بحار الأنوار
الجزء الثلاثون
تأليف
العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

5
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (عليه السلام) ..... فِي حَدِيثٍ:
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! إِنِّي عَاجِزٌ بِبَدَنِي عَنْ نُصْرَتِكُمْ وَ لَسْتُ أَمْلِكُ إِلَّا الْبَرَاءَةَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَ اللَّعْنَ [عَلَيْهِمْ]، فَكَيْفَ حَالِي؟
فَقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلوات الله عليهم) أَنَّهُ قَالَ:
مَنْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلَعَنَ فِي خَلَوَاتِهِ أَعْدَاءَنَا بَلَّغَ اللَّهُ صَوْتَهُ جَمِيعَ الْأَمْلَاكِ مِنَ الثَّرَى إِلَى الْعَرْشِ، فَكُلَّمَا لَعَنَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْدَاءَنَا لَعْناً سَاعَدُوهُ وَ لَعَنُوا مَنْ يَلْعَنُهُ ثُمَّ ثَنَّوْا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَبْدِكَ هَذَا الَّذِي قَدْ بَذَلَ مَا فِي وُسْعِهِ وَ لَوْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ لَفَعَلَ، فَإِذَا النِّدَاءُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكُمْ وَ سَمِعْتُ نِدَاءَكُمْ، وَ صَلَّيْتُ عَلَى رُوحِهِ فِي الْأَرْوَاحِ، وَ جَعَلْتُهُ عِنْدِي مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ.
بحار الأنوار: 27- 222- 223 حديث 11 تفسير الإمام العسكري (ع): 16 و 17
7
تتمة كتاب الفتن و المحن
[16] باب آخر فيما كتب (عليه السلام) إلى أصحابه في ذلك تصريحا و تلويحا
1- قَالَ السَّيِّدُ ابْنُ طَاوُسٍ (رحمه الله) فِي كِتَابِ كَشْفِ الْمَحَجَّةِ لِثَمَرَةِ الْمُهْجَةِ (1): قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كِتَاباً بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ النَّهْرَوَانِ وَ أَمَرَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، وَ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ، فَغَضِبَ (عليه السلام) وَ قَالَ: قَدْ تَفَرَّغْتُمْ لِلسُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِيكُمْ، وَ هَذِهِ مِصْرُ قَدِ انْفَتَحَتْ، وَ قَتَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا مُصِيبَتِي بِمُحَمَّدٍ! فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَبَعْضِ بَنِيَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ! بَيْنَا نَحْنُ نَرْجُو أَنْ نَغْلِبَ الْقَوْمَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ إِذْ غَلَبُونَا عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا، وَ أَنَا كَاتِبٌ لَكُمْ كِتَاباً فِيهِ تَصْرِيحُ مَا سَأَلْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَدَعَا كَاتِبَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ فَقَالَ لَهُ: أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً مِنْ ثِقَاتِي، فَقَالَ: سَمِّهِمْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَدْخِلْ أَصْبَغَ بْنَ نُبَاتَةَ وَ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ
____________
(1) كشف المحجّة لثمرة المهجة: 173- 189- طبعة النّجف- باختلاف يسير. [235- 269 مركز النّشر].
6
عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام): مَنْ خَالَفَكُمْ وَ إِنْ عَبَدَ وَ اجْتَهَدَ مَنْسُوبٌ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً.
تفسير القمي: 723 بحار الأنوار: 8- 356 روضة الكافي: 160.
ثواب الأعمال: 200.
8
بْنَ وَاثِلَةَ (1) الْكِنَانِيَّ، وَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ الْأَسَدِيَّ، وَ جُوَيْرِيَةَ (2) بْنَ مُسْهِرٍ الْعَبْدِيَّ، وَ خَنْدَقَ (3) بْنَ زُهَيْرٍ الْأَسَدِيَّ، وَ حَارِثَةَ بْنَ مُضَرِّبٍ (4) الْهَمْدَانِيَّ، وَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرَ الْهَمْدَانِيَّ، وَ مَصَابِيحَ (5) النَّخَعِيَّ، وَ (6) عَلْقَمَةَ بْنَ قَيْسٍ، وَ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَ عُمَيْرَ بْنَ زُرَارَةَ، فَدَخَلُوا إِلَيْهِ (7)، فَقَالَ لَهُمْ: خُذُوا هَذَا الْكِتَابَ وَ لْيَقْرَأْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَ أَنْتُمْ شُهُودٌ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ عَلَيْكُمْ فَأَنْصِفُوهُ بِكِتَابِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (8) وَ هُوَ اسْمٌ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَ أَنْتُمْ شِيعَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا أَنَّ مِنْ شِيعَتِهِ إِبْرَاهِيمَ (9) اسْمٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، وَ أَمْرٌ غَيْرُ مُبْتَدَعٍ، وَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَ اللَّهُ هُوَ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ بِعَدْلِهِ، بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ حَالٍ، يغذوا [يَغْذُو أَحَدُكُمْ كَلْبَهُ (10)، وَ يَقْتُلُ وَلَدَهُ، وَ يُغِيرُ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَرْجِعُ وَ قَدْ أُغِيرَ عَلَيْهِ، تَأْكُلُونَ الْعِلْهِزَ وَ الْهَبِيدَ (11) وَ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ، مُنِيخُونَ (12) عَلَى أَحْجَارٍ خَشِنٍ وَ أَوْثَانٍ مُضِلَّةٍ، تَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْجَشِبَ، وَ تَشْرَبُونَ
____________
(1) في المصدر: وائلة.
(2) في (ك): حويرية.
(3) في المصدر: خندف.
(4) في (ك): مضراب.
(5) في المصدر: مصباح و هو خلاف الظّاهر، فراجع.
(6) شطب على الواو في (ك)، و هو الظّاهر. انظر: تنقيح المقال 2- 259.
(7) في كشف المحجّة: عليه، بدلا من: إليه.
(8) الصّافّات: 83.
(9) في المصدر: كما أنّ محمّدا من شيعة إبراهيم.
(10) في (س): كلية. و في المصدر: يغدوا أحدكم كلبه.
(11) في المصدر: الهبيدة، و سيذكرهما المصنّف في بيانه.
(12) قال في القاموس 1- 272: تنوّخ الجمل النّاقة: أبركها للسّفاد. كأناخها فاستناخت، و تنوّخت. أي يجعلون أنفسهم خاضعين على أحجار خشن و أوثان مضلّة، كناية عن عبادتهم للأصنام و الأوثان.
9
الْمَاءَ الْآجِنَ، تُسَافِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَ يَسْبِي بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَ قَدْ خَصَّ اللَّهُ قُرَيْشاً بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَ عَمَّ الْعَرَبَ بِآيَةٍ، فَأَمَّا الْآيَاتُ اللَّوَاتِي فِي قُرَيْشٍ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1)، وَ الثَّانِيَةُ:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (2)، وَ الثَّالِثَةُ: قَوْلُ قُرَيْشٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ الْهِجْرَةِ: وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (3)، وَ أَمَّا الْآيَةُ الَّتِي عَمَّ بِهَا الْعَرَبَ فَهُوَ قَوْلُهُ (4): وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (5)، فَيَا لَهَا نِعْمَةً مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَ يَا لَهَا مُصِيبَةً (6) مَا أَعْظَمَهَا إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهَا وَ تَرْغَبُوا عَنْهَا، فَمَضَى نَبِيُّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، فَيَا لَهَا مُصِيبَةً خَصَّتِ الْأَقْرَبِينَ وَ عَمَّتِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تُصَابُوا بِمِثْلِهَا وَ لَنْ تُعَايِنُوا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَمَضَى لِسَبِيلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَرَكَ كِتَابَ اللَّهِ وَ أَهْلَ
____________
(1) الأنفال: 26.
(2) النّور: 55.
(3) القصص: 57.
(4) في المصدر: قوله تعالى.
(5) آل عمران: 103.
(6) في كشف المحجّة: من مصيبة.
10
بَيْتِهِ إِمَامَيْنِ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَ أَخَوَيْنِ لَا يَتَخَاذَلَانِ، وَ مُجْتَمِعَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَ لَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَأَنَا أَوْلَى بِالنَّاسِ (2) مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ مَا أَلْقَى فِي رُوعِي، وَ لَا عَرَضَ فِي رَأْيِي أَنْ وَجِّهِ النَّاسَ إِلَى غَيْرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَئُوا عَنِّي بِالْوَلَايَةِ لِهِمَمِهِمْ، وَ تَثَبَّطَ (3) الْأَنْصَارُ- وَ هُمْ أَنْصَارُ اللَّهِ وَ كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ- قَالُوا: أَمَّا إِذَا لَمْ تُسَلِّمُوهَا لِعَلِيٍّ فَصَاحِبُنَا (4) أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي (5)، فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِلَى مَنْ أَشْكُو؟
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَنْصَارُ ظَلَمَتْ حَقَّهَا، وَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ظَلَمُونِي حَقِّي، بَلْ حَقِّيَ الْمَأْخُوذُ وَ أَنَا الْمَظْلُومُ.
فَقَالَ قَائِلُ قُرَيْشٍ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَفَعُوا الْأَنْصَارَ عَنْ دَعْوَتِهَا وَ مَنَعُونِي حَقِّي مِنْهَا، فَأَتَانِي رَهْطٌ يَعْرِضُونَ عَلَيَّ النَّصْرَ، مِنْهُمُ ابْنَا (6) سَعِيدٍ، وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَ الْبَرَاءُ بْنُ الْعَازِبُ.
فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهْداً وَ لَهُ (7) إِلَيَ (8) وَصِيَّةً لَسْتُ أُخَالِفُ عَمَّا أَمَرَنِي بِهِ، فَوَ اللَّهِ لَوْ خَزَمُونِي (9) بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى سَمْعاً وَ طَاعَةً، فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ قَدِ انْثَالُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِلْبَيْعَةِ أَمْسَكْتُ يَدِي وَ ظَنَنْتُ أَنِّي أَوْلَى وَ أَحَقُّ بِمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْهُ وَ مِنْ غَيْرِهِ، وَ قَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ وَ جَعَلَهُمَا فِي جَيْشِهِ، وَ مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: محمّدا نبيّه (ص).
(2) جاءت العبارة في المصدر: أولى النّاس به ..
(3) في (ك): نبثط، و هو خلاف الظّاهر. و في المصدر: و تثبيط.
(4) الكلمة في مطبوع البحار مشوّشة، و ما أثبتناه من المصدر، و نسخة بدل في (ك).
(5) في المصدر: أحقّ لها حقّ غيره.
(6) جاء في المصدر: أبناء، بدلا من: ابنا- بالتّثنية-.
(7) لا توجد: عهدا و له، في المصدر.
(8) في (س): إليه، بدلا من: إليّ.
(9) في المصدر: خرموني .. كما مرّ.
11
وَ آلِهِ إِلَى أَنْ فَاضَتْ نَفْسُهُ يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ (1)، فَمَضَى جَيْشُهُ إِلَى الشَّامِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَذْرِعَاتٍ (2) فَلَقِيَ جَمْعاً (3) مِنَ الرُّومِ فَهَزَمُوهُمْ (4) وَ غَنَّمَهُمُ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَاجِعَةً مِنَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ (5) الْإِسْلَامِ تَدْعُو إِلَى مَحْوِ دِينِ مُحَمَّدٍ وَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (عليهما السلام) خَشِيتُ إِنْ أَنَا لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ أَرَى فِيهِ ثَلْماً وَ هَدْماً تَكُ الْمُصِيبَةُ عَلَيَّ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَةِ أُمُورِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ ثُمَّ تَزُولُ وَ تَنْقَشِعُ كَمَا يَزُولُ وَ يَنْقَشِعُ (6) السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ مَعَ الْقَوْمِ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَهَقَ الْبَاطِلُ وَ كَانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَ إِنْ زَعَمَ (7) الْكَافِرُونَ.
وَ لَقَدْ كَانَ سَعْدٌ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ نَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُهَا حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَصْرِفُونَهَا عَنْ عَلِيٍّ، وَ لَا أُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُبَايِعَ عَلِيٌّ، وَ لَعَلِّي لَا أَفْعَلُ وَ إِنْ بَايَعَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ وَ أَتَى حَوْرَانَ (8) وَ أَقَامَ فِي خَانٍ (9) حَتَّى هَلَكَ وَ لَمْ يُبَايِعْ.
وَ قَامَ فَرْوَةُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ- وَ كَانَ يَقُودُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) قوله (عليه السلام): أنفذوا جيش أسامة، كرّر في المصدر.
(2) قال في القاموس 3- 23: و أذرعات- بكسر الرّاء و تفتح- بلدة بالشّام.
و انظر: مراصد الاطّلاع 1- 47، و معجم البلدان: 1- 130- 131، و غيرهما. قال في المراصد: أذرعات- بالفتح، ثمّ السّكون، و كسر الرّاء، و عين مهملة و ألف و تاء- بلد في طرف الشّام، و تجاوز أرض البلقاء.
(3) في المصدر: جيشا، و هي نسخة بدل في المطبوع من البحار.
(4) جاءت نسخة في (ك): فهزمهم.
(5) في المصدر: من، بدلا من: عن.
(6) في كشف المحجّة: و تتقشّع كما يزول و يتقشّع ..
(7) كذا، و لعلّه: رغم.
(8) قال في القاموس 2- 15: حوّارون- بفتح الحاء مشدّدة الواو- بلد، و الحوراء: موضع قرب المدينة، و هو مرفأ سفن مصر، و ماء لبني نبهان. و انظر معجم البلدان 2- 613، و مراصد الاطّلاع 1- 534.
(9) خ. ل: عنان. جاء على مطبوع البحار.
12
فَرَسَيْنِ وَ يَصْرِمُ أَلْفَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ (1) فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ- فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَخْبِرُونِي هَلْ (2) فِيكُمْ رَجُلٌ تَحِلُّ لَهُ الْخِلَافَةُ وَ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ (عليه السلام)؟!.
فَقَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْزَمَةَ الزهوي (3): لَيْسَ فِينَا مَنْ فِيهِ مَا فِي عَلِيٍّ (عليه السلام).
فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَهَلْ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) مَا لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْكُمْ؟. قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَمَا يَصُدُّكُمْ عَنْهُ؟. قَالَ: إِجْمَاعُ (4) النَّاسِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ أَحْيَيْتُمْ (5) سُنَّتَكُمْ لَقَدْ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَ لَوْ جَعَلْتُمُوهَا فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لَأَكَلْتُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. فَوُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَقَارَبَ وَ اقْتَصَدَ فَصَحِبْتُهُ مُنَاصِحاً، وَ أَطَعْتُهُ فِيمَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ جَاهِداً، حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ، قُلْتُ فِي نَفْسِي:
لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي، وَ لَوْ لَا خَاصَّةٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُمَرَ وَ أَمْرٌ كَانَا رَضِيَاهُ بَيْنَهُمَا، لَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ عَنِّي وَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِبُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ حِينَ بَعَثَنِي وَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ وَ قَالَ: إِذَا افْتَرَقْتُمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى حِيَالِهِ، وَ إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَعَلِيٌّ عَلَيْكُمْ جَمِيعاً، فأغزنا (6) وَ أَصَبْنَا سَبْياً فِيهِمْ خُوَيْلَةُ (7) بِنْتُ جَعْفَرٍ جَارِ الصَّفَا- وَ إِنَّمَا سُمِّيَ جَارَ الصَّفَا مِنْ حُسْنِهِ- فَأَخَذْتُ الْحَنَفِيَّةَ (8) خَوْلَةَ وَ اغْتَنَمَهَا خَالِدٌ مِنِّي، وَ بَعَثَ بُرَيْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُحَرِّشاً عَلَيَّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَخْذِي خَوْلَةَ، فَقَالَ: يَا بُرَيْدَةُ! حَظُّهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ، إِنَّهُ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي، سَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ هَذَا بُرَيْدَةُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، فَهَلْ
____________
(1) في المصدر: و يصرع الفساد و يشتري تمر .. و الصّرم- لغة- هو: القطع، كما في القاموس 4- 139.
(2) لا توجد: هل، في (ك).
(3) في المصدر: الزّهريّ، و هي نسخة جاءت في (ك).
(4) في كشف المحجّة: اجتماع.
(5) في المصدر و نسخة مصحّحة (خ صحّحه) جاءت على مطبوع البحار: أصبتم.
(6) في المصدر: فغزونا.
(7) في كشف المحجّة: خولة، و هي نسخة في (س).
(8) في المصدر: الخيفة.
14
الْأُمَّةِ، وَ كَانَ لِي بَعْدَهُ مَا كَانَ لَهُ، فَمَا جَازَ لِقُرَيْشٍ مِنْ فَضْلِهَا عَلَيْهَا بِالنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) جَازَ لِبَنِي هَاشِمٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ جَازَ لِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ (1)، إِلَّا أَنْ تَدَّعِيَ قُرَيْشٌ فَضْلَهَا عَلَى الْعَرَبِ بِغَيْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَإِنْ شَاءُوا فَلْيَقُولُوا ذَلِكَ، فَخَشِيَ الْقَوْمُ إِنْ أَنَا وُلِّيتُ عَلَيْهِمْ أَنْ آخُذَ بِأَنْفَاسِهِمْ، وَ أَعْتَرِضَ فِي حُلُوقِهِمْ، وَ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي الْأَمْرِ نَصِيبٌ، فَأَجْمَعُوا عَلَى إِجْمَاعِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى صَرَفُوا الْوِلَايَةَ عَنِّي إِلَى عُثْمَانَ رَجَاءَ أَنْ يَنَالُوهَا وَ يَتَدَاوَلُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ- وَ أَظُنُّهُ جِنِّيّاً- فَأَسْمَعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ بَايَعُوا عُثْمَانَ فَقَالَ:
يَا نَاعِيَ الْإِسْلَامِ قُمْ فَانْعَهُ* * * قَدْ مَاتَ عُرْفٌ وَ بَدَا مُنْكَرٌ
مَا لِقُرَيْشٍ لَا عَلَا كَعْبُهَا* * * مَنْ قَدَّمُوا الْيَوْمَ وَ مَنْ أَخَّرُوا
إِنَّ عَلِيّاً هُوَ أَوْلَى بِهِ* * * مِنْهُ فَوَلُّوهُ وَ لَا تُنْكِرُوا
فَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ، وَ لَوْ لَا أَنَّ الْعَامَّةَ قَدْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ لَمْ أَذْكُرْهُ، فَدَعَوْنِي إِلَى بِيعَةِ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُ مُسْتَكْرِهاً، وَ صَبَرْتُ مُحْتَسِباً، وَ عَلَّمْتُ أَهْلَ الْقُنُوتِ أَنْ يَقُولُوا (2): اللَّهُمَّ لَكَ أَخْلَصَتِ الْقُلُوبُ، وَ إِلَيْكَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ، وَ أَنْتَ دُعِيتَ بِالْأَلْسُنِ، وَ إِلَيْكَ تُحُوكِمَ فِي الْأَعْمَالِ، فَ افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَ كَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَ قِلَّةَ عَدَدِنَا، وَ هَوَانَنَا عَلَى النَّاسِ، وَ شِدَّةَ الزَّمَانِ، وَ وُقُوعَ الْفِتَنِ بِنَا، اللَّهُمَّ فَفَرِّجْ ذَلِكَ بِعَدْلٍ تُظْهِرُهُ، وَ سُلْطَانِ حَقٍّ تَعْرِفُهُ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لَحَرِيصٌ؟!.
فَقُلْتُ: لَسْتُ عَلَيْهِ حَرِيصاً، وَ (3) إِنَّمَا أَطْلُبُ مِيرَاثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) مرّت مصادر الحديث مفصّلا، و انظر جملة منها في الغدير 1- 222- 240 و غيره.
(2) في (س): أن يقول.
(3) لا توجد الواو في المصدر.
15
عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ حَقَّهُ، وَ إِنَّ وَلَاءَ أُمَّتِهِ لِي مِنْ بَعْدِهِ، وَ أَنْتُمْ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنِّي إِذْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، وَ تَصْرِفُونَ (1) وَجْهِي دُونَهُ بِالسَّيْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَضَاعُوا (2) أَيَّامِي، وَ دَفَعُوا حَقِّي، وَ صَغَّرُوا (3) قَدْرِي وَ عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ، وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ، فَاسْتَلَبُونِيهِ.
ثُمَّ قَالَ: اصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَدْفَعُوا قَرَابَتِي كَمَا قَطَعُوا سَبَبِي فَعَلُوا، وَ لَكِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، إِنَّمَا حَقِّي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كَرَجُلٍ لَهُ حَقٌّ عَلَى قَوْمٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَحْسَنُوا وَ عَجَّلُوا لَهُ حَقَّهُ قَبِلَهُ حَامِداً، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ إِلَى أَجَلِهِ أَخَذَهُ غَيْرَ حَامِدٍ، وَ لَيْسَ يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَهِدَ إِلَيَّ عَهْداً فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! لَكَ وِلَايَتِي (4) فَإِنْ وَلَّوْكَ فِي عَافِيَةٍ وَ رَجَعُوا عَلَيْكَ (5) بِالرِّضَا فَقُمْ بِأَمْرِهِمْ، وَ إِنِ اخْتَلَفُوا عَلَيْكَ فَدَعْهُمْ وَ مَا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَكَ (6) مَخْرَجاً، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا مَعِي مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْهَلَاكِ، وَ لَوْ كَانَ (7) بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ لَمْ أُبَايِعْ كَرْهاً (8)، وَ لَكِنَّنِي مُنِيتُ بِرَجُلَيْنِ حَدِيثَيْ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، الْعَبَّاسِ (9) وَ عَقِيلٍ، فَضَنِنْتُ بِأَهْلِ بَيْتِي عَنِ الْهَلَاكِ، فَأَغْضَيْتُ عَيْنِي عَلَى الْقَذَى، وَ تَجَرَّعْتُ
____________
(1) تضربون: نسخة في (ك).
(2) في نسخة في (ك): و أذاعوا.
(3) في (س): و حرّوا. قال في القاموس 4- 316: و حرى- كرمى-: نقص.
(4) في المصدر: ولاء أمّتي. و هي نسخة في مطبوع البحار.
(5) في كشف المحجّة: و أجمعوا عليك.
(6) لا توجد: لك، في (س).
(7) في المصدر: و لو كان لي.
(8) مكرها: نسخة في (ك).
(9) في (ك) نسخة: عبّاس.
13
بَعْدَ هَذَا مَقَالٌ لِقَائِلٍ؟!.
فَبَايَعَ عُمَرَ دُونَ الْمَشُورَةِ فَكَانَ مَرَضِيَّ السِّيرَةِ (1) مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ، حَتَّى إِذَا احْتُضِرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْسَ يَعْدِلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِّي، لِلَّذِي قَدْ رَأَى مِنِّي فِي الْمَوَاطِنِ، وَ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ وَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ زَيْدَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ لَهُ: كُنْ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ فَاقْتُلْ مَنْ أَبَى أَنْ يَرْضَى مِنْ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ، فَالْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَافِ (2) الْقَوْمِ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ أَبِي بَكْرٍ (3) اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَوْ كَانَ هَذَا حَقّاً لَمْ يَخْفَ عَلَى الْأَنْصَارِ فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى الشُّورَى، ثُمَّ جَعَلَهَا أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بِرَأْيِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ بِرَأْيِهِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَهَذَا الْعَجَبُ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَذْكُرَ قَوْلُ (4) هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ قَوْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَسُولُهُ؟!. إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ (5) عَجِيبٌ، وَ لَمْ يَكُونُوا لِوِلَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَكْرَهَ مِنْهُمْ لِوِلَايَتِي! كَانُوا يَسْمَعُونَ وَ أَنَا أُحَاجُّ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا أَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، مَا كَانَ مِنْكُمْ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَ يَعْرِفُ السُّنَّةَ، وَ يَدِينُ دِينَ الْحَقِ (6)، وَ إِنَّمَا حُجَّتِي أَنِّي وَلِيُّ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ دُونِ قُرَيْشٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِعِتْقِ (7) الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ، وَ أَعْتَقَهَا مِنَ الرِّقِّ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَلَاءُ هَذِهِ
____________
(1) الشّورة، بدلا من: السّيرة، نسخة جاءت في (ك).
(2) نسخة في (س): خلاف.
(3) كذا في مطبوع البحار و المصدر، و الصّحيح: أنّ أبا بكر.
(4) في (س) نسخة: قوله.
(5) في (س): لأمر.
(6) في المصدر: دين اللّه الحقّ.
(7) في كشف المحجّة: يعتق.
16
رِيقِي عَلَى الشَّجَا، وَ صَبَرْتُ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ حَزِّ (1) الشِّفَارِ (2).
وَ أَمَّا أَمْرُ عُثْمَانَ فَكَأَنَّهُ عُلِمَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى (3) خَذَلَهُ أَهْلُ بَدْرٍ وَ قَتَلَهُ أَهْلُ مِصْرَ، وَ اللَّهِ مَا أَمَرْتُ وَ لَا نَهَيْتُ وَ لَوْ أَنَّنِي (4) أَمَرْتُ كُنْتُ قَاتِلًا، وَ لَوْ أَنِّي (5) نَهَيْتُ كُنْتُ نَاصِراً، وَ كَانَ الْأَمْرُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْعِيَانُ وَ لَا يَشْفِي فِيهِ (6) الْخَبَرُ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ (7) مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ خَذَلَهُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَ أَنَا جَامِعٌ أَمْرَهُ: اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ، وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ (8)، وَ اللَّهِ مَا يَلْزَمُنِي فِي دَمِ عُثْمَانَ ثُلْمَةٌ (9) مَا كُنْتُ إِلَّا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْتِي فَلَمَّا قَتَلْتُمُوهُ أَتَيْتُمُونِي تُبَايِعُونِّي، فَأَبَيْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ، فَقَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَ بَسَطْتُهَا فَمَدَدْتُمُوهَا، ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ (10) عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِي، وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلٌ لِبَعْضٍ، حَتَّى
____________
(1) في (ك) نسخة: جزّ، و جاء في حاشيتها: جزّ الشّعر و الحشيش جزّا و جزّة حسنة فهو مجزوز، و حزيز:
قطعه، قاموس.
انظر: القاموس 2- 168 و فيه: جزيز، بدلا من: حزيز.
(2) جاء في حاشية (ك): شفر العين: حرف الجفن الّذي ينبت عليه الهدب، قال ابن قتيبة: و العامّة يجعل أشفار العين الشّفر و هو غلط، و إنّما الأشفار حروف العين الّتي ينبت عليه الشّعر، و الشّفر:
الهدب، و الجمع أشفار، مثل قفل و أقفال، و شفر كلّ شيء: حرفه. مصباح المنير.
انظر المصباح المنير 1- 383، و فيه: تجعل، بدلا من يجعل، و ينبت عليها الشّعر و الشّعر، بدلا من: ينبت عليه الشّعر و الشّفر.
(3) طه: 52.
(4) في مطبوع البحار خ. ل: أنّي.
(5) في المصدر: أنّني.
(6) في المصدر: منه، و هي نسخة في (ك).
(7) في المصدر: هو خذله.
(8) في كشف المحجّة: بيننا و بينه.
(9) في المصدر: تهمة، و هي نسخة في (ك).
(10) أي العطاش.
17
انْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَ سَقَطَ الرِّدَاءُ، وَ وُطِئَ الضَّعِيفُ، وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنْ حُمِلَ إِلَيْهَا الصَّغِيرُ وَ هَدَجَ (1) إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَ تَحَامَلَ إِلَيْهَا الْعَلِيلُ، وَ حَسَرَتْ لَهَا الْكِعَابُ (2).
فَقَالُوا: بَايِعْنَا عَلَى مَا بُويِعَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَإِنَّا لَا نَجِدُ غَيْرَكَ وَ لَا نَرْضَى إِلَّا بِكَ، فَبَايِعْنَا لَا نَفْتَرِقُ وَ لَا نَخْتَلِفُ، فَبَايَعْتُكُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِي، فَمَنْ بَايَعَنِي طَائِعاً قَبِلْتُ مِنْهُ، وَ مَنْ أَبَى تَرَكْتُهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَقَالا: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنَّا شُرَكَاؤُكَ فِي الْأَمْرِ. فَقُلْتُ: لَا، وَ لَكِنَّكُمَا شُرَكَائِي فِي الْقُوَّةِ، وَ عَوْنَايَ فِي الْعَجْزِ. فَبَايَعَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ لَوْ أَبَيَا لَمْ أُكْرِهْهُمَا كَمَا لَمْ أُكْرِهْ غَيْرَهُمَا، وَ كَانَ طَلْحَةُ يَرْجُو الْيَمَنَ وَ الزُّبَيْرُ يَرْجُو الْعِرَاقَ، فَلَمَّا عَلِمَا أَنِّي غَيْرُ مُوَلِّيهِمَا اسْتَأْذَنَانِي لِلْعُمْرَةِ يُرِيدَانِ الْغَدْرَ، فَأَتَيَا عَائِشَةَ (3) وَ اسْتَخَفَّاهَا مَعَ كُلِّ شَيْءٍ فِي نَفْسِهَا عَلَيَّ، وَ النِّسَاءُ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، فَأَمَّا نُقْصَانُ إِيمَانِهِنَّ فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ فَلَا شَهَادَةَ لَهُنَّ إِلَّا فِي الدَّيْنِ وَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ، وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ فَمَوَارِيثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، وَ قَادَهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَ ضَمِنَ لَهُمَا الْأَمْوَالَ وَ الرِّجَالَ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَقُودَانِهَا إِذْ (4) هِيَ تَقُودُهُمَا، فَاتَّخَذَاهَا فِئَةً يُقَاتِلَانِ دُونَهَا (5)، فَأَيُّ خَطِيئَةٍ أَعْظَمُ مِمَّا أَتَيَا إِخْرَاجِهِمَا زَوْجَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ بَيْتِهَا، فَكَشَفَا عَنْهَا حِجَاباً سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَ صَانَا حَلَائِلَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ لَا أَنْصَفَا اللَّهَ وَ لَا رَسُولَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمَا،
____________
(1) قال في القاموس 1- 212: الهدجان- محرّكة- و كغراب: مشية الشّيخ، و قد هدج يهدج و هو هدّاج.
(2) في المصدر: الكعبات.
(3) في المصدر: فأتبعا عائشة.
(4) في (ك) نسخة: أو، بدلا من: إذ.
(5) دونهما. نسخة في (ك).
18
ثَلَاثُ خِصَالٍ مَرْجِعُهَا عَلَى النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (1)، وَ قَالَ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (2)، وَ قَالَ: لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (3) فَقَدْ بَغَيَا عَلَيَّ، وَ نَكَثَا بَيْعَتِي، وَ مَكَرَا بِي (4)، فَمُنِيتُ بِأَطْوَعِ النَّاسِ فِي النَّاسِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَ بِأَشْجَعِ (5) النَّاسِ الزُّبَيْرِ، وَ بِأَخْصَمِ النَّاسِ طَلْحَةَ، وَ أَعَانَهُمْ عَلَيَّ يَعْلَى بْنُ مُنَبِّهٍ بِأَصْوُعِ (6) الدَّنَانِيرِ، وَ اللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَامَ أَمْرِي لَأَجْعَلَنَّ مَالَهُ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَتَوُا الْبَصْرَةَ وَ أَهْلُهَا مُجْتَمِعُونَ عَلَى بَيْعَتِي وَ طَاعَتِي، وَ بِهَا شِيعَتِي خُزَّانُ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ وَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى مَعْصِيَتِي وَ إِلَى نَقْضِ بَيْعَتِي (7)، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ أَكْفَرُوهُ، وَ مَنْ عَصَاهُمْ قَتَلُوهُ، فَنَاجَزَهُمْ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ فَقَتَلُوهَا (8) فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ مُخْبِتِيهِمْ يُسَمَّوْنَ: الْمُثْفَنِينَ، كَأَنَّ رَاحَ أَكُفِّهِمْ ثَفِنَاتُ الْإِبِلِ، وَ أَبَى أَنْ يُبَايِعَهُمْ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَشْكُرِيُّ، فَقَالَ: اتَّقِيَا اللَّهَ! إِنَّ أَوَّلَكُمْ قَادَنَا إِلَى الْجَنَّةِ فَلَا يَقُودُنَا آخِرُكُمْ إِلَى النَّارِ، فَلَا تُكَلِّفُونَا أَنْ نُصَدِّقَ الْمُدَّعِيَ وَ نَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ، أَمَّا يَمِينِي فَشَغَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِبَيْعَتِي إِيَّاهُ، وَ هَذِهِ شِمَالِي فَارِغَةٌ فَخُذَاهَا إِنْ شِئْتُمَا، فَخُنِقَ حَتَّى مَاتَ، وَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: يَا طَلْحَةُ! هَلْ تَعْرِفُ هَذَا (9) الْكِتَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا كِتَابِي إِلَيْكَ. قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا فِيهِ؟ قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَإِذَا فِيهِ عَيْبُ عُثْمَانَ وَ دُعَاؤُهُ إِلَى قَتْلِهِ، فَسَيَّرَهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَ أَخَذُوا عَلَى عَامِلِي عُثْمَانَ
____________
(1) يونس: 23.
(2) الفتح: 10.
(3) الفاطر: 43.
(4) في المصدر: و مكراني.
(5) في (ك) نسخة: أشجع، و في نسخة صحيحة: أنجع، و في نسخة على (س): أفجع.
(6) في المصدر: بأصواع.
(7) في المصدر زيادة: و طاعتي.
(8) في المصدر: فقتلوه .. و هو الظّاهر.
(9) في كشف المحجّة: من يعرف هذا ..
19
بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ غَدْراً فَمَثَّلُوا بِهِ كُلَّ الْمُثْلَةِ، وَ نَتَفُوا كُلَّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَ وَجْهِهِ، وَ قَتَلُوا شِيعَتِي، طَائِفَةً صَبْراً، وَ طَائِفَةً غَدْراً، وَ طَائِفَةٌ عَضُّوا بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى لَقُوا اللَّهَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً لَحَلَّ لِي بِهِ دِمَاؤُهُمْ وَ دِمَاءُ ذَلِكَ الْجَيْشِ لِرِضَاهُمْ بِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ، دَعْ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا أَكْثَرَ مِنَ الْعِدَّةِ الَّتِي قَدْ دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ، وَ قَدْ أَدَالَ اللَّهُ مِنْهُمْ (1) فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَأَمَّا طَلْحَةُ فَرَمَاهُ مَرْوَانُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَ أَمَّا الزُّبَيْرُ فَذَكَّرْتُهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَلِيّاً (ع) وَ أَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ (2)، وَ أَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّهَا كَانَ نَهَاهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْ مَسِيرِهَا فَعَضَّتْ (3) يَدَيْهَا نَادِمَةً عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا. وَ قَدْ كَانَ طَلْحَةُ لَمَّا نَزَلَ ذَا قَارٍ (4) قَامَ خَطِيباً فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا أَخْطَأْنَا فِي عُثْمَانَ خَطِيئَةً مَا يُخْرِجُنَا مِنْهَا إِلَّا الطَّلَبُ بِدَمِهِ، وَ عَلِيٌّ قَاتِلُهُ، وَ عَلَيْهِ دَمُهُ. وَ قَدْ نَزَلَ دارن (5) مَعَ شُكَّاكِ الْيَمَنِ وَ نَصَارَى رَبِيعَةَ وَ مُنَافِقِي مُضَرَ، فَلَمَّا بَلَغَنِي قَوْلُهُ وَ قَوْلٌ كَانَ عَنِ الزُّبَيْرِ فِيهِ (6)، بَعَثْتُ إِلَيْهِمَا أُنَاشِدُهُمَا بِحَقِّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) (7) مَا أَتَيْتُمَانِي وَ أَهْلُ مِصْرَ مُحَاصِرُو عُثْمَانَ، فَقُلْتُمَا:
اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ قَتْلَهُ إِلَّا بِكَ، لِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَّرَ أَبَا ذَرٍّ (رحمه الله)، وَ فَتَقَ عَمَّاراً، وَ آوَى الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ- وَ قَدْ طَرَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) قال في الصّحاح 4- 1700: و أدالنا اللّه من عدوّنا من الدّولة، و الإدالة: الغلبة، يقال: اللّهمّ أدلني على فلان و انصرني عليه. و في المصدر: أزال اللّه منهم.
(2) و هي رواية مشهورة من الطّريقين. انظر بعض مصادرها في الغدير 3- 191 و غيره.
(3) في (ك): فغضّت، قال في القاموس 2- 337: عضضته و عليه- كسمع و منع- عضّا و عضيضا:
أمسكته بأسناني أو بلساني. و قال: بعد صفحة: غضّ طرفه ..: خفضه، و احتمل المكروه.
أقول: لا يخفى مناسبة الأوّل و بعد الثّاني.
(4) ذو قار: ماء لبكر .. قاله في مراصد الاطّلاع 3- 1055- 1056. و انظر: معجم البلدان 4- 293- 295.
(5) لم نجد لهذه البلدة في معجم البلدان و مراصد الاطّلاع ذكرا، و ليس في الأسماء المقاربة لها ما يناسب المقام، و لعلّ النّون زائدة، فتدبّر، أو لعلّها: دارا.
(6) في المصدر: قبيح، بدلا من: فيه.
(7) في كشف المحجّة: بحقّ محمّد و آله.
20
عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ- وَ اسْتَعْمَلَ الْفَاسِقَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَ سَلَّطَ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْعُذْرِيَ (1) عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يُمَزِّقُ وَ يَخْرِقُ، فَقُلْتُ: كُلَّ هَذَا قَدْ عَلِمْتُ وَ لَا أَرَى قَتْلَهُ يَوْمِي هَذَا، وَ أَوْشَكَ سِقَاؤُهُ أَنْ يُخْرِجَ الْمَخْضُ زُبْدَتَهُ، فَأَقَرَّا بِمَا قُلْتُ. وَ أَمَّا قَوْلُكُمَا: إِنَّكُمَا تَطْلُبَانِ بِدَمِ عُثْمَانَ فَهَذَانِ ابْنَاهُ عَمْرٌو (2) وَ سَعِيدٌ فَخَلُّوا عَنْهُمَا يَطْلُبَانِ دَمَ أَبِيهِمَا، مَتَى كَانَتْ أَسَدٌ وَ تَيْمٌ أَوْلِيَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ؟! فَانْقَطَعَا عِنْدَ ذَلِكَ.
فَقَامَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ الَّذِي جَاءَتْ عَنْهُ (3) الْأَحَادِيثُ- وَ قَالَ: يَا هَذَانِ لَا تَخْرُجَانِ (4) بِبَيْعَتِكُمَا مِنْ طَاعَةِ عَلِيٍّ، وَ لَا تَحْمِلَانَا عَلَى نَقْضِ بَيْعَتِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّهِ رِضًا، أَ مَا وَسِعَتْكُمَا بُيُوتُكُمَا حَتَّى أَتَيْتُمَا بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؟! فَالْعَجَبُ لِاخْتِلَافِهَا إِيَّاكُمَا، وَ مَسِيرِهَا مَعَكُمَا، فَكُفَّا عَنَّا أَنْفُسَكُمَا، وَ ارْجِعَا مِنْ حَيْثُ جِئْتُمَا، فَلَسْنَا عَبِيدَ مَنْ غَلَبَ، وَ لَا أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ، فَهَمَّا بِهِ ثُمَّ كَفَّا عَنْهُ، وَ كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ شَكَّتْ فِي مَسِيرِهَا وَ تَعَاظَمَتِ (5) الْقِتَالَ، فَدَعَتْ كَاتِبَهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ النُّمَيْرِيَّ فَقَالَتْ: اكْتُبْ، مِنْ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَجْرِي بِهِ الْقَلَمُ، قَالَتْ: وَ لِمَ؟! قَالَ: لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوَّلٌ، وَ لَهُ بِذَلِكَ الْبَدَاءُ فِي الْكِتَابِ. فَقَالَتِ: اكْتُبْ، إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ قَرَابَتَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَا قَدَمَكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَ لَا غِنَاكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ مُصْلِحَةً بَيْنَ بَنِيَّ لَا أُرِيدُ حَرْبَكَ إِنْ كَفَفْتَ عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ .. فِي كَلَامٍ لَهَا كَثِيرٍ، فَلَمْ أُجِبْهَا بِحَرْفٍ، وَ أَخَّرْتُ جَوَابَهَا لِقِتَالِهَا، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ لِيَ الْحُسْنَى سِرْتُ إِلَى الْكُوفَةِ وَ اسْتَخْلَفْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى
____________
(1) في (ك): الغدريّ.
(2) في (ك) نسخة: عمر- بدون واو ..
(3) في المصدر: فيه، بدلا من: عنه.
(4) في كشف المحجّة: لا تخرجانا .. و هو الظّاهر.
(5) في (ك): جاءت نسخة هي في المصدر: تعاضمها.
21
الْبَصْرَةِ، فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَ قَدِ اتَّسَقَتْ (1) لِيَ الْوُجُوهُ كُلُّهَا إِلَّا الشَّامُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ الْحُجَّةَ، وَ أَقْضِيَ الْعُذْرَ، وَ أَخَذْتُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (2)، فَبَعَثْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ مُعْذِراً إِلَيْهِ، مُتَّخِذاً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَرَدَّ كِتَابِي، وَ جَحَدَ حَقِّي، وَ دَفَعَ بَيْعَتِي، وَ بَعَثَ إِلَيَّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ: مَا أَنْتَ وَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ؟! أَوْلَادُهُ أَوْلَى بِهِ، فَادْخُلْ أَنْتَ وَ هُمْ فِي طَاعَتِي ثُمَّ خَاصِمُوا إِلَيَ (3) الْقَوْمَ لِأَحْمِلَكُمْ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَ إِلَّا فَهَذِهِ خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنْ رَضَاعِ الْمَلِيِّ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بَعَثَ إِلَيَّ أَنِ اجْعَلِ الشَّامَ لِي حَيَاتَكَ، فَإِنْ حَدَثَ بِكَ حَادِثَةٌ عَنِ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ طَاعَةٌ، وَ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَخْلَعَ طَاعَتِي مِنْ عُنُقِهِ (4) فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ.
فَبَعَثَ إِلَيَّ: أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا الْحُكَّامَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا قَتَلُوا (5) عُثْمَانَ صَارَ أَهْلُ الشَّامِ الْحُكَّامَ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَسَمِّ لِي رَجُلًا مِنْ قُرَيْشِ الشَّامِ تَحِلُّ لَهُ الْخِلَافَةُ، وَ يُقْبَلُ فِي الشُّورَى فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ سَمَّيْتُ لَكَ مِنْ قُرَيْشِ الْحِجَازِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْخِلَافَةُ، وَ يُقْبَلُ فِي الشُّورَى، وَ نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَإِذَا هُمْ بَقِيَّةُ الْأَحْزَابِ فَرَاشُ نَارٍ وَ ذُبَابُ (6) طَمَعٍ تَجْمَعُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ مِمَّنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَدَّبَ وَ يُحْمَلُ عَلَى السُّنَّةِ، لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ لَا الْأَنْصَارِ وَ لَا التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، فَدَعَوْتُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَ الْجَمَاعَةِ فَأَبَوْا إِلَّا فِرَاقِي وَ شِقَاقِي، ثُمَّ نَهَضُوا فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِينَ، يَنْضَحُونَهُمْ بِالنَّبْلِ، وَ يَشْجُرُونَهُمْ بِالرِّمَاحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَهَضْتُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ السِّلَاحُ، وَ وَجَدُوا أَلَمَ الْجِرَاحِ رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ فَدَعَوْكُمْ (7) إِلَى مَا فِيهَا،
____________
(1) في (س): اتّسعت.
(2) الأنفال: 58، و ذكر في المصدر ذيل الآية أيضا و هو: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ».
(3) لا توجد: إليّ، في المصدر.
(4) في (ك): عن عنقه ..
(5) في (ك): فلمّا قتل ..
(6) في المصدر: و ذئاب، و في (س): ذو ذئاب.
(7) في المصدر: يدعوكم.
22
فَأَنْبَأْتُكُمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ دِينٍ وَ لَا قُرْآنٍ وَ إِنَّمَا رَفَعُوهَا مَكِيدَةً (1) وَ خَدِيعَةً، فَامْضُوا لِقِتَالِهِمْ، فَقُلْتُمُ: اقْبَلْ مِنْهُمْ وَ اكففت [اكْفُفْ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَجَابُوا إِلَى مَا فِي الْقُرْآنِ جَامَعُونَا (2) عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَقَبِلْتُ مِنْهُمْ وَ كَفَفْتُ عَنْهُمْ، فَكَانَ الصُّلْحُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ عَلَى رَجُلَيْنِ حَكَمَيْنِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَاهُ الْقُرْآنُ وَ يُمِيتَا مَا أَمَاتَهُ الْقُرْآنُ، فَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمَا وَ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا، فَنَبَذَا مَا فِي الْكِتَابِ وَ خَالَفَا مَا فِي الْقُرْآنِ وَ كَانَا أَهْلَهُ، ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً اعْتَزَلَتْ فَتَرَكْنَاهُمْ مَا تَرَكُونَا حَتَّى إِذَا عَاثُوا فِي الْأَرْضِ يُفْسِدُونَ وَ يَقْتُلُونَ، وَ كَانَ فِيمَنْ قَتَلُوهُ أَهْلُ مِيرَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَ قَتَلُوا خَبَّابَ (3) بْنَ الْأَرَتِ (4) وَ ابْنَهُ وَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَ الْحَارِثَ بْنَ مُرَّةَ الْعَبْدِيَّ، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ دَاعِياً، فَقُلْتُ: ادْفَعُوا إِلَيْنَا قَتَلَةَ إِخْوَانِنَا، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَتُهُمْ، ثُمَّ شَدَّتْ عَلَيْنَا خَيْلُهُمْ وَ رِجَالُهُمْ فَصَرَعَهُمُ اللَّهُ مَصَارِعَ الظَّالِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَمْضُوا مِنْ فَوْرِكُمْ ذَلِكَ إِلَى عَدُوِّكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَلَّتْ سُيُوفُنَا، وَ نَصَلَتْ أَسِنَّةُ رِمَاحِنَا، وَ عَادَ أَكْثَرُهَا قَصِيداً (5) فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَرْجِعْ وَ لْنَقْصِدْ (6) بِأَحْسَنِ عُدَّتِنَا، وَ إِذَا نَحْنُ رَجَعْنَا زِدْنَا فِي مُقَاتَلَتِنَا عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ مِنَّا حَتَّى إِذَا أَظْلَلْتُمْ (7) عَلَى النُّخَيْلَةِ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَلْزَمُوا مُعَسْكَرَكُمْ، وَ أَنْ
____________
(1) في كشف المحجّة: رفعوا بها مكيدة.
(2) في المصدر: إن حاجّونا.
(3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: خبّاب- بالخاء المعجمة و الباءين الموحّدتين بينهما ألف- ابن الأرتّ بالألف و الرّاء المهملة و التّاء الفوقانيّة المشدّدة- مات قبل الفتنة، ترحّم عليه عليّ (عليه السلام) فقال:
يرحم اللّه خبّابا لقد أسلم راغبا، و هاجر طائعا، و عاش مجاهدا، و الأرتّ من في كلامه رنّة و هي عجمة لا تغيّر الكلام. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 2- 48.
(4) في (ك) نسخة: الأرب، و لعلّها غلط أو تصحيف، إذ لا يعرف بهذا الاسم. و في المصدر: الخبّاب و ابنه و ..
(5) في المصدر: قصيرا. و نسخة جاءت في (ك): قعيدا، و اللّفظة مشوّشة في (س) و لعلّها: قصدا أو قعيدا. و انظر ما جاء في بيانه طاب ثراه.
(6) في المصدر: و لنستعدّ.
(7) نسخة في (س): ظللتم، و هي كذلك في المصدر، و هي سهو لما سيأتي في بيانه، و قد جاءت على بناء التّفعيل و الإفعال، فلاحظ.
23
تَضُمُّوا إِلَيْهِ نَوَاصِيَكُمْ، وَ أَنْ تُوَطِّنُوا عَلَى الْجِهَادِ نُفُوسَكُمْ، وَ لَا تُكْثِرُوا زِيَارَةَ أَبْنَائِكُمْ (1) وَ لَا (2) نِسَائِكُمْ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْحَرْبِ مُصَابِرُوهَا وَ أَهْلَ التَّشْهِيرِ (3) فِيهَا، وَ الَّذِينَ لَا يَتَوَجَّدُونَ مِنْ سَهَرِ لَيْلِهِمْ، وَ لَا ظَمَإِ نَهَارِهِمْ، وَ لَا فِقْدَانِ أَوْلَادِهِمْ وَ لَا نِسَائِهِمْ، وَ أَقَامَتْ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ مُعَدَّةٌ وَ طَائِفَةٌ دَخَلَتِ الْمِصْرَ عَاصِيَةً، فَلَا مَنْ دَخَلَ الْمِصْرَ عَادَ إِلَيَّ، وَ لَا مَنْ أَقَامَ مِنْكُمْ ثَبَتَ مَعِي وَ لَا صَبَرَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي (4) وَ مَا فِي عَسْكَرِي مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ دَخَلْتُ عَلَيْكُمْ فَمَا قُدِّرَ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مَعِي إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، لِلَّهِ أَبُوكُمْ (5) أَ لَا تَرَوْنَ أَيُّ مِصْرٍ (6) قَدِ افْتُتِحَتْ؟
وَ أَيُ (7) أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ؟ وَ أَيُ (8) مَسَالِحِكُمْ (9) تُرْقَى؟ وَ أَيُ (10) بِلَادِكُمْ تُغْزَى؟
وَ أَنْتُمْ ذَوُو عَدَدٍ جَمٍّ وَ شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ (11)، وَ أُولُو بَأْسٍ قَدْ كَانَ مَخُوفاً، لِلَّهِ أَنْتُمْ! أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ؟.
أَلَا إِنَّ الْقَوْمَ جَدُّوا وَ تَآسَوْا (12) وَ تَنَاصَرُوا، وَ إِنَّكُمْ أَبَيْتُمْ وَ وَنَيْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ
____________
(1) في (س): أبياتكم.
(2) لا توجد في المصدر كلمة: لا.
(3) في المصدر: أهل التّشمير، و لعلّ ما في (س) يقرأ كذلك.
(4) رابتني، بدلا من: رأيتني في المصدر.
(5) قال في مجمع البحرين 1- 17: في الحديث: للّه أبوك، قيل: الأصل فيه أنّه إذا أضيف شيء إلى عظيم اكتسى عظما كبيت اللّه، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه قيل: للّه أبوك للمدح و التّعجّب .. أي للّه أبوك خالصا حيث أتى بمثلك .. و قيل: هو تهزّؤ، و قيل: تعجّب منهم و ليس بدعاء.
(6) في المصدر: إلى مصر .. و هو الظّاهر.
(7) إلى، بدلا من: أيّ في المصدر.
(8) إلى، بدلا من: أيّ في المصدر.
(9) كذا، و سيأتي في بيانه- (قدّس سرّه)- أنّها بالصّاد، و جعل كونها بالسّين نسخة.
(10) إلى، بدلا من: أيّ في المصدر.
(11) في (ك) نسخة: جديدة.
(12) في المصدر: و بؤسوا.
24
وَ تَغَاشَشْتُمْ، مَا أَنْتُمْ إِنْ بَقِيتُمْ عَلَى ذَلِكَ سُعَدَاءَ، فَأَنْبِهُوا (1)- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- نَائِمَكُمْ، وَ تَحَرَّوْا (2) لِحَرْبِ عَدُوِّكُمْ، فَقَدْ أَبْدَتِ الرَّغْوَةُ عَنِ الصَّرِيحِ، وَ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، فَانْتَبِهُوا (3) إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ الطُّلَقَاءَ وَ أَبْنَاءَ الطُّلَقَاءِ وَ أَهْلَ الْجَفَاءِ، وَ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً، وَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنِفاً، وَ لِلْإِسْلَامِ كُلِّهِ حَرْباً، أَعْدَاءَ السُّنَّةِ وَ الْقُرْآنِ، وَ أَهْلَ الْبِدَعِ وَ الْأَحْدَاثِ، وَ مَنْ كَانَتْ نِكَايَتُهُ تُتَّقَى (4) وَ كَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ مَخُوفاً، وَ أَكَلَةَ الرِّشَا، وَ عَبِيدَ الدُّنْيَا، وَ لَقَدْ أُنْهِيَ إِلَيَّ أَنَّ ابْنَ النَّابِغَةِ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً هِيَ أَعْظَمُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ سُلْطَانِهِ، فَصَغُرَتْ يَدُ هَذَا الْبَائِعِ دِينَهُ بِالدُّنْيَا، وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ هَذَا الْمُشْتَرِي بِنُصْرَةِ فَاسِقٍ غَادِرٍ بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَ أَيُّ سَهْمٍ لِهَذَا الْمُشْتَرِي (5) وَ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَ ضُرِبَ حَدّاً فِي الْإِسْلَامِ، وَ كُلُّكُمْ يَعْرِفُهُ بِالْفَسَادِ فِي الدُّنْيَا (6)، وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ حَتَّى رُضِخَ لَهُ (7) عَلَيْهِ رَضِيخَةٌ، فَهَؤُلَاءِ قَادَةُ الْقَوْمِ، وَ مَنْ تَرَكْتُ لَكُمْ ذِكْرَ مَسَاوِيهِ أَكْثَرُ وَ أَبْوَرُ (8)، وَ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَ أَسْمَائِهِمْ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ ضِدّاً، وَ لِنَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَرْباً، وَ لِلشَّيْطَانِ حِزْباً، لَمْ يَتَقَدَّمْ إِيمَانُهُمْ، وَ لَمْ يَحْدُثْ نِفَاقُهُمْ، وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَوْ وُلُّوا عَلَيْكُمْ لَأَظْهَرُوا فِيكُمُ الْفَخْرَ وَ التَّكَبُّرَ وَ التَّسَلُّطَ بِالْجَبَرِيَّةِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَوَاكُلٍ وَ تَخَاذُلٍ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَ أَهْدَى سَبِيلًا، مِنْكُمُ الْفُقَهَاءُ وَ الْعُلَمَاءُ وَ الْفُهَمَاءُ وَ حَمَلَةُ الْكِتَابِ وَ الْمُتَهَجِّدُونَ بِالْأَسْحَارِ، أَ لَا تَسْخَطُونَ وَ تَنْقِمُونَ أَنْ يُنَازِعَكُمُ الْوَلَايَةَ السُّفَهَاءُ الْبُطَاةُ عَنِ الْإِسْلَامِ
____________
(1) في مطبوع البحار: فانتبهوا.
(2) في المصدر: و تحرّزوا.
(3) في (س): فانبهوا.
(4) في (ك): تبقى.
(5) هنا زيادة جاءت في المصدر: بنصرة فاسق غادر.
(6) في المصدر: في الدّين، و هي نسخة جاءت على حاشية (ك).
(7) لا توجد: له في المصدر.
(8) في كشف المحجّة: و أنور.
25
الْجُفَاةُ فِيهِ؟! اسْمَعُوا قَوْلِي- يَهْدِكُمُ اللَّهُ- إِذَا قُلْتُ، وَ أَطِيعُوا أَمْرِي إِذَا أَمَرْتُ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ أَطَعْتُمُونِي لَا تَغْوُوا، وَ إِنْ عَصَيْتُمُونِي لَا تَرْشُدُوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (1)، وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (2)، فَالْهَادِي (3) مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) هَادٍ لِأُمَّتِهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَمَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْهَادِيَ إِلَّا الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَ قَادَكُمْ إِلَى الْهُدَى، خُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا (4)، وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا، فَقَدْ شُبَّتْ وَ أُوْقِدَتْ نَارُهَا، وَ تَجَرَّدَ لَكُمُ الْفَاسِقُونَ لِكَيْلَا يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ* وَ يَغْزُوا عِبَادَ اللَّهِ، أَلَا إِنَّهُ لَيْسَ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ مِنْ أَهْلِ الطَّمَعِ وَ الْجَفَاءِ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ وَ الإخباث (5) فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَ مُنَاصَحَةِ إِمَامِهِمْ، إِنِّي وَ اللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَحْدِي وَ هُمْ (6) أَهْلُ الْأَرْضِ مَا اسْتَوْحَشْتُ مِنْهُمْ وَ لَا بَالَيْتُ، وَ لَكِنْ أَسَفٌ يَرِينِي (7)، وَ جَزَعٌ يَعْتَرِينِي مِنْ أَنْ يَلِيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فُجَّارُهَا وَ سُفَهَاؤُهَا فَيَتَّخِذُونَ (8) مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَ كِتَابَ اللَّهِ (9) دَغَلًا، وَ الْفَاسِقِينَ حِزْباً، وَ الصَّالِحِينَ حَرْباً، وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْنِيبَكُمْ وَ تَحْرِيصَهُمْ (10)، وَ تَرَكْتُكُمْ إِذَا (11) أَبَيْتُمْ حَتَّى أَلْقَاهُمْ مَتَى حُمَّ لِي لِقَاؤُهُمْ،
____________
(1) يونس: 35.
(2) الرّعد: 7.
(3) في (س): فالهاد- بلا ياء- و هو سهو.
(4) قال في القاموس 1- 37: الأهبة- بالضّمّ-: العدّة.
(5) كذا، و الظّاهر: الإخبات، و تقرأ ما في (س): الأجنات، و هي تحتمل أن تكون جمع الجنت، و هي بمعنى الأصل، كما في القاموس 1- 163.
(6) في (ك) نسخة: لهم.
(7) في المصدر: يريبني، و هي نسخة في (ك).
(8) في كشف المحجّة: يتّخذون.
(9) في المصدر: و كتابه.
(10) في كشف المحجّة: و تحريضكم .. و هو الظّاهر.
(11) في المصدر: و لتركتكم إذا. و في (س): إذ.
26
فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَعَلَى الْحَقِّ، وَ إِنَّنِي لِلشَّهَادَةِ لَمُحِبٌّ، وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ رَبِّي لَمُشْتَاقٌ، وَ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ مُنْتَظِرٌ (1)، إِنِّي نَافَرْتُكُمْ (2) فَ انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (3) وَ لَا تَثَّاقَلُوا فِي الْأَرْضِ فَتَعْمَوْا(4) بِالذُّلِّ، وَ تُقِرُّوا بِالْخَسْفِ، وَ يَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخْسَرَ (5)، إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْيَقْظَانُ الْأَرِقُ إِنْ نَامَ لَمْ تَنَمْ عَيْنُهُ، وَ مَنْ ضَعُفَ أُوذِيَ، وَ مَنْ كَرِهَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ الْمَغْبُونَ الْمَهِينَ، إِنِّي لَكُمُ الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَمْسِ وَ لَسْتُمْ لِي عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، مَنْ تَكُونُوا نَاصِرِيهِ أَخَذَ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، وَ اللَّهِ لَوْ نَصَرْتُمُ اللَّهَ لَنَصَرَكُمْ (6) وَ ثَبَّتَ (7) أَقْدَامَكُمْ، إِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَنْصُرَ مَنْ نَصَرَهُ وَ يَخْذُلَ مَنْ خَذَلَهُ، أَ تَرَوْنَ الْغَلَبَةَ لِمَنْ صَبَرَ بِغَيْرِ نَصْرٍ وَ قَدْ يَكُونُ الصَّبْرُ جُبْناً وَ يَكُونُ حَمِيَّةً، وَ إِنَّمَا الصَّبْرُ بِالنَّصْرِ (8) وَ الْوُرُودُ بِالصَّدْرِ (9)، وَ الْبَرْقُ بِالْمَطَرِ.
اللَّهُمَّ اجْمَعْنَا وَ إِيَّاهُمْ عَلَى الْهُدَى، وَ زَهِّدْنَا وَ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَ اجْعَلِ الْآخِرَةَ خَيْراً لَنَا مِنَ الْأُولَى..
تبيين:
الشَّغْبُ- بالتّسكين (10)-: تهييجُ الشَّرِّ (11).
____________
(1) في كشف المحجّة: لمنتظر.
(2) في المصدر: نافر بكم، و هي نسخة في (ك).
(3) التّوبة: 41.
(4) في (ك) نسخة: فتغمّوا.
(5) في المصدر: الخسران.
(6) نسخة في (ك): لينصركم.
(7) نسخة في (ك): يثبّت.
(8) خ. ل: النّصر بالصّبر، كذا في حاشية (ك)، و هو الظّاهر.
(9) خ. ل: بالصّدور، جاءت على مطبوع البحار.
(10) لا توجد: بالتسكين، في (س).
(11) ذكره في مجمع البحرين 2- 91، و الصحاح 1- 157.
27
و قال الجوهري: العِلْهِزُ- بالكسر-: طعامٌ كانوا يَتَّخِذُونَهُ مِنَ الدَّمِ و وَبَرِ البعيرِ فِي سِنِي المَجَاعَةِ (1).
و قال: الهَبِيدُ: حَبُّ الحَنْظَلِ (2).
و الجَشِبُ- بكسر الشّين- الغَلِيظُ (3).
و الآجِنُ: المُتَغَيِّرُ (4).
و الرُّوعُ- بالضم-: القَلْبُ و العقلُ (5)، و لعلّه كناية عن أنّه لم يكن مظنّة أن يفعلوا ذلك لما اجتمع له من النصوص و الفواضل و السوابق، لأنّه (عليه السلام) كان يعلم وقوع تلك الأمور و يخبر بها قبل وقوعها.
و يقال (6): خَزَمْتُ البعيرَ بِالْخِزَامَةِ و هي حلقةٌ من شعرٍ تُجْعَلُ في وَتْرَةِ أَنْفِهِ يُشَدُّ فيها (7) الزِّمَامُ و يقال لكلّ مثقوبٍ: مخزومٌ، ذكره الجوهري (8).
و قال: انْثَالَ عليه النّاسُ من كُلِّ وجهٍ: انْصَبُّوا (9).
قوله (عليه السلام): و ظننت .. أي علمت، كما ورد كثيرا في الآيات بهذا المعنى (10)، أو المعنى: إنّي ظننت أنّ الناس يرونني أولى و أحقّ و يعاونونني على
____________
(1) الصحاح 3- 887، و انظر: لسان العرب 3- 431.
(2) الصحاح 2- 554، و مثله في لسان العرب 5- 381، و غيره.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 1- 266، و الصحاح 1- 99.
(4) قاله في الصحاح 5- 2067، و في القاموس 4- 195: الآجن: الماء المتغيّر الطعم و اللون.
(5) كما في الصحاح 3- 1223، و لسان العرب 8- 137.
(6) لا يوجد: يقال، في المصدر.
(7) في (ك) نسخة: يشدّ بها.
(8) كما جاء في الصحاح 5- 1911، و مثله في لسان العرب 12- 174- 175 باختلاف يسير في اللفظ.
(9) قاله في لسان العرب 11- 95، و الصحاح 4- 1649، و غيرهما.
(10) كما لو أسند إلى الأنبياء مثلا كقوله تعالى في سورة الأنبياء: 87: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ ..»، أو في سورة ص: 24: «وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ..»، أو سورة الحاقّة: 22: «إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ..»، و غيرها.
28
منازعتهم.
و قوله (عليه السلام): تقارب .. أي لم يبالغ في معاندة الحقّ بعد غصب الخلافة حيلة و خديعة، لأنّه كان يستقبل تارة و يعتذر إليه (عليه السلام) أخرى، و يرجع إليه في الأمور ليتمشّى أمره، و يظهر للناس أنّه إنّما ولي الأمر لصلاح المسلمين.
قال في النهاية: فيه سَدِّدُوا و قَارِبُوا .. أي اقتصدوا في الأمور كلِّها، و اتْرُكُوا الغُلُوَّ فيها و التّقصيرَ، يقال: قَارَبَ فلانٌ في أُمُورِهِ: إذا اقْتَصَدَ (1).
قوله (عليه السلام): لو لا خاصّة .. أي محبّة أو خلطة خاصّة.
و التَّحْرِيشُ: الإِغْرَاءُ بَيْنَ القومِ (2).
و هذا الخبر يدلّ على أنّ خولة إنّما سبيت في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فلا تبقى للمخالفين فيها شبهة، و قد مرّ الكلام فيه (3) و سيأتي (4).
و النَّعْيُ: خَبَرُ المَوْتِ (5).
و قوله (عليه السلام): لَا عَلَا كَعْبُهَا .. جملة دعائيّة. قال في النهاية: .. فِي حَدِيثِ قَيْلَةَ: و اللّه لا يزال كَعْبُكَ عالياً .. هو دعاءٌ لَهَا بالشّرفِ و العُلُوِّ (6).
قوله (عليه السلام): و أَضَاعُوا أَيَّامِي .. أي ضيّعوا (7) و لم يلتفتوا إلى أيّامي (8) المشهورة التي نصرتُ فيها الدين و وقيت فيها المسلمين، و في بعض النسخ:
____________
(1) كما جاء في النهاية 4- 33، و لسان العرب 1- 669، و القاموس 3- 296.
(2) صرّح بذلك في مجمع البحرين 4- 133، و الصحاح 3- 1001، و غيرهما.
(3) بحار الأنوار: 22- 181 و 192- 193.
(4) بحار الأنوار 42- 84- 87 و 99. و لاحظ: 41- 303 و 326.
(5) ذكره في الصحاح 6- 2512، و مجمع البحرين 1- 418.
(6) قاله في النهاية: 4- 179، و لسان العرب 1- 719.
(7) نصّ عليه في الصحاح 3- 1252، و قريب منه في القاموس 3- 58.
(8) في (س): أيّام.
29
بالذال المعجمة مِنَ الإِذَاعَةِ بمعنى الإفشاءِ (1)، فالمراد بالأيّام أيّام (2) مظلوميّته (عليه السلام)، و لعلّه تصحيف، و الظاهر: و اكفئوا إنائي أو أصغوا إنائي كما مرّ (3).
قوله (عليه السلام): فكأنّه علم .. إشارة إلى ما ذكره تعالى في قصّة فرعون إنّه قال لموسى (عليه السلام): فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (4)، و المشهور في تفسيره أنّه سئل عن حالهم بعد موتهم من السعادة و الشقاوة، فقال موسى: عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى (5) أي إنّه غيب لا يعلمه إلّا اللّه، و إنّما أنا عبد ملك لا أعلم منه إلّا ما أخبرني به (6)، فمراده (عليه السلام) هنا أنّ أمر عثمان في الآخرة و ما ترتّب على أعماله الشنيعة في علمه تعالى و هو أعلم بذلك، و إنّما عبّر كذلك للمصلحة، أو المعنى أنّ أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الأولى كقارون.
قوله (عليه السلام): لا ينفع فيه العيان .. لعلّ المعنى أنّ أمره كان أمرا مشتبها على من عاين الأمر و على من سمع الخبر فلا يدري (7) كيف وقع، أو اشتبه على أكثر الناس إنّه هل كان قتله حقّا أو باطلا.
و الثُّلْمَةُ- بالضم-: الخَلَلُ في الحائط و غيره (8).
قوله (عليه السلام): فئة يقاتلان دونها .. لعلّ المراد بها هنا المرجع، مِنْ فَاءَ إِذَا رَجَعَ (9)، و لا يبعد أن يكون قُبَّة- بالقاف و الباء الموحّدة المشدّدة أو بالقاف
____________
(1) كذا ذكره في القاموس 3- 24، و الصحاح 3- 1211، و غيرهما.
(2) لا توجد: أيّام، في (س).
(3) كما مرّ ذلك قريبا:.
(4) طه: 51.
(5) طه: 52.
(6) لا توجد: به في (س).
(7) خ. ل: و لا يدري.
(8) صرّح بذلك في مجمع البحرين 6- 25، و الصحاح 5- 1881.
(9) قال به في مجمع البحرين 1- 333، و الصحاح 1- 63، و غيرهما.
30
و النون المشدّدة- و هي بالضم (1)-: الجَبَلُ الصَّغيرُ و قُلَّةُ الجبلِ، و المنفردُ المستطيلُ في السّماء أو الجَبَلُ السّهلُ المُسْتَوِي المنبسطُ على الأرضِ (2).
و قوله (عليه السلام): ثلاث خصال .. استئناف كلام.
قوله (عليه السلام): بأطوع الناس .. أي إنّها لقلّة عقلها كانت تطيع الناس في كلّ باطل، أو على بناء المفعول .. أي كان الناس يطيعونها في كلّ ما تريد، و الأول أظهر لفظا، و الثاني معنى.
و الأنجع: الأنفع، و الذي أثر كلامه أكثر، أو تدبيره أوفر، قال في القاموس: نَجَعَ الطّعامُ- كَمَنَعَ- نُجُوعاً (3): هَنَأَ أَكْلُهُ، و العَلَفُ في الدَّابَّةِ و الوَعْظُ و الخطابُ فيه: دخل فَأَثَّرَ كَأَنْجَعَ .. و انْتَجَعَ: طَلَبَ الكلأَ في موضعه، و فلاناً:
أتاه طالبا معروفه (4)، و في بعض النسخ: و بأشجع الناس.
و المُنَاجَزَةُ في الحَرْبِ: المُبَادَرَةُ و المُقَاتَلَةُ (5).
و الرَّاحُ- جمعُ الرَّاحَةِ- و هي الكَفُ (6)، و لعلّ المراد بها هنا بطونها.
و الثَّفِنَةُ- بكسر الفاء: واحدة ثَفِنَات البعيرِ- و هي ما يَقَعُ على الأرض من أعضائه إذا استناخ و غَلُظَ كالرُّكْبَتَيْنِ و غيرِهِمَا (7).
قوله (عليه السلام): الفاسق على كتاب اللّه .. أي الذي سمّاه اللّه في كتابه
____________
(1) أي القنّة.
(2) كما جاء في القاموس 4- 261، و لسان العرب 13- 348.
(3) لا توجد: نجوعا في (س).
(4) كما جاء في القاموس 3- 87، و مثله معنى في لسان العرب 8- 347- 348، و غيره.
(5) قال في القاموس 2- 193: المناجزة: المقاتلة .. و المحاجزة قبل المناجزة .. أي المسالمة قبل المعالجة في القتال. و قال في النهاية 5- 21: المناجزة في الحرب: المبارزة .. لأناجزنّك .. أي لأقاتلنّك و أخاصمنّك. و قال في الصحاح 3- 898: و المناجزة في الحرب: المبارزة و المقاتلة. و عليه فيحتمل قويا أن يكون الصحيح: المبارزة و المقاتلة.
(6) كذا صرّح به في القاموس 1- 224، و الصحاح 1- 368، و نظائرهما.
(7) نصّ بذلك في الصحاح 5- 2088، و نظيره في النهاية 1- 215- 216.
31
فاسقا، في قوله تعالى: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً .. (1) كما مرّ مرارا.
و عُرْفُطَة- بضم العين و سكون الراء و ضم الفاء (2)-.
و العذري .. نسبة إلى جدّته العليا: عذرة بن سعد.
قوله (عليه السلام): و أوشك سقاءه .. لعلّه مثل.
و الْمَخْضُ: تحريكُ السّقاء الّذي فيه اللّبن ليخرج ما فيه من الزّبد (3)، و المعنى أنّه يفعل بنفسه ما يحصل به المقصود، أو يفعل هؤلاء فيه ما يغني عن فعل غيرهم.
قولها: و لا قَدَمَكَ .. أي تَقَدُّمَكَ في الإِسْلامِ و سَبْقَكَ، ذكره الجزري (4).
و الغَنَا- بالفتح- النَّفْعُ: و يقال ما يُغْنِي عنك هذا .. أي ما يجدي عنك و ما ينفعك (5). و في بعض النسخ بالعين المهملة و هو التعب، و الأوّل أظهر.
قوله تعالى: مِنْ قَوْمٍ. أي معاهدين خِيانَةً. أي نقض (6) عهد بأمارات تلوح لك فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ. أي فاطرح إليهم (7) عهدهم عَلى سَواءٍ (8) ..
أي على عدل (9) و طريق قصد في العداوة، و لا تناجزهم الحرب فإنّه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد، و هو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول .. أي ثابتا على طريق سوي، أو من (10) المنبوذ إليهم، أو
____________
(1) السجدة: 18.
(2) كما قاله في القاموس 2- 373، و لسان العرب 7- 350، و هي علم هنا.
(3) ذكره في النهاية 5- 306، و انظر: لسان العرب 7- 230، و تاج العروس 5- 83، و غيرهما.
(4) قاله في النهاية 4- 25 و 26، و قارن بتاج العروس 9- 19.
(5) صرّح به في مجمع البحرين 1- 320، و انظر: الصحاح 6- 2449، و المصباح المنير 2- 126.
(6) في (س): نقص.
(7) كما جاء في مجمع البحرين 3- 189، و القاموس 1- 359، و غيرهما.
(8) الأنفال: 58.
(9) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 234، و قريب منه في القاموس 4- 345.
(10) في المصدر زيادة: أو منه، قبل أو من.
32
منهما على غيره، ذكره البيضاوي (1).
قوله (عليه السلام): عن رضاع الملي .. في الروايات الأخر: خدع الصبيّ عن اللبن، و لعلّه هنا عن الرضاع الملي .. أي عن رضاع يتملأ الصبيّ منه (2)، و لعلّه- على ما في النسخ- المراد به رضاع اللبن الملي، أو الطفل الملي.
و الفَراش- بالفتح-: الطَّيْرُ الّذي يُلْقِي نَفْسَهُ في ضَوْءِ السِّرَاجِ (3).
قوله (عليه السلام): مِنْ كُلِّ أَوْبٍ .. أي مِنْ جِهَةٍ (4)، و في بعض النسخ:
أَدَبٍ- بالدال المهملة- و هو الظَّرْفُ (5).
و قال الفيروزآبادي: نَضَحَ فُلَاناً بِالنَّبْلِ: رَمَاهُ (6)، و قال: شَجَرَهُ (7) بِالرُّمْحِ: طَعَنَهُ (8).
قوله (عليه السلام): وَ كَانَا أَهْلَهُ .. أي كانا أهلًا لمخالفة القرآن، و لم يكن مستبعدا منهما.
و عَثَا يَعْثُو عَثْواً: أَفْسَدَ (9).
و قال في النهاية: يُقَالُ نَصَلَ السَّهْمُ: إِذَا خَرَجَ مِنْهُ النَّصْلُ، و نَصَلَ أيضا-: إِذَا ثَبَتَ نَصْلُهُ في الشَّيْءِ .. فَهُوَ مِنَ الأَضْدَادِ (10).
____________
(1) تفسير البيضاوي 1- 388- بدون أي التفسيرية بعد الآيات-.
(2) بمعنى يستمع الصبيّ منه، و لعلّ مراده- طاب ثراه- كونه رضاعا في مدّة طويلة يستمتع الصبيّ فيها من اللبن، و ذلك لأن المليّ بمعنى الحين الطويل، و المدّة الطويلة التي لا حدّ لها، كما نصّ عليه غير واحد كما في مجمع البحرين 1- 367 و غيره.
(3) كما جاء في النهاية 3- 430، و لسان العرب 6- 330، و غيرهما.
(4) ذكره في القاموس 1- 37، و انظر: لسان العرب 1- 220، و غيره.
(5) قاله في القاموس 1- 36، و مثله في لسان العرب 1- 206.
(6) صرّح به في لسان العرب 2- 620، و القاموس 1- 253، و غيرهما.
(7) في (س): شحره- بالحاء المهملة- و لا معنى لها.
(8) قاله في القاموس 2- 56، و نظيره في لسان العرب 4- 396.
(9) كما صرّح به في مجمع البحرين 1- 282 و القاموس 4- 359، و غيرهما.
(10) قاله في النهاية 5- 67، و مثله في لسان العرب 11- 662.
33
قوله (عليه السلام): وَ عَادَ أَكْثَرُهَا قَصْداً .. قال في القاموس: رُمْحٌ قَصِدٌ كَكَتِفٍ- و قَصِيدٌ و أَقْصَادٌ: مُتَكَسِّرٌ (1) انتهى. و في بعض النسخ: و عَادَ أَكْثَرُنَا قَعِيداً .. أي قاعداً عن الحرب عاجزاً، و القَعِيدُ: الْجَرَادُ لَمْ يَسْتَوِ جَنَاحُهُ (2)، و لعلّه تصحيف.
قوله (عليه السلام): ظَلَّلْتُمْ على النخيلة .. على بناء التفعيل، و في بعض النسخ على الإفعال .. أي أشرفتم، يقال: أَظَلَّكَ فُلَانٌ: إذا دَنَا منك كأنّه أَلْقَى عليك ظِلَّهُ (3) فَضُمِّنَ معنى الإشراف، و يقال: ظَلِلْتُ أَعْمَلُ كذا- بالكسر-: إذا عملته بالنّهار (4)، فيمكن أن يقرأ على بناء المجرّد، لكن فيه تكلّف.
قوله (عليه السلام): نواصيكم .. أي تطيعوا إمامكم في لزوم معسكركم، فإنّ الأخذ بالناصية كناية عن الإطاعة، و في بعض النسخ: قواصيكم .. أي تدعوا إلى حضور معسكركم الفرق القاصية البعيدة عنكم، و لعلّه أظهر.
قوله (عليه السلام): و إلى مصالحكم تُرْقَى .. أي تُصْعَدُ (5) و ترفع من بينكم، أو من المهموز مِنْ رَقَأَ الدَّمْعُ إِذَا سَكَنَ (6)، و لا يبعد أن يكون بالزاء مهموزا من الرزء (7) بمعنى النّقص فَخُفِّفَ، و في بعض النسخ إلى مَسَالِحِكُمْ- بالسين- ..
أي ثُغُورِكُمْ (8) و هو الصواب .. أي يرقى العدوّ عليها.
____________
(1) القاموس 1- 327، و نظيره في لسان العرب 3- 355، و غيره.
(2) كما صرّح به في الصحاح 2- 526، و قاله في القاموس 1- 328.
(3) جاء في الصحاح 5- 1756، و لسان العرب 11- 418، و غيرهما.
(4) ذكره في مجمع البحرين 5- 415، و الصحاح 5- 1756، و غيرهما.
(5) كما صرّح به في مجمع البحرين 1- 194، و القاموس 4- 336، و غيرهما.
(6) ذكره صاحب الصحاح فيه 1- 53، و القاموس 1- 16.
(7) في حاشية (ك) حاشية غير معلمة لعلّ محلها هنا، و هي: يقال: ما رزئته- بالكسر-: ما نقصته، و ارتزأ: انتقص. قاموس.
القاموس المحيط 1- 16 باختلاف يسير.
(8) قاله في مجمع البحرين 2- 374، و القاموس 1- 229، و غيرهما.
34
قوله (عليه السلام): تَآسَوْا .. أي اقْتَدَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ في التَّعَاوُنِ و الجِدِّ (1)، و في بعض النسخ: بَؤُسُوا- بضم الهمزة- من البَأْسِ- بمعنى الشِّدَّةِ في الحربِ (2).
قوله (عليه السلام): فَقَدْ أَبْدَتِ (3) الرغوة (4) .. هذا مَثَلٌ سائرٌ يُضْرَبُ لِظُهُورِ الحقِ (5).
____________
(1) قال في الصحاح 6- 2268، و القاموس 4- 299 ما نصّه: تآسوا .. أي آسى بعضهم بعضا و آساه بماله مواساة .. أي جعله فيه أسوة. و لعلّ ما في المتن يرجع إلى ما ذكرناه، فتدبّر.
(2) كما جاء في القاموس 2- 199، و الصحاح 3- 906- 907، و غيرهما.
(3) في (س): أبدب. و جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة، لعلها هنا، و هي: أبدى: لازم و متعدّ، يقال: أبديت في منطقك .. أي جرت، فيكون المعنى بدأ الصريح عن الرغوة، و يجوز أن يكون متعدّيا أو المفعول محذوف .. أي أبدى الصريح نفسه، و هذا المثل لعبيد اللّه بن زياد قاله لهاني بن عروة المرادي، و كان مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد استخفى عنده أيّام بعثه الحسين بن علي (عليهما السلام)، فلمّا عرف مكانه عبيد اللّه أرسل إلى هاني فسأله فكتمه فتوعّده و خوّفه، فقال هاني: هو عندي، فعندها قال عبيد اللّه: أبدى الصريح عن الرغوة .. أي وضح الأمر و بان.
قال فضلة شعرا:
أ لم تسل الفوارس يوم غول* * * بنضلة و هو موتور مشيح
رأوه فازدروه و هو حرّ* * * و ينفع أهله الرجل القبيح
و لم يخشوا مصالته عليهم* * * و تحت الرغوة اللبن الصريح
و معنى البيت: رأوني فازدروني لدمامتي فلمّا كشفوا عنّي وجدوا غير ما رأوا ظاهرا، يضرب عند انكشاف الأمر و ظهوره.
أقول: هذا ما ذكره الميداني في مجمع الأمثال 1- 103 بألفاظ مقاربة.
(4) جاء في حاشية (ك) تعليقة غير معلمة ظاهرها هنا، و هي:
و الرغوة فيها ثلاث لغات: رغوة و رغوة و رغوة، و حكى الكسر فيها اللحيانيّ و غيره، و هو زبد اللّبن، و في المثل: يسرّ حسوا في ارتغاء، يضرب لمن يظهر أمرا و يريد غيره. الصحاح.
أقول: انظر: مجمع الأمثال للميداني 2- 416، و المستقصى 2- 412، و فرائد اللئالي 2- 366، و العبارة كلّها جاءت في الصحاح 6- 2360. و مثلها في لسان العرب 14- 330 إلّا أنّه ليست فيه الجملة المعترضة، أعني و حكى الكسر .. إلى آخره.
(5) كما جاء في كتب الأمثال كمجمع الأمثال 1- 103، و فرائد اللئالي 1- 84، و غيرهما.
35
قال الزمخشري في المُسْتَقْصَى (1): أَبْدَى الصَّرِيحُ عَنِ الرَّغْوَةِ هذا من مقلوب (2) الكلام، و أصله أَبْدَتِ الرَّغْوَةُ عن الصّريحِ، كقوله و تحتَ الرَّغْوَةِ اللَّبَنُ الصريحُ. قال (3) عُبَيْدُ اللّه بنُ زيادٍ لِهَانِئِ بنِ عُرْوَةَ حين سَأَلَ (4) عن مسلم بن عقيل (5)- و كان متوارياً عنه- فَجَحَدَ ثمّ أَقَرَّ، يُضْرَبُ في ظهور كَامِنِ الأَمْرِ.
قوله: أَنِفاً- كَكَتِف أو كَصَاحِب- و لعلّه من الأَنَفَةِ بمعنى الاستنكاف (6) و التّكبّر، و الأظهر أَلْباً- باللام و الباء- بقرينة حَرْباً، يقال: هم عليه ألب- بالفتح و الكسر- أي مجتمعون عليه بالظّلم و العداوة، و التّأليب: التّحريص و الإفساد، و الأَلْبُ- بالفتح-: التّدبير على العدوّ من حيث لا يعلم و الطّرد الشّديد (7)، و الأَلْبُ و الحربُ كثيراً ما يُذْكَرَانِ معاً، و على التقديرين لا بدّ من تجوز في اللام.
و قال الجوهري (8): شَبَبْتُ النَّارَ و الحربَ أَشُبُّهَا شَبّاً و شُبُوباً: إذا أَوْقَدْتُهُمَا.
قوله (عليه السلام): و لكن أسفٌ يَبْرِينِي .. أي يَهْزُلُنِي، مِنْ بَرَيْتُ السَّهْمَ (9) أو يَنْبَرِينِي مِنْ انْبَرَى لَهُ أي اعْتَرَضَ (10)، أو يَرِينِي مِنْ وَرَى الْقَيْحُ جَوْفَهُ: أَفْسَدَهُ، و فلانٌ فلاناً أَصَابَ رِئَتَهُ (11)، أو يُرِيبُنِي مِنْ أَرْبَيْتُهُ .. أي زِدْتُهُ (12) يعني يزيدني همّا،
____________
(1) المستقصى 1- 15.
(2) في (س): مغلوب- بالغين المعجمة- و هو خلاف الظاهر.
(3) في المستقصى: قاله.
(4) في المصدر: سأله.
(5) في المستقصى: مسلم بن عقيل بن أبي طالب.
(6) كما جاء في القاموس 3- 119، و الصحاح 4- 1333، و غيرهما.
(7) ذكره في لسان العرب 1- 215- 216، و القاموس 1- 37.
(8) الصحاح 1- 151، و نظيره في لسان العرب 1- 481، و فيهما: أوقدتها.
(9) قال في القاموس 4- 303: و براه السفر يبريه بريا: هزله. و قال في الصحاح 6- 2280: و بريت 3 القلم بريا و بريت البعير أيضا: إذا حسرته و أذهبت لحمه.
(10) كما جاء في الصحاح 6- 2280، و القاموس 4- 303، و غيرهما.
(11) ذكره في القاموس 4- 399، و تاج العروس 10- 388.
(12) نصّ عليه في النهاية 2- 192، و لسان العرب 7- 305، و غيرهما.
36
و كانت نسخ المنقول منه تحتمل الجميع.
و الدُّوَلُ- جمع دُولَةٍ- بالضم-: هو ما يُتَدَاوَلُ من المالِ، فيكون لقوم دون قوم (1).
و كتاب اللّه دَغَلًا .. أي يخدعون النّاس به (2). و الدَّغَلُ- بالتحريك-:
الفساد و الشَّرُّ و المَكْرُ (3).
و حُمَّ لَهُ كذا- على المجهول- قُدِّرَ (4).
و الخَسْفُ: الذُّلُّ و المَشَقَّةُ و النُّقصانُ (5).
و الأَرَقُ: السَّهَرُ، و قَدْ أَرِقْتُ- بالكسر- .. أي سَهَرْتُ .. فَأَنَا أَرِقٌ، ذكره الجوهري (6).
قوله: بغير نصر .. أي من اللّه تعالى، فينبغي أن يكون الصبر للّه تعالى، فإنّ الصبر قد يكون لأجل الجبن عن الفرار و للحميّة، و يمكن أن يقرأ بالبصر بالباء- .. أي بالعلم أو البصيرة.
قوله (عليه السلام): و إنّما الصبر بالنصر .. أي ما قرن الصبر إلّا بالنصر، و في بعض النسخ بالعكس، و هو ظاهر. و يؤيّد الأول الفقرتان اللّتان بعدهما، فإنّ المراد بهما أنّ الورود على الماء مقرون بالصدور. و الصَّدْرُ- بالفتح (7)- الرُّجُوعُ،
____________
(1) قاله في النهاية 2- 140، و مقارب له في تاج العروس 7- 326.
(2) صرّح به في لسان العرب 11- 245، و النهاية 2- 123.
(3) قال في مجمع البحرين 5- 372: دغل السريرة: خبثها و مكرها و خديعتها. و قال في الصحاح 4- 1697: الدّغل- بالتحريك-: الفساد، مثل الدّخل، و قال في صفحة: 1696 منه:
و الدّخل: العيب و الريبة .. و كذلك الدّخل- بالتحريك- دخلا بينكم .. أي مكرا و خديعة.
(4) كما جاء في القاموس 4- 100، و الصحاح 5- 1904، و غيرهما.
(5) قاله في الصحاح 4- 1250، و لسان العرب 9- 68.
(6) صرّح به في الصحاح في اللغة 4- 1445، و لسان العرب 10- 4، و غيرهما.
(7) سقطت: بالفتح، عن (س).
37
و بالتّحريك الاسمُ مِنْهُ (1).
و البرق مقرون بالمطر .. و يمكن أن يقرأ بالبصر هنا- أيضا بالباء-، فتفطّن.
و قد مرّ تفسير بعض الفقرات و سيأتي شرح بعضها فيما نقلناه و سننقل من خطبه (عليه السلام).
2- وَ رَوَى السَّيِّدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (2)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ مِمَّا رَوَاهُ فِي كِتَابِ الرَّسَائِلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَ غَيْرِهِمَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ الصَّيْرَفِيِّ، عَنِ الْمُفَضَّلِ، عَنْ سِنَانِ بْنِ ظَرِيفٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَكْتُبُ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ إِلَى (3) أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ، وَ فِيهَا كَلَامٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِلَى الْمُقَرَّبِينَ فِي الْأَظِلَّةِ، الْمُمْتَحَنِينَ بِالْبَلِيَّةِ، الْمُسَارِعِينَ فِي الطَّاعَةِ، الْمُنْشَئِينَ (4) فِي الْكَرَّةِ، تَحِيَّةٌ مِنَّا إِلَيْكُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ رُوحُ الْحَيَاةِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ إِلَّا بِهِ مَعَ اتِّبَاعِ (5) كَلِمَةِ اللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِهَا، فَالْكَلِمَةُ مِنَ الرُّوحِ، وَ الرُّوحُ مِنَ النُّورِ، وَ النُّورُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، فَبِأَيْدِيكُمْ سَبَبٌ وَصَلَ إِلَيْكُمْ مِنَّا نِعْمَةٌ (6) مِنَ اللَّهِ لَا تَعْقِلُونَ (7) شُكْرَهَا،
____________
(1) ذكره في القاموس 2- 68، و مجمع البحرين 3- 363، و غيرهما.
(2) كشف المحجّة لثمرة المهجة: 189- 193، باختلاف يسير.
(3) في المصدر: إلى بعض ..
(4) المنشرين: نسخة في (ك). و في المصدر: المستيقنين بي الكرّة.
(5) في (ك) نسخة: اتّباعه.
(6) في المصدر: و إتيان نعمة من ..
(7) في كشف المحجّة: لا تغفلون ..
38
خَصَّكُمْ بِهَا وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهَا وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (1) إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ أَنْ لَنْ يَحُلَّ عَقْدَهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، فَتَسَارَعُوا إِلَى وَفَاءِ الْعَهْدِ (2)، وَ امْكُثُوا (3) فِي طَلَبِ الْفَضْلِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَ الْفَاجِرُ، وَ إِنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ (4) يَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَ إِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَدْ (5) وَقَعَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، تَسِيرُ فِيهَا الْجُنُودُ، يَهْلِكُ (6) فِيهَا الْبَطَلُ الْجَحُودُ، خُيُولُهَا عِرَابٌ، وَ فُرْسَانُهَا حِرَابٌ (7)، وَ نَحْنُ بِذَلِكَ وَاقِفُونَ (8)، وَ لِمَا ذَكَرْنَا مُنْتَظِرُونَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ لِيَنْبُتَ الْعُشْبُ، وَ يَجْنِي الثَّمَرَ، دَعَانِي إِلَى الْكِتَابِ إِلَيْكُمُ اسْتِنْقَاذُكُمْ مِنَ الْعَمَى، وَ إِرْشَادُكُمْ بَابَ الْهُدَى، فَاسْلُكُوا سَبِيلَ السَّلَامَةِ، فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْكَرَامَةِ، اصْطَفَى اللَّهُ مَنْهَجَهُ، وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ (9)، وَ أَرَّفَ أُرَفَهُ (10)، وَ وَصَفَهُ وَ حَدَّهُ وَ جَعَلَهُ نَصّاً (11) كَمَا وَصَفَهُ (12)، إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ يَأْتِيهِ مَلَكَانِ أَحَدُهُمَا مُنْكَرٌ
____________
(1) العنكبوت: 43.
(2) في حاشية (ك) جملة لم يعلّم عليها و لعلّ محلّها هنا و هي: إتيان الواجبات، و فيها نسخة:
الواجبتان، و سيذكرهما المصنّف (رحمه الله) في بيانه.
(3) في (س) و نسخة جاءت في (ك): و اكمشوا. و هي بمعنى شمّروا و جدّوا في الطّلب كما جاء في مجمع البحرين 4- 153.
(4) في (ك) نسخة: معاوق.
قال في مفردات الرّاغب: 353: العائق: الصّارف عمّا يراد من خير، و منه عوائق الدّهر، يقال:
عاقه و عوّقه و اعتاقه، قال: قد يعلم اللّه المعوّقين .. أي المثبّطين الصّارفين عن طريق الخير. و المعنى المناسب للمقام .. أي وعد غير حاضر يصرف النّاس عن الدّنيا.
(5) لا توجد: قد في المصدر.
(6) في (ك): و يهلك.
(7) في المصدر: أحزاب.
(8) في كشف المحجّة: واثقون، و هي نسخة في (ك).
(9) في (س): حجبه.
(10) في المصدر: و أزف أزفة.
(11) في (ك) نسخة: رصّا.
(12) هنا سقط جاء في المصدر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم.
39
وَ الْآخَرُ نَكِيرٌ، فَأَوَّلُ مَا يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَ عَنْ نَبِيِّهِ، وَ عَنْ وَلِيِّهِ، فَإِنْ أَجَابَ نَجَا وَ إِنْ تَحَيَّرَ عَذَّبَاهُ.
فَقَالَ قَائِلٌ: فَمَا حَالُ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، وَ عَرَفَ نَبِيَّهُ، وَ لَمْ يَعْرِفْ وَلِيَّهُ؟. فَقَالَ: ذَلِكَ مُذَبْذَبٌ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ قِيلَ: فَمَنِ الْوَلِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟. فَقَالَ: وَلِيُّكُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَا، وَ مِنْ بَعْدِي وَصِيِّي، وَ مِنْ بَعْدِ وَصِيِّي لِكُلِّ زَمَانٍ حُجَجُ اللَّهِ كَيْمَا تَقُولُوا كَمَا قَالَ الضُّلَّالُ قَبْلَكُمْ حَيْثُ (1) فَارَقَهُمْ (2) نَبِيُّهُمْ: رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى (3)، وَ إِنَّمَا كَانَ تَمَامُ ضَلَالَتِهِمْ جَهَالَتَهُمْ بِالْآيَاتِ وَ هُمُ الْأَوْصِيَاءُ (4) فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى (5) وَ إِنَّمَا كَانَ تَرَبُّصَهُمْ أَنْ قَالُوا: نَحْنُ فِي سَعَةٍ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَوْصِيَاءِ حَتَّى يُعْلِنَ إِمَامٌ (6) عِلْمَهُ، فَالْأَوْصِيَاءُ قُوَّامٌ عَلَيْكُمْ (7) بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ، وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ، لِأَنَّهُمْ عُرَفَاءُ الْعِبَادِ عَرَّفَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ عِنْدَ أَخْذِ الْمَوَاثِيقِ عَلَيْهِمْ بِالطَّاعَةِ لَهُمْ، فَوَصَفَهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ جَلَّ وَ عَزَّ: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ (8) وَ هُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ، وَ النَّبِيُّونَ شُهَدَاءُ لَهُمْ بِأَخْذِهِ (9) لَهُمْ مَوَاثِيقَ الْعِبَادِ بِالطَّاعَةِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ
____________
(1) في (ك) نسخة: حين، و لا توجد حيث و لا حين في المصدر.
(2) في المصدر: من قبلكم فارقهم.
(3) طه: 134.
(4) في المصدر: و فهم الأوصياء.
(5) طه: 134.
(6) جاءت كلمة: الإمام في المصدر بالألف و اللّام.
(7) في (ك): عليك.
(8) الأعراف: 46.
(9) نسخة في (ك): بأخذهم.
40
كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (1).
وَ كَذَلِكَ (2) أَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ: أَنْ يَا آدَمُ! قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُكَ، وَ قُضِيَتْ نُبُوَّتُكَ، وَ اسْتَكْمَلَتْ أَيَّامُكَ، وَ حَضَرَ أَجَلُكَ، فَخُذِ النُّبُوَّةَ وَ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ وَ اسْمَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ فَادْفَعْهُ إِلَى ابْنِكَ: هِبَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي لَمْ أَدَعِ الْأَرْضَ بِغَيْرِ عَلَمٍ يُعْرَفُ، فَلَمْ تَزَلِ (3) الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَيَّ، وَ أَنَا أَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ وَصِيِّي، وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَ إِنَّ عَلِيّاً يُورَثُ وُلْدُهُ حَيُّهُمْ عَنْ مَيِّتِهِمْ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَدْخُلَ جَنَّةَ رَبِّهِ فَلْيَتَوَلَّ عَلِيّاً وَ الْأَوْصِيَاءَ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لْيُسْلِمْ لِفَضْلِهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْهُدَاةُ بَعْدِي، أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فَهْمِي وَ عِلْمِي، فَهُمْ عِتْرَتِي مِنْ لَحْمِي وَ دَمِي، أَشْكُو إِلَى اللَّهِ عَدُوَّهُمْ وَ الْمُنْكِرَ لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَ الْقَاطِعَ عَنْهُمْ صِلَتِي، فَنَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ (4) شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ وَ مَعْدِنُ الرَّحْمَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَ مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ، فَمَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ (ع) مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ (5)، وَ مَثَلِ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ، فَأَيُّمَا (6) رَايَةٍ خَرَجَتْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَهِيَ الدَّجَّالِيَّةُ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَقْوَاماً انْتَجَبَهُمْ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ وَ النَّصْرِ لَهُ، طَهَّرَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ (7) مُفْتَرَضَ الْقُرْآنِ، وَ الْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا، إِنَّ اللَّهَ خَصَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْتَعُ (8) سَلَامَةٍ، وَ أَجْمَعُ كَرَامَةٍ، اصْطَفَى اللَّهُ مَنْهَجَهُ،
____________
(1) النّساء: 41- 42.
(2) في نسخة جاءت على حاشية (ك): و لذلك.
(3) في المصدر: فلم يزل.
(4) في كشف المحجّة: أهل بيت.
(5) حديث السّفينة سبق، و قد ذكرنا له جملة مصادر، و جاء بألفاظ مختلفة. انظر: الغدير 10- 280 و ما بعدها و غيره.
(6) نسخة في (ك): فإنما.
(7) في (س): إليه.
(8) في المصدر و نسخة في (ك): أمنع.
41
وَ وَصَفَهُ وَ وَصَفَ أَخْلَاقَهُ، وَ وَصَلَ أَطْنَابَهُ مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُكْمٍ (1)، ذِي حَلَاوَةٍ وَ مَرَارَةٍ، فَمَنْ طَهَّرَ (2) بَاطِنَهُ رَأَى عَجَائِبَ مَنَاظِرِهِ فِي مَوَارِدِهِ وَ مَصَادِرِهِ، وَ مَنْ فَطَنَ لِمَا بَطَنَ (3) رَأَى مَكْنُونَ الْفِطَنِ (4) وَ عَجَائِبَ الْأَمْثَالِ وَ السُّنَنِ، فَظَاهِرُهُ أَنِيقٌ (5)، وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ، وَ لَا تَفْنَى (6) غَرَائِبُهُ، وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، فِيهِ مَفَاتِيحُ الْكَلَامِ، وَ مَصَابِيحُ الظَّلَامِ، لَا يُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِحِهِ، وَ لَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ، فِيهِ تَفْصِيلٌ وَ تَوْصِيلٌ، وَ بَيَانُ الِاسْمَيْنِ الْأَعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ جُمِعَا فَاجْتَمَعَا، لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا مَعاً، يُسَمَّيَانِ فَيَفْتَرِقَانِ، وَ يُوصَلَانِ فَيَجْتَمِعَانِ، تَمَامُهُمَا فِي تَمَامِ أَحَدِهِمَا، حَوَالَيْهَا (7) نُجُومٌ، وَ عَلَى نُجُومِهَا نُجُومٌ، لِيَحْمِيَ حَمَاهُ، وَ يَرْعَى مَرْعَاهُ، وَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانُهُ وَ بَيَانُهُ (8) وَ حُدُودُهُ وَ أَرْكَانُهُ، وَ مَوَاضِعُ مَقَادِيرِهِ، وَ وَزْنُ مِيزَانِهِ، مِيزَانِ الْعَدْلِ، وَ حُكْمِ الْفَصْلِ، إِنَّ دُعَاةَ (9) الدِّينِ فَرَّقُوا بَيْنَ الشَّكِّ وَ الْيَقِينِ، وَ جَاءُوا بِالْحَقِّ، بَنَوْا لِلْإِسْلَامِ (10) بُنْيَاناً فَأَسَّسُوا لَهُ أَسَاساً وَ أَرْكَاناً، وَ جَاءُوا عَلَى ذَلِكَ شُهُوداً بِعَلَامَاتٍ وَ أَمَارَاتٍ، فِيهَا كَفْيُ الْمُكَتَفِي، وَ شِفَاءُ الْمُشْتَفِي (11)، يَحْمَوْنَ (12) حَمَاهُ، وَ يَرْعَوْنَ مَرْعَاهُ، وَ يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَ يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ، بِحُبِّ اللَّهِ وَ بِرِّهِ وَ تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَ ذِكْرِهِ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ، يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ، وَ يَتَنَازَعُونَ بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ،
____________
(1) في المصدر: حلم، و هي نسخة في (ك).
(2) في كشف المحجّة: ظهر.
(3) هنا زيادة في المصدر و هي: لما فطر.
(4) في (ك) نسخة: مكتوم الفتن.
(5) الأنيق: المعجب، كما ذكره في مجمع البحرين 5- 136.
(6) و لا تغني: نسخة جاءت في (ك).
(7) نسخة في (ك): عليهما.
(8) لا يوجد في المصدر: و بيانه.
(9) في كشف المحجّة: رعاة.
(10) في المصدر: الإسلام.
(11) في المصدر: المستشفي.
(12) في طبعة (ك): يحومون.
42
وَ يَتَسَاقَوْنَ (1) بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ، وَ يَتَلَاقَوْنَ بِحُسْنِ التَّحِيَّةِ، وَ أَخْلَاقٍ سَنِيَّةٍ، قُوَّامٌ عُلَمَاءُ أُمَنَاءُ (2)، لَا يَسُوقُ (3) فِيهِمُ الرِّيبَةُ، وَ لَا تَشْرَعُ (4) فِيهِمُ الْغِيبَةُ، فَمَنِ اسْتَبْطَنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً اسْتَبْطَنَ خُلْقاً سَنِيّاً (5)، فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَ اجْتَنَبَ مَنْ يُرْدِيهِ، وَ يَدْخُلُ مَدْخَلَ كَرَامَةٍ، وَ يَنَالُ سَبِيلَ سَلَامَةٍ، تَبْصِرَةً لِمَنْ بَصَّرَهُ، وَ طَاعَةً لِمَنْ يَهْدِيهِ (6) إِلَى أَفْضَلِ الدَّلَالَةِ، وَ كَشْفَاً لِغَطَاءِ (7) الْجَهَالَةِ الْمُضِلَّةِ الْمُهْلِكَةِ، وَ مَنْ أَرَادَ بَعْدَ هَذَا فَلْيُظْهِرْ بِالْهُدَى (8) دِينَهُ، فَإِنَّ الْهُدَى لَا تُغْلَقُ أَبْوَابُهُ (9)، وَ قَدْ فُتِحَتْ أَسْبَابُهُ بِبُرْهَانٍ وَ بَيَانٍ، لِامْرِئٍ (10) اسْتَنْصَحَ وَ قَبِلَ نَصِيحَةَ مَنْ نَصَحَ بِخُضُوعٍ وَ حُسْنِ خُشُوعٍ، فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ بِقَبُولِهَا، وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا، وَ السَّلَامُ..
توضيح: إلى المقرّبين في الأظلّة .. أي الذين قربوا إلى اللّه أو (11) إلينا في عالم الظلال و عالم الأرواح قبل حلولها الأجساد، و في بعض النسخ: المقرّين ..
أي أقرّوا بإمامتنا في عالم الأرواح عند الميثاق.
قوله (عليه السلام): المنشئين .. و في بعض النسخ: المنشرين .. أي الذين
____________
(1) نسخة: يتناسقون، و نسخة أخرى: يتراشفون، جاءتا في (ك)، و سيتعرّض لهما المصنّف- في بيانه طاب ثراه.
(2) في المصدر: علماء و أوصياء.
(3) نسخة في (ك): يسوغ.
(4) نسخة في (ك): لا تسرع.
(5) في كشف المحجّة: سيّئا.
(6) في المصدر: لمن أطاع يهديه.
(7) في كشف المحجّة: و كشف غطاء ..
(8) في المصدر: بالمهديّ.
(9) في المصدر: فإنّ المهديّ لا يغلق بابه ..
(10) كذا، و في كشف المحجّة: لأمر.
(11) خ. ل: و، بدلا من: أو.
43
ينشرهم اللّه و يبعثهم و ينشئهم بعد موتهم في الرجعة، أي هذا كتاب إلى المقرّبين، و (تحية) حال، أو خبر ثان، أو خبر مبتدإ محذوف يفسره قوله: سلام عليكم، أو (سلام) مبتدأ و (تحية) خبره، و في الأخير بعد.
و قوله (عليه السلام): كلمة اللّه .. مبتدأ، و قوله: مع اتّباعه .. خبره، و الضمير راجع إلى الروح أو النور، أو الضمير راجع إلى المؤمن بقرينة المقام، و كلمة (اللّه) مفعول المصدر، و يؤيّده أنّ في بعض النسخ: مع اتّباع .. فيكون حال [كذا] عن الضمير المجرور.
و الحاصل، أنّ نور البصيرة- و هي الولاية و معرفة الأئمّة (ع)- يصير سببا لتعلّق روح الإيمان، و بروح الإيمان يحصل و يكمل التوحيد الخالص المقبول، و النور هو الذي مثّل اللّه تعالى به نوره في القرآن المجيد في آية النور (1)، و السبب الذي بأيدي الشيعة أيضا الولاية التي هي سبب التقرّب إلى اللّه و النجاة من عقابه، أو حججها و براهينها، أو علومهم و معارفهم التي علموها مواليهم، و الأحكام (2) و الشرائع خاصّة، فإنّها الوسيلة إلى التقرّب إليه تعالى و إلى حججه (عليهم السلام)، و يؤيّده ما في بعض النسخ و هو قوله: إتيان الواجبات .. و في بعضها: إتيان واجبتان [كذا] [واجبتين- أي الكتاب و أهل البيت (عليهم السلام)- و إنّما أتي بصيغة المفرد أوّلا و ثانيا لارتباطهما بل اتّحادهما حقيقة، و (نعمة) بدل أو عطف بيان للسبب، أو خبر الضمير الراجع إليه.
قوله (عليه السلام): أن لن يحلّ عقده .. لعلّ المراد عقد الإمامة .. أي ليس للناس أن يحلّوا عقدا و بيعة عقده اللّه تعالى لي في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و في بعض النسخ: عقده الأهواء .. أي لا يحلّ ما عقده اللّه تعالى لأحد آراء الناس و أهوائهم.
____________
(1) النور: 35.
(2) في (س): بالأحكام.
44
و قوله (عليه السلام): كما قد وقع .. لعلّه إشارة إلى الصلح و الرضا بالحكمين، أو إلى بعض غزوات الصفين (1)، فعلى الأول سير الجنود إشارة إلى قتال الخوارج، و على الثاني إلى ما أراد (عليه السلام) من الرجوع إلى قتال معاوية.
و الحِرَابُ: مصدرٌ كالمُحَارَبَةِ، و جمع حَرْبَة (2)، و فيها هنا تجوز، و يمكن أن يقرأ بالضمّ و التشديد جمع حَارِبٍ، و في بعض النسخ: أَحْزَاب .. أي أحزاب الشرك الذين حاربوا الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و الأُرَفٌ، كَغُرَفٍ جمع: أُرْفَةٍ- بالضم-، و هي الحدّ بين الأرضين، و أَرَّفَ على الأرض تأريفاً جعل لها حدودا و قسمها (3).
و نصّ الشيء: أظهره (4).
و في بعض النسخ: رَصّاً- بالراء- من قولهم: رَصَّ البناء رصّاً: إذا لصق بعضه ببعض (5).
قوله (عليه السلام): حيّهم (6) .. أي يرث حيّهم (7).
و المراد بالاسمين الأعلين: كلمتا التوحيد، أو القرآن و أهل البيت (عليهم السلام)، و المراد بالنجوم أوّلا الأئمّة، و ثانيا الدلائل الدالّة على إمامتهم.
قوله (عليه السلام): ليحيى حماه .. الضمير راجع إلى الإسلام، و حماه ما حرّمه اللّه فيه، و مرعاه ما أحلّه، و ميزان العدل بيان للميزان، و حكم الفصل الحكم الذي يفصل بين الحقّ و الباطل، و يقال: كَفْيُكَ مِنْ رَجُلٍ- مثلثة حَسْبُكَ (8).
____________
(1) كذا، و لعلّه من باب إضافة المظروف إلى ظرفه، أي غزوات من الصفين.
(2) كما جاء في القاموس 1- 53، و لسان العرب 1- 303، و غيرهما.
(3) قاله في لسان العرب 9- 4، و القاموس 3- 117.
(4) ذكره في تاج العروس 4- 440، و القاموس 2- 319، و غيرهما.
(5) صرّح به في الصحاح 3- 1041، و لسان العرب 7- 40.
(6) في (س): حبّهم.
(7) في (س): حبّهم.
(8) كما جاء في القاموس 4- 383، و تاج العروس 10- 316 و غيرهما.
45
و قوله: يحبّ (1) اللّه .. إما متعلّق بيفجرون، أو به و بما قبله على التنازع، أو بقوله: يتواصلون.
قوله: و يتساقون .. تَفَاعُلٌ مِنَ السَّقْيِ. و في بعض النسخ: يَتَنَاسَقُونَ ..
أي يَتَتَابَعُونَ (2)، و في بعضها: يَتَرَاشَفُونَ من قولهم رَشَفَ الْمَاءَ: مَصَّهُ (3).
أقول: و كانت النسخ التي عندنا سقيمة فصحّحناها على ما تيسّر من اجتماعها، و عسى أن تيسر نسخة أخرى أقرب إلى الصحّة، و باللّه التوفيق.
____________
(1) في (س): بجب، و الظاهر بحبّ- بالحاء المهملة-.
(2) قال في القاموس 3- 285: و ناسق بينهما: تابع، و تناسقت الأشياء و انتسقت و تنسّقت بعضها إلى بعض بمعنى. و قال في النهاية 5- 48: ناسق بمعنى تابع.
(3) صرّح بذلك في القاموس 3- 144، و لسان العرب 9- 119.
47
[17] باب احتجاج الحسين (عليه السلام) على عمر و هو على المنبر
1- ج (1): رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّهُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) مِنْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: انْزِلْ أَيُّهَا الْكَذَّابُ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، لَا مِنْبَرِ (2) أَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَمِنْبَرُ أَبِيكَ لَعَمْرِي يَا حُسَيْنُ! لَا مِنْبَرُ أَبِي، مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا (3)؟ أَبُوكَ (4) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟.
فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنْ أُطِعْ أَبِي فِيمَا أَمَرَنِي فَلَعَمْرِي إِنَّهُ لَهَادٍ وَ أَنَا مُهْتَدٍ بِهِ، وَ لَهُ فِي رِقَابِ النَّاسِ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) نَزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُنْكِرُهَا أَحَدٌ إِلَّا جَاحِدٌ بِالْكِتَابِ، قَدْ عَرَفَهَا النَّاسُ بِقُلُوبِهِمْ وَ أَنْكَرُوهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَ وَيْلٌ لِلْمُنْكِرِينَ حَقَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ (ع)، مَا ذَا يَلْقَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ إِدَامَةِ الْغَضَبِ وَ شِدَّةِ الْعَذَابِ؟!.
____________
(1) الاحتجاج 2- 292 [طبعة النّجف 2- 13- 15] تحت عنوان: احتجاج الحسين بن عليّ (عليهما السلام) على عمر ..
(2) في (س): إلى منبر .. و هو الظّاهر.
(3) إلى هنا ورد في تاريخ ابن عساكر 4- 321، و فيه: من أمرك بهذا. و حكاه عنه في الغدير 7- 126.
(4) لا توجد: أبوك، في (س).
48
فَقَالَ (1) عُمَرُ: يَا حُسَيْنُ! مَنْ أَنْكَرَ حَقَّ أَبِيكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ! أَمَّرَنَا النَّاسُ فَتَأَمَّرْنَا، وَ لَوْ أَمَّرُوا أَبَاكَ لَأَطَعْنَا. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ (ع): يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَأَيُّ النَّاسِ أَمَّرَكَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تُؤَمِّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى نَفْسِكَ لِيُؤَمِّرَكَ عَلَى النَّاسِ بِلَا حُجَّةٍ مِنْ نَبِيٍّ وَ لَا رِضًى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ؟! فَرِضَاكُمْ كَانَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ رِضًى، أَوْ رِضَى أَهْلِهِ كَانَ لَهُ سَخَطاً؟! أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنْ لِلِّسَانِ مَقَالًا يَطُولُ تَصْدِيقُهُ، وَ فِعْلًا يُعِينُهُ الْمُؤْمِنُونَ لَمَا تَخَطَّيْتَ رِقَابَ آلِ مُحَمَّدٍ (ص)، تَرْقَى مِنْبَرَهُمْ وَ صِرْتَ الْحَاكِمَ عَلَيْهِمْ بِكِتَابٍ نَزَلَ فِيهِمْ، لَا تَعْرِفُ مُعْجَمَهُ، وَ لَا تَدْرِي تَأْوِيلَهُ إِلَّا سَمَاعَ الْآذَانِ، الْمُخْطِئُ وَ الْمُصِيبُ (2) عِنْدَكَ سَوَاءٌ، فَجَزَاكَ اللَّهُ جَزَاكَ، وَ سَأَلَكَ عَمَّا أَحْدَثْتَ سُؤَالًا حَفِيّاً.
قَالَ: فَنَزَلَ عُمَرُ مُغْضَباً وَ مَشَى مَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى بَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ (3): يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا لَقِيتُ مِنِ (4) ابْنِكَ الْحُسَيْنِ؟! يُجْهِرُنَا بِصَوْتٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ يُحَرِّضُ عَلَيَّ الطَّغَامَ وَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟!.
فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ (عليه السلام): مِثْلُ (5) الْحُسَيْنِ ابْنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَسْتَحِثُ (6) بِمَنْ لَا حُكْمَ لَهُ، أَوْ يَقُولُ بِالطَّغَامِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، أَمَا وَ اللَّهِ مَا نِلْتَ مَا نِلْتَ (7) إِلَّا بِالطَّغَامِ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّضَ الطَّغَامَ!.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): مَهْلًا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! فَإِنَّكَ لَنْ تَكُونَ قَرِيبَ الْغَضَبِ، وَ لَا لَئِيمَ الْحَسَبِ، وَ لَا فِيكَ عُرُوقٌ مِنَ السُّودَانِ، اسْمَعْ كَلَامِي، وَ لَا
____________
(1) في (ك): فقال له.
(2) وضع على كلمة: المصيب في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، و هي موجودة في المصدر.
(3) في (ك): فقال له.
(4) في الاحتجاج: ما لقيت اليوم من ..
(5) في المصدر: على مثل ..
(6) في الاحتجاج: يشخب، بدلا من: يستحثّ.
(7) لا توجد: ما نلت، الثّانية في المصدر. و في (ك): تحت (ما) الأولى .. أي نافية، و تحت (ما) الثّانية .. أي موصولة.
49
تَعْجَلْ بِالْكَلَامِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّهُمَا لَيَهُمَّانِ فِي أَنْفُسِهِمَا بِمَا لَا يُرَى بِغَيْرِ الْخِلَافَةِ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هُمَا أَقْرَبُ نَسَباً بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ أَبِيهِمَا (1) أَمَا فَأَرْضِهِمَا- يَا ابْنَ الْخَطَّابِ- بِحَقِّهِمَا يَرْضَ عَنْكَ مَنْ بَعْدَهُمَا. قَالَ: وَ مَا رِضَاهُمَا يَا أَبَا الْحَسَنِ؟ قَالَ: رِضَاهُمَا الرَّجْعَةُ عَنِ الْخَطِيئَةِ، وَ التَّقِيَّةُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَدِّبْ- يَا أَبَا الْحَسَنِ- ابْنَكَ أَنْ لَا يَتَعَاطَى السَّلَاطِينَ الَّذِينَ هُمُ الْحُكَمَاءُ (2) فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَا أُؤَدِّبُ أَهْلَ الْمَعَاصِي عَلَى مَعَاصِيهِمْ، وَ مَنْ أَخَافُ عَلَيْهِ الزَّلَّةَ وَ الْهَلَكَةَ، فَأَمَّا مَنْ وَلَدَهُ (3) رَسُولُ اللَّهِ (ص) لَا يَحُلُ (4) أَدَبُهُ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ (5) إِلَى أَدَبٍ خَيْرٍ لَهُ مِنْهُ، أَمَا فَأَرْضِهِمَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ!.
قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ فَاسْتَقْبَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (6): يَا أَبَا حَفْصٍ! مَا صَنَعْتَ وَ قَدْ (7) طَالَتْ بِكُمَا الْحُجَّةُ؟. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:
وَ هَلْ حُجَّةٌ مَعَ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ شِبْلَيْهِ؟!. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! هُمْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الْأَسْمَنُونَ وَ النَّاسُ عِجَافٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَعُدُّ (8) مَا صِرْتَ إِلَيْهِ فَخْراً فَخَرْتَ بِهِ، أَ بِحُمْقِكَ (9)؟. فَقَبَضَ عُثْمَانُ عَلَى مَجَامِعِ ثِيَابِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ وَ رَدَّهُ، ثُمَّ قَالَ (10): يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! كَأَنَّكَ تُنْكِرُ مَا أَقُولُ. فَدَخَلَ بَيْنَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
____________
(1) في الاحتجاج: من أن يهمّا، بدلا من: من أبيهما.
(2) في (ك) نسخة: الحكّام.
(3) في الاحتجاج: والده ..
(4) في المصدر: و نحله أدبه، و في نسخة في (ك): لا يخلّ ..
(5) في الاحتجاج: لا ينتقل.
(6) في (ك): عبد الرّحمن بن عوف.
(7) في المصدر: فقد.
(8) في (ك): أعذ.
(9) لا توجد همزة الاستفهام في المصدر.
(10) في الاحتجاج: نبذ به، و ردّه ثمّ قال له ..
50
وَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَ افْتَرَقَ الْقَوْمُ (1).
بيان: قوله (عليه السلام): إلّا سماع الآذان .. أي لا تعرف معنى الكتاب إلّا بما تسمعه الآذان من الناس، و في بعض النسخ: الفعلان- بصيغة الغيبة- أي لا يمكن معرفة الكتاب و تأويله إلّا (2) بالسماع ممّن ينتهي عمله إلى الوحي الإلهي.
و الحفاوة و الحفاية (3) و الإحفاء: الاستقصاء في السّؤال (4).
و التحريض على القتال: الحثّ (5) و التّرغيب و التّحريض عليه.
و الطَّغامُ: الأَرَاذِلُ (6).
قوله: ليهمّان .. أي يقصدان أمرا لا يحصل إلّا بالخلافة، فأجاب (عليه السلام) بأنّ الخلافة غير بعيد منهما، فإنّ أباهما خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هما أقرب نسبا به (صلّى اللّه عليه و آله) منه.
قوله (عليه السلام): فإنّه ينتقل .. أي يترقّى بنفسه في الآداب الحسنة من غير تأديب، و يحتمل الاستفهام الإنكاري، و يؤيّده أنّ في بعض النسخ: ويحك! أ أؤدّبه؟! فإنّه ينتقل ..
و السمن .. كناية عن وفور المال و الشرف، كما أنّ العجف .. كناية عن
____________
(1) و تجد نظائر هذه الاحتجاجات من ريحانتي رسول اللّه و سيّدي شباب أهل الجنّة (سلام اللّه عليهما) كثيرة. انظر كتب العامّة: الرّياض النّضرة 1- 139، الصّواعق المحرقة: 108، تاريخ الخلفاء للسّيوطيّ: 4، كنز العمّال 3- 132، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 17، و غيرها.
(2) في (س): أي، بدلا من: إلّا.
(3) و قال في القاموس 4- 318: و حفي به- كرضي- حفاوة و يكسر و حفاية- بالكسر- و تحفاية فهو حاف و حفيّ- كغنيّ- و تحفّى، و احتفى: بالغ في إكرامه و أظهر السرور و الفرح، و أكثر السؤال عن حاله.
(4) كما في مجمع البحرين 1- 104، و النهاية 1- 410، و غيرهما.
(5) قاله في القاموس 2- 327، و انظر: الصحاح 3- 1070.
(6) ذكره في النهاية 3- 128، و الصحاح 5- 1975، و غيرهما.
51
عدمهما و قلّتهما.
2- كشف (1): عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- وَ هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي. فَبَكَى عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقْتَ يَا بُنَيَّ، مِنْبَرُ أَبِيكَ لَا مِنْبَرُ أَبِي! فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا هُوَ وَ اللَّهِ عَنْ رَأْيِي. فَقَالَ: صَدَقْتَ! وَ اللَّهِ مَا اتَّهَمْتُكَ (2) يَا أَبَا الْحَسَنِ، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَأَخَذَهُ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَخَطَبَ النَّاسَ- وَ هُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ مَعَهُ (3)-، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
احْفَظُونِي فِي عِتْرَتِي وَ ذُرِّيَّتِي، فَمَنْ حَفِظَنِي فِيهِمْ حَفِظَهُ اللَّهُ، أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ آذَانِي فِيهِمْ. ثَلَاثاً.
3- ما (4):- ابْنُ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ عُقْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الضَّرِيرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْمَكِّيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ زَيْدٍ .. مِثْلَهُ.
____________
(1) كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 1- 552 [المطبعة العلمية قم: 1- 416].
(2) في المصدر: ما أتّهمك .. و نظير ما في المتن في أمالي الشّيخ.
(3) في (ك): و هو جالس معه على المنبر .. و هي موافقة لما في الأمالي.
(4) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 2- 313- 314، و حكاه عنه في معالم الزّلفى 59.
أقول: ما في الأمالي عين ما في الكشف متنا لا إسنادا، و فيه: عن كثير، عن زيد بن عليّ، عن أبيه .. و ما قبل كثير لم نجده هناك، فراجع.
53
[18] باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و رجوعهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)
و قد أوردنا كثيرا من ذلك في أبواب الاحتجاج (1)، و نورد هاهنا أمثالها بأسانيد أخرى لمناسبتها لهذا الكتاب أيضا، و لكونها مشتملة على تغييرات و زيادات.
1- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (2): بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ مَرْفُوعاً إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ الَّذِي ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ قُرَيْشاً بَعْدَ نَبِيِّهَا (صلّى اللّه عليه و آله) لِيُعَرِّفَهَا أَنْفُسَهَا وَ يَجْرَحَ (3) شَهَادَتَهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) في مطبوع البحار: الاحتجات، و لعلّه: الاحتجاجات.
انظر: بحار الأنوار، المجلد العاشر، في احتجاجاتهم (عليهم السلام) في فروع و مسائل مختلفة.
(2) إرشاد القلوب 2- 92- 108 [2- 299- 315] في كلامه مع الجاثليق. و قد ذكرنا أكثر الاختلافات بين المصدر و المتن مع عدم تثبّتنا من صحّة هذه الطّبعة لكثرة ما فيها من أغلاط.
(3) في المصدر: و تخرج ..
54
(صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَ دَحَضَ حُجَّتَهَا، وَ كَشَفَ غِطَاءَ (1) مَا أَسَرَّتْ فِي قُلُوبِهَا، وَ أَخْرَجَتْ ضَغَائِنَهَا لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَجْمَعِينَ وَ أَزَالَتْهُمْ عَنْ إِمَامَتِهِمْ، وَ مِيرَاثِ كِتَابِ اللَّهِ فِيهِمْ، مَا عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، وَ شَمَلَتْ فَضِيحَتُهُ، وَ وَضَحَتْ هِدَايَةُ اللَّهِ فِيهِ لِأَهْلِ (2) دَعْوَتِهِ وَ وَرَثَةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَارَتْ (3) بِهِ قُلُوبُ أَوْلِيَائِهِمْ، وَ غَمَرَهُمْ نَفْعُهُ وَ أَصَابَهُمْ بَرَكَاتُهُ: أَنَ (4) مَلِكَ الرُّومِ لَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ (5) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ خَبَرُ أُمَّتِهِ وَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِمْ، وَ تَرْكِهِمْ سَبِيلَ هِدَايَتِهِمْ، وَ ادِّعَائِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ لَمْ يُوصِ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ إِهْمَالَهُ إِيَّاهُمْ يَخْتَارُوا (6) لِأَنْفُسِهِمْ، وَ تَوْلِيَتِهِمُ الْأَمْرَ بَعْدَهُ الْأَبَاعِدَ مِنْ قَوْمِهِ، وَ صَرْفِ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ وَرَثَتِهِ وَ قَرَابَتِهِ (7)، دَعَا عُلَمَاءَ بَلَدِهِ وَ اسْتَفْتَاهُمْ (8) فَنَاظَرَهُمْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي ادَّعَتْهُ قُرَيْشٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَجَابُوهُ بِجَوَابَاتٍ مِنْ حُجَجِهِمْ عَلَى أَنَّهُ (9) مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَسَأَلَ أَهْلُ مَدِينَتِهِ أَنْ يُوَجِّهَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمُنَاظَرَتِهِمْ وَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ الْجَاثَلِيقَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ أَسَاقِفَتِهِ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَةَ رَجُلٍ، فَخَرَجُوا يَقْدُمُهُمْ جَاثَلِيقٌ لَهُمْ قَدْ أَقَرَّتِ الْعُلَمَاءُ لَهُ جَمِيعاً بِالْفَضْلِ وَ الْعِلْمِ، مُتَبَحِّراً (10) فِي عِلْمِهِ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ تَأْوِيلِهِ، وَ يَرُدُّ كُلَّ فَرْعٍ
____________
(1) لا توجد في المصدر: و كشف غطاء.
(2) لا توجد: لأهل، في المصدر.
(3) في المصدر: و أثارت.
(4) زيادة في المصدر قبل كلمة أنّ، و هي: و عمّهم نفعه و أضاء به برهانه أنّ ..
(5) في إرشاد القلوب: خبر وفاة ..
(6) في إرشاد القلوب: حتّى يختاروا.
(7) في المصدر: و ذرّيّته و أقربائه.
(8) في إرشاد القلوب و نسخة جاءت على (ك): و أساقفتهم.
(9) في (ك): أمّة.
(10) في (ك): متجرّئا.
55
إِلَى أَصْلِهِ، لَيْسَ بِالْخُرْقِ (1) وَ لَا بِالنَّزِقِ (2) وَ لَا بِالْبَلِيدِ وَ الرِّعْدِيدِ (3)، وَ لَا النَّكِلِ (4) وَ لَا الْفَشِلِ يَنْصِتُ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ، وَ يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ، وَ يَصْبِرُ إِذَا مُنِعَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ خِيَارِ (5) أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ الْقَوْمُ عَنْ رَوَاحِلِهِمْ، فَسَأَلَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَمَّنْ أَوْصَى إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ فَدَلُّوهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَوْا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَدَخَلُوا، عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَ هُوَ فِي حَشَدَةٍ (6) مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ أَنَا فِي الْقَوْمِ (7)، فَوَقَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ زَعِيمُ الْقَوْمِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .. فَرَدُّوا (عليه السلام)، فَقَالَ:
أَرْشِدُونَا إِلَى الْقَائِمِ مَقَامَ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ مِنَ الرُّومِ، وَ إِنَّا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليهما السلام)، فَقَدِمْنَا (8) لَمَّا بَلَغَنَا وَفَاةُ نَبِيِّكُمْ وَ اخْتِلَافُكُمْ نَسْأَلُ (9) عَنْ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَ نَسْتَرْشِدُ لِدِينِنَا، وَ نَتَعَرَّفُ (10) دِينَكُمْ، فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ دِينِنَا دَخَلْنَا فِيهِ وَ سَلَّمْنَا وَ قَبِلْنَا الرُّشْدَ مِنْكُمْ طَوْعاً وَ أَجَبْنَاكُمْ إِلَى دَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ (ص)، وَ إِنْ يَكُنْ عَلَى
____________
(1) الحمق و ضعف العقل، كذا جاء في حاشية (ك).
أقول: قال في النّهاية 2- 16: الخرق- بالضّمّ-: الجهل و الحمق.
(2) جاء في (ك) كذا: نزق- كفرح و ضرب-: طاش و حفّ عند الغضب. قاموس.
انظر: القاموس 3- 285. و في المصدر: البزق. قال في القاموس 3- 213: بزق: بسق، و الأرض: بذرها، و الشّمس: بزغت.
(3) فسّره في حاشية (ك) ب: الجبان، قاله في القاموس 1- 295. و في المصدر: الرّعيد.
(4) نكل عن العدوّ و عن اليمين ينكل- بالضّمّ-: أي جبن، و النّاكل: الجبان الضّعيف. صحاح.
كذا جاء في حاشية (ك). انظر: الصّحاح 5- 1835.
(5) في المصدر: أخبار قومه- بالباء الموحّدة-، و الظّاهر: أخيار، أو أحبار.
(6) في حاشية (ك) عبارة و هي: عندي حشد من النّاس: أي جماعة. صحاح.
انظر: صحاح اللّغة 2- 2465، و فيه: حسك. كما في الإرشاد. قال في القاموس 3- 298:
الحسك: الحقد و العداوة، و حسك: غضب.
(7) في إرشاد القلوب: و باقي القوم، بدلا من: و أنا في القوم.
(8) في المصدر: قدمنا.
(9) في (س): لنسأل.
(10) في المصدر: نتعرّض.
56
خِلَافِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَ جَاءَ بِهِ عِيسَى (عليه السلام) رَجَعْنَا إِلَى دَيْنِ الْمَسِيحِ فَإِنَّ عِنْدَهُ مِنْ عَهْدٍ رَأَيْنَا فِيهِ أَنْبِيَاءَهُ (1) وَ رُسُلَهُ دَلَالَةً وَ نُوراً وَاضِحاً، فَأَيُّكُمْ صَاحِبُ الْأَمْرِ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ (صلّى اللّه عليه و آله)؟
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هَذَا صَاحِبُنَا (2) وَ وَلِيُّ الْأَمْرِ بَعْدَ نَبِيِّنَا.
قَالَ الْجَاثَلِيقُ: هُوَ هَذَا الشَّيْخُ؟!.
فَقَالَ (3): نَعَمْ.
فَقَالَ: يَا شَيْخُ (4)! أَنْتَ الْقَائِمُ الْوَصِيُّ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أُمَّتِهِ؟
وَ أَنْتَ الْعَالِمُ الْمُسْتَغْنِي بِعِلْمِكَ مِمَّا عَلَّمَكَ (5) نَبِيُّكَ مِنْ أَمْرِ الْأُمَّةِ وَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ؟.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا، مَا أَنَا بِوَصِيٍّ.
قَالَ لَهُ: فَمَا أَنْتَ؟! قَالَ عُمَرُ: هَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ اسْتَخْلَفَكَ فِي أُمَّتِهِ؟.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا.
قَالَ: فَمَا هَذَا الِاسْمُ الَّذِي ابْتَدَعْتُمُوهُ وَ ادَّعَيْتُمُوهُ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ؟!. فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَا كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ (صلوات الله عليهم) فَوَجَدْنَا الْخِلَافَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ آدَمَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ، وَ نَوَّهَ (6) بِاسْمِ دَاوُدَ (عليه السلام) فَقَالَ: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ (7)
____________
(1) في المصدر: ربّنا في أنبيائه. و هي نسخة في مطبوع البحار.
(2) في إرشاد القلوب زيادة: هذا صاحب أمر نبيّنا بعده قالوا: هذا صاحبنا.
(3) في المصدر: فقالوا.
(4) في المصدر: أيّها الشّيخ ..
(5) لا توجد في المصدر: ممّا علّمك.
(6) نوّهه و به: دعاه و رفعه، قاله في القاموس 4- 294.
(7) سورة ص: 26.
57
كَيْفَ تَسَمَّيْتُمْ (1) بِهَذَا الِاسْمِ؟ وَ مَنْ سَمَّاكَ بِهِ؟ أَ نَبِيُّكَ سَمَّاكَ بِهِ؟.
قَالَ: لَا، وَ لَكِنْ تَرَاضَوُا النَّاسُ فَوَلَّوْنِي وَ اسْتَخْلَفُونِي.
فَقَالَ: أَنْتَ خَلِيفَةُ قَوْمِكَ لَا نَبِيِّكَ (2)، وَ قَدْ قُلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُوصِ إِلَيْكَ، وَ قَدْ وَجَدْنَا فِي كُتُبٍ مِنْ (3) سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا وَ لَهُ وَصِيٌّ يُوصِي إِلَيْهِ (4)، وَ يَحْتَاجُ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَى عِلْمِهِ وَ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُمْ، وَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّهُ لَمْ يُوصِ كَمَا أَوْصَتِ الْأَنْبِيَاءُ، وَ ادَّعَيْتَ أَشْيَاءَ لَسْتَ بِأَهْلِهَا، وَ مَا أَرَاكُمْ إِلَّا وَ قَدْ دَفَعْتُمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ وَ قَدْ أَبْطَلْتُمْ سُنَنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي قَوْمِهِمْ.
قَالَ: فَالْتَفَتَ (5) الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّداً لَمْ يَأْتِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وَ إِنَّمَا كَانَ أَمْرُهُ بِالْغَلَبَةِ، وَ لَوْ كَانَ نَبِيّاً لَأَوْصَى كَمَا أَوْصَتِ الْأَنْبِيَاءُ، وَ خَلَّفَ فِيهِمْ كَمَا خَلَّفَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمِيرَاثِ وَ الْعِلْمِ، وَ لَسْنَا نَجِدُ عِنْدَ الْقَوْمِ أَثَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ كَالْأَسَدِ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ! أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَقْرَرْتَ أَنَّ مُحَمَّداً (6) لَمْ يُوصِ إِلَيْكَ وَ لَا اسْتَخْلَفَكَ وَ إِنَّمَا تَرَاضَوُا النَّاسُ بِكَ، وَ لَوْ رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِرِضَى (7) الْخَلْقِ وَ اتِّبَاعِهِمْ لِهَوَاهُمْ وَ اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ مَا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ، وَ آتَاهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ لِيُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ مَا يَأْتُونَ وَ يَذَرُونَ وَ مَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (8) فَقَدْ دَفَعْتُمُ النَّبِيِّينَ عَنْ رِسَالاتِهِمْ، وَ اسْتَغْنَيْتُمْ بِالْجَهْلِ مِنِ اخْتِيَارِ النَّاسِ عَنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الرُّسُلَ لِلْعِبَادِ، وَ اخْتِيَارِ الرُّسُلِ لِأُمَّتِهِمْ، وَ نَرَاكُمْ تُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ
____________
(1) في المصدر: فكيف تسمّيت ..
(2) في المصدر: لا خليفة نبيّك.
(3) لا توجد: كتب من، في المصدر.
(4) في إرشاد القلوب: يوصي به اليوم.
(5) في المصدر: ثمّ التفت.
(6) في المصدر: محمّدا النّبيّ.
(7) في إرشاد القلوب: لرضى.
(8) النّساء: 165.
58
وَ جَلَّ وَ عَلَى نَبِيِّكُمْ، وَ لَا تَرْضَوْنَ إِلَّا أَنْ تَتَسَمَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخِلَافَةِ، وَ هَذَا لَا يَحِلُّ إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ وَصِيِّ نَبِيٍّ، وَ إِنَّمَا تَصِحُّ الْحُجَّةُ لَكُمْ بِتَأْكِيدِكُمُ النُّبُوَّةَ لِنَبِيِّكُمْ وَ أَخْذِكُمْ بِسُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِي هُدَاهُمْ، وَ قَدْ تَغَلَّبْتُمْ فَلَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ فِيمَا ادَّعَيْتُمْ حَتَّى نَعْرِفَ سَبِيلَ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ، وَ نَعْرِفَ الْحَقَّ فِيكُمْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، أَ صَوَابٌ مَا فَعَلْتُمْ بِإِيمَانٍ أَمْ كَفَرْتُمْ بِجَهْلٍ (1)؟.
ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ! أَجِبْ.
قَالَ:: فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيُجِيبَ عَنْهُ، فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً، ثُمَّ الْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: بِنَاءُ الْقَوْمِ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ وَ لَا أَرَى لَهُمْ حُجَّةً، أَ فَهِمْتُمْ؟.
قَالُوا: بَلَى.
ثُمَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا شَيْخُ! أَسْأَلُكَ؟.
قَالَ: سَلْ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِّي وَ عَنْكَ مَا (2) أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ، وَ مَا أَنَا عِنْدَ اللَّهِ (3)؟.
قَالَ: أَمَّا أَنَا فَعِنْدَ نَفْسِي مُؤْمِنٌ، وَ مَا أَدْرِي مَا أَنَا عِنْدَ اللَّهِ فِيمَا بَعْدُ، وَ أَمَّا أَنْتَ فَعِنْدِي كَافِرٌ، وَ مَا (4) أَدْرِي مَا أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ؟.
قَالَ الْجَاثَلِيقُ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ مَنَّيْتَ نَفْسَكَ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَ جَهِلْتَ مَقَامَكَ فِي إِيمَانِكَ، أَ مُحِقٌّ أَنْتَ فِيهِ أَمْ مُبْطِلٌ، وَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَنَّيْتَنِي الْإِيمَانَ بَعْدَ الْكُفْرِ، فَمَا أَحْسَنَ حَالِي وَ أَسْوَأَ (5) حَالَكَ عِنْدَ نَفْسِكَ، إِذْ كُنْتَ لَا تُوقِنُ بِمَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَدْ شَهِدْتَ لِي بِالْفَوْزِ وَ النَّجَاةِ، وَ شَهِدْتَ لِنَفْسِكَ بِالْهَلَاكِ وَ الْكُفْرِ.
____________
(1) في المصدر: بإيمان أو بجهل و كفرتم ..
(2) في (ك): و ما.
(3) لا توجد: عند اللّه .. في المصدر.
(4) في (ك): و لا، بدلا من: و ما، و في المصدر: و لا أدري ما أدري قال: ..
(5) في المصدر: ما أسوأ ..
59
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: طِيبُوا نَفْساً (1) فَقَدْ شَهِدَ لَكُمْ بِالنَّجَاةِ بَعْدَ الْكُفْرِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا شَيْخُ! أَيْنَ مَكَانُكَ السَّاعَةَ مِنَ الْجَنَّةِ إِذَا ادَّعَيْتَ الْإِيمَانَ، وَ أَيْنَ مَكَانِي مِنَ النَّارِ؟!.
قَالَ: فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ وَ أبو [أَبِي عُبَيْدَةَ مَرَّةً أُخْرَى لِيُجِيبَا عَنْهُ، فَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدُهُمَا (2).
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَيْنَ مَكَانِي وَ مَا حَالِي عِنْدَ اللَّهِ؟.
قَالَ الْجَاثَلِيقُ: يَا هَذَا! أَخْبِرْنِي كَيْفَ اسْتَجَزْتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَجْلِسَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِ غَيْرِكَ؟ فَهَلْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (3) مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَا أَعْلَمُكَ وَ إِيَّاهُمْ إِلَّا وَ قَدْ حَمَّلُوكَ أَمْراً عَظِيماً، وَ سَفِهُوا بِتَقْدِيمِهِمْ إِيَّاكَ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ يَعْجِزُ عَمَّا سَأَلْتُكَ كَعَجْزِكَ فَأَنْتَ وَ هُوَ وَاحِدٌ فِي دَعْوَاكُمْ، فَأَرَى نَبِيَّكُمْ إِنْ كَانَ نَبِيّاً فَقَدْ ضَيَّعَ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَهْدَهُ وَ مِيثَاقَهُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْأَوْصِيَاءِ لِأُمَّتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُقِمْ وَصِيّاً لِيَتَفَرَّغُوا (4) إِلَيْهِ فِيمَا (5) تَتَنَازَعُونَ (6) فِي أَمْرِ دِينِكُمْ، فَدُلُّونِي عَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، فَعَسَاهُ فِي الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِنْكَ فِي (7) مُحَاوَرَةٍ وَ جَوَابٍ وَ بَيَانٍ وَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَثَرِ النُّبُوَّةِ وَ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَ لَقَدْ ظَلَمَكَ الْقَوْمُ وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِيكَ.
قَالَ سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا نَزَلَ بِالْقَوْمِ مِنَ الْبَهْتِ وَ الْحَيْرَةِ وَ الذُّلِ
____________
(1) في المصدر: أنفسكم.
(2) في إرشاد القلوب: أحد منهما قال إنّه قال: ..
(3) في المصدر: نبيّكم، بدلا من: محمّد.
(4) في (ك): لتفزعوا.
(5) في المصدر: لأمّتهم ليفزعوا إليهم فيما ..
(6) في المصدر: يتنازعون. و هي نسخة في مطبوع البحار.
(7) في إرشاد القلوب: في العلم أقلّ منكم في ..
60
وَ الصَّغَارِ، وَ مَا حَلَّ بِدِينِ مُحَمَّدٍ (ص)، وَ مَا نَزَلَ بِالْقَوْمِ مِنَ الْحُزْنِ، نَهَضْتُ- لَا أَعْقِلُ أَيْنَ أَضَعَ قَدَمِي- إِلَى بَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَخَرَجَ وَ هُوَ (1) يَقُولُ: مَا دَهَاكَ يَا سَلْمَانُ؟!. قَالَ: قُلْتُ: هَلَكَ دِينُ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) (2)، وَ هَلَكَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ ظَهَرَ أَهْلُ الْكُفْرِ عَلَى دِينِهِ وَ أَصْحَابِهِ بِالْحُجَّةِ، فَأَدْرِكْ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!- دِينَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الْقَوْمُ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ وَ لَا بُدَّ وَ لَا حِيلَةَ، وَ أَنْتَ الْيَوْمَ مُفَرِّجُ كَرْبِهَا، وَ كَاشِفُ بَلْوَاهَا، وَ صَاحِبُ مِيسَمِهَا (3) وَ تَاجُهَا، وَ مِصْبَاحُ ظُلَمِهَا، وَ مِفْتَاحُ مُبْهَمِهَا.
قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَ (4) مَا ذَاكَ؟.
قَالَ: قُلْتُ: قَدْ قَدِمَ قَوْمٌ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ فِي مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ مِنْ قَوْمِهِمْ (5) يَقْدُمُهُمْ جَاثَلِيقٌ لَهُمْ (6) لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يُورِدُ الْكَلَامَ عَلَى مَعَانِيهِ، وَ يَصْرِفُهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ (7)، وَ يُؤَكِّدُ حُجَّتَهُ وَ يُحْكِمُ ابْتِدَاءَهُ، لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ حُجَّتِهِ وَ لَا سُرْعَةِ جَوَابِهِ مِنْ كُنُوزِ عِلْمِهِ، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ- وَ هُوَ فِي جَمَاعَةٍ- فَسَأَلَهُ عَنْ مَقَامِهِ وَ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُ (8) بِالْخِلَافَةِ، وَ غَلَبَهُمْ بِادِّعَائِهِمْ تَخْلِيفَهُمْ مَقَامَهُ، فَأَوْرَدَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَسْأَلَةً أَخْرَجَهُ بِهَا عَنْ إِيمَانِهِ، وَ أَلْزَمَهُ الْكُفْرَ وَ الشَّكَّ فِي دِينِهِ، فَعَلَتْهُمْ لِذَلِكَ (9) ذِلَّةٌ وَ خُضُوعٌ وَ حَيْرَةٌ، فَأَدْرِكْ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- دِينَ مُحَمَّدٍ،
____________
(1) لا توجد: و هو، في (س).
(2) في المصدر: هلك دين اللّه و ..
(3) الميسم- بكسر الميم-: أثر الحسن، قاله في القاموس 4- 186.
(4) وضع في مطبوع البحار على حرف الواو رمز نسخة بدل.
(5) في المصدر: من أشراف قومهم.
(6) لا توجد: لهم، في المصدر.
(7) في (س): على ما تأويله.
(8) في إرشاد القلوب: دعواهم.
(9) في المصدر: في ذلك.
61
فَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ (1).
فَنَهَضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَعِي حَتَّى أَتَيْنَا الْقَوْمَ وَ قَدْ أُلْبِسُوا الذِّلَّةَ وَ الْمَهَانَةَ وَ الصَّغَارَ وَ الْحَيْرَةَ، فَسَلَّمَ عَلِيٌّ (عليه السلام) ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: يَا نَصْرَانِيٌّ! أَقْبِلْ عَلَيَّ بِوَجْهِكَ وَ اقْصِدْنِي بِمَسَائِلِكَ (2) فَعِنْدِي جَوَابُ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيمَا يَأْتُونَ وَ يَذَرُونَ، وَ بِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ: فَتَحَوَّلَ النَّصْرَانِيُّ إِلَيْهِ، وَ قَالَ: يَا شَابُّ! إِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا وَ كَانَ لَهُ وصيا [كَذَا] [وَصِيٌّ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَ قَدْ بَلَغَنَا اخْتِلَافٌ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي مَقَامِ نُبُوَّتِهِ، وَ ادِّعَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَنْصَارِ وَ ادِّعَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى قُرَيْشٍ، وَ اخْتِيَارُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَقْدَمَنَا مَلِكُنَا وَفْداً، وَ قَدِ اخْتَارَنَا لِنَبْحَثَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَعْرِفَ سُنَنَ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ (3) وَ الِاسْتِمَاعَ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ ادَّعَوْا مَقَامَهُ، أَ حَقٌّ ذَلِكَ أَمْ بَاطِلٌ؟ قَدْ كَذَبُوا عَلَيْهِ كَمَا كَذَبَتِ الْأُمَمُ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا عَلَى نَبِيِّهَا، وَ دَفَعَتِ الْأَوْصِيَاءَ عَنْ حَقِّهَا، فَإِنَّا وَجَدْنَا قَوْمَ مُوسَى (عليه السلام) بَعْدَهُ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ وَ دَفَعُوا هَارُونَ عَنْ وَصِيَّتِهِ، وَ اخْتَارُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَ كَذَلِكَ: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (4)، فَقَدِمْنَا فَأَرْشَدَنَا (5) الْقَوْمُ إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، فَادَّعَى مَقَامَهُ وَ الْأَمْرَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَسَأَلْنَا عَنِ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ عَنْ نَبِيِّهِ (ص) (6)؟ فَلَمْ يَعْرِفْهَا، وَ سَأَلْنَاهُ عَنْ قَرَابَتِهِ مِنْهُ إِذْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ فِي إِبْرَاهِيمَ (7) (عليه السلام) فِيمَا سَبَقَتْ فِي الذُّرِّيَّةِ فِي إِمَامَتِهِ أَنَّهُ لَا يَنَالُهَا إِلَّا (8) ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ،
____________
(1) لا توجد: به، في المصدر.
(2) في المصدر: بحاجتك، بدلا من: بمسائلك.
(3) لا توجد: فيه، في المصدر.
(4) الأحزاب: 62.
(5) في (ك) نسخة بدل: و أرشدنا، و في المصدر: و أرشدونا إلى هذا ..
(6) في المصدر: من نبيّه.
(7) في المصدر: إذا كانت الدّعوة من إبراهيم.
(8) هنا سقط، و جاءت العبارة في المصدر هكذا: .. في الذّرّيّة إنّي جاعلك للنّاس إماما، قال و من ذرّيّتي قال: لا ينال عهدي الظّالمون [كذا]، و إنّ الإمامة لا ينالها إلّا ..
62
وَ لَا يَنَالُهَا إِلَّا مُصْطَفًى مُطَهَّرٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَتَبَيَّنَ السُّنَّةَ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ (عليهم السلام)، وَ اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ عَلَى الْوَصِيِّ كَمَا اخْتَلَفَتْ عَلَى مَنْ مَضَى مِنَ الْأَوْصِيَاءِ، وَ مَعْرِفَةَ الْعِتْرَةِ فِيهِمْ؟، فَإِنْ وَجَدْنَا لِهَذَا الرَّسُولِ وَصِيّاً وَ قَائِماً بَعْدَهُ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَ يُجِيبُ بِجَوَابَاتٍ بَيِّنَةٍ، وَ يُخْبِرُ عَنْ أَسْبَابِ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايَا وَ فَصْلِ الْخِطَابِ وَ الْأَنْسَابِ، وَ مَا يَهْبِطُ مِنَ الْعِلْمِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَ مَا يَنْزِلُ (1) بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَى الْأَوْصِيَاءِ صَدَّقْنَا بِنُبُوَّتِهِ، وَ أَجَبْنَا دَعْوَتَهُ، وَ اقْتَدَيْنَا بِوَصِيَّتِهِ، وَ آمَنَّا بِهِ وَ بِكِتَابِهِ (2)، وَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ، وَ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ رَجَعْنَا إِلَى دِينِنَا وَ عَلِمْنَا أَنَّ مُحَمَّداً (3) لَمْ يُبْعَثْ، وَ قَدْ سَأَلْنَا هَذَا الشَّيْخَ فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ تَصْحِيحَ نُبُوَّةِ (4) مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ إِنَّمَا ادَّعَوْا لَهُ وَ كَانَ جَبَّاراً (5) غَلَبَ عَلَى قَوْمِهِ بِالْقَهْرِ، وَ مَلَكَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَثَرُ النُّبُوَّةِ، وَ لَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ (عليهم السلام) قَبْلَهُ، وَ أَنَّهُ مَضَى وَ تَرَكَهُمْ بُهْماً يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ رَدَّهُمْ جَاهِلِيَّةً جَهْلَاءَ مِثْلَ مَا كَانُوا يَخْتَارُونَ بِآرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ .. أَيَّ دِينٍ أَحَبُّوا، وَ أَيَّ مَلِكٍ أَرَادُوا، وَ أَخْرَجُوا مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ سَبِيلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَ جَهَّلُوهُ فِي رِسَالَتِهِ، وَ دَفَعُوا وَصِيَّتَهُ (6)، وَ زَعَمُوا أَنَّ الْجَاهِلَ يَقُومُ مَقَامَ الْعَالِمِ، وَ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الْحَرْثِ وَ النَّسْلِ وَ ظُهُورُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ، وَ حَاشَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيّاً إِلَّا مُطَهَّراً مُسَدَّداً مُصْطَفًى عَلَى الْعَالَمِينَ، وَ إِنَّ الْعَالِمَ أَمِيرٌ عَلَى الْجَاهِلِ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِهِ فَقَالَ الَّذِي إِلَى جَنْبِهِ: هَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ
____________
(1) في (ك): و ما يتنزّل. و في المصدر: و ما تنزّل.
(2) في المصدر: و اقتدينا بوصيّه و أمنائه و بكتابه.
(3) في إرشاد القلوب: و أنّ أحمد.
(4) في المصدر: النّبوّة نبوّة.
(5) في الإرشاد: و إنّما ادّعي أنّه كان جبّارا.
(6) في (س): وصيّه.
63
اللَّهِ. فَقُلْتُ: إِنَ (1) هَذَا الِاسْمَ لَا نَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لُغَةً مِنَ اللُّغَاتِ (2)، فَأَمَّا الْخِلَافَةُ فَلَا تَصْلُحُ إِلَّا لِآدَمَ وَ دَاوُدَ (عليهما السلام)، وَ السُّنَّةُ فِيهَا لِلْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَوْصِيَاءِ، وَ إِنَّكُمْ لَتُعَظِّمُونَ الْفِرْيَةَ (3) عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ، فَانْتَفَى مِنَ الْعِلْمِ، وَ اعْتَذَرَ مِنَ الِاسْمِ، وَ قَالَ: إِنَّمَا تَرَاضَوُا النَّاسُ بِي فَسَمَّوْنِي خَلِيفَةً، وَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي، فَاكْتَفَيْنَا بِمَا حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ وَ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ، فَقَدِمْتُ مُسْتَرْشِداً وَ بَاحِثاً عَنِ الْحَقِّ، فَإِنْ وَضَحَ لِي اتَّبَعْتُهُ (4) وَ لَمْ تَأْخُذْنِي فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَهَلْ عِنْدَكَ أَيُّهَا الشَّابُّ شِفَاءٌ لِمَا فِي صُدُورِنَا (5)؟.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلَى! عِنْدِي شِفَاءٌ لِصُدُورِكُمْ، وَ ضِيَاءٌ لِقُلُوبِكُمْ، وَ شَرْحٌ لِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَ بَيَانٌ لَا يَخْتَلِجُكُمُ الشَّكٌّ مَعَهُ، وَ إِخْبَارٌ عَنْ أُمُورِكُمْ، وَ بُرْهَانٌ لِدَلَالَتِكُمْ، فَأَقْبِلْ عَلَيَ (6) بِوَجْهِكَ، وَ فَرِّغْ لِي مَسَامِعَ قَلْبِكَ، وَ أَحْضِرْنِي ذِهْنَكَ، وَ(ع)مَا أَقُولُ لَكَ: إِنَّ اللَّهَ بِمَنِّهِ وَ طَوْلِهِ وَ فَضْلِهِ- لَهُ الْحَمْدُ كَثِيراً دَائِماً- قَدْ صَدَّقَ وَعْدَهُ، وَ أَعَزَّ دِينَهُ، وَ نَصَرَ مُحَمَّداً عَبْدَهُ وَ رَسُولَهُ، وَ هَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّهُ (7) تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اخْتَصَّ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اصْطَفَاهُ وَ هَدَاهُ، وَ انْتَجَبَهُ لِرِسَالَتِهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِرَحْمَتِهِ، وَ إِلَى الثَّقَلَيْنِ بِرَأْفَتِهِ، وَ فَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ (8)، وَ جَعَلَهُ إِمَاماً لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَ خَاتَماً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْخَلْقِ، وَ وَرَّثَهُ مَوَارِيثَ الْأَنْبِيَاءِ، وَ أَعْطَاهُ مَقَالِيدَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ،
____________
(1) في (ك): وضع رمز نسخة بدل على كلمة: إنّ.
(2) في المصدر: من لغات العرب.
(3) في (ك): القربة، و لا معنى لها هنا.
(4) في إرشاد القلوب: أتّبعه.
(5) في (س): الصّدور.
(6) في المصدر: إليّ، بدلا من: عليّ.
(7) لا توجد: إنّه، في المصدر.
(8) في الإرشاد: و أهل الأرض.
64
وَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً وَ رَسُولًا وَ حَبِيباً وَ إِمَاماً، وَ دَفَعَهُ (1) إِلَيْهِ، وَ قَرَّبَهُ يَمِينَ (2) عَرْشِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ (3) مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي وَحْيِهِ مَا أَوْحَى (4) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (5)، وَ أَنْزَلَ عَلَامَاتِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ (6).
قَالَ: ثُمَ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (7) (8) وَ قَالَ: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) فَمَا مَضَى (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى أَتَمَّ اللَّهُ مَقَامَهُ، وَ أَعْطَاهُ وَسِيلَتَهُ، وَ رَفَعَ لَهُ دَرَجَتَهُ، فَلَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى (10) إِلَّا كَانَ مَعَهُ مَقْرُوناً، وَ فَرَضَ دِينَهُ، وَ وَصَلَ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِهِ، فَقَالَ:
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (11) وَ قَالَ: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (12) فَأَبْلَغَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ رِسَالَتَهُ، وَ أَوْضَحَ بُرْهَانَ وَلَايَتِهِ، وَ أَحْكَمَ آيَاتِهِ، وَ شَرَّعَ شَرَائِعَهُ وَ أَحْكَامَهُ، وَ دَلَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ نَجَاتِهِمْ، وَ بَابِ هِدَايَتِهِ
____________
(1) في المصدر: رفعه. و هي نسخة في مطبوع البحار.
(2) في الإرشاد: عن يمين.
(3) في المصدر: لم يبلغه.
(4) لا توجد: ما أوحى، في المصدر.
(5) النّجم: 11.
(6) آل عمران: 81.
(7) لا توجد: قال، في (س). و في المصدر: ثمّ قال للأنبياء.
(8) آل عمران: 81.
(9) الأعراف: 157.
(10) في المصدر: عزّ و جلّ، بدلا من: تعالى.
(11) النّساء: 80.
(12) الحشر: 7.
65
وَ حِكْمَتِهِ، وَ كَذَلِكَ بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبْلَهُ، وَ بَشَّرَ بِهِ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ إِذْ يَقُولُ فِي الْإِنْجِيلِ: أَحْمَدُ الْعَرَبِيُّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ وَ الْقَضِيبِ، وَ أَقَامَ لِأُمَّتِهِ وَصِيَّهُ فِيهِمْ، وَ عَيْبَةَ عِلْمِهِ، وَ مَوْضِعَ سِرِّهِ، وَ مُحْكَمَ آيَاتِ كِتَابِهِ، وَ تَالِيَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَ بَابَ حِطَّتِهِ، وَ وَارِثَ كِتَابِهِ، وَ خَلَّفَهُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ فِيهِمْ، وَ أَخَذَ فِيهِمُ الْحُجَّةَ (1)، فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا (2)، كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَ هُمَا الثَّقَلَانِ: كِتَابُ اللَّهِ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ سَبَبُ بِأَيْدِيكُمْ وَ سَبَبٌ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَلَا تَقَدَّمُوهُمْ فَتَمْرُقُوا (3) وَ لَا تَأْخُذُوا عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَعْطَبُوا، وَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، وَ أَنَا وَصِيُّهُ وَ الْقَائِمُ بِتَأْوِيلِ كِتَابِهِ، وَ الْعَارِفُ بِحَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ، وَ بِمُحْكَمِهِ وَ مُتَشَابِهِهِ، وَ نَاسِخِهِ وَ مَنْسُوخِهِ، وَ أَمْثَالِهِ وَ عِبَرِهِ وَ تَصَارِيفِهِ، وَ عِنْدِي عِلْمُ مَا يَحْتَاجُ (4) إِلَيْهِ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ كُلُّ قَائِمٍ وَ مُلْتَوٍ (5)، وَ عِنْدِي عِلْمُ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايَا وَ الْوَصَايَا وَ الْأَنْسَابِ وَ فَصْلِ الْخِطَابِ، وَ مَوْلِدِ الْإِسْلَامِ، وَ مَوْلِدِ الْكُفْرِ، وَ صَاحِبِ الْكَرَّاتِ، وَ دُولَةِ الدُّوَلِ، فَاسْأَلْنِي عَمَّا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ عَمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ عِيسَى (عليه السلام) مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى، وَ عَنْ كُلِّ وَصِيٍّ، وَ كُلِّ فِئَةٍ تَضِلُّ مِائَةً وَ تَهْدِي مِائَةً، وَ عَنْ سَائِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ نَاعِقِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَ كُلِّ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي لَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ نَهَارٍ (6)، وَ عَنِ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ (7) الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَكْتُمْنِي مِنْ عِلْمِهِ شَيْئاً وَ لَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَمُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، وَ أَصْنَافَ الْمُلْحِدِينَ وَ أَحْوَالَ
____________
(1) في المصدر: بالحجّة.
(2) في المصدر: لن تضلّوا أبدا.
(3) في إرشاد القلوب: فلا تتقدّموهم فتمزّقوا ..
(4) في المصدر: تحتاج.
(5) قال في القاموس 4- 387: لوي القدح و الرّمل- كرضي- لوى فهو لو: اعوجّ، كالتوى.
(6) في المصدر: أم في نهار.
(7) خ. ل: الفرقان، جاءت على مطبوع البحار.
66
الْمُخَالِفِينَ، وَ أَدْيَانَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَ كَانَ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) خَاتَمَ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُمْ، وَ عَلَيْهِمْ فُرِضَتْ طَاعَتُهُ وَ الْإِيمَانُ بِهِ وَ النُّصْرَةُ لَهُ، تَجِدُونَ ذَلِكَ مَكْتُوباً فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ، وَ فِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى (2)، وَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ عَهْدَ اللَّهِ (3) فِي خَلْقِهِ وَ يَتْرُكَ الْأُمَّةَ قَائِهِينَ (4) بَعْدَهُ، وَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَ قَدْ وَصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ الْعَفْوِ وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ إِقَامَةِ الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ؟!.
وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا أَوْحَى (5) إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَ كَمَا أَوْحَى إِلَى مُوسَى (عليه السلام) وَ عِيسَى (عليه السلام) فَصَدَّقَ اللَّهَ وَ بَلَّغَ رِسَالَتَهُ وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَ قَدْ (6) قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (7) وَ قَالَ: وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (8) وَ قَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ وَ أَعْطَاهُ الْوَسِيلَةَ إِلَيْهِ وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (9)، فَنَحْنُ الصَّادِقُونَ (10)، وَ أَنَا أَخُوهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ الشَّاهِدُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ، وَ أَنَا وَسِيلَتُهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أُمَّتِهِ (11)، وَ أَنَا وَ وُلْدِي وَرَثَتُهُ، وَ أَنَا وَ هُمْ كَسَفِينَةِ
____________
(1) في المصدر: إذ كان.
(2) الأعلى: 18- 19.
(3) في الإرشاد زيادة: عزّ و جلّ بعد لفظ الجلالة.
(4) كذا، و جاءت نسخة بدل في مطبوع البحار: تائهين، و هو الظاهر. و في المصدر: تاهين. و لم نجد معنى مناسبا لغة لما أثبتناه متنا.
(5) لا يوجد في المصدر: إليه كما أوحى.
(6) لا توجد: قد، في (ك).
(7) النساء: 41.
(8) الرعد: 43.
(9) التّوبة: 119.
(10) في المصدر: فنحن و اللّه الصّادقون.
(11) في (س): و بين اللّه.
67
نُوحٍ فِي قَوْمِهِ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، وَ أَنَا وَ هُمْ كَبَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَ أَنَا (1) بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَ أَنَا الشَّاهِدُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يُعْرَضُ (2) طَاعَتِي وَ مَحَبَّتِي بَيْنَ (3) أَهْلِ الْإِيمَانِ وَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ أَهْلِ النِّفَاقِ، فَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مُؤْمِناً، وَ مَنْ أَبْغَضَنِي كَانَ كَافِراً، وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَا كُذِّبَ بِي (4)، وَ لَا ضَلَلْتُ وَ لَا ضُلَّ بِي، وَ إِنِّي لَعَلَى (5) بَيِّنَةٍ بَيَّنَهَا رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَبَيَّنَهَا لِي، فَاسْأَلُونِي عَمَّا كَانَ وَ عَمَّا يَكُونُ (6) وَ عَمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ: هَذَا هُوَ (7) وَ اللَّهِ النَّاطِقُ بِالْعِلْمِ وَ الْقُدْرَةِ، الْفَاتِقُ (8) الرَّاتِقُ، وَ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَكُونَ صَادَفْنَا (9) حَظَّنَا، وَ نُورَ هِدَايَتِنَا، وَ هَذِهِ وَ اللَّهِ حُجَجُ الْأَوْصِيَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى قَوْمِهِمْ.
قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام): فَقَالَ: كَيْفَ عَدَلَ بِكَ الْقَوْمُ عَنْ قَصْدِهِمْ إِيَّاكَ، وَ ادَّعَوْا مَا أَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ؟! أَلَا وَ قَدْ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، قَصَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ (10) وَ مَا ضَرَّ ذَلِكَ الْأَوْصِيَاءَ مَعَ مَا أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَ اسْتِحْقَاقِ مَقَامَاتِ رُسُلِهِ، فَأَخْبِرْنِي- أَيُّهَا الْعَالِمُ الْحَكِيمُ- عَنِّي وَ عَنْكَ مَا (11)
____________
(1) في الإرشاد: و أنا منه.
(2) في المصدر: و فرض.
(3) جاء في الإرشاد: على، بدلا من: بين.
(4) لا يوجد في المصدر: و لا كذبت و لا كذّب بي.
(5) في المصدر: و إنّي على.
(6) في المطبوع وضع على: عمّا يكون، نسخة بدل، و لا توجد في المصدر.
(7) في المصدر لا توجد: هو.
(8) في (س): الفائق. و في المصدر: الفاتن، بدلا من: الفاتق.
(9) في إرشاد القلوب: أن يكون قد صادقنا.
(10) في المصدر: فضربوا أنفسهم.
(11) في المصدر: أيّها الحكيم عنّي و أنت ما ..
68
أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ؟ وَ مَا أَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَمَّا أَنَا فَعِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُؤْمِنٌ وَ عِنْدَ نَفْسِي مُؤْمِنٌ مُتَيَقِّنٌ (1) بِفَضْلِهِ وَ رَحْمَتِهِ وَ هِدَايَتِهِ وَ نِعَمِهِ عَلَيَّ، وَ كَذَلِكَ أَخَذَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ (2) مِيثَاقِي عَلَى الْإِيمَانِ وَ هَدَانِي لِمَعْرِفَتِهِ (3) لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ وَ لَا أَرْتَابُ، وَ لَمْ أَزَلْ عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى (4) عَلَيَّ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَ لَمْ أُبَدِّلْ وَ لَمْ أُغَيِّرْ وَ ذَلِكَ بِمَنِّ اللَّهِ وَ رَحْمَتِهِ وَ صُنْعِهِ، أَنَا فِي الْجَنَّةِ لَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ وَ لَا أَرْتَابُ (5)، لَمْ أَزَلْ عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى (6) عَلَيَّ مِنَ الْمِيثَاقِ، فَإِنَّ الشَّكَّ شِرْكٌ لِمَا أَعْطَانِيَ اللَّهُ مِنَ الْيَقِينِ وَ الْبَيِّنَةِ، وَ أَمَّا أَنْتَ فَعِنْدَ اللَّهِ كَافِرٌ بِجُحُودِكَ الْمِيثَاقَ وَ الْإِقْرَارَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ وَ بُلُوغِكَ الْعَقْلَ وَ مَعْرِفَةَ التَّمْيِيزِ (7) لِلْجَيِّدِ وَ الرَّدِيءِ وَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ، وَ إِقْرَارَكَ بِالرُّسُلِ، وَ جُحُودِكَ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّينَ (عليهم السلام) مَا دُمْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، كُنْتَ فِي النَّارِ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَكَانِي مِنَ النَّارِ وَ مَكَانِكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَمْ أَدْخُلْهَا فَأَعْرِفَ مَكَانِي مِنَ الْجَنَّةِ وَ مَكَانَكَ مِنَ النَّارِ، وَ لَكِنْ أُعَرِّفُكَ ذَلِكَ (8) مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
____________
(1) في الإرشاد: عزّ و جلّ و عند نفسي مؤمن مستيقن.
(2) في المصدر: اللّه عزّ و جلّ.
(3) جاءت زيادة: و لا أرتاب، في المصدر.
(4) لا توجد كلمة: تعالى، في (س) و المصدر، و فيه: ما أخذه اللّه عليّ ..
(5) وضع في طبعتي البحار على قوله: و لم أزل .. إلى هنا ما يوهم كونه نسخة بدل، و ظاهره التّكرار، فراجع.
(6) في المصدر: عزّ و جلّ، بدلا من: تعالى.
(7) في الإرشاد: و المعرفة و التّمييز .. و هو الظّاهر.
(8) في المصدر: أعرف ذلك.
69
وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (1) أَحْكَمَ فِيهِ جَمِيعَ عِلْمِهِ، وَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْجَنَّةِ بِدَرَجَاتِهَا وَ مَنَازِلِهَا، وَ قَسَّمَ اللَّهُ (2) جَلَّ جَلَالُهُ الْجِنَانَ بَيْنَ خَلْقِهِ لِكُلِّ عَامِلٍ مِنْهُمْ ثَوَاباً مِنْهَا، وَ أَحَلَّهُمْ عَلَى قَدْرِ فَضَائِلِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ وَ الْإِيمَانِ، فَصَدَّقَنَا اللَّهُ وَ عَرَّفَنَا مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ، وَ كَذَلِكَ (3) مَنَازِلَ الْفُجَّارِ، وَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي النَّارِ، وَ قَالَ: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (4) فَمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَ فُسُوقِهِ وَ شِرْكِهِ وَ نِفَاقِهِ وَ ظُلْمِهِ فَ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (5)، وَ قَدْ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (6) وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) هُوَ الْمُتَوَسِّمَ، وَ أَنَا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِيَ الْمُتَوَسِّمُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ إِرَادَتَكُمْ وَ أَرْجُو أَنْ تَظْفَرُوا بِالْحَقِّ الَّذِي طَلَبْنَا، إِلَّا أَنَّهُ (7) قَدْ نَصَبْتُ لَهُ مَسَائِلَ فَإِنْ أَجَابَنِي عَنْهَا نَظَرْنَا فِي أَمْرِنَا وَ قَبِلْتُ مِنْهُ.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَإِنْ أَجَبْتُكَ عَمَّا تَسْأَلُنِي عَنْهُ- وَ فِيهِ تِبْيَانٌ وَ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ لَا تَجِدُ لَهُ مَدْفَعاً وَ لَا مِنْ قَبُولِهِ بُدّاً أَنْ (8)- تَدْخُلَ فِي دِينِنَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): اللَّهُ عَلَيْكَ رَاعٍ وَ (9) كَفِيلٌ، إِذَا وَضَحَ لَكَ الْحَقُّ وَ عَرَفْتَ الْهُدَى أَنْ تَدْخُلَ فِي دِينِنَا أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ؟.
قَالَ الْجَاثَلِيقُ: نَعَمْ، لَكَ اللَّهُ عَلَيَّ رَاعٍ وَ (10) كَفِيلٌ أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ.
____________
(1) فصّلت: 42.
(2) اللّه، وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(3) لا توجد: منازل الأبرار، و كذلك في المصدر.
(4) الحجر: 44.
(5) الحجر: 44.
(6) الحجر: 75.
(7) في المصدر: إلّا أنّي .. و هو الظّاهر.
(8) لا توجد: أن، في المصدر، و هو أولى.
(9) لا توجد الواو في المصدر.
(10) لا توجد الواو في المصدر.
70
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَخُذْ عَلَى أَصْحَابِكَ الْوَفَاءَ.
قَالَ: فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ.
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): سَلْ عَمَّا أَحْبَبْتَ.
قَالَ: خَبِّرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (1) أَ حَمَلَ الْعَرْشَ أَمِ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ؟.
قَالَ (عليه السلام): اللَّهُ حَامِلُ الْعَرْشِ وَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (2).
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (3) فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ وَ قُلْتَ إِنَّهُ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَ السَّمَاوَاتِ (4) وَ الْأَرْضَ؟.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنَّ الْعَرْشَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ أَنْوَارٍ أَرْبَعَةٍ:
نُورٍ أَحْمَرَ- احْمَرَّتْ مِنْهُ الْحُمْرَةُ-، وَ نُورٍ أَخْضَرَ- اخْضَرَّتْ مِنْهُ الْخُضْرَةُ-، وَ نُورٍ أَصْفَرَ- اصْفَرَّتْ مِنْهُ الصُّفْرَةُ-، وَ نُورٍ أَبْيَضَ- ابْيَضَ (5) مِنْهُ الْبَيَاضُ- وَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَمَّلَهُ اللَّهُ الْحَمَلَةَ، وَ ذَلِكَ نُورٌ مِنْ عَظَمَتِهِ، فَبِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْيَضَّتْ قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ عَادَاهُ الْجَاهِلُونَ، وَ بِعَظَمَتِهِ وَ نُورِهِ ابْتَغَى مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- مِنْ جَمِيعِ خَلَائِقِهِ- إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَدْيَانِ الْمُتَشَتِّتَةِ (6)، وَ كُلُّ مَحْمُولٍ يَحْمِلُهُ اللَّهُ بِنُورِهِ وَ عَظَمَتِهِ (7) وَ قُدْرَتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا* وَ لَا مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً، وَ كُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٌ (8) وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُمْسِكُ لَهُمَا أَنْ تَزُولا، وَ الْمُحِيطُ بِهِمَا
____________
(1) في المصدر: جلّ و علا.
(2) فاطر: 41.
(3) الحاقّة: 17.
(4) لا توجد: و السّماوات، في المصدر.
(5) في (ك): ابيضّت.
(6) في (س): المنشأة، و هي نسخة في (ك).
(7) في المصدر: نوره و نور عظمته.
(8) في إرشاد القلوب: محمل.
71
وَ بِمَا فِيهِمَا مِنْ شَيْءٍ، وَ هُوَ حَيَاةُ كُلِّ شَيْءٍ (1) وَ نُورُ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (2).
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْنَ هُوَ؟.
قَالَ (عليه السلام): هُوَ هَاهُنَا .. وَ هَاهُنَا .. وَ هَاهُنَا .. وَ هَاهُنَا (3) ..، وَ هُوَ فَوْقُ (4) وَ تَحْتُ وَ مُحِيطٌ بِنَا وَ مَعَنَا، وَ هُوَ قَوْلُهُ (5): ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ (6)، وَ الْكُرْسِيُّ مُحِيطٌ بِالسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ:
وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (7) فَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَ هُمُ الَّذِينَ حَمَّلَهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ، وَ لَيْسَ يَخْرُجُ عَنْ (8) هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَلَكُوتِهِ، وَ هُوَ الْمَلَكُوتُ الَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ أَصْفِيَاءَهُ، وَ أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلِيلَهُ (عليه السلام)، فَقَالَ: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (9) فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ (10) وَ بِحَيَاتِهِ حَيِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَ بِنُورِهِ اهْتَدَوْا إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَ انْقَادُوا (11)؟!.
قَالَ: فَالْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ- وَ اللَّهِ- الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ
____________
(1) في المصدر زيادة: سبحانه.
(2) الأسراء: 43. و في الإرشاد و (س): سبحانه و تعالى عمّا يقول الظّالمون .. فلا تصبح آية.
(3) في (ك) ذكر: هاهنا، ثلاث مرّات.
(4) في (ك) وضع على: و هو فوق، رمز نسخة بدل.
(5) في المصدر زيادة: تعالى.
(6) المجادلة: 7. و في المصدر زيادة: إنّ اللّه بكلّ شيء عليم.
(7) البقرة: 255.
(8) في المصدر: من، بدلا من: عن.
(9) الأنعام: 75.
(10) في المصدر: و كيف يحمل عرش اللّه ..
(11) لا توجد: و انقادوا، في المصدر.
72
اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ وَ النَّبِيِّينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ (عليهم السلام).
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا (1) هِيَ أَمْ فِي الْآخِرَةِ؟ وَ أَيْنَ الْآخِرَةُ وَ الدُّنْيَا؟.
قَالَ (عليه السلام): الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، وَ الْآخِرَةُ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا، إِذَا [إِذْ كَانَتِ النُّقْلَةُ مِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ ظَاهِرَةً، كَانَتِ (2) الْآخِرَةُ هِيَ دَارَ الْحَيَوَانِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا نُقْلَةٌ وَ الْآخِرَةَ حَيَاةٌ وَ مُقَامٌ مَثَلُ ذَلِكَ النَّائِمُ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الْجِسْمَ يَنَامُ وَ الرُّوحَ لَا تَنَامُ، وَ الْبَدَنَ يَمُوتُ وَ الرُّوحَ لَا تَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:
وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (3) وَ الدُّنْيَا رَسْمُ الْآخِرَةِ، وَ الْآخِرَةُ رَسْمُ الدُّنْيَا، وَ لَيْسَ الدُّنْيَا الْآخِرَةَ وَ لَا الْآخِرَةُ الدُّنْيَا، إِذَا فَارَقَ الرُّوحُ الْجِسْمَ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ (4) مِنْهُمَا إِلَى مَا مِنْهُ بَدَأَ، وَ مَا مِنْهُ خُلِقَ، وَ كَذَلِكَ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ فِي الدُّنْيَا مَوْجُودَةٌ وَ فِي الْآخِرَةِ مَوْجُودَةٌ (5)، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ صَارَ فِي دَارٍ مِنَ الْأَرْضِ، إِمَّا (6) رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَ إِمَّا بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ النَّارِ، وَ رُوحُهُ إِلَى إِحْدَى دَارَيْنِ: إِمَّا فِي دَارِ نَعِيمٍ مُقِيمٍ لَا مَوْتَ فِيهَا، وَ إِمَّا فِي دَارِ عَذَابٍ أَلِيمٍ لَا يَمُوتُ فِيهَا، وَ الرَّسْمُ لِمَنْ عَقَلَ مَوْجُودٌ وَاضِحٌ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (7)، وَ عَنِ (8) الْكُفَّارِ فَقَالَ إِنَّهُمْ: كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: هي في الدّنيا أم .. و في المصدر: هل في الدّنيا ..
(2) في المصدر: و كانت.
(3) العنكبوت: 64.
(4) وضع على كلمة (واحد) رمز نسخة بدل في (ك).
(5) لا توجد: موجودة- الثّانية- في المصدر.
(6) في (س) زيادة: روحة في.
(7) التّكاثر: 5- 8.
(8) خ. ل: عنّي.
73
وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (1) (2)، وَ لَوْ عَلِمَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ (3) مَا هُوَ فِيهِ مَاتَ حُبّاً (4) مِنَ الْمَوْتِ، وَ مَنْ نَجَا فَبِفَضْلِ الْيَقِينِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (5) (6)، فَإِذَا طُوِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَ قُبِضَتِ الْأَرْضُ، فَأَيْنَ تَكُونُ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ وَ هُمَا (7) فِيهِمَا؟. قَالَ: فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَ قِرْطَاسٍ ثُمَّ كَتَبَ فِيهِ: الْجَنَّةَ وَ النَّارَ، ثُمَّ دَرَجَ الْقِرْطَاسَ وَ دَفَعَهُ إِلَى النَّصْرَانِيِّ، وَ قَالَ لَهُ: أَ لَيْسَ قَدْ طَوَيْتُ هَذَا الْقِرْطَاسَ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: فَافْتَحْهُ (8) .. فَفَتَحْتُهُ قَالَ: هَلْ تَرَى آيَةَ النَّارِ وَ آيَةَ الْجَنَّةِ أَ مَحَاهُمَا الْقِرْطَاسُ (9)؟. قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَكَذَا فِي (10) قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طُوِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَ قُبِضَتِ الْأَرْضُ لَمْ تَبْطُلِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ كَمَا لَمْ تُبْطِلْ طَيُّ هَذَا الْكِتَابِ آيَةَ الْجَنَّةِ وَ آيَةَ النَّارِ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (11) مَا هَذَا الْوَجْهُ؟، وَ كَيْفَ هُوَ؟، وَ أَيْنَ يُؤْتَى؟، وَ مَا دَلِيلُنَا عَلَيْهِ؟.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا غُلَامُ! عَلَيَّ بِحَطَبٍ وَ نَارٍ، فَأَتَى بِحَطَبٍ وَ نَارٍ وَ أَمَرَ
____________
(1) في المصدر: و عن الكافرين، فقال إنّهم كانوا في شغل عن ذكري و كانوا ..
(2) الكهف: 101.
(3) لا توجد: علم، في المصدر، و هو الظّاهر.
(4) في (س)، و نسخة في (ك): حيّا، و في المصدر: مات خوفا، و هو الظّاهر.
(5) جاءت العبارة في المصدر باختلاف، و هي: .. عن قوله تعالى جلّ ثناؤه: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ» جميعا و هو خلط بين الآيتين.
(6) الزمر: 67.
(7) لا توجد: و هما، في المصدر.
(8) هنا سقط كلمة: قال .. جاءت في المصدر.
(9) في المصدر: طيّ القرطاس .. و هو الظّاهر.
(10) في (ك) وضع على: في، رمز نسخة بدل.
(11) القصص: 88.
74
أَنْ تُضْرَمَ، فَلَمَّا اسْتَوْقَدَتْ وَ اشْتَعَلَتْ، قَالَ لَهُ: يَا نَصْرَانِيُّ هَلْ تَجِدُ لِهَذِهِ النَّارِ وَجْهاً دُونَ وَجْهٍ؟. قَالَ: لَا، حَيْثُمَا أَتَيْتُهَا فَهُوَ (1) وَجْهٌ.
قَالَ (عليه السلام): فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ النَّارُ الْمَخْلُوقَةُ الْمُدَبَّرَةُ فِي ضَعْفِهَا وَ سُرْعَةِ زَوَالِهَا لَا تَجِدُ لَهَا وَجْهاً فَكَيْفَ مَنْ خَلَقَ هَذِهِ النَّارَ وَ جَمِيعُ مَا فِي مَلَكُوتِهِ مِنْ شَيْءٍ أَجَابَهُ؟ كَيْفَ (2) يُوصَفُ بِوَجْهٍ أَوْ يُحَدُّ بِحَدٍّ، أَوْ يُدْرَكُ بِبَصَرٍ، أَوْ يُحِيطُ بِهِ عَقْلٌ، أَوْ يَضْبِطُهُ وَهْمٌ، وَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (3).
قَالَ الْجَاثَلِيقُ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الْوَصِيُّ الْعَلِيمُ (4) الْحَكِيمُ الرَّفِيقُ الْهَادِي، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً*، وَ أَنَّكَ وَصِيُّهُ وَ صَدِيقُهُ وَ دَلِيلُهُ وَ مَوْضِعُ سِرِّهِ وَ أَمِينُهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِ، مَنْ أَحَبَّكَ وَ تَوَلَّاكَ هَدَيْتَهُ وَ نَوَّرْتَ قَلْبَهُ وَ أَغْنَيْتَهُ (5) وَ كَفَيْتَهُ وَ شَفَيْتَهُ، وَ مَنْ تَوَلَّى عَنْكَ وَ عَدَلَ عَنْ سَبِيلِكَ ضَلَ (6) وَ غُبِنَ عَنْ حَظِّهِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ كَفَى هُدَاكَ وَ نُورُكَ هَادِياً وَ كَافِياً وَ شَافِياً.
قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ الْجَاثَلِيقُ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ! قَدْ أَصَبْتُمْ أُمْنِيَّتَكُمْ وَ أَخْطَأْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، فَاتَّبِعُوهُ تَهْتَدُوا وَ تَرْشُدُوا، فَمَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا فَعَلْتُمْ؟! مَا أَعْرِفُ لَكُمْ عُذْراً بَعْدَ آيَاتِ اللَّهِ وَ الْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ، أَشْهَدُ (7) أَنَّهَا سُنَّةُ اللَّهِ فِي (8) الَّذِينَ خَلَوْا
____________
(1) في المصدر: حيث ما لقيتها فهو ..
(2) لا يوجد في المصدر: أجابه كيف .. و هو الظّاهر.
(3) الشورى: 11.
(4) في المصدر: العليّ، بدلا من: العليم.
(5) في حاشية (ك) كلمة: و عيبته، كتب بعدها كلمة: صح، و لم يعلم عليها، و لم ترد في (س)، و في المصدر: أعنته، و لعلّ الكلمة في (ك): عيينة و ..
(6) في (س) وضع على كلمة: ضلّ، رمز نسخة بدل. و لا توجد في المصدر.
(7) لا توجد: أشهد في المصدر.
(8) لا توجد: اللّه في .. في المصدر.
75
مِنْ قَبْلِكُمْ (1) وَ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وَ قَدْ قَضَى عَزَّ وَ جَلَّ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْأُمَمِ، الِاسْتِبْدَالَ بِأَوْصِيَائِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَ مَا الْعَجَبُ إِلَّا مِنْكُمْ بَعْدَ مَا شَاهَدْتُمْ؟! فَمَا هَذِهِ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ، وَ الْحَسَدُ الظَّاهِرُ، وَ الضِّغْنُ وَ الْإِفْكُ الْمُبِينُ؟!.
قَالَ: وَ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ وَ مَنْ مَعَهُ (2) وَ شَهِدُوا لِعَلِيٍّ (عليه السلام) بِالْوَصِيَّةِ وَ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ وَ النُّبُوَّةِ، وَ أَنَّهُ الْمَوْصُوفُ الْمَنْعُوتُ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ خَرَجُوا مُنْصَرِفِينَ إِلَى مَلِكِهِمْ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ (3) مَا عَايَنُوا وَ مَا سَمِعُوا.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْضَحَ بُرْهَانَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَعَزَّ دِينَهُ وَ نَصَرَهُ، وَ صَدَّقَ رَسُولَهُ وَ أَظْهَرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ.
قَالَ: فَتَبَاشَرَ (4) الْقَوْمُ بِحُجَجِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ بَيَانِ مَا أَخْرَجَهُ إِلَيْهِمْ، فَانْكَشَفَتْ (5) عَنْهُمُ الذِّلَّةُ، وَ قَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ (6) فِي مَقَامِكَ بِحَقِّ نَبِيِّكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَ كَأَنَّ الْحَاضِرِينَ لَمْ يَسْمَعُوا شَيْئاً مِمَّا فَهِمَهُ الْقَوْمُ وَ (7) الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُمْ أَبَداً، وَ قَدْ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قَالَ سَلْمَانُ الْخَيْرِ: فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَ أَرَادُوا الرَّحِيلَ أَتَوْا عَلِيّاً (عليه السلام) مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ وَ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ (8) وَ اسْتَأْذَنُوا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَجَلَسُوا، فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ: يَا وَصِيَّ مُحَمَّدٍ وَ أَبَا ذُرِّيَّتِهِ! مَا نَرَى الْأُمَّةَ
____________
(1) في إرشاد القلوب: من قبل.
(2) في المصدر: و من كان معه ..
(3) ففي الإرشاد: إليه، بدلا من: عليه.
(4) في (ك) نسخة بدل: فتباشروا.
(5) في المصدر: و كشف.
(6) في إرشاد القلوب: أحسن اللّه جزاك يا أبا الحسن ..
(7) لا توجد الواو، في المصدر.
(8) في المصدر: و يدعون له.
76
إِلَّا هَالِكَةً (1) كَهَلَاكِ مَنْ مَضَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى وَ تَرْكِهِمْ مُوسَى (2) وَ عُكُوفِهِمْ عَلَى أَمْرِ (3) السَّامِرِيِّ، وَ إِنَّا وَجَدْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ يُفْسِدَانِ عَلَى النَّبِيِّ دِينَهُ، وَ يُهْلِكَانِ أُمَّتَهُ، وَ يَدْفَعَانِ وَصِيَّهُ، وَ يَدَّعِيَانِ الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَ قَدْ أَرَانَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا وَعَدَ الصَّادِقِينَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهَلَاكِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَ بَيَّنَ لَنَا سَبِيلَكَ وَ سَبِيلَهُمْ، وَ بَصَّرَنَا مَا أَعْمَاهُمْ عَنْهُ، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكَ وَ عَلَى دِينِكَ وَ عَلَى طَاعَتِكَ، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ، إِنْ أَحْبَبْتَ أَقَمْنَا مَعَكَ وَ نَصَرْنَاكَ عَلَى عَدُوِّكَ، وَ إِنْ أَمَرْتَنَا بِالْمَسِيرِ سِرْنَا وَ إِلَى مَا صَرَفْتَنَا إِلَيْهِ صِرْنَا (4)، وَ قَدْ نوى (5) صَبْرَكَ عَلَى مَا ارْتُكِبَ مِنْكَ، وَ كَذَلِكَ شِيَمُ الْأَوْصِيَاءِ وَ سُنَّتُهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ نَبِيِّكَ عَهْدٌ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ وَ هُمْ؟.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): نَعَمْ، وَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي لَعَهْداً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِمَّا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ، وَ مَا هُمْ عَامِلُونَ، وَ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيَّ أَمْرُ أُمَّتِهِ وَ أَنَا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَ بِمَنْزِلَةِ شَمْعُونَ مِنْ عِيسَى؟! أَ وَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ وَصِيَّ عِيسَى شَمْعُونَ بْنَ حَمُّونَ الصَّفَا- ابْنَ خَالِهِ- اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أُمَّةُ عِيسَى (ع) وَ افْتَرَقُوا أَرْبَعَ فِرَقٍ، وَ افْتَرَقَتِ الْأَرْبَعُ فِرَقٍ (6) عَلَى اثنين [اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ (7)؟ وَ كَذَلِكَ أُمَّةُ مُوسَى (ع) افْتَرَقَتْ عَلَى اثنين [اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ (8) فِرْقَةً،
____________
(1) في المصدر: هلكت.
(2) خ. ل: هارون، و هي كذلك في المصدر، و هو الظّاهر.
(3) وضع في (ك) على: أمر، رمز نسخة بدل.
(4) في المصدر: صرفنا.
(5) قال في النّهاية 5- 132: و من ينو الدّنيا تعجزه .. أي من يسع لها يخب، يقال: نويت الشّيء:
إذا جددت في طلبه، و النّوى: البعد. و قال في الصّحاح 6- 2156: نويت نيّة و نواة .. أي عزمت. و في المصدر: و قد نرى.
(6) لا توجد: فرق، في المصدر.
(7) لا توجد: واحدة، في المصدر.
(8) في إرشاد القلوب: إحدى و سبعين .. و هو الظّاهر ..
77
كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ (1)، وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ أُمَّتَهُ يَفْتَرِقُونَ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِرْقَةً تَدَّعِي مَحَبَّتَنَا وَ مَوَدَّتَنَا (2) كُلُّهُمْ هَالِكَةٌ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ (3)، وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَ إِنِّي عَالِمٌ بِمَا يَصِيرُ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، وَ لَهُمْ مُدَّةٌ وَ أَجَلٌ مَعْدُودٌ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (4) وَ قَدْ صَبَرَ (5) عَلَيْهِمُ الْقَلِيلَ لِمَا هُوَ بَالِغُ أَمْرِهِ وَ قَدَرُهُ الْمَحْتُومُ فِيهِمْ (6)، وَ ذَكَرَ نِفَاقَهُمْ وَ حَسَدَهُمْ وَ (7) أَنَّهُ سَيُخْرِجُ أَضْغَانَهُمْ وَ يُبَيِّنُ مَرَضَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ فِرَاقِ نَبِيِّهِمْ (8) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (9) أَيْ تَعْلَمُونَ (10) وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَ نَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (11) فَقَدْ (12) عَفَا اللَّهُ عَنِ الْقَلِيلِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ وَعَدَنِي أَنْ يُظْهِرَنِي عَلَى أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَ يردوا [يَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَيَّ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُبْطِلُونَ، وَ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْمُصَالَحَةِ وَ الْمُهَادَنَةِ عَلَى أَنْ لَا تُحْدِثُوا وَ لَا تَأْوُوا مُحْدِثاً، فَلَكُمُ الْوَفَاءُ عَلَى (13)
____________
(1) لا توجد في المصدر: واحدة ..
(2) في المصدر: تدّعي مودّتنا.
(3) في إرشاد القلوب لا توجد: واحدة.
(4) الأنبياء: 111.
(5) في المصدر: صبرت.
(6) في (س): فيه.
(7) لا توجد الواو في المصدر.
(8) في (س): بينهم.
(9) التوبة: 64.
(10) في المصدر: أي تعقلون.
(11) التوبة: 65.
(12) في (س): قد.
(13) لا توجد في المصدر: على.
78
مَا وَفَيْتُمْ، وَ لَكُمُ الْعَهْدُ وَ الذِّمَّةُ عَلَى (1) مَا أَقَمْتُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكُمْ عَلَيْنَا (2) مِثْلُ ذَلِكَ لَكُمْ، وَ لَيْسَ هَذَا أَوَانُ نَصْرِنَا وَ لَا يُسَلُّ سَيْفٌ (3) وَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِمْ بِحَقٍّ مَا لَمْ يَقْبَلُوا وَ يُعْطُوا (4) طَاعَتَهُمْ، إِذْ كُنْتُ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنْ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَ الْحَجِّ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يُقَامُ بِهَذِهِ الْحُدُودِ إِلَّا بِعَالِمٍ قَائِمٍ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ وَ هُوَ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ؟! وَ لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (5) فَأَنَا- رَحِمَكَ اللَّهُ (6) فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَيْكُمْ، بَلْ أَفْضَلُ الْفَرَائِضِ وَ أَعْلَاهَا، وَ أَجْمَعُهَا لِلْحَقِّ، وَ أَحْكَمُهَا لِدَعَائِمِ الْإِيمَانِ، وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ لِصَلَاحِهِمْ وَ لِفَسَادِهِمْ وَ لِأَمْرِ دُنْيَاهُمْ وَ آخِرَتِهِمْ، فَقَدْ تَوَلَّوْا عَنِّي، وَ دَفَعُوا فَضْلِي، وَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِمَامَتِي وَ سُلُوكَ سَبِيلِي، فَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا شَمِلَهُمْ مِنَ الذُّلِّ وَ الصَّغَارِ مِنْ بَعْدِ (7) الْحُجَّةِ.
وَ كَيْفَ أَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ مِنْ عَهْدِ نَبِيِّهُمْ، وَ مَا أَكَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِي وَ أَخْبَرَهُمْ مِنْ مَقَامِي، وَ بَلَّغَهُمْ مِنْ رِسَالَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي فَقْرِهِمْ إِلَى عِلْمِي وَ غِنَايَ عَنْهُمْ وَ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ مِمَّا أَعْطَانِيَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَكَيْفَ آسَى عَلَى مَنْ ضَلَّ عَنِ الْحَقِّ مِنْ بَعْدِ مَا (8) تَبَيَّنَ لَهُ وَ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ
____________
(1) لا توجد في المصدر: على.
(2) في المصدر: و علينا- بزيادة الواو- و هو الظّاهر.
(3) في إرشاد القلوب: بسيف.
(4) في المصدر: و يعطوني.
(5) يونس: 35.
(6) في المصدر: فإن رحمكم اللّه .. و الظّاهر: فأنا رحمكم اللّه.
(7) في إرشاد القلوب: بعض، بدلا من: بعد، و ما في المتن أولى.
(8) في المصدر: صدّ الحقّ بعد ما ..
79
عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (1) إِنَّ هُدَاهُ لَلْهُدَى، وَ هُمَا السَّبِيلَانِ: سَبِيلُ الْجَنَّةِ وَ سَبِيلُ النَّارِ وَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ، فَقَدْ تَرَى مَا نَزَلَ بِالْقَوْمِ مِنِ اسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَ كَيْفَ بَدَّلُوا كَلَامَ اللَّهِ، وَ كَيْفَ جَرَتِ السُّنَّةُ فِيهِمْ (2) مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَ عُرْوَتِهِ، وَ كُونُوا مِنْ حِزْبِ (3) اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ الْزَمُوا عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً وَ سَيَعُودُ غَرِيباً، وَ كُونُوا فِي أَهْلِ مِلَّتِكُمْ كَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَغُشُّوا (4) أَمْرَكُمْ إِلَى أَهْلٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ حَمِيمٍ أَوْ قَرِيبٍ، فَإِنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ التَّقِيَّةَ لِأَوْلِيَائِهِ (5) فَيَقْتُلُكُمْ قَوْمُكُمْ وَ إِنْ أَصَبْتُمْ مِنَ الْمَلِكِ فُرْصَةً أَلْقَيْتُمْ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ مِنْ قَبُولِهِ، وَ إِنَّهُ بَابُ اللَّهِ وَ حِصْنُ الْإِيمَانِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ، وَ نَوَّرَ لَهُ فِي قَلْبِهِ (6) وَ أَعَانَهُ عَلَى نَفْسِهِ، انْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ عَلَى عَهْدِكُمُ الَّذِي عَاهَدْتُمُونِي عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ بَعْدَ (7) بُرْهَةٍ مِنْ دَهْرِهِمْ (8) مُلُوكٌ بَعْدِي وَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ يُغَيِّرُونَ دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ يُحَرِّفُونَ كَلَامَهُ، وَ يَقْتُلُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَ يُعِزُّونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَ بِهِمْ (9) تَكْثُرُ الْبِدَعُ، وَ تَدْرُسُ السُّنَنُ، حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ جَوْراً وَ عُدْوَاناً وَ بِدَعاً (10)، ثُمَّ يَكْشِفُ اللَّهُ بِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعَ الْبَلَايَا عَنْ أَهْلِ دَعْوَةِ اللَّهِ بَعْدَ شِدَّةٍ
____________
(1) الجاثية: 23، و لا يوجد في المصدر ذيل الآية: أَ فَلا تَذَكَّرُونَ.
(2) لا توجد في المصدر: فيهم.
(3) في المصدر: و عروة و كونوا حزب ..
(4) في الإرشاد: أن تفشوا.
(5) في المصدر: و لأوليائه، و لا توجد جملة: فيقتلكم قومكم.
(6) في (س): قبره.
(7) وضع على: بعد، في (ك) رمز نسخة بدل: خ. و لا توجد في المصدر.
(8) في المصدر: من دهركم، و هو الظّاهر.
(9) لا توجد: بهم في المصدر.
(10) لا توجد: بدعا، في المصدر.
80
مِنَ الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ حَتَّى تُمْلَأَ (1) الْأَرْضُ قِسْطاً وَ عَدْلًا بَعْدَ مَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً، أَلَا وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّ الْأَمْرَ صَائِرٌ إِلَيَّ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ مِنْ وَفَاتِهِ وَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، وَ اخْتِلَافِ الْأُمَّةِ عَلَيَّ، وَ مُرُوقِهِمْ مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَ أَمَرَنِي بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَ الْمَارِقِينَ وَ الْقَاسِطِينَ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ ذَلِكَ الزَّمَانَ وَ تِلْكَ الْأُمُورَ وَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِحَظِّهِ مِنَ الْجِهَادِ مَعِي فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ الْجِهَادُ الصَّافِي، صَفَاهُ لَنَا كِتَابُ اللَّهِ وَ سُنَّةُ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَكُونُوا- رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مِنْ أَحْلَاسِ بُيُوتِكُمْ إِلَى أَوَانِ ظُهُورِ أَمْرِنَا، فَمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ كَانَ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، وَ مَنْ عَاشَ مِنْكُمْ أَدْرَكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَلَا وَ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ سَيَحْمِلُونَ عَلَيَّ خُطَّةَ جَهْلِهِمْ (2)، وَ يَنْقُضُونَ عَلَيْنَا عَهْدَ نَبِيِّنَا (صلّى اللّه عليه و آله) لِقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِمَا يَأْتُونَ وَ يَذَرُونَ (3)، وَ سَيَكُونُ مِنْكُمْ (4) مُلُوكٌ يَدْرُسُ عِنْدَهُمُ الْعَهْدُ، وَ يَنْسَوْنَ مَا ذُكِّرُوا بِهِ، وَ يَحُلُّ بِهِمْ مَا يَحُلُّ بِالْأُمَمِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى الْهَرْجِ وَ الِاعْتِدَاءِ وَ فَسَادِ الْعَهْدِ، وَ ذَلِكَ لِطُولِ الْمُدَّةِ وَ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ الَّتِي أُمِرْتُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَ سَلَّمْتُ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ يَكْدَحُ فِيهَا الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ (5) رَبَّهُ، وَ وَاهاً (6) لِلْمُتَمَسِّكِينَ بِالثَّقَلَيْنِ وَ مَا يُعْمَلُ بِهِمْ! وَ وَاهاً لِفَرَجِ (7) آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ خَلِيفَةٍ مُتَخَلِّفٍ عِتْرِيفٍ مُتْرَفٍ (8)، يَقْتُلُ خَلَفِي وَ خَلَفَ
____________
(1) في المصدر: يملأ.
(2) في المصدر: من جهلهم.
(3) في الإرشاد: و ما يذرون.
(4) في (ك): منهم، و هو الظّاهر.
(5) يلقى اللّه، وضع عليها في المطبوع رمز نسخة بدل.
(6) قال في مجمع البحرين 1- 466: و في حديث عليّ (عليه السلام) مع الرّجلين: واها لهما فقد نبذا الكتاب جملته .. قيل معنى هذه الكلمة: التّلهّف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشّيء، يقال:
واها له.
(7) خ. ل: لفرخ، و هو الأصوب، كما ذكرها المصنّف (رحمه الله) في بيانه.
(8) في المصدر: في خليفة مستخلف عريف مترف.
81
الْخَلَفِ، بَلَى (1) اللَّهُمَّ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً أَوْ بَاطِناً مَسْتُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ (2)، وَ يَكُونَ مِحْنَةً (3) لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَ اقْتَدَى بِهِ، وَ أَيْنَ أُولَئِكَ؟ وَ كَمْ أُولَئِكَ؟ أُولَئِكَ (4) الْأَقَلُّونَ عَدَداً، الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ خَطَراً، بِهِمْ يَحْفَظُ اللَّهُ دِينَهُ وَ عِلْمَهُ حَتَّى يَزْرَعَهَا فِي صُدُورِ أَشْبَاهِهِمْ، وَ يُودِعَهَا أَمْثَالَهُمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَ اسْتَرْوَحُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَ اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهُ الْمُتْرَفُونَ، وَ صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَلَإِ (5) الْأَعْلَى، أُولَئِكَ حُجَجُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَ أُمَنَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ، آهِ .. آهِ شَوْقاً إِلَيْهِمْ (6) وَ إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَ وَاهاً لَهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَ سَيَجْمَعُنَا اللَّهُ وَ إِيَّاهُمْ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ قَالَ: .. ثُمَّ بَكَى .. وَ بَكَى الْقَوْمُ مَعَهُ وَ وَدَّعُوهُ (7) وَ قَالُوا: نَشْهَدُ لَكَ بِالْوَصِيَّةِ وَ الْإِمَامَةِ وَ الْأُخُوَّةِ، وَ إِنَّ عِنْدَنَا لَصِفَتَكَ وَ صُورَتَكَ، وَ سَيَقْدَمُ وَفْدٌ بَعْدَ هَذَا الرَّجُلِ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى الْمَلِكِ، وَ لَنُخْرِجَنَّ إِلَيْهِمْ صُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَ صُورَةَ نَبِيِّكَ وَ صُورَتَكَ وَ صُورَةَ ابْنَيْكَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (8) (عليهما السلام) وَ صُورَةَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) زَوْجَتَكَ سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ الْكُبْرَى الْبَتُولِ، وَ إِنَّ ذَلِكَ لَمَأْثُورٌ عِنْدَنَا وَ مَحْفُوظٌ، وَ نَحْنُ رَاجِعُونَ إِلَى الْمَلِكِ وَ مُخْبِرُوهُ بِمَا أَوْدَعْتَنَا مِنْ نُورِ هِدَايَتِكَ وَ بُرْهَانِكَ وَ كَرَامَتِكَ وَ صَبْرِكَ عَلَى مَا أَنْتَ فِيهِ، وَ نَحْنُ الْمُرَابِطُونَ لِدَوْلَتِكَ، الدَّاعُونَ
____________
(1) في (ك): بل.
(2) في (ك): بنيانه.
(3) في المصدر: نحلة.
(4) أولئك، لا توجد في المصدر و جاءت نسخة في مطبوع البحار.
(5) في المصدر: بالمحلّ، و هي نسخة في (ك).
(6) في إرشاد القلوب: على خلقه فوا شوقاه إليهم ..، و في مطبوع البحار جعلت بين آه و آه: هاة، و وضع عليها رمز نسخة بدل.
(7) في المصدر: ثمّ ودّعوه.
(8) وضع على: الحسن و الحسين (ع)، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل.
82
لَكَ وَ لِأَمْرِكَ، فَمَا أَعْظَمَ هَذَا الْبَلَاءَ، وَ مَا أَطْوَلَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَ نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ بِالثَّبَاتِ، وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.
بيان: قوله: ما عظمت .. اسم كان، أو خبره، أو عطف بيان للبلاء العظيم، و على الأخير إن ملك الروم أحد معمولي كان، و على الأوّلين استئناف لبيان ما تقدم، أو بيان لما، أو خبر بعد خبر لكان.
قال الجوهري: الْخَرَقُ- بالتحريك-: الدَّهَشُ مِنَ الخَوْفِ أو الحياء، و قد خَرِقَ- بالكسر- فهو خَرِقٌ .. و بالتحريك (1) أيضا مصدر الْأَخْرَقِ، و هو ضدُّ الرّفيق (2).
و النَّزْقُ: الخِفَّةُ و الطَّيْشُ (3).
و الرِّعْدِيدُ- بالكسر-: الجَبَانُ (4).
و النَّاكِلُ: الجَبَانُ (5).
قوله: و تركهم بُهْماً .. البُهْمُ- بالضم- جمع: البَهِيمِ، و هو المجهول الّذي لا يعرف، و بالفتح و يحرّك، جمع: البهيمة (6)، و البهيم الأسود: الخالص الّذي لم يشبه غيره، و
- فِي الْحَدِيثِ: يُحْشَرُ النَّاسُ بُهْماً.
- بالضم- قيل: أي ليس بِهِمْ شيءٌ ممّا كان في الدّنيا نحو البَرَصِ و العَرَجِ، أو عُرَاةً (7).
____________
(1) في المصدر: و الخرق، بدلا من: و بالتحريك. و قال في القاموس 3- 226: .. فهو خرق، و الخرق- بالضم و بالتحريك-: ضد الرفق.
(2) في صحاح اللغة 4- 1468، و مثله في لسان العرب 10- 76. و في (ك): الرقيق، بدل: الرفيق.
(3) ذكره في الصحاح 4- 1558، و القاموس 3- 285، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في صحاح اللغة 2- 475، و القاموس 1- 295.
(5) صرّح به في القاموس 4- 60، و قال في الصحاح 5- 1835: الناكل: الجبان الضعيف.
(6) كذا، و الظاهر: البهمة كما في النهاية و القاموس.
(7) جاء في النهاية 1- 167- 169، و لسان العرب 12- 56- 59، و القاموس 4- 82.
83
و الحاصل أنّه تركهم كالبهائم لا راعي لهم أو أشباها لا تميّز بينهم بالإمامة و الرعية.
و مَرَقَ السَّهْمُ من الرَّميةِ- كَنَصَرَ-: خرج من الجانب الآخر (1).
و عَطِبَ- كَفَرِحَ- هلك (2).
قوله (عليه السلام): فكيف آسى .. أي أَحْزَنُ، مِنَ الأَسَى- بالفتح و القصر و هو الحُزْنُ (3).
قوله (عليه السلام): و هما السبيلان .. الضمير راجع إلى ما ظهر سابقا من اتّباع الوصيّ و عدمه.
قوله (عليه السلام): بعد الثلاثين .. هذا تاريخ آخر زمان خلافته (عليه السلام)، و لمّا اجتمعت أسباب استيلائه (عليه السلام) على المنافقين في قرب وفاته و لم يتيسّر له ذلك بعروض شهادته علّق رجوع الأمر بهذا الزمان، أو هذا ممّا وقع فيه بداء، و المراد بالأمر الشهادة و الاستراحة عن تلك الدار (4) الفانية و آلامها و فتنها.
و قال الجوهري (5): أحلاس البيوت: ما يبسط تحت حرّ الثياب (6)، و
- في الحديث: كُنْ حِلْسَ بَيْتِكَ ..
أي لا تبرح.
و الحُظَّةُ- بالضّمّ-: الأَمْرُ و القِصَّةُ (7).
____________
(1) قاله في القاموس 3- 282، و لسان العرب 10- 341، و غيرهما.
(2) كما في لسان العرب 1- 610، و القاموس 1- 106. و لا توجد: هلك في (س).
(3) نصّ عليه في الصحاح 6- 2268، و القاموس 4- 299، و مجمع البحرين 1- 27.
(4) في (س): الزمان.
(5) الصحاح 3- 919، و مثله في القاموس 2- 207.
(6) في المصدر: تحت الحرّ من الثياب، و في القاموس 2- 207 كما في المتن.
(7) جاء في القاموس 2- 358، و الصحاح 3- 1123: و الخطّة- بالضم-: شبه القصة و الأمر، و في كليهما بالخاء المعجمة و الطاء المهملة. و ما تقدمت في المتن أيضا كانت كذلك، و أمّا الحظة- بالحاء المهملة و الظاء المعجمة- فليست بذلك المعنى.
84
قوله: لفرج آل محمّد (ص) .. في أكثر النسخ بالجيم فهو تحسّر على عدم حصول الفرج بسبب المتخلّف (1) التعريف، و الأصوب- بالخاء المعجمة (2)-: أي نسلهم و ذريّتهم، و قد مرّ و سيأتي أنّه عبّر عن الحسنين (عليهما السلام) في كتب الأنبياء (عليهم السلام) ب: الفرخين المستشهدين. و يقال: رجل عتريف .. أي خبيث فاجر جريء ماض (3)، و لعلّ المراد به يزيد لعنه اللّه، فإنّه قتل الحسين و أولاده (عليهم السلام).
قوله: و سيقدم وفد بعد هذا الرجل .. أي سيقدم و يأتي إلى ملكنا بعد ذهاب أبي بكر و خلافة عمر رسل و نخرج إلى رسله تلك الصور، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما سيأتي أنّه وقع في زمن معاوية، حيث أخرج ملك الروم صور الأنبياء (عليهم السلام) إلى يزيد فلم يعرفها و عرفها الحسن (عليه السلام)، و أجاب عن مسائله بعد ما عجز يزيد- لعنه اللّه- عنها (4).
و قد مرّ شرح بعض أجزاء الخبر في كتاب التوحيد (5) و كتاب المعاد (6) و سيأتي شرح بعضها في كتاب الغيبة و غيره (7)، فإنّ المحدّثين فرّقوا أجزاءه على الأبواب،
____________
(1) في (ك): التخلف.
(2) قال في مجمع البحرين 2- 439، و القاموس 1- 266: الفرخ: ولد الطائر، و كلّ صغير من الحيوان و النبات.
(3) كما صرّح به في الصحاح 4- 1399، و القاموس 3- 171، و زاد في الأخير: غاشم متغشرم، بعد قوله ماض.
(4) كما جاء في جملة من الروايات، انظر: تفسير القمّيّ 2- 269 و ما بعدها في حديث طويل.
(5) بحار الأنوار 3- 333- 334.
(6) بحار الأنوار 10- 52- 69 كتاب الاحتجاج.
(7) بحار الأنوار: لم نجده في كتاب الغيبة، و قد مرّت قطعة منه في بحار الأنوار 3- 272- 275 و 328. و سيأتي في 41- 308، 58- 9- 14 حكاه عن الكافي و المناقب و غيرهما-، و نقل بعضه العامّة كما صرّح بذلك العلّامة الأميني في غديره 7- 179- 181 عن الحافظ العاصمي في كتابه:
زين الفتى في شرح سورة هل أتى.
85
و هي مرويّة في الأصول المعتبرة، و هذا ممّا يدلّ على صحّتها، و يؤيّده أيضا أنّه قال الشيخ (قدس الله روحه) في فهرسته (1): سلمان الفارسي رحمة اللّه عليه .. روى خبر الجاثليق الرومي الذي (2) بعثه ملك الروم بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)،- أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد (3)، عن الصفار و الحميري (4) عمّن حدّثه، عن إبراهيم بن حكم الأسدي، عن أبيه، عن شريك بن عبد اللّه، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي وقاص، عن سلمان الفارسي. انتهى.
2- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (5): بِحَذْفِ الْأَسَانِيدِ، قِيلَ: لَمَّا كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دَخَلَ يَهُودِيٌّ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَيْنَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فَأَشَارُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ:
أَخْبِرْنِي عَمَّا لَيْسَ لِلَّهِ؟ وَ عَمَّا لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ؟ وَ عَمَّا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ؟.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ مَسَائِلُ الزَّنَادِقَةِ، يَا يَهُودِيُّ! أَ وَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ (6)؟ وَ هَمَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ- وَ كَانَ فِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ- فَقَالَ: مَا أَنْصَفْتُمُ الرَّجُلَ؟!. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَ وَ مَا سَمِعْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ؟. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ عِنْدَكُمْ جَوَابٌ (7) وَ إِلَّا فَاذْهَبُوا بِهِ إِلَى مَنْ يُجِيبُهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَ ثَبِّتْ لِسَانَهُ.
____________
(1) الفهرست للشيخ الطوسيّ: 158 برقم 329 طبعة جامعة مشهد [و صفحة: 80 برقم 328].
(2) لا توجد: الذي في (س).
(3) في (س): أبي الويد، و هو غلط.
(4) في المصدر: عن الحميري.
(5) إرشاد القلوب 2- 108- 109 [و في طبعة أخرى: 2- 315].
(6) في المصدر: أ و في السّماء و الأرض شيء ليس اللّه [للّه [كذا] و لا يعلمه إلّا اللّه.
(7) في المصدر: جوابه.
86
قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ مَنْ حَضَرَ (1) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا (2) عَلِيّاً (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ سَأَلَنِي عَنْ مَسَائِلِ الزَّنَادِقَةِ.
قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِلْيَهُودِيِّ: مَا تَقُولُ يَا يَهُودِيُّ؟ قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيٍّ.
فَقَالَ (عليه السلام): سَلْ، يَا يَهُودِيُّ! فَأُنَبِّئَكَ بِهِ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَمَّا لَيْسَ لِلَّهِ؟ وَ عَمَّا لَيْسَ (3) عِنْدَ اللَّهِ؟ وَ عَمَّا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ؟.
قَالَ (عليه السلام): أَمَّا قَوْلُكَ عَمَّا (4) لَيْسَ لِلَّهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ عَمَّا لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ ظُلْمٌ لِلْعِبَادِ (5)، وَ أَمَّا قَوْلُكَ عَمَّا لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُكُمْ إِنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللَّهِ، وَ اللَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ وَلَداً. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (6) وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّكَ وَصِيُّهُ.
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَبَّلُوا رَأْسَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (7) (عليه السلام) وَ قَالَ: يَا مُفَرِّجَ الْكُرُوبِ (8).
3- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (9):- بِحَذْفِ الْأَسَانِيدِ (10) أَيْضاً- مَرْفُوعاً إِلَى ابْنِ
____________
(1) في المصدر: حضره.
(2) في الإرشاد: حتّى أتوا ..
(3) في المصدر: ما ليس ..
(4) في المصدر: أخبرني عمّا ..
(5) وضع في (ك) على: للعباد، رمز نسخة بدل.
(6) في (ك) زيادة: .. وحده.
(7) في المصدر: أمير المؤمنين، بدلا من: عليّ بن أبي طالب.
(8) في الإرشاد: الكرب.
(9) إرشاد القلوب 2- 109- 112 [و في طبعة أخرى: 2- 316] سؤال اليهوديّ أبا بكر و عجزه عن جوابه، باختلاف يسير.
(10) في المصدر: الإسناد.
87
عَبَّاسٍ، قَالَ:: قَدِمَ يَهُودِيَّانِ أَخَوَانِ مِنْ رُءُوسِ (1) الْيَهُودِ، فَقَالا: يَا قَوْمُ! إِنَّ نَبِيَّنَا حَدَّثَنَا أَنَّهُ يَظْهَرُ بِتِهَامَةَ رَجُلٌ يُسَفِّهُ أَحْلَامَ الْيَهُودِ، وَ يَطْعُنُ فِي دِينِهِمْ، وَ نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يُزِيلَنَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا، فَأَيُّكُمْ هَذَا النَّبِيُّ؟. فَإِنْ كَانَ الْمُبَشِّرَ بِهِ دَاوُدُ آمَنَّا بِهِ وَ اتَّبَعْنَاهُ، وَ إِنْ كَانَ يُورِدُ (2) الْكَلَامَ عَلَى إِبْلَاغِهِ وَ يُورِدُ الشِّعْرَ وَ يَقْهَرُنَا جَاهَدْنَاهُ (3) بِأَنْفُسِنَا وَ أَمْوَالِنَا، فَأَيُّكُمْ هَذَا النَّبِيُّ؟. فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ: إِنَّ نَبِيَّنَا قُبِضَ.
فَقَالا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَأَيُّكُمْ وَصِيُّهُ؟ فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَى قَوْمٍ إِلَّا (4) وَ لَهُ وَصِيٌّ يُؤَدِّي مِنْ بَعْدِهِ وَ يَحْكُمُ مَا (5) أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، فَأَوْمَأَ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
فَقَالُوا (6): هَذَا وَصِيُّهُ. فَقَالا لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّا نُلْقِي عَلَيْكَ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا يُلْقَى عَلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَ نَسْأَلُكَ عَمَّا يُسْأَلُ الْأَوْصِيَاءُ عَنْهُ؟. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلْقِيَا، سَأُخْبِرُكُمَا عَنْهُ (7) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: مَا أَنَا وَ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ؟ وَ مَا نَفْسٌ فِي نَفْسٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ وَ لَا قَرَابَةٌ؟ وَ مَا قَبْرٌ سَارَ بِصَاحِبِهِ؟ وَ مِنْ أَيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَ أَيْنَ تَغْرُبُ؟ وَ أَيْنَ سَقَطَتِ الشَّمْسُ وَ لَمْ تَسْقُطْ مَرَّةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (8)؟ وَ أَيْنَ تَكُونُ الْجَنَّةُ؟ وَ أَيْنَ تَكُونُ النَّارُ؟ وَ رَبُّكَ يَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ؟ وَ أَيْنَ يَكُونُ وَجْهُ رَبِّكَ؟ وَ مَا اثْنَانِ شَاهِدَانِ؟ وَ مَا اثْنَانِ غَائِبَانِ؟ وَ مَا اثْنَانِ مُتَبَاغِضَانِ؟ وَ مَا الْوَاحِدُ؟ وَ مَا الِاثْنَانِ؟
وَ مَا الثَّلَاثَةُ؟ وَ مَا الْأَرْبَعَةُ؟ وَ مَا الْخَمْسَةُ؟ وَ مَا السِّتَّةُ؟ وَ مَا السَّبْعَةُ؟ وَ مَا الثَّمَانِيَةُ؟ وَ مَا التِّسْعَةُ؟ وَ مَا الْعَشَرَةُ؟ وَ مَا الْأَحَدَ عَشَرَ؟ وَ مَا الِاثْنَا عَشَرَ؟ وَ مَا الْعِشْرُونَ؟ وَ مَا
____________
(1) في المصدر: و رؤساء.
(2) في (س): يودّ.
(3) في الإرشاد: بالبلاغة و يقول الشّعر بلسانه جاهدناه.
(4) في المصدر: فما أرسل اللّه نبيّا إلّا .. و في (س): بعثه .. و هو سهو.
(5) في إرشاد القلوب: و يحكي ما ..
(6) في (س): فقالا ..
(7) بدل: عنه، مسائلكما، كذا في المصدر.
(8) جاء السّؤال في المصدر هكذا: و أين طلعت الشّمس و لم تطلع فيه بعد ذلك؟.
88
الثَّلَاثُونَ؟ وَ مَا الْأَرْبَعُونَ؟ وَ مَا الْخَمْسُونَ؟ وَ مَا السِّتُّونَ؟ وَ مَا السَّبْعُونَ؟ (1) وَ مَا الثَّمَانُونَ؟ وَ مَا التِّسْعُونَ؟ وَ مَا الْمِائَةُ؟!.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَبَقِيَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَرُدُّ جَوَاباً، وَ تَخَوَّفْنَا أَنْ يَرْتَدَّ الْقَوْمُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَلِيُّ! إِنَّ رُءُوساً مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ (2) قَدْ (3) قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، وَ أَلْقَوْا عَلَى أَبِي بَكْرٍ مَسَائِلَ، وَ قَدْ بَقِيَ لَا يَرُدُّ جَوَاباً. فَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ (عليه السلام) ضَاحِكاً، ثُمَّ قَالَ: هُوَ الَّذِي وَعَدَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (4) (صلّى اللّه عليه و آله). وَ أَخَذَ يَمْشِي أَمَامِي فَمَا أَخْطَأَتْ مِشْيَتُهُ مِشْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى قَعَدَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَقْعُدُ فِيهِ (5) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْيَهُودِيَّيْنِ.
فَقَالَ: يَا يَهُودِيَّانِ! ادْنُوَا مِنِّي وَ أَلْقِيَا عَلَيَّ مَا أَلْقَيْتُمَا عَلَى الشَّيْخِ.
فَقَالا: مَنْ أَنْتَ؟.
فَقَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخُو النَّبِيِّ، وَ زَوْجُ فَاطِمَةَ، وَ أَبُو الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، وَ وَصِيُّهُ فِي خِلَافَتِهِ كُلِّهَا (6)، وَ صَاحِبُ كُلِّ نَفِيسَةٍ (7) وَ غَزَاةٍ، وَ مَوْضِعُ سِرِّ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ الْيَهُودِيُ (8): مَا أَنَا وَ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ؟.
قَالَ: أَنَا مُؤْمِنٌ (9) مُنْذُ عَرَفْتُ نَفْسِي، وَ أَنْتَ كَافِرٌ مُنْذُ عَرَفْتَ نَفْسَكَ، وَ مَا
____________
(1) لا توجد: و ما السّبعون؟، في المصدر.
(2) في المصدر: إنّ رؤساء اليهود ..
(3) وضع على: قد، في (ك) رمز نسخة بدل.
(4) في المصدر: هو اليوم الّذي وعدني رسول اللّه ..
(5) وضع في مطبوع البحر على: فيه رمز نسخة بدل، و لا يوجد في المصدر.
(6) في المصدر: في حالاته كلّها.
(7) توجد في (ك) هنا نسخة بدل: قبسة.
(8) في المصدر: فقال له أحد اليهوديّين ..
(9) في الإرشاد: أمّا أنا فمؤمن.
89
أَدْرِي مَا يُحْدِثُ اللَّهِ بِكَ (1) يَا يَهُودِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ؟.
قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا نَفْسٌ فِي نَفْسٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ وَ لَا قَرَابَةٌ؟.
قَالَ: يُونُسُ بْنُ مَتَّى فِي (2) بَطْنِ الْحُوتِ.
قَالَ: فَمَا قَبْرٌ سَارَ بِصَاحِبِهِ؟.
قَالَ: يُونُسُ، حِينَ طَافَ بِهِ الْحُوتُ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ.
قَالَ لَهُ: فَالشَّمْسُ (3) مِنْ أَيْنَ تَطْلُعُ؟.
قَالَ: مِنْ قَرْنِ (4) الشَّيْطَانِ!.
قَالَ: فَأَيْنَ تَغْرُبُ؟.
قَالَ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَ قَالَ لِي حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا تُصَلِّ فِي إِقْبَالِهَا وَ لَا فِي إِدْبَارِهَا حَتَّى تَصِيرَ فِي مِقْدَارِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ.
قَالَ: فَأَيْنَ سَقَطَتِ الشَّمْسُ وَ لَمْ تَسْقُطْ مَرَّةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (5)؟.
قَالَ: الْبَحْرَ، حِينَ فَرَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمِ مُوسَى (عليه السلام).
قَالَ لَهُ: رَبُّكَ يَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ؟.
قَالَ: رَبِّي يَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ وَ لَا يَحْمِلُهُ شَيْءٌ.
قَالَ: فَكَيْفَ قَوْلُهُ: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (6).
قَالَ: يَا يَهُودِيُّ! أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى، وَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى الثَّرَى، وَ الثَّرَى (7) عَلَى الْقُدْرَةِ، وَ الْقُدْرَةَ عِنْدَ رَبِّي.
____________
(1) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر، و بدل: بك: فيك.
(2) في المصدر: قال: ذاك يونس (عليه السلام) في ..
(3) لا توجد الفاء في المصدر.
(4) في الإرشاد: قرني- بالتّثنية-.
(5) جاء السّؤال في المصدر هكذا: فأين طلعت الشّمس ثمّ لم تطلع في ذلك الموضع؟.
(6) الحاقّة: 17.
(7) لا يوجد في المصدر قوله: و كلّ شيء على الثّرى، و الثّرى.
90
قَالَ: فَأَيْنَ تَكُونُ الْجَنَّةُ؟ وَ أَيْنَ تَكُونُ (1) النَّارُ؟.
قَالَ: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ، وَ النَّارُ فِي الْأَرْضِ.
قَالَ: فَأَيْنَ يَكُونُ (2) وَجْهُ رَبِّكَ؟.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِابْنِ عَبَّاسٍ: ائْتِنِي بِنَارٍ وَ حَطَبٍ فَأَضْرَمَهَا، وَ قَالَ:
يَا يَهُودِيُّ! فَأَيْنَ (3) وَجْهُ هَذِهِ النَّارِ؟.
فَقَالَ: لَا أَقِفُ لَهَا عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ: كَذَلِكَ رَبِّي فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (4).
قَالَ: فَمَا اثْنَانِ شَاهِدَانِ؟.
قَالَ: السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ لَا يَغِيبَانِ (5).
قَالَ: فَمَا اثْنَانِ غَائِبَانِ؟.
قَالَ: الْمَوْتُ وَ الْحَيَاةُ لَا نَقِفُ عَلَيْهِمَا.
قَالَ: فَمَا اثْنَانِ مُتَبَاغِضَانِ؟.
قَالَ: اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ.
قَالَ: فَمَا نِصْفُ (6) الشَّيْءِ؟.
قَالَ: الْمُؤْمِنُ.
قَالَ: فَمَا لَا شَيْءَ؟.
قَالَ: يَهُودِيٌّ مِثْلُكَ كَافِرٌ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ (7).
قَالَ: فَمَا الْوَاحِدُ؟.
____________
(1) و أين تكون، وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل، و لا توجد في (ك).
(2) لا يوجد: يكون، في المصدر.
(3) في (ك): و أين، و في المصدر: قال: أين وجه هذه النّار.
(4) البقرة: 115.
(5) جاء السّؤال و الجواب في المصدر هكذا: قال: فما اثنان شاهدان لا يغيبان؟ قال: السّماء و الأرض.
(6) في المطبوع نسخة بدل: وصف، و وضع بعدها في (ك) رمز الاستظهار: (ظ).
(7) سقط السّؤالان في المصدر من قوله: قال: فما نصف الشّيء .. إلى: لا يعرف ربّه.
91
قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ.
قَالَ: فَمَا الِاثْنَانِ؟.
قَالَ: آدَمُ وَ حَوَّاءُ.
قَالَ: فَمَا الثَّلَاثَةُ؟.
قَالَ: كَذَبَتِ النَّصَارَى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، قَالُوا عِيسَى (1) ابْنُ مَرْيَمَ ابْنُ اللَّهِ، وَ اللَّهِ (2) لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً قَالَ: فَمَا الْأَرْبَعَةُ؟.
قَالَ: التَّوْرَاةُ وَ الْإِنْجِيلُ وَ الزَّبُورُ وَ الْفُرْقَانُ (3) الْعَظِيمُ.
قَالَ: فَمَا الْخَمْسَةُ؟.
قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ مُفْتَرَضَاتٍ.
قَالَ: فَمَا السِّتَّةُ؟.
قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قَالَ: فَمَا السَّبْعَةُ؟.
قَالَ: سَبْعَةُ أَبْوَابِ النَّارِ مُتَطَابِقَاتٍ.
قَالَ: فَمَا الثَّمَانِيَةُ؟.
قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.
قَالَ: فَمَا التِّسْعَةُ؟.
قَالَ: تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ (4).
قَالَ: فَمَا الْعَشَرَةُ؟.
____________
(1) هنا سقط، و في المصدر: فقالوا: ثالث ثلاثة عيسى ..
(2) لا يوجد لفظ الجلالة في المصدر.
(3) في المصدر: القرآن، بدل: الفرقان.
(4) النمل: 48.
92
قَالَ: عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنَ الْعَشَرَةِ (1).
قَالَ: فَمَا الْأَحَدَ عَشَرَ؟.
قَالَ: قَوْلُ يُوسُفَ لِأَبِيهِ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (2).
قَالَ: فَمَا الِاثْنَا عَشَرَ؟.
قَالَ: شُهُورُ السَّنَةِ.
قَالَ: فَمَا الْعِشْرُونَ؟.
قَالَ: بَيْعُ يُوسُفَ بِعِشْرِينَ دِرْهَماً.
قَالَ: فَمَا الثَّلَاثُونَ؟.
قَالَ: ثَلَاثُونَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُهُ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَّا مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ قَالَ: فَمَا الْأَرْبَعُونَ؟.
قَالَ: كَانَ (3) مِيقَاتُ مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً قَضَاهَا (4)، وَ الْعَشْرُ كَانَتْ تَمَامَهَا.
قَالَ: فَمَا الْخَمْسُونَ؟.
قَالَ: دَعَا نُوحٌ قَوْمَهُ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً قَالَ: فَمَا السِّتُّونَ؟.
قَالَ: قَالَ اللَّهُ: فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أَوْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (5).
قَالَ: فَمَا السَّبْعُونَ؟.
____________
(1) في (ك) نسخة: الشّهر، و هو الظّاهر، و لا توجد: من، في المصدر.
(2) يوسف: 4.
(3) في (ك) وضع على: كان، رمز نسخة بدل.
(4) كتبت كلمة: قضاها، في حاشية (ك) و وضع عليهما رمز نسخة بدل.
(5) المجادلة: 4.
93
قَالَ: اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (1) لِمِيقَاتِ رَبِّهِ.
قَالَ: فَمَا الثَّمَانُونَ؟.
قَالَ: قَرْيَةٌ بِالْجَزِيرَةِ يُقَالُ لَهَا: ثَمَانُونَ (2)، مِنْهَا قَعَدَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ وَ غَرَّقَ (3) اللَّهُ الْقَوْمَ.
قَالَ: فَمَا التِّسْعُونَ؟.
قَالَ: الْفُلْكُ الْمَشْحُونُ اتَّخَذَ يَوْماً (4) فِيهَا بَيْتاً لِلْبَهَائِمِ.
قَالَ: فَمَا الْمِائَةُ؟.
قَالَ: كَانَتْ لِدَاوُدَ (عليه السلام) سِتُّونَ سَنَةً فَوَهَبَ لَهُ آدَمُ أَرْبَعِينَ (5)، فَلَمَّا حَضَرَ آدَمَ (عليه السلام) الْوَفَاةُ جَحَدَهُ، فَجَحَدَ ذُرِّيَّتُهُ.
فَقَالَ: يَا شَابُّ! صِفْ لِي مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ السَّاعَةَ؟.
فَبَكَى عَلِيٌّ (عليه السلام)، ثُمَّ قَالَ: يَا يَهُودِيُّ! هَيَّجْتَ أَحْزَانِي، كَانَ حَبِيبِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) صَلْتَ (6) الْجَبِينِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، أَدْعَجَ (7)
____________
(1) في المصدر: من قومه.
(2) وضع على: ثمانون في المطبوع رمز نسخة بدل، و قد تقرأ ثمانين، و لعلّ كل منهما نسخة.
(3) في المصدر: و أغرق.
(4) في المصدر: اتّخذ نوح فيه تسعين بيتا .. و هو الظّاهر. و لا توجد: يوما في (س).
(5) هنا زيادة في المصدر: سنة من عمره.
(6) جاء في حاشية (ك): أي واسعة. نهاية.
انظر: النّهاية 3- 45.
(7) الدّعج و الدّعجة: السّواد في العين و غيرها. نهاية، كذا جاءت في حاشية (ك).
انظر: النّهاية 2- 119.
94
الْعَيْنَيْنِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، أَقْنَى (1) الْأَنْفِ، دَقِيقَ (2) الْمَسْرُبَةِ (3)، كَثَ (4) اللِّحْيَةِ، بَرَّاقَ الثَّنَايَا، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، كَانَ لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ لَبَّتِهِ (5) إِلَى سُرَّتِهِ مُتَفَرِّقَةً (6) كَأَنَّهَا قَضِيبُ كَافُورٍ، لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَ لَا بِالْقَصِيرِ النَّزْرِ، كَانَ إِذَا مَشَى مَعَ النَّاسِ غَمَرَهُمْ (7)، كَانَ إِذَا مَشَى كَأَنَّهُ يَنْقَلِعُ مِنْ صَخْرَةٍ أَوْ يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ (8)، كَانَ مَبْدُولَ (9) الْكَعْبَيْنِ، لَطِيفَ الْقَدَمَيْنِ، دَقِيقَ الْخَصْرِ، عِمَامَتُهُ السَّحَابُ، سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ، بَغْلَتُهُ الدُّلْدُلُ، حِمَارُهُ الْيَعْفُورُ، نَاقَتُهُ الْعَضْبَاءُ (10)، فَرَسُهُ الْمَبْدُولُ (11)، قَضِيبُهُ الْمَمْشُوقُ، كَانَ أَشْفَقَ النَّاسِ عَلَى النَّاسِ، وَ أَرْأَفَ النَّاسِ بِالنَّاسِ، كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ (12) مَكْتُوبٌ عَلَى الْخَاتَمِ سَطْرَانِ، أَوَّلُ سَطْرٍ:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَ الثَّانِي: مُحَمَّدٌ (13) رَسُولُ اللَّهِ، هَذِهِ صِفَتُهُ يَا يَهُودِيُّ!.
____________
(1) حاشية جاءت في (ك): أقنى، و في وصفه (صلّى اللّه عليه و آله): أقنى العرنين .. القنا في الأنف:
طوله و دقّة أرنبته مع حدب في وسطه، و العرنين: الأنف. نهاية.
انظر: النّهاية 4- 116 و فيها: قنا (س) في صفته عليه الصّلاة و السّلام .. و رقّة أرنبته ..
(2) في إرشاد القلوب: رقيق.
(3) جاء في حاشية (ك) هكذا: المسربة- بضمّ الرّاء-: ما دقّ من شعر الصّدر مائلا إلى الجوف.
نهاية.
انظر: النّهاية 2- 356 و فيه: سائلا، بدلا من: مائلا. و في المصدر: المشربة.
(4) و الكثافة في اللّحية: أن تكون غير رقيقة و لا طويلة. نهاية. كذا جاءت في حاشية (ك).
انظر: النّهاية: 4- 152.
(5) قال في الصّحاح 1- 217: و اللّبّة: المنحر، و الجمع اللّبّات.
(6) في المصدر: مفترقة، و لا يوجد: قضيب.
(7) جاء في حاشية (ك) ما يلي: أي كان فوق كلّ من كان معه. نهاية.
انظر: النّهاية 3- 384. و في المصدر: غمرهم نوره و كان ..
(8) في (ك): الصّلب.
(9) في إرشاد القلوب: مدوّر.
(10) جاء في (ك): الغضباء، و هو غلط ظاهرا.
(11) في المصدر: فرسه لزار.
(12) وضع في (س) على: خاتم النّبوّة، رمز نسخة بدل، و قد حذفت من (ك).
(13) في الإرشاد: فأمّا أوّل سطر ف: لا إله إلّا اللّه، و أمّا الثّاني ف: محمّد ..
95
فَقَالَ الْيَهُوِديَّانِ: نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَ أَنَّكَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ حَقّاً.
وَ أَسْلَمَا وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُمَا، وَ لَزِمَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَكَانَا مَعَهُ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ مَا كَانَ، فَخَرَجَا مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَ بَقِيَ الْآخَرُ حَتَّى خَرَجَ مَعَهُ إِلَى صِفِّينَ فَقُتِلَ.
إيضاح:
قوله (عليه السلام): كُلُّ نَفِيسَةٍ .. أي خصلة أو منقبة يُتَنَافَسُ و يُرْغَبُ فِيهِ (1)، و في بعض النسخ: قَبَسَةٍ .. أي اقتباس علم و حكمة (2).
قوله: فكيف قوله: و يحمل .. غرضه إنّك قلت اللّه حامل كلّ شيء فكيف يكون حامل العرش غيره؟ فأجاب (عليه السلام): بأنّ حَامِلَ الْحَامِلِ حَامِلٌ، وَ اللَّهَ حَامِلُ الْحَامِلِ وَ الْمَحْمُولِ بِقُدْرَتِهِ.
و النَّزْرُ: القليل (3)، و لعلّ المراد به هنا الحقير، و المبدول لم نعرف له معنى، و لعلّه تصحيف (4)، و قد مرّ شرح سائر أجزاء الخبر في أبواب صفاته و حُلَاهُ (صلّى اللّه عليه و آله) (5).
4- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (6):- بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ- مَرْفُوعاً إِلَى الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عُمَرَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ شُبَّانِ الْيَهُودِ- وَ هُوَ
____________
(1) قال في القاموس 2- 255، و الصحاح 3- 985: و النفيس: يتنافس فيه و يرغب.
(2) قال في مجمع البحرين 4- 94، و القاموس 2- 238، و الصحاح 3- 960، و النهاية 4- 4:
القبس: شعلة من نار، و الاقتباس: الاستفادة.
(3) كما في مجمع البحرين 3- 492، و القاموس 2- 141، و غيرهما.
(4) و قد مرّ أن في المصدر: لزار.
(5) بحار الأنوار: 16- 147- 148 و 155- 171 و 182- 184 و غيرها.
(6) إرشاد القلوب 2- 112- 113 [و في طبعة أخرى 2- 319] في جوابه (عليه السلام) عن مسألة يهوديّ آخر باختلاف يسير، و انظر بقيّة روايات الباب هناك.
96
فِي الْمَسْجِدِ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (1)! دُلَّنِي عَلَى أَعْلَمِكُمْ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ بِكِتَابِهِ وَ سُنَّتِهِ؟. فَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: هَذَا. فَتَحَوَّلَ الرَّجُلُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَسَأَلَهُ: أَنْتَ كَذَلِكَ؟.
قَالَ (2): نَعَمْ (3).
فَقَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ وَ ثَلَاثٍ وَ وَاحِدَةٍ.
قَالَ: أَ فَلَا قُلْتَ عَنْ سَبْعٍ؟.
قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَا (4)، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَجَبْتَ فِيهِمْ فَسَأَلْتُكَ (5) عَنْ ثَلَاثٍ بَعْدَهَا، وَ إِنْ لَمْ تُصِبْ لَمْ أَسْأَلْكَ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَخْبِرْنِي إِذَا أَجَبْتُكَ بِالصَّوَابِ وَ الْحَقِّ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟- وَ كَانَ الْفَتَى مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَ أَحْبَارِهِمْ، يَرْوُونَ (6) أَنَّهُ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ-.
فَقَالَ: نَعَمْ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَئِنْ أَجَبْتُكَ بِالصَّوَابِ وَ الْحَقِّ لَتُسْلِمَنَّ وَ تَدَعُ الْيَهُودِيَّةَ، فَحَلَفَ لَهُ وَ قَالَ: مَا جِئْتُكَ إِلَّا مُرْتَاداً أُرِيدُ الْإِسْلَامَ.
فَقَالَ: يَا هَارُونِيُّ! سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ تُخْبَرْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؟ وَ عَنْ أَوَّلِ عَيْنٍ نَبَعَتْ فِي الْأَرْضِ؟ وَ عَنْ أَوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؟.
____________
(1) في المصدر: يا عمر.
(2) خ. ل: فقال:.
(3) لا توجد في المصدر: قال نعم.
(4) وضع في المطبوع رمز نسخة بدل على: لا.
(5) في إرشاد القلوب: فإن أصبت فيهنّ سألتك و الظّاهر: فيها، بدلا من: فيهم.
(6) في المصدر: يرون، و هي نسخة في مطبوع البحار.
97
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَمَّا أَوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الزَّيْتُونَةُ وَ كَذَبُوا، وَ إِنَّمَا هِيَ النَّخْلَةُ، وَ هِيَ الْعَجْوَةُ، هَبَطَ بِهَا آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ فَغَرَسَهَا، وَ أَصْلُ النَّخْلِ كُلِّهِ مِنْهَا، وَ أَمَّا أَوَّلُ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا الْعَيْنُ الَّتِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَحْتَ الْحَجَرِ وَ كَذَبُوا، بَلْ هِيَ (1) عَيْنُ الْحَيَاةِ الَّتِي انْتَهَى مُوسَى وَ فَتَاهُ إِلَيْهَا فَغَسَلا فِيهَا السَّمَكَةَ فَحَيِيَتْ (2)، وَ لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يُصِيبُهُ ذَلِكَ الْمَاءُ إِلَّا حَيِيَ، وَ كَانَ الْخَضِرُ (عليه السلام) شَرِبَ مِنْهَا وَ لَمْ يَجِدْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَ أَمَّا أَوَّلُ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْحَجَرُ الَّذِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ كَذَبُوا، وَ إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ هَبَطَ بِهِ آدَمُ (ع) مِنَ الْجَنَّةِ فَوَضَعَهُ عَلَى الرُّكْنِ، وَ النَّاسُ يَسْتَلِمُونَهُ، وَ كَانَ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ.
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي كَمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ إِمَامٍ هُدًى هَادِينَ مَهْدِيِّينَ، لَا يَضُرُّهُمْ خِذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ؟ وَ أَيْنَ مَنْزِلُ مُحَمَّدٍ مِنَ الْجَنَّةِ؟، وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ فِي الْجَنَّةِ؟.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَمَّا قَوْلُكَ: كَمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ (3) إِمَامٍ هُدًى؟
وَ أَيْنَ مَنْزِلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَنَّةِ؟ وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ فِي الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ (4) اثْنَا عَشَرَ، وَ أَمَّا مَنْزِلُ مُحَمَّدٍ فَفِي أَشْرَفِ الْجِنَانِ وَ أَفْضَلِهَا: جَنَّةِ عَدْنٍ، وَ أَمَّا الَّذِينَ مَعَهُ فَهُمُ الْأَئِمَّةُ الِاثْنَا عَشَرَ أَئِمَّةُ الْهُدَى.
قَالَ الْفَتَى: صَدَقْتَ، فَوَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عِنْدِي بِإِمْلَاءِ مُوسَى وَ خَطِّ هَارُونَ بِيَدِهِ.
ثُمَ (5) قَالَ: أَخْبِرْنِي كَمْ يَعِيشُ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَهُ؟ وَ هَلْ
____________
(1) في المصدر: إنّما هي ..
(2) في المصدر: السّمكة المالحة فحييت.
(3) لا توجد: من، في (ك).
(4) في المصدر: فإنّ أئمّة الهدى.
(5) لا توجد: ثمّ، في المصدر، و فيه: فأخبرني.
98
يَمُوتُ مَوْتاً أَوْ يُقْتَلُ قَتْلًا؟.
قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! أَنَا وَصِيُّ مُحَمَّدٍ، أَعِيشُ بَعْدَهُ ثَلَاثِينَ (1) لَا تَزِيدُ يَوْماً وَ لَا تَنْقُصُ يَوْماً، ثُمَّ يُبْعَثُ أَشْقَاهَا شَقِيقُ عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ، فَيَضْرِبُنِي ضَرْبَةً فِي مَفْرَقِي فَتُخْضَبُ مِنْهُ لِحْيَتِي، ثُمَّ بَكَى (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً.
قَالَ (2): فَصَرَخَ الْفَتَى وَ قَطَعَ كُسْتِيجَهُ (3) وَ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَشْهَدُ (4) أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (5)، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
بيان: قوله (عليه السلام): تَعْرِفُ ذَلِكَ .. أي تُصَدِّقُ و تُقِرُّ بِهِ (6).
قوله (عليه السلام): لا تزيد يوما ..
أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، و يشكل تصحيحه، لعدم اتّحاد يومي وفاتهما (صلوات الله عليهما)، و يمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب، و قوله (عليه السلام): «لا يزيد» استئناف لبيان أنّ الموعد الذي وعدت لك لا يتخلّف، و أعلمه بحيث لا يزيد يوما و لا ينقص يوما، و قيل: الضمير راجع إلى كتاب هارون، و ربّما يقرأ تزيد و تنقص- على صيغة الخطاب (7)- أي إنّك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهّم أنّه لا كسر فيها، و ليس كذلك، بل هو مبنيّ على
____________
(1) في المصدر زيادة: سنة. و فيه: لا أزيد .. و لا أنقص.
(2) لا توجد: قال، في (س).
(3) في المصدر: كيتجه، و لا معنى لها.
(4) لا توجد: أشهد، في المصدر.
(5) هنا زيادة جاءت في المصدر و هي: و أنّك وصيّه و خليفته و هاد الأمّة و محي السّنّة من بعده.
(6) قال في الصحاح 4- 1400: و قولهم ما أعرف لأحد يصرعني .. أي ما أعترف، و قال فيه بعد صفحتين: الاعتراف بالذنب: الإقرار به، ... و ربّما وضعوا اعترف موضع عرف، كما وضعوا عرف موضع اعترف. و قال في القاموس 3- 173: و قرأ الكسائي: عرف بعضه .. أي جازي حفصة ببعض ما فعلت، أو معناه أقرّ ببعضه و أعرض عن بعض.
(7) في (س): الكتاب.
99
إتمام الكسر، و لا يخفى بعدهما.
و قال الفيروزآبادي (1): الْكُسْتِيجُ- بالضّم-: خَيْطٌ غَلِيظٌ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ دُونَ الزُّنَّارِ، مُعَرَّبُ كُسْتِي.
5- كِتَابُ صَفْوَةِ الْأَخْبَارِ (2): عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي نُونٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دَخَلَ الْمَدِينَةَ رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ دَاوُدَ (عليه السلام) عَلَى دِينِ الْيَهُودِ، فَوَجَدَ النَّاسَ مُتَفَزِّعِينَ مَغْمُومِينَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟. قَالُوا: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِنَا، ثُمَّ قَالَ: أَرْشِدُونِي إِلَى خَلِيفَةِ نَبِيِّكُمْ. قَالُوا (3): تَنْتَظِرُ قَلِيلًا حَتَّى نُرْشِدَكَ إِلَى مَنْ يُخْبِرُكَ بِمَا تَسْأَلُ، فَأَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا:
عَلَيْكَ بِهَذَا الْغُلَامِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُكَ عَمَّا تَسْأَلُ. فَقَامَ إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ: أَ أَنْتَ (4) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)؟.
فَقَالَ: نَعَمْ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَ أَجْلَسَهُ.
وَ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ هَؤُلَاءِ عَنْ أَرْبَعَةِ حُرُوفٍ فَأَرْشَدُونِي إِلَيْكَ، فَعَنْ إِذْنِكَ أَسْأَلُكَ؟.
فَقَالَ لَهُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَإِنِّي أُخْبِرُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ حَرْفٍ كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّكَ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ وَ رَجَعَ عَنْ (5)
____________
(1) القاموس 1- 205، و قارن ب: تاج العروس 2- 91.
(2) قال في أوّل بحار الأنوار 1- 21 في عدّه لمصادره أنّه: لبعض العلماء الأخيار، و قال في الفصل الثّاني 1- 40: و كتاب صفوة الأخبار و رياض الجنان مشتملان على أخبار غريبة في المناقب، و أخرجنا منهما ما وافق أخبار الكتب المعتبرة. و ينقل عنه في مدينة المعاجز بعنوان: صفوة الأخبار عن الأئمّة الأطهار، و احتمل بعض تلامذة المجلسيّ أنّه و كتاب رياض الجنان كليهما لفضل اللّه بن محمود الفارسيّ، و هو شقيق الشّيخ البرسيّ، و ناقش شيخنا في الذّريعة 15- 48 ذلك، فراجع.
(3) في (ك): فقالوا.
(4) في (ك): أنت- بدون همزة الاستفهام-.
(5) جاءت نسخة هنا على (س): من.
100
مَحَلِّ الشَّرَفِ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ كَشَفَ مَالِكٌ عَنْهُمْ طَبَقاً مِنْ أَطْبَاقِ النَّارِ فَكَلَّمُوا نَبِيَّكَ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي زَاحَمَ نَبِيَّكَ؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَنْزِلِ نَبِيِّكَ فِي الْجَنَّةِ؟.
فَقَالَ (عليه السلام): أَمَّا أَوَّلُ حَرْفٍ كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ نَبِيَّنَا (صلّى اللّه عليه و آله) بِهِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ (1).
فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ، وَ لَا عَنْهُ سَأَلْتُ.
فَقَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي تُرِيدُ مَسْتُورٌ.
فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِالَّذِي هُوَ، وَ إِلَّا فَمَا أَنْتَ هُوَ؟.
فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَنْبَأْتُكَ تُسْلِمُ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا رَجَعَ عَنْ (2) مَحَلِّ الشَّرَفِ وَ الْكَرَامَةِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رُفِعَ لَهُ الْحِجَابُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَقَامِ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) وَ نَادَى مَلَكٌ: يَا مُحَمَّدُ [(صلّى اللّه عليه و آله)]! إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ: اقْرَأْ عَلَى السَّيِّدِ الْمَوْلَى مِنِّي السَّلَامَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنِ السَّيِّدُ الْمَوْلَى؟.
فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [ع].
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: صَدَقْتَ إِنِّي لَأَجِدُهُ مَكْتُوباً فِي كِتَابِ دَاوُدَ (عليه السلام).
فَقَالَ: وَ أَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ كَشَفَ عَنْهُمْ مَالِكٌ طَبَقَ النَّارِ فَهُمْ: قَابِيلُ، وَ نُمْرُودُ، وَ هَامَانُ، وَ فِرْعَوْنُ.
فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ [(صلّى اللّه عليه و آله)]! اسْأَلْ رَبَّكَ يَرُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى نَعْمَلَ صَالِحاً، فَغَضِبَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَ أَخَذَ الطَّبَقَ بِرِيشَةٍ مِنْ جَنَاحِهِ وَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. وَ أَمَّا الْمَلَكُ الَّذِي زَاحَمَ نَبِيَّنَا (صلّى اللّه عليه و آله) فَإِنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، جَاءَ مِنْ
____________
(1) البقرة: 285.
(2) جاء على مطبوع البحار نسخة بدل: من.
101
عِنْدِ جَبَّارٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا قَدْ تَكَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِكَلَامٍ عَظِيمٍ فَغَضِبَ لِلَّهِ (1) فَزَاحَمَ نَبِيَّنَا وَ لَمْ يَعْرِفْهُ لِغَيْظِهِ.
فَقَالَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): يَا مَلَكَ الْمَوْتِ! هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَبِيبُهُ.
فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِ مَلِكٍ جَبَّارٍ قَدْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ عَظِيمٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَغَضِبْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَمْ أَعْرِفْكَ، فَعَذَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ أَمَّا مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَسْكَنَهُ جَنَّةُ عَدْنٍ وَ مَعَهُ فِيهَا أَوْصِيَاؤُهُ الِاثْنَا عَشَرَ، وَ فَوْقَهَا مَنْزِلٌ يُقَالُ لَهُ: الْوَسِيلَةُ، وَ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شِبْهُهُ وَ لَا أَرْفَعُ مِنْهُ، وَ هُوَ مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ دَاوُدَ (عليه السلام)، وَ لَقَدْ صَدَقْتَ، وَ إِنَّا مُتَوَارِثُوهُ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَيَّ، فَأَخْرَجَ كِتَاباً فِيهِ مَسْطُورٌ مَا ذُكِرَ.
ثُمَ (2) قَالَ: مُدَّ يَدَكَ أُجَدِّدْ إِسْلَامِي، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّكَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا وَ أَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَ عَلَّمَهُ دِينَهُ وَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَ قَدْ أَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ.
6- نبه (3): رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ (4) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْماً- وَ عِنْدَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ- إِذْ قَالَ عُمَرُ: يَا كَعْبُ! أَ حَافِظٌ أَنْتَ لِلتَّوْرَاةِ (5)؟. قَالَ كَعْبٌ: إِنِّي لَأَحْفَظُ مِنْهَا كَثِيراً. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جَنْبِهِ (6): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! سَلْهُ أَيْنَ
____________
(1) في (ك): اللّه.
(2) لا توجد: ثمّ، في (س).
(3) تنبيه الخواطر و نزهة النّواظر (مجموعة ورّام) 2- 5، فيما جرى بين كعب الأحبار و عمر.
(4) في المصدر: في مجلس.
(5) في المطبوع: التّورية، و كذا تكتب التّوراة في إملاء القدماء، و جاء بعدها في المصدر: فقال كعب ..
(6) في المصدر زيادة: في المجلس.
102
كَانَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ (1) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ عَرْشَهُ؟ وَ مِمَّ خَلَقَ الْمَاءَ الَّذِي جَعَلَ عَلَيْهِ عَرْشَهُ (2)؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا كَعْبُ! هَلْ عِنْدَكَ مِنْ هَذَا عِلْمٌ؟. فَقَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! نَجِدُ فِي الْأَصْلِ الْحَكِيمِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَانَ قَدِيماً قَبْلَ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَ كَانَ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْهَوَاءِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ عَرْشَهُ تَفَلَ تَفْلَةً كَانَتْ مِنْهَا الْبِحَارُ الْغَامِرَةُ وَ اللُّجَجُ الدَّائِرَةُ، فَهُنَاكَ خَلَقَ عَرْشَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّخْرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهُ، وَ آخِرُ مَا بَقِيَ مِنْهَا لَمَسْجِدٌ قَدَّسَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) حَاضِراً .. فَعَظَّمَ رَبَّهُ (3) وَ قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَ نَفَضَ ثِيَابَهُ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ لَمَّا عَادَ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَفَعَلَ، قَالَ عُمَرُ: غُصْ عَلَيْهَا يَا غَوَّاصُ، مَا يَقُولُ (4) أَبُو حَسَنٍ فَمَا عَلِمْتُكَ إِلَّا مُفَرِّجاً لِلْغَمِّ؟. فَالْتَفَتَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى كَعْبٍ فَقَالَ: غَلِطَ أَصْحَابُكَ وَ حَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ، وَ قَبَّحُوا (5) الْفِرْيَةَ عَلَيْهِ، يَا كَعْبُ! وَيْحَكَ! إِنَّ الصَّخْرَةَ الَّتِي زَعَمْتَ لَا تَحْوِي جَلَالَهُ، وَ لَا تَسَعُ عَظَمَتَهُ، وَ الْهَوَاءُ الَّذِي ذَكَرْتَ لَا يَجُوزُ (6) أَقْطَارَهُ، وَ لَوْ كَانَتِ الصَّخْرَةُ وَ الْهَوَاءُ قَدِيمَيْنِ مَعَهُ لَكَانَتْ لَهُمَا قِدْمَتُهُ، وَ عَزَّ اللَّهُ وَ جَلَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ مَكَانٌ يُومَى إِلَيْهِ، وَ اللَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ (7) الْمُلْحِدُونَ، وَ لَا كَمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُونَ، وَ لَكِنْ كَانَ وَ لَا مَكَانَ بِحَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الْأَذْهَانُ، وَ قَوْلِي: (كَانَ) لِتَعْرِيفِ كَوْنِهِ، وَ هُوَ (8) مِمَّا عَلَّمَ مِنَ الْبَيَانِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ (9): خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ (10)، فَقَوْلِي لَهُ
____________
(1) في (ك): ثناؤه، و كتبت في حاشية (س) من دون رمز نسخة بدل.
(2) في تنبيه الخواطر: جعل عرشه عليه- بتقديم و تأخير-.
(3) في المصدر: على ربّه .. و ما هنا أظهر.
(4) جاء في (س) زيادة: منها، قبل: يقول، و وضع عليها رمز الزّيادة في (ك).
(5) في المصدر: و فتحوا.
(6) جاء في (س): لا يجود، و في المصدر: لا يجوز، و هو الظّاهر، و ما في المتن نسخة في المصدر.
(7) في (س): يقال.
(8) جاء في المصدر: و قولي: كان، محدث كونه و هو ..
(9) لا توجد في المصدر: عزّ و جلّ.
(10) الرحمن: 3- 4.
103
كَانَ مِمَّا عَلَّمَنِي الْبَيَانَ (1) لِأَنْطِقَ بِحُجَّةِ عَظَمَةِ الْمَنَّانِ، وَ لَمْ يَزَلْ رَبُّنَا مُقْتَدِراً عَلَى مَا يَشَاءُ، مُحِيطاً بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ كَوَّنَ مَا أَرَادَ بِلَا فِكْرَةٍ حَادِثَةٍ لَهُ (2) أَصَابَ، وَ لَا بِشُبْهَةٍ (3) دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِيمَا أَرَادَ، وَ إِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ نُوراً ابْتَدَعَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ ظُلْمَةً وَ كَانَ قَدِيراً أَنْ يَخْلُقَ الظُّلْمَةَ لَا مِنْ شَيْءٍ، كَمَا خَلَقَ النُّورَ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِنَ الظُّلْمَةِ نُوراً وَ خَلَقَ مِنَ النُّورِ يَاقُوتَةً غِلَظُهَا كَغِلَظِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَ سَبْعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ زَجَرَ الْيَاقُوتَةَ فَمَاعَتْ (4) لِهَيْبَتِهِ فَصَارَتْ مَاءً مُرْتَعِداً، وَ لَا يَزَالُ مُرْتَعِداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ مِنْ نُورِهِ، وَ جَعَلَهُ عَلَى الْمَاءِ، وَ لِلْعَرْشِ عَشَرَةُ آلَافِ لِسَانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ كُلُّ لِسَانٍ مِنْهَا بِعَشَرَةِ آلَافٍ (5)، لَيْسَ فِيهَا لُغَةٌ تُشْبِهُ الْأُخْرَى، وَ كَانَ الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ دُونِهِ حُجُبُ الضَّبَابِ (6)، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ .. (7)، يَا كَعْبُ! وَيْحَكَ! إِنَّ مَنْ كَانَتِ الْبِحَارُ تَفْلَتَهُ عَلَى قَوْلِكَ- كَانَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَحْوِيَهُ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ يَحْوِيَهُ (8) الْهَوَاءُ الَّذِي أَشَرْتَ إِلَيْهِ أَنَّهُ حَلَّ فِيهِ .. فَضَحِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَ قَالَ: هَذَا هُوَ الْأَمْرُ، وَ هَكَذَا يَكُونُ الْعِلْمُ لَا (9) كَعِلْمِكَ يَا كَعْبُ، لَا عِشْتُ إِلَى زَمَانٍ لَا أَرَى فِيهِ أَبَا حَسَنٍ.
7- كا (10): الْعِدَّةُ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ
____________
(1) في مجموعة ورّام: من البيان.
(2) لا توجد في المصدر: له.
(3) في التّنبيه: و لا شبهة.
(4) أي سالت و ذابت كما في المصباح المنير 2- 807- 808 و غيره.
(5) في المصدر: بعشرة آلاف لغة.
(6) قال في مجمع البحرين 1- 104: و الضّباب- كسحاب- جمع ضبابة- كسحابة- و هو ندى يغشى الأرض بالغدوات، و جاء في الصّحاح 1- 168: الضّبابة: سحابة تغشى الأرض كالدّخان.
(7) هود: 7.
(8) في المصدر: تحويه.
(9) جاءت في مجموعة ورّام زيادة: يكون، بعد: لا.
(10) أصول الكافي 1- 444- 445 حديث 5 باب 125 من كتاب الحجّة [1- 529- 530 الطبعة الثّالثة من الإسلاميّة] باختصار في الإسناد على دأبه.
104
حَنَانِ بْنِ السَّرَّاجِ (1)، عَنْ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِسَائِيِ (2)، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: شَهِدْتُ جِنَازَةَ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ مَاتَ، وَ شَهِدْتُ عُمَرَ حِينَ بُويِعَ وَ عَلِيٌّ (عليه السلام) جَالِسٌ نَاحِيَةً، فَأَقْبَلَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ جَمِيلُ الْوَجْهِ، بَهِيٌّ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ حِسَانٌ- وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ- حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْتَ أَعْلَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِكِتَابِهِمْ وَ أَمْرِ نَبِيِّهِمْ؟. قَالَ: فَطَأْطَأَ عُمَرُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: إِيَّاكَ أَعْنِي .. وَ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لِمَ ذَاكَ؟. قَالَ: إِنِّي جِئْتُكَ مُرْتَاداً لِنَفْسِي، شَاكّاً فِي دِينِي. فَقَالَ: دُونَكَ هَذَا الشَّابَّ. قَالَ: وَ مَنْ هَذَا الشَّابُّ؟. قَالَ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ابْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ هَذَا زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَقْبَلَ الْيَهُودِيُّ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ: أَ كَذَلِكَ (3) أَنْتَ؟!. فَقَالَ:
نَعَمْ.
قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ثَلَاثٍ وَ ثَلَاثٍ وَ وَاحِدَةٍ.
قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ غَيْرِ تَبَسُّمٍ، فَقَالَ (4) يَا هَارُونِيُّ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ سَبْعاً؟. قَالَ: أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَجَبْتَنِي سَأَلْتُ عَمَّا بَعْدَهُنَّ، وَ إِنْ لَمْ تَعْلَمْهُنَّ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيكُمْ عَالِمٌ.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْإِلَهِ الَّذِي تَعْبُدُهُ لَئِنْ أَنَا أَجَبْتُكَ فِي كُلِّ مَا تُرِيدُ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ وَ لَتَدْخُلَنَّ فِي دِينِي؟.
قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَاكَ.
قَالَ: فَسَلْ؟.
____________
(1) الأظهر- كما صرّح به المجلسيّ- (رحمه الله)- في مرآة العقول-: أن يكون: حيّان السّرّاج، فراجع.
(2) نسخة جاءت في (ك): الكتّانيّ.
(3) في الكافي: أ كذاك.
(4) في المصدر: و قال.
105
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ قَطْرَةِ دَمٍ قَطَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَيُّ قَطْرَةٍ هِيَ؟
وَ أَوَّلِ عَيْنٍ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَيُّ عَيْنٍ هِيَ؟ وَ أَوَّلِ شَيْءٍ اهْتَزَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟.
فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ (1): أَخْبِرْنِي عَنِ الثَّلَاثِ الْأُخَرِ، أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ، كَمْ لَهُ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ؟. وَ فِي أَيِّ جَنَّةٍ يَكُونُ؟ وَ مَنْ يُسَاكِنُهُ (2) مَعَهُ فِي جَنَّتِهِ (3)؟.
قَالَ: يَا هَارُونِيُّ! إِنَّ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ عَدْلٍ لَا يَضُرُّهُمْ خِذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَ لَا يَسْتَوْحِشُونَ بِخِلَافِ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَ إِنَّهُمْ فِي الدِّينِ أَرْسَبُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي فِي الْأَرْضِ، وَ مَسْكَنُ مُحَمَّدٍ فِي جَنَّتِهِ، مَعَهُ أُولَئِكَ الِاثْنَا عَشَرَ الْإِمَامَ الْعَدْلَ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنِّي لَأَجِدُهَا فِي كُتُبِ أَبِي هَارُونَ، كَتَبَهُ (4) بِيَدِهِ وَ أَمْلَاهُ مُوسَى عَمِّي (عليه السلام).
قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْوَاحِدَةِ؟ أَخْبِرْنِي عَنْ وَصِيِّ مُحَمَّدٍ كَمْ يَعِيشُ مِنْ بَعْدِهِ؟
وَ هَلْ يَمُوتُ أَوْ يُقْتَلُ؟.
قَالَ: يَا هَارُونِيُّ! يَعِيشُ بَعْدَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَزِيدُ يَوْماً وَ لَا يَنْقُصُ يَوْماً، ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً هَاهُنَا- يَعْنِي عَلَى قَرْنِهِ- فَيُخْضَبُ (5) هَذِهِ مِنْ (6) هَذَا.
قَالَ: فَصَاحَ الْهَارُونِيُّ وَ قَطَعَ كُسْتِيجَهُ، وَ هُوَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَّكَ
____________
(1) في (ك) زيادة كلمة: قال، و وضع عليها رمز نسخة بدل.
(2) في الكافي: ساكنه.
(3) في (ك): جنّة.
(4) لا توجد: كتبه، في (س).
(5) في المصدر: فتخضب.
(6) في (س): عن.
106
وَصِيُّهُ، يَنْبَغِي أَنْ تَفُوقَ وَ لَا تُفَاقَ، وَ أَنْ تُعَظَّمَ وَ لَا تُسْتَضْعَفَ.
قَالَ: ثُمَ (1) مَضَى بِهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى مَنْزِلِهِ فَعَلَّمَهُ مَعَالِمَ الدِّينِ.
بيان: في القاموس (2): جبل راسب .. أي ثابت، و كذا الراسي بمعنى الثّابت (3).
8- كا (4): مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام).
وَ مُحَمَّدُ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ (5) ابْنِ أَبِي يَحْيَى الْمَدِينِيِّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ حَاضِراً لَمَّا هَلَكَ (6) أَبُو بَكْرٍ وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، أَقْبَلَ يَهُودِيٌّ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودِ يَثْرِبَ، وَ يَزْعُمُ (7) يَهُودُ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ حَتَّى رُفِعَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ! إِنِّي جِئْتُكَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ جَمِيعِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكَ، لَكِنِّي أُرْشِدُكَ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ أُمَّتِنَا بِالْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ وَ جَمِيعِ مَا قَدْ تَسْأَلُ عَنْهُ، وَ هُوَ ذَاكَ، فَأَوْمَى إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام).
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: يَا عُمَرُ! إِنْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ فَمَا لَكَ وَ لِبَيْعَةِ النَّاسِ، وَ إِنَّمَا
____________
(1) في (س): ثمّ قال، بتقديم و تأخير.
(2) القاموس 1- 73، و قال في مجمع البحرين 2- 70: و في الحديث: أئمّة العدل أرسب من الجبال الرواسي .. أي أثقل.
(3) نصّ عليه في القاموس 4- 334، و مجمع البحرين 1- 183، و غيرهما.
(4) أصول الكافي 1- 446 حديث 8، باب 125 كتاب الحجّة [1- 531 في طبعة أخرى من الإسلاميّة] باختصار في الإسناد، و تلاحظ بقيّة روايات الباب.
(5) وضع على كلمة: عن، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل.
(6) في (ك): قال لمّا هلك ..
(7) في المصدر: يهود يثرب و تزعم ..
107
ذَاكَ أَعْلَمُكُمْ، فَزَبَرَهُ عُمَرُ.
ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودِيَّ قَامَ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ: أَنْتَ كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ؟.
فَقَالَ (1): وَ مَا قَالَ عُمَرُ؟. فَأَخْبَرَهُ.
قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ كَمَا قَالَ، سَأَلْتُكَ عَنْ أَشْيَاءَ أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ هَلْ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَعْلَمَ أَنَّكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَ أَعْلَمُهَا صَادِقِينَ، وَ مَعَ ذَلِكَ أَدْخُلُ فِي دِينِكُمُ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): نَعَمْ، أَنَا كَمَا ذَكَرَ لَكَ عُمَرُ، سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ أُخْبِرْكَ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (2).
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ ثَلَاثٍ وَ ثَلَاثٍ وَ وَاحِدَةٍ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا يَهُودِيُّ! وَ (3) لِمَ لَمْ تَقُلْ أَخْبِرْنِي عَنْ سَبْعٍ؟.
فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّكَ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِالثَّلَاثِ، سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَقِيَّةِ وَ إِلَّا كَفَفْتُ، فَإِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنِي فِي هَذِهِ السَّبْعِ فَأَنْتَ أَعْلَمُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ أَفْضَلُهُمْ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ.
فَقَالَ لَهُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ أُخْبِرْكَ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (4).
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؟ وَ أَوَّلِ شَجَرَةٍ غُرِسَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؟ وَ أَوَّلِ عَيْنٍ نَبَعَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؟.
فَأَخْبَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
ثُمَّ قَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمْ لَهَا مِنْ إِمَامٍ هُدًى؟ وَ أَخْبِرْنِي عَنْ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ أَيْنَ مَنْزِلُهُ فِي الْجَنَّةِ؟ وَ أَخْبِرْنِي مَنْ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ؟.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَامَ هُدًى مِنْ
____________
(1) خ. ل: قال، جاءت على المطبوع من البحار.
(2) لا توجد: تعالى، في المصدر.
(3) لا توجد: الواو في (ك).
(4) في الكافي المطبوع لا توجد: أخبرك به إن شاء اللّه تعالى، و فيه: يا يهوديّ.
108
ذُرِّيَّةِ نَبِيِّهَا وَ هُمْ مِنِّي. وَ أَمَّا مَنْزِلُ نَبِيِّنَا فِي الْجَنَّةِ فَفِي أَفْضَلِهَا وَ أَشْرَفِهَا: جَنَّةِ عَدْنٍ، وَ أَمَّا مَنْ مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ فِيهَا فَهَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَ أُمُّهُمْ وَ جَدَّتُهُمْ أُمُ (1) أُمِّهِمْ وَ ذَرَارِيُّهُمْ لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ..
9- كا (2): مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ زَكَرِيَّا الْمُؤْمِنِ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى بِامْرَأَتِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي هَذِهِ سَوْدَاءُ وَ أَنَا أَسْوَدُ وَ إِنَّهَا وَلَدَتْ غُلَاماً أَبْيَضَ. فَقَالَ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ: مَا تَرَوْنَ؟.
قَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجُمَهَا فَإِنَّهَا سَوْدَاءُ وَ زَوْجُهَا أَسْوَدُ وَ وَلَدُهَا أَبْيَضُ.
قَالَ: فَجَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَدْ وُجِّهَ بِهَا لِتُرْجَمَ، فَقَالَ: مَا حَالُكُمَا؟. فَحَدَّثَاهُ.
فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ: أَ تَتَّهِمُ امْرَأَتَكَ؟!.
فَقَالَ: لَا.
قَالَ: فَأَتَيْتَهَا وَ هِيَ طَامِثٌ؟.
قَالَتْ: نَعَمْ، سَلْهُ، قَدْ حَرَّجْتُ عَلَيْهِ وَ أَبَيْتُ.
قَالَ: فَانْطَلِقَا فَإِنَّهُ ابْنُكُمَا، وَ إِنَّمَا غَلَبَ الدَّمَ النُّطْفَةُ فَابْيَضَّ، وَ لَوْ قَدْ تَحَرَّكَ اسْوَدَّ. فَلَمَّا أَيْفَعَ اسْوَدَّ.
بيان: التّحريج: التّضييق، ذكره الجوهري (3)، و قال: أيفع الغلام .. أي
____________
(1) في المصدر: و أمّ ..
(2) الكافي: 5- 566 حديث 46، كتاب النّكاح، باب النّوادر.
(3) في الصحاح 1- 306، و مثله في القاموس 1- 183.
109
ارتفع (1).
10- مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ (2): قَالَ: إِنَّ رَجُلًا حَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ فَادَّعَى أَنَّهُ لَا يَخَافُ اللَّهَ، وَ لَا يَرْجُو الْجَنَّةَ، وَ لَا يَخْشَى النَّارَ، وَ لَا يَرْكَعُ وَ لَا يَسْجُدُ، وَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ، وَ يَشْهَدُ بِمَا لَا يَرَى (3)، وَ يُحِبُّ الْفِتْنَةَ، وَ يَكْرَهُ الْحَقَّ، وَ يُصَدِّقُ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى، وَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ، وَ لَهُ مَا لَيْسَ لِلَّهِ، وَ أَنِّي (4) أَحْمَدُ النَّبِيّ، وَ أَنِّي (5) عَلِيٌّ وَ أَنَا رَبُّكُم، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ازْدَدْتَ كُفْراً عَلَى كُفْرِكَ؟!.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا عُمَرُ! فَإِنَّ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَا يَرْجُو الْجَنَّةَ وَ لَكِنْ يَرْجُو اللَّهَ، وَ لَا يَخَافُ النَّارَ وَ لَكِنْ يَخَافُ رَبَّهُ، وَ لَا يَخَافُ اللَّهَ مِنْ ظُلْمٍ وَ لَكِنْ يَخَافُ عَدْلَهُ، لِأَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، وَ لَا يَرْكَعُ وَ لَا يَسْجُدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَ يَأْكُلُ الْجَرَادَ وَ السَّمَكَ، وَ يُحِبُّ الْأَهْلَ وَ الْوَلَدَ، وَ يَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ لَمْ يَرَهُمَا، وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَ هُوَ الْحَقُّ، وَ يُصَدِّقُ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى فِي تَكْذِيبِ بَعْضِهِمَا (6) بَعْضاً، وَ لَهُ مَا لَيْسَ لِلَّهِ، لِأَنَّ لَهُ وَلَداً وَ لَيْسَ لِلَّهِ وَلَدٌ، وَ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ (7)، فَإِنَّهُ يَظْلِمُ نَفْسَهُ وَ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ ظُلْمٌ، وَ قَوْلُهُ أَنَا (8) أَحْمَدُ النَّبِيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ..
أَيْ أَنَا أَحْمَدُهُ عَلَى تَبْلِيغِ (9) الرِّسَالَةِ عَنْ رَبِّهِ، وَ قَوْلُهُ: أَنَا عَلِيٌّ .. يَعْنِي عَلِيٌّ فِي قَوْلِي، وَ قَوْلُهُ: أَنَا رَبُّكُمْ .. أَيْ رَبُّ كُمٍّ بِمَعْنَى (10) لِي كُمٌّ أَرْفَعُهَا وَ أَضَعُهَا، فَفَرِحَ عُمَرُ،
____________
(1) نصّ عليه الجوهريّ في صحاحه 3- 1310، و قال في القاموس 3- 102: يفع الجبل- كمنع صعده، و الغلام: راهق العشرين، كأيفع و هو يافع.
(2) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (ع): 78.
(3) في المصدر: لم ير- بلا ياء-.
(4) في المصدر: و أنا.
(5) في المشارق: و أنا.
(6) في المصدر: بعضهم.
(7) في المشارق: من عند اللّه.
(8) لا توجد: أنا، في المصدر.
(9) في المصدر: تبليغه.
(10) لا توجد: ربّ كمّ بمعنى، في المصدر.
110
وَ قَامَ وَ قَبَّلَ رَأْسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ قَالَ: لَا بَقِيتُ بَعْدَكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ.
بيان: هوّن عليك .. أي سهّل (1) على نفسك بالسؤال أو بالانتظار ليتبيّن الحقّ، أو المعنى ما أهون عليك .. أي ليس فيه إشكال، و لعلّ المراد بالدم دم السمك، أو مطلق الدم المتخلّف، و تركه (عليه السلام) للظهور، و المراد بالميتة ما لم يذبح، كما ورد: في البحر تحلّ ميتته (2).
11- كنز (3): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هُوزَةَ (4)، عَنِ النَّهَاوَنْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ نَصْرِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْمُقْتَبِسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَرْسَلَهُ فِي جَيْشٍ فَغَابَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ قَدِمَ، وَ كَانَ مَعَ أَهْلِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَعَلِقَتْ مِنْهُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَنْكَرَهُ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! كُنْتُ فِي الْبَعْثِ الَّذِي وَجَّهْتَنِي فِيهِ، وَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدِمْتُ (5) سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَ كُنْتُ مَعَ أَهْلِي وَ قَدْ جَاءَتْ بِغُلَامٍ وَ هُوَ ذَا، وَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي؟. فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: مَا ذَا تَقُولِينَ أَيَّتُهَا المَرْأَةُ؟. فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا غَشِيَنِي رَجُلٌ غَيْرُهُ، وَ مَا فَجَرْتُ، وَ إِنَّهُ لَابْنُهُ، وَ كَانَ اسْمُ الرَّجُلِ: الْهَيْثَمَ.
فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: أَ حَقٌّ مَا يَقُولُ زَوْجُكِ؟.
قَالَتْ: قَدْ صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ، فَحَفَرَ لَهَا حَفِيرَةً
____________
(1) كما في القاموس 4- 278، لسان العرب 13- 439، و غيرهما. قال الثاني: و الهون مصدر هان عليه الشيء .. أي خفّ، و هوّنه عليه .. أي سهّله و خفّفه، و شيء هيّن- على فيعل- أي سهل.
(2) وسائل الشيعة 16- 296- 297 باب 31، انظر روايات الباب فإنّها مختلفة. و لاحظ: المحاسن للبرقي: 475 و 480، و التهذيب 4- 31، و غيرها.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 581- 582 حديث 6، مع اختصار في الإسناد.
(4) في المصدر: هوذة الباهليّ.
(5) هنا في المصدر زيادة: منذ .. و هو الظّاهر.
111
ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً (عليه السلام)، فَجَاءَ مُسْرِعاً حَتَّى أَدْرَكَهَا وَ أَخَذَ بِيَدَيْهَا فَسَلَّهَا (1) مِنَ الْحَفِيرَةِ.
ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: ارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ (2) إِنَّهَا قَدْ صَدَقَتْ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (3)، وَ قَالَ فِي الرَّضَاعِ: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (4)، فَالْحَمْلُ وَ الرَّضَاعُ ثَلَاثُونَ شَهْراً، وَ هَذَا الْحُسَيْنُ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
فَعِنْدَهَا قَالَ عُمَرُ: لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ (5).
12- ما (6) الْمُفِيدُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ تَسْنِيمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ رُقَيَّةَ بْنِ مَصْقَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُؤَيَّةَ (7) الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ (8)، قَالَ: أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَجُلَانِ يَسْأَلَانِ عَنْ طَلَاقِ الْأَمَةِ، فَالْتَفَتَ إِلَى خَلْفِهِ فَنَظَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: يَا أَصْلَعُ! مَا تَرَى فِي طَلَاقِ الْأَمَةِ؟.
فَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ .. هَكَذَا، وَ أَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَ الَّتِي تَلِيهَا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمَا عُمَرُ وَ قَالَ (9): ثِنْتَانِ.
____________
(1) في الكنز: و سلّها.
(2) قال في مجمع البحرين 4- 331: و أربع على نفسك .. أي أرفق بنفسك و كفّ و تمكّث و لا تعجل.
(3) الأحقاف: 15.
(4) البقرة: 232.
(5) و أورده أيضا في البحار 40- 232 حديث 12، و جاء في المناقب مختصرا: 2- 187، و حكاه بعينه في تفسير البرهان 4- 174 حديث 11.
(6) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 243، باختصار في الإسناد.
(7) في المصدر: خوذعة.
(8) كذا، و لعلّه: عن أبيها عن جدّها ..
(9) في (س): فقال.
112
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! جِئْنَاكَ وَ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَسَأَلْنَاكَ فَجِئْتَ إِلَى رَجُلٍ سَأَلْتَهُ، وَ اللَّهِ مَا كَلَّمَكَ.
فَقَالَ عُمَرُ (1): تَدْرِيَانِ مَنْ هَذَا؟.
قَالا: لَا.
قَالَ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَ الْأَرَضِينَ السَّبْعَ وُضِعَتَا فِي كِفَّةٍ وَ وُضِعَ إِيمَانُ عَلِيٍّ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ عَلِيٍّ (ع).
13- عدة (2): رَوَى الْحَكَمُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: نَزَلَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَازِلَةٌ قَامَ لَهَا وَ قَعَدَ، وَ تَرَنَّحَ لَهَا (3) وَ تَقَطَّرَ. ثُمَّ قَالَ: يَا (4) مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! مَا عِنْدَكُمْ فِيهَا؟.
قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْتَ الْمَفْزَعُ وَ الْمَنْزَعُ، فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ (5): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (6) أَمَا وَ اللَّهِ أَنَا وَ إِيَّاكُمْ لَنَعْرِفُ ابْنَ بَجْدَتِهَا، وَ الْخَبِيرَ بِهَا.
قَالُوا: كَأَنَّكَ أَرَدْتَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ؟.
قَالَ: وَ أَنَّى يُعْدَلُ بِي عَنْهُ، وَ هَلْ طَفَحَتْ حُرَّةٌ (7) بِمِثْلِهِ.
قَالُوا: فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ.
قَالَ: هَيْهَاتَ! هُنَاكَ شِمْخٌ مِنْ هَاشِمٍ وَ لُحْمَةٌ مِنَ الرَّسُولِ (ص)، وَ أُثْرَةٌ مِنْ
____________
(1) لا توجد: عمر في (س).
(2) عدّة الدّاعي: 101- 102 باب 2 في ذمّ الدّنيا و بينونتها من الآخرة.
(3) ما في المتن نسخة في المصدر، و في متنه: تربّح لها.
(4) لا يوجد حرف النّداء في العدّة.
(5) في المصدر: و قال.
(6) الأحزاب: 70.
(7) في المصدر: طفحت جرّة، و نسخة فيه: نفحت حرّة.
113
عِلْمٍ يُؤْتَى لَهَا وَ لَا يَأْتِي، امْضُوا إِلَيْهِ فَاقْصِفُوا نَحْوَهُ، وَ أَفْضُوا إِلَيْهِ، وَ هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ وَ (1) عَلَيْهِ تُبَّانٌ يَتَرَكَّلُ عَلَى مِسْحَاتِهِ وَ هُوَ (2) يَقُولُ: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (3) وَ دُمُوعُهُ تَهْمِي (4) عَلَى خَدَّيْهِ، فَأَجْهَشَ (5) الْقَوْمُ لِبُكَائِهِ، ثُمَّ سَكَنَ وَ سَكَنُوا، وَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ فَأَصْدَرَ إِلَيْهِ جَوَابَهَا، فَلَوَى عُمَرُ يَدَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ أَرَادَكَ الْحَقُّ وَ لَكِنْ أَبَى قَوْمُكَ!.
فَقَالَ (عليه السلام) لَهُ: يَا أَبَا حَفْصٍ! خَفِّضْ (6) عَلَيْكَ مِنْ هُنَا وَ مِنْ هُنَا إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (7).
فَانْصَرَفَ وَ قَدْ أَظْلَمَ وَجْهُهُ وَ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ مِنْ (8) لَيْلٍ.
بيان: قال الجوهري: تَرَنَّحَ: تَمَايَلَ مِنَ السُّكْرِ و غيرِهِ، و رُنِّحَ عَلَيْهِ ترنيحاً- على بناء ما لم يسمّ فاعله- .. أي غُشِيَ عَلَيْهِ، أو (9) اعْتَرَاهُ وَهْنٌ فِي عِظَامِهِ فَتَمَايَلَ، و هُوَ مُرَنَّحٌ (10).
____________
(1) لا توجد الواو في المصدر.
(2) وضع على: هو، في (ك) رمز نسخة بدل.
(3) القيامة: 36- 38.
(4) قال في القاموس 4- 404: همى الماء و الدّمع يهمي هميا و هميا و هميانا، و العين: صبّت دمعها.
(5) قال في مجمع البحرين 4- 131: في حديث فاطمة (عليها السلام): فأجهشت .. و يروى:
فجهشت .. و المعنى واحد، و الجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره و هو مع ذلك يريد البكاء كالصّبيّ يفزع إلى أمّه و قد تهيّأ للبكاء. و نحوه في القاموس 2- 266.
(6) في (س): حفص.
(7) النّبأ: 17.
(8) في المصدر: ينظر إليه من ..
(9) في (ك) و لسان العرب جاءت الواو بدلا من: أو.
(10) الصحاح 1- 367، و نحوه في لسان العرب 2- 454- 455، و القاموس 1- 224، و غيرهما.
114
و في القاموس: تَقَطَّرَ: تَهَيَّأَ للقتال، و رَمَى بنفسه من عُلُوٍّ، و الجِذْعُ (1) ..
انْجَعَفَ (2) .. أي انْقَلَعَ (3).
و قال (4): هُوَ ابنُ بَجْدَتِهَا: للعالم بالشّيء، و للدّليل الهادي، و لِمَنْ لَا يَبْرَحُ عَنْ قَوْلِهِ، و عنده بَجْدَةُ ذلك .. أي عِلْمُهُ.
و قال (5): طَفَحَتْ- كَمَنَعَ- بالولد: وَلَدَتْهُ لِتَمَامٍ.
و قال (6): شَمَخَ الجبلُ: عَلَا و طَالَ، و الرّجلُ بأنفه: تَكَبَّرَ .. و نِيَّةٌ شَمَخٌ محرّكةً-: بَعِيدَةٌ ..، و الشّامخُ: الرّافعُ أَنْفَهُ عِزّاً.
و الأُثْرَةُ: البَقِيَّةُ مِنَ العِلْمِ يُؤْثَرُ (7).
و قال: في الحديث: أَنَا و النّبيّون فُرَّاطُ القَاصِفِينَ (8): هُمُ المزدحمون كأنّ بعضهم يَقْصِفُ بعضاً لِفَرْطِ الزِّحَامِ، و تَزَاحُمِهِمْ بِداراً (9) إلى الجنّة .. أي نحن متقدّمون في الشّفاعة لقوم كثيرين متدافعين ..، و القَصْفَةُ من القوم: تَدَافُعُهُمْ و تزاحمهم، و رقّة الأرطى و قد أَقْصَفَ (10).
و قال: التُّبَّانُ- كرُمَّانٍ-: سراويلُ صغيرٌ يستر العورةَ المُغَلَّظَةَ (11).
و قال: تَرَكَّلَ بِمِسْحَاتِهِ: ضربها برجله لتدخل في الأرض (12).
____________
(1) في (س): انجدع.
(2) القاموس 2- 119، و عينه جاء في لسان العرب 5- 107، و مثله في الصحاح 2- 769.
(3) كما جاء في لسان العرب 9- 27، و القاموس 3- 123، و غيرهما.
(4) في القاموس 1- 275، و نظيره في لسان العرب 3- 77، و لا توجد في (س): علمه.
(5) في القاموس 1- 237، و قارن ب: تاج العروس 2- 190. و في (س): لتمامه- بالضمير-.
(6) في القاموس 1- 262، و نحوه في لسان العرب 3- 30، و غيره.
(7) نصّ عليه في القاموس 1- 362، و فيه: تؤثر، بدلا من: يؤثر.
(8) في المصدر و لسان العرب: لقاصفين.
(9) في (س): بدار. و لا توجد في المصدر: و تزاحمهم.
(10) القاموس 3- 185، و انظر لسان العرب 9- 283- 284. و في (س): الأوطى، بدل الأرطى.
(11) في القاموس 4- 205، و مثله في لسان العرب 13- 72، و غيرهما.
(12) في القاموس 3- 386، و بعينه في لسان العرب 11- 294.
115
و قال: سَحَا الطّينَ يَسْحِيهِ و يَسْحُوهُ و يَسْحَاهُ سَحْياً: قشره و جرفه، و المسحاة- بالكسر- ما سُحِيَ بِهِ (1).
و قال: خَفِّضِ القولَ يا فلانُ: لَيِّنْهُ، و الأمرَ: هَوِّنْهُ (2).
قوله: من هنا و من هنا .. أي من أوّل الأمر حيث منعتني الخلافة و من هذا الوقت حيث تقرّ لي بالفضل، و يمكن أن يقرأ (من) بالفتح فيهما .. أي من كان المانع في أوّل الأمر و من القائل في هذا الوقت، أي لا تناسب بينهما، و على الأول يحتمل أن يكون أحدهما إشارة إلى الدنيا و الآخر إلى العقبى (3).
____________
(1) نصّ عليه في القاموس 4- 341، و مثله في لسان العرب 14- 327.
(2) ذكره في القاموس 2- 330، و انظر: لسان العرب 7- 145- 146. و في (ك) نسخة: هينة، بدلا من: هوّنه.
(3) أقول: نظير هذا ما جاء عن طريق العامّة كثيرا و سيأتي في مطاعن الثلاثة منه جملة، و نذكر منه ما أورده أبو إسحاق الثعلبي المتوفّى سنة 427 ه في كتابه العرائس: 232- 239 في قصّة مفصّلة، نذكر منها صدرها و يكشف منه استمرار خبطهم و جهلهم، قال:
لمّا ولّي .. عمر بن الخطّاب الخلافة أتاه قوم من أحبار اليهود فقالوا: يا عمر! أنت وليّ الأمر بعد محمّد (ص) و صاحبه، و إنّا نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها علمنا أنّ الإسلام حقّ و أنّ محمّدا كان نبيّا، و إن لم تخبرنا به علمنا أنّ الإسلام باطل و أنّ محمّدا لم يكن نبيّا. فقال: سلوا عمّا بدا لكم؟. قالوا: أخبرنا ... قال: فنكس عمر رأسه في الأرض ثمّ قال: لا عيب بعمر إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم، و أن يسأل عمّا لا يعلم. فوثبت اليهود و قالوا: نشهد أنّ محمّدا لم يكن نبيّا و أنّ الإسلام باطل!.
فوثب سلمان الفارسيّ و قال لليهود: قفوا قليلا .. ثمّ توجّه نحو عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه حتّى دخل عليه، فقال: يا أبا حسن! أغث الإسلام. فقال: و ما ذاك؟ .. فأخبره الخبر، فأقبل يرفل في بردة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا نظر إليه عمر وثب قائما فاعتنقه، و قال: يا أبا الحسن! أنت لكلّ معضلة و شدّة تدعى.
فدعا عليّ كرّم اللّه وجهه اليهود فقال: سلوا عمّا بدا لكم فإنّ النّبيّ (ص) علّمني ألف باب من العلم فتشعّب لي من كلّ باب ألف باب، فسألوه عنه، فقال عليّ كرّم اللّه وجهه: إنّ لي عليكم شريطة إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا و آمنتم؟. فقالوا: نعم. فقال: سلوا عن خصلة .. خصلة.
قالوا: أخبرنا عن أقفال السّماوات ما هي؟.
قال: أقفال السّماوات، الشّرك باللّه، لأنّ العبد و الأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل.
قالوا: فأخبرنا عن مفاتيح السّماوات ما هي؟.
قال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا عبده و رسوله. فجعل بعضهم ينظر إلى بعض و يقولون: صدق الفتى.
قالوا: فأخبرنا بقبر سار بصاحبه؟.
فقال: ذلك الحوت الّذي التقم يونس بن متّى فسار به في البحار السّبع [كذا].
فقالوا: أخبرنا عمّن أنذر قومه لا هو من الجنّ و لا هو من الإنس؟.
قال: هي نملة سليمان بن داود، قالت: يا أيّها النّمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان و جنوده و هم لا يشعرون.
قالوا: فأخبرنا عن خمسة مشوا على الأرض و لم يخلقوا في الأرحام؟.
قال: ذلكم: آدم، و حوّاء، و ناقة صالح، و كبش إبراهيم، و عصا موسى.
قالوا: فأخبرنا ما يقول الدّرّاج في صياحه؟.
قال: يقول: الرّحمن على العرش استوى.
قالوا: فأخبرنا ما يقول الدّيك في صراخه؟.
قال: يقول: اذكروا اللّه يا غافلين.
قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله؟.
قال: يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين إلى الجهاد: اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على الكافرين.
.
116
____________
قالوا: فأخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه؟.
قال: يقول: لعن اللّه العشّار .. و ينهق في أعين الشّياطين.
قالوا: فأخبرنا ما يقول الضّفدع في نقيقه؟.
قال: يقول: سبحان ربّي المعبود المسبّح في لجج البحار.
قالوا: فأخبرنا ما يقول القنبر في صفيره؟.
قال: يقول: اللّهمّ العن مبغضي محمّد و آل محمّد.
و كان اليهود ثلاثة نفر، قال اثنان منهم: نشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، و وثب الحبر الثّالث فقال: يا عليّ! لقد وقع في قلوب أصحابي ما وقع من الإيمان و التّصديق، و قد بقي خصلة واحدة أسألك عنها؟.
فقال: سل عمّا بدا لك.
فقال: أخبرني عن قوم في أوّل الزّمان ماتوا ثلاثمائة و تسع سنين ثمّ أحياهم اللّه فما كان من قصّتهم؟.
قال عليّ رضي اللّه عنه: يا يهوديّ! هؤلاء أصحاب، و قد أنزل اللّه على نبيّنا قرآنا فيه قصّتهم؟، و إن شئت قرأت عليك قصّتهم.
فقال اليهوديّ: ما أكثر ما قد سمعنا قراءتكم، إن كنت عالما فأخبرني بأسمائهم، و أسماء آبائهم، و أسماء مدينتهم، و اسم ملكهم، و اسم كلبهم، و اسم جبلهم، و اسم كهفهم؟ و قصّتهم من أوّلها إلى آخرها؟. فاحتبى عليّ ببردة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ قال: ... و أورد قصّة أصحاب الكهف بطولها، و نقلها شيخنا الأمينيّ طاب ثراه في غديره 6- 148- 155.
و منها: ما جاء عن طريق العامّة- كما أورده الحافظ العاصميّ في كتابه زين الفتى في شرح سورة هل أتى (خطّيّ)- .. و حكاه عنه في الغدير 6- 242- 243، و فيه:
قدم أسقف نجران على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب في صدر خلافته فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ أرضنا باردة .. إلى أن قال: فقال له الأسقف: يا عمر! أ تقرءون في كتابكم: و جنّة عرضها كعرض السّماء و الأرض، فأين تكون النّار؟. فسكت عمر و قال لعليّ: أجبه أنت.
فقال له عليّ: أنا أجيبك يا أسقف، أ رأيت إذا جاء اللّيل أين يكون النّهار؟. و إذا جاء النّهار أين يكون اللّيل؟. فقال الأسقف: ما كنت أرى إنّ أحدا ليجيبني عن هذه المسألة. من هذا الفتى يا عمر؟.
فقال: عليّ بن أبي طالب، ختن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن عمّه، و هو أبو الحسن و الحسين.
فقال الأسقف: فأخبرني يا عمر! عن بقعة من الأرض طلع فيها الشّمس مرّة واحدة ثمّ لم تطلع قبلها و لا بعدها؟.
فقال عمر: سل الفتى، فسأله.
فقال: أنا أجيبك، هو البحر حيث انفلق لبني إسرائيل و وقعت فيه الشّمس مرّة واحدة لم تقع قبلها و لا بعدها.
فقال الأسقف: أخبرني عن شيء في أيدي النّاس شبّه بثمار الجنّة؟.
فقال عمر: سل الفتى. فسأله.
.
117
____________
فقال عليّ: أنا أجيبك، هو القرآن، يجتمع عليه أهل الدّنيا فيأخذون منه حاجتهم فلا ينقص منه شيء فكذلك ثمار الجنّة.
فقال الأسقف: صدقت.
قال: أخبرني هل للسّماوات من قفل؟.
فقال عليّ: قفل السّماوات الشّرك باللّه.
فقال الأسقف: و ما مفتاح ذلك القفل؟.
قال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، لا يحجبها شيء دون العرش.
فقال: صدقت.
فقال: أخبرني عن أوّل دم وقع على وجه الأرض؟.
فقال عليّ: أمّا نحن فلا نقول كما يقولون: دم الخشّاف، و لكن أوّل دم وقع على وجه الأرض مشيمة حوّاء حيث ولدت هابيل بن آدم. قال: صدقت، و بقيت مسألة واحدة.
أخبرني: أين اللّه؟. فغضب عمر.
فقال عليّ: أنا أجيبك، و سل عمّا شئت، كنّا عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذ أتاه ملك فسلّم، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من أين أرسلت؟. فقال: من السّماء السّابعة من عند ربّي، ثمّ أتاه آخر فسأله، فقال: أرسلت من الأرض السّابعة من عند ربّي، فجاء ثالث من الشّرق، و رابع من المغرب فسألهما فأجابا كذلك، فاللّه عزّ و جلّ هاهنا و هاهنا، في السّماء إله و في الأرض إله.
و نظيره أورده الفضل بن شاذان في كتابه الرّوضة: 145، و الفضائل: 202، و حكاه عنهما العلّامة المجلسيّ في بحاره 10- 58- 60، عن أنس بن مالك، و هناك روايات عديدة في هذا الباب.
و منها: ما أخرجه أحمد بن حنبل- إمام الحنابلة- في الفضائل بإسناده عن ابن المسيّب قال: كان عمر بن الخطّاب يقول: أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو الحسن.
قال ابن المسيّب: و لهذا القول سبب و هو: أنّ ملك الرّوم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل فعرضها على الصّحابة فلم يجد عندهم جوابا، فعرضها على أمير المؤمنين فأجاب عنها في أسرع وقت بأحسن جواب .. و ذكر الكتاب بطوله، ثمّ قال: فقرأ عليّ (ع) الكتاب و كتب في الحال خلفه:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد، فقد وقفت على كتابك أيّها الملك، و أنا أجيبك بعون اللّه و قوّته و بركته و بركة نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم:
أمّا الشّيء الّذي لم يخلقه اللّه تعالى، فالقرآن، لأنّه كلامه و صفته، و كذا كتب اللّه المنزلة، و الحقّ سبحانه قديم و كذا صفاته.
و أمّا الّذي لا يعلمه اللّه، فقولكم: له ولد و صاحبة و شريك، ما اتّخذ اللّه من ولد و ما كان معه من إله لم يلد و لم يولد.
و أمّا الّذي ليس عند اللّه، فالظّلم، و ما ربّك بظلّام للعبيد.
و أمّا الّذي كلّه فم، فالنّار، تأكل ما يلقى فيها و أمّا الّذي كلّه رجل، فالماء.
و أمّا الّذي كلّه عين، فالشّمس.
و أمّا الّذي كلّه جناح، فالرّيح.
و أمّا الّذي لا عشيرة له، فآدم.
.
118
____________
و أمّا الّذي لم يحمل بهم رحم، فعصى موسى، و كبش إبراهيم، و آدم و حوّاء.
و أمّا الّذي يتنفّس من غير روح، فالصّبح، لقوله تعالى: و الصّبح إذا تنفّس.
و أمّا النّاقوس، فإنّه يقول: طقّا طقّا، حقّا حقّا، مهلا مهلا، عدلا عدلا، صدقا صدقا، إنّ الدّنيا قد غرّتنا و استهوتنا، تمضي الدّنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنّا إلّا أوهى منّا ركنا، إنّ الموتى [كذا] قد أخبرنا أنّا نرحل فاستوطنّا.
و أمّا الظّاعن، فطور سيناء لمّا عصت بنو إسرائيل و كان بينه و بين الأرض المقدّسة أيّام فقلع اللّه منه قطعة و جعل لها جناحين من نور فنتقه عليهم، فذلك قوله: «وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ». و قال لبني إسرائيل: إن لم تؤمنوا و إلّا أوقعته عليكم، فلمّا تابوا ردّه إلى مكانه.
و أمّا المكان الّذي لم تطلع عليه الشّمس إلّا مرّة واحدة، فأرض البحر لمّا فلقه اللّه لموسى (ع) و قام الماء أمثال الجبال و يبست الأرض بطلوع الشّمس عليها، ثمّ عاد ماء البحر إلى مكانه.
و أمّا الشّجرة الّتي يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام، فشجرة طوبى، و هي سدرة المنتهى في السّماء السّابعة، إليها ينتهي أعمال بني آدم، و هي من أشجار الجنّة، ليس في الجنّة قصر و لا بيت إلّا و فيه غصن من أغصانها، و مثلها في الدّنيا الشّمس أصلها واحد و ضوؤها في كلّ مكان.
و أمّا الشّجرة الّتي نبتت من غير ماء، فشجرة يونس، و كان ذلك معجزة له، لقوله تعالى: «وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ».
و أمّا غذاء أهل الجنّة، فمثلهم في الدّنيا الجنين في بطن أمّه، فإنّه يغتذي من سرّتها و لا يبول و لا يتغوّط.
و أمّا الألوان في القصعة الواحدة، فمثلها في الدّنيا البيضة فيها لونان: أبيض و أصفر و لا يختلطان.
و أمّا الجارية الّتي تخرج من التّفّاحة، فمثلها في الدّنيا الدّودة تخرج من التّفّاحة و لا تتغيّر.
و أمّا الجارية الّتي تكون بين اثنين، فالنّخلة الّتي تكون في الدّنيا لمؤمن مثلي و لكافر مثلك، و هي لي في الآخرة دونك، لأنّها في الجنّة و أنت لا تدخلها.
و أمّا مفاتيح الجنّة، فلا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه.
قال ابن المسيّب: فلمّا قرأ قيصر الكتاب قال: ما خرج هذا الكلام إلّا من بيت النّبوّة. ثمّ سأل عن المجيب، فقيل له: هذا جواب ابن عمّ محمّد (ص)، فكتب إليه:
(سلام عليك، أمّا بعد، قد وقفت على جوابك، و علمت أنّك من أهل بيت النّبوّة، و معدن الرّسالة، و أنت موصوف بالشّجاعة و العلم، و أؤثر أن تكشف لي عن مذهبكم، و الرّوح الّتي ذكرها اللّه في كتابكم في قوله: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي».
فكتب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام):
أمّا بعد، فالرّوح نكتة لطيفة، و لمعة شريفة، من صنعة بارئها، و قدرة منشئها، أخرجها من خزائن ملكه و أسكنها في ملكه، فهي عنده لك سبب، و له عندك وديعة، فإذا أخذت ما لك عنده أخذ ما له عندك، و السّلام.
و قد نصّ على القصّة بطولها الحافظ العاصميّ في زين الفتى في شرح سورة هل أتى، و تذكرة خواصّ الأمّة، لسبط ابن الجوزيّ الحنفيّ: 87.
121
[19] باب ما أظهر أبو بكر و عمر من الندامة
1- قَالَ أَبُو الصَّلَاحِ (قدس الله روحه) فِي تَقْرِيبِ الْمَعَارِفِ (1): لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! أَ رَاضُونَ أَنْتُمْ عَنِّي؟.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: وَ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْخَطُ عَلَيْكَ؟ .. فَأَعَادَ الْكَلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَجَابَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ جَوَابِهِ، فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ وَ قَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا أَشْعَرْنَا قُلُوبَنَا، إِنَّا وَ اللَّهِ أَشْعَرْنَا قُلُوبَنَا مَا .. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنَا شَرَّهُ، وَ إِنَّ بِيعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنَا شَرَّهَا.
وَ قَالَ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ- وَ هُوَ مُسْنِدُهُ إِلَى صَدْرِهِ-: وَيْحَكَ! ضَعْ رَأْسِي بِالْأَرْضِ، فَأَخَذَتْهُ الْغَشْيَةُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! ضَعْ رَأْسِي بِالْأَرْضِ، فَأَخَذَتْهُ الْغَشْيَةُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! ضَعْ رَأْسِي بِالْأَرْضِ، فَوَضَعْتُ رَأْسَهُ بِالْأَرْضِ فَعَفَّرَ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِعُمَرَ! وَ وَيْلٌ لِأُمِّهِ! إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ.
وَ قَالَ- أَيْضاً- حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثٍ: مِنِ اغْتِصَابِي هَذَا الْأَمْرَ أَنَا وَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَ مِنِ اسْتِخْلَافِي عَلَيْهِمْ، وَ مِنْ تَفْضِيلِيَ
____________
(1) لم نعثر عليه في القسم الأوّل المطبوع، و أمّا القسم الثّاني المربوط بهذا الموضوع فلم يطبع.
122
الْمُسْلِمِينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَ قَالَ- أَيْضاً-: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ رَدِّي رَقِيقَ الْيَمَنِ، وَ مِنْ رُجُوعِي عَنْ جَيْشِ أُسَامَةَ بَعْدَ أَنْ (1) أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَيْنَا، وَ مِنْ تَعَاقُدِنَا عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ إِنْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ لَا نُوَلِّيَ مِنْهُمْ أَحَداً.
وَ رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ- وَ هُوَ يَمُوتُ فَجَعَلَ يَجْزَعُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَبْشِرْ بِرَوْحِ اللَّهِ وَ كَرَامَتِهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا رَأَيْتُ جَزَعَهُ قُلْتُ هَذَا، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: وَيْحَكَ! فَكَيْفَ بِالْمُمَالَأَةِ عَلَى (2) أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله). انْتَهَى مَا أَخْرَجْنَاهُ مِنَ التَّقْرِيبِ (3).
وَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ (4): لَمَّا حَضَرَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ وَ مَنْ حَوْلَهُ: لَوْ أَنَّ لِي مِلْءَ الْأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ أَهْوَالِ مَا أَرَى.
2- ل (5): الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ، عَنِ ابْنِ الْعَيَّاشِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
____________
(1) لا توجد: أن في (ك)، و بدلا منها: إذ، و وضع عليها رمز نسخة بدل.
(2) قال في مجمع البحرين 1- 399: و في حديث عليّ (عليه السلام): ما قتلت عثمان و لا ملأت عليه ..
أي ما ساعدت و لا عاونت.
أقول: استعمال الملاء مع كلمة (على) يفيد معنى المساعدة و المعاونة على ضرر شخص، و عليه تكون الممالاة مساوقة للمعاداة.
(3) مرّت مصادر جملة من هذه النّصوص، و ستأتي لبعضها الآخر مصادر من طريق العامّة.
(4) ربيع الأبرار للزّمخشريّ: و الرّواية قد حذفت من الطبعة الحديثة مع مراجعتنا لكلّ مجلّدات الكتاب أكثر من مرّة، نعم، فيه قوله لعمر: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما استعملت أحدا من الطّلقاء. 4- 219، و قوله أيضا: لو كان لنا مع إسلامنا أخلاق آبائنا لكنّا!! 2- 38، و فيه قصّة مفصّلة عند ما قيل لعمر: لو أخذت حليّ الكعبة فجهّزت به جيوش المسلمين ... و قد سأل فيها عليّا و قال في آخرها له (سلام اللّه عليه): لولاك لافتضحنا .. 4- 26، و نهج البلاغة 4- 65، و غيرها. و جاء فيه 1- 828 قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.
(5) الخصال للشّيخ الصّدوق 1- 171- 173 باب الثّلاثة حديث 288 مع تفصيل في السّند.
123
حَاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ وَ سُلَيْمَانَ بْنِ مَعْبَدٍ، هُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُلْوَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: أَمَا إِنِّي لَا آسَى مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهَا، وَ وَدِدْتُ (1) أَنِّي تَرَكْتُهَا، وَ ثَلَاثٍ تَرَكْتُهَا وَدِدْتُ (2) أَنِّي فَعَلْتُهَا، وَ ثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُ عَنْهُنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَمَّا الَّتِي وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهَا، فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَ إِنْ كَانَ عُلِّقَ (3) عَلَى الْحَرْبِ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَرَّقْتُ (4) الْفُجَاءَةَ وَ أَنِّي قَتَلْتُهُ سَرِيحاً (5) أَوْ أَطْلَقْتُهُ نَجِيحاً (6)، وَ وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الْأَمْرَ فِي عُنُقِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ- عُمَرَ أَوْ أَبِي عُبَيْدَةَ- فَكَانَ أَمِيراً وَ كُنْتُ وَزِيراً.
وَ أَمَّا الَّتِي تَرَكْتُهَا (7): فَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْأَشْعَثِ أَسِيراً كُنْتُ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ صَاحِبَ شَرٍّ إِلَّا أَعَانَهُ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي حِينَ سَيَّرْتُ خَالِداً إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ كُنْتُ قَدِمْتُ إِلَى قُرْبِهِ (8) فَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ ظَفِرُوا وَ إِنْ هُزِمُوا (9) كُنْتُ بِصَدَدِ لِقَاءٍ أَوْ مَدَدٍ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ إِذْ وَجَّهْتُ خَالِداً إِلَى الشَّامِ قَذَفْتُ الْمَشْرِقَ
____________
(1) في المصدر: و وددت.
(2) في المصدر: و وددت.
(3) في (ك) نسخة بدل: أعلق، و في المصدر: أعلن، و جاء في هامشه: أغلق، و في النّسخة المطبوعة:
علّق.
(4) في المصدر و في (ك): أحرقت.
(5) كتب في حاشية (س) هنا: أي سريعا. و هو معنى السّريح كما في القاموس 1- 228. و انظر قصّة الفجاءة ذيل الخصال، و فصّلها شيخنا الأميني في غديره 7- 156- 158.
(6) قال في القاموس 1- 251: النّجيح: الصّواب من الرّأي.
(7) في نسخة على المصدر: فوددت أنّي فعلتها.
(8) في المصدر: قرية.
(9) في الخصال زيادة لفظ: كيدا.
124
بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكُنْتُ بَسَطْتُ يَدِي- يَمِينِي وَ شِمَالِي- فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَ أَمَّا الَّتِي وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُ عَنْهُنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
فَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ فَلَمْ نُنَازِعْهُ أَهْلَهُ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبٌ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ عَنْ مِيرَاثِ الْأَخِ وَ الْعَمِّ، فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهَا حَاجَةً (1).
قَالَ الصَّدُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (2): إِنَّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ لَمْ يَدَعْ لِأَحَدٍ عُذْراً، هَكَذَا قَالَتْ سَيِّدَةُ النِّسْوَانِ فَاطِمَةُ (عليها السلام) لَمَّا مُنِعَتْ مِنْ فَدَكَ وَ خَاطَبَتِ الْأَنْصَارَ فَقَالُوا: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ! لَوْ سَمِعْنَا هَذَا الْكَلَامَ مِنْكِ قَبْلَ بَيْعَتِنَا لِأَبِي بَكْرٍ مَا عَدَلْنَا بِعَلِيٍّ أَحَداً. فَقَالَتْ: وَ هَلْ تَرَكَ أَبِي يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ لِأَحَدٍ عُذْراً؟!.
3- ل (3): أَبِي، عَنِ الْمُؤَدِّبِ، عَنْ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفُرَاتِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ (4) بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليهما السلام) قَالَ: قَالَ عُمَرُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ:
أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثٍ: اغْتِصَابِي هَذَا الْأَمْرَ أَنَا وَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَ اسْتِخْلَافِي عَلَيْهِمْ، وَ تَفْضِيلِيَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
4- ل (5): بِالْإِسْنَادِ إِلَى الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمَّادٍ
____________
(1) ذكر القصّة جمهور علماء العامّة، و نصّ عليها الطّبريّ في تاريخه 4- 52، و ابن قتيبة في الإمامة و السّياسة 1- 18، و المسعوديّ في مروج الذّهب 1- 414، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 254، و أبو عبيدة في الأموال: 131، و غيرهم. و الإسناد صحيح رجاله كلّهم ثقات عندهم أربعة منهم من رجال الصّحاح السّتّ، كما نصّ على ذلك شيخنا الأمينيّ في الغدير 7- 170 171، فراجع. و انظر حول الكشف عن بيت فاطمة (سلام اللّه عليها)- غير ما مرّ- تاريخ ابن جرير 2- 619، و ميزان الاعتدال 2- 215، و غيرهما.
(2) الخصال 1- 173.
(3) الخصال 1- 170 باب الثّلاثة حديث 225، بتفصيل في السّند.
(4) وضع على: الحسن، في (ك) رمز نسخة بدل.
(5) الخصال 1- 171، باب الثّلاثة حديث 226، باختلاف يسير.
125
الطَّائِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَطِيَّةَ- فِيمَا يَظُنُّ-، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ يَقُولُ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ رَدِّي رَقِيقَ الْيَمَنِ، وَ مِنْ رُجُوعِي عَنْ جَيْشِ أُسَامَةَ بَعْدَ أَنْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَيْنَا، وَ مِنْ تَعَاقُدِنَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ إِنْ قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ لَا نُوَلِّي مِنْهُمْ أَحَداً.
5- ل (1): بِالْإِسْنَادِ إِلَى الثَّقَفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَضْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: لَمَّا حَضَرَ عُمَرَ الْمَوْتُ قَالَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ رُجُوعِي مِنْ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ عِتْقِي سَبْيَ الْيَمَنِ، وَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ كُنَّا أَشْعَرْنَاهُ قُلُوبَنَا نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنَا ضَرَّهُ، وَ أَنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً.
بيان:
- قال في النهاية في حديث عمر: «إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا».
، أراد بالفلتة: الفجأة، و مثل هذه البيعة جدير (2) بأن تكون مهيّجة للشّرّ و الفتنة، فعصم اللّه عن ذلك و وقى، و الفلتة: كلّ شيء فعل من غير رويّة و إنّما يورد (3) بها خوف انتشار الأمر، و قيل: أراد بالفلتة: الخلسة .. أي إنّ الإمامة يوم السّقيفة مالت إلى تولّيها الأنفس و لذلك كثر (4) فيها التّشاجر، فما (5) قلّدها أبو بكر إلّا انتزاعا من الأيدي و اختلاسا، و قيل: الفلتة آخر ليلة من الأشهر الحرم، فيختلفون (6) أ من الحلّ هي أم من الحرام (7)؟ فيتسارع الموتود (8) إلى درك الثّار
____________
(1) الخصال 1- 171، باب الثّلاثة حديث 227، مع تفصيل في الإسناد.
(2) في المصدر و في اللسان: جديرة.
(3) في المصدر و في اللسان: بودر.
(4) لا توجد: كثر، في (س).
(5) وضع على: فما في (ك) رمز نسخة بدل.
(6) في النهاية و اللسان: فيختلفون فيها.
(7) في المصدر و اللسان: أم من الحرم.
(8) في اللسان و في المصدر: فيسارع الموتور، و هو الصحيح.
126
فيكثر الفساد و يسفك (1) الدّماء، فشبّه أيّام النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (2) بالأشهر الحرم و يوم موته بالفلتة في (3) وقوع الشّرّ من ارتداد العرب و تخلّف الأنصار عن الطّاعة، و منع من منع الزّكاة، و الجري على عادة العرب في أن لا يسود (4) القبيلة إلّا رجل منها (5). انتهى.
و لا يخفى ضعف تلك التأويلات على عاقل، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى (6).
6- جا (7): الْجِعَابِيِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ بُرَيْدٍ (8)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ (9) عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ (10) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: كُنْتُ آخِرَ (11) النَّاسِ عَهْداً بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ رَأْسُهُ فِي حَجْرِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَ هُوَ يُوَلْوِلُ (12)، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ خَدِّي بِالْأَرْضِ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: ضَعْ خَدِّي بِالْأَرْضِ لَا أُمَّ لَكَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
____________
(1) في النهاية و لسان العرب: و تسفك.
(2) في المصدر: عليه الصلاة و السلام، بدل التصلية.
(3) في النهاية: من، و في اللسان: في، كما في المتن.
(4) كتب في المصدر: مدغما- ألّا يسود- و ما في اللسان كالمتن.
(5) النهاية 3- 467- 468 و فيه: و في صفة مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا تثنى فلتاته .. الفلتات: الزلّات، جمع فلتة .. أي لم يكن في مجلسه زلّات فتحفظ و تحكى. و مثل النهاية ما في لسان العرب 2- 67- 68، و قال في القاموس 1- 154: و فلتات المجلس: هفواته و زلاته.
(6) في (ك): فيه، بعد كلمة: تعالى، بتقديم و تأخير.
(7) مجالس (أمالي) الشّيخ المفيد: 50 حديث 10، بتفصيل في الإسناد.
(8) في المصدر: بن زيد.
(9) في المصدر: بن، بدلا من: عن، و هو الظّاهر.
(10) في الأمالي: عن، بدلا من: بن، و هو الظّاهر.
(11) في المجالس: أنا آخر ..
(12) جاءت في حاشية المصدر، و في متنه: ملول.
127
وَيْلُ أُمِّي! وَيْلُ أُمِّي! إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي .. فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى خَرَجَتْ نَفْسُهُ.
7- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (1):- بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ- مَرْفُوعاً إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَزْدِيِّ- خَتَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (2)- وَ حِينَ مَاتَ (3) كَانَتْ ابْنَتُهُ (4) تَحْتَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَ كَانَ أَفْقَهَ (5) أَهْلِ الشَّامِ وَ أَشَدَّهُمُ اجْتِهَاداً، قَالَ: مَاتَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالطَّاعُونِ، فَشَهِدْتُ يَوْمَ مَاتَ- وَ النَّاسُ مُتَشَاغِلُونَ بِالطَّاعُونِ-، قَالَ: وَ سَمِعْتُهُ حِينَ احْتُضِرَ وَ لَيْسَ (6) فِي الْبَيْتِ غَيْرِي- وَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ (7) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ-، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
وَيْلٌ لِي! وَيْلٌ لِي (8)!. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَصْحَابُ الطَّاعُونِ يَهْذُونَ وَ يَقُولُونَ الْأَعَاجِيبَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَ تَهْذِي؟. قَالَ: لَا، رَحِمَكَ اللَّهُ (9). قُلْتُ: فَلِمَ تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ؟. قَالَ: لِمُوَالاتِي عَدُوَّ اللَّهِ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ. فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هُمْ (10)؟. قَالَ:
مُوَالاتِي عَتِيقاً وَ [رُمَعُ] عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ وَصِيِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
فَقُلْتُ: إِنَّكَ لَتَهْجُرُ!. فَقَالَ: يَا ابْنَ غَنْمٍ! وَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ، هَذَانِ، رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَقُولَانِ لِي: يَا مُعَاذُ! أَبْشِرْ بِالنَّارِ
____________
(1) إرشاد القلوب 2- 183- 186 [2- 391- 394] تحت عنوان فيما قاله معاذ بن جبل حين موته ..
باختلاف يسير أشرنا لبعضه.
(2) لا يوجد: ختن معاذ بن جبل، في المصدر.
(3) في إرشاد القلوب: حين مات معاذ بن جبل، و وضع على: حين مات، رمز نسخة بدل في (ك).
(4) في (س): ابنة- بلا ضمير- ..
(5) جاء في المصدر: .. الأزديّ حين مات معاذ بن جبل و كان أفقه ..
(6) في الإرشاد: و ليس معه ..
(7) في المصدر: في زمن خلافة.
(8) في (ك): و ويل لي، و وضع على الواو رمز نسخة بدل. و في (س) جاءت الجملة مشوشة.
(9) وضع على: رحمك اللّه، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(10) من قوله: فقلت في نفسي. إلى هنا لا يوجد في إرشاد الدّيلميّ المطبوع، و فيه: فقلت له: ممّ؟.
قال: من موالاتي.
128
أَنْتَ (1) وَ أَصْحَابُكَ. أَ فَلَيْسَ قُلْتُمْ إِنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَوْ قُتِلَ (2) زَوَيْنَا الْخِلَافَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَلَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعْتُ أَنَا وَ [عَتِيقٌ وَ رُمَعُ] وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ (3)، قَالَ: قُلْتُ: مَتَى يَا مُعَاذُ؟. قَالَ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قُلْنَا: نَتَظَاهَرُ عَلَى عَلِيٍّ (ع) فَلَا يَنَالُ الْخِلَافَةَ مَا حَيِينَا، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قُلْتُ لَهُمْ: أَنَا (4) أَكْفِيكُمْ قَوْمِيَ الْأَنْصَارَ فَاكْفُونِي قُرَيْشاً، ثُمَّ دَعَوْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى (5) هَذَا الَّذِي تَعَاهَدْنَا عَلَيْهِ بِشْرَ بْنَ سَعِيدٍ وَ أُسَيْدَ (6) بْنَ حُصَيْنٍ فَبَايَعَانِي عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ: يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ لَتَهْجُرُ، فَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ فلما (7) زَالَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ حَتَّى مَاتَ.
فَقَالَ ابْنُ غَنْمٍ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَا ابْنَ قَيْسِ بْنِ (8) هِلَالٍ أَحَداً إِلَّا ابْنَتِي امْرَأَةَ مُعَاذٍ وَ رَجُلًا آخَرَ، فَإِنِّي فَزِعْتُ مِمَّا رَأَيْتُ وَ سَمِعْتُ مِنْ مُعَاذٍ.
قَالَ: فَحَجَجْتُ وَ لَقِيتُ الَّذِي غَمَّضَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَ سَالِماً فَأَخْبَرَانِي أَنَّهُ حَصَلَ لَهُمَا ذَلِكَ (9) عِنْدَ مَوْتِهِمَا، لَمْ يَزِدْ فِيهِ حَرْفاً وَ لَمْ يَنْقُصْ حَرْفاً، كَأَنَّهُمَا قَالا مِثْلَ مَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقُلْتُ: أَ وَ لَمْ يُقْتَلْ سَالِمٌ يَوْمَ التِّهَامَةِ؟. قَالَ: بَلَى، وَ لَكِنَّا احْتَمَلْنَاهُ وَ بِهِ رَمَقٌ (10).
قَالَ سُلَيْمٌ: فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ ابْنِ غَنْمٍ هَذَا كُلِّهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ
____________
(1) لا توجد: أنت، في المصدر.
(2) أو قتل .. لا توجد في الإرشاد.
(3) في المصدر: و سالم مولى حذيفة.
(4) لا توجد: أنا، في المصدر.
(5) في الإرشاد: على، بدلا من: إلى.
(6) في (س): أسد.
(7) في المصدر: فما .. و هو الظّاهر.
(8) في إرشاد الدّيلميّ: ما حدّثت غير قيس بن ..
(9) في (س): كذلك، و في المصدر: نحو ذلك.
(10) من قوله: فقلت أ و لم .. إلى هنا لا يوجد في المطبوع من المصدر.
129
لِي: اكْتُمْ عَلَيَّ وَ اشْهَدْ أَنَّ أَبِي قَدْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ مِثْلَ مَقَالَتِهِمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبِي يَهْجُرُ (1).
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَ حَدَّثْتُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَ الْمِيثَاقَ أَلَّا يَكْتُمَ (2) عَلَيَّ. فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ:
اكْتُمْ عَلَيَّ، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَبِي مِثْلَ مَا قَالَ أَبُوكَ وَ مَا زَادَ (3) وَ لَا نَقَصَ، ثُمَّ تَدَارَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ وَ تَخَوَّفَ أَنْ أُخْبِرَ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لِمَا عَلِمَ مِنْ حُبِّي لَهُ وَ انْقِطَاعِي إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَهْجُرُ. فَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي وَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ عُمَرَ.
فَقَالَ عَلِيٌّ (ع) (4): قَدْ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَنْ أَبِيكَ وَ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٍ وَ عَنْ مُعَاذٍ مَنْ هُوَ أَصْدَقُ مِنْكَ وَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ. فَقُلْتُ: وَ مَنْ ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟.
فَقَالَ: بَعْضُ (5) مَنْ حَدَّثَنِي. فَعَرَفْتُ مَا عَنَى، فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، إِنَّمَا ظَنَنْتُ إِنْسَاناً حَدَّثَكَ، وَ مَا شَهِدَ أَبِي- وَ هُوَ يَقُولُ ذَلِكَ- غَيْرِي.
قَالَ سُلَيْمٌ: قُلْتُ لِابْنِ غَنْمٍ: مَاتَ مُعَاذٌ بِالطَّاعُونِ فَبِمَا مَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ؟.
قَالَ: مَاتَ بِالدُّبَيْلَةِ (6)، فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ مَوْتَ أَبِيكَ غَيْرُكَ وَ أَخِيكَ (7) عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ عَائِشَةَ وَ عُمَرَ؟. قَالَ: لَا. قُلْتُ: وَ هَلْ (8) سَمِعُوا (9) مِنْهُ مَا
____________
(1) في المصدر: يهجو .. و لا معنى له.
(2) في المصدر: ليكتم عليّ .. و ما في المتن هو الظّاهر.
(3) في المصدر: فو اللّه لقد قال مثل مقالة أبيك ما زاد ..
(4) في الإرشاد: قال (عليه السلام).
(5) خطّ على: بعض، في (ك)، و لا توجد في المصدر.
(6) قال في القاموس 3- 373: و دبيل مبالغة و كجهينة: الدّاهية، و داء في الجوف. و قال في مجمع البحرين 5- 369: الدّبيلة: الطّاعون، و خراج، و دمّل يظهر في الجوف و يقتل صاحبه غالبا.
(7) في المصدر: و غير أخيك.
(8) وضع رمز نسخة بدل على: هل، في المطبوع من البحار.
(9) لا توجد: سمعوا، في (س).
130
سَمِعْتَ؟. قَالَ: سَمِعُوا مِنْهُ طَرَفاً فَبَكَوْا. وَ قال [قَالُوا: هُوَ يَهْجُرُ، فَأَمَّا كُلَّ مَا سَمِعْتُ أَنَا فَلَا، قُلْتُ: فَالَّذِي سَمِعُوا مَا هُوَ؟. قَالَ: دَعَا بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ! لِمَ تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ؟!. قَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُبَشِّرَانِّي بِالنَّارِ، وَ مَعَهُ الصَّحِيفَةُ الَّتِي تَعَاهَدْنَا عَلَيْهَا فِي الْكَعْبَةِ، وَ هُوَ يَقُولُ: قَدْ وَفَيْتَ بِهَا وَ ظَاهَرْتَ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ (1) فَأَبْشِرْ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ بِالنَّارِ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُمَرُ خَرَجَ وَ هُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيَهْجُرُ! قَالَ: لَا وَ اللَّهِ لَا أَهْجُرُ (2) أَيْنَ تَذْهَبُ؟. قَالَ عُمَرُ: كَيْفَ لَا تَهْجُرُ وَ أَنْتَ ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (3)؟! قَالَ: الْآنَ أَيْضاً! أَ وَ لَمْ أُحَدِّثْكَ أَنَّ مُحَمَّداً- وَ لَمْ يَقُلْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- قَالَ لِي وَ أَنَا (4) مَعَهُ فِي الْغَارِ: إِنِّي أَرَى سَفِينَةَ جَعْفَرٍ وَ أَصْحَابِهِ تَعُومُ (5) فِي الْبَحْرِ، فَقُلْتُ: أَرِنِيهَا، فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى وجهه (6) فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا، وَ أَضْمَرْتُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَ ذَكَرْتُ لَكَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَجْمَعَ (7) رَأْيِي وَ رَأْيُكَ أَنَّهُ سَاحِرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا هَؤُلَاءِ! إِنَّ أَبَاكُمْ (8) يَهْجُرُ فَاكْتُمُوا مَا تَسْمَعُونَ عَنْهُ (9) لِئَلَّا يَشْمَتَ بِكُمْ أَهْلُ هَذَا الْبَيْتِ، ثُمَّ خَرَجَ وَ خَرَجَ أَخِي وَ خَرَجَتْ عَائِشَةُ لِيَتَوَضَّئُوا لِلصَّلَاةِ، فَأَسْمَعَنِي مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يَسْمَعُوا، فَقُلْتُ لَهُ- لَمَّا خَلَوْتُ بِهِ: يَا أَبَتِ! (10) قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا
____________
(1) في (ك) هنا زيادة: و أصحابك.
(2) في المصدر: ما أهجر.
(3) لا يوجد: إذ هما، في المصدر.
(4) في (ك): قال لي أنا.
(5) أي تسبح و تسير، قاله في القاموس 4- 155.
(6) في المصدر: وجهي، و هو الظّاهر.
(7) في إرشاد الدّيلميّ: و ذكرت ذلك لك بالمدينة فاجتمع ..
(8) في المصدر: إنّ أبا بكر.
(9) في المصدر: منه، بدلا من: عنه.
(10) في المطبوع من البحار وضع على: يا أبت، رمز نسخة بدل، و لا توجد في المصدر.
131
اللَّهُ، قَالَ: لَا أَقُولُهَا (1) وَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا أَبَداً حَتَّى أَرِدَ النَّارَ فَأَدْخُلَ التَّابُوتَ، فَلَمَّا ذَكَرَ التَّابُوتَ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَهْجُرُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيُّ تَابُوتٍ؟. فَقَالَ: تَابُوتٌ مِنْ نَارٍ مُقَفَّلٌ بِقُفْلٍ مِنْ نَارٍ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا وَ صَاحِبِي هَذَا، قُلْتُ: عُمَرُ؟. قَالَ: نَعَمْ، وَ عَشَرَةٌ فِي جُبٍّ مِنْ جَهَنَّمَ عَلَيْهِ صَخْرَةٌ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَعِّرَ جَهَنَّمَ رَفَعَ الصَّخْرَةَ.
قُلْتُ: أَ تَهْذِي؟. قَالَ: لَا وَ اللَّهِ (2) مَا أَهْذِي، وَ لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ صُهَاكَ هُوَ الَّذِي أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي فَبِئْسَ الْقَرِينُ، أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ، فَأَلْصَقْتُ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ (3)، فَمَا زَالَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ حَتَّى غَمَّضْتُهُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَلْ قَالَ (4) بَعْدَنَا شَيْئاً (5)؟ فَحَدَّثْتُهُ (6).
فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، اكْتُمْ! هَذَا كُلُّهُ هَذَيَانٌ، وَ أَنْتُمْ أَهْلُ بَيْتٍ يُعْرَفُ لَكُمُ الْهَذَيَانُ فِي مَوْتِكُمْ؟. قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ قَالَ لِي عُمَرُ: إِيَّاكَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكَ شَيْءٌ مِمَّا سَمِعْتَ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) (7) وَ أَهْلِ بَيْتِهِ.
قَالَ: قَالَ سُلَيْمٌ (8): قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: مَنْ تَرَاهُ حَدَّثَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ بِمَا قَالُوا، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، إِنَّهُ يَرَاهُ فِي (9)
____________
(1) في المصدر: لا قلتها و لا أقولها.
(2) في الإرشاد: .. من جهنّم عليه صخرة، قلت: هل تهذي؟ قال: و اللّه ..
(3) في المصدر: ثمّ ألصق خدّه بالأرض فما زال ..
(4) في المصدر: هل حدّث.
(5) لا توجد كلمة: شيئا، في (س).
(6) في (ك) و المصدر: فحدّثتهم.
(7) في المصدر: ممّا سمعت و يشمت به ابن أبي طالب.
(8) وضع على: قال سليم، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل، و لا توجد في المصدر.
(9) لا توجد في المصدر: في.
132
كُلِّ لَيْلَةٍ فِي الْمَنَامِ وَ حَدِيثُهُ إِيَّاهُ (1) فِي الْمَنَامِ مِثْلُ حَدِيثِهِ (2) إِيَّاهُ فِي الْيَقَظَةِ وَ الْحَيَاةِ، وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي فِي نَوْمٍ وَ لَا يَقَظَةٍ (3) وَ لَا بِأَحَدٍ مِنْ أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ سُلَيْمٌ (4): فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَمَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟. قَالَ: عَلِيٌ (5). فَقُلْتُ:
قَدْ سَمِعْتُ أَنَا أَيْضاً مِنْهُ كَمَا سَمِعْتَ أَنْتَ، قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَلَعَلَّ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَدَّثَهُ. قَالَ: أَوْ (6) ذَاكَ؟ قُلْتُ: فَهَلْ تُحَدِّثُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ؟!. قَالَ: أَ مَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ: وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَا نَبِيٍ (7) وَ لَا مُحَدَّثٍ.
قُلْتُ أَنَا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (8) مُحَدَّثٌ. قَالَ: نَعَمْ، وَ فَاطِمَةُ مُحَدَّثَةٌ، وَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وَ مَرْيَمُ مُحَدَّثَةٌ وَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وَ أُمُّ مُوسَى مُحَدَّثَةٌ وَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، وَ سَارَةُ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ (9) عَايَنَتِ الْمَلَائِكَةَ وَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً، فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قَالَ سُلَيْمٌ: فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِمِصْرَ وَ عَزَّيْنَا (10) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جِئْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) (11) وَ خَلَوْتُ بِهِ فَحَدَّثْتُهُ بِمَا أَخْبَرَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ غَنْمٍ.
____________
(1) في (س): أباه، و في المصدر: و حدّثه أباه.
(2) في الإرشاد: مثل ما حدّثه.
(3) في المصدر: في النّوم و لا في اليقظة.
(4) لا توجد في المصدر: قال سليم، و هي نسخة في المطبوع من البحار.
(5) في الإرشاد: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
(6) في المصدر: الواو، بدلا من: أو.
(7) الحجّ: 52.
(8) في المصدر: قلت فأمير المؤمنين (عليه السلام) ..
(9) في إرشاد الدّيلميّ: و سارة امرأة إبراهيم محدّثة قد ..
(10) لعلّها تقرأ في مطبوع البحار: غوينا، أو غزينا، إلّا أنّها في المصدر: و نعي فعزّيت ..
(11) لا توجد: جئت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) .. في المصدر.
133
قَالَ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ (رحمه الله)، أَمَا إِنَّهُ شَهِيدٌ حَيٌّ مَرْزُوقٌ، يَا سُلَيْمُ! إِنِّي وَ أَوْصِيَائِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ وُلْدِي أَئِمَّةُ هُدًى مَهْدِيُّونَ مُحَدَّثُونَ.
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ مَنْ هُمْ؟ (1).
قَالَ: ابني [ابْنَايَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ ابْنِي هَذَا- وَ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام) وَ هُوَ رَضِيعٌ- ثُمَ (2) ثَمَانِيَةٌ مِنْ وُلْدِهِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، وَ هُمُ الَّذِينَ أَقْسَمَ اللَّهُ (3) بِهِمْ فَقَالَ: وَ والِدٍ وَ ما وَلَدَ (4)، فَالْوَالِدُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنَا، وَ مَا وَلَدَ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْأَحَدَ عَشَرَ وَصِيّاً (صلوات الله عليهم) (5).
قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَجْتَمِعُ إِمَامَانِ؟.
قَالَ: لَا، إِلَّا وَ (6) أَحَدُهُمَا صَامِتٌ لَا يَنْطِقُ حَتَّى يَهْلِكَ الْأَوَّلُ.
8 أَقُولُ:- وَجَدْتُ الْخَبَرَ فِي كِتَابِ سُلَيْمٍ (7) عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ .. وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَهُ سَوَاءً.
بيان:
هذا الخبر أحد الأمور التي صارت سببا للقدح في كتاب سليم، لأنّ محمدا ولد في حجّة الوداع- كما ورد في أخبار الخاصّة و العامّة- فكان له عند موت أبيه سنتان و أشهر، فكيف كان يمكنه التكلّم بتلك الكلمات، و تذكر تلك الحكايات؟.
و لعلّه ممّا صحّف فيه النساخ أو الرواة، أو يقال إنّ ذلك كان من معجزات
____________
(1) في المصدر: قلت: من هم يا أمير المؤمنين.
(2) هنا زيادة: قال .. في المصدر.
(3) في المصدر: اللّه تبارك و تعالى.
(4) البلد: 3.
(5) في المصدر: أوصياء (عليهم السلام) و اللّعنة على أعدائهم أبد الآبدين.
(6) لا يوجد: إلّا و، في المصدر.
(7) كتاب سليم بن قيس: 222- 227، و انظر: معالم الزّلفى: 429.
134
أمير المؤمنين (عليه السلام) ظهر فيه.
و قال بعض الأفاضل: رأيت فيما وصل إليّ من نسخة هذا الكتاب أنّ عبد اللّه بن عمر وعظ أباه عند موته.
و الحقّ أنّ بمثل هذا لا يمكن القدح في كتاب معروف بين المحدّثين اعتمد عليه الكليني و الصدوق و غيرهما من القدماء، و أكثر أخباره مطابقة لما روي بالأسانيد الصحيحة في الأصول المعتبرة، و قلّ كتاب من الأصول المتداولة يخلو عن مثل ذلك.
قال النعماني في كتاب الغيبة (1)- بعد ما أورد من كتاب سليم أخبارا كثيرة ما هذا لفظه-: .. كتابه أصل من الأصول (2) التي رواها أهل العلم و حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) و أقدمها، لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الكتاب (3) إنّما هو عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و المقداد و سلمان الفارسي و أبي ذرّ و من جرى مجراهم ممّن شهد رسول اللّه و أمير المؤمنين (عليهما السلام) و سمع منهما، و هو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها و تعول عليها.
انتهى (4).
9- وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (5): الْمُبَرَّدُ فِي الْكَامِلِ (6)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ وَ سَأَلْتُهُ (7) فَاسْتَوَى جَالِساً، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئاً. فَقَالَ:
____________
(1) غيبة الشيخ النعمانيّ: 101- 102، باختلاف يسير تحت عنوان: ما روي في أنّ الأئمة اثنا عشر إماما.
(2) في المصدر: من أكبر كتب الأصول.
(3) في الغيبة: هذا الأصل.
(4) انظر مقدّمة كتاب سليم بن قيس إذ نقل أقوال العلماء و القدماء حول الكتاب و جامعه.
(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 45- 47.
(6) الكامل للمبرّد- شرح المرصقي- 1- 54- 55، و جاء في تاريخ الطّبريّ 3- 234 و ما بعدها.
(7) في المصدر: و سألته كيف به.
135
أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى لَوَجِعٌ، وَ جَعَلْتُمْ لِي- مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ- شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْداً مِنْ بَعْدِي، وَ اخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَ رَأَيْتُمُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ، وَ اللَّهِ لَتَتَّخِذُنَّ سُتُورَ الْحَرِيرِ وَ نَضَائِدَ الدِّيبَاجِ، وَ تَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَزْدَرِيِ (1)، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَ اللَّهِ لَأَنْ يُقَدَّمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ فِي غَيْرِ حَدٍّ لَخَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْبَحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا، وَ إِنَّكُمْ غَداً لَأَوَّلُ صَالٍ بِالنَّارِ (2)، تَجُودُونَ (3) عَنِ الطَّرِيقِ يَمِيناً وَ شِمَالًا، يَا هَادِيَ الطَّرِيقِ جُرْتَ، إِنَّمَا هُوَ الْبَحْرُ (4) أَوِ الْفَجْرُ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
لَا تُكْثِرْ عَلَى مَا بِكَ فَيَهِيضَكَ، وَ اللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا الْخَيْرَ (5)، وَ أَنَا (6) صَاحِبُكَ لَذُو خَيْرٍ، وَ مَا النَّاسُ إِلَّا رَجُلَانِ، رَجُلٌ رَأَى مَا رَأَيْتَ فَلَا خِلَافَ عَلَيْكَ مِنْهُ (7)، وَ رَجُلٌ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَ إِنَّمَا يُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيِهِ، فَسَكَنَ وَ سَكَتَ هُنَيْئَةً، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
مَا أَرَى بِكَ بَأْساً، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَلَا تَأْسَ (8) عَلَى الدُّنْيَا، فَوَ اللَّهِ إِنْ عَلِمْنَاكَ إِلَّا صَالِحاً مُصْلِحاً.
فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَا آسَى إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَ ثَلَاثٍ لَمْ أَفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَ ثَلَاثٍ وَدِدْتُ (9) أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُنَّ.
____________
(1) في (ك): الأزري، و في المصدر: الأذربي، و سيتعرض المصنّف (رحمه الله) مفصّلا في بيانه الآتي، فراجع.
(2) في (ك) نسخة بدل: بالنّاس. و في المصدر: لأوّل ضالّ بالنّاس.
(3) في المصدر: تجورون، و هو الصّحيح، و سيتعرض لها في بيانه.
(4) في المصدر: البجر، و العبارة تختلف في الكامل و تعرّض لها المصنّف (رحمه الله) في بيانه الآتي.
(5) في المصدر: خيرا. و إلى هنا رواية المبرّد في الكامل.
(6) في شرح النّهج: و إنّ، و هي نسخة جاءت في (ك).
(7) في (ك): فيه.
(8) في المصدر: فلا بأس.
(9) جاءت نسخة في (ك): ودت.
136
فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي فَعَلْتُهَا وَ وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُهَا، فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ عَنْ بَيْتِ فَاطِمَةَ (ع) وَ تَرَكْتُهُ وَ لَوْ أُغْلِقَ عَلَى حَرْبٍ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الْأَمْرَ فِي عُنُقِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، عُمَرَ أَوْ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَكَانَ أَمِيراً وَ كُنْتُ وَزِيراً، وَ وَدِدْتُ أَنِّي إِذْ أُتِيتُ بِالْفُجَاءَةِ (1) لَمْ أَكُنْ أَحْرَقْتُهُ (2).
وَ أَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي لَمْ أَفْعَلْهَا (3) وَ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهَا، فَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْأَشْعَثِ أَسِيراً (4) كُنْتُ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يَرَى شَرّاً إِلَّا أَعَانَ عَلَيْهِ، وَ وَدِدْتُ أَنِّي حَيْثُ وَجَّهْتُ خَالِداً إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ أَقَمْتُ بِذِي الْقِصَّةِ (5)، فَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ (6) وَ إِلَّا كُنْتُ رِدْءاً لَهُمْ (7)، وَ وَدِدْتُ حَيْثُ وَجَّهْتُ خَالِداً إِلَى الشَّامِ كُنْتُ وَجَّهْتُ عُمَرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَكُونُ قَدْ بَسَطْتُ كِلْتَا يَدَيَّ- الْيَمِينَ وَ الشِّمَالَ- فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَ أَمَّا الثَّلَاثُ اللَّوَاتِي وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْهُنَّ، فَوَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ، فَكُنَّا لَا نُنَازِعُهُ أَهْلَهُ؟ وَ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبٌ؟ وَ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَ ابْنَةِ
____________
(1) الفجاءة: هو إياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل السّلميّ، و كان قد استعرض النّاس يقتلهم و يأخذ أموالهم، فأمر أبو بكر بإحراقه، انظر: تاريخ الطّبريّ 3- 234، تاريخ ابن كثير 6- 319، الكامل لابن الأثير 2- 146، الإصابة 2- 322، و غيرها.
(2) في المصدر زيادة: و كنت قتلته بالحديد أو أطلقته.
(3) في المصدر: الّتي تركتها، بدلا من: لم أفعلها.
(4) لا توجد: أسيرا، في شرح النّهج.
(5) ذو القصّة، موضع بينه و بين المدينة أربعة و عشرون ميلا، و هو طريق الرّبذة، و قد ورد أنّ أبا بكر خرج إليه- و هو على بريد من المدينة تلقاء نجد- قطع الجنود فيه و عقد فيه ألوية، انظر: معجم البلدان 4- 366، و مراصد الاطّلاع 3- 1102، و لاحظ القاموس 2- 313.
(6) فإن ظفر المسلمون، خطّ عليها في (س).
(7) وضع على: لهم، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل.
137
الْأَخِ (1) فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهُمَا حَاجَةً.
توضيح:
قوله: ورم أنفه (2) .. أي امتلأ و انتفخ من ذلك غضبا، و خصّ الأنف بالذّكر لأنّه موضع الأنفة و الكبر، كما يقال: شمخ بأنفه، و منه قول الشّاعر:
و لا يهاج إذا ما أنفه ورما
(3) ...
و في النهاية، في حديث أبي بكر: لتتّخذنّ نضائد الدّيباج .. أي الوسائد، واحدتهما (4) نضيدة (5).
و الآزَرِيُّ: نسبةٌ إلى آزر، و هي- كهاجر-: ناحية بين الأهواز و رامهرمز (6).
و في النهاية: الأزربي (7)، قال: في حديث أبي بكر: لتأملن (8) النّومَ على الصّوفِ الأَزْرَبِي كَمَا يَأْلَمُ أحدُكُمُ النّومَ على حَسَكِ السّعدانِ .. الْأَزْرَبِيُّ منسوب إلى أذربيجانَ- على غير قياس- هكذا تقوله العرب، و القياس أن تقول أَزْرِيّ- بغير باء (9)- كما يقال في النّسب إلى رامهرمز: واميّ (10) و هو مطّرد في النّسب إلى الأسماء
____________
(1) في المصدر: الأخت، و هي نسخة في (ك).
(2) قال في النهاية 5- 177: و منه حديث أبي بكر: و ليت أموركم خيركم فكلّكم ورم أنفه على أن يكون الأمر له من دونه.
(3) نصّ عليه في النهاية 5- 177، و لسان العرب 12- 634.
(4) في المصدر: واحدتها، و هو الصحيح.
(5) النهاية 5- 71، و مثله في لسان العرب 3- 424، و غيره.
(6) صرّح به في القاموس 1- 363.
(7) كذا، و الظاهر أن تكون العبارة هكذا: و الأذربي في النهاية قال .. أي جاءت الأذربي في النهاية.
و جاء في النهاية: أذرب (س [ه]) في حديث .. و كلّ ما ذكره المصنّف- طاب ثراه- جاء في المصدر بالذال المعجمة.
(8) في المصدر: لتألمنّ، و كذا في اللسان.
(9) في (س): بغير ياء، و هو سهو.
(10) كذا، و الظاهر: رامي، كما جاءت في المصدر.
138
المركّبة (1)، و السّعدان: نبت ذو شوك يشبه حلمة الثّدي (2)، و الحسك جمع الحسكة- بتحريكهما-: و هي شوكة صلبة (3).
و الجور: الميل عن الطّريق (4).
و قال ابن الأثير- في حديث أبي بكر-: «إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ أَوِ الْبَجْرُ» البجر- بالفتح و الضّم-: الدّاهية و الأمر العظيم .. أي إن انتظرت حتّى يضيء الفجر أبصرت الطّريق، و إن خبطت (5) الظّلماء أفضت بك إلى المكروه، و يروى البحر- بالحاء- يريد غمرات الدّنيا، شبّهها بالبحر لتبحّر أهلها فيها (6).
و الهيض- بالفتح-: الكسر بعد الجبر و هو أشدّ ما يكون من الكسر، يقال هاضه الأمر يهيضه (7).
و لا تأس .. أي لا تحزن (8).
تذييل:
اعلم أنّ ما اشتمل عليه هذا الخبر أحد المطاعن المشهورة لأبي بكر ذكره الأصحاب، قالوا: إنّ قوله: ليتني كنت سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هل للأنصار في هذا الأمر حقّ؟ يدلّ على شكّه في صحّة بيعته، و قوله: ليتني تركت بيت فاطمة (عليها السلام) لم أكشفه، و ليتني في ظلّة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين .. يدلّ على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة عليها
____________
(1) النهاية 1- 33، و مثله في لسان العرب 1- 207.
(2) ذكره في الصحاح 2- 488، و القاموس 1- 302، و لسان العرب 3- 215.
(3) قاله في النهاية 1- 386، و انظر: مجمع البحرين 5- 262، و القاموس 3- 298.
(4) كما في النهاية 1- 313، و انظر: مجمع البحرين 3- 251، و القاموس 2- 394.
(5) تقرأ الكلمة في (س): خطت، و في المصدر و لسان العرب: خبطت، كالمتن.
(6) النهاية 1- 97، و مثله في لسان العرب 4- 41.
(7) نصّ عليه في نهاية ابن الأثير 5- 288، و مثله في لسان العرب 7- 249، و انظر: مجمع البحرين 4- 233، و القاموس 2- 348.
(8) ذكره في مجمع البحرين 1- 27، و الصحاح 6- 2269، و القاموس 4- 299.
139
السلام عند اجتماع عليّ (عليه السلام) و الزبير و غيرهما فيه، و على أنّه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه.
و قوله: وددت أنّي سألت فيمن هذا الأمر فكنّا لا ننازعه أهله .. كالصريح في أنّه لم يكن أهلا للإمامة.
و قوله: وددت أنّي سألت عن ميراث العمّة و الخالة .. اعتراف بجهله بأحكام الدين.
و أجاب عنه قاضي القضاة في المغني (1) بأنّ قوله: ليتني .. لا يدلّ على الشك فيما تمنّاه (2)، و قول إبراهيم (عليه السلام): رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (3) أقوى في الشبهة من ذلك (4)، ثم حمل تمنّيه على أنّه أراد سماع شيء مفصّل، أو (5) أراد ليتني سألته عند الموت لقرب العهد، لأنّ ما قرب عهده لا ينسى، و يكون أردع للأنصار عمّا حاولوه (6).
ثم قال: على أنّه ليس في ظاهره أنّه تمنّى أن يسأل (7) هل له حقّ للإمامة أم لا؟ لأنّ الإمامة قد يتعلّق بها حقوق سواها، ثم دفع الرواية المتعلّقة ببيت فاطمة (عليها السلام)، و قال: فأمّا (8) تمنّيه أن يبايع غيره، فلو ثبت لم يكن ذمّا، لأنّ من اشتدّ التكليف عليه فهو يتمنّى خلافه (9).
____________
(1) المغني 20- 341، باختلاف و تصرّف.
(2) هنا بياض في المصدر بعد كلمة: فيما. و لا توجد: تمناه.
(3) البقرة: 260، و قد ذكر في المصدر القسم الأوّل منها إلى قوله تعالى: الموتى.
(4) في المغني: أقوم من ذلك في الشبهة.
(5) في (س): واو، بدلا من: أو.
(6) من قوله: ثم حمل .. إلى هنا نقل بالمعنى عن المصدر.
(7) في المغني: أن يشكّ.
(8) في (س): فقال فأما .. و في المصدر: و قال و أما ..
(9) إلى هنا كلام قاضي القضاة في المغني.
140
و ذكر شارح المقاصد (1) الطعن بأنّه شكّ عند موته في استحقاقه للإمامة، حيث قال: وددت أنّي سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] عن هذا الأمر فيمن هو و كنّا لا ننازع أهله؟ ثم أجاب: بأنّ هذا على تقدير صحّته لا يدلّ على الشك، بل على عدم النّص، و بأنّ (2) إمامته كانت بالبيعة و الاختيار، و أنّه في طلب الحقّ بحيث يحاول أن لا يكتفي بذلك، بل يريد اتّباع النّص خاصّة.
و بنحو ذلك أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول (3) عن الطعن بقوله:
ليتني سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هل للأنصار فيه حقّ؟ .. إلّا أنّه لم يمنع صحّة الرواية.
و أورد السيّد الأجلّ رضي اللّه عنه في الشافي (4) على كلام صاحب المغني بأنّه ليس يجوز أن يقول أبو بكر: ليتني سألت عن .. كذا إلّا مع الشكّ و الشبهة، لأنّ مع العلم و اليقين لا يجوز مثل هذا القول، هكذا يقتضي الظاهر، فأمّا قول إبراهيم (عليه السلام) فإنّما ساغ أن يعدل عن (5) ظاهره، لأنّ الشكّ لا يجوز على الأنبياء (عليهم السلام) و يجوز على غيرهم، على أنّه (عليه السلام) قد نفى عن نفسه الشكّ بقوله: بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (6)، و قد قيل: إنّ نمرود قال له: إذا كنت تزعم أنّ لك ربّا يحيي الموتى فاسأله أن يحيي لنا ميّتا إن كان على ذلك قادرا، فإن لم يفعل ذلك قتلتك (7)، فأراد بقوله: وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (8) .. أي لِآمَنَ
____________
(1) شرح المقاصد 5- 280.
(2) في المصدر: و إن.
(3) نهاية العقول: لا زلنا لا نعرف له نسخة خطيّة تامّة فضلا عن كونه مطبوعا.
(4) الشافي 4- 138- 140 [الحجريّة: 244- 245].
و فيه: يقال له: ليس يجوز .. إلى آخره.
(5) وضع على: عن، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل، و هو مثبت في المصدر.
(6) البقرة: 260.
(7) في المصدر: فقتلتك.
(8) البقرة: 260.
141
مِنْ (1) تَوَعُّدِ عَدُوِّكَ، و قد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه و قد سألوه أن يرغب إلى اللّه فيه، فقال ليطمئنّ قلبي إلى إجابتك لي و إلى إزاحة علّة قومي، و لم يرد ليطمئنّ قلبي إلى أنّك تقدر أن تحيي الموتى، لأنّ قلبه قد كان (2) بذلك مطمئنا، و أيّ شيء يريد أبو بكر من التفصيل (3) أكثر من قوله: إنّ هذا الأمر لا يصلح إلّا لهذا الحيّ من قريش، و أيّ فرق بين ما يقال عند الموت و بين ما يقال قبله إذا كان محفوظا معلوما لم يرفع حكمه و لم ينسخ.
و بعد، فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص و نحن مع الإطلاق و الظاهر، و أيّ حقّ يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولّاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحقّ الذي تمنّى أن يسأل عنه غير الإمامة؟ و هل هذا إلّا تعسّف و تكلّف؟! و أيّ شبهة تبقى بعد قول أبي بكر: ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حقّ فكنّا لا ننازعه أهله؟ و معلوم أنّ التنازع بينهم لم يقع إلّا (4) في الإمامة نفسها لا في حقّ آخر من حقوقها.
فأمّا قوله: إنّا قد بيّنّا أنّه لم يكن منه في بيت فاطمة (عليها السلام) ما يوجب أن يتمنّى أنّه (5) لم يفعله، فقد بيّنا فساد ظنّه فيما تقدّم (6).
فأمّا قوله: إنّ من اشتدّ التكليف عليه قد يتمنّى خلافه .. فليس بصحيح، لأنّ ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين و النظر للمسلمين في تلك الحال، و ما عداها كان مفسدة و مؤدّيا إلى الفتنة، فالتمنّي بخلافها لا يكون إلّا قبيحا.
____________
(1) لا توجد: من، في المصدر.
(2) لا يوجد في الشافي: قد كان. و فيه: مطمئن.
(3) في المصدر: التفضيل.
(4) في المصدر: التنازع لم يقع بينهم إلّا ..
(5) في الشافي: أن- بدون ضمير-.
(6) في المصدر: فساد ما ظنّه في هذا الباب، و مضى الكلام فيه مستقصى.
142
10- كِتَابُ الِاسْتِدْرَاكِ (1): قَالَ: ذَكَرَ عِيسَى بْنُ مِهْرَانَ فِي كِتَابِ الْوَفَاةِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعُرَنِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصَبِّحٌ الْعِجْلِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:: لَمَّا ثَقُلَ أَبِي أَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَدَعَوْتُهُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنِّي كُنْتُ مِمَّنْ شَغَبَ عَلَيْكَ، وَ أَنَا كُنْتُ أَوَّلَهُمْ، وَ أَنَا صَاحِبُكَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي حِلٍّ.
فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَى أَنْ تُدْخِلَ عَلَيْكَ رَجُلَيْنِ فَتُشْهِدَهُمَا عَلَى ذَلِكَ. قَالَ:
فَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى (2) الْحَائِطِ، فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! مَا تَقُولُ؟.
قَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ. قَالَ: فَحَوَّلَ وَجْهَهُ .. فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ.
قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ! قَدْ أَنْصَفَكَ، مَا عَلَيْكَ لَوْ أَشْهَدْتَ لَهُ رَجُلَيْنِ!.
قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَغْفِرَ لِي رَجُلَانِ مِنْ بَعْدِي..
بيان: يقال شغب عليه- كمنع و فرح-: هيّج الشّرّ عليه (3).
11- الْكَافِيَةُ فِي إِبْطَالِ تَوْبَةِ الْخَاطِئَةِ (4): عَنْ سُلَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا بَكْرٍ أَمْرُهُ جَعَلَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ، وَ كَانَ عُمَرُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَنَا: اكْتُمُوا هَذَا الْأَمْرَ عَلَى أَبِيكُمْ، فَإِنَّهُ يَهْذِي، وَ أَنْتُمْ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ لَكُمْ عِنْدَ
____________
(1) لم يطبع، و عبّر عنه ب: المستدرك، و قال في أوّل البحار 1- 29: و أمّا المستدرك فعندنا منه نسخة قديمة نظنّ أنّها بخطّ المؤلّف، و اسمه الكامل: المستدرك المختار في مناقب وصيّ المختار، للشّيخ أبي الحسين يحيى بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن بطريق الحلّيّ الأسديّ المتوفّى سنة 606 ه أو سنة 600، جمع فيه الفضائل و المناقب الّتي لم يذكرها في العمدة، أخرج فيه قريبا من ستّمائة حديث من كتب العامّة، و عبّر عنه في رياض العلماء ب: المستطرف، توجد منه نسخة خطّيّة في مكتبة راجه فيضآباد- في الهند-. و انظر: الذّريعة 21- 5.
(2) في (س): على، بدلا من: إلى.
(3) كما جاء في القاموس 1- 89، و صحاح اللغة 1- 157، و غيرهما.
(4) و يقال لها: الكافئة، أو المسألة الكافئة (الكافية) للشّيخ السّعيد أبي عبد اللّه المفيد: 46 برقم:
56، تحت عنوان استدراك.
143
الْوَجَعِ الْهَذَيَانُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقْتَ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ.
12- وَ عَنْ (1) هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ: أَ لَا تَسْتَخْلِفُ؟. فَقَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ (2) هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، أَبُو بَكْرٍ، وَ إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ (3)، وَ إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ- رَاغِباً رَاهِباً-: وَدِدْتُ (4) أَنِّي كَفَافاً لَا عَلَيَّ وَ لَا لِي.
13- وَ عَنْ (5) شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ (6)، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ تِبْنَةً (7) مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي.
14- وَ عَنْ (8) سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: آخِرُ كَلِمَةٍ قَالَهَا عُمَرُ حَتَّى قَضَى: وَيْلُ أُمِّي إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي رَبِّي! وَيْلُ أُمِّي إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي رَبِّي!.
15- وَ عَنْ (9) عَمْرِو (10) بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ
____________
(1) نفس المصدر و الصّفحة، برقم: 57.
(2) لا توجد: من في (س).
(3) من قوله: و إن أترك .. إلى هنا لا يوجد في المصدر، و هو الظّاهر لتكرره.
(4) قد تقرأ في (س): وردت، رددت .. فلاحظ.
(5) المسألة الكافية في إبطال توبة الخاطئة: 46، برقم: 58.
(6) جاء السّند في (ك) هكذا: عن شعبة، عن عاصم، عن عبد اللّه بن ربيعة، و جاء في حاشيتها:
ابن عبّاس، و لم يعلّم على محلّها. و الصّحيح- كما في تهذيب التّهذيب 5- 42 و 237-: عن عاصم ابن عبيد اللّه، عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة.
(7) في (ك): نبتة.
(8) نفس المصدر السّالف و الصّفحة، برقم: 59.
(9) نفس المصدر، الصّفحة: 47، برقم: 60.
(10) في (س): عمر، بدلا من: عمرو. و هو غلط.
144
حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ-: لَوْ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَافْتَدَيْتُ بِهَا مِنَ النَّارِ.
16- وَ عَنْ (1) شُعْبَةَ، عَنْ سَمَّاكٍ الْيَمَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: وَدِدْتُ (2) أَنِّي أَنْجُو مِنْهَا كَفَافاً لَا أَجْرَ وَ لَا وِزْرَ.
17- وَ عَنْ (3) حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: جَاءَ شَابٌّ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وُلِّيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٍ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! وَدِدْتُ (4) أَنَّ ذَلِكَ كَفَافاً لَا عَلَيَّ وَ لَا لِي.
18- وَ عَنِ (5) ابْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَنَانٍ (6)، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ- حِينَ طُعِنَ-، فَقُلْتُ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَسْلَمْتَ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ، وَ قُبِضَ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي خِلَافَتِكَ، وَ قُتِلْتَ شَهِيداً.
فَقَالَ عُمَرُ: أَعِدْ عَلَيَّ قَوْلَكَ .. فَأَعَدْتُهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: إِنَّ الْمَغْرُورَ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَوْ كَانَ لِي مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ وَ بَيْضَاءَ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ (7).
____________
(1) كما في الكافئة: 47، برقم: 61.
(2) جاء في (س): وردت، و لا معنى لها.
(3) المسألة الكافية في إبطال توبة الخاطئة: 47، برقم: 62.
(4) جاء في (س): وردت، و لا معنى لها.
(5) كما في استدراكات الكافئة في إبطال توبة الخاطئة: 47، برقم: 63.
(6) جاء في (ك) نسخة بدل: حنين.
(7) قال في مجمع البحرين 4- 368: .. و في الدّعاء: أعوذ بك من هول المطّلع- بتشديد الطّاء المهملة و البناء للمفعول-: أمر الآخرة و موقف القيامة الّذي يحصل الاطّلاع عليه بعد الموت.
145
[20] باب
1- ير (1): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنِ الثُّمَالِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ:
أَسْأَلُكَ (2) عَنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ؟. قَالَ: فَعَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ بِلَعَنَاتِهِ كُلِّهَا، مَاتَا- وَ اللَّهِ كَافِرَيْنِ مُشْرِكَيْنِ (3) بِاللَّهِ الْعَظِيمِ..
2- فس (4): أَبِي، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَاتَ ابْنٌ لَهَا فَأَقْبَلَتْ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ (5): غَطِّي
____________
(1) بصائر الدّرجات: 289- 290 حديث 2 باب 3، تحت عنوان: إنّ الأئمّة (عليهم السلام) يحيون الموتى و يبرءون الأكمه و الأبرص بإذن اللّه. بتفصيل في السّند.
(2) زيادة جاءت في المصدر، و هي: قلت له: أسألك- جعلت فداك- عن ثلاث خصال انف عنّي فيه التّقيّة، قال: فقال: ذلك لك. قلت: أسألك ..
(3) في البصائر: و اللّه هما كافران مشركان.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 188 باختلاف يسير أشرنا له.
(5) في المصدر: فقال لها الثّاني ..، بدلا من: عمر.
146
قُرْطَكِ، فَإِنَّ قَرَابَتَكِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَا تَنْفَعُكِ شَيْئاً، فَقَالَتْ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ لِي قُرْطاً يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ؟!. ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَبَكَتْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَنَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ.
فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ قَرَابَتِي لَا تَنْفَعُ؟! لَوْ قَدْ (1) قُمْتُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ لَشَفَعْتُ فِي عُلُوجِكُمْ (2)، لَا يَسْأَلُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَاهُ .. إِلَّا أَخْبَرْتُهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ (3)؟. فَقَالَ: أَبُوكَ غَيْرُ الَّذِي تُدْعَى لَهُ، أَبُوكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. قَالَ (4): أَبُوكَ الَّذِي تُدْعَى لَهُ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا بَالُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ قَرَابَتِي لَا تَنْفَعُ، لَا يَسْأَلُنِي عَنْ أَبِيهِ؟!. فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ (5): أَعُوذُ بِاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (6) مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَ غَضَبِ رَسُولِهِ، اعْفُ عَنِّي عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (7): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ...- إِلَى قَوْلِهِ- ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (8).
____________
(1) لا توجد: قد، في (س)، و في المصدر: قربت، بدلا من: قمت.
(2) في (ك) نسخة بدل مشوشة، لعلّها حاء و كم.
أقول: و يأتي في بيان المصنّف- (رحمه الله) نفي البعد عن كونها: حاء و حكم. و في التّفسير: في أحوجكم.
(3) لا يوجد في المصدر: يا رسول اللّه.
(4) في التّفسير: فقال.
(5) في المصدر: فقام إليه الثّاني و قال له.
(6) يا رسول اللّه، لم تجئ في المصدر.
(7) في المصدر زيادة: تعالى.
(8) المائدة: 101- 102.
147
بيان: قوله: غَطِّي قُرْطَكِ .. في بعض النسخ، قطّي- بالقاف- .. أي اقطعي (1) و بالغين أظهر، و القرط- بالضّم- الّذي يعلّق في شحمة الأذن (2).
و في النهاية: فيه (3): يا ابن اللخناء! .. هي الّتي لم تختن، و قيل: اللّخن:
النّتن من لخن السّقاء يلخن (4).
و لعلّ المراد بالعلوج عبيدهم الذين أسلموا من كفّار العجم، و فيه بعض التصحيفات لا يعرف لها معنى، و لا يبعد أن يكون في حاء و حكم.
قال في النهاية (5): فيه شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي حتّى حكم و حاء ..
هما قبيلتان جافيتان من وراء رمل (6) يبرين.
و قال في موضع آخر (7): هما حيّان من اليمن من وراء الرمل (8) يبرين ..
قال أبو موسى: يجوز أن يكون حا من الحوّة، و قد حذفت لامه، و يجوز أن يكون من حوى يحوي، و يجوز أن يكون مقصورا غير ممدود.
و قال الجوهري (9): يَبْرِينُ اسم موضع .. يقال: رَمْلُ يَبْرِينَ (10).
____________
(1) كما جاء في مجمع البحرين 4- 270، و الصحاح 3- 1153، و تاج العروس 5- 207.
(2) صرّح به في الصحاح 3- 1151، و تاج العروس 5- 202، و لسان العرب 7- 374، و غيرها.
(3) أي في حديث ابن عمر.
(4) النهاية 4- 244. و قال في تاج العروس 9- 332 بعد كلام: و قولهم يا ابن اللخناء! قيل معناه: يا دنيّ الأصل و يا لئيم الأمّ، أشار إليه الراغب.
(5) النهاية 1- 421.
(6) في (س): رحل.
(7) نهاية ابن الأثير 1- 466.
(8) في (س): رحل.
(9) الصحاح 5- 2078 باختلاف في اللفظ، و لا يوجد في (س) من: قال الجوهريّ .. إلى: يبرين.
(10) إلى هنا كلام ابن الأثير في النهاية.
148
3- فس (1): اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (2). قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ- وَ كَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُؤْمِناً فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِ (3) (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ أَبُوهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَأْتِ أَبِي (4) كَانَ ذَلِكَ عَاراً عَلَيْنَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ الْمُنَافِقُونَ عِنْدَهُ- فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتَغْفِرْ لَهُ (5)، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ (6): أَ لَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ أَوْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ؟! فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَعَادَ (7) عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ! إِنِّي خُيِّرْتُ (8) فَاخْتَرْتُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (9) فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَحْضُرَ (10) جَنَازَتَهُ، فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَامَ عَلَى قَبْرِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ (11): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً؟!
____________
(1) تفسير القمّيّ عليّ بن إبراهيم 1- 302.
(2) التّوبة: 80.
(3) في المصدر: إلى رسول اللّه ..
(4) نسخة في (س): لم تأت أبي عائدا ..
(5) استغفر اللّه له، نسخة في (س).
(6) في التّفسير: الثّاني، بدلا من: عمر، و لعلّه بدّلت الكلمة خوفا.
(7) في المصدر: فأعاد .. و هو الظّاهر.
(8) في (ك): خرت، و في حاشيتها نسخة بدل: خبّرت فأخبرت، و وضع تحتها: نهج.
(9) التّوبة: 80.
(10) جاءت نسخة في حاشية (ك): أي في أن تحضر ..
(11) في المصدر: الثّاني، بدلا من: عمر.
149
وَ أَنْ تَقُومَ عَلَى قَبْرِهِ؟.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): وَيْلَكَ! وَ هَلْ تَدْرِي مَا قُلْتُ! إِنَّمَا قُلْتُ: اللَّهُمَّ احْشُ قَبْرَهُ نَاراً، وَ جَوْفَهُ نَاراً، وَ أَصْلِهِ النَّارَ، فَبَدَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ.
4- فس (1): قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (2) قَالَ:- يَعْنِي (3) يَحْمِلُونَ آثَامَهُمْ يَعْنِي الَّذِينَ غَصَبُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ آثَامَ كُلِّ مَنِ اقْتَدَى بِهِمْ، وَ هُوَ قَوْلُ الصَّادِقِ (صلوات الله عليه): وَ اللَّهِ مَا أُهْرِيقَتْ مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، وَ لَا قُرِعَتْ عَصًا بِعَصاً، وَ لَا غُصِبَ فَرْجٌ حَرَامٌ، وَ لَا أُخِذَ مَالٌ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، إِلَّا وَ وِزْرُ ذَلِكَ فِي أَعْنَاقِهِمَا (4) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِ الْعَالَمِينَ شَيْءٌ (5)..
5- فس (6): وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ. قَالَ: الْأَوَّلُ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (7) (8). قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ عَلِيّاً (9): يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (10) يَعْنِي الثَّانِيَ: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يَعْنِي الْوَلَايَةَ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 383.
(2) النّحل: 25.
(3) خطّ على كلمة: قال في (ك) و لا توجد كلمة: يعني، في المصدر.
(4) نسخة في (ك): أعناقهم.
(5) في المصدر: العاملين بشيء، و هو الظّاهر.
(6) تفسير القمّيّ 2- 113.
(7) وضع رمز نسخة بدل على: يقول، في (ك).
(8) الفرقان: 27.
(9) في المصدر: عليّا وليّا.
(10) الفرقان: 28.
150
وَ كانَ الشَّيْطانُ وَ هُوَ الثَّانِي (1) لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (2).
6- فس (3): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ بِسْطَامَ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ (4)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (5)، فَقَالَ: الْوَالِدَانِ اللَّذَانِ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمَا الشُّكْرَ هُمَا اللَّذَانِ وَلَدَا الْعِلْمَ، وَ وَرَّثَا الْحُكْمَ، وَ أمرا [أَمَرَ النَّاسَ بِطَاعَتِهِمَا.
ثُمَّ قَالَ: «إِلَيَّ الْمَصِيرُ»، فَمَصِيرُ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ، وَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْوَالِدَانِ، ثُمَّ عَطَفَ الْقَوْلَ (6) عَلَى ابْنِ حَنْتَمَةَ (7) وَ صَاحِبِهِ، فَقَالَ فِي الْخَاصِّ: وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي. (8) يَقُولُ فِي الْوَصِيَّةِ وَ تَعْدِلَ عَمَّنْ أَمَرْتُ بِطَاعَتِهِ فَلا تُطِعْهُما وَ لَا تَسْمَعْ قَوْلَهُمَا، ثُمَّ عَطَفَ الْقَوْلَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَ قَالَ (9): وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً (10) يَقُولُ: عَرِّفِ النَّاسَ فَضْلَهُمَا وَ ادْعُ إِلَى سَبِيلِهِمَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ (11) فَقَالَ: إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَيْنَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَعْصُوا الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ رِضَاهُمَا رِضَا اللَّهِ، وَ سَخَطَهُمَا سَخَطُ اللَّهِ..
____________
(1) في (ك) زيادة كان، بعد لفظ الثّاني.
(2) الفرقان: 29.
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 148- 149، في تفسير سورة العنكبوت.
(4) في المصدر: راقد.
(5) لقمان: 14.
(6) في تفسير القمّيّ زيادة لفظ: اللّه، قبل كلمة: القول.
(7) في المصدر: ابن فلانة، و لعلّه من فعل مخرج الكتاب.
(8) لقمان: 15.
(9) في المصدر: فقال، و هي نسخة في (ك).
(10) لقمان: 15.
(11) لقمان: 15.
151
بيان: قوله (عليه السلام): و الدليل على ذلك الوالدان .. إذ الظاهر ذكوريتهما، لكون التغليب مجازا، و الحقيقة أولى مع الإمكان. و يحتمل أن يكون الغرض عدم بعد التأويل، فإنّ التجوّز في الوالديّة يعارضه عدم التجوّز في الذكوريّة، و يحتمل أن يكون (ذلك) راجعا إلى كون مصير العباد إلى اللّه أو كيفيّته، لكنّه بعيد (1).
و ابن حنتمة: عمر، لأنّ أمّه حنتمة بنت ذي الرّمحين، كما ذكر في القاموس (2).
قوله (عليه السلام): فقال في الخاصّ .. أي الخطاب مخصوص بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمّا خطاب (صاحبهما) فإن كان إليه (صلّى اللّه عليه و آله) ففي المصاحبة توسع، و إن كان إلى غيره كخطاب (اشكر) فلا توسع.
و في الكافي: فقال في الخاصّ و العام (3) .. أي مخاطبا للرسول و سائر الناس، أو بحسب ظهر الآية الخطاب عام و بحسب بطنها خاص، أو المعنى أنّ بحسب بطنهما أيضا الخطاب إلى الرسول (4) (صلّى اللّه عليه و آله) بمعنى عدم الاشتراك في الوصيّة، و إلى الناس بمعنى عدم العدول عمّن أمروا بطاعته، فيكون ما ذكره بعد على اللفّ و النشر المرتّب.
و أمّا تطبيق المعنى على سابق الآية و هو قوله تعالى: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ
____________
(1) ما احتمله (رحمه الله) أخيرا هو الظاهر من الكلام .. أي أنّ الدليل على مصير العباد إلى اللّه الوالدان فإنّهما يدلّان الناس إلى ذلك.
(2) القاموس 4- 103، و مثله في لسان العرب 13- 162، و تاج العروس 8- 265، و قال في مجمع البحرين 6- 53: و هي- أي حنتمة- من المشهورات المستعلنات بالزنا، هي و سارة و الرباب ممّن كنّ يغنّين بهجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد جاء في الحديث: ابن حنتم و صاحبه .. يعني بهما أبا بكر و عمر.
أقول: الظاهر ابن حنتمة- بالتاء المطوّقة في آخره-.
(3) الكافي 1- 428 باب 108 حديث 79 كتاب الحجّة.
(4) في (س): الخطاب للرسول.
152
بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ (1) فيحتمل وجوها:
الأول: أن يكون (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ) معترضة لبيان أشديّة حقّ الوالدين في العلم على حقّ الوالدين في النسب.
الثاني: أن يكون المراد بالوالدين أو للمعنى الحقيقي (2) و بهما ثانيا المعنى المجازي بتقدير عطف أو فعل ثانيا.
الثالث: أن يكون ظهر الآية للوالدين حقيقة و بطنها للوالدين مجازا بتوسّط أنّ العلّة للحياة الحقيقيّة أولى بالرعاية من العلّة للحياة الظاهريّة، و اللّه يعلم.
7- فس (3): قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ (4) فَإِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الَّذِينَ غَصَبُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ: يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا (5) يَعْنِي فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. (6) وَ هُمَا رَجُلَانِ، وَ السَّادَةُ وَ الْكُبَرَاءُ هُمَا أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِظُلْمِهِمْ وَ غَصْبِهِمْ. قَوْلُهُ: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. أَيْ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَ السَّبِيلُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (7).
أقول::
قد مرّ (8) في باب أنّ الإمامة (9) المعروضة هي الولاية
- بأسانيد جمّة أنّ الإنسان
____________
(1) لقمان: 14.
(2) كذا، و الصحيح أن يقال: أولا المعنى الحقيقي، كما لعلّه يظهر من (ك).
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 197.
(4) الأحزاب: 66.
(5) الأحزاب: 66.
(6) الأحزاب: 67.
(7) الأحزاب: 68.
(8) بحار الأنوار 23- 273- 383، الباب السادس عشر، و فيه ثلاثون حديثا.
(9) كذا في المطبوع، و الصحيح أنّ الأمانة هي المعروضة على الجبال، و إن فسّرت بالإمامة في بعض الروايات.
153
في قوله تعالى: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (1) هو أبو بكر
. 8- فس (2): أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ حَسَّانَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ عَمَّارٍ يَرْفَعُهُ فِي قَوْلِهِ: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (3) قَالَ: نَزَلَتْ فِي زُرَيْقٍ (4) وَ حَبْتَرٍ.
بيان: زُرَيْقٌ (5) و حَبْتَرٌ: كنايتان، و العرب تتشاءم بزرقة العين، و الحبتر: الثّعلب (6)، و الثاني بالأول أنسب.
9- فس (7): وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (8) يَعْنِي فُلَاناً وَ فُلَاناً، قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (9).
10- فس (10): وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (11) وَ هُمُ الْأَوَّلَانِ (12) وَ بَنُو أُمَيَّةَ ..
ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ كَانَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ غَصَبَ آلَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) حَقَّهُمْ، فَقَالَ:
____________
(1) الأحزاب: 72.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 207.
(3) فاطر: 8.
(4) في (س): رزيق- بتقديم الرّاء المهملة على الزّاء المعجمة- و هو غلط.
(5) في (س): رزيق- بتقديم الراء المهملة على الزاء المعجمة- و هو غلط.
(6) نصّ عليه في القاموس 2- 3، و تاج العروس 3- 121، و قال في لسان العرب 4- 162: الحبتر:
من أسماء الثعالب.
(7) تفسير القمّيّ 2- 222.
(8) الصّافّات: 27- 28.
(9) الصّافّات: 29.
(10) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 242- 243.
(11) سورة ص: 55.
(12) في المصدر: و هم زريق و حبتر و ...
154
وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ (1) (2) وَ هُمْ بَنُو السِّبَاعِ فَيَقُولُونَ (3) بَنُو أُمَيَّةَ: لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (4) فَيَقُولُونَ بَنُو فُلَانٍ: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا (5) وَ بَدَأْتُمْ بِظُلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ فَبِئْسَ الْقَرارُ (6) ثُمَّ يَقُولُ بَنُو أُمَيَّةَ: رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (7) يَعْنُونَ الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ أَعْدَاءُ آلِ مُحَمَّدٍ فِي النَّارِ: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (8) فِي الدُّنْيَا، وَ هُمْ شِيعَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (9) ثُمَّ قَالَ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (10) فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ الصَّادِقِ (عليه السلام): وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَفِي الْجَنَّةِ تُحْبَرُونَ، وَ فِي النَّارِ تُطْلَبُونَ.
بيان: بَنُو السِّبَاعِ .. كناية عن بني العبّاس.
و قال الطبرسي (11) (رحمه الله): وَ آخَرُ أي و ضرب (12) آخر .. من شكل هذا العذاب و جنسه. أَزْواجٌ. أي ألوان و أنواع متشابهة في الشدّة .. هذا فَوْجٌ. هاهنا حذف، أي يقال: هذا فوج، و هم قادة الضلال (13) إذا دخلوا
____________
(1) سورة ص: 58.
(2) سورة ص: 59.
(3) في المصدر: و يقولون.
(4) سورة ص: 59.
(5) سورة ص: 60.
(6) سورة ص: 60.
(7) سورة ص: 61.
(8) سورة ص: 62.
(9) سورة ص: 63.
(10) سورة ص: 64.
(11) في مجمع البيان 8- 483.
(12) في المصدر: و ضروب.
(13) في المجمع: الضلالة.
155
النار، ثم يدخل الأتباع فتقول (1) الخزنة للقادة: هَذَا فَوْجٌ .. أي قطعة (2) من الناس، و هم الأتباع. مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ في النار دخلوها كما دخلتم.
لا مَرْحَباً بِهِمْ .. قال البيضاوي (3): دعاء من المتبوعين على أتباعهم، أو صفة لفوج، أو حال .. أي مقولا فيهم لا مرحبا .. أي ما أتوا رحبا و سعة.
أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ... أي مالت، فلا تراهم (4).
و الحَبْرَةُ- بالفتح-: النعمة و سعة العيش (5).
11- فس (6): قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (7) نَزَلَتْ فِي أَبِي فُلَانٍ.
12- فس (8): إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (9) نَزَلَتْ فِي فُلَانٍ وَ فُلَانٍ.
13- فس (10): وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ (11) قَالَ الْعَالِمُ (عليه السلام): مِنَ الْجِنِّ، إِبْلِيسُ الَّذِي أَشَارَ (12) عَلَى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَ أَضَلَّ النَّاسَ بِالْمَعَاصِي، وَ جَاءَ بَعْدَ
____________
(1) في المجمع: فيقول.
(2) في المصدر: قطع.
(3) تفسير البيضاوي 1- 315.
(4) في (س): نراهم.
(5) كما صرّح به في مجمع البحرين 3- 256، و لسان العرب 4- 158، و تاج العروس 3- 118.
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 246.
(7) الزّمر: 8.
(8) تفسير القمّيّ 2- 250.
(9) الزّمر: 45، و في المصدر: إلى قوله: إذا هم يستبشرون، فإنّها نزلت في فلان و فلان.
(10) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 265.
(11) فصّلت: 29.
(12) في المصدر: دبّر، بدل: أشار على ..
156
وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى أَبِي بَكْرٍ (1) فَبَايَعَهُ، وَ مِنَ الْإِنْسِ، فُلَانٌ (2) نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (3).
بيان: لا يبعد أن يكون المعنى أنّ مصداق الآية في تلك المادة إبليس و فلان، لأنّ قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا ... (4) شامل للمخالفين، و الآية تدلّ على أنّ كلّ صنف من الكفّار لهم مضلّ من الجنّ و مضلّ من الإنس، و المضلّ من الجنّ مشترك، و المضلّ من الإنس في المخالفين هو (5) الثاني، لأنّه كان أقوى و أدخل في ذلك من غيره، و هذا الكلام يجري في أكثر أخبار هذا الباب و غيره، و معه لا نحتاج إلى تخصيص الآيات و صرفها عن ظواهرها، و اللّه يعلم.
14- فس (6): جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ هَكَذَا، قَوْلُ اللَّهِ: حَتَّى إِذا جاءَانا (7)- يَعْنِي فُلَاناً وَ فُلَاناً- يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِينَ يَرَاهُ: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (8) فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لِفُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ أَتْبَاعِهِمَا: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ (9) لِنَبِيِّهِ:
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَ مَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ
____________
(1) في التّفسير: إلى فلان. و لعلّه من فعل المخرج للكتاب.
(2) وضع على: فلان، رمز نسخة بدل في (س)، و فيها نسخة أخرى: دلام، بدلا من: فلان.
(3) فصّلت: 29.
(4) فصّلت: 29.
(5) في (ك): و هو.
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 286. و انظر: تفسير البرهان 4- 142- 146.
(7) الزّخرف: 38.
(8) الزّخرف: 38.
(9) وضع على لفظ الجلالة في (س) رمز نسخة بدل.
158
16- فس (1): الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (2) نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) الَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ غَصَبُوا أَهْلَ بَيْتِهِ حَقَّهُمْ وَ صَدُّوا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَلَايَةَ (4) الْأَئِمَّةِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (5) .. أَيْ أَبْطَلَ (6) مَا كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْجِهَادِ وَ النُّصْرَةِ.
17- فس (7): وَ قالَ قَرِينُهُ أَيْ شَيْطَانُهُ وَ هُوَ الثَّانِي (8) هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (9).
18- فس (10): مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ (11): قَالَ: الْمَنَّاعُ: الثَّانِي، وَ الْخَيْرُ: وَلَايَةُ (12) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ حُقُوقُ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، وَ لَمَّا كَتَبَ الْأَوَّلُ كِتَابَ فَدَكَ يَرُدُّهَا عَلَى فَاطِمَةَ (عليها السلام) مَنَعَهُ (13) الثَّانِي، فَهُوَ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (14)، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ (15) قَالَ: هُوَ مَا قَالُوا نَحْنُ كَافِرُونَ بِمَنْ جَعَلَ لَكُمُ الْإِمَامَةَ وَ الْخُمُسَ.
____________
(1) تفسير القمّيّ 2- 300.
(2) سورة محمّد (ص): 1.
(3) لا يوجد في المصدر: أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(4) في تفسير القمّيّ: عن ولاية ..
(5) سورة محمّد (ص): 1.
(6) في (س): بطل.
(7) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 324.
(8) في المصدر: و هو حبتر.
(9) سورة ق: 23.
(10) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 326.
(11) سورة ق: 25.
(12) في (ك): هو ولاية: و هي نسخة في (س).
(13) في المصدر: شقّه، بدلا من: منعه.
(14) سورة ق: 25.
(15) سورة ق: 26.
157
فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (1) يَعْنِي مِنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ (2)، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي عَلِيٍ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (3) يَعْنِي إِنَّكَ عَلَى وَلَايَةِ عَلِيٍّ، وَ عَلِيٌّ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.
توضيح:
قرأ (عليه السلام): جَاءَانَا- على التثنية- كما هو قراءة عاصم برواية أبي بكر و غيره (4)، و فسّرهما [بفلان و فلان]، و فسّرهما المفسّرون بالشيطان و من أغواه.
و المشرقان: المشرق و المغرب على التغليب.
فَبِئْسَ الْقَرِينُ. أي أنت إليّ اليوم،
- و روى ابن عباس أنّهما يكونان مشدودين في سلسلة واحدة لزيادة العقوبة.
، فيقول اللّه تعالى لهم (5): لَنْ يَنْفَعَكُمُ (6) .. أي لا يخفّف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لأنّ لكلّ من الكفّار و الشياطين الحظّ الأوفر من العذاب (7).
15- فس (8): وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ (9) يَعْنِي الثَّانِيَ عَنْ (10) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (11).
____________
(1) الزّخرف: 40- 41.
(2) في (ك) زيادة: و أتباعهما- بعد فلان-.
(3) الزّخرف: 43.
(4) كما في الكشف عن وجوه القراءات السبع 2- 258، و حجة القراءات: 650، و كتاب السبعة في القراءات: 586.
(5) لا توجد: لهم، في (س).
(6) الزخرف: 39.
(7) صرّح بما ذكره (رحمه الله) في مجمع البيان 9- 48، و جاء بعضه في تفسير ابن عبّاس: 413.
(8) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 287.
(9) الزّخرف: 62.
(10) في المصدر: يعني فلانا لا يصدّنّك عن ..
(11) الزّخرف: 62.
159
قَوْلُهُ (1): قالَ قَرِينُهُ (2) .. أَيْ شَيْطَانُهُ وَ هُوَ الثَّانِي (3): رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ (4) يَعْنِي الْأَوَّلَ (5) وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (6) (7) فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمَا:
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ (8) .. أَيْ مَا فَعَلْتُمْ لَا تُبَدَّلُ (9) حَسَنَاتٍ، مَا وَعَدْتُهُ لَا أُخْلِفُهُ.
بيان: ما وعدته .. استئناف، و المعنى لا تبدّل سيّئاتكم حسنات كما تبدّل للذين يستحقّون ذلك من الشيعة، بل توفون جزاء سيّئاتكم، و الوعد (10) بمعنى الإيعاد.
و قال الطبرسي (رحمه الله) (11): المعنى أنّ الذي قدّمته لكم في دار الدنيا من أنّي أعاقب من جحدني و كذّب رسلي و خالف أمري (12) لا يبدّل بغيره، و لا يكون خلافه.
19- فس (13): قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (14): أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
____________
(1) في التّفسير: و أمّا قوله.
(2) سورة ق: 23.
(3) في المصدر: و هو حبتر.
(4) سورة ق: 27.
(5) في تفسير القمّيّ: يعني زريقا.
(6) وضع في (ك) على: كان، رمز نسخة بدل، و عليه فلا تكون هذه الجملة بآية.
(7) سورة ق: 27.
(8) سورة ق: 28- 29.
(9) في المصدر: لا يبدّل.
(10) كذا، و الظاهر: الوعيد.
(11) مجمع البيان 9- 147.
(12) في المصدر: و خالفني في أمري.
(13) تفسير القمّيّ 2- 357- 358.
(14) لا توجد كلمة: تعالى في المصدر.
160
تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (1) قَالَ: نَزَلَتْ فِي الثَّانِي، لِأَنَّهُ (2) مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ يَكْتُبُ خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَ لا مِنْهُمْ (3) فَجَاءَ الثَّانِي (4) إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (5) (صلّى اللّه عليه و آله): رَأَيْتُكَ تَكْتُبُ عَنِ الْيَهُودِ، وَ قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؟. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَتَبْتُ عَنْهُ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صِفَتِكَ، وَ أَقْبَلَ يَقْرَأُ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ غَضْبَانُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ:
وَيْلَكَ! أَمَا تَرَى غَضَبَ النَّبِيِّ عَلَيْكَ. فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَ غَضَبِ رَسُولِهِ، إِنِّي إِنَّمَا كَتَبْتُ ذَلِكَ لِمَا وَجَدْتُ فِيهِ مِنْ خَبَرِكَ!.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا فُلَانُ! لَوْ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ فِيهِمْ قَائِماً ثُمَّ أَتَيْتَهُ رَغْبَةً عَمَّا جِئْتُ بِهِ لَكُنْتَ كَافِراً بِمَا جِئْتُ بِهِ، وَ هُوَ قَوْلُهُ: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (6) .. أَيْ حِجَاباً بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَ أَيْمَانَهُمْ إِقْرَاراً (7) بِاللِّسَانِ فَزَعاً (8) مِنَ السَّيْفِ وَ دَفْعِ (9) الْجِزْيَةِ.
بيان: لعلّه (عليه السلام) قرأ إِيمَانَهُمْ- بالكسر-.
____________
(1) المجادلة: 14.
(2) وضع على: لأنّه، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل.
(3) المجادلة: 14.
(4) لا يوجد: الثّاني، في المصدر.
(5) في المصدر: النّبيّ، بدلا من رسول اللّه.
(6) المجادلة: 16.
(7) في (ك): كان إقرارا.
(8) نسخة في (ك): فرقا. و جاء في المصدر: و خوفا.
(9) في التفسير: و رفع.
161
قال الطبرسي (1): و في الشواذّ (2) قراءة الحسن: اتَّخَذُوا إِيمَانَهُمْ- بكسر الهمزة قال: حذف المضاف .. أي اتّخذوا إظهار إيمانهم جنّة.
20- فس (3): مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّازِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ لَقِيَ عَلِيّاً (عليه السلام) فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (4) تُعَرِّضُ بِي وَ بِصَاحِبِي، قَالَ: أَ فَلَا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (5) فَقَالَ عُمَرُ (6): بَنُو أُمَيَّةَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ مِنْكَ!، وَ لَكِنَّكَ أَبَيْتَ إِلَّا عَدَاوَةً (7) لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي عَدِيٍّ وَ بَنِي تَيْمٍ!..
21- كا (8): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانٍ .. مِثْلَهُ.
بيان:
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (9) قال الطبرسي (رحمه الله) (10): .. أي أيّكم الذي فتن بالجنون، أ أنت أم هم؟ و قيل: بأيّكم الفتنة و هو الجنون، يريد أنّهم يعلمون عند العذاب أنّ الجنون كان بهم حين كذّبوك و تركوا دينك لا بك. و قيل: معناه، في
____________
(1) في مجمع البيان 9- 254.
(2) في (س): الشوار، و لا معنى لها هنا.
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 308.
(4) القلم: 6.
(5) سورة محمّد (ص): 22.
(6) في الكافي و في نسخة جاءت في (ك): فقال كذبت.
(7) في تفسير القمّيّ: و لكنّك أثبتّ العداوة ... و أبيت .. و هي كذلك في الرّوضة من الكافي.
(8) الكافي 8- 103 باب 25، حديث 76، و جاء بسند آخر في صفحة 239 باب 43، حديث 325.
(9) القلم: 6.
(10) مجمع البيان 10- 333.
162
أيّ الفريقين المجنون الذي فتنه الشيطان.
و قال (رحمه الله) (1): إِنْ تَوَلَّيْتُمْ. أي الأحكام و جعلتم (2) ولاة أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بأخذ الرشا و سفك الدم الحرام فيقتل بعضكم بعضا، و يقطع بعضكم رحم بعض، كما قتلت قريش بني هاشم و قتل بعضهم بعضا. و قيل: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ معناه إن أعرضتم عن كتاب اللّه و العمل بما فيه أن تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهليّة فتفسدوا بقتل بعضكم بعضا.
22- فس (3): مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْفَارِسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ (4) عَنِ الْإِيمَانِ بِتَرْكِهِمْ وَلَايَةَ (5) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):
الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ (6) يَعْنِي الثَّانِيَ. وَ قَوْلُهُ (7): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ (8) هُوَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام):
سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (9) قَالَ: دَعُوا بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى مِيثَاقِهِمْ أَنْ لَا يُصَيِّرُوا لَنَا الْأَمْرَ بَعْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا يُعْطُونَا مِنَ الْخُمُسِ شَيْئاً، وَ قَالُوا: إِنْ أَعْطَيْنَاهُمُ الْخُمُسَ اسْتَغْنَوْا بِهِ، فَقَالُوا (10): سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (11) لَا
____________
(1) مجمع البيان 9- 104.
(2) في المصدر: إن تولّيتم الأحكام و ولّيتم أي جعلتم ..
(3) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 308- 309.
(4) سورة محمّد (ص): 25.
(5) في المصدر زيادة: عليّ (عليه السلام).
(6) سورة محمّد (ص): 25.
(7) جاء في تفسير القمّيّ: «الشَّيْطانُ» يعني فلانا «سَوَّلَ لَهُمْ» يعني بني فلان و بني فلان و بني أميّة، قوله ..
(8) سورة محمّد (ص): 26.
(9) سورة محمّد (ص): 26.
(10) في المصدر: فقال.
(11) سورة محمّد (ص): 26.
163
تُعْطُوهُمْ (1) مِنَ الْخُمُسِ شَيْئاً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ بَلى وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (2).
وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى (3) نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ (4) .. أَيْ هَيَّنَ لَهُمْ، وَ هُوَ فُلَانٌ، وَ أَمْلى لَهُمْ (5) .. أَيْ بَسَطَ لَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا قَالَ مُحَمَّدٌ شَيْئاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ (6) يَعْنِي (7) فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (8) يَعْنِي فِي الْخُمُسِ أَنْ لَا يَرُدُّوهُ فِي بَنِي هَاشِمٍ: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (9) قَالَ اللَّهُ:
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبارَهُمْ (10) بِنَكْثِهِمْ وَ بَغْيِهِمْ وَ إِمْسَاكِهِمُ الْأَمْرَ بَعْدَ (11) أَنْ أُبْرِمَ عَلَيْهِمْ إِبْرَاماً، يَقُولُ: إِذَا مَاتُوا سَاقَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى النَّارِ فَيَضْرِبُونَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ مِنْ قُدَّامِهِمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ (12) يَعْنِي مُوَالاةَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ (13) ظَالِمِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (14) يَعْنِي الَّذِي عَمِلُوهَا مِنَ الْخَيْرِ (15): إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ
____________
(1) في المصدر و في نسخة في (ك): أي لا تعطوهم.
(2) الزخرف: 79- 80.
(3) سورة محمّد (ص): 25.
(4) سورة محمّد (ص): 25.
(5) سورة محمّد (ص): 25.
(6) سورة محمّد (ص): 26.
(7) لا توجد: يعني، في المصدر.
(8) سورة محمّد (ص): 26.
(9) سورة محمّد (ص): 26.
(10) سورة محمّد (ص): 27.
(11) في التفسير: من بعد.
(12) سورة محمّد (ص): 28.
(13) لا توجد الواو في المصدر.
(14) سورة محمّد (ص): 28.
(15) في التفسير: أي التي عملوها من الخيرات.
164
سَبِيلِ اللَّهِ (1)، قَالَ: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ (2) .. أَيْ قَطَعُوهُ (3) فِي أَهْلِ بَيْتِهِ بَعْدَ أَخْذِهِ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ لَهُ..
بيان: سَوَّلَ لَهُمْ. أي زيّن لهم (4)، وَ أَمْلى لَهُمْ. أي طوّل لهم (5) أملهم فاغترّوا به.
- قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ (6).
قال الطبرسي (قدّس سرّه) (7): المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهم بنو أميّة كرهوا ما نزّل اللّه في ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
قوله: يعني في الخمس .. لعلّهم أولا لم يوافقوهم إلّا في واحد من الأمرين، ثم وافقوهم فيهما، فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ (8) .. أي عند قبض أرواحهم.
و المشاقّة: المعاندة و المعاداة (9).
ثم اعلم أنّ ظاهر الروايات (10) أنّ الذين كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ غير بني أميّة، و هم الذين دعوا بني أميّة، و ظاهر الطبرسي (رحمه الله) أنّه فسّر الموصول ببني أميّة،
____________
(1) سورة محمّد (ص): 32.
(2) سورة محمّد (ص): 32.
(3) في المصدر: قاطعوه.
(4) كما في مجمع البحرين 5- 398، و النهاية 2- 425، و تاج العروس 7- 385.
(5) قاله في مجمع البحرين 1- 397، و في النهاية 4- 363، و جاء في لسان العرب 15- 291 مثله.
(6) سورة محمّد (ص): 26.
(7) مجمع البيان 9- 105، و جاءت الرواية مسندة في أصول الكافي 1- 421 باب 108 حديث 43، و تلاحظ بقية روايات الباب.
(8) سورة محمّد (ص): 27.
(9) قال في لسان العرب 9- 183: المشاقّة و الشقاق: غلبة العداوة و الخلاف. و قال الجوهريّ في صحاحه 4- 1503: المشاقّة: الخلاف و العداوة.
(10) في (س): الرواية.
166
عَهْداً.
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (1) قَالَ: كَانَ يَنُمُّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَهْمِزُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ (2) قَالَ: الْخَيْرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
مُعْتَدٍ (3) .. أَيْ قَالَ (4)، اعْتَدَى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (5) قَالَ: الْعُتُلُّ: عَظِيمُ الْكُفْرِ، وَ الزَّنِيمُ:
الدَّعِيُّ.
وَ قَالَ الشَّاعِرُ:
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ تَدَاعِياً* * * كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ
(6) قَوْلُهُ: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا (7) قَالَ: كَنَّى عَنِ الثَّانِي، آيَاتُنَا (8) قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (9) .. أَيْ: أَكَاذِيبُ الْأَوَّلِينَ: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (10) قَالَ: فِي الرَّجْعَةِ إِذَا رَجَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ يَرْجِعُ (11) أَعْدَاؤُهُ فَيَسِمُهُمْ بِمِيسَمٍ مَعَهُ كَمَا تُوسَمُ الْبَهَائِمُ عَلَى الْخَرَاطِيمِ الْأَنْفُ وَ الشَّفَتَانِ (12).
____________
(1) القلم: 11.
(2) القلم: 12.
(3) القلم: 12.
(4) لا توجد: قال، في المصدر، و وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل.
(5) القلم: 13.
(6) كما في تاج العروس 8- 329 في مادّة زنم، و فيه: زيادة، بدلا من: تداعيا.
(7) القلم: 15.
(8) في المصدر: عن فلان، بدلا من: عن الثّاني آياتنا. و الظّاهر أنّ: آياتنا، زائدة أو هنا سقط.
(9) القلم: 15.
(10) القلم: 16.
(11) في المصدر و نسخة على (ك): و رجع.
(12) في المصدر: على الخرطوم و الأنف و الشّفتين .. و هو الظّاهر.
165
و لعلّه أخذ من خبر آخر، و يحتمل أن يكون مراده تفسير فاعل (قالُوا) بهم، و يكون ضمير (كَرِهُوا) راجعا إلى الموصول، و يكون الغرض تفسير ما نَزَّلَ اللَّهُ
23- فس (1): فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (2) بِأَيِّكُمْ تُفْتَنُونَ ..
هَكَذَا نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بِأَيِّكُمْ بِأَبِي حَفْرٍ وَ زُفَرَ وَ غُفَلَ (3).
وَ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): لَقِيَ عُمَرُ (4) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ:
يَا عَلِيُّ! بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ فِيَّ وَ فِي صَاحِبِي فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (5).
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: أَ فَلَا أُخْبِرُكَ يَا أَبَا حَفْصٍ! (6) مَا نَزَلَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (7)؟. قَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ يَا عَلِيُّ! بَنُو أُمَيَّةَ خَيْرٌ مِنْكَ وَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ.
قَوْلُهُ (8): فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (9) قال: فِي عَلِيٍّ (عليه السلام): وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (10) .. أَيْ أَحَبُّوا أَنْ تَغُشَّ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) فَيَغُشُّونَ مَعَكَ وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (11).
قَالَ: الحَلَّافُ الثَّانِي، حَلَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ لَا يَنْكُثُ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 380- 381.
(2) القلم: 5- 6.
(3) في المصدر: بأيّكم .. أي حبتر و زفر و عليّ، و سيتعرض المصنّف- (رحمه الله)- في بيانه لبعض النّسخ.
(4) في المصدر: لقي فلان .. و لعلّها من تصرفات مخرج الكتاب.
(5) القلم: 6.
(6) في التّفسير: يا أبا فلان. و هي كسابقتها.
(7) الإسراء: 60.
(8) في المصدر: و قوله.
(9) القلم: 8.
(10) القلم: 9.
(11) القلم: 10.
167
بيان:
لعلّ التعبير بِأَبِي حَفْرٍ لمحض الوزن، أو بالخاء المعجمة لأنّه خفر الذمّة و العهد في أمير المؤمنين (عليه السلام). و في بعض النسخ: ب:
حبتر، و التعبير عن زفر ظاهر، لاشتراكهما في الوزن، و تقدير العدل (1)، و غفل كناية، و قال في القاموس (2): الغُفْل- بالضم-: من لا يرجى خيره و لا يخشى شرّه و ما لا علامة فيه من القداح ... و ما لا عمارة فيه من الأرضين ...
و من لا نصيب له و لا غرم عليه من القداح، و من لا حسب له ... و الْغَفَلُ محرّكة- الكبير (3) الرّفيع. انتهى.
و لا يخفى أنّه على بعض المعاني يحتمل أن يكون كناية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن يكون ذكره لبيان الطرف الآخر من الترديد، و يؤيّده أنّ في بعض النسخ: و عليّ، و على الاحتمال الأول يكون الطرف الآخر غير مذكور.
و المهين: الحقير الرأي.
و الهمّاز: العيّاب.
و المشّاء: نميم، النقّال للحديث على وجه السعاية، ذكرها البيضاوي (4).
و قال: عُتُلٍ: جاف غليظ .. من عتلّه إذا قاده بعنف و غلظة.
بَعْدَ ذلِكَ. أي بعد ما عدّ من مثالبه (5).
و الكراع في البقر و الغنم (6) بمنزلة الوظيف في الفرس و البعير، و هو
____________
(1) أي أن عمر و زفر على وزان واحد مع كونهما غير منصرفين بتقدير العدل و العلمية.
(2) القاموس 4- 26، و قارن ب: تاج العروس 8- 47.
(3) في المصدر: الكثير.
(4) تفسير البيضاوي 2- 494.
(5) ذكره أيضا في تفسير البيضاوي 2- 494.
(6) في المصدر: في الغنم و البقر.- بتقديم و تأخير-.
168
مستدقّ الصاق (1)، ... و الجمع أكرع ثمّ أكارع، ذكره الجوهري (2)، و كأنّه شبّه الرجال الذين يدعون هذا الزنيم بالأكارع التي تكون في أطراف النطع لعدم مجانسة الأكارع للنطع، و الأكارع قائم مقام فاعل زيد.
و قال البيضاوي (3): سَنَسِمُهُ. أي بالكيّ عَلَى الْخُرْطُومِ. أي على الأنف، و قيل: هو عبارة عن أن يذلّه غاية الإذلال.
24- فس (4): أَبُو الْعَبَّاسِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (5)، قَالَ: الْوَحِيدُ: وَلَدُ الزِّنَا، وَ هُوَ زُفَرُ، وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (6) قَالَ: أَجَلًا إِلَى مُدَّةٍ وَ بَنِينَ شُهُوداً (7) قَالَ: أَصْحَابُهُ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَا يُورَثُ وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (8) مُلْكَهُ الَّذِي مَلَكَ مَهَّدْتُ لَهُ (9) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (10) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (11) قَالَ:
لِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَاحِداً، عَانِداً لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهَا سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ (12) فَكَّرَ فِيمَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْوَلَايَةِ، وَ قَدَّرَ إِنْ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ لَا يُسَلِّمَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الْبَيْعَةَ الَّتِي بَايَعَهُ بِهَا
____________
(1) في المصدر: الساق، و هو الظاهر.
(2) الصحاح 3- 1275، و راجع: تاج العروس 5- 493.
(3) تفسير البيضاوي 2- 495.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 395.
(5) المدّثّر: 11.
(6) المدّثّر: 12.
(7) المدّثّر: 13.
(8) المدّثّر: 14.
(9) في المصدر: الّذي ملكه مهّده له.
(10) المدّثّر: 15.
(11) المدّثّر: 16.
(12) المدّثّر: 17- 18.
169
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (1) قَالَ: عَذَابٌ بَعْدَ عَذَابٍ يُعَذِّبُهُ الْقَائِمُ (عليه السلام)، ثُمَّ نَظَرَ (2) إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) فَ عَبَسَ وَ بَسَرَ (3) مِمَّا أُمِرَ بِهِ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (4) قَالَ زُفَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ سَحَرَ النَّاسَ لِعَلِيٍ (5)، إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (6) .. أَيْ لَيْسَ هُوَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. (7) ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِيهِ.
بيان: قال الطبرسي (قدّس سرّه) (8) في قوله تعالى: «وَحِيداً ... أي دعني و إيّاه فإنّي كاف في عقابه .. و قد خلقته متوحّدا بخلقه، أو حال عن المخلوق .. أي من (9) خلقته في بطن أمّه لا مال له و لا ولد. و (10) قال مقاتل معناه: خلّ بيني و بينه فإنّي أنفرد (11) بهلكته، و قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة (12) يسمّى الوحيد في قومه.
وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُ (13)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ، عَنْ (14) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ،
____________
(1) المدّثّر: 19- 20.
(2) المدّثّر: 21.
(3) المدّثّر: 22.
(4) المدّثّر: 23- 24.
(5) في المصدر: بعليّ.
(6) المدّثّر: 25.
(7) المدّثّر: 26.
(8) في مجمع البيان 10- 387.
(9) في المصدر: و إن حملته على صفة المخلوق، فمعناه دعني و من ..
(10) لا توجد الواو في المصدر.
(11) في المصدر: فأنا أفرد.
(12) لا توجد: ابن المغيرة، في المصدر.
(13) في تفسيره، و هذا القسم من التّفسير لم يطبع، و يقال إنّه لم يظفر به.
(14) في مجمع البيان: (و) بدلا من: (عن).
170
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام) (1) أَنَّ الْوَحِيدَ وَلَدُ الزِّنَا،.
قَالَ زُرَارَةُ ذُكِرَ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ أَحَدِ بَنِي هَاشِمٍ (2) أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَنَا ابْنُ الْوَحِيدِ. فَقَالَ: وَيْلَهُ! لَوْ عَلِمَ مَا الْوَحِيدُ مَا فَخَرَ بِهَا. فَقُلْنَا لَهُ: وَ مَا هُوَ؟ قَالَ: مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ..
و قال (رحمه الله) (3): سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (4) .. أي سأكلّفه مشقّة من العذاب لا راحة فيه، و قيل: صعودا جبل في جهنم من نار .. فَقُتِلَ (5) .. أي لعن و عذّب .. ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ (6) .. أي كلح و كرّه وجهه و نظر بكراهة شديدة كالمُهْتَمِّ المتفكِّر في الشيء، ثُمَّ أَدْبَرَ عن الإيمان وَ اسْتَكْبَرَ (7) حين دعي (8) إليه .. إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (9) .. أي يروى عن السحرة، أو (10) هو من الإيثار .. أي تؤثره النفوس و تختاره .. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (11) أي سأدخله جهنم و ألزمه إيّاها، و قيل: سقر (12) دركة من دركات جهنم، و قيل: باب من أبوابها.
انتهى.
و تأويل المال و البنين بما ذكر (عليه السلام) على المجاز، و بابه واسع.
____________
(1) في المصدر: بتقديم أبي عبد اللّه على أبي جعفر (عليهما السلام).
(2) في التّفسير: بني هشام.
(3) مجمع البيان 10- 388.
(4) المدّثّر: 17.
(5) المدّثّر: 19.
(6) المدّثّر: 22.
(7) المدّثّر: 23.
(8) في المصدر كتب: دعا- بالألف-.
(9) المدّثّر: 24.
(10) في مجمع البيان: و قيل: بدلا من: أو.
(11) المدّثّر: 26.
(12) لا توجد: سقر، في (س).
171
25- فس (1): فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (2) قَالَ: هُوَ الثَّانِي (3).
26- فس (4): إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ (5): قَالَ: الْعَدْلُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ الْإِحْسَانُ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ الْفَحْشَاءُ وَ الْمُنْكَرُ وَ الْبَغْيُ (6)، فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ.
27- فس (7): فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا (8) قَالَ: لَا تَكُونُ الْخِلَافَةُ فِي آلِ فُلَانٍ وَ لَا آلِ فُلَانٍ وَ لَا آلِ فُلَانٍ وَ لَا آلِ طَلْحَةَ وَ لَا آلِ الزُّبَيْرِ (9).
28- فس (10): مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ (11) يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ (12) الْأَوَّلُ وَ الثَّانِيُ وَ الثَّالِثُ (13).
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 421.
(2) الفجر: 25 و 26.
(3) في المصدر: هو فلان.
(4) تفسير عليّ بن إبراهيم 1- 388.
(5) النّحل: 90.
(6) لا توجد: و البغي، في (س).
(7) تفسير القمّيّ 2- 129.
(8) النّمل: 52.
(9) في المصدر: و لا طلحة و لا الزّبير.
(10) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 319.
(11) الحجرات: 7.
(12) الحجرات: 7.
(13) في المصدر: فلان و فلان و فلان.
172
بيان: تفسير الإيمان بأمير المؤمنين (عليه السلام) لكون ولايته من أصوله و كماله فيه، و كونه مروّجه و مؤسّسه و مبيّنه غير بعيد، و كذا التعبير عن الثلاثة ب: الثلاث لكونهم أصلها و منشأها و منبتها و كمالها فيهم، و كونهم سببا لصدورها عن الناس إلى يوم القيامة، لعنة اللّه عليهم و على أشياعهم- غير غريب، و سيأتي مزيد توضيح لذلك في مواضعه.
29- فس (1): أَبِي (2)، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ (3)- قَالَ:
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) وَ عُثْمَانَ (4)، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي حَدِيقَةٍ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه): تَرْضَى (5) بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِعُثْمَانَ (6): لَا تُحَاكِمْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ عَلَيْكَ!! وَ لَكِنْ حَاكِمْهُ إِلَى ابْنِ شَيْبَةَ (7)الْيَهُودِيِّ. فَقَالَ عُثْمَانُ (8) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَا أَرْضَى إِلَّا بِابْنِ شَيْبَةَ الْيَهُودِيِّ. فَقَالَ ابْنُ شَيْبَةَ لِعُثْمَانَ (9): تَأْتَمِنُونَ مُحَمَّداً عَلَى وَحْيِ السَّمَاءِ وَ تَتَّهِمُونَهُ فِي الْأَحْكَامِ؟!. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 107.
(2) وضع على كلمة: أبي، رمز نسخة في (ك).
(3) النّور: 48.
(4) وضع على: عثمان، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل. و حذفها من المصدر المطبوع.
(5) في المصدر: نرضى.
(6) في التّفسير: له، بدلا من: لعثمان. و لا توجد: لعثمان في (س).
(7) في المصدر: ابن أبي شيبة.
(8) وضع على: عثمان، في المطبوع من البحار رمز نسخة بدل. و حذفها من المصدر المطبوع.
(9) في التّفسير: له، بدلا من: لعثمان.
173
بَيْنَهُمْ ... إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (1).
30- فس (2): يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا (3) نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ (4) يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ يَحْفِرُ (5) الْخَنْدَقَ- وَ قَدِ ارْتَفَعَ الْغُبَارُ مِنَ الْحَفْرِ فَوَضَعَ عُثْمَانُ (6) كُمَّهُ عَلَى أَنْفِهِ وَ مَرَّ، فَقَالَ عَمَّارٌ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ (7)الْمَسَاجِدَا* * * يَظَلُ (8) فِيهَا رَاكِعاً وَ سَاجِداً
كَمَنْ يَمُرُّ بِالْغُبَارِ حَائِداً* * * يُعْرِضُ عَنْهُ جَاحِداً مُعَانِداً
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ (9) فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ! إِيَّايَ تَعْنِي، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لَهُ: لَمْ نَدْخُلْ مَعَكَ فِي الْإِسْلَامِ (10) لِتُسَبَّ أَعْرَاضُنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): قَدْ أَقَلْتُكَ إِسْلَامَكَ فَاذْهَبْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (11) .. أَيْ لَيْسَ هُمْ صَادِقِينَ (12) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13)..
____________
(1) النّور: 48- 50.
(2) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 322.
(3) الحجرات: 17.
(4) جاء في مطبوع البحار و المصدر: عثكن، و ذكرت في (ك) نسخة بدل: عثمان، و في (س) نسخة:
عثكوا.
(5) في التّفسير: و هو يحفر.
(6) لا توجد كلمة: عثمان في المصدر، و توجد نسختان على مطبوع البحار: عثكوا، عثكن.
(7) في المصدر: يبني، و هي نسخة بدل في مطبوع البحار.
(8) في التّفسير: فيصلّي، و يوجد نسخة على (ك): و هو يظلّ راكعا و ساجدا.
(9) جاء في المطبوع من المصدر و البحار: عثكن، و ذكر نسخة بدل: عثكو، في مطبوع البحار.
(10) لا توجد: في الإسلام، في (س) و لا في المصدر.
(11) الحجرات: 17.
(12) في المصدر: أي لستم صادقين.
(13) الحجرات: 18.
174
31- فس (1): عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ (3) وَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَ كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مُؤَذِّنَ رَسُولِ (4) اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَانَ أَعْمَى، وَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ وَ عُثْمَانُ (5) عِنْدَهُ، فَقَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى عُثْمَانَ، فَعَبَسَ عُثْمَانُ وَجْهَهُ (6) وَ تَوَلَّى عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: عَبَسَ وَ تَوَلَّى يَعْنِي عُثْمَانَ (7) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (8) .. أَيْ يَكُونُ طَاهِراً أَزْكَى (9) أَوْ يَذَّكَّرُ، قَالَ: يُذَكِّرُهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (10) ثُمَّ خَاطَبَ عُثْمَانَ (11) فَقَالَ: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (12) قَالَ: أَنْتَ إِذَا جَاءَكَ غَنِيٌّ تَصَدَّى لَهُ (13) وَ تَرْفَعُهُ:
وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (14) .. أَيْ لَا تُبَالِي زَكِيّاً كَانَ أَوْ غَيْرَ زَكِيٍّ إِذَا كَانَ غَنِيّاً وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (15) يَعْنِي (16) ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَ هُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 404- 405.
(2) عبس: 1- 2.
(3) في مطبوع المصدر: عثكن.
(4) في التّفسير: لرسول ..
(5) في مطبوع المصدر: عثكن.
(6) في المصدر: عليه فعبس وجهه- أي لا توجد كلمتا: عثمان-.
(7) في مطبوع المصدر: عثكن.
(8) عبس: 2- 3.
(9) في (س): ظاهرا الزّكي.
(10) عبس: 4. و لا توجد الآية في المصدر.
(11) في المطبوع من المصدر: عثكن.
(12) عبس: 5- 6.
(13) في التّفسير: تتصدّى له، بلا حذف للتاء الأولى.
(14) عبس: 7.
(15) عبس: 8.
(16) لا توجد: يعني، في (س).
175
تَلَهَّى (1) .. أَيْ تَلْهُو وَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ..
بيان: قال السيّد رضي اللّه عنه في كتاب تنزيه الأنبياء (2) في سياق تأويل تلك الآيات:
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَلَمَّا رَآهُ تَقَذَّرَ مِنْهُ وَ جَمَعَ نَفْسَهُ وَ عَبَسَ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْهُ، فَحَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ وَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ.
، و قد مرّ الكلام فيها.
32- بَ (3): مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ (4) ... قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَأَخْرَجَ إِلَيَّ مُصْحَفاً، قَالَ: فَتَصَحَّفْتُهُ (5) فَوَقَعَ (6) بَصَرِي عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمَا بِهَا تُكَذِّبَانِ فَاصْلَيَا فِيهَا لَا تَمُوتَانِ فِيهَا وَ لَا تَحْيَيَانِ .. يَعْنِي الْأَوَّلَيْنِ.
33- فس (7): وَ قَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمَا بِهَا تُكَذِّبَانِ، تَصْلَيَانِهَا لَا تَمُوتَانِ (8) فِيهَا وَ لَا تَحْيَيَانِ، يَعْنِي الْأَوَّلَيْنِ (9).
وَ قَوْلُهُ: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (10) قَالَ: لَهُمَا (11) أَنِينٌ فِي شِدَّةِ (12)
____________
(1) عبس: 9- 10.
(2) تنزيه الأنبياء: 118- 119، و لم نجد نصّ الكلام هناك.
(3) قرب الإسناد: 9.
(4) في المصدر زيادة: في سنة ثمان و تسعين و مائة في المسجد الحرام.
(5) في (س): فتصحفه، و هي نسخة في المصدر.
(6) في المصدر: فوضع.
(7) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 345. و لا توجد هذه الرّواية في (س).
(8) في المصدر: و لا تموتان.
(9) في التفسير: يعني زريق و حبتر.
(10) الرحمن: 44.
(11) في المصدر: لها.
(12) كذا، و الظاهر: من شدة .. كما في المصدر.
176
حَرِّهَا.
34- ل (1): ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنِ (2) ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَسَبْعَةُ (3) نَفَرٍ، أَوَّلُهُمُ ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَ نُمْرُودُ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَ اثْنَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ (4) هَوَّدَا قَوْمَهُمْ وَ نَصَّرَاهُمْ، وَ فِرْعَوْنُ الَّذِي قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، وَ اثْنَانِ فِي (5) هَذِهِ الْأُمَّةِ.
35- فس (6): وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ (7) فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:: نَزَلَتْ فِي القرآن زُعْلَانَ (8) تَابَ حَيْثُ لَمْ تَنْفَعْهُ التَّوْبَةُ وَ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ.
بيان: زُعْلَانُ: كناية، كما قد يعبّر عنه بفعلان.
36- بَ (9) السِّنْدِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تُدْعَى: حَسْرَةَ تَغْشَى آلَ مُحَمَّدٍ وَ تَحِنُّ، وَ إِنَّ زُفَرَ وَ حَبْتَرَ لَقِيَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالا: أَيْنَ تَذْهَبِينَ يَا حَسْرَةُ؟. فَقَالَتْ: أَذْهَبُ إِلَى آلِ
____________
(1) الخصال 2- 346 باب السّبعة حديث 15، بتفصيل في السّند.
(2) في (س): و عن.
(3) في المصدر: سبعة.
(4) في الخصال: من بني إسرائيل.
(5) في المصدر: من، بدلا من: في.
(6) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 1- 133.
(7) النّساء: 18.
(8) كذا، و الظّاهر: نزلت هذه الآية في زعلان، و جاء في المصدر: نزل في القرآن أنّ زعلون.
(9) قرب الإسناد: 29.
177
مُحَمَّدٍ فَأَقْضِي مِنْ حَقِّهِمْ وَ أُحْدِثُ بِهِمْ عَهْداً، فَقَالا: وَيْلَكِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَانْصَرَفَتْ حَسْرَةُ وَ لَبِثَتْ (1) أَيَّاماً، ثُمَّ جَاءَتْ، فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ- زَوْجَةُ (2) النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)-: مَا أَبْطَأَ بِكِ عَنَّا (3) يَا حَسْرَةُ؟!. فَقَالَتِ: اسْتَقْبَلَنِي زُفَرُ وَ حَبْتَرٌ فَقَالا: أَيْنَ تَذْهَبِينَ يَا حَسْرَةُ؟! فَقُلْتُ: أَذْهَبُ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ فَأَقْضِي مِنْ حَقِّهِمُ الْوَاجِبَ. فَقَالا: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِ (4) (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَتْ: أُمُّ سَلَمَةَ:
كَذِبَا، لَعَنَهُمَا اللَّهُ (5)، لَا يَزَالُ حَقُّهُمْ واجب [وَاجِباً (6) عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
37- مَا (7): الْفَحَّامُ، عَنِ الْمَنْصُورِيِّ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنِ الْبَاقِرِ (عليهم السلام)، عَنْ جَابِرٍ.
وَ أَيْضاً: الْفَحَّامُ، عَنْ عَمِّهِ عُمَيْرِ بْنِ يَحْيَى (8)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنِ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- أَنَا مِنْ جَانِبٍ وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) مِنْ جَانِبٍ- إِذْ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ مَعَهُ رَجُلٌ قَدْ تَلَبَّبَ بِهِ، فَقَالَ: مَا بَالُهُ؟. قَالَ: حَكَى عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) أَنَّكَ قُلْتَ: مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَ هَذَا إِذَا سَمِعَتْهُ (9) النَّاسُ فَرَّطُوا فِي الْأَعْمَالِ، أَ فَأَنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟. قَالَ: نَعَمْ، إِذَا
____________
(1) في المصدر: فلبثت.
(2) في (س): زوج.
(3) في قرب الإسناد: علينا، بدلا من: عنّا.
(4) في (س): رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ..، بدلا من: النّبيّ (ص).
(5) جاء: لعنة اللّه، في (س).
(6) كذا، و الظّاهر: واجبا، بالنّصب لأنّه خبر لا يزال.
(7) أمالي الشّيخ الطّوسيّ 1- 288، و قد جاء الإسناد الأوّل في صفحة: 287 مع اختصار.
(8) في الأمالي: عمر بن يحيى.
(9) في المصدر: سمعه.
178
تَمَسَّكَ بِمَحَبَّةِ هَذَا وَ وَلَايَتِهِ.
38- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ (2) جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام): خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ عِنْدِ عُثْمَانَ فَلَقِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ! بِتْنَا (3) اللَّيْلَةَ فِي أَمْرٍ نَرْجُو أَنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): لَنْ يَخْفَى عَلَيَّ مَا بَيَّتُّمْ فِيهِ، حَرَّفْتُمْ وَ غَيَّرْتُمْ وَ بَدَّلْتُمْ تِسْعَمِائَةِ حَرْفٍ، ثَلَاثَمِائَةٍ حَرَّفْتُمْ، وَ ثَلَاثَمِائَةٍ غَيَّرْتُمْ، وَ ثَلَاثَمِائَةٍ بَدَّلْتُمْ:
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (4) .. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ..
أقول::
سيأتي في باب حجّ التمتّع (5) إنكار عمر للنصّ، و قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) له: إنّك لن تؤمن بهذا أبدا .. في أخبار كثيرة، و كذا سيأتي في باب (المقام) (6) نقل عمر المقام عن الموضع الذي نقله إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى موضع الجاهليّة خلافا للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
39- مَعَ (7): مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الزَّنْجَانِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ رَفَعَهُ (8) إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أَتَى عُمَرُ رَسُولَ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 1- 47- 48، و انظر: تفسير البرهان 1- 119.
(2) لا توجد: قال، في (س).
(3) في المصدر: بيتنا.
(4) البقرة: 79.
(5) ستأتي في بحار الأنوار، باب مثالب عمر .. الطعن الرابع، مصادر هذه القصّة مفصّلا، و لم يتعرّض لها طاب ثراه في حجّ التمتّع، و لعلّ العبارة كانت هكذا: و سيأتي في باب مثالب عمر في إنكار حجّ التمتّع ..
(6) سيأتي قريبا في: باب مثالب عمر ضمن الطعن الثالث عشر، و لم يتعرّض له (رحمه الله) في باب الحجّ، و لعلّ العبارة- كالسالفة- فيها نوع خلل أو سقط.
(7) معاني الأخبار 2- 269 باب معنى المحاقلة و المذابنة .. [2- 282 باب 317].
(8) جاء الإسناد في المعاني 2- 263، و فيه هنا: القاسم بن سلّام بأسانيد متّصلة إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما ذكر هنا جاء في أواخر الحديث.
.
179
اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا، فَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟. فَقَالَ: أَ مُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ (1) كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى؟! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً مَا (2) وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي..
قوله: متهوّكون .. أي متحيّرون، يقول: أ متحيّرون أنتم في الإسلام لا تعرفون دينكم حتّى تأخذوه من اليهود و النصارى؟ و معناه أنّه كره أخذ العلم من أهل الكتاب، و أمّا قوله: لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة .. فإنّه أراد الملّة الحنيفيّة، فلذلك جاء التأنيث كقول اللّه عزّ و جلّ: وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (3) إنّما هي الملّة الحنيفيّة.
بيان:
روى هذا الخبر ابن الأثير في النهاية، ثم قال: التّهوّك: كالتّهوّر، و هو الوقوع في الأمر بغير رويّة، و المتهوّك: الّذي يقع في كلّ أمر، و قيل: هو المتحيّر (4).
ثم قال
- وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ عُمَرَ أَتَاهُ بِصَحِيفَةٍ أَخَذَهَا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَ مُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! (5)
. 40- مَعَ (6): الْمُكَتِّبُ، عَنِ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِذَا ظَلَمَتِ الْعُيُونُ الْعَيْنَ كَانَ قَتْلُ الْعَيْنِ عَلَى يَدِ الرَّابِعِ مِنَ الْعُيُونِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْخَاذِلُ لَهُ لَعْنَةُ اللَّهِ
____________
(1) لا توجد: أنتم، في المصدر.
(2) في (س) نسخة بدل: لما.
(3) البيّنة: 5.
(4) في المصدر: هو التحيّر.
(5) النّهاية 5- 282، و قارن به لسان العرب 10- 508، و الصّحاح 4- 1617، و تاج العروس 7- 197، و مجمع البحرين 5- 299، و هذا الخبر أشاروا كلّهم إليه.
(6) معاني الأخبار 2- 387 باب 429 حديث 22، بتفصيل في الإسناد.
180
وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْعَيْنُ وَ الْعُيُونُ؟. فَقَالَ: أَمَّا الْعَيْنُ، فَأَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ أَمَّا الْعُيُونُ فَأَعْدَاؤُهُ، رَابِعُهُمْ قَاتِلُهُ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً..
تنبيه:
المراد بالعيون، من ابتداء اسمه العين، و الرابع القاتل عبد الرحمن بن ملجم لعنهم اللّه.
41- مَعَ (1): ابْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَسَدِيِّ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي، عَنْ آبَائِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهم السلام)، قَالَ: (2) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ، وَ إِنَّ عُمَرَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْبَصَرِ، وَ إِنَّ عُثْمَانَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْفُؤَادِ. قَالَ (3): فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَخَلْتُ إِلَيْهِ وَ عِنْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ (4)! سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِي أَصْحَابِكَ هَؤُلَاءِ قَوْلًا، فَمَا هُوَ؟. فَقَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ:
نَعَمْ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هُمُ السَّمْعُ وَ الْبَصَرُ وَ الْفُؤَادُ، وَ سَيُسْأَلُوَن عَنْ وَلَايَةِ وَصِيِّي هَذَا- وَ أَشَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)-، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى (5) يَقُولُ: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (6)، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: وَ عَزَّةِ رَبِّي إِنَّ جَمِيعَ أُمَّتِي لَمَوْقُوفُونَ يَوْمَ
____________
(1) معاني الأخبار 2- 367- 368 [2- 387 باب 429 حديث 23].
(2) جاء الإسناد في المصدر هكذا: حدّثنا أبو القاسم عليّ بن أحمد بن موسى بن عمران الدّقّاق، قال:
حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفيّ، قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدميّ، عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، قال: حدّثني سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، قال ..
(3) وضع على: قال، في (ك) رمز نسخة بدل.
(4) في (س): يا أبته.
(5) في المصدر: إنّ اللّه عزّ و جلّ ..
(6) الإسراء: 36.
181
الْقِيَامَةِ وَ مَسْئُولُونَ عَنْ وَلَايَتِهِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (1)..
بيان: لعلّ التعبير عنهم بتلك الأسماء التي تدلّ على الاختصاص و الامتياز على التهكم، أو على زعم قوم يحسبونهم كذلك، أو للاختصاص (2) الظاهري مع قطع النظر عن النفاق الباطني.
42- مَعَ (3): ابْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَسَدِيِّ، عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ (4)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ وَلَدَ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ، مَا مَعْنَاهُ؟. قَالَ: عَنَى بِهِ الْأَوْسَطَ، أَنَّهُ شَرٌّ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ وَ مِمَّنْ تَلَاهُ..
43- يَرَ (5): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ (6)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِأَبِي بَكْرٍ: نَسِيتَ تَسْلِيمَكَ لِعَلِيٍ (7) بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ؟.
فَقَالَ لَهُ (8): قَدْ كَانَ ذَاكَ.
فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَ تَرْضَى بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) الصّافّات: 24.
(2) في (ك): الاختصاص.
(3) معاني الأخبار 2- 392- 393 [2- 412 باب 429 حديث 103].
(4) جاء الإسناد في المصدر هكذا: حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي اللّه عنه، قال: حدّثنا محمّد ابن أبي عبد اللّه الكوفيّ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن عمّه الحسين بن يزيد النّوفليّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير.
(5) بصائر الدّرجات، الجزء السّادس 297- 298، حديث 11، و انظر بقيّة روايات الباب.
(6) في المصدر: عبد اللّه بن سنان.
(7) في نسخة على مطبوع البحار: لي، بدلا من: لعليّ، و يحتمل: عليّ.
(8) وضع في (ك) على: له، رمز نسخة بدل.
182
بَيْنِي وَ بَيْنَكَ؟. قَالَ: وَ أَيْنَ هُوَ؟. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا، فَدَخَلَا، فَوَجَدَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَلِّي، فَجَلَسَا حَتَّى فَرَغَ.
فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ سَلِّمْ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) مَا تَوَكَّدْتَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ.
قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا.
فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَنْ جُدِعَ (1) أَنْفُهُ. قَالَ لَهُ عُمَرُ- وَ خَلَا بِهِ-: وَ مَا دَعَاكَ (2) إِلَى هَذَا (3)؟. قَالَ: إِنَّ عَلِيّاً ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَمَرَنِي أَنْ أُسَلِّمَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ.
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ مَا تَعْرِفُ سِحْرَ بَنِي هَاشِمٍ!.
بيان: قوله (عليه السلام): من جدع أنفه (4)- على بناء المجهول- .. أي من أذلّ و قهر على غصب الخلافة منه، يعني نفسه (عليه السلام).
أقول:
قد مرّ كثير من تلك الأخبار في الأبواب السابقة (5).
44- ج (6): سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: بُلِيتُ بِأَشَدِّ النَّوَاصِبِ مُنَازَعَةً، فَقَالَ لِي يَوْماً- بَعْدَ مَا نَاظَرْتُهُ-: تَبّاً لَكَ وَ لِأَصْحَابِكَ، أَنْتُمْ مَعَاشِرَ الرَّوَافِضِ تَقْصِدُونَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ بِالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ وَ الْجُحُودِ (7) لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَهُمْ، فَالصِّدِّيقُ هُوَ فَوْقَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ سَبْقِ الْإِسْلَامِ،
____________
(1) في المصدر: من جذع- بالذال المعجمة-.
(2) نسخة في (ك): دعا به.
(3) هذا، لا توجد في (س).
(4) قال في الصحاح 3- 1193: الجدع: قطع الأنف، و مثله في تاج العروس 5- 295.
(5) بحار الأنوار 28- 58- 174، الباب الثالث و 175 إلى آخر المجلد، و الباب الرابع و غيره.
(6) الاحتجاج 2- 268- 275 طبعة النّجف [2- 461- 465] تحت عنوان احتجاج الحجّة القائم المنتظر المهديّ صاحب الزّمان (صلوات الله عليه و على آبائه الطّاهرين).
(7) في المصدر: و بالجحود.
183
أَ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِنَّمَا (1) ذَهَبَ بِهِ لَيْلَةَ الْغَارِ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ كَمَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَ لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ الْخَلِيفَةَ فِي أُمَّتِهِ أَرَادَ (2) أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ كَمَا يَصُونُ (عليه السلام) خَاصَّةَ نَفْسِهِ، كَيْلَا يَخْتَلَّ حَالُ الدِّينِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ يَكُونَ الْإِسْلَامُ مُنْتَظِماً، وَ قَدْ أَقَامَ عَلِيّاً عَلَى فِرَاشِهِ لِمَا كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ لَا يَخْتَلُّ الْإِسْلَامُ بِقَتْلِهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لَا جَرَمَ لَمْ يُبَالِ مِنْ قَتْلِهِ.
قَالَ سَعْدٌ: إِنِّي قَدْ (3) قُلْتُ عَلَى ذَلِكَ أَجْوِبَةً لَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْكِتَةٍ (4).
ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ الرَّوَافِضِ تَقُولُونَ: إِنَّ الْأَوَّلَ وَ الثَّانِيَ كَانَا يُنَافِقَانِ، وَ تَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِلَيْلَةِ الْعَقَبَةِ؟ ثُمَّ قَالَ لِي (5): أَخْبِرْنِي عَنْ إِسْلَامِهِمَا كَانَ عَنْ طَوْعٍ (6) وَ رَغْبَةٍ أَوْ كَانَ عَنْ إِكْرَاهٍ وَ إِجْبَارٍ؟. فَاحْتَرَزْتُ عَنْ جَوَابِ ذَلِكَ وَ قُلْتُ مَعَ نَفْسِي إِنْ كُنْتُ أُجِيبُهُ (7) بِأَنَّهُ كَانَ عَنْ طَوْعٍ فَيَقُولُ: لَا يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِيمَانُهُمَا عَنْ نِفَاقٍ، وَ إِنْ قُلْتُ كَانَ عَلَى إِكْرَاهٍ وَ إِجْبَارٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْإِسْلَامِ قُوَّةٌ حَتَّى يَكُونَ إِسْلَامُهُمَا بِإِكْرَاهٍ وَ قَهْرٍ، فَرَجَعْتُ عَنْ هَذَا الْخَصْمِ عَلَى حَالٍ يُقْطَعُ (8) كَبِدِي، فَأَخَذْتُ طُومَاراً وَ كَتَبْتُ بِضْعاً وَ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مِنَ الْمَسَائِلِ (9) الْغَامِضَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَابُهَا، وَ قُلْتُ (10): أَدْفَعُهَا إِلَى صَاحِبِ مَوْلَايَ أَبِي مُحَمَّدٍ (11) الْحَسَنِ
____________
(1) لا توجد: إنّما، في (س).
(2) في المصدر: و أراد، و لا توجد في (س).
(3) لا توجد: قد، في الاحتجاج.
(4) في (ك): مسكنة.
(5) لا توجد: لي، في (س).
(6) في المصدر: من طوع.
(7) في الاحتجاج: أجبته.
(8) في المصدر: ينقطع. و نسخة في مطبوع البحار: تقطع.
(9) في (ك): عن المسائل.
(10) في الاحتجاج: فقلت.
(11) جاء في (س): ابن محمّد .. و هو غلط.
184
بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) الَّذِي كَانَ فِي قُمَّ، أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، فَلَمَّا طَلَبْتُهُ كَانَ هُوَ قَدْ ذَهَبَ، فَمَشَيْتُ عَلَى أَثَرِهِ فَأَدْرَكْتُهُ، وَ قُلْتُ الْحَالَ مَعَهُ، فَقَالَ لِي: تَجِيءُ (1) مَعِي إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى حَتَّى تَسْأَلَ (2) عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْلَانَا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، ثُمَّ جِئْنَا إِلَى بَابِ دَارِ مَوْلَانَا (عليه السلام)، فَاسْتَأْذَنَّا بِالدُّخُولِ (3) عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا، فَدَخَلْنَا الدَّارَ وَ كَانَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ جِرَابٌ قَدْ سَتَرَهُ بِكِسَاءٍ طَبَرِيٍّ، وَ كَانَ فِيهِ مِائَةٌ وَ سِتُّونَ صُرَّةً مِنَ الذَّهَبِ وَ الْوَرِقِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَاتَمُ صَاحِبِهِا الَّذِي دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَ لَمَّا دَخَلْنَا وَ وَقَعَ أَعْيُنُنَا عَلَى وَجْهِ (4) أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) كَانَ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَ قَدْ رَأَيْنَا عَلَى فَخِذِهِ غُلَاماً يُشْبِهُ الْمُشْتَرِيَ فِي الْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ ... (5).
فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَقَالَ: سَلْ (6) قُرَّةَ عَيْنِي- وَ أَوْمَأَ إِلَى الْغُلَامِ- عَمَّا بَدَا لَكَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَنِي .. (7) ثُمَّ قَالَ مُبْتَدِئاً: يَا سَعْدُ (8)! إِنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ هُوَ خَصْمُكَ- ذَهَبَ بِمُخْتَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ نَفْسِهِ إِلَى الْغَارِ، فَإِنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ كَمَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِ الِاخْتِفَاءِ أَنْ يَذْهَبَ بِغَيْرِهِ مَعَهُ، وَ إِنَّمَا أَنَامَ (9) عَلِيّاً
____________
(1) في المصدر: جئ.
(2) في المصدر: نسأل.
(3) لا توجد: بالدّخول، في المصدر.
(4) لا توجد: وجه، في المصدر.
(5) هنا زيادة مفصّلة أسقطها المصنّف هنا لعدم ارتباطها بما نحن فيه، و ذكرها بتمامها في أبواب من رأى القائم (عليه السلام).
(6) هذا نقل بالمعنى للنّصّ، و هو: قال: المسائل الّتي أردت أن تسأل عنها. قلت: على حالها يا مولاي. قال: سل ..
(7) هنا حذف كلام لعدم ارتباطه بالمقام ..
(8) في الاحتجاج: ثمّ قال مولانا (عليه السلام): يا سعد ..
(9) في المصدر: أقام، بدلا من: أنام.
185
(عليه السلام) عَلَى مَبِيتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ قُتِلَ لَا يَكُونَ مِنَ الْخَلَلِ بِقَتْلِهِ مَا يَكُونُ بِقَتْلِ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِعَلِيٍّ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْأُمُورِ، أَ لَمْ تَنْقُضْ (1) عَلَيْهِ بِقَوْلِكَ:
أَ وَ لَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً؟! وَ صَيَّرَهَا مَوْقُوفَةً عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ (2) الْأَرْبَعَةِ، أَبِي بَكْرٍ، وَ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ، وَ عَلِيٍّ ..
فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِكُمْ خُلَفَاءَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فَإِنَّ خَصْمَكَ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ قَوْلِهِ: بَلَى. ثُمَّ قُلْتَ: (3): فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمَّا (4) كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ خُلَفَاءَ أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ؟ فَلِمَ ذَهَبَ بِخَلِيفَةٍ وَحْدَهُ (5)- وَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ- إِلَى الْغَارِ وَ لَمْ يَذْهَبْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يَكُونُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مُسْتَخِفّاً بِهِمْ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ (6) مَا فَعَلَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ يَكُونُ مُتَهَاوِناً بِحُقُوقِهِمْ، وَ تَارِكاً لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ (7) جَمِيعاً عَلَى تَرْتِيبِ خِلَافَتِهِمْ مَا فَعَلَ بِأَبِي بَكْرٍ.
وَ أَمَّا مَا قَالَ لَكَ الْخَصْمُ: بِأَنَّهُمَا أَسْلَمَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لِمَ (8) لَمْ تَقُلْ بَلْ إِنَّهُمَا أَسْلَمَا طَمَعاً، وَ ذَلِكَ أَنَّهُمَا يُخَالِطَانِ مَعَ الْيَهُودِ وَ يُخْبَرَانِ (9) بِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْعَرَبِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ (10) وَ مَلَاحِمِ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ آلِهِ
____________
(1) في الاحتجاج: لم لا تنقض ..
(2) في المصدر: هؤلاء، بدل: هذه.
(3) في الاحتجاج: قلت له ..
(4) في المصدر: فكما.
(5) في الاحتجاج: واحد ..، و هو الظّاهر.
(6) في المصدر زيادة: بهم.
(7) من قوله: ما فعل بأبي بكر .. إلى أن يفعل بهم، لا يوجد في (ك)، و هو سطر واحد سقط من النّاسخ و جاء في المصدر.
(8) لا توجد: لم، في (س).
(9) توجد نسخة في (ك): يخبرون.
(10) في المصدر: و الكتب المقدّسة.
186
السَّلَامُ، وَ يَقُولُونَ لَهُمَا: يَكُونُ اسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الْعَرَبِ كَاسْتِيلَاءِ بُخْتَنَصَّرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا أَنَّهُ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَ لَا يَكُونُ مِنَ النُّبُوَّةِ فِي شَيْءٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَسَاعَدَا (1) مَعَهُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) طَمَعاً أَنْ يَجِدَا مِنْ جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَلَايَةَ بَلَدٍ (2) إِذَا انْتَظَمَ أَمْرُهُ وَ حَسُنَ حَالُهُ (3)، وَ اسْتَقَامَتْ وَلَايَتُهُ، فَلَمَّا أَيِسَا مِنْ ذَلِكَ وَافَقَا (4) مَعَ أَمْثَالِهِمَا لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَ تَلَثَّمَا مِثْلَ مَنْ تَلَثَّمَ مِنْهُمْ، وَ نَفَرُوا (5) بِدَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِتُسْقِطَهُ وَ يَسِيرَ (6) هَالِكاً بِسُقُوطِهِ بَعْدَ أَنْ صَعِدَا الْعَقَبَةَ فِيمَنْ صَعِدَ، فَحَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مِنْ كَيْدِهِمْ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئاً، وَ كَانَ حَالُهُمَا كَحَالِ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرِ إِذْ جَاءَا عَلِيّاً (عليه السلام) وَ بَايَعَا طَمَعاً أَنْ يَكُونَ (7) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَايَةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ (8) وَ أَيِسَا مِنَ الْوَلَايَةِ نَكَثَا بَيْعَتَهُ وَ خَرَجَا عَلَيْهِ حَتَّى آلَ أَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى مَا يَئُولُ أَمْرُ مَنْ يَنْكُثُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ.
أقول::
سيأتي الخبر بتمامه في أبواب من رأى القائم (عليه السلام) (9).
45- فس (10): أَبِي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ (11)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ
____________
(1) في (س): لتساعدا، و في المصدر: فساعدا.
(2) في الاحتجاج: من جهة ولاية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ولاية بلد ..
(3) في المصدر: و حسن باله.
(4) هناك نسخة في (س): واقفا.
(5) في المصدر: فنفروا.
(6) في الاحتجاج: و يصير، و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: و بايعاه طمعا أن تكون ..
(8) في الاحتجاج: لم يكن ذلك ..
(9) بحار الأنوار 52- 78- 90 باب 12.
(10) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 63- 64.
(11) في المصدر: عن الحسن بن محبوب بن سعيد.
187
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَّا وَ فِي وَقْتِهِ شَيْطَانَانِ يُؤْذِيَانِهِ وَ يَفْتِنَانِهِ وَ يُضِلَّانِ النَّاسَ بَعْدَهُ (1)، فَأَمَّا الْخَمْسَةُ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، نُوحٌ، وَ إِبْرَاهِيمُ، وَ مُوسَى، وَ عِيسَى، وَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ (2)، وَ أَمَّا صَاحِبَا نُوحٍ، فقيطيفوس (3) وَ خرام، وَ أَمَّا صَاحِبَا إِبْرَاهِيمَ، فمكيل (4) وَ رذام (5)، وَ أَمَّا صَاحِبَا مُوسَى، فَالسَّامِرِيُّ وَ مرعقيبا، وَ أَمَّا صَاحِبَا عِيسَى، فمولس (6) وَ مريسان (7)، وَ أَمَّا صَاحِبَا مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَحَبْتَرٌ وَ زُرَيْقٌ.
وَ رَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (8) عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَنْهُ (عليه السلام) مِثْلَهُ.
46- يَرَ (9): ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ (10) فُلَانٍ وَ فُلَانٍ، وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (11) لِأَئِمَّةِ الضَّلَالِ وَ الدُّعَاةِ
____________
(1) ثمّ قال في التّفسير: و قد ذكرنا هذا الحديث في تفسير: «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ» ... في سورة الأنعام.
(2) من قوله: فأمّا الخمسة ... إلى هنا، لا يوجد في المطبوع من المصدر، و باقي الرّواية جاءت في 1- 214 الآتية.
(3) جاء الاسم في (ك): فقيطيوفولين، و في المصدر: فقنطيفوص، و نسخة هناك: فغنطيغوص.
(4) جعلها في المصدر نسخة و ذكر في المتن: فمكثل.
(5) في التّفسير: و رزام.
(6) نسخة في حاشية (ك): فبوليس، و في متن المصدر: فبولس، و نسخة فيه: يرليس، و نسخة أخرى فيه: يرليش.
(7) في المصدر: مرثيون، و ذكر نسخة فيه: مريبون.
(8) تفسير القمّيّ 1- 214، و فيه ما ذكرناه سلفا.
(9) بصائر الدّرجات 1- 54 حديث 3، بتفصيل في أسماء السّند.
(10) النّساء: 51.
(11) النّساء: 52.
188
إِلَى النَّارِ، هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلِيَائِهِمْ سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ (1)- يَعْنِي الْإِمَامَةَ وَ الْخِلَافَةَ- فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (2) نَحْنُ النَّاسُ الَّذِي عَنَى اللَّهُ (3).
47- ثو (4): أَبِي، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عِيسَى، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلِيسَ لَعَنَهُ (5) اللَّهُ مَعَ مُضِلِ (6) هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي زِمَامَيْنِ غِلَظُهُمَا مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ فَيُسْحَبَانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا فَيُسَدُّ بِهِمَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ.
48- ثو (7): أَبِي، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام):
أَخْبِرْنِي بِأَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ؟. قَالَ: إِبْلِيسُ وَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ وَ رَجُلٌ (8) عَنْ يَسَارِهِ..
49- ثو (9): ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ الْأَرَّجَانِيِّ، قَالَ: صَحِبْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ مَنْزِلًا يُقَالُ لَهُ: عُسْفَانَ (10) ثُمَّ مَرَرْنَا بِجَبَلٍ أَسْوَدَ- عَلَى يَسَارِ
____________
(1) النّساء: 52.
(2) النّساء: 53.
(3) انظر: تفسير البرهان 1- 376 و ما بعدها.
(4) ثواب الأعمال 2- 249 باب 9 حديث 9، بتفصيل في الإسناد.
(5) في (س): لعنهم.
(6) في (س) قد تقرأ: فصلّ و نصل، و لا معنى لهما.
(7) ثواب الأعمال 2- 255- 256 باب 12 حديث 2، بتفصيل في الإسناد.
(8) في (س): رجلا. و لعلّه: رجلان.
(9) ثواب الأعمال 2- 258 باب 13 حديث 6، بتفصيل في الإسناد.
(10) في (س): غسقان.
189
الطَّرِيقِ- وَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)! مَا أَوْحَشَ هَذَا الْجَبَلَ؟! مَا رَأَيْتُ فِي الطَّرِيقِ جَبَلًا مِثْلَهُ؟!. فَقَالَ: يَا ابْنَ بَكْرٍ! أَ تَدْرِي أَيُّ جَبَلٍ هَذَا؟ هَذَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ: الْكَمَدُ، وَ هُوَ عَلَى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ، فِيهِ قَتَلَةُ أَبِي الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه)، اسْتَوْدَعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، تَجْرِي (1) مِنْ تَحْتِهِ مِيَاهُ جَهَنَّمَ مِنَ الْغِسْلِينِ وَ الصَّدِيدِ وَ الْحَمِيمِ الْآنِ (2)، وَ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنْ طِينَةِ خَبَالٍ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنْ لَظَى، وَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحُطَمَةِ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنْ سَقَرَ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَحِيمِ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْهَاوِيَةِ، وَ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّعِيرِ، وَ مَا مَرَرْتُ بِهَذَا الْجَبَلِ فِي مَسِيرِي فَوَقَفْتُ إِلَّا رَأَيْتُهُمَا يَسْتَغِيثَانِ وَ يَتَضَرَّعَانِ، وَ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى قَتَلَةِ أَبِي فَأَقُولُ لَهُمَا: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا فَعَلُوا لِمَا أَسَّسْتُمَا (3) لَمْ تَرْحَمُونَا إِذْ وُلِّيتُمْ وَ قَتَلْتُمُونَا وَ حَرَمْتُمُونَا وَ وَثَبْتُمْ عَلَى حَقِّنَا وَ اسْتَبْدَدْتُمْ بِالْأَمْرِ دُونَنَا، فَلَا رَحِمَ اللَّهُ مَنْ رَحِمَكُمَا (4)، ذُوقَا وَبَالَ مَا صَنَعْتُمَا وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
50- مل (5): مُحَمَّدٌ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمِّ، عَنِ الْأَرَّجَانِيِ مِثْلَهُ .. وَ زَادَ فِي آخِرِهِ:
وَ أَشَدُّهُمَا تَضَرُّعاً وَ اسْتِكَانَةً الثَّانِي، فَرُبَّمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِمَا لِيَسْأَلَا عَنْ (6) بَعْضِ مَا فِي قَلْبِي، وَ رُبَّمَا طَوَيْتُ الْجَبَلَ الَّذِي هُمَا فِيهِ- وَ هُوَ جَبَلُ الْكَمَدِ-.
قَالَ: قُلْتُ (7): جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَإِذَا طَوَيْتَ الْجَبَلَ فَمَا تَسْمَعُ؟.
____________
(1) لا توجد: فيه، في المصدر، و فيه: يجري.
(2) اقتباس من قوله تعالى: «حَمِيمٍ آنٍ».
(3) في كامل الزّيارات: ما أسّستما.
(4) في ثواب الأعمال: فلا يرحم اللّه من يرحمكما.
(5) كامل الزّيارات: 326- 327 باب 108 حديث 2، بتفصيل في الإسناد و اختلاف.
(6) في المصدر: ليتسلى عنّي ..
(7) في الكامل: قلت له.
190
قَالَ: أَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمَا يُنَادِيَانِ: عَرِّجْ عَلَيْنَا نُكَلِّمْكَ فَإِنَّا نَتُوبُ، وَ أَسْمَعُ مِنَ الْجَبَلِ صَارِخاً يَصْرَخُ بِي أَجِبْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا: اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ (1).
قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَ مَنْ مَعَهُمْ؟.
قَالَ: كُلُّ فِرْعَوْنٍ عَتَا عَلَى اللَّهِ وَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُ فِعَالَهُ، وَ كُلُّ مَنْ عَلَّمَ الْعِبَادَ الْكُفْرَ.
قُلْتُ (2): مَنْ هُمْ؟.
قَالَ: نَحْوُ بُولَسَ (3) الَّذِي عَلَّمَ الْيَهُودَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (4)، وَ نَحْوُ نَسْطُورَ الَّذِي عَلَّمَ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ (5) ابْنُ اللَّهِ (6)، وَ قَالَ لَهُمْ: هُمْ ثَلَاثَةٌ، وَ نَحْوُ فِرْعَوْنِ مُوسَى الَّذِي قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (7)، وَ نَحْوُ نُمْرُودَ الَّذِي قَالَ:
قَهَرْتُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَ قَتَلْتُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَ قَاتِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ قَاتِلِ فَاطِمَةَ وَ مُحَسِّنٍ (8)، وَ قَاتِلِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليهم السلام)، وَ أَمَّا (9) مُعَاوِيَةُ وَ رُمَعُ (10) فَمَا يَطْمَعَانِ فِي الْخَلَاصِ، مَعَهُمَا مَنْ (11) نَصَبَ لَنَا الْعَدَاوَةَ وَ أَعَانَ عَلَيْنَا بِلِسَانِهِ وَ يَدِهِ وَ مَالِهِ.
قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَأَنْتَ تَسْمَعُ ذَا كُلَّهُ وَ لَا تَفْزَعُ؟.
____________
(1) المؤمنون: 108.
(2) في المصدر: فقلت.
(3) في (س): يولس.
(4) المائدة: 64.
(5) في كامل الزّيارات: أنّ عيسى المسيح.
(6) التّوبة: 30.
(7) النّازعات: 24.
(8) في (ك) على كلمة: محسّن، رمز نسخة بدل.
(9) في المصدر: فأمّا.
(10) في المصدر: و عمرو. و كتب في حاشيته: أنّه ابن العاص، كما في رواية المفيد في الاختصاص، و هو الظّاهر.
(11) في كامل الزّيارات: و معهم كلّ من.
191
قَالَ: يَا ابْنَ بَكْرٍ! إِنَّ قُلُوبَنَا غَيْرُ قُلُوبِ النَّاسِ، إِنَّا مُصَفَّوْنَ (1) مُصْطَفَوْنَ نَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ وَ نَسْمَعُ مَا لَا يَسْمَعُونَ (2).
أقول::
تمامه في باب غرائب أحوالهم (عليهم السلام) من كتاب الإمامة (3).
51- ثو (4): أَحْمَدُ بْنُ الصَّقْرِ (5)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ بَسَّامٍ (6)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ السَّلُولِيِّ، عَنْ نَجِيحٍ الْمُزَنِيِ (7)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرْطِيِ (8) وَ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ (9) وَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَعَدٍّ الْمُقْرِي (10) وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَلِيكَةَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ مَشِيخَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالُوا: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا مَاتَ مُحَمَّدٌ وَ إِنَّمَا غَابَ كَغَيْبَةِ مُوسَى عَنْ قَوْمِهِ، وَ إِنَّهُ سَيَظْهَرُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُ هَذَا الْقَوْلَ وَ يُكَرِّرُهُ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ عَقْلَهُ قَدْ ذَهَبَ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ- وَ قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ قَوْلِهِ- فَقَالَ: ارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ- يَا عُمَرُ!- مِنْ يَمِينِكَ الَّتِي تَحْلِفَ بِهَا، فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (11). فَقَالَ عُمَرُ: وَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ
____________
(1) في المصدر: إنّا مطيعون مصفّون مصطفون.
(2) في الكامل: ما لا يسمع النّاس ..، و للحديث ذيل يلاحظ.
(3) بحار الأنوار 25- 372- 376. و جاء أيضا عنه في بحار الأنوار 6- 288 حديث 10.
(4) لا توجد الرّواية في ثواب الأعمال و لا عقاب الأعمال، و قد وجدناها في كتابه الآخر: كمال الدّين و تمام النّعمة 1- 30- 32.
(5) في (س): الصفر، و في كمال الدّين: أحمد بن محمّد الصّقر الصّائغ العدل.
(6) في الإكمال: ابن بسّام.
(7) في إكمال الدّين: أبو معشر نجيح المدنيّ ..
(8) في الإكمال: القرظيّ.
(9) في (ك) نسخة بدل: عزيّة.
(10) في إكمال الدّين: سعيد بن أبي سعيد المقبريّ.
(11) الزّمر: 30.
192
يَا أَبَا بَكْرٍ؟! فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (1)، أَشْهَدُ بِاللَّهِ (2) لَقَدْ ذَاقَ مُحَمَّدٌ الْمَوْتَ وَ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ جَمَعَ الْقُرْآنَ.
52- ير (3): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الصَّخْرِ (4)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي (5) عَلَى ابْنِ عِيسَى (6) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الْعَلَوِيِّ، قَالَ أَبُو الصَّخْرِ: فَأَظُنُّهُ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: وَ كَانَ أَبُو طَاهِرٍ فِي دَارِ الصَّيْدِيِّينَ نَازِلًا، قَالَ: فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَصْرِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ مِنْ مَاءٍ وَ هُوَ يَتَمَسَّحُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، ثُمَّ ابْتَدَأَنَا فَقَالَ: مَعَكُمْ أَحَدٌ؟. فَقُلْنَا: لَا. ثُمَّ الْتَفَتَ يَمِيناً وَ شِمَالًا هَلْ يَرَى (7) أَحَداً، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بِمِنًى- وَ هُوَ يَرْمِي الْجَمَرَاتِ- وَ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) رَمَى الْجَمَرَاتِ قَالَ: فَاسْتَتَمَّهَا ثُمَّ بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدُ (8) خَمْسُ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى اثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ وَ ثَلَاثَةً فِي نَاحِيَةٍ، فَقَالَ لَهُ جَدِّي: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ شَيْئاً مَا صَنَعَهُ أَحَدٌ قَطُّ، رَأَيْتُكَ رَمَيْتَ الْجَمَرَاتِ ثُمَّ رَمَيْتَ بِخَمْسَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، ثَلَاثَةٍ فِي نَاحِيَةٍ، وَ اثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ.
قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ كُلَّ مَوْسِمٍ (9) أُخْرِجَ الْفَاسِقَانِ الْغَاصِبَانِ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا لَا يَرَاهُمَا إِلَّا إِمَامٌ عَدْلٌ، فَرَمَيْتُ الْأَوَّلَ اثْنَتَيْنِ وَ الْآخَرَ ثَلَاثَةً، لِأَنَّ الْآخَرَ أَخْبَثُ
____________
(1) لا توجد: الحمد للّه، في المصدر.
(2) وضع على: أشهد باللّه، في (ك) رمز نسخة بدل.
(3) بصائر الدّرجات 6- 306 حديث 8.
(4) في المصدر: أبي الصّخرة، و ما في المتن أصحّ لما يأتي.
(5) في البصائر: من أصحابنا.
(6) في (س): على عيسى. و هي نسخة في (ك).
(7) في المصدر: لا يرى.
(8) وضع على: بعد، رمز نسخة بدل في (ك).
(9) في (س): إذا كان في الموسم.
193
مِنَ الْأَوَّلِ (1).
53- ختص (2): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبِي الصَّخْرِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَجُلٍ كَانَ يَكُونُ (3) فِي جِبَايَةِ (4) مَأْمُونٍ قَالَ:: دَخَلْتُ ... وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ، وَ فِيهِ: أُخْرِجَا الْفَاسِقَانِ (5) غَضَّيْنِ طَرِيَّيْنِ فَصُلِبَا هَاهُنَا لَا يَرَاهُمَا إِلَّا إِمَامٌ عَدْلٌ.
. 54- يَرَ (6): ابْنُ عِيسَى وَ ابْنُ أَبِي الْخَطَّابِ مَعاً، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ ابْنِ رِئَابٍ، عَنِ الْكُنَاسِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي الْغَارِ وَ مَعَهُ أَبُو الْفَصِيلِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي لَأَنْظُرُ الْآنَ إِلَى جَعْفَرٍ وَ أَصْحَابِهِ السَّاعَةَ تَعُومُ (7) بينهم [بِهِمْ سَفِينَتُهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي مَجَالِسِهِمْ مُحْتَبِينَ (8) بِأَفْنِيَتِهِمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَصِيلِ:
أَ تَرَاهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّاعَةَ؟!. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (9): فَأَرِنِيهِمْ. قَالَ: فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ. فَنَظَرَ فَرَآهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَ رَأَيْتَهُمْ؟. قَالَ: نَعَمْ. وَ أَسَرَّ (10) فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ سَاحِرٌ.
____________
(1) و جاء في المحتضر للحسن بن سليمان الحلّيّ: 13- 14.
(2) الاختصاص: 277، مع تفصيل في الإسناد.
(3) لا توجد: يكون، في المصدر، و هو الظّاهر.
(4) أي من يجمعون الزّكاة من الأطراف.
(5) كذا ورد في المصدر أيضا و البصائر.
(6) بصائر الدّرجات 9- 442 باب 1 حديث 13، و جاء السّند فيه: أحمد بن محمّد و محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زياد الكناسيّ.
(7) في (ك): تقوم. و في هامش المصدر: تغوم بهم، كذا في البحار.
أقول: تعوم .. أي تسير، كما في القاموس 4- 155، و في المصدر: تغوم. قال في المصباح المنير 2- 626: غال غولا- من باب قال-: أهلكه. و لعلّ النّقطة على العين في المصدر زائدة.
(8) في المصدر: مخبتين، و في (ك): محبئين.
(9) لا توجد: قال، في المصدر، و في (س) من البحار.
(10) في (س): و أصرّ.
194
بيان: الفصيل: ولد النّاقة إذا فصل عن أمّه (1)، (2).
55- ير (3): مُوسَى بْنُ عُمَرَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَبَا بَكْرٍ: الصِّدِّيقَ؟. قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَكَيْفَ؟. قَالَ: حِينَ (4) كَانَ مَعَهُ فِي الْغَارِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي لَأَرَى سَفِينَةَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ((عليه السلام)) تَضْطَرِبُ فِي الْبَحْرِ ضَالَّةً. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! وَ إِنَّكَ لَتَرَاهَا؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَقْدِرُ أَنْ تُرِيَنِيهَا؟. قَالَ: ادْنُ مِنِّي. قَالَ (5): فَدَنَا مِنْهُ، فَمَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ، فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى السَّفِينَةَ وَ هِيَ تَضْطَرِبُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى قُصُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: الْآنَ صَدَّقْتُ أَنَّكَ سَاحِرٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): الصِّدِّيقُ أَنْتَ.
56- خص (6): سَعْدٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، وَ زَادَ فِي آخِرِهِ: فَقُلْتُ (7) لِمَ سَمَّى عُمَرَ: الْفَارُوقَ؟. قَالَ: نَعَمْ، أَ لَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ أَخَذَ النَّاسُ بِالْبَاطِلِ. فَقُلْتُ: فَلِمَ سَمَّى سَالِماً: الْأَمِينَ؟. قَالَ: لَمَّا كَتَبُوا الْكُتُبَ وَضَعُوهَا عَلَى يَدِ سَالِمٍ فَصَارَ الْأَمِينَ. قُلْتُ: فَقَالَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ سَعْدٍ. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَ كَيْفَ ذَلِكَ؟. قَالَ: إِنَّ سَعْداً يَكُرُّ فَيُقَاتِلُ عَلِيّاً (عليه السلام)..
____________
(1) كما في مجمع البحرين 5- 442، و لسان العرب 11- 522، و تاج العروس 8- 59.
(2) ذكره في النهاية 1- 149، و تاج العروس 3- 57، و لسان العرب 4- 79، و الصحاح 2- 595.
(3) بصائر الدّرجات 9- 442 باب 1 حديث 14.
(4) لا توجد: حين، في (س).
(5) لا توجد: قال، في (ك).
(6) مختصر البصائر: 29.
(7) لا توجد: فقلت في (س).
195
بيان: قوله (صلّى اللّه عليه و آله): الصدّيق أنت .. على التهكّم، أو على الاستفهام الإنكاري.
57- ير (1): مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَجَّالِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيِّ الْحَذَّاءِ، عَنْ سَوَادَةَ أَبِي عَلِيٍ (2)، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِلْحَارِثِ الْأَعْوَرِ- وَ هُوَ عِنْدَهُ-: هَلْ تَرَى مَا أَرَى؟. فَقَالَ:
كَيْفَ أَرَى مَا تَرَى وَ قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ لَكَ وَ أَعْطَاكَ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَداً؟.
قَالَ: هَذَا فُلَانٌ- الْأَوَّلُ- عَلَى تُرْعَةٍ (3) مِنْ تُرَعِ النَّارِ يَقُولُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! اسْتَغْفِرْ لِي، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ (4): فَمَكَثَ هُنَيْئَةً ثُمَّ قَالَ: يَا حَارِثُ! هَلْ تَرَى مَا أَرَى؟. فَقَالَ: وَ كَيْفَ أَرَى مَا تَرَى وَ قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ لَكَ وَ أَعْطَاكَ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَداً (5).
قَالَ: هَذَا فُلَانٌ- الثَّانِي- عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ النَّارِ يَقُولُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! اسْتَغْفِرْ لِي، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ..
58- ير (6): مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ (7) الْحُسَيْنِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليهم) قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ بَلْدَةً خَلْفَ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا: جَابَلْقَا، وَ فِي جَابَلْقَا سَبْعُونَ
____________
(1) بصائر الدّرجات، الجزء التّاسع: 441 باب 1 حديث 11.
(2) في المصدر: أبي يعلي.
(3) في (س) جاء: نزعة من نزع، و لعلّها اشتباه، و التّرعة- بالضّمّ-: الباب جمعها ترع- كصرد-:
قاله في القاموس 3- 9، و قال فيه في صفحة: 88: التّرعة: الطّريق في الجبل.
(4) لا توجد: قال، في (ك).
(5) في المصدر لا يوجد: أحدا.
(6) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 1.
(7) جاء في حاشية (ك): عليّ بن .. و بعدها صحّ و لم يعلّم على محلّها، و محلّها هنا: أي عن عليّ بن الحسين، و كذا جاءت في المصدر.
196
أَلْفَ أُمَّةٍ لَيْسَ مِنْهَا (1) أُمَّةٌ إِلَّا مِثْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَمَا عَصَوُا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَمَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا وَ لَا يَقُولُونَ قَوْلًا إِلَّا الدُّعَاءَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ وَ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا، وَ الْوَلَايَةَ لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
59- ير (2): يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيُ (3)، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْأَرْمَنِيِ (4) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجَارُودِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ أَرْضِكُمْ هَذِهِ أَرْضاً بَيْضَاءَ ضَوْؤُهَا مِنْهَا، فِيهَا خَلْقُ اللَّهِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَ (5) لَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً، يَتَبَرَّءُونَ (6) مِنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ.
60- ير (7): أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ عَيْنِ شَمْسِكُمْ هَذِهِ أَرْبَعِينَ عَيْنَ شَمْسٍ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَمَرِكُمْ أَرْبَعِينَ قَمَراً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، لَا يَدْرُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ، أُلْهِمُوا إِلْهَاماً لَعْنَةَ .. فُلَانٍ وَ فُلَانٍ.
61- ير (8): سَلَمَةُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَقْطِينٍ الْجَوَالِيقِيِّ، عَنْ قَلْقَلَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَبَلًا مُحِيطاً بِالدُّنْيَا مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ (9)، وَ إِنَّمَا خُضْرَةُ السَّمَاءِ مِنْ خُضْرَةِ ذَلِكَ
____________
(1) في (ك): فيها.
(2) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 2.
(3) في المصدر: الجريريّ.
(4) جاء في (ك): الأعمري، و ذكر في الحاشية: الأرمنيّ، نسخة بدل.
(5) لا توجد الواو في المصدر.
(6) في (ك): و يتبرّءون.
(7) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 510 باب 14 حديث 3.
(8) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 512 باب 14 حديث 6، بتفصيل في الإسناد.
(9) في المصدر: خضر.
197
الْجَبَلِ، وَ خَلَقَ خَلْفَهُ (1) خَلْقاً لَمْ يَفْرِضْ (2) عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِمَّا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَ زَكَاةٍ، وَ كُلُّهُمْ يَلْعَنُ رَجُلَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ .. وَ سَمَّاهُمَا.
62- ير (3): أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ (4) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) .. مِثْلَهُ.
أقول:
- رَوَى الْحَسَنُ (5) بْنُ سُلَيْمَانَ فِي كِتَابِ الْمُخْتَصَرِ (6) مِنْ بَصَائِرِ سَعْدٍ ..
مِثْلَهُ (7).
وَ رَوَى أَيْضاً عَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الرَّيَّانِ (8)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ، عَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ خَلْفَ (9) هَذَا النِّطَاقِ زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ، فَبِالْخُضْرَةِ مِنْهَا خَضِرَتِ السَّمَاءُ (10)، قُلْتُ: وَ مَا النِّطَاقُ؟. قَالَ: الْحِجَابُ، وَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَرَاءَ ذَلِكَ سَبْعُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ
____________
(1) لا توجد: خلفه، في المصدر.
(2) في المصدر و في نسخة جاءت في (ك): و لم يفرض.
(3) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 516 حديث 7، باختلاف في السّند و تقارب في المضمون، و سيأتي ذكره بعد قليل.
(4) في المصدر: عليّ بن زيّات.
(5) في مطبوع البحار: الحسين، و هو غلط.
(6) في (ك): المحتضر.
أقول: لنا كتابان المختصر و المحتضر و كلاهما للحسن بن سليمان الحلّيّ، و قد وردت الرّواية فيهما.
(7) مختصر البصائر: 11، و كتاب المحتضر: 161.
(8) في المصدر: عليّ بن زيّات.
(9) في البصائر: خلق، بدلا من: خلف.
(10) في البصائر: فمن خضرتها اخضرّت السّماء.
198
الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ، وَ كُلٌ (1) يَلْعَنُ .. فُلَاناً وَ فُلَاناً (2)..
بيان: النّطاق- ككتاب-: شقّة تلبسها المرأة و تشدّ وسطها (3)، و أطلق على الحجاب مجازا.
63- ير (4): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ، عَنْ دُرُسْتَ، عَنْ عَجْلَانَ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فَقَالَ لَهُ:
جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذِهِ قُبَّةُ آدَمَ؟. قَالَ: نَعَمْ، وَ فِيهِ قِبَابٌ كَثِيرَةٌ، إِنَّ خَلْفَ مَغْرِبِكُمْ هَذِهِ (5) تِسْعَةً وَ ثَلَاثِينَ مَغْرِباً أَرْضاً بَيْضَاءَ مَمْلُوءَةً خَلْقاً يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهَا لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، مَا يَدْرُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ، يَتَبَرَّءُونَ مِنْ .. فُلَانٍ وَ فُلَانٍ لَعَنَهُمَا اللَّهُ..
64- ير (6): مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَجْلَانَ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قُبَّةِ آدَمَ، فَقُلْتُ (7): هَذِهِ قُبَّةُ آدَمَ (8)؟. فَقَالَ: نَعَمْ، وَ لِلَّهِ قِبَابٌ كَثِيرَةٌ، أَمَا إِنَّ خَلْفَ مَغْرِبِكُمْ هَذِهِ (9) تِسْعَةً وَ ثَلَاثِينَ مَغْرِباً أَرْضاً بَيْضَاءَ وَ (10) مَمْلُوَّةً خَلْقاً يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهَا (11) لَمْ
____________
(1) في البصائر: و كلّهم.
(2) رواه الحسن بن سليمان في كتابيه: مختصر البصائر: 12، و المحتضر: 161.
(3) ذكره في مجمع البحرين 5- 239، و لسان العرب 10- 355، و الصحاح 4- 1559.
(4) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 10.
(5) في المصدر: هذا، و هي نسخة في (ك).
(6) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 8.
(7) في المصدر: فقلت له.
(8) لا توجد كلمة: آدم في (ك).
(9) في المصدر: هذا.
(10) وضع على الواو في (س) رمز نسخة بدل.
(11) في البصائر: بنورنا.
199
يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَا يَدْرُونَ أَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ، يَتَبَرَّءُونَ (1) مِنْ .. فُلَانٍ وَ فُلَانٍ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا يَتَبَرَّءُونَ مِنْ .. فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ هُمْ لَا يَدْرُونَ أَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَمْ لَمْ يَخْلُقْهُ؟. فَقَالَ- لِلسَّائِلِ عَنْهُ-: أَ تَعْرِفُ إِبْلِيسَ؟. قَالَ: لَا، إِلَّا بِالْخَبَرِ.
قَالَ: فَأُمِرْتَ بِاللَّعْنَةِ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (2): فَكَذَلِكَ أُمِرَ هَؤُلَاءِ..
أقول::
- رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ بَصَائِرِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ (3).
65- ير (4): مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ جَابِرٍ (5) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ سَمِعْتُ (6) يَقُولُ: إِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ أَرْبَعِينَ عَيْنَ شَمْسٍ مَا بَيْنَ شَمْسٍ إِلَى شَمْسٍ أَرْبَعُونَ عَاماً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ أَوْ لَمْ يَخْلُقْهُ، وَ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَمَرِكُمْ هَذَا أَرْبَعِينَ قَمَراً مَا بَيْنَ قَمَرٍ إِلَى قَمَرٍ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ يَوْماً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ أَوْ لَمْ يَخْلُقْهُ، قَدْ أُلْهِمُوا كَمَا أُلْهِمَتِ النَّحْلُ لَعْنةَ الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَ قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَلَائِكَةٌ مَتَى مَا لَمْ يَلْعَنُوهُمَا عُذِّبُوا.
66- يج (7): رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَاعِداً فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقُمِّيِّينَ (8): أَ تُصَلِّي النِّسَاءُ عَلَى الْجَنَائِزِ؟. فَقَالَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ادَّعَى
____________
(1) في المصدر: يبرءون.
(2) لا توجد: قال، في (ك).
(3) مختصر البصائر: 12.
(4) بصائر الدّرجات، الجزء العاشر: 513 باب 14 حديث 9.
(5) لا يوجد: عن جابر، في المصدر.
(6) في البصائر: سمعته.
(7) الخرائج و الجرائح 1- 94 حديث 156- تحقيق مدرسة الإمام المهديّ (ع)- النّسخة الخطّيّة: 20.
(8) في المصدر: قال.
200
أَنَّهُ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَكُسِرَتْ (1) رَبَاعِيَتُهُ وَ شَقَّ شَفَتَيْهِ وَ كَذَبَ، وَ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ حَمْزَةَ وَ كَذَبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ ضُرِبَ عَلَى أُذُنَيْهِ فَنَامَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ فَخَشِيَ أَنْ يُؤْخَذَ (2)، فَتَنَكَّرَ وَ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ وَ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِ عُثْمَانَ يَطْلُبُهُ، وَ تَسَمَّى بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَ يَجْلِبُ إِلَى عُثْمَانَ الْخَيْلَ وَ الْغَنَمَ وَ السَّمْنَ، فَجَاءَ عُثْمَانُ فَأَدْخَلَهُ، مَنْزِلَهُ وَ قَالَ: وَيْحَكَ! مَا صَنَعْتَ؟ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ رَمَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (ص)، وَ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ شَقَقْتَ شَفَتَيْهِ وَ كَسَرْتَ رَبَاعِيَتَهُ، وَ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ. فَأَخْبَرَهُ (3) بِمَا لَقِيَ وَ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى أُذُنِهِ، فَلَمَّا سَمِعَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ (ص) بِمَا صُنِعَ بِأَبِيهَا وَ عَمِّهَا صَاحَتْ، فَأَسْكَتَهَا عُثْمَانُ، ثُمَّ خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ- فَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ آمَنْتَ عَمِّيَ الْمُغِيرَةَ فَكَذَبَ (4)، فَصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجْهَهُ (5)، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ آمَنْتَ عَمِّيَ الْمُغِيرَةَ، فَكَذَبَ (6)، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجْهَهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ:
آمَنَّاهُ (7) وَ أَجَّلْنَاهُ ثَلَاثاً، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَعْطَاهُ رَاحِلَةً أَوْ رَحْلًا أَوْ قَتَباً (8) أَوْ سِقَاءً أَوْ قِرْبَةً أَوْ دَلْواً (9) أَوْ خُفّاً أَوْ نَعْلًا أَوْ زَاداً أَوْ (10) مَاءً.
قَالَ عَاصِمٌ: هَذِهِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ فَأَعْطَاهَا كُلَّهَا عُثْمَانُ (11) فَخَرَجَ فَسَارَ عَلَى نَاقَتِهِ
____________
(1) في الخرائج: فكسر ..
(2) في المصدر: فخشي أن يجيء الطّلّب فيأخذوه.
(3) في الخرائج: و أخبره.
(4) في المصدر: و كذب.
(5) في الخرائج: فصرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وجهه عنه.
(6) في المصدر: و كذب.
(7) في المصدر: فصرف عنه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وجهه ثلاثا، ثمّ قال: قد آمنّاه ..
(8) في (س): قبتا .. و لا معنى له لغة.
(9) في المصدر: أو إداوة .. و المراد منه إناء صغير من جلد، و في الصّحاح 6- 2266: المطهرة.
(10) في (س) واو، بدلا من: أو.
(11) في المصدر زيادة: إيّاه قبل: عثمان.
201
فَنَقِبَتْ، ثُمَّ مَشَى فِي خُفَّيْهِ فَنَقِبَا، ثُمَّ مَشَى فِي نَعْلَيْهِ فَنَقِبَتَا، ثُمَّ حَبَا (1) عَلَى رِجْلَيْهِ فَنَقِبَتَا، ثُمَّ مَشَى عَلَى (2) رُكْبَتَيْهِ فَنَقِبَتَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَجَلَسَ تَحْتَهَا، فَجَاءَ الْمَلَكُ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِمَكَانِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) زَيْداً وَ الزُّبَيْرَ (3) فَقَالَ لَهُمَا: ايتِيَاهُ فَهُوَ بِمَكَانِ .. كَذَا وَ كَذَا فَاقْتُلَاهُ، فَلَمَّا أَتَيَاهُ (4) قَالَ زَيْدٌ لِلزُّبَيْرِ: إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ أَخِي- وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) آخَى بَيْنَ حَمْزَةَ وَ زيدا [زَيْدٍ- فَاتْرُكْنِي أَقْتُلْهُ، فَتَرَكَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ، فَرَجَعَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لِمَرْأَتِهِ، إِنَّكِ أَرْسَلْتِي إِلَى أَبِيكِ فَأَعْلَمْتِيهِ بِمَكَانِ عَمِّي، فَحَلَفَتْ لَهُ بِاللَّهِ مَا فَعَلَتْ، فَلَمْ يُصَدِّقْهَا، فَأَخَذَ خَشَبَةَ الْقَتَبِ (5) فَضَرَبَهَا ضَرْباً مُبَرِّحاً، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَشْكُوا ذَلِكَ وَ تُخْبِرُهُ بِمَا صَنَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: إِنِّي لَأَسْتَحِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَزَالَ تَجُرُّ ذُيُولَهَا تَشْكُو زَوْجَهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ: قَدْ قَتَلَنِي، فَقَالَ لِعَلِيٍ (6): خُذِ السَّيْفَ ثُمَّ ائْتِ بِنْتَ عَمِّكَ فَخُذْ بِيَدِهَا، فَمَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهَا فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَرَتْهُ ظَهْرَهَا، فَقَالَ أَبُوهَا: قَتَلَهَا قَتَلَهُ اللَّهُ، فَمَكَثَتْ يَوْماً وَ مَاتَتْ فِي الثَّانِي، وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ بَيْتِهِ- وَ عُثْمَانُ جَالِسٌ مَعَ الْقَوْمِ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ أَلَّمَ جَارِيَتَهُ اللَّيْلَةَ فَلَا تَشْهَدْ (7) جَنَازَتَهَا؟ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، وَ هُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) في المصدر: مشى، بدلا من: حبا.
(2) في الخرائج: حتّى جثى على ..
(3) في الكافي: انطلق أنت و عمّار و ثالث لهم فأت المغيرة بن العاص تحت الشّجرة ..
(4) في المصدر: فلمّا انتهيا إليه ..
(5) في (س): القيت، و هو اشتباه. قال في مجمع البحرين 2- 139: القتب- بالتّحريك-: رحل البعير صغير على قدر السّنام.
(6) في المصدر: فقال (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ ..
(7) في الخرائج: فلا يشهد، و هو الظّاهر.
202
وَ آلِهِ (1) لَيَقُومَنَّ أَوْ لَأُسَمِّيَنَّهُ بِاسْمِهِ وَ اسْمِ أَبِيهِ، فَقَامَ يَتَوَكَّأُ عَلَى مَوْلًى (2) لَهُ.
قَالَ: فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) فِي نِسَائِهَا فَصَلَّتْ عَلَى أُخْتِهَا (3).
بيان: قال الجوهري: نقب البعير- بالكسر- إذا ألقت (4) أخفافه .. و نقب الخفّ الملبوس: تخرّق (5) (6).
و قال: حبا الصّبيّ على استه حبوا .. إذا زحف (7).
و البراح: المشقّة و الشّدّة (8).
أقول:
قد مرّ هذا الخبر برواية الكليني أبسط من هذا في باب أحوال أولاد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (9).
.
____________
(1) في المصدر: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو الظّاهر.
(2) في الخرائج: على مهين، و هو اسم مولى لعثمان.
(3) و قريب من هذا الحديث ما جاء في الكافي 3- 251 حديث 8، و التّهذيب 3- 303 حديث 69، و أخرجه في الوسائل 2- 818 حديث 2، و ذكره في البحار 22- 158 حديث 19، و 78- 391 392 حديث 57.
(4) في المصدر: رقّت، و في (ك): زقّت.
(5) في الصحاح: أي تخرق.
(6) الصحاح 1- 227، و انظر: مجمع البحرين 2- 176، و تاج العروس 1- 492.
(7) الصحاح 6- 2307، و قارن بتاج العروس 10- 81.
(8) قال في مجمع البحرين 2- 342: التبريح: المشقّة و الشدّة، و نحوه في النهاية 1- 113، و كذا في لسان العرب 2- 411، و زاد في الثاني: و البرحاء: الشدّة و المشقّة. و عليه يحتمل أن يكون الأصل التربيح، مع أنّ كلمة التي كان- (رحمه الله)- بصدد بيانها هي: مبرّحا، و لا ترتبط كلمة البراح بها، إلّا أن يجعل مصدرا لباب التفعيل كسلام و كلام.
(9) بحار الأنوار 22- 160- 162 حديث 22، الكافي 3- 69- 70.
203
67- شف (1): أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ (2) الطَّبَرِيِّ مِنْ كِتَابِهِ ...، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ وَ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ وَ عَلِيِّ بْنِ الْعَبَّاسِ وَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعِجْلِيِّ وَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ وَ الْحَسَنِ بْنِ السَّكَنِ (3) جَمِيعاً، عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ زَيْدٍ (4)، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مِيثَمٍ الْكَيَّالِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ زُمُرُّدٍ الرَّوَّاسِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ (5) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): تَرِدُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيَّ خَمْسَ رَايَاتٍ، فَأَوَّلُهَا مَعَ عِجْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَتَرْجُفُ قَدَمَاهُ وَ يَسْوَدُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَأَقُولُ: مَا فَعَلْتُمْ بِالثَّقَلَيْنِ؟. فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْأَكْبَرَ فَخَرَّقْنَا (6) وَ مَزَّقْنَا، وَ أَمَّا الْأَصْغَرَ فَعَادَيْنَا وَ أَبْغَضْنَا (7)، فَأَقُولُ: رِدُوا ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُكُمْ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ لَا يُسْقَوْنَ قَطْرَةً.
ثُمَّ يَرِدُ (8) عَلَيَّ رَايَةُ فِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ ثُمَّ تَرْجُفُ قَدَمَاهُ (9) وَ يَسْوَدُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَأَقُولُ: مَا فَعَلْتُمْ بِالثَّقَلَيْنِ؟. فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْأَكْبَرُ
____________
(1) كشف اليقين: 104 باب 124، بتفصيل في الإسناد.
أقول: هذا الكتاب هو كتاب اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن طاوس- (رحمه الله) يعبّر عنه العلّامة المجلسيّ ب: كشف اليقين أيضا.
(2) لا توجد: بن، في المصدر، و هي نسخة في (ك).
(3) في اليقين: الكوفيّون.
(4) في (س): يزيد.
(5) آل عمران: 106.
(6) في (ك): فخرقناه، و في المصدر: فحرقناه، و هي نسخة في (ك) من البحار.
(7) في المصدر: فعاديناه و أبغضناه.
(8) في المصدر: تردّ.
(9) في (س): قدما.
204
فَمَزَّقْنَا مِنْهُ، وَ أَمَّا (1) الْأَصْغَرُ فَبَرِئْنَا (2) مِنْهُ وَ لَعَنَّاهُ، فَأَقُولُ: رِدُوا ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُكُمْ، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ لَا يُسْقَوْنَ قَطْرَةً.
ثُمَّ يَرِدُ (3) عَلَيَّ رَايَةُ ذِي الثُّدَيَّةِ مَعَهَا أَوَّلُ خَارِجَةٍ وَ آخِرُهَا، فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَتَرْجُفُ قَدَمَاهُ وَ تَسْوَدُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَأَقُولُ: مَا فَعَلْتُمْ بِالثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟.
فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْأَكْبَرُ فَمَزَّقْنَا مِنْهُ، وَ أَمَّا الْأَصْغَرُ فَبَرِئْنَا مِنْهُ وَ لَعَنَّاهُ. فَأَقُولُ: رِدُوا ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُكُمْ، فَيُؤْخَذُ (4) بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ لَا يُسْقَوْنَ قَطْرَةً.
ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ وَ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَتَبْيَضُ (5) وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَأَقُولُ: مَا فَعَلْتُمْ بِالثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟. فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْأَكْبَرُ فَاتَّبَعْنَاهُ وَ أَطَعْنَاهُ، وَ أَمَّا الْأَصْغَرُ فَقَاتَلْنَا مَعَهُ حَتَّى قُتِلْنَا.
فَأَقُولُ: رِدُوا رِوَاءً مَرْوِيِّينَ مُبْيَضَّةً وُجُوهُكُمْ، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (6).
بيان: أقول: سقط من هذا الخبر راية قارون هذه الأمّة، و قد أوردنا في باب
____________
(1) في اليقين: فمزّقناه و أمّا ..
(2) في اليقين: فتبرأنا.
(3) في المصدر: ترد.
(4) في (س): فتوخذ.
(5) في اليقين: فيبيضّ.
(6) آل عمران: 106. و نظير هذا الحديث ذكره ابن طاوس في كتابه اليقين: 77 باب 96، و صفحة: 126 باب 129، و صفحة: 150، فراجع.
205
الرايات (1) برواية ابن عقدة و غيره، عن أبي ذر هذه الرواية، و
- فيها: إنّ شرار الآخرين، العجل، و فرعون، و هامان، و قارون، و السامريّ، و الأبتر.
.. ثم ذكر راية العجل، و راية فرعون، و راية فلان .. أمام خمسين ألفا من أمّتي، و راية فلان .. أمام سبعين ألفا، ثم راية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، و قد أوردنا فيه أخبارا أخر بأسانيد تركناها هنا حذرا من التكرار.
68- شف (2): مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ لِأَحْمَدَ بْنِ مَرْدَوَيْهِ ...، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيِّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ الطَّائِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَبِيهِ وَ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَ (3) (رضوان اللّه عليهم)، قَالُوا: كُنَّا قُعُوداً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا مَعَنَا غَيْرُنَا، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْبَدْرِيِّينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): تَفْتَرِقُ أُمَّتِي بَعْدِي (4) ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ أَهْلُ حَقٍّ لَا يَشُوبُونَهُ بِبَاطِلٍ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذَّهَبِ كُلَّمَا فَتَنَتْهُ (5) النَّارُ ازْدَادَ طِيباً، وَ إِمَامُهُمْ (6) هَذَا- لَأَحَدُ (7) الثَّلَاثَةِ-، وَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ (8) بِهِ فِي كِتَابِهِ إِمَاماً
____________
(1) في (س): الآيات، و هو سهو.
بحار الأنوار 37- 341- 347، باب خبر الرايات فيه جملة من الروايات.
(2) اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام): 182 باب 185، بتفصيل في الإسناد. و قال في اليقين: رواه من أربع طرق في ترجمة ما ذكر عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ... نذكر منها طريقين ..
(3) لا توجد: الفارسيّ، في المصدر.
(4) لا توجد: بعدي، في المصدر.
(5) في (س): فتنة، و هي لا تناسب المقام معنى. قال في المصباح المنير 2- 231: و أصل الفتنة من قولك: فتنت الذّهب و الفضّة: إذا أحرقته بالنّار ليبيّن الجيّد من الرّديء.
(6) في اليقين: فتنته بالنّار ازداد حسنا و ثناء، إمامهم ..
(7) كذا، و الظّاهر: أشار إلى أحد الثّلاثة. و كذلك ما يأتي من قوله (عليه السلام): إمامهم هذا لأحد الثّلاثة، أو يكون إمامهم هذا، و جملة: أحد الثّلاثة من الرّاوي، فتكون بيانية معترضة.
(8) ذكر اللّه، نسخة جاءت في (ك).
206
وَ رَحْمَةً (1)، وَ فِرْقَةٌ أَهْلُ الْبَاطِلِ لَا يَشُوبُونَهُ بِحَقٍّ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ خَبَثِ (2) الْحَدِيدِ، كُلَّمَا فَتَنْتَهُ بِالنَّارِ ازْدَادَ خَبَثاً وَ نَتْناً، إِمَامُهُمْ هَذَا- لَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ-، وَ فِرْقَةٌ أَهْلُ (3) الضَّلَالَةِ مُذَبْذَبِينَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ، إِمَامُهُمْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَ إِمَامِهِمْ.
فَقَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَ أَمْسَكَ عَنِ الِاثْنَيْنِ، فَجَهَدْتُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ..
69- شف (4): مِنْ كِتَابٍ عَتِيقٍ مِنْ أُصُولِ الْمُخَالِفِينَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَزْدَقِ الْقَطِيعِيِ (5)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ (6) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَالِكِ، عَنِ الْحَرْثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ صَخْرِ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَازِيِ (7)، عَنْ حَيَّانَ بْنِ الْحَرْثِ الْأَزْدِيِّ- يُكَنَّى أَبَا عَقِيلٍ-، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ جَمِيلٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ ضَمْرَةَ (8) الرَّوَّاسِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ: اجْتَمَعَ هُوَ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: حَدِّثُونَا حَدِيثاً نَذْكُرُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَنَشْهَدُ لَهُ وَ نَدْعُو لَهُ وَ نُصَدِّقُهُ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا .. يَا عَلِيُّ!.
____________
(1) في المصدر لا يوجد من قوله: و هو الّذي .. إلى: و رحمة.
(2) لا توجد: خبث، في المصدر.
(3) من قوله: و فرقة أهل .. إلى آخر الحديث تجده في الصّفحة: 181 من اليقين. و قد جمع بين الحديثين، أو كان المجموع في مكان آخر غير ما ذكرناه.
(4) اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام): 166- 169 باب 169.
(5) في المصدر: أبو عبد اللّه الحسين بن محمّد الفرزدق القطعي الفزازي.
(6) خطّ على: عن، في (ك).
(7) في اليقين: عن الحرث بن الحضيرة بن الحكم الفزاريّ.
(8) في (س): حمزة، و يأتي في آخر الحديث في المتن و المصدر: ضمرة أيضا.
207
قَالَ (1): فَقَالَ عَلِيٌ (2) (عليه السلام): لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا هَذَا زَمَانَ حَدِيثِي، قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَقَالُوا: حَدِّثْنَا .. يَا حُذَيْفَةُ!. قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي سُئِلْتُ عَنِ الْمُعْضِلَاتِ فَحَذَرْتُهُنَّ. قَالُوا (3): صَدَقْتَ. قَالَ: فَقَالُوا: حَدِّثْنَا .. يَا ابْنَ مَسْعُودٍ! قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي قَرَأْتُ الْقُرْآنَ لَمْ أُسْأَلْ عَنْ غَيْرِهِ. قَالُوا: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَقَالُوا: حَدِّثْنَا .. يَا مِقْدَادُ!. قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنَّمَا كُنْتُ فَارِساً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أُقَاتِلُ، وَ لَكِنْ أَنْتُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. فَقَالُوا:
صَدَقْتَ. قَالَ: فَقَالُوا: حَدِّثْنَا .. يَا عَمَّارُ!. قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي إِنْسَانٌ نَسَّاءٌ (4) إِلَّا أَنْ أُذَكَّرَ فَأَذْكُرَ. قَالُوا: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّمَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُمُوهُ أَوْ مَنْ سَمِعَهُ مِنْكُمْ بَلَّغَ (5)، أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنْ (6) لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَ أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَ أَنَّ النَّارَ حَقٌّ؟. قَالُوا: نَشْهَدُ. قَالَ: وَ أَنَا مِنَ (7) الشَّاهِدِينَ.
قَالَ: أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَدَّثَنَا أَنَ (8) شَرَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ اثْنَا عَشَرَ: سِتَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، ثُمَّ سَمَّى مِنَ الْأَوَّلِينَ ابْنَ آدَمَ (9) الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَ فِرْعَوْنَ، وَ هَامَانَ، وَ قَارُونَ، وَ السَّامِرِيَّ، وَ الدَّجَّالَ اسْمُهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَ يَخْرُجُ فِي الْآخِرِينَ، وَ سَمَّى مِنَ الْآخِرِينَ سِتَّةً: الْعِجْلَ
____________
(1) لا توجد: قال، في المصدر.
(2) في (س): فقال لي.
(3) في اليقين: فقالوا.
(4) في المصدر: أنسى.
(5) هنا زيادة جاءت في المصدر: تشهدون أنّه حقّ.
(6) لا توجد: أن، في (س).
(7) في اليقين: و أنا معكم من ..
(8) لا توجد: أنّ، في المصدر.
(9) في المصدر: آدم النّبيّ.
208
- وَ هُوَ ... وَ فِرْعَوْنَ- وَ هُوَ ...-، وَ هَامَانَ- وَ هُوَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ-، وَ قَارُونَ- وَ هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ-، وَ السَّامِرِيَّ- وَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُوسَى-، قِيلَ: وَ مَا السَّامِرِيُّ؟. قَالَ: قَالَ السَّامِرِيُ (1): لا مِساسَ، وَ هُوَ يَقُولُ: لَا قِتَالَ (2)، وَ الْأَبْتَرَ- وَ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ-، قَالُوا: وَ مَا أَبْتَرُهَا (3)؟. قَالَ: لَا دِينَ لَهُ (4) وَ لَا نَسَبَ. قَالَ: فَقَالُوا: نَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَ أَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
ثُمَّ قَالَ: أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ عَلَى خَمْسِ رَايَاتٍ: أَوَّلُهُنَّ رَايَةُ الْعِجْلِ فَأَقُومُ (5) فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ، وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ، وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ، وَ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَعُهُ (6)، فَأَقُولُ:
مَا خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟ فَيَقُولُونَ: كَذَّبْنَا الْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ وَ اضْطَهَدْنَاهُ، وَ الْأَصْغَرَ أَبْتَرْنَاهُ حَقَّهُ (7)، فَأَقُولُ: اسْلُكُوا ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لَا يَطْعَمُونَ (8) مِنْهُ قَطْرَةً.
ثُمَّ يَرِدُ (9) عَلَيَّ رَايَةُ فِرْعَوْنِ أُمَّتِي- وَ هُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ الْبَهْرَجِيُّونَ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! وَ مَا الْبَهْرَجِيُّونَ؟ أَ بَهْرَجُوا الطَّرِيقَ؟. قَالَ: لَا، وَ لَكِنْ بَهْرَجُوا دِينَهُمْ، وَ هُمُ الَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِلدُّنْيَا وَ لَهَا يَرْضَوْنَ، وَ لَهَا يَسْخَطُونَ، وَ لَهَا يَنْصَبُونَ، فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِ صَاحِبِهِمْ فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ
____________
(1) لا توجد: قال السّامريّ، في المصدر.
(2) في اليقين: قال يقولون لا قتال.
(3) في (ك): تبرّها، و في المصدر: و ما أبترها بعينه.
(4) لا توجد: له، في المصدر.
(5) في اليقين زيادة: فآخذ بيده.
(6) في المصدر: بمن تبعه، بدلا من: تبعه.
(7) نسخة في (ك): ابتززناه، و في المصدر: و أمّا الأصغر فابتززنا حقّه.
(8) في (ك): لا يطمعون- بتقديم الميم على العين المهملة-. و ما في المتن نسخة فيها.
(9) في المصدر: ترد.
209
أَحْشَاؤُهُ، وَ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَعُهُ (1)، فَأَقُولُ: مَا خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟ فَيَقُولُونَ:
كَذَّبْنَا الْأَكْبَرَ وَ مَزَّقْنَاهُ، وَ قَاتَلْنَا الْأَصْغَرَ وَ قَتَلْنَاهُ، فَأَقُولُ: اسْلُكُوا طَرِيقَ أَصْحَابِكُمْ، فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لَا يَطْعَمُونَ (2) مِنْهُ قَطْرَةً.
ثُمَّ تَرِدُ (3) عَلَيَّ رَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ- وَ هُوَ إِمَامُ خَمْسِينَ أَلْفاً مِنْ أُمَّتِي-، فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ، فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ، وَ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَعُهُ (4)، فَأَقُولُ: مَا خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟ فَيَقُولُونَ: كَذَّبْنَا الْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ وَ خَذَلْنَا الْأَصْغَرَ وَ خَذَلْنَا مِنْهُ (5)، فَأَقُولُ: اسْلُكُوا طَرِيقَ (6) أَصْحَابِكُمْ، فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لَا يَطْعَمُونَ (7) مِنْهُ قَطْرَةً.
ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ الْمُخْدَجِ- وَ هُوَ إِمَامُ سَبْعِينَ (8) أَلْفاً مِنَ النَّاسِ- فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ، فَإِذَا أَخَذْتُ بِيَدِهِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ رَجَفَتْ قَدَمَاهُ وَ خَفَقَتْ أَحْشَاؤُهُ، وَ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَعُهُ (9)، فَأَقُولُ: مَا خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ بَعْدِي؟، فَيَقُولُونَ: كَذَّبْنَا الْأَكْبَرَ وَ عَصَيْنَاهُ، وَ قَاتَلْنَا الْأَصْغَرَ وَ قَتَلْنَاهُ (10). فَأَقُولُ: اسْلُكُوا سَبِيلَ أَصْحَابِكُمْ، فَيَنْصَرِفُونَ ظِمَاءً مُظْمَئِينَ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ لَا يَطْعَمُونَ مِنْهُ قَطْرَةً.
ثُمَّ تَرِدُ عَلَيَّ رَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِمَامِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، فَأَقُومُ فَآخُذُ بِيَدِهِ فَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ وَ وُجُوهُ أَصْحَابِهِ، فَأَقُولُ: مَا خَلَفْتُمُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ
____________
(1) في المصدر: بمن تبعه.
(2) جاءت: يطمعون، في (ك).
(3) في (ك): يرد.
(4) في اليقين: بمن تبعه، بدلا من: تبعه.
(5) في المصدر: و خذلنا عنه.
(6) جاءت نسخة بدلا من طريق: سبيل، في (ك).
(7) في (ك): لا يطمعون.
(8) في (ك): سبعون، و هو غلط.
(9) جاء: من تبعه، بدلا من: تبعه، في المصدر.
(10) في (س): و قلناه.
210
بَعْدِي؟. فَيَقُولُونَ تَبِعْنَا الْأَكْبَرَ وَ صَدَّقْنَاهُ، وَ وَازَرْنَا الْأَصْغَرَ وَ نَصَرْنَاهُ وَ قَاتَلْنَا مَعَهُ، فَأَقُولُ: رِدُوا رِوَاءً مَرْوِيِّينَ، فَيَشْرَبُونَ شَرْبَةً لَا يَظْمَئُونَ بَعْدَهَا أَبَداً (1)، وَجْهُ إِمَامِهِمْ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ وَ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَوْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: أَ لَسْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ؟. قَالُوا: بَلَى (2)، وَ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
قَالَ لَنَا الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدِ (3) بْنِ الْفَرَزْدَقِ حَدَّثَنِي بِهَذَا، وَ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنِي بِهَذَا، وَ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِ (4) بْنِ بَزِيعٍ:
اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي بِهَذَا، وَ قَالَ يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ:
اشْهَدُوا عَلَيَّ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ (5)، وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (6): اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا (7) عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ حَصِيرَةَ (8) حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ صَخْرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ (9): اشْهَدُوا عَلَيَّ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ صَخْرَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ حَيَّانَ بْنِ الْحَرْثِ، وَ قَالَ صَخْرُ بْنُ الْحَكَمِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ حَيَّانَ بْنَ الْحَرْثِ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ جَمِيلٍ الضَّبِّيِّ، وَ قَالَ حَيَّانُ بْنُ الْحَرْثِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ الرَّبِيعَ بْنَ
____________
(1) لا توجد: أبدا، في (س).
(2) في المصدر زيادة: قال.
(3) لا توجد في اليقين: بن محمّد.
(4) في المصدر لا توجد: بن عليّ.
(5) لا توجد: عن الحارث بن حصيرة، في المصدر.
(6) في المصدر: عبد اللّه بن عبد الملك، بدلا من: أبو عبد الرّحمن.
(7) لا توجد: بهذا، في اليقين.
(8) في المصدر: حضيرة- بالضاد المعجمة-.
(9) في المصدر: حضيرة- بالضاد المعجمة-.
211
جَمِيلٍ الضَّبِّيَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ مَالِكِ بْنِ ضَمْرَةَ الرَّوَّاسِيِ (1)، وَ قَالَ الرَّبِيعُ (2) بْنُ جَمِيلٍ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ مَالِكَ بْنَ ضَمْرَةَ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَ قَالَ مَالِكُ بْنُ ضَمْرَةَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنْ جَبْرَئِيلَ، وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا عَنِ اللَّهِ (4) أَنَّ جَبْرَئِيلَ حَدَّثَنِي بِهَذَا عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَجْهُهُ (5) وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ.
وَ قَالَ يُوسُفُ بْنُ كُلَيْبٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَ (6) بِهَذَا الْكَلَامِ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ: وَ زَعَمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ- حَدِيثَ الرَّايَاتِ- مِنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيِّ.
بيان: لعلّه عمل بعض الرواة في تفسير العجل و فرعون و هامان نوع تقيّة، لرسوخ حبّ صنمي قريش في قلوب الناس.
و قال الجوهري: خفقت الرّاية تخفُق و تخفِق خَفْقا و خَفَقانا و كذلك القلب و السّراب إذا اضطربا (7).
و قال الفيروزآبادي: البَهْرَجُ: الباطل و الرّديء و المباح، و البَهْرَجَةُ: أن
____________
(1) في (س): الرّاوي. و لا توجد من قوله: الضّبّيّ، و قال حيّان .. إلى هنا في المصدر.
(2) في المصدر: و قال ربيع- بلا ألف و لام-.
(3) لا توجد في المصدر: من قوله: و قال أبو ذرّ .. إلى هنا.
(4) في اليقين: عند اللّه.
(5) في اليقين: جلّ جلاله.
(6) لا توجد الواو، في المصدر.
(7) الصحاح 4- 1469، و قارن بتاج العروس 6- 333، و لسان العرب 10- 80.
212
تعدل (1) بالشّيء عن الجادّة القاصدة إلى غيرها، و المبهرج من المياه: المهمل الّذي لا يمنع عنه، و من الدّماء: المهدّر (2).
70- شف (3): مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ لِأَحْمَدَ بْنِ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ (4)، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي لَيْلَةٍ- وَ عُمَرُ عَلَى بَغْلٍ وَ أَنَا عَلَى فَرَسٍ- فَقَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَمَ وَ اللَّهِ- يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي وَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ (5)، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا أَقَالَنِيَ اللَّهُ إِنْ أَقَلْتُكَ، فَقُلْتُ: أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟!، وَ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ اللَّذَانِ وَثَبْتُمَا وَ انْتَزَعْتُمْ (6) مِنَّا الْأَمْرَ دُونَ النَّاسِ؟. فَقَالَ: إِلَيْكُمْ (7) يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَمَا إِنَّكُمْ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَتَأَخَّرْتُ وَ تَقَدَّمَ هُنَيْئَةً، فَقَالَ:
سِرْ .. لَا سِرْتَ، فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلَامَكَ. فَقُلْتُ: إِنَّمَا ذَكَرْتَ شَيْئاً فَرَدَدْتُ جَوَابَهُ، وَ لَوْ سَكَتَّ سَكَتْنَا.
فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّا مَا فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا (8) عَدَاوَةً، وَ لَكِنْ اسْتَصْغَرْنَاهُ وَ خَشِينَا أَنْ لَا تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَ قُرَيْشٌ لِمَا قَدْ (9) وَتَرَهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
____________
(1) في المصدر: أن يعدل.
(2) القاموس 1- 180، و قارنه بتاج العروس 2- 7، و انظر: لسان العرب 2- 217.
(3) اليقين في إمرة أمير المؤمنين (عليه السلام): 205- 206، بتفصيل في الإسناد.
(4) في (س): يوسف قال ..، و خطّ عليها في (ك).
(5) إلى هنا باختلاف يسير جاء في كتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصفهانيّ 2- 213- طبعة مصر-.
(6) في المصدر: انتزعتما، و هي نسخة في مطبوع البحار.
(7) لعلّ قوله: إليكم .. دعاء عليهم .. أي إلى اللّه إيّاكم .. أي قصركم. أو كان معناه أبعدوا عنّي.
(8) لا توجد: ما فعلنا- الثّانية- في المصدر.
(9) لا توجد: قد في المصدر.
213
اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَبْعَثُهُ (1) فِي الْكَتِيبَةِ فَيَنْطِحُ كَبْشَهَا فَلَمْ يَسْتَصْغِرْهُ (2) فَتَسْتَصْغِرُهُ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ؟، فَقَامَ (3) لَا جَرَمَ، فَكَيْفَ تَرَى وَ اللَّهِ مَا نَقْطَعُ أَمْراً دُونَهُ، وَ (4) لَا نَعْمَلُ شَيْئاً حَتَّى نَسْتَأْذِنَهُ..
بيان: قوله: أما إنّكم .. لعلّه قال ذلك على سبيل التهديد .. أي إنّكم تخاصموني، إمّا إخبارا، و إمّا استفهاما إنكاريّا.
71- شف (5): أَحْمَدُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكِيمِ بْنِ عُتْبَةَ (6)، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَ أَخْرَجَ مَعَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَ (7) وَ يَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!، وَ كَانَ الْعَبَّاسُ رَجُلًا جَمِيلًا فَيَقُولُ: هَذَا صَاحِبُكُمْ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ الْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: تَرَى أَنَا وَ اللَّهِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اسْكُتْ، أَوْلَى (8)- وَ اللَّهِ- بِهَذَا الْأَمْرِ مِنِّي وَ مِنْكَ رَجُلٌ خَلَّفْتُهُ أَنَا وَ أَنْتَ بِالْمَدِينَةِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع)!!!.
72- سر (9): مُوسَى بْنُ بَكْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئاً إِلَّا وَ قَدْ عُصِيَ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ تَزَوَّجُوا أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) في (س): بيعته.
(2) لا يوجد في اليقين: يستصغره، و فيه: فلم تستصغره.
(3) كذا في (س)، و في (ك): فقا ..، و الظّاهر: فقال، كما في المصدر.
(4) لا توجد الواو في (ك).
(5) اليقين: 206، بتفصيل في الإسناد و تصرّف.
(6) خ. ل: الحكم بن عتيبة.
(7) في المصدر: يتلقّون العبّاس.
(8) لا توجد: فقال عمر اسكت أولى ..، في المصدر.
(9) السّرائر: 472- حجرية-، النّوادر، مستطرفات السّرائر: 18، حديث 7.
214
عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَخَيَّرَهُنَّ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ الْحِجَابِ وَ لَا يَتَزَوَّجْنَ أَوْ يَتَزَوَّجْنَ، فَاخْتَرْنَ التَّزْوِيجَ فَتَزَوَّجْنَ.
قَالَ زُرَارَةُ: وَ لَوْ سَأَلْتَ بَعْضَهُمْ أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَبَاكَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، أَ تَحِلُّ لَكَ إِذَنْ؟. لَقَالَ: لَا، وَ هُمْ قَدِ اسْتَحَلُّوا أَنْ يَتَزَوَّجُوا أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ (1)..
73- شي، تفسير العياشي (2): الْمُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليهما السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى. (3) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ، وَ جَرَتْ فِي مُعَاوِيَةَ وَ أَتْبَاعِهِمَا (4).
74- شي، تفسير العياشي (5): عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى. (6) لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ، هَذَا تَأْوِيلٌ، قَالَ (7): أُنْزِلَتْ فِي عُثْمَانَ (8).
75- شي، تفسير العياشي (9): عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى ... إِلَى قَوْلِهِ: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا
____________
(1) انظر: بحار الأنوار 22- 199، حديث 17، و نظيره في البحار 16- 397 و 22- 210 ذيل حديث 36- 37، و 104- 23 حديث 34، و وسائل الشّيعة 14- 313 ذيل حديث 4، و الكافي 5- 421 ذيل حديث 3.
(2) تفسير العيّاشيّ 1- 147، حديث 482.
(3) البقرة: 264.
(4) و انظر: البرهان 1- 253 و 254، و تفسير الصّافي 1- 225.
(5) تفسير العيّاشيّ 1- 147، حديث 483.
(6) البقرة: 264.
(7) وضع على: قال، في (ك) رمز نسخة بدل.
(8) و انظر: تفسير البرهان 1- 253.
(9) تفسير العيّاشيّ 1- 148، حديث 484.
215
كَسَبُوا (1) قَالَ (2) صَفْوَانُ: أَيْ حَجَرٍ وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ (3)؟. قَالَ: فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ مُعَاوِيَةُ وَ أَشْيَاعُهُمْ (4)..
76- شي، تفسير العياشي (5): عَنْ سَعْدَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (6) قَالَ: حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ حُبِّهِمَا (7).
77- سر (8): أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّيَّارِيُّ، عَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ فِيهِ ذَهَبٌ عَزَلَهُ، وَ قَالَ: هَذَا لِطَوْقِ عَمْرٍو (9)، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: كَبِرَ عَمْرٌو (10) عَنِ الطَّوْقِ، فَجَرَى بِهِ الْمَثَلُ (11).
بيان: ذكر (12) أصحاب كتب الأمثال مورد المثل على وجه آخر تعصّبا، مع أنّه لا تنافي بينهما.
قال الزمخشري في المستقصى (13): هو عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة قد
____________
(1) البقرة: 264.
(2) لا توجد: قال، في (ك).
(3) النّساء: 38.
(4) و انظر: تفسير البرهان 1- 254.
(5) تفسير العيّاشيّ 1- 156، حديث 528.
(6) البقرة: 284.
(7) انظر: تفسير البرهان 1- 267، و تفسير الصّافي 1- 237.
(8) النّوادر، مستطرفات السّرائر 47، حديث 2، و في الطبعة الحجرية من السّرائر: 476، و انظر:
مستطرفات السّرائر: 43، حديث 15.
(9) في (ك): عمر، و هو نسخة في المصدر.
(10) في (ك): عمر، و هو نسخة في المصدر.
(11) قد ذكره الميداني في مجمع الأمثال 2- 137.
(12) في (س): سر، ذكر ..، و لم نجده في كتاب السرائر و لا نوادره، و الظاهر كون الرمز زائدا، فتدبّر.
(13) المستقصى في أمثال العرب 2- 214.
216
طوّق كثيرا (1) صغيرا ثم استهوته الجنّ مدّة، فلمّا عاد همّت أمّه بإعادة الطوق إليه، فقال جذيمة: .. ذلك، و قيل إنّها نطّقته و طوّقته و أمرته بزيارة خاله، فلمّا رأى لحيته و الطوق قال: .. ذلك. و يروى شبّ عمرو عن الطوق و جلّ عمرو، يضرب في ارتفاع الكبير عن هيئة الصغير و ما يستهجن من تحليته بحليته (2). و نحوه قال الميداني (3) لكنّه طوّل القصّة الغريبة.
78- شي، تفسير العياشي (4): عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّائِغُ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5): مَنِ ادَّعَى إِمَامَةً مِنَ اللَّهِ لَيْسَتْ لَهُ، وَ مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللَّهِ، وَ مَنْ قَالَ إِنَّ لِفُلَانٍ وَ فُلَانٍ فِي الْإِسْلَامِ نَصِيباً (6).
79- شي، تفسير العياشي (7): عَنْ الثُّمَالِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) .. مِثْلَهُ (8).
80- شي، تفسير العياشي (9): عَنْ عَامِرِ بْنِ كَثِيرٍ السَّرَّاجِ، عَنْ عَطَاءٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ (10) قَالَ: فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
وَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام)، قَالَ: هُمَا وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
____________
(1) خطّ على: كثيرا في (ك)، و كتب عليها رمز نسخة بدل.
(2) في (س): بحلية- بلا ضمير-.
(3) مجمع الأمثال 2- 137 برقم: 3017.
(4) تفسير العيّاشيّ 1- 178، حديث 64، بتفصيل في السّند.
(5) آل عمران: 77.
(6) و حكاه في تفسير البرهان 1- 293.
(7) تفسير العيّاشيّ 1- 178، حديث 65.
(8) و انظر: تفسير البرهان 1- 293.
(9) تفسير العيّاشيّ 1- 274- 275، حديث 267 و 268 و 269.
(10) النّساء: 108.
217
- وَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: الْأَوَّلُ وَ الثَّانِي وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ (1)
. 81- شي، تفسير العياشي (2): عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) قَوْلُهُ تَعَالَى (3) فِي كِتَابِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا (4)، قَالَ: هُمَا وَ الثَّالِثُ وَ الرَّابِعُ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ طَلْحَةُ وَ كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ: لَمَّا وَجَّهَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ (رحمه الله) إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، قَالُوا: بَعَثَ هَذَا الصَّبِيَّ وَ لَوْ بَعَثَ غَيْرَهُ- يَا حُذَيْفَةُ إِلَى أَهْلِ (5) مَكَّةَ، وَ فِي مَكَّةَ صَنَادِيدُهَا، وَ كَانُوا يُسَمُّونَ عَلِيّاً: الصَّبِيَّ، لِأَنَّهُ كَانَ اسْمُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصَّبِيَّ، لِقَوْلِ (6) اللَّهِ: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَ عَمِلَ صالِحاً (7) وَ هُوَ صَبِيٌّ وَ قالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (8)، وَ اللَّهِ (9) الْكُفْرُ بِنَا أَوْلَى مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَسَارُوا فَقَالُوا لَهُمَا وَ خَوَّفُوهُمَا بِأَهْلِ مَكَّةَ فَعَرَضُوا لَهُمَا وَ غَلَّظُوا عَلَيْهِمَا الْأَمْرَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (صلوات الله عليه): حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، وَ مَضَى، فَلَمَّا دَخَلَا مَكَّةَ أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بِقَوْلِهِمْ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) وَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِأَسْمَائِهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ أَ لَمْ تَرَ إِلَى (10) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ .. إِلَى قَوْلِهِ: وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (11)، وَ إِنَّمَا نَزَلَتْ «أَ لَمْ تَرَ إِلَى ..»
____________
(1) انظر: تفسير البرهان 1- 414.
(2) تفسير العيّاشيّ 1- 279- 280، حديث 286.
(3) في المصدر: قول اللّه.
(4) النّساء: 137.
(5) لا توجد: أهل، في (ك).
(6) في (س): يقول.
(7) فصّلت: 33.
(8) فصّلت: 33.
(9) في المصدر: و قالوا: و اللّه.
(10) عبارة: أ لم تر إلى .. ليست جزءا من الآية في القرآن، و لعلّها تفسير أو تأويل للآية من قبل الأئمّة (عليهم السلام).
(11) آل عمران: 173- 174.
218
فُلَانٍ وَ فُلَانٍ لَقُوا عَلِيّاً وَ عَمَّاراً فَقَالا: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ وَ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ، وَ هُمَا اللَّذَانِ قَالَ اللَّهُ:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (1) فَهَذَا أَوَّلُ كُفْرِهِمْ.
وَ الْكُفْرُ الثَّانِي قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الشِّعْبِ رَجُلٌ فَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ بِوَجْهِهِ، فَمَثَلُهُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ عِيسَى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ بَعْضَ أَهْلِهِ، فَإِذَا بِعَلِيٍّ (عليه السلام) قَدْ خَرَجَ وَ طَلَعَ بِوَجْهِهِ، قَالَ (2): هُوَ هَذَا، فَخَرَجُوا غِضَاباً وَ قَالُوا: مَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ نَبِيّاً، وَ اللَّهِ الرُّجُوعُ إِلَى آلِهَتِنَا خَيْرٌ مِمَّا نَسْمَعُ مِنْهُ فِي ابْنِ عَمِّهِ! وَ لَيَصُدُّنَا عَلِيٌّ إِنْ دَامَ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (3)، فَهَذَا الْكُفْرُ الثَّانِي.
وَ زِيَادَةُ الْكُفْرِ (4) حِينَ قَالَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (5)، وَ قَالَ (6) النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): يَا عَلِيُّ! أَصْبَحْتَ وَ أَمْسَيْتَ خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: هُوَ خَيْرٌ مِنْ آدَمَ وَ نُوحٍ وَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ ... إِلَى سَمِيعٌ عَلِيمٌ (7) قَالُوا: فَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ .. قَالَ اللَّهُ (8): قُلْ ... إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (9) وَ لَكِنَّهُ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَ ذُرِّيَّتُهُ خَيْرٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكُمْ، وَ مَنِ اتَّبَعَهُ خَيْرٌ مِمَّنِ اتَّبَعَكُمْ، فَقَامُوا غِضَاباً، وَ قَالُوا زِيَادَةُ: الرُّجُوعِ إِلَى الْكُفْرِ أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِمَّا
____________
(1) النّساء: 137.
(2) في المصدر: و قال.
(3) الزّخرف: 57.
(4) في تفسير العيّاشيّ: و زاد الكفر بالكفر.
(5) البيّنة: 7.
(6) في المصدر: فقال.
(7) آل عمران: 33- 34.
(8) الظّاهر سقوط: قال، أي قال: قال اللّه ..
(9) الأعراف: 158.
219
يَقُولُ فِي ابْنِ عَمِّهِ! وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (1).
بيان: يَصِدُّونَ. بمعنى يضجّون (2)، و قوله و ليصدّنا .. ليس لبيان هذا الصدود، بل هو بمعنى المنع (3) عمّا هو مرادهم.
قوله (عليه السلام): و قالوا زيادة .. بالنصب، أو الرفع بالإضافة.
82- شي، تفسير العياشي (4): عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام) عَنْ قَوْلِهِ (5): إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... (6) ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (7) قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي (8) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الَّذِي بَعَثَهُ عُثْمَانُ إِلَى مِصْرَ، قَالَ: وَ ازْدادُوا كُفْراً حِينَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ (9).
83- شي، تفسير العياشي (10): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (11) بْنِ كَثِيرٍ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً (12) قَالَ: نَزَلَتْ فِي فُلَانٍ وَ فُلَانٍ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَوَّلِ
____________
(1) النّساء: 137. و قد ذكر صدر الحديث في تفسير العيّاشيّ أيضا 1- 206، حديث 154، و انظر:
تفسير البرهان 1- 421، و ذكره الفيض الكاشانيّ في تفسيره الصّافي عن العيّاشيّ مختصرا.
(2) كما في مجمع البحرين 3- 83، و انظر: لسان العرب 3- 246، و الصحاح 2- 496، و غيرهما.
(3) ذكره في مجمع البحرين 3- 83، و انظر: الصحاح 2- 495، و لسان العرب 3- 246.
(4) تفسير العيّاشيّ 1- 280، حديث 287.
(5) في المصدر: في قول اللّه.
(6) في التّفسير ذكر المحذوف من الآية و هي: ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.
(7) النّساء: 137.
(8) لا توجد: أبي، في المصدر، و هو الظّاهر، و هو اسم أخي عثمان من الرّضاع، و هو الّذي أهدر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دمه يوم فتح مكّة.
(9) لا توجد: شيء في (س). و انظر: تفسير البرهان 1- 422، و تفسير الصّافي 1- 404.
(10) تفسير العيّاشيّ 1- 281، حديث 289.
(11) في المصدر: عبد الرّحمن.
(12) النّساء: 137.
220
الْأَمْرِ ثُمَّ كَفَرُوا حِينَ عَرَضَتْ عَلَيْهِمُ الْوَلَايَةُ، حَيْثُ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، ثُمَّ آمَنُوا بِالْبَيْعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) حَيْثُ قَالُوا لَهُ: بِأَمْرِ اللَّهِ وَ أَمْرِ رَسُولِهِ .. فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ كَفَرُوا حَيْثُ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمْ يُقِرُّوا بِالْبَيْعَةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بِأَخْذِهِمْ مَنْ بَايَعُوهُ بِالْبَيْعَةِ لَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ (1).
84- كا (2): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ .. مِثْلَهُ.
بيان:
المراد بمن بايعوه: أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).
85- شي، تفسير العياشي (3): عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ (4)، قَالَ:
فَقَالَ: هُمْ أَوْلِيَاءُ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ اتَّخَذُوهُمْ أَئِمَّةً دُونَ (5) الْإِمَامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ... (6) إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ النَّارِ (7)، قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام):
____________
(1) لا توجد: شيء، في (س)، و انظر: تفسير البرهان 1- 422، و الصّافي 1- 404.
(2) الكافي 1- 420- كتاب الحجّة- باب فيه نكت و نتف من التّنزيل في الولاية، حديث 42، و انظر بقيّة روايات الباب.
(3) تفسير العيّاشيّ 1- 72، حديث 142.
(4) البقرة: 165.
(5) في المصدر: من دون.
(6) البقرة: 165- 166.
(7) البقرة: 167.
221
هُمْ وَ اللَّهِ- يَا جَابِرُ- أَئِمَّةُ (1) الظُّلْمِ وَ أَشْيَاعُهُمْ (2)..
86- شي، تفسير العياشي (3): عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهما السلام) قَوْلُهُ (4): وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ (5) قَالَ: هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ (6) (صلّى اللّه عليه و آله) (7).
87- شي، تفسير العياشي (8): عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (9)؟. قَالَ: أَعْدَاءُ عَلِيٍّ (عليه السلام) هُمُ الْمُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ (10)..
88- شي، تفسير العياشي (11): عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَشَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (12)؟. قَالَ:
فُلَانٌ وَ فُلَانٌ. وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ (13)، النَّسْلُ: هُمُ الذُّرِّيَّةُ، وَ الْحَرْثُ:
الزَّرْعُ..
____________
(1) في تفسير العيّاشيّ: و اللّه يا جابر هم أئمّة.
(2) و انظر: تفسير البرهان 1- 172، و الصّافي 1- 156، و إثبات الهداة 1- 262.
(3) تفسير العيّاشيّ 1- 72، حديث 143.
(4) في (س): قال.
(5) البقرة: 165.
(6) في (ك) نسخة بدل: هم أصحاب آل محمّد.
(7) انظر: تفسير البرهان 1- 172، و الصّافي 1- 157.
(8) تفسير العيّاشيّ 1- 73، حديث 145.
(9) البقرة: 167.
(10) لاحظ: تفسير البرهان 1- 172، و الصّافي 1- 157.
(11) تفسير العيّاشيّ 1- 100، حديث 287.
(12) البقرة: 204.
(13) البقرة: 205.
(14) و قد حكاه في تفسير البرهان 1- 205، و الصّافي 1- 181 عنه.
222
89- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّاراً يَقُولُ- عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ-: ثَلَاثَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى [فُلَانٍ] أَنَّهُ كَافِرٌ وَ أَنَا الرَّابِعُ، وَ أَنَا أُتِمُّ الْأَرْبَعَةَ (2)، ثُمَّ قَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ (3) فِي الْمَائِدَةِ: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (4) وَ الظَّالِمُونَ (5) وَ الْفاسِقُونَ (6).
90- شي، تفسير العياشي (7): عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام)، قَالَ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ فِي الْخُمُسِ نَصِيباً لِآلِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهُمْ نَصِيبَهُمْ حَسَداً وَ عَدَاوَةً، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (8)، وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ مَنْ مَنَعَ آلَ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) حَقَّهُمْ وَ ظَلَمَهُمْ، وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِهِمْ، وَ لَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ عَلَى غَيْرِ شُورَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ لَا رِضًى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَعَاشَ عُمَرُ بِذَلِكَ لَمْ يُعْطِ آلَ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) حَقَّهُمْ وَ صَنَعَ مَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ (9).
91- شي، تفسير العياشي (10): عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): مَنْ جاءَ
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 1- 323، حديث 123.
(2) في المصدر: و أنا أسمّي الأربعة.
(3) في (س): هذه الآيات، و جعل ما في المتن نسخة.
(4) المائدة: 44.
(5) المائدة: 45.
(6) المائدة: 47. و قد جاء في تفسير البرهان 1- 476.
(7) تفسير العيّاشيّ 1- 325، حديث 130.
(8) المائدة: 47.
(9) و انظر: تفسير البرهان 1- 478.
(10) تفسير العيّاشيّ 1- 387، حديث 140.
223
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (1) قَالَ: مَنْ ذَكَرَهُمَا فَلَعَنَهُمَا كُلَّ غَدَاةٍ كَتَبَ اللَّهُ (2) لَهُ سَبْعِينَ حَسَنَةً، وَ مَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَ رَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ (3).
92- م (4): قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (5)؟. قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ (عليهما السلام): وَ إِذَا لَقِيَ (6) هَؤُلَاءِ النَّاكِثُونَ لِبَيْعَتِهِ (7) الْمُوَاطِئُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ دَفْعِ الْأَمْرِ عَنْهُ، الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا كَإِيمَانِكُمْ، إِذَا لَقُوا سَلْمَانَ وَ الْمِقْدَادَ وَ أَبَا ذَرٍّ وَ عَمَّاراً قَالُوا لَهُمْ: آمَنَّا بِمُحَمَّدٍ (ص) وَ سَلَّمْنَا لَهُ بَيْعَةَ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ فَضْلَهُ (8) وَ أَنْفَذْنَا لِأَمْرِهِ كَمَا آمنتهم [آمَنْتُمْ (9) إِنْ كَانَ (10) أَوَّلَهُمْ وَ ثَانِيَهُمْ وَ ثَالِثَهُمْ إِلَى تَاسِعِهِمْ، رُبَّمَا كَانُوا يَلْتَقُونَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِمْ مَعَ سَلْمَانَ وَ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا لَقُوهُمْ اشْمَأَزُّوا مِنْهُمْ وَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ السَّاحِرِ وَ الْأَهْوَجِ- يَعْنُونَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً (عليهما السلام)-، ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: احْتَرِزُوا مِنْهُمْ لَا يَقِفُونَ مِنْ فَلَتَاتِ كَلَامِكُمْ عَلَى كُفْرِ مُحَمَّدٍ فِيمَا قَالَهُ فِي عَلِيٍّ فَيَنِمُّوا عَلَيْكُمْ، فَيَكُونَ فِيهِ هَلَاكُكُمْ، فَيَقُولُ أَوَّلُهُمُ: انْظُرُوا إِلَيَّ كَيْفَ أَسْخَرُ مِنْهُمْ وَ أَكُفُّ عَادِيَتَهُمْ عَنْكُمْ؟. فَإِذَا لَقُوا (11) قَالَ أَوَّلُهُمْ: مَرْحَباً بِسَلْمَانَ ابْنِ الْإِسْلَامِ الَّذِي
____________
(1) الأنعام: 160.
(2) لا يوجد لفظ الجلالة في (س).
(3) انظر: البرهان في تفسير القرآن 1- 566.
(4) تفسير الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): 120- 125، حديث 63، و هناك نسخ أخرى جاءت في ذيل المصدر أو خلال متنه لم نشر إليها.
(5) البقرة: 14- 15. و ذكر بعدهما في المصدر: قال الإمام (عليه السلام).
(6) في المصدر: إذا لقوا ..
(7) في التّفسير: للبيعة ..
(8) وضع في مطبوع البحار على: فضله، رمز نسخة بدل و بعدها: ص، أي في نسخة صحيحة.
(9) كذا، و في المصدر: كما أمنتم.
(10) في (س) وضع على: كان، رمز نسخة بدل، و هي لا توجد في المصدر.
(11) في المصدر: فإذا التقوا.
224
قَالَ فِيهِ مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْأَنَامِ: لَوْ كَانَ الدِّينُ مُتَعَلِّقاً (1) بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، هَذَا أَفْضَلُهُمْ، يَعْنِيكَ. وَ قَالَ فِيهِ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَقَرَنَهُ بِجَبْرَئِيلَ الَّذِي قَالَ لَهُ يَوْمَ الْعَبَاءِ لَمَّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): وَ أَنَا مِنْكُمْ، فَقَالَ:
وَ أَنْتَ مِنَّا حَتَّى ارْتَقَى جَبْرَئِيلُ إِلَى الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى يَفْتَخِرُ عَلَى أَهْلِهِ يَقُولُ: مَنْ مِثْلِي؟! بَخْ بَخْ وَ أَنَا (2) مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله).
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمِقْدَادِ: مَرْحَباً بِكَ يَا مِقْدَادُ! أَنْتَ الَّذِي قَالَ فِيكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيٍّ (عليه السلام): يَا عَلِيُّ! الْمِقْدَادُ أَخُوكَ فِي الدِّينِ وَ قَدْ قَدِمَكَ (3) فَكَأَنَّهُ بَعْضُكَ، حُبّاً لَكَ وَ تَعَصُّباً عَلَى أَعْدَائِكَ، وَ مُوَالاةً لِأَوْلِيَائِكَ، وَ مُعَادَاةً لِأَعْدَائِكَ (4)، لَكِنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاوَاتِ وَ الْحُجُبِ أَكْثَرُ حُبّاً لَكَ مِنْكَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ أَكْثَرُ تَعَصُّباً عَلَى أَعْدَائِكَ (5) مِنْكَ عَلَى أَعْدَاءِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَطُوبَاكَ ثُمَّ طُوبَاكَ.
ثُمَّ يَقُولُ لِأَبِي ذَرٍّ: مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! أَنْتَ الَّذِي قَالَ فِيكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَ لَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَ (6) قِيلَ: بِمَا ذَا فَضَّلَهُ اللَّهُ وَ شَرَّفَهُ (7)؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لِأَنَّهُ كَانَ بِفَضْلِ عَلِيٍّ- أَخِي رَسُولِ اللَّهِ (صلوات الله عليهما) وَ آلِهِمَا- قَوَّالًا، وَ لَهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ مَدَّاحاً، وَ لِشَانِئِيهِ وَ أَعْدَائِهِ شَانِئاً، وَ لِأَوْلِيَائِهِ وَ أَحِبَّائِهِ مُوَالِياً، وَ سَوْفَ يَجْعَلُهُ
____________
(1) في التّفسير: معلّقا.
(2) نسخة بدل في (ك): أنا- بتشديد النّون-، و جاء في (س) بدلا من: و أنا، و أنت.
(3) في المصدر: و قد قد منك، و هو الظّاهر.
(4) لا توجد في التّفسير: و معاداة لأعدائك.
(5) من قوله (عليه السلام): و مولاة لأوليائك .. إلى هنا لا توجد في (س)، و لعلّها سطر ساقط، و هي موجودة في المصدر إلّا أنّ بدلا من: أكثر تعصّبا، أشدّ بغضا.
(6) لا توجد الواو في المصدر.
(7) في المصدر: اللّه تعالى بهذا و شرّفه.
225
اللَّهُ فِي الْجِنَانِ مِنْ أَفْضَلِ سَاكِنِيهَا (1)، وَ يَخْدُمُهُ مَا لَا يَعْرِفُ عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ وَصَائِفِهَا وَ غِلْمَانِهَا وَ وِلْدَانِهَا.
ثُمَّ يَقُولُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَهْلًا وَ سَهْلًا وَ مَرْحَباً بِكَ يَا عَمَّارُ! نِلْتَ بِمُوَالاةِ أَخِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ أَنَّكَ وَادِعٌ رَافِهٌ لَا تَزِيدُ عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ وَ الْمَسْنُونَاتِ مِنْ سَائِرِ (2) الْعِبَادَاتِ مَا لَا يَنَالُهُ الْكَادُّ بَدَنَهُ لَيْلًا وَ نَهَاراً- يَعْنِي اللَّيْلَ قِيَاماً وَ النَّهَارَ صِيَاماً-، وَ الْبَاذِلُ أَمْوَالَهُ وَ إِنْ كَانَتْ جَمِيعُ أَمْوَالِ الدُّنْيَا لَهُ، مَرْحَباً بِكَ، قَدْ رَضِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيٍّ- أَخِيهِ- مُصَافِياً، وَ عَنْهُ مُنَاوِئاً، حَتَّى أَخْبَرَ أَنَّكَ سَتُقْتَلُ فِي مَحَبَّتِهِ، وَ تُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي خِيَارِ زُمْرَتِهِ، وَفَّقَنِيَ اللَّهُ تَعَالَى لِمِثْلِ عَمَلِكَ وَ عَمَلِ أَصْحَابِكَ، حَتَّى (3) تَوَفَّرَ عَلَى خِدْمَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ أَخِي مُحَمَّدٍ عَلِيٍّ وَلِيِّ اللَّهِ- وَ مُعَادَاةِ أَعْدَائِهِمَا بِالْعَدَاوَةِ، وَ مُصَافَاةِ أَوْلِيَائِهِمَا بِالْمُوَالاةِ وَ الْمُتَابَعَةِ، سَوْفَ يُسْعِدُنَا اللَّهُ يَوْمَنَا (4) إِذَا الْتَقَيْنَا بِكُمْ، فَيَقُولُ (5) سَلْمَانُ وَ أَصْحَابُهُ ظَاهِرُهُمْ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَ يَجُوزُونَ عَنْهُمْ، فَيَقُولُ الْأَوَّلُ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ سُخْرِيَّتِي لِهَؤُلَاءِ (6)؟
وَ كَيْفَ كَفَفْتُ عَادِيَتَهُمْ عَنِّي وَ عَنْكُمْ؟. فَيَقُولُونَ لَهُ (7): لَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا عِشْتَ لَنَا.
فَيَقُولُ لَهُمْ: فَهَكَذَا فَلْتَكُنْ مُعَامَلَتُكُمْ لَهُمْ إِلَى أَنْ تَنْتَهِزُوا الْفُرْصَةَ فِيهِمْ مِثْلَ هَذَا، فَإِنَّ اللَّبِيبَ الْعَاقِلَ مَنْ تَجَرَّعَ عَلَى الْغُصَّةِ حَتَّى يَنَالَ الْفُرْصَةَ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى أَخْدَانِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمُتَمَرِّدِينَ الْمُشَارِكِينَ لَهُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ ذِكْرِ تَفْضِيلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)
____________
(1) جاء في التّفسير: اللّه عزّ و جلّ في الجنان من أفضل سكّانها.
(2) خطّ على كلمة: سائر في (س).
(3) في المصدر: ممّن، بدلا من: حتّى، و هي نسخة في (ك)، و هو الظّاهر.
(4) يومنا هذا، جاءت في المصدر.
(5) في المصدر: فيقبل، و هي نسخة في (ك).
(6) جاء: بهؤلاء، بدلا من: لهؤلاء، في المصدر.
(7) لا توجد في المصدر: له.
226
وَ نَصْبِهِ إِمَاماً عَلَى كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ. قَالُوا لَهُمْ: إِنَّا مَعَكُمْ. (1) عَلَى مَا وَاطَأْنَاكُمْ عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ عَلِيِّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنْ كَانَتْ لِمُحَمَّدٍ كَائِنَةٌ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ وَ لَا يَهُولَنَّكُمْ مَا تَسْتَمِعُونَهُ مِنَّا مِنْ تَقْرِيظِهِمْ، وَ تَرَوْنَنَا نَجْتَرِئُ عَلَيْهِ (2) مِنْ مُدَارَاتِهِمْ فَإِنَّا (3) نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا مُحَمَّدُ (ص)!: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (4) يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ: وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ (5) يُمْهِلُهُمْ وَ يَتَأَتَّى بِهِمْ (6) بِرِفْقِهِ وَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، وَ يَعِدُهُمْ إِذَا أَنَابُوا الْمَغْفِرَةَ يَعْمَهُونَ (7) وَ هُمْ يَعْمَهُونَ وَ لَا يَرْعَوُونَ (8).
قَالَ الْعَالِمُ (صلوات الله عليه) (9): فَأَمَّا اسْتِهْزَاءُ اللَّهِ (10) بِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مَعَ إِجْرَائِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ظَاهِرِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ لِإِظْهَارِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنَ السَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ وَ الْمُوَافَقَةِ، يَأْمُرُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالتَّعْرِيضِ لَهُمْ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَى الْمُخْلِصِينَ مَنِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ، وَ يَأْمُرُ بِلَعْنِهِمْ.
وَ أَمَّا اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَقَرَّهُمْ فِي دَارِ اللَّعْنَةِ وَ الْهَوَانِ وَ عَذَّبَهُمْ بِتِلْكَ الْأَلْوَانِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْعَذَابِ، وَ أَقَرَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِنَانِ
____________
(1) ذكر ما بعد الآية في المصدر: .. إنّما نحن ..
(2) جاء في المصدر: و ترونا نجتري عليهم، و هو الظّاهر.
(3) في التّفسير: فإنّما، فيكون جزء الآية الكريمة.
(4) البقرة: 15.
(5) البقرة: 15.
(6) في المصدر: و يتأنّى بهم.
(7) البقرة: 15. و في نسخة من المصدر: و هم يعمهون.
(8) في التّفسير: يعمهون لا ينزعون .. و فيه زيادة هنا: .. عن قبيح، و لا يتركون أذى لمحمّد (ص).
و عليّ (ع) يمكنهم إيصاله إليهما إلّا بلغوه.
(9) في المصدر: قال الإمام العالم (عليه السلام).
(10) جاء: اللّه تعالى، في المصدر.
227
بِحَضْرَةِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) صَفِيِّ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، أَطْلَعَهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِءِينَ بِهِمْ (1) فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَرَوْا مَا هُمْ (2) فِيهِمْ مِنْ عَجَائِبِ اللَّعَائِنِ، وَ بَدَائِعِ النَّقِمَاتِ، فَيَكُونُ (3) لَذَّتُهُمْ وَ سُرُورُهُمْ بِشَمَاتَتِهِمْ (4) كَمَا لَذَّتُهُمْ وَ سُرُورُهُمْ بِنَعِيمِهِمْ فِي جِنَانِ رَبِّهِمْ، فَالْمُؤْمِنُونَ يَعْرِفُونَ أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ الْمُنَافِقِينَ (5) بِأَسْمَائِهِمْ وَ صِفَاتِهِمْ، وَ هُمْ عَلَى أَصْنَافٍ:
مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ بَيْنَ أَنْيَابِ أَفَاعِيهَا تَمْضَغُهُ.
وَ مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ بَيْنَ مَخَالِيبِ (6) سِبَاعِهَا تَعْبَثُ بِهِ وَ تَفْتَرِسُهُ.
وَ مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ تَحْتَ سِيَاطِ زَبَانِيَتِهَا وَ أَعْمِدَتِهَا وَ مِرْزَبَاتِهَا يَقَعُ (7) مِنْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ [مَا تُشَدِّدُ (8) فِي عَذَابِهِ، وَ تُعَظِّمُ خِزْيَهُ وَ نَكَالَهُ.
وَ مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ فِي بِحَارِ حَمِيمِهَا يَغْرَقُ وَ يُسْحَبُ فِيهَا.
وَ مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ (9) فِي غِسْلِينِهَا وَ غَسَّاقِهَا تَزْجُرُهُ (10) زَبَانِيَتُهَا.
وَ مِنْهُمْ: مَنْ هُوَ فِي سَائِرِ أَصْنَافِ عَذَابِهَا، وَ الْكَافِرُونَ وَ (11) الْمُنَافِقُونَ يَنْظُرُونَ فَيَرَوْنَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا يَسْخَرُونَ لِمَا كَانُوا مِنْ مُوَالاةِ مُحَمَّدٍ
____________
(1) في المصدر: المستهزءين الّذين كانوا يستهزءون بهم ..
(2) لا توجد: هم، في (س)، و جاء في (ك): فيه، بدلا من: فيهم.
(3) في التّفسير: فتكون.
(4) في المصدر: بشماتتهم بهم ..
(5) في المصدر: و المنافقين.
(6) في التّفسير: مخالب- بلا ياء-.
(7) في المصدر: تقع.
(8) في التّفسير: ما تشدّد ..، و هو الظّاهر.
(9) لا توجد كلمة: هو، في (س).
(10) في المصدر: يزجره فيها.
(11) وضع رمز نسخة بدل على الواو في (س).
228
وَ عَلِيٍّ وَ آلِهِمَا (صلوات الله عليهم) يَعْتَقِدُونَ، فَيَرْونَهُمْ (1) مِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَلَى فُرُشِهَا يَتَقَلَّبُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَلَى (2) فَوَاكِهِهَا يَرْتَعُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَلَى (3) غُرُفَاتِهَا أَوْ فِي بَسَاتِينِهَا وَ مُتَنَزَّهَاتِهَا (4) يَتَبَحْبَحُ (5)، وَ الْحُورُ الْعِينُ وَ الْوُصَفَاءُ وَ الْوِلْدَانُ وَ الْجَوَارِي وَ الْغِلْمَانُ قَائِمُونَ بِحَضْرَتِهِمْ وَ طَائِفُونَ بِالْخِدْمَةِ حَوَالَيْهِمْ، وَ مَلَائِكَةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْتُونَهُمْ مِنْ عِنْدَ رَبِّهِمْ بِالْحِبَاءِ وَ الْكَرَامَاتِ وَ عَجَائِبِ التُّحَفِ وَ الْهَدَايَا وَ الْمَبَرَّاتِ، يَقُولُونَ (6): سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (7)، فَيَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُشْرِفُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الْمُنَافِقِينَ: يَا أَبَا فُلَانٍ! (8) وَ يَا فُلَانُ! وَ يَا فُلَانُ! (9) .. حَتَّى يُنَادُونَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ: مَا بَالُكُمْ فِي مَوَاقِفِ خِزْيِكُمْ مَاكِثُونَ؟! هَلُمُّوا إِلَيْنَا نَفْتَحْ لَكُمْ أَبْوَابَ الْجِنَانِ لِتَخْلُصُوا مِنْ عَذَابِكُمْ، وَ تَلْحَقُوا بِنَا فِي نَعِيمِهَا، فَيَقُولُونَ: يَا وَيْلَنَا! أَنَّى لَنَا هَذَا؟. يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى أَبْوَابٍ مِنَ (10) الْجِنَانِ مُفَتَّحَةً يُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا إِلَى جَهَنَّمَ الَّتِي فِيهَا يُعَذَّبُونَ، وَ يُقَدِّرُونَ أَنَّهُمْ مُمَكَّنُونَ (11) أَنْ يَتَخَلَّصُوا إِلَيْهَا، فَيَأْخُذُونَ فِي
____________
(1) في المصدر: و يرون.
(2) في التّفسير: في، بدلا من: على و وضع رمز نسخة في (ك) على كلمة: على.
(3) وضع على كلمة: على، رمز نسخة بدل في (ك)، و جاء بدلا منها: في، في المصدر.
(4) في المصدر: منتزهاتها، قال في القاموس 4- 294: التّنزّه: التّباعد، و الاسم النّزهة .. و نزه ككرم و ضرب- نزاهة و نزاهية، و الرّجل تباعد عن كلّ مكروه فهو نزيه.
(5) في (ك): يبتجح- بتقديم الباء الموحّدة على التّاء المثنّاة- و هو غلط، و تقرأ ما في (س): يبتجح بتقديم الجيم على الحاء المهملة، و التّبجّح: الفرح كما في القاموس 1- 214. أمّا معنى: يتبحبح فقد تعرّض المصنّف- (رحمه الله)- له في بيانه.
(6) في المصدر: يقولون لهم، و هي نسخة بدل في (ك).
(7) الرّعد: 24.
(8) في المصدر: يا فلان.
(9) في (س). وضع على فلان- الثّالثة- رمز نسخة بدل.
(10) وضع على: من، في (س) رمز نسخة بدل.
(11) في المصدر: يتمكّنون.
229
السِّبَاحَةِ (1) فِي بِحَارِ حَمِيمِهَا وَ عَدَوْا مِنْ (2) بَيْنِ أَيْدِي زَبَانِيَتِهَا وَ هُمْ يَلْحَقُونَهُمْ وَ يَضْرِبُونَهُمْ بِأَعْمِدَتِهِمْ وَ مِرْزَبَاتِهِمْ وَ سِيَاطِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ هَكَذَا يَسِيرُونَ هُنَاكَ، وَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الْعَذَابِ تَمَسُّهُمْ حَتَّى إِذَا قَدَّرُوا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا تِلْكَ الْأَبْوَابَ وَجَدُوهَا مَرْدُومَةً عَنْهُمْ، وَ تُدَهْدِهُهُمُ (3) الزَّبَانِيَةُ بِأَعْمِدَتِهَا فَتُنَكِّسُهُمْ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ، وَ يَسْتَلْقِي أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ يَضْحَكُونَ مِنْهُمْ مُسْتَهْزِءِينَ بِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (4)، وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (5).
بيان: قال الفيروزآبادي: الهوج- محرّكة- طول في حمق و طيش و تسرّع (6).
و الوادع: السّاكن الخافض في العيش (7).
و رجل رافه .. أي وادع، و هو في رفاهة من العيش .. أي سعة (8).
و قال الجوهري: الإرزبّة- بالكسر (9)- الّتي يكسر بها المدر، فإن قلتها بالميم
____________
(1) في التّفسير: بالسباحة.
(2) لا توجد: من، في المصدر، و وضع عليها في (س) رمز نسخة بدل.
(3) في (س): تدهدههم، و في نسخة: تزهّدهم، و في أخرى: دهدهم.
أقول: إنّ المصنّف- (رحمه الله)- قد تعرّض لمادة الدهدهة، و أمّا الدهد فليس له في كتب اللّغة الّتي بأيدينا عين و لا أثر، و لعلّه: دهدأ فحذفت الهمزة تخفيفا، و هو بمعنى الدهدهة كما في النّهاية 2- 143.
(4) البقرة: 15.
(5) المطفّفين: 34- 35.
(6) القاموس 1- 221، و قارن بتاج العروس 2- 118، و انظر: لسان العرب 2- 394.
(7) كما في مجمع البحرين 4- 401، و الصحاح 3- 1295، و تاج العروس 5- 534.
(8) ذكره في الصحاح 6- 2232، و لسان العرب 13- 493، و غيرهما.
(9) لا توجد في المصدر: بالكسر.
230
خفّفت، قلت (1): المرزبة (2).
و قال: سحبت ذيلي فانسحب (3): جررته فانجرّر (4).
و قال: التّبحبح: التّمكّن في الحلول و المقام (5).
و الرّدم: السّدّ (6).
و دهدهت الحجر فَتَدَهْدَهَ: دحرجته فتدحرج (7).
93- شي، تفسير العياشي (8): عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (9): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ ... إِلَى قَوْلِهِ: الْفاسِقِينَ (10) فَأَمَّا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ (11) فَإِنَّ الْكُفْرَ فِي الْبَاطِنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَايَةُ الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي وَ هُوَ كُفْرٌ، وَ قَوْلُهُ: عَلَى الْإِيمَانِ، فَالْإِيمَانُ وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
قَالَ: وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (12)..
94- شي، تفسير العياشي (13): عَنْ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ
____________
(1) في الصحاح: فقلت.
(2) الصحاح 1- 135، و قارن ب: لسان العرب 1- 416.
(3) في المصدر: اسحب.
(4) صحاح اللغة 1- 146 و فيه: فانجرّ، بدلا من: فانجرر، و انظر: لسان العرب 1- 461.
(5) الصحاح 1- 354، و لاحظ: النهاية 1- 98.
(6) كما نصّ عليه في الصحاح 5- 1930، و تاج العروس 8- 309.
(7) ذكره في صحاح اللغة 6- 2231، و انظر: لسان العرب 13- 489، و غيرهما.
(8) تفسير العيّاشيّ 2- 84، حديث 36.
(9) لا توجد: تعالى، في المصدر.
(10) التّوبة: 23.
(11) التّوبة: 24.
(12) و ذكرت في تفسير البرهان 2- 111 عنه.
(13) تفسير العيّاشيّ 2- 84، حديث 38.
231
تَعَالَى: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... إِلَى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (1)؟.
فَقَالَ: أَبُو فُلَانٍ (2).
95- سر (3): عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي احْتِجَاجِ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي الْغَارِ، فَقَالَ (عليه السلام):
حَسْبُكَ بِذَلِكَ عَاراً- أَوْ قَالَ (4): شَرّاً- إِنَّ اللَّهَ (5) لَمْ يَذْكُرْ رَسُولَ اللَّهِ (6) (صلّى اللّه عليه و آله) مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنْزَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً، وَ إِنَّهُ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَى رَسُولِهِ وَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا وَ (7) خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) دُونَهُ..
96- سر (8): مِنْ كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ قُولَوَيْهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: خَطَبَ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِيَوْمَيْنِ-، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تُغَالُوا بِصَدُقَاتِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَضْلُ فِيهَا لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَفْعَلُ (9)، كَانَ نَبِيُّكُمْ (عليه السلام) يُصْدِقُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ الْمَحْشُوَّةَ وَ فِرَاشَ اللِّيفِ وَ الْخَاتَمَ وَ الْقَدَحَ وَ مَا أَشْبَهَهَا (10)، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ، وَ مَا أَقَامَ يَوْمَيْنِ (11) أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى أَرْسَلَ صَدَاقَ (12) بِنْتِ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِأَرْبَعِينَ أَلْفاً..
____________
(1) التّوبة: 25.
(2) و انظر: تفسير البرهان 2- 112، و تفسير الصّافي 1- 690.
(3) مستطرفات السّرائر: 138، حديث 6.
(4) في (س): و قال، و هو غلط.
(5) في المصدر: إنّ اللّه تعالى.
(6) في المستطرفات: رسوله.
(7) لا توجد الواو، في المصدر.
(8) مستطرفات السّرائر: 144، حديث 12.
(9) في المصدر: يفعله.
(10) في المستطرفات: و القدح الكثيف و ما أشبه ذلك.
(11) في المصدر: فما أقام إلّا يومين.
(12) في المصدر: في صداق ..
232
97- شي، تفسير العياشي (1): عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ (2): يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ، بَابُهَا الْأَوَّلُ: لِلظَّالِمِ وَ هُوَ زُرَيْقٌ، وَ بَابُهَا الثَّانِي: لِحَبْتَرٍ، وَ الْبَابُ الثَّالِثُ: لِلثَّالِثِ، وَ الرَّابِعُ: لِمُعَاوِيَةَ، وَ الْبَابُ الْخَامِسُ: لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَ الْبَابُ السَّادِسُ: لِعَسْكَرِ بْنِ هُوسِرٍ، وَ الْبَابُ السَّابِعُ: لِأَبِي سَلَامَةَ، فَهُمْ أَبْوَابٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ (3).
بيان: سيأتي (4) أنّ عسكر [عسكرا اسم جمل عائشة، و يحتمل أن يكون كناية عن بعض ولاة بني أميّة كأبي سلامة، و يحتمل أن يكون أبو سلامة كناية عن أبي مسلم إشارة إلى من سلّطهم من بني العبّاس.
98- شي، تفسير العياشي (5): عَنْ حَرِيزٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ (6)، قَالَ: هُوَ الثَّانِي، وَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَ (قالَ الشَّيْطانُ) إِلَّا وَ هُوَ الثَّانِي (7).
99- شي، تفسير العياشي (8): عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، أَنَّهُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُؤْتَى بِإِبْلِيسَ فِي سَبْعِينَ غُلًّا وَ سَبْعِينَ كَبْلًا (9)، فَيَنْظُرُ الْأَوَّلُ إِلَى زُفَرَ فِي
____________
(1) تفسير العيّاشيّ 2- 243، حديث 19.
(2) في المصدر: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ..
(3) و قد ذكرها في تفسير البرهان 2- 345.
(4) بحار الأنوار 32- 172- 173، حديث 132، و غيره.
(5) تفسير العيّاشيّ 2- 223، حديث 8.
(6) سورة إبراهيم (ع): 22.
(7) و جاء في البرهان 2- 310، و تفسير الصّافي 1- 885.
(8) تفسير العيّاشيّ 2- 223، حديث 9.
(9) جاء في حاشية (ك): الكبل: القيد و الضّخم، يقال: كبلت الأسير و كبّلته: إذا قيّدته فهو مكبول و مكبّل. صحاح.
انظر: الصّحاح 5- 1808. و لا توجد واو من: و الضّخم.
233
عِشْرِينَ وَ مِائَةِ كَبْلٍ وَ عِشْرِينَ وَ مِائَةِ غُلٍّ، فَيَنْظُرُ إِبْلِيسُ فَيَقُولُ: مَنْ هَذَا الَّذِي أَضْعَفَهُ اللَّهُ الْعَذَابَ (1) وَ أَنَا أَغْوَيْتُ هَذَا الْخَلْقَ جَمِيعاً. فَيُقَالُ: هَذَا زُفَرُ. فَيَقُولُ:
بِمَا جُدِرَ لَهُ (2) هَذَا الْعَذَابُ؟!. فَيُقَالُ: بِبَغْيِهِ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام). فَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ: وَيْلٌ لَكَ أَوْ ثُبُورٌ لَكَ!، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَعَصَيْتُهُ وَ سَأَلْتُهُ أَنْ يَجْعَلَ لِي سُلْطَاناً عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ شِيعَتِهِ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ، وَ قَالَ:
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (3) وَ مَا عَرَفْتُهُمْ حِينَ اسْتَثْنَاهُمْ إِذْ قُلْتُ: وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (4) فَمَنَيْتَ بِهِ (5) نَفْسَكَ غُرُوراً، فَيُوقَفُ (6) بَيْنَ يَدَيِ الْخَلَائِقِ فَيُقَالُ لَهُ (7): مَا الَّذِي كَانَ مِنْكَ إِلَى عَلِيٍّ وَ إِلَى الْخَلْقِ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ عَلَى الْخِلَافِ؟!. فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ- وَ هُوَ زُفَرُ- لِإِبْلِيسَ: أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ. فَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ: فَلِمَ عَصَيْتَ رَبَّكَ وَ أَطَعْتَنِي؟. فَيَرُدُّ زُفَرَ عَلَيْهِ مَا (8) قَالَ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ... (9) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (10).
بيان: قوله (عليه السلام): فيردّ زفر عليه .. ظاهر السياق أن يكون قوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ كلام إبليس، فيكون كلام زفر ما ذكر قبل تلك الآية من قوله: إِنَّا كُنَّا
____________
(1) في المصدر: له العذاب.
(2) في التّفسير: بما حدّد له، و في (ك): جدّد.
(3) الحجر: 42.
(4) الأعراف: 17.
(5) في تفسير العيّاشيّ: فمنتك به.
(6) في المصدر: فتوقف.
(7) في التّفسير: فقال له.
(8) وضع في (س) على: ما، رمز نسخة بدل.
(9) سورة إبراهيم (ع): 22.
(10) و حكاه في تفسير البرهان 2- 310.
234
لَكُمْ تَبَعاً (1) و ترك اختصارا، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما يجري بين [فلان] و بين أتباعه، فيكون المراد بالردّ عليه الردّ على أتباعه، أو يكون (عليهم) فصحّف، و لعلّه سقط من الكلام شيء، و في بعض النسخ لم تكن كلمة (ما) في (ما) (2) قال اللّه، و لعلّه أقرب، و على تقديره يمكن أن يقرأ فيردّ- على بناء المجهول- و الظرف بدل من زفر، فتكون الجملة بيان للجملة (3) السابقة.
100- شي، تفسير العياشي (4): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (5)؟. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الدِّينَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ! أَوْ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ!، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (6) يَعْنِيهِمَا (7).
101- شي، تفسير العياشي (8): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ وَ اللَّهِ قَالَ ذَلِكَ، وَ كَانَ عَلَيَّ أَشَدَّ مِنْ ضَرْبِ الْعُنُقِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَا
____________
(1) سورة إبراهيم (ع): 21.
(2) لا توجد: ما، في (س).
(3) في (س): الجملة ..
(4) تفسير العيّاشيّ 2- 328- 329، حديث 39.
(5) الكهف: 51.
(6) الكهف: 51.
(7) و ذكره في تفسير البرهان 2- 471- 472، و تفسير الصّافي 2- 17 عنه.
(8) تفسير العيّاشيّ 2- 329، حديث 40.
أقول: هذه الرّواية و الّتي سبقتها بنظري القاصر لا يليق صدورهما من الإمام (عليه السلام)، فلعلّ الرّاوي اشتبه عليه المطلب و نقل المعنى الّذي فهمه دون مغزى كلامه (عليه السلام)، أو سقط من الرّوايتين عبارات، فتأمّل، و اللّه العالم.
235
مُحَمَّدُ؟!. قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ (1) فِي دَارِ الْأَرْقَمِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (2) يَعْنِيهِمَا (3)..
102- شي، تفسير العياشي (4): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ رَجُلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) اجْتَمَعَا عِنْدَهُ فَتَكَلَّمَا فِي عَلِيٍ (5) وَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ لَيَّنَ (6) لَهُمَا فِي بَعْضِ الْقَوْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (7) ثُمَّ لَا يَجِدَا (8) بَعْدَكَ مِثْلَ عَلِيٍّ وَلِيّاً (9).
بيان: قال البيضاوي (10): ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ. أي عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، ضعف ما يعذّب به في الدارين بمثل هذا العمل غيرك، لأنّ خطأ الخطير أخطر.
و قيل: الضعف من أسماء العذاب.
و قيل: المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة و بضعف الممات عذاب القبر.
____________
(1) لا توجد: كان، في (س).
(2) الكهف: 51.
(3) و حكاه في تفسير البرهان 2- 471- 472، و تفسير الصّافي 2- 17.
(4) تفسير العيّاشيّ 2- 306، حديث 133.
(5) في المصدر: اجتمعا عنده و ابنتيهما فتكلّموا في عليّ ..
(6) في التّفسير: أن يليّن ..
(7) الإسراء: 74- 75.
(8) في المصدر: ثمّ لا تجد.
(9) و حكاه في البرهان 2- 434.
(10) تفسير البيضاوي 3- 208.
236
انتهى.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم: و ضعف الممات من يوم الموت إلى أن تقوم الساعة (1).
و لعلّ قوله: ثم لا يجدا بعدك .. من تتمّة الآية في قراءة أهل البيت (عليهم السلام).
103- جا (2): عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَسَنِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُخَوَّلٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ عَمَدَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ هُوَ لَنَا كُلُّهُ فَأَخَذَاهُ دُونَنَا، وَ جَعَلَا لَنَا فِيهِ سَهْماً كَسَهْمِ الْجَدِّ (3)، أَمَا وَ اللَّهِ لَتُهِمَّنَّهُمَا أَنْفُسُهُمَا يَوْمَ يَطْلُبُ النَّاسُ فِيهِ شَفَاعَتَنَا.
بيان: التشبيه بسهم الجدّ إمّا من جهة القلّة، أو عدم اللزوم مع وجود الوالدين، أو إشارة إلى الشورى، فإنّ عمر جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) أحد الستة و (4) سهم الجدّ السدس.
104- قب (5): حَدَّثَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّيْلَمِيُّ الْبَصْرِيُ (6)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ (7) الْكُوفِيِّ، قَالَ: كُنْتُ لَا أَخْتِمُ صَلَاتِي وَ لَا أَسْتَفْتِحُهَا إِلَّا
____________
(1) تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ 2- 24.
(2) أمالي الشّيخ المفيد: 48، حديث 8، بتفصيل في السّند.
(3) في المصدر: الجدّة.
(4) في (ك): أو، و هو غلط.
(5) مناقب ابن شهرآشوب 4- 237.
(6) في حاشية (ك) من البحار كلمة: بصير، و وضع بعدها رمز نسخة بدل لم يعلّم محلّها، و لعلّها بدل من: البصريّ.
(7) في المصدر: محمّد بن كثير.
237
بِلَعْنِهِمَا، فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي طَائِراً مَعَهُ تَوْرٌ (1) مِنَ الْجَوْهَرِ (2) فِيهِ شَيْءٌ أَحْمَرُ شِبْهُ الْخَلُوقِ، فَنَزَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُحِيطِ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ أَخْرَجَ شَخْصَيْنِ مِنَ الضَّرِيحِ فَخَلَّقَهُمَا بِذَلِكَ الْخَلُوقِ فِي عَوَارِضِهِمَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الضَّرِيحِ وَ عَادَ مُرْتَفِعاً، فَسَأَلْتُ مَنْ حَوْلِي مَنْ هَذَا الطَّائِرُ؟ وَ مَا هَذَا الْخَلُوقُ؟. فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ يَجِيءُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ يُخَلِّقُهُمَا، فَأَزْعَجَنِي مَا رَأَيْتُ فَأَصْبَحْتُ لَا تَطِيبُ نَفْسِي بِلَعْنِهِمَا، فَدَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ (عليه السلام)، فَلَمَّا رَآنِي ضَحِكَ وَ قَالَ: رَأَيْتَ الطَّائِرَ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي. فَقَالَ: اقْرَأْ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (3) فَإِذَا رَأَيْتَ شَيْئاً تَكْرَهُ فَاقْرَأْهَا، وَ اللَّهِ مَا هُوَ بِمَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِهِمَا لِإِكْرَامِهِمَا، بَلْ هُوَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا، إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ ظُلْماً أَخَذَ مِنْ دَمِهِ فَطَوَّقَهُمَا بِهِ فِي رِقَابِهِمَا، لِأَنَّهُمَا سَبَبُ كُلِّ ظُلْمٍ مُذْ كَانَا..
بيان: التّور إناء يشرب فيه (4).
105- كش (5): الْعَيَّاشِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَ الْعَمْرَكِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَجَّالِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلِيٌّ وَ عَمَّارٌ يَعْمَلُونَ مَسْجِداً، فَمَرَّ عُثْمَانُ فِي بِزَّةٍ لَهُ يَخْطِرُ، فَقَالَ (6) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ
____________
(1) في المناقب: نور .. و لعلّها سهو.
(2) في (ك): جواهر.
(3) المجادلة: 10.
(4) كما في الصحاح 2- 603، و انظر: مجمع البحرين 3- 234، و لسان العرب 4- 96.
(5) اختيار معرفة الرّجال- رجال الكشّيّ-: 31- 32 [1- 138]، حديث 59 بتفصيل في الإسناد.
(6) في المصدر زيادة: له.
238
السَّلَامُ: ارْجُزْ بِهِ. فَقَالَ عَمَّارٌ:
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا* * * يَظَلُّ فِيهَا رَاكِعاً وَ سَاجِداً
وَ مَنْ تَرَاهُ عَانِداً مُعَانِداً* * * عَنِ الْغُبَارِ لَا يَزَالُ حَائِداً
قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: مَا أَسْلَمْنَا لِتُشْتَمَ أَعْرَاضُنَا وَ أَنْفُسُنَا!.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَ فَتُحِبُّ أَنْ تُقَالَ بِذَلِكَ؟، فَنَزَلَتْ (1) آيَتَانِ: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... (2) الْآيَةَ (3)، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيٍّ (عليه السلام): اكْتُبْ هَذَا فِي صَاحِبِكَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): اكْتُبْ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ... (4).
بيان: البِزَّةُ- بالكسر-: الهيئةُ، و البِزَّةُ أيضا السّلاحُ، ذكره الجوهري (5)، و قال:
خَطَرَانُ الرَّجُلِ .. اهتزازُهُ في المشي و تَبَخْتُرُهُ (6).
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أن تُقَالَ بذلك .. أي أقيل إسلامك و أرجع عن بيعتك بذلك الأمر الذي وقع، فهو إمّا (7) على الاستفهام الإنكاري، أو لأنّه كان يعلم من باطنه أنّه لم يؤمن.
106- كش (8): جَعْفَرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نُعْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ قَسَمَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاضِعَ، وَ ضَمَّ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ رَجُلًا، فَضَمَّ عَمَّاراً إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ
____________
(1) في الرّجال: أ تحبّ أن تقال فنزلت.
(2) الحجرات: 17.
(3) وضع على كلمة: الآية، رمز نسخة بدل في (س).
(4) الحجرات: 17.
(5) في صحاحه 3- 865، و انظر: لسان العرب 5- 312.
(6) صحاح اللغة 2- 648، و انظر: مجمع البحرين 3- 290، و تاج العروس 3- 183.
(7) لا توجد: إما، في (س).
(8) اختيار معرفة الرّجال- رجال الكشّيّ-: 32 [1- 140]، حديث 60.
239
السَّلَامُ، قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ (1) فِي عِلَاجِ الْبِنَاءِ إِذْ خَرَجَ عُثْمَانُ عَنْ (2) دَارِهِ وَ ارْتَفَعَ الْغُبَارُ فَتَمَنَّعَ بِثَوْبِهِ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِعَمَّارٍ: إِذَا قُلْتُ شَيْئاً فَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام):
لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا* * * يَظَلُّ فِيهَا رَاكِعاً وَ سَاجِداً
كَمَنْ (3)تَرَى (4)عَنِ الطَّرِيقِ حَائِداً وَ (5)عَائِداً
قَالَ: فَأَجَابَهُ عَمَّارٌ كَمَا قَالَ، فَغَضِبَ عُثْمَانُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ (6) أَنْ يَقُولَ لِعَلِيٍّ شَيْئاً، فَقَالَ لِعَمَّارٍ: يَا عَبْدُ! يَا لُكَعُ! وَ مَضَى، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِعَمَّارٍ:
رَضِيتَ بِمَا قَالَ؟. أَلَا تَأْتِي النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتُخْبِرَهُ؟. قَالَ: فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ (ص)! إِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِي: يَا لُكَعُ! (7).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟. قَالَ: عَلِيٌّ. قَالَ:
فَدَعَاهُ وَ سَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ عَمَّارٌ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): اذْهَبْ فَقُلْ لَهُ حَيْثُ مَا كَانَ: يَا عَبْدُ! يَا لُكَعُ! أَنْتَ الْقَائِلُ لِعَمَّارٍ يَا عَبْدُ! يَا لُكَعُ!، فَذَهَبَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَانْصَرَفَ (8).
بيان: فَتَمَنَّعَ .. أي امتنع (9) من الغبار، و في بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية (10)
____________
(1) لا توجد: هم، في متن المصدر، و هي نسخة جاءت فيه. و في (ك) نسخة: نحن، بدلا من: هم.
(2) في الرّجال: من داره.
(3) في (س): كما.
(4) في المصدر: يرى.
(5) لا توجد: حائدا و، .. في المصدر، و وضع عليها رمز نسخة في المطبوع من البحار.
(6) في (ك): فلم يستطيع، و هو غلط.
(7) جاء في المصدر: يا عبد .. يا لكع.
(8) في الرّجال: ثمّ انصرف .. و ما هنا نسخة هناك.
(9) انظر: تاج العروس 5- 516، و لسان العرب 8- 343.
(10) أي تميّع.
240
أي جرى على الأرض (1) و مضى، و الأول أظهر.
و اللّكع- بضم اللام و فتح الكاف-: اللّئيم و الذّليل النفس (2).
107- كش (3): حَمْدَوَيْهِ وَ إِبْرَاهِيمُ مَعاً (4)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْوَرْدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ قَدِمَ الْكُمَيْتُ. فَقَالَ: أَدْخِلْهُ. فَسَأَلَهُ الْكُمَيْتُ عَنِ الشَّيْخَيْنِ؟، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَا أُهْرِيقَ دَمٌ وَ لَا حُكِمَ بِحُكْمٍ (5) غَيْرِ مُوَافِقٍ لِحُكْمِ اللَّهِ وَ حُكْمِ رَسُولِهِ (6) (صلّى اللّه عليه و آله) وَ حُكْمِ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِلَّا وَ هُوَ فِي أَعْنَاقِهِمَا. فَقَالَ الْكُمَيْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ حَسْبِي حَسْبِي..
108- كا (7): حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّهْقَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ (8) الطَّاطَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلْمِقْدَادِ: أَمَا وَ اللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَأَرُدَّنَّكَ إِلَى رَبِّكَ الْأَوَّلِ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ مِقْدَادَ (9) الْوَفَاةُ قَالَ لِعَمَّارٍ: أَبْلِغْ عُثْمَانَ عَنِّي أَنِّي قَدْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّيَ الْأَوَّلِ.
بيان: [لعله] أراد بالربّ الأول الصنم أو المالك، و أراد مقداد رضي اللّه عنه به الربّ تعالى.
____________
(1) كما في تاج العروس 5- 516، و الصحاح 3- 1287، و غيرهما.
(2) ذكره في الصحاح 3- 1280، و تاج العروس 5- 502.
(3) رجال الكشّيّ: 205- 206 [2- 461]، حديث 361، مع تفصيل في الإسناد.
(4) لا توجد: معا، في (س)، و في المصدر: قالا- بدون معا-.
(5) ما هنا نسخة في المصدر، و فيه: و لا حكم يحكم بحكم ..
(6) في رجال الكشّيّ: و حكم النّبيّ ..
(7) الكافي 8- 331، حديث 513.
(8) في (س): الحسين.
(9) في الكافي: المقداد.
241
109- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ (1): عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُؤْتَى بِإِبْلِيسَ (2) مَزْمُوماً بِزِمَامٍ مِنْ نَارٍ، وَ يُؤْتَى بِزُفَرَ مَزْمُوماً بِزِمَامَيْنِ مِنْ نَارٍ، فَيَنْطَلِقُ إِلَيْهِ إِبْلِيسُ فَيَصْرَخُ وَ يَقُولُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، مَنْ أَنْتَ؟ أَنَا الَّذِي فَتَنْتُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ وَ أَنَا مَزْمُومٌ بِزِمَامٍ وَاحِدٍ وَ أَنْتَ مَزْمُومٌ بِزِمَامَيْنِ. فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَمَرْتُ فَأُطِعْتُ وَ أَمَرَ اللَّهُ فَعُصِيَ.
110- كش (3): مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ وَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) إِذْ جَاءَتْ أُمُّ خَالِدٍ- الَّتِي كَانَ قَطَعَهَا يُوسُفُ- يَسْتَأْذِنُ (4) عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَ يَسُرُّكَ أَنْ تَشْهَدَ كَلَامَهَا؟. قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ. فَقَالَ: إِمَّا لَا (5) فَادْنُ.
قَالَ: فَأَجْلَسَنِي عَلَى عَقَبَةِ (6) الطِّنْفِسَةِ ثُمَّ دَخَلَتْ فَتَكَلَّمَتْ، فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ بَلِيغَةٌ، فَسَأَلَتْهُ عَنْ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ، فَقَالَ لَهَا: تَوَلَّيْهِمَا. فَقَالَتْ: فَأَقُولُ لِرَبِّي إِذَا لَقِيتُهُ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِوَلَايَتِهِمَا. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِنَّ هَذَا الَّذِي مَعَكَ عَلَى الطِّنْفِسَةِ يَأْمُرُنِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا، وَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ يَأْمُرُنِي بِوَلَايَتِهِمَا، فَأَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟. قَالَ: هَذَا وَ اللَّهِ وَ أَصْحَابُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ وَ أَصْحَابِهِ، إِنَّ هَذَا يُخَاصِمُ فَيَقُولُ: مَنْ لَمْ يَحْكُمْ
____________
(1) كتاب سليم بن قيس: 93.
(2) في (س): إبليس.
(3) اختيار معرفة الرّجال: 241 [2- 509]، حديث 441. و جاء بإسناد آخر إلى أبي بصير في روضة الكافي 8- 237، حديث 319، مع اختلاف يسير أشرنا لبعضه.
(4) كذا، و الظّاهر: تستأذن، كما في المصدر و الرّوضة.
(5) كذا في النّسخ الخطّيّة. قال في النّهاية 1- 72: (إمّا لا) ترد في المحاورات كثيرا، و أصلها: (إن) و (ما) و (لا)، فأدغمت النّون في الميم و (ما) زائدة في اللّفظ و لا حكم لها، و معناها: إن لم تفعل هذا فليكن هذا، و في تنقيح المقال: أمّا الآن، و لعلّه أخذه من الرّوضة، و في (ك): إمّا الا ..
(6) لا توجد: عقبة، في المصدر و الرّوضة.
242
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (1) وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (2) وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (3). فَلَمَّا خَرَجَتْ، قَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَذْهَبَ فَتُخْبِرَ كَثِيرَ النَّوَّاءِ (4) فَتَشْهَرَنِي (5) بِالْكُوفَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي إِلَيْكَ مِنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ (6) بَرِيءٌ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ..
بيان: قوله (عليه السلام): أَمَّا لَا .. لعلّه على الاكتفاء ببعض الكلام لظهور المراد، أي أَمَّا إذا كان لا بدّ من سماعك فَادْنُ. و في بعض النسخ: أَمَّا الْآنَ فَادْنُ.
و في روضة الكافي (7) قال: فأذن (8) لها، و أجلسني.
و في القاموس: الطنفسة- مثلثة الطاء و الفاء و بكسر الطاء و فتح الفاء و بالعكس-: واحدة الطّنافس للبسط و الثّياب و كحصير (9) من سعف عرضه ذراع (10).
قوله (عليه السلام): إنّ هذا يخاصم .. أي أبو بصير يخاصم في شأن كثير و ذمّه أو الرجلين و كفرهما بالآيات المذكورة، فأبهم (عليه السلام) تقيّة مع أنّه لو كان المراد به كثيرا لدلّ على كفرهما بل كفر جميع خلفاء الجور لاشتراك الدليل، فبيّن (عليه السلام) الحقّ مع نوع من التقيّة.
____________
(1) المائدة: 44.
(2) المائدة: 45.
(3) المائدة: 47. و إلى هنا جاء في روضة الكافي.
(4) ما هنا نسخة في المصدر، و لا يوجد فيه: النّوّاء.
(5) في المصدر: فيشهرني.
(6) ما هنا نسخة في المصدر، و لا يوجد فيه: النّوّاء.
(7) روضة الكافي 8- 237.
(8) في (ك): فادن.
(9) في متن المصدر: و الحصير، و أشار في هامشه لنسخة أخرى: كحصير، كما في المتن.
(10) القاموس 2- 235، و قارنه ب: تاج العروس 4- 181.
243
أقول:
قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (1)، نُقِلَتْ مِنْ كِتَابِ تَارِيخِ بَغْدَادَ لِأَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ، بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ- وَ قَدْ أُلْقِيَ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عَلَى حَصَفَةٍ (2)- فَدَعَانِي لِلْأَكْلِ، فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَاحِدَةً، وَ أَقْبَلَ يَأْكُلُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ جَرٍّ (3) كَانَ عِنْدَهُ وَ اسْتَلْقَى عَلَى مِرْفَقَةٍ لَهُ (4)، وَ طَفِقَ يَحْمَدُ اللَّهَ يُكَرِّرُ (5) ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟. قُلْتُ: مِنَ الْمَسْجِدِ. قَالَ: كَيْفَ خَلَّفْتَ بَنِي عَمِّكَ (6)؟. فَظَنَنْتُهُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَلْعَبُ مَعَ أَتْرَابِهِ. قَالَ: لَمْ أَعْنِ ذَا (7)، وَ إِنَّمَا عَنَيْتُ (8) عَظِيمَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟. قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَمْتَحُ بِالْغَرْبِ عَلَى نَخَلَاتٍ لَهُ (9) وَ هُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! عَلَيْكَ (10) دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَتَمْتَنِيهَا، أَ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْخِلَافَةِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَعَلَهَا لَهُ (11)؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَ أَزِيدُكَ، سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَقَالَ:
____________
(1) شرح النّهج 12- 20- 21.
(2) في المصدر: خصفه- بالخاء المعجمة- و هو الظّاهر، و معناها الجلّة من الخوص للتمر، كما في المصباح المنير 1- 234، و غيره.
(3) هي إناء معروف من الفخّار، قاله في النّهاية 1- 260.
(4) لا توجد: له، في (س).
(5) في (س): يكون.
(6) في المصدر: ابن عمّك، و هو الظّاهر.
(7) جاء: ذلك، بدلا من: ذا، في المصدر.
(8) في (س): أعنيت.
(9) في شرح النّهج: على نخيلات من فلان.
(10) لا توجد: عليك، في المصدر.
(11) في المصدر: نصّ عليه، بدلا من: جعلها له.
244
صَدَقَ، قَالَ عُمَرُ: لَقَدْ كَانَ عَنْ (1) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَمْرِهِ ذَرْوٌ (2) مِنْ قَوْلٍ لَا يُثْبِتُ حُجَّةً وَ لَا يَقْطَعُ عُذْراً، وَ قَدْ كَانَ يَزِيغُ (3) فِي أَمْرِهِ وَقْتاً مَا، وَ لَقَدْ أَرَادَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِاسْمِهِ فَمَنَعْتُ مِنْ ذَلِكَ إِشْفَاقاً وَ حَفَظَةً (4) عَلَى الْإِسْلَامِ، لَا وَ رَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ (5) لَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ أَبَداً، وَ لَوْ وَلِيَهَا لَانْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ أَقْطَارِهَا، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنِّي عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِهِ فَأَمْسَكَ، وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِمْضَاءَ مَا حُتِمَ.
توضيح:
قال الجوهري: الماتح: المستسقي، .. يقال (6): متح الماء يمتحه متحا ..
إذا نزعه (7)، المتح أن يدخل البئر فيملأ لقلّة مائها (8).
و الغرب (9)- بالفتح-: الدّلو العظيمة (10). و قال في النهاية: فيه (11) بلغني عن
____________
(1) جاءت: من، في المصدر بدلا من: عن، و هي نسخة بدل في (ك).
(2) كتبت: ذرء، فوق كلمة ذرو، في (ك)، و الكلمة مشوشة في (س)، و لعلّها: ذرو أو ذرء، و جاء في المصدر و في بيان المصنّف- (رحمه الله)-: ذرو، و قال في القاموس 1- 15: ذرء من خير: شيء منه.
(3) في شرح النّهج: يربع. قال في المصباح المنير: زاغت الشّمس .. أي مالت. و قال في مجمع البحرين 4- 331: اربع على نفسك .. أي ارفق بنفسك و كفّ و تمكّث و لا تعجل.
(4) جاء في المصدر: حيطة، و في (ك): حفيظة.
(5) في (س): البيّنة.
(6) في المصدر: المستقي نقول.
(7) الصحاح 1- 403، و قارن ب: تاج العروس 2- 220.
(8) من كلمة: المتح .. إلى: مائها، خطّ عليها في (ك)، و رمز عليها بالزيادة. قال في الصحاح 1- 408 في مادّة (ميح): المائح الذي ينزل البئر فيملأ الدلو، و ذلك إذا قلّ ماؤها، و نحوه في مجمع البحرين 2- 416.
(9) في (س): القرب، و هو سهو.
(10) كما نصّ عليه في الصحاح 1- 193، و لسان العرب 1- 642، و القاموس 1- 109، كلّها في مادّة (الغرب)، و في (س): العفلية، بدلا من العظيمة، جاءت نسخة بدل و لا معنى لها.
(11) في المصدر: في حديث سليمان.
245
عليّ ذروة (1) من قول .. الذّرو من الحديث: ما ارتفع إليك و ترامى من حواشيه و أطرافه، من قولهم ذرأ (2) إليّ فلان .. أي ارتفع و قصد (3).
111- كنز (4): رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الطَّيَّارِ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: وَ اللَّهِ مَا كَنَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حَتَّى قَالَ: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (5) وَ إِنَّمَا هِيَ فِي مُصْحَفِ فَاطِمَةَ (6) يَا وَيْلَتَي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذِ الثَّانِيَ خَلِيلًا. وَ سَيَظْهَرُ يَوْماً.
، فَمَعْنَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الظَّالِمَ الْعَاضَّ عَلَى يَدَيْهِ الْأَوَّلُ، وَ الْحَالُ بَيِّنٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ (7).
112- وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جُمْهُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (8) قَالَ:
يَقُولُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (9).
____________
(1) في النهاية: ذرو. و جاء في حاشية (ك) ما نصّه: قال الجزري في النهاية ما هذا لفظه: بلغني عن عليّ (عليه السلام) ذرو من قول تشذر لي فيه بالوعيد .. الذرو من الحديث .. إلى آخر ما في المتن.
و قال في موضع آخر: و منه حديث عليّ (عليه السلام)، قال له سليمان بن صرد: لقد بلغني عن أمير المؤمنين ذرو من قول تشذّر لي به .. أي توعّد و تهدّد، محمد خليل الموسوي غفر له.
انظر: النهاية 2- 160 و 454.
(2) في (س): ذئرا، و لعلّه سهو.
(3) النهاية 2- 160.
(4) تأويل الآيات الظّاهرة 1- 374، حديث 8، بتفصيل في الإسناد و تعدّد في النّسخ.
(5) الفرقان: 28.
(6) في المصدر: في مصحف عليّ (عليه السلام).
(7) و انظر: تفسير البرهان 3- 162، حديث 4، و قد مرّ الحديث في البحار 24- 18، حديث 31.
(8) الفرقان: 27- 28.
(9) و انظر: تأويل الآيات الظّاهرة 1- 374- 375، حديث 9، و لاحظ بقيّة روايات الباب هناك، و قد سلف من المصنّف- (رحمه الله)- في بحاره 24- 19، حديث 3، و قد حكاه في تفسير البرهان 3- 162، حديث 5.
246
113- كِتَابُ الْإِسْتِدْرَاكِ (1): بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا- يُفَسِّرُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ... (2) الْآيَتَيْنِ، فِي الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي. قَالَ: فَكَيْفَ الْوَجْهُ فِي أَمْرِهِ (3)؟.
قَالُوا: تَجْمَعُ لَهُ النَّاسَ وَ تَسْأَلُهُ بِحَضْرَتِهِمْ، فَإِنْ فَسَّرَهَا بِهَذَا كَفَاكَ الْحَاضِرُونَ أَمْرَهُ، وَ إِنْ فَسَّرَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ افْتَضَحَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، قَالَ: فَوَجَّهَ إِلَى الْقُضَاةِ وَ بَنِي هَاشِمٍ وَ الْأَوْلِيَاءِ، وَ سُئِلَ (عليه السلام)، فَقَالَ: هَذَانِ رَجُلَانِ كَنَى اللَّهُ عَنْهُمَا وَ مَنَّ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِمَا، أَ فَيُحِبُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْشِفَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ؟. فَقَالَ: لَا أُحِبُّ..
114- أقول:
رَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَنَاقِبِ، عَنِ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) بَلَغَهُ عَنْ بَعْضٍ (4) شَيْءٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ كَيْتَ وَ كَيْتَ وَ كَرِهْتُ أَنْ أَفْضَحَكَ، وَ جَعَلْتُ كَفَّارَةَ ذَلِكَ فَكَّ رَقَبَتِكَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي حُمِلَ إِلَيْكَ مِنْ خُرَاسَانَ الَّذِي خُنْتَ فِيهِ اللَّهَ وَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَ أُسْقِطَ فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بِلِسَانٍ كَلِيلٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! أَمَّا الْكَلَامُ فَلَعَمْرِي قَدْ جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَ أَهْلِي وَ وُلْدِي وَ مَا كَانُوا بِالَّذِي يُفْشُونَ (5) عَلَيَّ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ وَ أَمَّا الْمَالُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيَّ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمَ بِهِ إِلَّا الرَّسُولُ الَّذِي أَتَى بِهِ، وَ إِنَّمَا هُوَ هَدِيَّةٌ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ؟ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: وَ اللَّهِ ثُمَّ وَ اللَّهِ ..- ثَلَاثاً- إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ سَاحِرٌ عَلِيمٌ.
____________
(1) كتاب الاستدراك: لابن بطريق- (رحمه الله)- لا نعلم بطبعه.
(2) الفرقان: 27- 28.
(3) في (س): أمر.
(4) في (ك): عن بعض أصحابه، و الظّاهر زيادة لفظ: أصحابه.
(5) في (ك): يغشّون، بدلا من: يفشون، نسخة.
247
قَالَ سَلْمَانُ: قُلْتُ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟. فَقَالَ: وَيْحَكَ! اقْبَلْ مِنِّي مَا أَقُولُهُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمَ أَحَدٌ بِهَذَا الْكَلَامِ وَ لَا أَحَدٌ عَرَفَ خَبَرَ هَذَا الْمَالِ غَيْرِي، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ؟ وَ مَا عَلِمَ هُوَ إِلَّا مِنَ السِّحْرِ، وَ قَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ سِحْرِهِ غَيْرُ هَذَا؟. قَالَ سَلْمَانُ: فَتَجَاهَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: بِاللَّهِ ظَهَرَ لَكَ مِنْهُ غَيْرُ هَذَا؟. قَالَ: إِي وَ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي بِبَعْضِهِ. قَالَ: إِذاً وَ اللَّهِ أَصْدُقُكَ وَ لَا أُحَرِّفُ قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً مِمَّا رَأَيْتُهُ مِنْهُ، لِأَنِّي أُحِبُّ أَنْ أَطَّلِعَكَ عَلَى سِحْرِ صَاحِبِكَ حَتَّى تَجْتَنِبَهُ وَ تُفَارِقَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا فِي شَرْقِهَا وَ غَرْبِهَا أَحَدٌ أَسْحَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَ قَامَ وَ قَعَدَ، وَ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي لَمُشْفِقٌ عَلَيْكَ وَ مُحِبٌّ لَكَ، عَلَى أَنَّكَ قَدِ اعْتَزَلْتَنَا وَ لَزِمْتَ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَوْ مِلْتَ إِلَيْنَا وَ كُنْتَ فِي جَمَاعَتِنَا لَآثَرْنَاكَ وَ شَارَكْنَاكَ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَاحْذَرِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنْ سِحْرِهِ! فَقُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي بِبَعْضِهِ.
قَالَ: نَعَمْ، خَلَوْتُ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَا وَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْخُمُسِ، فَقَطَعَ حَدِيثِي وَ قَالَ لِي: مَكَانَكَ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، فَقَدْ عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ، فَخَرَجَ، فَمَا (1) كَانَ بِأَسْرَعَ أَنِ انْصَرَفَ وَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَ ثِيَابِهِ غُبَارٌ كَثِيرَةٌ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟. قَالَ: أَقْبَلْتُ عَلَى عَسَاكِرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ يُرِيدُونَ بِالْمَشْرِقِ مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا: صَحُورُ، فَخَرَجْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْغَبَرَةُ مِنْ ذَلِكَ، فَضَحِكْتُ تَعَجُّباً مِنْ قَوْلِهِ، وَ قُلْتُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! رَجُلٌ قَدْ بَلِيَ فِي قَبْرِهِ وَ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَقِيتَهُ السَّاعَةَ وَ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ، هَذَا مَا لَا يَكُونُ أَبَداً. فَغَضِبَ مِنْ قَوْلِي، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَ تُكَذِّبُنِي؟!. قُلْتُ: لَا تَغْضَبْ فَإِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ. قَالَ: فَإِنْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ حَتَّى لَا تُنْكِرَ مِنْهُ شَيْئاً تُحْدِثُ لِلَّهِ تَوْبَةً مِمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ؟. قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ. فَاعْرِضْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: قُمْ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى طَرَفِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي: يَا شَاكُّ غَمِّضْ عَيْنَيْكَ، فَغَمَّضْتُهَا فَمَسَحَهُمَا ثُمَّ قَالَ: يَا غَافِلُ افْتَحْهُمَا، فَفَتَحْتُهُمَا فَإِذَا أَنَا وَ اللَّهِ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- بِرَسُولِ
____________
(1) في (س): فيما.
248
اللَّهِ (ص) مَعَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ أُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئاً، فَبَقِيتُ وَ اللَّهِ مُتَعَجِّباً أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا أَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ فَعَضَّ الْأَنَامِلَ بِالْأَسْنَانِ وَ قَالَ لِي: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ! أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (1)، قَالَ: فَسَقَطْتُ مَغْشِيّاً عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا أَفَقْتُ قَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَهُ وَ سَمِعْتَ كَلَامَهُ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
انْظُرْ إِلَى النَّبِيِّ (ص)، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَا عَيْنَ وَ لَا أَثَرَ وَ لَا خَبَرَ مِنَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا مِنْ تِلْكَ الْخُيُولِ. فَقَالَ لِي: يَا مِسْكِينُ فَأَحْدِثْ تَوْبَةً مِنْ سَاعَتِكَ هَذِهِ.
فَاسْتَقَرَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ أَسْحَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَ بِاللَّهِ لَقَدْ خِفْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ هَالَنِي أَمْرُهُ، وَ لَوْ لَا أَنِّي وَقَفْتُ- يَا سَلْمَانُ- عَلَى أَنَّكَ تُفَارِقُهُ مَا أَخْبَرْتُكَ، فَاكْتُمْ هَذَا وَ كُنْ مَعَنَا لِتَكُونَ مِنَّا وَ إِلَيْنَا حَتَّى أُوَلِّيَكَ الْمَدَائِنَ وَ فَارِسَ، فَصِرْ إِلَيْهِمَا وَ لَا تُخْبِرِ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) بِشَيْءٍ مِمَّا جَرَى بَيْنَنَا، فَإِنِّي (2) لَا آمَنُهُ أَنْ يَفْعَلَ لِي مِنْ كَيْدِهِ شَيْئاً.
قَالَ: فَضَحِكْتُ وَ قُلْتُ: إِنَّكَ لَتَخَافُهُ؟.
قَالَ: إِي وَ اللَّهِ خَوْفاً لَا أَخَافُ شَيْئاً مِثْلَهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَنَشَطْتُ مُتَجَاهِلًا بِمَا حَدَّثَنِي وَ قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنْ غَيْرِهِ فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ أُعْجُوبَةٍ؟.
قَالَ: إِذاً أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا مِمَّا عَايَنْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي. قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي.
قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ أَتَانِي يَوْماً مُغْضَباً وَ فِي يَدِهِ قَوْسُهُ فَقَالَ لِي: يَا فُلَانُ! عَلَيْكَ بِشِيعَتِكَ الطُّغَاةِ وَ لَا تَتَعَرَّضْ لِشِيعَتِي، فَإِنِّي خَلِيقٌ أَنْ أُنَكِّلَ بِكَ. فَغَضِبْتُ أَنَا أَيْضاً- وَ لَمْ أَكُنْ وَقَفْتُ عَلَى سِحْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ-، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ! مَهْ، مَا هَذَا الْغَضَبُ وَ السَّلْطَنَةُ؟. أَ تَعْرِفُنِي حَقَّ الْمَعْرِفَةِ؟. قَالَ: نَعَمْ، فَوَ اللَّهِ لَأَعْرِفَنَّ قَدْرَكَ، ثُمَّ رَمَى بِقَوْسِهِ الْأَرْضَ، وَ قَالَ: خُذِيهِ، فَصَارَتْ ثُعْبَاناً عَظِيماً مِثْلَ ثُعْبَانِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَفَغَرَ فَاهُ (3) فَأَقْبَلَ نَحْوِي لِيَبْلَعَنَي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ طَارَ رُوحِي فَرَقاً وَ خَوْفاً
____________
(1) الكهف: 37.
(2) في (س): فانه.
(3) جاء في حاشية (ك): فغر فاه .. أي فتحه. صحاح.
انظر: صحاح اللّغة: 2- 782.
249
وَ صِحْتُ وَ قُلْتُ: اللَّهَ! اللَّهَ! الْأَمَانَ الْأَمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اذْكُرْ مَا كَانَ فِي خِلَافَةِ الْأَوَّلِ مِنِّي حِينَ وَثَبَ إِلَيْكَ، وَ بَعْدُ فَاذْكُرْ مَا كَانَ مِنِّي إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ بْنِ الْفَاسِقِ حِينَ أَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ بِقَتْلِكَ، وَ بِاللَّهِ مَا شَاوَرَنِي فِي ذَلِكَ فَكَانَ مِنِّي مَا كَانَ حَتَّى شَكَانِي وَ وَقَعَ بَيْنَنَا الْعَدَاوَةُ، وَ اذْكُرْ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- مَا كَانَ مِنِّي فِي مَقَامِي حِينَ قُلْتُ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَمَنْ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ، فَارْتَابَ النَّاسُ وَ صَاحُوا وَ قَالُوا: طَعَنَ عَلَى صَاحِبِهِ، قَدْ عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ، وَ بِاللَّهِ إِنَّ شِيعَتَكَ يُؤْذُونَنِي وَ يُشَنِّعُونَ عَلَيَّ، وَ لَوْ لَا مَكَانُكَ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- لَكُنْتُ نَكَلْتُ بِهِمْ، وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَتَعَرَّضْ لَهُمْ مِنْ أَجْلِكَ وَ كَرَامَتِكَ، فَاكْفُفْ عَنِّي هَذَا الثُّعْبَانَ فَإِنَّهُ يَبْلَعُنِي. فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الْمَقَالَ مِنِّي قَالَ: أَيُّهَا الْمِسْكِينُ لَطُفْتَ فِي الْكَلَامِ، وَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ (1) نَشْكُرُ الْقَلِيلَ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الثُّعْبَانِ وَ قَالَ: مَا تَقُولُ؟. قُلْتُ: الْأَمَانَ! الْأَمَانَ! قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا حَقّاً، فَإِذَا قَوْسُهُ فِي يَدِهِ وَ لَيْسَ هُنَاكَ ثُعْبَانٌ وَ لَا شَيْءٌ، فَلَمْ أَزَلْ أَحْذَرُهُ وَ أَخَافُهُ إِلَى يَوْمِي هَذَا.
قَالَ سَلْمَانُ: فَضَحِكْتُ وَ قُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُعْجُوبَاتِ.
قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هَذَا مَا رَأَيْتُهُ أَنَا بِعَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَ لَوْ لَا أَنِّي قَدْ رَفَعْتُ الْحِشْمَةَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ مَا كُنْتُ بِالَّذِي أُخْبِرُكَ بِهَذَا.
قَالَ سَلْمَانُ: فَتَجَاهَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلْ رَأَيْتَ مِنْهُ سِحْراً غَيْرَ مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟. قَالَ: نَعَمْ، لَوْ حَدَّثْتُكَ لَبَقِيتَ مِنْهُ مُتَحَيِّراً، وَ لَا تَقُلْ- يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- إِنَّ هَذَا السِّحْرَ هُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ، لَا وَ اللَّهِ وَ لَكِنْ هُوَ وِرَاثَةٌ يَرِثُونَهَا. قُلْتُ: كَيْفَ؟.
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ رَأَى مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سِحْراً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَ ذَكَرَ أَبِي أَنَّ أَبَاهُ نُفَيْلًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سِحْراً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ:: حَدِّثْنِي بِمَا أَخْبَرَكَ بِهِ أَبُوكَ؟.
قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَبِي طَالِبٍ (ع) فِي سَفَرٍ يُرِيدُونَ الشَّامَ
____________
(1) لا توجد: بيت، في (س).
250
مَعَ تُجَّارِ قُرَيْشٍ تَخْرُجُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَجْمَعُونَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ أَتْجَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطُّرُقِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ قُطَّاعٌ شَاكُونَ فِي السِّلَاحِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ، فَلَمَّا ظَهَرُوا لَنَا هَالَنَا أَمْرُهُمْ وَ فَزِعْنَا وَ وَقَعَ الصِّيَاحُ فِي الْقَافِلَةِ، وَ اشْتَغَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْجُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ، وَ دَهِمَنَا أَمْرٌ جَلِيلٌ، وَ اجْتَمَعْنَا وَ عَزَمْنَا عَلَى الْهَرَبِ، فَمَرَرْنَا بِأَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ جَالِسٌ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا طَالِبٍ! مَا لَكَ؟ أَ لَا تَرَى مَا قَدْ دَهِمَنَا فَانْجُ بِنَفْسِكَ مَعَنَا؟.
فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ نَهْرُبُ فِي هَذِهِ الْبَرَارِي؟. قُلْنَا: فَمَا الْحِيلَةُ؟. قَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ نَدْخُلَ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ فَنُقِيمَ فِيهَا وَ نَجْمَعَ أَمْتِعَتَنَا وَ دَوَابَّنَا وَ أَمْوَالَنَا فِيهَا.
قَالَ: فَبَقِينَا مُتَعَجِّبِينَ، وَ قُلْنَا: لَعَلَّهُ جُنَّ وَ فَزِعَ مِمَّا نَزَلَ بِهِ، فَقُلْنَا: وَيْحَكَ! وَ لَنَا هُنَا جَزِيرَةٌ؟! قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: أَيْنَ هِيَ؟. قَالَ: انْظُرُوا أَمَامَكُمْ. قَالَ:
فَنَظَرْنَا إِذَا وَ اللَّهِ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَرَ النَّاسُ أَعْظَمَ مِنْهَا وَ لَا أَحْصَنَ مِنْهَا، فَارْتَحَلْنَا وَ حَمَلْنَا أَمْتِعَتَنَا، فَلَمَّا قَرِبْنَا مِنْهَا إِذَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَهَا وَادٍ عَظِيمٌ مِنْ مَاءٍ لَا يُمْكِنُ أَحَداً أَنْ يَسْلُكَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَ لَا تَرَوْنَ هَذَا الطَّرِيقَ الْيَابِسَ الَّذِي فِي وَسَطِهِ قُلْنَا: لَا.
قَالَ: فَانْظُرُوا أَمَامَكُمْ وَ عَنْ يَمِينِكُمْ، فَنَظَرْنَا فَإِذَا وَ اللَّهِ طَرِيقٌ يَابِسٌ سَهْلُ الْمَسْلَكِ فَفَرِحْنَا، وَ قُلْنَا: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَبِي طَالِبٍ، فَسَلَكَ وَ سَلَكْنَا خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ فَحَطَطْنَا، فَقَامَ أَبُو طَالِبٍ فَخَطَّ خَطّاً عَلَى جَمِيعِ الْقَافِلَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا قَوْمُ! أَبْشِرُوا فَإِنَّ الْقَوْمَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكُمْ وَ لَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِسُوءٍ.
قَالَ: وَ أَقْبَلَتِ الْأَعْرَابُ يَتَرَاكَضُونَ خَلْفَنَا، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْوَادِي إِذَا بَحْرٌ عَظِيمٌ قَدْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَنَا فَبَقُوا مُتَعَجِّبِينَ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَ قَالُوا: يَا قَوْمُ! هَلْ رَأَيْتُمْ قَطُّ هَاهُنَا جَزِيرَةً أَوْ بَحْراً؟. قَالُوا: لَا. فَلَمَّا كَثُرَ تَعَجُّبُهُمْ قَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ- قَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِ (1) التَّجَارِبُ-: يَا قَوْمُ! أَنَا أَطَّلِعُكُمْ عَلَى بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ السَّاعَةَ. قَالُوا: هَاتِ- يَا شَيْخُ- فَإِنَّكَ أَقْدَمُنَا وَ أَكْبَرُنَا سِنّاً وَ أَكْثَرُنَا تجاربا [تَجَارِبَ. قَالَ:
____________
(1) في (س): مرّ عليه.
251
نَادُوا الْقَوْمَ، فَنَادَوْهُمْ، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ؟. قَالَ الشَّيْخُ: قُولُوا لَهُمْ: أَ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَنَادَوْهُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ، فِينَا أَبُو طَالِبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
قَالَ الشَّيْخُ: يَا قَوْمُ!، قَالُوا: لَبَّيْكَ. قَالَ: لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِمْ بِسُوءٍ أَصْلًا، فَانْصَرِفُوا وَ لَا تَشْتَغِلُوا بِهِمْ، فَوَ اللَّهِ مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنْهُمْ قَلِيلٌ وَ لَا كَثِيرٌ، فَقَالُوا: قَدْ خَرِفْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَ تَنْصَرِفُ عَنْهُمْ وَ تَتْرُكُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ وَ الْأَمْتِعَةَ النَّفِيسَةَ مَعَهُمْ؟!، لَا وَ اللَّهِ وَ لَكِنْ نُحَاصِرُهُمْ أَوْ يَخْرُجُونَ إِلَيْنَا فَنَسْلُبُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ، فَاتْرُكُوا نُصْحَكُمْ وَ ذَرُوا. قَالُوا: اسْكُتْ يَا جَاهِلُ! فَحَطُّوا رَوَاحِلَهُمْ لِيُحَاصِرُوهُمْ فَلَمَّا حَطُّوا أَبْصَرَ بَعْضُهُمْ بِالطَّرِيقِ الْيَابِسِ، فَصَاحَ: يَا قَوْمُ! هَاهُنَا طَرِيقٌ يَابِسٌ، فَأَبْصَرَ الْقَوْمُ كُلُّهُمُ الطَّرِيقَ الْيَابِسَ، وَ فَرِحُوا وَ قَالُوا: نَسْتَرِيحُ سَاعَةً وَ نَعْلِفُ دَوَابَّنَا ثُمَّ نَرْتَحِلُ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّصُوا، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَرَادُوا الِارْتِحَالَ تَقَدَّمَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْيَابِسِ فَلَمَّا تَوَسَّطُوا غَرِقُوا وَ بَقِيَ الْآخَرُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ فَأَمْسَكُوا وَ نَدِمُوا فَاجْتَمَعُوا إِلَى الشَّيْخِ، وَ قَالُوا: وَيْحَكَ يَا شَيْخُ! أَلَّا أَخْبَرْتَنَا أَمْرَ هَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ قَدْ أُغْرِقَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَخَالَفْتُمُونِي وَ عَصَيْتُمْ أَمْرِي حَتَّى هَلَكَ مِنْكُمْ مَنْ هَلَكَ. قَالُوا لَهُ: وَ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَاكَ يَا شَيْخُ؟. قَالَ:
وَيْحَكُمْ! إِنَّا خَرَجْنَا مَرَّةً قَبْلَ هَذَا نُرِيدُ الْغَارَةَ عَلَى تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فَوَقَعْنَا عَلَى الْقَافِلَةِ فَإِذَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَمْتِعَةِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَقُلْنَا (1) قَدْ جَاءَ الْغِنَى آخِرَ الْأَبَدِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِنَا- وَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ إِلَّا قَدْرُ مِيلٍ- قَامَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقَافِلَةِ! مَا تَرَوْنَ؟. قَالُوا: مَا تَرَى، قَدْ دَهِمَنَا هَذَا الْخَيْلُ الْكَثِيرُ، فَسَلُوهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَّا أَمْوَالَنَا وَ يُخَلُّوا سِرْبَنَا فَإِنَّا إِنْ نَجَوْنَا بِأَنْفُسِنَا فَقَدْ فُزْنَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُومُوا وَ ارْتَحِلُوا فَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ. فَقُلْنَا: وَيْحَكَ! وَ قَدْ قَرُبَ الْقَوْمُ وَ إِنِ ارْتَحَلْنَا وَضَعُوا عَلَيْنَا السُّيُوفَ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إنا [إِنَ (2) لَنَا رَبّاً يَمْنَعُنَا مِنْهُمْ،
____________
(1) في (ك): فقلنا ما ..، و الظّاهر أنّ: ما، زائدة.
(2) نسخة جاءت في مطبوع البحار: إنّ، بدلا من: إنّا.
252
وَ هُوَ رَبُّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ، وَ مَا اسْتَجَرْنَا بِهِ قَطُّ إِلَّا أَجَارَنَا، فَقُومُوا وَ بَادِرُوا. قَالَ: فَقَامَ الْقَوْمُ وَ ارْتَحَلُوا، فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً، وَ نَحْنُ نَتَّبِعُهُمْ بِالرَّكْضِ الْحَثِيثِ وَ السَّيْرِ الشَّدِيدِ فَلَا نَلْحَقُهُمْ، وَ كَثُرَ تَعَجُّبُنَا مِنْ ذَلِكَ، وَ نَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَ قُلْنَا: يَا قَوْمُ! هَلْ رَأَيْتُمْ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا؟! إِنَّهُمْ يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَلْحَقَهُمْ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَنَا وَ دَأْبَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيَهَا، كُلَّ يَوْمٍ يَخْطُونَ فَيَقُومُ عَبْدُ اللَّهِ فَيَخُطُّ خَطّاً حَوْلَ الْقَافِلَةِ وَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ:
لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْخَطِّ فَإِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمْ فَنَنْتَهِي إِلَى الْخَطِّ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَجَاوَزَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ- كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ أَشْرَفْنَا عَلَى هَلَاكِ أَنْفُسِنَا وَ عَطِبَتْ دَوَابُّنَا وَ بَقِينَا لَا حَرَكَةَ بِنَا وَ لَا نُهُوضَ، فَقُلْنَا: يَا قَوْمُ! هَذَا وَ اللَّهِ الْعَطَبُ وَ الْهَلَاكُ، فَمَا تَرَوْنَ؟. قَالُوا: الرَّأْيُ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ (1)، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ سَحَرَةٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ كَانُوا سَحَرَةً فَالرَّأْيُ أَنْ نَغِيبَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ وَ نُوهِمَهُمْ أَنَّا قَدِ انْصَرَفْنَا عَنْهُمْ، فَإِذَا ارْتَحَلُوا كَرَرْنَا عَلَيْهِمْ كَرَّةً وَ هَجَمْنَا عَلَيْهِمْ فِي مَضِيقٍ. قَالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ هَذَا، فَانْصَرَفْنَا عَنْهُمْ وَ أَوْهَمْنَاهُمْ أَنَّا قَدْ يَئِسْنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ارْتَحَلُوا وَ مَضَوْا فَتَرَكْنَاهُمْ حَتَّى اسْتَبْطَنُوا وَادِياً فَقُمْنَا فَأَسْرَجْنَا وَ رَكِبْنَا حَتَّى لَحِقْنَاهُمْ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِنَا فَزِعُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ قَالُوا: قَدْ لَحِقُونَا. فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، امْضُوا رُوَيْداً. قَالَ: فَجَعَلُوا يَسِيرُونَ سَيْراً رُوَيْداً، وَ نَحْنُ نَتَرَاكَضُ وَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا وَ دَوَابَّنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَوْتِ مَعَ دَوَابِّنَا، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ النَّهَارِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: حُطُّوا رَوَاحِلَكُمْ، وَ قَامَ فَخَطَّ خَطّاً وَ قَالَ: لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْخَطِّ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكُمْ بِمَكْرُوهٍ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْخَطِّ فَوَ اللَّهِ مَا أَمْكَنَنَا أَنْ نَتَجَاوَزَهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: وَ اللَّهِ مَا بَقِيَ إِلَّا الْهَلَاكُ أَوِ الِانْصِرَافُ عَنْهُمْ عَلَى أَنْ لَا نَعُودَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُمْ فَقَدْ عَطِبَتْ دَوَابُّنَا وَ هَلَكَتْ، وَ كَانَتْ سَفْرَةً مَشُومَةً عَلَيْنَا، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ الشَّيْخِ قَالُوا: أَلَّا أَخْبَرْتَنَا بِهَذَا
____________
(1) لا توجد: عنهم، في (س).
253
الْحَدِيثِ فَكُنَّا نَنْصَرِفُ عَنْهُمْ وَ لَمْ يَغْرَقْ (1) مِنَّا مَنْ غَرِقَ؟.
قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ أَخْبَرْتُكُمْ وَ نَصَحْتُ لَكُمْ، وَ قُلْتُ لَكُمُ: انْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَلَيْسَ لَكُمُ الْوُصُولُ إِلَيْهِمْ، وَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَ قُلْتُمْ: إِنِّي قَدْ خَرِفْتُ وَ ذَهَبَ عَقْلِي، فَلَمَّا سَمِعَ أَبِي هَذَا الْكَلَامَ مِنَ الشَّيْخِ وَ هُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ عَلَى رَأْسِ الْخُطَّةِ نَظَرَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَ مَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ؟.
قَالَ: بَلَى يَا خَطَّابُ! أَنَا وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْقَافِلَةِ وَ أَنَا غُلَامٌ صَغِيرٌ، وَ كَانَ هَذَا الشَّيْخُ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، وَ كَانَ شَائِكاً لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا حَدَقَتُهُ، وَ كَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ قَدْ أَرْخَاهَا عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: صَدَقَ وَ اللَّهِ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى قَعُودٍ عَلَيَّ ذُؤَابَتَانِ قَدْ أَرْسَلْتُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَ شِمَالِي. قَالَ الْخَطَّابُ: فَانْصَرِفُوا عَنَّا.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: ارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، فَإِذَا لَا جَزِيرَةَ وَ لَا بَحْرَ وَ لَا مَاءَ، وَ إِذَا نَحْنُ عَلَى الْجَادَّةِ وَ الطَّرِيقِ الَّذِي لَمْ نَزَلَ نَسْلُكُهُ فَسِرْنَا وَ تَخَلَّصْنَا بِسِحْرِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى وَرَدْنَا الشَّامَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ، وَ حَلَفَ الْخَطَّابُ أَنَّهُ مَرَّ بَعْدُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً إِلَى الشَّامِ فَلَمْ يَرَ جَزِيرَةً وَ لَا بَحْراً وَ لَا مَاءً، وَ حَلَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ هَذَا- يَا سَلْمَانُ- إِلَّا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ؟.
قَالَ سَلْمَانُ: قُلْتُ: وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ إِلَّا أَنَّكَ تُورِدُ عَلَيَّ عَجَائِبَ مِنْ أَمْرِ بَنِي هَاشِمٍ.
قَالَ: نَعَمْ، يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! هُمْ أَهْلُ بَيْتٍ يَتَوَارَثُونَ السِّحْرَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ!.
قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ- وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ الْحَدِيثَ-: مَا أَرَى أَنَّ هَذَا سِحْرٌ.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! تَرَى كَذَبَ الْخَطَّابُ وَ أَصْحَابُهُ، أَ تَرَاكَ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ مِمَّا عايتنه [عَايَنْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي كذب [كَذِباً؟.
قَالَ سَلْمَانُ: فَضَحِكْتُ، فَقُلْتُ: وَيْلَكَ! إِنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ وَ لَا كَذَبَ الْخَطَّابُ
____________
(1) في (س): و لم يعرف.
254
وَ أَصْحَابُهُ، وَ هَذَا كُلُّهُ صِدْقٌ وَ حَقٌّ.
فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا تُفْلِحْ أَبَداً، وَ كَيْفَ تُفْلِحُ وَ قَدْ سَحَرَكَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ؟.
قُلْتُ: فَاتْرُكْ هَذَا .. مَا تَقُولُ فِي فَكِّ الرَّقَبَةِ وَ الْمَالِ الَّذِي وَافَاكَ مِنْ خُرَاسَانَ؟.
قَالَ: وَيْحَكَ! يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْصِيَ هَذَا السَّاحِرَ فِي شَيْءٍ يَأْمُرُنِي بِهِ؟ نَعَمْ أَفُكُّهَا عَلَى رَغْمٍ مِنِّي وَ أَوْجَهَ بِالْمَالِ إِلَيْهِ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: يَا سَلْمَانُ! طَالَ حَدِيثُكُمَا. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي بِالْعَجَائِبِ مِنْ أَمْرِ الْخَطَّابِ وَ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: نَعَمْ- يَا سَلْمَانُ- قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ وَ سَمِعْتُ جَمِيعَ مَا جَرَى بَيْنَكُمَا، وَ مَا قَالَ لَكَ أَيْضاً إِنَّكَ لَا تُفْلِحُ.
قَالَ سَلْمَانُ: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا حَضَرَ الْكَلَامَ غَيْرِي وَ غَيْرُهُ، فَأَخْبَرَنِي مَوْلَايَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِجَمِيعِ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَهُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا سَلْمَانُ! عُدْ إِلَيْهِ فَخُذْ مِنْهُ الْمَالَ وَ أَحْضِرْ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ فَرِّقْهُ إِلَيْهِمْ.
بيان: القعود- بالفتح- من البعير الّذي يقتعده الرّاعي في كلّ حاجة (1)، و هذا الخبر و إن كان غريبا (2) غير مذكور في الكتب المعتبرة، لكن لمّا وجدناه في أصل عتيق أخرجناه.
115- كنز (3): رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ أَيُّوبَ (4)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُيَسِّرٍ، عَنْ بَعْضِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات الله عليهم) فِي قَوْلِهِ: وَ لَقَدْ
____________
(1) كما في الصحاح 2- 525، و لسان العرب 3- 359، و غيرهما.
(2) في (س): قريبا، و هو خلاف الظاهر.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 608، حديث 1.
(4) في المصدر: أبان، و لعلّ كلمة: ابن، سقطت قبل كلمة أيّوب من المتن.
255
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (1)، قَالَ: هُوَ الْأَوَّلُ.
وَ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (2) (3)، قَالَ: هُوَ زُفَرُ، وَ هَذِهِ الْآيَاتُ إِلَى قَوْلِهِ: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (4) فِيهِمَا وَ فِي أَتْبَاعِهِمَا، وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها (5).
116- كنز (6): رَوَى بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ مَرْفُوعاً إِلَى أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِمَوْلَايَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام): أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ تَنْفِي بِهِ عَنِّي مَا خَامَرَ نَفْسِي؟. قَالَ: ذَاكَ إِلَيْكَ. قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنِ الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي؟.
فَقَالَ: عَلَيْهِمَا لَعَائِنُ اللَّهِ، كِلَاهُمَا (7) مَضَيَا وَ اللَّهِ مُشْرِكَيْنِ كَافِرَيْنِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. قُلْتُ: يَا مَوْلَايَ وَ الْأَئِمَّةُ مِنْكُمْ يُحْيُونَ الْمَوْتَى؟ وَ يُبْرِءُونَ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ؟
وَ يَمْشُونَ عَلَى الْمَاءِ؟.
فَقَالَ (عليه السلام): مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيّاً شَيْئاً إِلَّا أَعْطَى مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) مِثْلَهُ، وَ أَعْطَاهُ مَا لَمْ يُعْطِهِمْ وَ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ، وَ كُلُّ مَا كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَدْ أَعْطَاهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) ثُمَّ الْحَسَنَ ثُمَّ الْحُسَيْنَ (عليهما السلام) ثُمَّ إِمَاماً (8) بَعْدَ إِمَامٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَعَ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَ فِي كُلِّ يَوْمٍ (9)..
____________
(1) سورة ق: 16.
(2) في تأويل الآيات الظّاهرة: و قال في قوله قال.
(3) سورة ق: 27.
(4) سورة ق: 30.
(5) و ذكره في تفسير البرهان 4- 219، حديث 1. و جاء بهذا المضمون في تفسير القمّيّ: 643، و في طبعة النّجف 2- 324.
(6) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 631- 632، حديث 4.
(7) في المصدر: كلّها، بدلا من: كلاهما.
(8) في المطبوع من البحار نسخة بدل: من، ثمّ رمز بعدها: ظ، أي ظاهرا ..
(9) و قد سلف في بحار الأنوار 27- 29، حديث 1، و حكاه هناك عن بصائر الدّرجات: 269، حديث 2- مع اختلاف-.
256
117- كنز (1): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (2)؟.
قَالَ (3): إِنَّ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِمَنْ وَثَبَ عَلَيْنَا وَ هَتَكَ حُرْمَتَنَا وَ ظَلَمَنَا حَقَّنَا، فَقَالَ: هُمَا بِحُسْبَانٍ، قَالَ:
هُمَا فِي عَذَابِي (4)..
إيضاح:
بِحُسْبانٍ. قال المفسّرون: أي يجريان بحساب مقدّر معلوم في بروجهما و منازلهما (5).
و قال في القاموس: الحسبان- بالضم- جمع الحساب و العذاب و البلاء و الشّرّ (6)، فالتعبير عنهما بالشمس و القمر على زعم أتباعهما أو على التهكّم.
118- وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِهِ (7)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ (8) قَالَ: اللَّهُ عَلَّمَ مُحَمَّداً الْقُرْآنَ. قُلْتُ: خَلَقَ الْإِنْسانَ (9)؟. قَالَ: ذَلِكَ أَمِيرُ
____________
(1) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 632، حديث 5.
(2) الرّحمن: 5.
(3) في المصدر زيادة: يا داود سألت عن أمر فاكتف بما يرد عليك.
(4) قد سلف من المصنّف- (قدّس سرّه)- في بحاره 24- 309، حديث 12، و ذكره هناك مفصّلا، و جاء في تفسير البرهان 4- 264، حديث 3.
(5) كما في مجمع البيان 9- 197- 198، و تفسير الفخر الرازيّ 29- 87، و تفسير البيضاوي 5- 108.
(6) القاموس 1- 56، و قارنه ب: تاج العروس 1- 212.
(7) تفسير القمّيّ 2- 343.
(8) الرّحمن: 1- 2.
(9) الرّحمن: 3.
257
الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام). قُلْتُ: عَلَّمَهُ الْبَيانَ (1)؟. قَالَ: عَلَّمَهُ بَيَانَ (2) كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ. قُلْتُ: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (3)؟. قَالَ: هُمَا بِعَذَابِ اللَّهِ. قُلْتُ: الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ يُعَذَّبَانِ؟. قَالَ: سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ فَأَيْقِنْهُ (4)، إِنَّ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَجْرِيَانِ بِأَمْرِهِ مُطِيعَانِ لَهُ، ضَوْؤُهُمَا مِنْ نُورِ عَرْشِهِ وَ حَرُّهُمَا مِنْ جَهَنَّمَ، فَإِذَا كَانَتِ الْقِيَامَةُ عادا [عَادَ إِلَى الْعَرْشِ نُورُهُمَا وَ عَادَ إِلَى النَّارِ حَرُّهُمَا، فَلَا يَكُونُ شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ، وَ إِنَّمَا عَنَاهُمَا، أَ وَ لَيْسَ قَدْ رَوَى النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ نُورَانِ فِي النَّارِ؟!.
قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ النَّاسِ: .. فُلَانٌ وَ فُلَانٌ شَمْسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ نُورُهَا (5)؟! فَهُمَا فِي النَّارِ. قُلْتُ (6): بَلَى. قَالَ: وَ اللَّهِ (7) مَا عَنَى غَيْرَهُمَا .. إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ كَمَا سَيَأْتِي..
119- كنز (8): فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ (9) عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ عَمِيرَةَ (10)، عَنِ ابْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (11): وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
____________
(1) الرّحمن: 4.
(2) في المصدر: تبيان.
(3) الرّحمن: 5.
(4) في المصدر: فأتقنه.
(5) نسخة في (ك): نورهما.
(6) وضع على كلمة: قلت، رمز نسخة بدل في المطبوع من البحار.
(7) جاء في المصدر بزيادة: قال: أ ما سمعت قول النّاس فلان و فلان شمسا هذه الأمّة و نورها فهما في النّار، و اللّه ..
(8) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 700- 701، حديث 8، بتفصيل في الإسناد.
(9) في المصدر: عن، بدلا من: ابن.
(10) في (ك): ابن أبي عميرة، و هو غلط ظاهرا، و في المصدر: عن سيف بن عميرة ..
(11) جاء في المصدر: عزّ و جلّ، بدلا من: تعالى.
258
لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ... (1) الْآيَةَ؟. فَقَالَ (2): هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِرُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الَّتِي تَزَوَّجَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: وَ قَوْلُهُ:
وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ (3)؟. يَعْنِي مِنَ الثَّالِثِ وَ عَمَلِهِ. وَ قَوْلُهُ: وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (4)؟. يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ (5).
120- كنز (6): رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُخْتَارٍ، عَنْهُمْ (عليهم السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (7): وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (8)؟، الثَّانِي. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (9)، قَالَ: الْعُتُلُّ: الْكَافِرُ الْعَظِيمُ الْكُفْرِ، وَ الزَّنِيمُ: وَلَدُ الزِّنَا (10).
121- كنز (11): مُحَمَّدُ بْنُ الْبَرْقِيِّ، عَنِ الْأَحْمَسِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) .. مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَقْرَأُ: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (12)، فَلَقِيَهُ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ: (13) تُعَرِّضُ بِي وَ بِصَاحِبِي؟!. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- وَ لَمْ يَعْتَذِرْ إِلَيْهِ-: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَا
____________
(1) التّحريم: 11.
(2) في الكنز: الآية قال.
(3) التّحريم: 11.
(4) التّحريم: 11.
(5) و ذكره في تفسير البرهان 4- 358، حديث 1.
(6) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 712، حديث 4.
(7) في المصدر: في قوله عزّ و جلّ.
(8) القلم: 10.
(9) القلم: 11- 13.
(10) و جاء أيضا في تفسير البرهان 4- 370، حديث 6.
(11) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 712، حديث 5.
(12) القلم: 5- 6.
(13) في المصدر بزيادة: فقال له: أنت الّذي تقول كذا و كذا.
259
نَزَلَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ؟ نَزَلَ فِيهِمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ... (1) الْآيَةَ، قَالَ:
فَكَذَّبَهُ، وَ قَالَ: هُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ (2)، وَ أَوْصَلُ لِلرَّحِمِ (3).
122- كنز (4): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَالِكِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ الْجَمَّالِ (5)، قَالَ: حَمَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ غَدِيرَ خُمٍّ نَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حِينَ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، وَ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْفُسْطَاطِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمْ لِي، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ وَ قَدْ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى بَانَ بَيَاضُ إِبْتَيْهِ (6)، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى عَيْنَيْهِ قَدِ انْقَلَبَتَا كَأَنَّهُمَا عَيْنَا مَجْنُونٍ، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَقَالَ: اقْرَأْ: وَ إِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (7) الْآيَةَ، وَ الذِّكْرُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام). فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْمَعَنِي هَذَا مِنْكَ. فَقَالَ: لَوْ لَا أَنَّكَ جَمَّالِي لَمَا حَدَّثْتُكَ بِهَذَا، لِأَنَّكَ لَا تُصَدَّقَ إِذَا رَوَيْتَ عَنِّي (8).
بيان: أي لا يصدّقك (9) الناس لأنّهم لا يعتمدون على كلام الجمّالين، أو لأنّه
____________
(1) سورة محمّد (ص): 22.
(2) في الكنز: و قال له هم خير منك.
(3) و أورده في البرهان 4- 370، حديث 7.
(4) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 713، حديث 6.
(5) في المصدر: عن حسّان الجمّال.
(6) في المصدر: إبطيه، و هو الظّاهر، و ما في المتن لا معنى له.
(7) القلم: 51، و قد جاءت الآية في المصدر كاملة.
(8) و قد جاء في البحار 37- 221، حديث 89، و تفسير البرهان 4- 374، حديث 2، و أخرجه في الوسائل 3- 548، حديث 1، و الكافي 4- 566، حديث 2، و التّهذيب 3- 263، حديث 66، باختلاف يسير.
(9) عبارة: أي لا يصدّقك، مطموسة في (س).
260
كثيرا ما يقع بين الجمال و راكبه نزاع، و يؤيّد الأول أنّ في بعض النسخ: جمال بدون الياء-.
123- كنز (1): مُحَمَّدٌ، عَنِ (2) الْبَرْقِيِّ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ (3): وَ جاءَ فِرْعَوْنُ (4) يَعْنِي الثَّالِثَ، وَ مَنْ قَبْلَهُ الأوليين [الْأَوَّلَانِ (5)، وَ الْمُؤْتَفِكاتُ (6) أَهْلُ الْبَصْرَةِ، بِالْخاطِئَةِ (7) الْحُمَيْرَاءُ (8).
124- وَ بِالْإِسْنَادِ (9)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مِثْلَهُ، قَالَ: وَ جاءَ فِرْعَوْنُ (10)- يَعْنِي الثَّالِثَ- وَ مَنْ قَبْلَهُ- يَعْنِي الْأَوَّلَيْنِ- بِالْخاطِئَةِ (11) يَعْنِي عَائِشَةَ-.
بيان (12):
قال المؤلّف ((رحمه الله)): فمعنى قوله: وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ
____________
(1) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 714، حديث 1.
(2) في (ك) نسخة: بن، بدلا من: عن، و لا توجدان في المصدر، و فيه تعليقة حول سيف بن عميرة جديرة بالملاحظة.
(3) قد ذكر الآية كاملة في المصدر ثمّ أوّلت بقوله: قال .. إلى آخره.
(4) الحاقّة: 9.
(5) لا توجد: الأوليين، في (س)، و هي تفسير ل «من قبله ..».
(6) الحاقّة: 9.
(7) الحاقّة: 9.
(8) و قد ذكره في تفسير البرهان 4- 375، حديث 1.
(9) في تأويل الآيات الظّاهرة 2- 714، حديث 2.
(10) الحاقّة: 9.
(11) الحاقّة: 9. و في المصدر: و المؤتفكات الخاطئة يعني(ع)ا ي ش ة هكذا وردت.
(12) الظاهر أنّ كلمة: بيان، زائدة. و يستمر كلام مؤلف كتاب تأويل الآيات الظاهرة إلى قوله:
خسفت بهم.
261
وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (1) في أقوالها و أفعالها، و في (2) كلّ خطإ وقع فإنّه منسوب إليها، و كيف جاءا (3) بها، بمعنى أنّهم وثبوها (4) و سنّوا لها الخلاف لمولاها (5) و وزر ذلك عليهم و فعل من تابعها إلى يوم القيامة.
قوله: وَ الْمُؤْتَفِكاتِ*: أهل البصرة،
- فقد جاء في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأهل البصرة (6): يا أهل المؤتفكة! ائتفكت بأهلها ثلاث مرّات، و على اللّه تمام الرابعة.
و معنى ائتفكت بأهلها .. أي خسفت بهم (7).
125- كنز (8): فِي تَفْسِيرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عليهم السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (9):
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (10) قَالَ (11): هِيَ الْمَلَائِكَةُ (12) تُلْقِي الذِّكْرَ عَلَى الرَّسُولِ وَ الْإِمَامِ (عليهما السلام)، وَ (13) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (14) قَالَ: نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ. أَيِ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) الحاقّة: 9. و في المصدر زيادة: أي المخطئة.
(2) خطّ على: في، في (س)، و لا توجد في المصدر.
(3) في المصدر: جاءوا، و هي نسخة في (ك).
(4) ما هنا نسخة في المصدر، و فيه متنا: وثبوا بها.
(5) جاء في (س): لمولاه.
(6) كما أورده شيخنا ابن ميثم في شرحه على النهج 1- 289، و حكاه عنه العلّامة المجلسي- (رحمه الله) في بحار الأنوار 60- 39، حديث 3، فراجع.
(7) انظر: لسان العرب 10- 391، و تاج العروس 7- 102. إلى هنا كلام صاحب تأويل الآيات الظاهرة، و قد جاء بنصّه في تفسير البرهان 4- 375، حديث 1، و قد مرّ في بحار الأنوار 8- 447.
(8) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 753- 754.
(9) لا توجد: تعالى، في (س).
(10) المرسلات: 5.
(11) في المصدر زيادة: قال عليّ بن إبراهيم- (رحمه الله)- في تفسيره.
(12) كما جاء في تفسير القمّيّ: 708 [طبعة النّجف 2- 400].
(13) لا توجد الواو في المصدر و (ك) من البحار.
(14) المرسلات: 16- 17.
262
وَ آلِهِ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ الَّذِينَ خَالَفُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (1) يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ وَ بَنِي فُلَانٍ (2).
126- وَ رَوَى (3) بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ مَرْفُوعاً إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي هَذِهِ الْآيَةِ (4) قَالَ: يَعْنِي الْأَوَّلَ وَ الثَّانِيَ، ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (5) قَالَ: الثَّالِثَ وَ الرَّابِعَ وَ الْخَامِسَ، كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (6) مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَ قَوْلُهُ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (7) بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) (8).
127- كنز (9): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ سَيَّارٍ (10)، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَرْفُوعاً إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: إِذَا لَاذَ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ قِيلَ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (11)- يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- فَيَقُولُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (12)، قَالَ: يَعْنِي الثَّلَاثَةَ، فُلَانٌ .. وَ فُلَانٌ .. وَ فُلَانٌ (13).
____________
(1) المرسلات: 18.
(2) و حكى قطعة منه في بحار الأنوار 7- 45، حديث 27، و تفسير البرهان 4- 417، حديث 1.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 754، حديث 1.
(4) في المصدر: في قوله عزّ و جلّ: «أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ»، بدلا من: في هذه الآية.
(5) المرسلات: 17.
(6) المرسلات: 18.
(7) المرسلات: 19.
(8) و قد جاء في تفسير البرهان 4- 417، حديث 1.
(9) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 755، حديث 4.
(10) جاء السّند في المصدر هكذا: و يؤيّده: ما رواه محمّد بن العبّاس- (رحمه الله)- عن أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمّد بن سيّار .. إلى آخره، و هناك تعليقة جديرة بالملاحظة.
(11) المرسلات: 29.
(12) المرسلات: 30.
(13) و أورده في تفسير البرهان 4- 418، حديث 2.
263
قال المؤلّف ((رحمه الله)) (1): معنى هذا التأويل (2) أنّ أعداء آل محمّد (صلوات الله عليهم) يوم القيامة يأخذهم العطش فيطلبون منه الماء، فيقول (3) لهم: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، و يعني بالظلّ هنا ظلم أهل البيت (عليهم السلام)، و لهذا الظلّ ثلاث شعب، لكلّ شعبة منها راية (4)، و هم أصحاب الرايات الثلاث، و هم أئمّة الضلال، و لكلّ راية منهنّ (5) ظلّ يستظلّ به أهله، ثم أوضح لهم الحال، فقال: إنّ هذا الظلّ المشار إليه لا ظَلِيلٍ (6) يظلّكم و لا يغنيكم مِنَ اللَّهَبِ. أي العطش، بل يزيدكم عطشا، و إنّما يقال لهم هذا استهزاء بهم و إهانة لهم، وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها
128- كا (7): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ وَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى (8) فُلَانٌ .. وَ فُلَانٌ .. وَ فُلَانٌ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِيمَانِ فِي تَرْكِ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام).
قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ
____________
(1) المراد به هو صاحب تأويل الآيات الظاهرة.
(2) لا توجد كلمة: التأويل، في المصدر.
(3) في المصدر زيادة و تغيير، و إليك نصّه: فيطلبون الماء فيقال لهم: «انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» .. أي بولاية عليّ (عليه السلام) و إمامته، فإنّه على حوض الكوثر يسقي أولياءه و يمنع أعداءه، فيأتون إليه و يطلبون منه الماء فيقول ..
(4) في تأويل الآيات: ربي، بدلا من: راية.
(5) في المصدر: منها، بدلا من: منهنّ.
(6) المرسلات: 31.
(7) أصول الكافي 1- 348، حديث 43 [الطبعة الأخرى الإسلاميّة 1- 420- 421].
(8) سورة محمّد (ص): 25.
264
فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (1) قَالَ: نَزَلَتْ وَ اللَّهِ فِيهِمَا وَ فِي أَتْبَاعِهِمَا، وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ فِي عَلِيٍ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (2) قَالَ:
دَعَوْا بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى مِيثَاقِهِمْ أَلَّا يُصَيِّرُوا الْأَمْرَ فِينَا بَعْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا يُعْطُونَا مِنَ الْخُمُسِ شَيْئاً، وَ قَالُوا: إِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ إِيَّاهُ لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى شَيْءٍ، وَ لَمْ يُبَالُوا أَنْ لَا يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِمْ، فَقَالُوا: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ (3) الَّذِي دَعَوْتُمُونَا إِلَيْهِ- وَ هُوَ الْخُمُسُ- أَنْ لَا نُعْطِيَهُمْ مِنْهُ شَيْئاً، وَ قَوْلُهُ: كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ (4) وَ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ مَا افْتَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ وَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ كَانَ مَعَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ كَانَ كَاتِبَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْواهُمْ ... (5) الْآيَةَ..
بيان: ظاهر السياق أنّ فاعل قالوا الضمير الراجع إلى الذين ارتدّوا، فلو فسّرنا الكنايات الثلاث الأُوَلَ بأبي بكر و عمر و عثمان- كما هو ظاهر- لا يستقيم النظام، و يمكن توجيهه بوجهين:
الأول: أن يكون المراد بالكنايات بعض بني أميّة كعثمان و أبي سفيان و معاوية، فالمراد ب (الذين كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ) أبو بكر و أخواه.
الثاني: أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر و عمر و أبا عبيدة، و ضمير (قالُوا) راجعا إلى بني أميّة، و المراد ب (الذين كرهوا) الذين ارتدّوا، فيكون من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، و يؤيّد هذا عدم وجود الكناية الثالثة في بعض النسخ.
129- كا (6) بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) (7):
____________
(1) سورة محمّد (ص): 26.
(2) سورة محمّد (ص): 26.
(3) سورة محمّد (ص): 26.
(4) سورة محمّد (ص): 26.
(5) الزّخرف: 79- 80.
(6) الكافي 1- 348، حديث 44 [1- 421].
(7) في المصدر زيادة: قول اللّه عزّ و جلّ.
265
وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ (1) قَالَ: نَزَلَتْ فِيهِمْ، حَيْثُ دَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَتَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا (2) عَلَى كُفْرِهِمْ وَ جُحُودِهِمْ بِمَا نَزَلَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَأَلْحَدُوا فِي الْبَيْتِ بِظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ وَ وَلِيَّهُ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (3).
130- يب (4): الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَجَاءَ عُمَرُ فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَامَ النِّسَاءُ، نَامَ الصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُونِي وَ لَا تَأْمُرُونِي، إِنَّمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْمَعُوا وَ تُطِيعُوا.
131- كا (5): الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ (6) مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ عَرَّفَنَا تَوْحِيدَهُ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ أَقْرَرْنَا بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالرِّسَالَةِ، ثُمَّ اخْتَصَّنَا بِحُبِّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ (ع) نَتَوَلَّاكُمْ وَ نَتَبَرَّأُ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَ إِنَّمَا يُرِيدُ (7) اللَّهُ بِذَلِكَ خَلَاصَ أَنْفُسِنَا مِنَ النَّارِ. قَالَ: وَ رَقَقْتُ وَ بَكَيْتُ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): سَلْنِي، فَوَ اللَّهِ لَا تَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ: مَا سَمِعْتُهُ قَالَهَا (8) لِمَخْلُوقٍ قَبْلَكَ، قَالَ: قُلْتُ: خَبِّرْنِي عَنِ الرَّجُلَيْنِ؟.
____________
(1) الحجّ: 25.
(2) في (س): و تقاعدوا.
(3) هود: 44، و المؤمنون: 41.
(4) التّهذيب 2- 28 ذيل حديث 81، بتفصيل في الإسناد.
(5) الكافي- الرّوضة- 8- 102، حديث 74، بتفصيل في الإسناد.
(6) في المصدر: و جلّ، بدلا من: ذكره.
(7) في الكافي: نريد، و جاءت نسخة على مطبوع البحار: يزيد.
(8) نسخة في (ك): قال.
266
قَالَ: فَقَالَ (1) ظَلَمَانَا حَقَّنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنَعَا فَاطِمَةَ (عليها السلام) مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا، وَ جَرَى ظُلْمُهُمَا إِلَى الْيَوْمِ، قَالَ:- وَ أَشَارَ إِلَى خَلْفِهِ- وَ نَبَذَا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمَا.
132- كا (2): وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ بَشِيرٍ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا كُمَيْتُ! لَوْ كَانَ عِنْدَنَا مَالٌ لَأَعْطَيْنَاكَ مِنْهُ، وَ لَكِنْ لَكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: لَنْ يَزَالَ (3) مَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ مَا ذَبَبْتَ عَنَّا (4)، قَالَ:
قُلْتُ: خَبِّرْنِي عَنِ الرَّجُلَيْنِ؟. قَالَ: فَأَخَذَ الْوِسَادَةَ فَكَسَرَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا كُمَيْتُ! مَا أُهْرِيقَ مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، وَ لَا أُخِذَ مَالٌ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَ لَا قُلِبَ حَجَرٌ عَنْ (5) حَجَرٍ إِلَّا ذَاكَ فِي أَعْنَاقِهِمَا.
133- كا (6): وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ الْحَارِثِ النَّضْرِيِ (7)، قَالَ:: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام): عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ:
الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً (8) قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي ذَلِكَ؟. قُلْتُ: نَقُولُ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، بَنُو أُمَيَّةَ وَ بَنُو الْمُغِيرَةِ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: هِيَ وَ اللَّهِ قُرَيْشٌ قَاطِبَةً، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَاطَبَ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: إِنِّي فَضَّلْتُ قُرَيْشاً عَلَى
____________
(1) لا توجد في المصدر: فقال، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (س).
(2) الكافي 8- 102، حديث 75. و أورده في بحار الأنوار 46- 341 حديث 32.
(3) في (س): لن يراك، و لا معنى لها.
(4) لقد حكاه إلى هنا العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في غديره 2- 187، عن المسعوديّ في مروج الذّهب 2- 195، و قد فصّل حول الكميت الشّاعر قبله و بعده، فراجع.
(5) في (س): من، بدلا من: عن.
(6) الكافي- الرّوضة- 8- 103، حديث 77.
(7) في المصدر: النّصريّ، بدلا من: النّضريّ، و في (س): ابن النّضريّ.
(8) إبراهيم (ع): 28.
267
الْعَرَبِ، وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْهِمْ نِعْمَتِي، وَ بَعَثْتُ إِلَيْهِمْ رَسُولِي (1) فَبَدَّلُوا نِعْمَتِي كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (2)..
134- كا (3): عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَوَدُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ تُكْثِرُ التَّعَاهُدَ لَنَا، وَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَقِيَهَا ذَاتَ يَوْمٍ وَ هِيَ تُرِيدُنَا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تَذْهَبِينَ يَا عَجُوزَ الْأَنْصَارِ؟. فَقَالَتْ: أَذْهَبُ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) أُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَ أُجَدِّدُ (4) بِهِمْ عَهْداً، وَ أَقْضِي حَقَّهُمْ. فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: وَيْلَكِ لَيْسَ لَهُمُ الْيَوْمَ حَقٌّ عَلَيْكِ وَ لَا عَلَيْنَا، إِنَّمَا كَانَ لَهُمْ حَقٌّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ، فَانْصَرِفِي (5). فَانْصَرَفَتْ حَتَّى أَتَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ: مَا ذَا أَبْطَأَ بِكِ عَنَّا؟. فَقَالَتْ: إِنِّي لَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ .. فَأَخْبَرَتْهَا (6) بِمَا قَالَتْ لِعُمَرَ وَ مَا قَالَ لَهَا عُمَرُ (7)، فَقَالَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ:
كَذَبَ (8)، لَا يَزَالُ حَقُّ آلِ مُحَمَّدٍ وَاجِباً عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
135- كا (9): حُمَيْدٌ، عَنِ ابْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَرْوَةَ (10)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: ذَاكَرْتُهُ شَيْئاً
____________
(1) في (س): رسولا.
(2) إبراهيم (ع): 28.
(3) الكافي- الرّوضة- 8- 156، حديث 145.
(4) نسخة في (س): أحدث.
(5) ما هنا نسخة في (ك)، و في متنها: فانصرفني.
(6) في المصدر: و أخبرتها.
(7) في (س): عمر لها- بتقديم و تأخير-.
(8) في (س): و كذب.
(9) الكافي- الرّوضة- 8- 189، حديث 215.
(10) جاء السّند في المصدر: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل بن زبير، قال: حدّثني فروة ..
268
مِنْ أَمْرِهِمَا، فَقَالَ: ضَرَبُوكُمْ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ ظَالِماً، فَكَيْفَ- يَا فَرْوَةُ- إِذَا ذَكَرْتُمْ (1) صَنَمَيْهِمْ؟..
136- كا (2): مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (3): وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ (4) قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي الْفَصِيلِ، إِنَّهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عِنْدَهُ سَاحِراً، فَكَانَ إِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ- يَعْنِي السُّقْمَ- دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ- يَعْنِي تَائِباً إِلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ فِي رَسُولِ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مَا يَقُولُ- ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ (5) يَعْنِي الْعَافِيَةَ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ (6) يَعْنِي نَسِيَ التَّوْبَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا كَانَ يَقُولُ فِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِنَّهُ سَاحِرٌ، وَ لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (7) يَعْنِي إِمْرَتُكَ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنْ رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله). قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): ثُمَّ عَطَفَ الْقَوْلَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) يُخْبِرُ بِحَالِهِ وَ فَضْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى، فَقَالَ: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ (8) أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (9) أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، و [بَلْ يَقُولُونَ إِنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (10) قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام):
هَذَا تَأْوِيلُهُ يَا عَمَّارُ!.
____________
(1) في (س): ذكرتهم.
(2) الكافي- الرّوضة- 8- 204، حديث 246، بتفصيل في الإسناد.
(3) في المصدر: قول اللّه تعالى.
(4) الزّمر: 8.
(5) الزّمر: 8.
(6) الزّمر: 8.
(7) الزّمر: 8.
(8) الزّمر: 9.
(9) الزّمر: 9.
(10) الزّمر: 9.
269
137- كا (1): عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: .. إِنَّ الشَّيْخَيْنِ (2) فَارَقَا الدُّنْيَا وَ لَمْ يَتُوبَا، وَ لَمْ يَذَّكَّرَا (3) مَا صَنَعَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَعَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
138- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ (4)، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْهُمَا، فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! مَا تَسْأَلُنِي عَنْهُمَا؟! فَوَ اللَّهِ مَا مَاتَ مِنَّا مَيِّتٌ قَطُّ إِلَّا سَاخِطاً عَلَيْهِمَا، وَ مَا مِنَّا الْيَوْمَ إِلَّا سَاخِطاً عَلَيْهِمَا يُوصِي بِذَلِكَ الْكَبِيرُ مِنَّا الصَّغِيرَ، أَنَّهُمَا ظَلَمَانَا حَقَّنَا، وَ مَنَعَانَا فَيْئَنَا، وَ كَانَا أَوَّلَ مَنْ رَكِبَ أَعْنَاقَنَا، وَ بَثَقَا (5) عَلَيْنَا بَثْقاً فِي الْإِسْلَامِ لَا يُسْكَرُ (6) أَبَداً حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا أَوْ يَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُنَا.
ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا وَ تَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُنَا لَأَبْدَى مِنْ أُمُورِهِمَا مَا كَانَ يُكْتَمُ، وَ لَكَتَمَ مِنْ أُمُورِهِمَا مَا كَانَ يُظْهَرُ، وَ اللَّهِ مَا أُسِّسَتْ مِنْ بَلِيَّةٍ وَ لَا قَضِيَّةٍ تَجْرِي عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِلَّا هُمَا أَسَّسَا أَوَّلَهَا، فَعَلَيْهِمَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.
____________
(1) الكافي- الرّوضة- 8- 246، حديث 343.
(2) في المصدر زيادة: قلت له: ما كان ولد يعقوب أنبياء؟. قال: لا، و لكنّهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، و لم يكن يفارقوا الدّنيا إلّا سعداء تابوا و تذكّروا ما صنعوا، و إنّ الشّيخين ..
(3) في الكافي: و لم يتذكّرا.
(4) في الكافي- الرّوضة- 8- 245، حديث 340.
(5) في (س): و شقّا، و هو غلط. و جاء في حاشية (ك) ما يلي: هو من قولهم: بثق النّهر: انكسر شطّه .. أي ثلما علينا ثلمة في الإسلام لا يسدّها شيء، و يقال: بثقت الماء بثقا- من باب ضرب و قتل-: إذا أهرقته، و كذلك في السّكر، فانبثق هو، و انبثق الماء: انفجر و جرى، و منه حديث هاجر أمّ إسماعيل في إسماعيل، فغمز بعقبه الأرض فانبثق الماء .. يعني ماء زمزم، و البثق- بالكسر- اسم للمصدر، مجمع.
انظر: مجمع البحرين 5- 136 و فيه: بابي، بدلا من: باب، و هو الصّحيح.
(6) في (س): لا يسكرا.
270
بيان: و ثبق [بثق (1) السّيلُ موضعَ كذا- كَنَصَرَ- ثبقاً [بثقاً- بالفتح و الكسر- .. أي خرقه و شقّه، فانبثق .. أي انفجر (2).
و سَكَرْتُ النّهرَ سكراً سَدَدْتُهُ (3).
139- كا (4): مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُمِّيُّ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْجَمَّالِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (5) قَالَ: هُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَ كَانَ فُلَانٌ شَيْطَاناً.
بيان: إنّ المراد بفلان: عمر .. أي الجنّ المذكور في الآية عمر، و إنّما كنّى به عنه لأنّه كان شيطانا، إمّا لأنّه كان شرك شيطان لكونه ولد زنا، أو لأنّه كان في المكر و الخديعة كالشيطان، و على الأخير يحتمل العكس بأن يكون المراد بفلان: أبا بكر.
140- كا (6): بِالْإِسْنَادِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِ
____________
(1) كذا، و الصحيح: بثق- بتقديم الباء الموحّدة على الثاء المثلثة- فإن المذكور في الرواية بثق مع أنّ ما ذكره المصنّف طاب ثراه من المعنى هو ل: بثق.
(2) قاله في الصحاح 4- 1448، و مثله في لسان العرب 10- 13. و قال في الأول 4- 1453 في مادة ثبق: ثبقت العين تثبق: أسرع دمعها، و ثبق النهر: أسرع جريه و كثر ماؤه، و مثله في لسان العرب في مادة ثبق 10- 33.
(3) كما في مجمع البحرين 3- 335، و لسان العرب 4- 375، و لاحظ: النهاية 2- 383.
(4) الكافي- الرّوضة- 8- 334، حديث 523.
(5) فصّلت: 29.
(6) الكافي- الرّوضة- 8- 334، حديث 524.
271
وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (1) قَالَ: يَا سَوْرَةُ! هُمَا وَ اللَّهِ هُمَا .. ثَلَاثاً، وَ اللَّهِ يَا سَوْرَةُ! إِنَّا لَخُزَّانُ عِلْمِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ وَ إِنَّا لَخُزَّانُ عِلْمِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.
141- كا (2): مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عِيسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ (3): إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ (4) قَالَ: يَعْنِي فُلَاناً وَ فُلَاناً وَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ.
بيان: بيّت أمرا .. أي دبّره ليلا (5).
142- كا (6): عَلِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ (7) بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَ غَيْرِهِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (8) يَعْنِي وَ اللَّهِ فُلَاناً وَ فُلَاناً، وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (9) يَعْنِي وَ اللَّهِ
____________
(1) فصّلت: 29.
(2) الكافي- الرّوضة- 8- 334، حديث 525.
(3) في الكافي زيادة: و تعالى.
(4) النّساء: 108.
(5) صرّح به في لسان العرب 2- 16، و الصحاح 1- 245، و غيرهما.
(6) الكافي- الرّوضة- 8- 334، حديث 526.
(7) في المصدر: و محمّد ..
(8) النّساء: 63.
(9) النّساء: 64.
272
النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلِيّاً (عليه السلام)، مِمَّا صَنَعُوا، يَعْنِي لَوْ جَاءُوكَ بِهَا (1) يَا عَلِيُ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ مِمَّا صَنَعُوا وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (2)، فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ (3) فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): هُوَ- وَ اللَّهِ- عَلِيٌّ بِعَيْنِهِ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ (4) عَلَى لِسَانِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْنِي بِهِ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (5) لِعَلِيٍّ (عليه السلام).
تبيان:
قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ (6) .. أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم، و في بعض النسخ: و ما أرسلناك رسولا إلّا لتطاع .. فتكون قراءتهم (عليهم السلام) هكذا.
قوله (عليه السلام): يعني و اللّه النبيّ (ص) .. أي المراد بالرسول في قوله تعالى: وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ (7) النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و المخاطب في قوله جاؤُكَ، عليّ (عليه السلام)، و لو كان المخاطب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لكان الأظهر أن يقول: و استغفرت لهم، و في بعض نسخ تفسير العياشي (8): يعني و اللّه عليّا (عليه السلام)، و هو أظهر.
قوله (عليه السلام): هو و اللّه عليّ .. أي المخاطب، أو المعنى أنّ المراد بما شجر بينهم ما شجر بينهم في أمر عليّ (عليه السلام) و خلافته (9)، و الأول أظهر.
____________
(1) في المصدر: أي لو جاءك بها و في (س): لها، بدلا من: بها.
(2) النّساء: 64.
(3) النّساء: 65.
(4) النّساء: 65.
(5) النّساء: 65.
(6) النساء: 63.
(7) النساء: 64.
(8) تفسير العيّاشيّ 1- 255 حديث 182، و هو كالمتن، و لم نظفر بالنسخة التي أشار لها المصنّف (رحمه الله).
(9) في (س): خلافه.
273
قوله (عليه السلام): ممّا قضيت على لسانك .. ظاهره أنّ قراءتهم (عليهم السلام) به (1) على صيغة التكلّم، و يحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، أي المراد بقضاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ما يقضي اللّه على لسانه.
143- ختص (2): مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى أَبِي بَكْرٍ- وَ قَدْ ذَهَبَ بِهِ إِلَى الْغَارِ- فَقَالَ: مَا لَكَ؟ أَ لَيْسَ اللَّهُ مَعَنَا؟! تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ أَصْحَابِي مِنَ الْأَنْصَارِ فِي مَجَالِسِهِمْ يَتَحَدَّثُونَ، وَ أُرِيَكَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ أَصْحَابَهُ فِي سَفِينَةٍ يَغُوصُونَ؟. فَقَالَ: نَعَمْ، أَرِنِيهِمْ. فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى وَجْهِهِ وَ عَيْنَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، فَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ سَاحِرٌ.
144- كنز (3): الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ (رحمه الله) فِي مِصْبَاحِ الْأَنْوَارِ (4) بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ- وَ قَدْ حَفَرَ النَّاسُ وَ حَفَرَ عَلِيٌّ (عليه السلام)- فَقَالَ لَهُ (5) النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): بِأَبِي مَنْ يَحْفِرُ وَ جَبْرَئِيلُ يَكْنُسُ التُّرَابَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ يُعِينُهُ مِيكَائِيلُ، وَ لَمْ يَكُنْ يُعِينُ أَحَداً قَبْلَهُ مِنَ الْخَلْقِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعُثْمَانَ بْنِ
____________
(1) لا توجد: به، في (ك).
(2) الاختصاص: 19- حديث الغار-.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 607، حديث 9.
(4) هو كتاب مصباح الأنوار في فضائل إمام الأبرار للشّيخ هاشم بن محمّد، و قد نسب إلى الشّيخ الطّوسيّ- لما جاء على ظهر نسخته- كما هنا و كتاب مدينة المعاجز، و كشكول شيخ أحمد شكر، و تأويل الآيات الظّاهرة، و كنز المطالب للسّيّد وليّ اللّه بن نعمة اللّه .. و غيرهما، و نفى النّسبة شيخنا الطّهرانيّ في الذّريعة 21- 103- 104، و قال العلّامة المجلسيّ (رحمه الله) في أوّل بحاره في مقام توثيق مصادره 1- 40: و كتاب مصباح الأنوار مشتمل على غرر الأخبار و يظهر من الكتاب أنّ مؤلّفه من الأفاضل الكبار، و يروي من الأصول المعتبرة من الخاصّة و العامّة.
(5) في (س): فقاله.
274
عَفَّانَ: احْفِرْ!، فَغَضِبَ عُثْمَانُ وَ قَالَ: لَا يَرْضَى مُحَمَّدٌ أَنْ أَسْلَمْنَا عَلَى يَدِهِ حَتَّى أَمَرَنَا (1) بِالْكَدِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ... (2) الْآيَةَ.
145- ختص (3): الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمَدَانِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه)، قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ وَ بَيْنَ يَدَيَّ قَنْبَرٌ، فَقُلْتُ (4): يَا قَنْبَرُ! تَرَى مَا أَرَى؟. فَقَالَ: قَدْ ضَوَّأَ اللَّهُ لَكَ (5)- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!- عَمَّا عَمِيَ عَنْهُ بَصَرِي.
فَقُلْتُ: يَا أَصْحَابَنَا! تَرَوْنَ مَا أَرَى؟. فَقَالُوا: لَا، قَدْ ضَوَّأَ اللَّهُ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَمَّا عَمِيَ عَنْهُ أَبْصَارُنَا.
فَقُلْتُ: وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَتَرَوُنَّهُ كَمَا أَرَاهُ، وَ لَتَسْمَعُنَّ كَلَامَهُ كَمَا أَسْمَعُ، فَمَا لَبِثْنَا أَنْ طَلَعَ شَيْخٌ عَظِيمُ الْهَامَةِ (6) لَهُ عَيْنَانِ بِالطُّولِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا لَعِينُ؟. قَالَ:
مِنَ الْآثَامِ (7). فَقُلْتُ: وَ أَيْنَ تُرِيدُ؟. قَالَ: الْآثَامَ (8). فَقُلْتُ: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنْتَ.
فَقَالَ: لِمَ تَقُولُ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع)، فَوَ اللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِحَدِيثٍ عَنِّي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا بَيْنَنَا ثَالِثٌ. فَقُلْتُ: يَا لِعَيْنُ (9)! عَنْكَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا بَيْنَكُمَا ثَالِثٌ؟!.
____________
(1) في الكنز: حتّى يأمرنا.
(2) الحجرات: 17. و ذكر الآية إلى قوله تعالى: صادِقِينَ، في المصدر.
(3) الاختصاص: 108، بتفصيل في الإسناد.
(4) في المصدر: فقلت له.
(5) في الاختصاص: فقال ضوّأ اللّه عزّ و جلّ لك.
(6) في المصدر زيادة: مديد القامة له.
(7) في الاختصاص: من الأنام.
(8) في الاختصاص: الأنام.
(9) لا توجد: يا لعين في (س).
275
قَالَ: نَعَمْ (1)، إِنَّهُ لَمَّا هُبِطْتُ بِخَطِيئَتِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَادَيْتُ: إِلَهِي وَ سَيِّدِي مَا أَحْسَبُكَ خَلَقْتَ مَنْ (2) هُوَ أَشْقَى مِنِّي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيَ (3): بَلَى، قَدْ خَلَقْتُ مَنْ هُوَ أَشْقَى مِنْكَ، فَانْطَلِقْ إِلَى مَالِكٍ يُرِيكَهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى مَالِكٍ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ: أَرِنِي مَنْ هُوَ أَشْقَى مِنِّي، فَانْطَلَقَ بِي مَالِكٌ إِلَى النَّارِ فَرَفَعَ الطَّبَقَ الْأَعْلَى فَخَرَجَتْ نَارٌ سَوْدَاءُ ظَنَنْتُ أَنَّهَا قَدْ أَكَلَتْنِي وَ أَكَلَتْ مَالِكاً، فَقَالَ لَهَا: إهدائي [اهْدَئِي (4) فَهَدَأَتْ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي إِلَى الطَّبَقِ الثَّانِي فَخَرَجَتْ نَارٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْ تِلْكَ سَوَاداً وَ أَشَدُّ حِمًى، فَقَالَ لَهَا: اخْمُدِي! فَخَمَدَتْ إِلَى أَنِ انْطَلَقَ بِي إِلَى السَّابِعِ (5)، وَ كُلُّ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ طَبَقٍ هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، فَخَرَجَتْ نَارٌ ظَنَنْتُ أَنَّهَا قَدْ أَكَلَتْنِي وَ أَكَلَتْ مَالِكاً وَ جَمِيعَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى عَيْنِي وَ قُلْتُ: مُرْهَا يَا مَالِكُ تَخْمُدْ (6) وَ إِلَّا خَمَدْتُ، فَقَالَ: أَنْتَ لَمْ تَخْمُدْ (7) إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ فَأَمَرَهَا فَخَمَدَتْ، فَرَأَيْتُ رَجُلَيْنِ فِي أَعْنَاقِهِمَا سَلَاسِلُ النِّيرَانِ مُعَلَّقَيْنِ بِهَا إِلَى فَوْقُ، وَ عَلَى رُءُوسِهِمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ مَقَامِعُ النِّيرَانِ يَقْمَعُونَهُمَا بِهَا، فَقُلْتُ: يَا مَالِكُ! مَنْ هَذَانِ؟. فَقَالَ: أَ وَ مَا قَرَأْتَ فِي سَاقِ (8) الْعَرْشِ، وَ كُنْتُ قَبْلُ (9) قَرَأْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَيَّدْتُهُ وَ نَصَرْتُهُ بِعَلِيٍّ، فَقَالَ: هَذَانِ عَدُوَّا أُولَئِكَ وَ ظَالِمَاهُمْ (10).
____________
(1) جاء في (س): قال بعد كلمة: نعم، و خطّ عليها في (ك)، و لا معنى لها.
(2) لا توجد: من، في المطبوع من البحار، و في المصدر: خلقت خلقا هو ..
(3) لا توجد: إليّ، في الاختصاص.
(4) كذا، و في المصدر: اهدئي، و هو الظّاهر.
(5) جاء: إلى الطّبق السّابع، في المصدر.
(6) في المصدر: أن تخمد.
(7) جاء في (ك) نسخة: لن تخمد، و في المصدر: إنّك لن تخمد. و هو الظّاهر.
(8) في الاختصاص: على ساق ..
(9) لا توجد: قبل، في (س).
(10) و في آخر الحديث: فقال: هذا من أعداء أولئك، أو ظالميهم- الوهم من صاحب الحديث.
276
146- ختص (1): رُوِيَ عَنْ حَكَمِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام): إِنَّ الشَّعْبِيَّ يَرْوِي عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ أَنَّ عَلِيّاً (ع) قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يُفَضِّلُ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ حُبّاً وَ كَرَامَةً (2)، ثُمَّ أَتَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) فَأَخْبَرْتُهُ ذَلِكَ، فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِي وَ قَالَ: هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ.
147- ختص (3): رُوِيَ عَنِ ابْنِ كُدَيْنَةَ الْأَوْدِيِ (4)، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ... (5) فِيمَنْ نَزَلَتْ؟. قَالَ: فِي رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ..
148- الْبُرْسِيُّ، فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ (6): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِعُمَرَ (7): يَا مَغْرُورُ! إِنِّي أَرَاكَ فِي الدُّنْيَا قَتِيلًا بِجَرَاحَةٍ مِنْ عَبْدِ أُمِّ مَعْمَرٍ (8) تَحْكُمُ عَلَيْهِ جَوْراً فَيَقْتُلُكَ تَوْفِيقاً، يَدْخُلُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ عَلَى رَغْمٍ مِنْكَ، وَ إِنَّ لَكَ وَ لِصَاحِبِكَ الَّذِي قُمْتَ مَقَامَهُ صَلْباً وَ هَتْكاً تُخْرَجَانِ عَنْ جِوَارِ رَسُولِ اللَّهِ (9) (صلّى اللّه عليه و آله) فَتُصْلَبَانِ عَلَى أَغْصَانِ جِذْعَةٍ (10) يَابِسَةٍ فَتُورِقُ فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ (11) مَنْ وَالاكَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ (ع)؟. فَقَالَ: قَوْمٌ
____________
(1) الاختصاص: 128.
(2) في المصدر: و تكرّما.
(3) الاختصاص: 128.
(4) كذا، و الظّاهر أنّه: أبو كريبة الأزديّ.
(5) الحجرات: 1.
(6) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام): 70- 79.
(7) في المصدر: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول للرّجل.
(8) جاءت نسخة بدل في حاشية (ك): ابن معمر.
(9) في المصدر: من عند رسول اللّه ..
(10) في المشارق: دوحة، بدلا من: جذعة.
(11) في المصدر: بذاك، و هي نسخة في (ك).
277
قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ السُّيُوفِ وَ أَغْمَادِهَا، فَيُؤْتَى (1) بِالنَّارِ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِإِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) وَ يَأْتِي جِرْجِيسُ وَ دَانِيَالُ وَ كُلُّ نَبِيٍّ وَ صِدِّيقٍ، ثُمَّ يَأْتِي رِيحٌ فَيَنْسِفُكُمَا فِي الْيَمِّ نَسْفاً.
وَ قَالَ (عليه السلام) يَوْماً (2) لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَ مَا تَرَى عِنْدِي تَابُوتٌ (3) مِنْ نَارٍ يَقُولُ: يَا عَلِيُّ! اسْتَغْفِرْ لِي، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
وَ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (4) قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ (5) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مَا مَعْنَى هَذِهِ الْحَمِيرِ؟. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً ثُمَّ يُنْكِرَهُ، إِنَّمَا هُوَ زُرَيْقٌ وَ صَاحِبُهُ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ فِي (6) صُورَةِ حِمَارَيْنِ، إِذَا شَهَقَا فِي النَّارِ انْزَعَجَ أَهْلُ النَّارِ مِنْ شِدَّةِ صُرَاخِهِمَا..
149- كنز (7): مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الثُّمَالِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُخْرِجَتْ أَرِيكَتَانِ مِنَ الْجَنَّةِ فَبُسِطَتَا عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَجِيءُ عَلِيٌّ (عليه السلام) حَتَّى يَقْعُدَ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا قَعَدَ ضَحِكَ، وَ إِذَا ضَحِكَ انْقَلَبَتْ جَهَنَّمُ فَصَارَ (8) عَالِيهَا سَافِلَهَا، ثُمَّ يُخْرَجَانِ فَيُوقَفَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولَانِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! يَا وَصِيَّ رَسُولِ اللَّهِ (9)! أَ لَا تَرْحَمُنَا؟! أَ لَا تَشْفَعُ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ؟!. قَالَ: فَيَضْحَكُ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَقُومُ فَيُدْخَلُ
____________
(1) جاء في المشارق: ثمّ يؤتى.
(2) في المصدر: من ذلك أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال يوما ..
(3) في المشارق: ما ترى عند ربّي تابوتا.
(4) لقمان: 19.
(5) في المصدر: رجل من ..
(6) في (ك): و في ..
(7) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 781- 782، حديث 17، باختصار في الإسناد هنا.
(8) في المصدر: فصارت.
(9) كرّر لفظ الجلالة في (س).
278
الْأَرِيكَتَانِ (1) وَ يُعَادَانِ إِلَى مَوْضِعِهِمَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (2).
أقول::
- رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي (3) بَعْدَ بَابِ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ (4)، وَ التِّرْمِذِيُ (5) وَ النَّسَائِيُ (6) فِي صَحِيحِهِمَا، وَ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْأُصُولِ (7) فِي كِتَابِ (8) تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مِنْ حَرْفِ الطَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرِ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ (9) بْنِ زُرَارَةَ، وَ قَالَ عُمَرُ: أَمِّرِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ (10)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي (11)، وَ قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ. قَالَ (12):
فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَتْ (13) فِي ذَلِكَ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
____________
(1) هنا نسخة في المصدر بها يصحّ المعنى و الإعراب، و هي: و يدخل و ترفع الأريكتان.
(2) المطفّفين: 34- 36.
(3) صحيح البخاريّ 6- 172، باب وفد بني تميم. و في الاعتصام، باب ما يكره من التّعمّق و التّنازع في العلم.
(4) صحيح البخاريّ 8- 452- 454 في تفسير سورة الحجرات، باب لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ (ص)، و باب إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
(5) صحيح التّرمذيّ، حديث 3262 في التّفسير، باب و من سورة الحجرات.
(6) صحيح النّسائيّ 8- 226 في القضاء، باب استعمال الشّعراء، و لا توجد فيه: حتّى انقضت.
(7) جامع الأصول 2- 360، حديث 809.
(8) وضع على لفظ كتاب، رمز نسخة بدل في (ك).
(9) في (س): معه، و هو غلط.
(10) في (س): جابس، و هو غلط.
(11) في مسند أحمد بن حنبل: إنّما أردت خلافي ..
(12) لا توجد في المصدر: قال.
(13) في المصدر: فنزل.
279
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ .. (1) حَتَّى انْقَضَتْ (2).
- قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (3): وَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مَلِيكَةَ: كَادَ الْخَيِّرَانِ (4) يهلكا أَنْ يَهْلِكَا (5) أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ وَ أَشَارَ الْآخَرُ بِغَيْرِهِ .. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ وَ نُزُولَ الْآيَةِ (6)، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ (7): فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ كَأَخِي (8) السِّرَارِ لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ (9)، وَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ (10) أَبِيهِ (11).
قال (12): أخرجه البخاري (13)، و أخرج النسائي (14) الرواية الأولى،
- وَ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُ (15) قَالَ: إِنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (16) (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ .. فَقَالَ عُمَرُ: لَا
____________
(1) الحجرات: 1. و ذكر في المصدر ذيلها «.. وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
(2) لا يوجد: حتّى انقضت، في جامع الأصول.
(3) جامع الأصول 2- 361- 362 في تفسير سورة الحجرات.
(4) في (ك): الخبران.
(5) في المصدر: كاد الخيران أن يهلكا.
(6) هناك حاشية على جامع الأصول 2- 361 حريّة بالملاحظة.
(7) قال ابن الزّبير، كذا جاء في المصدر.
(8) في المصدر: حدّثه كأخي ..
(9) جاء في المصدر زيادة: و في أخرى نحوه، و فيه: قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم حتّى يستفهمه ..
(10) في (س): عند، بدل: عن.
(11) في المصدر: عن أبيه، يعني أبا بكر الصّدّيق.
(12) أي في جامع الأصول 2- 361.
(13) مرّ صحيح البخاريّ في بابين منه قريبا.
(14) سنن النسائي 8- 226، و قد سلف.
(15) سنن التّرمذيّ 5- 387، حديث 3266- كما مرّ-.
(16) في المصدر: على النّبيّ (ص).
280
تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَتَكَلَّمَا عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى عَلَتْ (1) أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي. فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ.
قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ ... (2) قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يُسْمِعْ كَلَامَهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَ مَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ- يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ-.
و قال الترمذي (3): و قد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسلا، و لم يذكر ابن الزبير، و قال: حديث غريب حسن، انتهى (4) حكاية رواياتهم.
و من تأمّل فيها و في الآيات النازلة في تلك الحال بعين الاعتبار علم أنّهما بلغا في سوء الأدب و كشف جلباب الحياء الغاية (5) القصوى، حتّى لم يقنعا في الجفاء و ترك الاحتشام بأن يروا (6) آراءهما الفاسدة متقدّمة على ما يراه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، بل زعماها متقدّمة على حكم اللّه سبحانه، كما نطق به نهيه تعالى إيّاهما بقوله: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ... (7) ثم أمرهما بالتقوى و الخشية من اللّه معلّلا نهيه و أمره بأنّ اللّه سميع عليم، تعريضا بأنّهما لسوء الأدب و الإقدام على التقدّم بين يدي اللّه و رسوله في كلامهما كأنّهما لم يذعنا بأنّ اللّه سميع عليم، ثم حذّرهما في رفع أصواتهما فوق صوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الجهر له بالقول
____________
(1) في سنن التّرمذيّ: حتّى ارتفعت ..
(2) الحجرات: 2.
(3) الجامع الصحيح للترمذي 5- 387- بتقديم و تأخير- ..
(4) و انظر: الجامع الصغير، حديث 3266.
و فصّل مصادره في الغدير 7- 323، و غيره.
(5) في (س): غاية.
(6) في (ك) نسخة: يريا.
(7) الحجرات: 1.
281
كما كان دأب أجلاف العرب و طغامهم (1) في مخاطبة بعضهم بعضا عن حبط الأعمال من حيث لا يشعران، و فيه دلالة على أنّهما لم يقتصرا على رفع الصوت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في مخاطبة أحدهما للآخر بل خاطباه بصوت رفيع من دون احترام و توقير، ثم حصر الممتحنين قلوبهم للتقوى في الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، و قال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ (2) تنبيها على خروجهما عن زمرة هؤلاء.
و قد ظهر لذي فطرة سليمة أنّ ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر- عند حكايته عن عمر بن الخطاب انتهاؤه عن هذه الوقاحة الشنيعة، مع أنّ أبا بكر كان جدّا له، و اهتمامه بتزكيته كان أشدّ من اعتنائه بشأن عمر بن الخطاب-، دليل على عدم ظهور آثار المتابعة و الانقياد عنه كما ظهر عن عمر، فكان أغلظ منه و ... و ليس في الذمّ و التقبيح أفحش من هذا. و لنعم ما قاله ابن أبي مليكة: من أنّه كاد الخيران أن (3) يهلكا، فو اللّه لقد هلكا و كان الرجل غريقا في نومة الجهل خائضا في غمرات البهت و الغفلة، و ليت شعري ما حملها على شدّة الاهتمام و بذل الجهد في تأمير الأقرع أو القعقاع بحضرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أ كان ذلك تشييدا لأركان الدين و مراعاة لمصالح المسلمين؟!، فتقدّما بين يدي اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لظنّهما أنّهما أعلم من اللّه و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) بما يصلح شأن الأمّة، فخافا من أن يلحقهم ضرر بتأمير من يؤمره الرسول أو لزعمهما أنّهما أبرّ و أرأف بهم من اللّه و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)،
____________
(1) قال في القاموس 4- 144: الطغام- كسحاب-: أوغاد الناس، و رذّال الطير و كسحابة واحدها، و الأحمق ..
و انظر: الصحاح 5- 1975.
(2) الحجرات: 1.
(3) لا توجد: أن، في (س).
282
فلم يرضيا بالسكوت شفقة عليهم و رأفة بهم، أم كان ذلك لأمر (1) دنيوي، يعود نفعه إليهما، فمن رأى نفسه أعلم و أرأف من ربّ العالمين و من رسوله الأمين (2) (صلّى اللّه عليه و آله) الطاهرين، أو ردّ على اللّه و على رسوله، و لم يرض بقضائهما لغرض فاسد دنيوي، كيف يصلح أن يكون قائدا للأمّة طرّا و هاديا لهم إلى الرشاد؟! و قد قال سبحانه: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3) و لعلّ الناصرين لأبي بكر و عمر يرون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مجتهدا في كثير من الأحكام كما يرونهما مجتهدين، و يجوّزون مخالفته سيّما فيما يتعلّق بأمر الجيش و ترتيب العسكر و لا يلتفتون إلى خلاف اللّه تعالى في ذلك، حيث جعل التقدّم بين يدي رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) تقدّما عليه. فقال: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ... (4).
فانظر بعين الإنصاف في تعصّب طائفة من علماء الجمهور و أئمّتهم كالرازي و البيضاوي و غيرهما و بذل جهدهم في إخفاء الحقّ و ستر عورات مشايخهم، فقد ذكر الرازي في تفسيره (5) في شأن نزول الآيات عدّة وجوه لم يسندها إلى رواية صحيحة أو كتاب معروف، و لم يذكر نزولها في أبي بكر و عمر مع وجوده في صحيح البخاري- الذي يجعلونه تاليا لكتاب اللّه سبحانه، و يرون مؤلّفه أوثق الناس و أعدلهم-، و كذا في غيره من صحاحهم كما سبق، فذلك إمّا لعدم الاطّلاع على ما في هذه الكتب، و كفى به شاهدا على جهلهم و قلّة إحاطتهم بأخبارهم و أمور دينهم، أو لأنّ سنّتهم إخفاء الحقّ و إطفاء نور اللّه بأفواههم فتعمّدوا في ستر ما لا يوافق آراءهم و يستلزم القدح في مشايخهم و أسلافهم، و قد
____________
(1) في (ك): الأمر.
(2) لا توجد: الأمين، في (س).
(3) النساء: 65.
(4) الحجرات: 1.
(5) تفسير الفخر الرازيّ 28- 113.
283
اعترف في تفسيره بأنّ رفع الصوت عند أحد و التقدّم بين يديه يدلّ على أنّه لا يرى المتكلّم للمخاطب وزنا و لا مقدارا، بل جعل لنفسه اعتبارا زائدا و عظمة.
و قال (1): إنّ الآية تدلّ على أنّه لا ينبغي أن يتكلّم المؤمن عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (2) كما يتكلّم العبد عند سيّده، لأنّ العبد داخل في (3) قوله تعالى:
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ... (4)، و استدلّ عليه أيضا بقوله (5) تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (6) قال (7): و السيّد ليس أولى عند عبده من نفسه، فلو كانا (8) في مخمصة و وجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيّده، و يجب البذل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (9)، و لو علم العبد أنّ بموته ينجو سيّده لا يلزمه أن يلقي نفسه في المهلكة (10) لإنجاء سيّده، و يجب لإنجاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك (11) كما أنّ العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره، لأنّ عند خلل القلب (12) لا يبقى لليدين و الرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه و ترك النبيّ (13) لهلك هو أيضا بخلاف العبد و السيّد. انتهى.
فأين هذا من سيرة الشيخين و ترك احترامهما للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) الفخر الرازيّ في تفسيره 28- 113، و فيه: إنّ هذا أفاد أنّه لا ينبغي ..
(2) في المصدر: (عليه السلام)، بدلا من الصلاة.
(3) في تفسير الفخر: تحت، بدلا من: في.
(4) الحجرات: 2.
(5) في المصدر: و يؤيد ما ذكرناه قوله.
(6) الأحزاب: 6.
(7) لا توجد: قال، في المصدر.
(8) في المصدر: حتى لو كانا.
(9) في تفسير الفخر: و سلّم، بدلا من: و آله.
(10) في المصدر: في التهلكة.
(11) في تفسير الفخر: لإنجاء النبيّ عليه الصلاة و السلام ذلك.
(12) في المصدر: .. القلب مثلا ..
(13) في تفسير الفخر زيادة: عليه الصلاة و السلام.
284
و تخطئتهما إيّاه، و تسفيههما رأيه، و تنازعهما بحضرته فيما حسباه أصلح من اختياره؟!.
و أمّا البيضاوي فقد دلّس في هذا المقام تدليسا غريبا، فسكت في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ... إلى قوله سبحانه وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (1) عن ذكر أبي بكر و عمر، و نزول الآيات فيهما، ثم ذكر في تفسير قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (2) أنّه قيل: كان أبو بكر و عمر بعد ذلك يسرّانه حتّى يستفهمهما (3).
فانظر كيف صوّر المنقصة بصورة المنقبة؟! و لبّس الحال على الجهّال، حتّى يتوهّموا أنّهما ممّا وصفهم اللّه في كتابه بامتحان قلوبهم للتقوى، و نزلت الآية فيهم، فقد عرفت- لو أنصفت- من ترك ابن الزبير ذكر أبي بكر- مع القرابة الخصيصة عند حكاية الإسرار في الحديث عن عمر أنّ ما رواه البيضاوي عن قائل مجهول افتراء على أبي بكر، و أمّا عمر، فهو و إن روى فيه ابن الزبير ذلك إلّا أنّ في حكاية التنازع عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه، و رفع الأصوات عنده، و الردّ عليه بقوله: حسبنا كتاب اللّه (4)، ما يفهم منه عدم انتهائه عن التقدّم بين يدي اللّه و رسوله، و الجهر بالقول، و لا يشتبه على ذي فطرة سليمة أنّ المراد حين نزول الآية ب الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ من كان دأبهم ذلك قبل نزولها، كما أنّ المراد بالذين ينادونه من وراء الحجرات من ناداه قبل نزول الآية، و لا يخفى أنّ في قول البيضاوي: كانا بعد ذلك يسرّانه .. اعترافا لطيفا بأنّه كان
____________
(1) الحجرات: 1- 2.
(2) الحجرات: 3.
(3) تفسير البيضاوي 5- 86.
(4) ستأتي القصّة مع مصادرها.
285
داؤهما (1) قبل ذلك سوء الأدب، و سيرتهما الوقاحة، و قد كان وفود بني تميم و الأقرع و القعقاع في أواخر سنة تسع من الهجرة (2)، و كان وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) في صفر سنة إحدى عشرة- على ما ذكره أرباب السير-، فكانا- على تقدير صحّة ما ذكره مصرّين على الجفاء و قلّة الحياء في مدّة مقامه (صلّى اللّه عليه و آله) بمكة، و قريبا من تسع سنين بعد الهجرة، و لم ينتهيا عنه (3) إلّا في سنة و بضع شهور بعد أن وبّخهما اللّه تعالى و رغم أنفهما، مع أنّ رعاية الأدب في خدمة السيّد المطاع القادر على القتل فما دونه، المرجوّ منه الشفاعة و النجاة في الآخرة- لو كان الإيمان به صادقا- أمر لا يخرج عن ربقته إلّا رقبة من جبل على طينة السباع من البهائم، فمن (4) كان هذا شأنه كيف يصلح لأن (5) يكون مطاعا للأمّة كافة؟! و كيف تكون سيرته مع رعيّته و من لا يقدر على الخروج عن طاعته؟! و هل يزجر نفسه و يملكه عند الغضب، و تنقّلات الأحوال بحيث يرتكب لا (6) أقل ما ينافي العدالة؟! و لعمري لا يقول به إلّا مباهت مبهوت، و لم ينشأ تعبير (7) عمر لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالدعابة إلّا لما يرى من نفسه و من شيخه من سوء الخلق و الزعارة (8)، فظنّ حسن خلقه (عليه السلام)، و بشره عند لقاء الناس، و رفقه بهم من قبيل اللهو و الدعابة، ثم نسج على منواله عمرو بن العاص
- كما صرّح به (عليه السلام) في قوله:
عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة و أنّي امرؤ تلعابة. (9)
.
____________
(1) و قد يقرأ ما في المطبوع من البحار: دأبهما، و كلاهما له وجه.
(2) بحار الأنوار 21- 364- 372، و قد فصّل قصّة الوفود عن جملة مصادر هناك.
(3) لا توجد: عنه، في (س).
(4) خطّ على: فمن، في (س).
(5) في (س): أن.
(6) كذا، و لعلّ في العبارة تقديم و تأخير، فتكون: لا يرتكب ..
(7) قد تقرأ في (ك): تعيير .. و له وجه.
(8) الزّعارّة- بتشديد الراء-: شراسة الخلق لا يصرف منه فعل، كما في الصحاح 2- 670.
(9) نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 147، الدكتور صبحي الصالح: 115، برقم 84.
286
150- كِتَابُ نَفَحَاتِ اللَّاهُوتِ (1): نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْمَثَالِبِ لِابْنِ شَهْرَآشُوبَ (2)، أَنَّ الصَّادِقَ (عليه السلام) سُئِلَ [عَنْهُمَا]، فَقَالَ: كَانَا إِمَامَيْنِ قَاسِطَيْنِ عَادِلَيْنِ، كَانَا عَلَى الْحَقِّ وَ مَاتَا عَلَيْهِ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا خَلَا الْمَجْلِسُ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (3): كَيْفَ قُلْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ؟!.
فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا قَوْلِي: كَانَا إِمَامَيْنِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (4)، وَ أَمَّا قَوْلِي قَاسِطَيْنِ، فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (5)، وَ أَمَّا قَوْلِي عَادِلَيْنِ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (6)، وَ أَمَّا قَوْلِي كَانَا عَلَى الْحَقِّ، فَالْحَقُّ عَلِيٌّ (عليه السلام)، وَ قَوْلِي: مَاتَا عَلَيْهِ، الْمُرَادُ أَنَّهُ (7) لَمْ يَتُوبَا عَنْ تَظَاهُرِهِمَا عَلَيْهِ، بَلْ مَاتَا عَلَى ظُلْمِهِمَا إِيَّاهُ، وَ أَمَّا قَوْلِي: فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُنْتَصَفُ لَهُ مِنْهُمَا، آخِذاً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (8)..
أقول::
أجاز لي بعض الأفاضل في مكة- زاد اللّه شرفها- رواية هذا الخبر، و أخبرني أنّه أخرجه من الجزء الثاني من كتاب دلائل الإمامة (9)، و هذه صورته:.
____________
(1) نفحات اللّاهوت: 128.
(2) لا زال غير مطبوع، و يحاول جمع من الأفاضل طبعه مع كتاب المناقب إن شاء اللّه.
(3) في المصدر: أصحابنا.
(4) القصص: 41.
(5) الجنّ: 15.
(6) الأنعام: 1.
(7) في المصدر: فالمراد به أنّهم لم ..
(8) الأنبياء: 107.
(9) دلائل الإمامة، لأبي جعفر محمّد بن جرير بن رستم الطبريّ الآملي المازندراني المعاصر للشيخ الطوسيّ و النجاشيّ، و يقال له: دلائل الأئمّة، و الدلائل، و فصّل عنه شيخنا الطهرانيّ في الذريعة 8- 241- 247 برقم 1018، و يظهر منها أنّ المطبوع منه ناقص و هو الذي وصل إلى الشيخ النوريّ، و يظهر من هذه العبارة أنّ ما وصل إلى شيخنا المجلسي طاب ثراه كذلك، إذ لم نجده في كلا طبعتي الكتاب، الحيدريّة، النجف 1383 ه، و الأخرى طبعة إيران.
287
151- حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِنَانٍ الصَّيْرَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُوَارِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما) وَ وَرَدَ نَعْيُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ وَرَدَ الْأَخْبَارُ بِجَزِّ رَأْسِهِ وَ حَمْلِهِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَ قَتْلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ ثَلَاثٍ وَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ شِيعَتِهِ، وَ قَتْلِ عَلِيٍّ ابْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ طِفْلٌ بِنُشَّابَةٍ، وَ سَبْيِ ذَرَارِيِّهِ (1) أُقِيمَتِ الْمَآتِمُ عِنْدَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَ فِي دُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَارِخاً مِنْ دَارِهِ لَاطِماً وَجْهَهُ شَاقّاً جَيْبَهُ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَ قُرَيْشٍ وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ! يُسْتَحَلُّ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِي أَهْلِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ وَ أَنْتُمْ أَحْيَاءٌ تُرْزَقُونَ؟! لَا قَرَارَ دُونَ يَزِيدَ، وَ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ تَحْتَ لَيْلِهِ، لَا يَرِدُ مَدِينَةً إِلَّا صَرَخَ فِيهَا وَ اسْتَنْفَرَ أَهْلَهَا عَلَى يَزِيدَ، وَ أَخْبَارُهُ يُكْتَبُ بِهَا إِلَى يَزِيدَ، فَلَمْ يَمُرَّ بِمَلَإٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا لَعَنَهُ وَ سَمِعَ كَلَامَهُ، وَ قَالُوا هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ابْنُ (2) خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ هُوَ يُنْكِرُ فِعْلَ يَزِيدَ بِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ، وَ إِنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ (3) لَا دِينَ لَهُ وَ لَا إِسْلَامَ، وَ اضْطَرَبَ الشَّامُ بِمَنْ فِيهِ، وَ وَرَدَ دِمَشْقَ وَ أَتَى بَابَ اللَّعِينِ يَزِيدَ فِي خَلْقٍ مِنَ النَّاسِ يَتْلُونَهُ، فَدَخَلَ آذِنُ
____________
(1) في مطبوع البحار: زراريه، و هو غلط.
(2) لا توجد: ابن .. في (س)، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(3) في (س): يحبّه.
288
يَزِيدَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِوُرُودِهِ (1) وَ يَدُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ وَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قُدَّامَهُ وَ وَرَاءَهُ، فَقَالَ يَزِيدُ: فَوْرَةٌ مِنْ فَوْرَاتِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يُفِيقُ مِنْهَا، فَأَذِنَ لَهُ وَحْدَهُ فَدَخَلَ صَارِخاً يَقُولُ: لَا أَدْخُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ قَدْ فَعَلْتَ بِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) مَا لَوْ تَمَكَّنَتِ التُّرْكُ وَ الرُّومُ مَا اسْتَحَلُّوا مَا اسْتَحْلَلْتَ، وَ لَا فَعَلُوا مَا فَعَلْتَ، قُمْ عَنْ هَذَا الْبِسَاطِ حَتَّى يَخْتَارَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، فَرَحَّبَ بِهِ يَزِيدُ وَ تَطَاوَلَ لَهُ وَ ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! اسْكُنْ مِنْ فَوْرَتِكَ، وَ اعْقِلْ، وَ انْظُرْ بِعَيْنِكَ وَ اسْمَعْ بِأُذُنِكَ، مَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَ كَانَ هَادِياً مَهْدِيّاً خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَ نَاصِرَهُ وَ مُصَاهِرَهُ بِأُخْتِكَ حَفْصَةَ، وَ الَّذِي قَالَ: لَا يُعْبَدُ اللَّهُ سِرّاً؟!.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُوَ كَمَا وَصَفْتَ، فَأَيَّ شَيْءٍ تَقُولُ فِيهِ؟.
قَالَ: أَبُوكَ قَلَّدَ أَبِي أَمْرَ الشَّامِ أَمْ أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ خِلَافَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)؟.
فَقَالَ: أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ الشَّامَ.
قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَ فَتَرْضَى بِهِ وَ بِعَهْدِهِ إِلَى أَبِي أَوْ مَا تَرْضَاهُ؟.
قَالَ: بَلْ أَرْضَى.
قَالَ: أَ فَتَرْضَى بِأَبِيكَ؟.
قَالَ: نَعَمْ، فَضَرَبَ يَزِيدُ بِيَدِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَ قَالَ لَهُ: قُمْ- يَا أَبَا مُحَمَّدٍ- حَتَّى تَقْرَأَ، فَقَامَ مَعَهُ حَتَّى وَرَدَ خِزَانَةً مِنْ خَزَائِنِهِ، فَدَخَلَهَا وَ دَعَا بِصُنْدُوقٍ فَفَتَحَهُ وَ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ تَابُوتاً مُقَفَّلًا مَخْتُوماً فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ طُومَاراً لَطِيفاً فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ سَوْدَاءَ، فَأَخَذَ الطُّومَارَ بِيَدِهِ وَ نَشَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! هَذَا خَطُّ أَبِيكَ؟. قَالَ:
إِي وَ اللَّهِ .. فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ، فَقَرَأَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَإِذَا فِيهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّ الَّذِي أَكْرَهَنَا بِالسَّيْفِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ فَأَقْرَرْنَا، وَ الصُّدُورُ وَغْرَةٌ، وَ الْأَنْفُسُ وَاجِفَةٌ، وَ النِّيَّاتُ وَ الْبَصَائِرُ شَائِكَةٌ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ
____________
(1) في (س): ودوده.
289
جَحْدِنَا مَا دَعَانَا إِلَيْهِ وَ أَطَعْنَاهُ فِيهِ رَفْعاً لِسُيُوفِهِ عَنَّا، وَ تَكَاثُرِهِ بِالْحَيِّ عَلَيْنَا مِنَ الْيَمَنِ، وَ تَعَاضُدِ مَنْ سَمِعَ بِهِ مِمَّنْ تَرَكَ دِينَهُ وَ مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ فِي قُرَيْشٍ، فَبِهُبَلَ أُقْسِمُ وَ الْأَصْنَامِ وَ الْأَوْثَانِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى مَا جَحَدَهَا عُمَرُ مُذْ عَبَدَهَا! وَ لَا عَبَدَ لِلْكَعْبَةِ رَبّاً! وَ لَا صَدَّقَ لِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْلًا، وَ لَا أَلْقَى السَّلَامَ إِلَّا لِلْحِيلَةِ عَلَيْهِ وَ إِيقَاعِ الْبَطْشِ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَانَا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَ زَادَ فِي سِحْرِهِ عَلَى سِحْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ وَ ابْنِ أُمِّهِ عِيسَى، وَ لَقَدْ أَتَانَا بِكُلِّ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ وَ زَادَ عَلَيْهِمْ مَا لَوْ أَنَّهُمْ شَهِدُوهُ لَأَقَرُّوا لَهُ بِأَنَّهُ سَيِّدُ السَّحَرَةِ، فَخُذْ يَا ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ- سُنَّةَ قَوْمِكَ وَ اتِّبَاعَ مِلَّتِكَ وَ الْوَفَاءَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُكَ مِنْ جَحْدِ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ الَّتِي يَقُولُونَ إِنَّ لَهَا رَبّاً أَمَرَهُمْ بِإِتْيَانِهَا وَ السَّعْيِ حَوْلَهَا وَ جَعَلَهَا لَهُمْ قِبْلَةً فَأَقَرُّوا بِالصَّلَاةِ وَ الْحَجِّ الَّذِي جَعَلُوهُ رُكْناً، وَ زَعَمُوا أَنَّهُ لِلَّهِ اخْتَلَقُوا (1)، فَكَانَ مِمَّنْ أَعَانَ مُحَمَّداً مِنْهُمْ هَذَا الْفَارِسِيُّ الطمطاني [الطُّمْطُمَانِيُّ: رُوزْبِهُ، وَ قَالُوا إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ (2)، وَ قَوْلُهُمْ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (3)، وَ جَعَلُوا صَلَاتَهُمْ لِلْحِجَارَةِ، فَمَا الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْنَا لَوْ لَا سِحْرُهُ مِنْ عِبَادَتِنَا لِلْأَصْنَامِ وَ الْأَوْثَانِ وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى وَ هِيَ مِنَ الْحِجَارَةِ وَ الْخَشَبِ وَ النُّحَاسِ وَ الْفِضَّةِ وَ الذَّهَبِ، لَا- وَ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى مَا وَجَدْنَا سَبَباً لِلْخُرُوجِ عَمَّا عِنْدَنَا وَ إِنْ سَحَرُوا وَ مَوَّهُوا، فَانْظُرْ بِعَيْنٍ مُبْصِرَةٍ، وَ اسْمَعْ بِأُذُنٍ وَاعِيَةٍ، وَ تَأَمَّلْ بِقَلْبِكَ وَ عَقْلِكَ مَا هُمْ فِيهِ، وَ اشْكُرِ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ اسْتِخْلَافَ السَّيِّدِ الرَّشِيدِ عَتِيقِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ تَحَكُّمَهُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ دِمَائِهِمْ وَ شَرِيعَتِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ حَلَالِهِمْ وَ حَرَامِهِمْ، وَ جِبَايَاتِ الْحُقُوقِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ
____________
(1) في (ك): اختلفوا.
(2) آل عمران: 96.
(3) البقرة: 144.
290
يَجْبُونَهَا (1) لِرَبِّهِمْ لِيُقِيمُوا بِهَا أَنْصَارَهُمْ وَ أَعْوَانَهُمْ، فَعَاشَ شَدِيداً رَشِيداً يَخْضَعُ جَهْراً وَ يَشْتَدُّ سِرّاً، وَ لَا يَجِدُ حِيلَةً غَيْرَ مُعَاشَرَةِ الْقَوْمِ، وَ لَقَدْ وَثَبْتُ وَثْبَةً عَلَى شِهَابِ بَنِي هَاشِمٍ الثَّاقِبِ، وَ قَرْنِهَا الزَّاهِرِ، وَ عَلَمِهَا النَّاصِرِ، وَ عِدَّتِهَا وَ عُدَدِهَا الْمُسَمَّى بِحَيْدَرَةَ الْمُصَاهِرِ لِمُحَمَّدٍ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي جَعَلُوهَا سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يُسَمُّونَهَا: فَاطِمَةَ، حَتَّى أَتَيْتُ دَارَ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ ابْنَيْهِمَا الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ ابْنَتَيْهِمَا زَيْنَبَ وَ أُمِّ كُلْثُومٍ، وَ الْأَمَةِ الْمَدْعُوَّةِ بِفِضَّةَ، وَ مَعِي خَالِدُ بْنُ وَلِيدٍ وَ قُنْفُذٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَ مَنْ صَحِبَ مِنْ خَواصِّنَا، فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِمْ قَرْعاً شَدِيداً، فَأَجَابَتْنِي الْأَمَةُ، فَقُلْتُ لَهَا: قُولِي لِعَلِيٍّ: دَعِ الْأَبَاطِيلَ وَ لَا تَلِجْ نَفْسَكَ إِلَى طَمَعِ الْخِلَافَةِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ لَكَ، الْأَمْرُ لِمَنِ اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ وَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَ رَبِّ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ وَ الرَّأْيُ لِأَبِي بَكْرٍ لَفَشِلَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ خِلَافَةِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، لَكِنِّي أَبْدَيْتُ لَهَا صَفْحَتِي، وَ أَظْهَرْتُ لَهَا بَصَرِي، وَ قُلْتُ لِلْحَيَّيْنِ- نِزَارٍ وَ قَحْطَانَ- بَعْدَ أَنْ قُلْتُ لَهُمْ لَيْسَ الْخِلَافَةُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، فَأَطِيعُوهُمْ مَا أَطَاعُوا اللَّهَ، وَ إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ وُثُوبِهِ وَ اسْتِيثَارِهِ بِالدِّمَاءِ الَّتِي سَفَكَهَا فِي غَزَوَاتِ مُحَمَّدٍ وَ قَضَاءِ دُيُونِهِ، وَ هِيَ- ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ- وَ إِنْجَازِ عِدَاتِهِ، وَ جَمْعِ الْقُرْآنِ، فَقَضَاهَا عَلَى تَلِيدِهِ وَ طَارِفِهِ (2)، وَ قَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- لَمَّا قُلْتُ إِنَّ الْإِمَامَةَ فِي قُرَيْشٍ قَالُوا: هُوَ الْأَصْلَعُ الْبَطِينُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْبَيْعَةَ لَهُ عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَ سَلَّمْنَا لَهُ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ، فَإِنْ كُنْتُمْ نَسِيتُمُوهَا- مَعْشَرَ قُرَيْشٍ- فَمَا نَسِينَاهَا وَ لَيْسَتِ الْبَيْعَةُ وَ لَا الْإِمَامَةُ وَ الْخِلَافَةُ وَ الْوَصِيَّةُ إِلَّا حَقّاً مَفْرُوضاً، وَ أَمْراً صَحِيحاً، لَا تَبَرُّعاً وَ لَا ادِّعَاءً فَكَذَّبْنَاهُمْ، وَ أَقَمْتُ أَرْبَعِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عَلَى مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِمَامَةَ بِالاخْتِيَارِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ قُرَيْشٍ، لِأَنَّا آوَيْنَا وَ نَصَرْنَا وَ هَاجَرَ
____________
(1) في (ك): يجيبونها.
(2) قال في القاموس 1- 279: التّليد: ما ولد عندك من مالك أو نتج.
أقول: إنّه كناية عن القديم، و الطّارف ضدّه، كما في النّهاية 1- 194.
291
النَّاسُ إِلَيْنَا، فَإِذَا كَانَ دَفْعُ مَنْ كَانَ الْأَمْرُ لَهُ فَلَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ لَكُمْ دُونَنَا، وَ قَالَ قَوْمٌ: مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ. قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ شَهِدُوا أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَبِلَ قَوْمٌ وَ أَنْكَرَ آخَرُونَ وَ تَنَازَعُوا، فَقُلْتُ- وَ الْجَمْعُ يَسْمَعُونَ-: أَلَا أَكْبَرُنَا سِنّاً وَ أَكْثَرُنَا لِيناً. قَالُوا: فَمَنْ تَقُولُ؟. قُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ الَّذِي قَدَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي الصَّلَاةِ، وَ جَلَسَ مَعَهُ فِي الْعَرِيشِ يَوْمَ بَدْرٍ يُشَاوِرُهُ وَ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ، وَ كَانَ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَ زَوْجَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ الَّتِي سَمَّاهَا: أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَقْبَلَ بَنُو هَاشِمٍ يَتَمَيَّزُونَ غَيْظاً، وَ عَاضَدَهُمُ الزُّبَيْرُ وَ سَيْفُهُ مَشْهُورٌ وَ قَالَ: لَا يُبَايَعُ إِلَّا عَلِيٌّ أَوْ لَا أَمْلِكُ رَقَبَةَ قَائِمَةِ سَيْفِي هَذَا، فَقُلْتُ: يَا زُبَيْرُ! صَرَخَتْكَ سَكَنٌ (1) مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، أُمُّكَ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: ذَلِكَ- وَ اللَّهِ- الشَّرَفُ الْبَاذِخُ وَ الْفَخْرُ الْفَاخِرُ، يَا ابْنَ حَنْتَمَةَ وَ (2) يَا ابْنَ صُهَاكَ! اسْكُتْ لَا أُمَّ لَكَ، فَقَالَ قَوْلًا فَوَثَبَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِمَّنْ حَضَرَ سَقِيفَةَ بَنِي سَاعِدَةَ عَلَى الزُّبَيْرِ، فَوَ اللَّهِ مَا قَدَرْنَا عَلَى أَخْذِ سَيْفِهِ مِنْ يَدِهِ حَتَّى وَسَّدْنَاهُ الْأَرْضَ، وَ لَمْ نَرَ لَهُ عَلَيْنَا نَاصِراً، فَوَثَبْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَصَافَحْتُهُ وَ عَاقَدْتُهُ الْبَيْعَةَ وَ تَلَانِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَ سَائِرُ مَنْ حَضَرَ غَيْرَ الزُّبَيْرِ، وَ قُلْنَا لَهُ: بَايِعْ أَوْ نَقْتُلَكَ، ثُمَّ كَفَفْتُ عَنْهُ النَّاسَ، فَقُلْتُ لَهُ (3): أَمْهِلُوهُ، فَمَا غَضِبَ إِلَّا نَخْوَةً لِبَنِي هَاشِمٍ، وَ أَخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ بِيَدِهِ (4) فَأَقَمْتُهُ- وَ هُوَ يَرْتَعِدُ (5)- قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ، فَأَزْعَجْتُهُ إِلَى مِنْبَرِ مُحَمَّدٍ إِزْعَاجاً، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَفْصٍ! أَخَافُ وَثْبَةَ عَلِيٍّ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً عَنْكَ مَشْغُولٌ، وَ أَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ كَانَ يَمُدُّهُ بِيَدِهِ إِلَى الْمِنْبَرِ وَ أَنَا أُزْعِجُهُ مِنْ وَرَائِهِ كَالتَّيْسِ (6) إِلَى شِفَارِ (7) الْجَاذِرِ، مُتَهَوِّناً، فَقَامَ عَلَيْهِ
____________
(1) قال في القاموس 4- 235: و السّكن- بالتّحريك- النّار.
(2) وضع على الواو في (ك): رمز نسخة بدل.
(3) كذا، و لعلّها: لهم.
(4) قد تقرأ في المطبوع: بيدي.
(5) في (س) و في نسخة على (ك): يرعد.
(6) قال في القاموس 2- 203: التّيس: الذّكر من الظّباء و المعز و الوعول، أو إذا أتى عليه سنة.
(7) الشّفار- جمع الشّفرة- و هي: السّكّين العظيم و ما عرض من الحديد و حدّد، قاله في القاموس 2- 61. و الجاذر: القاطع، و إضافة الشّفار إلى الجاذر من إضافة الموصوف إلى الصّفة .. أي إلى الشّفار الجاذرة، و لعلّه مثل.
292
مَدْهُوشاً (1)، فَقُلْتُ لَهُ: اخْطُبْ! فَأُغْلِقَ عَلَيْهِ وَ تَثَبَّتَ فَدَهِشَ، وَ تَلَجْلَجَ وَ غَمَّضَ، فَعَضَضْتُ عَلَى كَفِّي غَيْظاً، وَ قُلْتُ لَهُ (2): قُلْ مَا سَنَحَ لَكَ، فَلَمْ يَأْتِ خَيْراً وَ لَا مَعْرُوفاً، فَأَرَدْتُ أَنْ (3) أُحِطَّهُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَ أَقُومَ مَقَامَهُ، فَكَرِهْتُ تَكْذِيبَ النَّاسِ لِي بِمَا قُلْتُ فِيهِ، وَ قَدْ سَأَلَنِي الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ: كَيْفَ قُلْتَ مِنْ فَضْلِهِ مَا قُلْتَ؟ مَا الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فِي أَبِي بَكْرٍ؟ فَقُلْتُ: لَهُمْ: قَدْ قُلْتُ:
سَمِعْتُ (4) مِنْ فَضْلِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ مَا لو وددت [لَوَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي صَدْرِهِ وَ لِي حِكَايَةٌ، فَقُلْتُ: قُلْ وَ إِلَّا فَانْزِلْ، فَتَبَيَّنَهَا (5) وَ اللَّهِ فِي وَجْهِي وَ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَرَقِيتُ، وَ قُلْتُ مَا لَا يَهْتَدِي إِلَى قَوْلِهِ، فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ عَلِيلٍ: وَلِيتُكُمْ وَ لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَ عَلِيٌّ فِيكُمْ، وَ اعْلَمُوا أَنَّ لِي شَيْطَاناً يَعْتَرِينِي- وَ مَا أَرَادَ بِهِ سِوَايَ- فَإِذَا زَلَلْتُ فَقَوِّمُونِي لَا أَقَعْ فِي شُعُورِكُمْ وَ أَبْشَارِكُمْ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ، وَ نَزَلَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ- وَ أَعْيَنُ النَّاسِ تَرْمُقُهُ- وَ غَمَزْتُ يَدَهُ غَمْزاً، ثُمَّ أَجْلَسْتُهُ وَ قَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَ صُحْبَتِهِ لِأُرْهِبَهُ، وَ كُلَّ مَنْ يُنْكِرُ بَيْعَتَهُ وَ يَقُولُ: مَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَأَقُولُ: خَلَعَهَا مِنْ عُنُقِهِ وَ جَعَلَهَا طَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ قِلَّةَ خِلَافٍ عَلَيْهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ، فَصَارَ جَلِيسَ بَيْتِهِ، فَبَايَعُوا وَ هُمْ كَارِهُونَ، فَلَمَّا فَشَتْ بَيْعَتُهُ عَلِمْنَا أَنَّ عَلِيّاً يَحْمِلُ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ إِلَى دُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ يُذَكِّرُهُمْ (6) بَيْعَتَهُ عَلَيْنَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ،
____________
(1) جاء في متن (س): مدموشا، ثمّ استظهر ما أثبتناه كما هو في (ك)، قال في القاموس 2- 274:
الدّمش: الهيجان و الثّوران من حرارة أو شرب دواء.
(2) لا توجد: له، في (س).
(3) في (ك): و أن.
(4) خطّ على كلمة: سمعت، في (ك).
(5) الكلمة مشوشة في مطبوع البحار، و هذا ما استظهرناه، و لعلّها تقرأ: فبيتها، فيتيها، أو غير ذلك.
(6) في (س): و يذكّرهم.
293
وَ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَيَعِدُونَهُ النُّصْرَةَ لَيْلًا وَ يَقْعُدُونَ عَنْهُ نَهَاراً، فَأَتَيْتُ دَارَهُ مُسْتَيْشِراً (1) لِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا، فَقَالَتِ الْأَمَةُ فِضَّةُ- وَ قَدْ قُلْتُ لَهَا قُولِي لِعَلِيٍّ: يَخْرُجْ إِلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَتْ- إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَشْغُولٌ، فَقُلْتُ: خَلِّي عَنْكِ هَذَا وَ قُولِي لَهُ يَخْرُجْ وَ إِلَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَ أَخْرَجْنَاهُ كَرْهاً، فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ فَوَقَفَتْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ! مَا ذَا تَقُولُونَ؟ وَ أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُونَ؟. فَقُلْتُ: يَا فَاطِمَةُ!. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: مَا تَشَاءُ يَا عُمَرُ؟!. فَقُلْتُ: مَا بَالُ ابْنِ عَمِّكِ قَدْ أَوْرَدَكِ لِلْجَوَابِ وَ جَلَسَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ؟. فَقَالَتْ لِي:
طُغْيَانُكَ- يَا شَقِيُّ- أَخْرَجَنِي وَ أَلْزَمَكَ الْحُجَّةَ، وَ كُلَّ ضَالٍّ غَوِيٍّ. فَقُلْتُ: دَعِي عَنْكِ الْأَبَاطِيلَ وَ أَسَاطِيرَ النِّسَاءِ وَ قُولِي لِعَلِيٍّ يَخْرُجْ. فَقَالَتْ: لَا حُبَّ وَ لَا كَرَامَةَ (2) أَ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ تُخَوِّفُنِي يَا عُمَرُ؟! وَ كَانَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ضَعِيفاً. فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ يَخْرُجْ جِئْتُ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ وَ أَضْرَمْتُهَا نَاراً عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَ أُحْرِقُ مَنْ فِيهِ، أَوْ يُقَادَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَيْعَةِ، وَ أَخَذْتُ سَوْطَ قُنْفُذٍ فَضَرَبْتُ (3) وَ قُلْتُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ:
أَنْتَ وَ رِجَالُنَا هَلُمُّوا فِي جَمْعِ الْحَطَبِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُضْرِمُهَا.
فَقَالَتْ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّ رَسُولِهِ وَ عَدُوَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرَبَتْ فَاطِمَةُ يَدَيْهَا (4) مِنَ الْبَابِ تَمْنَعُنِي مِنْ فَتْحِهِ فَرُمْتُهُ فَتَصَعَّبَ عَلَيَّ فَضَرَبْتُ كَفَّيْهَا بِالسَّوْطِ فَأَلَّمَهَا، فَسَمِعْتُ لَهَا زَفِيراً وَ بُكَاءً، فَكِدْتُ أَنْ أَلِينَ وَ أَنْقَلِبَ عَنِ الْبَابِ فَذَكَرْتُ أَحْقَادَ
____________
(1) ما في مطبوع البحار يقرأ: مستأشرا، و المستأشر: هو الّذي يدعو إلى تحزيز الأسنان، كما في القاموس 1- 364. قال في مجمع البحرين 3- 511: وشرت المرأة أنيابها وشرا- من باب وعد إذا حدّدتها و رقّقتها فهي واشرة، و استوشرت: سألت أن يفعل بها ذلك.
أقول: و لعلّ الواو قلبت ياء و لعلّه كناية.
(2) كذا وردت في (ك)، إلّا أنّه وضع على: فقالت، رمز مؤخّر (م)، و على: لا حبّ و لا كرامة، رمز مقدّم، فتصير هكذا: لا حبّ و لا كرامة فقالت: أ بحزب .. إلى آخره، و الظّاهر: لا حبّا.
(3) في (س): و ضربت و أخذت سوط قنفذ.
(4) جاء في (س): يدها.
294
عَلِيٍّ وَ وُلُوعَهُ فِي دِمَاءِ صَنَادِيدِ الْعَرَبِ، وَ كَيْدَ مُحَمَّدٍ وَ سِحْرَهُ، فَرَكَلْتُ (1) الْبَابَ وَ قَدْ أَلْصَقَتْ أَحْشَاءَهَا بِالْبَابِ تَتْرُسُهُ، وَ سَمِعْتُهَا وَ قَدْ صَرَخَتْ صَرْخَةً حَسِبْتُهَا قَدْ جَعَلَتْ أَعْلَى الْمَدِينَةِ أَسْفَلَهَا، وَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَكَذَا كَانَ يُفْعَلُ بِحَبِيبَتِكَ وَ ابْنَتِكَ، آهِ يَا فِضَّةُ! إِلَيْكِ فَخُذِينِي فَقَدْ وَ اللَّهِ قُتِلَ مَا فِي أَحْشَائِي مِنْ حَمْلٍ، وَ سَمِعْتُهَا تَمْخَضُ (2) وَ هِيَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْجِدَارِ، فَدَفَعْتُ الْبَابَ وَ دَخَلْتُ فَأَقْبَلَتْ إِلَيَّ بِوَجْهٍ أَغْشَى بَصَرِي، فَصَفَقْتُ صَفْقَةً (3) عَلَى خَدَّيْهَا مِنْ ظَاهِرِ الْخِمَارِ فَانْقَطَعَ قُرْطُهَا وَ تَنَاثَرَتْ إِلَى الْأَرْضِ، وَ خَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا أَحْسَسْتُ بِهِ أَسْرَعْتُ إِلَى خَارِجِ الدَّارِ وَ قُلْتُ لِخَالِدٍ وَ قُنْفُذٍ وَ مَنْ مَعَهُمَا: نَجَوْتُ مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَدْ جَنَيْتُ جِنَايَةً عَظِيمَةً لَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي. وَ هَذَا عَلِيٌّ قَدْ بَرَزَ مِنَ الْبَيْتِ وَ مَا لِي وَ لَكُمْ جَمِيعاً بِهِ طَاقَةٌ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَ قَدْ ضَرَبَتْ يَدَيْهَا إِلَى نَاصِيَتِهَا لِتَكْشِفَ عَنْهَا وَ تَسْتَغِيثَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهَا، فَأَسْبَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهَا مُلَاءَتَهَا (4) وَ قَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ أَبَاكِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ كَشَفْتِ عَنْ نَاصِيَتِكِ سَائِلَةً إِلَى رَبِّكِ لِيُهْلِكَ هَذَا الْخَلْقَ لَأَجَابَكِ حَتَّى لَا يُبْقِيَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُمْ بَشَراً، لِأَنَّكِ وَ أَبَاكِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نُوحٍ (ع) الَّذِي غَرَّقَ مِنْ أَجْلِهِ بِالطُّوفَانِ جَمِيعَ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ، وَ أَهْلَكَ قَوْمَ هُودٍ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَ أَهْلَكَ عَاداً بِرِيحٍ صَرْصَرٍ، وَ أَنْتِ وَ أَبُوكِ أَعْظَمُ قَدْراً مِنْ هُودٍ، وَ عَذَّبَ ثَمُودَ- وَ هِيَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً- بِعَقْرِ النَّاقَةِ وَ الْفَصِيلِ، فَكُونِي يَا سَيِّدَةَ النِّسَاءِ- رَحْمَةً عَلَى هَذَا الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ وَ لَا تَكُونِي عَذَاباً، وَ اشْتَدَّ بِهَا الْمَخَاضُ وَ دَخَلَتِ الْبَيْتَ فَأَسْقَطَتْ سِقْطاً سَمَّاهُ عَلِيٌّ: مُحَسِّناً، وَ جَمَعْتُ جَمْعاً كَثِيراً، لَا مُكَاثَرَةً لِعَلِيٍّ وَ لَكِنْ لِيَشُدَّ بِهِمْ قَلْبِي وَ جِئْتُ- وَ هُوَ مُحَاصَرٌ- فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ دَارِهِ
____________
(1) قال في القاموس 3- 386: الرّكل: الضّرب برجل واحدة.
(2) قال في القاموس 2- 344: مخضت تمخيضا: أخذها الطّلق.
(3) في (س): صفقته.
(4) قال في مجمع البحرين 1- 398: ملاءة: كلّ ثوب ليّن رقيق.
295
مُكْرَهاً مَغْصُوباً وَ سُقْتُهُ إِلَى الْبَيْعَةِ سَوْقاً، وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ عِلْماً يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ لَوِ اجْتَهَدْتُ أَنَا وَ جَمِيعُ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ جَمِيعاً عَلَى قَهْرِهِ مَا قَهَرْنَاهُ، وَ لَكِنْ لِهَنَاتٍ (1) كَانَتْ فِي نَفْسِهِ أَعْلَمُهَا وَ لَا أَقُولُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ قَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ يَسْتَهْزِءُونَ بِعَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا عُمَرُ! أَ تُحِبُّ أَنْ أُعَجِّلَ (2) لَكَ مَا أَخَّرْتُهُ سَوَاءً عَنْكَ (3)؟ فَقُلْتُ: لَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَسَمِعَنِي وَ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَسْرَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي وَ لِعُمَرَ .. ثَلَاثاً، وَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ، وَ لَمَّا دَخَلَ السَّقِيفَةَ صَبَا (4) أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ بَايَعْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ! فَانْصَرِفْ، فَأَشْهَدُ مَا بَايَعَهُ وَ لَا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، وَ كَرِهْتُ أَنْ أُطَالِبَهُ بِالْبَيْعَةِ فَيُعَجِّلَ لِي مَا أَخَّرَهُ عَنِّي، وَ وَدَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلِيّاً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ جَزَعاً وَ خَوْفاً مِنْهُ، وَ رَجَعَ عَلِيٌّ مِنَ السَّقِيفَةِ وَ سَأَلْنَا عَنْهُ (5)، فَقَالُوا: مَضَى إِلَى قَبْرِ مُحَمَّدٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقُمْتُ أَنَا وَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ، وَ جِئْنَا نَسْعَى وَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَيْلَكَ يَا عُمَرُ! مَا الَّذِي صَنَعْتَ بِفَاطِمَةَ، هَذَا وَ اللَّهِ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَعْظَمَ مَا عَلَيْكَ أَنَّهُ مَا بَايَعَنَا وَ لَا أَثِقُ أَنْ تَتَثَاقَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ. فَقَالَ: فَمَا تَصْنَعُ؟. فَقُلْتُ: تُظْهِرُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَكَ عِنْدَ قَبْرِ مُحَمَّدٍ، فَأَتَيْنَاهُ وَ قَدْ جَعَلَ الْقَبْرَ قِبْلَةً، مُسْنِداً كَفَّهُ عَلَى تُرْبَتِهِ وَ حَوْلَهُ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ وَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فَجَلَسْنَا بِإِزَائِهِ وَ أَوْعَزْتُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى مِثْلِ مَا وَضَعَ عَلِيٌّ يَدَهُ وَ يُقَرِّبَهَا مِنْ يَدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَ أَخَذْتُ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ لِأَمْسَحَهَا عَلَى يَدِهِ، وَ أَقُولَ قَدْ بَايَعَ، فَقَبَضَ عَلِيٌّ يَدَهُ فَقُمْتُ أَنَا (6) وَ أَبُو بَكْرٍ مُوَلِّياً، وَ أَنَا أَقُولُ: جَزَى اللَّهُ عَلِيّاً خَيْراً فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْكَ الْبَيْعَةَ لَمَّا حَضَرْتَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) قال في القاموس 4- 404: هنات و هنوات و الهنات: الدّاهية.
(2) توجد في (ك) نسخة: تعجّل.
(3) نسخة جاءت على (ك): من سوءتك عنه.
(4) صبا إليه: حنّ، كما في القاموس 4- 351، و غيره.
(5) في (س): منه، بدلا من: عنه.
(6) لا توجد: أنا، في (س).
296
(ص)، فَوَثَبَ مِنْ دُونِ الْجَمَاعَةِ أَبُو ذَرٍّ جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ وَ هُوَ (1) يَصِيحُ وَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ- يَا عَدُوَّ اللَّهِ- مَا بَايَعَ عَلِيٌّ عَتِيقاً، وَ لَمْ يَزَلْ كُلَّمَا لَقِينَا قَوْماً (2) وَ أَقْبَلْنَا عَلَى قَوْمٍ نُخْبِرُهُمْ بِبَيْعَتِهِ وَ أَبُو ذَرٍّ يُكَذِّبُنَا، وَ اللَّهِ مَا بَايَعَنَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ لَا فِي خِلَافَتِي وَ لَا يُبَايِعُ لِمَنْ بَعْدِي وَ لَا بَايَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا لَا لِأَبِي بَكْرٍ وَ لَا لِي، فَمَنْ فَعَلَ- يَا مُعَاوِيَةُ- فِعْلِي وَ اسْتَشَارَ أَحْقَادَهُ السَّالِفَةَ غَيْرِي؟!.
وَ أَمَّا أَنْتَ وَ أَبُوكَ أَبُو سُفْيَانَ وَ أَخُوكَ عُتْبَةُ فَأَعْرِفُ مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ (ص) وَ كَيْدِهِ، وَ إِدَارَةِ الدَّوَائِرِ بِمَكَّةَ وَ طَلِبَتِهِ فِي جَبَلِ حَرَى لِقَتْلِهِ، وَ تَأَلُّفِ الْأَحْزَابِ وَ جَمْعِهِمْ عَلَيْهِ، وَ رُكُوبَ أَبِيكَ الْجَمَلَ وَ قَدْ قَادَ الْأَحْزَابَ، وَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ:
لَعَنَ اللَّهُ الرَّاكِبَ وَ الْقَائِدَ وَ السَّائِقَ، وَ كَانَ أَبُوكَ الرَّاكِبَ وَ أَخُوكَ عُتْبَةُ الْقَائِدَ وَ أَنْتَ السَّائِقَ، وَ لَمْ أَنْسَ أُمَّكَ هِنْداً وَ قَدْ بَذَلَتْ لِوَحْشِيٍّ مَا بَذَلَتْ حَتَّى تَكَمَّنَ لِحَمْزَةَ الَّذِي دَعَوْهُ أَسَدَ الرَّحْمَنِ فِي أَرْضِهِ- وَ طَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ، فَفَلَقَ فُؤَادَهُ وَ شَقَّ عَنْهُ وَ أَخَذَ كَبِدَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى أُمِّكَ، فَزَعَمَ مُحَمَّدٌ بِسِحْرِهِ أَنَّهُ (3) لَمَّا أَدْخَلَتْهُ فَاهَا لِتَأْكُلَهُ صَارَ جُلْمُوداً (4) فَلَفَظَتْهُ (5) مِنْ فِيهَا، فَسَمَّاهَا مُحَمَّدٌ وَ أَصْحَابُهُ: آكِلَةَ الْأَكْبَادِ، وَ قَوْلَهَا فِي شِعْرِهَا لِاعْتِدَاءِ مُحَمَّدٍ وَ مُقَاتِلِيهِ:
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقٍ* * * نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقِ
كالدُّرِّ فِي الْمَخَانِقِ (6)* * * وَ الْمِسْكِ فِي الْمَفَارِقِ (7)
____________
(1) و هو، لا توجد في (س). (2) لا توجد: قوما، في (س). (3) لا توجد: أنّه، في (س). (4) جلمود- كعصفور-: الصّخر، كما في القاموس 1- 284. (5) في (س): فلفظتها. (6) قال في القاموس 3- 229: مخنقة- كمكنسة-: القلادة. و جمعها: مخانق. (7) مفرق- كمقعد و مجلس-: وسط الرّأس، كما في القاموس 3- 274.* * *
297
إِنْ يُقْبِلُوا نُعَانِقْ* * * أَوْ يُدْبِرُوا نُفَارِقْ
فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقٍ (1)
وَ نِسْوَتُهَا فِي الثِّيَابِ الصُّفْرِ الْمَرْئِيَّةِ (2) مُبْدِيَاتٍ وُجُوهَهُنَّ وَ مَعَاصِمَهُنَّ وَ رُءُوسَهُنَّ يَحْرِصْنَ (3) عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُمْ لَمْ تُسَلِّمُوا طَوْعاً وَ إِنَّمَا أَسْلَمْتُمْ كَرْهاً يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَجَعَلَكُمْ طُلَقَاءَ، وَ جَعَلَ أَخِي زَيْداً وَ عَقِيلًا أَخَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْعَبَّاسَ عَمَّهُمْ مِثْلَهُمْ، وَ كَانَ مِنْ أَبِيكَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ يَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ! لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَ رَجِلًا وَ أَحُولُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْدَاءِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَ يُؤْذِنُ لِلنَّاسِ أَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِهِ أَوْ يَكْفِي اللَّهُ شَرَّكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! وَ هُوَ يُرِي النَّاسَ أَنْ لَا يَعْلُوَهَا أَحَدٌ غَيْرِي، وَ عَلِيٍّ وَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَبَطَلَ سِحْرُهُ وَ خَابَ سَعْيُهُ، وَ عَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ وَ عَلَوْتُهَا بَعْدَهُ وَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا مَعَاشِرَ بَنِي أُمَيَّةَ عِيدَانَ أَطْنَابِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ قَدْ وَلَّيْتُكَ وَ قَلَّدْتُكَ إِبَاحَةَ مُلْكِهَا وَ عَرَّفْتُكَ فِيهَا وَ خَالَفْتُ قَوْلَهُ فِيكُمْ، وَ مَا أُبَالِي مِنْ تَأْلِيفِ شِعْرِهِ وَ نَثْرِهِ، أَنَّهُ قَالَ: يُوحَى إِلَيَّ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّي فِي قَوْلِهِ: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (4) فَزَعَمَ أَنَّهَا أَنْتُمْ يَا بَنِي أُمَيَّةَ، فَبَيَّنَ عَدَاوَتَهُ حَيْثُ مَلِكَ كَمَا لَمْ يَزَلْ هَاشِمٌ وَ بَنُوهُ أَعْدَاءَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَ أَنَا- مَعَ تَذْكِيرِي إِيَّاكَ يَا مُعَاوِيَةُ! وَ شَرْحِي لَكَ مَا قَدْ شَرَحْتُهُ- نَاصِحٌ لَكَ وَ مُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْ ضِيقِ عَطَنِكَ (5) وَ حَرَجِ صَدْرِكَ، وَ قِلَّةِ حِلْمِكَ، أَنْ تُعَجِّلَ فِيمَا وَصَّيْتُكَ بِهِ وَ مَكَّنْتُكَ مِنْهُ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ (ص) وَ أُمَّتِهِ أَنْ تُبْدِيَ لَهُمْ مُطَالَبَتَهُ بِطَعْنٍ أَوْ شَمَاتَةً بِمَوْتٍ أَوْ رَدّاً عَلَيْهِ فِيمَا أَتَى بِهِ، أَوْ اسْتِصْغَاراً لِمَا أَتَى بِهِ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، فَتَخْفِضَ مَا رَفَعْتُ وَ تَهْدِمَ مَا بَنَيْتُ، وَ احْذَرْ كُلَ
____________
(1) وامق .. أي محبّ، كما نصّ عليه في القاموس 3- 290.
(2) في (ك): المرسبة، و لم نجد لها معنا مناسبا لغة، فراجع.
(3) في (س): يحرّصهنّ، و الظّاهر: يحرّضن.
(4) الإسراء: 60.
(5) قال في القاموس 4- 248: العطن- محرّكة-: وطن الإبل و مبركها حول الحوض، و مربض الغنم حول الماء.
298
الْحَذَرِ حَيْثُ دَخَلْتَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَسْجِدَهُ وَ مِنْبَرَهُ وَ صَدِّقْ مُحَمَّداً فِي كُلِّ مَا أَتَى بِهِ وَ أَوْرَدَهُ ظَاهِراً، وَ أَظْهِرِ التَّحَرُّزَ وَ الْوَاقِعَةَ فِي رَعِيَّتِكَ، وَ أَوْسِعْهُمْ حِلْماً، وَ أَعِمَّهُمْ بِرَوَائِحِ الْعَطَايَا، وَ عَلَيْكَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِمْ وَ تَضْعِيفِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمْ لسببا [لِسَبَبِ مُحَمَّدٍ (1) مِنْ مَالِكَ وَ رِزْقِكَ (2) وَ لَا تُرِهِمْ أَنَّكَ تَدَعُ لِلَّهِ حَقّاً وَ لَا تَنْقُضُ فَرْضاً وَ لَا تُغَيِّرُ لِمُحَمَّدٍ سُنَّةً (3) فَتُفْسِدَ عَلَيْنَا الْأُمَّةَ، بَلْ خُذْهُمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، وَ اقْتُلْهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، وَ أَبِدْهُمْ (4) بِسُيُوفِهِمْ وَ تَطَاوُلِهِمْ وَ لَا تُنَاجِزْهُمْ، وَ لِنْ لَهُمْ وَ لَا تَبْخَسْ عَلَيْهِمْ، وَ افْسَحْ لَهُمْ فِي مَجْلِسِكَ، وَ شَرِّفْهُمْ فِي مَقْعَدِكَ، وَ تَوَصَّلْ إِلَى قَتْلِهِمْ بِرَئِيسِهِمْ، وَ أَظْهِرِ الْبِشْرَ وَ الْبَشَاشَةَ بَلِ اكْظِمْ غَيْظَكَ وَ اعْفُ عَنْهُمْ يُحِبُّوكَ وَ يُطِيعُوكَ، فَمَا آمَنُ عَلَيْنَا وَ عَلَيْكَ ثَوْرَةَ عَلِيٍّ وَ شِبْلَيْهِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَكَ فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ فَبَادِرْ وَ لَا تَقْنَعْ بِصِغَارِ الْأُمُورِ، وَ اقْصِدْ بِعَظِيمِهَا وَ احْفَظْ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ وَ عَهْدِي وَ أَخْفِهِ وَ لَا تُبْدِهِ، وَ امْتَثِلْ أَمْرِي وَ نَهْيِي وَ انْهَضْ بِطَاعَتِي، وَ إِيَّاكَ وَ الْخِلَافَ عَلَيَّ، وَ اسْلُكْ طَرِيقَ أَسْلَافِكِ، وَ اطْلُبْ بِثَارِكَ، وَ اقْتَصَّ آثَارَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجْتُ إِلَيْكَ بِسِرِّي وَ جَهْرِي، وَ شَفَعْتُ هَذَا بِقَوْلِي:
مُعَاوِيَ (5)إِنَّ الْقَوْمَ جَلَّتْ أُمُورُهُمْ* * * بِدَعْوَةِ مَنْ عَمَّ الْبَرِيَّةَ بِالْوَتْرِي
صَبَوْتُ (6) إِلَى دَيْنٍ لَهُمْ فَأَرَابَنِي* * * فَأَبْعِدْ بِدِينٍ قَدْ قَصَمْتُ بِهِ ظَهْرِي
وَ إِنْ أَنْسَ لَا أَنْسَ الْوَلِيدَ وَ شَيْبَةَ* * * وَ عُتْبَةَ وَ الْعَاصَ السَّرِيعَ لَدَى بَدْرٍ
وَ تَحْتَ شَغَافِ (7) الْقَلْبِ لَدْغٌ لِفَقْدِهِمْ* * * أَبُو حَكَمٍ أَعْنِي الْضَئِيلَ (8) مِنَ الْفَقْرِي
____________
(1) كذا، و لعلّه: لسبب. (2) من كلمة: و تضعيف .. إلى رزقك، لا توجد في (س). (3) في (ك): سنّته. (4) في (ك): أيّدهم. (5) معاوي: مرخّم معاوية- لعنة اللّه عليه-. (6) صبى إليه: حنّ و مال، كما جاء في القاموس 4- 351، و غيره. (7) ذكر في القاموس المحيط 3- 159 أنّ: الشّغاف- كسحاب-: غلاف القلب أو حجابه أو حبّته أو سويداؤه. (8) في (س): الضيل. و الضئيل- كأمير- بمعنى الصّغير، الدّقيق الحقير، و النّحيف، كما نصّ عليه في القاموس 4- 5. و لا معنى ل (ضيل) هنا
299
أُولَئِكَ فَاطْلُبْ- يَا مُعَاوِيَ- ثَارَهُمْ* * * بِنَصْلِ سُيُوفِ الْهِنْدِ وَ الْأَسَلِ (1)السُّمْرِي (2)
وَ صِلْ بِرِجَالِ الشَّامِ فِي مَعْشَرِهِمْ* * * هُمُ الْأُسْدُ وَ الْبَاقُونَ فِي أَكَمِ (3) الْوَعْرِي (4)
تَوَسَّلْ إِلَى التَّخْلِيطِ فِي الْمِلَّةِ الَّتِي* * * أَتَانَا بِهِ الْمَاضِي الْمُسَمُّوهُ (5) بِالسِّحْرِي
وَ طَالِبْ بِأَحْقَادٍ مَضَتْ لَكَ مُظْهِراً* * * لِعِلَّةِ دِينٍ عَمَّ كُلَّ بَنِي النَّضْرِ
فَلَسْتَ تَنَالُ الثَّارَ إِلَّا بِدِينِهِمْ* * * فَتَقْتُلُ بِسَيْفِ الْقَوْمِ جِيدَ بَنِي عَمْرِي
لِهَذَا لَقَدْ وَلَّيْتُكَ الشَّامَ رَاجِياً* * * وَ أَنْتَ جَدِيرٌ أَنْ تَئُولَ إِلَى صَخْرِي
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَذَا الْعَهْدَ، قَامَ إِلَى يَزِيدَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَ قَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!- عَلَى قَتْلِكَ الشَّارِيَّ ابْنَ الشَّارِيِّ، وَ اللَّهِ مَا أَخْرَجَ أَبِي إِلَيَّ بِمَا أَخْرَجَ إِلَى أَبِيكَ، وَ اللَّهِ لَا رَآنِي أَحَدٌ مِنْ رَهْطِ مُحَمَّدٍ بِحَيْثُ (6) يُحِبُّ وَ يَرْضَى، فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَ بَرَّهُ، وَ رَدَّهُ مُكَرَّماً.
فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ عِنْدِهِ ضَاحِكاً، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا قَالَ لَكَ؟.
قَالَ: قَوْلًا صَادِقاً لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُشَارِكَهُ فِيهِ، وَ سَارَ رَاجِعاً إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ كَانَ جَوَابُهُ لِمَنْ يَلْقَاهُ هَذَا الْجَوَابَ.
وَ يُرْوَى أَنَّهُ أَخْرَجَ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِتَاباً فِيهِ عَهْدُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (7) فِيهِ أَغْلَظُ مِنْ هَذَا وَ أَدْهَى وَ أَعْظَمُ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي كَتَبَهُ عُمَرُ لِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا
____________
(1) قال الفيروزآباديّ في قاموسه 3- 328: الأسل- محرّكة-: نبات .. و الرّماح، و النّبل.
(2) سيجيء في بيان المصنّف- (رحمه الله)-: أنّ السّمر جمع الأسمر و هو الرّمح.
(3) الأكمة- محرّكة-: التّلّ من القفّ من حجارة واحدة أو هي دون الجبال ... و جمعها: أكم، كما في القاموس 4- 75.
(4) قال في القاموس 2- 154: الوعر: ضدّ السّهل. و المعنى أنّ الباقين أكم في مكان صلب سهل إبادتهم و إهلاكهم.
(5) الكلمة مشوّشة في مطبوع البحار.
(6) كذا، و لعلّها: إلّا بحيث ..
(7) لا توجد في (س): بن عفّان.
300
قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ الْعَهْدَ الْآخَرَ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ يَزِيدَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى قَتْلِكَ الشَّارِيَّ ابْنَ الشَّارِيِ (1)، وَ اعْلَمْ أَنَّ وَالِدِي عُمَرَ أَخْرَجَ إِلَيَّ مِنْ سِرِّهِ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي أَخْرَجَهُ إِلَى أَبِيكَ مُعَاوِيَةَ، وَ لَا أَرَى أَحَداً مِنْ رَهْطِ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِهِ وَ شِيعَتِهِ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا إِلَّا غَيْرَ مُنْطَوٍ لَهُمْ عَلَى (2) خَيْرٍ أَبَداً. فَقَالَ يَزِيدُ: أَ فِيهِ شَرْحُ الْخَفَا يَا ابْنَ عُمَرَ؟.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً أَظْهَرُوهُ.
بيان: لم أجد الرواية بغير هذا السند، و فيها غرائب.
و الشائكة من الشوك .. يقال: شجرة شائكة .. أي ذات شوك (3)، أي كانت البصائر و النيّات غير خالصة ممّا يختلج بالبال من الشكوك و الشبهات.
و رجل طمطماني- بالضم- في لسانه عجمة (4).
و قال الجوهري (5): فلان واسع العطن (6) و البلد: إذا كان رحب الذّراع.
152- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ (7): عَنْ أَبَانٍ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمٌ: كَتَبَ أَبُو الْمُخْتَارِ بْنُ أَبِي الصَّعِقِ إِلَى عُمَرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:
____________
(1) هنا ثلاثة أبيات لا ربط لها بالمقام، و خطّ عليها في (ك)، و الصّحيح موضعها بعد مصرع: و ما عاصم فيها بصفر غيابة. و قد ذكرنا هناك.
(2) لا توجد: على، في (ك).
(3) كما في تاج العروس 7- 151، و انظر: مجمع البحرين 5- 278، و لسان العرب 10- 453.
(4) نصّ عليه في تاج العروس 8- 381، و انظر: لسان العرب 12- 371، و مجمع البحرين 6- 107. و في (س) طمطاني. و لم أجدها في كتب اللغة.
(5) في صحاحه 6- 2165، و قارنه ب: لسان العرب 13- 287.
(6) في (س): القطن، و هو اشتباه.
(7) كتاب سليم بن قيس: 132- 146.
301
أُبَلِّغُ (1)أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً* * * فَأَنْتَ أَمِيرُ اللَّهِ (2) فِي الْمَالِ وَ الْأَمْرِ
وَ أَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ فِينَا وَ مَنْ يَكُنْ* * * أَمِيناً (3) لِرَبِّ النَّاسِ يُسْلِمْ لَهُ صَدْرِي
فَلَا تَدَعَنْ أَهْلَ الرَّسَاتِيقِ وَ الْقُرَى* * * يَخُونُونَ مَالَ اللَّهِ فِي الْأُدْمِ وَ الْخَمْرِ (4)
وَ أَرْسِلْ إِلَى النُّعْمَانِ وَ ابْنِ مَعْقِلٍ* * * وَ أَرْسِلْ إِلَى حَزْمٍ وَ أَرْسِلْ إِلَى بِشْرٍ
وَ أَرْسِلْ إِلَى الْحَجَّاجِ وَ اعْلَمْ حِسَابَهُ* * * وَ ذَاكَ الَّذِي فِي السُّوقِ مَوْلَى بَنِي بَدْرٍ
وَ لَا تَنْسَيَنَّ التَّابِعَيْنِ كِلَيْهِمَا* * * وَ صِهْرَ بَنِي غَذْوَانَ (5) فِي الْقَوْمِ ذَا وَفْرٍ
وَ مَا عَاصِمٌ فِيهَا بِصِفْرٍ عِيَابُهُ* * * (6) وَ لَا ابْنُ غَلَابِ مِنْ رُمَاةِ بَنِي نَصْرٍ
وَ اسْتَلَّ ذَاكَ الْمَالَ دُونَ ابْنِ مُحْرِزٍ* * * وَ قَدْ كَانَ مِنْهُ فِي الرَّسَاتِيقِ ذَا وَفْرٍ (7)
فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ يُخْبِرُوكَ وَ يَصْدُقُوا (8)* * * أَحَادِيثَ هَذَا الْمَالِ مَنْ كَانَ ذَا فِكْرٍ
وَ قَاسِمْهُمُ- أَهْلِي فِدَاؤُكَ- إِنَّهُمْ* * * سَيَرْضَوْنَ إِنْ قَاسَمْتَهُمْ مِنْكَ بِالشَّطْرِ
وَ لَا تَدْعُوَنِّي لِلشَّهَادَةِ إِنَّنِي* * * أَغِيبُ وَ لَكِنِّي أَرَى عَجَبَ (9) الدَّهْرِ
إراء [أَرَى (10) الْخَيْلَ كَالْجُدْرَانِ وَ الْبَيْضَ كَالدُّمَى* * * وَ خَطِّيَّةً فِي عِدَّةِ النَّمْلِ وَ الْقَطْرِ
وَ مِنْ رَيْطَةٍ مَطْوِيَّةٍ فِي قِرَابِهَا* * * وَ مِنْ طَيِّ أَبْرَادٍ (11) مُضَاعَفَةٍ صُفْرٍ
____________
(1) في المصدر: ألا أبلغ. (2) في (ك): للّه. (3) جاء في كتاب سليم: أميرا، بدلا من: أمينا. (4) كذا، و الصّحيح: الحمر، كما في المصدر. (5) في (ك): مروان، و نسخة جاءت على (ك): غزوان. (6) جاء في (س): خيانة، و في نسخة على (س): عيابة- بالعين المهملة- و قد تعرّض لها المصنّف (رحمه الله)- و جعلها جمع عيبة. (7) هذه المصارع الثّلاث جاءت في هامش (س)، و وضع بعدها: صح، و لكن وضعت العلامة بعد كلمة: الشّاري و ابن الشّاري و قبل: اعلم، و موضعها هنا كما جاء في المصدر و (ك). (8) و يروى: يصدقوك و يخبروا، منه (قدّس سرّه). و كذا جاء في المصدر. (9) في (ك): أعجب. (10) كذا، و في (س): أداء، و في المصدر: أرى، و هي نسخة في (ك). (11) في المصدر: إيراد.* * *
302
إِذَا التَّاجِرُ الدَّارِيُّ جَاءَ بِفَأْرَةٍ* * * مِنَ الْمِسْكِ رَاحَتْ فِي مَفَارِقِهِمْ تَجْرِي (1)
فَقَالَ (2) ابْنُ غَلَابِ الْمِصْرِيُّ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا الْمُخْتَارِ أَنِّي أَتَيْتُهُ* * * وَ لَمْ أَكُ ذَا قُرْبَى لَدَيْهِ وَ لَا صِهْرٍ
وَ مَا كَانَ عِنْدِي مِنْ تُرَاثٍ وَرِثْتُهُ* * * وَ لَا صَدَقَاتٍ (3)مِنْ سَبْيٍ وَ لَا غَدْرٍ
وَ لَكِنْ دِرَاكُ الرَّكْضِ فِي كُلِّ غَارَةٍ (4)* * * وَ صَبْرِي إِذَا مَا لموت [الْمَوْتُ (5) كَانَ وَرَا السمري [السَّمْرِ
بِسَابِغَةٍ يَغْشَى اللَّبَانَ فُضُولُهَا (6)* * * أُكَفْكِفُهَا (7) عَنِّي بِأَبْيَضَ ذِي وَقْرٍ
قَالَ سُلَيْمٌ: فَأَغْرَمَ (8) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تِلْكَ السَّنَةَ جَمِيعَ عُمَّالِهِ أَنْصَافَ أَمْوَالِهِمْ لِشِعْرِ أَبِي الْمُخْتَارِ، وَ لَمْ يُغْرِمْ قُنْفُذَ الْعَدَوِيِّ شَيْئاً- وَ قَدْ كَانَ مِنْ عُمَّالِهِ- وَ رَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ- وَ هُوَ عِشْرُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ- وَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ عُشْرَهُ وَ لَا نِصْفَ عُشْرِهِ، وَ كَانَ مِنْ عُمَّالِهِ الَّذِينَ أُغْرِمُوا أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى (9) الْبَحْرَيْنِ فَأَحْصَى مَالَهُ فَبَلَغَ أَرْبَعَةً وَ عِشْرِينَ أَلْفاً، فَأَغْرَمَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً.
فَقَالَ (10) أَبَانٌ: قَالَ سُلَيْمٌ: فَلَقِيتُ عَلِيّاً (صلوات الله عليه و آله) فَسَأَلْتُهُ عَمَّا صَنَعَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ كَفَّ عَنْ قُنْفُذٍ وَ لَمْ يُغْرِمْهُ شَيْئاً؟!. قُلْتُ: لَا.
قَالَ: لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَ فَاطِمَةَ (صلوات اللّه عليها) بِالسَّوْطِ حِينَ جَاءَتْ لِتَحُولَ
____________
(1) سقط هنا بيت جاء في المصدر:
تنوب إذا نابوا و تغزوا إذا غزوا* * * فإنّ لهم مالا و ليس لنا وفر
(2) في المصدر: و قال.
(3) نسخة في (ك): و لا سرقات.
(4) في (س): غادة.
(5) في المصدر: ما الموت. و قبلها توجد كلمة كان في (س)، و لكن خطّ عليها في (ك).
(6) جاء في كتاب سليم: فصولها.
(7) في (س) الكلمة مشوشة تقرأ: أكفكها، و: اكفكفا.
(8) في (س): فاعزم.
(9) في كتاب سليم: و كان على ..
(10) جاء في المصدر: و قال.
303
بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَمَاتَتْ (صلوات اللّه عليها)، وَ إِنَّ أَثَرَ السَّوْطِ لَفِي عَضُدِهَا مِثْلُ الدُّمْلُجِ.
قَالَ أَبَانٌ: قَالَ (1) سُلَيْمٌ: انْتَهَيْتُ إِلَى حَلْقَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَيْسَ فِيهَا إِلَّا هَاشِمِيٌّ غَيْرَ سَلْمَانَ وَ أَبِي ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ (2)، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): مَا تَرَى عُمَرَ مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يُغَرِّمَ قُنْفُذاً كَمَا غَرَّمَ (3) جَمِيعَ عُمَّالِهِ؟. فَنَظَرَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: شَكَرَ لَهُ ضَرْبَةً ضَرَبَهَا فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِالسَّوْطِ فَمَاتَتْ وَ فِي عَضُدِهَا أَثَرُهُ كَأَنَّهُ الدُّمْلُجُ.
ثُمَّ قَالَ (ع): الْعَجَبُ مِمَّا أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حُبِّ هَذَا الرَّجُلِ وَ صَاحِبِهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَ التَّسْلِيمِ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ.
لَئِنْ كَانَ عُمَّالُهُ خَوَنَةً وَ كَانَ هَذَا الْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ خِيَانَةً مَا كَانَ حَلَّ لَهُ تَرْكُهُ؟!، وَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ، فَإِنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا بَالُهُ يَأْخُذُ نِصْفَهُ وَ يَتْرُكُ نِصْفَهُ.
وَ لَئِنْ كَانُوا غَيْرَ خَوَنَةٍ فَمَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ وَ لَا شَيْئاً مِنْهَا قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً وَ إِنَّمَا أَخَذَ أَنْصَافَهَا.
وَ لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ خِيَانَةً، ثُمَّ لَمْ يُقِرُّوا بِهَا وَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ مَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً.
وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِعَادَتُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، لَئِنْ كَانُوا خَوَنَةً مَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ، وَ لَئِنْ كَانُوا غَيْرَ خَوَنَةٍ مَا حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيٌّ (ع) عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: الْعَجَبُ لِقَوْمٍ يَرَوْنَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ تَتَبَدَّلُ وَ تَتَغَيَّرُ شَيْئاً شَيْئاً وَ بَاباً بَاباً (4) ثُمَّ يَرْضَوْنَ وَ لَا يُنْكِرُونَ، بَلْ يَغْضَبُونَ لَهُ وَ يَعْتِبُونَ (5) عَلَى مَنْ عَابَ عَلَيْهِ وَ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ
____________
(1) في المصدر: بدل قال: عن.
(2) في كتاب سليم: بن أبي عبادة ..
(3) في المصدر: أغرم.
(4) في المصدر: و بابا.
(5) جاء في (ك): يعيبون.
304
بَعْدَنَا فَيَتَّبِعُونَ بِدْعَتَهُ وَ جَوْرَهُ وَ أَحْدَاثَهُ وَ يَتَّخِذُونَ أَحْدَاثَهُ سُنَّةً وَ دِيناً يَتَقَرَّبُونَ بِهِمَا (1) إِلَى اللَّهِ فِي مِثْلِ تَحْوِيلِهِ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ (2) الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي حَوَّلَهُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ فِي تَغْيِيرِهِ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مُدَّهُ، وَ فِيهِمَا فَرِيضَةٌ وَ سُنَّةٌ، فَمَا كَانَ زِيَادَتُهُ إِلَّا سُوءً، لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَ الظِّهَارِ بِهِمَا يُعْطَوْنَ وَ مَا (3) يَجِبُ فِي الزَّرْعِ، وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَ صَاعِنَا، لَا يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ رَضُوا وَ قَبِلُوا مَا صَنَعَ، وَ قَبْضِهِ وَ صَاحِبِهِ فَدَكَ- وَ هِيَ فِي يَدَيِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) مَقْبُوضَةٌ، قَدْ أَكَلَتْ غَلَّتَهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- فَسَأَلَهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدِهَا، وَ لَمْ يُصَدِّقْهَا وَ لَا صَدَّقَ أُمَّ أَيْمَنَ، وَ هُوَ يَعْلَمُ يَقِيناً- كَمَا نَعْلَمُ- أَنَّهَا فِي يَدِهَا، وَ لَمْ يَحِلَ (4) لَهُ أَنْ يَسْأَلَهَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا فِي يَدِهَا، وَ لَا أَنْ يَتَّهِمَهَا، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ النَّاسُ ذَلِكَ وَ حَمِدُوهُ وَ قَالُوا:
إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَرَعُ وَ الْفَضْلُ، ثُمَّ حَسَّنَ قُبْحَ فِعْلِهِمَا أَنْ عَدَلَا عَنْهَا فَقَالا بِالظَّنِّ- (5): إِنَّ فَاطِمَةَ لَنْ تَقُولَ إِلَّا حَقّاً، وَ إِنَّ عَلِيّاً لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا بِحَقٍّ، وَ لَوْ كَانَتْ مَعَ أُمِّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ أُخْرَى أَمْضَيْنَا لَهَا، فَخَطَبَا (6) بِذَلِكَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَ (7) مَا لَهُمَا (8) وَ مَنْ أَمَّرَهُمَا أَنْ يَكُونَا حَاكِمَيْنِ فَيُعْطِيَانِ أَوْ يَمْنَعَانِ، وَ لَكِنَّ الْأُمَّةَ ابْتُلُوا بِهِمَا فَأَدْخَلَا (9)
____________
(1) في كتاب سليم: بها.
(2) في (ك): عن، بدلا من: من.
(3) لا توجد الواو في المصدر.
(4) في كتاب سليم: و لم يكن يحلّ ..
(5) في المصدر: نظنّ.
(6) في كتاب سليم: فحظيا.
(7) لا توجد الواو في (س).
(8) في المصدر: و ما هما ..
(9) جاء في (س): فأدخلوا.
305
نَفْسَهُمَا فِيمَا لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ وَ لَا عِلْمَ لَهُمَا فِيهِ (1)، وَ قَدْ قَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) حِينَ أَرَادَ انْتِزَاعَهَا مِنْهَا (2)، وَ هِيَ فِي يَدِهَا-: أَ لَيْسَتْ فِي يَدِي وَ فِيهَا وَكِيلِي، وَ قَدْ أَكَلْتُ غَلَّتَهَا وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيٌّ؟!. قَالا: بَلَى. قَالَتْ: فَلِمَ تَسْأَلَانِي الْبَيِّنَةَ (3) عَلَى مَا فِي يَدِي؟. قَالا: لِأَنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ (4)، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ وَ إِلَّا لَمْ نُمْضِهَا. فَقَالَتْ (5) لَهُمَا- وَ النَّاسُ حَوْلَهُمَا يَسْمَعُونَ-: أَ فَتُرِيدَانِ (6) أَنْ تَرُدَّا مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ تَحْكُمَا فِينَا خَاصَّةً بِمَا لَمْ تَحْكُمَا فِي سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؟! أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا مَا رَكِبَاهَا (7). قُلْتُ (8): أَ رَأَيْتُمَا إِنِ ادَّعَيْتُ مَا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ تَسْأَلُونِّي (9) الْبَيِّنَةَ أَمْ تَسْأَلُونَهُمْ؟. قَالا: لَا، بَلْ نَسْأَلُكَ. قُلْتُ (10): فَإِنِ ادَّعَى جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ مَا فِي يَدِي تَسْأَلُونَهُمُ الْبَيِّنَةَ أَمْ تَسْأَلُونِّي (11)؟. فَغَضِبَ عُمَرُ، وَ قَالَ: إِنَّ هَذَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَ أَرْضُهُمْ وَ هِيَ فِي يَدَيْ فَاطِمَةَ (ع) تَأْكُلُ غَلَّتَهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَهَبَهَا لَهَا مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَ هِيَ فَيْئُهُمْ وَ حَقُّهُمْ نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ (12): أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ (13) أَ مَا سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ:
____________
(1) لا توجد: فيه، في (س)، و في المصدر بدلا منها: به.
(2) لا توجد: منها، في المصدر.
(3) في المصدر: في البيّنة.
(4) في كتاب سليم: المسلمين.
(5) في المصدر: قالت.
(6) في كتاب سليم: أ تريدان.
(7) هنا نسخة في المصدر: ما ركبا هؤلاء من الإثم.
(8) في المصدر: قالت .. و هو الظّاهر.
(9) في كتاب سليم: تسألونني.
(10) في المصدر: قالت، و هو الظّاهر.
(11) في المصدر: تسألونني.
(12) في المصدر: فقالت: حسبي .. و هو الظّاهر.
(13) هنا زيادة جاءت في المصدر: أيّها النّاس.
306
إِنَّ ابْنَتِي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَدْ سَمِعْنَاهَا (1) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ.
قَالَتْ: أَ فَسَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَدَّعِي الْبَاطِلَ وَ تَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهَا؟! أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَيَّ بِفَاحِشَةٍ أَوْ رَجُلَانِ بِسَرِقَةٍ أَ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ عَلَيَّ؟!. فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَسَكَتَ، وَ أَمَّا عُمَرُ فَقَالَ (2): وَ نُوقِعُ عَلَيْكِ الْحَدَّ. فَقَالَتْ: كَذَبْتَ وَ لَؤُمْتَ، إِلَّا أَنْ تُقِرَّ أَنَّكَ لَسْتَ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، إِنَّ الَّذِي يُجِيزُ عَلَى سَيِّدَةِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ شَهَادَةً أَوْ يُقِيمُ عَلَيْهَا حَدّاً لَمَلْعُونٌ كَافِرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، إِنَّ مَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (3) وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ شَهَادَةٌ، لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، مُطَهَّرُونَ مِنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ، حَدِّثْنِي عَنْ أَهْلِ (4) هَذِهِ الْآيَةِ، لَوْ أَنَّ قَوْماً شَهِدُوا عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشِرْكٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ فَاحِشَةٍ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ وَ يَحُدُّونَهُمْ؟. قَالَ: نَعَمْ، وَ مَا هُمْ وَ سَائِرُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ إِلَّا سَوَاءً. قَالَتْ: كَذَبْتَ وَ كَفَرْتَ (5)، لِأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ وَ أَنْزَلَ عِصْمَتَهُمْ وَ تَطْهِيرَهُمْ وَ أَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، فَمَنْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ يُكَذِّبُ (6) اللَّهَ وَ رَسُولَهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ- يَا عُمَرُ- لَمَّا سَكَتَّ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْلُ أَرْسَلَ (7) إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ (8) إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُسِرَّ إِلَيْكَ أَمْراً وَ نَحْمِلَكَ
____________
(1) في المصدر: قد سمعناه.
(2) في المصدر: فقال: نعم ..
(3) لا توجد لفظ: أهل البيت، في المصدر و (س) من البحار.
(4) في كتاب سليم: حدّثني يا عمر من أهل ...
(5) هنا سقط جاء في المصدر: ما هم و سائر النّاس في ذلك سواء.
(6) في المصدر: فإنّما يكذب.
(7) في المصدر: أرسلا.
(8) في المصدر: فقالا.
307
عَلَيْهِ (1). فَقَالَ: احْمِلَانِي عَلَى مَا شِئْتُمَا فَإِنِّي طَوْعُ أَيْدِيكُمَا. فَقَالا لَهُ: إِنَّهُ لَا يَنْفَعُنَا مَا نَحْنُ فِيهِ (2) مِنَ الْمُلْكِ وَ السُّلْطَانِ مَا دَامَ عَلِيٌّ حَيّاً، أَ مَا سَمِعْتَ مَا قَالَ لَنَا وَ مَا اسْتَقْبَلَنَا بِهِ، وَ نَحْنُ لَا نَأْمَنُهُ أَنْ يَدْعُوَ فِي السِّرِّ فَيَسْتَجِيبَ لَهُ قَوْمٌ فَيُنَاهِضَنَا (3) فَإِنَّهُ أَشْجَعُ الْعَرَبِ، وَ قَدِ ارْتَكَبْنَا مِنْهُمْ (4) مَا رَأَيْتَ وَ غَلَبْنَاهُ (5) عَلَى مُلْكِ ابْنِ عَمِّهِ وَ لَا حَقَّ لَنَا فِيهِ، وَ انْتَزَعْنَا فَدَكَ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَإِذَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ الْغَدَاةَ (6)، فَقُمْ إِلَى جَانِبِهِ وَ لْيَكُنْ سَيْفُكَ مَعَكَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ وَ سَلَّمْتُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقَالَ: صَلَّى (7) خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِجَنْبِي مُتَقَلِّدَ السَّيْفِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلَ (8) يُؤَامِرُ نَفْسَهُ وَ نَدِمَ وَ أُسْقِطَ فِي يَدِهِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قَالَ:- قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ- لَا تَفْعَلْ يَا خَالِدُ مَا أَمَرْتُكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ:
مَا (9) ذَاكَ؟. قَالَ: قَدْ (10) كَانَ أَمَرَنِي إِذَا سَلَّمَ أَضْرِبُ (11) عُنُقَكَ. قُلْتُ: أَ وَ كُنْتَ فَاعِلًا؟!. قَالَ: إِي وَ رَبِّي إِذاً لَفَعَلْتُ.
قَالَ سُلَيْمٌ: ثُمَّ أَقْبَلَ (ع) عَلَى الْعَبَّاسِ وَ مَنْ حَوْلَهُ ثُمَّ قَالَ: أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ حَبْسِهِ وَ حَبْسِ صَاحِبِهِ عَنَّا سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ لَنَا فِي الْقُرْآنِ، وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ سَيَظْلِمُونَّا وَ يَنْتَزِعُونَهُ مِنَّا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا
____________
(1) في كتاب سليم: و نحملكه لثقتنا بك.
(2) لا توجد: فيه، في المصدر.
(3) جاء في حاشية (ك): ناهضه: قاومه .. قاموس.
انظر القاموس 2- 348.
(4) في المصدر: منه، بدلا: منهم، و هو الظّاهر.
(5) في (س): ما غلبناه.
(6) في كتاب سليم: صلاة الغداة.
(7) في المصدر: قال عليّ (عليه السلام): فصلّى ..
(8) في كتاب سليم: و جعل.
(9) في المصدر: و ما.
(10) لا توجد: قد، في المصدر.
(11) في المصدر: أن أضرب.
308
عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ (1)؟!.
وَ الْعَجَبُ لِهَدْمِهِ مَنْزِلَ أَخِي جَعْفَرٍ وَ إِلْحَاقِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَ لَمْ يُعْطِ بَنِيهِ مِنْ ثَمَنِهِ قَلِيلًا وَ لَا كَثِيراً، ثُمَّ لَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَ لَمْ يُغَيِّرُوهُ، فَكَأَنَّمَا أَخَذَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مِنَ الدَّيْلَمِ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: دَارَ رَجُلٍ مِنْ تُرْكِ كَابُلَ-.
وَ الْعَجَبُ لِجَهْلِهِ وَ جَهْلِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ: أَنَ (2) الْجُنُبَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ (3) بِالصَّعِيدِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ (4)، وَ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ سَنَةً- ثُمَّ قَبِلَ النَّاسُ مِنْهُ (5) وَ رَضُوا بِهِ، وَ قَدْ عَلِمَ وَ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ أَمَرَ عَمَّاراً وَ أَمَرَ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَيَمَّمَا مِنَ الْجَنَابَةِ وَ يُصَلِّيَا وَ شَهِدَا بِهِ عِنْدَهُ (6) وَ غَيْرُهُمَا فَلَمْ يَقْبَلْ (7) ذَلِكَ وَ لَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْساً.
وَ الْعَجَبُ لِمَا قَدْ خَلَطَ قَضَايَا مُخْتَلِفَةً فِي الْجَدِّ (8) بِغَيْرِ عِلْمٍ تَعَسُّفاً وَ جَهْلًا، وَ ادِّعَائِهِمَا (9) مَا لَمْ يَعْلَمَا جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ وَ قِلَّةَ وَرَعٍ، ادَّعَيَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَاتَ وَ لَمْ يَقْضِ فِي الْجَدِّ شَيْئاً مِنْهُ، وَ لَمْ يَدَعْ أَحَداً يَعْلَمُ مَا لِلْجَدِّ مِنَ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ تَابَعُوهُمَا (10) عَلَى ذَلِكَ وَ صَدَّقُوهُمَا.
____________
(1) الأنفال: 41.
(2) لا توجد: أنّ، في (س).
(3) في (ك): أن تيمّم.
(4) لا يوجد في المصدر: حتّى يجد الماء.
(5) في كتاب سليم: بدلا من منه: ذلك.
(6) نسخة جاءت في (ك): عندهما. و هو خلاف الظّاهر.
(7) في (ك) نسخة بدل: يقبلا، و هو غلط.
(8) جاء في المصدر: الحدّ- بالحاء المهملة- و هو خلاف الظّاهر.
(9) لعلّ التّثنية بلحاظ الشّيخين، و في (ك) نسخة بدل: و ادّعاءه.
(10) في المصدر: بايعوهما، و في نسخة على (ك): تابعوه.
309
وَ عِتْقِهِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ وَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ (1) وَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
وَ مَا صَنَعَ بِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَ بِجَعْدِ (2) بْنِ سُلَيْمٍ وَ بِابْنِ وتره [وَبَرَةَ (3).
وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا كَيْفٍ (4) الْعَبْدِيَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَ أَنَا غَائِبٌ- فَوَصَلَ إِلَيْهَا الطَّلَاقُ ثُمَّ رَاجَعْتُهَا وَ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، وَ كَتَبْتُ إِلَيْهَا فَلَمْ يَصِلِ الْكِتَابُ إِلَيْهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ، فَكَتَبَ لَهُ: إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا دَخَلَ (5) بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُكَ، وَ كَتَبَ لَهُ ذَلِكَ وَ أَنَا شَاهِدٌ، وَ لَمْ يُشَاوِرْنِي (6) وَ لَمْ يَسْأَلْنِي، يَرَى اسْتِغْنَاءَهُ بِعِلْمِهِ عَنِّي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْهَاهُ ثُمَّ قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ يَفْضَحَهُ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ تَعِبْهُ (7) النَّاسُ بَلِ اسْتَحْسَنُوهُ وَ اتَّخَذُوهُ سُنَّةً وَ قَبِلُوهُ عَنْهُ (8)، وَ رَأَوْهُ صَوَاباً، وَ ذَلِكَ قَضَاءٌ وَ لَا يَقْضِي بِهِ مَجْنُونٌ (9).
ثُمَّ تَرْكِهِ مِنَ الْأَذَانِ (حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ) فَاتَّخَذُوهُ سُنَّةً وَ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَ قَضِيَّتِهِ فِي الْمَفْقُودِ أَنَّ أَجَلَ امْرَأَتِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَ بَيْنَ الصَّدَاقِ، فَاسْتَحْسَنَهُ النَّاسُ وَ اتَّخَذُوهُ سُنَّةً وَ قَبِلُوهُ عَنْهُ (10) جَهْلًا وَ قِلَّةَ عِلْمٍ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ.
وَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ كُلَّ أَعْمَى، وَ إِرْسَالِهِ إِلَى عُمَّالِهِ بِالْبَصْرَةِ بِحَبْلِ خَمْسَةِ
____________
(1) لا توجد في المصدر: أمر اللّه و ..
(2) في كتاب سليم: الحجّاج و بجعدة.
(3) في كتاب سليم: و بابن وبرة، و في نسخة على (ك): و بابن زيد.
(4) جاء في المصدر: أبا كتف.
(5) في كتاب سليم: قد دخل.
(6) في المصدر: فلم يشاورني.
(7) في كتاب سليم: لم يعبه ..
(8) في المصدر: و قبلوه منه.
(9) جاءت العبارة في المصدر هكذا: و ذلك قضاء لو قضى به مجنون نحيف سخيف لما زاد.
(10) في المصدر: منه، بدلا من: عنه.
310
أَشْبَارٍ، وَ قَوْلِهِ مَنْ أَخَذْتُمُوهُ مِنَ الْأَعَاجِمِ فَبَلَغَ طُولَ هَذَا الْحَبْلِ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ!.
وَ رَدُّهُ سَبَايَا تُسْتَرَ، وَ هُنَّ حَبَالَى.
وَ إِرْسَالِهِ بِحَبْلٍ مِنْ (1) صِبْيَانٍ سَرَقُوا بِالْبَصْرَةِ، وَ قَوْلِهِ مَنْ بَلَغَ طُولَ هَذَا الْحَبْلِ فَاقْطَعُوهُ.
وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَذَّاباً رُجِمَ بِكِذَابَةٍ فَقَبِلَهَا وَ قَبِلَهَا الْجُهَّالُ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْمَلَكَ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ وَ يُلَقِّنُهُ.
وَ إِعْتَاقِهِ سَبَايَا أَهْلِ الْيَمَنِ.
وَ تَخَلُّفِهِ وَ صَاحِبِهِ عَنْ جَيْشِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَعَ تَسْلِيمِهِمَا عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ.
ثُمَّ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ وَ عَلِمَهُ النَّاسُ (2) أَنَّهُ الَّذِي صَدَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْكَتِفِ الَّذِي دَعَا بِهِ (3) ثُمَّ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ وَ لَمْ يَنْقُصْهُ.
وَ أَنَّهُ صَاحِبُ صَفِيَّةَ حِينَ قَالَ لَهَا مَا قَالَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ.
وَ أَنَّهُ الَّذِي مَرَرْتُ بِهِ يَوْماً فَقَالَ: مَا مَثَلُ مُحَمَّدٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا كَنَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كُنَاسَةٍ!، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَغَضِبَ وَ خَرَجَ فَأَتَى الْمِنْبَرَ، وَ فَزِعَتِ الْأَنْصَارُ فَجَاءَتْ شَائِكَةً (4) فِي السِّلَاحِ لِمَا رَأَتْ مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَقَالَ (عليه السلام): مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُعَيِّرُونِّي بِقَرَابَتِي، وَ قَدْ سَمِعُوا مِنِّي مَا قُلْتُ فِي فَضْلِهِمْ وَ تَفْضِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَ مَا خَصَّهُمْ بِهِ (5) مِنْ إِذْهَابِ
____________
(1) في المصدر: في، بدلا من: من.
(2) في المصدر: قد علم اللّه و أعلم النّاس.
(3) في كتاب سليم: دعاه به.
(4) في المصدر: شاكّة، قال في مجمع البحرين 5- 278: يقال: شاك الرّجل- من باب خاف-: أظهر شوكته و حدّته فهو شائك في السّلاح و شاكي السّلاح على القلب، و رجل شاك في السّلاح و هو اللّابس السّلاح التّامّ فيه.
(5) في كتاب سليم: و ما اختصّهم اللّه به.
311
الرِّجْسِ عَنْهُمْ وَ تَطْهِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، وَ قَدْ سَمِعْتُمْ مَا قُلْتُ فِي أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِي وَ خَيْرِهِمْ مِمَّا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وَ أَكْرَمَهُ وَ فَضَّلَهُ عَلَى مَنْ سَبَقَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ تَدَيُّنِهِ فِيهِ (1) وَ قَرَابَتِهِ مِنِّي، وَ أَنَّهُ مِنِّي (2) بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، ثُمَّ تَزْعُمُونَ أَنَّ مَثَلِي فِي أَهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ نَخْلَةٍ فِي كُنَاسَةٍ!، أَلَا إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَفَرَّقَهُ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّقَ الْفِرْقَةَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، شُعُوباً، وَ قَبَائِلَ، وَ بُيُوتاً، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا شَعْباً وَ خَيْرِهَا قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتاً، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتاً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3)، فَحَصَلْتُ فِي أَهْلِ بَيْتِي وَ عِتْرَتِي، و (4) أَنَا وَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع)، أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ نَظْرَةً فَاخْتَارَنِي مِنْهُمْ، ثُمَّ نَظَرَ نَظْرَةً فَاخْتَارَ عَلِيّاً أَخِي (5) وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي (6) وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيَّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي، فَبَعَثَنِي رَسُولًا وَ نَبِيّاً وَ دَلِيلًا، وَ أَوْحَى (7) إِلَيَّ أَنْ أَتَّخِذَ عَلِيّاً أَخاً وَ وَلِيّاً وَ وَصِيّاً وَ خَلِيفَةً فِي أُمَّتِي بَعْدِي، أَلَا وَ إِنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي، مَنْ وَالاهُ وَالاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ عَادَاهُ عَادَاهُ اللَّهُ، وَ مَنْ أَحَبَّهُ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَ مَنْ أَبْغَضَهُ أَبْغَضَهُ اللَّهُ، لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَ لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا كَافِرٌ، هُوَ (8) رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدِي وَ سَكَنُهَا- وَ فِي نُسْخَةٍ: هُوَ زِرُّ الْأَرْضِ (9) بَعْدِي وَ سَكَنُهَا- وَ هُوَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَ عُرْوَةُ اللَّهِ الْوُثْقَى أَ تُرِيدُونَ أَنْ تُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِكُمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ
____________
(1) في المصدر: في الإسلام و بلائه فيه.
(2) لا توجد: منّي، في (ك).
(3) الأحزاب: 33.
(4) لا توجد الواو في المصدر.
(5) في المصدر: أخي عليّا ..- بتقديم و تأخير-.
(6) لا توجد: و وارثي، في المصدر.
(7) في المصدر: فأوحى.
(8) لا توجد: هو، في المصدر.
(9) في المصدر: ذرّ الأرض ..
312
الْمُشْرِكُونَ؟!- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (1)- وَ يُرِيدُ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ أَخِي وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لِيُبَلِّغْ مَقَالَتِي شَاهِدُهُكْم غَائِبَكُمْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ نَظْرَةً ثَالِثَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ (2) وَصِيّاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَ هُمْ خِيَارُ أُمَّتِي- وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: فَجَعَلَهُمْ خِيَارَ أُمَّتِي (3)- مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ إِمَاماً بَعْدَ أَخِي، وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ، كُلَّمَا هَلَكَ وَاحِدٌ قَامَ وَاحِدٌ بِهِ (4)، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ كُلَّمَا غَابَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، لِأَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ هُدَاةٌ مُهْتَدُونَ، لَا يَضُرُّهُمْ كَيْدُ مَنْ كَادَهُمْ وَ لَا خِذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ، بَلْ يَضُرُّ اللَّهُ بِذَلِكَ مَنْ كَادَهُمُ وَ خَذَلَهُمْ، فَهُمْ حُجَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ شُهَدَاؤُهُ عَلَى خَلْقِهِ، مَنْ أَطَاعَهُمْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ مَنْ عَصَاهُمْ عَصَى اللَّهَ، هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ وَ الْقُرْآنُ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ وَ لَا يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي، أَوَّلُ الْأَئِمَّةِ عَلِيٌّ خَيْرُهُمْ، ثُمَّ ابْنِي الْحَسَنُ ثُمَّ ابْنِي الْحُسَيْنُ (ع) ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ، وَ أُمُّهُمُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ عَمِّي وَ أَخُو أَخِي، وَ عَمِّي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
أَنَا خَيْرُ الْمُرْسَلِينَ وَ النَّبِيِّينَ، وَ فَاطِمَةُ ابْنَتِي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ عَلِيٌّ وَ (5) بَنُوهُ الْأَوْصِيَاءُ خَيْرُ الْوَصِيِّينَ، وَ أَهْلُ بَيْتِي خَيْرُ أَهْلِ بُيُوتَاتِ النَّبِيِّينَ، وَ ابْنَايَ سيدي [سَيِّدَا (6) شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ شَفَاعَتِي تَنَالُ عُلُوجَكُمْ، أَ فَتَعْجِزُ عَنْهَا (7) أَهْلُ بَيْتِي، مَا
____________
(1) هذا اقتباس ممّا جاء في سورة التّوبة آية: 32، و سورة الصّفّ آية: 8.
(2) في المصدر: اثني عشر .. و هو الظّاهر.
(3) قوله: و في نسخة .. إلى هنا لا يوجد في المصدر المطبوع.
(4) في المصدر: منهم: بدلا من: به.
(5) لا توجد الواو في المصدر.
(6) في المصدر: سيّدا .. و هو الصّحيح.
(7) في كتاب سليم: إنّ شفاعتي ليرجوها رجاءكم، أ فبعجز [فيعجز عنها ..
313
أَحَدٌ (1) وَلَدَهُ جَدِّي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَلْقَى اللَّهَ مُوَحِّداً لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً إِلَّا أُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَ لَوْ كَانَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ عَدَدُ الْحَصَى وَ زَبَدُ الْبَحْرِ.
أَيُّهَا النَّاسُ! عَظِّمُوا أَهْلَ بَيْتِي فِي حَيَاتِي وَ مِنْ بَعْدِي وَ أَكْرِمُوهُمْ وَ فَضِّلُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِأَهْلِ بَيْتِي- وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: أَيُّهَا النَّاسُ! (2) عَظِّمُوا أَهْلَ بَيْتِي فِي حَيَاتِي وَ بَعْدَ مَوْتِي-، إِنِّي لَوْ قَدْ (3) أَخَذْتُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ ثُمَّ تَجَلَّى لِي رَبِّي فَسَجَدْتُ وَ أَذِنَ لِي بِالشَّفَاعَةِ لَمْ أُوثِرْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي أَحَداً.
أَيُّهَا النَّاسُ! انْسُبُونِي مَنْ أَنَا؟. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَامَتِ الْأَنْصَارُ، فَقَالَتْ-: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَ مِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، أَخْبِرْنَا- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنِ الَّذِي آذَاكَ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ حَتَّى نَضْرِبَ عُنُقَهُ؟- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: حَتَّى نَقْتُلَهُ وَ نُبِيرَ (4) عِتْرَتَهُ-.
فَقَالَ: انْسُبُونِي! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ..- حَتَّى انْتَسَبَ إِلَى نِزَارٍ، ثُمَّ مَضَى فِي نَسَبِهِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ-.
ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَ أَهْلَ بَيْتِي لِطِينَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، إِلَى آدَمَ نِكَاحٌ غَيْرُ سِفَاحٍ لَمْ يُخَالِطْنَا نِكَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَاسْأَلُونِي، فَوَ اللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي رَجُلٌ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أُمِّهِ وَ عَنْ نَسَبِهِ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ بِهِ.
فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟. فَقَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ الَّذِي تُدْعَى إِلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ (5) نَسَبْتَنِي إِلَى غَيْرِهِ لَرَضِيتُ وَ سَلَّمْتُ. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟. فَقَالَ: أَبُوكَ فُلَانٌ- لِغَيْرِ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ- فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: أَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَا أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟.
____________
(1) في المصدر: ما من أحد، و في (ك): أجد، و لا معنى لها.
(2) لا توجد: أيّها النّاس، في (ك).
(3) لا توجد: قد، في المصدر.
(4) في المصدر: و ليبرّ عترته.
(5) في المصدر: و قال لو ..
314
فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: أَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَا أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟. فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ هُوَ مُغْضَبٌ-: مَا يَمْنَعُ الَّذِي عَيَّرَ أَهْلَ بَيْتِي وَ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَلِيَّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي أَنْ يَقُومَ فَيَسْأَلَنِي مَنْ أَبُوهُ، وَ أَيْنَ هُوَ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ؟.
فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَ سَخَطِ رَسُولِهِ، أُعْفُ عَنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ، اسْتُرْنَا سَتَرَكَ اللَّهُ، اصْفَحْ عَنَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ .. فَاسْتَحَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَفَّ.
وَ هُوَ (1) صَاحِبُ الْعَبَّاسِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَاعِياً فَرَجَعَ وَ قَالَ: إِنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ مَنَعَ صَدَقَةَ مَالِهِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ شَرِّ مَا يُلَطِّخُونَّا بِهِ، إِنَّ الْعَبَّاسَ لَمْ يَمْنَعْ صَدَقَةَ مَالِهِ وَ لَكِنَّكَ عَجَّلْتَ عَلَيْهِ، وَ قَدْ عَجَّلَ زَكَاةَ سِنِينَ ثُمَّ أَتَانِي بَعْدُ يَطْلُبُ أَنْ أَمْشِيَ مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِيَرْضَى عَنْهُ، فَفَعَلْتُ.
وَ هُوَ صَاحِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلُولٍ حِينَ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِثَوْبِهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَ قَالَ: لَقَدْ (2) نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ (3) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّمَا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ كَرَامَةً لِابْنِهِ، وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسَلِّمَ بِهِ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَبِيهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَ مَا يُدْرِيكَ مَا قُلْتُ، إِنَّمَا دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ.
وَ هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ كُتِبَ الْقَضِيَّةُ إِذْ قَالَ: أَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا .. ثُمَّ جَعَلَ يَطُوفُ فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) هنا زيادة: قال عليّ (عليه السلام): و هو .. جاءت في المصدر.
(2) في كتاب سليم: قد ..
(3) لا توجد: له، في المصدر.
315
عَلَيْهِ وَ آلِهِ يُحَرِّضُهُمْ (1) وَ يَقُولُ: أَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَفْرِجُوا عَنِّي، أَ تُرِيدُونَ أَنْ أَغْدِرَ بِذِمَّتِي؟!- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَخْرِجُوهُ عَنِّي، أَ تُرِيدُ أَنْ أَخْفِرَ ذِمَّتِي وَ لَا أَفِيَ لَهُمْ بِمَا كَتَبْتُ لَهُمْ-، خُذْ- يَا سُهَيْلُ!- ابْنَكَ جَنْدَلًا، فَأَخَذَهُ فَشَدَّهُ وَثَاقاً فِي الْحَدِيدِ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ عَاقِبَةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى الْخَيْرِ وَ الرُّشْدِ وَ الْهُدَى وَ الْعِزَّةِ وَ الْفَضْلِ.
وَ هُوَ صَاحِبُ يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ إِذْ قَالَ هُوَ وَ صَاحِبُهُ حِينَ نَصَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِوَلَايَتِي، فَقَالَ: مَا يَأْلُو أَنْ تُرْفَعَ (2) خَسِيسَتُهُ، وَ قَالَ الْآخَرُ: مَا يَأْلُو رَفْعاً بِضَبْعِ ابْنِ عَمِّهِ، وَ قَالَ لِصَاحِبِهِ- وَ أَنَا مَنْصُوبٌ-: إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْكَرَامَةُ، فَقَطَّبَ صَاحِبُهُ فِي وَجْهِهِ، وَ قَالَ: لَا وَ اللَّهِ، مَا أَسْمَعُ وَ لَا أُطِيعُ أَبَداً، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَمَطَّى وَ انْصَرَفَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (3) وَعِيداً مِنَ اللَّهُ لَهُ (4).
وَ هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَيَّ مَعَ (5) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَعُودُنِي فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حِينَ غَمَزَهُ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ عَهِدْتَ إِلَيْنَا فِي عَلِيٍّ عَهْداً وَ إِنِّي لَأَرَاهُ لِمَا بِهِ، فَإِنْ هَلَكَ فَإِلَى مَنْ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اجْلِسْ ... فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ هَذَا، وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى تَمْلَيَاهُ غَيْظاً وَ تُوسِعَاهُ غَدْراً وَ ظُلْماً، ثُمَّ تَجِدَاهُ صَابِراً قَوَّاماً، وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَلْقَى مِنْكُمَا هَنَاتٍ وَ هَنَاتٍ، وَ لَا يَمُوتُ إِلَّا شَهِيداً مَقْتُولًا.
وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَمَعَ ثَمَانِينَ رَجُلًا،
____________
(1) في كتاب سليم: يحضضهم.
(2) في المصدر: أن يرفع ..
(3) القيامة: 30- 34.
(4) في المصدر هنا زيادة: و انتهارا.
(5) لا توجد: مع، في (ك). و جاء في المصدر: دخل على عليّ مع ..
316
أَرْبَعِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْعَجَمِ- وَ هُمَا فِيهِمْ- فَسَلَّمُوا عَلَيَ (1) بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَلِيّاً أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ وَصِيِّي وَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ (2) بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا، وَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ سَعْدٌ وَ ابْنُ عَوْفٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ سَالِمٌ وَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَ رَهْطٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي (3) أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى (4) الْقَوْمِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ بَلِيَّتِهَا وَ فِتْنَتِهَا مِنْ عِجْلِهَا وَ سَامِرِيِّهَا، إِنَّهُمْ أَقَرُّوا وَ ادَّعَوْا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا يَجْمَعُ اللَّهُ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلَافَةَ، وَ قَدْ قَالَ لِأُولَئِكَ الثَّمَانِينَ رَجُلًا: سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أُشْهِدُكُمْ (5) عَلَى مَا أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا (6) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً، وَ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِالشُّورَى، ثُمَّ أَقَرُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاوِرُوا وَ أَنَّ بَيْعَتَهُ كَانَتْ فَلْتَةً، وَ أَيُّ ذَنْبٍ أَعْظَمُ مِنَ الْفَلْتَةِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ وَ لَمْ يَقْتَدِ (7) بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَيَدَعَهُمْ بِغَيْرِ اسْتِخْلَافٍ (8)، طَعْناً مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَغْبَةً عَنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ صَنَعَ عُمَرُ شَيْئاً ثَالِثاً لَمْ يَدَعْهُمْ عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ (9) كَمَا اسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَ جَاءَ بِشَيْءٍ ثَالِثٍ
____________
(1) في المصدر: على عليّ .. و هو سهو.
(2) وضع على: من، رمز نسخة بدل في مطبوع البحار.
(3) لا توجد: إنّي، في المصدر.
(4) في المصدر: ثمّ أقبل عليّ على .. و هو الظّاهر.
(5) في كتاب سليم: و أشهدهم.
(6) في المصدر: .. عليه ثمّ زعموا أنّ ..
(7) بزعمهم في عدم استخلافه (صلوات الله عليه) من بعده.
(8) في المصدر زيادة: فقيل له في ذلك فقال: أدع أمّة محمّد (ص) كالنّعل الخلق، أدعهم بلا استخلاف، طعنا .. بدلا من: فيدعهم بغير استخلاف.
(9) لا توجد: و لم يستخلف، في المصدر.
317
جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ سِتَّةِ نَفَرٍ، وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَمِيعَ الْعَرَبِ، ثُمَّ حَطَّنِي (1) بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَامَّةِ فَجَعَلَهُمْ مَعَ مَا أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفِتْنَةِ وَ الضَّلَالَةِ أَقْرَانِي، ثُمَّ بَايَعَ ابْنُ عَوْفٍ عُثْمَانَ فَبَايَعُوهُ، وَ قَدْ سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي عُثْمَانَ مَا سَمِعُوا مِنْ لَعْنِهِ إِيَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ، فَعُثْمَانُ- عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ- خَيْرٌ مِنْهُمَا، وَ لَقَدْ قَالَ مُنْذُ أَيَّامٍ قَوْلًا رَقَقْتُ لَهُ (2) وَ أَعْجَبَتْنِي مَقَالَتُهُ، بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ إِذْ أَتَتْهُ عَائِشَةُ وَ حَفْصَةُ تَطْلُبَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ ضِيَاعِ أَمْوَالِ (3) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الَّتِي فِي يَدَيْهِ (4)، فَقَالَ: وَ لَا كَرَامَةَ (5)، لَكِنْ أُجِيزُ شَهَادَتَكُمَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا، فَإِنَّكُمَا شَهِدْتُمَا عِنْدَ أَبَوَيْكُمَا أَنَّكُمَا سَمِعْتُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ (ص) (6) لَا يُورِثُ مَا تَرَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، ثُمَّ لَقَّنْتُمَا أَعْرَابِيّاً جِلْفاً يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ يَتَطَهَّرُ بِبَوْلِهِ- مَالِكَ بْنَ الْحَرْثِ بْنِ الْحَدَثَانِ- فَشَهِدَ مَعَكُمَا، لَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ شَهِدَ بِذَلِكَ غَيْرُ أَعْرَابِيٍّ، أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَشُكُّ فِي أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ كَذَبْتُمَا عَلَيْهِ مَعَهُ، فَانْصَرَفَتَا مِنْ عِنْدِهِ تَبْكِيَانِ وَ تَشْتُمَانِهِ، فَقَالَ: ارْجِعَا، ثُمَّ قَالَ: أَ شَهِدْتُمَا (7) بِذَلِكَ (8) عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ؟!. قَالَتَا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنْ شَهِدْتُمَا بِحَقٍّ فَلَا حَقَّ لَكُمَا، وَ إِنْ كُنْتُمَا شَهِدْتُمَا بِبَاطِلٍ فَعَلَيْكُمَا وَ عَلَى مَنْ أَجَازَ شَهَادَتَكُمَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ وَ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! شَفَيْتُكَ مِنْهُمَا؟.
قُلْتُ: نَعَمْ وَ اللَّهِ وَ أَبْلَغْتَ، وَ قُلْتَ حَقّاً، فَلَا يُرْغِمُ اللَّهُ إِلَّا بِأَنْفَيْهِمَا، فَرَقَقْتُ لِعُثْمَانَ
____________
(1) في المصدر: حظى.
(2) في كتاب سليم: وقفت له.
(3) في المصدر: و أموال.
(4) جاء في مطبوع البحار: يده، على أنّه نسخة بدل من يديه.
(5) في المصدر: لا و اللّه و لا كرامة.
(6) لا يوجد: النّبيّ (ص)، في المصدر.
(7) في المصدر: .. ارجعا أ ليس قد شهدتهما ..
(8) جاء في (س): ذلك.
318
وَ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ رِضَايَ، وَ أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُمَا رُحْماً (1) وَ إِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُ وَ لَا حُجَّةَ بِتَأَمُّرِهِ عَلَيْنَا وَ ادِّعَائِهِ حَقَّنَا.
توضيح:
قال الجوهري: الْأُدْمَةُ في الإبل: البياض الشّديد، يقال: بَعِيرٌ آدَمُ و ناقةٌ أَدْمَاءُ، و الجمع أُدَمُ .. و يقال: هو الأبيضُ الأسودُ الْمُقْلَتَيْنِ ..، و الْأُدْمُ: الألفة و الاتّفاق (2)، و في بعض النسخ: الْأُدْمُ الْحُمْرُ- بالحاء المهملة بدون الواو-.
قوله: بِصِفْرٍ عِيَابُهُ .. الْعِيَابُ: جَمْعُ الْعَيْبَةِ (3) .. أي ليست صناديقه خالية من تلك الأموال.
و الْبِيضُ: جمع الأبيض، و الْبَيْضَةُ من الحديد و غيرِهِ (4).
و الدُّمَى: جمع الدُّمْيَةِ بضمِّها، و هو الصّنم و الصّورة من العاج و نحوه (5).
و الرِّمَاحُ الْخَطِّيَّةُ: مشهورة (6).
و الرَّيْطَةُ: الثَّوْبُ النَّاعمُ اللَّيِّنُ (7).
و ذكر القِرَابِ لأنّها لجودتها يجعل في مثل القراب، و في بعض النسخ:
جرابها.
و الأَبْرَادُ جمع البُرْدِ .. (8) أي برود صفر طويلة.
____________
(1) في المصدر زيادة هنا: و أكفّ عنّا منهما.
(2) الصحاح 5- 1859، و انظر: لسان العرب 12- 11.
(3) نصّ عليه في لسان العرب 1- 634، و الصحاح 1- 190، و غيرهما.
(4) كما في الصحاح 3- 1068، و قريب منه في لسان العرب 7- 134.
(5) قاله في صحاح اللغة 6- 2340، و لاحظ: لسان العرب 14- 271.
(6) انظر: مجمع البحرين 4- 245، و لسان العرب 7- 290.
(7) جاء قريب من المتن في لسان العرب 7- 307، و تاج العروس 5- 145، و القاموس 2- 362.
و كأنّ المصنّف- (رحمه الله)- نقل مضمون ما في كتب اللغة.
(8) انظر: مجمع البحرين 3- 13، و الصحاح 2- 447، و غيرهما.
319
و الدَّارِي: العطّار (1).
و الدِّرَاكُ- بكسر الدال-: المُدَارَكَةُ .. (2) أي مداركة إسراع الخيل و الإبل في الغارات.
و السُّمْرُ:- جمع الأسمر-: و هو الرُّمح (3).
و درع سابغةٌ: تامّة طويلة (4).
و اللَّبَانُ- بالفتح-: الصّدر أو وسطه أو ما بين الثّديين .. (5) أي حال كوني لابسا درعا طويلة تستر صدر الفرس الذي أنا راكبه فضول تلك الدرع و زوائدها.
و في بعض النسخ: اللِّبَادُ:- جمع لُبْدَةِ السَّرْجِ (6)-.
و يقال: كَفْكَفَهُ عَنْهُ .. أي صرفه و دفعه (7)، و الضمير راجع إلى السمر.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): عُلُوجُكُمْ .. أي من أسلم من كفّار العجم (8)، و فيه نسخ أخرى: مشتبهة، و قد مرّ أنّ في النهاية: حاوكم، و هو الصواب.
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): ما يلطّخونا به. اللّطخ: التّسويد و إفساد الكتابة و اللّطخ بالعذرة (9).
____________
(1) ذكره في الصحاح 2- 660، و مجمع البحرين 3- 305.
(2) نصّ عليه في لسان العرب 10- 420، و الصحاح 4- 1583، و غيرهما.
(3) جاء في صحاح اللغة 2- 689، و تاج العروس 3- 277.
(4) قاله في القاموس 3- 107، و تاج العروس 6- 15، و غيرهما.
(5) كما في القاموس 4- 265، و تاج العروس 9- 329، و انظر: لسان العرب 13- 376.
(6) قال في القاموس 1- 334: و كل شعر أو صوف متلبّد لبد و لبدة و لبدة جمعها: ألباد و لبود، و اللّبّاد:
عاملها .. و بلا هاء [أي اللبد]: الأمر، و بساط معروف، و ما تحت السرج، و نحوه في تاج العروس 2- 490. و عليه يكون الظاهر: الألباد أو اللبود، بدلا من: اللبّاد.
(7) كما في تاج العروس 6- 236، و انظر: الصحاح 4- 1423، و لسان العرب 9- 303.
(8) كذا ذكره في مجمع البحرين 2- 319، و لاحظ: النهاية 3- 286.
(9) نصّ عليه في القاموس 1- 265، و تاج العروس 2- 269، و انظر: لسان العرب 3- 38، و قال في صفحة: 51 منه: لطخه بالشيء ...: رماه به، و تلطّخ فلان بأمر قبيح: تدنّس، و هو أعمّ من اللطخ.
320
قوله: مَا يَأْلُو .. أي ما يُقَصِّرُ، يقال: آلى الرّجل و ألّى: إذا قصّر و ترك الجهد (1)، قال تعالى: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا (2).
و الخسيسة و الخساسة: الحالة الّتي يكون عليها الخسيس، يقال: رفعت خسيسته، و من خسيسته: إذا فعلت به فعلا يكون فيه رفعته، ذكره في النهاية (3).
و قال: الضَّبْعُ- بسكون الباء-: وسط العضد، و قيل هو ما تحت الإبط (4).
و قال البيضاوي (5): يَتَمَطَّى (6) .. أي يتبختر افتخارا بذلك- من المطّ-، فإنّ المتبختر يمدّ خطاه فيكون أصله يتمطّط، أو من المطا و هو الظهر، فإنّه يلويه.
أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ويل لك- من الولي- و أصله: أولاك اللّه ما تكرهه، و اللّام مزيدة كما في رَدِفَ لَكُمْ، أو أولى لك الهلاك، و قيل: أفعل من الويل بعد القلب كأدنى- من دون-، أو فعل من آل يئول بمعنى عقباك النار.
قوله (عليه السلام): عَلَى مَا أَشْهَدَهُمْ (7) .. أي على نحو ما أشهدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في بعض النسخ: و أشهدهم على ما أشهدهم عليه ..
أي كيف يدّعون على الرسول أنّه بعد ما أمر ثمانين رجلا بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين قال: ما ادّعوا أنّه أشهدهم عليه و هما متناقضان؟!، فيكون قوله: إنّهم أقرّوا .. استئناف كلام آخر لبيان التناقض في أقوالهم و أفعالهم.
____________
(1) كما في مجمع البحرين 1- 29، و انظر: الصحاح 6- 2370، و لسان العرب 14- 39، و تاج العروس 10- 19.
(2) آل عمران: 118.
(3) النهاية 2- 31، و قارن ب: لسان العرب 6- 64.
(4) النهاية 3- 73، و قارن ب: لسان العرب 8- 216.
(5) تفسير البيضاوي 2- 523 في سورة القيامة.
(6) لا توجد كلمة: يتمطّى، في (س).
(7) في (ك): أشهدكم.
321
أقول: سيأتي تفاصيل البدع المذكورة في الخبر.
ثم إنّ ظاهر صدر الخبر كون هذا الكلام في خلافة عمر، و قوله: ثم صنع عمر شيئا ثالثا .. إلى آخره يدلّ على أنّه كان في خلافة عثمان أو بعده، و لعلّ سليما سمع هذا الكلام منه (عليه السلام) في مقام آخر فألحقه بهذا الكلام.
153- كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ (1): عَنْ أَبَانٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَقُولُ- قَبْلَ وَقْعَةِ صِفِّينَ-: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَنْ يُنِيبُوا إِلَى الْحَقِّ وَ لَا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يُرَامُونَا (2) بِالْعَسَاكِرِ تَتْبَعُهَا الْعَسَاكِرُ، وَ حَتَّى يُرْدِفُونَا (3) بِالْكَتَائِبِ تَتْبَعُهَا الْكَتَائِبُ، وَ حَتَّى يَجُرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ تَتْبَعُهَا الْخَمِيسُ، وَ حَتَّى تَرْعَى (4) الْخُيُولُ بِنَوَاحِي أَرْضِهِمْ وَ تَنْزِلَ عَنْ (5) مَسَالِحِهِمْ، وَ حَتَّى يُشَنَ (6) الْغَارَاتُ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، وَ حَتَّى يَلْقَاهُمْ قَوْمٌ صُدَّقٌ صُبَّرٌ لَا يَزِيدُهُمْ هَلَاكُ مَنْ هَلَكَ مِنْ قَتْلَاهُمْ وَ مَوْتَاهُمْ (7) فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جِدّاً فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ أَخْوَالَنَا وَ أَعْمَامَنَا وَ أَهْلَ بُيُوتِنَا (8) ثُمَّ لَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ جِدّاً فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَ اسْتِقْلَالًا بِمُبَارَزَةِ الْأَقْرَانِ، وَ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الرَّجُلُ مِنْ عَدُوِّنَا لَيَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَوْتِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ مِنَّا صِدْقاً وَ صَبْراً أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْنَا وَ الرِّضَا عَنَّا، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، وَ لَسْتُ أَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) كتاب سليم بن قيس الهلاليّ: 147- 151.
(2) في المصدر: يرموا.
(3) في كتاب سليم: يردفوا- بلا ضمير-.
(4) تقرأ في مطبوع البحار: ترعى، و: يرعى. و في المصدر ما أثبتناه.
(5) جاء في المصدر: على، و هي نسخة في (ك).
(6) في كتاب سليم: تشنّ.
(7) خطّ على: تا، من موتاهم في (س)، و لا معنى لها.
(8) في المصدر: بيوتاتنا.
322
(صلّى اللّه عليه و آله) كَذَلِكَ (1)، وَ لَقَدْ كَانَتْ مَعَنَا بِطَانَةٌ لَا يَأْلُونَا (2) خَبَالًا (3)، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (4) وَ لَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ مَنْ تُفَضِّلُهُ أَنْتَ وَ أَصْحَابُكَ- يَا ابْنَ قَيْسٍ-، فَارِّينَ، فَلَا رَمَى بِسَهْمٍ، وَ لَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ، وَ لَا طَعَنَ بِرُمْحٍ، إِذَا كَانَ الْمَوْتُ وَ النِّزَالُ تَوَارَى (5) وَ اعْتَلَّ وَ لَاذَ كَمَا تَلُوذُ النَّعْجَةُ الْعَوْرَاءُ لَا يَدْفَعُ (6) يَدَ لَامِسٍ، وَ إِذَا أَلْقَى الْعَدُوَّ فَرَّ وَ مَنَحَ الْعَدُوَّ دُبُرَهُ جُبْناً وَ لُؤْماً، وَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ الْغَنِيمَةِ تَكَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ:
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ (7) فَلَا يَزَالُ قَدِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ فِي ضَرْبِ عُنُقِ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَتْلَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَ لَقَدْ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً وَ عَلَيْهِ السِّلَاحُ تَامٌ (8)، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ قَالَ يُكَنِّيهِ: أَبَا فُلَانٍ الْيَوْمُ يَوْمُكَ؟.
فَقَالَ الْأَشْعَثُ: مَا أَعْلَمَنِي مَنْ (9) تَعْنِي! إِنَّ ذَلِكَ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ.
قَالَ: يَا ابْنَ قَيْسٍ! لَا آمَنَ اللَّهُ رَوْعَةَ الشَّيْطَانِ إِذَا قَالَ.
ثُمَّ قَالَ: وَ لَوْ كُنَّا حِينَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ وَ قَضَيْنَا (10) الشَّدَائِدَ وَ الْأَذَى وَ الْبَأْسَ فَعَلْنَا كَمَا تَفْعَلُونَ الْيَوْمَ لَمَا قَامَ لِلَّهِ دِينٌ، وَ لَا أَعَزَّ اللَّهُ
____________
(1) هنا زيادة جاءت في كتاب سليم: و لكن أعظمهم و جلّهم و عامّتهم كانوا كذلك.
(2) في المصدر: لا تألونا.
(3) الخبال: الفساد، كما جاء في المصباح المنير 1- 222، و غيره.
(4) آل عمران: 118.
(5) في كتاب سليم: لاذ و توارى.
(6) في المصدر: لا تدفع.
(7) الأحزاب: 19.
(8) كذا، و لعلّه: التّامّ.
(9) في المصدر: بمن.
(10) في كتاب سليم: و تصيبنا.
323
الْإِسْلَامَ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْلِبُنَّهَا (1) دَماً وَ نَدَماً وَ حَيْرَةً (2)، فَاحْفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ وَ اذْكُرُوهُ، فَلَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ وَ الْأَدْعِيَاءُ مِنْكُمْ وَ الطُّلَقَاءُ وَ الطُّرَدَاءُ وَ الْمُنَافِقُونَ فَلَيَقْتُلُنَّكُمْ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّ اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ، وَ لَا يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا وَ تَرْجِعُوا، فَإِنْ تَتُوبُوا وَ تَرْجِعُوا فَيَسْتَنْقِذُكُمْ (3) اللَّهُ مِنْ فِتْنَتِهِمْ وَ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا اسْتَنْقَذَكُمْ مِنْ شِرْكِكُمْ (4) وَ جَهَالَتِكُمْ، إِنَّ الْعَجَبَ كُلَّ الْعَجَبِ مِنْ جُهَّالِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ ضُلَّالِهَا وَ قَادَتِهَا وَ سَاقَتِهَا إِلَى النَّارِ، إِنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ- عَوْداً وَ بَدْءاً-: مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ رَجُلًا قَطُّ أَمْرَهَا وَ فِيهِمْ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا، فَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ قَبْلِي ثَلَاثَةَ رَهْطٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَ لَا يَدَّعِي أَنَّ لَهُ عِلْماً بِكِتَابِ اللَّهِ وَ لَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ (ص)، وَ قَدْ عَلِمُوا أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَفْقَهُهُمْ وَ أَقْرَؤُهُمْ بِكِتَابِ (5) اللَّهِ وَ أَقْضَاهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَ أَنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ لَهُ سَابِقَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا عَنَاءٌ مَعَهُ فِي جَمِيعِ مَشَاهِدِهِ، فَرَمَى بِسَهْمٍ، وَ لَا طَعَنَ بِرُمْحٍ، وَ لَا ضَرَبَ بِسَيْفٍ جُبْناً وَ لُؤْماً وَ رَغْبَةً فِي الْبَقَاءِ، وَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ قَاتَلَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَ قَتَلَ مِسْجَعَ بْنَ عَوْفٍ- وَ كَانَ مِنْ أَشْجَعِ النَّاسِ وَ أَشَدِّهِمْ لِقَاءً، وَ أَحَقِّهِمْ بِذَلِكَ- وَ قَدْ عَلِمُوا يَقِيناً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يَقُومُ مَقَامِي وَ لَا يُبَارِزُ الْأَبْطَالَ وَ يَفْتَحُ الْحُصُونَ غَيْرِي، وَ لَا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَدِيدَةٌ قَطُّ وَ لَا كَرَبَهُ أَمْرٌ وَ لَا ضِيقٌ وَ لَا مستضعف [مُسْتَصْعَبٌ (6) مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا قَالَ: أَيْنَ أَخِي عَلِيٌّ؟ أَيْنَ سَيْفِي؟ أَيْنَ رُمْحِي؟ أَيْنَ الْمُفَرِّجُ عَنِّي (7) عَنْ وَجْهِي؟
____________
(1) في (س): لتجلينها، و في المصدر: لتحتلبنّها .. و هو الظّاهر.
(2) في المصدر: و حسرة، بدلا من: و حيرة.
(3) في المصدر: يستنقذكم- بلا فاء-.
(4) في كتاب سليم: استنقذكم من شركم.
(5) في المصدر: لكتاب.
(6) في كتاب سليم: و لا مستصعب .. و هو الظّاهر.
(7) في المصدر: غمّي، و هي نسخة في مطبوع البحار، و هو الظّاهر.
324
فَيُقَدِّمُنِي فَأَتَقَدَّمُ فَأَقِيهِ بِنَفْسِي (1) وَ يَكْشِفُ اللَّهُ بِيَدِيَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِذَلِكَ الْمَنُّ وَ الطَّوْلُ حَيْثُ خَصَّنِي بِذَلِكَ وَ وَفَّقَنِي لَهُ، وَ إِنَّ بَعْضَ مَنْ قَدْ (2) سَمَّيْتُ مَا كَانَ لَهُ بَلَاءٌ (3) وَ لَا سَابِقَةٌ وَ لَا مُبَارَزَةُ قَرْنٍ، وَ لَا فَتْحٌ وَ لَا نَصْرٌ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ فَرَّ وَ مَنَحَ عَدُوَّهُ دُبُرَهُ وَ رَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ، وَ قَدْ فَرَّ مِرَاراً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَ الْغَنِيمَةِ تَكَلَّمَ (4) وَ أَمَرَ وَ نَهَى، وَ لَقَدْ نَادَاهُ (5) ابْنُ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِاسْمِهِ فَحَادَ عَنْهُ وَ لَاذَ بِأَصْحَابِهِ حَتَّى تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِمَا رَأَى (6) بِهِ مِنَ الرُّعْبِ، وَ قَالَ: أَيْنَ حَبِيبِي عَلِيٌّ؟ تَقَدَّمْ يَا حَبِيبِي يَا عَلِيُّ، وَ لَقَدْ قَالَ (7) لِأَصْحَابِهِ الْأَرْبَعَةِ- أَصْحَابِ الْكِتَابِ-: الرَّأْيُ- وَ اللَّهِ- أَنْ يدفع [نَدْفَعَ مُحَمَّداً بِرُمَّتِهِ (8) وَ نَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ جَاءَ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْقِنَا وَ مِنْ تَحْتِنَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (9) وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (11)، فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا،
____________
(1) في كتاب سليم: فأفديه بنفسي.
(2) لا توجد في المصدر كلمة: قد.
(3) في كتاب سليم: ذا بلاء.
(4) في كتاب سليم: تكلّم و تغيّر ..
(5) في المصدر: و لقد نادى.
(6) في كتاب سليم: فما رأى.
(7) جاء في المصدر: و قال- بدون كلمة: لقد-.
(8) في كتاب سليم: و الرّأي و اللّه أن ندفع محمّدا إليهم برمّته. و في (س): الرّأي و إن و اللّه يدفع محمّدا برمّته و نسلم من ذلك، و هذه العبارة كما ترى مشوشة. و المتن أيضا يحتاج إلى توجيه من فرض الفاعل ل (يدفع) أحدنا- المحذوف-، أو من حذف الألف من آخر كلمة محمّد (ص) أو غيرهما من التوجيهات.
(9) الأحزاب: 11.
(10) الأحزاب: 10.
(11) الأحزاب: 12. و في المصدر: و قال المنافقون .. إلى آخره.
325
وَ لَكِنْ نَتَّخِذُ صَنَماً عَظِيماً نَعْبُدُهُ، لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ (1) أَنْ يَظْفَرَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَيَكُونَ هَلَاكُنَا، وَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا الصَّنَمُ لَنَا زُخْراً (2)، فَإِنْ ظَفِرَتْ قُرَيْشٌ أَظْهَرْنَا عِبَادَةَ هَذَا الصَّنَمِ وَ أَعْلَمْنَاهُمْ أَنَّا لَنْ نُفَارِقَ دِينَنَا، وَ إِنْ رَجَعَتْ دَوْلَةُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ كُنَّا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ هَذَا الصَّنَمِ سِرّاً، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ خَبَّرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْدَ قَتْلِي ابْنَ عَبْدِ وُدٍّ، فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: كَمْ صَنَماً عَبَدْتُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟.
فَقَالا: يَا مُحَمَّدُ! لَا تُعَيِّرْنَا بِمَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ: فَكَمْ صَنَمٍ (3) تَعْبُدَانِ وَقْتَكُمَا هَذَا (4)؟.
فَقَالا: وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا نَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ مُنْذُ أَظْهَرْنَا لَكَ (5) مِنْ دِينِكَ مَا أَظْهَرْنَا.
فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! خُذْ هَذَا السَّيْفَ، فَانْطَلِقْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا .. وَ كَذَا فَاسْتَخْرِجِ الصَّنَمَ الَّذِي يَعْبُدَانِهِ فَاهْشِمْهُ (6)، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ أَحَدٌ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَانْكَبَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالا: اسْتُرْنَا سَتَرَكَ اللَّهُ.
فَقُلْتُ أَنَا لَهُمَا: اضْمَنَا لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ أَلَّا تَعْبُدَا إِلَّا اللَّهَ وَ لَا تُشْرِكَا بِهِ شَيْئاً.
فَعَاهَدَا (7) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى ذَلِكَ (8)، وَ انْطَلَقْتُ حَتَّى اسْتَخْرَجْتُ الصَّنَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَ كَسَرْتُ وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ وَ جَزَمْتُ (9) رِجْلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ
____________
(1) في (س) جاءت نسخة: لا آمن، بدلا من: لا نأمن.
(2) في المصدر: ذخرا، و هو الظّاهر.
(3) كذا، و الظّاهر: صنما.
(4) جاء في المصدر: يومكما هذا.
(5) في كتاب سليم لا توجد: لك.
(6) الهشم: الكسر، كما في مجمع البحرين 6- 186، و غيره.
(7) جاءت نسخة على (س): فعاهدا على هذا.
(8) جاءت العبارة في (ك) هكذا: فعاهدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على هذا.
(9) في المصدر: و جذمت .. أي قطعته، كما في مجمع البحرين 6- 27، و جاء فيه في صفحة: 29:
الجزم: القطع.
326
اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِمَا حَتَّى مَاتَا، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَخَاصَمُوا الْأَنْصَارَ بِحَقِّي، فَإِنْ كَانُوا صَدَقُوا وَ احْتَجُّوا بِحَقٍّ أَنَّهُمْ أَوْلَى مِنَ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَنْ كَانَ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) كَانَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ؟! وَ إِنَّمَا ظَلَمُونِي حَقِّي.
وَ إِنْ كَانُوا احْتَجُّوا بِبَاطِلٍ فَقَدْ ظَلَمُوا الْأَنْصَارَ حَقَّهُمْ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مَنْ ظَلَمَنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا.
وَ الْعَجَبُ لِمَا قَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حُبِّهِمْ وَ حُبِّ مَنْ صَدَّقَهُمْ (1) وَ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِمْ وَ رَدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَامَتْ عَلَى أَرْجُلِهَا عَلَى التُّرَابِ، وَ الرَّمَادَ وَاضِعَةٌ عَلَى (2) رُءُوسِهَا، وَ تَضَرَّعَتْ (3) وَ دَعَتْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ أَضَلَّهُمْ، وَ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَ دَعَاهُمْ إِلَى النَّارِ، وَ عَرَضَهُمْ لِسَخَطِ رَبِّهِمْ، وَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ عَذَابَهُ بِمَا أَجْرَمُوا إِلَيْهِمْ لَكَانُوا مُقَصِّرِينَ فِي ذَلِكَ، وَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحِقَّ الصَّادِقَ وَ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ يَتَخَوَّفَانِ إنْ غَيَّرَا (4) شَيْئاً مِنْ بِدَعِهِمْ وَ سُنَنِهِمْ وَ أَحْدَاثِهِمْ عَادِيَةَ (5) الْعَامَّةِ، وَ مَتَى فَعَلَ شَاقُّوهُ وَ خَالَفُوهُ وَ تَبَرَّءُوا مِنْهُ وَ خَذَلُوهُ وَ تَفَرَّقُوا عَنْ حَقِّهِ، وَ إِنْ أَخَذَ بِبِدَعِهِمْ وَ أَقَرَّ بِهَا وَ زَيَّنَهَا (6) وَ دَانَ بِهَا أَحَبَّتْهُ وَ شَرَّفَتْهُ وَ فَضَّلَتْهُ، وَ اللَّهِ لَوْ نَادَيْتُ فِي عَسْكَرِي هَذَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَ أَظْهَرْتُهُ وَ دَعَوْتُ إِلَيْهِ وَ شَرَحْتُهُ وَ فَسَّرْتُهُ عَلَى مَا سَمِعْتُ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ فِيهِ، مَا
____________
(1) لا توجد: صدّقهم .. في كتاب سليم.
(2) في المصدر: و وضعت الرّماد على.
(3) في كتاب سليم: و تضرّعت إلى اللّه ..
(4) في المصدر: يتخوّف إن غيّر شيئا من .. و هو الظّاهر. و قد جاء نسخة في مطبوع البحار: يتخوّف إن غيّر.
(5) في المصدر: و عادته.
(6) وضع على: و زيّنها، رمز نسخة بدل في (ك).
327
بَقِيَ فِيهِ إِلَّا أَقَلُّهُ وَ أَذَلُّهُ وَ أَرْذَلُهُ، وَ لَاسْتَوْحَشُوا مِنْهُ، وَ لَتَفَرَّقُوا مِنِّي (1)، وَ لَوْ لَا مَا عَاهَدَ (2) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيَّ وَ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، وَ تَقَدَّمَ إِلَيَّ فِيهِ لَفَعَلْتُ، وَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ قَالَ (3): كُلُّ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ الْعَبْدُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ وَ أَبَاحَهُ إِيَّاهُ، وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِ اللَّهِ، وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَدْفَعُهُمْ بِالرَّاحِ دَفْعاً عَنِّي، ثُلُثَانِ مِنْ حَيٍّ وَ ثُلُثٌ مِنِّي، فَإِنْ عَوَّضَنِي رَبِّي فَأعْذَرَنِي.
إيضاح:
أقول:
- رَوَى ابْنُ مَيْثَمَ (4) بَعْضَ الْخُطْبَةِ، وَ فِيهِ: حَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْعَسَاكِرُ، وَ حَتَّى يَرْجُمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْجَلَائِبُ (5)، وَ حَتَّى يَجُرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ (6) الْخَمِيسُ، وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِي (7) أَرْضِهِمْ وَ بِأَحْنَاءِ مَشَارِبِهِمْ (8) وَ مَسَارِحِهِمْ، و بعد قوله: في طاعة اللّه: و حرصا على لقاء اللّه.
و روى في النهج أيضا بأدنى اختلاف (9).
قوله (عليه السلام): إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ. أي (10) عادلة أو مشتركة بيننا و بينهم.
____________
(1) في المصدر: و لتفرّقوا عنّي.
(2) كذا، و الظّاهر: عهد، كما جاء في المصدر.
(3) في كتاب سليم زيادة: يا أخي، بعد كلمة قال.
(4) في شرحه على النهج 3- 123.
(5) في المصدر: حتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر، و يرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب. قال في مجمع البحرين 2- 46: و الحلبة- بالتسكين-: خيل تجمع للسباق و من كلّ أوب لا يخرج من اصطبل واحد.
(6) في (ك): يلوه.
(7) في المصدر: نواحر.
(8) قال في شرح ابن ميثم: و بأعنان مساربهم.
(9) نهج البلاغة في طبعة صبحي الصالح: 180- 181 خطبة: 124، و في طبعة محمّد عبده 2 2- 5.
(10) في (س): إلى ..
328
و الْمَنْسِرُ: خيل من المائة إلى المائتين، و يقال: هو الجيش ما يمرّ بشيء إلّا اقتلعه (1).
و الْجَلَائِبُ: الإبل الّتي تجلب إلى الرّجل النّازل على الماء ليس له ما يحمل عليه فيحملونه عليها (2)، و لا يبعد أن يكون بالنون (3).
و الْخَمِيسُ: الجيش (4).
و قال الجوهري (5): دُعِقَ الطّريقُ فهو مدعوق .. أي كثر عليه الوطء، و دَعَقَتْهُ الدّوابُّ: أثّرت فيه.
و الْأَحْنَاءُ: الجوانب (6).
و الْمَسَارِحُ: مواضع سرح الدّوابّ (7)، و الْمَسَالِحُ: الثّغور و المراقب (8).
- قَوْلُهُ (عليه السلام): لَقَدْ رَأَيْتُنَا .. فِي النَّهْجِ (9): وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ، وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا
____________
(1) صرّح به في المصباح المنير 2- 828، و ذكر المعنى الأول في مجمع البحرين 3- 492، و تاج العروس 3- 564، و لسان العرب 5- 205، أيضا.
(2) قاله في لسان العرب 1- 268، و النهاية: 1- 282، و غيرهما.
(3) يعني بدل اللام .. أي الجنائب.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 4- 66، و نهاية ابن الأثير 2- 79، و غيرهما.
(5) في صحاح اللغة 4- 1474، و قارن ب: مجمع البحرين 5- 160، و النهاية 2- 119.
(6) جاء في مجمع البحرين 1- 112، و الصحاح 6- 2321، و لسان العرب 14- 206.
(7) كما في النهاية 2- 357، و مجمع البحرين 2- 371، و لسان العرب 2- 478.
(8) ذكره في لسان العرب 2- 487، و الصحاح 1- 376. و انظر: مجمع البحرين 2- 374.
(9) نهج البلاغة، محمّد عبده 1- 104- 105، و صبحي الصّالح: 91 برقم 56، باختلاف يسير، و جاء مقارب من هذا المعنى في نهج البلاغة، محمّد عبده 1- 236، فراجع.
329
أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ، وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً.
و الشَّنُّ: الصّبّ و التّفريق، و شنّ الغارات: تفريقها عليهم من كلّ ناحية (1).
و اللَّقَمُ: منهج الطّريق (2).
و الْمَضَضُ: حرقة الألم (3).
و التَّصَاوُلُ: أن يحمل كلّ من القرينين (4) على صاحبه (5).
و التَّخَالُسُ: التّسالب .. أي ينتهز كلّ منهما فرصة صاحبه (6).
و الْمَنُونُ: الموت (7).
و الْكَبْتُ: الإذلال و الصّرف (8).
و الْجِرَانُ: مقدّم عنق البعير من منخره إلى مذبحه (9)، كناية عن استقراره في قلوب عباد اللّه كالبعير الذي أخذ مكانه و استقرّ فيه.
و يقال: تَبَوَّأَ وَطَنَهُ .. أي سكن فيه (10)، شبّه (عليه السلام) الإسلام بالرجل
____________
(1) كما في لسان العرب 13- 242، و تاج العروس 9- 256، و انظر: مجمع البحرين 6- 272.
(2) نصّ عليه في المصباح المنير 2- 765، و انظر: تاج العروس 9- 61، و لسان العرب 12- 547.
(3) قال في تاج العروس 5- 86: مضّه الهمّ و الحزن و القول يمضّه مضّا و مضيضا: أحرقه و شقّ عليه ..
و المضض: وجع المصيبة، و نحوه في لسان العرب 7- 233، و انظر: القاموس 2- 344.
(4) في (س): القرنين.
(5) انظر: لسان العرب 11- 387، و النهاية 3- 61، و الصحاح 5- 1746.
(6) قاله في لسان العرب 6- 65، و تاج العروس 4- 138، و لاحظ: صحاح اللغة 3- 923.
(7) نصّ عليه في الصحاح 6- 2207 و 2497، و تاج العروس 9- 350، و لسان العرب 13- 415.
(8) كذا جاء في الصحاح 1- 262، و لسان العرب 2- 76، و تاج العروس 1- 575.
(9) كما ذكره في تاج العروس 9- 160، و الصحاح 5- 2091، و انظر: مجمع البحرين 6- 225.
(10) انظر: مجمع البحرين 1- 67، و تاج العروس 10- 51، و لسان العرب 1- 39.
330
الخائف المتزلزل الذي استقرّ في وطنه بعد خوفه.
قوله (عليه السلام): لتحتلبنّها .. الضمير مبهم يرجع إلى أفعالهم، شبّهها بالناقة التي أصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها، و لعلّ المقصود عدم انتفاعهم بتلك الأفعال عاجلا و آجلا.
و البِطَانَةُ: الوليجة (1): و هو الّذي يعرّفه الرّجل أسراره ثقة به (2).
لا يألونا خبالا .. أي لا يقصّرون لنا في الفساد، و الألو: التّقصير (3).
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ. أي (4) في كلامهم، لأنّهم لا يملكون من أنفسهم لفرط بغضهم، وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ممّا بدا، لأنّ بدوه ليس عن روية و اختيار.
قوله (عليه السلام): سَلَقُوكُمْ. أي ضربوكم و آذوكم (5) «بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ»:
ذَرِبَةٍ (6) يطلبون الغنيمة.
و السَّلْقُ: البسط بقهر (7) باليد أو باللّسان.
قوله (عليه السلام): يكنّيه .. أي ناداه بالكنية، فقال: يا أبا حفص، فقال الأشعث: أنا أعرف أنّك تعني عمر، و هو الذي قال فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):
إنّ الشيطان يفرّ منه، فقال (عليه السلام) استهزاء و تكذيبا للخبر الموضوع: ما آمن اللّه روعة الشيطان إذا كان يفرّ من مثل عمر.
____________
(1) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 214، و القاموس 4- 202، و غيرهما.
(2) انظر: مجمع البحرين 6- 214، و لسان العرب 13- 55، و تاج العروس 9- 141، و النهاية 1- 136.
(3) كما في لسان العرب 14- 39، و انظر: مجمع البحرين 1- 29، و الصحاح 6- 2270.
(4) في (س): أو.
(5) قاله في مجمع البحرين 5- 186.
(6) ذكره في لسان العرب 10- 160، و الذّربة: السليطة، كما في القاموس 1- 67.
(7) صرّح به في الصحاح 5- 1497، و تاج العروس 6- 386، و انظر: لسان العرب 10- 162.
331
و يقال: كربه الغمّ .. أي اشتدّ عليه (1).
و الْجَذْمُ: القطع (2).
قوله (عليه السلام): لقد عرفت ذلك .. أي أثر البغض و العداوة لذلك الأمر.
154- كنز (3): قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ (4) قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: نَزَلَتْ (5) فِي الثَّانِي، يَعْنِي مَا قَدَّمَتْ مِنْ وَلَايَةِ أَبِي فُلَانٍ وَ مِنْ وَلَايَةِ نَفْسِهِ وَ مَا أَخَّرَتْ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ ... (6) إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (7)، قَالَ (8): الْوَلَايَةِ (9).
155- كنز (10): رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ (11)، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): يَا ابْنَ خَرَّبُوذَ (12)! أَ تَدْرِي مَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (13)؟!. قُلْتُ: لَا. قَالَ: ذَلِكَ (14) الثَّانِي،
____________
(1) ذكره في لسان العرب 1- 711، و تاج العروس 1- 542، و غيرهما.
(2) نصّ عليه في مجمع البحرين 6- 27، و لسان العرب 12- 86.
(3) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 770.
(4) الانفطار: 5.
(5) جاء في المصدر: ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره أنّها نزلت .. إلى آخره، و قد بحثنا عنها في تفسيره فلم نجدها.
(6) جاء في الكنز: و ذكر أيضا قال: و قوله عزّ و جلّ .. إلى آخره.
(7) الانفطار: 9.
(8) في (ك): قالوا.
(9) في المصدر: بعد الآية قال أي بالولاية، فالدّين هو الولاية، و قد ذكره في تفسير البرهان 4- 236، حديث 4 و 5.
(10) تأويل الآيات الظّاهرة 2- 795، حديث 5.
(11) في (س): خربوز.
(12) في (س): خربوز.
(13) الفجر: 25. و ذكر في المصدر ما بعد الآية: «وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ».
(14) في الكنز: ذاك.
332
لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَهُ أَحَداً (1)..
156- كِتَابُ الْمُحْتَضَرِ (2): عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)- فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ-: وَ لَقَدْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ الْأَرْبَعَةِ- أَصْحَابِ الْكِتَابِ-: الرَّأْيُ- وَ اللَّهِ- أَنْ نَدْفَعَ مُحَمَّداً بِرُمَّتِهِ وَ نُسَلِّمَ، وَ ذَلِكَ حِينَ جَاءَ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْقِنَا وَ مِنْ تَحْتِنَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (3). فَقَالَ صَاحِبُهُ: وَ لَكِنْ (4) نَتَّخِذُ صَنَماً عَظِيماً فَنَعْبُدُهُ لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَظْفَرَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَيَكُونَ هَلَاكُنَا، وَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا الصَّنَمُ لَنَا زُخْراً (5) فَإِنْ ظَفِرَتْ (6) قُرَيْشٌ أَظْهَرْنَا عِبَادَةَ هَذَا الصَّنَمِ وَ أَعْلَمْنَاهُمْ أَنَّا كُنَّا لَمْ نُفَارِقْ دِينَنَا، وَ إِنْ رَجَعَتْ دَوْلَةُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ كُنَّا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ هَذَا الصَّنَمِ سِرّاً، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ خَبَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِهِ بَعْدَ قَتْلِي ابْنَ عَبْدِ وُدٍّ، فَدَعَاهُمَا، وَ قَالَ: كَمْ صَنَماً عَبَدْتُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟!.
فَقَالا: يَا مُحَمَّدُ! لَا تُعَيِّرْنَا بِمَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
فَقَالَ: كَمْ صَنَماً تَعْبُدَانِ يَوْمَكُمَا هَذَا؟.
فَقَالا: وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا نَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ مُنْذُ أَظْهَرْنَا لَكَ مِنْ دِينِكَ مَا أَظْهَرْنَا.
____________
(1) و ذكره في تفسير البرهان 4- 460، حديث 1.
(2) المحتضر: 58- 59، باختلاف يسير.
(3) الأحزاب: 10 و 11- 12 بتقديم و تأخير.
(4) في المصدر: لا و لكن.
(5) كذا، و الظّاهر: ذخرا، كما في المصدر، و إن جاء زخرا لغة بمعنى الفخر، قال في القاموس 2- 38:
زخر ... الرّجل بما عنده فخر.
(6) في المحتضر: ظهرت.
333
فَقَالَ (1): يَا عَلِيُّ! خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا .. وَ كَذَا فَاسْتَخْرِجِ الصَّنَمَ الَّذِي يَعْبُدَانِهِ فَاهْشِمْهُ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ أَحَدٌ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَانْكَبَّا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالا: اسْتُرْنَا سَتَرَكَ اللَّهُ.
فَقُلْتُ أَنَا لَهُمَا: اضْمَنَا لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ أَنْ لَا تَعْبُدَا إِلَّا اللَّهَ وَ لَا تُشْرِكَا بِهِ شَيْئاً.
فَعَاهَدَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى ذَلِكَ، وَ انْطَلَقْتُ حَتَّى اسْتَخْرَجْتُ الصَّنَمَ فَكَسَرْتُ وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ وَ جَزَمْتُ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمَا عَلِيٌّ حَتَّى مَاتَا (2) ..
وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
157- قَالَ (3): وَ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِهِ (4)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ يَخْرُجُ فِي كُلِ (5) جُمُعَةٍ إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ وَ لَا يُعْلِمُ أَحَداً أَيْنَ يَمْضِي، قَالَ: فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، قَالَ (6) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا بُدَّ (7) مِنْ أَنْ أَخْرُجَ وَ أُبْصِرَ أَيْنَ يَمْضِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع)، قَالَ: فَقَعَدَ لَهُ عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ حَتَّى خَرَجَ وَ مَضَى عَلَى عَادَتِهِ، فَتَبِعَهُ عُمَرُ- وَ كَانَ كُلَّمَا وَضَعَ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَدَمَهُ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَ عُمَرُ رِجْلَهُ مَكَانَهَا- فَمَا كَانَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَلْدَةٍ عَظِيمَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ وَ شَجَرٍ وَ مِيَاهٍ غَزِيرَةٍ، ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) دَخَلَ إِلَى حَدِيقَةٍ بِهَا مَاءٌ جَارٍ فَتَوَضَّأَ وَ وَقَفَ بَيْنَ النَّخْلِ يُصَلِّي إِلَى أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ أَكْثَرُهُ، وَ أَمَّا عُمَرُ فَإِنَّهُ نَامَ فَلَمَّا قَضَى
____________
(1) في المصدر: فقال لي.
(2) في كتاب المحتضر: ذلك منهما في وجوههما عليّ .. و لا توجد فيه: حتّى ماتا.
(3) قاله الشّيخ حسن بن سليمان الحلّيّ في كتابه المحتضر: 66- 68 باختلاف.
(4) لا توجد في المصدر: في كتابه.
(5) في المحتضر زيادة: ليلة.
(6) لا توجد: قال، في (س)، و في المصدر: فقال.
(7) في المحتضر: لا بدّ لي.
334
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَطَرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَادَ وَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى وَقَفَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ صَلَّى مَعَهُ الْفَجْرَ، فَانْتَبَهَ عُمَرُ فَلَمْ يَجِدْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى مَوْضِعاً لَا يَعْرِفُهُ وَ قَوْماً لَا يَعْرِفُهُمْ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ، فَوَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ (1)؟ وَ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟.
فَقَالَ عُمَرُ (2): مِنْ يَثْرِبَ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ (ص).
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا شَيْخُ (3)! تَأَمَّلْ أَمْرَكَ وَ أَبْصِرْ مَا (4) تَقُولُ؟.
فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقُولُهُ لَكَ.
قَالَ الرَّجُلُ: مَتَى خَرَجْتَ مِنَ الْمَدِينَةِ؟.
قَالَ: الْبَارِحَةَ.
قَالَ لَهُ: اسْكُتْ، لَا يَسْمَعُ النَّاسُ مِنْكَ هَذَا فَتُقْتَلُ أَوْ يَقُولُونَ هَذَا مَجْنُونٌ.
فَقَالَ: الَّذِي أَقُولُ حَقٌّ.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: حَدِّثْنِي كَيْفَ حَالُكَ وَ مَجِيئُكَ إِلَى هَاهُنَا؟!.
فَقَالَ عُمَرُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ يَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَ لَا نَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ تَبِعْتُهُ وَ قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ أُبْصِرَ أَيْنَ يَمْضِي، فَوَصَلْنَا إِلَى هَاهُنَا، فَوَقَفَ يُصَلِّي وَ نِمْتُ وَ لَا أَدْرِي مَا صَنَعَ؟.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ادْخُلْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ وَ أَبْصِرِ النَّاسَ وَ اقْطَعْ أَيَّامَكَ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَمَا لَكَ مَنْ يَحْمِلُكَ إِلَى مَوْضِعِ الَّذِي جِئْتَ مِنْهُ إِلَّا الرَّجُلُ (5) الَّذِي جَاءَ
____________
(1) في (ك): من أنت.
(2) في المصدر: فقال عربيّ: أتيت.
(3) لا توجد: يا شيخ، في المصدر.
(4) في كتاب المحتضر: و انظر أيش.
(5) لا توجد: الرّجل، في المصدر.
335
بِكَ، فَبَيْنَنَا وَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ أَزْيَدُ مِنْ مَسِيرَةِ (1) سَنَتَيْنِ، فَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ يَرَى الْمَدِينَةَ وَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَتَبَرَّكُ بِهِ وَ نَزُورُهُ، وَ فِي الْأَحْيَانِ نَرَى مَنْ أَتَى بِكَ فَنَقُولُ (2) أَنْتَ قَدْ جِئْتَ (3) فِي بَعْضِ لَيْلَةٍ (4) مِنَ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ عُمَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَأَى النَّاسَ كُلَّهُمْ يَلْعَنُونَ ظَالِمِي أَهْلِ بَيْتِ (5) مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يسموهم [يُسَمُّونَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِداً وَاحِداً، وَ كُلُّ صَاحِبِ صِنَاعَةٍ يَقُولُ كَذَلِكَ وَ هُوَ عَلَى صِنَاعَتِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ ذَلِكَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ طَالَتْ عَلَيْهِ الْأَيَّامُ حَتَّى جَاءَ (6) لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، فَمَضَى إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَوَصَلَ (7) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَيْهِ (8) عَادَتَهُ، فَكَانَ عُمَرُ يَتَرَقَّبُهُ حَتَّى مَضَى مُعْظَمُ اللَّيْلِ وَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَ هَمَّ بِالرُّجُوعِ فَتَبِعَهُ عُمَرُ حَتَّى وَصَلَا الْفَجْرَ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْمَسْجِدَ وَ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ صَلَّى عُمَرُ أَيْضاً، ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ! أَيْنَ كُنْتَ أُسْبُوعاً لَا نَرَاكَ عِنْدَنَا؟! فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! كَانَ مِنْ شَأْنِي .. كَذَا وَ كَذَا، وَ قَصَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا تَنْسَ مَا شَاهَدْتَ بِنَظَرِكَ، فَلَمَّا سَأَلَهُ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَفَذَ فِيَّ سِحْرُ بَنِي هَاشِمٍ.
أقول:: هذا حديث غريب لم أره إلّا في الكتاب المذكور.
158- كَشْفُ الْحَقِ (9) لِلْعَلَّامَةِ الْحِلِيِّ (رحمه الله): رَوَى الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ
____________
(1) في المصدر: على، بدلا من: أزيد من مسيرة.
(2) في (س): فتقول، و في المصدر: و تقول. و لا توجد فيه: و في الأحيان نرى من أتى بك.
(3) في المحتضر: أنت جئت، و في (س): جئتك.
(4) في المصدر زيادة: إلى هنا.
(5) في المحتضر: آل، بدلا من: أهل بيت.
(6) في المصدر: جاءت، و هو الظّاهر.
(7) في المحتضر: فأتى.
(8) في المصدر: على، بدلا من: إليه. و هو الظّاهر.
(9) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 330- 332، و طبع باسم: كشف الحقّ، و هما واحد.
336
مُوسَى الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي اسْتَخْرَجَهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: تَفْسِيرِ (1) أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، وَ تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيحٍ، وَ تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَ تَفْسِيرِ وَكِيعِ بْنِ جَرَّاحٍ، وَ تَفْسِيرِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى الْقَطَّانِ، وَ تَفْسِيرِ قَتَادَةَ، وَ تَفْسِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ (2) الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَ تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيِّ، وَ تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ، وَ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَ تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَ تَفْسِيرِ أَبِي صَالِحٍ، وَ كُلُّهُمْ مِنَ الْجَمَاهِرَةِ (3)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَذَاكَرْنَا رَجُلًا يُصَلِّي وَ يَصُومُ وَ يَتَصَدَّقُ (4) وَ يُزَكِّي، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا أَعْرِفُهُ .. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ عَبَدَ اللَّهَ (5) وَ يُسَبِّحُهُ وَ يُقَدِّسُهُ وَ يُوَحِّدُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَا أَعْرِفُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي ذِكْرِ الرَّجُلِ إِذْ قَدْ (6) طَلَعَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: هُوَ ذَا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ (7) لِأَبِي بَكْرٍ: خُذْ سَيْفِي هَذَا وَ امْضِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاضْرِبْ (8) عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَأْتِيهِ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ ..
فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الْمَسْجِدَ فَرَآهُ رَاكِعاً، فَقَالَ: وَ اللَّهِ لَا أَقْتُلُهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَهَانَا عَنْ قَتْلِ (9) الْمُصَلِّينَ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي.
____________
(1) لا توجد في المصدر: تفسير.
(2) في المصدر: و تفسير سليمان و تفسير أبي عبد اللّه ..
(3) في الكشف: الجماهر.
(4) لا يوجد في المصدر: و يتصدّق.
(5) في كشف الحقّ: إنّه يعبد اللّه .. و هو الظّاهر.
(6) لا توجد: قد، في المصدر.
(7) في المصدر: و قال.
(8) في نهج الحقّ: و اضرب.
(9) في كشف الحقّ: قتال.
337
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اجْلِسْ، فَلَسْتَ بِصَاحِبِهِ، قُمْ يَا عُمَرُ! وَ (1) خُذْ سَيْفِي مِنْ يَدِ (2) أَبِي بَكْرٍ وَ ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ (3)، قَالَ عُمَرُ:
فَأَخَذْتُ السَّيْفَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ سَاجِداً، فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ لَا أَقْتُلُهُ فَقَدِ اسْتَأْمَنَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ الرَّجُلَ سَاجِداً.
فَقَالَ: يَا عُمَرُ! اجْلِسْ فَلَسْتَ بِصَاحِبِهِ، قُمْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّكَ أَنْتَ قَاتِلُهُ، إِنْ وَجَدْتَهُ فَاقْتُلْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ قَتَلْتَهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ أُمَّتِي اخْتِلَافٌ أَبَداً.
قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَأَخَذْتُ السَّيْفَ وَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَلَمْ أَرَهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! مَا رَأَيْتُهُ.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! إِنَّ أُمَّةَ مُوسَى افْتَرَقَتْ إِحْدَى وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَ الْبَاقُونَ فِي النَّارِ، وَ إِنَّ أُمَّةَ عِيسَى (ع) افْتَرَقَتِ اثْنَتَيْنِ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَ الْبَاقُونَ فِي النَّارِ، وَ إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَ الْبَاقُونَ فِي النَّارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! وَ مَا النَّاجِيَةُ؟.
فَقَالَ: الْمُتَمَسِّكُ بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَ أَصْحَابُكَ (4)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ (5): ثانِيَ عِطْفِهِ (6). يَقُولُ: هَذَا أَوَّلُ مَنْ يَظْهَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ وَ الضَّلَالاتِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ اللَّهِ مَا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَوْمَ صِفِّينَ،
____________
(1) لا توجد الواو في (س).
(2) لا توجد: يد، في المصدر.
(3) لا توجد عبارة: فاضرب عنقه في (س)، و في المصدر: و اضرب عنقه.
(4) في كشف الحقّ: بما أنت و أصحابك عليه.
(5) لا توجد: تعالى، في المصدر، و كذا كلمة: الرّجل.
(6) الحجّ: 9.
338
ثُمَّ قَالَ: لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ (1) قَالَ الْقَتْلُ (2): وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (3) بِقِتَالِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَوْمَ صِفِّينَ (4).
قال العلّامة (رحمه الله) (5): تضمّن الحديث أنّ أبا بكر (6) و عمر لم يقبلا أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يقبلا قوله، و اعتذرا بأنّه يصلّي و يسجد، و لم يعلما أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أعرف بما هو عليه منهما، و لو لم يكن مستحقّا للقتل لم يأمر اللّه تعالى (7) نبيّه بذلك، و كيف ظهر إنكار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على أبي بكر بقوله: لست بصاحبه، و امتنع عمر من فعله (8)، و مع ذلك فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حكم بأنّه لو قتل لم يقع بين أمّتي اختلاف أبدا، و كرّر الأمر بقتله ثلاث مرّات عقيب الإنكار على الشيخين، و حكم (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ أمّته ستفترق ثلاثا و سبعين فرقة، اثنتان و سبعون منها في النار، و أصل هذا بقاء ذلك الرجل الذي أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الشيخين بقتله فلم يقتلاه، فكيف يجوز للعامي تقليد من يخالف أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
159- وَ قَالَ (رحمه الله) فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (9): وَ قَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَ جَابِرٌ، وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَ أَبُو وَائِلٍ، وَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ،
____________
(1) الحجّ: 9.
(2) في المصدر: خزي القتل، و يذيقه .. و عليه فلا تكون آية.
(3) الحجّ: 9.
(4) لا توجد في المصدر: يوم صفّين.
و جاءت هذه القصّة بمضامين مختلفة، منها ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 3- 15، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 1- 305، و ابن حجر في الإصابة 1- 484، و غيرهم.
(5) في نهج الحقّ و كشف الصدق: 332.
(6) في المصدر: فلينظر العاقل إلى ما تضمّنه هذا الحديث المشهور المنقول من أن أبا بكر ..
(7) لا توجد: تعالى، في المصدر.
(8) في المصدر: من قتله، بدلا: من فعله.
(9) نهج الحقّ و كشف الصّدق (كشف الحقّ): 336- 337.
339
وَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَ يُوسُفُ الثَّعْلَبِيُ (1)، وَ الطَّبَرِيُّ، وَ الْوَاقِدِيُّ، وَ الزُّهْرِيُّ، وَ الْبُخَارِيُّ، وَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (2) فِي مُسْنَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّلْحِ بَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَ بَيْنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحُدَيْبِيَةِ، يَقُولُ فِيهِ: فَقَالَ (3) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ لَهُ:
أَ لَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقّاً؟!. قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟. قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً (4).
قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَ لَسْتُ أَعْصِيهِ وَ هُوَ نَاصِرِي .. قُلْتُ: أَ وَ لَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا (5) أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ (6). قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقّاً؟. قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟!. قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي هَذِهِ (7) الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً.
قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ! إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَ لَا يَعْصِي لِرَبِّهِ (8) وَ هُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِعُذْرِهِ (9) فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.
____________
(1) في المصدر: و الثّعلبيّ، و هو الظّاهر.
(2) الجمع بين الصّحيحين، للحميديّ، لا نعلم بطبعه.
(3) لا توجد: فقال، في المصدر.
(4) لا توجد: إذا، في المصدر.
(5) في كشف الحقّ: حدّثتنا.
(6) في المصدر: و نطوف به، و هنا سقط جاء في المصدر و هو: قال: بلى، أ فأخبرك أنّا، فآتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنّك آتيه و مطّوّف به.
(7) لا توجد: هذه، في المصدر.
(8) في كشف الحقّ: و ليس يعصي ربّه.
(9) كذا، و الظّاهر: بغرزه، كما في المصدر. قال في القاموس 2- 185: و الزم غرز فلان .. أي أمره و نهيه، و اشدد يديك بغرزه .. أي حثّ نفسك على التّمسّك به.
340
قُلْتُ: أَ لَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّهُ سَيَأْتِي الْبَيْتَ وَ يَطُوفُ بِهِ (1)؟!. قَالَ: فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَأْتِيهِ (2) الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَ تَطُوفُ بِهِ (3).
وَ زَادَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ سُورَةِ الْفَتْحِ وَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّوَاةِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ (4).
ثم قال (رحمه الله) (5): فهذا (6) الحديث يدلّ على تشكيك عمر و الإنكار على رسول اللّه (7) (صلّى اللّه عليه و آله) فيما فعله بأمر اللّه، ثم رجوعه إلى أبي بكر حتّى أجابه بالصحيح، و كيف استجاز عمر أن يوبّخ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و يقول له- عقيب قوله (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي رسول اللّه و لست أعصيه، و هو ناصري أ ليس (8) كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت و نطوف به؟!.
160- ثُمَّ قَالَ (قدّس سرّه) (9): فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (10) فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ
____________
(1) في المصدر: أنّا سنأتي البيت و نطوف به.
(2) في كشف الحقّ: أنّك تأتيه.
(3) في المصدر: و مطّوّف به.
أقول: أورده السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 6- 76، و تفسير الخازن 4- 168، و التّاج الجامع للأصول 4- 336، و غيرها.
(4) الكلام للعلّامة في نهجه، و ذكر ما ذكره السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 6- 76، و تفسير الخازن 4- 148، و تاريخ الخميس 1- 241، و غيرهم.
(5) قاله العلّامة- (رحمه الله)- في نهج الحقّ و كشف الصدق: 337.
(6) في المصدر: و هذا.
(7) في المصدر: النبيّ، بدلا من: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(8) في كشف الحقّ: و أ لست ..
(9) في نهج الحقّ و كشف الصّدق: 337- 338.
(10) الجمع بين الصّحيحين، للحميديّ، و لا نعلم بطبعه.
341
مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْتَمَ (1) بِالْعِشَاءِ (2) حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلَاةَ (3)! نَامَ النِّسَاءُ وَ الصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ (4)! وَ قَالَ: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُبْرِزُوا (5) رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى الصَّلَاةِ، وَ ذَلِكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (6).
وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (7) فَجَعَلَ ذَلِكَ مُحْبِطاً لِلْعَمَلِ، وَ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (8).
161- وَ قَالَ (رحمه الله) (9): وَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِ (10) فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلُولٍ (11) جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (12) فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) قال في نهاية ابن الأثير 3- 181: أعتم الشّيء و عتّمه: إذا أخّره، و قال في الصّفحة السّابقة: حتّى يعتموا: أي يدخلوا في عتمة اللّيل، و هي ظلمته.
(2) في المصدر: إنّ عائشة قالت: أعتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالعشاء.
(3) في كشف الحقّ: بالصّلاة.
(4) في المصدر: فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
(5) في نهج الحقّ: و ما كان لكم أن تنذروا.
(6) إلى هنا جاء في صحيح مسلم 1- 241، و صحيح البخاريّ 1- 141.
(7) الحجرات: 2.
(8) الحجرات: 4- 5. و جاء في الهامش من النّهج: إنّه قد روى غير واحد أنّها نزلت في أبي بكر و عمر، منهم البخاريّ في صحيحه 6- 171، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 6- 184، و منصور علي ناصف في التّاج الجامع للأصول 4- 239 ... و النسفيّ في تفسيره المطبوع في هامش تفسير الخازن 4- 176، و الآلوسي في تفسيره 26- 123 .. و غيرهم.
(9) في نهج الحقّ و كشف الصّدق: 338.
(10) الجمع بين الصّحيحين، للحميديّ، و لا نعلم بطبعه.
(11) في المصدر: بن أبيّ بن سلول.
(12) هنا زيادة جاءت في المصدر: فسأله أن يصلّي عليه.
342
لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! أَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَ قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟!. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّمَا خَيَّرَنِي (1) اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ... (2) وَ سَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ. قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ ..
فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). وَ هَذَا رَدٌّ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) (3).
162- وَ قَالَ (رحمه الله) (4): وَ فِي الْجَمْعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (5) مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ (6) أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تخرجن [يَخْرُجْنَ (7) لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ الْمَصَانِعِ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ (8) فَرَآهَا عُمَرُ وَ هُوَ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: عَرَفْتُكِ يَا سَوْدَةُ! فَنَزَلَ آيَةُ الْحِجَابِ عَقِيبَ ذَلِكَ (9).
وَ هُوَ يَدُلُّ عَلَى سُوءِ أَدَبِ عُمَرَ حَيْثُ كَشَفَ سَتْرَ (10) زَوْجَةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ دَلَّ عَلَيْهَا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ أَخْجَلَهَا، وَ مَا قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا لَيْلًا إِلَّا الِاسْتِتَارَ عَنِ النَّاسِ (11) وَ صِيَانَةَ نَفْسِهَا، وَ أَيُّ ضَرُورَةٍ لَهُ (12) إِلَى تَخْجِيلِهَا حَتَّى أَوْجَبَ ذَلِكَ نُزُولَ
____________
(1) في المصدر: خبّرني، و هو سهو.
(2) التّوبة: 80.
(3) و أورد القصّة أكثر من واحد، كما جاءت في صحيح البخاريّ 2- 92 و 115 باب ما يكره من الصّلاة على المنافقين، و باب الكفن في القميص من أبواب الجنائز، و 6- 85، و غيره.
(4) نهج الحقّ و كشف الصّدق: 338.
(5) الجمع بين الصّحيحين، و لم نعلم بطبعه مع كلّ ما سألنا عن ذلك.
(6) في المصدر: كان.
(7) في كشف الحقّ: يخرجن.
(8) في (س): ذمغة، و في المصدر: زمعة.
(9) و قد جاءت في صحيح البخاريّ 1- 48، و صحيح مسلم 2- 6.
(10) في المصدر: سرّ.
(11) جاء في كشف الحقّ: أعين النّاس.
(12) لا توجد: له، في (س).
343
آيَةِ الْحِجَابِ.
أقول: أورد (قدس الله روحه) كثيرا من مطاعنهم تركناها اختصارا و سنعيد الكلام بذكر تفاصيل مثالبهم و إثباتها بما هو متداول بينهم اليوم من كتبهم التي لا يمكنهم القدح في رواياتها و بسط القول فيها اعتراضا و جوابا ليتمّ الحجّة على المخالفين و لا يبقى لهم عذر في الدنيا و لا في يوم الدين. و نرجو من فضله تعالى أن لا يحرمني أجر ذلك، فإنّه لا يضيع عنده أجر المحسنين.
163- يل (1): الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَالِساً (2) فِي أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْهُمْ (3) مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)! عَلِّمْنِي الْإِيمَانَ؟.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَ تُصَلِّي الْخَمْسَ، وَ تَصُومُ شَهْرَ (4) رَمَضَانَ، وَ تُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَ تَحُجُّ الْبَيْتَ، وَ تُوَالِي وَصِيِّي هَذَا مِنْ بَعْدِي- وَ أَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ (ع) بِيَدِهِ- وَ لَا تَسْفِكُ دَماً، وَ لَا تَسْرِقُ، وَ لَا تَخُونُ، وَ لَا تَأْكُلُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَ تُوفِي بِشَرَائِعِي، وَ تُحَلِّلُ حَلَالِي وَ تُحَرِّمُ حَرَامِي، وَ تُعْطِي الْحَقَّ مِنْ نَفْسِكَ لِلضَّعِيفِ وَ الْقَوِيِّ وَ الْكَبِيرِ وَ الصَّغِيرِ .. حَتَّى عَدَّ عَلَيْهِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)! أَعِدْ عَلَيَّ فَإِنِّي رَجُلٌ نَسَّاءٌ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ فَعَقَدَهَا بِيَدِهِ، وَ قَامَ وَ هُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ وَ هُوَ يَقُولُ: تَعَلَّمْتُ الْإِيمَانَ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَعُدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ: إِلَى مَنْ تُشِيرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟!. فَأَطْرَقَ إِلَى الْأَرْضِ
____________
(1) الفضائل، لابن شاذان: 75، خبر مالك بن نويرة.
(2) في المصدر: جالس- بالرّفع- و هو أولى.
(3) لا توجد: منهم، في المصدر.
(4) لا توجد لفظة: شهر، في المصدر.
344
فَاتَّخَذَا (1) فِي السَّيْرِ فَلَحِقَاهُ، فَقَالا لَهُ (2): الْبِشَارَةُ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ:
أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِشَارَتَكُمَا إِنْ كُنْتُمَا مِمَّنْ يَشْهَدُ بِمَا شَهِدْتُ بِهِ، فَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا عَلَّمَنِي النَّبِيُ (3) (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ إِنْ لَمْ تَكُونَا كَذَلِكَ فَلَا أَحْسَنَ اللَّهُ بِشَارَتَكُمَا.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ (4) فَأَنَا أَبُو عَائِشَةَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله).
قَالَ: قُلْتُ: ذَلِكَ فَمَا حَاجَتُكُمَا؟.
قَالا: إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا.
فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمَا، أَنْتُمَا نَدِيمَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) صَاحِبِ (5) الشَّفَاعَةِ وَ تَسْأَلَانِي أَسْتَغْفِرُ لَكُمَا؟! فَرَجَعَا وَ الْكَآبَةُ لَائِحَةٌ فِي وَجْهَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَبَسَّمَ، وَ قَالَ: فِي (6) الْحَقِّ مَغْضَبَةٌ؟!.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَجَعَ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ مَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَخَرَجَ لِيَنْظُرَ مَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَدَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- وَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ- فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَ قَالُوا (7): أَخُو تَيْمٍ؟.
قَالُوا (8): نَعَمْ. قَالَ: مَا (9) فَعَلَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الَّذِي أَمَرَنِي بِمُوَالاتِهِ؟. قَالُوا: يَا أَعْرَابِيُّ! الْأَمْرُ يَحْدُثُ بَعْدَ الْأَمْرِ الْآخَرِ.
____________
(1) في المصدر: فجدّا .. و هو الظّاهر.
(2) في كتاب الفضائل: لك، بدلا من: له.
(3) في المصدر: النّبيّ محمّد (ص).
(4) لا توجد: ذلك، في المصدر.
(5) جاءت الجملة في المصدر: تتركان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب ..
(6) في المصدر: أ في ..- بهمزة الاستفهام-.
(7) في كتاب الفضائل: .. بالنّاس فنظر إليه و قال .. و هو الظّاهر.
(8) نسخة في مطبوع البحار: قال، بدلا من: قالوا.
(9) في المصدر: فما.
345
قَالَ: تَاللَّهِ (1) مَا حَدَثَ شَيْءٌ وَ إِنَّكُمْ لَخُنْتُمُ (2) اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ قَالَ لَهُ (3): مَنْ أَرْقَاكَ هَذَا الْمِنْبَرَ وَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) جَالِسٌ؟!. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرِجُوا الْأَعْرَابِيَّ الْبَوَّالَ عَلَى عَقِبَيْهِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)!.
فَقَامَ إِلَيْهِ قُنْفُذُ بْنُ عُمَيْرٍ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَلَمْ يَزَالا يكذان [يَلْكُزَانِ (4) عُنُقَهُ حَتَّى أَخْرَجَاهُ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَ أَنْشَأَ يَقُولُ شِعْراً (5):
أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا* * * فَيَا قَوْمُ مَا شَأْنِي وَ شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ
إِذَا مَاتَ بَكْرٌ قَامَ (6)عَمْرٌو أَمَامَهُ (7)* * * فَتِلْكَ- وَ بَيْتِ اللَّهِ- قَاصِمَةُ الظُّهْرِ
يُذَبُ (8) وَ يَغْشَاهُ الْعِشَارُ كَأَنَّمَا (9)* * * يُجَاهِدُ جَمّاً (10) أَوْ يَقُومُ عَلَى قَبْرٍ
فَلَوْ طَافَ (11) فِينَا مِنْ قُرَيْشٍ عِصَابَةٌ* * * أَقَمْنَا وَ لَوْ كَانَ (12) الْقِيَامُ عَلَى جَمْرٍ
قَالَ: فَلَمَّا اسْتَتَمَّ الْأَمْرُ لِأَبِي بَكْرٍ وَجَّهَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَ قَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ
____________
(1) في المصدر: بعده الأمر قال: باللّه ..
(2) في كتاب الفضائل: قد خنتم.
(3) لا يوجد: له، في المصدر.
(4) في المصدر: يلكذان. و الظّاهر أنّها: يلكزان- بالزاء المعجمة-. قال في المصباح المنير 2- 766:
لكزه لكزا- من باب قتل- ضربه بجمع كفّه في صدره، و ربّما أطلق على جميع البدن، و مثله في مجمع البحرين 4- 33. و أمّا الكذّ، فقد جاء في القاموس 1- 358: كذّ: خشن.
(5) لا توجد: شعرا، في المصدر.
(6) في (س): و قام.
(7) في المصدر: مقامه.
(8) في كتاب الفضائل: يدبّ.
(9) في (س): الغشا و كأنّما.
(10) لا توجد: جمّا، في (س).
(11) جاء في المصدر: فلو قام.
(12) في كتاب الفضائل: و لكن، بدلا من: و لو كان.
346
مَا قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، لَسْتُ (1) آمَنُ أَنْ يَفْتُقَ عَلَيْنَا فَتْقاً لَا يَلْتَامُ، فَاقْتُلْهُ، فَحِينَ أَتَاهُ خَالِدٌ رَكِبَ جَوَادَهُ وَ كَانَ فَارِساً يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ (2)، فَخَافَ خَالِدٌ مِنْهُ فَآمَنَهُ وَ أَعْطَاهُ الْمَوَاثِيقَ ثُمَّ غَدَرَ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَقَتَلَهُ، وَ عَرَسَ (3) بِامْرَأَتِهِ فِي لَيْلَتِهِ وَ جَعَلَ رَأْسَهُ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمُ جَزُورٍ لِوَلِيمَةِ عُرْسِهِ (4) لِامْرَأَتِهِ (5) يَنْزُو عَلَيْهَا نَزْوَ الْحِمَارِ .. وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ.
بيان (6):
الْعِشَارُ- بالكسر-: جمعُ الْعُشَرَاءِ، و هي النّاقة الّتي مضى لحملها عشرة أشهر (7).
و الْجَمُّ- جمع الْجَمَّاءِ-: و هي الشّاة الّتي لا قرن لها (8).
و الأَجَمُّ: الرّجل بلا رمح (9)، و لعلّ تشبيه القوم بالعشار لِمَا أكلوا من الأموال (10) المحرّمة و طعموا من الولايات الباطلة، و نفي (11) كونها جمّا تهديد بأنّه و قومه كاملوا الإرادة و السلاح.
____________
(1) في المصدر: ما قاله مالك على رءوس الأشهاد و لست ..
(2) لا توجد: فارس، في المصدر.
(3) في كتاب الفضائل: و أعرس.
(4) في (س): عرس.
(5) في المصدر: و بات ينزو، و لا توجد فيه: لامرأته.
(6) في (س) كلمة: بيان، يوجد فراغ و بياض.
(7) كما صرّح به في مجمع البحرين 3- 403، و لسان العرب 4- 572، و الصحاح 2- 747.
(8) قاله في تاج العروس 8- 233، و الصحاح 5- 1891، و مجمع البحرين 6- 30.
(9) نصّ عليه في لسان العرب 12- 108، و الصحاح 5- 1891، و غيرهما.
(10) في (س): الأحوال.
(11) كذا، و الظاهر: و في.
347
164- إِرْشَادُ الْقُلُوبِ (1): مِنْ مَثَالِبِهِمْ- لَمّاً (2)- مَا تَضَمَّنَهُ خَبَرُ وَفَاةِ الزَّهْرَاءِ (عليها السلام) قُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ وَ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ مَرْيَمَ الْكُبْرَى وَ الْحَوْرَاءِ الَّتِي أُفْرِغَتْ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ مِنْ صُلْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، الَّتِي قَالَ فِي حَقِّهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لِرِضَاكِ وَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ. وَ قَالَ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَانْظُرِي إِلَى الدَّارِ فَإِذَا رَأَيْتِ سِجْفاً مِنْ سُنْدُسٍ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْ ضُرِبَ فُسْطَاطاً فِي جَانِبِ الدَّارِ فَاحْمِلِينِي (3) وَ زَيْنَبَ وَ أُمَّ كُلْثُومٍ فَاجْعَلُونِي (4) مِنْ وَرَاءِ السِّجْفِ وَ خَلُّوا (5) بَيْنِي وَ بَيْنَ نَفْسِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ (عليها السلام) وَ ظَهَرَ السِّجْفُ حَمَلْنَاهَا وَ جَعَلْنَاهَا وَرَاءَهُ، فَغُسِّلَتْ
____________
(1) أقول: إلى هنا اعتمدنا في تخريجنا على إرشاد القلوب (في الحكم و المواعظ) لأبي محمّد الحسن بن أبي الحسن محمّد الدّيلميّ، الّذي هو من منشورات دار الفكر- بيروت-، بتصور أنّه هو المصدر، إلّا أنّه قد ظهر لنا بالتّتبّع و فقد بعض الموارد الّتي نقلها صاحب البحار و لم نجدها فيه، و لنقله عن صاحب البحار في أكثر من مورد كما في قوله في المجلّد الثّاني صفحة: 91: ذكره المجلسيّ (رحمه الله) في المجلّد التّاسع من كتاب بحار الأنوار .. و السّيّد البحرانيّ في كتاب مدينة المعاجز بتغيّر ما، فمن أراده فليراجعها .. و غيرها من الموارد، أنّه ليس هو الّذي اعتمده صاحب البحار، كما أنّ من الملاحظ عليه أنّه في المجلّد الأوّل من المطبوع يقول: قال مصنّف الكتاب .. أو: يقول العبد الفقير إلى رحمة اللّه و رضوانه أبو محمّد الحسن بن أبي الحسن أبي محمّد الدّيلميّ جامع هذه الآيات من الذّكر الحكيم .. 1- 9، 1- 11، و غيرها أنّ المجلّد الأوّل غير الثّاني، إذ لا نجد مثل هذا هناك، و هذا الّذي ذكرناه ألفينا المرحوم ثقة الإسلام الشّهيد التبريزي في كتاب مرآة الكتب 2- 31- 32 قد تفطّن إليه و إلى أمور تؤيده حريّة بالملاحظة. و لاحظ ما ذكره شيخنا الطّهرانيّ في الذّريعة 1- 517. هذا و لعلّ المجلّد الثّاني المطبوع من إرشاد القلوب ما هو إلّا تلخيص له مع إضافات منه و هو للشّيخ شرف الدّين يحيى بن عزّ الدّين حسين بن عشيرة بن ناصر البحرانيّ نزيل يزد، كما حكى عنه في رياض العلماء. و على كلّ، فإنّا لم نجد هذا الحديث في إرشاد القلوب مع كلّ ما تفحصنا فيه و راجعناه أكثر من مرّة.
(2) أي كثيرا مع كونها مجتمعة، كما في النّهاية 4- 273، خطّ عليها في (ك)، و هو الظّاهر.
(3) في (س): فاحليني.
(4) كذا، و الظّاهر: فاجعلنيني.
(5) كذا، و الظّاهر: خللن.
348
وَ كُفِّنَتْ وَ حُنِّطَتْ بِالْحَنُوطِ، وَ كَانَ كَافُورٌ أَنْزَلَهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) مِنَ الْجَنَّةِ فِي ثَلَاثِ صُرَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ: هَذَا حَنُوطُكَ وَ حَنُوطُ ابْنَتِكَ وَ حَنُوطُ أَخِيكَ عَلِيٍّ مَقْسُومٌ أَثْلَاثاً، وَ إِنَّ أَكْفَانَهَا وَ مَاءَهَا وَ أَوَانِيَهَا مِنَ الْجَنَّةِ.
وَ رُوِيَ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ (عليها السلام) بَعْدَ غُسْلِهَا وَ تَكْفِينِهَا وَ حَنُوطِهَا، لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا دَنَسَ فِيهَا، وَ أَنَّهَا أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهَا غَيْرُهَا، وَ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهَا إِلَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ زَيْنَبُ وَ أُمُّ كُلْثُومٍ وَ فِضَّةُ جَارِيَتُهَا (1) وَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَخْرَجَهَا وَ مَعَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فِي اللَّيْلِ وَ صَلَّوْا عَلَيْهَا، وَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ، وَ لَا حَضَرُوا وَفَاتَهَا وَ لَا صَلَّى عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرُهُمْ، لِأَنَّهَا (عليها السلام) أَوْصَتْ بِذَلِكَ، وَ قال [قَالَتْ: لَا تُصَلِّ عَلَيَّ أُمَّةٌ نَقَضَتْ عَهْدَ اللَّهِ وَ عَهْدَ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ ظَلَمُونِي حَقِّي، وَ أَخَذُوا إِرْثِي، وَ خَرَقُوا صَحِيفَتِيَ الَّتِي كَتَبَهَا لِي أَبِي بِمِلْكِ فَدَكٍ، وَ كَذَّبُوا شُهُودِي وَ هُمْ- وَ اللَّهِ- جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ أُمُّ أَيْمَنَ، وَ طُفْتُ عَلَيْهِمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَحْمِلُنِي وَ مَعِيَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ لَيْلًا وَ نَهَاراً إِلَى مَنَازِلِهِمْ أُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ أَلَّا تَظْلِمُونَا وَ لَا تَغْصِبُونَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا، فَيُجِيبُونَّا لَيْلًا وَ يَقْعُدُونَ عَنْ نُصْرَتِنَا نَهَاراً، ثُمَّ يُنْفِذُونَ إِلَى دَارِنَا قُنْفُذاً وَ مَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِيُخْرِجُوا ابْنَ عَمِّي عَلِيّاً إِلَى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِبَيْعَتِهِمُ الْخَاسِرَةِ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مُتَشَاغِلًا بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بِأَزْوَاجِهِ وَ بِتَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَ قَضَاءِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَصَّاهُ بِقَضَائِهَا عَنْهُ عِدَاتٍ وَ دَيْناً، فَجَمَعُوا الْحَطَبَ الْجَزْلَ (2) عَلَى بَابِنَا وَ أَتَوْا بِالنَّارِ لِيُحْرِقُوهُ وَ يُحْرِقُونَا، فَوَقَفْتُ بِعَضَادَةِ الْبَابِ وَ نَاشَدْتُهُمْ بِاللَّهِ وَ بِأَبِي أَنْ يَكُفُّوا عَنَّا وَ يَنْصُرُونَا، فَأَخَذَ عُمَرُ السَّوْطَ مِنْ يَدِ قُنْفُذٍ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- فَضَرَبَ بِهِ عَضُدِي
____________
(1) في (ك): و جاريتها- بزيادة الواو-.
(2) قال في النّهاية 1- 270: حطبا جزلا .. أي غليظا قويّا.
349
فَالْتَوَى السَّوْطُ عَلَى عَضُدِي حَتَّى صَارَ كَالدُّمْلُجِ، وَ رَكَلَ (1) الْبَابَ بِرِجْلِهِ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَ أَنَا حَامِلٌ فَسَقَطْتُ لِوَجْهِي (2) وَ النَّارُ تُسْعَرُ وَ تَسْفَعُ (3) وَجْهِي، فَضَرَبَنِي بِيَدِهِ حَتَّى انْتَثَرَ قُرْطِي مِنْ أُذُنِي، وَ جَاءَنِي الْمَخَاضُ فَأَسْقَطْتُ مُحَسِّناً قَتِيلًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، فَهَذِهِ أُمَّةٌ تُصَلِّي عَلَيَّ؟! وَ قَدْ تَبَرَّأَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهُمْ، وَ تَبَرَّأْتُ مِنْهُمْ. فَعَمِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِوَصِيَّتِهَا وَ لَمْ يُعْلِمْ أَحَداً بِهَا فَأُصْنِعَ (4) فِي الْبَقِيعِ لَيْلَةَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) أَرْبَعُونَ قَبْراً جُدُداً.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا عَلِمُوا بِوَفَاةِ فَاطِمَةَ وَ دَفْنِهَا جَاءُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُعَزُّونَهُ بِهَا، فَقَالُوا: يَا أَخَا رَسُولِ اللَّهِ (ص)! لَوْ أَمَرْتَ بِتَجْهِيزِهَا وَ حَفْرِ تُرْبَتِهَا.
فَقَالَ (عليه السلام): قَدْ وُرِّيَتْ وَ لَحِقَتْ بِأَبِيهَا ( صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (5).
فَقَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، تَمُوتُ ابْنَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَمْ يُخَلِّفْ فِينَا وَلَداً غَيْرَهَا، وَ لَا نُصَلِّي عَلَيْهَا! إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَظِيمٌ.
فَقَالَ (عليه السلام): حَسْبُكُمْ مَا جَنَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَ لَمْ أَكُنْ- وَ اللَّهِ- لِأَعْصِيَهَا فِي وَصِيَّتِهَا الَّتِي أَوْصَتْ (6) بِهَا فِي أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، وَ لَا بَعُدَ الْعَهْدُ فَأُعْذَرَ، فَنَفَضَ الْقَوْمُ أَثْوَابَهُمْ، وَ قَالُوا:
لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ مَضَوْا مِنْ فَوْرِهِمْ إِلَى الْبَقِيعِ فَوَجَدُوا فِيهِ أَرْبَعِينَ قَبْراً جُدُداً، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ قَبْرُهَا (عليها السلام) بَيْنَ تِلْكَ الْقُبُورِ فصح [فَضَجَّ النَّاسُ وَ لَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَ قَالُوا: لَمْ تَحْضُرُوا وَفَاةَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ لَا
____________
(1) الرّكل: الضّرب برجل واحدة، كما في مجمع البحرين 4- 385.
(2) الظّاهر زيادة: لوجهي.
(3) أي تضرب و تلطم، كما في القاموس 3- 38.
(4) في (س): فاضع.
(5) من كلمة: إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) .. إلى هنا لا توجد في (س).
(6) في (س): أوصفت، و في (ك): أوضعت، و الظّاهر ما أثبتناه.
350
الصَّلَاةَ عَلَيْهَا وَ لَا تَعْرِفُونَ قَبْرَهَا فَتَزُورُونَهُ؟.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَاتُوا مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَنْبِشُ هَذِهِ الْقُبُورَ حَتَّى تَجِدُوا قَبْرَهَا فَنُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَ نَزُورَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ مُغْضَباً وَ قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَ قَامَتْ عَيْنَاهُ وَ دَرَّتْ أَوْدَاجُهُ، وَ عَلَى يَدِهِ قَبَاهُ (1) الْأَصْفَرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَلْبَسُهُ إِلَّا فِي يَوْمٍ كَرِيهَةٍ- يَتَوَكَّأُ عَلَى سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ حَتَّى وَرَدَ الْبَقِيعَ، فَسَبَقَ النَّاسَ النَّذِيرُ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَقْبَلَ كَمَا تَرَوْنَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ بُحِثَ مِنْ (2) هَذِهِ الْقُبُورِ حَجَرٌ وَاحِدٌ لَأَضَعَنَّ السَّيْفَ عَلَى غَائِرِ (3) هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَوَلَّى الْقَوْمُ هَارِبِينَ قِطَعاً قِطَعاً.
و منها: ما فعله الأول من التآمر على الأمّة من غير أن أباح اللّه له ذلك و لا رسوله، و مطالبة جميعهم بالبيعة له و الانقياد إلى طاعته طوعا و كرها، و كان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إذ كان هو و أولياؤه جميعا مقرّين بأنّ اللّه عزّ و جلّ و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) لم يولّياه ذلك و لا أوجبا طاعته و لا أمرا ببيعته.
و طالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الأخماس و الصدقات و الحقوق الواجبات.
ثم تسمّى بخلافة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد علم هو و من معه من الخاصّ و العامّ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم و المعصية و الكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،
- وَ قَدْ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيُتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ،.
و لمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه و قالوا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأمرنا بدفع ذلك إليك، فسمّاهم: أهل الردّة، و بعث إليهم خالد بن الوليد رئيس القوم في جيش،
____________
(1) في (ك): قباء.
(2) لا توجد كلمة من، في (س).
(3) كذا، و الظّاهر: غابر- بالباء الموحّدة-.
351
فقتل مقاتلهم، و سبى ذراريهم، و استباح أموالهم، و جعل ذلك فيئا للمسلمين، و قتل خالد بن الوليد رئيس القوم: مالك بن نويرة، و أخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك (1) و استحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء.
و قد روى أهل الحديث جميعا بغير خلاف عن القوم الّذين كانوا مع خالد أنّهم قالوا: أذّن مؤذّننا و أذّن مؤذّنهم، و صلّينا و صلّوا، و تشهّدنا و تشهّدوا، فأيّ ردّة هاهنا؟! مع ما رووه أنّ عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)،
و قد سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه (ص)، فإذا قالوها حقنوا دماءهم و أموالهم؟!.
فقال: لو منعوني عقالا ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لقاتلتهم- أو قال: لجاهدتهم-، و كان هذا فعلا فظيعا في الإسلام و ظلما عظيما، فكفى بذلك خزيا و كفرا و جهلا، و إنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنّه كان بين عمر و بين مالك خلّة أوجبت المعصية (2) له من عمر.
ثم رووا جميعا أنّ عمر لمّا ولِّي جمع من بقي من عشيرة مالك و استرجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم و أولادهم و نسائهم، و ردّ ذلك جميعا عليهم.
فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم و ملّكهم العبيد الأحرار من أبنائهم (3)، و أوطأهم فروجا حراما من نسائهم، و إن كان ما فعله حقّا فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحقّ فانتزعهنّ من أيديهم غصبا و ظلما و ردّهنّ إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراما من غير مباينة وقعت و لا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه، فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعا أو أحدهما،
____________
(1) لا توجد: تلك، في (س).
(2) كذا، و الظاهر: العصبيّة.
(3) كذا، و لعلّ العبارة حقّها أن تكون كذا: و ملكهم الأحرار من أبنائهم عبيدا، و يحتمل زيادة كلمة:
العبيد. أو تكون: و ملكهم العبيد و الأحرار من أبنائهم. فغضبت الناس، في (ك).
352
لأنّهما أباحا للمسلمين فروجا حراما، و أطعماهم طعاما حراما من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، و ليس له ذلك على ما تقدّم ذكره.
و منها: تكذيبه لفاطمة (عليها السلام) في دعواها فدك، و ردّ شهادة أمّ أيمن، مع
- أَنَّهُمْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: أُمُّ أَيْمَنَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
، و ردّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)
- وَ قَدْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ.
، و أخبرهم (1) أيضا بتطهير عليّ و فاطمة من الرجس عن اللّه تعالى، فمن توهّم أنّ عليّا و فاطمة يدخلان- بعد هذه الأخبار من اللّه عزّ و جلّ- في شيء من الكذب و الباطل فقد كذّب اللّه، و من كذّب اللّه كفر بغير خلاف.
و منها: قوله في الصلاة: لا تفعل (2) خالد ما أمره، فهذه بدعة يقارنها كفر، و ذلك أنّه أمر خالد بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك و خشي إن فعل ما أمر به من قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها. فقال: لا يفعلنّ خالد ما أمر ..
قبل أن يسلّم، و الكلام في الصلاة بدعة، و الأمر بقتل عليّ كفر.
و منها: أنّهم رووا- بغير خلاف- أنّه قال- وقت وفاته-: ثلاث فعلتها وددت أنّي لم أفعلها، و ثلاث لم أفعلها و وددت أنّي أفعلها، و ثلاث غفلت عنها و وددت أنّي أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عنها، أمّا الثلاث التي وددت أنّي (3) لم أفعلها، فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة و قومه المسمّين بأهل الردّة، و كشف بيت فاطمة (ع) و إن كان أغلق على حرب .. و اختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها و ذكرنا ما اجتمعوا عليه.
فقد دلّ قوله: أنّي لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه
____________
(1) في (س): أخبر بهم.
(2) خ. ل: لا يفعل.
(3) لا توجد: أنّي، في (س).
353
و آله .. أنّه أغضب فاطمة،
- وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَ يَرْضَى لِرِضَاكِ،.
فقد أوجب بفعله هذا غضب اللّه عليه بغضب فاطمة.
- وَ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي وَ مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ.
، فقد لزمه أن يكون قد (1) آذى اللّه و رسوله بما لحق فاطمة (عليها السلام) من الأذى بكشف بيتها، و قد (2) قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ (3)، و أمّا الثلاثة التي ودّ أن يسأل رسول اللّه عنها فهي: الكلالة ما هي؟ و عن الجدّ ما له من الميراث؟ و عن الأمر لمن بعده؟
و من صاحبه؟.
و كفى بهذا الإقرار على نفسه خزيا و فضيحة، لأنّه شهّر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، و من كان هذه حاله كان ظالما فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما لا يعلمه: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (4).
و قوله: و وددت أنّي أسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمن الأمر بعده؟
و من صاحبه؟ فقد أقرّ و أشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره، و أنّه لا حقّ له فيه، لأنّه لو كان له حقّ لكان قد علمه من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا لم يكن له فيه حقّ لم يعلم لمن هو بزعمه، و إذا لم يكن فيه حقّ و لم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، و أخذ حقّا هو لغيره، و هذا يوجب الظلم و التعدّي، و قال اللّه تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (5).
و أمّا ما وافقه عليه صاحبه الثاني:
فمنها (6): أنّه لمّا أمر أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر مناديا ينادي في
____________
(1) لا توجد: قد، في (س).
(2) خطّ على: قد، في (ك).
(3) الأحزاب: 57.
(4) الشعراء: 227.
(5) هود: 18.
(6) أقول: كلّ ما ذكر هنا من مثالب للخليفة ستأتي مصادره مفصّلا بإذن اللّه، و نشير لبعضها هنا مجملا، انظر: صحيح البخاريّ، باب جمع القرآن 6- 98- 99، كنز العمّال، باب جمع القرآن 2- 361، و منتخب كنز العمّال- هامش مسند أحمد بن حنبل- 2- 43- 52، و غيرها ممّا سيأتي في محلّه.
354
المدينة: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا تقبل من أحد شيئا إلّا بشاهدي عدل.
و هذا منه مخالف لكتاب اللّه عزّ و جلّ إذ يقول: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (1) فذلك غاية الجهل و قلّة الفهم، و هذا الوجه أحسن أحوالهما، و من حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكما بين المسلمين فضلا عن منزلة الإمامة، و إن كانا قد علما ذلك من كتاب اللّه، و لم يصدّقا إخبار اللّه فيه، و لم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم، و لكنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) قالوا:
إنّهما قصدا بذلك عليّا (عليه السلام) فجعلا هذا سببا لترك قبول ما كان عليّ (عليه السلام) جمعه و ألّفه من القرآن في مصحفه بتمام ما أنزل اللّه عزّ و جلّ على رسوله منه، و خشيا أن يقبلا ذلك منه، فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على أمورهم، و يظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم و طهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد (2) إلّا بشاهدي عدل، هذا مع ما يلزم من يتولّاهما أنّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، و إذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، و من لم يعلم التنزيل و لا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين و بحدود ما أنزل اللّه على رسوله، و من كان بهذه الصفة (3) خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكما بين المسلمين أو إماما لهم، و من لم يصلح لذلك ثم دخل فيه فقد استوجب
____________
(1) الإسراء: 88.
(2) لا توجد في (س): من أحد.
(3) الكلمة في مطبوع البحار مشوّشة، و لعلّها تقرأ: الضفّة.
355
المقت من اللّه عزّ و جلّ، لأنّ من لا يعلم حدود اللّه يكون حاكما بغير ما أنزل اللّه، و قال سبحانه و تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (1).
و منها: أنّ الأمّة مجتمعة (2) على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ضمّه و صاحبه مع جماعة من المهاجرين و الأنصار إلى أسامة بن زيد و ولّاه عليهما، و أمره بالمسير فيهم، و أمرهم بالمسير تحت رايته، و هو أمير عليهم إلى بلاد من الشام، و لم يزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لينفّذوا جيش أسامة .. حتى توفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه ذلك، و أنّهما لم ينفّذا و تأخّرا عن أسامة في طلب ما استوليا عليه من أمور الأمّة، فبايع الناس لأبي بكر- و أسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة- و الأمّة مجتمعة (3) على أنّ من عصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و خالفه فقد عصى اللّه، و من أطاع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، بنصّ الكتاب العزيز (4)، و الأمّة أيضا مجمعة على أنّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، و أنّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، و أنّهما لم يطيعاه في الحالتين، و تركا أمره لهما بالخروج، و من ترك أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) متعمدا و خالفه وجب الحكم بارتداده.
و منها: أنّه لما حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه و ظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، و طالب الناس بالبيعة له و الرضا به كره في ذلك من كره و رغب من رغب، و قد أجمعوا في روايتهم أنّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهية، فلم يفكّر في ذلك و جعله الوالي عليهم على كره منهم، و خوّفوه من اللّه عزّ و جلّ في توليته، فقال: أ باللّه تخوّفوني؟! إذا أنا لقيته قلت له: استخلفت عليهم خير أهلك!. فكان هذا القول جامعا لعجائب من المنكرات القطعيّات، أ رأيت لو
____________
(1) المائدة: 44.
(2) في (س) نسخة بدل: مجمعة.
(3) في مطبوع البحار على الكلمة نسخة بدل: مجمعة.
(4) النساء: 80.
356
أجابه اللّه تعالى، فقال: و من جعل إليك ذلك؟ و من ولّاك أنت (1) حتى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته و بعد وفاته.
ثم إنّ قوله: تخوّفوني باللّه ..! إمّا هو دليل على استهانته بملاقاة اللّه تعالى، أو يزعم أنّه زكيّ عند اللّه بريء من كلّ ذلّة (2) و هفوة، و هذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (3).
ثم إنّه لم يكتف بذلك حتى شهد لعمر أنّه خير القوم، و هذا ممّا لا يصل إليه مثله و لا يعرفه.
ثم إنّه ختم ذلك بالطامّة الكبرى أنّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بيته و موضع قبره و جعل- أيضا- بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله، و صيّرت العامّة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول اللّه (ص)، و من عقل و ميّز و فهم علم أنّهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبدا، و أوجبا على أنفسهما المعصية للّه و لرسوله و الظلم الظاهر الواضح، لأنّ اللّه سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بإذنه، حيث يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (4) و الحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته، إلّا أن يخصّ اللّه عزّ و جلّ ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للرسول خاصّة فقد عصيا اللّه بدخولهما إليه بغير إذن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و ختما أعمالهما بمعصية اللّه تعالى في ذلك، و إن كان البيت من جملة التركة، فإمّا أن يكون كما زعموا أنّه صدقة أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد، و لا يجوز أيضا شراؤه من المسلمين و لا
____________
(1) و لعلّ كلمة: أنت، زائدة، أو تأكيد، أو بدلا عن الضمير.
(2) كذا، و الظاهر أنّها بالزاء لا الذال المعجمة، و هي بمعنى الهفوة، فيكون عطف تفسير.
(3) النجم: 32.
(4) الأحزاب: 53.
357
استيهابه، و إن كان ميراثا، فلم يكونا ممّن يرث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و إن ادّعى جاهل ميراث ابنتهما من الرسول (ص) فإنّ نصيبهما تسعا الثمن لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مات عن تسع نسوة و عن ولد للصلب، فلكلّ واحدة منهما تسع الثمن، و هذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة.
و بالجملة، فإنّهما غصبا الموضع حتى تقع القسمة على تركة الرسول و لا قسمة مع زعمهم أنّ ما تركه صدقة.
و أمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، و زاد عليه فيما غيّر من حدود اللّه تعالى في الوضوء، و الأذان و الإقامة .. و سائر أحكام الدين.
أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) فقد جعل سبحانه للوضوء حدودا أربعة، حدّان منها غسل، و حدّان منها مسح، فلمّا قدم الثاني بعد الأول جعل المسح على الرجلين غسلا و أمر الناس بذلك، فاتّبعوه إلّا الفرقة المحقّة، و أفسدوا على من اتّبعه وضوءه و صلاته لفساد الوضوء، لأنّه على غير ما أنزل اللّه به من حدود الوضوء، و أجاز أيضا (2) المسح على الخفّين من غير أمر من اللّه تعالى (3) و رسوله.
و أمّا الأذان و الإقامة، فأسقط منهما و زاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان فيه على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): (حيّ على خير العمل) بإجماع العلماء و أهل المعرفة بالأثر و الخبر، فقال الثاني: ينبغي (4) لنا أن نسقط: (حيّ على خير العمل)، في الأذان و الإقامة لئلّا يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من
____________
(1) المائدة: 6.
(2) في (س) زيادة: على، و خطّ عليها في (ك).
(3) لا توجد كلمة: تعالى، في (ك).
(4) في (ك): لا ينبغي، و هو غلط.
358
الأذان و الإقامة جميعا لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه و تابعوه عليه، و يلزمهم (1) أن يكون عمر قد أبصر من الرشد ما لم يعلمه اللّه عزّ و جلّ و لا رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّ اللّه و رسوله قد أثبتا ذلك في الأذان و الإقامة و لم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر و قدّره فيهم، و من ظنّ ذلك و جهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضا، لأنّه من تعمد الزيادة و النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها.
ثم إنّه بعد إسقاط ما أسقط من الأذان و الإقامة من (حيّ على خير العمل)، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده، و ذلك أنّه زاد في أذان صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فصارت هذه البدعة- عند من اتّبعه- من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها يطالب من تركها بالقهر عليها، و سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عندهم مهجورة مطرحة [مطروحة يضرب من استعملها و يقتل من أقامها.
و جعل أيضا الإقامة فرادى، فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان و الإقامة فرقا بيّنا، و كانت الإقامة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، و كان فيها: (حيّ على خير العمل) مثنى، و كانت أنقص من الأذان بحرف واحد، لأنّ في آخر الأذان: (لا إله إلّا اللّه) مرّتين، و في آخر الإقامة مرّة واحدة، و كان هذا هو الفرق فغيّره الرجل و جعل بينهما فرقا من عنده، فقد خالف اللّه و رسوله، و زعم أنّه قد أبصر من الرشد في ذلك و أصاب من الحقّ ما لم يعلمه اللّه تعالى و رسوله،
- و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كلّ محدثة بدعة و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار.
، و لا شكّ أنّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها و وزر العامل بها إلى يوم القيامة.
و أمّا الصلاة، فأفسد من حدودها ما فيه الفضيحة و الهتك لمذهبهم، و هو إنّهم رووا أنّ: تحريم الصلاة التكبير و تحليلها التسليم، و أنّ الصلاة المفروضة على
____________
(1) في (ك): فيلزمهم.
359
الحاضرين الظهر أربعا، و العصر أربعا، و المغرب ثلاثا، و العشاء الآخرة أربعا، لا سلام إلّا في آخر التشهد في الرابعة، و أجمعوا على أنّه من سلّم قبل التشهّد عامدا متعمدا فلا صلاة له، و قد لزمه الإعادة، و أنّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامدا غير ناس فقد أفسد صلاته و عليه الإعادة، فاستنّ الرجل لهم في التشهّد الأول و الثاني ما أفسد صلاتهم و أبطل عليهم تشهّدهم، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قطّ و لا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، و ذلك أنّهم يصلّون ركعتين ثم يقعدون للتشهّد الأوّل فيقولون عوضا عن التشهّد: التحيّات للّه، الصلوات الطيّبات، السلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته، السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين، فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ السلام و (1) أكمله، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبيّ و على نفسه و على عباد اللّه الصالحين لم يبق من هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد اللّه الصالحين يدخل في جملتهم الأوّلون و الآخرون و الجنّ و الإنس و الملائكة (2) و أهل السماوات و الأرضين و الأنبياء و الأوصياء و جميع المرسلين من الأحياء و الأموات و من قد مضى و من هو آت، فحينئذ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا، ثم يقول بعد: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و التشهّد هو الشهادتان، فالمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزمهم أنّه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم موجبا للخروج من الصلاة، و لا عبرة بالتشهد بعد الصلاة.
ثم أتبع ذلك بقوله: آمين، عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة، حتى أنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم و غيرهم و عوامّهم و جهّالهم يلعنونهم (3) من بعد قول وَ لَا الضَّالِّينَ: آمين، فقد زادوا آية في أمّ
____________
(1) في (س): أو.
(2) في (س): و أهل الملائكة.
(3) كذا، و الظاهر بل الصحيح: يلقنونهم.
360
الكتاب، و صار عندهم من لم يأت بها في صلاته و غير صلاته كأنّه قد ترك آية في كتاب اللّه.
وَ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَنِ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ قَالَ: آمِينَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ وَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
، لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللّهمّ افعل، ثم استنّ (1) أولياؤه و أنصاره رواية متخرّصة (2) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه (3) كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك، و لمّا رأينا أهل البيت (عليهم السلام) مجتمعين على إنكارها صحّ عندنا فساد أخبارهم فيها، لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حكم- بالإجماع- أن لا نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته (عليهم السلام)، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم.
و أمّا الدليل على خرص روايتهم أنّهم مختلفون في الرواية:
فمنهم من روى: إذا أمّن الإمام فأمّنوا.
و منهم من يروي: إذا قال الإمام «وَ لَا الضَّالِّينَ» فقولوا: آمين.
و منهم من يروي: ندب (4) رفع الصوت بها.
و منهم من يروي: الإخفات بها.
فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحا- لمن فهم- على تخرّص روايتهم.
ثم أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، و ذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة، لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضا اقتداء بهم و أمر الناس بفعل ذلك، و قال: إنّ هذا تأويل قوله
____________
(1) الكلمة مشوّشة في المطبوع، و الظاهر ما أثبتناه.
(2) الكلمة مشوّشة في مطبوع البحار، و تقرأ: متحرّضة- بالحاء المهملة و الضاد المعجمة-، و ما سيأتي يؤيّد ما أثبتناه.
(3) في (س) لا توجد: أنّه.
(4) لا توجد كلمة: ندب، في (س).
361
تعالى: وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (1) يريد بزعمه التذلّل و التواضع،
- وَ مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ بِالْخِلَافِ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً: إِنَّا نَسْمَعُ مِنَ الْيَهُودِ أَشْيَاءَ نَسْتَحْسِنُهَا مِنْهُمْ، فَنَكْتُبُ ذَلِكَ مِنْهُمْ؟. فَغَضِبَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ:
أَ مُتَهَوِّكُونَ (2) أَنْتُمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ!، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيّاً لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا اتِّبَاعِي.
و من استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد النبيّ أولى، و قد أنكر أهل البيت (عليهم السلام) و نهوا عنه نهيا مؤكّدا، و حال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لهم بإزالة الضلالة عنهم و عمّن تمسّك (3) بهم، فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلّا أولياؤه متحفّظون بها مواظبون عليها و على العمل بها، طاعنون على تاركها، و كلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعة فهو عندهم مطروح متروك مهجور و يطعن على من استعمله، و ينسب عندهم إلى الأمور المنكرات،
- وَ لَقَدْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ الرَّسُولَ قَالَ: لَا تَبْرَكُوا فِي الصَّلَاةِ كَبَرْكِ الْبَعِيرِ، وَ لَا تَنْقُرُوا كَنَقْرِ الدِّيكِ، وَ لَا تُقْعُوا كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَ لَا تَلْتَفِتُوا (4) كَالْتِفَاتِ الْقُرُودِ،.
فهم لأكثر ذلك فاعلون، و لقول الرسول مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدءوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، و ذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، و يعلّمون ذلك جهّالهم خلافا على تأديب
____________
(1) البقرة: 238.
(2) جاء في حاشية (ك): التّهوّك: التّحيّر، و في الحديث: أ متهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النّصارى.
صحاح.
انظر: الصّحاح 4- 1617.
أقول: قال في النّهاية 5- 282 ما نصّه: فيه قال لعمر في كلام: «أ متهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النّصارى؟! لقد جئت بها بيضاء نقيّة». التهوك- كالتهور- و هو الوقوع في الأمر بغير رويّة، و المتهوك: الّذي يقع في كلّ أمر، و قيل: هو التّحيّر. و لا يخفى وجه الشّبه لهم باليهود و النّصارى في التهوك.
(3) في (س): عنهم عين و تمسك، و هو غلط.
(4) في (س): و لا تلتفت.
362
الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطوّل الكلام (1) بذكرها الكتاب.
وَ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ (صلوات الله عليه و آله) بِسَدِّ أَبْوَابِ النَّاسِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شريفا [تَشْرِيفاً (2) لَهُ وَ صَوْناً لَهُ عَنِ النَّجَاسَةِ سِوَى بَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَازَ وَ غَنِمَ وَ مَنْ عَصَاهُ هَلَكَ وَ نَدِمَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) الْمُنَادِيَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ، فَلَمَّا تَكَامَلُوا صَعِدَ النَّبِيُّ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ (3) تَعَالَى قَدْ أَمَرَنِي بِسَدِّ أَبْوَابِكُمُ الْمَفْتُوحَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ يَوْمِي، وَ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ جُنُبٌ وَ لَا نَجَسٌ، بِذَلِكَ (4) أَمَرَنِي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ، فَلَا يَكُونُ فِي نَفْسِ أَحَدٍ مِنْكُمْ أَمْرٌ، وَ لَا تَقُولُوا: لِمَ؟ وَ كَيْفَ؟ وَ أَنَّى ذَلِكَ؟ فَتَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَ تَكُونُوا مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَ إِيَّاكُمْ وَ الْمُخَالَفَةَ وَ الشِّقَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ مَنْ عَصَانِي، وَ أَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَ قَدْ جَعَلْتُ مَسْجِدِي طَاهِراً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، مُحَرَّماً عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا غَيْرِي وَ أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ وَلَدَيَّ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ كَمَا كَانَ مَسْجِدُ هَارُونَ وَ مُوسَى، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِمَا أَنِ اجْعَلَا بُيُوتَكُمَا قِبْلَةً لِقَوْمِكُمَا، وَ إِنِّي قَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي وَ أَمَرْتُكُمْ بِذَلِكَ، أَلَا فَاحْذَرُوا الْحَسَدَ وَ النِّفَاقَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ يُوَافِقْ بَيْنَكُمْ سَرُّكُمْ عَلَانِيَتَكُمْ، فَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (5).
فَقَالَ النَّاسُ بِأَجْمَعِهِمْ: سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَا نُخَالِفُ مَا أَمَرَنَا بِهِ،
____________
(1) خطّ في (ك) على: الكلام.
(2) كذا، و الظّاهر أنّه: شرفا أو تشريفا.
(3) لا توجد الواو في (ك).
(4) في (س): فذلك.
(5) آل عمران: 102.
363
ثُمَّ خَرَجُوا أَبْوَابَهُمْ جَمِيعاً غَيْرَ بَابِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَأَظْهَرَ النَّاسُ الْحَسَدَ وَ الْكَلَامَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا بَالُ رَسُولِ اللَّهِ (ص) يُؤْثِرُ ابْنَ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ يَقُولُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ فِي عَلِيٍّ؟! وَ إِنَّمَا سَأَلَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ أَجَابَهُ إِلَى مَا يُرِيدُ، فَلَوْ سَأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ لَنَا لَأَجَابَهُ، وَ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْلُ عُمَرَ وَ خَوْضُ النَّاسِ وَ الْقَوْمِ فِي الْكَلَامِ، أَمَرَ الْمُنَادِيَ بِالنِّدَاءِ إِلَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله):
مَعَاشِرَ النَّاسِ! قَدْ بَلَغَنِي مَا خُضْتُمْ فِيهِ وَ مَا قَالَ قَائِلُكُمْ، وَ إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ أَنِّي لَمْ أَقُلْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ لَا كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ، وَ لَا أَنَا سَدَدْتُ أَبْوَابَكُمْ، وَ لَا أَنَا فَتَحْتُ بَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع)، وَ لَا أَمَرَنِي فِي ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الَّذِي خَلَقَنِي وَ خَلَقَكُمْ أَجْمَعِينَ، فَلَا تَحَاسَدُوا فَتَهْلِكُوا، وَ لَا تَحْسُدُوا النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ (1) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مِنَ الصَّابِرِينَ، ثُمَّ صَدَّقَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِنُزُولِ الْكَوْكَبِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى دَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، وَ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قُرْآناً، وَ أَقْسَمَ بِالنَّجْمِ تَصْدِيقاً لِرَسُولِهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ... (2)
الْآيَاتِ كُلَّهَا، وَ تَلَاهَا النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَضَباً وَ حَسَداً وَ نِفَاقاً وَ عُتُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَ (3) فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْحَسَدِ وَ النِّفَاقِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْتَ مَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ وَ الرَّحِمِ الْمَاسَّةِ، وَ أَنَا مِمَّنْ يَدِينُ اللَّهَ بِطَاعَتِكَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ
____________
(1) البقرة: 253.
(2) النّجم: 1- 4.
(3) لا توجد الواو في (س).
364
تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي بَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ أَتَشَرَّفُ بِهَا عَلَى مَنْ سِوَايَ؟. فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ السَّلَامُ: يَا عَمِّ! لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. فَقَالَ: فَمِيزَاباً يَكُونُ مِنْ دَارِي إِلَى الْمَسْجِدِ أَتَشَرَّفُ بِهِ عَلَى الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ- لَا يَدْرِي مَا يُعِيدُ مِنَ الْجَوَابِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ حَيَاءً مِنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) فِي الْحَالِ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي نَفْسِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ ذَلِكَ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ (ص)! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُجِيبَ سُؤَالَ عَمِّكَ، وَ أَمَرَكَ أَنْ تَنْصِبَ لَهُ مِيزَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ كَمَا أَرَادَ، فَقَدْ عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِكَ وَ قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ كَرَامَةً لَكَ وَ نِعْمَةً مِنِّي عَلَيْكَ وَ عَلَى عَمِّكَ الْعَبَّاسِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ قَالَ: أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِكْرَامَكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ وَ تَفْضِيلَكُمْ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ قَامَ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَ الْعَبَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى صَارَ عَلَى سَطْحِ الْعَبَّاسِ، فَنَصَبَ لَهُ مِيزَاباً إِلَى الْمَسْجِدِ وَ قَالَ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَّفَ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ بِهَذَا الْمِيزَابِ فَلَا تُؤْذُونِي فِي عَمِّي، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ الْآبَاءِ وَ الْأَجْدَادِ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آذَانِي فِي عَمِّي وَ بَخَسَهُ حَقَّهُ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ.
وَ لَمْ يَزَلِ الْمِيزَابُ عَلَى حَالِهِ مُدَّةَ أَيَّامِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وُعِكَ (1) الْعَبَّاسُ وَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً وَ صَعِدَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ قَمِيصَهُ فَجَرَى الْمَاءُ مِنَ الْمِيزَابِ إِلَى صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَنَالَ بَعْضُ الْمَاءِ ثَوْبَ الرَّجُلِ، فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً وَ قَالَ لِغُلَامِهِ: اصْعَدْ وَ اقْلَعِ الْمِيزَابَ، فَصَعِدَ الْغُلَامُ فَقَلَعَهُ وَ رَمَى بِهِ إِلَى سَطْحِ الْعَبَّاسِ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ لَئِنْ رَدَّهُ أَحَدٌ إِلَى مَكَانِهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَ دَعَا بِوَلَدَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَ نَهَضَ يَمْشِي مُتَوَكِّئاً عَلَيْهِمَا- وَ هُوَ يَرْتَعِدُ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ- وَ سَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) انْزَعَجَ لِذَلِكَ، وَ قَالَ: يَا عَمِّ! مَا جَاءَ بِكَ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ
____________
(1) قال في مجمع البحرين 5- 298: الوعك: الحمّى، و قيل: ألمها، و الموعوك: المحموم.
365
الْحَالَةِ؟!. فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَ مَا فَعَلَ مَعَهُ عُمَرُ مِنْ قَلْعِ الْمِيزَابِ وَ تَهَدُّدِهِ (1) مَنْ يُعِيدُهُ إِلَى مَكَانِهِ، وَ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّهُ كَانَ لِي عَيْنَانِ أَنْظُرُ بِهِمَا، فَمَضَتْ إِحْدَاهُمَا وَ هِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَقِيَتِ الْأُخْرَى وَ هِيَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ، وَ مَا أَظُنُّ أَنْ أُظْلَمَ وَ يَزُولَ مَا شَرَّفَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنْتَ لِي، فَانْظُرْ فِي أَمْرِي، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ! ارْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ، فَسَتَرَى مِنِّي مَا يَسُرُّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ نَادَى: يَا قَنْبَرُ! عَلَيَّ بِذِي الْفَقَارِ، فَتَقَلَّدَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ وَ قَالَ: يَا قَنْبَرُ! اصْعَدْ فَرُدَّ الْمِيزَابَ إِلَى مَكَانِهِ، فَصَعِدَ قَنْبَرُ فَرَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ، وَ قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): وَ حَقِّ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَ الْمِنْبَرِ لَئِنْ قَلَعَهُ قَالِعٌ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ وَ عُنُقَ الْآمِرِ لَهُ بِذَلِكَ، وَ لَأَصْلِبَنَّهُمَا فِي الشَّمْسِ حَتَّى يَتَقَدَّدَا (2)، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَنَهَضَ وَ دَخَلَ (3) الْمَسْجِدَ وَ نَظَرَ إِلَى الْمِيزَابِ، فَقَالَ: لَا يُغْضِبُ أحدا [أَحَدٌ أَبَا الْحَسَنِ فِيمَا فَعَلَهُ، وَ نُكَفِّرُ (4) عَنِ الْيَمِينِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدَاةِ مَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا عَمِّ؟. قَالَ: بِأَفْضَلِ النِّعَمِ مَا دُمْتَ لِي يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ! طِبْ نَفْساً وَ قَرَّ عَيْناً، فَوَ اللَّهِ لَوْ خَاصَمَنِي أَهْلُ الْأَرْضِ فِي الْمِيزَابِ لَخَصَمْتُهُمْ، ثُمَّ لَقَتَلْتُهُمْ بِحَوْلِ اللَّهِ وَ قُوَّتِهِ، وَ لَا يَنَالُكَ ضَيْمٌ (5) يَا عَمِّ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! مَا خَابَ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ.
فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).،
وَ قَدْ قَالَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ وَصِيَّةً مِنْهُ فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ: إِنَّ عَمِّيَ الْعَبَّاسَ بَقِيَّةُ الْآبَاءِ وَ الْأَجْدَادِ
____________
(1) كذا، و الظّاهر: تهديده.
(2) في (س): يتغددا، و هو غلط.
(3) في (س): فدخل.
(4) في (ك): و نكفّر عنه عن.
(5) الضّيم: الظّلم، قاله في الصّحاح 5- 1973، و القاموس 4- 143، و غيرهما.
366
فَاحْفَظُونِي فِيهِ، كُلٌّ فِي كَنَفِي، وَ أَنَا فِي كَنَفِ عَمِّيَ الْعَبَّاسِ، فَمَنْ آذَاهُ فَقَدْ آذَانِي، وَ مَنْ عَادَاهُ فَقَدْ عَادَانِي، سِلْمُهُ سِلْمِي، وَ حَرْبُهُ حَرْبِي.
و قد آذاه عمر في ثلاثة مواطن ظاهرة غير خفيّة:
منها: قصّة الميزاب، و لو لا خوفه من عليّ (ع) لم يتركه على حاله.
وَ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبْلَ الْهِجْرَةِ خَرَجَ يَوْماً إِلَى خَارِجِ مَكَّةَ وَ رَجَعَ طَالِباً مَنْزِلَهُ فَاجْتَازَ بِمُنَادٍ يُنَادِي مِنْ بَنِي تَمِيمٍ- وَ كَانَ لَهُمْ سَيِّدٌ يُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُذْعَانَ، وَ كَانَ يُعَدُّ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَ أَشْيَاخِهِمْ، وَ كَانَ (1) لَهُ مُنَادِيَةٌ يُنَادُونَ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَ أَوْدِيَتِهَا: مَنْ أَرَادَ الضِّيَافَةَ وَ الْقِرَى فَلْيَأْتِ مَائِدَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، وَ كَانَ مُنَادِيهِ: أَبُو قُحَافَةَ، وَ أُجْرَتُهُ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَ لَهُ مُنَادٍ آخَرُ فَوْقَ سَطْحِ دَارِهِ، فَأَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُذْعَانَ بِجَوَازِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى بَابِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى حَتَّى لَحِقَ بِهِ وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا مَا شَرَّفْتَنِي بِدُخُولِكَ إِلَى مَنْزِلِي وَ تَحَرُّمِكَ بِزَادِي، وَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِرَبِّ الْبَيْتِ وَ الْبَطْحَاءِ وَ بِشَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى ذَلِكَ وَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَ تَحَرَّمَ بِزَادِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) خَرَجَ مَعَهُ ابْنُ جُذْعَانَ مُشَيِّعاً لَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً فِي ضِيَافَتِي أَنْتَ وَ تَيْمٌ وَ أَتْبَاعُهَا وَ حُلَفَاؤُهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْغَزَالَةِ (2)، ثُمَّ افْتَرَقَا وَ مَضَى النَّبِيُّ إِلَى دَارِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَ جَلَسَ مُتَفَكِّراً فِيمَا وَعَدَهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، إِذْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ (صلوات اللّه عليها) زَوْجَةُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ- وَ كَانَتْ هِيَ مُرَبِّيَتَهُ، وَ كَانَ يُسَمِّيهَا الْأُمَّ فَلَمَّا رَأَتْهُ مَهْمُوماً قَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي، مَا لِي أَرَاكَ مَهْمُوماً؟ أَ عَارَضَكَ أَحَدٌ مِنْ
____________
(1) كذا، و الظّاهر: و كانت.
(2) غزالة الضّحى: أوّلها، يقال: جاءنا فلان في غزالة الضّحى، قاله في الصّحاح 5- 1781، ثمّ قال: و يقال: الغزالة الشّمس أيضا. و في القاموس 4- 24: .. كسحابة الشّمس لأنّها تمدّ حبالا كأنّها تغزل، أو الشّمس عند طلوعها، أو عند ارتفاعها، أو عين الشّمس. و انظر: مجمع البحرين 5- 433.
367
أَهْلِ مَكَّةَ؟. فَقَالَ: لَا. قَالَتْ: فَبِحَقِّي عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي بِحَالِكَ .. فَقَصَّ عَلَيْهَا قِصَّتَهُ مَعَ ابْنِ جُذْعَانَ وَ مَا قَالَهُ وَ مَا وَعَدَهُ مِنَ الضِّيَافَةِ، فَقَالَتْ: يَا وَلَدِي! لَا تَضِيقَنَّ صَدْرُكَ، مَعِي مُشَارُ (1) عَسَلٍ يَقُومُ لَكَ بِكُلِّ مَا تُرِيدُ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الْحَدِيثِ إِذْ دَخَلَ أَبُو طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: فِيمَا أَنْتُمَا؟. فَأَعْلَمَتْهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِابْنِ جُذْعَانَ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ قَالَ: يَا وَلَدِي! بِاللَّهِ عَلَيْكَ لَا تَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِنْ ذَلِكَ، وَ فِي نَهَارِ غَدٍ أَقُومُ لَكَ بِجَمِيعِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَ أَصْنَعُ وَلِيمَةً تَتَحَدَّثُ بِهَا الرُّكْبَانُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَ عَزَمَ عَلَى وَلِيمَةٍ تَعُمُّ سَائِرَ القَبَائِلِ، وَ قَصَدَ نَحْوَ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ لِيَقْتَرِضَ مِنْ مَالِهِ شَيْئاً يَضُمُّهُ إِلَى مَالِهِ، فَوَجَدَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الطَّرِيقِ فَأَقْرَضُوهُ مِنَ الْجِمَالِ وَ الذَّهَبِ مَا يَكْفِيهِ، فَرَجَعَ عَنِ الْقَصْدِ إِلَى أَخِيهِ الْعَبَّاسِ، وَ آثَرَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ، فَبَلَغَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ ذَلِكَ فَعَظُمَ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ، فَأَقْبَلَ إِلَى أَخِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ مَغْمُومٌ كَئِيبٌ حَزِينٌ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: مَا لِي أَرَاكَ حَزِيناً كَئِيباً؟. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قَصَدْتَنِي فِي حَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَكَ عَنْهَا فَرَجَعْتَ مِنَ الطَّرِيقِ، فَمَا هَذِهِ الْحَالُ؟. فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ .. إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: الْأَمْرُ إِلَيْكَ، وَ إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ أَهْلًا لِكُلِّ مَكْرُمَةٍ وَ مَوْئِلًا (2) لِكُلِّ نَائِبَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ عِنْدَهُ سَاعَةً وَ قَدْ أَخَذَ أَبُو طَالِبٍ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ آلَةِ الطَّبْخِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا أَخِي! لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ؟. فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: هِيَ مَقْضِيَّةٌ، فَاذْكُرْهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّ الْبَيْتِ وَ شَيْبَةِ الْحَمْدِ (3) إِلَّا مَا (4) قَضَيْتَهَا، فَقَالَ:
____________
(1) المشار: الخليّة، كما جاء في القاموس المحيط 2- 65، و انظر: الصّحاح 2- 704، و زاد: يشتار منها.
(2) الموئل: الملجأ. قال في النّهاية 5- 143: .. و قد وأل يئل فهو وائل: إذا التجأ إلى موضع و نجا.
و لاحظ: القاموس المحيط 4- 62، و الصّحاح 5- 1838، و غيرهما.
(3) قال في مجمع البحرين 2- 95: شيبة الحمد .. هو عبد المطّلب بن هاشم المطعم طير السّماء، لأنّه لمّا نحر فداء ابنه عبد اللّه مائة بعير فرّقها على رءوس الجبال، فأكلتها الطّير.
(4) «ما» هنا مصدرية، أي إلّا قضاؤك إيّاها.
368
لَكَ ذَلِكَ وَ لَوْ سَأَلْتَ فِي النَّفْسِ وَ الْوَلَدِ، فَقَالَ: تَهَبُ لِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةَ تُشَرِّفُنِي بِهَا.
فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ مَعَ مَا أَصْنَعُهُ أَنَا .. فَنَحَرَ الْعَبَّاسُ الْجُزُرَ (1) وَ نَصَبَ (2) الْقُدُورَ، وَ عَقَدَ الْحَلَاوَاتِ، وَ شَوَى الْمَشْوِيَّ، وَ أَكْثَرَ مِنَ الزَّادِ فَوْقَ مَا يُرَادُ، وَ نَادَى سَائِرَ النَّاسِ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ مَكَّةَ وَ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَ سَائِرُ الْعَرَبِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى كَأَنَّهُ عِيدُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، وَ نَصَبَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَنْصَباً عَالِياً، وَ زَيَّنَهُ بِالدُّرِّ وَ الْيَاقُوتِ وَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَ بَقِيَ النَّاسُ مِنْ حُسْنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وَقَارِهِ وَ عَقْلِهِ وَ كَمَالِهِ مُتَحَيِّرِينَ، وَ ضَوْؤُهُ يَعْلُو نُورَ الشَّمْسِ، وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ مَسْرُورِينَ وَ قَدْ أَخَذُوا فِي الْخُطَبِ وَ الْأَشْعَارِ وَ مَدْحِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَشِيرَتِهِ عَلَى حُسْنِ ضِيَافَتِهِمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَشُدَّهُ وَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ وَ نَبَّأَهُ وَ أَرْسَلَهُ إِلَى سَائِرِ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ، وَ أَظْهَرَهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَ فَتَحَ مَكَّةَ وَ دَخَلَهَا مُؤَيَّداً مَنْصُوراً، وَ قُتِلَ مَنْ قُتِلَ، وَ بَغَى مَنْ بَغَى، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ عَمَّكَ الْعَبَّاسَ لَهُ عَلَيْكَ يَدٌ سَابِقَةٌ وَ جَمِيلٌ مُتَقَدِّمٌ، وَ هُوَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْكَ فِي وَلِيمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُذْعَانَ، وَ هُوَ سِتُّونَ أَلْفَ دِينَارٍ مَعَ مَا لَهُ عَلَيْكَ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ، وَ فِي نَفْسِهِ شَهْوَةٌ مِنْ سُوقِ عُكَاظٍ، فَامْنَحْهُ إِيَّاهُ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ وَ لِوُلْدِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ عَمِّي فِي سُوقِ عُكَاظٍ وَ (3) نَازَعَهُ فِيهِ، وَ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَلَمْ يَكْتَرِثْ (4) عُمَرُ بِذَلِكَ وَ حَسَدَ الْعَبَّاسَ عَلَى دَخْلِ سُوقِ عُكَاظٍ، وَ غَصَبَهُ مِنْهُ،
____________
(1) قال في مجمع البحرين 3- 245: في حديث ذكر الجزور- بالفتح-: و هي من الإبل خاصّة ما كمّل خمس سنين و دخل في السّادسة، يقع على الذّكر و الأنثى، و الجمع جزر كرسول و رسل، و نحوه في الصّحاح 2- 612، و لم يعيّن فيها السّنّ.
(2) في (س) نصبا- بالتّثنية-، و عليه يرجع الضّمير إلى أبي طالب و العبّاس.
(3) في (ك) نسخة بدل: أو.
(4) جاء في حاشية (ك) ما يلي: فلم يكترث عمر .. أي لا يعبأ به و لا يبالي. مجمع.
انظر مجمع البحرين 2- 262.
369
وَ لَمْ يَزَلِ الْعَبَّاسُ مُتَظَلِّماً إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ.
وَ مِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ جَالِساً فِي مَسْجِدِهِ يَوْماً- وَ حَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ- إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ- وَ كَانَ رَجُلًا صَبِيحاً حَسَناً حُلْوَ الشَّمَائِلِ- فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَامَ إِلَيْهِ وَ اسْتَقْبَلَهُ وَ قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ رَحَّبَ بِهِ وَ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَنْشَدَ الْعَبَّاسُ أَبْيَاتاً فِي مَدْحِهِ (ص)، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): جَزَاكَ اللَّهُ- يَا عَمِّ- خَيْراً وَ مُكَافَأَتُكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! احْفَظُونِي فِي عَمِّيَ الْعَبَّاسِ وَ انْصُرُوهُ وَ لَا تَخْذُلُوهُ.
ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ! اطْلُبْ مِنِّي شَيْئاً أُتْحِفْكَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أُرِيدُ مِنَ الشَّامِ الْمَلْعَبَ، وَ مِنَ الْعِرَاقِ الْحِيرَةَ، وَ مِنْ هَجَرٍ الْخَطَّ، وَ كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ كَثِيرَةَ الْعِمَارَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): حُبّاً وَ كَرَامَةً، ثُمَّ دَعَا عَلِيّاً (عليه السلام)، فَقَالَ: اكْتُبْ لِعَمِّكَ الْعَبَّاسِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ، فَكَتَبَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً بِذَلِكَ، وَ أَمْلَى رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ الْحَاضِرِينَ، وَ خَتَمَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِخَاتَمِهِ (1) وَ قَالَ: يَا عَمِّ! إِنْ يَفْتَحِ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمَوَاضِعَ فَهِيَ لَكَ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ، وَ إِنْ فُتِحَتْ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنِّي أُوصِي الَّذِي يَنْظُرُ بَعْدِي فِي الْأُمَّةِ بِتَسْلِيمِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إِلَيْكَ.
ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ لِعَمِّيَ الْعَبَّاسِ، فَعَلَى مَنْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ أَوْ يُبَدِّلُهُ أَوْ يَمْنَعُهُ أَوْ يَظْلِمُهُ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ وَ فُتِحَ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمَذْكُورَةُ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ دَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَ سَأَلَهُ عَنِ الْمَلْعَبِ، فَقَالَ: يَزِيدُ ارْتِفَاعُهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْآخَرَيْنِ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ ارْتِفَاعَهُمَا تَقُومُ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
فَقَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ لَكَ أَخْذُهُ مِنْ دُونِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَشْهَدُ لِي بِذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ
____________
(1) في (س): بخاتم.
370
كَثِيراً، فَقَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تُسَاوِي الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَ إِلَّا فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ أَتَيْتَ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ كَثِيرٌ غَلِيظٌ، فَغَضِبَ عُمَرُ- وَ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ- فَأَخَذَ الْكِتَابَ مِنَ الْعَبَّاسِ وَ مَزَّقَهُ وَ تَفَلَ فِيهِ وَ رَمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْعَبَّاسِ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ! لَوْ طَلَبْتَ مِنْهُ حَبَّةً وَاحِدَةً مَا أَعْطَيْتُكَ، فَأَخَذَ الْعَبَّاسُ بَقِيَّةَ الْكِتَابِ وَ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَزِيناً بَاكِياً شَاكِياً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ إِلَى رَسُولِهِ، فَصَاحَ الْعَبَّاسُ بِالْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَغَضِبُوا لِذَلِكَ وَ قَالُوا: يَا عُمَرُ! تَخْرِقُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَ تُلْقِي بِهِ فِي الْأَرْضِ، هَذَا شَيْءٌ لَا نَصْبِرُ عَلَيْهِ. فَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَنْخَرِمَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَقَالَ: قُومُوا بِنَا إِلَى الْعَبَّاسِ نَسْتَرْضِيهِ وَ نَفْعَلُ مَعَهُ مَا يُصْلِحُهُ، فَنَهَضُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى دَارِ الْعَبَّاسِ فَوَجَدُوهُ مَوْعُوكاً (1) لِشِدَّةِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الْفِتَنِ وَ الْأَلَمِ وَ الظُّلْمِ، فَقَالَ: نَحْنُ فِي الْغَدَاةِ عَائِدُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ مُعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِنَا، فَمَضَى غَدٌ وَ بَعْدَ غَدٍ وَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ وَ لَا اعْتَذَرَ مِنْهُ، ثُمَّ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ بَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ.
و لو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، و هذا القدر فيه عبرة لأولي الألباب.
و أمّا صاحبهما الثالث، فقد استبدّ بأخذ الأموال ظلما على ما تقدّم به الشرح في صاحبيه، و اختصّ بها مع أهل بيته من بني أميّة دون المسلمين، فهل يستحقّ هذا أو يستجيزه مسلم؟.
ثم إنّه ابتدع أشياء أخر:
منها: منع المراعي من الجبال و الأودية و حماها حتى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين.
وَ مِنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَفَى الْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ- عَمَّ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَ طَرَدَهُ عَنْ جِوَارِهِ فَلَمْ يَزَلْ طَرِيداً مِنَ الْمَدِينَةِ وَ مَعَهُ ابْنُهُ مَرْوَانُ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ وَ أَيَّامَ عُمَرَ يُسَمَّى: طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) الموعوك: المحموم، كما في مجمع البحرين 5- 298.
371
(صلّى اللّه عليه و آله)، حَتَّى اسْتَوْلَى عُثْمَانُ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ آوَاهُ، وَ جَعَلَ ابْنَهُ مَرْوَانَ كَاتِبَهُ وَ صَاحِبَ تَدْبِيرِهِ فِي دَارِهِ،.
فهل هذا منه إلّا خلافا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مضادّة لفعله؟ و هل يستجيز هذا الخلاف على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و المضادّة لأفعاله إلّا خارج عن الدين بريء من المسلمين؟ و هل يظنّ ذو فهم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طرد الحكم و لعنه و هو مؤمن؟ و إذا لم يكن مؤمنا فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه و الإحسان إليه- و هو رجل كافر- لو لا أنّه تعصّب لرحمه (1) و لم يفكّر (2) في دينه، فحقّت عليه الآية، قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (3).
- وَ مِنْهَا: أَنَّهُ جَمَعَ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ صُحُفِ الْقُرْآنِ وَ طَبَخَهَا بِالْمَاءِ عَلَى النَّارِ وَ غَسَلَهَا وَ رَمَى بِهَا إِلَّا مَا كَانَ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَأَتَى إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى كَسَرَ لَهُ ضِلْعَيْنِ وَ حُمِلَ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ فَبَقِيَ عَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، و هذه بدعة عظيمة، لأنّ تلك الصحف إن كان فيها زيادة عمّا في أيدي الناس، و قصد لذهابه و منع الناس منه، فقد حقّ عليه قوله تعالى: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (4).
هذا، مع ما يلزم أنّه لم يترك ذلك و يطرحه تعمدا إلّا و فيه ما قد كرهه، و من كره ما أنزل اللّه في كتابه حبط جميع عمله، كما قال اللّه تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (5)، و إن لم تكن في تلك الصحف زيادة عمّا في أيدي
____________
(1) في (س): لرجعه.
(2) في (س): و لم يتفكّر.
(3) المجادلة: 22.
(4) البقرة: 85.
(5) سورة محمّد (ص): 9.
372
الناس فلا معنى لما فعله.
وَ مِنْهَا: أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَامَ يَوْماً فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ عُثْمَانُ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ- فَوَبَّخَ عُثْمَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ، فَنَزَلَ عُثْمَانُ فَرَكَلَهُ (1) بِرِجْلِهِ وَ أَلْقَاهُ عَلَى قَفَاهُ، وَ جَعَلَ يَدُوسُ (2) فِي بَطْنِهِ وَ يَأْمُرُ أَعْوَانَهُ بِذَلِكَ حَتَّى غُشِيَ عَلَى عَمَّارٍ، وَ هُوَ يَفْتَرِي عَلَى عَمَّارٍ وَ يَشْتِمُهُ،
- وَ قَدْ رَوَوْا جَمِيعاً أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ::
الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ يَدُورُ (3) مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ.
،- وَ قَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): إِذَا افْتَرَقَ النَّاسُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَانْظُرُوا الْفِرْقَةَ الَّتِي فِيهَا عَمَّارٌ فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّهُ يَدُورُ الْحَقُّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ.
فلا يخلو حال ضربه لعمّار من أمرين: أحدهما، أنّه يزعم أنّ ما قال عمّار و ما فعله باطل، و فيه تكذيب
- لِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيْثُ يَقُولُ: الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ.
، فثبت أن يكون ما قاله عمّار حقّا كرهه عثمان فضربه عليه.
وَ مِنْهَا: مَا فَعَلَ بِأَبِي ذَرٍّ حِينَ نَفَاهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الرَّبَذَةِ، مَعَ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي الرِّوَايَةِ
- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ:: مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَ لَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
،- وَ رَوَوْا أَنَّهُ قَالَ:: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ يُحِبُّ أَرْبَعَةً مِنْ أَصْحَابِي وَ أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ، فَقِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)؟.
قَالَ: عَلِيٌّ سَيِّدُهُمْ، وَ سَلْمَانُ، وَ الْمِقْدَادُ، وَ أَبُو ذَرٍّ.
فحينئذ ثبت أنّ أبا ذرّ حَبَّهُ (4) اللّهُ و حَبَّهُ رسولُ اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و محال عند ذوي الفهم أن يكون اللّه و رسوله يَحِبَّان رجلا و هو يجوز أن يفعل فعلا يستوجب به النفي عن حرم اللّه و رسوله، و محال أيضا أن يشهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لرجل أنّه ما على وجه الأرض و لا تحت السماء أصدق منه، ثم يقول
____________
(1) قال في مجمع البحرين 5- 385: الرّكل: الضّرب برجل واحدة.
(2) قال في لسان العرب 6- 90: الدّوس: شدّة وطء الشّيء بالأقدام.
(3) في (ك): و يدور.
(4) جاء في حاشية (ك): حبّه يحبّه- بالكسر- فهو محبوب. صحاح.
انظر: الصحاح 1- 105.
373
باطلا، فتعيّن أن يكون ما فعله و ما قاله حقّا كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، و من كره الحقّ و لم يحبّ الصدق فقد كره ما أنزل اللّه في كتابه، لأنّه أمر بالكون مع الصادقِينَ، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (1).
وَ مِنْهَا: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا ضَرَبَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ الضَّرْبَةَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ قَوْماً يَقُولُونَ: قَتَلَ الْعِلْجُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدَّرَ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ الْهُرْمُزَانَ- رَئِيسَ فَارِسَ- وَ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) ثُمَّ أَعْتَقَهُ مِنْ قِسْمَتِهِ مِنَ الْفَيْءِ، فَبَادَرَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُ أَبُوهُ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ، فَقَالَ:
أَخْطَأَ، فَإِنَّ الَّذِي ضَرَبَنِي أَبُو لُؤْلُؤَةَ، وَ مَا كَانَ لِلْهُرْمُزَانِ (2) فِي أَمْرِي صُنْعٌ، وَ إِنْ عِشْتُ احْتَجْتُ أَنْ أُقِيدَهُ بِهِ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَا يَقْبَلُ مِنَّا الدِّيَةَ، وَ هُوَ مَوْلَاهُ، فَمَاتَ عُمَرُ وَ اسْتَوْلَى عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ بَعْدَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) لِعُثْمَانَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَتَلَ مَوْلَايَ الْهُرْمُزَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَ أَنَا وَلِيُّهُ وَ الطَّالِبُ بِدَمِهِ، سَلِّمْهُ إِلَيَّ لِأُقِيدَهُ بِهِ؟. فَقَالَ عُثْمَانُ: بِالْأَمْسِ قُتِلَ عُمَرُ وَ أَنَا أَقْتُلُ ابْنَهُ أُورِدُ عَلَى آلِ عُمَرَ مَا لَا قِوَامَ لَهُمْ بِهِ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) شَفَقَةً مِنْهُ- بِزَعْمِهِ- عَلَى آلِ عُمَرَ، فَلَمَّا رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) هَرَبَ مِنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ فَصَارَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَ حَضَرَ يَوْمَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مُحَارِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ وَ وُجِدَ مُتَقَلِّدَ السَّيْفَيْنِ يَوْمَئِذٍ.
فانظروا- يا أهل الفهم- في أمر عثمان كيف عطّل حدّا من حدود اللّه تعالى لا شبهة فيه شفقة منه- بزعمه- على آل عمر و لم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود اللّه تعالى و مخالفته، و أشفق على آل عمر في قتل من أوجب اللّه قتله و أمر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) التوبة: 119.
(2) في (س): الهرمزان.
374
وَ مِنْهَا: أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فَنَقَلَهَا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا حِينَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَجَعَلَهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ وَ ظُهُورِ ضِيَاءِ النَّهَارِ، وَ اتَّبَعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ إِشْفَاقاً مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ خَوْفاً أَنْ يُقْتَلَ فِي غَلَسِ الْفَجْرِ كَمَا قُتِلَ عُمَرُ، وَ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ سَرَباً تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَعَدَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي السَّرَبِ فَضَرَبَهُ بِخَنْجَرٍ فِي بَطْنِهِ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُثْمَانُ أَخَّرَ صَلَاةَ الْفَجْرِ إِلَى الْإِسْفَارِ، فَعَطَّلَ وَقْتَ فَرِيضَةِ اللَّهِ وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى صَلَاتِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، لأنّ اللّه سبحانه قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (1) يعني ظلمته، ثم قال: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (2)، و الفجر هو أوّل ما يبدو من المشرق في الظلمة، و عنده تجب الصلاة، فإذا علا في الأفق و انبسط الضياء و زالت الظلمة صار صبحا، و زال عن أن يكون فجرا، و درج على هذه البدعة أولياؤه، ثم تخرّص بنو أميّة بعده أحاديث
أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) غلس بالفجر و أسفر بها.
، و
قال للناس: أسفروا بها أعظم لأجركم (3).
، فصار المصلّي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعا، و من اتّبع بدعة عثمان فهو على السنّة.
فما أعجب أحوالهم و أشنعها!.
ثُمَّ خَتَمَ بِدَعَهُ بِأَنَّ أَهْلَ مِصْرَ شَكَوْا مِنْ عَامِلِهِ وَ سَأَلُوهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْهُمْ، أَوْ يَبْعَثَ رَجُلًا نَاظِراً بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهُ، فَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ نَاظِراً- وَ كَانَ مُحَمَّدٌ مِمَّنْ يُشِيرُ بِالْحَقِّ وَ يَنْهَى عَنْ مُخَالَفَتِهِ- فَثَقُلَ أَمْرُهُ عَلَى عُثْمَانَ وَ كَادُوهُ (4)، وَ بَقِيَ حَرِيصاً عَلَى قَتْلِهِ بِحِيلَةٍ، فَلَمَّا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَاظِراً بَيْنَ أَهْلِ مِصْرَ وَ بَيْنَ عَامِلِهِ خَرَجَ مَعَهُمْ، وَ كَتَبَ عُثْمَانُ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى عَامِلِهِ بِمِصْرَ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ
____________
(1) الإسراء: 78.
(2) الإسراء: 78.
(3) في العبارة اضطراب، و الظاهر سقوط مثل: فهو، قبل: أعظم.
(4) في البحار: كاده. و قال في القاموس 1- 334: و تكون كاد بمعنى أراد، أكاد أخفيها: أريد. و ما أثبتناه هو الظّاهر.
375
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِذَا صَارَ إِلَيْهِ، وَ دَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، فَرَكِبَ الْعَبْدُ رَاحِلَتَهُ وَ سَارَ نَحْوَ مِصْرَ بِالْكِتَابِ مُسْرِعاً لِيَدْخُلَ مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقِيلَ إِنَّ الْعَبْدَ مَرَّ يَرْكُضُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ الَّذِينَ مَعَ مُحَمَّدٍ فَأَخْبَرُوا مُحَمَّداً بِذَلِكَ، فَبَعَثَ خَلْفَهُ خَيْلًا فَأَخَذُوهُ وَ ارْتَابَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا رَدُّوهُ إِلَيْهِ وَجَدَ الْكِتَابَ مَعَهُ، فَقَرَأَهُ وَ انْصَرَفَ رَاجِعاً مَعَ الْقَوْمِ وَ الْعَبْدُ وَ الرَّاحِلَةُ مَعَهُمْ، فَثَارُوا عَلَى عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا الْعَبْدُ فَعَبْدِي وَ الرَّاحِلَةُ رَاحِلَتِي وَ خَتْمُ الْكِتَابِ خَتْمِي، وَ لَيْسَ الْكِتَابُ كِتَابِي وَ لَا أَمَرْتُ بِهِ، وَ كَانَ الْكِتَابُ بِخَطِّ مَرْوَانَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَادْفَعْ إِلَيْنَا مَرْوَانَ فَهَذَا خَطُّهُ وَ هُوَ كَاتِبُكَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ، فَحَاصَرُوهُ وَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِهِ.
بيان:
السجف- بالفتح و الكسر- السّتر (1).
و الجزل- بالفتح- الكثير (2).
و قال الجوهري (3): سفعته النّار و السّموم: إذا لفحته لفحا يسيرا فغيّرت لون البشرة (4).
و الخرص و التّخرّص: الكذب (5).
و الغزالة: الشّمس (6).
و مشار عسل- بضم الميم- من إضافة الصّفة إلى الموصوف أو بفتحها بتقدير اللّام، يقال: شرت العسل .. أي اجتنيتها، و المشار- بالفتح- الخليّة
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 5- 69، و الصحاح 4- 1371. و في (س): السر، و هو سهو.
(2) ذكره في القاموس 3- 348، و مجمع البحرين 5- 337، و غيرهما.
(3) الصحاح 3- 1230.
(4) و نحوه في لسان العرب 8- 157، و غيره.
(5) جاء في لسان العرب 7- 21، و الصحاح 3- 1035.
(6) ذكره في مجمع البحرين 5- 433، و القاموس 4- 24، و غيرهما.
376
يشتار منها (1).
و في القاموس (2): الخطّ .. سيف البحرين أو كلّ سيف، و موضع باليمامة، و مرقى (3) السّفن بالبحرين، و يكسر و إليه نسبت الرّماح لأنّها تباع به.
أقول:
إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، و إن كان في بعض ما احتجّ به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتّضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية، و اللّه الموفّق.
165- و قال أبو الصلاح (رحمه الله) في تقريب المعارف (4): و ممّا يقدح في عدالة الثلاثة، قصدهم أهل بيت نبيّهم (عليهم السلام) بالتخفيف (5) و الأذى، و الوضع من أقدارهم، و اجتناب ما يستحقّونه من التعظيم، فمن ذلك: أمان كلّ معتزل بيعتهم ضررهم، و قصدهم عليّا (عليه السلام) بالأذى لتخلّفه عنهم، و الإغلاظ له في الخطاب و المبالغة في الوعيد، و إحضار الحطب لتحريق منزله، و الهجوم عليه بالرجال من غير إذنه، و الإتيان به ملبّبا، و اضطرارهم بذلك زوجته و بناته و نساءه و حامته من بنات هاشم و غيرهم إلى الخروج عن بيوتهم، و تجريد السيوف من حوله، و توعّده بالقتل إن امتنع من بيعتهم، و لم يفعلوا شيئا من ذلك لسعد بن عبادة و لا بالخبّاب بن المنذر .. و غيرهما ممّن تأخّر عن بيعتهم حتى مات أو طويل الزمان.
و من ذلك ردّهم دعوى فاطمة (عليها السلام) و شهادة عليّ و الحسنين عليهم
____________
(1) نصّ عليه في الصحاح 2- 704، و لسان العرب 4- 434. و الخليّة: بيت النحل الذي تعسل فيه، كما في الصحاح 6- 2331.
(2) القاموس 2- 357- 358.
(3) جاء في المصدر: مرفأ السّفن.
(4) تقريب المعارف (في الكلام): 167.
(5) في المصدر: بالتحيف.
377
السلام و قبول شهادة (1) جابر بن عبد اللّه في الخبيثات، و عائشة في الحجرة و القميص و النعل، و غيرهما.
و منها: تفضيل الناس في العطاء و الاقتصار بهم على أدنى المنازل.
و منها: عقد الرايات و الولايات لمسلميّة الفتح (2) و المؤلّفة قلوبهم و مكيدي الإسلام من بني أميّة، و بني مخزوم، و غيرهما، و الإعراض عنهم و اجتناب تأهيلهم لشيء من ذلك (3).
و منهم [منها (4): موالاة المعروفين ببغضهم و حسدهم و تقديمهم على رقاب العالم كمعاوية، و خالد، و أبي عبيدة، و المغيرة، و أبي موسى، و مروان، و عبد اللّه بن أبي سرح، و ابن كريز .. و من ضارعهم في عداوتهم، و الغضّ (5) من المعروفين بولايتهم و قصدهم بالأذى كعمّار، و سلمان، و أبي ذرّ، و المقداد، و أبي بن كعب، و ابن مسعود .. و من شاركهم في التخصّص (6) بولايتهم عليهم الصلاة و السلام و منها: قبض أيديهم عن فدك مع ثبوت استحقاقهم لها على ما بيّناه.
و إباحة معاوية الشام، و أبي موسى العراق، و ابن كريز البصرة، و ابن أبي صرح [كذا] مصر و المغرب .. و أمثالهم من المشهورين بكيد الإسلام و أهله.
و تَأَمَّلْ هذا بعين إنصاف يَكْشِفْ لك عن شديد عداوتهم و تحاملهم عليهم كأمثاله من الأفعال الدالّة على تميّز العدوّ من الوليّ، و لا وجه لذلك إلّا تخصّصهم بصاحب الشريعة (صلوات الله عليه و على آله) في النسب، و تقدّمهم لديه في
____________
(1) في المصدر: دعوى، و هي نسخة بدل (س) من البحار.
(2) في (ك): المسلمية الفتح. و في المصدر: لمسلمة القبح. و جعل فيه: الفتح نسخة.
(3) في (س): من شيء ذلك.
(4) في تقريب المعارف: و فيها ..، و الأنسب: و منها.
(5) جاء في حاشية (ك): غض منه: نقص من قدره، منه (قدّس سرّه).
انظر: القاموس 2- 338، و الصحاح 3- 1095.
(6) في (ك): في التخصيص.
378
الدين، و بذل (1) الجهد في طاعته، و المبالغة في نصيحته (2) و نصرة ملّته بما لا يشاركون فيه، و في هذا ما لا يخفى ما فيه على متأمّل.
ثم قال (3): و ممّا يقدح في عدالتهم ما حفظ عن وجوه الصحابة و فضلاء السابقين و التابعين من الطعن عليهم و ذمّ أفعالهم و التصريح بذمّهم و تصريحهم بذلك عند الوفاة، و تحسّرهم على ما فرّط منهم، فأمّا أقوال الصحابة و التابعين ما حفظ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من التظلّم منهم و التصريح و التلويح بتقدّمهم عليه بغير حقّ في مقام بعد مقام،
- كَقَوْلِهِ- حِينَ أَرَادُوهُ بِالْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ-: وَ اللَّهِ أَنَا لَا أُبَايِعُكُمْ وَ أَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَيْعَةِ لِي.
- وَ قَوْلِهِ (عليه السلام): يَا ابْنَ أُمَّ! إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي.
ثم ذكر ما مرّ من تظلّماته و شكاياته (صلوات الله عليه).
ثُمَّ قَالَ: وَ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ وَ رُشَيْدٍ الْهَجَرِيِّ وَ أَبِي كُدَيْبَةَ الْأَسَدِيِّ [كَذَا] وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ- قَالُوا: كُنَّا جُلُوساً فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنَ الْبَابِ الصَّغِيرِ يَهْوِي بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ يَقُولُ: أَ مَا تَرَوْنَ مَا أَرَى؟!. قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ مَا الَّذِي تَرَى؟. قَالَ: أَرَى [أَبَا زُرَيْقٍ] فِي سَدَفِ النَّارِ يُشِيرُ إِلَيَّ بِيَدِهِ يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لِي، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَ زَادَ أَبُو كُدَيْبَةَ [كَذَا]: إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمَا حَتَّى يُرْضِيَانِي، وَ ايْمُ اللَّهِ لَا يُرْضِيَانِّي أَبَداً.
وَ سُئِلَ عَنِ السَّدَفِ؟ فَقَالَ: الْوَهْدَةُ الْعَظِيمَةُ.
____________
(1) في المصدر: و تحقّقهم من بذل.
(2) الكلمة في (س) مشوّشة.
(3) أقول: من هنا لم يطبع في الطبعة المحقّقة، مع أنّه ذكر في مقدّمة الكتاب أنّ هذا القسم موجود عند المحقق- و لعلّه لمصالحه الخاصّة و لحفظ موقعيته السياسية- لم يطبعه، و قد ذكر في صفحة: 26 في عدّه لفهرس القسم الثاني من الخطيّة: 74- 83 عين ما ذكر هنا: قال: و ممّا يقدح في عدالة الخلفاء الثلاثة ما حفظ ... ثم قال: و في ذلك الباب نحو من ثمانين رواية، و فيها روايات طريفة جدا ..
379
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)- فِي بَعْضِ اللَّيْلِ-، فَقَالَ لِي: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟. قُلْتُ: حُبُّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: اللَّهَ ..؟. قُلْتُ: اللَّهَ. قَالَ: أَ لَا أُحَدِّثُكَ بِأَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَنَا وَ أَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِمَنْ أَحَبَّنَا؟. قُلْتُ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ ظَنّاً.
قَالَ: هَاتِ ظَنَّكَ. قُلْتُ: [فُلَانٌ وَ فُلَانٌ]. قَالَ: ادْنُ مِنِّي يَا أَعْوَرُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: ابْرَأْ مِنْهُمَا .. بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُمَا.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنِّي لَأَتَوَهَّمُ تَوَهُّماً فَأَكْرَهُ أَنْ أَرْمِيَ بِهِ بَرِيئاً، [فُلَانٌ وَ فُلَانٌ].
فَقَالَ: إِي وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُمَا لَهُمَا (1) ظَلَمَانِي حَقِّي وَ نَغَّصَانِي (2) رِيقِي وَ حَسَدَانِي وَ آذَيَانِي، وَ إِنَّهُ لَيُوذِي أَهْلَ النَّارِ ضَجِيجُهُمَا وَ رَفْعُ أَصْوَاتِهِمَا وَ تَعْيِيرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِيَّاهُمَا..
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنْ عُمَارَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ (3) هُوَ فِي مَيْمَنَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ عِنْدَهُ النَّاسُ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ: لَكِنِّي وَ اللَّهِ مَا أُحِبُّكَ، كَيْفَ حُبُّكَ لِأَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ؟. فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّهُمَا حُبّاً شَدِيداً. قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لِعُثْمَانَ؟. قَالَ:
قَدْ رَسَخَ حُبُّهُ فِي السُّوَيْدَاءِ مِنْ قَلْبِي. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنَا أَبُو الْحَسَنِ ...
الْحَدِيثَ (4).
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نَقِيعٍ، عَنْ أَبِي كُدَيْبَةَ (5) الْأَزْدِيِّ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ
____________
(1) كذا، و الظّاهر زيادة: لهما، هنا.
(2) في (س): نقصاني. قال في مجمع البحرين 4- 186: يقال: نغّص عليه العيش تنغيصا: كدّره.
(3) لا توجد الواو في (ك).
(4) لا توجد كلمة: الحديث، في (س).
(5) و تقرأ في (س): كذيبة- بالذال المعجمة-.
380
تَعَالَى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (1) فِيمَنْ نَزَلَتْ؟.
فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ أَ تُرِيدُ أَنْ تُغْرِيَ بِيَ النَّاسَ؟. قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ لَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَعْلَمَ. قَالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: اكْتُبْ عَامِراً اكْتُبْ مَعْمَراً اكْتُبْ عُمَرَ اكْتُبْ عَمَّاراً اكْتُبْ مُعْتَمِراً .. فِي أَحَدِ الْخَمْسَةِ نَزَلَتْ. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لِفُضَيْلٍ:
أَ تَرَاهُ عُمَرَ؟. قَالَ: فَمَنْ هُوَ غَيْرُهُ..
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنِ الْمُنْذِرِ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ عَمَدَا إِلَى الْأَمْرِ- وَ هُوَ لَنَا كُلُّهُ- فَجَعَلَا لَنَا فِيهِ سَهْماً كَسَهْمِ الْجَدَّةِ، أَمَا وَ اللَّهِ لَيَهُمُّ بِهِمَا أَنْفُسُهُمَا يَوْمَ يَطْلُبُ النَّاسُ فِيهِ شَفَاعَتَنَا.
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنْهُ (عليه السلام)- وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ-، فَقَالَ:
وَ اللَّهِ لَقَدْ ضَيَّعَانَا، وَ ذَهَبَا بِحَقِّنَا، وَ جَلَسَا مَجْلِساً كُنَّا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمَا، وَ وَطِئَا عَلَى أَعْنَاقِنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا..
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي الْجَارُودِ زِيَادِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ؟. فَقَالَ: أَضْغَنَا بِآبَائِنَا، وَ اضْطَجَعَا (2) بِسَبِيلِنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا..
وَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قَالَ: صَحِبْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ مَا تَقُولُ فِيهِمَا؟. قَالَ: مَا عَسَى أَنْ أَقُولَ فِيهِمَا..
وَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) بِيَنْبُعَ يَدِي فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ أَ تَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّهِمَا؟.
فَغَضِبَ وَ رَمَى بِيَدِهِ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): وَيْحَكَ! يَا قَاسِمُ! هُمَا أَوَّلُ مَنْ أَضْغَنَا بِآبَائِنَا (3)، وَ اضْطَجَعَا بِسَبِيلِنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ جَلَسَا مَجْلِساً كُنَّا
____________
(1) الحجرات: 1.
(2) في (ك): و اضطجعنا.
(3) في (ك) نسخة بدل: أصغيا بآنائنا.
381
أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمَا..
وَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْهُ (عليه السلام) مِثْلَهُ، وَ ...
. وَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قَالَ: كُنْتُ مَعَهُ (عليه السلام) فِي بَعْضِ خَلَوَاتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي عَلَيْكَ حَقّاً، أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَقَالَ: كَافِرَانِ، كَافِرٌ مَنْ أَحَبَّهُمَا..
وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)- وَ قَدْ خَلَا-:
أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟. قَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ أَخَذَا مِيرَاثَنَا، وَ جَلَسَا مَجْلِساً كُنَّا أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمَا، لَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا وَ لَا رَحِمَهُمَا، كَافِرَانِ، كَافِرٌ مَنْ تَوَلَّاهُمَا..
وَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام): أَنْتُمْ تُقْتَلُونَ فِي عُثْمَانَ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَكَيْفَ لَوْ تَبَرَّأْتُمْ مِنْ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ؟!.
قَالَ: وَ رَوَوْا عَنْ سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) [عَنْهُمَا]. قَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيَّ ثَلَاثاً، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ:
لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا* * * وَ مَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا
.
وَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ [عَنْهُمَا] فَقَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَنِ انْتَزَى عَلَى حَقِّنَا وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى أَعْنَاقِنَا وَ أَكْنَافِنَا، وَ أَدْخَلَا الذُّلَّ بُيُوتَنَا..
وَ عَنْهُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا أَعْوَاناً لَجَاهَدَهُمَا (1).
وَ عَنْ بَشِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) [عَنْهُمَا] فَلَمْ يُجِبْنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَلَمْ يُجِبْنِي، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَخْبِرْنِي
____________
(1) في (ك): جاهدهما.
382
عَنْهُمَا؟. فَقَالَ: مَا قَطَرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دِمَائِنَا وَ لَا مِنْ دِمَاءِ أَحَدٍ مِنَ (1) الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَ هِيَ فِي أَعْنَاقِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..
وَ رَوَوْا أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ [بِرُمَعَ]. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَ اللَّهِ مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَطُّ، إِنَّمَا أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله)، مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعِزَّ الدِّينَ بِشِرَارِ خَلْقِهِ..
وَ رَوَوْا عَنْ قُدَامَةَ بْنِ سَعْدٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) [عَنْهُمَا] فَقَالَ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ بَيْتِي وَ هُمْ يَعِيبُونَهُمَا..
وَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ كَثِيرٌ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ! رَحِمَكَ اللَّهُ، هَذَا أَبُو الْجَارُودِ يَبْرَأُ مِنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]، فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): كَذَبَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنِّي قَطُّ، وَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ أَخُو أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ، أَقْبِلْ إِلَيَّ يَا كَثِيرُ، كَانَا وَ اللَّهِ أَوَّلَ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ أَضْغَنَا (2) بِآبَائِنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا، وَ لَا غَفَرَ لَكَ مَعَهُمَا يَا كَثِيرُ..
وَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ:: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْهُمَا وَ أَنَا جَالِسٌ؟
فَقَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ أَخَذَا مِنْ فَاطِمَةَ (عليها السلام) عَطِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَدَكَ بِنَوَاضِحِهَا. فَقَامَ مُيَسِّرٌ، فَقَالَ:
اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهُمَا بَرِيئَانِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام):
لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا* * * وَ مَا عُلِّمَ الْإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا
.
وَ رَوَوْا عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَرَاكَةَ النَّبَّالِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) [عَنْهُمَا] فَقَالَ- كَهَيْئَةِ الْمُنْتَهِرِ-: مَا تُرِيدُ مِنْ صَنَمَيِ الْعَرَبِ؟! أَنْتُمْ تُقْتَلُونَ
____________
(1) لا توجد: من، في (س).
(2) جاءت في (ك) نسخة: أصغيا، بدلا من: أضغنا.
383
عَلَى دَمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَيْفَ لَوْ أَظْهَرْتُمُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا، إِذاً لَمَا نَاظَرُوكُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ؟!.
وَ عَنْ حُجْرٍ الْبَجَلِيِّ، قَالَ:: شَكَكْتُ فِي أَمْرِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: [إِنَّهُمَا] أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا وَ ذَهَبَ بِحَقِّنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا..
وَ عَنْهُ (عليه السلام)، قَالَ: لَوْ وَجَدَ عَلِيٌّ أَعْوَاناً لَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا.
وَ عَنْ سَلَّامِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَصْعَدُ عَمَلُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ عَمَلٌ: مَنْ مَاتَ وَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي قَلْبِهِ بُغْضٌ، وَ مَنْ تَوَلَّى عَدُوَّنَا، وَ مَنْ تَوَلَّى [فُلَاناً وَ فُلَاناً].
وَ عَنْ وَرْدِ بْنِ زَيْدٍ- أَخِي الْكُمَيْتِ-، قَالَ: سَأَلْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام) [عَنْهُمَا]؟. فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ بَرِئَ مِنْهُمَا، وَ مَا مِنْ مِحْجَمَةِ دَمٍ يُهَرَاقُ إِلَّا وَ هِيَ فِي رِقَابِهِمَا..
وَ عَنْهُ (عليه السلام)،- وَ سُئِلَ [عَنْهُمَا] فَقَالَ-: هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا، وَ قَبَضَ حَقَّنَا، وَ تَوَثَّبَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ فَتَحَ عَلَيْنَا بَاباً لَا يَسُدُّهُ شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا ظُلْمَهُمَا إِيَّانَا..
وَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقُلْتُ: أَئِمَّتَنَا وَ سَادَتَنَا نُوَالِي مَنْ وَالَيْتُمْ، وَ نُعَادِي مَنْ عَادَيْتُمْ، وَ نَبْرَأُ مِنْ عَدُوِّكُمْ.
فَقَالَ: بَخْ بَخْ يَا شَيْخُ! إِنْ كَانَ لِقَوْلِكَ حَقِيقَةٌ. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ لَهُ حَقِيقَةً. قَالَ: مَا تَقُولُ [فِيهِمَا]؟. قَالَ: إِمَامَا عَدْلٍ (رحمهما الله)؟. قَالَ:
يَا شَيْخُ! وَ اللَّهِ لَقَدْ أَشْرَكْتَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ فِيهِ نَصِيباً..
وَ عَنْ فُضَيْلٍ الرَّسَّانِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ: مَثَلُ [فُلَانٍ] وَ شِيعَتِهِ مَثَلُ فِرْعَوْنَ وَ شِيعَتِهِ، وَ مَثَلُ عَلِيٍّ وَ شِيعَتِهِ مَثَلُ مُوسَى وَ شِيعَتِهِ.
وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى
384
بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً ... (1)، قَالَ: أَسَرَّ إِلَيْهِمَا أَمْرَ الْقِبْطِيَّةِ، وَ أَسَرَّ إِلَيْهِمَا [أَنَّهُمَا] يَلِيَانِ أَمْرَ الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ ظَالِمَيْنِ فَاجِرَيْنِ غَادِرَيْنِ.
وَ رَوَوْا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ أَخِيهِ الْأَرْقَطِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: يَا عَمَّاهْ! إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيَّ وَ عَلَيْكَ الْفَوْتَ أَوِ الْمَوْتَ، وَ لَمْ يُفْرَشْ لِي أَمْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟. فَقَالَ لِي جَعْفَرٌ.
(عليه السلام): ابْرَأْ مِنْهُمَا، بَرِئَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْهُمَا..
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قَالَ لِي:
[فُلَانٌ وَ فُلَانٌ] صَنَمَا قُرَيْشٍ اللَّذَانِ يَعْبُدُونَهُمَا.
وَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهما السلام)، قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ [رُمَعَ] زَنَّاهُ، وَ إِذَا ذَكَرَ أَبَا جَعْفَرٍ الدَّوَانِيقَ زَنَّاهُ، وَ لَا يُزَنِّي غَيْرَهُمَا.
قَالَ: وَ تَنَاصَرَ الْخَبَرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا- وَ كُلٌّ مِنْهُمْ-: ثَلَاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِمَامٌ وَ لَيْسَ بِإِمَامٍ، وَ مَنْ جَحَدَ إِمَامَةَ إِمَامٍ مِنَ اللَّهِ، وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيباً. وَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ:
أَنَّ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَ مِنْ أُخَرَ: لِلْأَعْرَابِيَّيْنِ فِي الْإِسْلَامِ نَصِيباً ..-.
.. إلى غير ذلك من الروايات عمّن ذكرناه، و عن أبنائهم (عليهم السلام) مقترنا بالمعلوم من دينهم لكلّ متأمّل حالهم، و أنّهم يرون في المتقدّمين على أمير المؤمنين (عليه السلام) و من دان بدينهم أنّهم ...، و ذلك كاف عن إيراد رواية، و إنّما ذكرنا طرفا منها استظهارا.
و قد روت الخاصّة و العامّة عن جماعة من وجوه الطالبيّين ما يضاهي المرويّ من ذلك عن الأئمّة (عليهم السلام):.
____________
(1) التّحريم: 3.
385
فَرَوَوْا عَنْ مَعْمَرِ بْنِ خَيْثَمٍ، قَالَ: بَعَثَنِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ دَاعِيَةً، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا أَجَابَتْنَا إِلَيْهِ الشِّيعَةُ، فَإِنَّهَا لَا تُجِيبُنَا إِلَى وَلَايَةِ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]. قَالَ لِي:
وَيْحَكَ! أَحَدٌ أَعْلَمُ بِمَظْلِمَتِهِ مِنَّا، وَ اللَّهِ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا جَارَا فِي الْحُكْمِ لَتُكَذَّبَنَّ، وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّهُمَا اسْتَأْثَرَا بِالْفَيْءِ لَتُكَذَّبَنَّ، وَ لَكِنَّهُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى رِقَابِنَا، وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُبْغِضُ أَبْنَاءَهُمَا مِنْ بُغْضِي آبَاءَهُمَا وَ لَكِنْ لَوْ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى مَا تَقُولُونَ لَرَمَوْنَا بِقَوْسٍ وَاحِدٍ.
وَ رَوَوْا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُرَاتٍ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: إِنَّا لَنَلْتَقِي وَ آلَ عُمَرَ فِي الْحَمَّامِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّا لَا نُحِبُّهُمْ وَ لَا يُحِبُّونَّا، وَ اللَّهِ إِنَّا لَنُبْغِضُ الْأَبْنَاءَ لِبُغْضِ الْآبَاءِ.
وَ رَوَوْا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (ع): مَا تَقُولُ فِي [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]؟. قَالَ: قُلْ فِيهِمَا مَا قَالَ عَلِيٌّ: كُفَّ كَمَا كَفَّ لَا تُجَاوِزْ قَوْلَهُ.
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَلْبِي أَنَا خَلَقْتُهُ؟. قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ عَلَى الَّذِي خَلَقَهُ أَنَّهُ وَضَعَ فِي قَلْبِي بُغْضَهُمَا، فَكَيْفَ لِي بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي؟. فَجَلَسَ جَالِساً وَ قَالَ: أَنَا وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَأُبْغِضُ بَنِيهِمَا مِنْ بُغْضِهِمَا، وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا سَبَّ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَرِحُوا.
وَ رَوَوْا عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَغْدَارِيِّ، قَالَ: سُئِلَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]، فَلَمْ يُجِبْ فِيهِمَا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ فَنَزَعَ الرُّمْحَ (1) مِنْ وَجْهِهِ اسْتَقْبَلَ الدَّمَ بِيَدِهِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ كَبِدٌ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]؟ هُمَا وَ اللَّهِ شُرَكَاءُ فِي هَذَا الدَّمِ، ثُمَّ رَمَى بِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ.
وَ عَنْ نَافِعٍ الثَّقَفِيِّ- وَ كَانَ قَدْ أَدْرَكَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ-، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]، فَسَكَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا رُمِيَ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]؟
هُمَا أَوْقَفَانِي هَذَا الْمَوْقِفَ.
____________
(1) الكلمتان مشوشتان في المطبوع من البحار، و لعلهما: فزع الزّجّ.
386
وَ رَوَوْا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: سُئِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ عَنْهُمَا- وَ نَحْنُ بِخُرَاسَانَ وَ قَدِ الْتَقَى الصَّفَّانِ-، فَقَالَ: هُمَا أَقَامَانَا هَذَا الْمُقَامَ، وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَا لَئِيماً جَدُّهُمَا، وَ لَقَدْ هَمَّا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنْ يَقْتُلَاهُ.
وَ رَوَوْا عَنْ قُلَيْبِ بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بِمَكَّةَ، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ مَوْلًى لِثَقِيفٍ، فَنَالَ (1) [مِنْهُمَا]، فَأَوْصَاهُ أَبِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَسْأَلُكَ (2) بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ وَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ! هَلْ صَلَّيَا عَلَى فَاطِمَةَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ (3): فَلَمَّا مَضَى الرَّجُلُ قَالَ مُوسَى: سَبَبْتُهُ وَ كَفَّرْتُهُ. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! لَا تَسُبَّهُ وَ لَا تُكَفِّرْهُ، وَ اللَّهِ لَقَدْ فَعَلَا فِعْلًا عَظِيماً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: .. أَيْ بُنَيَّ! لَا تُكَفِّرْهُ، فَوَ اللَّهِ مَا صَلَّيَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَقَدْ مَكَثَ ثَلَاثاً مَا دَفَنُوهُ، إِنَّهُ شَغَلَهُمْ مَا كَانَا يُبْرِمَانِ.
وَ رَوَوْا، أَنَّهُ أُتِيَ بِزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (4) الْحَسَنِ- وَ هُوَ بِمَكَّةَ-، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَنَعُوا فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِيرَاثَهَا؟. قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَ تَعْلَمُ أَنَّ فَاطِمَةَ مَاتَتْ وَ هِيَ لَا تُكَلِّمُهُمَا- وَ أَوْصَتْ أَنْ لَا يُصَلِّيَا عَلَيْهَا؟. قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ! أَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ بَايَعُوا قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اغْتَنَمُوا شُغُلَهُمْ؟. قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ! أَ تَعْلَمُ أَنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) لَمْ يُبَايِعْ لَهُمَا حَتَّى أُكْرِهَ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: فقال.
(2) في (ك): سألك، و لعلّه: سائلك.
(3) وضع على كلمة: قال، في (ك) رمز نسخة بدل.
(4) لا توجد: بن، في (س).
387
قَالَ: فَأُشْهِدُكَ أَنِّي مِنْهُمَا بَرِيءٌ وَ أَنَا عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ (عليهما السلام).
قَالَ مُوسَى: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ! وَ اللَّهِ لَقَدْ أَتَيَا أَمْراً عَظِيماً.
وَ رَوَوْا عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَ ذَكَرَهُمَا، فَقَالَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ نَحْنُ نَأْتَمُّ بِفَاطِمَةَ، فَقَدْ جَاءَ الْبَيْتُ (1) عَنْهَا أَنَّهَا مَاتَتْ وَ هِيَ غَضْبَى عَلَيْهِمَا، فَنَحْنُ نَغْضَبُ لِغَضَبِهَا وَ نَرْضَى لِرِضَاهَا، فَقَدْ جَاءَ غَضَبُهَا، فَإِذَا جَاءَ رِضَاهَا رَضِينَا.
قَالَ مُخَوَّلٌ: وَ سَأَلْتُ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]، فَقَالَ لِي (2): مَا أَكْرَهَ ذِكْرَهُ. قُلْتُ (3) لِمُخَوَّلٍ: قَالَ فِيهِمَا أَشَدَّ مِنَ الظُّلْمِ وَ الْفُجُورِ وَ الْغَدْرِ (4)؟!. قَالَ:
نَعَمْ.
قَالَ مُخَوَّلٌ: وَ سَأَلْتُ عَنْهُمَا مَرَّةً، فَقَالَ: أَ تَحْسَبُنِي تبريا [بُتْرِيّاً (5)؟ ثُمَّ قَالَ فِيهِمَا قَوْلًا سَيِّئاً.
وَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: هُمَا أَوَّلُ مَنْ ظَلَمَنَا حَقَّنَا وَ مِيرَاثَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ غَصَبَانَا فَغَصَبَ النَّاسُ.
وَ رَوَوْا عَنْ يَحْيَى بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ] (6)؟. فَقَالَ لِي: ابْرَأْ مِنْهُمَا.
وَ رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، قَالَ: شَهِدْتُ أَبِي، مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ، وَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ (7)- وَ هُوَ الَّذِي كَانَ
____________
(1) كذا، و لم نجد معنا مناسبا للكلمة، و لا وزن و قافية لما بعدها إن كانت أبياتا.
(2) لا توجد: لي، في (ك).
(3) في (ك): و قلت.
(4) في (س): الهذر.
(5) التبرية [البتريّة: فرقة من الزّيديّة، إلّا أنّهم يتولّون أبا بكر و عمر أيضا.
(6) لا توجد في (س): و عمر.
(7) كذا، و في الإسناد ما لا يخفى، فتأمّل.
388
مَعَ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلَاءَ، وَ كَانَتِ الشِّيعَةُ تُنَزِّلُهُ بِمَنْزِلَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَعْرِفُونَ حَقَّهُ وَ فَضْلَهُ-، قَالَ: فَكَلَّمَهُ فِي أَبِي [زُرَيْقٍ]، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَبِي: اسْكُتْ! فَإِنَّكَ عَاجِزٌ، وَ اللَّهِ إِنَّهُمَا لَشُرَكَاءُ فِي دَمِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام).
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَ اللَّهِ لَقَدْ أَخْرَجَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ مَسْجِدِهِ وَ هُمَا يَتَطَهَّرَانِ وَ أُدْخِلَا وَ هُمَا جِيفَةٌ فِي بَيْتِهِ.
وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ- مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَ كَانَ فَاضِلًا زَاهِداً-، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: وَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، وَ رَبِّ هَذَا الرُّكْنِ، وَ رَبِّ هَذَا الْحَجَرِ، مَا قَطَرَتْ مِنَّا قَطْرَةُ دَمٍ وَ لَا قَطَرَتْ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَطْرَةٌ إِلَّا وَ هُوَ فِي أَعْنَاقِهِمَا.
وَ رَوَوْا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَحْمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام)، قُلْتُ: أُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَتَوَالَى [فُلَاناً وَ فُلَاناً]؟. قَالَ: لَا، وَ لَا كَرَامَةَ.
وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ: سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَنْ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ]؟. فَقَالَ: قُتِلْتُمْ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَنْ ذَكَرْتُمْ عُثْمَانَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ ذَكَرْتُمْ [فُلَاناً وَ فُلَاناً] لَكَانَتْ دِمَاؤُكُمْ أَحَلَّ عِنْدَهُمْ مِنْ دِمَاءِ السَّنَانِيرِ..
وَ رَوَوْا عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ حَبِيبٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ (عليه السلام) بِفَخٍّ يَقُولُ: هُمَا وَ اللَّهِ أَقَامَانَا هَذَا الْمُقَامَ، وَ زَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَا يُورَثُ.
وَ رَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، قَالَ: مَا رَفَعَتِ امْرَأَةٌ مِنَّا طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَطَرَتْ مِنْهَا قَطْرَةٌ إِلَّا كَانَ فِي أَعْنَاقِهِمَا.
وَ رَوَوْا عَنْ قُلَيْبِ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
389
زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَ الْحُسَيْنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ عِدَّةً مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يُخَالِفُنَا فِي شَيْءٍ إِلَّا إِذَا انْتَهَى إِلَى [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ] أَوْقَفَهُمَا وَ شَكَّ فِي أَمْرِهِمَا؟ فَكُلُّهُمْ قَالُوا: مَنْ أَوْقَفَهُمَا شَكّاً فِي أَمْرِهِمَا فَهُوَ ضَالٌّ كَافِرٌ.
وَ رَوَوْا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ الْحَنَفِيَّةُ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ أَنَّهَا كَانَتْ تُبْغِضُ [فُلَاناً وَ فُلَاناً] وَ تَسُبُّهُمَا.
وَ رَوَوْا عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ عَدَلَا فِي النَّاسِ وَ ظَلَمَانَا، فَلَمْ تَغْضَبِ النَّاسُ لَنَا، وَ إِنَّ عُثْمَانَ ظَلَمَنَا وَ ظَلَمَ النَّاسَ، فَغَضِبَتِ النَّاسُ (1) لِأَنْفُسِهِمْ فَمَالُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
وَ رَوَوْا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ جُنْدَبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَرِضَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَثَقُلَ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَعَهُ النَّاسُ فَامْتَلَأَ الْبَيْتُ، فَقُمْتُ مِنْ مَجْلِسِي، فَجَلَسَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَغَمَزَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)، إِنَّكَ كُنْتَ عَهِدْتَ إِلَيْنَا فِي هَذَا عَهْداً وَ إِنَّا لَا نَرَاهُ إِلَّا لِمَا بِهِ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ فَإِلَى مَنْ؟. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمْ يُجِبْهُ، فَغَمَزَهُ الثَّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَا يَمُوتُ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى تَمْلَيَاهُ غَيْظاً، وَ تُوسِعَاهُ غَدْراً، وَ تَجِدَاهُ صَابِراً.
وَ رَوَوْا عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْبِكَالِيِّ، قَالَتْ [كَذَا]: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَطَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ طَعْنَةً أَوْهَنَهُ، ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ فَطَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ طَعْنَةً مَرَقَ مِنْهُ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: وَلِيَنَا أَبُو بَكْرٍ فَطَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ طَعْنَةً، ثُمَّ وَلِيَنَا عُمَرُ فَحَلَّ الْأَزْرَارَ، ثُمَّ وَلِيَنَا عُثْمَانُ فَخَرَجَ مِنْهُ عُرْيَاناً.
وَ رَوَوْا عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: كَانَ إِذَا ذَكَرَ عُمَرَ
____________
(1) لا توجد جملة: فغضبت النّاس، في (ك).
390
أَمَضَّهُ (1)، ثُمَّ قَالَ: كَانَ يَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَسْتَفْتِيهِ مُغَايَظَةً لِعَلِيٍّ (عليه السلام).
وَ رَوَوْا عَنِ الْأَعْمَشِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبِضَ نَبِيُّهُمْ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ، وَ مَا أَظُنُّهُمْ يُفْلِحُونَ.
وَ رَوَوْا عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ زَائِدَةَ الْوَشَّاءِ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى (2) الْأَعْمَشِ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُجَاءُ [بِفُلَانٍ وَ فُلَانٍ] كَالثَّوْرَيْنِ الْعَقِيرَيْنِ لَهُمَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ خُوَارٌ (3).
وَ رَوَوْا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْوَرْدِ، قَالَ: قَالَ الْأَعْمَشُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ هُوَ بَرِيَّةٌ مِنْهُمَا وَ سَمَّاهُمَا، قُلْتُ لِلْمَسْعُودِيِّ: سَمَّاهُمَا؟!. قَالَ: نَعَمْ، [فُلَانٌ وَ فُلَانٌ].
وَ رَوَوْا عَنْ عُمَرَ بْنِ زَائِدَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَبُو [زُرَيْقٍ] أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، فَغَضِبَ حَبِيبٌ ثُمَّ قَامَ قَائِماً، فَقَالَ: وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَفِيهِمَا (4): الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ لَعَنَهُمْ ... (5) الْآيَةَ.
وَ رَوَوْا عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُسَاوِرِ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَدِينَتَيْنِ، مَدِينَةً بِالْمَشْرِقِ وَ مَدِينَةً بِالْمَغْرِبِ لَا يَفْتُرَانِ مِنْ لَعْنِ [فُلَانٍ وَ فُلَانٍ].
وَ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ شَرِيكاً يَقُولُ: مَا لَهُمْ وَ لِفَاطِمَةَ (عليها السلام)؟ وَ اللَّهِ مَا جَهَّزَتْ جَيْشاً وَ لَا جَمَعَتْ جَمْعاً، وَ اللَّهِ لَقَدْ آذَيَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي قَبْرِهِ.
____________
(1) قال في القاموس 2- 344: مضّه الشّيء مضّا و مضيضا: بلغ من قلبه الحزن به، كأمضّه، و الخلّ فاه: أحرقه، و الكحل العين يمضّها- بالضّمّ و الفتح- آلمها كأمضّ.
(2) في (ك) نسخة بدل: عن، بدلا من: على.
(3) قال في مجمع البحرين 3- 293: الخوار- بالضّمّ- صوت شديد كصوت البقر.
(4) في (ك) توجد كلمة: زلت هنا، و لعلّها: نزلت.
(5) الفتح: 6.
391
وَ رَوَوْا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى الثَّوْرِيِّ، قَالَ:: سَمِعْتُ شَرِيكاً وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ!: حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ سُنَّةٌ؟-. فَقَالَ: يَا مُعَافَا، خُذْ بِثَوْبِهِ فَأَخْرِجْهُ وَ اعْرِفْ وَجْهَهُ وَ لَا تُدْخِلْهُ عَلَيَّ، يَا أَحْمَقُ! لَوْ كَانَ حُبُّهُمَا سُنَّةً لَكَانَ وَاجِباً عَلَيْكَ أَنْ تَذْكُرَهُمَا فِي صَلَاتِكَ كَمَا تُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ.
و لنوضِح بعض ما يحتاج إلى الإيضاح:
قوله (عليه السلام): الوهدة العظيمة.
أقول: لم أره بهذا المعنى (1) فيما عندنا من كتب اللغة، و لعلّه أطلق عليه مجازا، فإنّ السّدفة- بالفتح و الضم- و السّدف- بالتحريك-: الظّلمة و الضّوء ضدّ-، و بالضّمّ: الباب، و سدّته، و سترة تكون بالباب تقيه (2) من المطر، و بالتحريك: سواد اللّيل، ذكرها الفيروزآبادي (3).
قوله: أضغنا، لعلّ الباء زائدة أو ليست الألف للتعدية بل للإظهار .. أي أظهر الضغن بآبائنا، و في بعض النسخ: اضطغنا بآبائنا، و في بعضها: بإنائنا.
قال في القاموس (4): اضطغنوا (5): انطووا على الأحقاد و اضطغنه: أخذه تحت حضنه.
و في بعض النسخ (6): أصغيا بإنائنا، و هو أصوب.
قال في النهاية (7) في حديث الهرة: أنّه كان يصغي لها الإناء .. أي يميله
____________
(1) أي كون السدف بمعنى الوهدة العظيمة لم أره. قال في القاموس 1- 347: الوهدة: الأرض المنخفضة كالوهد.
(2) في (س): تقية.
(3) في قاموسه 3- 151، و نحوه في لسان العرب 9- 148، إلّا أنّه لم يذكر المعنى الرابع.
(4) القاموس 4- 243، و مثله في لسان العرب 13- 256.
(5) في (س): اصطغنوا- بالصاد.
(6) لا توجد في (س): النسخ.
(7) النهاية 3- 33.
392
ليسهل عليه (1) الشّرب منه. فالمعنى: أنّهم سهّلوا لغيرهم أخذ حقّنا.
و قال الجوهري (2): أصغيت إلى فلان: إذا ملت بسمعك نحوه، و أصغيت الإناء: مثله (3) يقال فلان مصغى إناؤه إذا نقص حقّه (4)، انتهى. فالمعنى: إنّهم نقصوا حقّنا، و لعلّ التعبير عن نقص الحقّ بذلك لأنّه إذا أميل الإناء لا يمتلي.
قوله (عليه السلام): و اضطجعا .. لعلّه كناية عن ترصّدهما للإضرار حيلة و غيلة و الانتهاز للفرصة في ذلك.
قوله (عليه السلام): لذي الحلم .. قال الجوهري (5): و قول الشاعر:
و زعمت أنّا لا حلوم لنا (6)* * * إنّ العصا قرعت لذي الحلم
أي إنّ الحليم إذا نبّه انتبه، و أصله أنّ حكما من حكّام العرب عاش حتّى أُهْتِرَ، فقال لابنته: إذا أنكرتِ من فهمي شيئا عند الحكم فاقرعي لي الْمِجَنَّ بالعصا لأرتدع، قال المتلمّس: لذي الحلم ... (7) البيت (8).
قوله (عليه السلام): ما قال هذا .. يمكن حمله (9) على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقل هذا على وجه السؤال و الاعتقاد، بل لتنزّل الآية و يظهر للناس حالهما، أو لم يكن غرضه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعزّ الدين بهما مع كفرهما و نفاقهما، بل مع إسلامهما واقعا، فأخبر اللّه تعالى بأنّهما لا يسلمان أبدا، فلا ينافي الأخبار السابقة.
____________
(1) جاء في المصدر: عليها.
(2) الصحاح 6- 2401.
(3) في المصدر: أملته، بدلا من: مثله.
(4) و نحوه في القاموس 4- 352.
(5) الصحاح 3- 1261.
(6) لا توجد في المصدر من قوله: و قول الشاعر .. إلى هنا، و جاءت: و قولهم، بدلا منه.
(7) جاء البيت كلّه في المصدر.
(8) و انظر لمزيد الاطلاع على المثل، مجمع الأمثال 1- 37، و المستقصى في أمثال العرب 1- 408، و فرائد اللآلي 1- 34.
(9) لعلّ هذا من باب مماشاة الخصم و تنزّلا بفرض الصدور، و هو توجيه غريب منه طاب ثراه.
393
قوله (عليه السلام): زنّاه .. أي قال إنّه ولد زنا (1)، و إن كان يستعمل في المشهور فيمن نسب غيره إلى فعل الزنا.
166- مُهَجُ الدَّعَوَاتِ (2): عَنِ الرِّضَا (عليه السلام)، قَالَ: مَنْ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ (3) كَانَ كَالرَّامِي مَعَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي بَدْرٍ وَ أُحُدٍ وَ حُنَيْنٍ بِأَلْفِ أَلْفِ سَهْمٍ.
167- وَ حَكَاهَا الْكَفْعَمِيُ (4) فِي الْجَنَّةِ:
[الدُّعَاءُ] اللَّهُمَّ الْعَنِ الَّذَيْنِ بَدَّلَا دِينَكَ، وَ غَيَّرَا نِعْمَتَكَ، وَ اتَّهَمَا رَسُولَكَ (ص)، وَ خَالَفَا مِلَّتَكَ، وَ صَدَّا عَنْ سَبِيلِكَ، وَ كَفَرَا آلَاءَكَ، وَ رَدَّا عَلَيْكَ كَلَامَكَ، وَ اسْتَهْزَءَا بِرَسُولِكَ، وَ قَتَلَا ابْنَ نَبِيِّكَ، وَ حَرَّفَا كِتَابَكَ، وَ جَحَدَا آيَاتِكَ (5)، وَ اسْتَكْبَرَا عَنْ عِبَادَتِكَ، وَ قَتَلَا أَوْلِيَاءَكَ، وَ جَلَسَا فِي مَجْلِسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بِحَقٍّ، وَ حَمَلَا النَّاسَ عَلَى أَكْتَافِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَ (عليهم السلام)، اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا لَعْناً يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً، وَ احْشُرْهُمَا وَ أَتْبَاعَهُمَا إِلَى جَهَنَّمَ زُرْقاً (6)، اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ لَهُمَا وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بِنْتِ (7) رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، اللَّهُمَّ زِدْهُمَا عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ (8)، وَ هَوَاناً
____________
(1) ذكره في الصحاح 6- 2369، و لسان العرب 14- 359- 360، و غيرهما.
(2) مهج الدّعوات: 257- 258، باختصار و زيادة في صدر الحديث.
(3) في المصدر: في سجدة الشّكر بهذا الدّعاء- بتقديم و تأخير-.
(4) في المصباح: 554.
(5) زيادة في المصدر و هي: و سخرا بآياتك.
(6) قال في مجمع البحرين 5- 186: قوله تعالى: «وَ نَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً»، المراد بالزّرق: العمي.
(7) في المصدر: و ابن فاطمة بنت ..
(8) في المصدر: عذاب، بغير الألف و اللّام.
394
فَوْقَ هَوَانٍ، وَ ذُلًّا فَوْقَ ذُلٍّ، وَ خِزْياً فَوْقَ خِزْيٍ، اللَّهُمَّ دُعَّهُمَا إِلَى (1) النَّارِ دَعّاً (2)، وَ ارْكُسْهُمَا فِي أَلِيمِ عَذَابِكَ رَكْساً (3)، اللَّهُمَّ احْشُرْهُمَا وَ أَتْبَاعَهُمَا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً، اللَّهُمَّ فَرِّقْ جَمْعَهُمْ، وَ شَتِّتْ أَمْرَهُمْ، وَ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَ بَدِّدْ جَمَاعَتَهُمْ، وَ الْعَنْ أَئِمَّتَهُمْ، وَ اقْتُلْ قَادَتَهُمْ وَ سَادَتَهُمْ، وَ الْعَنْ رُؤَسَاءَهُمْ وَ كُبَرَاءَهُمْ (4)، وَ اكْسِرْ رَايَتَهُمْ، وَ أَلْقِ الْبَأْسَ بَيْنَهُمْ، وَ لَا تُبْقِ مِنْهُمْ دَيَّاراً، اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا جَهْلٍ وَ الْوَلِيدَ لَعْناً يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً، وَ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضاً، اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا لَعْناً يَلْعَنُهُمَا بِهِ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَ كُلُّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَ كُلُّ مُؤْمِنٍ امْتَحَنْتَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا لَعْناً يَتَعَوَّذُ مِنْهُ أَهْلُ النَّارِ (5)، وَ مِنْ (6) عَذَابِهِمَا، اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا لَعْناً لَا يَخْطُرُ (7) لِأَحَدٍ بِبَالٍ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا فِي مُسْتَسَرِّ سِرِّكَ وَ ظَاهِرِ عَلَانِيَتِكَ، وَ عَذِّبْهُمَا عَذَاباً فِي التَّقْدِيرِ وَ فَوْقَ التَّقْدِيرِ (8)، وَ شَارِكْ مَعَهُمَا ابْنَتَيْهِمَا وَ أَشْيَاعَهُمَا وَ مُحِبِّيهِمَا وَ مَنْ شَايَعَهُمَا..
أقول:
-: وَ دُعَاءُ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ مَشْهُورٌ بَيْنَ الشِّيعَةِ،- وَ رَوَاهُ الْكَفْعَمِيُ (9) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ يَقْنُتُ بِهِ فِي صَلَاتِهِ.
، و سيأتي في كتاب الصلاة (10) إن شاء اللّه، و هو مشتمل على جميع بدعهما، و وقع فيه الاهتمام و المبالغة في لعنهما بما لا مزيد عليه.
- 168- كا (11): عَنِ الْعِدَّةِ، عَنْ أَحْمَدَ الْبَرْقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ،
____________
(1) جاء في مهج الدّعوات: في، بدلا من: إلى.
(2) قال في مجمع البحرين 4- 325: الدّعّ: الدّفع بعنف.
(3) الرّكس: ردّ الشّيء مقلوبا، كما ذكره في مجمع البحرين 4- 76.
(4) في المصدر: و كبراءهم، و العن رؤساءهم- بتقديم و تأخير-.
(5) جاء في (س): يتعوّذ أهل النّار منه- بتقديم و تأخير-.
(6) في المصدر: من- بدون واو-.
(7) جاء في المصدر: لم يخطر. و هي نسخة بدل جاءت في حاشية (ك).
(8) لا توجد: و فوق التّقدير، في مهج الدّعوات.
(9) في المصباح: 552- 553، باختلاف يسير.
(10) بحار الأنوار 85- 235.
(11) أصول الكافي 2- 529- 530، باب 48، حديث 23 [2- 385]، باختصار في الإسناد.
395
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: مَهْمَا تَرَكْتَ مِنْ شَيْءٍ فَلَا تَتْرُكْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ .. إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ، وَ فِيهِ: اللَّهُمَّ الْعَنِ الْفِرَقَ (1) الْمُخْتَلِفَةَ عَلَى رَسُولِكَ وَ وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَ رَسُولِكَ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ وَ شِيعَتِهِمْ، وَ أَسْأَلُكَ.
.. إِلَى آخِرِ مَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (2)، وَ كَذَا الشَّيْخُ (رحمه الله) (3) وَ غَيْرُهُ فِي كُتُبِهِمْ مُرْسِلًا هَذَا الدُّعَاءَ بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ.
169- مهج (4): بِسَنَدِهِ الَّذِي سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (5)، عَنْ أَبِي يَحْيَى المادئني [الْمَدَائِنِيِ (6) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ حَقِّنَا عَلَى أَوْلِيَائِنَا وَ أَشْيَاعِنَا أَنْ لَا يَنْصَرِفَ الرَّجُلُ (7) مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَ هُوَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ (8) أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهِرِينَ ..
إِلَى قَوْلِهِ (عليه السلام): اللَّهُمَّ وَ ضَاعِفْ لَعْنَتَكَ وَ بَأْسَكَ وَ نَكَالَكَ وَ عَذَابَكَ عَلَى اللَّذَيْنِ كَفَرَا نِعْمَتَكَ، وَ خَوَّنَا رَسُولَكَ، وَ اتَّهَمَا نَبِيَّكَ وَ بَايَنَاهُ، وَ حَلَّا عَقْدَهُ فِي وَصِيَّتِهِ (9)، وَ نَبَذَا عَهْدَهُ فِي خَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ ادَّعَيَا مَقَامَهُ، وَ غَيَّرَا أَحْكَامَهُ، وَ بَدَّلَا
____________
(1) في المصدر: اللّهمّ العن فلانا و فلانا و الفرق ..
(2) بحار الأنوار 86- 151، باب الأدعية و الأذكار عند الصّباح و المساء، و مرّ فيه 27- 218، باب ثواب اللّعن على أعدائهم، و سيأتي عن التّهذيب و غيره: أنّ الصّادق (عليه السلام) كان يلعن في دبر كلّ صلاة مكتوبة أربعة من الرّجال و أربعا من النّساء. انظر: البحار 22- 128، و 86- 58.
(3) مصباح المتهجّد، للشّيخ الطّوسيّ: 148- 150.
(4) خ. ل: نهج. و الظّاهر أنّه غلط و هو في مهج الدّعوات: 333- 334.
(5) بحار الأنوار 86- 59- 60، حديث 67.
(6) جاء السّند في مهج الدّعوات هكذا: حدّثنا محمّد بن عليّ بن رقّاق القمّيّ، قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن شاذان القمّيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ، عن أبيه، قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه الحميريّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، قال:
حدّثنا عبد الرّحمن بن ابن أبي هاشم، عن أبي يحيى المدنيّ.
(7) في المصدر: الرّجل منهم.
(8) في المهج و البحار: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّك العظيم العظيم ..
(9) كذا، و يحتمل أن يكون: وصيّه، كما في البحار.
396
سُنَّتَهُ، وَ قَلَبَا دِينَهُ، وَ صَغَّرَا قَدْرَ حُجَجِكَ، وَ بَدَءَا بِظُلْمِهِمْ، وَ طَرَّقَا طَرِيقَ الْغَدْرِ عَلَيْهِمْ، وَ الْخِلَافِ عَنْ أَمْرِهِمْ، وَ الْقَتْلِ لَهُمْ، وَ إِرْهَاجِ الْحُرُوبِ عَلَيْهِمْ، وَ مَنْعِ خَلِيفَتِكَ مِنْ سَدِّ الثَّلْمِ، وَ تَقْوِيمِ الْعِوَجِ، وَ تَثْقِيفِ الْأَوَدِ، وَ إِمْضَاءِ الْأَحْكَامِ، وَ إِظْهَارِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَ إِقَامَةِ حُدُودِ الْقُرْآنِ.
اللَّهُمَّ الْعَنْهُمَا وَ ابْنَتَيْهِمَا وَ كُلَّ مَنْ مَالَ مَيْلَهُمْ وَ حَذَا حَذْوَهُمْ، وَ سَلَكَ طَرِيقَتَهُمْ، وَ تَصَدَّرَ بِبِدْعَتِهِمْ لَعْناً لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ، وَ يَسْتَعِيذُ مِنْهُ أَهْلُ النَّارِ، وَ الْعَنِ اللَّهُمَّ مَنْ دَانَ بِقَوْلِهِمْ، وَ اتَّبَعَ أَمْرَهُمْ، وَ دَعَا إِلَى وَلَايَتِهِمْ، وَ شَكَّكَ فِي كُفْرِهِمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ.
بيان: في النهاية (1): التّخوّن: التّنقّص.
و قال الجوهري (2): رجل خائن .. و خوّنه: نسبه إلى الخيانة.
و في النهاية (3): نبذت الشّيء أنبذه نبذا فهو منبوذ إذا رميته و أبعدته.
و قلبا دينه .. أي ردّا (4)، أو بالتشديد، يقال رجل مقلّبا (5) .. أي محتال (6).
إرهاج الغبار: إثارته (7).
____________
(1) النهاية 2- 89، و مثله في لسان العرب 13- 145.
(2) الصحاح 5- 2109، و مثله في لسان العرب 13- 144.
(3) النهاية 5- 6، و مثله في لسان العرب 3- 511.
(4) كما في لسان العرب 1- 686، و النهاية 4- 97.
(5) كذا، و الظاهر: مقلّب- بالرفع-.
(6) قال في الصحاح 1- 205: و قولهم: هو حوّل قلّب .. أي محتال بصير بتقليب الأمور. و قال في القاموس 1- 119: قلبه يقلبه: حوّله عن وجهه، كأقلبه و قلّبه .. و الشيء: حوّله ظهرا لبطن كقلّبه. و ذكر نحو ما مرّ في الصحاح.
(7) القاموس 1- 191، و الصحاح 1- 318، و قد يقرأ: الأوهاج، و هو كما في القاموس 1- 211:
وهج النار تهج وهجا و وهجانا: اتّقدت و أوهجتها، و نحوه في الصحاح 1- 341.
397
و الثّلمة: الخلل في الحائط و غيره (1).
و تثقيف الرّمح: تسويتها (2).
و أود: اعوجّ (3).
170- يب (4): بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرٍ وَ أَبِي سَلَمَةَ السَّرَّاجِ، قَالا: سَمِعْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَ هُوَ يَلْعَنُ فِي دُبُرِ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ أَرْبَعَةً مِنَ الرِّجَالِ وَ أَرْبَعاً مِنَ النِّسَاءِ: التَّيْمِيَّ وَ الْعَدَوِيَّ وَ فُعْلَانَ (5) وَ مُعَاوِيَةَ .. وَ يُسَمِّيهِمْ، وَ فُلَانَةَ وَ فُلَانَةَ وَ هِنْدَ وَ أُمَّ الْحَكَمِ أُخْتَ مُعَاوِيَةَ.
171- كَشْفُ الْمَحَجَّةِ (6)، لِلسَّيِّدِ عَلِيِّ بْنِ طَاوُسٍ: قَالَ- بَعْدَ مَا حَكَى خَبَرَ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى سَبَبِ إِسْلَامِهِمَا-: وَ وَقَفْتُ أَنَا فِي كِتَابِ دَانِيَالَ الْمُخْتَصَرِ مِنْ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ مَا يَتَضَمَّنُ أَنَ (7) [فُلَاناً وَ فُلَاناً] كَانَا عَرَفَا مِنْ كِتَابِ دَانِيَالَ- وَ كَانَ عِنْدَ الْيَهُودِ- حَدِيثُ مُلْكِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ وَلَايَةِ رَجُلٍ مِنْ تَيْمٍ وَ رَجُلٍ مِنْ عَدِيٍّ بَعْدَهُ دُونَ وَصِيِّهِ، وَ لَمَّا (8) رَأَيَا الصِّفَةَ الَّتِي كَانَ فِي الْكِتَابِ (9) فِي مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) تَبِعَاهُ وَ أَسْلَمَا مَعَهُ طَلَباً لِلْوَلَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا دَانِيَالُ فِي كِتَابِهِ.
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 6- 25، و لسان العرب 12- 79، و غيرهما.
(2) جاء في لسان العرب 9- 20، و القاموس 3- 121.
(3) كما في مجمع البحرين 3- 9، و القاموس 1- 275، ثمّ إنّ من قوله: (كا) عن العدّة .. إلى هنا لا يوجد في طبعة (س).
(4) التّهذيب 2- 321، باب 15، حديث 169، و جاء في الكافي 3- 342، باب 32، حديث 10.
(5) في الكافي: فلان و فلان و فلان ..
(6) كشف المحجّة: 61، الفصل السّادس و الثّمانون.
(7) في المصدر: من كتاب الملاحم و هو عندنا الآن يتضمّن ما يقتضي أنّ ..
(8) في الكشف: دون وصيّة أبيك عليّ (عليه السلام) و صفتهما فلمّا ..
(9) لا توجد عبارة: الّتي كانت في الكتاب، في المصدر، و فيه: في محمّد جدّك (ص) و فيهما ..
398
172- يج (1): عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الصَّادِقِ (عليه السلام) وَ الْمُفَضَّلُ (2) وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا كَثِيرٌ النَّوَّاءُ، وَ قَالَ: إِنَّ أَبَا الْخَطَّابِ يَشْتِمُ [فُلَاناً وَ فُلَاناً] وَ يُظْهِرُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا، فَالْتَفَتَ الصَّادِقُ (عليه السلام) إِلَى أَبِي الْخَطَّابِ وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَا تَقُولُ؟. قَالَ: كَذَبَ وَ اللَّهِ، مَا قَدْ (3) سَمِعَ قَطُّ شَتْمَهُمَا مِنِّي (4). فَقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): قَدْ حَلَفَ، وَ لَا يَحْلِفُ كَاذِباً. فَقَالَ: صَدَقَ، لَمْ أَسْمَعْ أَنَا مِنْهُ، وَ لَكِنْ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِهِ عَنْهُ. قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): إِنَّ الثِّقَةَ لَا يُبَلِّغُ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَكَرَ مَا قَالَ كَثِيرٌ لَقَدْ عَلِمَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ كَثِيرٌ، وَ اللَّهِ لَقَدْ جَلَسَا مَجْلِسَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) غَصْباً، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا وَ لَا عَفَا عَنْهُمَا. فَبُهِتَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى الصَّادِقِ (عليه السلام) مُتَعَجِّباً مِمَّا قَالَ فِيهِمَا، فَقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): أَنْكَرْتَ مَا سَمِعْتَ فِيهِمَا (5)؟!. قَالَ: كَانَ ذَلِكَ. فَقَالَ:
فَهَلَّا الْإِنْكَارُ مِنْكَ لَيْلَةَ دَفَعَ إِلَيْكَ (6) فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْبَلْخِيُّ جَارِيَةَ فُلَانَةَ لِتَبِيعَهَا، فَلَمَّا (7) عَبَرْتَ النَّهَرَ افْتَرَشْتَهَا (8) فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ. فَقَالَ الْبَلْخِيُّ: قَدْ مَضَى وَ اللَّهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَ لَقَدْ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): لَقَدْ تُبْتَ وَ مَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَ قَدْ غَضِبَ اللَّهُ لِصَاحِبِ الْجَارِيَةِ (9).
____________
(1) الخرائج و الجرائح: 78- الخطّيّة، و 1- 297- 298، حديث 5 [تحقيق مدرسة الإمام المهديّ عجّل اللّه فرجه الشّريف]، باختلاف يسير.
(2) هنا سقط جاء في المصدر و هو: أنا و أبو الخطّاب و المفضّل.
(3) لا توجد: قد، في المصدر، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(4) في الخرائج: ما سمع قطّ منّي شتمهما.
(5) في المصدر زيادة: فقال له .. منّي فيهما.
(6) في الخرائج: رفع إليك.
(7) جاء في المصدر: جاريته فلانة لتبيعها له فلمّا.
(8) في (س): افترشها.
(9) ذكره في إثبات الهداة 5- 404، حديث 136، و ذكر قطعة منه في بحار الأنوار 47- 111، حديث 149، و مدينة المعاجز 407، حديث 186.
399
173- مصبا (1): بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي زِيَارَةِ عَاشُورَاءَ: اللَّهُمَّ خُصَّ أَنْتَ أَوَّلَ ظَالِمٍ بِاللَّعْنِ مِنِّي وَ ابْدَأْ بِهِ أَوَّلًا ثُمَّ الثَّانِيَ ثُمَّ الثَّالِثَ ثُمَّ الرَّابِعَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ خَامِساً .. إِلَى آخِرِ الزِّيَارَةِ.
و الزيارات مشحونة بأمثال ذلك كما سيأتي في المجلد الثاني و العشرين (2).
أقول: الأخبار الدالّة على كفر [فلان و فلان] و أضرابهما و ثواب لعنهم و البراءة منهم، و ما يتضمّن بدعهم أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتّى، و فيما أوردنا كفاية لمن أراد اللّه هدايته إلى الصراط المستقيم.
تذنيب و تتميم:
اعلم، أنّ طائفة من أهل الخلاف لمّا رأوا أنّ إنكار أهل البيت (عليهم السلام) على أئمّتهم و مشايخهم حجّة قاطعة على بطلانهم، و لم يقدروا على القدح في أهل البيت (صلوات الله عليهم) و ردّ أخبارهم- لما تواتر بينهم من فضائلهم و ما نزل في الكتاب الكريم من تفضيلهم و مدحهم، حتى صار وجوب مودّتهم و فرض ولايتهم من الضروريّات في دين الإسلام- اضطرّوا إلى القول بأنّهم (عليهم السلام) لم يقدحوا في الخلفاء و لم يذكروهم إلّا بحسن الثناء- كما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد (3)-.
و ربما تمسّكوا بأخبار شاذّة موضوعة رووها عن النواصب، و لا يخفى- على من له أدنى مسكة من العقل- أنّه لا يصلح أمثال تلك الروايات المعدودة الشاذّة مع ظهور التقيّة فيها- لمعارضة ما تواتر عنهم (عليهم السلام) و روتها خواصّ أصحابهم و بطانتهم، و لا يمكن صدور مثلها إلّا عن صميم القلب بدون الخوف
____________
(1) مصباح المتهجّد: 713- 718، مصباح الكفعميّ: 482- 485.
(2) بحار الأنوار 98- 290، باب 24.
(3) شرح المقاصد 5- 303، و ما بعدها.
400
و التقيّة، و أيّ ضرورة في أن ينسبوا إلى أئمّتهم في زمان الخوف و التقيّة ما يصير سببا لتضرّرهم من المخالفين، و لتضاعف خوفهم، و وقوع الجرائم و القتل و النهب عليهم؟ و لم لم يمنعهم أئمّتهم من تدوين أمثال ذلك في كتبهم في مدّة مديدة تزيد على ثلاثمائة سنة، و أكثر تلك الكتب قد دوّنت في زمانهم؟ و لم يتبرّوا منهم كما تبرّوا من الغلاة كأبي الخطاب و أضرابه؟ و هل هذا مثل أن يقال لم ير أحد من أصحاب الأئمّة الذين دوّنوا أسماءهم في رجال الشيعة أحدا من الأئمّة (عليهم السلام) و لم يسمعوا منه شيئا بل كانوا يفترون عليهم؟ أو يقال لم يكن جماعة موسومون بتلك الأسامي، بل وضعت الشيعة تلك الأسامي من غير أصل؟ و تقول اليهود و النصارى لم يبعث رجل مسمّى بمحمّد بأمثال تلك الخرافات؟.
و بالجملة، لا ريب في أنّ مذاهب الناس و عقائدهم إنّما يؤخذ من خواصّهم و أحبّائهم دون المنحرفين عنهم و المنخرطين في سلك أعدائهم، و هذا من أجلى الواضحات.
و لعمري كيف لا يكذّبون أصحاب أبي حنيفة و الشافعي و مالك و أضرابهم فيما ينسبون إليهم، و يكذبون أصحاب أئمّتنا (عليهم السلام) في ذلك؟!.
و أعجب من ذلك أنّهم يعتمدون على أصولهم المشحونة بالأباطيل و الأكاذيب المرويّة عن جماعة من المنافقين ظهر على الناس فسقهم و كذبهم، و لا يلتفتون إلى ما يرويه أفاضل الشيعة في أصولهم مع كونهم معروفين بين الفريقين بالورع و الزهد و الصدق و الديانة؟ و هل هذا إلا لمحض العصبيّة و العناد؟!.
- فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (1)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- جِهَاراً غَيْرَ سِرٍّ- يَقُولُ: أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي طَالِبٍ لَيْسُوا لِي أَوْلِيَاءَ، وَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ (2).
____________
(1) صحيح مسلم 1- 197، باب 93، كتاب الإيمان، حديث 366 (215)، و لكن حذف فيه: آل أبي طالب، و هناك حاشية في ذيل الصّفحة حريّة بالملاحظة. و مثله في مسند أحمد 4- 203.
(2) كما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 11- 42.
401
و قد حكى ابن أبي الحديد (1)، عن أبي جعفر الإسكافي- و هو من مشايخ المعتزلة- كلاما في المنحرفين عن عليّ (عليه السلام) و المبغضين له. و عدّ منهم عمرو بن العاص، فروى الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما مسندا متّصلا بعمرو بن العاص (2)، و ذكر الحديث، فيظهر من كلامه (3) الاعتراف بوجود (4) الخبر في صحيح البخاري أيضا (5).
ثم لمّا رأى بعض العامّة شناعة تلك الرواية (6) غيّروا في كثير من النسخ لفظ أبي طالب بلفظ أبي فلان.
- وَ رَوَى مُسْلِمٌ (7)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيُمْحِهِ، وَ حَدِّثُوا عَنِّي وَ لَا حَرَجَ، وَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
و لا ريب في أنّ تحريم الكتابة عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) باطل باتّفاق أهل الإسلام.
وَ نَقَلَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (8) أَيْضاً، عَنِ الْإِسْكَافِيِّ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَضَعَ قَوْماً مِنَ الصَّحَابَةِ وَ قَوْماً مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى رِوَايَةِ أَخْبَارٍ قَبِيحَةٍ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام)، يَقْتَضِي الطَّعْنَ فِيهِ وِ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ، وَ جَعَلَ لَهُمْ جُعْلًا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ، فَاخْتَلَقُوا مَا أَرْضَاهُ، مِنْهُمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَ مِنَ التَّابِعِينَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
____________
(1) في شرحه على النهج 4- 63.
(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 4- 64.
(3) في (س): في كلّ أمّة.
(4) جاءت في (س): بوجوه.
(5) لا توجد كلمة: أيضا، في (ك).
(6) في (س): الروايات.
(7) صحيح مسلم 4- 2298، باب 16، كتاب الزّهد، حديث 3004.
(8) في شرحه على النهج 4- 63- 64.
402
- رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ أَقْبَلَ الْعَبَّاسُ وَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ هَذَيْنِ يَمُوتَانِ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِي، أَوْ قَالَ: دِينِي.
وَ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: كَانَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَانِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُمَا يَوْماً، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِمَا وَ بِحَدِيثِهِمَا؟! اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، إِنِّي لَأَتَّهِمُهُمَا (1) فِي بَنِي هَاشِمٍ.
قال (2): أمّا الحديث الأول فقد ذكرناه، و أَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَهُوَ:
- أَنَّ عُرْوَةَ زَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) إِذْ أَقْبَلَ الْعَبَّاسُ وَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنْ سَرَّكِ أَنْ تَنْظُرِي إِلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَانْظُرِي إِلَى هَذَيْنِ قَدْ طَلَعَا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا الْعَبَّاسُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
. انْتَهَى.
و مع وجود أمثال تلك الروايات في أصولهم الفاسدة يعتمدون عليها اعتمادهم على القرآن، و يفرّون من روايات الشيعة المتديّنين البررة كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (3)، و أيّ نصّ قاطع دلّ على انحصار المحدّثين و رواة الأخبار في البخاري و مسلم و من يحذو حذوهما في التعصّب و إخفاء الحقّ و طرح ما يخالف أهواءهم من الأخبار، كما يظهر للفطن البصير ممّا حكاه ابن الأثير (4)، قال:
قال البخاري: أخرجت كتابي الصحيح من زهاء (5) ستمائة ألف حديث.
و قال (6) مسلم: صنّفت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
____________
(1) في (ك): لا أتّهمهما، و هو اشتباه ظاهرا.
(2) القائل هو الزهري، و العبارة لابن أبي الحديد، و في الشرح: فأمّا ..
(3) المدّثّر: 50- 51.
(4) جامع الأصول 1- 109 [تحقيق الأرناووط 1- 186]، و فيه: خرجت كتاب الصحيح ..
(5) جاء في حاشية (ك): و قولهم: هم زهاء مائة .. أي قدر مائة. صحاح.
انظر: الصحاح 6- 2371.
(6) أي قال ابن الأثير في جامع الأصول 1- 110، قال .. [تحقيق الأرناووط: 1- 188].
403
و قال أبو داود (1): كتبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمّنته هذا الكتاب- يعني كتاب السنن- أربعة (2) آلاف حديث و ثمانمائة.
و إنّما تأخذ الشيعة أخبار دينهم عمّن تعلّق بالعروة الوثقى الّتي هي متابعة أهل بيت النبوّة الذين شهد اللّه لهم بالتطهير، و نصّ عليهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّهم سفينة النجاة، و لا يأخذون شطر دينهم عن امرأة ناقصة العقل و الدين مبغضة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و شطره الآخر عن أبي هريرة الدوسي الكذّاب المدنيّ، و أنس بن مالك- الذي فضحه اللّه بكتمان الحقّ و ضربه ببياض لا تغطّيه العمامة- و معاوية، و عمرو بن العاص، و زياد المعروفين عند الفريقين بخبث المولد و بغض من أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الأمين بأنّ بغضه آية النفاق .. و أضراب هؤلاء، لكنّ التعصّب أسدل (3) أغطية الغيّ و الضلال على أبصارهم إلى يوم النشور، وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (4).
____________
(1) جامع الأصول 1- 112 [تحقيق الأرناووط 1- 190].
(2) في المصدر: جمعت فيه أربعة ..
(3) في (س): أسدد. أقول: أسدد من السدّ .. أي جعل التعصّب أغطية الضلال موثوقة على أبصارهم.
(4) النور: 40.
405
[21] باب آخر
1- ج (1): سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ الْهِلَالِيُّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي يَوْمِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ: لَسْتُ بِقَائِلٍ غَيْرَ شَيْءٍ وَاحِدٍ أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّهَا الْأَرْبَعَةُ- يَعْنِينِي وَ الزُّبَيْرَ وَ أَبَا ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادَ- أَ سَمِعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: إِنَّ تَابُوتاً مِنْ نَارٍ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فِي جُبٍّ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ فِي تَابُوتٍ مُقَفَّلٍ، عَلَى ذَلِكَ الْجُبِّ صَخْرَةٌ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَعِّرَ جَهَنَّمَ (2) كَشَفَ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عَنْ ذَلِكَ الْجُبِّ فَاسْتَعَاذَتْ جَهَنَّمُ مِنْ وَهَجِ (3) ذَلِكَ الْجُبِّ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْهُمْ وَ أَنْتُمْ شُهُودٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَ فِرْعَوْنُ الْفَرَاعِنَةِ، وَ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَدَّلَا كِتَابَهُمَا وَ غَيَّرَا سُنَّتَهُمَا (4)، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَهَوَّدَ
____________
(1) الاحتجاج 1- 105- 106، و جاء متن الحديث في الصّفحة: 112- 113 من طبعة النّجف [و في طبعة منشورات الرّضيّ: 80، و الحديث صفحة 86] باختلاف يسير.
(2) في المصدر: نار جهنّم.
(3) جاء في القاموس 1- 211: وهج النّار يهج وهجا و وهجانا: اتّقدت، و الاسم الوهج- محرّكة-.
(4) في الاحتجاج: كتابهم .. سنّتهم- بضمير الجمع-، و هو الظّاهر.
406
الْيَهُودَ، وَ الْآخَرُ نَصَّرَ النَّصَارَى، وَ إِبْلِيسُ سَادِسُهُمْ، وَ الدَّجَّالُ فِي الْآخِرِينَ، وَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ أَصْحَابُ الصَّحِيفَةِ الَّذِينَ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا عَلَى عَدَاوَتِكَ يَا أَخِي، وَ التَّظَاهُرِ عَلَيْكَ بَعْدِي هَذَا .. وَ هَذَا (1) حَتَّى عَدَّدَهُمْ (2) وَ سَمَّاهُمْ.
فَقَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْنَا: صَدَقْتَ نَشْهَدُ أَنَّا سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)..
2- كِتَابُ سُلَيْمٍ (3): مِثْلُهُ، وَ قَدْ مَرَّ (4).
3- فس (5): قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (6)، قَالَ: الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ أَهْلُ النَّارِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، سَأَلَ (7) اللَّهَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فَأَذِنَ لَهُ، فَتَنَفَّسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ. قَالَ: وَ فِي ذَلِكَ الْجُبِّ صُنْدُوقٌ مِنْ نَارٍ يَتَعَوَّذُ (8) أَهْلُ تِلْكَ (9) الْجُبِّ مِنْ حَرِّ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ، وَ هُوَ التَّابُوتُ، وَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ سِتَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، فَأَمَّا السِّتَّةُ مِنَ (10) الْأَوَّلِينَ: فَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَ فِرْعَوْنُ (11) إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أَلْقَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ، وَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَ السَّامِرِيُّ الَّذِي اتَّخَذَ الْعِجْلَ، وَ الَّذِي هَوَّدَ الْيَهُودَ، وَ الَّذِي نَصَّرَ النَّصَارَى، وَ أَمَّا السِّتَةُ مِنَ (12) الْآخِرِينَ:
____________
(1) في المصدر: هذا و هذا و هذا.
(2) في الاحتجاج: حتّى عدّهم .. و هو الظّاهر.
(3) كتاب سليم بن قيس: 91- 92، و صدر الحديث في صفحة: 74.
(4) بحار الأنوار 28- 58، و في (ك) من البحار 8- 23 و 54 و 362 إشارة إلى الصّحيفة الملعونة.
(5) تفسير عليّ بن إبراهيم 2- 499.
(6) الفلق: 1.
(7) في المصدر: فسال.
(8) جاء في (ك): و يتعوّذ.
(9) لا توجد: تلك، في المصدر.
(10) في التفسير: فأما الستة التي من ..
(11) كذا، و في المصدر: و نمرود إبراهيم.
(12) في التفسير: فأما الستة التي من ..
407
فَهُوَ الْأَوَّلُ وَ الثَّانِي وَ الثَّالِثُ وَ الرَّابِعُ وَ صَاحِبُ الْخَوَارِجِ وَ ابْنُ مُلْجَمٍ (1).
وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (2)، قَالَ: الَّذِي يُلْقَى فِي الْجُبِّ يَقِبُ فِيهِ (3).
4- ثو (4): ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عليهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، حَدِّثْنِي فِيهِمَا بِحَدِيثٍ، فَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ (5) أَبِيكَ فِيهِمَا بِأَحَادِيثَ (6) عِدَّةٍ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا إِسْحَاقُ! الْأَوَّلُ (7) بِمَنْزِلَةِ الْعِجْلِ، وَ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ السَّامِرِيِّ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، زِدْنِي فِيهِمَا؟. قَالَ: هُمَا وَ اللَّهِ نَصَّرَا وَ هَوَّدَا وَ مَجَّسَا، فَلَا غَفَرَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمَا.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، زِدْنِي فِيهِمَا. قَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَمَنْ هُمْ؟. قَالَ: رَجُلٌ ادَّعَى إِمَاماً مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَ آخَرُ طَعَنَ فِي إِمَامٍ مِنَ اللَّهِ، وَ آخَرُ زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيباً.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، زِدْنِي فِيهِمَا؟. قَالَ: مَا أُبَالِي- يَا إِسْحَاقُ مَحَوْتُ الْمُحْكَمَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ جَحَدْتُ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ النُّبُوَّةَ أَوْ (8)
____________
(1) جاءت زيادة: لعنهم اللّه، في المصدر.
(2) الفلق: 3.
(3) في تفسير القمّيّ: فيه يقب، و استظهر في هامشه: يغيب فيه.
(4) ثواب الأعمال 2- 255- 256، باب 12، حديث 3 [و فيه طبعة مؤسّسة الأعلمي: 256 257]، مع تفصيل في الإسناد.
(5) في المصدر: عن، بدلا من: من.
(6) في المصدر: أحاديث.
(7) في (س): الأولى، و هو سهو.
(8) في (ك): واو، بدلا من: أو.
408
زَعَمْتُ أَنْ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ، أَوْ تَقَدَّمْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، زِدْنِي؟. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا إِسْحَاقُ! إِنَّ فِي النَّارِ لَوَادِياً- يُقَالُ لَهُ: سَقَرُ- لَمْ يَتَنَفَّسْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ، لَوْ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ (1) لَهُ فِي التَّنَفُّسِ بِقَدْرِ مِخْيَطٍ لَأَحْرَقَ مَا (2) عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَعَوَّذُونَ (3) مِنْ حَرِّ ذَلِكَ الْوَادِي (4) وَ نَتْنِهِ وَ قَذَرِهِ، وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأَهْلِهِ، وَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الْوَادِي لَجَبَلًا يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَادِي مِنْ حَرِّ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَ نَتْنِهِ وَ قَذَرِهِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأَهْلِهِ مِنَ الْعَذَابِ (5)، وَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ لَشِعْباً يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ ذَلِكَ الْجَبَلِ مِنْ حَرِّ ذَلِكَ الشِّعْبِ وَ نَتْنِهِ وَ قَذَرِهِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأَهْلِهِ، وَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الشِّعْبِ لقليب [لَقَلِيباً يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ (6) ذَلِكَ الشِّعْبِ مِنْ حَرِّ ذَلِكَ الْقَلِيبِ وَ نَتْنِهِ وَ قَذَرِهِ وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأَهْلِهِ، وَ إِنَّ فِي ذَلِكَ الْقَلِيبِ لَحَيَّةً يَتَعَوَّذُ أَهْلُ (7) ذَلِكَ الْقَلِيبِ مِنْ خُبْثِ تِلْكَ الْحَيَّةِ وَ نَتْنِهَا وَ قَذَرِهَا وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ (8) فِي أَنْيَابِهَا مِنَ السَّمِّ لِأَهْلِهَا، وَ إِنَّ فِي جَوْفِ تِلْكَ الْحَيَّةِ لَسَبْعَةَ صَنَادِيقَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَ اثْنَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَ مَنِ الْخَمْسَةُ؟ وَ مَنِ الِاثْنَانُ؟. قَالَ: فَأَمَّا (9) الْخَمْسَةُ: فَقَابِيلُ الَّذِي قَتَلَ هَابِيلَ، وَ نُمْرُودُ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، فَقَالَ:
أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ (10)، وَ فِرْعَوْنُ الَّذِي قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (11) وَ يَهُودُ الَّذِي
____________
(1) لا توجد: عزّ و جلّ، في المصدر.
(2) في ثواب الأعمال: من، بدل: ما.
(3) في المصدر: يتعوّذون- بدون لام-.
(4) في (س): الجبل، بدلا من: الوادي.
(5) لا توجد: من العذاب، في المصدر.
(6) لا توجد كلمة: أهل، في (ك)، و في المصدر لا توجد كلمة: جميع.
(7) في ثواب الأعمال: جميع أهل ذلك ..
(8) في المصدر زيادة: عزّ و جلّ.
(9) في المصدر: أمّا- بدون فاء-.
(10) البقرة: 258.
(11) النّازعات: 24.
409
هَوَّدَ الْيَهُودَ، وَ بُولَسُ الَّذِي نَصَّرَ النَّصَارَى، وَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَعْرَابِيَّانِ..
5-
ل (1): بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ قَوْلِهِ: يَا إِسْحَاقُ! إِنَّ فِي النَّارِ لَوَادِياً .. إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ.
بيان:
الأعرابيان: الأول و الثاني اللّذان لم يؤمنا باللّه طرفة عين.
6- ل (2): أَبِي، عَنْ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ (3)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ، عَنْ جُعَيْدِ هَمْدَانَ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ فِي التَّابُوتِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (4) سِتَّةً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ سِتَّةً مِنَ الْآخِرِينَ، فَأَمَّا السِّتَّةُ مِنَ الْأَوَّلِينَ: فَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَاتَلَ أَخِيهِ (5)، وَ فِرْعَوْنُ الْفَرَاعِنَةِ، وَ السَّامِرِيُّ، وَ الدَّجَّالُ،- كِتَابُهُ فِي الْأَوَّلِينَ، وَ يَخْرُجُ فِي الْآخِرِينَ وَ هَامَانُ، وَ قَارُونُ، وَ السِّتَّةُ مِنَ الْآخِرِينَ: فَنَعْثَلُ، وَ مُعَاوِيَةُ، وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ .. وَ نَسِيَ الْمُحَدِّثُ اثْنَيْنِ.
بيان: المنسيان الأعرابيان الأوّلان بشهادة ما تقدّم و ما سيأتي.
____________
(1) خصال الصّدوق 2- 398، أبواب السّبعة، حديث 106.
(2) الخصال، للصّدوق- (رحمه الله)-: 2- 485، أبواب الاثني عشر، حديث 59، بتفصيل في الإسناد.
(3) ورد السّند في المصدر هكذا: عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، قال: حدّثني الحسن بن مسكين الثّقفيّ ..
(4) لا توجد في الخصال: من النّار.
(5) في المصدر: .. آدم قاتل أخيه، و هو الظّاهر.
410
7- ثو (1): ابْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الصَّفَّارِ، عَنِ ابْنِ مَعْرُوفٍ (2)، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَسَبْعَةُ نَفَرٍ: أَوَّلُهُمُ ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَ نُمْرُودُ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ (عليه السلام) فِي رَبِّهِ، وَ اثْنَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ هَوَّدَا قَوْمَهُمَا وَ نَصَّرَاهُمَا، وَ فِرْعَوْنُ الَّذِي قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (3)، وَ اثْنَانِ مِنْ (4) هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدُهُمَا شَرُّهُمَا فِي تَابُوتٍ مِنْ قَوَارِيرَ تَحْتَ الْفَلَقِ فِي بِحَارٍ مِنْ نَارٍ.
8- كِتَابُ الْإِسْتِدْرَاكِ (5): بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ- وَ هِيَ الْأَرْكَانُ- لِسَبْعَةِ فَرَاعِنَةَ: نُمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ فِرْعَوْنُ الْخَلِيلِ، وَ مُصْعَبُ بْنُ الْوَلِيدِ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَ الْأَوَّلُ، وَ الثَّانِي، وَ يَزِيدُ قَاتِلُ وَلَدِي، وَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ الْعَبَّاسِ يُلَقَّبُ بِالدَّوَانِيقِيِّ اسْمُهُ الْمَنْصُورُ.
أقول::
سيأتي (6) في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على الزبير ما يناسب الباب.
____________
(1) ثواب الأعمال 2- 255، باب 12، حديث 1، باختصار في الإسناد.
(2) في المصدر: عن العبّاس بن معروف، و في (س): عن الصّفّار، عن ابن محبوب ..
(3) النّازعات: 24.
(4) جاءت: في، بدلا من: من، في (س).
(5) كتاب الاستدراك، لابن بطريق، لا نعرف بطبعه حتّى هذا التّاريخ.
(6) بحار الأنوار 36- 324.
411
[22] باب الاحتجاج على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم
الأوّل:
مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا (رضوان اللّه عليهم): أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يُوَلِّ أَبَا بَكْرٍ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّيهَا غَيْرَهُ، وَ لَمَّا أَنْفَذَهُ لِأَدَاءِ سُورَةِ بَرَاءَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ عَزَلَهُ وَ بَعَثَ عَلِيّاً (عليه السلام) لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ وَ يَقْرَأَهَا عَلَى النَّاسِ، وَ لَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لَهُ (1): لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي (2).
فمن لم يصلح لأداء سورة واحدة إلى أهل بلدة كيف يصلح للرئاسة العامّة المتضمّنة لأداء جميع الأحكام إلى عموم الرعايا في سائر البلاد؟! و سيأتي الروايات الواردة في ذلك مع الكلام فيها على وجه يناسب الكتاب في المجلد التاسع في باب
____________
(1) لا توجد: له، في (س).
(2) و هذا ما أخرجه جمع كثير من أئمّة الحديث و حفّاظه من العامّة بعدّة طرق صحيحة، يتأتّى التّواتر بأقلّ منها. عدّ منهم شيخنا الأمينيّ في غديره 6- 338- 341 ثلاثة و سبعين إماما!.
412
مفرد (1).
و ما أجابوا به من أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ولّاه الصلاة بالناس، فقد (2) تقدّم (3) القول فيه مفصّلا.
و ما ذكره قاضي القضاة في المغني (4) من أنّه لو سلّم أنّه لم يولّه لما دلّ ذلك (5) على نقص و لا على أنّه لا يصلح للإمارة و الإمامة (6)، بل لو قيل إنّه لم يولّه لحاجته إليه بحضرته و إنّ ذلك رفعة له لكان أقرب، سيّما و قد روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) (7) ما يدلّ على أنّهما وزيراه، فكان (عليه السلام) محتاجا إليهما و إلى رأيهما.
و أجاب السيّد رضي اللّه عنه في الشافي (8) بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يستشير أحدا لحاجة منه إلى رأيه و فقر إلى تعليمه و توقيفه، لأنّه عليه و آله السلام، الكامل الراجح المعصوم المؤيّد بالملائكة، و إنّما كانت مشاورته أصحابه ليعلّمهم كيف يعملون في أمورهم، و قد قيل يستخرج بذلك دخائلهم و ضمائرهم.
و بعد، فكيف استمرّت هذه الحاجة و اتّصلت منه إليهما حتّى لم يستغن في زمان من الأزمان عن حضورهما فيولّيهما؟! و هل هذا إلّا قدح في رأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نسبة له إلى أنّه كان ممّن يحتاج إلى أن يلقّن و يوقف على كلّ شيء، و قد نزّهه اللّه تعالى عن ذلك.
____________
(1) بحار الأنوار 35- 284- 313، الباب التاسع: نزول سورة براءة و قراءة أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل مكّة و ردّ أبي بكر ..
(2) في (ك): قد.
(3) بحار الأنوار 27- 323- 324.
(4) المغني- الجزء المتمّم للعشرين-: 349.
(5) في المصدر: ما كان يدلّ، بدلا من: لما دلّ ذلك.
(6) في المغني: للإمامة، بدلا من: للإمارة و الإمامة.
(7) لا توجد: الصلاة، في المصدر.
(8) الشافي 4- 154، و هو نقل بالمعنى في أوّله و نصّ في آخره.
413
فأمّا ادّعاؤه أنّ الرواية وردت بأنّهما وزيراه، فقد كان يجب أن يصحّح ذلك قبل أن يعتمده و يحتجّ به، فإذا (1) ندفعه عنه أشدّ دفع. انتهى كلامه (قدّس سرّه).
- وَ أَقُولُ: الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْقَاضِي هِيَ مَا رَوَاهَا فِي الْمِشْكَاةِ (2)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (3)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَ لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ، وَ أَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ!.
و لا يخفى أنّه خبر واحد من طريق الخصم لا حجّة فيه، و وضع الحديث عادة قديمة، و قد قدّمنا الأخبار في ذلك (4).
و حكى في (5) جامع الأصول (6) أنّ بعض أهل الضلال كان يقول- بعد ما رجع عن ضلالته-: انظروا إلى هذه الأحاديث عمّن تأخذونها، فإنّا كنّا إذ رأينا
____________
(1) في الشافي: فإنا، و هو الظاهر.
(2) مشكاة المصابيح 3- 233، حديث 6056.
(3) سنن التّرمذيّ 5- 616، كتاب المناقب، باب 17، حديث 3680. و رواه ابن الأثير في جامع الأصول 8- 630- 631، حديث 6462.
(4) ما حكاه (رحمه الله) عن كتاب سليم بن قيس في بحار الأنوار 27- 211- 213، و 22- 102، و قد ذكر جملة من الكذّابين في 25- 261 و ما بعدها.
و انظر: سلسلة الموضوعات من الجزء التاسع من الغدير: 218- 246.
(5) في (ك): و حكي عن ..
(6) جامع الأصول 1- 136- تحقيق الأرناءوطي- بمعنى مقارب لما ذكرناه، و انظر بنصّه في الموضوعات لابن الجوزي 1- 38 و غيرهما، و قد فصّل البحث فيه في كتاب مقباس الهداية إلى علم الدراية 1- 398- 419، في تعريفه للحديث الموضوع، و معرّفاته، و دواعيه و غيرها، و انظر:
مستدركات البحث حيث ذكر جملة من مصنّفاتهم.
و باللّه عليك إلّا ما راجعت سلسلة الأحاديث المقلوبة و الموضوعة في الخلافة و الخلفاء و ما يكذّبها و يناقضها مع إشباع في مصادرها في موسوعة شيخنا الأميني طاب ثراه 5- 288- 375 ترى العجب العجاب و مصداقا لقوله عزّ اسمه: «أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَ تَضْحَكُونَ وَ لا تَبْكُونَ» النجم:
59.
414
رأيا وضعنا له حديثا.
و قد صنّف جماعة من العلماء كتبا في الأحاديث الموضوعة.
- وَ حُكِيَ عَنِ الصَّغَانِيِ (1)- مِنْ عُلَمَاءِ الْمُخَالِفِينَ- أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الدُّرِّ الْمُلْتَقِطِ (2): وَ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ مَا زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى لِلْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَامَّةً، وَ يَتَجَلَّى لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ خَاصَّةً، وَ أَنَّهُ قَالَ:
حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْوَاحَ اخْتَارَ رُوحَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ (3).
ثم قال الصنعاني [الصَّغَانِيُّ: و أنا أنتسب إلى عمر بن الخطاب و أقول فيه الحقّ
- لِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: قُولُوا الْحَقَ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ
فمن الموضوعات ما
روي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَ لَهُ شُعَاعٌ كِشُعَاعِ الشَّمْسِ. قِيلَ: فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟. قَالَ: سَرَقَتْهُ الْمَلَائِكَةُ (4).
. و منها:
مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ قُتِلَ، وَ مَنْ سَبَّ عُثْمَانَ وَ عَلِيّاً جُلِدَ الْحَدَّ (5).
.. إلى غير ذلك من الأخبار المختلفة [المختلقة.
و من الموضوعات:
زُرْ غِبّاً تَزْدَدْ حُبّاً (6).
.
____________
(1) في البحار: و عن، و الصغاني، و هو أبو الفضائل الحسن بن محمّد بن الحسن (577- 650 ه).
(2) أقول: لم أجد هذا النّصّ في كتاب الصّغانيّ: الدّرّ الملتقط في تبيين الغلط، و كذا في كتابه الآخر:
الموضوعات، و كلاهما تحقيق: أبو الفداء عبد اللّه القاضي، و إصدار دار الكتب العلمية- بيروت- بعد أن راجعتهما أكثر من مرّة، و لعلّه حذف منه و حرف كأكثر مصادرهم ممّا فيه منقبة لنا أو طعن عليهم.
(3) ذكرهما و غيرهما ابن الجوزيّ في كتاب الموضوعات 1- 303- 319، و ناقشها بما لا مزيد عليه، و السّيوطيّ في اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1- 286- 289.
(4) أدرجه ابن الجوزي في كتابه الموضوعات 1- 320، و عدّ غيره، و كذا السيوطي في كتابه في الموضوعات 1- 302.
(5) أورده ابن الجوزي في الموضوعات 1- 328، و السيوطي في اللئالئ 1- 309.
(6) كما في الدّر الملتقط للصغاني: 26، برقم 25، و قاله العجلوني في كشف الخفاء 1- 438- 439، برقم 1412.
415
النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ تَزِيدُ فِي الْبَصَرِ (1).
. مَنْ قَادَ أَعْمَى أَرْبَعِينَ خُطْوَةً غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (2).
. الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْأَدْيَانِ، وَ عِلْمُ الْأَبْدَانِ (3).
. انتهى.
و عدّ من الأحاديث الموضوعة:
الْجَنَّةُ دَارُ الْأَسْخِيَاءِ (4).
. طَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامَةٌ (5).
. دفن (6)
البنات من المكرمات (7).
. اطْلُبِ الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ (8).
. لَا هَمَّ إِلَّا هَمُّ الدَّيْنِ وَ لَا وَجَعَ إِلَّا وَجَعُ الْعَيْنِ.
.
____________
(1) كما نصّ عليه في الدّر الملتقط: 24، برقم 18، و الموضوعات، و كلاهما للصغاني: 13، برقم 65، و أورده العجلوني في كشف الخفاء 2- 439، و الشوكاني في الفوائد المجموعة 217، و الألباني في السلسلة الضعيفة 1- 165.
(2) كما في كتاب الموضوعات للصغاني: 12، برقم 57، و جاء في كشف الخفاء و مزيل الألباس للعجلوني 2- 269، برقم 2558، و بمضامين أخر في الموضوعات لابن الجوزي 2- 173 178.
هذا، مع أنّه قد أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 3- 158، و الخطيب في تاريخ بغداد 5- 105 و 9- 214، و الذهبي في الميزان 4- 459، و الهيثمي في مجمع الزوائد 3- 138، و غيرهم.
(3) قاله الصغاني في الموضوعات: 10، برقم 38، و العجلوني في كشف الخفاء 2- 68، برقم 1765.
أقول: وضع في (ك) على الأديان و الأبدان رمز التقديم و التأخير (خ. م).
(4) كما في كشف الخفاء و مزيل الألباس 1- 337، برقم 1083، و عدّه ابن الجوزي في الموضوعات.
(5) كشف الخفاء 2- 37، برقم 1648.
(6) في (ك): و دفن.
(7) كشف الخفاء 1- 407، برقم 1308.
(8) كشف الخفاء 1- 136، برقم 394.
416
الْمَوْتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (1).
. إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ (2).
.. إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره.
و بالجملة، قد عرفت مرارا أنّ الاحتجاج في مثل هذا إنّما يكون بالأخبار المتواترة أو المتّفق عليه بين الفريقين لا ما ذكره آحاد أحد الجانبين.
ثم إنّ صاحب المغني (3) ادّعى أنّ ولاية أبي بكر على الموسم و الحجّ قد ثبت بلا خلاف بين أهل الأخبار، و لم يصحّ أنّه عزله، و لا يدلّ رجوع أبي بكر إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مستفهما عن القصّة على العزل، ثم جعل إنكار من أنكر حجّ أبي بكر بالناس في هذه السنة كإنكار عبّاد بن سليمان و طبقته و أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) سورة براءة من أبي بكر.
أقول:
- رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِبَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي (5) أَنْ يُبَلِّغَ عَنِّي (6) إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي (7).
وَ زَادَ رَزِينٌ (8): ثُمَّ اتَّفَقَا فَانْطَلَقَا.
و هذا يشعر بأنّه لم يثبت عنده مسير أبي بكر إلى مكة (9).
____________
(1) كما في الموضوعات لابن الجوزي 3- 218- 219، و كشف الخفاء 2- 289 برقم 2663، و اللئالي المصنوعة 2- 414.
(2) قد أورده في: كشف الخفاء 1- 218، برقم 665، و قريب منه في الموضوعات لابن الجوزي 2- 238، و غيرهما. و في (س): الهجار، و لا معنى لها.
(3) المغني- الجزء المتمّم للعشرين-: 350، مع اختلاف يسير.
(4) جامع الأصول 8- 660، حديث 6508. و انظر ما سبقه و لحقه من الرّوايات.
(5) في المصدر زيادة: لأحد.
(6) في الجامع: هذا، بدلا من: عنّي.
(7) و زاد في المصدر: و دعا عليّا فأعطاه إيّاها.
(8) هذه الزّيادة جاءت في جامع الأصول ذيل حديث 6509 من المجلّد الثّامن، صفحة 660.
(9) أقول: تعدّ واقعة إرسال أبي بكر بسورة براءة ثمّ تنحيته و بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) بها من الضروريات التاريخية المتواترة سندا و المتّحدة مضمونا و إن اختلفت ورودا، ندرج جملة من مصادرها العاميّة، فانظر: مسند الحميدي (تحقيق الأعظمي) 1- 26، حديث 48، و الدرّ المنثور للسيوطي 3- 209، و كنز العمّال للهندي 1- 246- 247، و تفسير الشوكاني 2- 319، و الرياض النضرة 2- 147، و ذخائر العقبى: 69، و تاريخ ابن كثير 5- 38، و 7- 357، و تفسير ابن كثير 2- 333، و مناقب الخوارزمي: 99، و مجمع الزوائد 7- 29، و 9- 119، و شرح صحيح مسلم للعيني 8- 637، و تفسير المنار 10- 157، و تفسير الطبريّ 10- 46، و خصائص النسائي: 20، و مسند أحمد بن حنبل 1- 151 و 230 و 3- 283، و الكفاية للكنجي: 126، و فتح الباري لابن حجر العسقلاني 8- 256، و مطالب السئول لابن طلحة: 17، و شرح ابن أبي الحديد 3- 105، و تفسير الطبريّ 10- 46 و 47، و مستدرك الحاكم 3- 51، و صحيح الترمذي 2- 183، و شواهد التنزيل 1- 233، و غيرها كثيرة جدا لا يسعنا عدّها. و لا تعدادها، ذكر جملة منها شيخنا الأميني في غديره 6- 341- 350.
417
- وَ رَوَى الطَّبْرِسِيُّ (رحمه الله) فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ (1)، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَخَذَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَ دَفَعَهَا إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ قَالَ: لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي.
- وَ قَالَ: وَ رَوَى أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَلَّاهُ أَيْضاً الْمَوْسِمَ، وَ أَنَّهُ حِينَ أَخَذَ الْبَرَاءَةَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ.
و ستعرف أنّ أكثر أخبارهم خالية عن ذكر حجّ أبي بكر و عوده إلى الموسم، و كذا الأخبار الواردة من طرق أهل البيت (عليهم السلام)، فاستعظامه ذلك ممّا لا وجه له، بخلاف قول عبّاد بن سليمان لظهور شناعته.
و قال السيّد رضي اللّه عنه (2): لو سلّمنا أنّ ولاية الموسم لم تنسخ (3) لكان الكلام باقيا، لأنّه إذا كان ما ولي مع تطاول الأزمان (4) إلّا هذه الولاية ثم سلب شطرها و الأفخم الأعظم منها فليس ذلك إلّا تنبيها على ما ذكرنا.
____________
(1) مجمع البيان 5- 3 سورة التّوبة [3- 3]، بتقديم المتن على الإسناد، و انظر ما بعده من الرّوايات فيه و في تفسير التّبيان 5- 169.
(2) في الشافي 4- 155، و في الحجريّة: 248.
(3) في المصدر: لم تفسخ، و هي نسخة في مطبوع البحار.
(4) في الشافي: الزمان.
418
ثم إنّ إمامهم الرازي ترقّى في التعصّب في هذه [هذا الباب حتّى قال (1): قيل قرّر أبا بكر على الموسم و بعث عليّا (عليه السلام) خليفة (2) لتبليغ هذه الرسالة حتّى يصلّي (3) خلف أبي بكر و يكون ذلك جاريا مجرى تنبيه (4) على إمامة أبي بكر، و اللّه أعلم. قال (5): و قرّر الجاحظ هذا المعنى، فقال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعث أبا بكر أميرا على الحاجّ و ولّاه الموسم، و بعث عليّا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة، فكان أبو بكر الإمام و عليّ المؤتمّ، و كان أبو بكر الخطيب و عليّ المستمع، و كان أبو بكر الرافع بالموسم و السائق (6) لهم، و الآمر لهم و لم يكن ذلك لعليّ (عليه السلام) (7). انتهى.
و أقول: الطعن في هذا الكلام من وجوه:
الأوّل: أنّ بقاء أبي بكر على إمارة الموسم ممنوع، كما مرّ و سيأتي.
الثاني: أنّ الإمارة على من جعله الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من أهل الموسم بنفسها لا يقتضي صلاتهم خلف الأمير، فضلا عن اقتضائه فيمن لم يكن من أهل الموسم و بعثه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أخيرا لتبليغ الآيات من اللّه سبحانه و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و خلوّ الأخبار من الصلاة ممّا لا سترة فيه.
الثالث: أنّ تقرير أبي بكر على الموسم لو دلّ على الأمر بالصلاة خلفه لم يثبت له فضيلة على ما زعموه من جواز الصلاة خلف كلّ برّ و فاجر (8).
____________
(1) في تفسيره 15- 219.
(2) في المصدر: و بعث عليّا خلفه ..
(3) في المصدر زيادة لفظ: علي بعد: يصلي.
(4) في تفسير الفخر: التنبيه- بالألف و اللام-.
(5) قال الفخر الرازيّ في تفسيره تلو قوله: و اللّه أعلم.
(6) في المصدر: و السابق.
(7) في التفسير: الترضية، بدل: التسليم.
(8) انظر من باب المثال، سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب 63.
419
الرابع: أنّ تفصيل (1) إمارة الحاجّ على قراءة الآيات على الناس- كما يشعر به كلام بعضهم- باطل، إذ قراءة الآيات على الناس من المناصب الخاصّة بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو من كان منه، كما يدلّ عليه لفظ أخبار المخالف (2) و المؤالف (3)،
- حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله): لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي.
و أمّا إمارة الحاجّ فيتولّاها كلّ برّ و فاجر، و ليس من شروطها إلّا نوع من الاطّلاع على ما هو الأصلح في سوق الإبل و البهائم و معرفة المياه و التجنّب عن مواضع اللصوص .. و نحو ذلك، و الفرق بين الأمرين غير خفيّ على عاقل لم يذهب التعصّب به مذاهب التعسّف.
الخامس: أنّ قوله: فكان أبو بكر الإمام و عليّ المؤتمّ .. إن أراد به إمامة الصلاة فقد عرفت ما فيه، و إن أراد الإمامة في الحجّ، فالحجّ بنفسه ممّا لا يجري فيه الإمامة، و إن أراد كونه إماما من حيث إمارته على الموسم فلا نسلّم أنّ عليّا (عليه السلام) كان من المؤتمّين به، و مجرّد الرفاقة لا إمامة فيها، مع أنّ عود أبي بكر إلى الحجّ بعد رجوعه في محلّ المنع، و بقاءه على الإمارة- بعد تسليمه- كذلك، كما
____________
(1) كذا، و الظاهر: تفضيل- بالضاد المعجمة-.
(2) كما جاء في سنن الترمذي 5- 636، كتاب المناقب، باب 21، حديث 3719، و في جامعه في تفسيره سورة البراءة، و سنن ابن ماجة 1- 44، باب 11، حديث 119، و مسند أحمد 1- 3، 151، 330 و 2- 299 و 3- 212، 283، و 4- 164- 165، صحيح البخاريّ 1- 31، و 6- 81، و 19- 510 طبع الهند، و تفسير الطبريّ 1- 410، 10- 44 و 46، و تفسير زاد المسير 3- 391، و الدّر المنثور للسيوطي 2- 319، و تاريخ ابن كثير 5- 38، و مناقب الخوارزمي: 99، و شرح صحيح البخاريّ للعيني 8- 637، و تفسير المنار 10- 158، و شرح المواهب المدنية للزرقاني 3- 91، و الأموال لأبي عبيدة: 165، و الكفاية للكنجي 126، و مجمع الزوائد للهيثمي 7- 29، و الفردوس، حديث 4171- 4178، و الخصائص للنسائي: 2، و سيأتي له مصادر أخرى.
(3) تظافر النقل عند الخاصّة و استفاض حتّى كاد أن يكون متواترا، و عدّ السيّد ابن طاوس في الطرائف 1- 38 جملة روايات من الطريقين، و انظر: مجمع البيان 3- 3، و التبيان 5- 169، و تفسير القمّيّ 1- 282، و الخصال 1- 311، باب 1، حديث 87، و 2- 55، باب 2، حديث 31، و الصراط المستقيم 2- 6- 9، و الشافي 4- 153- 157، و تلخيص الشافي 2- 232- 233 و 3- 240 و غيرها، و سندرج له مصادر أخر ضمن البحث.
420
عرفت.
السادس: أنّ إمارة الحاجّ لا تستلزم خطابة حتّى يلزم استماع المأمورين فضلا عن استماع من بعث لقراءة الآيات على مشركي مكة.
السابع: لو كان غرضُ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بيانَ فضل أبي بكر و علوِّ درجته- حيث جعله سائقا لأهل الموسم و رافعا لهم- لكان الأنسبَ أن يجعل عليّا (عليه السلام) من المأمورين بأمره أوّلا، أو يبعثه أخيرا و يأمره بإطاعة أمره و الانقياد له، لا أن يقول له خذ البراءة منه حتّى يفزع الأمير و يرجع إليه (صلّى اللّه عليه و آله) خائفا ذعرا من أن يكون نزل فيه ما يكون سببا لفضيحته (1) و ...، كما يدلّ عليه قوله: أ نزل فيّ شيء؟! و جوابه (صلّى اللّه عليه و آله)، كما لا يخفى على المتأمّل.
الثامن: أنّ ذلك لو كان منبّها على إمامة أبي بكر دالّا على فضله لقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا رجع جزعا فزعا-: يا لكع! أ ما علمت أنّي ما أردت بذلك إلّا تنويها بذكرك و تفضيلا لك على عليّ (عليه السلام) و تنبيها على إمامتك؟! و كيف خفي ذلك على أبي بكر مع حضوره الواقعة و اطّلاعه على القرائن الحاليّة و المقاليّة، و كذا على أتباعه و القائلين بإمامته، و لم يفهمه أحد سوى الرازي و أشباهه.
و أمّا ما تشبّث به المخالفون في مقام الدفع و المنع:
فمنها: إنكار عزل أبي بكر عن أداء الآيات كما فعل عبّاد بن سليمان و الشارح الجديد للتجريد (2) .. و أضرابهما.
و أيّده بعضهم بأنّه لو عزل أبا بكر عن التأدية قبل الوصول إلى موضعها لزم فسخ الفعل قبل وقته و هو غير جائز.
____________
(1) في (س): لفضيحة- بلا ضمير-.
(2) شرح التجريد للقوشجي: 372- الحجريّة-.
421
و أنت بعد الاطّلاع على ما سيأتي من أخبار الجانبين في ذلك لا ترتاب في أنّ ذلك الإنكار ليس إلّا للجهل الكامل بالآثار، و للتعصّب المفرط المنبئ عن خلع الغدار (1)، و قد اعترف قاضي القضاة (2) ببطلان ذلك الإنكار لإقرار الثقات من علمائهم بعزله و شهادة الأخبار به.
و قال ابن أبي الحديد (3): روى طائفة عظيمة من المحدّثين أنّه لم يدفعها إلى أبي بكر، لكن الأظهر الأكثر أنه دفعها إليه ثم أتبعه بعليّ (عليه السلام) فانتزعها منه. انتهى.
و لم نظفر في شيء من رواياتهم بما يدلّ على ما حكاه، و كان الأنسب أن يصرّح بالكتاب و الراوي حتّى لا يظنّ به التعصّب و الكذب.
و أمّا حديث النسخ، فأوّل ما فيه إنّا لا نسلّم عدم جوازه، و قد جوّزه جمهور الأشاعرة و كثير من علماء الأصول، سلّمناه لكن لا نسلّم أمره (صلوات الله عليه) أبا بكر بتبليغ الآيات، و لعلّه أمره بحملها إلى ورود أمر ثان، أو تبليغها لو لم يرد أمر بخلافه، و لم يرد في الروايات أمر صريح منه (صلّى اللّه عليه و آله) بتبليغ أبي بكر إيّاها مطلقا، و ورود النهي عن التأدية لا يدلّ على سبق الأمر بها ككثير [من النواهي، و لئن سلّمنا ذلك لا نسلّم كون الأمر مطلقا- و إن لم يذكر الشرط-، لجواز كونه منويّا و إن لم تظهر الفائدة.
فإن قيل: فأيّ فائدة في دفع السورة إلى أبي بكر و هو لا يريد أن يؤدّيها، ثم ارتجاعها؟ و هَلَّا دَفَعَهَا ابتداءً إلى (4) عليّ (عليه السلام)؟.
قلنا: الفائدة ظهور فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) و مزيّته، و أنّ الرجل الذي نزعت منه السورة لا يصلح له، و قد وقع التصريح بذلك في بعض الأخبار
____________
(1) الكلمة مشوّشة في (س).
(2) في كتابه المغني- الجزء المتمّم للعشرين-: 350، و قد ذكره عنه في الشافي 4- 153.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 17- 200، بتصرّف و اختصار.
(4) في (س): على، بدلا من: إلى.
422
و إن كان يكفينا الاحتمال.
و منها: ما اعتذر به الجبائي (1)، قال: لمّا كانت عادة العرب أنّ سيّدا من سادات قبائلهم إذا عقد عهدا لقوم فإنّ ذلك العقد لا ينحلّ إلّا أن يحلّه هو أو بعض سادات قومه، فعدل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن أبي بكر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) حذرا من أن لا يعتبروا نبذ العهد من أبي بكر لبعده في النسب.
و تشبّث به جُلُّ من تأخّر عنه، كالفخر الرازي (2)، و الزمخشري (3) و البيضاوي (4) و شارح التجريد (5) .. و غيرهم (6).
و ردّ عليهم أصحابنا (7) بأنّ ذلك كذب صريح و افتراء على أصحاب الجاهليّة و العرب، و لم يعرف في زمان من الأزمنة أن يكون الرسول- سيّما لنبذ العهد- من سادات القوم و أقارب العاقد، و إنّما المعتبر فيه أن يكون موثوقا به، مقبول القول و لو بانضمام قرائن الأحوال، و لم ينقل هذه العادة من العرب أحد من أرباب السير و رواة الأخبار، و لو كانت موجودة في رواية أو كتاب لعيّنوا موضعها، كما هو الشأن في مقام الاحتجاج.
و قد اعترف ابن أبي الحديد (8) بأنّ ذلك غير معروف عن عادة العرب، و إنّما
____________
(1) كما في المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 351، و حكاه في الشافي 4- 155، و أجاب عنه.
(2) في تفسيره 15- 218.
(3) في كشّافه 2- 172.
(4) في تفسيره 1- 405 في سورة البراءة.
(5) شرح التجريد: 372- الحجرية-.
(6) مثل ابن كثير في تفسيره 2- 345، و القرطبيّ في جامع أحكام القرآن 8- 61، و صاحب تفسير بحر المحيط 5- 7، و غيرهم.
(7) قد مرّت مصادر متعدّدة، و نذكر هنا مثالا: الشافي 4- 150، و الصراط المستقيم 2- 6، و تلخيص الشافي 2- 233.
(8) في شرحه على نهج البلاغة 17- 200 بتصرّف، و قال قبله: فالذي قاله المرتضى أصحّ و أظهر.
423
هو تأويل تأوّل به متعصّبو أبي بكر لانتزاع البراءة منه، و ليس بشيء. انتهى.
و ممّا يدلّ على بطلانه، أنّه لو كان ذلك معروفا من عادة العرب لما خفي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى بعث أبا بكر، و لا على أبي بكر و عمر العارفين بسنن الجاهليّة الذين يعتقد المخالفون أنّهما كانا وزيري رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه كان لا يصدر عن شيء و لا يقدم على أمر إلّا بعد مشاورتهما و استعلام رأيهما، و لو كان بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) استدراكا لما صدر عنه على الجهل بالعادة المعروفة أو الغفلة عنها، لقال اللّه له: اعتذر إلى أبي بكر، و ذكّره عادة الجاهليّة حتى لا يرجع خائفا يترقّب نزول شيء فيه، أو كان يعتذر إليه بنفسه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد رجوعه، بل لو كان كذلك فما غفل عنها الحاضرون من المسلمين حين بعثه و المطّلعون عليه، و لا احتاج (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الاعتذار بنزول جبرئيل لذلك من عند اللّه تعالى.
و قال ابن أبي الحديد (1)- في مقام الاعتذار، بعد ردّ اعتذار القوم بما عرفت-:
لعلّ السبب في ذلك أنّ عليّا (عليه السلام) من بني عبد مناف، و هم جمرة (2) قريش بمكّة، و عليّ أيضا شجاع لا يقام له، و قد حصل في صدور قريش منه (3) الهيبة الشديدة و المخافة العظيمة، فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل و حوله من بني عمّه من (4) هم أهل العزّ و القوّة و الحميّة، كان أدعى إلى نجاته من قريش و سلامة نفسه، و بلوغ الغرض من نبذ العهد على يده.
و لا يخفى عليك أنّه تعليل عليل، إذ لو كان بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) باجتهاد منه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و كان الغرض سلامة من أرسل لتبليغ
____________
(1) في شرحه على النهج 17- 200.
(2) قال في النهاية 1- 292: و بنو فلان جمرة: إذا كانوا أهل منعة و شدّة .. و الجمرة: اجتماع القبيلة على من ناواها.
(3) لا توجد: منه، في (س).
(4) في المصدر: و، بدلا من: من.
424
الآيات و نجاته كان الأحرى أن يبعث عمّه العباس أو عقيلا أو جعفرا أو غيرهم من بني هاشم ممّن لم يلتهب في صدور المشركين نائرة حقده لقتل آبائهم و أقاربهم، لا من كانوا ينتهزون الفرصة لقتله و الانتقام منه بأيّ وجه كان، و حديث الشجاعة لا ينفع في هذا المقام، إذ كانت آحاد قريش تجترئ عليه (صلوات الله عليه) في المعارك و الحروب، فكيف إذا دخل وحده بين جمّ غفير من المشركين؟!.
و أمّا من جعله من الدافعين الذابّين عنه (عليه السلام) من أهل مكّة فهم كانوا أعاظم أعاديه و أكابر معانديه، و أيضا لو كان الغرض ذلك (1) لكان الأنسب أن يجعله أميرا على الحاجّ كما ذهب إليه قوم من أصحابنا، لا كما زعموه من أنّه لم يعزل أبا بكر عن الإمارة بل جعله مأمورا بأمره، كما مرّ.
بل نقول: الأليق بهذا الغرض بعث رجل حقير النفس خامل الذكر في الشجاعة من غير الأقارب حتّى لا يهمّوا بقتله، و لا يعدّوا الظفر عليه انتقاما و ثأرا لدماء من قتل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من عشيرتهم و ذوي قراباتهم، مع أنّه لم تجر العادة بقتل من بعث إلى قوم لأداء رسالة، لا سيّما إذا كان ميّتا في الأحياء، غير معروف إلّا بالجبن و الهرب، و كيف لم يستشعر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك الذي ذكره حتّى أرسل أبا بكر ثم عزله؟! و كيف اجترأ أبو بكر حتّى عرّض نفسه للهلكة مع شدّة جبنه؟! و كيف غفل عنه عمر بن الخطاب- الوزير بزعمهم المشير في عظائم الأمور و دقائقها- مع شدّة حبّه لأبي بكر؟ و لو كان الباعث ذلك لأفصح عن ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أو غيره بعد رجوع أبي بكر أو قبله كما سبق التنبيه على مثله، هذا مع كون تلك التعليلات مخالفة لما صرّح به الصادقون، الذين (2) هم أعرف بمراد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من ابن أبي الحديد و الجبائي و من اقتفى أثرهما.
____________
(1) في (ك): منه، نسخة بدل: من ذلك.
(2) في (س): الذي، و قد تقرأ في (ك) كذلك، و ما أثبتناه أظهر.
425
و قد حكى في كتاب الصراط المستقيم (1)، عن كتاب المفاضح (2) أنّ جماعة قالوا لأبي بكر: أنت المعزول و المنسوخ من اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) عن أمانة واحدة، و عن راية خيبر، و عن جيش العاديات، و عن سكنى المسجد، و عن الصلاة (3)، و لم ينقل أنّه أجاب و علّل بمثل هذه التعليلات.
و العجب من هؤلاء المتعصّبين الذين يدفعون منقصة عن مثل أبي بكر بإثبات جهل أو غفلة عن عادة معروفة أو مصلحة من المصالح التي لا يغفل عنها آحاد الناس للرسول المختار الذي لا ينطق عن الهوى، و ليس كلامه إلّا وحيا يوحى، أو لا يجوز (4) عليه السهو و النسيان، بل يثبتون ذلك له و لجميع أصحابه، نعوذ باللّه من التورّط في ظلم الضلالة و الانهماك في لجج الجهالة.
و أعجب من ذلك أنّهم يجعلون تقديم أبي بكر للصلاة نصّا صريحا لخلافته- مع ما قد عرفت ممّا فيه من وجوه السخافة- و يتوقّفون في أن يكون مثل هذا التخصيص و التنصيص و الكرامة موجبا لفضيلة له (عليه السلام)، مع أنّهم
رووا أنّ جبرئيل (عليه السلام) قال: لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك (5).
. فإمّا أن يراد به الاختصاص التامّ الذي كان بين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و بين أمير المؤمنين (عليه السلام) كما يدلّ عليه ما سيأتي (6) و مضى (7) من الروايات
____________
(1) كتاب الصراط المستقيم 2- 7.
(2) في المصدر: الفاضح.
(3) ثم قال في الصراط المستقيم: فكيف تولّى في الأمور العامّات و الخاصّات و ليس للأمّة تولية من عزله اللّه في السماء و رسول اللّه في الأرض.
(4) كذا، و الظاهر: و لا يجوز- بالواو-.
(5) قد مرّت مصادره، و جاء في الملل و النحل 1- 144، و في الإرشاد للشيخ المفيد: 37، و أورده في إحقاق الحقّ 5- 242- 255، و 6- 443، و 7- 390، و 9- 269- 481، عن عدّة مصادر عاميّة، و ذكره في كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 1- 168.
(6) سيأتي من المصنّف- (قدّس سرّه)- في بحاره 37- 80 و 40- 18.
(7) قد مرّت في البحار 24- 88، و 25- 29، و 26- 3 و 4، و غيرها.
426
الواردة في أنّهما كانا من نور واحد،
- وَ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ مِنْهُ (عليه السلام) مَا وَقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ جَبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ.
فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ. فَقَالَ جَبْرَئِيلُ: وَ أَنَا مِنْكُمَا (1).
و لم يقل:
و إنّكما منّي .. رعاية للأدب و تنبيها على شرف منزلتهما، و قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ (2) في آية المباهلة (3)
-، وَ قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) لِبَنِي وَلِيعَةَ (4): لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا كَنَفْسِي. (5).
و غير ذلك ممّا سيأتي.
و إمّا أن يراد به الاختصاص الذي نشأ من كونه (عليه السلام) من أهل بيت الرسالة، و يناسبه ما
ورد في بعض الروايات: لا ينبغي أن يبلّغ عنّي إلّا رجل من أهل بيتي (6).
، أو ما نشأ من كثرة المتابعة و إطاعة الأوامر كما فهمه بعض الأصحاب و أيّده بقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (7) و على أيّ التقادير يدلّ على أنّ من لم يتّصف بهذه الصفة لا يصلح للأداء عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و كلّما كان هذا الاختصاص أبلغ في الشرف كان أكمل في إثبات الفضيلة
____________
(1) كما جاء في تاريخ الطبريّ 2- 514، و تاريخ الكامل لابن الأثير 2- 154 و ذيلهما حريّ بالملاحظة، و تفسير الفرات الكوفيّ: 22، و كتاب عيون أخبار الرضا (ع) 1- 81- 85، حديث 9، و إرشاد المفيد: 543- 548، و قد ورد مواساة أمير المؤمنين (عليه السلام) في غزوة أحد في موارد مختلفة من بحار الأنوار، منها: 20- 54 و 55 و 69 و 71 و 85 و 95 و 105 و 107 و 108 و 112 و 113 و 129 و 144 و 39- 111.
(2) إبراهيم: 36.
(3) قد فصّل المصنّف- (قدّس سرّه)- البحث فيها في بحاره: 21- 276، و 37- 49.
(4) قال في القاموس 3- 97: بنو وليعة- كسفينة-: حيّ من كندة.
(5) كما جاء في مستدرك الصحيحين 2- 120، و خصائص النسائي 19، و مجمع الهيثمي 7- 110، و كنز العمّال 6- 400، و الاستيعاب 2- 464، و تفسير الكشّاف في تفسير قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ» ... إلخ من سورة الحجرات، و غيرها كثير.
(6) كما جاء في عيون أخبار الرضا (ع) 2- 61، باب 31، حديث 243، و علل الشرائع 1- 189، باب 150، حديث 1، و تلاحظ بقية روايات الباب، و إرشاد المفيد: 37.
(7) آل عمران: 61.
427
لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و كلّما ضايق الخصم في كماله كان أتمّ في إثبات الرذيلة لأبي بكر، فلا نتربّص في ذلك إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، كما ذكره بعض الأفاضل.
ثم إنّ المفعول المحذوف في هذا الكلام، إمّا أن يكون أمرا عامّا- كما يناسب حذفه- خرج ما خرج منه بالدليل فبقي حجّة في الباقي، أو يكون أمرا خاصّا هو تبليغ الأوامر المهمّة، أو يخصّ بتبليغ تلك الآيات، كما ادّعى بعض (1) العامّة، و على التقادير الثلاثة يدلّ على عدم استعداد أبي بكر لأداء الأوامر عامّة عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، أمّا على الأول فظاهر، و كذا على الثاني، لاشتمال الخلافة على تبليغ الأوامر المهمّة، و أمّا على الثالث فلأنّ من لم يصلح لأداء آيات خاصّة و عزل عنه بالنصّ الإلهي كيف يصلح لنيابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في تبليغ الأحكام عامّة، و دعوة الخلائق كافّة؟!.
و لنكتف بذلك حذرا من الإطناب، و سيأتي تمام الكلام في ذلك في أبواب فضائله (عليه السلام) إن شاء اللّه تعالى (2).
الثاني: التخلّف عن جيش أسامة.
قال أصحابنا (رضوان اللّه عليهم): كان أبو بكر و عمر و عثمان من جيش أسامة (3)، و قد كرّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- لمّا اشتدّ مرضه- الأمر بتجهيز جيش أسامة و لعن المتخلّف عنه (4)، فتأخّروا عنه و اشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة، و خالفوا أمره، و شملهم اللعن، و ظهر أنّهم لا يصلحون للخلافة.
قالوا: و لو تنزّلنا عن هذا المقام و قلنا بما ادّعاه بعضهم من عدم كون أبي بكر
____________
(1) في (س): كما ورد عن بعض ..
(2) بحار الأنوار 38- 195- 458، و المجلد الذي يليه.
(3) في (س): من جيشه، بدلا من: من جيش أسامة.
(4) كما في الطرائف 2- 449، تلخيص الشافي 3- 32، الشافي 4- 144، و غيرها.
428
من الجيش.
نقول: لا خلاف في أنّ عمر منهم، و قد منعه أبو بكر من النفوذ معهم، و هذا كالأوّل في كونه معصية و مخالفة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
أمّا أنّهم كانوا من جيش أسامة، فلما ذكره السيّد الأجلّ رضي اللّه عنه في الشافي (1) من: أنّ كون أبي بكر في جيش أسامة، قد (2) ذكره أصحاب السير و التواريخ (3): قال روى البلاذري في تاريخه (4)- و هو معروف ثقة كثير الضبط و بريء (5) من ممالأة الشيعة-: أنّ أبا بكر و عمر كانا معا في جيش أسامة.
وَ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الْكَازِرَانِيُّ- مِنْ مُتَعَصِّبِي الْجُمْهُورِ- فِي تَارِيخِهِ (6) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَمَرَ النَّاسَ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ دَعَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ: سِرْ إِلَى مَوْضِعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ فَأَوْطِئْهُمُ [مُدَّ] (7) الْخَيْلِ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَحُمَّ وَ صُدِعَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمُ الْخَمِيسِ عَقَدَ لِأُسَامَةَ لِوَاءً بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: أُغْزُ بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. فَخَرَجَ وَ عَسْكَرٌ بِالْجُرْفِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِلَّا
____________
(1) الشافي: 246- الحجريّة-، و 4- 147- المحققة-.
(2) في (ك): و قد.
(3) نصّ على ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1- 159، تاريخ الطبريّ 3- 186، تاريخ ابن عساكر- في ترجمة أسامة- 2- 391، طبقات ابن سعد 2- 41، حياة محمّد (ص) ل: محمّد حسنين هيكل: 483، سيرة ابن هشام 2- 650، كنز العمّال 5- 312، تاريخ اليعقوبي 3- 93، تاريخ الخميس 2- 172.
(4) لم نجده في المقدار المطبوع من تاريخ البلاذري، و حكاه في الشافي و تلخيصه.
(5) قد تقرأ الكلمة في (س): تبرئ.
(6) تاريخ الكازراني. أقول: لعلّه لعليّ بن محمّد بن محمود الكازرونيّ ظهير الدّين (611- 697 ه)، يعد مؤرخا، و له جملة مصنّفات في التّاريخ و غيره، و لا أعلم بطبع تاريخه- مع كلّ ما بحثت عنه كما لم يدرجه المصنّف (طاب ثراه) في أوّل كتابه من مصادره و لعلّه نقل عن غيره.
(7) وضع على كلمة: مدّ، رمز نسخة بدل في (ك).
429
انْتَدَبَ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ وَ قَالُوا: يَسْتَعْمِلُ هَذَا الْغُلَامَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ؟! فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) غَضَباً شَدِيداً، فَخَرَجَ وَ قَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ عِصَابَةً وَ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ! فَمَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِ أُسَامَةَ، وَ لَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لِلْإِمَارَةِ لَخَلِيقاً، وَ إِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَ إِنْ (1) كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْراً فَإِنَّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ.
ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَ ذَلِكَ يَوْمُ السَّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَ جَاءَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مَعَ أُسَامَةَ يُوَدِّعُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَمْضُونَ إِلَى الْعَسْكَرِ بِالْجُرْفِ، وَ ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعُهُ، فَدَخَلَ أُسَامَةُ مِنْ مُعَسْكَرِهِ وَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مُغْمًى عَلَيْهِ، وَ فِي رِوَايَةٍ: قَدْ أَصْمَتَ وَ هُوَ لَا يَتَكَلَّمُ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ فَقَبَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُمَا عَلَى أُسَامَةَ. قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي، وَ رَجَعَ أُسَامَةُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَبَيْنَا هُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ إِذَا رَسُولُ أُمِّهِ- أُمِّ أَيْمَنَ- قَدْ جَاءَهُ يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمُوتُ .. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (2) أَنَّ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْثاً إِلَى الشَّامِ وَ أَمِيرُهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ .. وَ ذَكَرَ بَعْضَ مَا مَرَّ، وَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، قَالَ: وَ هُمَا ثَبَّتَا (3) النَّاسَ عَلَى الرِّضَا
____________
(1) كذا، و الظّاهر: و إنّه.
(2) الكامل في التّاريخ لابن الأثير 2- 334- 336.
(3) قال في الصّحاح 1- 245: و أثبته غيره و ثبّته بمعنى، و يقال أثبته السّقم: إذا لم يفارقه، و قوله تعالى: «لِيُثْبِتُوكَ» .. أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها، و نحوه في لسان العرب 2- 19- 20. و عليه فيحتمل أن يكون المعنى: أنّهما يجرحان النّاس و يعيبان عليهم لرضايتهم بإمارة أسامة. و يحتمل أنّ العبارة هكذا: ثبّطا النّاس عن الرّضا أو تبطّئا ...
430
بِإِمَارَةِ أُسَامَةَ.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ (1)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (2) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (3)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ جُلَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى مُؤْتَةَ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدٌ، وَ أَنْ يغزوا [يَغْزُوَ وَادِيَ فِلَسْطِينَ، فَتَثَاقَلَ أُسَامَةُ وَ تَثَاقَلَ الْجَيْشُ بِتَثَاقُلِهِ، وَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَثْقُلُ (4) وَ يَخِفُّ وَ يُؤَكِّدُ الْقَوْلَ فِي تَنْفِيذِ ذَلِكَ الْبَعْثِ، حَتَّى قَالَ لَهُ أُسَامَةُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي! أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَمْكُثَ أَيَّاماً حَتَّى يَشْفِيَكَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ: اخْرُجْ وَ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! إِنِّي إِنْ خَرَجْتُ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ خَرَجْتُ وَ فِي قَلْبِي قَرْحَةٌ مِنْكَ. فَقَالَ:
سِرْ عَلَى النَّصْرِ وَ الْعَافِيَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)! إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ الرُّكْبَانَ. فَقَالَ: أَنْفِذْ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ .. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَامَ أُسَامَةُ فَجَهَّزَ (5) لِلْخُرُوجِ، فَلَمَّا أَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَأَلَ عَنْ أُسَامَةَ وَ الْبَعْثِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ يَتَجَهَّزُونَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ (6) أُسَامَةَ،
____________
(1) شرح النّهج 6- 52.
(2) وضع على كلمة: عبد اللّه، رمز نسخة بدل في (ك)، و لا توجد في المصدر.
(3) جاء السّند في شرح النّهج: قال أبو بكر: حدّثنا أحمد بن إسحاق بن صالح عن أحمد بن سيّار عن سعيد بن كثير الأنصاريّ عن رجاله عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن ..
(4) في المصدر: في مرضه يثقل.
(5) في المصدر: فتجهّز.
(6) جاء في شرح النّهج: بعث، بدلا من: جيش، و هي نسخة بدل في (ك).
431
لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ .. وَ يُكَرِّرُ (1) ذَلِكَ، فَخَرَجَ أُسَامَةُ وَ اللِّوَاءُ عَلَى رَأْسِهِ وَ الصَّحَابَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْجُرْفِ نَزَلَ وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ، وَ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ (2) وَ بِشْرُ (3) بْنُ سَعْدٍ .. وَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ، فَجَاءَهُ رَسُولُ أُمِّ أَيْمَنَ يَقُولُ لَهُ: ادْخُلْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَمُوتُ، فَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ اللِّوَاءُ مَعَهُ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى رَكَزَهُ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ مَاتَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، قَالَ: فَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يُخَاطِبَانِ أُسَامَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ إِلَّا بِ: الْأَمِيرِ.
وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي الْمُسْتَرْشِدِ (4)- عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (5)- أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ كَرِهُوا إِمَارَةَ (6) أُسَامَةَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذَلِكَ فَخَطَبَ وَ أَوْصَى (7) ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَ جَاءَ الْمُسْلِمُونَ يُوَدِّعُونَهُ فَيَلْحَقُونَ (8) بِأُسَامَةَ، وَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْجُرْفَ بَعَثَتْ أُمُّ أُسَامَةَ- وَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ- أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمُوتُ، فَاضْطَرَبَ الْقَوْمُ وَ امْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَ لَمْ يُنْفِذُوا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دَفْنِهِ.
وَ قَالَ فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (9)- أَيْضاً- أَسْنَدَ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِ السَّقِيفَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا فِيهِ.
____________
(1) في المصدر: كرّر، و نسخة بدل: تكرّر.
(2) حصر، بدلا من: حضير، جاءت في (س)، و هي غلط.
(3) في شرح النّهج: بشير- بالباء-.
(4) المسترشد: 1 و 2، مع اختلاف يسير و تلخيص.
(5) الصّراط المستقيم 2- 296- 297.
(6) خطّ على كلمة: إمارة، في (س)، و في المصدر بدلا منها: تأمير.
(7) في الصّراط: و أوصى به.
(8) في الصّراط: و يلحقون.
(9) الصّراط المستقيم 2- 298.
432
و قال (1): حدّث الواقدي، عن ابن أبي الزياد (2)، عن هشام بن عروة أنّ أباه قال: كان فيهم أبو بكر.
- قال: و حدّث- أيضا- مثله، عن محمد بن عبد اللّه بن عمر.
- و ذكره البلاذري في تاريخه، و الزهري، و هلال بن عامر، و محمد بن إسحاق، و جابر، عن الباقر (عليه السلام). و- محمد بن أسامة، عن أميّة (3). و نقلت الرواة أنّهما كانا في حال خلافتهما يسلّمان على أسامة بالإمرة.
وَ فِي كِتَابِ الْعِقْدِ (4): اخْتَصَمَ أُسَامَةُ وَ ابْنُ عُثْمَانَ فِي حَائِطٍ، فَافْتَخَرَ ابْنُ عُثْمَانَ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَنَا أَمِيرٌ عَلَى أَبِيكَ وَ صَاحِبَيْهِ (5)، أَ فَإِيَّايَ تُفَاخِرُ؟!، وَ لَمَّا بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُسَامَةَ يُخْبِرُهُ بِخِلَافَتِهِ (6)، قَالَ: أَنَا وَ مَنْ مَعِي مَا وَلَّيْنَاكَ أَمْرَنَا، وَ لَمْ يَعْزِلْنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْكُمَا، وَ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ بِغَيْرِ إِذْنِي رَجَعْتُمَا، وَ مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَوْضِعٌ، وَ قَدْ وَلَّانِي عَلَيْكُمَا وَ لَمْ يُوَلِّكُمَا، فَهَمَّ الْأَوَّلُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ فَنَهَاهُ الثَّانِي، فَرَجَعَ أُسَامَةُ وَ وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَ صَاحَ: يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! عَجَباً لِرَجُلٍ اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَعَزَلَنِي وَ تَأَمَّرَ عَلَيَ (7)، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَ النِّحَلِ (8)- عِنْدَ ذِكْرِ الِاخْتِلَافَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)-: الْخِلَافُ الثَّانِي: أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: جَهِّزُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ
____________
(1) في الصراط المستقيم 2- 297.
(2) في المصدر: ابن أبي الزناد- بالنون-، و هو الظاهر.
(3) في الصراط المستقيم: عن أبيه، بدلا من: عن أميّة.
(4) الصّراط المستقيم 2- 297، و لم نجده في العقد الفريد المطبوع.
(5) في (س): و صاحبه. و لا توجد همزة الاستفهام التالية في المصدر.
(6) في المصدر: إلى أسامة أنّه خليفة.
(7) في الصّراط: استعلمني عليه فتآمر عليّ و عزلني.
(8) الملل و النّحل 1- 29 (و في طبعة دار المعرفة 1- 23).
433
أُسَامَةَ (1). فَقَالَ: قَوْمٌ (2) يَجِبُ عَلَيْنَا امْتِثَالُ أَمْرِهِ، وَ أُسَامَةُ قَدْ بَرَزَ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَ قَالَ قَوْمٌ: قَدِ اشْتَدَّ مَرَضُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَا تَسَعُ قُلُوبُنَا لِمُفَارَقَتِهِ وَ الْحَالُ (3) هَذِهِ، فَنَصْبِرُ حَتَّى نُبْصِرَ أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ؟، انْتَهَى.
و صرّح صاحب روضة الأحباب (4)، بأنّ أبا بكر و عمر و عثمان كانوا من جيش أسامة.
وَ قَالَ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ (5): لَمَّا تَحَقَّقَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ دُنُوِّ أَجَلِهِ مَا كَانَ قَدَّمَ (6) الذِّكْرَ بِهِ لِأُمَّتِهِ، فَجَعَلَ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُومُ مَقَاماً بَعْدَ مَقَامٍ فِي الْمُسْلِمِينَ يُحَذِّرُهُمُ الْفِتْنَةَ بَعْدَهُ وَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ، وَ يُؤَكِّدُ وِصَاءَتَهُمْ (7) بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ (8) وَ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا وَ الْوِفَاقِ، وَ يَحُثُّهُمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِعِتْرَتِهِ وَ الطَّاعَةِ لَهُمْ وَ النُّصْرَةِ وَ الْحِرَاسَةِ وَ الِاعْتِصَامِ بِهِمْ فِي الدِّينِ، وَ يَزْجُرُهُمْ
____________
(1) في الملل و النّحل: من تخلّف عنه.
(2) في (ك): يا قوم.
(3) في المصدر: و الحالة ..
(4) روضة الأحباب .. أقول: الذي يظهر- كما سيصرّح قريبا- أنّه من كتب العامّة، و لا نعرف للخاصّة بهذا الاسم إلّا ما ألّفه السيّد الأمير جمال (جلال) الدين عطاء اللّه بن فضل اللّه بن عبد الرحمن الحسيني النيسابوريّ الدشتكي الملقّب ب: الأمير جمال الدين المحدّث الشيرازي، و هو (في سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الآل و الأصحاب) المتوفى حدود سنة 953 ه، فارسي، في ثلاث مجلدات، كتب بأمر الأمير علي شير الوزير في هراة، و فرغ منه سنة 953 ه، و مع هذا فقد راجعته و لم أجد ما نقله المصنّف طاب ثراه منه إلّا مورد واحد سنذكره فيما بعد، و لم يذكره المصنّف في مصادره، و هناك كتاب مطبوع بهذا الاسم باللغة التركية في مكتبة السيّد النجفيّ المرعشيّ أستبعد كونه هو، فلاحظ.
(5) الإرشاد: 96- 98.
(6) في (ك): ندم، و لا معنى له.
(7) كذا، و الظّاهر: وصايتهم- بالياء- و هي اسم كالوصيّة.
(8) جاء في (س): و سنّته.
434
عَنِ الِاخْتِلَافِ (1) وَ الِارْتِدَادِ .. وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى (2) قَوْلِهِ: ثُمَّ إِنَّهُ عَقَدَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (3) الْإِمْرَةَ، وَ أَمَرَهُ وَ نَدَبَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِجُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَبُوهُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى إِخْرَاجِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُقَدَّمِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فِي مُعَسْكَرِهِ- حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ وَفَاتِهِ مَنْ يَخْتَلِفُ فِي الرِّئَاسَةِ، وَ يَطْمَعُ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى النَّاسِ بِالْإِمَارَةِ- لِيَسْتَتِبَ (4) الْأَمْرُ بَعْدَهُ لِمَنِ اسْتَخْلَفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لَا يُنَازِعَهُ فِي حَقِّهِ مُنَازِعٌ، فَعَقَدَ لَهُ الْإِمْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَ جَدَّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي إِخْرَاجِهِمْ، وَ أَمَرَ أُسَامَةَ بِالْبُرُوزِ عَنِ الْمَدِينَةِ بِعَسْكَرِهِ (5) إِلَى الْجُرْفِ، وَ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، وَ الْمَسِيرِ مَعَهُ وَ حذوهم [حَذَّرَهُمْ (6) مِنَ التَّلَوُّمِ وَ الْإِبْطَاءِ عَنْهُ، فَبَيْنَا (7)هُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ عَرَضَتْ لَهُ الشَّكَاةُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَ اسْتَمَرَّ الْمَرَضُ بِهِ أَيَّاماً وَ ثَقُلَ، فَجَاءَ بِلَالٌ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ- وَ رَسُولُ اللَّهِ مَغْمُورٌ بِالْمَرَضِ-، فَنَادَى: الصَّلَاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَأُوذِنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِنِدَائِهِ، فَقَالَ: يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْضُهُمْ فَإِنِّي مَشْغُولٌ بِنَفْسِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، وَ قَالَتْ حَفْصَةُ: مُرُوا عُمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- حِينَ سَمِعَ كَلَامَهُمَا، وَ رَأَى حِرْصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّنْوِيهِ (8) بِأَبِيهَا، وَ افْتِتَانِهِمَا بِذَلِكَ، وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيٌّ-: اكْفُفْنَ فَإِنَّكُنَّ كَصُوَيْحِبَاتِ يُوسُفَ،
____________
(1) في المصدر: الخلاف.
(2) في (ك): في، بدلا من: إلى.
(3) جاء في المصدر: لأسامة بن زيد بن الحارثة.
(4) قال في لسان العرب 1- 226: استتبّ الأمر: تهيّأ و استوى، و استتبّ أمر فلان: إذا اطّرد و استقام و تبيّن. و في المصدر: و يستتبّ.
(5) في الإرشاد: بمعسكره.
(6) كذا، و في المصدر: حذّرهم، و هو الظّاهر.
(7) في الإرشاد: فبينما.
(8) جاء في مجمع البحرين 6- 364: نوّهت باسمه- بالتّشديد-: إذا رفعت ذكره، و نوّهته تنويها: إذا رفعته.
435
ثُمَّ قَامَ (صلّى اللّه عليه و آله) مُبَادِراً خَوْفاً مِنْ تَقَدُّمِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَ قَدْ كَانَ أَمَرَهُمَا بِالْخُرُوجِ مَعَ أُسَامَةَ وَ لَمْ يَكُ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا قَدْ تَخَلَّفَا، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ وَ حَفْصَةَ مَا سَمِعَ عَلِمَ أَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنْ أَمْرِهِ، فَبَدَرَ (1) لِكَفِّ الْفِتْنَةِ وَ إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، فَقَامَ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ إِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الضَّعْفِ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، فَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَ رِجْلَاهُ يَخُطَّانِ (2) الْأَرْضَ مِنَ الضَّعْفِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَ (3) قَدْ سَبَقَ إِلَى الْمِحْرَابِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَأَخَّرْ عَنْهُ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَقَامَهُ، فَقَامَ وَ كَبَّرَ (4) وَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ ابْتَدَأَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَ لَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ فِعَالِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ اسْتَدْعَى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ جَمَاعَةً مِمَّنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ (5) مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَ لَمْ آمُرْ (6) أَنْ تُنَفِّذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ؟!. فَقَالُوا:
بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص)!. قَالَ: فَلِمَ تَأَخَّرْتُمْ عَنْ أَمْرِي؟!. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي (7) خَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ لِأُجَدِّدَ بِكَ عَهْداً. وَ قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ، لِأَنَّنِي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ الرَّكْبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله):
نَفِّذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ .. يُكَرِّرُهَا ثَلَاثاً (8)..
إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ (9) فِي أَبْوَابِ وَفَاةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) مع أخبار أخر أوردناها هناك، و قد تقدّم (10) في هذا المجلد خبر
____________
(1) في الإرشاد: لبدر.
(2) في المصدر: تخطان.
(3) لا توجد الواو في المصدر، و هو الظّاهر.
(4) لا توجد في المصدر: فقام، و فيه: فكبّر.
(5) في الإرشاد: بالمسجد.
(6) في المصدر: آمركم.
(7) في الإرشاد: إنّي كنت ..
(8) إلى هنا في الإرشاد: 96.
(9) بحار الأنوار 22- 468، و جاء فيه: 21- 410- 411، و تقدّم الإشارة إليها فيه: 390.
(10) بحار الأنوار: 22- 465- 470 باب 1.
436
الصحيفة المشتمل على تلك القصّة مفصّلا.
هذا ما يتعلّق بكونهم في جيش أسامة و أمره (ص) بالخروج و لعنه المتخلّف.
و أمّا عدم خروجهم و تخلّفهم فلا ينازع أحد فيه.
و أمّا أنّ في (1) ذلك قادح (2) في خلافتهم، فلأنّهم كانوا مأمورين لأسامة ما دام لم يتمّ غرض الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في إنفاذ الجيش، فلم يكن لأبي بكر الحكم على أسامة، و الخلافة رئاسة عامّة تتضمّن الحكم على الأمّة كافة بالاتّفاق، فبطل خلافة أبي بكر، و إذا بطل خلافته ثبت بطلان خلافة عمر لكونها بنصّ أبي بكر، و خلافة عثمان لابتنائها على الشورى بأمر عمر.
و أيضا لو لم تبطل خلافة الأخيرين لزم خرق الإجماع المركّب، و لأنّ ردّ كلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهه- كما سبق- من أبي بكر و عمر و عدم الانقياد لأمره بعد تكريره (3) الأمر إيذاء له (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ (4)، و قال: وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5)، و ذلك مع قطع النظر عن اللعن الصريح في ذلك الأمر- كما اعترف به الشهرستاني (6)- و المستحقّ للّعن من اللّه و من رسوله لا يصلح للإمامة، و لو جوّزوا لعن خلفائهم صالحناهم على ذلك و اتّسع الأمر علينا.
و أجاب قاضي القضاة في المغني: بأنّا لا نسلّم أنّ أبا بكر كان في جيش
____________
(1) خطّ في (ك) على كلمة: في، و هو أولى.
(2) الظاهر ذلك اسمها و قادح خبرها.
(3) الكلمة مشوشة في (ك).
(4) الأحزاب: 57.
(5) التوبة: 61.
(6) الملل و النحل 1- 29.
437
أسامة (1)، و لم يسند منعه إلى رواية و خبر، و ذكر له بعض المتعصّبين (2) خبرا ضعيفا يدلّ بزعمه على أنّه لم يكن فيه.
و قال ابن أبي الحديد (3): كثير من المحدّثين يقولون كان أبو بكر من الجيش، و الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه، و التواريخ مختلفة (4).
و الجواب أنّ وروده في رواياتهم- سيّما إذا كان جلّهم قائلين به مع اتّفاق رواياتنا عليه- يكفينا في الاحتجاج و لا يضرّنا خلاف بعضهم.
و أمّا استناد صاحب المغني (5) في عدم كونه من الجيش بما حكاه عن أبي علي من أنّه لو كان أبو بكر من الجيش لما ولّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر الصلاة في مرضه مع تكريره أمر الجيش بالخروج و النفوذ (6)، فقد عرفت ما في حكاية الصلاة من وجوه الفساد، مع أنّه لم يظهر من رواياتهم ترتيب بين الأمر بالتجهيز و الأمر بالصلاة، فلعلّ الأمر بالصلاة كان قبل الأمر بالخروج، أو كان في أثناء تلك الحال، فلم يدلّ على عدم كون أبي بكر من الجيش.
و يؤيّده ما رواه ابن أبي الحديد (7) من أنّه لم يجاوز آخر القوم الخندق حتّى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
و لو بني الكلام على ما رويناه، فبعد تسليم الدلالة على التأخّر ينهدم به بنيان ما أسّسه، إذ يظهر منها أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا سمع صوت أبي بكر، و علم أنّه تأخّر عن أمره و لم يخرج، خرج متحاملا و أخّره عن المحراب و ابتدأ بالصلاة.
____________
(1) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 344.
(2) كما حكاه ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 17- 182- 183.
(3) قاله في شرحه 17- 183.
(4) ذكره في شرح النهج 17- 182.
(5) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 346.
(6) و قد حكاه عنه في الشافي 4- 154، و شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 176.
(7) في شرحه على النهج 17- 183 بتصرّف.
438
ثم أجاب صاحب المغني (1)- بعد تسليم أنّه كان من الجيش- بأنّ الأمر لا يقتضي الفور، فلا يلزم من تأخّره أن يكون عاصيا (2).
و ردّ عليه السيّد رضي اللّه عنه في الشافي (3): بأنّ المقصود بهذا الأمر الفور دون التراخي، أمّا من حيث مقتضى الأمر على مذهب من يرى (4) ذلك لغة، و أمّا شرعا (5)، من حيث وجدنا جميع الأمّة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره (صلّى اللّه عليه و آله) (6) على الفور، و يطلبون في تراخيها الأدلّة.
قال (7): على أنّ في قول أسامة: لم أكن لأسأل عنك الركب (8) .. أوضح
____________
(1) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 344، و نصّ عبارته: فيقال عند ذلك: إنّ نفس الأمر يقتضي تأخّره، فكيف يكون عاصيا بأن يتأخّر ..
(2) و قد نقله في الشافي 4- 144، و شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 185.
(3) الشافي 246- الحجريّة-، و في الطبعة الجديدة 4- 147- 148، باختلاف يسير.
(4) في المصدر: من رأى.
(5) في الشافي: أو شرعا، و هو الظاهر، و في شرح النهج: و شرعا.
(6) في المصدر زيادة: و نواهيه.
(7) جاءت العبارة في الشافي هكذا: ثم لم يثبت كلّ ذلك لكان قول أسامة .. و هي غير وافية بالمطلوب إلّا بإضافة كلمة: لو، بعد: ثم، مثلا.
(8) جاء في حاشية (ك) ما يلي:
غرض السيّد (رحمه الله) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لو لم يأمره على الفور و كان أمره فيه سعة و تراخ، و جاز له أن يتأخّر كما تأخّر أبو بكر أمكن أن يستغني عن سؤال الركب إمّا بصحّته (صلّى اللّه عليه و آله) أو برحلته و علم أسامة بذلك، و على التقديرين لا معنى لسؤال الركب و التعلّل به.
و تعرّض (رحمه الله) لشقّ (كذا، و الظاهر: للشق) الثاني و أحال الأول على الظهور، فلا يرد عليه ما أورده ابن أبي الحديد بأنّ هذا قول من توهّم على قاضي القضاة أنّه يقول: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما أمرهم بالنفوذ بعد الوفاة و لم يقل القاضي بذلك، و إنّما ادّعى أنّ الأمر بالسير المتراخي لا غير، و أنّ كلام أسامة لا يدلّ على أنّه فعل (الكلمة مشوّشة، و لعلّه: فعله بالفور) الفور، بل يمكن أن يكون الأمر فيه مهلته يفوّض إلى رأيه التأجيل و التعجيل، فلمّا قال له النبيّ: لم تأخّرت عن المسير؟. قال له ذلك الكلام.
[منه (طاب ثراه)].
439
دليل على أنّه عقل من الأمر الفور، لأنّ سؤال الركب بعد الوفاة لا معنى له (1).
و أمّا قول صاحب الكتاب أنّه لم ينكر على أسامة تأخّره فليس بشيء، و أيّ إنكار أبلغ من تكراره الأمر، و يزداده القول في حال يشغل عن المهمّ و يقطع عن الفكر إلّا فيها، و قد (2) ينكر الآمر على المأمور تارة بتكرّر (3) الأمر، و أخرى بغيره.
و أيّده (4) بما حكاه صاحب المغني عن أبي علي من الاستدلال على عدم كون أبي بكر من الجيش بأمر الصلاة و ابتناؤه على كون الأمر للفور واضح. و قد ارتضى صاحب المغني استدلاله. فهذا المنع مناقض له.
أقول (5): و من القرائن الواضحة على أنّهم فهموا من هذا الأمر الفور خروجهم عن المدينة- مع شدّة مرضه (صلّى اللّه عليه و آله)- إذ العادة قاضية بأنّه لو كان لهم سبيل إلى تأخير الخروج حتّى يستعلموا مصير الأمر في مرضه (صلّى اللّه عليه و آله) لتوسّلوا إليه بوسعهم، لاشتغال قلوبهم و حرصهم على العلم ببرئه، و استعلام حال الخلافة، و لخوفهم من وقوع الفتن في المدينة، و فيكون ما استخلفوه من الأموال و الأولاد معرضا للهلكة و الضياع، و قد كانوا وتروا (6) العرب و أورثوهم الضغائن، و لعمري إنّهم ما خرجوا إلّا و قد ضاق الخناق عليهم، و بلغ أمره و حثّه (صلّى اللّه عليه و آله) لهم كلّ مبلغ، و نال التقريع و التوبيخ منهم كلّ منال، و ما سبق من رواية الجوهري واضح الدلالة على أنّ المراد هو الفور و التعجيل، و قد اعترف ابن أبي الحديد (7) بأنّ الظاهر في هذا الموضع صحّة ما ذكره السيّد، لأنّ قرائن
____________
(1) في المصدر: لأنّ سؤال الركب عنه (ص) لا معنى له بعد الوفاة.
(2) في (س): و لم، بدلا من: و قد.
(3) في الشافي: بتكرار.
(4) الشافي 4- 149، و هو حاصل كلامه هناك.
(5) في (س): قوله، بدلا من: أقول.
(6) الكلمة مشوّشة في (ك)، و لعلّها: أوتروا.
(7) في شرحه على النهج 17- 185 بتصرّف، ثمّ قال: و هذا هو الفور.
440
الأحوال عند من يقرأ السّير و التواريخ (1) يدلّ على أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحثّهم على الخروج و المسير، انتهى.
على أنّ التراخي إنّما ينفع له إذا كان أبو بكر قد خرج في الجيش و لو بعد حين، و لم يقل أحد بخروجه مطلقا.
ثم أجاب صاحب المغني (2)- بعد تسليمه كون أبي بكر من الجيش- بأنّ خطابه (ص) بتنفيذ الجيش يجب أن يكون متوجّها إلى القائم بالأمر بعده، لأنّه من خطاب الأئمّة، و هذا يقتضي أن لا يكون المخاطب بالتنفيذ في الجملة.
ثم قال: و هذا يدلّ على أنّه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، لأنّه لو كان لأقبل بالخطاب عليه، و خصّه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع.
و يرد عليه: أنّ المخاطب في هذا المقام إمّا الخليفة المنصوص عليه أو من يختاره الأمّة، و إمّا الجيش المأمور بالخروج، و إمّا جميع الحاضرين- الجيش و غيرهم-، و إمّا الجماعة الخارجة من الجيش بأمره (صلّى اللّه عليه و آله)، و على أيّ حال فالمأمور به إمّا إنفاذ الجيش حال حياته (صلّى اللّه عليه و آله) أو بعد وفاته، أو مطلقا.
أمّا كون المخاطب الخليفة- بقسميه- مع كون المأمور به تنفيذ الجيش حال الحياة فباطل، لورود الخطاب بلفظ الجمع، و لأنّه لا حكم للخليفة في حياته (صلّى اللّه عليه و آله) من حيث الخلافة، و لأنّه لو كان المخاطب هو بعينه لأنكر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) تأخّر القوم عن الخروج عليه لا على القوم، و المرويّ خلافه.
و يخصّ القسم الثاني بأنّه لا معنى لخطاب من يختاره الأمّة بعد الوفاة بالأمر بتنفيذ الجيش حال الحياة، و هو واضح، و كذا على الإطلاق، و لو خوطب بالتنفيذ بعد الوفاة فبأمر من خرج الأصحاب حال حياته (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و لما ذا ينكر (صلّى اللّه عليه و آله) تخلّف من تخلّف و يحثّهم على الخروج؟! و كذا لو كان المخاطب
____________
(1) في المصدر: و يعرف التواريخ.
(2) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 345، و هذا حاصل كلامه، و قد حكاه عنه في الشافي 4- 145.
441
الإمام المنصوص.
و لو كان المخاطب هو الجيش المأمور بالخروج فعلى الأقسام الثلاثة يكون الداخل فيهم عاصيا بالتخلّف حال الحياة أو بعدها أو مطلقا، و قد ثبت باعتراف الثقات عندهم دخول أبي بكر في الجيش، فثبت عصيانه بالتخلّف على أحد الوجوه، على أنّ هذا الكلام من صاحب المغني- بعد تسليم كون أبي بكر من الجيش- و لعلّه رجع عن ذلك التسليم معتمدا على دليله هذا، و هو كما ترى، و حينئذ يكون المراد بالتنفيذ- في كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) أو التجهيز على اختلاف الروايات- إتمام أمر الجيش في بلوغه إلى حيث أمر به، فكلّ واحد منهم مكلّف بالخروج الذي هو شرط لتحقّق المأمور به و حصول الامتثال، و باجتماعهم في ذلك يحصل الغرض.
و لا يذهب عليك أنّ القسم الثاني من هذه الثلاثة و إن كان مثبتا للمطلوب إلّا أنّه باطل، إذ لو كان المأمور به خروجهم بعد وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) لما تركوه في شدّة المرض مع تعلّق القلوب باستعلام العاقبة في أمره (صلّى اللّه عليه و آله) و أمر الخلافة و ما خلّفوه كما سبق، و لما أنكر (صلّى اللّه عليه و آله) خروج من تخلّف منهم.
و لو كان المخاطب جميع من حضر فمعنى التنفيذ و التجهيز أن يبذل كلّ منهم جهده في حصول المأمور به، فالمطلوب من الجيش الخروج، و من غيرهم تهيئة أسبابهم و حثّهم عليه، و فعل كلّ ما هو شرط فيه ممّا يدخل تحت طاقته و يعصي كلّ بترك ما أمر به، فمن كان داخلا في الجيش كالثلاثة بالتخلّف و من خرج بترك ما سبق.
و لو كان المخاطب الجماعة التي لم تؤمر بالخروج فيهم، كما هو الأظهر من لفظ التنفيذ مع صيغة الجمع، فمع جريان بعض المفاسد السابقة فيه و بطلانه بأقسامه لا يغني صاحب المغني، إذ هو مخالف لما تعرّض لإثباته من كون الخطاب متوجّها إلى الأئمّة، و لا يلزم منه خروج أبي بكر عن المأمورين أيضا، و هو ممّا لم يقل به أحد.
442
و لو سلّمنا توجّه هذا الخطاب إلى غير الجيش إما (1) كان أو غيره، نقول لا ريب في أنّه متضمّن لأمر الجيش بالخروج، فعصيان من تخلّف من الداخلين فيه لازم على هذا الوجه، فعلى أيّ تقدير ثبت عصيان أبي بكر و اندفع كلام المجيب.
و قوله: لأنّه من خطاب الأئمّة .. إن أراد به أنّ الأمر بالتنفيذ لا يصلح لغير الأئمّة فقد عرفت ضعفه، و إن أراد أنّ الخطاب بصيغة الجمع لا يتوجّه إلى غيرهم، فالظاهر أنّ الأمر بالعكس، على أنّا لو ساعدناه على ذلك نقول: إذا ثبت كون من تزعمه إماما من الجيش فبعد توجّه الخطاب إليه كان مأمورا بالخروج، عاصيا بتركه، و يكون معنى التنفيذ و التجهيز ما تقدّم، فإذا قلت بأنّ الخطاب على هذا الوجه لا يتوجّه إلّا إلى الأئمّة و يستدعي بخروج من توجّه إليه الخطاب، فبعد ثبوت أنّ أبا بكر كان من الجيش أو تسليمه كان ذلك دليلا على أنّه لا يصلح لأن يختاره الأمّة للإمامة، و أمّا توصّله بذلك إلى عدم النصّ فيتوجّه عليه أنّ كون الخطاب بصيغة الجمع محمولا على ظاهره مع توجّهه إلى الإمام يستلزم كون الإمام جماعة، و لم يقلّ به أحد، و لو فتحت به باب التأويل و أوّلته إلى من يصير خليفة باختياركم أوّلناه إلى من جعلته خليفة نبيّكم، مع أنّ توجّه الخطاب إلى الخليفة قد عرفت بطلانه بأقسامه.
أقول: قد تكلّم السيّد (رحمه الله) في الشافي (2) و غيره من الأفاضل (3) في هذا الطعن سؤالا و جوابا و نقضا و إبراما بما لا مزيد عليه، و اكتفينا بما أوردنا لئلّا نخرج عن الغرض المقصود من الكتاب، و كفى ما ذكرنا لأولي الألباب.
____________
(1) كذا، و جاءت نسخة بدل في (ك): إماما، و هو الظاهر.
(2) الشافي 4- 144- 152.
(3) كما ذكره في تلخيص الشافي 3- 177- 180، و في الصراط المستقيم 2- 296- 299، و غيرهما.
443
الثالث: ما جرى منه في أمر فدك،
و قد تقدّم القول فيه مفصّلا فلا نعيده (1).
الرابع:
أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- مَعَ كَوْنِهِ وَلِيّاً وَ نَاصِراً لِأَبِي بَكْرٍ-: كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَا (2)، فَمَنْ عَادَ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ (3)، و لا يتصوّر في
____________
(1) أقول: لقد سلف منّا في أوّل الكتاب ذكر جملة من المصادر تبعا لشيخنا العلّامة- طاب ثراه و للباحث عن هذا الموضوع أن يراجع المطوّلات من كتب الحديث و التاريخ و التراجم ليرى من ذلك الغرائب، فانظر مثلا: مروج الذهب 3- 252، معجم البلدان 4- 238، شرح النهج لابن أبي الحديد 4- 77- 100، المختصر في أخبار البشر 1- 178، و ذكر ذلك المرحوم السيّد الفيروزآبادي في كتابه السبعة من السلف: 35- 36.
و حسبنا في المقام ما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 9- 39 عن عمر، قال: لمّا قبض رسول اللّه (ص) جئت أنا و أبو بكر إلى عليّ (عليه السلام)، فقلنا: ما تقول فيما ترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟. قال:
نحن أحقّ الناس برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: فقلت: و الذي بخيبر؟. قال: و الذي بخيبر. قلت:
و الذي بفدك؟. قال: و الذي بفدك. فقلت: أما و اللّه حتّى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا!!.
و قد رواه الطبراني في الأوسط، و قد فصّلها بمصادرها شيخنا الأميني- (رحمه الله)- في غديره 7- 190- 197، فراجع.
(2) ما الّذي أباح لعمر أو لغيره من الصّحابة قولهم في خلافة أبي بكر: إنّها كانت فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها، كما جاء في صحيح البخاريّ، باب رجم الحبلى من الزّنا إذا أحصنت 10- 44 [8- 2080]، منسد أحمد 1- 55، تاريخ ابن كثير 5- 246، تاريخ الطّبريّ 3- 200- 205، سيرة ابن هشام 4- 338، السّيرة الحلبية 3- 388- 392، كامل ابن الأثير 2- 135 و 327، أنساب البلاذريّ 5- 15، تيسير الوصول 2- 42- 44، نهاية ابن الأثير 3- 238، الرّياض النّضرة 1- 161، الصّواعق المحرقة: 5 و 8، و قال: سند صحيح، تمام المتون للصفدي: 137، تاج العروس 1- 568. و جاء في بعض المصادر: فلتة كفلتات الجاهليّة فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، كما في التّاريخ للطّبريّ 3- 210، و التمهيد للباقلاني 196، و شرح ابن أبي الحديد 2- 19، و غيرها، و قد أشار إلى كلتا العبارتين في الغدير 5- 370 و 7- 79.
(3) كما جاء في الصّواعق المحرقة: 21، و التمهيد: 196، و شرح ابن أبي الحديد 1- 123- 124، و غيرها.
444
التخطئة و الذمّ أوكد من ذلك.
و أجاب عنه قاضي القضاة في المغني (1): لا يجوز لقول محتمل ترك ما علم ضرورة، و معلوم (2) من حال عمر إعظام أبي بكر و القول بإمامته و الرضا ببيعته، و ذلك يمنع ممّا ذكروه، لأنّ المصوّب للشيء لا يجوز أن يكون مخطّئا له.
قال: و قال أبو علي: إنّ (3) الفلتة ليست هي الزلّة و الخطيئة، بل هي البغتة و ما وقع فجأة من غير (4) رويّة و لا مشاورة، و استشهد بقول الشاعر:
من يأمن الحدثان مثل ضبيرة القرشيّ ماتا* * * سبقت منيّته المشيب و كان ميتته افتلاتا
(5) يعني بغتة من غير مقدّمة، و حكى عن الرياضي (6) إنّ العرب تسمّي آخر
____________
(1) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 339- 340، بتصرّف أشرنا إليه، و قد حكاه في الشافي 4- 124 125، و المتن أقرب منه في العبارات، و قد جاء نقله عنه في شرح ابن أبي الحديد 2- 26 و 27.
(2) في المصدر: لا يجوز القول بمثل ترك ما نعلم باضطرار و معلوم .. و هو مقلوب ما ذكره السيّد في الشافي: 1- 124- 125.
(3) لا توجد كلمة: إنّ، في المصدر، و فيه قد قدّمت كلمة: ليست على: الفلتة ..
(4) جاءت العبارة في المغني هكذا: بل يجب أن تكون محمولة على ما نقل عن أهل اللغة من أنّ المراد بها بغتة و فجأة من غير ..
(5) نسخة جاءت في مطبوع البحار: بعد، بدلا من: مثل. و الشعر في المصدر:
هربا من الحدثان بعد جبيرة القرشيّ* * * ما ناسف ميتته المسبّب و كان ميتته افتلاتا
و قال في هامشه: في البيت تحريف أضاع منه الوزن و المعنى معا، و الشعر في الشافي جاء هكذا:
هربا من الحدثان بعد صبيرة القرشيّ* * * ما نأسف ميتته المسبّب و كان ميتته افتلاتا
و في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
من يأمن الحدثان بعد صبيرة القرشيّ ماتا* * * سبقت منيّته المشيب و كان ميتته افتلاتا
(6) في المغني: أو على ما ذكره عسكر عن الرياشي.
445
يوم من شوال: فلتة، من حيث إنّ كلّ (1) من لم يدرك ثاره و طلبته (2) فيه فاته (3) لأنّهم كانوا إذا دخلوا في الأشهر الحرم لا يطلبون الثار، و ذو القعدة من الأشهر الحرم، فسمّوا ذلك اليوم فلتة (4)، لأنّهم إذا أدركوا (5) فيه ثارهم فقد أدركوا ما كاد يفوتهم، فأراد عمر على هذا أنّ بيعة أبي بكر تداركها (6) بعد ما كادت تفوت.
و قوله: وقى اللّه شرّها .. دليل على تصويب البيعة (7)، لأنّ المراد بذلك أنّ اللّه تعالى (8) دفع شرّ الاختلاف فيها.
قال: (9) فأمّا قوله: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير (10) مشاورة و لا عدد يثبت صحّة البيعة به و لا ضرورة داعية إلى البيعة (11) ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة قهرا (12) فاقتلوه، و إذا احتمل ذلك وجب حمله على المعنى الذي ذكرنا و لم نتكلّف (13) ذلك، لأنّ قول عمر يطعن في بيعة أبي بكر
____________
(1) لا توجد: إن كل .. في المغني و الشافي.
(2) في المصدر و الشافي: و طلبه، و لا توجد في شرح النهج لابن أبي الحديد.
(3) لا توجد: فاته، في (س) و في المصدر جاء بدلها: فلتة.
(4) في المغني و الشافي: إنّما سمّوه فلتة.
(5) لا توجد: ثارهم فقد أدركوا، في المغني و الشافي، و هي مثبتة في شرح النهج.
(6) في المصدر: على هذا الوجه أن بيعة أبي بكر تداركوها ..
(7) في المغني و الشافي: على التصويب- بالألف و اللام مع حذف المضاف إليه-، و في شرح النهج كالمتن.
(8) في المصدر و الشافي: إنّه تعالى.
(9) و قد قاله القاضي في المغني أيضا، و قد حكاه عنه في الشافي 4- 125- 126، و جاء في شرح النهج 2- 27.
(10) في المغني و الشافي: من عاد إلى مثلها من غير ..
(11) في المصدر: و لا عذر و لا ضرورة، و في الشافي: و لا عدّة و لا ضرورة، و لا توجد فيهما بقية العبارة إلى هنا، و ما في الشرح لابن أبي الحديد كالمتن.
(12) لا توجد: قهرا، في المصدر.
(13) في المغني: الذي ذكرناها و لم يتكلّف.
446
و لا أن (1) قوله حجّة عند المخالف، و لكن تعلّقوا به ليوهموا أنّ بيعته غير متّفق عليه (2)، و أنّ أوّل من ذمّها من عقدها. انتهى ما ذكره أبو علي.
و بمثل هذا الجواب أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول، (3)، و شارح المقاصد (4)، و شارح المواقف (5) و من يحذو حذوهم.
و أورد السيّد الأجلّ (6) رضي اللّه عنه على صاحب المغني: بأنّ ما تعلّقت به من العلم الضروري برضا عمر ببيعة أبي بكر و إمامته .. فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنّه كان راضيا بإمامته، و ليس كلّ من رضي شيئا كان متديّنا به معتقدا لصوابه، فإنّ كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضرّ منها و إن كانوا لا يرونها صوابا، و لو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها، و قد علمنا أنّ معاوية كان راضيا ببيعة يزيد لعنه اللّه و ولايته العهد من بعده، و لم يكن متديّنا بذلك و معتقدا صحّته، و إنّما رضي عمر ببيعة أبي بكر من حيث كانت حاجزة عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و لو ملك الاختيار لكان مصير الأمر إليه آثر في نفسه و أقرّ لعينه. فإن ادّعى أنّ المعلوم ضرورة تديّن عمر ببيعة أبي بكر و أنّه أولى بالإمامة منه فهو مدفوع عن ذلك أشدّ دفع، مع أنّه قد كان يندر (7) منه- أعني عمر- في وقت بعد آخر ما يدلّ على ما ذكرناه.
- وَ قَدْ رَوَى الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (8) الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ
____________
(1) لا توجد: أنّ، في المصدر، و فيه تقديم: عند المخالف، على قوله: حجّة.
(2) في المغني و الشافي: عليها. و هو الصحيح.
(3) نهاية العقول: مخطوط.
(4) شرح المقاصد 5- 280- 281.
(5) شرح المواقف: 8- 358.
(6) الشافي 4- 126- 135، و في الحجريّة: 241- 244، بتصرّف يسير أشرنا لأكثره، و حكاه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2- 29- 35.
(7) في الشافي: يبدر.
(8) في المصدر: عيّاش.
447
بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ذُكِرَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَا وَ اللَّهِ شَمْسَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ نُورَيْهَا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: وَ مَا يُدْرِيكَ؟. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ:
أَ وَ لَيْسَ قَدِ ائْتَلَفَا؟. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: بَلِ اخْتَلَفَا لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَ أَشْهَدُ أَنِّي كُنْتُ (1) عِنْدَ أَبِي يَوْماً وَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَحْبِسَ (2) النَّاسَ عَنْهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ (3) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: دُوَيْبَةُ سَوْءٍ وَ لَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ، فَأَوْجَسَنِي ذَلِكَ (4)، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ! عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ؟!. فَقَالَ (5): وَ مَنْ لَيْسَ خَيْراً مِنْ أَبِيهِ لَا أُمَّ لَكَ، ائْذَنْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَكَلَّمَهُ فِي الْحُطَيْئَةِ الشَّاعِرِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ- وَ كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ فِي شِعْرٍ قَالَهُ-، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ الْحُطَيْئَةَ لَبَذِيٌّ فَدَعْنِي أُقَوِّمْهُ بِطُولِ الْحَبْسِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَ أَبَى عُمَرُ، وَ خَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبِي، فَقَالَ: أَ فِي غَفْلَةٍ أَنْتَ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا عَمَّا (6) كَانَ مِنْ تَقَدُّمِ أُحَيْمِقِ بَنِي تَيْمٍ عَلَيَّ وَ ظُلْمِهِ لِي؟!. فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ! لَا عِلْمَ لِي بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! وَ مَا عَسَيْتَ أَنْ تَعْلَمَ؟. فَقُلْتُ: وَ اللَّهِ لَهُوَ أَحَبُّ إِلَى النَّاسِ مِنْ ضِيَاءِ أَبْصَارِهِمْ. قَالَ:
إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ عَلَى زَعْمِ (7) أَبِيكَ وَ سَخَطِهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ! أَ فَلَا تَحْكِي عَنْ فِعْلِهِ بِمَوْقِفٍ فِي النَّاسِ تُبَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ. قَالَ: وَ كَيْفَ لِي بِذَلِكَ مَعَ مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى النَّاسِ مِنْ ضِيَاءِ أَبْصَارِهِمْ؟ إِذَنْ يُرْضَخَ رَأْسُ أَبِيكَ بِالْجَنْدَلِ (8).
____________
(1) لا توجد: كنت، في المصدر، و مثبتة في شرح النّهج، و لا يتمّ المعنى إلّا بها.
(2) في (س): أجلس، و المقصود واحد. إذ أجلس النّاس عنه .. أي أجعل النّاس جليسا عن الوصول إليه .. أي أمنعهم عنه.
(3) لا توجد في الشّافي: عليه.
(4) في المصدر: فأوحشني ذلك منه.
(5) لا توجد: فقال، في (ك).
(6) في المصدر: على ما، بدلا من: عمّا.
(7) في الشّافي: رغم- بالرّاء المهملة-، و هو الظّاهر.
(8) الرّضح: بمعنى الكسر و الدّقّ، كما في مجمع البحرين 2- 432، و الجندل: الحجارة، كما نصّ عليه في الصّحاح 4- 1652.
448
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ثُمَّ تَجَاسَرَ وَ اللَّهِ فَجَسَرَ فَمَا دَارَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فِي النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا فَمَنْ دَعَاكُمْ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ.
- و روى الهيثم بن عدي- أيضا-، عن مجالد بن سعيد، قال: غدوت يوما إلى الشعبي- و إنّما أريد أن أسأله عن شيء بلغني عن ابن مسعود أنّه كان يقول-، فأتيته في مسجد حيّة- و في المسجد قوم ينتظرونه- فخرج، فتقرّبت إليه (1)، و قلت: أصلحك اللّه! كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدّثا قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة؟. قال: نعم، قد كان ابن مسعود يقول ذلك.
و كان (2) ابن عباس يقوله أيضا، و كان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، و يصرفها عن غيرهم؟ فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر و عمر، فضحك الشعبي و قال: لقد كان في صدر عمر ضبّ على أبي بكر. فقال الأزدي: و اللّه ما رأينا و لا سمعنا برجل قطّ كان أسلس قيادا لرجل و لا أقول (3) بالجميل فيه من عمر في أبي بكر، فأقبل عليّ الشعبي (4) فقال: هذا ممّا سألت عنه، ثم أقبل على الرجل فقال: يا أخا الأزد! كيف تصنع بالفلتة التي وقى اللّه شرّها؟! أ ترى عدوّا يقول في عدوّ يريد (5) أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر. فقال الرجل: سبحان اللّه! يا أبا عمرو! و أنت تقول ذلك؟!. فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب على رءوس الأشهاد، فلمه أو دع! فنهض الرجل مغضبا و هو يهمهم (6) بشيء لم أفهمه (7)، فقال مجالد:
____________
(1) في الشافي و شرح النهج: فتعرفت.
(2) في (س): و قال، بدلا من: و كان.
(3) في الشافي: و لا أقوله، و في شرح النهج: و لا أقول فيه بالجميل.
(4) في الشافي: على عامر الشعبي.
(5) في المصدر: و يريد- بزيادة الواو-.
(6) الهمهمة: ترديد الصوت، كما في مجمع البحرين 6- 189، و غيره.
(7) في المصدر زيادة: في الكلام، بعد: لم أفهمه.
449
فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلّا سينقل عنك هذا الكلام إلى الناس و يبثّه فيهم .. قال: إذا و اللّه لا أحفل به، و شيء (1) لم يحفل به عمر بن الخطاب حين قام على رءوس المهاجرين و الأنصار أحفل به أنا؟! و أنتم (2) أيضا فأذيعوه عنّي ما بدا لكم (3).
- وَ رَوَى (4) شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا وَ عَظُمَ النَّاسُ، خَرَجْتُ مِنْ رَحْلِي أُرِيدُ (5) عُمَرَ فَلَقِيَنِي مُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَرَافَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟. فَقُلْتُ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ (6)، فَهَلْ لَكَ؟. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُ رَحْلَ عُمَرَ، فَإِنَّا لَفِي طَرِيقِنَا إِذْ ذَكَرْنَا تَوَلِّيَ عُمَرَ، وَ (7) قِيَامَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَ حِيَاطَتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَ نُهُوضَهُ بِمَا قَبِلَهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى ذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ (8) لِلْمُغِيرَةِ، يَا لَكَ الْخَيْرُ (9)! لَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ مُسَدَّداً فِي عُمَرَ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيَامِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ جِدِّهِ وَ اجْتِهَادِهِ وَ عَنَائِهِ (10) فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَ إِنْ كَانَ قَوْمٌ كَرِهُوا وَلَايَةَ عُمَرَ لِيَزْوُوهَا عَنْهُ، وَ مَا كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حَظٍّ. فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَبَا لَكَ! وَ مَنِ الْقَوْمُ (11) الَّذِينَ كَرِهُوا ذَلِكَ مِنْ
____________
(1) في (ك): لا أحفل بذلك شيء ..، و في المصدر: لا حفل بذلك شيئا، و هي نسخة جاءت في (ك) من البحار، و هو الظاهر.
(2) في (س): أنتم- بلا واو-.
(3) و قد ذكره الشيخ في تلخيص الشافي 3- 161.
(4) في الشّافي: و قد روى.
(5) في الشّافي: و أنا أريد.
(6) لا توجد: عمر، في المصدر.
(7) لا توجد: عمرو، في (س).
(8) في المصدر: ثمّ قال: فقلت ..
(9) جاءت في (س): بالك الخبر. و نسخة في (ك): ما لك الخبر.
(10) في (س): غنائه- بالغين المعجمة-.
(11) في المصدر: ما نرى القوم، و ما في شرح النّهج كالمتن.
450
عُمَرَ؟. فَقَالَ لِيَ الْمُغِيرَةُ: لِلَّهِ أَنْتَ كَأَنَّكَ فِي غَفْلَةٍ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَ مَا قَدْ خُصُّوا بِهِ مِنَ الْحَسَدِ؟. فَوَ اللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الْحَسَدُ يُدْرَكُ بِحِسَابٍ لَكَانَ لِقُرَيْشٍ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْحَسَدِ وَ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ عُشْرٌ (1). فَقُلْتُ: مَهْ يَا مُغِيرَةُ! فَإِنَّ قُرَيْشاً بَانَتْ (2) بِفَضْلِهَا عَلَى النَّاسِ .. وَ لَمْ نَزَلْ فِي مِثْلِ (3) ذَلِكَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَحْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ نَجِدْهُ (4)، فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ: خَرَجَ آنِفاً، فَمَضَيْنَا نقفوا [نَقْفُو أَثَرَهُ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَطُفْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ فَتَوَكَّأَ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَ قَالَ (5): مِنْ أَيْنَ جِئْتُمَا؟. فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! خَرَجْنَا نُرِيدُكَ فَأَتَيْنَا رَحْلَكَ فَقِيلَ لَنَا خَرَجَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَاتَّبَعْنَاكَ. قَالَ: تَبِعَكُمَا الْخَيْرُ، ثُمَّ إِنَّ الْمُغِيرَةَ نَظَرَ إِلَيَّ وَ تَبَسَّمَ (6)، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: مِمَّ تَبَسَّمْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ؟. فَقَالَ (7): مِنْ حَدِيثٍ كُنْتُ أَنَا وَ أَبُو مُوسَى فِيهِ آنِفاً فِي طَرِيقِنَا إِلَيْكَ.
فَقَالَ (8): وَ مَا ذَاكَ الْحَدِيثُ؟ .. فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ الْخَبَرَ حَتَّى بَلَغْنَا ذِكْرَ حَسَدِ قُرَيْشٍ وَ ذِكْرَ مَنْ أَرَادَ صَرْفَ أَبِي بَكْرٍ عَنِ اسْتِخْلَافِهِ (9)، فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةُ، وَ مَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْحَسَدِ؟! إِنَّ فِيهَا لَتِسْعَةُ أَعْشَارِ الْحَسَدِ كَمَا ذَكَرْتَ (10) وَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعُشْرِ، وَ فِي النَّاسِ عُشْرُ الْعُشْرِ، وَ قُرَيْشٌ شُرَكَاؤُهُمْ فِي عُشْرِ الْعُشْرِ أَيْضاً، ثُمَّ سَكَتَ مَلِيّاً وَ هُوَ يَتَهَادَى بَيْنَنَا، ثُمَّ قَالَ: أَ لَا أُخْبِرُكُمَا بِأَحْسَدِ قُرَيْشٍ
____________
(1) في الشّافي و في نسخة على (ك) من البحار: عشر بينهم.
(2) في المصدر: قد بانت.
(3) لا توجد: مثل، في المصدر.
(4) في المصدر: إلى عمر بن الخطّاب أو إلى رحله فلم نجده.
(5) في المصدر و في نسخة جاءت على (ك): ثمّ قال.
(6) في الشّافي: فتبسّم.
(7) في المصدر: قال- بلا فاء-.
(8) في المصدر: قال- بلا فاء-.
(9) في الشّافي: عن ولاية عمر، و هي نسخة في (ك).
(10) لا توجد: كما ذكرت، في المصدر.
451
كُلِّهَا؟!. قُلْنَا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: أَ وَ عَلَيْكُمَا (1) ثِيَابُكُمَا؟. قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ:
وَ كَيْفَ بِذَلِكَ وَ أَنْتُمَا مُلْبَسَانِ ثِيَابَكُمَا؟!. قُلْنَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ مَا بَالُ الثِّيَابِ؟.
قَالَ: خَوْفُ الْإِذَاعَةِ مِنَ الثِّيَابِ. فَقُلْتُ لَهُ (2): أَ تَخَافُ الْإِذَاعَةَ مِنَ الثِّيَابِ، فَأَنْتَ وَ اللَّهِ مِنْ مُلْبَسِي (3) الثِّيَابِ أَخْوَفُ، وَ مَا الثِّيَابَ أَرَدْتَ!. قَالَ: هُوَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ وَ انْطَلَقْنَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَحْلِهِ فَخَلَّى أَيْدِيَنَا مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تَرِيمَا (4) .. ثُمَّ دَخَلَ، فَقُلْتُ لِلْمُغِيرَةِ: لَا أَبَا لَكَ لَقَدْ عَثَرْنَا بِكَلَامِنَا مَعَهُ (5) وَ مَا كُنَّا فِيهِ وَ مَا رآه [نَرَاهُ حَبَسَنَا (6) إِلَّا لِيُذَاكِرَنَا إِيَّاهَا. قَالَ: فَإِنَّا لَكَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا آذِنُهُ، فَقَالَ: ادْخُلَا، فَدَخَلْنَا، فَإِذَا عُمَرُ مُسْتَلْقٍ عَلَى بَرْذَعَةِ الرَّحْلِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا أَنْشَأَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لَا تُفْشِ سِرَّكَ إِلَّا عِنْدَ ذِي ثِقَةٍ* * * أَوْلَى وَ أَفْضَلَ (7)مَا اسْتَوْدَعْتَ أَسْرَاراً
صَدْراً رَحِيباً وَ قَلْباً وَاسِعاً ضَمِنَا (8)* * * لَا تَخْشَ مِنْهُ إِذَا أَوْدَعْتَ إِظْهَاراً
(9) فَعَلِمْنَا (10) أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ نَضْمَنَ لَهُ كِتْمَانَ حَدِيثِهِ، فَقُلْتُ أَنَا لَهُ (11): يَا أَمِيرَ
____________
(1) في المصدر: و عليكما- بلا همزة استفهامية-.
(2) في نسخة في (ك): فقلنا.
(3) الكلمة مشوشة في (س).
(4) جاء في هامش المصدر أنّ في الأصل: لا تريحا. و فيه: لا تبرحا، و سيتعرّض لهما المصنّف (رحمه الله).
(5) لا توجد: معه، في الشّافي.
(6) في (س): حسبنا.
(7) في (س) نسخة بدل: و لا بأفضل.
(8) في الشّافي: صمتا، و في شرح النّهج: قمنا.
(9) و في رواية ابن أبي الحديد:
صدرا و قلبا واسعا قمنا* * * ألّا تخاف متى أودعت إظهارا
(10) في الشّافي هنا: فلمّا سمعناه يتمثّل بالشّعر علمنا ..
(11) في المصدر: فقلنا له، و في (س): فقلت أنا- من دون: له-.
452
الْمُؤْمِنِينَ! أَكْرِمْنَا وَ خُصَّنَا وَ صِلْنَا (1). فَقَالَ: بِمَا ذَا يَا أَخَا الْأَشْعَرِيِّينِ؟. قُلْتُ (2):
بِإِفْشَاءِ سِرِّكَ إِلَيْنَا (3) وَ إِشْرَاكِنَا (4) فِي هَمِّكَ، فَنِعْمَ الْمُسْتَسَرَّانِ نَحْنُ لَكَ (5). فَقَالَ:
إِنَّكُمَا لَكَذَلِكَ، فَاسْأَلَا عَمَّا بَدَا لَكُمَا؟ ثُمَ (6) قَالَ: فَقَامَ إِلَى الْبَابِ لِيُغْلِقَهُ، فَإِذَا آذِنُهُ الَّذِي أَذِنَ لَنَا عَلَيْهِ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ: امْضِ عَنَّا- لَا أُمَّ لَكَ-، فَخَرَجَ وَ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُ ثُمَّ جَلَسَ وَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، وَ قَالَ (7): سَلَا تُخْبَرَا. قُلْنَا: نُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (8) بِأَحْسَدِ قُرَيْشٍ الَّذِي لَمْ تَأْمَنْ ثِيَابَنَا عَلَى ذِكْرِهِ لَنَا (9). فَقَالَ: سَأَلْتُمَا عَنْ مُعْضِلَةٍ وَ سَأُخْبِرُكُمَا، فَلْيَكُنْ (10) عِنْدَكُمَا فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ وَ حِرْزٍ مَا بَقِيتُ، فَإِذَا مِتُّ فَشَأْنَكُمَا وَ مَا أَحْبَبْتُمَا مِنْ إِظْهَارٍ أَوْ كِتْمَانٍ. قُلْنَا: فَإِنَّ لَكَ عِنْدَنَا ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَ أَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي مَا أَظُنُّهُ يُرِيدُ إِلَّا الَّذِينَ كَرِهُوا اسْتِخْلَافَ أَبِي بَكْرٍ لَهُ كَطَلْحَةَ وَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا فَظّاً غَلِيظاً (11)، وَ إِذَا هُوَ يَذْهَبُ إِلَى غَيْرِ مَا فِي نَفْسِي.
فَعَادَ إِلَى التَّنَفُّسِ، فَقَالَ (12): مَنْ تَرَيَانِهِ؟.
____________
(1) في الشّافي: و وصلنا، و في (ك) نسخة بدل: حمّلنا.
(2) في (ك) من البحار: فقلت، و في المصدر: قلنا.
(3) لا توجد: إلينا، في (س) و لا في شرح ابن أبي الحديد.
(4) في المصدر: أشركنا.
(5) في شرح النّهج: المستشاران لك.
(6) لا توجد: ثمّ، في المصدر.
(7) في المصدر: ثمّ أقبل إلينا (علينا) فجلس معنا فقال ..
(8) لا توجد في الشّافي: أمير المؤمنين.
(9) في المصدر: لم تأمن ثيابنا عليه إن تذكره لنا.
(10) في الشّافي: فلتكن.
(11) في حاشية (ك) جاءت نسخة بدل و هي: .. كرهوا من أبي بكر استخلافه لعمر، و كان طلحة أحدهم، فأشاروا عليه أن لا يستخلفه لأنّه فضّ غليظ .. و الظّاهر فظ، بدلا من: فض، كما في المصدر. و هذه النّسخة مطابقة للمصدر و جاء فيه بعدها: ثمّ قلت في نفسي: قد عرفنا هؤلاء القوم بأسمائهم و عشائرهم و عرفهم النّاس.
(12) في المصدر: و إذا هو يريد غير ما نذهب إليه منهم، فعاد عمر إلى النّفس، ثمّ قال ..
453
قُلْنَا: وَ اللَّهِ مَا نَدْرِي إِلَّا ظَنّاً.
قَالَ: وَ مَنْ تَظُنَّانِ؟.
قُلْنَا: عَسَاكَ (1) تُرِيدُ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَرَادُوا أَبَا بَكْرٍ عَلَى صَرْفِ (2) هَذَا الْأَمْرِ عَنْكَ.
قَالَ: كَلَّا وَ اللَّهِ (3)، بَلْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعَقَّ وَ أَظْلَمَ، هُوَ الَّذِي سَأَلْتُمَا عَنْهُ، كَانَ وَ اللَّهِ أَحْسَدَ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، ثُمَّ أَطْرَقَ طَوِيلًا فَنَظَرَ إِلَيَّ الْمُغِيرَةُ وَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَ أَطْرَقْنَا مَلِيّاً لِإِطْرَاقِهِ (4)، وَ طَالَ السُّكُوتُ مِنَّا وَ مِنْهُ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا بَدَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَا لَهْفَاهْ! عَلَى ضَئِيلِ بَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ، لَقَدْ تَقَدَّمَنِي ظَالِماً وَ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْهَا آثِماً. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَالِماً فَقَدْ عَرَفْنَاهُ (5)، فَكَيْفَ (6) خَرَجَ إِلَيْكَ مِنْهَا آثِماً؟.
قَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيَّ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ يَأْسٍ مِنْهَا، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ أَطَعْتُ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ وَ أَصْحَابَهُ لَمْ يَتَلَمَّظْ مِنْ حَلَاوَتِهَا بِشَيْءٍ أَبَداً (7)، وَ لَكِنِّي قَدَّمْتُ وَ أَخَّرْتُ، وَ صَعِدْتُ وَ صَوَّبْتُ، وَ نَقَضْتُ وَ أَبْرَمْتُ، فَلَمْ أَجِدْ إِلَّا الْإِغْضَاءَ عَلَى مَا نَشِبَ بِهِ مِنْهَا (8) وَ التَّلَهُّفَ عَلَى نَفْسِي (9)، وَ أَمَّلْتُ إِنَابَتَهُ وَ رُجُوعَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا فَعَلَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا بَشِيماً (10).
____________
(1) في الشّافي: نراك.
(2) لا توجد: صرف، في (س).
(3) لا توجد: و اللّه، في المصدر.
(4) في الشّافي: و أطرقنا لإطراقه- و لا توجد: مليّا-.
(5) في الشّافي: هذا يقدمك ظالما قد عرفنا.
(6) في (س): كيف.
(7) وضع على: أبدا، رمز نسخة بدل في (ك).
(8) في المصدر: على ما نشبت منه فيها.
(9) في حاشية (ك) نسخة بدل: فلم يجبني نفسي إلى ذلك.
(10) في الشّافي: فغربها بشما، و في شرح النّهج: نغر.
454
قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَمَا مَنَعَكَ مِنْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! (1) وَ قَدْ عَرَضَهَا عَلَيْكَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِدُعَائِكَ إِلَيْهَا؟!. ثُمَّ أَنْتَ الْآنَ تَنْقِمُ وَ تَتَأَسَّفُ (2). فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُغِيرَةُ! إِنِّي كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ، كَأَنَّكَ كُنْتَ غَائِباً عَمَّا هُنَاكَ، إِنَّ الرَّجُلَ كَادَنِي فَكِدْتُهُ، وَ مَاكَرَنِي فَمَاكَرْتُهُ، وَ أَلْفَانِي أَحْذَرَ مِنْ قَطَاةٍ، إِنَّهُ لَمَّا رَأَى شَغَفَ (3) النَّاسِ بِهِ وَ إِقْبَالَهُمْ بِوُجُوهِهِمْ عَلَيْهِ، أَيْقَنَ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ (4) بِهِ بَدَلًا، فَأَحَبَّ لَمَّا رَأَى مِنْ حِرْصِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَ شَغَفِهِمْ (5) بِهِ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدِي، وَ هَلْ تُنَازِعُنِي نَفْسِي إِلَيْهَا (6)، وَ أَحَبَّ أَنْ يَبْلُوَنِي بِإِطْمَاعِي فِيهَا وَ التَّعْرِيضِ لِي بِهَا، وَ قَدْ عَلِمَ وَ عَلِمْتُ لَوْ قَبِلْتُ مَا عَرَضَهُ عَلَيَّ لَمْ يُجِبِ (7) النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَلْفَانِي (8) قَائِماً عَلَى أَخْمَصِي مُسْتَوْفِزاً (9) حَذِراً وَ لَوْ أَجَبْتُهُ إِلَى قَبُولِهَا لَمْ يُسَلِّمِ النَّاسُ (10) إِلَى ذَلِكَ، وَ اخْتَبَأَهَا ضَغَناً عَلَيَ (11) فِي قَلْبِهِ، وَ لَمْ آمَنْ غَائِلَتَهُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ، مَعَ مَا بَدَا لِي مِنْ كَرَاهَةِ (12) النَّاسِ لِي، أَ مَا سَمِعْتَ نِدَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَيَّ: لَا نُرِيدُ سِوَاكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَنْتَ لَهَا، فَرَدَدْتُهَا إِلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ رَأَيْتُهُ وَ قَدِ الْتَمَعَ وَجْهُهُ لِذَلِكَ سُرُوراً، وَ لَقَدْ عَاتَبَنِي
____________
(1) لا توجد: أمير المؤمنين، في المصدر.
(2) في الشّافي: بالتأسف عليه.
(3) في (س): شعف.
(4) في المصدر: أيقن أن لا يريدون ..
(5) في (س): شعفهم- بالعين المهملة-.
(6) في المصدر: و هل تنازع إليها نفسي.
(7) في الشّافي: ما عرض عليّ منها لم يجبه، و قد جاء نسخة في (س): عليّ منها. و لعلّه إشارة إلى المصدر.
(8) في المصدر: فألقاني.
(9) في الشّافي: متشوزا، و في شرح النّهج: مستوشزا، و في نسخة جاءت في (ك): متواريا.
(10) وضع على كلمة: النّاس، رمز نسخة بدل في (ك).
(11) في (ك) زيادة كلمة: ما، بعد: عليّ.
(12) في المصدر: كراهية.
455
مَرَّةً عَلَى كَلَامٍ (1) بَلَغَهُ عَنِّي، وَ ذَلِكَ لَمَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ (2) بِالْأَشْعَثِ أَسِيراً فَمَنَّ عَلَيْهِ وَ أَطْلَقَهُ وَ زَوَّجَهُ أُخْتَهُ أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتَ أَبِي قُحَافَةَ، فَقُلْتُ لِلْأَشْعَثِ- وَ هُوَ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ (3)-:
يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَ كَفَرْتَ بَعْدَ إِسْلَامِكَ، وَ ارْتَدَدْتَ نَاكِصاً (4) عَلَى عَقِبَيْكَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ الْأَشْعَثُ نَظَراً شَزْراً عَلِمْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَنِي بِكَلَامٍ فِي نَفْسِي، ثُمَّ لَقِيَنِي (5) بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَرَافَقَنِي، ثُمَّ قَالَ لِي: أَنْتَ صَاحِبُ الْكَلَامِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟!. فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَ لَكَ عِنْدِي شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: بِئْسَ الْجَزَاءُ هَذَا لِي مِنْكَ. فَقُلْتُ: عَلَامَ (6) تُرِيدُ مِنِّي حُسْنَ الْجَزَاءِ؟. قَالَ: لِأَنَفَتِي لَكَ مِنِ اتِّبَاعِ هَذَا الرَّجُلِ- يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ-، وَ اللَّهِ (7) مَا جَرَّأَنِي عَلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ إِلَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْكَ (8)، وَ لَوْ كُنْتَ صَاحِبَهَا لَمَا رَأَيْتَ مِنِّي خِلَافاً عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فَمَا تَأْمُرُ الْآنَ؟. قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ أَمْرٍ، بَلْ وَقْتُ صَبْرٍ (9)، وَ مَضَى وَ مَضَيْتُ، وَ لَقِيَ الْأَشْعَثُ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ السَّعْدِيَّ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى بَيْنِي وَ بَيْنَهُ، فَنَقَلَ الزِّبْرِقَانُ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ (10)، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِي، ثُمَّ قَالَ:
إِنَّكَ لَتَشَوَّقُ (11) إِلَيْهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: وَ مَا يَمْنَعُنِي الشَّوْقَ (12) إِلَى مَا كُنْتُ أَحَقَ
____________
(1) في الشّافي: شيء، بدلا من: كلام.
(2) لا توجد: عليه، في المصدر، و فيه: بالأشعث بن قيس.
(3) في الشّافي: و هو بين يدي أبي بكر.
(4) في المصدر: ناكصا كافرا.
(5) في المصدر: علمت له أنّه يريد كلامنا يكلّمني به، ثمّ سكت فلقيني.
(6) في (س) زيادة: منّي، قبل: تريد، و هو خلاف الظّاهر.
(7) لا توجد لفظة: و اللّه، في الشّافي.
(8) في الشّافي: إلّا بقدمه عليك و تخلّفك عنها ..
(9) في المصدر: قال ما هذا وقت أمر إنّما هو وقت صبر حتّى يأتي اللّه بفرج و مخرج.
(10) في الشّافي: فنقل الزّبرقان إلى أبي بكر الكلام ..
(11) في المصدر:: لمتشوّف ..
(12) في (ك) نسخة بدل: التّشوّق.
456
بِهِ مِمَّنْ غَلَبَنِي عَلَيْهِ؟ أَمَا وَ اللَّهِ لَتَكُفَّنَّ أَوْ لَأُكَلِّمَنَ (1) كَلِمَةً بَالِغَةً بِي وَ بِكَ فِي النَّاسِ تَحْمِلُهَا الرُّكْبَانُ حَيْثُ سَارُوا، وَ إِنْ شِئْتَ اسْتَدَمْنَا مَا نَحْنُ فِيهِ عَفْواً. فَقَالَ: بَلْ تَسْتَدِيمُهُ (2) وَ إِنَّهَا لَصَائِرَةٌ إِلَيْكَ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ جُمُعَةٌ حَتَّى يَرُدَّهَا عَلَيَّ، فَتَغَافَلَ وَ اللَّهِ، فَمَا ذَكَرَنِي بَعْدَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَرْفاً حَتَّى هَلَكَ، وَ لَقَدْ مَدَّ فِي أَمَدِهَا عَاضّاً عَلَى نَوَاجِذِهِ حَتَّى حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَكَانَ مِنْهُ مَا رَأَيْتُمَا، فَاكْتُمَا (3) مَا قُلْتُ لَكُمَا عَنِ النَّاسِ كَافَّةً (4) وَ عَنْ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً، وَ لْيَكُنْ مِنْكُمَا بِحَيْثُ أَمَرْتُكُمَا إِذَا شِئْتُمَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَمَضَيْنَا وَ نَحْنُ نَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِ، فَوَ اللَّهِ مَا أَفْشَيْنَا سِرَّهُ حَتَّى هَلَكَ.
ثم قال السيّد (5) رضي اللّه عنه: فكأنّي بهم عند سماع هذه الروايات (6) يستغرقون ضحكا تعجّبا و استبعادا و إنكارا و يقولون: كيف يصغى (7) إلى هذه الأخبار، و معلوم ضرورة تعظيم عمر لأبي بكر و وفاقه (8) له و تصويبه لإمامته؟
و كيف يطعن عمر في إمامة أبي بكر و هي أصل لإمامته و قاعدة لولايته؟! و ليس هذا بمنكر ممّن طمست العصبية على قلبه و عينيه، فهو لا يرى و لا يسمع إلّا ما يوافق اعتقادات مبتدأة قد اعتقدها، و مذاهب فاسدة قد انتحلها، فما بال هذه الضرورة تخصّهم و لا تعمّ من خالفهم، و نحن نقسم باللّه على أنّا لا نعلم ما يدعونه، و نزيد (9) على ذلك بأنّا نعتقد أنّ الأمر بخلافه، و ليس في طعن عمر على بيعة أبي
____________
(1) جاء في المصدر: من التشوف لذلك فذكر أحقّ به فمن غلبني عليه، أما و اللّه لتكفّنّ أو لأقولنّ.
(2) في شرح النّهج: بل نستدعيه. و في المصدر: إذا نستديمها على أنّها صائرة.
(3) في المصدر: ثمّ قال اكتما ..
(4) لا توجد في المصدر: عن النّاس كافّة، و هي مثبتة في شرح النّهج.
(5) في الشافي 4- 135- 137، بتصرّف يسير. [الحجريّة 241- 244]، و انظر: تلخيص الشافي 3- 162- 167، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 30، و غيرهما.
(6) في المصدر: هذه الأخبار.
(7) في المصدر: نصفي.
(8) الكلمة مشوّشة في (س).
(9) في (س): تزيد.
457
بكر ما يؤدّي إلى فساد إمامته، لأنّه يمكن أن يكون ذهب إلى أنّ إمامته نفسه (1) لم تثبت (2) بالنصّ عليه، و إنّما تثبت بالإجماع من الأمّة و الرضا، فقد ذهب إلى ذلك جماعة من الناس، و يرى أنّ إمامته أولى من حيث لم تقع بغتة و لا فجأة، و لا اختلف الناس في أصلها، و امتنع كثير منهم من الدخول فيها حتّى أكرهوا و تهدّدوا و خوّفوا.
و أمّا الفلتة، و إن كانت محتملة للبغتة- على ما حكاه صاحب الكتاب و الزلّة (3)، و الخطيئة، فالذي يخصّصها بالمعنى الذي ذكرناه قوله: وقى اللّه شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، و هذا الكلام لا يليق بالمدح و هو بالذمّ أشبه، فيجب أن يكون محمولا على معناه.
و قوله: إنّ المراد بقوله (4): وقى اللّه شرّها .. إنّه دفع شرّ الاختلاف فيها عدول عن الظاهر، لأنّ الشرّ في ظاهر الكلام مضاف إليها دون غيرها.
و أبعد من هذا التأويل قوله: إنّ المراد من عاد إلى مثلها من غير ضرورة و أكره المسلمين عليها فاقتلوه، لأنّ ما جرى هذا المجرى لا يكون مثلا لبيعة أبي بكر عندهم، لأنّ كلّ ذلك ما جرى فيها على مذاهبهم، و قد كان يجب على هذا أن يقول من عاد إلى خلافها فاقتلوه، و ليس له أن يقول إنّما أراد بالتمثيل وجها واحدا، و هو وقوعها من غير مشاورة لأنّ ذلك إنّما تمّ في أبي بكر خاصّة، لظهور أمره و اشتهار فضله، و لأنّهم بادروا إلى العقد خوفا من الفتنة، و ذلك لأنّه (5) غير منكر أن يتّفق من ظهور فضل غير أبي بكر (6) و اشتهار أمره، و خوف الفتنة ما اتّفق
____________
(1) لا توجد: نفسه، في المصدر.
(2) في المصدر زيادة: إلّا، بعد: لم تثبت.
(3) في المصدر: و للزلّة، و في (س): المزلّة.
(4) لا توجد: بقوله، في المصدر.
(5) في المصدر: أنّه- من غير لام-.
(6) في الشافي زيادة: بالعقد له، قبل و اشتهار ..
458
لأبي بكر، فلا يستحقّ قتلا و لا ذمّا، على أنّ قوله: مثلها .. يقتضي وقوعها على الوجه الذي وقعت عليه، و كيف يكون ما وقع من غير مشاورة لضرورة داعية و أسباب موجبة مثلا لما وقع بلا مشاورة، و من غير ضرورة و لا أسباب؟.
و الذي رواه عن أهل اللغة من أنّ آخر يوم من شوّال يسمّى: فلتة، من حيث إنّ كلّ من (1) لم يدرك فيه ثاره فقد فاته (2) .. فإنّا لا نعرفه، و الذي نعرفه (3) أنّهم يسمّون الليلة التي ينقضي بها أحد الشهور الحرم و يتمّ: فلتة، و هي آخر ليلة من ليالي الشهر (4)، لأنّه ربّما رأى قوم الهلال لتسع و عشرين و لم يبصره الباقون فيغيّر هؤلاء على أولئك و هم غارّون، فلهذا سمّيت هذه الليلة: فلتة، على أنّا قد بيّنا أنّ مجموع الكلام يقتضي ما ذكرنا (5) من المعنى، و لو سلّم له ما رواه عن أهل اللغة في احتمال هذه اللفظة (6).
و قوله في أول الكلام: ليست الفلتة: الزلّة و الخطيئة .. إن أراد أنّها لا تختصّ بذلك فصحيح، و إن أراد أنّها لا تحتمله (7) فهو ظاهر الخطإ، لأنّ صاحب العين قد ذكر في كتابه أنّ الفلتة من الأمر الذي يقع على غير إحكام (8).
و بعد، فلو كان عمر لم يرد بقوله توهين بيعة أبي بكر بل أراد ما ظنّه المخالفون، لكان ذلك عائدا عليه بالنقص، لأنّه وضع كلامه في غير موضعه،
____________
(1) لا توجد في المصدر: إنّ كلّ من.
(2) لا توجد في المصدر: فقد فاته.
(3) في الشافي: نعرفه من القوم.
(4) انظر لمزيد الاطلاع: النهاية 3- 467، و القاموس 1- 154.
(5) في المصدر: ما ذكرناه.
(6) و هذا ما نقله ابن أبي الحديد عن الشافي في شرحه على النهج 2- 34- 35، بتصرّف و تحريف في بعض كلماته.
(7) في المصدر: لا تحملها.
(8) كتاب العين 8- 122، و قد ذكره في لسان العرب 2- 67، و قال في القاموس 1- 154، و الصحاح 1- 260: و كان الأمر فلتة .. أي فجأة من غير تردّد و تدبّر، و زاد في القاموس: و فلتات المجلس:
هفواته و زلّاته.
459
و أراد شيئا فعبّر عن خلافه، فليس يخرج هذا الخبر من أن يكون طعنا على أبي بكر إلّا (1) بأن يكون طعنا على عمر. انتهى (2).
و لنوضح بعض ما تقدّم في كلام السيّد، و ما أورده من الروايات:
قوله: قد كان يندر من عمر .. أي يسقط و يقع. قال في النهاية: في حديث عمر: «إنّ رجلا ندر في مجلسه فأمر القوم كلّهم بالتّطهير لئلّا يخجل الرّجل».
قال (3): معناه أنّه ضرط كأنّها ندرت منه من غير اختيار (4).
و دويبة سوء- بفتح السين- بالإضافة، و فيه دلالة على غباوة عبد الرحمن للتصغير و على حمقه لكون اللفظة تصغير الدابة، و على خبث طينته للإضافة إلى السوء.
و الوجس- كالوعد-: الفزع (5)، و أوجسني .. أي أفزعني.
و البذاء- بالمدّ-: الفحش (6) و الكلام القبيح، و يقال فلان: بذيّ- كغنيّ و بذيّ اللّسان (7).
و يرضح رأس أبيك .. أي يكسر و يدقّ، من الرضح- بالراء و الضاد المعجمة و الحاء المهملة أو بالخاء المعجمة- (8).
و الجندل- كجعفر-: الحجارة (9).
____________
(1) إلّا، هنا عاطفة بمعنى أو، كما ذكرها في القاموس 4- 407، و غيره.
(2) و قد حكاه عنه الشيخ الطوسيّ، (رحمه الله) في تلخيص الشافي 3- 167- 170، و ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 2- 27- 35، و ملاحظة هامش التلخيص و شرح النهج لا تخلو عن فائدة.
(3) أي ابن الأثير. و الظاهر أنّها زائدة.
(4) النهاية 5- 35، و انظر: مجمع البحرين 3- 490، و الصحاح 2- 825، فإنّهما قد صرّحا بأنّ: ندر بمعنى سقط.
(5) ذكره في مجمع البحرين 4- 121، و الصحاح 3- 987، و القاموس 2- 257.
(6) قاله في النهاية 1- 111، و مجمع البحرين 1- 48، و الصحاح 6- 2279.
(7) كما في القاموس 4- 302- 303، و لسان العرب 14- 69.
(8) نصّ عليه في الصحاح 1- 365- 366 و 421- 422، و لسان العرب 2- 450 و 3- 19.
(9) صرّح به في مجمع البحرين 5- 336، و الصحاح 4- 1654، و غيرهما.
460
و تجاسر فجسر .. أي اجترأ (1) فأقدم على إظهار ما كان في ضميره.
الضّبّ- بالفتح-: الحقد و الغيظ (2)، و لا أحفل به .. أي لا أبالي (3).
و بالك الخير- بالباء- .. أي قلبك و شأنك (4)، و يحتمل الياء، حرف النداء بحذف المنادى أي: يا هذا لك الخير أو يا من لك الخير، و في بعض النسخ: ما لك الخير.
و الصّعداء- بضمّ الصاد و فتح العين و المدّ-: تنفّس ممدود (5).
و سكت مليّا .. أي طائفة من الزّمان (6).
و يتهادى بيننا .. أي يمشي بيننا معتمدا علينا (7).
و الإذاعة: الإفشاء (8).
و لا تريما .. أي لا تبرحا، يقال رام يريم: إذا برح (9) و زال عن مكانه.
و العثرة: الزّلّة (10)، و عثرنا بكلامنا .. أي أخطأنا في حكاية كلامنا.
و برذعة الرّحل: الكساء الذي يلقى تحت الرّحل (11) على رحل البعير.
و وا لهفاه: كلمة يتحسّر بها (12).
____________
(1) كما في القاموس 1- 390، و غيره.
(2) جاء في لسان العرب 1- 540، و القاموس 1- 95.
(3) قاله في الصحاح 4- 1671، و لسان العرب 11- 159، و غيرهما.
(4) نصّ عليه في النهاية 1- 164، و مجمع البحرين 5- 326.
(5) ذكره في الصحاح 2- 498، و لسان العرب 3- 253، و غيرهما.
(6) انظر: القاموس 4- 391، و الصحاح 6- 2496، و مجمع البحرين 1- 397.
(7) كما في الصحاح 6- 2534، و لسان العرب 15- 359.
(8) جاء في مجمع البحرين 4- 328، و الصحاح 3- 1211.
(9) نصّ عليه في الصحاح 5- 1939، و مجمع البحرين 6- 77، و غيرهما.
(10) صرّح به في مجمع البحرين 3- 396، و لسان العرب 4- 539.
(11) ذكره في الصحاح 3- 1184، و لسان العرب 8- 8 إلّا أنّ فيهما: الحلس، بدلا من الكساء.
(12) قاله في القاموس 3- 197، و لسان العرب 9- 322.
461
و الضّئيل: الحقير السّخيف (1).
و خرج إليّ منها .. أي تركها لي و سلّمها إليّ.
و التّلمّظ: تتّبع بقيّة الطّعام في الفم باللّسان (2)، و المعنى لم يذق من حلاوتها أبدا.
و التّصوّب: النّزول (3)، و المراد: قلبت هذا الأمر ظهرا لبطن، و تفكّرت في جميع شقوقه.
و الإغضاء:- في الأصل-: إدناء الجفون (4).
و نشب .. أي علق (5)، و المعنى لم أجد بدّا من الصبر على الشدّة كما يصبر الإنسان على قذى في عينه أو شجا في حلقه.
قوله: حتى فرغ منها .. في بعض النسخ: فغربها .. أي فتح فاه (6).
و البشم- بالباء الموحّدة و الشين المعجمة-: التّخمة. و السّئام (7): .. أي لم يسلّمها إليّ إلّا بعد استيفاء الحظّ و السأم منها.
و نقم .. أي كره كراهة بالغة حدّ السخط (8).
و الدّهاء: النّكر وجودة الرّأي (9).
و الشغف- بالغين المعجمة و المهملة-: شدّة الحبّ (10).
____________
(1) ذكر في مجمع البحرين 5- 409، و القاموس 4- 5، قالا: الضئيل: النحيف الدقيق الحقير.
(2) جاء في الصحاح 3- 1179، و مجمع البحرين 4- 291، و غيرهما.
(3) كما صرّح به في الصحاح 1- 165، و في القاموس 1- 94 مثله في المعنى.
(4) نصّ عليه في مجمع البحرين 1- 318، و الصحاح 6- 2448، و لا توجد فيهما: في الأصل.
(5) كما في الصحاح 1- 224، و مجمع البحرين 2- 171، و غيرهما.
(6) جاء في مجمع البحرين 3- 441، و الصحاح 2- 782.
(7) قاله في الصحاح 5- 1873، و القاموس 4- 80، و زاد في الأخير: و السّآمة، بدلا من: السئام.
(8) ذكر في مجمع البحرين 6- 180، و قريب منه في الصحاح 5- 2045.
(9) صرّح به في القاموس 4- 329، و الصحاح 6- 2344، و غيرهما.
(10) قال في مجمع البحرين 5- 75 و 76، و في النهاية 2- 481 في مادة شعف- بالعين المهملة-، و لسان العرب 9- 179 و في الجميع ما يستفاد من مجموعه ما ذكره المصنّف (رحمه الله).
462
و يبلوني .. أي يمتحنني و يختبرني (1).
و الأخمص: ما لم يصب الأرض من القدم (2).
و الوفز: العجلة، و المستوفز: الّذي يقعد قعودا منتصبا غير مطمئنّ (3) ..
أي أوجدني متهيّئا للإقدام و النهوض منتظرا للفرصة غير غافل.
و اختباها .. أي ادّخرها (4).
و الغائلة: الدّاهية (5).
و النّظر الشّزر: النّظر بمؤخّر العين (6).
و الأنفة: الاستنكاف (7) و كراهة الشّيء للحمية (8) و لغيره (9).
و أمد الشّيء غايته (10).
و النّواجذ: أقاصي الأسنان (11)، و العضّ عليها: كناية عن شدّة التّعلّق و التّمسّك بالشّيء (12).
ثم اعلم أنّ ابن أبي الحديد (13)- بعد ما ذكر كلام السيّد رضي اللّه عنه
____________
(1) ذكره في مجمع البحرين 1- 60، و القاموس 4- 305، و غيرهما.
(2) نصّ عليه في القاموس 2- 302، و مجمع البحرين 4- 170، و غيرهما.
(3) نصّ عليه في القاموس 2- 195، و الصحاح 3- 901، و انظر: مجمع البحرين 4- 40، و قد تقدّم أنّ في المصدر: المتشوّز، و هو أيضا بمعنى ما في المتن، كما في القاموس 2- 195.
(4) قاله في مجمع البحرين 1- 119، و النهاية 2- 3.
(5) كما في القاموس 4- 27، و لسان العرب 11- 507، و غيرهما.
(6) ذكره في مجمع البحرين 3- 345، و القاموس 2- 58.
(7) جاء في القاموس 3- 119، و مجمع البحرين 5- 28، و غيرهما.
(8) لا توجد: للحمية، في (س).
(9) في النهاية 1- 76، و لسان العرب 9- 15 ما يقرب من ذلك المعنى.
(10) نصّ عليه في مجمع البحرين 3- 8، و الصحاح 2- 442.
(11) صرّح به في الصحاح 2- 571، و مجمع البحرين 3- 190، و غيرهما.
(12) ذكره في مجمع البحرين 4- 217، و قال في النهاية 3- 252: هذا مثل في شدّة الاستمساك.
(13) في شرحه على النهج 2- 35- 36، بتصرّف.
463
قال- ما حاصله-: إنّه لا يبعد أن يقال: إنّ الرضا و السخط و الحبّ و البغض و ما شاكل ذلك (1) من الأخلاق النفسانيّة و إن كانت أمورا باطنة فإنّها قد تعلم و تضطرّ الحاضرون إلى حصولها بقرائن أحوال يفيدهم العلم الضروريّ، كما يعلم خوف الخائف و سرور المبتهج ... فغير منكر أن يقول قاضي القضاة إنّ المعلوم ضرورة من حال عمر تعظيم أبي بكر و رضاه بخلافته و تديّنه بذلك، فالذي اعترضه السيّد به غير وارد عليه، و أمّا الأخبار التي رواها عن عمر (2) فأخبار غريبة ما رأيناها في الكتب المدوّنة إلّا في كتاب المرتضى و كتاب المستبشر (3) لمحمد بن جرير الطبري- الذي هو من رجال الشيعة- .. و أنت تعلم حال الأخبار الغريبة التي لا توجد في الكتب المدوّنة، كيف هي؟.
و أورد عليه أنّ الأمور الباطنة و الصفات النفسانيّة لا ريب في أنّها قد تظهر (4) أحيانا بظهور آثارها و شهادة القرائن عليها، لكن الاطّلاع عليها- سيّما على وجه العلم بها و الجزم بحصولها- أمر متعسّر، سيّما إذا قامت الدواعي إلى إخفائها و تعلّق الغرض بسترها، و أكثر ما يظنّ (5) به العلم في هذا الباب فهو من قبيل الظن، بل من قبيل الوهم، و جميعها- و إن اشتركت في تعسّر العلم بها- إلّا أنّه في بعضها سيّما في بعض الأشخاص، و في بعض الأحوال أشدّ- و كثيرا ما يظنّ المخالطون لرجل و خواصّه و بطانته في دهر طويل أنّه يتديّن بدين أو يحبّ أحدا أو يبغضه ثم يظهر خلافه، و الدواعي إلى إخفاء عمر بغضّ أبي بكر أو عدم التديّن بخلافته أمر واضح لا سترة به، فإنّه كان أساسا لخلافته واصلا لإمارته، و مع ذلك كانت
____________
(1) لا توجد كلمة: ذلك، في (ك).
(2) في (ك): من عمر.
(3) كذا في المصدر أيضا، و الصحيح: كتاب المسترشد في الإمامة طبع في النجف، راجع رجال النجاشيّ: 266.
(4) في (س): نظر.
(5) في (س): نظنّ.
464
خلافة أبي بكر وسيلة إلى ما هو مقصدهم الأقصى، و قرّة عيونهم من دفع أهل البيت (عليهم السلام) عن هذا المقام، فكان قدح عمر في أبي بكر تخريبا لهذا الأساس و مناقضا لذلك الغرض، و لم يكن كارها لخلافة أبي بكر إلّا لأنّه كانت خلافة نفسه أحبّ إليه و أقرّ لعينه- كما يظهر من كلام السيّد رضي اللّه عنه و من رواياته-.
و من نظر بعين الإنصاف علم أنّ تعظيم عمر لأبي بكر و إظهاره الرضا بإمارته- مع كونها وسيلة لانتقال الأمر إليه و صرفه عن أهل البيت- لا دلالة فيه بوجه من الوجوه على تديّنه بإمامة أبي بكر، و كونها أحبّ إليه من خلافة نفسه، و إنّ ما ادّعوا من العلم الضروري في ذلك ليس إلّا عتوّا في التعصّب و علوّا في التعسّف.
لا يقال: إذا كانت خلافة أبي بكر أساسا لخلافة عمر و سببا لدفع عليّ (عليه السلام) عنها فكيف كان عمر- مع شدّة حيلته و دهائه- يقول على رءوس الأشهاد:
كانت بيعة أبي بكر فلتة- بالمعنى الذي زعمتموه؟ و كيف يظهر مكنون ضميره لأبي موسى و المغيرة و غيرهما- كما يدلّ عليه الروايات المذكورة؟!.
لأنّا نقول: أمّا إفشاؤه ما أسرّ في نفسه إلى أبي موسى و المغيرة و ابن عمر فلم يكن مظنّة للخوف على ذهاب الخلافة، إذ كان يعرفهم بحبّهم له و ثيق (1) بأنّهم لا يظهرون ذلك إلّا لأهله، و لو أظهروه لأنكر عليهم عامّة الناس، فلم يبال بإفشائه إليهم.
و أمّا حكاية الفلتة، فكانت بعد استقرار خلافته و تمكّن رعبه و هيبته في قلوب الناس، و قد دعاه إليها أنّه سمع أنّ عمّار بن ياسر كان يقول: لو قد مات عمر لبايعت عليّا (عليه السلام)- كما اعترف به الجاحظ، و حكاه عنه ابن أبي
____________
(1) كذا، و الظاهر: يثق- بتقديم الياء المثناة على الثاء المثلثة-.
465
الحديد (1)- قال: و قال غيره ..: إنّ المعزوم على بيعته لو مات (2) عمر كان (3) طلحة ابن عبيد اللّه (4)، و يدلّ على أنّ قصّة الفلتة كانت لمثل ذلك ما في رواية طويلة رواها البخاري (5) و غيره (6) من قول عمر في خطبته أنّه: بلغني أنّ قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعت فلانا، فلا يغرّنّ امرأ أن يقول إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة و تمّت، فلقد كان كذلك، و لكن وقى (7) اللّه شرّها.
فخاف من بطلان ما مهّدوه و عقدوا عليه العهود و المواثيق من بذل الجهد و استفراغ الوسع في صرف الأمر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و منعه عنه، و مع ذلك هاج الضغن الكامن في صدره فلم يقدر على إخفائه و الصبر عليه، فظهر منه مثل هذا الكلام.
و أمّا ما ذكره من أنّ الأخبار التي رواها السيّد رضي اللّه عنه غير موجودة في الكتب، فليس غرضه من إيرادها إلّا نوع تأييد لما ذكره من أنّ ادّعاءهم العلم الضروريّ من قبيل المجازفة، و من راعى جانب الإنصاف و جانب الاعتساف علم أنّ الأمر كما ذكره.
ثم قال ابن أبي الحديد (8): اعلم أنّ هذه اللفظة و أمثالها كان عمر يقولها بمقتضى ما جبله اللّه تعالى عليه من غلظ الطينة و جفاء الطبيعة، و لا حيلة له فيها، لأنّه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها. و لا ريب عندنا أنّه كان يتعاطى أن
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 2- 25.
(2) في (س): كان، بدلا من: مات.
(3) لا توجد: كان، في شرح النهج.
(4) في (س): عبد اللّه- مكبّرا-، و هو سهو.
(5) صحيح البخاريّ 8- 208، كتاب المحاربين، باب 31.
(6) منهم أحمد بن حنبل في مسنده 1- 55، و ابن هشام في سيرته 2- 658، و ابن الأثير في جامع الأصول 4- 90، حديث 2076، و لاحظ كتاب الصراط المستقيم 3- 302.
(7) في (س): لقى.
(8) في شرحه على النهج 2- 27، بتصرّف و اختصار.
466
يتكلّف (1) و أن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي و الغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات، و لا يقصد بها سوءا و لا يريد بها تخطئة و لا ذمّا (2)!، كما قدّمناه في اللفظة التي قالها في مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كاللفظات التي قالها عام الحديبيّة .. و غير ذلك (3)، و اللّه تعالى لا يجازي المكلّف إلّا بما نواه، و لقد كانت نيّته من أظهر (4) النيّات و أخلصها للّه سبحانه و المسلمين، و من أنصف علم أنّ هذا الكلام حقّ.
و يرد عليه أنّ اقتضاء الطبيعة و استدعاء الغريزة- الّتي جعله معذّرة له- إن أراد أنّه بلغ إلى حيث لم يبق (5) لعمر معه قدرة على إمساك لسانه عن التكلّم بخلاف ما في ضميره، بل كان يصدر عنه الذّم في مقام يريد المدح، و الشتم في موضع يريد الإكرام، و يخرج بذلك عن حدّ التكليف، فلا مناقشة في ذلك، لكن مثل هذا الرجل يعدّه العقلاء في زمرة المجانين، و لا خلاف في أنّ العقل من شروط الإمامة.
و إن أراد أنّه يبقى مع ذلك ما هو مناط التكليف فذلك ممّا لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فإنّ إبليس استكبر على آدم بمقتضى الجبلّة الناريّة و مع ذلك استحقّ النار و شملته اللعنة إلى يوم الدين، و الزاني إنّما يزني بمقتضى الشهوة التي جبله اللّه عليها و لا حيلة له فيها، و مع ذلك يرجم و لا يرحم.
و نعم ما تمسّك به في إصلاح هذه الكلمة من قول عمر- في مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الرجل ليهذو، أو إنّ الرجل ليهجر-، و ردّه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حسبنا كتاب اللّه، كما سيأتي (6)
____________
(1) في المصدر: أن يتلطّف ..
(2) في شرح النهج بعد قوله و لا ذمّا: و لا تخطئة- بتقديم و تأخير-.
(3) سيأتي بحثها في مطاعن عمر مفصّلا مع مصادرها، و انظر: الطرائف 2- 479، و غيره.
(4) في المصدر: أطهر- بالطاء المهملة-.
(5) نسخة في (ك): أنّه لم يبق.
(6) سيأتي مفصّلا كلامه و مصادره.
467
إن شاء اللّه تعالى.
و هذا في الحقيقة تسليم لما ذكره السيّد رضي اللّه عنه من أنّه لا يخرج هذا الكلام من أن يكون طعنا على أبي بكر إلّا (1) بأن يكون طعنا على عمر.
ثم قال ابن أبي الحديد (2): و قول المرتضى: قد يتّفق من ظهور فضل غير أبي بكر، و خوف الفتنة ما اتّفق لأبي بكر فلا يستحقّ القتل، فإنّ لقائل أن يقول:
إنّ عمر لم يخاطب بهذا إلّا أهل عصره، و كان يذهب إلى أنّه ليس فيهم كأبي بكر، و لا من يحتمل له أن يبايع فلتة كما احتمل ذلك لأبي بكر، فإن اتّفق أن يكون في عصر آخر بعد عصره من يظهر فضله، و يكون في زمانه كأبي بكر في زمانه فهو غير داخل في نهي عمر و تحريمه.
و يرد عليه ظاهر (3) مثل هذا الخطاب عمومه لما بعد عصر الخطاب، و لذلك لم يخصّص أحد ما ورد في الأخبار من الأوامر و النواهي بزمان دون آخر.
و لو فرضنا اختصاص الحكم بأهل ذلك العصر نقول: من أين كان يعلم عمر أنّ مدّة خلافته- و العياذ باللّه- لا يمتدّ حينا من الدهر يظهر للناس من فضل رجل من أهل ذلك العصر مثل ما ظهر لأبي بكر حتّى لا يستحقّ من دعا إلى بيعته القتل، فإنّ ظهور الفضل الذي زعمه لأبي بكر لم يكن ثابتا له في جميع عمره، بل إنّما توهّمه فيه من توهّم بعد حين و زمان، و لم يكن عمر خطب بهذه (4) الخطبة عند علمه بموته حتّى يعلم أنّه ليس في أهل العصر من تمدّ إليه الأعناق مثل أبي بكر فإنّه خطب بها أوّل جمعة دخل المدينة بعد انصرافه من الحجّ، و لم يكن طعنه أبو لؤلؤة حتّى يعلم أنّه سيموت و لا يبقى زمانا يمكن فيه ظهور فضل رجل من أهل العصر فكان اللائق أن يقيّد كلامه ببعض القيود و لا يهمل ذكر الشروط.
____________
(1) كلمة: إلّا، هنا عاطفة.
(2) في شرحه على النهج 2- 37، بتصرّف.
(3) في (س): أن ظاهر .. و وضع على: أن، رمز الاستظهار و هو كذلك.
(4) في (س): هذه، من دون الباء.
468
و لا يخفى أنّ ما جعله ابن أبي الحديد عذرا لعمر- من أنّه ليس فيهم كأبي بكر- باطل على مذهبه، فإنّه يرى (1) أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل من أبي بكر (2)، على أنّ اشتراط بلوغ الفضل إلى ما بلغه أبو بكر- لو سلّم له فضل- باطل من أصله، إذ لا يشترط في الإمام- على رأي من شرط أفضليّة الإمام- إلّا كونه أفضل أهل زمانه لا كونه مثل من كان إماما في زمان من الأزمان، و بطلان القول بأنّه لم يكن في جملة المخاطبين حينئذ- و إن فرض تخصيص الخطاب بأهل ذلك العصر- من سبق غيره إلى الخيرات، أظهر من أن يخفى على أحد.
و قال في جامع الأصول (3)- في تفسير الفلتة-: الفجأة، و ذلك أنّهم لم ينتظروا ببيعة أبي بكر عامّة الصحابة، و إنّما ابتدرها عمر و من تابعه.
قال: و قيل الفلتة آخر ليلة من الأشهر الحرم فيختلفون فيها أ من (4) الحلّ هي أم من الحرام فيسارع الموتور إلى درك الثار فيكثر الفساد و يسفك (5) الدماء، فشبّه أيّام رسول اللّه (ص) بالأشهر الحرم، و يوم موته بالفلتة في وقوع الشرّ من ارتداد العرب، و تخلّف الأنصار عن الطاعة، و منع من منع الزكاة، و الجري على عادة العرب في أن لا يسود القبيلة إلّا رجل منها.
و يجوز أن يريد بالفلتة: الخلسة، يعني أنّ الإمامة يوم السقيفة مالت إلى تولّيها الأنفس و لذلك كثر فيها التشاجر، فما قلّدها أبو بكر إلّا انتزاعا من الأيدي
____________
(1) توجد كلمة: في، بعد: يرى في (ك).
(2) حيث قال في خطبة شرحه: الحمد للّه الذي قدّم المفضول على الفاضل. و قد ورد عن طريق السنّة أنّ عليّا (عليه السلام) أفضل الصحابة، و قامت نصوص متظافرة على أفضليّة عليّ (عليه السلام) على سائر الصحابة، و سنأتي عليها في حينها- و نذكر منها مصادر الفردوس 3- 61، حديث 4170 4182 [طبعة أخرى: 3- 88، حديث 3989- 4001]، و ذكرت مصادر في الصراط المستقيم 2- 68- 73، و كشف الغمّة 1- 148، و نوادر الأثر في كون عليّ (ع) خير البشر: 33، و غيرها.
(3) جامع الأصول 4- 98، ذيل حديث 2076.
(4) في المصدر: من- بلا همزة-.
(5) في جامع الأصول: و تسفك.
469
و اختلاسا، و مثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيّجة للفتن، فعصم اللّه (1) من ذلك و وقى شرّها، و ذكر مثل ذلك في النهاية (2).
و أقول: إن سلّمنا أنّ لفظة الفلتة لا تدلّ على الذمّ، و أنّه إنّما أراد بها محض حقيقتها في اللغة، و هو الأمر الّذي يعمل فجأة من غير تردّد و لا تدبّر (3) و كان مظنّة للشرّ و الفساد، ففي قوله: وقى اللّه شرّها، و أمره بقتل من دعا إلى مثلها، دلالة على أنّه زلّة قبيحة و خطيئة فاحشة، فالمستفاد من اللفظة بمجرّدها- و إن كان أعمّ من الزلّة و الخطيئة- إلّا أنّه حمل عليها، بل على أخصّ منها، لما هو في قوّة المخصّصة له، فليس كلّ زلة و خطيئة يستحقّ فاعلها القتل، و من له أدنى معرفة بأساليب الكلام يعلم أنّهم يكتفون في حمل اللفظ على أحد المعاني في صورة الاشتراك بأقلّ ممّا في هذا الكلام، و قول عمر: من دعاكم إلى مثلها فاقتلوه .. و من عاد إلى مثلها فاقتلوه .. (4) .. و إن لم يكن موجودا فيما حكاه في جامع الأصول (5) عن البخاري (6) إلّا أنّ كونه من تتمّة كلامه من المسلّمات عند الفريقين، و اعترف به ابن أبي الحديد (7)، و لا يريب عاقل في أنّه لو وجد المتعصّبون منهم- كقاضي القضاة و الفخر الرازي و صاحب المواقف و شارحه و صاحب المقاصد و شارحه و غيرهم- سبيلا إلى إنكاره لما فاتهم ذلك، و لا احتاجوا إلى التأويلات الركيكة
____________
(1) في جامع الأصول: فعصمهم اللّه.
(2) النهاية لابن الأثير 3- 467- 468.
(3) و قد جاء في القاموس 1- 154، و الصحاح 1- 260، و لسان العرب 2- 67، و النهاية 3- 467.
و قد مرّ.
(4) و قد ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 2- 26.
(5) جامع الأصول 4- 91 في حديث 2076.
(6) صحيح البخاريّ 12- 128- 135، في مواطن متعدّدة في أبواب المحاربين، الاعتراف بالزنا، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، كتاب الاعتصام و غيرها من الأبواب، و ذكر في صحيح مسلم مختصرا في باب الحدود، حديث 1691، باب رجم الثّيب.
(7) في شرحه على النهج 2- 26.
470
الباردة.
و من تتبّع كتاب البخاري علم أنّ عادته في الروايات المشتملة على ما ينافي آراءهم الفاسدة إسقاطه من الرواية أو التعبير بلفظ الكناية تلبيسا على الجاهلين، بل يترك الروايات المنافية لعقائدهم رأسا، و قد قال ابن خلكان (1) في ترجمة البخاري أنّه قال: صنّفت كتابي الصحيح من ستمائة ألف حديث، و نحوه قال في جامع الأصول (2)، و روى (3) عن مسلم أنّه أخرج صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، و عن أبي داود (4) أنّه انتخب ما أورده في كتابه من خمسمائة ألف حديث.
و من سنّة القوم تسمية ما يخالف عقائدهم بغير الصحيح، و لمّا كان اهتمام البخاري في هذا المعنى أكثر من سائر من زعموا أنّ أخبارهم من صحاح الأخبار، فلذلك رفض المخالفون أكثر كتبهم في الأخبار، و عظّموا كتاب البخاري- مع رداءته في ترتيب الأبواب و ركاكته في عنوانها- غاية التعظيم، و قدّموه على باقي الكتب، و مع ذلك بحمد اللّه لا يشتبه على من أمعن النظر فيه و في غيره من كتبهم أنّها مملوّة من الفضائح، و مشحونة بالاعتراف بالقبائح.
و أمّا ما ذكره في تفسير الفلتة بآخر الأشهر الحرم و توجيهه في ذلك، فقد عرفت ما فيه، و ما ذكره من تفسيره (5) بالخلسة فهو تفسير صحيح، إلّا أنّ الحقّ أنّها خلسة و سرقة عن ذي الحق لا عن النفوس التي مالت إلى تولّي الإمامة، فإنّهم كانوا- أيضا- من السارقين، و الأخذ من السارق لا يسمّى اختلاسا، و هو واضح.
____________
(1) وفيات الأعيان 4- 190.
(2) في مقدّمة جامع الأصول 1- 186.
(3) ابن الأثير في جامع الأصول 1- 188، و في مقدّمة صحيح مسلم 1- 2.
(4) و روى عنه في جامع الأصول 1- 190، و جاء في سنن أبي داود.
(5) في (ك): تفسيرها.
471
الخامس
: أَنَّهُ تَرَكَ إِقَامَةَ الْحَدِّ وَ الْقَوَدِ فِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَ قَدْ قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ وَ ضَاجَعَ امْرَأَتَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَ أَشَارَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِقَتْلِهِ وَ عَزْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِ (1). وَ قَالَ عُمَرُ مُخَاطِباً لِخَالِدٍ: لَئِنْ وُلِّيتُ الْأَمْرَ لَأَقِيدَنَّكَ لَهُ.
و قال القاضي في المغني (2)- ناقلا عن أبي عليّ- إِنّ (3) الردّة قد ظهرت من مالك، لأنّ في الأخبار أنّه ردّ صدقات قومه عليهم لمّا بلغه موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] كما فعله سائر أهل الردّة، فاستحقّ القتل (4).
قال أبو علي: و (5) إنّما قتله لأنّه ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال:
صاحبك، و أوهم بذلك أنّه ليس بصاحب له، و كان عنده أنّ ذلك ردّة، و علم
____________
(1) و قد جاءت قصّة قتل خالد مالك بن نويرة في تاريخ ابن جرير 2- 502، و الإصابة لابن حجر 2 القسم الأوّل- 99، و غيرهما. و انظر: الصّراط المستقيم 2- 279- 280، و غيره.
و لكشف رأي الخليفة في قصّة مالك انظر: الغدير 7- 158- 196، و قد حكى القصّة مفصّلا عن جملة من المصادر، و لاحظ: تاريخ أبي الفداء 1- 158، تاريخ الطّبريّ 3- 241 [طبعة أخرى: 4- 66- 68]، تاريخ ابن الأثير 3- 149 [طبعة أخرى: 2- 536]، تاريخ ابن العساكر 5- 105- 112، تاريخ ابن كثير 6- 321، تاريخ الخميس 2- 233، تاريخ ابن شحنة- المطبوع في هامش الكامل- 7- 165، أسد الغابة 4- 295، خزانة الأدب 1- 237، الإصابة 1- 414 و 3- 357.
و الخليفة الأوّل هو أوّل من فتح باب التّأويل و الاجتهاد، و قدّس ساحة المجرمين و البغاة، و محاباة رجال الجرائم و الانحرافات في عمله في قصّة خالد، إذ نزّهه بأعذار مفتعلة عن دنس آثامه الخطيرة، و درأ عن الحدّ بذلك، و تلك طامّة لحقتها طامّات، و بليّة ما أكثر ما لقينا منها من بليات إلى يومك هذا.
(2) المغني 20- القسم الأوّل-: 355.
(3) في المصدر: و هو أن ..
(4) و قد جاء: فاستحقّ القتل، في المغني في الصفحة: 354.
(5) لا توجد الواو في المصدر.
472
عند (1) المشاهدة المقصد- و هو أمير القوم- فجاز أن يقتله، و إن كان الأولى أن لا يستعجل و أن يكشف الأمر في ردّته حتّى يتّضح، فلهذا لم يقتله (2).
و بهذين الوجهين أجاب الفخر الرازي في نهاية العقول (3) و شارح المواقف (4) و شارح المقاصد (5).
ثم قال قاضي القضاة (6): فإن قال قائل: فقد (7) كان مالك يصلّي؟ قيل له (8): و كذلك سائر أهل الردّة، و إنّما كفروا بالامتناع من الزكاة و اعتقادهم إسقاط وجوبها دون غيره.
فإن قيل: فلم أنكر عمر؟.
قيل (9): كان الأمر إلى أبي بكر فلا وجه لإنكار عمر، و قد يجوز أن يعلم أبو بكر من الحال ما يخفى على (10) عمر.
فإن قيل: فما معنى ما روي عن أبي بكر من: أنّ خالدا تأوّل فأخطأ.
قيل: أراد تأوّل في عجلته عليه بالقتل (11)، فكان الواجب عنده على خالد
____________
(1) في المغني: إن، بدلا من: عند.
(2) لا توجد: في المصدر: فلهذا لم يقتله. و لا معنى لها، فتدبر.
(3) نهاية العقول: مخطوط.
(4) شرح المواقف للجرجاني 8- 358.
(5) لم نجدهما في شرح المقاصد للتفتازاني.
(6) المغني 20* * * القسم الأوّل-: 355.
(7) في (ك): لقد.
(8) من قوله: فإن قال .. إلى قيل له، لا توجد في المصدر، و جاءت في الشافي 4- 161، و شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 203.
(9) في المغني: فإن قيل: فلم أنكر عليه عمر؟. قيل له ..، و لا توجد: له، في الشافي، و ما جاء في شرح النهج كالمتن.
(10) نسخة جاءت في (س): عن، بدلا من: على. و جاءت العبارة في المصدر هكذا: و قد يجوز أنّه علم من حاله ما يخفى عن عمر.
(11) في المصدر: بالقول، بدلا من: بالقتل.
473
أن يتوقّف للشبهة (1).
و استدلّ أبو علي على ردّة مالك بأنّ أخاه متمّم بن نويرة لمّا أنشد عمر مرثية أخيه (2) قال له عمر: وددت أنّي أقول الشعر فأرثي زيدا كما رثيت أخاك. فقال له متمّم: لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته. فقال له عمر: ما عزّاني أحد كتعزيتك (3)، فدلّ هذا على أنّه لم يقتل على الإسلام (4).
ثم أجاب عن تزويجه بامرأته بأنّه إذا قتل على الردّة في دار الكفر جاز ذلك عند كثير من أهل العلم و إن كان لا يجوز أن يطأها إلّا بعد الاستبراء، فأمّا وطئه لامرأته (5) فلم يثبت عنده، و لا يجوز (6) أن يجعل طعنا في هذا الباب.
و اعترض عليه السيّد المرتضى رضي اللّه عنه في الشافي (7) بقول: أمّا صنيع (8) خالد- في قتل مالك بن نويرة و استباحة ماله و زوجته لنسبته إلى الردّة التي لم تظهر، بل كان الظاهر خلافها من الإسلام- فعظيم، و يجري مجراه في العظم تغافل من تغافل عن أمره و لم يقم فيه حكم اللّه تعالى و أقرّه على الخطإ الذي شهد هو به على نفسه، و يجري مجراهما من أمكنه أن يعلم الحال فأهملها و لم يتصفّح ما
____________
(1) جاءت العبارة في المغني و الشافي: فكان عنده الواجب أن يتوقّف للشبهة، و في المغني زيادة لفظ:
الاستنابة، بعد كلمة: للشبهة.
(2) في المصدر: مرثيته أخاه.
أقول: و قد جاء قول متمّم في الصراط المستقيم 2- 281 أيضا.
(3) في المغني: بتعزيتك، و في شرح النهج: بمثل تعزيتك.
(4) في المصدر و الشافي و شرح النهج زيادة: كما قتل زيد، بعد: الإسلام.
(5) لا توجد في المغني: لامرأته.
(6) في المصدر و الشافي و شرح النهج: و لا يصحّ، بدلا من: و لا يجوز.
(7) الشافي 4- 162- 167. و في الحجريّة منه: 422- 423. و جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 204- 207.
(8) في المصدر: أمّا صنع. و في شرح النهج: أما منع ..
474
روي من الأخبار في هذا الباب، و تعصّب لأسلافه (1) و مذهبه (2)، و كيف يجوز عند خصومنا على مالك و أصحابه جحد الزكاة مع المقام على الصلاة، و هما جميعا في قرن (3)؟! لأنّ العلم الضروري بأنّهما من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) و شريعته على حدّ واحد، و هل نسبة مالك إلى الردّة- بعد (4) ما ذكرناه- إلّا قدح في الأصول و نقض لما تضمّنته من أنّ الزكاة معلومة ضرورة من (5) دينه (صلّى اللّه عليه و آله)؟.
و أعجب من كلّ عجيب قوله: و كذلك سائر أهل الرّدة- يعني أنّهم كانوا يصلّون و يجحدون الزكاة-؟! لأنّا قد بيّنا أنّ ذلك مستحيل غير ممكن، و كيف يصحّ ذلك و قد روى جميع أهل النقل أنّ أبا بكر وصّى (6) الجيش الذين أنفذهم بأن يؤذّنوا و يقيموا، فإن أذّن القوم بأذانهم و أقاموا (7) كفّوا عنهم، و إن لم يفعلوا أغاروا عليهم؟! فجعل إمارة الإسلام و البراءة من الردّة الأذان و الإقامة، و كيف يطلق في سائر أهل الردّة ما يطلقه من أنّهم كانوا يصلّون؟! و قد علمنا أنّ أصحاب مسيلمة و طليحة و غيرهما ممّن ادّعى النبوّة و خلع الشريعة ما كانوا يصلّون (8) و لا شيئا ممّا جاءت به شريعتنا، و قصّة مالك معروفة عند من تأمّلها من كتب النقل و السيرة، و أنّه قد كان (9) على صدقات قومه بني يربوع واليا من قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا بلغته وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمسك عن أخذ
____________
(1) في (ك): لإسلامه، و المذكور هنا أورده هناك نسخة بدل.
(2) لا توجد في المصدر: و تعصّب لأسلافه و مذهبه، و لكن أوردها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 17- 202.
(3) جاء في حاشية (ك) ما يلي: القرن- بالتحريك-: حبل يجمع به البعيران. منه (قدّس سرّه).
انظر: القاموس 4- 258، و الصحاح 6- 2180، و غيرهما.
(4) في المصدر و شرح النهج: مع، بدلا من: بعد.
(5) لا توجد كلمة: من، في (ك).
(6) في الشافي و شرح النهج: لما وصّى ..
(7) في الشافي و شرح النهج: كأذانهم و إقامتهم.
(8) في المصدر و شرح النهج: ما كانوا يرون الصلاة ..
(9) في الشافي: عند من تأمّلها من أهل النقل لأنّه كان ..
475
الصدقة من قومه، و قال لهم: تربّصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ننظر ما يكون من أمره، و قد صرّح بذلك في شعره حيث يقول:
و قالت رجال سدّد اليوم مالك* * * و قال رجال، مالك لم يسدّد
فقلت دعوني لا أبا لأبيكم* * * فلم أخط (1)وأيا (2)في المقال و لا اليد.
و قلت خذوا أموالكم غير خائف* * * و لا ناظر فيما يجيء به غدي (3)
فدونكموها إنّما هي مالك* * * مصرّرة (4) أخلافها لم تجدّد
سأجعل نفسي دون ما تحذرونه* * * و أرهنكم يوما بما قلته يدي
فإن قام بالأمر (5) المجدّد (6) قائم* * * أطعنا و قلنا الدين دين محمّد
فصرّح- كما ترى- أنّه استبقى الصدقة في أيدي قومه رفقا بهم و تقرّبا إليهم إلى أن يقوم بالأمر من يدفع ذلك إليه.
وَ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ (7) وَ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (8) أَنَّ مَالِكاً نَهَى قَوْمَهُ عَنِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مَنْعِ الصَّدَقَاتِ وَ فَرَّقَهُمْ، وَ قَالَ: يَا بَنِي يَرْبُوعٍ! إِنْ كُنَّا قَدْ عَصَيْنَا أُمَرَاءَنَا إِذْ دَعَوْنَا إِلَى هَذَا الدِّينِ، وَ بَطَّأْنَا النَّاسَ عَلَيْهِ (9) فَلَمْ نُفْلِحْ وَ لَمْ نُنْجِحْ، وَ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَوَجَدْتُ الْأَمْرَ يَتَأَتَّى لَهُمْ بِغَيْرِ سِيَاسَةٍ، وَ إِذِ الْأَمْرُ لَا يَسُوسُهُ النَّاسُ فَإِيَّاكُمْ وَ مُعَادَاةَ قَوْمٍ يُصَنَّعُ لَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَمْوَالِهِمْ،
____________
(1) لعلّه يقرأ في البحار: فلم أحظ، بمعنى: لم أفضّل، كما في الصحاح 6- 2316، و غيره.
(2) في المصدر و شرح النهج: رأيا، و الوأي: الوعد، كما نصّ عليه في الصحاح 6- 2518.
(3) في الشافي: به عندي. و روي: من الغد.
(4) في (س): مصردة. و هي بمعنى مقلّلة، كما في لسان العرب 3- 249، و مصرّرة .. أي مجتمعة، قد ذكره في اللسان 4- 452.
(5) في (ك): بالأمن.
(6) في المصدر: المحدّث.
(7) كابن الأثير في كامله 2- 358.
(8) تاريخ الطّبريّ 3- 176 [3- 279- 280] حوادث سنة 11 ه، بتصرف و اختصار.
(9) في المصدر: عنه، بدلا من: عليه.
476
وَ رَجَعَ مَالِكٌ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ الْبِطَاحَ بَثَّ السَّرَايَا وَ أَمَرَهُمْ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ، وَ أَنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَ أَمَرَهُمْ (1) إِنِ امْتَنَعَ أَنْ يُقَاتِلُوهُ، فَجَاءَتْهُ الْخَيْلُ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَ اخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِي أَمْرِهِمْ، وَ فِي السَّرِيَّةِ (2) أَبُو قَتَادَةَ الْحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَكَانَ (3) مِمَّنْ شَهِدَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذَّنُوا وَ أَقَامُوا وَ صَلَّوْا، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِمْ أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ فَحُبِسُوا، وَ كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، فَأَمَرَ خَالِدٌ مُنَادِياً يُنَادِي: أَدْفِئُوا أُسَرَاءَكُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ (4) بِقَتْلِهِمْ، لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ لِلْقَتْلِ، فَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَدِ (5) مَالِكاً، وَ تَزَوَّجَ خَالِدٌ زَوْجَتَهُ أُمَّ تَمِيمٍ بِنْتَ الْمِنْهَالِ.
وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ (6): أَنَّ السَّرِيَّةَ الَّتِي بُعِثَ بِهَا (7) خَالِدٌ لَمَّا غَشِيَتِ الْقَوْمَ تَحْتَ اللَّيْلِ رَاعُوهُمْ (8) فَأَخَذَ الْقَوْمُ السِّلَاحَ، قَالَ: فَقُلْنَا: إِنَّا لَمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: وَ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. قُلْنَا: فَمَا بَالُ السِّلَاحِ؟. قَالُوا لَنَا: فَمَا بَالُ السِّلَاحِ مَعَكُمْ؟. قُلْنَا:
فَضَعُوا السِّلَاحَ. فَلَمَّا وَضَعُوا رُبِطُوا أُسَارَى، فَأُتُوا بِهِمْ خَالِداً، فَحَدَّثَ أَبُو قَتَادَةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِأَنَّ الْقَوْمَ نَادَوْا بِالْإِسْلَامِ (9) وَ أَنَّ لَهُمْ أَمَاناً، فَلَمْ يَلْتَفِتْ خَالِدٌ إِلَى
____________
(1) لا توجد في الشّافي: أمرهم.
(2) في المصدر: فيهم، و فيهم أبو قتادة ..، بدلا من: في أمرهم و في السّريّة. و ما هنا جاء في شرح النّهج.
(3) في الشّافي: و كان.
(4) وضع في المطبوع من البحار على: هم، رمز نسخة بدل.
(5) في المصدر: ضرار بن الحارث بن الأزور.
(6) أورده الطّبريّ في تاريخه 3- 280، و غيره.
(7) في الشّافي: فيها.
(8) جاءت في المصدر زيادة: له، قبل: راعوهم. و في حاشية (ك) ما يلي:
راعوهم .. أي أفزعوهم، و خاف القوم منهم. منه ((قدّس سرّه)).
انظر: مجمع البحرين 4- 340، و الصّحاح 3- 1223.
(9) في (ك): الإسلام- بلا باء-.
477
قَوْلِهِ وَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَ قَسَّمَ سَبْيَهُمْ، فَحَلَفَ أَبُو قَتَادَةَ أَنْ لَا يَسِيرَ تَحْتَ لِوَاءِ خَالِدٍ فِي جَيْشٍ أَبَداً، وَ رَكِبَ فَرَسَهُ شَادّاً (1) إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ أَخْبَرَهُ (2) بِالْقِصَّةِ، وَ قَالَ لَهُ: إِنِّي نَهَيْتُ خَالِداً عَنْ قَتْلِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلِي، وَ أَخَذَ بِشَهَادَةِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ غَرَضُهُمُ الْغَنَائِمُ، وَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ تَكَلَّمَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَأَكْثَرَ (3)، وَ قَالَ: إِنَّ الْقِصَاصَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا (4) أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَافِلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ لَهُ عَلَيْهِ (5) صَدَأُ (6) الْحَدِيدِ، مُعْتَجِراً (7) بِعِمَامَةٍ لَهُ قَدْ غَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ أَسْهُماً (8)، فَلَمَّا دَخَلَ (9) الْمَسْجِدَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَنَزَعَ الْأَسْهُمَ عَنْ رَأْسِهِ فَحَطَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ! أَ عَدَوْتَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَقَتَلْتَهُ ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَ اللَّهِ لَنَرْجُمَنَّكَ (10) بِأَحْجَارِكَ .. وَ خَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ وَ لَا يَظُنُّ إِلَّا أَنَّ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُ مَا رَأَى عُمَرُ فِيهِ، حَتَّى دَخَلَ إِلَى (11) أَبِي بَكْرٍ وَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَعَذَّرَهُ وَ تَجَاوَزَ عَنْهُ، فَخَرَجَ خَالِدٌ- وَ عُمَرُ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ شَمْلَةَ (12)، فَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا
____________
(1) في الشّافي: فركب فرسه شاذّا، أي مفردا، و هو الظّاهر.
(2) في المصدر: و خبّره.
(3) جاء في الشّافي: و أكثر.
(4) في (س) من البحار و في شرح النّهج: و لمّا.
(5) وضع في (ك) على: عليه، رمز نسخة بدل.
(6) قال في مجمع البحرين 1- 261: صدأ الحديد: وسخه.
(7) في (ك): معتجزا. و ما أثبتناه هو الظّاهر. و الاعتجار: لفّ العمامة على الرّأس و يردّ طرفها على وجهه، و لا يجعل شيئا تحت ذقنه، قاله في مجمع البحرين 3- 397. و أمّا الاعتجاز فلم يستعمل، و مجرّده إمّا من العجز أو التّعجّز، و يقال: تعجّزت البعير .. أي ركبت عجزه.
(8) في المصدر: سهما.
(9) في الشّافي: فلمّا أن دخل. و هي نسخة جاءت في (ك).
(10) في المصدر: لأرجمنّك.
(11) في الشّافي: على، بدلا من: إلى، و هو الظّاهر.
(12) جاء في حاشية (ك): ما يلي: الشّملة: كساء يشتمل به، كأنّه عيّر عمر بأنّ أمّها [كذا] كانت تلبسه لفقرها، و أمّ شملة: كنية للدّنيا و للخمر أيضا، فلعلّه عيّره بهما، و على الأخيرين يحتمل أن يكون خطابا لنفسه يتحما [كذا] بإقبال الدّنيا عليه و حصول سكر الدّولة له. منه ((قدّس سرّه)).
أقول: ما ذكره للشّملة و أمّ شملة من المعنى جاء في القاموس 3- 403 في مادّة شمل.
478
بَكْرٍ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ وَ دَخَلَ بَيْتَهُ.
وَ قَدْ رَوَى- أَيْضاً- أَنَّ عُمَرَ لَمَّا وُلِّيَ جَمَعَ مِنْ عَشِيرَةِ (1) مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ- مَنْ وَجَدَهُ مِنْهُمْ- وَ اسْتَرْجَعَ (2) مَا وَجَدَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَ نِسَائِهِمْ وَ أَوْلَادِهِمْ (3) فَرَدَّ ذَلِكَ جَمِيعاً عَلَيْهِمْ (4) مَعَ نَصِيبِهِ (5) كَانَ فِيهِمْ.
وَ قِيلَ: إِنَّهُ ارْتَجَعَ بَعْضَ نِسَائِهِمْ مِنْ نَوَاحِي دِمَشْقَ- وَ بَعْضُهُنَّ حَوَامِلُ فَرَدَّهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ.
فالأمر ظاهر في خطإ خالد و خطإ من تجاوز عنه، و قول صاحب المغني (6) إنّه يجوز أن يخفى على عمر ما يظهر لأبي بكر- ليس بشيء، لأنّ الأمر في قصّة خالد لم يكن مشتبها، بل كان مشاهدا معلوما لكلّ من حضر، و ما تأوّل به في القتل لا يعذر لأجله، و ما رأينا أبا بكر حكم فيه (7) بحكم المتأوّل و لا غيره، و لا تلافى خطأه و زلله، و كونه: سيفا من سيوف اللّه- على ما ادّعاه- لا يسقط عنه الأحكام، و لا يبرّئه من الآثام.
فأمّا قول متمّم: لو قتل أخي على ما قتل عليه أخوك لما رثيته .. (8) فإنّه لا يدلّ على أنّه كان مرتدّا، و كيف يظنّ عاقل أنّ متمّما يعترف بردّة (9) أخيه و هو
____________
(1) في الشّافي: جمع من بقي من عشيرة ..
(2) لا توجد في (س): من وجده منهم.
(3) جاء في المصدر بتقديم و تأخير: و أولادهم و نسائهم .. و جاء في (ك): فردّ ذلك عليهم جميعا بتقديم و تأخير-.
(4) في (ك): عليهم جميعا.
(5) في الشّافي: مع نصيبه الّذي ..
(6) في المصدر: صاحب الكتاب.
(7) في المصدر: و تأوّله في القتل إن كان تأوّل لا يعذره و ما رأيناه حكم فيه ..
(8) الذي مرّ قريبا صفحة 473، و حكاه في الصراط المستقيم 2- 281، و غيره.
(9) في الشافي: اعترف بردّة، و في (س): يعترف ردّة.
479
يطالب أبا بكر بدمه و الاقتصاص من قاتله و ردّ سبيه، فإنّما (1) أراد في الجملة التقرّب إلى عمر بتقريظ (2) أخيه.
ثم لو كان ظاهر القول كباطنه (3) لكان إنّما يفيد تفضيل قتلة زيد (4) على قتلة مالك، و الحال في ذلك أظهر، لأنّ زيدا قتل في بعث المسلمين ذابّا عن وجوههم، و مالك قتل على شبهة، و بين الأمرين فرق.
فأمّا قوله في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): صاحبك .. فقد قال أهل العلم إنّه أراد القرشية، لأنّ خالدا قرشيّ، و بعد فليس في ظاهر إضافته إليه دلالة (5) على نفيه له عن نفسه، و لو كان علم من مقصده الاستخفاف و الإهانة- على ما ادّعاه صاحب المغني (6)- لوجب أن يعتذر خالد بذلك (7) عند أبي بكر و عمر، و يعتذر به أبو بكر لمّا (8) طالبه عمر بقتله، فإنّ عمر ما كان يمنع من قتل قادح في نبوّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و إن كان الأمر على ذلك فأيّ معنى لقول أبي بكر: تأوّل فأخطأ؟!، و إنّما تأوّل فأصاب، إن كان الأمر على ما ذكر (9).
و أورد عليه ابن أبي الحديد (10): بأنّه لا ملازمة بين القول بوجوب الصلاة و بين القول بوجوب الزكاة، لأنّه لا تلازم بين العبادتين في الوجود، و كونهما متشاركين في العلم بهما من الدين ضرورة لا يقتضي امتناع سقوط أحدهما بشبهة، فإنّهم قالوا
____________
(1) في المصدر: و إنّما.
(2) أي بمدح أخيه، كما جاء في القاموس 2- 398.
(3) في الشافي: هذا القول كما ظنّه، بدلا من: القول كباطنه.
(4) في المصدر: تفضيل زيد و قتلته ..
(5) في الشافي: دلالته ..
(6) في المصدر: صاحب الكتاب.
(7) هنا تقديم و تأخير في الشافي، أي: بذلك خالد.
(8) في المصدر زيادة: له، قبل: لمّا.
(9) في الشافي: على ما ذكره، و في شرح النهج: على ما ذكر- بلا ضمير-. و حكاه ابن أبي الحديد في شرح النهج 17- 202- 207 بألفاظ متقاربة.
(10) شرح نهج البلاغة 17- 208، باختلاف و اختصار كثير.
480
إنّ اللّه تعالى قال لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله): خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ... (1) الآية. قالوا (2): فوصف اللّه الصدقة بأنّها من شأنها أن يطهّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الناس و يزكّيهم بأخذها منهم، ثم عقّب ذلك بأنّ فرض عليه- مع أخذ الزكاة منهم- أن يصلّي عليهم صلاة تكون سكنا لهم. قالوا:
و هذه صفات لا تتحقّق في غيره، لأنّ غيره لا يطهّر الناس و لا يزكّيهم بأخذ الصدقة، و لا إذا صلّى على النّاس كان صلاته سكنا لهم، فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره.
و الجواب: إنّ كلام قاضي القضاة صريح في أنّ مالكا و أصحابه كفروا بالامتناع من الزكاة، و اعتقادهم إسقاط وجوبها، و لو كان الحال كما ذكره من أنّهم اعتقدوا سقوطها لشبهة و لم ينكروا وجوبها مطلقا لم يلزم كفرهم لإنكار أمر معلوم من الدين ضرورة، و في كلام ابن أبي الحديد (3) اعتراف بذلك، حيث قال: إنّهم ما جحدوا وجوبها، و لكنّهم قالوا: إنّه وجوب مشروط، و ليس يعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة، و إنّما يعلم ذلك بنظر و تأويل.
فبطل جواب القاضي و يتوجّه إيراد السيد عليه.
و قد صرّح غير ابن أبي الحديد- من أهل الخلاف- بأنّ مالكا و أصحابه لم يكفروا بمنعهم الزكاة، حكى شارح صحيح مسلم في المنهاج (4) في كتاب الإيمان
____________
(1) التوبة: 103.
(2) لا توجد: قالوا، في (س).
(3) في شرحه على النهج 17- 208.
(4) المنهاج (و هو شرح صحيح مسلم للنووي)، و لم نجد نصّ العبارة، و الذي فيه 1- 202 نقلا عن الخطابي في شرح كلام أبي بكر، قال: ممّا يجب تقديمه في هذا أن يعلم أنّ أهل الردّة كانوا صنفين:
صنف ارتدّوا عن الدين و نابذوا الملّة، و عادوا إلى الكفر، و هم الذين عناهم أبو هريرة بقوله:
و كفر من كفر من العرب، و هذه الفرقة طائفتان:
إحداهما: أصحاب مسيلمة من بني حنيفة و غيرهم الذين صدّقوا على دعواه في النبوّة ..
و الطائفة الأخرى: ارتدّوا عن الدين، و أنكروا الشرائع، و تركوا الصلاة و الزكاة و غيرها من أمور الدين ...
و الصنف الآخر: هم الذين فرّقوا بين الصلاة و الزكاة، فأقرّوا بالصلاة و أنكروا فرض الزكاة و وجوب أدائها إلى الإمام، و هؤلاء على الحقيقة أهل بغي، و إنّما لم يدعوا بها الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردّة، إذ كان أعظم الأمرين و أهمّها ..
481
كلاما استحسنه عن الخطّابي، و هذا لفظه، قال- بعد تقسيم أهل الرّدة إلى ثلاثة أقسام-: فأمّا مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنّهم أهل بغي، و لم يسمّوا على الانفراد منهم كفّارا و إن كانت الردّة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدّين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، و ذلك أنّ اسم الردّة اسم لغويّ، و كلّ من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتدّ عنه، و قد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة و منع الحقّ و انقطع عنهم اسم الثناء و المدح بالدين، و علّق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقّا.
ثم قال- بعد كلام في تقسيم خطاب اللّه- فإن قيل: كيف تأوّلت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه و جعلتهم أهل بغي؟! و هل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الصلاة (1) و الزكاة و امتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي؟!.
قلنا: لا، فإنّ من أنكر فرض الزكاة (2) في هذا الزمان كان (3) كافرا بإجماع المسلمين، و الفرق بين هؤلاء و أولئك أنّهم إنّما (4) عذروا لأسباب و أمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها: قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، و منها: إنّ القوم كانوا جهّالا بأمور الدين و كان عهدهم بالإسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا، فأمّا اليوم و قد شاع دين الإسلام
____________
(1) في (ك) خطّ على كلمة: الصلاة.
(2) في (س) بدل الزكاة: الصلاة، ثمّ جعل الزكاة نسخة بدل.
(3) لا توجد: كان، في (س).
(4) وضع في (ك) على: إنّما: رمز نسخة بدل.
482
و استفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتّى (1) عرفها الخاصّ و العامّ و اشترك فيهم العالم و الجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوّله في إنكارها، و كذلك الأمر في كلّ من أنكر شيئا ممّا أجمعت (2) الأمّة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس و صوم شهر رمضان و الاغتسال من الجنابة و تحريم الزنا و الخمر و نكاح ذوات المحارم (3) و نحوها من الأحكام، إلّا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام و لا يعرف حدوده، فإنّه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر و كان سبيله سبيل أولئك القوم في صدق اسم الدين عليه، فأمّا ما كان الإجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصّة كتحريم نكاح المرأة على عمّتها و خالتها، و إنّ القاتل عمدا لا يرث، و إنّ للجدّة السدس .. و ما أشبه ذلك من الأحكام، فإنّ من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامّة و نحوه.
قال في شرح الوجيز (4) في أوّل كتاب الجنايات: و أمّا التلازم بين العبادتين في الوجود فأمر لم يدّعه السيد و لا حاجة له إلى ادّعائها، و إنّما ادّعى الملازمة بين اعتقاد وجوب الصلاة و بين التصديق بوجوب الزكاة على الوجه الذي علم من الدين ضرورة، و خرج منكره عن الإسلام.
و الظاهر إنّ غرضه أنّ منكر الضروري إنّما يحكم بكفره لكون إنكاره ذلك كاشفا عن تكذيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إنكار نبوّته، لا أنّ ذلك الإنكار في نفسه علّة للحكم بالكفر، و لذلك لا يحكم بكفر من ادّعى شبهة محتملة، و لو دلّ دليل على كفر من أنكر ضروريا من الدين (5) مخصوصا مطلقا لم يحكم (6)
____________
(1) لا توجد: حتى، في (س).
(2) في (ك): اجتمعت.
(3) خطّ في (س) على الألف و اللام من كلمة: المحارم.
(4) شرح الوجيز، و لم نحصل عليه للتخريج.
(5) لا توجد في (س): من الدين.
(6) في (س): نحكم.
483
بكفره، لكون ذلك الإنكار من أفراد هذا الأمر الكلّي، بل لقيام ذلك الدليل بخصوصه، و الظاهر أنّ من أنكر ضروريّا من الدين- لا لشبهة قادته إلى الإنكار لم ينفكّ إنكاره ذلك عن (1) إنكار سائر الضروريات، و تكذيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و ما يشاهد في بعض الناس من نفي بعض الضروريات كحدوث العالم و المعاد الجسماني و نحو ذلك مع الإقرار في الظاهر بنبوّة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) و اعترافهم بسائر الضروريات و ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فذلك لأحد الأمرين: إمّا لكونهم ضالّين لشبهة اعترتهم فيما زعموه كتوهّمهم كون أباطيل بعض الفلاسفة و سائر الزنادقة برهانا يوجب تأويل الأدلّة السمعية و نحو ذلك، أو لكونهم منكرين للنبوّة في الباطن و لكن لخوف القتل و المضارّ الدنيويّة لا يتجرّءون (2) على إنكار غير ما كشفوا عن إنكاره من الضروريات، و أمّا إظهارهم إنكار ذلك البعض فلارتفاع الخوف في إظهاره لاختلاط عقائد الفلاسفة و غيرهم بعقائد المسلمين بحيث لا تتميّز إحداهما عن الأخرى إلّا عند من عصمه اللّه سبحانه، فمن دخل منهم تحت القسم الأول يشكل الحكم بخروجهم عن الإسلام، لكون ما أنكروه غير ضروريّ في حقّهم و إن صدق عليه عنوان الضرورة بالنسبة إلى غيرهم، و لا ينافي ذلك أن يكونوا من أهل الضلال معاقبين على إنكارهم لاستناده إلى تقصير منهم في طلب الحقّ.
و أمّا القسم الثاني فخروجهم عن الإسلام لإنكار النبوّة، فظهر أنّ إنكار أمر ضروريّ على وجه يوجب الكفر لا ينفكّ عن إنكار النبوّة المستلزم لإنكار سائر الضروريات.
فإن قيل: من أين يعلم أنّ مالكا و أصحابه لم يكونوا من القسم الثاني، فلعلّهم لم ينكروا الصلاة في الظاهر لأمر دنيوي.
____________
(1) في (س): على، بدلا من: عن.
(2) في (ك): لا يجترون.
484
قلنا: أوّلا: هذا خلاف ما اعترف به ابن أبي الحديد و قاضي القضاة و الخطابي .. و غيرهم (1).
و ثانيا: إنّ مالكا و أصحابه لو كانوا مشفقين من أهل الإسلام أو بقي لهم مطمع فيهم لما أعلنوا بالعداوة، و لم يريدوا قتال المسلمين كما زعمه الجمهور، على أنّه لا نزاع في إسلامهم قبل ذلك الامتناع، فقد كان عاملا من قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على صدقات قومه- كما رواه أرباب السير منهم (2)-، و إذا ثبت إسلامهم و أقرّوا في الظاهر بسائر الضروريات لم يحكم بكفرهم بمجرّد ذلك الامتناع المحتمل للأمرين، بل لأمر ثالث: و هو أن يكون منعهم مستندا إلى الشحّ و البخل، فلم يلزم كفرهم كما ادّعاه قاضي القضاة و غيرهم، و لم يجز (3) سبي ذراريهم و نسائهم و أخذ أموالهم كما فعلوا و إن جاز قتالهم لأخذ الزكاة لو أصرّوا على منعها على الوجه الأخير، بعد أن يكون المتصدّي للأخذ مستحقّا له.
و أمّا إذا استند المنع إلى الشبهة فكان الواجب على من تصدّى للأخذ (4) و أراد القتال أن يبدأ (5) بإزالة شبهتهم، كما صرّح به فقهاؤهم في جمهور أهل البغي.
قال في شرح الوجيز في بحث البغاة من كتاب الجنايات (6): لا يبدءون بالقتال حتّى يبدءوا و ليبعث الإمام أمينا ناصحا يسألهم ما ينقمون، فإن علّلوا امتناعهم بمظلمة أزالها، و إن ذكروا شبهة كشفها لهم، و إن لم يذكروا شيئا نصحهم و وعظهم و أمرهم بالعود إلى الطاعة، فإن أصرّوا آذنهم بالقتال .. إلى آخر ما قال.
____________
(1) مرّت المصادر قريبا، فراجع.
(2) كالطبري في تاريخه 3- 277، و ابن الأثير في كامله 2- 358، و غيرهما في غيرهما.
(3) قد تقرأ ما في (س): و لم يخبر، و لا معنى لها هنا.
(4) لا توجد جملة: على من تصدّى للأخذ، في (س).
(5) في (ك): يبدءوا.
(6) شرح الوجيز، و لم نحصل عليه.
485
فكان على خالد أن يسألهم أولا عن شبهتهم و يبيّن لهم بطلانها، ثم إن أصرّوا على الامتناع و الخروج عن الطاعة قاتلهم، و لم ينقل أحد أنّ خالدا و أصحابه أزاح لهم علّة أو أبطل لهم شبهة، و لا أنّهم أصرّوا على العصيان، بل قد سبق (1) في القصّة التي رواها السيّد و صدّقه ابن أبي الحديد (2) أنّهم قالوا: نحن مسلمون، فأمرهم أصحاب خالد بوضع السلاح، و لمّا وضعوا أسلحتهم ربطوهم أسارى، و كان على أبي بكر أن ينكر على خالد و يوضّح سوء صنيعه للناس، لا أن يلقاه بوجه يخرج من عنده و يستهزئ بعمر و يقول له: هلمّ إليّ يا ابن أمّ شملة!.
و قد روى كثير من مؤرّخيهم- منهم صاحب روضة الأحباب (3)- أنّه قبض على قائمة سيفه و قال لعمر ذلك.
و لا يذهب على من له نصيب من الفهم أنّه لو شمّ من أبي بكر رائحة من الكراهة أو التهديد لما اجترأ على عمر بالسخرية و الاستهزاء، و الأمر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى الكشف و الإفصاح، هذا مع أنّه قد اعترف أبو بكر بخطإ خالد- كما رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4)- حَيْثُ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ وَ نَكَحَ امْرَأَتَهُ كَانَ فِي عَسْكَرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَ الْتَحَقَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَ حَلَفَ أَنْ لَا يَسِيرَ فِي جَيْشٍ تَحْتَ لِوَاءِ خَالِدٍ أَبَداً، فَقَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْقِصَّةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ فَتَنَتِ الْغَنَائِمُ الْعَرَبَ، وَ تَرَكَ خَالِدٌ مَا أَمَرْتُهُ (5). فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تُقَيِّدَهُ بِمَالِكٍ، فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ، وَ قَدِمَ خَالِدٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ قَدْ صُدِئَتْ مِنَ الْحَدِيدِ، وَ فِي عِمَامَتِهِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: أَ رِيَاءً! يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟، عَدَوْتَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلْتَهُ وَ نَكَحْتَ امْرَأَتَهُ، أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ أَمْكَنَنِيَ اللَّهُ (6)
____________
(1) في هذا الطعن صفحة: 476.
(2) شرح نهج البلاغة 17- 206.
(3) روضة الأحباب، انظر: التعليقة رقم (4) في صفحة (432)، من هذا المجلد.
(4) شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة 1- 179.
(5) في المصدر: ما أمر به.
(6) في المصدر زيادة: منك، بعد لفظ الجلالة.
486
لَأَرْجُمَنَّكَ، ثُمَّ تَنَاوَلَ الْأَسْهُمَ مِنْ عِمَامَتِهِ فَكَسَرَهَا، وَ خَالِدٌ سَاكِتٌ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ ظَنّاً أَنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ وَ رَأْيِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى (1) أَبِي بَكْرٍ وَ حَدَّثَهُ صَدَّقَهُ (2) فِيمَا حَكَاهُ وَ قَبِلَ عُذْرَهُ، فَكَانَ عُمَرُ يَحْرِصُ (3) أَبَا بَكْرٍ عَلَى خَالِدٍ وَ يُشِيرُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِدَمِ مَالِكٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِيهاً (4) يَا عُمَرُ! مَا هُوَ بِأَوَّلِ مَنْ أَخْطَأَ! فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْهُ (5)! ثُمَّ وَدَى مَالِكاً مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى.
فقوله ما هو بأوّل من أخطأ! .. صريح في أنّه كان مخطئا في زعمه أيضا، و أمّا تصديقه و قبول عذره فكان للأغراض الدنيويّة، و إلّا فالتنافي بينه و بين قوله:
ما هو بأوّل من أخطأ، و أداء دية مالك من بيت المال (6) واضح.
و بالجملة، لم ينقل أحد من أرباب السير أنّ أبا بكر أنكر خطأ خالد، و إنّما ذكروا أنّه قال: لا أغمد سيفا سلّه اللّه على الكفّار (7)، قيل: و ذلك- على تقدير صحّته- ليس إلّا تمسّكا بخبر موضوع
- رووه مرسلا عن أبي هريرة الكذّاب أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نعم عبد اللّه، خالد سيف من سيوف اللّه.
و روى ذلك في خبر طويل يلوح من صدره إلى عجزه آثار الوضع (8)، و الأظهر أنّه ليس غرضه التمسّك بالخبر، بل إنّما جعله سيفا سلّه (9) اللّه على الكفّار لمعاونته له على التسلّط على الأخيار.
____________
(1) خطّ على كلمة: على، في (س)، و كتب عليها: كذا. و في المصدر بدلا منها: إلى.
(2) لا توجد كلمة: صدّقه، في (س).
(3) في شرح النّهج: يحرّض- بالضاد المعجمة-.
(4) قال في الصّحاح 6- 2226: إيه: اسم سمّي به الفعل .. فإذا أسكتّه و كففته قلت: إيها عنّا، و إذا أردت التّبعيّة قلت: أيها- بفتح الهمزة- بمعنى هيهات.
(5) في (س): عنهم.
(6) كما ذكره ابن الأثير في كامله 2- 359.
(7) انظر مثلا: الكامل في التاريخ لابن الأثير 2- 359، و تاريخ الطبريّ 3- 279، و غيرهما.
(8) و جاء في مثل الكامل في التاريخ لابن الأثير 3- 359، و تاريخ الطبريّ 3- 279، و يوجد في صحيحي البخاري و مسلم، كما حكاه عنهما في كتاب الصراط المستقيم ..
(9) نسخة في (ك): سلطه، بدلا من: سله.
487
- و قد (1) ذكر ابن الأثير في الكامل (2) تبرّى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من صنيع خالد، و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) وبّخه لكلامه لعبد الرحمن بن عوف، و أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) لإصلاح ما أفسده.
كما مرّ (3) و سيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) (4).
و قد اعترف ابن أبي الحديد (5) بأنّ خالدا: كان جبّارا فاتكا (6) لا يراقب الدّين فيما يحمله عليه غضبه و هوى نفسه.
- وَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي الْإِسْتِيعَابِ (7) فِي تَرْجَمَةِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ (8): قَالَ الطَّبَرِيُ (9): بَعَثَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) (10) مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَةِ بَنِي يَرْبُوعٍ- وَ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ هُوَ وَ أَخُوهُ: مُتَمِّمٌ الشَّاعِرُ (11)- فَقَتَلَ خَالِدٌ مَالِكاً بِظَنِ (12) أَنَّهُ ارْتَدَّ- حِينَ وَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ-، وَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ قَتَلَهُ مُسْلِماً أَوْ
____________
(1) وضع على: قد، رمز نسخة بدل، في (ك).
(2) الكامل 2- 256، 3- 173- 174 و 180.
(3) بحار الأنوار 21- 139- 146 حديث 1- 7 باب 27 عن أمالي الشيخ الصدوق: 104- 105، و الخصال 2- 152، و أمالي الشيخ الطوسيّ: 317 و غيرها.
(4) بحار الأنوار 39- 90.
(5) في شرحه على النهج 17- 214، باختلاف يسير.
(6) الفاتك: الجريء، و الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه و هو غارّ غافل حتّى يشدّ عليه فيقتله ... و في الحديث: «قيد الإيمان الفتك، لا يفتك مؤمن» قاله في الصحاح 4- 1602، و مثله في النهاية 3- 409، إلّا أنّه ذكر الحديث هكذا: «الإيمان قيد الفتك». و يحتمل قويّا تعدّد الرواية عندهما.
(7) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 3- 515.
(8) كذا، و الصّحيح: متمّم بن نويرة أخوه.
(9) في تاريخه 3- 591.
(10) في المصدر: بتقديم و تأخير.
(11) لا توجد: الشّاعر، في المصدر، و فيه: قال أبو عمر: أمّا مالك فقتله خالد بن الوليد، و اختلف فيه هل قتله مرتدّا أو مسلما، و أمّا متمّم فلم يختلف في إسلامه و كان شاعرا محسنا ..
(12) في (ك): يظنّ.
488
مُرْتَدّاً؟- وَ اللَّهُ- أَعْلَمُ (1) قَتَلَهُ خَطَأً، وَ أَمَّا مُتَمِّمٌ فَلَا شَكَّ فِي إِسْلَامِهِ، انْتَهَى (2).
و ممّا يدلّ على سوء صنيع (3) خالد أنّ عمر لمّا نزع الأسهم من رأسه و قال ما قال، لم يردّ عليه و لم ينكره، و ظاهر للمصنف أنّه لو كان له عذر، و لم يكن خائفا لخيانته لأبدى عذره، و لما صبر على المذلّة.
- وَ قَدْ رَوَى أَصْحَابُنَا (4) أَنَّ مَالِكاً إِنَّمَا مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ الزَّكَاةَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لَهُ- لَمَّا سَأَلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْإِيمَانَ-: هَذَا وَصِيِّي مِنْ بَعْدِي- وَ أَشَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)- فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) رَجَعَ فِي بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَأَى أَبَا بَكْرٍ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ، وَ قَالَ: مَنْ أَرْقَاكَ هَذَا الْمِنْبَرَ وَ قَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلِيّاً (عليه السلام) وَصِيَّهُ، وَ أَمَرَنِي بِمُوَالاتِهِ؟!. فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَخْرَجَهُ قُنْفُذُ بْنُ عُمَيْرٍ وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثُمَّ وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ خَالِداً وَ قَالَ لَهُ: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا قَالَ، وَ لَسْتُ آمَنُ أَنْ يَفْتُقَ عَلَيْنَا فَتْقاً لَا يَلْتَئِمُ فَاقْتُلْهُ، فَقَتَلَهُ خَالِدٌ وَ تَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ فِي لَيْلَتِهِ.
و لو تنزّلنا عن ذلك و فرضنا أنّ مالكا و أصحابه كفروا بمنع الزكاة، فلا ريب في إسلام النساء و الذراري، و ليس ارتداد الرجال بمنعهم الزكاة موجبا لكفر النساء و الذراري وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (5)، فما العذر في سبي خالد
____________
(1) في حاشية (ك) كتبت: و أراه، و رمز لها برمز مشوش، و لم يظهر محلّه جيّدا، و لعلّها نسخة بدل من:
أعلم.
(2) و لاحظ: الإصابة في تمييز الصّحابة لابن الحجر العسقلانيّ 3- 357 برقم 7696 في ترجمة مالك بن نويرة، و أسد الغابة 4- 295، و سيرة ابن هشام 4- 247، و سيرة ابن كثير 3- 591، و غيرها في هذا الموضوع.
(3) في متن (ك): ضع. و الظاهر أنّها: صنع، و جعل فيها: صنيع، نسخة بدل.
(4) و قد سلف منّا و حكاه عن الفضائل لابن شاذان، و جاء أيضا في الصّراط المستقيم 2- 280 عن البراء عن كتاب الواحدة للشّيخ القمّيّ، و غيره.
(5) الأنعام: 164، و الإسراء: 15، و فاطر: 18، و الزمر: 7.
489
و إغماض أبي بكر عن غصب الفروج و الزنا حتى ردّ عمر بن الخطاب الأموال و النساء الحوامل إلى أزواجهنّ؟.
وَ سَيَأْتِي (1) فِي بَابِ أَحْوَالِ أَوْلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ لَمَّا سُبِيَتِ الْحَنَفِيَّةُ- فِيمَنْ سُبِيَ- وَ نَظَرَتْ إِلَى جَمْعِ النَّاسِ، عَدَلَتْ إِلَى تُرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَرَنَّتْ رَنَّةً (2)، وَ زَفَرَتْ (3) زَفْرَةً (4) وَ أَعْلَنَتْ بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ، ثُمَّ نَادَتْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ سَبَوْنَا (5) سَبْيَ النُّوبِ وَ الدَّيْلَمِ، وَ اللَّهِ مَا كَانَ لَنَا إِلَيْهِمْ مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا الْمَيْلُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، فَجُعِلَتِ الْحَسَنَةُ سَيِّئَةً وَ السَّيِّئَةُ حَسَنَةً، فَسُبِينَا، ثُمَّ انْعَطَفَتْ إِلَى النَّاسِ وَ قَالَتْ: لِمَ سَبَيْتُمُونَا؟! وَ قَدْ أَقْرَرْنَا بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ (ص)؟!. قَالُوا: أمنعتمونا [مَنَعْتُمُونَا (6) الزَّكَاةَ. قَالَتْ: هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ (7) مَنَعُوكُمْ، فَمَا بَالُ النِّسَاءِ؟. فَسَكَتَ الْمُتَكَلِّمُ كَأَنَّمَا أُلْقِمَ حَجَراً (8).
- وَ قَدْ رُوِيَ (9) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لَمَّا أَخَذَهَا بَعَثَهَا إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حَتَّى جَاءَ أَخُوهَا فَتَزَوَّجَهَا،.
و يظهر بذلك بطلان ما تمسّك به بعضهم من أنّه لو كان السبي ظلما لما أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) من سبيهم، و لو كان أمير
____________
(1) بحار الأنوار 42- 85. و حكاه عن الخرائج 2- 589- 593، و جاء أيضا فيه 2- 562- 565.
و في مدينة المعاجز: 350، حديث 98، و إثبات الهداة 5- 92، حديث 45 ملخصا، و جاء في البحار 41- 302 مع فرق يسير.
(2) رنّت المرأة ترنّ رنينا و أرنّت أيضا: صاحت. قاله في الصّحاح 5- 2127.
(3) قال في القاموس 2- 39: زفر يزفر زفرا و زفيرا: أخرج نفسه بعد مدّه إيّاه. و قال في الصّحاح 2- 670: الزّفير: اغتراق النّفس للشّدّة.
(4) لا توجد كلمة: زفرة في (ك)، و لا في المجلّد الثّاني و الأربعين من البحار المطبوع.
(5) في الخرائج: سبينا.
(6) في المصدر: منعتمونا.
(7) في الخرائج: هب الرّجال.
(8) أي فكأنّما جعل الحجر لقمة له، و هو كناية عن السّكوت النّاشئ من العجز عن الجواب.
(9) بحار الأنوار 42- 87 و 41- 304.
490
المؤمنين (عليه السلام) تزوّجها لكونها من السبي لردّها عمر فيمن ردّ.
و من نظر في القصّة حقّ النظر علم أنّ ما صنعه خالد لم يكن إلّا لأخذ الغنيمة و الطمع في النساء و الذراري و أحقاد الجاهليّة.
و قد روى مؤلّف روضة الأحباب (1) أنّه لمّا أحضر مالك للقتل جاءت زوجته أمّ تميم بنت المنهال- و كانت من أجمل نساء زمانها- فألقت نفسها عليه، فقال لها:
اعزبي عنّي، فما قتلني غيرك (2).
و قال الزمخشري في أساس البلاغة (3): أقتله و (4) عرضه (5) للقتل كما قال مالك بن نويرة لامرأته حين رآه (6) خالد بن الوليد: أقتلتني بامرأة (7)؟ يعني سيقتلني خالد بن الوليد (8) من أجلك.
و قال ابن الأثير في النهاية (9) في حديث خالد: إنّ مالك بن نويرة قال لامرأته يَوْمَ قَتْلِهِ خَالِدٌ: أَقْتَلْتِنِي ..؟! أي عرّضتني للقتل بوجوب الدّفع (10) عنك و المحاماة عليك- و كانت جميلة تزوّجها (11) خالد بعد قتله.
ثم إنّ ابن أبي الحديد (12) روى عن الطبري (13) عذرا لخالد، و ساق الرواية
____________
(1) روضة الأحباب: .. انظر: التعليقة رقم (4) في صفحة 432 من هذا المجلد.
(2) و جاء في الإصابة 3- 357 ترجمة 7696.
(3) أساس البلاغة: 354، في مادة قتل.
(4) لا توجد الواو في المصدر: و هو الصحيح.
(5) في (س): عوضه، و هو سهو ظاهرا.
(6) في المصدر: رآها، و هو الظاهر، و في (س): رؤيا.
(7) في أساس البلاغة: يا مرأة، و هو الظاهر.
(8) لا توجد في المصدر: بن الوليد.
(9) النهاية 4- 15.
(10) في المصدر: الدفاع، بدلا من: الدفع.
(11) في النهاية: و تزوّجها.
(12) في شرحه على النهج 17- 205- 206، و انظر فيه 1- 179.
(13) تاريخ الطبريّ 3- 278. و جاء في الكامل لابن الأثير 2- 358.
491
إلى قوله: فلمّا اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا- و كانت ليلة باردة لا يقوم لها شيء- فأمر خالد مناديا ينادي: أدفئوا أسراءكم .. فظنّوا أنّه (1) أمر بقتلهم، لأنّ هذه اللّفظة تستعمل في لغة كنانة في القتل (2)، فقتل ضرار بن الأزور مالكا ..
و أنّ (3) خالد لمّا سمع الواعية، خرج و قد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد اللّه أمرا أصابه ..، و تزوّج خالد زوجته، و إنّ أبا قتادة فارقه و قال: هذا عملك، فغضب عليه أبو بكر و لم يرض إلّا أن يرجع إلى خالد.
و يتوجّه عليه أنّه يدلّ على بطلانه ما رواه الطبري (4) و ابن الأثير (5) و غيرهما (6) من أرباب السير: أنّ خالدا كان يعتذر عن قتل مالك بأنّه كان يقول- و هو يراجع الكلام-: ما أخال صاحبكم إلّا قال: .. كذا.
و قد حكى قاضي القضاة (7) عن أبي علي أنّه: قتل خالد مالكا لأنّه أوهم بقوله ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليس صاحبا له، فلو كان قتله ضرار عن غير أمر خالد فأيّ حاجة له إلى هذا الاعتذار، فالتعارض بين الاعتذارين واضح، فتساقطا.
و يدلّ على بطلانهما أنّ عمر لمّا عاتبه و كسر أسهمه لم يعتذر بأنّي لم أقتل مالكا بل قتله ضرار عن غير أمري، أو بأنّه ارتدّ عن الدين لقوله: صاحبك .. فلا موضع لإبداء العذر أليق من ذلك، و هل يجوّز عاقل أن يكون لخالد عذر يرى نفسه به بريئا من الإثم و الخيانة، ثم يصبر مع جرأته و تهتّكه على ما أصابه عن (8)
____________
(1) في المصدر: أنّهم.
(2) في الشرح: للقتل.
(3) و من هنا إلى آخره جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 17- 213، بتصرّف و اختصار.
(4) في تاريخه 3- 279.
(5) في الكامل 2- 359.
(6) قد سلفت مصادره قريبا، فلاحظ.
(7) في المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 355.
(8) كذا، و الظاهر: من، بدلا من: عن.
492
عمر من الإهانة و الأذى؟!.
و يدلّ على أنّ القتل كان بأمر خالد، أو كان هو القاتل، قول أبي بكر: تأوّل فأخطأ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (1)، قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ سَيْفَ خَالِدٍ فِيهِ رَهْقٌ وَ أَكْثَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا عُمَرُ (2)! تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ، فَإِنِّي لَا أَشِيمُ (3) سَيْفاً سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَ وَدَى مَالِكاً وَ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ فَفَعَلَ (4)، وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ عَلَيْهِ قَبَاءٌ وَ قَدْ غَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ أَسْهُماً، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَانْتَزَعَهَا فَحَطَمَهَا (5)، وَ قَالَ لَهُ: قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِماً ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَ اللَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ .. وَ خَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ يَظُنُّ أَنَّ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُهُ، وَ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَعَذَّرَهُ وَ تَجَاوَزَ عَنْهُ، وَ عَنَّفَهُ فِي التَّزْوِيجِ لِلَّذِي (6) كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ كَرَاهَةِ أَيَّامِ الْحَرْبِ، فَخَرَجَ خَالِدٌ وَ عُمَرُ جَالِسٌ. فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ شَمْلَةَ (7)، فَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، انْتَهَى.
فلو كان القاتل ضرارا لم يكن خالد متأوّلا و لا مخطئا، بل كان ضرارا (8) هو المتأوّل المخطئ في فهم النداء الذي أمر به خالد من قوله: ادفئوا أسراءكم، و لا يخفى أنّ هذا الاعتذار لو كان صحيحا لصار الأمر في تزويج زوجة مالك أفحش، إذ لو كان حبسه لاختلاف الجيش في أنّه و قوم (9) يصلّون أم لا، و لم يثبت كفره،
____________
(1) الكامل 2- 242- 243 من الطّبعة الثّانية، و في الأخرى 2- 358- 359.
(2) في المصدر: هيه يا عمر!.
(3) شمت السّيف: أغمدته، و شمته: سللته، و هو من الأضداد، قاله في الصّحاح 5- 1963، و غيره.
(4) في (س): فنعل.
(5) في المصدر: فنزعها و حطمها.
(6) في الكامل: الّذي- بلا لام-.
(7) في المصدر: أمّ سملة.
(8) كذا، و الظاهر: ضرار- بالرفع-.
(9) خ. ل: و قومه، و هو الظاهر.
493
و قد كان إسلامه سابقا مستصحبا إلى أن يتحقّق ما يزيله- و لو كان قتله لخطإ ضرار في فهم نداء خالد- فزوجته (1) في حكم زوجات سائر المسلمين المتوفى عنهنّ أزواجهنّ، و لا يجوز تزوّجها إلّا بعد انقضاء عدّتها، فظهر شناعة الجواب الذي حكاه قاضي القضاة (2) عن أبي علي أو أجاب به من عند نفسه، و هو أنّه إذا قتل الرجل على الردّة في دار الكفر جاز التزويج بامرأته (3) عند كثير من أهل العلم و إن كان لا يجوز وطؤها (4) إلّا بعد الاستبراء.
على أنّ التزوّج بامرأته فجور على أيّ حال، لكون المرأة مسلمة و ارتداد الزوج لا يصير سببا لحلّ التزوّج بامرأته، و لا لكون الدار دار الكفر، سيّما إذا كان ارتداده لما اعتذروا به من قوله: صاحبك .. فإنّ ذلك ارتداد لا يسري إلى غيره من زوجته و أصحابه.
و من الغرائب أنّ الشارح الجديد للتجريد (5) ادّعى أنّ امرأة مالك كانت مطلّقة منه و قد انقضت عدّتها.
و لا عجب ممّن غلب عليه الشقاء، و سلب اللّه منه الحياء أن يعتمد في رفع هذا الطعن الفاحش عن إمامه الغويّ و عن خالد الشقيّ بإبداء هذا الاحتمال الذي لم يذكره أحد ممّن تقدّمه، و لم يذكر في خبر و رواية، و لم يعتذر به خالد في جواب تشنيع عمر و طعنه عليه بأنّه نزا على زوجة خالد (6) و تهديده بالرجم للزنا.
ثم أعلن (7) أنّ معاتبة عمر و غيظه على خالد في قتل مالك لم يكن مراقبة
____________
(1) فزوجته، جواب ل: لو كان ..
(2) في المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 355- القسم الأوّل-.
(3) في المصدر: ذلك، بدلا من: التزويج بامرأته.
(4) في المغني: أن يطأها.
(5) شرح التجريد للقوشجي: 373- الحجريّة-.
(6) كذا، و الظاهر: مالك.
(7) شرح التجريد للقوشجي: 373- الحجريّة-، و عبارته هكذا: و إنكار عمر عليه لا يدلّ على قدحه في إمامة أبي بكر و لا على قصده إلى القدح فيها، بل إنّما أنكر، كما ينكر بعض المجتهدين على بعض.
494
للدين و رعاية لشريعة سيّد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّما تألّم من قتله لأنّه كان حليفا له في الجاهليّة، و قد عفا عن خالد لمّا علم أنّه هو قاتل سعد بن عبادة.
- رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (عليهم السلام) أَنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ (1) فِي خِلَافَتِهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَوْماً فِي بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا خَالِدُ! أَنْتَ الَّذِي قَتَلَ مَالِكاً؟. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ كُنْتُ قَتَلْتُ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَقَدْ قَتَلْتُ لَكُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِهَنَاتٍ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ، فَأَعْجَبَ عُمَرَ قَوْلُهُ وَ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَ قَالَ لَهُ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ وَ سَيْفُ رَسُولِهِ (ص)!.
وَ جُمْلَةُ الْقِصَّةِ (2)، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَ أَرَادَ الْمُبَايِعُونَ لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِالْبَيْعَةِ، قَالَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: إِنِّي نَاصِحٌ لَكُمْ فَاقْبَلُوا مِنِّي. قَالُوا: وَ مَا ذَاكَ؟. قَالَ: إِنَّ سَعْداً قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يُبَايِعَكُمْ، وَ هُوَ إِذَا حَلَفَ فَعَلَ، وَ لَنْ يُبَايِعَكُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَ لَنْ يُقْتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ مَعَهُ وُلْدُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَ لَنْ يُقْتَلُوا حَتَّى يُقْتَلَ الْأَوْسُ كُلُّهَا، وَ لَنْ يُقْتَلُوا حَتَّى يُقْتَلَ الْخَزْرَجُ، وَ لَنْ يُقْتَلَ الْأَوْسُ وَ الْخَزْرَجُ حَتَّى يُقْتَلَ الْيَمَنُ، فَلَا تُفْسِدُوا عَلَيْكُمْ أَمْراً قَدْ كَمَلَ وَ اسْتَتَمَّ لَكُمْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِسَعْدٍ.
ثُمَّ إِنْ سَعْداً خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ فِي قُرَى غَسَّانَ مِنْ بِلَادِ دِمَشْقَ- وَ كَانَ غَسَّانُ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَ كَانَ خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ بِالشَّامِ، وَ كَانَ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِجَوْدَةِ الرَّمْيِ، وَ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَوْصُوفٌ بِجَوْدَةِ الرَّمْيِ- فَاتَّفَقَا عَلَى قَتْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ لِامْتِنَاعِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ لِقُرَيْشٍ، فَاسْتَتَرَا لَيْلَةً بَيْنَ شَجَرٍ وَ كَرْمٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمَا فِي مَسِيرِهِ رَمَيَاهُ بِسَهْمَيْنِ، وَ أَنْشَدَا بَيْتَيْنِ مِنَ الشِّعْرِ وَ نَسَبَاهُمَا إِلَى الْجِنِّ:
____________
(1) في (س): إنّ عمرا مستقبل. أقول: إنّ الألف في: عمرا زائدة.
(2) كما أوردها مفصّلا الطّبريّ في تاريخه 3- 198، 200، 207، 210، و انظر: ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 405، و طبقات ابن سعد 2- 128، و غيرها.
495
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ* * * وَ رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ
فظنّت العامّة أنّ الجنّ قتلوه، فكان قول خالد لعمر كشفا لما استتر على الناس في تلك الواقعة، و مثل هذه الرواية- إن لم تنهض بانفرادها حجّة على المخالفين لكونها من روايات أصحابنا- إلّا (1) أنّ سكوت عمر عن خالد أيّام خلافته و ترك الاقتصاص منه مع قوله في خلافة أبي بكر: لئن وليت الأمر لأقيدنّك به، قرينة واضحة على صحّتها، و مع قطع النظر عن تلك الرواية فلا ريب في المناقضة بين هذا السكوت و ذلك القول، فظهر أنّ له أيضا من قداح هذا القدح (2) سهم، و من نصال هذا الطعن نصيب.
السادس:
إنّ أبا بكر قال- مخبرا عن نفسه-: إنّ لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني و إن زغت فقوّموني .. (3).
____________
(1) في (س): إلى، و هو خلاف الظاهر.
(2) أي له من أسهم هذا الطعن سهم و كذا ما بعده.
(3) أقول: وردت هذه القصّة بألفاظ مختلفة في موارد متعدّدة نذكر بعضها و نختمها بجملة من المصادر.
فمنها: قد وليت أمركم و لست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني و إن زغت فقوّموني- كما جاء في لفظ ابن الجوزي في الصفوة-.
و منها: إنّي وليت عليكم و لست بخيركم، فإن رأيتموني على الحقّ فأعينوني، و إن رأيتموني على الباطل فسدّدوني- كما في طبقات ابن سعد 3- 151 [3* * * القسم الأوّل- 139].
و منها: ألا و إنّما أنا بشر و لست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتّبعوني، و إن رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم- كما في الطبقات أيضا- و الإمامة و السياسة 1- 16، و تاريخ الطبريّ 3- 210، و غيرها.
و منها: أما و اللّه ما أنا بخيركم، و لقد كنت لمقامي هذا كارها، و لوددت أنّ فيكم من يكفيني، أ فتظنّون أنّي أعمل فيكم بسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟! إذن لا أقوم بها، إنّ رسول اللّه كان يعصم بالوحي و كان معه ملك، و إنّ لي شيطانا يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني ..
انظر: مسند أحمد بن حنبل 1- 14، مجمع الزوائد للهيثمي 5- 183، الإمامة و السياسة 1- 16 [صفحة: 6، ضمن خطبة أبي بكر]، و الصفوة 1- 99، المجتبى لابن دريد: 27، عيون الأخبار لابن قتيبة 2- 234، كنز العمّال 3- 126، 135 و 136. قال: رواه الطبراني في الأوسط، الرياض النضرة 1- 167 و 177، تاريخ الطبريّ 3- 203 و 210، تاريخ ابن كثير 5- 247، تاريخ الخلفاء: 47- 48، تاريخ ابن جرير 2- 440، تاريخ اليعقوبي 2- 107، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 134 و 3- 8 و 14، 4- 167 [الطبعة ذات أربعة مجلدات]، سيرة ابن هشام 4- 340، السيرة الحلبية 3- 388، تهذيب الكامل 1- 6، إعجاز القرآن: 115، العقد الفريد 2- 158، و غيرها من مصادر العامّة، و لاحظ: الطرائف 2- 402، و الفصول المختارة من العيون و المحاسن: 7 و 197، و الصراط المستقيم 2- 294- 296 و 300، و كشف المحجّة: 67، و الغدير 2- 42 و 7- 104 و 105 و 108 و 118 ..
و من هذا الباب ما جاء منه في الجواب عن الكلالة: إنّي سأقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن اللّه، و إن يكن خطأ فمنّي و من الشيطان، و اللّه و رسوله بريئان منه.
أخرجه سعد بن منصور الدارميّ في سننه 2- 365، و ابن جرير الطبريّ في تفسيره 6- 30، و ابن المنذر البيهقيّ في سننه الكبرى 6- 223، و حكى عنهم السيوطي في الجامع الكبير- كما في ترتيبه- 6- 20، و ذكره ابن كثير في تفسيره 1- 260، و الخازن في تفسيره 1- 367، و ابن القيّم في أعلام الموقعين: 29، كما نقله العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في غديره 7- 104- 105.
496
و لا يصلح للإرشاد من يطلب الرشاد.
و قال: أقيلوني فلست بخيركم ..
و لا يحلّ للإمام الاستقالة من البيعة.
و أجاب قاضي القضاة في المغني (1) ناقلا عن شيخه أبي علي أنّ إخباره عن نفسه بما أخبر لو كان نقصا فيه لكان قوله تعالى في آدم و حوّاء: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ (2) (3)، و قوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ (4)، و قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ
____________
(1) المغني، الجزء المتمّم للعشرين: 338- 339- القسم الأوّل-.
(2) في المصدر: إليه، و هو غلط.
(3) الأعراف: 20.
(4) البقرة: 36.
497
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى ... (1) الآية، يوجب النقص في الأنبياء (عليهم السلام)، و إذا لم يجب ذلك فكذلك (2) ما وصف به أبو بكر نفسه، و إنّما أراد أنّ عند الغضب يشفق من المعصية و يحذر منها، و يخاف (3) أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه، و ذلك منه على طريق الزجر لنفسه عن المعاصي.
- وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ تَرَكَ مُخَاصَمَةَ النَّاسِ فِي حُقُوقِهِ إِشْفَاقاً مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَ كَانَ يُوَلِّي ذَلِكَ عَقِيلًا، فَلَمَّا أَسَنَّ عَقِيلٌ كَانَ يُوَلِّيهَا (4) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ (رحمه الله).
قال: فأمّا ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف، و إن صحّ فالمراد به التنبيه على أنّه لا يبالي لأمر يرجع إليه أن يقيله الناس (5) البيعة، و إنّما يضرّون بذلك أنفسهم، فكأنّه نبّه بذلك على أنّه غير مكره لهم، و أنّه قد خلّاهم و ما يريدون إلّا أن يعرض ما يوجب خلافه
-، وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَقَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْبَيْعَةَ حِينَ اسْتَقَالَهُ.
، و المراد بذلك على أنّه تركه و ما يختاره و لم يكرهه (6).
وَ أَوْرَدَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الشَّافِي (7) بِأَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ:
وَلِيتُكُمْ وَ لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَاتَّبِعُونِي، وَ إِنِ اعْوَجَجْتُ فَقَوِّمُونِي، فَإِنَ
____________
(1) الحجّ: 52.
(2) في المغني: فكيف.
(3) في المصدر: و يجوز منها و يخشى.
(4) في المغني: فلمّا أيس عقيل منها كان يولّيها.
(5) في المصدر: لأمر إن يرجع إليه أن يستقيله الناس ..
(6) في المصدر: و ما يختار من التأخير و غير ذلك، بدلا من: و ما يختاره و لم يكرهه.
انظر: المغني 21- 338- 339، باختلاف يسير.
(7) الشّافي: 415- 416 الحجرية [4- 121- 124].
498
لِي شَيْطَاناً يَعْتَرِينِي عِنْدَ غَضَبِي، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي مُغْضَباً فَاجْتَنِبُونِي لَا أُوثَرْ فِي أَشْعَارِكُمْ وَ لَا أَبْشَارِكُمْ .. (1) يدلّ (2) على أنّه لا يصلح للإمامة من وجهين:
أحدهما: أنّ هذه صفة من ليس بمعصوم و لا يأمن الغلط على نفسه، و من يحتاج إلى تقويم رعيّته له إذا واقع المعصية، و قد بيّنا أنّ الإمام لا بدّ أن يكون معصوما مسدّدا موفّقا.
و الوجه الآخر: أنّ هذه صفة من لا يملك نفسه، و لا يضبط غضبه، و من هو في نهاية الطيش و الحدّة، و الخرق و العجلة، و لا خلاف في (3) أنّ الإمام يجب أن يكون منزّها عن هذه الأوصاف غير حاصل عليها، و ليس يشبه قول أبي بكر ما تلاه من الآيات كلّها، لأنّ أبا بكر خبّر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، و أنّ عادته بذلك جارية، و ليس هذا بمنزلة من يوسوس له الشيطان و لا يطيعه، و يزيّن له القبيح فلا يأتيه، و ليس وسوسة الشيطان قبحا (4) بعيب على الموسوس له إذا لم يستزلّه ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف و وجه يتضاعف معه الثواب.
و قوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (5) قيل معناه: في تلاوته، و قيل:
في فكرته على سبيل الخاطر، و أيّ الأمرين كان فلا عار في ذلك على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لا نقص، و إنّما العار و النقص على من يطيع الشيطان و يتّبع ما يدعو
____________
(1) أي لا أترك أثرا في أشعاركم بالنّتف و لا في أبشاركم بالجرح، و هو نوع كناية عن التّجاوز و الجور.
و قد جاء في الصّواعق المحرقة: 30، و بلفظ: أقيلوني في صفحة: 50، و رياض النّضرة 1- 175، و الإمامة و السّياسة 1- 14.
و عبارة ابن قتيبة في صفحة: 16 هكذا: لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني .. ثمّ قال: و احتجب عن النّاس ثلاثة يشرف كلّ يوم يقول: أقلتكم بيعتي.
و قد سبق منّا مصادر جمّة في أوّل هذا الطّعن و لا حاجة إلى الإعادة، فراجع.
(2) في المصدر: فإنّه يدل ..
(3) لا توجد في الشافي كلمة: في.
(4) لا توجد: قبحا، في المصدر.
(5) الحجّ: 52.
499
إليه، و ليس لأحد أن يقول هذا- إن سلّم لكم في جميع الآيات- لم يسلّم لكم في قوله تعالى (1): فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ (2) لأنّه قد خبّر عن تأثير غوايته و وسوسته بما كان منهما من الفعل، و ذلك لأنّ المعنى الصحيح في هذه الآية أنّ آدم و حوّاء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة و ترك التناول منها، و لم يكن ذلك عليهما واجبا لازما، لأنّ الأنبياء (عليهم السلام) لا يخلّون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتّى تناولا من الشجرة فتركا مندوبا إليه، و حرّما بذلك أنفسهما الثواب و سمّاه (3): إزلالا، لأنّه حطّ لهما عن درجة الثواب، و فعل الأفضل.
و قوله تعالى في موضع آخر: وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (4) لا ينافي هذا المعنى، لأنّ المعصية قد يسمّى بها من أخلّ بالواجب و الندب، و قوله: فَغَوى.
أي خاب من حيث لم يستحقّ الثواب على ما ندب إليه، على أنّ صاحب المغني (5) يقول: إنّ هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحقّ بها عقابا و لا ذمّا، فعلى مذهبه- أيضا- يكون (6) المفارقة بينه و بين أبي بكر ظاهرة، لأنّ أبا بكر خبّر عن نفسه أنّ الشيطان يعتريه حتّى يؤثر في الأشعار و الأبشار، و يأتي ما يستحقّ به التقويم، فأين هذا من ذنب صغير لا ذمّ و (7) لا عقاب عليه؟ و هو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح، لأنّه لا يؤثّر في أحوال فاعله و حطّ رتبته، و ليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية و الإشفاق على ما ظنّ، لأنّ مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك، أ لا ترى أنّه قال: إنّ لي شيطانا يعتريني، و هذا قول من قد عرف عادته، و لو كان على سبيل الإشفاق و الخوف لخرّج غير هذا المخرج، و لكان يقول
____________
(1) لا توجد: تعالى، في المصدر.
(2) البقرة: 36.
(3) في المصدر: و سمّي- بلا ضمير-.
(4) طه: 121.
(5) في الشافي: صاحب الكتاب.
(6) في المصدر: تكون.
(7) لا توجد الواو في (س).
500
فإنّي لا آمن من كذا .. و إنّي لمشفق منه.
فأمّا ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) مخاصمة الناس (1)، فإنّما كان تنزّها و تكرّما، و أيّ شبه بين ذلك و بين من صرّح و شهد على نفسه بما لا يليق بالأئمّة؟!.
أمّا خبر استقالة البيعة و تضعيف صاحب المغني (2) له فهو- أبدا- يضعّف ما لا يوافقه من غير حجّة يعتمدها في تضعيفه.
و قوله: إنّه ما استقالها (3) على التحقيق و إنّما نبّه على أنّه لا يبالي بخروج الأمر عنه، و إنّه غير مكره لهم عليه .. فبعيد عن الصواب (4)، لأنّ ظاهر قوله:
أقيلوني .. أمر بالإقالة، و أقلّ أحواله أن يكون عرضا لها أو بذلا، و كلا الأمرين قبيح. و لو أراد ما ظنّه لكان له في غير هذا القول مندوحة (5)، و لكان يقول: إنّي ما أكرهتكم و لا حمّلتكم على مبايعتي، و ما كنت أبالي أن لا يكون هذا الأمر فيّ، و لا إليّ، و إنّ مفارقته لتسرّني (6) لو لا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسّك به، و متى عدلنا عن ظواهر الكلام (7) بلا دليل جرّ ذلك علينا ما لا قبل لنا به.
فأمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنّه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها، و إنّما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه (8)، علما بأنّ إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها، فأين هذا من (9) استقالة بيعة قد تقدّمت و استقرّت، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
____________
(1) في المصدر زيادة: في حقوقه، بعد: الناس.
(2) في المصدر: صاحب الكتاب.
(3) في الشافي: ما استقال- بلا ضمير-.
(4) جاء في المصدر: من الصواب.
(5) في (س): مندرجة. و هو سهو ظاهرا.
(6) في الشافي: تسرّني- بلا لام-.
(7) لا توجد: الكلام، في (س).
(8) في المصدر زيادة: قلّة فكر فيه، بعد: فأعفاه.
(9) لا توجد: من، في (س).
501
و أورد عليه ابن أبي الحديد (1): .. بأنّ أبا بكر كان حديدا (2) و لكن لا يخلّ ذلك بالإمامة، لأنّ المخلّ بالإمامة من ذلك ما يخرج به الإنسان عن العقل، فأمّا ما دون ذلك فلا، و قوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم .. محمول على البلاغة (3) في وصف القوّة الغضبيّة لا على ظاهره، لأنّه لم ينقل أنّه قام إلى رجل فضربه بيده و مزّق شعره ...
و أمّا قول شيخنا أبي عليّ إنّ كلام أبي بكر خرج مخرج الإشفاق و الحذر ..
فجيّد.
و اعتراض المرتضى غير لازم، لأنّ في هذه عادة العرب يعبّرون عن الأمر بما هو منه بسبيل، كقولهم: لا تدن من الأسد فيأكلك، ليس أنّهم قطعوا على الأكل عند الدنوّ.
فأمّا الكلام في قوله: أقيلوني .. فلو صحّ الخبر لم يكن فيه مطعن عليه، لأنّه إنّما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في (4) البيعة التي وقعت في اليوم الأوّل ليعلم وليّه من عدوّه منهم .. على أنّا لو سلّمنا أنّه استقالهم البيعة حقيقة، فلم قال المرتضى: إنّ ذلك لا يجوز؟. أ ليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء بعد تولّيه إيّاه و دخوله فيه؟ فكذلك يجوز للإمام أن يستقيل من الإمامة إذا آنس من نفسه ضعفا عنها، أو آنس من رعيّته نبوة (5) عنه أو أحسّ بفساد ينشأ في الأرض من جهة ولايته على الناس، و من يذهب إلى (6) أنّ الإمامة تكون بالاختيار كيف
____________
(1) في شرحه على النهج 17- 161- 164 عند شرح قوله (عليه السلام): هذه صفة طائش لا يملك لنفسه ..، و قد نقله باختصار.
(2) هي صفة مشبّهة من الحدّة بمعنى النشاط و السرعة في الأمور و المضّاء فيها، كما في نهاية ابن الأثير 1- 353.
(3) في المصدر: على المبالغة، و هو الظاهر.
(4) في (س): على، بدلا من: في.
(5) قال في القاموس 4- 393: نبا بصره نبوّا و نبيّا و نبوة، و السيف عن الضريبة نبوا و نبوة: كلّ.
(6) لا توجد في (س): إلى.
502
يمنع من جواز استقالة الإمام و طلبه إلى الأمّة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه؟! و إنّما يمتنع من ذلك المرتضى و أصحابه القائلون بأنّ الإمامة بالنصّ ..، على أنّه إذا جاز عندهم ترك (1) الإمام الإمامة في الظاهر- كما فعله الحسن (عليه السلام)، و الأئمّة بعد الحسين (عليهم السلام)- جاز (2) للإمام على مذهب أصحاب الاختيار أن يترك الإمامة ظاهرا و باطنا لعذر يعلمه.
و الجواب، أنّ الكلّ اتّفقوا على اشتراط العدالة في الإمام، و لا ريب في أنّه يكون من الحدّة و الطيش ما لا يضبط الإنسان نفسه عند هيجانه فيقدم على المعصية، و لا يدخل بذلك عرفا في زمرة المجانين، و لا يخرج عن حدّ التكليف، و قوله: فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم .. اعتراف باتّصافه بفرد بالغ من هذا النوع، و لا خلاف في كونه قادحا في الإمامة، و ادّعاؤه أنّه لم ينقل أنّه فعل ذلك برجل، فقد روى نفسه ما يكذّبه، حيث
- رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِ (3) أَنَّ الْأَنْصَارَ بَعَثُوا عُمَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يُوَلِّيَ أَمْرَهُمْ رَجُلًا أَقْدَمَ سِنّاً مِنْ أُسَامَةَ، فَوَثَبَ أَبُو بَكْرٍ- وَ كَانَ جَالِساً- فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ، وَ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَنْزِعَهُ؟!. فَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا صَنَعْتَ؟. قَالَ: امْضُوا ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، مَا لَقِيتُ فِي سَبَبِكُمُ الْيَوْمَ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) .. إِلَى آخِرِ مَا رَوَاهُ.
و (4) وثوبه على عمر بن الخطاب و أخذه بلحيته و شتمه- مع كونه معظّما مبجّلا عنده في أوّل خلافته، و المقام لم يكن مقام الخفّة و الطيش- يدلّ على أنّ ذلك الصنيع لم يخرج منه مخرج الندرة و الافتلات، بل كان ذلك من الفعل المعتاد، و مع الإغماض عنه نقول: إنّ ذلك الشهادة من قبيل الرجم بالغيب، و من الذي
____________
(1) في شرح النهج: أن يترك.
(2) في المصدر زيادة: للتقية، قبل كلمة: جاز.
(3) في تاريخه 3- 226.
(4) لا توجد الواو في (ك).
503
أحصى أفعال أبي بكر حتّى علم أنّه لم يفعل ذلك بأحد من معاشريه و خواصّه و أهل بيته؟ و بعد تسليم أنّه لم يقدم قطّ على جرح الأبشار و نتف الأشعار، نقول:
إذا بلغ الطيش و الحدّة في الشدّة إلى حدّ يخاف صاحبه على نفسه الوثوب على الناس فلا يشكّ في أنّه يصدر عنه عند الغضب من الشتم و البذاء و أصناف الأذى قولا و فعلا ما يخرجه عن حدّ العدالة المشترطة في الإمامة، و لو قصر الغضب عن القيام بما يخل بالعدالة- و لو بالإصرار على ما كان من هذا النوع من قبيل الصغائر لم يعبّر عنه بهذا النوع من الكلام.
و بالجملة، حمل كلام أبي بكر على المبالغة لا ينفعهم و لا يضرّنا، و كذا التمسّك بقولهم: لا تدن من الأسد .. لا ينفعهم، إذ لا يقال ذلك إلّا إذا جرت عادته بأكل من دنى منه، فكذلك لا موقع لكلام أبي بكر ما لم تجر عادته بأن يؤثر غضبه في أشعار الناس و أبشارهم، أو يؤذيهم بالشتم و البذاء .. و نحو ذلك ممّا كنّى عنه بقوله: لا أوثر في أشعاركم و أبشاركم، و مثل هذا الطيش و الحدّة لا ريب في كونه مخرجا عن العدالة، قادحا في صلوح صاحبه للإمامة، فخروج الكلام مخرج الإشفاق و الحذر- على هذا الوجه- لا ينفع في دفع الطعن.
و أمّا ما أشار (1) إليه- تبعا للقاضي- من منع صحّة الخبر في استقالة أبي بكر فممّا لا وقع له، لاستفاضة الخبر و اشتهاره في كلّ عصر و زمان، و كونه مسلّما عند كثير من أهل الخلاف، و لذا لمن يمنع الرازي في نهاية العقول (2) صحّته مع ما علم من حاله من كثرة التشكيك و الاهتمام بإيراد الأجوبة العديدة، و إن كانت سخيفة ضعيفة.
و قد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام- على ما حكاه بعض الثقات من الأصحاب-.
____________
(1) في (س): أشاروا- بصيغة الجمع-.
(2) نهاية العقول: مخطوط.
504
وَ قَالَ مُؤَلِّفُ كِتَابِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (1): ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)، وَ الْبَلاذُرِيِّ فِي أَنْسَابِ الْأَشْرَافِ (3)، وَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْفَضَائِلِ (4)، وَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
قَوْلَ (5) أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ- بَعْدَ مَا بُويِعَ (6)-: أَقِيلُونِي فَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ وَ عَلِيٌّ فِيكُمْ (7).
- وَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي الْخُطْبَةِ الشِّقْشِقِيَّةِ (8) بِقَوْلِهِ: فَيَا عَجَباً! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ..
و صحّة الخطبة مسلّمة عند ابن أبي الحديد (9) و قاضي القضاة (10) و غيرهما (11) كما عرفت.
و أمّا عدم رواية أصحاب أصولهم قصّة الاستقالة فلا حجّة فيه، لأنّهم لا يروون ما لا تتعلّق أغراضهم بروايته، بل تعلّق غرضهم بانمحاء ذكره.
و يدلّ على بطلان ما زعمه من أنّ أبا بكر أراد اختبار حال الناس في اليوم الثاني من بيعته ليعلم وليّه من عدوّه،
- قول أمير المؤمنين (عليه السلام): بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته.
.. إذ لو كان المراد ما توهّمه لم يكن عقده لآخر بعد الوفاة مع الاستقالة في الحياة موضعا للعجب، و إنّما التعجّب من صرفها عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عند الوفاة و عقدها لغيره مع الاستقالة منها
____________
(1) الصّراط المستقيم 2- 294.
(2) تاريخ الطّبريّ 3- 210.
(3) أنساب الأشراف، ما طبع منه حتّى الآن لم نجده فيه.
(4) فضائل السّمعانيّ، لم نجد له نسخة خطّيّة فضلا عن المطبوعة.
(5) في المصدر: من قول.
(6) في الصّراط المستقيم: حين بويع.
(7) انظر: الإمامة و السّياسة: 16، و سيرة ابن هشام 2- 666، و الطّرائف 2- 402، و الصّراط المستقيم 2- 294 و غيرها ممّا تقدّم من المصادر.
(8) الخطبة الثّالثة من النّهج في طبعة محمّد عبده 1- 32، و في طبعة الدّكتور صبحي الصّالح: 48.
(9) كما اعترف به في شرحه على النهج 17- 161.
(10) في كتابه المغني 20- 328.
(11) قد مرّت مصادرها مفصّلة، فراجع.
505
في الحياة، لعلمه بأنّه كان حقّا لأمير المؤمنين (عليه السلام) و هو واضح، و لعلّهم لا ينكرون أنّ فهم أمير المؤمنين (عليه السلام) مقدّم على فهمهم.
و قد ظهر ممّا ذكرناه ضعف ما أجاب به الفخر الرازي في نهاية العقول (1) من أنّه (2) ذكر ذلك على سبيل التواضع و هضم النفس، كما
- قَالَ (عليه السلام): لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ..
و الفرق بين استقالة أبي بكر و الخبر الذي رواه على تقدير صحّته- واضح، و لو أراد مجرّد الاستشهاد على ورود الكلام للتواضع و هضم النفس- و هو أمر لا ينازع فيه- لكن لا يلزم منه صحّة حمل كلّ كلام عليه.
و أمّا ما ذكره من جواز الاستقالة تشبيها بالقضاء، فيرد عليه، أنّه إذا جازت الاستقالة من الإمام و لم يتعيّن عليه القيام بالأمر فلم لم يرض عثمان بالخلع مع أنّ القوم حصروه و تواعدوه (3) بالقتل، فقال: لا أخلع قميصا قمّصنيه اللّه عزّ و جلّ (4)، و أصرّ على ذلك حتّى قتل، و قد جاز- بلا خلاف- إظهار كلمة الشرك و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير عند الخوف على النفس، فدلّ ذلك الإصرار منه على أنّ الخلع أعظم من إظهار كلمة الكفر و غيره من الكبائر، و أنّ ما أتى به أبو بكر كان أعظم ممّا ذكر على مذهب عثمان، فما دفع به الطعن عن أبي بكر يوجب قدحا شنيعا في عثمان، فإنّ تعريض النفس للقتل لأمر مباح لم يقل بجوازه أحد.
و قد أشار إلى ذلك الشيخ المفيد (قدس الله روحه) (5)، حيث قال: على أنّ
____________
(1) نهاية العقول: مخطوط.
(2) في طبعة (س) هنا كلمة: رض، و خطّ عليها في (ك).
(3) في (ك): توعّدوه.
(4) أو قال: سربلني اللّه. و قد ذكر شيخنا الأميني- (رحمه الله)- قصّة الحصار مفصّلا بمصادرها في غديره 9- 177- 203.
(5) في الفصول المختارة من العيون و المحاسن: 199.
506
الاختيار إن كان للأمّة و كان (1) إليها الخلع و العزل لم يكن (2) لدعائها عثمان إلى أن يخلع نفسه معنى يعقل، لأنّه كان لها أن تخلعه و إن لم يجبها إلى ذلك (3)، و إن كان الخلع إلى الإمام فلا معنى لقول أبي بكر (4): أقيلوني .. و قد (5) كان يجب لمّا كره الأمر أن يخلع هو نفسه ... و هذا أيضا تناقض آخر يبيّن عن بطلان الاختيار و تخليط القوم.
و أنت- أرشدك اللّه- إذا تأمّلت
- قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (6): فيا عجبا! بينا هو يستقيلها ..
إلى آخره، وجدته عجبا، و عرفت من المغزى كان (7) من الرجل في القوم و بان خلاف الباطن منه (8)، و تيقّنت الحيلة التي أوقعها و التلبيس، و عثرت به على الضلال و قلّة الدين، و اللّه (9) نسأل التوفيق، انتهى.
و أمّا ما ذكره من قياس خلع الخليفة نفسه اختيارا بما صدر عن أئمّتنا (عليهم السلام) تقيّة و اضطرارا فهو أظهر فسادا من أن يفتقر إلى البيان، مع أنّه يظهر ممّا مرّ جوابه و سيأتي بعض القول في ذلك، وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ
السابع:
أنّه كان جاهلا بكثير من أحكام الدين (10)، فَقَدْ قَالَ فِي الْكَلَالَةِ: أَقُولُ فِيهَا
____________
(1) في المصدر: فكان.
(2) في الفصول المختارة: و لم يكن.
(3) في المصدر: إذا لم يجبها إلى ذلك و اختار ..
(4) في المصدر زيادة: للناس، بعد: أبي بكر.
(5) وضع على: قد، في (ك) رمز نسخة بدل.
(6) في المصدر زيادة: في خطبته في الكوفة عند ذكر الخلافة حيث يقول ..
(7) في المصدر زيادة: الذي، قبل: كان.
(8) في الفصول المختارة زيادة: للظاهر، بعد: منه.
(9) في المصدر: و اللّه تعالى.
(10) إنّ غاية جهد الباحث عن علم الخليفة بالسنّة و سعة اطّلاعه عليها لتوصله إلى أمور مضحكة ظاهرا مبكية واقعا، و قد قال العلامة الأميني في غديره 7- 115: إذا قسنا مجموع ما ورد عن الخليفة- من الصحيح و الموضوع في التفسير و الأحكام و الفوائد، من المائة و أربعة حديث، أو المائة و اثنين و أربعين حديث- إلى ما جاء عن النبيّ الأقدس من السنّة الشريفة لتجدها كقطرة من بحر لجيّ، لا تقام به قائمة للإسلام، و لا تدعم به أيّ دعامة للدين، و لا تروى بها غلّة صاد، و لا تنحلّ بها عقدة أيّة مشكلة .. إلى آخر ما أجاد و أفاد.
507
بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَاباً فَمِنَ اللَّهِ وَ إِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي (1) وَ لَمْ يَعْرِفْ مِيرَاثَ الْجَدَّةِ (2)
- فَقَالَ: لِجَدَّةٍ سَأَلَتْهُ عَنْ إِرْثِهَا؟ لَا أَجِدُ لَكِ شَيْئاً فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ
____________
(1) و قد قال في الكلالة: أراه ما خلا الولد و الوالد، فلمّا استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّه أن أردّ شيئا قاله أبو بكر!!.
أقول: قد أخرجه جمع من الحفّاظ و رجال الحديث، منهم الدّارميّ في سننه 2- 365- 366، و الطّبريّ في تفسيره 6- 30 [4- 191- 192]، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 6- 223، و السّيوطيّ في ترتيب الجامع الكبير 6- 20، و ابن كثير في تفسيره 1- 260، و الخازن في تفسيره 1- 367، و ابن القيّم في أعلام الموقّعين: 29، و غيرهم.
و في تفسير ابن كثير 1- 595، عن ابن عبّاس، قال: كنت آخر النّاس عهدا بعمر بن الخطّاب، قال: اختلفت أنا و أبو بكر في الكلالة و القول ما قلت.
و ذكر الحاكم في المستدرك 2- 304، و البيهقيّ في السّنن الكبرى 6- 225، و ابن كثير في تفسيره 1- 595، و الذّهبيّ في تلخيص المستدرك، و كلّهم صحّحوا الحديث عن ابن عبّاس، قال: كنت آخر النّاس عهدا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: و ما قلت؟. قال: قلت: الكلالة ما لا ولد له. و هذا عمر يقول.
و قد ذكر عنه البيهقيّ في سننه الكبرى 6- 224: أتى عليّ زمان لا أدري ما الكلالة، و إذا الكلالة من لا أب له و لا ولد.
(2) و الرّواية مفصّلة جاءت بطرق متعدّدة تجدها في صحيح التّرمذيّ 4- 420 كتاب الفرائض باب 10 حديث 2100- 2101، و في سنن الدّارميّ 2- 359، و سنن أبي داود 2- 17 [3- 121 حديث 2894]، و سنن ابن ماجة 3- 163 [2- 910 حديث 2724]، و مسند أحمد 4- 224، و سنن البيهقيّ 6- 234، و موطّأ مالك 1- 335، و بداية المجتهد 2- 344، و مصابيح السّنّة 2- 22، و غيرها من المصادر.
و قد ذكرها الخاصّة أيضا، انظر مثالا: الغدير 7- 104- 105، و الصّراط المستقيم 2- 296، و السّبعة من السّلف: 90، و ما بعدها، و الشّافي 4- 193، و تلخيصه 4- 25، و قد قضى في الجدّ سبعين قضيّة، كما صرّح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 3- 165، و 4- 262 [أربعة مجلّدات- مصر]، و روى مائة قضيّة كلّ منها ينقض الآخر، كما أخرجه البيهقيّ في سننه الكبرى 6- 245 عن عبيدة، و مثله عن المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 6- 15 كتاب الفرائض، و في المبسوط للسّرخسيّ 29- 180: و الصّحيح أنّ مذهب عمر لم يستقرّ على شيء في الجدّ. و هو القائل- كما ذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1- 61، و غيره-: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه ..
508
(صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ وَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّ الرَّسُولَ (صلّى اللّه عليه و آله) أَعْطَاهَا السُّدُسَ، وَ قَالَ: أَطْعِمُوا الْجَدَّاتِ السُّدُسَ (1).
، و قطع يسار السارق (2)، و أحرق فجاءة بالنار (3)، و لم يعرف ميراث العمّة و الخالة (4) .. إلى غير ذلك.
____________
(1) و نظير هذا رأيه في الجدّتين، فقد روى القاسم بن محمّد أنّه قال: أتت الجدّتان إلى أبي بكر، فأراد أن يجعل السّدس للّتي من قبل الأمّ، فقال له رجل من الأنصار .. إلى آخره. و جاء بألفاظ أخر، انظر: موطّأ مالك 1- 335، و سنن الدّارميّ 2- 359، و سنن ابن ماجة 2- 910 حديث 2724، و سنن البيهقيّ 1- 235، و بداية المجتهد 2- 344، و الاستيعاب 2- 400، و الإصابة 2- 402، و قال: رجاله ثقات، و كنز العمّال 6- 6، و غيرها، و نقله في الصّراط المستقيم 2- 296 عن التّرمذيّ، و غيره.
و عن جمع من الصّحابة قالوا: إنّ أبا بكر جعل الجدّ أبا، أي كان يحجب الإخوة بالجدّ و لم يشرك بينهما، كما أنّ الأب يحجب الإخوة و الأخوات! كما جاء في صحيح البخاريّ باب ميراث الجدّ، و سنن الدّارميّ 2- 352، و أحكام القرآن للجصّاص 1- 94، و سنن البيهقيّ 6- 246، و تاريخ الخلفاء للسّيوطيّ: 65، و تفسير القرطبيّ 5- 68، و انظر: أعذار الدّارميّ في سننه 2- 353.
(2) روى شيخنا الأميني- (رحمه الله)- في غديره 7- 129 عن جمع بعدّة طرق، منها ما أورده البيهقيّ في سننه 8- 273- 274، من جهل الخليفة في قطع السارق، إذ روى أنّ رجلا سرق على عهد أبي بكر مقطوعة يده و رجله، فأراد أبو بكر أن يقطع رجله و يدع يده يستطيب بها و يتطهّر بها و ينتفع بها .. كما و قد تعرّض لها في الصراط المستقيم 2- 305.
(3) كما أورده الطبريّ في تاريخه 3- 264، و أحمد بن أعثم الكوفيّ في الفتوح 1- 16، و غيرهما. و قد ذكر القصّة مفصّلا في المتن عن كامل ابن الأثير، و تعرّض لها العلامة الأميني في غديره 7- 156- 157 و 170- 171 عن عدّة مصادر، فراجع.
(4) لاحظ: الغدير 7- 171.
509
وَ قِصَّةُ فُجَاءَةَ- عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ (1)- هِيَ: أَنَّهُ جَاءَ فُجَاءَةُ السُّلَمِيُّ- وَ اسْمُهُ: إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (2) يَالِيلَ (3)- إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي بِسِلَاحٍ أُقَاتِلْ أَهْلَ الرِّدَّةِ، فَأَعْطَاهُ سِلَاحاً وَ أَمَرَهُ أَمْرَهُ فَخَالَفَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَ خَرَجَ حَتَّى نَزَلَ بِالْجِوَاءِ (4)، وَ بَعَثَ نَجِيَّةَ (5) وَ أَمَرَهُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي سُلَيْمٍ وَ عَامِرٍ وَ هَوَازِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيفَةَ بْنِ حاشي [الْحَاشِي فَأَمَرَهُ (6) أَنْ يَجْمَعَ لَهُ وَ يَسِيرَ إِلَيْهِ، وَ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (7) الْحَاشِي عَوْناً، فَنَهَضَ (8) إِلَيْهِ وَ طَلَبَاهُ، فَلَاذَ مِنْهُمَا (9)، ثُمَّ لَقِيَاهُ عَلَى الْجِوَاءِ (10) فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ (11) نَجِيَّةُ وَ هَرَبَ الْفُجَاءَةُ، فَلَحِقَهُ طَرِيفَةُ فَأَسَرَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ
____________
(1) الكامل 2- 237، باختلاف يسير.
(2) وضع على لفظ الجلالة رمز نسخة بدل في (س)، و خطّ عليها في (ك)، و هو الظّاهر.
(3) في الغدير و جملة من المصادر جاء اسم الفجاءة إياس بن عبد اللّه بن عبد ياليل بن عميرة بن خفّاف.
و هنا حاشية جاءت في (ك) و هي: و ابن عبد ياليل بن عبد كلال- كغراب- عرض النّبيّ (ص) نفسه عليه، فلم يجبه إلى ما أراد. قاموس. و جاء: إياس بن عبد ياليل، كما في المصدر.
انظر: القاموس 4- 46. و من هنا جاء نصّ ما أورده ابن الأثير في الكامل 2- 350 [و في الطّبعة الثّانية 2- 237].
(4) في (س): الحواء، و لعلّها سهو. و جاء في حاشية (ك): و الجواء- ككتاب-: ماء بحمى ضريّة، و موضع باليمامة، و واد في ديار عبس. قاموس.
انظر: القاموس 4- 314. و قريب منه في مراصد الاطّلاع 1- 352- 353، و معجم البلدان 2- 174.
(5) و في المصدر: نخبة بن أبي الميثاء من بني الشّريد، بدلا من: نجيّة.
(6) في الكامل: طريفة بن جاجز يأمره.
(7) في (ك): قش- بالشّين المعجمة-.
(8) في المصدر: فنهضا.
(9) في (س): منها.
(10) في (س): الحواء.
(11) في الكامل: و قتل.
510
يُوقَدَ (1) لَهُ نَارٌ فِي مُصَلَّى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَمَى بِهِ فِيهَا مَقْمُوطاً- أَيْ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ- (2).
و قد روى القصّة كثير من أرباب السير (3).
و أجاب صاحب المواقف و شارحه (4) بأنّ الأصل- و هو كون الإمام عالما بجميع الأحكام- ممنوع، و إنّما الواجب الاجتهاد، و لا يقتضي كون جميع الأحكام حاضرة عنده بحيث لا يحتاج المجتهد فيها إلى نظر و تأمّل، و أبو بكر مجتهد، إذ ما من مسألة- في الغالب- إلّا و له فيه قول مشهور عند أهل العلم، و إحراق فجاءة إنّما كان لاجتهاده و عدم قبول توبته لأنّه زنديق، و لا تقبل توبة الزنديق في الأصح.
و أمّا قطع يسار السارق، فلعلّه من غلط الجلّاد، أو رآه في المرّة الثالثة من السرقة، و هو رأي الأكثر من العلماء. و وقوفه في مسألة الجدّة و رجوعه إلى الصحابة في ذلك لأنّه غير بدع من المجتهد البحث عن مدارك الأحكام، انتهى.
و أجيب: بأنّه قد ثبت أنّ من شرائط الإمامة العلم بجميع الأحكام، و قد ظهر من أبي بكر الاعتراف على نفسه بأنّه لم يعرف الحكم فيها، و عدم تعرّض من تصدّى للجواب لمنع صحّة ما ذكر اعتراف بصحّته (5).
ثم إنّ الكلالة- على ما رواه الأصحاب عن أئمّتنا (عليهم السلام)- أولاد
____________
(1) في المصدر: أن توقد.
(2) انظر: الصّحاح 3- 1154- 1155، و مجمع البحرين 4- 270.
(3) و قد سلفت منّا جملة من المصادر في قصّة الفجاءة، و إليك جملة أخرى منها: تاريخ الطبريّ 3- 234، و تاريخ ابن كثير 6- 319، و تاريخ اليعقوبي 2- 134، و البداية و النهاية لأبي الفداء 3- 319، و الإصابة 2- 322، و شرح القوشجي على التجريد: 482، و ذكرها ملخّصة ابن أبي الحديد في شرحه 17- 222، و غيرهم.
(4) المواقف و شارحه: 403 [شرح المواقف و حواشيه 8- 348] و قصّة فجاءة في 8- 357.
(5) لاحظ: المصدر السالف، و التجريد و شرحه: 296، و الصواعق المحرقة: 33، و جهله بهذه المسألة و غيرها جاء- أيضا- في: سنن ابن ماجة 3- 163، و مسند أحمد بن حنبل 4- 224، و سنن أبي داود 2- 17، و الموطّأ 1- 335، و غيرها كما سلف بعضه.
511
الأب و الأم، و هم الإخوة من الطرفين أو من أحدهما (1)، و قد دلّت آية الميراث في أوّل سورة النساء (2) على حكم من كان (3) من قبل الأمّ منهم، و في آخر السورة (4) على حكم من كان من قبل الأب و الأم أو من قبل الأب، سمّيت كلالة لإحاطتها بالرجل كالإكليل بالرأس- و هو ما يزيّن بالجوهر- شبه العصابة، أو لأنّها مأخوذة من الكلّ لكونها ثقلا على الرجل (5)، و الذي رواه قوم من المفسّرين عن أبي بكر و (6) عمر و ابن عباس- في أحد (7) الروايتين- عنه أنّها من عدا الوالد و الولد (8). و في الرواية الأخرى عن ابن عباس أنّها من عدا الولد (9).
أقول: يرد هنا آخر على أبي بكر، بل على صاحبه، و هو أنّهما فسّرا القرآن برأيهم- كما صرّح به أبو بكر (10)-
و رووا في صحاحهم المنع من ذلك،
____________
(1) لاحظ مثالا: فروع الكافي 7- 100 حديث 3، و التهذيب 9- 290 حديث 5، و من لا يحضره الفقيه 4- 200.
(2) في قوله تعالى: «وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ..» الآية، النساء: 12.
(3) في (س): على ما كان.
(4) النساء: 176.
(5) كما جاء في مجمع البحرين 5- 464، و النهاية 4- 197، و غيرهما.
(6) في (س): أو.
(7) في (ك): إحدى.
(8) كما أورده الدارميّ في سننه 2- 366، و البيهقيّ في سننه 6- 225 أيضا، و الطبريّ في تفسيره 4- 192، و غيرهم في غيرها.
(9) كما جاءت في تفسير الطبريّ 4- 193، و سنن البيهقيّ 6- 225. و في (ك): للوالد، بدلا من:
الولد.
(10) و لقد فتح الخليفة و خليفته- لقصر باعه في علوم الكتاب و السنّة- باب القول بالرأي بمصراعيه بعد ما سدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم على أمّته بكلي ذراعيه، إذ نجد أنّ جمعا من الأعلام كابن سعد في الطبقات، و أبي عمر في كتاب العلم 2- 51، و السيوطي في تاريخ الخلفاء:
71، و ابن القيّم في أعلام الموقعين: 19، و غيرهم ذكروا أنّ أبا بكر نزلت به قضيّة فلم يجد في كتاب اللّه منها أصلا و لا في السنّة أثرا، فاجتهد رأيه، ثمّ قال: هذا رأي فإن يكن صوابا فمن اللّه و إن يكن خطأ فمنّي.
512
و من فسّر القرآن برأيه فقد كفر (1).
،- وَ رَوَى فِي الْمِشْكَاةِ وَ الْمَصَابِيحِ (2)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (3)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
- وَ فِي رِوَايَةٍ (4): مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
- وَ عَنِ التِّرْمِذِيِ (5) وَ أَبِي دَاوُدَ (6)، عَنْ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ.
- وَ عَنْ أَحْمَدَ (7) وَ ابْنِ مَاجَةَ (8) بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَوْماً يَتَدَارَءُونَ (9) فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ:
____________
(1) كما في صحيح الترمذي 5- 199 كتاب التفسير حديث 2953، و سنن أبي داود كتاب العلم حديث 3652، جامع البيان برقم 80، و نقله ابن الأثير في جامع الأصول 2- 3 حديث 469 عن أصولهم.
(2) مشكاة المصابيح: 35.
(3) صحيح التّرمذيّ 5- 199 كتاب التّفسير حديث 2951 و 2952.
(4) صحيح التّرمذيّ 5- 199 كتاب التّفسير حديث 2950. و نقلها عنه ابن الأثير في جامع الأصول 2- 6 حديث 470، و أخرجها أحمد في مسنده 1- 233 برقم 2069، 3025، و الطّبريّ في جامع البيان: 1- 73- 80.
(5) صحيح التّرمذيّ 5- 199 كتاب التّفسير الباب الأوّل حديث 2952، و تلاحظ بقيّة روايات الباب.
(6) سنن أبي داود 3- 320 كتاب العلم حديث 3652.
(7) مسند أحمد بن حنبل 2- 185.
(8) سنن ابن ماجة، و لم نجده فيه.
و ذكره الهنديّ في كنز العمّال 1- 196 حديث 970 عن البيهقيّ في شعب الإيمان.
(9) قال في مجمع البحرين 1- 136- 137: و في الحديث: يتدارءون الحديث .. أي يتدافعونه، و ذلك أنّ كلّ واحد منهم يدفع قول صاحبه بما ينفع له من القول، و كأنّ المعنى إذا كان بينهم محاجّة في القرآن طفقوا يدافعون بالآيات، و ذلك كأنّ يسند أحدهم كلامه إلى آية ثمّ يأتي صاحبه بآية أخرى مدافعا يزعم أنّ الّذي أتى به نقيض ما استدلّ به صاحبه، و لهذا شبّه حالهم بحال من قبلهم، فقال: ضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض.
513
إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَ إِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ (1) فَقُولُوا، وَ مَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ.
و الأخبار في ذلك كثيرة.
و قال الفخر الرازي (2): اختار أبو بكر أنّ الكلالة عبارة عن سوى (3) الوالدين و الولد، و هذا هو المختار (4)، و أمّا عمر فإنّه كان يقول: الكلالة ما (5) سوى الولد، وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا طَعَنَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الْكَلَالَةَ (6) مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَ أَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أُخَالِفَ أَبَا بَكْرٍ (7).
وَ عَنْ عُمَرَ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى وَ هُوَ التَّوَقُّفُ، وَ كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ لَأَنْ يَكُونَ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ(ص)لَنَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا، الْكَلَالَةُ، وَ الْخِلَافَةُ، وَ الرِّبَا.
انْتَهَى (8).
و لا يشتبه على الفطن الناظر في مثل هذه الروايات أنّ آراءهم لم يتفرّع عن أصل و ليست إلّا اتّباعا للأهواء و قولا في أحكام اللّه بغير علم و لا هدى من اللّه، و لو كان ما رآه عمر في الكلالة اجتهادا منه- كما زعموا- لما جاز له الحكم بخلافه استحياء من خلاف أبي بكر، و اللّه و رسوله أحقّ بأن يستحي منهما، و من لا يستحي من أن يقول لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ الرجل ليهجر (9)، فاللائق
____________
(1) في (س): من- بلا ضمير-، و لا معنى لها.
(2) تفسير الفخر الرازيّ 9- 221.
(3) في المصدر: و اختيار أبي بكر الصديق أنّها عبارة عمّن سوى ..
(4) في التفسير زيادة: و القول الصحيح، بعد كلمة: المختار.
(5) في المصدر: من، بدلا من: ما.
(6) في تفسير الفخر: أنّ الكلالة.
(7) إلى هنا ذكره الطّبريّ في تفسيره 4- 192 أيضا. و في المصدر بعد لفظ أبي بكر: الكلالة من عدا الوالد و الولد.
(8) و انظر سنن ابن ماجة 2- 911 حديث 2727، و سنن البيهقيّ 6- 225.
(9) ستأتي مصادره مفصّلا، و انظر مثالا: صحيح البخاريّ 1- 39، كتاب العلم باب 39 حديث 4، و الصراط المستقيم 3- 3- 7، و غيرهما.
514
بحاله أن لا يستحي من أحد، و تمنّيه أن يكون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بيّن لهم الخلافة دليل واضح على شكّه في خلافة أبي بكر و في خلافته، كما سبق ما يدلّ على الشكّ عن أبي بكر، و ما جعله دليلا على اجتهاد أبي بكر- من أنّ له في المسائل أقوالا مشهورة عند أهل العلم- فأوّل ما فيه أنّه افتراء على أبي بكر، و أين هذه الأقوال المشهورة التي لم يسمعها أحد؟! و من لم يرو عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في مدة البعثة، و قد كان- بزعمهم الفاسد- أوّل الناس إسلاما، و كان من بطانته و صاحبا له في الغار غير مفارق عنه في الأسفار- إلّا مائة و اثنين و أربعين حديثا (1)، مع ما وضعه في ميراث الأنبياء لحرمان أهل البيت (عليهم السلام) و دفنهم حيث يموتون لأن يدفن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في بيت عائشة و يسهّل ما أوصى به من دفنه مع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و غير ذلك لأغراض أخر، فمبلغ علمه و كثرة أقواله ظاهر لأولي الألباب.
ثم لو سلّمت كثرة أقواله فليس مجرّد القول دليلا على الاجتهاد و القوّة في العلم، و من تتبّع آثارهم و أخبارهم علم أنّه ليس فيها ما يدلّ على دقّة النظر و جودة الاستنباط، بل فيها ما يستدلّ به على دناءة الفطرة و ركاكة الفهم، كما لا يخفى على المتتبّع.
و أمّا قطع يسار السارق في المرّة الأولى فهو خلاف الإجماع، و قد اعترف به الفخر الرازي في تفسير آية السرقة (2)، و لو كان من غلط الجلّاد لأنكره عليه أبو بكر و بحث عن الحال، هل كان عن تعمّد من الجلّاد فيقاصّه بفعله أو على السهو و الخطإ فيعمل بمقتضاه؟ و كون القطع في المرّة الثالثة خلاف المنقول، و لم يبد هذا الاحتمال أحد غير الفخر الرازي (3) و تبعه المتأخّرون عنه.
____________
(1) كما في شرح رياض الصالحين للصديقي 2- 23، و فصله شيخنا الأميني في غديره 7- 108 114.
(2) تفسير الفخر الرازيّ 11- 227.
(3) تفسير الفخر الرازيّ 11- 227.
515
و أمّا الاجتهاد في إحراق فجاءة السلمي فهو من قبيل الاجتهاد في مقابلة النصّ، و قد قامت الأدلّة على بطلانه، و ما ذكره من عدم قبول توبته لأنّه زنديق فاسد، إذ لم ينقل أحد عن فجاءة إلّا الإغارة على قوم من المسلمين، و مجرّد ذلك ليس زندقة حتّى لا تقبل توبته، و قد ذكر في المواقف (1) في الطعن أنّه كان يقول:
أنا مسلم .. و لم يمنعه في مقام الجواب.
و اعلم أنّ الرواية الدالّة على عدم التعذيب بالنار من الروايات الصحيحة عند العامّة، و رواه (2) البخاري في باب لا يعذّب بعذاب اللّه من كتاب الجهاد (3) عن أبي هريرة و عن ابن عباس.
و رواه ابن أبي الحديد (4) أيضا.
- وَ الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُنَا مَا رُوِيَ فِي الْفَقِيهِ (5) وَ غَيْرِهِ (6)، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُحْرَقَ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ.
، لكن في بعض أخبارنا (7) ما ينافي هذا العموم، و سيأتي الكلام فيه في كتاب المناهي (8) إن شاء اللّه تعالى، و لا يضرّ ذلك في الطعن، لأنّ بناءه على الإلزام لاعتراف العامّة بصحّتها.
و ما روي من فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو عندنا استناد إلى نصّ خاصّ ورثه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عند العامّة استناد إلى الاجتهاد،
____________
(1) المواقف: 402.
(2) في (س): رواه في.
(3) صحيح البخاريّ 4- 74- 75.
(4) في شرحه على النهج 17- 222.
(5) كتاب من لا يحضره الفقيه 4- 3 باب 1، ذيل حديث الأول.
(6) أمالي الصّدوق: 254.
(7) كما جاء في الكافي 7- 199 حديث 5، و 6 و في صفحة: 201 حديث 1، و في صفحة: 204 حديث 3، و التهذيب 6- 142 باب 63 حديث 2، و المحاسن: 112 باب 51 حديث 106، و أورده في بحار الأنوار 25- 300 عن رجال الكشّيّ: 198- 199.
(8) بحار الأنوار 76- 329.
516
فلا مطعن فيه بالاتّفاق.
517
خاتمة في ذكر ولادة أبي بكر و وفاته و بعض أحواله
قال المخالفون: كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين و أربعة أشهر إلّا أيّاما، و اسمه: عبد اللّه بن عثمان (1) بن (2) أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، و قيل اسمه: عتيق،
و قيل: كان اسمه: عبد ربّ الكعبة، فسمّاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): عبد اللّه.
، و أمّه أمّ الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب (3).
غصب (4) الخلافة ثاني يوم مات فيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و مات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بين المغرب و العشاء و له ثلاث و ستون سنة، و قيل خمس و ستون، و الأول أشهر. و كانت مدّة خلافته المغصوبة سنتين و أربعة أشهر (5).
____________
(1) وضع في (ك) على كلمة: عثمان، رمز نسخة بدل.
(2) لا توجد في (س): بن.
(3) كما جاء في تاريخ الطبريّ 3- 419- 424 [4- 46]، و الكامل لابن الأثير 2- 418- 424 [2- 160].
(4) في (ك): و غصب.
(5) انظر: تاريخ اليعقوبي 2- 106، و صفة الصفوة 1- 88، و حلية الأولياء 4- 93، و تاريخ الخميس 2- 199، و الرياض النضرة: 44- 187، و منهاج السنّة 3- 118، و طبقات ابن سعد 9- 26 28، و غيرها.
518
و قال في الاختصاص (1): مات و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و ولي الأمر سنتين و ستة أشهر.
ثم اعلم أنّه لم يكن له نسب شريف و لا حسب منيف، و كان في الإسلام خيّاطا، و في الجاهليّة معلّم الصبيان، و نعم ما قيل:
كفى للمرء نقصا أن يقال بأنّه* * * معلّم أطفال و إن كان فاضلا
و كان أبوه سيّئ الحال ضعيفا، و كان كسبه أكثر عمره (2) من صيد القماري و الدباسي لا يقدر على غيره، فلمّا عمي و عجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبد اللّه ابن جدعان- من رؤساء مكة- فنصبه ينادي على مائدته كلّ يوم لإحضار الأضياف، و جعل له على ذلك ما يعونه من الطعام، ذكر ذلك جماعة منهم الكلبي في كتاب المثالب (3)- على ما أورده في الصراط المستقيم (4)- و لذا قال أبو سفيان لعليّ (عليه السلام)- بعد ما غصب الخلافة-:- أ رضيتم يا بني عبد مناف!- أن يلي عليكم تيميّ رذل؟!، و قال أبو قحافة: ما رواه ابن حجر في صواعقه (5) حيث قال: و أخرج الحاكم (6) أنّ أبا قحافة لمّا سمع بولاية ابنه قال: هل رضي بذلك بنو عبد مناف و بنو المغيرة؟. قالوا: نعم. قال: اللّهمّ لا واضع لما رفعت و لا رافع لما وضعت (7).
____________
(1) الاختصاص: 130.
(2) في (س): من عمره.
(3) المثالب للكلبي- هشام بن محمّد السائب الكلبي المتوفّى سنة 205 ه. ذكره ابن النديم في فهرسته: 141، و لا نعلم بطبعه. توجد منه نسخة في المتحف العراقي، و لا يسمح لأحد برؤيتها أو نسخها أو غير ذلك.
(4) الصراط المستقيم 3- 102، و انظر صفحة: 28.
(5) الصواعق المحرقة: 7- طبعة الحلبيّ، مصر-.
(6) المستدرك للحاكم النيسابوريّ، و لم نجد هذه الرواية هناك.
(7) و قريب منه في الاستيعاب 2- 256.
519
- وَ قَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام)- فِي بَعْضِ كَلِمَاتِهَا-: إِنَّهُ مِنْ أَعْجَازِ قُرَيْشٍ وَ أَذْنَابِهَا (1).
. و قال بعض الظرفاء: بل من ذوي أذنابها.
و قال صاحب إلزام النواصب (2): أجمع النسّابون أنّ أبا قحافة كان حبرا لليهود يعلّم أولادهم (3).
و العجب أنّهم مع ذلك يدّعون أنّ اللّه تعالى أغنى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بمال أبي بكر.
و عقد الخلافة عند موته لعمر، فحمل أثقاله مع أثقاله، و أضاف وباله إلى وباله.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4)- فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ- أَنَّهُ أَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عُثْمَانَ- وَ هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ- فَأَمَرَ (5) أَنْ يَكْتُبَ عَهْداً، وَ قَالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ بِهِ (6) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ (7) إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَمَّا بَعْدَ، .. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ: قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمُ ابْنَ الْخَطَّابِ (8)، وَ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ فَقَرَأَهُ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ، وَ قَالَ (9): أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مِتُّ فِي غَشْيَتِي!
____________
(1) كما في شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 164- 165.
(2) و قال في إلزام النواصب: 97- خطيّة-: أبو بكر بن أبي قحافة، أجمع أهل السير أنّ أبا قحافة كان أجيرا لليهود يعلّم أولادهم، و قد تعجّب أبوه: أبو قحافة يوم بويع ابنه للخلافة، فقال: كيف ارتضت الناس بابني مع حضور بني هاشم؟!. قالوا: لأنّه أكبر الصحابة سنّا. فقال: و اللّه أنا أكبر منه. ثم قال: هذا يدلّ على انحطاطه عن مرتبة الخلافة.
(3) لا توجد: يعلّم أولادهم، في (س).
(4) في شرحه على النّهج 1- 165، بتصرف.
(5) في المصدر: فأمره.
(6) لا توجد في المصدر: به.
(7) في تاريخ الطّبريّ 4- 52 [3- 429]: و فيه: أبو بكر بن أبي قحافة.
(8) في شرح النّهج: عمر بن الخطّاب.
(9) في المصدر: و سرّ و قال ..
520
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً عَنِ الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ الْعَهْدَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ فَقَرَأَ (1)، ثُمَّ أَوْصَى إِلَى عُمَرَ بِوَصَايَا (2).
قَالَ: وَ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مَنْ رَأَيْتُهُ (3) إِلَّا أَنَّ فِيهِ غِلْظَةً. فَقَالَ: ذَاكَ لِأَنَّهُ يَرَانِي رَفِيقاً (4) وَ لَوْ قَدْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيراً مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَ قَدْ رَمَقْتُهُ (5) إِذَا أَنَا غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ أَرَانِي الرِّضَا عَنْهُ، وَ إِذَا لِنْتُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: سَرِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ لَهُمَا: لَا تَذْكُرَا مِمَّا قُلْتُ لَكُمَا شَيْئاً، وَ لَوْ تَرَكْتُ عُمَرَ مَا (6) عَدَوْتُكَ يَا عُثْمَانُ، وَ الْخِيَرَةُ لَكَ أَنْ لَا تَلِيَ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْئاً، وَ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ خِلْواً، وَ كُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ.
وَ دَخَلَ طَلْحَةُ (7) عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ- يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)!- اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ، وَ قَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَ أَنْتَ مَعَهُ، فَكَيْفَ إِذَا (8) خَلَا بِهِمْ؟! وَ أَنْتَ غَداً لَاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ (9) عَنْ رَعِيَّتِكَ!. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي .. أَجْلِسُونِي (10)، ثُمَّ قَالَ: أَ بِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي؟!، إِذَا لَقِيتُ رَبِّي فَسَاءَلَنِي، قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ. فَقَالَ طَلْحَةُ: أَ عُمَرُ خَيْرُ النَّاسِ
____________
(1) في شرح النّهج: و أمر أن يقرأ .. فقرأ عليهم.
(2) في المصدر: أوصى عمر فقال له: ..
(3) في المصدر: رأيك. و ما ذكره نقله عن الطّبريّ 3- 428.
(4) في شرح النّهج: رقيقا.
(5) رمقته .. أي أطلت النّظر إليه، كما في مجمع البحرين 5- 173.
(6) في المصدر: لما.
(7) في شرح النّهج: طلحة بن عبيد اللّه.
(8) في المصدر: فكيف به.
(9) في شرح النّهج: فيسألك.
(10) لا توجد في المصدر: أجلسوني- الثّانية-.
521
يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟!. فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَ قَالَ: إِي وَ اللَّهِ، هُوَ خَيْرُهُمْ وَ أَنْتَ شَرُّهُمْ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ وَلَّيْتُكَ لَجَعَلْتَ أَنْفَكَ فِي قَفَاكَ، وَ لَرَفَعْتَ نَفْسَكَ فَوْقَ قَدْرِهَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَضَعُهَا، أَتَيْتَنِي وَ قَدْ دَلَكْتَ عَيْنَيْكَ تُرِيدُ أَنْ تَفْتِنَنِي عَنْ دِينِي، وَ تُزِيلَنِي عَنْ رَأْيِي، قُمْ لَا أَقَامَ اللَّهُ رِجْلَيْكَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ عِشْتُ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَ بَلَغَنِي أَنَّكَ غَمَّضْتَهُ (1) فِيهَا أَوْ ذَكَرْتُهُ بِسُوءٍ لَأَلْحَقَنَّكَ بِخَمْصَاتِ (2) قُنَّةَ حَيْثُ كُنْتُمْ تُسْقَوْنَ (3) وَ لَا تَرْوَوْنَ، وَ تُرْعَوْنَ وَ لَا تَشْبَعُونَ، وَ أَنْتُمْ بِذَلِكَ مُبْتَهِجُونَ (4) رَاضُونَ!. فَقَامَ طَلْحَةُ فَخَرَجَ.
قال (5): و توفّي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة. انتهى.
و قال في الإستيعاب (6): قول الأكثر أنّه توفّي عشيّة يوم الثلاثاء المذكور.
و قيل: ليلته. و قيل: عشيّة يوم الإثنين.
قال: و مكث في خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلّا خمس ليال. و قيل: سنتين
____________
(1) في المصدر: غمصته، و في (س): قمصة. قال في لسان العرب 7- 82: و في حديث عمر:
فقمص منها قمصا .. أي نفر و أعرض.
(2) في شرح النّهج: بمحمضات. قال في القاموس 2- 328: الحمضة: الشّهوة للشّيء، و بنو حمضة بطن، و أمّا خمصات فهو جمع الخمصة و هي: الجوع و المجاعة، كأنّه أراد إن ظهرت منك كلمة غير مطابقة لهواي لألحقنّك بالمساكين الّذين أشدّ حالا، مثل: زيد عدل. و أمّا قنة: فهو موضع قرب حومانة الدراج، كما في القاموس 4- 261.
(3) في المصدر: تسقوم، و هو غلط.
(4) في شرح النّهج: بجحون. و يقرأ ما في (س): متبجحون. أقول: البجح و الابتجاح و الابتهاج بمعنى السّرور و الفرح.
(5) قاله ابن أبي الحديد في شرحه للنهج 1- 166 بلفظه.
(6) الاستيعاب المطبوع هامش الإصابة 2- 256- 257، و فيه مضمون ما ذكره المصنّف- (رحمه الله) و قال: اختلف- أيضا- في حين وفاته، فقال .. و قيل عشيّ يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، هذا قول أكثرهم.
522
و ثلاثة أشهر و سبع ليال (1).
و قال ابن إسحاق: توفّي على رأس اثنتين (2) و ثلاثة أشهر و اثني عشر يوما (3) من متوفّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و قيل: و عشرة أيّام. و قيل (4): و عشرين يوما.
قال: و اختلف في السبب الذي مات منه، فذكر الواقدي أنّه اغتسل في يوم بارد فحمّ و مرض خمسة عشر يوما، و قال الزبير بن بكّار: كان به طرف من السل، و روي عن سلام بن أبي مطيع: إنّه سمّ.
قال (5): و أوصى بغسله أسماء بنت أبي عميس (6) زوجته فغسّلته، و صلّى عليه عمر بن الخطاب و نزل في قبره عمر و عثمان و طلحة و عبد اللّه (7) بن أبي بكر، و دفن ليلا في بيت عائشة.
أقول: انظروا بعين الإنصاف إلى الخلافة الكبرى و رئاسة الدين و الدنيا كيف صارت لعبة للجهّال و خلسة لأهل الغيّ و الضلال، بحيث يلهم بها الفاسق الفاجر اللئيم عثمان و يكتبها برأيه بدون مصلحة الخليفة الخوّان، ثم يمدحه هذا الشقيّ و يشكره و يجزيه خيرا عن الإسلام و أهله، و لا يقول له (8): لم اجترأت على هذا الأمر الكبير و الخطب الخطير الذي يترتّب عليه (9) عظائم الأمور بمحض رأيك و هواك، مع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان لا يجترئ أن يخبر بأدنى حكم بدون
____________
(1) هنا سقط، و في المصدر: قال إسحاق: توفي أبو بكر على رأس سنتين و ثلاثة أشهر و سبع ليال.
(2) في المصدر: توفي أبو بكر على رأس سنتين.
(3) في الاستيعاب: اثنتي عشرة ليلة، بدلا من: يوما.
(4) في المصدر: و قال غيره: و عشرة أيّام. و قال غيره: ..
(5) قاله في الاستيعاب 2- 257 أيضا.
(6) في المصدر: و أوصى أن تغسّله أسماء بنت عميس.
(7) في الاستيعاب: عبد الرحمن، بدلا من: عبد اللّه.
(8) لا توجد: له، في (س).
(9) في (ك) نسخة بدل: يتوثّب عليه.
523
الوحي الإلهي.
و يلزم- على زعمهم- أن يكون أبو بكر و عثمان أشفق على أهل الإسلام و الإيمان من الرسول الذي أرسله الرحمن لهداية الإنس و الجان، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله)- بزعمهم- أهمل أمر الأمّة و لم يوص لهم بشيء، و هما أشفقا على الأمّة حذرا من ضلالتهم فعيّنا لهم جاهلا شقيّا فظّا غليظا ليدعو الناس إلى نصبهم و غباوتهم، و يصرفهم عن أهل بيت نبيّهم (صلوات الله عليه) [كذا].
و العجب من عمر كيف لم يقل لأبي بكر- في تلك الحالة التي يغمى عليه فيها ساعة و يفيق أخرى- إنّه ليهجر، و يمنعه من الوصيّة كما منع نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نسبه إلى الهجر؟!.
و كيف اجترأ أبو بكر على ربّه في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا و يرد على ربّه تعالى فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين (عليه السلام) بينهم، و
- قال فيه نبيّهم: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك.
.. و سائر ما رووه في صحاحهم فيه (عليه السلام)، و أنزله اللّه فيه (صلوات الله عليه)؟!.
و هل يريب لبيب في أنّ تلك الأمور المتناقضة، و الحيل الفاضحة الواضحة لم تكن إلّا لتتميم ما أسّسوه في الصحيفة الملعونة من منع أهل البيت (عليهم السلام) عن الخلافة و الإمامة، و حطّهم عن رتبة الرئاسة و الزعامة، جزاهم اللّه عن الإسلام و أهله شرّ الجزاء، و تواتر عليهم لعن ملائكة الأرض و السماء.
أقول: و قد مرّ في باب ما أظهر (1) من الندامة عند الوفاة ما يناسب هذه الخاتمة (2).
____________
(1) في (ك): أظهر.
(2) تذييل:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ».
قد سلف من المصنّف (قدّس سرّه) في أوائل الجزء الثامن و العشرين- باب افتراق الأمّة بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم على ثلاث و سبعين فرقة، و أنّه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم، و ارتدادهم عن الدين- جملة من روايات الارتداد من الطريقين، و روى في صحيح البخاريّ في الرقاق باب في الحوض عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أنا فرطكم على الحوض، و ليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول: يا ربّ أصحابي! فيقال لأنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، و رواه عن أبي هريرة و حذيفة بطرق أخر، و عن ابن مسيّب باختلاف يسير، و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 384 و 402، و 406، و 407، و 453، و 455، 2- 281.
و في جامع الأصول 11- 120 عن الصحيحين- البخاري و مسلم-، عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه (ص) قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي- أو قال من أمّتي- فيحلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى ..
و بهذا المضمون روايات مستفيضة بل متواترة، انظر بحار الأنوار 28- 27- 32، حيث جاء بجملة روايات عن طريقهم حريّة بالملاحظة و التدبّر، فراجع، و انظر: صحيح مسلم كتاب الجنّة و صفة نعيمها، و الترمذي في صحيحه المجلد الثاني باب ما جاء في شأن الحشر، و صحيح النسائي المجلد الأول في ذكر أوّل من يكسى يوم القيامة، و مسند أحمد بن حنبل 1- 235، 353، 2- 300، 408، 454، 5- 48، 50، 388، 400. و راجع: ترجمة بسر بن أرطاة في الاستيعاب، و كنز العمّال 6- 424، 7- 224- 225، و تفسير ابن جرير 4- 27، و مجمع الزوائد 10- 364- 365.
و قال في الإصابة: 3- القسم الأوّل- 84 بسنده عن أبي سعيد، قلنا له: هنيئا لك برؤية رسول اللّه (ص) و صحبته. قال: إنّك لا تدري ما أحدّثنا بعده. و نظيره ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدأ الخلق في غزوة الحديبيّة عن البراء بن عازب، و ما جاء في طبقات ابن سعد 8- 51 عن عائشة، و في تهذيب التهذيب 8- 9 عن عمرو بن ثابت، قال: لمّا مات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كفر الناس إلّا خمسة.
.
524
____________
و منها: أنّ لسان أبي بكر قد أورده الموارد.
فقد جاء في حلية الأولياء 9- 17 بسنده عن أسلم: أنّ عمر اطّلع على أبي بكر و هو آخذ بطرف لسانه فيعضعضه و هو يقول: إنّ هذا أوردني الموارد. و قريب منه في موطإ مالك في كتاب الجامع ما جاء فيما يخاف من اللسان، و طبقات ابن سعد 5- 5، و ذكره المتّقي الهندي في كنز العمّال 2- 173 و قال: رواه مالك و ابن المبارك و سعيد بن منصور و ابن أبي شيبة و أحمد بن حنبل و هناد و الخرائطي، و جاء في تفسير الدرّ المنثور ذيل قوله تعالى: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» من سورة النساء، و قال:
أخرج أحمد و النسائي و البيهقيّ عن زيد بن أسلم ... إلى آخره. و نظيره في مجمع الزوائد للهيثمي 10- 302.
و منها: كون الخليفة سبّابا بذيّ اللسان.
فقد سلف أن أوردنا لك في رأيه في القدر، و قوله للرجل: يا ابن اللخناء .. و ما أجاب به السائل من السباب المقذع و التمنّي بأن يكون عنده من يجاء أنفه مع عدم بيانه لما سأله و عدم إيفاء الرجل إلى الحقّ، و يظهر من الخصائص الكبرى 2- 86 ما كان بينه و بين عقيل- و بمحضر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و مشهد من المسلمين- من التنازع و الشتم، و يظهر من القصّة أنّها كانت في أخريات أيّام الرسالة، مع ما روته العامّة و جاء عن طريق الخاصّة من أنّ: سباب المسلم فسوق كما في الصواعق المحرقة: 43، تاريخ الخلفاء: 37 .. و غيرها، و حيث لا نريد الإطالة و التعليق، نذكر المصادر درجا، و نحيل الأمر إلى فطنة القارئ و تتبّعه، فانظر ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 1- 114، و ابن ماجة في سننه 1- 416، و الخطيب البغداديّ في تاريخه 5- 144، و الباقلاني في التمهيد: 193، و الطبريّ في تاريخه 3- 212، و ابن عساكر في تاريخه 1- 117، و ابن الأثير في الكامل 2- 139، و أبي الفداء في تاريخه 1- 156، و الروض الأنف 2- 375، و غيرها.
و منها: إعراض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عنهم:
فقد وردت في ذلك روايات عن طريقهم، منها ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3- 219 بسنده عن أنس عند ما شاور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الناس يوم بدر. و انظر: 3- 257.
و قد روى أحمد بن حنبل في مسنده 1- 155 بسنده، قال: جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أناس من قريش، فقالوا: يا محمّد! إنّا جيرانك و حلفاؤك و إنّ ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين و لا رغبة في الفقه، إنّما فرّوا من ضياعنا و أموالنا فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر: ما تقول؟. قال:
صدقوا، إنّهم جيرانك و حلفاؤك. قال: فتغيّر وجه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال لعمر: ما تقول؟. قال:
صدقوا، إنّهم جيرانك و حلفاؤك، فتغيّر وجه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و رواه النسائي في خصائصه: 11، و زاد عليه، ثمّ قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر قريش! و اللّه ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا منكم امتحن اللّه قلبه للإيمان فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم. قال أبو بكر: أنا هو يا رسول اللّه؟. قال: لا.
قال عمر: أنا هو يا رسول اللّه؟. قال: لا، و لكن ذلك الذي يخصف النعل، و قد كان أعطى عليّا (عليه السلام) نعلا يخصفها.
و منها: جبن الشيخين و انهزامهم في الحروب:
فقد أورد الحاكم في مستدركه على الصحيحين 3- 37 عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: يا أبا ليلى! أ ما كنت معنا بخيبر؟. قال: بلى و اللّه كنت معكم، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث أبا بكر إلى خيبر، فسار بالناس و انهزم و رجع. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، و ذكر جملة أحاديث، منها: ما رواه في 3- 38 بسنده عن جابر: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه. و ذكره في كنز العمّال 5- 284 عن بريدة. و انظر: تاريخ ابن جرير 2- 300 بطريقين، و النسائي في خصائصه: 5، و الهيثمي في مجمع الزوائد 6- 150، و المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة 2- 187، و هذا متّفق عليه في وقعة خيبر لم يرتّب به ذو مسكة.
.
525
____________
انظر: كنز العمّال 5- 283- 284، 6- 394، و أخرجه ابن أبي شيبة و أحمد بن حنبل و ابن ماجة و البزار و ابن جرير، و صحّحه الطبراني في الأوسط، و الحاكم و البيهقيّ في الدلائل و الضياء المقدّس.
و أورده في مجمع الزوائد للهيثمي 2- 151، 9- 124، و ذكر له عدّة روايات.
و عن عائشة- كما في كنز العمّال 5- 274- أنّها قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى ...
ثمّ أنشأ- يعني أبا بكر- يحدّث، قال: كنت أوّل من فاء يوم أحد- أي رجع و فرّ-.
و نحن نقول: نأخذ بإقرارها و إقراره دون ادّعائهم، مع أنّه ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم أنّه قال- كما في شرح الجامع الصغير 3- 458 للمناوي-: خمس ليس لهنّ كفّارة: الشرك باللّه، و الفرار من الزحف .. إلى آخره.
و لنختم بحثنا بإيراد ما أورده الطبريّ في تاريخه 4- 52، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 18، و المسعودي في مروج الذهب 1- 414، و أبو عبيدة في الأموال: 131، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 254 .. و غيرهم.
ذكروا عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال: دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفّي فيه، فأصابه مهتمّا ... و فيه: قال أبو بكر: .. أجل إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ، و ثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ، و ثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا قد غلقوه على الحرب!، و وددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، و أنّي كنت و إن قتلته سريحا، أو خلّيت نجيحا، و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين- يريد عمر و أبا عبيدة- فكان أحدهما أميرا و كنت وزيرا.
و أمّا اللاتي تركتهنّ: فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنّه تخيّل إليّ أنّه لا يرى شرّا إلّا أعان عليه، و وددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردّة كنت أقمت بذي القصّة فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، و وددت أنّي وجّهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل اللّه .. و مدّ يديه.
و وددت أنّي كنت سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد، و وددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟، و وددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ و العمّة، فإنّ في نفسي منهما شيء.
و أوردها أيضا ابن جرير في تاريخه 2- 619، و جاء ذكرها في ميزان الاعتدال 2- 215، و غيرهما.
و تلك جولة لنا مع الباطل و ننتظر دولة الحق معهم، و قد ألفيت أوّل خليفتهم أبي بكر الذي لم يعهد له نبوغ في علم، أو تقدّم في جهاد، أو تبرّز في أخلاق، أو تهالك على عبادة، أو ثبات على مبدإ، و ليت شعري ما الذي نقموه من أبي الحسن (صلوات الله عليه)؟!. فارجع النظر كرّتين، عسى أن يعود عليه بالحقّ.
.
526
____________
فنحن قد راجعنا كتب التفسير فلم نجد ما يؤثر عنه في هذا العلم شيء يحفل به، و كلّ ما جاء عنه هو جهله في الأب في قوله عزّ اسمه: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا»، و الكلالة، و غيرهما، و هو- و ايم اللّه- جهل بلغة العرب الأصليّة، لا بمعاني القرآن العظيمة، و أمّا السنّة، فها إمامهم أحمد بن حنبل- مع دعواهم أنّه كان يحفظ ألف ألف حديث!!، و التقط مسنده من أكثر من سبعمائة و خمسين ألف حديث- لم يثبت لخليفتهم الأول إلّا ستين حديثا- بحذف المتكرّر- 1- 2- 14، و أكثر ما أوردوه له كلام له لم ينقله عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، هذا مع كلّ ما فيه من وضع و تدليس، و قد ناقش العلّامة الأميني طاب ثراه في غديره ما أورده له من أحاديث بما لا مزيد عليه 7- 108- 120.
و نحسب أنّ في ما ذكرناه للخليفة من القضايا- مع قلّته- غنيّة و كفاية، و تذكرة و هداية، لمن ألقى السمع و هو شهيد.
527
و أمّا افتخارهم بدفنه في جوار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فسيأتي فيه.
وَ رَوَى فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (1) بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام): أَنَّهُمَا لَمْ يَبِيتَا مَعَهُ إِلَّا لَيْلَةً ثُمَّ نُقِلَا إِلَى وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهَا (2): واد [وَادِي الدُّودِ.
____________
(1) الصّراط المستقيم 3- 116.
(2) في المصدر: له، و هو الظّاهر.
529
[23] باب الاحتجاج على المخالفين بإيراد الأخبار (1) من صحاحهم،
الأول:
مَا رَوَتْهُ الْعَامَّةُ وَ الْخَاصَّةُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَرَضِهِ أَنْ يَكْتُبَ لِأُمَّتِهِ كِتَاباً لِئَلَّا يَضِلُّوا بَعْدَهُ وَ لَا يَخْتَلِفُوا، فَطَلَبَ دَوَاةً وَ كَتِفاً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَمَنَعَ عُمَرُ مِنْ إِحْضَارِ ذَلِكَ وَ قَالَ: إِنَّهُ لَيَهْجُرُ، أَوْ مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، و قد وصفه اللّه سبحانه بأنّه: لا ينطق عن الهوى، و أنّ كلامه ليس إلّا وحيا يوحى (2)، و كثر اختلافهم و ارتفعت أصواتهم حتّى تسأّم و تزجّر. فقال بعضهم: أحضروا ما طلب. و قال بعضهم: القول ما قال عمر، و قد قال اللّه سبحانه: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ
____________
(1) في (س): الاختبار، و قد يظهر من (ك)، و ما أثبتناه هو الظاهر.
(2) اقتباس من الآية الثالثة و الرابعة من سورة النجم.
530
اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (1)، و قال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (2)، و قد قدّمنا في باب وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (3) في ذلك أخبارا كثيرة من طرق الخاصّ و العامّ و لنذكر هنا زائدا على ما تقدّم ما يؤيّد تلك الأخبار من الجانبين.
فأمّا الروايات العاميّة:.
فَرَوَى الْبُخَارِيُ (4) فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَ السِّيَرِ، وَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا (5)، عَنْ سُفْيَانَ (6)، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟. قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعُهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً، فَتَنَازَعُوا وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا لَهُ أَهْجَرَ؟! اسْتَفْهِمُوهُ؟ (7). فَقَالَ: ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِّي إِلَيْهِ.
فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَ أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَ الثَّالِثَةَ: إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَ إِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيْتُهَا (8)،
____________
(1) الأحزاب: 36.
(2) النساء: 65.
(3) بحار الأنوار 22- 465- 470 و 472- 473 عن جمع من العامّة، و في صفحة: 474 عن مجالس الشيخ المفيد، و في: 497- 498 عن كتاب سليم بن قيس الهلالي.
(4) صحيح البخاريّ 4- 85 كتاب الجهاد باب هل يستشفع إلى أهل الذّمّة.
(5) صحيح مسلم 5- 75.
(6) في (ك) نسخة بدل: سفين. أقول: لعلّ الفرق بينهما برسم الخطّ.
(7) في المصادر: هجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بدلا من: ما له أهجر؟! استفهموه؟.
(8) انظر: صحيح البخاريّ 4- 120 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، و الكامل لابن الأثير 2- 320 باب مرض النّبيّ (ص) و وفاته، و السّيرة الحلبيّة 3- 344 باب ذكر مرضه (ص)، و مسند أحمد بن حنبل 1- 222، و طبقات ابن سعد 2- 36 باختلاف في اللّفظ.
531
قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ (1): هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ.
وَ فِي بَابِ جَوَائِزِ الْوَفْدِ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ (2)، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصْبَاءَ (3)، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً، فَتَنَازَعُوا وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟! فَقَالَ:
دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَ أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ، وَ نَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (5) فِي بَابِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعَهُ، قَالَ:
ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَ عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ .. حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا وَ كَثُرَ اللَّغَطُ (6)، فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ كِتَابِهِ.
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: سفين- بلا ألف-.
(2) صحيح البخاريّ 4- 85 [2- 178] الباب السّالف.
(3) في (ك): الحصاء.
(4) في (ك): أ هجر.
(5) صحيح البخاريّ 1- 39 دار الشّعب [1- 32].
(6) قال في الصّحاح 3- 1157: اللّغط- بالتّحريك-: الصّوت و الجلبة. و قال في النّهاية 4- 257:
اللّغط: صوت و ضجّة لا يفهم معناها، و قد تكرّر في الحديث.
532
و في باب مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1) مثل الرواية الأولى.
وَ فِي هَذَا الْبَابِ (2)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ (3) فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ (4): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ غَلَبَهُ (5) الْوَجَعُ وَ عِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَ اخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:
قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً (6) لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا (7) اللَّغْوَ وَ الِاخْتِلَافَ (8)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): قُومُوا.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، لِاخْتِلَافِهِمْ وَ لَغَطِهِمْ.
و روى البخاري (9) أيضا في باب قول المريض: قوموا عنّي، من كتاب المرضى (10).
____________
(1) صحيح البخاريّ 6- 11 [3- 91] كتاب المرض، باب قول المريض: قوموا عنّي .. رواه بطريقين.
(2) صحيح البخاريّ .. باب كتاب النّبيّ (ص) إلى كسرى 6- 11 [دار الشّعب].
(3) في المصدر زيادة: فيهم عمر بن الخطّاب قال .. و لا توجد في طبعة دار الشّعب.
(4) في صحيح البخاريّ: عمر، بدلا من: بعضهم.
(5) في المصدر: قد غلبه عليه، و لعلّها سهو أو قد غلب عليه. و في طبعة دار الشّعب للصّحيح كما في المتن.
(6) في صحيح البخاريّ: يكتب لكم النّبيّ (ص) كتابا. و في طبعة دار الشّعب منه كما في المتن.
(7) في (ك): كثروا. و نجد هناك حاشية لم يعلم عليها و هي: و أكثروا اللّغو. و وضع بعدها (صحّ)، و لعلّ العبارة تكون هكذا: فلمّا كثّروا اللّغط و أكثروا اللّغو و الاختلاف.
(8) في المصدر: و الاختلاف عند النّبيّ (ص).
(9) صحيح البخاريّ 6- 11 [3- 91] و ذكرنا موارد الاختلاف بين الروايتين.
(10) في (ك) نسخة بدل: المرتضى، و هو غلط.
533
وَ مُسْلِمٌ (1) فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ-، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ مِثْلَ مَا مَرَّ آنِفاً.
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (2) فِي الْكِتَابِ (3) الْمَذْكُورِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ، ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَ الدَّوَاةِ- أَوِ اللَّوْحِ وَ الدَّوَاةِ- أَكْتُبْ (4) كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً.
فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَهْجُرُ.
و قد حكى في جامع الأصول (5) الأخبار (6) في هذا المعنى، عن البخاري (7) و مسلم (8).
وَ رَوَى السَّيِّدُ بْنُ طَاوُسٍ (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ كَشْفِ الْيَقِينِ (9) مِنْ كِتَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ: جَمَعَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
____________
(1) صحيح مسلم 5- 76 [3- 1259- دار إحياء التّراث] كتاب الوصيّة، باب ترك الوصيّة لمن ليس له شيء يوصي فيه، و ذكره البخاريّ في صحيحه أيضا 4- 7. و انظر: مسند أحمد بن حنبل 1- 224 و 336، و طبقات ابن سعد 2- 37.
(2) صحيح مسلم 5- 76 [3- 1259- دار إحياء التّراث]، و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 355، و طبقات ابن سعد 2- 37، و غيرهما.
(3) خ. ل: الموضع.
(4) في المصدر: أكتب لكم.
(5) جامع الأصول 11- 69- 71 حديث 8533، و في الطبعة الأخرى منه حديث 8597 من نفس المجلد.
(6) كذا.
(7) صحيح البخاريّ 6- 11- 12 [دار الشعب].
(8) صحيح مسلم 3- 1257- 1259 [دار إحياء التراث].
(9) كشف اليقين: 204.
534
الْحُمَيْدِيِّ مِنْ نُسْخَةٍ- عَلَيْهَا عِدَّةُ سَمَاعَاتٍ وَ إِجَازَاتٍ تَارِيخُ بَعْضِهَا سَنَةُ إِحْدَى وَ أَرْبَعِينَ وَ خَمْسِمِائَةٍ مَا هَذَا لَفْظُهُ-: قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ (1)- فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى-، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟. قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعُهُ، فَقَالَ:
ائْتُونِي بِكَتِفِ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً. فَتَنَازَعُوا- وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ- (2). فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، هَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ؟. فَذَهَبُوا يُرَدِّدُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
ذَرُونِي (3) .. دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ كِتَابِهِ.
وَ رَوَى حَدِيثَ الْكِتَابِ- الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِأُمَّتِهِ لِأَمَانِهِمْ مِنَ الضَّلَالَةِ عَنْ رِسَالَتِهِ- (4) جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ- فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ- فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ وَ التِّسْعِينَ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ مُسْنَدِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ: قَالَ: وَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِصَحِيفَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَاباً لَا يَضِلُّونَ بَعْدَهُ، وَ كَثُرَ اللَّغَطُ (5) وَ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَرَفَضَهَا (صلّى اللّه عليه و آله).
و قال رضي اللّه عنه في كتاب الطرائف (6): من أعظم طرائف المسلمين أنّهم شهدوا جميعا أنّ نبيّهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلّون بعده أبدا و أنّ
____________
(1) لا توجد في المصدر: و ما يوم الخميس.
(2) في المصدر: فتنازعوا، فقال: لا ينبغي عندي التّنازع.
(3) في (ك): ردّوني.
(4) في كشف اليقين: رسالة- بلا ضمير-.
(5) جاء في حاشية (ك): اللّغط: صوت و ضجّة لا يفهم معناه. نهاية.
انظر: النّهاية لابن الأثير 4- 257.
(6) الطرائف: 431- 433.
535
عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب (1) و سبب ضلال من ضلّ من أمّته، و سبب اختلافهم و سفك الدماء بينهم، و تلف الأموال، و اختلاف الشريعة، و هلاك اثنتين و سبعين فرقة من أصل فرق الإسلام، و سبب خلود من يخلد في النار منهم، و مع هذا كلّه فإنّ أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب، الذي قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة و عظّموه و كفّروا بعد ذلك من يطعن فيه و هم من جملة الطاعنين- و ضلّلوا من يذمّه- و هم من جملة الذامّين- و تبرّءوا ممّن يقبّح ذكره و هم من جملة المقبّحين (2) ..
فمن روايتهم في ذلك.
مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)- وَ فِي بَيْتِهِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ-، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً (3) لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ (4) وَ عِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُكُمْ كِتَابُ رَبِّكُمْ (5).
وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ- مِنْ غَيْرِ كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ-، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ.
وَ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِ (6): قَالُوا: مَا شَأْنُهُ، هَجَرَ؟.
____________
(1) لا توجد في الطرائف: الكتاب.
(2) هنا سقط جاء في المصدر: 431- 432.
(3) لا توجد في المصدر: كتابا.
(4) في الطّرائف: قد غلبه عليه الوجع.
(5) لاحظ: صحيح البخاريّ 5- 127، و صحيح مسلم 5- 75- 76، [3- 1257] كتاب الوصيّة، و طبقات ابن سعد 2- 242- 245 باب ذكر الكتاب الّذي أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] أن يكتبه لأمّته في مرضه الّذي مات فيه، و ذكر تسعة روايات.
(6) الجمع بين الصّحيحين، و لم نجد له نسخة مطبوعة، و وجدنا أكثر من نسخة مخطوطة في مكتبة السّيّد النّجفيّ المرعشيّ في قمّ.
536
وَ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّانِي مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ (1): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَهْجُرُ ... (2).
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: فَاخْتَلَفَ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَرِّبُوا إِلَيْهِ كِتَاباً يَكْتُبْ لَكُمْ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَ الِاخْتِلَاطَ، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): قُومُوا عَنِّي فَلَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهُ الْحَصَى، وَ يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ. قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟. فَذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ مُنِعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَ كَانَ يَقُولُ (3):
الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ كِتَابِهِ (4).
أقول:: الهجر: الهذيان. قال في جامع الأصول في شرح غريب الميم (5):
الهجر- بالفتح-: الهذيان، و هو النطق بما لا يفهم، يقال: هجر فلان إذا هذى، و أهجر: نطق (6) بالفحش، و الهجر- بالضم-: النطق بالفحش (7).
و في القاموس (8): هجر في نومه و مرضه هجرا- بالضم- ..: هذى، و في الصحاح (9): الهجر ..: الهذيان، و قد هجر المريض يهجر هجرا فهو هاجر
____________
(1) في صحيح مسلم المطبوع: فقالوا. و لعلّه من تصحيفاتهم.
(2) هنا سقط جاء في الأصل، فراجع.
(3) في المصدر: و كان ابن عبّاس يقول ..
(4) انظر: صحيح البخاريّ 1- 37، و صحيح مسلم 5- 75- 76 [3- 1259].
(5) جامع الأصول 11- 71، ذيل حديث 8533.
(6) في المصدر: إذا نطق.
(7) في الجامع: الفحش في النطق.
(8) القاموس 2- 158.
(9) الصحاح 2- 851. و قال في المصباح المنير 2- 347: هجر المريض في كلامه هجرا أيضا: خلط و هذى، و الهجر: الفحش و هو اسم من هجر يهجر- من باب قتل- و فيه لغة أخرى .. و أهجرت بالرجل: استهزأت به و قلت فيه قولا قبيحا. و قال ابن الأثير في النهاية 5- 245- 246: يقال:
أهجر في منطقه يهجر إهجارا: إذا أفحش، و كذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، و الاسم الهجر- بالضم-، و هجر يهجر هجرا- بالفتح-: إذا خلط في كلامه و إذا هذى .. و منه حديث مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قالوا: ما شأنه؟ أ هجر؟ .. أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغيّر كلامه و اختلط لأجل ما به من المرض، و هذا أحسن ما يقال فيه، و لا يجعل إخبارا فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، و القائل كان عمر و لا يظنّ به ذلك!.
أقول: إن كان ما قاله عمر على سبيل الاستفهام كان اعتقاده في الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كاعتقاده في سائر الناس، و لكن صدر الحديث و ذيله لا يلائم الاستفهام، و لعلّه ترك الصدر و الذيل و نقل مختصرا منه لذلك.
537
و الكلام مهجور. قال أبو عبيد: يروى عن إبراهيم ما يثبّت هذا القول في قوله تعالى: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (1) قال: قالوا فيه غير الحقّ، أ لم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحقّ. و عن مجاهد نحوه.
فظهر أنّ إنكار بعضهم كون الهجر بمعنى الهذيان من أفحش الهذيان.
و قد اعترف ابن حجر- مع شدّة تعصّبه- بأنّه بمعنى الهذيان، في مقدمة شرحه لصحيح البخاري (2).
و اللغط- بالتسكين و التحريك-: الصّوت و الجلبة أو أصوات مبهمة لا تفهم (3).
و الرَّزِيَّةُ: المصيبةُ (4).
ثم اعلم أنّ قاضي القضاة في المغني لم يتعرّض لدفع هذا الطعن عن عمر بن الخطاب، و كذلك كثير من العامّة كشارح المقاصد و غيره، و لم يذكره السيد
____________
(1) الفرقان: 30.
(2) هدي الساري مقدّمة فتح الباري لشرح صحيح البخاريّ: 200 قال: أ هجر- بهمزة الاستفهام و الاسم: الهجر، و هو الهذيان، و يطلق على كثرة الكلام الذي لا معنى له، قيل: و هو استفهام إنكار.
(3) قاله في مجمع البحرين 4- 271، و القاموس 2- 383، و غيرهما.
(4) ذكره في القاموس 1- 16، و مجمع البحرين 1- 183.
538
الأجلّ رضي اللّه عنه في الشافي لكون نظره فيه مقصورا على دفع كلام صاحب المغني، و قد تصدّى القاضي عياض المالكي في كتابه الموسوم ب: الشفاء (1) لدفعه و توجيه الاختلاف الصادر عن الأصحاب بوجوه نذكرها مع ما يرد على كلامه، قال:
أولا: فإن قلت: قد تقرّرت عصمة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في أقواله في جميع أحواله، و أنّه لا يصحّ منه فيها خلف و لا اضطراب في عمد و لا سهو، و لا صحّة و لا مرض، و لا جدّ و لا مزاح، و لا رضى و لا غضب، فما معنى
- الْحَدِيثُ فِي وَصِيَّتِهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ وَ أَبِي الْهَيْثَمِ وَ أَبِي إِسْحَاقَ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ (2) مُعَمَّرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ- وَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ- قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ (3) غَلَبَهُ الْوَجَعُ ..
الْحَدِيثَ.
- وَ فِي رِوَايَةٍ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً، فَتَنَازَعُوا، فَقَالُوا: مَا لَهُ؟ أَهَجَرَ؟
اسْتَفْهِمُوهُ. فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ.
و في بعض طرقه أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هجر (4)، و في رواية: هجر، و يروى: أ هجر، و يروى (5):
أ هجرا، و فيه
-: فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ (ص) قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ، وَ عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، وَ كَثُرَتِ اللَّغَطُ. فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي.
- وَ فِي رِوَايَةٍ: وَ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ
____________
(1) الشفاء للقاضي عياض المالكي 2- 191- 195 باختلاف أشرنا لمهمّه.
(2) في المصدر: عبد الرّزّاق بن همّام أخبرنا .. مع اختصار في الإسناد، و تبديل حدّثنا ب: عن.
(3) في الشّفا زيادة: قد.
(4) في المصدر: يهجر.
(5) في (ك): خطّ على كلمة: يروى.
539
وَ اخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ كِتَاباً، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ.
، قال أئمّتنا في هذا الحديث:
النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) غير معصوم من الأمراض، ما (1) يكون من عوارضها من شدّة وجع و غشي .. و نحوه ممّا يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، و يؤدّي إلى فساد في شريعته من هذيان و اختلال في كلام، و على هذا لا يصحّ ظاهر رواية من روى في (2) الحديث: هجرا (3) إذ معناه هذى، يقال: هجر هجرا إذا هذى، و أهجر هجرا إذا أفحش، و أهجر تعدية هجر، و إنّما الأصحّ و الأولى: أ هجر! على طريق الإنكار، على من قال: لا يكتب، و هكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة، و (4) في حديث الزهري المتقدّم و في حديث محمد بن سلام، عن ابن عيينة (5) و قد تحمل عليه رواية من رواه هجر- على حذف ألف الاستفهام- و التقدير: أ هجرا، و أن (6) يحمل قول القائل هجرا و أهجر على (7) دهشة من قائل ذلك و حيرة لعظم (8) ما شاهد من حال الرسول صلّى اللّه عليه [و آله] و شدّة وجعه، و هول (9) المقام الذي اختلف فيه عليه، و الأمر الذي همّ بالكتاب فيه حقّ لم يضبط هذا القائل لفظه، و أجرى الهجر مجرى شدّة الوجع، لا أنّه اعتقد أنّه يجوز عليه الهجر كما حملهم
____________
(1) في الشفاء: و ما.
(2) في (س): لا توجد: في.
(3) في المصدر: هجر.
(4) لا توجد الواو في (س).
(5) هنا سقط جاء في الشفاء و هو: و كذا ضبطه الأصلي بخطّه في كتابه و غيره من هذه الطرق، و كذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان و عن غيره.
(6) في المصدر: أهجر؟ أو أن ..
(7) لا توجد في الشفاء: على.
(8) في المصدر: لعظيم.
(9) لا توجد: هول، في المصدر.
540
الإشفاق على حراسته، و اللّه تعالى يقول: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (1) و نحو هذا، و أمّا على رواية: أ هجرا فقد (2) يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده (صلّى اللّه عليه و آله) و مخاطبة لهم من بعضهم، أي جئتم باختلافكم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين يديه هجرا و منكرا من القول، و الهجر- بضم الهاء-: الفحش في المنطق.
و قد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، و كيف اختلفوا بعد أمره لهم (3) أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم: أوامر النبيّ صلّى اللّه عليه [و آله] يفهم إيجابها من ندبها و ندبها من إباحتها بقرائن، فلعلّه قد ظهر من قرائن قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لبعضهم ما فهموا أنّه لم يكن منه عزمة بل ردّه إلى اختيارهم، و بعضهم لم يفهم ذلك. فقال: استفهموه؟ فلمّا اختلفوا كفّ عنه إذ لم يكن عزمة، و لمّا رأوه من صواب رأي عمر، ثم هؤلاء قالوا: و يكون امتناع عمر إمّا إشفاقا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من تكلّفه (4) في تلك الحال إملاء الكتاب، و أن تدخل عليه مشقّة من ذلك كما قال: إنّ (5) النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اشتدّ به الوجع.
و قيل: خشي عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج و (6) العصيان (7) بالمخالفة، و رأى أنّ الأوفق بالأمّة في تلك الأمور سعة الاجتهاد و حكم النظر، و طلب الثواب (8)، فيكون المخطئ و المصيب مأجورا. و قد علم عمر تقرّر
____________
(1) المائدة: 67.
(2) هنا سقط جاء في الشفاء و هو: و هي رواية أي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث أبي جبير عن ابن عبّاس من رواية قتيبة فقد ..
(3) في المصدر: صلّى اللّه عليه و سلّم، و لا توجد: لهم.
(4) في الشفاء: تكليفه.
(5) لا توجد في (س): إن.
(6) حذفت الواو من (س).
(7) لا توجد: العصيان، في المصدر.
(8) في الشفاء: الصواب، بدلا من: الثواب.
541
الشرع و تأسّس (1) الملّة، و أنّ اللّه تعالى قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (2)،
- و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي.
و قول عمر:
حسبنا كتاب اللّه، ردّ على من نازعه لا على أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).
و قد قيل: إنّ عمر قد خشي تطرّق المنافقين و من في قلبه مرض و (3) لمّا كتب في ذلك الكتاب في الخلوة و أن يتقوّلوا في ذلك الأقاويل، كادّعاء الرافضة الوصيّة و غير ذلك.
و قيل: إنّه كان من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على طريق المشورة و الاختبار، هل يتّفقون على ذلك أم يختلفون؟ فلمّا اختلفوا تركه.
و قالت طائفة أخرى: إنّ معنى الحديث أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنّه ابتداء بالأمر به (4) بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم و كره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، و استدلّ في مثل هذه القصّة بقول العباس لعليّ (ع): انطلق بنا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإن كان الأمر فينا علمناه، و كراهة عليّ (ع) هذا، و قوله: و اللّه لا أفعل (5)
- و استدلّ بقوله (ص): دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ ..
أي الذي أنا فيه خير من إرسال الأمر و ترككم كتاب اللّه و أن تدعوني من الذي طلبتم (6)، و ذكر أنّ الذي طلب كتابة أمر الخلافة بعده و تعيين ذلك. انتهى كلامه.
و يرد على ما ذكره أولا، و ما نقله عن القوم ثانيا وجوه من الإيراد:
فأمّا ما اختاره في تفسير الهجر و توجيهه فهو هجر تبع فيه إمامه، فإنّ ما رواه
____________
(1) في المصدر: تأسيس، و هو الظاهر.
(2) المائدة: 3.
(3) خطّ على الواو في (ك).
(4) لا توجد: به، في (س).
(5) جاء في الشفاء هنا زيادة كلمة: الحديث.
(6) في المصدر: ممّا طلبتم.
542
البخاري في باب العلم صريح في أنّ عمر نسب إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قد غلبه الوجع، و لا يلزمنا إجابته في إحضار الكتاب، و ظاهر أنّ قائل: ما له أ هجر؟ استفهموه، هو قائل: قد غلبه الوجع، و إنّ مفاد العبارتين واحد، و معلوم من سياق مجموع الأخبار أنّ اللغط و الاختلاف لم يحصلا إلّا من قول عمر، و أنّ ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الكتابة لم يكن إلّا من جهته، و أنّه آذاه و أغاظه.
و أمّا الاعتذار بأنّه صدر منه هذا الكلام من الدهشة فهو باطل، لأنّه لو كان كذلك لكان يلزمه أن يتدارك ذلك بما يظهر للناس أنّه لا يستخفّ بشأنه (صلّى اللّه عليه و آله).
و أيضا لو كان في هذه الدرجة من المحبّة له (صلّى اللّه عليه و آله) بحيث يضطرب بسماع ما هو مظنّة وفاته (صلّى اللّه عليه و آله) إلى حدّ يختلّ نظام كلامه لكان تلك الحالة أشدّ بعد تحقّق الوفاة، و لو كان كذلك لم يبادر إلى السقيفة قبل تجهيزه (صلّى اللّه عليه و آله) و غسله و دفنه، و لو سلّم ذلك فهو لا ينفعه، لأنّ مناط الطعن مخالفة أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و ممانعته فيما يوجب صلاح عامّة المسلمين إلى يوم القيامة، و السهو في خصوص عبارة لا ينفع في ذلك.
و أمّا ما نقله عن القوم في ذلك فالاعتراض عليه من وجوه:
الأول: أنّ ما ذكره أولا- من أنّ فهم البعض أنّ أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بإحضار ما طلب كان مردودا إلى اختيارهم- ظاهر الفساد، فإنّ الأمر مع أنّه ظاهر في الوجوب- كما حرّر في محله- قد اقترن به في المقام ما يمنع من أن يراد به الندب أو الإباحة، فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) علّل الكتاب بأن: لا يضلّوا بعده، و ظاهر أنّ الأمر الذي يكون في تركه ضلال الأمّة لا يكون مباحا و لا مندوبا، و ليس مناط الوجوب إلّا قوّة المصلحة و شدّة المفسدة، و قد علّل من منع الإحضار بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) يهجر، كما صرّحت به الرواية الثانية المتقدّمة، أو أنّه قد غلبه الوجع، و ظاهر أنّ هذا الكلام لا ارتباط له بفهم الإباحة أو الندب.
و يؤيّده قول ابن عباس- مع اعتراف الجمهور له بجودة الفهم و إصابة النظر-
543
أنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين الكتابة، و هل يسمّى فوت أمر مباح أو مندوب رزيّة كلّ الرزيّة، و يبكي عليه حتّى يبلّ الدمع الحصى.
و لا ينكر من له أدنى ألفة بكلام العرب أنّهم يكتفون في فهم المعاني المجازية و نفي الحقائق بقرائن أخفى من هذا، فكيف بالمعنى الحقيقي إذا اقترن بمثل تلك القرينة؟ على أنّ اشتغال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في حال المرض و شدّة الوجع، و دنوّ الرحيل، و فراق الأمّة التي بعثه اللّه تعالى بشيرا و نذيرا لهم بكتابة ما كان نسبة الخير و الشرّ إليه على حدّ سواء، حتّى يكون ردّه و قبوله مفوّضا إليهم و مرجوعا إلى اختيارهم، ممّا لا يقول به إلّا من بلغ الغاية في السفه و النوك (1)، فبقي أن يكون من الأمور المستحسنة، و إن كان على وجه الندب فظاهر أنّ ردّ ما استحسنه له الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و حكم به و لو على وجه الندب و ظنّ أنّ الصواب في خلافه، و عدّه من الهذيان تقبيح قبيح لرأي من لا ينطق عن الهوى، و تجهيل و تضليل لمن لا يضلّ و لا يغوى، و ليس كلامه إلّا وحيا يوحى، و هو في معنى الردّ على اللّه سبحانه، و على حدّ الشرك باللّه.
و لعلّ المجوّزين للاجتهاد في مقابلة النصّ- و لو على وجه الاستحباب- لا يقولون بجواز الردّ عليه على هذا الوجه المشتمل على إساءة الأدب و تسفيه الرأي.
فإن قيل: إذا كان أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بإحضار ما طلب على وجه الإيجاب و الإلزام للخوف في ترك الكتابة من ترتّب مفسدة عظيمة- هي ضلال الأمّة- فكيف تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يصرّ على المطلب؟ و هل هذا إلّا تقصير في هداية الأمّة و اللطف بهم؟.
قلنا: لعلّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا رأى من حال الحاضرين أمارة العصيان، و شاهد منهم إثارة الفتنة و تهييج الشرّ خاف من أن يكون في الوصية و تأكيد
____________
(1) النوك: الحمق، قاله في الصحاح 4- 1612، و غيره.
544
التنصيص على من عيّنه للإمامة و جعله أولى بالناس من أنفسهم تعجيل للفتنة بين المسلمين و تفريق كلمتهم، فيتسلّط بذلك الكفّار و أهل الردّة عليهم، و ينهدم أساس الإسلام، و ينقلع دعائم الدين، و ذلك لأنّ الراغبين في الإمامة و الطامعين في الملك و الخلافة قد علموا من مرضه (صلّى اللّه عليه و آله) و إخباره تصريحا و تلويحا في غير موقف بأنّه قد دنى أجله و لا يبرأ من مرضه، فوطّنوا أنفسهم لإلقاء الشبهة بين المسلمين لو كتب الكتاب و أكّد الوصية، بأنّه كان على وجه الهجر و الهذيان، فيصدّقهم الذين في قلوبهم مرض، و يكذّبهم المؤمنون (1) بأنّ كلامه ليس إلّا وحيا يوحى، فيقوم فيهم المحاربة و القتال و ينتهي الحال إلى استيصال أهل الإيمان و ظهور أهل الشرك و الطغيان، فاكتفى (صلّى اللّه عليه و آله) بنصّه يوم الغدير و غيره، و قد بلّغ الحكم و أدّى رسالة ربّه كما أمره بقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (2) فلم يكن في ترك الكتابة تقصير في التبليغ و الرسالة، و إنّما منعت الطائفة من الأمّة لشقاوتهم ذلك الفعل، و سدّوا باب الرحمة، فضلّوا عن سواء الصراط و أضلّوا كثيرا: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (3) الثاني: أنّ ما يظهر كلامه- من أنّ استفهامهم كان لاستعلام أنّ الأمر على وجه العزم، أو ردّ الأمر إلى اختيارهم- مردود، بأنّ قولهم ما شأنه: أ هجر؟
استفهموه؟ لا يفهم منه من له أدنى فطانة، إلّا أنّ هذا الاستفهام عبارة عن استعلام أنّ كلامه ذلك كان من الهجر و كلام المرضى و الهذيان، أو هو كلام صحيح، لا أنّ أمره كان على وجه العزم أو الردّ إلى الاختيار، و هو واضح.
و أمّا ما علّل به الكفّ من صواب رأي عمر، ففيه أنّه ليس في الكلام ما يدلّ على تصويب رأي عمر،
فإنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الرواية الثالثة من
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: الموقنون.
(2) المائدة: 67.
(3) الشعراء: 227.
545
روايات البخاري: قُومُوا عَنِّي وَ لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ ..
صريح في الغيظ و التأذّي بتلك المخالفة، و هل يجوّز عاقل أن ينطق بمثل هذا الكلام في مقام تصويب الرأي من وصفه اللّه سبحانه بالخلق العظيم، و بعثه رحمة للعالمين؟! و كيف لم يأمر (صلّى اللّه عليه و آله) من كان يؤذيه بطول الجلوس في بيته بالقيام و الخروج و يستحي من إظهار ذلك، حتّى نزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَ لكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ (1)، فكيف استحيا من الأمر بقيام من كان يؤذيه و أمر به من اهتدى إلى الصواب في مثل ذلك الأمر الذي يعمّ نفعه الأمّة طرّا و يعظم بلواه، و مع قطع النظر عن ذلك فسقم هذا الرأي ممّا لا ريب فيه، فإنّ قوله: حسبنا كتاب اللّه .. يدلّ على أنّه لا خوف على الأمّة من الضلال بعد كتاب اللّه في حكم من الأحكام، و إلّا لم يصحّ الاستناد إليه في منع كتابة ما أراده النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يصرّح بتعيينه، و الآيات التي يستنبط منها الأحكام- كما ذكروا- خمسمائة آية أو قريب منها، و ظاهر أنّها ليست في الظاهر مدركا لكثير من الأحكام، و ليس دلالتها على وجه يقدر على استنباط الحكم منها كلّ أحد، و لا يقع في فهمه اختلاف بين الناس حتّى ينسدّ باب الضلال، و من راجع كلام المفسّرين أدنى مراجعة علم أنّه ليس آية إلّا و قد اختلفوا في فهمها و استخراج الأحكام منها على أقوال متضادّة و وجوه مختلفة، و الكتاب الكريم مشتمل على ناسخ و منسوخ، و محكم و متشابه، و ظاهر و مؤوّل، و عامّ و خاصّ، و مطلق و مقيّد .. و غير ذلك ممّا لا يصيب في فهمه إلّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ المعصومون من الزيغ و الضلال، و من ذلك يعلم أنّه لم يكن غرضه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا تعيين الأوصياء إلى يوم القيامة، لأنّه إذا كان كتاب اللّه عزّ و جلّ بطوله
____________
(1) الأحزاب: 53.
546
و تفصيله لم يرفع الاختلاف بين الأمّة، فكيف يتصوّر في مثل هذا الوقت منه (صلّى اللّه عليه و آله) إملاء كتاب يشتمل على أسطر قلائل يرفع الاختلاف في جميع الأمور عن الأمّة، إلّا بأن يعيّن في كلّ عصر من يرجعون إليه عند الاختلاف، و يرشدهم إلى جميع مصالح الدين (1) و الدنيا، و يفسّر القرآن المجيد لهم بحيث لا يقع منهم اختلاف فيه؟!.
و ينطق بما ذكرنا
- قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَا كَلَامُ اللَّهِ النَّاطِقُ وَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ الصَّامِتُ (2).
و قد قيل: إنّ قوله هذا كقول المريض: لا حاجة لنا إلى الطبيب لوجود كتب الطبّ بين أظهرنا، و ظاهر أنّها أشمل للفروع الطبيّة من الكتاب الكريم لتفاصيل الأحكام الشرعيّة، فاتّضح أنّ المنع عن كتابة ما يمنع عن الضلال عين الضلال و الإضلال، و كثرة الخلاف بين الأمّة و تشتّت طرقه- مع وجود كتاب اللّه بينهم دليل قاطع على ما ذكرنا.
الثالث: أنّ ما ذكره- من أنّ عمر أشفق على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من تحمّل مشقّة الكتابة مع شدّة الوجع- فاسد، فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم تجر عادته في أيّام صحّته بأن يكتب الكتاب بيده، و إنّما كان يملي على الكاتب ما يريد، إمّا لكونه أميّا لا يقرأ و لا يكتب، أو لغير ذلك، و لم يكن ذلك مستورا على عمر، فكيف أشفق عليه من الكتابة؟!.
و أمّا الإملاء، فمن أين علم أنّه لا يمكن للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) التعبير عمّا يريد بلفظ مختصر و عبارة وجيزة لم يكن في إلقائها إلى الكاتب مشقّة لا يقدر على تحمّلها، على أنّه تحمّله (صلّى اللّه عليه و آله) للمشاقّ في هداية الأمّة لم
____________
(1) في (س): الدينيّة.
(2) كما في الوسائل 18- 20 باب 5 حديث 12، و يؤيّده ما أورده في الكافي و كنز الفوائد، و حكاه العلّامة المجلسيّ في بحاره 23- 197 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ» ... قال: إنّ الكتاب لا ينطق و لكنّ محمّدا و أهل بيته هم النّاطقون بالكتاب.
547
تكن هذه الكتابة مبدأه، فكيف لم يشفق عمر في شيء من المواضع إلّا فيما فهم فيه أنّ المراد تأكيد النصّ في أمير المؤمنين (عليه السلام)- كما سيجيء تصريحه بذلك إن شاء اللّه-؟!. و لا ريب في (1) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان أشفق على نفسه و أعلم بحاله من عمر بن الخطاب.
و بالجملة، برودة مثل هذا الاعتذار ممّا لا يرتاب فيه ذو فطنة.
و أمّا اشتداد الوجع، فإنّما استند إليه عمر لإثبات كلامه (2) أنّ كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) ليس ممّا يجب (3) الإصغاء إليه، لكونه ناشئا من اختلال العقل لغلبة الوجع و شدّة المرض كما يظهر من قولهم في الروايات السابقة ما شأنه؟ هجر؟ أو إنّه ليهجر! لا لما زعمه هذا القائل، و هو واضح.
الرابع: أنّ ما ذكره من الاعتلال- بأنّ عمر رأى أنّ (4) الأوفق بالأمّة ترك البيان ليكون المخطئ أيضا مأجورا، و أنّه خاف من أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج و العصيان بالمخالفة- يرد عليه، أنّه لو صحّ الأول لجاز للناس منع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عن تبليغ الأحكام، و كان الأخرى (5) أن لا يبعث اللّه الرسل إلى الخلق و يكلّفهم المشاقّ و احتمال الأذى في تبليغ الأحكام، و يترك الناس حتّى يجتهدوا و يصيبوا الأجر، مصيبين أو مخطئين، و لا يرى المصلحة (6) في خلاف ما حكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّ في تركه خوف الضلال على الأمّة إلّا من خرج عن ربقة الإيمان، و قد قال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا
____________
(1) في (س): فيه، و خطّ عليها في (ك).
(2) لا توجد: كلامه، في (س).
(3) في (س): يجيب.
(4) في (ك): بأنّ.
(5) كذا، و الظاهر: الأحرى- بالحاء المهملة-.
(6) كذا، و الظاهر: المفسدة.
548
تَسْلِيماً (1)، و قال سبحانه: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (2).
و أمّا الخوف من أن يكتب أمرا يعجز الناس عنه، فلو أريد به الخوف من أن يكلّفهم فوق الطاقة فقد بان له و لغيره- بدلالة العقل، و قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (3) و بغيره من الأدلّة النقليّة- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يكلّف أمّته إلّا دون طاقتهم، و لو أريد الخوف من تكليفهم بما فيه مشقّة فلم لم يمنع عمر و غيره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن فرض الحجّ و الجهاد و النهي عن (4) وطء امرأة جميلة تأبى عن النكاح أو كان لها بعل مع شدّة العزوبة و ميل النفس، و ظاهر أنّ كثيرا من الناس يعصون اللّه في الأوامر الشاقّة و يخالفون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
و أمّا المشقّة البالغة التي تعدّ في العرف حرجا و ضيقا- و إن كان دون الطاقة فقد نفاه اللّه تعالى بقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (5)، و
- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ الْبَيْضَاءِ (6).
و كيف فهم من
- قوله: أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي.
.. إنّه أراد أن يكتب لهم ما يعجزون عن القيام به، و أيّ ارتباط لهذا الاعتذار بقوله: إنّه قد غلبه الوجع، أو إنّه ليهجر.
و بالجملة، لم يكن عمر بن الخطاب و لا غيره أعلم بشأن الأمّة و ما يصلحهم
____________
(1) النساء: 65.
(2) الأحزاب: 36.
(3) البقرة: 286.
(4) لا توجد: عن، في (س).
(5) البقرة: 185.
(6) مسند أحمد بن حنبل 5- 266.
549
ممّن تواتر عليه الوحي الإلهي و أيّده اللّه بروح القدس، و لا أشفق عليهم و أرأف بهم ممّن أرسله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ الخامس: أنّ ما ذكره- من أنّ عمر علم تقرّر الشرع و الملّة بقوله تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... (1)، و
- قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي ..
- يرد عليه: أنّه لو كان المراد بكمال الدين ما فهمه لزم غناء الناس عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم احتياجهم إليه بعد نزول الآية في حكم من الأحكام، و أمّا
- قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله): أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي.
. فليس فيه دلالة على أنّه لم يبق أمر مهمّ للأمّة أصلا حتى تكون الكتابة التي أراد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لغوا عبثا، و يصحّ منعه عنها و قد كان المراد من الكتابة تأكيد الأمر باتّباع الكتاب و العترة الطاهرة الحافظة له و العالمة بما فيه على وجهه خوفا من ترك الأمّة الاعتصام بهما فيتورّطوا في أودية الهلاك، و يضلّوا كما فعل كثير منهم وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، و لو فرضنا أنّ مراده (صلّى اللّه عليه و آله) كان أمرا وراء ذلك، فليس هذا الاعتذار إلّا التزاما للمفسدة و قولا بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حاول أن يكتب عبثا لا فائدة فيه أصلا، و كان قوله: لا تضلّوا بعده .. هجرا من القول و هذيانا محضا، و لو كان الغناء بهذه الوصية فلم لم يتمسّك عمر بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالعترة المطهّرة و لا رآهم أهلا للخلافة و لا للمشورة فيها؟! فترك الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و العترة (صلوات الله عليهم) و سارع إلى السقيفة لعقد الخلافة لحليفه و صديقه؟ و لم لم يرتدع و لم يرجع عمّا فعل بعد ما رأى من سيّد العترة إنكاره لخلافة أبي بكر و عدم الانقياد له؟! و قد مضى من صحاح أخبارهم ما يدلّ على أنّه (عليه السلام) و سائر بني هاشم لم يبايعوا ستة أشهر، و لم لم يقل في مقام المنع عن إحضار ما طلبه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حسبنا كتاب اللّه و عترة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).
____________
(1) المائدة: 3.
550
و لا يذهب على ذي البصيرة أنّ ذكر العترة في هذا المقام ممّا أجراه اللّه تعالى على لسان هذا المعتذر تفظيعا لشأنه و إظهارا لضلال إمامه.
السادس: أنّ قوله، و قول عمر: حسبنا كتاب اللّه .. ردّ على من نازعه لا على أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) .. كلام ظاهر الفساد، فإنّ الرواية التي رواها البخاري في باب كتابة العلم صريحة في أنّه ردّ على قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ الاختلاف من (1) الحاضرين إنّما وقع بعد قوله ذلك، و كذلك روايته في باب قول المريض: قوموا عنّي ..
و لو سلّمنا أنّه لم يواجه بكلامه ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بل أحد المنازعين فالرواية الأخيرة للبخاري تضمّنت أنّ أحد (2) الفرقتين المتخاصمتين كانوا يقولون: قرّبوا .. يكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده .. و الآخرون يقولون ما قال عمر، فلم يبق إلّا أن يكون كلامه ردّا عليه (صلّى اللّه عليه و آله) و إن واجه به المنازعين، و هو مثل الأول في استلزام الإنكار و الكفر، و إن كانت المواجهة أبلغ في سوء الأدب و ترك الحياء.
السابع: أنّ ما ذكره- من أنّ عمر قد خشي تطرّق المنافقين و من في قلبه مرض لمّا كتب ذلك الكتاب في الخلوة و أن يتقوّلوا (3) في ذلك الأقاويل كادّعاء الرفضة الوصيّة ..- يرد عليه:
أوّلا: أنّ كون الكتابة في الخلوة كذب مخالف للمشهور، فإنّ المشهور اجتماع بني هاشم و وجوه المهاجرين و الأنصار عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يومئذ، و يؤيّده قول ابن عباس في الروايات السابقة: و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب .. و قوله: و كثر اللغط و أكثروا اللغو و الاختلاف ..
و ثانيا: أنّه لو كان عمر خائفا من ذلك لما قال: حسبنا كتاب اللّه .. و أنّ
____________
(1) خطّ على: من، في (ك)، و كتب فوقها: بين.
(2) كذا، و الظاهر: إحدى.
(3) في (س): و أن يقولوا.
551
النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد غلبه الوجع .. و (1) إنّه ليهجر .. و كان المناسب أن يعرض على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه ينبغي إحضار طائفة ممّن يثق الناس بهم و تكون شهادتهم حجّة عند العامّة ليشهدوا الكتابة، و يقيموا الشهادة، دفعا لاختلاف الناس.
و ثالثا: أنّ غاية ما يلزم من تطرّق المنافقين أن يقع فيها الاختلاف فلا يعمل بعض الناس بها، و ليس ذلك بأبلغ في الضرر من منع الكتابة حتّى لا يعمل بها أحد، و أمّا الخوف من وقوع الفتنة بين المسلمين فهو موجود في صورة ترك الكتابة و الوصية، بل هو أحرى و أقرب بوقوع الفتنة و ثوران الشرور.
و رابعا: أنّه لو أراد بتطرّق المنافقين مجرّد قدحهم في الوصيّة من دون أن يلحق الإسلام و المسلمين ضرر و تزلزل فليس به بأس، و لا ينقطع به طعنهم (2) و قدحهم بها و لا بعدمها.
و لو أراد به لحوق الضرر .. ففساده ظاهر، كيف و لو كانت جهة الفساد فيها أغلب لما أرادها من هو أعلم بأمّته و أرأف بهم من كلّ رءوف عليم، و لما علّلها بعدم ضلالهم.
و أمّا الاجتهاد بخلاف قوله .. فقد تبيّن بطلانه في محلّه و سيأتي، على أنّ دفع هذا الضرر الذي توهّموه- بنسبة الهجر و الهذيان إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و تقبيح رأيه، و الردّ عليه بأنّ كتاب اللّه حسبنا- دفع للفاسد بمثله.
و خامسا: أنّ تشبيهه ادّعاء الرافضة بتطرّق المنافقين في غاية الركاكة و البرودة، فإنّ الظاهر منهم أنّه زعم أنّ ادّعاء الرافضة أعظم من الفساد من تطرّق المنافقين و تقوّلهم الأقاويل أو مثله، و ظاهر أنّ هذا الادّعاء إنّما لزم من منع الكتابة لا من كتابة ما أراده النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بزعمهم، و
- قَدْ رَوَوْا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ
____________
(1) في (س): أو.
(2) في (س): طعن.
552
قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- فِي مَرَضِهِ-: ادْعِي لِي أَبَاكِ وَ أَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً، وَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَ يَقُولَ قَائِلٌ ..
فلولا منع عمر بن الخطاب لانسدّ باب ادّعاء الرافضة.
و بالجملة، لا ريب في أنّ ترك الوصية و الكتابة أولى بتقوّل الأقاويل و ادّعاء الأباطيل، و اللّه لقد تطرّق المنافقون و من في قلبه مرض في أوّل الأمر، فقال أحدهم: إنّه قد غلبه الوجع .. و حسبنا كتاب اللّه .. و صدقه الآخرون، و قالوا:
القول ما قال عمر، فثلموا في الإسلام و هدموا الإيمان، كما أفصح عن ذلك
- ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ.
الثامن: أنّ ما حكاه- من قول طائفة أخرى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في هذا الكتاب كان مجيبا لما طلب عنه (1) فأجاب رغبتهم و كره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها- يرد عليه أنّه لا فرق باتّفاق المسلمين فيما حكم اللّه و رسوله به بين ما كان ابتداء و بين ما طلبه أحد فنصّ عليه و جرى الحكم به، و كما أنّ إنكار الأول و ردّه ردّ (2) على اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و في حكم الشرك باللّه كذلك الثاني، و قد سبقت الدلالة على أنّ الأمر لم يكن مردودا إلى اختيار القوم، بل كان على وجه الحتم و الإيجاب، و أمّا كراهة من كره الكتابة للعلل المذكورة ففسادها يظهر لك ممّا عرفت من فساد العلل.
التاسع: أنّ ما استدلّ به من كراهة عليّ (عليه السلام) لسؤال الخلافة و رغبة العباس و طلبه.
يرد عليه: أنّه لا نزاع في وقوع الخلاف في كثير من الأمور بين الصحابة و غيرهم، و ذلك ممّا لا حاجة له إلى شاهد، بل لا نزاع في وقوع الخلاف فيما حكم
____________
(1) كذا، و الظاهر: منه.
(2) في (س): و ردّ ردّا.
553
به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا، و لكنّ الكلام في أنّ خلاف الرسول و الردّ عليه في معنى الكفر و هذا الدليل لا تعلّق له بنفي ذلك، على أنّ الرواية في كلام عليّ (عليه السلام) و العباس في طلب الخلافة و السؤال عنها ممّا وضعوه و تمسّكوا به في إبطال النصّ، كما عرفت.
العاشر: أنّ ما تمسّك به في إثبات كون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مجيبا إلى ما سألوه من كتابة الوصيّة
- مِنْ قَوْلِهِ: دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ ..
يرد عليه: أنّ المخاطب بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): دعوني .. إمّا جميع الحاضرين من الطالبين للكتابة و المانعين عنها أو بعضهم.
فإن كان الأول، كان المراد بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): ما تدعونني إليه استماعه لمشاجرتهم و منازعتهم، و يؤيّد ذلك أمره (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاهم بأجمعهم بالخروج بقوله: قوموا عنّي .. و زجرهم بقوله: لا ينبغي عندي التنازع .. على ما سبق في بعض الروايات السابقة، و حينئذ فسقوط الاحتجاج به واضح.
و إن كان الثاني، لم يجز أن يكون المخاطب من طلب الكتابة، بل من منع عنها، و إلّا لناقض كلامه أخيرا أمره بالإحضار ليكتب لهم ما لا يضلّوا بعده، و حيث تنقلب الحجّة عليهم و يكون المراد بما كانوا يدعون إليه ترك الكتابة، و يكون الأفضليّة المستفادة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): فالذي أنا فيه خير ..
مثلها في قوله تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (1).
و لو سلّمنا أنّ المراد بما تدعونني إليه طلب الكتاب، نقول: يجب أن يحمل الردع عن الكتابة على أنّها صارت مكروهة له (صلّى اللّه عليه و آله) لممانعة المانعين و ظهور إثارة (2) الفتنة من المعاندين و إلّا لزم التناقض في كلامه (ص) كما عرفت،
____________
(1) الفرقان: 15.
(2) في (س): إشارة، و لو صحّت فهي بمعنى الإمرة أو الرفع، كما أشار إليهما في القاموس 2- 65.
554
فالتمسّك بهذا الكلام على أيّ وجه كان لا يجديهم نفعا.
و أمّا ما ذكره- من أنّ المطلوب منه (ص) كان تعيين الخليفة و كتاب الوصيّة في ذلك- فهو و إن كان باطلا من حيث إنّ إرادة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) للكتابة كان ابتداء منه، لا إجابة لرغبة أحد، كما هو الظاهر من خلوّ الروايات بأجمعها عن ذلك الطلب، إلّا أنّه لا شكّ في أنّ مراده (صلّى اللّه عليه و آله) كان الوصية في أمر الخلافة و تأكيد النصّ في عليّ (عليه السلام).
و ممّا يدلّ على ذلك
- مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1) فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى النَّهْجِ (2) فِي سِلْكِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ عُمَرَ، قَالَ:
رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ (3)، فَانْفَرَدَ يَوْماً يَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ (4) فَاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَشْكُوا إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّكَ، سَأَلْتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعِي فَلَمْ يَفْعَلْ، وَ لَا أَزَالُ (5) أَرَاهُ وَاجِداً، فِيمَا (6) تَظُنُّ مَوْجِدَتُهُ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّكَ لَتَعْلَمُ، قَالَ: أَظُنُّهُ لَا يَزَالُ كَئِيباً لِفَوْتِ الْخِلَافَةِ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) أَرَادَ الْأَمْرَ لَهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْأَمْرَ لَهُ فَكَانَ مَا ذَا إِذَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) أَرَادَ أَمْراً وَ أَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَنَفَذَ مُرَادُ اللَّهِ (7) وَ لَمْ يَنْفُذْ مُرَادُ رَسُولِ اللَّهِ، أَ وَ كُلَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ؟! إِنَّهُ أَرَادَ إِسْلَامَ عَمِّهِ وَ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يُسْلِمْ!.
____________
(1) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 78- 79.
(2) لا توجد في (ك): على النّهج.
(3) في المصدر: في إحدى خرجاته.
(4) في شرح النّهج: بعيره.
(5) في المصدر: و لم أزل.
(6) في (ك): أ فيما، نسخة بدل.
(7) في شرح النّهج: اللّه تعالى.
555
قَالَ (1): وَ قَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَ هُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَهُ لِلْأَمْرِ فِي مَرَضِهِ، فَصَدَدْتُهُ عَنْهُ خَوْفاً مِنَ الْفِتْنَةِ وَ انْتِشَارِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مَا فِي نَفْسِي وَ أَمْسَكَ، وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِمْضَاءَ مَا حُتِمَ.
- وَ رَوَى (2) أَيْضاً فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ وَ قَدْ أُلْقِيَ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عَلَى خَصَفَةٍ، فَدَعَانِي إِلَى الْأَكْلِ، فَأَكَلْتُ تَمْرَةً وَاحِدَةً وَ أَقْبَلَ يَأْكُلُ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ جَرَّةٍ (3) كَانَتْ عِنْدَهُ، وَ اسْتَلْقَى عَلَى مِرْفَقَةٍ لَهُ وَ طَفِقَ يَحْمَدُ اللَّهَ .. يُكَرِّرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟. قُلْتُ: مِنَ الْمَسْجِدِ. قَالَ: كَيْفَ خَلَّفْتَ ابْنَ عَمِّكَ؟. فَظَنَنْتُهُ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَلْعَبُ مَعَ أَتْرَابِهِ. قَالَ: لَمْ أَعْنِ ذَلِكَ، إِنَّمَا عَنَيْتُ عَظِيمَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: خَلَّفْتُهُ يَمْتَحُ (4) بِالْغَرْبِ عَلَى نَخِيلَاتٍ مِنْ فُلَانٍ وَ يَقْرَأُ (5) الْقُرْآنَ.
قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! عَلَيْكَ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَتَمْتَنِيهَا، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْخِلَافَةِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) نَصَّ عَلَيْهِ؟. قُلْتُ: نَعَمْ، وَ أَزِيدُكَ، سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَقَالَ: صَدَقَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي أَمْرِهِ ذَرْءٌ مِنْ قَوْلٍ لَا يُثْبِتُ
____________
(1) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 12- 79 بنصه.
(2) في شرحه على النّهج 12- 20 بتصرف.
(3) قال في النّهاية 1- 260: الجرّ و الجرار: جمع جرّة، و هو الإناء المعروف من الفخّار. و في المصدر:
جرّ.
(4) في (س): يمنح. و جاء في حاشية (ك): متح الدّلو يمتحها متحا: جذب. و الغرب- بفتح الغين و سكون الرّاء-: الدّلو العظيمة. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: مجمع البحرين 2- 411 و 131، و النّهاية 4- 291 و 3- 349.
(5) في المصدر: و هو يقرأ.
556
حُجَّةً وَ لَا يَقْطَعُ عُذْراً، وَ لَقَدْ كَانَ يَزِيغُ (1) فِي أَمْرِهِ وَقْتاً مَا، وَ لَقَدْ أَرَادَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِاسْمِهِ فَمَنَعْتُهُ (2) مِنْ ذَلِكَ إِشْفَاقاً وَ حِيطَةً عَلَى الْإِسْلَامِ، لَا وَ رَبِّ هذا [هَذَهِ الْبَنِيَّةِ لَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ أَبَداً، وَ لَوْ وَلِيَهَا لَا انْتَقَضَتْ (3) عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ أَقْطَارِهَا، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنِّي عَلِمْتُ مَا فِي نَفْسِهِ فَأَمْسَكَ، وَ أَبَى اللَّهُ إِلَّا إِمْضَاءَ مَا حُتِمَ.
قال ابن أبي الحديد (4): ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا.
قوله: على خصفة هي- بالتّحريك-: الجلّة من الخوص تعمل للتّمر (5).
و عليك دماء البدن: قسم بوجوب نحر البدن لو كتم ما سأله من أمر الخلافة.
و ذرء من قول .. أي طرف منه و لم يتكامل (6)، و المراد القول غير الصريح، و ذرء من خير (7)- بالهمزة- بمعنى شيء منه (8).
و الزّيغ- بالزاي و الياء المثناة من تحت و الغين المعجمة-: الجور و الميل عن الحقّ (9)، و الضمير في أمره راجع إلى عليّ (عليه السلام)، أي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يخرج عن الحقّ في أمر عليّ (عليه السلام) لحبّه إيّاه أو إليه (صلّى اللّه عليه و آله)، و المراد الاعتذار عن صرفه عمّا أراد بأنّه كان يقع في الباطل أحيانا.
____________
(1) في شرح النّهج: يربع. أقول: هي بمعنى ينتظر.
(2) في المصدر: فمنعت- بلا ضمير-.
(3) كذا، و في الشّرح: لانتقضت، و هو الظّاهر.
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 21 بتصرّف.
(5) ذكره في الصحاح 4- 1350، و انظر: النهاية 2- 37، و مجمع البحرين 5- 46.
(6) قاله في لسان العرب 14- 286، و الصحاح 6- 2345.
(7) كذا، و الظاهر أنّها: خبر- بالباء الموحدة-، كما في القاموس و اللسان.
(8) نصّ عليه في القاموس 1- 15، و لسان العرب 14- 286، و غيرهما.
(9) صرّح به في النهاية 2- 324، و مجمع البحرين 5- 10، و القاموس 3- 107.
557
و الإشفاق: الخوف (1).
و الحيطة: الحفظ و الصّيانة (2).
قال الجوهري (3): مع فلان حيطة لك، و لا تقل عليك .. أي تحنّن.
و استدلّ بعض الأصحاب على ذلك بما سبق في رواياتهم من تحسّر ابن عباس و تحزّنه عند تذكّر تلك الواقعة و بكائه حتّى بلّ دمعه الحصى، إذ من الظاهر أنّه لم يقع بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رزيّة و مصيبة توجب هذا النوع من الحزن و الأسف، و لم تصب الأمّة عامّة و بني هاشم خاصّة آفة إلّا خلافة ابن أبي قحافة.
و يؤيّد ذلك أنّه لا شكّ في اقتضاء المقام و الحال أن يكون مراده (عليه السلام) كتابة الوصية في أمر الخلافة و الإمامة، إذ العادة قد جرت- قديما و حديثا- في كلّ من ظهر له أمارة الارتحال من بين قومه و ظنّ بدنوّ موته و حضور أجله بأن يوصي فيهم و يفوّض أمرهم إلى من يحميهم عن الفتن و الآفات، و يكون مرجعا لهم في نوائبهم، و يدفع عنهم شرّ الأعداء، و كلّما تكثّرت جهات المنافع و تشتتّت وجوه المضار كانت الوصية أوجب و تركها أقبح، و لا ريب في أنّ الأمّة يخاف عليهم بتركهم سدى من غير راع يقيمهم و هاد يهديهم أنواع الضرر في الدنيا و الآخرة، فهل يظنّ عاقل بمن أرسله اللّه رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أنّه لا يهتمّ بأمر الإسلام و المسلمين و لا يوصي فيهم و لا ينصب لهم واليا يدفع عنهم شرّ أعدائهم و يهديهم إلى ما يصلحهم، و يكون خيرا لهم في آخرتهم و دنياهم؟! مع أنّه قد أمر أمّته بالوصيّة و رغّبهم فيها.
و إذا ظهر أنّ مراده (صلّى اللّه عليه و آله) كان تعيين الخليفة- كما اعترف به هذا القائل أيضا- فإن كان مقصوده (صلّى اللّه عليه و آله) تأكيد نصّ الغدير و غيره في أمير المؤمنين (عليه السلام)، و تجديد ما عهد إلى الأمّة فيه، ثبت المدّعى، و تمّ الطعن.
____________
(1) جاء في مجمع البحرين 5- 193، و القاموس 3- 250، و انظر: الصحاح 4- 1501.
(2) كما في القاموس 2- 355، و النهاية 1- 461، و مجمع البحرين 4- 243.
(3) الصحاح 3- 1121، و انظر: لسان العرب 7- 280.
558
و إن كان المراد الوصية لأبي بكر- كما رووه عن عائشة- فكيف يتصوّر من عمر بن الخطاب الممانعة في إحضار ما كان وسيلة إلى استخلافه مع شدّة رغبته فيه؟!.
و قد قال شارح المقاصد (1) في قصّة الفلتة: كيف يتصوّر من عمر القدح في إمامة أبي بكر مع ما علم من مبالغته في تعظيمه و انعقاد (2) البيعة له، و من صيرورته خليفة باستخلافه.
وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ فِي عُمَرَ وَ أَرْسَلَهُ بِيَدِ رَجُلَيْنِ ليقرأه [لِيَقْرَءَاهُ عَلَى النَّاسِ، قَالا لِلنَّاسِ: هَذَا مَا كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ نَقْرَأْهُ وَ إِلَّا نَرُدَّهُ؟!. فَقَالَ طَلْحَةُ: اقرأه [اقْرَءَاهُ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ ذِكْرِي فِيهِ؟. فَقَالَ طَلْحَةُ: وَلَّيْتَهُ بِالْأَمْسِ وَ وَلَّاكَ الْيَوْمَ.
على أنّه لا حاجة في مقام الطعن إلى إثبات خصوص ما كان مرادا له (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّ الردّ عليه و ظنّ أنّ الصواب في خلاف ما قضى به في معنى الشرك باللّه، و لو كان في استخلاف أبي بكر أو (3) عمر.
لكن كان الغرض التنبيه على فساد ما ذكره بعض المتعصّبين من أنّ القول بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أراد أن يؤكّد النصّ على خلافة عليّ (عليه السلام) من باب الإخبار بالغيب، و لم لا يريد أن ينصّ بخلافة أبي بكر؟ و قد وافق هذا ما روينا عن عائشة أنّه قال: ادعي لي أبا بكر- أباك- حتّى أكتب له كتابا.
و من تأمّل بعين البصيرة فيما سبق- مع ما سبق من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الغدير و غيره- ظهر له أنّ المراد كان تأكيد النصّ بالكتاب، و ليس الفهم من القرائن (4) و الدلائل من الإخبار بالغيب.
____________
(1) شرح المقاصد 5- 281.
(2) في المصدر زيادة: في، قبل: انعقاد.
(3) في (ك): واو، بدلا من: أو.
(4) في (س): القراءة.
559
ثم إنّ ابن أبي الحديد (1) في شرح الخطبة الشقشقيّة تصدّى للاعتذار عن قول عمر، فقال: قد كان في أخلاق عمر (2) فظاظة و عنجهيّة (3) ظاهرة بحسب السامع لكلماته إن أراد (4) بها ما لم يكن قد أراد، و يتوّهم من يحكى له أنّه قصد بها ما لم يقصده، فمنها: الكلمة التي قالها في مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله]، و معاذ اللّه أن يقصد بها ظاهرها، و لكنّه أرسلها على (5) مقتضى خشونة غريزيّة (6) و لم يتحفّظ منها، و كان الأحسن أن يقول: مغمور أو مغلوب بالمرض، و حاشاه أن يعني بها غير ذلك، و لجفاة الأعراب من هذا الفنّ كثير، سمع سليمان بن عبد الملك (7) أعرابيّا يقول في سنة قحط:
ربّ العباد ما لنا و ما لكا* * * قد كنت تستقينا (8)فما بدا لكا
أنزل علينا القطر لا أبا لكا
فقال سليمان: أشهد أنّه لا أب له و لا صاحبة و لا ولد، فأخرجه أحسن مخرج (9).
و على نحو هذا يحمل (10)
- كَلَامُهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): أَ لَمْ تَقُلْ لَنَا سَتَدْخُلُونَهَا ..؟ فِي أَلْفَاظٍ نَكْرَهُ حِكَايَتَهُا، حَتَّى شَكَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 1- 183 بتصرّف.
(2) في المصدر: في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء ..
(3) جاء في حاشية (ك): قال الفرّاء: يقال فلان فيه عنجهيّة، و عنجهانيّة .. و هي الكبر و العظمة، و يقال: العنجهيّة: الجهل و الحمق. صحاح.
انظر الصحاح 6- 2239، و فيه: ذو، بدلا من: فيه.
(4) في شرح النهج: يحسبه السامع لها أنّه أراد.
(5) في (ك): إلى.
(6) في المصدر: غريزته.
(7) في شرح النهج: عبد اللّه.
(8) لا توجد في (س): تسقينا، و لا يتمّ المعنى إلّا بها.
(9) إلى هنا جاء الخبر في الكامل لابن الأثير 7- 145- بشرح المرصفي-.
(10) في المصدر: يحتمل.
560
اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَ حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: الْزَمْ بِغَرْزِهِ (1)، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ. انْتَهَى.
و يرد عليه:
أوّلا: أنّه لا وجه لحمل الكلام على المحامل البعيدة و إخراجه عن ظاهره من غير دليل، و ظاهر الكلام تقبيح لرأي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ردّ لقوله على أقبح وجه، و لم يقم برهان على عدم جواز الخطإ و الارتداد على عمر بن الخطاب حتّى يأوّل كلامه بالتأويلات البعيدة، و ما رووه في فضله من الأخبار فمع أنّه من موضوعاتهم و لا حجّة فيها على الخصم لتفردّهم بروايتها- فأكثرها لا دلالة فيها على ما يجديهم في هذا المقام، و العجب أنّهم يثبتون أنواع الخطايا و الذنوب للأنبياء (عليهم السلام) لظواهر الآيات الواردة فيهم و ينكروه علينا حملها على ترك الأولى و غيره من الوجوه- كما سبق ذكر كثير منها في المجلد الخامس (2) مع قيام الأدلّة العقلية و النقلية على عصمتهم و جلالة قدرهم عمّا يظنّون بهم، و لا يرضون بمثله في عمر بن الخطاب- مع عدم دليل على عصمته و اشتمال كتبهم و رواياتهم على ما تسمع من مطاعنه- و لو جانبوا الاعتساف لم يجعلوه أجلّ قدرا من أنبياء اللّه (عليهم السلام).
و ثانيا: أنّ الطعن ليس مقصورا على سوء الأدب و التعبير بالعبارة الشنيعة، بل به و بالردّ لقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الإنكار عليه، و هو في معنى الردّ على اللّه عزّ و جلّ و الشرك به، و إن كان بأحسن (3) الألفاظ و أطيب العبارات، و ما
____________
(1) جاء في حاشية (ك): قال الجزريّ: الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب .. و منه حديث أبي بكر أنّه قال لعمر: استمسك بغرزه .. أي اعتلق به و أمسكه و اتّبع قوله و فعله و لا تخالفه، فاستعار له الغرز كالّذي يمسك بركاب الرّاكب و يسير بسيره. [منه (طاب ثراه)].
انظر: نهاية ابن الأثير 3- 359.
(2) بحار الأنوار 11- 72- 96.
(3) في (س): أحسن.
561
ذكره- لو تمّ- فإنّما ينفع في دفع الأول دون الثاني.
و أمّا قصّة صلح الحديبيّة- التي أشار إليها- فليس الطعن فيها بلفظ يشتمل على سوء الأدب حتّى يجري فيه تأويل، بل بالإنكار لقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم تصديقه بعد
قَوْلِهِ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)، أَفْعَلُ مَا يَأْمُرُنِي بِهِ ..
و هو إمّا تكذيب صريح للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لو لم يصدّقه في قوله ذلك، أو تقبيح صريح لما قضى اللّه به لو صدّق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).،
و قد ذكر الموجه نفسه (1) شَرْحَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي سِلْكِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا كَتَبَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) كِتَابَ الصُّلْحِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَ كَانَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قُرَيْشٍ لَا يُرَدُّ وَ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) يُرَدُّ إِلَيْهِمْ، غَضِبَ عُمَرُ وَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَا هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ أَ يُرَدُّ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ؟!، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَسْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقّاً؟!. قَالَ: بَلَى. قَالَ: وَ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ حَقّاً؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
وَ هُمُ الْكَافِرُونَ (2)؟!. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟!. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَفْعَلُ مَا يَأْمُرُنِي بِهِ وَ لَنْ يُضَيِّعَنِي، فَقَامَ عُمَرُ مُغْضَباً، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَاناً مَا أَعْطَيْتُ الدَّنِيَّةَ أَبَداً!، وَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَمْ يَكُنْ وَعَدَنَا، أَنَّا سَنَدْخُلُ مَكَّةَ، فَأَيْنَ مَا وَعَدَنَا بِهِ؟!. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَ قَالَ لَكَ إِنَّ الْعَامَ نَدْخُلُهَا؟. قَالَ: لَا. قَالَ:
فَسَنَدْخُلُهَا (3). قَالَ: فَمَا هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي كُتِبَتْ؟ وَ كَيْفَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي (4)
____________
(1) ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 12- 59- 60.
(2) في المصدر: و هم الكافرون حقّا.
(3) في شرح ابن أبي الحديد: فسيدخلها.
(4) في (ك): من، بدلا من: في.
562
أَنْفُسِنَا؟. فَقَالَ: يَا هَذَا! الْزَمْ غَرْزَهُ (1) فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ وَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، قَالَ: ادْعُوا لِي عُمَرَ، فَجَاءَ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ وَعَدْتُ بِهِ (2).
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (3) فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَ الْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحُرُوبِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّهَيْرِ (4)، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (5) وَ مَرْوَانَ- يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ (6) الْحُدَيْبِيَةِ .. وَ سَاقَ (7) الْحَدِيثَ .. إِلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ: أَ لَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقّاً؟.
قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟. قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً. قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَ لَسْتُ أَعْصِيهِ، وَ هُوَ نَاصِرِي.
قُلْتُ: أَ وَ لَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟!. قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟. قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَ تَطُوفُ بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقّاً؟. قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟. قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذاً؟. قَالَ:
أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَ هُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَ لَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ
____________
(1) في (ك): غرره.
(2) في المصدر: وعدتكم به.
(3) صحيح البخاريّ 2- 119- 122.
(4) في (ك) نسخة بدل: الزّبير.
(5) جاء في حاشية (ك) ما يلي: مسورة بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبو عبد الرّحمن، له و لأبيه صحبة، مات سنة أربع و ستّين. تقريب ابن حجر.
انظر: تقريب التّهذيب 2- 249 برقم 1136.
(6) قد تقرأ في (ك): زمن.
(7) في (س) قد تقرأ: و ساقا.
563
وَ نَطُوفُ بِهِ؟!. قَالَ: بَلَى، أَ فَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟. قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَ تَطُوفُ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (1) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ مِنْ كِتَابِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَ مُسْلِمٍ (2) فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ، فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ ... (3) فَقَالَ عَلِيٌّ [(عليه السلام)]: نَعَمْ، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ:
اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتَنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ- يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الْمُشْرِكِينَ- وَ لَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَ هُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ أَ لَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَ قَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟. قَالَ: بَلَى. قَالَ:
فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَ نَرْجِعُ وَ لِمَا يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَا؟!. فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ لَنْ يُضِيِّعَنِيَ اللَّهُ أَبَداً. فَرَجَعَ مُتَغَيِّظاً فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ إِلَى (4) أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَ هُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟. قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ لَنْ يُضَيِّعَهُ (5) اللَّهُ أَبَداً .. (6)، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، كذا في رواية البخاري.
وَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ- بَعْدَ قَوْلِهِ: وَ لَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَداً- نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
____________
(1) صحيح البخاريّ 3- 190 [6- 170- 171، دار الشّعب].
(2) صحيح مسلم 5- 175 بتفاوت في صدر الحديث.
(3) آل عمران: 23. و قد جاءت العبارة التّالية في صحيح البخاريّ بدلا من الآية: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ... يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ.
(4) لا توجد: إلى، في (س).
(5) في المصدر: يضيعني.
(6) هنا سقط راجعه في المصدر. و لعلّ وجد الرّواية و ربطها مع سورة الفتح، قوله عزّ اسمه: «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (26).
564
(ص)! أَ وَ فَتْحٌ هُوَ؟. فَقَالَ: نَعَمْ. فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَ رَجَعَ.
و قد ذكر الروايات في جامع الأصول (1) في كتاب الغزوات من حرف الغين.
وَ رَوَى الشَّيْخُ الطَّبْرِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ (2) قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ بِنَحْوٍ مِمَّا سَبَقَ، وَ فِيهِ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَ اللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقُلْتُ: أَ لَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ .. إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ..
و من نظر في هذه الأخبار لم يشكّ في أنّه لم يرض بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كان في صدره حرج ممّا قضى به الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3)، و ظنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في وعده كاذبا، و إلّا فلا معنى لقيامه مغضبا متغيّظا غير صابر حتّى جاء إلى أبي بكر، و قوله: لو وجدت أعوانا ما أعطيت الدنيّة أبدا، و إعادته كلامه في معرض الإنكار لأبي بكر بعد قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي رسول اللّه (ص) و لست أعصيه، أو: أنا رسول اللّه (ص) أفعل ما يأمرني به .. على اختلاف ألفاظ الروايات السابقة، و كذلك يدلّ على ظنّه الكذب برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قوله له: هذا الذي كنت وعدت به .. بعد أخذ مفتاح الكعبة و إرساله إليه ليقرأ عليه آية الفتح.
و يدلّ على شدّة غضبه (صلّى اللّه عليه و آله) و غيظه على عمر.
مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (4)- فِي بَابِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي-، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَ عُمَرُ بْنُ
____________
(1) جامع الأصول 8- 291 من الحديث 6108 و 8- 330 من الحديث 6123 [9- حديث 6098 و 6113].
(2) مجمع البيان 9- 119 [6- 66].
(3) النساء: 65.
(4) صحيح البخاريّ 3- 45.
565
الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَ خَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَسِيتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخاً يَصْرُخُ بِي. قَالَ:
فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ وَ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1).
وَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ (2): حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) عَنْ شَيْءٍ مِرَاراً فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ لِنَفْسِهِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّكَ (3) يَا عُمَرُ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) مِرَاراً لَا يُجِيبُكَ»،..
أي ألححت عليه في المسألة إلحاحا أدّبك بسكوته عن جوابك، يقال فلان لا يعطي حتّى ينزر (4) .. أي يلحّ عليه. انتهى.
و لا يخفى على ذي بصيرة أنّ ما ظهر من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من الغضب و الغيظ عليه- في الحديبيّة و في مرضه (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث أمره بالخروج من البيت مع المتنازعين- لم يظهر بالنسبة إلى أحد من الصحابة، و كذلك ما ظهر عنه [كذا] من سوء الأدب لم يظهر عن غيره، و لا شكّ أنّ ظهور ذلك الغيظ منه (صلّى اللّه عليه و آله)- مع خلقه العظيم، و عفوه الكريم، و خوفه في الفظاظة و الغلظة من انفضاضهم، كما قال سبحانه: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (5)- لم يكن إلّا لشدّة تفاحشه في ترك الأدب و الوقاحة،
____________
(1) الفتح: 1.
(2) النّهاية 5- 40، و انظر: لسان العرب 5- 204.
(3) لا توجد في المصدر: إنّك.
(4) في (ك): ينزر عليه.
(5) آل عمران: 159.
566
و بلوغ تأذّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الغاية، و قد قال اللّه تعالى:
وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1)، و قال سبحانه و تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (2) و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصبر على كثير من الأذى و يستحي من زجرهم، كما يدلّ عليه قوله تعالى- مشيرا إلى دخولهم بيوت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من دون الإذن و غيره-: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَ اللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ (3) كما سبق.
هذا مع أنّ أتباع عمر بن الخطاب و حزبه قد ستروا كثيرا من كلماته الشنيعة و ما قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كما يظهر من قول ابن أبي الحديد (4):
في ألفاظ نكره حكايتها حتى شكاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أبي بكر.
و يؤيّد هذا المعنى أنّ قصّة منع الكتابة لم يروها أحد ممّن حضرها إلّا ابن عباس، و قد صرّحت الرواية بأنّه كان في البيت رجال، و قالوا (5) بعضهم: قرّبوا يكتب لكم، و بعضه قال ما قال عمر، و كثر لغطهم و ارتفعت أصواتهم.
و ثالثا: أنّ ما اعتذر به- من أنّ عمر كان يرسل في (6) تلك الألفاظ على مقتضى غريزته و خشونة جبلّته و لم يكن يقصد بها ظواهرها- فيه اعتراف بأنّه كان لا يملك لسانه حتى يتكلّم بما يحكم به عقله، و ظاهر أنّ رجلا لم يقدر على ضبط لسانه في مخاطبة مثل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- في علوّ شأنه في الدنيا و الآخرة معدود عند العقلاء في المجانين، و مثله لا يصلح للرئاسة العامّة و خلافة من
____________
(1) التوبة: 61.
(2) الأحزاب: 57.
(3) الأحزاب: 53.
(4) في شرحه على نهج البلاغة 2- 43.
(5) في حاشية (ك) استظهر كون الكلمة: قال، و هو في محلّه.
(6) في (ك) وضع على: في، رمز نسخة بدل.
567
اصطفاه اللّه على العالمين، و من رضي بإمامة من يكره حكاية ألفاظه- كما مرّ من كلام الموجّه- فقد بلغ الغاية في السفاهة و فاز بالقدح المعلّى من الحماقة.
و أمّا من استشهد الشارح بشعره من الأعراب فهو ممّن قال اللّه تعالى فيه:
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (1)، و مثله أحرى بأن يعدّ من البهائم، و لم يقل أحد بأنّ مثله يصلح للإمامة حتى يقاس بفعله فعل من ادّعى الإمامة.
و ما ذكره من أنّ الأحسن كان أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض فهو هذيان كقول إمامه، إذ الكلام في أنّه لا يجوز الردّ على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إنكار قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (2) مطلقا، سواء كان في حال المرض أو غيره، للآيات و الأخبار الدالّة على وجوب الانقياد لأوامره و نواهيه، و أنّه لا ينطق عن الهوى و لا يقول إلّا حقّا، و الهجر و غلبة المرض- و إن كان أمرا شائعا في أكثر البشر- إلّا أنّه لا استبعاد في براءة من اصطفاه اللّه على العالمين عنه، كما أنّ غلبة النوم يعمّ (3) سائر الخلق.
وَ قَدْ رَوَى الْخَاصُ (4) وَ الْعَامُ (5) أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ إِذَا
____________
(1) التوبة: 97.
(2) في (س): قوله تعالى، بدلا من: قوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو خلاف الظاهر.
(3) في (ك): تعمّ.
(4) كما ورد في تفسير العسكريّ: 164، و الاحتجاج 1- 23، و بحار الأنوار 9- 286، 307، و الرّوايات في أنّ نوم الإمام (عليه السلام) و يقظته واحدة تجد جملة منها في بحار الأنوار 25- 157 و 27- 302، و 49- 63، 87، و 50- 290، و 61- 239.
(5) كما في صحيح البخاريّ كتاب التّهجّد باب 16، و كتاب التّراويح باب 1، و كتاب المناقب باب 24، و صحيح مسلم كتاب المسافرين باب 125، و سنن أبي داود كتاب الطّهارة باب 79، و كتاب التّطوّع باب 26، و صحيح التّرمذيّ كتاب المواقيت باب 208، و كتاب الفتن باب 63، و سنن النّسائيّ كتاب اللّيل باب 36، و موطّأ ابن مالك كتاب اللّيل باب 9، و مسند أحمد بن حنبل 1- 220 و 278، و 2- 251، 438، و 5- 40، 50، و 6- 36، 73، 104، و غيرها.
568
نَامَتْ عَيْنَاهُ.
، و قد اعترف النووي- على ما نقله عنه الكرماني في شرح صحيح البخاري (1)- بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان معصوما من الكذب و من تغيير الأحكام الشرعيّة في حال الصحّة و المرض.
و من الغرائب أنّهم يستدلّون على خلافة عمر بن الخطاب بما نصّ عليه أبو بكر في مرضه و كتب له، و لم يجوّز أحد فيه أن يكون هجرا و ناشئا من غلبة المرض، مع أنّه أغمي عليه في أثناء كتابته العهد- كما رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2) فِي كَيْفِيَّةِ عَقْدِهِ الْخِلَافَةَ لِعُمَرَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَمَرَ عُثْمَانَ أَنْ يُكْتَبَ عَهْداً، وَ قَالَ: اكْتُبْ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ (3) إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ .. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ: قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمُ ابْنَ الْخَطَّابِ ..
وَ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأَهُ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مِتُّ فِي غَشْيَتِي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً عَنِ الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ الْعَهْدَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ.
و جوّزوا في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يكون عهده هجرا و هذيانا، و قد كان في كتاب أبي بكر و وصيّته- على ما ذكره شارح المقاصد (4) و غيره (5)- نوع من التردّد في شأن عمر، حيث قال: إنّي استخلفت عمر بن الخطاب فإن عدل فذاك ظنّي به و رأيي فيه، و إن بدل و جار فلكلّ امرئ ما اكتسب، و الخير أردت و لا أعلم الغيب، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (6) و كان
- قَوْلُهُ (صلّى اللّه عليه و آله): ائْتُونِي بِكِتَابٍ [كَذَا] أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ ..
خاليا من
____________
(1) صحيح البخاريّ- شرح الكرماني- 2- 128.
(2) في شرحه على نهج البلاغة 1- 165 باختلاف كثير، و انظر ما بعدها و ما قبلها.
(3) و جاءت في تاريخ الطّبريّ 4- 52: أبو بكر بن أبي قحافة، بدلا من: عبد اللّه بن عثمان.
(4) شرح المقاصد 5- 287.
(5) و قد جاءت العبارة في شرح المواقف 8- 365: إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب فإن أحسن السيرة و ذلك ظنّي به، و الخير أردت، و إن تكن الأخرى فسيعلم الذين .. إلى آخره.
(6) الشعراء: 227.
569
التردّد صريحا في بعدهم عن الضلال بعد الكتاب، فكتاب أبي بكر من حيث المتن أولى بالشكّ، كما أنّ احتمال الهجر و غلبة المرض في شأنه كان أظهر، و لم يدلّ دليل من العقل و النقل على براءته من الهذيان، و كان كتاب اللّه بين أظهرهم، فكان اللائق بديانة عمر بن الخطاب أن لا يرضى بذلك الكتاب و يقول حسب الناس كتاب اللّه، و كان الأنسب لأشياعه الذين يجوّزون الهذيان على سيّد الأنام (صلّى اللّه عليه و آله) تصحيحا لقول عمر بن الخطاب أن يتردّدوا في إمامته و لا يستندوا إلى وصيّة أبي بكر في شأنه.
ثم إنّ في (1) قول عمر بن الخطاب في مقام الردّ على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): حسبنا كتاب اللّه .. يدلّ على أنّه لا حاجة إلى الخليفة مطلقا، فكيف سارع إلى السقيفة لعقد البيعة و جعله أهمّ من دفن سيّد البريّة عليه و آله أكمل الصلاة و التحيّة.
و الحاصل، أنّ من لم يطبع اللّه على قلبه لم يشكّ في أنّهم لم يهتمّوا إلّا بنيل حطام الدنيا و زخارفها، و صرف الإمارة و الخلافة عن أهاليها و معادنها.
و اعلم أنّهم عدّوا من فضائل عمر بن الخطاب أنّه كان يرد على (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في كثير من المواطن، و كان يرجع إلى قوله و يترك ما حكم به.
فمن ذلك.
مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3) فِي أَخْبَارِ عُمَرَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ، وَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (4) فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ (5) فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
____________
(1) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: في.
(2) لا توجد في (س): على.
(3) شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة 12- 55- 56 [3- 108 و 116 ذات أربع مجلّدات] باختلاف كثير جدّا.
(4) صحيح مسلم 1- 44 باب من لقي اللّه بالإيمان.
(5) لا توجد في المصدر: و معنا أبو بكر و عمر ..
570
عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ يُقْطَعَ دُونَنَا وَ فَزِعْنَا (1) وَ قُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً لِلْأَنْصَارِ لِقَوْمٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ بَاباً، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ (2) فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ (3)- وَ الرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ (4)- فَاحْتَفَزْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (5)، فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ؟. فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ (6):
مَا شَأْنُكَ؟. قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا- فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ- فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ (7) كَمَا تَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ وَ هَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!- وَ أَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ (8):
اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَكَانَ (9) أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟. قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَخَرَرْتُ (10) لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!. فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَجْهَشْتُ بِبُكَاءٍ (11) وَ رَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
____________
(1) لا توجد في الشّرح: و فزعنا.
(2) في المصدر: إلّا ربيعا فدخلت ..
(3) لا توجد في شرح النّهج: من بئر خارجة.
(4) جاء في مجمع البحرين 4- 332: و الرّبيع: جدول أو ساقية تجري إلى النّخل أو الزّرع.
(5) في المصدر: فدخلت منه بعد أن احتقرته فإذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ..
(6) في شرح النّهج: قلت.
(7) في المصدر: فاحتقرته.
(8) لا توجد في الشّرح: و أعطاني نعليه قال.
(9) في المصدر: بالجنّة فخرجت و كان ..
(10) في الشّرح: فضرب عمر فخررت ..
(11) في المصدر: فقال: ارجع، فأجهشت بالبكاء راجعا.
571
(صلّى اللّه عليه و آله): مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟. قُلْتُ (1): لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَ (2) ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا حَمَلَكَ عَلَى (3) مَا فَعَلْتَ؟. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (4)! بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، أَ بَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا (5) قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): فَخَلِّهِمْ (6).
قوله: من بين أظهرنا .. أي من بيننا (7).
و يقطع دوننا .. أي يصاب بمكروه من عدوّ و غيره (8).
و بئر خارجة- على التوصيف- .. أي قليب (9) خارجة عن البستان، و قيل:
البئر: هو البستان، كقولهم: بئر أريس، و بئر بضاعة (10)، و قيل: الخارجة اسم رجل (11) فيكون على الإضافة.
____________
(1) في شرح النّهج: فقال (ص): ما لك؟ قلت ..
(2) في المصدر: صدري، بدلا من: ثديي.
(3) جاء في الشّرح هكذا: و قال: ارجع إلى رسول اللّه، فخرج رسول اللّه فإذا عمر فقال (ص): ما حملك يا عمر على ..
(4) في المصدر: فقال عمر: أنت بعثت أبا هريرة بكذا؟. قال: نعم يا رسول اللّه ..
(5) لا توجد في (س): بها.
(6) أقول: جاءت الرّواية في صحيح مسلم 1- 44، و سيرة عمر لابن الجوزيّ: 38، و فتح الباري 1- 184، و غيرها، و علّق عليها شيخنا الأميني في غديره 6- 175- 177 بما هو حريّ بها، و الفيروزآباديّ في السّبعة من السّلف: 107، و غيرهما من أعلامنا (رضوان اللّه عليهم).
(7) كما في مجمع البحرين 3- 392، و لسان العرب 4- 523، و القاموس 2- 82، و النهاية 3- 166.
(8) قال في النهاية 4- 82: فخشينا أن يقتطع دوننا .. أي يؤخذ و ينفرد به. و انظر: مجمع البحرين 4- 380.
(9) جاء في لسان العرب 4- 36، و انظر: مجمع البحرين 3- 312.
(10) البئر- مهموز الوسط-: و هي الجبّ، و ذكر في مراصد الاطّلاع 1- 140- 142 أكثر من ثلاثين بئر مسمّاة، و لاحظ: معجم البلدان 1- 298- 302.
(11) نصّ عليه في القاموس 1- 185، و لسان العرب 2- 254.
572
و احتفزت- بالزاي- .. أي تضاممت (1) ليسعني المدخل كما يفعل الثعلب، و قيل بالراء.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (2) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةَ مِنْ كِتَابِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (3) فِي بَابِ فَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ (4): لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ تُصَلِّي عَلَيْهِ (5) وَ قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ (6)؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّمَا خَيَّرَنِيَ اللَّهُ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ... (7) وَ سَأَزِيدُ (8) عَلَى السَّبْعِينَ، فَقَالَ:
إِنَّهُ مُنَافِقٌ. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ (9).
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (10) لَهُ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله):
أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ! فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) قاله في مجمع البحرين 4- 16، و النهاية 1- 407 و غيرهما.
(2) صحيح البخاريّ 3- 137 [6- 56- 58]، و انظر ما قبلها و ما بعدها من الرّوايات.
(3) صحيح مسلم 7- 116، و انظر ما قبلها و ما بعدها من الرّوايات.
(4) لا توجد: قال، في (س).
(5) في المصدر: تصلّي عليه.
(6) في (س) لا توجد: عليه.
(7) التّوبة: 80.
(8) في صحيح البخاريّ: و سأزيده.
(9) التّوبة: 84. و لا يوجد ذيلها في المصدر.
(10) جاءت في الصّحيحين تلو الرّواية السّابقة.
573
[وَ آلِهِ] ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيراً حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ... قَالَ:
فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ!.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1) فِي أَخْبَارِ عُمَرَ قَرِيباً مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَ فِيهَا: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَجَاءَ (2) عُمَرُ فَجَذَبَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَ قَالَ: أَ لَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟! .. (3) قَالَ: فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جُرْأَةِ عُمَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
و لا يذهب عليك أنّ الرواية الأولى- مع أنّ راويها أبو هريرة الكذّاب ينادي ببطلانها سخافة أسلوبها، و بعث أبي هريرة مبشّرا للناس، و جعل النعلين علامة لصدقه، و قد أرسل اللّه تعالى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) مبشّرا و نذيرا للناس، و أمره بأن (4) يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه، و لم يجعل أبا هريرة نائبا له في ذلك، و لم يكن القوم المبعوث إليهم أبو هريرة غائبين عنه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى يتعذّر عليه أن يبشّرهم بنفسه، و كان الأحرى تبليغ تلك البشارة في المسجد و عند اجتماع الناس لا بعد قيامه من بين القوم و غيبته عنهم و استتاره بالحائط، و لم تكن هذه البشارة ممّا يفوت وقته بالتأخير إلى حضور الصلاة و اجتماع الناس، أو رجوعه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الحائط، و كيف جعل النعلين علامة لصدق أبي هريرة مع أنّه يتوقّف على العلم بأنّهما نعلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد جاز أن لا يعلم ذلك من يلقاه أبو هريرة فيبشّره، و إذا كان ممّن يظنّ الكذب بأبي هريرة أمكن أن يظنّ أنّه سرق نعلي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا يعتمد على قوله، و لو فرضنا
____________
(1) في شرحه على نهج البلاغة 12- 55 بتصرف يسير. و جاءت في صحيح البخاريّ كتاب اللّباس باب لبس القميص، و أوردها في كتاب الجنائز باب الكفن في القميص، و في صحيح التّرمذيّ 2- 185، و صحيح النّسائيّ 1- 269، و سنن ابن ماجة باب الصّلاة على أهل القبلة، و ابن عبد ربّه في الاستيعاب 1- 366، و غيرها و غيرهم.
(2) في شرح النّهج: فقام بين يدي الصّفّ يريد ذلك، فجاء ..
(3) هنا سقط لم يذكره المصنّف- (قدّس سرّه)-.
(4) في (س): أن.
574
صدق أوّل الخبر أمكن أن يكون ما رواه أخيرا من رجوعه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى قول عمر من أكاذيبه.
و يؤيّده
- مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَ رَوَاهُ غَيْرُهُ فِي عِدَّةِ رِوَايَاتٍ أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله): بَشَّرَ النَّاسَ بِأَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
، و قد روى أبو هريرة نفسه ما يقرب من هذا المعنى (2).
ثم لو سلّمنا صدق الخبر إلى آخره فلا شكّ في أنّه يتضمّن أنّ عمر ردّ قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على أخشن الوجوه و أقبحها- كما هو دأب الطغام (3) و الأجلاف (4)-، و مع قطع النظر عمّا عرفت و ستعرف من عدم جواز الاجتهاد في مقابلة النصّ، و أنّ الردّ عليه (صلّى اللّه عليه و آله) ردّ على اللّه و على حدّ الشرك باللّه، كيف يجوز هذا النوع من سوء الأدب و الغلظة في مقام الردّ على المجتهد و لو كان مخطئا؟! و هو مأجور في خطئه، و قد أمكنه أن يردّ أبا هريرة برفق و يناظر برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يوقفه على خطئه.
ثم من أين استحقّ أبو هريرة أن يضرب على صدره حتّى يقع على استه و لم يقدم على أمر سوى طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طاعة اللّه، و قد أمر اللّه تعالى بها في زهاء (5) عشرين موضعا من كتابه بقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ (6).
____________
(1) صحيح مسلم 1- 43 كتاب الإيمان و كتاب الزّكاة.
(2) و قريب منه ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 2- 426، و 4- 345- 346، و 5- 229، و أورده في صحيح البخاريّ كتاب الجنائز حديث 1، و كتب أخر، و صحيح الترمذي كتاب الإيمان، و صحيح النسائي في كتاب الجهاد، و كتاب الزهد لابن ماجة، و غيرها.
(3) قال في النهاية 3- 128، في حديث علي: يا طغام الأحلام ..: أي من لا عقل له و لا معرفة، و قيل: هم أوغاد الناس و أراذلهم.
(4) قال في مجمع البحرين 5- 33: يقال: أعرابي جلف .. أي جاف.
(5) زهاء- كغراب- بمعنى القدر، كما في مجمع البحرين 1- 210.
(6) النساء: 59، و غيرها من الآيات.
575
و أمّا رجوعه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الأمر بتبشير الناس- فعلى تقدير صحّته لا دلالة فيه على اجتهاده (صلّى اللّه عليه و آله) و خطئه في رأيه، و لا ينفي الشناعة عن فعل عمر، لجواز أن يكون (1) الرجوع من قبيل النسخ بالوحي لمصلحة يعلمها اللّه تعالى، و يمكن أن تكون (2) مصلحة تأليف قلب هذا الفظّ الغليظ، كما أمر اللّه سبحانه بذلك في سائر المنافقين لئلّا ينفضّوا عن رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فيلحق الإسلام ضرر أعظم من فوت المصلحة بترك التبشير في ذلك الوقت، و لا يخفى أنّ الاجتهاد المذكور ممّا لم يجوّزه كثير من العامّة، لكون المسألة ممّا يتعلّق بأمور الدين لا الحروب و أمور الدنيا، و (3) قد صرّح بذلك شارح صحيح مسلم في شرح هذا الخبر، و قال: عدم جواز الخطإ عليه صلّى اللّه عليه [و آله] في الأمور الدينيّة مذهب المحقّقين، و حكى عن شيخه أبي عمرو بن الصلاح توجيه النافين للاجتهاد المذكور بأنّه كان لوحي ناسخ للوحي السابق.
و أمّا الرواية الثانية فسوء الأدب فيها بالأخذ بالثوب و جذبه (صلّى اللّه عليه و آله) من خلفه واضح، و كذلك الإنكار على قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كما يظهر من قوله: إنّه منافق- بعد قوله (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي خيّرت- و قوله: فلمّا أكثرت عليه ..- بعد قوله (صلّى اللّه عليه و آله): أخّر عنّي، و نزول الآية (4)، و النهي
____________
(1) في (س): أن يكن، و هو سهو.
(2) في (س): أن يكون.
(3) لا توجد الواو في (س).
(4) إنّ رواياتهم في نزول الآية قبل هذه الواقعة أو بعدها مختلفة، فإن كانت الصلاة بعد نزول الآية فقد علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم أنّه مخيّر بين الصلاة عليهم و تركها، كما صرّح به (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و انتخاب أحد الشقّين لمصلحة و هي عين الحكمة.
و إن كانت الصلاة قبل نزول الآية فنتساءل: من اين جاء علم عمر بأنّ الصلاة عليهم منهيّ عنها- مع فرض عدم نزول القرآن و الوحي به؟!-، و إن لم يكن منهيّا عنها في نظره فلما ذا خاطب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: بأنّ الصلاة على المنافقين منهيّ عنها، و صرف استحسان ترك الصلاة عنده- مع كون عمل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بخلافه- لا يسوغ فعله و جرأته.
576
عن الصلاة على المنافقين لا يدلّ على تصويبه كما مرّ، و يمكن أن تكون المصلحة في اختياره (صلّى اللّه عليه و آله) الصلاة و نزول النهي أن يظهر للمنافقين أو غيرهم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يتنفّر عنهم لما يعود إلى البشريّة و الطبع بل لمحض الاتّباع لما أمره اللّه سبحانه، و في ذلك نوع من الاستمالة و تأليف القلوب.
ثم إنّهم رووا في أخبارهم من إنكاره و ردّه على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ما لا يتضمّن الرجوع.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (1) فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ كِتَابِهِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ حِبَّانُ (2) بْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ- يَعْنِي عَلِيّاً (عليه السلام)-؟. قَالَ: مَا هُوَ؟ لَا أَبَا لَكَ!. قَالَ: شَيْءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ. قَالَ:
مَا هُوَ؟. قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الزُّبَيْرَ وَ أَبَا مَرْثَدٍ- وَ كُلُّنَا فَارِسٌ-، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حَاجٍ ...، فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأْتُونِي بِهَا، فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَ كَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَيْهِمْ، فَقُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟. قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئاً، فَقَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى مَعَهَا كِتَاباً؟. قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟ ثُمَّ حَلَفَ عَلِيٌّ: وَ الَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا- وَ هِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ- فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
____________
(1) صحيح البخاريّ 4- 199 [9- 23- 24- دار الشعب-].
(2) في المصدر: حبان.
577
[وَ آلِهِ]: يَا حَاطِبُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِناً بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ لَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَ مَالِي، وَ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَ لَهُ هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ، قَالَ: صَدَقَ، لَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا (1) خَيْراً، قَالَ: فَعَادَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: أَ وَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ (2) الْجَنَّةَ؟، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قال أبو عبد اللّه: خاخ- يعني بخاءين معجمتين- أصحّ، و لكن كذا قال أبو عوانة: حاج- بالحاء المهملة ثم الجيم- و هو تصحيف، و هو موضع (3).
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (4) فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْراً مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) (5) مِثْلَهُ بِتَغْيِيرٍ فِي اللَّفْظِ.
قوله: فأهوت إلى حجزتها .. الحجزة- بضم الحاء المهملة ثم الجيم الساكنة ثم الزاي-: معقد الإزار، و حجزة السّراويل: تكّتها (6).
و اغرورقت عيناه: .. أي دمعتا (7).
و أبو عبد اللّه هو: البخاري.
و قال الواقدي: روضة خاخ- بالمعجمتين- قريب من ذي الحليفة على بريد
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: إنّه ..
(2) في (س): عليكم.
(3) إلى هنا كلام البخاري.
(4) صحيح البخاريّ 3- 7 [5- 99- دار الشّعب-].
(5) لا توجد في (س): عن عليّ (عليه السلام).
(6) نصّ عليه في الصحاح 3- 872: و فيه: التي فيها التكّة، بدلا من: تكّتها، و انظر: لسان العرب 5- 332، و مجمع البحرين 4- 14.
(7) جاء في القاموس 3- 271، و مجمع البحرين 5- 221، و انظر: النهاية 3- 361.
578
من المدينة (1).
أقول: ما في (2) هذه الرواية من عود عمر إلى قوله: قد خان اللّه و رسوله ..
دعني فلأضرب عنقه، بعد اعتذار حاطب و تصديق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاه، و قوله: لا تقولوا له إلّا خيرا .. ردّ صريح لقول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و ارتكاب لنهيه.
و اعتذار بعض المتعصّبين بأنّه ظنّ أنّ صدقه في عذره لا يدفع عنه ما يجب عليه من القتل في غاية السخافة، فإنّ قوله (ص): لا تقولوا له إلّا خيرا، بعد قوله: صدق، يهدم أساس هذه الأوهام، و لا ريب في أنّ من ردّ على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهه أحرى بضرب العنق ممّن تلقّى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عذره بالقبول، و نهى الناس عن تقريعه و توبيخه.
و ممّا يدلّ على أنّ عمر كان يخالف صريحا قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
مَا حَكَاهُ فِي كِتَابِ فَتْحِ الْبَارِي (3) فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأْلِيفِ قَالَ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي مَرَرْتُ بِوَادِي .. كَذَا فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ مُتَخَشِّعٌ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ (4) فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي كَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَرَجَعَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ لِعُمَرَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ فَرَآهُ
____________
(1) قال في النهاية 2- 86، و القاموس 1- 258: روضة خاخ: موضع بين مكّة و المدينة، و زاد في الثاني: و خاخ يصرف و يمنع. و راجع معجم البلدان 2- 235- 236، و مراصد الاطّلاع 1- 444. و هناك موضع باسم: حاج، قالوا: ذات حاج موضع بين المدينة و الشام، و ذو حاج:
واد لغطفان، كما جاء في معجم البلدان 2- 204، و مراصد الاطّلاع 1- 370.
(2) لا توجد في (س): ما في.
(3) فتح الباري 12- 251.
(4) لا توجد في (س): أبو بكر.
579
فِي تِلْكَ (1) الْحَالَةِ، فَرَجَعَ.
فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ [(عليه السلام)] فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ: إِنَّ هَذَا وَ أَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ (2) يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (3)، لَا يَعُودُونَ فِيهِ، فَاقْتُلُوهُمْ فَهُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ.
قال: و له شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى و رجاله ثقات.
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (4) فِي الْجُزْءِ الثَّانِي فِي شَرْحِ خُطْبَتِهِ (عليه السلام) فِي تَخْوِيفِ أَهْلِ النَّهَرِ. قَالَ: فِي بَعْضِ الصِّحَاحِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَ قَدْ غَابَ الرَّجُلُ- يَعْنِي ذَا الْخُوَيْصِرَةِ (5)- عَنْ عَيْنِهِ: قُمْ إِلَى هَذَا فَاقْتُلْهُ، فَقَامَ ثُمَّ عَادَ، وَ قَالَ: وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَقَالَ لِعُمَرَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَادَ وَ قَالَ:
وَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَقَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) مِثْلَ ذَلِكَ، فَعَادَ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَوْ قُتِلَ هَذَا لَكَانَ (6) أَوَّلَ الْفِتْنَةِ وَ آخِرَهَا، أَمَا إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ (7) ..
الْحَدِيثَ.
و قال الجزري (8)، في حديث الخوارج: «يخرج من ضئضئ هذا قوم ...
يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة»، الضّئضئ: الأصل يقال:
____________
(1) في (ك): على تلك.
(2) في المصدر: ترافيهم، و الظّاهر أنّها سهو.
(3) في فتح الباري زيادة: ثمّ.
(4) في شرح نهج البلاغة 2- 266- 267.
(5) لا توجد في المصدر: يعني ذا الخويصرة.
(6) أقول: إنّ (لو) هنا للتمني و جوابها محذوف كما هو الغالب، أي لو قتل هذا كان حسنا لكان هو أوّل الفتنة و آخرها، و اللّام في (لكان) للابتداء و التّأكيد. و يحتمل كون: لكان جوابا لها.
(7) لا توجد في شرح النّهج: يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة.
(8) في النهاية 3- 69.
580
ضئضئ صدق و ضؤضؤ صدق، و حكى بعضهم: ضئضيء بوزن قنديل يريد أنّه يخرج من نسله و عقبه، و رواه بعضهم: بالصّاد المهملة و هو بمعناه (1).
يمرقون من الدّين .. أي يجوزونه و يخرقونه و يتعدّونه كما يمرق السّهم الشّيء المرميّ به و يخرج منه (2)، و ستأتي الأخبار في ذلك مشروحة في باب كفر الخوارج (3).
وَ قَالَ فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (4): ذَكَرَ الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَ أَبُو نَعِيمٍ فِي حِلْيَتِهِ، وَ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي عِقْدِهِ، وَ أَبُو حَاتِمٍ فِي زِينَتِهِ، وَ الشِّيرَازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ تَفْسِيراً: أَنَّ الصَّحَابَةَ مَدَحُوا رَجُلًا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ فَدَفَعَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) سَيْفَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ فَرَآهُ يُصَلِّي فَرَجَعَ، فَدَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ وَ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ فَرَجَعَ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَلِيٍّ (عليه السلام) فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ (صلّى اللّه عليه و آله): لَوْ قُتِلَ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ أُمَّتِي اخْتِلَافٌ أَبَداً.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَكَانَ (5) أَوَّلَ الْفِتْنَةِ وَ آخِرَهَا.
فما أقدم عليه أبو بكر من الرجوع من دون أن يقتله- لكونه يصلّي- لا ريب في أنّه مخالفة ظاهرة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّ أمره بقتله (6) كان بعد أن وصفه أبو بكر بالصلاة و الخشوع، فلم يكن صلاته شبهة توهم دفع القتل، بل هو تقبيح صريح لأمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بقتله، و تكذيب لما يتضمّنه ذلك من وجوب قتله، و أفحش منه رجوع عمر بن الخطاب معتذرا بعين ذلك الاعتذار الذي ظهر بطلانه ثانيا أيضا بأمره بالقتل بعد رجوع أبي بكر، و اعتذاره و لزمهما بتلك المخالفة الشركة في آثام من خرج من ضئضئ هذا الرجل من الخوارج إلى
____________
(1) و جاء أيضا في لسان العرب 1- 110.
(2) ذكره في النهاية 4- 320، و لسان العرب 10- 341، و غيرهما.
(3) بحار الأنوار 33- 421- 428.
(4) الصّراط المستقيم 3- 8.
(5) في المصدر: و في قول آخر: لو قتل لكان ..
(6) لا توجد في (س): بقتله.
581
يوم القيامة.
و من أمعن النظر فيما سبق من الأخبار و غيرها علم أنّ ردّ عمر على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سلوكه مسلك الجفاء، و خلعه جلباب الحياء لم يكن مخصوصا بما أقدم عليه في مرضه (ص)، و منعه عن الوصيّة لم يكن (1) بدعا منه، بل كان ذلك عادة له، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصفح عنه و عن غيره من المنافقين و غيرهم خوفا على الإسلام و إشفاقا من أن ينفضّوا عنه لو قابلهم بمقتضى خشونتهم، و كافاهم بسوء صنيعهم (2).
____________
(1) في (ك) نسخة: و لم يكن- بالواو-.
(2) إنّ تجاسر الرجل و تعدّيه على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم في مرضه لم يكن إلّا استمرارا لسوء أدبه معه (صلّى اللّه عليه و آله) في موارد شتّى و مواضع مختلفة في أيّام حياته (صلوات الله عليه و آله).
منها: ما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم 2- 27 بسنده عن ابن مسيّب، قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلا فدعاني فخرجت إليه، ثمّ مرّ بأبي بكر فدعاه فخرج، ثمّ مرّ بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتّى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: أطعمنا بسرا، فجاء بعذق فوضعه، فأكلوا، ثمّ دعا بماء فشرب، فقال: ليسألن عن هذا يوم القيامة.
قال: و أخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتّى تناثر البسر نحو وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ثمّ قال: يا رسول اللّه! إنّا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟!. قال: نعم ...
الحديث.
و ذكره العسقلاني في الإصابة 7- 131 القسم الأوّل، و قال: أورده البغوي، و رواه أحمد بن حنبل في مسنده 5- 81، و ابن جرير في تفسيره 30- 185، و عليّ بن سلطان في مرقاته 4- 397، و قال: رواه أحمد و البيهقيّ في شعب الإيمان.
و منها: ما رواه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد باب وقت العشاء و تأخيرها بسنده عن أبي شهاب، عن عروة بن الزبير: أنّ عائشة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قالت: اعتمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلة من الليالي بصلاة العشاء- و هي التي تدعى العتمة- فلم يخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى قال عمر بن الخطّاب: نام النساء و الصّبيان. فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم .. و ساق الحديث إلى أن قال: قال ابن شهاب و ذكر لي: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] قال: ما كان لكم أن تنزوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على الصلاة، و ذلك حين صاح عمر بن الخطّاب.
و قد علّق عليهما و على التي ظهرت منه في حال مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الفيروزآبادي- (رحمه الله)- في السبعة من السلف: 104- 105.
582
و قد تبيّن من تفاسيرهم و صحاحهم أنّ عمر (1) كان داخلا فيمن أريد بقوله تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (2) فيكون من الذين قال اللّه تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (3)، و قد علم- أيضا ممّا سبق- أنّ الصحابة- إلّا الأصفياء منهم- لم يقدروا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقّ قدره، و لذلك مال طائفة إلى قول عمر و طائفة إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و سوّوا بينه و بين عمر، و جعلوه كواحد من المجتهدين و القائلين برأيهم ما شاءوا فجوّزوا ردّ ما قضى به و الإنكار لقوله (صلّى اللّه عليه و آله).
الثاني: التخلّف عن جيش أسامة.
و لا خلاف في أنّ عمر بن الخطاب كان من الجيش، و قد لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المتخلّف عنه.
و قد سبق في مطاعن أبي بكر ما فيه كفاية في هذا المعنى، و لا يجري هاهنا ما سبق من الأجوبة الباطلة في منع الدخول في الجيش، فتوجّه الطعن على عمر أظهر.
الثالث:
أنّه بلغ في الجهل إلى حيث لم يعلم بأنّ كلّ نفس ذائِقَةُ الْمَوْتِ*، و أنّه يجوز الموت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه أسوة الأنبياء في ذلك، فَقَالَ: وَ اللَّهِ
____________
(1) في (س): أنّه.
(2) آل عمران: 159.
(3) الحجّ: 11.
583
مَا مَاتَ حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِي رِجَالٍ وَ أَرْجُلَهُمْ!، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (1)، وَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (2) قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ أَيْقَنْتُ بِوَفَاتِهِ، وَ سَقَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ (3).
أقول: و يؤيّد ذلك ما ذكره ابن الأثير في النهاية (4) حيث قال: أسن الماء يأسن فهو آسن: إذا تغيّرت ريحه، و مِنْهُ حَدِيثُ الْعَبَّاسِ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ، قَالَ لِعُمَرَ: خَلِّ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ صَاحِبِنَا، فَإِنَّهُ يَأْسَنُ كَمَا يَأْسَنُ النَّاسُ .. أَيْ يَتَغَيَّرُ (5)، وَ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ لَمْ يَمُتْ وَ لَكِنَّهُ صَعِقَ كَمَا صَعِقَ مُوسَى وَ مَنَعَهُمْ عَنْ دَفْنِهِ.
و أجاب عنه قاضي القضاة (6) بأنّه قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ (7)
____________
(1) الزّمر: 30.
(2) آل عمران: 144.
(3) و يؤيّده ما جاء في طبقات ابن سعد 2- 54- القسم الثّاني- [267] بسنده عن عائشة، قالت: لمّا توفّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) استأذن عمر و المغيرة بن شعبة فدخلا عليه، فكشفا الثّوب عن وجهه، فقال عمر: وا غشيا! ما أشدّ غشي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، ثمّ قاما فلمّا انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر! مات و اللّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: كذبت ما مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) .. إلى أن قال: ثمّ جاء أبو بكر- و عمر يخطب النّاس- فقال له أبو بكر:
اسكت!، فسكت، فصعد أبو بكر: فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قرأ: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»، ثمّ قرأ: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» ... حتّى فرغ من الآية- إلى أن قال-: فقال عمر: هذا في كتاب اللّه؟. قال: نعم .. الحديث.
و رواه بطريق آخر باختلاف في اللّفظ. و أورده البخاريّ في صحيحه في باب مرض النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و وفاته، و فيه: قال عمر: و اللّه ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها.
(4) النهاية 1- 49- 50، و جاء بنصّه في لسان العرب 13- 16 و 18.
(5) في (س): يغير.
(6) المغني 20- 9- القسم الثاني-، و نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 12- 195 فما بعدها بتفاوت يسير، و جاء في الشافي 4- 173- 176.
(7) في المصدر: روى عنه: كيف.
584
يَمُوتُ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (1): لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (2)، وَ قَالَ (3): وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (4) فلذلك نفى موته (صلّى اللّه عليه و آله)، لأنّه حمل الآية على أنّه (5) خبّر عن ذلك في حال حياته حتى قال له أبو بكر: إنّ اللّه وعد بذلك و سيفعله، و تلا عليه (6) فأيقن عند ذلك بموته، و إنّما ظنّ أنّ موته متأخّر (7) عن ذلك الوقت، لا أنّه منع من موته.
ثم قال: فإن قيل: فلم قال لأبي بكر- عند سماع الآية-: كأنّي لم أسمعها، و وصف نفسه بأنّه أيقن بالوفاة.
قلنا: (8): لمّا كان الوجه في ظنّه ما أزال الشبهة أبو بكر (9) فيه جاز أن يتيقّن.
ثم سأل (10) نفسه عن سبب يقينه في ما لا يعلم إلّا بالمشاهدة، و أجاب بأنّ قرينة الحال عند سماع الخبر أفادته اليقين (11)، و لو لم يكن في ذلك إلّا خبر أبي بكر و ادّعاؤه لذلك و الناس مجتمعون لحصل (12) اليقين.
و قوله: كأنّي لم أسمع بهذه الآية و لم أقرأها (13) .. تنبيه على ذهابه عن
____________
(1) لا توجد في المغني: تعالى.
(2) الصّفّ: 9.
(3) في المصدر: قال تعالى.
(4) النّور: 55.
(5) في المغني: لأنّه على أنّها. أقول: و عليه في الكلام سقط.
(6) في المغني: و تلا عليه ما تلا.
(7) في المصدر: يتأخّر.
(8) في المغني: قيل له.
(9) في المصدر:- بتقديم و تأخير-: ما أزال أبو بكر الشبهة.
(10) سؤال القاضي في المغني 20- 10- القسم الثاني-.
(11) في المصدر: و أجاب لأنّ الحال حال سماع الخبر، بدلا من: بأن .. اليقين.
(12) في المغني: مجمعون يحصل.
(13) في المصدر: كأنّي لم أقرأ هذه الآية أو لم أسمعها.
585
الاستدلال بها، لا أنّه على (1) الحقيقة لم يقرأها و (2) لم يسمعها، و لا يجب فيمن ذهب عن بعض (3) أحكام الكتاب أن يكون (4) لا يعرف القرآن، لأنّ ذلك لو دلّ لوجب (5) أن لا يحفظ القرآن إلّا من يعرف جميع أحكامه (6).
و أجاب بنحو ذلك الرازي في نهاية العقول (7)، و بمثله أجاب صاحب المقاصد (8).
و أجاب السيد رضي اللّه عنه في الشافي (9) عن جواب القاضي بأنّه: ليس يخلو خلاف عمر في وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من أن يكون على سبيل الإنكار لموته (ص) على كلّ حال، و الاعتقاد لأنّ (10) الموت لا يجوز عليه (11) أو يكون منكرا لموته في تلك الحال من حيث لم يظهر دينه على الدين كلّه .. و ما أشبه ذلك ممّا قال صاحب الكتاب أنّها كانت شبهة في تأخّر موته عن تلك الحال.
فإن كان الوجه الأول، فهو ممّا لا يجوز خلاف العقلاء فيه (12)، و العلم بجواز الموت على سائر البشر لا يشكّ فيه عاقل، و العلم من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) بأنّه
____________
(1) جاءت: في، بدلا من: على، في المصدر.
(2) في المغني: أو، بدلا من: الواو.
(3) في المصدر: عنه- مع الضمير-.
(4) لا توجد: يكون، في المغني.
(5) في مطبوع البحار: أو وجب، و الظاهر ما أثبتناه.
(6) لا توجد: إلّا من يعرف جميع أحكامه، في المغني.
(7) نهاية العقول: مخطوط.
(8) انظر: شرح المقاصد 5- 281، و قد ذكر متن المقاصد ثمّ أخذ بشرحه في الصفحة التالية.
(9) الشافي 4- 176- 177.
(10) في المصدر: بأن، و هو الظاهر.
(11) في الشافي زيادة: على كلّ وجه.
(12) في المصدر: في مثله.
586
سيموت كما فات (1) من قبله ضروريّ، و لا (2) يحتاج في مثل هذا إلى الآيات التي تلاها أبو بكر من قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (3) و ما أشبهه.
و إن كان خلافه على الوجه الثاني، فأوّل ما فيه أنّ هذا الخلاف لا يليق بما احتجّ به أبو بكر من قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (4) لأنّه لم ينكر على هذا جواز الموت، و إنّما خالف في تقدّمه و إن كان يجب أن يقول و أيّ (5) حجّة في هذه الآيات على من جوّز عليه (صلّى اللّه عليه و آله) الموت في المستقبل و أنكره في هذه الحال.
و بعد، فكيف دخلت الشبهة البعيدة على عمر من بين سائر الخلق؟ و من أين زعم أنّه لا يموت حتّى يقطع أيدي رجال و أرجلهم؟ و كيف حمل معنى قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (6)، و قوله تعالى: وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (7)، على أنّ ذلك لا يكون في المستقبل و (8) بعد الوفاة، و كيف لم يخطر هذا إلّا لعمر وحده؟ و معلوم أنّ ضعف الشبهة إنّما يكون من ضعف الفكرة و قلّة التأمّل و البصيرة، و كيف لم يوقن بموته لمّا رأى عليه أهل الإسلام من اعتقاد موته و ما ركبهم من الحزن و الكآبة لفقده؟ و هلّا دفع بهذا اليقين ذلك التأويل البعيد فلم يحتج إلى موقف و معرف، و قد كان يجب- إن كانت هذه شبهة- أن يقول في حال مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد رأى جزع أهله و أصحابه و خوفهم عليه الوفاة، حتى يقول أسامة بن زيد- معتذرا من تباطئه عن
____________
(1) جاءت في الشافي: مات، بدلا من: فات، و هو الظاهر.
(2) في المصدر: و ليس، بدلا من: و لا.
(3) الزمر: 30.
(4) الزمر: 30.
(5) في المصدر: و قد كان يجب أن يقول له و أيّ ..
(6) الصفّ: 9.
(7) النور: 55. و لم تجئ في المصدر: يعبدونني لا يشركون بي شيئا.
(8) لا توجد الواو في الشافي.
587
الخروج في الجيش الذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يكرّر و يردّد الأمر (1) بتنفيذه-: لم أكن لأسأل عنك الركب؟ ما هذا الجزع و الهلع و قد أمّنكم اللّه من موته .. بكذا، و من وجه .. كذا (2)، و ليس هذا من أحكام الكتاب التي يعذر من لا يعرفها- على ما ظنّه- صاحب الكتاب، انتهى كلامه (قدس الله روحه).
و أقول (3): و أعجب من قول عمر قول من يتوجّه لتوجيه كلامه! و أيّ أمر أفحش من إنكار مثل هذا الأمر عن مثل عمر- مع اطّلاعه على مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) منذ حدث إلى أوان اشتداده، و انتهاء حاله إلى حيث انتهى- و كانت ابنته زوجة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و من ممرّضاته، و قد رجع عن جيش أسامة بعد أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) له بالخروج في الخارجين (4) خوفا من أن يحضره الوفاة فينقل الأمر إلى من لا يطيب نفسه به، و كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد بيّن للناس في مجالس عديدة دنوّ أجله و حضور موته، و أوصى للأنصار و أمر الناس باستيفاء حقوقهم كما هو دأب من حضره الموت، كما روي مفصّلا في صحيح البخاري (5) و صحيح مسلم (6) و صحيح الترمذي (7) و كتاب جامع الأصول (8) و كامل ابن الأثير (9) و غيرها (10) من كتب السير و الأخبار.
____________
(1) في الشافي زيادة: حينئذ.
(2) جاءت العبارة في المصدر هكذا: من كذا و كذا من وجه كذا.
(3) في (ك): أقول،- بلا واو-.
(4) في (س): بالخارجين.
(5) صحيح البخاريّ 5- 227 باب الوصايا و المغازي، باب مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و وفاته، و كتاب فضائل القرآن باب الوصاة بكتاب اللّه عزّ و جلّ.
(6) صحيح مسلم كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به، حديث 1634.
(7) سنن الترمذي في الوصايا حديث 2120.
(8) جامع الأصول 11- 634، حديث 9255 و ما بعده.
(9) الكامل لابن الأثير 2- 215- 218.
(10) و جاء في سنن النسائي 6- 240 في الوصايا و غيرها.
588
وَ قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ (1) فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَوْماً فِينَا خَطِيباً بِمَاءٍ يُدْعَى خُمّاً (2)- بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ وَعَظَ وَ ذَكَرَ (3)، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا (4) أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَ أَنَا تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَ النُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَ اسْتَمْسِكُوا بِهِ .. فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ رَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ أَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .. أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي .. (5).
وَ قَدْ رُوِيَ مُتَوَاتِراً مِنَ الطَّرِيقَيْنِ قَوْلُهُ لِعَلِيٍّ (عليه السلام): سَتُقَاتِلُ بَعْدِيَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ (6).
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: عَلِيٌّ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي (7).
____________
(1) صحيح مسلم 4- 1873، حديث 2408.
(2) في (س): ضما، و لا معنى لها، لاحظ عنها معجم البلدان 2- 389- 390، و مراصد الاطّلاع 1- 482.
(3) في (س): و ذكرتم، بدل: و ذكر.
(4) وضع في (ك) رمز نسخة بدل على: ألا.
(5) و قريب منه ما رواه التّرمذيّ في سننه كتاب العلم باب 16 برقم 2678، و كتاب المناقب باب 77 برقم 3790 بعدّة طرق، و أبو داود في سننه، كتاب السّنّة باب لزوم السّنّة برقم 4607، و أحمد في مسنده 4- 126- 127، و ابن ماجة في المقدّمة: 42.
(6) نذكر جملة من المصادر- مثالا هنا- لكون الحديث متواترا عند الفريقين، فقد أخرجه الحاكم في المستدرك 3- 139- 140، و الكنجيّ في الكفاية: 70، و الخطيب في تاريخ بغداد 8- 340 و 13- 186- 187، و جاء في جمع الجوامع- كما في التّرتيب- 6- 392، و مناقب الخوارزميّ: 52 و 58، و كنز العمّال 6- 72، 88، 154، 155، و الاستيعاب 3- 53، و تاريخ ابن كثير 7- 306، و تاريخ ابن عساكر 5- 41. و لا يختلف اثنان من الخاصّة في صحّة الحديث و تواتره و لا حاجة لذكر مصادره.
(7) جامع الأصول 8- 652، حديث 6492. و أخرجه التّرمذيّ في المناقب برقم 3713.
589
وَ قَدْ رَوَوْا فِي الْمُفْتَرَيَاتِ: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ (1).
و قد كان كثير ممّا ذكر ممّا (2) خطب به (صلّى اللّه عليه و آله) على رءوس الأشهاد، فهل يجوّز عاقل أن لا يقرع شيء من ذلك سمع عمر- مع شدّة ملازمته للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- و من شكّ في مثل ذلك هل يجوّز من شمّ رائحة من العقل أن يفوّض إليه أمر بهيمة فضلا عن أن يفوّض إليه أمر جميع المسلمين، و يرجع إليه في جميع أحكام الدين.
و أمّا اعتذار ابن أبي الحديد (3) بأنّه لم ينكر ذلك عمر (4) على وجه الاعتقاد، بل على الاستصلاح، و للخوف من ثوران الفتنة قبل مجيء أبي بكر، فلمّا جاء أبو بكر قوي به جأشه (5) فسكت عن هذا (6) الدعوى، لأنّه قد أمن بحضوره من خطب يحدث أو فساد يتجدّد.
فيرد عليه:
أوّلا: أنّه لو كان إنكاره ذلك إيقاعا للشبهة في قلوب الناس حتّى يحضر أبو بكر لسكت عن دعواه عند حضوره.
و قد روى ابن الأثير في الكامل (7) أنّ أبا بكر أمره بالسكوت فأبى، و أقبل أبو بكر على الناس، فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه و تركوا عمر.
و ثانيا: أنّه لو كان الأمر كما ذكر لاقتصر على إنكار واحد بعد حضور أبي
____________
(1) يراجع الموضوعات لابن الجوزيّ و غيره. و ناقشه شيخنا المفيد طاب ثراه في الإفصاح المطبوع مع عدّة رسائل: 138- 142، سندا و دلالة، و لعلّه أقل و أحقر من هذا الاهتمام.
(2) لا توجد في (س): ذكر ممّا.
(3) في شرحه على نهج البلاغة 2- 42- 43، و هو نقل بالمعنى.
(4) في (س): عمر ذلك- بتقديم و تأخير-.
(5) قال في القاموس 2- 264: الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع، و نفس الإنسان ..
و جاش إليه- كمنع-: أقبل، و نفسه: ارتفعت من حزن أو فزع.
(6) كذا، و الظاهر: هذه.
(7) الكامل 2- 324 [2- 219- بيروت-].
590
بكر، و قد اعترف ابن أبي الحديد (1) بتكرّر الإنكار بعد الحضور أيضا.
و ثالثا: أَنَّهُ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2): رَوَى جَمِيعُ أَرْبَابِ السِّيرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ (3) أَبُو بَكْرٍ فِي مَنْزِلِهِ بِالسُّنُحِ (4)، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَظْهَرَ دِينُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَ لَيَرْجِعَنَّ فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَ أَرْجُلَهُمْ مِمَّنْ أَرْجَفَ (5) بِمَوْتِهِ، وَ لَا أَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَ كَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَالَ: بِأَبِي وَ أُمِّي طِبْتَ حَيّاً وَ مَيِّتاً، وَ اللَّهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَداً، ثُمَّ خَرَجَ وَ النَّاسُ حَوْلَ عُمَرَ وَ هُوَ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَ يَحْلِفُ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْحَالِفُ! عَلَى رِسْلِكَ (6)، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ، وَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (7)، وَ قَالَ: أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (8)، قَالَ عُمَرُ: فَوَ اللَّهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حَيْثُ سَمِعْتُهَا أَنْ سَقَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ مَاتَ (9).
____________
(1) في شرحه على النهج 2- 40.
(2) شرح النّهج لابن أبي الحديد 2- 40- 41.
(3) في (س): كان تؤتي كان.
(4) جاء في حاشية (ك): قال الجزري: و في حديث أبي بكر كان منزله بالسنح- هي بضمّ السّين و النّون، و قيل بسكونها-: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحرث من الخزرج. (منه (رحمه الله)).
انظر: النّهاية 2- 407 و فيها: الحارث بن الخزرج. و لاحظ القاموس 1- 229.
(5) قال في القاموس 3- 142 و 143: أرجف القوم: تهيّئوا للحرب، و الرّعد: ترددت هدهدته في السّحاب.
(6) على رسلك يقال لمن يتأنّى و يعمل الشّيء على هنيئة، قاله في لسان العرب 11- 382، و غيره.
(7) الزّمر: 30.
(8) آل عمران: 144.
(9) كما صرّح بذلك ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 2- 40- 41، و قريب منه في صفحة:
43 من نفس المجلّد.
591
وَ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُ (1) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَاتَ وَ أَبُو بَكْرٍ بِالسُّنُحِ، قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: تَعْنِي بِالْعَالِيَةِ، فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ (ص). قَالَتْ: وَ قَالَ عُمَرُ: وَ اللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَ أَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ (2) رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَبَّلَهُ، وَ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي طِبْتَ حَيّاً وَ مَيِّتاً، وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ (3) اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَداً، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ! عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ قَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً ... الْخَبَرَ (4).
فقوله: في رواية عائشة: و اللّه ما كان يقع في نفسي إلّا ذاك .. صريح في نفي ما (5) ذكره، إذ ظاهر أنّه حكاية كلام عمر بعد تلك الواقعة مؤكّدا بالحلف عليه، بل لا يرتاب ذو فطنة في أنّ قوله: فو اللّه ما ملكت نفسي حيث سمعتها أن سقطت إلى الأرض و علمت أنّ رسول اللّه قد مات .. ممّا قاله عمر بعد ذلك اليوم و حكاية لما جرى فيه، فلو كان للمصلحة لا على وجه الاعتقاد لبيّن (6) ذلك للناس بعد مجيء أبي بكر، أو بعد ذلك اليوم و زوال الخوف، و لم ينقل أحد من نقلة الأخبار ذلك، بل رووا ما يدلّ على خلافه.
قَالَ الْمُفِيدُ (قدس الله روحه) فِي الْمَجَالِسِ (7): رُوِيَ عَنْ (8) مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
____________
(1) صحيح البخاريّ 7- 22- 23 في فضائل أصحاب النّبيّ (ص)، و في الجنائز باب الدّخول على الميّت بعد الموت إذا أدرج في كفنه، و في كتاب المغازي باب مرض النّبي (ص).
(2) لا يوجد في الجامع: وجه.
(3) في نسخة جاءت في جامع الأصول: لأيذيقنك.
(4) و أورده في جامع الأصول 4- 85- 87، حديث 2074.
(5) لا توجد: ما، في (س).
(6) في (س): تبيّن.
(7) كتاب العيون و المحاسن للشّيخ المفيد: 195- 196.
(8) لا توجد في (س): عن.
592
عَنِ الزُّهْرِيِ (1)، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّقِيفَةِ- وَ كَانَ الْغَدُ- جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ (2) قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ (3) وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي (4) كُنْتُ قُلْتُ لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ إِلَّا عَنْ رَأْيٍ، وَ مَا وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَ لَا كَانَتْ لِعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَكِنْ قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُسْتَدْبِرُ (5) أَمْرِنَا حَتَّى يَكُونَ آخِرَنَا مَوْتاً.
قَالَ: وَ رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ وَ (6) مَا مَعَهُ غَيْرِي، وَ هُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ وَ يَضْرِبُ قَدَمَيْهِ بِدِرَّتِهِ إِذِ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! هَلْ تَدْرِي مَا حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِيَ الَّتِي قُلْتُ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. قَالَ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي، أَنْتَ أَعْلَمُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ:
فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي (7) كُنْتُ أَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (8)، فَكُنْتُ (9) أَظُنُّ أَنَّهُ سَيَبْقَى بَعْدَ أُمَّتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ (10) أَعْمَالِهَا، فَإِنَّهُ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ.
و الظاهر أنّه جعل المخاطب بقوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً .. (11)
____________
(1) قد تقرأ في (س): الزهيري، و هو غلط.
(2) في المصدر زيادة: من، قبل: قبل.
(3) لا توجد: عزّ و جلّ في (ك) و لا المصدر.
(4) في العيون: قد كنت، بدلا من: إنّي كنت.
(5) في المصدر: سيدبر.
(6) لا توجد الواو في المصدر.
(7) في المصدر: أنّني.
(8) البقرة: 143.
(9) في المصدر: و كنت.
(10) في العيون: تأخّر.
(11) البقرة: 143.
593
جميع الأمّة، فيلزم على ما فهم من دلالة الشهادة على البقاء و تأخّر الموت أن يعتقد تأخّر موت كلّ واحد من الأمّة عن الناس، فكان عليه أن لا يذعن بموت أحد من الأمّة، و لو سامحنا في كون المراد بعض الأمّة لانهدم أساس إنكاره، إذ لا شكّ في تأخّر موته (صلّى اللّه عليه و آله) عن بعض أمّته، و أنّه قد مات قبله كثير من أمّته، و لو كان المراد ب (البعض) الصحابة لزمه أن لا يذعن بموت أحد منهم، و لم يتعينّ ذلك البعض بوجه آخر حتى يزعم تأخّر موته (صلّى اللّه عليه و آله) عنهم.
و بالجملة، سوء الفهم و سخافة الرأي في مثل هذا الاستنباط ممّا لا يريب فيه عاقل، و الظاهر أنّ هذا الاعتلال ممّا تفطّن به بعد حال الإنكار فدفع به بزعمه شناعة إنكاره.
ثم إنّه أجاب شارح المقاصد (1) بوجه آخر، و هو: أنّ ذلك الاشتباه كان لتشوّش البال، و اضطراب الحال، و الذهول عن جليّات الأحوال.
و حكى شارح كشف الحقّ (2) عن بعضهم أنّه قال: كان هذا الحال من غلبة المحبّة، و شدّة المصيبة، و إنّ قلبه كان لا يأذن له أن يحكم بموت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) .. و هذا أمر كان قد عمّ جميع المؤمنين بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى جنّ بعضهم، و أغمي على بعضهم من كثرة الهمّ، و اختبل بعضهم، فغلب عمر شدّة حال المصيبة، فخرج عن حال العلم و المعرفة و تكلّم بعدم موته و أنّه ذهب إلى مناجاة ربّه .. و أمثال هذا لا يكون طعنا.
و يرد عليه أنّه من الضروريات العادية أنّ من عظمت عليه المصيبة و جلّت الرزيّة بفقد حبيبه حتى اشتبهت عليه الأمور الضروريّة لا يترك تجهيزه و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه، و لا يسرع إلى السقيفة لعقد البيعة و الطمع في الخلافة
____________
(1) شرح المقاصد 5- 282.
(2) المراد به: الفضل بن روزبهان المعروف بخواجه مولانا، و خواجة الخنجي، و كتابه هو: إبطال المنهج الباطل في الردّ على ابن المطهّر الحلّي، و لا نعرف له نسخة خطيّة أو مطبوعة، سوى ما جاء في إحقاق الحقّ، و لم نجد هذه العبارة هناك.
594
و الإمارة؟! و لم لم يتكلّم في ذلك المجلس من شدّة الحزن و الوجد ما ينافي غرضه و لا يلائم في (1) تدبيره الميشوم، و لم يأت في أمر الرئاسة و غصب الخلافة بهجر و لا هذيان، و لم يتخلّل من الزمان ما يسع (2) لاندمال الجرح و نسيان المصيبة؟ و كيف لم يأذن قلبه في الحكم بموته (صلّى اللّه عليه و آله) مع أنّه لم يضق صدره بأن يقول في وجهه الكريم: إنّه ليهجر، و يمنعه من إحضار ما طلب، و يقول: حسبنا كتاب اللّه، الذي هو في قوّة قوله: لا حاجة لنا بعد موتك إلى كتاب تكتبه لنا!! و من بلغ به الحبّ إلى حيث يخرجه من حدّ العقل لا يجبه حبيبه بمثل هذا القول الشنيع، و لا يرفع صوته في الردّ عليه، و منازعة المنازعين من حدّ العقل (3) إلى حدّ يخرجه الحبيب و إيّاهم عن البيت و يقول: اعزبوا عنّي و لا ينبغي التنازع عندي (4)، و لا ينكر ذلك إلّا متعنّت لم يشم رائحة الإنصاف، و ما ذكره من جنون بعض الصحابة، و إغماء بعضهم، و خبل الآخرين فشيء لم نسمعه إلى الآن، نعم، لو عدّ ما أتوا به من ترك جسده المطهّر و المسارعة إلى السقيفة طمعا في الرئاسة و شوقا إلى الإمارة من فنون الجنون و ضروب الخبل لكان له وجه.
الرابع: أنّه حرّم (5) المتعتين، متعة الحجّ و متعة النساء.
و لم يكن له أن يشرّع في الأحكام و ينسخ ما أمر به سيّد الأنام (صلّى اللّه عليه و آله)، و يجعل اتّباع نفسه أولى من اتّباع من لا ينطق عن الهوى، و تفصيل القول
____________
(1) لا توجد في (س): في.
(2) في (س): لا يسع.
(3) من حدّ العقل، لا توجد في (س).
(4) ما في (س) تقرأ: الشارع عني. و لا معنى لها.
(5) في (س): حرمة.
595
في ذلك (1): أنّ متعة النساء (2) لا خلاف بين الأمّة قاطبة في أصل شرعيّتها و إن اختلفوا في نسخها و دوام حكمها (3)، و فيها نزلت قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (4) على أكثر التفاسير و أصّحها (5).
____________
(1) أقول: لا حاجة لبسط القول في المتعة بعد ما أغرق البحث فيها محقّقو أصحابنا و لا سيّما الأواخر منهم نظير: سيّدنا السيّد عبد الحسين شرف الدين، و سيّدنا السيّد المحسن الأمين، و شيخنا الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء، و أفرد فيها الأستاذ توفيق الفكيكي كتابا و غيرهم، و سبقهم شيخنا المفيد في عدّة رسائل، و كذا سيّدنا المرتضى و غيرهم من أعلامنا طاب ثراهم. و قد أدّوا فيها حقّ المقال.
و انظر الغدير 6- 228 و ما بعدها و غيرها.
(2) متعة النساء، أو النكاح، أو الزواج الموقّت باختصار هو عقد مؤجّل بوقت معيّن بمهر معيّن بشرائط قرّرتها الشريعة الإسلاميّة.
(3) قد عدّ شيخنا الأميني في غديره 6- 220- 222: أكثر من عشرين مجوّزا من الصحابة و التابعين، و في 3- 333: قالوا بالإباحة مع وقوفهم على نهي عمر. و ذكر القرطبيّ في تفسيره 5- 133، و ابن حجر في فتح الباري 9- 142، و غيرها: أنّ أهل مكّة و اليمن كلّهم يرون المتعة حلالا.
(4) النساء: 24.
(5) نذكر جملة من تفاسير العامّة التي ذكر فيها نزول هذه الآية في المتعة، منها: تفسير أبي حيّان 3- 218 عن جمع من الصحابة و التابعين، و تفسير الطبريّ 5- 9 عن ابن عبّاس و أبي بن كعب و الحكم و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و شعبة و أبي ثابت، و تفسير البغوي 1- 423 عن جمع، و تفسير الزمخشري 1- 360، و تفسير القرطبيّ 5- 130 و فيه: قال الجمهور: إنّها في المتعة، و أحكام القرآن للجصاص 2- 178 حكاه عن عدّة، و أحكام القرآن للقاضي 1- 162 رواه عن جمع، و تفسير الخازن 1- 357 عن قوم، و تفسير البيضاوي 1- 269، و تفسير ابن كثير 1- 474 عن جمع من الصحابة و التابعين، و تفسير السيوطي 2- 140 رواه عن جمع من الصحابة و التابعين بطريق الطبراني و عبد الرزاق و البيهقيّ و ابن جرير و عبد بن حميد و أبي داود و ابن الأنباري [الدرّ المنثور 2- 246- 247]، و تفسير أبي السعود 3- 251.
و نذكر جملة من مصادرهم غير التفاسير مثالا: شرح صحيح مسلم للنووي 9- 181، و الجامع الكبير للسيوطي 8- 293 و 295، و مسند أحمد بن حنبل 3- 356، و 4- 436، و الموطأ لمالك 2- 30، و الفائق للزمخشري 1- 331، و تاريخ ابن خلّكان 1- 359، و المحاضرات للراغب الأصفهاني 2- 94، و فتح الباري لابن حجر 9- 141، و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 93. و أورد جملة أخرى منها العلّامة المجلسي (ره) في المتن. و في هذا كفاية لمن ألقى التعصّب وراء ظهره و نصب الإنصاف بين عينيه و ألقى السمع و هو شهيد.
596
و قد أجمع أهل البيت (عليهم السلام) على دوام شرعيّتها، كما ورد في الأخبار المتواترة (1).
و قال الفخر الرازي في التفسير (2): اتّفقت الأمّة على أنّها كانت مباحة في ابتداء الإسلام، قال.:
وَ (3) رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ تَزَيَّنَ نِسَاءُ مَكَّةَ، فَشَكَا أَصْحَابُ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) طُولَ الْعُزْبَةِ، فَقَالَ: اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ (4).
و قد صرّح بهذا الاتّفاق كثير من فقهاء الإسلام.
وَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (5)، وَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (6)، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ (7) يَقُولُ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) انظر: الكافي 2- 44، التهذيب 2- 189، الاستبصار 2- 29، من لا يحضره الفقيه 3- 149، الخصال 1- 75، 106، 396، الاحتجاج 2- 306، 311، قرب الإسناد: 21، 77، 109، 110، 159، 160، 161، تحف العقول: 355، معاني الأخبار: 225، فقه الرضا (ع):
30، المحاسن: 330، السرائر: 483، تفسير عليّ بن إبراهيم 1- 136، 2- 207، تفسير العيّاشيّ 1- 233 و 234، المقنع للصدوق و الهداية، و الانتصار للسيّد المرتضى، و المراسم لابن يعلى سلّار الديلميّ، و المبسوط و النهاية للشيخ الطوسيّ، و التحرير للعلّامة الحلّي 2- 27، و شرح اللمعة الدمشقية 2- 82- حجريّة-، و الحدائق الناضرة 6- 152، و جواهر الكلام 5- 165، و رسالة المتعة للشيخ المفيد- (قدّس سرّه)-، و غيرها كثير.
(2) تفسير الفخر الرازيّ 10- 49 [3- 200]، و فيه: اتّفقوا، بدلا من: اتّفقت الأمّة.
(3) لا توجد في المصدر: قال و.
(4) و قد ذكر فيه روايتين عن ابن عبّاس و عمران بحلّيّة المتعة، فراجع.
(5) صحيح مسلم كتاب النّكاح باب نكاح المتعة برقم 1404 بطرق عديدة، و أورده البخاري في صحيحه 8- 207 في تفسير سورة المائدة، و في النّكاح باب تزويج المعسر الّذي معه القرآن و الإسلام، و باب ما يكره من التّبتّل و الخصاء.
(6) جامع الأصول 10- 444 حديث 8986.
(7) في المصدرين: عبد اللّه بن مسعود.
597
لَيْسَ لَنَا (1) نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَ لَا نَسْتَخْصِي (2)؟! فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ (3)، فَكَانَ أَحَدُنَا يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (4).
و قد روى هذا الخبر في المشكاة (5) و عدّه من المتّفق عليه.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) وَ مُسْلِمٌ (7) فِي صحيحهما [صَحِيحَيْهِمَا، وَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (8)، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَ عَنْ جَابِرٍ (9)، قَالا: خَرَجَ (10) عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا (11) فَاسْتَمْتِعُوا .. يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ.
وَ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَتَانَا فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ.
____________
(1) جاءت: معنا، بدلا من: لنا، في المصدرين.
(2) في مطبوع البحار: أ لا نستحضي. و في جامع الأصول: لا نختصي. قال في الصّحاح 6- 2328: و خصيت الفحل خصاء- ممدودا-: إذا سللت خصيته. و كذا في القاموس المحيط 4- 324، و مجمع البحرين 1- 124.
(3) الكلمة مشوشة في المطبوع من البحار.
(4) المائدة: 87. و رواه في مسند أحمد بن حنبل 1- 420، و بطريق آخر في صفحة: 432، و سنن البيهقيّ باب نكاح المتعة المجلّد السّابع بأربع طرق، و شرح معاني الآثار كتاب النّكاح باب نكاح المتعة، و مسند الشّافي: 94 قال: ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة إلى أجل بالمسمى. و انظر صفحة:
216 أيضا.
(5) مشكاة المصابيح: 3- 273.
(6) صحيح البخاريّ 9- 148 و 149 في النّكاح باب نهي النّبيّ (ص) عن نكاح المتعة!!.
(7) صحيح مسلم كتاب النّكاح باب نكاح المتعة برقم 1405 بطريقين.
(8) جامع الأصول 11- 445 حديث 8988. و رواه أحمد بن حنبل في مسنده 4- 47 و 51. و جاء في شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب النّكاح، باب نكاح المتعة باختلاف في اللّفظ.
(9) في المصادر: جابر بن عبد اللّه.
(10) في المصدر: كنّا في جيش فخرج.
(11) في (ك): تتمتّعوا، و لا توجد في المصادر: فاستمتعوا.
598
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (1) فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِراً فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ، فَقَالَ: نَعَمْ اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ (2).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (3)- أَيْضاً- وَ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَ الدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ (5) حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ (6).
وَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ (7) قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَ ابْنَ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
____________
(1) صحيح مسلم 1- 395.
(2) و أورده أبو داود في مسنده المجلّد السّادس عشر باب الصّداق مختصرا، و رواه أحمد في مسنده 3- 380، و ذكره المتّقي في كنز العمّال 8- 294. و قال: أخرجه عبد الرّزّاق، و قريب منه ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3- 304 عن جابر، و في آخره: حتّى نهانا عمر.
(3) صحيح مسلم 1- 395 كتاب النّكاح باب نكاح المتعة حديث 1405.
(4) جامع الأصول 11- 451 حديث 8993.
(5) لا توجد: و عمر، في جامع الأصول.
(6) و رواه البيهقيّ في سننه المجلّد السّابع باب ما يجوز أن يكون مهرا بطريقين، و ذكره العسقلانيّ في تهذيب التّهذيب 10- 371، و المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 8- 294، و قال في آخره: و كنّا نعتدّ من المستمتع منهنّ بحيضة، قال: أخرجه عبد الرّزّاق. و جاء عن أبي سعيد الخدريّ- كما في مسند أحمد بن حنبل 3- 22- أنّه قال: كنّا نتمتّع على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالثّوب. و قريب منه ما أخرجه الطّبريّ عن جابر كما في كنز العمّال 8- 293، و انظر: عمدة القارئ للعيني 8- 310، و بداية المجتهد 2- 58، و غيرها.
(7) صحيح مسلم 1- 395 كتاب الحجّ باب التّقصير في العمرة، و انظر: مسند أحمد بن حنبل 1- 52 و 3- 325 و 356، 363 قد رواه بطرق، و سنن البيهقيّ 7- 206، و شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب المناسك: 401، و كنز العمّال 5- 21 و 8- 293- 294 قال: أخرجه ابن جرير، و أحكام القرآن للجصاص 2- 178، و تفسير الرّازيّ 3- 26، و الدّرّ المنثور 1- 216، و مسند الطّيالسيّ:
247.
599
اللَّهُ عَلَيْهِ [وَ آلِهِ]، ثُمَّ نَهَانَا عُمَرُ عَنْهُمَا فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا (1).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (2)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ وَ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ:
عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَ إِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اثبوا [أَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ (3).
____________
(1) و يؤيّده ما ذكره الطّحاويّ في شرح معاني الآثار في كتاب النّكاح باب نكاح المتعة عن سعيد بن جبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزّبير يخطب- و هو يعرّض بابن عبّاس يعيب عليه قوله في المتعة-، فقال ابن عبّاس: يسأل أمّه إن كان صادقا. فسألها، فقالت: صدق ابن عبّاس قد كان ذلك.
فقال ابن عبّاس: لو شئت لسمّيت رجالا من قريش ولدوا فيها (يعني في المتعة). و قريب منه ما في محاضرات الرّاغب 2- 94، و كتاب العلم لابن عمر 2- 196، و مختصره: 226.
و قال ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 139: قال ابن عبّاس: أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزّبير.
و يقرب منه ما جاء في صحيح مسلم أيضا 1- 354 بطريقين عن مسلم القري و عبد الرّحمن، و روى في مسند أبي داود الطّيالسيّ: 227 عن مسلم القري، قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر، فسألناها عن متعة النّساء؟. فقالت: فعلناها على عهد النّبيّ (ص). و ما رواه ابن جرير- على ما ذكره المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 8- 293 و 294، و ما أورده ابن حجر العسقلانيّ في الإصابة 3- القسم الأوّل-: 114 و 133، 8- القسم الأوّل-: 133، و لاحظ: مسند الشّافعيّ: 132-.
و روى ابن القيّم في زاد المعاد 1- 219، عن أيّوب، قال عروة لابن عبّاس: أ لا تتّقي اللّه! ترخّص في المتعة؟. فقال ابن عبّاس: سل أمّك يا عرية؟. فقال عروة: أمّا أبو بكر و عمر فلم يفعلا. فقال ابن عبّاس: و اللّه ما أراكم منتهين حتّى يعذبكم اللّه، نحدّثكم عن النّبيّ (ص) و تحدّثون عن أبي بكر و عمر!.
(2) صحيح مسلم 1- 467 كتاب النّكاح، باب نكاح المتعة.
(3) نقله البيهقيّ في سننه 7- 206، فقال: أخرجه مسلم في الصّحيح من وجه آخر عن همّام، و فيه:
عن عبد اللّه بن عمر أنّه سئل عن متعة النّساء، فقال: حرام، أما إنّ عمر بن الخطّاب لو أخذ فيها أحدا لرجمه بالحجارة.
و في مسند أبي داود الطّيالسيّ: 247، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال عمر: فلا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمته.
تجد قوله برجم المستمتع في المصادر التالية: سنن البيهقيّ 5- 21، كنز العمّال 8- 293، أحكام القرآن للجصاص 1- 342 و 345، و 2- 178، تفسير الرّازيّ 3- 26، الدّر المنثور 1- 216، و غيرها.
قال الأميني- (رحمه الله)- في غديره: 6- 211: لمّا لم يكن رجم المتمتّع بالنّساء مشروعا و لم يحكم به فقهاء القوم لشبهة العقد هناك. قال الجصّاص بعد ذكر الحديث: فذكر عمر الرّجم في المتعة جائز أن يكون على جهة الوعيد و التّهديد لينزجر النّاس عنها. فتدبّر و تبصّر.
600
وَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي صَحِيحِهِ (1)- عَلَى مَا حَكَاهُ الشَّهِيدُ الثَّانِي (2)، وَ الْعَلَّامَةُ (3) (رحمهما الله)- أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ؟. فَقَالَ:
هِيَ حَلَالٌ. فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا، وَضَعَهَا (4) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَ نَتْرُكُ السُّنَّةَ وَ نَتَّبِعُ قَوْلَ أَبِي؟! (5).
وَ رَوَى شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ ... (6) أَ مَنْسُوخَةٌ هِيَ؟. فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ الْحَكَمُ: قَالَ عَلِيُ
____________
(1) صحيح التّرمذيّ 3- 184 [1- 175] و لكنّ اللّفظ فيه: متعة الحجّ. و جاء في زاد المعاد لابن القيّم 1- 194، و في هامش شرح المواهب للزرقاني 2- 252.
(2) الرّوضة البهية في شرح اللّمعة الدّمشقيّة 5- 283.
(3) كشف الحقّ (نهج الحقّ و كشف الصّدق): 283.
(4) كذا، و في المصادر: سنّها، و في نسخة: صنعها.
(5) جاء بنصه في مسند أحمد بن حنبل بطرق صحيحة عندهم 2- 95 و 104، و 4- 436. و قد روى مثله في تفسير القرطبيّ 2- 365 نقلا عن الدّارقطني. و جاء قول ابن عمر بعبارات مختلفة في موارد متعدّدة، منها ما ذكره البيهقيّ في سننه 5- 21: أ فكتاب اللّه عزّ و جلّ أحقّ أن يتّبع أم عمر. و جاء فيه أيضا: أ فرسول اللّه أحقّ أن تتّبعوا سننه أم عمر. نقله في مجمع الزّوائد 1- 185 أيضا.
قال الرّاغب الأصفهانيّ في محاضراته 2- 94: قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة: بمن اقتديت في جواز المتعة؟. قال: بعمر بن الخطّاب. قال: كيف و عمر كان أشدّ النّاس فيها؟. قال: لأنّ الخبر الصّحيح أنّه صعد المنبر، فقال: إنّ اللّه و رسوله قد أحلّا لكم متعتين، و إنّي محرّمهما عليكم و أعاقب عليهما، فقبلنا شهادته و لم نقبل تحريمه.
و انظر: مسند أحمد بن حنبل 2- 95، و لاحظ تكرار السّؤال عن ابن عمر في متعة النّساء و متعة الحجّ و جوابه فيهما.
(6) النّساء: 24.
601
بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): لَوْ لَا أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ مَا زَنَى إِلَّا شَفًا (1)..
وَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (2): فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ إِلَّا رَحْمَةً رَحِمَ اللَّهُ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ لَوْ لَا نَهْيُهُ عَنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَى الزِّنَا إِلَّا شَفًا».
.. أي إلّا قليل من النّاس، من قولهم: غابت الشّمس إلّا شفا .. أي إلّا قليلا من ضوئها عند غروبها. قال (3): و قال الأزهري: قوله: إلّا شفا .. أي إلّا أن يشفي، يعني يشرف على الزّنا و لا يواقعه، فأقام الاسم (4) مقام المصدر الحقيقي، و هو الإشفاء على الشّيء، و حرف كلّ شيء شفاه.
وَ حَكَى الْفَخْرُ الرَّازِيُ (5) فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُتْعَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِ (6)، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام): لَوْ لَا أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ مَا زَنَى إِلَّا شَقِيٌ (7).
____________
(1) و أورده الطّبريّ في التّفسير 5- 9 بإسناد صحيح، و الثّعلبيّ و الرّازيّ في التّفسير 10- 50 [3- 200] شطرا منه، و تفسير أبي حيّان 3- 218، و تفسير النّيشابوريّ، و الدّر المنثور 2- 140 بعدّة طرق، و في الكلّ: ما زنى إلّا شقيّ.
و قريب منه ورد عن ابن عبّاس، كما في أحكام القرآن للجصاص 2- 179، و بداية المجتهد لابن رشد 2- 58، و الفائق للزّمخشريّ 1- 331، و تفسير القرطبيّ 5- 130 و فيه: إلّا شقيّ، و كذا في الدّرّ المنثور 2- 140، و لسان العرب لابن منظور 19- 166، و تاج العروس 10- 200، و غيرها.
(2) النّهاية 2- 488- 489.
(3) أي ابن الأثير.
(4) في المصدر زيادة: و هو الشفي.
(5) تفسير الفخر الرّازيّ 10- 49 [3- 200].
(6) في تفسيره: 5- 9.
(7) و قريب منه ما رواه الطّحاويّ في شرح معاني الآثار كتاب النّكاح، باب نكاح المتعة، عن عطا، عن ابن عبّاس. و قد جاء بصور مختلفة عن غير واحد و بطرق عديدة في الدّرّ المنثور 2- 110.
و قال المتّقي الهندي في كنز العمّال 8- 294: و أخرج الحافظ عبد الرّزّاق و أبو داود في ناسخه و ابن جرير الطّبريّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: لو لا ما سبق من رأي عمر بن الخطّاب لأمرت بالمتعة، ثمّ ما زنى إلّا شقيّ.
602
وَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْمُتْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ تَنْزِلْ بَعْدَهَا آيَةٌ تَنْسَخُهَا، وَ أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ تَمَتَّعْنَا بِهَا وَ مَاتَ وَ لَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ (1).
و سيأتي في خبر طويل رواه المفضّل، عن الصادق ((عليه السلام)) أوردناه في المجلد الثالث عشر (2) و هو مشتمل على سبب تحريمه المتعة (3)، و أنّه كان لمكان أخته عفراء.
____________
(1) و ذكر في التّاج الجامع للأصول 2- 334، باب نكاح المتعة روايتين ممّا سلف و أسقط الباقي!.
(2) بحار الأنوار 53- 26- 32، و 103- 297 و 298 و 306- 314، و قد سلف فيه 24- 294.
(3) أقول: و الذي يظهر من كلمات عمر أنّه كان يعدّ متعة النساء من السفاح! كما جاء في كنز العمّال:
8- 294، و يرتّب عليها أحكام السفاح من الرجم، كما سلفت الروايات عنه في ذلك. و عرف أنّه أوّل من نهى عن المتعة، كما عدّ العسكريّ في أوليّاته، و السيوطي في تاريخ الخلفاء: 93، و القرماني في تاريخه- هامش الكامل- 1- 203، و النووي في شرح المسلم، و القسطلاني في الإرشاد 4- 169، و ابن حجر في فتح الباري 4- 339، و 9- 141.
و انظر: صحيح البخاريّ باب التمتّع، و صحيح مسلم 1- 395، 396، و مسند أحمد 3- 356 و 4- 436، و الموطأ لمالك 2- 30، و سنن البيهقيّ 7- 206، و تفسير الطبريّ 5- 9، و أحكام القرآن للجصّاص 2- 178، و النهاية لابن الأثير 2- 249، و الغريبين للهروي، و الفائق للزمخشري 1- 331، و تفسير القرطبيّ 5- 130 و 135، و تاريخ ابن خلّكان 1- 359، و المحاضرات للراغب 2- 94، و تفسير الرازيّ 3- 201، 202، و تفسير السيوطي 2- 140، و الجامع الكبير للسيوطي 8- 293، و شرح التجريد للقوشجي في مبحث الإمامة، و غيرها كثير جدّا تربو على أربعين حديثا بين صحاح و حسان. و قد عدّ العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 6- 220- 222 أكثر من عشرين مجوّزا من الصحابة و التابعين.
ثمّ بعد الإحاطة بما في المتن و التعاليق من المصادر الكثيرة العديدة الوثيقة عند العامّة تقرأ في مثل كتاب الوشيعة في نقد عقائد الشيعة لموسى جار اللّه: 32 و 166- حيث بسط القول في المتعة و قال ما ملخّصه-: إنّها من بقايا الأنكحة الجاهليّة! و لم تكن حكما شرعيّا! و لم تكن مباحة في شرع الإسلام! و نسخها لم يكن نسخ حكم شرعيّ و إنّما كان نسخ أمر جاهليّ!، و وقع الإجماع على تحريمها و لم ينزل فيها قرآن، و لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أنّ: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» نزل فيها، و لا يقول به جاهل يدعي أو يعي، و كتب الشيعة ترفع القول به إلى الباقر و الصادق، و أحسن الاحتمالين أنّ السند موضوع، و إلّا فالباقر و الصادق جاهل. و لا نعلم هل نضحك أو نبكي، فكأنّ الرجل يتكلّم في الطيف في عالم الأضغاث و الأحلام.
و قال العلّامة الأميني في الغدير 3- 324: كنت أودّ أن لا أحدث لهذا الكتاب ذكرا، و أن لا يسمع أحد منه ركزا، فإنّه في الفضائح أكثر منه في عداد المؤلّفات، لكن طبع الكتاب و انتشاره حداني إلى أن أوقف المجتمع على مقدار الرجل و على أنموذج ممّا سوّد به صحائفه، و كلّ صحيفة منه عار على الأمّة و على قومه أشدّ شنارا. و قد ذكر في هذا المجلد من الغدير الأكاذيب المفتراة على الشيعة من جهّال أهل التسنّن و أجاب عنها بما لا مزيد عليه.
603
و أمّا متعة الحجّ (1): فلا خلاف بين المسلمين في شرعيّتها و بقاء حكمها.
و اختلف فقهاء العامّة (2) في أنّه هل هي أفضل أنواع الحجّ أم لا؟ فقال الشافعي- في أحد قوليه (3)- و مالك (4): إنّ التمتّع أفضل، و قال الشافعي في قوله الآخر (5): إنّ أفضلها الإفراد ثم التمتّع ثم القران.
و يدلّ على شرعيّتها قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (6).
وَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (7) بِأَرْبَعَةِ أَسَانِيدَ،
____________
(1) و يقال لها: حجّ التمتّع، و هي باختصار أنّ من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام صحّ له أن يحرم من الميقات للعمرة في أشهر الحجّ، فيأتي مكّة و يطوف بالبيت سبعا و يصلّي ركعتي الطواف ثمّ يسعى و يقصّر و يحلّ من إحرامه، فيباح له كلّ ما حرم عليه بالإحرام .. و من هنا قيل له التمتّع لكونه مأخوذا من الاستمتاع و الالتذاذ.
(2) كما جاء مفصّلا في الشرح الكبير 3- 239، و المجموع 7- 152، و 163، و فتح العزيز 7- 106، و المغني 3- 238، و بداية المجتهد 1- 335، و التفسير الكبير: 155، و نيل الأوطار 5- 41، و معالم السنن 2- 301، و أحكام القرآن للقرطبيّ 2- 387، و غيرها.
(3) ذكره في فتح العزيز 7- 106، و المجموع 7- 151، و التفسير الكبير 5- 155، و المنهاج (متن) مغني المحتاج 1- 514، و المغني 3- 238، و الشرح الكبير 3- 239، و القوانين الفقهيّة: 133.
(4) ذكره في التفسير الكبير 5- 155، و كذا في نيل الأوطار 5- 41.
(5) قاله في المجموع 7- 151، و منهاج (متن) مغني المحتاج 1- 514، و غيرهما.
(6) البقرة: 196.
(7) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب إحرام النّفساء حديث 1210 و 1218، و باب حجّة النّبيّ (ص) حديث 1228.
604
وَ أَوْرَدَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1) أَيْضاً، قَالَ (2): وَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (3) بِطُولِهِ، وَ أَخْرَجَ النَّسَائِيُ (4) أَطْرَافاً مُتَفَرِّقَةً مِنْهُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ (عليهما السلام)، قَالَ: دَخَلْتُ (5) عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّيَ الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّيَ الْأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ (6) بَيْنَ ثَدْيَيَّ- وَ أَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ:
مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ؟. فَسَأَلْتُهُ- وَ هُوَ أَعْمَى وَ قَدْ (7) حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجِهِ مُلْتَحِفاً بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَ رِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ (8) فَصَلَّى بِنَا- فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ
____________
(1) ذكر طرفا منه في جامع الأصول 3- 73 حديث 1352، و فصله فيه 3- 459- 474 حديث 1796، فلاحظ.
(2) في (س): و قال. أي ابن الأثير في جامع الأصول.
(3) سنن أبي داود كتاب المناسك باب صفة حجّة النّبيّ (ص) حديث 1905 و 1907 و 1908 و 1909.
(4) سنن النّسائيّ 1- 122 و 123 كتاب الطّهارة باب الاغتسال من النّفاس، و 5- 43 و 44، باب كراهية الثّياب المصبّغة للمحرم، و باب ترك التّسمية عند الإهلال، و باب الحجّ بغير نيّة يقصدها المحرم، و باب العمل في الإهلال، و باب إهلال النّفساء، و باب سوق الهدي، و باب كيف يطوف أوّل ما يقدم و على أي شقّيه يأخذ إذا استلم الحجر، و باب ذكر الصّفا و المروة، و باب التّكبير على الصّفا، و باب الذّكر و الدّعاء على الصّفا، و باب القول بعد ركعتي الطّواف، و باب رفع اليدين في الدّعاء بعرفة، و باب فيمن لم يدرك صلاة الصّبح مع الإمام، و باب إيضاع في وادي محسّر، و باب عدد الحصى الّتي يرمى بها الجمار، و كتاب مواقيت الصّلاة، باب الجمع بين الظّهر و العصر بعرفة.
و في سنن ابن ماجة كتاب المناسك باب حجّة الرّسول (ص) حديث 3074.
(5) في جامع الأصول: دخلنا.
(6) في المصدر: يده، بدلا من: كفّه.
(7) في جامع الأصول لا توجد: قد.
(8) جاء في حاشية (ك): و في الحديث: ذكر المشجب- و هو بكسر الميم-: خشبات تضمّ رءوسها و تفرّج قوائمها يلقى عليها الثّياب و تعلّق عليه الأسقية لتبريد الماء. مجمع.
انظر: مجمع البحرين 2- 86، و قد تعرّض المصنّف- ره- لمعنى هذه الكلمة في بيانه.
605
رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعاً (1)، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أُذِّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَاجٌّ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا (2) أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (3) مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَيْفَ أَصْنَعُ؟. قَالَ:
اغْتَسِلِي وَ اسْتَشْفِرِي (4) بِثَوْبٍ وَ أَحْرِمِي، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي الْمَسْجِدِ فَرَكِبَ (5) الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ إِلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَ مَاشٍ، وَ عَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَ عَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَ مِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَ هُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَ مَا (6) عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَ النِّعْمَةَ لَكَ وَ الْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ»، وَ أَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُ (7) بِهِ، فَلَمْ يَزِدْ (8) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَيْئاً
____________
(1) في المصدر: فعقد بيده تسعا- من دون: فقال، و بتقديم و تأخير-.
(2) لا توجد: إذا، في الجامع.
(3) في (س): عمير، و هو غلط.
(4) كذا، و في المصدر: استثفري، و هو الظّاهر. و الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويّا، كما في القاموس 1- 383. و قال في النّهاية 1- 214: فيه: أنّه أمر المستحاضة أن تستثفر .. هو أن تشدّ فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا و توثق طرفيها في شيء تشدّه على وسطها فتمنع بذلك سيل الدّم، و هو مأخوذ من ثفر الدّابّة الّذي يجعل تحت ذنبها.
(5) في الجامع: ثمّ ركب.
(6) في (س): فما. و هي نسخة جاءت في (ك).
(7) في المصدر: يهلّون- بصيغة الجمع-.
(8) جاء في (ك): فلم يزده. و في المصدر: فلم يردّ.
606
مِنْهُمْ (1) وَ لَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا (2) الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ (3) ثَلَاثاً وَ مَشَى أَرْبَعاً، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (ع)، فَقَرَأَ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (4)، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْبَيْتِ، وَ كَانَ (5) أَبِي يَقُولُ- وَ لَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)- كَانَ يَقْرَأُ (6) فِي الرَّكْعَتَيْنِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ (7) إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ (8) ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَ كَبَّرَهُ، وَ قَالَ: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ* وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَ نَصَرَ عَبْدَهُ، وَ هَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا (9) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ (10) قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، رَمَلَ (11) حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ .. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ (12) عَلَى
____________
(1) في الجامع لابن الأثير: منه.
(2) توجد نسخة بدل في (ك): لقينا.
(3) قال في النّهاية 2- 265: يقال: رمل يرمل رملا و رملانا: إذا أسرع في المشي و هزّ منكبيه.
(4) البقرة: 125. و لا توجد في (س): مصلى، و فيها: و كان يقرأ مصلّى. و خطّ عليها في (ك)، و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: فكان.
(6) لا توجد: كان يقرأ، في (س).
(7) من الباب لا توجد في (س).
(8) البقرة: 158.
(9) في المصدر: قال: هذا.
(10) في (ك): نصبت.
(11) في صحيح مسلم: سعى، بدلا من: رمل.
(12) في جامع الأصول: طواف- بلا ضمير-.
607
الْمَرْوَةِ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَ جَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَ لْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟. فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَ قَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ هَكَذَا ..
مَرَّتَيْنِ، لَا، بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ. وَ قَدِمَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَوَجَدَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) مِمَّنْ حَلَّ وَ لَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً وَ اكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فكأن [وَ كَانَ (1) عَلِيٌّ (عليه السلام) يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)- مُحَرِّشاً عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِياً لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ- فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا (2)، فَقَالَ: صَدَقَتْ .. صَدَقَتْ، مَا ذَا قُلْتَ حِينَ إِذَا (3) فَرَضْتَ الْحَجَّ؟. قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ (صلّى اللّه عليه و آله).
فَقَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تُحِلَّ. قَالَ (4): فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنَ الْيَمَنِ وَ الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَ قَصَّرُوا إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ (5) (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثاً وَ سِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيّاً فَنَحَرَ مَا بَقِيَ (6) وَ أَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَ شَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)
____________
(1) في المصدر: و كان.
(2) هنا سقط و هو: فقالت: أبي أمرني بهذا. جاء في المصدر.
(3) لا توجد: إذا، في المصدر.
(4) في (س): زيادة: لي، بعد قال، و كتب بعدها رمز نسخة بدل صحيحة (صح د). و لا توجد في المصدر. و في (ك): قال: قال لي، و خطّ على: قال لي.
(5) في جامع الأصول: إلّا النّبي.
(6) في المصدر: ما غبر.
608
فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ (1) عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْ لَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْواً فَشَرِبَ مِنْهُ.
قال في النهاية (2) في حديث جابر: فقام في نساجة ملتحفا بها: هي (3) ضرب من الملاحف منسوجة كأنّها سمّيت بالمصدر، يقال: نسجت أنسج نسجا و نساجة.
و قال (4): في حديث جابر: فقام و ثوبه على المشجب: هو- بكسر الميم-:
عيدان تضمّ رءوسها و يفرّج بين قوائمها و توضع عليها الثّياب، و قد يعلّق (5) عليها الأسقية لتبريد الماء، و هو من تشاجب الأمر: إذا اختلط.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَهَلَّ وَ أَصْحَابَهُ بِالْحَجِّ وَ لَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ طَلْحَةَ، وَ كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَدِمَ (7) مِنَ الْيَمَنِ وَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَ يُحِلُّوا إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: أَ نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَ ذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا هَدَيْتُ (8)، وَ لَوْ لَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ
____________
(1) جاءت زيادة: و هم، قبل: يسقون، في المصدر.
(2) النهاية 5- 46، و انظر: لسان العرب 2- 376.
(3) لا توجد: هي، في (س).
(4) ابن الأثير في النهاية 2- 445، و نحوها في لسان العرب 1- 484، و انظر: مجمع البحرين 2- 86.
(5) في المصدر: و تعلق.
(6) صحيح البخاريّ 3- 402 في كتاب الحجّ في أبواب متعدّدة.
(7) في المصدر: فقدم عليّ (ع).
(8) في المصدر: ما أهديت.
609
لَأَحْلَلْتُ .. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَ إِنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْثُمٍ (1) لَقِيَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ بِالْعَقَبَةِ وَ هُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَ لَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟. فَقَالَ: لِلْأَبَدِ (2).
وَ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُ (3) وَ مُسْلِمٌ (4) وَ النَّسَائِيُ (5) وَ أَبُو دَاوُدَ (6) قَرِيباً مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَسَانِيدَ مُتَكَثِّرةٍ وَ أَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ عَنْ جَابِرٍ، وَ هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (7).
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (8)، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْبَطْحَاءِ- وَ هُوَ مُنِيحٌ (9)- فَقَالَ: أَ حَجَجْتَ؟. قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟. قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله). قَالَ:
أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَ بِالصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَ بِالصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ، فقلت [فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَ إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَإِنَّهُ لَمْ يُحِلَ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (10).
____________
(1) كذا في طبعتي البحار، و الظّاهر: جعشم، كما في المصدر و سيأتي التّصريح به.
(2) و جاء باختلاف يسير في صحيح مسلم كتاب الحجّ باب بيان وجوب الإحرام حديث 1213.
(3) صحيح البخاريّ 3- 403 في كتاب الحجّ في أبواب عديدة. و نقله عن ابن عبّاس فيه 3- 148.
(4) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب وجوه الإحرام حديث 1214، 1215، 1216، و روى عن سراقة بن مالك فيه 1- 346.
(5) سنن النّسائيّ 5- 178 و 179 كتاب الحجّ باب إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي.
(6) سنن أبي داود كتاب المناسك باب في إفراد الحجّ، أحاديث 1785، 1786، 1787، 1788، 1789، و أخرج عن سراقة فيه 2- 282.
(7) جامع الأصول 3- 127- 134 حديث 1413 بألفاظ مختلفة و مصادر عديدة. و رواه أحمد بن حنبل في المسند 3- 305، و غيره من أئمّة الحديث منهم.
(8) صحيح البخاريّ 3- 491 كتاب الحجّ باب متى يحلّ المعتمر.
(9) في (ك): متيح. و في المصدر: و هو منيخ بالبطحاء.
(10) جاء مقاربا لهذا في صحيح مسلم كتاب الحجّ باب نسخ التّحلّل من الإحرام و الأمر بالتّمام حديث 1221.
610
و مثله روى في موضع آخر بأدنى تغيير (1).
- وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2)، عَنِ النَّسَائِيِ (3) مِثْلَهُ.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (4) أَيْضاً، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ أَنْ يُحِلَّ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟.
فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَزْوَاجِهِ.
وَ قَدْ حَكَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (5)، عَنِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ (6) وَ أَبِي دَاوُدَ (7) وَ الْمُوَطَّإِ (8) رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ عَائِشَةَ تُؤَدِّي مُؤَدَّى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
____________
(1) صحيح البخاريّ كتاب الحجّ باب من أحلّ في زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و باب التمتّع و القران و الإفراد بالحج، و باب الذبح قبل الحلق، و كتاب المغازي باب بعث أبي موسى و معاذ إلى اليمن، باب حجّة الوداع، و الألفاظ مختلفة فيه فراجع. و جاء في مسند أحمد بن حنبل 4- 393 و 395 و 410 ثلاث روايات أكثر تفصيلا عن أبي موسى، و رواها البيهقيّ في سننه 4- 388.
(2) جامع الأصول 3- 153- 155 حديث 1417.
(3) سنن النّسائيّ 5- 153 كتاب الحجّ باب التّمتّع.
(4) صحيح البخاريّ 1- 341 في الحيض، باب كيف كان بدء الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلّها إلّا الطّواف بالبيت، و كتاب الحجّ باب الحجّ على الرّحل، و باب قول اللّه تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ» ..، و أبواب أخر. و نقله عنه في جامع الأصول 3- 146.
(5) جامع الأصول 3- 140- 150 حديث 1415.
(6) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب بيان وجوه الإحرام، و أنّه يجوز إفراد الحجّ، حديث 1211.
(7) سنن أبي داود كتاب المناسك باب في إفراد الحجّ حديث 1778- 1783.
(8) موطّأ مالك 1- 410- 412 كتاب الحجّ باب دخول الحائض مكّة.
و انظر سنن النّسائيّ كتاب الحجّ باب إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي حديث 1775 1778.
611
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (1) أَيْضاً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَ الْأَنْصَارُ وَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ أَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَ بِالصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ وَ أَتَيْنَا النِّسَاءَ وَ لَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَ قَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَ بِالصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ فَقَدْ (2) تَمَّ حَجُّنَا وَ عَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (3): فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ (4) إِلَى أَمْصَارِكُمْ الشَّاةُ تُجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ (5) بَيْنَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبَاحَهُ نَاسٌ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (6) وَ أَشْهُرُ الْحَجِّ الَّذِي (7) ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: شَوَّالٌ، وَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَ ذُو الْحِجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ،.
و الرفث: الجماع، و الفسوق: المعاصي، و الجدال:
المراء (8).
وَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (9)، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَ سَأَلْتُهُ
____________
(1) صحيح البخاريّ 3- 345- 346 تعليق في الحجّ، باب قول اللّه تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ». باختلاف يسير.
(2) في المصدر: و قد.
(3) خط على لفظ: تعالى، في (س). و لا يوجد لفظ الجلالة و أوّل الآية في المصدر.
(4) البقرة: 196.
(5) قد تقرأ الكلمة في (ك): عامين.
(6) البقرة: 196.
(7) في المصدر: الّتي، و هو الظّاهر.
(8) و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 3- 120- 122 حديث 1404، و حكاه عن الجمع بين الصحيحين للحميدي، و ذكره الحافظ في فتح الباري 3- 345.
(9) صحيح البخاريّ 3- 426- 428 [3- 114] كتاب الحجّ باب «فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ».
612
عَنِ الْهَدْيِ، فَقَالَ: جَزُورٌ (1) أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شَرْكٌ فِي دَمٍ، قَالَ: وَ كَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَ عُمْرَةٌ (2) مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ (3) سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ (صلّى اللّه عليه و آله) (4).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ قَرِيباً مِنْهَا (5).
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (6)، عَنْ مُسْلِمٍ (7) وَ النَّسَائِيِ (8)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلْيُحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
____________
(1) في المصدر: فيها جزور.
(2) خ. ل: متعة، جاءت في المصدر، و وردت في جامع الأصول.
(3) اللّه أكبر، مكررة في المصدر.
(4) و رواه السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 1- 217 نقلا عن البخاريّ، و قال العسقلاني في إرشاد السّاري 3- 204 في قوله: و كان ناسا كرهوها ..: يعني كعمر بن الخطّاب و عثمان بن عفّان و غيرهما ممّن نقل الخلاف في ذلك.
(5) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب جواز العمرة في أشهر الحجّ حديث 1242. و نقله السّيوطيّ عن مسلم في الدّرّ المنثور 1- 217. و أورده- و الّذي قبله- ابن الأثير في جامع الأصول 3- 124- 125 حديث 1407.
(6) جامع الأصول 3- 134- 138 وسط الحديث من 1414.
(7) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب جواز العمرة في أشهر الحجّ حديث 1240- 1241.
(8) سنن النّسائيّ 5- 180- 202 كتاب الحجّ باب الوقت الّذي وافى فيه النّبيّ (ص) مكّة، و باب إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي. و أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1- 252. و بألفاظ مختلفة- و المعنى واحد- جاءت في صحيح البخاريّ 3- 337- 338 كتاب الحجّ باب التّمتّع و القران و الإفراد بالحجّ، و باب فسخ الحجّ لمن لم يكن معه هدي، و في كتاب فضائل أصحاب النّبيّ (ص)، و باب أيّام الجاهليّة، و غيرها.
613
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (1)- أَيْضاً-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَ عُثْمَانُ- وَ هُمْ بِعُسْفَانَ (2)- فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ (عليه السلام) ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعاً.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (3) وَ مُسْلِمٌ (4)، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَنَّهُ شَهِدَ عَلِيّاً وَ عُثْمَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ، وَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَ حَجَّةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: تَرَانِي أَنْهَى النَّاسَ وَ أَنْتَ تَفْعَلُهُ؟! فَقَالَ:
مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِقَوْلِ أَحَدٍ.
وَ رَوَى النَّسَائِيُ (5) رِوَايَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى (6).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (7) رِوَايَاتٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (8)، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ (9).
____________
(1) صحيح البخاريّ 3- 336 كتاب الحجّ باب التّمتّع و القران و الإفراد في الحجّ، و باب فسخ الحجّ لمن لم يكن معه هدي، و أورده ابن الأثير- باختلاف يسير- في جامع الأصول 3- 109 صدر حديث 1395.
(2) في (ك): يعسفان، و هو سهو.
(3) صحيح البخاريّ 3- 336 في كتاب الحجّ.
(4) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب جواز التّمتّع برقم 1223.
(5) سنن النّسائيّ 5- 148 كتاب الحجّ باب التّمتّع، و انظر: سنن البيهقيّ 4- 352 و 5- 22.
(6) و أخرجهما ابن الأثير في جامع الأصول 3- 109- 110 ضمن حديث 1395.
(7) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب جواز التّمتّع حديث 1217. و أورد النّسائيّ في سننه 5- 152 كتاب الحجّ باب التّمتّع عدّة روايات.
(8) صحيح البخاريّ 2- 176 [3- 151] كتاب الحجّ باب التّمتّع حديث 1.
(9) قريب من هذا ما روي عن عمران بن حصين في صحيح البخاريّ 8- 139 [7- 24] في تفسير سورة البقرة، باب فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، و كتاب الحجّ باب التّمتّع على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 2- 172، و صحيح مسلم 1- 474 كتاب الحجّ باب جواز التّمتّع حديث 1226، و سنن النّسائيّ 5- 149- 155 كتاب الحجّ باب القران، و سنن ابن ماجة: 220، و قد جاء فيه عن عمران بهذا المعنى، و روى أحمد في المسند 4- 428 و 429 و 434 و 436 و 438 و غيرها روايات عديدة عنه و عن جمع من أئمّة الحديث. و أخرجه القرطبيّ- بلفظ مسلم- في تفسيره 2- 365، و البيهقيّ في سننه 5- 20، و لم يوردها ابن الأثير في جامع الأصول.
614
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (1)، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: إِنِّي لَأُحَدِّثُكَ بِالْحَدِيثِ الْيَوْمَ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ أَعْمَرَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ فَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ ذَلِكَ، وَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، ارْتَأَى كُلُّ امْرِئٍ بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرْتَئِيَ.
قَالَ مُسْلِمٌ (2): وَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ كِلَاهُمَا، عَنْ (3) وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
و قال ابن حاتم (4) في روايته: ارتأى رجل برأيه ما شاء- يعني عمر-.
، و روى بستة أسانيد عن عمران ما يؤدّي هذا المعنى.
و حكى في جامع الأصول (5) ثلاث روايات في هذا المعنى عن عمران.
منها.:
أَنَّهُ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْبُخَارِيُ (6): يُقَالُ إِنَّهُ عُمَرُ.
____________
(1) صحيح مسلم 1- 474، و أورده ابن حنبل في مسنده 4- 434، و ابن ماجة في سننه 2- 229، و ذكره في السّنن الكبرى 4- 344، و فتح الباري 3- 338.
(2) صحيح مسلم 1- 474، و جاء في سنن الدّارميّ 2- 35، و بصورة أخرى في مسند أحمد بن حنبل 4- 428، و سنن النّسائيّ 5- 149.
(3) لا توجد في (س): عن.
(4) صحيح مسلم 1- 474.
(5) جامع الأصول 3- 116- 118 حديث 1402.
(6) قال شيخنا الأميني في الغدير 6- 199، و في بعض نسخ صحيح البخاريّ: قال: محمّد- أي البخاري-: يقال إنّه عمر ..- أي في صحيحه 7- 124 [8- 139] في تفسير سورة البقرة، و في كتاب الحجّ باب التّمتّع على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)-.
قال القسطلاني في الإرشاد: لأنّه كان ينهى عنها، و ذكر ابن كثير في التّفسير 1- 233 نقلا عن البخاريّ، فقال: هذا الّذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به: أنّ عمر كان ينهى النّاس عن التّمتّع.
و قال ابن حجر في فتح الباري 4- 339 و نقله الإسماعيلي عن البخاريّ كذلك، فهو عمدة الحميديّ في ذلك، و لهذا جزم القرطبيّ و النووي و غيرهما.
615
و حكى عن النسائي (1) أيضا روايتين في هذا المعنى.
وَ عَنْ مُسْلِمٍ (2) بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا (3) فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ (4) الْهَدْيُ فَلْيُحْلِلِ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (5).
وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (6)، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَ يَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَراً (7) وَ يَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرُ (8)، وَ عَفَا الْأَثَرُ، وَ انْسَلَخَ صَفَرٌ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ،
____________
(1) سنن النسائي 5- 149 و 155 كتاب الحجّ باب القران.
(2) صحيح مسلم 1- 355 كتاب الحجّ باب جواز العمرة في أشهر الحجّ حديث 1241، و أورده ابن الأثير في جامع الأصول 3- 136 ذيل حديث 1414.
(3) لا توجد في (ك): بها.
(4) في المصدر: معه، بدلا من: عنده.
(5) و قد جاء في سنن الدّارميّ 2- 51، و سنن أبي داود 1- 283، و سنن النّسائيّ 5- 181، و سنن البيهقيّ 4- 344 و 552، و تفسير ابن كثير 1- 230 و قد صحّحه، و بهذا المضمون قد جاء عن سراقة بن مالك كما في مسند أحمد بن حنبل 4- 175، و سنن ابن ماجة 2- 229. و قال التّرمذيّ في صحيحه 1- 175: و في الباب عن سراقة بن مالك و جابر بن عبد اللّه- ثمّ قال- و معنى هذا الحديث: أن لا بأس بالعمرة في أشهر الحجّ، و هكذا فسّره الشّافعيّ و أحمد و إسحاق، و معنى هذا الحديث: أنّ أهل الجاهليّة كانوا لا يعتمرون في أشهر الحجّ، فلمّا جاء الإسلام رخّص النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة، يعني لا بأس بالعمرة في أشهر الحجّ. و ما أورده العينيّ في عمدة القاري 4- 562 حريّ بالملاحظة.
(6) أورده مسلم في صحيحه كتاب الحجّ باب جواز العمرة في أشهر الحجّ حديث 1241، و نقله ابن الأثير في جامع الأصول 3- 134- 138 حديث 1414.
(7) في المصدر: و كانوا يسمّون المحرّم: صفرا.
(8) جاء في حاشية (ك): قال الجزريّ في حديث ابن عبّاس: كانوا يقولون في الجاهليّة: إذا برأ الدّبر و عفى الأثر و دخل صفر .. الدّبر- بالتّحريك-: الجرح الّذي يكون في ظهر البعير .. و قيل: هو أن يقرح خف البعير. و عفى الأثر .. أي درس و امّحى، و في رواية: و أعفى الوبر .. أي كثر وبر الإبل. منه طاب ثراه.
انظر: النّهاية 2- 97، و ليس فيه: و دخل صفر. و 3- 266، و فيه: عفى، بدلا من: أعفى.
و مثله في لسان العرب 4- 274 و 15- 76.
616
قَدِمَ النَّبِيُ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ (2) رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ (3) أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْحِلِّ؟. قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ (4).
وَ قَدْ رَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْبُخَارِيُ (5)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ (6) وَ النَّسَائِيُ (7) وَ أَوْرَدَهَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (8)، قَالَ (9): وَ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، أَنَّهُ قَالَ: وَ اللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَائِشَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَ مَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْأَثَرُ (10)، وَ بَرَأَ الدَّبَرُ، وَ دَخَلَ صَفَرٌ فَقَدْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ
____________
(1) في المصدر: قال: فقدم رسول اللّه.
(2) في (ك) نسخة بدل: لصبيحة.
(3) في جامع الأصول: فأمرهم النّبيّ (ص).
(4) و رواه أيضا مسلم في صحيحه في كتاب الحجّ باب جواز العمرة في أشهر الحجّ، و أحمد بن حنبل في مسنده 1- 252، و البيهقيّ في سننه 4- 354 و قال: أخرجه البخاريّ و مسلم- يعني في صحيحيهما-، و الطّحاويّ في مشكل الآثار 3- 155، و الزرقاني في شرح معاني الآثار: 381 كتاب مناسك الحجّ.
(5) صحيح البخاريّ 3- 337 و 338 كتاب الحجّ باب التّمتّع و القران و غيره من الأبواب.
(6) سنن أبي داود كتاب الحجّ باب العمرة حديث 1987.
(7) سنن النّسائيّ 5- 180 و غيرها من الصفحات، كتاب الحجّ باب الوقت الّذي وافى فيه النّبيّ (ص) مكّة، و غيره من الأبواب.
(8) جامع الأصول 3- 134- 138 حديث 1414.
(9) أي ابن الأثير في جامع الأصول 3- 136- 137.
(10) في المصدر: الوبر، بدلا من: الأثر.
617
لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَنْسَلِخَ ذُو الْحِجَّةِ وَ الْمُحَرَّمُ (1).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (2)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بَعْضَ (3) فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ حَتَّى لَقِيَهُ (4) بَعْدُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ فَعَلَهُ هُوَ (5) وَ أَصْحَابُهُ، وَ لَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ يَقْطُرُ (6) رُءُوسُهُمْ (7).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (8)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مُوسَى هَذَا الْخَبَرَ أَبْسَطَ (9) مِنْ ذَلِكَ وَ سَاقَهُ .. إِلَى أَنْ قَالَ: فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ (10) فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَ إِمَارَةِ عُمَرَ، وَ إِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟. فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ (11)، فَهَذَا أَمِيرُ
____________
(1) و أوردها- و غيرها- أحمد بن حنبل في المسند 1- 261، و روى البيهقيّ جملة من الرّوايات في سننه 4- 344، و الطّحاويّ في مشكل الآثار 3- 155 و 156 و غيرهم.
(2) صحيح مسلم 1- 472 كتاب الحجّ باب نسخ التّحلّل من الإحرام و الأمر بالتّمام، و نقله في جامع الأصول 3- 154- 155 ذيل حديث 1417.
(3) في المصدر: ببعض.
(4) لا توجد في المصدر: في النّسك بعد حتّى لقيه، و فيه: فلقيه.
(5) لا توجد في (س): هو. و كذا في جامع الأصول.
(6) في المصدر: ثمّ يروحون في الحجّ تقطر ..
(7) و جاء في سنن النّسائيّ 5- 153 كتاب الحجّ باب التّمتّع، سنن ابن ماجة 2- 229 في كتاب المناسك باب التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ، و مسند أحمد بن حنبل 1- 49 و 50، و سنن البيهقيّ 5- 20 بطريقين، و تيسير الوصول 1- 288، شرح الموطأ للزرقاني 2- 179.
(8) صحيح مسلم 1- 472 كتاب الحجّ، باب نسخ التّحلّل من الإحرام و الأمر بالتّمام. و أورده في جامع الأصول 3- 153 حديث 1417.
(9) في طبعتي البحار: السبط، و هو خلاف الظّاهر.
(10) في المصدر: فلم أزل أفتي بذلك.
(11) هو أمر بالتؤدة، و هي التّأنّي و التّثبّت، خلاف العجلة، قاله في النّهاية 1- 178.
618
الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ فِيهِ (1) فَائْتَمُّوا، فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟. قَالَ: أَنْ نَأْخُذَ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ (2)، وَ أَنْ تأخذ [نَأْخُذَ (3) بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ (4).
وَ عَنْ عَائِشَةَ (5)، قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ- وَ هُوَ غَضْبَانُ-، فَقُلْتُ مَا (6) أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. قَالَ: أَ وَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أُحِلَّ كَمَا أَحَلُّوا (7)..
____________
(1) لا توجد في (س): فيه. و في المصدر: فيه.
(2) البقرة: 126.
(3) في جامع الأصول: نأخذ. و هو الظّاهر.
(4) أورده باقي الحفّاظ في كتبهم كالبخاريّ في صحيحه 3- 491 كتاب الحجّ باب متى يحلّ المعتمر و أبواب أخر، و النووي في شرح صحيح مسلم 1- 401، و غيرهم.
و أخرج أحمد في مسنده 1- 49 عن أبي موسى أيضا: أنّ عمر قال: هي سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- يعني المتعة- و لكن أخشى أن يعرّسوا بهنّ تحت الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجا.
(5) باختلاف غير مخلّ أورده مسلم في صحيحه كتاب الحجّ باب بيان وجوه الإحرام و أنّه يجوز إفراد الحجّ حديث 1211. و نقله ابن الأثير في جامع الأصول 3- 147- 148 ذيل حديث 1415 عن عدّة مصادر.
(6) خ. ل: من، بدلا من: ما، و كذا جاء في جامع الأصول.
(7) قد روى ابن ماجه بسنده عن عازب- في المناسك باب التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ-: أنّه قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أصحابه فأحرمنا بالحجّ، فلمّا قدمنا مكّة قال: اجعلوا حجّتكم عمرة. فقال النّاس: يا رسول اللّه! قد أحرمنا بالحجّ فكيف نجعلها عمرة؟. قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا. فردّوا عليه القول، فغضب فانطلق ثمّ دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟- أغضبه اللّه- قال: و ما لي لا أغضب و أنا آمر أمرا فلا أتبع.
و رواه أحمد بن حنبل في مسنده 4- 286 أيضا.
619
وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِ (2)، قَالَ: رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ زَيْدٍ (3)، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سَوَادَةَ (4) اللَّيْثِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ الصُّبْحَ مَعَ عُمَرَ فَقَرَأَ «سُبْحَانَ» وَ سُورَةً مَعَهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: أَ حَاجَةٌ؟. قُلْتُ: حَاجَةٌ. قَالَ: فَالْحَقْ. فَلَحِقْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَذِنَ، فَإِذَا هُوَ عَلَى ومال [رِمَالِ (5) سَرِيرٍ لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، فَقُلْتُ: نَصِيحَةً!. قَالَ: مَرْحَباً بِالنَّاصِحِ غُدُوّاً وَ عَشِيّاً. قُلْتُ: عَابَتْ أُمَّتُكَ- أَوْ قَالَ: رَعِيَّتُكَ- عَلَيْكَ أَرْبَعاً (6)، فَوَضَعَ عُودَ الدِّرَّةِ ثُمَّ ذَقَنَ عَلَيْهَا- هَكَذَا رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ- وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَوَضَعَ رَأْسَ دِرَّتِهِ فِي ذَقَنِهِ، وَ وَضَعَ أَسْفَلَهَا عَلَى فَخِذِهِ، وَ قَالَ: هَاتِ. قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّكَ حَرَّمْتَ الْمُتْعَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ- وَ زَادَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَ هِيَ حَلَالٌ- وَ لَمْ يُحَرِّمْهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: أَجَلْ! إِنَّكُمْ إِذَا اعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ حَجِّكُمْ رَأَيْتُمُوهَا مُجْزِئَةً مِنْ حَجِّكُمْ (7)، فَقَرِعَ حَجُّكُمْ (8)، وَ كَانَ قَائِبَةَ (9) قُوبٍ عَامَهَا، وَ الْحَجُّ بَهَاءٌ مِنْ بَهَاءِ اللَّهِ،
____________
(1) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 121- 123.
(2) تاريخ الطّبريّ 5- 32 [4- 225]، و نقله العلّامة الأمينيّ في الغدير 6- 212- 213 عن الطّبريّ.
(3) عن عمر بن زيد: لا توجد في المصدر، و وضع عليها رمز نسخة بدل في (ك).
(4) في شرح النّهج: سودة.
(5) كذا، و في المصدر: رمال، و هي ساقطة من تاريخ الطّبريّ و الغدير.
(6) في المصدر زيادة: قال، بعد: أربعا.
(7) في المصدر: عن حجّكم.
(8) جاء في حاشية (ك): قال الجوهريّ: الأقرع: الّذي ذهب شعر رأسه من آفة و قد قرع فهو أقرع ..
و القرع- أيضا- مصدر قولك: قرع الفناء .. أي خلا من الغاشية، يقال نعوذ باللّه من قرع الفناء و صفر الإناء .. و قال تغلب: باللّه من قرع الفناء- بالتسكين على غير قياس- و في الحديث عن عمر .. قرع حجّكم .. أي خلت أيّام الحجّ من النّاس، انتهى. و قال في النّهاية مثل ذلك و زاد في آخره: و اجتزءوا بالعمرة. [منه ((رحمه الله))].
انظر: الصّحاح 3- 1262 فيه: إذا خلا، بدلا من أي خلا، و أيضا: قال ثعلب: نعوذ باللّه.
و مثله في لسان العرب 5- 262 و 268. و لاحظ: النّهاية 4- 45.
(9) في شرح النّهج: و كانت قابية.
620
وَ قَدْ أَصَبْتَ.
قَالَ: وَ ذَكَرُوا أَنَّكَ حَرَّمْتَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ، وَ قَدْ كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ اللَّهِ يُسْتَمْتَعُ بِقَبْضَةٍ وَ يُفَارَقُ مِنْ ثَلَاثٍ (1). قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَحَلَّهَا فِي زَمَانِ ضَرُورَةٍ، وَ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى السَّعَةِ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ (2) أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَادَ إِلَيْهَا وَ لَا عَمِلَ بِهَا، فَالْآنَ مَنْ شَاءَ نَكَحَ بِقَبْضَةٍ وَ فَارَقَهُ عَنْ طَلَاقٍ بِثَلَاثٍ (3)، وَ قَدْ أَصَبْتَ.
قَالَ: وَ (4) ذَكَرُوا أَنَّكَ أَعْتَقْتَ الْأَمَةَ إِنْ (5) وَضَعَتْ ذَا بَطْنِهَا بِغَيْرِ عَتَاقَةِ سَيِّدِهَا. قَالَ: أَلْحَقْتُ حُرْمَتَهُ بِحُرْمَةٍ، وَ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الْخَيْرَ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
قَالَ: وَ شَكَوْا مِنْكَ عُنْفَ السِّيَاقِ وَ نَهْرَ (6) الرَّعِيَّةِ (7). قَالَ: فَنَزَعَ الدِّرَّةَ ثُمَّ مَسَحَهَا حَتَّى أَتَى عَلَى سُيُورِهَا، وَ قَالَ: وَ (8) أَنَا زَمِيلُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي غَزَاةِ قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ، ثُمَّ فَوَ اللَّهِ (9) إِنِّي لَأُرْتِعُ فَأُشْبِعُ، وَ أَسْقِى فَأُرْوِي (10)، وَ أَضْرِبُ (11) الْعَرُوضَ، وَ أَزْجُرُ الْعَجُولَ، وَ أُؤَدِّبُ قَدْرِي، وَ أَسُوقُ خَطْوَتِي، وَ أَرُدُّ
____________
(1) في المصدر: نستمتع بقبضة و نفارق عن ثلاث.
(2) في شرح النّهج: ثمّ لم أعلم.
(3) في المصدر: فارق عن ثلاث بطلاق.
(4) في شرح النّهج: و قال- بتقديم و تأخير-.
(5) في المصدر: إذا، بدلا من: إن.
(6) في (ك) نسخة بدل: نهز.
(7) جاء في حاشية (ك): نهر الرّعيّة- بالمهملة- و هو الزّجر و المنع، كما ذكره الجوهريّ، أو بالمعجمة بمعنى الدّفع، كما ذكره الجزري. [منه ((رحمه الله))].
انظر: الصّحاح 2- 840، النّهاية 5- 136، و في الصّحاح 3- 900 مثله.
(8) لا توجد الواو في (س).
(9) في شرح النّهج: الكدر لم، فو اللّه ..
(10) جاءت في (ك): و أروي- بالواو-.
(11) في المصدر: و إنّي لأضرب.
621
اللَّفُوتَ (1)، وَ أَضُمُّ الْعَنُودَ (2)، وَ أُكْثِرُ الزَّجْرَ (3)، وَ أُقِلُّ الضَّرْبَ، وَ أَشْهَرُ بِالْعَصَا، وَ أَدْفَعُ بِالْيَدِ، وَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَأَعْذَرْتُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَ كَانَ مُعَاوِيَةُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: كَانَ وَ اللَّهِ عَالِماً بِرَعِيَّتِهِ.
قال ابن قتيبة: رملت السّرير و أرملته: إذا نسجته بشريط من خوص أو ليف.
و ذقن عليها .. أي وضع عليها ذقنه يستمع الحديث.
و قوله: فقرع حجّكم .. أي خلت أيّام الحجّ من الناس، و كانوا يتعوّذون من قرع الفناء و (4) ذلك ألّا يكون فيه أهل.
و القائبة (5): قشر البيضة إذا خرج منها الفرخ.
و القوب: الفرخ ..
قوله: إنّي لأرتع و أشبع (6) و أسقي فأروي .. مثل مستعار من رعيّة الإبل، .. أي إذا أرتعت الإبل .. أي أرسلتها ترعى، تركتها حتّى تشبع، و إذا سقيتها تركتها حتّى تروى.
و قوله: أضرب العروض .. فالعروض (7): النّاقة تأخذ يمينا و شمالا و لا
____________
(1) اللقوت: جاء في (س).
(2) جاء في حاشية (ك): قال الجزريّ في حديث عمر: و أنهز الفوت و أضمّ العنود .. اللّفوت: هي النّاقة الضجور عند الحلب تلتفت إلى الحالب فتعضه فينهزها بيده فتدور ليفتدي باللّبن من النّهر و هو الضّرب، فضربها مثلا للّذي يستعصي و يخرج عن الطّاعة. منه [ ((رحمه الله))].
انظر: النّهاية 4- 259، لا توجد فيه: اللّفوت- الثّاني- و فيه أيضا: فتدر لتغتدي.
(3) في المصدر: الضّجر. إلّا أنّه عند نقل كلام ابن قتيبة ذكره بالزاى كالمتن.
(4) لا توجد الواو في (س).
(5) هنا سقط ذكره في شرح النهج، و هو: و ذلك ألّا يكون عليه غاشية و زوّار، و من قرع المراح، و ذلك ألّا يكون فيه إبل، و القابية.
(6) في المصدر: فأشبع.
(7) في المصدر: العروض- بلا فاء-.
622
تلزم الحجّة (1) يقول: أضربها حتّى يعود (2) إلى الطريق، و مثله قوله: و أضمّ العنود.
و العجول: البعير يندّ (3) عن الإبل و (4) يركب رأسه عجلا و يستقبلها.
و قوله: و أؤدّب قدري .. أي قدر طاقتي.
و قوله: و أسوق خطوتي .. أي قدر خطوتي.
و اللّفوت: البعير يلتفت يمينا و شمالا و يروغ.
و قوله: و أكثر الزّجر و أقلّ الضرب .. أي إنّه يقتصر من التأديب في السياسة على ما يكتفي به حتّى يضطرّ إلى ما هو أشدّ منه و أغلظ.
و قوله: و أشهر بالعصا و أدفع باليد .. يريد أنّه يرفع العصاء يرعب (5) بها و لا يستعملها و لكنّه يدفع بيده.
و (6) قوله: و لو لا ذلك لأعذرت .. أي لو لا هذا التدبير و السياسة (7) لخلفت بعض ما أسوق، تقول: أعذر الراعي الشاة أو النّاقة (8) .. إذا تركها، و الشاة العذيرة، و عذرت هي .. إذا تخلّفت عن الغنم، انتهى.
و قد ذكر ابن الأثير في النهاية كثيرا من ألفاظ هذه الرواية و فسّرها.
قال (9): في حديث عمر: إنّ عمران بن سوادة قال له: أربع خصال
____________
(1) في المصدر: المحجّة.
(2) في الشرح: حتى تعود.
(3) في (س): ينتد.
(4) لا توجد الواو في (س).
(5) في شرح النهج: يرهب.
(6) لا توجد الواو في المصدر.
(7) في الشرح: و هذه السياسة.
(8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: يقال أعذر الراعي الشاة و الناقة.
(9) النهاية: 2- 162، و مثله في لسان العرب 13- 173.
623
عاتبتك عليها رعيّتك، فوضع عود الدّرّة ثمّ ذقّن عليها و قال: هات. يقال: ذقن على يده و على عصاه- بالتّشديد و التّخفيف-: إذا وضعه تحت ذقنه و اتّكأ عليها.
و قال (1) في قوب: منه .. حديث (2) عمر إن اعتمرتم في أشهر الحجّ رأيتموها مجزية من حجّتكم (3) فكانت قائبة قوب عامها. ضرب هذا مثلا لخلوّ مكّة من المعتمرين في باقي السّنة، يقال: قيبت البيضة (4) إذا انفلقت عن فرخها و إنّما قيل لها: قائبة (5)، و هي مقوبة على تقدير: ذات قوب .. أي ذات فرخ، و المعنى أنّ الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها و كذا إذا اعتمروا في أشهر الحجّ لم يعودوا إلى مكّة.
و قال (6) في العنود: و في حديث عمر و يذكر سيرته: «و أضمّ العنود» (7) و هو من الإبل: الّذي لا يخالطها و لا يزال منفردا عنها، و أراد: من خرج عن الجماعة أعدته إليها و عطفته عليها.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (8): وَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ- فِي مُتْعَةِ الْحَجِّ-: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَعَلَهَا وَ أَصْحَابَهُ وَ لَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا بِهِنَّ مُعْرِسِينَ تَحْتَ الْأَرَاكِ، ثُمَّ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ يَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ.
، قال: المعرس: الذي
____________
(1) النهاية 4- 118، و انظر: لسان العرب 1- 694.
(2) في المصدر: و في حديث، و في (ك): و منه حديث.
(3) في النهاية: عن حجّكم.
(4) هنا سقط قد جاء في حاشية (ك) أيضا و هو: يقال: قيبت البيضة فهو مقوبة: إذا خرج فرخها منها، فالقائبة: البيضة، و القوب: الفرخ، و تقوبت البيضة: إذا انفلقت عن فرخها .. إلى آخر ما في المتن. نهاية.
انظر: النهاية 4- 118.
(5) في (س): إنّما هي قائبة.
(6) قاله ابن الأثير في النهاية 3- 308، و نحوه في لسان العرب 3- 308.
(7) لا توجد في المصدر: و أضمّ العنود.
(8) شرح ابن أبي الحديد 12- 150- 151.
624
يغشى امرأته. قال: كره أن يحلّ الرجل من عمرته ثم يأتي النساء، ثم يهلّ بالحجّ (1).
و قال في النهاية (2) في الأعراس: و منه حديث عمر نهى عن متعة الحجّ، و قال: قد علمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فعله و لكن (3) كرهت أن يظلّوا بها معرسين- أي ملمّين بنسائهم-.
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (4)، عَنِ التِّرْمِذِيِ (5)، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَ هُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَ رَأَيْتَ إِنْ كَانَ (6) أَبِي يَنْهَى عَنْهَا وَ صَنَعَهَا (7) رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَمْرُ (8) أَبِي يُتَّبَعُ أَمْ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟!. فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ (ص)، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) (9).
____________
(1) و انظر: الفائق 2- 136، و جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه 3- 32 نقلا عن جمهرة من الحفّاظ.
(2) النهاية 3- 206، و نظيره في لسان العرب 6- 135.
(3) في المصدر: و لكنّي- بالياء-.
(4) جامع الأصول 3- 115- 116 حديث 1401، و أورده القرطبيّ في تفسيره 2- 365 نقلا عن الدّارقطنيّ.
(5) سنن التّرمذيّ 1- 157 كتاب الحجّ باب ما جاء في التّمتّع حديث 824، ثمّ قال: و إسناده صحيح، و جاء في زاد المعاد لابن القيّم 1- 194، و شرح المواهب للزرقاني 2- 252، و مجمع الزّوائد 1- 158، و ذكره بصورتين البيهقيّ في سننه 5- 21، و قال في الآخر: أ فكتاب اللّه عزّ و جلّ أحقّ أن يتّبع أم عمر؟!.
(6) لا توجد: كان، في (س).
(7) الظّاهر أنّ الكلمة في (س): وضعها. و في المصدر: نهى عنها.
(8) في المصدر: أ أمر.
(9) و قريب منه ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 2- 95 و في ذيله: أ فرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحقّ أن تتّبع سنّته أم سنّة عمر؟!.
و بعد تلك النّصوص الّتي سلفت و تأتي عن صاحب الرّسالة (صلوات الله عليه و آله) و سلّم نجد هناك نصوصا مستفيضة عن عبد اللّه بن عمر تحكي نهي أبيه عنها، نظير قوله: أ فصّلوا بين حجّكم و عمرتكم .. اجعلوا الحجّ في أشهر الحجّ .. اجعلوا العمرة في غير أشهر الحجّ .. أتم للعمرة أن يعتمر في غير أشهر الحجّ و غيرها، كما في موطّإ مالك 1- 252، و سنن البيهقيّ 5- 5، و تيسير الوصول 1- 279، و الدّرّ المنثور 1- 218، و غيرها من المصادر.
625
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (1)، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَقَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ هَذَا- يَعْنِي مُعَاوِيَةَ- كَافِرٌ بِالْعُرُشِ- يَعْنِي بِالْعُرُشِ .. بُيُوتَ مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ-.
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (2)- بَعْدَ حِكَايَتِهَا عَنْ مُسْلِمٍ-: وَ فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّإِ (3) وَ التِّرْمِذِيِ (4) وَ النَّسَائِيِ (5)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ عُمَرَ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِأَمْرِهِ، وَ صَنَعَهَا هُوَ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ (6).
____________
(1) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب جواز التّمتّع حديث 1225. و انظر ما ذكره في الغدير 6- 217.
(2) جامع الأصول 3- 113- 114 حديث 1399.
(3) الموطّأ لمالك 1- 344 [1- 148] كتاب الحجّ باب ما جاء في التّمتّع.
(4) سنن التّرمذيّ 1- 157 كتاب الحجّ باب ما جاء في التّمتّع حديث 823.
(5) سنن النّسائيّ 5- 152- 153 كتاب الحجّ باب التّمتّع باختلاف سندا عمّا هنا، و يشهد له أحاديث في الباب.
(6) و قد جاء في كتاب الأمّ للشّافعيّ 7- 199، و أحكام القرآن للجصّاص 1- 335، و سنن البيهقيّ 5- 17، و تفسير القرطبيّ 2- 365 قال: هذا حديث صحيح، و زاد المعاد لابن القيّم 1- 84، و شرح المواهب للزرقاني 8- 153.
و قريب منه ما أورده الدّارميّ في سننه 2- 35، و مسلم في صحيحه كتاب الحجّ باب التّقصير في العمرة، و كتاب النّكاح باب نكاح المتعة، و أحمد في المسند 1- 52 و 174 و 252، و البيهقيّ في سننه 5- 16، و الطّحاويّ في معاني الآثار 2- 35.
و في مسند أحمد 1- 337 في آخر الحديث جاء: فقال ابن عبّاس: أراهم سيهلكون. أقول:
قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقول: نهى أبو بكر و عمر. و أصرح من ذلك كلّه ما رواه في 4- 3 منه، فراجع و لاحظ ما ذكره العلّامة الأمينيّ في غديره 6- 201، و غيره.
626
قَالَ (1): لَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ.
وَ رَوَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (2) وَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (3) وَ فِي الْمِشْكَاةِ (4) عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَجِّ خَالِصاً وَحْدَهُ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ (5) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ، قَالَ عَطَا: قَالَ: أَحِلُّوا وَ أَصِيبُوا النِّسَاءَ، وَ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ وَ لَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ (6) بَيْنَنَا وَ بَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ يَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ!. قَالَ جَابِرٌ بِيَدِهِ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا- (7).
قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِينَا فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَصْدَقُكُمْ وَ أَبَرُّكُمْ، وَ لَوْ لَا هَدْيٌ لَحَلَلْتُ كَمَا تُحِلُّونَ، وَ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا، فَحَلَلْنَا وَ سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا (8) .. إِلَى هُنَا
____________
(1) جامع الأصول 3- 115.
(2) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب بيان وجوه الإحرام حديث 1214، و انظر ما قبله و ما بعده.
(3) جامع الأصول 3- 131- 132 ضمن حديث 1413.
(4) مشكاة المصابيح: 1- 226.
(5) لا توجد في جامع الأصول: مضت.
(6) في (س) نسخة بدل: نكن.
(7) في (ك): تحرّكها.
(8) أقول: إنّ جابرا و أمثاله حذوا حذو النّبيّ (ص) و تبعوا سنّته. و أمّا عمر و أضرابه فقد دعوا لمخالفة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم في حال حياته و بعد مماته و أصرّوا على شقاق الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قد تقدّمت من الرّوايات ما تضمّنت مخالفته. و قد نقل أبو حنيفة- كما في زاد المعاد لابن القيّم 1- 220- عن الأسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطّاب بعرفة عشيّة عرفة فإذا هو برجل مرجّل شعره يفوح منه ريح الطّيب، فقال له عمر: أ محرم أنت؟. قال: نعم. فقال عمر: ما هيئتك بهيئة محرم، إنّما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر. قال: إنّي قدمت متمتّعا و كان معي أهلي، و إنّما أحرمت اليوم. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتّعوا في هذه الأيّام فإنّي لو رخّصت في المتعة لهم لعرّسوا بهنّ في الأراك ثمّ راحوا بهنّ حجّاجا.
و ذكر ابن القيّم عن ابن حزم، أنّه قال: و كان ما ذا؟! و حبّذا ذلك و قد طاف النّبيّ (ص) على نسائه ثمّ أصبح محرما، و لا خلاف أنّ الوطء مباح قبل الإحرام بطرفة عين، و اللّه أعلم.
و قريب منه ما أخرجه أبو يوسف في كتاب الآثار: 97 عن أبي حنيفة عن حمّاد عن إبراهيم عن عمر.
627
رواية البخاري (1).
وَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (2)، قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مِنْ سِعَايَتِهِ (3)، فَقَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟. قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): فَأَهْدِ وَ امْكُثْ حَرَاماً، وَ أَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ ((عليه السلام)) هَدْياً، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟.
قَالَ: بَلْ لِأَبَدٍ (4).
____________
(1) صحيح البخاريّ 3- 402 و 403 كتاب الحجّ في أبواب متفرّقة بمضامين متعدّدة، و أورده في باب المغازي أيضا، و الاعتصام بالكتاب و السّنّة باب نهي النّبيّ (ص) عن التّحريم، و رواه أبو داود في صحيحه المجلّد الحادي عشر باب إفراد الحجّ باختلاف يسير، و أحمد بن حنبل في مسنده 3- 317، و غيرهما ممّن جمع الحديث كثير لا حاجة إلى ذكرهم.
(2) صحيح مسلم 1- 346.
(3) السّعاية: هي العمل و السّعي على جمع الصّدقات، و كان عليّ (عليه السلام) قد أرسله النّبيّ (ص) إلى اليمن لجمع الصّدقات.
(4) في (س): لأبد. و في المصدر: للأبد.
أقول: و قد رواه البخاريّ في صحيحه 3- 148 كتاب الحجّ باب عمرة التّنعيم، و القاضي أبو يوسف في كتاب الآثار: 126، و ابن ماجة في سننه 2- 230، و أحمد بن حنبل في المسند 3- 388 و 4- 175، و أبو داود في سننه 2- 282 كتاب الحجّ باب في إفراد الحجّ، و النّسائيّ في صحيحه 5- 178 و 179 كتاب الحجّ باب إباحة فسخ الحجّ بعمرة لمن لم يسق الهدي، و البيهقيّ في سننه 5- 19، و غيرهم.
قال شيخنا الأمينيّ في غديره 6- 213: .. هذا شطر من أحاديث المتعتين، و هي تربو على أربعين حديثا بين صحاح و حسان- تعرب عن أنّ المتعتين كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و نزل فيهما القرآن و ثبتت إباحتهما بالسّنّة، و أوّل من نهى عنهما عمر، و قد عدّه العسكريّ في أولياته، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء: 93، و القرماني في تاريخه- هامش الكامل- 1- 203 أنّه أوّل من حرّم المتعة.
أقول: في هذا الباب أحاديث كثيرة جدّا عن طريق العامّة دالّة على إباحتها- إن لم نقل على استحبابها- لم يتعرّض العلّامة الأميني لها في غديره لخلوها عن نهي عمر، و لعلّ فيما ذكرناه كفاية لمن يستمع القول و يلقي السّمع و يتّبع أحسنه.
628
فهذه جملة من الأخبار العاميّة.
و أخبار الخاصّة في ذلك أكثر من أن يمكن إيرادها هنا، و سيأتي بعضها في كتاب الحجّ (1)، و كتب أخبارنا مشحونة بها (2).
و أجاب المخالفون: أمّا عن متعة النساء، فبأنّها كانت على عهد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ نسخت، و عوّلوا في ذلك على روايات متناقضة أوردوها في كتبهم تركناها مخافة الإطناب، و أجيب عنها بوجوه:
الأول: أنّ تناقض تلك الروايات تدلّ على كونها موضوعة، إذ بعضها يدلّ على أنّها نسخت يوم خيبر، و بعضها يدلّ على أنّ الإباحة و التحريم كانا في مكة قبل الخروج منها بعد الفتح، و بعضها يدلّ على أنّهم شكوا العزوبة في حجّة الوداع فأذن لهم في المتعة، و بعضها يدلّ أنّها ما حلّت (3) إلّا في عمرة القضاء، و كانت بعد فتح خيبر، و قد دلّ بعض رواياتهم على أنّها نسخت يوم (4) خيبر كما عرفت، و بعضها على أنّها نسخت في غزوة تبوك، و بعضها على أنّها كانت مباحة في أول الإسلام حتّى نسخت بقوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (5).
و لا ريب في أنّه لا يعبّر عن عام حجّة الوداع و الفتح و خيبر و تبوك بأوّل الإسلام، على أنّ هذه الآية- التي تدلّ روايتهم عن ابن عباس على نسخ المتعة
____________
(1) بحار الأنوار 99- 86- 101.
(2) انظر: علل الشرائع: 412- 413، 415، و عيون أخبار الرضا (ع) 2- 15، 124، و خصال الصدوق 1- 69 و 2- 394، و أمالي الشيخ الطوسيّ 2- 15، و قرب الإسناد: 104، 106، 107، 169، و دعائم الإسلام 1- 317 و 318 و 319، و غيرها كثير.
(3) في (ك): حللت.
(4) لا توجد في (س): يوم. و هي نسخة بدل في (ك).
(5) المؤمنون: 6.
629
بها- تكرّرت في سورتين: سورة المعارج (1)، و سورة المؤمنون (2)، و هما مكيّتان كما ذكره المفسّرون (3)، فكيف كان الإذن بها و النهي عنها في حجّة الوداع، و عام الفتح، و غيرهما؟! و لهذا (4) الاختلاف الفاحش التجئوا إلى التشبّث بوجوه فاسدة سخيفة في الجمع بينها، كالقول بتكرّر الإباحة و التحريم، و حمل التحريم في بعضها على التأبيد (5)، و في بعضها على التأكيد، و ذكروا وجوها سخيفة أخرى لا نسوّد (6) الكتاب بذكرها، و ما رووه عن الحسن أنّه: ما حلّت إلّا في عمرة القضاء (7) ظاهر المناقضة لتلك الوجوه.
و بالجملة، هذا النوع من الاختلاف في الرواية دليل واضح على كذب الراوي.
الثاني: أنّ ما سبق من روايات جابر و غيرها صريح في أنّ العمل بإباحة المتعة كان مستمرا إلى منع عمر بن الخطاب عنها. و القول بأنّ جابر أو غيره من الصحابة لم يبلغهم النسخ إلى زمان عمر .. ظاهر الفساد، و هل يجوّز عاقل أن يبعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مناديه ينادي بإباحة المتعة بين الناس- كما مرّ- و يبوح بإباحتها (8) و يتلو الآية الدالّة على حلّها، ثم لمّا (9) نسخ الحكم يخفيه عن طائفة من أصحابه و لا يعلن به بحيث لم يبلغ نسخ الحكم مثل جابر- مع شدّة ملازمته
____________
(1) المعارج: 30.
(2) المؤمنون: 6.
(3) كما في الدرّ المنثور 5- 3، 6- 415، و الكشّاف 3- 174، 4- 148، و غيرهما.
(4) في (س): خطّ على اللام في: لهذا.
(5) في (ك): التأييد.
(6) في (س): لا تسود، و ما أثبتناه هو الظاهر.
(7) كما رواه النسائي في سننه كتاب المناسك: 109، 121، و الترمذي في كتاب الأدب: 70، و غيرهما.
(8) أي يظهر إباحتها، يقال: باح بسرّه .. أي أظهره، كما في الصحاح 1- 357.
(9) وضع على: لما، في (ك) رمز نسخة بدل.
630
للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في السفر و الحضر- حتّى كانوا يداومون على منكر شنيع يرى عمر رجم من ارتكبه، كما رواه مالك في الموطأ (1).
و بالجملة، دعوى كون الحكم في نسخ مثل هذا الحكم بحيث يخفى على مثل جابر و ابن مسعود و ابن عباس و أضرابهم، بل على أكثر الصحابة- على ما هو الظاهر من قول جابر: كنّا نستمتع على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر و عمر- دعوى واضح الفساد.
الثالث: أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ (2) أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَ أُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا (3) .. صريحة في دوام الحكم بحلّها إلى ذلك الزمان، و كذلك يشهد بعدم
____________
(1) الموطأ لمالك 2- 30 كتاب النكاح 41، و هناك روايات جمّة في الباب. و قد أورد بعضها ابن ماجة في سننه: 44 كتاب النكاح.
أقول: قد جاء قول عمر في رجم رجل تزوّج امرأة إلى أجل في مصادر متعدّدة بألفاظ مختلفة، و إليك بعضها: روى مسلم في صحيحه 1- 476، و الجصّاص في أحكام القرآن 2- 178، و الرازيّ في تفسيره 3- 26، و الهندي في كنز العمّال 8- 293 و قال: أخرجه ابن جرير، و السيوطي في الدّر المنثور 1- 216 و فيه: قول عمر هكذا: و انتهوا [و ابتوا] عن نكاح هذه النساء، لا أوتى برجل نكح [تزوّج] امرأة إلى أجل إلّا رجمته. و نصّ على بعضها ابن الجوزي في مرآة الزمان. و أورده الطيالسي في مسنده 8- 247 هكذا: و اتّبعوا نكاح هذه النساء، فلا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا رجمته. و أورده البيهقيّ في سننه الكبرى 5- 21 و 7- 206، و بألفاظ أخر: كنكح امرأة .. أو:
إلّا غيّبته بالحجارة.
و جاء في مسند الشافعي: 132، عن عروة بن الزبير- في حديث-، قال فيه عمر: هذه المتعة، و لو كنت تقدّمت فيه لرجمت، و قال في كتاب الأم 7- 219، و ذكر الجصّاص 1- 342 و 345 و 2- 184 قول عمر: و متعة النساء لو تقدّمت لرجمته.
و نقل البيهقيّ 7- 206 في متعة النساء: و لا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلّا غيّبته بالحجارة. و قال: أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همّام.
و لعلّ هذه الألفاظ الصادرة منه تفسير لقوله: أعاقب عليهما، على متعة الحجّ و متعة النساء.
(2) لا توجد الواو في (س).
(3) و قد سلفت منّا جملة من مصادر قوله: أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما، و نذكر هنا جملة أخرى منها:
شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الحجّ: 374 و 375 و 401، كنز العمّال 8- 293- 294 بطريقين، و قال: أخرجهما ابن جرير، و البيان و التّبيين للجاحظ 2- 223، و أحكام القرآن للجصاص 1- 242 و 245 و 2- 184، و تفسير القرطبيّ 2- 370، و المبسوط للسرخسي باب القران من كتاب الحجّ و صحّحه، و جاء في زاد المعاد لابن القيّم 1- 444، و قال: ثبت عن عمر، و تفسير الفخر الرّازيّ 2- 167 و 3- 201، 222، و ضوء الشّمس 2- 94، و تاريخ ابن خلّكان 2- 359، و غيرها.
631
نسخها عدم اعتذار عمر بالنسخ في الرواية السابقة، و اعتذاره بأنّ حلّها كان في زمان ضرورة، و هل يجوّز عاقل أنّه كان عالما بنسخها و نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنها و مع ذلك يعتذر بمثل هذا العذر الظاهر الفساد؟! فإنّ إباحة حكم في زمان لا يقتضي تقييد الإباحة بها، و ترك عمل الصحابة بأمر مباح- على تقدير تسليمه- لا يدلّ على عدم (1) إباحته (2)، على أنّ ذلك شهادة نفي في أمر محصور، و يكذّبه قول جابر و غيره: كنّا نستمتع .. إلى زمن نهيه، و لو كان مستنده عدم اطّلاعه على عمل الصحابة بها بعد زمان (3) الضرورة فبطلانه أوضح.
الرابع: أنّ المتعة لو كانت منسوخة لما خفي ذلك على أهل بيته (صلّى اللّه عليه و آله)- و هم أعلم بما في البيت- و قد أجمعوا على حلّها، و إجماعهم حجّة، و إنكار قولهم بذلك مكابرة واضحة.
و أمّا متعة الحجّ، فقد عوّلوا في دفع الطعن فيها على أنّه نهى عنه عمر و كذلك عثمان- كما سبق- على وجه التنزيه، لكون الإفراد أفضل لا على وجه التحريم، و فيه نظر من وجوه:
الأول: أنّ قول عمر: أنا أحرّمهما .. ظاهر في التحريم، و لو سلّمنا كون بعض الروايات: أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما .. فمع (4) أنّ الظاهر من لفظ
____________
(1) لا توجد: عدم، في (س).
(2) في (ك): إباحة- بلا ضمير-.
(3) في (ك): الزمان، و هو خلاف الظاهر.
(4) في المطبوع من البحار: و فمع. و لا معنى لها.
632
النهي أيضا التحريم، قد قرن بالتحريم و النهي قوله: أعاقب عليهما، و لا ريب في أنّ المعاقبة تنافي التنزيه.
الثاني: أنّه لو كان نهيه عن متعة الحجّ للتنزيه لكان نهيه عن متعة النساء أيضا كذلك، للتعبير عنهما بلفظ واحد، و لم يقل أحد بأنّه نهى عن متعة النساء تنزيها، مع أنّه قد مرّ أنّه أوعد عليها بالرجم، و قد سبق في رواية عائشة أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دخل عليها غضبان لذلك، و كيف يغضب (صلّى اللّه عليه و آله) لعدول الناس في عبادة ربّهم إلى الأفضل أو لتردّدهم فيه، بل لا يشكّ منصف في أنّ ما تضافرت به الروايات من
- قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَ لَوْ لَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ ..
دليل قاطع على بطلان أفضليّة الإفراد كما زعموه.
و بالجملة، القول بأنّ أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بالإحلال و العدول إلى التمتّع كان أمرا بالمرجوح لبيان الجواز، ظاهر الفساد.
الثالث: أنّ رواية عمران بن سوادة الليثي واضحة الدلالة على أنّ نهيه عنها كان على وجه التحريم، كما لا يخفى على من تأمّل فيها، و لو كان نهيه على وجه التنزيه لقال: إنّي ما حرّمتها عليهم و لكنّي أمرتهم بأفضل الأفراد، و قد تقدّم في رواية ابن حصين قوله: لم ينزل قرآن يحرّمه و لم ينه عنها حتّى مات. قال رجل برأيه ما شاء (1).
و قال البخاري: يقال إنّه عمر (2)، و من تأمّل في الأخبار لا يشكّ في أنّه لم يكن الكلام في أفضليّة التمتّع أو الإفراد، بل في جواز التمتّع أو حرمته.
الرابع: أنّه لو كان نهي عمر و عثمان عن المتعة أمرا بالأفضل فلما ذا كان أمير
____________
(1) قد مرّت الرواية بمصادرها.
(2) و قد جاءت في بعض نسخ صحيح البخاريّ، كما نصّ على ذلك العلّامة الأميني في الغدير 6- 199، و حكى عن غير واحد منهم، كما نقله الإسماعيلي عن البخاري، و لعلّه حذف منه أو حرّف.
و انظر: تفسير ابن كثير 10- 233، و فتح الباري لابن حجر 4- 339، و الإرشاد للقسطلاني 4- 169، و شرح مسلم للنووي، و غيرها.
633
المؤمنين (عليه السلام) ينازع عثمان، و عثمان ينازعه، كما مرّ.
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1)، عَنِ الْمُوَطَّإِ (2) بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ [(عليهما السلام)] أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ دَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)] بِالسُّقْيَا، وَ هُوَ يَنْجَعُ بَكَرَاتٍ لَهُ دَقِيقاً وَ خَبَطاً. فَقَالَ: هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَنْهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ [(عليه السلام)] وَ عَلَى يَدَيْهِ أَثَرُ الدَّقِيقِ وَ الْخَبَطِ،- فَمَا أَنْسَى الْخَبَطَ وَ الدَّقِيقَ عَلَى ذِرَاعَيْهِ- حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ: أَنْتَ تَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَ الْعُمْرَةِ؟. فَقَالَ عُثْمَانُ:
ذَلِكَ رَأْيٌ. فَخَرَجَ (3) عَلِيٌّ [(عليه السلام)] مُغْضَباً وَ هُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَ (4) بِحَجَّةٍ وَ عُمْرَةٍ مَعاً.
و معلوم من سيرته (عليه السلام) أنّه كان لا يجاهر الخلفاء بالخلاف و لا يعارضهم إلّا في عظائم الأمور، بل كان يداريهم و يتّقي (5) شرّهم ما استطاع، و لا يظهر الخلاف إلّا في البدع الشنيعة، و هل يجوّز عاقل أن يأمر عثمان بطاعة (6) اللّه تعالى بما هو أرضى عنده ثم يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تريد إلّا أن تنهى عن أمر فعله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. و يرفع صوته بين الناس بما نهى عنه مع علمه بأنّ ذلك يثمر العداوة و يثير الفتنة.
و البكرة: الفتية من الإبل (7).
____________
(1) جامع الأصول 3- 105 حديث 1391.
(2) الموطأ 1- 336 كتاب الحجّ، باب القران في الحجّ، و جاء ما بمعناه في الصّحيحين و غيرهما كما تقدّم.
(3) لا توجد: فخرج، في (س).
(4) في المصدر: لبّيك اللّهمّ لبّيك.
(5) في (ك): و ينفي.
(6) جاء في (س): في طاعة.
(7) كما ذكره ابن الأثير في النهاية 1- 149، و الجوهريّ في الصحاح 2- 595، و الطريحي في مجمع البحرين 3- 229، و غيرهم.
634
و الخبط- بالتحريك-: الورق السّاقط من الشّجر، و هو من علف الإبل (1).
و ينجع .. أي يعلفها النّجوع، و النّجيع: و هو أن يخلط العلف من الخبط و الدّقيق بالماء ثمّ تسقى الإبل (2).
و السّقيا- بالضم-: منزل بين مكّة و المدينة (3).
تذييل:
اعلم، أنّه لا يشكّ عاقل- بعد التأمّل
فِيمَا رَوَتِ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ- أَنَّ هَذَا الشَّقِيَّ جَبَهَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالرَّدِّ حِينَ أَدَّى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى حُكْمَ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَ وَاجَهَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بِأَلْفَاظٍ رَكِيكَةٍ، بَعْدَ قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): هَذَا جَبْرَئِيلُ يَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَ مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْياً أَنْ يُحِلَّ ..
وَ لَجَّ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَغْضَبَهُ وَ أَحْزَنَهُ- كَمَا مَرَّ فِي خَبَرِ عَائِشَةَ- وَ قَالَ: إِنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ بِهَذَا أَبَداً،.
كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) (4).
ثم لمّا لم يمكنه رفع هذا الخبر أضمر في نفسه الخبيثة ذلك إلى أن استولى على الأمر و تمكّن، فقام خطيبا و صرّح بأنّه يحرّم ما أحلّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و حثّ عليه، و أحيا سنّة أهل الشرك و الجاهليّة، و شنع عليه (صلّى اللّه عليه و آله) بالوجوه الركيكة التي ذكرها اعتذارا من ذلك، فكيف يكون مثل هذا مؤمنا؟! و قد قال عزّ و جلّ: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا
____________
(1) جاء في النهاية 2- 7، و انظر: مجمع البحرين 4- 224، و القاموس 2- 356، و غيرهما.
(2) ذكره ابن الأثير في النهاية 5- 22 مع الفقرة الأولى من الرواية، و ابن منظور في لسانه 8- 348.
(3) انظر: معجم البلدان 3- 228، و مراصد الاطّلاع 2- 721، و قد جاء أيضا في نهاية ابن الأثير 2- 382، و لاحظ: مجمع البحرين 1- 221، و القاموس 4- 343.
(4) كما جاءت في علل الشرائع للصدوق: 412 و 413، و بحار الأنوار 99- 88- 89 و 90، و وسائل الشيعة 8- 150- 154 و 157- 158 و 164 و 165- 166 و 168- 169، و تهذيب الشيخ الطوسيّ 1- 576، و فروع الكافي 1- 233 و 234، و من لا يحضره الفقيه 1- 84 و 112، و عيون أخبار الرضا (ع): 263 و 264، و إعلام الورى: 80 [138]، و غيرها كثير.
635
فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (1).
تتميم:
أجاب الفخر الرازي في تفسيره (2) عن الطعن بنهيه عن متعة الحجّ بوجه آخر، حيث قال: التمتّع (3) بالعمرة إلى الحجّ هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحجّ ثم يقيم حلالا بمكة (4) حتى ينشئ منها الحجّ فيحجّ في (5) عامه ذلك ..،
و هذا (6) صحيح و (7) لا كراهة فيه (8)، و هاهنا نوع آخر (9) مكروه، و هو الذي خطب به عمر (10)، و هو أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحجّ إلى العمرة فيتمتّع (11) بها إلى الحجّ.
و روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أذن لأصحابه في ذلك، ثم نسخ.
و هو باطل بوجوه:
الأول: أنّ هذا المعنى لا يفهم من التمتّع عند الإطلاق، و إنّما يفهم منه المعنى المعروف عند فقهاء الفريقين، و لا ريب في أنّ الناس قديما و حديثا لم يفهموا
____________
(1) النساء: 65.
(2) تفسير الفخر الرازيّ 5- 153.
(3) في المصدر: المتمتّع.
(4) في التفسير: بمكّة حلالا- بتقديم و تأخير-، و لا توجد فيه: حتى.
(5) في المصدر: من، بدلا من: في.
(6) ذكر الفخر الرازيّ وجه التسمية ثمّ قال: و التمتّع على هذا الوجه ..
(7) لا توجد الواو في المصدر.
(8) لا توجد: فيه، في (س).
(9) نوع آخر من التمتّع: هكذا جاء في المصدر.
(10) في التفسير: حذر عنه عمر. و هنا سقط جاء فيه، و هو: و قال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما: متعة النساء و متعة الحجّ. و المراد من هذه المتعة أن يجمع.
(11) في المصدر: و يتمتّع.
636
من المتعة و منعها غير المعنى المعروف، و إنّما ذلك معنى تكلّفه المتعصّبون لضيق الخناق.
الثاني: أنّ روايات عمران بن حصين في أنّ: ما نهى عنه الرجل و قال فيه برأيه ما شاء، هو المعنى المعروف، و إيقاع العمرة في أشهر الحجّ، و ظاهر أنّ النهي عن المتعة و القول بالرأي فيها لم يكن من غير عمر، و لذا لم يصرّح عمران به تقيّة (1).
الثالث: أنّه قد مرّ في رواية أبي موسى، أنّه علّل عمر ما أحدثه في شأن النسك بقوله، كرهت أن يظلّوا معرسين .. و ظاهر أن هذا التعليل يقتضي (2) المنع عن المتعة بالمعنى المعروف، و الرواية صريحة في أنّ أبا موسى كان يفتي بالمتعة فحذّره الرجل عن مخالفة عمر.
الرابع: أنّ رواية عمران بن سوادة صريحة في اعتراف عمر بأنّه حرّم المتعة في أشهر الحجّ معلّلا بما ذكر فيها، و كذا رواية الترمذي عن ابن عمر صريحة في أنّه نهى عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، و كذا غيرهما ممّا سبق من الروايات.
الخامس: أنّه لو كان ما نهى عنه و حرّمه عمر أمرا منسوخا في زمن الرسول (ص) لأنكر على عمران بن سوادة قوله: لم يحرّمهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا أبو بكر، و قد صدّقه و علّل التحريم بما سبق.
و بالجملة، لا مجال للشكّ في أنّ ما حرمه عمر هو التمتّع بالعمرة إلى الحجّ الذي صرّحت روايات الفريقين (3) بأنّه حكمه باق إلى يوم القيامة، و أنّه للأبد،
____________
(1) و قد مرّت القصّة بمصادرها، و نزيدها بما أخرجه القرطبيّ في تفسيره 2- 365، و عدّ لها العلّامة الأميني في غديره 6- 198- 199 جملة من المصادر، فلاحظ.
(2) في (ك): يقضي.
(3) قد سلفت مجموعة كبيرة من الروايات بهذا المضمون كادت أن تكون متواترة، انظر: صحيح النسائي 2- 23، و صحيح ابن ماجة: 220 أبواب المناسك، صحيح أبي داود 11 باب إفراد الحجّ، مسند أحمد بن حنبل 1- 236، 253 و 259 و 292 و 366 و 388، و غيرها من مواضع كتابه و كتب أخرى منهم.
637
و أبد الأبد، بل إنّه نهى عن أعمّ منه و هو الاعتمار في أشهر الحجّ (1).
و لنعم ما حكى الشهيد الثاني، قال (2): وجدت في بعض كتب الجمهور أنّ رجلا كان يتمتّع بالنساء، فقيل له: عمّن أخذت حلّها؟. قال: عن عمر. قيل له: كيف ذلك و عمر هو الذي نهى عنها و عاقب عليها؟. فقال: لِقَوْلِهِ: مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَنَا أُحَرِّمُهُمَا (3) وَ أُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا، مُتْعَةُ
____________
(1) عدّ شيخنا الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 6- 214- 220 جملة من الشبهات و ناقشها بما لا مزيد عليه، و لا نرى حاجة لسردها.
(2) انظر: الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية 5- 245- 284.
(3) أقول: إنّ العلّة في تحريم عمر لمتعة الحجّ- و قد أحلّها اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) للأبد! كما مرّ- ففيها جملة روايات نذكر منها مثالا:
منها: ما ورد في صحيح مسلم كتاب الحجّ باب في نسخ التّحلّل عن أبي موسى الأشعريّ في حديث، و فيه .. فقال عمر: قد علمت أنّ النّبيّ (ص) قد فعله و أصحابه و لكن كرهت أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك، ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رءوسهم. و سنن النّسائيّ 2- 15، و صحيح ابن ماجة أبواب المناسك، باب التّمتّع بالعمرة إلى الحجّ، و مسند أحمد بن حنبل 1- 49، 50، و سنن البيهقيّ 5- 5، 20 بطريقين، و غيرها. و انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب مناسك الحجّ: 375 و 401 عدّة روايات، و حلية الأولياء لابن نعيم 5- 205 فيه روايتان و غيرها.
و قد أفاد السّيّد الفيروزآباديّ- (رحمه الله)- في كتابه السّبعة من السّلف: 69 علّة التّحريم بما حاصله: أنّ العلّة في نهيه عن متعة الحجّ هو إحياء سنّة الجاهليّة و أهل الشّرك، لما مرّ من الرّوايات في الباب من أنّ العمرة في أشهر الحجّ كانت من أفجر الفجور عندهم في الأرض، و كانوا يقولون:
إذا برأ الدبر و عفا الأثر و انسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر .. فراجع. و انظر أيضا ما فصّله شيخنا الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 6- 213- 216.
و قد تعجب ابن عبّاس ممّن ترك سنّة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و اتّبع قول أبي بكر و عمر، حيث روى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: تمتّع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فقال عروة: نهى أبو بكر و عمر عن المتعة؟. فقال ابن عبّاس: ما يقول عرية؟!. قال: يقول نهى أبو بكر و عمر عن المتعة. فقال ابن عبّاس: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقولون: قال أبو بكر و عمر. ذكره أحمد بن حنبل في مسنده 1- 337، و أبو عمر في كتاب مختصر العلم: 226، و الذهبي في تذكرة الحفّاظ 3- 53، و ابن القيّم في زاد المعاد 1- 219.
أقول: و يظهر من هذه الرّواية أنّ النّهي عن المتعة كان في زمان أبي بكر أيضا، و لكنّ التّهديد و إسقاط المتعة عن جامعة المسلمين حدثت في زمن عمر كما في الرّوايات الآخر، فتدبّر.
و يكفينا في المقام ما جاء عن حبر الأمّة- ابن عبّاس- إذ يقول: و اللّه ما أعمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم عائشة في ذي الحجّة إلّا ليقطع بذلك أمر أهل الشّرك. و قال: كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور في الأرض. كما ذكره البخاريّ في صحيحه 3- 69، و مسلم في صحيحه 1- 355، و البيهقيّ في سننه 4- 345، و النّسائيّ في سننه 5- 180، و غيرهم.
638
الْحَجِّ وَ مُتْعَةُ النِّسَاءِ، فأنا أقبل روايته في شرعيّتها على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا أقبل نهيه (1) من قبل نفسه (2).
____________
(1) جاء عن ابن عبّاس- كما أخرجه النسائي في سننه 5- 153- أنّه قال: سمعت عمر يقول: و اللّه إنّي لأنهاكم عن المتعة، و إنّها لفي كتاب اللّه، و لقد فعلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)!! يعني العمرة في الحجّ.
و إنّ ابن عبّاس قال- لمن كان يعارضه في متعة الحجّ بأبي بكر و عمر-: فقد تمتّعنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لم ينهنا عن ذلك، فأضرب عن ذلك عمر، و أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لأنّها تصبغ بالبول، فقال له أبيّ: ليس لك ذلك، قد لبسهنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لبسناهنّ في عهده.
أخرجه إمام الحنابلة في مسنده 5- 143، و ذكره البيهقيّ في مجمع الزوائد 3- 246 نقلا عن أحمد، و قال: رجاله رجال صحيح، و السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه 3- 33 نقلا عن أحمد، و قريب منه ما في الدرّ المنثور 1- 216 نقلا عن مسند ابن راهويه و أحمد.
و روى ابن القيّم الجوزية في زياد المعاد 1- 220 عن طريق عليّ بن عبد العزيز البغوي: أنّ عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة و قال: الكعبة غنيّة عن ذلك المال، و أراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول، و أراد أن ينهى عن متعة الحجّ، فقال أبيّ بن كعب: قد رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أصحابه هذا المال و به و بأصحابه حاجة إليه فلم يأخذه و أنت فلا تأخذه، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أصحابه يلبسون الثياب اليمانية فلم ينه عنها، و قد علم أنّها تصبغ بالبول، و قد تمتّعنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلم ينه عنها و لم ينزل اللّه تعالى فيها نهيا، قد سلف.
(2) ذكر الطعن الرابع العلّامة الأميني في غديره مفصّلا 3- 306 و 329- 333 و 6- 198- 240، و أجمله السيّد الفيروزآبادي في السبعة من السلف: 56- 77، و تعرّض له غيرهما من أعلامنا طاب ثراهم.
639
الخامس:
إنّه عطّل حدّ اللّه في المغيرة بن شعبة لمّا شهدوا عليه بالزنا، و لقّن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة اتّباعا لهواه، فلمّا فعل ذلك عاد إلى الشهود و فضحهم و حدّهم، فتجنّب أن يفضح المغيرة- و هو واحد و كان آثما- و فضح الثلاثة، و عطّل حدّ اللّه و وضعه في غير موضعه.
- قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1):- رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ (2)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ الْمُغِيرَةُ يَخْتَلِفُ إِلَى أُمِّ جَمِيلٍ- امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ- وَ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ ثَقِيفٍ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: الْحَجَّاجُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَ كَانَ الْمُغِيرَةُ- وَ هُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ- يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا سِرّاً، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَأَعْظَمُوا، فَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ (3) فَدَخَلَ عَلَيْهَا- وَ قَدْ وَضَعُوا عَلَيْهِمَا الرَّصَدَ- فَانْطَلَقَ الْقَوْمُ الَّذِينَ شَهِدُوا عِنْدَ عُمَرَ فَكَشَفُوا السِّتْرَ فَرَأَوْهُ قَدْ وَاقَعَهَا، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَ أَوْفَدُوا إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ أَبَا بَكْرَةَ، فَانْتَهَى أَبُو بَكْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَ جَاءَ إِلَى بَابِ عُمَرَ فَسَمِعَ صَوْتَهُ وَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ حِجَابٌ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرَةَ؟. فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ جِئْتَ لِشَرٍّ!. قَالَ: إِنَّمَا جَاءَ بِهِ (4) الْمُغِيرَةُ .. ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَبَعَثَ (5) أَبَا مُوسَى عَامِلًا وَ أَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو مُوسَى الْبَصْرَةَ وَ قَعَدَ فِي الْإِمَارَةِ أَهْدَى إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ عَقِيلَةَ (6)، وَ قَالَ: وَ إِنَّنِي قَدْ رَضِيتُهَا
____________
(1) شرح ابن أبي الحديد 12- 231- 234 [3- 161 أربع مجلّدات] بتصرف.
(2) تاريخ الطّبريّ 4- 207 [3- 168] باختصار و اختلاف يسير.
(3) في الشّرح زيادة: إلى المرأة.
(4) في الطّبريّ: بي، بدلا من: به.
(5) في الطّبريّ زيادة: عمر.
(6) جاء في حاشية (ك) ما يلي: قال الفيروزآبادي: العقيلة- كسفينة- الكريمة المخدّرة، و من القوم:
سيّدهم، و من كلّ شيء: أكرمه.
و قال: الغرمول- بالضّمّ-: الذّكر.
و قال: ناغاه: أي باراه و عارضه. [منه ((رحمه الله تعالى))].
انظر: القاموس 4- 19 في مادّة عقل، و 4- 24 في مادّة غرمول- بالغين المعجمة و الرّاء المهملة و قال في 4- 394: ناغاه: داناه و باراه، و المرأة: غازلها.
640
لَكَ، فَبَعَثَ أَبُو مُوسَى بِالْمُغِيرَةِ إِلَى عُمَرَ.
- قَالَ الطَّبَرِيُ (1): وَ رَوَى الْوَاقِدِيُ (2)، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ (3)، قَالَ: قَدِمَ الْمُغِيرَةُ عَلَى عُمَرَ فَتَزَوَّجَ فِي طَرِيقِهِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مُرَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لَفَارِغُ الْقَلْبِ شَدِيدٌ الشَّبَقِ، طَوِيلُ العزمول [الْغُرْمُولِ (4). ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ فَقِيلَ لَهُ: يُقَالُ لَهَا:
الرَّقْطَاءُ، كَانَ زَوْجُهَا مِنْ ثَقِيفٍ، وَ هِيَ مِنْ بَنِي هِلَالٍ.
- قَالَ الطَّبَرِيُ (5): وَ كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَيْفٍ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ يُبْغِضُ أَبَا بَكْرَةَ، وَ كَانَ أَبُو بَكْرَةَ يُبْغِضُهُ، وَ يُنَاغِي (6) كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَ يُنَافِرُهُ عِنْدَ كُلِّ مَا يَكُونُ مِنْهُ، وَ كَانَا مُتَجَاوِرَيْنِ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، وَ هُمَا فِي مَشْرَبَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ، فَهُمَا فِي دَارَيْهِمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُوَّةٌ مُقَابِلَةُ الْأُخْرَى، فَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَشْرَبَتِهِ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَفَتَحَتْ بَابَ الْكُوَّةِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ لِيَصْفِقَهُ فَبَصُرَ بِالْمُغِيرَةِ وَ قَدْ فَتَحَ (7) الرِّيحُ بِالْكُوَّةِ الَّتِي فِي مَشْرَبَتِهِ، وَ هُوَ بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ لِلنَّفَرِ: قُومُوا فَانْظُرُوا، فَقَامُوا فَنَظَرُوا، ثُمَّ قَالَ: اشْهَدُوا، قَالُوا: وَ مَنْ هَذِهِ؟. قَالَ: أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ الْأَفْقَمِ، وَ كَانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ إِحْدَى بَنِي عَامِرِ (8)
____________
(1) تاريخ الطّبريّ 3- 169 بتصرف.
(2) هنا سقط في السّند جاء في المصدر و شرح النّهج لابن أبي الحديد، و هو: قال: حدّثني عبد الرّحمن بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن الطّبريّ عمرو بن حزم الأنصاريّ عن أبيه ..
(3) في المصدر و الشّرح زيادة: بن الحدثان.
(4) في شرح النّهج: الغرمول- بالغين المعجمة و الرّاء المهملة- و هو الظّاهر كما تقدّم.
(5) تاريخ الطّبريّ 3- 169 باختلاف كثير و اختصار شديد في الإسناد و المتن.
(6) في (ك): يناعي.
(7) في الشّرح: صحّت. و في الطّبريّ: و فتحت.
(8) جاءت العبارة في شرح النّهج هكذا: قال: أمّ جميل إحدى نساء بني عامر.
641
بْنِ صَعْصَعَةَ، فَقَالُوا (1): إِنَّمَا رَأَيْنَا أَعْجَازاً وَ لَا نَدْرِي مَا الْوُجُوهُ (2)؟. فَلَمَّا قَامَتْ صَمَّمُوا، وَ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَحَالَ أَبُو بَكْرَةَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَ قَالَ: لَا تُصَلِّ بِنَا، وَ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، وَ كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَيْهِ أَيْضاً، فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! إِنِّي مُسْتَعْمِلُكَ، وَ إِنِّي بَاعِثُكَ إِلَى أَرْضٍ قَدْ (3) بَاضَ فِيهَا الشَّيْطَانُ وَ فَرَّخَ، فَالْزَمْ مَا تَعْرِفُ، وَ لَا تَسْتَبْدِلْ فَيَسْتَبْدِلَ اللَّهُ بِكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَعِنِّي بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، فَإِنِّي وَجَدْتُهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ كَالْمِلْحِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِهِ. قَالَ: فَاسْتَعِنْ بِمَنْ أَحْبَبْتَ، فَاسْتَعَانَ بِتِسْعَةٍ وَ عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَ عَمَّارُ (4) بْنُ حُصَيْنٍ وَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ .. وَ خَرَجَ أَبُو مُوسَى بِهِمْ حَتَّى أَنَاخَ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمِرْبَدِ (5)، وَ بَلَغَ الْمُغِيرَةَ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدْ أَنَاخَ بِالْمِرْبَدِ، فَقَالَ: وَ اللَّهِ مَا جَاءَ أَبُو مُوسَى تَاجِراً وَ لَا زَائِراً (6) وَ لَكِنَّهُ جَاءَ أَمِيراً، وَ إِنَّهُمْ لَفِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَدَفَعَ إِلَى الْمُغِيرَةِ كِتَاباً مِنْ عُمَرَ- إِنَّهُ لَأَزْجَرُ (7) كِتَابٍ كَتَبَ بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ- أَرْبَعَ كَلِمٍ عَزَلَ فِيهَا وَ عَاتَبَ (8) وَ اسْتَحَثَّ وَ أَمَّرَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي نَبَأٌ عَظِيمٌ فَبَعَثْتُ أَبَا مُوسَى (9) فَسَلِّمْ مَا فِي يَدَيْكَ إِلَيْهِ وَ الْعَجَلَ. وَ كَتَبَ إِلَى
____________
(1) هنا عبارة سقطت- و قد جاءت في الطّبريّ-.
(2) في الطّبريّ: الوجه.
(3) في شرح النّهج: الأرض الّتي قد ..
(4) كذا، و في المصدر و الشّرح: عمران، و هو الظّاهر.
(5) جاء في حاشية (ك) ما يلي: المربد: الموضع الّذي يحبس فيه الإبل و غيرها، و منه يسمّى مربد البصرة. ذكره الجوهريّ، و قال: الفارهة: الجارية الجميلة. [منه ((رحمه الله))].
انظر: الصّحاح 2- 471 في مادّة: ربد، و فيه: تحبس. و ما ذكره للفارهة من المعنى لم نجده في الصّحاح. قال في القاموس 4- 289: و الفارهة: الجارية المليحة، و الفتية.
(6) في شرح النّهج و الطّبريّ: لا زائرا و لا تاجرا- بتقديم و تأخير-.
(7) في المصدر و الشّرح: لأوجز، و هو الظّاهر.
(8) في الطّبريّ: عزل منها و عاتب.
(9) جاءت زيادة كلمة: أميرا، في الطّبريّ.
642
أَهْلِ الْبَصْرَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ أَبَا مُوسَى أَمِيراً عَلَيْكُمْ لِيَأْخُذَ لِضَعِيفِكُمْ مِنْ قَوِيِّكُمْ، وَ لِيُقَاتِلَ بِكُمْ عَدُوَّكُمْ، وَ لِيَدْفَعَ عَنْ ذِمَّتِكُمْ، وَ لِيَجْبِيَ (1) لَكُمْ فَيْئَكُمْ، وَ لِيُقَسِّمَ فِيكُمْ (2)، وَ لِيَحْمِيَ لَكُمْ طُرُقَكُمْ (3).
فَأَهْدَى إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ وَلِيدَةً مِنْ مُوَلَّدَاتِ الطَّائِفِ تُدْعَى: عَقِيلَةَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَضِيتُهَا لَكَ- وَ كَانَتْ فَارِهَةً-، وَ ارْتَحَلَ الْمُغِيرَةُ وَ أَبُو بَكْرَةَ وَ نَافِعُ بْنُ كَلَدَةَ وَ زِيَادٌ وَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! سَلْ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ كَيْفَ رَأَوْنِي مُسْتَقْبِلَهُمْ أَمْ مُسْتَدْبِرَهُمْ؟
فَكَيْفَ رَأَوُا الْمَرْأَةَ وَ عَرَفُوهَا؟ فَإِنْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِيَّ فَكَيْفَ لَمْ أَسْتَتِرْ! وَ إِنْ كَانُوا مُسْتَدْبِرِيَّ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا النَّظَرَ إِلَيَّ فِي مَنْزِلِي عَلَى امْرَأَتِي! وَ اللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا امْرَأَتِي، فَبَدَأَ بِأَبِي بَكْرَةَ فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ بَيْنَ رِجْلَيْ أُمِّ جَمِيلٍ، وَ هُوَ يُدْخِلُهُ وَ يُخْرِجُهُ (4)، قَالَ عُمَرُ:
كَيْفَ رَأَيْتَهُمَا؟. قَالَ: مُسْتَدْبِرَهُمَا. قَالَ: كَيْفَ اسْتَبَنْتَ (5) رَأْسَهَا؟. قَالَ:
تَخَافَيْتُ (6). فَدَعَا بِشِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ فَشَهِدَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَ قَالَ: اسْتَقْبَلْتُهُمَا وَ اسْتَدْبَرْتُهُمَا (7)، وَ شَهِدَ نَافِعٌ بِمِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، وَ لَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِمْ، قَالَ: رَأَيْتُهُ جَالِساً بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، وَ رَأَيْتُ قَدَمَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ يَخْفِقَانِ (8)، وَ اسْتَيْنِ
____________
(1) في (س): و لتجئ. و في الطّبريّ: و ليحصي.
(2) في (س): طرفكم. و في الطّبريّ: لينقي لكم طرقكم.
(3) في الطّبريّ: ثمّ ليقسمه بينكم و لينقي ..
(4) في الطّبريّ زيادة: كالميل في المكحلة.
(5) في المصدر و الشّرح: فكيف استثبت.
(6) في شرح النّهج: تجافيت. و في الطّبريّ: تحاملت.
(7) في الطّبريّ: فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما؟. قال: استقبلتهما.
(8) جاء في حاشية (ك): خفقت الرّاية: اضطربت و تحرّكت. و في الطّبريّ: قدمين مخضوبتين تخفقان. و حفز المرأة- بالحاء المهملة و الزّاي المعجمة-: جامعها، و كذا بالمهملتين.
و في النّهاية: الحفز: الحثّ و الإعجال، و منه حديث أبي بكرة، أنّه دبّ إلى الصّفّ راكعا و قد حفزه النّفس. و قال الرّاجز: الحفز: النّفس الشّديد المتتابع الّذي كأنّه يدفع من سياق. [منه ((رحمه الله))].
انظر: القاموس 3- 228 في مادّة: خفق، و 2- 12 في مادّة: حفر و حفز. و النّهاية 1- 407 في مادّة: حفز، و حكى الجوهريّ في الصّحاح 3- 874 في مادّة: حفز، قول الرّاجز. و في الطّبريّ:
حفزانا.
643
مَكْشُوفَيْنِ، وَ سَمِعْتُ حَفْزاً شَدِيداً، قَالَ عُمَرُ: فَهَلْ رَأَيْتَهُ فِيهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟.
قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ؟. قَالَ: لَا، وَ لَكِنْ أُشَبِّهُهَا .. فَأَمَرَ عُمَرُ بِالثَّلَاثَةِ الْحَدَّ (1) وَ قَرَأَ: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (2)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكُمْ، فَصَاحَ بِهِ عُمَرُ: اسْكُتْ .. (3) أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ (4)، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ تَمَّتِ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ، فَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُ (5)
. أقول: ثم رَوَى (6) مِنْ كِتَابِ الْأَغَانِي (7) لِأَبِي الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيِّ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّي مُؤَدَّى تِلْكَ الرِّوَايَةِ .. إِلَى أَنْ قَالَ (8): قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ (9): فَجَلَسَ لَهُ عُمَرُ وَ دَعَا بِهِ وَ بِالشُّهُودِ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ:
أَ رَأَيْتَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا؟. قَالَ: نَعَمْ، وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَشْرِيمِ (10) جُدَرِيٍّ بِفَخِذَيْهَا.
____________
(1) في الشّرح: فجلدوا الحدّ. و في الطّبريّ: قال: فتح و أمر بالثّلاثة فجلدوا الحدّ.
(2) النّور: 13.
(3) في الطّبريّ: فقال المغيرة: اشفني من الأعبد. فقال: اسكت.
(4) في حاشية (ك): قال الجوهريّ: النأمة- بالتسكين-: الصّوت، يقال: أسكت اللّه نأمته: .. أي نغمته و صوته. [منه ((رحمه الله))].
انظر: الصّحاح 5- 2038.
(5) تاريخ الطّبريّ 4- 207 [3- 169- 170] حوادث سنة 17 ه.
(6) أي ابن أبي الحديد في شرحه 12- 234- 236.
(7) الأغاني 14- 77- 100.
(8) شرح ابن أبي الحديد 12- 236- 237.
(9) في المصدر: عمر بن شبة.
(10) جاء في حاشية (ك): التّشريم: التّشقيق، و قال الجوهريّ: ألا يألو .. أي قصّر. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: الصّحاح 5- 1959، و جاء في القاموس 4- 136، و النّهاية 2- 468، و مجمع البحرين 6- 99 في مادّة: شرم، و الصّحاح 6- 2270- أيضا- في مادّة: ألي.
644
فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لَقَدْ أَلْطَفْتَ النَّظَرَ. قَالَ: لَمْ آلُ أَنْ أُثْبِتَ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ بِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَ اللَّهِ حَتَّى تَشْهَدَ، لَقَدْ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا كَمَا يَلِجُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. قَالَ:
نَعَمْ، أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَذْهَبَ عَنْكَ، مُغِيرَةُ ذَهَبَ (1) رُبُعُكَ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَ يُقَالُ: إِنَّ عَلِيّاً (عليه السلام) هُوَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ، ثُمَّ دَعَا نَافِعاً، فَقَالَ: عَلَى مَا تَشْهَدُ؟. قَالَ: عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا، حَتَّى تَشْهَدَ أَنَّكَ رَأَيْتَهُ يَلِجُ فِيهَا وُلُوجَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ. قَالَ: نَعَمْ، حَتَّى بَلَغَ قُذَذَهُ(2). فَقَالَ: أَذْهَبَ عَنْكَ، مُغِيرَةُ ذَهَبَ نِصْفُكَ، ثُمَّ دَعَا الثَّالِثَ- وَ هُوَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ- فَقَالَ: عَلَى مَا ذَا (3) تَشْهَدُ؟. قَالَ: عَلَى مِثْلِ شَهَادَةِ صَاحِبَيَّ؟. فَقَالَ:
أَذْهَبَ عَنْكَ، مُغِيرَةُ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِكَ. قَالَ: فَجَعَلَ الْمُغِيرَةُ يَبْكِي إِلَى الْمُهَاجِرِينَ فَبَكَوْا مَعَهُ، وَ بَكَى إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى بَكَيْنَ مَعَهُ، قَالَ: وَ لَمْ يَكُنْ زِيَادٌ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُنَحَّى الشُّهُودُ الثَّلَاثَةُ وَ أَنْ لَا يُجَالِسَهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَ انْتَظَرَ قُدُومَ زِيَادٍ، فَلَمَّا قَدِمَ جَلَسَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَ اجْتَمَعَ رُءُوسُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، قَالَ الْمُغِيرَةُ- وَ كُنْتُ قَدْ أَعْدَدْتُ كَلِمَةً أَقُولُهَا- فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ زِيَاداً مُقْبِلًا قَالَ: إِنِّي لَأَرَى رَجُلًا لَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ (4).
____________
(1) في (س): و ذهب.
(2) القذذ: ريش السّهم، الواحدة القذّة. قاله في الصّحاح 2- 568، و القاموس 1- 357، و النّهاية 4- 28، و مجمع البحرين 3- 186.
(3) في المصدر: على م.
(4) و في فتوح البلدان: 3- 352: أما إنّي أرى وجه رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول اللّه (ص) على يده و لا يخزى بشهادته، و في لفظ المتّقي الهنديّ في كنز العمّال 3- 18: إنّي أرى غلاما كيّسا لن يشهد- إن شاء اللّه- إلّا بحقّ!. و أوردها البيهقيّ في سننه 8- 235.
و قد أورد القصّة بتفصيلها شيخنا الأميني في الغدير 6- 137- 144 عن عدّة مصادر، و ذكرها ابن الأثير في الكامل 2- 288، و ابن خلّكان في تاريخه 2- 455، و ابن كثير في تاريخه 7- 81، و في عمدة القاري 6- 340، و في أخبار عمر لعليّ و ناجي الطنطاوي: 59 (ط: دار الفكر)، تاريخ أبي الفداء 1- 174، و كنز العمّال 3- 88 [8- 235]، و غيرها من المصادر.
645
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَ فِي حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ (1)، عَنِ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ رُشَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِ أَنَّهُ لَمَّا شَهِدَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ عِنْدَ عُمَرَ تَغَيَّرَ (2) لَوْنُ عُمَرَ، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي فَشَهِدَ فَانْكَسَرَ لِذَلِكَ انْكِسَاراً شَدِيداً، ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثُ فَشَهِدَ فَكَأَنَّ الرَّمَادَ نُثِرَ عَلَى وَجْهِ عُمَرَ، فَلَمَّا جَاءَ زِيَادٌ جَاءَ شَابٌّ يَخْطِرُ (3) بِيَدَيْهِ، فَرَفَعَ عُمَرُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَ قَالَ: مَا عِنْدَكَ أَنْتَ يَا سَلْحَ (4) الْعُقَابِ؟ وَ صَاحَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ صَيْحَةً يَحْكِي (5) صَيْحَةَ عُمَرَ، قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ (6): لَقَدْ كِدْتُ أَنْ يُغْشَى عَلَيَّ لِصَيْحَتِهِ.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: فَكَانَ الْمُغِيرَةُ يُحَدِّثُ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى زِيَادٍ، فَقُلْتُ: لَا مَخْبَأَ لِعِطْرٍ بَعْدَ عَرُوسٍ (7)، يَا زِيَادُ! أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَ أُذَكِّرُكَ مَوْقِفَ الْقِيَامَةِ وَ كِتَابَهُ وَ رَسُولَهُ أَنْ
____________
(1) في شرح النّهج: زيد بن عمر بن شبة.
(2) في المصدر: تغيّر الثّالث لذلك. و الظّاهر زيادة كلمة: الثّالث، و كونها للسطر الآتي.
أقول: إنّ ملاحظة القصّة بصدرها و ذيلها تعطي علّة تغيّر لون عمر أوّلا، و انكساره ثانيا، و صيرورته كأنّ الرّماد نثر على وجهه ثالثا، و إيعازه إلى رابع الأربعة في الشّهادة بكتمان شهادته رابعا، و لعلّ لمثل هذه الأوصاف و الأفعال صار مثلا للعدل عند أهل التسنن؟!.
(3) جاء في حاشية (ك): و الخطر- بالكسر-: نبات يختضب به. صحاح.
انظر: الصّحاح 2- 648. أقول: المعنى المناسب للمقام ما جاء في النّهاية لابن الأثير 3- 46:
يخطر بسيفه .. أي يهزّه معجبا بنفسه.
(4) جاء في حاشية (ك): في مصباح اللّغة: سلح الطّائر سلحا- من باب نفع-: هو منه كالتغوط من الإنسان، و هو سلحه تسمية بالمصدر. [منه ((رحمه الله))].
انظر: المصباح المنير 1- 343، و فيه زيادة الواو بعد: نفع.
(5) في شرح النّهج: تحكي.
(6) في المصدر: عبد الكريم بن رشيد.
(7) جاء في حاشية (ك): ما يلي: قال الميداني في مجمع الأمثال: لا مخبأ لعطر بعد العرس، و يروى لا عطر بعد العروس، قال المفضّل: أوّل من قال ذلك امرأة من عذرة يقال لها: أسماء بنت عبد اللّه، و كان لها زوج من بني عمّها يقال له: عروس فمات عنها فتزوّجها رجل من قومها يقال له: نوفل، و كان أعسر أبخر بخيلا دميما، فلمّا أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمّي و بكيت عند رمسه؟. فقال: افعلي، فقالت: أبكيك يا عروس الأعراس، يا ثعلبا في أهله و أسدا عند البأس مع أشياء ليس يعلمها النّاس. قال: و ما تلك الأشياء؟. قالت: كان عن الهمّة غير نعّاس و يعمل السيف صبيحات البأس. ثمّ قالت: يا عروس الأعز الأزهر الطيب الخيم الكليم المحضر مع أشياء له لا تذكر. قال: و ما تلك الأشياء؟. قالت: كان عيوفا للخنا و المنكر، طيّب النّكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر، فعرف الزّوج أنّها تعرّض به، فلمّا رحل بها قال سمي إليك عطرك .. و قد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: لا عطر بعد عروس .. فذهبت مثلا.
و يقال: إنّ رجلا تزوّج امرأة فأهديت إليه فوجدها تفلة، فقال لها: أين الطّيب؟. فقالت:
خبأته. فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس .. فذهبت مثلا، يضرب لمن لا يدّخر عنه نفيس.
و قيل: عروس اسم رجل مات فحملت امرأته أواني العطر فكسرتها و صبّت العطر، فوبّخها بعض معارفها، فقالت ذلك.
يضرب على الأوّل في ذمّ ادّخار الشّيء وقت الحاجة إليه، و على الثّاني في الاستغناء عن ادّخار الشّيء لعدم من يدّخر له، انتهى.
و لعلّ المناسب هنا الأوّل من المعنيين الأخيرين. [منه ((رحمه الله))].
انظر: مجمع الأمثال 2- 112- 113 برقم 3491 بتصرف. و جاءت الفقرة الأخيرة في المستقصى لأمثال العرب للزّمخشريّ 2- 264 برقم 991.
646
تَتَجَاوَزَ إِلَى مَا لَمْ تَرَ، ثُمَّ صِحْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ احْتَقَنُوا (1) دَمِي، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي، قَالَ: فَرَتَقَتْ (2) عَيْنَا زِيَادٍ وَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَمَّا أَنْ أَحُقَّ مَا حَقَّ الْقَوْمُ فَلَيْسَ عِنْدِي، وَ لَكِنِّي رَأَيْتُ مَجْلِساً قَبِيحاً، وَ سَمِعْتُ نَفَساً حَثِيثاً وَ انْتِهَاراً، وَ رَأَيْتُهُ مُتَبَطِّنَهَا. فَقَالَ عُمَرُ: رَأَيْتَهُ يُدْخِلُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ (3)؟. قَالَ: لَا.
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَ رَوَى كَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُهُ رَافِعاً رِجْلَيْهَا، وَ رَأَيْتُ خُصْيَيْهِ مُتَرَدِّدَيْنِ بَيْنَ فَخِذَيْهَا، وَ رَأَيْتُ حَفْزاً شَدِيداً، وَ سَمِعْتُ نَفَساً عَالِياً، فَقَالَ عُمَرُ: رَأَيْتَهُ يُدْخِلُهُ وَ يُخْرِجُهُ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟. قَالَ: لَا. قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قُمْ يَا مُغِيرَةُ إِلَيْهِمْ فَاضْرِبْهُمْ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ (4) وَ ضَرَبَ
____________
(1) كذا، في المصدر: احتقروا. و هو الظّاهر.
(2) في شرح النّهج: فترنقت.
(3) في المصدر: أ رأيته يدخل و يخرج كالميل في المكحلة؟.
(4) في (ك): ثمانين جلدة.
647
الْبَاقِينَ.
وَ رَوَى قَوْمٌ أَنَّ الضَّارِبَ لَهُمُ الْحَدَّ لَمْ يَكُنِ الْمُغِيرَةَ.
قَالَ (1): وَ أَعْجَبَ عُمَرَ قَوْلُ زِيَادٍ: وَ دَرَأَ الْحَدَّ عَنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ: أَشْهَدُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ فَعَلَ كَذَا .. وَ كَذَا، فَهَمَّ عُمَرُ بِضَرْبِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِنْ ضَرَبْتَهُ رَجَمْتُ (2) صَاحِبَكَ، وَ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ (3).
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: يَعْنِي إِنْ ضَرَبَهُ يَصِيرُ شَهَادَتُهُ شَهَادَتَيْنِ فَيُوجِبُ بِذَلِكَ الرَّجْمَ عَلَى الْمُغِيرَةِ. قَالَ: وَ اسْتَتَابَ (4) عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ، قَالَ: إِنَّمَا تَسْتَتِيبُنِي لِتَقْبَلَ (5) شَهَادَتِي؟. قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مَا بَقِيتُ فِي الدُّنْيَا.
قَالَ: فَلَمَّا ضُرِبُوا الْحَدَّ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكُمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: اسْكُتْ أَخْزَى اللَّهُ مَكَاناً رَأَوْكَ فِيهِ. قَالَ: وَ قَامَ أَبُو بَكْرَةَ عَلَى قَوْلِهِ، وَ كَانَ يَقُولُ: وَ اللَّهِ مَا أَنْسَى قَطُّ فَخِذَيْهَا، وَ تَابَ الِاثْنَانِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَ كَانَ أَبُو بَكْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا طُلِبَ إِلَى شَهَادَةٍ يَقُولُ: اطْلُبُوا غَيْرِي، فَإِنَّ زِيَاداً أَفْسَدَ عَلَيَّ شَهَادَتِي ..
قَالَ (6) أَبُو الْفَرَجِ: وَ حَجَّ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّةً فَوَافَقَ الرَّقْطَاءَ بِالْمَوْسِمِ، فَرَآهَا وَ كَانَتِ (7) الْمُغِيرَةُ يَوْمَئِذٍ هُنَاكَ- فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُغِيرَةِ: وَيْحَكَ! أَ تَتَجَاهَلُ عَلَيَّ، وَ اللَّهِ مَا أَظُنُّ أَبَا بَكْرَةَ كَذَبَ عَلَيْكَ، وَ مَا رَأَيْتُكَ إِلَّا خِفْتُ أَنْ أُرْمَى بِحِجَارَةٍ مِنْ السَّمَاءِ (8).
____________
(1) قال .. أي ابن أبي الحديد في الشّرح 12- 237.
(2) في (ك): وجّهت. و في (س) نسخة بدل: رحمت، و قد تقرأ: رجمت، و هو الظّاهر.
(3) و جاء في سنن البيهقيّ 8- 235 قول عليّ (عليه السلام) بلفظ: إن كانت شهادة أبي بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك و إلّا فقد جلدتموه، تارة، و بلفظ: إن جلدته فارجم صاحبك، ثانية، و بلفظ: لئن ضربت هذا فارجم ذاك، ثالثة.
(4) في شرح النّهج: فاستتاب.
(5) لا توجد: لتقبل في (س).
(6) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 238.
(7) كذا، و في المصدر: و كان. و هو الظّاهر.
(8) ليت شعري لما ذا كان عمر يخاف أن يرمى بالحجارة من السّماء؟ إنّها الرّدّة حقّا! و حاشا اللّه أن يرمي مقيم الحقّ، أو لتعطيله الحكم؟ أو لجلده مثل أبي بكرة- الّذي عدّوه من خيار الصّحابة. و كان من العبادة كالنّصل-؟!. انظر: الغدير 6- 140.
648
قَالَ: وَ كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام)- بَعْدَ ذَلِكَ- يَقُولُ: إِنْ ظَفِرْتُ بِالْمُغِيرَةِ لَأَتْبَعْتُهُ أَحْجَارَهُ (1).
قال ابن أبي الحديد (2)- بعد إيراد تلك الأخبار و غيرها-: فهذه الأخبار كما تراها تدلّ متأمّلها على أنّ الرجل زنى بالمرأة لا محالة، و كلّ كتب التواريخ و السير يشهد (3) بذلك، و إنّما اقتصرنا نحن منها على ما في هذين الكتابين.
وَ قَدْ رَوَى الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَانَ أَزْنَى النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قَيَّدَهُ الْإِسْلَامُ، وَ بَقِيَتْ عِنْدَهُ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ بِالْبَصْرَةِ (4)، ثم أورد في ذلك روايات أخر تركناها اختصارا.
و قال الشيخ (قدس الله روحه) في تلخيص الشافي (5): فإن قالوا: لم يعطّل الحدّ و إنّما لم يتكامل الشهادة، و إرادة الرابع لأن يشهد لا تكمل بها البيّنة و إنّما تكمل بإقامتها ..
و قوله: أرى وجه رجل لا يفضح اللّه على يده رجلا .. سائغ صحيح، فجرى مجرى
- مَا رُوِيَ عَنْهُ (ص) مِنْ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ لَهُ (6): لَا تُقِرَّ.
- وَ قَالَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ- لَمَّا أَتَاهُ بِالسَّارِقِ وَ أَمَرَ بِقَطْعِهِ- فَقَالَ: هِيَ لَهُ- يَعْنِي مَا سَرَقَ- هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ.
، فلا يمتنع أن يجب (7) أن لا تكمل الشهادة، و ينبّه الشاهد على
____________
(1) و في الأغاني 14- 147: قال (عليه السلام): لئن لم ينته المغيرة لأتبعنّه أحجاره. و فيه أيضا: لئن أخذت المغيرة لأتبعنّه أحجاره.
(2) شرح النهج 2- 239 [3- 163].
(3) لا توجد: يشهد، في (س). و في المصدر: تشهد. و هو الظاهر.
(4) إلى هنا كلام ابن أبي الحديد في شرحه على النّهج 12- 239 بتصرف.
(5) تلخيص الشافي 4- 21- 25.
(6) لا توجد: له، في (س).
(7) كذا، و الظاهر: أن يحب- بالحاء المهملة-. و في المصدر: أنّه.
649
أن لا يشهد، و جلد الثلاثة من حيث صاروا قذفة، قالوا (1): ليس حالهم (2) و قد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة عليه، لأنّ الحيلة في إزالة الحدّ عنه- و لمّا تكاملت الشهادة- ممكنة بتلقين و تنبيه و غيره، و لا حيلة فيما قد وقع من الشهادة، فلذلك حدّهم، و ليس في إقامة الحدّ عليهم من الفضيحة ما في تكامل الشهادة على المغيرة، لأنّه يتصوّر بأنّه زان و يحكم بذلك فيه، و ليس كذلك حال الشهود، لأنّهم لا يتصوّرون بذلك و إن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة، على أنّه قيل إنّ القذف منهم كان (3) تقدّم بالبصرة، لأنّهم صاحوا به في نواحي (4) المسجد بأنّا نشهد بأنّك زان، فلو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدّهم لا محالة، فلم يمكن (5) في إزالة الحدّ عنهم ما أمكن في المغيرة، و ما روي من أنّ عمر إذا رآه كان يقول: لقد خفت أن يرميني اللّه بحجارة من السماء ..، غير صحيح، و لو صحّ لكان تأويله التخويف و إظهار قوّة الظنّ بصدق القوم لما شهدوا عليه ردعا (6) له، و غير ممتنع أن يحب (7) أن لا يفتضح لما كان متولّيا للبصرة من قبله، و سكوت زياد عن إقامة الشهادة لا يوجب تفسيقه، لأنّا علمنا بالشرع أنّ له السكوت، و لو كان فسقا لما ولّاه أمير المؤمنين (عليه السلام) فارس، و لما ائتمنه (8) على أموال المسلمين و دمائهم.
قيل (9) لهم: إنّما نسب عمر إلى تعطيل الحدّ من حيث كان في حكم
____________
(1) لا توجد: قالوا، في المصدر، و وضع عليها في (ك) رمز نسخة بدل.
(2) في (س) زيادة هنا و هي: في إقامة الحدّ شيء.
(3) في (ك): و كان.
(4) في تلخيص الشافي: من نواحي.
(5) في (ك): فلم يكن.
(6) في المصدر: و دعاه.
(7) في (ك): يجب- بالجيم المعجمة-.
(8) في (س): يأتمنه.
(9) قيل جواب و جزاء لقوله: فإن قالوا ..
650
الثابت، و إنّما بتلقينه لم تكمل الشهادة، لأنّ زيادا ما حضر إلّا ليشهد بما شهد به أصحابه، و قد صرّح بذلك كما صرّحوا قبل حضورهم، و لو لم يكن هذا هكذا لما شهد القوم قبله و هم لا يعلمون هل حال زياد في (1) ذلك كحالهم، لكنّه أحجم (2) في الشهادة لما رأى كراهيّة متولّي الأمر لكمالها، و تصريحه بأنّه لا يريد أن يعمل بموجبها.
و من العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحدّ عن واحد و هو لا يندفع إلّا بانصرافه إلى ثلاثة، فإن كان درأ الحدّ و الاحتيال في دفعه من السنن المتّبعة، فدرؤه عن ثلاثة أولى من درئه عن واحد.
و قولهم: إن درء (3) الحدّ عن المغيرة ممكن، و درؤه (4) عن الثلاثة- و قد شهدوا غير ممكن طريف، لأنّه لو لم يلقّن الشاهد الرابع الامتناع من الشهادة لاندفع عن الثلاثة الحدّ، فكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكروه، بل لو أمسك عن الاحتيال جملة لما لحق الثلاثة حدّ.
و قولهم: إنّ المغيرة يتصوّر بصورة زان لو تكاملت الشهادة، و في هذا من الفضيحة ما ليس في حدّ الثلاثة .. غير صحيح؟ لأنّ الحكم في الأمرين واحد، لأنّ الثلاثة إذا حدّوا يظنّ بهم الكذب و إن جوّز (5) أن يكونوا صادقين، و المغيرة لو كملت (6) الشهادة عليه بالزنا ظنّ ذلك به مع التجويز لأن يكون (7) الشهود كذبة، فليس في أحد الأمرين إلّا ما (8) في الآخر.
____________
(1) في (س) زيادة: حاله، قبل: حال زياد، خطّ عليها في (ك). و في المصدر: هل حاله في ذلك ..
(2) في تلخيص الشافي: لجلج.
(3) في المصدر: دفع، و هي نسخة بدل في (ك).
(4) في المصدر: دفعه، و هي نسخة بدل في (ك).
(5) في المصدر: جوّزوا.
(6) في التلخيص: لو كانت.
(7) جاءت في المصدر: تكون- بالتاء-.
(8) لا توجد: ما، في المصدر.
651
و ما
- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ لَهُ: لَا تُقِرَّ.
- إن كان صحيحا- لا يشبه ما نحن فيه، لأنّه ليس في دفع الحدّ عن السارق، إيقاع غيره في المكروه، و قصّة المغيرة تخالف ذلك (1)، لما ذكرناه.
و أمّا
- قَوْلُهُ (2) (صلّى اللّه عليه و آله) لِصَفْوَانَ: هَلَّا (3) قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ..
فلا يشبه ما نحن فيه، لأنّه بيّن أنّ ذلك القول كان يسقط الحدّ لو تقدّم، و ليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحدود.
و أمّا قولهم: إنّ القذف منهم كان قد (4) تقدّم فغير معروف، و المرويّ خلافه، و الظاهر أنّه إنّما حدّهم عند نكول زياد عن الشهادة، و أنّ ذلك كان السبب في إيقاع الحدّ بهم. و تأويلهم لقول عمر: لقد خفت أن يرميني اللّه بحجارة .. لا يليق بما قالوه، لأنّه يقتضي (5) التندّم و التأسّف على تفريط وقع، و لم يخاف أن يرمى بالحجارة و هو لم يدرأ الحدّ (6) عن مستحقّ له، و لو أراد الردع و التخويف لمغيرة لأتى بكلام يليق بذلك و لا يقتضي إضافة التفريط إلى نفسه، و كونه واليا من قبله لا يقتضي أن يدرأ الحدّ عنه (7) و يعدل به إلى غيره.
و أمّا قولهم (8): إنّا ما كنّا نعلم أنّ زيادا كان يتمّم الشهادة .. فقد بينا أنّ ذلك كان (9) معلوما بالظاهر، و من قرأ ما روي في هذه القصّة علم- بلا شكّ- أنّ
____________
(1) ذلك، لا توجد في التلخيص.
(2) في المصدر: فأمّا.
(3) في (س): هل.
(4) قد، لا توجد في المصدر و (س).
(5) في المصدر: لأنّه لا يقتضي، و هو الظاهر.
(6) في (س): الحق.
(7) في (ك) زيادة: الحق.
(8) في المصدر: و قولهم.
(9) لا توجد: كان، في تلخيص الشافي.
652
حال زياد كحال الثلاثة في أنّه إنّما حضر للشهادة، و إنّما عدل عنها لكلام عمر.
و قولهم: إنّ الشرع يبيحه السكوت. ليس بصحيح، لأنّ الشرع قد حظر كتمان الشهادة.
و قولهم: لم يفسق زياد لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ولّاه فارس .. فليس بشيء يعتمد، لأنّه لا يمتنع أن يكون تاب بعد ذلك و أظهر توبته له (عليه السلام)، فجاز أن يولّيه.
و كان بعض أصحابنا يقول في قصّة المغيرة شيئا طيّبا- و هو معتمد في باب الحجّة- و هو (1) أنّ زيادا إنّما امتنع من التصريح بالشهادة المطلوبة في الزنا، و قد شهد بأنّه شاهده بين شعبها الأربع و سمع نفسا عاليا، فقد صحّ على المغيرة بشهادة الأربعة جلوسه منها جلوس مجلس (2) الفاحشة .. إلى غير ذلك من مقدمات الزنا و أسبابه، فألّا ضمّ إلى جلد الثلاثة تعزير هذا الذي صحّ عنده بشهادة الأربعة ما (3) صحّ من الفاحشة مثل (4) تعريك (5) أذنه أو ما جرى مجراه من خفيف التعزير و يسيره؟!، و هل في العدول عن ذلك حين عدل (6) عن لومه و توبيخه و الاستخفاف به إلّا ما ذكروه من السبب الذي يشهد الحال به، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
و أقول: اعترض ابن أبي الحديد (7) و غيره (8) على هذا الكلام بوجوه سخيفة لا طائل في التعرّض لها لوهنها.
____________
(1) لا توجد: و هو، في المصدر.
(2) مجلس: لا توجد في (س) و المصدر.
(3) في (ك) نسخة بدل: من، بدلا من: ما.
(4) لا توجد: مثل، في تلخيص الشافي.
(5) قال في الصحاح 4- 1599: عركت الشيء أعركه عركا: دلكته.
(6) لا توجد: حين عدل، في المصدر، و فيه: حتى، و هو الظاهر.
(7) في شرحه على النهج: 12- 244.
(8) كما في المواقف و شرحها، و المقاصد و شرحها، كما سيأتي.
653
و قال ابن أبي الحديد (1)- في تضاعيف كلامه-: ورد في الخبر أنّ عمر قال للمغيرة: ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك .. و قال: تقديره أظنّه لم يكذب عليك، انتهى.
و لا يخفى أنّ هذا إسناد معصيته (2) إلى عمر، إذ لو لم يكن ذلك قذفا صريحا يوجب الحدّ فلا أقلّ يكون تعريضا يوجب التعزير، بل كذلك قوله: ما رأيتك إلّا خفت أن يرميني اللّه بحجارة من السماء (3)؟! و هل يقال مثل ذلك لمن ندب اللّه إلى درء الحدّ عنه و سمّى في كتابه من رماه بالفجور كاذبا؟!، و لو أراد عمر أن يعظ المغيرة أمكنه أن يذكّره عذاب اللّه و يأمره (4) بالاجتناب عن ارتكاب مساخطه على وجه لا يوجب قذفا، و لا يتضمّن تعريضا.
ثم إنّ ما ذكروه أنّ سبب حبّه للمغيرة أنّه كان واليا من قبله فلا وجه له، بل لا يخفى على من تتبّع أحوالهما أنّه لم يكن الباعث على الحبّ و على جعله واليا إلّا الاتّفاق في النفاق و الاشتراك في بغض أمير المؤمنين (عليه السلام) (5).
____________
(1) شرح ابن أبي الحديد 12- 238 [3- 162].
(2) كذا، و الظاهر: معصية- بلا ضمير-.
(3) الأغاني 14- 147، و نقله في شرح النهج لابن أبي الحديد 12- 238 [3- 162].
(4) في (س): يأمر- بدون ضمير-.
(5) كان المغيرة في مقدم أناس كانوا ينالون عليّا أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر: رسائل الجاحظ:
92، و الأذكياء: 98، و مسند أحمد بن حنبل 1- 188، و 4- 369، و غيرها.
قال ابن الجوزي: قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلّم، فقال المغيرة: أخرجوه، فأقيموه على المصطبة فيلعن عليّا. فقال: لعن اللّه من لعن اللّه و لعن عليّ بن أبي طالب .. إلى آخره.
و ذكر إمام الحنابلة في مسنده 4- 369 بإسناده، قال: نال المغيرة بن شعبة من عليّ، فقال زيد ابن أرقم: قد علمت أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان ينهى عن سبّ الموتى، فلم تسبّ عليّا و قد مات؟!!. و غيره من روايات الباب هناك.
و يكفي هذا و غيره في إثبات نفاقه أو كفره أو كونه ولد زنا لما ثبت بالنصوص الصريحة المستفيضة من أنّه من أبغض عليّا (ع) كان أحد هؤلاء الثلاثة.
654
كما روي أنّه كان من أصحاب الصحيفة الملعونة (1) التي كتبوها لإخراج الخلافة عن أهل البيت (عليهم السلام)، و لو لم يكن يحبّه حبّا شديدا فلم كان يتغيّر عند شهادة كلّ شاهد على الوجه المتقدّم؟!، مع أنّ المغيرة لم يكن ذا سابقة في الإسلام، و من أهل الورع و الاجتهاد حتى يتوهّم أنّه كان مثل ذلك سببا لحبّه، و بغض المغيرة لأمير المؤمنين (عليه السلام) كان أظهر من الشمس، و قد اعترف ابن أبي الحديد (2) بذلك حيث قال: قال أصحابنا البغداديّون: من كان إسلامه على هذا الوجه- أي على الخوف و المصلحة- و كانت خاتمته ما تواتر الخبر به من لعن عليّ (عليه السلام) على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، و كان المتوسط من عمره الزّنا (3)، و إعطاء البطن و الفرج سؤالهما، و ممالاة الفاسقين، و صرف الوقت إلى غير طاعة اللّه، كيف نتولّاه؟! و أيّ عذر لنا في الإمساك عنه؟ و أن لا نكشف للناس فسقه ...
و ذكر (4) أخبارا كثيرة في أنّه- لعنه اللّه- كان يلعن عليّا (عليه السلام) على المنبر و يأمر بذلك، و كذا اشتهاره بالزنا في الجاهليّة و الإسلام ممّا اعترف به ابن أبي الحديد (5)، فكفى طعنا لعمر حبّه لمثل هذا الرجل مثل هذا الحبّ، و هل يظنّ أحد بعمر أنّه لم يكن يعلم بغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد كان
- سمع النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: لَا يُحِبُّ عَلِيّاً إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا كَافِرٌ (6) مُنَافِقٌ (7)
.
____________
(1) قد مرّت مفصّلا في بحار الأنوار 28- 85- 100 [الحجريّة كمباني 8- 19 و 23 و 54].
(2) في شرحه على النهج: 20- 10، و ذكر عن الأغاني فيه: كيفيّة إسلام المغيرة، فهي حريّة بالملاحظة.
(3) في المصدر: الفسق و الفجور، بدلا من: الزنا.
(4) في شرح النهج لابن أبي الحديد 20- 10.
(5) انظر: شرحه على النهج 4- 69، و 6- 288، و غيرها.
و قد مرّت آنفا مصادر أخرى في ذلك، فراجع.
(6) لا توجد: كافر، في (س).
(7) جاء بألفاظ مختلفة و بأسانيد متعدّدة- و المعنى واحد-، مثل: لا يحبّ عليّا المنافق و لا يبغضه المؤمن. أو بزيادة: و لا يحبّه إلّا مؤمن. أو قوله (ص): لا يحبّك إلّا مؤمن، و لا يبغضك إلّا منافق.
ذكر في الغدير 3- 183- 188 أكثر من ثلاثين مصدرا ينتهي إسنادها إلى ابن عبّاس، و سلمان، و أبي ذرّ، و حذيفة اليمانيّ، و أبي ليلى الغفاريّ، و غيرهم، أخرج عنهم جمع كبير من الحفّاظ و الأعلام، فراجع.
و أورده الحميديّ أبو بكر عبد اللّه بن الزّبير- المتوفّى سنة 219 ه- في مسنده 1- 31 حديث 58، و التّرمذيّ عن طريق يحيى بن عيسى 4- 332، و غيرهما.
و قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم في أهل البيت (ع): لا يحبّهم إلّا سعيد الجد طيّب المولد و لا يبغضهم .. الرّياض النضرة 2- 189، و تاريخ بغداد 3- 289.
و قول عليّ (عليه السلام): لا يحبّني كافر و لا ولد زنا. كما في شرح ابن أبي الحديد 1- 373.
655
السادس: أنّه منع من المغالاة في صدقات النساء
، وَ قَالَ: مَنْ غَالَى فِي مَهْرِ ابْنَتِهِ أَجْعَلْهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ (1)، لِشُبْهَةِ
- أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) زَوَّجَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
، فَقَامَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ وَ نَبَّهَتْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
... وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً (2) عَلَى جَوَازِ الْمُغَالاةِ، فَقَالَ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ فِي الْبُيُوتِ (3).
____________
(1) جعله في بيت المال جاء بألفاظ شتّى و طرق عديدة جدّا نذكر جملة منها: الدّرّ المنثور 2- 133، و سيرة عمر لابن الجوزيّ: 129، و الأذكياء له أيضا: 162، و جمع الجوامع- كما في ترتيب السّيوطيّ الكنز- 8- 298، و سنن البيهقيّ 7- 233، و تفسير القرطبيّ 5- 99، و تفسير ابن كثير 1- 467، و حاشية سنن ابن ماجة للسندي 1- 583 و 584، و كشف الخفاء للعجلوني 1- 269 و 270 و 2- 118، و المستطرف 1- 70، و غيرها. و أخرجه الزّبير بن بكّار في الموفّقيّات، و ابن عبد البرّ في جامع العلوم، كما في مختصره: 66.
(2) النّساء: 20.
(3) للقصة صور عديدة بألفاظ مختلفة و أسانيد متظافرة متحدة المعنى، سبق بعضها و سيأتي الآخر، تجدها في: المسند الكبير لأبي يعلى، و سنن سعيد بن منصور، و أمالي المحامليّ، و سيرة عمر لابن الجوزيّ: 129، و تفسير ابن كثير 10- 467 عن أبي يعلى، و مجمع الزّوائد للهيثمي 4- 284، و الدّرّ المنثور للسّيوطيّ 2- 133، و جمع الجوامع- كما في ترتيبه الكنز- 8- 298، الدّرر المنتثرة: 243 نقلا عن سبعة من الحفّاظ، و فتح الغدير للشوكاني 1- 407، و تفسير الكاشف 1- 357، تفسير القرطبيّ 5- 99، تفسير النّيسابوريّ في سورة النّساء، و تفسير الخازن 1- 353، و الفتوحات الإسلاميّة 2- 477، و الأربعين للرازي: 467، و التمهيد للباقلاني: 199، و قد جاءت القصّة في المصادر كلّها مذيلة بقول عمر: كلّ النّاس أفقه من عمر، و في بعضها زيادة: حتّى النّساء، و في بعضها الآخر: حتّى المخدّرات في البيوت.
قال ابن درويش الحوت في أسنى المطالب: 166: حديث كلّ أحد أعلم أو أفقه من عمر، قاله عمر لمّا نهى عن المغالاة في الصّداق.
و قد جاءت مذيّلة بقوله: كلّ أحد أعلم من عمر، في: تفسير الكشّاف 1- 357، إرشاد السّاريّ في شرح صحيح البخاريّ للعسقلاني 8- 57، تفسير النسفيّ- هامش الخازن 1- 353، كشف الخفاء 1- 388.
كما و قد وردت مع قوله: امرأة أصابت و رجل أخطأ في: الموفّقيّات للزّبير بن بكّار، و جامع العلم لابن عبد البرّ- كما في مختصره: 66-، سيرة عمر لابن الجوزيّ: 129، و الأذكياء لابن الجوزيّ:
162، و تفسير القرطبيّ 5- 99، و تفسير ابن كثير 1- 467، و الدّرّ المنثور 2- 133، و جمع الجوامع- كما في ترتيب السّيوطيّ- 8- 298 نقلا عن ابن بكّار و ابن عبد البرّ، و حاشية سنن ابن ماجة للسندي 1- 584، و كشف الخفاء للعجلوني 1- 269، 270، 388 و 2- 118.
و جاءت في تفسير الخازن 1- 353 بلفظ عمر: امرأة أصابت و أمير أخطأ.
و أخرجها البيهقيّ في سننه 7- 233 عن الشعبي، قال: خطب عمر بن الخطّاب النّاس فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: ألا لا تغالوا في صداق النّساء فإنّه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو سبق إليه إلّا جعلت فضل ذلك في بيت المال، ثمّ نزل.
عرضت له امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين! أ كتاب اللّه أحقّ أن يتّبع أو قولك؟.
قال: بل كتاب اللّه تعالى .. فما ذاك؟.
قالت: نهيت النّاس آنفا: أن يغالوا في صداق النّساء، و اللّه تعالى يقول في كتابه: «وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً».
فقال عمر: كلّ أحد أفقه من عمر .. مرّتين أو ثلاثا. الحديث. و أورده المتّقي الهندي في كنز العمّال 8- 297- 298.
و جاء في بعض المصادر- ذيله- أنّه قال لأصحابه: تسمعوني أقول مثل القول فلا تنكرونه عليّ حتّى ترد عليّ امرأة ليست من أعلم النّساء!. كما في تفسير الكاشف 1- 357، و شرح صحيح البخاريّ للقسطلاني 8- 57، و سبقهم السّنديّ في حاشية السّنن لابن ماجة 1- 583، و العجلوني في كشف الخفاء 1- 269، و 2- 118، و غيرهم. و انظر خيانة الخطيب البغداديّ في تاريخه 3- 257.
و من هذا و غيره يظهر مدى الاستبداد الديني الحاكم و الضّغط السياسي المتسلّط من قبل الخليفة آنذاك، و إلّا فلا يعقل عدم التفات المسلمين لمثل هذا الحكم.
و جمع الحاكم النّيسابوريّ طرق هذه الخطبة لعمر بن الخطّاب في جزء كبير- كما قاله في المستدرك 2- 277- و قال: تواترت الأسانيد الصّحيحة بصحّة خطبة أمير المؤمنين! عمر بن الخطّاب بذلك، و أقرّه الذهبي في تلخيص المستدرك، و أخرجها الخطيب البغداديّ في تاريخه 3- 257 بعدّة طرق و صحّحها، غير أنّه لم يذكر الحديث بتمامه.
و ذكره السّيوطيّ في جمع الجوامع- كما في الكنز 8- 298- نقلا عن سنن سعيد بن منصور و البيهقيّ، و رواه السّنديّ في حاشية سنن ابن ماجة 1- 583، و العجلوني في كشف الخفاء 1- 269 و 2- 118.
و أخرج الحافظ الطّبريّ في الرّياض النّضرة في أنّه دخل عليّ (عليه السلام) على عمر- و إذا امرأة حبلى تقاد ترجم- فقال: ما شأن هذه؟. فقالت: يذهبون ليرجموني .. و في ذيلها: فقال عمر: كلّ أحد أفقه منّي- ثلاث مرّات .. و حكاه الحافظ الكنجيّ في الكفاية: 105، و قال في ذخائر العقبى:
81:. هذه غير تلك- أي القصّة الّتي مرّت للمرأة الحامل، لأنّ اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصحّ فلم ترجم، و هذه رجمت، كما مرّ.
و قد ذكر العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 6- 95- 99 صورا تسعا من هذه القصّة، و أورد المصادر العديدة، فراجع. و جاء في العقد الفريد 3- 416: لمّا قيل له نهاك اللّه عن التّجسّس تجسست، و نهاك عن الدّخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتان بهاتين، و هو يقول: كلّ النّاس أفقه من عمر.
657
و أجيب بأنّه لم ينه نهي تحريم بل نهي تنزيه، و قوله: كلّ الناس أفقه من عمر .. على طريق التواضع و كسر النفس (1).
و أجاب السيد المرتضى (2) رضي اللّه عنه بأنّ (3): المرويّ أنّه منع من ذلك و حظره حتّى قالت له المرأة ما قالت، و لو كان غير حاظر للمغالاة لما (4) كان في الآية حجّة عليه، و لا كان لكلام المرأة موقع، و لا كان يعترف لها بأنّها أفقه منه،
____________
(1) كما في المغني للقاضي 20- 14- القسم الأوّل-.
(2) الشافي 4- 185.
(3) في المصدر: فهو دفع للعيان، لأن ..
(4) في الشافي: و لو كان راغبا عن المغالاة و غير حاظر لها لما ..
658
بل كان الواجب عليه (1) أن يردّ عليها و يوبّخها و يعرّفها أنّه ما حظر ذلك و إنّما تكون الآية حجّة عليه لو (2) كان حاظرا مانعا.
و أمّا التواضع فلا يقتضي إظهار القبيح و تصويب الخطإ، إذ (3) لو كان الأمر على ما توهّمه المجيب (4) لكان (5) هو المصيب و المرأة مخطئة، و كيف يتواضع بكلام يوهم أنّه المخطئ و هي المصيبة؟ انتهى.
أقول: و ممّا يدلّ على بطلان كون هذا (6) الأمر للاستحباب مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (7) فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: لَا يَبْلُغُنِي أَنَّ امْرَأَةً تَجَاوَزَ صَدَاقُهَا صَدَاقَ زَوْجَاتِ رَسُولِ اللَّهِ (8) (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَّا ارْتَجَعْتُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَامَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكَ (9)، إِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ... (10)، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَعْجَبُونَ (11) مِنْ إِمَامٍ أَخْطَأَ وَ امْرَأَةٍ أَصَابَتْ، نَاضَلَتْ إِمَامَكُمْ فَنَضَلَتْهُ! (12).
و المناضلة: المغالبة في الرّمي، و نضلته .. أي غلبته فيه (13)، فإنّ كراهة
____________
(1) لا توجد: عليه، في المصدر.
(2) في (ك): و لو.
(3) في الشافي: الواو، بدلا من: إذ.
(4) في المصدر: صاحب الكتاب.
(5) في (س): لو كان.
(6) لا توجد: هذا، في (س).
(7) شرح النّهج لابن أبي الحديد 1- 182 [1- 61]، و أشار إليه في 12- 208 [3- 96]، و غيرها من الموارد. و قريب منه في تفسير الخازن 1- 353، و تفسير القرطبيّ 5- 99، و الأربعين للرازي:
467، و التمهيد للباقلاني: 199، و غيرهم.
(8) في المصدر: صداق نساء النّبيّ.
(9) في شرح النّهج: فقالت له امرأة: ما جعل لك ذلك.
(10) النّساء: 20.
(11) في المصدر: فقال: كلّ النّاس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال، ألا تعجبون، و هو الظّاهر.
(12) في شرح النّهج: فاضلت إمامكم ففضلته.
(13) كما في المصباح المنير 2- 317، و انظر: مجمع البحرين 5- 484، و الصحاح 5- 1831، و القاموس 4- 58، و النهاية 5- 72، و غيرها.
659
المغالاة لا يقتضي جواز الارتجاع، بل استلزام الحرمة له أيضا محلّ تأمّل.
وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)- أَيْضاً- فِي شَرْحِ غَرِيبِ أَلْفَاظِ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ خَطَبَ، فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُغَالِي بِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا فِي قَلْبِهِ عَدَاوَةٌ، يَقُولُ جَشِمْتُ إِلَيْكِ عَرَقَ الْقِرْبَةِ (2).
قال أبو عبيدة: معناه: تكلّفت لك حتى عرقت عرق القربة، و عرقها:
سيلان مائها.
وَ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (3): رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (4) قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ نِسَائِكُمْ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اللَّهُ يُعْطِينَا وَ أَنْتَ تَمْنَعُنَا (5)، وَ تَلَتْ (6) قَوْلَهُ تَعَالَى: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ... (7)
____________
(1) في شرحه على النّهج 12- 134- 135 بتصرف. و انظر: الفائق 2- 135، و غيرهما.
(2) جاء في حاشية (ك) حاشية لم يعلم عليها، و لعلّ محلها هنا، و هي: قال الجوهريّ: قال الأصمعيّ: يقال: لقيت من فلان عرق القربة، و معناه: الشّدّة، و لا أدري ما أصله. و قال غيره:
العرق إنّما هو للرّجل لا للقربة. قال: و أصله: أنّ القرب إنّما تحملها الإماء الزوافر، و من لا معين له، و ربّما افتقر الرّجل الكريم و احتاج إلى حملها بنفسه فيعرق لما يلحقه من المشقّة و الحياء من النّاس، فيقال: تجشّمت لك عرق القربة.
و في النّهاية، في حديث عمر: جشمت إليك عرق القربة .. أي تكلّفت إليك و تعبت حتّى عرقت كعرق القربة، و عرقها سيلان مائها.
و قيل: أراد بعرق القربة عرق حاملها من ثقلها.
و قيل: أراد أنّي قصدتك و سافرت إليك و احتجت إلى عرق القربة و هو ماؤها.
و قيل: أراد تكلّفت لك ما لم يبلغه أحد و ما لا يكون، لأنّ القربة لا تعرق. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: الصّحاح 4- 1522- 1523، و النّهاية 3- 220- 221.
(3) تفسير الفخر الرّازيّ 10- 13.
(4) لا توجد في المصدر: بن الخطّاب.
(5) في التّفسير: و أنت تمنع.
(6) في (س): ثلث، و في نسخة جاءت عليها: تلت. و في المصدر: و تلت هذه الآية.
(7) النّساء: 20.
660
الْآيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْكَ يَا عُمَرُ! (1)، وَ رَجَعَ عَنْ كَرَاهَةِ الْمُغَالاةِ.
ثم قال (2): و عندي أنّ الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة (3)، لأنّه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لآخر (4) كون ذلك الشرط جائز الوقوع في نفسه، كما يقول (5) الرجل: لو كان الإله جسما لكان محدثا، انتهى.
و الظاهر أنّه حذف منها ارتجاع المهر دفعا للطعن بذلك، و ليتمكّن من حملها على الكراهة، إلّا (6) أنّه مع قطع النظر عنه لا يدفع الطعن، فإنّ الآية- بعد تسليم دلالتها على جواز إيتاء القنطار- لا شكّ في عدم دلالتها على نفي كراهة المغالاة، فرجوع عمر عن القول بالكراهة- كما اعترف به- و اعترافه بالخطإ بما تلت (7) عليه المرأة دليل واضح على جهله، و لو حمل منعه على التحريم لم يظهر جهله بتلك المثابة، و إن كان أفحش في مخالفته الشرع، فظهر أنّ الحمل على الكراهة لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ و الظاهر من رواية ابن أبي الحديد أنّه منع من المغالاة على سبيل الاجتهاد، لظنّه أنّه مثمر للعداوة في قلب الزوج، فرجوعه عن ذلك القول- بعد سماع الآية كما دلّت عليه الروايات- يدلّ على جواز الاجتهاد في مقابلة النصّ، و إلّا لما اعترف بالخطإ و لم يرجع عن قوله، و لو جاز فرجوعه عن اجتهاده (8) بسماع الآية دليل واضح على جهله، فظهر توجّه الطعن سواء كانت المغالاة مباحة أو محرّمة أو مكروهة.
____________
(1) في تفسير الفخر: أفقه من عمر.
(2) الفخر الرازيّ في تفسيره 10- 13- 14.
(3) هنا سقط جاء في المصدر.
(4) في التفسير: لشيء آخر.
(5) في المصدر: الشرط في نفسه جائز الوقوع، و قد يقول: .. و قبلها سقط جاء فيه، فلاحظ.
(6) في (ك): لا.
(7) الكلمة في المطبوع مشوّشة و ما أثبتناه أولى، و قد تقرأ: قلت، و لا معنى لها.
(8) في (س): اجتهاد،- بلا ضمير-.
661
السابع
: مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1) وَ غَيْرُهُ (2): أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعُسُ (3) لَيْلَةً فَمَرَّ بِدَارٍ سَمِعَ فِيهَا صَوْتاً فَارْتَابَ وَ تَسَوَّرَ فَوَجَدَ رَجُلًا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَ زِقُ (4) خَمْرٍ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَ ظَنَنْتَ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُكَ وَ أَنْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟!. فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فِي وَاحِدَةٍ فَقَدْ أَخْطَأْتَ فِي ثَلَاثٍ، قَالَ اللَّهُ: وَ لا تَجَسَّسُوا (5) وَ تَجَسَّسْتَ، وَ قَالَ: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها (6) وَ قَدْ تَسَوَّرْتَ،
____________
(1) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 17- 18 [3- 96] بتصرف، و ذكره في 1- 182 [1- 61] و لم يأت بذيله.
(2) أورده محبّ الدّين في الرّياض 2- 46، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور 6- 93، و أوردها مفصّلا و بشكل آخر في الفتوحات الإسلاميّة 2- 476- 477، و الكامل لابن الأثير 4- 28، و كنز العمّال 2- 167، و جاء بها في نفس المجلّد: 141 بشكل آخر عن السدي مقتصرا على الفقرة الأولى.
و جاء شهاب الدّين الأبشيهي في المستطرف 2- 115 باب 61 بقضيّة غير ما مرّت في عس عمر و مواجهة من نبّهه على الخطايا الثّلاث.
و نقل في العقد الفريد 3- 416 قضيّة ثالثة في عسه و رجوعه نادما، و فيه: همّ بتأديبهم فقالوا:
يا أمير المؤمنين! نهاك اللّه عن التّجسّس تجسّست، و نهاك عن الدّخول بغير إذن فدخلت. فقال:
هاتين بهاتين و انصرف و هو يقول: كلّ النّاس أفقه منك يا عمر.
أقول: انظروا إلى مصالحة الخليفة مع الأمّة في الخطإ و ما تبعت هذه المصالحة من الآثار.
و أخذ بتكرارها و لكن نصح له عبد الرّحمن بن عوف فامتنع، و قد جاء في سنن البيهقيّ 8- 334، و الإصابة 1- 531، و الدّرّ المنثور 6- 93، و السّيرة الحلبية 3- 293، و الفتوحات الإسلاميّة 2- 472: قال عمر: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف و هم الآن شرب، فما ترى؟.
قال عبد الرّحمن: أرى قد أتينا ما نهى اللّه عنه: «وَ لا تَجَسَّسُوا» فقد تجسسنا فانصرف عنهم عمر و تركهم.
(3) قال في النّهاية 3- 236: و في حديث عمر: أنّه كان يعسّ بالمدينة .. أي يطوف باللّيل يحرس النّاس و يكشف أهل الرّيبة.
(4) قال في القاموس 3- 241: الزّقّ- بالكسر-: السّقّاء أو جلد يجزّ و ينتف للشّراب و غيره.
(5) الحجرات: 12.
(6) البقرة: 189.
662
وَ قَالَ: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا (1) وَ مَا سَلَّمْتَ. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ خَيْرٍ إِنْ (2) عَفَوْتُ عَنْكَ؟. قَالَ: نَعَمْ- وَ اللَّهِ- لَا أَعُودُ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (3): فَلَحِقَهُ الخجل. و قد حكى تلك القصّة في الصراط المستقيم (4)، عن الطبري (5)، و الرازي، و الثعلبي، و القزويني، و البصري، و عن الراغب في محاضراته، و الغزالي في الإحياء (6)، و المالكي في قوت القلوب.
و قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (7): وَ رُوِيَ (8) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حُدِّثَ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي بَيْتِهِ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا رَجُلٌ، فَقَالَ أَبُو الْمِحْجَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ، قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ!. فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَذَا؟. فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ: صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!. قَالَ: فَخَرَجَ عُمَرُ وَ تَرَكَهُ، وَ خَرَجَ مَعَ (9) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضاً (10) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (11) فَتَبَيَّنَتْ لَهُمَا نَارٌ فَأَتَيَا وَ اسْتَأْذَنَا فَفُتِحَ الْبَابُ فَدَخَلَا، فَإِذَا رَجُلٌ وَ امْرَأَةٌ تُغَنِّي وَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ قَدَحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هَذِهِ مِنْكَ؟. قَالَ: امْرَأَتِي.
قَالَ: وَ مَا فِي هَذَا الْقَدَحِ؟. قَالَ: الْمَاءُ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ مَا الَّذِي تُغَنِّينَ، قَالَتْ: أَقُولُ:
____________
(1) النّور: 61.
(2) في (س): فإن.
(3) جاءت في المغني للقاضي 20- 14- القسم الثّاني- حيث قال: و إنّما لحقه على ما يروى في الخبر الخجل ..
(4) الصراط المستقيم 3- 20.
(5) تاريخ الطبريّ 5- 20 [طبع مصر].
(6) إحياء العلوم 2- 201.
(7) مجمع البيان 9- 135.
(8) في (س): روى- بلا واو-.
(9) لا توجد: مع، في المصدر.
(10) في مجمع البيان زيادة: و معه.
(11) في المصدر زيادة: يعسان.
663
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَ اسْوَدَّ جَانِبُهُ* * * وَ أَرَّقَنِي إِلَّا حَبِيبٌ أُلَاعِبُهُ
فَوَ اللَّهِ لَوْ لَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَ التُّقَى* * * لَزُعْزِعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ
وَ لَكِنَّ عَقْلِي وَ الْهَوَاءَ (1)يَكُفُّنِي* * * وَ أُكْرِمُ بَعْلِي أَنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهُ
فَقَالَ (2) الرَّجُلُ: مَا بِهَذَا أُمِرْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ لا تَجَسَّسُوا (3)، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ، وَ انْصَرَفَ (4).
____________
(1) في (ك) نسخة بدل: الحياء.
(2) في المصدر: ثمّ قال.
(3) الحجرات: 12.
(4) هذا، و إنّ شرب الخليفة للخمر من المسلّمات، ألا ترى إلى ما ذكره الزّمخشريّ في ربيع الأبرار 4- 51- 52، باب اللّهو و اللّذّات و القصف و اللّعب، و الأبشيهي في المستطرف: 260 [2- 291] .. و غيرهما في قصّة تدرّج نزول آيات النّهي عن الخمر، و فيها: حتّى شربها عمر فأخذ لحى بعير فشجّ رأس عبد الرّحمن بن عوف، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن عبد يغوث [أبي يعفور، بن يعفور]، و فيها:
أ يوعدنا ابن كبشة قال ابن الأثير في النّهاية 4- 144، في حديث أبي سفيان: لقد أمر ابن أبي كبشة .. كان المشركون ينسبون النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أبي كبشة و هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان و عبد الشعرى العبور فلمّا خالفهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في عبادة الأوثان شبّهوه به، و قيل: إنّه كان جدّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من قبل أمّه فأرادوا أنّه نزع في الشّبه إليه.) أن سنحيا
و كيف حياة أصداء و هام* * * أ يعجز أن يردّ الموت عنّي
و ينشرني إذا بليت عظامي* * * ألا من مبلغ الرّحمن عنّي
بأنّي تارك شهر الصّيام* * * فقل للّه يمنعني شرابي!
و قل للّه يمنعني طعامي
فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فخرج مغضبا يجرّ رداءه، فرفع شيئا كان في يده ليضربه .. و حرّف القصّة الطّبريّ في تفسيره 2- 203 بوضع كلمة رجل بدلا من: عمر، و ناقشها شيخنا الأميني- (رحمه الله)- في غديره 6- 251- 261 بذكر موارد النّقض و ما يرد على الخليفة.
أقول: بعد نزول آية تحريم الخمر، قال الخليفة: انتهينا انتهينا .. فلم نجده قد انتهى، إذ ها هو يقول- كما في السّنن الكبرى 8- 299، و المحاضرات للراغب الأصفهانيّ 1- 319، و كنز العمّال للمتّقي الهنديّ 3- 109 بألفاظ متعدّدة و غيرهم-: إنّا نشرب هذا الشّراب الشّديد لنقطع به لحوم الإبل في بطوننا أن تؤذينا، فمن رابه من شرابه شيء فليمزجه بالماء!. و أورد الهنديّ في كنزه، و الطّبرانيّ في الجامع الكبير 6- 156، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 3- 416، و غيرهم أنّه شرب و شرب إلى أن مات، فها هم يقولون: و كان يشرب النّبيذ الشّديد إلى آخر نفس لفظه. قال عمر ابن ميمون: شهدت عمر حين طعن أتي بنبيذ فشربه .. و لاحظ ما أورده الجصّاص في أحكام القرآن 2- 565، بل جاء في جامع مسانيد أبي حنيفة 2- 192 أنّه كان يحبّ الشّراب الشّديد، و عنه قوله في الخمر: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه. و جاء في سنن النّسائيّ 8- 326 عنه: إذا خشيتم من نبيذ شدّته فاكسروه بالماء .. و غيرها، هذا مع تواتر نصوص الفريقين- كما في سنن أبي داود 2- 129، و مسند أحمد 2- 167، 3- 343، و صحيح التّرمذيّ 1- 342، و سنن ابن ماجة 2- 332، و سنن النّسائيّ 8- 30، و سنن البيهقيّ 8- 296، و غيرهم كثير- مع أنّ: ما أسكر كثيره فقليله حرام .. و غيره من نصوص الباب.
664
و أجيب (1) بأنّ للإمام أن يجتهد في إزالة المنكر بهذا الجنس من الفعل، و إنّما لحقه الخجل .. (2) لأنّه لم يصادف الأمر على ما ألقي إليه في إقدامهم على المنكر.
و أجاب السيد المرتضى (3) (رضوان اللّه عليه) ب: أنّ التجسّس محظور (4) بالقرآن و السنّة، و ليس للإمام أن يجتهد فيما يؤدّي إلى مخالفة الكتاب و السنة، و قد كان يجب- إن كان هذا عذرا صحيحا- أن يعتذر به إلى من خطّأه في وجهه، و قال له: إنّك أخطأت السنّة من وجوه، فإنّه بمعاذير نفسه أعلم من غيره (5)، و تلك الحال حال (6) تدعو إلى الاحتجاج و إقامة العذر، و كلّ هذا تلزيق و تلفيق. انتهى.
و لا يخفى أنّ قولهم: إنّما لحقه الخجل لعدم مصادفته الأمر على ما ألقي إليه .. مخالف لما رواه ابن أبي الحديد (7) و غيره كما عرفت.
____________
(1) و المجيب: هو القاضي في المغني 20- 14- القسم الثاني-.
(2) في المصدر زيادة: على ما روي في الخبر. و في الأصل: على ما يروى.
(3) في الشافي 4- 185.
(4) في المصدر: فأمّا التجسّس فهو محظور.
(5) في (س): من غيرها. و في المصدر: من صاحب الكتاب.
(6) لا توجد: حال- الثانية-، في المصدر.
(7) في شرح النهج 12- 18.
665
ثم إنّهم عدّوا من فضائل عمر (1) أنّه أوّل من عسّ في عمله نفسه، لزعمهم أنّ ذلك أحرى بسياسة الرعيّة، و قد ظهر من مخالفته لصريح الآية أنّه من جملة مطاعنه، و لو كان خيرا لما تركه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لكان اللّه تعالى يأمر بذلك، فعدّهم ذلك من فضائله ترجيح لرأي عمر على ما قضى اللّه و رسوله به، و هل هذا إلّا كفر صريح؟!.
الثامن
: ما ورد في جميع صحاحهم- و إن لم يتعرّض له أكثر أصحابنا، و هو عندي من أفحش مطاعنه و أثبتها- و هو أنّه ترك الصلاة لفقد الماء، و أمر من أجنب و لم يجد الماء أن لا يصلّي من غير استناد إلى شبهة، كما رَوَى الْبُخَارِيُ (2) وَ مُسْلِمٌ (3) وَ أَبُو دَاوُدَ (4) وَ النَّسَائِيُ (5) وَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (6)، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى (7): لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ وَ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْراً (8) أَ مَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَ يُصَلِّي؟! وَ (9) كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ
____________
(1) كما في كتاب الأوائل للعسكري: 105- 108، و ذكر قصصا ظريفة عن الخليفة، كما و قد عدّ ابن الجوزي هذه المخزاة من مناقب و فضائل عمر! و تبعه شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته العمرية، كما جاء في ديوانه المطبوع سنة 1937 م.
(2) صحيح البخاريّ 1- 385 كتاب التّيمّم باب إذا خاف الجنب على نفسه و أبواب أخر.
(3) صحيح مسلم كتاب الحيض باب التّيمّم حديث 368.
(4) سنن أبي داود حديث 321 كتاب الطّهارة باب التّيمّم.
(5) النّسائيّ 1- 170 كتاب الطّهارة باب تيمّم الجنب.
(6) جامع الأصول 7- 252- 254 حديث 5289 باختلاف أشرنا إلى غالبه.
(7) في المصدر زيادة: أ رأيت يا أبا عبد الرّحمن.
(8) هنا سقط جاء في المصدر و هو: كيف يصنع بالصّلاة؟ فقال عبد اللّه: لا يتيمّم و إن لم يجد الماء شهرا. فقال أبو موسى: فكيف بهذه .. و لا توجد فيه: أ ما كان يتيمّم و يصلّي و كيف تصنعون؟.
(9) لا توجد الواو في (ك).
666
الْمَائِدَةِ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1)، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا (2) إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ (3). قُلْتُ: وَ إِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا (4). قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى (5): أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا يَتَمَرَّغُ (6) الدَّابَّةُ (7)، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ:
إِنَّمَا كَانَ (8) يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا .. فَضَرَبَ بِكَفِّهِ (9) ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا ثُمَّ مَسَحَ (10) ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ (11) ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَ لَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ (12).
- قَالَ الْبُخَارِيُ (13): وَ زَادَ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ:: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ (14) أَبُو مُوسَى: أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعَثَنِي أَنَا وَ أَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ، فَتَمَعَّكْتُ فِي الصَّعِيدِ (15) فَأَتَيْنَا
____________
(1) المائدة: 6.
(2) في جامع الأصول: لو رخّص لهم في هذه الآية لأوشك ..
(3) في المصدر: بالصّعيد.
(4) لا توجد في صحيح مسلم: و إنّما كرهتم هذا لذا.
(5) في جامع الأصول: فقال أبو موسى لعبد اللّه.
(6) في صحيح البخاريّ: تتمرّغ، و في جامع الأصول: تمرّغ.
(7) هنا سقط جاء في المصادر: ثمّ أتيت النّبيّ (ص).
(8) لا توجد: كان .. في جامع الأصول. و وضع عليها رمز نسخة بدل في البحار.
(9) في المصادر: و ضرب بكفّيه.
(10) في المصادر: ثمّ مسح بها.
(11) في (ك): لو، بدلا من: أو.
(12) ورد الذّيل في صحيح البخاريّ و مسلم، كما في الغدير 6- 91.
(13) صحيح البخاريّ 1- 96 كتاب التّيمّم باب التّيمّم بضربة.
(14) لا توجد: له، في بعض نسخ صحيح البخاريّ.
(15) في المصدر: بالصّعيد.
667
رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا (1) يَكْفِيكَ هَكَذَا .. وَ مَسَحَ وَجْهَهُ وَ كَفَّيْهِ وَاحِدَةً.
- وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (2)- أَيْضاً- فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَ رَأَيْتَ- يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ.
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَيْفَ (3) تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): كَانَ يَكْفِيكَ .. قَالَ: أَ لَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ! فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ (4) عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ؟، فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ!، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَ يَتَيَمَّمَ، قَالَ الْأَعْمَشُ: فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّهَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا. قَالَ: نَعَمْ (5).
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (6)- أَيْضاً-، عَنْ أَبِي وَابِلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي؟. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا- يَعْنِي تَيَمَّمَ- وَ صَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟. قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ (7).
- وَ رَوَى (8) أَيْضاً، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
____________
(1) في صحيح البخاريّ زيادة: كان، بعد: إنّما.
(2) صحيح البخاريّ 1- 95 كتاب الطّهارة باب إذا خاف الجنب على نفسه.
(3) في المصدر: فكيف.
(4) في (س): بقول.
(5) و أخرجه مسلم في صحيحه 1- 110، و أبو داود في سننه 1- 53، و البيهقيّ في سننه 1- 226، و قال في تيسير الوصول 3- 97: أخرجه الخمسة إلّا التّرمذيّ.
(6) صحيح البخاريّ 1- 95 كتاب الطّهارة- التّيمّم- باب إذا خاف الجنب.
(7) و جاء في سنن البيهقيّ 1- 226، و تيسير الوصول 3- 97.
(8) البخاريّ في صحيحه 1- 92- 93 [1- 45] حديث 2 في باب المتيمّم هل ينفخ فيهما .. من كتاب الطّهارة. و أورده في الأبواب الّتي بعده، إلّا أنّه حرّفه و دلّس فيه صونا لمقام الخليفة و قدسيّته، فقد حذف الكلمة: لا تصلّ، أو قوله: أمّا أنا فلم أكن لأصلّي .. ذاهلا عن أنّ كلام عمّار عندئذ لا يرتبط بشيء، و لعلّ هذا عنده أخفّ وطأة من إخراج الحديث على ما هو عليه. و رواه مسلم في صحيحه باب التّيمّم بأربعة طرق. و ذكره البيهقيّ محرفا في سننه 1- 209 نقلا عن الصّحيحين، و أخرجه النّسائيّ في سننه 1- 60 و فيه مكان جواب عمر: فلم يدر ما يقول، و أخرجه البغويّ في المصابيح 1- 36 و عدّه من الصّحاح غير أنّه حذف صدر الحديث و ذكر مجيء عمّار إلى رسول اللّه (ص) فقط. و كذا حرّفه الذهبي في تذكرته 3- 152. إلّا أنّ ابن حجر في فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ 1- 352 قال: إنّ هذا مذهب مشهور من عمر. و أورده العينيّ في عمدة القاري 2- 172، و قال: إنّ عمر لم يكن يرى للجنب التّيمّم لتأدية اجتهاده إلى أنّ الآية مختصّة بالحدث الأصغر. و أورد الواقعة العلّامة الأميني في غديره 6- 83- 92 و ناقشها بما لا مزيد عليه.
668
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ؟. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ.
فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَ مَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَ أَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَ أَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا .. فَضَرَبَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَ كَفَّيْهِ (1).
وَ رَوَى مُسْلِمٌ (2) بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَ كَفَّيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ!. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ (3) بِهِ.
وَ فِي رِوَايَةٍ (4) أُخْرَى لِمُسْلِمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ (5)، قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ شِئْتَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ- أَلَّا أُحَدِّثَ بِهِ أَحَداً (6).
____________
(1) و جاءت في سنن أبي داود 1- 53، سنن ابن ماجة 1- 200، مسند أحمد بن حنبل 4- 265 و 319، و سنن النّسائيّ 1- 59، 61.
(2) صحيح مسلم كتاب الطّهارة باب التّيمّم. و جاء في سنن ابن ماجة 1- 200.
(3) في (ك) زيادة: أحدا، بعد: أحدّث، و في صحيح مسلم: لم أحدّث به.
(4) صحيح مسلم كتاب الطّهارة باب التّيمّم.
(5) صحيح مسلم كتاب الطّهارة باب التّيمّم.
(6) و أورده و السّابق أبو داود في سننه 1- 53، و ابن ماجة في صحيحه: 43، و أحمد في مسنده 4- 265 و 319، و النّسائيّ في سننه 1- 59 و 60 و 61. و جاءا في سنن البيهقيّ 1- 209 بطرق عديدة، و شرح معاني الآثار للطحاوي 1- 67.
669
- وَ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (1)- بَعْدَ حِكَايَةِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ:- وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ وَ الشَّهْرَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ. قَالَ: فَقَالَ عَمَّارٌ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَ مَا تَذْكُرُ (2) إِذْ كُنْتُ أَنَا وَ أَنْتَ فِي الْإِبِلِ فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَذَكَرْتُ ذَلِكَ (3)، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكُونُ (4) يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولُ هَكَذَا .. وَ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ (5) ثُمَّ نَفَخَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَمَّارُ! اتَّقِ اللَّهَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ شِئْتَ وَ اللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَداً. فَقَالَ عُمَرُ: كَلَّا! وَ اللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ ..
ثم ذكر أربع (6) روايات في ذلك عن أبي داود.
و روى (7) عن النسائي أيضا أخبار (8) قريبة المضامين من الأخبار الأخيرة (9).
و التمعّك: (10) التمرّغ (11).
____________
(1) جامع الأصول 7- 255- 256 ذيل حديث 5290.
(2) في (س): ما تذكر.
(3) في المصدر: ذلك له.
(4) في جامع الأصول: إنّما كان .. و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: إلى الأرض.
(6) في جامع الأصول عندنا: خمسة، يظهر من خامستها أنّها في نسخة من جامع الأصول.
(7) جامع الأصول 7- 256.
(8) كذا، و الظاهر: أخبارا- بالنصب-، لأنّها رويت عن جامع الأصول.
(9) انظر: النسائي 1- 170 كتاب الطهارة باب تيمّم الجنب باب التيمّم في الحضر مرّة، و في السفر أخرى، و كلّ منهما باختلاف يسير في اللفظ. و رواه أبو داود في صحيحه باب التيمّم بطرق، و أحمد ابن حنبل في مسنده 4- 319، و قريب منه ما ذكره في 4- 265 بطريقين، و كذا في 4- 320، و المتّقي الهندي في كنز العمّال 5- 143 و قال: أخرجه عبد الرزاق. و لاحظ: مسند الطيالسي 3- 88 و 89 بطرق عديدة.
(10) توجد الواو في (س) هنا قبل: التمرغ.
(11) نصّ عليه الطريحي في مجمع البحرين 5- 288، و ابن الأثير في النهاية 4- 343، و الفيروزآبادي في القاموس 3- 319.
670
و قال في جامع الأصول (1) في قوله (2): نولّيك ما تولّيت .. أي نكلك إلى ما قلت، و نرد إليك ما ولّيته نفسك و رضيت لها به.
فإذا وقفت على هذه الأخبار التي لا يتطرّق للمخالفين فيها سبيل إلى الإنكار فنقول:
لا تخلو الحال من أن يكون عمر حين أمر السائل بترك الصلاة لفقدان الماء و عدم إذعانه لقول عمّار، و قوله: أمّا أنا فلم أكن أصلّي حتّى أجد الماء .. عالما بشرعيّة التيمّم و وجوب الصلاة على فاقد الماء، متذكّرا للآية و أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو جاهلا بذلك غير متذكّر للكتاب و السنّة.
فإن كان الأول- كما هو الظاهر- كان إنكاره التيمّم ردّا صريحا على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و ليس تخصيصا أو تقييدا للنصّ بالاجتهاد، بل رفعا لحكمه رأسا لظنّ استلزامه الفساد، و هو إسناد للأمر بالقبيح إلى اللّه عزّ و جلّ و تجهيل له، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و ذلك كفر صريح.
و إن كان الثاني، كان ذلك دليلا واضحا على غاية جهله و عدم صلوحه للإمامة، فإنّ من لم يعلم- في أزيد من عشرين سنة- مثل هذا الحكم الذي تعمّ بلواه و لا يخفى على العوامّ، و كان مصرّحا به في موضعين من كتاب اللّه عزّ و جلّ، و لعلّه لعمله تعالى بإنكار هذا اللعين كرّره في الكتاب المبين و أمر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غير موطن، كما يظهر بالرجوع إلى رواياتهم المنقولة في جامع الأصول و سائر كتبهم، و استمرّ عليه عمل الأمّة في تلك المدّة مع تكرّر وقوعه، كيف يكون أهلا للإمامة صالحا للرئاسة العامّة؟! لا سيّما و في القوم صادق مصدّق
- يَقُولُ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي (3) فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ
____________
(1) جامع الأصول 7- 259.
(2) هنا في (س) زيادة كلمة: تعالى، و قد خطّ عليها في (ك).
(3) أخرجه إمام الحنابلة أحمد، و قال: روى عنه نحو هذا كثير، و جاء في ينابيع المودّة: 274، و في فرائد السّمطين عن أبي سعيد.
قال سعيد بن المسيّب: لم يكن أحد من الصّحابة يقول: سلوني .. إلّا عليّ بن أبي طالب.
أخرجه أحمد بن حنبل في المناقب، و البغوي في المعجم، و أبو عمر في العلم 1- 114، و في مختصره:
58، و الطّبريّ في الرّياض 2- 198، و ابن حجر في الصّواعق: 76، و الحافظ العاصميّ في زين الفتى شرح سورة هل أتى، و القالي في أماليه، و الحصري القيروانيّ في زهر الأدب 1- 38، و السّيوطيّ في جمع الجوامع- كما في ترتيبه- 5- 242، و الزّبيدي الحنفي في تاج العروس 5- 268 نقلا عن الأمالي، و غيرهم في غيرها.
و قد ورد بألفاظ مختلفة تؤدّي هذا المعنى:
منها: قوله (عليه السلام): سلوني قبل أن لا تسألوني و لن تسألوا بعدي مثلي. أخرجه الحاكم في المستدرك 2- 466، و صحّحه هو و الذهبي في تلخيصه.
و منها: قوله (عليه السلام): لا تسألوني عن آية في كتاب اللّه و لا سنة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم إلّا أنبأتكم بذلك. أخرجه ابن كثير في التّفسير 4- 231 من طريقين، و قال: و ثبت أيضا من غير وجه.
و منها: قوله (صلوات الله عليه): سلوني و اللّه لا تسألونّي عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلّا أخبرتكم، و سلوني عن كتاب اللّه، فو اللّه ما من آية إلّا و أنا أعلم أ بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل. نقله أبو عمر في جامع بيان العلم 1- 114، و المحبّ الطّبريّ في الرّياض 2- 198، و السّيوطيّ في تاريخ الخلفاء: 124، و الإتقان له 2- 319، و ابن حجر في فتح الباري 8- 452، و تهذيب التّهذيب 7- 338، و العيني في عمدة القاري 9- 167، و مفتاح السّعادة 1- 400.
و منها: قوله (سلام اللّه عليه): أ لا رجل يسأل فينتفع و ينفع جلساءه. أورده أبو عمر في جامع بيان العلم 1- 144، و في مختصره: 57.
و منها: قوله (عليه السلام): و اللّه ما نزلت آية إلّا و قد علمت فيم نزلت، و أين نزلت، إنّ ربّي وهب لي قلبا عقولا و لسانا سئولا. جاء في حلية الأولياء 1- 68، و مفتاح السّعادة 1- 400.
و منها: قوله (صلوات الله عليه): سلوني و لا تسألوني عن شيء إلّا أنبأتكم به.
أورده البخاريّ في صحيحه 1- 46 و 10- 240، 241، و أحمد في مسنده 1- 278، و أبو داود في مسنده: 356.
قال ابن عبّاس حبر الأمّة: و اللّه لقد أعطي عليّ بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، و ايم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر. حكاه في الاستيعاب 3- 40، و الرّياض 2- 194، و مطالب السّئول:
30.
671
الْأَرْضِ.
672
- وَ يَقُولُ: لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ (1) لَحَكَمْتُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ الْفُرْقَانِ بِفُرْقَانِهِمْ، حَتَّى يَزْهَرَ كُلٌّ إِلَى رَبِّهِ وَ يَقُولَ إِنَّ عَلِيّاً قَضَى فِينَا بِقَضَائِكَ،.
- وَ يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَلْفَ بَابٍ يُفْتَحُ مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ.
- وَ يَشْهَدُ لَهُ الرَّسُولُ الْأَمِينُ (صلّى اللّه عليه و آله) بِأَنَّهُ: بَابُ مَدِينَةِ الْعِلْمِ (2)، وَ أَقْضَى الْأُمَّةِ (3).
و العجب أنّه ... لم يكن يجوّز خلافة عبد اللّه ابنه عند موته معتلا بأنّه لم يعرف كيف يطلق امرأته (4)، و من يجهل مثل ذلك لا يصلح للإمامة! فكيف يجوّز اتّباعه و (5) إمامته مع جهله مثل هذا الحكم البيّن المنصوص عليه بالكتاب و السنّة؟!.
و لا يخفى على المتأمّل الفرق بين الأمرين من وجوه شتّى:
____________
(1) قوله (عليه السلام) هذا تجده في مصادر كثيرة من الخاصّة، و انظر مثالا: بحار الأنوار 26- 182، 28- 4، 35- 387- 391، 40- 136، 153، 178، 92- 87 و 95، و إحقاق الحقّ 7- 579 581 و 615، و لاحظ ما ذكره فيه من مصادر العامّة.
(2) مرّت مصادره في أوّل تحقيقاتنا، و انظر: الغدير 3- 95- 101، و غيره.
(3) قد ورد بلفظ: أقضى أمّتي عليّ، في مصابيح البغويّ 2- 277، الرّياض النضرة 2- 198، و مناقب الخوارزميّ: 50، و فتح الباري 8- 136، و بغية الوعاة: 447، و غيرها.
و بلفظ: أقضاكم عليّ، في الاستيعاب 3- 28- هامش الإصابة-، و مواقف للإيجي 3- 276، و مطالب السّئول: 23، تمييز الطّيّب من الخبيث: 25، كفاية السنقيطي: 46، و شرح النّهج لابن أبي الحديد 2- 235.
و قريب منه في حلية الأولياء 1- 66، و الرّياض النّضرة 2- 198، و مطالب السّئول: 34، و كفاية الكنجيّ: 139، و كنز العمّال 6- 153، و غيرها. و كفاك فيه ما ذكره فضل بن روزبهان ردّا على العلّامة- ذيل هذه الأحاديث-: و أمّا ما ذكره المصنّف- من علم أمير المؤمنين- فلا شكّ في أنّه من علماء الأمّة و النّاس محتاجون إليه فيه، و كيف لا و هو وصيّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في إبلاغ العلم و ودائع حقائق المعارف، فلا نزاع لأحد فيه! ..
(4) ستأتي مصادره في الطعن الثامن عشر.
(5) لا توجد الواو في (س).
673
منها: أنّ الطلاق أمر نادر الوقوع، و الصلاة بالتيمّم أكثر وقوعا.
و منها: أنّ الصلاة أدخل في الدين من النكاح و الطلاق.
و منها: أنّ بطلان هذا النوع من الطلاق لم يظهر من الكتاب و السنّة ظهور وجوب التيمّم.
و منها: أنّ فعل ابنه كان في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و بدو نزول الحكم، و إنكاره كان بعد ظهور الإسلام و انتشار الأحكام.
و منها: أنّ جهل ابنه ارتفع بالتنبيه، و هو قد أصرّ بعد التذكير و الإعلام.
و في الفرق وجوه أخر تركناها للمتدبّر.
و الحقّ أنّ ادّعاء الجهل منه في مثل تلك المسألة الضروريّة المتكرّرة الوقوع ليس من ادّعاء الشبهة المحتملة، بل يجب الحكم بكفره بمجرّد ذلك الإنكار، و يدلّ على أنّ إنكاره لم يكن للجهل، بل كان ردّا على اللّه سبحانه و تعالى و تقبيحا لحكمه، إنّه لو كان للجهل لسأل غيره من الصحابة حتى يظهر له صدق ما ذكره عمّار أو كذبه، فيحكم بعد ذلك بما كان يظهر له، فإنّ ترك الخوض في تحقيق الحكم- مع كون الخطب فيه جليلا لإفضائه إلى ترك الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، مع قرب العهد و سهولة تحقيق الحال- ليس إلّا تخريبا للشريعة و إفسادا (1) في الدين.
و قال بعض الأفاضل: يمكن أن يستدلّ به [عليه] بوجه أخصّ، و هو أنّه لا خلاف في أنّ من استحلّ ترك الصلاة فهو كافر، و لا ريب في أنّ قوله: أمّا أنا فلم أكن أصلّي حتّى أجد الماء، بعد قول الرجل السائل: إنّا نكون بالمكان الشهر و الشهرين .. و نهيه السائل عن الصلاة- كما في الروايات الأخر- استحلال لترك الصلاة مع فقد الماء، و هو داخل في عموم
- قَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَنْ تَرَكَ
____________
(1) في (س): أو فسادا.
674
الصَّلَاةَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ كَفَرَ (1) ..
و لم (2) يخصّصه أحدا (3) إلّا بالمستحلّ (4).
____________
(1) هذا من ضروريّات مذهب الإماميّة، و الرّوايات عليه عند العامّة متضافرة. انظر: صحيح التّرمذيّ كتاب الإيمان باب 9 حديث 40، و سنن النّسائيّ كتاب الصّلاة باب 8، و سنن ابن ماجة كتاب الإقامة: 77، و مسند أحمد بن حنبل 5- 342، و غيرها.
(2) في (س): فلم.
(3) كذا، و الظاهر: أحد- بالرفع-.
(4) أقول: إنّ اجتهاد عمر و جهله في باب الصلاة أكثر من أن يذكر هنا، و نضيف إلى ما ذكره المصنّف- (رحمه الله)- اثنين:
أحدهما: اجتهاده في قراءة الصلاة.
فعن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب: أنّ عمر بن الخطّاب صلّى بنا المغرب فلم يقرأ في الركعة الأولى، فلما كانت الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين، فلمّا فرغ و سلّم سجد سجدتي السهو.
أخرجه ابن حجر في فتح الباري 3- 69 و قال رجاله ثقات و كأنّه مذهب لعمر. و ذكره البيهقيّ في السنن الكبرى 2- 382، و السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمّال 4- 213 عن جمع من الحفّاظ باختلاف في اللفظ. و قريب منه ما في سنن البيهقيّ 2- 281، 347 و 382، و ترتيب جمع الجوامع 4- 213، و كنز العمّال 4- 213، و فتح الباري 3- 69، و غيرها.
و قد أورد العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في غديره 6- 108- 109 روايات عن مصادر عدّة، و قال في آخرها: يظهر من هذه الموارد و تكرّر القصّة فيها أنّ الخليفة لم يستند في صلاته هاتيك إلى أصل مسلّم، فمرّة لم يقرأ في الركعة الأولى فيقضيها في الثانية و يسجد سجدتي السهو قبل السلام أو بعده، و أخرى اكتفى بحسن الركوع و السجود عن الإعادة و سجدتي السهو، و طورا نراه يحتاط بالإعادة، أو أنّه يرى ما أتى به باطلا فيعيد و يعيدون .. فهل هذه اجتهادات وقتيّة، أو أنّه لم يعرف للمسألة ملاكا يرجع إليه؟!. و العجب من ابن حجر أنّه يعدّ الشذوذ عن الطريقة المثلى مذهبا.
الثاني: جهله في أحكام الشكوك في الصلاة.
فقد أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 1- 192، و بلفظ آخر في 1- 190 و 195، و ذكره البيهقيّ في سننه 2- 332 بعدّة طرق- و اللفظ مختلف و المعنى واحد- من أنّه سئل عنها، فقال: لا أعرف، مع أنّه مبتلى بها في اليوم و الليلة خمسا، و هو إمام للمسلمين جماعة و خليفة لهم و مرجع!!.
و ها هو خليفة المسلمين و إمامهم يروي عنه محمّد بن سيرين- كما في طبقات ابن سعد 3- 286 قال: كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيان في الصلاة، فجعل رجل خلفه يلقّنه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل.
675
تنبيه:
اعلم أنّه يظهر من تلك الواقعة ضعف ما يتشبّث به المخالفون في كثير من المواضع من ترك النكير، فإنّ بطلان هذا الحكم و مخالفته للإجماع أمر واضح، و لم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار ذلك عليه، و قد قال عمّار- بعد تذكيره بأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)-: إن شئت لم أحدّث به أحدا .. خوفا من أن يلحقه ضرر بالردّ عليه و الإنكار لفتياه، و لم يكن عمّار في شكّ من روايته حتى يكون تركه الإنكار لفتياه، و لم يكن عمّار في شكّ من روايته حتى يكون تركه الإنكار تصويبا لرأي عمر و تصديقا له، و إذا كان ترك الإنكار في أمر التيمّم- مع عدم تعلّق الأغراض الدنيويّة به للخوف أو غير ذلك- ممّا لا يدلّ على التصويب، فأمور الخلافة و السلطنة أحرى بأن لا يكون ترك الإنكار فيها حجّة على صوابها..
التاسع:
إِنَّهُ أَمَرَ بِرَجْمِ حَامِلٍ حَتَّى نَبَّهَهُ مُعَاذٌ، وَ قَالَ: إِنْ يَكُنْ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا فَلَا سَبِيلِ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَرَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ، وَ قَالَ: لَوْ لَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ (1).
____________
(1) و قد جاء بأكثر من لفظ في مصادر عديدة نذكر منها مثالا: سنن البيهقيّ 7- 443، و كتاب العلم لأبي عمر: 150، و كنز العمّال 7- 82 عن ابن أبي شيبة، و فتح الباري لابن حجر 12- 120 و قال فيه: أخرجه ابن أبي شيبة و رجاله ثقات، و الإصابة 3- 427 نقلا عن فوائد محمّد بن مخلد العطّار، و أوعز إليه في التمهيد: 199. و قال ابن أبي الحديد في شرحه 12- 204 [3- 150]- بعد نقل القصّة و قول السّيّد المرتضى فيها-: و أمّا قول المرتضى: كان يجب أن يسأل عن الحمل، لأنّه أحد الموانع من الرّجم .. فكلام صحيح لازم، و لا ريب أنّ ترك السّؤال عن ذلك نوع من الخطإ ..
أقول: قد تكرّر هذا من عمر و نبّهه على خطئه أكثر من واحد- كما مرّ و سيأتي-.
منها: ما جاء في الرّياض النّضرة 2- 196، و ذخائر العقبى: 80، و مطالب السّئول: 139 و الأربعين للفخر الرّازيّ: 466: من أنّ عليّا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ما بال هذه- المرأة الحامل-؟. فقالوا: أمر عمر برجمها. فردّها عليّ و قال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها و لعلّك انتهرتها أو أخفتها؟. قال: قد كان ذلك. قال: أو ما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: لا حدّ على معترف بعد بلاء، إنّه من قيّد أو حبس أو تهدّد فلا إقرار له.
فخلّى سبيلها ثمّ قال: عجزت النّساء أن تلدن مثل عليّ بن أبي طالب، لو لا عليّ لهلك عمر.
و يأتي في صفحة: 666، عن المناقب للخوارزميّ: 48.
و منها: ما أخرجه الحافظ محبّ الدّين الطّبريّ في الرّياض 2- 196، و الحافظ الكنجي في الكفاية: 105. و قال في ذخائر العقبى: 81- بعد نقله-: هذه غير تلك القضيّة- القضيّة السّابقة لأنّ اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصحّ فلم ترجم، و هذه رجمت.
676
و من جهل هذا القدر لا يجوز أن يكون إماما، لأنّه يجري مجرى أصول الشرائع، بل العقل يدلّ عليه، لأنّ (1) الرجم عقوبة، و لا يجوز أن يعاقب من لا يستحقّ.
و أجاب عنه قاضي القضاة (2) بأنّه ليس في الخبر أنّه أمر برجمها مع علمه بأنّها حامل، لأنّه ليس ممّن يخفى عليه هذا القدر- و هو أنّ الحامل لا ترجم حتى تضع و إنّما ثبت عنده زناها فأمر برجمها على الظاهر، و إنّما قال ما قال (3) في معاذ لأنّه نبّهه على أنّها حامل.
قال: فإن قيل: إذا لم يكن (4) منه معصية فكيف يهلك لو لا معاذ؟!.
قلنا (5): لم يرد الهلك من جهة العذاب (6)، و إنّما أراد أن يجري (7) بقوله:
قتل من لا يستحقّ القتل، كما يقال للرجل هلك من الفقر، و صار سبب القتل (8) خطأ. و يجوز أن يريد بذلك تقصيره في تعرّف حالها (9)، لأنّ ذلك لا يمتنع أن
____________
(1) في (س): لأنّه.
(2) المغني 20- 12- القسم الثاني-، و جاء بعينه في الشافي 4- 179- 180، و نقله أيضا في شرح ابن أبي الحديد 12- 203 [3- 150].
(3) لا توجد في المصدر: ما قال.
(4) في الشافي: لم تكن.
(5) في المغني: قيل له.
(6) في المصدر: لهلك عمر من جهة العقاب.
(7) في المغني: يجزي- بالزاي المعجمة-.
(8) جاءت العبارة في المصدر هكذا: هلك إذا افتقر أو صار سببا لقتل ..
(9) في المغني: في تعرفه حاله.
677
يكون خطيئة و إن صغرت.
و أورد عليه السيد المرتضى (1) (رضوان اللّه عليه) بأنّه: لو كان الأمر على ما ظنّه (2) لم يكن تنبيه معاذ على هذا الوجه، بل كان يجب أن ينبّهه بأن يقول (3): هي حامل، و لا يقول له: إن كان لك عليها سبيل (4) فلا سبيل لك على ما في بطنها، لأنّ ذلك (5) قول من عنده أنّه يرجمها مع العلم بحالها (6)، و أقلّ ما يجب- لو كان الأمر كما ظنّه (7)- أن يقول لمعاذ: ما ذهب عليّ (8) أنّ الحامل لا ترجم، و إنّما أمرت برجمها لفقد علمي بحملها، فكان ينفي بهذا القول عن نفسه الشبهة. و في إمساكه عنه- مع شدّة الحاجة إليه- دليل على صحّة قولنا، و قد كان يجب أيضا أن يسأل عن الحمل لأنّه أحد الموانع من الرجم، فإذا علم انتفاؤه (9) أمر بالرجم، و صاحب الكتاب قد اعترف بأنّ ترك المسألة عن ذلك تقصير و خطيئة (10)، و ادّعى أنّهما (11) صغيرة، و (12) من أين له ذلك و لا دليل عنده يدلّ (13) في غير الأنبياء (عليهم السلام) أنّ معصيته بعينها صغيرة.
____________
(1) الشافي 4- 180.
(2) في المصدر: ظننته.
(3) جاءت زيادة: له، في الشافي.
(4) في المصدر: سبيل عليها- بتقديم و تأخير-.
(5) هذا، بدلا من: ذلك، في المصدر.
(6) في الشافي: أنّه أمر برجمها مع العلم بأنّها حامل.
(7) في المصدر: كما ظنّه صاحب الكتاب.
(8) أي ما خفي عليّ.
(9) في الشافي: ارتفاعه .. أي الحمل.
(10) في (س): تقصيره و خطيئته.
(11) في المصدر: أنّها. و هو الظاهر.
(12) لا توجد الواو في (ك).
(13) في الشافي: يدلّ عنده- بتقديم و تأخير-.
678
فأمّا إقراره بالهلاك لو لا تنبيه معاذ .. فهو يقتضي التفخيم و التعظيم (1) لشأن الفعل، و لا يليق ذلك إلّا بالتقصير الواقع، إمّا في الأمر برجمها مع العلم بأنّها حامل، أو ترك البحث عن ذلك و المسألة عنه، و أيّ لوم (2) في أن يجري بقوله قتل من لا يستحقّ القتل إذا لم يكن ذلك عن تفريط و لا تقصير. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
- وَ مِمَّا يُؤَيِّدُهُ (3) هَذِهِ الْقِصَّةُ، مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ (رحمه الله) فِي الْإِرْشَادِ (4) أَنَّهُ أُتِيَ عُمَرُ بِحَامِلٍ قَدْ زَنَتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): هَبْ أَنَّ لَكَ سَبِيلًا عَلَيْهَا، أَيُّ سَبِيلٍ لَكَ عَلَى مَا فِي (5) بَطْنِهَا؟! وَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (6). فَقَالَ عُمَرُ: لَا عِشْتُ لِمُعْضِلَةٍ لَا يَكُونُ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ (7).
____________
(1) في الشافي: التعظيم و التفخيم.
(2) جاءت زيادة: عليه، في المصدر.
(3) كذا، و الظّاهر زيادة الضّمير.
(4) الإرشاد: 109.
(5) لا يوجد في المطبوع من البحار: في.
(6) جاءت هذه الآية مكررة في سور: الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزّمر: 7.
(7) و قد تكرّر من عمر قوله في ذيل القصّة في غير مورد بألفاظ مختلفة نشير إلى بعضها:
منها: قوله: اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب. كما في تذكرة السّبط: 87، مناقب الخوارزميّ: 58، و مقتله 1- 45.
و منها: قوله: لا أبقاني اللّه بأرض لست فيها يا أبا الحسن!. ذكره في إرشاد السّاري 3- 195.
و منها: قوله: لا أبقاني اللّه بعدك يا عليّ!. أورده في الرّياض النّضرة 2- 197، و مناقب الخوارزميّ: 60، و تذكرة السّبط: 88، و فيض القدير 4- 357.
و منها: قوله: أعوذ باللّه من معضلة و لا أبو الحسن لها. كما رواه ابن كثير في تاريخه 7- 359، و الفتوحات الإسلاميّة 2- 306.
و جاء بألفاظ متقاربة في الرّياض النّضرة 2- 194 و 197، و منتخب كنز العمّال في هامش مسند أحمد 2- 352، و فيض القدير 4- 357، و أخرجه ابن البختري كما في الرّياض 2- 194، و أحمد
في المناقب، و الدّارقطني عن أبي سعيد، يوجد في الاستيعاب- هامش الإصابة- 3- 39، صفوة الصّفوة 1- 121، تذكرة الخواصّ: 85، طبقات الشّافعيّة للشيرازي: 10، الإصابة 2- 509، الصّواعق: 76، ترجمة عليّ بن أبي طالب: 79، حاشية شرح العزيزي 2- 417، مصباح الظّلام 2- 56، و غيرها من المصادر الكثيرة جدّا.
679
- وَ حَكَى فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ (1) مِنْ مَنَاقِبِ الْخُوَارِزْمِيِ (2) أَنَّهُ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ فِي وِلَايَتِهِ بِامْرَأَةٍ حَامِلَةٍ فَسَأَلَهَا عُمَرُ فَاعْتَرَفَتْ بِالْفُجُورِ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ، فَلَقِيَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذِهِ؟. فَقَالُوا: أَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ، فَرَدَّهَا عَلِيٌّ (عليه السلام)، فَقَالَ: أَمَرْتَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ؟!. فَقَالَ: نَعَمْ، اعْتَرَفَتْ عِنْدِي بِالْفُجُورِ. فَقَالَ: هَذَا سُلْطَانُكَ عَلَيْهَا، فَمَا سُلْطَانُكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا؟. ثُمَّ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): فَلَعَلَّكَ انْتَهَرْتَهَا أَوْ أَخَفْتَهَا. فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ: أَ وَ مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: لَا حَدَّ عَلَى مُعْتَرِفٍ بَعْدَ بَلَاءٍ (3)، إِنَّهُ مَنْ قَيَّدْتَ أَوْ حَبَسْتَ أَوْ تَهَدَّدْتَ فَلَا إِقْرَارَ لَهُ. فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا،. ثُمَّ قَالَ: عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ (4) مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) (5)، لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ (6).
____________
(1) كشف الغمّة 1- 149- 150، باختلاف يسير.
(2) مناقب الخوارزميّ: 39 و 48 بألفاظ مقاربة، و لها نظائر هناك. و قد مرّت الرّواية في هامش صفحة (675) قريبا بمصادر أخرى باختلاف يسير.
(3) جاء في بعض نسخ المصدر: البلاء.
(4) في كشف الغمّة: تلد.
(5) و قد جاءت هذه الفقرة باختصار في الرّياض النّضرة 2- 196، و ذخائر العقبى: 80، و مطالب السّئول: 13، و الأربعين للفخر الرّازيّ: 466.
(6) قولة عمر: لو لا عليّ لهلك عمر .. جاءت بألفاظ متعدّدة و موارد كثيرة و في أكثر من واقعة، فقد قالها عند ما نهاه (عليه السلام) عن رجم امرأة ولدت لستّة أشهر مستدلّا بآية الرّضاع مع آية الحمل و الفصال كما أخرجه الحافظان ابن أبي حاتم و البيهقيّ و كذا الكنجيّ و النّيسابوريّ.
و جاء في لفظ سبط ابن الجوزيّ و جمع: اللّهمّ لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب، انظر من المصادر: السّنن الكبرى 7- 442، و مختصر جامع العلم: 150، و الرّياض النّضرة 2- 194، و ذخائر العقبى: 82، و تفسير الفخر الرّازيّ 7- 484، و أربعين الرّازي: 466، و تفسير النّيسابوريّ: 3- سورة الأحقاف-، و الكفاية للكنجي: 105، و مناقب الخوارزميّ: 57، و تذكرة سبط ابن الجوزيّ: 87، و الدّرّ المنثور 1- 288، 6- 40، و كنز العمّال 3- 96 و 228 نقلا عن غير واحد من أئمّة الحديث و الحفّاظ، و أشار إليه في الاستيعاب 2- 461.
و جاء بيان العجز العلمي للخليفة و فقره لباب مدينة العلم بألفاظ كثيرة جدّا و مواقع لا تعدّ كثرة.
منها: قول عمر: أبا حسن! لا أبقاني اللّه لشدّة لست لها، و لا في بلد لست فيه، كما أورده المتّقي الهندي في كنز العمّال 3- 179، و الجرداني في مصباح الظّلام 2- 56 و غيرهما، في قصّة عجيبة حريّة بالتأمل. و جاء في الكنز 3- 179 قولة عمر: يا ابن أبي طالب! فما زلت كاشف كلّ شبهة و موضّح كلّ حكم ..
و انظر جملة من مراجعات الخليفة الثّاني لأبي الحسنين (سلام اللّه عليه) و آله في مسائل كثيرة جدّا، ذكر جملة منها ابن حزم في المحلّى 7- 76 في مسألة الموقف في الحجّ، و الرّياض النّضرة 2- 195، و ذخائر العقبى: 79، و قد عدّ الطّبريّ في اختصاص أمير المؤمنين عدّة روايات في إحالة جمع من الصّحابة عند جهلهم عليه. و انظر الغدير 6- 327- 328 في بيان مصادر قولة عمر: لو لا عليّ لهلك عمر، و اختلاف ألفاظها. و لاحظ الغدير 6- 302- 308.
680
و ستأتي الأخبار في ذلك في باب قضاياه (1) (عليه السلام).
العاشر:
أَنَّهُ أَمَرَ بِرَجْمِ الْمَجْنُونَةِ فَنَبَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَالَ: إِنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ (2) عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ. فَقَالَ: لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ (3).
____________
(1) بحار الأنوار 40- 217- 218.
(2) في (س): موضوع.
(3) قضاء الخليفة على مجنونة قد زنت قد ورد عن ابن عبّاس و غيره في صور متعدّدة:
منها: أنّه أمر عمر برجم زانية فمرّ عليها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في أثناء الرّجم فخلصها، فلمّا أخبر عمر بذلك قال: إنّه لا يفعل ذلك إلّا عن شيء، فلمّا سأله قال: إنّها مبتلاة بني فلان فلعلّه أتاها و هو بها، فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر.
أورده أبو داود في سننه بعدّة طرق 2- 227، و ابن ماجة في سننه 2- 227، و الحاكم في المستدرك 2- 59، و 4- 389 و صحّحه، و البيهقيّ في سننه 8- 264 بعدّة طرق، و الطّبريّ في الرّياض النّضرة 2- 196، و القسطلاني في إرشاد السّاري 10- 9، و ابن الجوزيّ في تذكرته: 57، و ابن حجر في فتح الباري 12- 101، و العيني في عمدة القاري 11- 151، و المناوي في فيض القدير المجلّد الرّابع، و المتّقي في كنز العمّال المجلّد الثّالث.
و تجد قول عمر: لو لا عليّ لهلك عمر، في الاستيعاب 3- 39، و تفسير النّيسابوريّ في سورة الأحقاف، شرح الجامع الصّغير للشّيخ محمّد الحنفيّ: 417 هامش السّراج المنير، و تذكرة السّبط:
87، و فيض القدير 3- 97، و مرّ في الطّعن السّابق، و ذكرنا هناك جملة أخرى من المصادر.
أقول: قد حرّف الحديث- كأكثر ما ورد من الطّعون- البخاريّ في ما سمّاه بالصحيح، كتاب المحاربين، باب لا يرجم المجنون و المجنونة، و حذف صدر الرّواية لما فيه من مسّ بكرامة خليفته.
681
و هذا يدلّ على أنّه لم يكن يعرف الظاهر من الشريعة.
و قد اعترف قاضي القضاة (1) و ابن أبي الحديد (2) و سائر من تصدّى للجواب عنه بصحّته.
وَ قَدْ حَكَى فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ (3) مِنْ مَنَاقِبِ الْخُوَارِزْمِيِ (4) مَرْفُوعاً عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مَجْنُونَةٍ (5) قَدْ زَنَتْ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): يَا عُمَرُ (6)! أَ مَا سَمِعْتَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)؟. قَالَ:
وَ مَا قَالَ؟. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَ عَنِ الْغُلَامِ حَتَّى يُدْرِكَ (7)، وَ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. قَالَ:
فَخَلَّى عَنْهَا.
وَ حَكَى فِي الطَّرَائِفِ (8)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ (9)، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ.
قَالَ: وَ ذَكَرَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ
____________
(1) المغني 20- 13- القسم الثاني-.
(2) شرح ابن أبي الحديد 12- 205 [3- 150].
(3) كشف الغمّة 1- 149.
(4) مناقب الخوارزميّ: 38.
(5) في المصدرين زيادة كلمة: حبلى.
(6) لا توجد: يا عمر، في المناقب.
(7) في مناقب الخوارزميّ: يحتلم، بدلا من: يدرك.
(8) الطّرائف 2- 473.
(9) مسند أحمد بن حنبل 1- 140، و قريب منه بإسناد آخر في 1- 155، و بتحريف و إسقاط لأوّله في 1- 158.
682
مِنْ مُعْضِلَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبُو حَسَنٍ (1).
و حكاه العلّامة (رحمه الله) في كشف الحقّ (2) من مسند أحمد (3).
و أجاب عنه قاضي القضاة (4) بأنّه: ليس في الخبر أنّه عرف جنونها، فيجوز أن يكون الذي نبّه عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو (5) جنونها دون الحكم، لأنّه كان يعلم أنّ الحدّ لا يقام (6) في حال الجنون (7)، و إنّما قال: لو لا عليّ لهلك عمر، لا من جهة المعصية و الإثم، لكن من جهة أنّ (8) حكمه لو نفذ لعظم غمّه، و يقال في شدّة الغمّ أنّه هلاك، كما يقال في الفقر و غيره، و ذلك مبالغة منه لما كان يلحقه من الغمّ الذي زال بهذا التنبيه، على أنّ هذا الوجه ممّا لا يمتنع في الشرع أن يكون صحيحا، و أن يقال إذا كانت مستحقّة للحدّ فإقامته عليها صحيحة (9) و إن لم يكن لها عقل، لأنّه لا يخرج الحدّ من أن يكون واقعا موقعه، و يكون (10) قوله (عليه السلام): رفع القلم عن ثلاثة .. يراد به (11) زوال التكليف عنهم دون زوال
____________
(1) كذا، و في المصدر المطبوع: و كان عمر يتعوّذ من معضلة ليس بها أبو الحسن حاضرا، يعني عليّا (عليه السلام).
أقول: و قد جاء الحديث في الرّياض النّضرة 2- 197، و الاستيعاب 3- 39، و ذخائر العقبى:
82، و أسد الغابة 4- 22، و الإصابة 2- 509، و غيرها.
(2) كشف الحقّ (نهج الحقّ و كشف الصدق): 350.
(3) وضع على: أحمد، في مطبوع البحار رمز نسخة بدل.
(4) المغني 20- 13- القسم الثاني-.
(5) لا توجد في المصدر: عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو.
(6) في (س): الحكم لا يقال.
(7) كذا. و جاءت العبارة في المغني هكذا: إنّ في حال الجنون لا يقام الحدّ عليه- بتقديم و تأخير و زيادة و تغيير-.
(8) لا توجد: من جهة أن، في المصدر.
(9) في المغني: يصحّ.
(10) في المصدر: و يقال.
(11) في المغني: بذلك، بدلا من: به.
683
إجراء (1) الحكم عليهم، و ما هذه (2) حاله لا يمتنع أن يكون مشتبها فيرجع فيه إلى غيره، فلا يكون الخطأ فيه ممّا يعظم فيمنع من صحّة الإمامة.
و أورد عليه السيد المرتضى (3) (رضوان اللّه عليه): بأنّه لو كان أمر برجم المجنونة من غير علم بجنونها لما قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أ ما علمت أنّ القلم مرفوع عن المجنون حتّى يفيق؟! بل كان يقول له بدلا عن (4) ذلك: هي مجنونة، و كان (5) ينبغي أن يكون عمر لمّا سمع من التنبيه له على ما يقتضي الاعتقاد فيه أنّه أمر برجمها مع العلم بجنونها، يقول متبرّئا من (6) الشبهة: ما علمت بجنونها، و لست ممّن يذهب عليه أنّ المجنون لا يرجم، فلمّا رأيناه استعظم ما أمر به و قال (7): لو لا عليّ لهلك عمر .. دلّنا (8) على أنّه كان تأثّم و تحرّج بوقوع الأمر بالرجم، و أنّه ممّا لا يجوز و لا يحلّ (9)، و إلّا فلا معنى لهذا الكلام.
و أمّا ما ذكره من الغمّ الذي كان يلحقه .. فأيّ غمّ يلحقه (10) إذا فعل ما له أن يفعله، و لم يكن منه تفريط و لا تقصير (11)؟. لأنّه إذا كان جنونها لم يعلم به، و كانت المسألة عن حالها و البحث لا يجبان عليه، فأيّ وجه لتأمّله (12) و توجّعه
____________
(1) في (س): أجراه.
(2) في المصدر: هذا.
(3) الشافي 4- 181- 183.
(4) في المصدر: من، بدلا من: عن.
(5) في الشافي: و لكان أيضا، و لا توجد فيه: ينبغي أن يكون عمر.
(6) جاءت: عن، بدل: من، في المصدر.
(7) في الشافي: و قوله.
(8) في المصدر: يدلّ.
(9) زيادة: له أن يأمر به، جاءت في المصدر.
(10) و أمّا ذكره الغمّ فأيّ غمّ كان يلحقه؟!، كذا جاء في الشافي- بتقديم و تأخير و نقص-.
(11) في الشافي: تقصير و لا تفريط- بتقديم و تأخير-.
(12) كذا، و الظاهر: لتألّمه، كما في المصدر.
684
و استعظامه لما فعله؟! و هل هذا إلّا كرجم المشهود (1) عليه بالزنا في أنّه لو ظهر للإمام بعد ذلك براءة ساحته لم يجب أن يندم على فعله و يستعظمه، لأنّه وقع صوابا مستحقّا؟.
و أمّا قوله: إن (2) كان لا يمتنع في الشرع (3) أن يقام الحدّ على المجنون (4) و تأوّله الخبر المرويّ على أنّه (5) يقتضي زوال التكليف دون الأحكام .. فإن أراد أنّه لا يمتنع في العقل أن يقام على المجنون ما هو من جنس الحدّ بغير استخفاف و لا إهانة فذلك صحيح كما يقام على التأديب (6)، و أمّا الحدّ في الحقيقة- و هو (7) الذي يضامه الاستخفاف و الإهانة فلا يقام إلّا على المكلّفين و مستحقّي العقاب، و بالجنون قد زال التكليف فزال (8) استحقاق العقاب الذي يتبعه الحدّ.
و قوله: لا يمتنع أن يرجع فيما هذا حاله من المشتبه إلى غيره .. فليس هذا من المشتبه الغامض، بل يجب أن يعرفه العوام (9) فضلا عن العلماء، على أنّا قد بيّنا أنّه (10) لا يجوز أن يرجع الإمام (11) في جلي و لا مشتبه من أحكام الدين إلى غيره (12).
____________
(1) في (ك): المشهور.
(2) لا توجد: إن، في الشافي.
(3) في المصدر: العقل، بدل: الشرع.
(4) في الشافي: على المجنون الحدّ- بتقديم و تأخير-.
(5) جاءت في المصدر: بما، بدلا من: على أنّه.
(6) في الشافي: على التائب.
(7) في المصدر: فهو.
(8) في (س): فيزال.
(9) في (س): الإمام، و هو خلاف الظاهر.
(10) في المصدر: أن الإمام.
(11) جاءت: إلى غيره، بدلا من: الإمام، في الشافي.
(12) لا توجد في المصدر: إلى غيره.
685
و قوله: إنّ الخطأ في ذلك لا يعظم فيمنع من صحّة الإمامة .. اقتراح (1) بغير حجّة، لأنّه إذا اعترف بالخطإ فلا (2) سبيل للقطع (3) على أنّه صغير. انتهى كلامه (قدّس سرّه).
أقول: و يرد على ما ذكره من أنّ الأمر في حدّ المجنون مقام الاشتباه فلا طعن في جهل عمر به، و أن يرجع فيه إلى غيره .. أنّه لو كانت الشبهة لعمر ما ذكره، لكانت القصّة دليلا على جهله من وجه آخر، و هو أنّه إذا زعم عمر أنّ رفع القلم إنّما يستلزم زوال التكليف دون إجراء الحكم (4)- كما صرّح به- كيف يكون تذكير أمير المؤمنين (عليه السلام) إيّاه بالحديث النبويّ دافعا للشبهة، و إنّما النزاع حينئذ في دلالة الخبر على عدم جواز إجراء الحدّ عليه، فرجوع عمر عند سماعه عمّا زعمه دليل واضح على غاية جهله، فإن ذكر الرواية حينئذ ليس إلّا من قبيل إعادة المدّعى.
ثم اعلم أنّ الظاهر من كلام القاضي و غيره في هذا المقام عدم تجويز الخطإ الفاحش على الإمام و إن جوّزوا عليه الخطأ في الاجتهاد، و لعلّهم لم يجوّزوا ذلك لكونه كاشفا عن عدم أهليّة صاحبه (5) للاجتهاد، إذ ليس أهليّة الاجتهاد غالبا ممّا يقوم عليه دليل سوى الآثار الدالّة عليها، و ظاهر أنّ الأوهام الفاضحة كاشفة عن عدم تلك الأهليّة، فهي معارضة لما يستدلّ به عليها، و لذا تشبّث القاضي في مقام الجواب بكون الأمر في رجم المجنونة مشتبها، و استند إلى عدم دلالة
- قَوْلِهِ (عليه السلام): رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ ..
على عدم إجراء الحكم، إذ يمكن أن يكون المراد به زوال التكليف فقط، و قد عرفت أنّ ذلك لا يصلح منشأ للاشتباه، لكون
____________
(1) في الشافي زيادة: فقد بيّنا أنّه، قبل كلمة: اقتراح.
(2) لا توجد: فلا، في (س).
(3) في المصدر: إلى القطع.
(4) في (س): العلم، بدل: الحكم، و هو سهو.
(5) في (س): صاحب- بلا ضمير-، و هو خلاف الظاهر.
686
الخطأ حينئذ بالانتهاء عند سماع الخبر من دون إقامة دليل على وجه الدلالة فيه أفحش، فظهر أنّه لا يمكنهم الجواب في هذا المقام بأنّه إنّما كان خطأ عمر من قبيل خطإ المجتهد، و ليس يلحقه بذلك ذنب صغيرا و كبيرا، و لذلك طووا كشحا عمّا هو معقلهم الحصين- بزعمهم- من حديث الاجتهاد، و سلّموا على تقدير علم عمر بجنونها كون الأمر بالرجم خطيئة.
فظهر ضعف ما أجاب به شارح المقاصد (1) عن الطعن برجم الحامل و المجنونة و منع المغالاة في الصداق من: أنّ الخطأ في مسألة و أكثر لا ينافي الاجتهاد، و لا يقدح في الإمامة، و الاعتراف بالنقصان هضم النفس و دليل على الكمال ..
و ذلك لأنّا لو تنزّلنا عن اشتراط العصمة في الإمام و جوّزنا له الاجتهاد في الأحكام، فلا ريب في أنّ الخطأ الفاحش و الغلط الفاضح مانع عن الإمامة، و إنّما لا يقدح- على فرض الجواز- ما لا يدلّ على الغباوة الكاملة و البلادة البالغة، و عدم استيهال صاحبه لفهم المسائل و استنباط الأحكام و ردّ الفروع إلى الأصول، فإذا تواتر الخبط و ترادفت الزلّة- لا سيّما في الأمور الظاهرة و الأحكام الواضحة- فهل يبقى مجال للشكّ في منعه عن استيهال الاجتهاد و صلوح الإمامة؟ و ليت شعري، من أين هذا اليقين الكامل و الاعتقاد الجازم لهؤلاء القوم باجتهاد إمامهم و بلوغه في العلم حدّ الكمال، مع (2) ما يرون و يروون في كتبهم من خطبه و خطأه و اعترافه بالزلّة، و العجز موطنا بعد موطن، و مقاما بعد مقام (3)، و قد بذلوا مجهودهم في
____________
(1) شرح المقاصد 5- 282.
(2) لا توجد في (س): مع.
(3) و منها: ما روي عن عبد الرحمن السلمي، قال: أتى عمر بامرأة- أجهدها العطش، فمرّت على راع فاستسقته فأبى أن يسقيها إلّا أن تمكّنه من نفسها، ففعلت- فشاور الناس في رجمها، فقال عليّ: هذه مضطرّة أرى أن يخلّى سبيلها، ففعل.
جاءت في سنن البيهقيّ 8- 236، الرياض النضرة 2- 196، ذخائر العقبى: 81، الطرق الحكميّة: 53، و قريب منها في كنز العمّال 3- 96.
أقول: هناك جملة وقائع رائعة لقضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و وقوفه أمام جهل الخلفاء و تعسّفهم تجدها في الطرق الحكميّة لابن القيّم و غيره، فراجع.
687
إظهار فضله فلم يظفروا له على استنباط لطيف و استخراج دقيق في مسألة واحدة يدلّ على جودة قريحته و ذكاء فطرته، و ليس ما رووا عنه إلّا من محاورات العوام و محاضرات الأوغاد و الطغام (1).
الحادي عشر:
- مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (2) وَ مُسْلِمٌ (3) وَ غَيْرُهُمَا (4) بِعِدَّةِ طُرُقٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَ لَمْ تَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟، ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ (5)، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟. فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ: فَائْتِنِي عَلَى (6) هَذَا بِبَيِّنَةٍ (7) أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ (8)!، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ إِلَّا أَصَاغِرُنَا (9)، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ:
____________
(1) الوغد: الأحمق الضعيف الرذل الدنيّ، أو الضعيف جسما، و جمعه أوغاد، كما في القاموس 1- 346. و الطغام- كسحاب-: أوغاد الناس، ذكره الفيروزآبادي في القاموس المحيط 4- 144.
(2) صحيح البخاريّ 3- 837 [طبعة الهند].
(3) صحيح مسلم 2- 234 كتاب الآداب.
(4) كما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3- 19، و سنن الدّارميّ 2- 274، و سنن أبي داود 2- 340، و مشكل الآثار 1- 499، و غيرها.
(5) في المصدر: به، بدلا من: له.
(6) لا توجد: على، في (س).
(7) في بعض المصادر: لتقيمنّ على هذا بيّنة أو لأفعلنّ. و في لفظ: فو اللّه لأوجعنّ ظهرك و بطنك، و في لفظ الطّحاويّ: و اللّه لأضربنّ بطنك و ظهرك أو لتأتينّي بمن يشهد لك.
(8) في المصادر زيادة: فخرج.
(9) جاءت العبارة في المصادر هكذا: لا يشهد لك على هذا إلّا أصغرنا.
688
خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَلْهَانِي (1) الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ (2).
وَ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ مُتَكَرَّرُ الْوُقُوعِ مِنَ الْعَادَةِ وَ السُّنَنِ الَّتِي كَانَ يَعْلَمُهَا الْمُعَاشِرُونَ لَهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الْأُمُورِ وَ يَسْتَمِدُّ بِتَدْبِيرِهِ؟!، فَلَيْسَ هَذَا إِلَّا مِنْ فَرْطِ غَبَاوَتِهِ، أَوْ قِلَّةِ اعْتِنَائِهِ بِأُمُورِ الدِّينِ، أَوِ إِنْكَارِهِ لِأُمُورِ الشَّرْعِ مُخَالَفَةً لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ.
الثاني عشر:
مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (3)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ عُمَرَ أَوَّلَ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، دَنَا مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ وَ اسْتَلَمَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ (4)، وَ لَوْ لَا أَنِّي رَأَيْتُ
____________
(1) في المصادر زيادة: عنه.
(2) قال النّوويّ في شرحه: فمعناه أنّ هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا و صغارنا، حتّى أنّ أصغرنا يحفظه، و سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، كما حكاه الأميني في الغدير 6- 158- 159، و علّق عليه بما هو جدير بالملاحظة.
(3) شرح النّهج لابن أبي الحديد 12- 100- 101 [3- 123].
(4) جاء قوله: للحجر بعبارات مختلفة و ألفاظ متعدّدة في مصادر عديدة:
منها: ما ذكر المصنّف- (رحمه الله)- في المتن، و تجده في صحيح البخاريّ كتاب الحجّ باب ما ذكره في حجر الأسود بسنده عن عابس بن ربيعة، و صحيح التّرمذيّ 2- 163، و صحيح النّسائيّ 2- 37، سنن أبي داود في المجلّد الحادي عشر باب تقبيل الحجر، و مسند أحمد بن حنبل 1- 16 و 26 و 42، سنن البيهقيّ في المجلّد الخامس باب تقبيل الحجر.
و روى البخاريّ في صحيحه كتاب الحجّ باب الرّمل في الحجّ و العمرة بسنده عن أسلم، و البيهقيّ في سننه 5- 82.
و أورده مسلم في صحيحه كتاب الحجّ باب استحباب تقبيل الحجر الأسود عن عبد اللّه بن سرجس، و ابن ماجة في صحيحه في أبواب المناسك باب استلام الحجر، و أحمد بن حنبل في المسند 1- 34 و 50. و أخرجه النّسائيّ في صحيحه 2- 38 عن طاوس بن عبّاس، و قريب منه ما في مسند أحمد بن حنبل 1- 39.
و منها: قوله: لو لا أنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قبّلك ما قبّلتك.
و منها: قوله: إنّي لأعلم أنّك حجر و لو لم أر حبيبي قبّلك أو استلمك ما استلمتك و لا قبّلتك.
رواه أحمد في مسنده 1- 21، و قريب منه ما ذكره فيه 1- 34.
689
رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَبَّلَكَ وَ اسْتَلَمَكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ وَ لَا اسْتَلَمْتُكَ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام): بَلَى- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّهُ لَيَضُرُّ وَ يَنْفَعُ (1)، وَ لَوْ عَلِمْتَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَعَلِمْتَ أَنَّ الَّذِي أَقُولُ لَكَ كَمَا أَقُولُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
____________
(1) قد جاء في فضل الحجر الأسود كثير من الرّوايات من طرق الخاصّة و العامّة، و نحن نذكر نموذجا ممّا جاء من طرق العامّة:
أخرج التّرمذيّ في صحيحه 1- 180 بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الحجر: و اللّه ليبعثنّه اللّه يوم القيامة له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد على من استلمه بحقّ.
و رواه ابن ماجة في صحيحه باب استلام الحجر، و أحمد بن حنبل في المسند 1- 247 و 291 و 307، و البيهقيّ في سننه 5- 75، و أبو نعيم في حليته 4- 306 باختلاف في اللّفظ، و جاء في فيض القدير 1- 527 باختلاف يسير.
و أورد أحمد بن حنبل في المسند 1- 373، و الخطيب البغداديّ 7- 361، عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الحجر الأسود من الجنّة و كان أشدّ بياضا من الثّلج حتّى سوّدته خطايا أهل الشّرك.
و هو مذكور في فيض القدير 4- 546.
و قد جاء في صحيح النّسائيّ 2- 37، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، و كذا في مسند أحمد ابن حنبل 3- 277، و في سنن البيهقيّ 5- 75، عن ابن عبّاس، فقرة منه.
و قريب منه ما في صحيح التّرمذيّ 1- 166، و مسند أحمد بن حنبل 1- 307 و 329، فيض القدير 3- 409، طبقات ابن سعد 1- 12- القسم الأوّل-، و سنن البيهقيّ باب ما ورد في الحجر الأسود في المجلّد الخامس، و كون الحجر الأسود من الجنّة أو من حجارة الجنّة بنصّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم. نقله النّسائيّ في صحيحه 2- 37، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، و أحمد بن حنبل في مسنده 5- 75، و غيرهما.
690
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى (1)، فَلَمَّا أَشْهَدَهُمْ وَ أَقَرُّوا لَهُ بِأَنَّهُ (2) الرَّبُّ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنَّهُمُ الْعَبِيدُ، كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ ثُمَّ أَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ، وَ إِنَّ لَهُ (3) لَ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ، يَشْهَدُ (4) بِالْمُوَافَاةِ، فَهُوَ أَمِينُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
فَقَالَ عُمَرُ: لَا أَبْقَانِيَ اللَّهُ بِأَرْضٍ لَسْتَ بِهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ (5).
وَ رَوَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ إِحْيَاءِ الْعُلُومِ (6).
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (7) وَ مُسْلِمٌ (8) فِي (9) صَحِيحِهِمَا وَ لَمْ يَذْكُرَا تَنْبِيهَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِيَّاهُ.
وَ اعْتَذَرَ عَنْهُ فِي الْمِنْهَاجِ (10) بِأَنَّهُ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ قَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي قَدْ أَلِفُوا (11) عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ وَ تَعْظِيمَهَا (12) رَجَاءَ نَفْعِهَا وَ خَوْفَ
____________
(1) الأعراف: 172.
(2) في المصدر: أنّه- من دون باء-.
(3) في (س): و أنّه- من دون لام-.
(4) في شرح ابن أبي الحديد: تشهد لمن وافاه.
(5) و في لفظ: أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن!.
و أخرجه الحاكم في المستدرك 1- 457، و المتّقي الهنديّ في الكنز 3- 35، و ابن الجوزيّ في سيرة عمر: 106، و الأزرقي في تاريخ مكّة، كما في العمدة، و القسطلاني في إرشاد السّاري 3- 195، و العيني في عمدة القارئ 4- 606 بلفظيه، و السّيوطيّ في الدّرّ المنثور من سورة الأنعام، و في الجامع الكبير- كما في ترتيبه- 3- 35، و أحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلاميّة 2- 486، و الفخر الرّازيّ في تفسيره في تفسير سورة التّين باختلاف في النّقل. و هو كاشف عن جهل الخليفة بتأويل كتاب اللّه كجهله به.
(6) إحياء علوم الدّين 1- 241- 242.
(7) صحيح البخاريّ في كتاب الحجّ باب ما ذكر في الحجر الأسود، و باب الرّمل في الحجّ و العمرة، و باب تقبيل الحجر.
(8) صحيح مسلم كتاب الحجّ باب استحباب تقبيل الحجر الأسود.
(9) لا توجد في (س): في.
(10) المنهاج (شرح صحيح مسلم للنووي) 9- 16- 17.
(11) في شرح الصحيح: الذين كانوا ألفوا.
(12) في المصدر زيادة: واو، هنا.
691
ضَرَرِهَا (1).
وَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (2) يُبْطِلُ هَذَا الِاعْتِذَارَ، إِذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَبَيَّنَ عُذْرَهُ وَ لَمْ يَقُلْ: لَا أَبْقَانِيَ اللَّهُ بِأَرْضٍ لَسْتَ بِهَا، إِذْ ظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا كَلَامُ الْمُقِرِّ بِالْجَهْلِ الْمُعْتَرِفِ بِالْخَطَإِ، وَ إِنَّمَا حَذَفُوا التَّتِمَّةَ (3) لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مِثْلِ هَذَا الِاعْتِذَارِ.
الثالث عشر:
أشياء كثيرة و أحكام غزيرة تحيّر فيها و هداه غيره إلى الصواب فيها .. و هذا يدلّ على غاية جهله و عدم استئهاله للإمامة، و سنورد أكثرها في أبواب علم أمير المؤمنين (عليه السلام) و قضاياه في المجلد التاسع (4)، و بعضها في كتاب القضاء (5)، و كتاب الحدود (6).
و لنورد هاهنا قليلا منها من كتب المخالفين:
فمنها: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (7) فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: نَهَانَا عَنِ التَّكَلُّفِ.
- وَ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ (8): ذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَ
____________
(1) في المنهاج: و خوف الضرر بالتقصير في تعظيمها ..
أقول: إنّ هذا الاعتذار يستلزم تجهيل و غفلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- و العياذ باللّه- مع قرب عهده (ص) من الجاهلية.
(2) في شرحه على النهج 12- 102.
(3) في (س): السمة.
(4) بحار الأنوار 40- 149- 154 و 225- 235، و غيرهما.
(5) انظر: بحار الأنوار 104- 216- 273.
(6) بحار الأنوار 104- 401.
(7) صحيح البخاريّ كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السّؤال. و قال العلّامة الأميني- (رحمه الله)- في الغدير 6- 100- 101: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في صحيحه غير أنّه سترا على جهل الخليفة بالأب حذف صدر الحديث و أخرج ذيله و تكلّف بعد النّهي عن التّكلّف، و لا يهمّه جهل الأمّة عندئذ بمغزى قول عمر .. و كم و كم في صحيح البخاريّ من أحاديث لعبت بها يد تحريفه.
(8) فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ 13- 230، بتصرف.
692
عُمَرَ قَرَأَ: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (1)، فَقَالَ: مَا الْأَبُّ؟. ثُمَّ قَالَ: مَا كُلِّفْنَا- أَوْ قَالَ: مَا أُمِرْنَا- بِهَذَا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِ (2) مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ ثَابِتٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ قَوْلِهِ: وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (3)، مَا الْأَبُّ؟. فَقَالَ عُمَرُ: نُهِينَا عَنِ التَّعَمُّقِ وَ التَّكَلُّفِ .. و هذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري، و أولى منه مَا (4) أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ..، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ وَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ فِي ظَهْرِهِ أَرْبَعُ رِقَاعٍ يَقْرَأُ (5): وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (6)، فَقَالَ: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الْأَبُّ؟. ثُمَّ قَالَ: مَهْ! نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ (7).
وَ قَدْ أَخْرَجَهُ (8) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ (9): فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ! إِنَّ هَذَا هُوَ التَّكَلُّفُ، وَ مَا عَلَيْكَ أَنْ
____________
(1) عبس: 31.
(2) في (ك) نسخة بدل: الإسماعيل.
(3) عبس: 31.
(4) لا توجد: ما، في (س).
(5) في المصدر: فقرأ.
(6) عبس: 31.
(7) و جاء بألفاظ متعدّدة في موارد مختلفة في المصادر الأصليّة عند العامّة، و نكتفي بذكر لفظ آخر: قال أنس بن مالك: إنّ عمر قرأ على المنبر: «فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلًا وَ حَدائِقَ غُلْباً وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» (سورة عبس)، قال: كلّ هذا عرفناه فما الأبّ؟، ثمّ رفض عصا كانت في يده، فقال:
هذا- لعمر اللّه- هو التّكلّف، فما عليك أن لا تدري ما الأبّ! اتّبعوا ما بيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به و ما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه.
و تجد ما روي عن أنس في المتن في: تفسير ابن جرير 30- 38، مستدرك الحاكم 2- 514 و صحّحه، تاريخ بغداد 11- 468، و الكشّاف 3- 253، و الرّياض النّضرة للطّبريّ 2- 49، و الموفقات للشاطي 1- 21 و 25، و سيرة ابن عمر لابن الجوزيّ: 120، و النّهاية 1- 10، و أصول التّفسير لابن تيمية: 30، و تفسير ابن كثير 4- 473 و صحّحه، و كنز العمّال 1- 227، و إرشاد السّاري 10- 298، و عمدة القاري 11- 468، و غيرها كثير.
(8) أي ابن حجر في شرح صحيح البخاريّ.
(9) في (س): فقوله.
693
لَا تَدْرِيَ مَا الْأَبُّ! (1).
وَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ عَنْ: فاكِهَةً وَ أَبًّا (2)، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرُ يَقُولُونَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالدِّرَّةِ (3).
وَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ:
وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (4)، فَقِيلَ: مَا الْأَبُّ؟. فَقِيلَ: كَذَا .. وَ كَذَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا هُوَ التَّكَلُّفُ، أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي؟ وَ أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ!.
و من طريق إبراهيم التميمي نحوه. انتهى مختصر كلام ابن حجر.
و قد ظهر ممّا رواه (5) أنّ تفسير «الأبّ» كان عند الشيخين معضلة لم يوفّقا للعلم به مع أنّه يعرفها كلّ، و قولهما: إنّ هذا هو التكلّف .. لا يخلوا عن منافرة لقوله تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (6)، و في حذف البخاري حكاية الجهل بالأب دلالة على تعصّبه و أنّه لا يذكر في أكثر المواضع ما فيه فضيحة للخلفاء.
و منها:
- مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ (7) وَ مُسْلِمٌ (8) وَ أَبُو دَاوُدَ (9) وَ التِّرْمِذِيُ (10)
____________
(1) و قريب منه ما ذكره ابن سعد في طبقاته 3- 327، و الحاكم في مستدركه 2- 514 عن أنس.
(2) عبس: 31.
(3) و ذكره الهيثميّ في مجمع الزّوائد 5- 8.
(4) عبس: 31.
(5) في المطبوع: روه، و لعلّه: رووه، و ما أثبتناه أولى.
(6) سورة محمد (ص): 24.
(7) صحيح البخاريّ 12- 222 كتاب الدّيات باب جنين المرأة، و في كتاب الاعتصام باب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل اللّه.
(8) صحيح مسلم كتاب القسامة باب دية الجنين رقم الحديث 1682.
(9) سنن أبي داود كتاب الدّيات باب دية الجنين برقم 4568 و 4569 و 4570.
(10) سنن التّرمذيّ كتاب الدّيات باب ما جاء في دية الجنين حديث 1411.
694
وَ النَّسَائِيُ (1) وَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (2) بِأَسَانِيدِهِمْ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ إِمْلَاصِ (3) الْمَرْأَةِ- وَ هِيَ الَّتِي تُضْرَبُ بَطْنُهَا فَيُلْقَى (4) جَنِينُهَا-، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ (ص) فِيهِ شَيْئاً؟. قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ:
مَا هُوَ؟. قُلْتُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: فِيهِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، قَالَ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيئَنِي بِالْمُخْرِجِ مِمَّا قُلْتَ. فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ (5): فَجِئْتُ بِهِ فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ فِيهِ:
غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
هذه رواية البخاري و مسلم، و باقي الروايات على ما أورده في جامع الأصول (6) قريبة منها.
و منها.:
مَا رَوَاهُ فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ (7): أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَلْيُ الْكَعْبَةِ وَ كَثْرَتُهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَوْ أَخَذْتَ فَجَهَّزْتَ بِهِ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَجْرِ، وَ مَا تَصْنَعُ الْكَعْبَةُ بِالْحَلْيِ؟. فَهَمَّ عُمَرُ بِذَلِكَ وَ سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَقَالَ:
إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (8) (صلّى اللّه عليه و آله) وَ الْأَمْوَالُ الْأَرْبَعَةُ (9): أَمْوَالُ
____________
(1) سنن النّسائيّ 8- 49 و 50 و 51 كتاب القسامة باب دية جنين المرأة.
(2) جامع الأصول 4- 431- 433 حديث 2509.
(3) قال في النّهاية 4- 356، في حديث عمر: أنّه سئل عن إملاص المرأة الجنين .. هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة. و في صحاح اللّغة 3- 1057: و أملصت المرأة بولدها: أسقطت.
(4) في المصدر: فتلقى. و هو الظّاهر.
(5) في المصدر: محمّد بن مسلمة.
(6) و انظر: جامع الأصول 4- 428- 437 حديث 2508- 2513.
و أورده في مسند أحمد 4- 244 و 253، و سنن البيهقيّ 8- 114، و تذكرة الحفّاظ 1- 7، الإصابة 2- 259، تهذيب التهذيب 3- 36، و غيرها.
(7) نهج البلاغة 3- 201 حكمه (عليه السلام)، و في طبعة صبحي الصّالح: 523.
(8) في المصدر: إنّ هذا القرآن أنزل على النّبيّ ..
(9) في النّهج: أربعة. و هو الظّاهر.
695
الْمُسْلِمِينَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرِيضَةِ (1)، وَ الْفَيْءُ فَقَسَمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ (2)، وَ الْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللَّهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَ الصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا، وَ كَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ فَتَرَكَهُ اللَّهُ عَلَى حَالِهِ، وَ لَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً، وَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَانٌ (3)، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ. فَقَالَ (4) عُمَرُ: لَوْلَاكَ لَافْتَضَحْنَا، وَ تَرَكَ الْحَلْيَ بِحَالِهِ.
وَ رَوَى الْبُخَارِيُ (5)، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَ لَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ أَقْتَدِي بِهِمَا.
وَ رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ (6)، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: إِنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ:
قَعَدَ عُمَرُ مَقْعَدَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ. فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ. قُلْتُ:
مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. قَالَ: بَلَى، لَأَفْعَلَنَّ. قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. قَالَ: لِمَ؟. قُلْتُ:
مَضَى النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ أَبُو بَكْرٍ (7) وَ هُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ فَلَمْ يُخْرِجَاهُ، فَقَامَ وَ خَرَجَ. قَالَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (8).
____________
(1) في المصدر: في الفرائض.
(2) في النّهج: مستحقّيه.
(3) في المصدر: مكانا- بالنّصب-.
(4) زيادة: له، جاءت في المصدر.
(5) صحيح البخاريّ 3- 81 [2- 183] كتاب الحجّ باب كسوة الكعبة، و جاء في كتاب الاعتصام أيضا.
و جاء اجتهاد الخليفة في حلي الكعبة في: سنن أبي داود 1- 317، و سنن ابن ماجة 2- 269، و سنن البيهقيّ 5- 159، فتوح البلدان للبلاذري: 55، و فتح الباري 3- 356، و كنز العمّال 7- 145 بألفاظ متعدّدة و أسانيد متنوعة.
(6) جامع الأصول 9- 282، حديث 6893.
(7) في الجامع: قلت: لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] قد رأى مكانه و أبو بكر ..
(8) سنن أبي داود 1- 317 كتاب المناسك باب في مال الكعبة حديث 2031، و قريب منه رواه البخاريّ في صحيحه 13- 211 و 212 في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و في الحجّ، باب كسوة الكعبة.
أقول: و نظير هذا موارد:
منها: ما عن نافع و غيره: كان النّاس يأتون الشّجرة الّتي بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تحتها بيعة الرّضوان فيصلّون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها و أمر بها فقطعت. كما أوردها جمع من أعلامهم كابن الجوزيّ في سيرة عمر: 107، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1- 178، 3- 123 [1- 60 أربع مجلّدات]، و السّيرة الحلبيّة: 3- 29، و ابن حجر في فتح الباري 7- 361، و إرشاد السّاري 6- 337، و الدّرّ المنثور 6- 73، و غيرها.
و منها: ما أورده ابن الجوزيّ في سيرة عمر: 107، و ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة 3- 122، و العسقلانيّ في فتح الباري 1- 450، و غيرهم في نهيه عن الصّلاة في مسجد صلّى به رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و آله)).
و منها: تزهّده و تظاهره أمام المسلمين بالتّقشّف و التّقوى مع ما له من قصّة مفصّلة في هديّة ملك الرّوم له الّتي أوردها في الفتوحات الإسلاميّة 2- 413.
696
و منها: مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِشَابٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ (2) وَ هُوَ ظَمْآنُ فَاسْتَسْقَاهُ فَمَاصَ (3) لَهُ عَسَلًا، فَرَدَّهُ وَ لَمْ يَشْرَبْ، وَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ (4) يَقُولُ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها (5).
وَ قَالَ الْفَتَى (6): إِنَّهَا وَ اللَّهِ (7) لَيْسَتْ لَكَ (8)، اقْرَأْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (9) مَا قَبْلَهَا:
____________
(1) في شرح النّهج 1- 182 [1- 61].
(2) في المصدر: و مرّ يوما بشابّ من فتيان الأنصار.
(3) في (س): فماض له. و في المصدر: فجدع .. أي خلط. و المض: المص أو أبلغ منه كما في القاموس 2- 318. و جاء فيه 2- 344: مض الشّيء مضيضا: شرب ..
(4) و جاءت العبارة في شرح النّهج هكذا: فجدح له ماء بعسل فلم يشربه و قال: إنّ اللّه تعالى ..
(5) الأحقاف: 20. و لم يذكر ذيلها في المصدر.
(6) في الشّرح زيادة: له، قبل الفتى، و أمير المؤمنين، بعدها.
(7) لا توجد: و اللّه، في المصدر.
(8) في الشّرح زيادة: و لا لأحد من هذه القبيلة ..
(9) لا توجد في المصدر: يا أمير المؤمنين.
697
.. وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا (1) فَنَحْنُ مِنْهُمْ؟ فَشَرِبَ (2)، وَ قَالَ (3): كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ (4).
أقول: لعلّه كان في رجوعه أبين خطأ من ابتدائه، فتدبّر.
و الأخبار في ذلك كثيرة في كتبنا و كتبهم لا نطيل الكلام بإيرادها (5).
____________
(1) الأحقاف: 20.
(2) لا توجد في شرح النّهج: فنحن منهم فشرب.
(3) في المصدر: فقال عمر.
(4) و قد كرّر قوله هذا في أكثر من مورد، و قد أشرنا إلى جملة من هذه الموارد و إليك مورد آخر:
أخرج جمع من الحفّاظ: أنّ رجلا قال عند عمر: اللّهمّ اجعلني من القليل. فقال عمر: ما هذا الدّعاء؟. فقال الرّجل: إنّما سمعت اللّه يقول: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ». فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل. فقال عمر: كلّ النّاس أفقه من عمر.
تفسير السّيوطيّ 5- 229، و في لفظ القرطبيّ في تفسيره 14- 277: كلّ النّاس أعلم منك يا عمر، و في تفسير الكشّاف 2- 445: كلّ النّاس أعلم من عمر. و في قصّة مرّت جاء في آخرها:
كلّ واحد أفقه منك حتّى العجائز يا عمر .. كما وردت في الرّياض النّضرة 2- 57، و الفتوحات الإسلاميّة 2- 408، و نور الأبصار: 65، و غيرهم. و هناك ألفاظ أخر مرّت و ستأتي.
(5) و نحن تبعا لشيخنا العلّامة أعلى اللّه مقامه نستدرك جملة ممّا جهله معدن الجهل و جوهره و أسّ الانحراف و أساسه، بعد أن استدركنا الكثير عليه في مطاعنه السالفة، و سنأتي على غيرها في آخره بإذن اللّه، فنقول:
و منها: جهله لما لا يجهله الصبيان و العوام و هي معاني الألفاظ، و هي كثيرة جدا نعرض عن ذكرها و ندرج بعض مصادرها.
منها: ما ذكره الزمخشري في تفسيره الكشّاف 2- 165، و القرطبيّ في تفسيره 10- 110، و البيضاوي في تفسيره 1- 667، و غيرهم.
و منها: ما ذكره ابن كثير في تفسيره 1- 175، و تفسير الخازن 2- 53، و السيوطي في الدرّ المنثور 3- 45، و الهندي في كنز العمّال 1- 285،. و ذكر واقعة أخرى في كنزه 1- 257، و قصّة رابعة أوردها الحاكم النيسابوريّ في مستدركه 3- 305 .. و غيرهم و غيرها ممّا يخجلنا نقلها و سردها، فراجعها.
و منها: ما أورده ابن القيّم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: 46 من جهل الخليفة بمعاريض الكلم و في أكثر من قصّة، و ذكرت لها عدّة موارد أورد بعضها الكنجي في الكفاية: 96، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمّة: 18، و نظيرها في نور الأبصار للشبلنجي: 79، و مقارب لها في تفسير الكشّاف 2- 445، و تفسير السيوطي 5- 229، و تفسير القرطبيّ 14- 277، و حكى بعض مواردها الدولابي في الكنى و الألقاب 1- 192، و الجاحظ في الأذكياء: 49، 142، و ابن أبي الحديد في شرح النهج 3- 105، و السيوطي في تاريخ الخلفاء: 96، و ابن حجر في الإصابة 3- 315 .. و غيرهم.
و من جهل الألفاظ و معاريض الكلام كيف ينتظر منه دركه لمعاني القرآن أو أحكام اللّه سبحانه و سنّة نبيّه و ..!؟.
و منها: حكم الخليفة الثاني في التحليل من الإحرام في الحجّ، و نقض الصحابة طرّا عليه، كما جاء في الموطإ لمالك: 285، و صحيح الترمذي 1- 173، و سنن البيهقيّ 5- 204، و جامع بيان العلم 2- 197، و الإصابة للزركشي: 88، و غيرهم كثير.
و منها: ما ارتآه الخليفة في الحائض بعد الإفاضة، فعن ابن عمر أنّه قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثمّ حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكّة بعد أن ينفر الناس حتّى تطهر و تطوف البيت. كما أخرجها البخاري في صحيحه- كتاب الحجّ- باب إذا حاضت المرأة، و كتاب الحيض باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، و كتاب الحجّ باب المرأة إذا حاضت بعد الإفاضة. كما و أخرجها مسلم في صحيحه في تلك الأبواب. و قد خان الشيخان هنا إذ أسقطا ذيل الرواية التي ذكرها في فتح الباري 3- 462 في قولة عمر هنا: يكون آخر عهدها بالبيت!. و أورد القصّة الدارميّ في سننه 2- 68، و أبو داود في سننه 1- 313 بشكل آخر و إسناد مغاير، و قالها الترمذي في سننه 1- 177، و ابن ماجة في كتابه 2- 68، و البيهقيّ في سننه 5- 162، و البغوي في مصابيح السنّة 1- 182، و غيرهم.
و منها: جهله بكفّارة بيض النعم، إذ جاء في الرياض النضرة 2- 50 و 194، و ذخائر العقبى:
82، و الكفاية للشنقيطي: 57، و غيرهم في قصّة حاصلها: أنّ قوما أصابوا بيض النعم و سألوا الخليفة و جهل الحكم، ثمّ رجعوا إلى باب مدينة العلم (سلام اللّه عليه)، فقال: يضربون الفحل قلائص أبكارا بعدد البيض فما نتج منها أهدوه. قال عمر: فإنّ الإبل تخرج. قال عليّ (عليه السلام):
و البيض يمرض. فلما أدبر، قال عمر: اللّهم لا تنزل بي شديدة إلّا و أبو الحسن إلى جنبي!.
.
698
____________
و منها: جهل الخليفة بحكم المجوس، و قوله: ما أدري ما أصنع بالمجوس و ليسوا أهل الكتاب ..، و في لفظ آخر: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ .. فقال له عبد الرحمن بن عوف:
سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب. قاله مالك في الموطإ 1- 207، و البخاري في صحيحه- كتاب الجهاد- باب الجزية 6- 158، و أحمد بن حنبل في مسنده 1- 190- 191، و الترمذي في الجامع 1- 192 [طبعة أخرى: 1- 300] و قد أورده بعدّة طرق مصحّحة، و الدارميّ في سننه 2- 234، و أبو داود في سننه 2- 45، و الجصّاص في أحكام القرآن 3- 114، و البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 248، 9- 189، و تيسير الوصول 1- 245، و سيرة عمر لابن الجوزي: 114 و ما بعدها .. و غيرهم. و هذا حكم جهله إلى سنة قبل موته كما نصّ عليه الخطيب التبريزي: 344 و جمع.
و منها: ما رواه الطبريّ في تفسيره 6- 68، و ابن كثير في تفسيره 3- 239، و القرطبيّ في تفسيره 12- 107، و غيرهم في قصّة حاصلها: أنّ امرأة تسرّرت غلامها، فذكر ذلك لعمر، فسألها: ما حملك على ذلك؟. قال: كنت أراه يحلّ لي بملك يميني كما يحلّ للرجل المرأة بملك اليمن، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقالوا: تأوّلت كتاب اللّه عزّ و جلّ على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر: لا جرم، و اللّه لا أحلّك لحرّ بعده أبدا!!.
و منها: ما أخرجه أبو داود في سننه 2- 242 في حديث: جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثمّ جلد عمر صدرا من إمارته أربعين، ثمّ جلد ثمانين في آخر خلافته، و جلد عثمان الحدّين كليهما ثمانين و أربعين!، ثمّ أثبت معاوية الحدّ على الثمانين!. و أورده في السنن 2- 240 عن أنس بن مالك بشكل آخر- من أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، و فعل أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخفّ الحدود ثمانون! فأمر به عمر .. و جاء بصور متعدّدة و بطرق متضافرة. انظر: صحيح مسلم- باب حدّ الخمر- 2- 38، 52، سنن الدارميّ 2- 175، سنن أبي داود 2- 240، مسند أبي داود الطيالسي: 265، سنن البيهقيّ 8- 319، 320، تيسير الوصول 2- 17، كنز العمّال 3- 102، و غيرهم.
و منها: جهله في حدّ الأمة، فقد رواه الشافعي في كتاب الأم 1- 135، و أورد بعض وجوه الحديث في هامشه 7- 144، و حكاه بطرقه البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 238، و كتاب العلم لأبي عمر: 148 و غيرهم. و قال الأول: فخالف عليّا و عبد الرحمن فلم يحدّها حدّها عندهما- و هو الرجم-، و خالف عثمان لا يحدّها بحال، و جلدها مائة و غرّبها عاما .. و قد ناقش الواقعة شيخنا الأميني في غديره 6- 174- 175 بشكل رائع، فلاحظ.
و منها: ما ورد من أنّه أتي عمر بامرأة قد نكحت في عدّتها، ففرّق بينهما، و جعل مهرها في بيت المال، و قال: لا يجتمعان أبدا، فبلغ عليّا (عليه السلام)، فقال: إن كان جهلا فلها المهر بما استحلّ من فرجها، و يفرّق بينهما، فإذا انقضت عدّتها فهو خاطب من الخطّاب. فخطب عمر و قال: ردّوا الجهالات إلى السنّة، فرجع إلى قول عليّ (عليه السلام)، و في لفظ الخوارزمي في مناقبه: 57: ردّوا قول عمر إلى عليّ. و في التذكرة- لسبط ابن الجوزي-: 87: فقال عمر: لو لا عليّ لهلك عمر .. و جاءت الواقعة بألفاظ عديدة، و قد فصّلها الجصّاص في أحكام القرآن 1- 504، و أوردها البيهقيّ في السنن الكبرى 7- 441- 442، و جاءت في الرياض النضرة 2- 196، و ذخائر العقبى: 81، و غيرها.
.
699
____________
و منها: ما أورده المتّقي الهندي في كنز العمّال 5- 161 عن قتادة، من أنّه سئل عمر بن الخطّاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية تطليقتين و في الإسلام تطليقة، فقال: لا آمرك و لا أنهاك. فقال عبد الرحمن: لكن آمرك، ليس طلاقك في الشرك بشيء. و جاء في هامش مسند أحمد بن حنبل 3- 482.
و منها: ما أورده جمع من الحفّاظ منهم في حكم الخليفة في المتسابّين، أوردها العلّامة الأميني في غديره 6- 144- 146 و ناقشها بما لا مزيد عليه.
و منها: ما حكاه في السنن الكبرى 8- 252 عن جمع من أعلامهم من قول ابن عمر: كان عمر يضرب الحدّ في التعريض .. مع ما تواتر عن الفريقين من قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: ادرءوا الحدود بالشبهات.
و منها: ما جاء عن أبي عمر الشيباني أنّه قال: خبّر عمر بن الخطّاب برجل يصوم الدهر، فجعل يضربه بمخفقته و يقول: كل يا دهر يا دهر.
هذا مع أنّ جمعا من أعلامهم عرفوا بذلك، و قامت عليه النصوص من العامّة و الخاصّة، و ناقشها صاحب الغدير مفصّلا 6- 322- 325.
و منها: جهله بالصلاة بعد العصر، فعن وبرة قال: رأى عمر تميما الداري يصلّي العصر فضربه بالدرة!، فقال تميم: لم يا عمر! تضربني على صلاة صلّيتها مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فقال عمر: يا تميم! ليس كلّ الناس يعلم ما تعلم!!.
و عن السائب بن يزيد أنّه رأى عمر بن الخطّاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر.
و عن الأسود: أنّ عمر كان يضرب على الركعتين بعد العصر .. و غيرها. انظر: صحيح مسلم 1- 310، مسند أحمد 4- 102، 115، موطأ مالك 1- 90، مجمع الزوائد 2- 222، تيسير الوصول 2- 295، فتح الباري 2- 51 و 3- 82، كنز العمّال 4- 225، شرح الموطإ للزرقاني 1- 398، سنن أبي داود 1- 201، سنن الدارميّ 1- 334، سنن البيهقيّ 2- 458 .. و قد جاء الحكم بألفاظ مختلفة في وقائع متعدّدة.
و منها: ما أورده البيهقيّ في السنن الكبرى 8- 274، و المتّقي الهندي في كنز العمّال 3- 118 و غيرهما من حكم الخليفة في قطع رجل سارق أقطع اليد و الرجل قد سرق، و ما أرشده مولى الكونين أبو الحسن (عليه السلام) لحكم المسألة. و منها: ما جاء عن سعيد بن المسيّب، أنّ عمر بن الخطّاب قضى في الأصابع من الإبهام بثلاثة عشر، و في التي تليها باثني عشر، و في الوسطى بعشرة، و في التي تليها بتسع، و في الخنصر بست!! و قد حكي عنه أقوال أخر. كما أوردها الشافعي في كتابه الأم 1- 58 و 134 و هامشه 7- 140، و في كتابه الرسالة: 113، و انظر السنن الكبرى للبيهقيّ 8- 93 و غيرها. هذا مع ما أورده حفّاظهم و محدّثيهم في صحاحهم و مسانيدهم من أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: في الأصابع عشر عشر.
و منها: ما جاء في السنن للدارقطني- كتاب الصوم- باب القبلة للصائم- عن سعيد بن المسيّب:
أنّ عمر خرج على أصحابه، فقال: ما ترون في شيء صنعت اليوم؟ أصبحت صائما فمرّت بي جارية فأعجبتني فأصبت منها .. فعظم القوم عليه ما صنع- و عليّ (عليه السلام) ساكت- فقال: ما تقول؟.
.
700
____________
قال: أتيت حلالا، و يوم مكان يوم. قال: أنت خيرهم فتوى. و رواه ابن سعد أيضا في طبقاته 3- 102- القسم الثاني-.
و منها: ما أورده مسلم في صحيحه 1- 242، و أبو داود في سننه 2- 28، و مالك في الموطإ 1- 147، و ابن ماجة في سننه 1- 188، و الترمذي في صحيحه 1- 106، و النسائي في سننه 3- 184، و البيهقيّ في سننه 3- 294 و غيرهم، و اللفظ لابن ماجة عن عبيد اللّه، قال: خرج عمر يوم عيد فأرسل إلى أبي واقد الليثي: بأيّ شيء كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقرأ في مثل هذا اليوم؟. فقال:
ب «ق» و «اقتربت».
و منها: جهله بليلة القدر، و عدّه العلم بها تكلّفا، كما جاء في مسند عمر: 87، و مستدرك الحاكم 1- 438، و سنن البيهقيّ 4- 313، و تفسير ابن كثير 4- 533، و الدرّ المنثور 6- 374، و فتح الباري 4- 211، و غيرها.
و منها: ما رآه في دية الجنين و سؤاله من المغيرة بن شعبة (أزنى ثقيف و أكذبها) و محمّد بن مسلم و غيرهما عن ذلك، و قال: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا .. كما جاء في صحيح البخاريّ- كتاب الديات- باب جنين المرأة، و صحيح مسلم 2- 41، و سنن أبي داود 2- 255 و 256، و مسند أحمد ابن حنبل 4- 244، 253، و سنن البيهقيّ 8- 114، و تذكرة الحفّاظ 1- 7، و الإصابة 2- 259، و تهذيب التهذيب 3- 36، و غيرها. و لا نعلم هل كان الخليفة يعلم و يخالف، أم لم يعلم و حكم بهواه، كما هو الأقوى .. و نعم ما قال الشاعر: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ....
و منها: ما نصّ عليه سعيد بن المسيّب على أنّ عمر بن الخطّاب كان يقول: الدية للعاقلة و لا ترث المرأة من دية زوجها شيئا .. حتى أخبره الضحّاك بن سفيان أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبّي من ديته .. و جاءت الرواية بألفاظ أخر أوردها جمع من الحفّاظ، كأبي داود في سننه 2- 22، و أحمد بن حنبل في سننه 3- 452، و الترمذي في صحيحه 1- 265، و ابن ماجة في سننه 2- 142، و البيهقيّ في سننه الكبرى 8- 134، و الخطيب البغداديّ في تاريخه 8- 343، و الشافعي في كتابه الأم 6- 77، و الرسالة له: 113، و اختلاف الحديث- هامش كتاب الأم 7- 20 ... و غيرهم.
هذا و الخليفة كان ناسيا أو جاهلا بقوله تعالى: «فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ». و غيرها من الآيات مع جهله بالسنّة المطهّرة.
.
701
____________
و منها: جهله بمعنى الكلالة .. و هي قصّة مضحكة مبكية سبقت من الخليفة الأول مفصّلا، و تضاربت أقوالهم جدّا، أطبق على ذكرها الحفّاظ و أهل المسانيد و السنن، فقد جاء في السنن الكبرى 6- 224: أنّ عمر قال: أتى عليّ زمان لا أدري ما الكلالة، و إذا الكلالة من لا أب له و لا ولد.
و قال في تفسير القرطبيّ 5- 77: إنّ أبا بكر و عمر قالا: إنّ الكلالة من لا ولد له خاصّة، ثمّ رجعا عنه.
و روى مسلم في صحيحه- كتاب الفرائض- 2- 3، و أحمد بن حنبل في مسنده 1- 48، و ابن ماجة في سننه 2- 163، و الجصّاص في أحكام القرآن 2- 106، و البيهقيّ- أيضا- في سننه 8- 150، و القرطبيّ في تفسيره 6- 29، و السيوطي في الدرّ المنثور 2- 251، و غيرهم، و بألفاظ مختلفة و المعنى واحد في خطبة لعمر و فيها: .. ثم إنّي لا أدع بعدي شيئا أهمّ عندي من الكلالة، ما راجعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في شيء ما راجعته في الكلالة، و ما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه ..
حتى طعن بإصبعه في صدري و قال: يا عمر! أ لا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء.
و إنّي إن عشت أقض فيها [يقضي] بقضية بقضاء بها من يقرأ القرآن و من لم يقرأ القرآن!!.
و قريب منه في تفسير ابن كثير 1- 594، و تفسير الطبريّ 6- 60، و تفسير السيوطي 2- 249، و قد جاء في كنز العمّال 6- 20 قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم لحفصة حين سألتها عنه:
أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبدا، فكان عمر يقول ما أراني أعلمها أبدا، و قال فيه:
أخرجه ابن راهويه و ابن مردويه و هو صحيح. و لاحظ: كتاب السبعة من السلف: 85.
و ها هو يقول- كما حدّثنا مرة بن شرحبيل-: ثلاث لأن يكون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بينهنّ أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها: الكلالة، و الربا، و الخلافة!!. كما أورده ابن ماجة في سننه 2- 164، و ابن جرير في تفسيره 6- 30، و الجصّاص في أحكام القرآن 2- 105، و الحاكم في المستدرك 2- 304، و القرطبيّ في تفسيره 6- 29، و السيوطي في الدرّ المنثور 2- 250 ... و غيرهم.
و أورده البيهقيّ في السنن الكبرى 6- 225، و الحاكم في المستدرك على الصحيحين 2- 304، و ذكره الذهبي في تلخيصه للمستدرك و أقرّ تصحيح الحاكم له، و ابن كثير في تفسيره 1- 595، و ذكر تصحيح الحاكم و أقرّه عليه.
و عن ابن عبّاس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: و ما قلت؟. قال: الكلالة من لا ولد له.
و جاء في تفسير ابن كثير 1- 595: قال ابن عبّاس: كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطّاب، قال: اختلفت أنا و أبو بكر في الكلالة و القول ما قلت!.
و قال العلّامة الأميني في غديره 7- 104: أخرج أئمة الحديث بإسناد صحيح رجاله ثقات، عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، قال: إنّي سأقول فيها برأي فإن يكن صوابا فمن اللّه و إن يكن خطأ فمنّي و من الشيطان و اللّه و رسوله بريئان منه، أراه ما خلا الولد و الوالد. فلما استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي اللّه أن أرد شيئا قاله أبو بكر!!. أخرجه سعد بن منصور و عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و غيرهم، و أورده الدارميّ في سننه 2- 365، و الطبريّ في تفسيره 6- 30، و البيهقيّ في سننه 6- 223، و حكى عنهم السيوطي في الجامع الكبير- كما في ترتيبه- 6- 20، و ذكره ابن كثير في تفسيره 1- 260، و الخازن في تفسيره 1- 367، و ابن القيّم في أعلام الموقعين: 29، و غيرهم.
.
702
____________
و جاء في كنز العمّال 6- 20 بزيادة قوله (ص) لحفصة سألها عنه: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبدا، فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها أبدا و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما قال. قال في الكنز: أخرجه ابن راهويه و ابن مردويه و هو صحيح.
و قد فصّل القول فيها و علّق عليها و أجاد شيخنا الأميني (رحمه الله) في غديره 6- 127- 131، و السيّد الفيروزآبادي في السبعة من السلف: 85، و غيرهما من أعلامنا (رضوان اللّه عليهم).
703
و سيأتي بعضها في أبواب علم أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).
و من أعجب العجب أنّ أتباعه- مع نقلهم تلك الروايات- يدّعون تقدّمه في العلم و الفضل، مع أنّه ليس أمرا يمكن أن يدّعى فيه البداهة، و لم يقم دليل من العقل و النقل على أنّه يجب أن يكون عمر من العلماء، و إنّما يعلم علم مثله و جهله بما يؤثر عنه و يظهر من فتاواه و أحكامه و سائر أخباره، و لم يكن عمر في أيّام كفره من المشتغلين بتحصيل العلوم و مدارسة المسائل، بل كان تارة من رعاة الإبل، و تارة حطّابا، و أحيانا مبرطسا و أجيرا لوليد بن المغيرة و نحوه (2) في الأسفار لخدمة الإبل و غيرها، و لم يكن من أحبار اليهود و أساقفة النصارى و علماء المشركين، و في الإسلام أيضا لم يكن من المشتغلين بمدارسة المسائل، و أكثر
____________
(1) بحار الأنوار 40- 149- 154 و 225- 236، و غيرهما.
(2) في (س): و نحو- بلا ضمير-.
704
اشتغاله كان بالبرطسة (1) و الصفق بالأسواق (2)، و قد حصروا مرويّاته- مع طول صحبته، و اهتمام أتباعه برواية ما يؤثر عنه- في خمسمائة و تسعة و ثلاثين، منها ستة و عشرون من المتّفق عليه، و أربعة و ثلاثون من إفراد البخاري، و أحد و عشرون من إفراد مسلم، و قد رووا عن أبي هريرة في أقلّ من السنتين من الصحبة خمسة آلاف و ثلاثمائة و أربعة و سبعين حديثا، و عن ابن عمر ألفين و ستمائة و ثلاثين، و عن عائشة و أنس قريبا من ذلك (3)، و ليس في مرويّاته مسألة دقيقة يستنبط منها علمه و فضله، و كذلك ما حكي عنه من أخباره و سيره، و لم ينقلوا عنه مناظرة لعالم من
____________
(1) جاء في حاشية (ك) ما يلي: و في النهاية: كان عمر في الجاهليّة مبرشطا .. هو السّاعي بين البائع و المشتري، شبه الدّلّال، و يروى بالسّين المهملة بمعناه. محمد خليل الموسوي.
انظر: نهاية ابن الأثير 1- 119. و فيه: مبرطشا- بتقديم الطاء المهملة على الشين المعجمة-.
أقول: كونه ممتهنا للبرطشة جاء في النهاية 1- 78، و قاموس اللغة 2- 262، و تاج العروس 4- 721. و قال الأخير: هو الذي يكتري للناس الإبل و الحمير و يأخذ عليها جعلا.
(2) حسب عمر قوله في أكثر من مورد: خفي عليّ هذا من أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ألهاني عنه الصفق بالأسواق. كما أورده مسلم في صحيحه 2- 234 كتاب الآداب، و البخاري في صحيحه 3- 837 [طبعة الهند]، و أحمد بن حنبل في المسند 3- 19، و الدارميّ في سننه 2- 274، و أبو داود في سننه 2- 340، و غيرهم.
و جاء صفقه بالأسواق في مشكل الآثار 1- 499.
و انظر مخاطبة أبيّ بن كعب عمر- بعد ما جهل القراءة القرآنيّة-: أقرأنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّك لتبيع القرظ بالبقيع. قال: صدقت، و إن شئت قلت: شهدنا و غبتم، و نصرنا و خذلتم، و آوينا و طردتم .. إلى آخره.
كما في تفسير الطبريّ 1- 7، و مستدرك الحاكم 3- 305، و تفسير القرطبيّ 8- 238، و تفسير ابن كثير 2- 383، و تفسير الزمخشري 2- 46، و الدرّ المنثور 3- 269، و كنز العمّال 1- 287، و تفسير الشوكاني 2- 379، و تفسير روح المعاني 1- 8- طبع المنيرية-، و غيرها.
و قال لعمر مرّة: إنّه كان يلهيني القرآن و يلهيك الصفق بالأسواق.
كما في سنن البيهقيّ 7- 69، و تفسير القرطبيّ 14- 126، و كنز العمّال 1- 279، و غيرها.
(3) شيخ المضيرة أبو هريرة لمحمود أبي ريّة: 124، أسماء الصحابة لابن حزم: 275 و ما بعدها، السنّة قبل التدوين: 411- 480، البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح 1- 9 و ما بعدها، و غيرها.
705
علماء الملل و لا لعلماء الإسلام غلب عليهم فيها، بل كتبهم مشحونة بعثراته و زلّاته، و اعترافه بالجهل- كما أفصح عنه
- قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)-: و يكثر العثار (2) و الاعتذار منها (3)
.
____________
(1) في الخطبة الشقشقيّة في نهج البلاغة- محمّد عبده- 1- 33، و طبعة صبحي الصالح: 48.
و كفى بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم شاهدا على ما ذكره، حيث أخرج الهيثمي عن أبي سعيد الخدري في المجمع 2- 62، قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يصلّي فمرّ أعرابيّ بحلوبة له فأشار إليه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلم يفهم، فناداه عمر: يا أعرابيّ! وراءك، فلما سلّم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: من المتكلّم؟. قالوا: عمر. قال: ما لهذا فقه. قال رواه الطبراني في الأوسط.
(2) في المصدر زيادة: فيها، بعد: العثار.
(3) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم: من تولّى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا و هو يعلم أنّ فيهم من هو أولى بذلك و أعلم منه بكتاب اللّه و سنّة رسوله فقد خان اللّه و رسوله و جميع المؤمنين. مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 5- 211 عن عدّة مصادر.
و هذه خيانة تصدق على من جلس مجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على من تولّى عنهم، و من رضي بهم أو أقرّهم .. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.
فها هو خليفتهم- كما رواه جمع من حفّاظهم- قد خطب الناس [في الجابية]، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، و من أراد أن يسأل عن الحلال و الحرام فليأت معاذ بن جبل، و من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، و من أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإنّي له خازن. و في لفظ: فإنّ اللّه تعالى جعلني خازنا و قاسما .. أوردها أبو عبيدة في الأموال:
223، و البيهقيّ في السنن الكبرى 6- 210، و الحاكم في المستدرك 3- 271، و ابن عبد البرّ في العقد الفريد 2- 132، و ابن الجوزي في سيرة عمر: 87 ... و غيرهم.
فهذا خليفة اللّه و رسوله (ص) على أمّته في شرعه و دينه و كتابه و سنّته و فرائضه و علومه فاقد لهاتيك العلوم بإقراره! و ما هو إلّا خازن مال، فعلام يا ترى هذه الخلافة، و أمامه رجل قال: سلوني قبل أن تفقدوني (* انظر مصادر الحديث في الغدير 6- 193- 195.) ... أكثر من مرّة، و ما عرف له جهل بمسألة و لا حكم و لا واقعة، و ها هو عمر يقول- كما في سيرته لابن الجوزي: 100، 102، 161-: ليس جهل أبغض إلى اللّه و لا أعمّ ضرّا من جهل إمام و خرقه. و ها هو يقول: تفقّهوا قبل أن تسوّدوا .. صحيح البخاريّ- كتاب العلم- باب الاغتباط بالعلم و الحكمة 1- 38، و سنن الدارميّ في المقدّمة: 26.
707
الفهرس
[الجزء 30]
باب [16] باب آخر فيما كتب (عليه السلام) إلى أصحابه في ذلك تصريحاً و تلويحاً 7
باب [17] احتجاج الحسين (عليه السلام) على عمر و هو على المنبر 47
باب [18] في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و غصب الخلافة، و ظهور جهل الغاصبين و كفرهم و رجوعهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) 53
باب [19] ما أظهر أبو بكر و عمر من الندامة على غصب الخلافة عند الموت 121
باب [20] كفر الثلاثة و نفاقهم و فضائح أعمالهم و قبائح آثارهم و فضل التبريّ منهم و لعنهم 145
باب [21] باب آخر في ذكر أهل التابوت في النار 405
باب [22] باب تفصيل مطاعن أبي بكر و الاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من كتبهم 411
الطعن الأوّل: عدم تولية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي بكر شيئا من الأعمال و عزله عن تبليغ سورة براءة 411
الطعن الثاني: التخلّف عن جيش أسامة. 427
الطعن الثالث: ما جرى منه في أمر فدك، 443
الطعن الرابع: كون بيعة أبي بكر فلتة 443
الطعن الخامس ترك الخليفة لإقامة الحدّ 471
الطعن السادس: قوله: أقيلوني إن لي شيطانا يعتريني 495
الطعن السابع: جهل الخليفة بكثير من أحكام أحواله 506
خاتمة في ذكر ولادة أبي بكر و وفاته و بعض أحواله 517
باب [23] تفصيل مثالب عمر و الاحتجاج بها على المخالفين بإيراد الأخبار من صحاحهم، و ذكر بعض أحواله و بعض ما حدث في زمانه 529
708
الطعن الأول: قولته إنه ليهجر 529
الطعن الثاني: التخلّف عن جيش أسامة. 582
الطعن الثالث: جهله بوفاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) 582
الطعن الرابع: تحريمه الخليفة للمتعتين 594
الطعن الخامس: تعطيل الحدود الشرعية 639
الطعن السادس: منعه للمغالاة في صداق النساء 655
الطعن السابع تجسس الخليفة و تسوّره الدار 661
الطعن الثامن تركه الصلاة لفقد الماء 665
الطعن التاسع: أمره برجم الحامل 675
الطعن العاشر: أمره برجم المجنونة 680
الطعن الحادي عشر: جهله بأبسط الأمور 687
الطعن الثاني عشر: جهله بحرمة الحجر الأسود 688
الطعن الثالث عشر: موارد من جهله و هداية الغير له 691
الفهرس 707
