلِمَ هَارُونُ وَ ابْنَاهُ وَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَ كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا (8)، فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاسِقِينَ، فَقَالَ: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (9) فَتَاهُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً لِأَنَّهُمْ عَصَوْا، فَكَانَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا قُبِضَ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ سَلْمَانُ وَ الْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ فَمَكَثُوا أَرْبَعِينَ حَتَّى قَامَ عَلِيٌّ فَقَاتَلَ مَنْ خَالَفَهُ (10).
____________
(1) مرّت روايات الخاصّة عن جملة مصادر عدّها شيخنا المجلسيّ (قدّس سرّه) في بحاره 28- 6- 10 عن كمال الدّين و تمام النّعمة، و معاني الأخبار، و تفسير القمّيّ، و أمالي الشّيخ المفيد و غيرها، و جاء عن طريق العامّة كما في مسند أحمد بن حنبل 4- 125 و غيره. و الكلّ في موضوع في متابعة اللاحق للسّابق، فراجع.
(2) المائدة: 20- 22.
(3) المائدة: 22 و 23.
(4) في تفسير العيّاشيّ: ابن نون و الآخر كالب بن يافنّا ..
(5) في المصدر: و هما ابنا عمّه .. و هو الظّاهر.
(6) المائدة: 24.
(7) في المصدر: فعصى أربعون ألف ..
(8) في التّفسير: ابن يافنّا، و فيه نسخة بدل: يوفنّا.
(9) المائدة: 26.
(10) جاءت الرّواية في تفسير البرهان 1- 456، و الصّافي 1- 433، و في أكثر من مكان من البحار.
451
بيان: قوله: فمكثوا أربعين .. كذا في النسخة التي عندنا، و هو لا يوافق التاريخ، إذ هو (عليه السلام) قاتلهم بعد نحو من خمس و عشرين، و لعلّه من تحريف النسّاخ، و كون الأربعين من الهجرة و إنّه أريد هنا انتهاء غزواته (عليه السلام) بعيد.
و يحتمل أن يكون المراد نحوا من أربعين، أي مدّة مديدة يقرب منها، و يكفي هذا للمشابهة.
40- شي (1): عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: كُنْتُ وَاقِفاً مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَوْمَ الْجَمَلِ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! كَبَّرَ الْقَوْمُ وَ كَبَّرْنَا، وَ هَلَّلَ الْقَوْمُ وَ هَلَّلْنَا، وَ صَلَّى الْقَوْمُ وَ صَلَّيْنَا، فَعَلَامَ نُقَاتِلُهُمْ؟! فَقَالَ: عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ (2) فَنَحْنُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (3) فَنَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا وَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَقَالَ الرَّجُلُ: كَفَرَ الْقَوْمُ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (رحمه الله) (4)..
41- شي (5): عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَا شَأْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حِينَ رُكِبَ (6) مِنْهُ مَا رُكِبَ، لَمْ يُقَاتِلْ؟. فَقَالَ: لِلَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ، مَا كَانَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يُقَاتِلَ وَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ، فَكَيْفَ يُقَاتِلُ؟ أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 1- 136 برقم 448، باختلاف يسير.
(2) البقرة: 253.
(3) البقرة: 253.
(4) و جاءت الرّواية في تفسير البرهان 1- 239، و تفسير الصّافي 1- 212 و غيرهما ..
(5) تفسير العيّاشيّ 2- 51 برقم 30، باختلاف يسير.
(6) خ. ل: حينما ركّب، كذا في المصدر.
452
كَفَرُوا ... إِلَى قَوْلِهِ: .. وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (1) فَكَيْفَ يُقَاتِلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَعْدَ هَذَا؟. وَ إِنَّمَا هُوَ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ مَعَهُ مُؤْمِنٌ غَيْرُ ثَلَاثَةِ رَهْطٍ (2).
42- شي (3): عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام):
جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا مَنَعَ عَلِيّاً إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِ؟. فَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْ هَذَا أَحَداً إِلَّا نَبِيَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ، قَالَ لَهُ: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ (4)، وَ قَالَ لِغَيْرِهِ: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ (5) فَعَلِيٌّ لَمْ يَجِدْ فِئَةً، وَ لَوْ وَجَدَ فِئَةً لَقَاتَلَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ جَعْفَرٌ وَ حَمْزَةُ حَيَّيْنِ، إِنَّمَا بَقِيَ رَجُلَانِ (6).
بيان: قوله (عليه السلام): لو كان .. كلمة لو للتمنّي أو الجزاء محذوف ..
أي لم يترك القتال، أو يكون تفسير للفئة، و المراد بالرجلين: الضعيفان، عباس و عقيل، كما مرّ.
43- شي (7): عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! زَعَمَ وُلْدُ الْحَسَنِ (عليه السلام) أَنَّ الْقَائِمَ مِنْهُمْ وَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَمْرِ، وَ يَزْعُمُ وُلْدُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ (8) مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَمِّيَ الْحَسَنَ (ع)، لَقَدْ عَمَدَ الْحَسَنُ (9) أَرْبَعِينَ أَلْفَ سَيْفٍ حَتَّى (10) أُصِيبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)
____________
(1) الأنفال: 15.
(2) و جاءت الرّواية عن هذا المصدر في تفسير البرهان 2- 69.
(3) تفسير العيّاشيّ 2- 51 برقم 31، باختلاف قليل.
(4) النّساء: 84.
(5) الأنفال: 16.
(6) و جاءت الرّواية كاملة في البرهان 2- 70، و تفسير الصّافي 1- 653، و غيرهما.
(7) تفسير العيّاشيّ 2- 291 برقم 69.
(8) جاءت نسخة بدل في (ك): ولدين ابن الحنفيّة .. كذا.
(9) في تفسير العيّاشيّ: غمد الحسن (عليه السلام) ..، و في تفسير البرهان: عمل، و ذكر ما في العيّاشيّ نسخة.
(10) في المصدر و البرهان: حين، و هو الظّاهر.
453
وَ أَسْلَمَهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيْفٍ قَاتِلَةٍ لَوْ حُظِرَ عَلَيْهِمْ حَظِيرَةٌ (1) مَا خَرَجُوا مِنْهَا حَتَّى يَمُوتُوا جَمِيعاً، وَ خَرَجَ الْحُسَيْنُ (صلّى اللّه عليه و آله) فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، مَنْ أَحَقُّ بِدَمِهِ مِنَّا؟!، نَحْنُ وَ اللَّهِ أَصْحَابُ الْأَمْرِ وَ فِينَا الْقَائِمُ وَ مِنَّا السَّفَّاحُ وَ الْمَنْصُورُ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً (2) نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَ عَلَى دِينِهِ (3).
44- قب (4): كِتَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرَّاجِ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي خَبَرٍ: مَنْ ظَلَمَ عَلِيّاً مَجْلِسِي هَذَا كَمَنْ جَحَدَ نُبُوَّتِي وَ نُبُوَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلِي.
عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ- فِي خَبَرٍ- أَنَّهُ عَادَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلِيّاً فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلِيٌّ إِلَّا لِمَا بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَا، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا عُمَرُ- لَا يَمُوتُ عَلِيٌّ حَتَّى يَمْلَأَ غَيْظاً، وَ يُوَسِّعَ غَدْراً (5) وَ يُوجَدَ مِنْ بَعْدِي صَابِراً.
تَارِيخُ بَغْدَادَ (6) وَ كِتَابُ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيِ (7): رَوَى عَمْرُو بْنُ الْوَلِيدِ الْكَرَابِيسِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ.
وَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ، قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيٍّ: إِنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ، فَاصْبِرْ لِغَدْرِهَا.
الْحَارِثُ بْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ لَاقٍ بَعْدِي كَذَا .. وَ كَذَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ السَّيْفَ لَذُو شَفْرَتَيْنِ وَ مَا أَنَا
____________
(1) في تفسير العيّاشيّ: لو خطر عليهم خطر ..
(2) الإسراء: 33.
(3) و نقله في تفسير البرهان 2- 419 مع اختلاف.
(4) مناقب ابن شهرآشوب 3- 216 فصلّ: في ظالميه و مقاتليه.
(5) الكلمة مشوّشة في مطبوع البحار، و أثبتنا ما في المناقب.
(6) تاريخ بغداد 11- 216 حديث 5928.
(7) الغارات 2- 486، و انظر كنز العمّال 11- 618 حديث 32997، و مستدرك الحاكم 3- 142.
454
بِالْفَشِلِ (1) وَ لَا الذَّلِيلِ. قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَاصْبِرْ يَا عَلِيُّ. قَالَ عَلِيٌّ: أَصْبِرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (2).
45- قب (3): ابْنُ شِيرَوَيْهِ فِي الْفِرْدَوْسِ (4)، عَنْ وَهْبِ بْنِ صَيْفِيٍ (5)، وَ رَوَى غَيْرُهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالا: قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَا أُقَاتِلُ عَلَى التَّنْزِيلِ وَ عَلِيٌّ يُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ ..
و ممّا يمكن أن يستدلّ بالقرآن (6) قوله تعالى: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ (7)، و الباغي من خرج على الإمام، فافترض قتال أهل البغي كما افترض قتال المشركين، و أمّا اسم الإيمان عليهم فكقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ (8) .. أي الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم آمنوا بقلوبكم.
وَ قِيلَ لِزَيْنِ الْعَابِدِينَ (عليه السلام): إِنَّ جَدَّكَ كَانَ يَقُولُ: إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا. فَقَالَ: أَ مَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ: وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً (9) فَهُمْ مِثْلُهُمْ أَنْجَاهُ اللَّهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ وَ أَهْلَكَ عَاداً بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ نَزَلَ فِيهِ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ... الْآيَةَ (10)..
____________
(1) في المناقب: بالقتل.
(2) إلى هنا بنصه في المناقب، و انظر: كنز العمّال 11- 613 حديث 32968 باب فضائل عليّ (عليه السلام)، و ما بعده من الرّوايات.
(3) المناقب لابن شهرآشوب 3- 218- 219، باختلاف يسير.
(4) الفردوس 1- 46 حديث 115 باب ذكر أخبار جاءت عن النّبيّ (ص) في مناقبه [طبعة أخرى 1- 79 حديث 118].
(5) في المناقب: ضيفي.
(6) في المصدر: من القرآن، و ذكرها في حاشية (ك) على أنّه نسخة بدل.
(7) الحجرات: 9.
(8) النساء: 136.
(9) الأعراف: 65.
(10) المائدة: 54.
455
وَ فِي حَدِيثِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ رَجُلٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ نُقَاتِلُهُمْ، الدَّعْوَةُ وَاحِدَةٌ، وَ الرَّسُولُ وَاحِدٌ، وَ الصَّلَاةُ وَاحِدَةٌ (1)، وَ الْحَجُّ وَاحِدٌ، فَبِمَ (2) نُسَمِّيهِمْ؟. قَالَ: سَمِّهِمْ بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ (3) فَلَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ كُنَّا نَحْنُ (4) أَوْلَى بِاللَّهِ وَ بِالنَّبِيِّ وَ بِالْكِتَابِ وَ بِالْحَقِّ..
الْبَاقِرَيْنِ (عليهما السلام) فِي قَوْلِهِ: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (5) يَا مُحَمَّدُ! مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّا رَادُّوكَ مِنْهَا (6) وَ مُنْتَقِمُونَ مِنْهُمْ بِعَلِيٍّ ..
أورده النطنزي (7) في الخصائص، و الصفواني في الإحن و المحن عن السدّي و الكلبي و عطاء و ابن عباس و الأعمش و جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام).
ابْنُ جَرِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، وَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ رَوَوْا ذَلِكَ (8) عَلَى اتِّفَاقٍ وَ اجْتِمَاعٍ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّ الْعَمَالِقَةَ فِي كَتِيبَةٍ.
فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
وَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلَا لَأُلْفِيَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ
____________
(1) خطّ في (س) على كلمة: واحدة.
(2) في (ك): فيم ..
(3) البقرة: 253.
(4) لا توجد: نحن في المصدر.
(5) الزّخرف: 41.
(6) في طبعتي البحار: منّا، و ما أثبت جاء في المصدر.
(7) في (س): النظيري، و في (ك) النطيزي.
(8) في المناقب: بل رووا ذلك، و لا توجد ذلك في (ك)، و هو الظّاهر.
456
بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَتَعْرِفُنَّنِي (1) فِي كَتِيبَةٍ فَأَضْرِبُ وُجُوهَكُمْ فِيهَا بِالسَّيْفِ فَكَأَنَّهُ (2) غُمِزَ مِنْ خَلْفِهِ فَالْتَفَتَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَوْ عَلِيٌّ، فَنَزَلَ: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (3) بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، ثُمَّ نَزَلَ: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (4) .. إِلَى قَوْلِهِ: هِيَ أَحْسَنُ (5)، ثُمَّ نَزَلَ: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ (6) مِنْ أَمْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (7)، وَ إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَعَلَمُ السَّاعَةِ (8) لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْأَلُونَ (9) عَنْ مَحَبَّةِ عَلِيٍّ (عليه السلام).
أَبُو حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (10) قَالَ: أَوْ بِعَلِيِ (11) ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ: بِذَلِكَ حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ.
بيان: قوله (عليه السلام): و إنّ عليّا لعلم الساعة في القرآن: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ (12) و لعلّه (عليه السلام) فسّر الذكر بعلم الساعة، فإنّه الدابّة الذي هو من أشراط الساعة.
____________
(1) في (ك): لتعرفنّي.
(2) في (ك): فكأنّها.
(3) الزّخرف: 41.
(4) المؤمنون: 93.
(5) المؤمنون: 96.
(6) الزّخرف: 43.
(7) الزّخرف: 44.
(8) في (ك): للسّاعة، و لم يتعرّض لها في بيانه (قدّس سرّه) ..
(9) الزّخرف: 44.
(10) الزّخرف: 41.
(11) جاءت نسخة استظهرها كاتبها على كلمة (بعليّ) أيّ بعليّ، في (ك).
(12) الزخرف: 44.
457
46- فض (1): الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدَنِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَكِّيِ (2) بِمَكَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سَابُورَ الْمَكِّيِّ فَأَجْرَيْنَا حَدِيثَ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَذَكَرْنَا خَوْلَةَ الْحَنَفِيَّةَ وَ نِكَاحَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَهَا فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَيْرِ الْحُسَيْنِيُ (3)، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَاقِرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)- قَالَ-: كَانَ (4) جَالِساً ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ، فَقَالا: يَا أَبَا جَعْفَرٍ! أَ لَسْتَ الْقَائِلَ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمْ يَرْضَ بِإِمَامَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ؟. فَقَالَ: بَلَى. فَقَالا لَهُ: هَذِهِ خَوْلَةُ الْحَنَفِيَّةُ نَكَحَهَا مِنْ سَبْيِهِمْ وَ لَمْ يُخَالِفْهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ مُذْ حَيَاتِهِمْ (5)؟!. فَقَالَ الْبَاقِرُ (عليه السلام): مَنْ فِيكُمْ يَأْتِينِي بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟- وَ كَانَ مَحْجُوباً قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ فَحَضَرَ وَ سَلَّمَ عَلَى الْبَاقِرِ (عليه السلام) فَرَدَّ عَلَيْهِ (6) وَ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا جَابِرُ! عِنْدِي رَجُلَانِ ذَكَرَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ بِإِمَامَةِ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَاسْأَلْهُمَا مَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ؟ فَسَأَلَهُمَا فَذَكَرَا لَهُ حَدِيثَ خَوْلَةَ (7)، فَبَكَى جَابِرٌ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ- يَا مَوْلَايَ- لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَا أُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جَالِساً إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ- وَ قَدْ سَبَى بَنِي حَنِيفَةَ مَعَ مَالِكِ (8) بْنِ نُوَيْرَةَ مِنْ قِبَلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ- وَ بَيْنَهُمْ جَارِيَةٌ مُرَاهِقَةٌ- فَلَمَّا
____________
(1) كتاب الفضائل لأبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمّيّ، و عبّر عنه العلّامة المجلسيّ ب: الرّوضة:
99- 101 باختلاف كثير أشرنا إلى غالبه.
(2) جاء السّند في المصدر هكذا: حدّثنا أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد المدائنيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن هاشم، عن الكلبيّ، قال: أخبرني ميمون بن صعب المكّيّ ..
(3) في الفضائل: أبو الحسن عبد اللّه بن أبي الخير الحسينيّ.
(4) في المصدر: لا توجد قال، و في (ك): كنّا، و هو غلط ظاهرا.
(5) في المصدر: و قبل هديتهم و لم يخالفهم عن أمرهم مدّة حياتهم.
(6) لا توجد: فردّ عليه، في المصدر.
(7) في الفضائل: فسألهما الحجّة في ذلك، فذكروا له خولة.
(8) في المصدر: بعد قتل مالك .. و هو الصّحيح.
458
دَخَلَتِ الْمَسْجِدَ قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ! مَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قَالُوا:
قُبِضَ. قَالَتْ: هَلْ لَهُ بِنْيَةٌ فَقَصَدَهَا (1)؟ قَالُوا: نَعَمْ هَذِهِ تُرْبَتُهُ وَ بِنْيَتُهُ (2). فَنَادَتْ وَ قَالَتْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- (صلّى اللّه عليه و آله)- أَشْهَدُ أَنَّكَ تَسْمَعُ صَوْتِي (3) وَ تَقْدِرُ عَلَى رَدِّ جَوَابِي، وَ إِنَّنَا (4) سُبِينَا مِنْ بَعْدِكَ، وَ نَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ .. ثُمَّ جَلَسَتْ فَوَثَبَ إِلَيْهَا رَجُلَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَحَدُهُمَا طَلْحَةُ وَ الْآخَرُ الزُّبَيْرُ وَ طَرَحَا عَلَيْهَا (5) ثَوْبَيْهِمَا. فَقَالَتْ: مَا بَالُكُمْ- يَا مَعَاشِرَ الْأَعْرَابِ- تُغَيِّبُونَ (6) حَلَائِلَكُمْ وَ تَهْتِكُونَ حَلَائِلَ غَيْرِكُمْ؟. فَقِيلَ لَهَا: لِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ لَا نُصَلِّي وَ لَا نَصُومُ وَ لَا نُزَكِّي (7)؟ فَقَالَ لَهَا الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ طَرَحَا ثَوْبَيْهِمَا: إِنَّا لَغَالُونَ (8) فِي ثَمَنِكِ. فَقَالَتْ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ وَ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِنَّهُ لَا يَمْلِكُنِي وَ يَأْخُذُ رَقَبَتِي (9) إِلَّا مَنْ يُخْبِرُنِي بِمَا رَأَتْ أُمِّي وَ هِيَ حَامِلَةٌ بِي؟ وَ أَيُ
____________
(1) كذا، و في المصدر: تقصد .. و هو الظّاهر.
(2) لا توجد: بنيّته، في المصدر.
(3) في الفضائل: .. أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّك عبده و رسوله، و أنّك تسمع كلامي ..
(4) في (ك): و إنّا.
(5) في مطبوع البحار: عليهما، و هو غلط، و العبارة في المصدر بتقديم و تأخير، و لعلّها نقلت بالمعنى.
(6) في المصدر: تصونون.
(7) في الفضائل: فقالا لها: لمخالفتكم اللّه و رسوله حتّى قلتم: إنّنا نزكي و لا نصلّي، أو نصلّي فلا نزكي، و هنا سقط جاء في المصدر: فقالت لهما: و اللّه ما قالها أحد من بني حنيفة، و إنّا نضرب صبياننا على الصّلاة من التّسع، و على الصّيام من السّبع، و إنّا لنخرج الزّكاة من حيث يبقى في جمادى الآخرة عشرة أيّام، و يوصي مريضنا بها لوصيّه، و اللّه- يا قوم- ما نكثنا و لا غيرنا و لا بدلنا حتّى تقتلوا رجالنا و تسبّوا حريمنا، فإن كنت- يا أبا بكر- بحقّ فما بال عليّ لم يكن سبقك علينا، و إن كان راضيا بولايتك فلم لا ترسّله إلينا يقبض الزّكاة منّا و يسلّمها إليك، و اللّه ما رضي و لا يرضى، قتلت الرّجال و نهبت الأموال و قطعت الأرحام فلا نجتمع معك في الدّنيا و لا في الآخرة، افعل ما أنت فاعله .. فضجّ النّاس.
(8) في المصدر: لمغالون.
(9) في الفضائل: و يأخذني.
459
شَيْءٍ قَالَتْ لِي عِنْدَ وِلَادَتِي؟ وَ مَا الْعَلَامَةُ الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَهَا؟ وَ إِلَّا بَقَرْتُ (1) بَطْنِي بِيَدِي فَيَذْهَبَ ثَمَنِي وَ يُطَالَبَ بِدَمِي. فَقَالُوا لَهَا: اذْكُرِي رُؤْيَاكِ حَتَّى نُعَبِّرَهَا لَكِ (2).
فَقَالَتْ: الَّذِي يَمْلِكُنِي هُوَ أَعْلَمُ بِالرُّؤْيَا مِنِّي؟ .. فَأَخَذَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ ثَوْبَيْهِمَا وَ جَلَسُوا، فَدَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: مَا هَذَا الرَّجْفُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْرَأَةٌ حَنَفِيَّةٌ حَرَّمَتْ ثَمَنَهَا (3) عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَ قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِالرُّؤْيَا الَّتِي رَأَتْ أُمِّي وَ هِيَ حَامِلَةٌ بِي يَمْلِكُنِي. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَا ادَّعَتْ بَاطِلًا، أَخْبِرُوهَا تَمْلِكُوهَا. فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا مِنَّا مَنْ يَعْلَمُ (4)، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ ابْنَ عَمِّكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ قُبِضَ وَ أَخْبَارُ السَّمَاءِ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنْ بَعْدِهِ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أُخْبِرُهَا بِغَيْرِ اعْتِرَاضٍ مِنْكُمْ (5)؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ (عليه السلام): يَا حَنَفِيَّةُ! (6) أُخْبِرُكِ وَ أَمْلِكُكِ؟ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُجْتَرِي دُونَ أَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ:
أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَتْ: لَعَلَّكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَصَبَهُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِغَدِيرِ خُمٍّ عَلَماً لِلنَّاسِ؟. فَقَالَ: أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ.
قَالَتْ: مِنْ أَجْلِكَ نُهِبْنَا، وَ مِنْ نَحْوِكَ أُتِينَا (7)، لِأَنَّ رِجَالَنَا قَالُوا لَا نُسَلِّمُ صَدَقَاتِ أَمْوَالِنَا وَ لَا طَاعَةَ نُفُوسِنَا إِلَّا لِمَنْ نَصَبَهُ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) فِينَا وَ فِيكُمْ عَلَماً.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ أَجْرَكُمْ غَيْرُ ضَائِعٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ يُوَفِّي كُلَّ نَفْسٍ مَا
____________
(1) في المصدر: و إلّا فإن ملكني أحد و لم يخبرني بذلك بقرت ..
(2) في الفضائل: أبدي رؤياك الّتي رأت أمّك و هي حامل بك حتّى نبدي لك العبارة بالرّؤيا ..
(3) في المصدر: حرمت نفسها ..
(4) في المصدر: ما فينا من يعلم الغيب.
(5) في الفضائل: ما ادّعت باطلا، أخبرها املكها بغير اعتراض .. و وضع رمز الزّيادة في (س) على:
منكم قالوا: نعم.
(6) لا توجد في (س): يا حنفية، و في المصدر: يا حنفية.
(7) في المصدر: من أجلك أصبنا و من نحوك أوتينا.
460
عَمِلَتْ (1) مِنْ خَيْرٍ. ثُمَّ قَالَ: يَا حَنَفِيَّةُ! أَ لَمْ تَحْمِلْ بِكِ أُمُّكِ فِي زَمَانٍ قَحْطٍ قَدْ مَنَعَتِ السَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَ الْأَرَضُونَ نَبَاتَهَا، وَ غَارَتِ الْعُيُونُ وَ الْأَنْهَارُ حَتَّى أَنَّ الْبَهَائِمَ كَانَتْ تَرِدُ الْمَرْعَى فَلَا تَجِدُ شَيْئاً، وَ كَانَتْ أُمُّكِ تَقُولُ لَكِ إِنَّكِ حَمْلٌ مَشُومٌ فِي زَمَانٍ غَيْرِ مُبَارَكٍ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا كَأَنْ قَدْ وَضَعَتْ بِكِ (2)، وَ أَنَّهَا تَقُولُ: إِنَّكِ حَمْلٌ مَشُومٌ فِي زَمَانٍ غَيْرِ مُبَارَكٍ، وَ كَأَنَّكِ تَقُولِينَ: يَا أُمِّي لَا تَتَطَيَّرِنَّ بِي فَإِنِّي حَمْلٌ مُبَارَكٌ أَنْشَأُ مَنْشَأً مُبَارَكاً صَالِحاً (3)، وَ يَمْلِكُنِي سَيِّدٌ، وَ أُرْزَقُ مِنْهُ وَلَداً يَكُونُ لِلْحَنَفِيَّةِ (4) عِزّاً، فَقَالَتْ: صَدَقْتَ. فَقَالَ (عليه السلام): إِنَّهُ كَذَلِكِ وَ بِهِ (5) أَخْبَرَنِي ابْنُ عَمِّي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَتْ: مَا الْعَلَامَةُ الَّتِي بَيْنِي وَ بَيْنَ أُمِّي؟. فَقَالَ لَهَا: لَمَّا وَضَعَتْكِ كَتَبَتْ كَلَامَكِ وَ الرُّؤْيَا فِي لَوْحٍ مِنْ نُحَاسٍ وَ أَوْدَعَتْهُ عَتَبَةَ الْبَابِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ عَرَضَتْهُ عَلَيْكِ فَأَقْرَرْتِ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ عَرَضَتْهُ عَلَيْكِ (6) فَأَقْرَرْتِ بِهِ، ثُمَّ جَمَعَتْ بَيْنَكِ وَ بَيْنَ اللَّوْحِ وَ قَالَتْ لَكِ:
يَا بُنَيَّةِ إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ سَافِكٌ لِدِمَائِكُمْ، وَ نَاهِبٌ لِأَمْوَالِكُمْ، وَ سَابٌّ لِذَرَارِيِّكُمْ، وَ سُبِيتِ فِيمَنْ سُبِيَ، فَخُذِي اللَّوْحَ مَعَكِ وَ اجْتَهِدِي أَنْ لَا يَمْلِكَكِ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَّا مَنْ عَبَّرَكِ (7) بِالرُّؤْيَا وَ بِمَا فِي هَذَا اللَّوْحِ. فَقَالَتْ: صَدَقْتَ ... يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع)، ثُمَّ قَالَتْ: فَأَيْنَ هَذَا اللَّوْحُ؟ فَقَالَ: هُوَ فِي عَقِيصَتِكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَفَعَتِ اللَّوْحَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) (8) فَمَلَكَهَا
____________
(1) في الفضائل: و إنّ اللّه تعالى يؤتي كلّ نفس ما أتت ..
(2) في (س): رضعت بك، و في المصدر: كأنّ وضعتك.
(3) في الفضائل: نشوت نشوا صالحا ..
(4) في المصدر: لبني حنيفة.
(5) في المصدر: صدّقت فإنّه كذلك، فقال: و به ..
(6) في الفضائل: فلمّا كانت ثمان سنين عرضت عليك ..
(7) في (ك) جاءت نسخة بدل: من يخبرك، كذا جاءت في المصدر.
(8) هنا سقط جاء في الفضائل هكذا: ثمّ قالت: يا معاشر النّاس! اشهدوا أنّي قد جعلت نفسي له عبدة، فقال (عليه السلام): بل قولي زوجة، فقالت: اشهدوا أن قد زوّجت نفسي- كما أمرني- بعليّ (عليه السلام). فقال (عليه السلام): قد قبلتك زوجة، فماج النّاس، فقال جابر ..
461
وَ اللَّهِ يَا أَبَا جَعْفَرٍ بِمَا ظَهَرَ مِنْ حُجَّتِهِ وَ ثَبَتَ مِنْ بَيِّنَتِهِ (1)، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّضَحَ لَهُ الْحَقُّ ثُمَّ جَحَدَ حَقَّهُ وَ فَضْلَهُ، وَ جَعَلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْحَقِّ سِتْراً.
بيان: الرّجف: الزّلزلة و الاضطراب الشّديد (2)، و العقيصة: الشّعر المنسوج على الرّأس عرضا (3).
47- يل، فض (4): بِالْإِسْنَادِ .. يَرْفَعُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا حَسَدْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ مِنْ سَوَابِقِهِ بِأَفْضَلَ مِنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ! أَنْتُمْ كَفَرْتُمْ فَرَأَيْتُمُونِي فِي كَتِيبَةٍ أَضْرِبُ بِهَا وُجُوهَكُمْ، فَأَتَى جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَغَمَزَهُ وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ..
48- يل، فض (5): بِالْإِسْنَادِ .. يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِ (6)، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (7) بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، بِذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (عليه السلام).
49- يل، فض (8): بِالْإِسْنَادِ .. يَرْفَعُهُ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَ الْمِقْدَادِ وَ أَبِي ذَرٍّ
____________
(1) في المصدر: و اللّه يا أبا جعفر ملكها بما ظهر من حجّة، و تبيّن من بيّنته .. و في (س): عن حجّته.
(2) ذكره في القاموس 3- 142، و انظر مجمع البحرين 5- 61- 62، و النهاية 2- 203.
(3) قال في القاموس 2- 308: و العقيصة: الضفيرة، و نحوه في النهاية 3- 276. و قال في مجمع البحرين 4- 175: و العقيصة للمرأة: الشعر يلوى و تدخل أطرافه في أصوله.
(4) قال العلّامة المجلسيّ في بحاره 1- 14: و كتاب الرّوضة في المعجزات، و الفضائل لبعض علمائنا، ثمّ قال: و أخطأ من نسبه إلى الصّدوق .. إلى آخره. و لقد وجدناهما لشاذان بن جبرئيل، انظر الرّوضة: 142- خطّيّ-، و لم نجده في كتاب الفضائل المطبوع (منشورات الرّضيّ).
(5) الرّوضة لشاذان بن جبرئيل: 142- من النّسخة الخطّيّة-، و لم نجده في الفضائل المطبوع.
(6) في الرّوضة: الدّيلميّ.
(7) الزّخرف: 41.
(8) الفضائل لابن شاذان: 145- 146 بزيادة و اختلاف كثير، و الرّوضة لشاذان بن جبرئيل: 142- خطّيّ-.
462
قَالُوا: إِنَّ رَجُلًا فَاخَرَ عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! فَاخِرْ أَهْلَ الشَّرْقِ وَ الْغَرْبِ وَ الْعَرَبَ وَ الْعَجَمَ فَأَنْتَ أَقْرَبُهُمْ نَسَباً، وَ ابْنُ عَمِّكَ (1) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَكْرَمُهُمْ نَفْساً (2)، وَ أَعْلَاهُمْ رِفْعَةً، وَ أَكْرَمُهُمْ وَلَداً، وَ أَكْرَمُهُمْ أَخاً، وَ أَكْرَمُهُمْ عَمّاً، وَ أَعْظَمُهُمْ حِلْماً، وَ أَقْدَمُهُمْ سِلْماً، وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً، وَ أَعْظَمُهُمْ عِزّاً فِي نَفْسِكَ وَ مَالِكَ، وَ أَنْتَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَعْلَاهُمْ نَسَباً، وَ أَشْجَعُهُمْ قَلْباً فِي لِقَاءِ الْحَرْبِ، وَ أَجْوَدُهُمْ كَفّاً، وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَ أَشَدُّهُمْ جِهَاداً، وَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَ أَصْدَقُهُمْ لِسَاناً، وَ أَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيَّ، وَ سَتَبْقَى بَعْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً تَعْبُدُ اللَّهَ وَ تَصْبِرُ عَلَى ظُلْمِ قُرَيْشٍ لَكَ، ثُمَّ تُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا وَجَدْتَ أَعْوَاناً تُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ثُمَّ تُقْتَلُ شَهِيداً تُخْضَبُ لِحْيَتُكَ مِنْ دَمِ رَأْسِكَ، قَاتِلُكَ يَعْدِلُ قَاتِلَ نَاقَةِ صَالِحٍ فِي الْبَغْضَاءِ لِلَّهِ وَ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ. يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ مِنْ بَعْدِي مَغْلُوبٌ مَغْصُوبٌ تَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى فِي اللَّهِ وَ فِيَّ مُحْتَسِباً (3) أَجْرُكَ غَيْرُ ضَائِعٍ (4)، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْراً.
50- فر (5): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ- مُعَنْعَناً- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَقُولُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ... (6)، وَ اللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ، وَ اللَّهِ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ أَوْلَى بِهِ مِنِّي وَ أَنَا أَخُوهُ وَ وَارِثُهُ وَ ابْنُ عَمِّهِ (عليه السلام).
____________
(1) في الفضائل: فأنت أكرمهم و ابن عمّ .. بدلا من: فأنت أقربهم نسبا و ابن عمّك ..
(2) في الفضائل: بدلا من نفسا: زوجا و عمّا.
(3) في المصدر: و في رسوله محتسبا .. و هو الظّاهر.
(4) في الفضائل: غير ضائع عند اللّه.
(5) تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ: 27، باختلاف يسير.
(6) آل عمران: 144.
463
51- فر (1): جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ (2)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: أَرَدْتُ زِيَارَةَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَلَمَّا صِرْنَا فِي الطَّرِيقِ إِذَا (3) شَيْخٌ قَدْ عَارَضَنَا (4) عَلَيْهِ ثِيَابٌ حِسَانٌ. فَقَالَ: لِمَ لَمْ يُقَاتِلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ .. فُلَاناً وَ فُلَاناً؟ (5) فَقَالَ لَهُ (عليه السلام):
لِمَكَانِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: وَ مَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا ...
الْآيَةَ (6) كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي أَصْلَابِ الْمُنَافِقِينَ قَوْماً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُمْ وَ لَمْ يَسْتَسْبِهِمْ (7). قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَداً.
52- فر (8): عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرٍ مُعَنْعَناً عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! كَيْفَ أَنْتَ إِذَا رَأَيْتَ أَزْهَدَ (9) النَّاسِ فِي الْآخِرَةِ، وَ رَغِبُوا فِي الدُّنْيَا، وَ أَكَلُوا التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا، وَ أَحَبُّوا الْمالَ حُبًّا جَمًّا وَ اتَّخَذُوا دِينَ اللَّهِ دَغَلًا (10)، وَ مَالَ اللَّهِ دُوَلًا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَتْرُكُهُمْ وَ مَا اخْتَارُوا، وَ أَخْتَارُ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ (11) وَ أَصْبِرُ عَلَى مَصَائِبِ الدُّنْيَا وَ لأواتها [لَأْوَائِهَا (12)
____________
(1) تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ: 160- 161 باختلاف يسير غير ما أشرنا له.
(2) في المصدر: الفزاريّ، قال: حدّثنا محمّد يعني ابن الحسين بن عمر أبو لؤلؤة .. و في (س):
الفزاوي.
(3) في التّفسير: الحسين بن عليّ (ع) فلمّا صرت حال زائرك إذا .. و لا توجد: مع أبي عبد اللّه (عليه السلام).
(4) في المصدر: عارضني.
(5) في التّفسير: حسّان فروى لي لم يقاتل فلانا و فلانا.
(6) الفتح: 25.
(7) في المصدر: و لا يستتبهم.
(8) تفسير فرات الكوفيّ: 210.
(9) في المصدر: إذا زهد.
(10) قال في مجمع البحرين 5- 372: دغل السّريرة: خبثها و مكرها و خديعتها. و قال في القاموس 3- 376: الدّغل- محرّكة-: دخل في الأمر مفسد، و في المصدر: دخلا.
(11) في (ك): و لدار الآخرة.
(12) في المصدر: الدّنيا و بلائها. قال في مجمع البحرين 1- 369: اللّأواء: الشدّة و ضيق المعيشة، و مثله في النّهاية 4- 221. قال في لسان العرب 15- 267: و اللولاء: الشدّة و الضّرّ كاللأواء، و عليه فلا يبعد كون الكلمة ممدودة. و في المصدر: الدّنيا و بلائها ..
464
حَتَّى أَلْقَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: هُدِيتَ، اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهِ ذَلِكَ (1).
53- وَ قَالَ (2) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) نَزَلَتِ الْآيَةُ: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ... (3) فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
54- نهج (4): مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ، وَ خَابَطَ الْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَ لَا إِيهَانٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَ امْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ (5) آجِلًا إِنْ لَمْ (6) تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا.
بيان: قيل: إنّما قال (عليه السلام) ذلك في ردّ قول من قال: إنّ مصانعته (عليه السلام) لمحاربيه و مخالفيه و مداهنتهم أولى من محاربتهم.
قوله (عليه السلام): و خابطا الغي .. ذكر المخابطة هنا للمبالغة لكونه من الجانبين.
و الإدهان: المصانعة (7).
و نهجه: أوضحه (8).
قوله (عليه السلام): عصبه بكم (9) .. أي ناطه و ربطه بكم، و جعله
____________
(1) في التّفسير جاء: فقال: هذه، هديت، اللّهمّ افعل به ذلك.
(2) تفسير فرات الكوفيّ: 210- بتصرف-، و فيه: فرات، قال: حدّثني عليّ بن محمّد الزّهريّ معنعنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).
(3) الفجر: 27.
(4) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 63، صبحي الصّالح خطبة 24 صفحة 66 بتفاوت يسير.
(5) الفلج- بالفتح فالسكون- الظّفر و الفوز، قاله في مجمع البحرين 2- 323، و الصّحاح 1- 335 و غيرهما.
(6) في نهج البلاغة- محمّد عبده-: و إن لم ..
(7) كما في مجمع البحرين 6- 249، و الصحاح 5- 2116 و غيرهما.
(8) جاء في مجمع البحرين 2- 333، و الصحاح 1- 346.
(9) قال في النهاية 3- 244: و منه حديث عليّ (عليه السلام) فرّوا إلى اللّه و قوموا بما عصبه بكم .. أي بما افترضه عليكم و قرنه بكم من أوامره و نواهيه.
465
كالعصابة الّتي تشدّ بها الرّأس (1).
و المنحة: العطيّة (2).
55- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِ (3): قَالَ: كُنَّا جُلُوساً حَوْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوِ اسْتَنْفَرْتَ النَّاسَ؟. فَقَامَ وَ خَطَبَ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي قَدِ اسْتَنْفَرْتُكُمْ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ دَعَوْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا، فَأَنْتُمْ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ (4)، وَ أَحْيَاءٌ كَأَمْوَاتٍ، وَ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكْمَةَ وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ، وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْجَوْرِ، فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ كَلَامِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ حَلَقاً شَتَّى تَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ، وَ تَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ، وَ تَسْأَلُونَ عَنْ سِعْرِ التَّمْرِ وَ اللَّبَنِ، تَبَّتْ أَيْدِيكُمْ! لَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى الْحَرْبِ (5) وَ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا وَ أَصْبَحَتْ قُلُوبُكُمْ فَارِغَةً مِنْ ذِكْرِهَا، شَغَلْتُمُوهَا بِالْأَبَاطِيلِ وَ الْأَضَالِيلِ، اغْزُوهُمْ (6) قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلُوا حَتَّى يَفْعَلُوا، ثُمَّ وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُهُمْ فَلَقِيتُ اللَّهَ عَلَى بَصِيرَتِي وَ يَقِينِي، وَ اسْتَرَحْتُ مِنْ مُقَاسَاتِكُمْ وَ مُمَارَسَتِكُمْ، فَمَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ جَمَّةٍ ضَلَّ رَاعِيهَا، فَكُلَّمَا ضُمَّتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ، كَأَنِّي بِكُمْ وَ اللَّهِ فِيمَا أَرَى لَوْ قَدْ حُمِّسَ الْوَغَى وَ احْمَرَّ الْمَوْتُ (7) قَدِ انْفَرَجْتُمْ
____________
(1) قال في المصباح المنير 2- 72: عصب القوم بالرجل عصبا- من باب ضرب- أحاطوا به لقتال أو حماية .. و عصب رأسه بالعصابة .. أي شدّها. و قال في القاموس 1- 105: العصب: الطّيّ و اللّيّ و الشدّ و ضمّ ما تفرّق من الشجر.
(2) ذكره في مجمع البحرين 2- 415، و الصحاح 1- 408، و غيرهما.
(3) كتاب سليم بن قيس الهلاليّ: 89 [طبعة بيروت: 125- 132] باختلاف يسير أشرنا إلى غالبه.
(4) في (س): كعياب .. و هو غلط.
(5) في المصدر: لقد سئمتم الحرب ..
(6) في كتاب سليم- بيروت-: ويحكم! اغزوهم ..
(7) في المصدر: و استحرّ الموت.
466
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ وَ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا لَا تَمْنَعُ عَنْهَا (1).
قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فَهَلَّا فَعَلْتَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَفَّانَ؟!. فَقَالَ: أَ وَ كما [كُلَّمَا (2) فَعَلَ ابْنُ عَفَّانَ رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ! أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا تَقُولُ، يَا ابْنَ قَيْسٍ! وَ اللَّهِ إِنَّ الَّتِي فَعَلَ (3) ابْنُ عَفَّانَ لَمَخْزَاةٌ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ وَ لَا وَثِيقَةَ مَعَهُ (4)، فَكَيْفَ أَفْعَلُ ذَلِكَ وَ أَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ الْحُجَّةُ فِي يَدِي، وَ الْحَقُّ مَعِي؟! وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً أَمْكَنَ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ يَجُزُّ لَحْمَهُ، وَ يَفْرِي جِلْدَهُ، وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَ يَسْفِكُ دَمَهُ، وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُ لِعَظِيمِ وِزْرِهِ، ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ، فَكُنْتَ أَنْتَ (5) ذَاكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ! فَأَمَّا أَنَا فَوَ اللَّهِ دُونَ أَنْ (6) أُعْطِيَ بِيَدِي ضَرْبٌ (7) بِالْمَشْرَفِيِ (8) تَطِيرُ لَهُ فِرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيحُ مِنْهُ الْأَكُفُّ وَ الْمَعَاصِمُ، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ (9)، وَيْلَكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ- إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَمُوتُ كُلَّ مَيْتَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى حَقْنِ دَمِهِ ثُمَّ خَلَّى عَمَّنْ يَقْتُلُهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ، يَا ابْنَ قَيْسٍ! إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ اثْنَتَانِ وَ سَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَ شَرُّهَا وَ أَبْغَضُهَا (10) وَ أَبْعَدُهَا مِنْهُ السَّامِرَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قِتَالَ وَ كَذَبُوا، قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِ الْبَاغِينَ فِي كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَ كَذَلِكَ الْمَارِقَةُ.
فَقَالَ ابْنُ قَيْسٍ- وَ غَضِبَ مِنْ قَوْلِهِ-: فَمَا مَنَعَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بُويِعَ
____________
(1) في طبعتي البحار وضع على: لا تمنع عنها .. رمز نسخة بدل، و في المصدر: لا تمنع يد لامس.
(2) كذا، و لعلّه: أ و كلّما ..
(3) في (ك): افعل، و لا معنى لها.
(4) لا توجد: و لا وثيقة معه، في المصدر.
(5) في المصدر: فكن أنت.
(6) في كتاب سليم: .. أنا فدون و اللّه أنّ ..، و في (ك) جاءت نسخة بدل: و اللّه، بدلا من فو اللّه.
(7) في (س): بيده، و في بعض نسخ المصدر: بيدي ضربا.
(8) قال في الصّحاح 4- 1380: و المشرفية: سيوف، قال أبو عبيدة: نسبت إلى مشارف و هي قرى من أرض العرب تدنو من الرّيف، يقال سيف مشرفي، و مثله في القاموس 3- 158.
(9) في المصدر: و يفعل بعد ما يشاء، و لا توجد: بعد ذلك في (س).
(10) في المصدر: و أبغضها إلى اللّه.
467
أَبُو بَكْرٍ أَخُو بَنِي تَيْمٍ وَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَ أَخُو بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَهُمْ أَنْ تُقَاتِلَ وَ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ؟! وَ أَنْتَ لَمْ تَخْطُبْنَا خُطْبَةً مُذْ كُنْتَ (1) قَدِمْتَ الْعِرَاقَ إِلَّا قُلْتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ عَنِ الْمِنْبَرِ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُذْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (2) (صلّى اللّه عليه و آله)! فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ دُونَ مَظْلِمَتِكَ؟!.
قَالَ (عليه السلام): يَا ابْنَ قَيْسٍ! اسْمَعِ الْجَوَابَ، لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ ذَلِكَ الْجُبْنُ وَ لَا كَرَاهَةٌ لِلِقَاءِ رَبِّي، وَ أَنْ لَا أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِي مِنَ الدُّنْيَا وَ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَ لَكِنْ مَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَهْدُهُ إِلَيَّ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِمَا الْأُمَّةُ صَانِعَةٌ بَعْدَهُ فَلَمْ أَكُ بِمَا صَنَعُوا حِينَ عَايَنْتُهُ بِأَعْلَمَ بِهِ (3) وَ لَا أَشَدَّ اسْتِيقَاناً مِنِّي بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ أَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَشَدُّ يَقِيناً مِنِّي بِمَا عَايَنْتُ وَ شَهِدْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا تَعْهَدُ إِلَيَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنْ وَجَدْتَ أَعْوَاناً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ وَ جَاهِدْهُمْ، وَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً فَكُفَّ يَدَكَ (4) وَ احْقُنْ دَمَكَ حَتَّى تَجِدَ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وَ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي أَعْوَاناً، وَ أَخْبَرَنِي (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَخْذُلُنِي وَ تُبَايِعُ غَيْرِي (5)، وَ أَخْبَرَنِي (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنِّي مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَ أَنَّ الْأُمَّةَ سَيَصِيرُونَ بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ وَ مَنْ تَبِعَهُ وَ الْعِجْلِ وَ مَنْ تَبِعَهُ، إِذْ قَالَ لَهُ مُوسَى: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (6) وَ إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ مُوسَى أَمَرَ هَارُونَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ إِنْ ضَلُّوا فَوَجَدَ أَعْوَاناً أَنْ يُجَاهِدَهُمْ
____________
(1) في المصدر: لا تخطبنا خطبة منذ كنت ..
(2) في كتاب سليم: منذ قبض محمّد رسول اللّه ..
(3) لا توجد: به، في المصدر.
(4) في المصدر: فاكفف يدك ..
(5) في كتاب سليم زيادة: و تتبّع غيري.
(6) طه: 92- 94.
468
وَ إِنْ لَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ وَ يَحْقُنَ دَمَهُ وَ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، وَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ (1) يَقُولَ ذَلِكَ أَخِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لِمَ فَرَّقْتَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي؟
وَ قَدْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَجِدْ أَعْوَاناً أَنْ تَكُفَّ يَدَكَ وَ تَحْقُنَ دَمَكَ وَ دَمَ أَهْلِكَ وَ شِيعَتِكَ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَالَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعُوهُ وَ أَنَا مَشْغُولٌ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِغُسْلِهِ (2)، ثُمَّ شُغِلْتُ بِالْقُرْآنِ فَآلَيْتُ يَمِيناً بِالْقُرْآنِ (3) أَنْ لَا أَرْتَدِيَ إِلَّا لِلصَّلَاةِ حَتَّى أَجْمَعَهُ فِي كِتَابٍ فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حَمَلْتُ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ أَخَذْتُ بِيَدِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) فَلَمْ أَدَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ أَهْلِ السَّابِقَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِلَّا نَاشَدْتُهُمُ اللَّهَ وَ حَقِّي (4) وَ دَعَوْتُهُمْ إِلَى نُصْرَتِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَّا أَرْبَعَةُ رَهْطٍ: الزُّبَيْرُ وَ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ، وَ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَصُولُ بِهِ وَ لَا أَقْوَى بِهِ، أَمَّا حَمْزَةُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَ أَمَّا جَعْفَرٌ فَقُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَ بَقِيتُ بَيْنَ جِلْفَيْنِ (5) خَائِفَيْنِ (6) ذَلِيلَيْنِ حَقِيرَيْنِ: الْعَبَّاسِ وَ عَقِيلٍ، وَ كَانَا قَرِيبَيْ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَأَكْرَهُونِي وَ قَهَرُونِي، فَقُلْتُ كَمَا قَالَ هَارُونُ لِأَخِيهِ:- ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (7) فَلِي بِهَارُونَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَ لِي بِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ.
قَالَ الْأَشْعَثُ: كَذَلِكَ صَنَعَ عُثْمَانُ: اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ فَلَمْ يَجِدْ أَعْوَاناً فَكَفَّ يَدَهُ حَتَّى قُتِلَ مَظْلُوماً.
قَالَ: وَيْلَكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ-! إِنَّ الْقَوْمَ حِينَ قَهَرُونِي وَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا
____________
(1) لا توجد: أن، في (س).
(2) في المصدر زيادة: و دفنه، و في (س): نغسله.
(3) لا توجد: بالقرآن، في المصدر، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(4) في (س): و حقّي، و خطّ على الواو في (ك).
(5) قال في الصّحاح 4- 1339: و قولهم أعرابيّ جلف .. أيّ جاف، و أصله من أجلاف الشّاة: و هي المسلوخة بلا رأس و لا قوائم و لا بطن، و قال أبو عبيدة: أصل الجلف: الدّنّ الفارغ، قال:
و المسلوخ إذا أخرج بطنه جلف أيضا.
(6) في المصدر: جلفين جافين ..
(7) الأعراف: 150.
469
يَقْتُلُونَنِي وَ لَوْ قَالُوا لِي: نَقْتُلَنَّكَ (1) الْبَتَّةَ لَامْتَنَعْتُ مِنْ قَتْلِهِمْ إِيَّايَ، وَ لَوْ لَمْ أَجِدْ غَيْرَ نَفْسِي وَحْدِي، وَ لَكِنْ قَالُوا: إِنْ بَايَعْتَ كَفَفْنَا عَنْكَ وَ أَكْرَمْنَاكَ وَ قَرَّبْنَاكَ وَ فَضَّلْنَاكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَتَلْنَاكَ، فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ أَحَداً بَايَعْتُهُمْ، وَ بَيْعَتِي لَهُمْ لَمَّا لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ لَا يُوجِبُ لَهُمْ (2) حَقّاً وَ لَا يَلْزَمُنِي رِضاً، وَ لَوْ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا قَالَ لَهُ (3) النَّاسُ اخْلَعْهَا وَ نَكُفَّ عَنْكَ خَلَعَهَا لَمْ يَقْتُلُوهُ، وَ لَكِنَّهُ قَالَ: لَا أَخْلَعُهَا. قَالُوا: فَإِنَّا قَاتِلُوكَ، فَكَفَّ يَدَهُ عَنْهُمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَ لَعَمْرِي لَخَلْعُهُ إِيَّاهَا كَانَ خَيْراً لَهُ، لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ، وَ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَ تَنَاوَلَ حَقَّ غَيْرِهِ.
وَيْلَكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ-! إِنَّ عُثْمَانَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ أَحَدَ رَجُلَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَعَا النَّاسَ إِلَى نُصْرَتِهِ فَلَمْ يَنْصُرُوهُ، وَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ دَعَوْهُ إِلَى أَنْ يَنْصُرُوهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ نُصْرَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْهَى الْمُسْلِمِينَ عَنْ أَنْ يَنْصُرُوا إِمَاماً هَادِياً مُهْتَدِياً لَمْ يُحْدِثْ حَدَثاً وَ لَمْ يُؤْوِ مُحْدِثاً، وَ بِئْسَ مَا صَنَعَ حِينَ نَهَاهُمْ، وَ بِئْسَ مَا صَنَعُوا حِينَ أَطَاعُوهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا لَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا لِنُصْرَتِهِ لِجَوْرِهِ وَ حُكْمِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ- وَ قَدْ كَانَ مَعَ عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ مَوَالِيهِ وَ أَصْحَابِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ وَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ (4) أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِمْ لَفَعَلَ- وَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ (5) نُصْرَتِهِ، وَ لَوْ كُنْتُ وَجَدْتُ يَوْمَ بُويِعَ أَخُو تَيْمٍ أَرْبَعِينَ (6) رَجُلًا مُطِيعِينَ لَجَاهَدْتُهُمْ، فَأَمَّا يَوْمَ بُويِعَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ فَلَا، لِأَنِّي كُنْتُ بَايَعْتُ وَ مِثْلِي لَا يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ.
وَيْلَكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ-! كَيْفَ رَأَيْتَنِي صَنَعْتُ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ وَ وَجَدْتُ أَعْوَاناً؟
هَلْ رَأَيْتَ مِنِّي فَشَلًا أَوْ جُبْناً، أَوْ تَقْصِيراً فِي وَقْعَتِي يَوْمَ الْبَصْرَةِ وَ هُمْ حَوْلَ جَمَلِهِمُ الْمَلْعُونِ مَنْ مَعَهُ، الْمَلْعُونِ مَنْ قُتِلَ حَوْلَهُ، الْمَلْعُونِ مَنْ رَكِبَهُ، الْمَلْعُونِ مَنْ بَقِيَ
____________
(1) في المصدر: لو قالوا لي: نقتلك ..
(2) في المصدر: و بيعتي إيّاهم لا تحقّ لهم باطلا و لا توجب لهم ..
(3) لا يوجد في المصدر: و لا يلزمني رضا، و فيه: فلو كان عثمان حين قال له ..
(4) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر، و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: فلم نهاهم .. و في بعض النّسخ: ينهاهم ..
(6) في كتاب سليم: بويع أبو بكر أربعين ..
470
بَعْدَهُ (1) لَا تَائِباً وَ لَا مُسْتَغْفِراً؟! فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا أَنْصَارِي، وَ نَكَثُوا بَيْعَتِي، وَ مَثَّلُوا بِعَامِلِي، وَ بَغَوْا عَلَيَّ، وَ سِرْتُ إِلَيْهِمْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ- وَ هُمْ نَيِّفٌ عَلَى عِشْرِينَ وَ مِائَةِ أَلْفٍ- وَ فِي رِوَايَةٍ: زِيَادَةً عَلَى خَمْسِينَ أَلْفاً- فَنَصَرَنِيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ قَتَلَهُمْ بِأَيْدِينَا وَ شَفَى صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَ كَيْفَ رَأَيْتَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ- وَقْعَتَنَا بِصِفِّينَ، وَ مَا (2) قَتَلَ اللَّهُ مِنْهُمْ بِأَيْدِينَا خَمْسِينَ أَلْفاً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ إِلَى النَّارِ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: زِيَادَةً عَلَى سَبْعِينَ أَلْفاً-، وَ كَيْفَ رَأَيْتَنَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ إِذْ لَقِيتُ الْمَارِقِينَ وَ هُمْ مُسْتَبْصِرُونَ مُتَدَيِّنُونَ؟! قَدْ:
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (3) فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ إِلَى النَّارِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَمْ يَقْتُلُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَشَرَةً.
وَيْلَكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ- هَلْ رَأَيْتَ لِي لِوَاءً رُدَّ؟ أَوْ رَايَةً رُدَّتْ؟ إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا ابْنَ قَيْسٍ؟!. وَ أَنَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي جَمِيعِ مَوَاطِنِهِ وَ مَشَاهِدِهِ، وَ الْمُتَقَدِّمُ إِلَى الشَّدَائِدِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ لَا أَفِرُّ وَ لَا أَلُوذُ وَ لَا أَعْتَلُّ وَ لَا أَنْحَازُ (4) وَ لَا أَمْنَحُ الْيَهُودَ (5) دُبُرِي، إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ وَ لَا لِلْوَصِيِّ إِذَا لَبِسَ لَامَتَهُ وَ قَصَدَ لِعَدُوِّهِ أَنْ يَرْجِعَ أَوْ يَنْثَنِيَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ.
يَا ابْنَ قَيْسٍ! هَلْ سَمِعْتَ لِي بِفِرَارٍ قَطُّ أَوْ نَبْوَةٍ؟.
يَا ابْنَ قَيْسٍ! أَمَا وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ وَجَدْتُ يَوْمَ بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ- الَّذِي عَيَّرْتَنِي بِدُخُولِي فِي بَيْعَتِهِ- أَرْبَعِينَ (6) رَجُلًا كُلُّهُمْ عَلَى مِثْلِ بَصِيرَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ وَجَدْتُ لَمَا كَفَفْتُ يَدِي، وَ لَنَاهَضْتُ الْقَوْمَ، وَ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ خَامِساً!.
قَالَ الْأَشْعَثُ: وَ مَنِ الْأَرْبَعَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)؟.
____________
(1) في المصدر: من قتل حوله، الملعون من رجع بعده ..
(2) في مطبوع البحار وضع على: و ما، رمز نسخة بدل.
(3) الكهف: 104.
(4) انحاز عنه: عدل، قاله في مجمع البحرين 4- 17 و غيره.
(5) كذا، و في المصدر و نسخة على البحار: العدوّ، و هو الظّاهر.
(6) لا توجد كلمة: أربعين في (س).
471
قَالَ: سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ الزُّبَيْرُ بْنُ صَفِيَّةَ قَبْلَ نَكْثِهِ بَيْعَتِي، فَإِنَّهُ بَايَعَنِي مَرَّتَيْنِ، أَمَّا بَيْعَتُهُ الْأُولَى الَّتِي وَفَى بِهَا فَإِنَّهُ لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَتَانِي أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَبَايَعُونِي وَ فِيهِمُ الزُّبَيْرُ، فَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصْبِحُوا عِنْدَ بَابِي مُحَلِّقِينَ رُءُوسَهُمْ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَمَا وَافَى مِنْهُمْ (1) أَحَدٌ وَ لَا صَبَّحَنِي مِنْهُمْ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ الزُّبَيْرُ، وَ أَمَّا بَيْعَتُهُ الْأُخْرَى: فَإِنَّهُ أَتَانِي هُوَ وَ صَاحِبُهُ طَلْحَةُ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَبَايَعَانِي طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ دِينِهِمَا مُرْتَدِّينَ نَاكِثِينَ مُكَابِرِينَ مُعَانِدِينَ حَاسِدِينَ، فَقَتَلَهُمَا اللَّهُ إِلَى النَّارِ، وَ أَمَّا الثَّلَاثَةُ: سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ فَثَبَتُوا عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (ع) حَتَّى لَقُوا اللَّهَ، يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ.
يَا ابْنَ قَيْسٍ! فَوَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ بَايَعُونِي وَفَوْا لِي وَ أَصْبَحُوا عَلَى بَابِي مُحَلِّقِينَ قَبْلَ أَنْ تَجِبَ لِعَتِيقٍ فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ (2) لَنَاهَضْتُهُ وَ حَاكَمْتُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ لَوْ وَجَدْتُ قَبْلَ بَيْعَةِ عُثْمَانَ (3) أَعْوَاناً لَنَاهَضْتُهُمْ وَ حَاكَمْتُهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَ عَوْفٍ جَعَلَهَا لِعُثْمَانَ، وَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَمَّا بَعْدَ بَيْعَتِي إِيَّاهُمْ فَلَيْسَ إِلَى مُجَاهَدَتِهِمْ سَبِيلٌ.
فَقَالَ الْأَشْعَثُ: وَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ لَقَدْ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ غَيْرَكَ وَ غَيْرَ شِيعَتِكَ! فَقَالَ: إِنَّ الْحَقَّ وَ اللَّهِ مَعِي يَا ابْنَ قَيْسٍ كَمَا أَقُولُ، وَ مَا هَلَكَ مِنَ الْأُمَّةِ إِلَّا النَّاصِبِينَ وَ الْمُكَاثِرِينَ (4) وَ الْجَاحِدِينَ وَ الْمُعَانِدِينَ، فَأَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ بِالتَّوْحِيدِ وَ الْإِقْرَارِ بِمُحَمَّدٍ وَ الْإِسْلَامِ وَ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمِلَّةِ، وَ لَمْ يُظَاهِرْ عَلَيْنَا الظَّلَمَةَ، وَ لَمْ يَنْصِبْ لَنَا الْعَدَاوَةَ، وَ شَكَّ فِي الْخِلَافَةِ، وَ لَمْ يَعْرِفْ أَهْلَهَا وَ وُلَاتَهَا، وَ لَمْ يَعْرِفْ لَنَا وَلَايَةً، وَ لَمْ يَنْصِبْ لَنَا عَدَاوَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْلِمٌ مُسْتَضْعَفٌ يُرْجَى لَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ يُتَخَوَّفُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ.
____________
(1) في المصدر: فما وفى منهم.
(2) في المصدر: قبل أنّ نجب لعتيق في عنقي بيعته ..
(3) في كتاب سليم: بيعة عمر .. بدلا من عثمان.
(4) في المصدر: المكابرين.
472
قَالَ أَبَانٌ: قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ: فَلَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ مِنْ شِيعَةِ (1) عَلِيٍّ (عليه السلام) أَحَدٌ إِلَّا تَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَ فَرِحَ بِمَقَالَتِهِ، إِذْ شَرَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْأَمْرَ وَ بَاحَ بِهِ، وَ كَشَفَ الْغِطَاءَ، وَ تَرَكَ التَّقِيَّةَ، وَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْقُرَّاءِ مِمَّنْ كَانَ يَشُكُّ فِي الْمَاضِينَ وَ يَكُفُّ عَنْهُمْ وَ يَدَعُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَرِعاً وَ تَأَثُّماً إِلَّا اسْتَيْقَنَ وَ اسْتَبْصَرَ وَ حَسُنَ وَ تَرَكَ الشَّكَّ وَ الْوُقُوفَ، وَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ حَوْلَهُ أَتَى بَيْعَتَهُ (2) عَلَى وَجْهِ مَا بُويِعَ عُثْمَانُ وَ الْمَاضُونَ قَبْلَهُ إِلَّا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَ ضَاقَ بِهِ أَمْرُهُ، وَ كَرِهَ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ اسْتَبْصَرَ عَامَّتُهُمْ (3) وَ ذَهَبَ شَكُّهُمْ.
قَالَ أَبَانٌ، عَنْ سُلَيْمٍ: فَمَا شَهِدْتُ يَوْماً قَطُّ عَلَى رُءُوسِ الْعَامَّةِ أَقَرَّ لِأَعْيُنِنَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَشَفَ لِلنَّاسِ مِنَ الْغِطَاءِ، وَ أَظْهَرَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، وَ شَرَحَ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَ أَلْقَى فِيهِ التَّقِيَّةَ وَ الْكِتْمَانَ (4)، وَ كَثُرَتِ الشِّيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مُذْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَ تَكَلَّمُوا وَ قَدْ كَانُوا أَقَلَّ أَهْلِ عَسْكَرِهِ، وَ صَارَ النَّاسُ يُقَاتِلُونَ مَعَهُ عَلَى عِلْمٍ بِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ صَارَتِ الشِّيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَجَلَّ النَّاسِ وَ أَعْظَمَهُمْ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: جُلُّ النَّاسِ وَ أَعْظَمُهُمْ- وَ ذَلِكَ بَعْدَ (5) وَقْعَةِ النَّهْرَوَانِ، وَ هُوَ يَأْمُرُ بِالتَّهْيِئَةِ وَ الْمَسِيرِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قُتِلَ (صلوات الله عليه)، قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ غِيلَةً وَ فَتْكاً (6)، وَ قَدْ كَانَ سَيْفُهُ مَسْمُوماً قَبْلَ ذَلِكَ (7).
____________
(1) في (س): شيعته، و هو غلط، و لعلّه بدون عليّ (عليه السلام).
(2) في المصدر: و لم يبق حوله ممّن أبى بيعته.
(3) في كتاب سليم: ثمّ أنّه استبصر عادتهم ..
(4) لا يوجد في المصدر: و الكتمان، و فيه: من التّقيّة.
(5) في (ك): و بعد ذلك.
(6) قال في النّهاية 3- 409: الإيمان قيد الفتك .. الفتك: أنّ يأتي الرّجل صاحبه و هو غار غافل فيشدّ عليه فيقتله، و الغيلة: أنّ يخدعه ثمّ يقتله في موضع خفيّ.
(7) سمّه قبل ذلك، كذا في المصدر.
أقول: أورد هذه الخطبة الشّيخ المفيد في المجالس: 145- 149: المجلس الثّامن عشر: 6، و جاءت في نهج البلاغة في آخر خطبة 34 صبحي الصّالح: 78- 79، محمّد عبده: 1- 82- 84، و خطبة 97، صبحي الصّالح: 141- 143، محمّد عبده: 2- 187- 190، مع اختلاف و اختصار. و انظر: منهاج البراعة 1- 234- 244، و شرح ابن أبي الحديد للنهج 2- 189- 203، و شرح نهج البلاغة لابن ميثم 2- 80- 82، و غيرها.
473
توضيح:
قوله (عليه السلام): تبّت أيديكم .. التّباب: الخسران و الهلاك (1)، و في بعض النسخ- كما في النهج- تربت، و هي كلمة يدعى على الإنسان بها، أي لا أصبتم (2) خيرا و أصل ترب: أصابه التّراب، فكأنّه يدعو عليه بأن يفتقر (3).
قوله (عليه السلام): حمس (4) الوغاء .. أي اشتدّ الحرب (5)، و أصل الوغاء:
الصّوت و الجلبة، سمّيت الحرب بها لما فيها من الأصوات و الجلبة (6).
قوله (عليه السلام): و احمرّ الموت .. قال في النهاية: فيه .. الموت الأحمر يعني القتل لما فيه من حمرة الدّم أو لشدّته، يقال موت أحمر: أي شديد (7).
و في النهج: و استحر الموت .. قال في النّهاية: أي اشتدّ و كثر، و هو استفعل من الحرّ: الشّدّة، و منه حديث عليّ (عليه السلام): حمس الوغا و استحرّ الموت (8).
و قيل: يحتمل أن يكون المراد شدته الشبيهة بالحرارة مجازا أو خلوصه و حضوره، فيكون اشتقاقه من الحرية.
قوله (عليه السلام): انفراج الرأس .. أي تتفرّقون عنّي أشدّ تفرّق، و هو مثل (9)، و قيل أوّل من تكلّم به أكثم بن صيفي في وصيّته: يا بني! لا تتفرّقوا في
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 2- 12، و الصحاح 1- 90، و غيرها.
(2) في (س): لأصبتم، و ما أثبت هو الظاهر.
(3) جاء في الصحاح 1- 91، و قريب منه في مجمع البحرين 2- 13.
(4) في (ك): خمس، و هو غلط.
(5) قال في النهاية 1- 440: حديث علي [(عليه السلام)] حمس الوغى و استحر الموت .. أي اشتدّ الحرب. و نحوه في لسان العرب 6- 57.
(6) ذكره في الصحاح 6- 2526، و لسان العرب 15- 398.
(7) النهاية 1- 438.
(8) النهاية 1- 364.
(9) لم نجده فيما بأيدينا من كتب الأمثال و اللغة.
474
الشدائد انفراج الرأس، فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عسر. و في معناه أقوال:
أحدها (1): ما ذكره ابن دريد، و هو أنّ المراد به انفراج الرأس عن البدن، فإنّه لا يقبل الالتئام و لا يكون بعده اتّصال.
ثانيها: قال المفضّل: الرأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام، يقال لها: بيت الرأس، و فيها يباع الخمر، قال حسّان:
كأنّ سبيئته من بيت رأس* * * يكون مزاجها عسل و ماء [كذا]
و هذا الرجل كان قد انفرج عن قومه و مكانه فلم يعد إليه، فضرب به المثل في المفارقة (2).
ثالثها: قال بعضهم معناه أنّ الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض كان ذلك بعد الالتئام و العود إلى الصحّة.
رابعها: قال القطب الراوندي (3) (رحمه الله): معناه: انفرجتم عنّي رأسا أي بالكليّة (4).
و اعترض عليه ابن أبي الحديد (5) بأنّه لا يعرف، و فيه نظر.
خامسها: ما قاله الراوندي- أيضا- أي انفراج من أدلى (6) برأسه إلى غيره ثم حرف (7) رأسه عنه (8).
____________
(1) في (ك): إحداها.
(2) كذا ذكره ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 80.
(3) كما في منهاج البراعة 1- 239.
(4) في المصدر: أي قطعا، ثمّ قال: فلما أعاد الكلام عنه صار معرفا.
(5) في شرحه على نهج البلاغة 2- 191 قال: و عرفه- بالألف و اللام- و هذا غير صحيح، لأنّ (رأسا) لا يعرف.
(6) في المصدر: من أدنى.
(7) في منهاج البراعة: ثم انفرج.
(8) هذا ثاني محتملات القطب (رحمه الله)، و ثالثها ما ذكره بقوله: أن يريد بانفراج الرأس: انفراج من يريد أن ينجو برأسه. و قد حكى الثاني ابن ميثم في شرحه على النهج 1- 80.
475
و اعترض ابن أبي الحديد (1) بأنّه لا خصوصيّة للرأس في ذلك، و لا يخفى ضعفه، فإنّ وجه التخصيص ظاهر، و هو مثل مشهور بين العرب و العجم.
سادسها: إنّ معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنّه يكون في غاية الشدّة و تفرّق الاتّصال و الانفراج (2).
و أمّا انفراج المرأة عن قبلها، فقيل: انفراج المرأة البغيّة و تسليمها لقبلها.
و قيل: أريد انفراجها وقت الولادة.
و قيل: وقت الطعان، و الأوسط أظهر. و على التقدير إنّما شبّه (عليه السلام) هذا التشبيه ليرجعوا إلى الأنفة (3).
قوله (عليه السلام): يجزّ لحمه .. في النهج: يعرق لحمه، يقال: عرق اللّحم: إذا لم يبق على العظم منه شيئا (4).
و الفري: القطع (5).
و الهشم: كسر (6) العظام (7).
____________
(1) في شرح الخطبة (34) من نهج البلاغة 2- 191 قال: و هذا أيضا غير صحيح، لأنّه لا خصوصية للرأس في ذلك، فإنّ اليد و الرجل إذا أدنيتهما من شخص ثمّ حرفتهما عنه فقد انفرج ما بين ذلك العضو و بينه، فأيّ معنى لتخصيص الرأس بالذكر!.
(2) كما ذكره ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 80.
(3) في (س): الأنقة. قال في الصحاح 4- 1447: الأنق: الفرح و السرور .. و شيء أنيق .. أي حسن معجب، و لا تكون للكلمة مناسبة مع المقام، نعم الأنفة لها مدلول، قال في الصحاح- أيضا-:
4- 1333: أنف من الشيء يأنف أنفا و أنفة .. أي استنكف.
(4) قال في الصحاح 4- 1523: و العرق- بالفتح- مصدر قولك عرقت العظم أعرقه .. إذا أكلت ما عليه من اللحم .. و تعرقت العظم مثل عرقته. و قال في النهاية 3- 220: يقال عرقت العظم و اعترقته و تعرّقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
(5) في (س): و القطع. انظر: مجمع البحرين 1- 329- 330، و الصحاح 6- 2454 و غيرهما.
(6) إلى هنا في كتب اللغة كما في مجمع البحرين 6- 186، و الصحاح 5- 2058 و غيرهما.
(7) لا توجد كلمة: العظام، في (س)، و هو الظاهر.
476
و الجوانح: الأضلاع ممّا يلي الصّدر، الواحد جانحة (1).
و فراش الهام: العظام الرّفيعة (2) على القحف (3)، و هو- بالكسر- العظم فوق الدّماغ (4).
و طاح يطوح و يطيح: هلك و أشرف على الهلاك، و ذهب و سقط و تاه في الأرض (5).
و المعاصم- جمع معصم- بالكسر- و هو موضع السّوار (6) من السّاعد (7).
و في النهج: تطيح السواعد و الأقدام.
و نابذه (8) الحرب: كاشفه (9).
و النّيّف ..- ككيّس، و قد يخفّف-: الزّيادة: بين (10) العددين (11).
قوله: أو نبوة .. أي كلالا و تقصيرا، يقال نبأ السّيف عن الضّريبة .. أي كلّ، و السّهم عن الهدف (12) أي قصّر (13).
____________
(1) كما جاء في القاموس 1- 219، و الصحاح 1- 360.
(2) في (ك): الرقيعة، و هو غلط ظاهرا.
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 4- 149، و الصحاح 3- 1015، و جاء في الأول: عظام رقيقة تلي ..، و في الثاني: عظام رقاق تلي.
(4) قاله في مجمع البحرين 5- 108، و الصحاح 4- 1412 و غيرهما.
(5) كذا ورد في القاموس 1- 238، و تاج العروس 2- 193، و قريب منهما في لسان العرب 2- 535.
(6) في (س): السواد.
(7) جاء في مجمع البحرين 6- 117، و مثله في المصباح المنير 2- 74- بدون ذكر جمع المعصم-.
(8) في (ك): نابدة.
(9) قاله في مجمع البحرين 3- 189، و الصحاح 2- 571 و غيرهما.
(10) في (س): و بين: .. و هو غلط.
(11) صرّح به في مجمع البحرين 5- 127، و الصحاح 4- 1436- 1437 و غيرهما.
(12) في (س): الهدر، و لا معنى لها.
(13) كذا جاء في القاموس 4- 393، و لسان العرب 15- 301- 302، و فيهما: .. و السهم عن الهدف- لا الهدر-.
477
و في بعض النسخ: أو سوأة .. أي قبيحا (1).
أقول: أورده الديلمي في إرشاد القلوب (2) مع اختصار.
____________
(1) صرّح به في الصحاح 1- 56، و لسان العرب: 1- 96 و غيرهما.
(2) إرشاد القلوب: 394- 398 باختلاف يسير.
479
14- باب العلّة التي من أجلها ترك الناس عليّا (عليه السلام)
1- ع، لي (1): أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْمُكَتِّبُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ (2)، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ النَّحْوِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ الْعَرُوضِيَّ فَقُلْتُ (3): لِمَ هَجَرَ النَّاسُ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ قُرْبَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قُرْبَاهُ، وَ مَوْضِعُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَوْضِعُهُ، وَ عَنَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ عَنَاؤُهُ؟!. فَقَالَ: بَهَرَ- وَ اللَّهِ- نُورُهُ أَنْوَارَهُمْ، وَ غَلَبَهُمْ عَلَى صَفْوِ كُلِّ مَنْهَلٍ، وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ، أَ مَا سَمِعْتَ الْأَوَّلَ حَيْثُ يَقُولُ (4):
وَ كُلُّ شَكْلٍ لِشَكْلِهِ إلْفٌ* * * أَ مَا تَرَى الْفِيلَ يَأْلَفُ الْفِيلَا
قَالَ: وَ أَنْشَدَنَا الرِّيَاشِيُّ فِي مَعْنَاهُ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ:
____________
(1) علل الشّرائع 1- 145 حديث 1، باختلاف و اختصار في السّند.
أمالي الشّيخ الصّدوق: 190 حديث 14. و أوردها شيخنا ابن شهرآشوب في مناقبه 3- 213 214.
(2) في (س): رويد، و هو غلط ظاهرا. و في العلل: دريد الأزديّ العمّانيّ، و في الأمالي: دريد الأزديّ المعاني.
(3) لا توجد: فقلت، في (س)، و في العلل: فقلت له: ..
(4) في العلل: قول الأوّل يقول ..
480
وَ قَائِلٌ كَيْفَ تَهَاجَرْتُمَا* * * فَقُلْتُ قَوْلًا فِيهِ إِنْصَافٌ
لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِي فَهَاجَرْتُهُ* * * وَ النَّاسُ أَشْكَالٌ وَ أُلَّافٌ
.
بيان: القربى- بالضم: مصدر- بمعنى القرابة (1).
و العناء: التّعب و النّصب (2).
و بهره بهرا: غلبه (3).
و المنهل: عين ماء ترده الإبل في المراعي (4)، أي أخذ منهم من كلّ منهل من مناهل الخيرات و السعادات صفوه و خالصه. و الإلف- بالكسر-: الأليف، و الألّاف- بالضم و التشديد-: جمع آلف، ككافر و كفّار (5).
2- ن،(ع)(6): الطَّالَقَانِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ (7)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَيْفَ مَالَ النَّاسُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَ قَدْ عَرَفُوا فَضْلَهُ وَ سَابِقَتَهُ وَ مَكَانَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. فَقَالَ: إِنَّمَا مَالُوا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَ قَدْ عَرَفُوا فَضْلَهُ (8) لِأَنَّهُ قَدْ (9) كَانَ قَتَلَ مِنْ (10) آبَائِهِمْ وَ أَجْدَادِهِمْ وَ إِخْوَانِهِمْ (11) وَ أَعْمَامِهِمْ وَ أَخْوَالِهِمْ
____________
(1) كما في القاموس 1- 114، و الصحاح 1- 199، و غيرهما.
(2) ذكره في مجمع البحرين 1- 308، و الصحاح 6- 2440.
(3) جاء في المصباح المنير 1- 80، و لسان العرب 4- 81، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 5- 488، و الصحاح 5- 1837.
(5) صرّح به في الصحاح 4- 1332، و لسان العرب 9- 11.
(6) علل الشّرائع 1- 146 حديث 3، عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) 2- 81 حديث 15.
(7) جاء السّند في المصدرين: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقانيّ رضي اللّه عنه، قال حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال.
(8) لا توجد في العلل: و قد عرفوا فضله.
(9) خطّ على: قد، في (س)، و هي مثبتة في العيون دون العلل، و كأنّ العلّامة المجلسيّ أخذ الرّواية من العيون.
(10) لا توجد: من، في العلل.
(11) لا توجد في العلل: و إخوانهم.
481
وَ أَقْرِبَائِهِمُ الْمُحَادِّينَ (1) لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ عَدَداً كَثِيراً، وَ كَانَ حِقْدُهُمْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يُحِبُّوا أَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ، وَ لَمْ يَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (2) لَهُ فِي الْجِهَادِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلُ مَا كَانَ (3)، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا عَنْهُ وَ مَالُوا إِلَى سِوَاهُ (4).
3- قب (5): سَأَلَ أَبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ: مَا بَالُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَأَنَّهُمْ بَنُو أُمٍّ وَاحِدَةٍ وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) كَأَنَّهُ ابْنُ عَلَّةٍ؟!. قَالَ: تَقَدَّمَهُمْ إِسْلَاماً، وَ بَذَّهُمْ (6) شَرَفاً، وَ فَاقَهُمْ عِلْماً، وَ رَجَّحَهُمْ حِلْماً، وَ كَثَّرَهُمْ هُدًى، فَحَسَدُوهُ، وَ النَّاسُ إِلَى أَمْثَالِهِمْ وَ أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ ...
وَ قِيلَ لِمَسْلَمَةَ بْنِ نَمِيلَ: مَا لِعَلِيٍّ (عليه السلام) رَفَضَهُ الْعَامَّةُ وَ لَهُ فِي كُلِّ خَيْرٍ ضِرْسٌ قَاطِعٌ؟. فَقَالَ: لِأَنَّ ضَوْءَ عُيُونِهِمْ قَصِيرٌ (7) عَنْ نُورِهِ، وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ ... (8).
قال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعليّ بن أبي طالب (ع)، إن أحببناه افتقرنا (9)، و إن أبغضناه كفرنا؟!.
و قال النظام: عليّ بن أبي طالب محنة على المتكلّم، إن وفى حقّه غلا، و إن بخسه حقّه أساء، و المنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حادّة الشّاف (10)، صعب الترقّي
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: المحاربين، و هي الّتي جاءت في العلل.
(2) في (س): يكون.
(3) في المصدرين: ما كان له.
(4) في العلل: مالوا إلى غيره، و جاءت كلمة (غيره) نسخة بدل على مطبوع البحار.
(5) المناقب لابن شهرآشوب 3- 213- 215، باختلاف يسير.
(6) قال في مجمع البحرين 3- 177: في الحديث: إذا قال بذّ القائلين .. أيّ سبقهم و غلبهم.
(7) في المناقب: قصر.
(8) هنا أبيات و كلمات جاءت في المناقب 3- 214 أسقطها شيخنا المجلسيّ طاب ثراه اختصارا.
(9) في (ك): افتقرناه، و هو غلط.
(10) توجد في حاشية (ك) نسخة بدل: الشأن، و هي التي جاءت في المناقب.
قال في الصحاح 2- 463: و حدّ كل شيء: شباته .. و حدّ الشراب: صلابته .. و قد حدّ السيف يحدّ حدّة .. أي صارت حادّا و حديدا. و قال في لسان العرب 9- 168: الشّأفة: الأصل.
و قال فيه 9- 184: شاف الشيء شوفا: جلاه، و الشوف: الجلو، و المشوف: المجلوّ .. و تشوف الشيء و أشاف: ارتفع. و قال في هذا المجلد صفحة 168: شئفت من فلان شأفا- بالتسكين-:
إذا أبغضته .. و شئفت يده شأفا: شعث ما حول أظفارها و تشقّق .. و رجل شأفة: عزيز منيع، و شئف شأفا: فزع.
482
إلّا على الحاذق الديّن.
و قال أبو العيناء لعليّ بن الجهم: إنّما تبغض عليّا (عليه السلام) لأنّه كان يقتل الفاعل و المفعول و أنت أحدهما. فقال له: يا مخنّث! فقال أبو العيناء: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ (1).
. بيان: قال في النهاية: أولاد العلّات: الّذين أمّهاتهم مختلفة و أبوهم واحد (2).
4- قب (3): قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): كَيْفَ تُحِبُّكَ قُرَيْشٌ وَ قَدْ قَتَلْتَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ مِنْ سَادَاتِهِمْ سَبْعِينَ سَيِّداً تَشْرَبُ أُنُوفُهُمُ الْمَاءَ قَبْلَ شِفَاهِهِمْ؟!.
فَقَالَ (4) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):
مَا تَرَكَتْ بَدْرٌ لَنَا مَذِيقاً* * * وَ لَا لَنَا مِنْ خَلْفِنَا طَرِيقاً
.
وَ سُئِلَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) وَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضاً: لِمَ أَبْغَضَتْ قُرَيْشٌ عَلِيّاً (عليه السلام)؟. قَالَ: لِأَنَّهُ أَوْرَدَ أَوَّلَهُمُ النَّارَ وَ قَلَّدَ آخِرَهُمُ الْعَارَ.
مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ، عَنِ الْكَشِّيِّ: أَنَّهُ كَانَتْ عَدَاوَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّ جَدَّهُ ذَا الثُّدَيَّةِ قَتَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ (5).
____________
(1) يس: 78. و إلى هنا نقله ابن شهرآشوب في المناقب.
(2) النهاية 3- 291. و قال في الصحاح 5- 1773: بنو العلات: هم أولاد الرجل من نسوة شتّى، سميت بذلك لأنّ الذي تزوّجها على أولى قد كانت قبلها ثمّ علّ من هذه.
(3) المناقب لابن شهرآشوب 3- 220- 221.
(4) في المصدر: و قال.
(5) جاءت علّة عداوة أحمد بن حنبل لأمير المؤمنين (عليه السلام) في علل الشّرائع 467 باب 222 حديث 23 أيضا.
483
كَامِلُ الْمُبَرَّدِ: أَنَّهُ كَانَ أَصْمَعُ بْنُ مُظْهِرٍ جَدُّ الْأَصْمَعِيِّ قَطَعَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) فِي السَّرِقَةِ (1)، فَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يُبْغِضُهُ، قِيلَ لَهُ: مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟.
قَالَ: مَنْ قَالَ:
كَأَنَّ أَكُفَّهُمُ الْهُمَامُ (2)تَهْوِي* * * عَنِ الْأَعْنَاقِ تَلْعَبُ بِالْكُرِينَا
فَقَالُوا: السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ. فَقَالَ: هُوَ وَ اللَّهِ أَبْغَضُهُمْ إِلَيَّ! (3).
بيان: شرب أنوفهم الماء قبل شفاههم .. كناية عن طول أنوفهم لبيان حسنهم، فإنّ العرب تمتدح بذلك، و قد روى نحوه في أوصاف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، أو لبيان شرفهم و فخرهم فإنّهما ممّا ينسب إلى الأنف، و الأول أظهر.
و المذيق: اللّبن الممزوج بالماء، و قد مذقت اللّبن فهو ممذوق و مذيق، و رجل مماذق: غير مخلص في الودّ (4). و في الديوان: صديقا، مكان: مذيقا (5).
و الكرين- بضم الكاف و كسرها- جمع كرة (6).
5- ع، لي (7): الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (8) الْعَسْكَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَعْدٍ الْعَبْشَمِيِ (9)، عَنْ ثُبَيْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْمِصْرِيِ (10)، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ
____________
(1) في المصدر: قطع عليّ (عليه السلام) يده في السّرقة.
(2) قال في القاموس 4- 192: و الهمام- كغراب-: الملك العظيم الهمّة، و السّيّد الشّجاع السّخيّ، خاصّ بالرّجال كالهمهام جمعه- ككتاب-. و قد تقرأ في البحار: الهام، و هو جمع الهامة، بمعنى رأس كلّ شيء.
(3) إلى هنا جاء في المناقب 3- 240- 241.
(4) نصّ عليه في الصحاح 4- 1553، و القاموس 3- 282 و جاء في غيرهما.
(5) ديوان الإمام عليّ (عليه السلام): 54.
(6) صرّح به في القاموس 4- 383، و غيره.
(7) علل الشّرائع 1- 145 حديث 2، أمالي الشّيخ الصّدوق: 494 حديث 5، باختلاف كثير و المعنى مقارب.
(8) في (س): عبيد اللّه، و هناك اختلاف في الاسم في المصدرين.
(9) في (ك): العيشمي.
(10) توجد في المطبوع هنا عبارة: عمّن حدّثه، عن آبائه، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، كتب عليها: نسخه، و في (س) وضع بعدها: صحّ. و أدرجت في متن (ك).
أقول: و لا يخفى عدم اجتماع السندين معا، فتدبّر.
484
أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام) قَالَ: بَيْنَمَا (1) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) فِي أَصْعَبِ مَوْقِفٍ بِصِفِّينَ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي دُودَانَ فَقَالَ: مَا بَالُ قَوْمِكُمْ دَفَعُوكُمْ (2) عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَ أَشَدُّ نَوْطاً بِالرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ فَهْماً بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ؟! فَقَالَ:
سَأَلْتَ يَا أَخَا بَنِي دُودَانَ وَ لَكَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ (3) وَ ذِمَامُ الصِّهْرِ، وَ إِنَّكَ لَقَلِقُ (4) الْوَضِينِ تُرْسِلُ عَنْ ذِي مَسَدٍ، إِنَّهَا امْرَأَةٌ (5) شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ، فَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ (6)، وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ (7).
وَ لَا غَرْوَ (8)إِلَّا جَارَتِي وَ سُؤَالُهَا* * * أَلَا هَلْ لَنَا (9) أَهْلٌ سَأَلَتْ كَذَلِكَ
بِئْسَ الْقَوْمُ مَنْ خَفَضَنِي وَ حَاوَلُوا الْإِدْهَانَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنْ تُرْفَعْ عَنَّا مِحَنُ
____________
(1) جاء السّند في علل الشّرائع هكذا: حدّثنا أبو أحمد الحسن بن عبد اللّه بن سعيد بن الحسن بن إسماعيل بن حكيم العسكريّ، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم رعل العبشميّ، قال: حدّثنا ثبيت ابن محمّد، قال: حدّثني أبو الأحوص عمّن حدّثه، عن آبائه، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام)، قال: بينما .. و السّند المذكور هنا جاء في أمالي الشّيخ الصّدوق، فتدبّر.
(2) في العلل: دفعكم.
(3) جاءت نسخة بدل في المطبوع من البحار و المصدر: المساءلة.
(4) في (ك) نسخة: لفلق.
(5) في نسخة من الأمالي: إمرة، و في العلل: كانت إمرة .. و هو الظّاهر. و سيأتي قريبا.
(6) هذا صدر بيت، و عجزه كما جاء في متن نهج البلاغة- صبحي الصّالح-، و في حاشية طبعة محمّد عبده: و هات حديثا ما حديث الرّواحل ..
(7) في الأمالي: بعد بكائه .. و لا معنى له.
(8) في الأمالي: لا غرو- بدون الواو-، و في (س) و لا أغرو، و الظّاهر زيادة الهمزة بعد: لا. و جاء في حاشية (ك): الغرو: العجب، و غروت: أيّ عجبت، و لا غرو أيّ ليس بعجب .. نهاية.
انظر النّهاية: 3- 365.
(9) في (ك): لأهل.
485
الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (1)، إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَخِى بَنِي سِيدَانَ (2).
6- نهج (3): وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (ع) لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ سَأَلَهُ: كَيْفَ دَفَعَكُمْ قَوْمُكُمْ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ وَ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ؟ فَقَالَ:
يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ! إِنَّكَ لَقَلِقُ (4) الْوَضِينِ تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ، وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ: أَمَّا (5) الِاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَ الْأَشَّدُّ (6) بِالرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ (7) عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَ الْحَكَمُ اللَّهُ، وَ الْمَعْوَدُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ (8) ..: وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ .. وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَلَقَدْ (9) أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ، وَ لَا غَرْوَ وَ اللَّهِ، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعُجْبَ وَ يُكْثِرُ الْأَوَدَ! حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ، وَ سَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ، وَ جَدَحُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً، فَإِنْ يَرْتَفِعْ (10) عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى، أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (11)..
____________
(1) في (س): عن، بدلا من: على.
(2) كذا، و في (ك) و المصدر نسخة: بني دودان، و هو الظّاهر.
(3) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 62، صبحي الصّالح: 231- 232 خطبة: 162.
(4) توجد حاشية في (ك) غير معلمة، و محلّها هنا، و هي: القلق- بالتّحريك-: الانزعاج، قلق قلقا- من باب تعب- اضطرب، و أقلقه الهمّ و غيره: أزعجه .. مجمع. انظر: مجمع البحرين 5- 231.
(5) في (س): إن.
(6) توجد نسخة في (ك): و الأشدّون، و في النّهج- بطبعتيه-: و الأشدّون برسول اللّه.
(7) الكلمة في (س) مشوّشة.
(8) في (ك) نسخة: يوم القيامة.
(9) في نسخة في حاشية (ك): و لقد.
(10) في (ك) نسخة: ترتفع، و هي الّتي في طبعتي النّهج.
(11) فاطر: 8.
486
و لنوضح روايتي الصدوق و السيّد رضي اللَّه عنهما: قال الفيروزآبادي:
دودان (1) .. ابن أسد: أبو قبيلة (2) فلا ينافي ما في النهج أنّه كان من بني أسد.
و قال الجوهري: ناط الشيّء ينوطه نوطا: علّقه (3).
قوله (عليه السلام): ذمام الصهر .. الذّمام- بالكسر- الحرمة (4)، و أمّا (5) كونه صهرا فقيل لأنّ زينب بنت جحش زوجة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كانت أسديّة، و نقل الراوندي (رحمه الله) أنّه كان متزوّجا في بني أسد (6)، و أنكره ابن أبي الحديد (7). و قال في النهاية- في
- حديث عليّ ((عليه السلام))- «إنّك لقلق الوضين».
.. الوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرّحل على البعير كالحزام للسّرج، أراد به (8) أنّه سريع الحركة، يصفه، بالخفّة و قلّة الثّبات، كالحزام إذا كان رخوا (9).
قوله (عليه السلام): ترسل في غير سدد .. الإرسال: الإطلاق و الإهمال و التّوجيه (10)، و السّدد و السداد: الاستقامة و الصّواب (11) .. أي تطلق عنان دابّتك أو تهملها و توجّهها في غير مواضعها، أي تتكلّم في غير موضع الكلام، و تسأل مثل هذا الأمر الذي لا يمكن التصريح بمخّ الحقّ فيه في مجمع النّاس.
____________
(1) في (ك): دوران، و في المصدر: دودان- بالدالين-.
(2) القاموس 1- 292، و قال في صحاح اللغة 2- 471: و دودان. أبو قبيلة من أسد، و هو دودان بن أسد بن خزيمة ..
(3) الصحاح 3- 1165، و انظر: مجمع البحرين 4- 277.
(4) كما في مجمع البحرين 6- 66، و الصحاح 5- 1926، و غيرهما.
(5) في (س): فأما.
(6) كما في منهاج البراعة 2- 123.
(7) في شرحه على النهج 9- 242 خطبة 163.
(8) لم يرد في المصدر لفظ: به، و كذا لم يأت في لسان العرب 13- 450.
(9) قاله في النهاية 5- 199، و في لسان العرب 13- 450 عينه، و انظر: مجمع البحرين 6- 326.
(10) كذا في القاموس 3- 384، و لسان العرب 11- 283 و 285، و غيرهما.
(11) جاء في الصحاح 2- 485، و القاموس 1- 300، و جملة من كتب اللغة.
487
و في رواية الصدوق: عن ذي مسد .. و المسد: الحبل الممسود- أي المفتول- من نبات أو لحاء شجرة، و قيل: المسد: المرود (1) البكرة الّذي تدور عليه- ذكرهما في النهاية (2)- فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم .. أي ترسل الكلام كما يرسل البكرة على المرود عند الاستقاء، أو المعنى تطلق حيوانا له مسد ربط به، كناية عن التكلّم بما له مانع عن التكلّم به، و (3) على المجهول .. أي تنطق بالكلام عن غير تأمّل ثم (4) تصير معلّقا بالحبل بين السماء و الأرض لا تدري الحيلة فيه، أو بتشديد الدال .. أي ترسل الماء عن مجرى له محل سدّ أو وسّد (5)، و الأظهر أنّه تصحيف، و فيما سيأتي من رواية المفيد: من غير ذي مسد، و هو أظهر.
و الاستبداد بالشّيء: التّفرّد به (6)، و الضمير في قوله (عليه السلام): فإنّها ..
راجعة إلى الخلافة أو الدنيا لظهورهما بقرينة المقام. و قيل: إلى الأثرة المفهومة من الاستبداد، و هو بعيد.
و في الأمالي: امرأة، و كأنّه تصحيف إمرة- بالكسر- أي إمارة (7).
قوله (عليه السلام): شحّت .. أي بخلت (8)، و النفوس الشاحّة: نفوس أهل السقيفة.
____________
(1) في المصدر: مرود- بدون الألف و اللام-.
(2) النهاية 4- 329، و انظر: لسان العرب 3- 403، و غيره.
(3) في (ك): أو، بدل الواو.
(4) لا توجد: ثم، في (س).
(5) كذا، و الظاهر أنّها: مسد .. أي قتل و طوى كما مرّ بيانه من المصنّف (قدّس سرّه)، و أمّا كلمة:
وسد، فقال في لسان العرب 3- 459: و قد توسّد و وسّده إياه فتوسّد: إذا جعله تحت رأسه، و قال فيه 3- 460: و التوسيد: أن تمدّ الثلام [كذا] طولا حيث تبلغه البقر.
(6) قاله في القاموس 1- 276، و النهاية 1- 105.
(7) صرّح به في الصحاح 2- 581، و المصباح المنير 1- 29، و غيرهما.
(8) كذا جاء في مجمع البحرين 2- 379، و القاموس 1- 230، و الصحاح 1- 378، و زاد في الأخير:
الشح: البخل مع حرص.
488
قوله (عليه السلام): و المعود إليه ..: اسم مكان (1)، و يروى يوم (2) القيامة بالنصب- على أن يكون ظرفا، و العامل فيه المعود على أن يكون مصدرا.
قوله (عليه السلام):
دع عنك نهبا صيح في حجراته
.. البيت لإمرئ القيس و تمامه:
و لكن حديثا ما حديث الرواحل
(3)، و كان من قصّة هذا الشعر أنّ إمرأ القيس لمّا انتقل في أحياء العرب بعد قتل أبيه نزل على رجل من جديلة (4) طي يقال له: طريف، فأحسن جواره، فمدحه و أقام عنده، ثم إنّه خاف أن لا يكون له منعة فتحول و نزل على خالد بن سدوس النبهاني فأغارت بنو جديلة (5) على إمرئ القيس- و هو في جوار خالد- فذهبوا بإبله، فلمّا أتاه الخبر ذكر ذلك لجاره فقال له: أعطني رواحلك ألحق عليها القوم فأردّ عليك (6) إبلك ففعل، فركب خالد في أثر القوم حتى أدركهم، فقال: يا بني جديلة (7): أغرتم على إبل جاري؟. فقالوا: ما هو لك بجار؟. قال: بلى و اللَّه و هذه (8) رواحله. قالوا:
كذلك. قال: نعم. فرجعوا إليه و أنزلوه عنهنّ و ذهبوا بهنّ و بالإبل. و قيل: بل انطوى خالد على الإبل فذهب بها، فقال إمرؤ القيس:
____________
(1) قال في النهاية 3- 316: و منه حديث علي [(عليه السلام)]: و الحكم اللّه و المعود إليه يوم القيامة ..
أي المعاد، هكذا جاء المعود على الأصل، و هو مفعل من عاد يعود، و من حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفا كالمقام و المراح، و لكنه استعمله على الأصل، و نحوه في لسان العرب 3- 317.
(2) خطّ في (س) على كلمة: يوم.
(3) ديوان إمرئ القيس: 146.
(4) في (س): جذيلة، و جاء في حاشية (ك): و الجديلة: القبيلة: و النّاحية. و جديلة: حيّ من طيّ، و هو اسم أمّهم، و هي جديلة بنت سبيع بن عمرو .. صحاح.
انظر الصحاح 4- 1654.
(5) في (س): فأعادت بنو جذيلة، و الظاهر ما أثبتناه.
(6) لا توجد: عليك، في (س).
(7) في (س): جذيلة.
(8) في (س): هذا.
489
دع عنك .. إلى آخر القصيدة، و المعنى دع عنك نهبا .. أي اتركه (1).
و النّهب: الغنيمة (2).
و الحجرات: النّواحي جمع حجرة كجمرة و جمرات (3).
و الصياح: صياح الغارة.
و الرّواحل- جمع راحلة- و هي النّاقة التيّ تصلح لأن يشدّ الرّحل على ظهرها (4)، و انتصب حديثا بإضمار فعل .. أي حدّثني أو هات أو اسمع، و يروى بالرفع .. أي غرضي حديث فحذف المبتدأ، و (ما) هاهنا تحتمل أن تكون (5) إبهاميّة، هي التي إذا اقترنت بنكرة زادته إبهاما، أو صلة مؤكّدة كما في قوله تعالى:
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (6).
و أمّا حديث الثاني: فقد ينصب على البدل من الأول، و قد يرفع على أن يكون (ما) موصولة و صلتها الجملة .. أي الذي هو حديث الرواحل، ثم حذف صدرها كما حذف في: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (7)، أو على أن تكون استفهاميّة بمعنى أيّ.
و قوله (عليه السلام): و هلمّ الخطب .. يؤيّد أنّه (عليه السلام) لم يستشهد إلّا بصدر البيت، فإنّه قائم مقام قول إمرئ القيس: و لكن حديثا (8) ما.
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 4- 400 و غيره.
(2) ذكر في مجمع البحرين 2- 178.
(3) صرّح به في القاموس 2- 4، و انظر: الصحاح 2- 623.
(4) قاله في مجمع البحرين 5- 381، و الصحاح 5- 1707 و غيرهما.
(5) في (س): أن يكون.
(6) النساء: 155، المائدة: 13.
(7) الأنعام: 154.
(8) توجد حاشية في (ك)، لعل محلها هنا و هي: هذا يقوي رواية من روى عنه (عليه السلام): لم يستشهد إلّا لصدر البيت، لأنّه قال: دع عنك ما مضى و هلمّ ما نحن الآن فيه من أمر معاوية ..
قائما مقام قول إمرئ القيس: و لكن حديثا ما حديث الرواحل .. ابن أبي الحديد.
490
و هلمّ يستعمل لازما و متعدّيا، فاللّازم بمعنى تعال، و يستوي فيه الواحد و الجمع و المذكّر و المؤنّث في لغة أهل الحجاز، و أهل نجد يقولون: هلمّا و هلمّوا (1)، و المتعدّي بمعنى هات، قال تعالى: هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ (2) و هنا يحتمل الوجهين، و إن كان الثاني أظهر، أي لا تسأل عن اللصوص الثلاثة الماضية، فإنّهم نهبوا الخلافة و صاحوا في حجراته و مضوا، و لكن هات ما نحن فيه الآن من خطب (3) ابن أبي سفيان لنتكلّم فيه و نشتغل بدفعه، فإنّه أعجب و أغرب، و التعرّض له أهمّ.
و الخطب: الحادث الجليل و الأمر العظيم (4).
قوله (عليه السلام): بعد إبكائه .. قيل: الإبكاء إشارة إلى ما كان عليه من الكآبة لتقدّم الخلفاء، و الضحك للتعجب من أنّ الدهر لم يقنع بذلك حتى جعل معاوية منازعا له في الخلافة، و الأظهر أنّ كليهما في أمر معاوية، أو في أمره و أمر من تقدّمه فإنّها محل للحزن و التعجب معا.
و الغرو- بالغين المعجمة المفتوحة و الراء المهملة الساكنة- العجب (5) أي لا عجب و اللَّه (6)، ثم فسّره بما بعده فقال: يستفرغ العجب .. أي لم يبق منه ما
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 6- 187، و الصحاح 5- 2060، و لكنهما اقتصرا على بيان المعنى اللازم له.
(2) الأنعام: 150.
أقول: قال الشيخ الرضي في شرحه 2- 68: و ممّا جاء متعديا و لازما: هلم بمعنى أقبل فيتعدى ب: إلى، قال تعالى: «هَلُمَّ إِلَيْنا»، و بمعنى أحضره، نحو قوله تعالى: «هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ»، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز ... و بنو تميم يصرفونه ... و ليست بالفصيحة نحو: هلما هلموا هلمي هلما هلممن.
(3) في طبعتي البحار: خطيب.
(4) هذا المعنى بملاحظة القرائن في الكلام، و أمّا معنى نفس الخطب فهو الأمر الذي يقع فيه المخاطبة، و الشأن، و الحال، ذكرها علماء اللغة كما في مجمع البحرين 1- 51، و النهاية 2- 45.
(5) جاء في مجمع البحرين 1- 315، و النهاية 2- 365، و غيرها.
(6) لا توجد: و اللّه، في (س).
491
يطلق عليه لفظ التعجب، و هذا من المبالغة في المبالغة، أي هذا أمر يجلّ عن التعجب كقول ابن هاني المغربي (1):
قد سرت في الميدان يوم طرادهم* * * فعجبت حتى كدت لا أتعجّب
(2) و الأود: العوج (3)، و يحتمل أن يكون لا غرو، معناه: أنّ ما ورد عليّ ليس بعجب من تقلّبات الدنيا و أحوالها، و قوة الباطل و غلبة أهله فيها، فيكون قوله (عليه السلام): فيا له .. استئنافا لاستعظام الأمر، أو المعنى: لا غرو في أن أضحكني و أبكاني لأمر واحد.
و أمّا رواية الصدوق، فلعلّ المعنى لا عجب إلّا من جارتي، و سؤالها عنّي (4) لم لم تنتصر ممّن ظلمك؟ هل كان لي أهل يعينني فأسأل عن ذلك؟ أي مع علمك بتفرّدي و تخذّل الناس عنّي ما كنت تحتاج إلى السؤال عن علّة الأمر.
و فوّار الينبوع- بالفتح و تشديد الواو-: ثقب البئر، و الفوار- بالضم و التخفيف-: ما يفور من حرّ القدر (5)، و قرئ بهما، و الأول أظهر.
و جدحوا .. أي خلطوا (6) و مزجوا و أفسدوا.
و الوبيّ: ذو الوباء و المرض (7).
____________
(1) لا توجد: المغربي في (س).
(2) ديوان ابن هاني الأندلسي: 44، و فيه هكذا:
فعجبت حتّى كدت أن لا أعجبا
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 9، و النهاية 1- 79، و غيرهما.
(4) في (س): أعني.
(5) قال في القاموس 2- 112: الفوّارة ..: منبع الماء. و فوارة القدر- بالضم و التخفيف-: ما يفور من حرّها. و انظر: الصحاح 2- 783، و لسان العرب 5- 68.
(6) نصّ إلى هنا في النهاية 1- 243، و لسان العرب 5- 421.
(7) جاء في مجمع البحرين 1- 429، و قال في النهاية 5- 144: الوبى- بالقصر و المدّ و الهمزة-:
الطاعون، و المرض العام، و قد أوبأت الأرض فهي موبئة وبئت فهي وبيئة، و وبئت أيضا فهي موبوءة.
492
و الشّرب- بالكسر- الحظّ من الماء (1)، و الشرب الوبي هو الفتنة الحاصلة من عدم انقيادهم له (عليه السلام) كالشرب المخلوط بالسمّ.
قوله (عليه السلام): فإن يرتفع .. أي بأن يتّبعوا أمري.
7- قل (2): حَكَى أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَوَائِلِ (3) عِنْدَ ذِكْرِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ (4): إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِ نُبُوَّتِهِ.
ثُمَّ قَالَ- بِإِسْنَادِهِ-: إِنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ قَامَ خَطِيباً (5) بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) (6) فَقَالَ: إِنَّ حَسَدَ قُرَيْشٍ إِيَّاكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا خِيَارُهُمْ، فَتَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا مِثْلَكَ مُنَافَسَةً (7) فِي الْمَلَإِ وَ ارْتِفَاعِ الدَّرَجَةِ، وَ أَمَّا شِرَارُهُمْ، فَحَسَدُوا (8) حَسَداً أَثْقَلَ الْقُلُوبَ وَ أَحْبَطَ الْأَعْمَالَ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ رَأَوْا (9) عَلَيْكَ نِعْمَةً قَدَّمَهَا (10) إِلَيْكَ الْحَظُّ (11) وَ أَخَّرَهُمْ عَنْهَا الْحِرْمَانُ، فَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَلْحَقُوا (12) حَتَّى طَلَبُوا أَنْ يَسْبِقُوكَ،
____________
(1) كما قاله في مجمع البحرين 2- 87، و الصحاح 1- 153، و غيرهما.
(2) إقبال الأعمال: 460.
(3) كتاب الأوائل: 150.
(4) لا توجد: ابن التّيّهان، في طبعة (س)، و في الإقبال جعل: أبي الهيثم، نسخة و المتن: ابن الهيثم، و في الأوائل: أبو الهيثم، و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: بإسناده إلى الهيثم بن التّيّهان خطيبا [كذا] ..
(6) في طبعة (س): بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لا يوجد لفظ أمير المؤمنين في المصدر.
(7) جعلها في المصدر نسخة، و أثبت كلمة: مناقشة.
(8) في الأوائل: فحسدوك، و هو الظّاهر.
(9) في طبعة (ك): ولّوا. و في طبعة (س): دلوا. و ما أوردناه جاء في المصدر.
(10) في الأوائل: قدمك.
(11) جاءت نسخة بدل في المصدر: الخبط.
(12) في الأوائل: يلحقوك، و هو الظّاهر.
493
فَبَعُدَتْ- وَ اللَّهِ- عَلَيْهِمُ (1) الْغَايَةُ، وَ قُطِعَتِ الْمِضْمَارُ (2)، فَلَمَّا تَقَدَّمْتَهُمْ (3) بِالسَّبْقِ وَ عَجَزُوا عَنِ اللَّحَاقِ بَلَغُوا مِنْكَ مَا رَأَيْتَ، وَ كُنْتَ- وَ اللَّهِ- أَحَقَّ قُرَيْشٍ بِشُكْرِ قُرَيْشٍ، نَصَرْتَ نَبِيَّهُمْ حَيّاً (4)، وَ قَضَيْتَ عَنْهُ الْحُقُوقَ مَيِّتاً، وَ اللَّهِ مَا بَغْيُهُمْ إِلَّا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَ لَا نَكَثُوا إِلَّا بَيْعَةَ اللَّهِ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِيهَا، وَ نَحْنُ (5) مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ أَيْدِينَا وَ أَلْسِنَتُنَا مَعَكَ (6)، فَأَيْدِينَا عَلَى مَنْ شَهِدَ وَ أَلْسِنَتُنَا عَلَى مَنْ غَابَ (7).
أقول: رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (8): عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ (9) الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الْجَعْدِ، قَالَ: آكَدُ الْأَسْبَابِ كَانَ فِي تَقَاعُدِ الْعَرَبِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَمْرُ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَضِّلُ شَرِيفاً عَلَى مَشْرُوفٍ، وَ لَا عَرَبِيّاً عَلَى عَجَمِيٍّ، وَ لَا يُصَانِعُ الرُّؤَسَاءَ وَ أُمَرَاءَ الْقَبَائِلِ كَمَا يَصْنَعُ الْمُلُوكُ، وَ لَا يَسْتَمِيلُ أَحَداً إِلَى نَفْسِهِ، وَ كَانَ مُعَاوِيَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَتَرَكَ النَّاسُ عَلِيّاً (عليه السلام) وَ الْتَحَقُوا بِمُعَاوِيَةَ، فَشَكَا عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى الْأَشْتَرِ تَخَاذُلَ أَصْحَابِهِ وَ فِرَارَ بَعْضِهِمْ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّا قَاتَلْنَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَ رَأْيُ النَّاسِ وَاحِدٌ، وَ قَدِ اخْتَلَفُوا بَعْدُ وَ تَعَادَوْا وَ ضَعُفَتِ (10) النِّيَّةُ وَ قَلَّ الْعَدَدُ، وَ أَنْتَ تَأْخُذُهُمْ بِالْعَدْلِ، وَ تَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْحَقِّ،
____________
(1) جاءت العبارة في الأوائل للعسكريّ هكذا: فبعدت عليهم و اللّه.
(2) في المصدر و الأوائل: أسقط المضمار، و قد تقرأ: أسفط.
(3) في طبعة (س): تقدّمهم.
(4) لا توجد: حيّا، في أوائل العسكريّ.
(5) في الأوائل: فها نحن ..، بدلا من: فيها و نحن .. و هو الظّاهر.
(6) في الأوائل: لك، بدلا من: معك.
(7) نسخة جاءت في طبعة (ك): من عاب.
(8) شرح نهج البلاغة 2- 197- 198 بتصرف.
(9) في المصدر: أبي يوسف، و هو الظّاهر.
(10) العبارة في (ك) مشوّشة، و عليها نسخة بدل: ضعفا أو ضعّفت، و في (س): و ضعف، و ما أثبت أخذناه من المصدر.
494
وَ تُنْصِفُ لِلْوَضِيعِ مِنَ الشَّرِيفِ، فَلَيْسَ لِلشَّرِيفِ عِنْدَكَ فَضْلُ مَنْزِلَةٍ (1)، فَضَجَّتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ تَبِعَكَ (2) مِنَ الْحَقِّ إِذْ عَمَوْا بِهِ وَ اغْتَمُّوا (3) مِنَ الْحَقِ (4) إِذْ صَارُوا فِيهِ، وَ رَأَوْا صَنَائِعَ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْغَنَاءِ وَ الشَّرَفِ، فَتَاقَتْ (5) أَنْفُسُ النَّاسِ إِلَى (6) الدُّنْيَا، وَ قَلَّ مَنْ لَيْسَ لِلدُّنْيَا (7)، وَ أَكْثَرُهُمْ يَجْتَوِي (8) الْحَقَّ وَ يَشْتَرِي الْبَاطِلَ، وَ يُؤْثِرُ الدُّنْيَا، فَإِنْ تَبْذُلِ الْمَالَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- تَمِلْ إِلَيْكَ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ تَصْفُو نَصِيحَتُهُمْ، وَ يَسْتَخْلِصُ وُدُّهُمْ لَكَ يَا (9) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ كُبِتَ (10) أَعْدَاؤُكَ، وَ فُضَ (11) جَمْعُهُمْ، وَ أُوْهِنَ كَيْدُهُمْ، وَ شُتِّتَ أُمُورُهُمْ، إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عِلْمِنَا (12) وَ سِيرَتِنَا بِالْعَدْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ
____________
(1) في شرح النّهج: منزلة على الوضيع.
(2) في شرح النّهج: من معك.
(3) قال في الصّحاح 5- 1997: الغمّ: واحد الغموم، تقوم منه غمّه فاغتمّ.
(4) في شرح النّهج: من العدل، بدلا من: من الحقّ.
(5) في (س): فتافت.
أقول: قال في مجمع البحرين 5- 143: تاقت نفسه إلى الشّيء تتوق توقا و توقانا: اشتاقت و نازعت إليه. قال في القاموس 3- 121: تاق بصره يتوق: تاه.
(6) لا توجد: النّاس إلى، في (س).
(7) في شرح النّهج: للدّنيا بصاحبها.
(8) قال في مجمع البحرين 1- 92: اجتويت البلد: كرهت المقام فيه و إن كنت في نعمة.
(9) في شرح النّهج: صنع اللّه لك يا ..
(10) قال في الصّحاح 1- 207: كبّه اللّه لوجهه .. أيّ صرعه فأكبّ على وجهه، و هذا من النّوادر أنّ يقال: أفعلت أنا و فعلت غيري. و قال فيه 1- 263: الكبت: الصّرف و الإذلال ..، و كبته لوجهه .. أي صرعه. أقول: و لعلّ لفظ الجلالة قد سقط هنا من طبعتي البحار، لاقتضاء السّياق إيّاه.
(11) قال في مجمع البحرين 4- 222: فضضت القوم فانفضوا .. أيّ فرّقتهم فتفرّقوا .. و أصل الفض:
الكسر.
(12) في شرح النّهج: عملنا.
495
لِلْعَبِيدِ (1)، وَ أَمَّا [أَنَا (2) مِنْ أَنْ أَكُونَ مُقَصِّراً فِيمَا ذَكَرْتَ أَخْوَفُ. وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ عَلَيْهِمْ فَفَارَقُوا بِذَلِكَ (3)، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا مِنْ جَوْرٍ وَ لَا لَجَئُوا إِذْ فَارَقُونَا إِلَى عِدْلٍ، وَ لَمْ يَلْتَمِسُوا إِلَّا دُنْيَا زَائِلَةً عَنْهُمْ كَانَ قَدْ فَارَقُوهَا، وَ لَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَ لِلدُّنْيَا أَرَادُوا أَمْ لِلَّهِ عَمِلُوا؟.
وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَ اصْطِنَاعِ الرِّجَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُنَا أَنْ نُؤْتِيَ امْرَأً مِنَ الْفَيْءِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (4) وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (5) وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَحْدَهُ، وَ كَثَّرَهُ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَ أَعَزَّ فِئَتَهُ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُوَلِّيَنَا هَذَا الْأَمْرَ يُذَلِّلْ لَنَا صَعْبَهُ، وَ يُسَهِّلْ لَنَا حَزْنَهُ، وَ أَنَا قَابِلٌ مِنْ رَأْيِكَ مَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ رِضًى، وَ أَنْتَ مِنْ آمَنِ النَّاسِ عِنْدِي، وَ أَنْصَحِهِمْ لِي، وَ أَوْثَقِهِمْ فِي نَفْسِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَ رَوَى أَيْضاً فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (6)، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ (7) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَمَرْتَ لِي بِمَعُونَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ! فَوَ اللَّهِ مَا لِي نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ أَبِيعَ دَابَّتِي. فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ، مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً إِلَّا أَنْ تَأْمُرَ عَمَّكَ يَسْرِقُ (8) فَيُعْطِيكَ..
8- ما (9): جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ النَّحْوِيِّ، عَنِ
____________
(1) فصّلت: 46.
(2) في شرح النّهج: و أنا.
(3) في شرح النّهج: ثقل عليهم ففارقونا لذلك.
(4) في شرح النّهج: سبحانه و تعالى.
(5) البقرة: 249.
(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 200 بتصرف.
(7) في المصدر: سعيد.
(8) في شرح النّهج: أنّ يسرق.
(9) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 221.
496
الْخَلِيلِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ (1) بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ- وَ كَانَ عُثْمَانِيّاً- قَالَ: قُلْتُ لِلْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَتَكْتُمُهَا عَلَيَّ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْلَكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ أَغْلَظُ مِنَ السُّؤَالِ، فَتَكْتُمُهُ أَنْتَ أَيْضاً؟
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيَّامَ حَيَاتِكَ. قَالَ: سَلْ (2). قَالَ: مَا بَالُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَحِمِهِمْ كَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ بَنُو أُمٍّ وَاحِدَةٍ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) مِنْ بَيْنِهِمْ كَأَنَّهُ ابْنُ عَلَّةٍ؟. قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا السُّؤَالُ؟. قَالَ: قُلْتُ:
قَدْ وَعَدْتَنِي الْجَوَابَ. قَالَ: قَدْ ضَمِنْتَ لِيَ الْكِتْمَانَ (3). قَالَ: قُلْتُ أَيَّامَ حَيَاتِكَ.
فَقَالَ: إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) تَقَدَّمَهُمْ إِسْلَاماً وَ فَاقَهُمْ عِلْماً، وَ بَذَّهُمْ (4) شَرَفاً، وَ رَجَّحَهُمْ زُهْداً، وَ طَالَهُمْ جِهَاداً، فَحَسَدُوهُ، وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ وَ أَشْبَاهِهِمْ أَمْيَلُ مِنْهُمْ إِلَى مَنْ بَانَ مِنْهُمْ، فَافْهَمْ.
____________
(1) اختصر السّند، و في المصدر جاء هكذا: أخبرنا جماعة عن أبي المفضّل، قال: حدّثنا محمّد بن العبّاس بن اليزيديّ النّحويّ أبو عبد اللّه، قال: حدّثنا أبو الأسود الخليل بن أسد النّوشجاني، قال: حدّثني محمّد بن سلّام الجمحيّ، قال: حدّثني يونس .. إلى آخره.
(2) خطّ في (س) على جملة: قال سل ..
(3) في المصدر: و قد ضمنت الكتمان.
(4) قال في مجمع البحرين 3- 177: بذه يبذه بذاذا .. أيّ غلبه و فاقه.
497
15- باب شكاية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عمّن تقدّمه
1- مع،(ع)(1): مَاجِيلَوَيْهِ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ الْبَرْقِيِ (2)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ذَكَرْتُ الْخِلَافَةَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا أَخُو تَيْمٍ (3) وَ إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي (4) السَّيْلُ وَ لَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ (5)، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وَ طَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَ طَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ (6)، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ
____________
(1) معاني الأخبار 243- 244 باب معاني خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام).
علل الشّرائع 1- 150- 151 حديث 12، و ذكرنا الاختلاف بينهما و بين المتن.
(2) جاء السّند في العلل: و حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه عن عمّه محمّد بن أبي القاسم عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقيّ .. و ذكر في معاني الأخبار هذا السّند و سندا آخر سيأتي.
(3) في العلل: ابن أبي قحافة أخو تيم.
(4) في (س): عليّ، و في معاني الأخبار: عنه.
(5) في المعاني: و لا يرتقي إليه الطّير ..
(6) في المعاني: يلقى اللّه. و ذكر: ربّه نسخة بدل.
498
عَلَى هاتى [هَاتَا (1) أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْقَلْبِ قَذًا (2)، وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً، حَتَّى إِذَا مَضَى الْأَوَّلُ (3) لِسَبِيلِهِ فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلَانٍ بَعْدَهُ، عَقَدَهَا لِأَخِي (4) عَدِيٍّ بَعْدَهُ (5)، فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا الآخر [لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَصَيَّرَهَا وَ اللَّهِ (6) فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ، يَخْشُنُ مَسُّهَا، وَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا، وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا (7) وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا (8)، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ (9)، إِنْ عَنَّفَ بِهَا حَرَنَ وَ إِنْ أَسْلَسَ (10) بِهَا غَسَقَ، فَمُنِيَ النَّاسُ- لَعَمْرُ اللَّهِ- بِخَبْطٍ وَ شِمَاسٍ (11)، وَ تَلَوُّنٍ (12) وَ اعْتِرَاضٍ، وَ بَلْوَى وَ هُوَ (13) مَعَ هَنٍ وَ هُنَيٍّ، فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ، حَتَّى إِذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي مِنْهُمْ (14)، فَيَا لَلَّهِ (15) وَ لِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ (16) فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ (17)؟
____________
(1) في (ك) جاءت نسخة بدل: هاة، و كتبت في المصدرين: هاتا.
(2) في المصدرين: و في العين قذا .. و هو الظّاهر. و هي قد ذكرت نسخة بدل في حاشية (ك).
(3) لا توجد: الأوّل، في علل الشّرائع.
(4) لا توجد في معاني الأخبار: إلى فلان بعده عقدها .. و في العلل: فأدلى بها لأخي عديّ بعده.
(5) خطّ على كلمة: بعده، في (ك).
(6) لا توجد: و اللّه، في (س) و لا في العلل.
(7) لا توجد: فيها، في (س).
(8) في معاني الأخبار: منها نسخة بدل.
(9) في طبعة (س): الصّعب.
(10) في معاني الأخبار: سلس.
(11) لا يوجد في المصدرين: لعمر اللّه بخبط و شماس و ..
(12) في المصدرين: بتلون.
(13) لا يوجد في العلل و المعاني: و هو.
(14) جاءت نسخة بدل في (ك): أحدهم.
(15) في معاني الأخبار: فيا للّه لهم ..
(16) في (س): الرّقيب.
(17) في معاني الأخبار: بهذه النّظائر.
499
فَمَالَ رَجُلٌ بِضَبْعِهِ (1)، وَ أَصْغَى آخَرُ لِصِهْرِهِ، وَ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَشِيلِهِ (2) وَ مُعْتَلَفِهِ، وَ قَامُوا مَعَهُ بني [بَنُو أَبِيهِ (3) يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ (4) خَضْمَ (5) الْإِبِلِ نَبْتَ (6) الرَّبِيعِ، حَتَّى أَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَ كَسَبَتْ بِهِ مَطِيَّتُهُ (7)، فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَ النَّاسُ إِلَيَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ قَدِ انْثَالُوا عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8)، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَ شُقَّ عِطْفَايَ، حَتَّى إِذَا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَ فَسَقَتْ (9) أُخْرَى، وَ مَرَقَ آخَرُونَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (10)، بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَ وَعَوْهَا لَكِنِ احْلَوْلَتِ (11) الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَ رَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا، وَ الَّذِي (12) فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ (13) وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ (14)، وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ (15) عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا يَقِرُّوا (16) عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ
____________
(1) في علل الشّرائع: لضغنه.
(2) جاءت نسخة بدل في (ك): ثيله.
(3) في المصدرين: و قام معه بنو أميّة.
(4) في (ك): اللّه تعالى.
(5) في نسخة جاءت هكذا: يهضمون مال اللّه هضم.
(6) في معاني الأخبار، و (ك) من البحار: نبتة.
(7) لا يوجد في معاني الأخبار: و كسبت به مطيّته، و في العلل: كبّت به مطيّته.
(8) خ. ل: وجه، كذا جاء في حاشية (ك).
(9) خ. ل: و مرقت، كذا جاء في حاشية (ك).
(10) القصص: 83.
(11) في معاني الأخبار: لقد سمعوا و لكنّ احلولت، و في العلل: .. لكنّهم احلولت.
(12) في العلل: أمّا و الّذي.
(13) في معاني الأخبار: حضور النّاصر.
(14) لا توجد: بوجود النّاصر .. في معاني الأخبار.
(15) في معاني الأخبار: اللّه تعالى.
(16) لا يقارّوا .. نهج، كذا في حاشية (ك)، و جعل في معاني الأخبار على كلمة: على رمز النّسخة.
500
وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَ لَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا، وَ لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ عِنْدِي أَزْهَدَ مِنْ خَبْقَةِ (1) عَنْزٍ .. وَ نَاوَلَهُ (2) رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ كِتَاباً فَقَطَعَ كَلَامَهُ وَ تَنَاوَلَ الْكِتَابَ، فَقُلْتُ (3): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ أَطْرَدْتَ مَقَالَتَكَ إِلَى حَيْثُ بَلَغَتْ؟! فَقَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ (4) يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ .. فَمَا (5) أَسِفْتُ عَلَى كَلَامٍ قَطُّ كَأَسَفِي عَلَى كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِذْ لَمْ يَبْلُغْ (6) حَيْثُ أَرَادَ..
قال الصدوق نوّر اللَّه ضريحه (7): سألت الحسين (8) بن عبد اللَّه بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر ففسّره لي قال (9): تفسير الخبر:
قوله (عليه السلام): لقد تقمّصها .. أي لبسها مثل القميص، يقال تقمّص الرجل و تدرّع (10) و تردّى و تمندل.
و قوله: محل القطب من الرحى .. أي تدور عليّ كما تدور الرحى على قطبها.
قوله (11) (عليه السلام) ينحدر عنه السيل و لا يرتقي إليه الطير .. يريد أنّها
____________
(1) في (س): حبقة، و كتب في حاشية (ك): عفطة. نهج.
(2) في معاني الأخبار: .. دنياكم أزهد عندي من عفطة عنز قال: و ناوله ..، و في العلل نفس العبارة إلّا إن فيها: دنياكم هذه.
(3) كتب في (ك) تحت كلمة فقلت: ابن عبّاس.
(4) لا توجد: هيهات، الثّانية في معاني الأخبار.
(5) في العلل: قال ابن عبّاس فما، و في (س): فلمّا.
(6) في العلل: لم يبلغ به.
(7) علل الصدوق 1- 152، و فيه: قال مصنّف هذا الكتاب، و كذا في معاني الأخبار: 344.
(8) في المصدرين: الحسن.
(9) في معاني الأخبار: و قال ..
(10) في معاني الأخبار: أو تدرع ..
(11) في المصدرين: و قوله.
501
ممتنعة على غيري و لا يتمكّن منها و لا تصلح له (1).
و قوله: فسدلت دونها ثوبا .. أي أعرضت عنها و لم أكشف وجوبها لي، و الكشح: الجنب و الخاصرة.
فمعنى (2) قوله: طويت عنها كشحا (3) .. أي أعرضت عنها، و الكاشح الذي يوليك كشحه .. أي جنبه.
و قوله: طفقت .. أي أقبلت و أخذت أرتئي .. أي أفكّر و أستعمل الرأي و أنظر في أن أصول بيد جذاء- و هي المقطوعة- و أراد قلّة الناصر.
و قوله: أو أصبر على طخية .. فللطخية موضعان: فأحدهما (4) الظلمة، و الآخر: الغمّ و الحزن، يقال: أجد على قلبي طخاء (5) .. أي حزنا و غمّا، و هو هاهنا يجمع الظلمة و الغمّ و الحزن.
و قوله: يكدح مؤمن .. أي يدأب (6) و يكسب لنفسه و لا يعطى حقّه.
و قوله: أحجى .. أي أولى، يقال: هذا أحجى من هذا و أخلق و أحرى و أوجب كلّه قريب المعنى.
و قوله: في حوزة .. أي في ناحية (7)، يقال: حزت الشيء أحوزه حوزا إذا جمعته، و الحوزة ناحية الدار و غيرها.
و قوله: كراكب الصعبة .. يعني الناقة التي لم ترض.
إن عنف بها، العنف (8) ضدّ الرفق.
____________
(1) في المصدرين: و لا يصلح لها.
(2) في العلل: بمعنى، و يمكن تصحيح كلا اللفظين.
(3) لا توجد: كشحا، في معاني الأخبار، و في العلل: كشحها.
(4) في معاني الأخبار: أحدهما.
(5) في معاني الأخبار: طخيا، و في العلل: طنخيا ..
(6) قال في الصحاح 1- 123: دأب فلان في عمله .. أي جدّ و تعب.
(7) في (س): ناحيته.
(8) في المصدرين: و العنف.
502
و قوله: حرن .. أي وقف فلم (1) يمش، و إنّما يستعمل الحران في الدواب، فأمّا في (2) الإبل فيقال: خلات (3) الناقة و بها خلاء، و هو مثل حران الدواب، إلّا أنّ العرب ربّما (4) تستعيره في الإبل.
و قوله: و إن أسلس بها غسق (5) .. أي أدخله في الظلمة.
و قوله: مع هن و هني (6) .. يعني الأدنياء من الناس، تقول العرب فلان هني و هو تصغير هن .. أي هو (7) دون من الناس .. و يريدون بذلك تصغير أموره (8).
و قوله: فمال رجل بضبعه .. و يروى بضلعه (9)، و هما قريب، و هو أن يميل بهواه و نفسه إلى الرجل (10) بعينه.
و قوله: و أصغى آخر لصهره .. فالصغو (11): الميل، يقال: صغوك مع فلان أي .. ميلك معه.
و قوله: نافجا حضينه (12) .. يقال في الطعام و الشراب و ما أشبههما قد انتفج بطنه- بالجيم-، و يقال في كلّ داء يعتري الإنسان: قد انتفخ بطنه- بالخاء-، و الحضنان جانبا الصدر.
____________
(1) في المصدرين: و لم.
(2) لا توجد: في، في (س).
(3) في معاني الأخبار: أخلت، و في عيون الأخبار: خلت.
(4) في العلل: إنّما.
(5) في معاني الأخبار: إن سلس غسق، و في العلل: أسلس بها غسق ..
(6) في العلل: و هن ..
(7) وضع في المطبوع من البحار على: هو رمز النسخة.
(8) في معاني الأخبار: أمره.
(9) في العلل: لضغنه و يروى لضلعه.
(10) في المصدرين: رجل ..
(11) في معاني الأخبار: و الصغو ..
(12) في العلل: حضينه فيقال ..، و في معاني الأخبار: حصنيه. و الظاهر: حضنيه.
503
و قوله: بين ثيله و معتلفه .. فالثيل (1): قضيب الجمل و إنّما استعاره للرجل (2) هاهنا، و المعتلف: الموضع الذي يعتلف فيه .. أي يأكل، و معنى الكلام بين (3) مطعمه و منكحه.
و قوله: يخضمون .. أي يكثرون و ينقضون، و منه قوله: خضمني الطعام .. أي نقض (4).
و قوله: أجهز (5) .. أي أتى عليه و قتله، يقال: أجهزت على الجريح إذا كانت به جراحة فقتله (6).
و قوله: كعرف الضبع .. شبّههم به لكثرته، و العرف: الشعر الذي يكون على عنق الفرس، فاستعاره للضبع.
و قوله: و (7) قد انثالوا .. أي انصبّوا عليّ و كثروا، و يقال: انتثلت (8) ما في كنانتي من السهام إذا صببته (9).
و قوله: و راقهم زبرجها .. أي أعجبهم حسنها، و أصل الزبرج النقش، و هو هاهنا زهرة الدنيا و حسنها.
و قوله: أن لا يقرّوا على كظة ظالم .. فالكظة: الامتلاء، يعني أنّهم لا
____________
(1) في المصدرين: نثيله و معتلفه .. فالنثيل.
(2) في معاني الأخبار: الرجل.
(3) في معاني الأخبار: أنه بين.
(4) جاءت العبارة في معاني الأخبار هكذا: و قوله: يهضمون .. أي يكسرون و ينقضون، و منه قولهم:
هضمني الطعام .. أي نقضني، و في العلل: أي نقض.
(5) في معاني الأخبار: حتى أجهز.
(6) في المصدرين: فقتلته.
(7) لا توجد الواو في المصدرين.
(8) في المصدرين: انثلت.
(9) هنا سقط موجود في المصدرين و هو: و قوله: و شق عطافي .. يعني رداءه، و العرب تسمي الرداء:
العطاف.
504
يصبرون (1) على امتلاء الظالم من المال الحرام و لا يقارّوه على ظلمه.
و قوله: و لا سغب مظلوم .. فالسغب: الجوع، و معناه منعه من الحقّ الواجب له.
و قوله: لألقيت حبلها على غاربها .. مثل (2) تقول العرب ألقيت حبل البعير على غاربه ليرعى كيف شاء.
و معنى قوله: و لسقيت آخرها بكأس أوّلها .. أي (3) لتركتهم في ضلالهم (4) و عماهم.
و قوله: أزهد عندي .. فالزهيد: القليل.
قوله (5): من حبقة عنز .. فالحبقة ما يخرج من دبر العنز من الريح، و العفطة ما يخرج من أنفها.
و قوله: تلك شقشقة هدرت (6) .. فالشقشقة: ما يخرجه البعير من جانب فيه (7) إذا هاج و سكر.
2- مع،(ع)(8): الطَّالَقَانِيُّ، عَنِ الْجَلُودِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُذَيْفَةَ (9)، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
3
ما (10): الْحَفَّارُ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الدِّعْبِلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَخِي دِعْبِلٍ،
____________
(1) وضع على: لا يصبرون، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل.
(2) في المصدرين: هذا مثل .. و سيأتي مصدره.
(3) لا توجد: أي في (س).
(4) في المصدرين: في ضلالتهم.
(5) في المصدرين: و قوله ..
(6) لا توجد: هدرت .. في معاني الأخبار.
(7) في معاني الأخبار: فمه.
(8) معاني الأخبار: 343 حديث 1، علل الشّرائع 1- 153 حديث 13.
(9) في معاني الأخبار: خزيمة.
(10) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 382 بتصرف.
505
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الشَّامِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (عليهم السلام)، وَ الْبَاقِرِ (عليه السلام)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) قَالَ: ذَكَرْتُ الْخِلَافَةَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ .. وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ بِأَدْنَى تَغْيِيرٍ.
- شا (2): رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالرَّحَبَةِ فَذَكَرْتُ (3) الْخِلَافَةَ وَ تَقْدِيمَ (4) مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ: أَمَ وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ..
و ساق الخبر إلى آخره.
إيضاح:
هذه الخطبة من مشهورات خطبه (صلوات الله عليه) روتها الخاصّة و العامّة في كتبهم و شرحوها و ضبطوا كلماتها، كما عرفت رواية الشيخ الجليل المفيد و شيخ الطائفة و الصدوق، و رواها السيّد الرّضي في نهج البلاغة (5) و الطبرسي في الإحتجاج (6) قدّس اللَّه أرواحهم، و
رَوَى الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ الرَّاوَنْدِيُّ (قدّس سرّه) فِي شَرْحِهِ عَلَى نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (7) بِهَذَا السَّنَدِ: أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (8)، عَنِ الْحَاجِبِ أَبِي الْوَفَا مُحَمَّدِ بْنِ بَدِيعٍ وَ الْحُسَيْنِ (9) بْنِ أَحْمَدَ بْنِ
____________
(1) بتقديم و تأخير في الإسناد مع اختصار له.
(2) الإرشاد للشّيخ المفيد: 152- 153.
(3) في (س): ذكر.
(4) في المصدر: و تقدّم ..
(5) نهج البلاغة:- محمّد عبده- 1- 30، صبحي صالح: 48، خطبة 3.
(6) الاحتجاج: 191- 194.
(7) نهج البلاغة 1- 131- 133.
(8) في المصدر: إبراهيم بن اليونارتي. و يونارت: قرية على باب أصفهان، و هو من الحفاظ المكثرين، ولد آخر سنة 466 ه، و توفّي في شوّال سنة 527 ه، انظر: تذكرة الحفاظ 4- 1286، و معجم البلدان 5- 1044، و سنة وفاته هناك سهو قطعا.
(9) في منهاج البراعة: و أبي الحسين أحمد بن عبد الرّحمن الذكواني عن الحافظ أبي بكر بن مردويه الأصبهانيّ.
506
بَدِيعٍ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ (1) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدَوَيْهِ الْأَصْفَهَانِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَبَّارِ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ سَعِيدٍ أَبِي سَلَمَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دِعْلِجٍ، عَنْ عطان [عَطَاءِ (2) بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِالرَّحَبَةِ فَجَرَى ذِكْرُ الْخِلَافَةِ وَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَقَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ ..
إلى آخر الخطبة (3).
و من أهل الخلاف رواها ابن الجوزي في مناقبه (4)، و ابن عبد ربّه في الجزء الرابع من كتاب العقد (5)، و أبو عليّ الجبائي في كتابه (6)، و ابن الخشّاب في درسه (7)- على ما حكاه بعض الأصحاب- و الحسن بن عبد اللَّه بن سعيد العسكري في كتاب المواعظ و الزواجر- على ما ذكره صاحب الطرائف (8)-، و فسّر ابن الأثير في النهاية لفظ الشقشقة، ثم قال: و منه
حَدِيثُ عَلِيٍّ (عليه السلام) فِي خُطْبَةٍ لَهُ: تِلْكَ
____________
(1) .. بن بديع و الحسين بن أحمد .. هذه العبارة لا توجد في (س).
(2) في المصدر: عطا.
(3) قال ابن ميثم في الشرح 1- 251: أقول: إنّ هذه الخطبة و ما في معناها ممّا يشتمل على شكايته (عليه السلام) و تظلّمه في أمر الإمامة، و هو محل الخلاف بين الشيعة و جماعة من مخالفيهم ..
(4) المناقب لابن الجوزي.
أقول: و الذي وجدناه لأبي مظفّر سبط ابن الجوزي (المتوفّى سنة 654 ه) ما ذكره في تذكرته:
73 من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عبّاس، فقال: تعرف بالشقشقية، ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة و أخلّ بالبعض، و قد أتيت بها مستوفاة .. ثم ذكرها مع اختلاف ألفاظها.
(5) العقد الفريد 4- 71- 72، و هي بمضمون الشقشقية لا نفسها، فراجع.
(6) كتب أبي عليّ الجبائي كلّها مفقودة الأثر كما صرّح في ترجمته. و هو شيخ المعتزلة، توفّي سنة 303 ه كما في الفرقة الناجية للشيخ إبراهيم القطيفي.
(7) و قد حكاه عن مجلس درسه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 205، و هو أبو محمّد عبد اللّه بن أحمد البغداديّ المتوفّى سنة 567 ه و لا نعرف له كتابا مطبوعا.
(8) الطرائف: 417- 419.
507
شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ (1) ..
و شرح كثيرا من ألفاظها (2).
و قال الفيروزآبادي في القاموس- عند تفسيرها-: الشّقشقة- بالكسر- شيء- كالرّئة- يخرجه البعير من فيه إذا هاج، و الخطبة الشقشقيّة العلويّة لقوله لابن عبّاس- لما قال (3): لو اطّردت مقالتك من حيث أفضيت-: يا ابن عبّاس! هيهات تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت (4).
و قال عبد الحميد بن أبي الحديد (5)- ردّا على من قال إنّها تأليف السيّد الرضي-: قد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخيّ- إمام البغداديّين من المعتزلة-، و كان في دولة المقتدر قبل أن يخلق السيّد الرضيّ بمدّة طويلة، و وجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبّة أحد متكلّمي الإماميّة (6)، و كان من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي، و مات (7) قبل أن يكون الرضيّ موجودا ..
ثم حكى (8) عن شيخه مصدّق الواسطي أنّه قال: لمّا قرأت هذه الخطبة على
____________
(1) النّهاية 2- 490.
(2) و سنشير إلى مواضعها عند توضيح المصنّف (قدّس سرّه) لمفردات الخطبة.
(3) في المصدر: قال له ..
(4) القاموس 3- 251.
و قال ابن منظور الأفريقي المصري (المتوفّى سنة 711 ه) في مادة (شقشق) من كتابه لسان العرب 12- 53: .. و في حديث عليّ (رضوان اللّه عليه) في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت .. إلى آخره.
و قال الميداني (المتوفّى سنة 518 ه) في مجمع الأمثال 383 [1- 466]: و لأمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه خطبة تعرف بالشقشقية، لأنّ ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال له حين قطع كلامه .. إلى آخره.
(5) في شرحه على النهج 1- 205- 206، بتصرّف يسير.
(6) في المصدر: و هو الكتاب المشهور المعروف بكتاب «الإنصاف»، و كان أبو جعفر هذا من ..
(7) في شرح النهج: و مات في ذلك العصر.
(8) ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 205 بتصرّف.
508
الشيخ أبي محمّد عبد اللَّه بن أحمد المعروف ب: ابن الخشّاب، قلت له: أ تقول إنّها منحولة؟!. فقال: لا و اللَّه! و إنّي لأعلم أنّها كلامه كما أعلم أنّك مصدّق .. قال:
فقلت له: إنّ كثيرا من الناس يقولون إنّها من كلام الرضيّ. فقال لي: أنّى للرضيّ و لغير الرضيّ هذا النّفس و هذا الأسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضيّ، و عرفنا طريقته و فنّه في الكلام المنثور .. ثم قال: و اللَّه لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب قد صنّفت قبل أن يخلق الرضيّ بمائتي سنة، و لقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرف أنّها خطوط من هي (1) من العلماء و أهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد (2) الرضيّ.
و قال ابن ميثم البحراني (قدّس سرّه): وجدت هذه الخطبة بنسخة عليها خطّ الوزير أبي الحسن عليّ بن محمد بن الفرات وزير المقتدر باللَّه، و ذلك قبل مولد الرضيّ بنيّف و ستين سنة. انتهى (3).
و من الشواهد على بطلان تلك الدعوى الواهية الفاسدة أنّ القاضي عبد الجبّار- الذي هو من متعصّبي المعتزلة- قد تصدّى في كتاب المغني (4) لتأويل بعض كلمات الخطبة، و منع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدّم عليه، و لم ينكر استناد الخطبة إليه.
و ذكر السيّد المرتضى رضي اللَّه عنه كلامه في الشافي (5) و زيفه، و هو أكبر من أخيه الرضيّ (قدس الله روحهما)، و قاضي القضاة متقدّم عليهما، و لو كان يجد للقدح في استناد الخطبة إليه (عليه السلام) مساغا لما تمسّك بالتأويلات الركيكة في مقام الاعتذار، و قدح في صحّتها كما فعل في كثير من الروايات المشهورة، و كفى
____________
(1) في المصدر: أعرفها و أعرف خطوط من هو ..
(2) في نسخة جاءت في (ك): والدي.
(3) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1- 252- 253 بتصرّف.
(4) المغني 20- 295.
(5) الشافي 3- 267- 268.
509
للمنصف وجودها في تصانيف الصدوق (رحمه الله) (1)، و كانت وفاته سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة، و كان مولد الرضيّ رضي اللَّه عنه سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة (2).
و لنشرح الخطبة ثانيا لمزيد الإيضاح و التبيين، و للإشارة إلى ما ذكره في تفسيرها و شرحها بعض المحقّقين، و نبني الشرح على ما أورده السيّد (قدّس سرّه) في النهج، ليظهر مواضع الاختلاف بينه و بين ما سلف من الروايات، مستعينا بخالق البريّات.
- قَالَ السَّيِّدُ (3): وَ مِنْ خُطْبَتِهِ (4) لَهُ (عليه السلام) الْمَعْرُوفَةِ بِ: الشِّقْشِقِيَّةِ: أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ ...
أي اتّخذها قميصا (5)، و في التشبيه بالقميص الملاصق للبدن دون سائر الأثواب تنبيه على شدّة حرصه عليها، و الضمير راجع إلى الخلافة كما ظهر من سائر الروايات، و فلان كناية عن أبي بكر (6)، و كان في نسخة ابن أبي الحديد (7): ابن أبي قحافة- بضم القاف و تخفيف الحاء- كما في بعض الروايات الأخر، و في بعضها أخو تيم، و الظاهر أنّ التعبير بالكناية نوع تقيّة
____________
(1) كذا، و هذه سنة وفاة ثقة الإسلام الكليني طاب ثراه، و وفاة الشيخ الصدوق سنة 381 ه.
(2) قال العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في غديره 7- 82- 87: .. و قد كثر الكلام حولها، فأثبتها مهرة الفن من الفريقين، و رواها من خطب مولانا أمير المؤمنين الثابتة التي لا مغمز فيها، فلا يسمع أذن قول الجاهل بأنّها من كلام الشريف الرضي، و قد رواها غير واحد في القرون الأولى قبل أن تنعقد للرضيّ نطفته، كما جاءت بإسناد معاصريه و المتأخّرين عنه من غير طريقه .. ثم عدّ أكثر من ثمانية و عشرين مصدرا و شيخا، و انظر نصّها في الغدير 9- 380- 381.
(3) في نهج البلاغة- محمّد عبده-: 1- 30، صبحي صالح: 48 خطبة: 3.
(4) كذا، و الظّاهر زيادة الضّمير الغائب.
(5) قال في مجمع البحرين 4- 181: تقمّص القميص: لبسه، و تقمّص الخلافة .. أي لبسها كالقميص. و قال في القاموس 2- 315: قمّصه تقميصا: ألبسه قميصا فتقمّص هو، و نحوه في المصباح المنير 2- 200.
(6) كما صرّح بذلك كلّ الشرّاح للنهج و من تعرّض للخطبة إمّا جزما أو وجها و احتمالا، كمحمد عبده في شرحه 1- 31، و غيره.
(7) في شرحه على نهج البلاغة 1- 151.
510
من السيّد (رحمه الله)، و النسخة المقروءة عليه (1) كانت متعدّدة، فلعلّه عدل في بعضها عن الكناية لزوال الخوف، و يمكن أن تكون التقيّة من النسّاخ، و يدلّ على أنّ الكناية ليست من لفظه (عليه السلام) أنّ قاضي القضاة في المغني (2) تصدّى لدفع دلالة تعبيره (3) (عليه السلام) عن أبي بكر بابن أبي قحافة دون الألقاب المادحة على استخفاف به، بأنّه: قد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمّي أحدهم صاحبه و يكنّيه و يضيفه إلى أبيه، حتى كانوا ربّما قالوا (4) لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه [و آله]:
يا محمّد (5)! فليس في ذلك استخفاف و لا دلالة على الوضع.
فأجاب السيّد رضي اللَّه عنه بما في الشافي (6) عنه: بأنّه ليس ذلك صنع من يريد التعظيم و التبجيل، و قد كانت لأبي بكر عندهم من الألقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه، و قوله إنّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان (7) ينادي باسمه، فمعاذ اللَّه، ما كان ينادي باسمه إلّا شاكّ فيه، أو جاهل من طغام (8) الأعراب (9). و قوله: إنّ ذلك عادة العرب .. فلا شكّ أنّ ذلك عادتهم فيمن (10) لا يكون له من الألقاب أفخمها و أعظمها كالصدّيق .. و نحوه.
و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى.
.. الواو للحال، و قطب
____________
(1) في مطبوع البحار هنا نسخة بدل و هي: و النسخة المعروضة عليه .. و قد وضع بعدها في (ك) رمز:
صح.
(2) المغني- الجزء المتمّم العشرين-: 295.
(3) في (س): تغييره.
(4) في المصدر: نادوا.
(5) في المغني: باسمه.
(6) الشافي: 215 حجرية [الطبعة الجديدة 3- 268].
(7) لا توجد: كان، في المصدر.
(8) قال في الصحاح 5- 1975: الطّغام: أوغاد الناس .. الواحد و الجمع فيه سواء، و الطغام أيضا:
رذال الطير. و قال فيه 2- 552: الوغد: الرجل الدنيء الذي يخدم بطعام بطنه.
(9) جاء في المصدر هنا: الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الباب.
(10) في المصدر: فلا شكّ في أنّ هذه عادة القوم فيمن ..
511
الرّحى: الحديدة المنصوبة في وسط السّفلى من حجري الرّحى الّتي تدور حولها العليا (1)، أي تقمّص الخلافة مع علمه بأنّي مدار أمرها، و لا تنتظم إلّا بي، و لا عوض لها عنّي، كما أنّ الرحى لا تدور إلّا بالقطب و لا عوض لها عنه.
و قال ابن أبي الحديد (2): عندي أنّه أراد أمرا آخر، و هو أنّي من الخلافة في الصميم و في وسطها و بحبوحتها (3)، كما أنّ القطب وسط دائرة الرحى.
و لا يخفى نقصان التشبيه حينئذ.
و قال في المغني (4): أراد أنّه أهل لها و أنّه أصلح منه للقيام بها، يبيّن (5) ذلك أنّ القطب من الرحى لا يستقلّ (6) بنفسه و لا بدّ في تمامه من الرحى، فنبّه (7) بذلك على أنّه أحقّ و إن كان قد تقمّصها.
و ردّه السيّد رضي اللَّه عنه (8) بأنّ هذا التأويل- مع أنّه لا يجري في غير هذا اللفظ من الألفاظ المرويّة عنه (عليه السلام)- فاسد، لأنّ مفادّ هذا الكلام ليس إلّا التفرّد في الاستحقاق، و أنّ غيره لا يقوم مقامه لا أنّه أهل للأمر و موضع له، و قوله: إنّ القطب لا يستقلّ بنفسه .. تأويل على عكس المراد، فإنّ المستفاد من هذا الكلام عند من يعرف اللغة عدم انتظام دوران الرحى بدون القطب، لا عدم استقلال القطب بدون الرحى (9).
____________
(1) كما ذكره في النهاية 4- 79، و لسان العرب 1- 682.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 1- 153 بتصرّف.
(3) قال في مجمع البحرين 2- 341: البحبوحة- بضم الباءين الموحدتين و بالحاءين المهملتين-: وسط الشيء.
(4) المغني- الجزء المتمّم للعشرين-: 295.
(5) جاء في المصدر: فالمراد بها أنّه أهل لذلك و أنّه أصلح منه، يبين.
(6) في المغني: لا يشتغل، بدلا من: لا يستقل.
(7) في المصدر: فسسه، و في الهامش عليه: فتشبه.
(8) الشافي: 215 حجرية [الطبعة الجديدة 3- 268] و قد ذكر مضمونه.
(9) رأينا نقل نصّ عبارة السيّد في الشافي ردا على صاحب المغني و هي: فأوّل ما فيه أنّه تأوّل في اللغة، و تحمّل الألفاظ ما لم توضع له، لأنّ عرف أهل اللغة جاء باستعمال لفظ القطب في الموضع الذي ذكرناه، و عند إرادة أحدهم أن يخبر عن نهاية الاستحقاق و التفرّد بالأمر الذي لا يقع فيه مشاركة، فتأوّله مع المعرفة بمرادهم في هذه اللفظة لا معنى له، على أنّ القطب أشدّ استقلالا بنفسه من باقي الرحى، لأنّه يمكن أن يتحرك و يدور من غير أن يتّصل به شيء، و باقي الرحى لا يمكن ذلك فيه على سبيل الدور إلّا بقطب.
512
ينحدر عنّي السيل و لا يرقى إليّ الطير.
.. انحدار السيل لعلّه كناية عن إفاضة العلوم و الكمالات و سائر النعم الدنيويّة و الأخرويّة على المواد القابلة.
و قيل: المعنى أنّي فوق السيل بحيث لا يرتفع إليّ، و هو كما ترى.
ثم إنّه (عليه السلام) ترقّى في الوصف بالعلوّ بقوله: و لا يرقى إليّ الطير، فإنّ مرقى الطير أعلى من منحدر السيل فكيف ما لا يرقى إليه؟ و الغرض إثبات أعلى مراتب الكمال للدلالة على بطلان خلافة من تقمّصها، لقبح تفضيل المفضول.
فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا.
.. يقال: سدل الثّوب يسدله بالضم- أي أرخاه و أرسله (1)، و دون الشّيء: أمامه و قريب منه (2)، و المعنى:
ضربت بيني و بينها حجابا و أعرضت عنها و يئست منها، و الكشح: ما بين الخاصرة إلى أقصر الأضلاع (3)، و يقال: فلان طوى كشحه .. أي أعرض مهاجرا و مال عنّي.
و قيل: أراد غير ذلك، و هو أنّ من أجاع نفسه فقد طوى كشحه كما أنّ من أكل و شبع فقد ملأ كشحه.
و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ..
يقال (4): طفق في كذا .. أي أخذ (5) و شرع، و أرتئي في الأمر .. أي أفكر في طلب
____________
(1) كما جاء في مجمع البحرين 5- 394، و القاموس 3- 395، و غيرهما.
(2) قاله في مجمع البحرين 6- 248، و انظر: القاموس 4- 223، و الصحاح 5- 2115، ذكر الأول في الأول و الثاني في الثاني.
(3) كذا جاء في مجمع البحرين 2- 407، و القاموس 1- 245، إلّا أنّ فيهما: الضلع الخلف، بدلا من أقصر الأضلاع. و قالا فيهما: طوى فلان عنّي كشحه: إذا قطعك.
(4) لا توجد: يقال، في (س).
(5) كما في لسان العرب 10- 225، و النهاية 3- 129، و غيرهما.
513
الأصلح، و هو افتعل من رؤية القلب أو من الرّأي (1)، و الصّولة: الحملة و الوثبة (2)، و الجذّاء- بالجيم و الذال المعجمة- المقطوعة و المكسورة أيضا- كما ذكره الجوهري (3)-، و قال في النهاية: في حديث عليّ (عليه السلام) (4):
أصول بيد جذّاء.
.. كنّى به عن قصور أصحابه و تقاعدهم عن الغزو، فإنّ الجند للأمير كاليد (5)، و يروى بالحاء المهملة (6) و فسّره في موضعه باليد القصيرة الّتي لا تمدّ (7) إلى ما يراد. قال: و كأنّها بالجيم أشبه (8).
و الطخية- بالضم، كما صحّح في أكثر النسخ- الظلمة أو الغيم، و في بعضها بالفتح: في (9) القاموس: الطّخية ..: الظّلمة، و يثلّث (10)، و لم يذكر الجوهري سوى الضّم، و فسّره بالسّحاب (11)، و في النهاية: الطّخية: الظّلمة و الغيم (12)، و العمياء: تأنيث الأعمى (13)، و وصف الطخية بها لأنّ الرائي لا يبصر فيها شيئا. يقال: مفازة عمياء .. أي لا يهتدي فيها الدليل (14)، و هي مبالغة في وصف الظلمة بالشدّة، و حاصل المعنى، إنّي لمّا رأيت الخلافة في يد من لم يكن
____________
(1) كما جاء في لسان العرب 14- 299، و النهاية 2- 178.
(2) قاله في النهاية 3- 61، و اقتصر في لسان العرب 11- 387 على المعنى الثاني.
(3) قال في الصحاح 2- 561: جذذت الشّيء: كسرته و قطعته .. يقال: رحم جذّاء و حذّاء- بالجيم و الحاء- ممدودان، و ذلك إذا لم توصل.
(4) ذكر في المصدر الترضي بدلا من السلام.
(5) في (ك): كالسيّد، و لا معنى له.
(6) النهاية 1- 250.
(7) في المصدر: لا تمتدّ إلى ما أريد.
(8) النهاية 1- 356.
(9) كذا، و الظاهر: و في ..
(10) القاموس 4- 356.
(11) الصحاح 6- 2412.
(12) النهاية 3- 116.
(13) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 308، و النهاية 3- 305، و غيرهما.
(14) قال في لسان العرب 15- 98: و أرض عمياء و عاميّة، و مكان أعمى: لا يهتدى فيه.
514
أهلا لها كنت متفكّرا مردّدا بين قتالهم بلا أعوان و بين معاينة الخلق على جهالة و ضلالة و شدّة.
يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ..
يقال: هرم- كفرح- أي بلغ أقصى الكبر (1)، و الشّيب- بالفتح- بياض الشّعر (2)، و الكدح: الكدّ و العمل و السّعي (3)، و الجمل الثلاثة أوصاف للطخية (4) العمياء، و إيجابها لهرم الكبير و شيب الصغير إمّا لكثرة الشدائد فيها، فإنّها ممّا يسرع بالهرم و الشيب، أو لطول مدّتها و تمادي أيّامها و لياليها، أو للأمرين جميعا، و على الوجهين الأوّلين فسّر قوله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (5). و كدح المؤمن يمكن أن يراد به لازمه أعني التعب و مقاساة الشدّة في الوصول إلى حقّه ..
و قيل: يسعى فلا يصل إلى حقّه، فالكدح بمعناه.
و قيل: المراد به أنّ المؤمن المجتهد في الذبّ عن الحقّ و الأمر بالمعروف يسعى فيه و يكدّ و يقاسي الشدائد حتى يموت.
و في رواية الشيخ (6) و الطبرسي (7):
يرضع فيها الصغير و يدبّ فيها الكبير ..
و هو كناية عن طول المدّة- أيضا- أي يمتدّ إلى أن يدبّ كبيرا من كان يرضع صغيرا، يقال: دبّ يدبّ دبيبا: أي مشى على هنيئة (8).
فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت و في العين قذى و في الحلق
____________
(1) صرّح بذلك في لسان العرب 12- 607، و القاموس 4- 189.
(2) كما جاء في مجمع البحرين 2- 95، و الصحاح 1- 159، و غيرهما.
(3) كذا قال في مجمع البحرين 2- 406، و الصحاح 1- 398.
(4) في (ك): المطخية.
(5) المزّمّل: 17.
(6) أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 382 و فيه: ضيع فيها الصغير و .. إلى آخره.
(7) الاحتجاج: 191 [النجف 1- 283] و فيه: يشيب فيها الصغير، و يهرم فيها الكبير ..
(8) قاله في القاموس 1- 64، و لسان العرب 1- 369. و في (ك): هينته.
أقول: الهنيئة: التؤدة و الرفق، انظر: القاموس 4- 278 و 3- 384.
515
شجا أرى تراثي نهبا.
.. كلمة (ها) في هاتا للتّنبيه، و تا للإشارة إلى المؤنّث (1)، أشير بها إلى الطخية الموصوفة، و أحجى .. أي أولى و أجدر و أحقّ، من قولهم:
حجى بالمكان إذا أقام و ثبت، ذكره في النهاية (2).
و قيل: أي أليق و أقرب بالحجى و هو العقل (3). و القذى: جمع قذاة و هي ما يسقط في العين و في الشّراب أيضا من تبن أو تراب أو وسخ (4)، و الشّجا: ما اعترض في الحلق و نشب من عظم و نحوه (5)، و التّراث: ما يخلفه الرّجل لورثته، و التّاء فيه بدل من الواو (6). و النّهب: السّلب و الغارة (7) و الغنيمة (8)، و الجملة بيان لوجود القذى و الشجا.
و في رواية الشيخين (9) و الطبرسي (10): فرأيت الصبر ..
و في رواية الشيخ (11): تراث محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) نهبا.
و في تلخيص الشافي: من أن أرى تراثي نهبا (12).
و الحاصل أنّي بعد التردّد في القتال استقرّ رأيي على أنّ الصبر أجدر، و ذلك
____________
(1) كما جاء في القاموس 4- 408- 409، و الصحاح 6- 2547- 2548.
(2) النهاية 1- 348، و مثله في لسان العرب 14- 167.
(3) كما صرّح بذلك في القاموس 6- 2309، و النهاية 1- 348، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في النهاية 4- 30، و لسان العرب 15- 174.
(5) كما في القاموس 4- 347، و الصحاح 6- 2389، و ليس فيهما: و نشب، و في الصحاح: ينشب، بدلا من: اعترض.
(6) ذكره في لسان العرب 2- 201، و مجمع البحرين 2- 267، و غيرهما.
(7) جاء في النهاية 5- 133، و لسان العرب 1- 773.
(8) كما في مجمع البحرين 2- 178، و القاموس 1- 135، و الصحاح 1- 229.
(9) الإرشاد للشيخ المفيد: 152، و أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 382.
(10) الاحتجاج للطبرسيّ 1- 283 [حجرية: 192] و فيه: فرأيت أن الصبر.
(11) الأمالي 1- 382.
(12) تلخيص الشافي 3- 53 و فيه: أرى تراثي نهبا .. و في نسخة في مكتبة السيّد النجفيّ المرعشيّ برقم 24 رديف 8- قسم 153 صفحة 393: من أرى تراثي .. إلى آخره.
516
لأداء القتال إلى استئصال آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و اضمحلال كلمة الإسلام لغلبة الأعداء.
و قال بعض الشارحين (1): في الكلام تقديم و تأخير، و التقدير (2): و لا يرقى إليّ الطير فطفقت أرتئي بين كذا .. و كذا، فرأيت الصبر على هاتا أحجى فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا، و صبرت و في العين قذى .. إلى آخر الفصل (3)، لأنّه لا يجوز أن يسدل دونها ثوبا و يطوي عنها كشحا، ثم يرتئي ..
و التقديم و التأخير شائع في (4) لغة العرب، قال اللَّه تعالى: أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً (5). انتهى (6).
و يمكن أن يقال: سدل الثوب و طيّ الكشح لم يكن على وجه البت و تصميم العزم على الترك، بل المراد ترك العجلة و المبادرة إلى الطلب من غير تدبّر في عاقبة الأمر، و لعلّ الفقرتين بهذا المعنى أنسب.
حتى مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده.
.. قيل: تقديره مضى على سبيله و أدلى بها إلى فلان .. أي ألقاها إليه (7) و دفعها (8)، و التعبير بلفظ فلان كما مرّ، و في نسخة ابن أبي الحديد بلفظ: ابن الخطاب (9)، و في بعض الروايات:
إلى عمر (10)، و إدلاؤه إليه بها نصبه للخلافة.
____________
(1) قاله ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 155.
(2) في شرح النهج: و تقديره.
(3) في شرح النهج: ثم فصبرت و في العين قذى .. إلى آخر القصة.
(4) في شرح ابن أبي الحديد: .. و التأخير طريق لاحب، و سبيل مهيع في ..
(5) الكهف: 1 و 2.
(6) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 155 بتصرّف و اختصار.
(7) كما جاء في مجمع البحرين 1- 145، و لسان العرب 14- 267، و غيرهما.
(8) قاله في الصحاح 6- 2340، و القاموس 4- 328.
(9) في شرحه على نهج البلاغة 1- 162.
(10) كما في الاحتجاج 1- 284، و الإرشاد: 153، و تلخيص الشافي 3- 53، و غيرها.
517
و كان ابن الخطاب يسمّي نفسه خليفة أبي بكر، و يكتب إلى عمّاله من خليفة أبي بكر حتى جاءه لبيد بن أبي (1) ربيعة و عديّ بن حاتم فقالا لعمرو بن العاص: استأذن لنا على أمير المؤمنين .. فخاطبه عمرو بن العاص بأمير المؤمنين فجرى (2) ذلك في المكاتيب من يومئذ، ذكر ذلك ابن عبد البرّ في الإستيعاب (3).
ثم تمثّل (عليه السلام) بقول الأعشى:
شتّان (4)بما يومي على كورها* * * و يوم حيّان أخي جابر (5)
تمثّل بالبيت: أنشده للمثل (6).
و الأعشى: ميمون بن جندل (7)، و شتّان- اسم فعل- بمعنى بعد (8) و فيه معنى التّعجّب (9)، و الكور- بالضم- رحل البعير بأداته (10)، و الضمير راجع إلى الناقة، و حيّان كان صاحب حصن باليمامة، و كان من سادات بني حنيفة، مطاعا في قومه يصله كسرى في كلّ سنة، و كان في رفاهيّة و نعمة مصونا من وعثاء السفر، لم يكن يسافر أبدا، و كان الأعشى، ينادمه، و كان أخوه جابر أصغر سنّا منه،
____________
(1) لا توجد: أبي، في (س).
(2) في (ك): و جرى.
(3) الاستيعاب- المطبوع على هامش الإصابة- 2- 466 باختصار.
(4) خ. ل: شبان، جاءت في حاشية مطبوع البحار. و في المصادر و شروحه: شتان ما ..
(5) ديوان الأعشى: 96.
(6) كما جاء في القاموس 4- 49، و غيره.
(7) هو: ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف ب: أعشى قيس، أعشى بكر بن وائل، الأعشى الكبير، من أصحاب المعلّقات في الجاهلية، توفي جاهلا في السنة السابعة من الهجرة، ترجم في المجاميع الأدبية كما في الشعر و الشعراء 79، الأغاني 9- 108- طبعة الدار-، آداب اللغة 1- 109، خزانة الأدب للبغدادي 1- 48، و غيرها.
(8) قاله في مجمع البحرين 2- 207، و الصحاح 1- 255، و غيرهما. و لا توجد كلمة: بمعنى بعد، في (س).
(9) كما ذكره الشيخ الرضي في شرحه على الكافية 2- 69.
(10) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 483، و الصحاح 2- 810، و غيرهما.
518
و يروى أنّ حيّان عاتب الأعشى في نسبته إلى أخيه فاعتذر بأنّ الروي اضطرّني إلى ذلك فلم يقبل عذره (1).
و معنى البيت- كما أفاده السيّد المرتضى رضي اللَّه عنه (2)- إظهار البعد بين يومه و يوم حيّان لكونه في شدّة من حرّ الهواجر (3)، و كون حيّان في راحة و خفض، و كذا غرضه (عليه السلام) بيان البعد بين يومه صابرا على القذى و الشجا و بين يومهم فائزين بما طلبوا من الدنيا، و هذا هو الظاهر المطابق للبيت التالي له، و هو ممّا تمثّل به (عليه السلام)- على ما في بعض النسخ- و هو قوله:
أرمي بها البيد إذا هجّرت* * * و أنت بين القرو و العاصر (4)
و البيد- بالكسر-: جمع البيداء و هي المفازة (5)، و التّهجير: السّير في الهاجرة، و هي نصف النّهار عند شدّة الحرّ (6)، و القرو: قدح من الخشب (7)، و قيل: إناء صغير أو إجانة للشّرب (8)، و العاصر: الّذي يعصر العنب للخمر (9) .. أي أنا في شدّة حرّ الشمس أسوق ناقتي في الفيافي (10) و أنت في عيش
____________
(1) و قال له: و اللّه لا نازعتك كأسا أبدا ما عشت، كما صرّح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 167.
(2) رسائل الشريف المرتضى 2- 110، و حكاه عنه ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 257.
أقول: و قد شرح الخطبة الشقشقية السيّد المرتضى كما جاء في رسائله 2- 107- 114، فراجع.
(3) الهواجر: جمع الهاجرة، و هي نصف النهار عند اشتداد الحرّ، قاله في مجمع البحرين 3- 516.
(4) لم يرد هذا البيت في ديوان الأعشى. و جاء في اللسان 2- 34، و روايته: ارمي بها البيداء إذا عرضت.
(5) كما ذكره في القاموس 1- 279، و الصحاح 2- 450.
(6) قاله في الصحاح 2- 851، و النهاية 5- 446، و غيرهما.
(7) صرّح به في الصحاح 6- 2460، و النهاية 4- 57.
(8) جاء في القاموس 4- 377، و غيره.
(9) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 406.
(10) قال في النهاية 3- 485: الفيافي: هي البراري الواسعة، جمع فيفاء. و قال في مجمع البحرين 5- 107: الفيفاء: الصخرة الملساء و الجمع فيافي- كصحاري-.
519
و شرب.
و قال بعض الشارحين (1) المعنى: ما أبعد ما بين يومي على كور الناقة أدأب و أنصب و بين يومي (2) منادما حيّان أخي جابر في خفض و دعة.
فالغرض من التمثيل (3) إظهار البعد بين يومه (عليه السلام) بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مقهورا ممنوعا عن حقّه و بين يومه في صحبة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (4).
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ..
أصل: يا عجبا: يا عجبي، قلبت الياء ألفا، كأنّ المتكلّم ينادي عجبه و يقول له احضر فهذا أوان حضورك.
و بينا: هي بين الظّرفيّة أشبعت فتحتها فصارت ألفا (5)، و تقع بعدها إذا الفجائيّة غالبا (6)، و الاستقالة: طلب الإقالة و هو في البيع فسخه للندم، و تكون في البيعة و العهد (7) أيضا، و استقالته قوله بعد ما بويع: أقيلوني فلست بخيركم و عليّ فيكم.
و قد روى خبر الاستقالة الطبري في تاريخه (8)، و البلاذري في أنساب
____________
(1) المراد به هو ابن ميثم، قاله في شرحه على نهج البلاغة 1- 257 بتصرّف.
(2) في المصدر: يومي- يوم على كور المطيّة أدأب و أنصب في الهواجر، و بين يومي ..
(3) في (س): فالغرض عن التمثيل. و من هنا شرع كلام المصنّف (رحمه الله) و قد انتهى كلام ابن ميثم (رحمه الله).
(4) و قال ابن أبي الحديد في شرحه: 1- 168: يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): شتّان بين يومي في الخلافة مع ما انتقض عليّ من الأمر و منيت به من انتشار الحبل و اضطراب أركان الخلافة، و بين يوم عمر حيث وليها على قاعدة ممهّدة، و أركان ثابتة، و سكون شامل، فانتظم أمره، و اطّرد حاله، و سكنت أيّامه.
(5) كما صرّح به في النهاية 1- 176، و لسان العرب 13- 66.
(6) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 220 و غيره.
(7) جاء في النهاية 4- 134، و لسان العرب 11- 580.
(8) تاريخ الطبريّ 2- 450.
520
الأشراف (1)، و السمعاني في الفضائل (2)، و أبو عبيدة في بعض مصنّفاته- على ما حكاه بعض أصحابنا (3)- و لم يقدح الفخر الرازي في نهاية العقول (4) في صحّته، و إن أجاب عنه بوجوه ضعيفة، و كفى كلامه (عليه السلام) شاهدا على صحّته، و كون العقد لآخر بين أوقات الاستقالة لتنزيل اشتراكهما في التحقيق و الوجود منزلة اتّحاد الزمان، أو لأنّ الظاهر من حال المستقبل لعلمه بأنّ الخلافة حقّ لغيره بقاء ندمه و كونه متأسّفا دائما خصوصا عند ظهور أمارة الموت.
و قوله: بعد وفاته، ليس ظرفا لنفس العقد بل لترتّب الآثار على المعقود بخلاف قوله: في حياته.
و المشهور (5) أنّه لمّا احتضر أحضر عثمان و أمره أن يكتب عهدا، و كان يمليه عليه، فلمّا بلغ قوله: أمّا بعد .. أغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب .. فأفاق أبو بكر فقال: اقرأ، فقرأه فكبّر أبو بكر و قال:
أراك خفت أن يختلف الناس إن متّ في غشيتي؟! قال: نعم. قال: جزاك اللَّه
____________
(1) أنساب الأشراف: و لم نحصل عليه فيما هو المطبوع منه.
(2) الفضائل للسمعاني.
(3) حديث الاستقالة تضافرت مصادره بل تواترت ألفاظه إجمالا، فقد ذكره الطبريّ في تاريخه 2- 450 [4- 52] و فيه: فإنّي قد وليت عليكم و لست بخيركم ..، و قاله ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 14- 16 و 18، و المسعودي في مروج الذهب 1- 414، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 254، و التمهيد للباقلاني: 195، و اليعقوبي في تاريخه 2- 107، و ابن أبي الحديد في شرح النهج 3- 14، و جاء في أعلام النساء 3- 1214، و الرياض النظرة 1- 251- 252، و الصواعق المحرقة: 51، و البداية و النهاية 6- 305، و كنز العمّال 5- 590 و 601 و 607 و 631 و 636 و 656، حديث 14062، 14073 و 14081 و 14118، 14121، و بهذا المضمون في الروايات الواردة في قول أبي بكر في الثلاث اللاتي قال فيها وددت أنّي تركتهنّ ... وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين- يريد بهما عمر و أبا عبيدة- فكان أحدهما أميرا و كنت وزيرا.
(4) نهاية العقول:.
(5) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 165، و تاريخ الطبريّ 2- 618- 619، و مرّت و ستأتي مصادر أخرى.
521
خيرا عن الإسلام و أهله .. ثم أتمّ العهد و أمره أن يقرأه على الناس.
و ذهب في ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة على ما ذكره ابن أبي الحديد (1).
و قال في الإستيعاب (2): قول الأكثر أنّه توفي عشيّ يوم الثلاثاء المذكور، و قيل ليلته، و قيل عشيّ يوم الإثنين، قال: و مكث في خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلّا خمس ليال أو سبع ليال، و قيل: أكثر من ذلك إلى عشرين يوما (3).
و السبب- على ما حكاه عن الواقدي (4)- أنّه اغتسل في يوم بارد، فحمّ (5) و مرض خمسة عشر يوما.
و قيل: سلّ (6).
و قيل: سمّ (7)، و غسّلته زوجته أسماء بنت عميس، و صلّى عليه عمر بن الخطاب، و دفن ليلا في بيت عائشة (8).
لشدّ ما تشطّرا ضرعيها.
.. اللام جواب القسم المقدّر، و شدّ .. أي صار شديدا، و كلمة ما مصدرية، و المصدر فاعل شدّ، و لا يستعمل هذا الفعل إلّا في التعجب.
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 1- 166.
(2) الاستيعاب- المطبوع بهامش الإصابة- 2- 256- 257.
(3) ترجمته في جلّ كتب التاريخ و الرجال و التراجم نذكر منها: طبقات ابن سعد 9- 26- 28، الإصابة ترجمة رقم: 4808، تاريخ ابن الأثير 2- 160، تاريخ الطبريّ 4- 46، تاريخ اليعقوبي 2- 106، صفة الصفوة 1- 88، حلية الأولياء 4- 93، الرياض النظرة: 44 و 187، و تاريخ الإسلام- عهد الخلفاء الراشدين-: 5- 41، و غيرها. و في تاريخ الخميس 2- 199: قيل: و كان اسمه في الجاهليّة عبد الكعبة، فغيّره رسول اللّه.
(4) الاستيعاب- المطبوع في هامش الإصابة- 2- 256- 257.
(5) في (ك): فخم، و هو غلط.
(6) قال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل .. و حكاه في الاستيعاب.
(7) القائل هو سلام بن أبي مطيع.
(8) انظر: تاريخ الطبريّ 2- 612، و تاريخ الخلفاء: 62.
522
و تشطّرا: إمّا مأخوذ من الشطر- بالفتح- بمعنى النّصف، يقال: فلان شطّر ماله .. أي نصّفه (1)، فالمعنى أخذ كلّ واحد منهما نصفا من ضرعي الخلافة، و أما منه بمعنى خلف النّاقة- بالكسر- أي حلمة ضرعها (2)، يقال: شطّر ناقته تشطيرا: إذا صرّ خلفين من أخلافها (3) .. أي شدّ عليهما الصّرار، و هو خيط يشدّ فوق الخلف لئلّا يرضع منه الولد (4)، و للنّاقة أربعة أخلاف، خلفان قادمان- و هما اللّذان يليان السّرّة-، و خلفان آخران (5).
و سمّى (عليه السلام) خلفين منها ضرعا لاشتراكهما في الحلب دفعة، و لم نجد التشطّر على صيغة التفعّل في كلام اللغويّين.
و في رواية المفيد (رحمه الله) (6) و غيره (7): شاطرا- على صيغة المفاعلة- يقال:
شاطرت ناقتي، إذا احتلبت شطرا و تركت الآخر (8)، و شاطرت فلانا مالي: إذا ناصفته (9).
وَ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ السَّقِيفَةِ أَنَّهُ (عليه السلام) قَالَ- لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ يَوْمِ السَّقِيفَةِ-: احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ، اشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ يَرُدَّهُ عَلَيْكَ غَداً (10).
____________
(1) كما ذكره في القاموس 2- 58، و لسان العرب 4- 406.
(2) نصّ عليه في لسان العرب 9- 92، و الصحاح 4- 1355.
(3) كما في صحاح اللغة 2- 697، و لسان العرب 4- 407.
(4) كذا في الصحاح 2- 711، و اللسان 4- 451، و غيرهما.
(5) قال في الصحاح 4- 1355: و الخلف- بالكسر-: حلمة ضرع الناقة القادمان و الآخران.
(6) الإرشاد 153، و فيه: تشطرا.
(7) و جاء في الاحتجاج 1- 191، و تلخيص الشافي 3- 54 نظير ما ذكره في الإرشاد، و في الأمالي:
1- 383: شطر.
(8) صرّح به في الصحاح 2- 697، و غيره.
(9) كما في القاموس 2- 58، و الصحاح 2- 697.
(10) كما ذكره ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة: 12 و غيره، و سيأتي نصّ كلامه.
قال في مجمع الأمثال 1- 255 برقم 1029: .. يضرب في الحثّ على الطّلب و المساواة في المطلوب.
523
و قد مهّد عمر أمر البيعة لأبي بكر يوم السقيفة، ثم نصّ أبو بكر عليه لمّا حضر أجله، و كان قد استقضاه في خلافته و جعله وزيرا في أمرها مساهما (1) في وزرها، فالمشاطرة تحتمل الوجهين.
وَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ (2) وَ الطَّبْرِسِيِ (3) ذَكَرَ التَّمَثُّلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ:
ضَرْعَيْهَا.
فَصَيَّرَهَا فِي حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا وَ يَخْشُنُ مَسُّهَا وَ يَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا وَ الِاعْتِذَارُ مِنْهَا ..
و ليست (فيها) في كثير من النسخ (4).
و الحوزة- بالفتح-: النّاحية و الطّبيعة (5). و الغلظ: ضدّ الرّقّة (6)، و الكلم بالفتح- الجرح (7)، و في الإسناد توسّع، و خشونة المسّ: الإيذاء و الإضرار و هو (8) غير ما يستفاد من الخشناء، فإنّها عبارة عن كون الحوزة بحيث لا ينال ما عندها و لا يفوز بالنجاح من قصدها، كذا قيل.
و قال بعض الشرّاح: يمكن أن يكون (من) في «الاعتذار منها» للتعليل، أي و يكثر اعتذار الناس عن أفعالهم و حركاتهم لأجل تلك الحوزة (9).
و قال بعض الأفاضل: الظاهر أنّ المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولّي
____________
(1) في (س): مساوما.
(2) في أماليه: 1- 383: قال ثمّ تمثّل .. و ذكر البيت الشّيخ المفيد في الإرشاد: 153، من دون قوله:
تمثّل.
(3) الاحتجاج: 192 [النّجف 1- 284] قال: ثمّ تمثّل بقول الأعشى .. و كذا ذكره الشّيخ في تلخيص الشّافي 3- 54 أيضا.
(4) كما في أمالي الشيخ 1- 383، و معاني الأخبار: 343، و غيرهما.
(5) نصّ عليه في القاموس 2- 174، و قريب منه ما في لسان العرب 5- 342- 343.
(6) كما ذكره في القاموس 2- 397، و لسان العرب 7- 449.
(7) جاء في مجمع البحرين 6- 157، و الصحاح 5- 2023، و غيرهما.
(8) جاءت نسخة بدل في حاشية المطبوع من البحار: و هي.
(9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 171.
524
للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوي، و تشبيه الخلافة بالراكب السائر فيها أو بالناقة .. أي أخرجها عن مسيرها المستوي و هو من يستحقّها إلى تلك الناحية الحزنة، فيكثر عثارها، أو عثار مطيّتها (1) فيها، فاحتاجت إلى الاعتذار من عثراتها الناشئة من خشونة الناحية، و هو في الحقيقة اعتذار من الناحية، فالعاثر و المعتذر حينئذ هي الخلافة توسّعا، و الضمير المجرور في (منها) راجع إلى الحوزة أو إلى العثرات المفهومة من كثرة العثار، و من صلة للاعتذار أو للصفة المقدّرة صفة (2) للاعتذار، أو حالا عن (يكثر) .. أي الناشئ أو ناشئا منها، و على ما في كثير من النسخ يكون الظرف المتضمّن لضمير الموصوف أعني فيها محذوفا، و العثار و الاعتذار على النسختين إشارة إلى الخطإ في الأحكام و غيرها، و الرجوع عنها كقصّة الحاملة و المجنونة و ميراث الجدّ .. و غيرها (3).
و في الإحتجاج (4): فصيّرها و اللَّه (5) في ناحية خشناء، يجفو مسّها، و يغلظ كلمها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها حزم (6)، و إن أسلس لها تقحّم، يكثر فيها العثار، و يقلّ فيها الاعتذار (7) ...
فالمعنى أنّه كان يعثر كثيرا و لا يعتذر منها لعدم المبالاة، أو للجهل، أو لأنّه لم يكن لعثراته عذر حتى يعتذر، فالمراد بالاعتذار إبداء العذر ممّن كان معذورا و لم يكن مقصّرا.
____________
(1) في (س): مطيها.
(2) لا توجد: صفة، في (ك).
(3) جاء بألفاظ متقاربة ذكرها ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 258- 259.
(4) الاحتجاج: 192 [النجف 1- 284- 285].
(5) لا يوجد لفظ الجلالة في الطبعتين من الاحتجاج، و جاء في الأمالي للشيخ الطوسيّ 1- 383، و الإرشاد للمفيد: 153 .. و جملة من المصادر.
(6) في المصدر: خرم.
(7) في المصدر بتقديم جملة: و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها، على قوله: فصاحبها كراكب .. إلى آخره.
525
و في رواية الشيخ (1) (رحمه الله): فعقدها و اللَّه في ناحية خشناء، يخشن مسّها- و في بعض النسخ: يخشى مسّها-، و يغلظ كلمها، و يكثر العثار و الاعتذار فيها، صاحبها منها كراكب الصعبة إن شنق لها حزم، و إن أسلس لها عصفت به (2).
فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحّم ..
الصّعبة من النّوق: غير المنقادة (3)، و اشنق بعيره .. أي جذب رأسها بالزّمام، و يقال: اشنق البعير بنفسه: إذا رفع رأسه، يتعدّى و لا يتعدّى (4)، و اللّغة المشهورة: شنق كنصر متعدّيا بنفسه، و يستعملان باللّام، كما صرّح به في النّهاية (5).
قال السيّد (رحمه الله) في النهج (6)- بعد إتمام الخطبة- قوله (عليه السلام): في هذه الخطبة-
كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم و إن أسلس لها تقحّم.
.. يريد أنّه إذا شدّد عليها في جذب الزّمام و هي تنازعه رأسها خرم أنفها، و إن أرخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها، يقال: أشنق النّاقة إذا جذب رأسها بالزّمام فرفعه و شنقها أيضا، ذكر ذلك ابن السّكّيت في إصلاح المنطق (7)، و إنّما قال: أشنق لها و لم يقل أشنقها لأنّه جعله في مقابلة قوله: أسلس لها، فكأنّه عليه
____________
(1) أمالي الشيخ 1- 383.
(2) في الأمالي: عسفت به- بالسين-.
(3) قال في مجمع البحرين 2- 100: و الناقة الصعبة: خلاف الذلول. و قال في النهاية 3- 29: من كان مصعبا .. أي من كان بعيره صعبا غير منقاد و لا ذلول.
(4) كما في الصحاح 4- 1504، و لسان العرب 10- 187.
(5) النهاية 2- 506، و مثله في لسان العرب 10- 187، و فيهما: و في حديث عليّ [(عليه السلام)]: إن أشنق لها خرم.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده-: 1- 37- 38، صبحي صالح: 50 ذيل خطبة 3.
(7) إصلاح المنطق: 36.
526
السّلام قال: إن رفع لها رأسها بالزّمام (1) بمعنى أمسكه عليها (انتهى).
فاللّام (2) للازدواج، و الخرم: الشّقّ، يقال: خرم فلانا- كضرب- .. أي شقّ وترة أنفه، و هي ما بين منخريه فخرم هو كفرح (3)، و المفعول محذوف و هو ضمير الصعبة كما يظهر من كلام بعض اللغويّين، أو أنفها كما يدلّ عليه كلام السيّد و ابن الأثير و بعض الشارحين، و أسلس لها .. أي أرخى زمامها لها (4)، و تقحّم .. أي رمى نفسه في مهلكة، و تقحّم الإنسان الأمر .. أي رمى نفسه (5) فيها من غير رويّة (6).
و ذكروا في بيان المعنى وجوها:
منها: أنّ الضمير في صاحبها يعود إلى الحوزة المكنّى بها عن الخليفة أو أخلاقه (7)، و المراد بصاحبها من يصاحبها كالمستشار و غيره، و المعنى أنّ المصاحب للرجل المنعوت حاله في صعوبة الحال كراكب الناقة الصعبة، فلو تسرّع إلى إنكار القبائح من أعماله أدّى إلى الشقاق بينهما و فساد الحال، و لو سكت و خلّاه و ما يصنع أدّى إلى خسران المال.
و منها: أنّ الضمير راجع إلى الخلافة أو إلى الحوزة، و المراد بصاحبها نفسه (عليه السلام)، و المعنى أنّ قيامي في طلب الأمر يوجب مقاتلة ذلك الرجل و فساد أمر الخلافة رأسا، و تفرّق نظام المسلمين، و سكوتي (8) عنه يورث التقحّم في موارد
____________
(1) لا توجد: بالزمام، في طبعة محمّد عبده، و في طبعة صبحي صالح: أمسكه عليها بالزمام.
(2) يعني اللام في قوله: أشنق لها ..
(3) كما في القاموس 4- 104، و تاج العروس 8- 271، و قريب منهما ما في لسان العرب 12- 170.
(4) قال في مجمع البحرين 4- 78، و المصباح المنير 1- 344: سلس سلسا- من باب تعب-: سهل و لان، و عليه فإنّ ما ذكره (قدّس سرّه) لازم للمعنى لا نفسه.
(5) لا توجد: نفسه، في طبعة (س).
(6) كما جاء في النهاية 4- 18، و لسان العرب 12- 462- 463، و غيرها.
(7) في (ك): أخلافه.
(8) في (ك): سكوني.
527
الذلّ و الصغار.
و منها: أنّ الضمير راجع إلى الخلافة، و صاحبها من تولّى أمرها مراعيا للحقّ و ما يجب عليه، و المعنى أنّ المتولّي لأمر الخلافة إن أفرط في إحقاق الحقّ و زجر الناس عمّا يريدونه بأهوائهم أوجب ذلك نفار طباعهم و تفرّقهم عنه، لشدّة الميل إلى الباطل، و إن فرّط في المحافظة على شرائطها ألقاه التفريط في موارد الهلكة، و ضعف هذا الوجه و بعده واضح.
هذا ما قيل فيه (1) من الوجوه، و لعلّ الأول أظهر (2).
و يمكن فيه تخصيص الصاحب به (عليه السلام)، فالغرض بيان مقاساته الشدائد في أيّام تلك الحوزة الخشناء للمصاحبة، و قد كان يرجع إليه (عليه السلام) بعد ظهور الشناعة في العثرات، و يستشيره في الأمور للأغراض.
و يحتمل عندي وجها [كذا] آخر و هو: أن يكون المراد بالصاحب عمر، و بالحوزة سوء أخلاقه، و يحتمل إرجاع الضمير إلى الخلافة.
و الحاصل: أنّه كان لجهله بالأمور، و عدم استحقاقه للخلافة، و اشتباه الأمور عليه كراكب الصعبة، فكان يقع في أمور لا يمكنه التخلّص منها أو لم يكن شيء من أموره خاليا عن المفسدة، فإذا استعمل الجرأة و الجلادة (3) و الغلظة كانت على خلاف الحقّ، و إن استعمل اللين كان للمداهنة في الدين.
فمني الناس- لعمر اللَّه- بخبط و شماس و تلوّن و اعتراض ..
مني- على المجهول- أي ابتلي (4)، و العمر- بالضم و الفتح-: مصدر عمر الرّجل- بالكسر- إذا عاش زمانا طويلا (5)، و لا يستعمل في القسم إلّا العمر
____________
(1) لا توجد: فيه، في (س).
(2) ذكر هذه الوجوه مفصلا ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 259- 260، فلاحظ.
(3) الجلادة: الصلابة، كما في الصحاح 2- 458 و غيره.
(4) كما جاء في القاموس 4- 391، و لسان العرب 15- 293.
(5) قاله في مجمع البحرين 3- 413، و الصحاح 2- 756.
528
- بالفتح-، فإذا أدخلت عليه اللّام رفعته بالابتداء، و اللّام لتوكيد الابتداء، و الخبر محذوف، و التّقدير لعمر اللَّه قسمي، و إن لم تأت باللّام نصبته نصب المصادر، و المعنى على التّقديرين (1) أحلف ببقاء اللَّه و دوامه (2)، و الخبط- بالفتح-: السّير على غير معرفة و في غير جادّة (3)، و الشّماس- بالكسر- النغار (4) يقال: شمس الفرس شموسا و شماسا .. أي منع ظهره، فهو فرس شموس- بالفتح- و به شماس (5)، و التّلوّن في الإنسان: أن لا يثبت على خلق واحد (6)، و الاعتراض: السّير على غير استقامة كأنّه يسير عرضا (7).
و الغرض بيان شدّة ابتلاء الناس في خلافته بالقضايا الباطلة لجهله و استبداده برأيه مع تسرّعه إلى الحكم و إيذائهم بحدّته و بالخشونة في الأقوال و الأفعال الموجبة لنفارهم عنه، و بالنفار عن الناس كالفرس الشموس، و التلوّن في الآراء و الأحكام لعدم ابتنائها على أساس قوي، و بالخروج عن الجادة المستقيمة التي شرّعها اللَّه لعباده، أو بالوقوع في الناس في مشهدهم و مغيبهم، أو بالحمل على الأمور الصعبة، و التكاليف الشاقّة. و يحتمل أن يكون الأربعة أوصافا للناس
____________
(1) أي على تقدير دخول اللام و عدمها.
(2) نصّ عليه في الصحاح 2- 752، و لسان العرب 4- 601- 602.
(3) قال في مجمع البحرين 4- 244: و الخبط: حركة على غير النحو الطبيعي و على غير اتّساق، و الخبط: المشي على غير الطريق. و قال في القاموس 2- 356: خبط الليل: سار فيه على غير هدى.
(4) قال في النهاية 2- 501: شمس- جمع شموس- و هو النفور من الدوابّ الذي لا يستقرّ لشغبه و حدّته، و بنصّه في لسان العرب 6- 113.
أقول: إنّ ملاحظة اللغة و السياق يقوي في النظر أن: النغار- بالغين المعجمة- صحيحها النفار- بالفاء-، و لعله يقرأ بالفاء في (ك).
(5) ذكره في الصحاح 2- 940، و قريب منه في مجمع البحرين 4- 80.
(6) كما في مجمع البحرين 6- 316، و الصحاح 6- 2197، و غيرهما.
(7) قال في القاموس 2- 335: و الاعتراض: المنع، و الأصل فيه أنّ الطريق إذا اعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه مطاوع العرض. و قال في الصحاح 3- 1084: و اعترض الشيء: صار عارضا كالخشبة المعترضة في النهر .. و اعترض الفرس في رسنه: لم يستقم لقائده.
529
في مدّة خلافته، فإنّ خروج الوالي عن الجادة يستلزم خروج الرعيّة عنها أحيانا، و كذا تلوّنه و اعتراضه يوجب تلوّنهم و اعتراضهم على بعض الوجوه، و خشونته يستلزم نفارهم، و سيأتي تفاصيل تلك الأمور في الأبواب الآتية إن شاء اللَّه تعالى.
فصبرت على طول المدّة و شدّة المحنة، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ..
و في تلخيص الشافي: زعم أنّي سادسهم (1).
و المحنة: البليّة الّتي يمتحن بها الإنسان (2).
و الزّعم (3)- مثلثة- قريب من الظّنّ (4). و قال ابن الأثير: إنّما يقال زعموا في حديث لا سند له و لا ثبت فيه (5). و قال الزمخشري: هي ما لا يوثق به من الأحاديث (6).
- وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ زَعْمٍ فِي الْقُرْآنِ كَذِبٌ (7).
و كانت مدّة غصبه للخلافة- على ما في الإستيعاب- عشر سنين و ستة أشهر. و قال: قتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و قال الواقدي و غيره: لثلاث بقين منه، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة (8).
____________
(1) تلخيص الشافي 3- 54.
(2) كما جاء في الصحاح 6- 2201، و لسان العرب 13- 401، و غيرهما.
(3) كررت كلمة: و الزعم في (س)، و قد خطّ على الثانية في (ك)، و هو الظاهر.
(4) قال في القاموس 4- 124: الزعم- مثلثة- القول الحق و الباطل و الكذب، ضد، و أكثر ما يقال فيما يشكّ فيه، و نحوه جاء في لسان العرب 12- 264.
(5) صرّح بذلك في النهاية 2- 303، و نحوه في لسان العرب 12- 267.
(6) قال في لسان العرب 12- 267: و قال: الزمخشري: معناه أنّهما يتحادثان بالزعمات و هي .. إلى آخر ما في المتن. و قال في كتاب العين 1- 364: «هذه للّه بزعمهم» و يقرأ بزعمهم أي بقولهم الكذب.
(7) قال في مجمع البحرين 6- 79: و في الحديث: كلّ زعم في القرآن كذب.
(8) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2- 467.
530
و اشتهر بين الشيعة أنّه قتل في التاسع من ربيع الأوّل، و سيأتي فيه بعض الروايات.
و الجماعة الذين أشار (عليه السلام) إليهم أهل مجلس الشورى، و هم ستة على المشهور-: عليّ (عليه السلام) و عثمان و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقّاص و عبد الرحمن بن عوف.
و قال الطبري (1): لم يكن طلحة ممّن ذكر في الشورى و لا كان يومئذ بالمدينة.
و قال أحمد بن أعثم (2): لم يكن بالمدينة. فقال عمر: انتظروا بطلحة ثلاثة أيّام، فإن جاء و إلّا فاختاروا رجلا من الخمسة.
فيا للَّه و للشورى ..
الشّورى- كبشرى، مصدر- بمعنى المشورة (3)، و اللّام في فيا للَّه: مفتوحة لدخولها على المستغاث، أدخلت للدلالة على اختصاصها بالنداء للاستغاثة، و أمّا في: و للشّورى فمكسورة دخلت على المستغاث له (4)، و الواو زائدة أو عاطفة على محذوف مستغاث (5) له أيضا، قيل: كأنّه قال: فيا لعمر و للشورى .. أو: لي و للشورى .. و نحوه، و الأظهر فيا للَّه لما أصابني عنه، أو لنوائب الدهر عامّة و للشورى خاصّة، و الاستغاثة للتألّم من الاقتران بمن لا يدانيه في الفضائل، و لا يستأهل للخلافة، و سيأتي قصّة الشورى في بابها.
متى (6) اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتى صرت أقرن إلى هذه
____________
(1) في تاريخه 3- 292 باب قصّة الشورى.
(2) في الفتوح 2- 327، و انظر تاريخ الإسلام للذهبي- عهد الخلفاء الراشدين-: 281، و طبقات ابن سعد 3- 344 و غيرها.
(3) نصّ عليه في الصحاح 2- 705، و لسان العرب 4- 437.
(4) كما في مجمع البحرين 6- 170، و الصحاح 5- 2035، و غيرهما.
(5) هنا كلمة: ليس، وضعت في حاشية (ك) و أرجعت إلى هنا و بعدها: صح. و لم نجد لها وجها مناسبا.
(6) في (س): مع.
531
النظائر ..
وَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ (1) وَ غَيْرِهِ: فَيَا لَلشُّورَى وَ اللَّهِ (2)، مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ (3) فِيَّ مَعَ الْأَوَّلَيْنِ، فَأَنَا الْآنَ أُقْرَنُ ..
و في الإحتجاج (4): مع الأوّلين منهم حتى صرت الآن يقرن بي هذه (5) النظائر.
و يقال (6): اعترض الشّيء .. أي صار عارضا كالخشبة المعترضة في النّهر (7)، و الرّيب: الشّكّ (8)، و المراد بالأوّل أبو بكر.
و أقرن إليهم- على لفظ المجهول- أي أجعل قرينا لهم و يجمع بيني و بينهم.
و النظائر الخمسة: أصحاب الشورى، و قيل: الأربعة كما سيأتي، و التعبير عنهم بالنظائر لأنّ عمر جعلهم نظائر له (عليه السلام)، أو لكون كلّ منهم نظير الآخرين.
لكنّي أسففت أن (9) أسفّوا و طرت إذ طاروا ..
و في رواية الشيخ (10): و (11) لكنّي أسففت مع القوم حيث أسفّوا و طرت مع القوم حيث طاروا ..
قال في النهاية- في شرح هذه الفقرة-: أسفّ الطّائر: إذا دنا من
____________
(1) الأمالي 1- 383.
(2) في المصدر: و للّه.
(3) لا توجد: الرّيب، في (س).
(4) الاحتجاج: 193 [طبعة النجف 1- 286].
(5) في المصدر: مع الأول منهم حتّى صرت أقرن إلى هذه ..
(6) خطّ على الواو، في (ك).
(7) صرّح به في الصحاح 3- 1083، و لسان العرب 7- 168 و غيرهما.
(8) نصّ عليه في مجمع البحرين 2- 76، و الصحاح 1- 141.
(9) في (ك): إذ.
(10) أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 383.
(11) لا توجد الواو في (ك).
532
الأرض، و أسفّ الرّجل للأمر: إذا قاربه (1)، و طرت .. أي ارتفعت استعمالا للكلّي في أكمل الأفراد بقرينة المقابلة.
و قال بعض الشارحين (2): أي لكنّي طلبت الأمر إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة لأنّه حقّي و لم أستنكف من طلبه.
و الأظهر أنّ المعنى أنّي جريت معهم على ما جروا، و دخلت في الشورى مع أنّهم لم يكونوا نظراء لي، و تركت المنازعة للمصلحة أو الأعمّ من ذلك بأنّ تكلّمت معهم في الإحتجاج أيضا بما يوافق رأيهم، و بيّنت الكلام على تسليم حقيّة ما مضى من الأمور الباطلة، و أتممت الحجة عليهم على هذا الوجه.
فصغى رجل منهم لضغنه و مال الآخر لصهره مع هن و هن.
الصّغي: الميل، و منه أصغيت إليه: إذا ملت بسمعك نحوه (3). و الضّغن- بالكسر- الحقد و العداوة (4)، و الصّهر- بالكسر-: حرمة الختونة (5). و قال الخليل: الأصهار: أهل بيت المرأة، و من العرب من يجعل الصّهر من الأحماء و الأختان (6) جميعا (7).
و هن على وزن أخ: كلمة كناية و معناه شيء و أصله هنو (8).
و قال الشيخ الرضي رضي اللَّه عنه: الهن: الشّيء المنكر الّذي يستهجن
____________
(1) النهاية 2- 275، و انظر: لسان العرب 9- 154.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 184 بتصرّف في النقل.
(3) كما في الصحاح 6- 2401، و في القاموس 4- 352 نحوه، إلّا أن كلمة نحوه لا توجد فيه.
(4) ذكره في النهاية 3- 91، و قريب منه ما في مجمع البحرين 6- 275.
(5) جاء في القاموس 2- 74، و لسان العرب 4- 471، و كتاب العين 3- 411.
(6) إلى هنا نقل في مجمع البحرين 3- 370 عن الخليل.
(7) و حكاه عنه في الصحاح 2- 717 بنصّه. و في كتاب العين 3- 411 نصّ بقوله: و لا يقال لأهل بيت الختن إلّا أختان، و لأهل بيت المرأة الأصهار، و من العرب من يجعلهم [و في نسخة مكتبة المتحف و في نسخة الصدر و طهران: يجعله.] كلّهم أصهارا.
(8) صرّح به في مجمع البحرين 1- 479، و الصحاح 6- 2536.
533
ذكره من العورة و الفعل القبيح أو غير ذلك (1)، و الذي مال للضغن سعد بن أبي وقّاص، لأنّه (عليه السلام) قتل أباه يوم بدر، و سعد أحد (2) من قعد عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) عند رجوع الأمر إليه، كذا قال الراوندي (رحمه الله) (3).
و ردّه ابن أبي الحديد (4) بأنّ أبا وقّاص- و اسمه مالك بن وهيب (5)- مات في الجاهلية حتف أنفه، و قال: المراد به طلحة، و ضغنه لأنّه تيميّ و ابن عمّ أبي بكر، و كان في نفوس بني هاشم حقد (6) شديد من بني تيم لأجل الخلافة و بالعكس، و الرواية التي جاءت بأنّ طلحة لم يكن حاضرا يوم الشورى- إن صحّت فذو الضغن هو سعد، لأنّ أمّه حمنة (7) بنت سفيان بن أميّة بن عبد شمس، و الضغنة التي كانت عنده من قبل أخواله الذين قتلهم عليّ (عليه السلام)، و لم يعرف أنّه (عليه السلام) قتل أحدا من بني زهرة لينسب الضغن إليه، و الذي مال لصهره هو عبد الرحمن لأنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت زوجة عبد الرحمن، و هي أخت عثمان من أمّه أروى (8) بنت كويز (9) بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.
و في بعض نسخ كتب الصدوق (رحمه الله) (10): فمال رجل بضبعه.
- بالضاد المعجمة و الباء- و في بعضها: باللام (11).
و قال الجوهري: الضّبع: العضد .. و ضبعت الخيل .. مدّت أضباعها في
____________
(1) نصّ عليه في شرح الرضي 1- 25.
(2) في (ك): واحد، و الظاهر أنّ الواو زائدة.
(3) في شرحه على النهج، منهاج البراعة 1- 127.
(4) في شرح النهج 1- 189، و جاء بهذا المضمون من نفس المجلد: 187- 188، فراجع.
(5) في المصدر: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب.
(6) في شرح النهج 1- 188: حنق، و هي نسخة في مطبوع البحار.
(7) الكلمة في (س) مشوّشة.
(8) في (س): أدوى.
(9) في (ك) جاءت نسخة بدل: كريز .. و هي كذلك في شرح النهج.
(10) كما في معاني الأخبار: 344.
(11) علل الشرائع 1- 151.
534
سيرها ..، و قال الأصمعي: الضّبع: أن يهوي بحافره إلى عضده، و كنّا في ضبع فلان- بالضم- أي في كنفه و ناحيته (1). و قال: يقال ضلعك مع فلان ..
أي ميلك معه و هواك .. و يقال: خاصمت فلانا فكان ضلعك عليّ .. أي ميلك (2).
و في رواية الشيخ (3): فمال رجل لضغنه و أصغى آخر لصهره ..
و لعلّ المراد بالكناية رجاؤه أن ينتقل الأمر إليه بعد عثمان، و ينتفع بخلافته و الانتساب إليه باكتساب الأموال و الاستطالة و الترفّع على الناس، أو نوع من الانحراف عنه (عليه السلام)، و قد عدّ من المنحرفين، أو غير ذلك ممّا هو (عليه السلام) أعلم به، و يحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالمعطوف و المعطوف عليه كليهما، فالكناية تشتمل ذا الضغن أيضا.
إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللَّه خضم الإبل نبتة الربيع.
وَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ (4): إِلَى أَنْ قَامَ الثَّالِثُ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَ مُعْتَلَفِهِ مِنْهَا، وَ أَسْرَعَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ فِي مَالِ اللَّهِ يَخْضَمُونَهُ ..
و الحضن- بالكسر- ما دون الإبط إلى الكشح (5)، و النّفج- بالجيم-:
الرّفع (6) يقال: بعير منتفج الجنبين: إذا امتلأ من الأكل فارتفع جنباه (7)، و رجل
____________
(1) كما صرّح بذلك في الصحاح 3- 1247.
(2) الصحاح 3- 1251.
(3) أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 383.
(4) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 383.
(5) قاله في الصحاح 5- 2101، و القاموس 4- 215، و غيرهما.
(6) كما في الصحاح 1- 345، و القاموس 1- 210.
(7) قال في الصحاح 1- 346: و انتفج جنبا البعير: ارتفعا. و قال في النهاية 5- 89: إذا ارتفعا و عظما خلقة، و نفجت الشيء فانتفج .. أي رفعته و عظّمته.
535
منتفج (1) الجنبين: إذا افتخر بما ليس فيه (2)، و ظاهر المقام التشبيه بالبعير. و قال ابن الأثير: كنى به (3) عن التّعاظم و الخيلاء (4)، قال: و يروى نافخا- بالخاء المعجمة (5)- أي منتفخا مستعدّا (6) لأن يعمل عمله من الشّرّ (7)، و الظاهر على هذه الرواية أنّ المراد كثرة الأكل.
و النّثيل: الرّوث- بالفتح (8)-، و المعتلف- بالفتح- موضع الاعتلاف، و هو أكل الدّابة العلف .. (9) أي كان همّه الأكل و الرجع كالبهائم، و قد مرّ تفسير ما في رواية الصدوق (رحمه الله) (10).
قال في القاموس: النّثيل- بالفتح و الكسر (11)- وعاء قضيب البعير .. أو القضيب نفسه (12)، و الخضم: الأكل بجميع الفم و يقابله القضم .. أي بأطراف الأسنان (13).
وَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ- فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (عليه السلام) (14)-: فَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ (15)
____________
(1) في (س): منتفخ.
(2) قال في القاموس 1- 210: النفاج: المتكبّر كالمنتفج .. و تنفّج: افتخر بأكثر ممّا عنده. و قال في المصباح المنير 2- 324: نفج الإنسان- من باب قتل- فخر بما ليس عنده فهو نفّاج.
(3) أي بقوله (عليه السلام): نافجا حضنيه.
(4) النهاية 5- 89.
(5) لا توجد: بالخاء المعجمة، في المصدر.
(6) في المصدر: منتفخ مستعد، و كلاهما بالرفع.
(7) النهاية 5- 90.
(8) صرّح به في مجمع البحرين 5- 477، و الصحاح 5- 1825.
(9) جاء في لسان العرب 9- 256، و تاج العروس 6- 205.
(10) في صفحة: 503 من هذا المجلد.
(11) في (س): بالكسر، فحسب.
(12) القاموس 3- 344، باختلاف يسير.
(13) كما في مجمع البحرين 6- 59، و الصحاح 5- 1913 و 2013.
(14) في المصدر: الترضية، بدلا من: التّسليم.
(15) في النّهاية: بنو أميّة، بدلا من: بنو أبيه.
536
يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خَضْمَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ ..
: الخضم: الأكل بأقصى الأضراس، و القضم بأدناها، و منه حديث أبي ذرّ: تأكلون خضما و نأكل قضما (1)، و قيل: الخضم خاصّ بالشّيء الرّطب (2) و القضم باليابس، و الفعل خضم- كعلم- على قول الجوهري (3) و ابن الأثير (4). و في القاموس: كسمع و ضرب (5)، و أعرب المضارع في النسخ على الوجهين جميعا. و قالوا: النّبتة بالكسر- ضرب من فعل النّبات يقال: إنّه لحسن النّبتة (6)، و الكلام إشارة إلى تصرّف عثمان و بني أميّة في بيت مال المسلمين و إعطائه الجوائز و إقطاعه القطائع (7) كما سيأتي إن شاء اللَّه.
إلى أن انتكث عليه فتله، و أجهز عليه عمله، و كبت به بطنته ..
و في الإحتجاج (8): إلى أن كبت به (9) بطنته و أجهز عليه عمله ..
و الانتكاث: الانتقاض، يقال: نكث فلان العهد و الحبل فانتكث .. أي نقضه فانتقض (10)، و فتل الحبل: برمه و ليّ شقّيه (11). و الإجهاز: إتمام قتل
____________
(1) النهاية 2- 44.
(2) كما نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 59، و القاموس 4- 107.
(3) الصحاح 5- 1913.
(4) النهاية 2- 44.
(5) القاموس 4- 107.
(6) قال في لسان العرب 2- 96: و النّبتة: شكل النبات و حالته التي ينبت عليها، و النبتة: الواحدة من النبات، حكاه أبو حنيفة، فقال: العقيفاء: نبتة ورقها مثل ورق السذّاب، و قال في موضع آخر: إنّما قدّمناها لئلّا يحتاج إلى تكرير ذلك عند ذكر كلّ نبت. أراد عند كلّ نوع من النبت.
و نحوه في تاج العروس 1- 590.
(7) في (ك) نسخة بدل: القواطع.
(8) الاحتجاج 1- 287.
(9) في المصدر: إلى أن انتكث عليه فتله و كبت به .. إلى آخره.
(10) نصّ عليه في الصحاح 1- 295، و المصباح المنير 2- 335.
(11) قال في لسان العرب 11- 514: الفتل: ليّ الشيء كليّك الحبل. و قال في القاموس 4- 28: فتله يفتله .. لواه .. و الفتلة .. برمة العرفط. و قال فيه أيضا 4- 78: و أبرم الحبل: جعله طاقين ثمّ فتله. و قال في مجمع البحرين 6- 16: الإبرام- في الأصل- فتل الحبل، و النقض- بالضاد المعجمة:
نقيضه.
537
الجريح و إسراعه (1)، و قيل: فيه (2) إيماء إلى ما أصابه قبل القتل من طعن أسنّة الألسنة و سقوطه عن أعين الناس.
و كبا الفرس: سقط على وجهه (3)، و كبا به: أسقطه.
و البطنة: الكظّة، أي: الامتلاء من الطّعام (4).
و الحاصل أنّه استمرّت أفعالهم المذكورة إلى أن رجع عليه حيله و تدابيره و لحقه وخامة العاقبة فوثبوا عليه و قتلوه، كما سيأتي بيانه.
فما راعني إلّا و الناس ينثالون عليّ من كلّ جانب ..
و في الإحتجاج (5): إلا و الناس رسل إليّ كعرف الضبع يسألون أن أبايعهم و انثالوا علي حقّي (6) ..
و في رواية الشيخ (7): فما راعني من الناس إلّا و هم رسل كعرف الضبع يسألوني أبايعهم و أبى ذلك (8)، و انثالوا عليّ ..
و الروع- بالفتح- الفزع و الخوف، يقال: رعت فلانا و روّعته فارتاع .. أي أفزعته ففزع، و راعني الشّيء أي أعجبني (9)، و الأوّل هنا أنسب.
____________
(1) صرّح بذلك في المصباح المنير 1- 139، و قريب منه في لسان العرب 5- 325.
(2) لا توجد في (س): فيه.
(3) كما في مجمع البحرين 1- 356، و مثله في القاموس 4- 381، قال: كبا كبوا و كبّوا: انكبّ على وجهه .. و كبا الكوز: صبّ ما فيه.
(4) جاء في الصحاح 5- 2080، و زاد فيه: امتلاء شديدا، و نحوه في لسان العرب 13- 52- 53.
(5) الاحتجاج 1- 287.
(6) في المصدر: .. الضبع ينثالون عليّ من كلّ جانب حتّى ..
(7) في أماليه 1- 383.
(8) كذا، و الظاهر: و آبى ذلك.
(9) نصّ عليه في الصحاح 3- 1223، و لسان العرب 8- 136.
538
و الثّول: صبّ ما في الإناء، و انثال: انصبّ (1).
و في بعض النسخ الصحيحة: و الناس إليّ كعرف الضبع ينثالون (2) ..
و العرف: الشّعر الغليظ النّابت (3) على عنق الدّابة (4)، و عرف الضّبع (5) ممّا يضرب به المثل في الازدحام.
و في القاموس: الرّسل- محركة- القطيع من كلّ شيء .. و الرّسل- بالفتح- ..
المترسّل من الشّعر، و قد رسل- كفرح- رسلا .. (6) أي ما أفزعني حالة إلّا حالة ازدحام الناس للبيعة، و ذلك لعلمهم بقبح العدول عنه (عليه السلام) إلى غيره.
حتى لقد وطئ الحسنان و شقّ عطفاي ...
الوطء: الدّوس بالقدم (7)، و الحسنان السبطان (صلوات الله عليهما)، و نقل عن السيّد المرتضى رضي اللَّه (8) عنه أنّه قال: روى أبو عمر (9): و أنّهما الإبهامان، و أنشد للشفري (10):
____________
(1) صرّح به في النهاية 1- 230، و لسان العرب 11- 95. و في (ك): و انصبّ.
(2) كما في تلخيص الشافي للشيخ الطوسيّ 3- 56 و غيره، و قريب منه في علل الشرائع للشيخ الصدوق 1- 151.
(3) في (ك): الثابت.
(4) قاله في المصباح المنير 2- 62، إلّا أنّه لم يصف الشعر بالغليظ، و مثله في القاموس 3- 173، قال:
و العرف: شعر عنق الدابّة.
(5) قال في لسان العرب 8- 241: و الضّبع يقال لها: عرفاء، لطول عرفها و كثرة شعرها.
(6) القاموس 3- 384.
(7) كما جاء في النهاية 5- 200، و لسان العرب 1- 197، و غيرهما.
(8) كما حكاه ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 265.
(9) هو أبو عمر محمّد بن عبد الواحد بن أبي هاشم الباوردي (261- 345 ه) المعروف ب: غلام ثعلب، من أئمّة اللغة، له جملة مصنّفات، انظر عنه: وفيات الأعيان 1- 500، تاريخ بغداد 2- 356، لسان الميزان 5- 268، تذكرة الحفّاظ 3- 86، الوافي بالوفيات 4- 72 و غيرها.
(10) في شرح النهج: المشنفري، الظاهر: الشنفري.
539
مهضومة الكشحين حزماء (1)الحسن* * * ................ ..
وَ رَوَى أَنَّهُ (صلوات الله عليه) كَانَ يَوْمَئِذٍ جَالِساً مُحْتَبِياً- وَ هِيَ جِلْسَةُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْمُسَمَّاةُ بِالْقُرْفُصَاءِ (2)- فَاجْتَمَعُوا لِيُبَايِعُوهُ زَاحَمُوا حَتَّى وَطِئُوا إِبْهَامَيْهِ، وَ شَقُّوا ذَيْلَهُ.
، قال (3): و لم يعن الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هما رجلان كسائر الحاضرين.
و عطفا الرّجل- بالكسر- جانباه (4)، فالمراد شقّ جانبي قميصه (عليه السلام) أو ردائه (عليه السلام) لجلوس الناس أو وضع الأقدام و زحامهم حوله.
و قيل (5): أراد خدش جانبيه (عليه السلام) لشدّة الاصطكاك و الزحام. و في بعض النسخ الصحيحة: و شقّ عطافي، و هو- بالكسر- الرّداء (6)، و هو أنسب.
مجتمعين حولي كربيضة (7) الغنم ..
الرّبيض و الرّبيضة: الغنم المجتمعة في مربضها (8) .. أي مأواها (9).
و قيل: إشارة إلى بلادتهم و نقصان عقولهم، لأنّ الغنم توصف بقلّة الفطنة.
____________
(1) في المصدر: خرماء.
(2) القرفصاء: هي جمع الرّكبتين و جمع الذّيل، تعدّ من السّنن. قال في القاموس 2- 312: و القرفصى- مثلّثة القاف، و الفاء مقصورة- و القرفصاء- بالضّمّ-، و القرفصاء- بضمّ القاف و الرّاء على الإتباع-: أنّ يجلس على أليتيه و يلصق فخذيه ببطنه و يحتبي بيديه يضعهما على ساقيه، أو يجلس على ركبتيه منكبّا و يلصق بطنه بفخذيه، و مثله في الصّحاح 3- 1051.
(3) الكلام لابن ميثم في شرحه على النهج 1- 265، و هو مقول القول.
(4) كما صرّح به في مجمع البحرين 5- 101، و الصحاح 4- 1405، و غيرهما.
(5) ذكره في الصحاح 4- 1405، و مجمع البحرين 5- 101.
(6) القائل هو ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 200.
(7) قال في النهاية 2- 185: الربيض: الغنم نفسها، و الرّبض: موضعها الذي تربض فيه .. و منه حديث عليّ [(عليه السلام)]: و الناس حولي كربيضة الغنم .. أي كالغنم الرّبض.
(8) قال في الصحاح 3- 1076، و القاموس 2- 331: الربيض: الغنم و رعاتها المجتمعة في مرابضها.
(9) ذكره في لسان العرب 7- 149، و المصباح المنير 1- 261. و زاد في اللسان: الربضة: الجماعة من الغنم و الناس .. و الأصل للغنم.
540
فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة، و مرقت أخرى، و فسق آخرون ..
و في رواية الشيخ (1) و الإحتجاج (2): و قسط آخرون.
نهض- كمنع- قام (3)، و النّكث: النّقض (4)، و المروق: الخروج (5)، و فسق الرجل- كنصر و ضرب- فجر (6) و أصله الخروج (7)، و القسط: العدل و الجور (8)، و المراد به هنا الثاني.
و المراد بالناكثة: أصحاب الجمل (9)،
- و قد روى (10) أنّه (عليه السلام) كان يتلو وقت مبايعتهم: و فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (11).
و بالمارقة: أصحاب النهروان (12).
و بالفاسقة أو القاسطة: أصحاب صفّين (13) و سيأتي أخبار النبيّ صلّى اللَّه
____________
(1) أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 383.
(2) الاحتجاج 1- 288، و فيه: و فسق آخرون ..!. و لعلّ المصنّف (رحمه الله) أراد إرشاد الشيخ المفيد:
153، أو شرح النهج لابن ميثم 1- 251، أو تلخيص الشافي 3- 56، أو غيرها، فتدبّر.
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 4- 233، و القاموس 2- 347، و غيرهما.
(4) صرّح به في الصحاح 1- 295، و مجمع البحرين 2- 266.
(5) كما في القاموس 3- 282، و مجمع البحرين 5- 235.
(6) جاء في القاموس 3- 276، و الصحاح 4- 1543.
(7) مجمع البحرين 5- 228، و المصباح المنير 2- 146 قالا: الفسق: الخروج على وجه الفساد.
(8) ذكره في المصباح المنير 2- 184، و مجمع البحرين 4- 268.
(9) قال في النهاية 5- 114: في حديث عليّ [(عليه السلام)]: أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين .. و أراد بهم أهل وقعة الجمل لأنّهم كانوا بايعوه ثمّ نقضوا بيعته و قاتلوه، و أراد بالقاسطين: أهل الشام، و بالمارقين: الخوارج، و عينه في لسان العرب 2- 196- 197. و في تاج العروس 1- 651: و في حديث عليّ كرّم اللّه وجهه: أمرت بقتال الناكثين .. و ذكر نظير كلام ابن الأثير في نهايته إلى قوله: و قاتلوه.
(10) كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 201.
(11) الفتح: 10.
(12) قال في النهاية 4- 230- بعد ذكر حديث عليّ (عليه السلام)-: المارقين .. يعني الخوارج. و عينه في لسان العرب 10- 341، و تاج العروس 7- 68.
(13) قال في النهاية 4- 60 بعد ذكر حديث عليّ (عليه السلام): و القاسطين أهل صفّين، و مثله في لسان العرب 7- 378، و تاج العروس 5- 206.
541
عليه و آله بهم و بقتاله (عليه السلام) معهم.
كأنّهم لم يسمعوا اللَّه سبحانه يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (1). الظاهر رجوع ضمير الجمع (2) إلى الخلفاء الثلاثة لا إلى الطوائف- كما توهّم (3)- إذ الغرض من الخطبة ذكرهم لا الطوائف، و هو المناسب لما بعد الآية، لا سيّما ضمير الجمع في سمعوها و وعوها (4). و الغرض تشبيههم في الإعراض عن الآخرة و الإقبال على الدنيا و زخارفها للأغراض الفاسدة بمن أعرض عن نعيم الآخرة لعدم سماع الآية و شرائط الفوز بثوابها، و المشار إليها في الآية هي الجنّة، و الإشارة للتعظيم .. أي تلك الدار التي بلغك وصفها.
و العلوّ: هو التّكبّر (5) على عباد اللَّه و الغلبة عليهم، و الاستكبار عن العبادة.
و الفساد: الدعاء إلى عبادة غير اللَّه، أو أخذ المال و قتل النفس بغير حقّ، أو العمل بالمعاصي و الظلم على الناس، و الآية لمّا كانت بعد قصّة قارون و قبله قصّة فرعون فقيل إنّ العلوّ إشارة إلى كفر فرعون، لقوله تعالى فيه (6): عَلا فِي الْأَرْضِ (7) و الفساد إلى بغي قارون لقوله تعالى: وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ (8) ففي كلامه (عليه السلام) يحتمل كون الأوّل إشارة إلى
____________
(1) القصص: 83.
(2) أي قوله (عليه السلام): لم يسمعوا ..
(3) قال ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة 1- 266: تنبيه لأذهان الطوائف الثلاث المذكورة [أي الناكثين و القاسطين و المارقين] و من عساه يتخيّل أنّ الحقّ في سلوك مسالكهم .. إلى آخره. و نظيره في شرح ابن أبي الحديد.
(4) في (ك): و دعوها، و هو غلط، لما سيأتي.
(5) كما نصّت عليه كتب اللغة. انظر: مجمع البحرين 1- 302، و الصحاح 6- 2435، و غيرهما.
(6) لا توجد في (س): فيه.
(7) القصص: 4.
(8) القصص: 77.
542
الأوّلين، و الثاني إلى الثالث، أو الجميع إليهم جميعا، أو إلى جميع من ذكر في الخطبة كما قيل.
بلى و اللَّه لقد سمعوها و وعوها و لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم و راقهم زبرجها ..
و في رواية الشيخ (1): بلى و اللَّه لقد سمعوها و لكن راقتهم دنياهم و أعجبهم زبرجها ..
وعى الحديث- كرمى-: فهمه و حفظه (2).
و حلي فلان بعيني و في عيني- بالكسر-: إذا أعجبك، و كذلك حلى- بالفتح يحلو حلاوة (3).
و راقني الشّيء: أعجبني (4).
و الزّبرج: الزّينة من وشي (5) أو جوهر أو نحو ذلك (6)، قال الجوهري: و يقال الزّبرج (7): الذّهب (8)، و في النهاية: الزّينة و الذّهب و السّحاب (9).
أما و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود الناصر ..
وَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ (10): لَوْ لَا حُضُورُ النَّاصِرِ وَ لُزُومُ الْحُجَّةِ وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ
____________
(1) أمالي الشيخ الطوسيّ 1- 383.
(2) جاء في لسان العرب 15- 396، و النهاية 5- 207، و فيهما: حفظه و فهمه.
(3) صرّح به في الصحاح 6- 2318، و لسان العرب 14- 196، و غيرهما.
(4) كما في مجمع البحرين 5- 173، و الصحاح 4- 1486.
(5) جاء في حاشية (ك): الوشي: نقش الثوب و يكون من كلّ لون. (ق).
انظر: القاموس 4- 400.
(6) ذكره في القاموس 1- 191، و الصحاح 1- 318.
(7) لا توجد: الزبرج، في (س).
(8) الصحاح 1- 318، و مثله في القاموس 1- 191.
(9) النهاية 2- 292، و مثله في القاموس 1- 191.
(10) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 383.
543
أَوْلِيَاءِ الْأَمْرِ ..
الفلق: الشّقّ (1)، و برأ ... أي خلق، و قيل: قلّما يستعمل في غير الحيوان (2)، و النّسمة- محركة- الإنسان أو النّفس و الرّوح (3).
و الظاهر أنّ المراد بفلق الحبّة شقّها و إخراج النبات منها.
و قيل: خلقها (4).
و قيل: هو الشقّ الذي في الحبّ (5).
و حضور الحاضر .. أمّا وجود من حضر للبيعة فما بعده كالتفسير له، أو تحقّق البيعة- على ما قيل-، أو حضوره سبحانه و علمه، أو حضور الوقت الذي وقّته الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) للقيام بالأمر.
و ما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم و لا سغب مظلوم ..
كلمة ما مصدريّة، و الجملة (6) في محلّ النصب لكونها مفعولا لأخذ أو موصولة و العائد مقدّر، و الجملة بيان لما أخذه اللَّه بتقدير حرف الجر أو بدل منه أو عطف بيان له.
و العلماء: إمّا الأئمّة (عليهم السلام) أو الأعمّ، فيدلّ على وجوب الحكم بين الناس في زمان الغيبة لمن جمع الشرائط.
و في الإحتجاج (7): على أولياء الأمر أن لا يقرّوا ..
____________
(1) نصّ عليه في مجمع البحرين 5- 229، و غيره.
(2) صرّح به في مجمع البحرين 1- 48، و غيره.
(3) قال في النهاية 5- 49: النسمة: النفس و الروح .. النّسمة: النّفس- بالتحريك-، و راجع:
الصحاح 5- 2040، و القاموس 4- 180، و المصباح المنير 2- 310.
(4) نسب هذا القول إلى ابن عبّاس و الضحّاك قالا: فالق الحبّة .. أي خالقه .. كما حكاه عنهما في شرح النهج لابن ميثم 1- 267.
(5) قال ابن ميثم في شرح النهج 1- 267: و هو الذي عليه جمهور المفسّرين.
(6) أي جملة: أن لا يقارّوا على ..
(7) الاحتجاج 1- 288.
544
و المقارّة- على ما ذكره الجوهري-: أن تقرّ مع صاحبك و تسكن (1). و قيل:
إقرار كلّ واحد صاحبه على الأمر و تراضيهما به.
و الكظّة: ما يعتري الإنسان من الامتلاء من الطّعام (2)، و السّغب بالتحريك- الجوع (3).
لألقيت حبلها على غاربها (4)
و لسقيت آخرها بكأس أوّلها ..
الضمائر راجعة إلى الخلافة، و الغارب: ما بين السّنام و العنق (5) أو مقدّم السّنام (6)، و إلقاء الحبل ترشيح (7) لتشبيه الخلافة بالناقة التي يتركها راعيها لترعى حيث تشاء و لا يبالي من يأخذها و ما يصيبها، و ذكر الحبل تخييل (8). و الكأس إناء فيه شراب أو مطلقا (9).
و سقيها بكأس أوّلها تركها و الإعراض عنها لعدم الناصر.
و قال بعض الشارحين: التعبير بالكأس لوقوع الناس بذلك الترك في حيرة تشبه السكر (10).
____________
(1) الصحاح 2- 790، و مثله في لسان العرب 5- 85.
(2) كما جاء في مجمع البحرين 4- 290، و الصحاح 3- 1178، و غيرهما.
(3) نصّ عليه في مجمع البحرين 2- 83، و الصحاح 1- 147.
(4) هذا مثل، قال في مجمع الأمثال 1- 196: حبلك على غاربك .. الغارب: أعلى السنام، و هذا كناية عن الطلاق .. أي اذهبي حيث شئت، و أصله أنّ النّاقة إذا رعت و عليها الخطام ألقي على غاربها لأنّها إذا رأت الخطام لم يهنئها شيء. و نحوه في فوائد اللئال 1- 162، و المستقصى للزمخشري 2- 56.
(5) كما ذكره في مجمع البحرين 2- 131، و القاموس 1- 111.
(6) صرّح به في النهاية 3- 350.
(7) لأنّه (عليه السلام) استعار الناقة للخلافة ثمّ فرّع عليها ما يلائم الناقة من الغارب.
(8) أي تخييل أنّ الخلافة من جنس الناقة بذكر الحبل الذي كان يخصّ الناقة.
(9) كما في مجمع البحرين 4- 99، و النهاية 4- 137، و القاموس 2- 244.
(10) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1- 268، بتصرّف.
545
و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي (1) عن عفطة عنز ..
وَ فِي الْإِحْتِجَاجِ (2): وَ لَأَلْفَوْا دُنْيَاكُمْ أَهْوَنَ عِنْدِي ..
قوله (عليه السلام): ألفيتم .. أي وجدتم (3)، و إضافة الدنيا إلى المخاطبين لتمكّنها في ضمائرهم و رغبتهم فيها (4)، و الإشارة للتحقير.
و الزّهد: خلاف الرّغبة، و الزّهيد: القليل (5)، و صيغة التفضيل على الأوّل على خلاف القياس كأشهر و أشغل.
و العنز- بالفتح- أنثى المعز (6)، و عفطتها: ما يخرج ما أنفها عند النثرة، و هي منها شبه العطسة (7)، كذا قال بعض الشارحين (8)، و أورد عليه أنّ المعروف في العنز النفطة- بالنون- و في النّعجة: العفطة- بالعين- صرّح به الجوهري (9) و الخليل في العين (10). و قال بعض الشارحين: العفطة من الشاة كالعطاس من الإنسان، و هو غير معروف، و قال ابن الأثير: أي ضرطة عنز (11).
____________
(1) لا توجد في (س): عندي. و في النهج: عندي من .. و هو الأنسب.
(2) الاحتجاج 1- 288، و فيه: و لألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز .. و في الإرشاد للشّيخ المفيد 153: و لألفوا دنياهم أزهد عندي .. و نظيره في الأمالي للشّيخ الطّوسيّ 1- 383.
(3) كما في مجمع البحرين 1- 377، و الصحاح 6- 2484.
(4) لا توجد في (س): فيها.
(5) جاء في مجمع البحرين 3- 59، و الصحاح 2- 481، و غيرهما.
(6) قاله في مجمع البحرين 4- 27، و الصحاح 3- 887، و غيرهما.
(7) قال في مجمع البحرين 4- 261: العفطة: عطسة عنز. و قال في لسان العرب 7- 352: قال الأصمعي: العافطة: الضائنة، و النافطة: الماعزة، و قال غير الأصمعي من الأعراب: العافطة:
الماعزة إذا عطست .. و قيل: العفط و العفيط: عطاس المعز.
(8) قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 1- 203: و عفطة عنز: ما تنثره من أنفها .. و أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة، فأمّا العنز فالمستعمل الأشهر فيها: النفطة ... فإن صحّ أنّه لا يقال في العطسة عفطة إلّا للنعجة، قلنا: إنّه استعمله في العنز مجازا.
(9) في صحاحه 3- 1143 و 1165.
(10) كتاب العين 2- 18.
(11) النهاية 3- 264، و نظيره في مجمع البحرين 4- 261. أقول: إنهما ذكرا ذلك المعنى بعد ذكر جملة من هذه الخطبة الشريفة .. أعني قوله (عليه السلام): و لكانت دنياكم هذه أهون عليّ من عفطة عنز ..
546
قَالُوا: وَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً (1)، فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ، قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ
____________
(1) قال ابن ميثم في شرحه على النّهج 1- 269- 270: قال أبو الحسن الكيدريّ- (رحمه الله)- وجدت في الكتب القديمة أنّ الكتاب الّذي دفعه الرّجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) كان فيه عدّة مسائل:
أحدها: ما الحيوان الّذي خرج من بطن حيوان آخر و ليس بينهما نسب؟.
فأجاب (عليه السلام): أنّه يونس بن متّى (عليه السلام) خرج من بطن الحوت.
الثّانية: ما الشّيء الّذي قليله مباح و كثيره حرام؟.
فقال (عليه السلام): هو نهر طالوت، لقوله تعالى: «إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ».
الثّالثة: ما العبادة الّذي [كذا] لو فعلها واحد استحقّ العقوبة و إن لم يفعلها استحقّ أيضا العقوبة؟.
فأجاب ب: أنّها صلاة السّكارى.
الرّابعة: ما الطّائر الّذي لا فرخ له و لا فرع و لا أصل؟.
فقال: هو طائر عيسى (عليه السلام) في قوله: «وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي».
الخامسة: رجل عليه من الدّين ألف درهم و له في كيسه ألف درهم فضمنه ضامن بألف درهم، فحال عليه الحول فالزّكاة على أيّ المالين تجب؟.
فقال: إن ضمن الضّامن بإجازة من عليه الدّين فلا يكون عليه، و إن ضمنه من غير إذنه فالزّكاة مفروضة في ماله.
السّادسة: حجّ جماعة و نزلوا في دار من دور مكّة و أغلق واحد منهم باب الدّار و فيها حمّام فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدّار فالجزاء على أيّهم يجب؟.
فقال (عليه السلام): على الّذي أغلق الباب و لم يخرجهنّ و لم يضع لهنّ ماء.
السّابعة: شهد شهداء أربعة على محضر بالزّنا فأمرهم الإمام برجمه فرجمه واحد منهم دون الثّلاثة الباقين، و وافقهم قوم أجانب في الرّجم فرجع من رجمه عن شهادته و المرجوم لم يمت، ثمّ مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته، فعلى من يجب ديته؟.
فقال: يجب على من رجمه من الشّهود و من وافقه.
الثّامنة: شهد شاهدان من اليهود على يهوديّ أنّه أسلم فهل تقبل شهادتهما أم لا؟.
فقال: لا تقبل شهادتهما لأنّهما يجوّزان تغيير كلام اللّه و شهادة الزّور.
التّاسعة: شهد شاهدان من النّصارى على نصرانيّ أو مجوسيّ أو يهوديّ أنّه أسلم؟.
فقال: تقبل شهادتهما لقول اللّه سبحانه: «وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى» ... الآية، و من لا يستكبر عن عبادة اللّه لا يشهد شهادة الزّور.
العاشرة: قطع إنسان يد آخر فحضر أربعة شهود عند الإمام و شهدوا على قطع يده، و أنّه زنا و هو محصن، فأراد الإمام أن يرجمه فمات قبل الرّجم.
فقال: على من قطع يده دية يد حسب، و لو شهدوا أنّه سرق نصابا لم يجب دية يده على قاطعها.
و اللّه أعلم.
547
عَلَيْهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)! لَوِ اطَّرَدَتْ (1) مَقَالَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ. فَقَالَ لَهُ (2): هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ.
أهل السّواد: ساكنو القرى (3)، و تسمّى القرى سوادا لخضرتها بالزرع و الأشجار، و العرب تسمّي الأخضر: أسود.
و ناوله: أعطاه (4).
و يحتمل أن يكون اطّردت- على صيغة الخطاب من باب الإفعال- و نصب المقالة على المفعوليّة أو على صيغة المؤنّث الغائب من باب الافتعال، و رفع المقالة على الفاعليّة، و الجزاء محذوف .. أي كان حسنا، و كلمة لو للتمنّي، و قد مرّ (5)
____________
(1) قال في الصّحاح 2- 502: و اطّرد الشّيء: تبّع بعضه بعضا و جرى. و قال- قبل ذلك-: و فلان أطرده السّلطان .. أيّ أمره بإخراجه عن بلده.
(2) لا توجد في (س): له. و قد وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(3) قال الجوهريّ في الصحاح 2- 492: سواد الكوفة و البصرة: قراهما، و قال في القاموس 1- 304:
سواد البلدة: قراها. و قال ابن ميثم في شرحه على النهج 1- 269: .. فأراد بأهل السواد سواد العراق.
(4) كما جاء في الصحاح 5- 1837، و مجمع البحرين 5- 488، و غيرهما.
(5) قد مرّ في صفحه: 504، قال في النهاية 2- 489: الشقشقة: الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربي من جوفه ينفخ فيها فتظهر من شدقه [أي من جانب فمه] و لا تكون إلّا للعربي .. و منه حديث عليّ [(عليه السلام)] في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت. و مثله في مجمع البحرين 5- 195. و قال في الصحاح 4- 1503: و الشقشقة- بالكسر-: شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج. و مثله في القاموس 3- 251 و زاد فيه: و الخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عبّاس ..
إلى آخره.
548
تفسير الشقشقة- بالكسر-.
و هدير الجمل: ترديده الصّوت في حنجرته (1) و إسناده إلى الشقشقة تجوّز.
و قرّت .. أي سكنت (2). و قيل: في الكلام إشعار بقلّة الاعتناء بمثل هذا الكلام إمّا لعدم التأثير في السامعين كما ينبغي، أو لقلّة الاهتمام بأمر الخلافة من حيث إنّها سلطنة، أو للإشعار بانقضاء مدّته (عليه السلام)، فإنّها كانت في قرب شهادته (عليه السلام)، أو لنوع من التقيّة أو لغيرها.
قال ابن عباس: فو اللَّه ما أسفت على كلام قطّ كأسفي على ذلك الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغ منه حيث أراد ..
الأسف- بالتحريك-: أشدّ الحزن، و الفعل كعلم (3)، و قطّ من الظّروف الزمانيّة بمعنى أبدا (4).
و حكى ابن أبي الحديد، عن ابن الخشّاب (5) أنّه قال: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: و هل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه لتتأسّف (6)؟! و اللَّه ما رجع عن الأوّلين و لا عن الآخرين (7).
أقول: إنّما أطنبت الكلام في شرح تلك الخطبة الجليلة لكثرة جدواها و قوّة الاحتجاج بها على المخالفين، و شهرتها بين جميع المسلمين، و إن لم نوف في كلّ فقرة حقّ شرحها حذرا من كثرة الإطناب، و تعويلا على ما بيّنته في سائر الأبواب.
____________
(1) كما في مجمع البحرين 3- 518، و الصحاح 2- 853، و فيهما: البعير، بدلا من: الجمل.
(2) جاء في مجمع البحرين 3- 456، و القاموس 2- 115، و غيرهما.
(3) كما جاء في القاموس 3- 117 و غيره.
(4) قال في الصحاح 3- 1153: و قطّ معناها: الزمان، يقال ما رأيته قط. و قال في المصباح المنير 2- 191: ما فعلت ذلك قطّ .. أي في الزمان الماضي.
(5) ابن الخشاب، و هو أبو محمّد عبد اللّه بن أحمد.
(6) في المصدر: لم يبلغه في هذه الخطبة للتأسّف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد.
(7) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 205، و جاء في ذيل كلامه: .. و لا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلّا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم ..!.
549
6- شف (1): مِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ (2) بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْخَلِيلِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ (3) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الخماني [الْحِمَّانِيِّ، عَنْ مُخَوَّلِ (4) بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهم السلام) قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَتَتَبَّعُ (5) غَضَبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِذَا ذَكَرَ شَيْئاً أَوْ هَاجَهُ خَبَرٌ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ شِيعَتِهِ مِنَ الشَّامِ يَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ وَ مَرْوَانَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَذَكَرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَابُوهُ وَ أَلْقَوْا فِي أَفْوَاهِ النَّاسِ أَنَّهُ يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَذْكُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا هُوَ أَهْلُهُ، وَ ذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ (6) بِالانْتِظَارِ لَهُ بِالنُّخَيْلَةِ فَدَخَلُوا الْكُوفَةَ فَتَرَكُوهُ (7)، فَغَلَظَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ فَأَتَيْتُهُ (8) بَابَهُ فِي اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا قَنْبَرُ! أَيُّ شَيْءٍ خَبَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟
قَالَ: هُوَ نَائِمٌ، فَسَمِعَ كَلَامِي.
فَقَالَ (ع): مَنْ هَذَا؟ قَالَ (9): ابْنُ عَبَّاسٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: ادْخُلْ! فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ نَاحِيَةً عَنْ فِرَاشِهِ فِي ثَوْبٍ جَالِسٌ (10)
____________
(1) كشف اليقين: 100- 104، باختلاف في الإسناد و المتن نذكرهما.
(2) في المصدر: فيما نذكره عن أحمد ..
(3) في كشف اليقين: بالخليليّ المقدم ذكره من كتابه المشار إليه من تسمية مولانا عليّ (عليه السلام) أمير المؤمنين في حياة النّبيّ (ص) و أمره بالتّسليم عليه بذلك، فقال ما هذا لفظه: أخبرنا أحمد بن محمّد ابن الطّبريّ المعروف ب: الخليلي قال: أخبرنا أحمد ..
(4) في المصدر: الحمّانيّ، قال: حدّثنا محول .. أيّ كلّا اللفظين بالحاء المهملة.
(5) في كشف اليقين: أتّبع.
(6) في المصدر: إخوانه، بدلا من: أصحابه.
(7) في المصدر و نسخة على (ك): و تركوه.
(8) في كشف اليقين: فأتيت.
(9) في المصدر: فقال.
(10) في المصدر: جائس، و هو بمعنى الطّالب كما في كتب اللّغة مثل مجمع البحرين 4- 60، و الصّحاح 3- 915، و غيرهما.
550
كَهَيْئَةِ الْمَهْمُومِ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّيْلَةَ؟.
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ كَيْفَ تَنَامُ عَيْنَا (1) قَلْبٍ مَشْغُولٍ، يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَلِكُ جَوَارِحِكَ قَلْبُكَ فَإِذَا أَرْهَبَهُ (2) أَمْرٌ طَارَ النَّوْمُ عَنْهُ، هَا أَنَا ذَا (3) كَمَا تَرَى مُذْ أَوَّلِ (4) اللَّيْلِ اعْتَرَانِي الْفِكْرُ وَ (5) السَّهَرُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَقْضِ عَهْدِ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُقَدَّرِ عَلَيْهَا نَقْضُ عَهْدِهَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَ مَنْ أَمَرَ مِنْ (6) أَصْحَابِهِ بِالسَّلَامِ عَلَيَّ فِي حَيَاتِهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَكُنْتُ أُؤَكِّدُ أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ بَعْدَهُ وَ لَكِنْ أُمُورٌ اجْتَمَعَتْ عَلَى (7) رَغْبَةِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَ أَمْرِهَا وَ نَهْيِهَا وَ صَرْفِ قُلُوبِ أَهْلِهَا عَنِّي، وَ أَصْلُ ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ (8): أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (9)، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابٌ وَ لَا عِقَابٌ لَكَانَ بِتَبْلِيغِ (10) الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) فُرِضَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُ، وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (11)، أَ تَرَاهُمْ نُهُوا عَنِّي فَأَطَاعُوهُ (12)! وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ وَ غَدَا (13) بِرُوحِ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) قوله: تنام عينا .. تنام فعل مبنيّ للفاعل، و عينا فاعل مضاف، و القلب مضاف إليه.
(2) في المصدر: أدهاه، بدلا من: أرهبه.
(3) كذا، و لعلّه: أنا ذا- بألف بعد النّون-.
(4) في المصدر: من أوّل ..
(5) لا توجد الواو في المصدر.
(6) في المصدر: أمر أصحابه ..، و الظّاهر سقوط كلمة: من، منه، و من (ك).
(7) كلمة: على هنا بمعنى: مع.
(8) في المصدر: قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه.
(9) النّساء: 54.
(10) في كشف اليقين: لكان تبليغ.
(11) الحشر: 7.
(12) في المصدر: فأطاعوا- بلا ضمير-.
(13) قال في مجمع البحرين 1- 314: و غدا غدوّا- من باب قعد-: ذهب غدوة، هذا أصله، ثمّ كثر حتّى استعمل في الذّهاب و الانطلاق أيّ وقت كان.
551
عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى الْجَنَّةِ لَقَدْ قُرِنْتُ (1) بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيْثُ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)، وَ لَقَدْ طَالَ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- فِكْرِي وَ هَمِّي وَ تَجَرُّعِي غُصَّةً بَعْدَ غُصَّةٍ لِأَمْرٍ (3) أَوْ قَوْمٍ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَ حَاجَتُهُمْ (4) إِلَيَّ فِي حُكْمِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ حَتَّى إِذَا أَتَاهُمْ مِنَ الدُّنْيَا (5) أَظْهَرُوا الْغِنَى عَنِّي، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (6). وَ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمُ احْتَاجُوا إِلَيَّ وَ لَقَدْ غَنِيتُ عَنْهُمْ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (7) فَمَضَى مَنْ مَضَى قَالٍ عَلَيَّ بِضِغْنِ الْقُلُوبِ وَ أَوْرَثَهَا (8) الْحِقْدَ عَلَيَّ، وَ مَا ذَاكَ (9) إِلَّا مِنْ أَجْلِ طَاعَتِهِ فِي قَتْلِ الْأَقَارِبِ مُشْرِكِينَ فَامْتَلَوْا غَيْظاً وَ اعْتِرَاضاً، وَ لَوْ صَبَرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ (10) لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ (11)، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ (12) فَأَبْطَنُوا مِنْ تَرْكِ الرِّضَا (13) بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا أَوْرَثَهُمُ النِّفَاقَ!،
____________
(1) في (ك) نسخة: قربت.
(2) الأحزاب: 33. و لم يذكر في المصدر ذيل الآية: «وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».
(3) في (ك): لإصر.
(4) في المصدر: تقديم و تأخير و اختلاف، و العبارة جاءت فيه هكذا: ورود قوم على معاصي اللّه و تجرعي غصّة بعد غصّة و حاجتهم ..
(5) في كشف اليقين: أمن الدّنيا.
(6) النّساء: 83. و في المصدر بعد لفظ: منهم، توجد كلمة: الآية.
(7) سورة محمّد (ص): 24.
(8) في المصدر: و أوريها. أقول: لعلّها من وري الزّند .. أيّ خرجت ناره، و المراد من قوله (عليه السلام): أنّه أوقد نار الحقد عليّ في القلوب.
(9) في كشف اليقين: و ما ذلك.
(10) وضع في مطبوع البحار على: ذات اللّه، رمز نسخة بدل.
(11) لا توجد: لكان خيرا لهم، في المصدر.
(12) المجادلة: 22. و توجد في المصدر إضافة كلمة الآية بعد: و رسوله.
(13) في المصدر: الرّضى. أقول: أيّ جعلوا من ترك الرّضى بأمر اللّه بطانة، ما أورثهم النّفاق؟!.
552
وَ أَلْزَمَهُمْ بِقِلَّةِ الرِّضَا الشَّقَاءَ (1)! وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (2) فَالْآنَ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- قُرِنْتُ بِابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ وَ عَمْرٍو وَ عُتْبَةَ وَ الْوَلِيدِ وَ مَرْوَانَ وَ أَتْبَاعِهِمْ (3)، فَمَتَى اخْتَلَجَ فِي صَدْرِي وَ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّ الْأَمْرَ يَنْقَادُ إِلَى دُنْيَا (4) يَكُونُ هَؤُلَاءِ فِيهَا رُؤَسَاءَ (5) يُطَاعُونَ فَهُمْ (6) فِي ذِكْرِ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ يَثْلِبُونَهُمْ (7) وَ يَرْمُونَهُمْ بِعَظَائِمِ الْأُمُورِ مِنْ أنك [إِفْكٍ (8) مُخْتَلِفٍ (9)، وَ حِقْدٍ قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ (10) مِمَّنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ عَامَّةَ أَعْدَائِي مِمَّنْ أَجَابَ الشَّيْطَانَ (11) عَلَيَّ وَ زَهَّدَ النَّاسَ فِيَّ، وَ أَطَاعَ هَوَاهُ فِيمَا يَضُرُّهُ (12) فِي آخِرَتِهِ وَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْغِنَى، وَ هُوَ الْمُوفِّقُ لِلرَّشَادِ وَ السَّدَادِ.
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَيْلٌ لِمَنْ ظَلَمَنِي، وَ دَفَعَ حَقِّي، وَ أَذْهَبَ عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، أَيْنَ كَانُوا أُولَئِكَ وَ أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) صَغِيراً لَمْ يُكْتَبْ عَلَيَّ صَلَاةٌ وَ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَ عُصَاةُ الرَّحْمَنِ، وَ بِهِمْ تُوقَدُ (13) النِّيرَانُ؟! فَلَمَّا قَرُبَ إِصْعَارُ الْخُدُودِ، وَ إِتْعَاسُ الْجُدُودِ (14)، أَسْلَمُوا كَرْهاً، وَ أَبْطَنُوا غَيْرَ مَا أَظْهَرُوا، طَمَعاً فِي أَنْ
____________
(1) في (س) نسخة: الشّقاق، و في المصدر: الشفاق.
(2) مريم: 84.
(3) في المصدر زيادة: و صار معهم في الحديث.
(4) في كشف اليقين: أنّ الانقياد إلى ربّنا، بدلا من: أنّ الأمر .. إلى آخره.
(5) لا توجد: رؤساء، في المصدر.
(6) في المصدر: فيهم.
(7) في كشف اليقين: يسلبونهم.
(8) كذا، و الصّحيح: إفك.
(9) خ. ل: مختلق، كذا في المصدر.
(10) في المصدر: من أنّك مختلق و عقد قد سبق و لقد علم المحفوظون.
(11) في كشف اليقين: و من حارب الشّيطان. أقول: الظّاهر زيادة الواو و كون الشّيطان منصوبا بنزع الخافض .. أيّ من حارب للشّيطان عليّ.
(12) في المصدر: في نصرته.
(13) في كشف اليقين: و لهم يوقد.
(14) في كشف اليقين: و إصغار الحدود.
553
يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ (1) وَ تَرَبَّصُوا انْقِضَاءَ أَمْرِ (2) الرَّسُولِ وَ فَنَاءَ مُدَّتِهِ، لِمَا أَطْمَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي قَتْلِهِ، وَ مَشُورَتِهِمْ فِي دَارِ نَدْوَتِهِمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (3)، وَ قَالَ (4): يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (5) وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! نَدَبَهُمْ (6) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي (7) حَيَاتِهِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ يَأْمُرُهُمْ بِمُوَالاتيِ، فَحَمَلَ الْقَوْمُ مَا حَمَلَهُمْ مِمَّا حُقِدَ عَلَى أَبِينَا آدَمَ مِنْ حَسَدِ (8) اللَّعِينِ لَهُ، فَخَرَجَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَ رِضْوَانِهِ، وَ أُلْزِمَ اللَّعْنَةَ لِحَسَدِهِ (9) لِوَلِيِّ اللَّهِ، وَ مَا ذَاكَ بِضَارِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَيْئاً.
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَرَادَ كُلُّ امْرِئٍ أَنْ يَكُونَ رَأْساً مُطَاعاً يَمِيلُ (10) إِلَيْهِ الدُّنْيَا وَ إِلَى أَقَارِبِهِ فَحَمَلَهُ هَوَاهُ وَ لَذَّةُ (11) دُنْيَاهُ وَ اتِّبَاعُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَنْ يَغْصِبَ (12) مَا جُعِلَ لِي (13)، وَ لَوْ لَا اتِّقَايَ (14) عَلَى الثَّقَلِ الْأَصْغَرِ أَنْ يُنْبَذَ (15) فَيَنْقَطِعَ شَجَرَةُ الْعِلْمِ وَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا وَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينِ، وَ حِصْنُهُ الْأَمِينُ، وَلَدُ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ طَلَبُ الْمَوْتِ
____________
(1) في المصدر: نور اللّه بأفواههم.
(2) في المصدر: انقضاء عمر ..
(3) آل عمران: 54.
(4) لا توجد: قال، في المصدر.
(5) سورة التّوبة، آية: 32.
(6) في كشف اليقين: هداهم.
(7) لا توجد: في، في المصدر.
(8) في المصدر: جسد- بالجيم- و هو اشتباه.
(9) في (س): لجسده- بالجيم- و هو أيضا سهو.
(10) في المصدر: تميل.
(11) في كشف اليقين: ولدة. قال في القاموس 1- 347: و اللدة: التّرب، و هو الّذي ولد معك أو تربّى معك.
(12) في المصدر: إن نوزعت.
(13) في (ك): وليّ، و الواو زائدة.
(14) في المصدر: اتقائي، و هو الظّاهر.
(15) في كشف اليقين: أنّ يبيد.
554
وَ الْخُرُوجِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَلَذَّ عِنْدِي مِنْ شَرْبَةِ ظَمْآنَ وَ نَوْمِ وَسْنَانَ، وَ لَكِنِّي صَبَرْتُ وَ فِي الصَّدْرِ (1) بَلَابِلُ (2)، وَ فِي النَّفْسِ وَسَاوِسُ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (3)، وَ لَقَدِيماً ظُلِمَ الْأَنْبِيَاءُ، وَ قُتِلَ الْأَوْلِيَاءُ قَدِيماً فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (4)، وَ بِاللَّهِ أَحْلِفُ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ- إِنَّهُ كَمَا فُتِحَ بِنَا يُخْتَمُ بِنَا، وَ مَا أَقُولُ لَكَ إِلَّا حَقّاً.
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنَّ الظُّلْمَ يَتَّسِقُ (5) لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَ يَطُولُ الظُّلْمُ، وَ يَظْهَرُ الْفِسْقُ، وَ تَعْلُو كَلِمَةُ الظَّالِمِينَ، وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الدِّينِ أَنْ لَا يُقَارُّوا أَعْدَاءَهُ (6)، بِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ:
تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ (7).
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! ذَهَبَ الْأَنْبِيَاءُ فَلَا تَرَى نَبِيّاً، وَ الْأَوْصِيَاءُ وَرَثَتُهُمْ، عَنْهُمْ أَخَذُوا (8) عِلْمَ الْكِتَابِ، وَ تَحْقِيقَ الْأَسْبَابِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ (9)، فَلَا يَزَالُ الرَّسُولُ بَاقِياً مَا نَفِدَتْ [مَا نَفَذَتْ (10) أَحْكَامُهُ، وَ عُمِلَ بِسُنَّتِهِ، وَ دَارُوا حَوْلَ أَمْرِهِ (11) وَ نَهْيِهِ، وَ بِاللَّهِ أَحْلِفُ- يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَقَدْ نُبِذَ الْكِتَابُ، وَ تُرِكَ قَوْلُ الرَّسُولِ إِلَّا مَا لَا يُطِيقُونَ تَرْكَهُ مِنْ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ، وَ لَمْ
____________
(1) في المصدر: و في الصّدور.
(2) ذكر في مجمع البحرين 5- 325 أنّ البلابل بمعنى الهموم و الأحزان.
(3) يوسف: 18.
(4) التّوبة: 24.
(5) الاتساق: الانتظام، كما نصّ عليه في الصّحاح 4- 1566 و غيره.
(6) قال في الصّحاح 2- 790: قاره: قرّ معه و سكن.
(7) المائدة: 2. و في المصدر زيادة: الآية، بعد كلمة: العدوان.
(8) لا يوجد لفظ: أخذوا، في المصدر.
(9) آل عمران: 101. و لم تذكر الواو في أوّل الآية، في المصدر.
(10) كذا، و لعلّ الأظهر بالذّال المعجمة.
(11) في المصدر: و دار أحوال أمره.
555
يَصْبِرُوا (1) عَلَى كُلِّ أَمْرِ (2) نَبِيِّهِمْ (3): وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (4) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (5)، فَبَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمُ الْمَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (6).
يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! عَامِلِ اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَ عَلَانِيَتِهِ (7) تَكُنْ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَ دَعْ مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (8)، وَ يُحْسِبُ مُعَاوِيَةَ مَا عَمِلَ وَ مَا يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لْيُمِدَّهُ ابْنُ الْعَاصِ فِي غَيِّهِ، فَكَأَنَّ عُمُرَهُ قَدِ انْقَضَى، وَ كَيْدَهُ قَدْ هَوَى، وَ سَيَعْلَمُ الْكَافِرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ وَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ: الصَّلَاةَ! يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَا تَفُتْ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكَ وَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَغَمَّنِي انْقِطَاعُ اللَّيْلِ وَ تَلَهَّفْتُ (9) عَلَى ذَهَابِهِ.
بيان:
ثلبه: تنقّصه و صرّح بعيبه (10).
قوله (عليه السلام): و بهم توقد النيران.
.. أي نيران الفتن و الحروب. و في القاموس: صعّر خدّه تصعيرا و صاعره و أصعره: أماله عن النّظر إلى النّاس تهاونا من كبر و ربّما يكون خلقة (11). و قال: التّعس: الهلاك و العثار و السّقوط و الشّرّ و البعد
____________
(1) في كشف اليقين: و لم يصبر.
(2) في (س): أمر كلّ. بتقديم و تأخير.
(3) في المصدر: بينهم، بدلا من: نبيّهم.
(4) العنكبوت: 43.
(5) المؤمنون: 115.
(6) الشّعراء: 227.
(7) في المصدر: و علانية- بدون ضمير-.
(8) الكهف: 28. قال في مجمع البحرين 4- 264: و أمر فرط: مجاوز فيه الحدّ.
(9) لهف يلهف لهفا: حزن و تحسّر، و كذلك التلهف على الشّيء، قاله في صحاح اللّغة 4- 1429، و غيره.
(10) صرّح به في الصحاح 1- 94، و لسان العرب 1- 241، و غيرهما.
(11) القاموس 2- 69، و انظر: لسان العرب 3- 456، و غيرهما.
556
و الانحطاط و الفعل: كمنع و سمع، و تعسه اللَّه و أتعسه (1). انتهى.
و الجدود- جمع الجدّ بالفتح- و هو الحظّ و البخت، أو بالكسر و هو الاجتهاد في الأمور (2)، فيمكن أن يكون إصعار الخدود من المسلمين كناية عن غلبتهم، و إتعاس الجدود للكافرين، أو كلاهما للكافرين .. أي اجتمع فيهم التكبّر و الاضطرار، و يكون المراد بالإصعار (3) صرف وجوههم عمّا قصدوه على وجه الإجبار، و الأوّل أظهر. و الوسنان عن غلبة النّوم (4).
قوله (عليه السلام): فلا يزال الرسول .. يدلّ على عدم اختصاص الآية بزمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
قوله: يُحْسِبُ معاويةَ .. أي يكفيه، و في بعض النسخ بالباء الموحّدة فتكون زائدة، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فِي
قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يُحْسِبُكَ أَنْ تَصُومَ فِي (5) كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ ..
أَيْ يَكْفِيكَ، وَ لَوْ رُوِيَ (بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ) .. أَيْ كِفَايَتُكَ أَوْ كَافِيكَ كَقَوْلِهِمْ بِحَسْبِكَ قَوْلُ السُّوءِ، وَ الْبَاءُ زَائِدَةٌ لَكَانَ وَجْهاً (6) انتهى. و الأمر في قوله و ليمدّه للتهديد (7).
7- شا (8): رَوَى الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ رِجَالِهِ قَالَ: قَالُوا: سَمِعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ
____________
(1) القاموس 2- 203، و قريب منه في لسان العرب 6- 32.
(2) ذكره في مجمع البحرين 3- 21، و الصحاح 2- 452.
(3) لا توجد: بالإصعار، في (س).
(4) قال في القاموس 4- 275: الوسن: شدّة النوم، أو أوله، أو النعاس، و وسن- كفرح- فهو وسن و وسنان. و قال في لسان العرب 13- 449 بعد ذكره ما في القاموس-: وسن فلان: إذا أخذته سنة النعاس. و وسن الرجل فهو وسن .. أي غشي عليه من نتن البئر مثل: أسن.
(5) في المصدر: من، بدلا من: في.
(6) النهاية 1- 381، و انظر: لسان العرب 1- 312.
(7) يحتمل- قويّا- أن يكون قوله: و ليمده .. إخبارا لا إنشاء، و تكون اللام فيه لام الابتداء و التأكيد، أي و الحال يمده في غيّه.
(8) إرشاد الشّيخ المفيد: 151.
557
مُحَمَّداً (1) (صلّى اللّه عليه و آله) رَخَاءً، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ صَغِيراً (2) وَ جَاهَدْتُ كَبِيراً، أُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَ أُعَادِي الْمُنَافِقِينَ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) فَكَانَتِ الطَّامَّةُ (3) الْكُبْرَى فَلَمْ أَزَلْ حَذِراً رَجُلًا أَخَافُ (4) أَنْ يَكُونَ مَا لَا يَسَعُنِي مَعَهُ الْمُقَامُ، فَلَمْ أَرَ- بِحَمْدِ اللَّهِ- إِلَّا خَيْراً، وَ اللَّهِ مَا زِلْتُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي صَبِيّاً حَتَّى صِرْتُ شَيْخاً، وَ إِنَّهُ لَيُصَبِّرُنِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي اللَّهِ (5)، وَ أَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الرَّوْحُ عَاجِلًا قَرِيباً، فَقَدْ رَأَيْتُ أَسْبَابَهُ.
قَالُوا: فَمَا بَقِيَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَّا يَسِيراً حَتَّى أُصِيبَ (عليه السلام).
8- شا (6): رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُكَيْرٍ الْغَنَوِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مَنْ شَهِدَ عَلِيّاً بِالرَّحَبَةِ يَخْطُبُ، فَقَالَ فِيمَا قَالَ:: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ! أَمَا وَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ خَلِيلِي أَنَّ الْأُمَّةَ سَتَغْدِرُ بِكَ (7).
9- شا (8): رَوَى نَقَلَةُ الْآثَارِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَقَفَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ (9): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع)! الْعَجَبُ مِنْكُمْ (10) يَا بَنِي هَاشِمٍ، كَيْفَ عَدَلَ هَذَا (11) الْأَمْرُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً (12) وَ نَوْطاً بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: محمّد ..- بالرّفع- و هو سهو.
(2) في (ك): خفت اللّه صغيرا.
(3) الطّامّة: الدّاهية، كما في مجمع البحرين 6- 107، و القاموس 4- 145.
(4) في المصدر: وجلا أخاف، و هو أظهر.
(5) في المصدر: في اللّه و رسوله.
(6) إرشاد الشّيخ المفيد: 151.
(7) في المصدر: بك من بعدي.
(8) إرشاد الشّيخ المفيد: 156.
(9) في المصدر: وقف على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له ..
(10) في الإرشاد: العجب فيكم ..
(11) في المصدر: عدل بهذا ..
(12) في الإرشاد: نسبا و سببا ..
558
وَ آلِهِ، وَ فَهْماً لِلْكِتَابِ؟!. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا ابْنَ دُودَانَ! إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ، ضَيِّقُ الْمَخْزَمِ، تُرْسِلُ مِنْ غَيْرِ (1) ذِي مَسَدٍ، لَكَ ذِمَامَةُ (2) الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ، وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ، كَانَتْ أَثَرَةٌ سَخَتْ بِهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ
(فَدَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ)
وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِي أَمْرِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ، وَ لَا غَرْوَ، بِئْسَ (3) الْقَوْمُ- وَ اللَّهِ- مَنْ خَفَّضَنِي و هيني (4) وَ حَاوَلُوا الْإِدْهَانَ فِي ذَاتِ اللَّهِ، هَيْهَاتَ ذَلِكَ مِنِّي (5)! فَإِنْ تَنْحَسِرْ عَنَّا مِحَنُ الْبَلْوَى أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ، وَ إِنْ تَكُنِ (6) الْأُخْرَى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ وَ لا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (7)..
10- د (8): فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ لِكَيْفِيَّةِ الطَّلَبِ فِي أَئِمَّةِ الْعِبَادِ تَصْنِيفِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ، قَالَ: وَ قَدْ كَفَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) الْمَئُونَةَ (9) فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، أَوْدَعَهَا مِنَ الْبَيَانِ وَ الْبُرْهَانِ مَا يُجْلِي الْغِشَاوَةَ عَنْ أَبْصَارِ مُتَأَمِّلِيهِ، وَ الْعَمَى عَنْ عُيُونِ مُتَدَبِّرِيهِ، وَ حَلَّيْنَا هَذَا الْكِتَابَ بِهَا (10) لِيَزْدَادَ الْمُسْتَرْشِدُونَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَصِيرَةً، وَ هِيَ مِنَّةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْنَا وَ عَلَيْهِمْ يَجِبُ شُكْرُهَا .. خَطَبَ (صلوات الله عليه) فَقَالَ: مَا لَنَا وَ لِقُرَيْشٍ! وَ مَا تُنْكِرُ مِنَّا قُرَيْشٌ غَيْرَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ شَيَّدَ اللَّهُ فَوْقَ بُنْيَانِهِمْ بُنْيَانَنَا، وَ أَعْلَى فَوْقَ رُءُوسِهِمْ رُءُوسَنَا، وَ اخْتَارَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقَمُوا عَلَى اللَّهِ
____________
(1) في المصدر: ضيّق المخرم ترسل غير ..
(2) في (س): زمانة ..
(3) في المصدر: و يئس، بدلا من: بئس.
(4) في المصدر: من حفضي و منيّتي. و في (ك): من خفضي و هنيتي، و تقرأ ما في (ك): و هينتي. قال في القاموس 2- 328: حفضه: ألقاه و طرحه من يديه .. و العود: حنّاه و عطفه.
(5) في المصدر: و هيهات ذلك منّي و قد جدحوا بيني و بينهم شربا وبيئا ..
(6) في (ك): و إن لم تكن.
(7) فاطر: 8، المائدة: 6، و في المصدر: فلا تأس.
(8) العدد القويّة: 189- 199، حديث 19.
(9) في المصدر: المئونة. و المعنى واحد.
(10) في (ك) توجد تحت كلمة (بها) لفظة: خطبة. و لعلّها لبيان مرجع الضّمير.
559
أَنِ اخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ، وَ سَخِطُوا مَا رَضِيَ (1) اللَّهُ، وَ أَحَبُّوا مَا كَرِهَ اللَّهُ (2)، فَلَمَّا اخْتَارَنَا اللَّهُ (3) عَلَيْهِمْ شَرِكْنَاهُمْ فِي حَرِيمِنَا، وَ عَرَّفْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَ النُّبُوَّةَ، وَ عَلَّمْنَاهُمُ الْفَرْضَ وَ الدِّينَ (4)، وَ حَفَّظْنَاهُمُ الصُّحُفَ وَ الزُّبُرَ، وَ دَيَّنَّاهُمُ الدِّينَ وَ الْإِسْلَامَ، فَوَثَبُوا عَلَيْنَا، وَ جَحَدُوا فَضْلَنَا، وَ مَنَعُونَا حَقَّنَا، وَ أَلَتُونَا أَسْبَابَ أَعْمَالِنَا وَ أَعْلَامِنَا، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَخُذْ لِي بِحَقِّي مِنْهَا، وَ لَا تَدَعْ مَظْلِمَتِي لَدَيْهَا، وَ طَالِبْهُمْ- يَا رَبِّ- بِحَقِّي، فَإِنَّكَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ، فَإِنَّ قُرَيْشاً صَغَّرَتْ عَظِيمَ أَمْرِي (5)، وَ اسْتَحَلَّتِ الْمَحَارِمَ مِنِّي، وَ اسْتَخَفَّتْ بِعِرْضِي وَ عَشِيرَتِي، وَ قَهَرَتْنِي عَلَى مِيرَاثِي مِنِ ابْنِ عَمِّي (6) وَ أَغْرَوْا بِي (7) أَعْدَائِي، وَ وَتَرُوا بَيْنِي وَ بَيْنَ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ، وَ سَلَبُونِي مَا مَهَّدْتُ لِنَفْسِي مِنْ لَدُنْ صِبَايَ بِجُهْدِي وَ كَدِّي (8)، وَ مَنَعُونِي مَا خَلَّفَهُ أَخِي وَ جِسْمِي (9) وَ شَقِيقِي، وَ قَالُوا: إِنَّكَ لَحَرِيصٌ مُتَّهَمٌ! أَ لَيْسَ بِنَا اهْتَدَوْا مِنْ مَتَاهِ (10) الْكُفْرِ، وَ مِنْ عَمَى الضَّلَالَةِ وَ عِيِ (11) الظَّلْمَاءِ (12)، أَ لَيْسَ أَنْقَذْتُهُمْ (13) مِنَ الْفِتْنَةِ الصَّمَّاءِ، وَ الْمِحْنَةِ الْعَمْيَاءِ؟ وَيْلَهُمْ (14)! أَ لَمْ أُخَلِّصْهُمْ مِنْ نِيرَانِ الطُّغَاةِ، وَ كَرَّةِ الْعُتَاةِ،
____________
(1) في المصدر: ما رضا.
(2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س).
(3) لا يوجد لفظ الجلالة في (س).
(4) في (ك): الفرائض و السّنن و الدّين.
(5) في (ك) نسخة: قدريّ.
(6) في (س) نسخة: و أبي، و خطّ عليها في (ك)، و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: و أعزوا بي. و في (س): و أغزوا ..
(8) في (س): و وكدي.
(9) في نسخة في (ك): و حميمي.
(10) جاء رمز نسخة بدل على كلمة: متاه. و تعرض المصنّف (رحمه الله) لها في بيانه الآتي.
(11) العيّ: التّحيّر في الكلام، كما في مجمع البحرين 1- 311. و قال في القاموس 4- 368: عيّ بالأمر: لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه و لم يطق أحكامه .. و عييّ في المنطق عيّا: حصر.
(12) نسخة في (ك): الجهالة.
(13) في (س) الكلمة مشوّشة، و لعلّها انقذتهم أيضا.
(14) في المصدر: وبلهم. كذا.
560
وَ سُيُوفِ الْبُغَاةِ، وَ وَطْأَةِ الْأَسَدِ، وَ مُقَارَعَةِ الطَّمَاطِمَةِ، وَ مُمَاحَكَةِ (1) الْقَمَاقِمَةِ (2)، الَّذِينَ كَانُوا عُجْمَ الْعَرَبِ، وَ غُنْمَ الْحُرُوبِ، وَ قُطْبَ الْإِقْدَامِ، وَ جِبَالَ الْقِتَالِ، وَ سِهَامَ الْخُطُوبِ (3)، وَ سَلَّ السُّيُوفِ، أَ لَيْسَ بِي (4) كَانَ يَقْطَعُ الدُّرُوعَ الدِّلَاصَ، وَ تَصْطَلِمُ الرِّجَالَ الْحِرَاصَ، وَ بِي كَانَ يَفْرِي جَمَاجِمَ الْبُهَمَ، وَ هَامَ الْأَبْطَالِ، إِذَا فَزِعَتْ (5) تَيْمٌ إِلَى الْفِرَارِ، وَ عَدِيٌّ إِلَى الِانْتِكَاصِ؟! أَمَا وَ إِنِّي لَوْ أَسْلَمْتُ قُرَيْشاً لِلْمَنَايَا وَ الْحُتُوفِ، وَ تَرَكْتُهَا فَحَصَدَتْهَا سُيُوفُ الْغَوَانِمِ، وَ وَطَأَتْهَا خُيُولُ (6) الْأَعَاجِمِ، وَ كَرَّاتُ الْأَعَادِي، وَ حَمَلَاتُ الْأَعَالِي، وَ طَحَنَتْهُمْ سَنَابِكُ الْصَافِنَاتِ، وَ حَوَافِرُ الصَّاهِلَاتِ، فِي مَوَاقِفِ الْأَزْلِ (7) وَ الْهَزْلِ فِي ظِلَالِ الْأَعِنَّةِ (8) وَ بَرِيقِ الْأَسِنَّةِ، مَا بَقُوا لِهَضْمِي، وَ لَا عَاشُوا لِظُلْمِي، وَ لَمَا قَالُوا: إِنَّكَ لَحَرِيصٌ مُتَّهَمٌ! الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، اللَّهُمَ افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ، فَإِنِّي مَهَّدْتُ مِهَادَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ رَفَعْتُ أَعْلَامَ دِينِكَ، وَ أَعْلَنْتُ مَنَارَ رَسُولِكَ، فَوَثَبُوا عَلَيَّ وَ غَالَبُونِي وَ نَالُونِي وَ وَاتَرُونِي ..
فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو حَازِمٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع)! أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ ظَلَمَاكَ؟ أَ حَقَّكَ أَخَذَا؟ وَ عَلَى الْبَاطِلِ مَضَيَا؟ أَ عَلَى حَقٍّ كَانَا؟ أَ عَلَى صَوَابٍ أَقَامَا؟ أَمْ مِيرَاثَكَ غَصَبَا؟ أَفْهِمْنَا لِنَعْلَمَ بَاطِلَهُمْ مِنْ حَقِّكَ؟ أَوْ نَعْلَمَ حَقَّهُمَا مِنْ حَقِّكَ؟
____________
(1) في (ك) نسخة: و مجادلة.
(2) في المصدر: القمامة.
(3) في المصدر: الخطّاب.
(4) هنا سقط جاء في المصدر: تسمّوا الشّرف، و بي نالوا الحقّ و النّصف. أ لست آية نبوّة محمّد (ص) و دليل رسالته، و علامة رضاه و سخطه؟ أ ليس بي .. و في (ك): أ ليس في.
(5) في (س): فرغت.
(6) لا توجد: خيول في المصدر.
(7) في (س): الأراذل.
(8) الأعنة- جمع العنان- للفرس كما في الصّحاح 6- 2166.
561
أَ بَزَّاكَ أَمْرَكَ؟ أَمْ غَصَبَاكَ إِمَامَتَكَ؟ أَمْ غَالَبَاكَ فِيهَا عَزّاً (1)؟ أَمْ سَبَقَاكَ إِلَيْهَا عِجْلًا فَجَرَتِ الْفِتْنَةُ وَ لَمْ تَسْتَطِعْ مِنْهَا اسْتِقْلَالًا؟! فَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ يَظُنَّانِ أَنَّهُمَا كَانَا عَلَى حَقٍّ وَ عَلَى الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ مَضَيَا.
فَقَالَ (صلوات الله عليه): يَا أَخَا الْيَمَنِ! لَا بِحَقٍّ أَخَذَا، وَ لَا عَلَى إِصَابَةٍ أَقَامَا، وَ لَا عَلَى دِيْنٍ مَضَيَا، وَ لَا عَلَى فِتْنَةٍ خَشِيَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ! أَ تَعْلَمُونَ- يَا إِخْوَانِي- أَنَّ بَنِي يَعْقُوبَ عَلَى حَقٍّ وَ مَحَجَّةٍ كَانُوا حِينَ بَاعُوا أَخَاهُمْ، وَ عَقُّوا أَبَاهُمْ، وَ خَانُوا خَالِقَهُمْ، وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ؟!.
فَقَالُوا: لَا.
فَقَالَ: رَحِمَكُمُ اللَّهُ (2)، أَ يَعْلَمُ إِخْوَانُكَ هَؤُلَاءِ أَنَّ ابْنَ آدَمَ- قَاتِلَ الْأَخِ- كَانَ عَلَى حَقٍّ وَ مَحَجَّةٍ وَ إِصَابَةٍ وَ أَمْرَهُ مِنْ رِضَى اللَّهِ؟.
فَقَالُوا: لَا.
فَقَالَ: أَ وَ لَيْسَ كُلٌّ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ مَا فَعَلَ لِحَسَدِهِ إِيَّاهُ وَ عُدْوَانِهِ وَ بَغْضَائِهِ (3) لَهُ؟.
فَقَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: وَ كَذَلِكَ فَعَلَا بِي مَا فَعَلَا حَسَداً، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَتُبْ عَلَى وُلْدِ يَعْقُوبَ إِلَّا بَعْدَ اسْتِغْفَارٍ وَ تَوْبَةٍ، وَ إِقْلَاعٍ وَ إِنَابَةٍ، وَ إِقْرَارٍ، وَ لَوْ أَنَّ قُرَيْشاً تَابَتْ إِلَيَّ وَ اعْتَذَرَتْ مِنْ فِعْلِهَا لَاسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَهَا.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أُنْطِقُ لَكُمُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ، وَ أُفْصِحُ الْخَرْسَاءَ ذَاتَ
____________
(1) قال في الصّحاح 3- 886: عزّ- أيضا- يعزّه عزّا: غلبه، و في المثل: من عزّ بزّ .. أي من غلب سلب.
(2) في المصدر: يرحمكم اللّه.
(3) في المصدر: و بغضانه له.
562
الْبُرْهَانِ، لِأَنِّي فَتَحْتُ الْإِسْلَامَ، وَ نَصَرْتُ الدِّينَ، وَ عَزَزْتُ (1) الرَّسُولَ، وَ ثَبَّتُ (2) أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ، وَ بَيَّنْتُ (3) أَعْلَامَهُ، وَ عَلَيْتُ (4) مَنَارَهُ، وَ أَعْلَنْتُ أَسْرَارَهُ، وَ أَظْهَرْتُ آثَارَهُ وَ حَالَهُ، وَ صَفَّيْتُ الدَّوْلَةَ، وَ وَطَّئْتُ لِلْمَاشِي وَ الرَّاكِبِ، ثُمَّ قُدْتُهَا صَافِيَةً، عَلَى أَنِّي بِهَا مُسْتَأْثِراً.
ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ كَلَامٍ-: ثُمَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ التَّيْمِيُّ وَ الْعَدَوِيُّ كَسُبَّاقِ الْفَرَسِ احْتِيَالًا وَ اغْتِيَالًا، وَ خُدْعَةً وَ غَلَبَةً.
ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ كَلَامٍ-: الْيَوْمَ أُنْطِقُ الْخَرْسَاءَ ذَاتَ الْبُرْهَانِ، وَ أُفْصِحُ الْعَجْمَاءَ ذَاتَ الْبَيَانِ، فَإِنَّهُ شَارَطَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ، وَ صَافَقَنِي عَلَى أَنْ أُحَارِبَ لِلَّهِ (5) وَ أُحَامِيَ لِلَّهِ، وَ أَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جُهْدِي وَ طَاقَتِي وَ كَدْحِي، وَ كَدِّي، وَ أُحَامِيَ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ، وَ أَرْفَعَ عَنْ إِطْنَابِ الدِّينِ (6)، وَ أُعِزَّ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ، عَلَى أَنَّ مَا فَتَحْتُ وَ بَيَّنْتُ (7) عَلَيْهِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَرَأْتُ فِيهِ الْمَصَاحِفَ، وَ عُبِدَ فِيهِ الرَّحْمَنُ، وَ فُهِمَ بِهِ الْقُرْآنُ، فَلِي إِمَامَتُهُ وَ حَلُّهُ وَ عَقْدُهُ، وَ إِصْدَارُهُ وَ إِيرَادُهُ، وَ لِفَاطِمَةَ فَدَكُ وَ مِمَّا خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) النِّصْفُ، فَسَبَقَانِي إِلَى جَمِيعٍ نِهَايَةَ الْمَيْدَانِ يَوْمَ الرِّهَانِ، وَ مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُنْذُ رَأَيْتُهُ، هَلَكَ قَوْمٌ أُرْجِفُوا عَنِّي (8) أَنَّهُ لَمْ يُوجِسْ مُوسَى فِي
____________
(1) قد تقرأ في (ك): عزوت، أو: غروت، و كلتاها لا تناسبان المقام.
(2) في (س): ثبتت.
(3) قد تقرأ في المطبوع: بنيت- بتقديم النّون على الياء-.
(4) في المصدر: و أعليت.
(5) في المصدر: أحارب اللّه. و ما في المتن هو الظّاهر. و يوجّه ما في المصدر بكون لفظة الجلالة منصوبة بنزع الخافض .. أيّ أحارب المشركين و الكافرين للّه .. أيّ لوجه اللّه.
(6) مفعول (أرفع) محذوف و التّقدير: أرفع عن إطناب الدّين ما يقطعها أو يوهنها.
(7) في المصدر: بنيت.
(8) أيّ تزلزلوا و اضطربوا و أعرضوا عنّي، بتضمين معنى الأعراض في كلمة: أرجفوا.
563
نَفْسِهِ خِيفَةً ارْتِيَاباً وَ لَا شَكّاً فِيمَا أَتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَ لَمْ أَشْكُكْ (1) فِيمَا أَتَانِي مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَ لَا ارْتَبْتُ فِي إِمَامَتِي وَ خِلَافَةِ ابْنِ عَمِّي وَ وَصِيَّةِ الرَّسُولِ، وَ إِنَّمَا أَشْفَقَ أَخُو مُوسَى (2) مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ، وَ دُوَلِ الضُّلَّالِ، وَ غَلَبَةِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ، وَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ (3): وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ (4) دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَاطِمَةَ فَنَحَلَهَا فَدَكَ (5) وَ أَقَامَنِي لِلنَّاسِ عَلَماً وَ إِمَاماً، وَ عَقَدَ لِي وَ عَهِدَ إِلَيَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:
أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (6) فَقَاتَلْتُ حَقَّ الْقِتَالِ، وَ صَبَرْتُ حَقَّ الصَّبْرِ، عَلَى أَنَّهُ أَعَزَّ تَيْماً وَ عَدِيّاً (7) عَلَى دِيْنٍ أَتَتْ بِهِ تَيْمٌ وَ عَدِيٌّ، أَمْ عَلَى دِيْنٍ أَتَى بِهِ ابْنُ عَمِّي وَ صِنْوِي (8) وَ جِسْمِي، عَلَى أَنْ أَنْصُرَ تَيْماً وَ عَدِيّاً أَمْ أَنْصُرَ ابْنَ عَمِّي وَ حَقِّي وَ دِينِي وَ إِمَامَتِي؟ وَ إِنَّمَا قُمْتُ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ، وَ احْتَمَلْتُ تِلْكَ الشَّدَائِدَ، وَ تَعَرَّضْتُ لِلْحُتُوفِ عَلَى أَنْ يُصِيبَنِي (9) مِنَ الْآخِرَةِ مُوَفَّراً، وَ إِنِّي صَاحِبُ مُحَمَّدٍ وَ خَلِيفَتُهُ، وَ إِمَامُ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ، وَ صَاحِبُ رَايَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ.
الْيَوْمَ أَكْشِفُ السَّرِيرَةَ عَنْ حَقِّي، وَ أُجْلِي الْقَذَى عَنْ ظُلَامَتِي، حَتَّى يَظْهَرَ لِأَهْلِ اللُّبِّ وَ الْمَعْرِفَةِ أَنِّي مُذَلَّلٌ مُضْطَهَدٌ مَظْلُومٌ مَغْصُوبٌ مَقْهُورٌ مَحْقُورٌ، وَ أَنَّهُمُ ابْتَزُّوا حَقِّي، وَ اسْتَأْثَرُوا بِمِيرَاثِي!.
____________
(1) في (س) نسخة: أشكّ.
(2) في المصدر: أخي موسى.
(3) في المصدر: جلّ و عزّ.
(4) الإسراء: 26.
(5) انظر: الغدير 7- 191 حوّل فدك، و قد سلفت مصادره.
(6) النّساء: 59.
(7) في المصدر: أعربتما و عربا ..
(8) الصنوان: نخلتان و ثلاث من أصل واحد، فكلّ واحدة منهنّ صنو، قاله في مجمع البحرين 1- 269.
(9) في المصدر: على أنّ نصيبي.
564
الْيَوْمَ نَتَوَاقَفُ (1) عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ (2)، مَنِ اسْتَوْدَعَ خَائِناً فَقَدْ غَشَّ نَفْسَهُ، مَنِ اسْتَرْعَى ذِئْباً فَقَدْ ظَلَمَ، مَنْ وَلِيَ غَشُوماً فَقَدِ اضْطَهَدَ، هَذَا (3) مَوْقِفُ صِدْقٍ، وَ مَقَامٌ أَنْطِقُ فِيهِ بِحَقِّي، وَ أَكْشِفُ السِّتْرَ وَ الْغُمَّةَ عَنْ ظُلَامَتِي! يَا مَعْشَرَ الْمُجَاهِدِينَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! أَيْنَ كَانَتْ سِبْقَةُ تَيْمٍ وَ عَدِيٍّ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ؟! أَلَا كَانَتْ يَوْمَ الْأَبْوَاءِ (4) إِذْ تكانفت [تَكَاثَفَتِ (5) الصُّفُوفُ، وَ تَكَاثَرَتِ (6) الْحُتُوفُ، وَ تَقَارَعَتِ السُّيُوفُ؟ أَمْ هَلَّا خَشِيَا فِتْنَةَ الْإِسْلَامِ يَوْمَ ابْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَ قَدْ نَفَخَ بِسَيْفِهِ، وَ شَمَخَ بِأَنْفِهِ، وَ طَمَحَ بِطَرْفِهِ؟! وَ لِمَ لَمْ يُشْفِقَا عَلَى الدِّينِ وَ أَهْلِهِ يَوْمَ بُوَاطَ (7) إِذَا اسْوَدَّ لَوْنُ الْأُفُقِ، وَ اعْوَجَّ عَظْمُ الْعُنُقِ، وَ انْحَلَّ سَيْلُ الْغَرَقِ (8)؟ وَ لَمْ يُشْفِقَا يَوْمَ رَضْوَى إِذِ السِّهَامُ تَطِيرُ، وَ الْمَنَايَا تَسِيرُ، وَ الْأَسَدُ تَزْأَرُ؟
وَ هَلَّا بَادَرَا يَوْمَ الْعَشِيرَةِ إِذَا (9) الْأَسْنَانُ تَصْطَكُّ، وَ الْآذَانُ تَسْتَكُّ، وَ الدُّرُوعُ تُهْتَكُ؟
وَ هَلَّا كَانَتْ مُبَادَرَتُهُمَا يَوْمَ بَدْرٍ، إِذِ الْأَرْوَاحُ فِي الصُّعَدَاءِ تَرْتَقِي، وَ الْجِيَادُ بِالْصَنَادِيدِ تَرْتَدِي، وَ الْأَرْضُ مِنْ دِمَاءِ (10) الْأَبْطَالِ تَرْتَوِي؟ وَ لِمَ لَمْ يُشْفِقَا عَلَى الدِّينِ يَوْمَ بَدْرِ
____________
(1) في العدد القويّة: نتوافق.
(2) في المصدر زيادة هنا، و هي: من وثق بما لم يضمّ .. و لا معنى لها.
(3) في المصدر: هذا هذا.
(4) في العدد القويّة: الإيواء. و سيأتي بيانه، و أمّا الأبواء- بفتح أوّله و سكون ثانيه و مدّ آخره-: مكان بين الحرمين عن المدينة نحوا من ثلاثين ميلا، قاله في مجمع البحرين 1- 18.
(5) في (ك) نسخة: تكاثفت.
(6) في (ك): نسخة: تكاتفت.
(7) بواط- كغراب- جبال جهينة على أبراد من المدينة، منه غزوة بواط، اعترض فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم لعير قريش، قاله في القاموس 2- 352.
(8) في العدد القويّة: العرق- بالعين المهملة-.
(9) في المصدر: إذ.
(10) في (ك) نسخة: رماء.
565
الثَّانِيَةِ، وَ الرَّعَابِيبُ (1) تَرْعَبُ، وَ الْأَوْدَاجُ تَشْخُبُ، وَ الصُّدُورُ تُخْضَبُ (2)؟ أَمْ هَلَّا بَادَرَا يَوْمَ ذَاتِ اللُّيُوثِ، وَ قَدْ أُبِيحَ المتولب [التَّوْلَبُ (3)، وَ اصْطَلَمَ الشَّوْقَبُ، وَ ادْلَهَمَّ الْكَوْكَبُ؟! وَ لِمَ لَا كَانَتْ شَفَقَتُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ يَوْمَ الْكَدِرِ (4)، وَ الْعُيُونُ تَدْمَعُ، وَ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ، وَ الصَّفَائِحُ تَنْزِعُ ..
ثُمَّ عَدَّدَ وَقَائِعَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) كُلَّهَا عَلَى هَذَا النَّسَقِ، وَ قَرَعَهُمَا بِأَنَّهُمَا فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ كُلِّهَا كَانَا مَعَ النَّظَّارَةِ وَ الْخَوَالِفِ وَ الْقَاعِدِينَ، فَكَيْفَ بَادَرَا الْفِتْنَةَ بِزَعْمِهِمَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ قَدْ تَوَطَّأَ الْإِسْلَامُ بِسَيْفِهِ، وَ اسْتَقَرَّ قَرَارَهُ، وَ زَالَ حِذَارُهُ (5).
ثُمَّ قَالَ- بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ (6)-: مَا هَذِهِ الدَّهْمَاءُ وَ الدَّهْيَاءُ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَيْنَا مِنْ قُرَيْشٍ؟! أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ، وَ أَبُو هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، وَ ابْنُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ. يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! إِنِّي عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِي، وَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ دِينِي، الْيَوْمَ أَنْطَقْتُ الْخَرْسَاءَ الْبَيَانَ، وَ فَهَّمْتُ الْعَجْمَاءَ الْفَصَاحَةَ، وَ أَتَيْتُ الْعَمْيَاءَ بِالْبُرْهَانِ، هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (7) قَدْ تَوَافَقْنَا عَلَى حُدُودِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، وَ أَخْرَجْتُكُمْ مِنَ الشُّبْهَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَ مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ، فَتَبَرَّءُوا (8)- رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِمَّنْ نَكَثَ (9) الْبَيْعَتَيْنِ، وَ غَلَبَ الْهَوَى بِهِ (10) فَضَلَّ، وَ أَبْعِدُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِمَّنْ
____________
(1) في المناقب: و الدّعّاس. و في (ك) نسخة: و الدماس، و ستأتي إشارة المصنّف طاب ثراه لها.
(2) في المصدر: تخصب. و كذا في (ك).
(3) في (ك) و المصدر: التولب.
(4) في المصدر: يوم الكدّ. و في (ك) نسخة: الأيكدر.
(5) في (س): حذاده.
(6) في المصدر: كلمة، بدل: كلّه.
(7) المائدة: 119.
(8) في المصدر: فتبرءوا. و ليس بينهما فرقّ إلّا في الكتابة.
(9) في المصدر: نكثوا.
(10) في (ك) نسخة: عليه، بدلا من: به.
566
أَخْفَى الْغَدْرَ (1) وَ طَلَبَ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ فَتَاهَ، وَ (2) الْعَنُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَنِ انْهَزَمَ الْهَزِيمَتَيْنِ إِذْ يَقُولُ اللَّهُ: إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (3)، وَ قَالَ: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (4). وَ اغْضِبُوا (5)- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- عَلَى مَنْ غَضَبَ اللَّهُ (6) عَلَيْهِمْ، وَ تَبَرَّءُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِمَّنْ يَقُولُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَرْتَفِعُ (7) يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحٌ سَوْدَاءُ تَخْتَطِفُ (8) مِنْ دُونِي قَوْماً مِنْ أَصْحَابِي مِنْ عُظَمَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. وَ تَبَرَّءُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنَ النَّفْسِ الضَّالِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ: يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ (9) فَيَقُولُوا: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (10) وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُولُوا: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (11) أَوْ يَقُولُوا: وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (12) أَوْ يَقُولُوا: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا
____________
(1) في المصدر: العذر.
(2) لا توجد: الواو في (س).
(3) الأنفال: 15- 16.
(4) التّوبة: 25.
(5) في المصدر: اغضبوا، بلا واو.
(6) لا يوجد لفظ الجلالة في (س).
(7) في المصدر: ترتفع.
(8) في (ك): تخطف.
(9) إبراهيم: 31.
(10) فصّلت: 29.
(11) الزّمر: 56.
(12) الشّعراء: 99. و في المصدر: إلّا المجرمين.
567
السَّبِيلَا (1)، إِنَّ قُرَيْشاً طَلَبَتِ السَّعَادَةَ فَشَقِيَتْ (2)، وَ طَلَبَتِ النَّجَاةَ فَهَلَكَتْ، وَ طَلَبَتِ الْهِدَايَةَ فَضَلَّتْ. إِنَّ قُرَيْشاً قَدْ أَضَلَّتْ أَهْلَ دَهْرِهَا وَ مَنْ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهَا مِنَ الْقُرُونِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَضَعَ إِمَامَتِي فِي قُرْآنِهِ فَقَالَ: وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً (3) وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (4)، وَ قَالَ: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (5) ..
وَ هَذِهِ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ (6).
وَ قَدْ قَالَ (صلوات الله عليه) فِي بَعْضِ مَقَامَاتِهِ كَلَاماً لَوْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَهُ لَكَفَى قَوْلُهُ (صلوات الله عليه): أَنَا وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ دُونَ قُرَيْشٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ، وَ بِعِتْقِهَا مِنَ السَّيْفِ، وَ هَذَانِ لَمَّا اجْتَمَعَا كَانَا أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ مِنَ الرِّقِّ، فَمَا كَانَ لِقُرَيْشٍ عَلَى الْعَرَبِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ مَا كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»..
____________
(1) الأحزاب: 67. و لا توجد: إنّا، في المصدر.
(2) في المصدر: فسقيت. و ما في المتن هو الظّاهر.
(3) الفرقان: 64.
(4) الفرقان: 74.
(5) الحجّ: 41.
(6) قال في العدد القويّة- بعد كلمة طويلة-: و اعلم أنّ كلّ ما احتججنا به و سائر الشّيعة إنّما أصله من كلامه (صلوات الله عليه) هو الّذي أعطاه اللّه من الفضل و القوّة ما صلح به أنّ يصير أخا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):
تلك المكارم لا قيعان من لبنّ* * * شيبا بماء، فعادوا بعد أبوالا
.
568
بيان:
ديّنّاهم- على بناء التفعيل- .. أي جعلنا الإسلام دينهم و قرّرناهم (1) عليه.
قال الفيروزآبادي: دان (2) فلانا: حمله على ما يكره و أذلّه، و ديّنه تديينا (3):
وكله إلى دينه (4).
و في المناقب (5): و علّمناهم الفرائض و السنن، و حفّظناهم الصدق و اللين، و ورّثناهم الدين (6).
. قوله (عليه السلام): و ألتونا .. أي نقصونا (7) و منعونا ما هو من أسباب قوّتنا و اقتدارنا.
و أعلامنا- بالفتح- .. أي ما هو علامة لإمامتنا و دولتنا، أو بالكسر .. أي ما هو سبب تعليمنا، كما قال تعالى: وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ (8).
و في المناقب (9): و التوونا .. من التوى عن الأمر .. أي تثاقل (10).
و لَيُّ الْغَرِيمِ معروف (11)، و يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني ..
____________
(1) في (ك): قهرناهم.
(2) في طبعتي البحار: و إن. و لا معنى لها.
(3) في (س): بدنياه.
(4) القاموس 4- 225، و مثله في الصحاح 6- 2118- 2119.
(5) مناقب ابن شهرآشوب 2- 201- 203.
(6) جاء في المناقب بدل الجملة الأخيرة: و ديّناهم الإسلام.
(7) ذكره في مجمع البحرين 2- 189، و الصحاح 1- 241، و زاد في الأخير: و ألته أيضا: حبسه عن وجهه و صرفه.
(8) الطور: 21.
(9) المناقب 2- 202.
(10) قاله في لسان العرب 15- 263، و القاموس 4- 387، و تاج العروس 10- 332.
(11) قال في مجمع البحرين 1- 381: و في الخبر: ليّ الواجد يحلّ عقوبته و عرضه .. الليّ: المطل.
و لاحظ: القاموس 4- 387، و لسان العرب 15- 262، و غيرهما.
569
أي استعنت به عليه فأعانني عليه (1).
قوله: و وتروا (2) .. أي ألقوا الجنايات و الدخول (3) بيني و بين العرب و العجم، فإنّهم غصبوا خلافتي و أجروا الناس على الباطل، فصار ذلك سببا للحروب و سفك الدماء، و الوتر- بالكسر-: الجناية، و الموتور: الّذي له قتيل فلم يدرك بدمه (4). و المتاه: اسم مكان، أو مصدر ميميّ من التّيه (5): و هو الحيرة و الضّلالة (6).
و قال في النهاية: (7): فيه .. «الفتنة الصّمّاء العمياء» .. أي (8) الّتي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في رهانها (9)، لأنّ الأصمّ لا يسمع الاستغاثة و لا (10) يقلع عمّا يفعله، و قيل: هي كالحيّة الصّمّاء الّتي لا تقبل الرّقى.
قوله (عليه السلام): و وطأة الأسد .. قال الجزري: الوطء- في الأصل-:
الدّوس بالقدم فسمّي به الغزو و القتل، لأنّ من يطأ على الشّيء برجله فقد استقصى في هلاكه و إهانته .. و منه الحديث (11): «
اللّهمّ اشدد وطأتك على
____________
(1) كما صرّح به في مجمع البحرين 1- 287، و الصحاح 6- 2421. أعني الثار.
(2) قال في مجمع البحرين 3- 508: الوتر- بالفتح-: الذحل ..
و نصّ على ما في المتن في 3- 509، و لاحظ ما ذكره الفيروزآبادي في القاموس المحيط 2- 152.
(3) كذا، و الظاهر: الذحول- بالذال المعجمة-.
(4) انظر: الصحاح 2- 843، و النهاية 5- 148.
(5) في (س): المتيه. و هو غلط.
(6) جاء في النهاية 1- 203، و لسان العرب 13- 482، و غيرهما.
(7) النهاية 3- 54، و انظر: لسان العرب 12- 343.
(8) في المصدر: هي، بدلا من: أي.
(9) في (ك): زمانها. و في المصدر: دهائها. و في لسان العرب 12- 343 .. ذهابها.
(10) في المصدر: فلا، بدلا من: و لا. و جاء في لسان العرب كما في المتن.
(11) في المصدر: حديثه الآخر.
570
مضر».
.. أي خذهم أخذا شديدا (1).
و الطّمطام: معظم ماء البحر، و قد يستعار لمعظم النّار (2)، و استعير هنا لعظماء أهل الشرّ و الفساد.
و قال الجوهري: المحك: اللّجاج .. و المماحكة: الملاجّة (3).
و القمقام: البحر و الأمر الشّديد و السّيّد و العدد الكثير (4).
قوله (عليه السلام): و عجم العرب .. أي كانوا من العرب بمنزلة الحيوانات العجم (5).
قوله (عليه السلام): و غنم الحرب .. أي أهل غنم الحرب الذين لهم غنائمها أو يغتنمونها، و يمكن أن يقرأ الحرب- بالتحريك- و هو سلب المال (6)، و في بعض النسخ الحروب.
قوله (عليه السلام): و قطب الإقدام .. لعلّه بكسر الهمزة .. أي كانوا كالقطب للإقدام على الحروب، أو بالفتح أي بهم كانت الأقدام تستقرّ في الحروب، أو كانت أقدامهم بمنزلة القطب لرحا الحرب، و القطب أيضا: سيّد
____________
(1) النهاية 5- 200، و قريب منه في لسان العرب 1- 195- 197.
(2) نصّ عليه في النهاية 2- 139، و مثله في لسان العرب 12- 371.
(3) في الصحاح 4- 1607، و نحوه في لسان العرب 10- 486.
أقول: في طبعتي البحار: الملاحة- بالحاء المهملة-، و قد سقطت النقطة عن الجيم كما هو ظاهر.
(4) ذكره في القاموس 4- 167- 168، و لسان العرب 12- 494، إلّا أنّ فيهما: و الأمر العظيم.
(5) قال في مجمع البحرين 6- 111: و الحيوانات العجم- بالضم فالسكون-: جمع أعجم، و هو من لا يقدر على الكلام، و منه: اتّقوا اللّه في العجم من أموالكم، قيل: و ما العجم؟. قال: الشاة و البقرة و الحمام .. و أشباه ذلك. و ذكر في الصحاح 5- 1980: و العجم- أيضا- صغار الإبل نحو بنات اللبون إلى الجذع .. و العجماء: البهيمة .. و إنّما سمّيت عجماء: لأنّها لا تتكلّم، فكلّ من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم و مستعجم.
(6) نصّ عليه في مجمع البحرين 2- 38، و الصحاح 1- 108.
571
القوم و ملاك الشّيء و مداره، ذكره الفيروزآبادي (1).
قوله (عليه السلام): و سلّ السيوف (2) .. الحمل على المبالغة أي سلّال السّيوف، و لعلّه تصحيف، و في بعض النسخ: سيل السيوف.
و الدلاص- بالكسر-: الليّن (3) البرّاق، يقال: درع دلاص و أدرع دلاص (4).
قوله (عليه السلام): يفري جماجم البهم .. و في بعض النسخ: يبرئ بالباء- الفري: الشّقّ (5) و البري: النّحت (6)، و البهم- كصرد-: جمع بهمة، و هو الفارس الّذي لا يدرى من أين يؤتى من شدّة بأسه (7)، و الجمجمة- بالضم-:
القحف أو العظم فيه الدّماغ (8)، و الهام- جمع هامة-: و هو رأس كلّ شيء (9)، و الأبطال: الشّجعان (10)، و النّكص: الإحجام عن الأمر و الرّجوع عنه (11)، و الحتوف- بالضم-: جمع الحتف- بالفتح- و هو الموت (12)، و الغوانم: الجيوش الغانمة (13)، و في بعض النسخ: العرازم: جمع عرزم و هو الشّديد و الأسد (14)، و في
____________
(1) القاموس 1- 118، و قارن به لسان العرب 1- 682.
(2) قال في القاموس 3- 397: السّلّ: انتزاعك الشيء و إخراجه في رفق كالاستلال، و سيف سليل:
مسلول.
(3) في (س): اللبن.
(4) ذكره في الصحاح 3- 1040، و لسان العرب 7- 37، و غيرهما.
(5) جاء في الصحاح 6- 2454، و القاموس 3- 373.
(6) كما في مجمع البحرين 1- 52، و القاموس 3- 303. و في (ك): و النحت، بالواو و هي زائدة.
(7) قاله في الصحاح 5- 1875، و تاج العروس 8- 207، و غيرهما.
(8) صرّح به في القاموس 4- 92، و تاج العروس 8- 233، و لسان العرب 12- 110.
(9) نصّ عليه في القاموس 4- 193، و لسان العرب 12- 624، و زاد في الأخير: من الروحانيين.
(10) ذكره في القاموس 3- 335، و لسان العرب 11- 56.
(11) قاله في مجمع البحرين 4- 189، و الصحاح 3- 1060.
(12) جاء في مجمع البحرين 5- 34، و الصحاح 4- 1340، و غيرهما.
(13) الغوانم: جمع غانمة، و هي صفة و موصوفها محذوف و هو: الجيوش.
(14) ذكره في القاموس 4- 149، إلّا أنّه لم يذكر أنّه جمع عرزم بل جعله كالعرزم، و مثله في تاج العروس 8- 396.
572
بعضها: الغراة (1)، و السّنبك- بالضم-: طرف الحافر (2)، و صفن الفرس: قام على ثلاثة قوائم و طرف حافر الرّابعة (3)، و الأذل: الضّيق و الشّدّة (4).
قوله (عليه السلام): و الهزل .. لعلّ المراد أنّهم لم يكونوا يثبتون في مقام الهزل فكيف في مقام الجدّ؟، و في بعض النسخ: و الزلزال.
قوله (عليه السلام): في ظلال الأعنّة و في (5) بعض النسخ: في طلاب الأعنّة .. أي مطالبتها، و في بعضها: في إطلاق الأعنّة، و هو أصوب.
قوله (عليه السلام): نتواقف .. أي وقفت على حدّ الحقّ و وقفتم على حدّ الباطل.
قوله (عليه السلام): و نالوني .. أي أصابوني (6) بالمكاره، و في بعض النسخ: قالوني .. من القلاء: و هو البغض (7)، و يقال: بزّه ثيابه و ابتزّه: إذا سلبه إيّاها (8).
قوله (عليه السلام): العجماء ذات البيان .. قيل: كنّى (عليه السلام) بها عن العبر الواضحة و ما حلّ بقوم فسقوا عن أمر ربّهم، و عمّا هو واضح من كمال فضله (عليه السلام)، و عن حال الدين، و مقتضى أوامر اللَّه تعالى، فإنّ هذه الأمور عجماء لا نطق لها.
____________
(1) في (ك): الغواة.
الغراة- لعلّها جمع الغري- و هو البناء الجيد.
(2) كما في القاموس 3- 307، و لسان العرب 10- 444.
(3) جاء في القاموس 4- 242، و لسان العرب 13- 248، و غيرها.
(4) قاله في القاموس 3- 328، و النهاية 1- 46.
أقول: ما ذكراه منطبق على كلمة: الأزل- بالزاء المعجمة-، في (س): الأذل، و في (ك): الأزل.
(5) لا توجد الواو في (س).
(6) كما في لسان العرب 11- 685، و النهاية 5- 141، و القاموس 4- 62.
(7) ذكره في مجمع البحرين 1- 349، و القاموس 4- 380، و غيرهما.
(8) نصّ عليه في النهاية 1- 124، و لسان العرب 5- 312.
573
بيانا .. ذات البيان حالا [كذا]، و لمّا بيّنها (عليه السلام) فكأنّه أنطقها لهم.
و قيل: العجماء صفة لمحذوف .. أي الكلمات العجماء، و المراد ما في هذه الخطبة من الرموز التي لا نطق لها مع أنّها ذات بيان عند أولي الألباب.
قوله (عليه السلام): على أنّي بها مستأثر .. على بناء المفعول، و الاستئثار:
الاستبداد و الانفراد بالشّيء (1)، و الكلام مسوق على المجاز .. أي ثم تصرفوا في الخلافة على وجه كأنّي فعلت جميع ذلك ليأخذوها منّي مستبدّين بها، و يحتمل الاستفهام الإنكاري، و يمكن أن يقرأ على بناء اسم الفاعل.
و الكدح: العمل و السّعي (2).
و الغشم: الظّلم (3).
و اكتنفه: أحاط به، و كانفه: عاونه (4). و قال الجوهري: نفحه (5) بالسّيف:
تناوله من بعيد (6).
قوله (عليه السلام): تزأر .. الزّرء (7) و الزّئير: صوت الأسد من صدره، و الفعل كضرب و منع و سمع (8)، و في بعض النسخ بالياء (9)، و لعلّه على التخفيف بالقلب لرعاية السجع.
و الاستكاك: الصّمم (10).
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 3- 199، و انظر: الصحاح 2- 575، و النهاية 1- 22.
(2) قاله في مجمع البحرين 2- 406، و الصحاح 1- 391.
(3) جاء في القاموس 4- 156، و الصحاح 5- 1996، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في القاموس 3- 192، و الصحاح 4- 1424.
(5) في (ك): نفجه- بالجيم-.
(6) الصحاح 1- 412، و لسان العرب 2- 624.
(7) كذا، و الصحيح: الزأر- بتقديم الهمزة على الراء-.
(8) نصّ عليه في القاموس 2- 36، و مثله في لسان العرب 4- 314، إلّا أنّه لم يذكر مجيئه من باب سمع.
(9) أي تزير، قلبت الهمزة ياء على التخفيف.
(10) صرّح به في القاموس 3- 306، و الصحاح 4- 1590.
574
و الصّعدا: المشقّة، أو هو بالمدّ: بمعنى ما يصعد عليه (1).
قوله (عليه السلام): ترتدي .. لعلّه (عليه السلام) شبّه وقوعهم بعد القتل على أعناق الجياد بارتدائها (2) بهم، أو هو افتعال من الردى و هو الهلاك و إن لم يأت فيما عندنا من كتب اللغة (3)، و في بعض النسخ: تردى، فالباء زائدة أو بمعنى مع، أو للتعدية إذا قرئ على بناء المجرّد، و يقال: ردى الفرس- كرمى-: إذا رجمت الأرض بحوافرها، أو بين (4) العدو و المشي، و الشيء: كسره، و فلانا: صدمه و ردى ردى: هلك (5).
قوله (عليه السلام): و الرعابيب ترعب .. قال الفيروزآبادي: الرّعبوب:
الضّعيف الجبان، و جارية رعبوبة و رعبوب و رعبيب- بالكسر- شطبة تارّة أو بيضاء حسنة رطبة حلوة أو ناعمة، و من النّوق طيّاشة (6).
و في المناقب: و الدعاس ترعب .. من الدّعس و هو الطّعن، و المداعسة:
المطاعنة (7).
قوله (عليه السلام): و قد أبيح التّولب .. التّولب: ولد الحمار (8)، و هو كناية
____________
(1) قال في القاموس 1- 307: و الصّعداء: المشقّة كالصّعدد، و كالبرحاء: تنفّس طويل. و زاد في لسان العرب 3- 251: و الصعود: الطريق صاعدا .. و الصعود و الصعوداء: العقبة الشاقّة ..
و الصعود: المشقّة. هذا و لم نجد فيما بأيدينا من كتب اللغة (صعدا)- بالقصر- كما في (س).
و (صعد) كما في (ك).
(2) أي بلبسها الرداء بهم.
(3) كذا، و مراده أنّه لم يأت فيها بمعنى الهلاك، و أمّا ما ذكر له من المعنى فقد قال في الصحاح 6- 2355: تردى و ارتدى .. أي لبس الرداء، و قال في تاج العروس 10- 148- بعد نقل عبارة الصحاح-: و ارتدى فلان: تقلّد بالسيف و ارتدت الجارية: رفعت رجلا و مشت على رجل تلعبه، نقله الأزهري.
(4) أي الردي هو بين ..
(5) قاله في القاموس 4- 333، و قارن به تاج العروس 10- 147.
(6) القاموس 1- 74 بتقديم و تأخير، و مثله في لسان العرب 1- 421- 422.
(7) صرّح به في الصحاح 3- 929، و القاموس 2- 215.
(8) نصّ عليه في الصحاح 1- 91، و القاموس 1- 40.
575
عن كثرة الغنائم أو الأسارى على الاستعارة.
و في المناقب (1): و قد أمج التّولب .. أمّا بتشديد الجيم من أمجّ الفرس:
إذا بدأ بالجري قبل أن يضطرم، و أمجّ الرّجل: إذا ذهب في البلاد (2)، أو بالتخفيف من أمج- كفرح- إذا سار شديدا (3)، و لعلّه على الوجهين كناية عن الفرار، و النسخة الأولى أظهر و أنسب.
و الاصطلام: الاستئصال (4).
و الشّوقب (5): الرّجل الطّويل، و الواسع من الحوافر.
و خشبتا القتب اللّتان تعلّق فيهما الحبال (6).
قوله (عليه السلام): و الصفائح تنزع .. في بعض النسخ: تربع .. من ربع الإبل: إذا سرحت في المرعى و أكلت حيث شاءت و شربت، و كذلك الرّجل بالمكان (7).
ثم إنّ غزوة الأبواء وقعت بعد اثني عشر شهرا من الهجرة، خرج رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) من المدينة يريد قريشا و بني ضمرة، قالوا: ثم رجع و لم يلق كيدا.
، و غزوة بواط كانت في السنة الثانية في ربيع الأوّل (8) و بعدها في جمادى (9) الآخرة كانت غزوة العشيرة، و الرّضوى: جبل بالمدينة (10)، و لا يبعد كونه إشارة إلى
____________
(1) المناقب 2- 203.
(2) ذكره في القاموس 1- 206، و الصحاح 1- 340، و غيرهما.
(3) قاله في القاموس 1- 177، و لسان العرب 2- 208.
(4) كما في مجمع البحرين 6- 102، و الصحاح 5- 1967.
(5) في (ك): الشوقب.
(6) جاء في القاموس 1- 89، و لسان العرب 1- 506.
(7) صرّح به في القاموس 3- 25، و تاج العروس 5- 339.
(8) وضع عليها رمز نسخة، في (ك).
(9) كذا، و الظاهر جمادى.
(10) ذكره في مجمع البحرين 1- 188، و القاموس 4- 335، و غيرهما.
576
غزوة أحد، و ذات الليوث إلى غزوة حنين، و الكدو (1)- و في بعض النسخ: الأكيدر إلى غزوة دومة الجندل، و قد مرّ تفصيلها في المجلد السادس (2).
و في القاموس: وطّأه: هيّأه و دمّثه و سهّله .. فاتّطأ (3) .. و واطأه على الأمر:
وافقه كتواطأه و توطّأه .. و ايتطأ- كافتعل-: استقام و بلغ نهايته و تهيّأ (4).
و الدّهماء: الفتنة المظلمة (5)، و الدّهياء: الدّاهية الشّديدة (6).
أقول:
أورد ابن شهرآشوب في المناقب (7): الخطبة الأولى إلى قوله: و أين هذه الأفعال الحميدة.
.. مع اختصار في بعض المواضع.
11- فس (8): قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ أَوَّلَ (9) مَنْ بَغَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ عَنَاقُ بِنْتُ آدَمَ (عليه السلام)، خَلَقَ اللَّهُ لَهَا عِشْرِينَ إِصْبَعاً، فِي كُلِ (10) إِصْبَعٍ مِنْهَا ظُفُرَانِ طَوِيلَانِ كَالْمِنْجَلَيْنِ (11) الْعَظِيمَيْنِ،
____________
(1) قد مرّ في أصل الخطبة: الكدر. و هو الظاهر.
(2) بحار الأنوار 20- 14- 146 في غزوة أحد، و نفس المجلد: 293- 295 في غزوة دومة الجندل، و من صفحة: 146 الى 168 في غزوة حنين.
(3) و تقرأ في (ك): فأيطأ، أيضا و الكلمة مشوشة.
(4) كما في القاموس 1- 32، و تاج العروس 1- 135، و قال فيه أيضا: هياه و دمثه و سهله الثلاثة بمعنى. و في المصدر: استطأ، بدلا من: ايتطأ، و جاءت نسخة في هامش القاموس: ايتطأ، كمتن البحار.
(5) نصّ عليه في النهاية 2- 146، و قارن به لسان العرب 12- 211.
(6) قال في مجمع البحرين 1- 152: عن ابن سكّيت: داهية دهياء و دهوا- أيضا- و هي توكيد لها، و مثله في الصحاح 6- 2344.
(7) المناقب 2- 201- 203.
(8) تفسير القمّيّ 2- 134.
(9) في المصدر: يا أيّها النّاس أوّل ..
(10) في المصدر: لكلّ.
(11) في المصدر: المخلبين.
أقول: هنا حاشية جاءت في (ك) و هي: المنجل- بكسر الميم-: ما يحصد به الزّرع. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 5- 478.
577
وَ كَانَ مَجْلِسُهَا فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ جَرِيبٍ، فَلَمَّا بَغَتْ بَعَثَ اللَّهُ لَهَا أَسَداً كَالْفِيلِ وَ ذِئْباً كَالْبَعِيرِ وَ نَسْراً كَالْحِمَارِ وَ كَانَ ذَلِكَ فِي الْخَلْقِ الْأَوَّلِ، فَسَلَّطَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا فَقَتَلُوهَا، أَلَا وَ قَدْ قَتَلَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ خَسَفَ بِقَارُونَ (1)، وَ إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ لِأَعْدَائِهِ الَّذِينَ غَصَبُوا حَقَّهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه)- عَلَى إِثْرِ هَذَا الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ-: وَ قَدْ كَانَ لِي حَقٌّ حَازَهُ دُونِي مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَ لَمْ أَكُنْ أُشْرِكُهُ فِيهِ، وَ لَا تَوْبَةَ لَهُ إِلَّا بِكِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ بِرَسُولٍ (2) مُرْسَلٍ، وَ أَنَّى لَهُ بِالرِّسَالَةِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (3) (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَّى يَتُوبُ (4) وَ هُمْ (5) فِي بَرْزَخِ الْقِيَامَةِ غَرَّتْهُ الْأَمَانِيُّ وَ غَرَّهُ بِاللَّهِ الْغَرُورُ*، قَدْ أَشْفَى عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (6) (7) (8).
12- ما (9): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ (10)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَعِدَ عَلِيٌّ (عليه السلام) الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِ
____________
(1) في المصدر: خسف اللّه بقارون.
(2) في التّفسير: و برسول ..
(3) في المصدر: بعد رسول اللّه .. و فيه نسخة بدل: النّبيّ محمّد (ص).
(4) وضع رمز نسخة بدل في (س): على يتوب. و ذكر في (ك) نسخة بدل: فإنّي، بدلا من: و إنّي، و كلتا الكلمتين لا توجدان في المصدر. و من هنا إلى آخر الحديث ذكر في حاشية المصدر على أنّه نسخة بدل.
(5) في هامش المصدر: و هو.
(6) في هامش التّفسير: و قد أشرف على جرف.
(7) لا توجد في هامش المصدر: في نار.
(8) التّوبة: 109.
(9) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 336.
(10) في المصدر: قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، بدلا من: عن ابن عقدة.
578
اللَّهِ (1) لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كَذَّابٌ، مَا زِلْتُ مَظْلُوماً مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ: طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ، وَ الْقَاسِطِينَ: مُعَاوِيَةَ وَ أَهْلِ الشَّامِ، وَ الْمَارِقِينَ: وَ هُمْ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ، وَ لَوْ أَمَرَنِي بِقِتَالِ الرَّابِعَةِ لَقَاتَلْتُهُمْ.
13- قب (2): الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ بِالْإِسْنَادِ، قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: قَالَ عَلِيٌّ (ع): إن [أَنَا (3) أَوَّلُ مَنْ يحثو [يَجْثُو (4) لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (5).
14- جا (6): الْكَاتِبُ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَزِينٍ (7) بَيَّاعِ الْأَنْمَاطِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَخْطُبُ النَّاسَ قَالَ (8) فِي خُطْبَتِهِ: وَ اللَّهِ لَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِمْ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، فَكَظَمْتُ غَيْظِي، وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي، وَ أَلْصَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ هَلَكَ وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَ قَدْ عَلِمَ- وَ اللَّهِ- أَنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِهِمْ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، فَكَظَمْتُ غَيْظِي، وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ هَلَكَ وَ قَدْ جَعَلَهَا شُورَى، فَجَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ،
____________
(1) في الأمالي: يوم جمعة .. و أخو رسوله. و في (س) الكلمة مشوّشة.
(2) المناقب 3- 204.
(3) كذا، و في المصدر و حاشية البحار: أنا، وضع بعدها رمز: ظاهرا، و هو الصّواب، إلّا أن يكون متنا مبتورا بلا خبر.
(4) في (س): يجثو.
(5) صحيح البخاريّ، كتاب المغازي و تفسير سورة الحجّ (22) حديث 3 (6- 124) عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: أنا أوّل من يجثو بين يدي الرّحمن للخصومة يوم القيامة.
(6) أمالي الشّيخ المفيد: 153- 154، حديث 5.
(7) هكذا جاء السّند في المصدر: قال: أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمّد الكاتب، قال: أخبرني الحسن ابن عليّ الزّعفرانيّ، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، قال: حدّثني المسعوديّ، قال: حدّثنا الحسن بن حمّاد، عن أبيه، قال: حدّثني رزين ..
(8) في المصدر: فقال.
579
كَسَهْمِ الْجَدَّةِ وَ قَالَ: اقْتُلُوا الْأَقَلَّ وَ مَا أَرَادَ غَيْرِي، فَكَظَمْتُ غَيْظِي، وَ انْتَظَرْتُ أَمْرَ رَبِّي، وَ أَلْصَقْتُ كَلْكَلِي بِالْأَرْضِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْقَوْمِ بَعْدَ بَيْعَتِهِمْ لِي مَا كَانَ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ إِلَّا قِتَالَهُمْ أَوِ الْكُفْرَ بِاللَّهِ.
بيان: الكلكل: الصّدر (1).
15- جا (2): ابْنُ قُولَوَيْهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلَوِيَّةَ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ (3) بْنِ عَمْرٍو الرَّازِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) مَسِيرُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ وَ عَائِشَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ نَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قُلْنَا: نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ عَصَبَتُهُ وَ وَرَثَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ وَ أَحَقُّ خَلَائِقِ اللَّهِ بِهِ، لَا نُنَازَعُ حَقَّهُ وَ سُلْطَانَهُ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ إِذْ (4) نَفَرَ الْمُنَافِقُونَ فَانْتَزَعُوا سُلْطَانَ نَبِيِّنَا (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَّا وَ وَلَّوْهُ غَيْرَنَا، فَبَكَتْ لِذَلِكَ- وَ اللَّهِ- الْعُيُونُ وَ الْقُلُوبُ مِنَّا جَمِيعاً، وَ خَشُنَتْ- وَ اللَّهِ الصُّدُورُ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا مَخَافَةُ الْفُرْقَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعُودُوا (5) إِلَى الْكُفْرِ، وَ يَعُودَ الدِّينُ (6)، لَكُنَّا قَدْ غَيَّرْنَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَعْنَا، وَ قَدْ وَلِيَ ذَلِكَ وُلَاةٌ وَ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ وَ رَدَّ اللَّهُ الْأَمْرَ إِلَيَّ، وَ قَدْ بَايَعَانِي وَ قَدْ (7) نَهَضَا إِلَى الْبَصْرَةِ لِيُفَرِّقَا جَمَاعَتَكُمْ، وَ يُلْقِيَا بَأْسَكُمْ
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 5- 465، و الصحاح 5- 1812، و غيرهما.
(2) أمالي الشّيخ المفيد: 154- 156، حديث 6.
(3) جاء السّند في المصدر هكذا: قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه- (رحمه الله)-، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن علويّة، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، قال: أخبرنا محمّد ..
(4) في المصدر: نحن على ذلك إذ ..
(5) في المصدر: مخافة الفرقة بين المسلمين و أنّ يعودوا ..
(6) في الأمالي: و يعوّر الدّين. و جاء في هامشه: في بعض نسخ الحديث: (و أن يعود الكفر و يبور الدّين) و في بعضها: (يعود الدّين) .. أيّ ارتدّ إلى ما كان عليه في الجاهليّة بعد ما كان أعرض عنها.
(7) في الأمالي زيادة و تغيير، و هي: و قد بايعني هذان الرّجلان طلحة و الزّبير فيمن بايعني و قد ..
580
بَيْنَكُمْ، اللَّهُمَّ فَخُذْهُمَا لِغِشِّهِمَا (1) لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَ سُوءِ نَظَرِهِمَا لِلْعَامَّةِ.
فَقَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ ابْنُ التَّيِّهَانِ (رحمه الله) فَقَالَ (2): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ حَسَدَ قُرَيْشٍ إِيَّاكَ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَمَّا خِيَارُهُمْ فَحَسَدُوكَ مُنَافَسَةً فِي الْفَضْلِ وَ ارْتِفَاعاً فِي الدَّرَجَةِ، وَ أَمَّا شِرَارُهُمْ (3) فَحَسَدُوكَ حَسَداً أَحْبَطَ اللَّهُ بِهِ أَعْمَالَهُمْ وَ أَثْقَلَ بِهِ أَوْزَارَهُمْ، وَ مَا رَضُوا أَنْ يُسَاوُوكَ حَتَّى أَرَادُوا أَنْ يَتَقَدَّمُوكَ، فَبَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الْغَايَةُ، وَ أَسْقَطَهُمُ الْمِضْمَارُ، وَ كُنْتَ أَحَقَّ قُرَيْشٍ بِقُرَيْشٍ، نَصَرْتَ نَبِيَّهُمْ حَيّاً، وَ قَضَيْتَ عَنْهُ الْحُقُوقَ مَيِّتاً، وَ اللَّهِ مَا بَغْيُهُمْ إِلَّا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَ نَحْنُ أَنْصَارُكَ وَ أَعْوَانُكَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
إِنَّ قَوْماً بَغَوْا عَلَيْكَ وَ كَادُوكَ* * * وَ عَابُوكَ بِالْأُمُورِ الْقِبَاحِ
لَيْسَ مِنْ عَيْبِهَا جَنَاحُ بَعُوضٍ* * * فِيكَ حَقّاً وَ لَا كَعُشْرِ جَنَاحٍ
أَبْصَرُوا نِعْمَةً عَلَيْكَ (4)مِنَ اللَّهِ* * * وَ قوما [قَرْماً (5) يَدُقُّ قَرْنَ النِّطَاحِ
وَ إِمَاماً تَأْوِي الْأُمُورُ إِلَيْهِ* * * وَ لِجَاماً لمن [يَلِينُ (6) غَرْبَ (7) الْجِمَاحِ
كلما [حَاكِماً (8) تُجْمَعُ الْإِمَامَةُ فِيهِ* * * هَاشِمِيّاً لَهَا عُرَاضُ الْبِطَاحِ
حَسَداً لِلَّذِي أَتَاكَ مِنَ اللَّهِ* * * وَ عَادُوا إِلَى قُلُوبٍ قِرَاحٍ
وَ نُفُوسٍ هُنَاكَ أَوْعِيَةُ الْبُغْضِ* * * عَلَى الْخَيْرِ لِلشَّقَاءِ شِحَاحٍ
مِنْ مَسِيرٍ يَكُنُّهُ حُجُبُ الْغَيْبِ* * * وَ مِنْ مُظْهِرِ الْعَدَاوَةِ لَاحٍ
يَا وَصِيَّ النَّبِيِّ نَحْنُ مِنَ الْحَقِ* * * عَلَى مِثْلِ بَهْجَةِ الْإِصْبَاحِ
____________
(1) في المصدر: بغشهما، و في (ك): لعنتهما. (2) في الأمالي: و قال. (3) في المصدر: أشرارهم. (4) في (س): عليك نعمة. (5) كذا، و في المصدر: و ما يأتي من بيان المصنّف- (رحمه الله)-: قرما. (6) في المصدر: يليّن، و في (س): إن بدلا من: لمن. (7) في (ك): عزب. (8) في المصدر و نسخة جاءت في (س): حاكما.* * *
581
فَخُذِ الْأَوْسَ وَ الْقَبِيلَ مِنَ الْخَزْرَجِ* * * بِالطَّعْنِ فِي الْوَغَا وَ الْكَفَاحِ
لَيْسَ مِنَّا مَنْ (1)لَمْ يَكُنْ لَكَ فِي اللَّهِ* * * وَلِيّاً عَلَى الْهُدَى وَ الْفَلَاحِ
فَجَزَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) خَيْراً، ثُمَّ قَامَ النَّاسُ بَعْدَهُ فَتَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمِثْلِ مَقَالِهِ.
بيان:
القرم: السّيد (2).
و النّطاح- بالكسر-: الكباش النّاطحة بالقرن (3)، استعيرت هذا للشجعان.
و جماح الفرس: امتناعه من راكبه (4).
قوله: قراح .. أي مقروحة بالحسد (5).
قوله: على الخير متعلّق بالشحاح كقوله (6) تعالى: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ (7)، و اللاحي: اللائم، و الملاحي: المنازع (8)، و يقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس و لا غيره (9).
____________
(1) في (س): من أمن.
(2) ذكره في الصحاح 5- 2009، و القاموس 4- 163، و غيرهما.
(3) قال في لسان العرب 2- 621: النطح للكباش و نحوها .. و كبش نطّاح .. و كبش نطيح ...
فالناطح: الكبش. و نحوه في تاج العروس 2- 240. و الناطح: الكبش الذي ينطح بالقرن.
(4) قال في القاموس 1- 218، و الصحاح 1- 360: جماع الفرس: اعتزازه و غلبته من راكبه.
(5) قال في الصحاح 1- 395: و قرحه قرحا: جرحه فهو قريح. و قال في لسان العرب 2- 558: قريح- فعيل بمعنى المفعول-، قرح البعير فهو مقروح و قريح.
أقول: لعلّه- (رحمه الله)- جعل القراح جمع القريح- ككرام و كريم-.
(6) في (ك): قوله.
(7) الأحزاب: 19.
(8) كما في مجمع البحرين 1- 374، و الصحاح 6- 2481.
(9) صرّح به في مجمع البحرين 2- 407، و الصحاح 1- 399.
582
16- جا (1): الْكَاتِبُ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ (2) بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَامَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنِّي سَائِلُكَ لِآخُذَ عَنْكَ، وَ قَدِ انْتَظَرْنَا أَنْ تَقُولَ مِنْ أَمْرِكَ شَيْئاً فَلَمْ تَقُلْهُ، أَ لَا تُحَدِّثُنَا عَنْ أَمْرِكَ هَذَا .. أَ كَانَ بِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (3) (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْ شَيْءٌ رَأَيْتَهُ؟ فأما [فَإِنَّا (4) قَدْ أَكْثَرْنَا فِيكَ الْأَقَاوِيلَ وَ أَوْثَقَهُ عِنْدَنَا مَا قَبِلْنَاهُ عَنْكَ (5) وَ سَمِعْنَاهُ مِنْ فِيكَ، إِنَّا كُنَّا نَقُولُ لَوْ رَجَعَتْ إِلَيْكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يُنَازِعْكُمْ فِيهَا أَحَدٌ، وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِذَا سُئِلْتُ مَا أَقُولُ؟ أَزْعَمُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَوْلَى بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْكَ؟ فَإِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَعَلَامَ (6) نَصَبَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ؟!. وَ إِنْ تَكُ أَوْلَى مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ فَعَلَامَ (7) نَتَوَلَّاهُمْ؟.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبَضَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ أَنَا يَوْمَ قَبَضَهُ أَوْلَى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ قَدْ كَانَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (ص) إِلَيَّ عَهْدٌ لَوْ خَزَمْتُمُونِي بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ سَمْعاً لِلَّهِ وَ طَاعَةً، وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا انْتَقَصْنَاهُ (8) بَعْدَهُ إِبْطَالُ حَقِّنَا فِي الْخُمُسِ، فَلَمَّا رَقَّ أَمْرُنَا طَمِعَتْ رِعْيَانُ الْبُهَمِ
____________
(1) أمالي الشّيخ المفيد: 223- 224، حديث 2.
(2) جاء السّند في المصدر هكذا: أخبرني أبو الحسن عليّ بن محمّد الكاتب، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الزّعفرانيّ، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، قال: حدّثنا المسعوديّ، قال:
حدّثنا محمّد ..
(3) في نسخة من المصدر، و في (س): كان بعهد من رسول اللّه.
(4) في أمالي المفيد: فإنّا، و هو الظّاهر.
(5) خطّ في (س) على لفظة: عنك.
(6) في المصدر: فعلى م. و ليس الفرق إلّا في الكتابة.
(7) في الأمالي: فعلى م. و ليس الفرق إلّا في الكتابة.
(8) في المصدر: انتقصنا، و فيه نسخة: انتقصناه، و في (س): انتقضا.
583
مِنْ قُرَيْشٍ فِينَا، وَ قَدْ كَانَ لِي عَلَى النَّاسِ حَقٌّ لَوْ رَدُّوهُ إِلَيَّ عَفْواً قَبِلْتُهُ وَ قُمْتُ بِهِ، فَكَانَ (1) إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى النَّاسِ حَقٌّ إِلَى أَجَلٍ، فَإِنْ عَجَّلُوا لَهُ مَالَهُ أَخَذَهُ وَ حَمِدَهُمْ عَلَيْهِ، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ أَخَذَهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ (2)، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ يَأْخُذُ السُّهُولَةَ وَ هُوَ عِنْدَ النَّاسِ مَحْزُونٌ، وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ الْهُدَى بِقِلَّةِ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا سَكَتُّ فَأَعْفُونِي، فَإِنَّهُ لَوْ جَاءَ أَمْرٌ تَحْتَاجُونَ (3) فِيهِ إِلَى الْجَوَابِ أَجَبْتُكُمْ، فَكُفُّوا عَنِّي مَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَنْتَ- لَعَمْرُكَ- كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:
لَعَمْرِي (4)لَقَدْ أَيْقَظْتَ مَنْ كَانَ نَائِماً* * * وَ أَسْمَعْتَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ
.
بيان:
خزمت البعير بالخزامة و هي حلقة من شعر تجعل في وترة أنفه يشدّ فيها الزمام (5).
قوله (عليه السلام): رعيان البهم .. أي رعاة البهائم و الأنعام (6).
و قال الجوهري: يقال: أعطيته عفو المال: يعني بغير مسألة (7).
و قال في النهاية- في حديث المغيرة-: محزون اللّهزمة .. أي خشنها .. و منه الحديث (8): أحزن بنا المنزل .. أي صار ذا حزونة (9) .. و يجوز أن يكون من قولهم
____________
(1) في الأمالي: و كان.
(2) في المصدر: محمودين، و كذلك في (ك).
(3) جاءت في طبعتي البحار: خ. ل: تحتاجوني.
(4) في المصدر: لعمرك.
(5) ذكره في الصحاح 5- 1911، و لسان العرب 12- 175، و غيرهما.
(6) قاله في الصحاح 6- 2358، و القاموس 4- 335.
(7) كما في الصحاح 6- 2432، و القاموس 4- 364، و غيرهما.
(8) في المصدر: و منه حديث الشعبي.
(9) في (ك): ذو حزونة، و هو سهو.
584
أحزن الرّجل و أسهل: إذا ركب الحزن و السّهل (1).
17- كا (2): فِي الرَّوْضَةِ، عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ وَ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمَّا بُويِعَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَا فَاسْتَعْلَى، وَ دَنَا فَتَعَالَى، وَ ارْتَفَعَ فَوْقَ كُلِّ مَنْظَرٍ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، مُصَدِّقاً لِلرُّسُلِ الْأَوَّلِينَ، وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفاً رَحِيماً، فَصَلَّى اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّ الْبَغْيَ يَقُودُ أَصْحَابَهُ إِلَى النَّارِ، وَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَغَى عَلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنَاقُ بِنْتُ آدَمَ، وَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قَتَلَهُ اللَّهُ عَنَاقُ، وَ كَانَ مَجْلِسُهَا جَرِيباً مِنَ الْأَرْضِ (3) فِي جَرِيبٍ، وَ كَانَ لَهَا عِشْرُونَ إِصْبَعاً فِي كُلِّ إِصْبَعٍ ظُفُرَانِ مِثْلَ الْمِنْجَلَيْنِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهَا أَسَداً كَالْفِيلِ وَ ذِئْباً كَالْبَعِيرِ وَ نَسْراً مِثْلَ الْبَغْلِ فَقَتَلُوهَا، وَ قَدْ قَتَلَ اللَّهُ الْجَبَابِرَةَ عَلَى أَفْضَلِ أَحْوَالِهِمْ، وَ آمَنِ مَا كَانُوا، وَ أَمَاتَ هَامَانَ، وَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ، وَ قَدْ قَتَلَ عُثْمَانَ، أَلَا وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَةَ الْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَ أَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَابِقُونَ (4) كَانُوا سَبَقُوا، وَ اللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً، وَ لَا كَذَبْتُ كِذْبَةً، وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَ هَذَا الْيَوْمِ، أَلَا وَ إِنَّ الْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا (5)، وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ، أَلَا وَ إِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا
____________
(1) النهاية 1- 380، و انظر: لسان العرب 13- 113.
(2) الكافي 8- 67- 68، حديث 23.
(3) في المصدر: من الأرض، نسخة بدل.
(4) في (ك) نسخة: سبّاقون.
(5) في المصدر: عليها أهلها، بتقديم و تأخير.
585
ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا، فَأَوْرَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ، وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا، وَجَدُوا رِيحَهَا وَ طِيبَهَا، وَ قِيلَ لَهُمْ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (1)، أَلَا وَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ أُشْرِكْهُ فِيهِ، وَ مَنْ لَمْ أَهَبْهُ لَهُ، وَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ مِنْهُ نَوْبَةٌ (2) إِلَّا نَبِيٌ (3) يُبْعَثُ، أَلَا وَ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَشْرَفَ مِنْهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ (4) حَقٌّ وَ بَاطِلٌ، وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ الْبَاطِلُ لَقَدِيماً مَا (5) فَعَلَ، وَ لَئِنْ قَلَّ الْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ، وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ سُعَدَاءُ، وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ، وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ تَكُونُوا عَلَى فَتْرَةٍ مِلْتُمْ عَنِّي مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِي الرَّأْيِ، وَ لَوْ أَشَاءُ لَقُلْتُ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، سَبَقَ فِيهِ الرَّجُلَانِ وَ قَامَ الثَّالِثُ كَالْغُرَابِ هَمُّهُ بَطْنُهُ، وَيْلَهُ! لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ كَانَ خَيْراً لَهُ، شُغِلَ عَنِ الْجَنَّةِ وَ النَّارُ أَمَامَهُ، ثَلَاثَةٌ وَ اثْنَانِ، خَمْسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ سَادِسٌ، مَلَكٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ، وَ نَبِيٌّ أَخَذَ اللَّهُ بِضَبْعَيْهِ، وَ سَاعٍ مُجْتَهِدٌ، وَ طَالِبٌ يَرْجُو، وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ، الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ، عَلَيْهَا يَأْتِي الْكِتَابُ (6) وَ آثَارُ النُّبُوَّةِ، هَلَكَ مَنِ ادَّعَى، وَ خابَ مَنِ افْتَرى، إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّيْفِ وَ السَّوْطِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَ الْإِمَامِ فِيهِمَا هَوَادَةٌ، فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ، وَ التَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، مَنْ أَبْدَى (7) صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ.
____________
(1) الحجر: 46.
(2) في بعض النّسخ: توبة، و هي الّتي ستأتي في بيان المصنّف (قدّس سرّه).
(3) كذا، و في (ك) نسخة: بنتي، و في المصدر: إلّا بنبيّ ..
(4) التّوبة: 109.
(5) لا توجد في المصدر: ما، و وضع عليها رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(6) في (س) هنا نسخة بدل: عليها ما في الكتاب، ذكرها في هامش مطبوع الرّوضة.
(7) في (ك): أيدي، و لا معنى لها هنا ظاهرا.
586
بيان:
قوله (عليه السلام): علا فاستعلى .. الاستعلاء هنا مبالغة في العلو، أي علا عن رتبة المخلوقين فاستعلى عن التشبّه بصفاتهم، أو كان عاليا بالذات و الصفات فأظهر و بيّن علوّه بالإيجاد، أو طلب علوّه من العباد بأن يخضعوا عنده و يعبدوه، و على الأخيرين يكون الاستفعال للطلب بتقدير أو تجوّز.
قوله (عليه السلام): و دنا فتعالى .. أي دنا من كلّ شيء فتعالى أن يكون في مكان، إذ لا يمكن أن يكون للمكاني الدنّو (1) من كلّ شيء، أو دنوّه دنوّ علم و قدرة و إيجاد و تربية، و هو عين علوّه و شرافته و رفعته، فليس دنوّه دنوّا منافيا للعلوّ، بل مؤيّد له، و يحتمل في الفقرتين أن يكون الفاء بمعنى الواو .. أي علا و كثر علاؤه، و دنا و تعالى أن يكون دنوّه كدنوّ المخلوقين.
قوله (عليه السلام): و ارتفع فوق كلّ منظر .. المنظر: النّظر (2) و الموضع المرتفع (3) و كلّ ما نظرت إليه فسرّك أو ساءك (4)، فالمراد (5) أنّه- تعالى- ارتفع عن كلّ محلّ يمكن أن ينظر إليه، أي ليس بمرئيّ و لا مكاني، أو ارتفع عن كلّ نظر فلا يمكن لبصر الخلق النظر إليه، أو ارتفع عن محالّ (6) النظر و الفكر فلا يحصل في وهم و لا خيال و لا عقل، و يحتمل معنى دقيقا بأن يكون المراد بالارتفاع فوقه:
الكون عليه و التمكّن فيه مجازا .. أي ظهر لك في كلّ ما نظرت إليه بقدرته و صنعه و حكمته.
____________
(1) في (ك) وضع على كلمة: الدنو، رمز نسخة بدل.
(2) ذكره في القاموس 2- 144، و تاج العروس 3- 573، و لسان العرب 5- 215.
(3) قال في مجمع البحرين 3- 498: المنظر: المرقب. و في الصحاح 2- 831: المنظرة: المرقبة. و ذكر في لسان العرب 5- 217- 218-: و المنظرة موضع في رأس جبل فيه رقيب ينظر العدوّ و يحرسه ..
و المناظر: أشراف الأرض لأنّه ينظر منها.
(4) كما في القاموس 2- 144، و تاج العروس 3- 573، و لسان العرب 5- 217.
(5) في (ك): و المراد.
(6) في نسخة على (ك): محل.
587
قوله (عليه السلام): خاتم النبيّين ..- بفتح التاء و كسرها (1)- .. أي آخرهم (2).
قوله (عليه السلام): فإنّ البغي .. أي الظّلم و الفساد و الاستطالة (3).
قوله (عليه السلام): و إنّ أوّل من بغى .. كأنّها كانت مقدّمة على قابيل.
قوله (عليه السلام): و أوّل قتيل قتله اللَّه .. أي بالعذاب.
قوله (عليه السلام): في جريب .. لعلّ المراد أنّها كانت تملأ مجموع الجريب بعرضها و ثخنها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم: و كان مجلسها في الأرض موضع جريب (4).
، و فيما رواه ابن ميثم (5)- بتغيير ما-: كان مجلسها من الأرض جريبا.
قوله (عليه السلام): مثل المنجلين .. المنجل- كمنبر- ما يحصد به (6).
قوله (عليه السلام): و أمات هامان .. أي [رمع]، و أهلك فرعون .. يعني أبا [فصيل]، و يحتمل العكس. و يدلّ على أنّ المراد هذان الأشقيان:
قوله (عليه السلام): و قد قتل عثمان .. و يمكن أن يقرأ قتل- على بناء المعلوم و المجهول-، و الأوّل أنسب بما تقدّم.
قوله (عليه السلام): ألا و إن بليّتكم .. أي ابتلاءكم و امتحانكم بالفتن (7).
قوله (عليه السلام): لتبلبلنّ بلبلة .. البلبلة: الاختلاط، و تبلبلت الألسن .. أي اختلطت (8).
____________
(1) في (س): و كسر التاء.
(2) صرّح به في القاموس 4- 102، و تاج العروس 8- 267، و لسان العرب 12- 164.
(3) قاله في القاموس 4- 304، و انظر: لسان العرب 14- 78.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 134.
(5) في شرحه على نهج البلاغة 1- 297.
(6) كما في مجمع البحرين 5- 478، و الصحاح 5- 1826.
(7) ذكره في مجمع البحرين 1- 60، و نحوه في القاموس 4- 305.
(8) كما في لسان العرب 11- 68، و انظر: القاموس 3- 337، و مجمع البحرين 5- 325.
588
و قال ابن ميثم: و كنّى بها عمّا يوقع بهم بنو أميّة و غيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة، و خلط بعضهم ببعض، و رفع أراذلهم، و حطّ أكابرهم عمّا يستحقّ كلّ من المراتب (1).
و قال الجزري: فيه: دنت الزلازل، و البلابل: هي الهموم و الأحزان، و بلبلة الصّدور (2): وسواسه ..،
وَ مِنْهُ الْحَدِيثُ: «إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْبَلَابِلُ وَ الْفِتَنُ».
يعني هذه الأمّة،
وَ مِنْهُ خُطْبَةُ عَلِيٍّ (ع): «لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً» (3).
انتهى. و الأظهر أنّ المراد اختلاطهم و اختلاف أحوالهم و درجاتهم في الدين بحسب ما يعرض لهم من الفتن.
قوله (عليه السلام): لتغربلنّ غربلة .. الظاهر أنّها مأخوذة من الغربال الّذي يغربل به الدّقيق، و يجوز أن تكون من قولهم: غربلت اللّحم .. أي قطعته (4)، فعلى الأول الظاهر أنّ المراد تمييز جيّدهم من رديّهم، و مؤمنهم من منافقهم، و صالحهم من طالحهم، بالفتن التي تعرض (5) لهم، كما أنّ في الغربال يتميّز اللبّ من النخالة، و قيل: المراد خلطهم، لأنّ غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض.
و قال ابن ميثم: هو كناية عن التقاط آحادهم و قصدهم بالأذى و القتل، كما فعل بكثير من الصحابة و التابعين (6)، و لا يخفى ما فيه.
و على الثاني، فلعلّ المراد تفريقهم و قطع بعضهم عن بعض.
قوله (عليه السلام): و لتساطنّ سوط القدر .. قال الجزري: ساط القدر
____________
(1) شرح النهج لابن ميثم 1- 300، خطبة 15.
(2) في المصدر: الصدر.
(3) النّهاية 1- 150، و قريب منه في لسان العرب 11- 69.
(4) قاله في مجمع البحرين 5- 433، و مثله في الصحاح 5- 1780.
(5) في (س): يعرض.
(6) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 1- 300، أورده بقوله: و كأنّها .. بنحو الاحتمال.
589
بالمسوط و المسواط (1) بسوط، و هو خشبة يحرّك بها ما فيها ليختلط، و منه حديث عليّ (ع) (2): لتساطنّ سوط القدر (3).
قوله (عليه السلام): حتى يعود أسفلكم أعلاكم .. أي كفّاركم مؤمنين، و فجّاركم متّقين، و بالعكس، أو ذليلكم عزيزا و عزيزكم ذليلا، موافقا لبعض الاحتمالات السابقة.
قوله (عليه السلام): و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا .. يعنى (عليه السلام) به قوما قصّروا في أوّل الأمر في نصرته ثم نصروه و اتّبعوه، أو قوما قصّروا في نصرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أعانوه (صلوات الله عليه).
قوله (عليه السلام): و ليقصّرنّ سابقون كانوا سبقوا .. يجري فيه الاحتمالان السابقان، و الأول فيهما أظهر كطلحة و الزبير و أضرابهما، حيث كانوا عند غصب الخلافة يدّعون أنّهم من أعوانه (صلوات الله عليه)، و عند البيعة أيضا ابتدوا بالبيعة و كان مطلوبهم الدنيا، فلمّا لم يتيسّر لهم كانوا أوّل من خالفه و حاربه.
قوله (عليه السلام): و اللَّه ما كتمت وشمة .. أي كلمة (4) ممّا أخبرني به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في هذه الواقعة، أو ممّا أمرت بإخباره مطلقا، و يمكن أن يقرأ على البناء للمجهول، أي لم يكتم عنّي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله) شيئا، و الأول أظهر.
قال الجزري: في حديث عليّ (ع) (5): و اللَّه ما كتمت وشمة .. أي كلمة (6) انتهى. و في بعض الروايات: وسمة- بالسين المهملة-، أي ما كتمت علامة (7)
____________
(1) في (س) الكلمة مشوّشة، و لا توجد فيه: بالمسوط و المسواط.
(2) في المصدر جاءت الترضية بدلا من: التسليم، و في لسان العرب التكريم بدلا منه.
(3) النهاية 2- 421، و انظر: لسان العرب 7- 326.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 184، و الصحاح 5- 2052.
(5) لا يوجد التسليم في النهاية.
(6) النهاية 5- 189.
(7) قال في الصحاح 5- 2051: وسمته وسما و سمة: إذا أثرت فيه بسمة وكيّ، و الهاء عوض من الواو. و الوسمة- بكسر السين-، ... و العظلم، يختضب به، و تسكينها لغة. و مثله في مجمع البحرين 6- 183- 184.
أقول: إنّ الكلمة (وسمة) في المتن إمّا أصلها سمة و الواو زائدة، و هي بمعنى العلامة، كما ذكره المصنّف (رحمه الله)، أو هي- كما في المتن- و بمعنى النبت الذي يختضب بورقه، و لا يكون لها مناسبة في المقام.
590
تدلّ على سبيل الحقّ، و لكن عميتم عنها، و لا يخفى لطف ضمّ الكتم مع الوسمة، إذ الكتم- بالتحريك- نبت يخلط بالوسمة يختضب به (1).
قوله (عليه السلام): و لقد نبّئت بهذا المقام .. أي أنبأني الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بهذه البيعة و بنقض هؤلاء بيعتي.
قوله (عليه السلام): شمس .. هو بالضّمّ: جمع شموس، و هي الدّابة تمنع ظهرها و لا تطيع راكبها، و هو مقابل الذّلول (2)، فشبّه (عليه السلام) الخطايا بخيل صعاب إذا ركبها الناس لا يستطيعون منعها عن أن توردهم المهالك، و التقوى بمطايا زلل (3) مطيعة منقادة أزمّتها بيد ركّابها (4) يوجّهونها حيث ما يريدون.
و قوله (عليه السلام): و أعطوا أزمّتها .. على البناء المفعول [كذا] .. أي أعطاهم من أركبهم أزمّتها، و يمكن أن يقرأ على البناء للفاعل .. أي أعطي الركّاب أزمّة المطايا إليها، فهنّ لكونهنّ ذللا لا يخرجن عن طريق الحقّ إلى أن يوصلن ركّابهن إلى الجنّة.
و التّقحّم: الدّخول في الشّيء مبادرة من غير تأمّل (5).
قوله (عليه السلام): بسلام .. أي سالمين من العذاب، أو مسلّما عليكم،
____________
(1) ذكره في النهاية 4- 150، و لسان العرب 12- 508.
(2) قاله في مجمع البحرين 4- 80، و قريب منه في القاموس 3- 379، و الصحاح 4- 1071، و لسان العرب 6- 113.
(3) كذا، و الظاهر: ذلل.
(4) في (ك) نسخة: راكبها، ثمّ كتب: ظاهرا.
أقول: لا معنى للاستظهار كما يظهر من السياق.
(5) كما ذكره في النهاية: 4- 18، و القاموس 4- 161، و غيرهما.
591
آمنين من الآفة و الزوال.
قوله (عليه السلام): لم أشركه فيه.
.. أي في الخلافة، و لم أهب كلّه له، أو لم أهب جرم هذا الغصب له.
قوله (عليه السلام): و من ليست له توبة إلّا بنبيّ يبعث.
.. أي لا يعلم قبول توبة من فعل مثل (1) هذا الأمر القبيح، و أضلّ هذه الجماعات الكثيرة إلّا بنبيّ يبعث فيخبره بقبول توبته.
و في بعض النسخ: نوبة .. أي ليست له نوبة في الخلافة إلّا بنبيّ يبعث فيخبر عن اللَّه أنّ له حصّة في الخلافة.
و في أكثر النسخ: إلّا نبيّ- بدون الباء- فالمراد بالتوبة ما يوجب قبولها، أي ليس له سبب قبول توبة إلّا بنبيّ (2)، و لعلّه من تصحيف النسّاخ.
قوله (عليه السلام): أشرف منه.
.. أي بسبب غصبه الخلافة.
قوله (عليه السلام): على شفا جرف.
.. قال الجوهري (3): شفا كلّ شيء:
حرفه (4)، قال اللَّه تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ (5).
و (6) قال: و الجرف و الجرف مثل عسر و عسر: ما تجرّفته السّيول و أكلته من الأرض، و منه قوله تعالى: عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ (7).
و قال: هار الجرف يهور هورا و هئورا فهو هائر، و يقال- أيضا- جرف هار خفضوه في موضع الرّفع و أرادوا هائر، و هو مقلوب من الثّلاثيّ إلى الرّباعيّ كما
____________
(1) لا توجد: مثل في (س).
(2) في (ك): نبي.
(3) الصحاح 4- 1336، و انظر: لسان العرب 9- 25.
(4) في (ك): جرفه.
(5) آل عمران: 103، و قد ذكره الجوهريّ في الصحاح 6- 2339، و انظر: لسان العرب 14- 436.
(6) لا توجد الواو في (ك).
(7) التوبة: 109.
592
قلبوا شائك (1) السّلاح إلى شاكي السّلاح، و هوّرته فتهوّر: و انهار .. أي انهدم (2).
قوله (عليه السلام): حقّ و باطل.
.. أي في الدنيا، أو هنا، أو بين الناس حقّ و باطل.
قوله (عليه السلام): فلئن أمر الباطل.
.. أي كثر، قال الفيروزآبادي:
أَمِرَ- كفرح- أمرا و إمرة: كثر (3).
قوله (عليه السلام): فلقديما فعل.
.. أي فو اللَّه لقد فعل الباطل ذلك في قديم الأيّام، أي ليس كثرة الباطل ببديع حتى تستغرب أو يستدلّ بها على حقيّة أهله.
قوله (عليه السلام): و لئن قلّ الحقّ فلربّما.
.. أي فو اللَّه كثيرا ما يكون الحقّ كذلك، و لعلّ، أي لا ينبغي أن يؤيس من الحقّ لقلّته، فلعلّه يعود كثيرا بعد قلّته، و عزيزا بعد ذلّته.
قوله (عليه السلام): و لقلّما أدبر شيء فأقبل.
.. لعلّ المراد أنّه إذا أقبل الحقّ و أدبر الباطل فهو لا يرجع، إذ رجوع الباطل بعد إدباره قليل، أو المراد بيان أنّ رجوع الحقّ إلينا بعد الإدبار أمر غريب يفعله اللَّه بفضله و لطفه و حكمته، أو المراد بيان أنّه لا يرجع عن قريب، بل إنّما يكون في زمن القائم (عليه السلام).
قوله (عليه السلام): و لئن ردّ إليكم أمركم.
.. أي في هذا الزمان.
قوله (عليه السلام): و ما عليّ إلّا الجهد.
.. أي بذل الطاقة، قال الجوهري:
الجهد و الجهد: الطّاقة، و قرئ: وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (4) و (جهدهم).
____________
(1) في (س): سائك.
(2) الصحاح 2- 856، و نقله عن الجوهريّ في لسان العرب 5- 267- 268، و أشكل عليه في تعبيره بالثلاثي و الرباعي.
(3) القاموس: 1- 365، و قال في لسان العرب 4- 29: أمر ماله: كثر .. ثم ذكر شواهد مختلفة في إفادة ذلك المعنى.
(4) هي الآية: 79 من سورة التوبة.
593
قال الفرّاء: الجهد- بالضم-: الطّاقة، و الجهد- بالفتح- من قولك اجهد جهدك في هذا الأمر .. أي ابلغ غايتك، و لا يقال: اجهد جهدك. و الجهد:
المشقّة (1).
قوله (عليه السلام): أن تكونوا على فترة.
.. قال في النهاية: في حديث ابن مسعود: أنّه مرض فبكى، فقال: إنّما أبكي لأنّه أصابني على حال فترة و لم يصبني في حال اجتهاد .. أي في حال سكون و تقليل من العبادات و المجاهدات، و الفترة في غير هذا: ما بين الرّسولين من رسل اللَّه تعالى من الزّمان الّذي انقطعت فيه الرّسالة (2) انتهى، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة و سكون و فتور عن نصرة الحقّ، أو أن تكونوا كأناس كانوا بين النبيّين لا يظهر فيهم الحقّ و يشتبه عليهم الأمور.
قوله (عليه السلام): ملتم عنّي ميلة.
.. أي في أوّل الأمر بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
قوله (عليه السلام): و لو أشاء لقلت.
.. أي بيّنت بطلان الرجلين اللذين اتّبعتموهما و كفرهما، لكن لا تقتضيه مصلحة الحال.
قوله (عليه السلام): عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ
.. أي لمن تاب (3) في هذا الزمان.
قوله (عليه السلام): كان خيرا له، قصّ الجناحين.
.. كناية عن منعه و رفع استيلائه و قبض يده عن أموال المسلمين و دمائهم و فروجهم، و قطع رأسه كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الأمور.
قوله (عليه السلام): شغل.
.. أي بالدنيا عن تحصيل الجنّة و الحال أنّ النار
____________
(1) الصحاح 2- 460، و مثله في لسان العرب 3- 31.
(2) النهاية 3- 408، و نحوها في لسان العرب 5- 44 بتقديم و تأخير.
(3) في (س): ناب، و هو غلط.
594
كانت أمامه، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشيء آخر سوى تحصيل الجنّة و التخلّص من النار.
قوله (عليه السلام): ثلاثة و اثنان.
.. الحاصل أنّ أحوال المخلوقين المكلّفين تدور على خمسة، و إنّما فصل الثلاثة عن الاثنين لأنّهم من المقرّبين المعصومين الناجين من غير شكّ، فلم يخلطهم بمن سواهم.
الأوّل: ملك أعطاه اللَّه جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة و معنى.
و الثاني: نبيّ أخذ اللَّه بضبعيه ..
الضّبع- بسكون الباء-: وسط العضد، و قيل: هو ما تحت الإبط (1) ..
أي رفعه اللَّه بقدرته و عصمته من بين الخلق و اختاره و قرّبه كأنّه أخذ بعضده و قرّبه إليه، و يحتمل أن يكون كناية عن رفع يده و أخذها عن المعاصي بعصمته، و أن يكون كناية عن تقويته، و الأول أظهر.
و الثالث: ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده .. و المراد إمّا الأوصياء (عليهم السلام) أو أتباعهم الخلّص (2)، فالأوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب، أو المراد بالثالث أعمّ منهما.
و الرابع: عابد طالب للآخرة بشيء من السعي مع (3) صحّة إيمانه، و بذلك يرجو فضل ربّه.
و الخامس: مقصّر ضالّ عن الحقّ كافر، فهو في النار.
قوله (عليه السلام): اليمين و الشمال مضلّة.
.. أي كلّ ما خرج عن الحقّ فهو ضلال، أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات و البدع فيها، و باليسار ما يكون بسبب المعاصي.
قوله (عليه السلام): عليها يأتي الكتاب.
.. أي على هذه الجادّة أتى كتاب
____________
(1) قاله في النهاية 3- 73، و انظر: لسان العرب 8- 216.
(2) نسخة في (ك): الخاص.
(3) نسخة في (ك): أما مع. و زيادة (أما) ظاهرة.
595
اللَّه و حثّ على سلوكها، و في بعض النسخ: ما في الكتاب، و في نسخ نهج البلاغة (1): باقي الكتاب، و لعلّ المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس.
قوله (عليه السلام): هلك من ادّعى.
.. أي من ادّعى مرتبة ليس بأهل لها كالإمامة.
قوله (عليه السلام): و ليس لأحد عند الإمام فيها هوادة.
.. قال الجزريّ فيه:
«لا تأخذه في اللَّه هوادة» أي لا يسكن عند وجوب حدود اللَّه (2) و لا يحابي فيه (3) أحدا، و الهوادة: السّكون و الرّخصة و المحاباة (4) انتهى.
قوله (عليه السلام): و التوبة من ورائكم.
.. قال ابن ميثم: تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية و اقتفاء أثر الشيطان، و كونها وراء، لأنّ الجواذب الإلهيّة إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى أعرض عنها و التفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المعصية، و التوجّه إلى القبلة الحقيقيّة، فإنّه يصدق عليه إذن أنّ التوبة وراءه، أي وراء عقليّا، و هو أولى من قول من قال من المفسّرين: إنّ وراءكم بمعنى أمامكم (5).
قوله (عليه السلام): من أبدى صفحته للحقّ هلك.
.. قال في النهاية:
صفحة (6) كلّ شيء: وجهه و ناصيته (7).
أقول:
المراد و مواجهة الحقّ و مقابلته و معارضته، فالمراد بالهلاك الهلاك في الدنيا و الآخرة، أو المراد إبداء الوجه للخصوم و معارضتهم لإظهار الحقّ في كلّ
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 50، و ذكره صبحي صالح: 58، برقم 16.
(2) في المصدر: حدّ اللّه تعالى.
(3) في (س): فيها.
(4) النهاية 5- 281، و قريب منه في مجمع البحرين 3- 170.
(5) كما في شرح ابن ميثم على النهج 1- 308- 309، خطبة 15.
(6) في المصدر: صفح.
(7) النهاية 3- 34، و قارن بتاج العروس 2- 180.
596
مكان و موطن من غير تقيّة و رعاية مصلحة فيكون مذموما، و الهلاك بالمعنى الذي سبق، و يؤيّد هذا قوله (عليه السلام): استتروا في بيوتكم .. أو المراد معارضته أهل الباطل على الوجه المأمور به، و المراد بالهلاك مقاساة المشاق و المفاسد و المضارّ من جهّال الناس، و يؤيّده ما في نسخ نهج البلاغة (1): هلك عند جهلة الناس.
18- نهج (2): وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَ لَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَ لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَ لَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَ (3) لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ (4) قَطْرِ الْمَاءِ، وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَ لَا سَوَافِي (5) الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَ لَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا (6)، وَ لَا مَقِيلُ الذَّرِّ (7) فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ، وَ خَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ (8)، وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ وَ لَا مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لَا مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَ لَا مَجْحُودٍ (9) تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَ صَفَتْ دُخْلَتُهُ، وَ خَلَصَ يَقِينُهُ، وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ، وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ، وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ (10)
____________
(1) لم نجد الجملة و لا مقارباتها في ما هو مطبوع من نهج البلاغة.
(2) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 97- 99، صبحي صالح: 256- 257، خطبة 178، باختلاف كثير.
(3) لا توجد الواو في (ك).
(4) لا توجد: عدد، في (س). و لا يعزب .. أيّ لا يخفى و لا يغيب، قاله في مجمع البحرين 2- 120.
(5) سوافي الرّيح، جمع سافية، من سفت الرّيح التّراب: ذرته أو حملته، ذكره في القاموس 4- 343.
(6) الصّفا- مقصورا جمع صفاة-: الحجر الصّلة الضّخم، كما في القاموس 4- 352. و الدبيب:
السّير اللّين، نصّ عليه في مجمع البحرين 2- 55.
(7) الذّرّ: صغار النّمل، صرّح به في القاموس 1- 34. و المقيل: محلّ استراحتها و مبيتها، كما جاء في مجمع البحرين 5- 459.
(8) طرف الحدقة: تحرّكها، ذكره في مجمع البحرين 5- 89، و الحدقة: سواد العين الأعظم، كما في مجمع البحرين 5- 144.
(9) في حاشية (ك): محجوب، و وضع بعدها: نهج.
(10) في (ك) نسخة: مكارم.
597
رِسَالاتِهِ، وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى، وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى.
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا، وَ لَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (1) لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (2)، وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ، وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ عِنْدِي (3)مَضَتْ، مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ، وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ (4).
بيان:
قد مرّ شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد (5).
قوله (عليه السلام): غير معدول به .. أي لا يعادل و يساوي به أحد (6)، كما قال تعالى: بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (7).
و الدّخلة- بالكسر و الضّم-: باطن الأمر (8).
و المعتام: أي المختار، و التّاء تاء الافتعال، ذكره في النهاية (9)، و العقائل جمع عقيلة- و هي كريمة كلّ شيء (10).
____________
(1) لا توجد لفظة: تعالى، في المصدر.
(2) آل عمران: 182، الأنفال: 51، الحجّ: 10.
(3) وضع على: عندي، في (ك) نسخة، و لا توجد في طبعتي نهج البلاغة.
(4) المائدة: 95.
(5) بحار الأنوار 4- 313.
(6) قال في الصحاح 5- 1761، و القاموس 4- 13: عدلت فلانا بفلان: إذا سوّيت بينهما.
(7) الأنعام: 150.
(8) قاله في لسان العرب 11- 240، و قريب منه في القاموس 3- 375. و قال: دخلة الرجل- مثلثة ... نيّته و مذهبه و جميع أمره و خلده و بطانته.
(9) النهاية 3- 331، و مثله في لسان العرب 12- 433.
(10) نصّ عليه في القاموس 4- 19، و الصحاح 5- 1770، و فيهما: اكرم، بدلا من: كريمة.
598
و الأشراط: العلامات جمع شرط- بالتحريك (1)-.
و الغربيب- بالكسر-: الأسود الشّديد السّواد (2) .. أي المكشوف به ظلم الظلام (3).
و أخلد إليه: مال (4).
قوله (عليه السلام): و لا تنفس .. أي لا ترغب (5) إلى من يرغب إليها بل ترميه بالنّوائب.
قوله (عليه السلام): من غلب عليها.
.. أي من غلب إليها و أخذها قهرا فسوف تغلب الدنيا عليه، أو المراد بمن غلب عليها من أراد الغلبة عليها.
قوله (عليه السلام): في غضّ نعمة.
.. أي في نعمة غضّة: طريّة (6).
قوله (عليه السلام): ليس بظلّام.
.. أي لو فعله اللَّه بقوم لفعله بالجميع، لأنّ حكمه في الجميع واحد، فيكون ظلّاما، أو المعنى إنّ ذلك ظلم شديد، و يقال: فزعت إليه فأفزعني .. أي استغثت إليه فأغاثني (7).
و الوله: الحزن و الحيرة و الخوف و ذهاب العقل حزنا (8).
و الشّارد: النّافر (9).
____________
(1) كما في مجمع البحرين 4- 257، و الصحاح 3- 1136، و غيرهما.
(2) ذكر في مجمع البحرين 2- 131، و الصحاح 1- 192: الغربيب: شديد السواد.
(3) في (ك): الضلال، نسخة بدل، و وضع بعدها: ظاهرا.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 44، و القاموس 1- 292.
(5) جاء في الصحاح 3- 985، و النهاية 5- 95- 96، و غيرهما، و قال الأول: و أنفسني فلان في كذا .. أي رغّبني فيه، و نفس به .. أي ضمّن، و نافست في الشيء منافسة و نفاسا: إذا رغبت فيه على وجه المباراة في الكرم.
(6) ذكره في مجمع البحرين 4- 219، و المصباح المنير 2- 117.
(7) كما في النهاية 4- 444، و لسان العرب 8- 252، و غيرهما.
(8) قاله في القاموس 4- 295، و نحوه في لسان العرب 13- 561.
(9) جاء في مجمع البحرين 3- 77، و الصحاح 2- 494.
599
قوله (عليه السلام): في فترة.
.. الفترة: الانكسار و الضّعف و ما بين الرّسولين (1)، و كنّى (عليه السلام) بها هنا عن أمر الجاهليّة .. أي إنّي لأخشى أن يكون أحوالكم في التعصّبات الباطلة و الأهواء المختلفة كأحوال أهل الجاهليّة.
قوله (عليه السلام): ملتم فيها ميلة.
.. إشارة إلى ميلهم عنه (عليه السلام) إلى الخلفاء الثلاثة.
و قول ابن أبي الحديد (2)- إشارة إلى اختيارهم عثمان يوم الشورى- يبطله قوله (عليه السلام): أمور و غير ذلك.
قوله (عليه السلام): و لئن ردّ عليكم.
.. أي أحوالكم التي كانت أيّام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله).
قوله (عليه السلام): و لو أشاء.
.. أي لو أشاء أن أقول فيما ملتم عن الحقّ و نبذتم الآخرة وراء ظهوركم بلفظ صريح لقلت، لكنّي طويت عن ذكره و أعرضت عنه لعدم المصلحة فيه (3)، و لم أصرّح بكفركم و ما يكون إليه مصير أمركم و ما أكننتم (4) و أخفيتم في ضمائركم لذلك.
و قوله (عليه السلام): عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ
... أي عفا عمّن تاب و أناب و رجع، و يحتمل أن يكون من الدعاء الشائع في أواخر الخطب، كقوله (عليه السلام): غفر اللَّه لنا و لكم .. و أمثاله، و هذه الأدعية مشروطة بشرائط، و قيل:
يحتمل أن يكون المعنى لو أشاء أن أقول قولا يتضمّن العفو عنكم لقلت، لكنّي لا أقول ذلك، إذ لا مجال للعفو هنا، و لا يخفى بعده..
____________
(1) صرّح به في مجمع البحرين 3- 434، و الصحاح 2- 777، و غيرهما.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 10- 62، خطبة 179.
(3) وضع في (ك) على: فيه، ح، أي رمز نسخة بدل.
(4) في (ك): اكتتم، و هي مشوّشة في الطبعتين.
600
19- نهج (1): قَالَ (عليه السلام): لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ (2) وَ إِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ السُّرَى (3).
و هذا القول (4) من لطيف الكلام و فصيحه، و معناه إنّا إن لم نعط حقّنا كنّا أذلّاء، و ذلك أنّ الرّديف يركب عجز البعير، كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما (5).
20- نهج (6): وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ. دَاعٍ دَعَا، وَ رَاعٍ رَعَى، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي (7)، وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِيَ، قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ، وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعَارُ وَ الْأَصْحَابُ (8)، وَ الْخَزَنَةُ وَ الْأَبْوَابُ (9)، وَ لَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً.
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 4- 142، صبحي صالح: 472، الكلمة برقم: 22.
(2) في (س): أعطينا.
(3) إلى هنا كلامه (عليه السلام)، و ما يأتي من السّيّد الرّضيّ- (رحمه الله)-.
(4) لا يوجد: القول، في المصدر.
(5) جاء أيضا في مجمع البحرين 4- 24، و قال في النهاية 3- 185: و منه حديث عليّ [(عليه السلام)]:
لنا حقّ إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى .. الركوب على أعجاز الإبل شاق .. أي إن منعنا حقّنا ركبنا مركب المشقّة صابرين عليها و إن طال الأمد، و قيل: ضرب أعجاز الإبل مثلا لتأخّره عن حقّه الذي كان يراه له و تقدّم غيره عليه، و إنّه يصبر على ذلك و إن طال أمده.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 43- 45، صبحي صالح: 215- 216، خطبة 154.
(7) في (ك): الدّاعي.
(8) الشّعار ما يلي شعر الجسد من اللّباس. قاله في مجمع البحرين 3- 349، و المراد بطانة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم.
(9) في طبعة صبحي صالح من النّهج: و الأصحاب.
601
مِنْهَا: فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ (1) وَ هُمْ كَنْزُ (2) الرَّحْمَنِ، إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا، فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ، وَ لْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ (3) عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ (4) طَرِيقٍ فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ (5) إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ، وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ؟ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ، وَ قَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَ يُحِبُّ الْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ.
وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ نَبَاتٌ (6)، وَ كُلَّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ، وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَ مَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ، وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ.
توضيح:
قال الجوهري: النّاظر من (7) المقلة: السّواد الأصغر الّذي فيه إنسان (8) العين (9) .. أي أنّ قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته التي تجري إليها و يعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا شريفا أو منخفضا ساقطا.
____________
(1) في نسخة جاءت في (ك): الإيمان.
(2) في النّهج: كنوز.
(3) في (ك) نسخة: مبدأ.
(4) في (س): بغير، و كتب فوقها: على غير.
(5) في النّهج: عن الطّريق الواضح.
(6) في النّهج: إن لكلّ عمل نباتا، و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: في. و في مجمع البحرين كما في المتن.
(8) إنسان العين: المثال الذي يرى في السواد .. أي في سواد العين، قاله في الصحاح 3- 904 و 905.
(9) الصحاح 2- 831، و مثله في مجمع البحرين 3- 498.
602
و النّجد: المرتفع من الأرض (1)، و لعلّ المراد بالداعي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و بالراعي نفسه (عليه السلام).
و قوله (عليه السلام): قد خاضوا .. كلام منقطع عمّا قبله و متّصل بكلام أسقطه السيّد رضي اللَّه عنه تقيّة للتصريح بذمّ الخلفاء الثلاثة فيه.
و أرز- بالفتح و الكسر-: انقبض (2).
و المؤمنون: هو (عليه السلام) و شيعته، و الضالون خلفاء الجور و أتباعهم.
و قال ابن أبي الحديد (3) في قوله (عليه السلام): و الخزنة و الأبواب .. أي (4) خزنة العلم و أبوابه، أو خزنة الجنّة و أبوابها.
- قال (5) رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله):
أنا مدينة العلم و عليّ بابها، و من أراد الحكمة فليأت الباب.
و قال فيه: خازن علمي.
و تارة أخرى: عيبة علمي.
- و قال (صلّى اللّه عليه و آله) في الخبر المستفيض (6) إنّه: قسيم الجنّة و النار (7)، يقول للنار هذا لي فدعيه، و هذا لك فخذيه.
ثم ذكر (8) أربعة و عشرين حديثا من فضائله (صلوات الله عليه) من طرق
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 3- 148، و الصحاح 2- 542، و غيرهما.
(2) كما في القاموس 2- 165، و قال في مجمع البحرين 4- 5: أرز: ينضم و يجتمع بعضه إلى بعض، و مثله في الصحاح 3- 864.
(3) في شرحه على النهج 9- 65.
(4) في المصدر: يمكن أن يعني به، بدلا من: أي.
(5) في شرح النهج: و أبواب العلم لقول ..
(6) جاء في شرح النهج: و يمكن أن يريد خزنة الجنّة و أبواب الجنّة .. أي لا يدخل الجنّة إلّا من وافى بولايتنا، و قد جاء في حقّه الخبر الشائع المستفيض.
(7) سبق منّا جملة من مصادر هذه الروايات، و انظر: الغدير 1- 161، و 2- 324، و 3- 96 و 328، و 6- 79- 81 و 95- 96، و 7- 182- 183 تجد جملة وافية من مصادرها.
(8) أي ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 9- 175- 176.
603
المخالفين.
قوله (عليه السلام): فيهم كرائم القرآن.
.. ضمير الجمع راجع إلى آل محمّد (عليهم السلام) الذين عناهم (عليه السلام) بقوله: نحن الشعار، و المراد بكرائم القرآن: مدائحهم التي ذكرها اللَّه فيه، أو علومه المخزونة عندهم، و هم كنوز الرحمن .. أي خزائن علومه و حكمه و قربه.
قوله (عليه السلام): لم يسبقوا.
.. أي ليس صمتهم عن عيّ و عجز حتى يسبقهم أحد، بل لمحض الحكمة.
قوله (عليه السلام): فليصدق رائد أهله.
.. يحتمل أن يكون المراد بالرائد الإنسان نفسه، فإنّه كالرائد لنفسه في الدنيا يطلب فيه لآخرته ماء و مرعى .. أي لينصح نفسه و لا يغشّها بالتسويف و التعليل، أو المعنى ليصدق كلّ منكم أهله و عشيرته و من يعنيه أمره، و ليبلّغهم ما عرف من فضلنا و علوّ درجتنا (1).
قوله: فإنّه منها قدم.
.. لخلق روحه قبل بدنه من عالم الملكوت، أو لخروج أبيهم من الجنّة.
و قيل: الآخرة: الحضرة الإلهيّة التي منها مبدأ الخلق و إليها معادهم.
فالناظر بالقلب .. أي من لا يقتصر في نظره على ظواهر الأمور.
العامل بالبصر .. أي من يعمل بما يبصر بعين بصيرة .. أي إذا علم الحقّ لا يتعدّاه.
و يروى: العالم بالبصر .. أي من كان إبصاره سببا لعلمه.
قوله (عليه السلام): و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا.
أقول: قد يتوهّم التنافي بين هاتين الكلمتين و بين الخبر المرويّ ظاهرا، و يخطر بالبال دفعه بوجوه:
____________
(1) أقول: لعلّه إشارة إلى المثل المعروف: لا يكذب الرائد أهله .. أي أنّه و إن كان كاذبا فإنّه لا يكذب أهله.
604
الأوّل: أن يكون الخبر في قوّة الاستثناء لبيان أنّ المقدّمتين ليستا كليّتين، بل هما لبيان الغالب، و قد يتخلّف كما ورد في الخبر.
الثاني: أن يكون الخبر استشهادا للمقدّمتين، و بيانه إنّ العمل ظاهرا و باطنا، و للشخص ظاهرا و باطنا، و ظاهر الشخص مطابق لباطنه، و لذا يحبّ اللَّه ظاهر الشخص لما يعلم من حسن باطنه و عاقبته، و يبغض ظاهر الشخص إذا علم سوء باطنه و رداءة عاقبته.
الثالث: أن يكون المراد أنّه لا يمكن أن لا يظهر سوء الباطن من الأخلاق الرديّة و الاعتقادات الباطلة و الطينات الفاسدة و إن كان في آخر العمر، و لا حسن الباطن من الأخلاق الحسنة و الاعتقادات (1) الحقّة و الطينات الطيّبة، فالذي يحبّه اللَّه و يبغض عمله ينقلب حاله في آخر العمر و يظهر منه حسن العقائد و الأعمال، و كذا العكس، فظهر أنّ حسن الباطن و الظاهر متطابقان (2) و كذا سوؤهما، و لعلّ ما يذكر بعده يؤيّد هذا الوجه في الجملة.
الرابع: ما ذكره ابن أبي الحديد (3)، حيث قال: هو مشتقّ من قوله تعالى:
وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ (4)، و المعنى إنّ لكلتا (5) حالتي الإنسان الظاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله، و الحالتان الظاهرتان: ميله إلى العقل و ميله إلى الهوى، فالمتّبع لعقله (6) يرزق السعادة و الفوز، فهذا هو الذي طاب ظاهره و طاب باطنه، و المتّبع لمقتضى هواه .. يرزق الشقاوة و العطب، و هذا هو الذي خبث ظاهره و خبث باطنه.
____________
(1) وضع في (ك) على كلمة: الاعتقادات رمز نسخة بدل.
(2) قد تقرأ في (س): متطابقتان، و لا يستقيم المعنى.
(3) في شرحه على النهج 9- 178- 179، باختلاف كثير و سقط.
(4) الأعراف: 58.
(5) في شرح نهج البلاغة: و الذي خبث لا يخرج إلّا نكدا .. ثم ذكر كلاما لم يورده المصنّف (رحمه الله)، و قال: و يقول إنّ لكلتا ..، و في (س): لكائنا، بدلا من: لكلتا.
(6) في المصدر: لمقتضى عقله.
605
الخامس: ما قيل: إنّ المراد بطيب الظاهر حسن الصورة و الهيئة و بخبثه قبحهما، و قال: هما يدلّان على حسن الباطن و قبحه، و حمل خبث العبد مع قبح الفعل على ما إذا كان مع حسن الصورة و الآخر على ما إذا كان مع قبح الصورة.
و لا يخفى بعد (1) و لعلّ (2) الأوّل أظهر الوجوه.
و أمرّت .. أي صارت مرّا (3)..
21- نهج (4): مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) وَ قَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ (5): إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ!! فَقُلْتُ: بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَحْرَصُ (6) وَ أَبْعَدُ، وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ، وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ. فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ بُهِتَ لَا يَدْرِي (7) مَا يُجِيبُنِي بِهِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ (8) عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ! فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي، ثُمَّ قَالُوا: أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ نَأْخُذَهُ (9) وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ.
____________
(1) كذا، و الظاهر: بعده- بالضمير-.
(2) لا توجد: لعلّ، في (س).
(3) كما في مجمع البحرين 3- 481، و انظر: القاموس 2- 132.
(4) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 84- 85، صبحي الصّالح: 246- 247، خطبة 172.
(5) لا توجد: لي، في النّهج- طبعة صبحي الصّالح-، و في طبعة محمّد عبده: و قال قائل.
(6) في النّهج: لأحرص.
(7) في طبعة محمّد عبده من النّهج: هب لا يدري، و في طبعة صبحي الصّالح: هب كأنّه بهت لا يدري ..
(8) في نهج البلاغة طبعة محمّد عبده: أستعينك، بمعنى أستنصرك و أطلب منك المعونة. كما سيأتي في بيان المصنّف (رحمه الله). و في (ك): أستعيدك.
(9) في النّهج: تأخذه.
606
بيان:
قال ابن أبي الحديد (1): هذا الفصل من خطبة يذكر فيها أمر الشورى (2)، و الذي قال له: إنّك على هذا الأمر لحريص! هو سعد بن أبي وقّاص مع روايته فيه:
(أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) (3).
، و هذا عجيب (4)، و قد رواه الناس كافّة.
و قالت الإماميّة: هذا الكلام كان يوم السقيفة، و القائل (5) أبو عبيدة بن الجرّاح.
و قرعته بالحجّة: صدمته بها (6).
قوله (عليه السلام): بهت .. في بعض النسخ: هبّ .. أي استيقظ (7).
و قال الجوهري: العدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك .. أي ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني: استعنت به (8) فأعانني عليه (9).
فإنّهم قطعوا رحمي .. لأنّهم لم يراعوا قربه (عليه السلام) من رسول اللَّه صلّى
____________
(1) في شرحه على النهج 9- 305- 306، بتصرف.
(2) في المصدر: هذا من خطبة يذكر فيها ما جرى يوم الشورى بعد مقتل عمر.
(3) كما جاءت رواية سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم 7- 120، و صحيح الترمذي 13- 171، و مستدرك الحاكم 3- 109، و تاريخ ابن كثير 8- 77، و مروج الذهب 1- 61، و تذكرة سبط ابن الجوزي 12 و غيرها.
(4) في المصدر: و هذا عجب فقال لهم: بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد .. الكلام المذكور.
(5) في شرح النهج: الذي قال له إنّك على هذا الأمر لحريص .. ثم قال: و الرواية الأولى أظهر و أشهر.
(6) قال في الصحاح 3- 1261: و قرعت رأسه بالعصا قرعا: مثل فرعت، و قال في 3- 1256:
و فرعت رأسه بالعصا .. أي علوته، و بالقاف أيضا. و قال في القاموس 3- 66: قرع- كمنع-:
دقّه، و رأسه بالعصاء: ضربه.
(7) نصّ عليه في القاموس 1- 138، و لسان العرب 1- 778، و غيرهما.
(8) في المصدر: أي استعنت عليه.
(9) الصحاح 6- 2421، و مثله في لسان العرب 15- 39.
607
اللَّه عليه و آله أو منهم، أو الأعمّ.
ألا إنّ في الحقّ أن (1) نأخذه- بالنون- و في الحقّ أن تتركه- بالتاء- .. أي إنّهم لم يقصّروا على أخذ حقّي ساكتين عن دعوى كونه حقّا لهم، و لكنّهم أخذوه مع دعواهم أنّ الحقّ لهم، و أنّه يجب عليّ أن أترك المنازعة فيه، فليتهم أخذوا معترفين بأنّه حقّ لي، فكانت المصيبة أهون.
و روي بالنون فيهما (2)، فالمعنى إنّا نتصرّف فيه كما نشاء بالأخذ و الترك دونك.
و في بعض النسخ فيهما بالتاء (3) .. أي يعترفون أنّ الحقّ لي ثم يدّعون أنّ الغاصب أيضا على الحقّ، أو يقولون لك الاختيار في الأخذ و الترك، و كذا في الرواية الأخرى قرئ بالنون و بالتاء (4).
و قال القطب الراوندي: إنّها في خطّ الرضي رضي اللَّه عنه بالتاء (5) .. أي إن وليت كانت ولايتك حقّا، و إن ولي غيرك كانت حقّا على مذهب أهل الاجتهاد..
22- نهج (6): وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ (7) فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ
____________
(1) لا توجد: أن، في (س).
(2) كما في منهاج البراعة 2- 359، خطبة: 217.
(3) كما قاله القطب الراونديّ في شرحه للنهج: 2- 152، قال: ثم قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، و في الحقّ أن تتركه. و انظر: منهاج البراعة 2- 359.
(4) في (ك): و التاء.
(5) منهاج البراعة 2- 359، خطبة 217: قال و بخطّ الرضي- رضي اللّه عنه- كان بالتاء، و روي بالنون.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 202، صبحي صالح: 336- 337، خطبة 217.
(7) في طبعة صبحي صالح زيادة: و من أعانهم، بعد قوله: على قريش.
608
أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَ قَالُوا: أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ نَأْخُذَهُ (1) وَ فِي الْحَقِّ أَنْ نَمْنَعَهُ (2)، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا ذَابٌّ وَ لَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ (3) عَلَى الْقَذَى، وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ أَلَمَّ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ الشِّفَارِ.
بيان:
قال الجوهري: كفأت الإناء: كببته و قلبته، فهو مكفوء. و زعم ابن الأعرابي أنّ أكفأته لغة (4)، و يروى: كفّوا- بدون الهمزة- و هو أفصح.
و قال الجوهري: رفدته أرفده رفدا: .. إذا أعنته ..، و الإرفاد ...
الإعانة (5).
و قال: الذّبّ: الدّفع و المنع (6).
و قال: ضننت بالشّيء ..: بخلت به ... و قال الفرّاء: ضننت- بالفتح- ..
لغة فيه (7).
و الإغضاء: أدناء الجفون (8)، و القذى في العين: ما يسقط فيها فيؤذيها (9).
و الشّجا: ما ينشب في الحلق من عظم و غيره (10).
____________
(1) في (ك): تأخذه.
(2) في (ك): تمنعه.
(3) في (ك) نسخة بدل: و أغضيت.
(4) الصحاح 1- 68، و مثله في تاج العروس 1- 108.
(5) الصحاح 2- 475، و مثله في تاج العروس 2- 355، و غيرهما.
(6) الصحاح 1- 126، و مثله في تاج العروس 1- 249.
(7) الصحاح 6- 2159، و مثله في تاج العروس 9- 266، و غيرهما.
(8) كما في مجمع البحرين 1- 318، و القاموس 4- 370، و غيرهما.
(9) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 243، و في القاموس 4- 376 قالا: القذى: ما يقع في العين.
(10) ذكره في مجمع البحرين 1- 243، و في القاموس 4- 347، و غيرهما.
609
و العلقم: شجر مرّ، و يقال للحنظل، و كلّ شيء مرّ: علقم (1).
و الحزّ: القطع، حزّه و احتزّه: قطعه (2).
و الشّفرة- بالفتح- السّكّين العظيم، و الجمع شفار (3)..
23- نهج (4): مِنْ كَلَامِهِ (عليه السلام): وَا عَجَبَاهْ أَ تَكُونُ الْخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَ لَا تَكُونُ بِالصَّحَابَةِ (5) وَ الْقَرَابَةِ؟!.
قَالَ السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَ رُوِيَ لَهُ (عليه السلام) شِعْرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَ هُوَ قَوْلُهُ:
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ* * * فَكَيْفَ بِهَذَا وَ الْمُشِيرُونَ غُيَّبٌ
وَ إِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ* * * فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَ أَقْرَبُ
.
بيان: قوله (عليه السلام): فكيف بهذا .. أي كيف تملكها بهذا.
قوله (عليه السلام): خصيمهم .. أي من كان خصما لك منهم في دعوى الخلافة.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (6): حَدِيثُهُ (عليه السلام) فِي النَّثْرِ وَ النَّظْمِ الْمَذْكُورَيْنِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ، أَمَّا النَّثْرُ فَمُوَجَّهٌ إِلَى عُمَرَ (7) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا (8) قَالَ لِعُمَرَ: امْدُدْ يَدَكَ.
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 6- 124، و الصحاح 5- 1991، و جملة كتب اللغة.
(2) صرّح به في مجمع البحرين 4- 15، و في الصحاح 3- 873، و غيرهما.
(3) جاء في القاموس 2- 61، و لسان العرب 4- 420، و عدّة مصادر.
(4) نهج البلاغة- محمّد عبده- 4- 179، صبحي صالح: 502، برقم 190، بتصرف.
(5) جاء كلامه (عليه السلام) بنصه في شرح النّهج لابن أبي الحديد 18- 416 برقم: 185، و في الشّرح للخوئي (رحمه الله) 21- 262، و في الشّرح للفيض: 1163، برقم: 181، و تقدّم في الحاشية السّابقة عن طبعة محمّد عبده أيضا، و لكن في طبعة صبحي صالح من النّهج لا توجد: و لا تكون بالصّحابة، و لا يتمّ المعنى بدونها، و لعلّ الحذف نشأ من غرض أو مرض أو هما معا، فتدبّر.
(6) في شرحه على النّهج 18- 416 بتصرف.
(7) في المصدر: فإلى عمر توجيهه، بدلا من: فموجه ..
(8) لا توجد: لمّا، في (س).
610
قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا شِدَّتِهَا وَ رَخَائِهَا فَامْدُدْ أَنْتَ يَدَكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِذَا احْتَجَجْتَ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْأَمْرَ بِصُحْبَتِهِ إِيَّاهُ فِي الْمَوَاطِنِ .. فَهَلَّا سَلَّمْتَ الْأَمْرَ إِلَى مَنْ قَدْ شَرِكَهُ فِي ذَلِكَ، وَ قَدْ زَادَ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ؟!.
وَ أَمَّا النَّظْمُ: فَمُوَجَّهٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ (1) حَاجَّ الْأَنْصَارَ فِي السَّقِيفَةِ فَقَالَ:
نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ بَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ (2) عَنْهُ، فَلَمَّا بُويِعَ احْتَجَّ عَلَى النَّاسِ بِالْبَيْعَةِ، وَ أَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَ الْعَقْدِ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا احْتِجَاجُكَ عَلَى الْأَنْصَارِ بِأَنَّكَ مِنْ بَيْضَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مِنْ قَوْمِهِ فَغَيْرُكَ أَقْرَبُ نَسَباً مِنْكَ إِلَيْهِ، وَ أَمَّا احْتِجَاجُكَ بِالاخْتِيَارِ وَ رِضَى الْجَمَاعَةِ (3)، فَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَجِلَّةِ (4) الصَّحَابَةِ غَائِبِينَ لَمْ يَحْضُرُوا الْعَقْدَ، فَكَيْفَ ثَبَتَ (5)؟!..
24- نهج (6): قَالَ (عليه السلام): فَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي: مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (7) (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى يَوْمِ (8) النَّاسِ هَذَا.
25- نهج (9): مِنْ كَلَامِهِ (عليه السلام): فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ، وَ أَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وَ عَلَى (10) أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ.
____________
(1) في المصدر: لأنّ أبا بكر ..
(2) يقال: تفقأت السّحابة عن مائها: تشقّقت، قاله في الصّحاح 1- 63.
(3) في المصدر و (ك): الجماعة بك.
(4) في المصدر: من جملة، بدلا من: من أجلّة.
(5) في شرح النّهج: يثبت.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 41، صبحي صالح: 53، خطبة 6، باختلاف يسير.
(7) في المصدر: قبض اللّه نبيّه.
(8) في النّهج: حتّى يوم.
(9) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 66، صبحي صالح: 68، خطبة 26.
(10) لا توجد: و على، في (س).
611
26- وَ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (1): قَالُوا: لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْبَاءُ السَّقِيفَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، قَالَ (عليه السلام): مَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ؟ قَالُوا: قَالَتْ: مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ.
قَالَ (عليه السلام): فَهَلَّا احْتَجَجْتُمْ (2) عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَ يُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ؟ قَالُوا: وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؟.
قَالَ (عليه السلام): لَوْ كَانَتِ الْإِمَارَةُ (3) فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ؟!. قَالُوا: احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ (ص).
فَقَالَ (عليه السلام): احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَ!..
بيان: الكظم- بفتح الظاء- مخرج النّفس (4).
قوله (عليه السلام): احتجوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة .. المراد بالثمرة إمّا الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الإضاعة عدم اتّباع نصبه (5)، أو أمير المؤمنين و أهل البيت (عليهم السلام) تشبيها له (صلّى اللّه عليه و آله) بالأغصان، أو اتّباع الحقّ الموجب للتمسّك به دون غيره كما قيل، و الغرض إلزام قريش بما تمسّكوا به من قرابته (صلّى اللّه عليه و آله)، فإن تمّ فالحقّ لمن هو أقرب و أخصّ، و إلّا فالأنصار
____________
(1) في نهج البلاغة- طبعة محمّد عبده- 1- 116، و في طبعة صبحي صالح: 97- 98، خطبة 67، و انظر: شرح النّهج لابن أبي الحديد 6- 3- 4.
(2) في طبعة محمّد عبده من النّهج: احتجتم، و لعلّه حذف إحدى الجيمين تخفيفا.
(3) في النّهج- صبحي صالح-: إمامة.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 154، و القاموس 4- 172، و لم يصرّح في الصحاح 5- 2023 بفتح الظاء.
(5) في (ك) نسخة بدل: نصّه.
612
على دعواهم.
27- نهج (1): مِنْ كَلَامِهِ (عليه السلام)- لَمَّا عَزَمُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ-: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا (2) مِنْ غَيْرِي، وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ، وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ (3).
بيان: قوله (عليه السلام): أنّي أحقّ بها .. أي بالخلافة و التفضيل، كما في قوله تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ (4)، و الجور عليه (عليه السلام) خاصّة غصب حقّه، و فيه دلالة على أنّ خلافة غيره جور مطلقا، و التسليم على التقدير المفروض- و هو سلامة (5) أمور المسلمين- و إن لم يتحقّق الفرض- لرعاية مصالح الإسلام و التقيّة. و التماسا مفعولا له للتسليم.
و التّنافس: الرّغبة في النّفيس المرغوب للانفراد به (6).
و الزّخرف- بالضم-: الذّهب و كمال حسن الشّيء (7).
و الزّبرج- بالكسر- الزّينة (8).
28- نهج (9): وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): .. بَعَثَ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 124، صبحي صالح: 102، خطبة 74.
(2) في النّهج: أحقّ النّاس بها.
(3) هنا حاشية مفصّلة على نهج البلاغة لمحمّد عبده حريّة بالملاحظة.
(4) الفرقان: 15.
أقول: مراده (قدّس سرّه) إنّ كلمة (أحقّ) لم تستعمل في التفضيل.
(5) في (س): سلالة.
(6) قال في النهاية 5- 95، و لسان العرب 6- 238: التنافس من المنافسة و هي الرغبة في الشيء و الانفراد به، و هو من الشيء النفيس الجيّد في نوعه.
(7) ذكره في القاموس 3- 147، و لسان العرب 9- 133، و غيرهما.
(8) كما في مجمع البحرين 2- 303، و القاموس 1- 191.
(9) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 27، صبحي صالح: 200- 202، خطبة 144، باختلاف كثير و تخالف بين الطبعتين.
613
مِنْ وَحْيِهِ، وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَشَفَ الْحَقَ (1) كَشْفَةً، لَا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ، وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَ الْعِقَابُ بَوَاءً.
أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا كَذِباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا؟! أَنْ رَفَعَنَا اللَّهُ وَ وَضَعَهُمْ، وَ أَعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ، وَ أَدْخَلَنَا وَ أَخْرَجَهُمْ، بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى وَ يُسْتَجْلَى (2) الْعَمَى: إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ، لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
مِنْهَا: آثَرُوا عَاجِلًا، وَ أَخَّرُوا آجِلًا، وَ تَرَكُوا صَافِياً، وَ شَرِبُوا آجِناً، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ، وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ، وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً (3) كَالتَّيَّارِ لَا يُبَالِي مَا غَرِقَ، أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ، أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى، وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى؟ أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ! وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؟
ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ، وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ، وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ، وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ، دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا، وَ دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا!.
إيضاح:
الكشف .. أريد به هنا الابتلاء الذي هو سببه. و قال في النهاية:
الجراحات بواء .. أي سواء في القصاص .. و منه حَدِيثُ عَلِيٍّ (عليه السلام) (4)،
____________
(1) في النّهج: كشف الخلق .. و هو الظّاهر، أيّ علم حالهم في جميع أطوارهم.
(2) في (ك): و بنا يستجلى.
(3) قال في الصّحاح 2- 480: بحر مزبد: مائج يقذف بالزّبد. و في (س): مزيدا، بدلا من:
مزبدا.
(4) ذكر الترضية في المصدر بدلا من التّسليم.
614
وَ الْعِقَابُ بَوَاءً، و أصل البواء: اللّزوم (1).
أين الذين زعموا ..؟ أي الخلفاء الجائرون المتقدّمون.
قوله (عليه السلام): إن رفعنا اللَّه .. تعليل لدعوتهم (2) الكاذبة .. أي كانت العلّة الحاملة لهم على هذا الكذب أنّ اللَّه رفع قدرنا في الدنيا و الآخرة و أعطانا ..
أي الملك و النبوّة، و أدخلنا .. أي في دار قربه و عناياته الخاصّة. و إنّ هاهنا للتعليل .. أي لأن، فحذف اللام، و يحتمل أن يكون المعنى أين الذين زعموا عن أن يروا أن رفعنا اللَّه و أورثنا الخلافة و وضعهم بأخذهم بأعمالهم السيّئة.
و البطن: ما دون القبيلة و فوق الفخذ (3).
قوله (عليه السلام): لا تصلح على سواهم.
.. أي لا يكون لها صلاح على يد غيرهم، و لا يكون الولاة (4) من غيرهم صالحين.
و الآجن: الماء المتغيّر (5).
قوله (عليه السلام): كأنّي أنظر.
.. قال ابن أبي الحديد: هو إشارة إلى قوم يأتي من الخلف بعد السلف (6).
قيل: و الأظهر أنّ المراد بهم من تقدّم ذكرهم من الخلفاء و غيرهم من ملاعين الصحابة، كما قال (عليه السلام)- في الفصل السابق-: أين الذين زعموا؟
فيكون قوله (عليه السلام): كأنّي أنظر .. إشارة إلى ظهور اتّصافهم بالصفات حتى كأنّه يراه عيانا.
____________
(1) النهاية 1- 160، و انظر: لسان العرب 1- 38.
(2) في (ك): لدعواهم.
(3) ذكره في النهاية 1- 137، و تاج العروس 9- 141، و أضاف في الثاني: و مرّ عن الجوهريّ في الراء:
أول العشيرة الشعب، ثمّ القبيلة، ثمّ العمارة، ثمّ البطن، ثمّ الفخذ.
(4) في (ك): الولادة، و لا معنى لها.
(5) كما في مجمع البحرين 6- 197، و الصحاح 5- 2067، و غيرهما.
(6) في شرح النهج 9- 89.
615
و قال في النهاية: بسأت- بفتح السين و كسرها-: أي اعتادت و استأنست (1).
شابت عليه مفارقه .. أي ابيضّ شعره (2) و فني عمره في صحبة المنكر.
و صبغت به خلائقه .. أي صار المنكر عادته حتّى تلوّنت خلائقه به (3).
و التّيّار: موج البحر (4) و لجّته.
و كلمة ثمّ للترتيب الحقيقي أو الذكرى، و لعلّ المراد بالفاسق: عمر.
و قوله (عليه السلام): لا يحفل .. أي لا يبالي (5)، و اللّامحة: النّاظرة (6).
29- نهج (7): مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام) فِي الْمَلَاحِمِ: وَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالًا ظَعْناً (8) فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ، وَ تَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ، فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَ لَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَ مَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ. يَا قَوْمِ! هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ (9) كُلِّ مَوْعُودٍ،
____________
(1) النهاية 1- 126، و قارنه بلسان العرب 1- 34.
(2) كما في لسان العرب 1- 513، و الصحاح 1- 159، و غيرهما.
(3) قال في القاموس 3- 109: صبغه بها- كمنعه و ضربه و نصره- صبغا و صبغا- كعنب- لوّنه.
و قريب منه ما في لسان العرب 8- 438 قال: .. و الصبغ- في كلام العرب- التغيير، و منه صبغ الثوب: إذا غيّر لونه و أزيل عن حاله إلى حال سواد أو حمرة أو صفرة.
(4) صرّح به في مجمع البحرين 3- 234، و الصحاح 2- 602.
(5) نصّ عليه في القاموس 3- 358، و الصحاح 4- 1671، و غيرهما.
(6) قال في القاموس 1- 247: لمح إليه- كمنع-: اختلس النظر .. و هو لامح و لموح. و نحوه في لسان العرب 2- 584.
(7) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 35- 36، صبحي صالح: 208- 209، خطبة 150، مع اختلاف بينهما.
(8) في نهج البلاغة- محمّد عبده-: طعنا. قال في مجمع البحرين 6- 278: يقال: ظعن ظعنا و ظعنا- بالإسكان و التّحريك من باب نفع- .. أيّ سار و ارتحل. و قال فيه أيضا 6- 277: طعن في المفازة: ذهب.
(9) لا توجد في (س): ورود.
616
وَ دُنُوٌّ مِنْ (1) طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُونَ، أَلَا وَ إِنَ (2) مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَ يَحْذُوا فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً، وَ يُعْتِقَ رِقّاً (3)، وَ يَصْدَعَ شُعَباً، وَ يَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ، لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ، ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ، تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ، وَ يُغْبَقُونَ (4) كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ.
مِنْهَا: وَ طَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ وَ يستوجب [يَسْتَوْجِبُوا (5) الْغِيَرَ، حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ، وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَ اشْتَالُوا (6) عَنْ لَقَاحِ حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ، وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ، حَتَّى إِذَا (7) وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ، حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ، وَ غَالَتْهُمُ (8) السُّبُلُ، وَ اتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ (9)، وَ وَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ (10) فِي غَيْرِ
____________
(1) في (س): و دومن .. و لعلّها: و دنوّ من، سقطت نونها.
(2) لا توجد: إن، في طبعة محمّد عبده من النّهج.
(3) في طبعة صبحي صالح من النّهج: و يعتق فيها رقّا.
(4) في (س) نسخة: تغبقون.
(5) في المصدر: و يستوجبوا. و هو الّذي يقتضيه السّياق.
(6) في المصدر: و أشالوا.
(7) لا توجد: إذا، في (س).
(8) في (س): عالتهم.
(9) قال في مجمع البحرين 2- 334: قوله تعالى: «وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً»، أيّ بطانة و دخلا من المشركين .. و الوليجة: كلّ شيء أدخلته في شيء و ليس منه، و الرّجل يكون في القوم و ليس منهم.
أقول: لعلّ الامام (عليه السلام) أشار إلى بعض مصاديق الآية.
(10) لا توجد: فبنوه، في (س).
617
مَوْضِعِهِ، مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ (1). قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ، وَ ذَهَلُوا عَنِ (2) السَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ، أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ.
بيان:
نصب (ظعنا) و (تركا) على المصدر و العامل فيهما من غير لفظهما، أو مصدران قاما مقام الفاعل.
قوله (عليه السلام): مرصد .. على المفعول .. أي مترقّب معدّ (3) لا بدّ من كونه.
و تباشير كلّ شيء: أوائله (4).
و إبّان الشّيء- بالكسر و التشديد-: وقته و زمانه (5)، و لعلّه إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام).
قوله (عليه السلام): إنّ من أدركها منّا.
.. أي قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).
و سرى- كضرب- و أسرى .. أي سار باللّيل (6).
و الرّبق- بالفتح: شدّ الشّاة بالربق و هو الخيط (7).
____________
(1) قال في المجمع 3- 428: الغمرة: الشدّة، قوله تعالى: «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ» .. أيّ في حيرتهم و جهلهم.
(2) في طبعتي النّهج و في نسخة جاءت في (ك): في، بدلا من: عن.
(3) ذكره في مجمع البحرين 3- 52، و الصحاح 2- 474.
(4) كما في مجمع البحرين 3- 222، و الصحاح 2- 591، و غيرهما.
(5) جاء في مجمع البحرين 6- 197، و الصحاح 5- 2066.
(6) نصّ عليه في القاموس 4- 341، و الصحاح 6- 2376، و غيرهما.
(7) قال في القاموس 3- 234، الرّبق- بالكسر-: حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهم، كلّ عروة ربقة- بالكسر- .. و ربقه يربقه و يربقه: جعل رأسه في الربقة. و قال أيضا: الرّبق- و يكسر-: الشدّ.
و قريب منه في الصحاح 4- 1480.
618
و الصّدع: التّفريق (1) و الشّقّ (2).
و الشّعب: الجمع (3).
قوله (عليه السلام): في سترة.
.. أشار (عليه السلام) به إلى غيبة القائم (عليه السلام).
و القائف: الّذي يتّبع الآثار و يعرفها (4).
و شحذت السّكّين: حددته (5) .. أي ليحرصنّ في تلك الملاحم قوم على الحرب، و يشحذ عزائمهم في قتل أهل الضلال كما يشحذ القين- و هو الحدّاد (6) النّصل: كالسّيف و غيره (7).
و يجلى بالتّنزيل: .. أي يكشف (8) الرين و الغطاء عن قلوبهم بتلاوة القرآن و إلهامهم تفسيره و معرفة أسراره، و كشف الغطاء عن مسامع قلوبهم.
و الغبوق: الشّرب بالعشيّ، تقول منه (9) غبقت الرّجل أغبقه- بالضم فاغتبق هو (10) .. أي تفاض عليهم المعارف صباحا و مساء، و القوم: أصحاب القائم (عليه السلام).
قوله (عليه السلام): و طال الأمد بهم.
.. هذا متّصل بكلام قبله لم يذكره.
____________
(1) قال في كتاب العين 1- 292: صدّعتهم فتصدّعوا .. أي فرّقتهم فتفرّقوا. و نحوه في الصحاح 3- 1242.
(2) كما في مجمع البحرين 4- 358، و الصحاح 3- 1241، و القاموس 3- 49.
(3) صرّح به في مجمع البحرين 2- 90، و الصحاح 1- 156، و غيرهما.
(4) قاله في النهاية 4- 121، و لسان العرب 9- 293.
(5) ذكره في مجمع البحرين 3- 182، و الصحاح 2- 565، و غيرهما.
(6) جاء في الصحاح 6- 2185، و القاموس 4- 262.
(7) صرّح به في الصحاح 5- 1830، و قال في مجمع البحرين 5- 484: النصل: حديدة السهم و الرمح و السكين و السيف ما لم يكن له مقبض.
(8) صرّح به في مجمع البحرين 1- 90، و انظر: القاموس 4- 313.
(9) لا توجد: منه، في (س).
(10) نصّ عليه في الصحاح 4- 1535، و قريب منه في لسان العرب 10- 281.
619
السيّد رضي اللَّه عنه، و الأمد: الغاية (1).
و الغير: اسم من قولك غيّرت الشّيء فتغيّر .. أي تغيّر الحال و انتقالها من الصّلاح إلى الفساد (2).
و اخلولق الأجل .. أي قرب انقضاء أمرهم (3)، من اخلولق السّحاب ..
أي استوى و صار خليقا بأن يمطر، و اخلولق الرّسم: استوى بالأرض (4).
و استراح قوم .. أي مال قوم (5) من شيعتنا إلى هذه الفئة الضالّة و اتّبعوها تقيّة أو لشبهة دخلت عليهم.
و اشتالوا .. أي رفعوا أيديهم (6) و سيوفهم، و استعار اللّقاح- بفتح اللام (7) لإثارة الحرب لشبهها بالناقة.
و قوله (عليه السلام): حتّى (8) إذا قبض اللَّه .. لعلّه منقطع عمّا قبله إلّا أن يحمل (من طال الأمد بهم) في الكلام المتقدّم على من كان من أهل الضلال قبل الإسلام، و لا يخفى بعده.
و بالجملة، الكلام صريح في شكايته (عليه السلام) عن [كذا] الذين غصبوا الخلافة منه.
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 3- 8، و المصباح المنير 1- 29، و غيرهما.
(2) نصّ عليه في النهاية 3- 401، و انظر: الصحاح 2- 776، و مجمع البحرين 3- 432.
(3) قال في مجمع البحرين 5- 158: و اخلولق الأجل: إذا تقادم عهده. و قال في لسان العرب 10- 91: اخلولقت السماء أن تمطر .. أي قاربت و شابهت.
(4) كما في القاموس 3- 229، و الصحاح 4- 1472، و غيرهما.
(5) قال في القاموس 1- 224، و استراح إليه: استنام. و قال في لسان العرب 2- 461: و الراحة: ضدّ التعب، و استراح الرجل من الراحة.
أقول: استفادة الميل من هذه الكلمة بتضمين هذا المعنى فيه.
(6) في الصحاح 5- 1742، و لسان العرب 11- 374: الشول و الإشالة بمعنى الرفع. و أمّا الاشتيال من باب الافتعال و مشتقاته فلم نجده في كتب اللغة التي بأيدينا، فتأمّل.
(7) لا توجد: اللام، في (س).
(8) في (س) لا توجد: حتى.
620
و غالتهم السّبل .. أي أهلكتهم (1).
و وصلوا غير الرحم .. أي غير رحم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و السبب الذي أمروا بمودّته أهل البيت (عليهم السلام) كما
- قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): خَلَّفْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ بَيْتِي حَبْلَانِ مَمْدُودَانِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ (2).
كلّ ضارب في غمرة .. أي سائر في غمرة (3) الضلالة و الجهالة.
قد ماروا في الحيرة .. أي تردّدوا و اضطربوا فيها (4).
و المنقطع إلى الدّنيا: هو المنهمك في لذاتها (5) و المفارق للدين هو الزاهد الذي يترك الدنيا للدنيا، أو يعمل على الضلالة و الردى، و سيأتي فيما سنورده من كتبه (عليه السلام) و غيرها ما هو صريح في الشكاية.
30- مِنْهَا (6): مَا كَتَبَ (عليه السلام) فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: وَ كِتَابُ اللَّهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا (7) وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ (8): وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (9)، وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
____________
(1) كما في القاموس 4- 26، و لسان العرب 11- 507، و غيرهما.
(2) هذا الحديث قد مرّت مصادره منّا مجملا و جاء بألفاظ متعدّدة، و انظر أيضا: تفسير البرهان 1- 9 14، و الغدير 3- 65، 80، 297، و 6- 330 و 7- 176، و 10- 278 و غيرها.
(3) كما في مجمع البحرين 2- 104، و الصحاح 1- 168.
(4) ذكره في القاموس 2- 136، و لسان العرب 5- 186، و غيرهما.
(5) قال في مجمع البحرين 4- 381: و فلان منقطع إلى فلان .. أي لم يأنس بغيره، و جاء في تاج العروس 5- 476: و انقطع فلان إلى فلان: إذا انفرد بصحبته خاصّة، و هو مجاز.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 32- 34، و صبحي صالح: 387- 388، ضمن كتاب رقم 28 بإسقاط فقرة عند النّقل.
(7) جاء في مجمع البحرين 3- 182 ما نصّه: في الحديث: الشّاذّ عنك يا عليّ في النّار .. أيّ المنفرد المعتزل عنك و لم يتبع أمرك و حكمك في النّار، يقال: شذّ عنه يشذّ شذوذا: انفرد عنه.
(8) في نهج البلاغة- صبحي صالح-: سبحانه و تعالى.
(9) الأنفال: 75.
621
وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (1) فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ وَ تَارَةً بِالطَّاعَةِ، وَ لَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ (2) فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَ إِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ (3).
وَ قُلْتُ إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ (4) حَتَّى أُبَايِعَ، وَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ، وَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ (5) فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ وَ لَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ ...
31- وَ مِنْهَا (6): مَا كَتَبَ (عليه السلام) فِي جَوَابِ عَقِيلٍ: .. فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ (7) فِي الضَّلَالِ، وَ تَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ، وَ جِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ (8)، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (9) قَبْلِي فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي، فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي.
____________
(1) آل عمران: 68.
(2) الفلج: الظّفر و الفوز، و قد فلج الرّجل على خصمه يفلج فلجا. نصّ عليه في الصّحاح 1- 335.
(3) هنا سقط جاء في النّهج: و زعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت، و على كلّهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك.
................ ....* * * و تلك شكاة ظاهر عنك عارها ..
أقول: و صدر البيت هكذا:
و عيرها الواشون أنّي أحبّها
. و هذا البيت لأبي ذؤيب.
(4) قال في النّهاية 4- 119: قاد البعير و اقتاده بمعنى: جرّه خلفه، و قال فيه 2- 34: البعير المخشوش: هو الّذي جعل في أنفه الخشاش، و قال في صفحة 33 من هذا المجلّد: الخشاش:
عويد يجعل في أنف البعير يشدّ به الزّمام ليكون أسرع لانقياده.
(5) جاء في مجمع البحرين 4- 218: غضاضة .. أيّ ذلّة و منقصة.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 61، و صبحي صالح: 409 ضمن كتاب برقم 36.
(7) تركاض- تفعال من الركض- و هو تحريك الرّجل، قاله في القاموس 2- 332، و نحوه: التجوال.
(8) قال في صحاح اللّغة 1- 360: جمح الفرس جموحا و جماحا: إذا اعتزّ فارسه و غلبه. و ذكر في الصّحاح 6- 2229: تاه في الأرض: ذهب متحيّرا، يتيه تيها و تيهانا.
(9) في طبعة صبحي صالح من النّهج: و آله و سلم.
622
وَ فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ وَ السِّيَاسَةِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ (1): فَإِنَّ قُرَيْشاً قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَى حَرْبِ أَخِيكَ اجْتِمَاعَهَا عَلَى حَرْبِ (2) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) قَبْلَ الْيَوْمِ..
32- وَ مِنْهَا (4): مَا كَتَبَ (عليه السلام) فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ- وَ هُمُ الْعُمْدَةُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ-: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ وَ ضَرَبَ (5) الْجَوْرُ (6) سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ الْمُقِيمِ وَ الظَّاعِنِ، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ وَ لَا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ..
33- وَ مِنْهَا (7): مَا كَتَبَ (عليه السلام) فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ: .. بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ (8)، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ ...
34- وَ مِنْهَا (9): مَا كَتَبَ (عليه السلام) فِي كِتَابٍ لَهُ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ: .. فَلَمَّا مَضَى (10) تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَ لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِي (11) أَنَّ الْعَرَبَ تُعَرِّجُ (12) هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ (ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ ...
____________
(1) الإمامة و السّياسة: 55- طبعة مؤسّسة الوفاء، بيروت-.
(2) لا توجد: حرب، في المصدر.
(3) في النّهج لصبحي صالح: و آله و سلم.
(4) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 63، و صبحي صالح: 410- 411، ضمن كتاب برقم 38.
(5) في المصدر: فضرب.
(6) في (ك) نسخة: الحذر.
(7) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 71، و صبحي صالح: 417 ضمن كتاب برقم 45.
(8) في المصدر: نفوس قوم آخرين.
(9) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 118- 119، و صبحي صالح: 451 ضمن كتاب برقم 62.
(10) في المصدر: مضى (عليه السلام).
(11) في المصدر: و لا يخطر ببالي.
(12) في النّهج: تزعج.
623
35- ثُمَّ كَتَبَ (عليه السلام) بَعْدَ مَا ذَكَرَ بَيْعَةَ النَّاسِ لَهُ (1): .. فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ، وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ (2) ...
36- وَ مِنْهَا: قَوْلُهُ (عليه السلام) (3): قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَ لَمَعَ لَامِعٌ وَ لَاحَ لَائِحٌ، وَ اعْتَدَلَ مَائِلٌ، وَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَ بِيَوْمٍ يَوْماً وَ انْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ، وَ إِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ عُرَفَاؤُهُ (4) عَلَى عِبَادِهِ، لَا يَدْخُلُ (5). الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ، وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ ..
37- وَ مِنْهَا: قَوْلُهُ (عليه السلام) فِي الْبَيْعَةِ (6): .. فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي، وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي.
و قد مرّ في هذا الكتاب و سيأتي (7) من تظلّمه (عليه السلام) منهم و شكايته (عليه السلام) عنهم، و قدحه فيهم، لا سيّما ما أوردناه في باب غصب الخلافة (8)، و باب مثالب الثلاثة، و باب ما جرى بينه و بين عثمان، و ما ذكره في الإحتجاج على من يطلب ثاره، و ما ذكره لأبي ذرّ عند إخراجه .. ما لو أعدناه لكان أكثر ممّا أوردنا بكثير، لكن الأمر على الطالب يسير، و الجرعة تدلّ على الغدير، و الحبّة على البيدر الكبير.
و قد قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (9) فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ
____________
(1) نهج البلاغة- محمّد عبده- 3- 119، و صبحي صالح: 451 ضمن كتاب برقم 62.
(2) قال في القاموس 4- 294: نهنه عن الأمر فتنهنه: كفّه و زجره فكفّ. أراد (عليه السلام) أنّه قد ثبت في موضعه.
(3) نهج البلاغة- محمّد عبده- 2- 40- 41، و صبحي صالح: 212 ضمن خطبة 152.
(4) في (ك) نسخة: عرفا.
(5) في نهج صبحي صالح: و لا يدخل.
(6) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 89، و صبحي صالح: 81 ذيل خطبة 37.
(7) بحار الأنوار 8- 651 و 669 و ما بعدهما- طبعة كمباني- الحجرية- و يكون أوّل المجلد الرابع و الثلاثين- الذي لم يطبع إلى هذا التاريخ ..
(8) بحار الأنوار 28- 85 و 175.
(9) في شرحه على النّهج 11- 111، بتصرف يسير.
624
عَلَى قُرَيْشٍ .. قَدْ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ عَقِيبَ يَوْمِ السَّقِيفَةِ تَأَلَّمَ وَ تَظَلَّمَ وَ اسْتَنْجَدَ (1) وَ اسْتَصْرَخَ حَتَّى سَئِمُوهُ الْحُضُورَ وَ الْبَيْعَةَ، وَ أَنَّهُ قَالَ- وَ هُوَ يُشِيرُ إِلَى الْقَبْرِ-:
يَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (2) وَ أَنَّهُ قَالَ: وَا جَعْفَرَاهْ! وَ لَا جَعْفَرَ لِيَ الْيَوْمَ، وَا حَمْزَتَاهْ! وَ لَا حَمْزَةَ لِيَ الْيَوْمَ.
وَ قَالَ (3) فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (عليه السلام): وَ قَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ، وَ هُوَ قَوْلُهُ (عليه السلام): إِنَّ لَنَا حَقّاً، إِنْ نُعْطَهُ نَأْخُذْهُ وَ إِلَّا نَرْكَبُ لَهُ أَعْجَازَ (4) الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ السُّرَى.
و قد ذكره الهروي في الغريبين (5)، و فسّره بوجهين (6).
و قال الجزري في النهاية: منه حديث عليّ (عليه السلام): لنا حقّ .. و ذكر الخبر ثم قال: الرّكوب على أعجاز الإبل شاقّ .. أي منعنا (7) حقّنا ركبنا مركب المشقّة صابرين عليها و إن طال الأمد.
____________
(1) استنجدني فأنجدته: استعان بي فأعنته، قاله في الصّحاح 2- 542.
(2) الأعراف: 150.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 9- 307، بتصرف.
(4) في المصدر: و إن نمنعه نركب أعجاز ..
(5) كتاب الغريبين- لم يطبع- و لا نعرف له نسخة صحيحة إلّا قطعة منه في المكتبة الرضوية على صاحبها آلاف التحية في خراسان، و لعلّ شيخنا المجلسي أخذه عن شرح ابن أبي الحديد، و إن عدّه في المجلد الأول من جملة مصادره.
أقول: الوجهان: أحدهما: إنّ راكب عجز البعير يلحقه مشقّة و ضرر، فأراد أنا إذا منعنا حقّنا صبرنا على المشقّة و المضرّة كما يصبر راكب عجز البعير .. و هذا التفسير قريب ممّا فسّره الرضي.
و الوجه الثاني: أنّ راكب عجز البعير إنّما يكون إذا كان غيره قد ركب على ظهر البعير، و راكب ظهر البعير متقدّم على راكب عجز البعير، فأراد أنّا إذا منعنا حقّنا تأخرنا و تقدّم غيرنا علينا، فكنّا كالراكب رديفا لغيره، و أكد المعنى على كلا التفسيرين بقوله: و إن طال السرى .. إلى آخره.
(6) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 195.
(7) في المصدر: أي إن منعنا، و هو الظاهر.
625
و قال (1): ضرب أعجاز الإبل مثلا لتأخّره عن حقّه الّذي كان يراه له، و تقدّم غيره عليه، و أنّه يصير على ذلك و إن طال أمده .. أي إن قدّمنا للإمامة تقدّمنا و إن أخّرنا صبرنا على الأثرة و إن طالت الأيّام.
و قيل: يجوز أن يريدوا إن تمنعه ببذل (2) الجهد في طلبه فعل من يضرب في طلبته (3) أكباد الإبل و لا يبالي باحتمال طول السّرى، و الأوّلان أوجه، لأنّه سلّم و صبر على التّأخّر و لم يقاتل، و إنّما قاتل بعد انعقاد الإمامة له (4). انتهى.
و رواه ابن قتيبة (5)، و قال: معناه ركبنا مركب الضيم و الذلّ، لأنّ راكب عجز البعير يجد مشقّة، لا سيّما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال، و يجوز أن يكون أراد نصبر على أن نكون أتباعا لغيرنا، لأنّ راكب عجز البعير يكون ردفا لغيره.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (6) أَيْضاً أَنَّ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) حَرَّضَتْهُ يَوْماً عَلَى النُّهُوضِ وَ الْوُثُوبِ، فَسَمِعَ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ لَهَا: أَ يَسُرُّكَ زَوَالُ هَذَا النِّدَاءِ مِنَ الْأَرْضِ؟! قَالَتْ: لَا. قَالَ:
فَإِنَّهُ مَا أَقُولُ لَكِ.
وَ رَوَى- أَيْضاً (7)-، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا رَأَيْتُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في النهاية: و قيل.
(2) في المصدر: إن يريد و أن نمنعه نبذل .. و هو الظاهر.
(3) في نهاية ابن الأثير: في ابتغاء طلبته.
(4) النهاية 3- 185- 186.
(5) راجعنا الإمامة و السياسة أكثر من مرّة، و كذا عيون الأخبار، و تأويل مختلف الحديث فلم نجد العبارة فيها، فلاحظ.
(6) في شرحه على نهج البلاغة 11- 113 بنصه.
(7) ابن أبي الحديد في شرحه 4- 108 بتصرف.
626
رَخَاءً، لَقَدْ أَخَافَتْنِي قُرَيْشٌ صَغِيراً وَ أَنْصَبَتْنِي كَبِيراً حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَانَتِ (1) الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (2)..
وَ رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ- وَ هُوَ مِنْ أَعَاظِمِ رُوَاةِ الْمُخَالِفِينَ- فِي كِتَابِ الْإِمَامَةِ وَ السِّيَاسَةِ (3) أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ (4) وَ هُوَ يَقُولُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ! فَقِيلَ لَهُ: بَايِعْ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَ (5) لَا أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ (6) بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) تَأْخُذُونَهُ (7) مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتَ غَصْباً، أَ لَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكَانِ (8) مُحَمَّدٍ (ص) مِنْكُمْ؟! فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ (9)، وَ سَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ، فَأَنَا (10) أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) حَيّاً وَ مَيِّتاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (11)، وَ إِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكاً حَتَّى تُبَايِعَ!. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (ع): احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اشْدُدْهُ لَهُ الْيَوْمَ (12)
____________
(1) في المصدر: حتّى قبض اللّه رسوله فكانت.
(2) يوسف: 18.
(3) في الإمامة و السّياسة: 11- 12، بإجمال.
(4) في المصدر: ثمّ إنّ عليّا كرّم اللّه وجهه أتي به إلى أبي بكر ..
(5) لا توجد الواو في المصدر.
(6) في (س): عليه، بدلا من: عليهم.
(7) في الإمامة و السّياسة: و تأخذونه.
(8) في الإمامة و السّياسة: لمّا كان.
(9) في (س): المفادة، و لم نجد له معنى مناسبا فيما بأيدينا من كتب اللّغة، و المقادة بمعنى القيادة، فراجع القاموس 1- 330، و الصّحاح 2- 528.
(10) في المصدر: و أنا.
(11) في المصدر: تؤمنون، بدلا من: تخافون اللّه من أنفسكم.
(12) في الإمامة و السّياسة: و اشدد له اليوم أمره.
627
يَرْدُدْهُ (1) عَلَيْكَ غَداً، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا عُمَرُ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ، وَ لَا أُبَايِعُهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ لَمْ تُبَايِعْنِي فَلَا أُكْرِهُكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! اللَّهَ .. اللَّهَ لَا (2) تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْعَرَبِ مِنْ دَارِهِ وَ قَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَ قُعُورِ بُيُوتِكُمْ، وَ تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ مِنَ النَّاسِ وَ حَقِّهِ، فَوَ اللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ- لَنَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، مَا كَانَ فِيهَا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
ثم
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ (3): وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَخْرِجُوا عَلِيّاً (عليه السلام) فَمَضَوْا بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا لَهُ: بَايِعْ. فَقَالَ: إِنْ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ فَمَهْ؟!. فَقَالُوا: إِذًا وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ نَضْرِبَ عُنُقَكَ. قَالَ (4): إِذًا تَقْتُلُونَ عَبْدَ اللَّهِ وَ أَخَا رَسُولِهِ.
فَقَالَ (5) عُمَرُ: أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَنَعَمْ، وَ أَمَّا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ فَلَا، وَ أَبُو بَكْرٍ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَ لَا تَأْمُرُ فِيهِ بِأَمْرِكَ؟. فَقَالَ: لَا أُكْرِهُهُ عَلَى شَيْءٍ مَا كَانَتْ فَاطِمَةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَلَحِقَ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَصِيحُ وَ يَبْكِي وَ يُنَادِي يَ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (6) ..
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (7) أَنَّهُمَا جَاءَا إِلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) مُعْتَذِرِينَ، فَقَالَتْ:
نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ (8) أَ لَمْ تَسْمَعَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: رِضَا فَاطِمَةَ مِنْ
____________
(1) في (ك): يردّه.
(2) لا توجد: لا، في (س).
(3) الإمامة و السّياسة: 13.
(4) في (ك): فقال.
(5) في المصدر: قال.
(6) الأعراف: 150.
(7) الإمامة و السّياسة: 13- 14.
(8) في المصدر: اللّه.
628
رِضَايَ وَ سَخَطُ فَاطِمَةَ ابْنَتِي (1) مِنْ سَخَطِي؟. وَ مَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي (2)، وَ مَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَنِي؟. قَالا: نَعَمْ، سَمِعْنَاهُ (3). قَالَتْ:
فَإِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ أَنَّكُمَا أَسْخَطْتُمَانِي وَ مَا أَرْضَيْتُمَانِي، وَ لَئِنْ لَقِيتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَأَشْكُوَنَّكُمَا إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَ سَخَطِكِ يَا فَاطِمَةُ.
ثُمَّ انْتَحَبَ أَبُو بَكْرٍ بَاكِياً تَكَادُ نَفْسُهُ (4) أَنْ تَزْهَقَ، وَ هِيَ تَقُولُ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَ أَبُو بَكْرٍ يَبْكِي وَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ اللَّهَ لَكِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ (5) أُصَلِّيهَا .. ثُمَّ خَرَجَ بَاكِياً.
38- وَ رَوَى أَيْضاً ابْنُ قُتَيْبَةَ (6) أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) قَالَ: فَاجْزِ قُرَيْشاً عَنِّي بِفِعَالِهَا، فَقَدْ قَطَعَتْ رَحِمِي، وَ ظَاهَرَتْ عَلَيَّ، وَ سَلَبَتْنِي سُلْطَانَ ابْنِ عَمِّي، وَ سَلَّمَتْ ذَلِكَ مِنْهَا (7) لِمَنْ لَيْسَ فِي قَرَابَتِي وَ حَقِّي فِي الْإِسْلَامِ، وَ سَابِقَتِيَ الَّتِي لَا يَدَّعِي مِثْلَهَا مُدَّعٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَا أَعْرِفُهُ (8)، وَ لَا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ.
39- وَ رَوَى أَيْضاً (9) أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ (عليهما السلام): وَ ايْمُ اللَّهِ- يَا بُنَيَّ مَا زِلْتُ مَظْلُوماً (10) مَبْغِيّاً عَلَيَّ مُنْذُ هَلَكَ جَدُّكَ (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) لا توجد: ابنتي، في (س) و لا في المصدر.
(2) في الإمامة و السّياسة زيادة: و من أرضى فاطمة فقد أرضاني.
(3) في المصدر: قال: نعم، سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم.
(4) في الإمامة و السّياسة: أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه.
(5) قوله: صلاة، و أبو بكر يبكي و يقول: و اللّه لأدعونّ اللّه لك في كلّ .. لا توجد في المصدر. و لا يخفى أنّ طبعتي الإمامة و السّياسة في بيروت محرّفة جدّا و أسقط الكثير من أمثال هذه المطالب منها، و يوجد بعضها في طبعة القاهرة، فراجع.
(6) في الإمامة و السّياسة: 55- 56 تحت عنوان: خروج عليّ من المدينة.
(7) لا توجد: منها في المصدر، و هو الظّاهر.
(8) في الإمامة و السّياسة: ما لا أعرف.
(9) الإمامة و السّياسة: 49.
(10) لا توجد: في المصدر: مظلوما.
629
40- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1) أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) قَالَ:- وَ قَدْ سَمِعَ صَارِخاً يُنَادِي أَنَا مَظْلُومٌ-، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْنَصْرَخْ مَعاً، فَإِنِّي مَا زِلْتُ مَظْلُوماً.
41- وَ قَالَ (2): قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا زِلْتُ مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مَدْفُوعاً عَمَّا أَسْتَحِقُّهُ وَ أَسْتَوْجِبُهُ.
42- وَ قَالَ (عليه السلام): اللَّهُمَّ اجْزِ قُرَيْشاً فَإِنَّهَا مَنَعَتْنِي حَقِّي وَ غَصَبَتْنِي أَمْرِي (3).
43- وَ رَوَى (4) أَيْضاً، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً (عليه السلام) يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي، وَ غَصَبُونِي حَقِّي، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ.
44- وَ (5) عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ وَضَعُوا (6) إِنَائِي، وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي.
45- وَ رَوَى السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ الطَّرَائِفِ (7) مِنَ الصَّحِيحَيْنِ
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 9- 307، و بهذا المضمون عدّة روايات ذكرها ابن أبي الحديد في مواطن متعدّدة في شرحه على النّهج، جملة منها في 4- 106 و ما بعدها نذكر واحدة منها مثالا، قال: و روى شيخنا أبو القاسم البلخيّ، عن سلمة بن كهيل، عن المسيّب بن نجبة، قال: بينا عليّ (عليه السلام) يخطب إذ قام أعرابيّ فصاح: وا مظلمتاه! فاستدناه عليّ (عليه السلام)، فلمّا دنا قال له: إنّما لك مظلمة واحدة، و أنا قد ظلمت عدد المدر و الوبر، قال: و في رواية عبّاد بن يعقوب، إنّه دعاه فقال له: ويحك! و أنا و اللّه مظلوم أيضا، هات فلندع على من ظلمنا.
(2) ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 9- 307 ..
(3) كما في شرح ابن أبي الحديد 9- 306 و فيه: أخز، بدلا من: اجز.
(4) ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 4- 104.
(5) كما رواه ابن أبي الحديد في شرح النّهج 4- 103- 104.
(6) في المصدر: و أصغوا.
(7) الطّرائف 1- 270 حديث 369، باب ما جرى على فاطمة (سلام اللّه عليها) من الأذى و الظّلم و منعها من فدك.
630
وَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (1) لِلْحَمِيدِيِّ بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ وَ عَلِيٍّ (عليه السلام) مَا هَذَا لَفْظُهُ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ .. فَجِئْتُمَا، أَنْتَ تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، وَ يَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ..
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِباً آثِماً غَادِراً خَائِناً، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ؟! ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِباً (2) آثِماً غَادِراً خَائِناً؟! وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ بَارٌّ تَابِعٌ لِلْحَقِّ! فَوُلِّيتُهَا، ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ وَ هَذَا وَ أَنْتُمَا جَمِيعٌ وَ أَمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا.
أقول:: قد رأيت هذا الخبر في الصحيحين (3) و حكاه في جامع الأصول (4) عنهما (5) و عن الترمذي (6) و النسائي (7) و أبي داود (8)، عن الحميدي بألفاظ مختلفة ..
من أراد الاطّلاع عليه فليراجعه.
____________
(1) الجمع بين الصّحيحين، لا نعلم بطبعه، و قد بحثنا عنه.
(2) لا توجد: كاذبا، في (س).
(3) صحيح مسلم 3- 1377 كتاب الجهاد باب 15 حكم الفيء حديث 49، و صحيح البخاريّ 8- 185 كتاب الفرائض باب قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): لا نورث.
(4) جامع الأصول 2- 697- 709 حديث 1202 باب الفيء، و 4- 104 حديث 2078، و 4- 636 و 637 و 639 حديث 7438 و 7439 و 7441. و انظر: صحيح مسلم 3- 1377 كتاب الجهاد باب 15 حكم الفيء حديث 49، و صحيح البخاريّ 8- 158 كتاب الفرائض، و سنن البيهقيّ 6- 296 كتاب قسم الفيء و الغنيمة. و قد مرّ الحديث بمصادره.
(5) في (س): فيهما، و هو غلط.
(6) صحيح الترمذي 4- 158 كتاب السير باب 44 حديث 1610.
(7) سنن النسائي 7- 128- 137 باب الفيء.
(8) سنن أبي داود: 3- 139- 140 حديث 2963، و ذكر القصّة مفصّلا، فراجع.
631
46- وَ قَالَ السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى عَلَمُ الْهُدَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (1): قَدْ رَوَى جَمِيعُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ الْعَبَّاسَ لَمَّا تَنَازَعَا فِي الْمِيرَاثِ وَ تَخَاصَمَا إِلَى عُمَرَ، قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ (2) هَذَيْنِ، وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ (3). فَقَالا: عَقَّ وَ ظَلَمَ، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ بَرّاً تَقِيّاً، ثُمَّ وُلِّيتُ فَقَالا: عَقَّ وَ ظَلَمَ (4). وَ غَيْرُ خَافٍ عَلَيْهِمْ وَ إِنَّمَا كَانُوا يُجَامِلُونَهُ وَ يُجَامِلُهُمْ (5).
47- وَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَعْثَمَ الْكُوفِيُّ فِي تَارِيخِهِ (6)، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْحَسَدَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِيكَ وَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي سَائِرِ النَّاسِ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَلِ أُمُورَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ بَعْدَ (7) النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَّا وَ لَهُ قَدْ حَسَدْتَ، وَ عَلَيْهِ تَعَدَّيْتَ (8)، وَ عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْكَ فِي النَّظَرِ الشَّزْرِ (9)، وَ قَوْلِكَ الْهَجْرِ، وَ تَنَفُّسِكَ الصُّعَدَاءَ، وَ إِبْطَائِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ، تُقَادُ إِلَى الْبَيْعَةِ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ (10) حَتَّى تُبَايِعَ وَ أَنْتَ كَارِهٌ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَنْسَى فِعْلَكَ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى قِلَّةِ الشَّرْحِ وَ الْبَيَانِ، وَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَنَطْلُبَنَّ قَتَلَةَ
____________
(1) الشّافي 3- 227 [الحجرية: 204].
(2) في (ك): في بدلا من: من.
(3) كان في المتن و المغنّي: لأبو بكر، و هو غلط، و ما أثبتناه من المصدر.
(4) هنا سقط جاء في المصدر و هو: و هذا الكلام من أوضح دليل على أنّ تظلمه (ع) من القوم كان ظاهرا لهم.
(5) و انظر: تلخيص الشّافي 3- 52.
(6) الفتوح 2- 578- 579 باختلاف يسير.
(7) في المصدر: لم تكن أمور هذه الأمّة لأحد بعد .. و المعنى واحد.
(8) في الفتوح: و عليه قد بغيت ..
(9) في المصدر: في نظرك الشّزر. قال في الصّحاح 2- 696: نظر إليه شزرا: و هو نظر الغضبان بمؤخّر العين.
(10) في المصدر: كما يقاد الجمل الشّارد. قال في الصّحاح 3- 1004: الخشاش: الّذي يدخل في عظم أنف البعير و هو من خشب. قال: و الإبل المخشوش: هي الّتي في أنفها الخشاش.
632
عُثْمَانَ (1) فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ الْجِبَالِ وَ الرِّمَالِ حَتَّى نَقْتُلَهُمْ أَوْ لَنُلْحِقَنَّ أَرْوَاحَنَا بِاللَّهِ، وَ السَّلَامُ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ حَسَدِي لِلْخُلَفَاءِ، وَ إِبْطَائِي عَلَيْهِمْ، وَ النَّكِيرَ لِأَمْرِهِمْ (2) فَلَسْتُ أَعْتَذِرُ مِنْ ذَلِكَ إِلَيْكَ وَ لَا إِلَى غَيْرِكَ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اخْتَلَفَ الْأُمَّةُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: مِنَّا الْأَمِيرُ، وَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ: بَلْ مِنَّا الْأَمِيرُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) مِنَّا، وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَسَلَّمَتِ الْأَنْصَارُ لِقُرَيْشٍ الْوِلَايَةَ وَ السُّلْطَانَ، فَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّهَا قُرَيْشٌ بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) دُونَ الْأَنْصَارِ، فَنَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِهَذَا مِنْ غَيْرِنَا .. إِلَى قَوْلِهِ (عليه السلام):
وَ قَدْ كَانَ أَبُوكَ (4) أَبُو سُفْيَانَ جَاءَنِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَايَعَ النَّاسُ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِكَ، وَ أَنَا يَدُكَ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، وَ إِنْ شِئْتَ لَأَمْلَأَنَّ الْمَدِينَةَ خَيْلًا وَ رَجِلًا عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، فَلَمْ أَقْبَلْ ذَلِكَ، وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاكَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فَكُنْتُ أَنَا الَّذِي أَبَيْتُ عَلَيْهِ مَخَافَةَ الْفُرْقَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ تَعْرِفْ مِنْ حَقِّي مَا كَانَ أَبُوكَ يَعْرِفُهُ لِي فَقَدْ أَصَبْتَ رُشْدَكَ، وَ إِنْ أَبَيْتَ فَهَا أَنَا قَاصِدٌ إِلَيْكَ، وَ السَّلَامُ (5)..
48- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (6)، عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ (عليه السلام)
____________
(1) كأنّ في المصدر سقط، إذ لا توجد فيه عبارة: على قلّة الشّرح و البيان، و و اللّه الّذي لا إله إلّا هو لنطلبنّ قتلة عثمان ..
(2) في المصدر زيادة و تغيير: و إبطائي عنهم، فأمّا الحسد فمعاذ اللّه أن يكون ذلك، و أمّا الإبطاء عنهم و الكره لأمرهم ..
(3) توجد هنا زيادة: دون الأنصار، في (س).
(4) في طبعة (س): أباك، و يمكن توجيه العبارة.
(5) انظر: المستدرك للحاكم 3- 78، و الاستيعاب 4- 87، و كنز العمّال 3- 141 .. و غيرها.
(6) في شرحه على النّهج 1- 308 [و في طبعة أخرى: 1- 102] بتصرف.
633
الْمَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ، قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ- بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)-: .. إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَبَضَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) اسْتَأْثَرَتْ عَلَيْنَا قُرَيْشٌ بِالْأَمْرِ، وَ دَفَعَتْنَا عَنْ حَقٍّ نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَفْرِيقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَ سَفْكِ دِمَائِهِمْ، وَ النَّاسُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَ الدِّينُ يَمْخَضُ مَخْضَ (1) الْوَطْبِ (2) يُفْسِدُهُ أَدْنَى وَهْنٍ، وَ يَعْتِكُهُ (3) أَقَلُّ خُلْفٍ (4)، فَوُلِّيَ الْأَمْرَ قَوْمٌ لَمْ يَأْلُوا فِي أَمْرِهِمْ اجْتِهَاداً، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، وَ اللَّهُ وَلِيُّ تَمْحِيصِ سَيِّئَاتِهِمْ، وَ الْعَفْوِ عَنْ هَفَوَاتِهِمْ (5).
49- وَ رَوَى- أَيْضاً (6)-، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنَادَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ مِنَ الْحِجَازِ أُرِيدُ الْعِرَاقَ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَمَرَرْتُ بِمَكَّةَ فَاعْتَمَرْتُ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِذَا (7) نُودِيَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَ خَرَجَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مُتَقَلِّداً سَيْفَهُ، فَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ نَحْوَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) في (س): يمحّض محض.
(2) ورد في حاشية (ك) هنا ما يلي: و فيه: أنّه أتي بوطب فيه لبنّ .. الوطب: الزّقّ الّذي يكون فيه السّمن و اللّبن، و هو جلد الجذع فما فوقه، و جمعه أوطاب و وطاب، و منه حديث أم زرع: خرج أبو زرع و الأوطاب تمخض ليخرج زبدها. النّهاية.
انظر: النّهاية 5- 203. و سيأتي للمصنف (قدّس سرّه) بيان فيها.
(3) في حاشية (ك): و عتك اللّبن و النّبيذ: اشتدّت حموضته. قاموس.
انظر: القاموس 3- 312. و سيأتي لها مزيد بيان: و قد تقرأ في (س): يعكسه. و في المصدر:
يعكه.
(4) في الغدير و (س): خلق. و ورد في حاشية (ك): خلف فم الصّائم خلوفا- من باب قعد-: تغيّرت ريحه .. و خلّفت الطّعام خلوفا: تغيّرت ريحه أو طعمه. مصباح المنير.
انظر: المصباح المنير 1- 216، و فيه: و خلف الطّعام: تغيّرت ..
(5) انظر: الغدير 9- 381 و قد حكاه عن شرح النّهج.
(6) في شرح النّهج لابن أبي الحديد 1- 307، بتصرف.
(7) في المصدر: إذ .. و هو الظّاهر.
634
عَلَيْهِ وَ آلِهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قُلْنَا: نَحْنُ أَهْلُهُ وَ وَرَثَتُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ دُونَ النَّاسِ، لَا يُنَازِعُنَا سُلْطَانَهُ أَحَدٌ، وَ لَا يَطْمَعُ فِي حَقِّنَا طَامِعٌ، إِذِ انْتَزَى (1) لَنَا قَوْمُنَا فَغَصَبُونَا سُلْطَانَ نَبِيِّنَا، فَصَارَتِ الْإِمْرَةُ لِغَيْرِنَا، وَ صِرْنَا سُوقَةً (2) يَطْمَعُ فِينَا الضَّعِيفُ وَ يَتَغَزَّرُ (3) عَلَيْنَا الذَّلِيلُ (4)، فَبَكَتِ الْأَعْيُنُ مِنَّا لِذَلِكَ، وَ خَشُنَتِ (5) الصُّدُورُ، وَ جَزِعَتِ النُّفُوسُ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا مَخَافَةُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَ أَنْ يَعُودَ الْكُفْرُ، وَ يَبُورَ الدِّينُ، لَكُنَّا عَلَى غَيْرِ مَا كُنَّا لَهُمْ عَلَيْهِ، فَوَلِيَ النَّاسَ (6) وُلَاةٌ لَمْ يَأْلُوا النَّاسَ خَيْراً، ثُمَّ اسْتَخْرَجْتُمُونِي- أَيُّهَا النَّاسُ- مِنْ بَيْتِي فَبَايَعْتُمُونِي (7)..
50- وَ قَالَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ ابْنُ طَاوُسٍ فِي كِتَابِ الطَّرَائِفِ (8): رَوَى أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ (9) فِي كِتَابِهِ- وَ هُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَئِمَّتِهِمْ-، وَ رَوَاهُ أَيْضاً الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ صَدْرَ الْأَئِمَّةِ أَخْطَبُ خُطَبَاءِ خُوارِزْمَ مُوَفَّقُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَكِّيُّ ثُمَّ الْخُوارِزْمِيُّ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ، قَالَ: عَنِ الْإِمَامِ الطَّبَرَانِيِ (10)، عَنْ سَعِيدٍ الرَّازِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ زَافِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ (11)، قَالَ: كُنْتُ عَلَى الْبَابِ يَوْمَ الشُّورَى فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ بَيْنَهُمْ، فَسَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَيْهِ
____________
(1) في شرح النّهج: انبرى. قال في الصّحاح 6- 2280: انبرى له: اعترض له.
(2) السّوقة: الرّعيّة للواحد و الجمع و المذكّر و المؤنّث، ذكره في القاموس 3- 248.
(3) في المصدر: يتعزز، و في (ك): يتعرز: قال في الصّحاح 2- 744: التّعزير: التّعظيم و التّوقير.
و يتغزر- من الغزارة- .. أيّ الكثرة، كما في الصّحاح 2- 770.
(4) في (س): الضّعيف.
(5) في المصدر: خشيت.
(6) في المصدر: فولي الأمر.
(7) في شرح النّهج: فبايعتموني على شين منّي لأمركم و .. إلى آخره.
(8) الطّرائف: 411.
(9) في المصدر: أحمد بن موسى بن مردويه.
(10) في مطبوع البحار: البطراني، و هو غلط.
(11) في الطّرائف: عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة.
635
السَّلَامُ يَقُولُ: بَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا- وَ اللَّهِ- أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ وَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ (1)، فَسَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعَ الْقَوْمُ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ بَايَعَ أبا [أَبُو بَكْرٍ (2) لِعُمَرَ وَ أَنَا أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعَ الْقَوْمُ كُفَّاراً، ثُمَّ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَبَايِعُوا عُثْمَانَ إِذَنْ لَا أَسْمَعُ وَ لَا أُطِيعُ (3).
51- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رَوَاهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضاً .. وَ سَاقَ قَوْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَنْ مُبَايَعَتِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ سَوَاءً، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي عُثْمَانَ: ثُمَّ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُبَايِعُوا عُثْمَانَ إِذَنْ لَا أَسْمَعُ وَ لَا أُطِيعُ، إِنَّ عُمَرَ جَعَلَنِي فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ أَنَا سَادِسُهُمْ لَا يَعْرِفُ لِي فَضْلًا فِي الصَّلَاحِ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ لِي، كَأَنَّمَا نَحْنُ فِيهِ شَرَعٌ سَوَاءٌ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لَتَكَلَّمْتُ ثُمَّ لَا يَسْتَطِيعُ عَرَبِيُّكُمْ وَ لَا عَجَمِيُّكُمْ وَ لَا الْمُعَاهِدُ مِنْكُمْ وَ لَا الْمُشْرِكُ رَدَّ خَصْلَةٍ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ:
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّهَا الْخَمْسَةُ أَ مِنْكُمْ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ غَيْرِي؟! قَالُوا: لَا .. (4).
، ثم ساق الحديث في ذكر مناقبه (عليه السلام) إلى آخر ما سيأتي في باب الشورى بأسانيد جمّة و طرق مختلفة.
ثم قال السيّد رضي اللَّه عنه: و من طرائف ما نقلوه في كتبهم المعتبرة برواية رؤسائهم من إظهار عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الكراهيّة من (5) تقدّم أبي بكر و عمر و عثمان في الخلافة، و أنّه كان أحقّ بها منهم بمحضر الخلق الكثير على المنابر و على رءوس الأشهاد ما (6) ذكره جماعة من أهل التواريخ و العلماء (7).
____________
(1) لا توجد: منه، في (س)، و المصدر كالمتن.
(2) كذا، و الظّاهر: بايع أبو بكر أيّ أخذ البيعة لعمر.
(3) الطّرائف: 411- 412.
(4) الطّرائف: 412.
(5) في المصدر: للتألّم من ..
(6) في (ك): و ما.
(7) الطرائف: 416.
636
52- وَ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْعِقْدِ (1)، وَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَوَائِلِ (2) فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَقِيبَ مُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ- وَ هِيَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا- فَقَالَ، بَعْدَ إِشَارَاتٍ ظَاهِرَةٍ وَ بَاطِنَةٍ إِلَى التَّأَلُّمِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ وَ مِمَّنْ وَافَقَهُمْ- مَا هَذَا لَفْظُهُ-: وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مِلْتُمْ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ مَيْلًا كَثِيراً كُنْتُمْ فِيهَا غَيْرَ مَحْمُودِينَ.
و قال ابن عبد ربّه: لم تكونوا فيها محمودين.،
أما إنّي لو أشاء أن أقول لقلت عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، سبق الرجلان و قام (3) الثالث كالغراب همّته بطنه، ويله! لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له، انظروا فإن أنكرتم فأنكروا و إن عرفتم فاعرفوا ..
ثُمَّ يَقُولُ فِي آخِرِهَا مَا هَذَا لَفْظُهُ- عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ كِتَابِ الْعِقْدِ-: أَلَا إِنَّ الْأَبْرَارَ مِنْ (4) عِتْرَتِي وَ أَطَايِبِ أَرُومَتِي أَحْلَمُ النَّاسِ صِغَاراً وَ أَعْلَمُهُمْ كِبَاراً، أَلَا وَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلِمْنَا، وَ بِحُكْمِ اللَّهِ حَكَمْنَا، وَ مِنْ قَوْلِ صَادِقٍ سَمِعْنَا، فَإِنْ تَتَّبِعُوا آثَارَنَا تَهْتَدُوا بِبَصَائِرِنَا، مَعَنَا رَايَةُ الْحَقِّ مَنْ تَبِعَهَا لَحِقَ وَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا غَرِقَ، أَلَا وَ بِنَا يُرَدُّ تِرَةُ (5) كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَ بِنَا تُخْلَعُ رِبْقَةُ الذُّلِّ مِنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَ بِنَا فُتِحَ، وَ بِنَا يُخْتَمُ (6).
أقول:: و ممّا يؤيّد شكايته (عليه السلام) عنهم ما سيأتي من سوء معاشرتهم له (عليه السلام) و سعيهم في إطفاء نوره و إضمار ذكره.
____________
(1) العقد الفريد 4- 66، في وسط خطبة.
(2) الأوائل- القسم الأوّل-: 290.
(3) في العقد: و نام.
(4) لا توجد: من، في المصدر.
(5) قال في القاموس 2- 152: الوتر- بالكسر و يفتح-: الذّحل .. كالترة. و في المصدر: بنا ترد ترة كلّ ..
(6) العقد الفريد 4- 66- 67 باختلاف يسير [دار الكتب العلمية- بيروت: 4- 157].
637
53- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْماً عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! لَقَدْ أَجْهَدَ هَذَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى نحلت [نَحَلَتْهُ (2) رِيَاءً.
قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟.
قَالَ عُمَرُ (3): الْأَجْلَحُ (4)- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام)-.
قُلْتُ: وَ مَا يَقْصِدُ بِالرِّيَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟.
قَالَ: يُرَشِّحُ (5) نَفْسَهُ بَيْنَ النَّاسِ لِلْخِلَافَةِ.
قُلْتُ: وَ مَا يَصْنَعُ بِالتَّرْشِيحِ؟! قَدْ رَشَّحَهُ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَصُرِفَتْ عَنْهُ.
قَالَ: إِنَّهُ كَانَ شَابّاً حَدَثاً فَاسْتَصْغَرَتِ الْعَرَبُ سِنَّهُ، وَ قَدْ كَمَلَ الْآنَ، أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ؟!.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَمَّا أَهْلُ الْحِجَى وَ النُّهَى فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَعُدُّونَهُ كَامِلًا مُنْذُ رَفَعَ اللَّهُ مَنَارَ الْإِسْلَامِ، وَ لَكِنَّهُمْ يَعُدُّونَهُ مَحْرُوماً مَحْدُوداً (6).
فَقَالَ (7): أَمَا إِنَّهُ سَيَلِيهَا بَعْدَ هِيَاطٍ وَ مِيَاطٍ، ثُمَّ تَزِلُّ فِيهَا قَدَمُهُ، وَ لَا يَقْضِي
____________
(1) في شرح النّهج 12- 80، بتصرف.
(2) في المصدر: نحلته.
(3) في المصدر: فقال: هذا ابن عمّك.
(4) الجلح: فوق النّزع، و هو انحسار الشّعر عن جانبي الرّأس، أوّله النّزع، ثمّ الجلح، ثمّ الصّلع، و قد جلح الرّجل- بالكسر- فهو أجلح: بين الجلح، ذكره في الصّحاح 1- 359. و لا يوجد في المصدر: الأجلح.
(5) قال في الصّحاح 1- 365: فلان يرشح للوزارة .. أيّ يربّى و يؤهّل لها.
(6) في المصدر: مجدودا. أقول: جدّدت الشّيء أجده- بالضّمّ- جدّا: قطعته، و ثوب جديد، و هو في معنى مجدود، و يراد به حين جدّه الحائك .. أيّ قطعه، قاله في الصّحاح 2- 454.
(7) في (ك): فقال له.
638
فِيهَا (1) إِرْبَهُ (2)، وَ لَتَكُونَنَّ شَاهِداً ذَلِكَ (3) يَا عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وَ يَعْلَمُ الْعَرَبُ صِحَّةَ رَأْيِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ صَرَفُوكَهَا عَنْهُ بَادِئَ بَدْءٍ، فَلَيْتَنِي أَرَاكُمْ بَعْدِي- يَا عَبْدَ اللَّهِ- إِنَّ الْحِرْصَ مُحَرَّمَةٌ، وَ إِنَّ الدُّنْيَا (4) كَظِلِّكَ كُلَّمَا هَمَمْتَ بِهِ ازْدَادَ عَنْكَ بُعْداً..
قَالَ: وَ نَقَلْتُ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَمَالِي مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ (5).
وَ رَوَى- أَيْضاً (6)- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ (7) فَانْفَرَدَ يَوْماً يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَشْكُو إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّكَ، سَأَلْتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعِي فَلَمْ يَفْعَلْ، وَ لَا أَزَالُ أَرَاهُ وَاجِداً، فَبِمَا (8) تَظُنُّ مَوْجِدَتَهُ (9)؟.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّكَ لَتَعْلَمُ.
قَالَ: أَظُنُّهُ لَا يَزَالُ كَئِيباً لِفَوْتِ الْخِلَافَةِ.
قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَرَادَ الْأَمْرَ لَهُ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (10) فَكَانَ مَا ذَا إِذَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِذَا أَرَادَ أمر [أَمْراً (11) وَ أَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، نَفَذَ مُرَادُ اللَّهِ وَ لَمْ يَنْفُذْ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ، أَ وَ كُلَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في المصدر: منها.
(2) الإرب: الحاجة، كما في الصّحاح 1- 87.
(3) لا توجد: ذلك، في (س).
(4) في المصدر: دنياك.
(5) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 81، بتصرف.
(6) شرح ابن أبي الحديد على النّهج 12- 78- 79، بتصرف، و فيه: و روى ابن عبّاس قال: ..
(7) في المصدر: في إحدى خرجاته.
(8) في المصدر: فيم ..
(9) في مطبوع البحار: بوجدته.
(10) في المصدر زيادة هنا: الأمر له ..
(11) كذا، و في شرح النّهج: أراد أمرا. و هو الصّحيح.
639
كَانَ؟! إِنَّهُ أَرَادَ إِسْلَامَ عَمِّهِ وَ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ فَلَمْ يُسْلِمْ!.
54- قَالَ (1): وَ قَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَ هُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَهُ لِلْأَمْرِ فِي مَرَضِهِ فَصَدَدْتُهُ عَنْهُ (2) خَوْفاً مِنَ الْفِتْنَةِ وَ انْتِشَارِ (3) أَمْرِ الْإِسْلَامِ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا فِي نَفْسِي وَ أَمْسَكَ، وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِمْضَاءَ مَا حُتِمَ.
أقول:: قد سبق و سيأتي في أخبار فدك و غيرها ما يؤيّد ذلك.
توضيح:
قوله (عليه السلام): وضعوا إنائي.
.. الظاهر: أكفئوا كما مرّ، و على تقديره لعلّ المعنى وضعوا عندهم للأكل أو ضيّعوه و حقّروه، و الأصوب: أصغوا- كما في بعض النسخ- .. أي أمالوه (4) لينصبّ ما فيه، و هذا مثل شائع.
قال الجوهري: أصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه، و أصغيت الإناء: أملته، يقال: فلان مصغى إناؤه: إذا نقص حقّه (5).
و قال في النهاية: الوطب: الزّق الّذي يكون (6) فيه السّمن و اللّبن .. و منه الحديث (7) و الأوطاب تمخض ليخرج (8) زبدها (9).
____________
(1) أيّ ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 12- 79.
(2) لا توجد: عنه، في (س).
(3) في (ك): انتثار، و ورد في حاشيتها ما يلي: نثرته نثرا- من باب قتل و ضرب- رميت به متفرّقا فانتثر.
مصباح.
انظر: المصباح المنير 2- 295.
(4) كما في مجمع البحرين 1- 263، و المصباح المنير 1- 466، و غيرها.
(5) الصحاح 6- 2401.
(6) لا توجد: يكون، في (س).
(7) في المصدر: حديث أم زرع.
(8) لا توجد في (س): ليخرج.
(9) النهاية 5- 203، و مثله في لسان العرب 1- 798.
640
و عتك: اللّبن- كضرب-: اشتدّت حموضته (1).
و الانتزاء: تسرّع الإنسان إلى الشّرّ، افتعال من النّزو، و هو الوثوب (2).
و السوقة- بالضّمّ-: الرّعيّة، و من دون الملك من النّاس (3)، و ما يظنّ أنّهم أهل الأسواق فهو وهم.
و قال الفيروزآبادي: ما زال في هياط و مياط- بكسرهما-: دنوّ و تباعد.
و قال: تهايطوا: اجتمعوا و أصلحوا أمرهم (4). و قال: المياط- ككتاب-: الدّفع و الزّجر و الميل و الإدبار، و أشدّ الشّوق (5) في الصّدر (6).
تذييل:
أقول:: لا يخفى على المنصف- بعد ما أوردناه من الأخبار.-
بطلان خلافة الغاصبين زائدا على ما قدّمناه، و لنوضّح ذلك بوجوه:
الأوّل:
إنّ الجمهور تمسّكوا في ذلك بما ادّعوه من الإجماع و اعترفوا بعدم النصّ، فإذا ثبت تألّمه و تظلّمه (عليه السلام) قبل البيعة و بعدها ثبت عدم انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر، و كيف يدّعي عاقل- بعد الإطّلاع على تظلّماته (عليه السلام) و إنكاره لخلافتهم قبل البيعة و بعدها- كونها على وجه الرضا دون الإجبار و الإكراه؟!.
الثاني:
إنّ إجباره (صلوات الله عليه و آله) على البيعة على الوجه الشنيع الذي رويناه من طريق المؤالف و المخالف و تهديده بالقتل، و تشبيهه (عليه السلام) بثعلب يشهد له ذنبه، و بأمّ طحال، و إسناد ملازمة كلّ فتنة إليه على رءوس الأشهاد و ..
____________
(1) جاء في القاموس 3- 312، و نظيره في لسان العرب 10- 464.
(2) ذكره في مجمع البحرين 1- 413، و القاموس 4- 395، و غيرهما.
(3) صرّح به في النهاية 2- 424، و لسان العرب 10- 170.
(4) القاموس 2- 393، و نحوه في لسان العرب 7- 424.
(5) في (ك): السوق.
(6) القاموس 2- 378، و مثله في لسان العرب 7- 409- 410.
641
غير ذلك من غصب حقّ فاطمة (عليها السلام) و ما جرى من المشاجرات بينه (عليه السلام) و بينهم كما مرّ و سيأتي، و أشباه ذلك إيذاء له (عليه السلام) و إعلان لبغضه و عداوته و شتم له.
و سيأتي (1) أخبار متواترة من طرق الخاصّ و العامّ تدلّ على كفر من سبّه و نفاق من أبغضه و عاداه، و أنّه عدوّ اللّه و عدوّ رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا ريب أنّ الهمّ بدفع أحد عن (2) مقامه اللّائق به و حطّه عن درجته و إتيان ما ينافي احترامه من أشنع المعاداة، مع أنّه قال عمر: إذن نضرب عنقك، و كذّبه (عليه السلام) في دعوى المؤاخاة ..
و لا ريب ذو مسكة من العقل في أنّ الكافر و المنافق و من يحذو حذوهما لا يصلحان لخلافة سيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله).
55- وَ قَدْ رَوَى فِي الْمِشْكَاةِ (3)- الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِهِمُ الْمُتَدَاوِلَةِ الْيَوْمَ- عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (4) قَالَ: قَالَ لِي (5) عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) (6) أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ (7).
56- وَ رَوَى- أَيْضاً (8)- بِأَسَانِيدَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا يُحِبُّ عَلِيّاً (عليه السلام) مُنَافِقٌ وَ لَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ.
____________
(1) كذا، و انظر: بحار الأنوار 39- 246- 332.
(2) في (س): من، بدلا من: عن.
(3) مشكاة المصابيح 3- 242 حديث 6079 [الأولى: 563]، و انظر لمزيد الاطّلاع: الغدير 3- 183.
(4) في (ك): زرين جيش، و هو سهو.
(5) لا توجد: لي، في المشكاة.
(6) في المشكاة: .. لعهد النّبيّ (ص) إليّ- بتقديم و تأخير-.
(7) جاء في (ك): منافق، بدلا من: كافر، على أنّه نسخة.
(8) في المشكاة 3- 245 حديث 6091 [الأولى: 564]، و انظر: الغدير 3- 185.
642
قَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ (1) وَ التِّرْمِذِيُ (2) عَنْهَا (3) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْضاً قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ سَبَّ عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَدْ سَبَّنِي (4).
، قال:
رواه أحمد (5).
57- وَ رَوَى ابْنُ شِيرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ- وَ هُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ مُحَدِّثِيهِمْ- فِي كِتَابِ الْفِرْدَوْسِ (6) فِي بَابِ الْمِيمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ سَبَّ عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَدْ سَبَّنِي وَ مَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ، وَ مَنْ سَبَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ نَارَ جَهَنَّمَ، وَ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
58- وَ عَنْ سَلْمَانَ (7)، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! مُحِبُّكَ مُحِبِّي وَ مُبْغِضُكَ مُبْغِضِي.
59- وَ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) (8)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! مَا يُبْغِضُكَ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا مُنَافِقٌ وَ مَنْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَ هِيَ حَائِضٌ.
60- وَ رَوَى أَيْضاً (9) فِي بَابِ الثَّاءِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَلَيْسَ مِنِّي وَ لَا أَنَا مِنْهُ: مَنْ أَبْغَضَ عَلِيّاً
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل 6- 292.
(2) سنن التّرمذيّ 5- 643 باب 21، كتاب المناقب، حديث 3736.
(3) أيّ عن أمّ سلمة أم المؤمنين.
(4) الرّواية جاءت بمضامين مختلفة و أسانيد متظافرة، انظرها في الغدير 10- 371 و ما بعدها، و غيره.
(5) مسند أحمد بن حنبل 6- 323.
(6) الفردوس 5- 410 حديث 8319 [5- 319، حديث 8313] و لاحظ ذيل الحديث و ما يتلوه، و قد حكاه في الغدير 2- 300، و 10- 279 باختلاف و جملة أسانيد، فلاحظ. و راجع مستدرك الحاكم 3- 121، و الجامع الصّغير للسّيوطيّ 2- 608، حديث 8736.
(7) الفردوس 3- 542، حديث 5689 [و لم نجده في الطّبعة الأخرى للفردوس]، و انظر ذيل 542 حيث ذكر له مصادر جمّة.
(8) كما في الفردوس 5- 316، حديث 8304 [طبعة أخرى: 5- 408، حديث 83313].
(9) في الفردوس 2- 85، حديث 2459 [طبعة أخرى 2- 134، حديث 2278]، و انظر: كنز العمّال 11- 623، حديث 33031، و ما يتلوه من الأحاديث كلّها في هذا الباب.
643
وَ نَصَبَ لِأَهْلِ بَيْتِي، وَ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ كَلَامٌ.
61- وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1)، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (2)، قَالَ: إِنَّا (3) كُنَّا لَنَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ- نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْصَارِ- بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)]،.
قال: أخرجه الترمذي (4).
62- وَ عَنْ (5) أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ (6): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا يُحِبُّ عَلِيّاً [(عليه السلام)] مُنَافِقٌ وَ لَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ.
، قال: أخرجه الترمذي (7).
وَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (8)، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً [(عليه السلام)] يَقُولُ: وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ (9).
قال: أخرجه مسلم (10) و الترمذي (11) و النسائي (12).
____________
(1) جامع الأصول 8- 656، حديث 6499.
(2) كذا، و الصّحيح: أم سلمة، كما في المصدر، و هي رواية للرّواية التّالية الّتي رواها المصنّف- طاب ثراه- عن أبي سعيد، و قد وقع هنا خلط بين السندين، فراجع.
(3) في المصدر: أنّ، بدلا من: إنّا.
(4) صحيح الترمذي في كتاب المناقب منه 5- 635، حديث 3718 باب 21، و قد ذكر له العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 3- 182 جملة مصادر.
(5) جامع الأصول 8- 656، حديث 6498، و انظر بقيّة روايات الباب، و هناك جملة من المصادر جاءت في الغدير 9- 267.
(6) في المصدر: أم سلمة- رضي اللّه عنها- قالت .. كما مرّ في تعليقة رقم (2).
(7) صحيح الترمذي 5- 635، حديث 3719، باب 21، كتاب المناقب، و انظر ما سبقها و ما يلحقها من الروايات.
(8) في جامع الأصول: زر بن حبيس- بالسّين المهملة-.
(9) جامع الأصول 8- 656، حديث 6500.
(10) صحيح مسلم 1- 86، حديث 78 و 131، كتاب الإيمان، باب 33.
(11) صحيح الترمذي 5- 643، حديث 3737، من كتاب المناقب.
(12) سنن النسائي 8- 117، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، و ذكرها و غيرها العلّامة الأميني في غديره 3- 183 و غيره.
644
63- وَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (1)- وَ هُوَ مِنْ كُتُبِهِمُ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُتَدَاوِلَةِ الَّتِي عَلَيْهَا اعْتِمَادُهُمْ- رَوَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) (2): لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ (3).
64- قَالَ (4): وَ كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَقُولُ: وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ (5).
65- وَ قَالَ (6): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَبْغَضَ عَلِيّاً فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَ مَنْ آذَى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ (7).
66- وَ قَالَ (8): رَوَى عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ (9)، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا بِبُغْضِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (10).
، ثم قال- بعد ذكر أخبار كثيرة
____________
(1) الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 3- 37.
(2) في المصدر: الترضية، بدلا من التّسليم.
(3) جاء في مصادر جمّة، كما في كنز العمّال 11- 598، حديث 32878، و صفحة: 622 من ذلك المجلّد، حديث 33028، و صحيح التّرمذيّ 5- 643، حديث 3736، و لاحظ بقيّة روايات الباب، و مجمع الزّوائد 9- 133، و ما سبقها و يلحقها من روايات، و حلية الأولياء 1- 98 و 4- 95 و 7- 195 في فضائل عليّ (عليه السلام)، و انظر مصادر أخرى في الغدير 10- 278 و غيره.
(4) ابن عبد البرّ في الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 3- 37.
(5) و انظر: صحيح البخاريّ 5- 22، باب مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و صحيح مسلم 4- 1870، حديث 2404، و كتاب 44، باب 4، حديث 30 و ما بعده، و صحيح التّرمذيّ 5- 632، حديث 3712 و ما يليه، و سنن سعيد بن منصور 2- 178، حديث 2472.
(6) الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 3- 46.
(7) و جاء بهذا المضمون في الجامع الصّغير للسّيوطيّ 2- 554، حديث 8319، و ذكر له في الغدير 3- 35 مصادر أخّر.
(8) في الاستيعاب 3- 46 المطبوع على هامش الإصابة.
(9) في المصدر: روى عمّار الذهبي، عن ابن الزّبير.
(10) و صرّح به في مجمع الزّوائد 9- 132، و مستدرك الحاكم 3- 129، و لاحظ ما بعده من الرّوايات، و فصلّها و مصادرها في الغدير 3- 183.
645
أخرى في فضائله (عليه السلام)-: و لهذه الأخبار طرق صحاح قد ذكرناها في موضعها (1).
67- رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (2)، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَلْخِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِ اتَّفَقَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا رَيْبَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فِيهَا أَنَ (3) النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) (4): لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ وَ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ (5).
أقول:: سنورد في المجلد التاسع في أبواب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) و مناقبه (6) تلك الأخبار و غيرها ممّا يدلّ على ما نحن بصدده من طريق الخاصّة و العامّة، و إنّما أوردت هاهنا قليلا منها من كتبهم المعتبرة المتداولة لئلّا يحتاج الناظر في هذا المجلد إلى الرجوع إلى غيره، و كفى في ذلك
- مِمَّا (7) ذَكَرُوهُ مُتَوَاتِراً عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ (8)
. الثالث:
إنّه (عليه السلام) صرّح في كثير من الروايات السالفة بأنّ الخلافة
____________
(1) قال في الاستيعاب المطبوع بهامش الإصابة 3- 51: .. و فضائله لا يحيط بها كتاب، و قد أكثر الناس في جمعها، و قال قبل ذلك: 48: .. و خطبه و مواعظه و وصاياه لعمّاله- إذا كان يخرجهم إلى أعماله- كثيرة مشهورة لم أر التعرض لذكرها لئلّا يطول الكتاب .. و هي حسان كلّها .. إلى آخره.
(2) شرح النّهج 4- 83 بتصرف.
(3) في المصدر: لا ريب فيها عند المحدّثين على أنّ ..
(4) لا توجد: لعليّ (عليه السلام)، في شرح النّهج، و لكنّ السّياق دالّ عليه.
(5) انظر: الغدير 10- 278، و قال في النّهاية 1- 161: و فيه: أنّ داود سأل سليمان (عليهما السلام) و يبتار علمه .. أيّ يختبره و يمتحنه، و منه الحديث: كنّا نبور أولادنا بحبّ عليّ رضي اللّه عنه.
(6) بحار الأنوار 37- 290- إلى آخر المجلد-، و المجلد الثامن و الثلاثون طرا.
(7) إن مادّة الكفاية تستعمل بالباء كقوله تعالى: «كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً»*، و تستعمل ب: من، كقولهم:
كفاك من رجل .. أيّ حسبك، لاحظ القاموس 4- 383.
(8) و انظر كنز العمّال 13- 104، حديث 36340 و ما يتلوه من أحاديث، و قد مرّت مصادر حديث الغدير مفصّلا، و ذكر بعضها العلّامة الأمينيّ في الغدير 1- 186، 193، 204، و 3- 25، فراجع.
646
كانت حقّا له، و إنّه كان مظلوما فيها، فلو كان (عليه السلام) يرى إمامتهم حقّا و خلافتهم صحيحة و مع ذلك يتألّم و يتظلّم و يقول إنّما طلبت حقّا لي و أنتم تحولون بيني و بينه، و يصرّح بأنّه لو كان له أعوان لقاتلهم و لم يقعد عن طلب حقّه، لزمه إنكار الحقّ و الردّ على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و الحسد (1) عليهم ب ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، و الجمهور- مع علوّ درجتهم في النصب- لا يمكنهم التزام ذلك، فبعد ثبوت التألّم و التظلّم لا تبقى لأحد شبهة في أنّه (عليه السلام) كان معتقدا لبطلان خلافتهم، و قد تواترت الأخبار بيننا و بينهم في أنّه (عليه السلام) لم يفارق الحقّ و لم يفارقه- كما سيأتي في أبواب فضائله (عليه السلام) (2)- و قد اعترف ابن أبي الحديد (3) و غيره بصحّة هذا الخبر بل تواتره.
و قَالَ الشَّهْرَسْتَانِيُ (4) فِي جَوَابِ اسْتِدْلَالِ الْعَلَّامَةِ (رحمه الله)
- بِقَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ مَا دَارَ (5) ..
و غيره ممّا سبق ما هذا لفظه: إنّ هذا شيء لا يرتاب فيه حتى يحتاج إلى دليل.
و حديث الثقلين أيضا متواتر كما ستعرف في بابه (6)، و هو كاف في هذا الباب.
و هل كان غصبهم الخلافة و صرفها عن أهل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) لعلّها تقرأ في (س): الحقد.
(2) بحار الأنوار 38- 26- 40.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 2- 297.
(4) شرح كشف الحقّ:.
(5) نهج الحقّ و كشف الصّدق 1- 224، و عد له مصادر في الغدير 10- 48.
و قال الشّهرستانيّ في الملل و النّحل: 27: .. و بالجملة كان عليّ رضي اللّه عنه مع الحقّ و الحقّ معه.
و انظر: أسد الغابة 4- 20، السّيرة النّبويّة لابن هشام 2- 100، تاريخ الطّبريّ 2- 197، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 561 و 3- 236، الفصول المهمّة: 38، و غيرها.
(6) بحار الأنوار 23- 104- 166، و 5- 68، و انظر: إحقاق الحقّ 4- 436- 443، 6- 341 344، و 7- 472، و 9- 309- 375، و غيرها.
647
قبل دفنه، و همّهم بإحراق بيتهم، و سوقهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) بأعنف العنف إلى البيعة، و تكذيبه في شهادته، و دعوى المؤاخاة، و تهديده بالقتل و إيذاءه في جميع المواطن، و غصب حقّ فاطمة (عليها السلام) و تكذيبها و قتل ولدها، و قتل الحسن و الحسين (صلوات الله عليهما) .. من مقتضيات وصيّة نبيّهم (صلّى اللّه عليه و آله) فيهم؟!!.
و لعمري ما أظنّ عاقلا يرتاب بعد التأمّل فيما جرى في ذلك الزمان في أنّ القول بخلافتهم و خلافته (عليه السلام) متناقضان، و كيف يرضى عاقل بإمامة إمامين يحكم كلّ منهما بضلال الآخر؟!.
وَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (1): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: أَيُّهَا النَّاسُ! بَايِعُوا خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ بَاتَ لَيْلَةً بِغَيْرِ إِمَامٍ كَانَ عَاصِياً، و لا ريب في تخلّفه (عليه السلام) عن بيعتهم مدّة طويلة كما عرفت.
حكاية ظريفة تناسب المقام:
رَوَى فِي كِتَابِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (2) وَ غَيْرِهِ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ قَالَ يَوْماً عَلَى مِنْبَرِهِ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَسَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَمَّا رُوِيَ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) سَارَ فِي لَيْلَةٍ إِلَى سَلْمَانَ فَجَهَّزَهُ وَ رَجَعَ؟ فَقَالَ: رُوِيَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَعُثْمَانُ ثَمَ (3) ثَلَاثَةَ أَيَّامِ مَنْبُوذاً فِي الْمَزَابِلِ (4) وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) حَاضِرٌ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَقَدْ لَزِمَ الْخَطَأُ لِأَحَدِهِمَا. فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ خَرَجْتِ مِنْ بَيْتِكِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِكِ (5) فَعَلَيْكِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَ إِلَّا فَعَلَيْهِ. فَقَالَتْ: خَرَجَتْ عَائِشَةُ إِلَى حَرْبِ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِإِذْنِ النَّبِيِ
____________
(1) بحثنا في تاريخ الطّبريّ أكثر من مرّة و في غالب الموارد المحتملة و في عدّة طبعات فلم نجدها، فلاحظ.
(2) الصّراط المستقيم 1- 218، الباب السّابع، الفصل التّاسع عشر.
(3) في المصدر: تمّ، و المعنى واحد.
(4) في الصّراط المستقيم: مزابل البقيع.
(5) في المصدر: بعلك، بدلا من: زوجك.
648
(صلّى اللّه عليه و آله) أَوْ لَا؟ فَانْقَطَعَ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً.
حكاية أخرى:
قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (1): حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عَالِيَةَ (2)، قَالَ: كُنْتُ حَاضِراً عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنْبَلِيِّ الْفَقِيهِ- وَ كَانَ مُقَدَّمَ الْحَنَابِلَةِ بِبَغْدَادَ (3)- إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ قَدْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَانْحَدَرَ إِلَيْهِ يُطَالِبُهُ فِيهِ (4)، وَ اتَّفَقَ أَنْ حَضَرَ يَوْمَ زِيَارَةِ الْغَدِيرِ (5)- وَ الْحَنْبَلِيُّ الْمَذْكُورُ بِالْكُوفَةِ (6)- وَ يَجْتَمِعُ بِمَشْهَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنَ الْخَلَائِقِ جُمُوعٌ عَظِيمَةٌ تَتَجَاوَزُ حَدَّ الْإِحْصَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَالِيَةَ: فَجَعَلَ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ يُسَائِلُ ذَلِكَ الرَّجُلَ مَا فَعَلْتَ ..؟
مَا رَأَيْتَ ..؟ هَلْ وَصَلَ مَالُكَ إِلَيْكَ ..؟ هَلْ بَقِيَ (7) مِنْهُ بَقِيَّةٌ عِنْدَ غَرِيمِكَ ..؟
وَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يُجَاوِبُهُ، حَتَّى قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي لَوْ شَاهَدْتَ يَوْمَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ الْغَدِيرِ، وَ مَا يَجْرِي عِنْدَ قَبْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْفَضَائِحِ وَ الْأَقْوَالِ الشَّنِيعَةِ، وَ سَبِّ الصَّحَابَةِ جِهَاراً (8) مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ وَ لَا خِيفَةٍ.
فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: أَيُّ ذَنْبٍ لَهُمْ، وَ اللَّهِ مَا جَرَّأَهُمْ (9) عَلَى ذَلِكَ وَ لَا فَتَحَ لَهُمْ هَذَا الْبَابَ إِلَّا صَاحِبُ ذَلِكَ الْقَبْرِ. فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: وَ مَنْ هُوَ صَاحِبُ الْقَبْرِ؟.
____________
(1) في شرح النّهج 9- 307- 309، باختصار و اختلاف.
(2) في المصدر زيادة: من ساكن قطفتا بالجانب الغربيّ من بغداد، و أحد الشّهود المعدّلين بها.
(3) في شرح النّهج: المعروف بغلام بن المنى، و كان الفخر إسماعيل بن عليّ مقدّم الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف .. و هناك سقط كثير.
(4) في المصدر: يطالبه به، و هي نسخة على (ك).
(5) في المصدر: إن حضرت زيارة يوم الغدير.
(6) في النّهج زيادة: و هذه الزّيارة هي اليوم الثّامن عشر من ذي الحجّة.
(7) لا توجد: بقي، في (س). و في المصدر: هل بقي لك منه.
(8) في المصدر: جهارا بأصوات مرتفعة.
(9) في (ك): جزاهم، و لا معنى لها.
649
قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: يَا سَيِّدِي! هُوَ الَّذِي سَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ وَ عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ وَ طَرَّقَهُمْ إِلَيْهِ؟!. قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّهِ. قَالَ: يَا سَيِّدِي! فَإِنْ كَانَ مُحِقّاً فَمَا لَنَا نَتَوَلَّى فُلَاناً وَ فُلَاناً، وَ إِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَمَا لَنَا نَتَوَلَّاهُ! يَنْبَغِي أَنْ نَبْرَأَ إِمَّا مِنْهُ أَوْ مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ عَالِيَةَ: فَقَامَ إِسْمَاعِيلُ مُسْرِعاً فَلَبِسَ نَعْلَيْهِ وَ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ الْفَاعِلَ بْنَ الْفَاعِلِ (1) إِنْ كَانَ يَعْرِفُ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَ دَخَلَ دَارَ حَرَمِهِ، وَ قُمْنَا نَحْنُ فَانْصَرَفْنَا.
الرابع:
أنّ إيذاءه و غصب حقّه (عليه السلام) على الوجه الذي يكشف تظّلماته عنه لا ريب في أنّه تخلّف عن أهل البيت الذين أذهب اللّه (2) عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و الروايات من الجانبين متواطئة على أنّ المتخلّف عنهم هالك (3)، و أنّهم سفينة النجاة، (4) و سيأتي في بابه نقلا من كتبهم المعتبرة كالمشكاة و فضائل السمعاني و غيرهما.
68- وَ قَالَ الْعَلَّامَةُ (قدّس سرّه) فِي كَشْفِ الْحَقِ (5): رَوَى الزَّمَخْشَرِيُ (6) وَ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عِنَاداً لِأَهْلِ الْبَيْتِ (ع) وَ هُوَ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ (7): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): فَاطِمَةُ مُهْجَةُ قَلْبِي وَ ابْنَاهَا ثَمَرَةُ فُؤَادِي، وَ بَعْلُهَا نُورُ بَصَرِي، وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِهَا أُمَنَاءُ رَبِّي، وَ حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ، مَنِ اعْتَصَمَ بِهِمْ نَجَا، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ هَوَى (8)..
____________
(1) لا توجد في شرح النّهج: بن الفاعل.
(2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س).
(3) بحار الأنوار 10- 101 و 104، و 23- 104- 166 باب 7.
(4) بحار الأنوار 77- 276، و قد تقدّم في المجلد الثالث و العشرين باب 7: 104- 106.
(5) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 227.
(6) في مناقبه: 213، و هو مخطوط.
(7) في المصدر: قال بإسناده- بتقديم و تأخير-.
(8) نقل الحديث عن جملة مصادر من عدّة من أئمّتهم في إحقاق الحقّ 4- 288 و 9- 198، و جاء في ينابيع المودّة: 82، و مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزميّ: 59، و غيرها.
650
تتميم:
ينبغي أن يعلم أنّ من أقوى الحجج على خلفائهم الثلاثة إنكار أئمّتنا (عليهم السلام) لهم، و قولهم فيهم بأنّهم على الباطل، لاعتراف جمهور علماء أهل الخلاف بفضلهم و علوّ درجتهم، و لو وجدوا سبيلا إلى القدح فيهم و الطعن عليهم لسارعوا إلى ذلك مكافاة الطعن (1) الشيعة في أئمّتهم، و ذلك من فضل اللّه تعالى على أئمّتنا (صلوات الله عليهم)، حيث أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، حتى أنّ الناصب المعاند اللغوي الشهرستاني قال في مفتتح شرح كتاب كشف الحق (2) بعد ما بالغ في ذمّ المصنّف (قدس الله روحه)-: و من الغرائب أنّ ذلك الرجل و أمثاله ينسبون مذهبهم إلى الأئمّة الاثني عشر (رضوان اللّه عليهم أجمعين) و هم صدور إيوان الاصطفاء، و بدور سماء الاجتباء، و مفاتيح أبواب الكرم، و مجاريح (3) هواطل (4) النعم، و ليوث غياض (5) البسالة، و غيوث رياض الأيالة (6)، و سبّاق مضامير السماحة، و خزّان نفوذ (7) الرجاحة، و الأعلام الشوامخ في الإرشاد و الهداية، و الجبال الرواسخ في الفهم و الدراية ..
____________
(1) كذا، و الظاهر: لطعن ..
(2) كما حكاه في إحقاق الحقّ 1- 27- 28، ثمّ أجابه (قدّس سرّه) بما لا مزيد عليه.
(3) في الإحقاق: مجاديح.
أقول: المجاديح .. جمع المجداح، و مجاديح السماء: أنواؤها، كما في القاموس 1- 217، و في الصحاح 1- 358: و المجدح- أيضا- نجم يقال له الدبران، لأنّه يطلع آخرا، و يسمى: حادي النجوم، و انظر: القاموس مادّة (جدح) 6- 335- دار الهداية- فقد فصّل في معناه و الأوّل أولى.
(4) الهطل: تتابع المطر كما في القاموس 4- 69، و الصحاح 5- 1850، و جمعه: الهواطل.
(5) قال في مجمع البحرين 4- 220: الغيضة: الأجمة، و هي مغيض ماء يجتمع فيه الشجر، و الجمع:
غياض و أغياض.
(6) الأيالة: السياسة، كما في مجمع البحرين 5- 315.
(7) في (ك): نقود.
651
ثم ذكر (1). أبياتا أنشدها في مدحهم، ثم ذكر أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يثنون على الصحابة، و استشهد برواية نقلها من كتاب كشف الغمّة، و زعم أنّ الباقر (عليه السلام) سمى فيها أبا بكر: صدّيقا (2).
69- وَ قَالَ صَاحِبُ إِحْقَاقِ الْحَقِّ (رحمه الله تعالى): إِنَّ الْحِكَايَةَ عَنْ كَشْفِ الْغُمَّةِ افْتِرَاءٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَ لَيْسَ فِيهِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَيْنٌ وَ لَا أَثَرٌ .. (3).
- ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ قَوْلَ الصَّادِقِ (عليه السلام): وَلَدَنِي أَبُو بَكْرٍ مَرَّتَيْنِ (4).
، وَ زَادَ فِيهِ لَفْظاً: الصِّدِّيقَ.
____________
(1) شرح كتاب كشف الحقّ. و نقله عنه في إحقاق الحقّ 1- 27- 29، و الأبيات هي:
شمّ المعاطس من أولاد فاطمة* * * علوا رواسي طود العزّ و الشرف
فاقوا العرانين في نشر الندى كرما* * * بسمح كفّ خلا من هجنة السرف
تلقاهم في غداة الروح إذ رجفت* * * أكتاف أكفائهم من رهبة التلف
مثل الليوث إلى الأهوال سارعة* * * حماسة النفس لا ميلا إلى الصلف
بنو عليّ وصيّ المصطفى حقّا* * * أخلاف صدق نموا من أشرف السلف
و لا نطيل بشرح الأبيات، فراجعها في مظانّها.
(2) هو ما ذكره في كشف الغمّة 2- 360، عن ابن الجوزي، و الرواية عاميّة، و قد رويت عن عروة ابن عبد اللّه- و هو مهمل رجاليّا- قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) عن حلية السيوف، فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه، قلت: فتقول الصدّيق؟! قال: فوثب وثبة و استقبل القبلة و قال: نعم الصدّيق، نعم الصدّيق، نعم الصدّيق، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق اللّه له قولا في الدنيا و لا في الآخرة!!.
و هي كما ترى قاصرة سندا و دلالة و إسنادا، و لا نعلم كيف أنكرها صاحب إحقاق الحقّ، و لعلّه افتراء في النسبة إلى صاحب كشف الغمّة. و انظر إحقاق الحقّ 1- 27- 29.
(3) قال في إحقاق الحقّ 1- 64 ما نصّه: و أمّا ما ذكر- من أنّ ما ذكر صاحب كتاب كشف الغمّة فيه إنّما ذكره نقلا عن كتب الشّيعة لا عن كتب السّنّة- فهو أوّل أكاذيبه الصّريحة، و مفترياته الفضيحة الّتي حاول بها ترويج مذهبه الفاسد، و تصحيح مطلبه الكاسد: «و من أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا ليضلّ النّاس بغير علم إن اللّه لا يهدي القوم الظّالمين».
(4) قال في كشف الغمّة 2- 378 نقلا عن الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذيّ- و هو من أعلام العامّة- قال في ترجمة الإمام الصّادق (عليه السلام): .. و أمّه أمّ فروة، و اسمها: قريبة بنت القاسم ابن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق، و أمّها: أسماء بنت عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق، و لذلك قال جعفر (عليه السلام): و لقد ولدني أبو بكر مرّتين. و انظر: إحقاق الحقّ 1- 64 و 66- 67. فلفظ الصّدّيق من الحافظ لا الصّادق (عليه السلام).
652
و لا يرتاب عاقل في أنّ القول بأنّ أئمّتنا (سلام اللّه عليهم) كانوا يرون خلافتهم حقّا من الخرافات الواهية التي لا يقبلها و لا يصغي إليها من له أدنى حظّ من العقل و الإنصاف، و لو أمكن القول بذلك لأمكن إنكار جميع المتواترات و الضروريات، و لجاز لليهودي أن يدّعي أنّ عيسى (عليه السلام) لم يدع النبوّة بل كان يأمر الناس بالتهوّد، و للنصرانيّ أن يقول مثل ذلك في نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله)، و بعد ثبوت كون أهل البيت (عليهم السلام) ذاهبين إلى بطلان خلافتهم، و إلى أنّهم كانوا ضالّين مضلّين، ثبت بطلان خلافتهم بالإجماع منّا و من الجمهور، إذ لم يقل أحد من الفريقين بضلال أهل البيت (عليهم السلام) سيّما في مسألة الإمامة، و إذا ثبت بطلانهم ثبت خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإجماع أيضا منّا و منهم، بل باتّفاق جميع المسلمين.
و أمّا ما حكي من القول بخلافة العباس فقد صرّح جماعة من أهل السير بأنّه ممّا وضعه الجاحظ تقرّبا إلى العباسيّين و لم يقل به أحد قبل زمانهم، و مع ذلك فقد انقرض القائلون به و لم يبق منهم أحد، فتحقّق الإجماع على ما ادّعيناه بعدهم.
و يدلّ على بطلانه- أيضا- ما وعده اللّه على لسان رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من بقاء الحقّ إلى يوم الدين (1)، كما هو المسلّم بيننا و بين المخالفين.
____________
(1) في قوله عزّ اسمه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» الحجر: 9.
653
الفهرس
الموضوع/ الصفحه
الباب الخامس احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر و غيره في أمر البيعة 3
الباب السادس منازعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) العباس في الميراث 67
الباب السابع نوادر الاحتجاج على أبي بكر 77
الباب الثامن احتجاج سلمان و أبيّ بن كعب و غيرهما على القوم 79
الباب التاسع ما كتب أبو بكر إلى جماعة يدعوهم إلى البيعة و فيه بعض أحوال أبي قحافة 91
الباب العاشر إقرار أبي بكر بفضل أمير المؤمنين و خلافته بعد الغصب 99
الباب الحادي العشر نزول الآيات في أمر فدك و قصصه و جوامع الاحتجاج فيه و فيه قصّة خالد و عزمه على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمر المنافقين 105
فصل: نورد فيه خطبة خطبتهاسيّدة النساء فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها) احتجّت بها على من غصب فدك منها. 215
فصل: في الكلام على ما يستفاد من أخبار الباب و التنبيه على ما ينتفع به طالب الحقّ و الصواب و هو مشتمل على فوائد 335
الأولى: في عصمة الزهراء (سلام اللّه عليها) 335
الثانية: أنّها (سلام اللّه عليها) محقّة في دعوى فدك 342
الثالثة: فدك نحلة للزهراء (عليها السلام) ظلمت بمنعها 346
الرابعة: بطلان دعوى أبي بكر من عدم توريث الأنبياء 351
الباب الثاني عشر العلّة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما الباب الثالث عشر علّة قعوده (عليه السلام) عن قتال من تأمّر عليه من الأوّلين، و قيامه إلى قتال من بغى عليه من الناكثين و القاسطين و المارقين، و علّة إمهال اللّه من تقدّم عليه، و فيه علّة قيام من قام من سائر الأئمّة و قعود من قعد منهم (عليهم السلام). 417
654
الباب الرابع عشر العلّة التي من أجلها ترك الناس عليّا (عليه السلام) 479
الباب الخامس عشر شكاية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عمّن تقدّمه من المتغلّبين الغاصبين 497
الخطبة الشقشقية 499
شكايته من الغاصبين 549
حكاية ظريفة تناسب المقام 647
حكاية أخرى 648
تتميم 650
الفهرس 653
656
عن الصادق (عليه السلام) قال من جالس لنا عائبا أو مدح لنا قاليا أو واصل لنا قاطعا أو قطع لنا واصلا أو والى لنا عدوا أو عادى لنا وليا فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني و القرآن العظيم
بحار الأنوار 27/ 52- 53 حديث (4) و صفحة 55/ باب 13- حديث (7) و أمالي الشيخ الصدوق 34- 35
